0:00
0:00

﴿ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ﴾.
٢٤١- طيبة النفس غير طيبة القلب، فقد يريد الإنسان بقلبه ما لا تطيب به نفسه، فإنه يريد الحجامة بقلبه، ولكن تكرهها نفسه، وإنما طيبة النفس أن تسمح نفسه :بالإبراء، لا عن ضرورة تقابله، حتى إذا رددت بين ضررين اختارت أهونهما، فهذه مصادرة على التحقيق بإكراه الباطن. [ الإحياء :٣/٤٢١ ].
﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾.
٢٤٢- تنبيها على أن حفظ العلم ممن يسفده ويضره أولى، وليس الظلم في إعطاء غير المستحق بأقل من الظلم في منع المستحق. [ نفسه :١/٧٢ وميزان العمل :٣٦٨ ].
﴿ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم وأموالهم ﴾.
٢٤٣- جعل ممارسة اليتيم في المال سببا، فيصير ملائما. وهذه مناسبة مع الملائمة في نهاية الضعف. [ شفاء الغليل :١٥٠ ].
٢٤٤- ﴿ فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ نبه على أن من بلغ رشده في العم، فينبغي أن يبث إليه حقائق العلوم ويرقى من الجلي الظاهر إلى الدقيق الخفي الباطن.
فليس الظلم في منع المستحق بأقل من الظلم في إعطاء غير المستحق وقال المتقدم في مثل ذلك :
فمن منع الجهال علما أضاعه ومن منع المستوجبين فقد ظلم
[ ميزان العمل :٣٨٦ ].
﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ﴾.
٢٤٥- لا يسبق إلى الفهم من الأكل معنى الأكل، وإنما يسبق إلى معنى الاحتياج والتفويت للمال، حتى يعلم-على الارتياح، أو بأدنى تأمل- أن الظلم بهبة ماله واعتاقه والتبرع به، وإتلافه وإحراقه، وإلقائه في البحر وغير ذلك من وجوه الإتلاف كالظلم بالأكل، بل يكاد يصير الأكل كناية عن الإتلافات. [ شفاء الغليل :٨٣-٨٤ ].
٢٤٦- قد يطلق الخاص، ونريد العام كقوله تعالى : ﴿ إن الذين ياكلون أموال اليتامى ظلما ﴾، والمراد هو الإتلاف الذي هو أعم من الأكل، ولكن عبر بالأكل عنه... وقلنا كل إتلاف لمال اليتامى حرام. [ معيار العلم في المنطق :١٩٦ ].
٢٤٧- فهم غير المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصوده... كفهم تحريم مال اليتيم وإحراقه وإهلاكه من قوله تعالى : ﴿ إن الذين ياكلون أموال اليتامى ظلما ﴾. [ المستصفى من علم الأصول :٢/١٩٠ ].
﴿ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين.. ﴾.
٢٤٨- خصصوا عموم آية المواريث برواية أبي هريرة :( أنه لا يرث القاتل والعبد ولا أهل ملتين )١. [ نفسه :٢/١١٩ ].
﴿ وورثاه أبواه فلأمه الثلث ﴾.
٢٤٩- فمعقول هذا أن لأبيه الثلثين [ نفسه :٢/٢٤٥ ].
﴿ فإن كان له إخوة فلأمه السدس ﴾.
٢٥٠- عقل ابن عباس رضي الله عنه من قوله : ﴿ فإن كان له إخوة فلأمه السدس ﴾ أنه إن كان له أخوان فلأمه الثلث. [ نفسه :٢/١٩٨ ]
١ - رواه ابن ماجة في كتاب الفرائض باب ميراث القاتل ٢/٩١٢ حديث رقم٢٧٣٥ و ٢/ ٩١٣ حديث رقم ٢٧٣١.
﴿ وإن كنا رجل يورث كلالة... ﴾
٢٥١- قول أبي بكر لما سئل عن الكلالة :أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان، الكلالة :ما عدا الوالد والولد. [ نفسه :٢/٢٤٣ ].
﴿ والتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ﴾.
٢٥٢- نسخ الحبس والأذى عن اللاتي يأتين الفاحشة بالجلد١ والرجم مع بقاء التلاوة. [ نفسه :١/١٢٤ ].
١ - رواه مسلم عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ : [[خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم]] كتاب الحدود باب حد الزنا ٣/ ١٣١٦ حديث رقم ١٦٩٠ ورواه الترمذي في صحيحه أبواب الحدود ٢/٤٤٥ حديث رقم ١٤٦١ وقال: حديث حسن صحيح..
﴿ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء لجهالة ثم يتوبون من قريب ﴾.
٢٥٣- ومعناه عن قرب عهد بالخطيئة، بان يتندم عليها ويمحو أثرها بحسنة يردفها بها قبل أن يتراكم الرين على القلب فلا يقبل المحو، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم :( أتبع السيئة الحسنة [ تمحها ]١ " ٢ ولذلك قال لقمان لابنه :يا بني لا تؤخر التوبة فإن الموت يأتي بغتة [ الإحياء :٤/١٣ ].
١ - في النسخة المطبوعة تمحوها والصواب ما أثبته..
٢ - عن أبي ذر ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [[اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن]] رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، وفي بعض النسخ حسن صحيح ن. أبواب البر والصلة ٣/ ٢٩٣ حديث رقم ٢٠٥٣..
﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ﴾.
٢٥٤- قال مجاهد في قوله تعالى : ﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ﴾ قال :إذا عاين الرسل، فعند ذلك تبدو له صفحة وجه ملك الموت، فلا تسأل عن طعم مرارة الموت وكربه عند ترادف سكرته. [ نفسه :٤/٤٩١ ].
﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ﴾.
٢٥٥- يحمل على وطء الأب وعقده. [ المستصفى :٢/٧١ ].
﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾.
٢٥٦- يقتضي إضمار الوطء، أي :حرم عليكم وطء أمهاتكم، لأن الأمهات عبارة عن الأعيان، والأحكام لا تتعلق بالأعيان، بل لا يعقل تعلقها إلا بأفعال المكلفين، فاقتضى اللفظ فعلا، وصار ذلك هو الوطء من بين سائر الأفعال بعرف الاستعمال [ نفسه :١/١٨٧ ].
