0:00
0:00

﴿ بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ﴾ الجمهور على أنها مدنية ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما ذكر أحوال المشركين والمنافقين وأهل الكتاب والمؤمنين أولى الألباب ونبّه تعالى بقوله: ﴿ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ ﴾[آل عمران: ١٩٥]، على المجازاة. وأخبر أن بعضهم من بعض في أصل التوالد نبه تعالى في أول هذه السورة على اتحاد الأصل وتفرع العالم الانساني منه ليحث على التوافق والتواد والتعاطف وعدم الاختلاف ولينبه بذلك على أن أصل الجنس الانساني كان عابداً لله تعالى مفرده بالتوحيد والتقوى طائعاً له، فكذلك ينبغي أن تكون فروعه التي نشأت منه فنادى تعالى نداءً عاماً للناس وأمرهم بالتقوى التي هي ملاك الأمر وجعل سبب التقوى تذكاره إياهم بأنه أوجدهم وأنشأهم من نفس واحدة، ومن كان قادراً على مثل هذا الإِيجاد الغريب الصنع وإعدام هذه الأشكال والنفع والضر فهو جدير بأن يتقى. ونبه بقوله: ﴿ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾، على ما هو مركوز في الطباع من ميل بعض الأجناس إلى بعض وإلفة له دون غيره ليتألف بذلك عباده على تقواه. والظاهر في الناس العموم لأن الألف واللام فيه تفيده والأمر بالتقوى وللعلة إذ ليسا مخصوصين بل هما عامان. ﴿ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ المراد به آدم عليه الصلاة والسلام. وقرىء واحدة على تأنيث النفس وواحد على التذكير والنفس تذكر وتؤنث، والغالب عليها التأنيث. ومعنى الخلق هنا: الاختراع بطريق التفريع والرجوع إلى أصل واحد. كما قال الشاعر:إلى عرق الثرى وشجت   عروقي وهذا الموت يسلبني شبابيوفي قوله: من نفس واحدة إشارة إلى ترك المفاخرة والكبر لتعريفه إياهم أنهم من أصل واحد. ودلالة على المعاد، لأن القادر على إخراج أشخاص مختلفين من شخص واحد فقدرته على إحيائهم بطريق الأولى. ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا ﴾ الظاهر أنها منشأة من آدم نفسه ويحتمل أن يكون المعنى في قوله: منها، من جنسه لا من نفسه حقيقة بل اشتركا في الإِنسانية. ﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا ﴾ أي من تلك النفس وزوجها أي نشر وفوق في الوجود. ويقال: أبث الله الخلق رباعياً وبث ثلاثياً. ﴿ رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً ﴾ أي كثيرة وحذف الوصف لدلالة ما قبله عليه. وقرىء وخالق وباث باسم الفاعل على إضمار وهو. ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ كرر الأمر بالتقوى تأكيداً الأول. وقيل: لاختلاف التعليل، وذكر أولاً الرب الذي يدل على الإِحسان والتربية، وثانياً الله الذي يدل على القهر والهيبة، بنى أولاً على الترغيب، وثانياً على الترهيب، كقوله: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾[السجدة: ١٦]، وقرىء تسّألون بتشديد السين أصله تتسألون فأدغم التاء في السين، وقرىء تساءلون بتخفيف السين على حذف التاء الثانية.قال ابن عطية: وذلك لأنهم حذفوا التاء الثانية تخفيفاً وهذه تاء تتفاعلون تدغم في لغة وتحذف في أخرى لاجتماع حروف متقاربة.قال أبو علي: فإذا اجتمعت المتقاربة خففت بالحذف والإِدغام والإِبدال كما قالوا في طسْ طست فأبدلوا من السين الواحدة تاء إذ الأصل طس. قال:حنّ إليها كحنين الطسّ   " انتهى ".وأما قول ابن عطية: حذفوا التاء الثانية فهذا مذهب أهل البصرة وذهب هشام بن معاوية الضرير الكوفي إلى أن المحذوفة هي الأولى وهي تاء المضارعة وهي مسألة خلاف ذكرت دلائلها في علم النحو. وأما قوله: وهذه تاء تتفاعلون تدغم في لغة وتحذف في أخرى، كان ينبغي أن ينبه على الإِثبات إذ يجوز الإِثبات وهو الأصل والادغام وهو قريب من الأصل إذ لم يذهب الحرف إلا بأن أبدل منه مماثل ما بعده وأدغم والحذف لاجتماع المثلين. وظاهر كلامه اختصاص الادغام والحذف بتتفاعلون وليس كذلك أما الإِدغام فلا يختص به بل ذلك في الأمر والمضارع والماضي واسم الفاعل واسم المفعول والمصدر وأما الحذف فمختص بما دخلت عليه التاء من المضارع. وقوله: لاجتماع حروف متقاربة ظاهرة تعليل الحذف فقط لقربه أو تعليل الحذف والإِدغام وليس كذلك أما ان كان تعليلاً للحذف فليس كذلك، بل الحذف علته اجتماع متماثلة لا متقاربة، واما إن كان تعليلاً لهما فيصح في الإِدغام لا الحذف كما ذكرنا. وأما قول أبي علي: إذا اجتمعت المتقاربة خففت بكذا فلا يعني أن ذلك حكم لازم إنما معناه أنه قد يكون التخفيف بكذا فكم وجد من اجتماع متقاربة لم تخفف لا بحذف ولا إدغام ولا بدل وإما تمثيله بطسْت في طسّ فليس البدل هنا لاجتماع متقاربة من الكلمة بل هذا من اجتماع المثلين كقولهم في لص: لصت. وقرىء تسألون مضارع سأل وتسلون بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى السين.وقرىء ﴿ وَٱلأَرْحَامَ ﴾ نصباً عطفاً على الجلالة على حذف مضاف تقديره وقطع الأرحام ويجوز أن يكون معطوفاً على موضوع به لأنه في موضع نصب. وقرىء والأرحام عطفاً على الضمير في به ويبنيه قراءة من قرأ وبالأرحام. هذا اختيارنا وإن كان مخالفاً لأهل البصرة في أنهم لا يعطفون على الضمير المخفوض إلا بإِعادة الخافض وقد استدللنا على صحة ما اخترناه عند الكلام على قوله تعالى: ﴿ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾[البقرة: ٢١٧].
ومن ذهب إلى أن الجر هو بواو القسم فبعيد عن الفصاحة.قال ابن عطية: المضمر المخفوض لا ينفصل فهو كحرف من الكلمة ولا يعطف على حرف. ويرد عندي هذه القراءة يعني قراءة حمزة والأرحام بالجر وجهان: احدهما ان ذكر الأرحام مما يتساءل به لا معنى له في الحض على تقوى الله تعالى ولا فائدة فيه أكثر من الاخبار بأن الأرحام يتساءل بها وهذا تفريق في معنى الكلم وغض في فصاحته وإنما الفصاحة في أن يكون في ذكر الأرحام فائدة مستقلة.والوجه الثاني: إن في ذكرها على ذلك تقدير التساؤل بها والقسم بحرمتها. والحديث الصحيح يرد بذلك في قوله عليه الصلاة والسلام:" من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت "" انتهى " كلامه. وما ذهب إليه البصريون وتبعهم فيه الزمخشري وابن عطية من امتناع العطف على الضمير المجرور إلا بإِعادة الجار ومن اعتلالهم لذلك غير صحيح بل الصحيح مذهب الكوفيين في ذلك وأنه يجوز وقد أطلتا الاحتجاج على ذلك عند قوله تعالى: ﴿ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾[البقرة: ٢١٧]، وذكرنا ثبوت ذلك في لسان العرب نثرها ونظمها فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وأما قول ابن عطية: ويرد عندي هذه القراءة إلى آخر كلامه، فجاسرة قبيحة منه لا تليق بحاله ولا بطهارة لسانه، إذ عمد إلى قراءة متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بها سلف الأمة واتصلت بأكابر قراء الصحابة الذين تلقوا. القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير واسطة عثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت واقرأ الصحابة أبيّ بن كعب رضي الله عنهم عمد إلى ردها هو بشيء خطر له في ذهنه، وهذه الجسارة لا تليق إلا بالمعتزلة كالزمخشري فإِنه كثيراً ما يطعن في نقل القراء وقراءتهم. وحمزة رضي الله عنه أخذ القرآن عن سليمان بن مهران الأعمش وحمران بن أعين ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وجعفر بن محمد الصادق. ولم يقرأ حمزة حرفاً من كتاب الله إلا بأثر وكان حمزة صالحاً ورعاً ثقة في الحديث وهو من الطبقة الثالثة ولد سنة ثمانين فاحكم القراءة وله خمس عشرة سنة، وأم الناس سنة مائة، وعرض عليه القرآن من نظراته جماعة منهم سفيان الثوري والحسن بن صالح ومن تلاميذه جماعة منهم إمام الكوفة في القراءة والعربية أبو الحسن الكسائي.وقال الثوري وأبو حنيفة ويحيى بن آدم غلب حمزة الناس على القرآن والفرائض وإنما ذكرت هذا وأطلت فيه لئلا يطلع عمر على كلام الزمخشري وابن عطية في هذه القراءة فيسيء ظناً بها وبقارئها فيقارب أن يقع في الكفر بالطعن في ذلك، ولسنا متعبدين بقول نحاة البصرة ولا غيرهم ممن خالفهم، فكم حكم ثبت بنقل الكوفيين من كلام العرب لم ينقله البصريون، وكم حكم ثبت بنقل البصريين لم ينقله الكوفيون وإنما يعرف ذلك من له استبحار في علم العربية لا أصحاب الكنانيش المشتغلون بضروب من مبادي العلوم الآخذون عن الصحف دون الشيوخ.وقرىء والأرحام على أنه مبتدأ حذف خبره لدلالة ما قبله عليه كأنه قيل: والأرحام أي وقطعها مما يتقي. ﴿ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾ والرقيب فعيل للمبالغة من رقب يرقب رقبا ورقوبا ورقباناً أحد النظر إلى أمر ليتحققه على ما هو عليه ويقرن به الحفظ. ومنه قيل للذي يرقب خروج السهم: رقيب، والمعنى أنه تعالى مراع لكم لا يخفي عليه من أمركم شيء.
﴿ وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ﴾ قيل نزلت في رجل غطفان كان عنده مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ طلب المال فمنعه. واليتيم اسم لمن كان قبل البلوغ ويشترك في جمعه الذكور والإِناث والظاهر أن قوله: وآتوا، هو أمر لمن له ولاية على اليتامى والمعنى والله أعلم أنهم إذا كانوا غير رشداء كان معنى الإِيتاء إيصال ما يكفيهم من أقوالهم فمن بلغ منهم رشيداً كان إيتاؤه ماله واجباً. ﴿ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ ﴾ كان بعضهم يبدل الشاة السمينة من مال اليتيم بالهزيلة من ماله، والدرهم الطيب بالدرهم الزيف من ماله، فنهوا عن ذلك. ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ ﴾ هذا من باب التضمين ضمن تأكلوا معنى تضمّوا بالأكل فلذلك عدّاه بإِلى ودلّ قوله: إلى أموالكم ان المخاطبين أغنياء ذوو أموال وقد جاء ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف.والضمير في: ﴿ إِنَّهُ ﴾ عائد على فعل المنهي عنه من التبديل والأكل. ﴿ كَانَ حُوباً ﴾ الحوب: الاثم، يقال: حاب يحوب حوباً وحوباً وحابا وحؤوبا وحيابة. ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ ﴾ الآية. في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: نزلت في أولياء اليتامى الذين يعجبهم جمال أوليائهم فيريدون أن يبخسوهن في المهر لمكان ولايتهم عليهن فقيل لهم: اقسطوا في مهورهن فمن خاف أن لا يسقط فليتزوج ما طاب له من الأجنبيات اللواتي يماكسن في حقوقهن ولما أمروا أن يؤتوا اليتامى كان في ذلك فريد اعتناء باليتامى واحتراز من ظلمهن فخوطب أولياء يتامى النساء أو الناس بقوله: وإن خفتم أن لا تقسطوا، والخوف هنا على بابه وهو الحذر، ومعنى في اليتامى في نكاح اليتامى وظاهره العموم كنّ بلّغا أو غير بلّغ، فإِن كان أريد به اليتيم الشرعي فينطلق على الصغيرات اللاتي لم يبلغن وقد منع من نكاحهن ابن شبرمة والأصم، وإن كان المراد به اليتيم اللغوي فيندرج فيه البالغات، والبالغة يجوز تزويجها بدون مهر المثل إذا رضيت فأي معنى للعدول إلى نكاح غيرها.والجواب أن العدول إنما كان لأن الولي يستضعفها ويستولي على مالها وهي لا تقدر على مقاومته. ﴿ فَٱنكِحُواْ ﴾ أمر إباحة. ﴿ مَا طَابَ ﴾ ما هنا واقعة على النوع أي النوع الذي طاب لكم، ومن قال: ان ما هنا تقع على آحاد من يعقل جوّز ذلك هنا، وكانت ما هنا مثل من ولما كان قوله: ما طاب. ﴿ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ ﴾ عاماً في الاعداد كلها خصّ ذلك بقوله: ﴿ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ﴾ وظاهر هذا التخصيص تقسيم المنكوحات إلى أن لنا أن نتزوج اثنتين اثنتين وثلاثاً ثلاثاً وأربعاً أربعاً ولا يجوز لنا أن نتزوج خمساً خمساً ولا ما بعد ذلك من الأعداد، ولا يسوغ دخول أو هنا مكان الواو لأنه كان يصير المعنى أنهم لا ينكحون كلهم إلا على أحد أنواع العدد المذكور وليس لهم أن يجعلوا بعضه على تثنية وبعضه على تثليث وبعضه على تربيع لأن أو لأحد الشيئين أو الأشياء والواو تدل على مطلق الجمع فيأخذ الناكحون من أرادوا نكاحها على طريق الجمع إن شاؤا مختلفين في تلك الأعداد وإن شاؤا متفقين فيها محظوراً عليهم ما زاد.وقرىء ثنى مقصوراً وثلث وربع على وزن فعل ممنوع الصرف.قال الزمخشري: إنما منعت الصرف لما فيها من العدلين عدلها عن صيغتها وعدلها عن تكررها وهي نكرات يعرّفن بلام التعريف. يقال فلان: ينكح المثنى والثلاث والرباع. " انتهى ". وما ذهب إليه من أن اقتناعها الصرف لما فيها من العدلين إلى آخره لا أعلم أحداً ذهب إليه بل المذاهب المنقولة في علة منع الصرف أربعة: أحدها قول سيبويه والخليل وأبي عمرو وهو العدل والوصف.والثاني: قول الفراء انها منعت للعدل والتعريف بنية الألف واللام فهي ممتنعة الاضافة لنية الألف واللام ومنع ظهور الألف واللام كونها في نية الاضافة.الثالث: ما نقل عن الزجاج وهو أنها معدولة عن اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة وأنه عدل عن التأنيث.الرابع: ما نقله أبو الحسن عن بعض النحويين أن العلة المانعة من الصرف هي تكرار العدل فيه لأنه عدل عن لفظ اثنين وعدل عن معناه وذلك أنه لا يستعمل في موضع تستعمل فيه الاعداد غير المعدولة. تقول: جاءني اثنان وثلاثة ولا يجوز جاءني مثنى وثلاث حتى يتقدم قلبه. جمع لأن هذا الباب جعل بياناً لترتيب الفعل فإِذا قال: جاءني القوم مثنى أفاد أن ترتيب مجيئهم وقع اثنين اثنين فاما الاعداد غير المعدولة فإِنما الغرض منها الاخبار عن مقدار المعدود دون غيره فقد بان بما ذكرنا اختلافهما في المعنى فلذلك جاز أن تقوم العلة مقام العلتين لإِيجابهما حكمين مختلفين. " انتهى " ما قرر به هذا المذهب. والزمخشري لم يسلك شيئاً من هذه العلل المنقولة فإِن كان تقدمه سلف ممن قال ذلك فيكون قد تبعه والا فيكون ممن انفرد بمقالته. وأما قوله: يعرّفن بلام التعريف يقال: فلان ينكح المثنى والثلاث والرباع فهو معترض من وجهين، أحدهما: زعمه انها تعرف بلام التعريف وهذا لم يذهب إليه أحد بل لم تستعمل في لسان العرب إلا نكرات، والثاني: انه قد مثّل بها وقيد وليت العوامل في قوله: فلا ينكح المثنى والثلاث والرباع ولا تلى العوامل إنما يتقدمها ما يلي العوامل ولا تقع إلا خبراً، كما جاء: صلاة الليل مثنى مثنى أو حالاً نحو ما طاب لكم من النساء مثنى، أو صفة نحو: أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع. وقوله: وبات يبغي الناس مثنى وموحد.وقد تجيء مضافة قليلاً نحو قوله: بمثنى الزقاق المنزعات وبالجزر.وقد ذكر بعضهم انها تلي العوامل على قلة. وقد يستبدل له بقول الشاعر:ضربت خماس ضربة عبشمي   أدار سداس أن لا يستقيما. ومن أحكام هذا المعدول أنه لا يؤنث فلا يقال: مثناة، ولا ثلاثة، ولا رباعة، بل يجري بغير تاء على المذكر والمؤنث. ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ﴾ في نكاح اثنتين أو ثلاث أو أربع." فانكحوا واحدة أو ما ملكت أيمانكم " وهو عام غير مقيد بعدد. والمعنى أوطؤا ما ملكت أيمانكم. ﴿ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ ﴾ أي أقرب أن لا تكثر عيالكم. ونقل ابن الاعرابي أنه يقال: عال الرجل واعال إذا كثر عياله، فلا التفات لمن رد على الشافعي رضي الله عنه في قوله: تعولوا، معناه تعيلوا أي تكثر عيالكم. صدقاتهن والصدقة: المهر على وزن سمرة وقد تسكن الدال ويقال: صدقة على وزن غرفة وقد تضم الدال والنحلة العطية عن طيب نفس والنحلة السرعة. ﴿ وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ ﴾ أمر للأزواج بإِعطائهم مهور نسائهم عن طيب قلب. والضمير في " منه " عائد على المهر المفهوم من قوله: صدقاتهن، وانتصب نفساً على التمييز وهو مفرد أريد به الجمع ويجوز جمعه في غير القرآن تقول: الهندات طبن نفساً وطبن أنفساً. ﴿ فَكُلُوهُ ﴾ أي استمتعوا به بأكل وغيره. ﴿ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ يقال: هنؤ الطعام ومَرُءَ إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه. ويقال: هنا يهنا بغير همز وهنأني الطعام ومرأني، فإِذا لم تذكر هنأني قلت: امرأني رباعياً واستعمل مع هنأني ثلاثياً للاتباع وانتصاب هنيئاً على أنه نعت لمصدر محذوف أي فكلوه أكلاً هنيئاً أو على أنه حال من ضمير المفعول هكذا أعربه الزمخشري وهو قول مخالف لأئمة العربية لأنه عند سيبويه وغيره منصوب بإِضمار فعل لا يجوز إظهاره وقد ذكرنا في النحو في المفردات نص سيبويه على ذلك. فعلى ما قاله أئمة العربية يكون هنيئاً مريئاً من جملة أخرى غير قوله فكلوه، ولا تعلق له من حيث الاعراب بل من حيث المعنى. وقال: كثير عزة هنيئاً مريئاً غير داء مخامر لعزة من اعراضنا ما استحلت.وقد أمعنا الكلام على هذه المسألة في البحر وانتصب مريئاً على أنه صفة لقوله: هنيئاً، وبه قال الحوفي، أو على أنه منصوب بما انتصب به هنيئاً فالتقدير ثبت مريئاً، قاله الفارسي.
﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ﴾ السفهاء عام في الذكور والإِناث، والسفه: تبذير المال فيما لا ينبغي وأضاف الأموال إلى المخاطبين الناظرين في أموال السفهاء تغبيطاً للأموال لما كانوا يتصرفون فيها للسفهاء، والاضافة تكون بأدنى ملابسة. وقرىء اللاتي جمعاً وقرأ الجمهور التي بالافراد وإن كان نعتاً لجمع وجعل صلة حذف منها الضمير تقديره جعلها ومعنى قياماً تقومون بها وتنتعشون بها ولو ضيعتموها لتلفت أحوالكم ويقام بها الحج والجهاد وأعمال البر وبها فكاك الرقاب من الرق ومن الأسر ومن النار، وقال: فيها، ولم يقل: منها، تنبيهاً على ما قاله عليه الصلاة والسلام. ابتغوا في أموال اليتامى التجارة لا تأكلها الزكاة فعلى هذا يكون الرزق والكسوة من الأرباح التي تحصل من أصل الأموال. وقد يكون معنى الآية أمر ذوي الأموال أن لا يأتوا أموالهم السفهاء فيبقون فقراء بتبذير السفهاء الأموال كمن يعطي زوجته وولده السفيهين ماله فأمر بأن لا يفعل ذلك وأن يمسك ماله ويرزقهما ويكسوهما فيها أي في أموال نفسه. وتكون في بمعنى: من، فتكون إضافة الأموال إليهم حقيقة لا مجازاً. ﴿ وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ ﴾ الآية قيل:" توفي أوس بن ثابت عن زوجته أمّ كجّة وثلاث بنات وابن عم سويد وعُرفُجة فأخذا ماله ولم يعطيا المرأة ولا البنات شيئاً. وقيل: المانع ارتهن هو ابن عم بينها واسمه ثعلبة وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا البنات ولا الابن الذكر الصغير فشكتهما أم كجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهما فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرساً ولا يحمل كلا ولا يبكُىءُ عدواً. فقال: انصرفوا حتى أنظر ما يحدث الله تعالى، فنزلت "وابتلاء اليتامى اختبارهم في عقولهم ودينهم وحفظ أموالهم وحسن تصرفهم فيها وكيفية ابتلاء الصغير انه يدفع إليه نذر من المال يتصرف فيه. والوصي يراعي حاله فيه لئلا يتلفه واختبار الصغيرة أن يرد إليها أمر البيت والنظر في الاستغزال دفعاً وأجرة واستيفاء واختبار كل منهما بحال ما يليق به وبما يعانيه من الأشغال والصنائع ولم تتعرض الآية لسن البلوغ وقد غُيي الابتلاء بوقت البلوغ. ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ ﴾ أي بعد البلوغ. ودل ذلك على أنه لا يعطي ماله إلا بشيئين بلوغه وإيناس رشده فلو بلغ غير رشيد دام عليه الحجر أو أُونسَ منه رشد قبل البلوغ، فكذلك هذا الظاهر وهو عام في جميع اليتامى ولو عاشوا سنين بعد البلوغ من غير رشد فالحجر عليهم.وانتصب: ﴿ إِسْرَافاً وَبِدَاراً ﴾ على أنهما مصدران أو على أنهما في موضع الحال أي مسرفين ومبادرين.و ﴿ أَن يَكْبَرُواْ ﴾ معمول لقوله: وبدارا وجاء ولا تأكلوها ولا يراد خصوصية الأكل بل عبر بذلك عن أخذ مال اليتامى إذ الأكل أعظم منافع الأخذ. ﴿ وَمَن كَانَ غَنِيّاً ﴾ الجملتان الظاهر أنه يدل على أنه تقسم لحال الوصي على اليتيم فأمره تعالى بالاستعفاف عن ماله إن كان غنياً واقتناعه بما رزقه الله تعالى من الغنى. وأباح له الأكل بالمعروف من مال اليتيم إن كان فقيراً بحيث يأخذ قوتاً محتاطاً في تقديره. وظاهر هذه الآية الاباحة انه لا تبعة عليه ولا يترتب في ذمته ما أخذ مما يسد جوعه ويستر عورته بما لا يكون رفيعاً من الثياب ولا يقضي إذا أيسر. ﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ ﴾.
أمر تعالى بالاشهاد لحسم مادة النزاع وسوء الظن بهم والسلامة من الضمان والعزم على تقدير إنكار اليتيم وطيب خاطره بفك الحجر عنه وانتظامه في سلك من يعامِل ويعامَل وإذا لم يشهد فادّعى عليه صدق مع اليمين عند أبي حنيفة وأصحابه وعند مالك والشافعي لا يصدق إلا بالبينة فكان في الاشهاد الاحتراز عن توجه الحلف المفضي إلى التهمة أو من وجوب الضمان إذا لم تتم البينة. وظاهر الأمر أنه واجب. ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ ﴾ بالله فاعل كفى والباء زائدة أي وكفى الله. وحسيباً تمييز فقيل: مبالغة من حاسب. وقيل: معناه محاسب كجليس بمعنى مجالس.
﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ ﴾ الآية. قيل: كان اليونان يعطون جميع المال للبنات لأن الرجل لا يعجز عن الكسب والمرأة تعجز. وكانت العرب لا يعطيون البنات فرد الله تعالى على الفريقين والمعنى بالرجال الذكور وبالنساء الإِناث لقوله: ﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً ﴾[النساء: ١].
وأبهم في قوله: نصيب، وكذا أبهم في الأقربين لم يعين من هم. قال الزمخشري: ونصيباً ففروضاً نصب على الاختصاص بمعنى أعنى نصيباً مفروضاً مقطوعاً واجباً. " انتهى ".إن عنى بالاختصاص ما أصطلح عليه النحويون فهو مردود بكونه نكرة والمنصوب على الاختصاص نصوا على أنه لا يكون نكرة. ﴿ وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ ﴾ أي قسمة الميراث. ﴿ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ ممن لا يرث. ﴿ فَٱرْزُقُوهُمْ مِّنْهُ ﴾ أي من مال المقسوم. ﴿ وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ ﴾ ظاهره هذه الجملة أنه أمر بخشية الله تعالى واتقائه والقول السديد من ينظر في حال ذرية ضعاف لتنبيهه على ذلك بكونه هو يترك ذرية ضعافاً فيدخل في ذلك ولاة الأيتام، قاله ابن عباس. ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً ﴾ قيل: نزلت في الأوصياء الذين يأكلون من أموال اليتامى ما لم يبح لهم وهي تتناول كل أكل بظلم وان لم يكن وصياً. وانتصاب ظلماً على أنه مصدر في موضع الحال أو مفعول من أجله، وخبر إن هي الجملة من قوله: ﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ ﴾ وفي ذلك دليل على جواز وقوع الجملة المصدّرة بأن خبراً لأن وفي ذلك خلاف. وحسن ذلك هنا تباعدهما بكون اسم ان موصولاً فطال الكلام بذكر صلته.و ﴿ فِي بُطُونِهِمْ ﴾ معناه ملء بطونهم وهو متعلق بيأكلون وقال أبو البقاء: هو في موضع الحال من قوله نار. " انتهى ". والأولى تعلقه بيأكلون كما قلنا ونبه بقوله: في بطونهم، على نقصهم ووصفهم بالشره في الأكل والتهافت في نيل الحرام بسبب البطن، وظاهر قوله: ناراً، انهم يأكلون ناراً حقيقة. وفي حديث أبي سعيد عن ليلة الإِسراء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" رأيت قوماً لهم مشافر كمشافر الابل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخراً من نار يخرج من أسافلهم فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ".وقرىء.
﴿ وَسَيَصْلَوْنَ ﴾ بفتح الياء وبضمها.
﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ ﴾ الآية. لما أبهم في قوله: نصيب مما ترك الولدان والأقربون، في المقدار والأقربين، بيّن في هذه الآية المقادير ومن يرث من الأقربين وبدأ بالأولاد وارثهم من والديهم كما بدأ في قوله: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ ﴾[النساء: ٧]، بهم وفي قوله: في أولادكم إجمال، أيضاً بينه بعد وبدأ بقوله: ﴿ لِلذَّكَرِ ﴾ وتبيين ماله دلالة على فضله وكان تقديم الذكر أدل على فضله من ذكر بيان نقص الأنثى عنه ولأنهم كانوا يورثون الذكور دون الإِناث فكفاهم أن ضوعف لهم نصيب الإِناث فلا يحرمن إذ هن يدلين بمثل ما يدلون من الوالدية، وقد اختلف القول في سبب النزول ومضمن أكثر تلك الأقوال أنهم كانوا لا يورثون البنات كما تقدم فنزلت تبييناً لذلك ولغيره. ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾ ظاهر هذا التقسيم إن ما زاد على الثنتين من الأولاد يرثن الثلثين مما ترك مورّثهما. وظاهر السياق انحصار الوارث فيهن. ولما كان لفظ الأولاد يشمل الذكور والإِناث وقصد هنا بيان حكم الإِناث أخلص الضمير للتأنيث إذ الإِناث أحد قسمي ما ينطلق عليه الأولاد فعاد الضمير على أحد القسمين. والضمير في كن ضمير الإِناث كما قلنا أي، فإِن كان الوارثات نساء حسن كونه خبر الوصف بقوله بفوق اثنتين.وأجاز الزمخشري أن يكون نساء خبراً وفوق خبراً ثانياً لكان، وليس بشيء لأن الخبر لا بد أن تستقل به فائدة الإِسناد ولو سكت على قوله: فإِن كن نساء لكان نظير إن كان الزيدون رجالاً وهذا ليس بكلام.وقال بعض البصريين: التقدير وإن كان المتروكات نساء فوق اثنتين وقدره الزمخشري البنات أو المولودات.وقال الزمخشري: فإِن قلت: هل يصح أن يكون الضمير إن في كن وكانت مبهمين ويكون نساء وواحدة تفسيراً لهما على ان كان تامة؟ قلت: لا أبعد ذلك. " انتهى ".ويعني بالابهام أنهما لا يعودان على مفسر متقدم بل يكون مفسرهما هو المنصوب بعدهما وهذا الذي لم يبعده الزمخشري هو بعيد أو ممنوع البتة لأن كان ليست من الأفعال التي يكون فاعلها مضمراً يفسره ما بعده بل هذا مختص من الأفعال بنعم وبئس. وما حمل عليهما وفي باب التنازع على ما قرر في النحو. ومعنى فوق أكثر من اثنتين بالغات ما بلغن من العدد فليس لهن إلا الثلثان ومن زعم أن معنى قوله: نساء فوق اثنتين اثنتين فما فوقهما وإن قوة الكلام تقتضي ذلك كابن عطية أو انّ فوق زائدة مستدلاً بأن فوق قد زيدت في قوله: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ ﴾[الأنفال: ١٢]، فلا يحتاج في رد ما زعم إلى حجة لوضوح فساده وذكروا أن سهم البنتين في الميراث الثلثان كالبنات قالوا: ولم يخالف في ذلك إلا ابن عباس فإِنه يرى لهما النصف إذا انفردا كحالهما إذا اجتمعا مع الذكر وورد في الحديث في قصة أوس بن ثابت، انّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى البنتين الثلثين. ﴿ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ ﴾ أي وكانت الوارثة واحدة. قرىء بضم التاء على أنّ كان تامة وبنصبها على الخبر. وقرىء النصف بضم النون وكسرها. ﴿ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ لما ذكر الفروع ومقدار ما يرثون أخذ في ذكر الأصول ومقدار ما يرثون فذكر أن الميت يرث منه أبواه كل واحد السدس إن كان للميت ولد أبواه هما أبوه وأمه. وغلب لفظ الأب في التثنية كما قيل: القمران، فغلب القمر لتذكيره على الشمس وهي تثنية لا تنقاس. وشمل قوله: وله ولد الذكر والأنثى والواحد والجماعة وظاهر الآية ان فرض الأب السدس إذا كان للميت ولد أيّ ولد كان وباقي المال للولد ذكراً كان أو أنثى والحكم عند الجمهور أنه لو كان الولد ابنه أخذ السدس فرضاً والباقي تعصيباً وتعلقت الروافض بظاهر لفظ ولد فقالوا السدس لكل واحد من أبويه والباقي للبنت أو الابن إذ الولد يقع على الذكر والأنثى. والضمير في لأبويه عائد على ما عاد عليه الضمير في ترك وهو ضمير الميت الدال عليه معنى الكلام وسياقه ولكل واحد منهما بدل من أبويه، ويفيد معنى التفصيل وتبيين أن السدس لكل واحد منهما إذ لولا هذا البدل لكان الظاهر اشتراكهما في السدس وهو أبلغ وآكد من قولك: لكل واحد من أبويه السدس إذ تكرر ذكرهما مرتين مرة بالإِظهار ومرة بالضمير العائد عليهما. وقال الزمخشري: والسدس مبتدأ وخبره لأبويه والبدل متوسط بينهما. " انتهى ". وفي قول الزمخشري: والسدس مبتدأ وخبره لأبويه نظراً لأن البدل هو الذي يكون الخبر له دون المبدل منه كما مثلناه في قولك: أبواك كل واحد منهما يصنع كذا إذا أعربنا كلا بدلاً. وكما تقول: إن زيداً عينه حسنة، فكذلك ينبغي أن يكون إذا وقع البدل خبراً فلا يكون المبدل منه هو الخبر، واستغنى عن جعل المبدل منه خبراً بالبدل كما استغنى عن الاخبار عن اسم انّ وهو المبدل منه بالاخبار عن البدل ولو كان التركيب ولأبويه السدسان لا وهم التنصيف أو الترجيح في المقدار بين الأبوين، فكان هذا التركيب القرآني في غاية النصيّة والفصاحة وظاهر قوله: ولأبويه انهما اللذان ولد الميت قريباً لاجداه ولا من علا من الأجداد وزعموا إن قوله: في أولادكم، يتناول من سفل من الأبناء، قالوا: لأن الأبوين لفظ مثنى لا يحتمل العموم ولا الجمع بخلاف قوله: في أولادكم، وفيما قالوه نظروهما عندي سواء في الدلالة ان نظر الى حمل اللفظ على حقيقته فلا يتناول إلا الأبناء الذين ولدهم الأبوان قريباً لا من سفل كالأبوين لا يتناول إلا من ولداه قريباً لا من علا أو إلى حمل اللفظ على مجازه فيشترك اللفظان في ذلك فينطلق الأبوان على من ولداه قريباً.ومن علا كما ينطلق الأولاد على من ولداهم قريباً ومن سفل وتبيين جملة على الحقيقة في الموضعين أن إبن الابن لا يرث مع الابن وأن الجدة لا يفرض لها الثلث بإِجماع فلم يتنزل ابن الابن منزلة ابن مع وجوده ولا الجدة منزلة الأم. ﴿ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ ﴾ قوله: فإِن لم يكن له ولد، قسيم لقوله: إن كان له ولد وورثه أبواه، دليل على أنهما انفردا بميراثه ليس معهما أحد من أهل السهام لا ولد ولا غيره؛ فيكون قوله: وورثه أبواه حكماً لهما بجميع المال فإِذا خلص للأم الثلث كان الباقي وهو الثلثان للأب. فذكر القسم الواحد يدل على الآخر كما تقول: هذا المال لزيد وعمر ولزيد منه الثلث، فيعلم قطعاً أن باقيه وهو الثلثان لعمرو فلو كان معهما زوج كان للأم السدس وهو الثلث بالاضافة إلى الأب وقال ابن عباس وشريح: للأم الثلث من جميع المال مع الزوج، والنصف للزوج، وما بقي للأب فيكون معنى وورثه أبواه منفردين أو مع غير ولد وهذا مخالف لظاهر قوله: وورثه أبواه إذ يدل على أنهما انفردا بالإِرث فيتقاسمان للذكر مثل حظ الأنثيين ولا شك أن الأب أقوى في الإِرث من الأم إذ يضعف نصيبه على نصيبهما إذ انفرد بالإِرث ويرث بالفرض وبالتعصيب وبهما. وفي قول ابن عباس وشريح: يكون لهما مع الزوج والأب مثل حظ الذكرين فتصير أقوى من الأب وتصير الأنثى لها مثلاً حظ الذكر. ولا دليل على ذلك من نص ولا قياس. ﴿ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ ﴾ المعنى أنه إذا كان أب وأم وأخوة كان نصيب الأم السدس وحطها الاخوة من الثلث إلى السدس وصار الأب يأخذ الخمسة الأسداس. وذهب ابن عباس إلى أن الأخوة يأخذون ما حجبوا الأم عنه وهو السدسي ولا يأخذه الأب. وروى عنه أن الأب يأخذه لا الأخوة كقول الجماعة. وقال الزمخشري: الاخوة تفيد معنى الجمعية المطلقة بغير كمّة والتثنية كالتثليث والتربيع في إفادة الكمية وهذا موضع الدلالة على الجمع المطلق فدل بالاخوة عليه. " انتهى ". ولا يسلم له دعوى ان الاخوة تفيد معنى الجمعية المطلقة بل تفيد معنى الجمعية التي بعد التثنية بغير كمية فيما بعد التثنية فيحتاج في إثبات دعواه إلى دليل وظاهر إخوة الاطلاق فيتناول الاخوة من الأم فيحجبون كما قلنا. قيل: وذهبت الروافض إلى أن الأخوة من الأم لا يحجبون الأمّ لأنهم يدلون بها فلا يجوز أن يحجبوها ويجعلوها كغيرها فيصيرون ضارين لها نافعين لغيرها واستدل بهذه الآية على أن البنت تقلب حق الأم من الثلث إلى السدس بقوله: فإِن كان له إخوة لأنها إذا حرمت الثلث بالاخوة وانتقلت إلى السدس فلأن تحرم بالبنت أولى. ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ﴾ المعنى أن قسمة المال بين من ذكر إنما يكون بعد خروج ما يجب إخراجه بوصية أو بدين وليس تعلق الوصية والدين بالتركة سواء إذ لو هلك من التركة شيء قبل القسمة ذهب من الورثة والموصى له جميعاً ويبقى الباقي بينهم بالشركة ولا يسقط من الدين شيء بهلاك شيء من التركة فليس تعلق الوصية والدين بالمال الموروث سواء، ألا ترى إن الدين لا يسقط منه شيء بذهاب بعض المال بخلاف الوصية فإِنها يسقط منها ما يقابل بعض المال الذاهب ويتعلق من بعد بفعل محذوف تقديره يستحقون ذلك من بعد وصية. وقرىء يوصى بها بكسر الصاد وفتحها وهو مضارع في موضع الماضي وأو هنا كهي في قولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين. ﴿ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ أي فاقتسموا الميراث على ما بين لكم من يعلم النفع والمصلحة فإِنكم لا تدرون أنتم ذلك. وقال الزجاج: انه تعالى قد فرض الفرائض على ما هو حكمة عنده ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم فتضيعون الأموال على غير حكمة ولهذا اتبعه بقوله: إن الله كان عليماً أي بمصالح خلقه حكيماً فيما فرض. وأيهم أقرب مبتدأ، وخبر علق عنه تدرون لأنه من أفعال القلوب، والجملة في موضع نصب، ويجوز أن يكون أيهم موصولاً مفعولاً بتدرون وهو مبني على الضم إذ قد وجد شرط بنائها وهو إضافتها لما بعدها وحذف صدر صلتها فالمعنى لا تدرون الذين هم أقرب لكم نفعاً. ﴿ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ انتصب على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة في قسمة المواريث فوقع فريضة موقع فرضا من الله أو على أنها حال مؤكدة لمضمون الجملة السابقة. ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ فيما فرض وقسم من المواريث وغيرها.
﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ ﴾ الآية. لما ذكر تعالى ميراث الفروع من الأصول وميراث الأصول من الفروع أخذ في ذكر ميراث المتصلين بالسبب لا بالنسب وهو الزوجية هنا ولم يذكر في القرآن التوارث بسبب الولاء والتوارث المستقر في الشرع هو بالنسب والسبب الشامل للزوجية والولاء وكان في صدر الاسلام يتوارث بالموالاة والحلف والهجرة فنسخ ذلك وقدم ذكر ميراث سبب الزوجية على ذكر الكلالة وإن كان بالنسب لتواشج ما بين الزوجين واتصالهما واستغناء كل واحد منهما بعشرة صاحبه دون عشرة الكلالة. وبدىء بخطاب الرجال لما لهم من الدرجات على النساء ولما كان الذكر من الأولاد حظه من الأنثى مثل حظ الأنثيين جعل في سبب التزوج الذكر له مثلاً حظ الأنثى ومعنى فإِن كان لهن ولد أي منكم أيها الوارثون أو في غيركم، والولد هنا ظاهره أنه في ولدته لبطنها ذكراً كان أو أنثى واحداً كان أو أكثر وحكم بين الذكور منها وإن سفلوا حكم الولد للبطن في أن فرض الزوج منها الربع مع وجوده بإِجماع والكلالة خلوّ الميت عن الولد والوالد. والكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوة من الاعياء، فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد والوالد لأنها بالاضافة إلى قرابتها كالة ضعيفة.وقرىء يورث مبنياً للمفعول، ويورث مبنياً للفاعل، فعلى قراءة من قرأ يورث فانتصابها على المال من الضمير المستكن في يورث إذا وقع على الوارث احتيج إلى تقدير ذا كلالة لأن الكلالة ليست نفس الضمير في يورث، وإن كان معنى الكلالة القرابة فانتصابها على أنه مفعول من أجله أي يورث لأجل الكلالة. وعلى قراءة من قرأ يورث بكسر الراء فإِن كانت الكلالة هي الميت فانتصابها على الحال والمفعولان محذوفان التقدير يورث وارثه ما له في حال كونه كلالة وإن كان المعنى بها الوارث فانتصاب الكلالة على المفعول به بيورث ويكون المفعول الثاني محذوفاً تقديره يورث كلالة ماله أو القرابة فعلى المفعول من أجله والمفعولان محذوفان أيضاً. ﴿ أَو ٱمْرَأَةٌ ﴾ معطوف على قوله: رجل، وحذف منه الكلالة لدلالة ما قبلها عليه وظاهر. ﴿ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ﴾ الاطلاق إذ الاخوة تكون من الاخياف والأعيان وأولاد العلات وأجمعوا على أن المراد في هذه الآية الاخوة للأم ويوضح ذلك قراءة أبيّ وله أخ أو أخت من الأم. ﴿ فَإِن كَانُوۤاْ ﴾ الضمير عائد على الوارث ومعنى أكثر زائداً على أخ أو أخت. ﴿ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي ٱلثُّلُثِ ﴾ وسيأتي أيضاً حكم الكلالة في آخر هذه السورة وجاءت الوصية مطلقة وهي مقيدة في الشرع بالثلث فما دونه إن كان للموصي وارث فإِن لم يكن له وارث فأجاز شريك وأبو حنيفة وأصحابه الوصية بجميع ماله. ﴿ غَيْرَ مُضَآرٍّ ﴾ انتصب على الحال من الفاعل في يوصي وهذا القيد ليس مخصوصاً بهذه الآية الأخيرة بل هو معتبر في قوله: يوصي أولاً ويوصين وتوصون وحذف لدلالة ما بعده عليه، والمعنى غير مضار ورثته ووجوه الضرر كثيرة كان يوصي بأكثر من الثلث أو يجابى به أو يهبه أو يصرفه إلى وجوه القرب من عتق وغيره فراراً عن وارث محتاج أو يقر بدين ليس عليه.وانتصب: ﴿ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ على أنه مصدر مؤكد أي يوصيكم الله بذلك وصية كما انتصب فريضة من الله أو مصدر في موضع الحال والعامل يوصيكم. وقرىء بإِضافة مضار لوصية، والمعنى غير مضار في وصية حذف في وأضاف اسم الفاعل كما قال:يا سارق الليلة أهل الدار   أصله يا سارقاً في الليلة، وانظر إلى حسن هذا التقسيم في الميراث وسبب الميراث هو الاتصال بالميت فإِن كان بغير واسطة فهو السبب وبدأ فيه بالفروع والأصول أو بسبب وهو الزوجية فالأول ذاتي والثاني عرضي ثم ذكر آخر الكلالة وهي الميراث الحواشي وليس أصولاً ولا فروعاً للميت والمذكورون في الآيتين قبل آية الكلالة لا يسقط أحد منهم في الميراث بخلاف الكلالة.
﴿ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ﴾ الأولى أن تكون تلك إشارة إلى الأحكام السابقة في أحوال اليتامى والزوجات والوصايا والمواريث وجعل هذه الشرائع حدوداً لأنها مضروبة موقتة للمكلفين لا يجوز لهم أن يتعدوها إلى غيرها. ﴿ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ ﴾ حمل أولاً على لفظة من في قوله: يطع، ويدخله فأفرد ثم حمل على المعنى في خالدين فجمع وانتصاب خالدين على الحال المقدرة والعامل فيه يدخله وصاحب الحال هو ضمير المفعول في يدخله. قال ابن عطية: وجمع خالدين على معنى من بعد أن تقدم الأفراد مراعاة للفظ من وعكس هذا لا يجوز. " انتهى ". وما ذكر أنه لا يجوز من تقدم الحمل على المعنى ثم على اللفظ جائز عند النحويين.وفي مراعاة الحمليْن تفصيل وخلاف مذكور في كتب النحو المطولة. وقال الزمخشري: فإِن قلت: هل يجوز أن يكونا صفتين لجنات وناراً؟ قلت: لا لأنهما جريا على غير من هماله فلا بد من الضمير وهو قولك خالدين هم فيها وخالدا هو فيها. " انتهى ". وما ذكره ليس مجمعاً عليه بل فرع على مذهب البصريين وأما عند الكوفيين فيجوز ذلك ولا يحتاج إلى إبراز الضمير إذا لم يلبس على تفصيل لهم في ذلك ذكر في النحو وقد جوز ذلك في الآية الزجاج والتبريزي أخذاً بمذهب الكوفيين. ﴿ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ ﴾ حمل على لفظ من في جميع الضمائر فأفرد وزاد هاهنا على العصيان تعدى الحدود وذكر مقابلة الإِهانة لأنه لا يتعداها إلا من اغتر فناسبته الاهانة. وأفرد هنا خالداً وجمع في الآية قبله لأن أهل الطاعة أهل الشفاعة وإذا شفع في غيره دخلها هو ومن يشفع فيه والعاصي لا يدخل النار به غيره فبقي وحيداً. " انتهى ". ﴿ وَٱللاَّتِي ﴾ جمع التي وهي إحدى الجموع التي لها. والفاحشة هنا الزنا بإِجماع من المفسرين، إلا ما ذهب إليه مجاهد وتبعه أبو مسلم الأصبهاني في أن الفاحشة هنا المساحقة، وإن قوله: واللذان يأتيانها منكم في اللواط. وقول غيرهما من المفسرين أن الآيتين في الزنا ومناسبة الآيتين لما قبلهما أنه ذكر من يعصي الله ويتعدى حدوده فاتبع ذلك بذكر بعض أحوال العصاة. ﴿ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ السبيل هو ما استقر عليه حكم الزنا من الحد، وهو: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب رجم بالحجارة وثبت تفسير السبيل، بهذا من حديث عبادة بن الصامت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم فوجب المصير إليه. وحديث عبادة ليس بناسخ لهذه الآية ولا لآية الجلد بل هو مبيّن لمجمل في هذه الآية إذ غيا إمساكهن في البيوت إلى أن يجعل الله لهن سبيلاً وهو مخصص لعموم آية الجلد وفي تفسير مجاهد وأبي مسلم في الفاحشة انها السحاق فالسبيل عندهما أن تتزوج المساحقة.وفي قوله: ﴿ فَٱسْتَشْهِدُواْ ﴾ دلالة على طلب الاستشهاد وجواز نظر الشاهد إلى فرج المزنيّ بها لأجل الشهادة. ﴿ وَٱللَّذَانِ ﴾ تثنية الذي وغلب التذكير إذا المراد الزاني والزانية. وقرىء للذان بالتشديد. ﴿ يَأْتِيَانِهَا ﴾ الضمير عائد على الفاحشة. ﴿ فَآذُوهُمَا ﴾ يدل على مطلق الإِيذاء وتبين في غير هذه الآية تعيين الأذى بالجلد والرجم للمحض وبالجلد فقط للبكرين واعتبار شهادة أربعة في هذه الآية كما سبق في الآية قبلها. ﴿ فَإِن تَابَا ﴾ أي عن المعصية. ﴿ وَأَصْلَحَا ﴾ عملهما في الطاعة. ﴿ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ ﴾ هي متاركة. ودل ذلك على أن الأذى المذكور في الآية ليس ما تقرر آخراً في الشرع من الجلد والرجم، بل هو ضرب بالأيدي والنعال وتقبيح للفعل، وما أشبه ذلك.
﴿ إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ فيه محذوفان التقدير إنما قبول التوبة على فضل الله وليس ذلك على سبيل الوجوب كما ذهب إليه الزمخشري وغيره من المعتزلة. والسوء يعم الكفر والمعاصي.و ﴿ بِجَهَالَةٍ ﴾ في موضع الحال أي جاهلين بما يترتب على المعصية من العقوبة لأنه لو تيقن العقوبة لما عصى. ﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾ أي من زمان قريب من زمان المعصية فلا يصرون على فعلها. كقوله تعالى: ﴿ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾[ال عمران: ١٣٥].
﴿ وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ نفى تعالى أن تكون التوبة للعاصي الصائر في حيز اليأس من الحياة ولا للذي وافى على الكفر، فالأول كفرعون إذ لم ينفعه إيمانه وهو في غمرة الماء والغرق وكالذين قال تعالى فيهم: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا ﴾[غافر: ٨٥]، وحضور الموت أول أحوال الآخرة فكما أن من مات على الكفر لا تقبل منه التوبة في الآخرة فكذلك هنا الذي حضره الموت. قال الزمخشري: فإِن قلت: من المراد بالذين يعملون السيئات أهم الفساق من أهل القبلة أم الكفار؟ قلت: فيه وجهان أحدهما: أنه يراد به الكفار لظاهر قوله وهم كفار، وأن يراد به الفساق لأن الكلام إنما وقع في الزانيين والإِعراض عنهما إن تابا وأصلحا، ويكون قوله: وهم كفار، واردا على سبيل التغليظ، كقوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾[آل عمران: ٩٧].
وقوله: فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر، لأن من كان مصدقاً ومات وهو لا يحدث نفسه بالتوبة حاله قريب من حال الكفار لا يجترىء على ذلك إلا قلب مصمت. انتهى كلامه وهو في غاية الاضطراب لأنه قبل ذلك محل الآية على أنها دالة على قسمين أحدهما: الذين سوفوا بالتوبة إلى حضور الموت.والثاني: الذين ماتوا على الكفر وفي هذا الجواب حمل الآية على أنها أريد بها أحد القسمين إما الكفار فقط وهم الذين وصفوا عنده بأنهم يعملون السيئات ويموتون على الكفر. وعلل هذا الوجه بقوله لظاهر قوله: وهم كفار، فجعل هذه الحالة دالة على أنه أريد بالذين يعملون السيئات هم الكفار وأما الفساق من المؤمنين فيكون قوله: وهم كفار، لا يراد به الكفر حقيقة ولا أنهم يوافون على الكفر حقيقة وإنما جاء ذلك على سبيل التغليظ عنده فقد خالف تفسيره في هذا الجواب صدر تفسيره في الآية أولاً وكل ذلك انتصاراً لمذهبه حتى يرتب العذاب إما للكافر وإما للفاسق، فخرج بذلك عن قوانين النحو. والحمل على الظاهر لأن قوله: وهم كفار، ليس ظاهره إلا أنه قيد في قوله: ولا الذين يموتون، وظاهره الموافاة على الكفر حقيقة وكما أنه شرط في انتفاء قبول توبة الذين يعملون السيئات إيقاعها في حال حضور الموت كذلك شرط في ذلك كفرهم حالة الموت، وظاهر العطف التغاير.والزمخشري في هذا كما قيل في المثل:حبك للشيء يعمي ويصم   ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ الآية، قال ابن عباس وعكرمة والحسن وأبو مجلز: كان أولياء الميت أحق بامرأته من أهلها إن شاؤا تزوجها أحدهم أو زوجوها غيرهم أو منعوها وكان ابنه من غيرها يتزوجها وكان ذلك في الأنصار لازماً وفي قريش مباحاً. وقال مجاهد: كان الابن الأكبر أحق بامرأة أبيه من غيره يتزوجها. وقال السدي: إن سبق الولي فوضع ثوبه عليها كان أحق [بها أو سبقته إلى أهلها كانت أحق] بنفسها فأذهب الله تعالى ذلك بهذه الآية، والخطاب للأولياء نهوا أن يرثوا النساء المخلفات عن المولي كما يورث المال. والمراد نفي الوراثة في حال الطوع والكراهة لا جوازها في حال الطوع استدلالاً بالآية فخرج قيد الكرة مخرج الغالب لأن غالب أحوالهن ان يكنّ مجبورات على ذلك إذا كان أولياؤه أحق بها من أولياء نفسها. ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ أي لا تحبسوهن وتضيقوا عليهن. وظاهر هذا الخطاب أنه للأزواج، لقوله: ﴿ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ لأن الزواج هو الذي أعطاها الصداق وكان يكره صحبة زوجته ولها عليه مهر فيحبسها ويضربها حتى تفتدي منه، قاله ابن عباس. ويحتمل أن يكون الخطاب للأولياء والأزواج في قوله: يا أيها الذين آمنوا فلفّوا في هذا الخطاب ثم أفرد كل واحد في النهي بما يناسبه فخوطب الأولياء بقوله: لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً. وخوطب الأزواج بقوله: ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ فعاد كل خطاب إلى ما يناسبه والظاهر أن قوله: ولا تعضلوهن إن لا نهي. والفعل مجزوم بها والواو عاطفة جملة طلبية على جملة خبرية لتضمن الخبرية معنى النهي. لأن معنى قوله: ﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ ﴾ لا ترثوا النساء. هذا على قول من مذهب إلى أن العطف على الجمل يشترط فيها المناسبة واما على مذهب سيبويه فلا يشترط، فيجوز عطف جملة النهي على جملة الخبر.وقال ابن عطية: ويحتمل أن يكون تعضلوهن نصباً عطفاً على ترثوا فتكون الواو مشركة عاطفة فعل على فعل. وقرأ ابن مسعود: ولا ان تعضلوهن فهذه قراءة تقوّي احتمال النصب، وإن العضل مما لا يحل بالنص وعلى تأويل الجزم هو نهي معرض لطلب القرائن في التحريم أو الكراهة، واحتمال النصب أقوى. " انتهى " ما ذكره من تجويز هذا الوجه وهو لا يجوز وذلك انك إذا عطفت فعلاً منفياً بلا على مثبت وكانا منصوبين فإِن الناصب لا يقدر إلا بعد حرف العطف لا بعد لا فإِذا قلت: أريد أن أتوب ولا أدخل النار، فالتقدير أريد أن أتوب وأن لا أدخل النار لأن الفعل يطلب الأول على سبيل الثبوت.والثاني على سبيل النفي. فالمعنى أريد التوبة وانتفاء دخولي النار فلو كان الفعل المتسلط على المتعاطفين منفياً فكذلك، ولو قدرت هذا التقدير في الآية لم يصح.لو قلت: لا يحل لكم أن لا تعضلوهن لم يصح إلا أن تجعل لا زائدة لا نافية وهو خلاف الظاهر، واما أن تقدر ان بعد لا النافية فلا يصح وإذا قدرت ان بعد لا كان من باب عطف المصدر المقدر على المصدر المقدر لا من باب عطف الفعل على الفعل فالتبس على ابن عطية العطفان وظن أنه بصلاحية تقدير ان بعد لا، يكون من عطف الفعل على الفعل، وفرق بين قولك: لا أريد أن تقوم وان لا تخرج، وقولك: لا أريد أن تقوم ولا أن تخرج. ففي الأول نفي إرادة وجود قيامه وإرادة انتفاء خروجه فقد أراد خروجه، وفي الثانية نفي إرادة وجود قيامه ووجود خروجه فلا يريد لا القيام ولا الخروج وهذا في فهمه بعض غموض على من لم يتمرن في علم العربية. ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ وهذا استثناء متصل ولا حاجة إلى دعوى الانقطاع فيه كما ذهب إليه بعضهم وهو استثناء من ظرف زمان عام أو من علة كأنه قيل: ولا تعضلوهن في وقت من الأوقات إلا وقت أن يأتين، أو لا تعضلوهن لعلة من العلل إلا أن يأتين. والظاهر أن الخطاب بقوله: ولا تعضلوهن للأزواج إذ ليس للولي حبسها حتى يذهب مما لها إجماعاً من الأمة وإنما ذلك للزوج على ما تبين. والفاحشة هنا الزنا، قاله أبو قلابة والحسن. قال الحسن: إذا زنت البكر جلدت مائة ونفيت سنة وردت إلى زوجها ما أخذت منه.وقال أبو قلابة: إذا زانت المرأة الرجل فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى تفتدي منه.وقال السدي: إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن. وقال عطاء: كان هذا الحكم ثم نسخ بالحدود. وقال ابن سيرين وأبو قلابة: لا يحل الخلع حتى يوجد رجل على بطنها. وقال قتادة: لا يحل له أن يحبسها ضرراً حتى تفتدي منه، يعني وإن زنت. وقال ابن عباس وعائشة والضحاك وغيرهم: الفاحشة هنا النشوز، فإذا نشزت حل له أن يأخذ مالها. وهذا مذهب مالك. وقال قوم: الفاحشة البذاء باللسان وسوء العشرة قولاً وفعلاً. ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ هذا أمر بحسن المعاشرة. والظاهر أنه أمر للأزواج لأن التلبس بالمعاشرة غالباً إنما هو للأزواج وكانوا يسيئون معاشرة النساء.وقوله: ﴿ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ هو النصفة في المبيت والنفقة والاجمال في القول. ويقال: المرأة تسمن من أذنها. ﴿ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ ﴾ أي كرهتم معاشرتهن. وعسى معناها الترجي، ولذلك جاء الجواب للشرط بالفاء من قوله: فعسى.و ﴿ شَيْئاً ﴾ أي شيئاً من أخلاقهن ولم يعد الضمير عليهن وهو كقوله: ﴿ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾[البقرة: ٢١٦]، والضمير في فيه: عائد على شيء أو على الكراهة وهو المصدر المفهوم من قوله: ان تكرهوا.
﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ ﴾ الآية لما أذن في مضارتهن أن أتين بفاحشة ليذهب ببعض ما أعطاه بين تحريم ذلك في غير الفاحشة وأقام الارادة مقام الفعل فكأنه قال: وإن استبدلتم أو حذف معطوف أي واستبدلتم، وظاهر قوله: وآتيتم إن الواو للحال أي وقد آتيتم. وقيل: هو معطوف على فعل الشرط وليس بظاهر والاستبدال وضع الشيء مكان الشيء، والمعنى أنه إذا كان الفراق من اختياركم فلا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً. واستدل بقوله: ﴿ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً ﴾ على جواز المغالات في الصدقات. ﴿ بُهْتَاناً ﴾ البهتان الكذب الذي يتحير منه صاحبه ثم صار يطلق على الباطل أتأخذونه هذا الاستفهام على سبيل الإِنكار أي أتفعلون هذا مع ظهور قيمه. وسمي بهتاناً لأنهم كانوا إذا أرادوا تطليق امرأة رموها بفاحشة حتى تخاف وتفتدي منه بمهرها. فجاءت الآية على الأمر الغالب. ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ ﴾ أنكر أولاً الأخذ، وأنكر ثانياً حالة الأخذ، وانها ليست مما يمكن أن تجامع حال الافضاء لأن الافضاء هو المباشرة والدنو، والافضاء: الجماع، وهو كناية حسنة والميثاق الغليظ. قوله تعالى: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾[الطلاق: ٢] ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ ﴾ الآية. كان قوم من العرب يتزوجون نساء آبائهم إذا ماتوا فنهاهم الله تعالى عن ذلك.وما في قوله: ﴿ مَا نَكَحَ ﴾ واقعة على النوع. كقوله: ﴿ مَا طَابَ لَكُمْ ﴾[النساء: ٣]، والآباء هنا يشمل الأب ومن قبله من عمود النسب. ﴿ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ استثناء منقطع. والمعنى لكن ما سبق في الجاهلية قبل ورود النهي فلا إثم عليه.والضمير في: ﴿ إِنَّهُ ﴾ عائد على المصدر المفهوم من قوله: ولا تنكحوا، أي نكاح الأبناء نساء الآباء. ﴿ كَانَ فَاحِشَةً ﴾ أي زنا. ﴿ وَمَقْتاً ﴾ المقت: البغض باستحقار. ﴿ وَسَآءَ سَبِيلاً ﴾ إن كان الضمير في ساء عائداً على ما عاد عليه الضمير قبل ذلك كان سبيلاً نصباً على التمييز وهو منقول من الفاعل والتقدير ساء سبيله وإن كانت ساء أجريت مجرى بئس كقوله تعالى: ﴿ سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ﴾[الأعراف: ١٧٧]، كان في سائر ضمير يفسره ما بعده وكان سبيلاً تمييز للضمير المستكن في ساء والمخصوص بالذم محذوف تقديره وساء سبيلاً سبيله أي سبيل ذلك النكاح.وفي الحديث قال البراء بن عازب: لقيت خالي ومعه الراية فقلت: أين تريد؟ قال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه. ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ ﴾ هو على حذف مضاف أي نكاح أمهاتكم. ويدل عليه قوله: قبل ولا تنكحوا، والأم حقيقة هي الوالدة، وفي معناها كل امرأة رجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك. ﴿ وَبَنَٰتُكُمْ ﴾ هي كل ابنة ولدتها. وفي معناه كل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو درجات بإِناث أو ذكور وقد كان في العرب من تزوج ابنته وهو حاجب بن زرارة تمجّس. ﴿ وَأَخَوَٰتُكُمْ ﴾ الأخت المحرمة كل من جمعك وإياها صلب أو بطن. ﴿ وَعَمَّٰتُكُمْ وَخَالَٰتُكُمْ ﴾ العمة: أخت الأب. والخالة: أخت الأم وخصّ تحريم العمات والخالات دون أولادهن. وتحريم عمة الأب وخالته وعمة الأم وخالتها وعمة العمة، واما خالة العمة فإِن كانت، العمة أخت أب لأم أو لأب وأم فلا تحل خالة العمة لأنها أخت الجدة، وإن كانت العمة إنما هي أخت أب لأب فقط فخالتها أجنبية من بني أخيها تحل للرجال ويجمع بينها وبين النساء. وأما عمة الخالة فإن كانت الخالة أخت أم لأب فلا تحل عمة الخالة لأنها أخت جد وإن كانت الخالة أخت أم لأم فقط فعمتها أجنبية من بني أخيها. ﴿ وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ ﴾ تحرم بناتهما وان سفلن وأفرد الأخ والأخت ولم يأت جمعاً لأنه أضيف إليه الجمع فكان لفظ الافراد أخف وأريد به الجنس المنتظم في الدلالة الواحد وغيره فهؤلاء سبع من النسب تحريمهن مؤبد، وأما اللواتي صرْن محرمات نسب طارىء فذكرهن في القرآن سبعاً وهن في قوله تعالى: ﴿ وَأُمَّهَٰتُكُمُ الَّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ ﴾ نبه بهذين المثالين على أن الحال في باب الرضاع كالحال في النسب ثم انه عليه الصلاة والسلام أكد هذا بصريح قوله:" يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب "، فصار صريح الحديث مطابقاً لما أشارت إليه الآية، فزوج المرضعة أبوه وأبواه جداه وأخته وعمته. وكل ولد وُلد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده فهم أخوته وأخواته لأبيه وأم المرضعة جدته وأختها وكل من وُلد لها من هذا الرجل فهم إخوته وأخواته لأبيه وأمه وأما ولدها من غيره فهم إخوته وأخواته لأمه. وقالوا: تحريم الرضاع كتحريم النسب إلا في مسألتين إحداهما: إنه لا يجوز للرجل أن يتزوج أخت ابنه من النسب ويجوز أن يتزوج أخت ابنه من الرضاع لأن المعنى في النسب وطؤه لأمها، وهذا المعنى غير موجود في الرضاع.والثانية: لا يجوز أن يتزوج أم أخيه من النسب ويجوز في الرضاع. لأن المانع في النسب وطء الأب إياها، وهذا المعنى غير موجود في الرضاع. وظاهر الكلام إطلاق الرضاع ولم تتعرض الآية إلى سن التراضع ولا عدد الرضعات ولا للبن الفحل ولا لإِرضاع الرجل لبن نفسه للصبي أو إيجاره به أو تسعيطه بحيث يصل إلى الجوف، وفي هذا كله خلاف مذكور في كتب الفقه. وقرىء التي واللاتي في الرضاعة بكسر الراء. ﴿ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ ﴾ الجمهور على أنها على العموم فسواء عقد عليها ولم يدخل بها أم دخل بها. وروي عن علي ومجاهد وغيرهما أنه إذ طلقها قبل الدخول فله أن يتزوج أمّها وأنها في ذلك بمنزلة الربيبة. ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُمْ ﴾ ظاهره أنه يشترط في تحريمها أن تكون في حجره.وإلى هذا ذهب على ربه أخذ داود وأهل الظاهر فلو لم تكن في حجره وفارق أمها بعد الدخول جاز له أن يتزوجها. وقالوا: حرم الله الربية بشرطين أحدهما: أن تكون في حجر الزوج. الثاني: الدخول بالأم. فإِذا فقد أحد الشرطين لم يوجد التحريم. واللاتي صفة لنسائكم المجرور بمن ولا جائز أن تكون اللاتي وصفاً لنسائكم من قوله: وأمهات نسائكم. ونسائكم المجرور بمن لأن العامل في المنعوتين قد اختلف هذا مجرور بمن وذاك مجرور بالاضافة ولا جائز أن يكون من نسائكم متعلقاً بمحذوف ينتظم به مع أمهات نسائكم وربائبكم لاختلاف مدلول حرف الجر إذ ذاك، لأنه بالنسبة إلى قوله: وأمهات نسائكم يكون من نسائكم لبيان النساء وتمييز المدخول بها من غير المدخول بها وبالنسبة إلى قوله: وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، تكون من نسائكم لبيان ابتداء الغاية كما تقول: هذا ابني من فلان. قال الزمخشري: ألا ان اعلته بالنساء والربائب واجعل من للاتصال كقوله تعالى: ﴿ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ ﴾[التوبة: ٦٧].
فإِني لست منك ولست مني. ما أنا من دد ولا الدد مني.وأمهات النساء متصلات بالنساء لأنهن أمهاتهن كما أن الربائب متصلات بأمهاتهن لأنهن بناتهن. " انتهى ".ولا نعلم أحداً ذهب إلى أن من معاني من الاتصال واما ما شبه به من الآية والشعر والحديث فمتأول، وإذا جعلنا من نسائكم متعلقاً بالنساء والربائب كما زعم الزمخشري، فلا بد من صلاحيته لكل من النساء والربائب فاما تركيبه مع الربائب ففي غاية الفصاحة والحسن وهو نظم الآية واما تركيبه مع قوله: وأمهات نسائكم من نسائكم فإِنه يصير، وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن فهذا تركيب لا يمكن أن يقع في القرآن ولا في كلام فصيح لعدم الاحتياج في إفادة هذا المعنى إلى قوله: من نسائكم، والدخول هنا كناية عن الجماع كقولهم بنى عليها وضرب عليها الحجاب، والباء للتعدية والمعنى اللاتي أدخلتموهن الستر، قاله ابن عباس وغيره. ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي في نكاح الربائب اللاتي لم تدخلوا بأمهاتهن وفارقتموهن فلو طلقها بعد البناء وقبل الجماع جاز أن يتزوج ابنتها وفي تحريم الربيبة بالنظر إلى أمها بشهوة أو مسّها بشهوة أو النظر إلى شعرها وصدرها بلذة أو مسّ فرجها وإن لم يدخل بالأم خلاف. وظاهر قوله: وحلائل أبنائكم اختصاص ذلك بالزوجات كما ذكرناه واتفقوا على أن مطلق عقد الشراء للجارية لا يحرمها على أبيه ولا ابنه فلو لمسها أو قبلها حرمت على أبيه وابنه ولا يختلف في تحريم ذلك واختلفوا في مجرد النظر بشهوة. ﴿ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ ﴾ احتراز مما كانت العرب تتبنّا الشخص وليس ابنه حقيقة وهم الذين قال الله فيهم: ﴿ ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ ﴾[الأحزاب: ٥].
﴿ وَأَن تَجْمَعُواْ ﴾ في موضع رفع. ﴿ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ ﴾ ظاهرة العموم بنكاح أو ملك يمين وفي بعضها خلاف. ﴿ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ استثناء منقطع يتعلق بالأخير وهو أن تجمعوا بين الأختين، والمعنى لكن ما سلف من ذلك ووقع وأزالت شريعة الإِسلام حكمه فإِن الله يغفره والإِسلام يجبه. ويدل على عدم المؤاخذة به قوله تعالى: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾.
