0:00
0:00

سورة النساء نزلت بالمدينة آياتها مائة وست وسبعون آية

﴿ يَا أَيُّهَا الناس ﴾ يا بني آدم ﴿ اتقوا رَبَّكُمُ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة ﴾ فرعكم من أصل واحد وهو نفس آدم أبيكم ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ معطوف على محذوف كأنه قيل :من نفس واحدة أنشأها وخلق منها زوجها، والمعنى شعبكم من نفس واحدة هذه صفتها وهي أنه أنشأها من تراب وخلق منها زوجها حواء من ضلع من أضلاعه ﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا ﴾ ونشر من آدم وحواء ﴿ رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء ﴾ كثيرة أي وبث منهما نوعي جنس الإنس وهما الذكور والإناث، فوصفها بصفة هي بيان وتفصيل لكيفية خلقهم منها، أو على خلقكم والخطاب في «يا أيها الناس » للذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى خلقكم من نفس آدم وخلق منها أمكم حواء وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء غيركم من الأمم الفائتة للحصر. فإن قلت :الذي تقتضيه جزالة النظم أن يجاء عقيب الأمر بالتقوى بما يعدو إليها، فكيف كان خلقه إياهم من نفس واحدة على التفصيل الذي ذكره داعياً إليها ؟ قلت :لأن ذلك مما يدل على القدرة العظيمة، ومن قدر على نحوه كان قادراً على كل شيء، ومن المقدورات عقاب الكفار والفجار فالنظر فيه يؤدي إلى أن يتقي القادر عليه ويخشى عقابه، ولأنه يدل على النعمة السابغة عليهم فحقهم أن يتقوه في كفرانها. قال عليه السلام عند نزول الآية " خلقت المرأة من الرجل فهمّها في الرجل وخلق الرجل من التراب فهمّه في التراب " ﴿ واتقوا الله الذى تَسَاءلُونَ بِهِ ﴾ والأصل «تتساءلون » فأدغمت التاء في السين بعد إبدالها سيناً لقرب التاء من السين للهمس. «تساءلون به » بالتخفيف :كوفي على حذف التاء الثانية استثقالاً لاجتماع التاءين أي يسأل بعضكم بعضاً بالله وبالرحم فيقول بالله وبالرحم :افعل كذا على سبيل الاستعطاف ﴿ والأرحام ﴾ بالنصب على أنه معطوف على اسم الله تعالى أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها، أو على موضع الجار والمجرور كقولك «مررت بزيد وعمراً »، وبالجر :حمزة على عطف الظاهر على الضمير وهو ضعيف، لأن الضمير المتصل كاسمه متصل والجار والمجرور كشيء واحد فأشبه العطف على بعض الكلمة ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾ حافظاً أو عالماً.
﴿ وَءاتُواْ اليتامى أموالهم ﴾ يعني الذين ماتت آباؤهم فانفردوا عنهم. واليتم :الانفراد ومنه الدرة اليتيمة، وقيل :اليتم في الأناسي من قبل الآباء، وفي البهائم من قبل الأمهات، وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء معنى الانفراد عن الآباء إلا أنه قد غلب أن يسموا به قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال، فإذا استغنوا بأنفسهم عن كافل وقائم عليهم زال هذا الاسم عنهم.
وقوله عليه السلام " لا يتم بعد الحلم " تعليم شريعة لا لغة يعني أنه إذا احتلم لم تجر عليه أحكام الصغار. والمعنى وآتوا اليتامى أموالهم بعد البلوغ، وسماهم يتامى لقرب عهدهم إذا بلغوا بالصغر، وفيه إشارة إلى أن لا يؤخر دفع أموالهم إليهم عن حد البلوغ أن أونس منهم الرشد، وأن يؤتوها قبل أن يزول عنهم اسم اليتامى والصغار ﴿ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب ﴾ ولا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم، أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث وهو اختزال أموال اليتامى بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها. والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز ومنه التعجل بمعنى الاستعجال ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم ﴾ «إلى » متعلقة بمحذوف وهي في موضع الحال أي مضافة إلى أموالكم. والمعنى ولا تضموها إليها في الإنفاق حتى لا تفرقوا بين أموالكم وأموالهم قلة مبالاة بما لا يحل لكم وتسوية بينه وبين الحلال ﴿ إنّهُ ﴾ إن أكلها ﴿ كَانَ حُوباً كَبِيراً ﴾ ذنباً عظيماً
﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ ﴾ أي لا تعدلوا. أقسط أي عدل ﴿ فِى اليتامى ﴾ يقال للإناث اليتامى كما يقال للذكور وهو جمع يتيمة ويتيم، وأما أيتام فجمع يتيم لا غير ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ ﴾ ما حل لكم ﴿ مّنَ النساء ﴾ لأن منهن ماحرم الله كاللاتي في آية التحريم. وقيل : «ما » ذهاباً إلى الصفة لأن ما يجيء في صفات من يعقل فكأنه قيل :الطيبات من النساء، ولأن الإناث من العقلاء يجرين مجرى غير العقلاء ومنه قوله تعالى ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ قيل :كانوا لا يتحرجون من الزنا ويتحرجون من ولاية اليتامى فقيل :إن خفتم الجور في حق اليتامى فخافوا الزنا فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات، أو كانوا يتحرجون من الولاية في أموال اليتامى ولا يتحرجون من الاستكثار من النساء مع أن الجور يقع بينهن إذا كثرن فكأنه قيل :إذا تحرجتم من هذا فتحرجوا من ذلك. وقيل :وإن خفتم أن لا تقسطوا في نكاح اليتامى فانكحوا من البالغات. يقال طابت الثمرة أي أدركت ﴿ مثنى وثلاث وَرُبَاعَ ﴾ نكرات. وإنما منعت الصرف للعدل والوصف، وعليه دل كلام سيبويه ومحلهن النصب على الحال «من النساء » أو «مما طاب » تقديره :فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين وثلاثاً وثلاثاً وأربعاً أربعاً. فإن قلت :الذي أطلق للناكح في الجمع أن يجمع بين اثنتين أو ثلاث أو أربع، فما معنى التكرير في مثنى وثلاث ورباع ؟ قلت :الخطاب للجميع فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له كما تقول للجماعة :اقتسموا هذا المال وهو ألف درهم درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، ولو أفردت لم يكن له معنى.
وجيء بالواو لتدل على تجويز الجمع بين الفرق، ولو جيء ب «أو » مكانها لذهب معنى التجويز ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ﴾ بين هذه الأعداد ﴿ فواحدة ﴾ فالزموا أو فاختاروا واحدة ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ سوّى في اليسر بين الحرة الواحدة وبين الإماء من غير حصر ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى اختيار الواحدة والتسري ﴿ أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ ﴾ أقرب من أن لا تميلوا ولا تجوروا، يقال عال الميزان عولاً إذا مال، وعال الحاكم في حكمه إذا جار. ويحكى عن الشافعي رحمه الله أنه فسر « أن لا تعولوا » أن لا تكثر عيالكم واعترضوا عليه بأنه يقال :أعال يعيل إذا كثر عياله. وأجيب بأن يجعل من قولك «عال الرجل عياله يعولهم » كقولك «مانهم يمونهم » إذا أنفق عليهم لأن من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال. وكلام مثله من أعلام العلم حقيق بالحمل على السداد وأن لا يظن به تحريف تعيلوا إلى تعولوا كأنه سلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات
﴿ وَءاتُواْ النساء صدقاتهن ﴾ مهورهن ﴿ نِحْلَةً ﴾ من نحله كذا إذا أعطاه إياه ووهبه له عن طيبة من نفسه نحلة ونحلاً، وانتصابها على المصدر لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء فكأنه قال :وانحلوا النساء صدقاتهن نحلة أي أعطوهن مهورهن عن طيبة أنفسكم، أو على الحال من المخاطبين أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء، أو من الصدقات أي منحولة معطاة عن طيبة الأنفس. وقيل :نحلة من الله تعالى عطية من عنده وتفضلاً منه عليهن. وقيل :النحلة الملة وفلان ينتحل كذا أي يدين به يعني وآتوهن مهورهن ديانة على أنها مفعول لها. والخطاب للأزواج، وقيل للأولياء لأنهم كانوا يأخذون مهور بناتهم ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ ﴾ للأزواج ﴿ عَن شَىْء مّنْهُ ﴾ أي من الصداق إذ هو في معنى الصدقات ﴿ نَفْساً ﴾ تمييز وتوحيدها لأن الغرض بيان الجنس والواحد يدل عليه، والمعنى فإن وهبن لكم شيئاً من الصدقات وتجافت عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى الهبة من شكاسة أخلاقهم وسوء معاشرتكم. وفي الآية دليل على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط حيث بنى الشرط على طيب النفس فقيل« فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً » ولم يقل «فإن وهبن لكم » إعلاماً بأن المراعي هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة ﴿ فَكُلُوهُ ﴾ الهاء يعود على «شيء » ﴿ هَنِيئَاً ﴾ لا إثم فيه ﴿ مَّرِيئاً ﴾ لا داء فيه، فسرهما النبي عليه السلام أو هنيئاً في الدنيا بلا مطالبة، مريئاً في العقبى بلا تبعة، وهما صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه، وهما وصف مصدر أي أكلاً هنيئاً مريئاً، أو حال من الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء، وهذه عبارة عن المبالغة في الإباحة وإزالة التبعة. هنياً مرياً بغير همز :يزيد، وكذا حمزة في الوقف، وهمزهما الباقون. وعن علي رضي الله عنه :إذا اشتكى أحدكم شيئاً فليسأل امرأته ثلاثة دراهم من صداقها ثم ليشتر بها عسلاً فليشربه بماء السماء فيجمع الله له هنيئاً ومريئاً وشفاء ومباركاً.
﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء ﴾ المبذرين أموالهم الذين ينفقونها فيما لا ينبغي ولا قدرة لهم على إصلاحها وتثميرها والتصرف فيها، والخطاب للأولياء. وأضاف إلى الأولياء أموال السفهاء بقوله ﴿ أموالكم ﴾ لأنهم يلونها ويمسكونها ﴿ التي جَعَلَ الله لَكُمْ قياما ﴾ أي قواماً لأبدانكم ومعاشاً لأهلكم وأولادكم. قيما بمعنى قياماً :نافع وشامي كما جاء «عوذا » بمعنى «عياذا ». وأصل قيام قوام فجعلت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وكان السلف يقولون :المال سلاح المؤمن، ولأن أترك مالاً يحاسبني الله عليه خير من أن أحتاج إلى الناس، وعن سفيان وكان له بضاعة يقلبها لولاها لتمندل بي بنو العباس ﴿ وارزقوهم فِيهَا ﴾ واجعلوها مكاناً لرزقهم بأن تتجروا فيها وتربحوا حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فيأكلها الإنفاق ﴿ واكسوهم وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ قال ابن جريج :عدة جميلة إن صلحتم ورشدتم سلمنا إليكم أموالكم، وكل ما سكنت إليه النفس لحسنه عقلاً أو شرعاً من قول أو عمل فهو معروف، وما أنكرته لقبحه فهو منكر.
﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ واختبروا عقولهم وذوقوا أحوالهم ومعرفتهم بالتصرف قبل البلوغ، فالابتلاء عندنا أن يدفع إليه ما يتصرف فيه حتى تتبين حاله فيما يجيء منه، وفيه دليل على جواز إذن الصبي العاقل في التجارة ﴿ حتى إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ ﴾ أي الحلم لأنه يصلح للنكاح عنده ولطلب ما هو مقصود به وهو التوالد ﴿ فَإنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ ﴾ تبينتم ﴿ رَشَدًا ﴾ هداية في التصرفات وصلاحاً في المعاملات ﴿ فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم ﴾ من غير تأخير عن حد البلوغ، ونظم هذا الكلام أن ما بعد «حتى » إلى ﴿ فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم ﴾ جعل غاية للابتلاء وهي حتى التي تقع بعدها الجمل كالتي في قوله :حتى ماء دجلة أشكل
والواقعة بعدها جملة شرطية لأن «إذا » متضمنة معنى الشرط وفعل الشرط «بلغوا النكاح »وقوله : «فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم » جملة من شرط وجزاء واقعة جواباً للشرط الأول الذي هو «إذا بلغوا النكاح »فكأنه قيل :وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم واستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم. وتنكير الرشد يفيد أن المراد رشد مخصوص وهو الرشد في التصرف والتجارة، أو يفيد التقليل أي طرفاً من الرشد حتى لا ينتظر به تمام الرشد وهو دليل لأبي حنيفة رحمه الله في دفع المال عند بلوغ خمس وعشرين سنة. ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ ﴾ ولا تأكلوها مسرفين ومبادرين كبرهم ف «إسرافاً » و«بداراً » } مصدران في موضع الحال و«أن يكبروا » في موضع المصدر منصوب الموضع ب «بداراً »، ويجوز أن يكونا مفعولاً لهما أي لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها وتقولون ننفق فيما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا ﴿ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف ﴾ قسم الأمر بين أن يكون الوصي غنياً وبين أن يكون فقيراً، فالغني يستعف من أكلها أي يحترز من أكل مال اليتيم، واستعف أبلغ من عف كأنه طالب زيادة العفة والفقير يأكل قوتاً مقدراً محتاطاً في أكله.
عن إبراهيم. ما سد الجوعة ووارى العورة ﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ بأنهم تسلموها وقبضوها دفعاً للتجاحد وتفادياً عن توجه اليمين عليكم عند التخاصم والتناكر ﴿ وكفى بالله حَسِيباً ﴾ محاسباً فعليكم بالتصادق وإياكم والتكاذب، أو هو راجع إلى قوله «فليأكل بالمعروف » أي ولا يسرف فإن الله يحاسبه عليه ويجازيه به. وفاعل«كفى » لفظة «الله » والباء زائدة و «كفى » يتعدى إلى مفعولين دليله ﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله ﴾ [ البقرة :١٣٧ ].
﴿ لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون وَلِلنّسَاءِ نَصِيبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون ﴾ هم المتوارثون من ذوي القرابات دون غيرهم ﴿ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ﴾ بدل «مما ترك » بتكرير العامل والضمير في «منه » يعود إلى ما ترك «نصيباً » نصب على الاختصاص بمعنى أعني نصيباً ﴿ مّفروضاً ﴾ مقطوعاً لا بد لهم من أن يحوزوه. روي أن أوس بن ثابت ترك امرأته أم كحة وثلاث بنات فزوى ابنا عمه ميراثه عنهن، وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال ويقولون :لا يرث إلا من طاعن بالرماح وحاز الغنيمة. فجاءت أم كحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت فقال :إرجعي حتى أنظر ما يحدث الله فنزلت الآية، فبعث إليهما لا تفرقا من مال أوس شيئاً فإن الله تعالى قد جعل لهن نصيباً ولم يبين حتى يبين فنزلت يوصيكم الله فأعطى أم كحة الثمن والبنات الثلثين والباقي ابني العم وإذا حضر القسمة أي قسمة التركة أولوا القربى ممن لا يرث واليتامى والمساكين من الأجانب فارزقوهم فأعطوهم مّنه مما ترك الوالدان والأقربون وهو أمر ندب وهو باقٍ لم ينسخ. وقيل :كان واجباً في الابتداء ثم نسخ بآية الميراث ﴿ *** ﴾ مقطوعاً لا بد لهم من أن يجوزوه. روي أن أوس بن ثابت ترك امرأته أم كحة وثلاث بنات فزوى ابنا عمه ميراثه عنهن، وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال ويقولون :لا يرث إلا من طاعن بالرماح وحاز الغنيمة. فجاءت أم كحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت فقال :" إرجعي حتى أنظر ما يحدث الله " فنزلت الآية، فبعث إليهما لا تفرقا من مال أوس شيئاً فإن الله تعالى قد جعل لهن نصيباً ولم يبين حتى يبين فنزلت «يوصيكم الله » فأعطى أم كحة الثمن والبنات الثلثين والباقي ابني العم
﴿ وإذا حضر القسمة ﴾ أي قسمة التركة ﴿ أولوا القربى ﴾ ممن لا يرث ﴿ واليتامى والمساكين ﴾ من الأجانب ﴿ فارزقوهم ﴾ فأعطوهم ﴿ مّنه ﴾ مما ترك الوالدان والأقربون وهو أمر ندب وهو باقٍ لم ينسخ.
وقيل :كان واجباً في الابتداء ثم نسخ بآية الميراث ﴿ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ عذراً جميلاً وعدة حسنة، وقيل :القول المعروف أن يقولوا لهم :خذوا بارك الله عليكم ويستقلوا ما أعطوهم ولا يمنوا عليهم.
﴿ وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ الله وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ المراد بهم الأوصياء أمروا بأن يخشوا الله فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى فيشفقوا عليهم خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافاً، وأن يقدروا ذلك في أنفسهم ويصوره حتى لا يجسروا على خلاف الشفقة والرحمة. «ولو » مع ما في حيزه صلة ل «الذين » أي وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافاً وذلك عند احتضارهم خافوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم. وجواب «لو » : «خافوا »، والقول السديد من الأوصياء أن يكلموهم كما يكلمون أولادهم بالأدب الحسن والترحيب ويدعوهم ب يا بني ويا ولدي.
﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً ﴾ ظالمين فهو مصدر في موضع الحال ﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ﴾ ملء بطونهم ﴿ نَارًا ﴾ أي يأكلون ما يجر إلى النار فكأنه نار. روي أنه يبعث آكل مال اليتامى يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه فيعرف الناس أنه كان يأكل من مال اليتيم في الدنيا ﴿ وَسَيَصْلَوْنَ ﴾ «وسَيُصلون » شامي وأبو بكر ﴿ سَعِيراً ﴾ ناراً من النيران مبهمة الوصف.
﴿ يُوصِيكُمُ الله ﴾ يعهد إليكم ويأمركم ﴿ فِى أولادكم ﴾ في شأن ميراثهم وهذا إجمال تفصيله ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ أي للذكر منهم أي من أولادكم فحذف الراجع إليه لأنه مفهوم كقولهم «السمن منوان بدرهم » وبدأ بحظ الذكر ولم يقل للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر لفضله كما ضوعف حظه لذلك، ولأنهم كانوا يورثون الذكور دون الإناث وهو السبب لورود الآية فقيل :كفى الذكور أن ضوعف لهم نصيب الإناث فلا يتمادى في حظهن حتى يحرمن مع إدلائهن من القرابة بمثل ما يدلون به. والمراد حال الاجتماع أي إذا اجتمع الذكر والأنثيان كان له سهمان كما أن لهما سهمين، وأما في حال الانفراد فالابن يأخذ المال كله، والبنتان تأخذان الثلثين، والدليل عليه أنه أتبعه حكم الانفراد بقوله ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاءً ﴾ أي فإن كانت الأولاد نساء خلصاً يعني بناتاً ليس معهن ابن ﴿ فَوْقَ اثنتين ﴾ خبر ثانٍ لكان أو صفة لنساء أي نساء زائدات على اثنتين ﴿ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾ أي الميت لأن الآية لما كانت في الميراث علم أن التارك هو الميت ﴿ وَإِن كَانَتْ واحدة فَلَهَا النصف ﴾ أي وإن كانت المولودة منفردةٌ.
«واحدة » :مدني على «كان » التامة والنصب أوفق لقوله «فإن كن نساء ». فإن قلت :قد ذكر حكم البنتين في حال اجتماعهما مع الابن وحكم البنات والبنت في حال الانفراد، ولم يذكر حكم البنتين في حال الانفراد فما حكمهما ؟ قلت :حكمهما مختلف فيه ؛ فابن عباس رضي الله عنهما نزلهما منزلة الواحدة لا منزلة الجماعة، وغيره من الصحابة رضي الله عنهم أعطوهما حكم الجماعة بمقتضى قوله ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ وذلك لأن من مات وخلف بنتاً وابناً فالثلث للبنت والثلثان للابن، فإذا كان الثلث لبنت واحدة كان الثلثان للبنتين، ولأنه قال في آخر السورة ﴿ إِن امرؤ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثنتين فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ ﴾. والبنتان أمس رحماً بالميت من الأختين فأوجبوا لهما ما أوجب الله للأختين، ولم ينقصوا حظهما عن حظ من هو أبعد منهما، ولأن البنت لما وجب لها مع أخيها الثلث كان أحرى أن يجب لها الثلث إذا كانت مع أخت مثلها ويكون لأختها معها مثل ما كان يجب لها أيضاً مع أخيها لو انفردت معه فوجب لهما الثلثان. وفي الآية دلالة على أن المال كله للذكر إذا لم يكن معه أنثى، لأنه جعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وقد جعل للأنثى النصف إذا كانت منفردة فعلم أن للذكر في حال الانفراد ضعف النصف وهو الكل.
والضمير في ﴿ وَلأَبَوَيْهِ ﴾ للميت والمراد الأب والأم إلا أنه غلب الذكر ﴿ لِكُلِّ واحد مّنْهُمَا السدس ﴾ بدل من لأبويه بتكرير العامل وفائدة هذا البدل أنه لو قيل «ولأبويه السدس » لكان ظاهره اشتراكهما فيه، ولو قيل «ولأبويه السدسان » لأوهم قسمة السدسين عليهما على التسوية وعلى خلافها، ولو قيل «ولكل واحد من أبويه السدس » لذهبت فائدة التأكيد وهو التفصيل بعد الإجمال. والسدس مبتدأ خبره لأبويه والبدل متوسط بينهما للبيان، وقرأ الحسن السدس والربع والثمن والثلث بالتخفيف ﴿ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ هو يقع على الذكر والأنثى ﴿ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمّهِ الثلث ﴾ أي مما ترك والمعنى وورثه أبواه فحسب، لأنه إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين كان للأم ثلث ما يبقى بعد إخراج نصيب الزوج لا ثلث ما ترك، لأن الأب أقوى من الأم في الإرث بدليل أن له ضعف حظها إذا خلصا. فلو ضرب لها الثلث كاملاً لأدى إلى حظ نصيبه عن نصيبها ؛ فإن امرأة لو تركت زوجاً وأبوين فصار للزوج النصف وللأم الثلث والباقي للأب، حازت الأم سهمين والأب سهماً واحداً فينقلب الحكم إلى أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين. «فلأمه » بكسر الهمزة :حمزة وعلي لمجاورة كسر اللام ﴿ فَإِن كَانَ لَهُ ﴾ أي للميت ﴿ إِخْوَةٌ فَلأِمِهِ السدس ﴾ إذا كان للميت اثنان من الإخوة والأخوات فصاعداً، فلأمه السدس.
والأخ الواحد لا يحجب، والأعيان والعلات والأخياف في حجب الأم سواء ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ ﴾ متعلق بما تقدمه من قسمة المواريث كلها لا بما يليه وحده كأنه قيل :قسمة هذه الأنصباء من بعد وصية ﴿ يُوصِى بِهَا ﴾ هو وما بعده بفتح الصاد :مكي وشامي وحماد ويحيى وافق الأعشى في الأولى وحفص في الثانية لمجاورة «يورث »، وكسر الأولى لمجاورة «يوصيكم الله ». الباقون :بكسر الصادين أي يوصى بها الميت. ﴿ أَوْ دَيْنٍ ﴾ والإشكال أن الدّين مقدم على الوصية في الشرع، وقدمت الوصية على الدين في التلاوة. والجواب إن «أو » لا تدل على الترتيب، ألا ترى أنك إذا قلت «جاءني زيد أو عمرو » كان المعنى جاءني أحد الرجلين فكان التقدير في قوله «من بعد وصية يوصى بها » أو دين من بعد أحد هذين الشيئين :الوصية أو الدين. ولو قيل بهذا اللفظ لم يدر فيه الترتيب، بل يجوز تقديم المؤخر وتأخير المقدم كذا هنا. وإنما قدمنا الدين على الوصية بقوله عليه السلام " ألا إن الدّين قبل الوصية " ولأنها تشبه الميراث من حيث إنها صلة بلا عوض فكان إخراجها مما يشق على الورثة، وكان أداؤها مظنة للتفريط بخلاف الدين فقدمت على الدين ليسارعوا إلى إخراجها مع الدين ﴿ ءابَاؤُكُمْ ﴾ مبتدأ ﴿ وَأَبناؤُكُمْ ﴾ عطف عليه والخبر ﴿ لاَ تَدْرُونَ ﴾ وقوله ﴿ أَيُّهُم ﴾ مبتدأ خبره ﴿ أَقْرَبُ لَكُمْ ﴾ والجملة في موضع نصب ب « تدرون » ﴿ نَفْعاً ﴾ تمييز والمعنى :فرض الله الفرائض على ما هو عنده حكمة، ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم فوضعتم أنتم الأموال على غير حكمة، والتفاوت في السهام بتفاوت المنافع وأنتم لا تدرون تفاوتها فتولى الله ذلك فضلاً منه ولم يكلها إلى اجتهادكم لعجزكم عن معرفة المقادير. وهذه الجملة اعتراضية مؤكدة لا موضع لها من الإعراب ﴿ فَرِيضَةً ﴾ نصبت نصب المصدر المؤكد أي فرض ذلك فرضاً ﴿ مّنَ الله إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً ﴾ بالأشياء قبل خلقها ﴿ حَكِيماً ﴾ في كل ما فرض وقسم من المواريث وغيرها.
﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم ﴾ أي زوجاتكم ﴿ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ ﴾ أي ابن أو بنت ﴿ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ ﴾ منكم أو من غيركم ﴿ فَلَكُمُ الربع مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الربع مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُم وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثمن مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ْ ﴾ والواحد والجماعة سواء في الربع والثمن، جعل ميراث الزوج ضعف ميراث الزوجة لدلالة قوله : «للذكر مثل حظ الأُنثيين ». ﴿ وَإِن كَانَ رَجُلٌ ﴾ يعني للميت وهو اسم «كان » ﴿ يُورَثُ ﴾ من ورث أي يورث منه وهو صفة ل «رجل » ﴿ كلالة ﴾ خبر «كان » أي وإن كان رجل موروث منه كلالة أو يورث خبر «كان » وكلالة حال من الضمير في يورث. والكلالة تطلق على من لم يخلف ولداً ولا ولداً وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين، وهو في الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوة من الإعياء ﴿ أَو امرأة ﴾ عطف على رجل ﴿ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ﴾ أي لأم فإن قلت :قد تقدم ذكر الرجل والمرأة فلم أفرد الضمير وذكره ؟ قلت :أما إفراده فلأن «أو » لأحد الشيئين، وأما تذكيره فلأنه يرجع إلى رجل لأنه مذكر مبدوء به، أو يرجع إلى أحدهما وهو مذكر ﴿ فَلِكُلِّ واحد مّنْهُمَا السدس فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذلك ﴾ من واحد ﴿ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثلث ﴾ لأنهم يستحقون بقرابة الأم وهي لا ترث أكثر من الثلث ولهذا لا يفضل الذكر منهم على الأنثى ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ إنما كررت الوصية لاختلاف الموصين، فالأول الوالدان والأولاد، والثاني الزوجة، والثالث الزوج، والرابع الكلالة. ﴿ غَيْرَ مُضَارٍّ ﴾ حال أي يوصي بها وهو غير مضار لورثته وذلك بأن يوصي بزيادة على الثلث أو لوارث ﴿ وَصِيَّةً مّنَ الله ﴾ مصدر مؤكد أي يوصيكم بذلك وصية ﴿ والله عَلِيمٌ ﴾ بمن جار أو عدل في وصيته ﴿ حَلِيمٌ ﴾ على الجائر لا يعاجله بالعقوبة وهذا وعيد. فإن قلت :فأين ذو الحال فيمن قرأ «يوصي بها » ؟ قلت :يضمر «يوصي » فينتصب عن فاعله لأنه لما قيل «يوصي بها » علم أن ثمّ موصياً كما كان ﴿ رِجَالٌ ﴾ فاعل ما يدل عليه ﴿ يُسَبّحُ ﴾ ) النور :٣٦ ) لأنه لما قيل ﴿ يُسَبّحُ لَهُ ﴾ علم أن ثم مسبحاً فأضمر «يسبح ».
واعلم أن الورثة أصناف أصحاب الفرائض وهم الذين لهم سهام مقدرة كالبنت ولها النصف، وللأكثر الثلثان، وبنت الابن وإن سفلت وهي عند عدم الولد كالبنت ولها مع البنت الصلبية السدس، وتسقط بالابن وبنتي الصلب إلا أن يكون معها أو أسفل منها غلام فيعصبها، والأخوات لأب وأم وهن عند عدم الولد وولد الابن كالبنات والأخوات لأب، وهن كالأخوات لأب وأم عند عدمهن، ويصير الفريقان عصبة مع البنت أو بنت الابن، ويسقطن بالابن وابنه وإن سفل، والأب وبالجد عند أبي حنيفة رحمه الله وولد الأم فللواحد السدس وللأكثر الثلث، وذكرهم كأنثاهم ويسقطون بالولد وولد الابن وإن سفل والأب والجد.
والأب وله السدس مع الابن أو ابن الابن وإن سفل، ومع البنت أو بنت الابن وإن سفلت السدس والباقي. والجد وهو أبو الأب وهو كالأب عند عدمه إلا في رد الأم إلى ثلث ما يبقى، والأم ولها السدس مع الولد أو ولد الابن وإن سفل، أو الاثنين من الإخوة والأخوات فصاعداً من أي جهة كانا، وثلث الكل عند عدمهم وثلث ما يبقى بعد فرض أحد الزوجين في زوج وأبوين أو زوجة وأبوين. والجدة ولها السدس وإن كثرت لأم كانت أو لأب، والبعدى تحجب بالقربى، والكل بالأم والأبويات بالأب، والزوج وله الربع مع الولد أو ولد الابن وإن سفل، وعند عدمه النصف. والزوجة ولها الثمن مع الولد أو ولد الابن وإن سفل وعند عدمه الربع. والعصبات وهم الذين يرثون ما بقي من الفرض وأولاهم. الابن ثم ابنه وإن سفل، ثم الأب ثم أبوه وإن علا، ثم الأخ لأب وأم، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ لأب وأم، ثم ابن الأخ لأب، ثم الأعمام، ثم أعمام الأب، ثم أعمام الجد، ثم المعتق، ثم عصبته على الترتيب. واللاتي فرضهن النصف والثلثان يصرن عصبة بأخواتهن لا غيرهن. وذوو الأرحام وهم الأقارب الذين ليسوا من العصبات ولا من أصحاب الفرائض وترتيبهم كترتيب العصبات.
﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى الأحكام التي ذكرت في باب اليتامى والوصايا والمواريث ﴿ حُدُودُ الله ﴾ سماها حدوداً لأن الشرائع كالحدود المضروبة للمكلفين لا يجوز لهم أن يتجاوزها ﴿ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهر خالدين فِيهَا وذلك الفوز العظيم * وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خالدا فِيهَا ﴾ انتصب «خالدين » و«خالداً » على الحال، وجمع مرة وأفرد أخرى نظراً إلى معنى «من » ولفظها. «ندخله » فيهما :مدني وشامي ﴿ وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ لهوانه عند الله. ولا تعلق للمعتزلة بالآية فإنها في حق الكفار إذ الكافر هو الذي تعدى الحدود كلها، وأما المؤمن العاصي فهو مطيع بالإيمان غير متعدٍ حد التوحيد ولهذا فسر الضحاك المعصية هنا بالشرك. وقال الكلبي :ومن يعص الله ورسوله بكفره بقسمة المواريث ويتعد حدوده استحلالاً
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٣: ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى الأحكام التي ذكرت في باب اليتامى والوصايا والمواريث ﴿ حُدُودُ الله ﴾ سماها حدوداً لأن الشرائع كالحدود المضروبة للمكلفين لا يجوز لهم أن يتجاوزها ﴿ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهر خالدين فِيهَا وذلك الفوز العظيم * وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خالدا فِيهَا ﴾ انتصب «خالدين » و«خالداً » على الحال، وجمع مرة وأفرد أخرى نظراً إلى معنى «من » ولفظها. «ندخله » فيهما :مدني وشامي ﴿ وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ لهوانه عند الله. ولا تعلق للمعتزلة بالآية فإنها في حق الكفار إذ الكافر هو الذي تعدى الحدود كلها، وأما المؤمن العاصي فهو مطيع بالإيمان غير متعدٍ حد التوحيد ولهذا فسر الضحاك المعصية هنا بالشرك. وقال الكلبي :ومن يعص الله ورسوله بكفره بقسمة المواريث ويتعد حدوده استحلالاً
ثم خاطب الحكام فقال : ﴿ واللاتى ﴾ هي جمع «التي » وموضعها رفع بالابتداء ﴿ يَأْتِينَ الفاحشة ﴾ أي الزنا لزيادتها في القبح على كثير من القبائح. يقال أتى الفاحشة وجاءها ورهقها وغشيها بمعنى ﴿ مِّن نِّسَائِكُمُ ﴾ « من » للتبعيض والخبر ﴿ فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ ﴾ فاطلبوا الشهادة ﴿ أَرْبَعةً مّنْكُمْ ﴾ من المؤمنين ﴿ فَإِن شَهِدُواْ ﴾ بالزنا ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت ﴾ فاحبسوهن ﴿ حتى يَتَوَفَّاهُنَّ الموت ﴾ أي ملائكة الموت كقوله ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ﴾ [ النحل :٢٨ ] أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن ﴿ أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ ﴾ قيل «أو » بمعنى «إلا أن » ﴿ سَبِيلاً ﴾ غير هذه. عن ابن عباس رضي الله عنهما :السبيل للبكر جلد مائة وتغريب عام وللثيب الرجم لقوله عليه السلام " خذوا عني، خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة "
﴿ والّلذان ﴾ يريد الزاني والزانية. وبتشديد النون :مكي ﴿ يأتيانها مِنكُمْ ﴾ أي الفاحشة ﴿ فَئَاذُوهُمَا ﴾ بالتوبيخ والتعيير وقولوا لهما أما استحييتما أما خفتما الله ﴿ فَإِن تَابَا ﴾ عن الفاحشة ﴿ وَأَصْلَحَا ﴾ وغير الحال ﴿ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا ﴾ فاقطعوا التوبيخ والمذمة ﴿ إِنَّ الله كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً ﴾ يقبل توبة التائب ويرحمه. قال الحسن :أول ما نزل من حد الزنا الأذى ثم الحبس ثم الجلد أو الرجم، فكان ترتيب النزول على خلاف ترتيب التلاوة. والحاصل أنهما إذا كانا محصنين فحدهما الرجم لا غير، وإذا كانا غير محصنين فحدهما الجلد لا غير، وإن كان أحدهما محصناً والآخر غير محصن فعلى المحصن منهما الرجم وعلى الآخر الجلد، وقال ابن بحر :الآية الأولى في السحّاقات، والثانية في اللواطين، والتي في سورة النور في الزاني والزانية وهو دليل ظاهر لأبي حنيفة رحمه الله في أنه يعزر في اللواطة ولا يحد. وقال مجاهد :آية الأذى في اللواطة
﴿ إِنَّمَا التوبة ﴾ هي من تاب الله عليه إذا قبل توبته أي إنما قبولها ﴿ عَلَى الله ﴾ وليس المراد به الوجوب إذ لا يجب على الله شيء ولكنه تأكيد للوعد يعني أنه يكون لا محالة كالواجب الذي لا يترك ﴿ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السوء ﴾ الذنب لسوء عقابه ﴿ بِجَهَالَةٍ ﴾ في موضع الحال أي يعملون السوء جاهلين سفهاء لأن ارتكاب القبيح مما يدعو إليه السفه. وعن مجاهد :من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع عن جهالته. وقيل :جهالته اختياره اللذة الفانية على الباقية. وقيل :لم يجهل أنه ذنب ولكنه جهل كنه عقوبته. ﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾ من زمان قريب وهو ما قبل حضرة الموت ألا ترى إلى قوله : «حتى إذا حضر أحدهم الموت ». فبين أن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة. وعن الضحاك :كل توبة قبل الموت فهو قريب. وعن ابن عباس رضي الله عنهما :قبل أن ينظر إلى ملك الموت. وعنه صلى الله عليه وسلم " إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " و«من » للتبعيض أي يتوبون بعض زمان قريب كأنه سمى ما بين وجود المعصية وبين حضرة الموت زماناً قريباً ﴿ فأولئك يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ ﴾ عدة بأنه يفي بذلك وإعلام بأن الغفران كائن لا محالة ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً ﴾ بعزمهم على التوبة ﴿ حَكِيماً ﴾ حكم بكون الندم توبة.
﴿ وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ إِنّي تُبْتُ الآن ﴾ أي ولا توبة للذين يذنبون ويسوفون توبتهم إلى أن يزول حال التكليف بحضور أسباب الموت ومعاينة ملك الموت، فإن توبة هؤلاء غير مقبولة لأنها حالة اضطرار لا حالة اختيار، وقبول التوبة ثواب ولا وعد به إلا لمختار ﴿ وَلاَ الذين يَمُوتُونَ ﴾ في موضع جر بالعطف على «للذين يعملون السيئات » أي ليست التوبة للذين يعملون السيئات ولا للذين يموتون ﴿ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ قال سعيد بن جبير :الآية الأولى في المؤمنين، والوسطى في المنافقين، والآخرى في الكافرين. وفي بعض المصاحف بلامين وهو مبتدأ خبره. ﴿ أولئك أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ أي هيأنا من العتيد وهو الحاضر أو الأصل أعددنا فقلبت الدال تاء.
كان الرجل يرث امرأة مورثه بأن يلقي عليها ثوبه فيتزوجها بلا مهر فنزلت ﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النساء كَرْهاً ﴾ أي أن تأخذوهن على سبيل الإرث كما تحاز المواريث وهن كارهات لذلك أو مكرهات « كرهاً » بالفتح من الكراهة وبالضم :حمزة وعلي من الإكراه مصدر في موضع الحال من المفعول. والتقييد بالكره لا يدل على الجواز عند عدمه، لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه كما في قوله : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إملاق ﴾ [ الإسراء :٣١ ]. وكان الرجل إذا تزوج امرأة ولم تكن من حاجته حبسها مع سوء العشرة لتفتدي منه بمالها وتختلع فقيل ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ وهو منصوب عطفاً على «أن ترثوا » و«لا » لتأكيد النفي أي لا يحل لكم أن ترثوا النساء ولا أن تعضلوهن، أو مجزوم بالنهي على الاستئناف فيجوز الوقف حينئذ على « كرها ». والعضل :الحبس والتضييق ﴿ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ من المهر واللام متعلقة ب «تعضلوا » ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ ﴾ هي النشوز وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء أي إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فقد عذرتم في طلب الخلع. وعن الحسن :الفاحشة الزنا فإن فعلت حل لزوجها أن يسألها الخلع ﴿ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ وبفتح الياء :مكي وأبو بكر، والاستثناء من أعم عام الظرف أو المفعول له كأنه قيل :ولا تعضلوهن في جميع الأوقات إلا وقت أن يأتين بفاحشة، أو لا تعضلوهن لعلة من العلل إلا لأن يأتين بفاحشة. وكانوا يسيئون معاشرة النساء فقيل لهم : ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف ﴾ وهو النصفة في المبيت والنفقة والإجمال في القول ﴿ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ ﴾ لقبحهن أو سوء خلقهن ﴿ فعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ الله فِيهِ ﴾ في ذلك الشيء أو في الكره ﴿ خَيْراً كَثِيراً ﴾ ثواباً جزيلاً أو ولداً صالحاً. والمعنى فإن كرهتموهن فلا تفارقوهن لكراهة الأنفس وحدها فربما كرهت النفس ما هو أصلح في الدين، وأدنى إلى الخير، وأحبت ما هو بضد ذلك ولكن للنظر في أسباب الصلاح.
وإنما صح قوله ﴿ فعسى أَن تَكْرَهُواْ ﴾ جزاء للشرط لأن المعنى :فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن مع الكراهة فلعل لكم فيما تكرهونه خيراً كثيراً ليس فيما تحبونه.
وكان الرجل إذا رأى امرأة فأعجبته بهت التي تحته ورماها بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها فقيل : ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ ﴾ أي تطليق امرأة وتزوج أخرى ﴿ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَهُنَّ ﴾ وأعطيتم إحدى الزوجات، فالمراد بالزوج الجمع لأن الخطاب لجماعة الرجال ﴿ قِنْطَاراً ﴾ مالاً عظيماً كما في «آل عمران ». وقال عمر رضي الله عنه على المنبر :لا تغالوا بصدقات النساء. فقالت امرأة :أنتبع قولك أم قول الله : ﴿ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَهُنَّ قِنطَاراً ﴾. فقال عمر :كل أحد أعلم من عمر، تزوجوا على ما شئتم ﴿ فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ ﴾ من القنطار ﴿ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بهتانا وَإِثْماً مُّبِيناً ﴾ أي بيناً، والبهتان أن تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به وهو بريء منه لأنه يبهت عند ذلك أي يتحير. وانتصب بهتاناً على الحال أي باهتين وآثمين.
ثم أنكر أخذ المهر بعد الإفضاء فقال ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ ﴾ أي خلا بلا حائل ومنه الفضاء، والآية حجة لنا في الخلوة الصحيحة أنها تؤكد المهر حيث أنكر الأخذ وعلل بذلك ﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثاقا غَلِيظاً ﴾ عهداً وثيقاً وهو قول الله تعالى : ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان ﴾ [ البقرة :٢٢٩ ]. والله تعالى أخذ هذا الميثاق عى عباده لأجلهن فهو كأخذهن، أو قول النبي عليه السلام " استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان في أيديكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله " ولما نزل «لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً » قالوا :تركنا هذا لا نرثهن كرهاً ولكن نخطبهن فننكحهن برضاهن فقيل لهم :
﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ النساء ﴾ وقيل :المراد بالنكاح الوطء أي لا تطئوا ما وطيء آباؤكم، وفيه تحريم وطء موطوءة الأب بنكاح أو بملك يمين أو بزنا كما هو مذهبنا وعليه كثير من المفسرين. ولما قالوا :كنا نفعل ذلك فكيف حال ما كان منا ؟ قال : ﴿ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ أي لكن ما قد سلف فإنكم لا تؤاخذون به، والاستثناء منقطع عن سيبويه. ثم بين صفة هذا العقد في الحال فقال ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً ﴾ بالغة في القبح ﴿ وَمَقْتاً ﴾ وبغضاً عند الله وعند المؤمنين وناس منهم يمقتونه من ذوي مروآتهم ويسمونه نكاح المقت وكان المولود عليه يقال له المقتى ﴿ وَسَاءَ سَبِيلاً ﴾ وبئس الطريق طريقاً ذلك.
ولما ذكر في أول السورة نكاح ما طاب أي حل من النساء وذكر بعض ما حرم قبل هذا وهو نساء الآباء ذكر المحرمات الباقيات وهن سبع من النسب وسبع من السبب، وبدأ بالنسب فقال : ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ والمراد تحريم نكاحهن عند البعض، وقد ذكرنا المختار في شرح المنار.
والجدة من قبل الأم أو الأب ملحقة بهن ﴿ وبناتكم ﴾ وبنات الابن وبنات البنت ملحقات بهن، والأصل أن الجمع إذا قوبل بالجمع ينقسم الآحاد على الآحاد فتحرم على كل واحد أمه وبنته ﴿ وأخواتكم ﴾ لأب وأم أو لأب أو لأم ﴿ وعماتكم ﴾ من الأوجه الثلاثة ﴿ وخالاتكم ﴾ كذلك ﴿ وَبَنَاتُ الأخ ﴾ كذلك ﴿ وَبَنَاتُ الأخت ﴾ كذلك. ثم شرع في السبب فقال ﴿ وأمهاتكم الاتي أَرْضَعْنَكُمْ وأخواتكم مِّنَ الرضاعة ﴾ الله تعالى نزل الرضاعة منزلة النسب فسمى المرضعة، أما للرضيع والمراضعة أختاً وكذلك زوج المرضعة أبوه وأبواه جداه وأخته عمته وكل ولد ولد له من غير الرضعة قبل الرضاع وبعده فهم أخوته وأخواته لأبيه وأم المرضعة جدته وأختها خالته، وكل من ولد لها من هذا الزوج فهم إخوته وأخواته لأبيه وأمه ومن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأم، وأصله قوله عليه السلام " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " ﴿ وأمهات نِسَائِكُمْ ﴾ وهن محرمات بمجرد العقد ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ ﴾ سمى ولد المرأة من غير زوجها ربيباً وربيبة لأنه يربّهما كما يرب ولده في غالب الأمر، ثم اتسع فيه فسميا بذلك وإن لم يربهما ﴿ الاتى فِي حُجُورِكُمْ ﴾ قال داود :إذ لم تكن في حجره لا تحرم. قلنا :ذكر الحجر على غلبة الحال دون الشرط، وفائدته التعليل للتحريم وأنهن لاحتضانكم لهن أو لكونهن بصدد احتضانكم كأنكم في العقد على بناتهن عاقدون على بناتكم ﴿ مّن نِّسَائِكُمُ اللاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ متعلق ب «ربائبكم » أي الربيبة من المرأة المدخول بها حرام على الرجل حلال له إذا لم يدخل بها. والدخول بهن كناية عن الجماع كقولهم «بنى عليها وضرب عليها الحجاب » أي أدخلتموهن الستر والباء للتعدية. واللمس ونحوه يقوم مقام الدخول، وقد جعل بعض العلماء « اللاتي دخلتم بهن » وصفاً للنساء المتقدمة والمتأخرة وليس كذلك، لأن الوصف الواحد لا يقع على موصوفين مختلفي العامل، وهذا لأن النساء الأولى مجرورة بالإضافة، والثانية ب «من »، ولا يجوز أن تقول «مررت بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات » على أن تكون الظريفات نعتاً لهؤلاء النساء وهؤلاء النساء كذا قال الزجاج وغيره، وهذا أولى مما قاله صاحب الكشاف فيه. ﴿ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ فلا حرج عليكم في أن تتزوجوا بناتهن إذا فارقتموهن أو متن ﴿ وحلائل أَبْنَائِكُمُ ﴾ جمع حليلة وهي الزوجة لأن كل واحد منهما يحل للآخر، أو يحل فراش الآخر من الحل، أو من الحلول ﴿ الذين مِنْ أصلابكم ﴾ دون من تبنيتم فقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب حين فارقها زيد وقال الله تعالى :
﴿ لِكَىْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ ﴾ [ الأحزاب :٣٧ ]. وليس هذا لنفي الحرمة عن حليلة الابن من الرضاع ﴿ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأختين ﴾ أي في النكاح وهو في موضع الرفع عطف على المحرمات أي وحرم عليكم الجمع بين الأختين ﴿ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ ولكن ما مضى مغفور بدليل قوله ﴿ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ وعن محمد بن الحسن رحمه الله أن أهل الجاهلية كانوا يعرفون هذه المحرمات إلا نكاح امرأة الأب ونكاح الأختين فلذا قال فيهما :.
«إلا ما قد سلف »
﴿ والمحصنات مِنَ النساء ﴾ أي ذوات الأزواج لأنهن أحصنّ فروجهن بالتزوج. قرأ الكسائي بفتح الصاد هنا وفي سائر القرآن بكسرها وغيره بفتحها في جميع القرآن ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم ﴾ بالسبي وزوجها في دار الحرب. والمعنى وحرم عليكم نكاح المنكوحات أي اللاتي لهن أزواج إلا ما ملكتموهن بسبيهن وإخراجهن بدون أزواجهن لوقوع الفرقة بتباين الدارين لا بالسبي، فتحل الغنائم بملك اليمين بعد الاستبراء ﴿ كتاب الله عَلَيْكُمْ ﴾ مصدر مؤكد أي كتب الله ذلك عليكم كتاباً وفرضه فريضة وهو تحريم ما حرم وعطف ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ ﴾ على الفعل المضر الذي نصب كتاب الله أي كتب الله عليكم تحريم ذلك وأحل لكم ﴿ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ ما سوى الحرمات المذكورة. «وأحل » :كوفي غير أبي بكر عطف على «حرمت » ﴿ أَن تَبْتَغُواْ ﴾ مفعول له أي بين لكم ما يحل مما يحرم لأن تبتغوا، أو بدل مما «وراء ذلكم » ومفعول «تبتغوا » مقدر وهو النساء، والأجود أن لا يقدر ﴿ بأموالكم ﴾ يعني المهور، وفيه دليل على أن النكاح لا يكون إلا بمهر، وأنه يجب وإن لم يسم، وأن غير المال لا يصلح مهراً، وأن القليل لا يصلح مهراً إذ الحبة لا تعد مالاً عادة ﴿ مُّحْصِنِينَ ﴾ في حال كونكم محصنين ﴿ غَيْرَ مسافحين ﴾ لئلا تضيعوا أموالكم وتفقروا أنفسكم فيما لا يحل لكم فتخسروا دينكم ودنياكم، ولا فساد أعظم من الجمع بين الخسرانين. والإحصان العفة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام، والمسافح الزاني من السفح وهو صب المني ﴿ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ ﴾ فما نكحتموه منهن ﴿ فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ مهورهن لأن المهر ثواب على البضع ف «ما » في معنى النساء و«من » للتبعيض أو للبيان ويرجع الضمير إليه على اللفظ في «به » وعلى المعنى في «فآتوهن » ﴿ فَرِيضَةً ﴾ حال من الأجور أي مفروضة، أو وضعت موضع إيتاء لأن الإيتاء مفروض أو مصدر مؤكد أي فرض ذلك فريضة. ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة ﴾ فيما تحط عنه من المهر، أو تهب له من كله، أو يزيد لها على مقداره، أو فيما تراضيا به من مقام أو فراق ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً ﴾ بالأشياء قبل خلقها ﴿ حَكِيماً ﴾ فيما فرض لهم من عقد النكاح الذي به حفظت الأنساب. وقيل :إن قوله «فما استمتعتم » نزلت في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتح الله مكة على رسوله ثم نسخت.
﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً ﴾ فضلاً. يقال «لفلان عليّ طول » أي فضل وزيادة وهو مفعول «يستطع » ﴿ أَن يَنكِحَ ﴾ مفعول الطول فإنه مصدر فيعمل عمل فعله أو بدل من «طولاً » ﴿ المحصنات المؤمنات ﴾ الحرائر المسلمات ﴿ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم مّن فتياتكم المؤمنات ﴾ أي فلينكحن مملوكة من الإماء المسلمات.
