0:00
0:00

شرح الكلمات :
﴿ الناس ﴾ :البشر، واحد الناس من غير لفظه وهو إنسان.
﴿ اتقوا ربكم ﴾ :خافوه أن يعذبكم فامتثلوا أمره واجتنبوا نهيه.
﴿ من نفس واحدة ﴾ :هي آدم عليه السلام.
﴿ وخلق منها زوجها ﴾ :خلق حواء من آدم من ضلعه.
﴿ وبث ﴾ :نشر وفرق في الأرض من آدم وزوجه رجلا ونساء كثراً.
﴿ تساءلون به ﴾ :كقول الرجل لأخيه أسألك بالله أن تفعل لي كذا.
﴿ والأرحام ﴾ :الأرحام جمع رحم، والمراد من اتقاء الأرحام صلتها وعدم قطعها.
﴿ رقيباً ﴾ :الرقيب :الحفيظ العليم.
المعنى الكريمة الكريمة :
ينادي الرب تبارك وتعالى عباده بلفظ عام يشمل مؤمنهم وكافرهم :يا أيها الناس ويأمرهم بتقواه عز وجل وهي اتقاء عذابه في الدنيا والآخرة بالإِسلام التام إليه ظاهراً وباطناً. واصفا نفسه تعالى بأنه ربهم الذي خلقهم من نفس واحدة وهي آدم الذي خلقه من طين، وخلق من تلك النفس زوجها وهي حواء، وأنه تعالى بث منهما أي نشر منهما في الأرض رجالاً كثيرا ونساء كذلك ثم كرر الأمر بالتقوى إذ هي ملاك الأمر فلا كمال ولا سعادة بدون الالتزام بها قائلا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، أي اتقوا الله ربكم الذي آمنت به قلوبكم فكنتم إذا أراد أحدكم من أخيه شيئاً قال له أسألك بالله إلا أعطيتنى كذا.. واتقوا الأرحام أن تقطعوها فإن في قطعها فساداً كبيراً وخللاً عظيما يصيب حياتكم فيفسدها عليكم، وتوعدهم تعالى أن لم يمتثلوا أمره بتقواه ولم يصلوا أرحامهم بقوله أن الله كان عليكم رقيباً مراعيا لأعمالكم محصياً لها حافظاً يجزيكم بها إلا أيها الناس فاتقوه.
الهداية الكريمة
من الهداية الكريمة :
- فضل هذه الآية إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذ خطب في حاجة تلا آية آل عمر أن ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ وتلا هذه الآية، ثم آية الأحزاب ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً ﴾ ثم يقول أما بعد ويذكر حاجته.
- أهمية الأمر بتقوى الله تعالى إذ كررت في آية واحدة مرتين في أو لها وفي آخرها.
- وجوب صلة الأرحام وحرمة قطعها.
- مراعاة الأخوة البشرية بين الناس واعتبارها في المعاملات.
شرح الكلمات :
﴿ اليتامى ﴾ :جمع يتيم ذكراً كان أو أنثى وهو من مات والده وهو غير بالغ الحلم.
﴿ ولا تتبدَّلوا الخبيث بالطيب ﴾ :الخبيث الحرام والطيب الحلال والمراد بها هنا الرديء والجيد.
﴿ حوباً كبيراً ﴾ :الحوب الاثم الكبير العظيم.
المعنى :
لما أمر تعالى بصلة الأرحام وحرم قطعها في الآية السابقة أمر في هذه الآية أو صياء اليتامى أن يعطوا اليتامى أموالهم إذا هم بلغوا سن الرشد وآنسوا منهم الرشد فقال تعالى وآتوا اليتامى أموالهم. ونهاهم محرماً عليهم أن يستبدلوا أمول اليتامى الجيدة بأموالهم الرديئة فقال تعالى :ولا تتبدلوا الخبيث أي الرديء من أموالك بالطيب من أمولهم، لما في ذلك من أذية اليتيم في ماله، ونهاهم أيضا أن يأكلوا أمول يتاماهم مخلوطة مع أموالهم لما في ذلك من أكل مال اليتيم بغير حق فقال تعالى :ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم، وعلل ذلك بأنه إثم عظيم فقال عز وجل :إنه -أي الأكل- كان حوباً كبيراً. والحوب الإِثم. هذا المعنى الأو لى ( ٢ ) ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم، ولا تتبدَّلوا الخبيث بالطيب، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكانه كان حوباً كبيراً ﴾.
الهداية
من الهداية :
- كل مال حرام فهو خبيث وكل حلال فهو طيب.
- لا يحل للرجل أن يستبدل جيدا من مال يتيمه بمال رديء من ماله كان يأخذ شاة سمينة ويعطيه هزيلة أو يأخذ تمراً جيداً ويعطيه رديئاً خسيساً.
- لا يحل خلط مال اليتيم مع مال الوصي ويؤكل أن جميعا لما في ذلك من أكل مال اليتيم ظلما.
شرح الكلمات :
﴿ أن لا تقسطوا ﴾ :أن لا تعدلوا.
﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ :أي اثنتين أو ثلاث، أو أربع إذ لا تحل الزيادة على الأربع.
﴿ أدنى أن لا تعولوا ﴾ :أقرب أن لا تجوروا بترك العدل بين الزوجات.
المعنى :
وأما الآية الثانية ( ٣ ) فقد أرشد الله تعالى أو لياء اليتيمات أن هم خافوا أن لا يعدلوا معهن إذا تزوج أحدهم وليته أرشدهم إلى أن يتزوجوا ما طالب لهم من النساء غير ولياتهم مثنى، وثلاث ورباع، يريد اثنتين اثنتين أو ثلاث ثلاث أو أربع أربع كل بحسب قدرته، فهذا خير من الزواج بالولية فيهضم حقها وحقها آكد لقرابتها. هذا معنى قوله تعالى : ﴿ و أن خفتم إلا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ﴾. وقوله ﴿ فإن خفتم إلا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ﴾ يريد تعالى و أن خاف المؤمن إلا يعدل بين زوجاته لضعفه فليكتف بواحدة ولا يزد عليه غيرها أو يتسرّى بمملوكته أن كان له مملوكة فإن هذا أقرب إلى أن لا يجوز المؤمن ويظلم نساءه. هذا معنى قوله تعالى ﴿ فإن خفتم إلا تعدلوا فواحدة، أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى أن لا تعولوا ﴾.
الهداية
من الهداية :
- جواز نكاح أكثر من واحدة إلى أربع مع الأمن من الحيف والجور.
شرح الكلمات :
﴿ صدقاتهم نحلة ﴾ :جمع صدقة وهى الصداق والمهر، ونحلة بمعنى فريضة واجبة.
﴿ هنيئاً ﴾ :الهنيء :ما يستلذ به عند أكله.
﴿ مريئاً ﴾ :المريء :ما تحسن عاقبته بأن لا يعقب آثاراً سيئة.
المعنى :
وفي الآية الرابعة والأخيرة يأمر تعالى المؤمنين بأن يعطوا النساء مهورهن فريضة منه تعالى فرضها على الرجل لامرأته، فلا يحل له ولا لغيره أن يأخذ منها شيئاً إلا برضى الزوجة فإن هي رضيت فلا حرج في الأكل من الصداق لقوله تعالى فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئا.
الهداية
من الهداية :
- وجوب مهور النساء وحرمة الأكل منها بغير طيب نفس صاحبة المهر وسواء في ذلك الزوج وهو المقصود في الآية أو الأب والأقارب.
شرح الكلمات :
﴿ لا تؤتوا ﴾ :لا تعطوا.
﴿ السفهاء ﴾ :جمع سفيه وهو من لا يحسن التصرف في المال.
﴿ قياماً ﴾ :القيام :ما يقوم به الشيء فالأموال جعلها الله تعالى قياما أي تقوم عليها معايش الناس ومصالحهم الدنيوية والدينية أيضاً.
المعنى :
ما زال السياق الكريم في إرشاد الله تعالى عباده المؤمنين إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم في الدنيا، ونجاتهم وفلاحهم في الآخرة فقال تعالى في الآية الأو لى ( ٥ )، ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً، فنهاهم تعالى أن يعطوا أموالهم التي هي قوام معاشهم السفهاء من امرأة وولد أو رجل قام به وصف السفه وهو قلة البصيرة بالأمور المالية، والجهل بطرق التصرف الناجحة مخافة أن ينفقوها في غير وجوهها أو يفسدوها بأي نوع من الإِفساد، كالإِسراف ونحوه، وأمرهم أن يرزقوهم فيها ويكسوهم، وقال فيها ولم يقل منها إشارة إلى أن المال ينبغي أن ينمى في تجارة أو صناعة أو زراعة فيبقى رأس المال والأكل يكون من الربح فقط كما أمرهم أن يقولوا لسفائهم الذين منعوهم المال أن يقولوا لهم قولاً معروفاً كالعدة الحسنة والكلمة الطيبة، هذا ما تضمنته الآية الأو لى.
الهداية
من الهداية :
- مشروعية الحجر على السفيه لمصلحته.
- استحباب تنمية الأموال في الأو جه الحلال لقرينة ﴿ وارزقوهم فيها ﴾.
- وجوب اختبار السفيه قبل دفع ماله إليه، إذ لا يدفع إليهنلمال إلا بعد وجود الرشد.
شرح الكلمات :
﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ :أي اختبروهم كي تعرفوا هل أصبحوا يحسنون الصرف في المال.
﴿ بلغوا النكاح ﴾ :أي سن الزواج وهي البلوغ.
﴿ آنستم ﴾ :أبصرتم الرشد في تصرفاتهم.
﴿ إسرافاً وبداراً ﴾ :الإِسراف الإنفاق في غير الحاجة الضرورية، والبدار :المبادرة والمسارعة إلى الأكل منه قبل أن ينقل إلى اليتيم بعد رشده.
﴿ فليستعفف ﴾ :أي يعف بمعنى يكف عن الأكل من مال يتيمه.
﴿ فليأكل بالمعروف ﴾ :أي بقدر الحاجة الضرورية.
﴿ وكفى بالله حسيبا ﴾ :شاهداً لقرينة فأشهدوا عليهم.
المعنى :
أما الثانية ( ٦ ) فقد أمرهم تعالى باختبار اليتامى إذا بلغوا سن الرشد أو ناهزوا البلوغ بأن يعطوهم شيئاً من المال ويطلبوا منهم أن يبيعوا أو يشتروا فإذا وجدوا منهم حسن تصرف دفعوا إليه م أموالهم وكفى بالله حسيبا أي شاهداً ورقيباً حفيظاً. ونهاهم عز وجل أن يأكلوا أموال اليتامى إسرافاً وبداراً أن يكبروا ويريد لا تأكلوا أموال يتاماكم أيها الولاة والأو صياء بطريقة الإِسراف وهو الإنفاق الزائد على قدر الحاجة، والمبادرة هي المسارعة قبل أن يرشد السفيه وينقل إليهنلمال. ثم أرشدهم إلى أقوم الطرق وأسدها في ذلك فقال ومن كان منكم غنيا فليكفّ عن مال اليتيم ولا يأكل منه شيئاً، ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف وذلك بأن يستقرض منه ثم يرده إليه بعد الميسرة، و أن كان الولي فقيراً جاز له أن يعمل بأجر كسائر العمال، و أن كان غنياً فليعمل مجاناً احتساباً وأجره على الله والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
الهداية
من الهداية :
- وجوب اختبار السفيه قبل دفع ماله إليه، إذ لا يدفع إليه المال إلا بعد وجود الرشد.
- وجوب الإِشهاد على دفع المال إلى اليتيم بعد بلوغه ورشده.
- حرمة أكل مال اليتيم والسفيه مطلقا.
- الوالي على اليتيم أن كان غنياً فلا يأكل من مال اليتيم شيئاً، و أن كان فقيراً استقرض ورد عند الوجد واليسار، و أن كان مال اليتيم يحتاج إلى أجير للعمل فيه جاز للولي أن يعمل بأجرة المثل.
شرح الكلمات :
﴿ نصيب ﴾ :الحظ المقدر في كتاب الله.
﴿ الوالدان ﴾ :الأب والأم.
﴿ الأقربون ﴾ :جمع قريب وهو هنا الوارث بسب أو مصاهرة أو ولاء.
﴿ نصيبا مفروضا ﴾ :قدراً واجباً لازماً.
المعنى :
لقد كان أهل الجاهلية لا يُورِّثون النساء ولا الأطفال بحجة أن الطفل كالمرأة لا تركب فرساً ولا تحمل كلاَّ ولا تنكى عدواً، يُكْسِب ولا تكسب، وحدث أن امرأة يقال لها أم كُحَّة مات زوجها وترك لها بنتين فمنعهما أخو الهالك من الإِرث فشكت أم كحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية الكريمة : ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان، والأقربون، وللنساء نصيب مما ترك الوالد أن والأقربون ﴾ ومن ثم أصبحت المرأة كالطفل الصغير يرث أن كالرجال، وقوله تعالى :ما قل منه أي من المال المتروك أو كثر حال كون ذلك نصيباً مفروضاً لا بد من إعطائه الوارث ذكراً كان أو أنثى صغيراً أو كبيراً. والمراد من الوالدين الأب والأم، والأقربون كالأبناء والإِخو أن والبنات والأخوات، والزوج والزوجات هذا ما تضمنته الآية الأو لى ( ٧ ).
الهداية
من الهداية :
- تقرير مبدأ التوارث في الإِسلام.
شرح الكلمات :
﴿ أو لوا القربى ﴾ :أصحاب القرابات الذين لا يرثون لبعدهم عن عمودى النسب.
﴿ فارزقوهم منه ﴾ :أعطوهم شيئا يرزقونه.
﴿ قولا معروفا ﴾ :لا إهانة فيه ولا عتاب، ولا تأفيف.
المعنى :
وأما الآية الثانية ( ٨ ) فقد تضمنت فضيلة جميلة غفل عنها المؤمنون وهي أن من البر والصلة والمعروف إذا هلك هالك، وقدمت تركته للقسمة بين الورثة، وحضر قريب غير وارث لحجبه أو بعده أو حضر يتيم أو مسكين من المعروف أن يعطوا شيئاً من تلك التركة قبل قسمتها و أن تعذر العطاء لأن الورثة يتامى أو غير عقلاء يصرف أولئك الراغبون من قريب ويتيم ومسكين بكلمةٍ طيبة كاعتذار جميل تطيب به نفوسهم هذا ما تضمنته الآية الثانية وهى قوله تعالى : ﴿ وإذا حضر القسمة أو لو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه ﴾ -أي من المال- المتروك وقولوا لهم قولا معروفا أن تعذر إعطاؤهم لمانع يتم أو عقل.
الهداية
من الهداية :
- استحباب إعطاء من حضر قسمة التركة من قريب أو يتيم ومسكين و أن تعذر إعطاؤهم صُرفوا بالكلمة الطيبة، وفي الحديث الكلمة الطيبة صدقة.
شرح الكلمات :
﴿ الخشية ﴾ :الخوف في موضع الأمن.
﴿ قولا سديداً ﴾ :عدلا صائبا.
المعنى :
أما الآية الثالثة وهي قوله تعالى : ﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديداً ﴾ فقد تضمنت إرشاد الله تعالى للمؤمن الذي يحضر مريضا على فراش الموت بأن لا يسمح له أن يحيف في الوصية بأن يوصي لوارث أو يوصي بأكثر من الثلث أو يذكر دينا ليس عليه وإنما يريد حرم أن الورثة. فقال تعالى آمراً عباده المؤمنين ﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ﴾ أي من بعد موتهم، ﴿ ذرية ضعافاً خافوا عليهم ﴾. أي فليخشوا هذه الحال على أولاد غيرهم ممن حضروا وفاته. كما يخشونها على أولادهم.
إذاً فعليهم أن يتقوا الله في أولاد غيرهم. وليقولوا لمن حضروا وفاته ووصيته قولا سديداً :صائباً لا حيف فيه ولا جور معه. هذا ما تضمنته الآية الثالثة ( ٩ ).
الهداية
من الهداية :
- وجوب النصح والإِرشاد للمحتضر حتى لا يجور في وصيته عن موته.
-على من يخاف على أطفاله بعد موته أن يحسن إلى أطفال غيره فإن الله تعالى يكفيه فيهم.
شرح الكلمات :
﴿ ظلما ﴾ :بغير حق يخول له أكل مال اليتيم.
﴿ وسيصلون سعيرا ﴾ :سيدخلون سعيراً ناراً مستعرة يشوون فيها ويحرقون بها.
المعنى :
أما الآية الرابعة ( ١٠ ) فقد تضمنت وعيدا شديداً لمن يأكل مال اليتيم ظلما إذ قال تعالى فيها : ﴿ أن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً ﴾ والمراد من الظلم أنهم أكلوها بغير حق أباح لهم ذلك كأجرة عمل ونحوه، ومعنى يأكلون في بطونهم ناراً أنهم يأكلون النار يوم القيامة فقوله إنما يأكلون في بطونهم ناراً هو باعتبار ما يؤول إليه أمر أكلهم اليوم، والعياذ بالله من نار السعير.
الهداية
من الهداية :
- حرمة أكل مال اليتامى ظلمّاً، والوعيد الشديد فيه.
شرح الكلمات :
﴿ يوصيكم ﴾ :يعهد إليكم.
﴿ في أولادكم ﴾ :في شأن أولادكم والولد يطلق على الذكر والأنثى.
﴿ حظ ﴾ :الحظ الحصة أو النصيب.
﴿ نساء ﴾ :بنات كبيرات أو صغيرات.
﴿ ثلثا ما ترك ﴾ :الثلث واحد من ثلاثة، والثلث أن اثن أن من ثلاثة.
﴿ السدس ﴾ :واحد من ستة.
﴿ أن كان له ولد ﴾ :ذكراً كان أو أنثى، أو كان له وَلَدُ وَلَدٍ أيضا ذكراً أو أنثى فالحكم واحد.
﴿ فإن كان له إخوة ﴾ :اثن أن فأكثر.
﴿ من بعد وصية ﴾ :أي يَخْرُجُ الدين ثم الوصية ويقسم الباقي على الورثة.
﴿ فريضة ﴾ :فرض الله ذلك عليكم فريضة.
﴿ عليما حكيما ﴾ :عليما بخلقه وما يصلح لهم، حكيما في تصرفه في شؤون خلقه وتدبيره لهم.
المعنى :
هذه الآية الكريمة ( ١١ ) ﴿ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ الخ والتي بعدها ( ١٢ ) وهي قوله تعالى ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ﴾ إلخ نزلت لتفصيل حكم الآية ( ٧ ) والتي تضمنت شرعية التوارث بين الأقارب المسلمين، فالآية الأو لى ( ١١ ) يسن تعالى فيها توارث الأبناء مع الآباء فقال تعالى ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ أي في شأن أولادكم ﴿ للذكر مثل حظ الانثيين ﴾ يريد إذا مات الرجل وترك أولاداً ذكرا وإناثا فإن التركة تقسم على أساس أن للذكر مثل نصيب الأنثيين فلو ترك ولداً وبنتاً وثلاثة دنانير فإن الولد يأخذ دينارين والبنت تأخذ دينارً و أن ترك بنات أثنتين أو أكثر ولم يترك معهن ذكراً فإن للبنتين فأكثر الثلثين والباقي للعصبة إذ قال تعالى ﴿ فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ﴾. و أن ترك بنتاً فإن لها النصف والباقي للعصبة وهو معنى قوله تعالى ﴿ و أن كانت واحدة فلها النصف ﴾، و أن كان الميت ق ترك أبويه أي أمه وأباه وترك أولاداً ذكوراً أو إناثاً فإن لكل واحد من أبويه السدس والباقي للأولاد، وهو معنى قوله تعالى : ﴿ ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك أن كان له ولد ﴾، يريد ذكراً كان أو أنثى. فإن لم يكن للهالك وُلِدٌ ولاَ وَلَدْ وَلَدٍ فلأمه الثلث و أن كان له أخوة اثن أن فأكثر فلأمه السدس، هذا معنى قوله تعالى ﴿ فإن كان له إخوة فلأمه السدس ﴾. أي تسقط من الثلث إلى السدس وهذا يسمى بالحجب فجبها إخوة ابنها الميت من الثلث إلى السدس. وقوله تعالى ﴿ من بعد وصية يوصي بها أو دين ﴾ يريد أن قسمة التركة على النحو الذي بين تعالى يكون بعد قضاء دين الميت وإخراج ما أو صى به أن كان الثلث فأقل وهو معنى قوله تعالى ﴿ من بعد وصية يوصى بها أو دين ﴾. وقوله تعالى ﴿ آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً ﴾ معناه نفذوا هذه الوصية المفروضة كما علمكم الله ولا تحأو لوا أن تفضلوا أحداً على أحد فإن هؤلاء الوارثين آباؤكم وبناؤكم ولا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً في الدنيا والآخرة.
ولذا فاقسموا التركة كما علمكم بلا محاباة فإن الله تعالى هو القاسم والمعطى عليم بخلقه وبما ينفعهم أو يضرهم حكيم في تدبيره لشؤونهم فليفوض الأمر إليه، وليرض بقسمته فإنها قسمة عليم حكيم.
الهداية الكريمة
من الهداية الكريمة :
- أن الله تعالى تولى قسمة التركات بنفسه فلا يحل لأحد أن يغير منها شيئاً.
- الاثن أن يعتبر أن جمعا.
- ولد الولد حكمه حكم الولد نفسه في الحجب.
- الأب عاصب فقد يأخذ فرضه مع أحاب الفرائض وما بقي يرثه بالتعصيب لقوله صلى الله عليه وسلم " ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فالأو لى رجل ذكر ".
شرح الكلمات :
﴿ أزواجكم ﴾ :الأزواج هنا الزوجات.
﴿ ولد ﴾ :المراد هنا بالولد ابن الصلب ذكراً كان أو أنثى وولد الولد مثله.
﴿ الربع ﴾ :واحد من أربعة.
﴿ كَلاَلَة ﴾ :الكلالة أن يهلك هالك ولا يترك ولداً ولا والداً ويرثه إخوته لأمه.
﴿ له أخ أو أخت ﴾ :أي من الأم.
﴿ غير مضار ﴾ :بهما -أي الوصية والدين- أحداً من الورثة.
﴿ حليم ﴾ :لا يعاجل بالعقوبة على المعصية.
المعنى الكريمة الكريمة :
كانت الآية قبل هذه في بيان الوراثة بالنسب وجاءت هذه في بيان الوارثة بالمصاهرة والوارثون بالمصاهرة الزوج والزوجات قال تعالى :ولكم نصف ما ترك أزواجكم فمن ماتت وتركت مالاً ولم تترك وَلَداً ولا وَلَدَ ولدٍ ذكراً كان أو أنثى فإن لزوجها من تركتها النصف، و أن تركت ولداً أو ولد ذكراً كان أو أنثى فإن لزوجها من تركتها الربع لا غير لقول الله تعالى ﴿ فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن ﴾. وهذا من بعد سداد الدين أن كان على الهالكة دين، وبعد إخراج الوصية أن أو صت الهالكة بشيء، لقوله تعالى ﴿ من بعد وصية يوصين بها أو دين ﴾. هذا ميراث الزوج أما ميراث الزوجة من زوجها فهو الربع أن لم يترك الزوج ولداً ولا ولد ولد ذكراً أو أنثى فإن ترك ولداً أو ولد ولد فللزوجة الثمن، وهذا معنى قوله تعالى ﴿ ولهن الربع مما تركتكم أن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن ما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين ﴾. هذا و أن كان للزوج الهالك زوجت أن أو أكثر فإنهن يشتركن في الربع بالتسأو ي أن لم يكن للهالك ولد، و أن كان له ولد فلهن الثمن يشتركن فيه بالتسأو ي وقوله تعالى ﴿ و أن كان رجلٌ يورث كلالة أو امرأة ﴾ أي تورث كلالة أيضاً، والموروث كلالة وهو من ليس له والد ولا ولد، وإنما يرثه إخوته لأمه كما في هذه الآية أو إخوته لأبيه وأمه كما في آية الكلالة في آخر هذه السورة، فإن كان له أخ من أمه فله السدس وكذا أن كانت له أخت فلها السدس، و أن كانوا اثنين فأكثر فلهم الثلث لقوله تعالى :و أن كان ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصيّة يُوصي بها أو دين غير مضار، بأن يوصي بأكثر من الثلث، أو يقر بدين وليس عليه دين وإنما حسدا للورثة أو بغضا لهم لا غير، فإن تبين ذلك فلا تنفذ الوصية ولا يسدد الدين وتقسم التركة كلها على الورثة، وقوله تعالى :وصّية من الله أي وصاكم أيها المؤمنون بهذا وصيّة فهي جديرة بالاحترام والامتثال. والله عليم بنياتكم وأحوالكم وما يضركم وما ينفعكم فسلموا له قسمته وأطيعوه فيها وهو حليم لا يعاجل بالعقوبة فلا يغركم حلمه أن بطشه شديد وعذابه أليم.
الهداية
من الهداية :
- بيان ميراث الزوج من زوجته، والزوجة والزوجات من زوجهن.
- بيان ميراث الكلالة وهو من لا يترك والداً ولا ولداً فيرثه إخوته فقط يحوطون به إحاطة الإِكليل بالرأس فلذا سُمِيّت الكلالة.
- إهمال الوصيّة أو الدين أن علم أن الغرض منها الإِضرار بالورثة فقط.
- عظم شأن المواريث فيجب معرفة ذلك وتنفيذه كما وصى الله تعالى.
شرح الكلمات :
﴿ تلك حدود الله ﴾ :تلك اسم إشارة أشير به إلى سائر ما تقدم من أحكام النكاح وكفالة اليتامى وتحريم أكل مال اليتيم، وقسمة التركات. وحدود الله هي ما حده لنا وبينه من طاعته وحرم علينا الخروج عنه والتعدى له.
﴿ الفوز العظيم ﴾ :هو النجاة من النار ودخول الجنة.
المعنى :
لما بين تعالى ما شاء من أحكام الشرع وحدود الدين أشار إلى ذلك بقوله :تلك حدود الله قد بينتها لكم وأمرتكم بالتزامها، ومن يطع الله ورسوله فيها وفى غيرها من الشرائع والأحكام فجزاؤه أنه يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار، أنهار العسل واللبن والخمر والماء، وهذا هو الفوز العظيم حيث نجاه من النار وأدخله الجنة يخلد فيها أبدا.
الهداية
من الهداية :
- بيان حرمة تعدي حدود الله تعالى.
- بيان ثواب طاعة الله ورسوله وهو الخلو في الجنة.
شرح الكلمات :
﴿ تلك حدود الله ﴾ :تلك اسم إشارة أشير به إلى سائر ما تقدم من أحكام ﴿ العذاب المهين ﴾ :ما كان فيه اهانة للمعذب بالتقريع والتوبيخ ونحو ذلك.
المعنى :
ومن يعص الله تعالى ورسوله بتعد تلك الحدود وغيرها من الشرائع والأحكام ومات على ذلك فجزاؤه أن يدخله ناراً يخلد فيها وله عذاب مهين. والعياذ بالله من عذابه وشر عقابه.
الهداية
من الهداية :
- بيان جزاء معصية الله ورسوله وهو الخلود في النار والعذاب المهين فيها.
شرح الكلمات :
﴿ اللاتي ﴾ :جمع التي اسم موصول للمؤنث المفرد واللاتي للجمع المؤنث.
﴿ الفاحشة ﴾ :المراد بها هنا الزنى.
﴿ من نسائكم ﴾ :المحصنات.
﴿ سبيلا ﴾ :طريقا للخروج من سجن البيوت.
المعنى :
لما ذكر تعالى بحدوده وذكر جزاء متعديها، ذكر هنا معصية من معاصيه وهي فاحشة الزنى، ووضع لها حداً وهى الحبس في البيوت حتى الموت أو إلى أن ينزل حكما آخر يخرجهن من الحبس وهذا بالنسبة إلى المحصنات. فقال تعالى ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ﴾ أي من المسلمين يشهدون بأن فلانة زنت بفل أن فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا.
هذا ما دلت عليه الآية الأو لى ( ١٥ ).
د١٥
شرح الكلمات :
﴿ يأتيانها ﴾ :الضمير عائد إلى الفاحشة المتقدم ذكرها.
﴿ فأعرضوا عنهما ﴾ :اتركوا أذيتهما بعد أن ظهرت توبتهما.
المعنى :
أما غير المحصنات وهن الأبكار فقد قال تعالى في شأنهن. واللذ أن يأتيانها منكم فآذوها أي بالضرب الخفيف والتقريع والعتاب، مع الحبس للنساء أما الرجال فلا يحبسون وإنما يكتفى بأذاهم إلى أن يتوبوا ويصلحوا فحينئذ يعفى عنهم ويكف عن أذيتهم هذا معنى قوله تعالى ﴿ واللذ أن يأتيانها منكم فأذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما أن الله كان توبا رحيما ﴾.
ولم يمض على هذين الحدين إلا القليل من الزمن حتى أنجز الرحمن ما وعد وجعل لهن سبيلاً فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم كان جالساً بين أصحابه حتى أنزل الله تعالى عليه الحكم النهائي في جريمة الزنى فقال صلى الله عليه وسلم :خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام. والمراد من الثيب بالثيب أي إذا زنى ثيب بثيب وكذا البكر بالبكر. وبهذا أو قف الحد الأو ل في النساء والرجال معاً ومضى الثاني أما جلد البكرين فقد نزل فيه آية النور : ﴿ الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴾ وأما رجم المحصنين فقد مضت فيه السنة فقد رجم ماعز، والغامدية بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حد قائم إلى يوم القيامة. هذا ما دلت عليه الآية ١٦.
الهداية :
د١٦
شرح الكلمات :
﴿ التوبة ﴾ :أصل التوبة الرجوع وحقيقتها الندم على فعل القبيح مع تركه. والعزم على عدم العودة إليه.
﴿ السوء ﴾ :كل ما أساء إلى النفس والمراد به هنا السيئات.
﴿ بجهالة ﴾ :لا مع العمد والإِصرار وعدم المبالاة.
المعنى :
د١٧
الهداية
من الهداية :
- التوبة التي تفضل الله بها هي ما كان صاحبها أتى ما أتى من الذنوب بجهالة لا بعلم وإصرار ثم تاب من قريب زمن.
شرح الكلمات :
﴿ التوبة ﴾ :أصل التوبة الرجوع وحقيقتها الندم على فعل القبيح مع تركه. والعزم على عدم العودة إليه.
﴿ اعتدنا ﴾ :أعددنا وهيأنا.
﴿ أليما ﴾ :موجعاً شديد الإِيجاع.
المعنى :
١٧م/
الهداية
من الهداية :
- الذين يسوفون التوبة ويؤخرونها يخشى عليهم أن لا يتوبوا حتى يدركهم الموت وهم على ذلك فيكونون من أهل النار، وقد يتوب أحدهم، لكن بندرة وقلة وتقبل توبته إذا لم يعاين إمارات الموت لقول الرسول صلى الله عليه وسلم " أن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " رواه الترمذي وأحمد وغيرهما وإسناده حسن.
- لا تقبل توبة من حشرجت نفسه وظهرت عليه علامات الموت، وكذا الكافر من باب أو لى لا تقبل له توبة بالإيمان إذا عاين علامات الموت كما لم تقبل توبة فرعون.
