0:00
0:00

قوله تعالى : ﴿ خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها... ﴾ ( ١ ) [ النساء :١ ] أي حواء.
فإن قلتَ :إذا كانت مخلوقة من " آدم " ونحن مخلوقون منه أيضا، تكون نسبتها إليه نسبة الولد، فتكون أختا لنا، لا أمّا ؟
قلتُ :خلقُها من آدم لم يكن بتوليد، كخلق الأولاد من الآباء، فلا يلزم منه ثبوت حكم " البنتيّة " و " الأختيّة " فيها.
١ - النساء آية (١) وهذا هو الظاهر أن "حواء" خلقها الله من آدم، وقيل: "منها" أي من جنسها وهو قول مرجوح، والظاهر الأول الذي ذهب إليه المؤلف رحمه الله..
قوله تعالى : ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيب... ﴾ [ النساء :٢ ]. أي إذا بلغوا، وإن لم يُسمّوا أيتاما بعد البلوغ، وإنما سُمّوا أيتاما هنا لقرب عهدهم بالبلوغ، ففيه مجاز الكون( ١ ).
قوله تعالى : ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حُوبا كبيرا ﴾ [ النساء :٢ ] أي مضمومة إليها.
إن قلتَ :أكل مال اليتيم حرام، وإن لم يُضمّ إلى مال الوصيّ، فلم خُصّ النهي بالمضموم ؟
قلتُ :لأن أكل مال اليتيم مع الاغتناء عنه أقبح، فلذلك خصّ النهي به، ولأنهم كانوا يأكلونه مع الاغتناء عنه، فجاء النهي على ما وقع منهم.
١ - مجاز الكون: يريد المجاز باعتبار ما كان أي أعطوا الذين كانوا يتامى أموالهم إذا بلغوا، ففيه مجاز مرسل باعتبار ما كان..
قوله تعالى : ﴿ ولأبويه لكل واحد منهما السّدس مما ترك إن كان له ولد ﴾ [ النساء :١١ ] أي سواء أكان ذكرا أو أنثى.
وما يأخذه الأب فيما إذا كان الولد " أنثى "، من الزائد على السدس، إنما يأخذه تعصيبا، والآية إنما وردت لبيان الفرض.
قوله تعالى : ﴿ وذلك الفوز العظيم ﴾ [ النساء :١٣ ].
ذكر " الواو " فيه هنا، وتركها في التوبة( ١ )، موافقة لذكرها هنا قبله، في قوله تعالى : ﴿ ومن يطع الله ﴾ [ النساء :١٣ ] وبعده في قوله تعالى : ﴿ ومن يعص الله ﴾ [ النساء :١٤ ] وقوله تعالى : ﴿ وله عذاب مهين ﴾ [ النساء :١٤ ] بخلاف ذلك.
١ - في قوله تعالى: ﴿ومساكن طيّبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم﴾ التوبة: ٧٢..
قوله تعالى : ﴿ فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفّاهن الموت... ﴾ [ النساء :١٥ ] أي ملك الموت، إذ المتوفّي هو الموت، ولا يصحّ به المعنى بغير إضمار، إذ يصير المعنى حتى يميتهنّ الموت( ١ ).
١ - قال في السراج المنير: معنى الآية احبسوهن في البيوت واجعلوها سجنا لهنّ، وامنعوهنّ عن مخالطة الناس، حتى يتوفاهن الموت أي ملائكته. اﻫ السراج المنير ١/٢٧٥..
قوله تعالى : ﴿ إنما التوبة على الله للذين يعملون السّوء بجهالة... ﴾ [ النساء :١٧ ] إي إنما قبولها عليه لا وجوبها، إذ وجوبها إنما هو على العبد، وتوبة الله رجوعه على العبد بالمغفرة والرحمة.
فإن قلتَ :لم قيّد " بجهالة " مع أن من عمل سوء بغير جهالة، ثم تاب قُبلت توبته ؟
قلتُ :المراد " بالجهالة " الجهالة بقدر قُبح المعصية، وسوء عاقبتها، لا بكونها " معصية " و " ذمّا "   ! !
وكلّ عاص جاهل بذلك حال معصيته، لأنه حال المعصية مسلوب كمال العلم به، بسبب غلبة الهوى.
قوله تعالى : ﴿ ثم يتوبون من قريب... ﴾ [ النساء :١٧ ].
