0:00
0:00

سورة النساء
في هذه السورة فصول عديدة ومتنوعة. تحتوي أحكاما وتشريعات وتوكيدات ووصايا في اليتامى وحقوقهم. وحلال الأنكحة ومحرماتها. والمواريث والعلاقة الزوجية. وحق كل من الزوجين وحماية المرأة وتوطيد شخصيتها وحقوقها. وواجبات الناس في احترام حقوق بعضهم. ورعاية حقوق الضعفاء ومعاونتهم. والتيمم وأحكام الجناية والنهي عن الصلاة في حالة السكر. وتوطيد سلطان النبي وأولي الأمر من المسلمين. وتوطيد أحكام القرآن والسنة النبوية ؛ لتكون أصولا في مختلف الشؤون ومرجعا. وتوطيد صلاحية الاستنباط والاجتهاد في الفروع والأشكال وما لا يكون فيه نصوص صريحة من قرآن وسنة لذي العلم والخبرة والأمر. وواجب الحذر والاستعداد للعدو. والنضال والجهاد ضد الظلم وفي سبيل المستضعفين. وواجب تضامن المسلمين وتكتلهم مع بعضهم وعدم قبول دعوى الإسلام بدون ذلك، وتنظيم العلاقات السياسية بين المسلمين وغير المسلمين من حياديين ومعاهدين ومحاربين. وأحكام القتل الخطأ والعمد. ووجوب قبول ظواهر الناس وعدم اتخاذ الجهاد وسيلة للغنائم وصلاة الخوف.
وواجبات القاضي وآداب القضاء وتحري الحق والعدل بقطع النظر عن أي اعتبار.
وحملات شديدة على المنافقين ومواقفهم. وتوطيد الإيمان بجميع الرسل والأنبياء. وبيان حكمة الله في إرسال الرسل. وبيان حقيقة أمر عيسى وردود على اليهود والنصارى في شأنه. وهتاف بالناس جميعا من كتابيين ومشركين للاستجابة إلى دعوة الحق والسير في طريق الله القويم. وقد تخلل فصول السورة صور كثيرة عن السيرة النبوية. ومواعظ ومعالجات وتلقينات بليغة مستمرة المدى.
ومضامين فصول السورة وسياقها يلهم أن منها ما نزل مبكرا ومنها ما نزل متأخرا. ومنها ما له ارتباط ببعضه ظرفا أو موضوعا. ومنها المستقل. ومنها ما نزل قبل سور أو فصول من سور متقدمة عليها في الترتيب. ومنها ما نزل بعد سور أو فصول من سور متأخرة عنها. وكل هذا يسوغ القول :إن هذه السورة ألفت تأليفا بعد استكمال نزول فصولها.
وأكثر روايات ترتيب النزول تجعل هذه السورة السور المدنية نزولا ومنها ما يجعلها ثامنة١. ولعل ذلك بسبب تبكير مطلعها الذي يبرز عليه طابع المطلع.
ولقد جاءت آخر آية منها في أحكام إرث الكلالة لا يمكن تعليل وضعها في مكانها إلا بكونها نزلت بعد تأليف فصول السورة، فألحقت بها ؛ لأنها متصلة بأحكام المواريث التي احتوتها السورة. وفي ذلك عندنا دليل حاسم على أن تأليف السورة قد تم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وإرشاده وفي زمن متأخر من العهد المدني. والله سبحانه وتعالى أعلم.
هذا، ولقد أورد السيوطي في الإتقان حديثا أخرجه الحاكم في مستدركه والبيهقي في الدلائل والبزار في مسنده عن عبد الله ابن مسعود قال :( ما كان يا أيها الذين آمنوا أنزل بالمدينة وما كان يا أيها الناس ففي مكة ) وأخرج الإمام أبو عبيد هذا الحديث في الفضائل مرسلا. وفي الآية الأولى لهذه السورة التي لا خلاف في مدنيتها نقض ما لهذا القول على إطلاقه كما هو ظاهر. وقد لاحظ ذلك غير واحد من العلماء ونبهوا عليه على ما جاء في الإتقان أيضا٢ وليست هذه الآية هي الوحيدة المحقق مدنيتها والتي فيها خطاب يا أيها الناس. ففي بعض السور المدنية مثل ذلك أيضا. والله تعالى أعلم.
١ انظر كتابنا سيرة الرسول ج٢ ص ٩ والإتقان ج١ ص ١٠ـ ١٢.
٢ الإتقان ج١ ص ١٨.

بسم الله الرحمان الرحيم
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ( ١ ) وَالأَرْحَامَ ( ٢ ) إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ( ١ ) ﴾
( ١ ) تساءلون به :تتساءلون به، وقرئت بتشديد السين والمعنى واحد. وهو الذي تناشدون وتستحلفون به بعضكم ؛ حيث كان من عادة العرب أن يقولوا لأجل الاطمئنان باليقين :نشدتك بالله، أو سألتك بالله.
( ٢ ) الأرحام :هي على قول الجمهور معطوفة على محل ( به ) أي اتقوا الأرحام التي تناشدون وتستحلفون بها بعضكم ؛ حيث كان من عادة العرب أن يقولوا لبعضهم :نشدتك بالرحم أو سألتك بالرحم إذا أرادوا أن يطلبوا مطلبا أو يستحلفوا أحدا. وقد يرد أن تكون معطوفة على الله بمعنى واتقوا الأرحام وقطيعتها.
تعليق على الآية الأولى من السورة.
عبارة الآية واضحة. والخطاب فيها موجه للناس يدعون فيه إلى تقوى الله الذي يناشد بعضهم به بعضا، وتقوى الأرحام بمعنى حفظها وعدم قطيعتها وهي التي يناشد كذلك بعضهم بعضا بحقها. وينبهون فيه إلى أن الله رقيب عليهم محص لجميع أعمالهم. وهو الذي خلقهم من نفس واحدة، ثم خلق منها زوجها وأخرج منها الكثير من الرجال والنساء.
ولم يرو المفسرون مناسبة خاصة لنزول الآية. والمتبادر أنها جعلت فاتحة السورة كبراعة استهلال لما احتوته من الأحكام والتشريعات المتعددة في حقوق النساء وذوي الأرحام، فلكل من هؤلاء حقوق يجب على الناس تقوى الله ومراقبته فيها وأداؤها إلى أهلها. وعلى ذلك يقوم المجتمع البشري قويا مطمئنا. ويتوطد التعاطف والتعاون بين أفراده الذين هم أخوة من أب واحد وأم واحدة. ومع أن المتبادر من روح الآية أن الخطاب موجه في الدرجة الأولى إلى المسلمين الذين يؤمنون بالقرآن ويتلقون ما جاء فيه نبراسا وهدى لهم، وهم أهل الدعوة إلى تقوى الله فإن استعمال لفظ ( الناس ) لا يخلو من معنى جليل في صدد الدعوة إلى تقوى الله في الحقوق التي هي قدر مشترك بين جميع الناس الذي يتألف منهم المجتمع البشري. وبهذا كله تبدو الآية رائعة في أسلوبها ومداها.
ويلحظ أن في الآية تكرار لما ورد في سور سابقة في النزول من الإشارة إلى وحدة النفس الإنسانية وخلق زوجها منها ؛ حيث يمكن أن يلمح من هذا التكرار قصد توكيد التنويه الرباني بشأن بني آدم ومركزهم بين خلق الله والتذكير بما يوجبه عليهم هذا التوكيد من تقوى الله تعالى، على اعتبار أنهم هم المكلفون بذلك على ما شرحناه في آخر سورة الأحزاب السابقة لهذه السورة في النزول. وهناك أحاديث نبوية عديدة في تعظيم حرمة الأرحام والنهي عن قطيعتها ؛ حيث يبدو من ذلك حكمة ما جاء في الآية من مناشدة الناس بالأرحام التي يتساءلون بها ووجوب تقوى الله فيها. من ذلك حديث رواه الشيخان عن أبي أيوب جاء فيه ( إن رجلا قال :يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ؟ فقال :تعبد الله لا تشرك به شيئا. وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم )١وحديث رواه الشيخان وأبو داود عن أبي هريرة قال :( قال النبي صلى الله عليه وسلم من سره أن يبسط الله رزقه، وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه ). وحديث رواه البخاري وأبو داود والترمذي جاء فيه ( ليس الواصل بالمكافئ. ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها ) وحديث رواه البخاري والترمذي عن أبي هريرة جاء فيه ( قال النبي صلى الله عليه وسلم ) إن الرحم شجنة من الرحمان، فقال الله :من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته. وحديث رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن جبير ابن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لا يدخل الجنة قاطع رحم ).
١ التاج ٥ ص ٨ـ ١٠ وهناك أحاديث أخرى فاكتفينا بما تقدم..
( وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا( ١ )كَبِيرًا ( ٢ ) )
حوبا :إثما أو ذنبا
وعبارة الآية واضحة. وقد احتوت أمر ربانيا بوجوب أداء أموال اليتامى وحقوقهم وعدم أكلها وإساءة استعمالها، وتبديل الخبيث بالطيب منها. وبيانا لما في ذلك من ذنب عظيم عند الله.
تعليق على الآية
( وآتوا اليتامى أموالهم ) إلخ
وقد روى بعض المفسرين١ أن الآية نزلت في يتيم بلغ رشده، فامتنع عمه ووصيه عن أداء أمواله إليه فشكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله الآية فاستجاب العم واستعاذ من الحوب الكبير. والرواية لم ترد في الصحاح بل في كتب التفسير القديمة كالطبري. ومع احتمال أن يكون قد حدث شيء مما ذكرته، فإن نصف الآية المطلق واحتواءها حالات أخرى غير حالة الامتناع عن دفع مال اليتيم، وورود آيات أخرى بعدها في صدد التشديد على حق اليتيم يجعلنا نرجح أنها لم تنزل لحدتها بسبب الحادث المروي، وأنها استمرار لما قبلها بالدعوة إلى تقوى الله في أموال اليتيم ومتصلة بما بعدها في الوقت نفسه.
ويدل نصها على أن بعض الأوصياء كانوا يتحايلون على أموال الأيتام الذين تحت وصايتهم، فيتصرفون فيها لمصالحهم ويجعلون الرديء من ماشية وغلة ونقود محل الطيب فاقتضت حكمة التنزيل أن تكون الآية مطلقة العبارة شاملة لمختلف الحالات.
وننبه على أن القرآن المكي قد أمر مرارا بمراقبة الله في أموال اليتامى وحقوقهم. ولا بد من أن يكون هذا بسبب استشراء عادة البغي عليها والإساءة فيها، فلما توطد سلطان الإسلام في المدينة اقتضت حكمة التنزيل أن يعار الأمر اهتماما تشريعيا. وقد بدأ ذلك فعلا في الآية ( ٢٢٠ ) من سورة البقرة.
وورد في هذه السورة آيات عديدة بسبيل ذلك هذه أولاها. وهكذا تتسق المبادئ القرآنية في المكي والمدني من القرآن، وتتطور في المدني وفقا لتطور حالة الإسلام فتغدو تشريعا بعد أن كانت تنبيها ووعظا وإنذارا ولقد علقنا على هذا الموضوع، وأوردنا ما روي فيه من أحاديث في سياق سورة الفجر فنكتفي بهذا التنبيه.
١ انظر تفسير الخازن للآية..
( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ( ١ ) فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ( ٢ ) فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ( ٣ ) ( ٣ ) ).
( ١ )ألا تقسطوا :أن لا تعدلوا
( ٢ )مثنى وثلاث ورباع :معدولة عن اثنتين اثنتين وثلاث ثلاث، وأربع أربع
( ٣ ) ذلك أدنى ألا تعولوا :فسر بعضهم ( ألا تعولوا ) بأن لا يكثر عيالكم وتفقروا. وفسرها بعضهم بأن ( هذا أحرى أن يمنعكم من الجور والجنف ) والكلمة لغويا تتحمل المعنيين. غير أن المقام يجعل المعنى الثاني هو الأوجه. وهو ما أخذناه به.