٢٥٧- لم يجعل قوله تعالى : ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ عاما في كل فعل، مع أنه لابد من إضمار فعل، فالحكم ههنا لا بد من إضماره لإضافة الرفع إليه كالفعل، ثم ينزل على ما يقتضي عرف الاستعمال وهو الذم والعقاب ههنا والوطء. [ نفسه :١/٣٤٩ ].
﴿ وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ﴾.
٢٥٨- أراد به زمان الجاهلية، هذا ما ورد في التفسير. [ نفسه :١/٣٩٤ ].
٢٥٩- ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين ﴾ حرم عليه الجمع بين المملوكتين، وإنما يجوز له إذا قصد العمل بموجب الدليل الثاني، وهو قوله تعالى : ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾١ كما قال عثمان : " أحلتهما آية وحرمتهما آية ". [ نفسه :٢/٣٨١ ]
٢٦٠- من التعارض أن يتعارض عمومان، فيزيد أحدهما على الآخر من وجه وينقص عنه من وجه، مثاله :... قوله تعالى : ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين ﴾، فإنه يشمل جمع الأختين في ملك اليمين أيضا مع قوله : ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾٢ فإنه يحل الجمع بين الأختين في النكاح دون ملك اليمين، لعموم قوله ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ فهو على مذهب القاضي تعارض وتدافع بتقديم النسخ، ويشهد له قول علي وعثمان رضي الله عنهما لما سئلا عن هذه المسألة- أعني :جمع أختين في ملك اليمين- فقالا :حرمتهما آية وحللتهما آية.
أما على مذهبنا في حمله على البيان ما أمكن ليس أيضا أحدهما بأولى من الآخر ما لم يظهر ترجيح، وقد ظهر.
فنقول :عموم قوله : ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين ﴾ أولى المعنيين :
أحدهما :أنه عموم لم يتطرق إليه تخصيص متفق عليه فهو أقوى من عموم تطرق إليه التخصيص بالاتفاق، إذ قد استثني عن ملك اليمين المشركة والمستبرأة والمجوسية والأخت من الرضاع والنسب وسائر المحرمات، أما الجمع بين الأختين فحرام على العموم.
الثاني :أن قوله : ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين ﴾ سيق بعد ذكر المحرمات وعدها على الاستقصاء إلحاقا لمحرمات تعم الحرائر والإماء.
وقوله ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ ما سيق لبيان المحللات قصدا ! بل في معرض الثناء على أهل التقوى الحافظين فروجهم من غير الزوجات والسراري، فلا يظهر منه قصد البيان. [ المستصفى :٢/١٤٨ إلى ١٥١ ]
١ - النساء : ٣.
٢ - النساء : ٣..
﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾.
٢٦١- روى أبو هريرة أن المرأة لا تنكح على عمتها وخالتها١ فخصصوا به قوله تعالى : ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ [ المستصفى من علم الأصول :٢/١١٩ ].
١ - رواه البخاري كتاب النكاح ٦/١٢٨ باب لا تنكح المرأة على عمتها حديث رقم ٥١٠٨. ومسلم في كتاب النكاح باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح الحديث رقم ١٤٠٨..
﴿ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ﴾.
٢٦٢- يترتب الحكم على الفعل بفاء التعليل والتسبيب، فهو تنبيه على تعليل الحكم بالفعل الذي رتب عليه... كقوله تعالى : ﴿ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ﴾ فدل ذلك على أن سبب إباحة نكاح الإماء العجز. [ شفاء الغليل :٢٨ ].
٢٦٣- فإن قيل :فقد قال تعالى : ﴿ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ﴾ الآية.
فهلا نزلت ذلك على تأثيره في الحكم بواسطة الفعل، مصيرا إلى أن الغالب :أن القادر على الحرة لا ينكح الأمة فيرق ولده، ويضيق على نفسه الاستمتاع ؟ ولما رددتم مذهب أبي حنيفة إذ صار إليه ؟.
قلنا :نظره ليس باطل، لأن الآية لا تحتمل هذا التأويل، ولكنه قد نعول على المعنى في تلك المسألة- وهو إرقاق الولد- وقد نعول على الآية ونبطل دليل الخصم على تأويله بالطرق المذكورة في تلك المسألة، فأما أصل التأويل فغير ممتنع في أصله. [ نفسه :١٠٤ ]
﴿ فإذا أحصن فإن آتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾.
٢٦٤- نقول في العبد :إنه رقيق، فينشطر حد الزنا في حقه كالأمة، ونقيس على الأمة، لأن النص وارد في حق الأمة، إذ قال تعالى : ﴿ فإذا أحصن فإن آتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾.
فيقال :وما الدليل على أن الرقة علة ؟
قلنا :هو أن التشطير يعدم بعدمه، فإنها لو عتقت لم ينشطر حدها [ شفاء الغليل :٢٧٠ ]
٢٦٥- ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾ فالعبد في معناها [ المستصفى من علم الأصول :٢/٢٨٣ ].
﴿ وخلق الإنسان ضعيفا ﴾.
٢٦٦- عن عكرمة ومجاهد أنهما قالا في معنى قول : ﴿ وخلق الإنسان ضعيفا ﴾ أنه لا يصبر على النساء. [ الإحياء :٢/٣٢ ].
﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ﴾.
٢٦٧- أمر الله تعالى بأكل الطيب وهو الحلال، وقدم النهي عن الأكل بالباطل على القتل تفخيما لأمر الحرام وتعظيما لبركة الحلال [ نفسه :٢/٤ ].
﴿ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ﴾.
٢٦٨- أي لا تطلبوا حيلة للفراق [ نفسه :٢/٦٢ ].
﴿ إن يريد إصلاحا يوفق الله بينهما ﴾.
٢٦٩- جعل النية سبب التوفيق [ نفسه :٤/٣٨٢ ].
﴿ والصاحب بالجنب ﴾.
٢٧٠- قيل :هي المرأة الصالحة. [ نفسه :٢/٤٨ ].
﴿ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ﴾.
٢٧١- الكتمان :كفران النعمة، وقد ذم الله عز وجل من كتم ما آتاه الله عز وجل وقرنه بالبخل. [ نفسه :١/٢٢٩ ].
﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ﴾.