ليس المراد ب " القريب " مقابلة البعيد، إذ حكمهما هنا واحد، بل المراد من قوله : ﴿ من قريب ﴾ من قبل معاينة سبب الموت، بقرينة قوله تعالى : ﴿ حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ﴾ [ النساء :١٨ ].
قوله تعالى : ﴿ وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا... ﴾ [ النساء :٢٠ ].
إن قلت :حرمة الأخذ ثابتة، وإن لم يكن قد آتاها المسمّى، بل كان في ذمته أو في يده ؟
قلتُ :المراد بالإيتاء :الالتزام والضّمان، كما في قوله تعالى : ﴿ إذا سلّمتم ما آتيتم بالمعروف ﴾ [ البقرة :٢٣٣ ] أي التزمتم وضمنتم.
قوله تعالى : ﴿ أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ﴾ [ النساء :٢٠ ].
إن قلتَ :كيف قال ذلك مع أن " البهتان " الكذب مكابرة، وأخذ مهر المرأة قهرا ظلم لا بهتان ؟
قلتُ :المراد بالبهتان هنا الظلم( ١ ) تجوّزا، كما قال به ابن عباس وغيره.
وقيل :المراد أنه يرمي امرأته بتهمة، ليتوصل إلى أخذ المهر.
١ - معنى الآية: "أتأخذونه باطلا وظلما" ا ﻫ صفوة التفاسير ١/٢٦٧..
قوله تعالى : ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف... ﴾ [ النساء :٢٢ ].
إن قلتَ :المستثنى منه مستقبل، والمستثنى ماضٍ، فكيف صحّ استثناؤه من المستقبل ؟
قلتُ : " إلا " بمعنى " بعد " أو " لكن " كما قيل في قوله تعالى : ﴿ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ﴾( ١ ) [ الدخان :٥٦ ] والاستثناء هنا كهو في قوله :
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم بهنّ فُلولٌ من قِراعِ الكَتائبِ
والمعنى :إن أمكن كون فلول السيوف من الكتائب عيبا، فهو عيب فيهم، فهو من باب التعليق بالمستحيل.
قوله تعالى : ﴿ إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ﴾ [ النساء :٢٢ ].
إن قلتَ :كيف جاء بلفظ الماضي، مع أن نكاح منكوحة الأب، فاحشة في الحال والاستقبال ؟
قلتُ : " كان " تُستعمل تارة للماضي المنقطع نحو :كان زيد غنيا، وتارة للماضي المتّصل بالحال نحو ﴿ وكان الله غفورا رحيما... ﴾ [ النساء :٩٦ ] ﴿ وكان الله بكل شيء عليما ﴾ [ الأحزاب :٤٠ ] ومنه ﴿ إنه كان فاحشة ﴾ [ النساء :٢٢ ].
١ - الدخان آية (٥٦) ومعنى الآية: "لا يذوقون في الجنة الموت، لكنهم قد ذاقوا الموتة الأولى في الدنيا، فلم يعد ثمة عليهم موت؛ بل خلود أبد الآبدين" ا ﻫ صفوة التفاسير ٣/١٧٨..
قوله تعالى : ﴿ وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ... ﴾ [ النساء :٢٣ ] ذكر ﴿ في حجوركم ﴾ جرى على الغالب، فلا مفهوم له، إذ الربيبة التي ليست في " الحَجْر " حرام أيضا، بقرينة تركه في قوله : ﴿ فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ﴾.
إن قلتَ :ما فائدة ذلك مع أنه مفهوم من قوله : ﴿ وأحلّ لكم ما وراء ذلكم ﴾ [ النساء :٢٤ ] ومن مفهوم قوله : ﴿ من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ ﴾.
قلتُ :فائدته رفع توهّم أنّ " قيد الدخول " خرج مخرج الغالب، كما قيل :في حجوركم.
قوله تعالى : ﴿ أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين... ﴾ [ النساء :٢٤ ].
اقتصر عليه هنا، لأنه في " الحرائر " المسلمات، وهنّ إلى الخيانة أبعد من بقيّة النساء.
وزاد بعد في قوله ﴿ محصنات غير مسافحات ولا متّخذات أخذان ﴾( ١ ) [ النساء :٢٥ ] لأنه في " الإماء " وهنّ إلى الخيانة أقرب من حرائر المسلمات.