في الآية تنبيه للمسلمين على أنهم في حال احتمال خوفهم من عدم العدل مع البنات واليتيمات فلهم في غيرهن متسع فليتزوجوا بما يطيب لهم من غيرهن بواحدة أو اثنتين أو ثلاث أو أربع، ثم تنبيه آخر في مقام الاستطراد على أنهم إذا خافوا من احتمال عدم العدل الواجب مع أكثر من زوجة واحدة فعليهم أن يكتفوا بواحدة أو بما في ملك يمينهم من الإماء فقط. فهذا هو أحرى أن يجنبهم إثم الجور والجنف.
تعليق على الآية
( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ) الخ
وتمحيص مسألة تعدد الزوجات
لم نطلع على رواية خاصة في مناسبة نزول الآية. ويتبادر لنا أنها جاءت معقبة على الآية السابقة لها التي تنهى عن أكل أموال اليتامى، وهادفة إلى حماية البنات اليتيمات. أما بقية الآية فقد احتوت استطرادا متسقا مع مداها.
ولقد روى البخاري ومسلم عن عروة قال :( سألت عائشة عن قول الله تعالى :( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ) فقالت :يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه جمالها ومالها، فيريد أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فنهوا عن ذلك إلا أن يبلغوا لهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن )١.
وقد روى الطبري حديثا آخر عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة جاء فيه ( أن الآية الأولى نزلت في اليتيمة تكون عند الرجل، وهي ذات مال فلعله ينكحها لمالها، وهي لا تعجبه ثم يضربها ويسيء صحبتها فنهوا عن ذلك ) وتبدو حكمة النهي في هذا الحديث أظهر مما هي في الحديث الأول كما هو واضح. فإن احتمال الخوف من الجور أحرى أن يكون من ناحية زواج الوصي على اليتيمة غير الجميلة طمعا في مالها فقط. والمتبادر أن هذه الحالة تكون في ذوي القربى ؛ حيث تكون اليتيمة ذات المال في حجر أحد أقاربها، فيضن بمالها أن يأخذه الغريب فيتزوجها أو يزوجها لابنه، ولا يكون لها من جمالها عاصم فتتعرض للأذى. وهذا المعنى ذكر بصراحة أكثر في آية أخرى من هذه السورة وهي :
( ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء التي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما ١٢٧ ).
هذا في صدد الفقرة الأولى من الآية. وواضح من روحها أن الأمر الوارد في الفقرة الثانية أي ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ) هو في حالة الخوف من عدم العدل والإنصاف في حالة التزوج باليتيمات. وأنه لا حرج من التزوج بهن في حالة انتفاء هذا الخوف.
والمتبادر أن الفقرة الثالثة التي جاءت بعدها أي ( فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا ) قد جاءت في مقام الاستدراك في حالة الخوف من عدم العدل بين الزوجات العديدات اللاتي جعلت الفقرة الثانية فيهن مندوحة عن عدم الإسقاط باليتيمات، وفي الجملة الأخيرة من الفقرة تعليل لذلك ؛ حيث يكون الاقتصار على زوجة واحدة أو ملك اليمين من الإماء مانعا للجور وعدم العدل.
وهكذا تكون الآية قد هدفت إلى حماية اليتيمات ثم إلى منع الجور عن الزوجات في حالة التعدد. وهذا وذاك من روائع الأهداف القرآنية التي تكررت بأساليب متعددة مر بعضها في سياق أحكام الطلاق التي تضمنتها آيات البقرة ( ٢٢١ ٢٤٢ ) على ما شرحناه في مكانها وفي هذه السورة فصول أخرى من هذا الباب أيضا.
ومع أن صيغة الفقرة الثانية في إباحة تعدد الزوجات في عصمة الرجل ليست تشريعية في التحديد، وإنما هي بسبيل المخرج من خوف عدم الإقساط في اليتيمات فإن معظم العلماء اعتبروها تحديدا لعدد الزوجات اللاتي يسوغ للرجل جمعهن في عصمته وهو أربع زوجات ؛ حيث رووا أن الرجل كان قبلها ومنذ ما قبل الإسلام يجمع في عصمته أكثر من أربع زوجات ويصل العدد أحيانا إلى عشر. ومن ذلك أنه كان تحت النبي صلى الله عليه وسلم حينما نزلت الآية عشر نساء. وهناك أحاديث نبوية ساعدت على هذا الاعتبار. منها حديث أخرجه الإمام أحمد جاء فيه ( إن غيلان ابن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم اختر منهن أربعا )٢ وحديث رواه أبو داود عن عميرة الأسدي جاء فيه ( إني أسلمت وعندي ثمان نسوة فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال اختر منهن أربعا ) ٣ وحديث رواه الشافعي عن نوفل ابن معاوية الديلي جاء فيه ( أسلمت وعندي خمس نسوة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :اختر أربعا منهن أيهن شئت وفارق الأخرى ) ٤ ولقد قال الذين اعتبروا الآية تحديدا إن الله قد أحل للنبي أن يحتفظ بزوجاته اللاتي كن في عصمته زائدات عن الحد، واستندوا في ذلك إلى آيات سورة الأحزاب ( ٥٠ ٥٢ ) التي مر تفسيرها.
على أن هناك أقوالا ومذاهب مخالفة لذلك٥ حيث ذهب قائلوها إلى أن الفقرة ليست لأجل الحصر والتحديد وإنما هي للترغيب ؛ لأجل تفادي ظلم اليتيمات وحسب، وأن من السائغ أن يجمع الرجل في عصمته ما شاء أكثر من أربع.
وذهبت الشيعة والظاهرية التي تأخذ ألفاظ القرآن على ظاهرها على ما ذكره ابن كثير إلى جواز جمع تسع نساء ؛ حيث اعتبروا كلمات مثنى وثلاث ورباع معدولة عن اثنين وثلاث وأربع، وجمعوا هذه الأرقام فصار الجمع تسعا. وأورد المفسر القاسمي أقوالا مطولة للرازي والشوكاني في تبرير جمع أكثر من أربع، وفي كون الفقرة لا تعني التحديد وفي إيراد أدلة على ضعف الأحاديث المروية عن غيلان وعميرة ونوفل وإبراز عللها، وكون حديث الصحابي إذا صح لا يكون حجة على من لم يقل بحجيته وفي أنه لم يقم دليل على كون جمع النبي لعشر نساء كان من قبيل الاختصاص.
غير أن العمل المتواتر بعدم جواز جمع أكثر من أربع في عصمة الرجل من لدن العهد النبوي والخلفاء الراشدين قد عده أهل المذاهب السنية وعلماء الحديث دليلا على ذلك، وهو الحق الذي يجب الالتزام به والوقوف عنده.
أما القول :إنه لم يقم دليل على أن جمع النبي لعشر نساء هو من قبيل الاختصاص فهو غريب. ففي آية سورة الأحزاب ( ٥٠ ) وبخاصة في جملة ( خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم ) من هذه الآية دليل لا يدحض على ذلك فيما هو المتبادر وعلى ما شرحناه في سياق تفسير الآيات ( ٥٠ ٥٢ ) من سورة الأحزاب. ومن العجيب أن يتجاهله القائلون. بل وفيها دليل على صحة مذهب جمهور أهل السنة في التحديد.
ولقد قلنا في مقدمة السورة :إن مضامين بعض فصولها تلهم أن بعضها نزل قبل فصول في سور متقدمة عليها في الترتيب. وآية النساء التي نحن في صددها من الأمثلة على ذلك يتبادر أنها نزلت قبل آيات سورة الأحزاب المذكورة التي نزلت للاستدراك بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم.
ولما كانت هذه الآية متصلة موضوعا وسياقا بما قبلها وما بعدها فقد يصح القول :إن الفصل كله قد نزل قبل آيات الأحزاب المذكورة التي هي فصل قائم بذاته. ولو أن رواة الترتيب جعلوا سورة الأحزاب بعد هذه السورة لكان ذلك معقولا بسبب تقدم هذا الفصل على آيات سورة الأحزاب المذكورة. ولو كان هناك قرينة على أن هذا الفصل قد نزل قبل وقعتي الأحزاب وبني قريظة لكنا نرى مبررا لتقديم هذه السورة على سورة الأحزاب في الترتيب.
ويبدئ بعض الأغيار ويعيدون في أمر إباحة الإسلام لتعدد الزوجات، والإنصاف يقتضي القول :إن هناك ظروفا يكون فيها التعدد مفيدا من دون ريب، وإن هناك ظروفا يكون فيها مضرّا من دون ريب أيضا. فهناك احتمال بأن يكون الرجل أو المجتمع في حاجة إلى كثرة النسل لأسباب اقتصادية واجتماعية عامة وخاصة.
وهناك احتمال بأن تكون زوجة الرجل عاقرا أو مريضة لا يرى من الرأفة والإنصاف ما يسوغ له طلاقها. وهناك احتمال بتفوق عدد النساء في مجتمع ما على عدد الرجال وتعرض الزائدات للشقاء والعوز والسقوط. وهناك احتمال السفر والتغرب لمدة طويلة لأسباب متنوعة لا يكون في الإمكان اصطحاب الزوجة فيها، ففي مثل ذلك يكون التعدد سائغا أو واجبا أو مرغوبا فيه.
أما عدا هذه الحالات فإن التعدد يسبب المشاكل والبغضاء والتناحر في داخل الأسرة فيجعل حياتها جحيما. وهذا عدا الاحتمال الغالب بعدم العدل بين الزوجات العديدات سواء من ناحية المعاشرة أم من ناحية النفقة أم من ناحية تفضيل بعضهن على بعض الأسباب متنوعة نفسية واجتماعية واقتصادية مما يؤدي كذلك إلى المشاكل والبغضاء والتناحر في داخل الأسرة فيجعل حياتها بدوره جحيما.
وتنبيه القرآن إلى ذلك في جملة ( فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ) يتسق مع طبيعة الأشياء والوقائع. وفي هذه السورة آيات تذكر ما يمكن أن يقع من نشوز وإهمال من الرجال لبعض زوجاتهم العديدات ومن الميل الشديد لواحدة دون أخرى منهن، وتقرر استحالة العدل بينهن وتوصي ببعض الحلول والمعالجات وهي الآيات ( ١٢٧ ١٣٠ ) وهي إن كانت لا تمنع التعدد بالمرة بسبب تلك الضرورات الملزمة فيما هو المتبادر، فإنها تلهم بوجوب الاكتفاء بواحدة في حالة عدم قيام تلك الضرورات على ما سوف يأتي شرحه بعد.
وهكذا تكون الحكمة التشريعية القرآنية قد توخت إباحة التعدد لمعالجة حالة قائمة وسائغة فيها غلو وإفراط، ولتكون بعد ذلك مخرجا للحالات السابقة الذكر والتشديد على وجوب العدل والاقتصار على زوجة واحدة في الحالات الأخرى بحيث يمكن أن يقال :إن تلقين الاقتصار هو الأقوى وإن إباحة التعدد هو المخرج للحالات والضرورات الاستثنائية المتنوعة الدواعي. وفي هذا ما فيه من روعة وجلال. ولقد اقتضت حكمة الله ووعده أن يكون الدين الإسلامي والشرائع الإسلامية دين البشرية وشرائعها مما احتوت توكيده آيات عديدة. منها آية سورة الفتح هذه ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيد ٢٨ ) فكان من ذلك أن احتوت الشرائع الإسلامية ما احتوته في هذا الصدد كما في غيره من حل مختلف المشاكل والانطباق على كل حالة وظرف.