وقوله : «من فتياتكم ». أي من فتيات المسلمين والمعنى :ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة يبلغ بها نكاح الحرة فلينكح أمة، ونكاح الأمة الكتابية يجوز عندنا والتقييد في النص للاستحباب بدليل أن الإيمان ليس بشرط في الحرائر اتفاقاً مع التقييد به. وقال ابن عباس :ومما وسّع الله على هذه الأمة نكاح الأمة واليهودية والنصرانية وإن كان موسراً، وفيه دليل لنا في مسألة الطول ﴿ والله أَعْلَمُ بإيمانكم ﴾ فيه تنبيه على قبول ظاهر إيمانهن، ودليل على أن الإيمان هو التصديق دون عمل اللسان لأن العلم بالإيمان المسموع لا يختلف ﴿ بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ ﴾ أي لا تستنكفوا من نكاح الإماء فكلكم بنو آدم، وهو تحذير عن التعيير بالأنساب والتفاخر بالأحساب ﴿ فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾ سادتهن وهو حجة لنا في أن لهن أن يباشرن العقد بأنفسهن لأنه اعتبر إذن الموالي لا عقدهم، وأنه ليس للعبد أو للأمة أن يتزوج إلا بإذن المولى ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ ﴾ وأدوا إليهن مهورهن بغير مطل وإضرار وملاّك مهورهن مواليهن، فكان أداؤها إليهن أداء إلى الموالي لأنهن وما في أيديهن مال الموالي، أو التقدير :وآتوا مواليهن فحذف المضاف ﴿ محصنات ﴾ عفائف حال من المفعول في و«آتوهن » ﴿ غَيْرَ مسافحات ﴾ زوانٍ علانية ﴿ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ﴾ زوانٍ :سراً والأخدان :الأخلاء في السر ﴿ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ ﴾ بالتزويج. «أحصن » :كوفي غير حفص ﴿ فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة ﴾ زنا ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات ﴾ أي الحرائر ﴿ مّنَ العذاب ﴾ من الحد يعني خمسين جلدة، وقوله : «نصف ما على المحصنات ». يدل على أنه الجلد لا الرجم لأن الرجم لا يتنصف، وأن المحصنات هنا الحرائر اللاتي لم يزوجن ﴿ ذلك ﴾ أي نكاح الإماء ﴿ لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ ﴾ لمن خاف الإثم الذي تؤدي إليه غلبة الشهوة. وأصل العنت انكسار العظم بعد الجبر فاستعير لكل مشقة وضرر، ولا ضرر أعظم من مواقعة المآثم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما هو الزنا لأنه سبب الهلاك. ﴿ وَأَن تَصْبِرُواْ ﴾ في محل الرفع على الابتداء أي وصبركم عن نكاح الإماء متعففين ﴿ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ لأن فيه إرقاق الولد، ولأنها خراجة ولاجة ممتهنة مبتذلة وذلك كله نقصان يرجع إلى الناكح ومهانة والعزة من صفات المؤمنين، وفي الحديث " الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت " ﴿ والله غَفُورٌ ﴾ يستر المحظور ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ يكشف المحظور
﴿ يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ ﴾ أصله يريد الله أن يبين لكم فزيدت اللام مؤكدة لإرادة التبيين كما زيدت في «لا أبالك » لتأكيد إضافة الأب. والمعنى :يريد الله أن يبين لكم ما هو خفي عليكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم ﴿ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ ﴾ وأن يهديكم مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين والطرق التي سلكوها في دينهم لتقتدوا بهم ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ ويوفقكم للتوبة عما كنتم عليه من الخلاف ﴿ والله عَلِيمٌ ﴾ بمصالح عباده ﴿ حَكِيمٌ ﴾ فيما شرع لهم
﴿ والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ التكرير للتأكيد والتقرير والتقابل ﴿ وَيُرِيدُ ﴾ الفجرة ﴿ الذين يَتَّبِعُونَ الشهوات أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً ﴾ وهو الميل عن القصد والحق، ولا ميل أعظم منه بمساعدتهم وموافقتهم على اتباع الشهوات.
وقيل :هم اليهود لاستحلالهم الأخوات لأب وبنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرمهن الله قالوا :فإنكم تحلون بنت الخالة والعمة والخالة والعمة عليكم حرام، فانكحوا بنات الأخت والأخ فنزلت. يقول :يريدون أن تكونوا زناة مثلهم
﴿ يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ ﴾ بإحلال نكاح الأمة وغيره من الرخص ﴿ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً ﴾ لا يصبر على الشهوات وعلى مشاق الطاعات.
﴿ يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل ﴾ بما لم تبحه الشريعة من نحو السرقة والخيانة والغصب والقمار وعقود الربا ﴿ إِلا أَن تَكُونَ تجارة ﴾ إلا أن تقع تجارة. « تجارة » :كوفي أي إلا أن تكون التجارة تجارة ﴿ عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ ﴾ صفة ل «تجارة » أي تجارة صادرة عن تراض بالعقد أو بالتعاطي. والاستثناء منقطع معناه ولكن اقصدوا كون تجارة عن تراضٍ، أو ولكن كون تجارة عن تراضٍ غير منهي عنه. وخص التجارة بالذكر لأن أسباب الرزق أكثرها متعلق بها، والآية تدل على جواز البيع بالتعاطي وعلى جواز البيع الموقوف إذا وجدت الإجازة لوجود الرضا، وعلى نفي خيار المجلس لأن فيها إباحة الاكل بالتجارة عن تراض من غير تقييد بالتفرق عن مكان العقد والتقييد به زيادة عن النص ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ من كان من جنسكم من المؤمنين لأن المؤمنين كنفس واحدة، أو ولا يقتل الرجل نفسه كما يفعله الجهلة، أو معنى القتل أكل الأموال بالباطل فظالم غيره كمهلك نفسه، أو لا تتبعوا أهواءها فتقتلوها أو تركبوا ما يوجب القتل ﴿ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾ ولرحمته بكم نبهكم على ما فيه صيانة أموالكم وبقاء أبدانكم. وقيل :معناه أنه أمر بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم ليكون توبة لهم وتمحيصاً لخطاياهم، وكان بكم يا أمة محمد رحيماً حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الصعبة.
﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك ﴾ أي القتل أي ومن يقدم على قتل الأنفس ﴿ عدوانا وَظُلْماً ﴾ لا خطأ ولا قصاصاً وهما مصدران في موضع الحال أو مفعول لهما ﴿ فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً ﴾ ندخله ناراً مخصوصة شديدة العذاب ﴿ وَكَانَ ذلك ﴾ أي إصلاؤه النار ﴿ عَلَى الله يَسِيراً ﴾ سهلاً وهذا الوعيد في حق المستحيل للتخليد، وفي حق غيره لبيان استحقاقه دخول النار مع وعد الله بمغفرته.
﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سيئاتكم ﴾ عن ابن مسعود رضي الله عنهما :الكبائر كل ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى قوله : « إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ». وعنه أيضاً :الكبائر ثلاث :الإشراك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله. وقيل :المراد بها أنواع الكفر بدليل قراءة عبد الله «كبير ما تنهون عنه » وهو الكفر ﴿ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً ﴾ «مدخلا » :مدني وكلاهما بمعنى المكان والمصدر كريما «حسناً ». وعن ابن عباس رضي الله عنهما :ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت. « يريد الله ليبين لكم ». «والله يريد أن يتوب عليكم ». «يريد الله أن يخفف عنكم ». « إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ». «إن الله لا يغفر أن يشرك به ». «إن الله لا يظلم مثقال ذرة ». «ومن يعمل سوء أو يظلم نفسه ». «ما يفعل الله بعذابكم ». وتشبث المعتزلة بالآية على أن الصغائر واجبة المغفرة باجتناب الكبائر، وعلى أن الكبائر غير مغفورة باطل، لأن الكبائر والصغائر في مشيئته تعالى سواء إن شاء عذب عليهما وإن شاء عفا عنهما لقوله تعالى : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ فقد وعد المغفرة لما دون الشرك وقرنها بمشيئته تعالى. وقوله : ﴿ إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ﴾ [ هود :١١٤ ]. فهذه الآية تدل على أن الصغائر والكبائر يجوز أن يذهبا بالحسنات لأن لفظ السيئات ينطبق عليهما.
ولما كان أخذ مال الغير بالباطل وقتل النفس بغير حق بتمني مال الغير وجاهه نهاهم عن تمني ما فضل الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال بقوله ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ ﴾ لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد وبما ينبغي لكل من بسط في الرزق أو قبض، فعلى كل واحد أن يرضى بما قسم له ولا يحسد أخاه على حظه، فالحسد أن يتمنى أن يكون ذلك الشيء له ويزول عن صاحبه، والغبطة أن يتمنى مثل ما لغيره وهو مرخص فيه، والأول منهي عنه. ولما قال الرجال :نرجو أن يكون أجرنا على الضعف من أجر النساء كالميراث، قالت النساء :يكون وزرنا على نصف وزر الرجال كالميراث نزل ﴿ لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا اكتسبوا وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا اكتسبن ﴾ أي ليس ذلك على حسب الميراث ﴿ واسألوا الله مِن فَضْلِهِ ﴾ فإن خزائنه لا تنفد ولا تتمنوا ما للناس من الفضل ﴿ إِنَّ الله كَانَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾ فالتفضيل منه عن علم بمواضع الاستحقاق. قال ابن عيينة :لم يأمر بالمسألة إلا ليعطي وفي الحديث " من لم يسأل الله من فضله غضب عليه "
وفيه " إن الله تعالى ليمسك الخير الكثير عن عبده ويقول :لا أعطي عبدي حتى يسألني " « وسلوا » :مكي وعلي
﴿ وَلِكُلٍّ ﴾ المضاف إليه محذوف تقديره ولكل أحد أو ولكل مال ﴿ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ﴾ ورّاثاً يلونه ويحرزونه ﴿ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون ﴾ هو صفة مال محذوف أي لكل مال مما تركه الوالدان، أو هو متعلق بفعل محذوف دل عليه الموالي تقديره :يرثون مما ترك ﴿ والذين عَقَدَتْ أيمانكم ﴾ عاقدتهم أيديكم وهو مبتدأ ضمن معنى الشرط فوقع خبره وهو ﴿ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ مع الفاء. «عقدت » :كوفي أي عقدت عهودهم أيمانكم والمراد به عقد الموالاة وهي مشروعة. والوراثة بها ثابتة عند عامة الصحابة رضي الله عنهم وهو قولنا. وتفسيره إذا أسلم رجل أو امرأة لا وارث له وليس بعربي ولا معتق فيقول لآخر :واليتك على أن تعقلني إذا جنيت وترث مني إذا مت. ويقول الآخر :قبلت. انعقد ذلك ويرث الأعلى من الأسفل ﴿ إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَيْءٍ شَهِيداً ﴾ أي هو عالم الغيب والشهادة وهو أبلغ وعد ووعيد.
﴿ الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء ﴾ يقومون عليهن آمرين ناهين كما يقوم الولاة على الرعايا وسموا قواماً لذلك ﴿ بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ﴾ الضمير في «بعضهم » للرجال والنساء يعني إنما كانوا مسيطرين عليهن لسبب تفضيل الله بعضهم وهم الرجال على بعض وهم النساء بالعقل والعزم والحزم والرأي والقوة والغزو وكمال الصوم والصلاة والنبوة والخلافة والإمامة والأذان والخطبة والجماعة والجمعة وتكبير التشريق عند أبي حنيفة رحمه الله والشهادة في الحدود والقصاص وتضعيف الميراث والتعصيب فيه وملك النكاح والطلاق وإليهم الانتساب وهم أصحاب اللحى والعمائم. ﴿ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أموالهم ﴾ وبأن نفقتهن عليهم وفيه دليل وجوب نفقتهن عليهم. ثم قسمهن على نوعين. النوع الأول ﴿ فالصالحات قانتات ﴾ مطيعات قائمات بما عليهن للأزواج ﴿ حفظات لّلْغَيْبِ ﴾ لمواجب الغيب وهو خلاف الشهادة أي إذ كان الأزواج غير شاهدين لهن حفظن ما يجب عليهن حفظه في حال الغيبة من الفروج والبيوت والأموال. وقيل :للغيب لأسرارهم ﴿ بِمَا حَفِظَ الله ﴾ بما حفظهن الله حين أوصى بهن الأزواج بقوله : ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف ﴾ [ النساء :١٩ ]. أو بما حفظهن الله وعصمهن ووفقهن لحفظ الغيب، أو بحفظ الله إياهن حيث صيرهن كذلك. والثاني ﴿ والاتى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ عصيانهن وترفعهن عن طاعة الأزواج. والنشز :المكان المرتفع والنبوة. عن ابن عباس رضي الله عنهما :هو أن تستخف بحقوق زوجها ولا تطيع أمره ﴿ فَعِظُوهُنَّ ﴾ خوفوهن عقوبة الله تعالى. والضرب والعظة كلام يلين القلوب القاسية ويرغب الطبائع النافرة ﴿ واهجروهن فِي المضاجع ﴾ في المراقد أي لا تداخلوهن تحت اللحف وهو كناية عن الجماع، أو هو أن يوليها ظهره في المضجع لأنه لم يقل عن المضاجع ﴿ واضربوهن ﴾ ضرباً غير مبرح.
أمر بوعظهن أولاً ثم بهجرانهن في المضاجع، ثم بالضرب إن لم ينجع فيهن الوعظ والهجران ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ ﴾ بترك النشوز ﴿ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ﴾ فأزيلوا عنهن التعرض بالأذى و«سبيلاً » مفعول «تبغوا » وهو من بغيت الأمر أي طلبته ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ﴾ أي إن علت أيديكم عليهن فاعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم عليهن فاجتنبوا ظلمهن، أو إن الله كان علياً كبيراً وإنكم تعصونه على علو شأنه وكبرياء سلطانه ثم تتوبون فيتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو عمن يجني عليكم إذا رجع.
ثم خاطب الولاة بقوله ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ أصله «شقاقاً بينهما » فأضيف الشقاق إلى الظرف على سبيل الاتساع كقوله : ﴿ بَلْ مَكْرُ اليل والنهار ﴾ [ سبأ :٣٣ ]. وأصله بل مكر في الليل والنهار. والشقاق :العداوة والخلاف، لأن كلاًّ منهما يفعل ما يشق على صاحبه، أو يميل إلى شق أي ناحية غير شق صاحبه والضمير للزوجين ولم يجر ذكرهما لجري ذكر ما يدل عليهما وهو الرجال والنساء ﴿ فابعثوا حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ ﴾ رجلاً يصلح للحكومة والإصلاح بينها ﴿ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا ﴾ وإنما كان بعث الحكمين من أهلهما لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصلاح ونفوس الزوجين أسكن إليهم فيبرزان ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة. والضمير في ﴿ إِن يُرِيدَا إصلاحا ﴾ للحكمين، وفي ﴿ يُوَفّقِ الله بَيْنَهُمَا ﴾ للزوجين أي إن قصدا إصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة بورك في وساطتهما، وأوقع الله بحسن سعيهما بين الزوجين الألفة والوفاق، وألقى في نفوسهما المودة والاتفاق. أو الضميران للحكمين أي إن قصدا إصلاح ذات البين والنصيحة للزوجين، يوفق الله بينهما فيتفقان على الكلمة الواحدة ويتساندان في طلب الوفاق حتى يتم المراد. أو الضميران للزوجين أي إن يريدا إصلاح ما بينهما وطلب الخير وأن يزول عنهما الشقاق، يلق الله بينهما الألفة وأبدلهما بالشقاق الوفاق وبالبغضاء المودة ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً ﴾ بإرادة الحكمين ﴿ خَبِيراً ﴾ بالظالم من الزوجين وليس لهما ولاية التفريق عندنا خلافاً لمالك رحمه الله.
﴿ واعبدوا الله ﴾ قيل :العبودية أربعة :الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود ﴿ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ صنماً وغيره ويحتمل المصدر أي إشراكاً ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ وأحسنوا بهما إحساناً بالقول والفعل والإنفاق عليهما عند الاحتياج ﴿ وَبِذِى القربى ﴾ وبكل من بينكم وبينه قربى من أخ أو عم أو غيرهما ﴿ واليتامى والمساكين والجار ذِي القربى ﴾ الذي قرب جواره ﴿ والجار الجنب ﴾ أي الذي جواره بعيد أو الجار القريب النسيب، والجار الجنب الأجنبي ﴿ والصاحب بالجنب ﴾ أي الزوجة :عن عليّ رضي الله عنه. أو الذي صحبك بأن حصل بجنبك إما رفيقاً في سفر أو شريكاً في تعلم علم أو غيره أو قاعداً إلى جنبك في مجلس أو مسجد ﴿ وابن السبيل ﴾ الغريب أو الضعيف ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ العبيد والإماء ﴿ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً ﴾ متكبراً يأنف عن قرابته وجيرانه فلا يلتفت إليهم ﴿ فَخُوراً ﴾ يعدد مناقبه كبراً فإن عدها اعترافاً كان شكوراً
﴿ الذين يَبْخَلُونَ ﴾ نصب على البدل من «مَنْ كان مختالاً فخوراً » وجمع على معنى «من » أو على الذم، أو رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره «هم الذين يبخلون » ﴿ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل ﴾ «بالبَخَل » :حمزة وعلي وهما لغتان كالرشد والرشد أي يبخلون بذات أيديهم وبما في أيدي غيرهم فيأمرونهم بأن يبخلوا به مقتاً للسخاء. قيل :البخل أن يأكل بنفسه ولا يؤكل غيره، والشح أن لا يأكل ولا يؤكل، والسخاء أن يأكل ويؤكل، والجود أن يؤكل ولا يأكل. ﴿ وَيَكْتُمُونَ مَا ءاتاهمالله مِن فَضْلِهِ ﴾ ويخفون ما أنعم الله عليهم به من المال وسعة الحال، وفي الحديث " إذا أنعم الله على عبده نعمة أحب أن يرى نعمته على عبده " وبنى عامل للرشيد قصراً حذاء قصره فنم به فقال الرجل :يا أمير المؤمنين إن الكريم يسره أن يرى أثر نعمته، فأحببت أن أسرك بالنظر إلى آثار نعمتك فأعجبه كلامه. وقيل :نزلت في شأن اليهود الذين كتموا صفة محمد عليه السلام. ﴿ وَأَعْتَدْنَا للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ أي يهانون به في الآخرة.
﴿ والذين يُنْفِقُونَ أموالهم ﴾ معطوف على «الذين يبخلون » أو على «الكافرين » ﴿ رِئَاء الناس ﴾ مفعول له أي للفخار وليقال ما أجودهم لا لابتغاء وجه الله وهم المنافقون أو مشركو مكة ﴿ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر وَمَن يَكُنِ الشيطان لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً ﴾ حيث حملهم على البخل والرياء وكل شر، ويجوز أن يكون وعيداً لهم بأن الشيطان يقرن بهم في النار
﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُواْ بالله واليوم الآخر وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ الله ﴾ وأي تبعة ووبال عليهم في الإيمان والإنفاق في سبيل الله والمراد الذم والتوبيخ وإلا فكل منفعة ومصلحة في ذلك، وهذا كما يقال للعاق «ما ضرك لو كنت باراً » وقد علم أنه لا مضرة في البر ولكنه ذم وتوبيخ ﴿ وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً ﴾ وعيد.
﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ هي النملة الصغيرة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أدخل يده في التراب فرفعه ثم نفخ فيه فقال :كل واحدة من هؤلاء ذرة. وقيل :كل جزء من أجزاء الهباء في الكوة ذرة. ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً ﴾ وإن يك مثقال الذرة حسنة. وإنما أنث ضمير المثقال لكونه مضافاً إلى مؤنث. «حسنةٌ » :حجازي على «كان » التامة، وحذفت النون من «تكن » تخفيفاً لكثرة الاستعمال ﴿ يضاعفها ﴾ يضاعف ثوابها. «يضعفّها » :مكي وشامي ﴿ وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ويعط صاحبها من عنده ثواباً عظيماً، وما وصفه الله بالعظم فمن يعرف مقداره مع أنه سمى متاع الدنيا قليلاً. وفيه إبطال قول المعتزلة في تخليد مرتكب الكبيرة مع أن له حسنات كثيرة.
﴿ فَكَيْفَ ﴾ يصنع هؤلاء الكفرة من الهيود وغيرهم ﴿ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم ﴿ وَجِئْنَا بِكَ ﴾ يا محمد ﴿ على هؤلاء ﴾ أي أمتك ﴿ شَهِيداً ﴾ حال أي شاهداً على من آمن بالإيمان وعلى من كفر بالكفر وعلى من نافق بالنفاق. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ سورة النساء على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ قوله : « وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ». فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :" حسبنا. "
﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ ظرف لقوله ﴿ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ ﴾ بالله ﴿ وَعَصَوُاْ الرسول لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض ﴾ لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى، أو يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء، أو تصير البهائم تراباً فيودون حالها. « تسوى » بفتح التاء وتخفيف السين والإمالة وحذف إحدى التاءين من «تتسوى » :حمزة وعلي. «تسوى » بإدغام التاء في السين :مدني وشامي ﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً ﴾ مستأنف أي ولا يقدرون على كتمانه لأن جوارحهم تشهد عليهم.
ولما صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً وشراباً ودعا نفراً من الصحابة رضي الله عنهم حين كانت الخمر مباحة، فأكلوا وشربوا فقدموا أحدهم ليصلي بهم المغرب فقرأ «قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون وأنتم عابدون ما أعبد » ونزل : ﴿ يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى ﴾ أي لا تقربوها في هذه الحالة ﴿ حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ﴾ أي تقرأون، وفيه دليل على أن ردة السكران ليست بردة، لأن قراءة سورة «الكافرين » بطرح اللامات كفر ولم يحكم بكفره حتى خاطبهم باسم الإيمان، وما أمر النبي عليه السلام بالتفريق بينه وبين امرأته ولا بتجديد الإيمان، ولأن الأمة اجتمعت على أن من أجرى كلمة الكفر على لسانه مخطئاً لا يحكم بكفره ﴿ وَلاَ جُنُباً ﴾ عطف على «وأنتم سكارى » لأن محل الجملة مع الواو النصب على الحال كأنه قيل :لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنباً أي ولا تصلوا جنباً.
والجنب يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب ﴿ إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾ صفة لقوله «جنباً » أي لا تقربوا الصلاة جنباً غير عابري سبيل أي جنباً مقيمين غير مسافرين، والمراد بالجنب الذين لم يغتسلوا كأنه قيل :لا تقربوا الصلاة غير مغتسلين ﴿ حتى تَغْتَسِلُواْ ﴾ إلا أن تكونوا مسافرين عادمين الماء متيممين، عبّر عن المتيمم بالمسافر لأن غالب حاله عدم الماء وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وهو مروي عن علي رضي الله عنه. وقال الشافعي رحمه الله :لا تقربوا الصلاة أي مواضع الصلاة وهي المساجد، ولا جنباً أي ولا تقربوا المسجد جنباً إلا عابري سبيل إلا مجتازين فيه، فيجوز للجنب العبور في المسجد عند الحاجة. ﴿ وَإِنْ كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الغآئط ﴾ أي المطمئن من الأرض وكانوا يأتونه لقضاء الحاجة فكنى بن عن الحدث ﴿ أَوْ لامستم النساء ﴾ جامعتموهن كذا عن علي رضي الله عنه وابن عباس ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً ﴾ فلم تقدروا على استعماله لعدمه أو بعده أو فقد آلة الوصول إليه أو لمانع من حية أو سبع أو عدو ﴿ فتيمّموا ﴾ أدخل في حكم الشرط أربعة وهم :المرضى والمسافرون والمحدثون وأهل الجنابة. والجزاء الذي هو الأمر بالتيمم متعلق بهم جميعاً ؛ فالمرضى إذا عدموا الماء لضعف حركتهم وعجزهم عن الوصول إليه، والمسافرون إذا عدموه لبعده، والمحدثون وأهل الجنابة إذا لم يجدوه لبعض الأسباب فلهم أن يتيمموا. «لمستم » :حمزة وعلي ﴿ صَعِيداً ﴾ قال الزجاج :هو وجه الأرض تراباً كان أو غيره، وإن كان صخراً لا تراب عليه لو ضرب المتيمم يده ومسح لكان ذلك طهوره. و «من » في سورة المائدة لابتداء الغاية لا للتبعيض ﴿ طَيّباً ﴾ طاهراً ﴿ فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ﴾ قيل :الباء زائدة ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً ﴾ بالترخيص والتيسير ﴿ غَفُوراً ﴾ عن الخطأ والتقصير.
﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ من رؤية القلب وعدي «بإلى » على معنى «ألم ينته علمك إليهم » أو بمعنى «ألم تنظر إليهم » ﴿ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب ﴾ حظاً من علم التوراة وهم أحبار اليهود ﴿ يَشْتَرُونَ الضلالة ﴾ يستبدلونها بالهدى وهوالبقاء على اليهودية بعد وضوح الآيات لهم على صحة نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه هو النبي العربي المبشر به في التوراة والإنجيل ﴿ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ﴾ أنتم أيها المؤمنون ﴿ السبيل ﴾ أي سبيل الحق كما ضلوه
﴿ والله أَعْلَمُ ﴾ منكم ﴿ بِأَعْدَائِكُمْ ﴾ وقد أخبركم بعداوة هؤلاء فاحذروهم ولا تستنصحوهم في أموركم ﴿ وكفى بالله وَلِيّاً ﴾ في النفع ﴿ وكفى بالله نَصِيراً ﴾ في الدفع فثقوا بولايته ونصرته دونهم، أو لا تبالوا بهم فإن الله ينصركم عليهم ويكفيكم مكرهم.
