0:00
0:00

سورة النساء [مائة وست وسبعون آية]
وهي كلها مدنية. قال القرطبي «١» :إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في عثمان بن طلحة الحجبي وهي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها.
[الآية الأولى]
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا (٣).
وجه ارتباط الجزاء بالشرط أن الرجل كان يكفل اليتيمة لكونه وليا لها ويريد أن يتزوجها فلا يقسط لها في مهرها: أي لا يعدل فيه ولا يعطيها ما يعطيها غيره من الأزواج، فنهاهم الله أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى ما هو لهنّ من الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ سواهنّ. فهذا سبب نزول الآية. فهو نهي يخص هذه الصورة.
وقال جماعة من السلف: إن هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية وفي أوّل الإسلام من أن للرجل أن يتزوج من الحرائر ما شاء، فقصرهم بهذه الآية على أربع، فيكون وجه ارتباط الجزاء بالشرط أنهم إذا خافوا أن لا يقسطوا في [اليتامى فكذك يخافون ألا يقسطوا في] «٢» النساء لأنهم كانوا يتحرجون في اليتامى ولا يتحرجون في النساء. والخوف من الأضداد فإن المخوف [منه] قد يكون معلوما، وقد يكون مظنونا ولهذا اختلف الأئمة في معناه في الآية: فقال أبو عبيد: خفتم بمعنى أيقنتم.
(١) تفسير القرطبي [٥/ ١].
(٢) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع والتتمة من فتح القدير [١/ ١٤٩].
وقال آخرون: خفتم بمعنى ظننتم.
قال ابن عطية: والمعنى: من غلب على ظنه التقصير في العدل لليتيمة فليتركها وينكح غيرها و «ما» في قوله ما طابَ موصولة. فالمعنى: فانكحوا النوع الطيب من النساء: أي الحلال وما حرمه الله فليس بطيب.
وقيل: «ما» هنا ظرفية أي ما دمتم مستحسنين للنكاح وضعفه ابن عطية، وقال الفراء: مصدرية، قال النحاس: وهذا بعيد جدا.
وقد اتفق أهل العلم على أن هذا الشرط المذكور في الآية لا مفهوم له وأنه يجوز لمن لم يخف أن يقسط في اليتامى أن ينكح أكثر من واحدة، ومِنَ في قوله: مِنَ النِّساءِ إما بيانية أو تبعيضية، لأن المراد غير اليتامى.
مَثْنى أي اثنتين اثنتين.
وَثُلاثَ أي ثلاثا ثلاثا.
وَرُباعَ أي أربعا أربعا.
وقد استدل بالآية على تحريم ما زاد على الأربع وبينوا ذلك بأنه خطاب لجميع الأمة وأن كل ناكح له أن يختار ما أراد من هذا العدد، كما يقال لجماعة: اقتسموا هذا المال وهو ألف درهم، أو هذا المال الذي في البدرة درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، وهذا مسلم إذا كان المقسوم قد ذكرت جملته أو عين مكانه.
أما لو كان مطلقا كما يقال: أقسموا الدراهم ويراد به ما كسبوه فليس المعنى هكذا. والآية من الباب الآخر لا من الباب الأول. على أن من قال لقوم يقتسمون مالا معينا كثيرا اقتسموه مثنى مثنى وثلاث ورباع فقسموا بعضه بينهم درهمين درهمين وبعضه ثلاثة ثلاثة وبعضه أربعة أربعة كان هذا هو المعنى العربي.
ومعلوم أنه إذا قال القائل: جاءني القوم ثلاث ورباع. والخطاب للجميع بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد كما في قوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٥]، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [البقرة: ٤٣]، ونحوها.
فقوله فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ: لينكح كل فرد منكم ما طاب له من النساء إثنتين اثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا هذا ما تقتضيه لغة العرب فالآية
تدل على خلاف ما استدلوا به عليه. ويؤيد هذا قوله تعالى في آخر الآية: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً فإنه وإن كان خطابا للجميع فهو بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد، فالأولى أن يستدل على تحريم الزيادة على الأربع بالسنة لا بالقرآن.
وأما استدلال من استدل بالآية على جواز نكاح التسع باعتبار الواو الجامعة وكأنه قال: انكحوا مجموع هذا العدد المذكور فهذا جهل بالمعنى العربي! ولو قال: انكحوا اثنتين وثلاثا وأربعا لكان هذا القول له وجه. وأما مع المجيء بصيغة العدل فلا وإنما جاء سبحانه بالواو الجامعة دون أو لأن التخيير يشعر بأنه لا يجوز إلا أحد الأعداد المذكورة دون غيره وذلك ليس بمراد من النظم القرآني.
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً: أي فانكحوا واحدة، كما يدل على ذلك قوله فَانْكِحُوا ما طابَ. وقيل التقدير: فالزموا أو فاختاروا واحدة، والأول أولى. والمعنى فإن خفتم ألا تعدلوا بين الزوجات في القسم ونحوه فانكحوا واحدة، وفيه المنع من الزيادة على الواحدة لمن خاف ذلك.
أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من السراري وإن كثر عددهنّ كما يفيده الموصول إذ ليس لهنّ من الحقوق ما للزوجات الحرائر.
والمراد نكاحهن بطرق الملك لا بطريق النكاح.
وفيه دليل على أن لا حق للمملوكات في القسم كما يدل على ذلك جعله قسيما للواحدة في الأمن من عدم العدل، وإسناد الملك إلى اليمين لكونها المباشرة لقبض الأموال وإقباضها ولسائر الأمور التي تنسب إلى الشخص في الغالب ذلِكَ أي نكاح الأربع أو الواحدة أو التسري فقط أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا (٣) :أي أقرب إلى أن تجوروا: من عال الرجل يعول إذا مال وجار.
والمعنى إن خفتم عدم العدل بين الزوجات فهذه التي أمرتم بها أقرب إلى عدم الجور.
وهو قول أكثر المفسرين. وقال الشافعي: أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا (٣) أي لا يكثر عيالكم.
قال الثعلبي: وما قال هذا غيره!! وذكر ابن العربي أنه يقال أعال الرجل إذا كثر
عياله وأما عال بمعنى كثر فلا يصلح. ويجاب عنه بأنه قد سبق الشافعي إلى القول به زيد بن أسلم وجابر بن زيد وهما إمامان من أئمة المسلمين لا يفسران القرآن هما والإمام الشافعي بما لا وجه له في العربية. وقد حكاه القرطبي عن الكسائي وأبي عمرو الدوري وابن الأعرابي. وقال أبو حاتم كان الشافعي أعلم بلغة العرب منا ولعله لغة.
قال الدوري: هي لغة حمير وأنشد:
وإن الموت يأخذ كل حيّ بلا شك وإن أمشى وعالا
أي وإن كثرت ماشيته وعياله.
[الآية الثانية]
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٥).
اختلف أهل العلم في هؤلاء السفهاء من هم؟ فقال سعيد بن جبير: هم اليتامى لا تؤتوهم أموالهم قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في الآية.
وقال مالك: هم الأولاد الصغار: أي لا تعطوهم أموالكم فيفسدوها ويبقوا بلا شيء.
وقال مجاهد: هم النساء.
قال النحاس وغيره: وهذا القول لا يصح إنما تقول العرب: سفائه أو سفيهات.
واختلفوا في وجه إضافة الأموال إلى المخاطبين وهي للسفهاء فقيل: أضافها إليهم لأنها بأيديهم وهم الناظرون فيها وقيل: لأنها من جنس أموالهم، بأن الأموال جعلت مشتركة بين الخلق في الأصل.
وقيل: المراد أموال المخاطبين حقيقة. وبه قال أبو موسى الأشعري وابن عباس والحسن وقتادة. والمراد النهي عن دفعها إلى من لا يحسن تدبيرها كالنساء والصبيان ومن هو ضعيف الإدراك لا يهتدي إلى وجوه النفع التي تصلح «١» المال ولا يتجنب وجوه الضرر التي تهلكه وتذهب به.
(١) جاء في المطبوع [نصلح] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٢٥].
وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ أي: اجعلوا لهم فيها رزقا وافرضوا لهم. وهذا فيمن يلزم نفقته وكسوته من الزوجات والأولاد ونحوهم. وأما على قول من قال إن الأموال هي أموال اليتامى، فالمعنى: اتجروا فيها حتى تربحوا وتنفقوهم من الأرباح واجعلوا لهم من أموالهم رزقا ينفقونه على أنفسهم ويكسون به.
وقد استدل بهذه الآية على جواز الحجر على السفهاء، وبه قال الجمهور.
وقال أبو حنيفة: لا يحجر على من بلغ عاقلا واستدل بها أيضا على وجوب نفقة القرابة. والخلاف في ذلك معروف في مواطنه.
[الآية الثالثة] وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٦).
الابتلاء: الاختبار. واختلفوا في معنى الاختبار فقيل: هو أن يتأمل الوصي أخلاق يتيمه ليعلم بنجابته وحسن تصرفه فيدفع إليه ماله إذا بلغ النكاح وأنس منه الرشد.
وقيل: أن يدفع إليه شيئا من ماله ويأمره بالتصرف فيه حتى يعلم حقيقة حاله.
وقيل: أن يرد النظر إليه في نفقة الدار ليعلم كيف تدبيره. وإن كانت جارية رد إليها ما يرد إلى ربة البيت من تدبير بيتها. حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ المراد بلوغ الحلم لقوله تعالى: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ [النور: ٥٩]. ومن علامات البلوغ الإنبات وبلوغ خمس عشرة سنة.
وقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما: لا يحكم لمن لا يحتلم بالبلوغ إلا بعد مضي سبع عشرة سنة.
وهذه العلامات تعم الذكر والأنثى، وتختص الأنثى بالحبل والحيض.
فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً أي أبصرتم ورأيتم. ومنه قوله: آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً [القصص: ٢٩]. وقيل: هو هنا بمعنى علم ووجد.
والرّشد: بضم الراء وسكون الشين، والرشد بفتح الراء والشين قيل: هما لغتان.
واختلف أهل العلم في معنى الرشد هاهنا فقيل: الصلاح في العقل والدين، وقيل: في العقل خاصة.
قال سعيد بن جبير والشعبي: إنه لا يدفع إلى اليتيم ماله إذا لم يؤنس رشده وإن كان شيخا قال الضحاك: وإن بلغ مائة سنة!!.
وجمهور العلماء على أن الرشد لا يكون إلا بعد البلوغ وعلى أنه إن لم يرشد بعد بلوغ الحلم لا يزول عنه الحجر.
وقال أبو حنيفة: لا يحجر على الحر البالغ وإن كان أفسق الناس وأشدهم تبذيرا وبه قال النخعي وزفر.
وظاهر النظم القرآني أنها لا تدفع إليهم أموالهم إلا بعد بلوغ غاية هي بلوغ النكاح- مقيدة هذه الغاية بإيناس الرشد- فلا بد من مجموع الأمرين فلا تدفع إلى اليتامى أموالهم قبل البلوغ، وإن كانوا معروفين بالرشد ولا بعد البلوغ إلا بعد إيناس الرشد منهم.
والمراد بالرشد نوعه وهو المتعلق بحسن التصرف في أمواله وعدم التبذير بها ووضعها في مواضعها.
فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ من غير تأخير إلى حد البلوغ.
وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا الإسراف في اللغة: الإفراط ومجاوزة الحد.
وقال النضر بن شميل: السرف التبذير.
والبدار: المبادرة، أي لا تأكلوا أموال اليتامى أكل إسراف وأكل مبادرة لكبرهم، أو لا تأكلوا لأجل السرف والمبادرة، أو مسرفين ومبادرين لكبرهم وتقولوا: ننفق أموال اليتامى فيما نشتهي قبل أن يبلغوا فينتزعوها من أيدينا.
وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ بين سبحانه ما يحل لهم من أموال اليتامى، فأمر الغني بالاستعفاف وتوفير مال الصبي عليه وعدم تناوله منه وسوغ للفقير أن يأكل بالمعروف.
واختلف أهل العلم [في الأكل بالمعروف] ما هو؟ فقال قوم: هو القرض إذا
احتاج إليه ويقضي متى أيسر الله عليه وبه قال عمر بن الخطاب وابن عباس وعبيدة السلماني وابن جبير والشعبي ومجاهد وأبو العالية والأوزاعي.
وقال النخعي وعطاء والحسن وقتادة: لا قضاء على الفقير فيما يأكل بالمعروف وبه قال جمهور الفقهاء، وهذا بالنظم القرآني ألصق فإن إباحة الأكل للفقير مشعرة بجواز ذلك له من غير قرض.
والمراد بالمعروف: المتعارف به بين الناس فلا يترفه بأموال اليتامى ويبالغ في التنعم بالمأكول والمشروب والملبوس ولا يدع نفسه عن سد الفاقة وستر العورة.
والخطاب في هذه الآية لأولياء الأيتام القائمين بما يصلحهم كالأب والجدّ ووصيهما. وقال بعض أهل العلم: المراد بالآية اليتيم إن كان غنيا وسّع عليه، وإن كان فقيرا كان الإنفاق عليه بقدر ما يحصل له، وهذا القول في غاية السقوط.
فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ أنهم قد قبضوها منكم لتندفع عنكم التهم، وتأمنوا الدعاوى الصادرة منهم.
وقيل: إن الإشهاد المشروع هو على ما أنفقه عليهم الأولياء قبل رشدهم، وقيل:
هو على رد ما استقرضه إلى أموالهم.
وظاهر النظم القرآني مشروعية الإشهاد على ما دفع إليهم من أموالهم وهو يعمّ الإنفاق قبل الرشد والدفع للجميع إليهم بعد الرشد. وفي سورة الأنعام: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ
، وفي الإسراء مثلها.
[الآية الرابعة]
وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٨).
وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ يعني قسمة الميراث أُولُوا الْقُرْبى المراد بالقرابة هنا غير الوارثين وكذا وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ شرع الله سبحانه أنهم إذا حضروا قسمة التركة كان لهم منها رزق فيرضخ لهم المتقاسمون شيئا منها.
وقد ذهب قوم إلى أن الآية محكمة وأن الأمر للندب، وذهب آخرون إلى أنها
منسوخة بقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء: ١١] والأول أرجح، لأن المذكور في الآية للقرابة غير الوارثين ليس هو من جملة الميراث حتى يقال: إنها منسوخة بآية المواريث، إلا أن يقال إن أولي القربى المذكورين هنا هم الوارثون كان للنسخ وجه، وقالت طائفة: إن هذا الرضخ لغير الوارث من القرابة واجب بمقدار ما تطيب به أنفس «١» الورثة وهو معنى الأمر الحقيقي فلا يصار إلى الندب إلا بقرينة.
والضمير في قوله: فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ راجع إلى المال المقسوم المدلول عليه بالقسمة.
وقيل: راجع إلى ما ترك. وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٨) هو القول الجميل الذي ليس فيه منّ بما صار إليهم من الرضخ ولا أذى.
[الآية الخامسة]
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١١).
تفصيل لما أجمل في قوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ الآية وقد استدل بذلك على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وهذه الآية ركن من أركان الدين وعمدة من عمد الأحكام وأم من أمهات الآيات لاشتمالها على ما يهم من علم الفرائض.
وقد كان هذا العلم من أجل علوم الصحابة رضي الله عنهم وأكثر مناظراتهم فيه.
وورد في الترغيب في تعلم الفرائض وتعليمها ما أخرجه الحاكم والبيهقي في «سننه» عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان
(١) جاء في المطبوع [نفس] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٢٩]. [..... ]
من يقضي بها» «١».
وأخرجاه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «تعلموا الفرائض وعلموه فإنه نصف العلم فإنه ينسى وهو أوّل ما ينزع من أمتي» «٢». وقد روي عن عمر وابن مسعود وأنس آثار في الترغيب في الفرائض، وكذلك روي عن جماعة من التابعين ومن بعدهم.
والمعنى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ: أي في شأن ميراثهم وقد اختلفوا: هل يدخل أولاد الأولاد أو لا؟
فقالت الشافعية: إنهم يدخلون مجازا لا حقيقة. وقالت الحنفية: إنه يتناولهم لفظ الأولاد حقيقة إذا لم يوجد أولاد الصلب.
ولا خلاف أن بني البنين كالبنين في الميراث مع عدمهم وإنما الخلاف في دلالة لفظ الأولاد على أولادهم مع عدمهم. ويدخل في لفظ الأولاد من كان منهم كافرا، ويخرج بالسنة، وكذلك يدخل القاتل عمدا، ويخرج أيضا بالسنة والإجماع. ويدخل فيه الخنثى، قال القرطبي: وأجمع العلماء أنه يورث من حيث يبول: فإن بال منهما فمن حيث سبق فإن خرج البول منهما من غير سبق أحدهما فله نصف نصيب الذكر، ونصف نصيب الأنثى، وقيل: يعطى أقلّ النصيبين، وهو نصيب الأنثى، قاله يحيى بن آدم وهو قول الشافعي.
وهذه الآية ناسخة لما كان في صدر الإسلام من الموارثة بالحلف والهجرة والمعاقدة.
وقد أجمع العلماء على أنه إذا كان مع الأولاد من له فرض مسمى أعطيه، وكان ما بقي من المال للذكر مثل حظ الأنثيين، للحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما بلفظ:
«ألحقوا الفرائض بأهلها» «٣» فما أبقت الفرائض فالأولى رجل ذكر إلا إذا كان ساقطا
(١) [ضعيف] أخرجه الحاكم في المستدرك [٤/ ٣٣٣] والبيهقي في السنن الكبرى [٦/ ٢٠٨] وأخرجه الترمذي في السنن [٤/ ٣٦٠] ح [٢٠٩١] انظر التلخيص الحبير [٣/ ٧٩].
(٢) [ضعيف] أخرجه ابن ماجه في السنن ح [٢٧١٩] والدارقطني في السنن [٤/ ٦٧] والحاكم في المستدرك [٤/ ٣٣٢] والبيهقي في السنن الكبرى [٦/ ٢٠٩] انظر الميزان [١/ ٥٦٠] والتلخيص [٣/ ٧٩] وإرواء الغليل [٦/ ١٠٥].
(٣) [متفق عليه] أخرجه مسلم في الصحيح ح [١٢٣٣] و [١٢٣٤] والبخاري في الصحيح [١٢/ ١١] ح [٦٧٣٢] و [٦٧٣٥] و [٦٧٢٧] و [٦٧٤٦].
معهم كالأخوة لأم.
لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ جملة مستأنفة لبيان الوصية في الأولاد فلا بد من تقدير ضمير يرجع إليهم: أي للذكر منهم. والمراد حال اجتماع الذكور والإناث، وأما حال الانفراد فللذكر جميع الميراث وللأنثى النصف، وللأنثيين فصاعدا الثلثان. فَإِنْ كُنَّ: أي الأولاد، والتأنيث باعتبار الخبر أو البنات أو المولودات نِساءً ليس معهن ذكر فَوْقَ اثْنَتَيْنِ: أي زائدات على اثنتين- على أن فوق صفة لنساء أو يكون خبرا ثانيا لكان- فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ الميت المدلول عليه بقرينة المقام.
وظاهر النظم القرآني أن الثلثين فريضة الثلاثة من البنات فصاعدا ولم يسم للاثنتين فريضة. ولهذا اختلف أهل العلم في فريضتهما: فذهب الجمهور إلى أن لهما إذا انفردتا عن البنين الثلثين، وذهب ابن عباس إلى أن فريضتهما النصف، واحتج الجمهور بالقياس على الأختين فإن الله سبحانه قال في شأنهما فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ فألحقوا البنتين بالأختين في استحقاقهما الثلثين كما ألحقوا الأخوات- إذا زدن على اثنتين- بالبنات في الاشتراك في الثلثين.
وقيل: في الآية ما يدل على أن للبنتين الثلثين، وذلك أنه لما كان للواحدة مع أخيها الثلث كان للابنتين- إذا انفردتا- الثلثان ولهذا احتج بهذه الحجة إسماعيل بن عياش والمبرد.
قال النحاس: وهذا الاحتجاج عند أهل النظر غلط لأن الاختلاف في البنتين إذا انفردتا عن البنين. وأيضا للمخالف أن يقول: إذا ترك بنتين وابنا فللبنتين النصف. فهذا دليل على أن هذا فرضهما. ويمكن تأييد ما احتج به الجمهور بأن الله سبحانه لما فرض للبنت الواحدة النصف إذا انفردت بقوله تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ كان فرض البنتين إذا انفردتا فوق فرض الواحدة وأوجب القياس [على] «١» الأختين الاقتصار على الثلثين.
وقيل: فوق زائدة والمعنى: وإن كنّ نساء اثنتين كقوله تعالى: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ [الأنفال: ١٢] أي الأعناق. وروى هذا النحاس وابن عطية فقالا: هو خطأ! لأن الظروف وجميع الأسماء لا تجوز في كلام العرب أن تزاد لغير معنى.
(١) ما بين المعكوفين من فتح القدير [١/ ٤٣٢].
قال ابن عطية: ولأن قوله: فَوْقَ الْأَعْناقِ هو الفصيح وليست «فوق» زائدة بل هي محكمة المعنى، لأن ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ، وهكذا لو كان لفظ فوق زائدا- كما قالوا- لقال فلهما ثلثا ما ترك ولم يقل فلهن.
وأوضح ما يحتج به الجمهور ما أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم والبيهقي في «سننه» عن جابر قال: «جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحد شهيدا وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا ينكحان إلا ولهما مال؟ فقال: يقضي الله في ذلك فنزلت آية الميراث يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ الآية فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى عمهما فقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك» «١». أخرجوه- من طرق- عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن جابر. قال الترمذي: ولا يعرف إلا من حديثه.
وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ والمراد بالأبوين الأب والأم والتثنية على لفظ الأب للتغليب.
وقد اختلف أهل العلم في الجد: هل هو بمنزلة الأب فيسقط بالأخوة أم لا؟ «٢» فذهب أبو بكر الصديق إلى أنه بمنزلة الأب ولم يخالف أحد من الصحابة أيام خلافته، واختلفوا في ذلك بعد وفاته فقال يقول أبي بكر بن عباس وعبد الله بن الزبير وعائشة ومعاذ بن جبل وأبيّ بن كعب وأبو الدرداء وأبو هريرة وعطاء وطاووس والحسن وقتادة وأبو حنيفة وأبو ثور وإسحاق واحتجوا بمثل قوله تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ [الحج: ٧٨] وقوله: يا بَنِي آدَمَ [الأعراف: ٢٦]. وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «ارموا يا بني إسماعيل» «٣».
(١) [حسن] أخرجه أبو داود في السنن [٣/ ١٢٠ و ١٢١] ح [٢٨٩١] و [٢٨٩٢] والترمذي في السنن [٤/ ٣٦١] ح [٢٠٩٢] وابن ماجه في السنن ح [٩٠٨] والدارقطني في السنن [٤/ ٧٨- ٧٩] والبيهقي في السنن الكبرى [٦/ ٢٢٩] والحاكم في المستدرك [٤/ ٣٣٣- ٣٣٤] انظر الإرواء [٦/ ١٢٢].
(٢) انظر فتح القدير [١/ ٤٣٢].
(٣) أخرجه البخاري في الصحيح [٦/ ٩١] ح [٢٨٩٩].
وذهب علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن مسعود إلى توريث الجدّ مع الإخوة لأبوين أو لأب، ولا ينقص معهم عن الثلث ولا ينقص مع ذوي الفروض عن السدس.
في قول زيد ومالك والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد والشافعي.
وقيل: يشرك بين الجد والإخوة إلى السدس [ولا ينقصه من السدس] «١» شيئا مع ذوي الفروض وغيرهم وهو قول ابن أبي ليلى وطائفة وذهب الجمهور إلى أن الجدّ يسقط بني الإخوة. وروى الشافعي عن علي عليه السلام أنه أجرى بني الأخوة في المقاسمة مجرى الأخوة.
وأجمع العلماء على أن الجد لا يرث مع الأب شيئا وعلى أن للجدة السدس إذا لم يكن للميت أم، وأجمعوا على أنها ساقطة مع وجود الأم، وأجمعوا على أن الأب لا يسقط الجدّة أم الأمّ. واختلفوا في توريث الجدة وابنها حيّ فروي عن زيد بن ثابت وعثمان بن علي أنها لا ترث وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. وروي عن عمر وابن مسعود وأبي موسى أنها ترث معه، [وروي] «٢» أيضا عن علي وعثمان وبه قال شريح وجابر بن زيد وعبيد الله بن الحسن وشريك وأحمد وإسحاق وابن المنذر.
مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ الولد يقع على الذكر والأنثى لكنه إذا كان الموجود الذكر من الأولاد- ووحده أو مع الأنثى منهم- فليس للجد إلا السدس، وإن كان الموجود أنثى كان للجد السدس بالفرض وهو عصبته فيما عدا السدس. وأولاد ابن الميت كأولاد الميت.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ : أي ولا ولد ابن- لما تقدّم من الإجماع- وَوَرِثَهُ أَبَواهُ منفردين عن سائر الورثة كما ذهب إليه الجمهور من أن الأم لا تأخذ ثلث التركة إلا إذا لم يكن للميت وارث غير الأبوين أما لو كان معهما أحد الزوجين فليس للأم إلا ثلث الباقي بعد الموجود من الزوجين. فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ وروي عن ابن عباس أن للأم ثلث الأصل مع أحد الزوجين وهو مستلزم تفضيل الأمّ على الأب في مسألة زوج وأبوين مع الاتفاق على أنه أفضل منها عند انفرادهما عن أحد الزوجين فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ
(١) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع والتتمة من فتح القدير [١/ ٤٣٢].
(٢) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع والتتمة من فتح القدير [١/ ٤٣٣].
: إطلاق الاخوة لأبوين أو لأحدهما، وقد أجمع أهل العلم على أن الاثنين من الإخوة يقومان مقام الثلاثة فصاعدا في حجب الأمّ إلى السدس إلا ما يروى عن ابن عباس من أنه جعل الاثنين كالواحد في عدم الحجب.
وأجمعوا أيضا على أن الأختين فصاعدا كالأخوين في حجب الأم مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ واختلف في وجه تقديم الوصية على الدين مع كونه مقدما عليها بالإجماع، فقيل: المقصود تقديم الأمرين على الميراث من غير قصد إلى الترتيب بينهما، وقيل: لما كانت الوصية أقل لزوما من الدين قدّمت اهتماما بها وقيل: قدّمت لكثرة وقوعها فصارت كالأمر اللازم لكل ميت. وقيل: قدمت لكونها حظ المساكين والفقراء وأخّر الدّين لكونه حظ غريم يطلب بقوة وسلطان. وقيل: لما كانت الوصية ناشئة من جهة الميت قدّمت، بخلاف الدين فإنه ثابت مؤدى ذكر أم لم يذكر. وقيل:
قدّمت لكونها تشبه الميراث في كونها مأخوذة من غير عوض فربما يشق على الورثة إخراجها، بخلاف الدين فإن نفوسهم مطمئنة بأدائه وهذه الوصية مقيدة بقوله تعالى غَيْرَ مُضَارٍّ كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً قيل: خبر قوله آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ مقدر: أي هم المقسوم عليهم، وقيل: أن الخبر قوله لا تَدْرُونَ وما بعده وأَقْرَبُ خبر قوله أَيُّهُمْ ونَفْعاً تمييز: أي لا تدرون أيهم قريب لكم نفعه في الدعاء لكم والصدقة عنكم كما في الحديث الصحيح: «أو ولد صالح يدعو له» «١» وقال ابن عباس والحسن: «قد يكون الابن أفضل فيشفع في أبيه» وقال بعض المفسرين: إن الابن إذا كان أرفع درجة من أبيه في الآخرة سأل الله أن يرفع أباه، وإذا كان الأب أرفع درجة من ابنه سأل الله أن يرفع ابنه إليه. وقيل: المراد النفع في الدنيا والآخرة قاله ابن زيد، وقيل: المعنى أنكم لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم، من أوصى منهم فعرضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعا أو من ترك الوصية ووفر عليكم عرض الدنيا؟ وقوى هذا صاحب «الكشاف» قال لأن الجملة اعتراضية، ومن حق الاعتراض أن يؤكد ما اعترض بينه «٢» ويناسبه.