ولعل فيما هو منتشر في الأمم والبلاد التي تجعلها شرائعها تقتصر على زوجة واحدة من الشذوذ والتحايل على هذه الشرائع ونقضها بمختلف الأشكال، ومن جملة ذلك استباحة الأعراض المحرمة والسفاح والتخالل السري والعلني دليلا حاسما على حكمة التشريع الإسلامي٦.
ومما يحسن التنبيه عليه في هذا
١ التاج ج ٤ص ٧٩ـ ٨٠.
٢ هذه النصوص من ابن كثير وقد وردت في كتب التفسير الأخرى انظر الطبري والطبرسي والبغوي والخازن والقاسمي.
٣ انظر المصدر نفسه.
٤ انظر المصدر نفسه.
٥ انظر المصدر نفسه.
٦ انظر تفسير الآية في المنار حيث ساق الإمام رشيد رضا له وللإمام محمد عبده من الأقوال والتعليلات ما فيه الحجة المقنعة التي لا يماري فيها منصف وعاقل. وهي في جملتها متسقة مع ما قررناه.
.

﴿ وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ( ١ )نِحْلَةً( ٢ )فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا ( ٤ ) ﴾
١- صدقاتهن :مهورهن والصداق هو المهر
٢- نحلة :أمرا واجبا أو فريضة واجبة أو عطاء واجبا لا بد منه
عبارة الآية واضحة. ولم يرو المفسرون رواية خاصة في نزولها. والمتبادر أنها متصلة بموضوع الآية السابقة اتصال استطراد. فعلى الذين أبيح لهم نكاح ما يطيب لهم من الزوجات في نطاق التحديد الذي انطوى في الآية السابقة أن يدفعوا لزوجاتهم المهور المتفق عليها كعطية واجبة ولا ينقصوا منها شيئا بدون موافقتهن ورضائهن. فإذا تنازلن لهم عن شيء منها بطيب نفس ورضاء فهو لهم سائغ حلال.
وهدف حماية حق الزوجات في الآية بارز أيضا مثله في الآية السابقة.
ولقد روى الطبري عن بعض المؤولين أن الآية هدفت إلى منع عادة كانت جارية، وهي تبادل الزواج بدون مهر فيزوج الرجل أخته أو ابنته لرجل ويتزوج أخت الرجل أو ابنته مقابل ذلك بدون مهر. وأوجبت أداء المهر الزوجة لها حين البناء عليها. وهذا وارد ووجيه. وفيه حماية للمرأة وعدم إضاعة حقها في مهرها لأي سبب. وهذه العادة كانت تسمى الشغار. وقد رويت أحاديث نبوية في ذلك. منها حديث رواه مسلم والترمذي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا شغار في الإسلام ) ١. وحديث رواه الخمسة عن ابن عمر جاء فيه ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار، والشغار :أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته ليس بينهما صداق ) وحديث رواه مسلم عن أبي هريرة قال ( الشغار :أن يقول الرجل للرجل زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي أو زوجني أختك وأزوجك أختي ) والمتبادر أن يكون تزويج رجل ابنته لابن رجل آخر مقابل تزويج هذا ابنته لابن ذلك الرجل بدون مهر ينسحب عليه ذلك المنع. والله تعالى اعلم.
١ التاج: ج٢ ص ٣٠٥.
﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء( ١ ) أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً( ٢ ) وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا ( ٣ ) وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا ( ٥ ) ﴾.
( ١ )السفهاء :أوجه تأويلات الكلمة أنهم ضعفاء العقل والتمييز صغارا كانوا أم كبارا.
( ٢ ) التي جعل الله لكم قياما :التي جعلها الله قوام حياتكم ومعيشتكم
( ٣ ) ارزقوهم فيها :أجروا عليهم معيشتهم منها.
تعليق على الآية
( وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً ) الخ
عبارة الآية أيضا واضحة. ولم نطلع على رواية خاصة في نزولها. ويتبادر لنا أنها استمرار استطرادي للسياق السابق الذي احتوى أوامر ونواهي تناولت المعاملات والحقوق المالية والشخصية.
وقد نهت المسلمين عن وضع أموالهم في أيدي ضعفاء العقل والتمييز. ونبهتهم إلى أن المال قوام الحياة ووسيلة المعاش، فيجب عدم التفريط فيه وإضاعته بتصرف السفهاء. وهذا مظهر اتساق تعاليم القرآن مع واقع الحياة الإنسانية وعنايتها وتوجيهاتها في الشؤون الاقتصادية والمعاشية.
وقد نبهت الآية إلى وجوب الإنفاق على السفهاء ما هم في حاجة إليه من طعام وكساء ووجوب التصرف معهم بالحسنى. وهذا من مظاهر عناية القرآن بهذه الطبقة.
وروح الآية وتنبيهاتها تدل على أن السفهاء المقصودين في الآية هم الذين يكونون من ذوي رحم وقربى أصحاب الأموال الذين تجب عليهم نفقتهم.
ولقد أورد المفسرون١ أقوالا عديدة في المقصود بكلمة السفهاء معزوة إلى ابن عباس ومجاهد ومقاتل وغيرهم من الصحابة والتابعين. منها أنهم الصبيان والنساء، ومنها أنهم النساء خاصة، ومنها أنهم كل ضعيف في عقله وتمييزه قاصرا كان أم بالغا وذكرا كان أو أنثى. ولقد أورد القائلون بأنهم النساء حديثا نبويا لم يرد في كتب الحديث لو صح لا يصح أن يساق كدليل على تأويل الكلمة بالنساء، فهو يصف المتزوجات اللاتي لا يطعن قيمهن بالسفه لا جميع النساء، وهؤلاء ليسوا إلا قلة ضئيلة. وقد علقنا على هذا بما فيه الكفاية في سياق تفسير الآيات ( ٨ ١٤ ) من سورة البقرة والآية ( ٢٠ ) من سورة الروم فلا حاجة للإعادة والزيادة. إلا أن نقول :إن نص الآية وروحها يتسقان مع القول الأخير الذي يقول :إن المقصود من الكلمة كل ضعيف في عقله وتمييزه.
ومن العجيب أن الذين يقولون :إنهم النساء خاصة ينسون أن في الآية السابقة لهذه الآية مباشرة صراحة بوجوب إعطاء الزوجة مهرها تاما دون ابتزاز منه وبتقرير حقها في التصرف فيه ؛ حيث ينقض هذا ذلك القول الذي يراد منه عدم قدرة المرأة على حسن التصرف والتدبير.
ويأتي بعد قليل آيات تقرر حق المرأة في الإرث وأهليتها في الدين والاستدانة والتملك والوصية والتصرف في كل ما اكتسبت. ومن جملة ذلك آية تنهي الزوج عن أخذ شيء مما أعطاه لزوجته، ولو كان قنطارا مما فيه ضمنا إقرار بإعطاء لزوجات المال الكثير. وكل هذا يزيد في أسباب العجب ويكون فيه دعم حاسم.
والآية وإن كانت موجهة إلى أصحاب الأموال لتدبير أمورهم بأنفسهم وتحذرهم من تمكين ضعفاء العقل والإدراك من أولادهم ونسائهم منها وتفاديا من الإساءة في استعمالها، فإنها تنطوي على ما يمكن أن تلهمه روحها على مبدأ تشريعي وهو عدم تمكين ضعفاء العقل والتمييز من أموالهم أنفسهم لغلبة الظن بتفريطهم وإساءة تصرفهم بحيث يجب الحجر عليهم من قبل ولي الأمر وإقامة أوصياء يدبرون لهم أموالهم ويقومون بالإنفاق عليهم بالمعروف والحسنى. وقد قال المفسر القاسمي :إن العلماء قد استدلوا بهذه الآية على وجوب الحجر على السفيه البالغ سواء أطرأ عليه السفه أم كان من حين البلوغ.
١ انظر تفسير الخازن وابن كثير والبغوي والطبرسي.
﴿ وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ( ١ )فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ( ٢ )وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا ( ٦ ) ﴾
( ١ )حتى إذا بلغوا النكاح :الجملة بمعنى حتى إذا بلغوا سن الاحتلام والقدرة على المعاشرة الجنسية.
( ٢ ) وبدارا أن يكبروا :استعجالا لأكلها قبل أن يكبروا وتبقى لهم أموالهم.
الخطاب في هذه الآية أيضا موجه للمسلمين كسابقتها. وقد تضمنت :
( ١ ) أمرا باختبار اليتامى حينما يبلغون سن الحلم ودفع أموالهم إليهم إذا ثبت لهم رشدهم وتمييزهم.
( ٢ ) نهيا عن أكل أموالهم بحجة تدبير أمور أصحابها أكلا فيه إسراف وفيه استعجال قبل أن يكبروا
( ٣ ) وتحديدا للموقف الذي يجب أن يقفوه من مال الأيتام الذي في عهدتهم. وهو أن يعف الغني ولا يمد يده إليه. أما الفقير فله أن يأخذ أجرا بالمعروف أي بدون مبالغة فيما يأخذ.
( ٤ )أمرا بالإشهاد حينما يدفع الوصي لليتيم أمواله.
تعليق على الآية
( وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ... ) إلخ.
روى الشيخان عن عائشة قالت :إن الآية ( وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ) نزلت في ولي اليتيم إذا كان فقيرا أن يأكل منه مكان قيامه عليه بمعروف ١ وليس في الحديث إشارة إلى مناسبة معينة وإنما فيه توضيح لمدى الآية. وهو ظاهر من نصها. وهناك رواية٢ تذكر أنها نزلت في مناسبة استفتاء شخص من النبي صلى الله عليه وسلم عما يحق له من مال ابن أخيه اليتيم الذي تحت يده ومتى يدفعه إليه. والرواية وإن كانت لم ترد في الصحاح فإنها محتملة الصحة. ولكن المتبادر من روح الآية ونصها أنها بسبيل تشريع أساسي وعام في صدد أموال اليتامى في حال صغرهم وفي حال بلوغهم سن الحلم والرشد. وهي من هذه الناحية متصلة نوعا ما بالآيات السابقة سياقا وموضوعا، وقد يكون استفتاء العم قد جاء وسيلة إلى ذلك.
ولقد احتوت الآية وسيلتين متلازمتين للاستيثاق من قابلية اليتيم :
أولاهما :بلوغه سن النكاح أي سن الاحتلام والقدرة الجنسية.
وثانيتهما :ثبوت رشده في التصرف. أي أنه لا يكفي لدفع مال اليتيم إليه أن يبلغ سن الحلم بل ينبغي أن يثبت رشده أيضا. وهذا يستتبع القول فيما يتبادر لنا إنه إذا لم يثبت رشده بعد بلوغه سن الحلم يدخل في حكم الآية السابقة فيعتبر سفيها ويظل محجورا عليه، ويدبر ماله من قبول الولي أو الوصي وينفق عليه منه إلى أن يثبت رشده.
والمتبادر من روح الآية والرواية ثم من روح الآيات المكية والمدنية عامة التي نزلت في التشديد على حق اليتيم وحفظ ماله أن أولياء اليتامى كانوا من عصبتهم وأقاربهم الأدنين كالأخوة الكبار والأعمام، وأن أموال اليتامى التي كانت على الأعم الأغلب من المواشي والزروع والثمار كانت مختلطة بأموالهم ؛ ولذلك كانوا محل تهمة أكل أموالهم وتبديل الطيب منها بالخبيث.
ومن هنا تبدو حكمة التشديد القرآني المتوالي ؛ لأن هذا المجال ليس بمجال الغريب ؛ ولأن الغريب لا يجرؤ على ما يجرؤ عليه عصبة اليتيم وأقاربه الأدنون.
