0:00
0:00

قال الشافعي رحمه الله :أن لا يكثر عيالكم. فدل على أن قلة العيال أدنى.
قيل :قد قال الشافعي رحمه الله ذلك، وخالفه جمهور المفسرين من السلف والخلف، وقالوا :معنى الآية :ذلك أدنى أن لا تجوروا ولا تميلوا. فإنه يقال :عال الرجل يعول عولا إذا مال وجار. ومنه :عول الفرائض. لأن سهامها زادت. ويقال :عال يعيل عيلة إذا احتاج. قال تعالى : ﴿ وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ﴾ [ التوبة :٢٨ ]. وقال الشاعر :
وما يدري الفقير :متى غناه *** وما يدري الغني :متى يعيل ؟
أي متى يحتاج ويفتقر. وأما كثرة العيال فليس من هذا، ولا من هذا، ولكنه من أفعل، يقال : «أعال الرجل يعيل »، إذا كثر عياله. مثل «ألبن » و«أتمر » :إذا صار ذا لبن وتمر هذا قول أهل اللغة.
قال الواحدي في بسيطه. ومعنى تعولوا :تميلوا وتجوروا، عن جميع أهل التفسير واللغة وروي ذلك مرفوعا :روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم : «أن لا تعولوا » قال «أن لا تجوروا » وروي «أن لا تميلوا ». قال :وهذا قول ابن عباس والحسن وقتادة والربيع والسدي وابن مالك وعكرمة والفراء والزجاج وابن قتيبة وابن الأنباري.
قلت :ويدل على تعين هذا المعنى من الآية، وإن كان ما ذكره الشافعي رحمه الله لغة حكاها الفراء عن الكسائي قال :ومن الصحابة من يقول : «عال يعول » إذا كثر عياله. قال الكسائي :وهي لغة فصيحة سمعتها من العرب، لكن يتعين الأول لوجوه :
أحدها :أنه المعروف في اللغة الذي لا يكاد يعرف سواه، ولا يعرف :عال يعول إذا كثر عياله. إلا في حكاية الكسائي، وسائر أهل اللغة على خلافه.
الثاني :أن هذا مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان من الغرائب فانه يصلح للترجيح.
الثالث :أنه مروي عن عائشة وابن عباس صلى الله عليه وسلم، ولم يعلم لهما مخالف من المفسرين وقد قال الحاكم أبو عبد الله :تفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع.
الرابع :أن الأدلة التي ذكرناها على استحباب تزوج الولود وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكاثر بأمته الأمم يوم القيامة يرد هذا التفسير.
الخامس :أن سياق الآية إنما هو في نقلهم مما يخافون من الظلم والجور فيه إلى غيره. فإنه قال في أولها : ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ﴾ [ النساء :٣ ] فدلهم سبحانه على ما يتخلصون به من ظلم اليتامى، وهو نكاح ما طاب لهم من النساء البوالغ، وأباح لهم منن أربعاً. ثم دلهم على ما يتخلصون به من الجور والظلم في عدم التسوية بينهن. فقال : ﴿ فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ﴾ ثم أخبر سبحانه أن الواحدة وملك اليمين أدنى إلى عدم الميل والجور. وهذا صريح في المقصود.
السادس :أنه لا يلتئم قوله ﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا ﴾ في الأربع فانكحوا واحدة أو تسروا ما شئتم بملك اليمين. فان ذلك أقرب إلى أن تكثر عيالكم، بل هذا أجدى من الأول. فتأمله.
السابع :أنه من الممتنع أن يقال لهم :إن خفتم أن ألا تعدلوا بين الأربع فلكم أن تتسروا بمائة سرية وأكثر، فإنه أدنى أن لا تكثر عيالكم.
الثامن :أن قوله : ﴿ ذلك أدنى ألا تعولوا ﴾ تعليل لكل واحد من الحكمين المتقدمين، وهما نقلهم من نكاح اليتامى إلى نكاح النساء البوالغ، ومن نكاح الأربع إلى نكاح الواحدة، أو ملك اليمين، ولا يليق تعليل ذلك بقلة العيال.
التاسع :أنه سبحانه قال : ﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا ﴾ ولم يقل :إن خفتم أنا تفتقروا أو تحتاجوا. ولو كان المراد قلة العيال لكان الأنسب أن يقول ذلك.
العاشر :أنه سبحانه إذا ذكر حكما منهيا عنه وعلل النهي بعلة، أو أباح شيئا وعلق إباحته بعلة. فلا بد أن تكون العلة مضادة لضد الحكم المعلل. وقد علل سبحانه إباحة نكاح غير اليتامى والاقتصار على الواحدة أو ما ملك اليمين بأنه أقرب إلى عدم الجور. ومعلوم أن كثرة العيال لا تضاد عدم الحكم المعلل. فلا يحسن التعليل به والله أعلم.