شرح الكلمات :
﴿ كرها ﴾ :بدون رضاهن.
﴿ العضل ﴾ :المنع بشدة كأنه إمساك بالعضلات أو من العضلات.
﴿ ببعض ما آتيتموهن ﴾ :أي من المهور.
﴿ الفاحشة ﴾ :الخصلة القبيحة الشديدة القبح كالزنى.
﴿ مبيّنة ﴾ :ظاهرة واضحة ليست مجرد تهمة أو مقالة سوء.
﴿ المعروف ﴾ :ما عرفه الشرع واجبا أو مندوبا أو مباحا.
المعنى :
تضمنت هذه الآية : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ إبطال ما كان شائعا بين الناس قبل الإسلام من الظلم اللاحق بالنساء فقد كان الرجل إذا مات والده على زوجته ورثها أكبر أولاده من غيرها فإن شاء زوجها وأخذ مهرها و أن شاء استبقاها حتى تعطيه ما يطلب منها من مال فأنزل الله تعالى قوله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ﴾، فبطل ذلك الحكم الجاهلي بهذه الآية الكريمة وأصبحت المرأة إذا مات زوجها اعتدت في بيت زوجها فإذا انقضت عدتها ذهبت حيث شاءت ولها مالها وما ورثته من زوجها أيضاً وقوله تعالى ﴿ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبيّنة ﴾ فهذا حكم آخر وهو أنه يحرم على الزوج إذا كره زوجته أن يضايقها ويضارها حتى تفتدي منه ببعض مهرها، إذ من معاني العضل المضايقة والمضارة، هذا ما لم ترتكب الزوجة فاحشة الزنى، أو تترفع عن الزوج وتتمرد عليه وتبخسه حقه في الطاعة والمعاشرة بالمعروف أما أن أتت بفاحشة مبينة لا شك فيها أو نشزت نشوزاً بيناً فحينئذ للزوج أن يضايقها حتى تفتدي منه بمهرها أو بأكثر حتى يطلها. وذلك لقوله تعالى : ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾، ثم أمر تعالى عباده المؤمنين بمعاشرة الزوجات بالمعروف وهو العدل والإحسان، فقال : ﴿ وعاشروهن بالمعروف ﴾، و أن فرض أن أحدا منكم كره زوجته وهى لم تأت بفاحشة مبينة فليصبر عليها فلعل الله تعالى يجعل في بقائها في عصمته خيراً كثيرا له نتيجة الصبر عليها وتقوى الله تعالى فيها وفي غيرها، فقد يرزق منها ولدا ينفعه، وقد يذهب من نفسه ذلك الكره ويحل محله الحب والمودة. والمراد أن الله تعالى ارشد المؤمن. أن كره زوجته أن يصبر ولا يطلق لما في ذلك من العاقبة الحسنة، لأن الطلاق بغير موجب غير صالح ولا مرغوب للشارع وكم من أمر يكرهه العبد ويصبر عليه فيجعل الله تعالى فيه الخير الكثير. هذا ما تضمنته الآية الأو لى ( ١٩ ).
الهداية
من الهداية :
- إبطال قانون الجاهلية القائم على أن ابن الزوج يرث امرأة أبيه.
- حرمة العضل من أجل الافتداء بالمهر وغيره.
- الترغيب في الصبر.
- جواز أخذ الفدية من الزوجة بالمهر أو أكثر أو أقل أن هي أتت بفاحشة ظاهرة لا شك فيها كالزنى أو النشوز.
شرح الكلمات :
﴿ قنطارا ﴾ :أي من الذهب أو الفضة مهرا وصداقا.
﴿ بهتانا وإثما ﴾ :أي كذبا وافتراء، وإثما حراما لا شك في حرمته لأنه ظلم.
المعنى :
أما الآيت أن بعدها فقد تضمنتا :تحريم أخذ شيء من مهر المرأة إذا طلقها الزوج لا لإتيانها بفاحشة ولا لنشوزها، ولكن لرغبة منه في طلاقها ليتزوج غيرها في هذه الحال لا يحل له أن يضارها لتفتدي منه بشيء ولو قل، ولو كان قد أمهرها قنطاراً فلا يحل أن يأخذ منه فلسا فضلا عن دينار أو درهم هذا معنى قوله تعالى : ﴿ و أن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئا ﴾، أتأخذونه بهتاناً أي ظلما بغير حق وكذباً وافتراء وإثما مبينا أي ذنبا عظيما.
الهداية
من الهداية :
- جواز غلاء المهر فقد يبلغ القنطار غير أن التيسير فيه أكثر بركة.
شرح الكلمات :
﴿ أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ :أي خلص الزوج إلى عورة زوجته والزوجة كذلك.
﴿ ميثاقا غليظ ﴾ :هو العقد وقول الزوج :إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
المعنى :
ثم قال تعالى منكراً على من يفعل ذلك :وكيف تأخذونه أي بأي وجه يحل لكم ذلك، والحال أنه قد أفضى بعضهم إلى بعض أي بالجماع، إذ ما استحل الزوج فرجها إلا بذلك المهر فكيف إذا يسترده أو شيئا منه بهتانا وإثما مبينا، فقال تعالى : ﴿ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ ؟ وقوله تعالى وأخذن منكم ميثاقا غليظا يعنى عقد النكاح فهو عهد مؤكد يقول الزوج نكحتها على مبدأ :إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، فأين التسريح بإحس أن إذا كان يضايقها حتى تتنازل له عن مهرها أو عن شيء منه، هذا ما أنكره تعالى بقوله وكيف تأخذونه إذا هو استفهام إنكاري.
الهداية
من الهداية :
- وجوب مراعاة العهود والوفاء بها.
شرح الكلمات :
﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ :لا تتزوجوا امرأة الأب أو الجد.
﴿ إلا ما قد سلف ﴾ :إلا ما قد مضى قبل هذا التحريم.
﴿ إنه كان فاحشة ﴾ :أي زواج نساء الآباء فاحشة شديدة القبح.
﴿ مقتا ﴾ :ممقوتاً مبغوضا للشارع ولكل ذي فطرة سليمة.
﴿ وساء سبيلا ﴾ :أي قبح نكاح أزواج الآباء طريقا يسلك.
المعنى :
ما زال السياق الكريم في بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بالإرث والنكاح وعشرة النساء.
وفي هاتين الآيتين ذكر تعالى محرمات النكاح من النسب، والرضاع والمصاهرة فبدأ بتحريم امرأة الأب و أن علا فقال : ﴿ ولا تنحكوا ما نكح آباؤكم ﴾، ولم يقل من ليشمل التحريم منكوحة الأب والطريقة التي كانت متبعة عندهم في الجاهلية. ولذا قال إلا ما قد سلف في الجاهلية فإنه معفو عنه بالإسلام بعد التخلي عنه وعدم المقام عليه، وبهذه اللفظ حرمت امرأة الأب والجد على الابن وابن الابن ولو لم يدخل بها الأب.
الهداية
من الهداية :
- تحريم مناكح الجاهلية إلا ما وافق الإِسلام منها، وخاصة أزواج الآباء فزوجة الأب محرمة على الابن ولو لم يدخل بها الأب وطلقها أو ما عنها.
شرح الكلمات :
﴿ أمهاتكم ﴾ :جمع أم فالأم محرمة ومثلها الجدة و أن علت.
﴿ ورائبكم ﴾ :الربائب جمع ربيبة هي بنت الزوجة.
﴿ وحلائل ابنائكم ﴾ :الحلائل جمع حليلة وهى امرأة الابن من الصلب.
المعنى :
ما زال السياق الكريم في بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بالإرث والنكاح وعشرة النساء.
وفي هاتين الآيتين ذكر تعالى محرمات النكاح من النسب، والرضاع والمصاهرة...
ثم ذكر محرمات النسب فذكر الأمهات والبنات والأخوت والعمات والخالات وبنات الأخ، وبنات الأخت فهؤلاء سبع محرمات من النسب قال تعالى : ﴿ حرمت عليكم امهاتكم وبنتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت ﴾ ثم ذكر المحرمات بالرضاع فقال ﴿ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ﴾ فمن رضع من امرأة خمس رضعات وهو سن الحولين تحرم عليه ويحرم عليه أمهاتها وبناتها وأخواتها وكذا بنات زوجها وأخواته وأمهاته حتى قيل يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، ثم ذكر تعالى المحرمات بالمصاهرة فقال :وأمهات نسائكم فأم امرأة الرجل محرمة عليه بمجرد أن يعقد على بنتها تصبح أمها حراما.
وقال وربائبكم التي في حجوركم فالربيبة هي بنت الزوجة أذا نكح الرجل امرأة وبنى بها لا يحل له الزواج من بنتها أما إذا عقد فقط ولم يبن فإن البنت تحل له لقوله :من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم يتكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم أي لا إثم ولا حرج.
ومن المحرمات بالمصاهرة امرأة الابن بنى بها أم لم يبن لقوله تعالى :وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم أي ليس ابناً بالتبني، أما الاِبن من الرضاع فزوجته كزوجة الابن من الصلب، لأن اللبن الذي تغذى به هو السبب فكان إذاً كالولد للصلب، ومن المحرمات بالمصاهرة أيضا أخت الزوجة فمن تزوج امرأة لا يحل له أن يتزوج أخته حتى يموت أو يفارقها وتنتهي عدتها لقوله تعالى و أن تجمعوا بين الاختين إلا ما قد سلف في الجاهلية فإنه عفو بشرط عدم الإِقامة عليه.
الهداية
من الهداية :
- بيان المحرمات من النسب وهن سبع الأمهات والبنات والأخوات، والعمات والخالات وبنات الأخ وبنت الأخت.
- بيان المحرمات من الرضاع وهن المحرمات من النسب فالرضيع يحرم عليه أمه المرضع له وبناتها وأخواتها وعماته وخالاته، وبنات أخيه وبنات أخته.
- بيان المحرمات من المصاهرة وهن سبع أيضا :زوجة الأب بنى بها أو لم يبن، أم امرأته بنى بابنتها أو لم يبن، وبنت امرأته وهى الربيبة إذا دخل بأمها، وامرأة الولد من الصلب بنى بها الولد أو لم يبن، وكذا ابنه من الرضاع، وأخت امرأته ما دامت أختها تحته لم يفارقها بطلاق أو وفاة. والمحصنات من النساء أي المتزوجات قبل طلاقهن أو وفاة أزواجهن وانقضاء عددهن.
شرح الكلمات :
﴿ المحصنات ﴾ :جمع محصنة والمراد بها هنا المتزوجة.
﴿ إلا ما ملكت إيمانكم ﴾ :المملوك بالسبي والشراء ونحوهما.
﴿ ما وراء ذلكم ﴾ :أي ما عداه أي ما عدا ما حرم عليكم.
﴿ غير مسافحين ﴾ :المسافح :الزاني، لأن السفاح هو الزنى.
﴿ أجورهن فريضة ﴾ :مهورهن نحلة.
المعنى :
ما زال السياق في بيان ما يحرم من النكاح وما يجوز ففي الآية الأولى ( ٢٤ ) عطف تعالى على المحرمات في المصاهرة المرأة المتزوجة فقال ﴿ والمحصنات ﴾ أي ذوات الأزواج فلا يحل نكاحهن إلا بعد مفارقة الزوج بطلاق أو وفاة، وبعد انقضاء العدة أيضاً واستثنى تعالى من المتزوجات المملوكة باليمين وهي المرأة تسبى في الحرب الشرعية وهي الجهاد في سبيل الله فهذه من الجائز أن يكون زوجها لم يمت في الحرب وبما أن صلتها قد انقطعت بدار الحرب وبزوجها وأهلها وأصبحت مملوكة أذن الله تعالى رحمة بها في نكاحها ممن ملكها من المؤمنين.
ولذا ورد أن الآية نزلت في سبايا أوطاس وهي وقعت كانت بعد موقعة حنين فسبي فيها المسلمون النساء والذراري، فتحرّج المؤمنون في غشي أن أولئك النسوة ومنهن المتزوجات فإذن لهم غشيانهنّ بعد أن تسلم إحداهن وتستبرأ بحيضة، أما قبل إسلامها فلا تحل لأنها مشركة، هذا معنى قوله تعالى : ﴿ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت إيمانكم ﴾ وقوله : ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ يريد ما حرمه تعالى من المناكح قد كتبه على المسلمين كتاباً وفرضه فرضاً لا يجوز إهماله أو التهاون به. فكتابَ الله منصوب على المصدرية.
وقوله تعالى : ﴿ وأحل الله لكم ما وراء ذلكم ﴾ أي ما بعد الذي حرمه من المحرمات بالنسب وبالرضاع وبالمصاهرة على شرط أن لا يزيد المرء على أربع كما هو ظاهر قوله تعالى في أول السورة ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ وقوله تعالى ﴿ أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين ﴾ أي لا حرج عليكم أن تطلبوا بأموالكم من النساء غير ما حرّم عليكم فتتزوجوا ما طاب لكم حال كونكم محصنين غير مسافحين، وذلك بأن يتم النكاح بشروطه من الولي والصداق والصيغة والشهود، إذ أن نكاحاً يتم بغير هذه الشروط فهو السفاح أي الزنى وقوله تعالى ﴿ فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ﴾ يريد تعالى :أيما رجل تزوج امرأة قبل البناء فليس لها إلا نصف المهر المسمى، و أن لم يكن قد سمى لها فليس لها إلا المتعة، فالمراد من قوله ﴿ فما استمتعتم به منهن ﴾ أي بنيتم بهن ودخلتم عليهن. وقوله تعالى : ﴿ ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ﴾ يريد إذا أعطى الرجل زوجته ما استحل به فرجها وهو المهر كاملاً فليس عليهما بعد ذلك من حرج في أن تسقط المرأة من مهرها لزوجها، أو تؤجله أو تهبه كله له أو بعضه إذ ذاك لها وهي صاحبته كما تقدم ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ [ النساء/٤ ].
وقوله تعالى : ﴿ أن الله كان عليماً حكيماً ﴾ المراد منه إفهام المؤمنين بأن الله تعالى عليم بأحوالهم حكيم في تشريعه لهم فليأخذوا بشرعه ورخصه وعزائمه فإنه مراعى فيه الرحمة والعدل، ولنعم تشريع يقوم على أساس الرحمة والعدل.
هذا ما تضمنته الآية الأولى ( ٢٤ ).
الهداية :
من الهداية :
- تحريم المرأة المتزوجة حتى يفارقها زوجها بطلاق أو موت وحتى تنقضي عدتها.
- جواز نكاح المملوكة باليمين و أن كان زوجها حيّاً في دار الحرب إذا أسلمت، لأن الإِسلام فصل بينهما.
- وجوب المهور، وجواز إعطاء المرأة من مهرها لزوجها شيئاً.
شرح الكلمات :
﴿ طولاً ﴾ :سعة وقدرة على المهر.
﴿ المحصنات ﴾ :العفيفات.
﴿ أجورهن ﴾ :مهورهن.
﴿ ولا متخذات أخدان ﴾ :الخدين الخليل الذي يفجر بالمرأة سراً تحت شعار الصداقة.
﴿ فإذا أحصن ﴾ :بأن أسلمن أو تزوجن إذا الإِحص أن يكون بهما.
﴿ العنت ﴾ :العنت الضرر في الدين والبدن.
المعنى :
أما الآية الثانية وهي قوله تعالى : ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً... ﴾ فقد تضمنت بيان رحمة الله تعالى المؤمنين إذ رخص لمن لم يستطع نكاح الحرائر لقلة ذات يده، مع خوفه العنت الذي هو الضرر في دينه بالزنى، أو في بدنه بإقامة الحد عليه رخص له أن يتزوج المملوكة بشرط أن تكون مؤمنة، و أن يتزوجها بإذن مالكها و أن يؤتيها صداقها و أن يتم ذلك على مبدأ الإِحص أن الذي هو الزواج بشروطه لا السفاح، الذي هو الزنى العلني المشار إليه بكلمة ﴿ غير مسافحات ﴾، ولا الخفيّ المشار إليه بكلمة ﴿ ولا متخذات أخدان ﴾ أي أخلاء هذا معنى قوله تعالى ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً ﴾ أي قدرة مالية أن ينكح المحصنات أي العفائف من ﴿ فتياتكم المؤمنات ﴾ أي من إمائكم المؤمنات لا الكافرات بحسب الظاهر أما الباطن فعلمه إلى الله ولذا قال : ﴿ والله أعلم بإيمانكم ﴾ وقوله ﴿ بعضكم من بعض ﴾ فيه تطييب لنفس المؤمن إذا تزوج للضرورة الأمة فإن الإيمان أذهب الفوارق بين المؤمنين وقوله : ﴿ فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ﴾ فيه بيان للشروط التي لا بد منها وقد ذكرناها آنفاً.
وقوله تعالى : ﴿ فإذا أحصن ﴾ - أي الإِماء - بالزواج وبالإِسلام ﴿ فإن أتين بفاحشة ﴾ أي زنين فعليهن حد هو نصف ما على المحصنات من العذاب وهو جلد خمسين جلدة وتغريب ستة أشهر، لأن الحرة أن زنت وهي بكر تجلد مائة وتغرب سنة. أما الرجم والذي هو الموت فإنه لا ينصف فلذا فهم المؤمنون في تنصيف العذابأنه الجلد لا الرجم والذي لا خلاف فيه وقوله : ﴿ ذلك لمن خشي العنت منكم ﴾ يريد أبحت لكم ذلك لمن خاف على نفسه الزنى إذا لم يقدر على الزواج من الحرة لفقره واحتياجه وقوله تعالى : ﴿ و أن تصبروا... ﴾ أي على العزوبيَّة خير لكم من نكاح الإِماء. وقوله ﴿ والله غفور رحيم ﴾ أي غفور للتائبين رحيم بالمؤمنين ولذا رخَّص لهم في نكاح الإِماء عند خوف العنت، وأرشدهم إلى ما هو خير منه وهو الصبر فلله الحمد وله المِنَّة.
الهداية :
من الهداية :
- جواز التزوج من المملوكات لمن خاف العنت وهو عادم للقدرة على الزواج من الحرائر.
- وجوب إقامة الحد على من زنت من الإِماء أن أُحْصِنَّ بالزواج والإِسلام.
- الصبر على العزوبة خير من الزواج بالإِماء لإِرشاد الله تعالى إلى ذلك.
شرح الكلمات :
﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ :يريد الله أن يبيّن لكم بما حرم عليكم وأحل لكم ما يكملكم ويسعدكم في دنياكم وأخراكم.
﴿ سنن الذين من قبلكم ﴾ :طرائق الذين من قبلكم من الأنبياء والصالحين لتنهجوا نهجهم فتطهروا وتكملوا وتفلحوا مثلهم.
﴿ ويتوب عليكم ﴾ :يرجع بكم عما كنتم عليه من ضلال الجاهلية إلى هداية الإِسلام.
﴿ المعنى ﴾ :
لما حرم تعالى ما حرم من المناكح وأباح ما أباح منها علل لذلك بقوله ﴿ يريد الله ﴾ أي بما شرع ليبيّن ما هو نافع لكم مما هو ضار بكم فتأخذوا النافع وتتركوا الضار، كما يريد أن يهديكم طرائق الصالحين من قبلكم من أنبياء ومؤمنين صالحين لتسلكوها فتكلموا وتسعدوا في الحاتين، كما يريد بما بين لكم أن ﴿ يتوب عليكم ﴾ أي يرجع بكم من ضلال الجاهلية إلى هداية الإِسلام فتعيشوا على الطهر والصلاح، وهو تعالى عليم بما ينفعكم ويضركم حكيم في تدبيره لكم فاشكروه بلزوم طاعته، والبعد عن معصيته.
هذا ما تضمنته الآية الأولى ( ٢٦ ).
الهداية.
من الهداية :
- منّة الله تعالى علينا في تعليله الأحكام لنا لتطمئن نفوسنا ويأتي العمل بانشراح صدر وطيب خاطر.
- منة الله تعالى على المؤمنين بهدايتهم إلى طرق الصالحين وسبيل المفلحين ممن كانوا قبلهم.
شرح الكلمات :
﴿ ويتوب عليكم ﴾ :يرجع بكم عما كنتم عليه من ضلال الجاهلية إلى هداية الإِسلام.
﴿ الذين يتبعون الشهوات ﴾ :من اليهود والنصارى والمجوس والزناة.
﴿ أن تميلوا ميلاً عظيماً ﴾ :تحيدوا عن طريق الطهر والصفاء إلى طريق الخبث والكدر بارتكاب المحرمات من المناكح وغيرها فتبتعدوا عن الرشد بعداً عظيماً.
﴿ المعنى ﴾ :
أما الآية الثانية ( ٢٧ ) فقد تضمنت الإخبار بأن الله تعالى يريد بما بيّنه من الحلال والحرام في المناكح وغيرها أن يرجع بالمؤمنين من حياة الخبث والفساد التي كانوا يعيشونها قبل الإِسلام إلى حياة الطهر والصلاح في ظل تشريع عادل رحيم. و أن الذين يتَّبعون الشهوات من الزناة واليهود والنصارى وسائر المنحرفين عن سنن الهدى فإنهم يريدون من المؤمنين أن ينحرفوا مثلهم فينغمسوا في الملاذ والشهوات البهيمية حتى يصبحوا مثلهم لا فضل لهم عليهم، وحينئذ لا حق لهم في قيادتهم أو هدايتهم.
هذا المعنى الثانية.
الهداية.
من الهداية :
- منته تعالى في تطهير المؤمنين من الأخباث وضلال الجاهليات.
- الكشف عن نفسية الإِنسان، إذ الزناة يرغبون في كون الناس كلهم زناة والمنحرفون يودون أن ينحرف الناس مثلهم، وهكذا كل منغمس في خبث أو شر أو فساد يود أن يكون كل الناس مثله، كما أن الطاهر الصالح يود أن يطهر ويصلح كل الناس.
شرح الكلمات :
﴿ وخلق الإِنسان ضعيفاً ﴾ :لا يصبر عن النساء، فلذا رخّص تعالى لهم في الزواج من الفتيات المؤمنات.
﴿ المعنى ﴾ :
أما الثالثة ( ٢٨ ) فقد أخبر تعالى أنه بإباحته للمؤمنين العاجزين عن نكاح الحرائر نكاح الفتيات المؤمنات يريد بذلك التخفيف والتيسير عن المؤمنين رحمة بهم وشفقة عليهم لما يعلم تعالى من ضعف الإنسان وعدم صبره عن النساء بما غرز فيه من غريزة الميل إلى أنثاه فحفظ النوع ولحكم عالية وقال تعالى : ﴿ يريد الله أن يخفف عنكم وخُلِقَ الإنسان ضعيفاً ﴾.
الهداية.
من الهداية :
- منّة الله تعالى علينا في تعليله الأحكام لنا لتطمئن نفوسنا ويأتي العمل بانشراح صدر وطيب خاطر.
- منة الله تعالى على المؤمنين بهدايتهم إلى طرق الصالحين وسبيل المفلحين ممن كانوا قبلهم.
- منته تعالى في تطهير المؤمنين من الأخباث وضلال الجاهليات.
- الكشف عن نفسية الإِنسان، إذ الزناة يرغبون في كون الناس كلهم زناه والمنحرفون يودون أن ينحرف الناس مثلهم، وهكذا كل منغمس في خبث أو شر أو فساد يود أن يكون كل الناس مثله، كما أن الطاهر الصالح يود أن يطهر ويصلح كل الناس.
شرح الكلمات :
﴿ آمنوا ﴾ :صدقوا الله والرسول.
﴿ بالباطل ﴾ :بغير حق يبيح أكلها.
﴿ تجارة ﴾ :بيعاً وشراءً فيحل لصاحب البضاعة أن يأخذ النقود ويحل لصاحب النقود أخذ البضاعة، إذاً لا باطل.
﴿ تقتلوا أنفسكم ﴾ :أي تزهقوا أرواح بعضكم بعضاً.
المعنى :
ما زال السياق في بيان ما يحل وما يحرم من الأموال والأعراض والأنفس ففي هذه الآية ( ٢٩ ) ينادي الله تعالى عباده المؤمنين بعنوان الإيمان فيقول : ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وينهاهم عن أكل أموالهم بينهم بالباطل بالسرقة أو الغش أو القمار أو الربا وما إلى ذلك من وجوه التحريم العديدة فيقول : ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾، أي بغير عوض مباح، أو طيب نفس، ثم يستثنى ما كان حاصلا عن تجارة قائمة على مبدأ التراضي بين البيعين لحديث " إنما البيع عن تراض " و " البيعان بالخيار ما لم يتفرق " فقال تعالى : ﴿ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ﴾ فلا بأس بأكله فإنه حلال لكم. هذا ما تضمنته هذه الآية كما قد تضمنت حرمة قتل المؤمنين لبعضهم بعضاً فقال تعالى : ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ والنهي شامل لقتل الإنسان نفسه وقتله أخاه المسلم لأن المسلمين كجسم واحد فالذي يقتل مسلماً منهم كأنما قتل نفسه. وعلل تعالى هذا التحريم لنا فقال أن الله كان بكم رحيماً، فلذا حرَّم عليكم قتل بعضكم بعضاً.
هذا ما تضمنته الآية الأولى ( ٢٩ ).
الهداية :
من الهداية :
- حرمة مال المسلم، وكل مال حرام وسواء حازه بسرقة أو غش أو قمار أو ربا.
- إباحة التجارة والترغيب فيها والرد على جهلة المتصوفة الذين يمنعون الكسب بحجة التوكل.
- تقرير مبدأ " إنما البيع عن تراض، والبيع أن بالخيار ما لم يتفرقا ".
- حرمة قتل المسلم نفسه أو غيره من المسلمين لأنهم أمة واحدة.
شرح الكلمات :
﴿ عدواناً وظلماً ﴾ :اعتداء يكون فيه ظالماً.
﴿ نصليه ناراً ﴾ :ندخله نار جهنم يحترف فيها.
المعنى :
أما الآية الثانية ( ٣٠ ) فقد تضمنت وعيداً شديداً بالإِصلاء بالنار والإِحراق فيها كل من يقتل مؤمناً عدواناً وظلماً أي بالعمد والإِصرار والظلم المحض، فقال تعالى : ﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ أي القتل ﴿ عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً، وكان ذلك ﴾ أي الإِصلاء والإحراق في النار ﴿ على الله يسيراً ﴾ لكمال قدرته تعالى فالمتوعد بهذا العذاب إذا لا يستطيع أن يدفع ذلك عن نفسه بحال من الأحوال.
الهداية :
من الهداية :
- الوعيد الشديد لقاتل النفس عدواناً وظلماً بالإِصلاء بالنار.
- أن كان القتل غير عدوان بأن كان خطأ، أو كان غير ظلم بأن كان عمداً ولكن بحق كقتل من قتل والده أو ابنه أو أخاه فلا يستوجب هذا الوعيد الشديد.
شرح الكلمات :
﴿ أن تجتنبوا ﴾ :تبتعدوا لأن الاجتناب ترك الشيء عن جنب بعيداً عنه لا يقبل عليه ولا يقربه.
﴿ كبائر ما تنهون ﴾ :الكبائر :ضد الصغائر، والكبيرة تعرف بالحد لا بالعد فالكبيرة ما توعد الله ورسوله عليها، أو لعن الله ورسوله فاعلها أو شُرع لها حدّ يقام على صاحبها، وقد جاء في الحديث الصحيح بيان العديد من الكبائر، وعلى المؤمن أن يعلم ذلك ليجتنبه.
﴿ نكفر ﴾ :نغطي ونستر فلا نطالب بها ولا نؤاخذ عليها.
﴿ مدخلاً كريماً ﴾ :المدخل الكريم هنا :الجنة المتقين.
المعنى الكريمة الكريمة :
يتفضل الجبار جل جلاله وعظم إنعامه وسلطانه فيمن على المؤمنين من هذه الأمة المسلمة بأن وعدها وعد الصدق بأن من اجتنب منها كبائر الذنوب كفر عنه صغائرها وأدخله الجنة دار السلام وخلع عليها حلل الرضوان فقال تعالى ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ ما أنهاكم عنه أنا ورسولي ﴿ نكفر عنكم سيئاتكم ﴾ التي هي دون الكبائر وهي الصغائر، ﴿ وندخلكم مدخلاً كريماً ﴾ الذي هو الجنة ولله الحمد والمنة. لهذا كانت هذه الآية من مبشرات القرآن لهذه الأمة.
الهداية :
من الهداية :
- وجوب الابتعاد عن سائر الكبائر، والصبر على ذلك حتى الموت.
- الذنوب قسم أن كبائر وصغائر ولذا وجب العلم بها لاجتناب كبائرها وصغائرها ما أمكن ذلك، ومن زل فليتب فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
- الجنة لا يدخلها إلا ذوُو النفوس الزكية الطاهرة باجتنابهم المدنسات لها من كبائر الذنوب والآثام والفواحش.
شرح الكلمات :
﴿ ولا تتمنوا ﴾ :التمني :التشهي والرغبة في حصول الشيء، وأداته، ليت، ولو، فإن كان مع زوال المرغوب فيه عن شخص ليصل للمتمني فهو الحسد.
﴿ ما فضل الله بعضكم ﴾ :أي ما فضل الله به أحداً منكم فأعطاه علماً أو مالاً أو جاهاً أو سلطاناً.
﴿ نصيب مما اكتسبوا ﴾ :أي حصة وحظ من الثواب والعقاب بحسب الطاعة والمعصية.
المعنى :
صح أو لم يصح أن أم سلمة رضي الله عنها قالت :ليتنا كنا رجالاً فجاهدنا وكان لنا مثل أجر الرجال فإن الله سميع عليم، والذين يتمنون حسداً وغير حسد ما أكثرهم ومن هنا نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة ( ٣٢ ) عباده المؤمنين عن تمني ما فضل الله تعالى به بعضهم على بعض فأعطى هذا وحرم ذاك لحكم اقتضت ذلك، ومن أظهرها الابتلاء بالشُّكرِ والصبر، فقال تعالى : ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به ﴾ - من علم أو مال. أو صحة أو جاه أو سلطان - ﴿ بعضكم على بعض ﴾ وأخبر تعالى أن سنته في الثواب والعقاب والكسب والعمل فليعمل من أراد الأجر والمثوبة بموجبات ذلك من الإيمان والعمل الصالح، ولا يتمنى ذلك تمنياً، وليكف عن الشرك والمعاصي من خاف العذاب والحرمان ولا يتمنى النجاة تمنياً كما على من أراد المال والجاه فليعمل له بسننه المنوطة به ولا يتمنى فقط فإن التمني كما قيل بضائع النوكى أي الحمقى، فلذا قال تعالى ﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ﴾، فرد القضية إلى سنته فيها وهي كسب الإِنسان. كقوله تعالى : ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً ويره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾.
ثم بين تعالى سنة أخرى في الحصول على المرغوب وهي دعاء الله تعالى فقال ﴿ واسألوا الله من فضله إ ن الله كان بكل شيء عليما ﴾ فمن سأل ربّه وألح عليه موقناً بالإجابة أعطاه فيوفقه للإِتيان بالأسباب، ويصرف عنه الموانع، ويعطيه بغير سبب إن شاء، وهو على كل شيء قدير، بل ومن الأسباب المشروعة الدعاء والإِخلاص فيه.
هذا ما تضمنته الآية الأولى.
الهداية :
من الهداية :
- قبح التمني وترك العمل.
- حرمة الحسد.