(١) أخرجه مسلم في الصحيح [١٦٣١] والنسائي في السنن [٦/ ٢٥١] والترمذي في السنن ح [١٣٧٦].
(٢) جاء في المطبوع [بنية] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٣٤].
قوله فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ نصب على المصدر المؤكد. وقال مكي وغيره هي حال مؤكدة، والعامل يوصيكم والأوّل أولى.
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بقسمة المواريث حَكِيماً حكم بقسمتها وبينها لأهلها.
وقال الزجاج: عليما بالأشياء قبل خلقها حكيما فيما يقدره ويمضيه.
وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ الخطاب هنا للرجال. والمراد بالولد ولد الصلب أو ولد الولد لما قدمنا من الإجماع فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ وهذا مجمع عليه لم يختلف أهل العلم في أن للزوج مع عدم الولد النصف ومع وجوده وإن سفل الربع.
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ الكلام فيه كما تقدم.
وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ [فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ ] «١» فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ هذا النصيب مع الولد والنصيب مع عدمه تنفرد به الواحدة من الزوجات ويشترك فيه الأكثر من واحدة لا خلاف في ذلك، والخلاف في الوصية والدين كما تقدّم.
وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً المراد بالرجل الميت ويُورَثُ على البناء للمفعول من ورث لا من أورث وهو خبر كان، وكَلالَةً حال من ضمير يُورَثُ، وقيل: غير ذلك.
والكلالة مصدر من تكلله النسيب: أي أحاط به وبه سمي الإكليل لإحاطته بالرأس. وهو الميت الذي لا ولد له ولا والد وهذا قول أبي بكر الصديق وعمر وعليّ وجمهور أهل العلم، وبه قال صاحب كتاب «العين» وأبو منصور اللغوي وابن عرفة والقتيبي وأبو عبيد وابن الأنباري، وقد قيل: إنه إجماع.
وقال ابن كثير: وبه يقول أهل المدينة والكوفة والبصرة وهو قول القضاة السبعة والأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف بل جميعهم، وقد حكى الإجماع غير واحد وورد فيه حديث مرفوع انتهى «٢».
(١) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع.
(٢) تفسير ابن كثير [١/ ٤٣٦].
وروى أبو حاتم والأثرم عن أبي عبيدة أنه قال الكلالة كل من لم يرثه أب أو ابن أو أخ فهو عند العرب كلالة.
قال أبو عمر وابن عبد البر: ذكر أبي عبيدة الأخ هنا مع الأب والابن في شرط الكلالة غلط لا وجه له، ولم يذكره غيره، وما يروى عن أبي بكر وعمر من أن الكلالة من لا ولد له خاصة، فقد رجعا عنه.
وقال ابن زيد: الكلالة: الحيّ والميت جميعا، وإنما سموا القرابة كلالة لأنهم أطافوا بالميت من جوانبه وليسوا منه ولا هو منهم، بخلاف الابن والأب فإنهما طرفان له، فإذا ذهبا تكلله النسب.
وقيل: إن الكلالة مأخوذة من الكلال وهو الإعياء، فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بعد وإعياء.
قال ابن الأعرابي: إن الكلالة بنو العم الأباعد.
وبالجملة من قرأ (يورّث كلالة) بكسر الراء مشددة- وهو بعض الكوفيين: أو مخففة وهو الحسن وأيوب- جعل الكلالة القرابة، ومن قرأ يُورَثُ بفتح الراء- وهم الجمهور- احتمل أن يكون الكلالة الميت واحتمل أن يكون القرابة.
وقد روي عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس والشعبي أن الكلالة: ما كان سوى الولد والوالد من الورثة.
قال الطبري «١» :الصواب أن الكلالة هم الذين يرثون الميت من عدا ولد ووالد، لصحة خبر جابر: «قلت يا رسول الله إنما يرثني كلالة أفأقضي بمالي كله؟ قال: لا» «٢» انتهى.
وروي عن عطاء أنه قال: الكلالة المال.
قال ابن العربي: وهذا قول ضعيف لا وجه له.
وقال صاحب «الكشاف» :إن الكلالة تنطبق على ثلاثة: على من لم يخلف ولدا ولا والدا، وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين، وعلى القرابة من غير جهة الولد
(١) تفسير الطبري [٣/ ١/ ٦٢]. [..... ]
(٢) أخرجه مسلم في الصحيح بنحوه ح [١٦١٦].
والوالد. انتهى.
أَوِ امْرَأَةٌ معطوف على رجل مقيد بما قيد به، أي وامرأة تورث كلالة.
وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ : قرأ سعد بن أبي وقاص من أمّ. وسيأتي ذكر من أخرج ذلك عنه.
فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ قال القرطبي: أجمع العلماء أن الأخوة هاهنا هم الأخوة لأم، قال: ولا خلاف بين أهل العلم أن الأخوة للأب والأم أو للأب ليس ميراثهم هكذا، فدل إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في قوله: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ رجالا ونساء ف لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ: هم الاخوة لأبوين أو لأب، وأفرد الضمير في قوله: وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ، لأن المراد كالواحد منهما، كما جرت بذلك عادة العرب إذا ذكروا اسمين مستويين في الحكم فإنهم قد يذكرون الضمير الراجع إليهما مفردا كما في قوله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ [البقرة: ٤٥]. وقوله:
يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة: ٣٤]. وقد يذكرون مثنى كما في قوله: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما.
فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ والإشارة بقوله: من ذلك إلى قوله وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ : أي أكثر من الأخ المنفرد والأخت المفردة بواحد: وذلك بأن يكون الموجود اثنين فصاعدا ذكرين أو أنثيين أو ذكرا وأنثى.
وقد استدل بذلك على أن الذكر كالأنثى من الإخوة لأم، لأن الله شرّك بينهم في الثلث ولم يذكر فضل الذكر على الأنثى كما ذكره في البنين والإخوة لأبوين أو لأب.
قال القرطبي: وهذا إجماع. ودلت الآية على أن الإخوة لأم إذا استكملت بهم المسألة كانوا أقدم من الإخوة لأبوين أو لأب وذلك في المسألة المسماة ب «الحمارية» وهي إذا تركت الميتة زوجا وأما وأخوين لأمّ وإخوة لأبوين [فإن للزوج النصف وللأم السدس وللأخوين لأم الثلث ولا شيء للإخوة لأبوين] «١»، ووجه ذلك أنه قد وجد الشرط الذي يرث عنده الإخوة من الأم، وهو كون الميت كلالة. ويؤيد هذا الحديث:
«ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر» وهو في الصحيحين وغيرهما.
(١) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع والتتمة من فتح القدير [١/ ٤٣٥].
قال الشوكاني في «فتح القدير» «١». وقد قررنا دلالة الآية والحديث على ذلك في الرسالة التي سميناها «المباحث الدرية في المسألة الحمارية». وفي هذه المسألة خلاف بين الصحابة فمن بعدهم معروف. انتهى.
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ الكلام فيه كما تقدم.
غَيْرَ مُضَارٍّ: أي يوصي حال كونه غير مضار لورثته بوجه من وجوه الضرار، كأن يقرّ بشيء ليس عليه أو يوصي بوصية لا مقصد له فيها إلا الإضرار بالورثة، أو يوصي لوارث مطلقا أو لغيره بزيادة على الثلث ولم يجزه الورثة. وهذا القيد أعني قوله:
غَيْرَ مُضَارٍّ، راجع إلى الوصية والدين المذكورين، فهو قيد لهما. فما صدر من الإقرارات بالديون، أو الوصايا المنهي عنها له. أو التي لا مقصد لصاحبها إلا المضارة لورثته فهو باطل مردود لا ينفذ منه شيء لا الثلث ولا دونه.
قال القرطبي: وأجمع العلماء على أن الوصية للوارث لا تجوز «٢» انتهى.
وهذا القيد، أعني عدم الضرار، هو قيد لجميع ما تقدّم من الوصية والدّين.
قال أبو السعود في «تفسيره» :وتخصيص القيد بهذا المقام لما أن الورثة مظنة لتفريط الميت في حقهم.
وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ: نصب على المصدر: أي يوصيكم بذلك وصية كقوله:
فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ [النساء: ١١]. قال ابن عطية: ويصح أن يعمل فيها (مضار) والمعنى أن يقع الضرر بها، أو بسببها فأوقع عليها تجوزا فيكون وصية على هذا مفعولا بها لأن اسم الفاعل قد اعتمد على ذي الحال، أو لكونه منفيا معنى. وقرأ الحسن وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ بالجرّ على إضافة اسم الفاعل إليها كقوله: يا سارق الليلة أهل الدار.
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢) وفي كون هذه الوصية من الله سبحانه دليل على أنه قد وصّى عباده بهذه التفاصيل المذكورة في الفرائض، وأن كل وصية من عباده تخالفها فهي مسبوقة بوصية الله، وذلك كالوصايا المتضمنة لتفضيل بعض الورثة على بعض أو
(١) فتح القدير [١/ ٤٣٥].
(٢) تفسير القرطبي [٥/ ٨٠].
المشتملة على الضرار بوجه من الوجوه.
وقد ورد في تعظيم ذنب الإضرار بالوصية أحاديث قال ابن عباس: هو من الكبائر «١». أخرجه النسائي والبيهقي وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عنه، ورجال إسناده رجال الصحيح.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي- وحسنه- وابن ماجة- واللفظ له- والبيهقي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة فإذا أوصى جاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة». ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ إلى قوله:
عَذابٌ مُهِينٌ (١٤) «٢». وفي إسناده شهر بن حوشب وثقه أحمد وابن معين.
وقال النسائي: ليس بالقوي.
وقال أبو حاتم: ليس بدون.
وقال ابن عون: تركوه.
«فائدة» قال القاضي محمد بن علي الشوكاني في مختصره المسمى ب «الدرر البهية» في كتاب المواريث هي مفصلة في الكتاب العزيز ويجب الابتداء بذوي الفروض المقدرة وما بقي فللعصبة، والأخوات مع البنات عصبة، ولبنت الابن مع البنت، السدس تكملة للثلثين، وكذا الأخت لأب مع الأخت لأبوين.
وللجدة والجدات السدس مع عدم الأم، وهو للجد مع من لا يسقط.
ولا ميراث للإخوة والأخوات مع الابن أو ابن الابن، وفي ميراثهم مع الجد
(١) أخرجه ابن جرير في التفسير [٣/ ٦٣٠] ح [٨٧٨٥، ٨٧٨٦، ٨٧٨٧، ٨٧٨٨] والنسائي في التفسير وابن أبي شيبة في المصنف [٦/ ٢٢٧، ٢٢٨] ح [٣٠٩٣٣] و [٣٠٩٣٦] والبيهقي في السنن [٦/ ٢٧١] وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في الدر المنثور [٢/ ٤٥٢] وأخرجه ابن جرير في التفسير [٣/ ٦٣١] ح [٨٧٨٩] والبيهقي في السنن الكبرى [٦/ ٢٧١] والدارقطني في السنن [٤/ ١٥١] انظر ميزان الاعتدال [٣/ ٢٢٤].
(٢) أخرجه أبو داود في السنن [٣/ ١١٢] ح [٢٨٦٧] والترمذي في السنن [٤/ ٢١١٧] ورواه ابن ماجه في السنن ح [٢٧٠٤] ورواه عبد الرزاق في مصنفه [٩/ ٨٨] ح [١٦٤٥٥] وأحمد في المسند [٢/ ٢٧٨] وأخرجه الطبراني في الأوسط كما في المجمع [٧/ ٢١٢].
خلاف، ويرثون مع البنات إلا الإخوة لأم، ويسقط الأخ لأب مع الأخ لأبوين، وذوو الأرحام يتوارثون وهم أقدم من بيت المال، فإن تزاحمت الفرائض فالعول.
ولا يرث ولد الملاعنة والزانية إلا من أمه وقرابتها والعكس.
ولا يرث المولود إلا إذا استهل، وميراث العتيق لمعتقه، ويسقط بالعصبات، وله الباقي بعد ذوي السهام. ويحرم بيع الولاء وهبته ولا توارث بين أهل ملتين، ولا يرث القاتل من المقتول. انتهى.
وقال في شرحه المسمى ب «الدراري المضيئة» :اعلم أن المواريث المفصلة في الكتاب العزيز معروفة لم نتعرض هاهنا لذكرها واقتصرنا على ما ثبت في السنة والإجماع ولم نذكر ما كان لا مستند له إلا محض الرأي- كما جرت به قاعدتنا في هذا الكتاب- فليس مجرد الرأي مستحقا للتدوين فلكل عالم رأيه واجتهاده مع عدم الدليل، ولا حجة في اجتهاد بعض أهل العلم على البعض الآخر، فإذا عرفت هذا اجتمع لك مما في الكتاب العزيز وما ذكرناه هاهنا جميع علم الفرائض الثابت بالكتاب والسنة، فإن عرض لك ما لم يكن فيهما فاجتهد فيه رأيك عملا بحديث معاذ المشهور. انتهى.
[الآية السادسة]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩).
معنى الآية يتضح بمعرفة سبب نزولها، وهو ما أخرجه البخاري وغيره عن ابن عباس قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته: إن شاء بعضهم تزوجها.
وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت «١».
وفي لفظ لأبي داود عنه في هذه الآية: [كان] «٢» الرجل يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو تردّ إليه صداقها. وفي لفظ لابن جرير وابن أبي حاتم عنه: فإن
(١) أخرجه البخاري في الصحيح [٨/ ٢٤٥] ح [٤٥٧٩] و [٦٩٤٨].
(٢) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع والمستدرك من فتح القدير [١/ ٤٤١].
كانت جميلة تزوجها، وإن كانت ذمية حبسها حتى تموت فيرثها. وقد روي هذا السبب بألفاظ.
لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً ولا يحل لكم أن تَعْضُلُوهُنَّ عن أن يتزوجهن غيركم لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ أي لتأخذوا ميراثهن إذا متن، أو ليدفعن إليكم صداقهن إذا أذنتم لهن بالنكاح. قال الزهري وأبو مجلز: كان من عادتهم إذا مات الرجل وله زوجة ألقى ابنه من غيرها أو أقرب عصبته ثوبه على المرأة فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا، وإن شاء عضلها لتفتدي منه بما ورثت من الميت، أو تموت فيرثها، فنزلت الآية. وقيل: الخطاب لأزواج النساء إذا حبسوهنّ مع سوء العشرة طمعا في إرثهنّ أو يفتدين ببعض مهورهنّ. اختاره ابن عطية قال: ودليل ذلك قوله: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فإنها إذا أتت بفاحشة فليس للوليّ حبسها حتى تذهب بمالها إجماعا من الأمة، وإنما ذلك للزوج. قال الحسن: إذا زنت البكر فإنها تجلد مائة وتنفى وتردّ إلى زوجها ما أخذت منه وقال أبو قلابة: إذا زنت امرأة الرجل فلا بأس أن يضارّها ويشقّ عليها حتى تفتدي منه.
قال السّدي: إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهنّ.
وقال قوم: الفاحشة البذاءة باللسان وسوء العشرة قولا وفعلا. وقال مالك وجماعة من أهل العلم: للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك هذا كله على أن الخطاب في قوله: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ للأزواج، وقد عرفت مما قدمنا في سبب النزول أن الخطاب في قوله: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لمن خوطب بقوله: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً فيكون المعنى: ولا يحلّ لكم أن تمنعوهن من الزواج لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ أي ما آتاهنّ من ترثونه إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فحينئذ جاز لكم حبسهن عن الأزواج.
ولا يخفى ما في هذا من التعسف مع عدم جواز حبس من أتت بفاحشة عن أن تتزوج وتستعفّ «١» عن الزنا، وكما أن جعل قوله: ولا تعضلوهن خطابا للأولياء، فيه هذا التعسف! كذلك جعل قوله: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ خطابا للأزواج فيه تعسف ظاهر مع مخالفة سبب نزول الآية الذي ذكرناه. والأولى أن يقال: إن الخطاب في قوله:
(١) جاء في المطبوع [وتستغنى] والصواب ما أثبتناه وهو من فتح القدير [١/ ٤٤١].
لا يَحِلُّ لَكُمْ: للمسلمين: أي لا يحل لكم معاشر المسلمين [أن ترثوا النساء كرها كما كانت تفعله الجاهلية، ولا يحلّ لكم معاشر المسلمين «١» ] أن تعضلوا أزواجكم أي تحبسوهنّ عندكم، مع عدم رغبتكم فيهنّ، بل لقصد أن تذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ من المهر يفتدين به من الحبس والبقاء تحتكم، وفي عقدكم مع كراهتكم لهنّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ جاز لكم مخالعتهنّ ببعض ما آتيتموهنّ.
وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [أي بما هو معرف] «٢» في هذه الشريعة وبين أهلها من حسن المعاشرة، وهو خطاب للأزواج أو لما هو أعم، وذلك مختلف باختلاف الأزواج في الغنى والفقر والرفاعة والوضاعة فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ لسبب من الأسباب من غير ارتكاب فاحشة ولا نشوز فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩) :أي فعسى أن يؤول الأمر إلى ما تحبونه من ذهاب الكراهة وتبدلها بالمحبة فيكون في ذلك خير كثير من استدامة الصحبة وحصول الأولاد. فيكون الجزاء على هذا محذوفا مدلولا عليه بعلته: أي فإن كرهتموهن فاصبروا ولا تفارقوهن بمجرد هذه النفرة فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا.
قيل: في الآية ندب إلى إمساك الزوجة مع الكراهة، لأنه إذا كره صحبتها وتحمّل ذلك المكروه طلبا للثواب وأنفق عليها وأحسن هو معاشرتها استحق الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى.
[الآية السابعة] وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠).
وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ: أي زوجة مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً: المراد به هنا المال الكثير، وفيه دليل على جواز المغالاة في المهور فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً: قيل: هي محكمة، وقيل: هي منسوخة بقوله تعالى في سورة البقرة: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ والأولى
(١) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع والمستدرك من فتح القدير [١/ ٤٤١].
(٢) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع والمستدرك من فتح القدير [١/ ٤٤١].
أن الكل محكم. والمراد هنا غير المختلعة فلا يحل لزوجها أن يأخذ مما آتاها شيئا.
[الآية الثامنة]
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا (٢٢).
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ نهى عما كانت عليه الجاهلية من نكاح نساء آبائهم إذا ماتوا، وهو شروع في بيان من يحرم نكاحه من النساء ومن لا يحرم.
إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ هو استثناء منقطع: أي لكن ما قد سلف في الجاهلية فاجتنبوه ودعوه، وقيل: إلا بمعنى بعد: أي بعد ما سلف. وقيل: المعنى ولا ما سلف، وقيل:
هو استثناء متصل من قوله: ما نَكَحَ آباؤُكُمْ يفيد المبالغة في التحريم بإخراج الكلام مخرج التعليق «١» بالمحال: بمعنى إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوا فلا يحلّ لكم غيره!... وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والحاكم- وصححه- والبيهقي في سننه عن البراء، قال: «لقيت خالي ومعه الراية. قلت: أين تريد؟ قال:
بعثني رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله»
«٢». ثم بين سبحانه وجه النهي عنه فقال: إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا (٢٢) هذه الصفات الثلاث تدل على أنه من أشدّ المحرمات وأقبحها، وقد كانت الجاهلية تسميه «نكاح المقت» وهو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا طلقها أو مات عنها.
ويقال لهذا «الضّيزن» وأصل المقت: البغض.
(١) جاء في فتح القدير [١/ ٤٤٢] [التعلق].
(٢) [صحيح] أخرجه ابن أبي شبه في المصنف [٥/ ٥٤٩] ح [٢٨٨٦٥] وأحمد في المسند [٤/ ٢٩٢] وسعيد بن منصور في السنن [١/ ٢٣٥] ح [٩٤٢] وابن ماجه في السنن ح [٢٦٠٧] والدارقطني في السنن [٣/ ١٩٦] والبغوي في شرح السنة [١٠/ ٣٠٥] ح [٢٥٩٢] والترمذي في الجامع [٣/ ٦٤٣] ح [١٣٦٢].
ورواه البيهقي في السنن [٨/ ٢٣٧] و [٧/ ١٦٢] ورواه النسائي في المجتبى [٦/ ١١٠] وأبو داود في السنن [٤/ ١١٥] ح [٤٤٥٧] والدارمي في السنن [٢/ ١٥٣].
[الآية التاسعة] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣).
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ أي نكاحهنّ، وقد بيّن الله سبحانه في هذه الآية ما يحلّ وما يحرم من النساء فحرّم سبعا من النسب، وستا من الرضاع والصهر، وألحقت المتواترة تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، ووقع عليه الإجماع.
فالسبع المحرمات من النسب الأمهات. وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ أي البنات والأخوات والعمات والخالات وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ هذا مطلق قيد بما ورد في السنة من كون الرضاع في الحولين إلا في مسألة قصة إرضاع سالم مولى أبي حذيفة. وظاهر النظم القرآني أنه يثبت حكم الرضاع بما يصدق عليه مسمى الرضاع لغة وشرعا، ولكنه قد ورد تقييده بخمس رضعات في أحاديث صحيحة عن جماعة من الصحابة. والبحث عن تقرير ذلك وتحقيقه يطول، وقد استوفاه الشوكاني في مصنفاته «١» وقرر ما هو الحق في كثير من مباحث الرضاع، وذكرنا طرفا منه في شرحنا لبلوغ المرام.
وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ الأخت من الرضاع هي التي أرضعتها أمك بلبان أبيك سواء أرضعتها معك أو مع من قبلك أو بعدك من الأخوة والأخوات، والأخت من الأم: هي التي أرضعتها أمك بلبان رجل آخر.
وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَ
(١) انظر نيل الأوطار [٧/ ١١٣- ١٢٧]. [..... ]
فالمحرمات بالصهر والرضاع: الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة وأمهات النساء والربائب وحلائل الأبناء والجمع بين الأختين، فهؤلاء ست، والسابعة منكوحات الآباء، والثامنة الجمع بين المرأة وعمتها.
قال الطحاوي: وكل هذا من المحكم المتفق عليه، وغير جائز نكاح واحدة منهن بالإجماع إلا أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهنّ أزواجهنّ، فإن جمهور السلف ذهبوا إلى أن الأم تحرم بالعقد على الابنة ولا تحرم الابنة إلا بالدخول بالأم.
وقال بعض السلف: الأم والربيبة سواء لا تحرم واحدة منهما إلا بالدخول بالأخرى.
قالوا: ومعنى قوله: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ: أي اللاتي دخلتم بهن. وزعموا أن قيد الدخول راجع إلى الأمهات والربائب جميعا، رواه خلاس عن عليّ. وروي عن ابن عباس وجابر وزيد بن ثابت وابن الزبير ومجاهد.
قال القرطبي «١» :ورواية خلاس عن عليّ لا تقوم بها حجة ولا تصح روايته عند أهل الحديث، والصحيح عنه مثل قول الجماعة.
وقد أجيب عن قولهم إن قيد الدخول راجع إلى الأمهات والربائب بأن ذلك لا يجوز من جهة الإعراب، وبيانه أن الخبرين إذا اختلفا في العامل لم يكن نعتهما واحدا، فلا يجوز عند النحويين مررت بنسائك وهويت نساء زيد الظريفات، على أن يكون الظريفات نعتا للجميع فكذلك في الآية لا يجوز أن يكون [اللاتي دخلتم بهنّ] نعتا لهما جميعا لأن الخبرين مختلفان.
قال ابن المنذر: والصحيح قول الجمهور لدخول جميع أمهات النساء في قوله:
وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ. ومما يدل على ما ذهب إليه الجمهور ما أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه من طريقين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها، دخل بالابنة أو لم يدخل، وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج الابنة» «٢».
(١) تفسير القرطبي [٥/ ١٠٦].
(٢) [ضعيف] أخرجه عبد الرزاق في المصنف [٦/ ٢٧٦] ح [١٠٨٢١] والطبري في التفسير [٣/ ٦٦٤].
قال ابن كثير في تفسيره «١» مستدلا للجمهور: وقد روي في ذلك خبر غير أن في إسناده نظرا، فذكر هذا الحديث ثم قال: وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فإن إجماع الأمة على صحة القول به يغني عن الاستشهاد على صحته بغيره.
قال في «الكشاف» :وقد اتفقوا على أن تحريم أمهات النساء مبهم دون تحريم الربائب على ما عليه ظاهر كلام الله تعالى اه.
ودعوى الإجماع مدفوعة بخلاف من تقدم.
واعلم أنه يدخل في لفظ الأمهات أمهاتهنّ وجداتهنّ وأم الأب وجدّاته- وإن علون- لأن كلهن أمهات لمن ولده من ولدنه، وإن سفل.
ويدخل في لفظ البنات بنات الأولاد، وإن سلفن، والأخوات تصدق على الأخت لأبوين أو أحدهما.
والعمة: اسم لكل أنثى شاركت أباك أو جدّك في أصليه أو أحدهما. وقد تكون العمة من جهة الأم وهي أخت أب الأم.
والخالة: اسم لكل أنثى شاركت أمك في أصليها أو أحدهما. وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك. وبنت الأخ اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة بواسطته ومباشرة وإن بعدت وكذلك بنت الأخت.
والمحرمات بالمصاهرة أربع: أمّ المرأة وابنتها وزوجة الأب وزوجة الابن.
والربيبة: بنت امرأة الرجل من غيره، سميت بذلك لأنه يربيها في حجره فهي مربوبة فعيلة بمعنى مفعولة.
قال القرطبي «٢» :واتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أمها إذا دخل بالأم، وإن لم تكن الربيبة في حجره، وشذ بعض المتقدّمين وأهل الظاهر فقالوا: لا تحرم الربيبة إلا أن تكون في حجر المتزوج [بأمها] «٣»، فلو كانت في بلد آخر وفارق
ح [٥٩٥٧] وعبد بن حميد وابن المنذر كما في الدر المنثور [٢/ ٤٧٢] والبيهقي في السنن الكبرى [٧/ ١٦٠].
(١) تفسير ابن كثير [١/ ٤٤٦].
(٢) تفسير القرطبي [٥/ ١١٢].
(٣) ما بين المعكوفين من تفسير القرطبي [٤/ ١١٢].
الأم فله أن يتزوج بها. وقد روي ذلك عن عليّ.
قال ابن المنذر والطحاوي: لم يثبت ذلك عن عليّ لأنه رواه إبراهيم بن عبيد عن مالك بن أوس عن علي وإبراهيم هذا لا يعرف! وقال ابن كثير في تفسيره «١» بعد إخراج هذا عن علي: وهذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه- على شرط مسلم «٢».
والحجور: جمع حجر بفتح الحاء وكسرها، والمراد أنهنّ في حضانة أمهاتهنّ تحت حماية أزواجهن، كما هو الغالب وقيل المراد بالحجور البيوت أي في بيوتكم.
حكاه الأثرم عن أبي عبيدة.
فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ: أي في نكاح الربائب، وهو تصريح بما دلّ عليه مفهوم ما قبله.
وقد اختلف أهل العلم في معنى الدخول الموجب لتحريم الربائب: فروي عن ابن عباس أنه قال: الدخول الجماع، وهو قول طاووس وعمرو بن دينار وغيرهما.
وقال مالك والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي والليث: إن الزوج إذا لمس الأمّ بشهوة حرمت عليه ابنتها، وهو أحد قولي الشافعي.
