0:00
0:00

سورة النساء
وهي مائة وست وسبعون آية وأربعة وعشرون ركوعا

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ : ١ هي آدم. ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ :حواء من ضلع من أضلاعها. ﴿ وبثّ ﴾ :نشر. ﴿ منهما رجالا كثيرا ونساءً ﴾ أي :كثيرا. ﴿ واتقوا الله التي تساءلون به ﴾ أي :تتساءلون فيما بينكم حوائجكم به، كما تقولون :أسألك بالله، أدغمت التاء الثانية في السين، وقرئ بطرحها ﴿ والأرحام٢ أي :اتقوا الأرحام أن تقطعوها٣ ﴿ إن الله كان عليكم رقيبا٤ حافظا مطلعا فاتقوه.
١ فلا فخر لأحد على أحد، والقادر على خلق أشخاص مختلفين من شخص واحد قادر على إحيائهم بعد الموت/١٢ وجيز..
٢ وفيه عظيم مبالغة في اجتناب قطع الرحم/١٢..
٣ هكذا فسره ابن عباس ومجاهد والضحاك وجمع لا يحصى من السلف، وقيل: عطف على محل به فإن العرب كثيرا ما يقولون: أسألك بالله وبالرحم، وقراءة من قرؤوا الأرحام بالجر مشعر بذلك/١٢ منه، وفي الوجيز لكن الوجه الأول أولى؛ لأنه ليس في السؤال بالأرحام ترغيب في تقوى الله، ولا فائدة في ذكر الأرحام أكثر من الإخبار بأن الأرحام يتساءل بها/١٢..
٤ لما أمرهم بالتقوى عن مخالفة أمر الله تعالى الذي هو رقيب على جميع أحوالهم نبأهم عن أقبح شيء منهم فقال: (وآتوا اليتامى) الآية/١٢ وجيز..
﴿ وآتوا اليتامى١ أموالهم ﴾ :نزلت في رجل معه مال لابن أخ يتيم له فطلبه بعد البلوغ ومنعه ﴿ ولا تتبدّلوا الخبيث بالطيّب ﴾ :ولا تستبدلوا حرام أموالهم بحلال أموالكم، نقل أنهم كانوا يأخذون الجيد من مال اليتامى ويجعلون مكانه الردى فنزلت، وعلى هذا أيضا الجيد هو الخبيث باعتبار حرمته فلا يرد عليه شيء ﴿ ولا تأكلوا أموالهم ﴾ :منضمة. ﴿ إلى أموالكم ﴾ أي٢ :لا تنفقوهما معا ﴿ إنه ﴾ :الضمير للأكل. ﴿ كان حوبا ﴾ :إثما ﴿ كبيرا ﴾.
١ أي: آتوا اليتامى إذا يلغوا، وفيه إشارة وحث على أن يدفع إليهم أموالهم أول بلوغهم قبل أن يعلم الإزالة اسم اليتيم عنهم/١٢ وجيز..
٢ قوله: (إلى أموالكم) الأولى ألاّ يكون قيدا احترازيا بل جيء لتقبيح فعلهم نهيا عما صدر عنهم كما في: (أضعافا مضاعفة)..
﴿ وإن خفتم ألاّ تُقسطوا ﴾ :تعدلوا. ﴿ في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ أي :إن خفتم يا أولياء اليتامى ألاّ تعدلوا فيهن إذا نكحتموهن فانكحوا غيرهن من١ الغرائب، وإن خفتم ألاّ تعدلوا في اليتامى فخافوا أيضا من عدم العدل بين النساء فانكحوا مقدارا يمكنكم الوفاء بحقوقه أي :كما تخافون هذا فخافوا ذاك أيضا، أو كما خفتم من ولاية اليتامى فخافوا من الزنا فانكحوا ما طاب لكم ﴿ مثنى وثُلاث ورُباع٢ أي :اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة حال مما طاب ﴿ فإن خفتم ألاّ تعدلوا ﴾ :بين هذه الأعداد أيضا. ﴿ فواحدة ﴾ أي :فاختاروها ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ سوى بين واحدة والسراري من غير تعيين عدد فإنه لا قسم بينهن٣ وعبر عن النساء بما في الموضعين لنقصان عقلهن أو ذهابا إلى الصّفة ﴿ ذلك ﴾ أي :التقليل، أو اختيار الواحدة أو التسري ﴿ أدنى ألاّ تعُولوا ﴾ :أقرب ألا تميلوا ولا تجوروا.
١ المعنى الأول هو الثابت في صحيح البخاري عن عائشة – رضي الله عنها – في سبب نزولها وهو الأوفق بوجوه، والوجه الثاني منقول عن ابن عباس، والثالث عن مجاهد وغيره/١٢. [ حديث عائشة: أخرجه البخاري في (التفسير)/باب: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى﴾ (٤٥٧٤)]..
٢ وضع البخاري بابا في صحيحه فقال: (باب لا يتزوج أكثر من أربع لقوله تعالى: (مثنى وثلاث ورباع). وقال علي بن الحسين: يعني مثنى أو ثلاث أو رباع، قال ابن حجر في شرحه فتح الباري: وهذا من أحسن الأدلة في الرد على الرافضة لكونه من تفسير زين العابدين وهو من أئمتهم الذين يرجعون إلى قولهم ويعتقدون عصمتهم، وأيضا قال قبل ذلك بعدة أبواب في شرح حديث (كان عند النبي صلى الله عليه وسلم تسع نسوة) حديث قد اتفق العلماء على أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم الزيادة على أربع نسوة يجمع بينهن. انتهى، وعن سالم عن أبيه أن غيلان بن سلمة أسلم وله عشر نسوة فأسلمن معه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخير منهن أربعا. رواه أحمد والترمذي وصححه ابن حبان والحاكم وأعله البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم، وذكر هذا الحديث ابن حجر في بلوغ المرام مع هذا البيان، وقال محي السنة الإمام البغوي في معالم التنزيل: وهذا إجماع أن أحدا من الأمة لا يجوز له أن يزيد على أربع نسوة. انتهى. .
٣ وترك القسم من الكبائر فقد ورد في الحديث اللعن على تاركه/١٢وجيز..
﴿ وآتوا النساء صدقاتهن ﴾ :الخطاب للأزواج أو الأولياء ؛ لأنهم كانوا يأخذون مهور مولياتهم ﴿ نِحلة ﴾ أي :فريضة أو عطية وهبة عن طيب نفس، مصدر أي :إيتاء نحلة ﴿ فإن طِبن لكم عن شيء منه نفسا ﴾ الضمير للصداق أو للإيتاء، ونفسا تمييز، وعدى الطيب بعن لتضمين معنى التجافي أي :إن وهبن لكم من الصداق عن طيب نفس ﴿ فكلوه هنيئا مريئا ﴾ هنأ الطعام ومرأ إذا ساغ من غير غص، صفتان أقيمتا مقام المصدر أو صفة مصدر أو حال.
﴿ ولا تُؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ هم النساء والصبيان كما قال١ ابن عباس :لا تعمد إلى ما جعله الله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو أولادك ثم تنظر إلى ما في أيديهم لكن أمسكه وأصلحه وكن أنت منفقا عليهم٢، أو اليتامى فيكون منعا للأولياء من إعطاء
الذين لا رشد لهم أموالهم، وإضافة المال إلى الأولياء لأنه في تصرفهم ﴿ التي جعل الله لكم قياما ﴾ :تقومون وتنتعشون بها، فعلى الثاني تأويله التي من جنس ما جعله الله لكم قياما، وسمى ما به القيام قيامًا مبالغة ﴿ وارزُقوهم فيها واكسوهم ﴾ اجعلوا لهم فيها رزقا وكسوة بأن تتجروا فيها وتحصلوا من نفعها ﴿ وقولوا لهم قولا معروفا ﴾ قولا لينا يطيب به أنفسهم.
١ وكثير من السلف/١٢ وجيز..
٢ وعلى هذا السفهاء باعتبار بعض منهم وهو النساء والصغار وغير الراشدين من الأولاد/١٢ وجيز..
﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ :اختبروهم قبل البلوغ في عقلهم ﴿ حتى إذا بلغوا النكاح ﴾ كناية عن البلوغ، لأنه عند البلوغ يصلح للنكاح ﴿ فإن آنستم ﴾ :أبصرتم ﴿ منهم رُشداً ﴾ صلاحا في الدين والمال ﴿ فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ فدفع المال بعد البلوغ بشرط الرشد ﴿ ولا تأكلوها إسرافا وبِداراً ﴾ حال، أو مفعول له ﴿ أن يكبروا ﴾ أي :مسرفين مبادرين كبرهم مخافة نزعها عن أيديكم عند كبرهم ﴿ ومن كان غنيا ﴾ من الأوصياء ﴿ فليستعفف ﴾ :من أكل شيء منها ﴿ ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف١ أجرة مثله، أو القرض فيجب الأداء، أو لا يأكل إلا أن يضطر كأكل الميتة ويقضي، أولا يأكل إلا بقدر الحاجة ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم ﴾ بعد البلوغ والرشد ﴿ فأشهِدوا٢ عليهم ﴾ بقبضهم، وهذا أمر إرشاد لقطع الخصومة ﴿ وكفى بالله حسيبا ﴾ :محاسبا فاعدلوا في أموالهم.
١ وظاهر القرآن أن الوصي الغني لا يجوز له أكل شيء من ماله بوجه من الوجوه، وأن الوصي الفقير جاز أكله قدر أجرة الحفظ ولا تعبة عليه في الدنيا ولا في الدين/ ١٢ وجيز..
٢ وظاهر القرآن وجوب الإشهاد لكن الأكثرون على أنه أمر إرشاد/ ١٢ وجيز..
﴿ للرجال نصيب١ مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ أي :المتوارثون بالقرابة ﴿ مما قلّ منه أو كثُر ﴾ بدل مما ترك ﴿ نصيبا مفروضا ﴾ مصدر مؤكد، أو بتقدير :أعني، نزلت لما كانوا يجعلون المال للرجال الكبار دون النساء والأطفال٢.
١ ولما ذكر حال مال اليتامى كان سائلا يسأل من أين لليتامى مال؟ فقال: للرجال..
٢ وقوم من يونان لا يعطون إلا للبنات فرد على الفريقين/ ١٢ وجيز..
﴿ وإذا حضر القسمة ﴾ :قسمة الميراث ﴿ أُولو القربى ﴾ :ممن لا يرث ﴿ واليتامى والمساكين فارزقوهم منه ﴾ :مما ترك، وهو أمر ندب للبلّغ، أو أمر وجوب على الصغير والكبير منسوخ١ أو غير منسوخ، أو المراد أن الميت يوصي لهم، أو واجب مما طابت به النفس٢ ﴿ وقولوا لهم قولا معروفا ﴾ :هو أن يدعو لهم ويلطف في العبارة معهم، وإن كانت الورثة صغارا اعتذروا٣ إليهم.
١ هذا صح عن ابن عباس/١٢ منه..
٢ كثير من السلف على أنه يجب عليهم أن يرزقوهم إذا حضروا بشرط أن يطيب به نفوس أهل الميراث/١٢ منه..
٣ كأن يقول الولي: إني لا أملك هذا المال إنما هو للصغار ولو كان لي منه شيء لأعطيتكم، وإن يكبروا فسيوفون حقكم. هذا هو القول بالمعروف، هكذا نقل عن ابن عباس/١٢ منه..
﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا ﴾ أمر لمن حضر الميت بأن يخشوا على أولاد المريض خشيتهم على أولادهم فلا يتركوه أن يضرّ بهم بصرف المال عنهم ويسددوه للصواب، أو للأولياء بأن يخشوا الله ويتقوه في أمر اليتامى فيفعلوا بهم ما يحبون أن يفعل بذراريهم بعد وفاتهم، وأن يقولوا لليتامى بالشفقة وحسن الأدب ولو بما في حيزه صلة للذين.
﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ﴾ :ظالمين أو على وجه الظلم ﴿ إنما يأكلون في بطونهم١ نارا ﴾ :ملء بطونهم ما يجر إلى النار، وقد نقل أن في القيامة يخرج لهب النار من فيه ومسامعه وأنفه وعينه يعرفه من رآه ﴿ وسيصلون سعيرا ﴾ وسيدخلون نارا.
١ حقيقة فقال – صلى الله عليه وسلم – ليلة الإسراء: (رأيت قوما لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشارفهم ثم يجعل في أفواههم صخرا من نار يخرج من أسافلهم فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما)./١٢ وجيز. [أخرجه ابن جرير في (تفسيره) (٤/١٨٧) وابن أبي حاتم في (تفسيره) (٤٨٨٤) من طريق: أبو هاردن العبدي عن أبي سعيد الخدري]..
﴿ يوصيكم١ الله ﴾ :يعهد إليكم ﴿ في أولادكم ﴾ في شأن ميراثهم ﴿ للذكر ﴾ منهم ﴿ مثل حظ الأنثيين٢ فإن كنّ ﴾ أي :المولودات ﴿ نساءً ﴾ خلصا ليس معهن ذكر ﴿ فوق اثنتين ﴾ صفة نساء ﴿ فلهن ثُلثا ما ترك ﴾ المتوفى منكم ﴿ وإن كانت ﴾ المولودة ﴿ واحدة فلها النصف٣ وللبنتين حكم ما فوقهما، لأنهما أمس٤ رحما من الأختين، وقد فرض لهما الثلثين بقوله :فلهما الثلثان مما ترك، وقيل :لفظ الفوق صلة زائدة وما فوق الواحدة جماعة ﴿ ولأبويه٥ أي :الميت ﴿ لكل واحد منهما ﴾ بدل ﴿ السّدس مما ترك إن كان له ﴾ :للميت ﴿ ولد ﴾ ذكر أو أنثى، يعني :بطريق الفرضية ﴿ فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه ﴾ فحسب ﴿ فلأمّه الثلث ﴾ يعني :وللأب الباقي وهو الثلثان ﴿ فإن كان له ﴾ :للميت ﴿ إخوة٦ وحكم الأخوين كحكم الأخوة٧ ﴿ فلأمّه السّدس ﴾ وإن كانوا لا يرثون مع الأب٨ ﴿ من بعد وصية يوصي بها أو دين٩ أي :هذه الأنصباء للورثة من بعد ما كان من وصية أو دين، وقدم الوصية على الدين وإن كان الدين مقدما حكما، لأنها تشبه الميراث شاقة على الورثة ﴿ آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيّهم أقرب لكم نفعا ﴾ :لا تعرفون من أنفع لكم من أصولكم وفروعكم، فاتبعوا ما قررت لكم من الميراث ولا تكونوا على ما كنتم عليه في الجاهلية من حرمان النساء والأطفال، وعلى ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من كون المال للولد، وللأبوين الوصية ﴿ فريضة من الله ﴾ مصدر يوصيكم الله، لأنه في معنى :يفرض عليكم أو مصدر مؤكد ﴿ إن الله كان عليما ﴾ بالمصالح ﴿ حكيما ﴾ فيما قضى.
١ لما أبهم في قوله: ﴿نصيب مما ترك الوالدان﴾ في المقدار وأبهم الأقربين بين الكل فقال: ﴿يوصيكم الله﴾/١٢ وجيز..
٢ أنث الضمير مع أنه راجع إلى الأولاد، لتأويل المولودات أو باعتبار الخبر/١٢..
٣ وفيه دليل على أن الواحد له جميع المال، لأن للذكر مثل حظ الأنثيين وللواحدة النصف/١٢ وجيز..
٤ أقرب ١٢..
٥ ولما ذكر الفروع ومقدار ما يرثون أخذ في ذكر الأصول ومقدار ما يرثون فقال: (ولأبويه) الآية/١٢ وجيز.
٦ أعم من أن يكونوا من أب وأم أو من أحدهما، وأعم من أن يكونوا ذكورا أو إناثا/١٢ وجيز.
٧ خلافا لابن عباس فإن الأخوين عنده كواحد خلافا للجمهور/ وجيز.
٨ لا يرثون مع الأب خلافا لابن عباس فعنده أنهم يأخذون السدس الذي حجبوا عن الأم، والجمهور على أن الباقي وهو خمسة أسداس للأب/١٢ وجيز..
٩ وليس تعلق الوصية والدين بالتركة سواء، إذ لو هلك من التركة شيء قبل القسمة ذهب من التركة والموصى فيه، ولا يسقط من الدين بهلاك شيء من التركة وأو هنا كأو في جالس الحسن أو ابن سيرين/١٢ وجيز للمنصف..
﴿ ولكم١ نصف ما ترك أزواجُكم إن لم يكن لهنّ ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن ﴾ وحكم أولاد البنين وإن سفلوا حكم أولاد الصلب ﴿ من بعد وصية يوصين بها أو دَين ولهنّ ﴾ أي :الزوجات ﴿ الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثّمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دَين ﴾ وسواء في الربع والثمن الواحدة والأكثر ﴿ وإن كان رجل يورَث ﴾ :منه ﴿ ٢كلالة ﴾ لا ولد له فيورث :صفة رجل من ورث، وكلالة :خبر كان، والرجل هو الميت ﴿ أو امرأة ﴾ عطف على رجل ﴿ وله ﴾ أي :للرجل، ومنه يعلم حكم المرأة فاكتفي به ﴿ أخ أو أخت ﴾ من الأم بالإجماع وهو مذكور في بعض القراءة ﴿ فلكل واحد منهما السّدس فإن كانوا ﴾ الضمير لمن يرث، وجمعه محمول على المعنى ﴿ أكثر من ذلك ﴾ أي :من واحد ﴿ فهم شركاء في الثُّلث ﴾ ذكرا كانوا أو أنثى ﴿ من بعد وصية يوصي بها أو دَين غير مضار٣ لورثته بحرمان بعضهم أو زيادة أو تنقيص مما قدر من الفريضة، ولا يكون غرضه من الوصية الإضرار بل القربة، حال من فاعل يوصى، وفي قراءة البناء للمفعول ما يدل عليه وهو الفاعل المتروك ﴿ وصية من الله ﴾ مصدر أو مفعول به لغير مضار ﴿ والله عليم ﴾ :بالمضار وغيره ﴿ حليم ﴾ لا يعاجل بعقوبته.
١ لما ذكر ميراث الفروع من الأصول وميراث الأصول من الفروع أخذ في ذكر ميراث المتصلين بالسبب وهو الزوجية فقال: (ولكم نصف) آية..
٢ كلالة مصدر من تكلله النسب أي: أحاط به، وبه سمي الإكليل لإحاطته بالرأس، وهو الميت الذي لا ولد له ولا والد، قال ابن كثير: وبه يقول أهل المدينة والكوفة والبصرة، وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف بل جميعهم، وقد حكى الإجماع غير واحد وورد فيه حديث مرفوع انتهى/١٢ فتح..
٣ يعني: غير مضار حال مما يوصى عليه/١٢..
﴿ تلك حدود الله ﴾ أي١ :ما تقدمت من الأحكام شرائعه التي كالحدود التي لا يجوز مجاوزتها ﴿ من يطع الله ورسوله يُدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ :من تحت أشجارها ﴿ خالدين فيها ﴾ جمعه باعتبار المعنى ﴿ وذلك ﴾ أي :الخلود فيها ﴿ الفوز العظيم ﴾.
١ وقد ورد في الترغيب في تعلم علم الفرائض وتعليمها أحاديث وآثار وهو ركن من أركان الشريعة، وذكروا من تخاريج هذا العلم ما لم يكن له مستند إلا محض الرأي، وليس مجرد الرأي مستحقا للتدوين فلكل عالم رأيه واجتهاده مع عدم الدليل، ولا حجة في اجتهاد بعض أهل العلم على البعض الآخر، ويكفيك منه ما ثبت في الكتاب والسنة وما عرض لك مما لم يكن فيهما، فاجتهد فيه برأيك عملا بحديث معاذ – رضي الله عنه – المشهور/١٢ فتح. .
﴿ ومن يعصِ الله ورسوله ويتعدّ حدوده ﴾ يتجاوزه ﴿ يُدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ﴾ لأنه لم١ يرض بما قسم الله وحكم به بل ضاد في حكمه، وخالدين :حال وكذا خالدا لا صفة جنات ونارا ؛ لأنه لابد أن يقول حينئذ :خالدين هم وخالدا هو فيها ؛ لأنهما جريا على غير من هما له.
١ وفي الحديث الذي ذكره الإمام أحمد وأبو داود في سننه (أن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة فإذا أوصى خان في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخله الجنة، ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿تلك حدود الله﴾ إلى قوله ﴿عذاب مهين﴾ فدل الحديث على أن الحيف في الوصية يورث سوء العاقبة فلا إشكال، ولما ذكر العصيان وتعدي الحدود وذكر عقبه الفرد الأفحش مع أن الإرث لا يكون إلا فيما هو من نسب النكاح لا من السفاح/١٢. [أخرجه ابن ماجة (٢٥٠٤) وقال الشيخ أحمد شاكر في طتعليقه على المسند) (٧٧٢٨): إسناده صحيح. وضعفه الشيخ الألباني في (ضعيف سنن ابن ماجة). ].
﴿ واللاّتي يأتين ﴾ :يفعلن ﴿ الفاحشة١ الزنا ﴿ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ ﴾ من رجال المسلمين ﴿ فإن شهِدوا فأمسكوهن ﴾ أجلسوهن ﴿ في البيوت حتى يتوفّاهن الموت ﴾ :أي :ملائكة الموت، أو يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن كان ذلك عقوبتهن في بدء الإسلام فنسخ بالحد ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلا ﴾ السبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك.
١ هي الزنا بإطباق المفسرين سوى مجاهد فإنها عنده هي المساحقة وفي اللذان يأتيانها عنده اللواطة/١٢..
﴿ واللذان ﴾ أي :الرجل والمرأة ﴿ يأتيانها ﴾ أي :الفاحشة ﴿ مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا ﴾ بالشتم والتعيير والضرب بالنعال وكان الحكم كذلك حتى نسخ، وعن بعضهم :أنها نزلت في الفتيان قبل أن يتزوجوا أو في الرجلين إذا عملا عمل قوم لوط١ والظاهر أن الإيذاء مشترك بين الرجل والمرأة والحبس خاصة المرأة، فإن تابا أزيل الإيذاء عنهما وبقي الحبس عليها، وقيل :هذه الآية سابقة على الأولى نزولا، وكانت عقوبة الزناة الأذى ثم الحبس ثم الجلد ﴿ فإن تابا ﴾ من الفاحشة ﴿ وأصلحا ﴾ العمل ﴿ فأعرضوا عنهما ﴾ اتركوا أذاهما ولا تعنفوهما بعدُ بكلام قبيح ﴿ إن الله كان توّاباً رحيماً ﴾.
١ وظاهر القرآن يناسب قول مجاهد أن اللاتي في السحاقات واللذان في اللواط/١٢ وجيز..
﴿ إنما التوبة على الله ﴾ أي :ليس قبول التوبة واجبا على الله بمقتضى وعده لأحد إلا ﴿ للذين يعملون السوء ﴾ ملتبسين ﴿ بجهالة ﴾ أجمع الصحابة على أن من عصى الله عمدا أو خطأ فهو بجهالة ﴿ ثم يتوبون من قريب ﴾ زمان قريب قبل معاينة الموت، أو قبل أن يحيط السوء١ بحسناته فيحبطها، أو في صحته قبل مرض موته ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ تاب الله عليه من قبل توبته وغفر ذنبه ﴿ وكان الله عليما ﴾ بنياتهم ﴿ حكيما ﴾ بأفعاله.
١ قال الله تعالى: (ولم يصروا على ما فعلوا) ذكر في الإحياء: معناه عن قرب العهد بالخطيئة بأن يندم عليها ويمحو أثرها بحسنة يدفعها قبل أن يتراكم الذنب على القلب فلا يقبل المحو، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (أتبع الحسنة السيئة تمحها)..
﴿ وليست التوبة ﴾ أي :منفية قبولها ﴿ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ أي :لا توبة لهؤلاء الفريقين ؛ فإنه كما لا تقبل توبة الآخرة لا تقبل توبة الدنيا حين الاحتضار ﴿ أولئك أعتدنا١ لهم عذابا أليما ﴾ الاعتداد :التهيئة.
١ إذا كان المراد من الذين يعملون السيئات المنافقين أو الكفار مطلقا فلا إشكال، أما إذا أريد الفسقة أعم من أن يكونوا مؤمنين أو كافرين، ففي قوله: (أعتدنا لهم عذابا أليما) إشكال على مذهب أهل السنة إلا أن يقال: لما كان معدا للأكثرين جعل حكمهم حكم الكل، أو يقال: المراد أعتدنا لهم إن لم نعف عنهم والعفو لا يكون إلا من بعض فساق المؤمنين/١٢ فتأمل..
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا١ النِّسَاءَ ﴾ :أي :ذواتهن ﴿ كرها ﴾ في الجاهلية إذا مات زوج امرأة ورث امرأته من يرث ماله إذا ألقى عليها ثوبا فإن شاء تزوجها بغير صداق، وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها، وإن شاء منعها من الأزواج لتموت فيرث، أو لتعطى ما ورثت من الميت، وإن انفلتت قبل أن يلقي عليها ثوبا نجت فنهى الله عنه، وكرها حال أي :كارهات ﴿ ولا تعضُلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ كان للرجل امرأة كاره هو صحبتها فيقهرها ويضربها لتحل مهرها أو حقا من حقوقها فالخطاب للأزواج، وأصل العضل التضييق، وهو عطف على ﴿ أن ترثوا ﴾ ولا لتأكيد النفي ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة٢ مبيِّنة ﴾أي :الزنا أو النشوز والعصيان أو أعم أي :لا تضجروهن للافتداء إلا وقت أن يأتين بفاحشة فإنه جاز ضجرها لتخالعه ﴿ وعاشروهن بالمعروف ﴾ أجملوا بالقول والفعل معهن ﴿ فإن كرهتموهن ﴾ فاصبروا عليهن ﴿ فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ﴾ مثل أن يرزق منها ولد ويكون في الولد خير كثير.
١ يعني ترثوا عيان النساء وذواتهن/١٢ منه..
٢ تفسير الفاحشة بالزنا قول ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي وابن سيرين وابن جبير ومجاهد وعكرمة وغيرهم، قالوا: إذا زنت فله استرجاع الصداق وضجرها لتركه، والتفسير الثاني للضحاك وعكرمة أيضا، والثالث اختيار ابن جرير/١٢ ج..
﴿ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ﴾ طلاق امرأة وتزوج أخرى ﴿ وآتيتم إحداهن ﴾ الضمير للزوج، لأن المراد منها الجنس١ ﴿ قنطارا٢ مالا كثيرا٣ أي :وقد جعلتم صداقهن قنطارا ﴿ فلا تأخذوا منه ﴾ من القنطار ﴿ شيئا تأخذونه بُهتانا وإثما مُبينا ﴾ أي أتأخذونه باهتين آثمين، أو مفعول له نحو :قعدت عن الحرب جبنًا، فإنهم إذا أرادوا طلاق امرأة نسبوها إلى فاحشة لتفتدي صداقها، أو حال من المفعول أي :ظلما وإثما ظاهرا وفيه ما لا يخفى٤ من المبالغة.
١ فجمعه باعتبار معناه/١٢..
٢ تفسير القنطار مع اختلاف فيه قد مر في سورة البقرة/١٢ ج..
٣ واستدل بها على جواز المغالاة في الصداق/١٢ وجيز..
٤ على الوجه الأخير الذي يكون حالا من المفعول، لأنه جعله نفس الظلم والإثم/١٢..