- فضل الدعاء وأنه من الأسباب التي يحصل بها المراد.
شرح الكلمات :
﴿ موالي ﴾ :الموالي من يلون التركة ويرثون الميت من أقارب.
﴿ عقدت إيمانكم ﴾ :أي حالفتموهم وتآخيتم معهم مؤكدين ذلك بالمصافحة والميمين.
﴿ فآتوهم نصيبهم ﴾ :من الرفادة والوصيّة والنصرة لأنهم ليسوا ورثة.
المعنى :
أما الآية الثانية ( ٣٣ ) فإن الله تعالى يخبر مقرراً حكماً شرعياً قد تقدم في السياق وهو أن لكل من الرجال والنساء ورثة يرثونه إذا مات فقال ﴿ ولكل جعلنا موالي ﴾ أي أقارب يرثونه إذا مات، وذلك من النساء والرجال أما الذين هم موالي بالحلف أو الإِخاء فقط أي ليسوا من أو لي الأرحام فالواجب إعطاؤهم نصيبهم من النصرة والرفادة. والوصية له بشيء إذ لا حظ لهم في الإِرث لقوله تعالى : ﴿ وأو لوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ﴾ ولما كان توزيع المال وقسمته تتشوق له النفوس وقد يقع فيه حيف أو ظلم أخبر تعالى أنه على كل شيء شهيد فلا يخفى عليه من أمر الناس شيء فليتق ولا يُعص.
فقال : ﴿ إن الله كان على كل شيء شهيداً ﴾ لا يخفى عليه من أمركم شيء فاتقوه وأطيعوه ولا تعصوه.
الهداية :
من الهداية :
- تقرير مبدأ التوارث في الإِسلام.
- من عاقد أحداً على حلف أو آخى أحداً وجب عليه أن يعطيه حق النصرة والمساعدة وله أن يوصي له بما دون الثلث، أما الإِرث فلا حق له لنسخ ذلك.
- وجوب مراقبة الله تعالى، لأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء شهيد.
شرح الكلمات :
﴿ قوامون ﴾ :جمع قوام :وهو من يقوم على الشيء رعاية وحماية وإصلاحاً.
﴿ بما فضل الله بعضهم ﴾ :بأن جعل الرجل أكمل في عقله ودينه وبدنه فصلح للقوامة.
﴿ وبما أنفقوا من أموالهم ﴾ :وهذا عامل آخر مما ثبتت به القوامة للرجال على النساء فإن الرجل بدفعه المهر وبقيامه بالنفقة على المرأة كان أحق بالقوامة التي هي الرئاسة.
﴿ الصالحات ﴾ :جمع صالحة :وهي المؤدية لحقوق الله تعالى وحقوق زوجها.
﴿ قانتات ﴾ :مطيعات لله ولأزواجهن.
﴿ حافظات للغيب ﴾ :حافظات لفروجهن وأموال أزواجهن.
﴿ نشوزهن ﴾ :النشوز :الترفع عن الزوج وعد طاعته.
﴿ فعظموهن ﴾ :بالترغيب في الطاعة والتنفير من المعصية.
﴿ فلا تبغوا عليهن سبيلاً ﴾ :أي لا تطلبوا لهن طريقاً تتوصلون به إلى ضربهن بعد أن أطعنكم.
المعنى :
يروى في سبب نزول هذه الآية أن سعد بن الربيع رضي الله عنه أغضبته امرأته فلطمها فشكاه وليها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه يريد القصاص فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم ﴾ فقال وليّ المرأة أردنا أمراً وأراد الله غيره، وما أراده الله خير. ورضي بحكم الله تعالى وهو أن الرجل ما دام قواماً على المرأة يرعاها ويربيها ويصلحها بما أوتي من عقل أكمل من عقلها، وعلم أغزر من علمها غالباً وبُُعد نظر في مباديء الأمور ونهاياتها أبعد من نظرها يضاف إلى ذلك أنه دفع مهراً لم تدفعه، والتزم بنفقات لم تلتزم هي بشيء منها فلما وجبت له الرئاسة عليها وهي رئاسة شرعية كان له الحق أن يضربها لما لا يشين جارحة أو يكسر عضواً فيكون ضربه لها كضرب المؤدب لمن يؤدبه ويربيه وبعد تقرير هذا السلطان للزوج على زوجته أمر الله تعالى بإكرام المرأة والإِحسان إليها والرفق بها لضعفها وأثنى عليها فقال : ﴿ فالصَّالحاتُ ﴾، وهن :اللائي يؤدين حقوق الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وحقوق أزواجهن من الطاعة والتقدير والاحترام ﴿ قَانِتَات ﴾ :أي مطيعات لله تعالى، وللزوج، ﴿ حافِظاتٌ للغَيْبِ ﴾ أي حافظاتٌ مالَ الزوج وعرضه لحديث : " وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله " ﴿ بما حَفِظَ الله ﴾ أي بحفظ الله تعالى لها وإعانته لها إذ لو وكلت إلى نفسها لا تستيطع حفظ شيء و إن قَل. وفي سياق الكلام ما يشير إلى محذوف يفهم ضمناً وذلك أن الثناء عليهن من قبل الله تعالى يستوجب من الرجل إكرام المرأة الصالحة والإحسان إليها والرفق بها لضعفها، وهذا ما ذكرته أولا نبهت عليه هنا ليعلم أنه من دلالة الآية الكريمة، وقد ذكره غير واحد من السلف.
وقوله تعالى : ﴿ واللاتي تخافون نشوزهن فعظموهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم، فلا تبغوا عليهن سبيلاً ﴾.
فإنه تعالى يرشد الأزواج إلى كيفية علاج الزوجة إذا نشزت أي ترفعت على زوجها ولم تؤدي إليه حقوقه الواجبة له بمقتضى العقد بينهما، فيقول ﴿ واللائي تخافون نشوزهن ﴾ أي ترفُعن بما ظهر لكم من علامات ودلائل كان يأمرها فلا تطيع ويدعوها فلا تجيب وينهاها فلا تنتهي، فاسلكوا معهن السبيل الآتي : ﴿ فعظموهن ﴾ أولاً، والوعظ تذكيرها بما للزوج عليها من حق يجب أداؤه، وما يترتب على إضاعته من سخط الله تعالى وعذابه، وبما قد ينجم من إهمالها في ضربها أو طلاقها فالوعظ ترغيب بأجر الصالحات القانتات، وترهيب من عقوبة المفسدات العاصيات فإن نفع الوعظ فيها وإلا فالثانية وهي أن يهجرها الزوج في الفراش فلا يكلمها وهو نائم معها على فراش واحد وقد أعطاها ظهره فلا يكلمها ولا يجامعها وليصبر على ذلك حتى تؤوب إلى طاعته وطاعة الله ربهما معاً و إن أصرت ولم يجد معها الهجران في الفراش، فالثالثة وهي أن يضربها ضرباً غير مبرح لا يشين جارحة ولا يكسر عضواً. وأخيراً فإن هي أطاعت زوجها فلا يحل بعد ذلك أن يطلب الزوج طريقاً إلى أذيّتها لا بضرب ولا بهجران لقوله تعالى : ﴿ فإن أطعنكم ﴾ أي الأزواج ﴿ فلا تبغوا ﴾ أي تطلبوا ﴿ عليهن سبيلاً ﴾ لأذيتهنّ باختلاق الأسباب وإيجاد العلل والمبررات لأذيتهنّ. وقوله تعالى : ﴿ إن الله كان علياً كبيراً ﴾ تذييل للكلام بما يشعر من أراد أن يعلو على غيره بما أوتي من قدرة بأن الله أعلى منه وأكبر فليخش الله وليترك من علوه وكبريائه.
هذا ما تضمنته هذه الآية العظيمة ( ٣٤ ).
الهداية
من الهداية :
- تقرير مبدأ القيومية للرجال على النساء وبخاصة الزوج على زوجته.
- وجوب إكرام الصالحات والإحسان إليهن.
- بيان علاج مشكلة نشوز الزوجة وذلك بوعظها أولا ثم هجرانها في الفراش ثانيا، ثم بضربها ثالثا.
- لا يحل اختلاق الأسباب وإيجاد مبررات لأذية المرأة بضرب وبغيره.
شرح الكلمات :
﴿ شقاق بينهما ﴾ :الشقاق :المنازعة والخصومة حتى يصبح كل واحد في شق مقابل.
﴿ حكماً ﴾ :الحكم :الحاكم، والمحكم في القضايا للنظر والحكم فيها.
المعنى :
أما الآية الثانية ( ٣٥ ) فقد تضمنت حكماً اجتماعياً آخر وهو إن حصل شقاق بين زوج وامرأته فأصبح الرجل في شق والمرأة في شق آخر فلا تلاقي بينهما ولا وفاق ولا وئام وذلك لصعوبة الحال فالطريق إلى حل هذا المشكل ما أرشد الله تعالى إليه، وهو أن يبعث الزوج حكماً وتبعث الزوجة أيضا حكما من قبلها، أو يبعث القاضي كذلك الكل جائز لقوله تعالى : ﴿ فابعثوا ﴾ وهو يخاطب المسلمين على شرط أن يكون الحكم عدلا عالماً بصيرا حتى يمكنه الحكم والقضاء. بالعدل. فيدرس الحكمان القضية أولا من طرفي النزاع ويتعرفان إلى أسباب الشقاق وبما في نفس الزوجين من رضى وحب، وكراهية وسخط ثم يجتمعان على إصلاح ذات البين فإن أمكن ذلك فيها وإلا فرقا بينهما برضا الزوجين. مع العلم أنهما إذا ثبت لهما ظلم أحدهما فإن عليهما أن يطالبا برفع الظلم فإن كان الزوج هو الظالم فليرفع ظلمه وليؤد ما وجب عليه، و أن كانت المرأة هي الظالمة فإنها ترفع ظلمها أو تفدي نفسها بمال فيخالعها به زوجها هذا معنى قوله تعالى : ﴿ و إن خفتم شقاق بينهما ﴾، والخوف هنا بمعنى التوقيع الأكيد بما ظهر من علامات ولاح من دلائل فيعالج الموقف قبل التأزم الشديد ﴿ فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها ﴾، لأنهما أعرف بحال الزوجين من غيرهما وقوله تعالى ﴿ إن يريدا إصلاحاً ﴾ فإنه يعني الحكمين، ﴿ يوفق الله بينهما ﴾ أي إن كان قصدهما الإِصلاح والجمع بين الزوجين وإزالة الشقاق والخلاف بينهما فإن الله تعالى يعينهما على مهمتها ويبارك في مسعاهما ويكلله بالنجاح.
وقوله تعالى : ﴿ أن الله كان عليما خبيرا ﴾. ذكر تعليلاً لما واعد به تعالى من التوفيق بين الحكمين، إذ لو لم يكن عليماً خبيراً ما عرف نيات الحكمين وما يجرى في صدورهما من إرادة أو الإِفساد.
الهداية
من الهداية :
- مشروعية التحكيم في الشقاق بين الزوجين وبيان ذلك.
شرح الكلمات :
﴿ اعبدوا الله ﴾ :الخطاب للمؤمنين ومعنى اعبدوا :أطيعوه في أمره ونهيه مع غاية الذل والحب والتعظيم له عز وجل.
﴿ لا تشركوا به شيئاً ﴾ :أي لا تعبدوا معه غيره بأي نوع من أنواع العبادات التي تعبد الله تعالى بها عباده من دعاء وخشية وذبح ونذر وركوع وسجود وغيرها.
﴿ ذوي القربى ﴾ :أصحاب القرابات.
﴿ وابن السبيل ﴾ :المسافر استضاف أو لم يستضف.
﴿ والجار ذي القربى ﴾ :أي القريب لنسب أو مصاهرة.
﴿ الجار الجنب ﴾ :أي الأجنبي مؤمناً كان أو كافراً.
﴿ الصاحب بالجنب ﴾ :الزوجة، والصديق الملازم كالتلميذ والرفيق في السفر.
﴿ وما ملكت أيمانكم ﴾ :من الأرقاء العبيد فتي أن وفتيات.
﴿ مختال فخور ﴾ :الاختيال :الزهو في المشي، والفخر والافتخار بالحسب والنسب والمال بتعداد ذلك وذكره.
المعنى :
ما زال السياق الكريم في هداية المؤمنين، وبيان الأحكام الشرعية لهم ليعملوا بها فيكملوا ويسعدوا ففي الآية الأولى ( ٣٦ ) يأمر تعالى المؤمنين بعبادته وتوحيده فيها وبالإحسان إلى الوالدين وذلك بطاعتهم في المعروف وإسداء الجميل لهم، ودفع الأذى عنهم، وكذا الأقرباء، واليتامى، والمساكين، والجيران مطلقا أقرباء أو أجانب، والصاحب الملازم الذي لا يفارق كالزوجة والمرافق في السفر والعمل والتلمذة والطلب ونحو ذلك من الملازمة التي لا تفارق إلا نادراً إذ الكل يصدق عليه لفظ الصاحب الجنب. وكذا ابن السبيل وما ملكت اليمين من أمة أو عبد والمذكورون الإحسان إليهم آكد وإلا فالإحسان معروف يبذل لكل الناس كما قال تعالى : ﴿ وقولوا للناس حسنا ﴾ وقال : ﴿ وأحسنوا أن الله يحب المحسنين ﴾ وقوله تعالى : ﴿ إن الله لا يحب من كان مختالاً فخور ﴾ دال على أن منع الإحسان الذي هو كف الأذى وبذل المعروف ناتج عن خلق البخل والكبر وهما من شر الأخلاق هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( ٣٦ ).
الهداية
من الهداية :
- تقرير عشرة حقوق والأمر بأدائها فورا وهي عادة الله وحده والإحسان بالوالدين، وإلى كل المذكورين في الآية الأولى.
- ذم الاختيال الناجم عن الكبر وذم الفخر وبيان كره الله تعالى لهما.
شرح الكلمات
﴿ يبخلون ﴾ :يمنعون الواجب بذله من المعروف مطلقا.
﴿ ويكتمون ﴾ :يجحدون، ما أعطاهم الله من علم ومال تفضلا منه عليهم.
﴿ المعنى ﴾ :
وأما الآية الثانية ( ٣٧ ) وقد تضمنت بمناسبة ذم البخل والكبر التنديد ببخل بعض أهل الكتاب وكتمانهم الحق وهو ناتج عن بخلهم أيضاً قال تعالى : ﴿ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم من فضله ﴾ أي من مال وعلم وقد كتموا نُعوت النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته عليه في التوراة والإنجيل، وبخلوا بأموالهم وأمروا بالبخل بها، إذ كانوا يقولون للأنصار لا تنفقوا أموالكم على محمد فإنا نخشى عليكم الفقر، وخبر الموصول الذين محذوف تقديره هم الكافرون حقاً دلَّ عليه قوله : ﴿ وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً ﴾. هذا ما جاء في هذه الآية الثانية.
الهداية
من الهداية
- حرمة البخل والأمر به وحرمة كتمان العلم وخاصة الشرعي.
شرح الكلمات
﴿ قريناً ﴾ :القرين :الملازم الذي لا يفارق صاحبه كأنه مشدود معه بقرن أي بحبل.
المعنى :
أما الآيتان الثالثة ( ٣٨ ) والرابعة ( ٣٩ ) فإن الأولى منهما قد تضمنت بيان حال أناسٍ آخرين غير اليهود وهم المنافقون فقال تعالى : ﴿ والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ﴾ أ ] مراءاة لهم ليتقوا بذلك المذمة ويحصلوا على المحمدة. ﴿ ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ﴾ لأنهم كفار مشركون وإنما أظهروا الإسلام تقية فقط ولذا كان إنفاقهم رياء لا غير. وقوله : ﴿ ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا ﴾ أي بئس القرين له الشيطان وهذه الجملة : ﴿ ومن يكن الشيطان... ﴾ دالة على خبر الموصول المحذوف اكتفى بها عن ذكره كما في الموصول الأول وقد يقدر بمثل :الشيطان قرينهم هو الذي زين لهم الكفر بالله واليوم الآخر.
هذا ما تضمنته الآية ( ٣٨ )
الهداية :
من الهداية :
- حرمة الرياء وذم صاحبها.
- ذم قرناء السوء لما يأمرون به ويدعون إليه قرنائهم حتى قيل :
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي.
شرح الكلمات
﴿ وماذا عليهم ﴾ :أي أي شيء يضرهم أو ينالهم بمكروه إذا هُمْ آمنوا ؟
المعنى :
وهي قوله تعالى : ﴿ ماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله ؟ ؟ ﴾ فقد تضمنت الإنكار والتوبيخ لأولئك المنافقين الذين ينفقون رياء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر بسبب فتنة الشيطان لهم وملازمته إياهم، فقال تعالى : ﴿ وماذا عليهم ﴾ أي أي شيء يضرهم أو أي أذى يلحقهم في العاجل أو الآجل، لو صدقوا الله ورسوله وأنفقوا في سبيل الله مما رزقهم الله، وفي الخطاب دعوة ربانية لهم لتصحيح إيمانهم واستقامتهم بالخروج من دائرة النفاق التي أوقعهم فيها القرين عليه لعائن الله، فلذا لم يذكر تعالى وعيدا لهم، وإنما قال ﴿ وكان الله بهم عليما ﴾ وفي هذه تخويف لهم من سوء حالهم إذا استمروا على نفاقهم فإن علم الله بهم يستو جب الضرب على أيديهم إن لم يتوبوا.
شرح الكلمات :
﴿ الظلم ﴾ :وضع شيء في غير موضعه.
﴿ مثقال ذرة ﴾ :المثقال :الوزن مأخوذ من الثقل فكل ما يوزن فيه ثقل، والذرة أصغر حجم في الكون حتى قيل إنه الهباء أو رأس النملة.
﴿ الحسنة ﴾ :الفعلة الجميلة من المعروف.
﴿ يضاعفها ﴾ :يريد فيها ضعفها.
﴿ من لدنه ﴾ :من عنده.
﴿ أجرا عظيما ﴾ :جزاء كبيرا وثواباً عظيما.
المعنى :
لما أمر تعالى في الآيات السابقة بعبادته والإحسان إلى من ذكر من عباده. وأمر بالإنفاق في سبيله، وندد بالبخل والكبر والفخر، وكتمان العلم، وكان هذا يتطلب الجزاء بحسبه خيراً أو شراً ذكر في هذه الآية ( ٤٠ ) ﴿ أن الله لا يظلم مثقال ذرة و إن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً ﴾، ذكر عدله في المجازاة ورحمته، فأخبر أنه عند الحساب لا يظلم عبده وزن ذرة أصغر شيء وذلك بأن لا ينقص من حسناته حسنة، ولا يزيد في سَيَئاتِه سيئة، و أن توجد لدى مؤمن حسنة واحدة يضاعفها بأضعاف يعلمها هو ويعط من عنده بدون مقابل أجراً عظيما لا يقادر قدره فلله الحمد والمنة هذا ما تضمنته الآية الأولى ( ٤٠ ).
الهداية
من الهداية :
- بيان عدالة الله تعالى ورحمته ومزيد فضله.
شرح الكلمات :
﴿ الشهيد ﴾ :الشاهد على الشيء لعلمه به.
المعنى الكريمة :
أما الآية الثانية ( ٤١ ) فإنه تعالى ذكر الجزاء والحساب الدال عليه السياق ذكر ما يدل على هول يوم الحساب وفظاعة الأمر فيه، فخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم قائلا : ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شيهداً ؟ ﴾ والمعنى الكريمة الكريمة فكيف تكون حال أهل الكفر والشر والفساد إذا جاء الله تعالى بشهيد من كل أمة ليشهد عليها فيما أطاعت وفيما عصت ليتم الحساب بحسب البينات والشهود والجزاء بحسب الكفر والإيمان والمعاصي والطاعات، وجئنا بك أيها الرسول الخليل صلى الله عليه وسلم شهيداً على هؤلاء أي على أمته صلى الله عليه وسلم من آمن به ومن كفر إذ يشهد أنه بلغ رسالته وأدى أمانته صلى الله عليه وسلم. هذا ما تضمنته الآية الثانية.
الهداية
من الهداية :
- معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بآثار الشهادة على العبد يوم القيامة إذ أخبر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما " اقرأ عليَّ القرآن فقلت أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ فقال :أحب أن أسمعه من غيري قال :فقرأت ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم ﴾ حتى وصلت هذه الآية ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ﴾ الآية وإذا عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان الدموع وهو يقول :حسبك أي كفاك ما قرأت علّي ".
شرح الكلمات :
﴿ يود ﴾ :يحب.
﴿ تسوى بهم الأرض ﴾ :يكونون تراباً مثلها.
﴿ ولا يكتمون الله حديثا ﴾ :أي لا يخفون كلاماً.
المعنى :
أما الآية الثالثة ( ٤٢ ) فإنه تعالى لما ذكر ما يدل على هول يوم القيامة في الآية ( ٤١ ) ذكر مثلا لذلك الهول وهو أن الذين كفروا يودون وقد عصوا الرسول ليسوون بالأرض فيكونون تراباً حتى لا يحاسبوا ولا يجزوا بجهنم. وأنهم في ذلك اليوم لا يكتمون الله كلاما ؛ إذ جوارحهم تنطق فتشهد عليهم. قال تعالى ﴿ يومئذ ﴾ أي يوم يؤتى من كل أمة بشهيد ﴿ يود الذين كفروا لو تسوى بهم الأرض ﴾ فيكونون تراباً مثلها. مرادهم أن يسووا هم الأرض فيكونون ترابا وخرج الكلام على معنى أدخلت رأسي في القلنسوة والأصل أدخلت القلنسوة في رأسي وقوله ولا عليهم بعد أن يختم على أفواههم، كما قال تعالى من سورة يس ﴿ اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ﴾.
الهداية
من الهداية :
- بيان هول يوم القيامة حتى أن الكافر ليود أن لو سويت به الأرض فكان تراباً.
شرح الكلمات :
﴿ لا تقربوا ﴾ :لا تدنوا كناية عن الدخول فيها، أولا تدنوا من مساجدها.
﴿ سكارى ﴾ :جمع كسر أن وهو من شرب مسكراً فستر عقله وغطاه.
﴿ تعلموا ما تقولون ﴾ :لزوال السكر عنكم ببعد شربه عن وقت الصلاة وهذا كان قبل تحريم الخمر وسائر المسكرات.
﴿ ولا جنباً ﴾ :الجنب :من به جنابة وللجنابة سببان جماع، أو احتلام.
﴿ عابري سبيل ﴾ :مارين بالمسجد مروراً بدون جلوس فيه.
﴿ الغائط ﴾ :المكان المنخفض للتغوط :أي التبرز فيه.
﴿ لامستم النساء ﴾ :جامعتموهن.
﴿ فتيمموا صعيداً طيباً ﴾ :اقصدوا تراباً طاهراً.
﴿ عفواً غفوراً ﴾ :عفواً :لا يؤاخذ على كل ذنب، غفوراً :كثير المغفرة لذنوب عباده التائبين إليه.
المعنى الكريمة الكريمة :
لا شك أن لهذه الآية سبباً نزلت بمقتضاه وهو أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه حسب رواية الترمذي أقام مأدبة لبعض الأصحاب فأكلوا وشربوا وحضرت الصلاة فقاموا لها وتقدم أحدهم يصلي بهم فقرأ بسورة الكافرون وكان ثملان فقرأ :قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، وهذا باطل وواصل قراءته بحذف حروف النفي فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا....... ﴾ أي يا من صدقتم بالله ورسوله، ﴿ لا تقربوا الصلاة ﴾ أي لا تدخلوا فيها، والحال أنكم سكارى من الخمر إذ كانت يومئذ حلالاً غير حرام، حتى تكون عقولكم تامة تميزون بها الخطأ من الصواب حتى تغتسلوا اللهم من كان منكم عابر سبيل، إذ كانت طرق بعضهم إلى منازلهم على المسجد النبوي. ﴿ و إن كنتم مرضى ﴾ بجراحات يضرها الماء أو جَاءَ أحد منكم من الغائط أولامستم النساء } بمضاجعتهن أو مسستموهن بقصد الشهوة ﴿ فلم تجدوا ماءً ﴾ تغتسلون به إن كنتم جنباً أو تتوضأون به إن كنتم محدثين حدثاً أصغر ﴿ فتيمموا صعيداً طيباً ﴾ أي اقصدوا تراباً طاهراً ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ﴾ مرة واحدة فإن ذلك مجزئ لكم عن الغسل والوضوء فإن صح المريض أو وُجد الماء فاغتسلوا أو توضأوا ولا تيمموا لانتفاء الرخصة بزوال المرض أو وجود الماء. وقوله تعالى في ختام الآية ﴿ إن الله كان عفواً غفورا ﴾ يخبر تعالى عن كماله المطلق فيصف نفسه بالعفو عن عباده المؤمنين إذا خالفوا أمره، وبالمغفرة لذنوبهم إذا هم تابوا إليه، ولذا هو عز وجل لم يؤاخذهم لما صلَّوا وهم سكارى لم يعرفوا ما يقولون، وغفر لهم وأنزل هذا القرآن تعليماً لهم وهداية لهم.
الهداية الكريمة :
من الهداية الكريمة :
- تقرير مبدأ النسخ للأحكام الشرعية في القرآن والسنة.
- حرمة مكث الجنب في المسجد، وجواز العبور والاجتياز بدون مكث.
- وجوب الغسل على الجنب وهو من قامت به جنابة بأن احتلم فرأى الماء أو جامع أهله فأولج ذكره في فرج امرأته ولو لم ينزل ماءً.
وكيفية الغسل :أن يغسل كفيه قائلاً :بسم الله ناوياً رفع الحدث الأكبر ثم يستنجي فيغسل فَرجَيْهِ وما حولهما، ثم يتوطأ فيغسل كفيه ثلاثاً، ثم يتمضمض ويستنشق الماء، ويستثره ثلاثاً، ثم يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه وأذنيه مرة واحدة ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثم يغمس كفيه في الماء ثم يخلل أصول شعر رأسه، ثم يحثو الماء على رأسه يغسله بكل حثوة، ثم يفيض الماء على شقه الأيمن يَغْسِلُه، ثم على شقه الأيسر يَغْسِله من أعلاه إلى أسفله، ويتعهد بالماء إبطيه وكل مكان من جسمه ينبوا عنه الماء كالسرة وتحت الركبتين.
- إذا لم يجد المرء التراب لمطر ونحوه تيمم بكل أجزاء الأرض من رمل وسبخة وحجارة والتيمم هو أن يضرب بكفه الأرض ثم يمسح وجهه وكفيه بهما لحديث عمار رضي الله عنه في الصحيح.
- بيان عفو الله وغفرانه لعدم مؤاخذة من صلوا وهم سكارى.
شرح الكلمات :
﴿ ألم تر ﴾ :الم تبصر أي بقلبك أي تعلم.
﴿ نصيباً ﴾ :حظاً وقسطاً.
﴿ يشترون الضلالة ﴾ :أي الكفر بالإيمان.
المعنى :
د٤٤
قوله تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين أو توا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل ﴾ أي ألم ينته إلى علمك وإلى علم أصحابك ما يحملكم على التعجب :العلم بالذين أتوا نصيباً من الكتاب وهم رفاعة بن زيد وإخوانه من اليهود، أعطوا حظاً من التوراة فعرفوا صحة الدين الإِسلامي، وصدق نبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ يشترون الضلالة ﴾ وهو الكفر يشترونها بالإيمان، حيث جحدوا نعوت النبي وصفاته في التوراة للإِبقاء على مركزهم بين قومهم وهو الإيمان بالله ورسوله والعمل بطاعتهما للإِسعاد والإِكمال.
الهداية :
من الهداية :
- بيان مكر اليهود بالمؤمنين بالعمل على إضلالهم في عهد النبوة وإلى اليوم.
شرح الكلمات :
﴿ الأعداء ﴾ :جمع عدو وهو من يقف بعيداً عنك يود ضرك ويكره نفعك.
المعنى :
د٤٤
﴿ والله أعلم بأعدائكم ﴾ الذين يودون ضركم ولا يودون نفعكم، ولذا أخبركم بهم لتعرفوهم وتجتنبوهم فتنجوا من مكرهم وتضليلهم. ﴿ وكفى بالله ولياً ﴾ لكم تعتمدون عليه وتفوضون أموركم إليه ﴿ وكفى بالله نصيراً ﴾ ينصركم عليهم وعلى غيرهم فاعبدوه وتوكلوا عليه.
الهداية :
من الهداية :
- في كفاية الله للمؤمنين ونصرته ما يغنيهم أن يطلبوا ذلك من أحد غير ربهم عز وجل.
شرح الكلمات :
﴿ هادوا ﴾ :أي اليهود قيل لهم ذلك لقولهم : ﴿ إنا هدنا إليك ﴾ أي تبنا ورجعنا.
﴿ يحرفون ﴾ :التحريف :الميل بالكلام عن معناه إلى معنى باطل للتضليل
﴿ الكلم ﴾ :الكلام وهو كلام الله تعالى في التوراة.
﴿ واسمع غير مسمع ﴾ :أي اسمع ما تقول لا أسمعك الله. وهذا كفر منهم صريح.
﴿ وطعناً في الدين ﴾ :سبهم للرسول صلى الله عليه وسلم هو الطعن الأعظم في الدين.
﴿ وانظرنا ﴾ :وَأمهلنا حتى نسمع فنفهم.
﴿ أقوم ﴾ :أعدل وأصوب.
﴿ لعنهم الله بكفرهم ﴾ :طردهم من رحمته وأبعدهم من هداه بسبب كفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم.
المعنى :
د٤٤
﴿ من الذين هادوا يحرفون كلام الله ﴾ تعالى في التوراة وتحريف بالميل به عن القصد، أو بتبديله وتغييره تضليلاً للناس وإبعاداً لهم عن الحق المطلوب منهم الإيمان به والنطقُ والعمل به. ويقولون للنبي صلى الله عليه وسلم كفراً وعناداً ﴿ سمعنا وعصينا، واسمع غير مسمع ﴾ أي لا أسمعك الله ﴿ وراعنا ﴾ وهي كلمة ظاهرها أنها من المراعاة وباطنها الطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ اليهود يعدونها من الرعونة بألسنتهم ﴿ وطعناً في الدين ﴾ أي يلوون ألسنتهم بالكلمة التي يسبون بها حتى لا تظهر عليهم، ويطعنون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى : ﴿ ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا ﴾ أي انتظرنا بدل راعنا لكان خيراً لهم وأقوم أي أعدل وأكثر لياقة وأدباً ولكن لا يقولون هذا لأن الله تعالى لعنهم وحرمهم من كل توفيق بسبب كفرهم ومكرهم فهم لا يؤمنون إلا قليلاً. أي إيماناً لا ينفعهم لقلته فهو لا يصلح أخلاقهم ولا يطهر نفوسهم ولا يهيئهم للكمال في الدنيا ولا في الآخرة.
الهداية :
من الهداية :
- الكشف عن سوء نيات وأعمال اليهود إزاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- الإيمان القليل لا يجدي صاحبه ولا ينفعه بحال.
شرح الكلمات :
﴿ أو توا الكتاب ﴾ :اليهود والنصارى، والمراد بهم هنا اليهود لا غير.
﴿ بما نزلنا مصدقاً ﴾ :القرآن.
﴿ تطمس وجوها ﴾ :نذهب آثارها بطمس الأعين وإذهاب أحداقها.