٢٧٢- ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ﴾ قيل :سكارى من كثر الهم وقيل من حب الدنيا. وقال وهب١ :المراد به ظاهره، ففيه تنبيه على سكر الدنيا إذ بين فيه العلة فقال : ﴿ حتى تعلموا ما تقولون ﴾ وكم من مصل لم يشرب خمرا وهو لا يعلم ما يقول في صلاته. [ نفسه :١/١٧٨ ].
٢٧٣- تكليف السكران الذي لا يعقل محال كتكليف الساهي والمجنون، والذي لا يسمع ولا يفهم، بل السكران أسوأ حالا من النائم الذي يمكن تنبيهه، ومن المجنون الذي يفهم كثيرا من الكلام.
وأما نفوذ طلاقه ولزوم الغرم، فذلك من قبيل ربط الأحكام بالأسباب، وذلك مما لا ينكر، فإن قيل :فقد قال الله تعالى : ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ وهذا خطاب للسكران. قلنا :إذا ثبت بالبرهان استحالة خطابه وجب تأويل الآية ولها تأويلان :
أحدهما :أنه خطاب مع المنتشي الذي ظهر فيه مبادئ النشاط والطرب، ولم يزل عقله، فإنه قد يستحسن من اللعب والانبساط ما لا يستحسنه قبل ذلك، ولكنه عاقل وقوله تعالى : ﴿ حتى تعلموا ما تقولون ﴾ معناه :حتى يسكن غضبك فيكمل علمك، وإن كان أصل عقله باقيا، وهذا لأنه لا يشتغل بالصلاة مثل هذا السكران، وقد يعسر عليه تصحيح مخارج وتمام الخشوع.
الثاني :أنه ورد الخطاب به في ابتداء الإسلام قبل تحريم الخمر، وليس المراد المنع من الصلاة بل المنع من إفراط الشرب في وقت الصلاة، كما يقال لا تقرب التهجد وأنت شبعان، ومعناه :لا تشبع فيثقل عليك التهجد. [ المستصفى :١/ ٨٤-٨٥ ]
٢٧٤- ذهب الفقهاء إلى أنه مخاطب تمسكا بقوله تعالى : ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾... وظاهر الآي لا يصادم المعقولات، ثم هو خطاب مع المنتشي الذي لم يزل عقله، بدليل أنه نزل في شارب خمر أم قوما، فقرأ " الفاتحة "، فتخبطت عليه سورة ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ وكان معه من العقل ما يفهم به.
قلنا :جريان الأحكام عليه تغليظ، لأن السكر متشوف النفوس، وقد تعدى بالتسبب إليه، فلا يتوجه إليه الخطاب في حالة السكر أصلا.
والأحكام جارية، والصلاة تقضى بأمر جديد، ولو أمر به المجنون بعد الإفاقة، أو الحائض بعد الطهر بفعل الصوم لم يبعد، وسببه تعديه بالتسبب إليه مع كونه مجنونا حتى لو ردى نفسه من شاهق، فانخلعت قدماه، لا يجب القضاء، لأن النفس لا تتشوف إليه.
والخلاف آيل إلى عبارة، إن سلموا لنا استحالة تكليف ما لا يطاق، لأننا نسلم الأحكام وجريانها، وذلك لا يدل على التكليف، والسكران لا يفهم، ولا يقال له افهم، وهو شرط خطاب، وكذلك الناسي الذاهل حكمه حكم السكران في التكليف. [ المنخول من تعليقات الأصول :٢٩-٣٠ ].
٢٧٥- ﴿ حتى تعلموا ما تقولون ﴾ تعليل لنهي السكران، وهو مطرد في الغافل المستغرق الهم بالوسواس وأفكار الدنيا. [ الإحياء :١/ ١٨٥ ].
٢٧٦- ﴿ ولا جنبا إلا عابر سبيل حتى تغتسلوا ﴾... تنبيه على أن ما جعل غاية للحكم مؤثر في ارتباط. [ شفاء الغليل :٤٨ ].
٢٧٧- يحمل قوله تعالى : ﴿ أو لامستم النساء ﴾ على الوطء والمس جميعا، قلنا :هذا عندنا كاللفظ المشترك، وإن كان التعميم فيه أقرب قليلا، وقد نقل أن الشافعي رحمه الله قال :أحمل آية اللمس على المس والوطء جميعا، وإنما قلنا :هذا أقرب لأن المس مقدمة الوطء، والنكاح أيضا يراد للوطء، فهو مقدمته، ولأجله استعير للعقد اسم النكاح الذي وضعه للوطء، واستعير للوطء اسم اللمس، فلتعلق أحدهما بالآخر ربما لا يبعد أن يقصدا جميعا باللفظ المذكور مرة واحدة. لكن الأظهر عندنا أن ذلك أيضا على خلاف عادة العرب. [ المستصفى :٢/٧٤ ].
٢٧٨- ﴿ فلم يجدوا ماء فتيمموا ﴾ فهو تنبيه على إضافة الإباحة إلى العدم، ولكن إلى العدم لعينه حتى يقتصر عليه، أو لمعنى يتضمنه، وهو :العجز الحاصل به، حتى يتعدى إلى من وجد ماء ومنعه منه حائل أو افتقر إليه السقية، أو افتقر في تحصيله إلى تفويت مال كثير وارتكاب خطر وغيره ؟ [ شفاء الغليل :٦٤ ].
٢٧٩- أن يترتب الحكم على الفعل بفاء التعليل والتسبيب، فهو تنبيه على تعليل الحكم بالفعل الذي رتب عليه... كقوله تعالى : ﴿ فلم يجدوا ماء فتيمموا ﴾ فدل ذلك على أن سبب جواز التيمم فقد الماء. [ نفسه :٢٨ ]
٢٨٠- ﴿ أو لامستم النساء ﴾ حمله أبو حنيفة –رضي الله عنه- على المجامعة وحمله الشافعي على الجس باليد. [ الوسيط في المذهب :١/٤٠٩-٤١٠ ].
٢٨١- يبيح التيمم :... العجز عن استعمال الماء لقوله تعالى : ﴿ فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ﴾ [ نفسه :١/٤٣١ ].
٢٨٢- ﴿ فلم تجدوا ماء فتيمموا ﴾ فإن ذلك في اللمس والغائط.
ونحن نطرد ذلك في البول والنوم والمذي والمني وجميع الجهات، لأنه فهم بالإيمان أن السبب فقد الماء، فاتبعنا السبب دون المحل. [ شفاء الغليل :١١٦ ].