﴿ وكيف تأخذونه ﴾ أي :شيئا من الصداق ﴿ وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ والحال أنه وصل إليه، وهو كناية عن الجماع ﴿ وأخذن منكم ميثاقا غليظا ﴾ هو العقد أو ما أخذ الله من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، أو ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أخذتموهن١ بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ).
١ في صحيح مسلم أنه قال عليه السلام في خطبته في حجة الوداع: (واستوصوا بالنساء خيرا فإنكم أخذتموهن) إلخ وكلمة الله هي: التشهد في خطبة النكاح. [أخرجه مسلم في (الحج)/ باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (٣/٣٣٣) ط الشعب]..
﴿ ولا تنكحوا١ ما نكح آباؤكم ﴾ كان نكاح زوجات الآباء معمولا به في الجاهلية ﴿ من النساء ﴾ بيان ما، وعبر بما لأنه أراد به الصفة ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ الاستثناء من لازم النهي أي :تستحقون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف، أو منقطع أي :لكن ما قد سلف فإنه معفو عنه ﴿ إنه ﴾ أي :نكاحهن ﴿ كان فاحشة ﴾ أقبح المعاصي ﴿ ومقتا ﴾ وبغضا شديدا من الله ﴿ وساء سبيلا٢ وبئس ذلك طريقا.
١ قال جماعة: المراد به العقد الصحيح لا الزنا، فالمراد مما سلف تعاطي الزنا فإنه جائز لكم ازدواجهن في الإسلام/١٢..
٢ وعن البراء بن عازب قال: (لقيت خالي ومعه راية فقلت: أين تريد؟ فقال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه) رواه ابن ماجة وغيره، ونقل ابن خيثمة عن يحيى بن معين أنه حديث صحيح، وهذا محمول على أنه مرتد لاستحلاله ذلك/١٢ وجيز. [وأبو داود (٤٤٥٧) وصححه الشيخ الألباني في (صحيح سنن أبي داود) (٣٧٤٤)]..
﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ ﴾ أي :حرم نكاحهن ﴿ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ ﴾ الربيبة بنت زوجته ﴿ اللاتي١ في حُجوركم ﴾ في تربيتكم وبيتكم، وهذا القيد خرج مخرج الغالب لا أنه تقييد الحرمة، وقد صح عن علي كرّم الله وجهه أنه جعله شرطا، وإليه ذهب داود الظاهري وابن حزم، ونقل عن المالك ﴿ من نسائكم اللاّتي دخلتم بهن ﴾ أي :دخلتم معهن في ستر، وهو كناية عن الجماع، ومن ابتدائية متعلقة بالربائب، وعن عليّ وزيد ابن ثابت وعبد الله بن الزبير ومجاهد وابن عباس رضي الله عنهم أنه قيد لأمهات النساء والربائب فيكون من لاتصال الشيء بالشيء حينئذ لا للابتداء، أي :أمهات النساء وبناتهن متصلات بهن ﴿ فإن٢ لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ﴾ في نكاحهن، وهذا تصريح بالمقصود ﴿ وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ﴾ لا من تبنيتموه، وأما امرأة ابنه من الرضاعة فيعلم حكمها من حديث ( يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب )٣ ﴿ وأن تجمعوا بين الأُختين ﴾ في النكاح، وكذا جماعهما في ملك اليمين على الصحيح، وهو في محل الرفع عطف على المحرمات ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ لكن ما مضى مغفور ﴿ إن الله كان غفورا رحيما ﴾.
١ روى ابن أبي حاتم عن مالك بن أوس أنه قال: كانت عندي امرأة فماتت فلقيت علي بن أبي طالب فأخبرته فقال: أليس لها ابنة، فقلت: نعم وهي بالطائف، قال: كانت في حجركم، قلت: لا هي بالطائف، قال: فانكحها قلت: فأين قوله: (وربائبكم اللاتي في حجوركم) آية قال: إنها لم تكن في حجوركم، قال الشيخ عماد الدين ابن كثير: إسناده قوي ثابت على شرط مسلم، وهو قول غريب..
٢ في نكاحهن وهذا التصريح بالمقصود مشعر بأن قوله تعالى: ﴿اللاتي في حجوركم﴾ ليس شرطا حيث لم يقل: فإن لم يكن في حجوركم ولم تكونوا دخلتم بهن/١٢ وجيز..
٣ أخرجه البخاري في (الشهادات)/باب: الشهادة على الأنساب (٢٦٤٥) ومسلم في (الرضاعة)/باب: يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب (٣/٦٢٦) ط الشعب]..
﴿ والمُحصنات من النساء ﴾ ذوات الأزواج ﴿ إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ بالسبي فإنها تحل بعد الاستبراء مع أن لهن أزواجا من الكفار، وعن بعض من السلف أن بيع الأمة طلاق لها من زوجها فتحل لسيدها لعموم الآية ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ أي :كتب الله عليكم تحريم هؤلاء كتابا ﴿ وأُحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ عطف على حرمت أي :ما سوى المحرمات المذكورات، وما في معنى المذكورات الذي علم بالسنة١ ﴿ أن تبتغوا بأموالكم مُحصِنين غير مسافحين ﴾ مفعول له أي :أحل ما وراء ذلك لأن تطلبوا ما وراءه بصرف الأموال في المهر والثمن٢ حال كونكم محصنين ناكحين غير مسافحين زانين، ومفعول تبتغوا متروك كأنه قيل :إن تصرفوا أموالكم، أو بدل اشتمال من وراء، والمفعول محذوف ﴿ فما استمتعتم به منهن ﴾ موصولة أي :من تمتعتم به من المنكوحات، أو موصوفة أي :ما استمتعتم به منهن من جماع ﴿ فآتوهن أُجورهن ﴾ مهورهن ﴿ فريضة ﴾ حال أو مصدر مؤكد أو صفة لمصدر أي :إيتاء مفروضا، قال بعض السلف٣ :الآية في نكاح المتعة، وقد صح٤ عن علي أن نكاح٥ المتعة نسخت يوم خيبر ﴿ ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ﴾ من إبراء الصداق أو بعضه، ومن حمل ما قبله على المتعة فعنده معناه إذا عقدتم إلى أجل بمال وتم الأجل إن شاءت٦ زادت في الأجل وزاد في الأجر وإلا فارقها ﴿ إن الله كان عليما ﴾ بالمصالح ﴿ حكيما ﴾ في أحكامه.
١ كالجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها/١٢ وجيز..
٢ أي: للسراري/١٢..
٣ حتى أن ابن مسعود وأُبي بن كعب وسعيد بن جبير والسدي يقرؤون (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة)/١٢..
٤ في الصحيحين/١٢ منه. [أخرجه البخاري في (المغازي)/باب: غزوة خيبر (٤٢١٦) وفي غير موضع من صحيحه ومسلم في (النكاح)/ باب: نكاح المتعة (٣/٥٦٢) ط الشعب]..
٥ ذهب عامة أهل العلم إلى أن نكاح المتعة حرام والآية منسوخة، وكان ابن عباس يذهب إلى أن الآية محكمة وترخص في نكاح المتعة، وقيل: إن ابن عباس رجع عن ذلك كذا في المعلم/١٢..
٦ يعني لا جناح عليكم فيما تراضيتم به من الفراق أو الوصال ومزيد الأجر من بعد الفريضة المال المعين في الحق/١٢..
﴿ ومن لم يستطع منكم١ طولا ﴾ فضلا وزيادة في المال يبلغ بها نكاح المحصنات، فهو مفعول يستطع٢ ﴿ أن ينكح المحصنات ﴾ أي :الحرائر متعلق بطولا على حذف حرف الجر أي :إلى أن ينكح ﴿ المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم ﴾ أي :فلينكح أمة غيره ﴿ من فتياتكم المؤمنات ﴾ فلا يجوز نكاح الأمة الكتابية، وقال بعضهم٣ :طول المحصنات هو أن يملك فراشها على أن النكاح الجماع، وحمل قوله :( من فتياتكم المؤمنات ) على الإرشاد بالأفضل فعنده جاز نكاح الأمة الكتابية إذا لم يكن تحته حرة ﴿ والله أعلم بإيمانكم ﴾ فاكتفوا بظاهر الإيمان والله أعلم بالسرائر ﴿ بعضكم من بعض ﴾ أنتم وأرقائكم في النسب والدين متناسبون فلا تستنكفوا عنها عند الحاجة ﴿ فانكحوهن بإذن أهلهن ﴾ أي :أربابهن ﴿ وآتوهن أجورهن ﴾ مهورهن ﴿ بالمعروف ﴾ بغير نقص ومطل استهانة بهن ﴿ محصنات ﴾ عفائف حال من مفعول فانكحوا ﴿ غير مُسافِحات٤ مجاهرات بالزنا ﴿ ولا متخذات أخدان ﴾ أحباب يزنون بهن في السر، كانت العرب تحرم الأولى لا الثانية ﴿ فإذا أُحصن ﴾ بالتزوج، ومن قرأ بفتح الهمزة والصاد فمعناه :حفظهن فروجهن أو أسلمن ﴿ فإن أتين بفاحشة ﴾ زنا ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات ﴾ الحرائر الأبكار ﴿ من العذاب ﴾ من الحد، والجمهور على أن حد الأمة مزوجة أو بكرا خمسون جلدة ؛ ففائدة الشرط نفي ما يتوهم من تفاوت حالهن قبل التزوج وبعده كما في الحرائر٥ وعند بعض السلف أنه لا حد على غير المحصنة منها بل تضرب تأديبا ﴿ ذلك ﴾ أي :نكاح الأمة ﴿ لمن خشي العَنَت٦ منكم ﴾ أي :خاف الوقوع في الزنا، يعني :المشقة بغلبة الشهوة فلنكاح الأمة شرطان :عدم الطول وخوف العنت ﴿ وأن تصبروا ﴾ عن نكاح الأمة مع العفاف ﴿ خير لكم ﴾ لئلا يصير٧ الولد عبدا ﴿ والله غفور ﴾ لمن لم يصب ﴿ رحيم ﴾ بأن رخص.
١ وقيل: من طال على الأمر إذا غلبه وتمكن منه، فتقديره: على أن ينكح/١٢ وجيز..
٢ أي: لم يستطع زيادة في الحال/١٢ منه..
٣ أبو حنيفة وأصحابه/١٢ منه..
٤ السفاح مذموم عند الكل لكن الاختصاص بواحد في السر لا يذمه العرب في الجاهلية/١٢ منه..
٥ فإن حال الحرائر بعد التزوج ليس كحالها قبل التزوج فربما يوهم أن الإماء أيضا كذلك/١٢ منه..
٦ أصل العنت انكسار العظم بعد الجبر فاستعير لكل مشقة/١٢ وجيز..
٧ وفي سنن ابن ماجة قال صلى الله عليه وسلم: (من أراد أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر)/١٢ وجيز. [وأخرجه ابن عدي (١٦٤/٢) وعنه ابن عساكر (٤/٢٨٤/١) كما قال الشيخ الألباني في (السلسلة الضعيفة) (١٤١٧)]..
﴿ يريد الله ليُبيّن لكم ﴾ ما خفي من الشرائع عليكم. واللام زائدة، وأن يبين مفعول يريد ﴿ ويهديكم سُنن الذين من قبلكم ﴾ شرائعهم١ ومناهجهم المحمودة كملّة إبراهيم ﴿ ويتوب عليكم ﴾ من المآثم والمحارم ويعفو عنكم ﴿ والله عليم ﴾ بمصالحكم ﴿ حكيم ﴾ فيما قرر وقدر.
١ وعند صاحب البحران (سنن الذين) متعلق ببين ويهدي على سبيل التنازع/١٢ وجيز..
﴿ والله يريد أن يتوب عليكم ﴾ إن صدر عنكم تقصير ﴿ ويريد الذين يتّبعون الشهوات١ الزناة أو اليهود والنصارى أو المجوس الذين يحلون نكاح الأخت وبناتها أو أهل الباطل ﴿ أن تميلوا ﴾ عن الحق ﴿ ميلا عظيما ﴾ على اتباع الشهوات.
١ في التكاليف الشرعية قمع النفس وردها عن مشتهياتها واتباع شهواتها سبب لكل مذمة وكل كافر وفاسق يتبع لها/١٢ وجيز..
﴿ يريد الله أن يخفّف عنكم ﴾ في شرائعه، ولهذا رخص لكم نكاح الأمة ﴿ وخُلق الإنسان ضعيفا ﴾ فيناسبه التخفيف لضعفه في نفسه وضعف همته، أو في الصبر عن النساء فإنه يذهب عقله عندهن.
﴿ يَا أَيُّهَا١ الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ بالحرام كالسرقة والقمار ونحوهما ﴿ إلا أن تكون تجارةً عن تراض منكم ﴾ لكن كون تجارة صادرة عن تراض بين المتبايعين غير منهي عنه ؛ فالاستثناء منقطع، ومن قرأ تجارة بالنصب تقديره :يكون التجارة تجارة، ومن قرأ بالرفع فيكون كان تامة ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ من كان من جنسكم من المؤمنين أو بإلقائها إلى التهلكة٢ أو أراد قتل المسلم نفسه كما يفعله بعض الجهلة، أو بارتكاب محارم الله ﴿ إن الله كان بكم رحيما ﴾ فما نهاكم عن مضاركم إلا من رحمته، أو حيث لم يكلفكم بقتل أنفسكم للتوبة كما كلف بني إسرائيل.
١ ولما ذكر أجور المحصنات وأثمان السراري ومنع الزنا سرًّا وعلانية وأن الإنسان ضعيف لا طاقة له على المشاق أراد أن يوطن أنفسهم على صرف بعض المال، ويحذرهم عن بعضه فقال: (يا أيها الذين آمنوا)/١٢ وجيز..
٢ روى ابن مردويه عن ابن عباس: (أن عمرو بن العاص صلى بالناس وهو جنب، فلما قدموا المدينة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن ذلك فقال: يا رسول الله خفت أن يقتلني البرد، وقد قال الله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) قال: فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم) نقل الإمام أحمد هذا الحديث بزيادة (تيممت وصليت فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم) هذا ما في المنهية وفي الفتح، ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه المعاني، ومما يدل على ذلك احتجاج عمرو بن العاص بها حين لم يغتسل بالماء البارد حين أجنب في غزوة ذات السلاسل فقر النبي صلى الله عليه وسلم احتجاجه، وهو في مسند أحمد وسنن أبي داود وغيرهما/١٢. [صححه الشيخ الألباني في (صحيح سنن أبي داود)]..
﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ ما سبق من المحرمات أو القتل ﴿ عُدوانا١ وظلما ﴾ تجاوزا عن الحد ووضعا للشيء في غير موضعه ﴿ فسوف نُصليه٢ نارا ﴾ ندخله إياها ﴿ وكان ذلك على الله يسيرا ﴾ لا عسر ولا صارف عنه.
١ من يفعله جهلا أو نسيانا أو سفها فلا يدخل تحت الوعيد/١٢ منه..
٢ وهذا النوع من الدخول في النار للكفار كما سنبينه سورة والليل/١٢ وجيز..
﴿ إن تجتنبوا١ كبائر ما تُنهَون عنه ﴾ كل ذنب فيه وعيد٢ شديد ﴿ نكفّر عنكم سيئاتكم ﴾ نمح عنكم سيئاتكم ﴿ ونُدخلكم مدخلا كريما ﴾ وهو الجنة، فمحو الصغائر لمن اجتنب الكبائر وعد مقطوع به ومحوها لمن تعاطى الكبائر ليس كذلك بل في مشيته وإرادته تعالى.
١ ولما ذكر الوعيد لمرتكب بعض الكبائر ذكر الوعد لمجتنب جميعها فقال: (إن تجتنبوا) الآية/١٢ وجيز..
٢ هذا هو أشهر الأقوال في تعريف الكبائر، وروى النسائي والحاكم في (مستدركه) وابن حبان في (صحيحه) أنه قال عليه الصلاة والسلام: (ما من عبد صلى الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويخرج الزكاة ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة، ثم قيل له: ادخل بسلام) وفسر عليه السلام هذه السبع كما روى في (الصحيحين) بالشرك والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات/١٢ منه وفي الفتح، والأحاديث في تعداد الكبائر وتعيينها كثيرة جدا فمن رام الوقوف على ما ورد في ذلك فعليه بكتاب (الزواجر عن اقتراف الكبائر) فإنه قد جمع فأوعى/١٢..
﴿ ولا تتمنّوا ما فضّل الله به بعضكم على بعض ﴾ نهى الله تعالى عن قولهم :ليت لي مال فلان وأهله، أو نزلت في أم سلمة حيث قالت :يغزو الرجال ولا نغزو، ولنا نصف الميراث، أو حين قالت امرأة :للرجل مثل حظ الأنثيين في الميراث وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في الثواب هكذا، أو حين قال الرجال :نريد أن يكون لنا من الأجر ضعف النساء، وقالت النساء :نريد أجر الشهداء ولو كتب علينا القتال لقاتلنا، أو حين قالت النساء عند نزول ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) :نحن أحوج فإنا ضعفاء لا نقدر على طلب المعاش ﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا ﴾ من العمل ﴿ وللنساء نصيب مما اكتسبن ﴾ فاطلبوا الفضل بالعمل لا بالتمني، أو لهم نصيب من الجهاد ولهن من طاعة الأزواج وحفظ الفروج، والكل بعشر أمثالها ﴿ واسألوا الله من فضله ﴾ أي :لا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم فإنه أمر محتوم ولا يجدي تمنيه نفعا ولكن سلوني من فضلي أعطكم ﴿ إن الله كان بكل شيء عليما ﴾ فهو يعلم من يستحق شيئا فيعطيه.
﴿ ولكلٍّ١ منكم ﴿ جعلنا موالي ﴾ ورثة أو عصبة، والعرب تسمي ابن العم مولى ﴿ مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ مما متعلق بموالي لتضمنه معنى الفعل أي :ورثة مما ترك، يعني :يرث من تركتهم، أو معناه :لكل شيء مما تركوا من المال جعلنا موالي وراثا يحرزونه ﴿ والذين عقدت٢ أيمانكم ﴾ عهودكم يأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء، وقرئ عاقدت، أي :عاقدتهم أيديكم ﴿ فآتوهم نصيبهم ﴾ من الإرث وهو السدس كما وعدتموهم في الأيمان المغلظة كان هذا في ابتداء الإسلام ثم نسخ وأمروا بأن يوفوا لمن عاقدوا ولا ينشئوا بعد نسخه بقوله :( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ) معاهدة في الإرث لكن يجب الوفاء بالمعاهدة الماضية٣ أو نسخت مطلقا فلا يجوز إنشاء المعاهدة ولا الوفاء بالعهد السابق للميراث، وقوله :( والذين عقدت أيمانكم ) غير منسوخ بمعنى :وآتوهم نصيبهم من النصرة لا من الإرث، أو كان يرث المهاجري٤ الأنصاري دون ذوي رحمه بالأخوة التي آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نزلت :( ولكل جعلنا موالي ) نسخت ثم قال :( والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) أي :من النصر والنصيحة وقد ذهب الميراث ﴿ إن الله كان على كل شيء شهيدا ﴾ فلا تتجاوزوا عما أمركم.
١ ولما ذكر ما حصل للرجال من اكتسابهم وللنساء من اكتسابهن أخذ فيما حصل لهم من غير اكتسابهم وتعبهم فقال: (ولكل جعلنا) الآية/١٢ وجيز..
٢ كان في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك وثأري ثأرك وحربي حربك وسلمي سلمك وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف، وكان ذلك ثابتا في ابتداء الإسلام وذلك قوله: (فآتوهم نصيبهم) ثم نسخ، أو كان ميراث المهاجري للأنصاري دون ذوي رحمه بالأخوة السابقة، ثم نسخ مطلقا فلا إرث بينهم وقوله: (فآتوهم نصيبهم) يعني: من النصر والنصيحة والمحبة/١٢ منه..
٣ وفي مسلم وغيره لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة/١٢. [أخرجه مسلم في (الفضائل)/باب: مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه (٢٥٣٠)]..
٤ نقله البخاري عن ابن عباس/١٢ وجيز. [أخرجه ابن جرير في (تفسيره) من طرق عنه صلى الله عليه وسلم (٥/٣٧-٣٨) وأخرجه ابن أبي حاتم في (تفسيره) (٥٢٤٦) من طريق: أبو سعيد الأشج، ثنا خلف بن أيوب العامري، عن أشعث بن عبد الملك، عن الحسن فذكره، عن علي – رضي الله عنه – كما قال ابن كثير (١/٤٩٢)]..
﴿ الرِّجَالُ١ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾ قيام الولاة على الرعايا ﴿ بما فضّل الله بعضهم على بعض ﴾ فضلهم عليهن بكمال العقل والدين والقوة ﴿ وبما أنفقوا من٢ أموالهم ﴾ كالمهر والنفقة، اشتكت امرأة عن زوجها بأنه لطمها فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص فنزلت فقال عليه الصلاة والسلام :أردت أمرا وأراد الله غيره فرجعت بغير قصاص٣ ﴿ فالصالحات قانتات ﴾ مطيعات لأزواجهن ﴿ حافظات للغيب ﴾ تحفظ في غيبته نفسها وماله ﴿ بما حفظ الله ﴾ بحفظ الله إياها فالمحفوظ من حفظه، أو بما حفظ الله لها من إيجاب حقوقهن على الرجال ﴿ واللاتي تخافون نُشوزهن ﴾ عصيانهن على أزواجهن ﴿ فعِظوهن ﴾ بعقاب الله في عصيانها ﴿ واهجروهن في المضاجع ﴾ بأن يوليها ظهره ولا يجامعها ولا يكلمها، أو معناه لا يضاجعها ﴿ واضربوهن ﴾ إن لم يرتدعن بالموعظة ولا بالهجران ضربا غير شديد٤ ﴿ فإن أطعنكم فلا تبغُوا عليهن سبيلا ﴾ بالإيذاء، وقيل :لا تكلفوهن محبتكم فالقلب بيد الله ﴿ إن الله كان عليا كبيرا ﴾ فهو أقدر عليكم منكم على أزواجكم، ويتجاوز عنكم ليلا ونهارا.
١ لما ذكر أمر الرجال والنساء في اكتساب النصيب وأمر أن لا يتمنوا بعضهم على بعض أخذ في جهات فضائل الرجال فقال: (الرجال)/١٢..
٢ قد استدل به جماعة من العلماء على جواز فسخ النكاح إذا عجز الزوج عن نفقة زوجته وكسوتها، وبه قال مالك والشافعي وغيرهما/١٢ فتح..
٣ رواه ابن مردويه عن علي وابن جرير عن الحسن البصري/١٢ وجيز..
٤ مما لا يحدث ولا يؤذن بالاحتقار/١٢ وجيز..
﴿ وإن خفتم شِقاق بينهما ﴾ خلافا بين المرء وزوجه، والإضافة إلى الظرف على الاتساع١ ﴿ فابعثوا ﴾ أيها الحكام ﴿ حَكما من أهله وحَكما من أهلها ﴾ يحكمان بينهما فيما يرى المصلحة من الجمع والتفريق، والأقارب أعرف ببواطن الأحوال فهم الأولى، وهما من جانب الحاكم ينفذ٢ حكمهما مطلقا بغير رضى المحكوم عليه على الأصح ﴿ إن يريدا ﴾ أي :يقصد الحكمان٣ ﴿ إصلاحا يُوفّق الله بينهما ﴾ بين الزوجين بحسن سعي الحكمين ﴿ إن الله كان عليما خبيرا ﴾ بالظاهر والباطن.
١ كأنه مفعول به كيا سارق الليلة/١٢ وجيز..
٢ أي: في الجمع والتفريق/١٢..
٣ فعن كثير من العلماء ينفذ في الجمع ولا ينفذ في التفريق/١٢ منه..
﴿ واعبدوا١ الله ولا تُشركوا٢ به شيئا ﴾ من المخلوقات٣ أو من الإشراك قليلا وكثيرا جليا وخفيًّا ﴿ و ﴾ أحسنوا ﴿ بالوالدين إحسانا وبذي القربى ﴾ صاحب القرابة ﴿ واليتامى والمساكين ﴾ من لا يجد ما يكفيه وعياله ﴿ والجار ذي القربى ﴾ من جمع بين القرابة والجوار، أو الجار الأقرب أو الجار المسلم ﴿ والجار الجُنب ﴾ الأجنبي والذي جواره بعيد، أو أهل الكتاب ﴿ والصاحب بالجَنب ﴾ المرأة، أو رفيق السفر، أو الحضر أيضا ﴿ وابن السبيل ﴾ المسافر، أو الضعيف ﴿ وما ملكت أيمانُكم ﴾ المماليك٤ ﴿ إن الله لا يحب من كان مختالا ﴾ متكبرا ﴿ فخورا ﴾ يتفاخر٥ على المسلمين.
١ ولما كان أول السورة هنا مبنيًّا على الرفق والصلة والنصح أردف بحث الإرث والإصلاح بين الزوجين بمثل ما تقدم فقال: (واعبدوا)/١٢ وجيز..
٢ لما أمر الله تعالى بالعبادة بقوله: (واعبدوا الله) أمر بالإخلاص في العبادة بقوله: (ولا تشركوا به شيئا) لأن من عبد مع الله غيره كان مشركًا ولا يكون مخلصًا، ولهذا قال الله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) (البينة: ٥)/١٢ كبير..
٣ فإن العبادة مع الشرك مردودة/١٢ وجيز..
٤ من عبيد وإماء وحيوانات إنسية /١٢ وجيز..
٥ بحسب وبنسب فلا ينظر إلى الأقارب والأصحاب والمماليك إلا بنظر شر/١٢ وجيز..
﴿ الذين يبخلون ﴾ بأموالهم أن ينفقوها فيما أمرهم الله من بر الوالدين والأقربين، بدل ممن كان، أو نصب أو رفع على الذم ﴿ ويأمرون الناس بالبُخل ﴾ أيضا كاليهود قالوا " :لا تنفقوا على محمد فإنا نخشى عليكم الفقر ﴿ ويكتمون ما آتاهم الله من فضله١ يعني :الغنى، وحمل بعض السلف الآية على بخل اليهود بإظهار ما عندهم من العلم بمحمد صلى الله عليه وسلم وكتمانهم ذلك ﴿ وأعتدنا للكافرين٢ عذابا مهينا ﴾ أي :أعتدنا لهم فإنهم كافرون بنعمة الله.
١ من نعمة أنعم الله عليهم فإن البخيل يسترها ويجحدها، وفي الحديث: (إن الله إذا أنعم على عبد نعمة أحب أن يظهر أثرها عليه/١٢ وجيز. [صححه الشيخ الألباني في (الصحيحة) (١٢٩٠) وقال: رواه ابن سعد (٤/٢٩١) والطحاوي في (مشكل الآثار) (٤/١٥١) والبيهقي في (الشعب) (٢/٢٢١/١)]..
٢ أي: لمن كفر بنعمة الله ووعظ المسلمين بأخس الرذائل وفي الحديث: (لم يجمع البخل والإيمان في قلب) وأكثر البخلاء موتهم في حال سلب الإيمان، وقد دخل في ذلك بالدخول الأولى اليهود فإنهم مجبولون على البخل دنس الثياب كريهو الرائحة، ولما ذكر المساكين عطف عليهم منفقين لغير وجه الله/١٢ وجيز..