﴿ فنردها على أدبارها ﴾ :نجعل الوجه قفا، والقفا وجهاً.
﴿ كما لعنا أصحاب السبت ﴾ :لعنهم مسخهم قردة خزياً لهم وعذاباً مهيناً.
﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ :أمر الله :مأموره كائن لا محالة لأنه تعالى لا يعجزه شيء.
المعنى الكريمة الكريمة :
ما زال السياق في اليهود المأجورين للرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة ففي هذه الآية ناداهم الله تبارك وتعالى بعنوان العلم والمعرفة وهو نسبتهم إلى الكتاب الذي هو التوراة آمراً إياهم بالإيمان بكتابه أي بالقرآن الكريم وبمن أنزله عليه محمد صلى الله عليه وسلم إذا الإيمان بالمنزَّل إيمان بالمنزّل عليه ضمناً. فقال : ﴿ آمنوا ﴾ بالفرقان المصدق لما معكم من أصول الدين ونعوت الرسول والأمر بالإيمان به ونصرته خفّوا إلى الإيمان واتركوا التردد من قبل أن يحل بكم ما حل ببعض أسلافكم حيث مسخوا قدرة وخنازير ﴿ من قبل أن نطمس وجوهاً ﴾ فنذهب حدقة أعينها وشاخص أنوفها ونُغلق أفواهها فتصبح الوجوه أقفاء، والأقفاء وجوهاً يمشون القهقراء وهو معنى قوله : ﴿ فنردها على أدبارها، أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت ﴾ أي الذين اعتدوا منكم في السبت حيث صادوا فيه وهو محرم عليهم فمسخهم قردة خاسئين. ﴿ وكان أمر الله ﴾ أي مأموره ﴿ مفعولاً ﴾ ناجزاً، لا يتخلف ولا يتأخر لأن الله تعالى لا يعجزه شيء وهو على كل شيء قدير.
الهداية :
من الهداية :
- المفروض أن ذا العلم يكون أقرب إلى الهداية، ولكن من سبقت شقوته لما يعلم الله تعالى من اختياره الشر والإِصرار عليه لا ينفعه العلم، ولا يهتدي به هؤلاء اليهود الذين دعاهم الله تعالى إلى الإيمان فلم يؤمنوا.
- وجوب تعجيل التوبة قبل نزول العذاب وحلول ما لا يحب الإنسان من عذاب ونكال.
- قد يكون المسخ في الوجوه بمسخ الأفكار والعقول فتفسد حياة المرء وتسوء وهذا الذي حصل ليهود المدينة. فنقضوا عهودهم فهلك من هلك منهم وأجلى من أجلى نتيجة إصرارهم على الكفر وعداء الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.
شرح الكلمات :
﴿ لا يغفر ﴾ :لا يمحو ولا يترك المؤاخذة.
﴿ أن يشرك به ﴾ :أي يعبد معه غيره تأليهاً له بحبه وتعظيمه وتقديم القرابين له، وصرف العبادات له كدعائه والاستعانة به والذبح والنذر له.
﴿ ويغفر ما دون ذلك ﴾ :أي ما دون الشرك والكفر من سائر الذنوب والمعاصي التي ليست شركاً ولا كفراً.
﴿ لمن يشاء ﴾ :أي لمن يشاء المغفرة له من سائر المذنبين بغير الشرك والكفر.
﴿ افترى إثماً عظيماً ﴾ :افترى :اختلق وكذب كذباً بنسبته العبادة إلى غير الرب تعالى، والإِثم :الذنب العظيم الكبير.
المعنى الكريمة الكريمة :
يروى أنه لما نزل قول الله تعالى من سورة الزمر ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله أن الله يغفر الذنوب جميعاً ﴾ قام رجل فقال والشرك يا نبي الله ؟ فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله تعالى : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ فأخبر تعالى عن نفسه بأنه لا يغفر الذنب المعروف بالشرك والكفر، وأما سائر الذنوب كبيرها وصغيرها فتحت المشيئة إن شاء غفرها لمرتكبها فلم يعذبه بها، وإن شاء أخذه بها وعذبه، و أن من يشرك به تعالى فقد اختلق الكذب العظيم إذ عبد من لا يستحق العبادة وأله من لا حق له في التأليه فلذا هو قائل بالزور وعامل بالباطل، ومن هنا كان ذنبه عظيماً.
الهداية الكريمة :
من الهداية :
- عظم ذنب الشرك والكفر و أن كل الذنوب دونهما.
- الشر كذنب لا يغفر لمن مات بدون توبة منه.
- سائر الذنوب دون الشرك والكفر لا ييأس فاعلها من مغفرة الله تعالى له وإنما يخاف.
- الشرك زور وفاعله قائل بالزور فاعلٌ به.
شرح الكلمات :
﴿ تزكية النفس ﴾ :تبرئتها من الذنوب والآثام.
﴿ يزكي من يشاء ﴾ :يطهر من الذنوب من يشاء من عباده بتوفيقه للعمل بما يزكي النفس، وإعانته عليه.
﴿ الفتيل ﴾ :الخيط الأبيض يكون في وسط النواة، أو ما يفتله المرء بأصبعيه من الوسخ في كفه أو جسمه وهو أقل الأشياء وأتفهها.
المعنى :
عاد السياق إلى الحديث عن أهل الكتاب فقال تعالى لرسوله والمؤمنين : ﴿ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ﴾ وهو أمر يحمل على العجب والاستغراب إذ المفروض أن المرء لا يزكي نفسه حتى يزكيه غيره فاليهود والنصارى قالوا ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ وقالوا : ﴿ لن يدخل الجنة إلى من كان هوداً أو نصارى وقالت اليهود لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات ﴾ إلى غير ذلك من الدعاوي ولما أنكر تعالى عليهم هذا الباطل الذي يعيشون عليه فعاقهم عن الإيمان والدخول في الإِسلام وأخبر تعالى أنه عز وجل هو الذي يزكي من يشاء من عباده وذلك بتوفيقه إلى الإيمان وصالح الأعمال التي تزكو عليها النفس البشرية فقال تعالى : ﴿ بل الله يزكي من يشاء، ولا يظلمون فتيلاً ﴾ أي أقل قليل فلا يزاد في ذنوب العبد ولا ينقص من حسناته.
الهداية :
من الهداية :
- حرمة تزكية المرء نفسه بلسانه والتفاخر بذلك إما طلباً للرئاسة، وإما تخلياً عن العبادة والطاعة بحجة أنه في غير حاجة إلى ذلك لطهارته ورضي الله تعالى عنه.
- الله يزكي عبد ه بالثناء عليه في الملأ الأعلى، ويزكيه بتوفيقه وإيمانه للعمل بما يزكي من صلاة وصدقات وسائر الطاعات المشروعة لتزكية النفس البشرية وتطهيرها.
- عدالة الحساب والجزاء يوم القيامة لقوله تعالى : ﴿ ولا يظلمون فتيلاً ﴾.
شرح الكلمات :
﴿ الكذب ﴾ :عدم مطابقة الخبر للواقع.
المعنى :
ثم أمر الله تعالى رسوله أن يتعجب من حال هؤلاء اليهود والنصارى وهم يكذبون على الله تعالى، ويختلقون الكذب بتلك الدعاوي التي تقدمت آنفاً. وكفى بالكذب إثماً مبيناً. يغمس صاحبه في النار.
شرح الكلمات :
﴿ الجبت والطاغوت ﴾ :الجبت :اسم لكل ما عبد من دون الله وكذا الطاغوت سواء كانا صنمين أو رجلين.
﴿ أهدى سبيلاً ﴾ :أكثر هداية في حياتهما وسلوكهما.
المعنى :
د٥١
﴿ ألم تر إلى الذين أو توا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴾ ألم ينته إلى علمك أيها الرسول أن الذين أوتوا حظا من العلم بالتوراة يصدقون بصحة عبادة الجبت والطاغوت ويقرون عليها ويحكمون بأفضلية عبادتها على عبادة الله تعالى ﴿ ويقولون للذين كفروا ﴾ وهم مشركو قريش :دينكم خير من دين محمد وأنتم أهدى طريقا في حياتكم الدينية والاجتماعية ألم يكن موقف هؤلاء اليهود مثار الدهشة والاستغراب والتعجب لأَهل العِلْمِ والمعرفة بالدين الحق إذ يُقِرُّون الباطل ويصدقون به ؟.
الهداية
من الهداية :
- وجوب الكفر بالجبت والطاغوت.
- بيان مكر اليهود وغشهم وأنهم لا يتورعون عن الغش والكذب والتضليل.
المعنى :
د٥١
﴿ أولئك الذين لعنهم الله ﴾ أولئك الهابطون في حمأة الرذيلة البعيدون في أغوار الكفر والشر والفساد لعنهم الله فأبعدهم عن ساحة الخير والهدى، ﴿ ومن يلعن الله فلن تجد له ﴾ يا رسولنا ﴿ نصيرا ﴾ ينصره من الخذلان الذي وقع فيه والهزيمة الروحية التي حلت به فأصبح وهو العالم يبارك الشرك ويفضله على التوحيد.
....
شرح الكلمات :
﴿ نقيراً ﴾ :النقير :نُقْرَةٌ في ظهر النواة يضرب بها المثل في صغرها.
المعنى :
د٥١
ثم قال تعالى في الآية ( ٥٣ ) ﴿ أم لهم نصيب من الملك فإذاً لا يؤتون الناس نقيراً ﴾. أي ليس لهم نصيب من الملك كما يدعون فلاستفهام للإنكار عليهم دعوة أن الملك يؤول إليهم، وهم لشدة بخلهم لو آل الملك لهم لما أعطوا أحداً أحقر الأشياء وأتفهها ولو مقدار نقرة نواة وهذا ذم لهم بالبخل بعد ذمهم بلازم الجهل وهو تفضيلهم الشرك على التوحيد.
الهداية
من الهداية :
- ذم الحسد والبخل.
شرح الكلمات :
﴿ الحسد ﴾ :تمني زوال النعمة عن الغير والحرص على ذلك.
﴿ الحكمة ﴾ :السداد في القول والعمل مع الفقه في أسرار التشريع الإِلهي.
المعنى :
د٥١
وقوله تعالى : ﴿ أم يحسدون الناس على آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً ﴾ أم بمعنى بل كسابقتها بل للإضراب - الانتقالي من حال سيئة إلى أخرى، والهمزة للإِنكار ينكر تعالى عليهم حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على النبوة والدولة، وهو المراد من الناس وقوله تعالى ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب ﴾ كصحف إبراهيم والتوراة والزبور والإنجيل " والحكمة " التي هي السنة التي كانت لأولئك الأنبياء يتلقونها وحياً من الله تعالى وكلها علم نافع وحكم صائب سديد الملك العظيم هو ما كان لداود وسليمان عليهما السلام كل هذا يعرفه اليهود فلم لا يحسدون من كان لهم ويحسدون محمداً والمسلمين والمراد من السياق ذم اليهود بالحسد كما سبق ذمهم بالبخل والجهل مع العلم.
الهداية
من الهداية :
- ذم الحسد والبخل.
المعنى :
د٥١
وقوله تعالى في الآية ( ٥٥ ) ﴿ منهم من آمن به ومنهم من صد عنه ﴾ يريد أن من اليهود المعاهدين للنبي صلى الله عليه وسلم مَنْ آمن بالنبي محمد ورسالته، وهم القليل، ﴿ ومنهم من صد عنه ﴾ أي انصرف وصرف الناس عنه وهم الأكثرون ﴿ وكفى بجهنم سعيراً ﴾ لمن كفر حسداً وصد عن سبيل الله بخلا ومكراً، أي حسبه جهنم ذات السعير جزاءً له على الكفر والحسد والبخل. والعياذ بالله تعالى.
الهداية
من الهداية :
- إيمان بعض اليهود بالإِسلام، وكفر أكثرهم مع علمهم بصحة الإِسلام ووجوب الإيمان به والدخول فيه.
شرح الكلمات :
﴿ نصليهم ناراً ﴾ :ندخلهم ناراً يحترقون بها.
﴿ نضجت جلودهم ﴾ :اشتوت فتهرت وتساقطت.
﴿ ليذوقوا العذاب ﴾ :ليستمر لهم العذاب مؤلماً.
﴿ عزيزا حكيما ﴾ :غالبا، يعذب من يستحق العذاب.
المعنى :
على ذكر الإيمان والكفر في الآية السابقة ذكر تعالى في هاتين الآيتين الوعيد والوعد والوعيد لأهل الكفر والوعد لأهل الإيمان فقال تعالى : ﴿ إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً ﴾ يريد يدخلهم نار جهنم يحترقون فيها ويصطلون بها ﴿ كلمة نضجت جلودها ﴾ تهرت وسقطت بدلهم الله تعالى فوراً جلوداً غيرها ليتجدد ذوقهم للعذاب وإحساسهم به، وقوله تعالى ﴿ إن الله كان عزيزاً حكيما ﴾ تذييل المقصود منه إنفاذ الوعيد فيهم، لأن العزيز الغالب لا يعجز عن إنفاذ ما توعد به أعداءه، كما أن الحكيم في تدبيره يعذب أهل الكفر به والخروج عن طاعته هذا ما تضمنته الآية الأولى ( ٥٦ ) من وعيد لأهل الكفر.
الهداية
من الهداية :
- الكفر والمعاصي موجبات للعذاب الأخروي.
- بيان الحكمة في تبديل الجلود لأهل النار وهي أن يدوم إحساسهم بالعذاب.
شرح الكلمات :
﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ :تجري من خلال أشجارها وقصورها الأنهار.
﴿ مطهرة ﴾ :من الأذى والقذى مطلقا.
﴿ ظلا ظليلا ﴾ :الظل الظليل، الوارف الدائم لا حر فيه ولا برد فيه.
المعنى :
وأما الآية الثانية ( ٥٧ ) فقد تضمنت البشرى السارة لأهل الإيمان وصالح الأعمال، مع اجتناب الشرك والمعاصي فقال تعالى : ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ أي بعد تركهم الشرك والمعاصي ﴿ سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ﴾ يريد نساء من الحور العين مطهرات من كل ما يؤذي أو يُخل بحسنهن وجمالهن نقيات من البول والغائط ودم الحيض. وقوله تعالى : ﴿ وندخلهم ظلا ظليلا ﴾ وارفا كنيناً يقيهم الحر والبرد وحدث يوما رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجنة فقال : " في الجنة شجرة تسمى شجرة الخلد يسير الراكب في ظلها مائة سنة ما يقطع ظلها ".
الهداية
من الهداية :
- الإيمان والعمل الصالح مع ترك الشرك والمعاصي موجبات للنعيم الأخروي.
- الجنة دار النعيم خالية من كدرات الصفو والسعادة فيها.
شرح الكلمات :
﴿ أن تؤدوا الأمانات ﴾ :أداء الأمانة :تسليمها إلى المؤتمن، والأمانات جمع أمانة وهي ما يؤتمن عليه المرء من قول أو عمل أو متاع.
﴿ العدل ﴾ :ضد الجور والانحراف بنقص أو زيادة.
﴿ نعما يعظكم ﴾ :نعم شيء يعظكم أي يأمركم به أداء الأمانات والحكم بالعدل.
المعنى :
روي أن الآية الأولى : ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات ﴾ نزلت في شأن عثمان بن طلحة الحجبي حيث كان مفتاح الكعبة عنده بوصفه سادناً فطلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم منه صبيحة يوم الفتح فصلى في البيت ركعتين وخرج فقال العباس رضي الله عنه أعطنيه يا رسول الله ليجمع بين السقاية والسدانة فنزل الله تعالى هذه الآية والتي بعدها والتي بعدها فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بخصوص السبب ولذا فالآية في كل أمانة فعلى كل مؤتمن على شيء أن يحفظه ويرعاه حتى يؤديه إلى صاحبه والآية تتناول حكام المسلمين أولا بقرينة ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾ الذي هو القسط وضد الجور ومعناه إيصال الحقوق إلى مستحقيها من أفراد الرعايا. وقوله تعالى : ﴿ إن الله نعما يعظكم به ﴾ يريد أن أمره تعالى أمة الإِسلام حكاما ومحكومين بأداء الأمانات والحكم بالعدل هو شيء حسن، وهو كذلك إذ قوام الحياة الكريمة هو النهوض بأداء الأمانات والحكم بالعدل وقوله تعالى : ﴿ إن الله كان سميعا بصيرا ﴾ فيه الحث على المأمور به بإيجاد ملكة مراقبة الله تعالى في النفس، فإن من ذكر أن الله تعالى يسمع أقواله ويبصر أعماله استقام في قوله فلم يكذب وفي عمله فلم يفرط. هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( ٥٨ ).
الهداية
من الهداية :
- وجوب رد الأمانات بعد المحافظة عليها.
- وجوب العدل في الحكم وحرمة الحيف والجور فيه.
شرح الكلمات :
﴿ وأولي الأمر منكم ﴾ :أو لوا الأمر :هم الأمراء والعلماء من المسلمين.
﴿ تنازعتم في شيء ﴾ :اختلفتم فيه كل فريق يريد أن ينتزع الشيء من يد الفريق الآخر
﴿ ردوه إلى الله والرسول ﴾ :أي إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
﴿ وأحسن تأويلا ﴾ :أحسن عاقبة، لأن تأول الشيء ما يؤول إليه في آخر الأمر.
المعنى :
أما الثانية ( ٥٩ )، فإن الله تعالى لما أمر ولاة أمور المسلمين بأداء الأمانات التي هي حقوق الرعية، وبالحكم بينهم بالعدل أمر المؤمنين المولي عليهم بطاعته وطاعة رسوله أولاً ثم بطاعة ولاة الأمور ثانيا فقال : ﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ﴾، والطاعة لأولى الأمر مُقَيد بما كان معروفاً للشرع أما في غير المعروف فلا طاعة في الاختيار لحديث : " إنما الطاعة في المعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ".
وقوله تعالى : ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله وإلى الرسول ﴾ فهو خطاب عام للولاة، والرعية فمتى حصل خلاف في أمر من أمور الدين والدنيا وجب رد ذلك إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فِبمَا حكما فيه وجب قبوله حلواً كان أو مراً، وقوله تعالى : ﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ فيه أن الإيمان يستلزم الإِذعان لقضاء الله ورسوله، وهو يفيد أن رد الأمور المتنازع فيها إلى غير قادح في إيمان المؤمن وقوله : ﴿ ذلك خير وأحسن تأويلا ﴾، يريد ذلك الرد والرجوع بالمسائل والقضايا المختلف فيها إلى الكتاب و السنة هو خير حالاً ومآلا، لما فيه من قطع النزاع والسير بالأمة متحدة متحابة متعاونة.
الهداية
من الهداية :
- وجوب طاعة الله وطاعة الرسول وولاة المسلمين من حكام وعلماء فقهاء، لأن طاعة الرسول من طاعة الله، وطاعة الوالي من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لحديث : " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقط أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد عصاني ".
- وجوب رد المتنازع فيه عقيدة أو عبادة أو قضاء إلى الكتاب والسنة ووجوب الرضا بقضائهما.
- العاقبة الحميدة والحال الحسنة السعيدة في رد أمة الإِسلام ما تتنازع فيه إلى كتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم.
شرح الكلمات :
﴿ يزعمون ﴾ :يقولون كاذبين.
﴿ بما أنزل إليك ﴾ :القرآن، وما أنزل من قبلك :التوراة.
﴿ الطاغوت ﴾ :كل ما عبد من دون الله ورضي بالعبادة والمراد به هنا كعب بن الأشرف اليهودي أو كاهن من كهان العرب.
المعنى :
روي أن منافقاً ويهوديا اختلفا في شيء فقال اليهودي نتحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم لعلمه أنه يحكم بالعدل ولا يأخذ رشوة، وقال المنافق نتحاكم إلى كعب بن الأشرف اليهودي فتاكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي فنزلت فيهما هذه الآية : ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ﴾ والمراد بهذا المنافق، ﴿ وما أنزل من قبلك ﴾ والمراد به اليهودي والاستفهام للتعجب ألم ينته إلى علمك موقف هذين الرجلين ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ﴾ " كعب بن الأشرف "، أو الكاهن الجهني، وقد أمرهم الله أن يكفروا به ﴿ ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ﴾ حيث زين له التحاكم عند الكاهن أو كعب اليهودي.
الهداية
من الهداية :
- حرمة التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إذا وُجد عالم بهما.
- وجوب الكفر بالطاغوت أيا كان نوعه.
شرح الكلمات :
﴿ المنافقين ﴾ :جمع منافق :وهو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان خوفا من المسلمين.
﴿ يصدون ﴾ :يعرضون عنك ويصرفون غيرهم كذلك.
المعنى :
﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ﴾ ليحكم بينكم رأيت ياللعجب المنافقين يعرضون عنك إعراضا هاربين من حكمك غير راضين بالتحاكم إليك لكفرهم بك وتكذيبهم لك.
الهداية
من الهداية :
- وجوب الدعوة إلى التحاكم إلى الكتاب والسنة ووجوب قبولها.
شرح الكلمات :
﴿ مصيبة ﴾ :عقوبة بسبب كفرهم ونفاقهم.
﴿ إن يريدون ﴾ :أي ما يريدون.
﴿ إلا إحسانا ﴾ :أي صلحاً بين المتخاصمين.
﴿ وتوفيقا ﴾ :جمعا وتأليفا بين المختلفين.
المعنى :
﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة ﴾ وحلت بهم قارعة بسبب ذنوبهم أيبقون معرضين عنك ؟ أم ماذا ؟ ﴿ ثم جاءوك يحلفون بالله ﴾ قائلين، ما أردنا إلا الإحسان في عملنا ذلك والتوفيق بين المتخاصمين. هذا ما دلت عليه الآيات الثلاث.
شرح الكلمات :
﴿ فأعرض عنهم ﴾ :أي اصفح عنهم فلا تؤاخذهم.
﴿ وعظهم ﴾ :مرهم بما ينبغي لهم ويجب عليهم.
﴿ قولا بليغا ﴾ :كلاما قويا يبلغ شغاف قلوبهم لبلاغته وفصاحته.
المعنى :
وأما الرابعة وهي قوله تعالى : ﴿ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ﴾ فإن الله تعالى يشير إليهم بأولئك لبعدهم في الخسة والانحطاط فيقول ﴿ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ﴾ أي من النفاق والزيغ فهم عرضة للنقمة وسوء العذاب، ﴿ فأعرض عنهم ﴾ فلا تؤاخذهم، ﴿ وعظهم ﴾ آمراً إياهم بتقوى الله والإِسلام له ظاهراً وباطناً مخوفا إياهم من عاقبة سوء أفعالهم بترك التحاكم إليك وتحاكمهم إلى الطاغوت، وقل لهم في خاصة أنفسهم قولا بليغاً ينفذ إلى قلوبهم فيحركها ويذهب عنها غفلتها علهم يرجعون.
الهداية
من الهداية :
- استحباب الإِعراض عن ذوي الجهالات، ووعظهم بالقول البليغ الذي يصل إلى قلوبهم فيهزها.
شرح الكلمات :
﴿ بإذن الله ﴾ :إذن الله :إعلامه بالشيء وأمره به.
﴿ ظلموا أنفسهم ﴾ :بالتحاكم إلى الطاغوت وتركهم التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
﴿ استغفروا الله ﴾ :طلبوا منه أن يغفر لهم بلفظ اللهم اغفر لنا، أو استغفروا الله.
المعنى :
بعد تقرير خطأ وضلال من أرادا أن يتحكما إلى الطاغوت كعب بن الأشرف اليهودي وهما اليهودي والمنافق في الآيات السابقة أخبر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه ما أرسلَ رسولاً مِن رسله المئات إلا وأمر المرسل إليهم بطاعته واتباعه والتحاكم إليه وتحكيمه في كل ما يختلفون فيه وذلك أمره وقضاؤه وتقديره فما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن كما أخبر تعالى أن أولئك الظالمين لأنفسهم بتحاكمهم إلى الطاغوت وصدودهم عن التحاكم إليك أيها الرسول لَوْ جاءوك متنصلين من خطيئتهم مستغفرين الله من ذنوبهم واستغفرت لهم أنت أيها الرسول أي سألت الله تعالى لهم المغفرة لو حصل منهم هذا لدل ذلك على توبتهم وتاب الله تعالى عليهم فوجدوه عز وجل ﴿ توابا رحيماً ﴾. هذا المعنى ( ٦٤ ) ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله، ولو أنهم إذا ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله، واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ﴾.
الهداية
من الهداية :
- وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يأمر به وينهى عنه.
- بطلان من يزعم أن في الآية دليلا على جواز طلب الاستغفار من الرسول صلى الله عليه وسلم لأن قوله تعالى ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك ﴾ الآية نزلت في الرجلين اللّذين أرادا التحاكم إلى كعب بن الأشرف اليهودي وإعراضهما عن رسول الله صل الله عليه وسلم فاشترط توبتهما إتيانهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم واستغفارهما الله تعالى، واستغفار الرسول لهما، وبذلك تقبل توبتهما، وإلا فلا توبة لهما أما من عداهما فتوبته لا تتوقف على إتيانه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لاستغفاره له وهذا محل إجماع بين المسلمين.
- كل ذنب كبر أو صغر يعتبر ظلماً للنفس وتجب التوبة منه بالاستغفار والندم والعزم على عدم مراجعته بحال من الأحوال.
شرح الكلمات :
﴿ يحكموك ﴾ :يجعلونك حكما بينهم ويفوضون الأمر إليك.
﴿ فيما شجر بينهم ﴾ :أي اختلفوا فيه لاختلاط وجه الحق والصواب فيه بالخطأ والباطل.
﴿ حرجا ﴾ :ضيقاً وتحرُّجاً.
﴿ مما قضيت ﴾ :حكمت فيه.
﴿ ويسلموا ﴾ :أي يذعنوا لقبول حكمك ويسلمون به تسليماً تاماً.
المعنى :
وأما الآية الثانية ( ٦٥ ) ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما ﴾ فإن الله تعالى يقول ﴿ فلا ﴾ أي ليس الأمر كما يزعمون، ثم يقسم تعالى فيقول ﴿ وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ﴾ أيها الرسول أي يطلبون حكمك فيما اختلفوا فيه واختلط عليهم من أمورهم ثم بعد حكمك لا يجدون في صدروهم أدنى شك في صحة حكمه وعدالته، وفي التسليم له والرضا به وهو معنى الحرج المتبقي في قوله : ﴿ ثم لا يجدون في صدورهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ﴾.
الهداية
من الهداية :
- وجوب التحاكم إلى الكتاب والسنة وحرمة التحاكم إلى غيرهما.
- وجوب الرضا بحكم الله ورسوله والتسليم به.
شرح الكلمات :
﴿ كتبنا عليهم ﴾ :فرضنا عليهم وأوجبنا.
﴿ أن اقتلوا أنفسكم ﴾ :أي قتل أنفسهم
﴿ ما فعلوه إلا قليلٌ منهم ﴾ :أي ما فعل القتل إلا قليل منهم.
﴿ ما يوعظون به ﴾ :أي ما يؤمرون به وينهون عنه
﴿ وأشد تثبيتا ﴾ :أي للإِيمان في قلوبهم.
المعنى :
ما زال السياق في الحديث عن أولئِكَ النفرِ الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به فقال تعالى : ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ﴾ أي بقتل بعضكم بعضا كما حصل ذلك لبني إسرائيل لمَا فَعَلوا كما أنا لو كتبنا عليهم أن يخرجوا من ديارهم مهاجرين في سبيلنا ﴿ ما فعلوه إلا قليل ﴾ منهم. ثم قال تعالى داعيا لهم مرغبا لهم في الهداية : ﴿ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ﴾ أي ما يذكرون به ترغيبا وترهيبا من أوامر الله تعالى لهم بالطاعة والتسليم لكان ذلك خيراً في الحال والمآل، ﴿ وأشد تثبيتا ﴾ للإِيمان في قلوبهم وللطاعة على جوارحهم، لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية والحسنة تنتج حسنة، والسيئة تتولد عنها سيئة.
الهداية
من الهداية :
- قد يكلف الله تعالى بالشاق للامتحان والابتلاء كقتل النفس والهجرة من البلد ولكن لا يكلف بما لا يطاق.
- الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعصيات.
المعنى :
ويقول تعالى : ﴿ وإذا لآتيناهم من لدنا أجراً عظيما ﴾ يريد لو أنهم استجابوا لنا وفعلوا ما أمرناهم به من الطاعات، وتركوا ما نهيناهم عنه من المعاصي لأعطيناهم من لدنا أجراً عظيماً يوم يلقوننا.
المعنى :
ولهدايناهم في الدنيا ﴿ صراطاً مستقيماً ﴾ ألا وهو الإِسلام الذي هو طريق الكمال والإِسعاد في الحياتين وهدايتهم إليه هي توفيقهم للسير فيه وعدم الخروج عنه.
شرح الكلمات :
﴿ الصديقين ﴾ :جمع صديق :وهو من غلب عليه الصدق في أقواله وأحواله لكثرة ما يصدق ويتحرى الصدق.
﴿ والشهداء ﴾ :جمع شهيد :من مات في المعركة ومثله من شهد بصحة الإِسلام بالحجة والبرهان.
﴿ والصالحون ﴾ :جمع صالح :من أدى حقوق الله تعالى وأدى حقوق العباد، وصلحت نفسه وصلح عمله وغلب صلاحه على فساده.
المعنى :
أما الآية ( ٦٩ ) وهي قوله تعالى : ﴿ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ﴾ فقد روى ابن جرير في تفسيره أنها نزلت حين قال بعض الصحابة يا رسول الله ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا فإنك إذا فارقتنا رفعت فوقنا فلم نرك فأنزل الله تعالى : ﴿ ومن يطع الله والرسول فأولئك ﴾ الآية.
وما أنعم الله تعالى عليه هو الإيمان بالله تعالى ومعرفته عز وجل ومعرفة محابه ومساخطه والتوفيق فعل المحاب وترك المساخط هذا في الدنيا، وأما ما أنعم به عليهم في الآخرة فهو الجوار الكريم في دار النعيم. والصديقين هم الذين آمنوا بالله ورسوله وصدقوا بكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر به والشهداء جمع شهيد وهو من قتل في سبيل الله والصالحون جمع صالح وهو من أدى حقوق الله تعالى وحقوق عباده كاملة غير منقوصة وقوله تعالى : ﴿ وحسن أولئك رفيقا ﴾ يريد وحسن أولئك رفقاء في الجنة يستمتعون برؤيتهم والحضور في مجالسهم، لأنهم ينزلون إليهم، ثم يعودون إلى منازلهم العالية ودرجاتهم الرفيعة.
الهداية
من الهداية :
- مواكبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في الجنة ثمرة من ثمار طاعة الله والرسول صلى الله عليه وسلم.
المعنى :
وقوله تعالى : ﴿ ذلك الفضل من الله ﴾ يريد أن ذلك الالتقاء مع مَنْ ذكرتم لهم بفضل الله تعالى، لا بطاعتهم. وقوله ﴿ وكفى بالله عليما ﴾ أي بأهل طاعته وأهل معصيته وبطاعة المطيعين ومعصية العاصين، ولذلك يتم الجزاء عادلاً رحيما.
الهداية
من الهداية :
- الطاعات تثمر قوة الإيمان وتؤهل لدخول الجنان.