وحديث الشيخين عن عائشة الذي أوردناه قبل يفيد هذا أن ولي اليتيم كان يرى لنفسه حقا في أخذ شيء من مال اليتيم القاصر مقابل النظر عليه وتدبيره، فأباحت الآية هذا للفقير مع شرط الأكل بالمعروف أي عدم تجاوز الحد المتعارف على أنه حق معقول، وسائغ. وأمرت الغني بالتعفف لأنه ليس في حاجة. فكان ذلك متسقا مع ما تكرر من مظاهر عناية حكمة التنزيل ورعايتها لليتيم. وفيه في الوقت نفسه دليل على أن أولياء اليتامى كانوا في العادة من ذوي عصبة اليتامى وأقربائهم الأدنين.
ولقد روى المفسرون بعض الأحاديث النبوية في صدد ما يجوز للولي غير الغني أكله من مال اليتيم من ذلك حديث رواه الإمام أحمد جاء فيه ( أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم :ليس لي مال ولي يتيم فقال :كل من مال يتيمك غير مسرف ولا متأثل مالا ولا أن تقي مالك أو قال تفدي مالك بماله ) ٣ مما فيه توضيح تطبيقي للآية واتساق مع هدفها.
ولقد روى المفسرون أقوالا عن بعض الصحابة والتابعين في صدد ما إذا كان ما يأخذه الفقير من مال اليتيم قرضا يجب رده إذا أيسر أم لا. فمنهم من قال :إنه قرض ومنهم من قال :إنه مقابل الجهد والنظر. والقول الثاني هو الأوجه على ما هو المتبادر والأكثر اتساقا مع روح الآية والأحاديث، وبخاصة مع صراحة الحديث المروي عن عائشة رضي الله عنها.
والخطاب في الآية وإن كان موجها للأولياء، فإن الذي يتبادر لنا إن هذا لا يعني أنه ليس لولي الأمر والحكام حق الإشراف على تطبيق أحكامها سواء أفي اختيار اليتامى والتثبت من بلوغهم الرشد بعد الحلم أم في مراقبة الأولياء ومنع إساءة تصرفهم في أموال اليتامى التي تحت أيديهم بأي وجه. فإن هذا مما يحقق الهدف القرآني.
ولقد تعددت الأقوال في سن الرشد ودلائله وكيفية التثبت منه. ولم نطلع على حديث نبوي صحيح في ذلك. وقد عزا بعض المفسرين إلى ابن عباس وسعيد ابن جبير وغيرهم أن دلائل ذلك صلاح الدين وحفظ المال، وقال بعضهم :إن من ذلك اجتناب الفواحش والتبذير، ومع ما في هذه الأقوال من وجاهة، فإن عدم تفصيل ذلك في القرآن والسنة الصحيحة قد يعني أنه ترك للمسلمين والحكام حسب الأزمنة والأمكنة والأشخاص. ولقد قال بعضهم إن سن الرشد هي السابعة عشرة أو الثامنة عشرة. وروح الآية يفيد أن القصد من جملة ( فإن آنستم منهم رشدا ) هو ثبوت رشدهم بعد بلوغهم الحلم. وهذا منوط بالتمييز والإدراك والأخلاق، وليس بالسن. فإذا بلغ اليتيم الحلم ولم يثبت رشده بذلك يظل محجورا عليه كما قلنا قبل. وهذا المتفق عليه عند الجمهور.
وهناك نقطة يحسن الإشارة إليها، وهي تأخر ظهور القدرة الجنسية في اليتيم. وهو ما عبرت عنه الآية في جملة ( حتى إذا بلغوا النكاح ) لم نطلع على حديث نبوي وراشدي في ذلك. ولم نر أحدا من المفسرين فيما اطلعنا عليه تعرض لهذه النقطة، والاحتلام في البلاد الحارة قد يكون قبل الخامسة عشرة، وقد يتأخر في غيرها إلى بعدها. وقد يتأخر لسبب جسماني أو صحي أيضا. ولقد روى ابن كثير حديثا وصفه بالصحيح جاء فيه ( رفع القلم عن ثلاث الصبي حتى يحتلم أو يستكمل الخمس عشرة... ) وروى الخمسة عن ابن عمر حديثا جاء فيه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم عرضه يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه ) ٤. والآية قد هدفت إلى إيجاب التثبت من بلوغ اليتيم سن الرجولة والرشد معا. وقد يمكن الاستئناس بالحديثين على أن سن الرجولة يمكن أن يكون في الخامسة عشرة، ولو لم يكن احتلام بحيث يسوغ القول على ضوء ذلك إن اليتيم إذا بلغ الخامسة ولم يكن قد احتلم وثبت رشده يكون قد تحققت صلاحيته للتصرف بماله وساغ دفعه إليه. والله تعالى أعلم.
١ التاج ج٤ ص ٨٠.
٢ انظر تفسير الخازن.
٣ انظر تفسير ابن كثير. وقد روى هذا المفسر أحاديث أخرى من باب هذا الحديث فاكتفينا بما أوردناه. انظر أيضا تفسير الخازن والزمخشري والطبري والطبرسي. ومعنى غير متأثل: غير مدخر ومكتنز..
٤ التاج ج ٢ ص ٢٤٤ و٢٤٥.
( ١ )الأقربون وأولو القربى :يلفت النظر إلى الفرق في دلالة اللفظين ؛ حيث استعملا في موضعين متغايرين :
فالأول استعمل في موضع الدلالة على الاستحقاق في الإرث ؛ حيث يفيد أنه يعني القربى القريبة التي تخول الإرث.
والثاني استعمل في موضع الهبة والعطية ؛ حيث يفيد أنه يعني القربى البعيدة التي لا تخول الإرث.
( ٢ ) الرجال والنساء :المتبادر من روح الآيات ونصها أن الجملة تعني الذكور والإناث البالغين والقاصرين.
﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ( ١ ) وَلِلنِّسَاء ( ٢ ) نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ( ٧ ) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا ( ٨ ) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا ( ٩ ) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ( ١٠ ) ﴾
تعليق على الآية
( لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ) إلخ
والآيات الثلاث التالية لها

عبارة الآيات واضحة. وقد تضمنت :

( ١ ) تقريرا بحق كل من الرجال والنساء في ما يتركه والدوهم وأقاربهم القريبون من إرث كنصيب مفروض من الله
( ٢ ) وحثا على منح ذوي القربى الذين لا تخولهم درجة قرابتهم الإرث والمساكين واليتامى منحا مما قسم على أصحاب الحق فيه تطييب خاطرهم إذا ما حضروا قسمة التركة.
( ٣ ) ودعوة قوية إلى تقوى الله في تنفيذ أوامره. وقد انطوت الدعوة على تذكير وتمثيل قويين :فكل امرئ يخاف على ذريته إذا مات عنها وهي ضعيفة قاصرة أن يصيبها أذى وتهضم، فعليه والحالة هذه أن يتقي الله فلا يتسبب بقول أو عمل فيهما أذى وهضم لذرية ضعيفة قاصرة ولا يقول ويعمل إلا ما فيه الحق والخير والصلاح.
( ٤ ) وعودة إلى التنبيه على حق اليتامى بإنذار شديد لآكلي أموالهم وحقوقهم ومضيعيها بغيا وظلما وطمعا. فليعلم هؤلاء أنهم بذلك إنما يأكلون النار المحرقة، وأنهم سيصلون هذه النار في الآخرة.
وقد روى المفسرون رواية مختلفة في صيغها متفقة في مداها عن عكرمة وغيره مفادها أن الآية الأولى نزلت بمناسبة امرأة أنصارية مات زوجها وتركها مع يتيمة أو ثلاث يتيمات وخلف مالا فأبى عم أو أعمام أو أبناء عم البنات أن يعطوهن شيئا من تركته على عادتهم قبل الإسلام في عدم توريث النساء، فشكت أمرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له :يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تركب فرسا ولا تحمل كلا، ولا تنكأ عدوا يكسب عليها، ولا تكتسب فنزلت، فأرسل إليهم بعدم التصرف بالتركة حتى ينظر ما ينزل في أمرها مفصلا، ثم نزلت بعدها آيات المواريث فأمر بقسمة التركة وفقا لذلك١ورووا أن الآية الرابعة أي ﴿ ١٠ ﴾ نزلت في رجل من غطفان أكل مال ابن أخيه اليتيم٢.
والروايات متسقة مع مدى الآيات. وإن لم ترد في الصحاح وهذا لا يمنع احتمال صحتها على أن الذي يتبادر لنا أن الآيات منسجمة مع بعضها أولا، وليست منقطعة الصلة بسابقتها ولاحقتها موضوعا وسياقا ثانيا. وجملة ( نصيبا مفروضا ) بخاصة قرينة على صلتها بلاحقاتها التي تبين نصيب كل صاحب حق في الإرث بحيث يصح أن يقال :إن هذه الآيات وما بعدها قد نزلت معا. وأن ما روته الروايتان من أحداث كانت مناسبة لنزول هذا الفصل.
وقد اختلفت الأقوال التي يرويها المفسرون عن أهل التأويل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعيهم فيما إذا كانت الآية ( ٨ ) منسوخة بآيات المواريث الواردة بعد أم محكمة٣ وقد عزي القولان لابن عباس، والقول الثاني هو الأوجه فيما هو المتبادر، وهو ما عليه الجمهور ؛ لأن هذه الآية كما يتبادر من روحها ومن الآية السابقة لها أنها في صدد الذين لا تخولهم درجة قرابتهم نصيبا في الإرث. فلا محل للقول :إنها نسخت بآيات المواريث.
ولقد روى المفسرون٤ عن بعض أصحاب رسول الله وتابعيهم أن هذه الآية في معرض الإيعاز على المشرف على الموت بالوصية للفئات المذكورة فيها. ونص الآية لا يتحمل ذلك فيما نرى ؛ لأنه يقرر أمرا بعد موت صاحب المال وإن كان القول في حد ذاته لا يخلو من وجاهة متسقة مع إيجاب القرآن على المسلم الذي يحضره الموت الوصية إذ ترك خيرا أي مالا على ما جاء في الآية ( ١٨٠ ) من سورة البقرة التي مر تفسيرها والتعليق عليها. ثم مع توكيد القرآن على وجوب تنفيذ وصية الميت على ما جاء في آيات تأتي بعد هذه الآيات ؛ حيث يفيد هذا أن وصية المسلم لغير ورثته بقصد صلة الرحم والبر مما كان مأمورا ومعمولا به ومرغوبا فيه.
والمتبادر أن الذين حثت الآية على رزقهم من التركة من أولي القربى هم الذين لا تخولهم درجة قرابتهم نصيبا من التركة ويكونون فقراء بدليل جمعهم مع المساكين، والمتبادر كذلك أن اليتامى الذين حثت الآية على إعطائهم هم اليتامى الفقراء بالدليل نفسه. والآية مطلقة بحيث لا تمنع أن يكون اليتامى والمساكين من الغرباء عن الميت أو أقاربه.
وقد روى بعض المفسرين٥ أن الآية ( ٩ ) في صدد التنبيه على أصحاب المال بعدم تبذير أموالهم بالهبات والوصايا تبذيرا يؤدي إلى حرمان ذريتهم من بعدهم. ومنهم من قال :إنها في صدد تنبيه أصحاب الأموال إلى وجوب الوصية لأقاربهم الفقراء واليتامى والمساكين٦. ومنهم من قال :إنها في صدد التحذير من الإلحاح على صاحب المال في الإكثار من الهبات والوصايا لغير ذريته وتنبيههم إلى ما يؤدي ذلك إليه من حرمان ذرية الرجل والإهابة بهم إلى تذكر حالة ذريتهم أنفسهم إذا تركوها محرومة ضعيفة، وإلى ألا يقولوا إلا المعروف الذي ليس فيه حرمان وأذى.
ولا تخلو هذه الأقوال من وجاهة. وبخاصة القول الأخير الذي قد يتسق مع نص الآية على أنه يتبادر لنا أن الآية مرتبطة بالتي بعدها التي تنذر آكلي مال اليتيم ظلما ؛ حيث تهيب بهم إلى تقوى الله في أفعالهم وأقوالهم والخوف على أولادهم من أن يصيروا أيتاما مهضومي الحق مأكولي المال من بعدهم.