﴿ والذين يُنفقون أموالهم رئاء الناس ﴾ لا لوجه الله، ذكر الباذلين رياء بعد الممسكين والمراد اليهود أو المنافقون أو مشركو مكة، وهو عطف على الذين يبخلون ﴿ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا ﴾ أي فبئس الشيطان قرينا ( إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين )١.
١ الآية من سورة الإسراء..
﴿ وماذا عليهم ﴾ أي :أي تبعة تحيق بهم ﴿ لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله ﴾ في سبيله ﴿ وكان الله بهم عليما ﴾ وعيد لهم.
﴿ إن١ الله لا يظلم مثقال ذرّة ﴾ زنة نملة صغيرة، أو جزء من أجزاء الهباء إن كان مؤمنا فله الأجر في الدارين، وإن كان كافرا فمقصور على الدنيا، أو تخفيف في عذابه فلا يظلم وهو قادر عليه ﴿ وإن تكُ ﴾ مثقال ذرة ﴿ حسنة ﴾ وحذف النون من غير قياس تشبيها بحرف العلة ﴿ يُضاعفها ﴾ أي :ثوابها ﴿ ويُؤت ﴾ صاحبها ﴿ من لدُنه ﴾ من عنده بفضله ﴿ أجرا عظيما ﴾ جزيلا وهو الجنة.
١ ولما أمر بعبادته وبالإحسان والإنفاق وذم البخل ووبخ، أمر سبحانه بعدله فلا يظلم على الجزء على هذه الأمور، ثم قرر إحسانه فقال: (إن الله)/١٢ وجيز..
﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمّة بشهيد ﴾ أي :كيف حال هؤلاء الكفرة إذا جئنا بنبي كل أمة يشهد بصلاحهم وفسادهم ﴿ وجئنا بك ﴾ يا محمد ﴿ على هؤلاء ﴾ على جميع الأمم أو المنافقين أو المشركين ﴿ شهيدا١.
١ معنى هذا الكلام: كيف ترون يوم القيامة إذا استشهد الله على كل أمة برسولها واستشهدك على هؤلاء، يعني: قومه المخاطبين بالقرآن الذين شاهدهم وعرف أحوالهم، ثم إن أهل كل عصر يشهدون على غيرهم ممن شاهدوا أحوالهم وعلى هذا الوجه قال عيسى عليه السلام: (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم)/١٢ كبير للإمام الرازي، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: (خطب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: (يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله يوم القيامة حفاة عراة غرلا) ثم قال: (كما بدأنا أول خلق نعيده وعدًا علينا إنا كنا فاعلين) إلى آخر الآية (الأنبياء: ١٠٤)، ثم قال: ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح: (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم) (المائدة: ١١٧)، فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم) انتهى من النسخة المطبوعة الأحمدية-. [أخرجه البخاري في (الرقاق)/باب: الحشر (٦٥٢٦)]..
﴿ يومئذ يودّ الذين كفروا وعصوا الرسول لو تُسوّى بهم الأرض ﴾ لو يدفنون وتبتلعهم الأرض فتسوى، أو لم يبعثوا، أو يكونون ترابًا، والباء للملابسة فهو حال، أو بمعنى :على فظرف لغو ﴿ ولا يكتمون الله حديثا ﴾ بشهادة أيديهم وأرجلهم عليهم، عطف على جملة يود لما رأوا أن الجنة خاصة للمسلمين قالوا :( والله ربنا ما كنا مشركين ) ( الأنعام :٢٣ )، كذبوا رجاء زجهم في المسلمين فختم الله على أفواههم وشهدت عليهم أيديهم وأرجلهم، ( ولا يكتمون الله حديثا ) ( النساء :٤٢ )، أو داخل في التمني بمعنى :يتمنون أنهم لم يكونوا كتموا نعت محمد صلى الله عليه وسلم وأمره.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ١ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ٢ اجتنبوها حال السكر، نزلت في جمع من الصحابة شربوا –الخمر قبل تحريمه وتقدم أحدهم للإمامة وقرأ ( قل يا أيها٣ الكافرون أعبد ما تعبدون ) قال الضحاك :عنى به سكر النوم لا سكر الخمر ﴿ ولا جُنبا ﴾ عطف على ( وأنتم سكارى ) ﴿ إلا عابري٤ سبيل ﴾ مسافرين حين فقد الماء فإنه جائز للجنب حينئذ الصلاة، أو معنى الآية لا تقربوا مواضع الصلاة في حال السكر ولا في حال الجنابة إلا حال العبور فيها فجاز المرور لا اللبث وعليه كلام أكثر السلف ﴿ حتى تغتسلوا ﴾ من الجنابة ﴿ وإن كنتم مرضى٥ مرضا يخاف معه من استعمال الماء، وقيل :مطلقا، قال مجاهد :نزلت في مريض من الأنصار لم يكن له خادم ولم يستطع أن يقوم ويتوضأ ﴿ أو على سفر ﴾ طويلا أو قصيرا ﴿ أو جاء أحد منكم من الغائط ﴾ هو المكان المطمئن، وهو كناية عن الحدث الأصغر ﴿ أو لامستم النساء ﴾ جامعتموهن٦ أو ماسستم بشرتهن ببشرتكم ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ الظاهر أنه قيد للكل، والمريض الخائف من استعماله أو غير المستطيع أخذه كأنه لم يجد، فالحاصل أن الله تعالى رخص في التيمم لفاقد الطهرين حال فقدان الماء لخوف عدو أو إرهاف في موضع لا ماء فيه، أو عدم آلة استقاء أو غير ذلك مما يقع قليلا، ويمكن أن يكون قيدا للآخرين ولهذا غير الأسلوب ولم يقل :أو جنبتم وأما المرضى إذا خافوا من استعمال الماء أو لم يقدروا والمسافر إذا احتاج هو أو رفيقه أو حيوان محترم معه حالا أو مالا فلهم التيمم، وأما فاقدوا الطهرين إذا لم يجدوا ماء فلهم التيمم ﴿ فتيمّموا صعيدا طيّباً ﴾ أي :قصدوا ترابا٧ أو ما يصعد من الأرض طاهرا أو حلالا ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ﴾ اليد يطلق على ما يبلغ المرفقين كما في الوضوء، وعلى ما يبلغ الكوعين كما في السرقة ( فاقطعوا أيديهما ) ( المائدة :٣٨ )، فلذلك اختلفوا أنه يجب المسح٨ إلى المرفقين أو لا ﴿ إن الله كان عفوّا غفورا ﴾ يسهل ولا يعسر.
١ ولما ذكر الوقوف بين يدي الله تعالى في الآخرة وحذرهم عن التلوث بالخبائث عقبه بأمر الوقوف بين يديه في الدنيا، وأمره بتطهير ظاهره وباطنه فقال: (يا أيها الذين)/١٢ وجيز..
٢ فلا تقعون في تخليط كلام، وعلم منه أن النهي مستمر إلى هذا الوقت/١٢ وجيز..
٣ رواه الترمذي وقال: حسن صحيح/١٢. [أخرجه أبو داود (٣٦٧١) والترمذي (٣٢٢٩) عن علي –رضي الله عنه- قال: صنع لنا عبد الرحمان بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة، فقدموني فقرأت ﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾ ونحن نعبد ما تعبدون..... الحديث. قال الترمذي (حسن غريب صحيح) وصححه الشيخ الألباني في (صحيح الترمذي) (٢٤٢٢)]..
٤ الاستثناء مفرغ واقع موقع الحال من المخاطبين أي: لا تقربوا الصلاة جنبا كائنين على حال من الأحوال إلا مسافرين، أو مواضع الصلاة كائنين على حال إلا مارين غير لابثين/١٢ ج..
٥ والظاهر أن المرض بمجرده مسوغ للتيمم وإن كان الماء موجودا إذا كان يتضرر باستعماله في الحال أو في المآل، ولا تعتبر خشية التلف فالله سبحانه يقول: (يريد الله بكم اليسر) (البقرة: ١٨٥)، ويقول: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (المائدة: ٥) والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الدين يسر) ويقول: (يسروا ولا تعسروا) وقال: (قتلوه قتلهم الله) ويقول: (أمرت بالشريعة السمحة) فإذا قلنا: إن قيد عدم وجود الماء راجع إلى الجميع كان وجه التنصيص على المريض هو أنه يجوز له التيمم والماء حاضر موجود إذا كان استعماله يضره، فيكون اعتبار ذلك القيد في حقه إذا كان استعماله لا يضره فإن في مجرد المرض مع عدم الضرر باستعمال الماء ما يكون مظنة لعجزه عن الطلب؛ لأنه يلحقه بالمرض نوع ضعف، وأما وجه التنصيص على المسافر فلا شك أن الضرب في الأرض مظنة لإعواز الماء في بعض البقاع دون بعض/١٢ فتح..
٦ وعليه الجمهور/١٢ وجيز..
٧ طاهرا كما ورد في الصحيح: (جعلت لنا الأرض مسجدا وجعل ترابها طهورا)/١٢ وجيز. [ أخرجه مسلم في (المساجد)/باب: مواضع الصلاة]..
٨ ففي صحيح مسلم: التيمم مسح الوجه ومسح الكفين، وأما الفرق بين مسحت رأسه وبرأسه فبأن الباء لا يزاد إلا أن يكون بيده شيء كالدهن أو الماء أو التراب كما فهم من كلام المهرة من أهل اللغة، وصرح بذلك بعض العلماء من العظماء/١٢ وجيز. هذا المسح مطلق يتناول المسح بضربة أو ضربتين، ويتناول المسح إلى المرفقين أو إلى الرسغين، وحاصل ما قال الشوكاني في شرحه للمنتقى: إن أحاديث الضربتين لا يخلو جميع طرقها من مقال، ولو صحت لكان الأخذ بها متعينا لما فيها من الزيادة، فالحق الوقوف على ما ثبت في الصحيحين من حديث عمار من الاقتصار على ضربة واحدة حتى تصح الزيادة على ذلك المقدار. قال الخطابي: لم يختلف أحد من العلماء في أنه لا يلزم مسح ما وراء المرفقين واحتجوا بالقياس على الوضوء، وهو فاسد الاعتبار. قال الحافظ: إن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهم وعمار وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه فالحق مع أهل المذهب الأول حتى يقوم دليل يجب المصير إليه، ولا شك أن الأحاديث المشتملة على الزيادة أولى بالقبول، ولكن إذا كانت صالحة للاحتجاج بها وليس في الباب شيء من ذلك. .
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ﴾ ألم تنظر إلى من له حظ يسير من التوراة، أعني :الأحبار ﴿ يشترون الضلالة ﴾ يختارونها على الهدى ﴿ ويريدون أن تضِلوا ﴾ أيها المؤمنون ﴿ السبيل ﴾ طريق الحق.
﴿ والله أعلم ﴾ منكم ﴿ بأعدائكم ﴾ وقد أعلمكم فاحذروهم ﴿ وكفى بالله وليًّا ﴾ يلي أمركم ﴿ وكفى بالله نصيرا ﴾ ينصركم فاكتفوا به عن غيره، والباء في فاعل كفى :للتأكيد.
﴿ من الذين هادوا ﴾ بيان للذين أوتوا أو لأعدائكم أو صلة نصيرا أي :ينصركم من الذين، أو خبر مبتدأ تقديره :من الذين هادوا قوم ﴿ يُحرّفون الكلِم١ عن مواضعه٢ يميلونه عن مواضعه التي أثبته الله فيها بإزالته وإثبات غيره فيها، أو يفسرونه بغير مراد الله على مقتضى هواهم ﴿ ويقولون سمعنا ﴾ قولك ﴿ وعصينا ﴾ أمرك ﴿ واسمع غير مُسمَع ﴾ أي :اسمع ما نقول لا سمعت، فهو حال من المخاطب أي :مدعوا عليك بلا سمعت، أو اسمع غير مسمع ما ترضى قيل :قولهم وعصينا وغير مسمع قول سرهم ﴿ وراعِنا ليًّا ﴾ فتلا ﴿ بألسنتهم وطعنا في الدين ﴾ أي :يوهمون أنهم يقولون :أرعنا٣ سمعك وإنما يريدون الرعونة أو السب بلغتهم ﴿ ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظُرنا لكان خيرا لهم وأقوم ﴾ أي :لو ثبت هذا مكان ما قالوه لكان قولهم ذلك خيرا وأعدل لهم ﴿ ولكن لعنهم الله بكفرهم ﴾ فلا يهتدون إلى خيرهم ﴿ فلا يؤمنون ﴾ إيمانا٤ ﴿ قليلا ﴾ لا ينفعهم أو إلا قليلا منهم فهو استثناء من مفعول٥ لعنهم المرتب عليه فلا يؤمنون فليس المختار فيه الرفع.
١ الكلم يفرق بينه وبين الواحد بالتاء، وغلب إطلاق الكلم على الكثير بحيث لا يطلق على الواحد لكن ليس بجمع لما يقال: الكلم الطيب، ورجوع ضمائر المفرد إليه/١٢ وجيز. قال الرازي في الكبير: في كيفية التحريف وجوه أحدها أنهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظ آخر إلى أن قال: والثاني أن المراد بالتحريق إلقاء الشبهة الباطلة والتأويلات الفاسدة وصرف اللفظ من معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه الحيل اللفظية كما يفعله أهل البدعة في زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذاهبهم وهذا الأصح/١٢..
٢ قال الحافظ ابن القيم في إغاثة اللهفان: وقد اختلف العلماء هل التوراة مبدلة أم التبديل وقع في التأويل دون التنزيل على ثلاثة أقوال قالت طائفة: كلها أو أكثرها مبدل، وغلا بعضهم حتى قال: بجواز الاستجمار بها، وقالت طائفة من أئمة الفقه والحديث والكلام، إنما وقع التبدل في التأويل، قال البخاري في صحيحه: يحرفون يزيلون، وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله ولكنهم يتأولونه على غير تأويله هو اختيار الرازي، وتوسطت طائفة فقالوا: قد زيد فيها وقد غير أشياء يسيرة جدا واختاره شيخنا في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح قال: وهذا كما في التوراة عندهم أن الله سبحانه قال لإبراهيم: اذبح ابنك بكرك ووحيدك إسحاق، قلت: والزيادة باطلة من وجوه عشرة: الأول أن بكره ووحيده إسماعيل باتفاق الملل الثلاث إلى آخر ما بين الوجوه العشرة/١٢ فتح..
٣ أي: اصرف سمعك إلى كلامنا وأنصت لحديثنا وتفهم/١٢ كبير..
٤ هو إيمانهم ببعض الكتاب/١٢..
٥ يعني: لو كان استثناء من فاعل لا يؤمنون يكون اتفاق القراء على غير المختار مع أن المراد من فاعل لا يؤمنون الملعونون، والقليل الذين آمنوا ليسوا منهم يعني: لو كان استثناء من فاعل لا يؤمنون فيكون الرفع فيه هو المختار مع أن المراد من فاعل لا يؤمنون الملعونون، والقليل الذين آمنوا ليسوا من الملعونين، فلا يجوز أن يكون مستثنى منه/١٢..
﴿ يا أيها١ الذين أُوتوا الكتاب آمنوا بما نزّلنا مُصدّقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنرُدّها على أدبارها ﴾ نحو العين والأنف ونجعلها من قبل الأقفية فلهم عينان٢ من القفى يمشون قهقرى، أو نجعلها كالأقفاء بلا عين وأنف، أو بأن نجعلها منابت٣ الشعور كالقردة، أو أن نطمس وجوها عن صراط٤ الحق فنردها على أدبارها في الضلالة، أو نردهم إلى بلاد الشام من أرض الحجاز، فالمراد إجلاؤهم من أوطانهم، والطمس والمسخ يكونان لهم قبل٥ القيامة٦ أو لهم هذا في القيامة، أو مشروط بعدم الإيمان وقد آمن بعضهم ﴿ أو نلعنهم ﴾ الضمير للذين على طريقة الالتفات ﴿ كما لعنّا أصحاب٧ السبت ﴾ نخزيهم بالمسخ فنجعلهم قردة وخنازير كما فعلنا بأصحاب السبت ﴿ وكان أمر الله مفعولا ﴾ لا راد لحكمه.
١ لما أعلم أن بعضهم غير ملعونين خاطب الجميع ليأتمر من لم يتطوق على أعناقه اللعن فقال: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب أمنوا) الآية (آل عمران: ٤٧)/١٢ وجيز..
٢ قاله ابن عباس/١٢ وجيز..
٣ فيكون تقديره: نردها على هيئة أدبارها فإن منابت شعور الآدميين في أدبار وجوههم/١٢..
٤ فيكون المراد طمس وجه القلب، والرد عن بصائر الهدى على أدبارها في الضلالة/١٢ منه..
٥ عند نزول عيسى كذا ثبت عن السلف/١٢ وجيز..
٦ هذا جواب عما يقال: إن الله تعالى قد أوعدهم بالطمس والمسخ ولم يقع أحد منهما/١٢ منه..
٧ ولما سمع عبد الله بن سلام هذه الآية جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويده على وجهه فأسلم، وقال: يا رسول الله ما كنت أرى أني أصل إليك حتى تحول وجهي في قفاي/٢ وجيز..
﴿ إن١ الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ لا يغفر لعبد لقيه مشركا ويغفر ما دون الشرك صغيرا أو كبيرا لمن يريد تفضلا ﴿ ومن يُشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ﴾ يحتقر دونه الذنوب.
١ وبعد ما لعن اللعن المطلق واللعن المقيد حكم بالحكم البت المحكم فقال: (إن الله لا يغفر أن يُشرَك به) الآية/١٢ وجيز..
﴿ ألم تر ﴾ تنظر ﴿ إلى الذين يُزكّون١ أنفسهم ﴾ بقولهم :نحن أبناء الله وأحباؤه، أو بما قال اليهود :إن أبناءنا ماتوا وهم لنا قربة سيشفعون ويزكوننا، أو يقدمون أطفالهم في الصلاة لعصمتهم ويزعمون أن المأموم يصير مثلهم ﴿ بل الله يُزكّي من يشاء ﴾ المرجع في ذلك إلى الله فإنه عالم بالحقائق ﴿ ولا يُظلمون فتيلاً٢ ما يكون في شق النواة أو ما فتلت بين أصابعك من الوسخ أي :لا ينقص ثوابهم مقدار الفتيل.
١ وفي (الصحيحين): أنه عليه الصلاة والسلام سمع رجلا أثنى على رجل فقال: ويحك قطعت عنق صاحبك، ثم قال: إن كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة فليقل: أحسبه فلا يزكى الله على (أحداً)/١٢ وجيز. [أخرجه البخاري في (الأدب)/باب: ما يكره من التمادح (٦٠٦١) ومسلم في (الزهد والرقاق)/ باب: النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط (٣٠٠٠)]..
٢ نصب فتيلا بأنه صفة مفعول مطلق/١٢..
﴿ انظر ﴾ يا محمد ﴿ كيف يفترون على الله الكذب ﴾ في تزكيتهم أنفسهم ﴿ وكفى به ﴾ بالافتراء ﴿ إثما مبينا ﴾ ظاهرا لا يخفى.
﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا ﴾ حظا قليلا ﴿ من الكتاب ﴾ التوراة ﴿ يؤمنون بالجِبت والطّاغوت ﴾ السحر والشيطان، أو الأوثان وشياطينها، أو الكاهن والساحر، أو الساحر والكاهن بلسان الحبشة، أو الجبت شيطان بلسان الحبشة والطاغوت كل ما يعبد من دون الله ﴿ ويقولون للذين كفروا ﴾ قريش ﴿ هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ﴾ سأل قريش عن أحبار اليهود :ديننا خير أم دين محمد ؟ فقالوا :دينكم خير وأنتم أهدى وقيل :سجدوا١ لأصنامهم حين حالفوا قريشا في حرب المؤمنين.
١ نقل أنه خرج كعب بن الأشرف في سبعين راكبا من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشا على عداوة المؤمنين، فقال قريش: نحن لا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم فإنكم أهل كتاب ومحمد صاحب كتاب فإن أردتم أن تطمئن خواطرنا فاسجدوا لهذين الصنمين وآمنوا بهما ففعلوا..
﴿ أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ﴾ يمنعه من الطرد والخسار.
﴿ أم لهم نصيب من الملك ﴾ أم منقطعة والهمزة لإنكار ملكهم كما يزعمون أن الملك سيصير لهم، ومعناه الإضراب عن ذمهم بتزكيتهم أنفسهم إلى ذمهم بالبخل والحسد اللذين هما شر خصلتين. ﴿ فإذا لا يُؤتون الناس نقيرا ﴾ أي إن كان لهم ملك فإذن لا يؤتون أحدا ما يوازي نقيرا، وهو النقرة في ظهر النواة يعني :هذا إكمال بخلهم في حال ملكهم وغناهم فما ظنك بحال فقرهم وذلهم.
﴿ أم يحسدون الناس ﴾ بل يحسدون محمدا أو أصحابه، أضرب عن البخل إلى الحسد الذي هو شر١ منه ﴿ على ما آتاهم الله من فضله ﴾ النبوة والكتاب والنصرة وكثرة النساء، وقالوا :لو كان نبيا لشغله أمر النبوة عن النساء ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة ﴾ كداود وسليمان كتابهم ونبوتهم ﴿ وآتيناهم ملكا عظيما ﴾ ملك داود وسليمان وما أوتي من النساء٢ لهما.
١ فإنه بخل ما في يد الغير مع شبه اعتراض على من هو كامل في الحكمة عادل في القسمة/١٢ منه..
٢ فإنه لسليمان ألف امرأة ثلاث مائة مهرية والباقية سرية ولداود مائة امرأة/١٢ منه..
﴿ فمنهم من آمن به ﴾ هذا الإيتاء والإنعام ﴿ ومنهم من صد عنه ﴾ أعرض عنه وسعى في صد الناس عنه مع أنهم من جنسهم من بني إسرائيل، فكيف بك يا محمد ولست من بني إسرائيل ؟ أو معناه :هم يحسدون عليكم وقد آتينا آل إبراهيم الذين هم من أسلافك يا محمد من فضلنا فلا يبعد أن يؤتيك الله مثلا ما آتاهم، ثم قال :فمن اليهود من يؤمن بمحمد ومنهم من صد عنه ولم يؤمن به ﴿ وكفى بجهنم سعيرا ﴾ نارا مسعورة يعذبون بها.
﴿ إن الذين كفروا بآياتنا سوف نُصليهم ﴾ ندخلهم ﴿ نارا كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودا غيرها ﴾ غير الجلود المحترقة، ويحتمل أن يعاد ذلك الجلد بعينه إلا أنه على صورة أخرى ﴿ ليذوقوا العذاب ﴾ وقد ورد أنه في الساعة الواحدة عشرون ومائة مرة ﴿ إن الله كان عزيزا ﴾ غالبا لا يغلب ﴿ حكيما ﴾ فتعذيبه وفق حكمته لا ظلما.
﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سنُدخلهم جنات تجري من تحتها ﴾ تحت أشجارها ﴿ الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهّرة ﴾ من الحيض والأذى ﴿ ونُدخلهم ظلا ظليلا ﴾ دائما لا حر فيه، والظليل صفة مشتقة من لفظ الظل لتأكيده كليل أليل وشمس شامس.
﴿ إن١ الله يأمركم أن تؤدُّوا الأمانات إلى أهلها ﴾ الآية كما قال السلف عامة :لكل بر وفاجر ودخل فيها حقوق الله وحقوق الناس، وإن نزلت في رد مفتاح الكعبة على عثمان٢ بن طلحة حين أخذ منه والتمس علي أو عباس رضي الله عنهما أن تكون له الحجابة والسقاية ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكُموا بالعدل ﴾ أي :وأن تحكموا بالإنصاف إذا حكمتم ﴿ إن الله٣ نِعمّا يعظكم به ﴾ أي :نعم شيئا يعظكم به، فما موصوفة منصوبة بيعظكم، أو نعم الشيء الذي يعظكم به فيكون مرفوعة موصولة، والمخصوص بالمدح محذوف، أي :نعما يعظكم به ذاك وهو أداء الأمانات والعدل ﴿ إن الله كان سميعا بصيرا ﴾ بالأقوال والأحكام في الأمانات وغيرها.
١ لما أمر بالسخاء والسماحة، وإلقاء الراحة للقلوب، وترك البخل الذي هو من أخس الرذائل والذنوب، ودفع الحسد الذي هو بخل عن ما في يد الغير، وهو عند نهاية الغور جور تبعه برد الأمانات والعدل فقال: (إن الله يأمركم) الآية/١٢..
٢ أي: عثمان بن طلحة ابن عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الذي بيده الحجابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم، وأما عمه عثمان بن أبي طلحة فكان معه لواء المشركين يوم أحد وقتل يومئذ كافرا وقد اشتبه هذا على كثير من المفسرين/١٢ منه..
٣ هذه الآيات من أمهات الآيات المشتملة على كثير من أحكام الشرع، لأن الظاهر أن الخطاب يشمل جميع الناس قاطبة في جميع الأمانات وورودها على سبب لا ينافي ما فيها من العموم، فالاعتبار لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، قال الواحدي: أجمع المفسرون عليه. انتهى، ويدخل الولاة في هذا الخطاب دخولا أوليا فيجب عليهم تأدية ما لديهم من الأمانات ورد الظلامات، وممن قال بعموم هذا الخطاب البراء بن عازب وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب، واختاره جمهور المفسرين ومنهم ابن جرير وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها الأبرار منهم والفجار كما قال ابن المنذر، وأخرج أبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أد الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك). [وصححه الشيخ الألباني في (صحيح سنن أبي داود) (٣٠١٨)]..
﴿ يا أيها١ الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ٢منكم ﴾ السلاطين والأمراء فيما وافقوا الحق، وأهل العلم والدين ﴿ فإن تنازعتم ﴾ أنتم وأولو الأمر ﴿ في شيء فرُدّوه ﴾ فراجعوا٣ فيه ﴿ إلى الله ﴾ إلى كتابه ﴿ والرسول ﴾ في زمانه وسنته بعده ﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك ﴾ :أي :الرد ﴿ خيرٌ ﴾ لكم ﴿ وأحسن تأويلاً ﴾ مآلا وعاقبة.
١ لما أمر الولاة والرعاة بالعدل أمر الرعية بطاعة الولاة فقال: (يا أيها الذين آمنوا) الآية/١٢ كبير..
٢ هم الحكام والسلاطين إذا أمروا بمعصية فلا سمع ولا طاعة، وإن أمروا بمباح إن كان فيه مصلحة عامة وجب القبول، وإن كان المصلحة بينه وبين الله، أو بينه وبين الخلق فيه خلاف/١٢ وجيز..