شرح الكلمات :
﴿ خذوا حذركم ﴾ :الحِذْر والحَذَر :الاحتراس والاستعداد لدفع المكروه بحسبه.
﴿ فانفروا ثبات ﴾ :النفور :الخروج في اندفاع وانزعاج، والثبات :جمع ثبة وهي الجماعة.
المعنى :
قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ﴾ ينادي الله تعالى عباده المؤمنين وهم في فترة يستعدون فيها لفتح مكة وإدخالها في حضيرة الإِسلام خذوا الأهبة والاستعداد حتى لا تلاقوا عدوكم وأنتم ضعفاء، قوته أشد من قوتكم ﴿ فانفروا ثبات ﴾ عصابة بعد عصابة وجماعة بعد أخرى ﴿ أو انفروا جميعا ﴾ بقيادتكم المحمدية وذلك بحسب ما يتطلبه الموقف وتراه القيادة....
الهداية
من الهداية :
- وجوب أخذ الأهبة والاستعداد التام على أمة الإِسلام في السلم والحرب سواء.
- وجوب وجود خبرة عسكرية كاملة وقيادة رشيدة مؤمنة حكيمة عليمة.
شرح الكلمات :
﴿ ليبطّئن ﴾ :أي يتباطأ في الخروج فلا يخرج.
﴿ مصيبة ﴾ :قتل أو جراحات وهزيمة.
﴿ شهيداً ﴾ :أي حاضراً الغزوة معهم.
المعنى :
ثم أخبرهم وهو العليم أن منهم أي من عدادهم وأفراد مواطنيهم لمن والله ليبطئن عن الخروج إلى الجهاد نفسه وغيره معاً لأنه لا يريد لكم نصراً لأنه منافق كافر الباطن و إن كان مسلم الظاهر ويكشف عن حال هذا النوع من الرجال الرخيص فيقول : ﴿ فإن أصابتكم ﴾ أيها المؤمنون الصادقون ﴿ مصيبة ﴾ قتل أو جراح أو هزيمة قال في فرح بما أصابكم وما نجا منه :لقد أنعم الله علي إذا لم أكن معهم حاضراً فيصيبني ما أصابهم.
الهداية
من الهداية :
- وجود منهزمين روحياً مبطئين حسدة بين المسلمين وهم ضعاف الإيمان فلا يؤبه لهم ولا يلتفت إليهم.
شرح الكلمات :
﴿ خذوا حذركم ﴾ :الحِذْر والحَذَر :الاحتراس والاستعداد لدفع المكروه
﴿ فضل ﴾ :نصر وغنيمة.
﴿ مودة ﴾ :صحبة ومعرفة مستلزمة للمودة.
﴿ فوزا عظيماً ﴾ :نجاة من معرة التخلف عن الجهاد، والظفر بالسلامة والغنيمة.
المعنى :
﴿ ولئن أصابكم فضل من الله ﴾ أي نصر وغنيمة ﴿ ليقولن كأن لم يكن بينكم وبينه مودة ﴾ أي معرفة ولا صلة يا ليتني متمنياً حاسداً - كنت معهم في الغزاة ﴿ فأفوز فوزا عظيما ﴾ بالنجاة من معرة التخلف والظفر بالغنائم والعودة سالماً.
شرح الكلمات :
﴿ سبيل الله ﴾ :الطريق الموصلة إلى إعلاء كلمة الله تعالى بأن يعبد وحده، ولا يضطهد مسلم في دينه، ولا من أجل دينه.
﴿ يشرون ﴾ :يبيعون، إذ يطلق الشراء على البيع أيضا.
المعنى :
بعد ما أمر الله تعالى عباده المؤمنين بأخذ حذرهم وهو الأهبة للقتال أمرهم أن يقاتلوا فقال : ﴿ فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ أي يبيعون الدنيا ليفوزوا بالآخرة وهم المؤمنون حقاً فيقدمون أمواله وأرواحهم طلبا للفوز بالدار الآخرة تقاتلون من لا يؤمن بالله ولا بلقائه بعد أن يدعوه إلى الإيمان بربه والتوبة إليه، ثم أخبرهم أن من يقاتل استجابة لأمره تعالى فيُقتل أي يستشهد أو يغلب العدو وينتصر على كلا الحالين فسوف يؤتيه الله تعالى أجراً عظيماً وهو النجاة من النار ودخول الجنة. هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( ٧٤ ).
الهداية
من الهداية :
- فرضية القتال في سبيل الله ولأجل إنقاذ المستضعفين من المؤمنين نصرة للحق وإبطالاً للباطل.
- المقاتل في سبيل الله باع دنياه واعتاض عنها الآخرة، ولنعم البيع.
- المجاهد يؤوب بأعظم صفقة سواء قتل، أو انتصر وغلب وهي الجنة.
شرح الكلمات :
﴿ المستضعفين ﴾ :المستضعف الذي قام به عجز فاستضعفه غيره فآذاه لضعفه.
﴿ القرية ﴾ :القرية في عرف القرآن المدينة الكبيرة والجامعة والمرد بها هنا مكة المكرمة.
المعنى :
أما الآية الثانية ( ٧٥ ) فإن الله تعالى بعدما أمر عباده بالجهاد استحثهم على المبادرة وخوض المعركة بقوله : ﴿ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ﴾ ليعبد وحده ويعز أولياؤه ﴿ والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ﴾ الذين يضطهدون من قبل المشركين ويعذبون من أجل دينهم حتى صرخوا وجأروا بالدعاء إلى ربهم قائلين : ﴿ ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلا، واجعل لنا من لدنك وليا ﴾ يلي أمرنا ويكفينا ما أهمنا، ﴿ واجعل لنا من لدنك نصيرا ﴾ ينصرنا على أعدائنا أي شيء يمنعكم أيها المؤمنون من قتال في سبيل الله، ليُعبد وحده، وليتخلص المستضعفون من فتنة المشركين لهم من أجل دينهم ؟.
الهداية
من الهداية :
- المجاهد يؤوب بأعظم صفقة سواء قتل، أو انتصر وغلب وهي الجنة.
شرح الكلمات :
﴿ في سبيل الطاغوت ﴾ :أي في نصرة الشرك ومساندة الظلم والعدوان، ونشر الفساد.
المعنى :
ثم في الآية الثالثة ( ٧٦ ) اخبر تعالى عبده المؤمنين حاضا لهم على جهاد أعدائه وأعدائهم بقوله : ﴿ الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ﴾ لأنهم يؤمنون به وبوعده ووعيده ﴿ والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ﴾ وهو الكفر والظلم لأنهم لا يؤمنون بالله تعالى ولا بما عنده من نعيم، ولا بما لديه من عذاب ونكال ﴿ فقاتلوا أو لياء الشيطان ﴾ وهم الكفار، ولا ترهبوهم ﴿ إن كيد الشيطان كان ﴾ وما زال ﴿ ضعيفا ﴾، فلا يثبت هو وأولياؤه من الكفرة، أمام جيش الإيمان أو لياء الرحمن.
الهداية
من الهداية :
- لا يمنع المؤمنين من الجهاد خوف أعدائهم، لأن قوتهم من قوة الشيطان وكيد الشيطان ضعيف.
شرح الكلمات :
﴿ كفوا أيديكم ﴾ :أي عن القتال وذلك قبل أن يفرض.
﴿ كتب عليهم القتال ﴾ :فرض عليهم.
﴿ يخشون ﴾ :يخافون
﴿ لولا أخرتنا ﴾ :هلاَّ أخرتنا.
﴿ فتيلا ﴾ :القتيل خيط يكون في وسط النواة.
المعنى :
د٧٧
﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ﴾ أ عن القتال ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ ريثما يأذن الله بالقتال عندما تتوفر إمكانياته، فلما فرض القتال ونزل قوله تعالى : ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ﴾ جبنوا ولم يخرجوا للقتال، وقالوا ﴿ لولا أخرتنا إلى أجل قريب ﴾ يريدون أن يدافعوا الأيام حتى يموتوا ولم يلقوا عدواً خوراً وجبناً فأمر تعالى الرسول أن يقول لهم : ﴿ متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ﴾ فعيشكم في الدنيا مهما طابت لكم الحياة هو قليل ﴿ والآخرة خير لمن اتقى ﴾ الله فعل أمره وترك نهيه بعد الإيمان به وبرسوله، وسوف تحاسبون على أعمالكم وتجزون بها ﴿ ولا تظلمون فتيلا ﴾ بنقص حسنة ولا بزيادة سيئة هذا ما تضمنته الآية الأولى.
﴿ الهداية ﴾ :
من الهداية :
- قبح الاستعجال والجبن وسوء عاقبتهما.
- الآخرة خير لمن اتقى من الدنيا.
شرح الكلمات :
﴿ بروج مشيدة ﴾ :حصون مشيدة بالشيد وهو الجص.
المعنى :
٧٧م/
أما الثانية فقد قال تعالى لهم ولغيرهم مما يخشون القتال ويجبنون عن الخروج للجهاد : ﴿ أينما تكونوا يدركم الموت ﴾ إذ الموت طالبكم ولا بد أن يدرككم كما قال تعالى لأمثالهم ﴿ قل أن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ﴾ ولو دخلتم حصونا ما فيها كوة ولا نافذة. فإن الموت يدخلها عليهم ويقبض أرواحكم ولما ذكر تعالى جبنهم وخوفهم ذكر تعالى سوء فهمهم وفساد ذوقهم فقال : ﴿ و إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله و أن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ﴾ يعني أنه إذا أصابهم خير من غنيمة أو خصب ورخاء ﴿ قالوا هذه من عند الله لا شكراً لله وإنما لا يريدون أن ينسبوا إلى رسول الله شيئا من خير كان ببركته وحسن قيادته، وإن تصبهم سيئة فقر أو مرض أو هزيمة يقولون هذه من عندك أي أنت السبب فيها. قال تعالى لرسوله قل لهم { كل من عند الله ﴾ الحسنة والسيئة هو الخالق والواضع السنن لوجودها وحصولها. ثم عابهم في نفسياتهم الهابطة فقال : ﴿ فمال لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ﴾ هذا ما دلت عليه الآية الثانية.
﴿ الهداية ﴾ :
من الهداية :
- لا مفر من الموت ولا مهرب منه بحال من الأحوال.
- الخير والشر كلاهما بتقدير الله تعالى.
شرح الكلمات :
﴿ من حسنة ﴾ :الحسنة ما سرّ، والسيئة ما ضرّ.
المعنى :
٧٧م/
أما الثالثة والأخيرة في هذا السياق وهي قوله تعالى : ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك ﴾ الآية فإن الله تعالى يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم فيخبره بأن الحسنة من الله تعالى إذ هو الآمر بقولها أو فعلها وموجد أسبابها والموفق للحصول عليها، أما السيئة فمن النفس إذ هي التي تأمر بها، وتباشرها مخالفة فيها أمر الله أو نهيه، فلذا لا يصح نسبتها إلى الله تعالى.
وقوله تعالى : ﴿ وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيداً ﴾ يُسلي به رسوله عما يلاقيه من أذى الناس وما يصادفه من سوء أخلاق بعضهم كالذين ينسبون إليه السيئة تطيراً به فيخبره بأن مهمته أداء الرسالة وقد أداها والله شاهد على ذلك ويجزيك عليه بما أنت أهله وسيجزي من رد رسالتك وخرج عن طاعتك وكفى بالله شهيدا.
الهداية :
من الهداية :
- الحسنة من الله والسيئة من النفس إذ الحسنة أمر الله بأسبابها بعد أن أو جدها وأعان عليها، وأبعد الموانع عنها والسيئة من النفس لأن الله نهى عنها وتوعد على فعلها، ولم يوفق إليها ولم يعن عليها فهي من النفس لا من الله تعالى.
شرح الكلمات :
﴿ حفيظا ﴾ :تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها.
المعنى :
في قوله تعالى : ﴿ ومن يطع الرسول ﴾ إنذار إلى الناس كافة في أن من لم يطع الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم ما أطاع الله تعالى، إن أمر الرسول من أمر الله ونهيه من نهي الله تعالى فلا عذر لأحد في عدم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى : ﴿ ومن تولى ﴾ أي عن طاعتك فيما تأمر به وتنهى عنه فدعه ولا تلتفت إليه إذ لم ترسلك لتحصي عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها وتجزيهم بها إن عليك إلا البلاغ وقد بلغت فأعذرت.
الهداية
من الهداية :
- وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لا يطاع لذاته وإنما يطاع لذات الله عز وجل.
شرح الكلمات :
﴿ طاعة ﴾ :أي أمرنا طاعة لك.
﴿ برزوا ﴾ :خرجوا.
المعنى :
وقوله تعالى ﴿ ويقولون طاعة ﴾ أي ويقول أولئك المنافقون المتطيرون بك السَّيئُو الفهم لما تقول :طاعة أي أمرنا طاعة لك أي ليس لنا ما نقول إذا قلت ولا ما نأمر به إذا أمرت فنحن مطيعون لك ﴿ فإذا برزوا ﴾ أي خرجوا من مجلسك بدل طائفة منهم غير الذي تقول واعتزموه دون الذي وافقوا عليه أمامك وفي مجلسك والله تعالى يكتب بواسطة ملائكته الكرام الكاتبين ما ييتونه من الشر والباطل. وعليه ﴿ فأعرض عنهم وتوكل على الله ﴾ ولا تبال بهم ﴿ وكفى بالله وكيلا ﴾ فهو حسبك وكافيك ما يبيتونه من الشر لك.
شرح الكلمات :
﴿ أفلا يتدبرون ﴾ :تدبر القرآن قراءة الآية أو الآيات وإعادتها المرة بعد المرة ليفقه مراد الله تعالى منها.
المعنى :
وقوله تعالى في الآية الثانية ( ٨٢ ) ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ﴾ يؤنبهم بإعراضهم وجهلهم وسوء فهمهم إذ لو تدبروا القرآن وهو يُتلى عليهم وسمعوه صباح مساء لعرفوا أن الرسول حق و أن ما جاء به حق فآمنوا وأسلموا وحسن إسلامهم، وانتهى نفاقهم الذي أفسد قلوبهم وعفن آراءهم، إن تدبر القرآن بالتأمل فيه وتكرار آياته مرة بعد أخرى يهدي إلى معرفة الحق من الباطل وأقرب ما يفهمونه لو تدبروا أن القرآن كلام الله تعالى وليس كلام بشر، إذ لو كان كلام بشر لوجد فيه التناقض والإِختلاف والتضاد، ولكنه كلام خالق البشر، فلذا هو متسق الكلم متآلِف الألفاظ والمعاني محكم الآي هادٍ إلى الإِسعاد والكمال، فهو بذلك كلام الله حقاً ومن شرف بإنزاله عليه رسول حق ولا معنى أبداً للكفر بعد هذا والإِصرار عليه، ومنافقة المسلمين فيه. هذا معنى قوله تعالى : ﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ﴾.
الهداية
من الهداية :
- وجوب تدبر القرآن لتقوية الإِيمان.
- آية أن القرآن وحي الله وَكلامه سلامته من التناقض والتضاد في الألفاظ والمعاني.
شرح الكلمات :
﴿ أذاعوا به ﴾ :أفشوه معلنينه للناس.
﴿ يستنبطونه ﴾ :يستخرجون معناه الصحيح.
المعنى :
وقوله : ﴿ وإذا جاءهم أمر من الأمن والخوف أذاعوا به ﴾ وهي الآية الرابعة ( ٨٣ ) فإن الله تعالى يخبر عن أولئك المرضى بمرض النفاق ناعياً عليهم إرجافهم وهزائمهم المعنوية فيقول ﴿ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف ﴾ أي إذا وصل من سرايا الجهاد خبر بنصر أو هزيمة سارعوا فإفشائه وإذاعته، وذلك عائد إلى مرض قلوبهم لأن الخبر وأطلق عليه لفظ الأمر لأن حالة الحرب غير حالة السلم إذا كان بالنصر المعبر عنه بالأمن فهم يعلنونه حسداً أو طمعاً، وإذا كان بالهزيمة المعبر عنها بالخوف يعلنونه فزعاً وخوفا لأنهم جبناء كما تقدم وصفهم، قال تعالى في تعليمهم وتعليم غيرهم ما ينبغي أن يكون عليه المجاهدون في حال الحرب، ﴿ ولو ردوه إلى الرسول ﴾ القائد الأعلى، ﴿ وإلى أولي الأمر منهم ﴾ وهم أمراء السرايا المجاهدة ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ أي لاستخرجوا سر الخبَرِ وعرفوا ما يترتب عليه فإن كان نافعاً أذاعوه، و أن كان ضارا أخوفه.
ثم قال تعالى : ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ﴾ أيها المؤمنون ﴿ لاتبعتم الشيطان ﴾ في قبول تلك الإِشاعات المغرضة والإِذاعات المثبطة ﴿ إلا قليلا ﴾ منكم من ذوي الآراء الصائبة والحصافة العقلية إذ مثلهم لا تثيرهم الدعاوي، ولا تغيرهم الأراجيف، ككبار الصحابة من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم أجمعين.
الهداية
من الهداية :
- تقرير مبدأ أن أخبار الحرب لا تذاع إلا من قبل القيادة العليا حتى لا يقع الاضطراب في صفوف المجاهدين والأمة كذلك.
- أكثر الناس يتأثرون بما يسمعون إلا القليل من ذوي الحصافة العقلية والوعي السياسي.
شرح الكلمات :
﴿ حرض المؤمنين ﴾ :حثهم على الجهاد وحرضهم على القتال.
﴿ بأس الذين كفروا ﴾ :قوتهم الحربية.
﴿ وأشد تنكيلاً ﴾ :أقوى تنكيلاً والتنكيل :ضرب الظالم بقوة حتى يكون عبرة لمثله فينكل عن الظلم.
المعنى :
ما زال السياق في السياسة الحربية ففي هذه الآية ﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين ﴾ يأمر تعالى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يقاتل المشركين لأجل إعلاء كلمة الله تعالى بأن يبعد وحده وينتهي اضطهاد المشركين للمؤمنين وهو المراد من قوله ﴿ في سبيل الله ﴾ وقوله ﴿ لا تكلف إلا نفسك ﴾ أي لا يكلفك ربك إلا نفسك وحدها، أما من عداك فليس عليك تكليفه بالقتال، ولكن حرض المؤمنين على القتال معك فحثهم على ذلك ورغبهم فيه. وقوله : ﴿ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ﴾ وهذا وعد من الله تعالى بأن يكف بأس الذين كفروا فيسلط عليهم رسوله والمؤمنين فيبددوا قوتهم ويهزموهم فلا يبقى لهم بأس ولا قوة وقد فعل وله الحمد والمنة وهو تعالى ﴿ أشد بأساً ﴾ من كل ذي بأس ﴿ وأشد تنكيلاً ﴾ من غيره بالظالمين من أعدائه.
هذا ما دلت عليه الآية ( ٨٤ ).
الهداية
من الهداية :
- بيان شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم بدليل أنه كلف بالقتال وحده وفعل.
- ليس من حق الحاكم أن يجند المواطنين تجنيداً إجبارياً، وإنما عليه أن يحضهم على التجنيد ويرغبهم فيه بوسائل الترغيب.
شرح الكلمات :
﴿ الشفاعة ﴾ :الوساطة في الخير أو في الشر فإن كانت في الخير فهي الحسنة و إن كانت في الشر فهي السيئة.
﴿ كفل منها ﴾ :نصيب منها.
﴿ مقيتاً ﴾ :مقتدراً عليه وشاهداً عليه حافظاً له.
المعنى :
أما الآية ( ٨٥ ) وهي قوله تعالى ﴿ من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها، ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتاً ﴾ فهو إخبار منه تعالى بأن من يشفع شفاعة حسنة بأن يضم صوته مع مطالب بحق أو يضم نفسه إلى سريّة تقاتل في سبيل الله، أو يتوسط لأحد في قضاء حاجته فإن للشافع قسطاً من الأجر والمثوبة كما أن ﴿ من يشفع شفاعة سيئة ﴾ بأن يؤيد باطلاً أو يتوسط في فعل شر أو ترك معروف يكون عليه نصيب من الوزر، لأن الله تعالى على كل شيء مقتدر وحفيظ عليم. هذا ما دلت عليه الآية المذكورة.
الهداية
من الهداية :
- فضل الشفاعة في الخير، وقبح الشفاعة في الشر.
شرح الكلمات :
﴿ بتحية ﴾ :تحية الإِسلام هي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿ أو ردوها ﴾ :أي يقول وعليكم السلام.
﴿ حسيباً ﴾ :محاسباً على العلم مجازياً به خيراً كان أو شراً.
المعنى :
أما الآية الأخيرة ( ٨٦ ) فإن الله تعالى يأمر عباده المؤمنين بأن يردوا تحية من يحييهم بأحسن منها فإن لم يكن بأحسن فبالمثل، فمن قال :السلام عليكم فليقل الراد وعليكم السلام ورحمة الله، ومن قال السلام عليكم ورحمة الله فليرد عليه وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وقوله تعالى : ﴿ إن الله كان على كل شيء حسيباً ﴾ فيه تطمين للمؤمنين على أن الله تعالى يثيبهم على إحسانهم ويجزيهم به.
الهداية
من الهداية :
- تأكيد سنة التحية، ووجوب ردّها بأحسن أو بمثل.
- تقرير ما جاء في السنة بأن السلام عليكم :يعطى عليها المسلم عشر حسنات ورحمة الله :عشر حسنات. وبركاته :عشر كذلك.
شرح الكلمات :
﴿ لا إله إلا هو ﴾ :لا معبود بحق إلا هو.
المعنى :
لما ذكر تعالى الآيات قبل هذه أنه تعالى المقيت والحسيب أي القادر على الحساب والجزاء أخبر عز وجل أنه الله الذي لا إله إلا هو أي المعبود دون سواه لربوبيته على خلقه إذ الإِله الحق ما كان رباً خالقاً رازقاً بيده كل شيء وإليه مصير كل شيء وأنه جامع الناس ليوم لا ريب في إتيانه وهو يوم القيامة.
هذا ما دلت عليه الآية الكريمة ﴿ الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ﴾ ولما كان هذا خبراً يتضمن وعداً ووعيداً أكد تعالى إنجازه فقال : ﴿ ومن أصدق من الله حديثا ﴾ اللهم إنه لا أحد أصدق منك.
الهداية
من الهداية
- وجوب توحيد الله تعالى في عبادته.
- الإيمان بالبعث والجزاء.
٩١خ/
شرح الكلمات :
﴿ فئتين ﴾ :جماعتين الواحدة فئة أي جماعة.
﴿ أركسهم ﴾ :الارتكاس :التحول من حال حسنة إلى حال سيئة كالكفر بعد الإيمان أو الغدر بعد الأمان وهو المراد هنا.
﴿ سبيلاً ﴾ :أي طريقاً إلى هدايتهم.
المعنى :
د٨٨
فقال : ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله، ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً ﴾ والمعنى أي شيء صيركم في شأن المنافقين فئتين ؟ والله تعالى قد أركسهم في الكفر بسبب ما كسبوه من الذنوب العظام. أتريدون أيها المسلمون أن تهدوا من أضل الله، وهل يقدر أحد على هداية من أضله الله ؟ وكيف، ومن يضلل الله حسب سنته في إضلال البشر لا يوجد له هادٍ، ولا سبيل لهدايته بحال من الأحوال.
الهداية
من الهداية
- خطة حكيمة لمعاملة المنافقين بحسب الظروف والأحول.
- تقرير النسخ في القرآن.
٩١خ/
شرح الكلمات :
﴿ وَليّاً ولا نصيراً ﴾ :الولي :من يلي أمرك، والنصير :من ينصرك على عدوك.
المعنى :
٨٨م/
ثم أخبر تعالى عن نفسيّة أولئك المنافقين المختلف فيهم فقال وهي الآية الثالثة ( ٨٩ ) ﴿ ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ﴾ أي أحبوا من قلوبهم كفركم لتكونوا مثلهم وفيه لازم وهو انتهاء الإِسلام، وظهور الكفر وانتصاره.
ومن هنا قال تعالى محرما موالاتهم إلى أن يهاجروا فقال : ﴿ فلا تتخذوا منهم أولياء ﴾ تعولون عليهم في نصرتكم على إخوانهم في الكفر.
وظاهر هذا السياق أن هؤلاء المنافقين هم بمكة وهو كذلك.
وقوله تعالى ﴿ حتى يهاجروا في سبيل الله ﴾، لأن الهجرة إلى المدينة تقطع صلاتهم بدار الكفر فيفتر عزمهم ويراجعوا الصدق في إيمانهم فيؤمنوا فإن هاجروا ثم تولوا عن الإيمان الصحيح إلى النفاق والكفر فأعلنوا الحرب عليهم ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً ﴾ لأنه بارتكاسهم لا خير فيهم ولا يعول عليهم.
٩١خ/
الهداية
من الهداية :
- خطة حكيمة لمعاملة المنافقين بحسب الظروف والأحول.
شرح الكلمات :
﴿ يصلون ﴾ :أي يتصلون بهم بموجب عقد معاهدة بينهم.
﴿ ميثاق ﴾ :عهد.
﴿ حصرت صدورهم ﴾ :ضاقت.
﴿ السلم ﴾ :الاستسلام والانقياد.
المعنى :
٨٨م/
ثم في الآية ( ٩٠ ) استثنى لهم الرب تعالى صنفين من المنافقين المذكورين فلا يأخذونهم أسرى ولا يقاتلونهم، الصنف الأول الذين ذكرهم تعالى قوله ﴿ إلا الذين يصلون ﴾ أي يلجأون ﴿ إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ فبحكم استجارتهم بهم طالبين الأمان منهم فأمنوهم أنتم حتى لا تنقضوا عهدكم. والصنف الثاني قوم ضاقت صدورهم بقتالكم، وقتال قومهم فهؤلاء الذين لم يستسيغوا قتالكم ولا قتال قومهم أن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم فلا تأخذوهم ولا تقتلوهم واصبروا عليهم، إذ لو شاء الله تعالى لسلطهم عليكم فلقاتلوكم هذا الصنف هو المعني بقوله تعالى : ﴿ أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم، ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم ﴾ فما دام الله تعالى قد كفهم عنكم فكفوا أنتم عنهم. هذا معنى قوله تعالى : ﴿ فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم ﴾.
أي المسالمة والمهادنة ﴿ فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً ﴾ لأخذهم وقتالهم. هذا.
٩١خ/
شرح الكلمات :
﴿ الفتنة ﴾ :الشرك.
﴿ ثقفتموهم ﴾ :وجدتموهم متمكنين منهم.
﴿ سلطاناً مبيناً ﴾ :حجة بينة على جواز قتالهم.
المعنى :
٨٨م/
وهناك صنف آخر ذكر تعالى حكم معاملته في الآية الخامسة والأخيرة وهي قوله تعالى :( ٩١ ) ﴿ ستجدون قوماً آخرين ﴾ غير الصنفين السابقين ﴿ يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم ﴾ فهم إذاً يلعبون على الحبلين كما يقال ﴿ كلما ردوا إلى الفتنة ﴾ أي إلى الشرك ﴿ أركسوا فيها ﴾ أي وقعوا فيها منتكسين إذ هم منافقون إذا كانوا معكم عبدوا الله وحده وإذا كانوا مع قومهم عبدوا الأوثان لمجرد دعوة يدعونها يلبون فيرتدون إلى الشرك، وهو معنى قوله تعالى : ﴿ كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها ﴾ وقوله تعالى : ﴿ فإن لم يتعزلوكم ويلقوا إليكم السلم ﴾ أي إن لم يعتزلوا قتالكم ويلقوا إليكم السلام وهو الإِذعان والانقياد لكم، ويكفوا أيديهم فعلاً عن قتالكم ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً ﴾ أي حجة واضحة على جواز أخذهم وقتلهم حيثما تمكنتم منهم وعلى أي حال.
هذا ما دلت عليه الآيات الخمس مع العلم أن الكف عن قتال المشركين قد نسخ بآيات براءة إلا أن لإِمام المسلمين أن يأخذ بهذا النظام عند الحاجة إليه فإنه نظام رباني ما أخذ به أحد وخاب أو خسر، ولكن خارج جزيرة العرب إذ لا ينبغي أن يجتمع فيها دينان.
شرح الكلمات :
﴿ إلا خطأ ﴾ :أي إلا قتلاً خطأ وهو أن لا يتعمد قتله كان يرمي صيداً فيصيب إنساناً. ﴿ رقبة ﴾ :أي مملوك عبداً كان أو أمة.
﴿ مسلمة ﴾ :مؤداة وافية.
﴿ إلا أن يصدقوا ﴾ :أي يتصدقوا بها على القاتل فلا يطالبوا بها ولا يأخذوها منه.
﴿ ميثاق ﴾ :عهد مؤكد بالأيمان.
المعنى :
لما ذكر تعالى في الآيات السابقة قتال المنافقين متى يجوز ومتى لا يجوز ناسب ذكر قتل المؤمن الصادق في إيمانه خطأ وعمداً وبيان حكم ذلك فذكر تعالى في الآية الأولى ( ٩٢ ) أنه لا ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا في حال الخطأ أما في حال العمد فلا يكون ذلك منه ولا يتأتى له وهو مؤمن لأن الإيمان نور يكشف عن مدى قبح جريمة قتل المؤمن وما وراءها من غضب الله تعالى وعذابه فلا يقدم على ذلك اللهم إلا في حال الخطأ فهذا وارد وواقع، وحكم من قتل خطأ أن يعتق رقبة ذكراً كانت أو أنثى مؤمنة و أن يدفع الديّة لأولياء القتيل إلا أن يتصدقوا بها فلا يطالبوا بها ولا يقبلونها والدية مائة من الإِبل، أو ألف دينار ذهب، أو إثنا عشر ألف درهم فضة. هذا معنى قوله تعالى :
﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأً، ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا ﴾ فإن كان القتيل مؤمناً ولكن من قوم هم عدو للمسلمين محاربين فالواجب على القاتل تحرير رقبة مؤمنة لا غير، إذ لا تعطى الدية لعدو يستعين بها على حرب المسلمين وإن كان القتيل من قوم كافرين وهو مؤمن أو كافر ولكن بيننا وبين قومه معاهدة، على القاتل تحرير رقبة ودية مسلمة إلى أهله، فمن لم يجد الرقبة صام شهرين متتابعين فذلك توبته لقوله تعالى :
﴿ فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليماً حكيماً ﴾ عليماً بما يحقق المصلحة لعباده حكيماً في تشريعه فلا يشرع إلا ما كان نافعاً غير ضار، ومحققاً للخير في الحال والمآل.
هذا ما دلت عليه الآية الأولى.
الهداية
من الهداية :
- بيان أن المؤمن الحق لا يقع منه القتل العمد للمؤمن.
- بيان جزاء القتل الخطأ وهو تحرير رقبة ودية مسلمة إلى أهله.
- إذا كان القتيل مؤمناً وكان من قوم كافرين محاربين فالجزاء تحرير رقبة ولا دية.
- إذا كان القتيل من قوم بين المسلمين وبينهم ميثاق فالواجب الدية وتحرير رقبة.
- من لم يجد الرقبة صام شهرين متتابعين.
شرح الكلمات :
﴿ متعمداً ﴾ :مريداً قتله وهو ظالم له.