هذه والآية ( ٨ ) جديرة بالتنويه من حيث كونها حاسمة في صدد تثبيت حق النساء خاصة في الإرث ؛ لأن هذا الحق لم يكن معترفا به مما فيه توكيد للعناية الربانية بالمرأة على اختلاف حالاتها، وفي تثبيت هذا الحق لأهليتها للتصرف في المال، وتوهين من ناحية ما لما يساق من تطبيق وصف السفهاء عليها في مثل هذا المقام.
كذلك فإن الآية ( ١٠ ) جديرة بالتنويه أيضا لقوة ما فيها من إنذار وزجر ضد آكلي أموال اليتامى وظالميهم مما كان موضوع عناية القرآن في آيات كثيرة مكية ومدنية.
ولقد أورد ابن كثير في سياق هذه الآية أحاديث نبوية عديدة متساوقة مع مدى وهدف الآية، وإن لم ترد بنصها في الصحاح. منها حديث أخرجه ابن مردويه عن أبي برزة قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم نارا. قيل :يا رسول الله من هم قال ( الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) الآية.
( ١ )ولد :هذا اللفظ ومعه في الآيات يعني الذكور والإناث.
﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ( ١ ) فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بها أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا( ١١ ) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بها أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً( ٢ ) أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ( ١٢ ) تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( ١٣ ) وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ( ١٤ ) ﴾
تعليق على الآية
( يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ ) الخ
والآيات الثلاث التالية لها وشرح إجمالي لأحكام الإرث وتلقينات الآيات
عبارة الآية واضحة وقد احتوت بيان ما اقتضت الحكمة بيانه من الأنصبة المفروضة للرجال والنساء أو الذكور والإناث في إرث الأموات كما يلي :
( ١ ) نصيب الذكر هو ضعف نصيب الأنثى.
( ٢ ) إذا كان الميت أبا ولم يترك إلا بنتا فلها نصف تركته. وإن ترك أكثر من بنتين فلهن ثلثاها.
( ٣ ) إذا كان للميت والدان وأولاد فلكل من والديه السدس.
( ٤ ) إذا كان للميت والدان وليس له أولاد فلوالده الثلثان ولأمه الثلث.
( ٥ ) إذا كان للميت والدان وليس له أولاد وله إخوة فيكون للأم السدس بدلا من الثلث.
( ٦ ) للزوج النصف تركة زوجته إن لم يكن لها ولد. فإن كان لها ولد فله ربعها.
( ٧ ) للزوجات ربع تركة زوجهن إن لم يكن له ولد. فإن كان له ولد فلهن الثمن.
( ٨ ) إذا لم يكن للميت والدان ولا أولاد وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما سدس التركة، وإذا كان الإخوة والأخوات أكثر فهم شركاء في ثلث التركة.
( ٩ ) التركة التي تقسم على الورثة هي ما يبقى منها بعد سداد دين الميت وتنفيذ وصيته.
وقد انتهت الآية الأولى بفقرة توطيدية لهذا التقسيم. فالناس لا يدرون حقيقة الأنفع لهم من آباء وأبناء ولكن الله أعلم بذلك. وقد أمر بما هو الأصلح لهم وجعله فريضة واجبة التنفيذ وهو العليم الحكيم الذي يعلم مقتضيات الأمور ويأمر بما فيه الحكمة والصلاح.
وقد انتهت الآية الثانية بالتنبيه على عدم تعمد الإضرار والإجحاف بحقوق أحد. وعلى أن هذا التقسيم هو فريضة الله العليم الحليم الذي يعلم مقتضيات الأمور ويرأف بكل ذي حق ويعامله بمقتضى حلمه.
وفي الآيتين الأخيرتين توطيد تعقيبي أيضا :فما تقدم من الأحكام هي حدود الله التي يجب الوقوف عندها، وعدم الانحراف عنها والتلاعب فيها. ومن أطاع الله ورسوله والتزم حدود الله كانت له الجنة والفوز العظيم. ومن عصاهما وانحرف عن حدود الله وتجاوزها أدخله الله النار وكان له عنده العذاب المهين.
ولقد رويت بعض الأحاديث والروايات في مناسبة نزول الآيات. من ذلك حديث رواه الشيخان والترمذي عن جابر قال ( عادني النبي صلى الله عليه وسلم ) وأبو بكر فوجدني النبي صلى الله عليه وسلم لا أعقل شيئا فدعا بماء فتوضأ منه ورش علي، فأفقت فقلت :يا رسول الله ما تأمرني أن أصنع في مالي ؟ فنزلت ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين )١ ومنها حديث رواه البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال ( كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين فنسخ الله من ذلك ما أحب فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث وجعل للمرأة الثمن والربع وللزوج الشطر والربع ) ٢ ومنها حديث رواه أبو داود والترمذي عن جابر قال ( جاءت امرأة سعد ابن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله فقالت :يا رسول الله هاتان ابنتا سعد ابن الربيع قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا. وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا تنكحان إلا ولهما مال. قال :يقضي الله في ذلك فنزلت آيات المواريث ( يوصيكم الله في أولادكم... ) فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال :أعط ابنتي سعد الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي هو لك ) ٣ ومنها رواية عن السدي قال ( كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري ـ أي البنات ـ ولا الضعفاء من الغلمان ولا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمان ابن ثابت وترك امرأة وخمس بنات فجاء الورثة فأخذوا ماله، فشكت امرأته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله الآيات٤.
وهذه الأحاديث تقتضي أن تكون الآيات نزلت مجزأة في مناسبات مختلفة، ويلحظ أن بعضها سيق كمناسبة لبعض الآيات السابقة. والذي يتبادر لنا أن هذه الآيات والآيات السابقة واحد ونزلت معا. بل الذي يتبادر لنا من انسجام الآيات من أول السورة إلى آخر هذه الآيات وتسلسلها سياقا وموضوعا أنها نزلت في ظرف واحد دفعة واحدة، أو تباعا لتحتوي ما احتوته من تشريعات وتحذيرات وتحديدات متنوعة متناسبة في صدد حقوق الأيتام واليتيمات وأموالهم وحقوق الزوجات ومهورهن والعدل بينهن وحقوق أصحاب الحق في التركات من رجال ونساء.
وهذا لا يمنع طبعا أن تكون وقعت مناسبات، ورفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم شكايات وتظلمات واستفتاءات مما احتوته الأحاديث والروايات فكان ذلك مناسبات لنزول هذه السلسة التشريعية.
ولقد تعددت تأويلات المؤولين التي يرويها المفسرون لجملة ( آبائكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ) وكلمة ( نفعا ) حيث قيل :إن النفع المذكور هو نفع الدنيا أو نفع الدنيا والدين أو نفع الآخرة، وحيث قيل في تأويل الجملة كلها ( إن الله قد عين أنصبة الوارثين من الآباء والأبناء بمقتضى حكمته التي يعرف بها ما هو الأنفع للناس، ولم يترك ذلك لهم ؛ لأنهم لا يدرون أي شيء أنفع فيخطئون في تعيين الأنصبة وتقسيم التركة ) وفي هذا سداد كما هو الظاهر.
ويلحظ أن في الأحكام شيئا من الاقتضاب والإطلاق والفراغ. مثل إغفال الفقرة الأولى من الآية الأولى ذكر حالة وحق البنتين اللتين ترثان وحدهما أباهما، والاكتفاء بذكر حالة وحق بنت واحدة أو نساء فوق اثنتين. ومثل إغفال الفقرة الثانية من نفس الآية ذكر مستحق الباقي إذا كان الوارث والدين وبنتا واحدة، حيث ذكر فيها أن الوالدين يأخذان السدسين والبنت النصف. ومثل السكوت عن مستحق السدس الذي ينقص من نصيب الأم إذا كان للوارث أخوة مع الوالدين. ومثل إغفال ذكر مستحق النصف الثاني من تركة الزوجة التي ليس لها ولد، ومستحق الأرباع الثلاثة من تركة الزوج الذي ليس له ولد. ومثل إغفال ذكر مستحق الثلثين الباقيين من تركة من يموت كلالة.
وعلى كل حال فالمتبادر أن الآيات احتوت الأسس والأحكام الرئيسية التي اقتضت حكمة التنزيل بيانها. وقد أكملت بعض الآيات والسنن المأثورة النبوية والراشدية بيان وأحكام ما فيها من اقتضاب وإطلاق وفراغ. وصار كل ذلك موضوع أبحاث واستنباطات وتفريعات تكون منه علم واسع وخطير من العلوم الإسلامية الفقهية المعروف بعلم الفرائض.
وجملة ( فريضة من الله ) هي كما هو المتبادر لبيان كون أحكام الإرث التي احتوتها الآيات مما رسمه الله وفرضه. وكلمة الفرائض التي سمى بها العلم المذكور آنفا هي جمع فريضة كما هو واضح. وقد استعملت هذه الكلمة للدلالة على أحكام الإرث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث جاء في حديث نبوي رواه الترمذي عن أبي هريرة ( تعلموا القرآن والفرائض وعلموها الناس فإني مقبوض ) ٥.
ومما جاء في القرآن للتوضيح التحديد والإتمام وسد الفراغ الآية الأخيرة من سورة النساء التي جعلت للأخ جميع تركة أخته المتوفاة كلالة، وجعلت للأختين ثلثي تركة أخيهما المتوفي كلالة، وجعلت جميع التركة لأخواته وإخوته إذا كانوا أكثر من ذلك على أن يكون نصيب الذكر ضعف نصيب الأنثى. وقد بدأت الآية بجملة ( يستفتونك ) حيث يدل ذلك على أنه وقع التباس في صدد ما احتوته الآية ( ١٢ ) من الآيات التي نحن في صددها من حكم إرث الذي يموت كلالة وهو السدس لكل من أخته وأخيه، والثلث إذا كانوا أكثر من ذلك، فجاءت الآية الأخيرة من السورة في بيان حكم التوارث بين الإخوة الأشقاء أو الإخوة من أب الذين يورثون كلالة واعتبرت الآية ( ١٢ ) في صدد حكم التوارث بين الإخوة من أم على ما رواه جمهور المفسرين من طرق عديدة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعيهم وقالوا :إن هذا متفق عليه٦.
ومن ذلك الحالة التي أغفلتها الفقرة الأولى من الآية الأولى على الآية ( ١٠ ) ونبهنا عليها، وهي عدم ذكر حكم البنتين ؛ حيث قيست على ما احتوته الآية الأخيرة من سورة النساء بالإضافة إلى الحديث النبوي الذي أوردناه قبل، والذي روي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى البنتين ثلثي تركة والدهما.
ومن ما جاء في الأحاديث المأثورة أحاديث نبوية منعت التوارث بين المسلمين والكفار. منها حديث رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أسامة ابن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم ) ٧ وحديث آخر رواه أصحاب السنن جاء فيه ( لا يتوارث أهل ملتين شتى ) ٨ ومن ذلك حديث رواه أصحاب السنن جاء فيه ( القاتل لا يرث ) ٩.
ومن ذلك حديث رواه الترمذي جاء فيه ( أيما رجل عاهر بحرة أو أمة فالولد ولد زنا لا يرث ولا يورث ) ١٠.
ومن ذلك حديث رواه البخاري وأبو داود عن شرحبيل ابن هذيل ( أن ابن مسعود سئل عن حق بنت وبنت ابن أخت فقال :( أقضي بما قضى النبي صلى الله عليه وسلم، للبنت النصف، ولبنت الابن السدس، وما بقي فللأخت ) ١١ حيث يفيد هذا أن بنت الابن المتوفي في حياة أبيه ترث من جدها إن لم يكن له ولد ذكر آخر يحجبها.