٣ قال مجاهد وغير واحد من السلف: هذا أمر من الله عز وجل بأن كل شيء ينازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى كتاب الله وسنة رسوله فهو الحق كما قال تعالى: (فما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) (الشورى: ١٠)، فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله فهو الحق (فماذا بعد الحق إلا الضلال) (يونس: ٣٢)، ولهذا قال: (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) أي: ردوا وتحاكموا إليهما إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، فدل على أن من لا يتحاكم في محال النزاع إلى كتاب الله وسنة رسوله ليس مؤمنا بالله واليوم الآخر، فالرد إلى الكتاب والسنة واجب لصريح الأمر وتعليق الإيمان عليه هكذا قال الشيخ محمد بن محسن عطاس صاحب تنزيه الذات والصفات قال الإمام الرازي: هذه الآية دالة على أن الكتاب والسنة مقدمان على القياس مطلقا فلا يجوز ترك العمل بهما بسبب القياس، ولا يجوز تخصيصهما بسبب القياس البتة سواء كان القياس جليّا أو خفيًّا، وسواء كان ذلك النص مخصوصا قبل ذلك أم لا ثم بين ذلك، وحقق كما هو حقه وأثبت ذلك بالوجوه العشرة التي لا يسعها المقام، وفي الفتح: ومن جملة ما استدل به المقلدة قوله تعالى: (وأولي الأمر) قالوا: هم العلماء، لكن أين هذا من الدلالة على مراد المقلدين فإنه لا طاعة لأحدهما أي: العلماء والولاة إلا إذا أمروا بطاعة الله على وفق سنة رسوله وشريعته، وأيضا العلماء إنما أرشدوا غيرهم إلى ترك تقليدهم ونهوهم عن ذلك كما روي عن الأئمة الأربعة وغيرهم، فطاعتهم ترك تقليدهم، ولو فرضنا أن في العلماء من يرشد الناس إلى التقليد ويرغبهم فيه لكان يرشد على معصية الله، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق انتهى ملخصًا/١٢..
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ ﴾ الطاغوت ههنا ما سوى كتاب الله وسنة رسوله من الباطل، نزلت في يهودي ومنافق اختصما فقال اليهودي :بيني وبينك محمد، وقال المنافق بيننا كعب بن الأشرف، أو في جماعة من المنافقين أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية ﴿ وقد أُمروا أن يكفروا به ﴾ بالطاغوت ﴿ ويريد الشيطان أن يُضلّهم ضلالا بعيدا ﴾ لا يمكن لهم الرجوع إلى الحق أبدا.
﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين ﴾ حال كونهم ﴿ يصدّون ﴾ يعرضون ﴿ عنك صدودا ﴾.
﴿ فكيف ﴾ يكون حالهم ﴿ إذا أصابتهم مصيبة ﴾ احتاجوا إليك في دفعها ﴿ بما قدّمت أيديهم ﴾ بسبب شؤم ذنوبهم ﴿ ثم جاءوك ﴾ حين يصابون للعذر، عطف على إصابتهم ﴿ يحلفون ﴾ حال ﴿ بالله إن أردنا ﴾ ما أردنا من تحاكمنا إلى غيرك ﴿ إلا إحسانا وتوفيقا ﴾ مداراة ومصانعة لا اعتقادا منا تلك الحكومة، أو إحسانا لخصومنا وتوفيقا بين الخصمين لا مخالفتك، وبعضهم على أن الكلام تم عند قوله تعالى :( بما قدمت أيديهم ) و( ثم جاءوك ) عطف على ( يصدون ) وما بينهما اعتراض.
﴿ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ﴾ من النفاق ﴿ فأعرض عنهم ﴾ فلا تعنفهم ﴿ وعِظهم ﴾ وانصحهم بلسانك ﴿ وقل لهم في أنفسهم ﴾ سرا ليس معهم غيرهم ﴿ قولا بليغا ﴾ وقيل :في أنفسهم متعلق بليغا أي :قل لهم قولا بليغًا في أنفسهم مؤثرا في قلوبهم.
﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليُطاع ﴾ فيما حكم لا ليطلب الحكم من غيره ﴿ بإذن الله ﴾ بسبب إذن الله في طاعته، فالإذن بمعنى الأمر والرضا، أو بتيسير الله وتوفيقه في طاعته، فالإذن بمعنى التوفيق ﴿ ولو أنهم إذا ظلموا أنفسهم ﴾ بمثل التحاكم إلى غيرك ﴿ جاءوك١ خبر إن، وإذ ظلموا متعلق به ﴿ فاستغفروا الله ﴾ بالإخلاص ﴿ واستغفر لهم الرسول ﴾ عدل عن الخطاب تعظيما لشأن الرسول عليه الصلاة والسلام ﴿ لوجدوا الله ﴾ صادفوه٢ حال كونه ﴿ ثوّاباً رحيماً ﴾ أو لعلموه قابلا لتوبتهم.
١ وهذا المجيء يختص بزمان حياته صلى الله عليه وسلم، وليس المجيء إليه يعني إلى مرقده المنور بعد وفاته صلى الله عليه وسلم مما يدل عليه هذه الآية كما قرره في الصارم المنكى، ولهذا لم يذهب إلى هذا الاحتمال البعيد أحد من سلف الأمة وأئمتها لا من الصحابة ولا من التابعين ولا ممن تبعهم بإحسان/١٢ فتح..
٢ يعني إن كان وجد بمعنى صادف فتوابا حال، وإن كان بمعنى علم فهو مفعوله الثاني/١٢ ج..
﴿ فلا١ وربك لا يؤمنون ﴾ لا مزيدة لتأكيد القسم، أو معناه :فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك ﴿ حتى يُحكّموك فيما شجر ﴾ اختلف واختلط ﴿ بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ﴾ ضيقا أو شكا ﴿ مما٢ قضيت ويسلّموا٣ انقادوا لأمر رسوله ﴿ تسليما ﴾ نزلت حين خاصم الزبير رجلا فقضى رسول صلى الله عليه وسلم للزبير٤ فقال الرجل :قضى له لأنه ابن عمته٥، أو اختصم رجلان فقضى بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الذي قضى عليه :ردنا إلى عمر بن الخطاب فلما أتيا إليه قالا :قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جئنا إليك لتقضي بيننا، فقال عمر :مكانكما فخرج بالسيف وقتل من لم يرض بحكم رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن٦ ٧.
١ اعلم أن قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون) قسم من الله على أنهم لا يصيرون موصوفين بصفة الإيمان إلا عند حصول شرائط، أولها: قوله تعالى: (حتى يحكّموك فيما شجر بينهم) وهذا يدل على أن من لم يرض بحكم الرسول لا يكون مؤمنا. الشرط الثاني: قوله: (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت) قال الزجاج: لا تضيق صدروهم من أقضيتك، واعلم أن الراضي بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام قد يكون راضيا به في الظاهر دون القلب، فبين في هذه الآية أنه لا بد من حصول الرضاء به في القلب. الشرط الثالث: قوله: (ويسلّموا تسليما) واعلم أن من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقا وصدقا قد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد، أو يتوقف في ذلك القبول، فبين تعالى أنه كما لا بد في الإيمان من حصول ذلك اليقين في القلب فلا بد أيضا من التسليم معه في الظاهر، فقوله: (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت) المراد به: الانقياد في الباطن، وقوله: (يسلموا تسليما) المراد منه الانقياد في الظاهر والله أعلم/١٢ كبير..
٢ جاز أن يكون ما مصدرية، أو موصولة/١٢ منه..
٣ ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص، النص بالقياس؛ لأنه يدل على أنه يجب متابعة قوله وحكمه على الإطلاق، وأنه لا يجوز العدول منه إلى غيره، ومثل هذه المبالغة المذكورة في هذه الآية قلما يوجد في شيء من التكاليف، وذلك يوجب تقديم عموم القرآن، والخبر على حكم القياس، وقوله: (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت) مشعر بذلك لأنه متى خطر بباله قياس يفضي إلى نقيض مدلول النص فهناك يحصل الحرج في النفس فبين تعالى أن لا يكمل إيمانه إلا بعد أن يلتفت إلى ذلك الحرج ويسلم النص تسليما كليًّا، وهذا الكلام قوي حسن لمن أنصف/١٢ كبير..
٤ رواه البخاري عن عروة/١٢ وجيز..
٥ أخرجه البخاري في (التفسير)/باب: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكّموك فيما شجر بينهم﴾ (٤٥٨٥)..
٦ أخرجه ابن أبي حاتم في (تفسير) (٥٥٦٠) قال: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنبأ ابن وهب، أخبرني عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود..... فذكره. وذكره ابن كثير في (تفسيره) (١/٥٢٢) وقال: وكذا رواه ابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود به. وهو أثر غريب مرسل، وابن لهيعة ضعيف والله أعلم..
٧ فأنزل الله تلك الآية فبرأ عمر على قتله ظلما رواه ابن أبي حاتم، وابن مردويه والحافظ المقدسي/١٢ وجيز..
﴿ ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ﴾ كما كتبنا على بني إسرائيل، وأن١ مصدرية ﴿ أو اخرُجوا من دياركم ﴾ كما أمرناهم من ديار مصر ﴿ ما فعلوه ﴾ أي :المكتوب، أو الضمير لمصدر أحد٢ الفعلين ﴿ إلا قليل منهم ﴾ وهم المخلصون، نزلت حين افتخر صحابي ويهودي فقال اليهودي :لقد كتب الله علينا القتل فقتلنا أنفسنا، فقال الصحابي :لو كتب الله علينا لقتلنا٣ ﴿ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ﴾ من مطاوعة النبي ومتابعته طوعا ﴿ لكان خيرا لهم ﴾ في الدارين ﴿ وأشد تثبيتا ﴾ لإيمانهم وتصديقهم.
١ جاز أن يكون أن مفسرة لأن كتبنا بمعنى: أمرنا/١٢..
٢ أي: اقتلوا أو اخرجوا /١٢ منه..
٣ وعلى هذه الآية مدح لهذا الصحابي أنه من القليل الذين لهم الإخلاص/١٢ منه..
﴿ وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ﴾ كأنه قيل :ما يكون لهم بعد التثبيت، فقال :وإذا والله لآتيناهم فإن إذا جواب وجزاء.
﴿ ولهديناهم صراطا مستقيما ﴾ بسلوكه يصلون إلى الفلاح.
﴿ ومن يُطع الله والرسول ﴾ في الفرائض والسنن ﴿ فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصّديقين والشهداء والصالحين ﴾ نزلت١ حين قال بعض٢ الصحابة :إني محزون، لأني لا أطيق فراقك يا محمد وإني إن دخلت الجنة أكون في منزلة دون منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدا، وفي الحديث أن الأعلين ينحدرون إلى من هو أسفل منهم فيجتمعون في رياضها وينزل لهمرة٣ أهل الدرجات فيسعون عليهم بما يشتهون فهم في روضة يحبرون ﴿ وحَسُن أولئك رفيقا ﴾ الرفيق كالصديق يطلق على الواحد والجمع أو المراد كل واحد منهم ونصبه على التمييز أو الحال وهو كلام في معنى التعجب.
١ قد ثبت في الصحاح والمسانيد وغيرها من طرق متواترات عن جماعة من الصحابة أنه سئل عليه الصلاة والسلام عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم فقال: (المرء مع من أحب، قال أنس فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث)/١٢ وجيز..
٢ كما رواه ابن جرير وابن مردويه والحافظ المقدسي/١٢ وجيز..
٣ وردت في الأصل مصحفة: ينزلهم..
﴿ ذلك ﴾ أي :ما أعطى المطيعين من مرافقة المنعم عليهم ﴿ الفضل من الله ﴾ الأول صفة ذلك أو خبره والثاني خبره أو حال ﴿ وكفى بالله عليما ﴾ بمن أطاع الله ورسوله فلا يضيع أجرهم.
﴿ يَا أَيُّهَا١ الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ من عدوكم أي :استعدوا للحرب واحذروا من الأعداء ﴿ فانفروا ﴾ أخرجوا إلى الجهاد ﴿ ثُبات ﴾ جماعة بعد جماعة متفرقين ﴿ أو انفِروا جميعا ﴾ مجتمعين أي بادروا إلى الجهاد كيفما أمكن من غير أن تلقوا أنفسكم إلى التهلكة.
١ ولما ذكر أنه لو كتب عليهم قتل أنفسهم وأطاعوا لهم الأجر العظيم وإن طاعة الله سبب للرفاقة مع هؤلاء السعداء أمرهم بالجهاد الذي قد ينجر إلى القتل وحذرهم عن الغفلة، فقال: (يا أيها الدين آمنوا خذوا حذركم)/١٢ وجيز..
﴿ وإن منكم لمن ليُبطّئن ﴾ يتثاقلن ويتخلفن عن الجهاد من بطأ بمعنى أبطأ لازم أو ليبطئن غيره منقولا من بطأ والخطاب لعسكر الرسول. والبعض :المنافقون واللام الأولى للابتداء جواب قسم تقديره :وإن منكم لمن أقسم بالله ليبطئن ﴿ فإن أصابتكم مصيبة ﴾ من قتل أو هزيمة ﴿ قال ﴾ المبطئ ﴿ قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيدا ﴾ حاضرا.
﴿ ولئن أصابكم فضل من الله ﴾ كفتح وغنيمة ﴿ ليقولن ﴾ أكد تنبيها على فرط تحسرهم ﴿ كأن ﴾ مخففة من الثقيلة ﴿ لم تكن بينكم وبينه مودّة ﴾ اعتراض بين الفعل ومفعوله وهو ﴿ يا ليتني كنت معهم فأفوز ﴾ منصوب بجواب التمني ﴿ فوزا عظيما ﴾ نصيبا وافرا من الغنيمة يعني أن قولهم هذا قول من لا مواصلة بينكم وبينه وليس من أهل دينكم فإن الحظ من المال غاية بغيتهم لا إعانتكم وأجرهم.
﴿ فليُقاتل في سبيل الله الذين يشرُون الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ معناه :إن بطأ هؤلاء عن القتال فليقاتل الذين يبيعون دنياهم بآخرتهم وهم المؤمنون حقا أو معناه ليغير ما بهم من النفاق فليقاتل الذين يشترون الدنيا الفانية بالآخرة الباقية فعلى الأول حث المؤمنين على القتال وعلى الثاني حث المبطئين على ترك ما هم عليه ﴿ ومن يُقاتل في سبيل الله فليُقتل أو يغلِب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ﴾ له الأجر الجزيل غَلَبَ أو غُلِبَ.
﴿ ومالَكم ﴾ مبتدأ وخبر ﴿ لا تقاتلون في سبيل الله ﴾ حال، يعاتبهم على ترك الجهاد ويحرضهم عليه ﴿ والمستضعفين ﴾ أي :في سبيل المستضعفين وهو تخليصهم عن أيدي العدو أو في المستضعفين١ على حذف المضاف أي في تخليصهم ﴿ من الرجال والنساء والولدان ﴾ بيان للمستضعفين الذين هم بمكة تحت أيادي المشركين ﴿ الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم٢ أهلُها ﴾ أرادوا مشركي مكة ﴿ واجعل لنا من لدُنك وليًّا ﴾ يلي أمرنا ﴿ واجعل لنا من لدُنك نصيراً ﴾ فاستجاب الله تعالى دعاءهم يسر لبعضهم الهجرة إلى المدينة وفتح مكة على نبيه عليه الصلاة والسلام فنصرهم وتولاهم.
١ فهو إما عطف على المضاف إليه من غير تقدير، أو على المضاف على تقديره/١٢..
٢ في القرآن نسبة الظلم إلى القرية كثيرة لكن نسب ههنا إلى أهلها تعظيما لأم القرى وتعليمًا/١٢ وجيز..
﴿ الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ﴾ فيما يصلون به إلى الله ﴿ والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت١ فيما يبلغ بهم إلى الشيطان٢ ﴿ فقاتلوا ﴾ أيها المؤمنون ﴿ أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا ﴾ أي :مكره المؤمنين بالنسبة إلى مكر الله للكافرين ضعيف فلا تخافوهم.
١ وهذه الآية دالة على أن كل من كان غرضه في فعله رضاء غير الله فهو في سبيل الطاغوت، لأنه تعالى لما ذكر هذه القسمة وهي أن القتال إما أن يكون في سبيل الله أو في سبيل الطاغوت، وجب أن يكون ما سوى الله طاغوتا/١٢ كبير..
٢ وهو مع حزبه في النار/١٢..
﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم كُفّوا أيديكم ﴾ عن قتال المشركين حين التمسوا قتالهم في مكة وهم ضعفاء١ قليلون ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ واشتغلوا بما أمركم الله ﴿ فلما كتب عليهم القتال ﴾ في المدينة وهم أقوياء كثيرون ﴿ إذا فريق منهم ﴾ إذا للمفاجأة جواب لما ﴿ يخشون الناس ﴾ الكفار خبر فريق ومنهم صفته ﴿ كخشية الله ﴾ إضافة المصدر إلى المفعول أي :خشية مثل خشيتهم ﴿ لله أو أشد خشية ﴾ عطف على كخشية الله أي :أو خشية أشد تلك الخشية خشية من خشيتهم لله بأن جعل الخشية خاشيا كجد جده أو كخشية الله حال من ضمير الجمع أي :حال كونهم مثل أهل خشية الله أو أشد خشية من أهل خشية الله ﴿ وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخّرتنا إلى أجل قريب ﴾ أي :الموت يعني هلا تركتنا نموت بآجالنا قيل :القائلون منافقون أو مؤمنون وقالوه خوفا وحرصا على الحياة ثم تابوا، أو مؤمنون تخلفوا ونافقوا لما فرض عليهم القتال ﴿ قل ﴾ يا محمد ﴿ متاع الدنيا قليل ﴾ سريع التقضي ﴿ والآخرة خيرٌ لمن اتقى ولا تُظلمون فتيلا ﴾ لا ينقص من ثوابكم مثل فتيل النواة.
١ فإنهم يلقون من المشركين أذى كثيرا يستأذنون في القتال ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :(إنا لم نؤمر بالقتال أمرنا بالعفو فكفوا أيديكم)/١٢ وجيز..
﴿ أينما تكونوا يُدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيّدة ﴾ حصون مرفوعة منيعة عالية قيل :نزلت في المنافقين الذين قالوا في قتلى أحد :لو كانوا عندنا ما ماتوا ﴿ وإن تصبهم ﴾ المنافقين واليهود ﴿ حسنة ﴾ كخصب ورزق من ثمار وأولاد ﴿ يقولوا هذه من عند الله وإن تُصبهم سيئة ﴾ كجدب ونقص من هلاك ثمار وموت أولاد ﴿ يقولوا هذه من عندك ﴾ قالوا :ما هي إلا بشؤم محمد وأصحابه ﴿ قل كلٌّ ﴾ من الحسنة والسيئة ﴿ من عند١ الله ﴾ بإرادته وقضائه يبسط ويقبض ﴿ فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ﴾ أي :القرآن فإنه لو فهموه لعلموا أن الكل٢منه تعالى، أو حديثا ما كبهائم لا أفهام لهم.
١ وتعلق أهل القدر بظاهر هذه الآية فقالوا: نفى الله تعالى السيئة عن نفسه ونسبها إلى العبد، فقال: وما أصابك من سيئة فمن نفسك، ولا متعلق لهم فيه؛ لأنه ليس المراد من الآيات حسنات الكسب ولا سيئاته من الطاعات والمعاصي بل المراد منه ما يصيبهم من النعم والمحن، وذلك ليس من فعلهم بدليل أنه نسبها إلى غيرهم ولم ينسبها فقال: ما أصابك ولا يقال في الطاعة والمعصية أصابني إنما يقال: أصبتها ويقال في المحن: أصابني بدليل أنه لم يذكر عليه ثوابا ولا عقابا فهو كقوله تعالى: (فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه) (الأعراف: ١٣١)، فلما ذكر حسنات الكسب وسيئاته نسبها إليه ووعد عليها الثواب والعقاب فقال: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) (الأنعام: ١٦٠)، وقيل معنى الآية: ما أصابك من حسنة من النصر والظفر يوم بدر فمن الله أي من فضل الله، وما أصابك من سيئة من القتل والهزيمة يوم أحد فمن نفسك، أي: بذنب نفسك من مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم فإن قيل: كيف وجه الجمع بين قوله: (قل كل من عند الله) أي: الخصب والجدب والنصر والهزيمة كلها من عند الله، وقوله: فمن نفسك أي: وما أصابك من سيئة من الله فبذنب نفسك عقوبة لك كما قال الله تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) (الشورى: ٣٠)، يدل عليه ما روى مجاهد عن ابن عباس أنه قرأ (وما أصابك من سيئة فمن نفسك، وأنا كتبتها عليك) وقال بعضهم: هذه الآية متصلة بما قبله والقول فيها مضمر تقديره (فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا) يقولون: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك، قل: كل من عند الله/١٢ معالم..
٢ أي: لا فاعل سواه تعالى ولا واسطة في البلايا سوى: أنفسهم دون النبي على ما زعموا، فتمام الرد عند قوله: (وما أصابك من سيئة فمن نفسك) وبهذا اندفع ما قيل إنهم لم يجعلوا النبي فاعلا للبلايا بل واسطة كما في قوله تعالى: (يطيروا بموسى) (الأعراف: ١٣١)، فلا يكون جعل المبدأ الفاعلي هو الله وحده ردا لمقالتهم فافهم/١٢ ج..
﴿ ما أصابك ﴾ يا إنسان ﴿ من حسنة ﴾ من نعمة ﴿ فمن الله ﴾ تفضلا منه ﴿ وما أصابك من سيئة ﴾ بلية ﴿ فمن نفسك ﴾ بسبب شؤم ذنوبك١ وإنما كتبتها عليك فالحسنة إحسان، والسيئة مجازاة يصل الكل من الله تعالى ﴿ وأرسلناك ﴾ يا محمد ﴿ للناس رسولا ﴾ حال قصد به التأكيد ويجوز تعلق للناس به فحينئذ قصد به التعميم أي :رسولا للناس كلهم ﴿ وكفى بالله شهيدا ﴾ على رسالتك.
١ يعني إن نظرت على المبدأ الفاعلي فالكل منه، وإن نظرت إلى الواسطة والسبب فما هي إلا شؤم أنفسهم لا النبي، بل هو الواسطة لدفع المصائب ما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، وأما قوله: (قل كل من عند الله) فلدفع وهم ينشأ من قوله: (وما أصابك من سيئة فمن نفسك)/١٢ وجيز..
﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ لأنه لا ينطق عن الهوى إن هم إلا وحي يوحى، نزلت حين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :من أطاعني وأحبني أطاع الله تعالى وأحبه فقال المنافقون :يريد أن نتخذه ربا كما اتخذ النصارى عيسى عليه السلام ﴿ ومن تولّى ﴾ أعرض عن طاعته ﴿ فما أرسلناك عليهم حفيظا ﴾ عن المعاصي إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب.
﴿ ويقولون ﴾ أي :المنافقون ﴿ طاعة١ أي :أمرنا وشأننا طاعة ﴿ فإذا برزوا ﴾ خرجوا ﴿ من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول ﴾ أي :قدر وبدل ليلا وسرا خلاف ما قلت لهم أو خلاف ما قالت طائفة من الطاعة ﴿ والله يكتب ﴾ يثبت في صحائف أعمالهم ﴿ ما يُبيّتون ﴾ ما يسرون ويقدرون ليلا ﴿ فأعرِض عنهم ﴾ فاصفح عنهم ولأتوا خذهم ﴿ وتوكل على الله ﴾ سيما في شأنهم ﴿ وكفى بالله وكيلا ﴾ يكفيك شرهم قيل :الآية منسوخة بآية القتال.
١ وأصلها النصب أي: أطعنا طاعة والرفع للثبات كسلام عليك/١٢ وجيز..
﴿ أفلا يتدبّرون١ القرآن ﴾ لا يتفكرون فيه ﴿ ولو كان من عند غير الله ﴾ كما زعم الكفار والمنافقون ﴿ لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ﴾ تفاوتا وتناقضا لا يكون كله في طبقة البلاغة، ويكون في إخبار الغيب بما كان ويكون خلاف واقع.
١ لما حكى عن المنافقين أنواع مكرهم وكيدهم، وكان كل ذلك لأجل أنهم ما كانوا يعتقدون كونه محقًّا في ادعاء الرسالة صادقا فيه، بل كانوا يعتقدون أنه مفتر متخرص، فلا جرم أمرهم الله تعالى بأن ينظروا ويتفكروا في الدلائل الدالة على صحة نبوته فقال: (أفلا يتدبرون القرآن) الآية (النساء :٨٢، محمد: ٢٤)/١٢ كبير..
﴿ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف ﴾ مما يوجب أحدهما ﴿ أذاعوا به ﴾ أفشوه إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من فتحهم أو هزيمتهم يفشونه قبل أن يحدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه مضار كثيرة وهم المنافقون وقيل :ضعفة المؤمنين وأذاع جاء متعديا بنفسه وبالباء ﴿ ولو ردّوه ﴾ ذلك الخبر ﴿ إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ﴾ ذوي الرأي من أصحابه أو أمراء السرايا ﴿ لعلِمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ يستخرجونه ويستعملونه من معادنه يعني :لو سكتوا لحصل لهم العلم به من الرسول وأولي الأمر، ولا ضر فيه أو لو ألقوا ذلك الخبر إليهم لعلمه الذين يستخرجون تدبيره بتجاربهم وأنظارهم على أي وجه يذكر من إفشاء ما فيه المصلحة وكتمانه، وقد صح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجد الناس يقولون :إن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق نساءه فجاء إليه وسأل عنه فقال عليه الصلاة والسلام :لا فنادى عمر بأعلى صوته :لم يطلق، ونزلت هذه الآية فقال عمر :أنا الذي استنبطت ذلك الأمر١ ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ﴾ بإرسال الرسل وإنزال الكتب ﴿ لاتّبعتم الشيطان إلا قليلا ﴾ ممن تفضل عليه بعقله الصائب فاهتدى به كورقة بن نوفل وقيل :إلا اتباعا قليلا نادرا.
١ أخرجه مسلم في (الطلاق)/ باب: بيان أن تخييره امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية (٣/٦٧٩) ط الشعب..
﴿ فقاتل في سبيل الله ﴾ ولو كنت وحدك ﴿ لا تُكلّف إلا نفسك١ إلا فعل نفسك فتقدم إلى الجهاد وإن لم يساعدك أحد فالله ناصرك ﴿ وحرِّض المؤمنين ﴾ أي :على القتال فما عليك إلا التحريض ﴿ عسى الله أن يكُفّ بأس الذين كفروا ﴾ أي :شدة المشركين بتحريضك إياهم على القتال، وقد فعل بان ألقى الرعب في قلوبهم فرجعوا عن الطريق في البدر الثاني ﴿ والله أشد بأسا ﴾ صولة وشدة من قريش ﴿ وأشد تنكيلا ﴾ عقوبة.
١ واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بعد حرب أحد في بدر الصغرى الخروج، فكره بعض الناس أن يخرجوا فنزلت/١٢ منه..
﴿ من١ يشفع شفاعة حسنة ﴾ تجوز في الدين قُبلت أو لا ﴿ يكن لهم نصيب منها ﴾ وهو ثواب الشفاعة ﴿ ومن يشفع شفاعة سيئة ﴾ لا يجوز أن يشفع فيه ﴿ يكن له كفل منها ﴾ نصيب من وزرها ﴿ وكان الله على كل شيء مقيتا ﴾ مقتدرا أو حفيظا.
١ ولما كان بين المؤمنين والمشركين من قريش القرابة الموجبة للتواد والتعاطف والإشفاق عليهم بمثل الشفاعة في مصائبهم بين سبحانه شفقة على المؤمنين أن الشفقة على أي غاية جائزة فقال مستأنفاً: (من يشفع) الآية/١٢ وجيز..
﴿ وإذا حُيّيتم١ بتحية فحيُّوا بأحسن منها أو رُدّوها ﴾ أي :إذا سلم عليكم فأجيبوا بزيادة أو ردوا كما سلم فإذا قال أحد :السلام عليك ورحمة الله فزد عليه :وبركاته، والزيادة سنة، والرد واجب، وقال قتادة :الزيادة للمسلمين والرد لهل الذمة ﴿ إن الله كان على كل شيء حسيبا ﴾ يحاسبكم ويجازيكم.