وزاد أيضا في المائدة في قوله ﴿ محصنين غير مسافحين ﴾ [ النساء :٢٤ ] قوله : ﴿ ولا متخذات أخذان ﴾ [ المائدة :٥ ] لأنه في " الكتابيات " الحرائر، وهنّ إلى الخيانة أقرب من الحرائر المسلمات.
١ - أخذان: جمع خِذن وهو الصديق للمرأة والصاحب لها يزني بها سرا، وهذا قول ابن عباس..
قوله تعالى : ﴿ فانكحوهنّ بإذن أهلهن وآتوهنّ أجورهن بالمعروف... ﴾ [ النساء :٢٥ ] أي الإماء، ففي " آتوهنّ " حذف مضاف، أي وآتوا مواليهنّ أجورهن، لأن مهورهن إنما تعطى لمواليهنّ لا لهنّ.
فإن أُعطي لهنّ بإذن مواليهنّ فلا حذف.
قوله تعالى : ﴿ فإذا أُحصنّ... ﴾ ( ١ ) [ النساء :٢٥ ] أي تزوجن.
فإن قلتَ :الإحصان ليس قيدا في وجوب تنصيف الحدّ على الأمة إذا زنت، بل هو عليها أُحصنت أو لا ؟
قلتُ :ذكر الإحصان خرج مخرج جواب سؤال، فلا مفهوم له، إذ الصحابة عرفوا مقدار حدّ الأمة التي لم تتزوّج، دون مقداره من التي تزوجت، فسألوا عنه فنزلت الآية.
١ - تتمة الآية: ﴿فإذا أحصنّ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ النساء: ٥. والمعنى: فإذا أحصنّ بالزواج فعليهن نصف ما على الحرائر من عقوبة الزنى. ا ﻫ من الصفوة ١/٢٧٠..
قوله تعالى : ﴿ يريد الله ليبيّن لكم ويهديكم سنن اللذين من قبلكم... ﴾ [ النساء :٢٦ ] اللام في " ليبين " بمعنى " أنْ " كما في قوله تعالى : ﴿ وأُمرنا لنسلم لرب العالمين ﴾ [ الأنعام :٧١ ] وقوله : «وأُمرت لأعدل بينكم » وقوله : ﴿ يريدون ليطفئوا نور الله ﴾ [ الصف :٨ ] وقد قال في محلّ آخر ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله ﴾ [ التوبة :٣٢ ].
قوله تعالى : ﴿ إلا أن تكون تجارة... ﴾ [ النساء :٢٩ ] أي أموال تجارة، خصّ التجارة بالذكر عن غيرها، كالهبة، والصّدقة، والوصيّة، لأن غالب التصرف في الأموال بها، ولأن أسباب الرزق متعلقة بها غالبا.
قوله تعالى : ﴿ يومئذ يودّ اللذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوّى بهم الأرض... ﴾ [ النساء :٤٢ ] أي بأن يكونوا ترابا لعظم هوله، كما قال في الآية الأخرى ﴿ ويقول الكافر ياليتني كنت ترابا ﴾ [ النبأ :٤٠ ].
قوله تعالى : ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ﴾ [ النساء :٤٣ ] الآية.
زاد في المائدة عليه " منه "، لأن المذكور ثم جميع واجبات الوضوء والتيمّم، فحسن البيان والزّيادة، بخلاف ما هنا فحسن التّرك.
قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب... ﴾ [ النساء :٤٧ ].
قال ذلك هنا، وقال في غيره " يا أهل الكتاب " لموافقة التعبير هنا قبله وبعده " باللذين أوتو ".
ولأنه تعالى استخفّ بهم هنا قبل، وختم بعد الطمس وغيره، بخلاف ذلك في غير هذا الموضع.
قوله تعالى : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به.... ﴾ [ النساء :٤٨ ]. أي من العالِم المتعمّد.
قوله تعالى : ﴿ ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ﴾ [ النساء :٤٨ ].
ختم الآية مرة بقوله : «فقد افترى إثما عظيما ».
ومرّة بقوله : «فقد ضلّ ضلالا بعيدا ».
ولا تكرار فيه وإن أشركا في الضلال، لأن الأول نزل في اليهود، والثاني في كفار لا كتاب لهم، وخصّ ما نزل في " اليهود " بالافتراء، لأنهم حرّفوا وكتموا ما في كتابهم وذلك افتراء، بخلافه في الكفار الذين لا كتاب لهم.