وأما «الإركاس ». قال الفراء : «أركسهم » ردهم إلى الكفر، وقال أبو عبيدة :يقال :أركست الشيء وركسته - لغتان – إذا رددته. والركس :قلب الشيء على رأسه، أو رد أوله على آخره. والارتكاس :الارتداد. قال أمية :
فأركسوا في حميم النار، إنهم كانوا عصاة، وقالوا الإفك والزورا
ومن هذا يقال للروث :الركس ؛ لأنه رد إلى حال النجاسة.
ولهذا المعنى سمى رجيعا والركس والنكس، والمركوس والمنكوس :بمعنى واحد.
قال الزجاج :أركسهم نكسهم وردهم. والمعنى :أنه ردهم إلى حكم الكفار من الذل والصغار. وأخبر سبحانه عن حكمه وقضائه فيهم وعدله، وإن إركاسه لهم كان بسبب كسبهم وأعمالهم، كما قال : ﴿ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ﴾ [ المطففين :١٤ ] فهذا توحيده، وهذا عدله لا ما يقوله القدرية والمعطلة من أن التوحيد :إنكار الصفات والعدل والتكذيب بالقدر.
نفى سبحانه التسوية بين المؤمنين القاعدين عن الجهاد وبين المجاهدين ثم أخبر عن تفضيل المجاهدين على القاعدين درجة، ثم أخبر أنه فضلهم عليهم درجات.
وقد أشكل فهم هذه الآية على طائفة من الناس، من جهة أن القاعدين الذين فضل عليهم المجاهدون بدرجات، إن كانوا هم القاعدون الذي فُضل عليهم أولو الضرر المجاهدون بدرجات :من غير أولي الضرر، فيكون المجاهدون أفضل من القاعدين، وهم لا يستوون والمجاهدين أصلا ؟ فيكون حكم المستثني والمستثنى منه واحدا فهذا وجه الإشكال.
ونحن نذكر ما يزيل الإشكال بحمد الله فنقول :
اختلف القراء في إعراب غير فقرئ رفعا ونصبا وهما في السبعة وقرئ بالجر في غير السبعة، وهي قراءة أبي حيوة.
فأما قراءة النصب فعلى الاستثناء لأن «غيرا » يعرب في الاستثناء إعراب الاسم الواقع بعد «إلا » وهو النصب هذا هو الصحيح.
وقالت طائفة :إعرابها نصب على الحال، أي :لا يستوي القاعدون غير مضرورين، أي لا يستوون في حال صحتهم هم والمجاهدون، والاستثناء أصح، فإن غير لا تكاد تقع حالا في كلامهم إلا مضافة إلى نكرة، كقوله تعالى : ﴿ فمن اضطر غير باغ ﴾ [ البقرة :١٧٣ - الأنعام :١٤٥ - النحل :١١٥ ] وقوله عز وجل : ﴿ أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد ﴾ [ المائدة :١ ] وقوله صلى الله عليه وسلم «مرحبا بالوفد غير خزايا ولا ندامى ».
فإن أضيفت إلى معرفة كانت تابعة لما قبلها، كقوله تعالى : ﴿ صراط الذين أنعمت عيهم غير المغضوب عليهم ﴾ [ الفاتحة :٧ ] ولو قلت :مرحبا بالوفد غير الخزايا ولا الندامى لجررت غير هذا هو المعروف من كلامهم.
والكلام في عدم تعرف غير بالإضافة وحسن وقوعها إذ ذاك حالا له مقام آخر.
وأما الرفع :فعلى النعت للقاعدين. هذا هو الصحيح.
وقال أبو إسحاق وغيره :هو خبر مبتدأ محذوف تقديره :الذين هم غير أولي الضرر.
والذي حمله على هذا :ظنه أن غير لا تقبل التعريف بالإضافة فلا تجري صفة للمعرفة. وليس مع من ادعى ذلك حجة يعتمد عليها، سوى أن «غير » توغلت في الإبهام. فلا تتعرف بما يضاف إليها.
وجواب هذا :أنها إذا دخلت بين متقابلين لم يكن فيها إبهام لتعيينها ما تضاف إليه.
وأما قراءة الجر :ففيها وجهان أيضا :
أحدهما - وهو الصحيح - :أنه نعت للمؤمنين.
والثاني - وهو قول المبرد - :أنه بدل منه بناء على أنه نكرة، فلا ينعت به المعرفة.
وعلى الأقوال كلها :فهو مفهوم معنى الاستثناء، وإن نفي التسوية غير مسلط على ما أضيف إليه «غير ».
وقوله تعالى : ﴿ فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ﴾ هو مبين لمعنى نفي المساواة.
قالوا :والمعنى :فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر درجة واحدة لامتيازهم عنهم بالجهاد بنفسهم ومالهم.
ثم أخبر سبحانه وتعالى أن الفريقين كليهما موعود بالحسنى، فقال : ﴿ وكلا وعد الله الحسنى ﴾ أي :المجاهد والقاعد المضرور لاشتراكهم في الإيمان.
قالوا :وفي هذا دليل على تفضيل الغني المنفق على الفقير، لأن الله أخبر أن المجاهد بماله ونفسه أفضل من القاعد، وقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس.