﴿ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ ﴾ قرىء بكسر الصاد وفتحها. والمعنى بها هاهنا المزوّجات واستثنى منهن ما ملكت ملك يمين فإِنه بالملك ينفسخ نكاحها من زوجها وتحل لمن ملكها. ﴿ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ انتصب بإِضمار فعل وهو مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة من قوله: حرمت عليكم، وكأنه قيل: كتب الله عليكم تحريم ذلك كتاباً. ولا حجة للكسائي في دعواه إن هذا من باب الأعزاء وان التقدير عليكم كتاب الله وقدم المفعول ولا يجوز ذلك عند البصريين في باب الاغراء. ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ ﴾ لما نص على المحرمات في النكاح أخبر تعالى أنه أحل ما سوى من ذكر وظاهر ذلك العموم. وبهذا الظاهر استدلت الخوارج ومن وافقهم من الشيعة على جواز نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها والجمع بينهما وقد أطال الاستدلال في ذلك أبو جعفر الطوسي أحد علماء الشيعة الاثني عشرية في كتابه في التفسير.قال الزمخشري: فإن قلت: علام عطف قوله: وأحل لكم؟ قلت: على الفعل المضمر الذي نصب كتاب الله، أي كتب الله عليكم تحريم ذلك وأحل لكم ما وراء ذلكم. ويدل عليه قراءة اليماني كتب الله عليكم وأحل لكم. ثم قال: ومن قرأ وأحل لكم مبنياً للمفعول فقد عطفه على حرمت. " انتهى ".ففرق في العطف بين القراءتين وما اختاره من التفرقة غير مختار لأن انتصاب كتاب الله عليكم إنما هو انتصاب المصدر المؤكد لمضمون الجملة السابقة من قوله: حرمت، فالعامل فيه وهو كتب إنما هو تأكيد لقوله: حرمت، فلم يؤت بهذه الجملة على سبيل التأكيد للحكم إنما التأسيس حاصل بقوله: حرمت وهذه جنى بها على سبيل التأكيد لتلك الجملة المؤسسة وما كان سبيله هكذا فلا يناسب أن يعطف عليه الجملة لحكم إنما يناسب أن تعطف عليه جملة مؤسسة مثلها لا سيما والجملتان متقابلتان إذ أحديهما للتحريم والأخرى للتحليل، فناسب أن تعطف هذه على هذه. وقد أجاز الزمخشري ذلك في قراءة من قرأ، وأحل مبنياً للمفعول فكذلك يجوز فيه مبنياً للفاعل. ﴿ أَن تَبْتَغُواْ ﴾ نصب على أنه بدل اشتمال من ما وراء ذلكم ويشمل الابتغاء بالمال النكاح والشراء. وقيل: الابتغاء بالمال هو على وجه النكاح.وقال الزمخشري: أن تبتغوا مفعول له بمعنى بين لكم ما يحل مما يحرم إرادة أن يكون ابتغاؤكم بأموالكم التي جعل الله لكم قياماً في حال كونكم محصنين غير مسافحين لئلا تضيّعوا أموالكم وتفرقوا أنفسكم فيما لا يحل لكم فتخسروا دنياكم ودينكم ولا مفسدة أعظم مما يجمع بين الخسرانين. " انتهى كلامه ". وانظر إلى جعجعة هذه الألفاظ وكثرتها وتحميل لفظ القرآن ما لا يدل عليه وتفسير الواضح الجليّ باللفظ المعقّد ودسّ مذهب الاعتزال في غضون هذه الألفاظ الطويلة دسا خفيا إذ فسّر قوله: وأحل لكم، بمعنى بين لكم ما يحل، وجعل قوله: أن تبتغوا على حذف مضافين أي إرادة أن يكون ابتغاؤكم أي إرادة كون ابتغاؤكم بأموالكم، وفسر الأموال بعد بالمهور وما يخرج في المناكح، فتضمن تفسيره أنه تعالى بين لكم ما يحل لإِرادته كون ابتغائكم بالمهور فاختصت إرادته بالحلال الذي هو النكاح دون السفاح.وظاهر الآية غير هذا الذي فهمه الزمخشري إذ الظاهر أنه تعالى أحل لنا ابتغاء ما سوى المحرمات السابق ذكرها بأموالنا حالة الاحصان لا حالة السّفاح. وعلى هذا الظاهر لا يجوز أن يعرب أن تبتغوا مفعولاً له كما ذهب إليه الزمخشري لأنه فات شرط من شروط المفعول له وهو اتحاد الفاعل في العامل والمفعول له لأن الفاعل بقوله: وأحل هو الله تعالى والفاعل في أن تبتغوا هو ضمير المخاطبين فقد اختلفا ولما أحس الزمخشري إن كان أحس بهذا جعل ان تبتغوا على حذف إرادة حتى يتحد الفاعل في قوله: وأحل، وفي المفعول له فلم يجعل ان تبتغوا مفعولاً له إلا على حذف مضاف وإقامته مقامه وهذا كله خروج عن الظاهر لغير داع إلى ذلك ومفعول تبتغوا محذوف اختصاراً إذ هو ضمير يعود على ما من قوله: ما وراء ذلكم وتقديره أن تبتغوه.وقال الزمخشري: فإِن قلت: أين مفعول تبتغوا؟ قلت: يجوز أن يكون مقدراً وهو النساء وأجود أن لا يقدر وكأنه قيل: أن تخرجوا أموالكم. " انتهى ". فإِما تقديره إذا كان مقدراً بالنساء فإِنه لما جعله مفعولاً له غاير بين متعلق المفعول له وبين متعلق المعلول وأما قوله: وأجود أن لا يقدر وكأنه قيل أن تخرجوا أموالكم فهو مخالف للظاهر لأن مدلول تبتغوا ليس مدلول تخرجوا، ولا تعدى تبتغوا إلى الأموال بالباء ليس على طريق المفعول به الصريح كما هو في تخرجوا، وهذا كله تكلف ينبغي أن ينزه كتاب الله عنه. والاحصان: العفة، وتحصين النفس عن الوقوع في الحرام. وانتصب محصنين على الحال، وغير مسافحين حال مؤكدة لأن الاحصان لا يجامع السفاح. ﴿ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ﴾، أي واستمتعتم به من الزوجة وهو الوطء ولو مرة فقد وجب إعطاء الأجر وهو المهر ولفظة ما تدل على أن يسير الوطىء يوجب إيتاء الأجر.قال الزمخشري: فما استمتعتم من المنكوحات من جماع أو خلوة صحيحة أو عقد عليهن فأتوهن أجورهن من عليه. " انتهى ". وأدرج في الاستمتاع الخلوة الصحيحية على مذهب أبي حنيفة. ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُمْ بِهِ ﴾ الآية، لما أمر بإِيتاء أجور النساء المستمتع بهن كان ذلك يقتضي الوجوب فأخبر تعالى أنه لا حرج ولا إثم في نقص ما تراضوا عليه أورده أو تأخيره أعني الرجال والنساء بعد الفريضة فلها أن ترد عليه وأن تنقص وأن تؤخر هذا ما يدل عليه سياق الكلام وهو نظير قوله تعالى: ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً ﴾[النساء: ٤] الآية. ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً ﴾ الطول: السعة في المال، قاله ابن عباس. والمحصنات: هن الحرائر. والظاهر أن المؤمنات شرط في نكاحهن. وكذلك في قوله: من فتياتكم المؤمنات، وفي نكاح الحرائر غير المؤمنات، وفي نكاح الفتيات غير المؤمنات خلاف. والظاهر أنه لا يجوز نكاح الإِماء يجد الطول وأن ينكح مفعول يستطيع ومما ملكت متعلق بفعل محذوف تقديره فلينكح مما ملكت. ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُمْ ﴾ لما خاطب المؤمنين بالحكم الذي ذكره من تجويز نكاح عادم طول الحرة المؤمنة للأمة المؤمنة نبّه على أن الإِيمان هو وصف باطن وأن المطلع عليه هو الله تعالى، فالمعنى أنه لا يشترط في إيمان الفتيات أن يكونوا عالمين بذلك العلم اليقين لأن ذلك إنما هو لله تعالى فيكفي في الإِيمان منهن إظهاره فمتى كانت مظهرة للإِيمان فنكاحها صحيح، وربما كانت خرساء أو قريبة عهد بسباء وأظهرت الإِيمان فيكتفي بذلك منها. ﴿ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾ هذا أقر إباحة. والمعنى بولاية ملاكهن. والمراد بالنكاح هنا العقد ولذلك ذكر إيتاء الأجر بعده أي المهر وسمى ملاك الاماء أهلاً لهن لأنهن كالأهل إذ رجوع الأمة إلى سيدها في كثير من الأحكام. وقيل: هو على حذف مضاف أي بإِذن أهل ولايتهن وأهل ولاية نكاحهن هم الملاك ومقتضى هذا الخطاب أن الاذن شرط في صحة النكاح فلو تزوجت بغير إذن السيد لم يصح النكاح. ﴿ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ الأجور هنا المهور. وفيه دليل على وجوب إيتاء الأمة مهرها لها وانها أحق بمهرها من سيدها، وهذا مذهب مالك. قال: ليس للسيد أن يأخذ مهر أمته ويدعها بلا جهاز. وجمهور العلماء على أنه يجب دفعه للسيد دونها. ﴿ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ متعلق بقوله: وآتوهن أجورهن. قيل: معناه بغير مَطل وضرار وأحوج إلى اقتضاء. ﴿ مُحْصَنَٰتٍ ﴾ عفائف. ﴿ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ ﴾ أي غير معلنات بالزنا وهي التي لا ترد يد لامس. ﴿ وَلاَ مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍ ﴾، هن المتسترات بالزنا لخل واحد. والخدن: الصديق. وعلى هذين النوعين كان زنا الجاهلية. ﴿ فَإِذَآ أُحْصِنَّ ﴾ أي تزوجن. وقرىء مبنياً للمفعول ومبيناً للمفعول. ﴿ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ ﴾ هي الزنا. ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ ﴾ أي الحرائر. يعني إذا زنين. ﴿ مِنَ ٱلْعَذَابِ ﴾ وهو خمسون جلدة ذلك إشارة إلى نكاح عادم طول للحرة المؤمنة أو الأمة المؤمنة. والعنت هنا: الزنا، قاله ابن عباس وغيره. وأصله المشقة. ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ ﴾[البقرة: ٢٢٠] أي لشق عليكم. ﴿ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ظاهره الاخبار عن صبر خاص وهو عن نكاح الاماء، قاله ابن عباس وغيره. وجهة الخيرية كونه لا يرق ولده وان لا يبتذل هو وينقص في العادة بنكاح الأمة وفي سنن ابن ماجة من حديث أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول:" من أراد أن يلقى الله ظاهراً مطهراً فليتزوج الحرائر ".
﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ مفعول يريد محذوف وتقديره يريد الله هذا أي تحليل ما أحلّ وتحريم ما حرم وتشريع ما تقدم ذكره. وقيل: يريد في معنى المصدر من غير سابك تقديره إرادة الله ليبين لكم وهذان القولان عن البصريين. وقال الكوفيون: مفعول يريد هو ليبين، واللام زائدة، والمعنى يريد الله التبيين لكم واللام ناصبة بنفسها.وقال الزمخشري: أصله يريد الله أن يبين لكم فزيدت اللام مؤكدة لإِرادة التبيين كما زيدت في لا أباً لك لتأكيد إضافة الأب. والمعنى يريد الله أن يبين لكم ما خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم. " انتهى كلامه ". وهو خارج عن أقوال البصريين والكوفيين أما كونه خارجاً عن أقوال البصريين فلأنه جعل اللام مؤكدة مقوية لتعدي يريد والمفعول متأخر وأضمر أن بعد هذه اللام واما كونه خارجاً عن قول الكوفيين فإِنهم يجعلون النصب باللام لإِبان وهو جعل النصب بأنْ مضمرة بعد اللام ومفعول يبني محذوف تقديره شرائع دينكم ومصالح أموركم، ويجوز عندي أن يكون من باب الأعمال فيكون مفعول ليبين ضميراً محذوفاً يفسره مفعول ويهديكم، نحو: ضربت وأهنت زيداً التقدير ليبينها لكم ويهديكم. ﴿ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ أي ليبين لكم سنن الذين من قبلكم وهي مناهج الأنبياء والصالحين. قال ابن عطية: وتكرار إرادة الله للتوبة على عباده تقوية للأخبار الأوَل وليس المقصد في الآية الا الاخبار عن إرادة الذين يتبعون الشهوات فقدمت إرادة الله توطئة مظهرة لفساد إرادة متبعي الشهوات. " انتهى ".فاختار مذهب الكوفيين في أن جعلوا قوله ليبين في معنى أن يبين فيكون مفعولاً ليريد وعطف عليه ويتوب فهو مفعول مثله، ولذلك قال: وتكرار إرادة الله للتوبة على عباده.. إلى آخر كلامه. وكان قد حكى قول الكوفيين وقال: هذا ضعيف، فرجع آخر إلى ما ضعفه. وكان قد قدم إنّ مذهب سيبويه إن مفعول يريد محذوف والتقدير يريد الله هذا التبيين والشهوة هو ما يغلب على النفس محبته وهواه ولما كانت التكاليف الشرعية فيها قمع للنفس وردها عن مشتهياتها كان اتباع شهواتها سبباً لكل مذمة وعبر عن الكافر والفاسق بمتبع الشهوات كما قال تعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾[الأعراف: ١٦٩، مريم: ٥٩] الآية، واتباع الشهوة في كل حال مزموم لأن ذلك ائتمار لها من حيث ما دعت الشهوة إليه أما إذا كان الاتباع من حيث العقل أو الشرع فذلك اتباع لهما لا للشهوة ومتبعوا الشهوات هنا هم الزنا، قاله مجاهد.و ﴿ أَن تَمِيلُواْ ﴾ عن الحق أو إلى الشهوات. ﴿ وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً ﴾ ان لا يصبر عن الشهوات وعلى مشاق الطاعة. ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ ﴾ الآية تقدم تفسير نظيرها ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما بين كيفية التصرف في النفوس بالنكاح بين كيفية التصرف في الأموال الموصلة إلى النكاح وإلى ملك اليمين وأن المهور والأثمان المبذولة في ذلك لا تكون مما ملكت بالباطل والباطل هو كل طريق لم تبحه الشريعة. ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ ﴾ استثناء منقطع إذا لم تندرج التجارة تحت أكل الأموال بالباطل. وقرىء تجارة بالنصب على خبر تكون وبالرفع على أن تكون تامة. ﴿ عَن تَرَاضٍ ﴾ أي من البائع والمشتري والظاهر أنه إذا حصل التراضي جاز بيع التافه اليسير بالنفيس الكثير. ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ ظاهره النهي عن قتل الانسان نفسه ويجوز أن يكون المعنى على النهي عن قتل بعضنا بعضاً.
﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ ﴾ الإشارة بذلك إلى ما وقع النهي عنه في هذه الجملة من أكل المال بالباطل وقتل الأنفس.
﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ﴾ الآية مناسبتها لما قبلها ظاهرة لأنه تعالى لما ذكر الوعيد على فعل بعض الكبائر ذكر الوعد على اجتناب الكبائر والظاهر أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وسيئات وهي التي عبّر عنها أكثر العلماء بالصغائر.قال ابن عباس: الكبائر كلما ورد عليه وعيد بنار أو عذاب أو لعنة أو ما أشبهه ذلك وإلى نحو من هذا ذهب الوزير أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الفارسي القرطبي رحمه الله تعالى قال: قد أطلت التفتيش عن هذا منذ سنين فصح لي أن كل ما توعد الله عليه بالنار فهم من الكبائر ووجدناه عليه السلام قد أدخل في الكبائر بنص لفظه أشياء غير التي ذكر في الحديث يعني الذي في البخاري فمنها قول الزور وشهادة الزور وعقوق الوالدين والكذب عليه صلى الله عليه وسلم وتعريض المرء أبويه للسّبّ بأن يسبّ آباء الناس وذكر عليه السلام الوعيد الشديد بالنار على الكبر وعلى كفر نعمة المحسن في الحق، وعلى النياحة في المآتم، وحلق الشعر فيها، وحذق الجيوب، والنميمة، وترك التحفظ من البول، وقطيعة الرحم، وعلى الخمر؛ وعلى تعذيب الحيوان بغير الذكاة، لأكل ما لا يحل أكله منها أو ما أبيح أكله منها، وعلى إسبال الإزار على سبيل التجوه، وعلى المنّان بما يفعل من الخير، وعلى المنفق سلعته بالحلف الكاذب، وعلى مانع فضل مائة من الشارب، وعلى الغلول، وعلى مبايعة الأئمة للدنيا فإِن أعطى منها وفي لهم وإن لم يعط منها لم يوف لهم، وعلى المقتطع بيمينه حق امرىء مسلم، وعلى الامام الغاش لرعيته، وعلى من ادعى لغير أبيه، وعلى العبد الآبق، وعلى من غل، ومن ادعى ما ليس له، وعلى لا عن من لا يستحق اللعن، وعلى بغض الأنصار، وعلى تارك الصلاة، وعلى تارك الزكاة، وعلى بغض عليّ رضي الله عنه، ووجدنا الوعيد الشديد في نص القرآن قد جاء على الزناة وعلى المفسدين في الأرض بالحرابة فصح بهذا قول ابن عباس. انتهى كلام ابن حزم رضي الله عنه.وقرىء: ﴿ مُّدْخَلاً ﴾ بضم الميم وهو مصدر أو مكان الادخال، وبفتح الميم وهو مكان الدخول أو مصدر وهو منصوب بفعل محذوف تقديره فتدخلون مدخلاً حذف الدلالة الفعل المطاوع عليه. ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ ﴾ الآية قال قتادة والسدي: لما نزل للذكر مثل حظ الأنثيين قال الرجال: انا لنرجو أن نفضل على النساء في الحسنات كالميراث: وقال النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزير علينا نصف ما على الرجال كالميراث فنزلت للرجال نصيب الآية. المعنى أن الله تعالى جعل لكل من الصنفين مكاسب تختص به فلا يتمنى أحد منهما ما جعل للآخر فجعل للرجال الجهاد والانفاق في المعيشة وحمل التكاليف الشاقة كالاحكام والامارة والحسبة وغير ذلك، وجعل للنساء الحمل ومشقته وحسن التبعل وحفظ غيب الزوج وخدمة البيوت.وقيل: المعنى مما اكتسب من نعيم الدنيا فينبغي أن يرضى بما قسم. وهذه الأقوال الثلاثة هي بالنسبة لأحوال الدنيا. وقال الزمخشري: جعل ما قسم بما قسم لكل من الرجال والنساء على حسب ما عرف الله في حاله الموجبة للبسط والقبض كسبالة. " انتهى ".وفي قوله عرف الله نظر فإِنه لا يقال في الله عارف نص الأئمة على ذلك لأن المعرفة في اللغة تستدعي قبلها جهلاً بالمعروف وذلك بخلاف العلم فإِنه لا يستدعي جهلاً قبله وتسميته ما قسم الله له كسباً له فيه نظر أيضاً فإِن الاكتساب يقتضي الاعتمال والتطلب كما قلناه إلا ان قلنا ان أكثر ما قسم له يستدعي اكتساباً من الشخص فأطلق الاكتساب على جميع ما قسم له تغليباً للأكثر، وفي تعليق النصيب بالاكتساب حض على العمل وتنبيه على كسب الخير. ﴿ وَٱسْأَلُواْ ﴾ قرىء بسكون السين وبالهمز إذا كان أمر مخاطب وقبله الفاء أو الواو. وقرىء بفتح السين فاحتمل أن يكون أصله بالهمز ونقلت حركتها إلى السين وحذفت الهمزة. واحتمل أن يكون من سأل يسأل كخاف يخاف فعين الفعل واو فهما مادتان ولذلك قيل: يتساءلان ويتساولان. ووهم ابن عطية في ذكره الإِجماع على قوله: واسألوا ما أنفذتم، انه بالهمز لم يقرأ بغيره ونصوص المقرئين على خلاف قوله ونص على الخلاف فيه بخصوصه ابن شيطاني كتابه المستنير. ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ ﴾ الآية لما نهى عن التمني المذكور وأمر بسؤال الله من فضله أخبر تعالى بشيء من أحوال الميراث ولما ذكر أن للرجال نصيباً مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن وهو مما حصل بالتطلب والتكسيب ذكر حالهم فيما يحصل لهم بغير تعب ولا طلب فقال: ولكل، وهي مضافة لمحذوف تقديره ولكل إنسان جعلنا موالي، أي يكون أمره في قسمة ما يرث مما ترك أي من أجل ما ترك. ومن: للسبب. ﴿ ٱلْوَٰلِدَانِ ﴾ أي والدا ذلك الانسان وأقربوه. ﴿ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ ﴾ هو في الزوج والمعنى أن الذين يقولون أمر الميراث ويوصلونه لمن يستحقه أمروا بأن يؤتى ما يحصل من الميراث لذلك الإِنسان. ويكون الأمر في قوله: فآتوهم، الذين يتولون النظر في ذلك، والضمير المنصوب في فآتوهم وفي نصيبهم عائد على كل إنسان مراعاً فيه الجمع وهذا الذي فهمته من الآية. وذكرنا في البحر في ذلك أقوالاً يوقف عليها فيه. ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ﴾ لما ذكر تشريع التوريث وأمر بإِيتاء النصيب أخبر أنه مطلع، على كل شيء فهو المجازي به وفي ذلك تهديد للعاصي ووعيد للمطيع وتنبيه على أنه شهيد على المعاقدة بينكم. والصلة: فأوفوا بالعهد.
﴿ ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ ﴾ الآية لما ذكر تعالى أمر الرجال والنساء في اكتساب النصيب وأمرهم في الميراث أخبر تعالى أن الرجال يقومون بمصالح النساء. وقوامون: صفة مبالغة، ومعنى: ﴿ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ ﴾ أي بتفضيل الله بعض الرجال على بعض في كون هذا رزق أكثر من هذا، وحال هذا أمشى من حال هذا. ﴿ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ ﴾ أي على النساء. وما: مصدرية في الموضعين. ويجوز أن تكون في قوله: وبما أنفقوا، موصولة. وحذف الضمير العائد عليها التقدير وبالذي أنفقوه من أموالهم، وتقدير الأولى المصدرية بتفضيل الله. ﴿ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ ﴾ أي الخيرات في الدين. ﴿ قَٰنِتَٰتٌ ﴾ عابدات لله تعالى. ﴿ حَٰفِظَٰتٌ لِّلْغَيْبِ ﴾ أي لما غاب عن أزواجهن من سر وغيره. كما قال الشاعر:إذا غاب عنها البعل لم تفش سره   وترضى إياب البعل حين يؤوبوما في قوله: ﴿ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ ﴾ مصدرية: والمعنى ان حفظهن للغيب ليس من قبل أنفسهن بل ذلك بحفظ الله إياهن لذلك. ﴿ وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ النشوز أي تمتنع المرأة مما يريد منها زوجها من وطىء واستمتاع وتصنع بتعطر وغيره. ويقال بالشين والزاي ويقال: نشوص بالشين والصاد. والظفر أن الحذف على بابه وأمر بوعظها إذا خاف نشوزها.ويكون معنى قوله: ﴿ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ ﴾ مقيداً بوقوع النشور والتقدير إذا نشزت لأن الهجر في المضجع والضرب لا يترتب على الخوف إنما يترتب عليه الوعظ. ودل على تقدير إذا نشزت معنى التقسيم. وقوله: واضربوهن، مطلق في الضرب، والمعنى والله أعلم أنه ضرب غير مبرح كالضرب بالقضيب اللين واللطمة مما لا يحدث شيئاً ويؤذن بالاحتقار لها. وقد كان بعض الصحابة يضرب بالسوط المؤلم. ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ ﴾ أي صرن طائعات لما تريدون منهم. ودل ذلك على أن نشوزهن كان معصية ولذلك قابله بقوله: فإِن أطعنكم. وقوله: ﴿ سَبِيلاً ﴾ أي من وعظ أو حجر أو ضرب. ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ﴾ لما كان في تأديبهن بما أمر الله تعالى به الزوج اعتلاء للزوج على المرأة ختم الآية بصفة العلو والكبر لينبه العبد على أن المتصف بذلك حقيقة هو الله تعالى وإنما أذن لكم فيما أذن على سبيل التأديب لهن فلا تتعلوا عليهن ولا تتكبروا فإِن ذلك ليس مشروعاً لكم، وفي هذا وعظ عظيم للأزواج وإنذار انّ قدرة الله فوق قدرتكم عليهن. ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ ﴾ المشاقة بأن يتمادى نشوزها ولا ينفع فيها وعظ ولا هجر ولا ضرب وتصير هي في شق. والمعنى شقاق. ﴿ بَيْنِهِمَا ﴾ أي بين الزوج والزوجة وأضيف شقاق إلى ما بين وهو ظرف على جهة الاتساع كما قالوا: هو نقي بين الحاجبين. والأمر في قوله: ﴿ فَٱبْعَثُواْ ﴾ هو لمن يتولى أمر النساء والرجال من القضاة والولاة. والظاهر أنهما ليسا وكيلين بل هما ناظران في أمرهما على سبيل الصلح أو الفرقة.والضمير في ﴿ إِن يُرِيدَآ ﴾ عائد على الحكمين إصلاحاً أي بين الزوجين، والضمير في بينهما عائد على الحكمين أي فيما بعثا فيه من تمام الاصلاح أو التفرقة على حسب ما يظهر لهما. وقيل: الضمير في بينهما عائد على الزوجين وفي كتب الفقه تفاريع في الحكمين ينظر فيها. ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ﴾ يعلم ما يقصد الحكمان وكيف يوفق بين المختلفين ويخبر خفايا ما يلفظان به في أمر الزوجين.
﴿ وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ أي صاحب الدار القريبة من دارك. ﴿ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ ﴾ هو البعيد الدار من دارك. ﴿ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ ﴾ أي المتصل المسكن بمسكنك المختال التياه الجهول الذي يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه ولا يتخفى بهم ولا يلتفت إليهم. ﴿ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ ﴾ قيل هو بدل مِنْ كن وقيل: من مختالاً فخوراً حملاً على لفظ من ثم قال: الذين حملا على المعنى ويجوز عندي أن يكون صفة لمن ولم يذكروا هذا الوجه. وقيل: هو في موضع رفع على إضمار مبتدأ تقديره هم الذين يبخلون، وهذه الأقوال على تقدير اتصال الذين بما قبله، ومن أعرب الذين مبتدأ فهو قلق إذ لم يصرّح في الآية بخبر. ﴿ وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ ﴾ معطوف على الذين يبخلون، وتقدم تفسيرها في البقرة. ﴿ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً ﴾ لما ذكر تعالى من اتصف بالبخل والأمر به وكتمان فضل الله والانفاق رئاء وانتفاء إيمانه بالله وباليوم الآخر ذكر أن هذه من نتائج مقارنة الشيطان ومخالطته وملازمته للمتصف بذلك لأنها شر محض إذ جمعت بين سوء الاعتقاد الصادر عنه الانفاق رئاء وسمعة، وسائر تلك الأوصاف المذمومة ولذلك قدم تلك الأوصاف وذكر ما صدرت عنه وهو انتفاء الإِيمان بالموجد وبدار الخبراء، ثم ذكر أن ذلك من مقارنة الشيطان والقرين المقارن. وساء هنا بمعنى بئس وهي لا تتصرف ولذلك دخلت الفاء في جواب من الشرطية.وقال ابن عطية: وقرن الطبري هذه الآية بقوله تعالى: ﴿ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ﴾[الكهف: ٥٠] وذلك مردود لأن بدلاً حال وفي هذا نظر. " انتهى ". والذي قاله الطبري صحيح وبدلاً تمييز لا حال وهو مفسر للضمير المستكن في بئس على مذهب البصريين والمخصوص بالذم محذوف تقديره هم أي الشيطان وذريته وإنما ذهب إلى إعراب المنصوب بعد نعم، وبئس حالاً الكوفيون على اختلاف بينهم مقرر في علم النحو، والظاهر أن هذه المقارنة في الدنيا. ﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ ﴾ أي في الإِيمان بالله واليوم الآخر والانفاق في سبيل الله. ﴿ لَوْ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ لحصلت لهم السعادة ويحمل أن تكون جملة واحدة وذلك على مذهب من يثبت أنّ لو تكون مصدرية في معنى ان، كأنه قيل: ماذا عليهم إذا آمنوا، أي في الإِيمان بالله، ولا جواب لها إذ ذاك، فتكون كقول الشاعر:ماذا عليه إن ذكرت أو انسا   كغزلان رمل في محاريب إقبالوماذا استفهام فيه معنى الإِنكار. قال ابن عطية: وجواب لو في قوله: ماذا، فهو جواب مقدم. " انتهى ".إذا أراد ظاهر هذا الكلام فليس موافقاً لكلام النحويين لأن الاستفهام لا يقع جواب لو ولأن قولهم: أكرمتك لو قام زيد ان ثبت أنه من كلام العرب حُمل على أن أكرمتك دل على الجواب لا جواب كما قالوا في قولهم: انتِ طالق إن فعلت، وإن أراد تفسير المعنى فيمكن ما ماله. ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ﴾ الآية مناسبتها لما قبلها واضحة لأنه تعالى لما أمر بعبادته وبالإِحسان للوالدين ومن ذكر معهم ثم أعقب ذلك بذمّ البخل والأوصاف المذكورة معه ثم وبّخ من لم يؤمن ولم ينفق في طاعة الله فكان هذا كله توطئة لذكر الجزاء على الحسنات والسيئات فأخبر تعالى بصفة عدله وأنه لا يظلم أدنى شيء.ثم أخبر بصفة الاحسان فقال: ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا ﴾ ويظلم يتعدى لواحد وهو محذوف وتقديره لا يظلم أحداً مثقال ذرة وينتصب مثقال على أنه نعت لمصدر محذوف أي ظلماً وزْن درة كما تقول: لا أظلم قليلاً ولا كثيراً، وقيل: ضمنت معنى ما يتعدى لاثنين فانتصب مثقال على أنه مفعول ثان والأول محذوف التقدير لا ينقص أو لا يغصب أولاً يبخس أحداً مثقال ذرة من الخير أو الشر. وقرىء: وإن تك حسنة بالنصب فتكون ناقصة، واسمها مستتر فيها عائد على مثقال، وأنت الفعل لعوده على مضاف إلى مؤنث أو على مراعاة المعنى لأن مثقال معناه زنة أي وإن تك زنة ذرة.وقرىء بالرفع على أن تك تامة تكتفي بمرفوع.
﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ وهو نبيهم يشهد عليهم بما فعلوا كما قال: وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم، والأمة هنا من بعث إليهم النبي من مؤمن به وكافر لما أعلم تعالى بعدله وإيتاء فضله اتبع ذلك بأن نبه على الحالة التي يحضر فيها للجزاء ويشهد عليهم فيها. وكيف في موضع رفع ان كان المحذوف مبتدأ التقدير فكيف حال هؤلاء السابق ذكرهم أو كيف صنعهم وهذا المبتدأ العامل في خبره هو العامل في إذا أو في موضع نصب إن كان المحذوف فعلاً، أي فكيف يصنعون، أو فكيف يكونون. والفعل أيضاً هو العامل في إذا. ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ التنوين في يومئذٍ هو تنوين العوض، حذفت الجملة السابقة وعوض منها التنوين، والتقدير يومئذٍ جئنا.وقرىء: تسوّى مبنياً للمفعول وتسوى بإِدغام التاء في السين وتسوى بحذف التاء ومعنى التسوية انهم يستوون مع الأرض فيكونون تراباً باهي كما قال في حق الكافر﴿ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً ﴾[النبأ: ٤٠].