و «ولياً » و «نصيراً » منصوبان على التمييز أو على الحال.
﴿ مّنَ الذين هَادُواْ ﴾ بيان للذين أوتوا نصيباً من الكتاب، أو بيان لأعدائكم، وما بينهما اعتراض، أن يتعلق بقوله «نصيراً » أي ينصركم من الذين هادوا كقوله ﴿ ونصرناه مِنَ القوم الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا ﴾ [ الأنبياء :٧٧ ] أو يتعلق بمحذوف تقديره :من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم، فقوم مبتدأ و«يحرفون » صفة له، والخبر « من الذين هادوا »مقدم عليه، وحذف الموصوف وهو قوم وأقيم صفته، وهو ﴿ يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مواضعه ﴾ يميلونه عنها ويزيلونه لأنهم إذا بدلوه ووضعوا مكانه كلماً غيره فقد أمالوه عن مواضعه في التوراة التي وضعه الله تعالى فيها وأزالوه عنها مقامه وذلك نحو تحريفهم «أسمر ربعة » عن موضعه في التوراة بوضعهم «آدم طوال » مكانه. ثم ذكر هنا «عن مواضعه » وفي المائدة ﴿ مِن بَعْدِ مواضعه ﴾ [ المائدة :٤١ ] فمعنى «عن مواضعه » على ما بينا من إزالته عن مواضعه التي أوجبت حكمة الله وضعه فيها بما اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه، ومعنى ﴿ مِن بَعْدِ مواضعه ﴾ أنه كانت له مواضع هو جدير بأن يكون فيها، فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقاره والمعنيان متقاربان ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا ﴾ قولك ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ أمرك قيل أسرّوا به ﴿ واسمع ﴾ قولنا ﴿ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ حال من المخاطب أي اسمع وأنت غير مسمع وهو قول ذو وجهين يحتمل الذم أي اسمع منا مدعواً عليك بلا سمعت، لأنه لو أجيبت دعوتهم عليه لم يسمع شيئاً فكان أصم غير مسمع، قالوا ذلك اتكالاً على أن قولهم «لا سمعت » دعوة مستجابة، أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعوه إليه ومعناه غير مسمع جواباً يوافقك فكأنك لم تسمع شيئاً، أو إسمع غير مسمع كلاماً ترضاه فسمعك عنه ناب. ويحتمل المدح أي اسمع غير مسمع مكروهاً من قولك «أسمع فلان فلاناً » إذا سبه. وكذلك قوله ﴿ وراعنا ﴾ يحتمل راعنا نكلمك أي ارقبنا وانتظرنا، ويحتمل شبه كلمة عبرانية أو سريانية كانوا يتسابون بها وهي «راعينا » فكانوا سخرية بالدين وهزؤوا برسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمونه بكلام محتمل ينوون به الشتيمة والإهانة ويظهرون به التوقير والإكرام ﴿ لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ ﴾ فتلا بها وتحريفاً أي يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل حيث يضعون «راعنا » موضع «انظرنا » و«غير مسمع » موضع «لا أسمعت مكروهاً »، أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقاً ﴿ وَطَعْناً فِي الدين ﴾ هو قولهم : «لو كان نبياً حقاً لأخبر بما نعتقد فيه » ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ ولم يقولوا وعصينا ﴿ واسمع ﴾ ولم يلحقوا به غير مسمع ﴿ وانظرنا ﴾ مكان «راعنا » ﴿ لَكَانَ ﴾ قولهم ذاك ﴿ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ عند الله ﴿ وَأَقْوَمَ ﴾ وأعدل وأسد ﴿ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ ﴾ طردهم وأبعدهم عن رحمته بسبب اختيارهم الكفر ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ منهم قد آمنوا كعبد الله بن سلام وأصحابه، أو إلا إيماناً قليلاً ضعيفاً لا يعبأ به وهو إيمانهم بمن خلقهم مع كفرهم بغيره.
ولما لم يؤمنوا نزل ﴿ يَأَيُّهَا الذين أُوتُواْ الكتاب ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا ﴾ يعني القرآن ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ يعني التوراة ﴿ مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ أي نمحو تخطيط صورها من عين وحاجب وأنف وفم ﴿ فَنَرُدَّهَا على أدبارها ﴾ فنجعلها على هيئة أدبارها وهي الأقفاء مطموسة مثلها. والفاء للتسبيب، وإن جعلتها للتعقيب على أنهم تُوُعدوا بعقابين أحدهما عقيب الآخر، ردها على أدبارها بعد طمسها فالمعنى :أن نطمس وجوهاً فننكس الوجوه إلى خلف والأقفاء إلى قدام. وقيل :المراد بالطمس القلب والتغيير كما طمس أموال القبط فقلبها حجارة، وبالوجوه رؤوسهم ووجهاؤهم أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم ونكسوهم صغارهم وإدبارهم ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أصحاب السبت ﴾ أي نخزيهم بالمسخ كما مسخنا أصحاب السبت. والضمير يرجع إلى الوجوه إن أريد الوجهاء، أو إلى الذين أوتوا الكتاب على طريقة الالتفات. والوعيد كان معلقاً بأن لا يؤمن كلهم وقد آمن بعضهم فإن ابن سلام قد سمع الآية قافلاً من الشام فأتى النبي صلى الله عليه وسلم مسلماً قبل أن يأتي أهله وقال :ما كنت أرى أن أصل إلى أهلي قبل أن يطمس الله وجهي. أو أن الله تعالى أوعدهم بأحد الأمرين :بطمس الوجوه أو بلعنهم، فإن كان الطمس تبدل أحوال رؤسائهم فقد كان أحد الأمرين، وإن كان غيره فقد حصل اللعن فإنهم ملعونون بكل لسان. وقيل :هو منتظر في اليهود ﴿ وَكَانَ أَمْرُ الله ﴾ أي المأمور به وهو العذاب الذي أوعدوا به ﴿ مَفْعُولاً ﴾ كائناً لا محالة فلا بد أن يقع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا.
﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ إن مات عليه ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ ﴾ أي ما دون الشرك وإن كان كبيرة مع عدم التوبة، والحاصل أن الشرك مغفور عنه بالتوبة، وأن وعد غفران ما دونه لمن لم يتب أي لا يغفر لمن يشرك وهو مشرك ويغفر لمن يذنب وهو مذنب. قال النبي عليه السلام « من لقي الله تعالى لا يشرك به شيئاً دخل الجنة ولم تضره خطيئته » وتقييده بقوله ﴿ لِمَن يَشَاءُ ﴾ لا يخرجه عن عمومه كقوله : ﴿ الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاء ﴾ [ الشورى :١٩ ]. قال علي رضي الله عنه :ما في القرآن آية أحب إليّ من هذه الآية. وحمل المعتزلة على التائب باطل لأن الكفر مغفور عنه بالتوبة لقوله تعالى : ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ [ الأنفال :٣٨ ]. فما دونه أولى من أن يغفر بالتوبة. والآية سيقت لبيان التفرقة بينهما وذا فيما ذكرنا ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً ﴾ كذب كذباً عظيماً استحق به عذاباً أليماً.
ونزل فيمن زكى نفسه من اليهود والنصارى حيث قالوا : ﴿ نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ [ المائدة :١٨ ]. ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى ﴾ [ البقرة :١١١ ].
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾ ويدخل فيها كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى ﴿ بَلِ الله يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ﴾ إعلام بأن تزكية الله هي التي يعتد بها لا تزكية غيره لأنه هو العالم بمن هو أهل للتزكية ونحوه : ﴿ فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى ﴾ [ النجم :٣٢ ]. ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ ﴾ أي الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكية أنفسهم حق جزائهم، أو من يشاء يثابون على زكائهم ولا ينقص من ثوابهم ﴿ فَتِيلاً ﴾ قدر فتيل وهو ما يحدث بفتل الأصابع من الوسخ.
﴿ انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ في زعمهم أنهم عند الله أزكياءٌ ﴿ وكفى بِهِ ﴾ بزعمهم هذا ﴿ إِثْماً مُّبِيناً ﴾ من بين سائر آثامهم.
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب ﴾ يعني اليهود ﴿ يُؤْمِنُونَ بالجبت ﴾ أي الأصنام وكل ما عبدوه من دون الله ﴿ والطاغوت ﴾ الشيطان ﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هؤلاء أهدى مِنَ الذين ءَامَنُواْ سَبِيلاً ﴾ وذلك أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا إلى مكة مع جماعة من اليهود يحالفون قريشاً على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا :أنتم أهل الكتاب وأنتم إلى محمد أقرب منا وهو أقرب منكم إلينا فلا نأمن مكركم، فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم ففعلوا، فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت لأنهم سجدوا للأصنام وأطاعوا إبليس عليه اللعنة فيما فعلوا. فقال أبو سفيان :أنحن أهدى سبيلاً أم محمد ؟ فقال كعب :أنتم أهدى سبيلاً.
﴿ أولئك الذين لَعَنَهُمُ الله ﴾ أبعدهم من رحمته ﴿ وَمَن يَلْعَنِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ﴾ يعتد بنصره.
ثم وصف اليهود بالبخل والحسد وهما من شر الخصال، يمنعون ما لهم ويتمنون ما لغيرهم فقال ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ الملك ﴾ ف «أم » منقطعة ومعنى الهمزة الإنكار أن يكون لهم نصيب من الملك ﴿ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ الناس نَقِيراً ﴾ أي لو كان لهم نصيب من الملك أي ملك أهل الدينا أو ملك الله فإذا لا يؤتون أحداً مقدار نقير لفرط بخلهم، والنقير :النقرة في ظهر النواة وهو مثل في القلة كالفتيل.
﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ الناس عَلَى مَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ ﴾ بل أيحسدون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على إنكار الحسد واستقباحه، وكانوا يحسدونهم على ما آتاهم الله من النصرة والغلبة وازدياد العز والتقدم كل يوم ﴿ فَقَدْ ءَاتَيْنَا ءالَ إبراهيم الكتاب ﴾ أي التوراة ﴿ والحكمة ﴾ الموعظة والفقه ﴿ وءتيناهم مُّلْكاً عَظِيماً ﴾ يعني ملك يوسف وداود وسليمان عليهم السلام، وهذا إلزام لهم بما عرفوه من إيتاء الله الكتاب والحكمة آل إبراهيم الذين هم أسلاف محمد عليه السلام، وأنه ليس ببدع أن يؤتيه الله مثل ما أوتي أسلافه
﴿ فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ بِهِ ﴾ فمن اليهود من آمن بما ذكر من حديث آل إبراهيم ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ ﴾ وأنكره مع علمه بصحته، أو من اليهود من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم من أنكر نبوته وأعرض عنه ﴿ وكفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ﴾ للصادين.
﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ بئاياتنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ﴾ ندخلهم ﴿ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ﴾ أحرقت ﴿ بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا ﴾ أعدنا تلك الجلود غير محترقة، فالتبديل والتغيير لتغاير الهيئتين لا لتغاير الأصلين عند أهل الحق خلافاً للكرامية. وعن فضيل :يجعل النضيج غير نضيج ﴿ لِيَذُوقُواْ العذاب ﴾ ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز : «أعزك الله » أي أدامك على عزك ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً ﴾ غالباً بالانتقام لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين ﴿ حَكِيماً ﴾ فيما يفعل بالكافرين
﴿ والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَداً لَّهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ ﴾ من الأنجاس والحيض والنفاس ﴿ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً ﴾ هو صفة مشتقة من لفظ الظل لتأكيد معناه كما يقال : «ليل أليل » وهو ماكان طويلاً فيناناً لا وجوب فيه ودائماً لا تنسخه الشمس وسجسجاً لا حر فيه ولا برد، وليس ذلك إلا ظل الجنة.
ثم خاطب الولاة بأداء الأمانات والحكم بالعدل بقوله : ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا ﴾ وقيل :قد دخل في هذا الأمر أداء الفرائض التي هي أمانة الله تعالى التي حملها الإنسان، وحفظ الحواس التي هي ودائع الله تعالى ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس ﴾ قضيتم ﴿ أَن تَحْكُمُواْ بالعدل ﴾ بالسوية والإنصاف. وقيل :إن عثمان بن طلحة بن عبد الدار كان سادن الكعبة وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منه مفتاح الكعبة، فلما نزلت الآية أمر علياً رضي الله عنه بأن يرده إليه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لقد أنزل الله في شأنك قرآناً " وقرأ عليه الآية فأسلم عثمان فهبط جبريل عليه السلام وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السدانة في أولاد عثمان أبداً ﴿ إِنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ﴾ «ما » نكرة منصوبة موصوفة ب «يعظكم به » كأنه قيل :نعم شيئاً يعظكم به، أو موصولة مرفوعة المحل صلتها ما بعدها أي نعم الشيء الذي يعظكم به. والمخصوص بالمدح محذوف أي نعّما يعظكم به ذلك وهو المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكم. وبكسر النون وسكون العين :مدني وأبو عمرو، وبفتح النون وكسر العين :شامي وحمزة وعلي.
﴿ إِنَّ الله كَانَ سَمِيعاً ﴾ لأقوالكم ﴿ بَصِيراً ﴾ بأعمالكم.
ولما أمر الولاة بأداء الأمانات والحكم بالعدل أمر الناس بأن يطيعوهم بقوله ﴿ ياأيها الذين ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ ﴾ أي الولاة أو العلماء لأن أمرهم ينفذ على الأمر ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَيْءٍ ﴾ فإن اختلفتم أنتم وأولو الأمر في شيء من أمور الدين ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ أي ارجعوا فيه إلى الكتاب والسنة ﴿ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر ﴾ أي إن الإيمان يوجب الطاعة دون العصيان، ودلت الآية على أن طاعة الأمراء واجبة إذا وافقوا الحق فإذا خالفوه فلا طاعة لهم لقوله عليه السلام " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ". وحكي أن مسلمة بن عبد الملك بن مروان قال لأبي حازم :ألستم أمرتم بطاعتنا بقوله :و«أولي الأمر منكم » ؟ فقال أبو حازم :أليس قد نزعت الطاعة عنكم إذا خالفتم الحق. بقوله «فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله » أي القرآن و«الرسول » في حياته وإلى أحاديثه بعد وفاته ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الرد أي الرد إلى الكتاب والسنة ﴿ خَيْرٌ ﴾ عاجلاً ﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ عاقبة كان بين بشر المنافق ويهودي خصومة، فدعاه اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم لعلمه أنه لا يرتشي ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف ليرشوه، فاحتكما إلى النبي عليه السلام فقضى لليهودي فلم يرض المنافق وقال :تعال نتحاكم إلى عمر. فقال اليهودي لعمر رضي الله عنه :قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه. فقال عمر للمنافق :أكذلك ؟ قال :نعم. فقال عمر :مكانكما حتى أخرج إليكما فدخل عمر فأخذ سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق فقال :هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله فنزل.
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ وقال جبريل عليه السلام :إن عمر فرق بين الحق والباطل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنت الفاروق " ﴿ يُرِيدُونَ ﴾ حال من الضمير في« يزعمون » ﴿ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطاغوت ﴾ أي كعب بن الأشرف سماه الله طاغوتاً لإفراطه في الطغيان وعداوة رسول الله عليه السلام، أو على التشبيه بالشيطان، أو جعل اختيار التحاكم إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم على التحاكم إليه تحاكماً إلى الشيطان بدليل قوله ﴿ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشيطان أَن يُضِلَّهُمْ ﴾ عن الحق ﴿ ضلالا بَعِيداً ﴾ مستمراً إلى الموت
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ﴾ للمنافقين ﴿ تَعَالَوْاْ إلى مَا أَنزَلَ الله وَإِلَى الرسول ﴾ للتحاكم ﴿ رَأَيْتَ المنافقين يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً ﴾ يعرضون عنك إلى غيرك ليغروه بالرشوة فيقضي لهم
﴿ فَكَيْفَ ﴾ تكون حالهم وكيف يصنعون ﴿ إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ ﴾ من قتل عمر بشرا ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ من التحاكم إلى غيرك واتهامهم لك في الحكم ﴿ ثُمَّ جَاءُوكَ ﴾ أي أصحاب القتيل من المنافقين ﴿ يَحْلِفُونَ بالله ﴾ حال ﴿ إِنْ أَرَدْنَا ﴾ ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك ﴿ إِلاَّ إِحْسَاناً ﴾ لا إساءة ﴿ وَتَوْفِيقاً ﴾ بين الخصمين ولم نرد مخالفة لك ولا تسخطاً لحكمك، وهذا وعيد لهم على فعلهم وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم ولا يغني عنهم الاعتذار.
وقيل :جاء أولياء المنافق يطلبون بدمه وقد أهدره الله فقالوا :ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا بحكومة العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم له بما حكم به.
﴿ أُولَئِكَ الذين يَعْلَمُ الله مَا فِى قُلُوبِهِمْ ﴾ من النفاق. ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ﴾ فأعرض عن قبول الأعذار وعظ بالزجر والإنكار وبالغ في وعظهم بالتخويف والإنذار، أو أعرض عن عقابهم وعظهم في عتابهم وبلغ كنه ما في ضميرك من الوعظ بارتكابهم. والبلاغة أن يبلغ بلسانه كنه ما في جنانه. و«في أنفسهم » يتعلق ب «قل لهم » أي قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولاً بليغاً منهم ويؤثر فيهم.
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ ﴾ أي رسولاً قط ﴿ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله ﴾ بتوفيقه في طاعته وتيسيره، أو بسبب إذن الله في طاعته وبأنه أمر المبعوث إليهم بأن يطيعوه لأنه مؤد عن الله فطاعته طاعة الله ﴿ وَمَن يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ﴾ [ النساء :٨٠ ] ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ﴾ بالتحاكم إلى الطاغوت ﴿ جَاءُوكَ ﴾ تائبين من النفاق معتذرين عما ارتكبوا من الشقاق ﴿ فاستغفروا الله ﴾ من النفاق والشقاق ﴿ واستغفر لَهُمُ الرسول ﴾ بالشفاعة لهم. والعامل في «إذ ظلموا » خبر «أنّ » وهو «جاؤوك » والمعنى :ولو وقع مجيئهم في وقت ظلمهم مع استغفارهم واستغفار الرسول ﴿ لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً ﴾ لعلموه تواباً أي لتاب عليهم. ولم يقل «واستغفرت لهم » وعدل عنه إلى طريقة الالتفات تفخيماً لشأنه صلى الله عليه وسلم وتعظيماً لاستغفاره وتنبيهاً على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان ﴿ رَّحِيماً ﴾ بهم. قيل :جاء أعرابي بعد دفنه عليه السلام فرمى بنفسه على قبره وحثا من ترابه على رأسه وقال :يا رسول الله، قلت فسمعنا وكان فيما أنزل عليك : « ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم » الآية. وقد ظلمت نفسي وجئتك أستغفر الله من ذنبي فاستغفر لي من ربي، فنودي من قبره قد غفر لك.
﴿ فَلاَ وَرَبّكَ ﴾ أي فوربك كقوله ﴿ فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ ﴾ [ الحجر :٩٢ ] «ولا » مزيدة لتأكيد معنى القسم وجواب القسم ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ أو التقدير :فلا أي ليس الأمر كما يقولون ثم قال « وربك لا يؤمنون » ﴿ حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ فيما اختلف بينهم واختلط ومنه الشجر لتداخل أغصانه ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً ﴾ ضيقاً ﴿ مّمَّا قَضَيْتَ ﴾ أي لا تضيق صدورهم من حكمك أو شكًّا، لأن الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين ﴿ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً ﴾ وينقادوا لقضائك انقياداً وحقيقته. سلم نفسه له وأسلمها أي جعلها سالمة له أي خاصة. وتسليماً مصدر مؤكد للفعل بمنزلة تكريره كأنه قيل :وينقادوا لحكمك انقياداً لا شبهة فيه بظاهرهم وباطنهم، والمعنى لا يكونون مؤمنين حتى يرضوا بحكمك وقضائك
﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ على المنافقين أي ولو وقع كتبنا عليهم ﴿ أَنِ اقتلوا ﴾ «أن » هي المفسرة ﴿ أَنفُسَكُمْ ﴾ أي تعرضوا للقتل بالجهاد.
أو ولو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم ﴿ أَوِ اخرجوا مِن دياركم ﴾ بالهجرة ﴿ مَّا فَعَلُوهُ ﴾ لنفاقهم. والهاء ضمير أحد مصدري الفعلين وهو القتل أو الخروج أو ضمير المكتوب لدلالة كتبنا «عليه » ﴿ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ ﴾ «قليلاً » :شامي على الاستثناء والرفع على البدل من واو «فعلوه » ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ ﴾ من اتباع رسول الله عليه السلام والانقياد لحكمه ﴿ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ في الدارين ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ لإيمانهم وأبعد عن الاضطراب فيه
﴿ وَإِذَاً ﴾ جواب لسؤال مقدر كأنه قيل :وماذا يكون لهم بعد التثبيت ؟ فقيل :وإذا لو ثبتوا ﴿ لاتيناهم مّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ﴾ أي ثواباً كثيراً لا ينقطع.
﴿ ولهديناهم صراطا ﴾ مفعول ثانٍ ﴿ مُّسْتَقِيماً ﴾ أي لثبتناهم على الدين الحق
﴿ وَمَن يُطِعِ الله والرسول فَأُوْلَئِكَ مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين والصديقين ﴾ كأفاضل صحابة الأنبياء. والصديق :المبالغ في صدق ظاهره بالمعاملة وباطنه بالمراقبة، أو الذي يصدق قوله بفعله ﴿ والشهداء ﴾ والذين استشهدوا في سبيل الله ﴿ والصالحين ﴾ ومن صلحت أحوالهم وحسنت أعمالهم ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ﴾ أي وما أحسن أولئك رفيقاً وهو كالصديق والخليط في استواء الواحد والجمع فيه
﴿ ذلك ﴾ مبتدأ خبره ﴿ الفضل مِنَ الله ﴾ أو« الفضل » صفته و«من الله » خبره والمعنى :أن ما أعطى المطيعون من الأجر العظيم ومرافقة المنعم عليهم من الله لأنه تفضل به عليهم، أو أراد أن فضل المنعم عليهم ومزيتهم من الله. ﴿ وكفى بالله عَلِيماً ﴾ بِعِبَادِهِ وَبِمَن هُوَ أَهْلُ الفضل ودلت الآية على أن ما يفعل الله بعباده فهو فضل منه بخلاف ما يقوله المعتزلة
﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ الحذر والحذر بمعنى وهو التحرز وهما كالإثر والأثر. يقال :أخذ حذره إذا تيقظ، واحترز من المخوف كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه، والمعنى احذروا واحترزوا من العدو ﴿ فانفروا ثُبَاتٍ ﴾ فاخرجوا إلى العدو جماعات متفرقة سرية بعد سرية، فالثباب الجماعات واحدها ثبة. ﴿ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ أي مجتمعين أو مع النبي عليه السلام، لأن الجمع بدون السمع لا يتم، والعقد بدون الواسطة لا ينتظم. أو انفروا ثباتٍ إذا لم يعم النفير، أو انفروا جميعاً إذا عم النفير. وثبات «حال » وكذا «جميعاً ».
واللام في ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن ﴾ للابتداء بمنزلتها في ﴿ إِنَّ الله لَغَفُورٌ ﴾ [ النحل :١٨ ] و «من » موصولة. وفي ﴿ لَّيُبَطّئَنَّ ﴾ جواب قسم محذوف تقديره :وإن منكم لمن أقسم بالله ليبطئن والقسم وجوابه صلة من، والضمير الراجع منها إليه ما استكنّ في ﴿ لَّيُبَطّئَنَّ ﴾ أي ليتثاقلن وليتخلفن عن الجهاد، وبطؤ بمعنى أبطأ أي تأخر ويقال : «ما بطؤ بك » فيتعدى بالباء.
والخطاب لعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله «منكم »أي في الظاهر دون الباطن يعني المنافقين يقولون لم تقتلون أنفسكم تأنوا حتى يظهر الأمر ﴿ فَإِنْ أصابتكم مُّصِيبَةٌ ﴾ قتل أو هزيمة ﴿ قَالَ ﴾ المبطىء ﴿ قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً ﴾ «حاضر » فيصيبني مثل ما أصابهم
﴿ وَلَئِنْ أصابكم فَضْلٌ مِنَ الله ﴾ فتح أو غنيمة ﴿ لَّيَقُولَنَّ ﴾ هذا المبطىء متلهفاً على ما فاته من الغنمية لا طلباً للمثوبة ﴿ كَأنَ ﴾ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي كأنه ﴿ لََّمْ تَكُنْ ﴾ وبالتاء مكي وحفص ﴿ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ وهي اعتراض بين الفعل وهو« ليقولن » وبين مفعوله وهو ﴿ ياليتنى كُنتُ مَعَهُمْ ﴾ والمعنى :كأن لم يتقدم له معكم موادة لأن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين في الظاهر وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن ﴿ فَأَفُوزَ ﴾ بالنصب لأنه جواب التمني ﴿ فَوْزاً عَظِيماً ﴾ فآخذ من الغنيمة حظاً وافراً.
﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ الله الذين يَشْرُونَ ﴾ يبيعون ﴿ الحياة الدنيا بالأخرة ﴾ والمراد المؤمنون الذين يستحبون الحياة الآجلة على العاجلة ويستبدلونها بها، أي إن صد الذين مرضت قلوبهم وضعفت نياتهم عن القتال فليقاتل الثابتون المخلصون أو يشترون، والمراد المنافقون الذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، وعطفوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق ويخلصوا الإيمان بالله ورسوله ويجاهدوا في سبيل الله حق جهاده ﴿ وَمَن يقاتل فِى سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ وعد الله المقاتل في سبيل الله ظافراً أو مظفوراً به إيتاء الأجر العظيم على اجتهاده في إعزاز دين الله.
﴿ وَمَا لَكُمْ ﴾ مبتدأ وخبر، وهذا الاستفهام في النفي للتنبيه على الاستبطاء، وفي الإثبات للإنكار ﴿ لاَ تقاتلون فِى سَبِيلِ الله ﴾ حال والعامل فيها الاستقرار كما تقول «مالك قائماً » والمعنى وأي شيء لكم تاركين القتال وقد ظهرت دواعيه ﴿ والمستضعفين ﴾ مجرور بالعطف «على سبيل الله » أي في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين، أو منصوب على الاختصاص منه أي واختص من سبيل الله خلاص المستضعَفين من المستضعِفين، لأن سبيل الله عام في كل خير، وخلاص المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخير وأخصه. والمستضعفون هم الذين أسلموا بمكة وصدهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم مستذلين مستضعفين يلقون منهم الأذى الشديد ﴿ مِنَ الرجال والنساء والولدان ﴾ ذكر الولدان تسجيلاً بإفراط ظلمهم حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين إرغاماً لآبائهم وأمهاتهم، ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالاً لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا كما فعل قوم يونس عليه السلام. وعن ابن عباس رضي الله عنهما :كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان ﴿ الذين يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هذه القرية ﴾ يعني مكة ﴿ الظالم أَهْلُهَا ﴾ « الظالم » وصف للقرية إلا أنه مسند إلى أهلها فأعطي إعراب القرية لأنه صفتها وذكر لإسناده إلى الأهل كما تقول «من هذه القرية التي ظلم أهلها » ﴿ واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً ﴾ يتولى أمرنا ويستنقذنا من أعدائنا ﴿ واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً ﴾ ينصرنا عليهم.
كانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة وبقي بعضهم إلى الفتح حتى جعل الله لهم من لدنه خير ولي وناصر وهو محمد عليه السلام، فتولاهم أحسن التولي ونصرهم أقوى النصر. ولما خرج محمد صلى الله عليه وسلم استعمل عتاب بن أسيد فرأوا منه الولاية والنصرة كما أرادوا. قال ابن عباس رضي الله عنهما :كان ينصر الضعيف من القوي حتى كانوا أعز بها من الظلمة
ثم رغب الله المؤمنين بأنهم يقاتلون في سبيل الله فهو وليهم وناصرهم، وأعداؤهم يقاتلون في سبيل الشيطان فلا ولي لهم إلا الشيطان بقوله ﴿ الذين ءامَنُواْ يقاتلون فِى سَبِيلِ الله والذين كَفَرُواْ يقاتلون فِى سَبِيلِ الطاغوت ﴾ أي الشيطان ﴿ فقاتلوا أَوْلِيَاء الشيطان ﴾ أي الكفار ﴿ إِنَّ كَيْدَ الشيطان ﴾ أي وساوسه. وقيل :الكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال ﴿ كَانَ ضَعِيفاً ﴾ لأنه غرور لا يؤول إلى محصول، أو كيده في مقابلة نصر الله ضعيف. كان المسلمون مكفوفين عن القتال مع الكفار ما داموا بمكة وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم فيه فنزل.
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ ﴾ أي عن القتال ﴿ وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكواة فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال ﴾ أي فرض بالمدينة ﴿ إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله ﴾ يخافون أن يقاتلهم الكفار كما يخافون أن ينزل الله عليهم بأسه، لا شكاً في الدين ولا رغبة عنه ولكن نفوراً عن الإخطار بالأرواح وخوفاً من الموت. قال الشيخ أبو منصور رحمه الله :هذه خشية طبع لا أن ذلك منهم كراهة لحكم الله وأمره اعتقاداً، فالمرء مجبول على كراهة مافيه خوف هلاكه غالباً، وخشية الله من إضافة المصدر إلى المفعول ومحله النصب على الحال من الضمير في «يخشون » أي يخشون الناس مثل خشية أهل الله أي مشبهين لأهل خشية الله ﴿ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ هو معطوف على الحال أي أو أشد خشية من أهل خشية الله وأو للتخيير أي إن قلت ؛ خشيتهم الناس كخشية الله فأنت مصيب، وإن قلت :إنها أشد فأنت مصيب لأنه حصل لهم مثلها وزيادة.
﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال لَوْلا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ هلا أمهلتنا إلى الموت فنموت على الفرش، وهو سؤال عن وجه الحكمة في فرض القتال عليهم لا اعتراض لحكمه بدليل أنهم لم يوبخوا على هذا السؤال بل أجيبوا بقوله ﴿ قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ والأخرة خَيْرٌ لّمَنِ اتقى ﴾ متاع الدنيا قليل زائل ومتاع الآخرة كثير دائم، والكثير إذا كان على شرف الزوال فهو قليل فكيف القليل الزائل ! ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ ولا تنقصون أدنى شيء من أجوركم على مشاق القتل فلا ترغبوا عنه. وبالياء :مكي وحمزة وعلي. ثم أخبر أن الحذر لا ينجي من القدر بقوله :
﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت ﴾ «ما » زائدة لتوكيد معنى الشرط في «أين » ﴿ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ ﴾ حصون أو قصور ﴿ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ مرفعة ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ نعمة من خصب ورخاء ﴿ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِ الله ﴾ نسبوها إلى الله ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ ﴾ بلية من قحط وشدة ﴿ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ ﴾ أضافوها إليك وقالوا. هذه من عندك وما كانت إلا بشؤمك، وذلك أن المنافقين واليهود كانوا إذا أصابهم خير حمدوا الله تعالى، وإذا أصابهم مكروه نسبوه إلى محمد صلى الله عليه وسلم فكذبهم الله تعالى بقوله ﴿ قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله ﴾ والمضاف إليه محذوف أي كل ذلك فهو يبسط الأرزاق ويقبضها ﴿ فَمَالِ هَؤُلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ ﴾ يفهمون ﴿ حَدِيثاً ﴾ فيعلمون أن الله هو الباسط القابض وكل ذلك صادر عن حكمة.
ثم قال ﴿ مَا أَصَابَكَ ﴾ يا إنسان خطاباً عاماً. وقال الزجاج :المخاطب به النبي عليه السلام والمراد غيره ﴿ مِنْ حَسَنَةٍ ﴾ من نعمة وإحسان ﴿ فَمِنَ الله ﴾ تفضلاً منه وامتناناً ﴿ وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ ﴾ من بلية ومصيبة ﴿ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ فمن عندك أي فبما كسبت يداك.
﴿ وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ فِيمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ [ الشورى :٣٠ ]. ﴿ وأرسلناك لِلنَّاسِ رَسُولاً ﴾ لا مقدراً حتى نسبوا إليك الشدة، أو أرسلناك للناس رسولاً فإليك تبليغ الرسالة وليس إليك الحسنة والسيئة ﴿ وكفى بالله شَهِيداً ﴾ بأنك رسوله، وقيل :هذا متصل بالأول أي يكادون يفقهون حديثاً يقولون ما أصابك. وحمل المعتزلة الحسنة والسيئة في الآية الثانية على الطاعة والمعصية تعسف بيّن وقد نادى عليه ما أصابك إذ يقال في الأفعال «ما أصبت » ولأنهم لا يقولون الحسنات من الله خلقاً وإيجاداً فأنى يكون لهم حجة في ذلك ؟ «وشهيداً » تمييز.
﴿ مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ﴾ لأنه لا يأمر ولا ينهى إلا بما أمر الله به ونهى عنه، فكانت طاعته في أوامره ونواهيه طاعة لله ﴿ وَمَن تولى ﴾ عن الطاعة فأعرض عنه ﴿ فَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾ تحفط عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها وتعاقبهم.
﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ ويقول المنافقون إذا أمرتهم بشيء ﴿ طَاعَةٌ ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي أمرنا وشأننا طاعة ﴿ فَإِذَا بَرَزُواْ ﴾ خرجوا ﴿ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ ﴾ زور وسوّى فهو من البيتوتة لأنه قضاء الأمر وتدبيره بالليل، أو من أبيات الشعر لأن الشاعر يدبرها ويسويها. وبالإدغام :حمزة وأبو عمرو. ﴿ غَيْرَ الذى تَقُولُ ﴾ خلاف ما قلت وما أمرت به أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة، لأنهم أبطنوا الرد لا القبول والعصيان لا الطاعة وإنما ينافقون بما يقولون ويظهرون. ﴿ والله يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ ﴾ يثبته في صحائف أعمالهم ويجازيهم عليه ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ ولا تحدث نفسك بالانتقام منهم ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الله ﴾ في شأنهم فإن الله يكفيك مضرتهم وينتقم لك منهم إذا قوي أمر الإسلام ﴿ وكفى بالله وَكِيلاً ﴾ كافياً لمن توكل عليه
﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان ﴾ أفلا يتأملون معانيه ومبانيه. والتدبر :التأمل والنظر في أدبار الأمر وما يؤول إليه في عاقبته ثم استعمل في كل تأمل. والتفكر :تصرف القلب بالنظر في الدلائل وهذا يرد قول من زعم من الروافض أن القرآن لا يفهم معناه إلا بتفسير الرسول صلى الله عليه وسلم والإمام المعصوم، ويدل على صحة القياس وعلى بطلان التقليد. ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله ﴾ كما زعم الكفار ﴿ لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً ﴾ أي تناقضاً من حيث التوحيد والتشريك والتحليل والتحريم، أو تفاوتاً من حيث البلاغة فكان بعضه بالغاً حد الإعجاز وبعضه قاصراً عنه يمكن معارضته، أو من حيث المعاني فكان بعضه إخباراً بغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخباراً مخالفاً للمخبر عنه، وبعضه دالاً على معنى صحيح عند علماء المعاني، وبعضه دالاً على معنى فاسد غير ملتئم.
وأما تعلق الملحدة بآيات يدعون فيها اختلافاً كثيراً من نحو قوله : ﴿ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾ [ الأعراف :١٠٧ ] ﴿ كَأَنَّهَا جَانٌّ ﴾ [ النمل :١٠ ] ﴿ فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [ الحجر :٩٢ ]. ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ ﴾ [ الرحمن :٣٩ ]. فقد تفصى عنها أهل الحق وستجدها مشروحة في كتابنا هذا في مظانها إن شاء الله تعالى :
﴿ وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ الأمن أَوِ الخوف ﴾ هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم يكن فيهم خبرة بالأحوال، أو المنافقون كانوا إذا بلغهم خبر من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمن وسلامة أو خوف وخلل ﴿ أَذَاعُواْ بِهِ ﴾ أفشوه وكانت إذاعتهم مفسدة. يقال :أذاع السرع وأذاع به، والضمير يعود إلى الأمر أو إلى الأمن أو الخوف لأن «أو » تقتضي أحدهما ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ ﴾ أي ذلك الخبر ﴿ إِلَى الرسول ﴾ أي رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وإلى أُوْلِى الأمر مِنْهُمْ ﴾ يعني كبراء الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمِّرون منهم ﴿ لَعَلِمَهُ ﴾ لعلم تدبير ما أخبروا به ﴿ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكائدها، وقيل :كانوا يقفون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعار فيذيعونه فينتشر فيبلغ الأعداء فتعود إذاعتهم مفسدة، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وفوضوه إليهم وكانوا كأن لم يسمعوا، لعلم الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه. والنَبط :الماء الذي يخرج من البئر أول ما تحفر، واستنباطه استخراجه فاستعير لما يستخرجه الرجل بفضل ذهنه من المعاني والتدابير فيما يعضل ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ ﴾ بإرسال الرسول ﴿ وَرَحْمَتُهُ ﴾ بإنزال الكتاب ﴿ لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان ﴾ لبقيتم على الكفر ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ لم يتبعوه ولكن آمنوا بالعقل كزيد بن عمرو بن نفيل وقس بن ساعدة وغيرهما.
لما ذكر في الآي قبلها تثبطهم عن القتال وإظهارهم الطاعة وإضمارهم خلافها قال ﴿ فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ الله ﴾ إن أفردوك وتركوك وحدك ﴿ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ غير نفسك وحدها أن تقدمها إلى الجهاد فإن الله تعالى ناصرك لا الجنود، وقيل :دعا الناس في بدر الصغرى إلى الخروج وكان أبو سفيان واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم اللقاء فيها فكره بعض الناس أن يخرجوا فنزلت، فخرج وما معه إلا سبعون ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده ﴿ وَحَرّضِ المؤمنين ﴾ وما عليك في شأنهم إلا التحريض على القتال فحسب لا التعنيف بهم ﴿ عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ ﴾ أي بطشهم وشدتهم وهم قريش وقد كف بأسهم بالرعب فلم يخرجوا. و «عسى » كلمة مطمعة غير أن أطماع الكريم أعود من إنجاز اللئيم ﴿ والله أَشَدُّ بَأْساً ﴾ من قريش ﴿ وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ﴾ تعذيباً وهو تمييز ك«بأساً ».
﴿ وَمَن يَشْفَعْ شفاعة حَسَنَةً ﴾ هي الشفاعة في دفع شر أو جلب نفع من جوازها شرعاً ﴿ يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا ﴾ من ثواب الشفاعة ﴿ وَمَن يَشْفَعْ شفاعة سَيّئَةً ﴾ هي خلاف الشفاعة الحسنة. قال ابن عباس رضي الله عنهما :ما لها مفسر غيري معناه من أمر بالتوحيد وقاتل أهل الكفر وضده السيئة. وقال الحسن :هو المشي بالصلح وضده النميمة ﴿ يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا ﴾ نصيب ﴿ وَكَانَ الله على كُلّ شَيْءٍ مُّقِيتاً ﴾ مقتدراً من أقات على الشيء اقتدر عليه، أو حفيظاً من القوت لأنه يمسك النفس ويحفظها.
﴿ وَإِذَا حُيّيتُم ﴾ أي سلم عليكم فإن التحية في ديننا بالسلام في الدارين ﴿ فَسَلّمُواْ على أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مّنْ عِندِ الله ﴾ [ النور :٦١ ]. ﴿ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سلام ﴾ [ الأحزاب :٤٤ ]. وكانت العرب تقول عند اللقاء :حياك الله أي أطال الله حياتك فأبدل ذلك بعد الإسلام بالسلام ﴿ بِتَحِيَّةٍ ﴾ هي تفعله من حيّا يحيّي تحية ﴿ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا ﴾ أي قولوا :وعليكم السلام ورحمة الله إذا قال السلام عليكم. وزيدوا «وبركاته » إذا قال «ورحمة الله ». ويقال لكل شيء منتهى ومنتهى السلام «وبركاته ». ﴿ أَوْ رُدُّوهَا ﴾ أي أجيبوها بمثلها، ورد السلام جوابه بمثله لأن المجيب يرد قول المسلّم، وفيه حذف مضاف أي ردوا مثلها. والتسليم سنة والرد فريضة والأحسن فضل. وما من رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلا نزع عنهم روح القدس وردت عليه الملائكة. ولا يرد السلام في الخطبة وقراءة القرآن جهراً ورواية الحديث وعند مذاكرة العلم والأذان والإقامة. وعند أبي يوسف رحمه الله :لا يسلم على لاعب الشطرنج والنرد والمغني والقاعد لحاجته ومطير الحمام والعاري من غير عذر في حمام أو غيره. ويسلم الرجل إذا دخل على امرأته، والماشي على القاعد، والراكب على الماشي، وراكب الفرس على راكب الحمار، والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر، وإذا التقيا ابتدرا. وقيل : «بأحسن منها » لأهل الملة «أو ردوها » لأهل الذمة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم " إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم " أي وعليكم ما قلتم لأنهم كانوا يقولون «السام عليكم ». وقوله عليه السلام " لاغرار في تسليم " أي لا يقال «عليك » بل «عليكم » لأن كاتبيه معه ﴿ إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَيْءٍ حَسِيباً ﴾ أي يحاسبكم على كل شيء من التحية وغيرها.
﴿ الله ﴾ مبتدأ ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ خبره أو اعتراض والخبر ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴾ ومعناه :الله والله ليجمعنكم ﴿ إلى يَوْمِ القيامة ﴾ أي ليحشرنكم إليه. والقيامة القيام كالطلابة والطلاب وهي قيامهم من القبور، أو قيامهم للحساب ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين ﴾ [ المطففين :٦ ] ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ هو حال من يوم القيامة والهاء يعود إلى اليوم، أو صفة لمصدر محذوف أي جمعاً لا ريب فيه، والهاء يعود إلى الجمع ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً ﴾ تمييز وهو استفهام بمعنى النفي أي لا أحد أصدق منه في إخباره ووعده ووعيده لاستحالة الكذب عليه لقبحه لكونه إخباراً عن الشيء بخلاف ما هو عليه.
﴿ فما لكم ﴾ مبتدأ وخبر ﴿ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ ﴾ أي مالكم اختلفتم في شأن قوم قد نافقوا نفاقاً ظاهراً وتفرقتم فيهم فرقتين، وما لكم لم تقطعوا القول بكفرهم ؟ وذلك أن قوماً من المنافقين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى البدو معتلين باجتواء المدينة، فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين. فاختلف المسلمون فيهم فقال بعضهم :هم كفار، وقال بعضهم :هم مسلمون. و«فئتين » حال كقولك «مالك قائماً »، قال سيبويه :إذا قلت «مالك قائماً » فمعناه لم قمت ؟ ونصبه على تأويل أي شيء يستقر لك في هذه الحال ؟ ﴿ والله أَرْكَسَهُمْ ﴾ ردهم إلى حكم الكفار ﴿ بِمَا كَسَبُواْ ﴾ من ارتدادهم ولحوقهم بالمشركين فردوهم أيضاً ولا تختلفوا في كفرهم ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ ﴾ أن تجعلوا من جملة المهتدين ﴿ مَنْ أَضَلَّ الله ﴾ من جعله الله ضالاً، أو أتريدون أن تسموهم مهتدين وقد أظهر الله ضلالهم فيكون تعييراً لمن سماهم مهتدين. والآية تدل على مذهبنا في إثبات الكسب للعبد والخلق للرب جلت قدرته ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾ طريقاً إلى الهداية.
﴿ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ ﴾ الكاف نعت لمصدر محذوف و «ما » مصدرية أي ودوا لو تكفرون كفراً مثل كفرهم ﴿ فَتَكُونُونَ ﴾ عطف على «تكفرون » «سَوَآء » أي مستوين أنتم وهم في الكفر ﴿ فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حتى يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ الله ﴾ فلا توالوهم حتى يؤمنوا لأن الهجرة في سبيل الله بالإسلام ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ عن الإيمان ﴿ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ كما كان حكم سائر المشركين ﴿ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ وإن بذلوا لكم الولاية والنصرة فلا تقبلوا منهم
﴿ إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ ﴾ أي ينتهون إليهم ويتصلون بهم. والاستثناء من قوله ﴿ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم ﴾ دون الموالاة ﴿ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق ﴾ القوم هم الأسلميون كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، وذلك أنه وادع قبل خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال والتجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال، أي فاقتلوهم إلا من اتصل بقوم بينكم وبينهم ميثاق ﴿ أَوْ جَآءُوكُمْ ﴾ عطف على صفة «قوم » أي إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين، أو قوم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم أو على صفة الذين أي إلا الذين يتصلون بالمعاهدين، أو الذين لا يقاتلونكم ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ حال بإضمار «قد ». والحصر :الضيق والانقباض ﴿ أن يقاتلوكم ﴾ عن أن يقاتلوكم أي عن قتالكم ﴿ أَوْ يقاتلوا قَوْمَهُمْ ﴾ معكم ﴿ وَلَوْ شَاء الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ بتقوية قلوبهم وإزالة الحصر عنها ﴿ فلقاتلوكم ﴾ عطف على ﴿ لَسَلَّطَهُمْ ﴾ ودخول اللام للتأكيد ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم ﴾ فإن لم يتعرضوا لكم ﴿ فَلَمْ يقاتلوكم وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم ﴾ أي الانقياد والاستسلام ﴿ فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾ طريقاً إلى القتال.
﴿ سَتَجِدُونَ ءاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ ﴾ بالنفاق ﴿ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ ﴾ بالوفاق هم قوم من أسد وغطفان، كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين، فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم.
﴿ كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الفتنة ﴾ كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين ﴿ أُرْكِسُواْ فِيِهَا ﴾ قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه وكانوا شراً فيها من كل عدو
﴿ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ﴾ فإن لم يعتزلوا قتالكم ﴿ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السلم ﴾ عطف على «لم يعتزلوكم » أي ولم ينقادوا لكم بطلب الصلح،
﴿ وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ ﴾ عطف عليه أيضاً أي ولم يمسكوا عن قتالكم ﴿ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ ﴾ حيث تمكنتم منهم وظفرتم بهم
﴿ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سلطانا مُّبِيناً ﴾ حجة واضحة لظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر وإضرارهم بالمسلمين، أو تسلطاً ظاهراً حيث أذنا لكم في قتلهم.
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ وما صح له ولا استقام ولا لاق بحاله ﴿ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً ﴾ ابتداء من غير قصاص أي ليس المؤمن كالكافر الذي تقدم إباحة دمه ﴿ إِلاَّ خَطَئاً ﴾ إلا على وجه الخطأ وهو استثناء منقطع بمعنى «لكن » أي لكن إن وقع خطأ، ويحتمل أن يكون صفة لمصدر أي إلا قتلاً خطأ والمعنى :من شأن المؤمن أن ينتفي عنه وجود قتل المؤمن ابتداء البتة إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد بأن يرمي كافراً فيصيب مسلماً أو يرمي شخصاً على أنه كافر فإذا هو مسلم ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً ﴾ صفة مصدر محذوف أي قتلاً خطأ.
﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ مبتدأ والخبر محذوف أي فعليه تحرير رقبة، والتحرير :الإعتاق، والحر والعتيق الكريم لأن الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العبيد، ومنه عتاق الطير وعتاق الخيل لكرامها. والرقبة :النسمة ويعبر عنها بالرأس في قولهم :«فلان يملك كذا رأساً من الرقيق ﴿ مُؤْمِنَةٍ ﴾ قيل :لما أخرج نفساً مؤمنة من جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار، لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها من قبل أن الرقيق ملحق بالأموات، إذ الرق أثر من آثار الكفر والكفر موت حكماً. ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه ﴾ [ الأنعام :١٢٢ ]. ولهذا منع من تصرف الأحرار وهذا مشكل إذ لو كان كذلك لوجب في العمد أيضاً، لكن يحتمل أن يقال :إنما وجب عليه ذلك لأن الله تعالى أبقى للقتال نفساً مؤمنة حيث لم يوجب القصاص فأوجب عليه مثلها رقبة مؤمنة. ﴿ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ﴾ مؤادة إلى ورثته يقتسمونها كما يقتسمون الميراث لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل شيء فيقضي منها الدين وتنفذ الوصية، وإذا لم يبق وارث فهي لبيت المال.
وقد ورّث رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها أشيم، لكن الدية على العاقلة والكفارة على القاتل.
﴿ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ ﴾ إلا أن يتصدقوا عليه بالدية أي يعفوا عنه، والتقدير :فعليه دية في كل حال إلا في حال التصدق عليه بها.
﴿ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ ﴾ فإن كان المقتول خطأ من قوم أعداء لكم أي كفرة فالعدو يطلق على الجمع ﴿ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ أي المقتول مؤمن ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ يعني إذا أسلم الحربي في دار الحرب ولم يهاجر إلينا فقتله مسلم خطأ تجب الكفارة بقتله للعصمة المؤثمة وهي الإسلام، ولا تجب الدية لأن العصمة المقومة بالدار ولم توجد ﴿ وَإِن كَانَ ﴾ أي المقتول ﴿ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ ﴾ بين المسلمين ﴿ وَبَيْنَهُمْ ميثاق ﴾ عهد ﴿ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً ﴾ أي وإن كان المقتول ذمياً فحكمه حكم المسلم، وفيه دليل على أن دية الذمي كدية المسلم وهو قولنا ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ ﴾ رقبة أي لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها.
﴿ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ ﴾ فعليه صيام شهرين ﴿ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مّنَ الله ﴾ قبولاً من الله ورحمة منه، من تاب الله عليه إذا قبل توبته يعني شرع ذلك توبة منه، أو فليتب توبة فهي نصب على المصدر ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً ﴾ بما أمر ﴿ حَكِيماً ﴾ فيما قدّر.
﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً ﴾ حال من ضمير القاتل أي قاصداً قتله لإيمانه وهو كفر أو قتله مستحلاً لقتله وهو كفر أيضاً ﴿ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خالدا فِيهَا ﴾ أي إن جازاه. قال عليه السلام " هي جزاؤه إن جازاه " والخلود قد يراد به طول المقام. وقول المعتزلة بالخروج من الإيمان يخالف قوله تعالى : ﴿ ا يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى ﴾ [ البقرة :١٧٨ ] : ﴿ وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ ﴾ أي انتقم منه وطرده من رحمته ﴿ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ﴾ لارتكابه أمراً عظيماً وخطباً جسيماً. في الحديث " لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرىء مسلم "
﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ الله ﴾ سرتم في طريق الغزو ﴿ فَتَبَيَّنُواْ ﴾ «فتثبتوا » :حمزة وعلي وهما من التفعل بمعنى الاستفعال أي اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تتهوكوا فيه ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام ﴾ «السلم » :مدني وشامي وحمزة وهما الاستسلام. وقيل :الإسلام. وقيل :التسليم الذي هو تحية أهل الإسلام. ﴿ لَسْتَ مُؤْمِناً ﴾ في موضع النصب بالقول. وروي أن مرداس بن نهيك أسلم ولم يسلم من قومه غيره، فغزتهم سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهربوا وبقي مرداس لثقته بإسلامه، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى منعرج من الجبل وصعد فلما تلاحقوا وكبروا كبر ونزل وقال :لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد واستاق غنمه فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد وجداً شديداً وقال
" قتلتموه إرادة ما معه " ثم قرأ الآية على أسامة. ﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياة الدنيا ﴾ تطلبون الغنيمة التي هي حطام سريع النفاد فهو الذي يدعوكم إلى ترك التثبت وقلة البحث عن حال من تقتلونه. والعرض :المال، سمي به لسرعة فنائه. و «تبتغون » حال من ضمير الفاعل في «تقولوا » ﴿ فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ يغنّمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام ويتعوذ به من التعرض له لتأخذوا ماله ﴿ كذلك كُنتُمْ مّن قَبْلُ ﴾ أول ما دخلتم في الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة فحصنت دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم، والكاف في «كذلك » خبر «كان » وقد تقدم عليها وعلى اسمها ﴿ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ ﴾ بالاستقامة والاشتهار بالإيمان فافعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم ﴿ فَتَبَيَّنُواْ ﴾ كرر الأمر بالتبين ليؤكد عليهم ﴿ إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ فلا تتهافتوا في القتل وكونوا محترزين محتاطين في ذلك.
﴿ لاَّ يَسْتَوِى القاعدون ﴾ عن الجهاد ﴿ مِنَ المؤمنين غَيْرُ أُوْلِى الضرر ﴾ بالنصب :مدني وشامي وعلي لأنه استثناء من القاعدين، أو حال منهم. وبالجر عن حمزة صفة للمؤمنين، وبالرفع غيرهم صفة للقاعدين. والضرر المرض أو العاهة من أعمى أعرج أو زمانة أو نحوها ﴿ والمجاهدون فِى سَبِيلِ الله بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ ﴾ عطف على «القاعدون ». » ونفى التساوي بين المجاهد والقاعد بغير عذر وإن كان معلوماً، توبيخاً للقاعد عن الجهاد وتحريكاً له عليه ونحوه ﴿ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [ الزمر :٩ ] فهو تحريك لطلب العلم وتوبيخ على الرضا بالجهل ﴿ فَضَّلَ الله المجاهدين بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القاعدين ﴾ ذكر هذه الجملة بياناً للجملة الأولى وموضحة لما نفى من استواء القاعدين والمجاهدين كأنه قيل :ما لهم لا يستوون ؟ فأجيب بذلك ﴿ دَرَجَةً ﴾ نصب على المصدر لوقوعها موقع المرة من التفضيل كأنه قيل ؛ فضلهم تفضلة كقولك «ضربه سوطاً ». ونصب ﴿ وَكُلاًّ ﴾ أي وكل فريق من القاعدين والمجاهدين لأنه مفعول أول لقوله ﴿ وَعَدَ الله ﴾ والثاني ﴿ الحسنى ﴾ أي المثوبة الحسنى وهي الجنة وإن كان المجاهدون مفضلين على القاعدين درجة ﴿ وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين ﴾ بغير عذر ﴿ أَجْراً عَظِيماً *درجات مّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ﴾ قيل :انتصب «أجراً » بفضل لأنه في معنى أجرهم أجراً و «درجات ومغفرة ورحمة » بدل من «أجراً »، أو انتصب «درجات » نصب «درجة » كأنه قيل :فضلهم تفضيلات كقولك «ضربه أسواطاً » أي ضربات، و «أجراً عظيماً ». على أنه حال من النكرة التي هي «درجات » مقدمة عليها. و«ومغفرة ورحمة ».
بإضمار فعلهما أي وغفر لهم ورحمهم مغفرة ورحمة. وحاصله أن الله تعالى فضل المجاهدين على القاعدين بعذر درجة وعلى القاعدين بغير عذر بأمر النبي عليه السلام اكتفاء بغيرهم درجات لأن الجهاد فرض كفاية ﴿ وَكَانَ الله غَفُوراً ﴾ بتكفير العذر ﴿ رَّحِيماً ﴾ بتوفير الأجر.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٥: ﴿ لاَّ يَسْتَوِى القاعدون ﴾ عن الجهاد ﴿ مِنَ المؤمنين غَيْرُ أُوْلِى الضرر ﴾ بالنصب :مدني وشامي وعلي لأنه استثناء من القاعدين، أو حال منهم. وبالجر عن حمزة صفة للمؤمنين، وبالرفع غيرهم صفة للقاعدين. والضرر المرض أو العاهة من أعمى أعرج أو زمانة أو نحوها ﴿ والمجاهدون فِى سَبِيلِ الله بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ ﴾ عطف على «القاعدون ». » ونفى التساوي بين المجاهد والقاعد بغير عذر وإن كان معلوماً، توبيخاً للقاعد عن الجهاد وتحريكاً له عليه ونحوه ﴿ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [ الزمر :٩ ] فهو تحريك لطلب العلم وتوبيخ على الرضا بالجهل ﴿ فَضَّلَ الله المجاهدين بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القاعدين ﴾ ذكر هذه الجملة بياناً للجملة الأولى وموضحة لما نفى من استواء القاعدين والمجاهدين كأنه قيل :ما لهم لا يستوون ؟ فأجيب بذلك ﴿ دَرَجَةً ﴾ نصب على المصدر لوقوعها موقع المرة من التفضيل كأنه قيل ؛ فضلهم تفضلة كقولك «ضربه سوطاً ». ونصب ﴿ وَكُلاًّ ﴾ أي وكل فريق من القاعدين والمجاهدين لأنه مفعول أول لقوله ﴿ وَعَدَ الله ﴾ والثاني ﴿ الحسنى ﴾ أي المثوبة الحسنى وهي الجنة وإن كان المجاهدون مفضلين على القاعدين درجة ﴿ وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين ﴾ بغير عذر ﴿ أَجْراً عَظِيماً *درجات مّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ﴾ قيل :انتصب «أجراً » بفضل لأنه في معنى أجرهم أجراً و «درجات ومغفرة ورحمة » بدل من «أجراً »، أو انتصب «درجات » نصب «درجة » كأنه قيل :فضلهم تفضيلات كقولك «ضربه أسواطاً » أي ضربات، و «أجراً عظيماً ». على أنه حال من النكرة التي هي «درجات » مقدمة عليها. و«ومغفرة ورحمة ».
بإضمار فعلهما أي وغفر لهم ورحمهم مغفرة ورحمة. وحاصله أن الله تعالى فضل المجاهدين على القاعدين بعذر درجة وعلى القاعدين بغير عذر بأمر النبي عليه السلام اكتفاء بغيرهم درجات لأن الجهاد فرض كفاية ﴿ وَكَانَ الله غَفُوراً ﴾ بتكفير العذر ﴿ رَّحِيماً ﴾ بتوفير الأجر.

ونزل فيمن أسلم ولم يهاجر حين كانت الهجرة فريضة وخرج مع المشركين إلى بدر مرتداً فقتل كافراً ﴿ إِنَّ الذين توفاهم الملئكة ﴾ يجوز أن يكون ماضياً لقراءة من قرء «توفتهم » ومضارعاً بمعنى تتوفاهم، وحذفت التاء الثانية لاجتماع التاءين. والتوفي :قبض الروح، والملائكة :ملك الموت وأعوانه ﴿ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ ﴾ حال من ضمير المفعول في «توفاهم » أي في حال ظلمهم أنفسهم بالكفر وترك الهجرة ﴿ قَالُواْ ﴾ أي الملائكة للمتوفّين ﴿ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ أي في أي شيء كنتم في أمر دينكم ؟ ومعناه التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين. ﴿ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ ﴾ عاجزين عن الهجرة ﴿ فِى الأرض ﴾ أرض مكة فأخرجونا كارهين ﴿ قَالُواْ ﴾ أي الملائكة موبخين لهم ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فتهاجروا فِيهَا ﴾ أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم، ومن الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونصب «فتهاجروا » على جواب الاستفهام ﴿ فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً ﴾ خبر «إن » «فأولئك » ودخول الفاء لما في «الذين » من الإبهام المشابه بالشرط، أو «قالوا فيم كنتم » والعائد محذوف أي قالوا لهم، والآية تدل على أن لم يتمكن من إقامة دينه في بلد كما يجب وعلم أنه يتمكن من إقامته في غيره حقت عليه المهاجرة. وفي الحديث " من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجبت له الجنة " وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم
﴿ إِلاَّ المستضعفين مِنَ الرجال والنساء والولدان ﴾ استثنى من أهل الوعيد المستضعفين الذين ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ﴾ في الخروج منها لفقرهم وعجزهم ﴿ وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ﴾ ولا معرفة لهم بالمسالك. «ولا يستطيعون » صفة للمستضعفين أو للرجال والنساء والولدان. وإنما جاز ذلك والجمل نكرات لأن الموصوف وإن كان فيه حرف التعريف فليس بشيء بعينه كقوله
ولقد أمر على اللئيم يسبني. . . .
﴿ فَأُوْلَئِكَ عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾ و «عسى » وإن كان للإطماع فهو من الله واجب لأن الكريم إذا أطمع أنجز. ﴿ وَكَانَ الله عَفُوّاً غَفُوراً ﴾ لعباده قبل أن يخلقهم.
﴿ وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى الأرض مُرَاغَماً ﴾ مهاجراً وطريقاً يراغم بسلوكه قومه أي يفارقهم على رغم أنوفهم، والرغم :الذل والهوان، وأصله لصوق الأنف بالرغام وهو التراب. يقال راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك ﴿ كَثِيراً وَسَعَةً ﴾ في الرزق أو في إظهار الدين أو في الصدر لتبدل الخوف بالأمن ﴿ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مهاجرا ﴾ حال من الضمير في «يخرج » ﴿ إِلَى الله وَرَسُولِهِ ﴾ إلى حيث أمر الله ورسوله ﴿ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت ﴾ قبل بلوغه مهاجره وهو عطف على «يخرج » ﴿ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله ﴾ أي حصل له الأجر بوعد الله وهو تأكيد للوعد فلا شيء يجب على الله لأحد من خلقه. ﴿ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ قالوا :كل هجرة لطلب علم أو حج أو جهاد أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة أو زهداً أو ابتغاء رزق طيب فهي هجرة إلى الله، ورسوله، وإن أدركه الموت في طريقه فقد وقع أجره على الله.
﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الأرض ﴾ سافرتم فيها، فالضرب في الأرض هو السفر ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ﴾ حرج ﴿ أَن تَقْصُرُواْ ﴾ في أن تقصروا ﴿ مِنَ الصلاة ﴾ من أعداد ركعات الصلاة فتصلوا الرباعية ركعتين، وظاهر الآية يقتضي أن القصر رخصة في السفر والإكمال عزيمة كما قال الشافعي رحمه الله، لأن «لا جناح » يستعمل في موضع التخفيف والرخصة لا في موضع العزيمة وقلنا :القصر عزيمة غير رخصة ولا يجوز الإكمال لقول عمر رضي الله عنه :صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم. وأما الآية فكأنهم ألفوا الإتمام فكانوا مظنة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر فنفى عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمئنوا إليه.
﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ ﴾ إن خشيتم أن يقصدكم الكفار بقتل أو جرح أو أخذ، والخوف شرط جواز القصر عند الخوارج بظاهر النص، وعند الجمهور ليس بشرط لما روي عن يعلى بن أمية أنه قال لعمر :ما بالنا نقصر وقد أمنّا ؟ فقال :عجبت مما تعجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " وفيه دليل على أنه لا يجوز الإكمال في السفر لأن التصدق بما لا يحتمل التمليك إسقاط محض لا يحتمل الرد، وإن كان المتصدق ممن لا تلزم طاعته كولي القصاص إذا عفا فمن تلزم طاعته أولى، ، ولأن حالهم حين نزول الآية كذلك فنزلت على وفق الحال وهو كقوله :
﴿ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ﴾ [ النور :٣٣ ]. دليله قراءة عبد الله «من الصلاة أن يفتنكم » أي لئلا يفتنكم على أن المراد بالآية قصر الأحوال وهو أن يومىء على الدابة عند الخوف، أو يخفف القراءة والركوع والسجود والتسبيح كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما. ﴿ إِنَّ الكافرين كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً ﴾ فتحرزوا عنهم.
﴿ وَإِذَا كُنتَ ﴾ يا محمد ﴿ فِيهِمْ ﴾ في أصحابك ﴿ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة ﴾ فأردت أن تقيم الصلاة بهم وبظاهره تعلق أبو يوسف رحمه الله فلا يرى صلاة الخوف بعده عليه السلام وقال :الأئمة نواب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل عصر فكان الخطاب له متناولاً لكل إمام كقوله تعالى : ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ ﴾ [ التوبة :١٠٣ ]. دليله فعل الصحابة رضي الله عنهم بعده عليه السلام ﴿ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ ﴾ فاجعلهم طائفتين فلتقم إحداهما معك فصل بهم وتقوم طائفة تجاه العدو ﴿ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ ﴾ أي الذين تجاه العدو. عن ابن عباس رضي الله عنهما :وإن كان المراد به المصلين فقالوا :يأخذون من السلاح ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر ونحوهما ﴿ فَإِذَا سَجَدُواْ ﴾ أي قيدوا ركعتهم بسجدتين فالسجود على ظاهره عندنا وعند مالك بمعنى الصلاة ﴿ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ ﴾ أي إذا صلت هذه الطائفة التي معك ركعة فليرجعوا ليقفوا بإزاء العدو ﴿ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ ﴾ في موضع رفع صفة ل «طائفة » ﴿ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ ﴾ أي ولتحضر الطائفة الواقفة بإزاء العدو فليصلوا معك الركعة الثانية ﴿ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ ﴾ ما يتحرزون به من العدو كالدرع ونحوه ﴿ وَأَسْلِحَتَهُمْ ﴾ جمع سلاح وهو ما يقاتل به. وأخذ السلاح شرط عند الشافعي رحمه الله، وعندنا مستحب، وكيفية صلاة الخوف معروفة ﴿ وَدَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ ﴾ أي تمنوا أن ينالوا منكم غرة في صلاتكم ﴿ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً واحدة ﴾ فيشدون عليكم شدة واحدة ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ ﴾ في أن تضعوا ﴿ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ رخص لهم في وضع الأسلحة إن ثقل عليهم حملها بسبب ما يبلهم من مطر أو يضعفهم من مرض، وأمرهم مع ذلك بأخذ الحذر لئلا يغفلوا فيهجم عليهم العدو ﴿ إِنَّ الله أَعَدَّ للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ أخبر أنه يهين عدوهم لتقوى قلوبهم، وليعلموا أن الأمر بالحذر ليس لتوقع غلبتهم عليهم وإنما هو تعبد من الله تعالى.
﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة ﴾ فرغتم منها ﴿ فاذكروا الله قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِكُمْ ﴾ أي دوموا على ذكر الله في جميع الأحوال، أو فإذا أردتم أداء الصلاة فصلوا قياماً إن قدرتم عليه، وقعوداً إن عجزتم عن القيام، ومضطجعين إن عجزتم عن القعود ﴿ فَإِذَا اطمأننتم ﴾ سكنتم بزوال الخوف ﴿ فَأَقِيمُواْ الصلاة ﴾ فأتموها بطائفة واحدة أو إذا أقمتم فأتموا ولا تقصروا، أو إذا اطمأننتم بالصحة فأتموا القيام والركوع والسجود ﴿ إِنَّ الصلاة كَانَتْ عَلَى المؤمنين كتابا مَّوْقُوتاً ﴾ مكتوباً محدوداً بأوقات معلومة.
﴿ وَلاَ تَهِنُواْ ﴾ ولا تضعفوا ولا تتوانوا ﴿ فِى ابتغاء القوم ﴾ في طلب الكفار بالقتال والتعرض به لهم. ثم ألزمهم الحجة بقوله ﴿ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لاَ يَرْجُونَ ﴾ أي ليس ما تجدون من الألم بالجرح والقتل مختصاً بكم بل هو مشترك بينكم وبينهم، يصيبهم كما يصيبكم، ثم إنهم يصبرون عليه فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم مع أنكم أجدر منهم بالصبر لأنكم ترجون من الله ما لا يرجون من إظهار دينكم على سائر الأديان، ومن الثواب العظيم في الآخرة ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً ﴾ بما يجد المؤمنون من الألم ﴿ حَكِيماً ﴾ في تدبير أمورهم.
روي أن طعمة بن أبريق أحد بني ظفر سرق درعاً من جار له اسمه قتادة بن النعمان في جراب دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه وخبأها عند زيد بن السمين رجل من اليهود فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد وحلف ما أخذها وما له بها علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها فقال :دفعها إليّ طعمة وشهد له ناس من اليهود. فقالت بنو ظفر :انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا :إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرىء اليهودي فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل فنزل : ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق ﴾ أي محقاً ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَا أَرَاكَ الله ﴾ بما عرفك وأوحى به إليك. وقال الشيخ أبو منصور رحمه الله :بما ألهمك بالنظر في أصوله المنزلة، وفيه دلالة جواز الاجتهاد في حقه ﴿ وَلاَ تَكُنْ لّلْخَائِنِينَ ﴾ لأجل الخائنين ﴿ خَصِيماً ﴾ مخاصماً أي ولا تخاصم اليهود لأجل بني ظفر
﴿ واستغفر الله ﴾ مما هممت به { إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً *
وَلاَ تجادل عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ } يخونونها بالمعصية جعلت معصية العصاة خيانة منهم لأنفسهم لأن الضرر راجع إليهم، والمراد به طعمة ومن عاونه من قومه وهم يعلمون أنه سارق، أو ذكر بلفظ الجمع ليتناول طعمه وكل من خان خيانته ﴿ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً ﴾ وإنما قيل بلفظ المبالغة لأنه تعالى عالم من طعمة أنه مُفْرط في الخيانة وركوب المآثم. ورُوي أن طعمة هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطاً بمكة ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله. وقيل :إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات. وعن عمر رضي الله عنه أنه أمر بقطع يد سارق فجاءت أمه تبكي وتقول :هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه، فقال :كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة.
﴿ يَسْتَخْفُونَ ﴾ يستترون ﴿ مِنَ الناس ﴾ حياء منهم وخوفاً من ضررهم ﴿ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله ﴾ ولا يستحيون منه ﴿ وَهُوَ مَعَهُمْ ﴾ وهو عالم بهم مطلع عليهم لا يخفى عليه خافٍ من سرهم، وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم فيه من قلة الحياة والخشية من ربهم مع علمهم أنهم في حضرته لا سترة ولا غيبة ﴿ إِذْ يُبَيِّتُونَ ﴾ يدبرون وأصله أن يكون ليلاً ﴿ مَا لاَ يرضى مِنَ القول ﴾ وهو تدبير طعمة أن يرمي بالدرع في دار زيد ليسرّق دونه ويحلف أنه لم يسرقها، وهو دليل على أن الكلام هو المعنى القائم بالنفس حيث سمى التدبير قولاً ﴿ وَكَانَ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ﴾ عالماً علم إحاطة.
﴿ هَاأَنتُمْ هَؤُلاَء ﴾ «ها » للتنبيه في «أنتم » و «أولاء » » وهما مبتدأ وخبر ﴿ جادلتم ﴾ خاصمتم وهي جملة مبينة لوقوع «أولاء » خبراً كقولك لبعض الاسخياء «أنت حاتم تجود بمالك ». أو «أولاء » اسم موصول بمعنى «الذين » و «جادلتم » صلته والمعنى :هبوا أنكم خاصمتم ﴿ عَنْهُمْ ﴾ عن طعمة وقومه ﴿ فِي الحياة الدنيا فَمَن يجادل الله عَنْهُمْ يَوْمَ القيامة ﴾ فمن يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه ؟ وقرىء «عنه » أي عن طعمة ﴿ أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ﴾ حافظاً ومحامياً من بأس الله وعذابه.
﴿ وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً ﴾ ذنباً دون الشرك ﴿ أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ﴾ بالشرك أو سوءاً قبيحاً يتعدى ضرره إلى الغير كما فعل طعمة بقتادة واليهودي، أو يظلم نفسه بما يختص به كالحلف الكاذب ﴿ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله ﴾ يسأل مغفرته ﴿ يَجِدِ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ له وهذا بعث لطعمة على الاستغفار والتوبة
﴿ وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ على نَفْسِهِ ﴾ لأن وباله عليها ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ﴾ فلا يعاقب بالذنب غير فاعله
﴿ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً ﴾ صغيرة ﴿ أَوْ إِثْماً ﴾ أو كبيرة، أو الأول ذنب بينه وبين ربه، والثاني ذنب في مظالم العباد ﴿ ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً ﴾ كما رمى طعمة زيداً ﴿ فَقَدِ احتمل بهتانا ﴾ كذباً عظيماً ﴿ وَإِثْماً مُّبِيناً ﴾ ذنباً ظاهراً، وهذا لأنه بكسب الإثم آثم ويرمي البريء باهت فهو جامع بين الأمرين، والبهتان كذب يبهت من قيل عليه ما لا علم له به
﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ ﴾ أي عصمته ولطفه من الإطلاع على سرهم ﴿ لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ ﴾ من بني ظفر، أو المراد بالطائفة بنو ظفر الضمير في «منهم » يعود إلى الناس ﴿ أَن يُضِلُّوكَ ﴾ عن القضاء بالحق وتوخي طريق العدل مع علمهم بأن الجاني صاحبهم ﴿ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ ﴾ لأن وباله عليهم ﴿ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ﴾ لأنك إنما عملت بظاهر الحال وما كان يخطر ببالك أن الحقيقة على خلاف ذلك ﴿ وَأَنزَلَ الله عَلَيْكَ الكتاب ﴾ القرآن ﴿ والحكمة ﴾ والسنة ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ﴾ من أمور الدين والشرائع أو من خفيات الأمور وضمائر القلوب ﴿ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾ فيما علمك وأنعم عليك.
﴿ لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ ﴾ من تناجي الناس ﴿ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ ﴾ إلا نجوى من أمر، وهو مجرور بدل من «كثير » أو من «نجواهم » أو منصوب على الانقطاع بمعنى ولكن من أمر بصدقة ففي نجواه الخير ﴿ أَوْ مَعْرُوفٍ ﴾ أي قرض أو إغاثة ملهوف أو كل جميل، أو المراد بالصدقة الزكاة وبالمعروف التطوع ﴿ أَوْ إصلاح بَيْنَ الناس ﴾ أي إصلاح ذات البين ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك ﴾ المذكور ﴿ ابتغاء مرضات الله ﴾ طلب رضا الله وخرج عنه من فعل ذلك رياء أو ترؤساً وهو مفعول له. والإشكال أنه قال «إلا من أمر » ثم قال و «من يفعل ذلك » والجواب أنه ذكر الأمر بالخير ليدل به على فاعله لأنه إذا دخل الآمر به في زمرة الخيرين كان الفاعل فيهم أدخل، ثم قال و «ومن يفعل ذلك » فذكر الفاعل وقرن به الوعد بالأجر العظيم. أو المراد ومن يأمر بذلك فعبر عن الأمر بالفعل ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ «يؤتيه » :أبو عمرو وحمزة.
﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرسول مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهدى ﴾ ومن يخالف الرسول من بعد وضوح الدليل وظهور الرشد ﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين ﴾ أي السبيل الذي هم عليه من الدين الحنيفي، وهو دليل على أن الإجماع حجة لا تجوز مخالفتها كما لا تجوز مخالفة الكتاب والسنة، لأن الله تعالى جمع بين أتباع غير سبيل المؤمنين وبين مشاقة الرسول في الشرط، وجعل جزاءه الوعيد الشديد فكان اتباعهم واجباً كموالاة الرسول ﴿ نُوَلِّهِ مَا تولى ﴾ نجعله والياً لما تولى من الضلال وندعه وما اختاره في الدنيا ﴿ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ﴾ في العقبي ﴿ وَسَاءَتْ مَصِيراً ﴾ قيل :هي في طعمة وارتداده.
﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ مر تفسيره في هذه السورة ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضلالا بَعِيداً ﴾ عن الصواب
﴿ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ﴾ ما يعبدون من دون الله ﴿ إِلاَّ إناثا ﴾ جمع أنثى وهي اللات والعزى ومناة، ولم يكن حي من العرب إلا ولهم صنم يعبدونه يسمونه أنثى بني فلان. وقيل :كانوا يقولون في أصنامهم هن بنات الله ﴿ وَإِن يَدْعُونَ ﴾ يعبدون ﴿ إِلاَّ شيطانا ﴾ لأنه هو الذي أغراهم على عبادة الأصنام فأطاعوه فجعلت طاعتهم له عبادة ﴿ مَّرِيداً ﴾ خارجاً عن الطاعة عارياً عن الخير ومنه الأمرد
﴿ لَّعَنَهُ الله وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ ﴾ صفتان يعني شيطاناً مريداً جامعاً بين لعنة الله وهذا القول الشنيع ﴿ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ مقطوعاً واجباً لي في كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وواحد لله.
﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ بالدعاء إلى الضلالة والتزيين والوسوسة ولو كان إنفاذ الضلالة إليه لأضل الكل ﴿ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ ولألقين في قلوبهم الأماني الباطلة من طول الأعمار وبلوغ الآمال ﴿ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءَاذَانَ الأنعام ﴾ البتك :القطع. والتبتيك للتكثير والتكرير أي لأحملنهم على أن يقطعوا آذان الأنعام، وكانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكراً وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها ﴿ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله ﴾ بفقء عين الحامي وإعفائه عن الركوب، أو بالخصاء وهو مباح في البهائم محظور في بني آدم، أو بالوشم أو بنفي الأنساب واستلحاقها، أو بتغيير الشيب بالسواد، أو بالتحريم والتحليل، أو بالتخنث، أو بتبديل فطرة الله التي هي دين الإسلام لقوله : ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ﴾ [ الروم :٣٠ ]. ﴿ وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً مّن دُونِ الله ﴾ وأجاب إلى ما دعاه إليه ﴿ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً ﴾ في الدارين
﴿ يَعِدُهُمْ ﴾ يوسوس إليهم أن لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب ﴿ وَيُمَنِّيهِمْ ﴾ ما لا ينالون ﴿ وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً ﴾ هو أن يرى شيئاً يظهر خلافه
﴿ أولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً ﴾ معدلاً ومفراً.
﴿ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ ولم يتبعوا الشيطان في الأمر بالكفر ﴿ سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَدًا ﴾ وقرأ النخعي «سيدخلهم » ﴿ وَعْدَ الله حَقّا ﴾ مصدران الأول مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً ﴾ قولاً وهو استفهام بمعنى النفي أي لا أحد أصدق منه وهو تأكيد ثالث، وفائدة هذه التوكيدات مقابلة مواعيد الشيطان الكاذبة لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه.
﴿ لَّيْسَ بأمانيكم ﴾ ليس الأمر على شهواتكم وأمانيكم أيها المشركون أن تنفعكم الأصنام ﴿ وَلا أَمَانِيّ أَهْلِ الكتاب ﴾ ولا على شهوات اليهود والنصارى حيث قالوا : ﴿ نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ [ المائدة :١٨ ]. ﴿ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ﴾ [ البقرة :٨٠ ]. ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ﴾ أي من المشركين وأهل الكتاب بدليل قوله ﴿ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ وهذا وعيد للكفار لأنه قال بعده
﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات مِن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ فقوله «وهو مؤمن » حال و «من » الأولى للتبعيض، والثانية لبيان الإبهام في «من يعمل »، وفيه إشارة إلى أن الأعمال ليست من الإيمان ﴿ فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة ﴾ «يدخلون » :مكي وأبو عمرو وأبو بكر ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾ قدر النقير وهو النقرة في ظهر النواة والراجع في ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ ﴾ لعمال السوء وعمال الصالحات جميعاً. وجاز أن يكون ذكره عند أحد الفريقين دليلاً على ذكره عند الآخر. وقوله : ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ﴾. وقوله : « وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات ». بعد ذكر تمني أهل الكتاب كقوله ﴿ بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ﴾ وقوله : ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ عقيب قوله : ﴿ وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ﴾
﴿ ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله ﴾ أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له لا يعرف لها رباً ولا معبوداً سواء ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ عامل للحسنات ﴿ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفاً ﴾ مائلاً عن الأديان الباطلة وهو حال من المتبع أو من إبراهيم ﴿ واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً ﴾ هو في الأصل المخال وهو الذي يخالك أي يوافقك في خلالك، أو يداخلك خلال منزلك، أو يسد خللك كما يسد خلله، فالخلة صفاء مودة توجب الاختصاص بتخلل الأسرار، والمحبة أصفى لأنها من حبة القلب وهي جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب كقوله «والحوادث جمة ». وفائدتها تأكيد وجوب اتباع ملته وطريقته لأن من بلغ من الزلفى عند الله أن اتخذه خليلاً كان جديراً بأن تتبع ملته وطريقته، ولو جعلتها معطوفة على الجمل قبلها ولم يكن لها معنى وفي الحديث " اتخذ الله إبراهيم خليلاً لإطعامه الطعام وإفشائه السلام وصلاته بالليل والناس نيام " وقيل :أوحي إليه إنما اتخذتك خليلاً لأنك تحب أن تعطي ولا تعطى. وفي رواية «لأنك تعطي الناس ولا تسألهم ».
وفي قوله ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ دليل على أن اتخاذه خليلاً لاحتياج الخليل إليه لا لاحتياجه تعالى إليه لأنه منزه عن ذلك ﴿ وَكَانَ الله بِكُلّ شَيْءً مُّحِيطاً ﴾ عالماً.
﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النساء ﴾ ويسألونك الإفتاء في النساء والإفتاء تبيين المبهم ﴿ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يتامى النساء ﴾ أي الله يفتيكم والمتلو في الكتاب أي القرآن في معنى اليتامى يعني قوله :
﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِي اليتامى ﴾ [ النساء :٣ ]. وهو من قولك «أعجبني زيد وكرمه » و «ما يتلى » في محل الرفع بالعطف على الضمير في «يفتيكم » أو على لفظ «الله » و «في يتامى النساء » صلة «يتلى » أي يتلى عليكم في معناهن. ويجوز أن يكون «في يتامى النساء » بدلاً من «فيهن » والإضافة بمعنى «من » ﴿ الاتي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ ﴾ ما فرض لهن من الميراث وكان الرجل منهم يضم اليتيمة إلى نفسه ومالها، فإن كانت جميلة تزوجها وأكل المال، وإن كانت دميمة عضلها عن التزوج حتى تموت فيرثها ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ أي في أن تنكحوهن لجمالهن أو عن أن تنكحوهن لدمامتهن ﴿ والمستضعفين مِنَ الولدان ﴾ أي اليتامى وهو مجرور معطوف على «يتامى النساء »، وكانوا في الجاهلية إنما يورثون الرجال القوام بالأمور دون الأطفال والنساء ﴿ وَأَن تَقُومُواْ لليتامى ﴾ مجرور كالمستضعفين بمعنى يفتيكم في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا، أو منصوب بمعنى ويأمركم أن تقوموا وهو خطاب للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا لهم حقوقهم ﴿ بالقسط ﴾ بالعدل في ميراثهم ومالهم ﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ ﴾ شرط وجوابه ﴿ فَإِنَّ الله كَانَ بِهِ عَلِيماً ﴾ أي فيجازيكم عليه.
﴿ وَإِنِ امرأة خافت مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً ﴾ توقعت منه ذلك لما لاح لها من مخايله وأمارته. والنشوز أن يتجافى عنها بأن يمنعها نفسه ونفقته وأن يؤذيها بسب أو ضرب ﴿ أَوْ إِعْرَاضاً ﴾ عنها بأن يقل محادثتها ومؤانستها بسبب كبر سن أو دمامة أو سوء في خلق أو خلق أو ملال أو طموح عين إلى أخرى أو غير ذلك ﴿ فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا ﴾ كوفي. «يصّالحا » :غيرهم أي يتصالحا وهو أصله فأبدلت التاء صاداً وأدغمت. ﴿ صُلحاً ﴾ في معنى مصدر كل واحد من الفعلين. ومعنى الصلح أن يتصالحا على أن تطيب له نفساً عن القسمة أو عن بعضها أو تهب له بعض المهر أو كله أو النفقة ﴿ والصلح خَيْرٌ ﴾ من الفرقة أو من النشوز أو من الخصومة في كل شيء، أو والصلح خير من الخيور كما أن الخصومة شر من الشرور، وهذه الجملة اعتراض كقوله ﴿ وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح ﴾ أي جعل الشح حاضراً لها لا يغيب عنها أبداً ولا تنفك عنه يعني أنها مطبوعة عليه. والمراد أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمها والرجل لا يكاد يسمح بأن يقسم لها إذا رغب عنها، فكل واحد منهما يطلب ما فيه راحته. «وأحضرت » يتعدى إلى مفعولين والأول «الأنفس ». ثم حث على مخالفة الطبع ومتابعة الشرط بقوله ﴿ وَإِن تُحْسِنُواْ ﴾ بالإقامة على نسائكم، وإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن وتصبروا على ذلك مراعاة لحق الصحبة ﴿ وَتَتَّقُواْ ﴾ النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة ﴿ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ من الإحسان والتقوى ﴿ خَبِيراً ﴾ فيثيبكم عليه.
وكان عمران الخارجي من أدمّ بني آدم وامرأته من أجملهم فنظرت إليه وقالت :الحمد لله على أني وإياك من أهل الجنة. قال :كيف ؟ فقالت :لأنك رزقت مثلي فشكرت ورزقت مثلك فصبرت والجنة موعودة للشاكرين والصابرين ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النساء ﴾ ولن تستطيعوا العدل بين النساء والتسوية حتى لا يقع ميل البتة، فتمام العدل أن يسوى بينهن بالقسمة والنفقة والتعهد والنظر والإقبال والمحالمة والمفاكهة وغيرها. وقيل :معناه أن تعدلوا في المحبة وكان عليه السلام يقسم بين نسائه فيعدل ويقول :" هذه قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك " يعني المحبة لأن عائشة رضي الله عنها كانت أحب إليه. ﴿ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾ بالغتم في تجري ذلك ﴿ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الميل ﴾ فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمها من غير رضا منها يعني أن اجتناب كل الميل في حد اليسر فلا تُفْرطوا فيه إن وقع منكم التفريط في العدل كله، وفيه ضرب من التوبيخ. و «كل » نصب على المصدر لأن له حكم ما يضاف إليه ﴿ فَتَذَرُوهَا كالمعلقة ﴾ وهي التي ليست بذات بعلٍ ولا مطلقة ﴿ وَإِن تُصْلِحُواْ ﴾ بينهن ﴿ وَتَتَّقُواْ ﴾ الجور ﴿ فَإِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ يغفر لكم ميل قلوبكم ويرحمكم فلا يعاقبكم.
﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا ﴾ أي إن لم يصطلح الزوجان على شيء وتفرقا بالخلع أو بتطليقه إياها وإيفائه مهرها ونفقة عدتها ﴿ يُغْنِ الله كُلاًّ ﴾ كل واحد منهما ﴿ مِّن سَعَتِهِ ﴾ من غناه أي يرزقه زوجاً خيراً من زوجه وعيشاً أهنأ من عيشه ﴿ وَكَانَ الله واسعا ﴾ بتحليل النكاح ﴿ حَكِيماً ﴾ بالإذن في السراح، فالسعة الغنى والقدرة والواسع الغني المقتدر.
ثم بين غناه وقدرته بقوله ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ خلقاً والمتملكون عبيده رقا. ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ هو اسم للجنس فيتناول الكتب السماوية ﴿ مِن قَبْلِكُم ﴾ مّن الأمم السالفة وهو متعلق ب « وصينا »أو ب «أتوا » ﴿ وإياكم ﴾ عطف على «الذين أوتوا » ﴿ أَنِ اتقوا الله ﴾ بأن اتقوا أو تكون «أن » المفسرة لأن التوصية في معنى القول، والمعنى أن هذه وصية قديمة ما زال يوصي الله بها عباده ولستم بها مخصوصين لأنهم بالتقوى يسعدون عنده ﴿ وَإِن تَكْفُرُواْ ﴾ عطف على «اتقوا » لأن المعنى أمرناهم وأمرناكم بالتقوى وقلنا لهم ولكم إن تكفروا ﴿ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وَكَانَ الله غَنِيّاً ﴾ عن خلقه وعن عبادتهم ﴿ حَمِيداً ﴾ مستحقاً لأن يحمد لكثرة نعمه وإن لم يحَمده أحد.
وتكرير قوله : «لله ما في السماوات وما في الأرض ». تقرير لما هو موجب تقواه لأن الخلق لما كان كله له وهو خالقهم ومالكهم فحقه أن يكون مطاعاً في خلقه غير معصي. وفيه دليل على أن التقوى أصل الخير كله، وقوله : «وإن تكفروا ». عقيب التقوى دليل على أن المراد الاتقاء عن الشرك ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وكفى بالله وَكِيلاً ﴾ فاتخذوه وكيلاً ولا تتكلوا على غيره.
ثم خوفهم وبين قدرته بقوله ﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ﴾ يعدمكم ﴿ أَيُّهَا الناس وَيَأْتِ بِاخَرِينَ ﴾ ويوجد إنساً آخرين مكانكم أو خلقاً آخرين غير الإنس ﴿ وَكَانَ الله على ذلك قَدِيراً ﴾ بليغ القدرة
﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا ﴾ كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة ﴿ فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والآخرة ﴾ فما له يطلب أحدهما دون الآخر والذي يطلبه أخسهما ﴿ وَكَانَ الله سَمِيعاً ﴾ للأقوال ﴿ بَصِيراً ﴾ بالأفعال وهو وعد ووعيد.
﴿ ياأيها الذين ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط ﴾ مجتهدين في إقامة العدل حتى لا تجوروا ﴿ شُهَدَاءَ ﴾ خبر بعد خبر ﴿ لِلَّهِ ﴾ أي تقيمون شهاداتكم لوجه الله ﴿ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ ﴾ ولو كانت الشهادة على أنفسكم والشهادة على نفسه هي الإقرار على نفسه لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق، وهذا لأن الدعوى والشهادة والإقرار يشترك جميعها في الإخبار عن حق لأحد على أحد غير أن الدعوى إخبار عن حق لنفسه على الغير، والإقرار للغير على نفسه، والشهادة للغير على الغير ﴿ أَوِ الوالدين والأقربين ﴾ أي ولو كانت الشهادة على آبائكم وأمهاتكم وأقاربكم ﴿ إِن يَكُنْ ﴾ المشهود عليه ﴿ غَنِيّاً ﴾ فلا يمنع الشهادة عليه لغناه طلباً لرضاه ﴿ أَوْ فَقَيراً ﴾ فلا يمنعها ترحماً عليه ﴿ فالله أولى بِهِمَا ﴾ بالغني والفقير أي بالنظر لهما والرحمة.
وإنما ثنى الضمير في «بهما » وكان حقه أن يوحد، لأن المعنى إن يكن أحد هذين لأنه يرجع إلى ما دل عليه قوله : «غنياً أو فقيراً ». وهو جنس الغني والفقير كأنه قيل :فالله أولى بجنسي الغني والفقير أي بالأغنياء والفقراء ﴿ فَلاَ تَتَّبِعُواْ الهوى ﴾ إرادة ﴿ أن تعدلوا ﴾ عن الحق من العدول أو كراهة أن تعدلوا بين الناس من العدل ﴿ وَإِن تَلُوُاْ ﴾ بواو واحدة وضم اللام :شامي وحمزة من الولاية ﴿ أَوْ تُعْرِضُواْ ﴾ أي وإن وليتم إقامة الشهادة أو أعرضتم عن إقامتها. غيرهما : «تلووا » بواوين وسكون اللام من اللي أي وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل أو تعرضوا عن الشهادة بما عندكم وتمنعوها ﴿ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ فيجازيكم عليه.
﴿ يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ ﴾ خطاب للمسلمين ﴿ ءَامَنُواْ ﴾ اثبتوا على الإيمان ودوموا عليه، ولأهل الكتاب لأنهم آمنوا ببعض الكتب والرسل وكفروا ببعض، أو للمنافقين أي يا أيها الذين آمنوا نفاقاً آمنوا إخلاصاً ﴿ بالله وَرَسُولِهِ ﴾ أي محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ والكتاب الذي نَزَّلَ على رَسُولِهِ ﴾ أي الفرقان ﴿ والكتاب الذى أَنَزلَ مِن قَبْلُ ﴾ أي جنس ما أنزل على الأنبياء قبله من الكتب ويدل عليه قوله و «كتبه ». نزل وأنزل بالبناء للمفعول :مكي وشامي وأبو عمرو، وعلى البناء للفاعل فيهما :غيرهم. وإنما قيل «نزل على رسوله » و «أنزل من قبل » لأن الفرقان نزل مفرقاً منجماً في عشرين سنة بخلاف الكتب قبله ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بالله وملائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ واليوم الآخر ﴾ أي ومن يكفر بشيء من ذلك ﴿ فَقَدْ ضَلَّ ضلالا بَعِيداً ﴾ لأن الكفر ببعضه كفر بكله.
﴿ إِنَّ الذين ءَامَنُواْ ﴾ بموسى عليه السلام ﴿ ثُمَّ كَفَرُواْ ﴾ حين عبدوا العجل ﴿ ثُمَّ ءَامَنُواْ ﴾ بموسى بعد عوده ﴿ ثُمَّ كَفَرُواْ ﴾ بعيسى عليه السلام ﴿ ثُمَّ ازدادوا كُفْراً ﴾ بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿ لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ﴾ إلى النجاة أو إلى الجنة، أو هم المنافقون آمنوا في الظاهر وكفروا في السر مرة بعد أخرى، وازدياد الكفر منهم ثباتهم عليه إلى الموت يؤيده قوله ﴿ بَشِّرِ المنافقين ﴾
﴿ بَشِّرِ المنافقين ﴾ أي أخبرهم ووضع بشر مكانه تهكماً بهم ﴿ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ مؤلماً
﴿ الذين ﴾ نصب على الذم أو رفع بمعنى أريد الذين أو هم الذين ﴿ يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المؤمنين أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة ﴾ كان المنافقون يوالون الكفرة يطلبون منهم المنعة والنصرة ويقولون :لا يتم أمر محمد عليه السلام ﴿ فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً ﴾ ولمن أعزه كالنبي عليه السلام والمؤمنين كما قال
﴿ وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [ المنافقون :٨ ].
﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ ﴾ بفتح النون :عاصم. وبضمها :غيره ﴿ فِي الكتاب ﴾ القرآن ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكتاب أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايات الله يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ حتى يشرعوا في كلام غير الكفر والاستهزاء بالقرآن، والخوض :الشروع و «أن » مخففة من الثقيلة أي أنه إذا سمعتم أي نزل عليكم أن الشأن كذا. والشأن ما أفادته الجملة بشرطها وجزائها و «أن » مع ما في حيزها في موضع الرفع ب «نُزل » أو في موضع النصب ب «نَزل » والمنزل عليهم في الكتاب هو ما نزل عليهم بمكة من قوله : ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ فِي ءاياتنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ [ الأنعام :٦٨ ]. وذلك أن المشركين كانوا يخوضون في ذكر القرآن في مجالسهم فيستهزئون به، فنهى المسلمين عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه، وكان المنافقون بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين بمكة فنهوا أن يقعدوا معهم كما نهوا عن مجالسة المشركين بمكة ﴿ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ ﴾ أي في الوزر إذا مكثتم معهم، ولم يرد به التمثيل من كل وجه فإن خوض المنافقين فيه كفر ومكث هؤلاء معهم معصية ﴿ إِنَّ الله جَامِعُ المنافقين والكافرين فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً ﴾ لاجتماعهم في الكفر والاستهزاء
﴿ الذين ﴾ بدل من «الذين يتخذون » أو صفة للمنافقين أو نصب على الذم منهم ﴿ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ﴾ ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من ظفر أو إخفاق ﴿ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ الله ﴾ نصرة وغنيمة ﴿ قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ ﴾ مظاهرين فأشركونا في الغنيمة ﴿ وَإِن كَانَ للكافرين نَصِيبٌ ﴾ سمى ظفر المسلمين فتحاً تعظيماً لشأنهم لأنه أمر عظيم تفتح له أبواب السماء، وظفر الكافرين نصيباً تخسيساً لحظهم لأنه لمظة من الدنيا يصيبونها.
﴿ قَالُواْ ﴾ للكافرين ﴿ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ﴾ ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم فأبقينا عليكم، والاستحواذ الاستيلاء والغلبة ﴿ وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ المؤمنين ﴾ بأن ثبطناهم عنكم وخيلنا لهم ما ضعفت قلوبهم به ومرضوا عن قتالكم وتوانينا في مظاهرتهم عليكم فهاتوا نصيباً لنا مما أصبتم ﴿ فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ﴾ أيها المؤمنون والمنافقون ﴿ يَوْمَ القيامة ﴾ فيدخل المنافقين النار والمؤمنين الجنة ﴿ وَلَن يَجْعَلَ الله للكافرين عَلَى المؤمنين سَبِيلاً ﴾ أي في القيامة بدليل أول الآية كذا عن علي رضي الله عنه، أو حجة كذا عن ابن عباس رضي الله عنهما.
﴿ إِنَّ المنافقين يخادعون الله ﴾ أي يفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطان الكفر. والمنافق من أظهر الإيمان وأبطن الكفر، أو أولياء الله وهم المؤمنون فأضاف خداعهم إلى نفسه تشريفاً لهم ﴿ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ وهو فاعل بهم ما يفعل المغالب في الخداع حيث تركهم معصومي الدماء والأموال في الدنيا، وأعد لهم الدرك الأسفل من النار في العقبى. والخادع اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه. وقيل :يجزيهم جزاء خداعهم. ﴿ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصلاة قَامُواْ كسالى ﴾ متثاقلين كراهة، أما الغفلة فقد يبتلى بها المؤمن وهو جمع كسلان كسكارى في سكران ﴿ يُرَاءَونَ الناس ﴾ حال أي يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة. والمرأة مفاعلة من الرؤية لأن المرائي يريهم عمله وهم يرونه استحساناً ﴿ وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ولا يصلون إلا قليلاً لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس، أو لا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكراً قليلاً نادراً. قال الحسن :لو كان ذلك القليل لله تعالى لكان كثيراً
﴿ مُّذَبْذَبِينَ ﴾ نصب على الذم أي مردّدين يعني ذبذبهم الشيطان والهوى بين الإيمان والكفر فهم مترددون بينهما متحيرون، وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين أي يدفع فلا يقر في جانب واحد إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب ﴿ بَيْنَ ذلك ﴾ بين الكفر والإيمان ﴿ لآَ إلى هؤلاءآء ﴾ لا منسوبين إلى هؤلاء فيكونوا مؤمنين ﴿ وَلآَ إِلَى هؤلاءآء ﴾ ولا منسوبين إلى هؤلاء فيسموا مشركين ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾ طريقاً إلى الهدى.
﴿ يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الكافرين أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المؤمنين أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً ﴾ حجة بينه في تعذيبكم
﴿ إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار ﴾ أي في الطبق الذي في قعر جنهم، والنار سبع دركات سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض. وإنما كان المنافق أشد عذاباً من الكافر لأنه أمن السيف في الدنيا فاستحق الدرك الأسفل في العقبى تعديلاً، ولأنه مثله في الكفر وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله. والدرك بسكون الراء :كوفي غير الأعشى، وبفتح الراء :غيرهم. وهما لغتان، وذكر الزجاج أن الاختيار فتح الراء. ﴿ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ﴾ يمنعهم من العذاب
﴿ إِلاَّ الذين تَابُواْ ﴾ من النفاق وهو استثناء من الضمير المجرور في «ولن تجد لهم نصير » ﴿ وَأَصْلَحُواْ ﴾ ما أفسدوا من أسرارهم وأحوالهم في حال النفاق ﴿ واعتصموا بالله ﴾ ووثقوا به كما يثق المؤمنون الخلص ﴿ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ ﴾ لا يبتغون بطاعتهم إلا وجهه ﴿ فأولئك مَعَ المؤمنين ﴾ فهم أصحاب المؤمنين ورفاقهم في الدارين ﴿ وَسَوْفَ يُؤْتِ الله المؤمنين أَجْراً عَظِيماً ﴾ فيشاركونهم فيه.
وحذفت الياء في الخط هنا إتباعاً للفظ.
ثم استفهم مقرراً أنه لا يعذب المؤمن الشاكر فقال ﴿ مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ ﴾ لله ﴿ وَءَامَنتُمْ ﴾ به ف «ما » منصوبة ب «يفعل » أي أي شيء يفعل بعذابكم ؟ فالإيمان معرفة المنعم، والشكر الاعتراف بالنعمة، والكفر بالمنعم والنعمة عناد، فلذا استحق الكافر العذاب. وقدم الشكر على الإيمان لأن العاقل ينظر إلى ما عليه من النعمة العظيمة في خلقه وتعريضه للمنافع فيشكر شكراً مبهماً، فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكراً مفصلاً فكان الشكر متقدماً على الإيمان ﴿ وَكَانَ الله شاكرا ﴾ يجزيكم على شكركم أو يقبل اليسير من العمل ويعطي الجزيل من الثواب ﴿ عَلِيماً ﴾ عالماً بما تصنعون.
﴿ لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول ﴾ ولا غير الجهر ولكن الجهر أفحش ﴿ إَلاَّ مَن ظُلِمَ ﴾ إلا جهر من ظلم استثنى من الجهر الذي لا يحبه الله جهر المظلوم وهو أن يدعو على الظالم ويذكره بما فيه من السوء. وقيل :الجهر بالسوء من القول هو الشتم إلا من ظلم فإنه إن رد عليه مثله فلا حرج عليه ﴿ وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ ﴾ [ الشورى :٤١ ] ﴿ وَكَانَ الله سَمِيعاً ﴾ لشكوى المظلوم ﴿ عَلِيماً ﴾ بظلم الظالم. ثم حث على العفو وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء وإن كان على وجه الانتصار بعد ما أطلق الجهر به حثاً على الأفضل،
وذكر إبداء الخير وإخفاءه تشبيباً للعفو فقال ﴿ إِن تُبْدُواْ خَيْراً ﴾ مكان جهر السوء ﴿ أَوْ تُخْفُوهُ ﴾ فتعملوه سراً ثم عطف العفو عليهما فقال ﴿ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوء ﴾ أي تمحوه عن قلوبكم والدليل على أن العفو هو المقصود بذكر إبداء الخير وإخفائه قوله ﴿ فَإِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً ﴾ أي إنه لم يزل عفواً عن الآثام مع قدرته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسنته.