قال ابن جرير والطبري: وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأته لا تحرّم ابنتها عليه إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها، وقبل النظر إلى فرجها بشهوة ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع. انتهى.
وهكذا حكى الإجماع القرطبي فقال: وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها حلّ له نكاح ابنتها واختلفوا في النظر: فقال الكوفيون إذا نظر إلى فرجها بشهوة كان بمنزلة اللمس بشهوة وكذا قال الثوري ولم يذكر الشهوة.
وقال ابن أبي ليلى: لا يحرم بالنظر حتى يلمس، وهو قول الشافعي.
(١) تفسير ابن كثير [١/ ٤٤٦].
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف [٦/ ٢٧٨] ح [١٠٨٣٤] وابن أبي حاتم في التفسير كما في تفسير ابن كثير [١/ ٤٤٦] انظر الدر المنثور [٢/ ٤٧٤].
والذي ينبغي التعويل عليه في مثل هذا الخلاف هو النظر في معنى الدخول شرعا أو لغة: فإن كان خاصا بالجماع فلا وجه لإلحاق غيره به من لمس أو نظر أو غيرهما، وإن كان معناه أوسع من الجماع بحيث يصدق على ما حصل فيه نوع استمتاع كان مناط التحريم هو ذلك.
وأما الربيبة في ملك اليمين فقد روي عن عمر بن الخطاب أنه كره ذلك.
وقال ابن عباس: أحلتهما آية وحرمتهما آية ولو لم أكن لأفعله.
وقال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أنه لا يحل أن يطأ امرأة وابنتها من ملك اليمين لأن الله حرّم ذلك في النكاح، قال: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ، وملك اليمين عندهم تبع للنكاح، إلا ما روي عن عمر وابن عباس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم انتهى.
وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الحلائل: جمع حليلة وهي الزوجة، سميت بذلك لأنها تحلّ مع الزوج حيث حلّ، فهي فعلية بمعنى فاعلة. وذهب الزجاج وقوم إلى أنها من لفظ الحلال فهي حليلة بمعنى محللة وقيل: لأن كل واحد منهم يحل إزار صاحبه.
وقد أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء وما عقد عليه الأبناء على الآباء سواء كان مع العقد وطء أو لم يكن. لقوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ، وقوله تعالى: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ.
واختلف الفقهاء في العقد إذا كان فاسدا هل يقتضي التحريم أم لا كما هو مبين في كتب الفروع؟
وقال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم من علماء الأمصار أن الرجل إذا وطئ امرأة بنكاح فاسد لا تحرم على أبيه وابنه وعلى أجداده «١»، وأجمع العلماء على أن عقد الشراء على الجارية لا يحرّمها على أبيه وابنه «٢»، لا أعلمهم يختلفون فيه فوجب تحريم ذلك تسليما لهم. ولو اختلفوا في تحريمها بالنظر دون اللمس لم يجز ذلك لاختلافهم. قال ولا يصح عن أحد من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم خلاف ما قلناه.
الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وصف للأبناء: أي دون من تبنيتم من أولاد غيركم،
(١) انظر الإجماع لابن المنذر [ص/ ٧٦].
(٢) انظر الإجماع لابن المنذر [ص/ ٧٦].
كما كانوا يفعلونه في الجاهلية. ومنه قوله تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً. ومنه قوله: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ. ومنه: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ. وأما زوجة الابن من الرضاع فذهب الجمهور إلى أنها تحرم على أبيه، وقد قيل: إنه إجماع مع أن الابن من الرضاع ليس من أولاد الصلب. ووجهه ما صح عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من قوله: «يحرم من الرّضاع ما يحرم من النسب» «١». ولا خلاف أن أولاد الأولاد، وإن سفلوا، بمنزلة أولاد الصلب في تحريم نكاح نسائهم على آبائهم.
وقد اختلف أهل العلم في وطء الزنا: هل يقتضي التحريم أم لا؟ فقال أكثر أهل العلم: إذا أصاب رجل امرأة بزنا لم يحرم عليه نكاحها بذلك، وكذلك لا تحرم عليه امرأته إذا زنا بأمها أو بابنتها، وحسبه أن يقام عليه الحدّ، وكذلك يجوز له عندهم أن يتزوّج بأم من زنا بها وبابنتها «٢».
وقالت طائفة من أهل العلم: إن الزنا يقتضي التحريم، حكي ذلك عن عمران بن حصين والشعبي وعطاء والحسن وسفيان الثوري وأحمد «٣» وإسحاق وأصحاب «٤».
الرأي، وحكى ذلك عن مالك، والصحيح عنه كقول الجمهور «٥».
احتج الجمهور بقوله تعالى: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ، وبقوله: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ. والموطوءة بالزنا لا يصدق عليه أنها من نسائهم ولا من حلائل أبنائهم.
وقد أخرج الدارقطني عن عائشة قالت: سئل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عن رجل زنى بامرأة فأراد أن يتزوجها أو ابنتها فقال: «لا يحرم الحرام الحلال» «٦»، واحتج المحرّمون بما
(١) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [٥/ ٢٥٣] ح [٢٦٤٦، ٣١٠٥، ٥٠٩٩] ومسلم في الصحيح ح [١٤٤٤].
(٢) وهو قول الإمام الشافعي. انظر روضة الطالبين [٧/ ١١٣].
(٣) انظر المغني [٧/ ٤٨٢].
(٤) انظر الهداية [١/ ٣٣٤]. [..... ]
(٥) انظر كفاية الطالب الرباني [٢/ ٥٥].
(٦) [ضعيف] أخرجه ابن حبان في المجروحين [٢/ ٩٨- ٩٩] وابن عدي في الكامل [٥/ ١٦٠] والبيهقي في السنن الكبرى [٧/ ١٦٩] والدارقطني في السنن [٣/ ٢٦٨] والدارقطني في الأوسط كما في المجمع [٤/ ٢٦٨- ٢٦٩] وأخرجه ابن ماجه في السنن ح [٢٠١٥] والدارقطني في السنن [٣/ ٢٦٨] والخطيب البغدادي في التاريخ [٧/ ١٨٢] والبيهقي في السنن [٧/ ١٦٨] انظر الفتح [٩/ ١٥٦].
روي في قصة جريج الثابتة في الصحيح أنه قال: «يا غلام من أبوك؟ فقال فلان الراعي» «١» فنسب الابن نفسه إلى أبيه من الزنا، وهذا احتجاج ساقط.
واحتجوا أيضا بقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها ولم يفصل بين الحلال والحرام» «٢». ويجاب عنه بأن هذا مطلق مقيد بما ورد من الأدلة الدالة على أن الحرام لا يحرّم الحلال.
ثم اختلفوا في اللواط هل يقتضي التحريم أم لا؟ فقال الثوري: إذا لاط بالصبيّ حرمت عليه أمه! وهو قول أحمد بن حنبل، قال: إذا تلوّط بابن امرأته أو [أبيها] «٣» أو أخيها حرمت عليه امرأته «٤».
وقال الأوزاعي: إذا لاط بغلام وولد للمفجور به بنت لم يجز للفاجر أن يتزوجها لأنها بنت من قد دخل به «٥».
ولا يخفى ما في قول هؤلاء من الضعف والسقوط النازل عن قول القائلين بأن وطء الحرام يقتضي التحريم بدرجات لعدم صلاحية ما تمسك به أولئك من الشبه على ما زعمه هؤلاء من اقتضاء اللواط للتحريم.
وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ: أي وحرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين فهو في محل رفع عطفا على المحرمات السابقة، وهو يشمل الجمع بينهما بالنكاح والوطء بملك اليمين.
وقيل: إن الآية خاصة بالجمع في النكاح لا في ملك اليمين. وأما في الوطء بالملك اليمين فلا حق بالنكاح، وقد اجتمعت الأمة على منع جمعهما في عقد النكاح.
(١) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [٣/ ٧٨] ح [١٢٠٦، ٢٤٨٢، ٣٤٣٦، ٣٤٦٦] ومسلم في الصحيح ح [٢٥٥٠].
(٢) [لا أصل له مرفوعا] وإنما روي موقوفا أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف [٣/ ٤٨٠] ح [١٦٢٣٤] والدارقطني في السنن [٣/ ٢٦٨- ٢٦٩] ورواه ابن أبي شيبة في المصنف [٣/ ٤٨١] ح [١٦٢٣٥].
(٣) جاء في المطبوع [ابنها] وهو خطأ والصواب ما أثبتناه من فتح القدير [١/ ٤٤٦].
(٤) انظر، الكافي لموفق الدين [٣/ ٢٩].
(٥) واعلم أنه لا تثبت به الحرمة عند الإمام أبي حنيفة، ومالك والشافعي.
انظر، الفتاوى الهندية [١/ ٢٧٥]، المعونة للقاضي عبد الوهاب [٢/ ٨١٦]، روضة الطالبين [٧/ ١١٣].
واختلفوا في الأختين بملك اليمين: فذهب كافة العلماء إلى أنه لا يجوز الجمع بينهما في الوطء بالملك فقط، وقد توقف بعض السلف في الجمع بين الأختين في الوطء [بالملك] «١».
واختلفوا في جواز عقد النكاح على أخت الجارية التي توطأ بالملك.
فقال الأوزاعي: إذا وطئ جارية له بملك اليمين لم يجز له أن يتزوّج أختها.
وقال الشافعي: مالك اليمين لا يمنع نكاح الأخت.
وقد ذهبت الظاهرية إلى جواز الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء، كما يجوز الجمع بينهما في الملك.
قال ابن عبد البر- بعد أن ذكر ما روي عن عثمان بن عفان من جواز الجمع بين الأختين في الوطء بالملك-: وقد روي مثل قول عثمان عن طائفة من السلف منهم ابن عباس ولكنهم اختلف عليهم ولم يلتفت أحد [إلى ذلك] «٢» من فقهاء الأمصار بالحجاز ولا بالعراق ولا ما وراءها من المشرق ولا بالشام ولا المغرب إلا من شذّ عن جماعتهم باتباع الظاهر ونفي القياس، وقد ترك من تعمد ذلك.
وجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء كما لا يحل ذلك في النكاح، وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله:
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ إلى آخر الآية أن النكاح بملك اليمين في هؤلاء كلهنّ سواء، فكذلك يجب أن يكون قياسا ونظر الجمع بين الأختين وأمهات النساء والربائب، وكذلك هو عند جمهورهم وهي الحجة المحجوج بها من خالفها وشذ عنها. والله المحمود انتهى.
وأقول: هاهنا إشكال وهو أنه قد تقرّر أن النكاح يقال على العقد فقط، وعلى الوطء فقط، والخلاف في كون أحدهما حقيقة والآخر مجازا، وكونهما حقيقتين معروف: فإن حملنا هذا التحريم المذكور في هذه الآية وهي قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ إلى آخر الآية، على أن المراد تحريم العقد عليهنّ لم يكن في قوله تعالى:
(١) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع والمثبت من فتح القدير [١/ ٤٤٧].
(٢) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع والمثبت من فتح القدير [١/ ٤٤٧].
وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ دلالة على تحريم الجمع بين المملوكتين في الوطء بالملك؟ وما وقع من إجماع المسلمين على أن قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ إلخ يستوي في الحرائر والإماء، والعقد، والملك لا يستلزم أن يكون محل الخلاف، وهو الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين مثل محل الإجماع، ومجرد القياس في مثل هذا الموطن لا تقوم به الحجة لما يرد عليه من النقوض، وإن حملنا التحريم المذكور في الآية على الوطء فقط لم يصح ذلك للإجماع على تحريم عقد النكاح على جميع المذكورات من أوّل الآية إلى آخرها فلم يبق إلا حمل التحريم في الآية على تحريم عقد النكاح، فيحتاج القائل بتحريم الجمع بين الأختين في الوطء بالملك إلى دليل، ولا ينفعه أن ذلك قول الجمهور، فالحق لا يعرف الرجال، فإن جاء به خالصا عن شوب الكدر فيها ونعمت، وإلا كان الأصل الحل، ولا يصح حمل النكاح في الآية على معنييه جميعا أعني العقد والوطء لأنه من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو ممنوع، أو من باب الجمع بين معنى المشترك، وفيه الخلاف المعروف في الأصول فتدبر هذا.
واختلف أهل العلم إذا كان الرجل يطأ مملوكته بالملك ثم أراد أن يطأ أختها أيضا بالملك؟ فقال علي وابن عمر والحسن البصري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق:
لا يجوز له وطء الثانية حتى يحرّم فرج الأخرى بإخراجها من ملكه ببيع أو عتق أو بأن يزوجها.
قال ابن المنذر: وفيه قول ثان لقتادة: وهو أنه ينوي تحريم الأولى على نفسه وأن لا يقربها، ثم يمسك [عنهما] «١» حتى تستبرئ المحرمة ثم يغشى الثانية.
وفيه قول ثالث وهو أنه لا يقرب واحدة منهما، هكذا قاله الحكم وحماد. وروي معنى ذلك عن النخعي.
وقال مالك: إذا كان عنده أختان بملك فله أن يطأ أيتهما شاء، والكفّ عن الأخرى موكول إلى أمانته. فإن أراد وطء الأخرى يلزمه أن يحرّم على نفسه فرج الأولى بفعل يفعله من إخراج عن الملك أو تزويج أو بيع أو عتق أو كتابة أو إخدام طويل، فإن كان يطأ إحداهما ثم وثب على الأخرى من دون أن يحرّم الأولى [وقف] «٢» عنهما ولم
(١) جاء في المطبوع [عنها] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٤٨].
(٢) جاء في المطبوع [وقفأ] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٤٨].
يجز له قرب إحداهما حتى يحرّم الأخرى ولم يوكل ذلك إلى أمانته لأنه متهم.
قال القرطبي: وقد أجمع العلماء على أن الرجل إذا طلق زوجته طلاقا يملك رجعتها إنه ليس له أن ينكح أختها حتى تنقضي عدة المطلقة، واختلفوا إذا طلقها طلاقا لا يملك رجعتها فقالت طائفة: ليس له أن ينكح أختها ولا رابعة حتى تنقضي عدّة التي طلق. روي ذلك عن علي عليه السلام وزيد بن ثابت ومجاهد وعطاء والنخعي والثوري وأحمد بن حنبل وأصحاب الرأي.
وقالت طائفة: له أن ينكح أختها وينكح الرابعة لمن كان تحته أربع وطلق واحدة منهنّ طلاقا بائنا يروى ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن والقاسم وعروة بن الزبير وابن أبي ليلى والشافعي وأبي ثور وأبي عبيد. قال ابن المنذر: ولا أحسبه إلا قول مالك. وهو أيضا إحدى الروايتين عن زيد بن ثابت وعطاء.
وقوله إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ يحتمل أن يكون معناه [معنى] «١» ما تقدم من قوله:
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ، ويحتمل معنى آخر، وهو جواز ما سلف وأنه إذا جرى الجمع في الجاهلية كان النكاح صحيحا، وإذا جرى في الإسلام خيّر بين الأختين، والصواب الاحتمال الأول.
إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣) بكم فيما سلف قبل النهي وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ عطف على المحرّمات المذكورات. وأصل التحصن التمنع، ومنه قوله تعالى: لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ أي: لتمنعكم، والحصان: المرأة العفيفة لمنعها نفسها، والمصدر الحصانة بفتح الحاء، والمراد بالمحصنات هنا ذوات الأزواج.
وقد ورد الإحصان في القرآن بمعان، هذا أحدها، والثاني: يراد به الحرّة. ومنه قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ، وقوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ والثالث: يراد به العفيفة، ومنه قوله تعالى: مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ، وقوله: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ. والرابع:
المسلمة، ومنه قوله تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ أي أسلمن.
وقد اختلف أهل العلم في تفسير [هذه الآية] «٢» هنا فقال ابن عباس وأبو سعيد
(١) ما بين المعكوفين من فتح القدير [١/ ٤٤٨].
(٢) جاء في المطبوع [في تفسير «هن» ] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٤٨].
الخدري وأبو قلابة ومكحول والزهري: المراد بالمحصنات هنا: المسبيات ذوات الأزواج خاصة، أي هنّ محرّمات عليكم إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ بالسبي من أرض الحرب، فإن تلك حلال، وإن كان لها زوج. وهو قول الشافعي: أي أن السبي يقطع العصمة وبه قال ابن وهب وابن عبد الحكم وروياه عن مالك، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
واختلفوا في استبرائها بماذا يكون؟ كما هو مدوّن في كتب الفروع.
وقالت طائفة: المحصنات في هذه الآية العفائف، وبه قال أبو العالية وعبيدة السلماني وطاووس وسعيد بن جبير وعطاء، رواه عبيدة عن عمر. ومعنى الآية عندهم:
كل النساء حرام إلا ما ملكت أيمانكم، أي تملكون عصمتهنّ بالنكاح وتملكون الرقبة بالشراء. وحكى ابن جرير الطبري أن رجلا قال لسعيد بن جبير: أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية فلم يقل فيها شيئا؟ فقال: كان ابن عباس لا يعلمها. وروى ابن جرير أيضا عن مجاهد أنه قال: لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل.
انتهى.
ومعنى الآية- والله أعلم- واضح لا سترة به: أي وحرمت عليكم المحصنات من النساء: أي المزوجات، أعمّ من أن يكنّ مسلمات أو كافرات إلا ما ملكت أيمانكم منهنّ. أما بالسبي فإنها تحلّ ولو كانت ذات زوج، أو شراء فإنها تحلّ ولو كانت متزوجة. وينفسخ النكاح الذي كان عليها لخروجها عن ملك سيدها الذي زوجها، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ منصوب على المصدرية: أي كتب الله ذلك كتابا.
وقال الزجاج والكوفيون: [إنه منصوب] «١» على الإغراء، أي الزموا [كتاب الله] «٢». وهو إشارة إلى التحريم المذكور في قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ إلخ. وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ: وفيه دليل على أنه يحل لهم نكاح ما سوى المذكورات، وهذا عام مخصوص بما صح عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها.
(١) ما بين المعكوفين من فتح القدير [١/ ٤٤٩] والقرطبي في التفسير [٥/ ١٢٤]. [..... ]
(٢) ما بين المعكوفين من فتح القدير [١/ ٤٤٩].
ومن ذلك نكاح المعتدة، وكذلك نكاح أمة على حرّة، وكذا القادر على الحرة، وكذلك تزوج خامسة، وكذا الملاعنة للملاعن وقيل: لا حاجة إلى التنبيه على هذا فإن الكلام في المحرمات المؤبدة، وما ذكر محرمات لعارض ممكن الزوال. نعم يظهر ذلك في الملاعنة فانظر.
وقد أبعد من قال: إن تحريم الجمع بين المذكورات مأخوذ من الآية هذه لأنه حرّم الجمع بين الأختين، فيكون ما في معناه في حكمه: وهو الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، وكذلك تحريم نكاح الأمة لمن يستطيع نكاح حرّة فإنه يخصص هذا العموم.
أَنْ تَبْتَغُوا في محل نصب على العلة: أي حرّم عليكم ما حرّم وأحلّ لكم ما أحلّ لأجل أن تبتغوا بِأَمْوالِكُمْ النساء اللاتي أحلهنّ الله لكم ولا تبتغوا به الحرام فيذهب «١»، حال كونكم مُحْصِنِينَ: أي متعففين عن الزنا غَيْرَ مُسافِحِينَ أي غير زانين.
والسفاح: الزنا، وهو مأخوذ من سفح الماء: أي صبه وسيلانه. فكأنه سبحانه أمرهم بأن يطلبوا بأموالهم النساء على وجه النكاح، لا على وجه السفاح. وقيل: إن قوله: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ بدل من «ما» في قوله: ما وَراءَ ذلِكُمْ أي: وأحلّ لكم الابتغاء بأموالكم. والأوّل أولى. وأراد الله سبحانه بالأموال المذكورة ما يدفعونه في مهور الحرائر وأثمان الإماء.
فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ كلمة «٢» «ما» موصولة، والفاء في قوله: فَآتُوهُنَّ لتضمن الموصول معنى الشرط والعائد محذوف: أي فأتوهنّ أجورهنّ عليه.
وقد اختلف أهل العلم في معنى الآية، فقال الحسن ومجاهد وغيرهما: المعنى فيما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء الشرعي فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي مهورهنّ.
وقال الجمهور: إن المراد بهذه الآية نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام ويؤيد ذلك قراءة أبيّ بن كعب وابن عباس وسعيد بن جبير: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَ
(١) جاء في المطبوع [فيذم] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٤٩].
(٢) جاء في المطبوع وفي فتح القدير [١/ ٤٤٩] بدونها.
إلى أجل مسمّى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ثم نهى عنها النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كما صح ذلك من حديث عليّ عليه السلام قال: «نهى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر» «١». وهو في الصحيحين وغيرهما.
وفي «صحيح مسلم» من حديث سبرة بن معبد الجهني عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه قال يوم فتح مكة: «يا أيّها النّاس إنّي قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء والله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهنّ شيء فليخلّ سبيلها ولا تأخذوا مما أتيتموهنّ شيئا» «٢». وفي لفظ لمسلم أن ذلك كان في حجة الوداع، فهذا هو الناسخ.
وقال سعيد بن جبير: نسختها آية الميراث إذ المتعة لا ميراث فيها، وقال القاسم بن محمد وعائشة: تحريمها ونسخها في القرآن، وذلك قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) وليست المنكوحة بالمتعة من أزواجهم ولا مما ملكت أيمانهم فإن من شأن الزوجة أن ترث وتورث، وليست المتمتع بها كذلك.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال بجواز المتعة وأنها باقية لم تنسخ.
وروي عنه أنه رجع عن ذلك عند أن بلغه الناسخ.
وقد قال بجوازها جماعة من الروافض، ولا اعتبار بأقوالهم. وقد أتعب نفسه بعض المتأخرين بتكثير الكلام على هذه المسألة وتقوية ما قاله المجوّزون لها وليس هذا المقام مقام بيان بطلان كلامه.
وقد طول الشوكاني رحمه الله البحث ودفع الشبهة الباطلة التي تمسك بها المجوّزون لها في شرحه للمنتقى «٣» فليرجع إليه. وأشرنا إليه في «مسك الختام شرح بلوغ المرام» الْفَرِيضَةِ: تنصب على المصدرية المؤكدة، أو على الحال أي مفروضة.
(١) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [٧/ ٤٨١] ح [٤٢١٦، ٥١١٥، ٥٥٢٣، ٦٩٦١] ومسلم في الصحيح ح [١٤٠٧].
(٢) أخرجه مسلم في الصحيح ح [١٤٠٦] وأحمد في المسند [٣/ ٤٠٤، ٤٠٥] والدارمي في السنن [٢/ ١٤٠] وابن ماجه في السنن ح [١٩٦٢].
(٣) انظر المنتقى [٦/ ٢٦٨- ٢٧٤].
وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ: أي من زيادة أو نقصان في المهر، فإن ذلك سائغ عند التراضي. هذا عند من قال بأن الآية في النكاح الشرعي.
وأما عند الجمهور القائلين بأنها في المتعة، فالمعنى التراضي في زيادة مدّة المتعة أو نقصانها أو في زيادة ما دفعه إليها في مقابل الاستمتاع بها أو نقصانه.
[الآية العاشرة]
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥).
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا الطول: الغنى والسّعة، قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والسّدي «١» وأبو زيد ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وجمهور أهل العلم، ومعنى الآية على هذا: فمن من لم يستطع منكم غنى وسعة في ماله يقدر بها على أن ينكح المحصنات المؤمنات [فلينكح من فتياتكم المؤمنات] «٢» :
يقال طال يطول طولا في الأفضل والقدرة، وفلان ذو طول: أي ذو قدرة.
والطول بالضم: ضد القصر. وقال قتادة والنخعي وعطاء والثوري: إن الطول الصبر. ومعنى الآية عندهم أن من كان يهوى أمة حتى صار لذلك لا يستطيع أن يتزوج غيرها، فإن له أن يتزوجها إذا لم يملك نفسه وخاف أن يبغي بها، وإن كان يجد سعة في المال لنكاح «٣» حرة.
(١) جاء في المطبوع [المهدى] وهو خطأ والصواب ما أثبتاه من تفسير القرطبي [٥/ ١٣٦] وفتح القدير [١/ ٤٥٠].
(٢) ما بين المعكوفين زيادة من فتح القدير [١/ ٤٥٠].
(٣) جاء في المطبوع [نكاح] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٥٠].
وقال أبو حنيفة- وهو المروي عن مالك- أن الطول المرأة الحرّة، فمن كانت تحته حرة لم يحل له أن ينكح الأمة، ومن لم يكن تحته حرة جاز له أن يتزوج أمة، ولو كان غنيا. وبه قال أبو يوسف واختاره ابن جرير واحتج له.
والقول الأوّل وهو المطابق لمعنى الآية، ولا يخلو ما عداه عن تكلف، فلا يجوز للرجل أن يتزوج بالأمة إلا إذا كان لا يقدر على أن يتزوج بالحرة لعدم وجود ما يحتاج إليه في نكاحها من مهر وغيره. ودخلت الفاء في قوله: فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ لتضمن المبتدأ معنى الشرط.
وقوله: مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ في محل نصب في الحال، فقد عرفت أنه لا يجوز للرجل الحرّ أن يتزوج بالمملوكة إلا بشرط عدم القدرة على الحرّة. والشرط الثاني ما سيذكره الله سبحانه آخر الآية من قوله: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ. فلا يحلّ للفقير أن يتزوج بالمملوكة إلا إذا كان يخشى على نفسه العنت. وقد استدل بزيادة وصف الإيمان على عدم جواز نكاح الإماء الكتابيات، وبه قال الحجازيون، وجوزه أهل العراق. والمراد هنا الأمة المملوكة للغير.
وأما أمة الإنسان نفسه فقد وقع الإجماع على أنه لا يجوز له أن يتزوجها وهي تحت ملكه لتعارض الحقوق واختلافها. والفتيات جمع فتاة والعرب تقول للمملوك فتى وللمملوكة فتاة، وفي الحديث الصحيح: «لا يقولنّ أحدكم: عبدي وأمتي ولكن ليقل:
فتاي وفتاتي»
«١».
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ: فيه تسلية لمن ينكح الأمة إذا اجتمع فيه الشرطان المذكوران: أي كلكم بنو آدم، وأكرمكم عند الله أتقاكم فلا تستنكفوا من الزواج بالإماء عند الضرورة فربما كان إيمان بعض الإماء أفضل من إيمان بعض الحرائر والجملة اعتراضية.
بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ مبتدأ وخبر، ومعناه: أنهم متصلون في الأنساب لأنهم جميعا بنو آدم، أو متصلون في الدين لأنهم جميعا أهل ملة واحدة ونبيهم واحد. والمراد بهذا توطئة نفوس العرب لأنهم كانوا يستهجنون أولاد الإماء ويستصغرونهم ويغضون منهم ويسمون ابن الأمة الهجين فأخبر الله تعالى أن ذلك أمر لا يلتفت إليه فلا يتداخلنكم
(١) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [٥/ ١٧٧] ح [٢٥٥٢] ومسلم في الصحيح ح [٢٢٤٩].
شموخ وأنفة بل إذا احتجتم إلى نكاحهن.
فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ: أي بإذن المالكين لهنّ لأن منافعهنّ لهم، لا يجوز لغيرهم أن ينتفع بشيء منها إلا بإذن من هي له. وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ: أي أدّوا إليهنّ مهورهنّ بما هو المعروف في الشرع. وقد استدل بهذا من قال إن الأمة أحقّ بمهرها من سيدها، وإليه ذهب مالك، وذهب الجمهور إلى أن المهر للسيد وإنما أضافها إليهنّ لأنّ التأدية إليهن تأدية إلى سيدهنّ لكونهن «١» ماله.
مُحْصَناتٍ أي عفائف، وقرأ الكسائي محصنات بكسر الصاد في جميع القرآن إلا في قوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ، وقرأ الباقون بالفتح في جميع القرآن.