قوله تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين يزكّون أنفسهم... ﴾ [ النساء :٥٠ ] الآية.
إن قلتَ :كيف ذمّهم على ذلك، بما قاله ونهى عنه بقوله : ﴿ فلا تزكّوا أنفسكم ﴾ [ يوسف :٥٥ ] مع قول النبي صلى الله عليه وسلم : «والله إني لأمين في السماء، أمين في الأرض » وقول يوسف عليه السلام : ﴿ قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ﴾( ١ ) [ يوسف :٥٥ ] ؟
قلتُ :إنما قال النبي ما قاله حين قال المنافقون «إعْدِلْ في القسمة »( ٢ ) تكذيبا لهم، حيث وصفوه بخلاف ما كان عليه من العدل والأمانة، وإنما قال " يوسف " ما قاله، ليتوصّل إلى ما هو وظيفة الأنبياء، وهو إقامة العدل، وبسط الحق( ٣ ).
ولأنه عَلِم أنه لا أحد في زمنه أقوم منه بذلك العمل، فكان متعيّنا عليه.
١ - الحديث أخرجه البخاري ومسلم في قصة طويلة، وفيها أن «ذا الخويصرة، المنافق قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إعدل فإنك لم تعدل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل ؟ وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء». الحديث وانظر جامع الأصول ١٠/٨٣..
٢ - إنما قال ذلك يوسف عليه السلام تحدثا بنعمة الله وبينانا لحنكته ومعرفته، لا تزكية للنفس..
٣ - تتمة الآية: ﴿من النبيئين والصدّقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾ النساء: ٦٩ فقد بدأ بالنبيين، ثم بالصديقين، ثم بالشهداء، والصالحين على حسب ترتيبهم في الشرف ورفعة المنزلة والقدر..
قوله تعالى : ﴿ كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودا غيرها... ﴾ [ النساء :٥٦ ] أي بأن تُعاد إلى حالها الأول، غير منضجة أي متحرّقة، فالمراد تُبدَّل الصفة لا الذّات، كما في قوله تعالى : ﴿ يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسموات ﴾ [ إبراهيم :٤٨ ].
قوله تعالى : ﴿ وندخلهم ظلا ظليلا ﴾ [ النساء :٥٧ ].
وهو عبارة عن المستلذّ المستطاب كقوله تعالى : ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيّا ﴾ [ مريم :٦٢ ] جريا على المتعارف بين الناس، وإلا فلا شمس في الجنة طالعة، ولا غاربة( ١ )، كما أنه لا بكرة فيها ولا عشية.
١ - لقوله تعالى: ﴿لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا﴾ الدهر آية ١٣..
قوله تعالى : ﴿ ومن يطع الله والرسول... ﴾ الآية [ النساء :٦٩ ].
إن قلتَ :هذا مدح لمن يطيع الله والرسول، وعادة العرب في صفات المدح، الترقّي من الأدنى إلى الأعلى، وهذا عكسه ؟
قلتُ :ليس هو من ذاك الباب، بل المقصود منه الإخبار إجمالا عن كون المطيعين لله ولرسوله، يكونون يوم القيامة مع الأشراف، وقد تمّ الكلام عند قوله : ﴿ أنعم الله عليهم ﴾ [ النساء :٦٩ ] ثم فصّلهم بذكر الأشراف فالأشراف بقوله : ﴿ من النبيئين ﴾ [ النساء :٦٩ ] إلى آخره جريا على العادة في تعديد الأشراف، ومثله ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ﴾ [ النساء :٥٩ ] وكذلك ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ﴾ [ آل عمران :١٨ ].
قوله تعالى : ﴿ إنّ كيد الشيطان كان ضعيفا ﴾ [ النساء :٧٦ ].
إن قلتَ :كيف وصف فيه كيد الشيطان بالضعف، وفي قوله : ﴿ إن كيدهنّ عظيم ﴾( ١ ) [ يوسف " ٢٨ ] وصف كيد النّساء بالعِظم، مع أن كيد الشيطان أعظم ؟
قلتُ :المراد أن كيد الشيطان ضعيف بالنسبة إلى نصرة الله أولياءه، وكيد النساء عظيم بالنسبة إلى الرجال.