المعنى :
أما الثانية ( ٩٣ ) فإنها بينت حكم من قتل مؤمناً عمداً عدواناً، وهو أن الكفارة لا تغني عنه شيئاً لما قضى الله تعالى له باللعن والخلود في جهنم إذ قال تعالى : ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً ﴾ إلا أن الدية أو القصاص لازم إن لم يعف أولياء الدم فإن عفوا عن القصاص ورضوا بالدية أعطوها، وإن طالبوا بالقصاص اقتصوا إذ هذا حقهم وأما حق الله تعالى فإن القتيل عبده خلقه ليعبده فمن قتله فالله تعالى رب العبد خصمه، وقد توعده بأشد العقوبات وأفظعها، والعياذ بالله تعالى وذلك حقه قال تعالى : ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيماً ﴾.
الهداية
من الهداية :
- القتل العمد العدوان يجب له أحد شيئين ؛ القصاص أو الدية، حسب رغبة أولياء الدم، وإن عفوا فلهم ذلك وأجرهم على الله تعالى، وعذاب الآخرة وعيد إن شاء الله أنجزه وإن شاء عفا عنه.
شرح الكلمات :
﴿ إذا ضربتم ﴾ :خرجتم تضربون الأرض بأرجلكم غزاة ومسافرين.
﴿ فتبينوا ﴾ :فتثبتوا حتى لا تقتلوا مسلماً تحسبونه كافراً.
﴿ السلم ﴾ :الاستسلام والانقياد.
﴿ تبتغون ﴾ :تطلبون.
﴿ منّ الله عليكم ﴾ :بالهداية فاهتديتم وأصبحتم مسلمين.
المعنى الكريمة الكريمة :
روي أن نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا فلقوا رجلاً يسوق غنماً من بني سليم فلما رآهم سلم عليهم قائلاً السلام عليكم فقالوا له ما قلتها إلا تقيّة لتحفظ نفسك ومالك وقتلوه فنزلت هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله ﴾ يريد خرجتم مسافرين للغزو والجهاد ﴿ فتبّينوا ﴾ ممن تلقونهم في طريقكم هل هم مسلمون فتكفوا عنهم أو كافرين فتقاتلوهم، ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليك السلام ﴾ أعلن إسلامه لكم بالشهادة أو بالسلام ﴿ لست مؤمناً ﴾ فتكذبونه في دعواه الإِسلام لتنالوا منه : ﴿ تبتغون ﴾ بذلك ﴿ عرض الحياة الدنيا ﴾ أي متاعها الزائل فإن كان قصدكم الغنيمة فإن عند الله مغانم كثيرة فأطيعوه وأخلصوا له النية والعمل يرزقكم ويغنمكم خير ما تأملون وترجون وقوله ﴿ كذلك كنتم من قبل ﴾ أي مثل هذا الرجل الذي قتلتموه رغبة في غنمه كنتم تستخفون بإيمانكم خوفاً من قومكم ﴿ فمن الله عليكم ﴾ بأن أظهر دينه ونصركم فلم تعودوا تخفون دينكم. وعليه فتبينوا مستقبلاً، ولا تقتلوا أحداً حتى تتأكَّدوا من كفره وقوله : ﴿ إن الله كان بما تعملون خبيراً ﴾ تذييل يحمل الوعد والوعيد، الوعد لمن أطاع والوعيد لمن عصى إذ لازم كونه تعالى خبيراً بالأعمال أنه يحاسب عليه ويجزي بها، وهو على كلِّ شيء قدير.
الهداية
من الهداية :
- مشروعية السير في سبيل الله غزوا وجهاداً.
- وجوب التثبت والتبين في الأمور التي يترتب على الخطأ فيها ضرر بالغ.
- ذم الرغبة في الدنيا لا سيما إذا كانت تتعارض مع التقوى.
- الاتعاظ بحال الغير والاعتبار بالأحداث المماثلة.
شرح الكلمات :
﴿ أولوا الضرر ﴾ :هم العمي أن والعرج والمرضى.
﴿ درجة ﴾ :منزلة عالية في الجنة.
﴿ الحسنى ﴾ :الجنة.
المعنى :
د٩٥
المعنى :
٩٥م/
شرح الكلمات :
﴿ توفاهم ﴾ :تقبض أرواحهم عند نهاية آجالهم.
﴿ ظالمي أنفسهم ﴾ :بتركهم الهجرة وقد وجبت عليهم.
﴿ فيم كنتم ﴾ :في أي شيء كنتم من دينكم ؟
﴿ مصيراً ﴾ :مأوى ومسكناً.
المعنى :
لما كانت الهجرة من آثار الجهاد ناسب ذكر القاعدين عنها لضرورة ولغير ضرورة فذكر تعالى في هذه الآيات الهجرة وأحكامها فقال تعالى : ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ﴾ حيث تركوا الهجرة ومكثوا في دار الهوان يضطهدهم العدو ويمنعهم من دينهم ويحول بينهم وبين عبادة ربهم. هؤلاء الظالمون لأنفسهم تقول لهم الملائكة عند قبض أرواحهم ﴿ فيم كنتم ﴾ ؟ تسألهم هذا السؤال لأن أرواحهم مدساة مظلمة لأنها لم تزك على الصالحات، فيقولون معتذرين : ﴿ كنا مستضعفين في الأرض ﴾ فلم نتمكن من تطهير أرواحنا بالإيمان وصالح الأعمال، فترد عليهم الملائكة قولهم : ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾ وتعبدوا ربكم ؟ ثم يعلن الله تعالى عن الحكم فيهم بقوله، فأولئك البعداء ﴿ مأواهم جهنم ﴾ وساءت جهنم مصيراً يصيرون إليه ومأوى ينزلون فيه
د٩٧
شرح الكلمات :
﴿ حيلة ﴾ :قدرة على التحول.
المعنى :
ثم استثنى تعالى أصحاب الأعذار كما استثناهم في القعود عن الجهاد في الآيات قبل هذه فقال عز من قائل : ﴿ إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ﴾، واستضعاف الرجال يكون بالعلل والنساء والولدان بالضعف الملازم لهم، هؤلاء الذين لا يستطيعون حيلة أي لا قدرة لهم على التحول والانتقال لضعفهم، ﴿ ولا يهتدون سبيلاً ﴾ إلى دار الهجرة لعدم خبرتهم بالدروب والمسالك.
د٩٧
الهداية
من الهداية :
- أصحاب الأعذار كما سقط عنهم واجب الجهاد يسقط عنهم واجب الهجرة.
المعنى :
فطمعهم تعالى ورجاهم بقوله : ﴿ فأولئك ﴾ المذكورون ﴿ عسى الله أن يعفوا عنهم ﴾ فلا يؤاخذهم ويغفر لهم بعض ما قصروا فيه ويرحمهم لضعفهم وكان الله غفوراً رحيماً.
د٩٧
الهداية
من الهداية :
- أصحاب الأعذار كما سقط عنهم واجب الجهاد يسقط عنهم واجب الهجرة.
شرح الكلمات :
﴿ مراغماً ﴾ :مكاناً وداراً لهجرته يرغم ويذل به من كان يؤذيه في داره.
﴿ وسعة ﴾ :في رزقه.
﴿ وقع أجره على الله ﴾ :وجب أجره في هجرته على الله تعالى.
المعنى :
أما الآية الرابعة ( ١٠٠ ) فقد أخبر تعالى فيها أن من يهاجر في سبيله تعالى لا في سبيل دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها يجد بإذن الله تعالى في الأرض مذهباً يذهب إليه وداراً ينزل بها ورزقاً واسعاً يراغم به عدوه الذي اضطهده حتى هاجر من بلاده، فقال تعالى : ﴿ ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة ﴾ ثم أخبر تعالى أن من خرج مهاجراً في سبيل الله أي لأجل عبادته ونصره دنيه ثم مات في طريق هجرته وإن لم يصل إلى دار الهجرة فقد وجب أجره على الله تعالى وسيوفاه كاملاً غير منقوص، ويغفر الله تعالى له ما كان من تقصير سابق ويرحمه فيدخله جنته. إذ قال تعالى : ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله، ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً ﴾.
الهداية
من الهداية :
- فضل الهجرة في سبيل الله تعالى
- من مات في طريق هجرته أعطي أجر المهاجر كاملاً غير منقوص وهو الجنة.
شرح الكلمات :
﴿ ضربتم في الأرض ﴾ :أي مسافرين مسافة قصر وهي أربعة برد أي ثمانين وأربعون ميلاً.
﴿ أن تقصروا من الصلاة ﴾ :بأن تصلوا الظهرين ركعتين ركعتين، والعشاء ركعتين لطولها.
﴿ أن خفتم أن يفتنكم ﴾ :هذا خرج مخرج الغالب، فليس الخوف بشرط في القصر وإنما الشرط السفر.
المعنى :
بمناسبة الهجرة والسفر من لوازمها ذكر تعالى رخصة قصر الصلاة في السفر وذلك بتقصير الرباعية إلى ركعتين فقال تعالى : ﴿ وإذا ضربتم في الأرض ﴾ أي سرتم فيها مسافرين ﴿ فليس عليكم جناح ﴾ أي حرج وإثم في ﴿ أن تقصروا من الصلاة أن خفتم إن يفتنكم الذين كفروا ﴾ وبينت السنة أن المسافر يقصر ولو أمن فهذا القيد غالبي فقط، وقال تعالى : ﴿ أن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً ﴾ تذييل أريد به تقرير عداوة الكفار للمؤمنين فلذا شرع لهم هذه الرخصة.
هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( ١٠١ ).
الهداية
من الهداية :
- مشروعية صلاة القصر وهي رخصة أكدها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمله فأصبحت سنة مؤكدة لا ينبغي تركها.
شرح الكلمات :
﴿ حذرهم ﴾ :الحيطة والأهبة لما عسى أن يحدث من العدو.
﴿ وأسلحتكم ﴾ :جمع سلاح ما يقاتل به من أنواع الأسلحة.
﴿ لا جناح عليكم ﴾ :أي لا تضييق عليكم ولا حرج في وضع الأسلحة للضرورة.
المعنى :
أما الآيتان بعدها فقد بينت صلاة الخوف وصورتها :أن ينقسم الجيش قسمين يقف تجاه العدو وقسم يصلي مع القائد ركعة، ويقف الإِمام مكانه فيتمون لأنفسهم ركعة، ويسلمون ويقفون وجاه العدو، ويأتي القسم الذين كان واقفاً العدو فيصلي بهم الإِمام القائد ركعة ويسلم ويتمون لأنفسهم ركعة ويسلمون، وفي كلا الحالين هم آخذون أسلحتهم لا يضعونها على الأرض خشية أن يميل عليهم العدو وهم عزل فيكبدهم خسائر فادحة هذا معنى قوله تعالى : ﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ﴾ يريد الطائفة الواقعة تجاه العدو لتحميهم منه ﴿ ولتأتِ طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ﴾ وقوله تعالى : ﴿ ودَّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ﴾ سيق هذا الكلام لبيان علة الصلاة طائفة بعد أخرى والأمر بالأخذ بالحذر وحمل الأسلحة في الصلاة، ومن هنا رخص تعالى لهم أن كانوا مرضى وبهم جراحات أو كان هناك مطر فيشق عليهم حمل السلاح أن يضعوا أسلحتهم فقال عز وجل : ﴿ ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم ﴾ وقوله تعالى : ﴿ إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً ﴾ تذييل لكلام محذوف دل عليه السياق قد يكون تقديره فإن الكفار فجرة لا يؤمن جانبهم ولذا أعد الله لهم عذاباً مهيناً، وإنما وضع الظاهر مكان المضمر إشارة إلى علة الشر والفساد التي هي الكفر.
الهداية
من الهداية :
- مشروعية صلاة الخوف وبيان كيفيتها.
- تأكد صلاة الجماعة بحيث لا تترك حتى في ساعة الخوف والقتال.
شرح الكلمات :
﴿ قضيتم الصلاة ﴾ :أديتموها وفرغتم منها.
﴿ فإذا اطمأننتم ﴾ :أي ذهب الخوف فحصلت الطمأنينة بالأمن.
﴿ كتاباً موقوتا ﴾ :فرضاً ذات وقت معين تؤدى فيه لا تتقدمه ولا تتأخر عنه.
﴿ تألموا ﴾ :تتألمون.
المعنى :
وقوله تعالى في آية ( ١٠٣ ) ﴿ فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم ﴾ فإنه تعالى يأمر المؤمنين بذكره في كل الأحيان لا سيما في وقت لقاء العدو لما في ذلك من القوة الروحية التي تقهر القوى المادية وتهزمها فلا يكتفي المجاهدون بذكر الله في الصلاة فقط بل إذا قضوا الصلاة لا يتركون ذكر الله في كل حال وقوله تعالى : ﴿ فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ﴾ يريد إذا ذهب الخوف وحل الأمن واطمأنت النفوس أقيموا الصلاة بحدودها وشرائطها وأركانها تامة كاملة، لا تخفيف فيها كما كانت في حال الخوف إذ قد تصلي ركعة واحدة وقد تصلى إيماءً وإشارة فقط وذلك إذا التحم المجاهدون بأعدائهم.
وقوله : ﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ﴾ تعليل للأمر بإقامة الصلاة فأخبر أن الصلاة مفروضة على المؤمنين وأنها موقوتة بأوقات لا تؤدى إلا فيها.
الهداية
من الهداية :
- استحباب ذكر الله تعالى بعد الصلاة وعلى كل حال من قيام وقعود واضطجاع.
- تقرير فرضية الصلاة ووجوب أدائها في أوقاتها الموقوتة لها.
شرح الكلمات :
﴿ ولا تهنوا ﴾ :أي لا تضعفوا.
﴿ تألموا ﴾ :تتألمون.
المعنى :
وقوله تعالى في آية ( ١٠٤ ) ﴿ ولا تهنوا في ابتغاء القوم ﴾ أي لا تضعفوا في طلب العدو لإِنزال الهزيمة به. ولا تتعللوا في عدم طلبهم بأنكم تألمون لجراحاتكم ﴿ إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ﴾ من النصر والمثوبة العظيمة ﴿ ما لا يرجون ﴾ فأنتم أحق بالصبر والجلد والمطالبة بقتالهم حتى النصر عليهم وقوله تعالى ﴿ وكان الله عليماً حكيماً ﴾ فيه تشجيع للمؤمنين على مواصلة الجهاد، لأن علمهم بأن الله تعالى عليم بأحوالهم والظروف الملابسة لهم وحكيم في شرعه بالأمر والنهي لهم يطمئنهم على حسن العافية لهم بالنصر على أعدائهم.
الهداية
من الهداية :
- حرمة الوهن والضعف إزاء حرب العدو الاستعانة على قتاله بذكر الله ورجائه.
شرح الكلمات :
﴿ بما أراك الله ﴾ :أي بما علمكه بواسطة الوحي.
﴿ خصيماً ﴾ :أي مخاصماً بالغاً في الخصومة مبلغاً عظيماً.
المعنى :
د١٠٥
المعنى :
د١٠٥
﴿ واستغفر الله ﴾ من أجل ما هممت به من عقوبة اليهودي، ﴿ أن الله كان غفوراً رحيماً ﴾ فيغفر لك ما هممت به ويرحمك.
الهداية
من الهداية :
- وجوب الاستغفار من الذنب كبيراً كان أو صغيراً.
شرح الكلمات :
﴿ تجادل ﴾ :تخاصم.
﴿ يختانون أنفسهم ﴾ :يحاولون خيانة أنفسهم.
المعنى :
د١٠٥
﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ حيث اتهموا اليهودي كذباً وزوراً، ﴿ أن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً ﴾ كطعمة بن أبيرق.
الهداية
من الهداية :
- وجوب بغض الخوَّان الأثيم أيّاً كان.
شرح الكلمات :
﴿ يستخفون ﴾ :يطلبون إخفاء أنفسهم عن الناس.
﴿ وهو معهم ﴾ :بعلمه تعالى وقدرته.
﴿ يبيتون ﴾ :يدبرون الأمر في خفاء ومكر وخديعة.
المعنى :
د١٠٥
﴿ يستخفون من الناس ﴾ حياء منهم، ﴿ ولا يستخفون من الله ﴾ ولا يستحيون منه، وهو تعالى معهم في يحلفون على براءة أخيهم واتهام اليهودي هذا القول مما لا يرضاه الله تعالى.. وقوله عز وجل :{ وكان الله بما يعملون محيط، فسبحانه من إله عليم عظيم.
شرح الكلمات :
﴿ وكيلا ﴾ :الوكيل من ينوب عن آخر في تحقيق غرض من الأغراض.
المعنى :
د١٠٥
وقوله تعالى : ﴿ ها أنتم هؤلاء ﴾ أي يا هؤلاء... ﴿ جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا ﴾ هذا الخطاب موجه إلى الذين وقفوا إلى جنب بني أبيرق يدفعون عنهم التهمة فعاتبهم الله تعالى بقوله : ﴿ ها أنتم هؤلاء جادلتهم عنهم ﴾، اليوم في هذه الحياة الدنيا لتدفعوا عنهم تهمة السرقة ﴿ فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلاً ﴾ يتولى الدفاع عنهم في يوم لا تملك فيه نفس لنفس شيئاً والأمر كله لله فتضمنت الآية تقريعاً شديداً حتى لا يقف أحد بعد موقفاً مخزياً كهذا.
الهداية
من الهداية :
- استحباب الوعظ والتذكير بأحوال يوم القيامة.
شرح الكلمات :
﴿ سوءاً ﴾ :السوء :ما يسيء إلى النفس أو إلى الغير.
﴿ أو يظلم نفسه ﴾ :ظلم النفس :بغشيان الذنوب وارتكاب الخطايا.
المعنى :
هذا السياق معطوف على سابقه في حادثة طعمة بن أبيرق وهو يحمل الرحمة الإِلهية لأولئك الذين تورطوا في الوقوف إلى جنب الخائن ابن أبيرق فأخبرهم تعالى أن من يعمل سوءاً يؤذي به غيره أو يظلم نفسه بارتكاب ذنب من الذنوب ثم يتوب إلى الله تعالى باستغفاره والإِنابة إليه يتب الله تعالى عليه ويقبل توبته وهو معنى قوله تعالى في الآية ( ١١٠ ) ﴿ ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً ﴾ يغفر له ويرحمه.
الهداية
من الهداية :
- تقرير مبدأ التوبة تجب ما قبلها، ومن تاب تاب الله عليه.
شرح الكلمات :
﴿ إثماً ﴾ :الإِثم :ما كان ضاراً بالنفس فاسداً.
المعنى :
قوله تعالى ﴿ من يكسب إثما ﴾ أي ذنباً من الذنوب صغيرها وكبيرها ﴿ فإنما يكسبه على نفسه ﴾ إذ هي التي تتدسَّى به وتؤاخذ بمقتضاه إن لم يغفر لها. ولا يؤاخذ به غيرها وكان الله عليماً أي بذنوب عباده حكيماً أي في مجازاتهم بذنوبهم فلا يؤاخذ نفساً بغير ما اكتسبت ويترك نفساً قد اكتسبت.
شرح الكلمات :
﴿ إثماً ﴾ :الإِثم :ما كان ضاراً بالنفس فاسداً.
﴿ بريئاً ﴾ :البرىء :من لم يجن جناية قد اتهم بها.
﴿ احتمل بهتاناً ﴾ :تحمل بهتاناً :وهو الكذب المحير لمن رمي به.
المعنى :
( ١١٢ ) يخبر تعالى أن من يرتكب خطيئة ضد أحد، أو يكسب إثماً ويرمي به أحداً بريئا منه قد تحمل تبعة عظيمة قد تصليه نار جهنم وهو معنى قوله : ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً ﴾.
الهداية
من الهداية :
- عظم ذنب من يكذب على البرءاء، ويتهم الأمناء بالخيانة.
شرح الكلمات :
﴿ الكتاب والحكمة ﴾ :الكتاب :القرآن والحكمة السنة.
المعنى :
وفي الآية ( ١١٣ ) يواجه الله تعالى رسوله بالخطاب ممتناً عليه بما حباه به من الفضل والرحمة فيقول : ﴿ ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمّت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء ﴾ والمراد بالطائفة التي الله تعالى هم بنو أبيرق أخوة طعمة وقوله ﴿ وما يضلون إلا أنفسهم ﴾، فهو كما قال عز وجل ضلالهم عائد عليهم أما الرسول فلن يضره ذلك وقوله تعالى : ﴿ وأنزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيماً ﴾ امتنان من الله تعالى على رسوله بأنه أنزل عليه القرآن أعظم الكتب وأهداها وعلمه الحكمة وهي ما كشف له من أسرار الكتاب الكريم، وما أوحي إليه من العلوم والمعارف التي كلها نور وهدى مبين، وعلمه من المعارف الربانية ما لم يكن يعلم قبل ذلك وبهذا كان فضله على رسوله عظيماً فلله الحمد والمنة.
الهداية
من الهداية :
- تأثير الكلام على النفوس حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كاد يضلله بنو أبيرق فيبرىء الخائن ويدين البرىء إلا أن الله عصمه.
- عاقبة الظلم عائدة على الظالم.
شرح الكلمات :
﴿ نجواهم ﴾ :النجوى :المسارة بالكلام، ونجواهم :أحاديثهم التي يسرها بعضهم إلى بعض.
﴿ أو بمعروف ﴾ :المعروف :ما عرفه الشرع فأباحه، أو استحبه أو أوجبه.
﴿ ابتغاء مرضاة الله ﴾ :أي طلباً لمرضاة الله أي للحصول على رضا الله عز وجل.
﴿ نؤتيه ﴾ :نعطيه والأجر العظيم :الجنة وما فيها من نعيم مقيم.
المعنى :
ما زال السياق في بني أبيرق ففي الآية الأولى ( ١١٤ ) يخبر تعالى أنه لا خير في كثير من أولئك المتناجين ولا في نجواهم لنفاقهم وسوء طواياهم اللهم إلا في نجوى أمر أصحابها بصدقة تعطى لمحتاج إليهن من المسلمين، أو معروف استحبه الشارع أو أوجبه من البر والإحسان أو إصلاح بين الناس للإِبقاء على الألفة والمودة بين المسلمين. ثم أخبر تعالى أن من يفعل ذلك المذكور من الصدقة والمعروف والإِصلاح بين الناس طلباً لمرضاة الله تعالى فسوف يثيبه بأحسن الثواب ألا وهو الجنة دار السلام إذ لا أجر أعظم من أجر يكون الجنة.
هذا ما دلت عليه الآية الأولى.
الهداية
من الهداية :
- حرمة تناجي اثنين دون الثالث لثبوت ذلك في السنة.
- الاجتماعات السرية لا خير فيها إلا اجتماعاً كان لجمع صدقة، أو لأمر بمعروف أو إصلاح بين متنازعين من المسلمين مختلفين.
شرح الكلمات :
﴿ يشاقق الرسول ﴾ :يحاده ويقاطعه ويعاديه. كمن يقف في شق، والآخر في شق.
﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴾ :أي يخرج عن إجماع المسلمين.
﴿ نوله ما تولى ﴾ :نخذله فنتركه وما تولاه من الباطل والشر والضلال حتى يهلك فيه.
﴿ ونصله نار جهنم ﴾ :أي ندخله النار ونحرقه فيها.
المعنى :
أما الثانية ( ١١٥ ) فإن الله تعالى يتوعد أمثال طعمة بن أبيرق فيقول جل ذكره. ﴿ ومن يشاقق الرسول ﴾ أي يخالفه ويعاديه ﴿ من بعد ما تبين له الهدى ﴾ أي من بعد ما عرف إنه رسول الله حقاً جاء بالهدى ودين الحق، ثم هو مع معاداته للرسول يخرج من جماعة المسلمين ويتبع غير سبيلهم هذا الشقي الخاسر ﴿ نوله ما تولى ﴾ أي نتركه لكفره وضلاله خذلاناً له في الدنيا ثم نصله نار جهنم يحترق فيها، وبئس المصير جهنم يصير إليهن المرء ويخلد فيها.
الهداية
من الهداية :
- حرمة الخروج عن أهل السنة والجماعة، واتباع الفرق الضالة التي لا تمثل الإِسلام إلا في دوائر ضيقة كالروافض ونحوهم.
شرح الكلمات :
﴿ أن يشرك به ﴾ :أن يعبد معه غيره من مخلوقاته بأي عبادة كانت.
المعنى :
قوله تعالى ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ إخبار منه تعالى عن طعمة بن أبيرق بأنه لا يغفر له وذلك لموته على الشرك، أما إخوته الذين لم يموتوا مشركين فإن أمرهم إلى الله تعالى إن شاء غفر له و أن شاء آخذهم كسائر مرتكبي الذنوب غير الشرك والكفر. وقوله تعالى ﴿ ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً ﴾ أي ضل عن طريق النجاة والسادة ببعده عن الحق بعداً كبيراً وذلك بإِشراكه بربه تعالى غيره من مخلوقاته.
الهداية
من الهداية :
- سائر الذنوب كبائرها وصغائرها قد يغفرها الله تعالى لمن شاء إلا الشرك فلا يغفر لصاحبه.
شرح الكلمات :
﴿ أن يدعون ﴾ :أي ما يدعون.
﴿ إلا إناثاً ﴾ :جمع أنثى لأن الآلهة مؤنثة، أو أمواتاً لأن الميت يطلق عليه لفظ أنثى بجامع عدم النفع.
﴿ مريداً ﴾ :بمعنى مارد على الشر والإِغواء للفساد.
المعنى :
وقوله تعالى ﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثاً ﴾ هذا بيان لقبح الشرك وسوء حال أهله فأخبر تعالى أن المشركين ما يعبدون إلا أمواتاً لا يسمعون ولا يبصرون ولا ينطقون ولا يعقلون. إذ أوثانهم ميتة وكل ميت فهو مؤنث زيادة على أن أسماءها مؤنثة كاللات والعزى ومناة ونائلة، كما هم في واقع الأمر يدعون شيطاناً مريداً إذ هو الذي دعاهم إلى عبادة الأصنام فعبدوها فهم إذاً عابدون للشيطان في الأمر لا الأوثان، ولذا قال تعالى : ﴿ وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً ﴾ لعنه الله وأبلسه عند إبائه السجود لآدم.
الهداية
من الهداية :
- عبدة الأصنام والأوهام والشهوات والأهواء هم في الباطن عبدة الشيطان إذ هو الذي أمره فأطاعوه.
شرح الكلمات :
﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ :حظاً معيناً. أو حصة معلومة.
المعنى :
﴿ وقال لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً ﴾ أي عدداً كبيراً منه يعبدونني ولا يبعدونك وهم معلومون معروفون بمعصيتهم إياك، وطاعتهم لي.
الهداية
من الهداية :
- من مظاهر طاعة الشيطان المعاصي كبيرها وصغيرها إذ هو الذي أمر بها وأطيع فيها.
شرح الكلمات :
﴿ فليبتكن ﴾ :فليقطعن.
﴿ خلق الله ﴾ :مخلوق الله أي ما خلقه الله تعالى.
﴿ الشيطان ﴾ :الخبيث الماكر الداعي إلى الشر سواء كان جنياً أو إنسياً.
المعنى :
وواصل العدو تبجحه قائلا : ﴿ ولأضلنهم ﴾ يريد عن طريق الهدى ﴿ ولأمنينهم ﴾ يريد أعوقهم عن طاعتك بالأماني الكاذبة بأنهم لا يلقون عذاباً أو أنه سيغفر لهم. ﴿ ولآمرنهم ﴾ فيطيعوني ﴿ فليبتكن آذ أن الأنعام ﴾ أي ليجعلون لآلهتهم نصيباً مما رزقتهم ويعلمونها بقطع آذانها لتعرف إنها للآله كالبحائر والسوائب التي يجعلونها للآلهة. ﴿ ولآمرنهم ﴾ أيضاً فيطيعونني فيغيرون خلق الله بالبدع والشرك، والمعاصي كالوشم والخصي. هذا ما قاله الشيطان ذكره تعالى لنا فله الحمد. ثم قال تعالى ﴿ ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً ﴾ لأن من والى الشيطان عادى الرحمن ومن عادى الرحمن تم له والله أعظم الخسران.
الهداية
من الهداية :
- حرمة الوشم والوسم والخصاء إلا ما أذن فيه الشارع.
شرح الكلمات :
﴿ يمنيهم ﴾ :يجعلهم يتمنون كذا وكذا ليلهيهم عن العمل الصالح.
المعنى :
يدل على ذلك قوله تعالى ﴿ يعدهم ويمنيهم ﴾ فيعوقهم عن طلب النجاة والسعادة ﴿ وما يعدهم الشيطان إلا غروراً ﴾ إذ هو لا يملك من الأمر شيئاً فكيف يحقق لهم نجاة أو سعادة إذاً ؟....
الهداية
من الهداية :
- سلاح الشيطان العدة الكاذبة والأمنية الباطلة، والزينة الخادعة.
المعنى :
وهذا حكم الله تعالى يعلن في صراحة ووضوح فليسمعوه : ﴿ أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصاً ﴾ أي معدلاً أو مهرباً.
شرح الكلمات :
﴿ آمنوا ﴾ :صدقوا بالله ورسوله.
﴿ وعملوا الصالحات ﴾ :الطاعات إذ كل طاعة لله ورسوله هي عمل صالح.
﴿ قيلاً ﴾ :أي قولاً.
المعنى الكريمة الكريمة :
لما بين تعالى جزاء الشرك والمشركين عبدة الشيطان بين في هذه الآية جزاء التوحيد والموحدين عبيد الرحمن عز وجل، وأنه تعالى سيدخلهم بعد موتهم جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار وأن خلودهم مقدر فيها بإذن الله ربهم فلا يخرجون منها أبداً وعدهم ربهم بهذا وعد الصدق، وليس هناك من هو أصدق وعداً ولا قولا من الله تعالى.
الهداية
من الهداية
- الإيمان الصادق والعمل الصحيح الصالح هما مفتاح الجنة وسبب دخولها.
- صِدْق وعْدِ الله تعالى، وصِدق قوله عز وجل.
- وجوب صِدق الوعد من العبد لأن خلف الوعد من النفاق لحديث " وإذا واعد أخلف ".
- وجوب صدق القول والحديث لأن الكذب من النفاق لحديث وإذا حدث كذب.
شرح الكلمات :
﴿ أمانيكم ﴾ :جمع أمنية :وهي ما يقدره المرء في نفسه ويشتهيه مما يتعذر غالباً تحقيقه.
﴿ أهل الكتاب ﴾ :اليهود والنصارى.
﴿ سوءاً ﴾ :كل ما يسيء من الذنوب والخطايا.
﴿ ولياً ﴾ :يتولى أمره فيدفع عنه المكروه.
المعنى :
روي أن هذه الآية نزلت لما تلاحى مسلم ويهودي وتفاخرا فزعم اليهودي أن نبيهم وكتابهم ودينهم وجد قبل كتاب ونبي المسلمين ودينهم فهم أفضل، ورد عليه المسلم بما هو الحق فحكم الله تعالى بينهما بقوله : ﴿ ليس بأمانيكم ﴾ أيها المسلمون ﴿ ولا أماني أهل الكتاب ﴾ من يهود ونصارى أي ليس الأمر والشأن بالأماني العذاب، وإنما الأمر والشأن في هذه القضية أنه سنة الله تعالى في تأثير الكسب الإِرادي على النفس بالتزكية أو التدسية فمن عمل سوءاً من الشرك والمعاصي، كمن عمل صالحاً من التوحيد والطاعات يجز بحسبه فالسوء يخبث النفس فيحرمها من مجاورة الأبرار والتوحيد والعمل الصالح يزكيها فيؤهلها لمجاورة الأبرار، ويبعدها عن مجاورة الفجار. وقوله تعالى : ﴿ ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً ﴾ لأن سنن الله كأحكامه لا يقدر أحد على تغييرها أو تبديلها بل تمضي كما هي فلا ينفع صاحب السوء أحد، ولا يضر صاحب الحسنات آخر.