غَيْرَ مُسافِحاتٍ أي غير معلنات بالزنا.
وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ الأخلاء، والخدن والخدين المخادن: أي المصاحب، وقيل: ذات الخدن: وهي التي تزني سرا، فهو مقابل للمسافحة وهي التي تجاهر بالزنا، وقيل: المسافحة المبذولة، وذات الخدن، التي تزني بواحد.
وكانت العرب تعيب الإعلان بالزنا ولا تعيب اتخاذ الأخدان، ثم رفع الإسلام جميع ذلك فقال الله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ.
فَإِذا أُحْصِنَّ قرأ عاصم وحمزة والكسائي بفتح الهمزة، وقرأ الباقون بضمها.
والمراد بالإحصان هنا الإسلام روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وأنس والأسود بن يزيد وزر «٢» بن حبيش وسعيد بن جبير وعطاء وإبراهيم النخعي والشعبي والسّدي «٣»، وروي عن عمر بن الخطاب بإسناد منقطع وهو الذي نص عليه الشافعي وبه قال الجمهور.
وقال ابن عباس وأبو الدرداء ومجاهد وعكرمة وطاووس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم «٤» :إنه التزويج، وروي عن الشافعي.
(١) جاء في المطبوع [في كونهن] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٥١].
(٢) جاء في المطبوع [رز] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٥١].
(٣) جاء في المطبوع [المهدي] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٥١].
(٤) انظر تفسير الطبري [٤/ ١٨- ١٩]. [..... ]
فعلى القول الأوّل لا حدّ على الأمة الكافرة.
وعلى القول الثاني لا حدّ على الأمة التي لم تتزوج.
وقال القاسم وسالم: إحصانها إسلامها وعفافها.
وقال ابن جرير «١» :إن معنى القراءتين مختلف: فمن قرأ أحصن بضم الهمزة فمعناه التزويج ومن قرأ بفتحها فمعناه الإسلام.
وقال قوم: إن الإحصان المذكور في الآية هو التزويج، ولكن الحد واجب على الأمة المسلمة إذا زنت قبل أن تتزوج بالسنة. وبه قال الزهري.
قال ابن عبد البر: ظاهر قول الله عز وجل يقتضي أنه لا حد على الأمة وإن كانت مسلمة إلا بعد التزويج، ثم جاءت السنة بجلدها وإن لم تحصن، وكان ذلك زيادة بيان.
قال القرطبي «٢» :ظهر المسلم حمى لا يستباح إلا بيقين، ولا يقين مع الاختلاف، لولا ما جاء في صحيح السّنة من الجلد.
قال ابن كثير في تفسيره «٣». والأظهر- والله أعلم- أن المراد بالإحصان هنا التزويج، لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول سبحانه: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا إلى قوله: فَإِذا أُحْصِنَّ الآية، فالسياق كله في الفتيات المؤمنات. فيتعين أن المراد بقوله: فَإِذا أُحْصِنَّ تزوجن كما فسّره به ابن عباس ومن تبعه. قال: وعلى كل من القولين إشكال على مذهب الجمهور، لأنهم يقولون إن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة سواء كانت مسلمة أو كافرة ثيبا أو بكرا، ومفهوم الآية يقتضي أنه لا حدّ على غير المحصنة من الإماء! وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك. ثم ذكر أن منهم من أجاب- وهم الجمهور- تقديم منطوق الأحاديث على هذا المفهوم، ومنهم من عمل على مفهوم الآية وقال: إذا زنت ولم تحصن فلا حدّ عليها إنما تضرب تأديبا قال: وهو المحكي عن ابن عباس وإليه ذهب طاووس وسعيد بن جبير وأبو عبيد وداود الظاهري في روايه عنه، فهؤلاء قدموا [مفهوم] «٤» الآية على العموم، وأجابوا عن مثل حديث أبي هريرة وزيد بن
(١) تفسير ابن جرير الطبري [٤/ ٢٣].
(٢) تفسير القرطبي [٥/ ١٤٤].
(٣) تفسير ابن كثير [١/ ٤٥١].
(٤) ما بين المعكوفين من فتح القدير [١/ ٤٥١].
خالد في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن قال: «إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بظفر» «١». بأن المراد بالجلد هنا التأديب وهو تعسف! وأيضا قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحدّ ولا يثرّب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحدّ... » «٢» الحديث.
ولمسلم من حديث علي قال: «يا أيها الناس أقيموا على أرقّائكم الحدّ. من أحصن ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم زنت، فأمرني أن أجلدها... » «٣»
الحديث.
وأما ما أخرجه سعيد بن منصور وابن خزيمة والبيهقي عن ابن عباس قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «ليس على الأمة حد حتى تحصن بزوج، فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات من العذاب» «٤». فقد قال ابن خزيمة والبيهقي: إن رفعه خطأ، والصواب وقفه.
فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ الفاحشة هنا الزنا.
فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ: أي الحرائر الأبكار، لأن الثيب عليها الرجم وهو لا يتبعض.
وقيل: المراد بالمحصنات هنا: المزوّجات لأن عليهنّ الجلد والرجم، والرجم لا يتبعض، فصار عليهنّ نصف ما عليهنّ من الجلد.
مِنَ الْعَذابِ: وهو هنا الجلد، وإنما نقص حدّ الإماء عن حد الحرائر لأنهنّ أضعف، وقيل: لأنهنّ لا يصلن إلى مرادهنّ كما تصل الحرائر، وقيل: لأن
(١) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [١٢/ ١٦٢] ح [٦٨٣٧] ومسلم في الصحيح ح [١٧٠٢] [٣٢].
(٢) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [١٢/ ١٦٥] ح [٦٨٣٩] ومسلم في الصحيح ح [١٧٠٣] [٣٠].
(٣) أخرجه مسلم في الصحيح ح [١٧٠٥] [٣٤].
(٤) [رفعه خطأ والصحيح أنه موقوف] أخرجه سعيد بن منصور في السنن ح [٦١٦] وابن خزيمة كما في الدر المنثور [٢/ ٤٩١] والطبراني كما في المجمع [٦/ ٢٧٠] ونقل ابن كثير في التفسير [١/ ٤٥٢] وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف [٥/ ٤٩٣] ح [٢٨٢٩٧] وعبد الرزاق في المصنف [٧/ ٣٩٧] ح [١٣٦١٩] والبيهقي في السنن [٨/ ٢٤٣].
العقوبة [تجب] «١» على قدر النعمة كما في قوله تعالى: يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ.
ولم يذكر الله سبحانه في هذه الآية العبيد وهم لاحقون بالإماء بطريق القياس. وكما يكون على الإماء والعبيد نصف الحد في الزنا كذلك يكون عليهم نصف الحد في القذف والشرب.
ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ: الاشارة بذلك إلى نكاح الإماء، والعنت:
الوقوع في الإثم. وأصله في اللغة انكسار العظم بعد الجبر، ثم استعير لكل مشقة.
وَأَنْ تَصْبِرُوا عن نكاح الإماء خَيْرٌ لَكُمْ من نكاحهن، أي صبركم خير لكم لأن نكاحهن يفضي إلى إرقاق الولد والغضّ من النفس.
[الآية الحادية عشرة]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩).
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ والباطل: ما ليس بحق، ووجوه ذلك كثيرة. ومن الباطل البيوعات التي نهى عنها الشرع إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً. والتجارة في اللغة: عبارة عن المعارضة، وهذا الاستثناء منقطع: أي [لكن] «٢» تجارة صادرة عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ جائزة بينكم، أو لكن كون تجارة عن تراض منكم حلالا لكم. وإنما نص الله سبحانه على التجارة دون سائر أنواع المعاوضات لكونها أكثرها وأغلبها. وتطلق التجارة على جزاء الأعمال من الله على وجه المجاز.
ومنه قوله تعالى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) :وقوله: يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩).
واختلف العلماء في التراضي: فقالت طائفة: تمامه وجوبه بافتراق الأبدان بعد عقد البيع، أو بأن يقول أحدهما لصاحبه: اختر، كما في الحديث الصحيح: «البيّعان بالخيار ما لم يفترّقا أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر» «٣». وإليه ذهب جماعة من
(١) جاء في المطبوع [تحسب] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٥٢].
(٢) جاء في المطبوع [لكم] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٥٧].
(٣) أخرجه البخاري في الصحيح [٤/ ٣٢٧- ٣٢٨] ح [٢١٠٩] وصحيح مسلم ح [١٥٣١] [٤٣].
الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي والثوري والأوزاعي والليث وابن عيينة وإسحاق وغيرهم.
وقال مالك وأبو حنيفة: تمام البيع هو أن يعقد البيع بالألسنة فيرتفع بذلك الخيار وأجابوا عن الحديث بما لا طائل تحته. وقد قرىء تجارة على الرفع على أن كان تامة، وتجارة بالنصب على أنها ناقصة.
وأفاد الشوكاني في المختصر أن المعتبر في البيع مجرد التراضي ولو بإشارة من قادر على النطق. انتهى.
وقال في شرحه: لكونه لم يرد ما يدل على ما يعتبره بعض أهل العلم من ألفاظ مخصوصة وأنه لا يجوز البيع بغيرها ولا يفيدهم ما ورد في الروايات من نحو: بعت منك، فإنا لا ننكر أن البيع يصح بذلك، وإنما النزاع في كونه لا يصح إلا بها ولم يرد في ذلك شيء. وقد قال تعالى: تِجارَةً عَنْ تَراضٍ، فدل على أن مجرد التراضي هو المناط ولا بد من الدلالة عليه بلفظ أو إشارة أو كناية بأي لفظ، وقع على أي صفة كان، وبأي إشارة مفيدة حصل. وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه» «١».
فإذا وجدت طيبة النفس مع التراضي فلا يعتبر غير ذلك. انتهى.
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) :أي لا يقتل بعضكم أيها المسلمون بعضا إلا بسبب أثبته الشرع، أو لا تقتلوا أنفسكم باقتراف المعاصي الموجبة للقتل بأن يقتل فيقتل، أو المراد النهي عن أن يقتل الإنسان نفسه حقيقة، ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه المعاني. ومما يدل على ذلك احتجاج عمرو بن العاص بها حين لم يغتسل بالماء البارد حين أجنب في غزاة ذات السّلاسل فقرر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم
[٤٤] [٤٥] [٤٦].
(١) [صحيح] أخرجه أحمد في المسند [٥/ ٤٢٣] وابنه عبد الله الزيادات [٥/ ١١٣] والطحاوي في شرح المعاني [٤/ ٢٤١] و [٤/ ٤٢] والدارقطني في السنن [٣/ ٢٥] والبيهقي في السنن الكبرى [٦/ ٩٧] أما حديث أبي سعيد فأخرجه أحمد في المسند [٥/ ٤٢٥] والبزار في المسند ح [١٣٧٣] والطحاوي في مشكل الآثار [٤/ ٤١- ٤٢] وشرح المعاني [٤/ ٢٤١] والبيهقي في السنن الكبرى [٦/ ١٠٠] و [٦/ ٣٥٨] وابن حبان في الصحيح [١٣/ ٣١٦- ٣١٧] ح [٥٩٧٨].
أما حديث عم أبي حرة فأخرجه أحمد في المسند [٥/ ٧٢- ٧٣] والدارمي في السنن [٢/ ٢٤٦] مختصرا والدارقطني في السنن [٣/ ٢٦] وأبو يعلي في المسند [١/ ٣] ح [١٥٦٩ و ١٥٧٠] والبيهقي في السنن الكبرى [٦/ ١٠٠] و [٨/ ١٨٢].
احتجاجه «١» - وهو في مسند أحمد وسنن أبي داود وغيرهما.
[الآية الثانية عشرة]
الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤).
الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ هذه الجملة مستأنفة مشتملة على بيان العلة التي استحق بها «٢» الرجال الزيادة، كأنه قيل: كيف استحق الرجال ما استحقوا مما «٣» لم يشاركهم فيه النساء؟ فقال: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ. والمراد أنهم يقومون بالذّب عنهنّ كما يقوم الحكام والأمراء بالذبّ عن الرعية، وهم أيضا يقومون بما يحتجن إليه من النفقة والكسوة والمسكن، وجاء بصيغة المبالغة في قوله: قَوَّامُونَ، ليدلّ على أصالتهم في هذا الأمر. والباء في قوله: بِما فَضَّلَ اللَّهُ للسببية، الضمير في قوله:
بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ للرجال والنساء: أي إنما استحقوا هذه المزية لتفضيل الله إياهم عليهنّ بما فضلهم به من كون فيهم الخلفاء والسلاطين والحكام والأمراء والغزاة وغير ذلك من الأمور.
وَبِما أَنْفَقُوا: أي بسبب ما أنفقوا مِنْ أَمْوالِهِمْ: وما مصدرية أو موصولة وكذلك هي في قوله: بما فضل الله، ومن تبعيضية. والمراد ما أنفقوه في الإنفاق على النساء وبما دفعوه في مهورهنّ من أموالهم، وكذلك ما ينفقونه في الجهاد وما يلزمهم في العقل والدية.
(١) [صحيح] أخرجه أبو داود في السنن [١/ ٩٠] ح [٣٣٤] والدارقطني في السنن [١/ ١٧٨] والحاكم في المستدرك [١/ ١٧٧] والبيهقي في السنن الكبرى [١/ ٢٢٥] وفي دلائل النبوة [١/ ٤٠٢- ٤٠٣].
ورواه عبد الرزاق في المصنف [١/ ٢٢٦- ٢٢٧] ح [٨٧٨]. وأخرجه أحمد في المسند [٤/ ٢٠٣]. [..... ]
(٢) جاء في المطبوع [لها] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٦٠].
(٣) جاء في المطبوع [بما] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٦٠].
وقد استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على جواز فسخ النكاح إذا عجز الزوج عن نفقة زوجته وكسوتها وبه قال مالك والشافعي وغيرهما.
وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ: هذا خطاب للأزواج، قيل: الخوف هنا على بابه، وهو حالة تحدث في القلب عند حدوث أمر مكروه، أو عند ظنّ حدوثه، وقيل: المراد بالخوف هنا العلم.
والنشوز: العصيان، قال ابن فارس يقال: نشزت المرأة استعصت على زوجها، ونشز بعلها إذا ضربها وجفاها.
فَعِظُوهُنَّ أي ذكروهنّ بما أوجبه الله عليهنّ من الطاعة وحسن العشرة ورغبوهنّ ورهبوهنّ.
وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ: يقال: هجره: أي تباعد منه، والمضاجع: جمع مضجع وهو محل الاضطجاع: أي تباعدوا عن مضاجعهنّ ولا تدخلوهنّ تحت ما تجعلونه عليكم حال الإضجاع مع الثياب. وقيل: هو أن يوليها ظهره عند الاضطجاع، وقيل: هو كناية عن ترك جماعها. وقيل: لا تبيت معه في البيت الذي يضطجع فيه.
وَاضْرِبُوهُنَّ أي ضربا غير مبرح، ولا شائن.
وظاهر النظم القرآني أنه يجوز للزوج أن يفعل جميع هذه الأمور عند مخافة النشوز، وقيل: إنه لا يهجر إلا بعد عدم تأثير الوعظ، فإن أثر الوعظ لم ينتقل إلى الهجر، وإن كفاه الهجر لم ينتقل إلى الضرب.
فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ كما يجب وتركن النشوز فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا أي لا تتعرضوا لهن بشيء مما يكرهن لا بقول ولا فعل. وقيل: المعنى لا تكلفوهنّ الحبّ لكم فإنه لا يدخل تحت اختيارهنّ.
[الآية الثالثة عشرة] وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥).
وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها: أصل الشقاق أن كل واحد منهما يأخذ شقا غير شق صاحبه: أي ناحية غير ناحيته، وأضيف الشقاق إلى الظرف لإجرائه مجرى المفعول به كقوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، وقولهم:
يا سارق الليلة أهل الدار، والخطاب للأمراء والحكام، والضمير في قوله بَيْنِهِما للزوجين لأنه قد تقدم ذكر ما يدل عليهما وهو ذكر الرجال والنساء فابعثوا إلى الزوجين حكما يحكم بينهما ممن يصلح لذلك عقلا ودينا وإنصافا.
وإنما نص الله سبحانه على أن الحكمين يكونان من أهل الزوجين لأنهما أقرب لمعرفة أحوالهما، وإذا لم يوجد من أهل الزوجين من يصلح للحكم بينهما كان الحكمان من غيرهم، وهذا إذا أشكل أمرهما ولم يتبين من هو المسيء منهما. فأما إذا عرف المسيء فإنه يؤخذ لصاحبه الحق منه وعلى الحكمين أن يسعيا في إصلاح ذات البين جهدهما، فإن قدرا على ذلك عملا عليه وإن أعياهما إصلاح حالهما ورأيا التفريق بينهما جاز لهما ذلك من دون أمر من الحاكم في البلد ولا توكيل بالفرقة من الزوجين وبه قال مالك والأوزاعي وإسحاق، وهو مروي عن عثمان وعليّ وابن عباس والشعبي والنخعي والشافعي وحكاه ابن كثير «١» عن الجمهور قالوا: لأن الله قال: فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها، وهذا نص من الله سبحانه على أنهما قاضيان لا وكيلان ولا شاهدان.
وقال الكوفيون وعطاء وابن زيد والحسن- وهو أحد قولي الشافعي- إن التفريق هو إلى الإمام أو الحاكم في البلد لا إليهما، ما لم يوكلهما الزوجان أو يأمرهما الإمام والحاكم، لأنهما رسولان لا شاهدان فليس إليهما التفريق. ويرشد إلى هذا قوله تعالى:
إِنْ يُرِيدا أي الحكمان، إِصْلاحاً: بين الزوجين، يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما أي يوقع الموافقة بين الزوجين حتى يعودا إلى الألفة وحسن العشرة.
ومعنى الإرادة خلوص نيتهما لصلاح الحال بين الزوجين، وقيل: إن الضمير في قوله: يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما- للحكمين، كما في قوله: إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً. أي يوفق الله بين الحكمين في اتحاد كلمتهما وحصول مقصودهما، وقيل: كلا الضميرين للزوجين، أي إن يريدا إصلاح ما بينهما من الشقاق أوقع الله تعالى بينهما الألفة
(١) تفسير ابن كثير [١/ ٤٦٧].
والوفاق، وإذا اختلف الحكمان لم ينفذ حكمهما ولا يلزم قبول قولهما بلا خلاف.
[الآية الرابعة عشرة] وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً (٣٦).
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً مصدر لفعل محذوف أي أحسنوا بالوالدين إحسانا. وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع.
وقد دل ذكر الإحسان إلى الوالدين بعد الأمر بعبادة الله والنهي عن الإشراك به على عظم حقهما، ومثله: اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ- فأمر سبحانه بأن يشكرا معه.
وَبِذِي الْقُرْبى: أي صاحب القرابة وهو من يصح إطلاق اسم القربى عليه وإن كان بعيدا.
وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ: قد تقدم تفسيرهما. والمعنى أحسنوا بذي القربى إلى آخر ما هو مذكور في هذه الآية.
وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى والمراد من يصدق عليه مسمى الجوار مع كون داره بعيدة.
وفي ذلك دليل على تعميم الجيران بالإحسان إليهم. سواء كانت الديار متقاربة أو متباعدة، وعلى أن للجوار حرمة مرعية مأمورا بها. وفيه ردّ على من يظن أن الجار مخصوص»
بالملاصق دون من بينه وبينه حائل، أو مختص بالقريب دون البعيد.
وقيل: المراد بقوله: وَالْجارِ الْجُنُبِ: هنا هو الغريب، وقيل هو الأجنبي الذي لا قرابة بينه وبين المجاور له. وقرأ الأعمش والمفضل وَالْجارِ الْجُنُبِ بفتح الجيم وسكون النون أي ذي الجنب وهو الناحية. وأنشد الأخفش:
الناس جنب والأمير جنب.
وقيل: المراد بالجار ذي القربى: المسلم، وبالجار الجنب: اليهودي والنصراني.
(١) في فتح القدير [١/ ٤٦٤] [مختص].
وقد اختلف أهل العلم في المقدار الذي عليه يصدق مسمى الجار ويثبت لصاحبه الحق: فروي عن الأوزاعي والحسن أنه إلى حد أربعين دارا من كل ناحية، وروي عن الزهري نحوه.
وقيل: من سمع إقامة الصلاة، وقيل: إذا جمعتهما محلة. وقيل: من سمع النداء. والأولى أن يرجع في معنى الجار إلى الشرع، فإن وجد فيه ما يقتضي بيانه وأنه يكون جارا إلى حد كذا من الدور أو من مسافة الأرض كان العمل عليه متعينا، وإن لم يوجد رجع إلى معناه لغة وعرفا.
ولم يأت في الشرع ما يفيد أن الجار هو الذي بينه وبين جاره مقدار كذا، ولا ورد في لغة العرب أيضا ما يفيد ذلك، بل المراد بالجار في اللغة: المجاور ويطلق على معان، قال في «القاموس» :الجار المجاور، والذي أجرته من أن يظلم، والمجير والمستجير، الشريك في التجارة، وزوج المرأة، وهي جارته، وفرج المرأة، وما قرب من المنازل، والاست كالجارة، والمقاسم، والحليف، والناصر. انتهى.
وقال القرطبي في تفسيره «١» :وروي أن رجلا جاء إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال: إني نزلت محلّة قوم وإن أقربهم إليّ جوارا أشدهم لي أذى! فبعث النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أبا بكر وعمر وعليّا رضي الله عنهم يصيحون على أبواب المساجد: «ألا إن أربعين دارا جار، ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» «٢». انتهى.
قال الشوكاني: ولو ثبت هذا لكان مغنيا عن غيره، ولكنه رواه- كما ترى- من غير عزوه إلى أحد كتب الحديث المعروفة وهو وإن كان إماما في علم الرواية فلا تقوم الحجة بما يرويه بغير سند مذكور ولا نقل عن كتاب مشهور، ولا سيما وهو يذكر الواهيات كثيرا كما يفعل في «تذكرته» انتهى.
أقول: هذا الحديث بلفظه أخرجه الطبراني كما ذكر في «الترغيب والترهيب» وروى السيوطي في جامعه الصغير: «الجوار أربعون دارا». أخرجه البيهقي عن عائشة.
(١) تفسير القرطبي [٥/ ١٨٥].
(٢) [ضعيف جدا] أخرجه الطبراني في الكبير [١٩/ ٧٣] ح [١٤٣] وأبو يعلى في مسنده كما في نصب الراية [٤/ ٤١٤] رواه ابن حبان في الضعفاء [٢/ ١٥٠].
وأخرجه أبو داود في المراسيل ح [٣٥٠].
قال المناوي في شرحه: وروي عن عائشة: «أوصاني جبريل بالجار أربعين دارا» «١».
وكلاهما ضعيف. والمعروف المرسل الذي أخرجه أبو داود، هكذا نقل عن السيوطي ثم قال: ولفظ مرسل أبي داود: «حق الجوار أربعون دارا، هكذا وهكذا، وهكذا وأشار قداما ويمينا وخلفا «٢». قال الزركشي: سنده صحيح، وقال ابن حجر: رجاله ثقات، ورواه أبو يعلى عن أبي هريرة مرفوعا باللفظ المذكور لكن قال ابن حجر: في سنده عبد السلام منكر الحديث، فليحفظ.
وقد ورد في القرآن ما يدل على أن المساكنة في مدينة مجاورة! قال الله تعالى:
لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ إلى قوله: ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) ! فجعل اجتماعهم في المدينة جوارا.
وأما الأعراف في مسمى الجوار فهي تختلف باختلاف أهلها، ولا يصح حمل القرآن على أعراف متعارفة واصطلاحات متواضعة.
وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ: قيل: هو الرفيق في السفر، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والضحاك.
وقال علي وابن مسعود وابن أبي ليلى: هو الزوجة.
وقال ابن جريح: هو الذي يصحبك ويلزمك رجاء نفعك. ولا يبعد أن تتناول الآية جميع ما في هذه الأقوال مع زيادة عليها وهو كل من صدق عليه أنه صاحب بالجنب:
أي بجنبك. كمن يقف بجنبك في تحصيل علم أو تعلم صناعة أو مباشرة تجارة أو نحو ذلك.
وَابْنِ السَّبِيلِ: قال مجاهد: هو الذي يجتاز بك مارّا، والسبيل: الطريق، فنسب المسافر إليه لمروره عليه ولزومه إياه. فالأولى تفسيره بمن هو على سفر فإن على المقيم أن يحسن إليه وقيل: هو المنقطع به، وقيل: هو الضيف.
وأحسنوا إلى: وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إحسانا. وهم العبيد والإماء. وقد أمر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنهم يطعمون مما يطعم مالكهم ويلبسون مما يلبس، وقد ورد مرفوعا إلى
(١) [ضعيف جدا] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى [٦/ ٢٧٦].
(٢) عزاه الحافظ الهيثمي لأبي يعلى عن شيخه محمد بن جامع العطار، وهو ضعيف، انظر، مجمع الزوائد [٨/ ١٦٨].
رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في بر الوالدين وفي صلة القرابة وفي الإحسان إلى اليتامى وفي الإحسان إلى الجار وفي القيام بما يحتاج إليه المماليك أحاديث كثيرة قد اشتملت عليه كتب السنة لا حاجة بنا إلى بسطها هنا.
[الآية الخامسة عشرة]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣).
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا جعل الخطاب خاصا بالمؤمنين لأنهم الذين كانوا يقربون الصلاة حال السكر، وأما الكفار فهم لا يقربونها سكارى ولا غير سكارى.
لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ قال أهل اللغة: إذا قيل لا تقرب- بفتح الراء- كان معناه لا تتلبس بالفعل، وإذا كان بضم الراء كان معناه لا تدنوا منه. والمراد النهي عن التلبس بالصلاة وغشيانها، وبه قال جماعة من المفسرين وإليه ذهب أبو حنيفة، وقال آخرون:
المراد مواضع الصلاة، وبه قال الشافعي. وعلى هذا فلا بدّ من تقدير مضاف ويقوّي هذا قوله: وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ. وقالت طائفة: المراد الصلاة ومواضعها معا، لأنهم كانوا حينئذ لا يأتون المسجد إلا للصلاة ولا يصلون إلا مجتمعين فكانا متلازمين.
وَأَنْتُمْ سُكارى: الجملة في محل نصب على الحال وسكارى جمع سكران، مثل كسالى جمع كسلان.
وقرأ النخعي سكارى بفتح السين وهو تكسير سكران. وقرأ الأعمش سكرى كحبلى صفة مفردة. وقد ذهب كافة العلماء إلى أن المراد بالسكر هنا سكر الخمر، إلا الضحاك فإنه قال: المراد سكر النوم، ولم يعن بها الخمر. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: النعاس وقد أخرج عبد بن حميد وأبو داود والترمذي- وحسنه- والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم- وصححه- في المختارة عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: «صنع لنا عبد الرحمن طعاما فدعانا وسقانا من
الخمر فأخذت منا وحضرت الصلاة وقدموني فقرأت: قل يا أيها الكافرون [لا] «١» أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون فأنزل الله هذه الآية «٢».
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه: أن الذي صلى بهم عبد الرحمن. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في الآية قال: نزلت في أبي بكر وعمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف وسعد صنع لهم علي رضي الله عنه طعاما وشرابا، فأكلوا وشربوا ثم صلى بهم المغرب فقرأ: قل يا أيها الكافرون حتى ختمها فقال: ليس لي دين وليس لكم دين، فنزلت.
وهذا سبب نزول الآية وبه يندفع ما يخالف الصواب من هذه الأقوال.
حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ: هذا غاية النهي عن قربان الصلاة في حال السكر: أي حتى يزول عنكم أثر السكر وتعلموا ما تقولونه، فإن السكران لا يعلم ما يقوله. وقد تمسك بهذا من قال إن طلاق السكران لا يقع، لأنه إذا لم يعلم ما يقوله انتفى القصد، وبه قال عثمان بن عفان وابن عباس وطاووس وعطا و «٣» القاسم وربيعة وهو قول الليث بن سعد وإسحاق وأبي ثور والمزني، واختاره الطحاوي، وقال: أجمع العلماء على أن طلاق المعتوه لا يجوز، والسكران معتوه كالموسوس.
وأجازت طائفة وقوع طلاقه، وهو محكي عن عمر بن الخطاب ومعاوية وجماعة من التابعين وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي.
واختلف قول الشافعي في ذلك.
وقال مالك: يلزمه الطلاق والقود في الجراح والقتل ولا يلزمه النكاح والبيع.
وَلا جُنُباً: عطف على محل الجملة الحالية وهي قوله: وَأَنْتُمْ سُكارى.
والجنب لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع لأنه ملحق بالمصدر كالبعد والقرب. قال الفراء:
يقال: جنب الرجل وأجنب من الجنابة. وقيل: يجمع الجنب في لغة على أجناب مثل عنق وأعناق وطنب وأطناب.
(١) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٧٢].
(٢) [صحيح] أخرجه عبد بن حميد في المنتخب ح [٨٢] والترمذي في الجامع [٥/ ٢٢٢] ح [٣٠٢٦] وأبو داود في السنن [٣/ ٣٢٤] ح [٣٦٧١] والنسائي في السنن الكبرى كما في تحفة الأشراف [٧/ ٤٠٢] وابن جرير في التفسير [٤/ ٩٨] ح [٩٥٢٧] وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في فتح القدير [١/ ٤٧٢] والحاكم في المستدرك [٢/ ٣٠٧].
(٣) جاء في المطبوع [قال] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٦٨].
إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ استثناء مفرّغ، أي لا تقربوها في حال من الأحوال إلا في حال عبور السبيل، والمراد به هنا السفر. ويكون محل هذا الاستثناء المفرّغ النصب على الحال من ضمير لا تقربوا بعد تقييده بالحال الثانية وهي قوله: وَلا جُنُباً، لا بالحال الأولى وهي قوله: وَأَنْتُمْ سُكارى فيصير المعنى لا تقربوا الصلاة حال كونكم جنبا إلا حال السفر، فإنه يجوز لكم أن تصلوا بالتيمم. وهذا قول عليّ وابن عباس وابن جبير ومجاهد والحكم وغيرهم، قالوا: لا يصح لأحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال، إلا المسافر فإنه يتيمم لأن الماء قد يعدم في السفر، لا في الحضر، فإن الغالب أنه لا يعدم.
وقال ابن مسعود وعكرمة والنخعي وعمرو بن دينار ومالك والشافعي: عابر السبيل هو المجتاز في المسجد، وهو مرويّ عن ابن عباس. فيكون معنى الآية على هذا: لا تقربوا مواضع الصلاة- وهي المساجد- في حال الجنابة إلا أن تكونوا مجتازين فيها من جانب إلى جانب. وفي القول الأوّل قوة من جهة كون الصلاة فيه باقية على معناها الحقيقي، وضعف من جهة ما في حمل عابر السبيل على المسافر وأن معناه: أنه يقرب الصلاة عند عدم الماء بالتيمم، فإن هذا الحكم يكون في الحاضر إذا عدم الماء، كما يكون في المسافر.
وفي القول الثاني قوّة من جهة عدم التكلف في معنى قوله: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ، وضعف من جهة حمل الصلاة على مواضعها.
وبالجملة فالحال الأولى أعني قوله: وَأَنْتُمْ سُكارى تقوّي بقاء الصلاة على معناها الحقيقي من دون تقدير مضاف، وكذلك سبب نزول الآية يقوي ذلك.
وقوله إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ يقوّي تقدير المضاف: أي لا تقربوا مواضع الصلاة.
ويمكن أن يقال: إن بعض قيود النهي أعني لا تَقْرَبُوا وهو قوله: وَأَنْتُمْ سُكارى يدل على أن المراد مواضع الصلاة.
ولا مانع من اعتبار كل واحد منهما مع قيده الدالّ عليه، ويكون ذلك نهيين مقيد كل واحد منهما بقيد، وهما لا تقربوا الصلاة هي ذات الأذكار والأركان وأنتم سكارى، ولا تقربوا مواضع الصلاة حال كونكم جنبا إلا حال عبوركم في المسجد من جانب إلى جانب.
وغاية ما يقال في هذا أنه من الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو جائز بتأويل مشهور.
وقال ابن جرير «١» بعد حكايته للقولين: والأولى قول من قال: وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ: إلا مجتازي طريق فيه، وذلك أنه قد بيّن حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب في قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً، فكان معلوما بذلك أن قوله: وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا، لو كان معنيّا به المسافر، لم يكن لإعادة ذكره- في قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ- معنى مفهوما، وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك. فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضا جنبا حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل.
قال وعابر السبيل: المجتازه «٢» مرا وقطعا. يقال منه: عبرت هذا الطريق فأنا أعبره عبرا وعبورا، ومنه [قيل] «٣» :عبر فلان النهر إذا قطعه وجاوزه.
قال ابن كثير «٤» :وهذا الذي نصره- يعني ابن جرير- هو قول الجمهور، وهو الظاهر من الآية. انتهى. حَتَّى تَغْتَسِلُوا: غاية للنهي عن قربان الصلاة أو مواضعها حال الجنابة، والمعنى: لا تقربوه حال الجنابة حتى تغتسلوا إلا حال عبوركم السبيل.
وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى: المرضى عبارة عن خروج البدن عن حدّ الاعتدال والاعتياد إلى الاعوجاج والشذوذ. وهو على ضربين، كثير ويسير.
والمراد هنا أن يخاف على نفسه التلف أو الضرر باستعمال الماء، أو كان ضعيفا في بدنه لا يقدر على الوصول إلى موضع الماء.
وروي عن الحسن أنه يتطهر وإن مات، وهذا باطل يدفعه قوله: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ. وقوله: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ وقوله: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ. أَوْ عَلى سَفَرٍ: فيه جواز التيمم لمن صدق عليه اسم المسافر. والخلاف مبسوط في كتب الفقه.
(١) تفسير ابن جرير [٤/ ١٠٢].
(٢) جاء في المطبوع [المجتاز] والتصحيح من تفسير الطبري [٤/ ١٠٢].
(٣) ما بين المعكوفين من تفسير الطبري [٤/ ١٠٢]. [..... ]
(٤) تفسير ابن كثير [١/ ٤٧٦].
وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يشترط أن يكون سفر قصر، وقال قوم: لا بد من ذلك. وقد أجمع العلماء على جواز التيمم للمسافر. واختلفوا في الحاضر، فذهب مالك وأصحابه وأبو حنيفة ومحمد إلى أنه يجوز في الحضر والسفر.
وقال الشافعي: ويجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم إلا أن يخاف التلف.
أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ: هو المكان المنخفض، والمجيء منه كناية عن الحدث، والجمع الغيطان والأغواط. وكانت العرب تقصد هذا الصنف من المواضع لقضاء الحاجة تسترا عن أعين الناس، ثم سمي الحدث الخارج من الإنسان غائطا توسعا. ويدخل في الغائط جميع الأحداث الناقضة للوضوء.
أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ: وهو قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وعاصم وابن عامر، وقرأ حمزة والكسائي: لمستم. قيل: المراد بما في القراءتين الجماع، وقيل:
المراد به مطلق المباشرة، وقيل: إنه يجمع الأمرين جميعا.
وقال محمد بن زيد: الأولى في اللغة أن يقون لامستم بمعنى قبلتم ونحوه، ولمستم بمعنى غشيتم.
واختلف العلماء في معنى ذلك على أقوال: فقالت فرقة: الملامسة هنا مختصة باليد دون الجماع. قالوا: والجنب لا سبيل له إلى التيمم بل يغتسل أو يدع الصلاة حتى يجد الماء. وقد روي هذا عن عمر بن الخطاب وابن مسعود.
قال ابن عبد البر: لم يقل بقولهما في هذا أحد من فقهاء الأمصار من أهل الرأي وحملة الآثار. انتهى.
وأيضا الأحاديث الصحيحة تدفعه وتبطله كحديث عمار وعمران بن حصين وأبي ذرّ في تيمم الجنب. وقالت طائفة: هو الجماع، كما في قوله: ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ، وقوله: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ، وهو مروي عن علي عليه السلام وأبي بن كعب وابن عباس ومجاهد وطاووس والحسن وبيد بن عمير وسعيد بن جبير والشعبي وقتادة ومقاتل وابن حيان وأبي حنيفة.
وقال مالك: الملامس بالجماع يتيمم، والملامس باليد يتيمم إذا التذّ فإن لمسها بغير شهوة فلا وضوء وبه قال أحمد وإسحاق.
وقال الشافعي: إذا أفضى الرجل بشيء من بدنه إلى بدن المرأة سواء كان باليد أو بغيرها من أعضاء الجسد انتقضت به الطهارة وإلا فلا. حكاه القرطبي عن ابن مسعود وابن عمر والزهري وربيعة.
وقال الأوزاعي: إذا كان اللمس باليد نقض الطهر، وإن كان بغير اليد لم ينقض لقوله تعالى: فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ. وقد احتجوا بحجج تزعم كل طائفة أن حجتها تدل على أن الملامسة المذكورة في الآية هي ما ذهبت إليه، [وليس الأمر كذلك، فقد اختلفت الصحابة ومن بعدهم في معنى الملامسة المذكورة في الآية] «١» وعلى فرض أنها ظاهرة في الجماع، فقد ثبتت القراءة المروية عن حمزة والكسائي بلفظ أو لمستم وهي محتملة بلا شك ولا شبهة، مع الاحتمال فلا تقوم الحجة بالمحتمل.
وهذا الحكم تعمّ به البلوى ويثبت به التكليف العام فلا يحل إثباته بمحتمل قد وقع النزاع في مفهومه.
وإذا عرفت هذا فقد ثبتت السنة الصحيحة بوجوب التيمم على من اجتنب ولم يجد الماء، فكان الجنب داخلا [بهذا] «٢» الدليل، وعلى فرض عدم دخوله فالسنة تكفي في ذلك.
وأما وجوب الوضوء أو التيمم على من لمس المرأة بيده أو بشيء من بدنه فلا يصح القول به استدلالا بهذه الآية، لما عرفت من الاحتمال. وأما ما استدلوا به من أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم أتاه رجل فقال: «يا رسول الله ما تقول في رجل لقي امرأة لا يعرفها وليس يأتي الرجل من امرأته شيئا إلا قد أتاه منها غير أنه لم يجامعها؟ فأنزل الله: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) «٣» أخرجه أحمد والترمذي والنسائي من حديث معاذ قالوا: فأمره بالوضوء لأنه لمس المرأة ولم يجامعها.
(١) ما بين المعكوفين من فتح القدير [١/ ٧٠].
(٢) جاء في المطبوع [هذا] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٧٠].
(٣) [منقطع بهذا اللفظ] أخرجه الترمذي في الجامع [٤/ ٢٧١] ح [٣١١٣] وأحمد في المسند [٥/ ٢٤٤] وأخرجه النسائي في السنن الكبرى كما في تحفة الاشراف [٨/ ٤٠٩] ورواه البخاري في الصحيح [٢/ ٨] ح [٥٢٦] و [٤٦٨٧] ومسلم في الصحيح ح [٢٧٦٣].
ولا يخفاك أنه لا دلالة لهذا الحديث على محل النزاع، فإن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إنما أمره بالوضوء ليأتي بالصلاة التي ذكرها الله سبحانه في هذه الآية إذ لا صلاة إلا بوضوء وأيضا فالحديث منقطع لأنه من رواية ابن أبي ليلى عن معاذ ولم يلقه وإذا عرفت هذا فالأصل البراءة عن هذا الحكم فلا يثبت إلا بدليل خالص عن الشوائب الموجبة لقصوره عن الحجة وأيضا قد ثبت عن عائشة من طرق أنها قالت: «كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يتوضأ ثم يقبل ثم يصلي ولا يتوضأ» «١». وقد روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة.
رواه أحمد وابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن ماجة، وما قيل من أنه من رواية حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة- ولم يسمع من عروة- فقد رواه أحمد في مسنده من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ورواه ابن جرير من حديث ليث عن عطاء عن عائشة، ورواه أحمد أيضا وأبو داود والنسائي من حديث أبي روق الهمداني عن إبراهيم التيمي عن عائشة، ورواه أيضا ابن جرير من حديث أم سلمة «٢»، ورواه أيضا من حديث زينب السهمية.
ولفظ حديث أم سلمة: «أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يقبلها وهو صائم ولا يفطر ولا يحدث وضوءا». ولفظ حديث زينب السهمية «أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يقبل ثم يصلي ولا يتوضأ». ورواه فأحمد عن زينب السهمية عن عائشة.
فَلَمْ تَجِدُوا ماءً: هذا القيد إن كان راجعا إلى جميع ما تقدم مما هو مذكور بعد الشرط وهو المرض والسفر والمجيء من الغائط وملامسة النساء، كان فيه دليل على أن المرض والسفر لمجردهما لا يسوّغان التيمم، بل لا بد مع وجود أحد السببين من عدم الماء فلا يجوز للمريض أن يتيمم إلا إذا لم يجد الماء، ولا يجوز للمسافر أن يتيمم إلا إذا لم يجد ماء.
(١) [صحيح] أخرجه عبد الرزاق في المصنف [١/ ١٣٥] ح [٥١١] وابن أبي سنيه في المصنف [١/ ٤٨] ح [٤٨٩] [٤٨٥] وأبو داود في السنن [١/ ٤٤] ح [١٧٨] [١/ ٤٥] ح [١٧٩] والنسائي في السنن [١/ ١٠٤] والبيهقي في السنن الكبرى [١/ ١٢٥- ١٢٦- ١٢٧] والدارقطني في السنن [١/ ١٣٩] [١/ ١٤١- ١٤٢] والترمذي في السنن [١/ ١٣٣] ح [٨٦] وابن ماجه في السنن ح [٥٠٢] وأحمد في المسند [٦/ ٢١٠] وابن المنذر في الأوسط [١/ ١٢٨] ح [١٥] وابن جرير في التفسير [٤/ ١٠٨] ح [٩٦٣٥].
(٢) أخرجه ابن جرير في التفسير [٤/ ١٠٨] ح [٩٦٣٨] ورواه الطبراني في الأوسط كما في المجمع [١/ ٢٤٧].
ولكنه يستشكل على هذا أن الصحيح كالمريض إذا لم يجد الماء [تيمم، وكذلك المقيم كالمسافر إذا لم يجد الماء تيمم] «١» فلا بد من فائدة في التنصيص على المرض والسفر؟
فقيل: وجه التنصيص عليهما أن المرض «٢» مظنة للعجز عن الوصول إلى الماء، وكذلك المسافر عدم الماء في حقه غالب. وإن كان راجعا إلى الصورتين الأخيرتين أعني قوله: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ كما قال بعض المفسرين كان فيه إشكال وهو أن من صدق عليه اسم المريض أو المسافر جاز له التيمم وإن كان واجدا للماء قادرا على استعماله.
وقد قيل: إنه رجع هذا القيد إلى الآخرين مع كونه معتبرا في الأوّلين لندرة وقوعه فيهما: وأنت خبير بأن هذا كلام ساقط وتوجيه بارد.
وقال مالك ومن تابعه: ذكر الله المرض والسفر في شرط التيمم اعتبارا بالأغلب فيمن لم يجد الماء، بخلاف الحاضر، فإن الغالب وجوده فلذلك لم ينص الله سبحانه عليه. انتهى.
والظاهر أن المرض- بمجرّده- مسوغ للتيمم وإن كان الماء موجودا إذا كان يتضرّر باستعماله في الحال أو في المال، ولا يعتبر خشية التلف فالله سبحانه يقول:
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ، ويقول: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، والنبي صلّى الله عليه وآله يقول: «الدين يسر» «٣»، ويقول: «يسروا ولا تعسروا» «٤». وقال:
«قتلوه قتلهم الله» «٥» ويقول: «أمرت بالشريعة السمحة» «٦». فإذا قلنا إن قيد عدم وجود الماء راجع إلى الجميع كان وجه التنصيص على المرض هو أنه يجوز له التيمم والماء
(١) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع وهو مستدرك من فتح القدير [١/ ٤٧١].
(٢) جاء في المطبوع [المريض] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٧١].
(٣) أخرجه البخاري في الصحيح [١/ ٩٣] ح [٩٣] والنسائي في السنن [٨/ ١٢١- ١٢٢].
(٤) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [١/ ١٦٣] ح [٦٩، ٦١٢٥] ومسلم في الصحيح ح [١٧٣٤].
(٥) [صحيح] أخرجه الحاكم في المستدرك [١/ ١٦٥] وابن خزيمة في صحيحه [١/ ١٣٨] ح [٢٧٣] وابن حبان في الصحيح [٤/ ١٤٠- ١٤١] ح [١٣١٤] وابن الجارود في المنتقى ح [١٢٨] والبيهقي في السنن الكبرى [١/ ٢٢٦] أخرجه الدارقطني في السنن [١/ ١٨٩- ١٩٠- ١٩١].
(٦) [حسن] أخرجه أحمد في المسند [٦/ ١١٦ و ٢٣٣]، [٥/ ٢٦٦] وأخرجه الديلمي [٢/ ١١٠].
حاضر موجود إذا كان استعماله يضرّه، فيكون اعتبار ذلك القيد في حقه إذا كان استعماله لا يضرّه، فإن في مجرّد المرض مع عدم الضرر باستعمال الماء ما يكون مظنته لعجزه عن الطلب، لأنه يلحقه بالمرض نوع ضعف.
وأما وجه التنصيص على المسافر فلا شك أن الضرب في الأرض مظنته لإعواز الماء وبعض البقاع دون بعض.
فَتَيَمَّمُوا: التيمم لغة: القصد «١»، ثم كثر استعمال هذه الكلمة حتى صار التيمم مسح الوجه واليدين بالتراب.
وقال ابن الأنباري في قولهم: قد تيمم الرجل: معناه قد مسح التراب على وجهه.
وهذا خلط للمعنى اللغوي بالمعنى الشرعي! فإن العرب لا تعرف التيمم بمعنى [مسح] «٢» الوجه واليدين، وإنما هو معنى شرعي فقط.
وظاهر الأمر الوجوب وهو مجمع على ذلك والأحاديث في هذا الباب كثيرة وتفاصيل التيمم وصفاته مبينة في السنة المطهرة، ومقالات أهل العلم مدونة في كتب الفقه.
صَعِيداً هو وجه الأرض سواء كان عليه تراب أو لم يكن، قاله الخليل وابن الأعرابي والزجاج.
قال الزجاج: لا أعلم فيه خلافا بين أهل اللغة. قال الله تعالى: وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (٨) أي أرضا غليظة لا تنبت شيئا، وقال الله تعالى: فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (٤٠)، وإنما سمي صعيدا لأنه نهاية ما يصعد إليه من الأرض، وجمع الصعيد صعدات «٣».
وقد اختلف أهل العلم فيما يجزىء «٤» التيمم به، فقال مالك وأبو حنيفة والثوري والطبري: إنه يجزىء بوجه الأرض كله ترابا كان أو رملا أو حجارة، وحملوا قوله طَيِّباً قالوا: والطيب التراب الذي ينبت.
(١) انظر القاموس المحيط [٤/ ١٩٣].
(٢) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع وهو مستدرك من فتح القدير [١/ ٤٧٠]. [..... ]
(٣) جاء في المطبوع [صعدان] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٧٢].
(٤) جاء في المطبوع [يجرى] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٧٢].
وقد تنوزع في معنى الطيب فقيل: الطاهر كما تقدم، وقيل: المنبت كما هنا، وقيل: الحلال. والمحتمل لا يقوم به الحجة ولو لم يوجد في الشيء الذي يتيمم به إلا ما في الكتاب العزيز، لكان الحق ما قاله الأولون. لكن ثبت في صحيح مسلم من حديث حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «فضلنا الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء» «١». وفي لفظ: «وجعل ترابها لنا طهورا إذا لم نجد الماء» وفي لفظ: «وجعل ترابها لنا طهورا».
فهذا مبين لمعنى الصعيد المذكور في الآية، أو مخصص لعمومه، أو مفيد لإطلاقه. ويؤيد هذا ما حكاه ابن فارس عن كتاب الخليل: تيمم بالصعيد: أي أخذ من غباره. انتهى. والحجر الصلد ما لا غبار عليه.
فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ: هذا المسح مطلق بتناول المسح بضربة أو ضربتين، ويتناول المسح إلى المرفقين أو الرسغين، وقد بينته السنة بيانا شافيا. وقد جمع الشوكاني بين ما ورد في المسح بضربة أو بضربتين وما ورد في المسح إلى الرسغ وإلى المرفقين في شرحه للمنتقى «٢» وغيره من مؤلفاته بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره.
والحاصل أن أحاديث الضربتين لا يخلو جميع طرقها من مقال ولو صحت لكان الأخذ بها متعينا لما فيها من الزيادة. فالحق الوقوف والعمل على ما في الصحيحين من حديث عمار «٣» المقتصر على ضربة واحدة حتى تصح وتثبت الزيادة على ذلك المقدار الثابت.
[الآية السادسة عشرة]
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨).
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها هذه الآية من أمهات الآيات المشتملة
(١) أخرجه مسلم في الصحيح ح [٥٢٢].
(٢) المنتقى [١/ ٣٣٢ و ٣٣٥].
(٣) أخرجه البخاري في الصحيح [١/ ٤٤٣] ح [٣٣٨] ومسلم في الصحيح ح [٣٦٨].
على كثير من أحكام الشرع، لأن الظاهر أن الخطاب يشمل جميع الناس في جميع الأمانات. وقد روي عن علي وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب أنها خطاب لولاة المسلمين والأول أظهر، وورودها على سبب لا ينافي ما فيها من العموم، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في الأصول، بل قال الواحدي: أجمع المفسرون على ذلك.
ويدخل الولاة في هذا الخطاب دخولا أوليا فيجب عليهم تأدية ما لديهم من الأمانات ورد الظلامات وتحرّي العدل في أحكامهم. ويدخل غيرهم من الناس في الخطاب فيجب عليهم ردّ ما لديهم من الأمانات والتحري في الشهادات والأخبار.
وممن قال بعموم هذا الخطاب: البراء بن عازب وابن مسعود وابن عباس وأبيّ بن كعب، واختاره جمهور المفسرين ومنهم ابن جرير، وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها: الأبرار منهم والفجار كما قال ابن المنذر.
والأمانات جمع أمانة وهي مصدر بمعنى المفعول.
وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ: هو فصل الحكومة على ما في كتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، لا الحكم بالرأي المجرد، فإن ذلك ليس من الحق في شيء إلا إذا لم يوجد دليل تلك الحكومة في كتاب الله ولا في سنة رسوله، فلا بأس باجتهاد الرأي من الحاكم الذي يعلم حكم الله سبحانه، وما هو أقرب إلى الحق عند عدم وجود النص.
وأما الحاكم الذي لا يدري بحكم الله ورسوله ولا بما هو أقرب إليهما فلا يدري ما هو العدل، لأنه لا يعقل الحجة إذا جاءته فضلا عن أن يحكم بها بين عباد الله، وقد أفاد الإمام الرباني محمد بن علي الشوكاني في مختصره حيث قال في كتاب القضاء: إنما يصح قضاء من كان مجتهدا متورعا عن أموال الناس عادلا في القضية حاكما بالسوية. انتهى.
وقال في شرحه: أما كونه إنما يصح قضاء من كان مجتهدا فلما في الكتاب العزيز من الأمر بالقضاء بالعدل والقسط وبما أراد الله. ولا يعرف ذلك إلا مجتهدا لأن المقلد إنما يعرف قول إمامه دون حجته، وهكذا لا يحكم بما أراه الله إلا من كان مجتهدا، لا من كان مقلدا فما أراه الله شيئا بل أراه إمامه ما يختاره لنفسه.
ومما يدل على اعتبار الاجتهاد حديث بريدة عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: «القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به،
ورجل عرف الحق وجار في الحكم، فهو في النار... » «١». أخرجه ابن ماجة وأبو داود والنسائي والترمذي والحاكم وصححه. وقد جمع ابن حجر طرقه في جزء مفرد.
ووجه الدلالة أنه لا يعرف الحق إلا من كان مجتهدا، وأما المقلد فهو يحكم بما قال إمامه ولا يدري أحق هو أم باطل، فهو القاضي الذي قضى للناس على جهل وهو أحد قاضيي النار.
ومن الأدلة على اشتراط الاجتهاد قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤)، والظَّالِمُونَ، والْفاسِقُونَ، ولا يحكم بما أنزل الله إلا من عرف التنزيل والتأويل.
ومما يدل على ذلك حديث معاذ لما بعثه صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى اليمن فقال له: «بم تقضي» ؟
قال: بكتاب لله. قال: «فإن لم تجد» ؟ قال: فبسنّة رسول الله. قال: «فإن لم تجد» ؟ قال فبرأيي، وهو حديث مشهور «٢». وقد بينت طرقه ومن خرجه في بحث مستقل.
ومعلوم أن المقلد لا يعرف كتابا ولا سنة ولا رأي له، بل لا يدري بأن الحكم موجود في الكتاب والسنة فيقضي به أو ليس بموجود فيجتهد برأيه.
فإذا ادعى المقلد أنه يحكم برأيه فهو يعلم أنه يكذب على نفسه لاعترافه بأنه لا يعرف كتابا ولا سنة، فإذا زعم أنه حكم برأيه فقد أقر على نفسه بأنه حكم بالطاغوت.
انتهى كلامه.
ويزيد ذلك قوة وشرحا ما قاله السيد العلامة بدر الله المنير محمد بن إسماعيل بن صلاح الأمير رضي الله عنه في «سبل السلام شرح بلوغ المرام» «٣» في شرح حديث
(١) [صحيح] أخرجه الترمذي في الجامع [٣/ ٦١٣] ح [١٣٢٢] وأبو داود في السنن [٣/ ٢٩٧] ح [٣٥٧٣] وابن ماجه في السنن ح [٢٣١٥] والبيهقي في السنن الكبرى [١٠/ ١١٦] والحاكم في المستدرك [٤/ ٩٠].
(٢) [ضعيف جدا] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف [٤/ ٥٤٣] ح [٢٢٩٨٨] وعبد بن حميد في المنتخب ح [١٢٤] وأحمد في المسند [٥/ ٢٣٠ و ٢٣٦، ٢٤٢] والترمذي في الجامع [٣/ ٦١٦] ح [١٢٢٧] وأبو داود في السنن [١٣/ ٣٠٢] ح [٣٥٩٢] والدارمي في السنن [١/ ٦٠] وأبو داود الطيالسي في مسنده ح [٥٥٩] والبيهقي في السنن الكبرى [١٠/ ١١٤] والخطيب في الفقه والمتفقه [١/ ١٨٨- ١٨٩] وابن عبد البر في جامع بيان العلم [٢/ ٨٤٤- ٨٤٥] ح [١٥٩٢، ١٥٩٣] وابن حزم في الأحكام [٦/ ٣٥].
(٣) سبل السلام [٤/ ٢٢٧- ٢٢٩].
عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، فإذا حكم ثم أخطأ فله أجر» «١». متفق عليه «والحديث من أدلة القول بأن الحكم عند الله في كل قضية واحد، قد يصيبه من أعمل فكره وتتبع الأدلة ووفقه الله تعالى فيكون له أجران: أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة».
والذي له أجر واحد من اجتهد فأخطأ فله أجر الاجتهاد..