١ - تتمة الآية: ﴿من النبيئين والصدّقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾ النساء: ٦٩ فقد بدأ بالنبيين، ثم بالصديقين، ثم بالشهداء، والصالحين على حسب ترتيبهم في الشرف ورفعة المنزلة والقدر..
قوله تعالى : ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله... ﴾ الآية [ النساء :٧٩ ].
جمع بينه وبين قوله تعالى : ﴿ قل كلّ من عند الله ﴾ [ النساء :٧٨ ] الواقع ردّا لقول المشركين ﴿ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله... ﴾ الآية [ النساء :٧٨ ].
بأن قوله تعالى : ﴿ قل كل من عند الله ﴾ أي إيجادا.
وقوله : ﴿ وما أصابك من سيئة فمن نفسك ﴾ [ النساء :٧٩ ] أي كسباً، كما في قوله تعالى : ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ﴾ [ الشورى :٣٠ ]. وبأن قوله : ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله ﴾ [ النساء :٧٩ ] الآية حكاية قول المشركين( ١ )، والتقدير :فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا فيقولون :ما أصابك ؟ الآية.
١ - ما ذكره الشيخ غير مُسَلَّم، فإن الآية ليست حكاية عن قول المشركين، وإنما هي بيان وتوضيح من المولى جلّ وعلا، إلى أن الحسنة بمحض فضل الله، وأن السيئة بكسب الإنسان، كما قال تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ ولا تعارض بين الآيات فقوله: ﴿قل كل من عند الله﴾ أي خلقا وإيجادا أي الحسنة والسيئة بتقدير الله وإيجاده، والآية الثانية: ﴿وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ أي تسببا وكسبا بسبب الذنوب والعصيان، فتدبّره فإنه دقيق..
قوله تعالى : ﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ﴾ [ النساء :٨٢ ]. يدلّ بمفهومه على أن في القرآن اختلافا قليلا، وإلا لما كان للتقييد بوصف الكثرة فائدة، مع أنه لا اختلاف فيه أصلا، إذ المراد بالاختلاف فيه :التناقض في معانيه، والتباين في نظمه.
وأُجيبَ :بأن التقيد بالكثرة، للمبالغة في إثبات الملازمة، أي لو كان من عند غير الله، لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، فضلا عن القليل، لكنه من عند الله، فليس فيه اختلاف كثير ولا قليل.
قوله تعالى : ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتّبعتم الشيطان إلا قليلا ﴾ [ النساء :٨٣ ].
إن قلتَ :كيف استثنى القليلَ، بتقدير انتفاء الفضل والرحمة، مع أنه لولاهما لاتّبع الكلّ الشيطان ؟
قلتُ :الاستثناء راجع إلى ﴿ أذاعوا به ﴾ [ النساء :٨٣ ] أو إلى ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ [ النساء :٨٣ ] أو إلى ﴿ لاتّبعتم الشيطان ﴾ لكن بتقييد الفضل والرحمة بإرسال الرسول، أي لاتبعتم الشيطان في الكفر والضلال، إلا قليلا منكم كانوا يهتدون بعقولهم، إلى معرفة الله وتوحيده، ك " قسّ بن ساعدة " و " ورقة بن نوفل " قبل البعثة، والخطاب في الآية للمؤمنين.
قوله تعالى : ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا... ﴾ الآية [ النساء :٩٢ ].
فإن قلتَ : " إلاّ " بمعنى " ولا " كما في قوله تعالى : ﴿ إني لا يخاف لديّ المرسلون إلا من ظلم ﴾ [ النمل :١٠، ١١ ] وقوله : ﴿ لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم ﴾ [ البقرة :١٥٠ ].
قوله تعالى : ﴿ فضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة... ﴾ الآية [ النساء :٩٥ ].
إن قلتَ :كيف قال هنا " درجة " وقال في التي بعدها " درجات " ؟
قلتُ :المراد بالأول تفضيلهم على القاعدين بعذر، لأن لهم أجرا لكونهم من الغزاة بالهمّة والقصد، ولهذا قال : ﴿ وكلاّ وعد الله الحسنى ﴾ [ النساء :٩٥ ] أي الجنة.
والمراد بالثاني تفضيلهم على القاعدين بلا عذر، لأنهم مقصّرون ومسيئون، فكان فضل الغزاة عليهم درجات، لانتفاء الفضل لهم.
قوله تعالى : ﴿ قالوا فيم كنتم قالوا كنّا مستضعفين في الأرض... ﴾ الآية [ النساء :٩٧ ].