وقد قيس على ذلك ابن الابن أيضا. وقد روي عن زيد ابن ثابت حديث فيه توضيح أكثر لهذه الحالة جاء فيه ( أولاد الأبناء بمنزلة الأبناء إذا لم يكن دونهم ابن، ذكرهم كذكرهم، وأنثاهم كأنثاهم، يرثون كما يرثون. ويحجبون كما يحجبون ولا يرث ولد ابن مع وجود ابن ذكر آخر ) ١٢ وننبه على أن العلماء نبهوا على أن هذا بالنسبة لابن الابن، دون ابن البنت ؛ لأنه ليس من ذوي عصبة المورث١٣.
( ٢ ) الكلالة :تطلق الكلمة على الميت بدون وارث أصلي أو فرعي مباشر أي الذي لا يكون له والد وأم وولد. والكلال هو :الإعياء أي الضعف والعجز. كأنما الكلمة استعيرت لبيان عجز الميت وضعفه بفقده الوالد والولد من قبل. وأكثر المفسرين على أن الميت إذا ترك ابن ابن لا يعد موته كلالة١
﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ( ١ ) فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بها أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا( ١١ ) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بها أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً( ٢ ) أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ( ١٢ ) تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( ١٣ ) وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ( ١٤ ) ﴾
تعليق على الآية
( يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ ) الخ
والآيات الثلاث التالية لها وشرح إجمالي لأحكام الإرث وتلقينات الآيات
عبارة الآية واضحة وقد احتوت بيان ما اقتضت الحكمة بيانه من الأنصبة المفروضة للرجال والنساء أو الذكور والإناث في إرث الأموات كما يلي :
( ١ ) نصيب الذكر هو ضعف نصيب الأنثى.
( ٢ ) إذا كان الميت أبا ولم يترك إلا بنتا فلها نصف تركته. وإن ترك أكثر من بنتين فلهن ثلثاها.
( ٣ ) إذا كان للميت والدان وأولاد فلكل من والديه السدس.
( ٤ ) إذا كان للميت والدان وليس له أولاد فلوالده الثلثان ولأمه الثلث.
( ٥ ) إذا كان للميت والدان وليس له أولاد وله إخوة فيكون للأم السدس بدلا من الثلث.
( ٦ ) للزوج النصف تركة زوجته إن لم يكن لها ولد. فإن كان لها ولد فله ربعها.
( ٧ ) للزوجات ربع تركة زوجهن إن لم يكن له ولد. فإن كان له ولد فلهن الثمن.
( ٨ ) إذا لم يكن للميت والدان ولا أولاد وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما سدس التركة، وإذا كان الإخوة والأخوات أكثر فهم شركاء في ثلث التركة.
( ٩ ) التركة التي تقسم على الورثة هي ما يبقى منها بعد سداد دين الميت وتنفيذ وصيته.
وقد انتهت الآية الأولى بفقرة توطيدية لهذا التقسيم. فالناس لا يدرون حقيقة الأنفع لهم من آباء وأبناء ولكن الله أعلم بذلك. وقد أمر بما هو الأصلح لهم وجعله فريضة واجبة التنفيذ وهو العليم الحكيم الذي يعلم مقتضيات الأمور ويأمر بما فيه الحكمة والصلاح.
وقد انتهت الآية الثانية بالتنبيه على عدم تعمد الإضرار والإجحاف بحقوق أحد. وعلى أن هذا التقسيم هو فريضة الله العليم الحليم الذي يعلم مقتضيات الأمور ويرأف بكل ذي حق ويعامله بمقتضى حلمه.
وفي الآيتين الأخيرتين توطيد تعقيبي أيضا :فما تقدم من الأحكام هي حدود الله التي يجب الوقوف عندها، وعدم الانحراف عنها والتلاعب فيها. ومن أطاع الله ورسوله والتزم حدود الله كانت له الجنة والفوز العظيم. ومن عصاهما وانحرف عن حدود الله وتجاوزها أدخله الله النار وكان له عنده العذاب المهين.
ولقد رويت بعض الأحاديث والروايات في مناسبة نزول الآيات. من ذلك حديث رواه الشيخان والترمذي عن جابر قال ( عادني النبي صلى الله عليه وسلم ) وأبو بكر فوجدني النبي صلى الله عليه وسلم لا أعقل شيئا فدعا بماء فتوضأ منه ورش علي، فأفقت فقلت :يا رسول الله ما تأمرني أن أصنع في مالي ؟ فنزلت ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين )١ ومنها حديث رواه البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال ( كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين فنسخ الله من ذلك ما أحب فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث وجعل للمرأة الثمن والربع وللزوج الشطر والربع ) ٢ ومنها حديث رواه أبو داود والترمذي عن جابر قال ( جاءت امرأة سعد ابن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله فقالت :يا رسول الله هاتان ابنتا سعد ابن الربيع قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا. وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا تنكحان إلا ولهما مال. قال :يقضي الله في ذلك فنزلت آيات المواريث ( يوصيكم الله في أولادكم... ) فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال :أعط ابنتي سعد الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي هو لك ) ٣ ومنها رواية عن السدي قال ( كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري ـ أي البنات ـ ولا الضعفاء من الغلمان ولا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمان ابن ثابت وترك امرأة وخمس بنات فجاء الورثة فأخذوا ماله، فشكت امرأته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله الآيات٤.
وهذه الأحاديث تقتضي أن تكون الآيات نزلت مجزأة في مناسبات مختلفة، ويلحظ أن بعضها سيق كمناسبة لبعض الآيات السابقة. والذي يتبادر لنا أن هذه الآيات والآيات السابقة واحد ونزلت معا. بل الذي يتبادر لنا من انسجام الآيات من أول السورة إلى آخر هذه الآيات وتسلسلها سياقا وموضوعا أنها نزلت في ظرف واحد دفعة واحدة، أو تباعا لتحتوي ما احتوته من تشريعات وتحذيرات وتحديدات متنوعة متناسبة في صدد حقوق الأيتام واليتيمات وأموالهم وحقوق الزوجات ومهورهن والعدل بينهن وحقوق أصحاب الحق في التركات من رجال ونساء.
وهذا لا يمنع طبعا أن تكون وقعت مناسبات، ورفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم شكايات وتظلمات واستفتاءات مما احتوته الأحاديث والروايات فكان ذلك مناسبات لنزول هذه السلسة التشريعية.
ولقد تعددت تأويلات المؤولين التي يرويها المفسرون لجملة ( آبائكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ) وكلمة ( نفعا ) حيث قيل :إن النفع المذكور هو نفع الدنيا أو نفع الدنيا والدين أو نفع الآخرة، وحيث قيل في تأويل الجملة كلها ( إن الله قد عين أنصبة الوارثين من الآباء والأبناء بمقتضى حكمته التي يعرف بها ما هو الأنفع للناس، ولم يترك ذلك لهم ؛ لأنهم لا يدرون أي شيء أنفع فيخطئون في تعيين الأنصبة وتقسيم التركة ) وفي هذا سداد كما هو الظاهر.
ويلحظ أن في الأحكام شيئا من الاقتضاب والإطلاق والفراغ. مثل إغفال الفقرة الأولى من الآية الأولى ذكر حالة وحق البنتين اللتين ترثان وحدهما أباهما، والاكتفاء بذكر حالة وحق بنت واحدة أو نساء فوق اثنتين. ومثل إغفال الفقرة الثانية من نفس الآية ذكر مستحق الباقي إذا كان الوارث والدين وبنتا واحدة، حيث ذكر فيها أن الوالدين يأخذان السدسين والبنت النصف. ومثل السكوت عن مستحق السدس الذي ينقص من نصيب الأم إذا كان للوارث أخوة مع الوالدين. ومثل إغفال ذكر مستحق النصف الثاني من تركة الزوجة التي ليس لها ولد، ومستحق الأرباع الثلاثة من تركة الزوج الذي ليس له ولد. ومثل إغفال ذكر مستحق الثلثين الباقيين من تركة من يموت كلالة.
وعلى كل حال فالمتبادر أن الآيات احتوت الأسس والأحكام الرئيسية التي اقتضت حكمة التنزيل بيانها. وقد أكملت بعض الآيات والسنن المأثورة النبوية والراشدية بيان وأحكام ما فيها من اقتضاب وإطلاق وفراغ. وصار كل ذلك موضوع أبحاث واستنباطات وتفريعات تكون منه علم واسع وخطير من العلوم الإسلامية الفقهية المعروف بعلم الفرائض.
وجملة ( فريضة من الله ) هي كما هو المتبادر لبيان كون أحكام الإرث التي احتوتها الآيات مما رسمه الله وفرضه. وكلمة الفرائض التي سمى بها العلم المذكور آنفا هي جمع فريضة كما هو واضح. وقد استعملت هذه الكلمة للدلالة على أحكام الإرث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث جاء في حديث نبوي رواه الترمذي عن أبي هريرة ( تعلموا القرآن والفرائض وعلموها الناس فإني مقبوض ) ٥.
ومما جاء في القرآن للتوضيح التحديد والإتمام وسد الفراغ الآية الأخيرة من سورة النساء التي جعلت للأخ جميع تركة أخته المتوفاة كلالة، وجعلت للأختين ثلثي تركة أخيهما المتوفي كلالة، وجعلت جميع التركة لأخواته وإخوته إذا كانوا أكثر من ذلك على أن يكون نصيب الذكر ضعف نصيب الأنثى. وقد بدأت الآية بجملة ( يستفتونك ) حيث يدل ذلك على أنه وقع التباس في صدد ما احتوته الآية ( ١٢ ) من الآيات التي نحن في صددها من حكم إرث الذي يموت كلالة وهو السدس لكل من أخته وأخيه، والثلث إذا كانوا أكثر من ذلك، فجاءت الآية الأخيرة من السورة في بيان حكم التوارث بين الإخوة الأشقاء أو الإخوة من أب الذين يورثون كلالة واعتبرت الآية ( ١٢ ) في صدد حكم التوارث بين الإخوة من أم على ما رواه جمهور المفسرين من طرق عديدة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعيهم وقالوا :إن هذا متفق عليه٦.
ومن ذلك الحالة التي أغفلتها الفقرة الأولى من الآية الأولى على الآية ( ١٠ ) ونبهنا عليها، وهي عدم ذكر حكم البنتين ؛ حيث قيست على ما احتوته الآية الأخيرة من سورة النساء بالإضافة إلى الحديث النبوي الذي أوردناه قبل، والذي روي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى البنتين ثلثي تركة والدهما.
ومن ما جاء في الأحاديث المأثورة أحاديث نبوية منعت التوارث بين المسلمين والكفار. منها حديث رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أسامة ابن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم ) ٧ وحديث آخر رواه أصحاب السنن جاء فيه ( لا يتوارث أهل ملتين شتى ) ٨ ومن ذلك حديث رواه أصحاب السنن جاء فيه ( القاتل لا يرث ) ٩.
ومن ذلك حديث رواه الترمذي جاء فيه ( أيما رجل عاهر بحرة أو أمة فالولد ولد زنا لا يرث ولا يورث ) ١٠.
ومن ذلك حديث رواه البخاري وأبو داود عن شرحبيل ابن هذيل ( أن ابن مسعود سئل عن حق بنت وبنت ابن أخت فقال :( أقضي بما قضى النبي صلى الله عليه وسلم، للبنت النصف، ولبنت الابن السدس، وما بقي فللأخت ) ١١ حيث يفيد هذا أن بنت الابن المتوفي في حياة أبيه ترث من جدها إن لم يكن له ولد ذكر آخر يحجبها.