الهداية
من الهداية :
- ما عند الله لا ينال بالتمني ولكن بالإيمان والعمل الصالح أو التقوى والصبر والإِحسان.
- الجزاء أثر طبيعي للعمل وهو معنى ﴿ ومن يعمل سوء يجز به ﴾ ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة }.
شرح الكلمات :
﴿ نقيراً ﴾ :النقير :نقرة في ظهر النواة.
المعنى :
وقوله تعالى : ﴿ ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً ﴾ فإنه تقرير لسنته تعالى في تأثير الكسب على النفس والجزاء بحسب حال النفس زكاة وطهراً وتدسيه وخبثاً، فإنه من يعمل الصالحات وهو مؤمن تطهر نفسه ذكراً كان أو أنثى ويتأهل بذلك لدخول الجنة، ولا يظلم مقدار نقير فضلاً عما هو أكثر وأكبر.
شرح الكلمات :
﴿ ملة إبراهيم ﴾ :عبادة الله وحده لا شريك له بما شرعه الله تعالى.
﴿ خليلاً ﴾ :الخليل :المحب الذي تخلل حبه مسالك النفس فهو أكبر من الحبيب.
المعنى :
وقوله تعالى : ﴿ ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلاً ﴾ إشادة منه تعالى وتفضيل للدين الإِسلامي على سائر الأديان إذ هو قائم على أساس إسلام الوجه لله وكل الجوارح تابعة له تدور في فلك طاعة الله تعالى مع الإحسان الكامل وهو إتقان العبادة وأداؤها على نحو ما شرعها الله تعالى واتباعه ملة إبراهيم بعبادة الله تعالى فضل الإِسلام الذي هو دين إبراهيم الذي اتخذه ربه خليلاً.
الهداية
من الهداية :
- فضل الإِسلام على سائر الأديان.
- شرف إبراهيم عليه السلام باتخاذه ربه خليلاً.
شرح الكلمات :
﴿ محيطاً ﴾ :علما وقدرة إذ الكون كله تحت قهره ومدار بقدرته وعلمه.
المعنى :
وقوله تعالى : ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطاً ﴾ زيادة على أنه إخبار بسعة ملك الله تعالى وسعة علمه وقدرته وفضله فإنه رفع لما قد يتوهم من خلة إبرهيم أن الله تعالى مفتقر إلى إبراهيم أو له حاجة إليه، فأخبر تعالى أن له ما في السموات والأرض خلقاً وملكاً وإبراهيم في جملة ذلك فكيف يفتقر إليه ويحتاج إلى مثله وهو رب كل شيء وملكه.
الهداية
من الهداية :
- غنى الله تعالى عن سائر مخلوقاته، وافتقار سائر مخلوقاته إليه عز وجل.
شرح الكلمات :
﴿ يستفتونك ﴾ :يطلبون منك الفتيا في شأن النساء وميراثهن.
﴿ وما يتلى عليكم ﴾ :يقرأ عليكم في القرآن.
﴿ ما كتب لهن ﴾ :ما فرض لهن من المهور والميراث.
﴿ بالقسط ﴾ :بالعدل
المعنى :
هذه الآيات الأربع كل آية منها تحمل حكماً شرعياً خاصا فالأولى ( ١٢٧ ) نزلت إجابة لتساؤلات من بعض الأصحاب حول حقوق النساء ما لهن وما عليهن لأن العرف الذي كان سائداً في الجاهلية كان يمنع النساء والأطفال من الميراث بالمرة وكان اليتامى لا يراعى لهم جانب ولا يحفظ لهم حق كامل فلذا نزلت الآيات الأولى من هذه السورة وقررت حق المرأة والطفل في الإِرث وحضت على المحافظة على مال اليتامى وكثرت التساؤلات لعل قرآناً ينزل إجابة لهم حيث اضطربت نفسوهم لما نزل فنزلت هذه الآية الكريمة تردهم إلى ما في أول السورة وأنه الحكم النهائي في القضية فلا مراجعة بعد هذه، فقال تعالى وهو يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ ويستفتونك في النساء ﴾ أي وما زالوا يستفتونك في النساء، أي في شأن ما لهن وما عليهن من حقوق كالإِرث والمهر وما إلى ذلك. قل لهم أيها الرسول ﴿ الله يفتيكم فيهن ﴾ وقد أفتاكم فيهن وبين لكم ما لهن ما عليهن. وقوله تعالى : ﴿ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء التي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن ﴾ أي وما يتلى عليكم في يتامى النساء في أول السورة كافٍ لكم لا تحتاجون معه إلى من يفتيكم أيضاً إذ بين لكم أن من كانت تحته يتيمة دميمة لا يرغب في نكاحها فليعطها مالها وليزوجها غيره وليتزوج هو من شاء، ولا يحل له أن يحبسها في بيته لأجل مالها، وإن كانت جميلة وأراد أن يتزوجها فليعطها مهر مثيلاتها ولا يبخسها من مهرها شيئاً. وقوله ﴿ والمستضعفين من الولدان ﴾ أي وقد أفتاكم بما يتلى عليكم من الآيات في أول السورة في المستضعفين من الولدان حيث قد أعطاهم حقهم وافياً في آية ﴿ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ الآية.
فلم هذه المراجعات والاستفتاءات ؟ ؟ وقوله تعالى ﴿ و أن تقوموا لليتامى بالقسط ﴾ أي وما تلي عليكم في أول السورة كان آمراً إياكم بالقسط لليتامى والعدل في أموالهم فارجعوا إليه في قوله : ﴿ وآتوا اليتامى أمواله ولا تبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوباً كبيراً ﴾ وقوله تعالى في ختام الآية ﴿ وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم ﴾ حث لهم على فعل الخير بالإحسان إلى الضعيفين المرأة واليتيم زيادة عل توفيتهما حقوقهما وعدم المساس بها.
هذا ما دلت عليه الآية الكريمة ﴿ ويستفتونك..... ﴾ إلخ.
الهداية
من الهداية :
- تقرير مبدأ إرث النساء والأطفال، والمحافظة على مال اليتامى وحرمة أكلها.
شرح الكلمات :
﴿ نشوزاً ﴾ :ترفعاً وعدم طاعة.
﴿ وأحضرت الأنفس الشح ﴾ :جبلت النفوس على الشح فلا يفارقها أبداً.
المعنى :
أما الآية الثانية ( ١٢٨ ) ﴿ و إن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحاً ﴾ فقد تضمنت حكماً عادلاً وإرشاداً ربانيا سديداً وهو أن الزوجة إذا توقعت من زوجها نشوزاً أي ترفعاً عليها أو إعراضاً عنها، وذلك لكبر سنها أو لقلة جمالها وقد تزوج عليها غيرها في هذا الحال في الإِمكان أن تجري مع زوجها صلحاً يحفظ لها بقاءها في بيتها عزيزة محترمة فتتنازل له عن بعض حقها في الفراش وعن بعض ما كان واجباً لها وهذا خير لها من الفراق. ولذا قال تعالى ﴿ والصلح خير ﴾ وقوله تعالى ﴿ وأحضرت الأنفس الشح ﴾ يريد أن الشح ملازم للنفس البشرية لا يفارقها والمرأة كالرجل في هذا إلا أن المرأة أضن وأشح بنصيبها في الفراش وبباقي حقوقها من زوجها. إذاً فليراع الزوج هذا ولذا قال تعالى ﴿ و أن تحسنوا ﴾ أيها الأزواج إلى نسائكم ﴿ وتتقوا ﴾ الله تعالى فيهن فلا تحرموهن ما لهن من حق في الفراش وغيره فإن الله تعالى يجزيكم بالإحسان إحساناً وبالخير خيراً فإنه تعالى ﴿ بما تعملون خبير ﴾.
هذا ما دلت عليه الآية ( ١٢٨ ).
الهداية
من الهداية :
- استحباب الصلح بين الزوجين عند تعذر البقاء مع بعضهما إلا به.
شرح الكلمات :
﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ :فتتركوها كالمعلقة ما هي بالمزوجة ولا المطلقة.
المعنى :
وأما الآية الثالثة ( ١٢٩ ) وهي قوله تعالى : ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفوراً رحيماً ﴾ فقد تضمنت حقيقة كبرى وهي عجز الزوج عن العدل بين زوجاته اللائي في عصمته فمهما حرص على العدل وتوخاه فإنه لن يصل إلى منتهاه أبداً والمراد بالعدل هنا في الحب والجماع. أما في القسمة والكساء والغذاء والعشرة بالمعروف فهذا مستطاع له، ولما علم تعالى هذا من عبده رخص له في ذلك ولم يؤاخذه بميله النفس كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " والمحرم على الزوج هو الميل الكامل إلى إحدى زوجاته عن باقيهن، لأن ذلك يؤدي أن تبقى المؤمنة في وضع لا هي متزوجة تتمتع بالحقوق الزوجية ولا هي مطلقة يمكنها أن تتزوج من رجل آخر تسعد بحقوقها معه وهذا معنى قوله تعالى ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ وقوله تعالى : ﴿ وإن تصلحوا ﴾ أي أيها الأزواج في أعمالكم وفي القسم بين زوجاتكم وتتقون الله تعالى في ذلك فلا تميلوا كل الميل، ولا تجوروا فيما تطيقون العدل فيه فإنه تعالى يغفر لكم ما عجزتم عن القيام به لضعفكم ويرحمكم في دنياكم وأخراكم لأن الله تعالى كان وما زال غفوراً للتائبين رحيماً بالمؤمنين.
هذا ما دلت عليه الآية الثالثة.
الهداية
من الهداية :
- تعذر العدل بين الزوجين في الحب والوطء استلزم عدم المؤاخذة به واكتفى الشارع بالعدل في الفراش والطعام والشراب والكسوة والمعاشرة بالمعروف.
- الترغيب في الإِصلاح والتقوى وفعل الخيرات.
شرح الكلمات :
﴿ من سعته ﴾ :من رزقه الواسع.
﴿ وكان الله واسعاً حكيما ﴾ :واسع الفضل حكيماً يعطي فضله حسب علمه وحكمته.
المعنى :
أما الآية الرابعة ( ١٣٠ ) وهي قوله تعالى : ﴿ وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعاً حكيما ﴾ فإن الله تعالى يعد الزوجين الذين لم يوفقا للإِصلاح بينهما لشح كل منهما بماله وعدم التنازل عن شيء من ذلك يعدهما ربهما إن هم تفرقا بالمعروف أن يغني كلا منهما من سعته وهو الواسع الحكيم فالمرأة يرزقها زوجاً خيراً من زوجها الذي فارقته، والرجل يرزقه كذلك امرأة خيراً مما فارقها لتعذر الصلح بينهما.
الهداية
من الهداية :
- الفرقة بين الزوجين إن كانت على مبدأ الإِصلاح والتقوى أعقبت خيراً عاجلاً أو آجلاً.
شرح الكلمات :
﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ :أي خلقاً وملكاً وتصرفاً وتدبيراً.
﴿ وصينا ﴾ :عهدنا إليهم بذلك أي بالتقوى.
﴿ أوتوا الكتاب ﴾ :اليهود والنصارى.
المعنى :
لما وعد تبارك وتعالى كلا من الزوجين المتفرقين بالإغناء عن صاحبه ذكر أنه يملك ما في السموات وما في الأرض ولذا فهو قادر على إغنائهما لسعة ملكه وعظيم فضله، ثم واجه بالخطاب الكريم الأمة جمعاء ومن بينها بني أبيرق فقال ﴿ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ يريد من اليهود والنصارى وغيرهم أوصاهم بتقواه عز وجل فلا يقدموا على مشاقته ولا يخرجوا عن طاعته بترك ما أوجب أو بفعل ما حرم، ثم أعلمهم أنهم وإن كفروا كما كفر طعمة وارتد فإن ذلك غير ضائره شيئاً، لأنه ذو الغنى والحمد، وكيف وله جميع ما في السموات وما في الأرض من كائنات ومخلوقات وهو ربها ومالكها والمتصرف فيها.
هذ ما تضمنته الآية الأولى ( ١٣١ ).
الهداية
من الهداية :
- الوصية بالتقوى، وذلك بترك الشرك والمعاصي بعد الإيمان وعمل الصالحات.
- غنى الله تعالى عن سائر خلقه.
شرح الكلمات :
﴿ الوكيل ﴾ :من يفوض إليه الأمر كله ويقوم بتدبيره على أحسن الوجوه.
المعنى :
أما الآية الثانية ( ١٣٢ ) فقد كرر تعالى فيها الإِعلان عن استحقاقه حافظاً ووكيلاً.
الهداية
من الهداية :
- غنى الله تعالى عن سائر خلقه.
المعنى :
وفي الآية الثالثة ( ١٣٣ ) يخبر تعالى أنه قادر على إذهاب كافة الجنس البشري واستبداله بغيره وهو على كل ذلك قدير، فقال تعالى : ﴿ إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين ﴾ وذلك لعظيم قدرته وكفاية وكالته.
الهداية
من الهداية :
- قدرة الله تعالى على إذهاب الناس كلهم والإِتيان بغيرهم.
شرح الكلمات :
﴿ ثواب الدنيا ﴾ :جزاء العمل لها.
﴿ ثواب الآخرة ﴾ :جزاء العم لها وهو الجنة.
﴿ سمعيا بصيراً ﴾ :سميعاً :لأقوال العباد بصيراً :بأعمالهم وسيجزيهم بها خيراً أو شراً.
المعنى :
وفي الآية الرابعة والأخيرة في هذا السياق ( ١٣٤ ) يقول تعالى مرغباً عباده فيما عنده من خير الدنيا والآخرة من كان يريد بعمله ثواب الدنيا ﴿ فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ﴾ فلم يقصر العبد عمله على ثواب الدنيا، وهو يعلم أن ثواب الآخرة عند الله أيضاً فليطلب الثوابين معاً من الله تعالى، وذلك بالإِيمان والتقوى والإِحسان، وسيجزيه تعالى بعلمه ولا ينقصه له وذلك لعلمه تعالى وقدرته، ﴿ وكان الله سميعاً بصيراً ﴾، ومن كان كذلك فلا يخاف معه ضياع الأعمال.
الهداية
من الهداية :
- وجوب الإِخلاص في العمل لله تعالى وحرمة طلب الآخرة بطلب الدنيا.
شرح الكلمات :
﴿ قوامين ﴾ :جمع قوام :وهو كثير القيام بالعدل.
﴿ بالقسط ﴾ :بالعدل وهو الاستقامة والتسوية بين الخصوم.
﴿ شهداء ﴾ :جمع شهيد :بمعنى شاهد.
﴿ الهوى ﴾ :ميل النفس إلى الشيء ورغبتها فيه.
﴿ تلووا ﴾ :أي ألسنتكم باللفظ تحريفاً له حتى لا تتم الشهادة على وجهها.
﴿ تعرضوا ﴾ :تتركوا الشهادة أو بعض كلماتها ليبطل الحكم.
المعنى :
قوله تعالى في هذه الآية ( ١٣٥ ) ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ﴾ أي بالعدل ﴿ شهداء لله ﴾ إذْ بشهادتكم ينتقل الحق من شخص إلى آخر حيث أقامكم الله ربكم شهداء له في الأرض تؤدى بواسطتكم الحقوق إلى أهلها، وَبناء على هذا فأقيموا الشهادة لله ولو شهادتكم على أنفسكم أو والديكم أو أقرب الناس إليكم وسواء كان المشهود عليه غنياً أو فقيراً فلا يحملنكم غنى الغنى ولا فقر الفقير على تحريف الشهادة أو كتمانها، فالله تعالى ربهما أولى بهما وهو يعطي ويمنع بشهادتكم فأقيموها وحسبكم ذلك واعلموا أنكم إن تلووا ألسنتكم بالشهادة تحريفاً لها وخروجاً بها عن أداء ما يترتب عليها أو تعرضوا عنها فتتركوها أو تتركوا بعض كلماتها فيفسد معناها ويبطل مفعولها فإن الله بعملكم ذلك وبغيره خبير وسوف يجزيكم به فيعاقبكم في الدنيا أو في الآخرة ألا فاحذروا.
هذه الآية الكريمة يدخل فيها دخولاً أولياً من شهدوا لأبناء أبيرق بالإِسلام والصلح كما هي خطاب للمؤمنين إلى يوم القيامة وهي أعظم آية في هذا الباب فليتق الله المؤمنون في شهادتهم.
الهداية
من الهداية :
- وجوب العدل في القضاء والشهادة.
- حرمة شهادة الزور وحرمة التخلي عن الشهادة لمن تعينت عليه.
المعنى :
أما الآية الثانية ( ١٣٦ ) ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ﴾ فهي في خطاب أهل الكتاب خاصة وفي سائر المؤمنين عامة فالمؤمنون تدعوهم إلى تقوية إيمانهم ليبلغوا فيه مستوى اليقين، أما أهل الكتاب فهي دعوة لهم للإِيمان الصحيح، لأن إيمانهم الذي هم عليه غير سليم فلذا دعوا إلى الإِيمان الصحيح فقيل لهم ﴿ آمنوا بالله ورسوله ﴾ محمد ﴿ والكتاب الذي نزل على رسوله ﴾ وهو القرآن الكريم، ﴿ والكتاب لذي أنزل من قبل ﴾ وهو التوراة والإِنجيل، لأن اليهود لا يؤمنون بالإِنجيل، ثم أخبرهم محذراً لهم أن ﴿ من يكفر بالله وملائكة وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ﴾ طريق الهدى والسعادة ﴿ ضلالاً بعيداً ﴾ لا ترجى هدايته، وعليه فسوف يهلك ويخسر خسراناً أبدياً.
الهداية
من الهداية :
- وجوب الاستمرار على الإِيمان وتقويته حتى الموت عليه.
- بيان أركان الإِيمان وهي الإِيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر.
المعنى :
ثم أخبرهم تعالى في الآية بعد هذه ( ١٣٧ ) مقرراً الحكم بالخسران الذي تضمنته الآية قبلها فقال عز وجل : ﴿ إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ﴾ بمحمد صلى الله عليه وسلم وكتابه وبما جاء به ﴿ لم يكن الله ﴾ أي لم يكن في سنة الله أن يغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً ينجون به ويسعدون فيه ألا فليحذر اليهود والنصارى هذا وليذكروه، وإلا فالخلود في نار جهنم لازم لهم ولا يهلك على الله إلا هالك.
الهداية
من الهداية :
- المرتد يستتاب ثلاثة أيام وإلا قتل كفراً أخذاً من قوله : ﴿ ثم آمنوا ثم كفروا ﴾.
شرح الكلمات :
﴿ بشر المنافقين ﴾ :البشارة :الخبر الذي تتأثر به بشرة من يلقى عليه خيراً كان أو شراً.
والمنافق :من يبطن الكفر ويظهر الإيمان تقيّة ليحفظ دمه وماله.
المعنى :
قوله تعالى : ﴿ وبشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليما ﴾ يأمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر المنافقين بلفظ البشارة لأن المخبر به يسوء وجوهم وهو العذاب الأليم وقد يكون في الدنيا بالذل والمهانة والقتل، وأما في الآخرة فهو أسوأ العذاب وأشده وهو لازم لهم لخبث نفوسهم وظلمة أرواحهم.
هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( ١٣٨ ).
الهداية
من الهداية :
- حرمة اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين.
شرح الكلمات :
﴿ أولياء ﴾ :يوالونهم محبة ونصرة لهم على المؤمنين.
﴿ العزة ﴾ :الغلبة والمنعة.
المعنى :
ثم وصفهم تعالى بأخس صفاتهم وشرها فقال : ﴿ الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ﴾ فيعطون محبته ونصرتهم وولاءهم للكافرين، ويمنعون ذلك المؤمنين وذلك لأن قلوبهم كافرة آثمة لم يدخلها إيمان ولم يُنزها عمل الإِسلام، ثم وبخهم تعالى ناعيا عليهم جهلهم فقال : ﴿ أيبغون عندهم العزة ﴾ أي يطلبون العزة أي المنعة والغلبة من الكافرين أجهلوا أم عموا فلم يعرفوا ﴿ إن العزة لله جميعاً ﴾ فمن أعزه الله عز ومن أذله ذل والعزة تُطلب بالإِيمان وصالح الأعمال لا بالكفر والشر والفساد. هذا ما دلت عليه الآية الثانية.
الهداية
من الهداية :
- الباعث للناس على اتخاذ الكافرين أولياء هو الرغبة في العزة ورفع المذلة وهذا باطل فالعزة لله ولا تطلب إلا منه تعالى بالإِيمان واتباع منهجه.
شرح الكلمات :
﴿ يستهزأ بها ﴾ :يذكونها استخفافاً بها وإنكاراً وجحوداً لها.
﴿ يخوضوا ﴾ :يتكلموا في موضوع آخر من موضوعات الكلام.
﴿ مثلهم ﴾ :أي في الكفر والإِثم.
المعنى :
أما الآية الرابعة ( ١٤٠ ) فإن الله تعالى يؤدب المؤمنين فيذكرهم بما أنزل عليهم في سورة الأنعام حيث نهاهم عن مجالسة أهل الباطل إذا خاضوا في الطعن في آيات الله ودينه فقال تعالى : ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره، وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ﴾ هذا الأدب أخذ الله تعالى به رسوله والمؤمنين، وهم في مكة قبل الهجرة، لأن سورة الأنعام مكية ولما هاجروا إلى المدينة، وبدأ النفاق وأصبح للمنافقين مجالس خاصة ينتقدون فيها المؤمنين ويخوضون فيها في آيات الله تعالى استهزاء وسخرية ذكر الله تعالى المؤمنين بما أنزل عليهم في مكة فقال : ﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره، إنكم إذاً ﴾ أي إذا رضيتم بالجلوس معهم وهم يخوضون في آيات الله ﴿ مثلهم ﴾ في الإِثم والجريمة ولا جزاء أيضاً، ﴿ إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً ﴾ فهل ترضون أن تكونوا معهم في جهنم، وإن قلتم لا إذا فلا تجالسوهم.
الهداية :
من الهداية :
- حرمة مجالسة أهل الباطل إذا كانوا يخوضون في آيات الله نقداً واستهزاء وسخرية.
- الرضا بالكفر كفر، والرضا بالإِثم إثم.
شرح الكلمات :
﴿ يتربصون بكم ﴾ :ينتظرون متى يحصل لكم انهزام أو انكسار :فيعلنون عن كفرهم.
﴿ نصيب ﴾ :أي من النصر وعبر عنه بالنصيب القليل لأن انتصارهم على المؤمنين نادر.
﴿ نستحوذ عليكم ﴾ :أي نستول عليكم ونمنعكم من المؤمنين إن قاتلوكم.
﴿ سبيلا ﴾ :أي طريقاً إلى إذلالهم واستعبادهم والتسلط عليهم.
المعنى :
ثم ذكر تعالى وصفا آخر للمنافقين يحمل التنفير منهم والكراهية والبغض لهم فقال : ﴿ الذين يتربصون بكم ﴾ أي ينتظرون بكم الدوائر ويتحينون الفرص ﴿ فإن كان لكم فتح من الله ﴾ أي نصر وغنيمة قالوا : ﴿ ألم نكن معكم ﴾ فأشِركونا في الغنيمة، ﴿ وإن كان للكافرين نصيب ﴾ في النصر قالوا لهم ﴿ ألم نستحوذ عليكم ﴾ أي نستول عليكم ﴿ ونمنعكم من المؤمنين ﴾ أن يقاتلوكم، فأعطونا مما غنمتم، وهكذا المنافقون يمسكون العصا من الوسط فأي جانب غلب كانوا معه. ألا لعنة الله على المنافقين وما على المؤمنين إلا الصبر لأن مشكلة المنافقين عويصة الحل فالله يحكم بينهم يوم القيامة. أما الكافرون الظاهرون فلن يجعل الله تعالى له على المؤمنين سبيلا لا لاستئصالهم وإبادتهم، ولا لإذلالهم والتسلط عليه ما داموا مؤمنين صادقين في إيمانهم وهذا ما ختم الله تعالى به الآية الكريمة إذ قال : ﴿ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ﴾.
الهداية
من الهداية :
- تكفل الله تعالى بعزة المؤمنين الصادقين ومنعتهم فلا يسلط عليهم أعداءه فيستأصلونهم، أو يذلونهم ويتحكمون فيهم.
شرح الكلمات :
﴿ يخادعون الله ﴾ :بإظهارهم ما يحب وهو الإِيمان والطاعات، وإخفائهم الكفر والمعاصي.
﴿ وهو خادعهم ﴾ :بالتستر عليهم وعدم فضيحتهم، وبعدم إنزال العقوبة بهم.
﴿ يراءون ﴾ :أي يظهرون الطاعات للمؤمنين كأنهم مؤمنون وما هم بمؤمنين.
المعنى :
يخبر تعالى أن المنافقين في سلوكهم الخاص يخادعون الله تعالى بإظهارهم الإِيمان به وبرسوله وهم غير مؤمنين إذ الخداع أن تري من تخادعه ما يحبه منك وتستر عليه ما يكرهه والله تعالى عاملهم بالمثل فهو تعالى أراهم ما يحبونه وستر عليهم ما يكرهونه منه وهو العذاب المعد لهم عاجلا أو آجلاً، كما أخبر عنهم أنه إذا قاموا إلى أداء الصلاة قاموا كسالى متباطئين لأنهم لا يؤمنون بالثواب الأخروي فلذا هم يراءون بالأعمال الصالحة المؤمنين حتى لا يتهمونهم بالكفر، كما أنهم لا يذكرون الله تعالى إلا ذكراً قليلاً في الصبح وخارج الصلاة، وذلك لعدم إيمانه بالله تعالى وعدم حبهم له.
الهداية
من الهداية :
- بيان صفات المنافقين.
- قبح الرياء وذم المرائين.
- ذم ترك الذكر والتقليل منه لأمر الله تعالى بالإِكثار منه في قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾.
شرح الكلمات :
﴿ مذبذبين ﴾ :أي يترددون بين المؤمنين والكفارين فأي جانبٍ عز وكانوا معه.
المعنى :
كما أخبر عنهم بأنهم مذبذبون بين الكفر والإِيمان والمؤمنين والكافرين فلا إلى الإِيمان والمؤمنين يسكنون، ولا إلى الكفر والمنافقين يسكنون فهم في تردد وحسرة دائمون، وهذه حال من يضله الله فإن من يضلل الله لا يوجد لهدايته سبيلٌ.
الهداية
من الهداية :
- ذم الحيرة والتردد في الأمور كلها.
شرح الكلمات :
﴿ سلطانا مبينا ﴾ :حجة واضحة لتعذيبكم.
المعنى :
ما زال السياق في إرشاد الله تعالى المؤمنين إلى ما يعزهم ويكملهم ويسعدهم ففي هذه الآية ( ١٤٤ ) يناديهم تعالى بعنوان الإِيمان وهو الروح الذي به الحياة ونهاهم عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين فيقول : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ﴾ ومعنى اتخاذهم أولياء موادتهم ومناصرتهم والثقة فيهم والركون إليهم والتعاون معهم، ولما كان الأمر ذا خطورة كاملة عليهم هددهم تعالى بقوله : ﴿ أتريدون أن تجعلوا لله سلطانا مبيناً ﴾ فيتخلى عنكم ويسلط عليكم أعداءه الكافرين فيستأصلوكم، أو يقهروكم ويستذلوكم ويتحكموا فيكم.
الهداية
من الهداية :
- حرمة اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين.
شرح الكلمات :
﴿ الدرك الأسفل ﴾ :الدرك :كالطابق، والدركة كالدرجة.
المعنى :
ثم حذرهم من النفاق أن يتسرب إلى قلوبهم فأسمعهم حكمه العادل في المنافقين الذين هم رؤوس الفتنة بينهم فقال : ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴾، فأسفل طبقة في جهنم هي مأوى المنافقين يوم القيامة، ولن يوجد لهم ولي ولا نصير أبداً.
الهداية
من الهداية :
- إذا عصى المؤمنون ربهم فاتخذوا الكافرين أولياء سلط الله عليه أعداءهم فساموهم الخسف.
شرح الكلمات :
﴿ وأصلحوا ﴾ :ما كانوا قد أفسدوه من العقائد والأعمال.
﴿ واعصموا بالله ﴾ :تمسكوا بدينه وتوكلوا عليه.
﴿ وأخلصوا دينهم لله ﴾ :تخلوا عن النفاق والشرك.
المعنى :
ثم رحمة بعباده تبارك وتعالى يفتح باب التوبة للمنافقين على مصراعيه ويقول لهم ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ إلى ربهم فآمنوا به وبرسوله حق الإِيمان ﴿ وأصلحوا ﴾ أعمالهم ﴿ واعتصموا بالله ﴾ ونفضوا أيديهم من أيدي الكافرين، ﴿ وأخلصوا دينهم لله ﴾ فلم يبقوا يراءون أحداً بأعمالهم. فأولئك الذين ارتفعوا إلى هذا المستوى من الكمال هم مع المؤمنين جزاؤهم واحد، وسوف يؤتي الله المؤمنين أجراً عظيماً وهو كرامة الدنيا وسعادة الآخرة.
الهداية
من الهداية :
- التوبة تجب ما قبلها حتى إن التائب من ذنبه كمن لا ذنب له ومهما كان الذنب الذي غشيه.
المعنى :
وأخيراً في الآية ( ١٤٧ ) يقرر تعالى غناه عن خلقه وتنزهه عن الرغبة في حب الانتقام فإن عبده مهما جنى وأساء، وكفر وظلم إذا تاب وأصلح فآمن وشكر. لا يعذبه أدنى عذاب إذ لا حاجة إلى تعذيب عباده فقال عز وجل وهو يخاطب عباده ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وأمنتم، وكان الله شاكراً عليما ﴾ لا يضيع المعروف عنده. لقد شكر لبغي سقيها كلباً عطشان فغفر لها وأدخلها الجنة.
الهداية
من الهداية :
- لا يعذب الله تعالى المؤمن الشاكر لا في الدنيا ولا في الآخرة فالإِيمان وَالشكر أمان الإِنسان.
شرح الكلمات :
﴿ السوء ﴾ :ما سوء إلى من قيل فيه أو فعل به.
﴿ سميعاً عليماً ﴾ :سميعاً للأقوال عليماً بالأعمال.
المعنى :
يخبر تعالى أنه لا يحب الجهر بالسوء، ولازم هذا أن عباده المؤمنين يجب أن يكرهوا ما يكره ربهم ويحبوا ما يحب وهذا شرط الولاية وهي الموافقة وعدم المخالفة. ولما حرم تعالى على عباده الجهر بالسوء بأبلغ عبارة وأجمل أسلوب، استثنى المظلوم فإن له أن يجهر بمظلمته لدى الحاكم ليرفع عنه الظلم فقال تعالى : ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله -( وما زال )- سميعا عليما ﴾ ألا فليتق فلا يعصى بفعل السوء ولا بقوله.