١ - هو أبو عبد الله وهب بن منبه اليماني الصنعاني الذماري، تابعي، من كبار المفسرين، حدث عن جابر وابن عباس وأبي سعيد الخدري، وروى عن عمرو بن دينار وغيره. توفي سنة ١١٠هـ وقيل ١١٤ هـ ن حلية الأولياء: ٤/٢٣ وتهذيب الأسماء: ٢/١٤٩..
﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ﴾ ( ٥٥ ).
٢٨٣- قال الحسن في قوله تعالى : ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ﴾ قال :تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة، كلما أكلتهم قيل لهم :عودوا فيعودون كما كانوا [ الإحياء :٤/٥٦٧ ].
﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ ( ٥٧ ).
٢٨٤- لما تلا قوله عز وجل : ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ وضع يده على سمعه وبصره فقال : " السمع أمانة والبصر أمانة " ١. [ نفسه :١/٢٧٩-٢٨٠ ].
١ - حديث لما تلا قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ وضع يده على سمعه وبصره وقال: السمع أمانة والبصر أمانة]] أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة دون قوله: [[السمع أمانة]]، ن المغني بهامش الإحياء: ١/٢٨٠ والإتحاف: ٤/٤٢١..
﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ ( ٥٨ ).
٢٨٥- ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا أولي الأمر منكم ﴾ أما أولوا الأمر فإنما أراد بهم الولاة ؛ إذ أوجب طاعتهم كطاعة الله ورسوله، ولا يجب على المجتهد اتباع المجتهد.
فإن كان المراد بأولي الأمر الولاة فالطاعة على الرعية، وإن كان هم العلماء فالطاعة على العوام، ولا نفهم غير ذلك. [ المستصفى :٢/٣٨٥-٣٨٦ ].
٢٨٦- ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ مفهومه١ إن اتفقتم فهو حق [ نفسه :١/١٧٥ ].
١ - أي مفهوم المخالفة..
﴿ فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ﴾ ( ٦٤ ).
٢٨٧- نفي الإيمان، وأقسم على من سخط قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكيف حال من سخط قضاء الله تعالى ؟ وروينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث قدسي عن رب العالمين :( من لم يرض بقضائي، ولم يصبر على بلائي ولم يشكر نعمائي فليتخذ إلها سوائي )١
٢٨٨- ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ﴾ نفى إيمانهم إلا بالقبول لأحكامه وأقضيته، فكيف بأصل رسالته وبعثته ؟ [ مدخل السلوك إلى منازل الملوك :٤١ ].
١ - رواه الطبراني في المعجم الأوسط عن أنس بن مالك، ن. الجامع الصغير للسيوطي ٢/٥٥٨ حديث رقم ٩٠٢٧ ولفظه: [من لم يرض بقضاء الله، ويؤمن بقدر الله فليتلمس إلها غير الله]] وأشار السيوطي إلى ضعفه..
﴿ وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا ﴾ ( ٧٤ ).
٢٨٩- لما كتب عليهم القتال : ﴿ قالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب ﴾ فقال تعالى : ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ أي لستم تريدون البقاء إلا لمتاع الدنيا، فظهر عند ذلك الزاهدون وانكشف حال المنافقين [ الإحياء :٤/٢٣١ ].
٢٩٠- إلى تعريف خساسة الدنيا الإشارة بقوله تعالى : ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ [ نفسه :٤/٢٣١ ].
٢٩١١- ﴿ ولا تظلمون فتيلا ﴾ اتفق أهل اللغة على أن فهم... ما وراء الفتيل... من المقدار الكثير أسبق إلى الفهم من نفس... الفتيل. [ المستصفى :١/٣٣٥ ].
١ - قال الإمام الغزالي "النص ضربان: ضرب هو نص بلفظه ومنظومه... وضرب هو نص بفحواه ومفهومه نحو قوله تعالى: ﴿ولا تقل لهما أف﴾، ﴿ولا تظلمون فتيلا﴾ ﴿ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ ﴿ومنهم من إن تامنه بدينار لا يؤده إليك﴾ فقد اتفق أهل اللغة على أن فهم ما فوق التأفيف من الضرب والشتم، وما وراء الفتيل والذرة من المقدار الكثير أسبق إلى الفهم منه من نفس الذرة والفتيل والتأفيف" ن. المستصفى ١/٣٣٥..
٢٩٢- معناه :لا يفقهون حديثا، يقولون : ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله ﴾، فإن لم يرد هذا كان مناقضا لقوله : ﴿ قل كل من عند الله ﴾ وسبق إلى الفهم منه مذهب القدرية. [ الإحياء :١/٣٤٤ ]
﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ﴾ ( ٨١ ).
٢٩٣- معناه :التناقض والكذب الذي يدعيه الملحدة، أو الاختلاف من البلاغة واضطراب اللفظ الذي يتطرق إلى كلام البشر بسبب اختلاف أحواله من نظمه ونثره. وليس المراد بنفي الاختلاف في الأحكام، لأن جميع الشرائع والملل من عند الله، وهي مختلفة، والقرآن فيه أمر ونهي وإباحة ووعد ووعيد وأمثال ومواعظ، وهذه اختلافات. [ المستصفى من علم الأصول :٢/٢٦١-٢٦٢ ].
٢٩٤- ﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ﴾ المراد به :تناقض الكلمات في المتكلم الواحد، إذا تناقض كلامه فسد. [ فضائع الباطنية :١٢٥ ].
﴿ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ﴾ ( ٨٢ ).
٢٩٥- هذا يبعد حمله على الذي يليه، لأنه يؤدي إلى أن لا يتبع الشيطان بعض من لم يشمله فضل الله ورحمته، فقيل :إنه محمول على قوله : ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ إلا قليلا منهم، لتقصير وإهمال وغلط. وقيل :إنه يرجع إلى قوله : ﴿ أذاعوا به ﴾ ولا يبعد أن يرجع إلى الأخير. ومعناه :ولولا فضل الله عليكم ورحمته ببعثة محمد عليه السلام لاتبعتم الشيطان إلا قليلا، قد كان تفضل عليهم بالعصمة من الكفر قبل البعثة كأويس القرني، وزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة وغيرهم ممن تفضل الله عليهم بتوحيده واتباع رسوله قبله. [ المستصفى من علم الأصول :٢/١٧٩ ].