١ ولما قسم الشفاعة قسمين وما هي إلا من لوازم التواد والتعاطف، ذهب وهم واهم إلى أن التحية والسلام كالشفاعة فدفعه وقال: (إذا حييتم بتحية) الآية/١٢ وجيز..
﴿ الله١ لا إله إلا هو ﴾ مبتدأ وخبر ﴿ ليجمعنّكم إلى يوم القيامة ﴾ أي :والله ليحشرنكم من قبوركم إلى يوم القيامة أو ليجمعنكم في القبور إلى يوم القيامة ﴿ لا ريب فيه ﴾ في اليوم أو في الجمع ﴿ ومن أصدق من الله٢ حديثا ﴾ وعدا ووعيدا.
١ ولما ذكر فرضية القتال وأمر بالتحريض عليه والشفاعة الحسنة والشفاعة السيئة وتعليم السلام، وأنه حسيب على كل شيء أخبر بأنه يجمعهم للمجازاة فقال: (الله لا إله إلا هو) الآية/١٢ وجيز..
٢ قوله حديثا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: سائر أهل السنة والحديث متفقون على أنه يتكلم بمشيئته وأنه لم يزل متكلما إذا شاء وكيف شاء، وقد سمى الله القرآن حديثا ومحدثا فقال: (الله نزّل أحسن الحديث) وقال: (من أصدق من الله حديثا) وقال: (ما يأتيهم من ذكر ربهم محدث) (الأنبياء: ٢)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحدث من أمره ما شاء) وهذا مما احتج به البخاري في صحيحه وغير صحيحه واحتج به غير البخاري كنعيم ابن حماد وحماد بن زيد، ومن المشهور عن السلف: القرآن كلام الله غير مخلوق منه يبدأ وإليه يعود انتهى.
قال البخاري في صحيحه في كتاب الرد على الجهمية باب قول الله: (كل يوم هو في شأن) (الرحمن: ٢٩)، (وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) (الأنبياء: ٢)، وقول الله: (لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) (الطلاق: ١)، وإن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (الشورى: ١١). وقال ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحدث من أمره ما يشاء وأن مما أحدث ألا تكلموا في الصلاة) انتهى ووقعت هذه العبارة في صحيح البخاري، وأيضا قال فيه في باب ما جاء في تخليق السماوات والأرض وغيرهما من الخلائق: وهو فعل الرب وأمره فالرب بصفاته وفعله وأمره وكلامه هو الخالق المكون غير مخلوق ومن كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مخلوق مكون. انتهى وقال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية قدس الله روحه: وأفعال الله عز وجل نوعان: متعد ولازم.
فالمتعدي مثل الخلق والإعطاء ونحو ذلك. واللازم مثل الاستواء والنزول والمجيء والإتيان قال تعالى: (هو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش) (الحديد: ٤)، فذكر اللفظين المتعدي واللازم وكلاهما حادث بقدرته ومشيئته، وهو متصف وتسمى هذه الأفعال أفعالا اختيارية التي يسميها الجهمية المعتزلة حلول الحوادث وهي كثيرة جدا بل الآيات التي تدل على الصفات الاختيارية كثيرة جدا، وهذا كقوله تعالى: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) (الأعراف: ١١)، فهذا بين في أنه إنما أمر الملائكة بالسجود بعد خلق آدم لم يأمرهم في الأزل وكذلك قوله تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) (آل عمران: ٥٩)، فإنما قال له كن بعد أن خلقه من تراب لا في الأزل، وكذلك قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام (فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها) (النمل: ٨)، (فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين) (القصص: ٢٠)، فهذا بين في أنه إنما ناداه حين جاء، ولم يكن النداء في الأزل كما تقول الكلابية: إن النداء قائم بذات الرب في الأزل وهو لازم لذاته لم يزل ولا يزال مناديا له لكنه لما أتى خلق فيه إدراكا لما كان موجودا في الأزل إلى أن قال: والقرآن والسنة وكلام السلف قاطبة يقتضي أنه إنما ناداه وناجاه حين أتى لم يكن النداء موجودا قبل ذلك فضلا عن أن يكون قديما أزليا، وقال تعالى: (فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين) (الأعراف: ٢٢)، وهذا يدل على أنه لما أكلا منها ناداهما لم ينادهما قبل ذلك وقال تعالى: (ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين) (القصص: ٦٥). (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون) (القصص: ٧٤)، فجعل النداء في يوم معين وذلك اليوم حادث كائن بعد أن لم يكن، وهو حينئذ يناديهم لم ينادهم قبل ذلك وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد) فبين أنه يحكم فيحلل ما يريد ويحرم ما يريد ويأمر بما يريد، فجعل التحليل والتحريم والأمر والنهي متعلقا بإرادته وهذه أنواع الكلام فدل على أنه يأمر بإرادته وينهى بإرادته، ويحلل بإرادته، ويحرم بإرادته، إلى أن قال: ومثل هذا كثير في القرآن، وكذلك في الإرادة والمحبة كقوله تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) (يس: ٨٢)، وقوله: (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) (الكهف: ٢٣، ٢٤)، وقوله: (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين) (الفتح: ٢٧)، وقوله: (وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له) (الرعد: ١١)، وقوله: (وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا) (الإنسان: ٢٨)، وقوله: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك) (الإسراء: ٨٦)، وأمثال ذلك في القرآن، فإن جوازم الفعل المضارع ونواصبه تخلصه للاستقبال مثل إن وأن، وكذلك إذا ظرف لما يستقبل من الزمان فقوله تعالى: (وإذا أراد الله) (الرعد: ١١)، و(أن يشاء الله) (الكهف: ٢٤)، ونحو ذلك يقتضي حصول إرادة مستقبلة ومشيئة مستقبلة وكذلك في المحبة والرضى قال تعالى: (إن منتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) (آل عمران: ٣١)، إن هذا يدل على أنهم إذا اتبعوه أحبهم الله فإنه جزم قوله يحببكم الله، فجزمه جوابا للأمر وهو في معنى الشرط تقديره: إن تتبعوني يحببكم الله، ومعلوم أن جواب الشرط والأمر إنما يكون بعده لا قبله فمحبة الله لهم إنما تكون بعد اتباعهم الرسول، وقد مر بعض هذه العبارة بعينها في صفحة متقدمة فلا نعيده. وأطال رحمه الله وبيّن وفصّل وميّز الحق عن الباطل والصواب من الخطأ إلى أن قال: وكذلك كونه خالقا ورازقا ومحسنا وعادلا فإن هذه أفعال فعلها بمشيئته وقدرته إذ كان يخلق بمشيئته ويرزق بمشيئته ويحسن بمشيئته ويعدل بمشيئته والذي عليه جماهير المسلمين من السلف والخلف أن الخلق غير المخلوق فالخلق فعل الخالق والمخلوق مفعوله، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بأفعال الرب وصفاته كما في قوله: (أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك). فاستعاذ بمعافاته كما استعاذ برضاه، وقد استدل أئمة السنة كأحمد وغيره على أن كلام الله غير مخلوق، لأنه استعاذ به فقال صلى الله عليه وسلم من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل منه، فكذلك معافاته ورضاه غير مخلوق، لأنه استعاذ به والعافية القائمة ببدن العبد مخلوقه؛ فإنها نتيجة معافاته، وإذا كان الخلق فعله والمخلوق مفعوله وقد خلق الخلق بمشيئته دل على أن الخلق فعل يحصل بمشيئته ويمتنع قيامه بغيره، فدل على أن أفعاله قائمة بذاته مع كونها حاصلة بمشيئته وقدرته، وقد حكى البخاري إجماع العلماء على الفرق بين الخلق والمخلوق، وعلى هذا يدل صريح المعقول فإنه قد ثبت بالأدلة العقلية والسمعية أن كل ما سوى الله مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن وأن الله الفرد بالقدم والأزلية إلى أن قال: فالسلف يقولون: لم يزل متكلما إذا شاء وكما شاء وقد قال تعالى: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا) (الكهف: ١٠٩)، فكلمات الله لا نهاية لها وهذا تسلسل جائز كالتسلسل في المستقبل، فإن نعيم الجنة دائم لا نفاذ له فما من شيء إلا وبعده شيء بلا نهاية إلى أن قال: والمقصود هاهنا أن القرآن يدل على هذا الأصل في أكثر من مائة موضع أما الأحاديث الصحيحة فلا يمكن ضبطها في هذا الباب كما في الصحيحين عن زيد بن خالد: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه صلاة الصبح ثم قال: أتدرون ماذا قال ربكم الليلة الحديث............. وفي الصحاح في حديث الشفاعة فيقول كل من الرسل: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله فقال كل منهم: إن ربي قد غضب اليوم، وهذا بيان أن الغضب حصل في ذلك اليوم لا قبله وفي الصحيح إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات كجر السلسلة على الصفوان) فقوله: إذا نكلم الله بالوحي يسمع يدل على أنه يتكلم به حين يسمعون، وذلك ينفي كونه أزليا إلى آخر ما تركناه لضيق المقام انتهى مختصرا ملتقطا/١٢..

﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ تفرقتم في أمرهم فرقتين، ( فئتين ) حال، وعاملها لكم ( وفي المنافقين ) متعلق بما دل عليه فئتين أي :متفرقين فيهم نزلت في عبد الله بن أبيّ وأصحابه حين رجعوا عن طريق أحد فبعض المسلمين قالوا :نقلتهم، وفرقة تقول :لا فإنهم مسلمون.
أو في قوم من العرب نزلوا المدينة وأسلموا ثم أصابتهم حمى المدينة فخرجوا ولحقوا المشركين وكتبوا إلى المسلمين إنا على دينكم فقال :بعضهم نافقوا وقال بعضهم :هم مسلمون.
أو في قوم كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام وكانوا يظاهرون المشركين وقعدوا عن الهجرة ﴿ والله أركسهم بما كسبوا ﴾ ردهم إلى الكفر بسبب عصيانهم أو أهلكهم ﴿ أتريدون ﴾ أيها المؤمنون ﴿ أن تهدوا من أضل الله ﴾ تجعلوه من المهتدين ﴿ ومن يُضلل الله فلن تجد له سبيلا ﴾ إلى الهدى.
﴿ ودّوا ﴾ تمنوا هؤلاء ﴿ لو تكفرون ﴾ أنتم ﴿ كما كفروا فتكونون ﴾ أنتهم وهم١ ﴿ سواء ﴾ في الضلال وهو عطف على تكفرون ﴿ فلا تتخذوا منهم أولياء ﴾ لا توالوهم ﴿ حتى يُهاجروا في سبيل الله ﴾ فتحققوا إيمانهم ﴿ فإن تولّوا ﴾ عن الهجرة وأظهروا الكفر ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليًّا ولا نصيراً ﴾ لا تقبلوا منهم ولاية ولا نصرة.
١ مستوفى الضلال يعني أنتم ترجون هدايتهم، وهم يرجون ضلالكم فقد تباعدتم في المذاهب وتباينتم في المقاصد/١٢ وجيز..
﴿ إلا الذين يصِلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ استثناء من مفعول١ واقتلوهم أي :لا تقتلوا الذين يلجأون وينتهون إلى قوم عاهدوكم واجعلوا حكمهم كحكمهم وهم الأسلميون، فإنه عليه الصلاة والسلام وادع هلالا الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه ومن وصل إليه فله من الجوار مثل ما له، أو بنو بكر بن زيد مناة أو خزاعة ﴿ أو جاءوكم ﴾ عطف على الصلة.
﴿ حصِرت صدروهم ﴾ حال أي :قد ضاقت عن ﴿ أن يقاتلوكم ﴾ أو لأن أو كراهة أن ﴿ أو يُقاتلوا قومهم ﴾ هؤلاء قوم آخرون من المستثنين عن الأمر بقتلهم وهم الذين يخشون المصاف وصدورهم كارهة عن قتالكم ولا يهون عليهم أيضا أن يقاتلوا قومهم معكم لا عليكم ولا لكم، كجماعة خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين وكرهوا القتال كعباس ونحوه قيل :معناه أن يقاتلوا قومهم أي :إذا أسلموا وقيل عطف على صفة قوم أي :إلا الذين يلجأون إلى قوم جاءوكم كافين عن القتال.
﴿ ولو شاء الله ﴾ تسليطهم ﴿ لسلّطهم عليكم فلقاتلوكم ﴾ أي :من لطفه بكم أن أذلهم عندكم وضيق صدورهم عن قتالكم فكفوا عنكم ﴿ فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم٢ السَّلم ﴾ الصلح والانقياد ﴿ فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ﴾ في أخذهم وقتلهم.
١ وليس استثناء من قوله: (ولا تتخذوا منهم وليًّا) وإن كان أقرب لأن اتخاذ الولي منهم حرام بلا استثناء ما داموا في الكفر/١٢..
٢ لا يكفي كف الأيدي عن الأيدي في نفي التعرض بل لابد منه مع الصلح ونبذ العهد/١٢ منه..
﴿ ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا أقوامهم ﴾ هم أسد وغطفان أو بنو عبد الدار أظهروا الإسلام مع المسلمين ليأمنوا عندهم على دمائهم وأموالهم وحققوا الكفر مع قومهم ﴿ كل ما رُدّوا إلى الفتنة ﴾ دعوا إلى الشرك وقيل :إلى القتال مع المسلمين ﴿ أُركسوا فيها ﴾ انهمكوا فيها ﴿ فإن لم يعتزلوكم ويُلقوا إليكم السّلم ﴾ لم يصلحوا ﴿ ويكفّوا أيديهم ﴾ عن قتالكم ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولائكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا ﴾ حجة بينة في قتالهم لظهور عداوتهم وعدم وفائهم.
﴿ وما كان لمؤمن ﴾ ما صح له وليس من شأنه ﴿ أن يقتل مؤمنا ﴾ في شيء من الأحوال ﴿ إلا خطئا١ أي :حال الخطأ أو إلا قتلا خطأ وقيل :الاستثناء منقطع، وما كان نفي بمعنى النهي أي :لكن إن قتله خطأ فجزاؤه ما يذكر ﴿ ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة٢ أي :فعليه إعتاقها٣
﴿ ودية مُسلّمة إلى أهله ﴾ مؤداة إلى ورثته يقسمونها قسمة الميراث ﴿ إلا أن يصّدّقوا ﴾ يعفوا وسمي العفو عنها صدقة ترغيبا عليه أي :فعليه التحرير والدية في جميع الأحيان إلا حين أن يتصدق أهله بالدية فحينئذ تسقط الدية ﴿ فإن كان ﴾ المؤمن المقتول ﴿ من قوم عدوّ لكم ﴾ كفار محاربين ﴿ وهو مؤمن ﴾ ولم يعلم القاتل إيمانه ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ دون الدية لأهله لأنه لا وراثة بين مسلم وكافر ﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ ككفار معاهدين أو أهل الذمة
﴿ فدية مُسلّمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ﴾ أي :فحكمه حكم المسلم في وجوب الكفارة والدية إن كان المقتول مؤمنا وكذا إن كان كافرا أيضا عند كثير من العلماء ﴿ فمن لم يجد ﴾ رقبة ولم يجد ثمنها ﴿ فصيام شهرين متتابعين ﴾ أي :فعليه ذلك ﴿ توبة من الله ﴾ مفعول له أي :شرع ذلك له توبة من تاب الله عليه إذا قبل توبته ﴿ وكان الله عليما ﴾ بحاله ﴿ حكيما ﴾ فيما حكم عليه.
١ وقيل: الاستثناء منقطع وهذا بناء على أن المتصل دال على جواز القتل خطأ ولا يدل لأن حاصله أن من شأن المؤمن ألاّ يقتل إلا خطأ/١٢ وجيز..
٢ هذا إذا كان المقتول مؤمنا وعند كثير من العلماء: كذا إذا كان كافرا أيضا والقرآن لا يدل عليه/١٢ وجيز..
٣ اختلف العلماء في الرقبة المؤمنة قيل: هي التي صلت وعقلت الإيمان فلا تجزئ الصغيرة، وبه قال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي وقتادة وغيرهم. أخرج عبد بن حميد وأبو داود والبيهقي عن أبي هريرة: (أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء فقال: يا رسول الله إن علي عتق رقبة مؤمنة فقال لها أين الله؟ فأشارت إلى السماء بأصبعها فقال لها: فمن أنا فأشارت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى السماء أي: أنت رسول الله فقال: أعتقها فإنها مؤمنة)، وقد روي من طرق وهو في صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي/١٢ فتح. [أخرجه مسلم في (المساجد)/باب: تحرم الكلام في الصلاة (٢/١٧٠) ط الشعب]..
﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ عشرة من كبار١ السلف بل أكثر على أنه لا يقبل توبة قاتل المؤمن عمدا ويؤيدهم بعض الأحاديث كقوله عليه الصلاة والسلام :( كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا٢ ) والجمهور على أنه له توبة ويدل عليه الآيات والأحاديث فقال بعض السلف :هذا جزاؤه إن جوزي عليه٣ لكن قد يكون لذلك الجزاء معارض من عمل صالح أو عفو، وقيل الإخلاف في الوعيد ليس بخلف وذم، أو المراد بالخلود المكث الطويل، أو الخلود لمن يستحله فإنه نزلت في رجل خرج من المدينة وقتل مؤمنا وارتد.
١ بالنقل الصحيح منهم/١٢ وجيز..
٢ رواه الإمام أحمد والنسائي والبزار/١٢ وجيز. [أخرجه أحمد في (مسنده) (٤/٩٩) والحاكم في (المستدرك) (٤/٣٥١)، والنسائي (٣٧١٩) من طريق ثور عن أبي عوف، عن ابن إدريس الخولاني قال: سمعت معاوية يخطب فذكره. قال الحاكم: (صحيح الإسناد) وأقره الذهبي. وصححه الشيخ الألباني في (الصحيحة)]..
٣ قال الشيخ ابن كثير: الأصح أن هذا القول موقوف على أن أبي هريرة وقيل: إنه تعالى يسيء عاقبته ولا يوفقه للتوبة النصوح لشؤم هذا الذنب، وقد ثبت في الصحيحين خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس ثم تاب الله عليه، وإذا كان في بني إسرائيل فلأن يكون في هذه الأمة المرحومة توبتهم بطريق الأولى/١٢ وجيز..
﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله ﴾ ذهبتم للغزو وسافرتم ﴿ فتبيّنوا ﴾ اطلبوا بيان الأمر ولا تعجلوا فيه ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام ﴾ لمن حياكم بتحية الإسلام، ومن قرأ السلَم فمعناه :الانقياد وقيل :معناه :قول لا إله إلا الله محمد رسول الله ﴿ لست مؤمنا ﴾ وإنما فعلت ذلك متعوذا ﴿ تبتغون عرَض الحياة الدنيا ﴾ تطلبون حطام الدنيا، هو حال من فاعل لا تقولوا ﴿ فعند الله مغانم كثيرة ﴾ ربما يفنيكم عن قتل من أظهر الإسلام لما له ﴿ كذلك كنتم من قبل ﴾ تخفون إيمانكم أو لم تكونوا مؤمنين أو محصونة دماؤكم بمجرد كلمة الشهادة ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ بالاشتهار بالإيمان أو بالهداية ﴿ فتبيّنوا ﴾ لا تبادروا ظنا بأنهم دخلوا في الإسلام اتقاء وخوفا. تأكيد لما تقدم ﴿ إن الله كان بما تعملون خبيرا ﴾ عالما بالغرض من القتل فاحتاطوا. نزلت في رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون فقال :السلام عليكم، فقالوا :ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا فقتلوه وأخذوا غنيمته١، أو في رجل له٢ مال كثير بقى من قوم كافرين أرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم السرية وقد تفرقوا فقال :أشهد أن لا إله إلا الله فأهوى إليه أحد من المسلمين فقتله، فأنزل الله الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للقاتل :( كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتله وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل ).
١ كما رواه البخاري والترمذي عن ابن عباس/١٢ وجيز. [أخرجه البخاري في (التفسير)/باب: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا﴾ (٤٥٩١)]..
٢ رواه الحافظ وفي البخاري بعض منه/١٢ وجيز. [ذكره الحافظ في (الفتح) (٨/١٠٧) وابن كثير في (تفسيره) (١/٥٤٠) وعزاه للبزار من طريق: حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس... فذكر القصة. وذكره السيوطي في (الدر المنثور) (٣/٣٥٧) وعزاه للبزار والدارقطني والطبراني]..
﴿ لا يستوي القاعدون ﴾ عن الحرب ﴿ من المؤمنين غير أُولي الضرر ﴾ صفة القاعدون، فإنه ما أراد به قوما معينا فهو كالنكرة أو بدل، ومن قرأ منصوبا فهو حال أو استثناء، نزلت أولا ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ) إلخ فجاء ابن أم مكتوم وهو أعمى فقال :يا رسول الله وكيف بمن لا يستطيع الجهاد ؟ فغشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلسه ثم سرى عنه فقرأ :( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر١ )٢ ﴿ والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ﴾ يعني لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الحرب من غير عذر ﴿ فضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين ﴾ غير أولي الضرر صرح به ابن عباس والحديث الصحيح يدل عليه ﴿ درجة ﴾ الجملة موضحة، لما نفى الاستواء فيه ونصب درجة بنزع الخافض أي :بدرجة عظيمة تندرج تحت الدرجات أو على المصدر، لأنه تضمن معنى التفضيل ﴿ وكلاًّ ﴾ من القاعدين والمجاهدين ﴿ وعد الله الحسنى٣ الجنة والجزاء الجزيل ﴿ وفضّل الله المجاهدين٤ على القاعدين أجرا عظيما ﴾ بمعنى آجرهم أجرا عظيما.
١ رواه البخاري ومسلم والترمذي/١٢ وجيز..
٢ أخرجه البخاري في (التفسير)/باب: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين المجاهدين في سبيل الله﴾ (٤٥٩٤) ومسلم في (الإمارة)/باب: سقوط فرض الجهاد عن المعذورين (٤/٥٦١) ط الشعب..
٣ وفي البخاري أن بالمدينة أقواما ما تسيرون من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه، كيف وهم بالمدينة؟! قال صلى الله عليه وسلم: حبسهم العذر/١٢ وجيز. [أخرجه البخاري في (الجهاد)/باب: من حبسه العذر عن الغزو (٢٨٣٩)]..
٤ واعلم أن الجهاد في الجملة فرض غير أنه ينقسم إلى فرض العين وفرض الكفاية، ففرض العين: أن يدخل الكفار دار قوم من المؤمنين فيجب على كل مكلف من الرجال ممن لا عذر له من أهل تلك البلدة الخروج إلى عدوهم حرا كان أو عبدا غنيا كان أو فقيرا دفعا عن أنفسهم وعن جيرانهم، وهو في حق من بعد منهم من المسلمين فرض على الكفاية فإن لم يقع الكفاية بمن نزل بهم يجب على من بعد منهم من المسلمين عونهم، وإن وقعت الكفاية بالنازلين بهم فلا فرض على الأبعدين على طريق الاختيار، ولا يدخل في هذا القسم العبيد والفقراء، ومن هذا القبيل أن يكون الكفار قادرين في بلادهم فعلى الإمام أن لا يخلى سنته عن غزوة يغزوها بنفسه أو بسراياه حتى لا يكون الجهاد معطلا والاختيار لمطيق الجهاد مع وقوع الكفاية بغيره أن لا يقعد عن الجهاد، ولكن لا يفترض، لأن الله تعالى وعد المجاهدين والقاعدين الثواب في هذه الآية فقال: (وكلا وعد الله الحسنى) فلو كان فرضا على العين لاستحق القاعد العقاب لا الثواب/١٢ معالم التنزيل..
﴿ درجات منه ومغفرة ورحمة ﴾ كل واحد بدل من ( أجرا ) كرر تفضيل المجاهدين وبالغ فيه إجمالا وتفصيلا قيل :الدرجة :ارتفاع منزلتهم عند الله، والدرجات :منازلهم في الجنة، وقال بعض المفسرين :القاعدون الأول هم الأضراء خلاف ما صرحناه فإنهم أفضل بدرجة واحدة ؛ لأن لهم نية بلا عمل ولهم نية وعمل، والقاعدون الثاني :هو غير أولي الضرر فإن بينهم درجات كثيرة ﴿ وكان الله غفورا ﴾ لما فرط عنهم ﴿ رحيما ﴾ بأن جعل نية المؤمن كعمله.
﴿ إن الذين توفّاهم ﴾ يحتمل أن يكون ماضيا ومضارعا ﴿ الملائكة ﴾ ملك الموت وأعوانه ولا يبعد أن يقال معناه :قتلهم الملائكة فإن الملائكة محاربون يوم بدر ﴿ ظالمي أنفسهم ﴾ حال ظلمهم أنفسهم بترك الهجرة وبالخروج مع المشركين ﴿ قالوا ﴾ :الملائكة، توبيخا لهم ﴿ فيم كنتم ﴾ أي :في أي شيء كنتم من أمر الدين حيث ما هاجرتم وما أظهرتم دينكم ﴿ قالوا كنا مُستضعفين في الأرض ﴾ عاجزين من الخروج عن مكة إلى المدينة ﴿ قالوا ﴾ :الملائكة، تبكيتا لهم ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا١ فيها ﴾ إلى جانب وبلد آخر ﴿ فأولئك مأواهم جهنم ﴾ لمساعدتهم الكفار وهو خبر إن و( قالوا فيم كنتم ) :حال بإضمار قد أو خبر بحذف العائد أي :قالوا لهم وحينئذ فأولئك عطف على الجملة قبلها مستنتجة منها ﴿ وساءت مصيرا ﴾ جهنم٢ نزلت في ناس من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا وخرجوا مع المشركين فقتلوا يوم بدر.
١ إلى جانب وأرض يمكن لكم التمسك بالرائع وإقامة الدين/١٢..
٢ حاصل معنى الآية أن من مات على ترك الهجرة مع قدرته عليها وإقامته بين المشركين غير متمسك بالشرائع فهو في جهنم/١٢ وجيز..
﴿ إلا المستضعفين ﴾ استثناء منقطع ﴿ من الرجال والنساء والولدان ﴾ الصبيان أو المماليك وذكر الصبيان إن أراد المراهقين فظاهر وإلا فللمبالغة والإشارة إلى أن على القوم أن يهاجروا بهم ﴿ لا يستطيعون حيلة ﴾ أسباب السفر من قوة أو مال حال عن المستضعفين أو صفة له إذ لا تعيين في الألف واللام ﴿ ولا يهتدون سبيلا ﴾ لا يعرفون طريقا.
﴿ فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ﴾ هم وإن كانوا عاجزين لكن ربما تمكنوا من الهجرة وقتا ما بنوع ما ولم يدروا ولهذا أطمعهم في العفو وليعلم أن تلك الهجرة أمر خطير من شأنه أن لا يأمن المعذور فكيف بغيره ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾.
﴿ وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا ﴾ تمتعا يراغم به الأعداء، وعن كثير من السلف أن المراغم التحول من أرض إلى أرض وعن بعضهم متزحزحا عما يكره ﴿ وسعة١ في الرزق أو من الضلالة إلى الهدى ﴿ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ ﴾ في الطريق ﴿ فقد وقع أجرُه على الله ﴾ ثبت أجره عند الله نزلت في ضمرة بن جندب شيخ كبير مصاب البصر هاجر من مكة فمات في الطريق ﴿ وكان الله غفورا رحيما٢ فبرحمته يجعل الناقص كالتام.