الهداية
من الهداية :
- حرمة الجهر بالسوء والسر به كذلك فلا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن ينطق بما يسوء إلى القلوب والنفوس إلا في حالة الشكوى وإظهار الظلم لا غير.
شرح الكلمات :
﴿ إن تبدوا ﴾ :تظهروا ولا تخفوا.
﴿ تعفوا عن سوء ﴾ :أي لا تؤاخذوا به.
المعنى :
ثم انتدب عباده المؤمنين إلى فعل الخير في السر أو العلن، وإلى العفو عن صاحب السوء فقال : ﴿ إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفواً قديراً ﴾ فسيكسب فاعل الخير خيراً أبداه أو أخفاه وسيعفو عن صاحب العفو حينما تزل قدمه فيجني بيده أو بلسانه ما يستوجب به المؤاخذة فيشكر الله تعالى له عفوه السابق فيعفو عنه ﴿ وكان الله عفواً قديراً ﴾.
الهداية
من الهداية :
- استحباب فعل الخير وسره كجهره لا ينقص أجره بالجهر ولا يزيد بالسر.
- استحباب العفو عن المؤمن إذا بدا منه سوء، ومن يعف يعف الله عنه.
شرح الكلمات :
﴿ ورسله ﴾ :الرسل جمع رسول وهم جَم غفير قيل عددهم ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً
﴿ سبيلاً ﴾ :أي طريقاً بين الكفر والإِيمان، وليس ثم إلا طريق واحد وهو الإِيمان أو الكفر فمن آمن بكل الرسل فهو المؤمن، ومن آمن بالبعض وكفر بالبعض فهو الكافر كمن لم يؤمن بأحد منهم.
المعنى :
د١٥٠
الهداية
من الهداية :
- تقرير كفر اليهود والنصارى لفساد عقائدهم وبطلان أعمالهم..
شرح الكلمات :
﴿ ولم يفرقوا ﴾ :كما فرق اليهود فآمنوا بموسى وكفروا بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وكما فرق النصارى آمنوا بموسى وعيسى وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم فهم لذلك كفار.
المعنى :
١٥٠م/
الهداية
من الهداية :
- كفر من كذب بالله ورسوله ولو في شيء واحد مما وجب الإيمان به
شرح الكلمات :
﴿ أجورهم ﴾ :أجر إيمانهم برسل الله وعملهم الصالح وهو الجنة دار النعيم.
المعنى :
أما الآية الثانية وهى قوله تعالى ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله ﴾ فإنها مقابلة في ألفاظها ومدلولها للآية قبلها فالأولى تضمنت الحكم بالكفر على اليهود والنصارى، وبالعذاب المهين لهم والثانية تضمنت الحكم بإيمان المسلمين بالنعيم المقيم لهم وهو ما وعدهم به ربهم بقوله ﴿ أولئك سوف نؤتيهم أجورهم، وكان الله غفوراً رحيما ﴾. فغفر لهم ذنوبهم ورحمهم بأن أدخلهم دار كرامته في جملة أوليائه.
الهداية
من الهداية :
- صحة الدين الإسلامي وبطلان اليهودية والنصرانية حيث أوعد تعالى اليهود والنصارى بالعذاب المهين، ووعد المؤمنين بتوفية أجورهم والمغفرة والرحمة لهم.
شرح الكلمات :
﴿ جهرة ﴾ :عيانا نشاهده ونراه بأبصارنا.
﴿ الصاعقة ﴾ :صوت حاد ورجفة عنيفة صعقوا بها.
﴿ بظلمهم ﴾ :بسبب ظلمهم بطلبهم ما لا ينبغي.
﴿ اتخذوا العجل ﴾ :أي إلها فعبدوه.
﴿ فعفونا عن ذلك ﴾ :أي لم يؤاخذهم به.
﴿ سلطاناً مبيناً ﴾ :حجة واضحة وقدرة كاملة قهر بها أعداءه.
المعنى :
لما نعى الربّ تعالى عن أهل الكتاب قولهم نؤمن ببعض الرسل ونكفر ببعض حيث آمن اليهود بموسى وكفروا بعيسى وآمن النصارى بعيسى وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم كما كفر به اليهود أيضاً ذكر تعالى لرسوله أن اليهود إذا سألوا أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فلا تعجب من قولهم ولا تحفل به إذ هذه سنتهم وهذا دأبهم، فإنهم قد سألوا موسى قبلك أعظم من هذا فقالوا له أرنا الله جهرة فأغضبوا الله تعالى فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون واتخذوا العجل إلهاً يعبدونه في غياب موسى عليهم، وكان ذلك منهم بعد مشاهداتهم البيّنات حيث فلق الله لهم البحر وأنجاهم وأغرق عدوهم ومع هذا فقد عفا الله عنهم، وآتى نبيهم سلطانا مبيناً، ولم يؤثر ذلك في طباعهم هذا ما تضمنته الآية الأولى ( ١٥٣ ) وهي قوله تعالى ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البيّنات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطاناً مبيناً ﴾.
الهداية :
من الهداية :
- تعنت أهل الكتاب إزاء الدعوة الإِسلامية وكفرهم بها على علم أنها دعوة حق.
- بيان قبائح اليهود وخبثهم الملازم لهم طوال حياتهم.
شرح الكلمات :
﴿ ورفعنا فوقهم الطور ﴾ :أي جبل الطور بسيناء.
﴿ ادخلوا الباب سجداً ﴾ :أي راكعين متواضعين خاشعين لله شكراً لنعمه عليهم.
﴿ لا تعدوا ﴾ :لا تعتدوا أي لا تتجاوزوا ما حد لكم فيه من ترك العمل إلى العمل فيه.
﴿ ميثاقا غليظا ﴾ :عهداً مؤكداً بالأَيمان.
المعنى :
أما الآية الثانية ( ١٥٤ ) فقد أخبر تعالى أنه رفع فوقهم الطور تهديداً لهم ووعيداً وذلك لما امتنعوا ان يتعهدوا بالعمل بما في التوراة، فلما رفع الجبل فوقهم خافوا فتعهدوا معطين بذلك ميثاقاً غير أنهم نقضوه كما سيأتي الإخبار بذلك. هذا معنى قوله تعالى ﴿ ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم ﴾، وقوله تعالى ﴿ وقلنا لهم ادخلوا الباب سجداً.. ﴾ كان هذا عندما دخل يوشع بن نون فتى موسى مدينة القدس فاتحاً أوحى الله تعالى إليه أن يأمر بني إسرائيل أن يدخلوا باب المدينة خاضعين متطامنين شكراً لله تعالى على نعمة الفتح فبدل أن يطيعوا ويدخلوا الباب راكعين متطامنين دخلوه زحفاً على أستاههم مكراً وعناداً والعياذ بالله. وقوله : ﴿ .. وقلنا لهم لا تعدوا في السبت ﴾ أي ونهيناهم عن الصيد في السبت فتعدوا نهينا وصادوا عصيانا وتمرداً، وقوله تعالى ﴿ .. وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً ﴾ أي على أن يعملوا بما شرعنا لهم تحليلاً وتحريما في التوراة، ومع هذا فقد عصوا وتمردوا وفسقوا، إذاً فلا غرابة في سؤالهم إياك على رسالتك وليؤمنوا بك أن تنزل عليهم كتاباً من السماء. هذا معنى قوله تعالى في الآية ( ١٥٤ ) ﴿ ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجداً، وقلنا لهم لا تعدوا فى السبت.. ﴾ أي لا تتجاوزوا ما أحللنا لكم إلى ما حرمنا عليكم ﴿ ... وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً... ﴾
الهداية :
من الهداية :
- نقض اليهود للعهود والمواثيق أصبح طبعا لهم لا يفارقهم أبداً ولذا وجب عدم الثقة في عهودهم ومواثيقهم.
شرح الكلمات :
﴿ فبما نقضهم ﴾ :الباء سببية أي فبسبب نقضهم ميثاقهم، والنقض :الحل بعد الإِبرام
﴿ بغير حق ﴾ :أي بدون موجب لقتلهم، ولا موجب لقتل الأنبياء قط.
﴿ غلف ﴾ :جمع أغلف وهو ما عليه غلاف يمنعه من وصول المعرفة والعلم إليه.
المعنى :
د١٥٥
شرح الكلمات :
﴿ بهتانا عظيما ﴾ :البهتان الكذب الذي يحير من قيل فيه والمراد هنا رميهم لها بالزنى.
المعنى :
١٥٥م/
شرح الكلمات :
﴿ وما صلبوه ﴾ :أي لم يصلبوه، والصلب شدة على خشبة وقتله عليها.
المعنى :
١٥٥م/
المعنى :
١٥٥م/
- تقرير رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ونزلوه في آخر أيام الدنيا.
شرح الكلمات :
﴿ وإن من أهل الكتاب ﴾ :أي وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمن عند حضور الموت أن عيسى عبد الله ورسوله فما هو ابن زنى ولا ساحر كما يقول اليهود، ولا هو الله ولا ابن الله كما يقول النصارى.
المعنى :
أما الآية الأخيرة في هذا السياق ( ١٥٩ ) فإن الله تعالى أخبر أنه ما من يهودي ولا نصراني يحضره الموت ويكون في انقطاع عن الدنيا إلا آمن بأن عيسى عبد الله ورسوله، وليس هو ابن زنى ولا ساحر كما يعتقد اليهود، ولا هو الله ولا ابن الله كما يعتقد النصارى، ولكن هذا الإِيمان لا ينفع صاحبه لأنه حصل عند معاينة الموت قال تعالى ﴿ .. وليست التوبة للذين يعملون السيئآت حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن.. ﴾ هذا ما دلت عليه الآية الكريمة : ﴿ وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته، ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً ﴾ أي يشهد على كفرهم به وبما جاءهم به، ووصاهم عليه من الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ودين الحق الذي جاء به.
الهداية
من الهداية :
- الإيمان كالتوبة عند معاينة ملك الموت لا تنفع ولا تقبل وجودها كعدمها.
شرح الكلمات :
﴿ فبظلم ﴾ :الباء سببية أي فبسبب ظلمهم.
﴿ هادوا ﴾ :اليهود إذ قالوا :إنا هدنا إليك.
﴿ طيبات أحلت لهم ﴾ :هي كل ذي ظفر وشحوم البقر والغنم.
المعنى :
ما زال السياق في اليهود من أهل الكتاب يبين جرائمهم ويكشف الستار عن عظائم ذنوبهم ففي الآية الأولى ( ١٦٠ ) سجل عليهم الظلم العظيم والذي به استوجبوا عقاب الله تعال حيث حرم عليهم طيبات كثيرة كانت حلالا لهم، كما سجل عليهم أقبح الجرائم وهى صدهم أنفسهم وصد غيرهم عن سبيل الله تعالى، وذلك بجحودهم الحق وتحريفهم كلام الله، وقبلوهم الرشوة في إبطال الأحكام الشرعية. هذا ما تضمنته الآية الأولى.
الهداية
من الهداية :
- المعاصي تورث الحرمان من خير الدنيا والآخرة.
- حرمة الصد عن الإِسلام ولو بالسلوك الشائن والمعاملة الباطلة.
شرح الكلمات :
﴿ أخذهم الربا ﴾ :قبلوه والتعامل به وأكله.
المعنى :
أما الثانية ( ١٦١ ) فقد تضمنت تسجيل جرائم أخرى على اليهود وهي أولا استباحتهم للربا وهو حرام وقد نهوا عنه وثانيا أكلهم أموال الناس بالباطل كالرشوة والفتاوى الباطلة التي كانوا يأكلون بها. وأما قوله تعالى في ختام الآية ﴿ ... وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما ﴾ فهو زيادة على ما عاقبهم به في الدنيا أعد لمن كفر منهم ومات على كفره عذاباً أليماً موجعا يعذبون به يوم القيامة.
الهداية
من الهداية :
- حرمة الربا وأنه موجب للعقوبة في الدنيا والآخرة.
- حرمة أكل أموال الناس بالباطل كالسرقة والغش والرشوة.
شرح الكلمات :
﴿ الراسخون في العلم ﴾ :أصحاب القدم الثابتة في معرفة الله وشرائعه ممن علومهم راسخة في نفوسهم ليست ظنيات بل هي يقينيات.
المعنى :
وأما الآية الثالثة ( ١٦٢ ) فقد نزلت في عبد الله بن سلام وبعض العلماء من يهود المدينة فذكر تعالى كالاستثناء من أولئك الموصوفين بأقبح الصفات وهى صفات جرائم اكتسبوها، وعظائم من الذنوب اقترفوها لجهلهم وعمى بصائرهم. ان الراسخين في العلم الثابتين فيه الذين علومهم الشرعية يقينية لا ظنية هؤلاء شأنهم فى النجاة من العذاب والفوز بالنعيم فى دار السلام شأن المؤمنين من هذه الأمة يؤمنون بما أنزل إليك أيها الرسول وما أنزل من قبلك وخاصة المقيمين الصلاة وكذا المؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر هؤلاء جميعا وعدهم الله تعالى بالأجر العظيم الذي لا يقادر قدره ولا يعرف كنهه فقال تعالى : ﴿ أولئك سنؤتيهم أجراً عظيماً ﴾.
الهداية
من الهداية :
- من أهل الكتاب صلحاء ربانيون وذلك كعبد الله بن سلام وآخرين.
- الرسوخ في العلم يأمن صاحبه الزلات والوقوع في المهلكات.
- فضل إقام الصلاة لِنَصْب والمقيمي الصلاة في الآية على المدح والتخصيص.
شرح الكلمات :
﴿ إنا أوحينا إليك ﴾ :الوحي :الإِعلام السريع الخفي، ووحي الله تعالى إلى أنبيائه إعلامهم بما يريد أن يعلمهم به من أمور الدين وغيره.
﴿ الأسباط ﴾ :أولاد يعقوب عليهم السلام.
﴿ زبوراً ﴾ :الزبور أحد الكتب الإِلهية أنزله على نبيه داود عليه السلام.
المعنى :
روى أن اليهود لما سمعوا ما أنزل الله تعالى فيهم في الآية السابقة أنكروا أن يكون هذا وحيا وقالوا لم يوح الله تعالى إلى غير موسى فرد الله تعالى قولهم بقوله : ﴿ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده.. ﴾ فذكر عدداً من الأنبياء.
هذا بعض ما تضمنته الآيات الثلاث ( ١٦٣ - ١٦٤ - ١٦٥ )
الهداية
من الهداية :
- تقرير مبدأ الوحي الإِلهي.
- أول الرسل نوح عليه السلام وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم.
شرح الكلمات :
﴿ قد قصصناهم عليك ﴾ :ورد منهم في سورة الأنعام ثمانية عشر رسولا وسبعة ذكروا في سور أخرى وهم محمد صلى الله عليه وسلم وهود وشعيب وصالح وذو الكفر وإدريس وآدم
المعنى :
ثم قال ورسلا :أي وأرسلنا رسلاً قد قصصناهم عليك من قبل أي قص عليه أسماءهم وبعض ما جرى لهم مع أممهم وهم يبلغون دعوة ربهم، وأرسل رسلا لم يقصصهم عليه، وفوق ذلك أنه كلم موسى تكليما فأسمعه كلاماً بلا واسطة، فكيف ينكر اليهود ذلك ويزعمون أنه ما أنزل الله على بشرٍ من شىء
الهداية
من الهداية :
- إثبات صفة الكلام لله تعالى.
شرح الكلمات :
﴿ حجة ﴾ :عذر يعتذرون به إلى ربهم عز وجل.
المعنى :
وقد أرسلهم تعالى رسلا مبشرين من آمن وعمل صالحا بالجنة، ومنذرين من كفر وأشرك وعمل سوءً وما فعل ذلك الا لقطع حجة الناس يوم القيامة حتى لا يقولوا ربنا ما أرسلت إلينا رسولاً هذا معنى قوله تعالى ﴿ رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.. ﴾ أي بعد إرسالهم، ﴿ وكان الله عزيزا ﴾ غالبا لا يمانع في شيء أراده ﴿ حكيما ﴾ في أفعاله وتدبيره.
الهداية
من الهداية :
- بيان الحكمة في إرسال الرسل وهي قطع الحجة على الناس يوم القيامة.
المعنى :
أما لآية الرابعة ( ١٦٦ ) وهي قوله تعالى : ﴿ لكن الله يشهد بما أنزل اليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً ﴾.
فقد روي أن يهوداً جمعهم النبي صلى الله عليه وسلم وابلغهم أنه رسول الله صدقا وحقا ودعاهم إلى الإِيمان به وبما جاء به من الدين الحق فقالوا :من يشهد لك بالرسالة إذ كانت الأنبياء توجد في وقت واحد فيشهد بعضهم لبعض، وأنت من يشهد لك فأنزل الله تعالى قوله : ﴿ لكن الله يشهد بما أنزل اليك... ﴾ يريد إنزال كتاب إليك شهادة منه لك بالنبوة والرسالة، أنزله بعلمه بأنك أهل للاصطفاء والإِرسال، وبكل ما تحتاج إليه البشرية في إكمالها وإسعادها إذ حوى أعظم تشريع تعجز البشرية لو اجتمع ان تأتى بمثله، أليس هذا كافيا في الشهادة لك بالنبوة والرسالة، بلى، والملائكة أيضاً يشهدون ﴿ .. وكفى بالله شهيداً ﴾ فلا تطلب شهادة بعد شهادته تعالى لو كانوا يعقلون.
الهداية
من الهداية :
- شهادة الرب تبارك وتعالى والملائكة بنبوة خاتم الأنبياء ورسالته صلى الله عليه وسلم.
- ما حواه القرآن من تشريع وما ضمه بين دفتيه من معارف وعلوم أكبر شهادة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة.
﴿ كفروا وصدوا ﴾ :كفروا :جحدوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدوا :صرفوا الناس عن الإِيمان به صلى الله عليه وسلم.
المعنى :
بعد أن أقام الله تعالى الحجة على رسالة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بشهادته له بالرسالة وشهادة ملائكته، وشهادة القرآن لما فيه من العلوم والمعارف الإِلهية بعد هذا أخبر تعالى أن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وهم اليهود قد ضلوا ضلالاً بعيداً قد يتعذر معه الرجوع إلى الحق، وهذا ما تضمنته الآية الأولى ( ١٦٧ ).
الهداية
من الهداية :
- شر الكفر ما كان مع الصد عن سبيل الله والظلم وهذا كفر اليهود والعياذ بالله تعالى.
﴿ كفروا وظلموا ﴾ :جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وظلموا ببقائهم على جحودهم بغياً منهم وحسداً للعرب أن يكون فيهم رسول يخرجهم من الظلمات إلى النور.
المعنى :
كما أخبر في الآية الثانية ( ١٦٨ ) أن الذين كفروا وظلموا وهم أيضاً اليهود لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً اللهم إلآ طريق جهنم.
الهداية
من الهداية :
- سنة الله تعالى في أن العبد إذا أبعد في الضلال، وتوغل في الشر والفساد يتعذر عليه التوبة فيموت على ذلك فيهلك.
المعنى :
ولا ليهديهم طريقاً اللهم إلا طريق جهنم. وهذا قائم على سنته في خلقه وهي أن المرء إذا كفر كفر عناد وجحود وأضاف إلى الكفر الظلم لم يبق له أي استعداد لقبول الهداية الإِلهية، لم يبق له من طريق يرجى له سلوكه إلا طريق، جهنم يخلد فيها خلوداً أبديّاً، وقوله تعالى : ﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ في ختام الآية يقرر فيه أن دخول أصحاب هذه الصفات من اليهود جهنم وخلودهم فيها ليس بالأمر الصعب على الله المتعذر عليه فعله بل هو من السهل اليسير.
﴿ الرسول ﴾ :هو محمد صلى الله عليه وسلم في رسالته الصادق في دعوته.
﴿ فآمنوا خيرا لكم ﴾ :أي يكون إيمانكم خيراً لكم.
المعنى :
أما الآية الأخيرة ( ١٧٠ ) فهي تتضمن إعلاناً إلهياً موجهاً إلى الناس كافة مشركين وأهل كتاب ﴿ ... يا أيها الناس قد جاءكم الرسول... ﴾ الكامل الخاتم جاءكم بالدين الحق من ربكم فآمنوا به خيراً لكم، وإن أبيتم وأعرضتم ايثاراً للشر على الخير والضلال على الهدى فاعلموا أن لله ما في السموات والأرض خلقاً وملكاً وتصرفاً وسيجزيكم بما اخترتم من الكفر والضلال جهنم وساءت مصيراً فإنه عليم بمن استجاب لندائه فآمن وأطاع، وبمن أعرض فكفر وعصى حكيم في وضع الجزاء في موضعه اللائق به. فلا يجزي المحسن بالسوء، ولا المسيء بالإِحسان.
الهداية
من الهداية :
- الرسالة المحمدية عامة لسائر الناس أبيضهم وأصفرهم.
- إثبات صفتي العلم والحكمة لله تعالى. وبموجبهما يتم الجزاء العادل الرحيم.
شرح الكلمات :
﴿ يا أهل الكتاب ﴾ :المراد بهم هنا النصارى.
﴿ لا تغلوا في دينكم ﴾ :الغلو :تجاوز الحد للشيء فعيسى عليه السلام عبد الله ورسوله فغلوا فيه فقالوا هو الله.
﴿ المسيح ﴾ :هو عيسى عليه السلام ولقب بالمسيح لأنه ممسوح من الذنوب أي لا ذنب له قط.
﴿ كلمته ألقاها ﴾ :أي قول الله تعالى له ﴿ كن ﴾ فكان -ألقاها إلى مريم :أوصلها لها وأبلغها إياها وهي قول الملائكة لها إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم.
﴿ وروح منه ﴾ :أي عيسى كان بنفخة جبريل روح الله في كم درعها.
﴿ وكيلاً ﴾ :حفيظاً وشاهداً عليماً.
المعنى :
ما زال السياق مع أهل الكتاب ففي الآية الأولى ( ١٧١ ) نادى الرب تبارك وتعالى النصارى بلقب الكتاب الذي هو الإِنجيل ونهاهم عن الغلوّ في دينهم من التنطع والتكلف كالترهب واعتزال النساء وما إلى ذلك من البدع التي حمل عليها الغلوّ، كما نهاهم عن قولهم على الله تبارك وتعالى أبداً غير رسول الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم حيث بعث إليها جبريل فبشرها بأن الله تعالى قد يهبها غلاماً زكياً، ونفخ وهو روح الله في كم درعها فكان عيسى بكلمة التكوين وهي ﴿ كن ﴾ وبسبب تلك النفخة من روح الله جبريل عليه السلام فلم يكن عيسى الله ولا ابن الله فارجعوا إلى الحق وآمنوا بالله ورسله جبريل وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، ولا تقولوا زوراً وباطلا :الله ثالث ثلاثة آلهة. انتهوا عن هذا القول الكذب يكن انتهاؤكم خيراً لكم حالاً ومآلاً، إنما الله سبحانه وتعالى إله واحد لا شريك له ولا ند ولا ولد. سبحانه تنزه وعلا وجل وعظم أن يكون له ولد، ولم تكن له صاحبة، ولم يكن ذا حاجة وله ما في السموات وما في الأرض خلقاً وملكاً وحكماً وتدبيراً، وكفى به سبحانه وتعالى وكيلاً شاهداً عليماً فحسبكم الله تعالى ربّاً وإلهًا فإنه يكفيكم كل ما يهمكم فلا تلتفتون إلى غيره ولا تطلبون سواه.
هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( ١٧١ ).
الهداية
من الهداية :
- حرمة الغلو في الدين إذ هي من الأسباب الموجبة للابتداع والضلال.
- حرمة القول على الله تعالى بدون علم مطلقاً والقول عليه بغير الحق بصورة خاصة.
- بيان المعتقد الحق في عيسى عليه السلام، وأنه عبد الله ورسوله كان بكلمة الله ونفخة جبريل عليه السلام.
شرح الكلمات :
﴿ لن يستنكف ﴾ :لا يرفض عبوديته لله تعالى أنفة وكبراً.
﴿ ويستكبر ﴾ :يرى نفسه كبيرة فوق ما طلب منه أن يقوله أو يفعله إعجاباً وغروراً.
المعنى :
وأما الآيتان الثانية ( ١٧٢ ) والثالثة ( ١٧٣ ) فقد أخبر تعالى أن عبده ورسوله المسيح عليه السلام لن يستنكف أبداً أن يعبد الله وينسب إليه بعنوان العبودية فيقال عبد الله ورسوله، حتى الملائكة المقربون منهم فضلاً عن غيرهم لا يستنكفون عن عبادة الله تعالى وعن لقب العبودية فهم عباد الله وملائكته، ثم توعد تعالى كل من يستنكف عن عبادته ويستكبر عنها من سائر الناس بأنه سيحشرهم جميعاً ويحاسبهم على أعمالهم.
الهداية
من الهداية :
- حرمة الاستنكاف عن الحق والاستكبار عن قبوله.
شرح الكلمات :
﴿ ولياً ولا نصيراً ﴾ :أي لا يجدون يوم القيامة ولياً يتولى الدفاع عنهم ولا نصيراً ينصرهم حتى لا يدخلوا النار ويعذبوا فيها.
المعنى :
فأمّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات آمنوا بألوهيّته تعالى وحده وعبدوه وحده بما شرع لهم من أنواع العبادات وهى الأعمال الصالحة فهؤلاء يوفيهم أجورهم كاملة ويزيدهم من فضله الحسنة بعشر أمثالها وقد يضاعف إلى سبعمائة ضعف.
وأما الذين استنكفوا واستكبروا أي حملتهم الأنفة والكبر على عدم قبول الحق والرجوع إليه فأصروا على الاعتقاد الباطل والعمل الفاسد فيعذبهم تعالى عذاباً أليماً أي موجعاً ولا يجدون لهم من دونه ولياً ولا ناصراً فينتهي أمرهم إلى عذاب الخلد جزاء بما كانوا يعملون.
الهداية
من الهداية :
- بيان الجزاء الأخروي وهو إما نعيم وإما جحيم.
شرح الكلمات :
﴿ برهان ﴾ :البرهان :الحجة والمراد به هنا محمد صلى الله عليه وسلم.
﴿ نوراً مبيناً ﴾ :هو القرآن الكريم.
المعنى :
ينادى الرب تبارك وتعالى سائر الناس مشركين ويهود ونصارى مخبرا إياهم قاطعاً للحجة عليهم بأنه أرسل إليهم رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وهو البرهان الساطع والدليل القاطع على وجود الله تعالى وعلمه وقدرته ووجوب الإِيمان به وبرسله ولزوم عبادته بطاعة رسوله وأنه أنزل عليه كتبه شافياً كافياً هادياً نوراً مبيّناً يهدي به الله من ابتع رضوانه سبل السلام، ويخرجه من الظلمات إلى النور. بهذا قد أعذر الله تعالى إلى الناس كافة وقطع عليهم كل معذرة وحجة.
الهداية
من الهداية :
- الدعوة الإسلامية دعوة عامة فهي للأبيض والأصفر على حد سواء.
- إطلاق لفظ البرهان على النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم لأنه بأميته وكمله الذي لا مطمع لبشريّ أن يساميه فيه برهان على وجود الله وعلمه ورحمته.
- القرآن نور لما يحصل به من الاهتداء إلى سبيل النجاة وطرق السعادة والكمال.
شرح الكلمات :
﴿ واعتصموا ﴾ :أي تمسكوا بالقرآن وبما يحمله من الشرائع.
﴿ في رحمة منه ﴾ :الجنة.
﴿ صراطاً ﴾ :طريقاً يفضى بهم إلى جوار ربهم في دار الكرامة.
المعنى :
ثم هم صنفان مؤمن وكافر فالذين آمنوا بالله ربّاً وإلها وبرسوله نبيّاً ورسولاً واعتصموا بالقرآن فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وصدقوا أنباءه والتزموا آدابه فهؤلاء سيدخلهم في رحمة منه وفضل ذلك بأن ينجيهم من النار ويدخلهم الجنان وذلك هو الفوز العظيم كما قال تعالى فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز. وأما الذين كفروا به وبرسوله وكتابه فمصيرهم معروف وجزاءهم معلوم فلا حاجة إلى ذكره :إنه الحرمان والخسران.
الهداية
من الهداية :
- ثمن السعادة ودخول الجنة الإِيمان بالله ورسوله ولقائه والعمل الصالح وهو التمسك بالكتاب والسنة المعبر عنه بالاعتصام.
شرح الكلمات :
﴿ يستفتونك ﴾ :يطلبون فتياك في كذا.
﴿ يفتيكم ﴾ :يبيّن لكم ما أشكل عليكم من أمر الكلالة.
﴿ الكلالة ﴾ :أن يهلك الرجل ولا يترك ولداً ولا ولد ولد وإنما يترك أخا أو أختاً.
﴿ الحظ ﴾ :النصيب.
﴿ أن تضلوا ﴾ :كيلا تضلوا أي تخطئوا في قسمة التركة.
المعنى الكريمة الكريمة :
هذه الآية تسمى آية الكلالة، وآيات المواريث أربع الأولى في شأن الولد والوالد
﴿ يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين ﴾ والثانية في شأن الزوج والزوجة ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ﴾ الخ.. وفي شأن الإِخوة لأم ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت ﴾ الخ.. وهاتان الآيتان تقدمتا في أول سورة النساء، والثالثة هي هذه ﴿ يستفتونك ﴾ الخ. وهى في شأن ميراث الإخوة والأخوات عند موت أحدهم ولم يترك ولداً ولا ولد ولد.. وهو معنى الكلالة والرابعة في آخر سورة الأنفال وهي في شأن ذوى الأرحام وهى قوله تعالى : ﴿ وألوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ﴾
وهذه الآية نزلت عند سؤال بعض الصحابة رضي الله عنهم عن الكلالة فقال تعالى يسألونك أيها الرسول عن الكلالة قل للسائلين الله يفتيكم في الكلالة وهذه فتواه :إن هلك امرؤ ذكراً كان أو أنثى وليس له ولد ولا ولد ولد وله أخت شقيقة أو لأب فلها نصف ما ترك، وهو يرثها أيضاً إن لم يكن لا ولد ولا ولد ولد. فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالاً ونساءً أي ذكوراً وإناثاً فللذكر مثل حظ الانثيين وبعد أن بيّن تعالى كيف يورث من مات كلالة قال مبيّناً حكمة هذا البيان ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا ﴾ أي كيلا تضلوا في قسمة التركات فتخطئوا الحق وتجوروا في قسمة أموالكم. ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ فلا يجهل شيئا ولا يخفى عليه آخر وكيف وقد أحاط بكل شيء علما سبحانه لا إله غيره ولا رب سواه.
الهداية الكريمة
من الهداية الكريمة :
- جواز سؤال من لا يعلم من يعلم للحصول على العلم المطلوب له.
- إثبات وجود الله تعالى عليماً قديراً سميعاً بصيراً وتقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إذ سؤال الأصحاب وإجابة الرب تعالى بواسطة وحيه المنزل على رسوله يقرر ذلك ويثبته.
- بيان قسمة تركة من يورث كلالة من رجل أو امرأة فالأخت الواحدة لها من أخيها نصف ما ترك، والأختان لهما الثلثان، والإخوة مع الأخوات للذكر يرثون أختهم مثل حظ الأنثيين إذا لم تترك ولداً ولا ولد ولد.
السورة التالية
Icon