٢٩٦- ﴿ لو ردوه إلى الله وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ رد حكمه في الوقائع إلى استنباطهم، وألحق رتبتهم برتبة الأنبياء في كشف حكم الله. [ الإحياء :١/١٥ ]
٢٩٧- ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ فردهم عن النزاع إلى أهل الاستنباط. [ المستصفى :١/١٨٢ ].
٢٩٨- ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ أثبت لأهل العلم استنباطا. [ الإحياء :١/٣٤٣ ].
٢٩٩- إلى العقل والشرع أشار بالفضل والرحمة بقوله تعالى : ﴿ الذين يستنبطونه منهم ﴾ [ القسطاس المستقيم ضمن مجموعة رسائل الإمام الغزالي رقم ٣ ص :١٥ ].
٣٠٠- إلى العقل والشرع أشار بالفضل والرحمة بقوله تعالى : ﴿ ولو فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ﴾ وعنى بالقليل المصطفين الأخيار [ معارج القدس في مدارج معرفة النفس :٥٩ ].
﴿ وكان الله على كل شيء مقيتا ﴾ ( ٨٤ ).
٣٠١- المقيت معناه :خالق الأقوات وموصلها إلى الأبدان وهي الأطعمة، وإلى القلوب وهي المعرفة، فيكون بمعنى الرازق إلا أنه أخص منه، إذ الرزق إلا أنه أخص منه، إذ الرزق يتناول القوت، وغير القوت، والقوت ما يكتفي به في قوام البدن.
وإما أن يكون بمعنى المتسولي على الشيء القادر عليه، والاستيلاء يتم بالقدرة والعلم، وعليه يدل قوله تعالى : ﴿ وكان الله على كل شيء مقيتا ﴾ أي مطعما قادرا، فيكون معناه راجعا إلى القدرة والعلم... ويكون بهذا المعنى وصفه بالمقيت أتم من وصفه بالقادر وحده وبالعالم وحده، لأنه دال على اجتماع المعيين... وبذلك يخرج هذا الاسم عن الترادف. [ المقصد الأسني في شرح أسماء الله الحسنى :١٠٢ ]
﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ ( ٨٥ ).
٣٠٢- قال ابن عباس رضي الله عنهما :من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه السلام وإن كان مجوسيا، إن الله تعالى يقول : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ وقال ابن عباس أيضا :لو قال لي فرعون خيرا لرددت عليه. [ الإحياء :٣/١٢٩ ].
﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا ﴾.
٣٠٣- ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ﴾ استثنى الخطأ من العمد. [ المستصفى من علم الأصول :٢/١٦٨ ].
٣٠٤- ﴿ من قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ إذ تجب على العامد عند الشافعي رحمه الله. [ نفسه :٢/٢٠٣ ].
٣٠٥- ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا ﴾ يرجع إلى الأخير وهو الدية، لأن التصدق لا يؤثر في الإعتاق. [ نفسه :٢/١٧٩ ].
﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ﴾ ( ٩٤ ).
٣٠٦- لما نزل قوله تعالى : ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين ﴾ [ الآية. قال ابن أم مكتوم١ ما قال، وكان ضريرا، فنزل قوله تعالى : ﴿ غير أولي الضرر ﴾ فشمل الضرير وغيره عموم لفظ المؤمنين. [ نفسه :٢/٤٣ ].
١ - هو عبد الله بن قيس بن زندة بن الأصم بن رواحة القرشي العامري الصحابي من السابقين المهاجرين، كان ضريرا مؤذنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع بلال، يقال استشهد يوم القادسية. ن: حلية الأولياء ٢/٤ وتهذيب الأسماء ٢/٢٩٥ وسير أعلام النبلاء: ١/٣٦٠..
﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ﴾ ( ٩٦ ).
٣٠٧- نزل قوله تعالى : ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ﴾ في قوم من المسلمين كانوا يكثرون جماعة المشركين بالمخالطة. [ الإحياء :٢/١٦٥ ].
﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسحلتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتات طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ﴾ ( ١٠١ ).
٣٠٨- صلاة الخوف وردت في القرآن ناسخة لما ثبت في السنة من جواز تأخيرها إلى انجلاء القتال، حتى قال عليه السلام يوم " الخندق " وقد أخر الصلاة " حشا الله قبورهم نارا " ١ لحبسهم له عن الصلاة... [ المستصفى :١/١٢٤ ].
١ - رواه مسلم بلفظ: [[ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا... الحديث]] كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١/٤٣٦-.
﴿ فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ﴾ ( ١٠٢ ).
٣٠٩- قال ابن عباس رضي الله عنهما :أي بالليل والنهار في البر والبحر والسفر والحضر والغنى والفقر والمرض والحضر والسر والعلانية. [ نفسه :١/٣٥٠ ].
﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ﴾ ( ١١٢ ).
٣١٠- قد سمى الله عز وجل العلم فضلا في مواضع قال تعالى : ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ﴾ [ نفسه :١/٢١٩ ].
٣١١- أعظم نعمة الله على عباده هو العلم وكشف الحق، والإيمان عبارة عن نوع كشف وعلم، ولذلك قال تعالى امتنانا على عبده : ﴿ وكان فضل الله عليك عظيما ﴾ [ نفسه :٤/٤٢٦ ].
﴿ ولا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ﴾ ( ١١٣ ).
٣١٢- ﴿ لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف ﴾ ومعناه :أن لا تتكلم فيما لا يعنيك، وتقتصر على المهم، ففيه النجاة. [ كتاب الأربعين في أصول الدين :٨٣-٨٤ ].
﴿ ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ﴾ ( ١١٤ ).