والعامل في يومئذٍ يود، ومفعول يود محذوف تقديره تسوية الأرض بهم، ودل عليه قوله: لو تسوى بهم الأرض. ولو: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره وجوابه محذوف تقديره لسروا بذلك وحذف لدلالة يود عليه ومن أجاز في لو أن تكون مصدرية مثل انْ جوز ذلك هنا وكانت إذ ذاك لا جواب لها بل تكون في موضع مفعول يودّ. ﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ ﴾ معطوف على قوله: يودّ. أو تكون الواو للاستئناف التقدير وهم لا يكتمون الله تعالى وفي يوم القيامة مواطن كثيرة، يكتمون الله كقولهم: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾[الأنعام: ٢٣] وموطن لا يكتمون، كقولهم: يا ليتنا، نرد الآية. ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ﴾ الآية، روى ان جماعة من الصحابة شربوا الخمر قبل تحريم الخمر وحانت الصلاة فتقدم أحدهم فقرأ قل يا أيها الكافرون فخلط فيها فنزلت. ومناسبتها لما قبلها أنه لما أمر تعالى بعبادته والإِخلاص فيها وأمر ببرّ الوالدين ومكارم الأخلاق وذم البخل واستطرد منه إلى شيء من أحوال القيامة وكان قد وقع من بعض المسلمين تخليط في الصلاة التي هي رأس العبادة بسبب شرب الخمر ناسب أن تخلص الصلاة من شوائب الكدر الذي يوقعها على غير وجهها فأمر تعالى بإِتيانها على وجهها دون ما يفسدها ليجمع لهم بين إخلاص عبادة الحق ومكارم الأخلاق التي بينهم وبين الخلق، وبالغ تعالى في النهي عن أن يصلي المؤمن وهو سكران بقوله: ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ ﴾ لأن النهي عن قربان الصلاة أبلغ من قوله: لا تصلوا وأنتم سكارى ومنه﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ ﴾[الأنعام: ١٥١]﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ ﴾[الأنعام: ١٥٢، الإسراء: ٣٤] والمعنى لا تغشوا الصلاة وعنى ذلك بقوله: حتى تعلموا. ﴿ وَلاَ جُنُباً ﴾ حال معطوف على قوله: وأنتم سكارى، إذ هي مجلة حالية، فالجملة الاسمية أبلغ التكرار الضمير فالتقييد بها أبلغ في الانتفاء منها من التقييد بالمفرد الذي هو ولا جنباً ودخول لا دال على مراعاة كل قيد منهما بانفراده وإذا كان النهي عن إيقاع الصلاة مصاحبة لكل حال منهما بانفراده فالنهي عن إيقاعها بهما مجتمعين آكد وأدخل في الحظر. والجنب هو غير الطاهر من إنزال أو مجاوزة ختان هذا قول جمهور الأمة، والجنب من الجنابة وهي البعد كأنه جانب الطهر أو من الجنب كأنه ضاجع أو لامس أو مس بجنبه. قال الزمخشري: الجنب يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الاجناب. " انتهى ".والذي ذكره هو المشهور في اللغة والفصيح وبه جاء القرآن وقد جمعوه جمع سلامة بالواو والنون، قالوا: قوم جنبون وجمع تكسير قالوا: قوم أجناب، وأما تثنيته فقالوا: جنبان. ﴿ إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾ العبور الخطور والجواز، ومنه ناقة عبر الهواجر. وعابري منصوب على الحال وهو استثناء من الأحوال ويلحظ محذوف أي ولا تقربوا مواطن الصلاة وأنتم جنب إلا في حال عبوركم في الطريق وغيا ذلك بقوله: حتى تغتسلوا، فإِذا اغتسل الجنب جاز له أن يصلي وأن يمكث في المسجد. ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَىٰ ﴾ الآية نزلت بسبب عدم الصحابة للماء في غزوة المريسيع حين أقام صلى الله عليه وسلم بالناس على التماس العقد. والظاهر مطلق المرض ومطلق السفر، فإِذا لم يجد ماء فتيمما ومجيئه من الغائط كناية عن الحدث بالغائط وحمل عليه الريح والبول والمني والودي والمذي ولا خلاف ان هذه الستة أحداث. ﴿ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ﴾ قرىء لامستم ماضي يلامس ولمستم ماضي يلمس والظاهر في لامستم أنه أريد به الجماع. وينبغي أن يحمل عليه لمستم ومن العلماء من حمل ذلك على أن المراد اللمس باليد أو غيرها من الجوارح على تفصيل مذكور في كتب الفقه. ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً ﴾ الضمير عائد على من أسند إليهم الحكم في الاخبار الأربعة وفيه تغليب الخطاب إذ قد اجتمع خطاب وغيبة، فالخطاب كنتم مرضى أو على سفر أو لامستم والغيبة قوله: أو جاء أحد وما أحسن ما جاءت هذه الغيبة لأنه لما كني عن الحاجة بالغائط كره إسناد ذلك إلى المخاطبين فنزع به إلى لفظ التغليب بقوله: أو جاء أحد، وهذا أحسن الملاحظات وأجمل المخاطبات. ولما كان المرض والسفر ولمس النساء لا يفحش الخطاب بها جاءت على سبيل الخطاب. وظاهر انتفاء الوجدان سبق تطلبه وعدم الوصول إليه، فاما في حق المريض فجعل الموجود حسا في حقه إذا كان لا يستطيع استعماله كالفقود شرعاً واما غيره باقي الأربعة فانتفاء وجدان الماء في حقهم هو على ظاهره. ﴿ فَتَيَمَّمُواْ ﴾ اقصدوا.و ﴿ صَعِيداً ﴾ تراباً. ﴿ طَيِّباً ﴾ طاهراً. ﴿ فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ ﴾ المسح البلل بالماء وإمرار اليد من غير غسل. والظاهر عموم الوجه تقول: مسحت برأسه، ومسحت رأسه بمعنى واحد. ﴿ وَأَيْدِيكُمْ ﴾ هو مجمل وجاء الحديث أن التيمم مسح الوجه ومسح الكفين بالتراب. وفي صحيح مسلم وفي تحديد اليد في التيمم خلاف مذكور في كتب الفقه. ﴿ عَفُوّاً غَفُوراً ﴾ كناية عن الترخيص والتيسير.
﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ الآية نزلت في اليهود مناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما ذكر شيئاً من أحوال الآخرة وأن الكفار إذ ذاك يودون لو تسوى بهم الأرض، وجاءت الآية بعد ذلك كالاعتراض بين ذكر أحوال الكفار في الآخرة وذكر أحوالهم في الدنيا مع المؤمنين ذكر أحوالهم في الدنيا وما هم عليه من معاداة المؤمنين وكيف يعاملون رسول الله الذي يأتي عليهم شهيداً وعلى غيرهم ولما كان اليهود أشد إنكاراً للحق وأبعد من قبول الخير، وكان قد تقدم أيضاً﴿ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ﴾[النساء: ٣٧] وهم أشد الناس تحلياً بهذين الوصفين. ﴿ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ ﴾ الظاهر أن من الكتاب صفة لقوله: نصيباً، وأريد بالكتاب الجنس والنصيب التوراة ويجوز أن يتعلق من الكتاب بقوله: أوتوا. ﴿ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ ﴾ أي بالهدى وحذفه لأن الضلالة تدل عليه كما صرح به في قوله اشتروا الضلالة بالهدى. والمعنى ألا تعجب ممن أنزل عليه من الكتب الإِلهية ومع ذلك لم يتبع ما أنزل إليه وآثروا الضلالة على الهدى. ﴿ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ﴾ أي لم يكفهم أن ضلوا في أنفسهم حتى تعلقت آمالهم بضلالكم أنتم أيها المؤمنون عن سبيل الحق، لأنهم لما علموا أنهم قد خرجوا من الحق إلى الباطل كرهوا أن يكون المؤمنون مختصين باتباع الحق فأرادوا أن يضلوا كما ضلوهم. كما قال تعالى: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً ﴾[النساء: ٨٩].
وقرىء: ﴿ أَن تَضِلُّواْ ﴾ بضم التاء وكسر الضاد من أضل وقراءة الجمهور بفتح التاء وكسر الضاد من ضل. ﴿ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ لما ذكر تعالى أنهم أوتوا التوراة وآثروا اشتراء الضلالة، ذكر أيضاً مما يذمهم به وهو تحريف الكلم عن مواضعه. فقوله: ﴿ يُحَرِّفُونَ ﴾ صفة لمبتدأ محذوف وخبره الجار والمجرور قبله وحذفه فصيح كقول العرب: مناطعن ومنا أقام. وأجاز القراء أن يكون المحذوف الموصول تقديره من يحرفون فيحرفون صلة لمن المحذوفة. ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ الظاهر أنهم شافهوا النبي صلى الله عليه وسلم بهاتين الجملتين وخاطبوه بقولهم: ﴿ وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ وهذا كلام موجّه. والظاهر أنهم أرادوا به الوجه المكروه لسياق ما قبله من قوله: سمعنا وعصينا، وانتصب غير مسمع على الحال أي واسمع حال كونك لا تسمع فيكون ذلك على سبيل الدعاء كأنهم قالوا: واسمع لا سمعت. ويجوز أن يكون غير مسمع صفة لمصدر محذوف أي واسمع سمعاً غير مسمع. ﴿ وَرَٰعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ ﴾ تقدم تفسير راعنا في البقرة. وليا أي فتلا، وتحريفاً عن الحق إلى الباطل. وانتصاب ليا وطعناً على المفعول من أجله أو على أنهما مصدران في موضع الحال وطعنهم في الدين إنكار نبوته وتغيير نعته. ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ أي لو تبدلوا بالعصيان الطاعة ومن راعنا بأنظرنا.وقال الزمخشري: ولو ثبت قولهم سمعنا وأطعنا لكان قولهم ذلك حيزاً لهم وأقوم وأعدل وأسد. " انتهى ". سبك الزمخشري من أنهم قالوا مصدراً مرتفعاً بثبت على الفاعلية وهذا مذهب المبرد خلافاً لسيبويه إذ يرى سيبويه أن انّ بعد لو مع ما عملت فيه تتقدر باسم مبتدأ وهل الخبر محذوف أو لا يحتاج إلى تقدير الخبر لجريان المسند والمسند إليه في صلة أن قولان أصحهما هذا. فالزمخشري وافق مذهب المبرد وهو مذهب مرجوح في علم النحو. ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ استثناء من ضمير المفعول في لعنهم، أي إلا قليلاً لم يلعنهم فأمنوا، أو استثناء من الفاعل في فلا يؤمنون، أي إلا قليلاً فآمنوا كعبد الله بن سلام وكعب الاحبار وغيرهما أو هو راجع إلى المصدر المفهوم من قوله: فلا يؤمنون أي إلا إيماناً قليلاً فلله إذ آمنوا بالتوحيد وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبشرائعه.وقال الزمخشري: إلا إيماناً قليلاً أي ضعيفاً ركيكاً لا يعبأ به وهو إيمانهم بمن خلقهم مع كفرهم بغيره وأراد بالقلة العدم كقوله:قليل التشكي للهموم تصيبه   أي عديم التشكي.وقال ابن عطية: من عبر بالقلة عن الإِيمان، قال: هي عبارة عن عدمه على ما حكى سيبويه من قولهم أرض قلّما تنبت كذا وهي لا تنبت جملة. وهذا الذي ذكره الزمخشري وابن عطية من أن القليل يراد به العدم هو صحيح في نفسه لكن ليس هذا التركيب الاستثنائي من تراكيبه، فإِذا قلت: لا أقوم إلا قليلاً لم يوضع هذا الانتفاء القيام البتة، بل هذا يدل على انتفاء القيام منك إلا قليلاً فيوجد منك.وإذا قلت: قلّ ما يقوم أحد إلا زيد وأقلُّ رجل يقول ذلك، احتمل هذا أن يراد به التقليل المقابل للتكثير، واحتمل أن يراد به النفي المحض، وكأنك قلت: ما يقوم أحد إلا زيد وما رجل يقول ذلك، اما أن تنفي ثم توجب ويصير الإِيجاب بعد النفي يدل على النفي فلا إذ تكون إلا وما بعدها على التقدير جيء بها لغواً لا فائدة إذ الانتفاء قد فهم من قولك لا أقوم فأي فائدة في استثناء مثبت يراد به الانتفاء المفهوم من الجملة السابقة، وأيضاً فإِنه يؤدي إلى أن يكون ما بعد إلا موافقاً لما قبلها في المعنى، وباب الاستثناء لا يكون فيه ما بعد إلا موافقاً لما قبلها. وظاهر قوله: فلا يؤمنون إلا قليلاً إذا جعلناه عائداً إلى الإِيمان إن الإِيمان يتجزأ بالقلة والكثرة فيزيد وينقص والجواب أن زيادته ونقصه هو بحسب قلة المتعلقات وكثرتها.
﴿ يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ الآية،" دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم احبار اليهود منهم عبد الله بن صوريا وكعب إلى الاسلام، وقال لهم: إنكم لتعلمون أن الذي جئت به حق، فقالوا: ما نعرف ذلك فنزلت "، قاله ابن عباس. ومناسبتها لما قبلها هو أنه تعالى لما رجاهم بقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ ﴾[النساء: ٤٦] الآية، خاطب من يرجى إيمانه منهم بالأمر بالإِيمان وقرن بالوعيد البالغ على تركه ليكون ادعى لهم إلى الإِيمان والتصديق به ثم أزال خوفهم من سوء الكبائر السابقة بقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ الآية، وتوعدهم ان لم يؤمنوا بأحد أمرين الطمس أو اللعن الموصوف. والظاهر أن معنى الطمس: جعل الحاجبين والعينين والأنف والفم لوحاً واحداً، ثم يقلب مشرفاً على الظهر ويصير القفا مشرفاً على الصدر، وهذا تشويه عظيم لمحاسن الإِنسان. وقيل: هو على حذف مضاف أي نطمس أعين وجوه ونجعلها في القفا. وقرىء: نطمس بضم الميم وكسرها. واللعن هو المتعارف وتقوم قبل ولكن لعنهم الله وهذا لعن مطلق، وفي هذه الآية لعن مقيد بقوله: كما لعنا أصحاب السبت. وقيل: وأصحاب السبت هم أهل آيلة مسخوا قردة وخنازير. ولما سمع عبد الله بن سلام هذه الآية جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله ويده على وجهه وأسلم وقال: يا رسول الله ما كنت أرى أني أحل إليك حتى يحوّل وجهي في قفاي. ﴿ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً ﴾ المعنى الذي أراد إيجاده وتعلق أمره به لا بد من وجوده. ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ الآية، قيل:" نزلت في وحشي وأصحابه وكان جعل له على قتل حمزة أن يعتق فلم يوف له فقدم مكة وقدم على الذي صنعه هو وأصحابه ثم قدموا مسلمين وقص كيفية قتل حمزة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: غيّب وجهك عني فلحق بالشام وبقي بها حتى مات "وقصته مشهورة في السير ومذاهب الناس. في هذه الآية مختلفة فاجمع المسلمون على تخليد من مات كافراً في النار وعلى تخليد من مات مؤمناً لم يذنب قط في الجنة فأما تائب مات على توبته ففي الجنة. وأما مذنب مات قبل توبته فالخوارج تقول: هذا مخلد في النار سواء كان صاحب كبيرة أم صاحب صغيرة. والمرجئة تقول: هو في الجنة بإِيمانه ولا تضره سيئاته.والمعتزلة تقول: إن كان صاحب كبيرة خلد في النار.وأهل السنة يقولون: هو في المشيئة فإِن شاءَ الله تعالى غفر له وأدخله الجنة من أول وهلة. وإن شاء عذبه وأخرجه من النار وأدخله الجنة بعد مخلداً فيها. وحُجَج هذه المذاهب مذكورة في علم أصول الدين.وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ والمعنى إن من مات مشركاً لا يغفر له. وهو أصل مجمع عليه من الطوائف الأربع. وقوله: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ ﴾ رداً على الخوارج وعلى المعتزلة لأن ما دون ذلك عام يدخل فيه الكبائر والصغائر.وقوله: ﴿ لِمَن يَشَآءُ ﴾ راد على المرجئة إذ مدلوله أن غفران ما دون الشرك إنما هو لقوم دون قوم على ما شاء الله تعالى بخلاف ما زعموه بأن كل مؤمن مغفور له.
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ قيل: هم اليهود. وقيل: النصارى وتزكيتهم قولهم نحن أبناء الله وأحباؤه: وفي ذلك غضّ على من يزكي نفسه بلسانه ويصفها بزيادة الطاعة والتقوى. قال ابن عطية: كيف يصح أي ردّ أن يكون في موضع نصب بيفترون ويصح أن يكون في موضع رفع بالابتداء والخبر في قوله: ويفترون. " انتهى ". أما قوله: يصح أن يكون في موضع نصب بيفترون فصحيح. وأما قوله: ويصح أن يكون في موضع رفع بالابتداء والخبر في قوله: يفترون، فهذا لم يذهب إليه أحد لأن كيف ليست من الأسماء التي يجوز الابتداء بها. وإنما قوله: ﴿ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ في التركيب نظير قولك: كيف يضرب زيد عمراً ولو كانت مما لا يجوز الإِبتداء بها ما جاز أن يكون مبتدأ في هذا التركيب لأنه ذكر أن الخبر هي الجملة من قوله: يفترون، وليس فيها رابط يربط هذه الجملة بالمبتدأ وليست الجملة نفس المبتدأ في المعنى فلا يحتاج إلى رابط فهذا الذي قال فيه ويصح فاسد على كل تقدير. ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ ﴾ أجمعوا على أن المراد بأهل الكتاب هنا اليهود والكتاب التوراة وسبب نزولها أن كعب بن الأشرف وحُيَيَّ بن أخطب وجماعة خرجوا إلى مكة يحالفون قريشاً على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أنتم أهل كتاب وأنتم أقرب إلى محمد وإن محمداً صاحب كتاب، فلا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم إلينا فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئنّ إليكم. ففعلوا فقال أبو سفيان: أنحن أهدى سبيلاً أم محمد؟ قال كعب: ماذا يقول محمد، قالوا: يأمر بعبادة الله وحده ونهى عن الشرك. قال كعب: وما دينكم؟ قالو: نحن ولاة البيت نسقي الحاج ونقري الضعيف ونفك العاني، وذكروا أفعالهم. فقال: أنتم أهدى سبيلاً. والجبث والطاغوت ضمان كانا لقريش، وقيل: غير ذلك. ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ ﴾ أم هنا منقطعة التقدير بل إليهم تصيب من الملك انتقل من كلام إلى كلام بأم واستفهم على سبيل الانكار أن يكون لهم نصيب من الملك. قال الأزهري: الفتيل والنقير والقطمير يضرب مثلاً للشيء التافة الحقير، وخصت الأشياء الحقيرة بقوله: ﴿ فَتِيلاً ﴾، في قوله: ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾، وهنا بقوله: نقيراً الوفاق النظير من الفواصل. ﴿ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ﴾ الآية، وهو تصريح ببخلهم وإذا حرف جزاء وجواب، والتقدير من حيث المعنى أنهم إن كان لهم نصيب من الملك لا يسمحون بشيء وإن كان تافهاً لبخلهم، ثم انتقل من هذه الخصلة الذميمة إلى خصلة أشد منها وهي الحسد فالبخل: منع فضول خير من الإِنسان إلى غيره، والحسد: تمني زوال ما أعطى الله الإِنسان من الخير وإيتائه له، وفي ذلك إشارة إلى حسدهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من فضله وهو النبوة.ولذلك جاء بعده قوله تعالى: ﴿ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ وإبراهيم هو جد رسول الله الأعلى وآل إبراهيم يحتمل أن يريد شخص إبراهيم عليه السلام. والكتاب الصحف التي نزلت على إبراهيم. وقد يراد بآله من كان من ذريته كموسى عليه السلام فيكون الكتاب التوراة. ﴿ وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً ﴾ هو ما كان في بني إسرائيل من الملوك كداود وسليمان، ألا ترى إلى قول موسى عليه السلام: إذ جعل منكم أنبياء وجعلكم ملوكاً الآية. ﴿ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ ﴾ والضمير عائد على إبراهيم. وقيل: عائد على الكتاب، أي فمن آل إبراهيم من آمن بالكتاب. ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِنَا ﴾ لما ذكر ومنهم من صد عنه أتبعه بما لهم من العذاب ثم ذكر ما للمؤمنين من النعيم في الآخرة فصار نظير يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم، ثم قال: وأما الذين ابيضت.وقرىء: ﴿ نُصْلِيهِمْ ﴾ من أصلى ونصليهم من صليت. وقرىء بضم الهاء وكسرها. وندخلهم ظلاً ظليلاً قال أبو مسلم: الظليل هو القوي المتمكن. قال ونعت الشيء بمثل ما اشتق من لفظه يكون مبالغة كقولهم: ليل أليل وداهية دهياء.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا ﴾ سبب نزولها ما ذكروا من قصة مضمونها" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ مفتاح الكعبة من سادنيها أو عثمان بن طلحة وابن عمه شيبة بن عثمان بعد تأب من عثمان ولم يكن أسلم فسأل العباس الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجمع له بين السقاية والسدانة فنزلت فرد المفتاح إليهما وأسلم عثمان وقال عليه الصلاة والسلام: خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا يأخذها منكم إلى ظالم "وعن ابن عباس وغيره: نزلت في الأمراء يؤدوا الأمانة فيما ائتمنهم الله من أمر رعيته ومناسبتها لما قبلها هو أنه تعالى لما ذكر وعد المؤمنين وذكر عمل الصالحات نبه على هذين العملين الشريفين اللذين من اتصف بهما كان أحرى أن يتصف بغيرهما من الأعمال الصالحة فأحدهما ما يختص به الانسان فيما بينه وبين غيره وهو أداء الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها والثاني ما يكون بين اثنين من الفصل بينهما بالحكم العدل الخالي عن الهوى وهو من الأعمال العظيمة التي أمر الله بها رسله وأنبياءه والمؤمنين، ولما كان الترتيب الصحيح أن يبدأ الانسان بنفسه في جلب المنافع ودفع المضار ثم يشتغل بحال غيره أمر تعالى بأداء الأمانة أولاً ثم بعده بالأمر بالحكم بالحق.و ﴿ أَن تَحْكُمُواْ ﴾ ظاهره أن يكون معطوفاً على أن تؤدوا، وفصل بين حرف العطف والمعطوف بإِذا وقد ذهب إلى ذلك بعض أصحابنا وجعله كقوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً ﴾[البقرة: ٢٠١].
﴿ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً ﴾[يس: ٩].
﴿ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾[الطلاق: ١٢] ففصل في هذه الآيات بين الواو والمعطوف بالمجرور وأبو علي يخص هذا بالشعر وليس هذا بصواب فإِن كان المعطوف مجروراً أعيد الجار نحو أمرر بزيد وغداً بعمرو ولكن قوله: وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ليس من هذه الآيات لأن حرف الجر يتعلق في هذه الايات بالعامل في المعطوف، والظرف هنا ظاهره أنه منصوب بأن تحكموا ولا يمكن ذلك لأن الفعل في صلة أن ولا يمكن أن ينتصب بالناصب لأن تحكموا لأن الأمر ليس واقعاً وقت الحكم وقد خرجه على هذا بعضهم والذي يظهر أن إذا معمولة لأن تحكموا مقدرة وأن تحكموا المذكورة مبتدأ مفسرة لتلك المقدرة هذا إذا فرعنا على قول الجمهور، وأما إذا قلنا بمذهب الفراء فإِذا منصوبة بأن تحكموا هذه الملفوظ بها لأنه يجيز يعجبني العسل أن يشرب، فيقدم معمول صلة ان عليها. ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ﴾ تقدم الكلام على فنعما هي في البقرة. ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً ﴾ لأقوالكم الصادرة منكم في الأحكام. ﴿ بَصِيراً ﴾ برد الأمانات إلى أهلها. ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ ﴾ الآية، قيل: نزلت في أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروا قصة طويلة مضمونها ان عماراً أجاز رجلاً قد أسلم وقر أصحابه حين نذروا بالسرية فهربوا، وأقام الرجل وان أميرها خالداً أخذ الرجل وماله فأخبره عمار بإِسلامه وإجارته إياه فقال خالد: وأنت تجير فاسقا وارتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجاز أمان عمار ونهاه أن يجير على أمير ومناسبتها لما قبلها أنه لما أمر الولاة أن يحكموا بالعدل أمر الرعية بطاعتهم. ﴿ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ هم كل من ولى ولاية صحيحة شرعية. ﴿ فَرُدُّوهُ ﴾ إلى كتاب الله وسؤال الرسول في حياته وإلى سنته بعد وفاته. ﴿ ذٰلِكَ خَيْرٌ ﴾ أي الرد إلى الكتاب والسنة وخير وأحسن لا يراد بهما أفعل التفضيل، إذ لا خير ولا حسن في الرد إلى غير الكتاب والسنة، وتأويلاً معناه مالاً ومرجعاً.
﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ قيل سبب نزولها أن خصمين اختصما فدعا أحدهما إلى الكاهن والآخر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. والطاغوت: هو الكاهن، ودل أن أحد المدعين كان منافقاً بدليل قوله: رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً حيث مالوا إلى الكاهن دون الرسول عليه السلام. ﴿ فَكَيْفَ ﴾ في موضع نصب على الحال تقديره كيف تراهم، أو في موضع رفع أي فكيف صنيعهم. وإذا: ظرف منصوب بتراهم أو بصنيعهم. ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ من الكفر والمصيبة ما ظهر عليهم من الذلة والمسكنة والاستنقاص من المسلمين الخلص. ﴿ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ ﴾ جملة في موضع الحال. وقيل: المصيبة هي هدم مسجد الضرار الذي بنوه. ﴿ إِنْ أَرَدْنَآ ﴾ جملة هي جواب القسم، وإن نافية، بمعنى ما أي ما أردنا في العدول عنك عند التحاكم.
﴿ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ من النفاق، وعبر عن المجازاة بالعلم والقول البليغ هو الزاجر والرادع. ويتعلق قوله في أنفسهم، بقوله قل على أحد معنيين، أي قل لهم خالياً بهم لا يكون معهم أحد من غيرهم مسارّاً لأن النصح إذا كان في السر كان أنجح وكان بصدد أن يقبل سريعاً. ومعنى بليغاً أي مؤثراً فيهم. أو قل لهم في معنى أنفسهم النجسة المنطوية على النفاق قولاً بليغاً يبلغ منهم ما يزجرهم عن العود إلى ما فعلوا.وقال الزمخشري: فإِن قلت: بم تعلق قوله في أنفسهم؟ قلت: بقوله بليغاً، أي قل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم مؤثراً في قلوبهم يغتمون به اغتماماً ويستشعرون منه الخوف استشعاراً وهو التوعد بالقتل والاستئصال ان نجم منهم النفاق. " انتهى إعرابه وتعليقه " في أنفسهم بقوله بليغاً، لا يجوز على مذهب البصريين لأن معمول الصفة لا يتقدم على الموصوف عندهم. لو قلت: هذا رجل ضارب زيداً، لم يجز أن تقول: هذا زيداً رجل ضارب، لأن حق المعمول أن لا يحل إلا في موضع يحل فيه العامل ومعلوم أن النعت لا يتقدم على المنعوت لأنه تابع والتابع لا يتقدم على المنعوت لأنه تابع والتابع لا يتقدم على المتبوع وأجاز ذلك الكوفيون أجازوا هذا طعامك رجل يأكل. والزمخشري أخذ في ذلك بمذهب الكوفيين.واللام في: ﴿ لِيُطَاعَ ﴾، لام كي، وهو استثناء مفرغ من المفعول من أجله، أي وما أرسلنا من رسول لشيء من الأشياء إلا يجل الطاعة.وقال ابن عطية: وعلى التعليقين فالكلام عام اللفظ خاص المعنى لأنا نقطع ان الله تبارك وتعالى قد أراد من بعض خلقه أن لا يطيعوه، ولذلك خرجت طائفة معنى الاذن إلى العلم وطائفة خرجته إلى الارشاد لقوم دون قوم وهو تخريج حسن لأن الله تعالى إذا علم من أحد أنه يؤمن وفقه لذلك. فكأنه أذن له. " انتهى " لا يلزم ما ذكره من أن الكلام عام اللفظ خاص المعنى لأن قوله: ليطاع، مبني للمفعول الذي لم يسم فاعله ولا يلزم من الفاعل المحذوف أن يكون عاماً فيكون التقدير ليطيعه العالم بل المحذوف ينبغي أن يكون خالصاً ليوافق الموجود فيكون التقدير أصله إلا ليطيعه من أراد طاعته.وفي قوله: ﴿ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾، التفات. وهو الخروج من ضمير المتكلم في أرسلنا إلى الاسم الغائب والعامل في إذ خبر إنّ وهو جاؤوك. ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ لا الأولى أكدت معنى النفي.و ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ جواب القسم وهو قوله: وربك. ونظيره في التأكيد قول الشاعر:فلا وأبيك لا يلغى لما بي   ولا للما بهم أبداً دواءوحتى هنا للغاية أي لا يصح إيمانهم إلى أن يحكموك وقد تكون حتى بمعنى إلا أن، وهذا أظهر من الغاية وشجر الأمر التبس يشجر شجوراً وشجراً وشاجر الرجل غيره في الأمر نازعه فيه وتشاجروا.وإن في قوله: ﴿ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ ﴾ يجوز أن تكون مفسرة بمعنى أي لأنه تقدمها كتبنا وهو في معنى القول ويجوز أن تكون مصدرية. وقرأ الجمهور: ﴿ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ بالرفع وهو بدل من ضمير الفاعل في فعلوه. وقرأ ابن عامر وغيره بالنصب والرفع أكثر في لسان العرب لأن قبله نفي.وقال الزمخشري: وقرىء إلا قليلاً بالنصب على أصل الاستثناء أو على الا فعلاً قليلاً. " انتهى ". أما النصب على أصل الاستثناء فهو الذي وجه الناس عليه هذه القراءة. وأما قوله: إلا فعلاً قليلا ً، فهو ضعيف لمخالفة مفهوم التأويل قراءة الرفع. ولقوله: منهم، فإِنه يَعلق على هذا التركيب. ولو قلت: ما ضربوا زيداً إلا ضرباً قليلاً منهم، لم يحسن أن يكون منهم لا فائدة في ذكره وضمير النصب فيما فعلوه عائد على أحد المصدرين المفهومين من قوله: أن اقتلوا أو أخرجوا. وقال أبو عبد الله الرازي: الكناية في قوله: ما فعلوه، عائدة على القتل والخروج معاً، وذلك لأن الفعل جنس واحد وإن اختلفت صورته. " انتهى ". وهو كلام غير نحوي.
﴿ وَإِذاً لأَتَيْنَٰهُم ﴾ الآية، قال الزمخشري: وإذا جواب لسؤال مقدر كأنه قيل: وماذا يكون لهم أيضا بعد التثبت، فقيل: وإذا لو ثبتوا لأتيناهم لأن إذا جواب وجزاء. " انتهى ". ظاهر قوله لأن إذاً جواب وجزاء يفهم منه أنها تكون لمعنيين في حال واحدة على كل حال، وهذه مسألة خلاف ذهب الفارسي الى أنها قد تكون جواباً فقط في موضع، وجواباً وجزاء في موضع، ففي مثل إذا أظنك صادقاً لمن قال: أزورك، هي جواب خاصة. وفي مثل: إذا أكرمك. لمن قال: أزورك، هي جواب وجزاء. وذهب الأستاذ أبو علي إلى أنها تتقدر بالجواب والجزاء في كل موضع وقوفاً مع ظاهر كلام سيبويه والصحيح قول الفارسي وهي مسألة يبحث عنها في علم النحو. ﴿ مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ ﴾ أجاز الراغب أن يتعلق من النبيين بقوله: ومن يطع الله والرسول، أي من النبيين ومن بعدهم ويكون قوله: فأولئك، إشارة إلى الملأ الأعلى.ثم قال: ﴿ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً ﴾ ويبين ذلك قوله صلى الله عليه وسلم حين الموت:" اللهم ألحقني بالرفيق الأعلى "وهذا ظاهر. " انتهى ". وهذا الوجه الذي هو عنده ظاهر فاسد من جهة المعنى ومن جهة النحو، أما من جهة المعنى فإِن الرسول هنا هو محمد صلى الله عليه وسلم أخبر الله سبحانه وتعالى أن من يطيعه ويطيع رسوله فهو مع من ذكر ولو كان من النبيين معلقاً بقوله: ومن يطع الله والرسول، لكان قوله: من النبيين، تفسير المن في قوله: ومن يطع، فيلزم أن يكون في زمان الرسول أو من بعده أنبياء يطيعونه وهذا غير ممكن لأنه قد أخبر الله تعالى أن محمداً هو خاتم النبيين. وقال صلى الله عليه وسلم:" لا نبي بعدي "وأما من جهة النحو فما قبل فاء الجزاء لا يعمل فيما بعدها لو قلت: ان تقم هند فعمرو ذاهب ضاحكة لم يجز. قال أبو عبد الله الفخر الرازي: هذه الآية تنبه على أمرين من أحوال المعاد، الأول: إشراق الأرواح بأنوار المعرفة، والثاني: كونهم مع النبيين. وليس المراد بهذه المعية في الدرجة فإِن ذلك ممتنع بل معناه أن الأرواح الناقصة إذا استكملت علائقها مع الأرواح الكاملة في الدنيا بقيت بعد المفارقة تلك العلائق فينعكس الشعاع من بعضها على بعض فتصير أنوارها في غاية القوة فهذا ما خطر لي. " انتهى كلامه ".وهو شبيه بمقال الفلاسفة في الأرواح إذا فارقت الأجساد، وأهل الإِسلام يأبون هذه الألفاظ ومدلولاتها، ولكن من غلب عليه حب شيء جرى في كلامه والرفيق الصاحب سمي بذلك للارتفاق به، وعلى هذا يجوز أن ينتصب رفيقاً على الحال من أولئك أو على التمييز وإذا انتصب على التمييز فيحتمل أن لا يكون مفعولاً فيجوز دخول من عليه ويكون هو المميز وجاء مفرداً إما لأن الرفيق مثل الخليط والصديق يكون للمفرد والمثنى والمجموع بلفظ واحد، وإما لإِطلاق المفرد في باب التمييز اكتفاء ويراد به الجمع ويحسن ذلك هنا كونه فاصلة ويحتمل أن يكون منقولاً من الفاعل فلا يكون هو المميز، والتقدير وحسن رفيق أولئك فلا تدخل عليه من ويجوز أن يكون أولئك إشارة إلى من يطع الله والرسول وجمع على معنى من.ويجوز في انتصاب رفيقاً الأوجه السابقة. وقرأ الجمهور وحسن بضم السين وهي الأصل ولغة الحجاز، وقرأ أبو السمال وحسن بسكون السين وهي لغة تميم. ويجوز وحسن بضم الحاء وبسكون السين وضم الحاء على تقدير نقل حركة السين إليها وهي لغة بعض بني قيس. قال الزمخشري: وحسن أولئك رفيقاً فيه معنى التعجب، كأنه قيل: وما أحسن أولئك رفيقاً ولاستقلاله بمعنى التعجب. قرىء وحسن بسكون السين، يقول المتعجب: وحسن الوجه وجهك بالفتح والضم مع التسكين. " انتهى كلامه ". وهو تخليط وتركيب مذهب على مذهب فنقول اختلفوا في فعل المراد به المدح والذم فذهب الفارسي وأكثر النحويين إلى جواز إلحاقه ببات نِعْمَ وبئس فقط فلا يكون فاعله إلا ما يكون فاعلاً لهما وذهب الأخفش والمبرد إلى جواز إلحاقه بباب نعم وبئس فجعل فاعله كفاعلهما وذلك إذا لم يدخله معنى التعجب وإلى جواز إلحاقه بفعل التعجب فلا يجري مجرى نعم وبئس في الفاعل ولا في بقية أحكامهما بل يكون فاعله ما يكون مفعول فعل التعجب، فتقول: لضُربَتْ يدك ولضُربتْ اليد والكلام على هذين المذهبين تصحيحاً وإبطالاً مذكور في علم النحو الزمخشري لم يتبع واحداً من هذين المذهبين بل خلط وركب فأخذ التعجب من مذهب الأخفش وأخذ التمثيل بقوله: وحسن الوجه وجهك، وحسن الوجه وجهك من مذهب الفارسي.وأما قوله: ولاستقلاله بمعنى التعجب قرىء وحُسْنَ بسكون السين وذكر أن المتعجب يقول وَحَسْنَ وَحُسْنَ فهذا ليس بشيء لأن الفراء.. ذكر أن تلك لغات للعرب فلا يكون التسكين ولا هو والنقل لأجل التعجب. ﴿ ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ الظاهر أن الإِشارة إلى كينونة المطيع من النبيين ومن عطف عليهم لأنه هو المحكوم به في قوله: فأولئك مع الذين وكأنه على تقدير سؤال أي وما الموجب لهم استواءهم مع النبيين في الآخرة مع أن الفرق بينهم في الدنيا بين فذكر أنه أعطى ذلك بفضله لا بوجوب عليه ومع استوائهم معهم في الجنة فهم متفاوتون في المنازل.
﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها هو أنه تعالى لما ذكر طاعة رسوله وكان من أهم الطاعات إحياء دين الله أمر بالقيام بإِحياء دينه وإعلاء دعوته وأمرهم أن لا يقتحموا على عدوهم على جهالة فقال: ﴿ خُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ فعلمهم مباشرة الحروب ولما تقدم ذكر المنافقين في هذه الآية تحذير المؤمنين من قبول مقالاتهم وتثبيطهم عن الجهاد فنادى أولاً باسم الإِيمان على عادته إذا أراد أن يأمر المؤمنين أو ينهاهم. والحذر بمعنى واحد قالوا: ولم يسمع في هذا التركيب لأخذُ حذرك لأخذ حذرك. ومعنى خذوا حذركم أي استعدوا بأنواع ما يستعد به للقاء من تلقونه فيدخل فيه أخذ السلاح وغيره. ويقال: أخذ حذره إذا احترز من المخوف كأنه جعل الحذر آلته التي يتقي بها ويعتصم، والمعنى احترزوا من العدو ثم أمر تعالى بالخروج إلى الجهاد جماعة بعد جماعة وسرية بعد سرية أو كتيبة واحدة مجتمعة.وقرأ الجمهور: ﴿ فَٱنفِرُواْ ﴾ بكسر الفاء فيهما. وقرأ الأعمش بضمها فيهما وانتصاب ثبات وجميعاً على الحال، ولم يقرأ ثبات فيما علمناه إلا بكسر التاء وحكى الفراء فيها الفتح والكسر أيضاً والثبة الجماعة الاثنان والثلاثة في كلام العرب. وقيل: هي فوق العشرة من الرجال وزنها فعلة ولامها، قيل: واو، وقيل: ياء مشتقة من ثبيت على الرجل إذا أثنيت عليه كأنك جمعت محاسنة، ومن قال: إن لامها واو جعلها من ثبا يثبو، مثل: حلا يحلو. ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ ﴾ الخطاب لعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ﴿ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ ﴾ هم المنافقون وجعلوا من المؤمنين باعتبار الجنس أو النسب أو إلى الانتماء إلى الإِيمان ظاهراً ومن موصولة وليبطئن جواب قسم محذوف والقسم المحذوف وجوابه صلة لمن وقد ذهب أحمد بن يحيى إلى أن القسم وجوابه لا يكون صلة للموصول وهو محجوج بهذه الآية.ومعنى ليبطئن: ليثبطن المجاهدين عن الجهاد، والمصيبة الهزيمة، وما يلحق المؤمن من القتل، أو تولى الادبار، والشهيد الحاضر والفضل هنا الظفر بالعدو والغنيمة. ﴿ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ هذه الجملة اعتراض بين قوله ليقولن ومعمول القول وهو قوله: ﴿ يٰلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ ﴾ واختلف المفسرون في معنى هذه الجملة ودخولها بين القول ومعموله.قال الزمخشري: والمعنى كأن لم يتقدم له ومعكم مودة لأن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن. والظاهر أنه تهكم لأنهم كانوا أعدى عدو للمؤمنين وأشدهم حسداً لهم فكيف يوصفون بالمودة إلا على وجه العكس تهكماً بحالهم.وقال ابن عطية: المنافق يعاطي المؤمنين المودة ويعاهد على التزام كلف الاسلام ثم يتخلف نفاقاً وشكاً وكفراً بالله ورسوله ثم يتمنى عندما يكشف الغيب الظفر للمؤمنين.فعلى هذا يجيء قوله تعالى: ﴿ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ التفاتة بليغة واعتراضاً بين القول والمقول، بلفظ يظهر زيادة ف يقبح فعلهم، ولغير هذين كلام في الآية مذكور في البحر. وملخص ما قالوا: أن هذه الجملة التشبيهية إما أن يكون لهذا موضع من الإِعراب نصب على الحال من الضمير المستكن في ليقولن أو نصب على المفعول بقولن على الحكاية فيكون من جملة المقول، وجملة المقول هو مجموع الجملتين جملة التشبيه وجملة التمني وضمير الخطاب للمتخلفين عن الجهاد وضمير الغيبة وبينه للرسول. وعلى الوجه الأول ضمير الخطاب للمؤمنين وضمير الغيبة للقائل، وإما أن لا يكون لها موضع من الإِعراب لكونها اعتراضاً في الأصل بين جملة الشرط وجملة القسم وأخّرت، والنية بها التوسط بين الجملتين أو لكونها اعتراضاً بين ليقولن ومعموله الذي هو جملة التمني وليس اعتراضاً يتعلق بمضمون هذه الجملة المتأخرة بل يتعلق بمضمون الجملتين والضمير الذي للخطاب هو للمؤمنين وفي بينه للقائل واعترض به بين اثناء الجملة الأخيرة فلم تتأخر بعدها وإن كان من حيث المعنى متأخراً إذ معناه متعلق بمضمون الجملتين لأن معمول القول النية به التقديم لكنه حسن تأخيره كونه وقع فاصلة ولو تأخرت جملة الاعتراض لم يحسن لكونها ليست فاصلة والتقدير ليقولن يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً، كأن لم يكن بينكم وبينه مودة إذ صدر منه قوله: وقت المصيبة قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً. وقوله: وقت الغنيمة يا ليتني كنت معهم، وهذا قول ومن لم تسبق منه مودة لكم. قال ابن عطية: وكأن مضمنة معنى التشبيه ولكنها ليست كالثقيلة في الحاجة إلى الاسم والخبر وإنما تجيء بعدها الجمل. " انتهى ".وهذا الذي ذكره غير محرر ولا على إطلاقه اما إذا خففت ووليها ما كان يليها وهي ثقيلة فالأكثر والأفصح أن ترتفع تلك الجملة على الابتداء والخبر ويكون اسم كان ضمير شأن محذوفاً وتكون تلك الجملة في موضع خبر كأن وإذا لم ينو ضمير الشأن جاز لها أن تنصب الاسم إذا كان مظهراً وترفع الخبر هذا ظاهر كلام سيبويه، ولا يخص ذلك بالشعر فتقول: كأنْ زيداً قائم. قال سيبويه: وحدثنا من يوثق به أنه سمع من العرب من يقول أن عمر المنطلق وأهل المدينة يقرؤن وإنْ كلاً لما يخففون وينصبون كما قالوا:كأنْ ثدييه خفان   وذلك لأن الحرف بمنزلة الفعل فلما حذف من نفسه شيء لم يغير عمله كما لم يغيّر عمل لم يك ولم ابل حين حذف. " انتهى ". فظاهر تشبيه سيبويه أن عمر المنطلق بقوله: كأنْ ثدييه خفان جواز ذلك في الكلام وانه لا يختص بالشعر وقد نقل صاحب رؤوس المسائل إن كأن إذا خففت لا يجوز إعمالها عند الكوفيين وان البصريين أجازوا ذلك فعلى مذهب الكوفيين قد يتمشى قول ابن عطية في انّ كأنْ المخففة ليست كالثقيلة في الحاجة إلى الاسم والخبر. واما على مذهب البصريين فلا لأنها لا بد لها عندهم من اسم وخبر وفي الآيتين تنبيه على أنهم لا يعدون في المنح إلا أعراض الدنيا يفرحون بما ينالون منها، ولا من المحن إلا مصائبها فيتألمون لما يصيبهم منها، كقوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ ﴾[الفجر: ١٥].
الآية.
﴿ يَشْرُونَ ﴾ يبتغون غرض. ﴿ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا ﴾ وهو الفاني بنعيم الآخرة وهو الباقي. ﴿ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ ﴾ عطف على فعل الشرط وبدأ بالأكثر ثواباً وهو القتل وجواب الشرط فسوف نؤتيه والأجر العظيم هنا زيادة الثواب. وقيل: الجنة. ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ هذا الاستفهام فيه حث وتحريض على الجهاد في سبيل الله، وعلى تخليص المستضعفين لا تقاتلون في موضع الحال. ﴿ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ ﴾ معطوف على الجلالة تقديره وفي سبيل المستضعفين. ﴿ مِنَ ٱلرِّجَالِ ﴾ منهم عبد الله بن عباس. ﴿ وَٱلنِّسَآءِ ﴾ منهم أم عبد الله، ومن جرى مجراها. ﴿ وَٱلْوِلْدَٰنِ ﴾ هم الصبيان واحدهم وليد ويجوز أن يكون واحدهم ولدا كقول العرب: وَرَل وَوُرْلان.ثم ذكر تعالى حالة استضعافهم بقولهم في دعائهم: ﴿ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ﴾ وهي مكة. ﴿ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا ﴾ هم من كان بها من صناديد قريش المانعين لهم من الهجرة ومن ظهور الإِسلام. ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ لما أمر الله تعالى المؤمنين أولاً بالنفر إلى الجهاد ثم ثانياً بقوله: فليقاتل في سبيل الله، ثم بالثالث على طريق الحث والحض بقوله: وما لكم لا تقاتلون، أخبر في هذه الآية بالتقسيم إن المؤمن هو الذي يقاتل في سبيل الله وإن الكافر هو الذي يقاتل في سبيل الطاغوت ليتبين للمؤمنين فرق ما بينهم وبين الكفار ويقويهم بذلك ويشجعهم ويحرضهم وإن من قاتل في سبيل الله هو الذي يغلب. لأن الله هو وليه وناصره ومن قاتل في سبيل الطاغوت فهو المخذول المغلوب. والطاغوت هنا الشيطان لقوله: ﴿ فَقَٰتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَٰنِ ﴾، وهنا محذوف التقدير فإِنكم تغلبونهم لقوتكم بالله ثم علل هذا المحذوف وهو غلبتكم إياهم بأن كيد الشيطان ضعيف فلا يقاوم نصر الله وتأييده.
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ ﴾ الآية، خرج النسائي في سننه عن ابن عباس" أن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا: يا نبي الله كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة. فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم فلما حوله الله تعالى إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا "فأنزل الله تعالى هذه الآية ومعنى كفوا أيديكم عن القتال وكانوا متشوقين إلى قتال الكفار وجواب فلما كتب إذا الفجائية وما بعدها، ودل ذلك على أن لما حرف وجوب لوجوب لا ظرف بمعنى حين إذ لو كانت ظرفاً لكان لها عامل وإذا الفجائية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. ﴿ أَوْ أَشَدَّ ﴾ انتصب أشد على أنه حال من قوله: خشية، لأنه صفة لنكرة وتقدمت عليها فانتصب على الحال، والمعنى يخشون الناس خشية مثل خشية الله، أو خشية أشد من خشية الله فأشد أفعل تفضيل والمفضل عليه محذوف وتقديره من خشية الله. ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ ﴾ الظاهر أن القائلين هم المنافقون لأن الله تعالى إذا أمر بشيء لا يسأل عن علته من هو خالص الإِيمان.و ﴿ لَوْلاۤ ﴾ يكون حرف امتناع لوجود لقولك: لولا زيد لأكرمتك، وتكون حرف تحضيض كقوله هنا: لولا. ﴿ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ والأجل القريب استزادة في كفهم عن القتال. ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ ﴾ أين ظرف مكان وتكون شرطاً فيزداد بعدها ما وقد تخلو عن ما كقول الشاعر:أين تضرب بنا العداة تجدنا   وتكون استفهاماً كقولك: أين زيد، ولا تحفظ زيادة ما بعد أين إذا كانت استفهاماً. قال الزمخشري: ويجوز أن يتصل بقوله: ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ أي لا تنقصون شيئاً مما كتب من آجالكم أين ما تكونوا في ملاحم حروب أو غيرها ثم ابتدأ بقوله: ﴿ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ والوقف عل يهذا الوجه على أين ما تكونوا. " انتهى ". وهذا تخريج ليس بمستقيم لا من حيث المعنى ولا من حيث الصناعة النحوية أما من حيث المعنى فإنه لا يناسب أن يكون متثلاً بقوله: ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ لأن ظاهر انتفاء الظلم إنما هو في الآخرة لقوله: ﴿ قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ ﴾ وأما من حيث النحو فإنه على ظاهر كلامه يدل على أن أينما متعلق بقوله: ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾ بمعنى ما فسره من قوله، أي لا تنقصون شيئاً مما كتب من آجالكم أينما تكونوا في ملاحم حروب أو غيرها، وهذا لا يجوز لأن أينما اسم شرط فالعامل فيه إنما هو فعل شرط بعده ولأن اسم الشرط لا يتقدم عليه عامله فلا يمكن أن يعمل فيه ولا تظلمون بل إذا جاء نحو: اضرب زيداً متى جاء، لا يجوز أن يكون الناصب لمتى اضرب فإن قال: يقدر له جواب محذوف يدل عليه ما قبله وهو قوله: ولا تظلمون كما تقدر في اضرب زيداً متى جاء فالتقدير أينما تكونوا فلا تظلمون فتيلاً أي فلا ينقص شيء من آجالكم، وحذف لدلالة ما قبله عليه قيل له: لا يحذف الجواب إلا إذا كان فعل الشرط بصيغة الماضي، وفعل الشرط هنا مضارع.تقول العرب: أنت ظالم إن فعلت، ولا تقول: أنت ظالم إن تفعل. ويدرككم مجزوم جواب أينما. والبروج: القصور العالية مشيدة مبنية بالشيد وهو الجص. وجواب له محذوف تقديره لأدرككم الموت. ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ الظاهر أن هذا من كلام المنافقين والحسنة ما يحصل لهم من الخير والسيئة ما يصيبهم من السوء ومن قال أنهم اليهود فليس بطاهر لأنهم لم يكونوا في طاعة الإِسلام ولم يكتب عليهم القتال والمعنى أن هؤلاء المنافقين إذا أصابتهم حسنة نسبوها إلى الله تعالى وانها ليست بسبب اتباع الرسول ولا الإِيمان به وإن تصبهم سيئة أضافوها إلى الرسول وقالوا: هي بسببه كما جاء في قوم موسى وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه، وفي قوم صالح قالوا: أطيرنا بك وبمن معك. وروى جماعة من المفسرين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة، قال اليهود والمنافقون: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا مذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه.قوله: ﴿ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ أي خلقاً وتقديراً. ﴿ فَمَالِ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ ﴾ استفهام إنكار حيث نسبوا السيئة إلى الرسول.و ﴿ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ ﴾ فيه نفي المقاربة وهو أبلغ من نفي الفعل والحديث قيل هو القرآن. ﴿ مَّآ أَصَابَكَ ﴾ الظاهر أنه خطاب لكل سامع. وقوله: ﴿ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ أي بسبب ما اكتسبه الإِنسان من الذنب والله تعالى هو المقدر لذلك. وانتصب قوله: رسولاً، على الحال المؤكدة للجملة التي هي وأرسلناك.
﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ ﴾ ارتفع طاعة على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره أمرنا طاعة أي لك. وقرىء بإدغام التاء من بيّت في الطاء وبإِظهارها. ﴿ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ ﴾ من قولهم أمرنا طاعة وهم في حال تبييتهم يبغون ذلك الغوائل ويتكلمون بغير الطاعة. ﴿ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ﴾ كناية عن مجازاتهم على ما بيتوا للرسول صلى الله عليه وسلم من السوء. ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ﴾ وقرىء يدبّرون بإِدغام التاء في الدال، والمعنى أفلا يتأملون ما نزل عليك من الوحي ولا يعرضون عنه فإِنه في تدبره يظهر برهانه. والضمير في فيه: عائد على القرآن. ووجه هذا الدليل أنه ليس من متكلم كلاماً طويلاً إلا وجد في كلامه اختلاف كثير إما في الوصف واللفظ، وإما في المعنى بتناقض أخبار، أو الوقوع على خلاف المخبر به، أو اشتماله على ما لا يلائم ولا يلتئم أو كونه تمكن معارضته. والقرآن العظيم ليس فيه شيء من ذلك. وقد رد محمد بن المستنير الملقب بقطرب على الملاحدة الذين طعنوا في القرآن وزعموا أن فيه تناقضاً رد عليهم في كتاب كبير صنفه بين فيه جهل الملاحدة بلسان العرب وبعد إفهامهم عن فصاحة الكلام وبلاغته وصحة معناه. ﴿ وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ ﴾ روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث سرية من السرايا فغلبت أو غلبت تحدثوا بذلك وأفشوه ولم يصبروا حتى يكون هو المحدث به، فنزلت: ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ ﴾ أي الأمر إلى اعلام الله والرسول. ﴿ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ ﴾ أي يستخرجونه ويكشفون عن حقيقة بإِعلام الرسول لهم ثم انتقل إلى الكلام عن المنافقين إلى خطاب عام وهو قوله تعالى: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ الآية، ودلت على كثرة اتباع الشيطان وقلة من لا يتبعه ولذلك جاء الاستثناء بقوله: ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾.
قال ابن عطية: أي لا تبعتم الشيطان كلكم إلا قليلاً من الأمور كنتم لا تتبعونه فيها. " انتهى ". فسره في الاستثناء بالمتّبع فيه فيكون استثناء من المتّبع فيه المحذوف لا من الاتباع ويكون استثناء مفرغاً والتقدير لا تبعتم الشيطان في كل شيء إلا قليلاً من الأشياء فلا تتبعونه فيه فإِن كان ابن عطية شرح من حيث المعنى فهو صحيح لأنه يلزم من استثناء الاتباع القليل أن يكون المتبع فيه قليلاً وإن كان شرح من حيث الصناعة النحوية فليس بجيد لأن قوله: إلا اتباعاً قليلاً لا يرادف إلا قليلاً من الأمور كنتم لا تتبعونه فيها. " انتهى ".وقال قوم: قوله: إلا قليلاً، عبارة عن العدم يريد لاتبعتم الشيطان كلكم، قال ابن عطية: هذا قول قلق وليس يشبه ما حكى سيبويه من قولهم: أرض قل ما تنبت كذا، بمعنى لا تنتبه لأن اقتران القلة بالاستثناء يقتضي حصولها ولكن ذكره الطبري. " انتهى ".وهذا الذي ذكره ابن عطية صحيح ولكن قد جوزه هو في قوله تعالى: ﴿ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾[النساء: ٤٦] ولم يقلق عنده هناك ولا رده وقد رددناه عليه هناك فيطالع ثمة.
﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ قيل: نزلت في بدر الصغرى دعا الناس إلى الخروج وكان أبو سفيان واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم اللقاء فيها فكره بعض الناس أن يخرجوا فنزلت، وخرج صلى الله عليه وسلم وما معه إلا سبعون لم يلو على أحد ولو لم يخرج معه أحد لخرج معه ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر تثبيطهم عن القتال واستطرد من ذلك إلى أن الموت يدرك كل أحد ولو اعتصم بأعظم معتصم فلا فائدة في الهرب من القتال واتبع ذلك بما اتبع من سوء خطاب المنافقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفعلهم معه من إظهار الطاعة بالقول وخلافها بالفعل وبكتهم في عدم تأملهم ما جاء به الرسول من القرآن الذي فيه كتب القتال عليهم عاد إلى أمر القتال وهكذا إعادة كلام العرب تكون في شيء ثم تستطرد من ذلك إلى شيء آخر له به مناسبة وتعلق.ومعنى: ﴿ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ أي لا تكلف في القتال إلا نفسك فقاتل ولوحدك. وقيل: المعنى إلا طاقتك ووسعك والنفس يعبر بها عن القوة، يقال: سقطت نفسه أي قوته. وقرأ الجمهور لا تكلف خبراً مبنياً للمفعول، قالوا: والجملة في موضع الحال ويجوز أن يكون إخباراً من الله لنبيه لا حالاً شرع له فيها أنه لا يكلف أمر غيره من المؤمنين إنما يكلف أمر نفسه فقط. وقرىء لا نكلف بالنون وكسر اللام ويحتمل وجهي الإِعراب الحال والاستئناف. وقرأ عبد الله بن عمر لا تكلف بالتاء وفتح اللام والجزم على جواب الأمر وأمره تعالى بحث المؤمنين على القتال وتحريك هممهم إلى قتال عدوهم وترغيبهم بما أعد الله لهم من حسن الجزاء وفضيلة الشهادة. ﴿ مَّن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً حَسَنَةً ﴾ الآية، قال الزمخشري: الشفاعة الحسنة هي التي روعي فيها حق مسلم ودفع بها شر أو جلب إليه خبر وابتغى بها وجه الله تعالى ولم يؤخذ عليها رشوة وكانت في أمر جائز لا في حد من حدود الله ولا حق من الحقوق والسيئة ما كان بخلاف ذلك. " انتهى ".وهذا بسط ما قاله الحسن قال: الشفاعة الحسنة هي في البر والطاعة والسيئة في المعاصي والكفل النصيب كقوله: ﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ﴾[الحديد: ٢٨] أي نصيبين. والظاهر أن من للسبب أي نصيب من الحيز بسببها وكفل من الشر بسببها وغاير في النصيب بذكره بلفظ الكفل في الشفاعة السيئة لأنه أكثر ما يستعمل في الشر وإن كان قد استعمل في الخير كما تقدم قبل. قالوا: وهو مستعار من كفل البعير وهو كساء يدار على سنامه ليركب عليه ويسمى كفلاً لأنه لم يعم الظهر بل بعضاً منه.و ﴿ مُّقِيتاً ﴾ مقتدراً، والمقيت الحافظ والشاهد. قيل: هو مشتق من القوت والقوت ما يحفظ به الإِنسان نفسه من التلف. ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ ﴾ الظاهر إن التحية هنا السلام. ووزنها تفعلة لأنها مصدر حيا نقلت حركة الياء إلى الحاء وأدغمت الياء في الياء. والظاهر أن قوله: حييتم خطاب للمسلمين يسلم عليهم من هو مسلم، وظاهر الأمر من قوله: ﴿ فَحَيُّواْ ﴾ الوجوب فإِذا قال: سلام عليكم، رد بقوله: عليكم السلام ورحمة الله، أو يكتفي بقوله: عليكم السلام. وإذا زاد وبركاته فالأحسن أن يرد بمثل ذلك ولو اقتصر على قوله: وعليكم السلام كان جائزاً. وقوله: ﴿ أَوْ رُدُّوهَآ ﴾ على حذف مضاف تقديره فردوا مثلها. ﴿ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها انه لما فرض القتال وحكي عن المنافقين ما قالوا وأمر الرسول عليه السلام بالقتال وبتحريض المؤمنين عليه ذكر حديث الشفاعة الحسنة والشفاعة السيئة وتعليم رد السلام وأنه تعالى حسيب على ذلك أخبر بجمعه تعالى العالم في يوم القيامة للمجازاة وثواب الجهاد في سبيل الله تعالى، ولما ذكر الجمع مقسماً عليه أردفه بقوله: ومن أصدق، أي لا أحد أصدق من الله. وقرىء بإِخلاص الصاد وبإِشمامها الزاي وانتصب حديثاً على التمييز.
﴿ فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ رجع في الاخبار إلى حال المنافقين الذين قالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال، والخطاب في لكم هو للمؤمنين، قال ناس منهم: نقتل المنافقين، وقال ناس: لا نقتلهم لأنهم نطقوا بكلمة الاسلام فعتبهم الله على كونهم انقسموا فيهم فرقتين وانتصب فئتين على الحال وما: استفهام إنكار وهو مبتدأ، ولكم: خبره. ﴿ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ ﴾ قال ابن عباس: ردهم في كفرهم، ولذلك قال تعالى: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً ﴾ قال الزمخشري: فتكونون سواء ولو نصب على جواب التمني لجاز. والمعنى ودوا كفركم وكونكم معهم شرعاً واحداً فيما هم عليه من الضلال واتباع دين الآباء. " انتهى ". كون التمني بلفظ الفعل ويكون له جواب فيه نظر وإنما المنقول أن الفعل ينتصب في جواب التمني إذا كان بالحرف نحو ليت ولو وإلا إذا أشربتا بمعنى التمني أما إذا كان بالفعل فيحتاج إلى سماع من العرب بل لو جاء لم يتحقق فيه الجوابية لأن ودّ التي تدل على التمني إنما متعلقها المصادر لا الذوات، فإِذا نصب الفعل بعد الفاء لم يتعين أن تكون فاء الجواب لاحتمال أن يكون من باب عطف المصدر المقدر على المصدر الملفوظ به فيكون من باب للبس عباءة وتقر عيني. ﴿ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ لما نص على كفرهم وانهم تمنوا أن يكونوا مثلهم بانت عداوتهم لاختلاف الدينين فنهى تعالى أن يوالي أحد منهم وإن آمنوا حتى يظاهروا بالهجرة الصحيحة لأجل الإِيمان لا لأجل حفظ الدنيا وإنما غيا بالهجرة فقط لأنها تتضمن الإِيمان وفي هذه الآية دليل على وجوب الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يزل حكمها كذلك إلى أن فتحت مكة فنسخ ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم:" لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا ". ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ ﴾ هذا استثناء من قوله: فخذوهم واقتلوهم والوصول هنا البلوغ. قال ابن عطية: كان هذا الحكم في أول الاسلام قبل أن يستحكم أمر الطاعة من الناس فكان عليه السلام قد هادن من العرب قبائل كرهط هلال بن عويمر الأسلمي وسراقة بن مالك بن جعشم وخزيمة بن عامر بن عبد مناف فقضت هذه الآية أنه من وصل من المشركين الذين لا عهد بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل العهد ودخل في عدادهم وفعل فعلهم من الموادعة فلا سبيل عليه. قال عكرمة: لما تقوى الاسلام وكثر ناصره نسخت هذه الآية والتي بعدها بما في سورة براءة. " انتهى ". ﴿ أَوْ جَآءُوكُمْ ﴾ خطاب للمؤمنين وهو معطوف على صلة الذين فاستثنى تعالى من الذين يقتلون صنفين: أحدهما من يصل إلى قوم بين المؤمنين وبينهم ميثاق، والصنف الثاني من جاء المؤمنين من الكفار وقد امتنع من قتال المؤمنين ومن قتال قومهم.و ﴿ حَصِرَتْ ﴾ جملة في موضع الحال وبين ذلك قراءة من قرأ حصرة صدورهم وقراءة من قرأ حاصرات صدورهم بالجمع ومعنى حصرت أي ضاقت وأصل الحصر في المكان ثم توسع فيه. ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ هذا تقرير للمؤمنين على مقدار نعمته تعالى عليهم أي لو شاء لقوّاهم وجرّأهم عليكم فإِذا قد أنعم عليكم بالهدنة فاقبلوها. قال ابن عطية: واللام في قوله: لسلطهم جواب لو. وفي: ﴿ فَلَقَاتَلُوكُمْ ﴾ لام المجازاة والازدواج لأنها بمثابة الأولى لو لم تكن الأولى كنت تقول: لقاتلوكم. " انتهى ". تسمية هذه اللام لام المحاذاة والازدواج تسمية غريبة لم أرها إلا في عبارة هذا الرجل وعبارة مكي. ﴿ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ ﴾ الضمير عائد على الذين جاؤوكم أي لم يخالطوكم. قال الزمخشري: الوجه العطف على الصلة لقوله: فإِن اعتزلوكم. ﴿ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ ﴾ الآية، بعد قوله: فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم فقرر ان كفّهم عن القتال أحد سببي استحقاقهم لنفي التعرض لهم وترك الإِيقاع بهم. فإِن قلت: كل واحد من الاتصالين له تأثير في صحة الاستثناء واستحقاق ترك التعرض الاتصال بالمعاهدين والاتصال بالكافين فهلا جوزت أن يكون العطف على صفة قوم ويكون قوله: فإِن اعتزلوكم تقرير الحكم اتصالهم بالكافين واختلاطهم فيهم وجريهم على سنتهم. قلت: هو جائز ولكن الأول أظهر وأجرى على أسلوب الكلام. " انتهى ". إنما كان أظهر وأجرى على أسلوب الكلام لأن المستثنى محدّث عنه محكوم له بخلاف حكم المستثني منه وإذا عطفت على الصلة كان محدّثاً عنه وإذا عطفت على الصفة لم تكن محدثاً عنه إنما يكون ذلك تقييداً في قوم الذين هم قيد في الصلة المحدّث عن صاحبها ومتى دار الأمر بين أن تكون النسبة إسنادية في المعنى وبين أن تكون تقييدية كان حملها على الاسنادية أولى للإِستقلال الحاصل بها دون التقييدية هذا من جهة الصناعة النحوية وأما من حيث ما يترتب على كل واحد من العطفين من المعنى فإِنه يكون تركهم القتال سبباً لترك التعرض لهم وهو سبب قريب وذلك على العطف على الصلة ووصولهم إلى من يترك القتال سبب لترك التعرض لهم، وهو سبب بعيد وذلك على العطف على الصفة ومراعاة السبب القريب أولى من مراعاة السبب البعيد. ﴿ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ ﴾ أي الانقياد فلا قتل لكم عليهم ولا قتال.
﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ ﴾ الآية، لما ذكر صفة الملحقين في المتاركة المجدين في إلقاء السلم فيه على طائفة أخرى مخادعة يريدون الإِقامة في مواضعهم مع أهليهم يقولون: لهم نحن معكم وعلى دينكم، ويقولون للمسلمين كذلك إذا وفدوا. قيل: كانت أسد وغطفان بهذه الصفة فنزلت فيهم، قاله مقاتل. ﴿ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ أي ظفرتهم بهم لقوله تعالى: ﴿ إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً ﴾[الممتحنة: ٢] وما دلت عليه هذه الآية من موادعة الكفار وترك قتلهم منسوخ بآية السيف التي في براءة. ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ الآية، كان عياش ابن أبي ربيعة قد أسلم وهاجر فتحيل أبو جهل وكان عياش أخاه لامه والحارث بن زيد بن انيسة حتى أخرجاه من المدينة فجلده كل واحدة منهما مائة جلدة وأتيا به إلى أمه لمكة فحلف عياش أنه إن ظفر بالحارث ليقتلنّه فأسلم الحارث ولقيه عياش بظهر قبا فقتله ولم يشعرْ بإِسلامه فنزلت.و ﴿ إِلاَّ خَطَئاً ﴾ استثناء ظاهره الانقطاع لأن قتل المؤمن على قسمين العمد: وهو لا يجوز البتة ومتوعد عليه بالخلود في النار. والخطأ: وهو متجاوز عنه في الآخرة لكن يجب على القاتل ما ذكره الله تعالى في هذه الآية من الأحكام قيل: وانتصب خطأ على أنه مفعول من أجله أو نصباً على الحال أو نعتاً لمصدر محذوف تقديره إلا قتلاً خطأ. ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ التحرير الاعتاق والعتيق الكريم لأن الكرم في الاحرار كما أن الكرم في العبيد ومنه عتاق الخيل وعتاق الطير لكرامها وحُرّ الوجه أكرم موضع منه. والرقبة: عبر بها عن النسمة كما عبر بالرأس في قولهم: فلان يملك كذا رأساً من الرقيق. والظاهر أن كل رقبة اتصفت بأن يحكم لها بالإِيمان منتظم تحت قوله: رقبة مؤمنة، انتظام عموم البدل فيندرج فيها من ولد بين مسلمين ومن أحد أبويه مسلم صغيراً كان أو كبيراً، ومن سباه مسلم من دار الحرب قبل البلوغ. وإطلاق الرقبة المؤمنة لا يدع إلا على من تسمت مؤمنة من غير اعتبار بشرط آخر. والظاهر أن وجوب التحرير والدية على القاتل لأنه مستقراً في الكتاب والسنة من فعل شيئاً يلزم فيه أمر من الغرامات بمثل الكفارات إنما يجب ذلك على فاعله.قوله: ﴿ وَدِيَةٌ ﴾ أصله مصدر تقول: وداه يديه ديّة وذلك عبارة عما يغرم في قتل الخطأ ولم يأت في كتاب الله مقدار الدية ولا من أي شيء تكون وللفقهاء من ذلك اختلاف كثير وينبغي أن نرجع في تفسير الدية إلى ما تثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنى مسلمة إلى أهله أي موادة مدفوعة إلى أهل المقتول، أو إلى أوليائه الذي يرثونه يقتسمونها كالميراث لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل شيء يقضي منها الدين، وتنفذ الوصية، وإذا لم يكن له وارث فهي لبيت المال.وقال الشريك: لا يقضي من الدية دين ولا ينفذ منها وصية.وقال ابن مسعود: يرث كل وارث منها غير القاتل. ومعنى قوله: إلا أن يصدقوا، إلا أن يعفو وارثه عن الدية فلا دية. وجاء بلفظ التصدق تنبيهاً على فضيلة العفو وحضاً عليه فإِنه جار مجرى الصدقة في استحقاق الثواب الآجل دون طلب العرض العاجل وهذا حكم من قتل في دار الاسلام خطأ. وفيه قوله: إلا أن يصدقوا، دليل على جواز البراءة من الدين بلفظ الصدقة، ودليل على أنه لا يشترط القبول في الابراء خلافاً لزفر فإِنه قال: لا يبرأ الغريم من الدين إلا أن يقبل البراءة. والظاهر أن الجماعة إذا اشتركوا في قتل رجل خطأ ليس عليهم كلهم إلا كفارة واحدة لعموم قوله: ومن قتل وترتيب تحرير رقبة واحدة ودية على ذلك وبه قال أبو ثور: وحكى عن الأوزاعي وقال الحسن وعكرمة والنخعي ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي: على كل واحد منهم الكفارة. وهذا الاستثناء قيل منقطع وقيل متصل.قال الزمخشري: فإِن قلت: لم تعلق أن يصدقوا وما محله؟ قلت: تعلق بعليه أو بمسلمة. كأنه قيل: ويجب عليه الدية أو يسلمها إلا حين يتصدقون عليه ومحلها النصب على الظرف بتقدير حذف الزمان، كقولهم: اجلس ما دام زيد جالساً. ويجوز أن يكون حالاً من أهله بمعنى إلا متصدقين. " انتهى ".وكلا التخريجين خطا اما جعْل ان مع ما بعدها ظرفاً فلا يجوز نص النحويون على ذلك وإنه مما انفردت به ما المصدرية ومنعوا أن تقول أجيئك أن يصيح الديك، تريد وقت صياح الديك. وإما أن ينسبك منها مصدر فتكون في موضع الحال فنصبوا أيضاً على أن ذلك لا يجوز.قال سيبويه: في قول العرب: أنت الرجل أن تنازل أو ان تخاصم، في معنى: أنت الرجل نزالا وخصومة ان انتصاب هذا انتصاب المفعول من أجله لأن المستقبل لا يكون حالاً فعلى هذا الذي قررناه يكون كونه استثناء منقطعاً هو الصواب. ﴿ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ قال ابن عباس وجماعة: المعنى إن كان هذا المقتول خطأ رجلاً مؤمناً قد آمن وبقي في قومه وهم كفرة عدو لكم فلا دية فيه وإنما كفارته تحرير رقبة والسبب عندهم في نزولها أن جيوش المسلمين كانت تمر بقبائل الكفر فربما قتل من آمن ولم يهاجر أو من قد هاجر ثم رجع إلى قومه فيقتل في حملات الحرب على أنه من الكفار فنزلت الآية. ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ ﴾ الآية، قال الحسن وجماعة: إن كان المقتول خطأ مؤمناً من قوم معاهدين لكم فعهدهم يوجب أنهم أحق بدية صاحبهم فكفارته التحرير وأداء الدية إليهم.وقال النخعي: ميراثه للمسلمين. وقال ابن عباس وجماعة: المقتول من أهل العهد خطأ كان مؤمناً أو كافراً على عهد قومه فيه الدية كدية المسلم والتحرير واختلف على هذا في دية المعاهد. فقال أبو حنيفة وغيره: ديته كدية المسلم وروى ذلك عن أبي بكر وعمر وقال مالك وأصحابه: نصف دية المسلم.وقال الشافعي وأبو ثور: ثلث دية المسلم. والظاهر أن قتل المؤمن خطأ تارة يكون في دار الإِسلام، وتارة في دار الحرب، وتارة في دار المعاصرين. وأطلق في قوله: وان كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق المراد تقييد المقتول بالإِيمان كما قيد فيما قبله فحمل المطلق على المقيد فيما قبل. ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ ﴾ يعني رقبة ولا ما يتوصل به إلى تملكها وأعوزت الدية، فالواجب عليه صوم شهرين متتابعين لا يتخللهما فطر، فلو عرض حيض لم يعد قطعاً بإِجماع المرض المانع من الصوم كالحيض. ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً ﴾ الآية، نزلت في مقيس بن صبابة حين قتل أخاه هشام بن صبابة رجل من الأنصار فأخذ له رسول الله صلى الله عليه وسلم الدية ثم بعثه مع رجل من فهر بعد ذلك في أمر فقتله مقيس ورجع إلى مكة مرتداً وجعل ينشد:قتلت به فهراً وحملت عقله سراة   بني النجار أرباب فارغحللت به وترى وأدركت ثورتي   وكنت إلى الأوثان أولى راجعفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لا أومنه في حل ولا في حرم وأمر بقتله يوم فتح مكة وهو متعلق بالكعبة "والظاهر تخليد هذا القاتل في النار، وتأول أهل السنة على أن يكون القاتل استحل قتل المؤمن فيكون بذلك كافراً، أو على أن معنى قوله: فجزاؤه جهنم أي فجزاؤه أن جازاه. وقالت المعتزلة بظاهر هذه الآية وهو تخليد من قتل مؤمناً متعمداً في النار دائماً قالوا: وهذه الآية نزلت بعد قوله: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾[النساء: ٤٨] فخصت العموم كأنه قال: ويغفر لمن يشاء إلا من قتل مؤمناً متعمداً فلا يغفر له.
﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ الآية، ذكروا أشياء في نزول هذه الآية فضمنها أنه ظهر لهم رجل اعتقدوه كافراً فتلفظ بما يدل على إسلامه من كلمة الشهادة أو غيرها فقتلوه فنزلت. ومناسبتها لما قبلها أنه لما توعد من قتل مؤمناً متعمداً بما وعد أمر بالتثبت في قتل من يظن به أنه كافر وقد أعلم بظهور الاسلام. وقرىء فتثبتوا وفتبينوا في الموضعين وفي الحجرات. ﴿ فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ هذه عدة بما يسن الله تعالى لهم من الغنائم على وجهها من حل دون ارتكاب محظور بشبهة وغير تثبت وفي الكلام حذف تقديره لست مؤمناً فتقتلوه تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والكاف في كذلك للتشبيه أي كنتم مثل الذي ألقى إليكم السلم فمنّ الله عليكم بالإِسلام. ﴿ لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَٰعِدُونَ ﴾ الآية، نزلت من أجل قوم كانوا إذا حضرت غزاة يستأذنون في القعود والتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما غير أولي الضرر فسببها قول ابن أم مكتوم كيف بمن لا يستطيع الجهاد ومناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه تعالى لما رغب المؤمنين في القتال في سبيل الله أعداء الله الكفار قسمهم إلى قاعد ومجاهد، وذكر عدم التساوي بينهما. وقرىء غير بالرفع صفة لقوله: القاعدون أو بدل منه وبالجر صفة لقوله: من المؤمنين، وبالنصب على الاستثناء، كأنه قال: إلا أولي الضرر فهو استثناء من القاعدون. وقيل: استثناء من قوله: من المؤمنين، وقيل: انتصب على الحال. ﴿ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ ﴾ الآية، الظاهر أن المفضل عليهم هم القاعدون غير أولي الضرر لأنهم هم الذين نفى التسوية بينهم فذكر ما امتازوا به عليهم وهو تفضيلهم عليهم بدرجة فهذه الجملة بيان للجملة الأولى جواب سؤال مقدر كأن قائلاً قال: ما لهم لا يستوون؟ فقيل: فضل الله المجاهدين والمفضل عليهم هنا درجة هم المفضل عليهم. أخيراً درجات وما بعدها وهم القاعدون غير أولي الضرر وتكرار التفضيلين باعتبار متعلقهما، فالتفضيل الأول بالدرجة هو ما يؤتى في الدنيا من الغنيمة والتفضيل الثاني هو ما يخولهم في الآخرة فنبه بإِفراد الأول وجمع الثاني على أن ثواب الدنيا في جنب ثواب الآخرة يسير، وقيل: المجاهدون تتساوى رتبهم في الدنيا بالنسبة إلى أحوالهم كتساوي القائلين بالنسبة إلى آخذ سلب من قتلوه وتساوى نصيب كل واحد من الفرسان ونصيب كل واحد من الرجال، وهم في الآخرة متفاوتون بحسب إيمانهم فلهم درجات بحسب استحقاقهم، فمنهم من يكون له الغفران، ومنهم من يكون لهم الرحمة فقط. فكان الرحمة أدنى المنازل والمغفرة فوق الصحة ثم بعد الدرجات على الطبقات وعلى هذا نبه بقوله: هم درجات عند الله ومنازل الآخرة تتفاوت.
﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ﴾ الآية، روى البخاري عن ابن عباس أن ناساً من المسلمين كانوا من المشركين يكثرون سوادهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم يرمي به فيصيب أحدهم أو يضرب فيقتل فنزلت ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر ثواب من أقدم على الجهاد اتبعه بعقاب من قعد عن الجهاد وسكن في بلاد الكفر. قال ابن عباس: التوفي هنا قبض الأرواح. وقرىء توفاهم احتمل أن يكون ماضياً واحتمل أن يكون مضارعاً. وقرئ توفتهم وتوفاهم والملائكة هنا ظاهرة الجمع فيكون المتوفي ملك الموت وأعوانه كما قال تعالى: ﴿ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ﴾[الأنعام: ٦١].
ولذلك جاء الضمير مجموعاً في قوله: قالوا فيم كنتم. وهذا الاستفهام معناه التوبيخ والتقريع والمعنى في أي شيء كنتم من أمر دينكم وقيل من أحوال الدنيا وجوابهم للملائكة اعتذار عن تخلفهم عن الهجرة وإقامتهم بدار الكفر وهو اعتذار غير صحيح والذي يظهر أن قولهم كنا مستضعفين في الأرض جواب لقوله: فيم كنتم. على المعنى لا على اللفظ لأن معنى فيم كنتم في أي حال مانعة من الهجرة كنتم قالوا: كنا مستضعفين، أي في حالة استضعاف في الأرض بحيث لا نقدر على الهجرة. وهو جواب كذب والأرض هنا أرض مكة وظاهر قوله: فتهاجروا. انه منصوب على جواب قوله: ألم تكن، أو مجزوماً معطوفاً على تكن. ﴿ مِنَ ٱلرِّجَالِ ﴾ جماعة كعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام والوليد بن الوليد، ومن النساء وجماعة كأمّ الفضل لبابة بنت الحارث أم عبد الله بن عباس، ومن الوالدان عبد الله بن عباس وغيره. ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ﴾ قال الزمخشري: صفة للمستضعفين أو للرجال والنساء والولدان قال: وإنما جاز ذلك والجمل نكرات لأن الموصوف وإن كان فيه حرف التعريف فليس بشيء بعينه كقوله: ولقد أمر على اللئيم يَسبُني. " انتهى ". وهو تخريج ذهب إلى مثله بعض النحويين في قوله تعالى: ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ ﴾[يس: ٣٧] وهو هدم للقاعدة المشهورة ان النكرة لا تنعت إلا بالنكرة والمعرفة لا تنعت إلا بالمعرفة والذي يظهر انها جملة مفسرة لقوله: المستضعفين، لأنه في معنى إلا الذين استضعفوا فجاءت بياناً وتفسيراً لذلك، لأن الإِستضعاف يكون بوجوه فيبين جهة الاستضعاف النافع في التخلف عن الهجرة وهي عدم استطاعة الحيلة وعدم اهتداء السبيل. والثاني مندرج تحت الأول لأنه يلزم من انتفاء القدرة على الحيلة التي يتخلص بها انتفاء اهتداء السبيل.وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى مسلمي مكة بهذه الآية. فقال جندب بن ضمرة الليثي، ويقال جندع بالعين أو ضمرة بن جندب لبنيه: احملوني فإِني لست من المستضعفين وإني لأهتدي الطريق والله لا أبيت الليلة بمكة، فحملوه على سرير متوجهاً إلى المدينة وكان شيخاً كبيراً فمات بالتنعيم رضي الله عنه.
قوله: ﴿ مُرَٰغَماً كَثِيراً وَسَعَةً ﴾ قيل: نزلت في اكتم بن صيفي ولما رغب تعالى في الهجرة ذكر ما يترتب عليها من وجود السعة والمذاهب الكثيرة ليذهب عنه ما يتوهم وجوده في الغربة ومفارقة الوطن من الشدة، وهذا يقرر ما قالته الملائكة: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ﴾[النساء: ٩٧] معنى مراغماً: متحولاً ومذهباً، قاله ابن عباس. وقرأ الجراح ونُيَح والحسن بن عمران مرغماً على وزن مفعل كمذهب. وقال ابن جنى: هو على حذف الزوايد من راغم والسعة هنا في الرزق، قاله ابن عباس. ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ الآية، روى مجاهد عن ابن عباس قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد فقال المشركون: لقد أصبنا غرّة لو حملنا عليهم وهم في الصلاة فنزلت آية القصر فيما بين الظهر والعصر، والضرب في الأرض السفر. والظاهر جواز القصر في مطلق السفر وبه قال أهل الظاهر. واختلف فقهاء الأمصار في حد المسافة بما هو مذكور في كتبهم. وقرىء تقصروا من قصر وتقصروا من أقصر وتقصروا من قصر، وقوله: من الصلاة، مجمل إذ يحتمل القصر من عدد الركعات والقصر من هيئات الصلاة ويرجع في ذلك إلى ما صح في الحديث. وقوله: إن خفتم ظاهره اشتراط الخوف في القصر من الصلاة وإلى ذلك ذهب جماعة. والحديث الصحيح يدل على أن هذا الشرط لا مفهوم له فلا فرق بين الأمن والخوف. ﴿ أَن يَفْتِنَكُمُ ﴾ لغة الحجاز فتن ولغة تميم وربيعة وقيس أفتن. ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ ﴾ الآية استدل بظاهر الخطاب للرسول عليه السلام من لا يرى صلاة الخوف بعده صلى الله عليه وسلم حيث شرط كونه فيهم وكونه هو المقيم لهم الصلاة وهو مذهب ابن عليّة وأبي يوسف. والظاهر أن صلاة الخوف لا تكون إلا في السفر ولا تكون في الحضر وان كان خوف وذهب إليه قوم. وذهب الجمهور إلى أن الحضر إذا كان خوف كالسفر. ومعنى فأقمت لهم الصلاة، قال الطبري: أقمت حدودها وحياتها والذي يظهر أن المعنى فأقمت بهم وعبر عن ذلك بالإِقامة إذ هي فرض على المصلي في قول. ومعنى فلتقم هو من القيام وهو الوقوف، وقيل: فلتهتم بأمر صلاتها حتى تقع على وفق صلاتك من قام بالأمر اهتم به وجعله شغله والظاهر أن الضمير في وليأخذوا أسلحتهم عائد على طائفة لقربها من الضمير ولكونها لها في ما بعد في قوله: فإِذا سجدوا، معناه صلوا، وفيه دليل على أن السجود قد يعبر به عن الصلاة ومنه إذا جاء أحدكم المسجد فليسجد سجدتين أي فليصل ركعتين. ﴿ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ ﴾ ظاهره أن الضمير في فليكونوا عائد على الساجدين والمعنى أنهم إذا فرغوا من السجود انتقلوا إلى الحراسة والسلاح هو ما يتحصن به الإِنسان من سيف ورمح وخنجر ودبوس ونحو ذلك، وهو مفرد مذكر جمعه على أسلحة كحمار وأحمرة، وقد يؤنث.قال الطرماح:يهز سلاماً لم يرثها كلالة   يشك بها منها غموض المغابنوقال الزمخشري: فليكونوا، يعني غير المصلين من ورائكم يحرسونكم وجوز الوجهين ابن عطية. ﴿ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ ﴾ غير المصلين. ﴿ وَلْيَأْخُذُواْ ﴾ ظاهره وجوب أخذ الأسلحة لاطمئنان المصلي ودلت هذه الكيفية التي ذكرها تعالى في هذه الآية على أن كل طائفة صلت مع الرسول بعض صلاة ولا دلالة فيها على مقدار ما صلت معه ولا كيفية إتمامهم وإنما جاء ذلك في السنة وذكر في صلاة الخوف عشر كيفيات بيناها في البحر. ﴿ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ ﴾ تقدم الكلام في نحوها في قوله: ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ ﴾[البقرة: ٩٦] وإنما قال ميلة واحدة أي شدة واحدة لأنها أبلغ في الاستئصال من الشدات. ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ الآية، لما كانت هاتان الحالتان وهما الأذى من المطر والمرض مما يشق حمل السلاح فيهما رخص في ذلك مع الأمر بأخذ الحذر والتحفظ من العدو لئلا تغفلوا فيهجم عليهم العدو. ورخص في ذلك للمريض لأن حمله السلاح مما يكربه ويزيد في مرضه ورخص في ذلك إن كان قطر لأن المطر مما يثقل العدو ويمنعه من خفة الحركة للقتال.
﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَٰوةَ ﴾ أي فإِذا أتممتم صلاة الخوف وأمروا بالذكر في سائر الأموال من قيام وقعود وعلى جنب. ﴿ فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ ﴾ أي من جهة العدو. ﴿ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ ﴾ وهي الصلات المفروضة نبه بذلك على أشرف العبادات. ﴿ مَّوْقُوتاً ﴾ أي واجبة في أوقات معلومة في الشرع. ﴿ وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ ﴾ أي الذين يقاتلونهم. وقرأ الحسن: تهنوا بفتح الهاء لكونها حرف حلق وهذه الآية تشير إلى أنها في الجهاد مطلقاً. وقيل: نزلت في انصراف الصحابة من أحد وكان عليه الصلاة والسلام أمرهم باتباع أبي سفيان وأصحابه والمعنى أنهم مشتركون معكم في الآلام وأنتم ترجون من الله المغفرة وحصول الجنة وهم لا يرجون ذلك لكفرهم. ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ أي عليماً بنياتكم حكيماً فيما يأمركم به وينهاكم عنه. ﴿ إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ ﴾ اختلف في سببت نزولها فعن قتادة وغيره انها نزلت في طعمة بن أبيرق سرق درعا في جراب فيه دقيق لقتادة بن النعمان وخبأها عند يهودي فحلف طعمة ما لي بها علم فاتبعوا إثر الدقيق إلى دار اليهودي فقال اليهودي دفعها إلى طعمة. ﴿ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ ﴾ أي بما أعلمك من الوحي. ﴿ وَلاَ تَكُنْ ﴾ ظاهره أنه خطاب للرسول عليه السلام والمراد به من كان خصيماً للخائنين من أمته وكذلك النهي في قوله: ولا تجادل وقد يجيء النهي لمن لا يقع منه المنهي بحال من الأحوال كالرسول شهد الله له بالعصمة.قوله: ﴿ خَوَّاناً أَثِيماً ﴾ صفتان للمبالغة، إذ اسم الفاعل خائن وآثم. والضمير في: ﴿ يَسْتَخْفُونَ ﴾ الظاهر أنه يعود على الذين يختانون وفي ذلك توبيخ عظيم وتقريع حيث يرتكبون المعاصي مستترين بها عن الناس مباهتين لهم ان اطلعوا عليها ودخل معهم في ذلك من فعل مثل فعلهم. ﴿ وَهُوَ مَعَهُمْ ﴾ جملة حالية ومعنى معهم بالعلم والاطلاع على أحوالهم وإذا ظرف لما مضى العامل فيه العامل في مع أي وهو كائن معهم بالعلم في وقت تبييتهم ولما كانت أعمالهم منتشرة كثيرة المجادلة عن طعمة وإضرابه وصف تعالى نفسه بالمحيط، والإِحاطة: الاحتفاف بالشيء من جميع جهاته. ﴿ هَا أَنْتُمْ ﴾ الآية، تقدم الكلام عليها وعلى الجملة بعدها قراءة وإعراباً في آل عمران. ﴿ فَمَن يُجَادِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ ﴾ معنى هذا الاستفهام النفي أي لا أحد يجادل الله عنهم يوم القيامة إذا حل بهم عذابه والوكيل الحافظ المحامي وهو الذي يكل الانسان إليه أموره وهذا الاستفهام معناه النفي أيضاً، كأنه قيل: لا أحد يكون وكيلاً عليهم فيدافع عنهم ويحفظهم، وهاتان الجملتان انتفى في الأولى منهما المجادلة وهي المدافعة بالقول وفي الثانية الوكالة عليهم أي الحفظ وهو المدافعة بالفعل والنصرة بالقوة.
﴿ وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ﴾ الظاهر أنهما غير ان عمل السوء وظلم النفس وخصوصاً للعطف بأوقاتها تقتضي أحد الشيئين والسوء القبيح الذي يسوء به غيره وظلم النفس ما يختص به كالحلف الكاذب مثلاً. ﴿ يَجِدِ ٱللَّهَ ﴾ مبالغة في الغفران كأن المغفرة والرحمة معدان لطالبهما مهيآن له متى طلبهما وجدهما وجاء جواب الشرط مصرحاً فيه باسم الله ولم يأت بالضمير فكان يكون يجده لأن في لفظ الله من الجلالة والتعظيم ما ليس في الضمير ولما تقدم شيئان: عمل سوء، وظلم النفس. قابلهما بوصفين وهما الغفران لعامل السوء والرحمة لمن ظلم نفسه. ﴿ وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً ﴾ والاثم جامع للسوء وظلم النفس السابقين، والمعنى أن وبال ذلك لاحق له لا يتعداه إلى غيره وهو إشارة إلى الجزاء اللاحق له في الآخرة وختمها بصفة العلم لأنه يعلم جميع ما يكتسب لا يغيب عنه شيء ثم بصفة الحكمة لأنه واضع الأشياء مواضعها فيجازي على ذلك الآثم بما تقتضيه حكمته فالصفتان إشارة إلى علمه بذلك الاثم وإلى ما يستحق عليه فاعله وفي لفظه على دلالة على استعلاء الاثم عليه واستيلائه وقهره له. ﴿ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيۤئَةً ﴾ ظاهر العطف بأو المغايرة فالخطيئة ما كان عن غير عمد. وعن ابن عباس أنها نزلت في عبد الله بن أبيّ بن سلول حيث رمى بالافك من رمى والبهتان مصدر بهته. ﴿ وَإِثْماً مُّبِيناً ﴾ أي ظاهراً لكسبه الخطيئة والاثم، والمعنى أنه يستحق عقابين عقاب الكسب وعقاب البهت وقدم البهت لقربه من قوله: ثم يرم به بريئاً ولأنه ذنب أفظع من كسب الخطيئة أو الاثم ولفظ احتمل أبلغ من حمل لأن افتعل فيه للتسبب كاعتمل. ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ ﴾ عن ابن عباس أنها نزلت في وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: جئناك نبايعك على أن لا نحشر ولا نعشر وعلى أن تمتعنا بالعزى سنة فلم يجبهم فنزلت. والهم العزم على الشيء والاهتمام به ويتعدى بالباء كما في قوله: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾[يوسف: ٢٤].
و ﴿ أَن يُضِلُّوكَ ﴾ محذوف منه الباء أي بأن يضلوك وإنْ مع الفعل بتأويل المصدر. ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ من زائدة دخلت على نكرة عامّة في سياق النفي أيْ لا يضرونك لا قليلاً ولا كثيراً. ﴿ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ﴾ قال ابن عباس: هو الشرع والنجوى مصدر نجوت أنجو وهي المسارّة بين اثنين فصاعداً، وقيل: جمع نحيّي فإِن كان مصدراً فلا بد في الكلام من حذف إما من الأول تقديره من ذوي نجوى أي أصحاب تناجيهم أو حذف من الآخر تقديره إلا نجوى من أمر وإن كان النجوى جمع نجى فالمعنى لا خير في كثير من القوم الذين يتناجون إلا من أمر فيكون استثناء متصلاً ولا يحتاج إلى حذف. ﴿ بِصَدَقَةٍ ﴾ يشمل الفرض والتطوع والمعروف عام في كل بر. ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ ﴾ الإِشارة بذلك إلى الأمر بما ذكر من الصدقة أو المعروف أو الاصلاح. وقرىء فسوف يؤتيه بالياء ففيه ضمير غيبة يعود على الله. وقرىء نؤتيه بالنون وهو التفات من الغيبة إلى التكلم وابتغاء مفعول من أجله ومرضات مصدر بمعنى الرضى.
﴿ وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ ﴾ الآية نزلت في طعمة بن أبيرق لما فضحه الله بسرقته وبرأ اليهودي ارتد وذهب إلى مكة، وقيل في أهله قدموا فأسلموا ثم ارتدوا ومن يشاقق عام فيندرج فيه طعمة وغيره من المشاققين وفي سورة الحشر بيشاق بالإِدغام وهي لغة تميم والفك لغة الحجاز وقد قرىء بهما في قوله: ﴿ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ ﴾[المائدة: ٥٤] والرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم. ﴿ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ ﴾ أي اتضح له الحق الذي هو سبب الهداية وهذا تقبيح عظيم لمن اتضح له الحق وسلك غيره وسبيل المؤمنين هو الدين الحنيفي الذي هم عليه، وهذه الجملة المعطوفة هي على سبيل التوكيد والتشنيع والا فمن يشاقق الرسول هو متبع غير سبيل المؤمنين ضرورة ولكنه بدأ بالأعظم في الاثم واتبع بملازمة توكيداً واستدل الشافعي رضي الله عنه وغيره بهذه الآية والزمخشري في تفسيره على أن الإِجماع حجة لا تجوز مخالفتها كما لا يتجوز مخالفة الكتاب والسنة وما ذكروه ليس بظاهر لأن المرتب على وصفين اثنين لا يلزم منه أن يترتب على كل واحد منهما فالوعيد إنما يترتب في الآية على من اتصف بمشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين ولذلك كان الفعل معطوفاً على الفعل، ولم يعد معه اسم الشرط فلو أعيد اسم الشرط فكان يكون ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ومن يتبع غير سبيل المؤمنين لكان فيه ظهوراً على ما ادعوا وهذا كله على تسليم أن يكون قوله ويتبع غير سبيل المؤمنين مغايراً لقوله: ومن يشاقق الرسول، وليس بمغاير بل هو أمر لازم لمشاقة الرسول وذكر على سبيل المبالغة والتوكيد وتفظيع الأمر وتشنيعه والآية بعد هذا كله هي في وعيد الكفار فلا دلالة فيها على جزئيات فروع مسائل الفقه. وقرىء يوله ويصله بالياء وبالنون فيهما ويصل الهاءين بياء واختلاس الحركة فيهما وسكونها. وقرىء ونصله بفتح النون من صلا وبضمها من أصلي ومصيراً تمييز والمخصوص بالذم محذوف مضمر يعود على جهنم أي وساءت مصيراً هي. ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ الآية، تقدم تفسيرها إلا أن آخر ما تقدم فقد افترى إثماً عظيماً، وآخر هذه فقد ضل ضلالاً بعيداً، ختمت كل آية بما يناسبها فتلك كانت في أهل الكتاب وهم مطلعون من كتبهم على ما لا يشكون في صحته من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ووجوب اتباع شريعته ونسخها جميع الشرائع ومع ذلك فقد أشركوا بالله مع أن عندهم ما يدل على توحيد الله والإِيمان بما نزل فصار ذلك افتراء واختلافاً مبالغاً في العظم والجرأة على الله وهذه الآية في ناس مشركين ليسوا بأهل كتب ولا علوم ومع ذلك فقد جاءهم الهدى من الله وبأن لهم طريق الرشد فأشركوا بالله فضلوا بذلك ضلالاً يستبعد وقوعه أو يبعد عن الصواب ولذلك جاء بعده أن يدعون من دونه إلا إناثاً وجاء بعد تلك ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم.وقوله: ﴿ انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾[النساء: ٥٠] ولم يختلف أحد من المتأولين في أن المراد بهم اليهود وإن كان اللفظ عاماً. ولما كان الشرك أعظم الكبائر كان الضلال الناشىء عنه بعيداً عن الصواب لأن غيره من المعاصي وإن كان ضلالاً لكنه قريب من أن يراجع صاحبه الحق لأن له رأس مال يرجع إليه وهو التوحيد، بخلاف المشرك، ولذلك قال تعالى: ﴿ يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ ﴾[الحج: ١٢].
وناسب هنا أيضاً ذكر الضلال لتقدم الهدى قبله.
﴿ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَٰثاً ﴾ المعنى ما يعيدون من دون الله ويتخذونه إليها إلا مسميّات تسمية الإِناث وكني بالدعاء عن العبادة لأن من عبد شيئاً دعاه عند حوائجه ومصالحه وكانوا يحلون الأصنام بأنواع الحلى ويسمونها أنثى وإناث جمع أنثى كرباب جمع ربّيّ وان نافية ويدعون يحتاج إلى مفعول وهو محذوف تقديره ما يدعون من دونه أي من دون الله أحداً إلا إناثاً فإِناثاً مفعول بيدعون وهو استثناء مفرغ ونكر شيطاناً مريداً تحقيراً لشأنه ومريداً فعيل للمبالغة في اسم الفاعل الذي هو ما رد من مرد أي عتا وعلا في الحذاقة وتجرد للشر والغواية والمراد به إبليس يدل عليه ما قاله بعد. ﴿ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ أي نصيباً واجباً اقتطعه لنفسه من قولهم فرض الله له في العطاء، والمعنى لاستخلصنّهم بغوايتي ولأحضّنّهم بإِضلالي وهم الكفرة والعصاة هذه خمسة أقسم إبليس عليها أحدها اتحاذ نصيب من عبادة الله وهو اختياره إياهم. والثاني: إخلالهم وهو صرفهم عن الهداية وأسبابها. والثالث: تمنيته لهم وهو التسويل ولا ينحصر في نوع واحد لأنه تمني كل إنسان بما يناسب حاله من طول عمر وبلوغ وطر وغير ذلك وهي كلها أماني كواذب باطلة. ﴿ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ ﴾ البتك: الشق، والقطع بتك بيتك وبتّك للتكثير، والبتك القطع واحدها بتكة. قال الشاعر:حتى إذا ما هوت كف الوليد لها   طارت وفي كفه من ريشها تبكومفعول لآمرنهم الثاني محذوف تقديره ولآمرنهم بالتبتيك وكذلك الثاني أي ولآمرنهم بتغيير خلق الله وحذف لدلالة المعنى عليه. ﴿ فَلَيُغَيِّرُنَّ ﴾ عن ابن عباس وغيره أراد تغيير دين الله. ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ﴾ أخبر تعالى بصدور ما وعدهم به إبليس واحتمل النصب في قوله غروراً أن يكون مفعولاً ثانياً ليعدهم أو مفعولاً من أجله أي لأجل الغرور أو مصدراً على غير الصدر لتضمين يعدهم معنى يعزهم ويكون ثم وصف محذوف أي إلا غروراً واضحاً أو نحوه أو نعتاً لمصدر محذوف على حذف مضاف أي وعداً ذا غرور﴿ مَحِيصاً ﴾ المحيص مفعل من حاص يحيص إذا زاغ بنفور.
﴿ وَٱلَّذِينَ ﴾ مبتدأ وسندخلهم الخبر ويجوز أن يكون من باب الاشتغال أي وستدخل الذين آمنوا سندخلهم وانتصب وعد الله على أنه مصدر مؤكد لنفسه. وانتصب حقاً على أنه مصدر مؤكد لغيره فوعد الله مؤكد لقوله: سندخلهم وحقاً مؤكداً لوعد الله. ﴿ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً ﴾ لما ذكر أن وعد الشيطان هو غرور باطل ذكر أن هذا الوعد منه هو الحق الذي لا ارتياب فيه ولا شك في إنجازه. ﴿ قِيلاً ﴾ منصوب على التمييز. والقيل والقول بمعنى واحد. والاستفهام معناه النفي أي لا أحد أصدق قولاً من الله تعالى، وهي جملة مؤكدة أيضاً لما قبلها، وفائدة هذا التوكيد المبالغة في ما أخبر به تعالى عباده المؤمنين بخلاف مواعيد الشيطان وأمانيّه الكاذبة. ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ﴾ ضمير الخطاب قيل: للكفار مطلقاً، وقيل: لأهل الكتاب وللمشركين واسم ليس فيما نختاره ضمير يعود على المصدر المفهوم من قوله: سندخلهم، أي ليس دخول الجنة بأمانيكم، وقيل: اسم ليس ضمير يعود على وعد الله المؤمنين بدخول الجنة. وقرىء بأمانيكم بتخفيف الياء فيهما.و ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ قال الجمهور: اللفظ عام. والكافر والمؤمن يجازيان بالسوء يعملانه فمجازاة الكافر النار. ومجازاة المؤمن نكبات الدنيا. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:" لما نزلت قلت يا رسول الله ما أشد هذه الآية جاءت قاصمة الظهر فقال صلى الله عليه وسلم: إنما هي المصيبات في الدنيا "وقرىء شاذاً ولا يجد بالرفع وهو استئناف اخبار ليس داخلاً في جزاء الشرط. ﴿ وَمَن يَعْمَلْ ﴾ الآية، من الأولى للتبعيض، ومن الثانية في قوله: من ذكر، لتبيين الحاصل في قوله: ومن يعمل ومن ذكر أو أنثى تفصيل للعامل. ﴿ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ جملة حالية قيد في عمل الصالحات إذ لا ينفع عمل صالح إلا بالإِيمان. ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ ﴾ جواب للشرط وروعي معنى من فلذلك جاء جمعاً. وقرىء يدخلون مبنياً للفاعل ومبنياً للمفعول وكذا في سورة " مريم " وأولي غافر. ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾ ظاهره أنه يعود إلى أقرب مذكور وهم المؤمنون ويكون حكم الكفار كذلك إذ ذكر أحد الفريقين يدل على الآخر إذ كلاهما مجزي بعمله، والفتيل تقدم. ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ ﴾ استفهام معناه النفي أي لا أحد أحسن. ﴿ دِيناً ﴾ منصوب على التمييز. ﴿ وَجْهَهُ ﴾ كني به عن الإِنسان إذ كان أشرف الأعضاء. ومعنى أسلم لله: أي إنقاد لأمره وشرعه. ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ جملة حالية مؤكدة.وانتصب: ﴿ حَنِيفاً ﴾ قيل: على أنه حال من إبراهيم، وقيل: حال من ملة، لأنه بمعنى الدين. والذي نختاره أنه حال من الضمير المستكن في اتبع أي واتبع ملة إبراهيم في حال كونه حنيفاً أي مائلاً عن العقائد الفاسدة والشرائع الباطلة. ﴿ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ﴾ هذا مجاز عن اصطفائه واختصاصه بكرامة نشبه كرامة الخليل عند خليله واتخذ هنا تعدت لمفعولين.و ﴿ وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ لما تقدم ذكر عامل السوء وعامل الصالحات أخبر تعالى بعظيم ملكه، وملكه لجميع ما في السماوات وما في الأرض، والعالم مملوك له وعلى المملوك طاعة مالكه.
﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ ﴾ الآية، سبب نزولها أن قوماً من الصحابة سألوا عن أمر النساء وأحكامهن في المواريث وغير ذلك ولما كان النساء مطرحاً أمرهن عند العرب في الميراث وغيره وكذلك اليتامى أكّد الحديث فيهن مراراً ليرجعوا عن أحكام الجاهلية. وتقوم في صدر السورة شيء من أحكام النساء والمواريث وعادة العرب إذا ذكرت شيئاً أن تستطرد إلى شيء آخر ثم ترجع إلى الأول والاستفتاء: طلب الفتيا وهو ما يتضح به الحكم المطلوب، والاستفتاء ليس في ذوات النساء وإنما هو عن شيء من أحكامهن ولم يبين فهو مجمل. ومعنى يفتيكم فيهن: يبين لكم حال ما سألتم عنه وحكمه. وعن عائشة رضي الله عنها قيل: نزلت هذه الآية يعني﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ ﴾[النساء: ٣] أولاً، ثم سأل ناس بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر النساء فنزلت: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ﴾.