واستدلوا بالحديث على أنه يشترط أن يكون الحاكم مجتهدا. قال الشارح- يعني القاضي المغربي صاحب البدر التمام شرح بلوغ المرام- وغيره وهو المتمكن من أخذ الأحكام من الأدلة الشرعية- قال: ولكنه لغير وجوده بل كاد يعدم بالكلية ومع تعذره، فمن شرطه أن يكون مقلدا مجتهدا في مذهب إمامه، ومن شرطه أن يحقق أصول إمامه وأدلته وينزل أحكامه عليها فيما لم يجده منصوصا عليه من مذهب إمامه. انتهى. قلت:
ولا يخفى ما في هذا الكلام من البطلان وإن تطابق عليه الأعيان وقد بينا بطلان دعوى تعدد الاجتهاد في رسالتنا «إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد» بما لا يمكن دفعه. وما أرى هذه الدعوى التي تطابقت عليها الأنظار إلا من كفران نعمة الله عليهم فإنهم- أعني المدعين لهذه الدعوى والمقررين لها- مجتهدون يعرف حدهم من الأدلة «٢» ما يمكنه بها الاستنباط مما لم يكن قد عرفه عتاب بن أسيد «٣» قاضي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على مكة، ولا أبو موسى الأشعري قاضي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في اليمن، ولا معاذ بن جبل قاضيه فيهما وعامله عليها، ولا شريح قاضي عمر وعلي رضي الله عنهما على الكوفة.
ويدل لذلك قول الشارح: فمن شرطه- أي المقلد- أن يكون مجتهدا في مذهب إمامه وأن يحقق «٤» أصوله وأدلته فإن هذا هو الاجتهاد الذي حكم بكيدودة عدمه بالكلية وسماه متعذرا فهلا جعل هذا المقلد إمامه كتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم عوضا عن إمامه؟
وتتبع نصوص الكتاب والسنة عوضا عن تتبع نصوص إمامه؟ والعبارات كلها ألفاظ دالة على معان فهلا استبدل بألفاظ إمامه ومعانيها ألفاظ الشارع ومعانيها؟ ونزل الأحكام
(١) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [١٣/ ٣١٨] ح [٧٣٥٢] ومسلم في الصحيح ح [١٧١٦].
(٢) جاء في المطبوع [الآلة] وهو خطأ والتصحيح من سبل السلام [٤/ ٢٢٨].
(٣) جاء في المطبوع [رشيد] وهو خطأ والتصحيح من الاصابة لابن حجر [٢/ ٤٤٤] والاستيعاب [٣/ ١٥٣- ١٥٤ مع الاصابة] وسبل السلام [٤/ ٢٢٨].
(٤) جاء في سبل السلام [٤/ ٢٢٨] [يتحقق] بدلا من [يحقق].
عليها إذا لم يجد نصا شرعيا عوضا عن تنزيلها على مذهب إمامه فيما لم يجده منصوصا؟
تالله لقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير من معرفة الكتاب والسنة إلى معرفة كلام الشيوخ والأصحاب وتفهم مرامهم، والتفتيش عن كلامهم.
ومن المعلوم يقينا أن كلام الله تعالى وكلام رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم أقرب إلى الأفهام وأدنى إلى إصابة بلوغ «١» المرام، فإنه أبلغ الكلام بالإجماع، وأعذبه في الأفواه والأسماع وأقربه إلى الفهم والانتفاع، ولا ينكر هذا إلا جلمود الطباع ومن لا حظ له في النفع والانتفاع، والأفهام التي فهم بها الصحابة والكلام الإلهي، والخطاب النبوي هي كأفهامنا، وأحلامهم كأحلامنا، إذ لو كانت الأفهام متفاوتة تفاوتا يسقط معه فهم العبارات الإلهية والأحاديث النبوية لما كنا مكلفين ولا مأمورين ولا منهيين لا اجتهادا ولا تقليدا.
أما الأول: فلاستحالته، وأما الثاني: فلأنا لا نقلد حتى نعلم أنه يجوز لنا التقليد، ولا نعلم ذلك إلا بعد فهم الدليل من الكتاب والسنة على جوازه لتصريحهم بأنه لا يجوز التقليد في جواز التقليد، فهذا الفهم الذي فهمنا به هذا الدليل نفهم به غيره من الأدلة من كثير وقليل.
على أنه قد شهد المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم بأنه يأتي من بعده من هو أفقه ممن في عصره وأوعى لكلامه حيث قال: «فرب مبلّغ أفقه من سامع» «٢» وفي لفظ: «أوعى له من سامع».
والكلام قد وفيناه حقه في الرسالة المذكورة. انتهى كلام السبل. وقد بسطت القول في ذلك في رسالتي «الجنة في الأسوة الحسنة بالسنة».
[الآية السابعة عشرة] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩).
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ: طاعة الله عزّ وجل هي امتثال أوامره
(١) كذا جاء في المطبوع أما في السبل [٤/ ٢٢٨] فلا يوجد [بلوغ] فيه.
(٢) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [٣/ ٥٧٣- ٥٧٤] ح [١٧٤١، ٦٧، ١٠٥، ٣١٩٧، ٤٤٠٦] ومسلم في الصحيح ح [١٦٧٩]. [..... ]
ونواهيه، وطاعة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم هي فيما أمر به ونهى عنه.
قال الحافظ ابن القيم رحمه الله في «أعلام الموقعين» «١» :أمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأعاد الفعل إعلاما بأن طاعة الرسول تجب استقلالا من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقا سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه، فإنما أوتي الكتاب ومثله معه. ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالا، بل حذف الفعل وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول، إيذانا بأنهم يطاعون تبعا لطاعة الرسول، فمن أمر منهم بطاعة الرسول وجبت طاعته، ومن أمر بخلاف ما جاء به الرسول فلا سمع له ولا طاعة. كما صح عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم: «إنما الطاعة في المعروف» «٢»، وقال في ولاة الأمور: «من أمركم منهم بمعصية الله فلا سمع له ولا طاعة» «٣» انتهى.
وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ: لما أمر الله سبحانه القضاة والولاة إذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل أو الحق أمر الناس بطاعتهم هاهنا، وأولو الأمر هم الأئمة والسلاطين والقضاة وكل من كانت له ولاية شرعية لا ولاية طاغوتية.
والمراد طاعتهم فيما يأمرون به وينهون عنه، ما لم تكن معصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الله، كما قلت ذلك عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. وقال جابر بن عبد الله ومجاهد والحسن البصري وأبو العالية وعطاء بن أبي رباح وابن عباس والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنهما: إن أولي الأمر هم أهل القرآن والعلم، وبه قال مالك والضحاك.
وروي عن مجاهد أنهم أصحاب محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم.
وقال ابن كيسان هم أهل العقل والرأي.
والراجح القول الأول- قاله الشوكاني.
وقال الحافظ ابن القيم رحمه الله في «أعلام الموقعين» «٤» تحت هذه الآية:
والتحقيق أن الأمراء إنما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم، فطاعتهم تبع لطاعة العلماء،
(١) أعلام الموقعين [١/ ٤٨].
(٢) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [٨/ ٥٨- مع الفتح] ح [٤٣٤٠، ٧١٤٥، ٧٢٥٧] ومسلم في الصحيح ح [١٨٤٠] [٣٩] [٤٠].
(٣) أخرجه مسلم في الصحيح ح [١٨٣٩] والنسائي في المجتبى [١/ ١٦٠] ح [٤٢٠٧] وابن ماجه في السنن ح [٢٨٦٤].
(٤) أعلام الموقعين [١/ ١٠].
فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم، فكما أن طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء. ولما كان قيام الإسلام بطائفتي العلماء والأمراء وكان الناس كلهم لهم تبعا كان صلاح العالم بصلاح هاتين الطائفتين وفساده بفسادهما، كما قال عبد الله بن المبارك وغيره من السلف: صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس، قيل: من هم؟ قال: الملوك والعلماء «١».
رأيت الذنوب تميت القلوب... وقد يورث الذل إدمانها «٢»
وترك الذنوب حياة القلوب... وخير لنفسك عصيانها
وهل أفسد الدين إلا الملوك... وأحبار سوء ورهبانها
انتهى كلامه.
وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس في قوله تعالى هذا قال:
«نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في سرية» «٣» وقصته معروفة.
قال ابن القيم «٤» :وقد أخبر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عن الذين أرادوا دخول النار لما أمرهم أميرهم بدخولها «أنّهم لو دخلوا لما خرجوا منها» مع أنهم إنما كانوا يدخلونها طاعة لأميرهم، وظنا أن ذلك واجب عليهم، ولكن لما قصّروا في الاجتهاد وبادروا إلى طاعة من أمر بمعصية «٥» الله وحملوا عموم الأمر بالطاعة بما لم يرده الآمر- صلّى الله عليه وآله وسلّم- وما قد علم من دينه إرادة خلافه، فقصروا في الاجتهاد وأقدموا على تعذيب أنفسهم وإهلاكها من غير تثبّت وتبيّن هل ذلك طاعة لله ورسوله أم لا؟ فما الظن بمن أطاع غيره في صريح مخالفة ما بعث الله به رسوله. انتهى.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عطاء في الآية قال: طاعة الله والرسول، اتباع الكتاب والسنة. وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ قال: أولوا الفقه والعلم: وليعلم أنه لا يصح استدلال المقلدة بهذه الآية لأن المراد بها الأئمة كما ثبت عن غير واحد، ولو
(١) جاء في المطبوع [الأمراء] وهو خطأ والتصحيح من أعلام الموقعين [١/ ١٠].
(٢) جاء في المطبوع [ايهانها] وهو خطأ والتصحيح من أعلام الموقعين [١/ ١٠].
(٣) أخرجه البخاري في الصحيح [٨/ ٢٥٢] ح [٤٥٨٤] ومسلم في الصحيح ح [١٨٣٤].
(٤) أعلام الموقعين [١/ ٤٨].
(٥) جاء في المطبوع [في معصية] والتصحيح من أعلام الموقعين [١/ ٤٨].
سلم إرادة العلماء فطاعتهم أيضا- كالأئمة والأمراء- مشروطة بعدم مخالفة الطاعة الإلهية كما سلف، مع أن العلماء أرشدوا إلى ترك التقليد كما روي عن الأئمة الأربعة وغيرهم.
ولو فرضنا أن في العلماء من يرشد إلى تقليده لكان يرشد إلى المعصية فلا طاعة لهم حينئذ بالنص، بل هذه الآية دالة على أن الكتاب والسنة مقدمان على القياس والرأي مطلقا فلا يجوز ترك العمل بهما ولا تخصيصهما بالقياس- جليا كان أو خفيا-.
ومن وجوه الدلالة أن قوله: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ أمر بطاعة الكتاب والسنة، وهنا الأمر مطلق فثبت وجوب متابعتهما مطلقا سواء حصل قياس يعارضهما أو يخصصهما أو لم يحصل، ومنها أن كلمة «إن» للاشتراط على قول الأكثرية فقوله فَإِنْ تَنازَعْتُمْ صريح في عدم جواز العدول إلى القياس إلا عند فقدان الأصول، كما يظهر ذلك من تأخير ذكره عنها في الآية، وكذا في قصة معاذ. ومنها أن سبب لعن إبليس ليس دفع نص السجدة بالكلية بل إنما خصص نفسه عن ذلك العموم بقياس، ومنها أن القرآن مقطوع المتن لثبوته بالتواتر، والقياس مظنون من جميع الجهات، والمقطوع راجح على المظنون، ومنها أن قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) [المائدة: ٤٥]. نص صريح في أننا إذا وجدنا عموم الكتاب حاصلا في الواقعة ثم حكمنا بالقياس فإنه يلزم الدخول تحت هذا العموم، وكذا التقدم بين يدي الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم من لوازم ذلك. وتمام القول في هذه المسألة في تفسيرنا «فتح البيان» فليرجع إليه.
فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ المنازعة: [المجاذبة] «١» والنزع: الجذب، كأن كل واحد ينتزع حجة الآخر ويجذبها، والمراد الاختلاف والمجادلة. وفيه دليل على أن أهل الإيمان قد يتنازعون في بعض الأحكام ولا يخرجون بذلك عن الإيمان.
قال في «أعلام الموقعين» :وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام وهم سادات المؤمنين وأكمل الأمة إيمانا، ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة كلمة واحدة من أولهم إلى آخرهم، لم يسوموها «٢» تأويلا ولم يحرّفوها عن مواضعها تبديلا،
(١) ما بين المعكوفين من فتح القدير [١/ ٤٨١].
(٢) جاء في المطبوع [يشربوها] والتصحيح من أعلام الموقعين [١/ ٤٩].
ولم يبدوا لشيء منها إبطالا ولا ضربوا لها أمثالا، ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها، بل تلقّوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمر فيها كلها أمرا واحدا وأجروها على سنن واحد، ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع، حيث جعلوها عضين، وأقروا بعضها وأنكروا بعضها من غير فرقان مبين، مع أن اللازم لهم فيما أنكروه كاللازم فيما أقروا به وأثبتوه.
والمقصود أن أهل الإيمان لا يخرجهم تنازعهم في بعض مسائل الأحكام عن حقيقة الإيمان إذ ردّوا ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله كما شرط الله عليهم بقوله: فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. ولا ريب أن الحكم المعلق على شرط ينتفي عند انتفائه.
وفي شَيْءٍ نكرة في سياق الشرط تعم كلّ ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدية دقّة وجلّة، جلية وخفية. ولم يكن في كتاب الله وسنة رسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه، ولو لم يكن كافيا لما أمر بالردّ إليه، إذ من «١» الممتنع أن يأمر تعالى بالرد عند «٢» النزاع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع.
قال الشوكاني «٣» :ظاهر قوله فِي شَيْءٍ يتناول أمور الدين والدنيا، ولكنه لما قال: فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ تبين به أن الشيء المتنازع فيه يختص بأمور الدين دون أمور الدنيا، والردّ إلى الله: هو الردّ إلى كتابه العزيز، والردّ إلى الرسول: هو الردّ إلى سنته المطهرة بعد موته، وأما في حياته فالردّ إليه سؤاله. هذا معنى الردّ إليهما، وقيل: معنى الردّ أن يقولوا: الله أعلم وهو قول ساقط وتفسير بارد!! وليس الرد في هذه الآية إلا الرد المذكور في قوله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: ٨٣]. انتهى.
وقال ابن القيم «٤» :إن الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته، وأنه جعل هذا الرد
(١) جاء في المطبوع [أو لكان] والتصحيح من أعلام الموقعين [١/ ٤٩].
(٢) جاء في المطبوع [عن] التصحيح من أعلام الموقعين [١/ ٤٩].
(٣) فتح القدير [١/ ٤٨١]. [..... ]
(٤) أعلام الموقعين [١/ ٤٩].
من موجبات الإيمان ولوازمه، فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه، ولا سيما التلازم بين هذين الأمرين فإنه من الطرفين وكل منهما ينتفي بانتفاء الآخر. ثم أخبرهم أن هذا الرد خير لهم، وأن عاقبته أحسن عاقبة. انتهى.
وقال في «فتح القدير» «١» :قوله: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، فيه دليل على أن هذا الردّ متحتم على المتنازعين، وأنه شأن من يؤمن بالله واليوم الآخر، والإشارة بقوله ذلِكَ إلى الرد المأمور به خَيْرٌ لكم وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) :أي مرجعا، من الأول آل يؤول إلى كذا: أي صار إليه. والمعنى أن ذلك [الردّ] «٢» خير لكم وأحسن مرجعا ترجعون إليه.
ويجوز أن يكون المعنى أن الردّ أحسن تأويلا من تأويلكم الذي صرتم إليه عند التنازع. انتهى.
وهذه الآية الكريمة نص في وجوب الاتباع وأصل من أصول رد التقليد ولذلك احتج بها جمع من السلف والخلف على ذلك، والكلام فيها يطول تركناه خشية الإطالة، ومن شاء الاطلاع عليها فليرجع إلى أمثال كتاب «أعلام الموقعين» وغيره يتضح له الحق من الباطل، وبالله التوفيق.
[الآية الثامنة عشرة]
وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣).
وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ أذاع الشيء وأذاع به: إذ أفشاه وأظهره، وهؤلاء هم جماعة من ضعفاء المسلمين كانوا إذا سمعوا شيئا من أمر المسلمين فيه أمن نحو ظفر المسلمين وقتل عدوهم. أو فيه خوف نحو هزيمة المسلمين وقتلهم أفشوه وهم يظنون أنه لا شيء عليهم في ذلك وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ وهم أهل العلم والعقول الراجحة الذين يرجعون إليهم في أمورهم أو هم الولاة عليهم. لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ: أي يستخرجونه بتدبرهم وصحة عقولهم.
(١) فتح القدير [١/ ٤٨١].
(٢) ما بين المعكوفين من فتح القدير [١/ ٤٨١].
والمعنى: أنهم لو تركوا الإذاعة للأخبار حتى يكون النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الذي يذيعها أو يكون أولو الأمر منهم هم الذين يتولون «١» ذلك لأنهم يعلمون بما ينبغي أن يفشى وما ينبغي أن يكتم، لكان أحسن.
والاستنباط مأخوذ من استنبطت الماء: إذا استخرجته. والنبط الماء المستنبط أول ما يخرج من ماء البئر عند حفرها، وقيل: إن هؤلاء الضعفة كانوا يسمعون إرجافات المنافقين على المسلمين فيذيعونها فتحصل بذلك المفسدة. أخرج عبد بن حميد ومسلم وابن أبي حاتم من طريق ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم نساءه قمت على باب المسجد فوجدت الناس ينكتون بالحصا يقولون: طلق رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم نساءه فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه ونزلت هذه الآية. فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر «٢».
[الآية التاسعة عشرة]
وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦).
وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ: التحية تفعلة من حييت وأصلها الدعاء بالحياة، والتحية السلام وهذا المعنى هو المراد هنا، ومثله قوله تعالى: وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ [المجادلة: ٨]، وإلى هذا ذهب جماعة المفسرين.
وروي عن مالك أن المراد بالتحية هنا تشميت العاطس.
وقال أصحاب أبي حنيفة: التحية هنا الهدية لقوله تعالى: أَوْ رُدُّوها، ولا يمكن ردّ السلام بعينه، وهذا فاسد لا ينبغي الالتفات إليه.
والمراد بقوله: فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أن يزيد في الجواب على ما قاله المبتدئ بالتحية، فإذا قال المبتدئ: السلام عليكم قال المجيب: وعليكم السلام ورحمة الله، وإذا زاد المبتدئ لفظا زاد المجيب على جملة ما جاء به المبتدئ لفظا أو ألفاظا نحو:
(١) جاء في المطبوع [يقولون] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٩١].
(٢) أخرجه مسلم في الصحيح ح [١٤٧٩] وعبد بن حميد وابن أبي حاتم كما في فتح القدير [١/ ٤٩١].
وبركاته ومرضاته وتحياته.
قال القرطبي «١» :أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سنّة مرغّب فيها، وردّه فريضة لقوله: فَحَيُّوا، وظاهر الأمر الوجوب.
والمراد بقوله: أَوْ رُدُّوها الاقتصار على مثل لفظ المبتدئ بأن يقول المجيب:
وعليكم السلام في مقابلة السلام عليكم. وظاهر الآية الكريمة أنه لو رد عليه بأقل مما سلم به أنه لا يكفي، وحملها الفقهاء على أنه الأكمل فقط. واختلفوا: إذا رد واحد من جماعة هل يجزىء أو لا؟ فذهب مالك والشافعي إلى الإجزاء، وذهب الكوفيون إلى أنه لا يجزىء عن غيره، ويرد عليهم حديث عليّ عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال «يجزىء عن الجماعة إذا مروا أن يسلّم أحدهم، ويجزىء عن الجلوس أن يرد أحدهم» «٢» وأخرجه أبو داود وفي إسناده سعيد بن خالد الخزاعي المدني وليس به بأس، وقد ضعفه بعضهم! وقد حسن الحديث ابن عبد البر، وقد ورد في السنة المطهرة في تعيين من يبتدىء بالسلام ومن يستحق التحية ومن لا يستحقها ما يغني عن البسط هاهنا وقد وفينا حقه في شرحنا لبلوغ المرام.
[الآيات العشرون والحادية والثانية والعشرون]
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (٩١).
(١) تفسير القرطبي [٥/ ٢٩٨].
(٢) [ضعيف] أخرجه أبو داود في السنن [٤/ ٣٥٥] ح [٥٢١٠] وأبو يعلى في مسنده [١/ ٣٤٥] ح [٤٤١] وابن السنن في عمل اليوم والليلة ح [٢٢٤] والبيهقي في السنن الكبرى [٩/ ٤٨- ٤٩] وابن عبد البر في التمهيد [٥/ ٢٩٠] وأخرجه الطبراني في الكبير [٣/ ٨٤] ح [٢٧٣٠] وأبو نعيم في الحلية [٨/ ٢٥١] ورواه مالك في الموطأ [٩٥٩] ورواه ابن عبد البر في التمهيد [٥/ ٢٩١].
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ: هذا كلام مستأنف يتضمن بيان [حال] «١» هؤلاء المنافقون وإيضاح أنهم يودّون أن يكفر المؤمنون كما كفروا ويتمنوا ذلك عنادا وغلوا في الكفر وتماديا في الضلال.
فالكاف في قوله: كَما، نعت مصدر محذوف: أي: كفروا مثل كفرهم، أو حال كما روي عن سيبويه.
فَتَكُونُونَ سَواءً عطف على قوله: تَكْفُرُونَ داخل في حكمه.
فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ: جواب شرط محذوف: أي إذا كان حالهم ما ذكر فلا تتخذوا إلخ.
وجمع الأولياء مراعاة لحال المخاطبين، وإلا فيحرم اتخاذ وليّ واحد منهم أيضا كما في آخر الآية.
حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ويحققوا إيمانهم بالهجرة فَإِنْ تَوَلَّوْا عن ذلك «٢» فَخُذُوهُمْ إذا قدرتم عليهم وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ: في الحلّ والحرم، فإن حكمهم حكم المشركين قتلا وإسرا، وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا، توالونه، وَلا نَصِيراً (٨٩) :تستنصرون به، إِلَّا الَّذِينَ: هو مستثنى من قوله: فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ فقط.
وأما الموالاة فحرام مطلقا لا تجوز بحال. فالمعنى إلا الذين يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ ويدخلون في قوم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ بالجوار والحلف فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ لما بينه وبينكم من عهد وميثاق، فإن العهد يشملهم. هذا أصح ما قيل في معنى الآية. وقيل: الاتصال هنا هو اتصال النسب. والمعنى: إلا الذين ينتسبون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، قاله أبو عبيدة.
(١) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع وهو مستدرك من فتح القدير [١/ ٤٩٥].
(٢) جاءت هذه العبارة في المطبوع على النحو التالي [من ذلك الهجرة] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٩٥].
وقد أنكر ذلك أهل العلم عليه لأن النسب لا يمنع من القتال بالإجماع، فقد كان بين المسلمين والمشركين أنساب ولم يمنع ذلك من القتال.
وقد اختلف في هؤلاء القوم الذين كان بينهم وبين رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ميثاق؟ فقيل:
هم قريش والذين يصلون إلى قريش هم بنو مدلج «١»، وقيل: نزلت في هلال بن عويمر وسراقة بن جعشم وخزيمة بن عامر بن عبد مناف كان بينهم وبين النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عهد، وقيل:
خزاعة، وقيل: بنو بكر بن زيد.
أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ: عطف على قوله يَصِلُونَ داخل في حكم الاستثناء: أي إلا الذين يصلون والذين جاءوكم. ويجوز أن يكون عطفا على صفة قوم:
أي إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق والذين يصلون إلى قوم جاءوكم حصرت: أي ضاقت صدورهم عن القتال فأمسكوا عنه. والحصر الضيق والانقباض.
قال الفراء: وهو: أي حصرت صدورهم حال من المضمر المرفوع في جاءوكم كما تقول: جاء فلان ذهب عقله: أي وقد ذهب عقله.
وقال الزجاج هو خبر بعد خبر: أي جاءوكم ثم أخبر فقال: حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ.
فعلى هذا يكون حصرت بدلا من جاءوكم وقيل: حصرت في موضع خفض على النعت لقوم، وقيل: التقدير أو جاءوكم رجال أو قوم حصرت صدورهم. وقرأ الحسن: (أو جاؤوكم حصرة صدورهم) نصبا على الحال، وقال محمد بن يزيد: حصرت صدورهم هو دعاء عليهم كما تقول: لعن الله الكافر، وضعفه بعض المفسرين. وقيل: أو بمعنى الواو أي وجاءوكم حاصرة صدورهم عن أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ فضاقت صدورهم عن قتال الطائفتين وكرهوا ذلك.
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ابتلاء منه لكم واختبارا كما قال سبحانه: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١) [محمد: ٣١] أو تمحيصا لكم، أو عقوبة لذنوبكم، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك فألقى في قلوبهم الرعب، واللام في قوله:
فَلَقاتَلُوكُمْ: جواب لو على تكرير الجواب: أي لو شاء الله لسلطهم ولقاتلوكم. والفاء للتعقيب.
(١) جاء في المطبوع [مدمج] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٩٦] وتفسير القرطبي [٥/ ٣٠٩].
فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ: أي لم يتعرضوا لقتالكم وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ: أي استسلموا لكم وانقادوا فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) [أي طريقا] «١» فلا يحلّ لكم قتلهم ولا أسرهم ولا نهب أموالهم، فهذا الاستسلام يمنع من ذلك ويحرّمه. قيل هذه منسوخة بآية القتال والظاهر كونها محكمة محمولة على المعاهدين.
سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ فيظهرون لكم الإسلام ولقومهم الكفر ليأمنوا من كلا الطائفتين، وهم قوم من أهل تهامة طلبوا الأمان من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ليأمنوا عنده وعند قومهم، وقيل: هي في قوم من المنافقين، وقيل: في أسد وغطفان.
كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ: أي دعاهم قومهم إليها وطلبوا منهم قتال المسلمين أُرْكِسُوا فِيها، أي قلبوا فيها فرجعوا إلى قومهم وقاتلوا المسلمين. ومعنى الارتكاس الانتكاس.
فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ: يعني هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ: أي يستسلمون لكم ويدخلون في عهدكم وصلحكم وينسلخون عن قومهم، وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ عن قتالكم فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ: أي حيث وجدتموهم وتمكنتم منهم. وَأُولئِكُمْ، الموصوفون بتلك الصفات، جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (٩١) :أي حجة واضحة تتسلطون بها عليهم وتقهرونهم بها بسبب ما في قلوبهم من المرض وما في صدورهم من الدغل وارتكاسهم في الفتنة بأيسر عمل وأقل سعي.
[الآية الثالثة والعشرون] وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٩٢).
(١) ما بين المعكوفين من فتح القدير [١/ ٤٩٦].
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ: هذا النفي هو بمعنى النهي المقتضي للتحريم، كقوله تعالى: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [الأحزاب: ٥٣]، ولو كان هذا النفي على معناه، لكان خبرا وهو يستلزم صدقه، فلا يوجد مؤمن قتل مؤمنا قط.
أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً. وقيل: المعنى ما كان له ذلك في عهد الله، وقيل: ما كان له ذلك فيما سلف، كما ليس له الآن بوجه.
ثم استثنى منه استثناء منقطعا فقال: إِلَّا خَطَأً: أي ما كان له أنه يقتله البتة، لكن إن قتله خطأ فعليه كذا. هذا قول سيبويه والزجاج.
وقيل: هو استثناء متصل، والمعنى: ما ثبت، ولا وجد، ولا ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ، إذ هو مغلوب حينئذ. وقيل: المعنى ولا خطأ «١».
قال النحاس: ولا يعرف ذلك في كلام العرب، ولا يصح في المعنى لأن الخطأ لا [يحظر] «٢»، وقيل: المعنى: لا ينبغي أن يقتله لعلّة من العلل إلا بالخطأ وحده، فيكون قوله: خَطَأً منتصبا بأنه مفعول له، ويجوز أن ينتصب على الحال. والتقدير لا يقتله في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف، أي إلا قتلا خطأ.