٣١٣- إن ذلك يوجب اتباع سبيل المؤمنين، وهذا ما تمسك به الشافعي، وقد أطنبنا في كتاب " تهذيب الأصول " ١ في توجيه الأسئلة٢ على الآية ودفعها. والذي نراه :أن الآية ليست نصا في الغرض، بل الظاهر أن المراد بها أن من يقاتل الرسول ويشاققه ويتبع غير سبيل المؤمنين في مشايعته ونصره ودفع الأعداء عنه ﴿ نوله ما تولى ﴾ فكأنه لم يكتف بترك المشاقة حتى تنظم إليه متابعة سبيل المؤمنين في نصرته والذب عنه والانقياد له فيما يأمر وينهي، وهذا هو الظاهر السابق إلى الفهم، فإن لم يكن ظاهرا فهو محتمل، ولو فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية بذلك لقبل ولم يجعل ذلك رفعا للنص، كما لو فسر المشاقة بالموافقة واتباع سبيل المؤمنين بالعدول عن سبيلهم. [ [ المستصفى :١/١٧٥ ].
٣١٤- تمسك الشافعي في إثبات كون الإجماع حجة بقوله : ﴿ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ﴾ الآية :تواعد على ترك اتباع سبيل المومنين، فإذا أجمعوا على حكم فهو سبيلهم.
فإن قيل :تنطوي على السريرة، ولا اطلاع عليها، فما ندري أن الذين أجمعوا أهم المؤمنون الذين يجب اتباعهم أم لا ؟
قلنا :لم نكلف البحث عن الضمائر، وإنما أمرنا بناء الأمر على الظاهر، وإذا أجمعت الأمة على حكم يجب القضاء بأنهم هم المومنون.
إلا أن ينقدح حمل الآية على ترك الإيمان والمخالفة فيه، ويشهد له قوله قبله : ﴿ ومن يشاقق الرسول ﴾ وهذا وإن لم نقطع به، فهو محتمل، والقطعيات لا تثبت بالمحتملات. [ المنخول :٣٠٥ ].
١ - هذا الكتاب من الكتب المقطوع بصحة نسبتها إلى الغزالي، وهو كتاب ضخم في علم الأصول يميل إلى الاستقصاء والاستكثار على حد تعبير الغزالي، وهو كتاب مفقود. ن المستصفى: ١/٤، ومؤلفات الغزالي لعبد الرحمن بدوي: ٨١٠..
٢ - في الأصل المطبوع الأسولة..
﴿ يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ﴾ ( ١١٩ ).
٣١٥- يعدهم التوبة، ويمنيهم المغفرة، فيهلكهم بإذن الله تعالى بهذه الحيل وما يجري مجراها. [ الإحياء :٣/٥٢ ].
﴿ من يعمل سوءا يجزيه ﴾ ( ١٢٢ ).
٣١٦- روي أنه لما نزل قوله تعالى : ﴿ ومن يعمل سوءا يجزيه ﴾ قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه :كيف الفرح بعد هذه الآية ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض ؟ ألست يصيبك الأذى ؟ ألست تحزن ؟ فهذا ما تجزون به )١ يعني أن جميع ما يصيبك يكون كفارة لذنوبك. [ نفسه :٤/١٣٨ ].
١ - قال العراقي: الحديث من رواية من لم يسم عن أبي بكر، ورواه الترمذي من وجه آخر وضعفه، قال: وليس له إسناد صحيح. وقال الدارقطني: وروي أيضا من حديث عمرو من حديث الزبير، قال: وليس فيها شيء يثبت. ن المغني بهامش الإحياء٤/١٣٨. وسنن الترمذي أبواب التفسير ٤/٣١٤- ٣١٥ حديث رقم ٥٠٣٠..
﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ﴾ ( ١٢٨ ).
٣١٧- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من كان له أمر أتان فمال إلى أحدهما دون الأخرى. وفي لفظ- ولم يعدل بينهما، جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل )١ وإنما عليه العدل في العطاء والمبيت، وأما في الحب والوقاع فذلك لا يدخل تحت الاختيار، قال تعالى : ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ﴾ أي أن تعدلوا في شهوة القلب وميل النفس، ويتبع التفاوت في الوقاع. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعدل بينهم في العطاء والبتوتة في الليالي ويقول :( اللهم هذا جهدي فيما أملك ولا طاقة لي فيما تملك ولا أملك )٢ يعني الحب وقد كانت عائشة رضي الله عنها أحب نسائه إليه، وسائر نسائه يعرفن ذلك. [ نفسه :٢/٥٥ ]
٣١٨- ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل ﴾ فإن العدل بين المرأتين في المحبة والوقوف على درجة متوسطة لا ميل فيه إلى إحداهما، لا يدخل تحت الإمكان. [ المضنون به على غير أهله ضمن مجموعة رسائل الإمام الغزالي رقم ٤ ص :١٥٨ ].
١ - رواه أبو داود في سننه كتاب النكاح ٢/ ٢٤٢ حديث رقم ١٩٦٩ بلفظ " وشقه ساقط"..
٢ - رواه أبو داود في سننه كتاب النكاح ٢/٢٤٢ حديث رقم ٢١٣٤ وابن ماجة كتاب النكاح ١/٦٣٣ حديث رقم ١٩٧١..
﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ﴾ ( ١٣٤ ).
٣١٩- وذلك هو الأمر بالمعروف للوالدين والأقربين } [ الإحياء :٢/٣٣٤ ].
﴿ فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم ﴾.
٣٢٠- قال صلى الله عليه وسلم ( أعظم الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضا في الباطل )١ وإليه الإشارة بقوله ﴿ فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم ﴾. [ نفسه :٣/١٢٥ ].
١ - قال العراقي : أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث قتادة مرسلا ورجاله ثقات، رواه هو والطبراني موقوفا على ابن مسعود بسند صحيح. ن المغني بهامش الإحياء ٣/١٢٥ ورواية ابن أبي الدنيا عن قتادة [إن أعظم الناس خطايا فساقهم]]. وأما موقوف ابن مسعود: [[إن أكثر الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضا في الباطل] ن الإتحاف: ٩/١٦٧]..
﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴾ ( ١٤٤ ).
٣٢١- ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴾ لأنهم جحدوا بعد علم. [ نفسه :١/٧٤ ].
﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ﴾ ( ١٤٦ ).
٣٢٢- الشكر قيد النعم، به تدوم وتبقى، وبتركه تزول وتحول... قال الله سبحانه وتعالى : ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتك وآمنتم ﴾ وقال صلى الله عليه وسلم ( إن للنعم أوابد كأوابد الوحش فقيدوها بالشكر )١. [ منهاج العابدين إلى جنة العالمين :٣١٧ ].