﴿ إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ كاليهود كفروا بعيسى ومحمد عليهما السلام والإنجيل والقرآن، وكالنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ﴿ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً ﴾ أي ديناً وسطاً بين الإيمان والكفر ولا واسطة بينهما
﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون ﴾ هم الكاملون في الكفر لأن الكفر بواحد كفر بالكل ﴿ حَقّاً ﴾ تأكيد لمضمون الجملة كقولك «هذا عبد الله حقاً » أي حق ذلك حقاً وهو كونهم كاملين في الكفر، أو هو صفة لمصدر الكافرين أي هم الذين كفروا حقاً ثابتاً يقيناً لا شك فيه ﴿ وَأَعْتَدْنَا للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ في الآخرة
﴿ والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ ﴾ وإنما جاز دخول «بين » على «أحد » لأنه عام في الواحد المذكر والمؤنث وتثنيتهما وجمعهما ﴿ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ ﴾ وبالياء :حفص ﴿ أُجُورَهُمْ ﴾ أي الثواب الموعود لهم ﴿ وَكَانَ الله غَفُوراً ﴾ يستر السيئات ﴿ رَّحِيماً ﴾ يقبل الحسنات، والآية تدل على بطلان قول المعتزلة في تخليد المرتكب الكبيرة لأنه أخبر أن من آمن بالله ورسله ولم يفرق بين أحد منهم يؤتيه أجره، ومرتكب الكبيرة ممن آمن بالله ورسله ولم يفرق بين أحد فيدخل تحت الوعد، وعلى بطلان قول من لا يقول بقدم صفات الفعل من المغفرة والرحمة لأنه قال : «وكان الله غفوراً رحيماً » وهم يقولون :ما كان الله غفوراً رحيماً في الأزل ثم صار غفوراً رحيماً.
ولما قال فنحاص وأصحابه للنبي صلى الله عليه وسلم :إن كنت نبياً صادقاً فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى عليه السلام نزل ﴿ يَسْئَلُكَ * أَهْلِ الكتاب أن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ ﴾ وبالتخفيف :مكي وأبو عمرو ﴿ كتابا مّنَ السماء ﴾ أي جملة كما نزلت التوراة جملة، وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت. وقال الحسن :ولو سألوه مسترشدين لأعطاهم لأن إنزال القرآن جملة ممكن ﴿ فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك ﴾ هذا جواب شرط مقدر معناه :إن استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا موسى أكبر من ذلك. وإنما أسند السؤال إليهم وقد وجد من آبائهم في أيام موسى عليه السلام وهم النقباء السبعون لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم ﴿ فَقَالُواْ أَرِنَا الله جَهْرَةً ﴾ عياناً أي أرنا نره جهرة ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة ﴾ العذاب الهائل أو النار المحرقة ﴿ بِظُلْمِهِمْ ﴾ على أنفسهم بسؤال شيء في غير موضعه، أو بالتحكم على نبيهم في الآيات وتعنتهم في سؤال الرؤية لا بسؤال الرؤية لأنها ممكنة كإنزال القرآن جملة، ولو كان ذلك بسبب سؤال الرؤية لكان موسى بذلك أحق فإنه قال ﴿ رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾ [ الأعراف :١٤٣ ] وما أخذته الصاعقة بل أطمعه وقيده بالممكن ولا يعلق بالممكن إلا ما هو ممكن الثبوت ثم أحياهم ﴿ ثُمَّ اتخذوا العجل ﴾ إلهاً ﴿ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات ﴾ التوراة والمعجزات التسع ﴿ فَعَفَوْنَا عَن ذلك ﴾ تفضلاً ولم نستأصلهم ﴿ وَءَاتَيِْنَا مُوسَى سلطانا مُّبِيناً ﴾ حجة ظاهرة على من خالفه.
﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطور بميثاقهم ﴾ بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه ﴿ وَقُلْنَا لَهُمُ ﴾ والطور مطل عليهم ﴿ ادخلوا الباب سُجَّداً ﴾ أي ادخلوا باب إيلياء مطأطئين عند الدخول رؤوسكم ﴿ وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ ﴾ لا تجاوزوا الحد «تَعدّوُا » :ورش «تعدوا » بإسكان العين وتشديد الدال :مدني غير ورش وهما مدغماً «تعتدوا » وهي قراءة أبي إلا أنه أدغم التاء في الدال وأبقى العين ساكنة في رواية، وفي رواية نقل فتح التاء إلى العين ﴿ فِى السبت ﴾ بأخذ السمك ﴿ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غَلِيظاً ﴾ عهداً مؤكداً.
﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ﴾ أي فبنقضهم و «ما » مزيدة للتوكيد والباء يتعلق بقوله «حرمنا عليهم طيبات » تقديره حرمنا عليهم طيبات بنقضهم ميثاقهم، وقوله «فبظلم من الذين هادوا » بدل من قوله «فبما نقضهم » ﴿ ميثاقهم ﴾ ومعنى التوكيد تحقيق أن تحريم الطيبات لم يكن إلا بنقض العهد وما عطف عليه من الكفر وقتل الأنبياء وغير ذلك ﴿ وَكُفْرِهِم بئايات الله ﴾ أي معجزات موسى عليه السلام ﴿ وَقَتْلِهِمُ الأنبياء ﴾ كزكريا ويحيى وغيرهما ﴿ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ بغير سبب يستحقون به القتل ﴿ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ جمع أغلف أي محجوبة لا يتوصل إليها شيء من الذكر والوعظ ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾ هو رد وإنكار لقولهم «قلوبنا غلف » ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ كعبد الله بن سلام وأصحابه
﴿ وَبِكُفْرِهِمْ ﴾ معطوف على «فبما نقضهم » أو على ما يليه من قوله : «بكفرهم ». ولما تكرر منهم الكفر لأنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم عطف بعض كفرهم على بعض : ﴿ وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بهتانا عَظِيماً ﴾ هو النسبة إلى الزنا
﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح ﴾ سمي مسيحاً لأن جبريل عليه السلام مسحه بالبركة فهو ممسوح، أو لأنه كان يمسح المريض والأكمة والأبرص فيبرأ فسمي مسيحاً بمعنى الماسح ﴿ عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ الله ﴾ هم لم يعتقدوه رسول الله لكنهم قالوا استهزاء كقول الكفار لرسولنا ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ﴾ [ الحجر :٦ ] ويحتمل أن الله وصفه بالرسول وإن لم يقولوا ذلك.
﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبّهَ لَهُمْ ﴾ روي أن رهطاً من اليهود سبوه وسبوا أمه فدعا عليهم :اللهم أنت ربي وبكلمتك خلقتني، اللهم العن من سبني وسب والدتي، فمسخ الله من سبهما قردة وخنازير. فاجتمعت اليهود على قتله فأخبره الله بأنه يرفعه إلى السماء ويطهره من صحبة اليهود، فقال لأصحابه :أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة ؟ فقال رجل منهم :أنا، فألقى الله عليه شبهه فقتل وصلب. وقيل :كان رجل ينافق عيسى فلما أرادوا قتله قال :أنا أدلكم عليه فدخل بيت عيسى ورفع عيسى وألقى الله شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى.
وجاز هذا على قوم متعنتين حكم الله بأنهم لا يؤمنون، «وشبه » مسند إلى الجار والمجرور وهو «لهم » كقولك «خيل إليه » كأنه قيل :ولكن وقع لهم التشبيه. أو مسند إلى ضمير المقتول لدلالة «إنا قتلنا » عليه كأنه قيل :ولكن شبه لهم من قتلوه ﴿ وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ ﴾ في عيسى يعني اليهود قالوا :إن الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا، أو اختلف النصارى قالوا :إله وابن إله وثالث ثلاثة ﴿ لَفِى شَكّ مّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن ﴾ استثناء منقطع لأن اتباع الظن ليس من جنس العلم يعني ولكنهم يتبعون الظن. وإنما وصفوا بالشك وهو أن لا يترجح أحد الجانبين، ثم وصفوا بالظن وهو أن يترجح أحدهما، لأن المراد أنهم شاكون مالهم به من علم ولكن إن لاحت لهم أمارة فظنوا فذاك. وقيل :وإن الذين اختلفوا فيه أي في قتله لفي شك منه أي من قتله لأنهم كانوا يقولون إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى ! ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً ﴾ أي قتلاً يقيناً، أو ما قتلوه متيقنين، أو ما قتلوه حقاً فيجعل «يقيناً » تأكيداً لقوله «وما قتلوه » أي حق انتفاء قتله حقاً
﴿ بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ ﴾ إلى حيث لا حكم فيه لغير الله أو إلى السماء ﴿ وَكَانَ الله عَزِيزاً ﴾ في انتقامه من اليهود ﴿ حَكِيماً ﴾ فيما دبر من رفعه إليه.
﴿ وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ «ليؤمنن به » جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف تقديره :وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به ونحوه ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ [ الصافات :١٦٤ ] والمعنى :وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى عليه السلام وبأنه عبد الله ورسوله يعني إذا عاين قبل أن تزهق روحه حين لا ينفعه إيمانه لانقطاع وقت التكليف. أو بالكتاب الضميران لعيسى يعني وإن منهم أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى وهم أهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله. رُوي أنه ينزل من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام، أو الضمير «في به » يرجع إلى الله أو إلى محمد صلى الله عليه وسلم والثاني إلى الكتابي ﴿ وَيَوْمَ القيامة يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ﴾ يشهد على اليهود بأنهم كذبوه وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله
﴿ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ وهي ما ذكر في سورة الأنعام ﴿ وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ ﴾ [ الأنعام :١٤٦ ] الآية. والمعنى ما حرمنا عليهم الطيبات إلا لظلم عظيم ارتكبوه وهو ما عدد قبل هذا ﴿ وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ الله ﴾ وبمنعهم عن الإيمان ﴿ كَثِيراً ﴾ أي خلقاً كثيراً أو صداً كثيراً
﴿ وَأَخْذِهِمُ * الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ ﴾ كان الربا محرماً عليهم كما حرم علينا وكانوا يتعاطونه ﴿ وَأَكْلِهِمْ أموال الناس بالباطل ﴾ بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة ﴿ وَأَعْتَدْنَا للكافرين مِنْهُمْ ﴾ دون من آمن ﴿ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ في الآخرة
﴿ لكن الراسخون فِى العلم ﴾ أي الثابتون فيه المتقون كابن سلام وأضرابه ﴿ مِنْهُمْ ﴾ من أهل الكتاب ﴿ والمؤمنون ﴾ أي المؤمنون منهم والمؤمنون من المهاجرين والأنصار. وارتفع «الراسخون » على الابتداء ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ خبره ﴿ بِمَا أُنزَلَ إِلَيْكَ ﴾ أي القرآن ﴿ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ أي سائر الكتب ﴿ والمقيمين الصلاة ﴾ منصوب على المدح لبيان فضل الصلاة، وفي مصحف عبد الله «والمقيمون » وهي قراءة مالك بن دينار وغيره ﴿ والمؤتون الزكواة ﴾ مبتدأ ﴿ والمؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ عطف عليه والخبر ﴿ أولئك سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ﴾ وبالياء :حمزة.
﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، واحتجاج عليهم بأن شأنه في الوحي إليه كشأن سائر الأنبياء الذين سلفوا ﴿ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ والنبيين مِن بَعْدِهِ ﴾ كهود وصالح وشعيب وغيرهم.
﴿ وَأَوْحَيْنَا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ ﴾ أي أولاد يعقوب ﴿ وعيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وهارون وسليمان وَءاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً ﴾ «زُبوراً » :حمزة مصدر بمعنى مفعول سمي به الكتاب المنزل على داود عليه السلام
﴿ وَرُسُلاً ﴾ نصب بمضمر في معنى أوحينا إليك وهو أرسلنا ونبأنا ﴿ قَدْ قصصناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ﴾ من قبل هذه السورة ﴿ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ﴾ سأل أبو ذر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء قال
" مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً " قال :كم الرسل منهم ؟ قال :" ثلثمائة وثلاثة عشر أول الرسل آدم وآخرهم نبيكم محمد عليه السلام وأربعة مِن العرب هود وصالح وشعيب ومحمد عليه السلام " والآية تدل على أن معرفة الرسل بأعيانهم ليست بشرط لصحة الإيمان بل من شرطه أن يؤمن بهم جميعاً إذ لو كان معرفة كل واحد منهم شرطاً لقص علينا كل ذلك ﴿ وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً ﴾ أي بلا واسطة.
﴿ رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾ الأوجه أن ينتصب على المدح أي أعني رسلاً، ويجوز أن يكون بدلاً من الأول، وأن يكون مفعولاً أي وأرسلنا رسلاً. واللام في ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل ﴾ يتعلق ب «مبشرين » ومنذرين والمعنى أن إرسالهم إزاحة للعلة وتتميم لإلزام الحجة لئلا يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولاً فيوقظنا من سنة الغفلة، وينبهنا بما وجب الانتباه له، ويعلمنا ما سبيل معرفته السمع كالعبادات والشرائع أعني في حق مقاديرها وأوقاتها وكيفياتها دون أصولها فإنها مما يعرف بالعقل ﴿ وَكَانَ الله عَزِيزاً ﴾ في العقاب على الإنكار ﴿ حَكِيماً ﴾ في بعث الرسل للإنذار.
ولما نزل «إنا أوحينا إليك » قالوا ما نشهد لك بهذا فنزل ﴿ لكن الله يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ﴾ ومعنى شهادة الله بما أنزل إليه إثباته لصحته بإظهار المعجزات كما تثبت الدعاوى بالبينات إذ الحكيم لا يؤيد الكاذب بالمعجزة ﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ أي أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه، أو أنزله بما علم من مصالح العباد، وفيه نفي قول المعتزلة في إنكار الصفات فإنه أثبت لنفسه العلم ﴿ والملئكة يَشْهَدُونَ ﴾ لك بالنبوة ﴿ وكفى بالله شَهِيداً ﴾ شاهداً وإن لم يشهد غيره
﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وهم اليهود ﴿ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله ﴾ ومنعوا الناس عن سبيل الحق بقولهم للعرب «إنا لا نجده في كتابنا » ﴿ قَدْ ضَلُّواْ ضلالا بَعِيداً ﴾ عن الرشد
﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ بالله ﴿ وَظَلَمُواْ ﴾ محمداً عليهم السلام بتغيير نعته وإنكار نبوته ﴿ لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ ما داموا على الكفر { وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً *
إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً } وكان تخليدهم في جهنم سهلاً عليه، والتقدير يعاقبهم خالدين فهوحال مقدرة والآيتان في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون ويموتون على الكفر.
﴿ يأَيُّهَا الناس قَدْ جَاءكُمُ الرسول بالحق مِن رَّبّكُمْ ﴾ أي بالإسلام أو هو حال أي محقاً ﴿ فَئَامِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ ﴾ وكذلك ﴿ انتهوا خَيْراً لَّكُمْ ﴾ انتصابه بمضمر، وذلك أنه لما بعثهم على الإيمان وعلى الانتهاء عن التثليث علم أنه يحملهم على أمر فقال «خيراً لكم » أي اقصدوا وأتوا أمراً خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث وهو الإيمان به والتوحيد ﴿ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى السماوات والأرض ﴾ فلا يضره كفركم ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً ﴾ بمن يؤمن وبمن يكفر ﴿ حَكِيماً ﴾ لا يسوي بينهما في الجزاء.
﴿ يأَهْلَ الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ ﴾ لا تجاوزوا الحد فغلت اليهود في حط المسيح عن منزلته حتى قالوا إنه ابن الزنا، وغلت النصارى في رفعه عن مقداره حيث جعلوه ابن الله ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق ﴾ وهو تنزيهه عن الشريك والولد ﴿ إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ ﴾ لا ابن الله ﴿ رَسُولُ الله ﴾ خبر المبتدأ وهو «المسيح » و «عيسى » عطف بيان أو بدل ﴿ وَكَلِمَتُهُ ﴾ عطف على «رسول الله ». وقيل له «كلمة » لأنه يهتدي به كما يهتدي بالكلام ﴿ ألقاها إلى مَرْيَمَ ﴾ حال «وقد » معه مرادة أي أوصلها إليها وحصلها فيها ﴿ وَرُوحٌ ﴾ معطوف على الخبر أيضاً. وقيل له «روح » لأنه كان يحيي الموتى كما سمي القرآن روحاً بقوله ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا ﴾ [ الشورى :٥٢ ] لما أنه يحيي القلوب ﴿ مِّنْهُ ﴾ أي بتخليقه وتكوينه كقوله تعالى : ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى السموات وَمَا فِي الارض جَمِيعاً مّنْهُ ﴾ [ الجاثية :١٣ ] وبه أجاب عليّ بن الحسين بن واقد غلاماً نصرانياً كان للرشيد في مجلسه حيث زعم أن في كتابكم حجة على أن عيسى من الله ﴿ فَئَامِنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي ولا تقولوا الآلهة ثلاثة ﴿ انتهوا ﴾ عن التثليث ﴿ خَيْراً لَّكُمْ ﴾. والذي يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن الله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة وأن المسيح ولد الله من مريم ألا ترى إلى قوله : ﴿ أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله ﴾ [ المائدة :١١٦ ]. ﴿ وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله ﴾ [ التوبة :٣٠ ]. ﴿ إِنَّمَا الله ﴾ مبتدأ ﴿ إِلَهٌ ﴾ خبرة ﴿ واحد ﴾ توكيد ﴿ سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ أسبحه تسبيحاً من أن يكون له ولد ﴿ لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِى الأرض ﴾ بيان لتنزهه مما نسب إليه بمعنى أن كل ما فيهما خلقه وملكه فكيف يكون بعض ملكه جزءًا منه. إذ البنوة والملك لا يجتمعان، على أن الجزء إنما يصح في الأجسام وهو يتعالى عن أن يكون جسماً ﴿ وكفى بالله وَكِيلاً ﴾ حافظاً ومدبراً لهما ولما فيهما، ومن عجز عن كفاية أمر يحتاج إلى ولد يعينه.
ولما قال وفد نجران لرسول الله صلى الله عليه وسلم :لم تعيب صاحبنا عيسى ؟ قال :" وأي شيء أقول ؟ " قالوا :تقول إنه عبد الله ورسوله. قال :" إنه ليس بعار أن يكون عبد الله " قالوا :بلى، نزل قوله تعالى :
﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح ﴾ أي لن يأنف ﴿ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ ﴾ هو رد على النصارى ﴿ وَلاَ الملئكة ﴾ رد على من يعبدهم من العرب وهو عطف على «المسيح » ﴿ المقربون ﴾ أي الكروبيون الذين حول العرش كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومن في طبقتهم. والمعنى :ولا الملائكة المقربون أن يكونوا عباداً لله فحذف ذلك لدلالة عبد الله عليه إيجازاً. وتشبثت المعتزلة والقائلون بتفضيل الملك على البشر بهذه الآية وقالوا :الارتقاء إنما يكون إلى الأعلى. يقال :فلان لا يستنكف عن خدمتي ولا أبوه، ولو قال «ولا عبده » لم يحسن وكان معنى قوله «ولا الملائكة المقربون » ولا من هو أعلى منه قدراً وأعظم منه خطراً، ويدل عليه تخصيص المقربين. والجواب أنا نسلم تفضيل الثاني على الأول ولكن هذا لا يمس ما تنازعنا فيه، لأن الآية تدل على أن الملائكة المقربين بأجمعهم أفضل من عيسى، ونحن نسلم بأن جميع الملائكة المقربين أفضل من رسول واحد من البشر. إلى هذا ذهب بعض أهل السنة، ولأن المراد أن الملائكة مع ما لهم من القدرة الفائقة قدر البشر والعلوم اللوحية وتجردهم عن التولد الازدواجي رأساً لا يستنكفون عن عبادته، فكيف بمن يتولد من آخر ولا يقدر على ما يقدرون ولا يعلم ما يعلمون ! وهذا لأن شدة البطش وسعة العلوم وغرابة التكون هي التي تورث الحمقى أمثال النصارى وهم الترفع عن العبودية حيث رأوا المسيح ولد من غير أب وهو يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى وينبىء بما يأكلون ويدخرون في بيوتهم، فبرءوه من العبودية فقيل لهم هذه الأوصاف في الملائكة أتم منها في المسيح، ومع هذا لم يستنكفوا عن العبودية فكيف المسيح ! والحاصل أن خواص البشر وهم الأنبياء عليهم السلام أفضل من خواص الملائكة وهم الرسل منهم، كجبريل وميكائيل وعزرائيل ونحوهم، وخواص الملائكة أفضل من عوام المؤمنين من البشر، وعوام المؤمنين من البشر أفضل من عوام الملائكة، ودليلنا على تفضيل البشر على الملك ابتداء أنهم قهروا نوازع الهوى في ذات الله تعالى مع أنهم جبلوا عليها فضاهت الأنبياء عليهم السلام الملائكة عليهم السلام في العصمة وتفضلوا عليهم في قهر البواعث النفسانية والدواعي الجسدانية، فكانت طاعتهم أشق لكونها مع الصوارف بخلاف طاعة الملائكة لأنهم جبلوا عليها فكانت أزيد ثواباً بالحديث ﴿ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ ﴾ يترفع ويطلب الكبرياء ﴿ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً ﴾ فيجازيهم على استنكافهم واستكبارهم.
ثم فصل فقال :
﴿ فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الذين استنكفوا واستكبروا فَيُعَذّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ فإن قلت :التفصيل غير مطابق للمفصل لأن التفصيل اشتمل على الفريقين والمفصل على فريق واحد، قلت :هو مثل قولك «جمع الإمام الخوارج » فمن لم يخرج عليه كساه وحمله، ومن خرج عليه نكل به.
وصحة ذلك لوجهين :أحدهما أنه حذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه لأن ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله تعالى بعد هذا : «فأما الذين آمنوا باللّه واعتصموا به ». والثاني أن الإحسان إلى غيرهم مما يغمهم فكان داخلاً في جملة التنكيل بهم فكأنه قيل :ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وبما يصيبه من عذاب الله.
﴿ يَأَيُّهَا الناس قَدْ جَاءكُمْ بُرْهَانٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ أي رسول يبهر المنكر بالإعجاز ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً ﴾ قرآناً يستضاء به في ظلمات الحيرة
﴿ فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ بالله واعتصموا بِهِ ﴾ بالله أو بالقرآن ﴿ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ ﴾ أي جنة ﴿ وَفَضَّلَ ﴾ زيادة النعمة ﴿ وَيَهْدِيهِمْ ﴾ ويرشدهم ﴿ إِلَيْهِ ﴾ إلى الله أو إلى الفضل أو إلى صراطه ﴿ صراطا مُّسْتَقِيماً ﴾ ف «صراطاً » حال من المضاف المحذوف.
﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِى الكلالة ﴾ كان جابر بن عبد الله مريضاً فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :إني كلالة فكيف أصنع في مالي ؟ فنزلت ﴿ إِنِ امرؤا هَلَكَ ﴾ ارتفع «امرؤ » بمضمر يفسره الظاهر ومحل ﴿ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ الرفع على الصفة أي إن هلك امرؤ غير ذي ولد، والمراد بالولد الابن وهو مشترك يقع على الذكر والأنثى لأن الابن يسقط الأخت ولا تسقطها البنت ﴿ وَلَهُ أُخْتٌ ﴾ أي لأب وأم أو لأب ﴿ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ﴾ أي الميت ﴿ وَهُوَ يَرِثُهَا ﴾ أي الأخ يرث الأخت جميع مالها إن قدر الأمر على العكس من موتها وبقائه بعدها ﴿ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ ﴾ أي ابن لأن الابن يسقط الأخ دون البنت. فإن قلت :الابن لا يسقط الأخ وحده فالأب نظيره في الإسقاط، فلم اقتصر على نفي الولد ؟ قلت :بين حكم انتفاء الولد ووكل حكم انتفاء الوالد إلى بيان السنة وهو قوله عليه السلام " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر " والأب أولى من الأخ ﴿ فَإِن كَانَتَا اثنتين ﴾ أي فإن كانت الأختان اثنتين دل على ذلك وله أخت ﴿ فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً ﴾ أي وإن كان من يرث بالإخوة. والمراد بالإخوة الإخوة والأخوات تغليباً لحكم الذكورة ﴿ رّجَالاً وَنِسَاء ﴾ ذكوراً وإناثاً ﴿ فَلِلذَّكَرِ ﴾ منهم ﴿ مِثْلُ حَظّ الأنثيين يُبَيّنُ الله لَكُمْ ﴾ الحق فهو مفعول «يبين » ﴿ أَن تَضِلُّواْ ﴾ كراهة أن تضلوا ﴿ والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ ﴾ يعلم الأشياء بكنهها قبل كونها وبعده.
السورة التالية
Icon