إن قلتَ :هذا الجواب ليس مطابقا للسؤال، بل المطابق له :كنّا في كذا، أو لم نكن في شيء ؟
قلتُ :المراد بالسؤال توبيخهم بأنهم لم يكونوا على الدّين، حيث قدروا على الهجرة ولم يهاجروا، فصار قول الملائكة «فيم كنتم » مجازاً عن قولهم :لم تركتم الهجرة ؟ فقالوا اعتذاراً عمّا وُبِّخوا به «كنا مستضعفين في الأرض ».
قوله تعالى : ﴿ فقد وقع أجره على الله... ﴾ الآية [ النساء :١٠٠ ] أي ثبت وتحقّق، أو وجب بوعد الله بقوله : «إنّا لا نضيع أجر من أحسن عملا ».
قوله تعالى : ﴿ ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مُراغَماً ﴾ [ النساء :١٠٠ ] أي متحولا يتحوّل إليه، من " الرَّغام " وهو التُّراب، وسُمّيت المهاجرة مراغمة، لأن من يهاجر يُراغم قومه، لما يجد في ذلك البلد من النّعمة والخير، ما يكون سببا لرغم أنف أعدائه، الذين كانوا معه في بلده الأصليّ، فإنه إذا استقام حاله في البلد الأجنبيّ، ووصل خبره إلى أهل بلده، خجلوا من سوء معاملتهم له، ورغِمت أنوفهم بذلك.
قوله تعالى : ﴿ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا... ﴾ الآية [ النساء :١٠١ ].
تقييد القصر بالخوف جرى على الغالب، فلا مفهوم له، إذ للمسافر القصر في الأمن أيضا.
قوله تعالى : ﴿ وترجون من الله ما لا يرجون... ﴾ الآية [ النساء :١٠٤ ].
إن قلتَ :رجاء الفريقين مشترك، إذِ الكفّار يرجون الثواب في قتالهم المؤمنين، لاعتقادهم أنه قربة لله، كالمؤمنين في قتالهم الكفار ؟
قلتُ :ممنوع إذِ المراد بالكفّار عبدة الأوثان، ونحوهم ممن لا يعتقد الجزاء، فاعتقادهم فاسد لبنائه على فاسد، فرجاؤهم وهميّ فهو كالمعدوم.
قوله تعالى : ﴿ ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه... ﴾ الآية [ النساء :١١٠ ] المراد بعمل السّوء ما دون الشّرك، وبظلم النّفس الشِّرك. أو بعمل السّوء الذنب المتعدّي ضرره إلى الغير، وبظلم النفس الذنبُ القاصر عيها.
إن قلتَ :ظاهره نفي وقوع الهمّ منهم بإضلاله، والمنقول خلافُه ؟
قلتُ :المراد بالهمّ المؤثّر أي لهمّت همّا يؤثّر عندك، والمراد بالإضلال الإضلالُ عن الشريعة أي لهمّت أن يضلوك – أي يصرفوك- عن دينك وشريعتك، وكلّ من هذين الهمّين لم يقع.
قوله تعالى : ﴿ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبيّن له الهدى... ﴾ [ النساء :١١٥ ] قاله هنا بالإظهار " يشاقق " كنظيره في الأنفال( ١ )، وقاله في الحشر( ٢ ) بالإدغام، لأن " أل " في الله لازمة، بخلافها في الرسول، ولأن حركة الحرف الثاني في ذلك وإن كانت لالتقاء الساكنين كاللازمة لمجاورتها اللازم، فلزم الإدغام في " الحشر " دون غيرها، وإنما أظهر في الأنفال مع وجود لفظ " الله " لانضمام الرسول إليه في العطف، لأن التقدير فيه أن الحرف الثاني اتّصل بالمتعاطفين جميعا، إذ الواو تصيّرهما في حكم شيء واحد.
قوله تعالى : ﴿ من يعمل سوءا يُجز به... ﴾ الآية [ الحشر :٤ ] أي إن مات مصرّا عليه، فإن تاب منه لم يُجز به.
١ - في قوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم شاقّوا الله ورسوله، ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب﴾ الأنفال: ١٣..
٢ - في قوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله، ومن يشاقق الله فإن الله شديد العقاب﴾ الحشر: ٤..
قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله ﴾ الآية [ النساء :١٣٥ ]، أخّر " لله " عن قوله بالقسط هنا، اهتماما بطلب القِسط أي العدل، وعكس في المائدة( ١ )، لأن " لله " فيها متعلّق بقوّامين، لكون الآية ثم في الوُلاة بدليل قوله ﴿ ولا يجرمنّكم شنئان قوم على ألا تعدلوا ﴾ [ المائدة :٨ ] أي كونوا أيها الولاة قوّامين في أحكامكم لله لا للنفع.
١ - في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط... ﴾..
قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله... ﴾ الآية [ النساء :١٣٦ ]، أي داوموا على الإيمان( ١ )، إذ لو حُمل على ظاهره، لكان تحصيلا للحاصل.
١ - المراد بقوله: ﴿آمنوا﴾ أي اثبتوا على الإيمان وواظبوا عليه، ولا تخدعكم الحياة الدنيا، وهذا مثل دعاء المؤمنين ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ وهم مهتدون، أي ثبّتنا عيله..
قوله تعالى : ﴿ فإن كان لكم فتح من الله... ﴾ الآية [ النساء :١٤١ ]. سمّى ظفر المسلمين فتحا، وظفر الكافرين نصيبا( ١ ) بعده، تعظيما لشأن المسلمين، وتحقيرا لحظ الكافرين، لتضمّن الأول نصرة دين الله، وإعلاء كلمته، ولهذا أضاف الفتح إليه تعالى، وحظّ الكافرين في ظفرهم دنيويّ.
١ -في قوله تعالى: ﴿وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين﴾ النساء: ١٤١..
قوله تعالى : ﴿ وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما ﴾( ١ ) [ النساء :١٥٦ ] كرّره لتكرار الكفر منهم، فإنهم كفروا بموسى وعيسى وبمحمد صلى الله عليه وسلم.
١ - سورة النساء آية (١٥٦) والتكرار ورد بعد قوله تعالى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله﴾.. ثم قال: ﴿وبكفرهم.. ﴾ الآية..
قوله تعالى : ﴿ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله... ﴾ الآية [ النساء :١٥٧ ].
إن قلتَ :اليهود الداخلون تحت لفظ ( أهل الكتاب )، كانوا كافرين بعيسى، فكيف أقرّوا بأنه رسول الله ؟   !
قلتُ :قالوه استهزاء كما قال فرعون ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ﴾( ١ ) [ الشعراء :٢٧ ].
قوله تعالى : ﴿ وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه... ﴾ الآية [ النساء :١٥٧ ] وصفهم بالشك لا ينافي بعده وصفهم بالظن، لأن المراد بالشك هنا " شك الظن " واستثناء الظن من العلم في الآية منقطع، ف " إلا " فيها بمعنى " لكن " كما في قوله تعالى : ﴿ لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما ﴾ [ الواقعة :٢٥، ٢٦ ] ونحوه.
١ - إنما قال فرعون ذلك على وجه السخرية والاستهزاء، فإن فرعون لا يؤمن برسالة موسى عيله السلام، ولهذا قال: ﴿رسولكم﴾ بالإضافة إليهم، ولم يقل: إن هذا الرسول، وأكّده بقوله: ﴿أرسل إليكم﴾ كلّ هذا القول منه، كان على وجه السخرية والاستخفاف بدعوة موسى عليه السلام..
قوله تعالى : ﴿ لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه... ﴾ الآية [ النساء :١٦٦ ].
إن قلتَ :كيف قال : «أنزله بعلمه » ولم يقل :بقدرته، أو بعلمه وقدرته، مع أنه تعالى لا يُنزل إلا عن علم وقدرة ؟   !
قلتُ :معناه أنزله ملتبسا بعلمه، أي عالما به، أو فيه علمه أي معلومه.
قوله تعالى : ﴿ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته... ﴾ [ النساء :١٧١ ] الآية.
فإن قلتَ :كلامه تعالى صفة قديمة قائمة بذاته، وعيسى مخلوق وحادث، فكيف صحّ إطلاق الكلمة عليه ؟   !
قلتُ :معناه أن وجوده كان بكلمة الله تعالى، وهي قوله : " كن " من غير واسطة أب، بخلاف غيره من البشر سوى آدم، وإنما خصّ ذلك بعيسى، لأنه جيء به للردّ على من افترى عليه وعلى أمه مريم عليهما السلام.
السورة التالية
Icon