١ - قال محقق كتاب "منهاج العابدين": ذكر السخاوي في المقاصد حديثا في المعنى نفسه عند كلامه على "إن الله ليعذب بقطع الرزق" (الحديث رقم ٢٣٦) عن السيدة عائشة أنه صلى الله عليه وسلم قال لها: "يا عائشة أحسني جوار نعم الله، فإنها قلما نفرت عن أهل بيت أن ترجع إليهم" وهذا الحديث رواه الخرائطي في كتاب (فضيلة الشكر لله على نعمته) ص ٥٧ رقم ٦٨، ون. منهاج العابدين: ٣١٠]..
﴿ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم ﴾ ( ١٧٠ ).
٣٢٣- شبهة لفظية١ وقعت لبعضهم، ظنا منه أن الكلمة حيثما أطلقت، يجب أن يكون المراد منها عين ما اصطلحوا عليه في أقانيمهم٢، لتصحيح ما يتعذر عليهم من إرادة ظاهره المتعددة بالذات.
وهذا وهم عظيم وعماية خيلت له أن هذا الاصطلاح الذي حملهم ما أشرنا إليه من الضرورة على أن ما قالوا به يجب أن يكون مرادا لأهل كل شريعة، فلذلك استدل على إلهية عيسى عليه السلام بما ورد في الكتاب العزيز وهو قوله عز من قائل ﴿ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم ﴾.
فأحببت أن أكشف غطاء هذه الشبهة ليكون الناظر في هذا النص آمنا من الشبهات المضلة فأقول :
المولود إنما يتكون مسببا في سببين :
أحدهما :في الاثنيين، وهو أحد نوعي القوة المولدة، وهي القوة التي يصير الدم فيها بحال يكون بها مستعدا لقبول قوة الحياة من واهب الصور.
الثاني :القوة الموجودة في المني، إذا انتقل إلى الرحم وانضمت إليه سائر الشرائط، بأن يكون ماء دافقا صحيحا قويا لا فساد فيه ولا ضعف، ويكون الرحم صحيحا لا علة به، ولم يحصل للمرأة عقب الجماع حركة مزعجة عنيفة يحصل بها زلق المني من الرحم، فحينئذ يستعد لقبول القوة المصورة من واهب الصور، فإذا صار عنها تشكيلات الأعضاء، كان ذلك كونا للصورة العضوية، وفسادا للصورة المنوية، فيستعد حينئذ لقبوله الروح من واهبها.
هذا هو السبب العادي في تكوين كل مولود، وإذا ثبت ذلك فنقول :إن كل شيء له سبب قريب وسبب بعيد، فالأكثر إضافته إلى سببه القريب فيقال منذ رؤية الرياض الخضر، أنظر إلى صنع المطر، والله هو الصانع الحقيقي ولو رؤي نبات نضر على صلد، والشمس في الأسد، لقيل انظر إلى صنع الإله ! ! فيصرح بالسبب الحقيقي لفوات السبب العادي ! !.
وإذا وضع هذان الأصلان نقول :السبب القريب في حق عيسى عليه السلام، لما دل الدليل على عدم وقوعه أضيف تكوينه إلى السبب البعيد وهو الكلمة، لأن كل أحد مخلوق بكلمة الله القائل بها لكل مخلوق : ﴿ كن ﴾٣ فإذا هو كائن ! !
فلهذا السبب صرح في حقه بذلك، إشارة إلى انتفاء السبب القريب العادي، وأنه إنما كون الكلمة التي هي : ﴿ كن ﴾٤ من غير مني ! ! ! يمكن إضافة التكوين إليه على ما شرح.
ثم أوضح ذلك بقوله : ﴿ ألقاها إلى مريم ﴾ يريد أن الولد إنما يتكون من إلقاء المني إلى أمه، وهذا المولود لم يخلق إلا بإلقاء الكلمة إلى أمه التي هي عبارة عن الأم بالتكوين، فإذا الإلقاء مجازي.
وقد ورد مثل ذلك في حق آدم عليه السلام لما اشتركا في عدم التكوين عن الأسباب العادية حيث قال جل من قائل : ﴿ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ﴾٥ والله عز وجل لا يد له، وإنما المراد :خلقته بقدرتي، إشارة إلى أنه لم يكن من مني، وإنما كون بقدرته، يشير بذلك إلى فوات السبب العادي، وإذا فات السبب العادي أضيف إلى السبب البعيد المشبه بالحقيقي، وهو كلمة الله عز وجل، وقد أتى بالمماثلة صريحا فقال عز من قائل : ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ﴾٦ وكذلك قوله : ﴿ وروح منه ﴾ أي :وهو روح تكونها صادر عنه، منفكا عن الأسباب العادية التي يضاف إليها المسبب عادة، فالصلة في مكان الصفة للروح.
فإن قيل :تمام هذه الحجة فرع لكون الكلمة سببا، وسببها فرع لردها لقاعدة الشرط وما يترتب عليه من الجواب، وذلك ممتنع لما يلزم من عدم المغايرة بين المسبب وسببه.
قال الفارسي٧ لو جاز أن يكون مثل ذلك جوابا لكان قوله تعالى : ﴿ كن فيكون ﴾٨ منزلا منزلة القائل :اذهب فيذهب.
وممتنع ذلك، إذ يصير تقدير الكلام بالرد إلى قاعدة الشرط :إن تكن تكن وإن تذهب تذهب، فيكون حينئذ السبب عن المسبب.
ولذلك أجمع القراء على الرفع فيما وقع الاحتجاج به من الآية السالفة، ولم يتابع الكسائي٩ ابن عامر١٠ إلا فيما أمكن أن يكون انتصابه، لا من جهة الجواب، بل من جهة العطف، وتلك المتابعة محصورة في آيتين :
الأولى قوله جل من قائل : ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ﴾١١
والثانية :قوله تعالى : ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقوله له كن فيكون ﴾١٢
وإذا كان الجواب ممتنعا فيما قرئ منصوبا ومرفوعا سقط الاحتجاج بالآية، وامتنع كون الآية سببا.
فأقول والله الموفق :إن هذه المباحثة عربية، وأهل العربية يجرون الأجوبة تارة على الألفاظ باعتبار معانيها، وتارة على صور الألفاظ المجردة عن معانيها، مثل ذلك قوله تعالى : ﴿ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا ﴾١٣ وقع الجواب رتبا على صورة لفظ الاستفهام مجردا عن معناه. ومعنى الكلام :أنهم ساروا فنظروا، وذلك خبر محض ليس من الاستفهام في شيء.