١ كما ورد سافروا تغنموا رواه الطبراني/١٢ وجيز. [وضعفه الشيخ الألباني في (الضعيفة)]..
٢ فبرحمته يكمل الناقص ولما أوجب السفر بالهجرة والجهاد وفي السفر مشقات ولهذا قيل: السفر قطعة من نار السقر خفف في صلاة السفر فقال: (وإذا ضربتم)/١٢ وجيز..
﴿ وإذا ضربتم في الأرض ﴾ سافرتم ﴿ فليس عليكم جناح ﴾ حرج ﴿ أن تقصُروا من الصلاة ﴾ هذه العبارة تدل على جواز القصر لا على وجوبه، لكن أكثر السلف على وجوبه، وقال كثير منهم :هذه الآية في صلاة الخوف، فالمراد :أن تقصروا من جميع الصلوات بأن تجعلوها ركعة واحدة أو من كيفيتها لا من كميتها، والآية التي بعدها تبيين وتفصيل لها كما سنذكر، سئل ابن عمر رضي الله عنهما أنا نجد في كتاب الله قصر صلاة الخوف ولا تجد قصر صلاة المسافر ؟ فقال ابن عمر :إنا وجدنا نبينا يعمل فعملنا به١ وما يدل على ذلك كثير ولهذا لما عقد البخاري كتاب صلاة الخوف٢ صدره بهذه الآية وعلى هذا قوله ﴿ إن خفتم أن٣ يفتنكم الذين كفروا ﴾ شرط٤ له لا باعتبار الغالب في ذلك الوقت ويعتبر ولا يعتبر مفهومه فإن الإجماع على جواز القصر في السفر من غير خوف ﴿ إن الكافرين كانوا لهم عدوّا مبينا ﴾
١ أخرجه ابن جرير في (تفسيره) (٥/١٥٥، ١٥٦) من طريق: ابن أبي ذئب عن ابن شهاب عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد أنه قال لعبد الله بن عمر.... فذكره. وذكره ابن كثير في (تفسيره) (١/٥٤٧) والسيوطي في (الدر المنثور) (٣/٢٧٣)..
٢ الفتح (٢/٤٩٧)..
٣ إن كان المراد من الآية صلاة الخوف فهذا شرط لا يجوز قصر الخوف بدون هذا، وإن كان المراد قصر السفر فهذا بيان واقع غالب أسفارهم ونظير ذلك وربائبكم اللاتي في حجوركم كما بينا، وفي مسلم: (سئل عمر إن شرط قصر الصلاة في القرآن الخوف وقد أمن؟ الناس فقال عمر: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك كما سألتم عنه فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته/١٢ وجيز. [أخرجه مسلم (٢/٣٣٧) ط الشعب]..
٤ ظاهر الآية يدل على جواز القصر في مطلق السفر، وأن قليل السفر وكثيره سواء في حصول الرخصة، لأن قوله تعالى: (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) جملة مركبة من شرط وجزاء الشرط هو الضرب في الأرض والجزاء هو جواز القصر، وإذا حصل الشرط وجب أن يترتب عليه الجزاء لا يقال فهذا يقتضي حصول الرخصة، عند انتقال الإنسان من محلة إلى محلة، ومن دار إلى دار؛ لأنا نقول الانتقال من محلة إلى محلة لا يسمى ضربا في الأرض لا شرعا ولا عرفا، وأن قوله تعالى: (وإذا ضربتم في الأرض) يدل على جعل الضرب في الأرض شرطا لحصول هذه الرخصة فلو كان الضرب في الأرض اسما لمطلق الانتقال لكان ذلك حاصلا دائما امتنع جعله شرطا لثبوت هذا الحكم، فلما جعل الله الضرب شرطا لثبوت هذا الحكم علمنا أنه مغاير لمطلق الانتقال؛ وذلك هو الذي يسمى سفرا، ومعلوم أن اسم السفر واقع على القريب والبعيد فعلمنا دلالة الآية على حصول الرخصة في مطلق السفر وأيضا اضطراب أقوال الفقهاء في ذلك يدل على أنهم لم يجدوا في المسألة دليلا قويا في تقدير المدة، إذ لو حصل في المسألة دليل ظاهر الدلالة لما حصل هذا الاضطراب، وأما سكوت سائر الصحابة عن حكم هذه المسألة فلعله إنما كان لأنهم اعتقدوا أن هذه الآية دالة على ارتباط الحكم بمطلق السفر، فكان هذا الحكم ثابتا في مطلق السفر بحكم هذه الآية، وإذا كان الحكم مذكورا في نص القرآن لم يكن بهم حاجة إلى الاجتهاد والاستنباط، فلهذا سكتوا عن هذه المسألة وأيضا السفر واقعة تعم الحاجة على معرفة حكمها، لأن الحاجة إليها عامة لأن أكثر الصحابة كانوا في أكثر الأوقات في السفر وفي الغزو، فلو كانت رخص السفر مخصوصة بسفر مقدر كانت الحاجة إلى مقدار السفر المقيد للرخص حاجة عامة في حق المكلفين ولو كان الأمر كذلك لعرفوها ولنقلوها نقلا متواترا لاسيما وهو على خلاف ظاهر القرآن وأيضا دلائل الشافعية ودلائل الحنفية صارت متقابلة متدافعة، وإذا تعارضت تساقطت فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن والله أعلم/١٢.
وفي معالم التنزيل اختلف أهل العلم في مسافة القصر فقالت طائفة: يجوز القصر في السفر الطويل والقصير روي ذلك عن أنس وقال عمر بن دينار: قال لي جابر بن زيد: أقصر بعرفة، أما عامة الفقهاء فلا يجوزون القصر في السفر القصير، واختلفوا في حد ما يجوز به القصر فقال الأوزاعي: مسيرة يوم وكان ابن عمر وابن عباس يقصران ويفطران في أربعة برد وهي ستة عشر فرسخا، وإليه ذهب مالك وأحمد وإسحاق ولكن قول الحسن والزهري قريب من ذلك قالا: مسيرة يومين وإليه ذهب الشافعي قال: مسيرة ليلتين قاصدتين وقال في موضع: ستة أربعون ميلا بالهاشمي، وفي الكبير قال مالك والشافعي: أربعة برد كل بريد أربعة فراسخ كل فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي قدر أميال البادية كل ميل اثنا عشر ألف قدم وهي أربعة آلاف خطوة فإن كل ثلاثة أقدام خطوة/١٢. .

﴿ وإذا كنت فيهم ﴾ أيها الرسول، علمه طريق صلاة الخوف ليقتدي الأئمة بعده به١ عليه الصلاة والسلام. ﴿ فأقمت لهم الصلاة فلتقُم طائفة منهم معك ﴾ أي :اجعلهم طائفتين فلتقم إحداهما معك فصل بهم ﴿ وليأخذوا أسلحتهم ﴾ أي :الباقون وذكر الطائفة الأولى يدل عليهم أو المصلون حزما ﴿ فإذا سجدوا ﴾ المصلون ﴿ فليكونوا ﴾ أي :غير المصلين ﴿ من ورائكم ﴾ يحرسونكم ﴿ ولتأت طائفة أخرى لم يُصلّوا ﴾ أي الذين كانوا من ورائهم يحرسونهم ﴿ فليصلّوا معك وليأخذوا٢ أي :الذين صلوا قبل أو الذين أتوا ﴿ حِذرهم وأسلحتهم ﴾ جعل الحذر وهو التحرز والتيقظ آلة يستعملها الغازي فجمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ روى في طريق صلاة الخوف ستة أوجه أو سبعة، وأنا أذكر بعضها.
أحدها :أن يجعلهم صفين٣ ويصلى بهما إلى أن يرفعا رأسهما من الركوع سجد وسجد الصف الأول والصف الأخير قيام يحرسونهم فلما قام الصف الأول إلى الركعة الثانية سجد الصف الثاني، ثم يقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء وهؤلاء إلى مصاف هؤلاء ثم ركع وركعوا جميعا ورفعوا من الركوع ثم سجد وسجد الصف الذي يليه والآخر قيام يحرس فلما جلسوا سجد الصف الثاني وتشهّد الكل وسلموا.
والثانية :أن يصلي بالطائفة الأولى ركعة وينتظر قائما حتى يتموا صلاتهم منفردين ويذهبوا إلى المصاف، وتأتي الأخرى فيتم به الركعة الثانية وينتظرهم قاعدا حتى يتموا صلاتهم ويسلم بهم٤.
والثالثة :قال جابر عن عبد الله الركعتان في السفر تمام إنما القصر واحدة عند القتال، وهو أنه قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام صف قبله وصف خلفه فصلى بالذين خلفه ركعة وسجدتين، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا مقام أصحابهم وجاء أولئك حتى قاموا خلفه مقام هؤلاء، فصلى بهم ركعة وسجدتين، ثم سلم وسلموا فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم ركعتين ولهم ركعة ركعة٥ وهذا الطريق مروي عن كثير من الصحابة بروايات متعددة صحيحة.
والرابعة :أن يصلي بكل من الطائفين ركعتين فيكون للإمام أربع ركعات وللمأمومين ركعتان٦ ﴿ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً ﴾ بالقتال فلا تغفلوا عنها ﴿ ولا جُناح ﴾ لا وزر ﴿ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ﴾ هذا يدل على أن الأمر بأخذ السلاح للوجوب، وهو قول بعض العلماء، وأكثرهم على أنه سنة مؤكدة ﴿ وخُذوا حذركم ﴾ أي :لابد من التيقظ وعدم الغفلة في أي صفة وحال كنتم ﴿ إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ﴾ وعد للمؤمنين بالنصر وإشارة على أن الأمر بالحزم ليس لضعفهم وغلبة عدوهم، بل لأن الواجب في الأمور التيقظ.
١ فلا يدل على عدم جوازه إذا لم يكن هو صلى الله عليه وسلم فيهم وعند من يقول: قوله: (إذا ضربتم) الآية في صلاة السفر فقد تم وقوله (وإذا كنت فيهم) شروع في بيان صلاة الخوف/١٢..
٢ وظاهر القرآن أن الضمير للمصلين المقتدين فإنهم مظنة طرح السلاح للصلاة/١٢..
٣ رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وهذه صلاته بعسفان، وهذه مذكورة أيضا في البخاري بعبارة أخصر من ذلك، وظاهر القرآن كثير الملائمة مع تلك الطريقة/١٢ منه.
وفي الفتح: وقد وردت صلاة الخوف في السنة المطهرة على أنحاء مختلفة وصفات متعددة وكلها صحيحة مجزية من فعل واحدة منها فقد فعل ما أمر به، ومن ذهب من العلماء إلى اختيار صفة دون غيرها فقد أبعد عن الصواب/١٢. [وصححه الشيخ الألباني في (صحيح أبي داود) (١٠٩٦) من حديث أبي عياش الزرقي –رضي الله عنه-]..

٤ أخرجه البخاري في (المغازي)/باب: غزوة ذات الرقاع (٤١٢٩) ومسلم في (صلاة الخوف) (٢/٤٩٣) ط الشعب. من حديث صالح بن خوات – رحمه الله – وهو تابعي ثقة ليس له في البخاري إلا هذا الحديث الواحد. (محققه)..
٥ أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه) (٢/٤٦٣) وذكره ابن كثير في (تفسيره) (١/٥٥٠) والسيوطي في (الدر المنثور) (٢/٣٧٤) وقال ابن كثير: ورواه النسائي من حديث شعبة ولهذا الحديث طرق عن جابر رواه جماعة كثيرون في الصحيح والسنن والمسانيد..
٦ أخرجه البخاري في (الجهاد والسير)/ باب: من علق سيفه بالشجر في السفر عن القائلة (٢٩١٠) وفي غير موضع من صحيحه ومسلم في (صلاة الخوف) (٢/٤٩٣) ط الشعب. من حديث جابر –رضي الله عنه-..
﴿ فإذا قضيتم الصلاة ﴾ فرغتم من صلاة الخوف ﴿ فاذكُروا١ الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ﴾ أي :في سائر أحوالكم وكثرة الذكر عقب صلاة الخوف آكد لما فيها من التخفيف ومن الرخصة في الذهاب والإياب، وغيرها وقيل :معناه إذا أردتم الصلاة واشتد الخوف فصلوها كيف ما أمكن ﴿ فإذا اطمأننتم ﴾ سكنت جآشكم من الخوف ﴿ فأقيموا الصلاة ﴾ عدلوا أركانها واحفظوا شرائطها ﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ﴾ مفروضا محدودا أو منجما كلما مضى وقت جاء وقت.
١ والمعنى: ما أنتم عليه من الخوف جدير بالمواظبة على ذكر الله والتضرع إليه، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله في كل أحيانه، أخرجه الشيخان/١٢ فتح. [أخرج البخاري معلقا (٢/١٣٥-الفتح) ووصله مسلم (١/٦٧٤) ط الشعب]..
﴿ ولا تهِنوا في ابتغاء القوم ﴾ في طلب قتال الكفار ﴿ إن تكونوا تألمون ﴾ من الحرج ﴿ فإنهم يألمون كما تألمون ﴾ فضرر القتال لا يختص بكم ﴿ وترجون من الله ما لا يرجون ﴾ ولكم هذا المزيد رجاء المثوبة والنصر والتأييد، فينبغي أن تكونوا أصبر على الحرب وأرغب ﴿ وكان الله عليما حكيما ﴾ بضمائركم ﴿ حكيما ﴾ فيما حكم.
﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب١ بالحق ﴾ في الحكم لا بالتعدي فيه ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ﴾ بما عرفك وأوحى به إليك نزلت٢ في طعمة بن أبيرق سرق درعا فجاء صاحبها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :إن طعمة سرق درعي فلما رأى السارق ذلك ألقاها في بيت رجل بريء وقال لنفر من عشيرته :إني ألقيتها في بيت فلان فانطلقوا ليلا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم وقالوا :إن صاحبنا بريء وسارقها فلان فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس، وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فعذره وقيل :هم أن يبرئه فنزلت : ﴿ ولا تكن للخائنين ﴾ لأجلهم ﴿ خصيما٣ للبراء.
١ ولما أمر ونهى ووعد ونصح ووعظ في أمور الدنيا والدين عقب بتلك الآية المحكمة تعليما وتقوية لعضد نبيه فقال: (إنا أنزلنا إليك الكتاب) الآية/١٢ وجيز..
٢ روى الترمذي وغيره/١٢ وجيز. [من حديث قتادة بن النعمان وحسنه الشيخ الألباني في (صحيح سنن الترمذي) (٢٤٣٢)]..
٣ وفيه دليل على أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق/١٢ فتح..
﴿ واستغفر١ الله ﴾ من موافقتهم في نسبة السرقة إلى البريء أو من ذلك الهم والقصد ﴿ إن الله كان غفورا رحيما ﴾ لمن استغفر.
١ أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستغفار قال ابن جرير إن المعنى: استغفر الله من ذنبك في خصامك للخائنين، وقيل: واستغفر الله للمذنبين من أمتك والمخاصمين بالباطل والأول أرجح/١٢ فتح..
﴿ ولا تُجادل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ يخونونها بالمعصية، لأن الضرر راجع إليهم أي :لا تجادل عن كل من خان١ ﴿ إن الله لا يحب٢ من كان خوّاناً ﴾ مبالغا في الخيانة ﴿ أثيما ﴾ منهمكا في الإثم.
١ فسره بقوله: أي لا تجادل عن كل من خان ليعلم أن جميع الخائنين داخل في الحكم والنهي الثاني عام لا يختص بقصة دون قصة فلا تكرار/١٢ منه..
٢ فلا تكن ظهيرا لمن لا يحبه/١٢ منه..
﴿ يستخفُون من الناس ﴾ يسترون سرقتهم ﴿ ولا يستخفُون من الله ﴾ وهو أحق أن يستحيي ويخاف ﴿ وهو معهم ﴾ لا يخفى عليه شيء فطريق إخفاء شيء عنه عدم فعله ﴿ إذ يُبيّتون ﴾ يدبرون وأصله أن يكون١ بالليل ﴿ ما لا يرضى ﴾ الله ﴿ من القول ﴾ رمي البريء وشهادة الزور ﴿ وكان الله بما يعملون محيطا ﴾ فيجازيهم.
١ فإن التبييت تدبير وتزوير وقع في الليل، ثم استعمل في التزوير أعم من أن يكون ليلا أو نهارا/١٢ منه..
﴿ ها أنتم هؤلاء ﴾ مبتدأ وخبر ﴿ جادلتم عنهم ﴾ خاصمتم عن طعمة وقومه. جملة هي مبينة لوقوع أولاء خبرا، أو صلته عند من يقول :إنه موصول ﴿ في الحياة الدنيا فمن يُجادل الله عنهم يوم القيامة ﴾ إذا أخذهم بعذابه ﴿ أم من١ يكون عليهم وكيلا ﴾ فيروج دعواهم.
١ وأم في مثل هذه المواقع أعنى إذا وقع بعدها اسم استفهام يكون بمعنى بل لا منقطعة بمعنى بل والهمزة؛ ولا متصلة قاله العلامة التفتازاني/١٢ وجيز..
﴿ ومن يعمل سوءا ﴾ يسوء به غيره١ أو صغيرة أو إثما دون الشرك ﴿ أو يظلم نفسه ﴾ بما لا يتعداه أو بكبيرة أو بالشرك ﴿ ثم يستغفر الله يجد الله غفورا٢ رحيما ﴾ فيه عرض التوبة على طعمة لكن كما قيل :ما تاب بل ارتد.
١ كالحلف الكاذب/١٢ وجيز..
٢ الظاهر تعليق الغفران والرحمة للعاصي على مجرد الاستغفار إلا أن يقال: المراد من الاستغفار التوبة وفي لفظ: (يجد الله) مبالغة في الغفران كأنه معد لطالبه مهيأ متى طلبه وجده، وفيه لطف عظيم، ووعد كريم للعصاة، عن ابن مسعود أنها من أرجى آيات، لكل ما استغفر طعمة بل ارتد هكذا نقل/١٢ وجيز..
﴿ ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه ﴾ ولا يتعدى ضرره إلى غيره، لا تزر وازرة وزر أخرى ﴿ وكان الله عليما حكيما ﴾ فمن علمه وحكمته أنه لا يأخذ أحدا بذنب آخر.
﴿ ومن يكسب خطيئة ﴾ صغيرة، أو ذنبا بينه وبين الله ﴿ أو إثما ﴾ كبيرة، أو ما بينه وبين الناس ﴿ ثم يرم به ﴾ بأحدهما ﴿ بريئا ﴾ كما رمي طعمة ﴿ فقد١ احتمل بهتانا وإثما مبينا ﴾ برمي البريء وتنزيه الخاطئ.
١ في الافتعال معنى التسبب فهو أبلغ من حمله/١٢ وجيز..
﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ ﴾ بإعلام ما وقع منهم ﴿ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ ﴾ من قوم طعمة ﴿ أن يُضلّوك ﴾ عن القضاء بالحق، وليس المراد نفي همهم بل المراد أن من فضل الله عدم تأثيرهم فيك ﴿ وما يُضلّون إلا أنفسهم ﴾ لأن الله عصمك وهم ارتكبوا خطايا ﴿ وما يضرّونك من شيء ﴾ شيئا من الضر فإن الله عاصمك من الناس ﴿ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ القرآن والسنة ﴿ وعلّمك ما لم تكن تعلم ﴾ قبل نزول ذلك من خفيات الأمور ﴿ وكان فضل الله عليك عظيما ﴾ فإنه لا فضل أعلى من النبوة.
﴿ لا خير في كثير من نجواهم ﴾ النجوى سر بين اثنين ﴿ إلا ﴾ نجوى ﴿ من أمر بصدقة أو معروف ﴾ هو كل ما يستحسنه الشرع ﴿ أو إصلاح بين الناس ﴾ خصه لشرفه، والاستثناء بدل من كثير وقيل :منقطع أي :لكن من أمر بصدقة ففي نجواه الخير ﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ أي :الأمر بالصدقة ﴿ ابتغاء مرضات الله ﴾ أي :مخلصا محتسبا ثوابه عند الله ﴿ فسوف نُؤتيه أجرا عظيما ﴾ فإن من فعل خيرا رياء لم يستحق جزاء أصلا، لأن كل جزاء من الله عظيم في جنب أغراض الدنيا وقيل :قوله ( ذلك إشارة إلى الصدقة والمعروف والإصلاح، لا إلى الأمر بها فالأول حكم الدال على الخير، والثاني حكم فاعله.
﴿ ومن يُشاقق الرسول ﴾ يخالفه ﴿ من بعد ما تبين له الهدى ﴾ ظهر له الحق بوقوفه على المعجزات ﴿ ويتّبع غير سبيل المؤمنين١ غير طريقهم ﴿ نُولّه ما تولّى ﴾ ندعه وما اختار ونزينه له وقيل نكله في الآخرة لما تولّى وأعرض في الدنيا ﴿ ونُصله جهنم ﴾ ندخله فيها ﴿ وساءت مصيرا ﴾ جهنم نزلت في طعمة حين حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع يده فهرب إلى مكة مرتدا وخالف٢.
١ ولا حجة في الآية على حجية الإجماع، لأن المراد بغير سبيل المؤمنين هنا هو الخروج من دين الإسلام إلى غيره كما يفيده اللفظ ويشهد به السبب، فلا يصدق على عالم اجتهد في بعض المسائل فأداه اجتهاده إلى مخالفة من بعصره من المجتهدين فإنه إنما رام السلوك في سبيل المؤمنين وهو الدين القويم والملة الحنيفية ولم يتبع غير سبيلهم/١٢ فتح..
٢ ذكره محيي السنة والواحدي/١٢ وجيز..
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ لمن لقيه مشركا ﴿ ويغفر١ ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ غفرانه ﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ فإنه أعظم أنواع الضلالة وأبعدها عن الثواب قيل :نزلت في طعمة أيضا فإنه مات مشركا، أو في شيخ جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال :إني شيخ منهمك في الذنوب إلا أني لم أشرك بالله شيئا، ولم أوقع المعاصي جرأة على الله وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هربا، وإني لنادم تائب مستغفر، فما حالي ؟
١ أما المظالم فإن أراد الله غفرانه ألقى في قلب مظلومه عفوه وهو الله سبحانه يغفره كما ورد في الأحاديث/١٢ وجيز..
﴿ إن يدعون من١ دونه ﴾ ما يعبدون من دون الله ﴿ إلا٢ إناثا ﴾ اللات والعزى ومناة، لأن لكل حي صنما يسمونه أنثى بني فلان، أو لأن مع كل صنم جنية، أو لأن الإناث كل شيء ميت لا روح فيه من شجر أو حجر، أو المراد الملائكة لقولهم الملائكة بنات الله ﴿ وإن يدعون إلا شيطانا مريدا ﴾ المريد المارد :الخارج بالكلية عن طاعة الله، فإنه أمرهم بعبادتها فعلى الحقيقة هم يعبدونه.
١ أي: ما يعبدون من دون الله تعالى ومن عبد شيئا دعاه عند حوائجه أي: ما يدعون أحدا/١٢ وجيز..
٢ قال الراغب: لما كانت الأصنام أشياء منفعلة غير فاعلة بكتهم الله تعالى أنهم مع كونهم فاعلين من وجه ما يعبدون إلا منفعلا من كل وجه/١٢ وجيز..
﴿ لعنة الله ﴾ أبعده عن رحمته صفة ثانية للشيطان ﴿ وقال ﴾ إبليس ﴿ لأتّخذن من عبادك ﴾ لأن أغويهم وأضلهم ﴿ نصيبا مفروضا ﴾ معينا معلوما عطف على لعنه الله، أي :يعبدون شيطانا ماردا مطرودا عدوا لكم غاية العداوة.
﴿ ولأُضلّنهم ﴾ عن الصواب ﴿ ولأُمنينّهم ﴾ إدراك الآخرة مع المعاصي وطول الحياة، يأمرهم بالتسويف والتأخير أو أنه لا جنة ولا نار ﴿ ولآمُرنّهم فليُبتّكن آذان الأنعام ﴾ يشقونها ويجعلون ركوب تلك الأنعام حراما ويسمونها بحائر :ما يجيء في المائدة وهو إشارة إلى تحريم كل حلال ﴿ وَلآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ ١خَلْقَ اللَّهِ ﴾ هو الخصاء٢ أو الوشم أو دين الله ﴿ ومن يتخذ الشيطان وليًّا من دون الله ﴾ فيطيعه ولا يطيع الله ﴿ فقد خسر خسرانا مبينا ﴾ إذ ضيع بالكلية ماله وباع الجنة بالدنيا.
١ صورة وصفة ويندرج فيه فقأ عين الحامي وخصاء العبيد والوشم والوشر واللواطة والسحق ونحو ذلك/١٢ وجيز..
٢ كالخصاء والوشم وغيرهما والخصاء من الشيطان في كل شيء من آدمي وغيره وصرح بذلك عظماء السلف/١٢ وجيز.
وفي الكبير: ولهذا كان أنس يكره إخصاء الغنم، وفي الفتح: ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه الأمور حملا شموليًّا أو بدليًّا، وقد رخص طائفة من العلماء في خصي البهائم إذا قصد بذلك زيادة الانتفاع به سمن أو غيره، وكره ذلك آخرون، وأما خصي بني آدم فحرام بلا اختلاف: أخرج ابن أبي شيبة والبيهقي (عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خصي البهائم والخيل) [ أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه) (١٢/٢٢٥)، والبيهقي في (السنن الكبرى) (١٠/٢٤)، وقال البيهقي: والصحيح الموقوف. وعبد الله بن نافع فيه ضعف يليق به رفع الموقوفات. والله أعلم. وذكره الهيثمي في (الجمع) (٥/٣٦٥) وقال: رواه أحمد وفيه عبد الله بن نافع وهو ضعيف]، وأخرج ابن المنذر والبيهقي (عن ابن عباس رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صبر الروح وإخصاء البهائم) [أخرجه البيهقي في (السنن الكبرى) (١٠/٢٤) وذكره الهيثمي في (الجمع) (٥/٣٦٥) وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح]. وفي معالم التنزيل فليغيرن خلق الله بالخصاء والوشم وقطع الآذان حتى حرّم بعضهم الخصاء وجوز بعضهم في البهائم لأن فيه غرضا ظاهرا/١٢..

﴿ يعدهم ﴾ ولا ينجز ﴿ ويُمنّيهم ﴾ مالا يدركون ﴿ وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ﴾ هو إيهام النفع فيما فيه الضرر.
﴿ أولئك مأواهم ﴾ مرجعهم ﴿ جهنم ولا يجدون عنها محيصا ﴾ معدلا ومهربا.
﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا ﴾ تحت غرفها وأشجارها ﴿ الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ﴾ مصدران الأول مؤكد لنفسه، والثاني لغيره ﴿ ومن أصدق من الله قيلاً ﴾ جملة مؤكدة مقابلة لمواعيد الشيطان.
﴿ ليس١ بأمانيّكم ولا أمانيّ أهل الكتاب ﴾ أي :ليس الدين بالتمني نزلت في المسلمين واليهود حين افتخروا فقال اليهود :نبينا وكتابنا قبل ونحن أولى منكم بالله، وقال المسلمون :نحن أولى نبينا خاتم النبيين وكتابنا يقضي على جميع الكتب، وقال مجاهد قالت العرب :أي :المشركون لن نبعث ولن نعذب، وقالت اليهود والنصارى :لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى فنزلت ﴿ من يعمل سوءا يُجز به ﴾ ما في الدنيا أو في الآخرة، وقد صح المصائب٢ والأمراض في الدنيا جزاء ﴿ ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا٣ يواليه وينصره من عذاب الله.