ووجوه الخطأ كثيرة ويضبطها عدم القصد، والخطأ اسم من أخطأ خطأ إذا لم يتعمد «٣».
وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً بأن قصد رمي صيد مثلا، فأصابه أو ضربه بما لا يقتل غالبا، كذا قيل.
فَتَحْرِيرُ: أي: فعليه تحرير.
(١) انظر: فتح القدير للشوكاني (١/ ٤٩٧).
وقد قال الزجاج: «ما كان لمؤمن البتة، و «إلا خطأ» استثناء ليس من الأول... » وينظر:
معاني الزجاج (٢/ ٩٧)، والطبري (٥/ ١٢٨)، والنكت للماوردي (١/ ٤١٤)، وزاد المسير لابن الجوزي (٢/ ١٦٢)، والقرطبي (٥/ ٣١٢).
(٢) حرّف في «المطبوعة» إلى (يحصر) وهو خطأ، وصوبناه من فتح القدير للشوكاني (١/ ٤٩٧).
(٣) انظر: الصحاح واللسان (خطأ). [..... ]
رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ يعتقها، كفارة عن قتل الخطأ، وعبّر بالرقبة عن جميع الذات.
واختلف العلماء في تفسير الرقبة المؤمنة، فقيل: هي التي صلّت وعقلت الإيمان، فلا تجزىء الصغيرة، وبه قال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي وقتادة وغيرهم «١».
وقال عطاء بن أبي رباح: إنها تجزىء الصغيرة المولودة بين مسلمين.
وقال جماعة منهم مالك والشافعي: يجزىء كل من حكم له بوجوب الصلاة عليه إن مات، ولا يجزىء في قول جمهور العلماء أعمى، ولا مقعد، ولا أشلّ، ويجزىء عند الأكثر الأعرج والأعور.
قال مالك: إلا أن يكون عرجا شديدا ولا يجزىء عند أكثرهم المجنون، وفي المقام تفاصيل طويلة مذكورة في علم الفروع «٢».
وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ الدية: ما يعطى عوضا عن دم المقتول إلى ورثته.
والمسلّمة: المدفوعة المؤداة.
والأهل: المراد بهم الورثة. وأجناس الدية وتفاصيلها قد بيّنتها السّنّة المطهرة «٣».
إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا: أي إلا أن يتصدق أهل المقتول على القاتل بالدية، سمّي العفو عنها صدقة ترغيبا فيه.
فَإِنْ كانَ: أي المقتول.
مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ: وهم الكفار الحربيون.
وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، وهذه مسألة المؤمن الذي يقتله المسلمون في بلاد الكفار الذين كان منهم، ثم أسلم ولم يهاجر وهم يظنون أنه لم يسلم، وأنه باق على دين قومه، فلا دية على قاتله، بل عليه تحرير رقبة مؤمنة.
واختلفوا في وجه سقوط الدية، فقيل: إن أولياء القتيل كفار لا حقّ لهم في الدية،
(١) انظر أقوالهم في: الطبري (١٠٩٤، ١٠٩٥، ١٠٩٧، ١٠٩٨، ١٠٩٩).
(٢) انظر: النكت (١/ ٤١٤)، زاد المسير (٢/ ١٦٣)، القرطبي (٥/ ٣٢٣)، وقليوبي وعميرة (٤/ ٩٥)، وفتح العزيز (١٠/ ٨٤).
(٣) انظر كتاب الدّيات من: صحيح البخاري (١٢/ ١٨٧، ٢٦٤)، ومسلم (١١/ ١٧٥، ١٨٠)، وزاد المسير (٢/ ١٦٣).
وقيل: وجهه أن هذا الذي آمن ولم يهاجر حرمته قليلة، لقول الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الأنفال: ٧٢].
وقال بعض أهل العلم: إن ديته واجبة لبيت المال «١».
وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ : أي مؤقت، أو مؤبد.
وقرأ الحسن: وهو مؤمن فدية مسلمة: أي فعلى قاتله دية مؤداة «٢».
إِلى أَهْلِهِ: من أهل الإسلام، وهم ورثته.
وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ كما تقدم.
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ: أي الرقبة، ولا اتسع ماله لشرائها.
فَصِيامُ شَهْرَيْنِ أي فعليه صيام شهرين.
مُتَتابِعَيْنِ: لم يفصل بين يومين من أيام صومهما إفطار في نهار، فلو أفطر استأنف، هذا قول الجمهور «٣».
وأما الإفطار لعذر شرعي، كالحيض ونحوه، فلا يوجب الاستئناف «٤».
واختلف في الإفطار لعروض المرض، ولم يذكر الله تعالى الانتقال إلى الطعام كالظهار، وبه أخذ الإمام الشافعي.
تَوْبَةً: منصوب على أنه مفعول له، أي شرع ذلك لكم توبة، أي قبولا لتوبتكم، أو منصوب على المصدرية: أي تاب عليكم توبة، وقيل: على الحال، أي:
حال كونه ذا توبة كائنة، مِنَ اللَّهِ «٥».
(١) انظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ١٠٠، ١٠٦)، والمغني (٣/ ٦٨) (١٠/ ٣٩).
(٢) انظر في توجيه هذه القراءة: فتح القدير (١/ ٤٩٨)، والقرطبي (٥/ ٣٢٥).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (٣/ ٦٨، ٦٩)، (١٠/ ٣٩).
(٤) انظر: الروضة النّدية للمصنف (١/ ٢٢٨، ٢٢٩).
(٥) انظر: زاد المسير لابن الجوزي (٢/ ١٦٣)، والنكت للماوردي (١/ ٤١٤)، والقرطبي (٥/ ٣٢٤)، والبصائر (١/ ١٧٣).

[الآية الرابعة والعشرون]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٩٤).
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: هذا متصل بذكر الجهاد والقتال.
والضرب: السير في الأرض.
تقول العرب: ضربت في الأرض إذا سرت لتجارة أو غزو أو غيرهما، وتقول:
[ضربت] «١» الأرض بدون (في) إذا قصدت قضاء حاجة الإنسان، ومنه قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «لا يخرج الرجلان يضربان الغائط» «٢».
فَتَبَيَّنُوا: من التبين، وهو التأمل، وهي قراءة الجماعة إلا حمزة فإنه قرأ فتثبّتوا من التثبت «٣»، واختار القراءة الأولى أبو عبيدة وأبو حاتم، قالا: لأن من أمر بالتبين فقد أمر بالتثبت، وإنما خص السفر بالأمر بالتبين مع أن التبين والتثبت في أمر القتل واجبان حضرا وسفرا بلا خلاف لأن الحادثة التي هي سبب نزول الآية كانت في السفر «٤».
ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السّلم واختار أبو عبيد قراءة: السلام، وخالفه أهل النظر فقالوا: السّلم هاهنا أشبه لأنه بمعنى الانقياد والتسليم. والمراد هنا لا
(١) ما بين [المعقوفين] حزب- وهو خطأ غير مناسب للسياق، وانظره في «فتح القدير» (١/ ٥٠١).
(٢) حديث إسناده ضعيف: رواه أبو داود (١٥)، وابن ماجة (٣٤٢)، وأحمد في «المسند» (٣/ ٣٦)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ١٥٧، ١٥٨)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٧١)، وابن حبان (١٤٢٢) بنحوه عن أبي سعيد الخدري مرفوعا. وقال أبو داود: هذا لم يسنده إلا عكرمة بن عمّار.
وانظر: تمام المنّة (ص ٥٩).
(٣) انظر: السبعة (٢٣٦)، والكشف (١/ ٣٩٤)، والفراء (٢/ ١٧١)، والبحر المحيط (٣/ ٣٢٨).
(٤) انظر في سبب نزولها: البخاري (٨/ ٢٥٨)، ومسلم (١٨/ ١٦١)، وتفسير القرطبي (٥/ ٣٣٦)، والبحر المحيط (٣/ ٣٢٨)، وزاد المسير (٢/ ١٦٩)، والفتح الرّباني (١٨/ ١١٦)، واللباب (٧٧).
تقولوا لمن ألقى بيده إليكم واستسلم.
فالسلم والسلام كلاهما بمعنى الاستسلام، وقيل: هما بمعنى الإسلام: أي لا تقولوا لمن ألقى إليكم الإسلام، أي كلمته وهي الشهادة، لَسْتَ مُؤْمِناً، من أمنته إذا أجرته فهو مؤمن.
وقد استدل بهذه الآية على أن من قتل كافرا بعد أن قال: لا إله إلا الله قتل به، لأنه قد عصم بهذه الكلمة دمه وماله وأهله، وإنما سقط القتل عن من وقع منه ذلك في زمن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لأنهم تأولوا وظنوا أن من قالها خوفا من السلاح لا يكون مسلما، ولا يصير دمه بها معصوما، وأنه لا بد من أن يقول هذه الكلمة وهو مطمئن غير خائف.
والحكمة في التكلم بكلمة الإسلام إظهار الانقياد بأن يقول: أنا مسلم، وأنا على دينكم، لما عرفت من أن معنى الآية الاستسلام والانقياد، وهو يحصل بكل ما يشعر بالإسلام من قول أو فعل، ومن جملة ذلك كلمة الشهادة، وكلمة التسليم، فالقولان الآخران في معنى الآخر داخلان تحت القول الأول «١».
تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا: الجملة في محل نصب على الحال، أي لا تقولوا تلك المقالة طالبين الغنيمة، على أن يكون النهي راجعا إلى القيد والمقيد لا إلى القيد فقط، وسمي متاع الحياة عرضا لأنه عارض زائل غير ثابت.
قال أبو عبيدة: يقال جميع متاع الحياة الدنيا عرض بفتح الراء، وأما العرض بسكون الراء فهو ما سوى الدنانير والدراهم، فكل عرض بالسكون عرض بالفتح، وليس كل عرض بالفتح عرض بالسكون.
وفي «كتاب العين» «٢» :العرض ما [نيل] «٣» من الدنيا، ومنه قوله تعالى:
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وجمعه عروض.
وفي «المجمل» «٤» لابن فارس: والعرض ما يعترض للإنسان من مرض ونحوه، وعرض الدنيا ما كان فيها من مال قلّ أو كثر، والعرض من الأثاث ما كان غير نقد.
(١) انظر ذلك: في «فتح القدير» (١/ ٥٠١).
(٢) هو لفريد عصره الخليل بن أحمد الفراهيدي شيخ النحاة، وهو مطبوع بالعراق وبيروت. [..... ]
(٣) ما بين [معقوفين] حرّف إلى (نيل) والتصويب من فتح القدير (١/ ٥٠١).
(٤) هو مجمل مقاييس اللغة لأبي الحسين ابن فارس الرازي، وقد طبع في بيروت، وغيرها.
فَعِنْدَ اللَّهِ: هو تعليل للنهي، أي عند الله ما هو حلال لكم من دون ارتكاب محظور.
مَغانِمُ كَثِيرَةٌ : تغنمونها وتستغنون بها عن قتل من قد استسلم وانقاد واغتنام ماله.
كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ: أي كنتم كفارا فحقنت دماؤكم لمّا تكلمتم بكلمة الشهادة، أو كذلك كنتم من قبل تخفون إيمانكم عن قومكم، خوفا على أنفسكم، حتى منّ الله عليكم بإعزاز دينه فأظهرتم الإيمان وأعلنتم.
[الآية الخامسة والعشرون] لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (٩٥).
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: التفاوت بين درجات من قعد عن الجهاد من غير عذر، ودرجات من جاهد في سبيل الله بماله ونفسه، وإن كان معلوما ضرورة، لكن أراد الله سبحانه بهذا الأخبار، تنشيط المجاهدين ليرغبوا، وتبكيت القاعدين ليأنفوا.
غَيْرُ: قرأ أهل الكوفة وأبو عمرو وابن كثير بالرفع على أنه وصف للقاعدين- كما قال الأخفش-، لأنهم لا يقصد بهم قوم بأعيانهم فصاروا كالنكرة فجاز وصفهم بغير، وقرأ أبو حيوة بكسر الراء على أنه وصف للمؤمنين، وقرأ أهل الحرمين بفتح الراء على الاستثناء من القاعدين أو من المؤمنين، أي إلا:
أُولِي الضَّرَرِ فإنهم يستوون مع المجاهدين، ويجوز أن يكون منتصبا على الحال من القاعدين: أي لا يستوي القاعدون الأصحاء في حال صحتهم، وجازت الحال منهم لأن لفظهم لفظ المعرفة.
قال العلماء: أهل الضرر هم أهل الأعذار لأنها أضرت بهم حتى منعتهم عن الجهاد. وظاهر النظم القرآني أن صاحب العذر يعطى مثل أجر المجاهد، وقيل: يعطى أجره من غير تضعيف، فيفضله المجاهد بالتضعيف لأجل المباشرة «١».
(١) انظر: زاد المسير (٢/ ١٧٤)، وابن قتيبة (١٣٤)، والطبري (٥/ ١٤٤)، والقرطبي (٥/ ٣٤٦).
قال القرطبي: والأول أصح- إن شاء الله تعالى- للحديث الصحيح في ذلك: «إن بالمدينة رجالا، ما قطعتم واديا، ولا سرتم مسيرا، إلا كانوا معكم، أولئك قوم حبسهم العذر» «١».
قال وفي هذا المعنى ما ورد في الخبر: «إذا مرض العبد، قال الله تعالى: اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة، إلى أن يبرأ أو أقبضه إليّ» «٢».
وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً: هذا بيان لما بين الفريقين من التفاضل المفهوم من ذكر عدم الاستواء إجمالا، والمراد هنا غير أولي الضرر حملا للمطلق على المقيد، وقال هنا درجة، وقال فيما بعد درجات، فقال قوم: التفضيل بالدرجة ثم الدرجات إنما هو مبالغة وبيان وتأكيد.
وقال آخرون: فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر بدرجة واحدة، وفضل الله المجاهدين على القاعدين من غير أولي الضرر بدرجات، قاله ابن جريج والسدي وغيرهما «٣».
وقيل: إن معنى درجة علوّ، أي أعلى ذكرهم، ورفعهم بالثناء والمدح.
ودرجة: منتصبة على التمييز أو المصدرية، لوقوعها موقع المرة من التفضيل: أي فضل الله تفضيلة، أو على نزع الخافض، أو على الحالية من المجاهدين، أي ذوي درجة.
وَكُلًّا: مفعول أول لقوله: وَعَدَ، قدّم عليه لإفادة القصر، أي كل واحد من المجاهدين والقاعدين.
وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى أي المثوبة، وهي الجنة، قاله قتادة «٤».
(١) حديث صحيح: رواه البخاري (٦/ ٤٦، ٤٧)، (٨/ ١٢٦)، ومسلم (١٣/ ٥٦، ٥٧)، عن أنس وجابر مرفوعا بنحوه.
(٢) حديث صحيح: رواه البخاري (٦/ ١٣٦)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ١١٩)، عن أبي موسى وعطاء بن يسار مرفوعا.
قلت: هذا حديث روي بألفاظ متقاربة عن عدة من أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وانظر: الإرواء (٥٦٠).
(٣) انظر: الطبري (٥/ ١٤٤)، وابن قتيبة (ص ١٣٤).
(٤) روى هذا الخبر الطبري في «تفسيره» (٢٥٣- ١) بإسناد حسن.

[الآية السادسة والعشرون]

إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧).
أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧) قيل: المراد بهذه الأرض المدينة، والأولى العموم، اعتبارا بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، كما هو الحق، فيراد بالأرض كل بقعة من بقاع الأرض تصلح للهجرة إليها، ويراد بالأرض المذكورة في الآية الأولى، كل أرض ينبغي الهجرة منها.
[الآية السابعة والعشرون] إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨).
إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ: هو استثناء من الضمير في مأواهم، وقيل: هو استثناء منقطع لعدم دخول المستضعفين في الموصول، وضميره.
مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ: متعلق بمحذوف، أي كائنين منهم.
والمراد بالمستضعفين من الرجال: الزّمنى «١» ونحوهم، والولدان كعياش ابن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، وإنما ذكر الولدان مع عدم التكليف لهم، لقصد المبالغة في أمر الهجرة، وإيهام أنها تجب لو استطاعها غير المكلف، فكيف من كان مكلفا.
وقيل أراد بالولدان: المراهقين والمماليك.
لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً: صفة للمستضعفين، أو الرجال والنساء والولدان، أو حال من الضمير في المستضعفين.
قيل: الحيلة لفظ عام لأنواع أسباب التخلص، أي: لا يجدون حيلة ولا طريقا إلى ذلك.
(١) هو صاحب الآفة والعاهة، عافانا الله من كل أذى وداء.
وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) وقيل: السبيل سبيل المدينة.
وقد استدل بهذه الآية، على أن الهجرة واجبة على كل من كان بدار الشرك، أو بدار يعمل فيها بمعاصي الله جهارا، إذا كان قادرا على الهجرة، ولم يكن من المستضعفين، لما في هذه الآية من العموم، وإن كان السبب خاصا كما تقدم، وظاهرها عدم الفرق بين مكان ومكان، وزمان وزمان.
وقد ورد في الهجرة أحاديث ذكرناها في جواب سؤال عن الهجرة اليوم من أرض الهند فليراجع.
وورد ما يدل على أنه لا هجرة بعد الفتح «١».
وقد أوضحنا ما هو الحق في شرحنا على «بلوغ المرام» فليرجع إليه.
[الآية الثامنة والعشرون]
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (١٠١).
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ شروع في كيفية الصلاة عند الضرورات من السفر، ولقاء العدو، والمطر، والمرض.
وفيه تأكيد لعزيمة المهاجر على الهجرة، وترغيب له فيها، لما فيه من تخفيف المئونة، أي إذا سافرتم أي مسافرة كانت كما يفيده الإطلاق.
فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ : أي وزر وحرج في أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ فيه دليل على أن القصر ليس بواجب، وإليه ذهب الجمهور.
وذهب الأقلون إلى أنه واجب ومنهم عمر بن عبد العزيز، والكوفيون، والقاضي إسماعيل، وحماد بن أبي سليمان، وهو مروي عن مالك، واستدلوا بحديث عائشة الثابت في «الصحيح» : «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيدت في الحضر وأقرت في السفر» «٢».
(١) حديث صحيح: رواه البخاري (٦/ ٣)، ومسلم (٩/ ١٢٣)، عن ابن عباس مرفوعا.
(٢) حديث صحيح: رواه البخاري (١/ ٤٦٤)، ومسلم (٥/ ١٩٤)، عن عائشة مرفوعا.
ولا يقدح في ذلك مخالفتها لما روت فالعمل على الرواية الثابتة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم «١».
ومثله حديث يعلى بن أمية قال: «سألت عمر بن الخطاب، قلت: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقد أمن الناس؟ فقال عمر: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عن ذلك؟ فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته».
أخرجه أحمد ومسلم وأهل السنن «٢».
وظاهر قوله: «فاقبلوا صدقته» أن القصر واجب.
إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا: ظاهر هذا الشرط أن القصر لا يجوز في السفر إلا مع خوف الفتنة من الكافرين لا مع الأمن، ولكنه قد تقرر بالسنة أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قصر مع الأمن كما عرفت، فالقصر مع الخوف ثابت بالسنة، ومفهوم الشرط لا يقوى على معارضة ما تواتر عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم من القصر مع الأمن.
وقد قيل إن هذا الشرط خرج مخرج الغالب لأن الغالب على المسلمين إذ ذاك القصر للخوف في الأسفار، ولهذا قال يعلى بن أمية لعمر ما قال كما تقدم.
وفي قراءة أبيّ: أن تقصروا من الصّلاة أن يفتنكم بسقوط إِنْ خِفْتُمْ، والمعنى على هذه القراءة: كراهة أن يفتنكم الذين كفروا.
وذهب جماعة من أهل العلم، إلى أن هذه الآية إنما هي مبيحة للقصر في السفر للخائف من العدو، فمن كان آمنا فلا قصر له.
وذهب آخرون إلى أن قوله: إِنْ خِفْتُمْ ليس متصلا بما قبله وأن الكلام تم عند قوله مِنَ الصَّلاةِ، ثم افتتح فقال: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فأقم لهم يا محمد صلاة الخوف.
(١) رواه البخاري (٢/ ٥٦٩)، ومسلم (٥/ ١٩٤، ١٩٥)، وروى البيهقي في «الكبرى» (٣/ ١٤٣) نحوه.
وانظر: فتح الباري (٢/ ٥٧١).
(٢) صحيح: رواه مسلم (٥/ ١٩٥، ١٩٦)، وأبو داود (١١٩٩، ١٢٠٠)، والترمذي (٣٠٣٤)، والنسائي (٣/ ١١٦، ١١٧)، وابن ماجة (١٠٦٥)، وأحمد (١/ ٢٥)، والدارمي (١/ ٣٥٤).
وذهب قوم إلى أن ذكر الخوف منسوخ بالسنة، وهي حديث عمر الذي قدمنا ذكره، وما ورد في معناه «١».
[الآية التاسعة والعشرون] وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٠٢).
وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ: هذا خطاب لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولمن بعده من أهل الأمر، حكمه كما هو معروف في الأصول، ومثله قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة: ١٠٣] ونحوه.
وإلى هذا ذهب جمهور العلماء وشذّ أبو يوسف وإسماعيل بن عليّة فقالا: لا تصلّى صلاة الخوف بعد النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم! لأن هذا الخطاب خاص برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. قالا: ولا يلحق غيره به، لما له صلّى الله عليه وآله وسلّم من المزية العليا! «٢».
وهذا مدفوع فقد أمرنا الله باتباع رسوله والتأسي به، وقد قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» «٣»، والصحابة رضي الله عنهم أعرف بمعاني القرآن، وقد صلّوها بعد
(١) انظر: الناسخ والمنسوخ لابن العربي (٢/ ١٨٧)، والإحكام له (١/ ٤٩١)، وفتح القدير (١/ ٥٠٧، ٥٠٨).
(٢) انظر: رحمة الأمة لابن عبد الرحمن العثماني (ص ٥٧) والرّوضة الندية للمصنف (١/ ١٤٧، ١٤٨)، والمجموع للنووي (٤/ ٤٠٦). [..... ]
(٣) حديث صحيح: رواه البخاري (٢/ ١١٠)، (١٠/ ٤٣٧)، ومسلم (٥/ ١٧٤، ١٧٥)، عن مالك بن الحويرث مرفوعا.
موته في غير مرة كما هو معروف «١».
ومعنى فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ: أردت إقامتها، كقوله: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: ٦]، وقوله: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل: ٩٨].
فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ: يعني بعد أن تجعلهم طائفة تقف بإزاء العدو، وطائفة منهم تقوم معك في الصلاة.
وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ أي الطائفة التي تصلي معه.
وقال ابن عباس: الضمير راجع إلى الطائفة الأولى بإزاء العدو، لأن المصلية لا تحارب «٢». والأول أظهر لأن الطائفة القائمة بإزاء العدو، لا بد أن تكون قائمة بأسلحتها، وإنما يحتاج إلى الأمر بذلك، من كان في الصلاة لأنه يظن أن ذلك ممنوع من حال الصلاة، فأمره الله بأن يكون آخذا لسلاحه، أي غير واضع له.
وليس المراد الأخذ باليد، بل المراد أن يكونوا حاملين لسلاحهم ليتناولوه من قرب إذا احتاجوا إليه، وليكون ذلك أقطع لرجاء عدوهم من إمكان فرصة فيهم.
وجوّز الزجاج والنحاس أن يكون ذلك أمرا للطائفتين جميعا، لأنه أرهب للعدو.
وقد أوجب أخذ السلاح في هذه الصلاة أهل الظاهر حملا للأمر على الوجوب.
وذهب أبو حنيفة إلى أن المصلين لا يحملون السلاح، وأن ذلك يبطل الصلاة، وهو مدفوع بما في هذه الآية، وبما في الأحاديث الصحيحة كما أوضحنا ذلك، مع بيان كيفيات تلك الصلاة الثابتة في شرحي: «الدرر البهية» «٣» و «مسك الختام».
فَإِذا سَجَدُوا: أي القائمون في الصلاة، فَلْيَكُونُوا، أي الطائفة القائمة بإزاء العدو، مِنْ وَرائِكُمْ: من وراء المصلين.
ويحتمل أن يكون المعنى فإذا سجد المصلون معك أتمّوا الركعة تعبيرا بالسجود عن جميع الركعة أو عن جميع الصلاة، فليكونوا من ورائكم، أي: فلينصرفوا بعد الفراغ
(١) حديث صحيح: ما رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/ ٣٥١)، والطبري (١٠٣٦١، ١٣٠٦٢)، والبيهقي (٣/ ٣٥٢) بنحوه.
(٢) انظر: تفسير الطبري (٥/ ٢٥٠، ٢٥١).
(٣) انظر الروضة الندية (١/ ١٤٧، ١٤٩).
إلى [مقابلة] «١» العدو للحراسة.
وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا: وهي القائمة في مقابلة العدو والتي لم تصل.
فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ: على الصفة التي كانت عليها الطائفة الأولى.
وَلْيَأْخُذُوا أي هذه الطائفة الأخرى حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ: زيادة التوصية للطائفة الأخرى بأخذ الحذر مع أخذ السلاح.
قيل: وجهه أن هذه المرة مظنة لوقوف الكفرة على كون الطائفة القائمة مع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في شغل شاغل، وأما في المرة الأولى فربما يظنونهم قائمين للحرب.
وقيل: لأن العدو لا يؤخر قصده عن هذا الوقت لأنه آخر الصلاة، والسلاح ما يدفع به المرء عن نفسه في الحرب، ولم يبين في الآية الكريمة كم تصلي كل طائفة من الطائفتين.
وقد وردت صلاة الخوف في السنة المطهرة على أنحاء مختلفة، وصفات متعددة، وكلها صحيحة مجزية، من فعل واحدة منها فقد فعل ما أمر به، ومن ذهب من العلماء إلى اختيار صفة دون غيرها، فقد أبعد عن الصواب.
وأوضح هذا الشوكاني في «شرحه للمنتقى» وغيره «٢».
وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً: هذه الجملة متضمنة للعلة التي لأجلها أمرهم الله سبحانه بالحذر، وأخذ السلاح، أي ودوا غفلتكم عن أخذ السلاح، وعن الحذر ليصلوا إلى مقصودهم، وينالوا فرصتهم، فيشدون عليكم شدة واحدة.
والأمتعة: ما يتمتع به في الحرب، ومنه الزاد والراحلة «٣».
وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ: رخص لهم سبحانه في وضع السلاح إذا نالهم أذى من المطر، وفي حال
(١) وقع في المطبوعة إلى (مقاتلة) والمثبت من فتح القدير (١/ ٥٠٨) وهو الموافق للسياق.
(٢) انظر: نيل الأوطار (٤/ ١٠٢٢)، وكذلك السّيل الجرار (١/ ٣١٢، ٣١٣).
(٣) انظر: تفسير القرطبي (٥/ ٣٧٢)، فتح القدير (١/ ٥٠٩).
المرض، لأنه يصعب مع هذين الأمرين حمل السلاح.
وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٠٢) :أمر بأخذ الحذر لئلا يأتيهم العدو على غرة وهم غافلون.
[الآية الثلاثون] فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (١٠٣).
فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ: أي فرغتم من صلاة الخوف، وهو أحد معاني القضاء، ومثله: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ [البقرة: ٢٠٠] وقوله: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [الجمعة: ١٠].
فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ: أي في جميع الأحوال، حتى في حال القتال.
وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن هذا الذكر المأمور به إنما هو أثر صلاة الخوف، أي إذا فرغتم من الصلاة فاذكروا الله في هذه الأحوال، وقيل: معنى قوله: فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ إلخ إذا صليتم فصلوا قياما وقعودا وعلى جنوبكم حسبما تقتضيه الحال عند ملاحمة القتال، فهي مثل قوله: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً [البقرة: ٢٣٩].
فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ: أي إذا أمنتم وسكنت قلوبكم.
والطمأنينة: سكون النفس من الخوف.
فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أي فأتوا بالصلاة التي دخل وقتها على الصفة المشروعة من الأذكار والأركان، ولا تغفلوا ما أمكن فإن ذلك إنما هو في حال الخوف.
وقيل: المعنى في الآية أنهم يقضون ما صلوه في حال المسابقة، لأنها حالة قلق وانزعاج وتقصير في الأذكار والأركان، وهو مروي عن الشافعي، والأول أرجح.
إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (١٠٣) :أي محدودا معينا، يقال:
وقته فهو موقوت ووقته فهو موقت «١».
والمعنى أن الله افترض على عباده الصلوات وكتبها عليهم في أوقاتها المحددة، لا يجوز لأحد أن يأتي بها في غير ذلك الوقت إلا بعذر شرعي من نوم وسهو أو نحوهما.
[الآية الحادية والثلاثون]
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥).
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى المشاققة: [المعاداة] «٢» والمخالفة.
وتبيّن الهدى: ظهوره بأن يعلم صحة الرسالة، بالبراهين الدالة على ذلك، ثم يفعل المشاققة.
وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ: أي غير طريقهم، وهو ما هم عليه من دين الإسلام، والتمسك بأحكام رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، كما قال تعالى: إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا الآية [النور: ٥١]، وقال تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ الآية [النساء: ٥٩].
وقال عز من قائل: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ [النساء: ٦٥] الآية، إلى غير ذلك.
نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى: أي نجعله واليا لما تولاه من الضلال، وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥).
وقد استدل جماعة من أهل العلم، بهذه الآية على حجية الإجماع، لقوله:
وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، ولا حجة في ذلك عندي لأن المراد بغير سبيل المؤمنين هنا هو الخروج من دين الإسلام إلى غيره، كما يفيده اللفظ ويشهد به السبب، فلا يصدق على عالم من علماء هذه الملة الإسلامية، اجتهد في بعض مسائل دين الإسلام، فأدّاه اجتهاده إلى مخالفة من بعصره من المجتهدين، فإنما رام السلوك في سبيل
(١) انظر: تفسير القرطبي (٥/ ٣٧٤).
(٢) ما بين [معقوفين] صحّف إلى (المعاورة) وهو خطأ، والصواب المثبت من «فتح القدير» (١/ ٥١٥).
المؤمنين، وهو الدين القويم، والملة الحنفية، ولم يتبع غير سبيلهم «١».
وأخرج الترمذي والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «لا يجمع الله هذه الأمة على الضلالة أبدا، ويد الله على الجماعة، فمن شذ شذ في النار» «٢».
وأخرجه الترمذي والبيهقي أيضا عن ابن عباس مرفوعا «٣».
[الآية الثانية والثلاثون]
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (١٢٧).
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ سبب نزول هذه الآية سؤال قوم من الصحابة عن أمر النساء وأحكامهن في الميراث وغيره، فأمر الله نبيه أن يقول لهم: اللَّهُ يُفْتِيكُمْ أي يبيّن لكم حكم ما سألتم عنه «٤».
وهذه الآية رجوع إلى ما افتتحت به السورة من أمر النساء، وكان قد بقيت لهم أحكام لم يعرفوها فسألوا فقيل لهم: اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ.
وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ معطوف على قوله: اللَّهُ يُفْتِيكُمْ.
والمعنى: والقرآن الذي يتلى عليكم يفتيكم فيهن، والمتلو في الكتاب في معنى
(١) انظر: فتح القدير للشوكاني (١/ ٥١٥) والقرطبي (٥/ ٣٨٦).
(٢) إسناده ضعيف: رواه الترمذي (٢١٦٧)، والبيهقي في «الأسماء» (ص ٣٢٢)، والحاكم (١/ ١١٥) وقال أبو عيسى: غريب من هذا الوجه.
(٣) حديث صحيح: رواه الترمذي (٢١٦٦)، والبيهقي في «الأسماء» (ص ٣٢٢)، وقال أبو عيسى:
حسن صحيح.
قلت: قد وثق جماعة: «إبراهيم بن ميمون منهم الحافظ ابن حجر» وللحديث شواهد صحيحة.
(٤) انظر: في سبب نزول هذه الآية «البخاري» (٨/ ٢٣٩، ٢٩٥)، ومسلم (١٨/ ١٥٤، ١٥٥)، والطبري (٥/ ١٩٣).
اليتامى قوله: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى [النساء: ٣].
ويجوز أن يكون قوله: وَما يُتْلى معطوفا على الضمير في قوله يُفْتِيكُمْ الراجع إلى المبتدأ، لوقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالمفعول والجار والمجرور.
ويجوز أن يكون مبتدأ، وفي الكتاب خبره، على أن المراد به اللوح المحفوظ، وقد قيل في إعرابه غير ما ذكرنا ولم نذكره لضعفه.
وقوله: فِي يَتامَى النِّساءِ على الوجه الأول والثاني صلة، لقوله: يُتْلى، وعلى الوجه الثالث، بدل من قوله فِيهِنَّ.
اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ وفرض لَهُنَّ من الميراث وغيره.
وَتَرْغَبُونَ معطوف على قوله: لا تُؤْتُونَهُنَّ عطف جملة مثبتة على جملة منفية، وقيل: حال من فاعل تُؤْتُونَهُنَّ.
وقوله: أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ يحتمل أن يكون التقدير ترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن، ويحتمل أن يكون التقدير وترغبون في أن تنكحوهن لعدم جمالهن.
وقوله: وَالْمُسْتَضْعَفِينَ معطوف على يَتامَى النِّساءِ، أي وما يتلى عليكم في المستضعفين مِنَ الْوِلْدانِ وهو قوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء: ١١] وقد كان أهل الجاهلية لا يورّثون النساء، ولا من كان مستضعفا من الولدان، وإنما يورّثون الرجال القائمين بالقتال وسائر الأمور «١».
وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ معطوف على قوله: فِي يَتامَى النِّساءِ كالمستضعفين، أي وما يتلى عليكم في يتامى النساء، وفي المستضعفين، وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط: أي العدل. ويجوز أن يكون في محل نصب، أي: ويأمركم أن تقوموا.
وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ في حقوق المذكورين أو من شرّ فيه ففيه اكتفاء.
(١) انظر: معاني الفرّاء (١/ ٢٩٠)، والزّجاج (٢/ ١٢٥)، والطبري (٥/ ١٩٥)، وزاد المسير (٢/ ٢١٦)، والمشكل (١/ ٢٠٨)، والتبيان (١/ ١٩٦)، والنكت (١/ ٤٢٥)، والقرطبي (٥/ ٤٠٢). [..... ]
فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (١٢٧) يجازيكم بحسب فعلكم.
[الآية الثالثة والثلاثون] وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٢٨).
وَإِنِ امْرَأَةٌ : مرفوعة بفعل مقدّر يفسره ما بعده، أي وإن خافت امرأة، بمعنى توقعت ما يخاف من زوجها.
وقيل: معناه تيقنت، وهو خطأ.
مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أي دوام النشوز والترفع عليها بترك المضاجعة، والتقصير في النفقة، أَوْ إِعْراضاً عنها بوجهه.
وقال النحاس: الفرق بين النشوز والإعراض: أن النشوز التباعد، والإعراض أن لا يكلمها ولا يأنس بها «١».
وظاهر الآية أنها تجوز المصالحة عند مخافة نشوز أو إعراض، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. والظاهر أنه يجوز التصالح بأي نوع من أنواعه، إما بإسقاط النوبة، أو بعضها، أو بعض النفقة، أو بعض المهر.
فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما هكذا قرأ الكوفيون: أَنْ يُصْلِحا، وقراءة الجمهور أولى لأن قاعدة العرب أن الفعل إذا كان بين اثنين فصاعدا قيل: تصالح الرجلان، أو القوم، لا أصلح، وصُلْحاً منصوب على أنه اسم مصدر، أو على أنه مصدر محذوف الزوائد، أو منصوب بفعل محذوف، أي فيصلح حالهما صلحا، وقيل:
هو منصوب على المفعولية «٢».
(١) انظر: الطبري (٥/ ١٩٦)، والنكت (١/ ٤٢٦)، وزاد المسير (٢/ ٢١٨).
(٢) قال الأزهري: «قرأ الكوفيون: «يصلحا» بالضم والتخفيف، وقرأ الباقون: «يصّالحا» أي يتصالحا، فأدغمت التاء في الصاد، وشدّدت، ومن قرأ «يصلحا» فمعناه: إصلاحهما الأمر بينهما.
يقال: أصلحت ما بين القوم، والمعنى فيهما: أن الزوجين يجتمعان على صلح يتفقان عليه، وذلك أن المرأة تكره الفراق، فتدع بعض حقها من الفراش للزوج فيؤثر به غيرها من نسائه،
وَالصُّلْحُ خَيْرٌ لفظ عام، يقتضي أن الصلح الذي تسكن إليه النفوس، ويزول به الخلاف، خير على الإطلاق، أو خير من الفرقة، أو الخصومة، أو النشوز والإعراض، وهذه الجملة اعتراضية.
[الآية الرابعة والثلاثون] وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٢٩).
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا: أخبر سبحانه وتعالى بنفي استطاعتهم للعدل.
بَيْنَ النِّساءِ على الوجه الذي لا ميل فيه البتة، لما جبلت عليه الطباع البشرية، من ميل النفس إلى هذه دون هذه، وزيادة هذه في المحبة ونقصان هذه، وذلك بحكم الخلقة، بحيث لا يملكون قلوبهم، ولا يستطيعون توقيف أنفسهم على التسوية.
ولهذا كان يقول الصادق المصدوق صلّى الله عليه وآله وسلّم: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك».
رواه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن المنذر عن عائشة، وإسناده صحيح «١».
وَلَوْ حَرَصْتُمْ على العدل بينهنّ في الحبّ.
فَلا تَمِيلُوا إلى التي تحبونها في القسم والنفقة.
كما فعلت سودة في تركها ليلتها لعائشة. (معاني القراءات ص ١٣٣) بتحقيقنا- ط دار الكتب العلمية- بيروت.
(١) حديث ضعيف: رواه أبو داود (٢١٣٤)، والترمذي (١١٤٠)، والنسائي (٧/ ٦٤٢٦٣)، وابن ماجة (١٩٧١)، وأحمد (٦/ ١٤٤)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ٤٤٦، ٤٤٧)، والحاكم (٢/ ١٨٧)، والبيهقي (٧/ ٢٦٣، ٦٤٢)، والدارمي (٢/ ١٤٤)، وابن أبي حاتم في علله» (١/ ٤٢٥)، وابن حبان (١٠/ ٥)، (٤٢٠٥).
قلت: فقد صححه كلا من الحاكم والذهبي وابن كثير والأمير الصنعاني.
ولكن أهل الجرح والتعديل من أئمة المحققين المتقدمين قد أعلّوه، وعليه أنه حديث مرسل. وتفصيل ذلك في «الإرواء» (٧/ ٨٢) (٢٠١٨).
ولمّا كانوا لا يستطيعون ذلك، ولو حرصوا عليه وبالغوا فيه، نهاهم الله عز وجل أن يميلوا كُلَّ الْمَيْلِ لأن ترك ذلك، وتجنب الجور كل الجور في وسعهم، وداخل تحت طاقتهم، فلا يجوز لهم أن يميلوا إلى إحداهن عن الأخرى كل الميل، كما قال: فَتَذَرُوها: أي الأخرى، كَالْمُعَلَّقَةِ التي ليست ذات زوج، ولا مطلقة يشبهها بالشيء الذي هو معلق غير مستقر على شيء، لا في الأرض ولا في السماء «١».
[الآية الخامسة والثلاثون]
وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (١٤٠).
وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ: الخطاب لجميع من أظهر الإيمان من مؤمن ومنافق لأن من أظهر الإيمان فقد لزمه أن يمتثل ما أنزل الله.
وقيل: إنه خطاب للمنافقين فقط، كما يفيده التشديد والتوبيخ.
أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها: أي إذا سمعتم الكفر والاستهزاء بآيات الله تعالى.
فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ: أي مع المستهزئين ما داموا كذلك.
حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ أي غير حديث الكفر والاستهزاء بها، والذي أنزله الله عليهم في الكتاب هو قوله: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [الأنعام: ٦٨].
وقد كان جماعة بمكة من الداخلين في الإسلام يقعدون مع المشركين واليهود، حال سخريتهم بالقرآن، واستهزائهم به، فنهوا عن ذلك «٢».
قال ابن عباس: دخل في هذه الآية كل محدث ومبتدع في الدين إلى يوم القيامة.
(١) انظر: الزجاج (٢/ ١٢٩)، والطبري (٥/ ٢٠١)، والنكت (١/ ٤٢٧)، وزاد المسير (٢/ ٢٢٠)، والقرطبي (٥/ ٤١٣)، وفتح القدير (١/ ٥٢١، ٥٢٣).
(٢) انظر: الطبري (٥/ ٣٢٩، ٣٣٠)، والقرطبي (٥/ ٤١٧، ٤١٨)، والدرر للسيوطي (٢/ ٧١٨).
وكذا قال الشوكاني في «فتح القدير» «١» :إن في هذه الآية- باعتبار عموم لفظها، الذي هو المعتبر، دون خصوص السبب- دليلا على اجتناب كل موقف يخوض فيه أهله، بما يفيد النقص والاستهزاء للأدلة الشرعية، كما يقع كثيرا من أسراء التقليد، الذين استبدلوا آراء الرجال بالكتاب والسنة، ولم يبق في أيديهم سوى: قال إمام مذهبنا كذا! وقال فلان من أتباعه بكذا! وإذا سمعوا من يستدل على تلك المسألة بآية قرآنية، أو بحديث نبوي، سخروا منه، ولم يرفعوا إلى ما قاله رأسا، ولا بالوا به أي مبالاة، وظنوا أنه قد جاء بأمر فظيع، وخطب شنيع، وخالف مذهب إمامهم الذي نزلوه منزلة معلم الشرائع! بل بالغوا في ذلك، حتى جعلوا رأيه الفائل «٢» واجتهاده الذي هو عن منهج الحق مائل، مقدّما على الله تعالى، وعلى كتابه وعلى رسوله، فإنّا لله وإنا إليه راجعون، مما صنعت هذه المذاهب بأهلها، والذين انتسب هؤلاء المقلدة إليهم برآء من فعلهم فإنهم قد صرحوا في مؤلفاتهم، بالنهي عن تقليدهم كما أوضحنا ذلك في رسالتنا المسماة ب «القول المفيد في حكم التقليد»، وفي مؤلفنا المسمى ب «أدب الطلب ومنتهى الأرب»، اللهم انفعنا بما علمتنا، واجعلنا من [المتقيدين] «٣» بالكتاب والسنة، وباعد بيننا وبين آراء الرجال المبنية على شفا جرف هار، يا مجيب السائلين. انتهى.
إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ تعليل للنهي، أي إنكم إذا فعلتم ذلك، ولم تنتهوا، فأنتم مثلهم في الكفر، واستتباع العذاب، وقيل: هذه المماثلة ليست في جميع الصفات، ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر كما في قول القائل:
وكل قرين بالمقارن يقتدي وهذه الآية محكمة عند جميع أهل العلم، إلا ما يروى عن الكلبي فإنه قال: هي منسوخة بقوله تعالى: وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، وهو مردود «٤»، فإن من التقوى اجتناب مجالس هؤلاء الذين يكفرون بآيات الله، ويستهزؤون بها، وفي الأنعام نحوها «٥».
(١) انظر: فتح القدير (١/ ٥٢٦).
(٢) أي الضعيف. [الصحاح: فأل].
(٣) في المطبوعة (المقتدين) والمثبت من فتح القدير (١/ ٥٢٦).
(٤) قال ابن أبي حاتم في «الجرح» (٧/ ٢٧١) : «تفسير الكلبي باطل».
(٥) آية رقم (٦٨).
قال أهل العلم: وهذا يدل على أن الرضى بالكفر كفر، وكذا من رضي بمنكر، أو خالط أهله، كان في الإثم بمنزلتهم إذا رضي به، وإن لم يباشره ولو جلس خوفا وتقية، مع كمال سخطه لذلك، كان الأمر أهون من الأول «١».
[الآية السادسة والثلاثون] الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١).
وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١) هذا في يوم القيامة، إذا كان المراد بالسبيل النصر والغلب، أو في الدنيا إن كان المراد به الحجة.
قال ابن عطية: قال جميع أهل التأويل: إن المراد بذلك يوم القيامة.
قال ابن العربي: وهذا ضعيف لعدم فائدة الخبر فيه، وسببه توهم من توهم أن آخر الكلام يرجع إلى أوله، يعني قوله: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وذلك يسقط فائدته، أو يكون تكرار هذا معنى كلامه.
وقيل: المعنى أن الله لا يجعل للكافرين سبيلا على المؤمنين، يمحو به دولتهم بالكلية، ويذهب آثرهم، ويستبيح بيضتهم، كما يفيده الحديث الثابت في الصحيح «٢».
وقيل: إنه سبحانه لا يجعل للكافرين سبيلا على المؤمنين، ما داموا عاملين بالحق، غير راضين بالباطل، ولا تاركين للنهي عن المنكر، كما قال تعالى:
(١) انظر: القرطبي (٥/ ٤١٨)، وابن كثير (١/ ٥٨٠).
(٢) الحديث الصحيح الذي قصده المصنف هو ما رواه مسلم (١٨/ ١٣، ١٤) عن ثوبان قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما روي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي: أن لا يهلكها بسنة بعامّة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم... » الحديث.
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: ٣٠] قال ابن العربي: وهذا نفيس جدا.
وقيل: لا يجعل الله تعالى لهم عليهم سبيلا شرعا، فإن وجد فبخلاف الشرع، فإن شريعة الإسلام ظاهرة إلى يوم القيامة. هذا خلاصة ما قاله أهل العلم في هذه الآية «١».
وهي صالحة للاحتجاج بها على كثير من المسائل، كعدم إرث الكافر من المسلم، وعدم تملكه مال المسلم إذا استولى عليه، وعدم قتل المسلم بالذمي.
[الآية السابعة والثلاثون]
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (١٤٨).
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ: نفي الحب كناية عن البغض.
قرأ الجمهور: إِلَّا مَنْ ظُلِمَ على البناء للمجهول، وقرأ زيد بن أسلم وابن أبي إسحاق والضحاك وابن عباس وابن جبير وعطاء بن السائب على البناء للمعلوم. وهو على القراءة الأولى استثناء متصل بتقدير مضاف محذوف، أي إلا جهر من ظلم.
وقيل: إنه على القراءة الأولى أيضا منقطع: أي لكن من ظلم فله أن يقول ظلمني فلان مثلا «٢».
واختلف أهل العلم في كيفية الجهر بالسوء الذي يجوز لمن ظلم، فقيل: هو أن يدعو على من ظلمه، وقيل: لا بأس أن يجهر بالسوء من القول على من ظلمه، بأن يقول: فلان ظلمني، أو هو ظالم، أو نحو ذلك. وقيل معناه إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول من كفر أو نحوه فهو مباح.
والآية على هذا في الإكراه، وكذا قال قطرب، قال: ويجوز أن يكون على البدل،
(١) انظر هذه الأقوال في: فتح القدير (١/ ٥٢٧، ٥٢٨). [..... ]
(٢) قراءة العشر بفتح الظاء بمعنى: ما يفعل الله بعذابكم إلا من ظلم، والمعنى على قراءة الجمهور:
إلا أنه يدعو المظلوم على من ظلمه، أو أن ينتصر المظلوم من ظالمه، أو أن يخبر بظلم من ظلمه، واختلف في الاستثناء هنا: أهو منقطع! وهو الأرجح أم متصل أما على قراءة الفتح فالاستثناء منقطع. ينظر: الفراء (١/ ٢٩٣)، والزجاج (٢/ ١٣٧)، والمشكل (١/ ٢١٠)، والتبيان (١/ ٢٠٠).
كأنه قال: لا يحب الله إلا من ظلم: أي لا يحب الظالم، بل يحب المظلوم.
والظاهر من الآية: أنه يجوز لمن ظلم أن يتكلم بالكلام الذي هو من السوء في جانب من ظلمه، ويؤيده الحديث الثابت في «الصحيح» بلفظ: «ليّ الواجد ظلم، يحل عرضه وعقوبته» «١».
وأما على القراءة الثانية، فالاستثناء منقطع، أي إلا من ظلم في فعل أو قول فاجهروا له بالسوء من القول، في معنى النهي عن فعله، والتوبيخ له.
وقال قوم: معنى الكلام لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول، لكن من ظلم فإنه يجهر بالسوء ظلما وعدوانا وهو ظالم في ذلك، وهذا شأن كثير من الظلمة فإنهم- مع ظلمهم- يستطيلون بألسنتهم على من ظلموه، وينالون من عرضه.
وقال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى، إلا من ظلم فقال سوءا فإنه ينبغي أن يأخذوا على يديه «٢».
[الآية الثامنة والثلاثون]
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦).
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ: قد تقدم الكلام في الكلالة.
(١) حديث صحيح: رواه أبو داود (٣٦٢٨)، والنسائي (٧/ ٣١٦، ٣١٧)، وابن ماجة وأحمد (٤/ ٢٢٢، ٣٨٨، ٣٨٩)، والحاكم (٤/ ١٠٢)، والطبراني (٧٢٤٩)، (٧٢٥٠)، وابن حبان (١١/ ٤٨٦) (٥٠٨٩)، وقال الحاكم: صحيح، ووافقه الذهبي. ورواه البخاري معلقا (٥/ ٦٢)، وقال الحافظ: وصله أحمد وإسحاق في «مسنديهما» وأبو داود والنسائي من حديث عمرو بن الشريد بن أوس الثقفي عن أبيه بلفظه، وإسناده حسن، وذكر الطبراني: «أنه لا يروى إلا بهذا الإسناد».
(٢) لحديث أبي بكر الصحيح الذي رواه أبو داود (٤٣٣٨)، والترمذي (٢١٦٨، ٣٠٥٧)، وابن ماجة (٤٠٠٥)، وأحمد (١، ١٦، ٢٩، ٣٠، ٥٣) عن أبي بكر مرفوعا. وسيأتي تخريجه عند تفسير آية (١٠٥) من المائدة.
إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ: أي أن يهلك امرؤ هلك، كما تقدم في قوله: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ [النساء: ١٢٨].
لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ : إما صفة لامرىء أو حال، ولا وجه للمنع من كونه حالا، والولد يطلق على الذكر والأنثى، واقتصر على عدم الولد هنا، مع أن عدم الوالد أيضا معتبر في الكلالة، اتكالا على ظهور ذلك؟
قيل: والمراد هنا بالولد الابن، وهو أحد معنيي المشترك لأن البنت لا تسقط الأخت.
وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ عطف على قوله: لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ، والمراد بالأخت هنا هي الأخت لأبوين أو لأب [لا] «١» لأم، فإن فرضها السدس، كما ذكر سابقا «٢».
وقد ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، إلى أن الأخوات لأبوين أو أب عصبة للبنات، وإن لم يكن معهن أخ.
وذهب ابن عباس إلى أن الأخوات لا يعصبن البنات، وإليه ذهب داود الظاهري وطائفة، وقالوا: إنه لا ميراث للأخت لأبوين، أو لأب مع البنت، واحتجوا بظاهر هذه الآية فإنه جعل عدم الولد المتناول للذكر والأنثى، قيدا في ميراث الأخت وهذا الاستدلال صحيح، لو لم يرد في السنة ما يدل على ثبوت ميراث الأخت مع البنت، وهو ما ثبت في «الصحيح» أن معاذا قضى على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في بنت وأخت، فجعل للبنت النصف، وللأخت النصف «٣».
وثبت في «الصحيح» أيضا أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قضى في بنت، وبنت ابن، وأخت، فجعل للبنت النصف، ولبنت الابن السدس، وللأخت الباقي «٤».
(١) ما بين [معقوفين] وقع (إلا) في المطبوعة وهو مخالف للصواب، وانظر: فتح القدير (١/ ٥٤٣).
(٢) عند الآية (١٢) من سورة النساء.
(٣) حديث صحيح: رواه البخاري (١٢/ ١٥، ٢٤).
وانظر: مغني المحتاج (٣/ ١٠)، والروضة (٥/ ١١)، والإقناع (٣/ ٨٥)، والمغني (٦/ ١٧٦)، وبداية المجتهد (٢/ ٣٤٣)، والاختيار للموصلي (٤/ ١٦٣)، وحاشية البقري على المارديني (ص ١٩).
وشرح الرحبية للمارديني (ص ٦١) ط. قرطية، ودار الكتب العلمية- كلاهما بتحقيقنا.
(٤) حديث صحيح: رواه البخاري (١٢/ ١٧، ٢٤)، وأبو داود (٢٨٩٠)، والترمذي (٢١٧٣)، وأحمد.
فكانت هذه السنة مقتضية لتفسير الولد بالابن دون البنت.
وَهُوَ أي الأخ يَرِثُها أي الأخت إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ ذكر، وإن كان المراد بإرثه لها حيازته لجميع تركتها، وإن كان المراد ثبوت ميراثه لها في الجملة- أعم من أن يكون كلا أو بعضا- صح تفسير الولد بما يتناول الذكر والأنثى.
واقتصر سبحانه على نفي الولد فقط مع كون الأب يسقط الأخ أيضا، لأن المراد بيان سقوط الأخ مع الولد فقط هنا، وأما سقوطه مع الابن فقد تبين بالسنة، كما ثبت في «الصحيح» من قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فالأولى رجل ذكر» «١» والأب أولى من الأخ.
فَإِنْ كانَتَا أي فإن كان من يرث بالأخوة اثْنَتَيْنِ والعطف على الشرطية السابقة، والتأنيث والتثنية، وكذلك الجمع في قوله: وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً باعتبار الخبر، فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ الأخ إن لم يكن له ولد كما سلف، وما فوق الاثنتين من الأخوات يكون لهن الثلثان بالأولى مع أن نزول الآية كان في جابر- وقد مات رضي الله عنه عن أخوات سبع أو تسع «٢».
وَإِنْ كانُوا: أي من يرث بالأخوة إِخْوَةً أي وأخوات، فغلب الذكور، أو فيه اكتفاء بدليل قوله: رِجالًا وَنِساءً أي مختلطين ذكورا وإناثا فَلِلذَّكَرِ: منهم، حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ: تعصيبا.
وقد وضحنا الكلام- خلافا واستدلال وترجيحا- في شأن الكلالة، في أول هذه السورة، فلا نعيد «٣».
(١/ ٣٨٩)، وابن ماجة (٢٧٢١)، عن ابن مسعود مرفوعا.
وانظر: إجماع ابن المنذر (ص ٦٨)، والمغني (٦/ ١٧٤)، والمبسوط (٢٩/ ١٥٢)، ومراتب ابن حزم (ص ١٠٢)، والإقناع (٣/ ٨٨)، وشرح الرحبية (ص ٦٥) بتحقيقنا.
(١) صحيح: رواه البخاري (١٢/ ١١، ١٦، ١٨)، ومسلم (١١/ ٥٢، ٥٣)، وأبو داود (٢٨٩٥)، والترمذي (٢٠٩٠)، وابن ماجة (٢٧٤٠)، وأحمد (١/ ٢١٣) عن ابن عباس مرفوعا.
وانظر: شرح الرحبية لسبط المارديني (ص ٧٣، ٧٤)، بتحقيقنا- ط. قرطبة، ودار الكتب العلمية.
(٢) حديث صحيح: رواه البخاري (١٢/ ٢٥)، ومسلم (١١/ ٥٤، ٥٦)، عن جابر بن عبد الله مرفوعا.
(٣) عند الآية (١٢).
السورة التالية
Icon