فإن ظن أن إلغاء عاطفة لصلاحيتها مع حذف النون للعطف والجواب فكيف تجعل للجواب مع هذا الاحتمال ؟، مع دفع ذلك بما لا لبسة في كونه جوابا، وهو قوله جل من قائل " : ﴿ أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب ﴾١٤.
وإذا وضح ذلك ردت مسألتنا إلى هذه القاعدة، وكان الجواب جاريا على صيغة الأمر فقط، من غير تعرض لمعناه.
قال سيبويه : " شبهة ترتب الأمور على صيغة لفظ الأمر في العرف، بترتب المقدور على تأثير القدرة فيه، إذ أهل العرف يقضون على أن من أمر شخصا بالقيام، فأوجده عند أمره أن قيامه مسبب عن صيغة لفظ الأمر، وأن لفظ الأمر سبب لقيامه، وهو في الحقيقة مسبب عن الإرادة التي دلت صيغة الأمر عليها.
يدل على ذلك :أن السيد إذا أمر عبده أن يفعل فعلا، وعلم العبد أن السيد لا يريد منه فعل ما أمره به، فإذا فعله العبد عد مخالفا للسيد ملوما من جهته، فإن للمأمور سببان :
أحدهما حقيقي :وهو الإرادة، وهو السبب البعيد، والثاني :صيغة الأمر في العرف الدالة على الإرادة.
فتعود- حينئذ- القاعدة نفسها في إحالة الحكم على السبب القريب، فقد ثبت حينئذ –بما ذكرناه- أن أهل العرف يعدون الكلمة المأمور بها سببا ويحيلون الحكم عليها، ويجعلون ما يقع بعدها مسببا عنها، وإن كان له أسباب حقيقية أبعد منها، وذلك عين ما بيناه أولا.
وإنما تعلق مورد هذا الإشكال بصناعة عربية، وقد أمكن رد ذلك إلى قواعدها، فحينئذ يسقط الإشكال يقينا، ويسقط خيال من ظن أن قراءة " ابن عامر " فيما تتمحص الفاء فيه جوابا عسرة الرد إلى الأصول العربية وقواعدها، كقوله عز وجل سبحانه : ﴿ وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ﴾١٥ ونظائر ذلك مما انفرد بقراءته منصوبا، بل القراءة محجوبون من جهة بقوله تعالى : ﴿ أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب ﴾١٦ ولا وجه لإجماعهم على النصب، وجعل الفاء جوابا إلا إحالة على وجود صيغة الاستفهام فقط من غير نظر إلى معناها كما تقدم، وبهذا التقدير والإلزام لا يتجه على ابن عامر إشكال البتة ! !.
فليتأمل الناظر حسن هذا الإعراب والإغراب، معظما هذه الشريعة المحمدية المؤيدة بأفصح الأنبياء لهجة وأصدقهم حجة.
إذا نطقت جاءت بكل غريبة وإن سكتت جاءت بكل غريب
وليعجب من طائفة تتمسك بمثل هذا النص الواضح فهمه وتأويله !.
١ - الكلام هنا عمن يعتقد في إلهية عيسى عليه السلام..
٢ - الأقانيم : الأصول، واحدها أقنوم، قال الجوهري: وأحسبها رومية. ن اللسان (قنم)..
٣ - آل عمران: ٥٩..
٤ -آل عمران : ٥٩..
٥ -ص : ٧٥..
٦ - آل عمران : ٥٩..
٧ - هو نصر بن عبد العزيز بن أحمد بن نوح أبو الحسين الفارسي الشيرازي شيخ محقق، إمام مسند ثقة عدل، له كتاب "الجامع في القراءات العشر" مقري الديار المصرية ومسندها وألف فيهما كتاب الجامع، توفي سنة ٤٦١هـ.ن طبقات القراء: ٢/ ٣٣٦-٣٣٧..
٨ - آل عمران: ٥٩- والنحل: ٤٠ ويس ٨٢..
٩ - هو أبوا لحسن علي بن حمزة الكوفي بالكسائي أحد القراء السبعة وإمام الكوفيين في النحو واللغة، أخذ القراءة عن حمزة ثم اختار لنفسه قراءة، وأخذ النحو عن معاذ ثم عن الخليل، وأخذ عنه القراءات (ت١٨٩هـ) انظر: طبقات القراء: ١/٥٣٥ وبغية الوعاة ٢/١٠٢..
١٠ - هو عبد الله بن عامر بن يزيد بن تميم إمام أهل الشام في القراءة، والذي انتهت إليه مشيخة الإقراء بها، كان في زمن عمر بن عبد العزيز توفي بدمشق ١١٨هـ. انظر طبقات القراء ١/٤٢٣- ٤٢٤ وسير أعلام النبلاء ٥/ ٦٢..
١١ - يس : ٨٢..
١٢ - النحل : ٤٠..
١٣ - الحج : ٤٦..
١٤ - الحج : ٤٦..
١٥ - البقرة : ١١٧..
١٦ - الحج : ٤٦..
﴿ يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا ﴾ ( ١٧٣ ).
[ الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل :١٦٤-١٧١ ].
٣٢٤- أعظم الحكمة كلام الله تعالى، ومن جملة كلامه القرآن خاصة، فيكون منزلة آيات القرآن عند عين العقل منزلة نور الشمس عند العين الظاهرة، إذ به يتم الإبصار. فالحري أن يسمى القرآن نورا كما يسمى نور الشمس نورا، فمثال القرآن نور الشمس، ومثال العقل نور العين، وبهذا يفهم معنى قوله تعالى : ﴿ يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا ﴾ [ مشكاة الأنوار ضمن مجموعة الرسائل رقم ٤ ص :١٢ ].
﴿ إن امرؤا هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ﴾ ( ١٧٥ ).
٣٢٥- قال ابن عباس رضي الله عنهما :الأخوات لا يرثن مع الأولاد لقوله تعالى : ﴿ إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ﴾ فإنه لما جعل لها النصف دل على انتفائه عند وجود الولد. [ المستصفى :٢/١٩٨ ]
السورة التالية
Icon