١ ولما بين أن الشيطان يعدهم ويمنيهم، ومن أمنيته المشركين: أن لا عذاب ولا حساب ومن أمنيته أهل الكتاب: أنهم أحباء الله تعالى آيسهم عن كواذب تمنيتهم فقال: (ليس بأمانيكم)/١٢ وجيز..
٢ لما نزلت قال الصديق: ما أشد هذه الآية جاءت قاصمة الظهر فقال صلى الله عليه وسلم: (إنما هي المصيبات في الدنيا) رواه الترمذي وأحمد وابن حبان/١٢ وجيز. [هذا لفظ ابن جرير في (تفسيره) كما قال السيوطي في (الدر المنثور) (٢/٣٠٢) وليس لفظ الترمذي وأحمد وابن حبان]..
٣ قال ابن عباس يريد وليا يمنعه ولا نصيرا ينصره، فإن قلنا: إن هذه الآية خاصة في حق الكفار فتأويلها ظاهر، وإن قلنا: إنها في حق كل عامل سوء مسلم وكافر، فإنه لا ولي لأحد من دون الله يوم القيامة ولا ناصر، فالمؤمنون لا ولي لهم غير الله، وشفاعة الشافعين تكون بإذن الله فليس يمنع أحد أحدا من الله/١٢ الباب التأويل للشيخ علاء الدين علي بن محمد المعروف بالخازن/١٢/ وشفاعة الأنبياء والملائكة في حق العصاة إنما تكون بإذن الله وإذا كان كذلك فلا ولي لأحد إلا الله سبحانه وتعالى/١٢ كبير..
﴿ ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى ﴾ من للبيان حال من ضمير يعمل وليس للابتداء ﴿ وهو مؤمن ﴾ شرط للجزاء المترتب ﴿ فأولئك يدخلون الجنة ولا يُظلمون نقيرا ﴾ مقدار النقير، وهو النقرة التي في ظهر نواة التمر بأن ينقص من فضله على المطيع وهو أرحم الراحمين فمعلوم أنه لا يزيد١ في عقاب العاصي.
١ لأن ثواب المطيع في الآخرة ليس إلا فضل موعود وجعل نقصان فضله بكمال رحمته ظلما، فكيف يجوز أن يزيد عقاب العاصي من قدر الجزاء ولما كشف زورهم وبيّن فجورهم أخذ في كذب زعمهم فقال: (ومن أحسن)/١٢ وجيز..
﴿ ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله ﴾ أخلص العمل لربه ﴿ وهو مُحسن١ تابع للشرع في علمه أو أخلص نفسه له لا يعرف لها ربا سواه ثم يعمل الحسنات ويترك السيئات أو خضع في عبادته وهو موحد ﴿ واتّبع ملة إبراهيم ﴾ الموافقة لدين الإسلام ﴿ حنيفا ﴾ مائلا عن سائر الأديان حال من إبراهيم، أو من فاعل اتبع، أو من ملة ﴿ واتخذ الله إبراهيم خليلا ﴾ صفيا خالصا ليس في محبته خلل، روى أنه لما نزلت ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب إلخ قال أهل الكتاب :نحن وأنتم سواء فنزلت :( ومن يعمل من الصالحات ) ( ومن أحسن دينا ) إلخ فتبجح٢ به المسلمون
١ اعلم أن دين الإسلام مبني على أمرين: الاعتقاد والعمل.
أما الاعتقاد فإليه الإشارة بقوله: (أسلم وجهه) ذلك لأن الإسلام هو الانقياد والخضوع والوجه أحسن أعضاء الإنسان فالإنسان إذا عرف بقلبه ربه وأقر بربوبيته وبعبودية نفسه فقد أسلم وجهه لله.
وأما العمل فإليه الإشارة بقوله: (وهو محسن) فيدخل فيه الحسنات وترك السيئات فتأمل في هذه اللفظة المختصرة واحتوائها على جميع المقاصد والأغراض وأيضا فقوله: (أسلم وجهه لله) يفيد الحصر معناه أنه أسلم نفسه لله، وما أسلم لغير الله، وهذا تنبيه على أن كمال الإيمان لا يحصل إلا عند تفويض جميع الأمور إلى الخالق وإظهار التبري من الحول والقوة، وأيضا ففيه تنبيه على فساد طريقة من استعان بغير بالله، فإن المشركين كانوا يستعينون بالأصنام ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، والدهرية والطبيعيون يستعينون بالأفلاك والكواكب والطبائع وغيرها، واليهود كانوا يقولون في دفع عذاب الآخرة عنهم أنهم من أولاد الأنبياء والنصارى كانوا يقولون: ثالث ثلاثة، فجميع الفرق قد استعانوا بغير الله، وأما المعتزلة فهم في الحقيقة ما أسلمت وجوههم لله يرون الطاعة الموجبة لثوابهم من أنفسهم فهم في الحقيقة لا يرجون إلا أنفسهم، ولا يخافون إلا أنفسهم، وأما أهل السنة الذين فوضوا التدبير والتكوين والخلق إلى الحق سبحانه انقطع نظرهم عن كل شيء سوى الله/١٢ كبير. .

٢ بجحته فتبجح أي: فرحته ففرح/١٢ صراح..
﴿ ولله ما في السماوات وما في الأرض ﴾ خلقا وملكا ﴿ وكان الله بكل شيء١ محيطا ﴾ بعلمه وقدرته فيجازيهم على الخير والشر.
١ بالعلم والقدرة فلا يفوت منه شيء ويجازيهم، ولما ذكر أنهم يعبدون إناثا ويجعلون لما يعبدون نصيبا من أموالهم إذعانا لأمر الشيطان المريد الملعون الذي هو في غاية عداوتهم ويقولون: ميراثنا ليس إلا للذكور الذين هم حامو بيضتنا، لا للإناث الضعفاء، فتكرر من بعض الصحابة سؤال ميراث الإناث اللاتي هن أحق بالإعانة والشفقة والمال ليس إلا لمن له ما في السماوات والأرض وقد فرض لهن فريضة بينها وشرحها مع طريق معاشرتهن، ثم أعاد لتكرر سؤالهم فقال: (ويستفتونك)/١٢..
﴿ ويستفتونك في النساء ﴾ في طريق المعاشرة مع اليتامى، نزلت في كل من عنده يتيمة هو وليها ووارثها فيرغب في نكاحها إن كانت جميلة ويأكل مالها، وإن كانت دميمة يعضلها حتى تموت فيأخذ ميراثها، أو في ميراث بنات أم كجّة من أبيهن فإن العرب كانت لا تورث النساء والصبيان وحينئذ معناه في ميراث النساء ﴿ قل الله يُفتيكم فيهن ﴾ الإفتاء تبيين المبهم ﴿ وما يُتلى عليكم في الكتاب ﴾ عطف على لفظ الله أو على الضمير في يفتيكم والإفتاء مسند إلى الله تعالى وإلى ما في القرآن من قوله :( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ) إلخ أو من قوله :( يوصيكم الله في أولادكم ) إلخ على ما ذكرنا من اختلاف سبب النزول على طريقة قولهم :أغناني زيد وكرمه ﴿ في يتامى النساء ﴾ صلة يتلى أو بدل من فيهن والإضافة بمعنى من ﴿ اللاتي لا تُؤتونهن ما كُتب لهن ﴾ من صداقهن أو ميراثهن ﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ أي :عن أن تنكحوهن لدمامتهن فنهاهم الله عن عضلهن طمعا في ميراثهن، كما ذكرنا في قوله :( وإن خفتم ألا تقسطوا ) إلخ أو معناه :ترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن ومالهن ولا تعطون صداقهن وتأكلون مالهن ﴿ والمستضعفين من الولدان ﴾ عطف على يتامى النساء، فإن العرب لا يورثونهم كما لا يورثون البنات ﴿ وأن تقوموا لليتامى بالقسط ﴾ أي :العدل عطف على يتامى النساء أيضا أي :يفتيكم في أن تقوموا أو منصوب بإضمار فعل أي :ويأمركم أن تقوموا، أو عطف على فيهن بإضمار في ﴿ وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما ﴾ فما ينساه ويجزيكم.
﴿ وإن امرأة ﴾ مرفوع بفعل يفسره قوله ﴿ خافت بعلها ﴾ علمت منه ﴿ نُشوزا ﴾ تجافيا عنها ومنعا لحقوقها ﴿ أو إعراضا ﴾ بأن يقل مجالستها ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ على المرأة والزوج ﴿ أن يُصلحا بينهما صلحاً ﴾ بأن تحط له بعض المهر أو القسم أو النفقة، وصلحا مصدر، وبينهما مفعول به ومن قرأ :يصالحا فمعناه :يتصالحا ﴿ والصُّلح خير ﴾ من الفرقة وسوء العشرة ﴿ وأحضرت الأنفس الشح ﴾ يعني أن النفس مطبوعة على البخل لا يغيب عنها، فلا تكاد المرأة تسمح بحط شيء ممن مهرها وقسمها ولا الزوج يسمح بأن يمسكها ويقوم بحقها إذا لم يردها، وهو وقوله :( الصلح خير ) اعتراض للترغيب في المصالحة وتمهيد العذر في المماكسة ﴿ وإن تحسنوا ﴾ في العشرة ﴿ وتتقوا ﴾ النشوز ونقص الحق ﴿ فإن الله كان بما تعملون ﴾ من الإحسان ﴿ خبيرا ﴾ فيثيبكم.
﴿ ولن١ تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ﴾ أي تساووا بينهن من جميع الوجوه فإنه لابد من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع ﴿ ولو حرصتم ﴾ على العدل ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ إلى واحدة منهن فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله ﴿ فتذروها كالمعلّقة ﴾ أي :الواحدة الأخرى كالتي ليست بذات بعل ولا مطلقة ﴿ وإن تُصلحوا ﴾ بالعدل في القسم ﴿ وتتقوا ﴾ فيما يستقبل الجور فيها ﴿ فإن الله كان غفورا رحيما ﴾ يغفر لكم ما كان من ميل إلى واحدة.
١ ولهذا كان يقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: (اللهم هذا قسمي في ما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)، رواه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن المنذر عن عائشة وإسناده صحيح [وضعفه الشيخ الألباني في (الإرواء (٢٠١٨))]. قال ابن مسعود: العدل بين النساء الجماع، وقال الحسن الحب وكذا المحادثة والمجالسة والنظر إليهن والتمتع/١٢ فتح..
﴿ وإن يتفرقا ﴾ بالطلاق ولم يصلحا بينهما ﴿ يُغن الله كلا ﴾ منهما عن صاحبه ﴿ من سعته١ فضله الواسع وقدرته ﴿ وكان الله واسعا ﴾ واسع٢ الفضل ﴿ حكيما ﴾ فيما حكم وأمر.
١ قال الحسن بن علي رأيت الله تعالى علق الغنى بأمرين فقال: (وانكحوا الأيامى) الآية (النور: ٣٢) وقال (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته)/١٢ وجيز..
٢ وجملة حكم الآية أن الرجل إذا كانت تحته امرأتان أو أكثر فإنه يجب عليه التسوية بينهن في القسم، فإن ترك التسوية بينهن في فعل القسم عصى الله تعالى وعليه القضاء للمظلومة والتسوية شرط في البيتوتة، أما في الجماع فلا لأنه يدور على النشاط وليس ذلك إليه ولو كانت في نكاحه حرة وأمة، فإنه يبيت عند الحرة ليلتين وعند الأمة ليلة واحدة، وإذا تزوج جديدة على قديمات عنده يخص الجديدة بأن يبت عندها سبع ليال على التوالي إن كانت بكرا وإن كانت ثيبا فثلاث ليال، ثم يسوي بعد ذلك بين الكل ولا يجب قضاء هذه الليالي للقديمات،عن أنس رضي الله عنه قال: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا ثم قسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا ثم قسم، قال أبو قلابة: ولو شئت قلت: إن أنسا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإذا أراد الرجل سفر حاجة فيجوز له أن يحمل بعض نسائه مع نفسه بعد أن يقرع بينهن فيه، ثم لا يجب عليه أن يقضي للباقيات مدة سفره وإن طالت إذا لم يزد مقامه في بلد على مدة المسافرين، والدليل عليه: ما روي عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها)، أما إذا أراد سفر نفلة فليس له تخصيص بعضهن لا بالقرعة ولا بغيرها/١٢ معالم..
﴿ ولله ما في السماوات وما في الأرض ﴾ فله السعة وكمال القدرة ﴿ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب ﴾ من اليهود والنصارى وغيرهم ﴿ من قبلكم ﴾ متعلق بأوتوا أو بوصينا ﴿ وإياكم ﴾ عطف على الذين ﴿ أن اتقوا الله ﴾ أي :بتقوى الله وجاز أن يكون مفسرة، فإن التوصية في معنى القول ﴿ وإن تكفُروا ﴾ أي :وقلنا لهم ولكم :إن تكفروا ﴿ فإن لله ما في السماوات وما في والأرض ﴾ مالك الملك كله لا يضره كفركم كما لا ينفعه شكركم فما الوصية إلا لحاجتكم وصلاحكم ﴿ وكان الله غنيا ﴾ عن الخلق ﴿ حميدا ﴾ في ذاته حمد أو لم يحمد.
﴿ ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى١ بالله وكيلا ﴾ فتوكلوا عليه فكأنه قال له ما في السماوات وما في الأرض فاقبلوا وصيته وله ذلك فهو الغني فاسألوا لله وله ذلك فاتخذوه وكيلا لا غيره.
١ فإن قيل: فأي فائدة في تكرار قوله تعالى: (لله ما في السماوات وما في الأرض) قيل: لكل واحد منها وجه أما الأول: فمعناه لله ما في السماوات وما في الأرض وهو يوصيكم بالتقوى، فاقبلوا وصيته.
وأما الثاني: فيقول: فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكفى غنيا أي: هو الغني وله الملك فاطلبوا منه ما تطلبون.
وأما الثالث: فيقول: ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا أي له الملك فاتخذوه وكيلا ولا تتوكلوا على غيره/١٢ معالم..

﴿ إن يشأ ﴾ إذهابكم ﴿ يذهبكم ﴾ يفينكم ﴿ أيها الناس ويأت بآخرين ﴾ يوجد قوما آخرين ﴿ وكان الله على ذلك ﴾ الإعدام والإيجاد ﴿ قديرا ﴾ بليغ القدرة وهذا تقرير لغناه وتهديد لمن كفر.
﴿ من كان يريد١ ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ﴾ فلا يقتصرن قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط، أو معناه فيعطيه ما يريد وليس له في الآخرة من نصيب ﴿ وكان الله واسعا بصيرا ﴾ فلا يخفى عليه خافية ويجازى بحسب قصده.
١ يعني من كان يريد بعمله عرضا من الدنيا نزلت في مشركي العرب، وذلك أنهم كانوا يقولون: إن الله تعالى خالقهم ولا يقرون بالبعث ليوم القيامة، وكانوا يتوبون إلى الله ليعطيهم من خير الدنيا ويصرف عنهم شرها/١٢..
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ﴾ مواظبين على العدل لا تعدلوا عنه يمينا ولا شمالا ﴿ شهداء لله ﴾ ليكن أداؤها ابتغاء وجه الله ﴿ ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ﴾ أي١ :ولو عاد ضررها على نفسك أو عليهم أو تقول٢ الإقرار شهادة على نفسه ﴿ إن يكن ﴾ المشهود عليه ﴿ غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ﴾ أي :بالغنى والفقير منكم فكلوا أمرهما إليه فلا ترحم فقره ولا ترهب غناه، وضمير التثنية لما دل عليه المذكور وهو جنس الغنى والفقير لا إليه وإلا لوحد٣ ﴿ فلا تتّبعوا الهوى أن تعدلوا ﴾ أي :لأن تعدلوا عن الحق ﴿ وإن تلوُوا ﴾ أي :تحرفوا الشهادة وتغيروها ﴿ أو تعرضوا ﴾ عن أدائها ﴿ فإن الله كان بما تعملون خبيرا ﴾ فيجازيكم عليه.
١ ابتدأ بنفسه، لأنه لا شيء على الإنسان أعز من نفسه، ثم ذكر الوالدين لأنهما أقرب إليه، وسبب نشأته، والأقربين فإنهم مظنة التعصب، وإذا كان الأمر فيهم القسط فالأجنبي أحرى بذلك/١٢ وجيز..
٢ قوله: أو نقول يعني الشهادة على الوالدين والأقربين أن يقول: أشهد أن لفلان على والدي أو على أقاربي كذا وأما الشهادة على نفسه فهي الإقرار لأنه في معنى الشهادة، والوجه الأول أن يشهد من يتوقع ضرره من ظالم/١٢ منه..
٣ يعني الظاهر أن يقال: أولى به، لأن المرجع به مذكور بأو لكن ثنى الضمير لإرجاعه إلى المدلول لا إلى المذكور/١٢ منه..
﴿ يا أيها١ الذين آمنوا ﴾ خطاب للمؤمنين كلهم أو لمؤمني أهل الكتاب حين قالوا :يا رسول الله آمنا بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ونكفر بما سواه، أو خطاب لليهود والنصارى ﴿ آمنوا بالله ورسوله ﴾ اثبتوا عليه أو آمنوا بمحمد كما آمنتم بموسى وعيسى ﴿ والكتاب الذي نزّل على رسوله ﴾ القرآن ﴿ والكتاب الذي أنزل من قبل ﴾ يعني من جنس الكتاب لا بكتاب دون كتاب ﴿ ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورُسله واليوم الآخر ﴾ أي :بشيء من ذلك ﴿ فقد ضل ضلالا بعيدا ﴾ عن المقصد بحيث لا يكاد يعود على السبيل.
١ ولما أمر المؤمنين بالقيام بالقسط والشهادة لله أمرهم بالرسوخ في الإيمان فإنه لا يأتمر بالأمر إلا الراسخ فقال: (يا أيها الذين آمنوا) الآية/١٢ وجيز..
﴿ إن الذين آمنوا ﴾ بالتوراة ﴿ ثم١ كفروا ﴾ بها بعبادة العجل ﴿ ثم آمنوا ﴾ بها بعد عود موسى إليهم ﴿ ثم كفروا ﴾ بعيسى ﴿ ثم ازدادوا كفرا ﴾ بمحمد عليه الصلاة والسلام واستمروا عليه حتى ماتوا ﴿ ألم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ﴾ طريقا إلى الهدى، ولا فرجا ولا مخرجا، فإن الكافر إذا أسلم يغفر الله كفره السابق، لكن من تقرر منه الإيمان والكفر ثم استمر على الكفر لا يغفر الله كفره اللاحق والسابق.
أو نزلت في قوم مرتدين آمنوا ثم ارتدوا مرارا لا في اليهود فقيل معناه :من تكرر منه الإيمان فالكفر لا يغفر الله له لاستبعاد التوبة منه، لأن قلوبهم طبعت على الباطل فلا يثبت على الحق، وعن علي رضي الله عنه يقتل ولا يقبل توبته.
١ الظاهر أنه في شأن المنافقين فإنهم في أوائل البعث والنبوة كانوا مذبذبين ثم اتفقوا على الباطل ورسخوا في كفرهم، ويدل على ما قلنا قوله في عقبه: (بشر المنافقين) والمراد في قوله: (ولا ليهديهم سبيلا) لا يوفقهم على سلوك سبيل الحق لرسوخ قدمهم في الباطل فلا يتوبون/١٢ وجيز..
﴿ بشّر المنافقين ﴾ من باب١ التهكم ﴿ بأن لهم عذابا أليما ﴾ فإنهم أيضا آمنوا بالظاهر وكفروا بالباطن مرارا، ثم استمروا بالإصرار على النفاق.
١ عند من لا تكون البشارة إلا في السرور/١٢..
﴿ الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ﴾ مرفوع أو منصوب بالذم ﴿ أيبتغون عندهم العزّة ﴾ والغلبة على المسلمين أو يتعززون بموالاتهم ﴿ فإن العزة لله١ جميعا ﴾ أي :له القوة والغلبة لا يعز إلا من أعزه.
١ والفاء لما في الكلام من معنى الشرط، أي: إن تبتغوا العزة من هؤلاء فإن العزة لله جميعا ونصب جميع على الحال/١٢ وجيز..
﴿ وقد نزّل عليكم في الكتاب ﴾ في القرآن ﴿ أن ﴾ أي :أنه ﴿ إذا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويُستهزأ بها ﴾ حالان من الآيات ﴿ فلا تقعدوا معهم ﴾ مع من يكفر ويستهزئ ﴿ حتى١ يخوضوا في حديث غيره ﴾ الاستهزاء، وهذا تذكار ما نزل عليهم بمكة من قوله ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ) الآية ( الأنعام :٦٨ )، ﴿ إنكم إذاً مثلهم ﴾ في الكفر إن رضيتم بذلك، أو في الإثم فإنكم قادرون على الإعراض والإنكار، وقيل :هي منسوخة بقوله :وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء إلخ ﴿ إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا ﴾ كما اجتمعوا على الاستهزاء بالآيات.
١ قال الضحاك عن ابن عباس دخل في الآية كل محدث في الدين وكل مبتدع إلى يوم القيامة، نقله محي السنة وفي الفتح: والآية بعموم اللفظ دليل على اجتناب كل موقف يخوض فيه أهله بما يفيد التنقص والاستهزاء للأدلة الشرعية كما يقع لكثير من أسراء التقليد الذين استبدلوا آراء الرجال بالكتاب والسنة، ولم يبق في أيديهم سوى قال إمام مذهبنا كذا أو قال فلان من أتباعه بكذا وإذا سمعوا من يستدل على تلك المسألة بآية قرآنية أو بحديث نبوي سخروا منه ولم يرفعوا إلى ما قاله رأسا ولا بالوا به بالة وظنوا أنه قد جاء بأمر فظيع وخطب شنيع وخالف مذهب إمامهم الذي نزلوه منزلة معلم الشرائع بل بالغوا وجعلوا رأيه مقدما على كتاب الله وسنة رسوله، فإنا لله وإنا إليه راجعون/١٢ فتح..
﴿ الذين يتربّصون بكم ﴾ ينتظرون وقوع أمر بكم، بدل من الذين أو مبتدأ وخبره ﴿ فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم ﴾ ففي الدين والنصرة فأسهموا لنا من الغنيمة ﴿ وإن كان للكافرين نصيب ﴾ من الظفر فإن الحرب سجال ﴿ قالوا ﴾ للكافرين ﴿ ألم نستحوذ عليكم ﴾ ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم فما فعلنا شيئا من ذلك ﴿ ونمنعكم من المؤمنين ﴾ بأن ثبطناهم عنكم بتخييلنا لهم ما ضعفت به قلوبهم وتوانينا في مظاهرتهم، أو معناه نصرفكم عن الدخول في جملتهم، فإن المنافقين حذروا الكافرين ومنعوا الإسلام ﴿ فالله يحكم بينكم يوم القيامة ﴾ بما يعلمه منكم من البواطن ﴿ لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ﴾ حجة في الآخرة أو ظهور أو استيلاء كليًّا في الدنيا.
﴿ إن المنافقين يخادعون الله ﴾ بزعمهم الباطل كما يحلفون يوم القيامة أنهم على الاستقامة ﴿ وهو خادعهم ﴾ يجازيهم على خداعهم أو يعاملهم معاملة المخادع في الدنيا بإمهالهم واستدراجهم في طغيانهم، وفي الآخرة بأنهم يعطون نورا يوم القيامة، فإذا مضوا قليلا يطفأ١ نورهم ﴿ وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ﴾ متثاقلين كالمكره ﴿ يُراءون الناس ﴾ ليحسبوهم مؤمنين لا إخلاص ومطاوعة أمر الله، صفة كسالى أو مستأنفة ﴿ ولا يذكرون الله إلا قليلا٢ لأنهم يفعلونه رياء ولو أرادوا بذلك القليل وجه الله لكان٣ كثيرا وقيل :لأن ذكرهم باللسان فقط وقيل المراد من الذكر الصلاة أو لا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا على ندرة.
١ قال تعالى: (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم) الآية (الحديد: ١٣)، وقال في الفتح: بعد ما نقل هذا القول عن الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم، ولا أدري من أين جاء لهم هذا التفسير فإن مثله لا ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم..
٢ قال صاحب الكشاف: وهكذا نرى كثيرا من المتظاهرين بالإسلام، لو صحبته الأيام والليالي لم تسمع منهم تهليلة ولا تسبيحة، لكن حديث الدنيا يستغرق به أيامه وأوقاته لا يفتر عنه/١٢ كبير..
٣ كما قال ابن عباس/١٢ وجيز..
﴿ مذبذبين بين١ ذلك ﴾ مترددين متحيرين بين الكفر والإيمان حال من واو الجمع أي :يرونهم غير ذاكرين إلا قليلا مذبذبين ﴿ لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ﴾ لا منضمين إلى المؤمنين ولا إلى الكافرين ليسوا بمؤمنين مخلصين ولا مشركين مصرحين ﴿ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ﴾ إلى الصواب.
١ قال في الكشاف: وحقيقة المذبذب: الذي يذب ويدفع من كلا الجانبين مرة بعد أخرى أي: يذاذ ويدفع فلا يقر في جانب واحد إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب كان المعنى كلما مال إلى جانب ذب عنه/١٢..
﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتّخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ﴾ فإن مصاحبتهم١ ومصادقتهم وإسرار المودة إليهم صنيع المنافقين فلا تكونوا مثلهم ﴿ أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ﴾ حجة بينة في عقابكم بموالاتكم إياكم.
١ قال القفال: المراد من الكفار المنافقون يعني: قد بينت لكم أخلاق هؤلاء المنافقين فلا تتخذوا منهم أولياء/١٢ وجيز..
﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴾ هو الطبقة التي في قعر جهنم، أو توابيت من حديد مقفلة في النار أو بيوت مقفلة عليهم توقد من تحتهم وفوقهم ﴿ ولن تجد لهم نصيرا ﴾ يخرجهم منها.
﴿ إلا الذين تابوا ﴾ عن النفاق ﴿ وأصلحوا ﴾ العمل ﴿ واعتصموا بالله ﴾ وثقوا به والتجأوا إليه ﴿ وأخلصوا١ دينهم لله ﴾ من شوائب الرياء فلا يعملون إلا الله ﴿ فأولئك مع المؤمنين٢ في زمرتهم يوم القيامة ﴿ وسوف يُؤت الله المؤمنين أجرا عظيما ﴾ فيشاركونهم فيه.
١ ولما كان المنافق متصفا بنقائض هذه الأوصاف من الكفر وفساد العمل والموالاة للكافرين والاعتزاز بهم والمراءاة للمؤمنين شرط في توبتهم ما يناقض ذلك الأوصاف/١٢ وجيز..
٢ حكم بأنهم مع المؤمنين لا أنهم منهم تنفيرا لما كانوا عليه وتفظيعا بحال من كان متلبسا به وأخلص الأجر للمؤمنين فيرشح أجرهم إليهم فاقتهم/١٢ وجيز..
﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ﴾ أيدفع به ضرا أو يستجلب به نفعا وهو الغني المتعالي لا كالملوك فمن أخرج نفسه عن خساستها الباعثة للمذلة فلا تهان ولا تخذل ؛ قيل :تقديم الشكر لأن الناظر بأدنى نظر في النعم يعرف أن لها منعما فيشكر وإن لم يعرفه زيادة معرفة، ثم يفضى به إلى زيادة النظر في معرفته، والتصديق به قدر ما يجب على العبد، فالشكر المبهم أصل التكليف من الإيمان وغيره ﴿ وكان الله شاكرا ﴾ يرضى بالقليل ﴿ عليما ﴾ بظاهركم وباطنكم.
﴿ لا يحب١ الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم ﴾ أي :إلا جهر من ظلم بالدعاء على الظالم، وقيل :هو من يشتمك فتشتمه بمثله فالبادئ ظالم، والأصح أنها نزلت٢ فيمن ضاف أحدا فلم يؤد إليه حق ضيافته، فلما خرج أخبر الناس فرخص الله شكايته ﴿ وكان الله سميعا ﴾ لدعاء المظلوم ﴿ عليما ﴾ بفعل الظالم.
١ ولما أمر عباده بالشكر وقد ثبت أن من لا يشكر الناس لا يشكر الله أخذ يبين موضع جواز الشكاية عن خلقه فقال: (لا يحب الله الجهر) الآية/١٢ وجيز..
٢ رواه عبد الرزاق ومحمد بن إسحاق وغيرهما عن مجاهد/١٢ وجيز..
﴿ إن تُبدوا خيرا ﴾ عمل بر ﴿ أو تخفوه أو تعفو عن سوء ﴾ يأتيكم من أخيكم ﴿ فإن الله كان عفوا ﴾ لمن عفى ﴿ قديرا ﴾ على الانتقام وهو إشارة إلى حث المظلوم على العفو وإن جاز له الشكاية.
﴿ إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يُفرّقوا بين الله ورسوله ﴾ بأن يؤمنوا به ويكفروا برسله ﴿ ويقولون نؤمن ببعض ﴾ أي :ببعض الأنبياء ﴿ ونكفر ببعض ﴾ أي :بعضهم ﴿ ويريدون أن يتخذوا بين ذلك ﴾ أي :الإيمان والكفر ﴿ سبيلا ﴾ وسطا ولا واسطة بين الكفر والإيمان وهم اليهود والنصارى.
﴿ أولئك هم الكافرون ﴾ الكاملون في الكفر، ما نقص ذاك الإيمان من كفرهم شيئا ﴿ حقا ﴾ مصدر مؤكد لغيره ﴿ وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ﴾.
﴿ والذين آمنوا بالله ورسله ولم يُفرّقوا بين أحد منهم ﴾ في الإيمان١ به ﴿ أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما ﴾ عليهم بتضعيف حسناتهم.
١ في الإيمان لا في التفضيل فقد قال تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) (البقرة: ٢٥٣)، وقد مر أن أحدا يستوي فيه المفرد والجمع، ولذلك جاز دخول بين عليه/١٢..
﴿ يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ ﴾ قالت اليهود :إن كنت صادقا فأتنا بكتاب من السماء جملة أو صحفا مكتوبة بخط سماوي ﴿ فقد سألوا موسى أكبر من ذلك ﴾ أي :إن استعظمت ما سألوك، فقد سألوا موسى أعظم من ذلك، وهذا السؤال وقع من آبائهم لكنهم تابعون لهذيهم وقوم مثل ذلك لا يستغرب عنهم ﴿ فقالوا أرِنا الله جهرة ﴾ أي :أرنا الله نره عيانا قيل معناه قالوا جهرة لا سرا وخفية ﴿ فأخذتهم الصاعقة ﴾ نار من السماء ﴿ بظلمهم ﴾ أي :بسبب ظلمهم وهو تعنتهم في السؤال وطلب ما يستحيل في تلك١ الحال لهم ﴿ ثم اتخذوا العجل ﴾ إلها ﴿ من بعد ما جاءتهم البينات٢ معجزات موسى عليه السلام ﴿ فعفونا عن ذلك ﴾ ولم نستأصلهم بالكلية وقبلنا توبتهم ﴿ وآتينا موسى سلطانا مبينا ﴾ يعني هم إن بالغوا في العناد معه لكن نصرناه وعفونا عن قومه، ففيه إشارة ببشارة المصطفى عليه الصلاة والسلام.
١ وذلك لا يستلزم امتناعها يوم القيامة فقد جاءت بذلك الأحاديث المتواترة ومن استدل بهذه الآية على امتناع الرؤية يوم القيامة فقد غلط غلطا بينا/١٢ فتح..
٢ على أن الله وحده لا شريك له/١٢ وجيز..
﴿ ورفعنا فوقهم الطور١ عند امتناعهم قبول شريعة التوراة ﴿ بميثاقهم ﴾ بسبب ميثاقهم ليقبلوه ﴿ وقلنا ﴾ بلسان نبيهم ﴿ لهم ادخلوا الباب سُجّدا ﴾ متواضعين منحنين ﴿ وقلنا لهم لا تعدوا في السبت ﴾ لا تظلموا في اصطياد السمك فيه ﴿ وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ﴾ على ذلك.
١ والطور اسم الجبل الذي كلّم الله عليه موسى عليه السلام، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن موسى جاءهم بالألواح فرأوا ما فيها من آثار الشاقة فكبرت عليهم وأبوا قبولها فأمر جبريل بقلع الطور من أصله ورفعه فظلله فوقهم، وقال لهم: إن قبلتم وإلا ألقي عليكم حتى قبلوا لا يقال: إنه إلجاء فيمنع التكليف، لأنا نقول إنه إكراه، وهو معدم للرضاء لا للاختيار/١٢ كمالين قال ابن عطية: والذي لا يصح سواه أن الله سبحانه اخترع وقت سجودهم الإيمان لا أنهم آمنوا كرها وقلوبهم غير مطمئنة انتهى. وهذا تكلف ساقط حمله عليه المحافظة على ما قد ارتسم لديه من قواعد مذهبية قد سكن قلبه إليها كغيره وكل عاقل يعلم أنه لا سبب من أسباب الإكراه أقوى من هذا أو أشد منه، ونحن نقول: أكرههم الله على الإيمان فآمنوا مكرهين ورفع عنهم العذاب بهذا الإيمان، وهو نظير ما ثبت في شرعنا من رفع السيف عمن تكلم بكلمة الإسلام والسيف مصلت قد هزه حامله على رأسه، وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن قتل من تكلم بكلمة الإسلام معتذرا عن قتله بأنه قالها تقية ولم يكن عن قصد صحيح: (أأنت فتشت عن قلبه) وقال: (لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس). قال القفال: إنه ليس إجبارا على الإسلام، لأن الجبر ما سلب الاختيار بل كان إكراها وهو جائز ولا يسلب الاختيار كالمحاربة مع الكفار، فأما قوله: (لا إكراه في الدين) (البقرة: ٢٥٦)، وقوله: (أفأنت تكره الناس) (يونس: ٩٩)، فقد كان قبل الأمر بالقتال ثم نسخ ذكره الشهاب/١٢ فتح. .
﴿ فبما نقضهم ﴾ ما مزيدة للتأكيد ﴿ ميثاقهم ﴾ فعلنا بهم ما فعلنا ﴿ وكفرهم بآيات الله ﴾ المعجزات الباهرات ﴿ وقتلهم الأنبياء بغير حق ﴾ بعناد وتشهي نفس ﴿ وقولهم قلوبنا غُلف ﴾ في غطاء لا نسمع ما تقول أو أوعية للعلم ولا نحتاج إلى شيء آخر ﴿ بل طبع الله عليها بكفرهم ﴾ على الأول معناه :نعم صدقوا فيما ادعوا من عدم السماع لكن بختم الله على قلوبهم بسبب كفرهم، وعلى الثاني :عكس عليهم ما ادعوه من أن قلوبهم أوعية للعلم ﴿ فلا يؤمنون إلا قليلا ﴾ إلا إيمانا قليلا لا ينفعهم أو إلا قليلا منهم.
﴿ وبكفرهم ﴾ بعيسى ﴿ وقولهم على مريم بهتانا عظيما ﴾ نسبتها إلى الزنا.
﴿ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ﴾ أي :من يزعم أنه رسول الله أو سموه رسولا استهزاء، فالذم بسبب جرأتهم على الله تعالى وتبجحهم بقتله بعد ما أظهر المعجزات ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّه١ لهم ﴾ أي :لكن وقع لهم التشبيه بين عيسى والمقتول فقتلوا شابا من أنصاره حسبوه عيسى، أو شبه لهم من قتلوه بأن ألقى الله على رجل من اليهود شبهه فقتل ﴿ وإن الذين اختلفوا فيه ﴾ في شأن عيسى فإنهم لما قتلوا ذلك الرجل قال بعضهم :عيسى، وقال بعضهم :ليس بعيسى وجهه وجه عيسى والبدن بدن غيره، وقال بعضهم :كذاب قتلناه وقال بعضهم :ابن الله رفع إلى السماء ﴿ لفي شك منه ﴾ تردد من قتله ﴿ ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ﴾ لكنهم يتبعون الظن ﴿ وما قتلوه يقينا ﴾ يقينا تأكيد ل ( ما قتلوه ) نحو :ما قتلوه حقا أي :حق انتفاء قتله حقا قيل :( ما قتلوه متيقنين أنه هو، بل شاكين متوهمين.
١ روى النسائي وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن رهطا من اليهود اجتمعوا على قتله فأخبره الله بأنه يرفعه إلى السماء فقال لأنصاره: أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهى فيقتل فيكون معي في الجنة؟ فقال شاب منهم أنا فألقى الله عليه شبهه فقتل وصلب، وعلى هذا معناه لكن وقع لهم التشبه بين عيسى والمقتول، وفي رواية: أن المقتول منافق دل اليهود على عيسى فألقى الله تعالى شبه عيسى على المنافق بعد ما رفع عيسى فقتلوه، أي: شبه لهم من قتلوه فشبه مسند إلى ضمير المقتول الدال عليه (إنا قتلنا) (ولهم): فاعل شبه/١٢ فتح..
﴿ بل رفعه١ الله إليه ﴾ فإن السماء محل ظهور سلطانه ﴿ وكان الله عزيزا ﴾ لا يغلب إرادته ﴿ حكيما ﴾ فيما دبر.
١ أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: رفعه الله إليه فهو عنده في السماء/١٢ منثور..
﴿ وإن من أهل الكتاب ﴾ أي :أحد منهم ﴿ إلا ليُؤمنن به قبل موته ﴾ أي :قبل موت عيسى بعد نزوله عند قيام١ الساعة فيصير الملل واحدة وهي ملة الإسلام الحنيفية، أو قبل موت الكتابي إذا وقع في الباس حين لا ينفعه إيمانه ﴿ ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ﴾ يشهد عليهم أنه قد بلغ الرسالة وأقر على نفسه بالعبودية، قيل :يشهد على اليهود بالتكذيب وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله.
١ أي: قربها كما ورد في حديث رواه البخاري/١٢ كمالين. [كذا قال وأخرجه مسلم (٥/٧٥٣) ط الشعب]..
﴿ فبظُلم من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيبات١ أُحلّت لهم ﴾ أي :ما استمر تحريمها إلا بظلم عظيم منهم، ( وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ) الآية ( الأنعام :١٤٦ )، ﴿ وبصدّهم عن سبيل الله كثيرا ﴾ صدًّا كثيرا أو ناسا كثيرا.
١ قال الواحدي: وأما وجه تحريم الطيبات عليهم كيف كان ومتى كان وعلى لسان من حرم فلم أجد فيه شيئا انتهى إليه فتركته. قال الخازن: ولقد أنصف الواحدي فيما قال؛ فإن هذه الآية في غاية الإشكال انتهى/١٢ فتح..
﴿ وأخذهم الربا وقد نُهوا عنه ﴾ في التوراة ﴿ وأكلهم أموال الناس بالباطل ﴾ بالرشوة وغيرها ﴿ وأعتدنا للكافرين منهم ﴾ دون من آمن وتاب ﴿ عذابا أليما ﴾.
﴿ لكن الراسخون١ في العلم منهم ﴾ كعبد الله بن سلام وأصحابه٢ ﴿ والمؤمنون ﴾ منهم وقيل أي :الصحابة ﴿ يؤمنون ﴾ خبر المبتدأ ﴿ بما أُنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة ﴾ نصب على المدح، وهو شائع في كلام الفصحاء، وقيل :مخفوض عطف على ما أنزل أي :آمنوا بإقامة الصلاة أي بوجوبه، أو المراد بالمقيمين :الأنبياء ﴿ والمُؤتون الزكاة والمؤمنون٣ بالله واليوم الآخر ﴾ قدم الإيمان بالقرآن والكتب، لأنه المقصود من الآية ﴿ أولئك سنُؤتيهم أجرا عظيما ﴾.
١ الثابتون فيه وهم في الحقيقة المستدلون، لأن المقلد يكون بحيث إذا شُكك يشك، وأما المستدل فإنه لا يتشكك البتة، فالراسخون هم المستدلون/١٢ كبير..
٢ فارغ؟؟؟؟؟؟.
٣ يعني الظاهر تقديم الإيمان بالله واليوم الآخر على الإيمان بالقرآن والكتب، لكن المقصود من الآية: وصفهم بصفة أنهم آمنوا بك وبجميع الأنبياء قبلك فإن أهل الكتب مؤمنون بالله لكن لا يؤمنون ببعض الأنبياء/١٢ منه..
﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا١ إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ يعني شأنك في الوحي كشأن الأنبياء فمالهم والعناد معك ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ ﴾ أي :أولاد يعقوب ﴿ وعيسى وأيّوب ويونس وهارون وسليمان ﴾ خصهم بالذكر ؛ لأنهم أشرف الأنبياء ﴿ وآتينا داوود زبُورا ﴾
١ الوحي إعلام في خفاء وخص نوحا حال كونه أول نبي شرعت على لسانه الشرائع وأول نذير على الشرك، وأول من عذبت أمّته لردهم دعوته، وأهلك أهل الأرض بدعائه وكان أبا البشر كآدم وأطول الأنبياء عمرا وصبرا على أذى قومه دول عمره/١٢..
﴿ ورُسلا ﴾ نصب على مضمر يدل عليه أوحينا أي :أوحينا إليك وأرسلنا رسلا أو على مضمر يفسره قوله : ﴿ قد قصصناهم عليك من قبل ﴾ في السور المكية. ﴿ ورسلا لم نقصُصهم عليك وكلّم١ الله موسى تكليما ﴾
١ أخبر بأنه أشرف موسى بكلامه وأكده بالمصدر دلالة على وقوع الفعل على حقيقته لا على المجاز/١٢ وجيز.
قال الفراء: إن العرب تسمي ما وصل الإنسان كلاما بأي طريق وصل ما لم يؤكد بمصدر، فإذا أكد لم يكن إلا حقيقة الكلام، قال النحاس: وأجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازا فيه، رد على من يقول: إن الله خلق كلاما في محل فسمع موسى ذلك الكلام، أخرج عبد بن حميد والحكيم والترمذي في نوادر الأصول وابن حبان في صحيحه والحاكم وابن عساكر عن أبي ذر قال: (قلت يا رسول الله: كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا. قلت: كم الرسل منهم؟ قال: ثلاث مائة وثلاثة عشر جم غفير)، وأخرج نحوه ابن أبي حاتم عن أبي أمامة مرفوعا إلا أنه قال: (والرسل ثلاث مائة وخمسة عشر)، وأخرج أبو يعلى والحاكم بسند ضعيف عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان فيمن خلا من إخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي ثم كان عيسى ثم كنت أنا بعده/١٢ فتح..

﴿ رسلا ﴾ نصب على المدح أو على الحال أو على تقدير أرسلنا. ﴿ مبشّرين ﴾ بالثواب على الطاعة ﴿ ومنذرين ﴾ بالعقاب على المعصية ﴿ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ﴾ فيقولوا ما أرسلت إلينا رسول يعلمنا الدين متعلق :ب ( أرسلنا ) وب ( بمنذرين ) ومبشرين وأحد المجرورين خبر كان، والآخر حال والظرف لحجة ﴿ وكان الله عزيزا حكيما ﴾ فيما أراد ودبر.
﴿ لكن الله يشهد ﴾ استدراك عما فهم١ من قبل من تعنُّتهم بأنهم لا يشهدون ﴿ بما أنزل إليك ﴾ من القرآن الدال على نبوتك ﴿ أنزله بعلمه ﴾ متلبسا بعلمه الذي أراد أن يطلع عباده من صفاته ومغيباته وأوامره ونواهيه، أو أنزله عالما بأنك أهل لإنزاله إليك ﴿ والملائكة يشهدون ﴾ أيضا بنبوتك نزلت في جماعة من اليهود قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إني والله أعلم أنكم لتعلمون أني رسول الله، فقالوا :ما نعلم ذلك )٢ ﴿ وكفى بالله شهيدا ﴾ فإنه أقام الحجج والبينات الواضحة على صحة نبوتك.
١ لأنه متعلق بحجة لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه/١٢ منه..
٢ أخرجه ابن جرير في (تفسيره) (٦/٢٢) وذكره ابن كثير في (تفسيره) (١/٥٩٠) والسيوطي في (الدر المنثور) (٢/٤٣٩) وعزاه لابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في (الدلائل) عن ابن عباس –رضي الله عنه-..
﴿ إن الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا ﴾ فإنهم جمعوا بين الضلال والإضلال.
﴿ إن الذين كفروا وظلموا ﴾ محمدا صلى الله عليه وسلم بكتمان نعته أو الناس بصدهم أو أنفسهم ﴿ لم يكن الله ليغفر١ لهم ﴾ بعد ما ماتوا عليه أو هذا فيمن علم أنه يموت على الكفر ﴿ ولا ليهديهم طريقا ﴾ إلى النجاة.
١ في هذه العبارة مبالغة في عدم غفرانهم، كأن غفرانهم منافية لعظمته تعالى/١٢ وجيز..
﴿ إلا طريق جهنم ﴾ استثناء منقطع أو متصل على السخرية ﴿ خالدين ﴾ حال مقدرة ﴿ فيها أبدا وكان ذلك ﴾ أي :عدم الغفران والخلود ﴿ على الله يسيرا يا أيها الناس١ قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم ﴾ لما قرر أمر النبوة وأوعد المنكر خاطب الناس بالدعوة.
١ ولما قرر أمر النبوة وأوعد المنكر خاطب الناس بالدعوة فقال: (يا أيها الناس)/١٢ وجيز..
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٦٩: ﴿ إلا طريق جهنم ﴾ استثناء منقطع أو متصل على السخرية ﴿ خالدين ﴾ حال مقدرة ﴿ فيها أبدا وكان ذلك ﴾ أي :عدم الغفران والخلود ﴿ على الله يسيرا يا أيها الناس١ قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم ﴾ لما قرر أمر النبوة وأوعد المنكر خاطب الناس بالدعوة.
١ ولما قرر أمر النبوة وأوعد المنكر خاطب الناس بالدعوة فقال: (يا أيها الناس)/١٢ وجيز..


﴿ فآمنوا خيرا لكم ﴾ أي :إيمانا خيرا لكم أو ائتوا أمرا خيرا لكم مما أنتم عليه أو يكن بالإيمان خير لكم ﴿ وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض ﴾ فهو الغني عنكم ﴿ وكان الله عليما ﴾ بأحوالكم ﴿ حكيما ﴾ فيما أراد لكم.
﴿ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ﴾ النصارى تجاوزوا الحد في عيسى عليه السلام بل في الأحبار، كما قال :( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ) ( التوبة :٣١ )، ﴿ ولا تقولوا على الله ﴾ لا تفتروا عليه ﴿ إلا الحق ﴾ لكن قولوا الحق فنزهوه عن شريك وولد ﴿ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمتُه ﴾ أوجده بكلمة كن ﴿ ألقاها إلى مريم١ يعني خلقه بالكلمة التي أرسل الله بها جبريل إلى مريم في جيب درعها فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة إلقاح٢ الأب٣ الأم ﴿ وروح منه ﴾ أي :صدر منه بغير مادة وإضافة الروح إلى الله للتشريف ﴿ فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة ﴾ أي :آلهتنا ثلاثة الله والمسيح ومريم ﴿ انتهوا ﴾ عن التثليت وائتوا أمرا ﴿ خيرا لكم إنما الله إله واحد ﴾ لا تعدد فيه أصلا ﴿ سبحانه ﴾ أي :أسبح سبحانه من ﴿ أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض ﴾ ملكا وخلقا لا يماثله شيء حتى يكون له ولد ﴿ وكفى بالله وكيلا ﴾ فلا يحتاج إلى ولد ؛ لأن الولد وكيل والده وهو وكيل كل شيء.
١ عن أبي موسى أن النجاشي قال لجعفر: (ما يقول صاحبك في ابن مريم؟ قال: يقول فيه قول الله: هو روح الله وكلمته أخرجه من البتول العذراء لم يقربها بشر فتناول عودا من الأرض فرفعه فقال: يا معشر القسيسين والرهبان! ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه)، وعن ابن مسعود بأطول من هذا وأخرج البخاري عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان له من العمل) أخرجه الشيخان/١٢ فتح. .
٢ يقال: ألقح الفحل الأنثى فلقحت/١٢..
٣ صرح بذلك ابن عباس وغيره/١٢ وجيز..
﴿ لن يستنكف١ المسيح ﴾ لن يأنف من ﴿ أن يكون عبدا لله ﴾ فإن عبوديته شرف، قيل :نزلت حين ( قال وفد نجران لرسول الله صلى الله عليه وسلم :لم تعيب عيسى تقول :إنه عبد الله ؟ قال :إنه ليس بعار أن يكون عبدا لله قالوا بلى ) ﴿ ولا الملائكة المُقرّبون٢ عطف على المسيح أي لا يستنكفون مع أن ما بعثكم في دعوى الإلهية لعيسى أقوى وأشد٣ فيهم لا أب ولا أم لهم ولا قوة لا تفيء بها طاقة البشر كقلع الجبال والتصرف في الأهوال والأحوال وهم مع ذلك لا يستنكفون ﴿ ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر ﴾ الاستنكاف تكبر مع أنفة والاستكبار بدونه ﴿ فسيحشرهم إليه جميعا ﴾ مجازاة.
١ أصله من نكفت الدمع: إذا نحيته عن خدك بأصبعك كي لا يرى أثره عليك/١٢ وجيز..
٢ قد استدل بهذا القائلون بتفضيل الملائكة على الأنبياء وقرر صاحب الكشاف وجه الدلالة بما لا يسمن ولا يغني من جوع، وادعى أن الذوق قاض بذلك، ونعم الذوق العربي إذا خالطه محبة المذهب وشابه شوائب الجمود كان هكذا أو كل من يفهم لغة العرب يعلم أن من قال لا يأنف من هذه المقالة إمام ولا مأموم ولا كبير ولا صغير ولا جليل ولا حقير، لم يدل هذا على أن المعطوف أعظم شأنا من المعطوف عليه، وعلى كل حال فما أبرد الاشتغال بهذه المسألة، وما أقل فائدتها وما أبعدها عن أن يكون مركزا من مراكز الدينية وجسرا من الجسور الشرعية. .
٣ هذه الآية على ما قدرنا وفسرنا لا تدل على تفضيل الملك نعم تدل على كثرة قوتهم وغلبتهم/١٢ منه..
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ وهذا تفصيل للمجازاة العامة١ الدال عليها فحوى الكلام، وإن لم يجر سوى ذكر المستنكفين فكأنه قال :ومن استنكف ومن آمن فسيحشرهم.
١ جواب عن سؤال وهو أن التفصيل وهو قوله: فأما الذين آمنوا وأما الذين استنكفوا مشتمل على ذكر الفريقين المستنكفين وغيرهم والمفصل أي: المجمل الذي فصل وهو المذكور بقوله: (ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم) إنما اشتمل على ذكر فريق المستنكفين فقط وحاصل الجواب أن ذكر الفريق الآخر مطوى في الفصل/١٢ منه..
﴿ يا أيها الناس١ قد جاءكم برهان٢ من ربكم ﴾ يعني :محمدا عليه الصلاة والسلام أو القرآن وقيل :المعجزات ﴿ وأنزلنا إليكم نورا مبينا ﴾ أي :القرآن.
١ ولما أورد الحجة على جميع الفرق من المنافقين والكفار واليهود والنصارى وأجاب عن جميع شبهاتهم دعا جميع الناس إلى الاعتراف برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وإلى الإيمان بالكتاب الذي أنزل معه والاعتصام به فقال: (يا أيها الناس قد جاءكم برهان) الآية/١٢ كبير..
٢ والبرهان ما يبرهن به على المطلوب قال قتادة: البرهان البينة وقال مجاهد: الحجة/١٢ فتح..
﴿ فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به ﴾ جمع بين مقامي العبادة والتوكل على الله أو اعتصموا بالقرآن ﴿ فسيُدخلهم في رحمة منه وفضل ﴾ زائد على قدر أعمالهم ﴿ ويهديهم إليه ﴾ إلى الله ﴿ صراطا١ مستقيما ﴾ في العلم والعمل فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة، وفي الآخرة على صراط مستقيم يفضي إلى روضات الجنات، وصراطا :إما بدل من إليه أو مفعول يهديهم وإليه حال مقدم.
١ وفي الدعاء المأثور: (إن ربي على صراط مستقيم فمن سلكه فهو واصل إليه)، ولما قال: واعتصموا بالقرآن ومن جملة الاعتصام السؤال عما أشكل عليهم، وهذه السورة بينة للمواريث، وقد استفتوا في الكلالة اختتم السورة في بيانها فقال: (ويستفتوك في الكلالة) الآية/١٢ وجيز..
﴿ يستفتونك ﴾ أي :عن الكلالة ﴿ قل الله يفتيكم في الكلالة ﴾ نزلت في جابر١ بن عبد الله حين ( سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم :إني مريض وكللة، فكيف أصنع في مالي ؟ ) ﴿ إن امرؤ ﴾ مرفوع بفعل يفسره ما بعده ﴿ هلك ﴾ مات ﴿ ليس له ولد ﴾ أصلا ولا والد أيضا فإن الأخت لا ترث مع الأب، وهو صفة لا غير٢ ﴿ وله أخت ﴾ أي :من الأبوين أو الأب، فإن ذكر ولد الأم مضى حكمه في أول السورة ﴿ فلها نصف ما ترك وهو ﴾ أي المرء ﴿ يرثُها ﴾ أي الأخت ﴿ إن لم يكن لها٣ ولد ﴾ أي إذا ماتت الأخت فجميع ميراثها للأخ إن لم يكن لها ولد أصلا ولا والد ﴿ فإن كانتا ﴾ أي :الأختان ﴿ اثنتين ﴾ فصاعدا ﴿ فلهما الثلثان مما ترك ﴾ الأخ ﴿ وإن كانوا إخوة رجالا ونساء ﴾ أصله :وإن كانوا أخوة وأخوات فغلب الذكر ﴿ فللذكر مثل حظ الأُنثيين يبين الله لكم ﴾ الحق كراهة ﴿ أن تضلوا والله بكل شيء عليم ﴾ فهو عالم بمصالح العباد في المعاش والمعاد.
والحمد لله حق حمده
١ كما في الصحيحين/١٢ وجيز..
٢ رد على القاضي حيث قال: إما صفة أو حال/١٢ منه..
٣ فإن كان لها ولد ذكر فلا شيء له أو أنثى فله ما فضل عن نصيبها/١٢..
السورة التالية
Icon