وأما الفقير فنفى عنه الحرج بقوله : ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه ﴾ [ التوبة :٩٢ ].
فأين مقام من حكم له بالتفضيل إلى مقام من نفى عنه الحرج ؟
قالوا :فهذا حكم القاعد من أولي الضرر والمجاهد.
وأما القاعد من غير أولي الضرر فقال تعالى : ﴿ فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما * درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما ﴾ [ النساء :٩٥. ٩٦ ].
وقوله : ﴿ درجات ﴾ قيل :هو نصب على البدل من قوله : ﴿ أجرا عظيما ﴾ وقيل :تأكيد له، وإن كان بغير لفظه. لأنه هو في المعنى.
قال قتادة :كان يقال :الإسلام درجة والهجرة في الإسلام درجة، والجهاد في الهجرة درجة والقتل في الجهاد درجة.
وقال ابن زيد :الدرجات التي فضل الله بها المجاهد على القاعد سبع. وهي التي ذكرها الله تعالى في براءة، إذ يقول تعالى : ﴿ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ [ التوبة :١٢٠ ] فهذه خمس.
ثم قال : ﴿ ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ﴾ [ التوبة :١٢١ ] فهاتان اثنتان.
وقيل :الدرجات سبعون درجة ما بين الدرجتين حضر الفرس الجواد المضمر سبعين سنة.
والصحيح :أن الدرجات هي المذكورة في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه البخاري في «صحيحه » عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان. فإن حقا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها، قالوا :يا رسول الله، أفلا نخبر الناس بذلك ؟ قال صلى الله عليه وسلم :«إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله. كل درجتين كما بين السماء والأرض. فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس. فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن. ومنه تفجر أنهار الجنة ».
قالوا :وجعل سبحانه وتعالى التفضيل الأول بدرجة فقط، وجعله هاهنا بدرجات، ومغفرة ورحمة. وهذا يدل على أنه يفضل على غير أولي الضرر.
فهذا تقرير هذا القول وإيضاحه.
ولكن بقي أن يقال :إذا كان المجاهدون أفضل من القاعدين مطلقا لزم أن لا يستوي مجاهد وقاعد مطلقا، فلا يبقى في تقييد القاعدين بكونهم من غير أولي الضرر فائدة، فإنه لا يستوي المجاهدون والقاعدون من أولي الضرر أيضا.
وأيضا :فإن القاعدين المذكورين في الآية الذين وقع التفضيل عليهم هم غير أولي الضرر، لا القاعدون الذين هم أولو الضرر. فإنهم لم يذكر حكمهم في الآية، بل استثناهم، وبين أن التفضيل على غيرهم. فاللام في القاعدين للعهد والمعهود :هم أولي الضرر، لا المضرورون.
وأيضا :فالقاعد من المجاهدين لضرورة تمنعه من الجهاد له مثل أجر المجاهد. كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل صحيحا مقيما »، وقال صلى الله عليه وسلم : «إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا وهم معكم. قالوا :وهم بالمدينة ؟ قال :وهم بالمدينة، حبسهم العذر ».
وعلى هذا فالصواب أن يقال :الآية دلت على أن القاعدين عن الجهاد من غير أولي الضرر لا يستوون هم والمجاهدون، وسكت عن حكمهم بطريق منطوقها، ولا يدل مفهومها على مساواتهم للمجاهدين، بل هذا النوع منقسم إلى معذور من أهل الجهاد، غلبه عذره، وأقعده عنه، ونيته جازمة لم يتخلف عنها مقدورها وإنما أقعده العجز.
فهذا الذي تقتضيه أدلة الشرع أن له مثل أجر المجاهد. وهذا القسم لا يتناوله الحكم بنفي التسوية.
وقال تعالى : ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ﴾ [ البقرة :٢٦٩ ]، وقال عن المسيح عليه السلام : ﴿ ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ﴾ [ آل عمران :٤٨ ].
الحكمة في كتاب الله نوعان :مفردة، ومقترنة بالكتاب.
فالمفردة :فسرت بالنبوة، وفسرت بعلم القرآن.
قال ابن عباس رضي الله عنهما :هي علم القرآن :ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله.
وقال الضحاك :هي القرآن والفهم فيه.
وقال مجاهد :هي القرآن، والعلم والفقه، وفي رواية أخرى عنه :هي الإصابة في القول والفعل.
وقال النخعي :هي معاني الأشياء وفهمها.
وقال الحسن :الورع في دين الله، كأنه فسرها بثمرتها ومقتضاها.
وأما الحكمة المقرونة بالكتاب :فهي «السنة ». كذلك قال الشافعي وغيره من الأئمة، وقيل :هي القضاء بالوحي، وتفسيرها بالسنة أعم وأشهر.
وأحسن ما قيل في الحكمة قول مجاهد ومالك :أنها معرفة الحق والعمل به، والإصابة في القول والعمل.
وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن والفقه في شرائع الإسلام، وحقائق الإيمان.
السورة التالية
Icon