وفي إعراب ما في قوله: وما يتلى عليكم، جوزوا وجوهاً منها الرفع عطفاً على لفظة الله وعطفاً على الضمير المستكن في يفتيكم وعلى الابتداء وخبره محذوف تقديره في يتامى النساء يبينّ لكم. وقيل: الخبر في الكتاب وجوزوا في ما النصب تقديره ويبين لكم ما يتلى عليكم وجوزوا أحكامهن في ما أيضاً الجر من وجهين، أحدهما: أن تكون الواو للقسم، وقاله الزمخشري. والثاني: أن يكون معطوفاً على الضمير المجرور في فيهن، وقاله محمد بن أبي موسى، وهو الذي نختاره وإن كان لا يجيزه البصريون إلا في الشعر. وقد أجازه الكوفيون في الكلام وقد استدللنا على صحة مذهبهم عند الكلام على قوله: ﴿ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾[البقرة: ٢١٧].
قال الزمخشري: ليس بسديد ان بعطف على المجرور في فيهن لاختلاله من حيث اللفظ والمعنى. " انتهى ". الذي اختاره هذا الوجه وإن كان مذهب جمهور البصريين إن ذلك لا يجوز إلا في الشعر وقد ذكرت دلائل الجواز عند قوله: ﴿ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾[البقرة: ٢١٧].
وليس مختلاً من حيث اللفظ لأنا قد استدللنا على جواز ذلك ولا من حيث المعنى كما زعم الزمخشري بل المعنى عليه ويكون على تقدير حذف أي يفتيكم في متلوهن وفيما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء. وحذف لدلالة قوله: وما يتلى عليكم في الكتاب. وإضافة متلو إلى ضميرهن سائغة إذ الإِضافة تكون بأدنى ملابسة لما كان متلوا فيهن صحت الاضافة إليهن، كما جاء: ﴿ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ ﴾[سبأ: ٣٣]، لما كان المكر يقع فيهما صحت الإِضافة إليهما. ومن ذلك قول الشاعر:إذا كوكب الخرقاء لاح بسمرة   وأما قول الزمخشري: لاختلاله في اللفظ والمعنى فهو قول الزجاج بعينه. قال الزجاج: وهذا بعيد بالنسبة إلى اللفظ وإلى المعنى، أما اللفظ فإِنه يقتضي عطف المظهر على المضمر وذلك غير جائز كما لم يجز في قوله: ﴿ تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ ﴾[النساء: ١]، وأما المعنى فإِنه تعالى أفتى في تلك المسائل وتقدير العطف على الضمير يقتضي أنه أفتى فيما يتلى عليكم في الكتاب. ومعلوم أنه ليس المراد ذلك، وإنما المراد أنه تعالى يفتي فيما سألوه من المسائل. " انتهى كلامه ".وقد بينا صحة المعنى على تقديره ذلك المحذوف والرفع على العطف على الله أو على ضميره يخرجه عن التأسيس وعلى الابتداء تخرج الجملة بأسرها عن التأسيس وكذلك الجر على القسم، والنصب بإِضمار فعل، والعطف على الضمير يجعله تأسيساً، وإذا دار الأمر بين التأسيس والتأكيد كان حمله على التأسيس أولى ولا يذهب إلى التأكيد إلا عند إتضاح عدم التأسيس.قال الزمخشري: فإِن قلت: بم تعلق قوله: في يتامى النساء؟ قلت: في الوجه الأول هو صلة يتلى عليكم في معناهن ويجوز أن يكون في يتامى الناس بدلاً من فيهن، وإما في الوجهين الأخيرين فبدل لا غير. " انتهى كلامه ".ويعني بقوله: في الوجه الأول أن يكون وما يتلى في موضع رفع فاما ما أجازه في هذا الوجه من أنه يكون صلة يتلى، فلا يتصور إلا إن كان في يتامى بدلاً من في الكتاب، أو تكون في للسبب لئلا يتعلق حرفا جر بمعنى واحد بفعل واحد، وهو لا يجوز إلا إن كان على طريقة البدل أو بالعطف. واما ما أجازه في هذا الوجه أيضاً من أن في يتامى النساء بدل من فيهن فالظاهر أنه لا يجوز للفصل بين البدل والمبدل منه بالعطف. ونظير هذا التركيب: زيد يقيم في الدار، وعمرو في كسر منها، ففصلت بين في الدار وبين في كسر منها بالعطف والتركيب المعتود زيد يقيم في الدار في كسر منها وعمرو.وقال الزمخشري: فإِن قلت: الإِضافة في يتامى النساء ما هي؟ قلت: إضافة بمعنى من كقولك: عندي سحق عمامة. " انتهى ". الذي ذكره النحويون أن الإِضافة التي هي بمعنى من هي إضافة الشيء إلى جنسه كقولك: خاتم حديد، وثوب خز، وخاتم فضة، ويجوز الفصل واتباع الجنس لما قبله ونصبه عمامه وجره والذي يظهر في يتامى النساء وفي سحق عمامة انها إضافة على معنى اللام ومعنى اللام الاختصاص وقرن في يتامى النساء بياءين أصله أيامي جميع أيم فأبدلت الهمزة ياء. والأيم من زوج لها.ومعنى ما كتب لهن.قال ابن عباس وغيره: هو الميراث. وقال آخرون: هو الصداق. والمخاطب بقوله: لا تؤتونهن أولياء المرأة، كانوا يأخذون صدقات النساء ولا يعطونهن شيئاً. وقيل: أولياء اليتامى كانوا يتزوجون اليتامى اللواتي في حجورهم ولا يعدلون في صدقاتهن. ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يأخذ الناس بالدرجة الفضلى في هذا المعنى فكان إذا سأل الولي عن وليته فقيل: هي غنية جميلة.قال له: اطلب لها من هو خير منك وأعود عليها بالنفع. وإذا قيل له: فقيرة ذميمة. قال له: أنت أولى بها وبالستر عليها من غيرك. ﴿ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ ﴾ معطوف على في يتامى النساء. وذلك أن العرب كانت لا تورث الصبية ولا الصبي الصغير ولا المرأة وكان الكبير ينفرد بالمال. وكانوا يقولون: إنما يرث من يحمي الحوزة ويرد الغنيمة ويقاتل عن الحريم، ففرض الله تعالى لكل أحد حقه. ﴿ وَأَن تَقُومُواْ ﴾ الظاهر أنه في موضع جر، أي وفي قيامكم. ﴿ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ ﴾ وهو العدل والذي تلى في هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ﴾[النساء: ٢].
وجوز الزمخشري أن تكون في موضع نصب بمعنى ويأمركم أن تقوموا، وفي ريّ الظمآن أنه في موضع رفع على الابتداء والخبر محذوف تقديره وقيامكم لليتامى بالقسط خير. ﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ ﴾ ما شرطية مفعولة بفعل الشرط كأنه قال: وأي شيء تفعلوا ومن خير تبيين لما أبهم في لفظة ما.
﴿ وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ ﴾ نزلت في أبي السنابل بن بعكك وامرأته. وقيل: في غيره. والنشوز تقدم شرحه وشيء من أحكامه في صدر هذه السورة والاعراض دون النشوز، وقرىء أن يصلحا من أصلحا، وقرىء يصالحا أصله يتصالحا فأدغم التاء في الصاد. وقرأ ابن مسعود إن أصلحا جعل ان شرطية والصالحا فعلاً ماضياً. ﴿ وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ ﴾ هذا من باب المبالغة جعل الشح كأنه شيء معدّ في مكان وأحضرته الأنفس وسيقت إليه ولم يأت واحضر شح الأنفس فيكون مسوقاً إلى الأنفس بل الأنفس سيقت إليه لكون الشح مجبولاً عليه الإِنسان ومركوزاً في طبيعته وذلك عام لا يخص في شيء. ﴿ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ ﴾ قال الماتريدي: وإن تحسنوا في أن تعطوهن أكثر من حقهن وتتقوا في أن لا تنقصوا من حقهن شيئاً أو ان تحسنوا في إيفاء حقهن والتسوية بينهن وتتقوا الجور والميل وتفضيل بعض على بعض. وختم آخر هذه بصفة الخبير: وهي علم ما يلطف إدراكه ويدق لأنه قد يكون بين الزوجين من خفايا الأمور ما لا يطلع عليه إلا الله تعالى ولا يظهر أن ذلك لأحد. وكان عمران بن حطان الخارجي من آدم بني آدم وامرأته من أجملهم فأجالت في وجهه نظرها يوماً ثم تابعت الحمد لله، فقال مالك: قالت حمدت الله تعالى على أني وإياك من أهل الجنة. قال: كيف؟ قالت: لأنك رزقت مثلي فشكرت ورزقت مثلك فصبرت، وقد وعد الله عباده الشاكرين والصابرين الجنة. ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ ﴾ الآية، نبه تعالى على انتفاء استطاعة العدل بين النساء والتسوية حتى لا يقع ميل البتة ولا زيادة ولا نقصان فيما يجب لهن وفي ذلك عذر للرجال فيما يقع من التفاوت في الميل القلبي والتعهد والنظر والتأنيس والمفاكهة فإِن التسوية في ذلك محال خارج عن حد الاستطاعة أو بالغ من الصعوبة جداً يكاد يكون كالمحال هذا إذا كن كلهن محبوبات وعلق انتفاء الاستطاعة في التسوية على تقدير وجود الحرص في الانسان على ذلك وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول:" هذه قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك ـ يعني المحبة ـ، لأن عائشة رضي الله عنها كانت أحب إليه رضي الله عن أزواجه وآله وأصحابه أجمعين ". ﴿ كَٱلْمُعَلَّقَةِ ﴾ المعلقة هي التي ليست مطلقة ولا ذات بعل. قال الزاجر: هل هي الا حظة أو تطليق أو صلف أو بين ذاك تعليق. وفي حديث أم زرع زوجي العشنق ان انطقْ اطلق وان أسكت أعلق. شبهت المرأة بالشيء المعلق من شيء لأنه لا على الأرض استقر ولا على ما علق منه. ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا ﴾ الضمير يعود على الزوجين وقرأ زيد بن أفلح ـ وإن يتفارقا ـ بألف الفاعلة والمعنى رضي كل واحد منهما بالفراق من صاحبه وقيل ذلك هو بالإِطلاق قيل ولا مدخل للنساء في الطلاق وأجيب بأنها لما كانت سبباً للطلاق بمشاقتها الزوج وسوء عشرتها نسب التفرق إليهما. ﴿ يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ ﴾ حذف المضاف من كل والمعنى كل واحد من الزوجين والظاهر في الغنى أنه غنى المال وكان الحسن بن علي رضي الله عنهما فيما رووا طلقة ذوقة فقيل له في ذلك، فقال: إني رأيت الله تعالى علق الغني بأمرين فقال: ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ ﴾[النور: ٣٢] الآية، وقال: ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ ﴾.
﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ﴾ الآية، وصيا أمرنا أو عهدنا إليهم وإليكم.و ﴿ مِن قَبْلِكُم ﴾ يحتمل أن يتعلق بأوتوا وهو الأقرب أو بوصينا، والمعنى أن الوصية بالتقوى هي سنة الله سبحانه وتعالى مع الأمم السابقة. ﴿ وَإِيَّاكُمْ ﴾ ضمير منفصل منصوب معطوفاً على الذين وفي الممتحنة يخرجون الرسول وإياكم قدم الموصول على الضمير لتقدمه في الزمان وقدم في الممتحنة لشرف الرسول ومثل هذا فصيح في الكلام، نحو: رأيت زيداً، وإياك ومن خص ذلك بالشعر كابن عصفور والآبدي فهو واهم.و ﴿ أَنِ ٱتَّقُواْ ﴾ يحتمل أن تكون مصدرية أي بأن اتقوا الله، وأن تكون مفسرة التقدير أي اتقوا الله. ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً ﴾ أي عن خلقه وعن عبادتهم لا تنفعه طاعتهم ولا يضره كفرهم. ﴿ حَمِيداً ﴾ أي مستحقاً لأن يحمد لكثرة نعمه وإن كفرتموه أنتم. ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ ﴾ الباء زائدة في فاعل كفى ولذلك سقطت في قول الشاعر:كفى الشيب والإِسلم للمرء ناهياً   فإِن كانت كفى بمعنى وقى، فلا تزاد الباء في فاعلها كقوله تعالى: ﴿ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ ﴾[الأحزاب: ٢٥]، أي وقاهم. فلا يجوز في الكلام كفى بالله المؤمن الشر. ﴿ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ ﴾ عام يدخل على قدرة الله تعالى في إذهاب من شاء وإتيان من شاء وقد خصّه قوم بمن كان يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب وغيرهم ﴿ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ ﴾ أي بناس آخرين غيركم. ومدلول آخر أن يكون من جنس ما قبله، نحو: رأيت زيداً وآخر فلا يكون آخر من غير جنس زيد ولو قلت: اشتريت فرساً وآخر، لم يكن آخر إلا من جنس الفرس. وأجاز الزمخشري وابن عطية في قوله: بآخرين أن يكونوا من غير جنس الناس وهو خطأ لأن غير تقع على المغايرة في جنس أو وصف وآخر لا تقع إلا على المغايرة من الجنس.
﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ الآية، قيل: نزلت في اختصام غني وفقير عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. ﴿ قَوَّٰمِينَ ﴾ صفة مبالغة في القيام. ﴿ بِٱلْقِسْطِ ﴾ وهو العدل. ﴿ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ ﴾ أي تشهدون على أنفسكم أي تقرون بالحق وتقيمون القسط عليها وانتصب شهداء على أنه خبر بعد خبر ومجيء لو هنا لاستقصاء جميع ما تمكن فيه الشهادة لما كانت الشهادة من الانسان على نفسه بصدد أن لا يقيمها لما جبل عليه المرء من محاباة نفسه ومراعاتها نبه على هذه الحال وجاء هذا الترتيب في الاستقصاء في غاية من الحسن والفصاحة. فبدأ بقوله: ولو على أنفسكم لأنه لا شيء أعز على الإِنسان من نفسه ثم ذكر الوالدين وهما أقرب إلى الإِنسان وسبب نشأته، وقد أمر ببرهما وتعظيمهما والحوطة لهما، ثم ذكر الأقربين وهم فطنة المحبة والتعصب وإذا كان هؤلاء أمر بالقيام في حقهم بالقسط والشهادة عليهم فالأجنبي أحرى بذلك. ويتعلق قوله: على أنفسكم، بمحذوف لأن التقدير وإن كنتم شهداء على أنفسكم فكونوا شهداء لله، هذا تقدير الكلام. وقال ابن عطية: ولو على أنفسكم متعلق بشهداء. " انتهى ".إن عنى بشهداء هذا الملفوظ به فلا يصح ذلك وإن عنى الذي قدرناه نحن فيصح.وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون المعنى وإن كانت الشهادة وبالاً على أنفسكم أو على آبائكم وأقاربكم وذلك أن يشهد على من يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره. " انتهى ".وما قاله لا يجوز لأن ما تعلق به الظرف كون مقيد ولا يجوز حذف الكون المقيد. لو قلت: كان زيد فيك، وأنت تريد محباً فيك، لم يجز لأن محباً كون مقيد وإنما ذلك جائز في الكون المطلق وهو تقدير كائن أو مستقر. ﴿ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ﴾ أي إن يكن المشهود عليه غنياً فلا يمتنع من الشهادة عليه لغناه أو فقيراً فلا يمنعها ترحماً عليه وإشفاقاً فعلى هذا الجواب محذوف لأن العطف هو بأو ولا يثنى الضمير إذا عطف بها بل يفرد وتقدير الجواب فليشهد عليه ولا يراعي الغني لغناه أو لخوف منه ولا الفقير لمسكنته وفقره ويكون قوله: فالله أولى بهما، ليس هو الجواب بل لما جرى ذكر الغني والفقير عاد الضمير على ما دل عليه ما قبله، كأنه قيل: فالله أولى بجنس الغني والفقير، أي بالأغنياء والفقراء. وفي قراءة أبيّ: فالله أولى بهم ما يشهد بإِرادة الجنس. وذهب الأخفش وقوم إلى أن أوْفي معنى الواو فعلى قولهم يكون الجواب فالله أولى بهما حيث شرع الشهادة عليهما وهو أنظر لهما منكم ولولا أن الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرع. ﴿ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ ﴾ الظاهر أن الخطاب للمأمورين بالقيام بالقسط والشهادة لله، والمنهيين عن اتباع الهوى. ومعنى وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل أو تعرضوا عن الشهادة بما عندكم وتمنعوها. وقرىء وان تلوا بضم اللام بواو واحدة. ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ هذا فيه وعيد لمن لوّى بالشهادة أو أعرض عنها. ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ الآية، خطاب للمؤمنين. ومعنى آمنوا داوموا على الإيمان. مناسبتها لما قبلها أنه لما أمر المؤمنين بالقيام بالقسط والشهادة لله بيّن أنه لا يتصف بذلك إلا من كان راسخ القدم في الإِيمان بالأشياء المذكورة في هذه الآية فأمر بها. ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ الآية، هي في المنافقين إذ هم المتلاعبون بالدين، فحيث لقوا المؤمنين قالوا: آمنا، وحيث لقوا أصحابهم قالوا: إنا مستهزؤن. ولذلك جاء بعده بشر المنافقين. الآية. ﴿ لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ قال الزمخشري: نفي الغفران والهداية وهي اللطف على سبيل المبالغة التي تعطيها اللام، والمراد بنفيهما نفي ما يقتضيهما وهو الإِيمان الثابت الخالص. " انتهى ". ظاهر كلامه أنه يقول بقول الكوفيين وهو أنهم يقولون إذا قلت: لم يكن زيد ليقوم أن خبر لم يكن هو قولك ليقوم، واللام للتأكيد زيدت في المنفي، والمنفي هو القيام، وليست ان مضمرة بل اللام هي الناصبة. والبصريون يقولون: النصب بإِضمار ان وينسبك من أن المضمرة والفعل بعدها مصدر وذلك المصدر لا يصح أن يكون خبراً لأنه معنى المخبر عنه جثة ولكن الخبر محذوف واللام مقوية لتعدية ذلك الخبر إلى المصدر وأضمرت انْ بعدها وصارت اللام كالعوض من أن المحذوفة ولذلك لا يجوز حذف هذه اللام ولا الجمع بينها وبين ان ظاهرة ومعنى قوله: والمراد بنفيهما نفي ما يقتضيهما ان المعنى لم يكونوا ليؤمنوا فيغفر لهم ويهديهم. ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ﴾ الآية، الذين: خبر مبتدأ محذوف أو منصوب على الذم، كأنه قال: أذم الذين أو صفة لقوله المنافقين.
﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ ﴾ الظاهر أنه خطاب للمؤمنين الذي يجالسون المنافقين، ولذلك قال: ﴿ فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ ﴾ نهوا عن القعود ولذلك جاء بعده إنكم إذا مثلهم وإن في قوله: إنْ إذا مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف تقديره انه، والجملة بعده الشرطية خبر انْ وجوابه فلا تقعدوا وحتى غاية نهوا عن أن يقعدوا معهم إلا في وقت يخوضون في غير الكافر والاستهزاء، وإذا في قوله: إنكم إذا مثلهم، توسطت بين اسم ان وخبرها ومعناها معنى الشرط تقديره إنكم إن قعدتم معهم مثلهم. ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ ﴾ لما اتخذوهم في الدنيا أولياء جمع بينهم في الآخرة في النار والمرء مع من أحب وهذا توعد منه تعالى تأكد به التحذير من مخالطتهم ومجالستهم. ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ﴾ الآية، الاستحواذ، الاستيلاء والتغلب. ويقال: حاذ يحوذ حوذاً وأحاذ، وكان القياس أن يقال: استحاذ، كما يقال: استطال، ولكنها شذت هذه اللفظة فصحت العين وهي الواو فلم تقلب الفا كما قلبت في استقام وأصله استقوم. ومعنى الآية الذين ينتظرون بكم ما يتجدد من الأحوال من ظفر لكم أو بكم. ﴿ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ ﴾ مظاهرين والمعنى فأسهموا لنا بحكم انا مؤمنون. ﴿ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ ﴾ أي اليهود. ﴿ نَصِيبٌ ﴾ أي نيل من المؤمنين. ﴿ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ﴾ أي ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم وابقينا عليكم. ﴿ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ بأن ثبطناهم عنكم فأسهموا لنا بحكم انا نواليكم فلا نؤذيكم ولا نترك أحداً يؤذيكم. ﴿ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ﴾ يحتمل أن يكون ثم معطوف محذوف تقديره وبينهم ويحتمل أن لا عطف ويكون قوله بينكم شاملاً للمؤمنين والكفار، وغلب فيه الخطاب. وقوله: سبيلاً، يعني في الآخرة، وقيل: سبيلاً أي استيلاء على بيضة الإِسلام في الدنيا ومعنى هو خادعهم أي منزل الخدع بهم وهذه عبارة عن عقوبة سماها باسم الذنب فعقوبتهم في الدنيا ذلهم وخوفهم، وفي الآخرة عذاب جهنم. وقرىء خادعهم بسكون العين.و ﴿ كُسَالَىٰ ﴾ جمع كسلان وفعلان، هذا يجمع على فعالى كهذا وعلى فعالى كغضبان وغضابا. والكسل: الفتور عن الشيء والتواني فيه، وهو ضد النشاط. وقال بعضهم في ذم الفلاسفة: وما انتسبوا إلى الإِسلام إلا لصون دمائهم ان لا تسألا، فيأتون المناكر في نشاط، ويأتون الصلاة وهم كسالى.وانتصب قليلاً على أنه نعت لمصدر محذوف تقديره إلا ذكراً قليلاً، قال الزمخشري: يجوز أن يراد بالقلة العدم. " انتهى ". لا يجوز أن يراد به هنا العدم لأن الاستثناء يأباه وقد رددنا هذه القول عليه وعلى ابن عطية في هذه السورة. ﴿ مُّذَبْذَبِينَ ﴾ أي مقلقين. ﴿ بَيْنَ ذٰلِكَ ﴾ أي بين الإِيمان والكفر وذلك هو اسم إشارة مفرد وقد يشار به إلى اثنين، كما قال: عوان بين ذلك، أي بين الفارض والبكر.قال لبيد: ان للشر وللخير مدى. وكلا ذلك وجه وقبل أي كلا ذينك أي الشر والخير. وقرىء مذبذبين بكسر الذال الثانية اسم فاعل أي مذبذبين أنفسهم. وقرىء مذبذبين اسم فاعل من تذبذب أي اضطراب وقرأ الحسن البصري " مذبذبين " بفتح الميم والذالين.قال ابن عطية: وهي قراءة مردودة. انتهى الحسن البصري من أفصح الناس يحتج بكلامه فلا ينبغي أن ترد قراءته، ولها وجه في العربية وهو انه اتبع حركة الميم لحركة الذال وإذا كانوا قد اتبعوا حركة الميم لحركة عين الكلمة في مثل منتن وبينهما حائز فلان يتبعوا بغير حاجز أولى، وكذلك اتبعوا حركة عين منفعل لحركة اللام في حالة الرفع، فقالوا: منحدر وهذا أولى، لأن حركة الاعراب ليست بثابتة بخلاف حركة الذال وهذا كله توجيه شذوذ على تقدير صحة النقل عن الحسن البصري أنه قرأ ذلك بفتح الميم. والله تعالى أعلم. وانتصب مذبذبين على الحال، قيل: من فاعل يراءون، وقيل: من فاعل يذكرون، فتكون الذبذبة قيداً في المراءاة أو في الذكر والذبذبة وصف ثابت لهم فالأولى أن يكون انتصابه على الذم، كأنه قيل: أذم مذبذبين بين ذلك. وقال الشاعر:ولا لحجاج عيني بيت ماء   كأنه قال: أذم عيني بيت ماء، ويتعلق إلى بمحذوف تقديره لا فسو بين إلى هؤلاء ولا فسو بين إلا هؤلاء وهو في موضع الحال.
قوله تعالى: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ عام يشمل المنافقين كبني قريظة إذ كان بينهم وبين الأنصار حلف ورضاع ويشمل الكافرين من غيرهم.وقوله: ﴿ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يعني المهاجرين، ويكون: يا أيها الذين آمنوا، خطاب للأنصار وغيرهم من المؤمنين. ﴿ سُلْطَاناً مُّبِيناً ﴾ أي بموالاة الكفار. ﴿ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ ﴾ قال ابن عباس: هي لأهل النار كالدرج لأهل الجنة إلا أن الدرجات بعضها فوق بعض والدركات بعضها أسفل من بعض. وقال: أبو عبيدة: الدركات الطبقات، وأصلها من الإِدراك أي هي متداركة متلاحقة. وقرىء في الدرك بسكون الراء. ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ﴾ استثناء من المنافقين. ﴿ تَابُواْ ﴾ من النفاق. ﴿ وَأَصْلَحُواْ ﴾ أعمالهم وتمسكوا بالله وكتابه. ﴿ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ ﴾ أي لا يبتغون بعمل الطاعات إلا وجه الله. ولما كان المنافق متصفاً بنقائض هذه الأوصاف من الكفر وفساد الأعمال والموالاة للكافرين والإِعتزاز بهم والمراءة للمؤمنين شرط في توبتهم ما يناقص تلك الأوصاف وهي التوبة من النفاق وهي الوصف المحتوي على بقية الأوصاف من حيث المعنى. ثم فصل ما أجمل فيها وهو الإِصلاح للعمل المستأنف المقابل لفساد أعمالهم الماضية، ثم الاعتصام بالله في المستقبل وهو المقابل لمولاة الكافرين والاعتماد عليهم في الماضي، ثم الإِخلاص للدين لله تعالى وهو المقابل للرياء الذي كان لهم في الماضي، ثم بعد تحصيل هذه الأوصاف جميعها أشار إليهم بأنهم مع المؤمنين ولم يحكم عليهم بأنهم المؤمنون ولا من المؤمنين، وإن كانوا قد صاروا مؤمنين تنفيراً لما كانوا عليه من عظم كفر النفاق وتفظيعاً لحال من كان متلبساً به. ومع المؤمنين أي رفقاؤهم ومصاحبوهم. ﴿ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً ﴾ أتى بسوف لأن إيتاء الأجر هو يوم القيامة وهو زمان مستقبل ليس قريباً من الزمان الحاضر، وقد قالوا: ان سوف أبلغ في التنفيس من السين، ولم يعد الضمير عليهم. فيقال: وسوف يؤتيهم بل أخلص ذلك الأجر للمؤمنين وهم رفقاؤهم يشاركونهم فيه ويساهمونهم. ﴿ مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ ﴾ ما الاستفهامية في موضع نصب بيفعل تقديره أي شيء يفعل ومعناه النفي أي ما يعذبكم. وأجيز أن تكون ما نافية. والباء في بعذابكم زائدة. ﴿ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ﴾ قدم الشكر على الإِيمان لأن العاقل ينظر ما عليه من النعمة العظيمة في خلقه، وتعريضه للمنافع فيشكر شكراً مبهماً فإِذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكراً مفصلاً، فكان الشكر متقدماً على الإِيمان فكأنه أصل التكليف ومداره. ﴿ شَاكِراً ﴾ أي مثبتاً موفياً أجوركم. وأتى في صفة الشكر باسم الفاعل بلا مبالغة ليدل على أنه يتقبل ولو أقل شيء من العمل وينميه. ﴿ عَلِيماً ﴾ بشكركم وإيمانكم فيجازيكم. وفي قوله: عليماً، تحذير وندب إلى الإِخلاص لله عز وجل. ﴿ لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ ﴾ الآية، مناسبها لما قبلها هي أنه تعالى لما ذكر من أحوال المنافقين وذمهم وإظهار فضائحهم ما ذكر وبيّن ظلمهم واهتضامهم جانب المؤمنين، سوغ هنا للمؤمنين أن يذكروهم بما فيهم من الأوصاف الذميمة. وقال عليه السلام: اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس. ﴿ إِلاَّ مَن ظُلِمَ ﴾ هذا الاستثناء متصل على تقدير حذف مضاف أي الأجهر من ظلم. وقيل: الاستثناء منقطع فالتقدير لكن المظلوم له أن ينتصف من ظالمه بما يوازي ظلامته. وقيل: من فاعل بالمصدر وهو الجهر تقديره لا يحب الله أن يجهر بالسوء من القول إلا من ظلم أي إلا المظلوم فإِنه تعالى لا يكره جهره بالسوء، وفيه أعمال المصدر معرفاً بالألف واللام وهي مسألة خلاف، ومذهب سيبويه جواز ذلك. قال ابن عطية: وإعراب من يحتمل في بعض هذه التأويلات النصب، ويحتمل الرفع على البدل من أحد المقدر. " انتهى ".يعني بأحد المقدر في المصدر إذ التقدير أن يجهر أحد. وما ذكره من جواز الرفع على البدل لا يصح، وذلك لأن الاستثناء المنقطع على قسمين: قسم يسوغ فيه البدل وهو ما يمكن توجه العامل عليه نحو: ما في الدار أحد إلا حمار، فهذا فيه البدل في لغة تميم والنصب على الاستثناء المنقطع في لغة الحجاز وإنما جاز فيه البدل لأنك لو قلت: ما في الدار إلا حمار، صح المعنى. وقسم، يتحتم فيه النصب على الاستثناء ولا يسوغ فيه البدل وهو ما لا يمكن توجه العامل عليه نحو: المال ما زاد إلا النقص، التقدير لكن النقص حصل له، فهذا لا يمكن أن يتوجه زاد على النقص لأنك لو قلت: ما زاد إلا النقص لم يصح المعنى. والآية، من هذا القسم لأنك لو قلت: لا يحب الله أن يجهر بالسوء إلا الظالم، فتفرغ أن يجهر لأن يعمل في الظالم لم يصح المعنى.وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون من مرفوعاً كأنه قيل: لا يحب الله أن يجهر بالسوء إلا الظالم، على لغة من يقول: ما جاءني زيد إلا عمرو، بمعنى ما جاءني إلا عمرو. ومنه: قل لا يعلم من في السماوات والأرض العتيب إلا الله. " انتهى ".وهذا الذي جوزه الزمخشري لا يجوز لأنه لا يمكن أن يكون الفاعل يذكر لغواً زائداً ولا يمكن أن يكون الظالم بدلاً من الله ولا عمرو بدلاً من زيد لأن البدل في هذا الباب راجع إلى كونه بدل بعض من كل، اما على سبيل الحقيقة نحو: ما قام القوم إلا زيد، وأما على سبيل المجاز نحو: ما في الدار أحد إلا حمار، وهذا لا يمكن فيه البدل المذكور لا على سبيل الحقيقة ولا على سبيل المجاز لأن الله عليم وكذا زيد هو زيد فلا يمكن أن يتخيل فيه عموم فيكون الظالم بدلاً من الله، وعمرو بدلاً من زيد.وأما ما يجوز فيه البدل من الاستثناء المنقطع فإِنه يتخيل فيما قبله عموم ولذلك صح البدل منه على طريق المجاز وإن لم يكن بعضاً من المستثنى منه حقيقة. وأما قول الزمخشري: على لغة من يقول: ما جاء في زيد الا عمرو بمعنى ما جاءني إلا عمرو فلا نعلم هذه اللغة إلا أن في كتاب سيبويه بعد أن أنشد أبياتاً من الاستثناء المنقطع آخرها قوله الشاعر:عشية لا تغني الرماح مكانها   ولا النبل إلا المشرفي المُصَمِّمما نصه. وهذا يقوي: ما أتاني زيد إلا عمرو، وما أعانه إخوانكم إلا إخوانه، لأنها معارف ليست الأسماء الأخيرة بها ولا منها. وانتهى كلام سيبويه ولم يصرح ولا لوّح أن قوله: ما أتاني زيد إلا عمرو، من كلام العرب. وقال: من شرح كلامه فهذا يقوي: ما أتاني زيد إلا عمرو أن ينبغي ان يثبت هذا من كلامهم لأن النبل معرفة ليس بالمشرفي، كما أن زيد ليس بعمرو، وكما ان اخوة زيد ليسوا اخوانك. " انتهى ".وليس ما أتاني زيد إلا عمرو ونظير البيت لأنه يتخيل عموم في البيت على سبيل المجاز كأنه قال: لا يغني السلاح مكانها إلى المشرفيّ، بخلاف ما أتاني زيد إلا عمرو، فإِنه لا يتخيل في ما أتاني زيد عموم البتة على أنه لو سمع هذا من كلام العرب وجب تأويل حتى يصح البدل فكان بقدر: ما جاءني زيد ولا غيره إلا عمرو. وكان بدل على حذف المعطوف وجود هذا الاستثناء اما أن يكون على إلغاء الفاعل وزيادته أو على كون عمرو بدلاً من زيد فإِنه لا يجوز لما ذكرناه. وأما قول الزمخشري: ومنه قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله، فليس من باب ما ذكر لأنه يحتمل أن تكون من مفعوله والغيب بدلاً من مَن بدل اشتمال أي لا يعلم غيب من في السماوات والأرض إلا الله أي ما يسرونه وما يخفونه لا يعلمه إلا الله وإن سلمنا أن من مرفوعة فيجوز أن يكون الله بدلاً من مَن على سبيل المجاز في من لأن في السماوات يتخيل فيه عموم كأنه قيل: قل لا يعلم الموجودون الغيب إلا الله، أو على سبيل المجاز في الظرفية بالنسبة إلى الله تعالى إذ جاء ذلك عنه في القرآن في السنة كقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلأَرْضِ ﴾[الأنعام: ٣].
﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ ﴾[الزخرف: ٨٤].
وفي الحديث: أين الله قالت في السماء. ومن كلام العرب: لا وذو في السماء بيته، يعنون الله تعالى. وإذا احتملت الآية هذه الوجوه لم يتعين حملها على ما ذكر. ﴿ أَوْ تُخْفُوهُ ﴾ الظاهر أن الهاء في تخفوه تعود على الخبر. قال ابن عباس: يريد من أعمال البر كالصيام والصدقة.
﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ ﴾ قيل: نزلت في اليهود والنصارى وجعل إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض كفراً بالله ورسوله. وقوله: ﴿ بَيْنَ ذٰلِكَ ﴾ أي بين الإِيمان والكفر. والجملة من قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ﴾ وما بعدها خبر لأن والأفعال التي قبل ذلك صلات للذين. بدأ أولاً بأشنعها وهو الكفر بالله ورسله إذ هم متظاهرون بذلك، ثم الاعتقاد القلبي وهو إرادة التفريق بين الله ورسله، ثم التلاعب بالذين في كونهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. وانتصب حقاً على أنه نعت لمصدر محذوف تقديره كفراً حقاً. ويجوز في إعراب هم أن يكون مبتدأ والكافرون خبر. ويجور أن يكون هم فصلاً والكافرون خبر عن أولئك ويجوز أن يكون بدلاً من أولئك والبدل من المبتدأ مبتدأ فيكون الكافرون خبراً عن لفظ هم. ويجوز أن ينتصب حقاً على أنه توكيد لمضمون الجملة والعامل محذوف تقديره أحق ذلك حقاً. لما تقدم ذكر الكافرين ذكر مقابليهم وهم المؤمنون وذكر ما أعد لهم كما ذكر ما أعد للكافرين. وختم آية المؤمنين بقوله: غفوراً رحيماً أي غفوراً لمن يقع منه بعض زلل، رحيماً لكونه لا يؤاخذهم. ﴿ يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ ﴾ عامّ في اليهود والنصارى. وقيل: خاص باليهود وسؤالهم سؤال تعنت. ولذلك قالوا: ان تنزل، والتنزيل إنما هو لله تعالى وقد نزل عليهم أشرف الكتب وأعظمها وهو القرآن. ﴿ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ ﴾ وقدروا قبل هذا كلاماً محذوفاً. فجعله الزمخشري شرطاً هذا جوابه وتقديره فإِن استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا موسى أكبر من ذلك. وقدره ابن عطية فلا تبال يا محمد عن سؤالهم وتشطيطهم فإِنها عادتهم، فقد سألوا موسى. وأسند السؤال إليهم وإن كان إنما وقع من آبائهم من نقبائهم السبعين لأنهم راضون بفعل آبائهم ومذاهبهم ومشابهون لهم في التعنت. وقرىء أكثر بالثاء مكان الباء. وتقدم تفسير باقي الآية في البقرة. والباء في قوله: فبما نقضهم تتعلق بمحذوف، فقدره الزمخشري فعلنا بهم ما فعلنا، وقدره ابن عطية لعناهم وذللناهم. وجوزوا أن تتعلق بقوله: جعلنا عليهم، على أن قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ ﴾[النساء: ١٦٠]، بدل من قوله: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ ﴾[النساء: ١٥٥]، وقاله الزجاج وأبو بكر والزمخشري وغيره. وهذا فيه بعد لكثرة الفواصل بين البدل والمبدل منه ولأن المعطوف على السبب سبب فيلزم تأخر بعض أجزاء السبب الذي للتحريم في الوقت عن وقت التحريم فلا يمكن أن يكون جزءَ سبب أو سبباً إلا بتأويل بعيد. وبيان ذلك أن " قولهم على مريم بهتاناً عظيماً وقولهم انا قتلنا المسيح " متأخر في الزمان عن تحريم الطيبات عليهم، فالأولى أن يكون التقدير لعناهم. وقد جاء مصرحاً به في قوله: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ ﴾[النساء: ١٥٥] لعناهم.
قال ابن عطية: وحذف جواب هذا الكلام بليغ متروك مع ذهن السامع. انتهى تسمية ما يتعلق به المجرور بأنه جواب اصطلاح لم يعهد في علم النحو ولا تساعده اللغة لأنه ليس بجواب. والظاهر في قوله: ويكفرهم، وقولهم: انه معطوف على قوله: فبما نقضهم، وما بعده على أن الزمخشري أجاز أن يكون قوله: وبكفرهم. وقولهم معطوفاً على بكفرهم وتكرر نسبة الكفر إليهم بحسب متعلقاته إذ كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم فعطف بعض كفرهم على بعض. قال الزمخشري: أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف عليه كأنه قيل فبجمعهم بين نقض الميثاق والكفر بآيات الله وقتل الأنبياء، وقولهم قلوبنا غلف، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم وافتخارهم بقتل عيسى عاقبناهم أو بل طبع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا وكذا.وقال الزمخشري أيضاً: فإِن قلت: هلا زعمت أن المحذوف الذي تعلقت به الباء ما دل عليه قوله: بل طبع الله عليها، بكفرهم فيكون التقدير فبما نقضهم ميثاقهم طبع الله على قلوبهم بل طبع الله عليها بكفرهم.قلت: لم يصح هذا التقدير لأن قوله: بل طبع الله عليها بكفرهم، ردوا إنكار لقولهم: قلوبنا غلف، فكان متعلقاً به " انتهى ". وهو جواب حسن ويمتنع من وجه آخر وهو أن العطف ببل يكون للإِضراب عن الحكم الأول وإثباته للثاني على جهة إبطال الأول أو الانتقال فاما في كتاب الله تعالى في الاخبار فلا يكون إلا للانتقال ويستفاد من الجملة الثانية ما لا يستفاد من الأولى، والذي قدره الزمخشري لا يسوغ فيه هذا الذي قدرناه لأن قوله: فبما نقضهم ميثاقهم، وكفرهم بآيات الله، وقولهم قلوبنا غلف، بل طبع الله على قلوبهم. هو مدلول الجملة التي صحبتها بل وهو قوله: ﴿ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾.
فأفادت الجملة الثانية ما أفادت الجملة الأولى وهو لا يجوز لو قلت: مر زيد بعمرو بل مر زيد بعمرو لم يجز. وقد أجاز ذلك أبو البقاء وهو أن يكون التقدير فبما نقضهم ميثاقهم وكذا وكذا طبع الله على قلوبهم، وقيل: التقدير فبما نقضهم ميثاقهم لا يؤمنون إلا قليلاً والفاء مقحمة وما في قوله: فبما، كهي في فبما رحمة، وتقدم الكلام عليها. والبهتان العظيم هو رميها عليها السلام بالزنا مع رؤيتهم الآية في كلام عيسى عليه السلام في المهد، وقولهم رسول الله هو على سبيل الاستهزاء منهم. كقول فرعون: إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون. وفي الكلام حذف تقديره وصلبناه ولذلك نفاه في قوله تعالى: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ﴾ وهذا إخبار منه تعالى بأنهم ما قتلوا عيسى ولا صلبوه.واختلف الرواة في كيفية القتل والصلب وفيمن ألقي الشبه عليه اختلافاً كثيراً. ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء وشبه مبني للمفعول، ولهم في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله، والذي نعتقده أن المشبه هو الملك الممخرق الذي كان في زمان عيسى عليه السلام لما رفعه الله تعالى إليه وفقدوه أخرج شخصاً وقال لهم: هذا عيسى فقتله وصلبه، قيل: ولا يجوز أن يعتقد أن الله تعالى ألقى شبه عيسى عليه السلام على واحد منهم لأن ذلك تطرف إلى السفسطة كما ادعى بعض الجهال في الشيخ القرشي وكان شيخاً مخدوماً انه إذا أراد أن يخلو بامرأته للوطىء برز لها في صورة شاب أمرد حسن الصورة.وحكي لنا عن بعض من كان تولى مشيخة الصوفية بخانقاه سعيد السعداء بالقاهرة أنه تكلم مع بعض العلماء في أنه يكون في الآن الواحد بشكله وصورته في مكان واحد ثم يكون بشكله وصورته في ذلك الآن في مكان آخر وعند هؤلاء المنتمين للتصوف من المكابرات وتجويز المستحيلات والابهامات شيء كثير. ﴿ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ الضمير قيل: عائد على اليهود. واختلافهم فيه هو قولهم انه ليس برسول وأنه ليس لرشده. والظاهر أنه عائد على النصارى واختلافهم فيه أن بعضهم يقول: قتل وصلب، وبعضهم يقول: قتل ناسوته لا لاهوته، وبعضهم يقول: لم يقتل ولم يصلب. واليقين الذي صح فيه نقل الكافة عن حوابسها أو أن شخصاً صلب واما هل هو عيسى أم لا فليس من علم الحواس. ﴿ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ ﴾ استثناء منقطع إذ اتباع الظن ليس مندرجاً تحت قوله: من علم.وقال ابن عطية: هو استثناء متصل إذ الظن والعلم يضمّهما جنس أنهما من معتقدات اليقين وقد يقول الظان على سبيل التجوز علمي في هذا الأمر أنه كذا وهو يعني ظنه. " انتهى ".وليس كما ذكر من أن الظن والعلم يضمهما جنس انهما من معتقدات اليقين لأن الظن ليس من معتقدات اليقين لأن ترجيح أحد الجائزين وما كان ترجيحاً فهو منافي اليقين كما ان اليقين ينافي ترجيح أحد الجائزين وعلى تقدير ان الظن والعلم يضمهما ما ذكر فلا يكون أيضاً استثناء متصلاً لأنه لم يستثن الظن من العلم فليست التلاوة ما لهم به من علم الا اتباع الظن وإنما التلاوة إلا اتباع الظن والاتباع للظن لا يضمه والعلم جنس ما ذكر. والظاهر ان الضمير في: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ ﴾، عائد على عيسى. وانتصب يقيناً على أنه مصدر في موضع الحال، أو نعت لمصدر محذوف، أو بمعنى حقاً يكون مصدراً مؤكداً لمضمون الجملة ومن ذهب إلى أنه معمول لقوله: رفعه، فيكون فيه تقديم وتأخير. فقوله: خطأ لأن ما بعد بل لا يعمل فيما قبلها.
﴿ وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ ﴾ ان هنا نافية والمخبر عنه محذوف قامت صفته مقامه التقدير وما أحد من أهل الكتاب كما حذف في قوله: ﴿ وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ﴾[مريم: ٧١].
وقال الزمخشري: ليؤمنن به جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف تقديره وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به. ونحوه: وما منا إلا له مقام معلوم، وإن منكم إلا واردها. والمعنى وما من اليهود أحد إلا ليؤمنن به. " انتهى ". وهو غلط فاحش إذ زعم أن ليؤمنن به جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف إلى آخره، وصفة أحد المحذوف إنما هو الجار والمجرور وهو من أهل الكتاب، والتقدير كما ذكرناه وإن أحد من أهل الكتاب.وأما قوله: ليؤمنن به. فليست صفة لموصوف ولا هي جملة قسمية كما زعم إنما هي جملة جواب القسم والقسم محذوف والقسم وجوابه في موضع خبر المبتدأ الذي هو أحد المحذوف إذ لا ينتظم من أحد والمجرور إسناد لأنه لا يفيد وإنما ينتظم الاسناد بالجملة القسمية وجوابها فذلك محط الفائدة، وكذلك أيضاً الخبر هو الإِله مقام، وكذا إلا واردها، إذ لا ينتظم مما قبل إلا تركيب إسنادي. والظاهر أن الضميرين في به وموته عائدان على عيسى وهو سياق الكلام والمعنى من أهل الكتاب الذين يكونون في زمن نزوله.روي أنه ينزل من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمن به حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإِسلام، قاله ابن عباس وغيره. وقال ابن عباس أيضاً وجماعة: الضمير في به لعيسى وفي موته للكتابي قالوا وليس يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى ويعلم أنه نبي ولكن عند المعاينة للموت فهو إيمان لا ينفعه. ﴿ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ ﴾ الطيّبات ما ذكر تعالى في قوله: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾[الأنعام: ١٤٦] الآية واحلت لهم. جملة في موضع الصفة لطيبات والمعنى كانت أحلت لهم، وانتصب كثيراً على أنه مفعول به أي ناساً كثيراً، وناصبه المصدر وهو قوله: وبصدهم. أو انتصب على أنه نعت لمصدر محذوف تقديره صداً كثيراً. ﴿ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ ﴾ جملة حالية تؤذن بتقبيح فعلهم إذ ما نهى تعالى عنه يجب أن يبعد منه قالوا: والربا محرم في جميع الشرائع. وقوله: بالباطل، هو الرشا التي كانوا يأخذونها على تغيير شرائعهم. ﴿ لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ ﴾ الآية، مجيء لكن هنا في غاية الحسن لأنها داخلة بين نقيضين، وجوابهما وهما الكافرون والعذاب الأليم، والمؤمنون، والأجر العظيم، والراسخون الثابتون المتفننون المستبصرون منهم كعبد الله بن سلام وإضرابه. ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ يعني منهم، أو المؤمنون من المهاجرين والأنصار. والظاهر أنه عام فيمن آمن وارتفع الراسخون على الابتداء والخبر يؤمنون لا غير لأن المدح لا يكون إلا بعد تمام الجملة الأولى ومن جعل الخبر أولئك سنؤتيهم فقوله ضعيف.وانتصب والمقيمين على المدح وارتفع والمؤتون أيضاً على إضمار وهم على سبيل القطع إلى الرفع ولا يجوز أن يعطف على المرفوع قبله لأن النعت إذا قطع في شيء منه لم يعد ما بعده إلى إعراب المنعوت وهذا القطع لبيان فضل الصلاة والزكاة فكثر الوصف بأن جعل في جمل.وقرىء: ﴿ والمقيمون ﴾ بالرفع عطفاً على المرفوع قبله. قال ابن عطية: فرق بين الآية والبيت يعني بيت الخرنق وكان أنشده قبل وهو النازلين بكل معترك. والطيبون معاقد الأزر بحرف العطف الذي في الآية فإِنه يمتنع عند بعضهم تقدير الفعل وفي هذا نظر. " انتهى ". إن منع ذلك أحد فهو محجوج بثبوته في كلام العرب مع حرف العطف ولا نظر في ذلك كما قال الشاعر:ويأوي إلى نسوة عطل   وشعثاً مراضيع مثل السعالوذكر الزمخشري وغيره وجوهاً في أن والمقيمين في موضع جر عطفاً على الضمير في منهم أي ومن المقيمين أو عطفاً على ما في قوله: بما أنزل، أي وبالمقيمين أو عطفاً على الضمير أي الكاف في أولئك أي وإلى المقيمين، أو عطفاً على قلبك أي ومن قبل المقيمين أو عطفاً على الكاف في قوله ومن قبلك وأجازوا فيمن قرأ والمقيمون بالرفع أن يكون في موضع خبر مبتدأ محذوف أو عطفاً على الضمير المستكن في الراسخون أو على الضمير المستكن في المؤمنون أو على الضمير المستكن في تؤمنون وهذه أعاريب ينزه كتاب الله عنها ولا يحل اعتقاد شيء منها ولولا أن الزمخشري وابن عطية ذكراها وهما يدّعى فيهما أنهما أجل من صنف في التفسير لما ذكرت ذلك.
﴿ إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ﴾ جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله أن ينزل عليهم كتاباً من السماء واحتجاج عليهم بأن شأنه في الوحي إليه كشأن سائر الأنبياء الذين سلفوا. والنبيين: جمع عام جرد منهم ما ذكره تعالى في قوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ ﴾ تعظيماً لهم وتنبيهاً على أنهم أشرف من غيرهم إذ كانوا أصحاب ملل كملة موسى وعيسى.وقرىء ﴿ زَبُوراً ﴾ بضم الزاي جمع زبور كعمود وعمد. والزبور الذي آتاه الله داود وأنزله عليه. قرأت فيه وقد عرّب وهو يتضمن مواعظ وامتثالاً كثيرة وانتصاب ورسلاً على إضمار فعل أي قد قصصنا رسلاً عليك فهو من باب الاشتغال والجملة من قوله قد قصصناهم مفسرة لذلك الفعل المحذوف ويدل على هذا قراءة أبيّ. ورسل بالرفع في الموضعين على الابتداء وجاز الابتداء بالنكرة هنا لأنه موضع تفصيل كما أنشدوا:فثوب لبست وثوب أجر   وقوله:بشق وشق عندنا لم يحول   ومرجع النصب على الرفع كون العطف على جملة فعلية وهي وآتينا داود زبورا. ﴿ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً ﴾ هذا إخبار بأن الله شرف موسى بكلامه وأكد بالمصدر دلالة على وقوع الفعل على حقيقته لا على مجازه هذا هو الغالب وقد جاء التأكيد بالمصدر في المجاز إلا أنه قليل فمن ذلك قول هند بنت النعمان بن بشير الأنصاري:بكى الخز من روح وأنكر جلده   وعجيت عجيجاً من جذام المطارفوقال ثعلب: لولا التأكيد بالمصدر لجاز أن يكون كما تقول: قد كلمت لك فلاناً، بمعنى كتبت إليه رقعة وبعثت إليه رسولاً، فلما قال: تكليماً لم يكن إلا كلاماً مسموعاً من الله تعالى.ومسألة الكلام مما طال فيه الكلام واختلف فيها علماء الإِسلام وبها سمي علم أصول الدين بعلم. الكلام وهي مسألة يبحث فيها في أصول الدين.وقرىء: ﴿ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً ﴾، بالنصب في الجلالة. رسلاً بدل من قوله: ورسلاً. والجملة من قوله: وكلم الله موسى تكليماً، جملة اعتراض بين البدل والمبدل منه أفادت تشريف موسى عليه السلام بتكليمه تعالى إذ هو مندرج في قوله: ورسلاً قد قصصناهم عليك. ﴿ مُّبَشِّرِينَ ﴾ بالثواب. ﴿ وَمُنذِرِينَ ﴾ بالعقاب. ولئلا تعليل لإِرسال الرسل كما قال تعالى: ﴿ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ ﴾[المائدة: ١٩].
﴿ لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ ﴾، الآية، لكن الاستدراك يقتضي تقدم جملة محذوفة لأن لكن لا يبتدأ بها فالتقدير ما روي في سبب النزول وهو أنه لما نزل انا أوحينا إليك قالوا ما نشهد لك بهذا فنزل: لكن الله يشهد، وشهادته تعالى بما أنزله إليه إثباته بإِظهار المعجزات كما ثبتت الدعاوي بالبينات.وقرىء ﴿ لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ ﴾ بالتشديد ونصب الجلالة. ﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ الباء للحال أي ملتبساً بعلمه أي عالماً به. ﴿ إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ ﴾ استثناء من قوله طريقاً. وطريقاً منفي من حيث المعنى لأن التقدير لم يكن الله مريداً لهدايتهم وإذا انتفت إرادة الهداية انتفت الهداية للطريق وإذا انتفت الهداية انتفت الطريق وهذا على طريق البصريين وأما الكوفيون فالنفي فحسب أولاً على الهداية. وتقدم الكلام على لام الجحود في قوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾[البقرة: ١٤٣].
﴿ لاَ تَغْلُواْ ﴾ الغلو: التجاوز في الأمر. ومعنى في دينكم، أي الذي أنتم مطلوبون به لا دينكم المضلل. والظاهر أن أهل الكتاب المراد بهم النصارى بدليل آخر الآية. وقيل: يشمل اليهود والنصارى. وغلو اليهود كونهم أنكروا رسالة عيسى ونسبوه لغير رشده وغلو النصارى قول بعضهم انه الله وقول بعضهم انه ثالث ثلاثة. ﴿ وَكَلِمَتُهُ ﴾ فقدم الكلام عليها في قوله: بكلمة منه. ﴿ أَلْقَاهَا ﴾ جملة حالية أي أوجد فيها عيسى. ﴿ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴾ أي من الأرواح التي أوجدها والذين يظهران قوله: ثلاثة، خبر مبتدأ محذوف تقديره الإِله أو المعبود، ثلاثة لأنهم يثبتون الله وصاحبته وولده، تعالى عن الصاحبة والولد. ﴿ ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ ﴾ تقدم، قوله: ﴿ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ ﴾[النساء: ١٧٠].
وفي نصب خيراً ثلاثة أوجه، الأول: مذهب الخليل وسيبويه انه منصوب على فعل يجب إضماره تقديره وائتوا خيراً لكم الثاني: مذهب الكسائي وأبي عبيدة انه منصوب على خبر يكن محذوفة تقديره يكن هو خيراً لكم ويكن هو أي الانتهاء خيراً لكم. الثالث: مذهب الفراء ان انتصابه على أنه صفة لمصدر محذوف تقديره فآمنوا إيماناً خيراً لكم وانتهوا انتهاءً خيراً لكم. والترجيح بين هذه الأقوال مذكور في علم النحو. ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ ﴾ الاستنكاف الانفة والترفع من نكفت الدمع إذا نحيته بأصبعك من خدك ومنعته من الجري. وقيل: الاستنكاف من النكف يقال: ما عليه في هذا الأمر نكف ولا وكف. والنكف أن يقال له سوء واستنكف دفع ذلك السوء. وقوله: ﴿ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴾ ظاهرة أن يكون معطوفاً على قوله: لن يستنكف المسيح والمعنى ولا تستنكف الملائكة المقربون أن يكونوا عبيد الله وليس معطوفاً على قوله المسيح لاختلاف الخبر. وقال الزمخشري: فإن قلت: من ان دَّل قوله: ولا الملائكة المقربون، على أن المعنى ولا من فوقه؟ قلت: من حيث أن علم المعاني لا يقتضي غير ذلك وذلك أن الكلام إنما سيق لرد مذهب النصارى وغلوهم في رفع المسيح عن منزلة العبودية، فوجب أن يقال لهم: لن يترفع عيسى عن العبودية ولا من هو أرفع منه درجة. كأنه قيل: لن تستنكف الملائكة المقربون من العبودية فكيف بالمسيح. ويدل عليه دلالة ظاهرة بينة تخصيص المقربين لكونهم ارفع الملائكة درجة وإعلاهم منزلة قول القائل:وما مثله ممن يجاود حاتم   ولا البحر ذو الأمواج يلتج زاخر..لا شبهة في انه قصد بالجر ذي الأمواج ما هو فوق حاتم في الجود ومن كان له ذوق فليذق مع هذه الآية، قوله: ﴿ وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ ﴾[البقرة: ١٢٠] حتى يعترف بالفرق البين. " انتهى كلامه ".التفضيل بين الأنبياء والملائكة إنما يكون بالسمع إذ نحن لا ندرك جهة التفضيل بالعقل، وأما الآية فقد يقال: متى نفى شيء عن اثنين فلا يدل ذلك على أن الثاني أرفع من الأول ولا أن ذلك في باب الترقي.فإِذا قلت: لن يأنف فلان أن يسجد لله ولا عمر فلا دلالة فيه على أن عمراً أفضل من زيد وإن سلمنا ذلك فليست الآية من هذا القبيل لأنه قابل مفرداً بجمع ولم يقابل مفرداً بمفرد ولا جمعاً بجمع، فقد يقال: الجمع أفضل من المفرد ولا يلزم من الآية تفضيل الجمع على الجمع ولا المفرد على المفرد وإن سلمنا أن المعطوف في الآية أرفع من المعطوف عليه فيكون ذلك بحسب ما ألقي في أذهان العرب وغيرهم من تعظيم الملك وترفيعه حتى أنهم ينفون البشرية عن الممدوح ويثبتون له الملكية ولا يدل تخيلهم ذلك على أنه في نفس الأمر أفضل وأعظم ثواباً ومما ورد من ذلك على حسب ما ألقي في الأذهان قوله تعالى: حكاية عن النسوة اللاتي فاجاءهن حسن يوسف فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن، إلى قوله: ﴿ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾[يوسف: ٣١].
وقال الشاعر:فلست بانسيّ ولكن لملاك   تنزل من وجوب السماء تصوبقال الزمخشري: فإِن قلت: علام عطف قوله: ولا الملائكة؟ قلت: إما أن يعطف على المسيح أو على اسم يكون أو على المستتر في عبدا لما فيه من معنى الوصف لدلالته على معنى العبادة. وقولك: مررت برجل عبد أبوه، فالعطف على المسيح هو الظاهر لأداء غيره إلى ما فيه بعض انحراف عن الغرض وهو ان المسيح لا يأنف ان يكون هو ولا من فوته موصوفين بالعبودية أو أن يعبد الله هو ومن فوقه. " انتهى ". الانحراف عن الفرض الذي أشار إليه هو كون الاستنكاف يكون مختصاً بالمسيح والمعنى التام اشتراك الملائكة مع المسيح في انتفاء الاستنكاف عن العبودية لأنه يلازم من استنكافه وحده أن يكون هو والملائكة عبيداً أو أن يكون هو وهم يعبدونه، مع عدم استنكافهم هم فقد يرضى شخص أن يضرب هو وزيد عمراً ولا يرضى ذلك زيد ويظهر أيضاً مرجوحية الوجهين من جهة دخول لا إذ لو أزيد العطف على الضمير في يكون أو على المستتر في عبداً لم تدخل لا بل كان يكون التركيب بدونها تقول: ما يريد زيد أن يكون هو وأبوه قائمين. وتقول: ما يريد زيد أن يصطلح هو وعمرو فهذان التركيبان ونحوهما ليسا من مظنات دخول لا. فإِن وجد في لسان العرب دخول لا في نحو من هذا فهي زائدة.وقرىء: ﴿ عبيداً ﴾ بالتصغير واستدل من قال بتفضيل الملائكة على الأنبياء بهذه الآية إذ فيها الترقي من أعلا إلى أعلا كما تقدم وهي مسألة خلاف وأجيب بأنه لما كان الملك في أنفس البشر مما يعظمونه ويرفعون من قدرة جاءت الآية على ذلك الأثر إلى قول صواحب امرأة العزيز في يوسف عليه السلام: ﴿ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾[يوسف: ٣١].
وقوله:فلست بأنسي البيت   وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله في قوله: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ ﴾[الإسراء: ٧٠] الآية. ﴿ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ ﴾ الآية، حمل أولاً على لفظ من، فأفرد الضمير في يستنكف ويستكبر، ثم حمل على المعنى في قوله: فسيحشرهم، فالضمير عائد على معنى من. هذا هو الظاهر ويحتمل أن يكون الضمير عاماً عائداً على الخلق لدلالة المعنى عليه لأن الحشر ليس مختصاً بالمستنكف ولأن التفصيل بعده يدل عليه. ويكون ربط الجملة الواقعة جواباً بالاسم الشرط بالعموم الذي فيها، ويحتمل أن يعود الضمير على معنى من، ويكون قد حذف المعطوف عليه لمقابلته إياه التقدير فسيحشرهم ومن لم يستنكف إليه جميعاً كقوله: ﴿ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ ﴾[النحل: ٨١]، أي والبرد. وعلى هذا الاحتمال يكون ما فصل بأما مطابقاً لما قبله، وعلى الوجه الأول لا يطابق والاخبار بالحشر إليه وعيد، إذ المعنى به الجمع يوم القيامة حيث بذل المستنكف والمستكبر.
﴿ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ الجمهور على أن البرهان هو محمد صلى الله عليه وسلم وأطلق عليه برهان لما ظهر على يديه من الحجج والدلائل. والنور المبين هو القرآن. ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ ﴾ وتقدم الكلام في الكلالة اشتقاقاً ومدلولاً وقال جابر: هي آخر آية نزلت. وفي الكلالة متعلق بيفتيكم وهو من أعمال الثاني لأن في الكلالة يطلبها يستفتونك ويفتيكم فاعمل الثاني. وبعض عوام القراء يقف على قوله: يستفتونك ويرى ذلك حسناً وهو لا يجوز لأن جهتي الأعمال متشبثة احداهما بالأخرى فلو قلت: ضربني، وسكتّ ثم قلت: وضربت زيداً، لم يجز إلا لإِنقطاع النفس.وقوله: ﴿ إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ ﴾ تفسير لحكم الكلالة. و ﴿ وَلَدٌ ﴾ يشمل الذكر والأنثى. وارتفع امرؤ على أنه فاعل بفعل محذوف يفسره ما بعده، والجملة من قوله: ليس له ولد، في موضع الصفة لامرؤ أي أن هلك امرؤ غير ذي ولد. وفيه دليل على جواز الفصل بين النعت والمنعوت بالجملة المفسرة في باب الاشتغال فعلى هذا تقول: زيداً ضربته العاقل، على أن العاقل صفة لزيد أُجْريت الجملة المفسرة في هذا الباب مجرى الجملة الخبرية في قولك: زيد ضربته العاقل، فكما جاز الفصل بالخبر جاز بالمفسر. ومنع الزمخشري أن يكون قوله: ليس له ولد جملة حالية من الضمير في هلك، فقال: ومحل ليس له ولد الرفع على الصفة لا النصب على الحال وأجاز ذلك أبو البقاء، فقال: ليس له ولد، الجملة في موضع الحال من الضمير في هلك. ﴿ وَلَهُ أُخْتٌ ﴾ جملة حالية أيضاً والذي يقتضيه النظر إن ذلك ممتنع وذلك ان المسند إليه حقيقة إنما هو الاسم الظاهر المعمول للفعل المحذوف فهو الذي ينبغي أن يكون التقييد له، اما الضمير فإِنه في جملة مفسرة لا موضع لها من الإِعراب فصارت كالمؤكدة لما سبق وإذا تجاذب الاتباع والتقييد مؤكد. ومؤكد فالحكم إنما هو للمؤكد إذ هو معتمد الاسناد الأصلي فعلى هذا لو قلت: ضربت زيداً، ضربتَ زيداً العاقل، أنبغى أن يكون العاقل نعتاً لزيداً في الجملة الأولى لا لزيداً في الجملة الثانية، لأنها جملة مؤكدة للجملة الأولى. والمقصود بالإِسناد إنما هو الجملة الأولى لا الثانية قيل: وثم محذوف للاختصار ودلالة الكلام عليه والتقدير ليس له ولد ولا والد وله أخت المراد بها الشقيقة أو التي لأب دون التي لام، لأن الله فرض لها النصف وجعل أخاها عصبة وقال: للذكر مثل حظ الأنثيين، وأما الأخت للأم فلها السدس في آية المواريث مُسَوى بينها وبين أخيها. والضمير في قوله: وهو، وفي يرثها، يعود إلى ما تقدم لفظاً دون معنى فهو من باب عندي درهم ونصفه لأن الهالك لا يرث، والحية لا تورث، ونظيره من القرآن: وما يعمر من معمر، ولا ينقص من عمره، وهذه الجملة مستقلة لا موضع لها من الإِعراب.وهي دليل جواب الشرط الذي بعدها المحذوف. ﴿ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ ﴾ المراد به هنا الابن لأن الابن يسقط الأخ دون البنت. ﴿ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ﴾ قالوا: الضمير في كانتا ضمير اختين دل على ذلك قوله: وله أخت، وقد تقرر في علم العربية ان الخبر يفيد ما لا يفيده الاسم وقد منع أبو علي وغيره سيد الجارية مالكها، لأن الخبر أفاد ما أفاده المبتدأ، والألف في كانتا تفيد التثنية كما أفاده الخبر وهو قوله تعالى: ﴿ ٱثْنَتَيْنِ ﴾.
وأجاب الأخفش وغيره بأن قوله: اثنتين، يدل على عدم التقييد بالصغر أو الكبر أو غيرهما من الأوصاف فاستحق الثلثان بالاثنينية مجردة عن القيود فلهذا كان مقيداً. وهذا الذي قالوه ليس بشيء لأن الألف الضمير للاثنتين تدل أيضاً على مجرد الاثنينة من غير اعتبار قيد فصار مدلول الألف ومدلول اثنتين سواء، وصار المعنى فإن كانت الأختان اثنتين، ومعلوم أن الأختين اثنتان.قال الزمخشري: فإِن قلت: إلى من يرجع ضمير التثنية والجمع في قوله: فإِن كانتا اثنتين وإن كانوا إخوة؟ قلت: أصله فإِن كان من يرث بالاخوة اثنتين، وإن كان من يرث بالإِخوة ذكوراً وإِناثاً، وإنما قيل: فإِن كانتا، وإن كانوا، كما قيل: من كانت أمك. فكما أنت ضمير من لمكان تأنيث الخبر كذلك ثنى وجمع ضمير من يرث في كانتا وكانوا لمكان تأنيث الخبر وجمعه. " انتهى ". وهو تابع في هذا التخريج لغيره وهو تخريج لا يصح وليس نظير من كانت أمك لأن من صرح بها ولها لفظ. ومعنى فمن أنت راعي المعْنى لأن التقدير أية أمّ كانت أمك. ومدلول الخبر في هذا مخالف لمدلول الاسم بخلاف الآية فإِن المدلولين واحد ولم يؤنث في من كانت أمك لتأنيث الخبر، إنما أنت مراعاة لمعنى من إذ أراد بها مؤنثاً، ألا ترى انك تقول: من قامت، فتؤنث مراعاة للمعنى إذا أردت السؤال عن مؤنث ولا خبر هنا فيؤنث قامت لأجله. والذي يظهر لي في تخريج الآية غير ما ذكروا وذلك وجهان، أحدهما: أن الضمير في كانتا لا يعود على أختين إنما يعود على الوارثتين ويكون ثم صفة محذوفة لاثنتين واثنتين بصفة هو الخبر والتقدير فإِن كانت الوارثتان اثنتين من الأخوات فلهما الثلثان مما ترك، فيفيد إذ ذاك الخبر ما لا يفيد الاسم وحذف الصفة لفهم المعنى جائز. والوجه الثاني: أن يكون الضمير عائداً على الأختين كما ذكروا ويكون خبر كان محذوفاً لدلالة المعنى عليه وإن كان حذفه قليلاً ويكون اثنتين حالاً مؤكدة والتقدير فإِن كانت أختان له أي للمرء الهالك ويدل على حذف الخبر الذي هو له قوله: وله أخت، فكأنه قيل: فإِن كان أختان له.ونظيره أن تقول: إن لزيد أخ فحكمه كذا، وإن كان إخوان فحكمهما كذا، تريد وإن كان أخوان له. ﴿ وَإِن كَانُوۤاْ إِخْوَةً ﴾ يعني أنهم يحوزون المال على ما تقرر في إرث الأولاد من أنه للذكر مثل حظ الانثيين والضمير في كانوا إن عاد على الاخوة فقد أفاد الخبر بالتفضيل المحتوي على الرجال والنساء ما لا يفيده الاسم لأن الاسم ظاهر في الذكور وإن عاد على الوارث فظهرت إفادة الخبر ما لا يفيد المبتدأ ظهوراً واضحاً. والمراد بقوله: اخوة، الاخوة والأخوات وغلب حكم المذكر. ﴿ أَن تَضِلُّواْ ﴾ مفعول من أجله ومفعول يبين محذوف أي يبين لكم الحق فقدر البصري والمبرد وغيره كراهة أن تضلوا وقدر الكوفي وغيره لئلا تضلوا وحذف لا. ومثله عندهم قول القطامي:رأينا ما رأى البصراء منها   فآلينا عليها أن تباعاًوالظاهر أن المعنى يبين الله لكم شأن الكلالة كراهة أن تضلوا فيها. ﴿ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ يعلم مصالح العباد في المبدأ والمعاد وفيما كلفهم به من الأحكام. وهذه السورة مشتمل أولها على كمال تنزيه الله تعالى وسعة قدرته، وآخرها مشمل على بيان كمال العم، وهذان الوصفان بهما تثبت الربوبية والإِلهية والجلال والعزة وبهما يجب أن يكون العبد منقاداً للتكاليف.
السورة التالية
Icon