وقد قيس على ذلك ابن الابن أيضا. وقد روي عن زيد ابن ثابت حديث فيه توضيح أكثر لهذه الحالة جاء فيه ( أولاد الأبناء بمنزلة الأبناء إذا لم يكن دونهم ابن، ذكرهم كذكرهم، وأنثاهم كأنثاهم، يرثون كما يرثون. ويحجبون كما يحجبون ولا يرث ولد ابن مع وجود ابن ذكر آخر ) ١٢ وننبه على أن العلماء نبهوا على أن هذا بالنسبة لابن الابن، دون ابن البنت ؛ لأنه ليس من ذوي عصبة المورث١٣.
١ انظر تفسير الآيات في الزمخشري والخازن والطبرسي والبغوي..
﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ( ١ ) فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بها أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا( ١١ ) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بها أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً( ٢ ) أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ( ١٢ ) تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( ١٣ ) وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ( ١٤ ) ﴾
تعليق على الآية
( يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ ) الخ
والآيات الثلاث التالية لها وشرح إجمالي لأحكام الإرث وتلقينات الآيات
عبارة الآية واضحة وقد احتوت بيان ما اقتضت الحكمة بيانه من الأنصبة المفروضة للرجال والنساء أو الذكور والإناث في إرث الأموات كما يلي :
( ١ ) نصيب الذكر هو ضعف نصيب الأنثى.
( ٢ ) إذا كان الميت أبا ولم يترك إلا بنتا فلها نصف تركته. وإن ترك أكثر من بنتين فلهن ثلثاها.
( ٣ ) إذا كان للميت والدان وأولاد فلكل من والديه السدس.
( ٤ ) إذا كان للميت والدان وليس له أولاد فلوالده الثلثان ولأمه الثلث.
( ٥ ) إذا كان للميت والدان وليس له أولاد وله إخوة فيكون للأم السدس بدلا من الثلث.
( ٦ ) للزوج النصف تركة زوجته إن لم يكن لها ولد. فإن كان لها ولد فله ربعها.
( ٧ ) للزوجات ربع تركة زوجهن إن لم يكن له ولد. فإن كان له ولد فلهن الثمن.
( ٨ ) إذا لم يكن للميت والدان ولا أولاد وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما سدس التركة، وإذا كان الإخوة والأخوات أكثر فهم شركاء في ثلث التركة.
( ٩ ) التركة التي تقسم على الورثة هي ما يبقى منها بعد سداد دين الميت وتنفيذ وصيته.
وقد انتهت الآية الأولى بفقرة توطيدية لهذا التقسيم. فالناس لا يدرون حقيقة الأنفع لهم من آباء وأبناء ولكن الله أعلم بذلك. وقد أمر بما هو الأصلح لهم وجعله فريضة واجبة التنفيذ وهو العليم الحكيم الذي يعلم مقتضيات الأمور ويأمر بما فيه الحكمة والصلاح.
وقد انتهت الآية الثانية بالتنبيه على عدم تعمد الإضرار والإجحاف بحقوق أحد. وعلى أن هذا التقسيم هو فريضة الله العليم الحليم الذي يعلم مقتضيات الأمور ويرأف بكل ذي حق ويعامله بمقتضى حلمه.
وفي الآيتين الأخيرتين توطيد تعقيبي أيضا :فما تقدم من الأحكام هي حدود الله التي يجب الوقوف عندها، وعدم الانحراف عنها والتلاعب فيها. ومن أطاع الله ورسوله والتزم حدود الله كانت له الجنة والفوز العظيم. ومن عصاهما وانحرف عن حدود الله وتجاوزها أدخله الله النار وكان له عنده العذاب المهين.
ولقد رويت بعض الأحاديث والروايات في مناسبة نزول الآيات. من ذلك حديث رواه الشيخان والترمذي عن جابر قال ( عادني النبي صلى الله عليه وسلم ) وأبو بكر فوجدني النبي صلى الله عليه وسلم لا أعقل شيئا فدعا بماء فتوضأ منه ورش علي، فأفقت فقلت :يا رسول الله ما تأمرني أن أصنع في مالي ؟ فنزلت ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين )١ ومنها حديث رواه البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال ( كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين فنسخ الله من ذلك ما أحب فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث وجعل للمرأة الثمن والربع وللزوج الشطر والربع ) ٢ ومنها حديث رواه أبو داود والترمذي عن جابر قال ( جاءت امرأة سعد ابن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله فقالت :يا رسول الله هاتان ابنتا سعد ابن الربيع قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا. وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا تنكحان إلا ولهما مال. قال :يقضي الله في ذلك فنزلت آيات المواريث ( يوصيكم الله في أولادكم... ) فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال :أعط ابنتي سعد الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي هو لك ) ٣ ومنها رواية عن السدي قال ( كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري ـ أي البنات ـ ولا الضعفاء من الغلمان ولا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمان ابن ثابت وترك امرأة وخمس بنات فجاء الورثة فأخذوا ماله، فشكت امرأته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله الآيات٤.
وهذه الأحاديث تقتضي أن تكون الآيات نزلت مجزأة في مناسبات مختلفة، ويلحظ أن بعضها سيق كمناسبة لبعض الآيات السابقة. والذي يتبادر لنا أن هذه الآيات والآيات السابقة واحد ونزلت معا. بل الذي يتبادر لنا من انسجام الآيات من أول السورة إلى آخر هذه الآيات وتسلسلها سياقا وموضوعا أنها نزلت في ظرف واحد دفعة واحدة، أو تباعا لتحتوي ما احتوته من تشريعات وتحذيرات وتحديدات متنوعة متناسبة في صدد حقوق الأيتام واليتيمات وأموالهم وحقوق الزوجات ومهورهن والعدل بينهن وحقوق أصحاب الحق في التركات من رجال ونساء.
وهذا لا يمنع طبعا أن تكون وقعت مناسبات، ورفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم شكايات وتظلمات واستفتاءات مما احتوته الأحاديث والروايات فكان ذلك مناسبات لنزول هذه السلسة التشريعية.
ولقد تعددت تأويلات المؤولين التي يرويها المفسرون لجملة ( آبائكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ) وكلمة ( نفعا ) حيث قيل :إن النفع المذكور هو نفع الدنيا أو نفع الدنيا والدين أو نفع الآخرة، وحيث قيل في تأويل الجملة كلها ( إن الله قد عين أنصبة الوارثين من الآباء والأبناء بمقتضى حكمته التي يعرف بها ما هو الأنفع للناس، ولم يترك ذلك لهم ؛ لأنهم لا يدرون أي شيء أنفع فيخطئون في تعيين الأنصبة وتقسيم التركة ) وفي هذا سداد كما هو الظاهر.
ويلحظ أن في الأحكام شيئا من الاقتضاب والإطلاق والفراغ. مثل إغفال الفقرة الأولى من الآية الأولى ذكر حالة وحق البنتين اللتين ترثان وحدهما أباهما، والاكتفاء بذكر حالة وحق بنت واحدة أو نساء فوق اثنتين. ومثل إغفال الفقرة الثانية من نفس الآية ذكر مستحق الباقي إذا كان الوارث والدين وبنتا واحدة، حيث ذكر فيها أن الوالدين يأخذان السدسين والبنت النصف. ومثل السكوت عن مستحق السدس الذي ينقص من نصيب الأم إذا كان للوارث أخوة مع الوالدين. ومثل إغفال ذكر مستحق النصف الثاني من تركة الزوجة التي ليس لها ولد، ومستحق الأرباع الثلاثة من تركة الزوج الذي ليس له ولد. ومثل إغفال ذكر مستحق الثلثين الباقيين من تركة من يموت كلالة.
وعلى كل حال فالمتبادر أن الآيات احتوت الأسس والأحكام الرئيسية التي اقتضت حكمة التنزيل بيانها. وقد أكملت بعض الآيات والسنن المأثورة النبوية والراشدية بيان وأحكام ما فيها من اقتضاب وإطلاق وفراغ. وصار كل ذلك موضوع أبحاث واستنباطات وتفريعات تكون منه علم واسع وخطير من العلوم الإسلامية الفقهية المعروف بعلم الفرائض.
وجملة ( فريضة من الله ) هي كما هو المتبادر لبيان كون أحكام الإرث التي احتوتها الآيات مما رسمه الله وفرضه. وكلمة الفرائض التي سمى بها العلم المذكور آنفا هي جمع فريضة كما هو واضح. وقد استعملت هذه الكلمة للدلالة على أحكام الإرث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث جاء في حديث نبوي رواه الترمذي عن أبي هريرة ( تعلموا القرآن والفرائض وعلموها الناس فإني مقبوض ) ٥.
ومما جاء في القرآن للتوضيح التحديد والإتمام وسد الفراغ الآية الأخيرة من سورة النساء التي جعلت للأخ جميع تركة أخته المتوفاة كلالة، وجعلت للأختين ثلثي تركة أخيهما المتوفي كلالة، وجعلت جميع التركة لأخواته وإخوته إذا كانوا أكثر من ذلك على أن يكون نصيب الذكر ضعف نصيب الأنثى. وقد بدأت الآية بجملة ( يستفتونك ) حيث يدل ذلك على أنه وقع التباس في صدد ما احتوته الآية ( ١٢ ) من الآيات التي نحن في صددها من حكم إرث الذي يموت كلالة وهو السدس لكل من أخته وأخيه، والثلث إذا كانوا أكثر من ذلك، فجاءت الآية الأخيرة من السورة في بيان حكم التوارث بين الإخوة الأشقاء أو الإخوة من أب الذين يورثون كلالة واعتبرت الآية ( ١٢ ) في صدد حكم التوارث بين الإخوة من أم على ما رواه جمهور المفسرين من طرق عديدة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعيهم وقالوا :إن هذا متفق عليه٦.
ومن ذلك الحالة التي أغفلتها الفقرة الأولى من الآية الأولى على الآية ( ١٠ ) ونبهنا عليها، وهي عدم ذكر حكم البنتين ؛ حيث قيست على ما احتوته الآية الأخيرة من سورة النساء بالإضافة إلى الحديث النبوي الذي أوردناه قبل، والذي روي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى البنتين ثلثي تركة والدهما.
ومن ما جاء في الأحاديث المأثورة أحاديث نبوية منعت التوارث بين المسلمين والكفار. منها حديث رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أسامة ابن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم ) ٧ وحديث آخر رواه أصحاب السنن جاء فيه ( لا يتوارث أهل ملتين شتى ) ٨ ومن ذلك حديث رواه أصحاب السنن جاء فيه ( القاتل لا يرث ) ٩.
ومن ذلك حديث رواه الترمذي جاء فيه ( أيما رجل عاهر بحرة أو أمة فالولد ولد زنا لا يرث ولا يورث ) ١٠.
ومن ذلك حديث رواه البخاري وأبو داود عن شرحبيل ابن هذيل ( أن ابن مسعود سئل عن حق بنت وبنت ابن أخت فقال :( أقضي بما قضى النبي صلى الله عليه وسلم، للبنت النصف، ولبنت الابن السدس، وما بقي فللأخت ) ١١ حيث يفيد هذا أن بنت الابن المتوفي في حياة أبيه ترث من جدها إن لم يكن له ولد ذكر آخر يحجبها.
وقد قيس على ذلك ابن الابن أيضا. وقد روي عن زيد ابن ثابت حديث فيه توضيح أكثر لهذه الحالة جاء فيه ( أولاد الأبناء بمنزلة الأبناء إذا لم يكن دونهم ابن، ذكرهم كذكرهم، وأنثاهم كأنثاهم، يرثون كما يرثون. ويحجبون كما يحجبون ولا يرث ولد ابن مع وجود ابن ذكر آخر ) ١٢ وننبه على أن العلماء نبهوا على أن هذا بالنسبة لابن الابن، دون ابن البنت ؛ لأنه ليس من ذوي عصبة المورث١٣.
﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ( ١ ) فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بها أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا( ١١ ) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بها أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً( ٢ ) أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ( ١٢ ) تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( ١٣ ) وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ( ١٤ ) ﴾
تعليق على الآية
( يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ ) الخ
والآيات الثلاث التالية لها وشرح إجمالي لأحكام الإرث وتلقينات الآيات
عبارة الآية واضحة وقد احتوت بيان ما اقتضت الحكمة بيانه من الأنصبة المفروضة للرجال والنساء أو الذكور والإناث في إرث الأموات كما يلي :
( ١ ) نصيب الذكر هو ضعف نصيب الأنثى.
( ٢ ) إذا كان الميت أبا ولم يترك إلا بنتا فلها نصف تركته. وإن ترك أكثر من بنتين فلهن ثلثاها.
( ٣ ) إذا كان للميت والدان وأولاد فلكل من والديه السدس.
( ٤ ) إذا كان للميت والدان وليس له أولاد فلوالده الثلثان ولأمه الثلث.
( ٥ ) إذا كان للميت والدان وليس له أولاد وله إخوة فيكون للأم السدس بدلا من الثلث.
( ٦ ) للزوج النصف تركة زوجته إن لم يكن لها ولد. فإن كان لها ولد فله ربعها.
( ٧ ) للزوجات ربع تركة زوجهن إن لم يكن له ولد. فإن كان له ولد فلهن الثمن.
( ٨ ) إذا لم يكن للميت والدان ولا أولاد وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما سدس التركة، وإذا كان الإخوة والأخوات أكثر فهم شركاء في ثلث التركة.
( ٩ ) التركة التي تقسم على الورثة هي ما يبقى منها بعد سداد دين الميت وتنفيذ وصيته.
وقد انتهت الآية الأولى بفقرة توطيدية لهذا التقسيم. فالناس لا يدرون حقيقة الأنفع لهم من آباء وأبناء ولكن الله أعلم بذلك. وقد أمر بما هو الأصلح لهم وجعله فريضة واجبة التنفيذ وهو العليم الحكيم الذي يعلم مقتضيات الأمور ويأمر بما فيه الحكمة والصلاح.
وقد انتهت الآية الثانية بالتنبيه على عدم تعمد الإضرار والإجحاف بحقوق أحد. وعلى أن هذا التقسيم هو فريضة الله العليم الحليم الذي يعلم مقتضيات الأمور ويرأف بكل ذي حق ويعامله بمقتضى حلمه.
وفي الآيتين الأخيرتين توطيد تعقيبي أيضا :فما تقدم من الأحكام هي حدود الله التي يجب الوقوف عندها، وعدم الانحراف عنها والتلاعب فيها. ومن أطاع الله ورسوله والتزم حدود الله كانت له الجنة والفوز العظيم. ومن عصاهما وانحرف عن حدود الله وتجاوزها أدخله الله النار وكان له عنده العذاب المهين.
ولقد رويت بعض الأحاديث والروايات في مناسبة نزول الآيات. من ذلك حديث رواه الشيخان والترمذي عن جابر قال ( عادني النبي صلى الله عليه وسلم ) وأبو بكر فوجدني النبي صلى الله عليه وسلم لا أعقل شيئا فدعا بماء فتوضأ منه ورش علي، فأفقت فقلت :يا رسول الله ما تأمرني أن أصنع في مالي ؟ فنزلت ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين )١ ومنها حديث رواه البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال ( كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين فنسخ الله من ذلك ما أحب فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث وجعل للمرأة الثمن والربع وللزوج الشطر والربع ) ٢ ومنها حديث رواه أبو داود والترمذي عن جابر قال ( جاءت امرأة سعد ابن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله فقالت :يا رسول الله هاتان ابنتا سعد ابن الربيع قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا. وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا تنكحان إلا ولهما مال. قال :يقضي الله في ذلك فنزلت آيات المواريث ( يوصيكم الله في أولادكم... ) فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال :أعط ابنتي سعد الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي هو لك ) ٣ ومنها رواية عن السدي قال ( كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري ـ أي البنات ـ ولا الضعفاء من الغلمان ولا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمان ابن ثابت وترك امرأة وخمس بنات فجاء الورثة فأخذوا ماله، فشكت امرأته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله الآيات٤.
وهذه الأحاديث تقتضي أن تكون الآيات نزلت مجزأة في مناسبات مختلفة، ويلحظ أن بعضها سيق كمناسبة لبعض الآيات السابقة. والذي يتبادر لنا أن هذه الآيات والآيات السابقة واحد ونزلت معا. بل الذي يتبادر لنا من انسجام الآيات من أول السورة إلى آخر هذه الآيات وتسلسلها سياقا وموضوعا أنها نزلت في ظرف واحد دفعة واحدة، أو تباعا لتحتوي ما احتوته من تشريعات وتحذيرات وتحديدات متنوعة متناسبة في صدد حقوق الأيتام واليتيمات وأموالهم وحقوق الزوجات ومهورهن والعدل بينهن وحقوق أصحاب الحق في التركات من رجال ونساء.
وهذا لا يمنع طبعا أن تكون وقعت مناسبات، ورفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم شكايات وتظلمات واستفتاءات مما احتوته الأحاديث والروايات فكان ذلك مناسبات لنزول هذه السلسة التشريعية.
ولقد تعددت تأويلات المؤولين التي يرويها المفسرون لجملة ( آبائكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ) وكلمة ( نفعا ) حيث قيل :إن النفع المذكور هو نفع الدنيا أو نفع الدنيا والدين أو نفع الآخرة، وحيث قيل في تأويل الجملة كلها ( إن الله قد عين أنصبة الوارثين من الآباء والأبناء بمقتضى حكمته التي يعرف بها ما هو الأنفع للناس، ولم يترك ذلك لهم ؛ لأنهم لا يدرون أي شيء أنفع فيخطئون في تعيين الأنصبة وتقسيم التركة ) وفي هذا سداد كما هو الظاهر.
ويلحظ أن في الأحكام شيئا من الاقتضاب والإطلاق والفراغ. مثل إغفال الفقرة الأولى من الآية الأولى ذكر حالة وحق البنتين اللتين ترثان وحدهما أباهما، والاكتفاء بذكر حالة وحق بنت واحدة أو نساء فوق اثنتين. ومثل إغفال الفقرة الثانية من نفس الآية ذكر مستحق الباقي إذا كان الوارث والدين وبنتا واحدة، حيث ذكر فيها أن الوالدين يأخذان السدسين والبنت النصف. ومثل السكوت عن مستحق السدس الذي ينقص من نصيب الأم إذا كان للوارث أخوة مع الوالدين. ومثل إغفال ذكر مستحق النصف الثاني من تركة الزوجة التي ليس لها ولد، ومستحق الأرباع الثلاثة من تركة الزوج الذي ليس له ولد. ومثل إغفال ذكر مستحق الثلثين الباقيين من تركة من يموت كلالة.
وعلى كل حال فالمتبادر أن الآيات احتوت الأسس والأحكام الرئيسية التي اقتضت حكمة التنزيل بيانها. وقد أكملت بعض الآيات والسنن المأثورة النبوية والراشدية بيان وأحكام ما فيها من اقتضاب وإطلاق وفراغ. وصار كل ذلك موضوع أبحاث واستنباطات وتفريعات تكون منه علم واسع وخطير من العلوم الإسلامية الفقهية المعروف بعلم الفرائض.
وجملة ( فريضة من الله ) هي كما هو المتبادر لبيان كون أحكام الإرث التي احتوتها الآيات مما رسمه الله وفرضه. وكلمة الفرائض التي سمى بها العلم المذكور آنفا هي جمع فريضة كما هو واضح. وقد استعملت هذه الكلمة للدلالة على أحكام الإرث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث جاء في حديث نبوي رواه الترمذي عن أبي هريرة ( تعلموا القرآن والفرائض وعلموها الناس فإني مقبوض ) ٥.
ومما جاء في القرآن للتوضيح التحديد والإتمام وسد الفراغ الآية الأخيرة من سورة النساء التي جعلت للأخ جميع تركة أخته المتوفاة كلالة، وجعلت للأختين ثلثي تركة أخيهما المتوفي كلالة، وجعلت جميع التركة لأخواته وإخوته إذا كانوا أكثر من ذلك على أن يكون نصيب الذكر ضعف نصيب الأنثى. وقد بدأت الآية بجملة ( يستفتونك ) حيث يدل ذلك على أنه وقع التباس في صدد ما احتوته الآية ( ١٢ ) من الآيات التي نحن في صددها من حكم إرث الذي يموت كلالة وهو السدس لكل من أخته وأخيه، والثلث إذا كانوا أكثر من ذلك، فجاءت الآية الأخيرة من السورة في بيان حكم التوارث بين الإخوة الأشقاء أو الإخوة من أب الذين يورثون كلالة واعتبرت الآية ( ١٢ ) في صدد حكم التوارث بين الإخوة من أم على ما رواه جمهور المفسرين من طرق عديدة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعيهم وقالوا :إن هذا متفق عليه٦.
ومن ذلك الحالة التي أغفلتها الفقرة الأولى من الآية الأولى على الآية ( ١٠ ) ونبهنا عليها، وهي عدم ذكر حكم البنتين ؛ حيث قيست على ما احتوته الآية الأخيرة من سورة النساء بالإضافة إلى الحديث النبوي الذي أوردناه قبل، والذي روي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى البنتين ثلثي تركة والدهما.
ومن ما جاء في الأحاديث المأثورة أحاديث نبوية منعت التوارث بين المسلمين والكفار. منها حديث رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أسامة ابن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم ) ٧ وحديث آخر رواه أصحاب السنن جاء فيه ( لا يتوارث أهل ملتين شتى ) ٨ ومن ذلك حديث رواه أصحاب السنن جاء فيه ( القاتل لا يرث ) ٩.
ومن ذلك حديث رواه الترمذي جاء فيه ( أيما رجل عاهر بحرة أو أمة فالولد ولد زنا لا يرث ولا يورث ) ١٠.
ومن ذلك حديث رواه البخاري وأبو داود عن شرحبيل ابن هذيل ( أن ابن مسعود سئل عن حق بنت وبنت ابن أخت فقال :( أقضي بما قضى النبي صلى الله عليه وسلم، للبنت النصف، ولبنت الابن السدس، وما بقي فللأخت ) ١١ حيث يفيد هذا أن بنت الابن المتوفي في حياة أبيه ترث من جدها إن لم يكن له ولد ذكر آخر يحجبها.
وقد قيس على ذلك ابن الابن أيضا. وقد روي عن زيد ابن ثابت حديث فيه توضيح أكثر لهذه الحالة جاء فيه ( أولاد الأبناء بمنزلة الأبناء إذا لم يكن دونهم ابن، ذكرهم كذكرهم، وأنثاهم كأنثاهم، يرثون كما يرثون. ويحجبون كما يحجبون ولا يرث ولد ابن مع وجود ابن ذكر آخر ) ١٢ وننبه على أن العلماء نبهوا على أن هذا بالنسبة لابن الابن، دون ابن البنت ؛ لأنه ليس من ذوي عصبة المورث١٣.
( ١ ) الفاحشة :هنا بمعنى الزنا على قول الجمهور، وهو ما تلهمه الآية أيضا.
﴿ وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ( ١ ) مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ( ١٥ ) وَاللَّذَانَ( ٢ ) يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ( ١٦ ) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( ١٧ ) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ( ١٨ ) ﴾
احتوت الآيتان الأوليان تشريعا بحق الذين يأتون الفاحشة من النساء والرجال وهي الزنا على تأويل جمهور المفسرين :
( ١ ) فإذا اقترفت النساء الفاحشة وشهد أربعة من المسلمين على ذلك حين استشهادهم فوجب حبسهن في البيوت إلى أن يمتن أو يأمر الله في شأنهن أمرا، ويجعل لهن سبيلا وفكاكا بصورة ما.
( ٢ ) أما الرجال الذين يقترفون الفاحشة فوجب أذيتهم فإذا تابوا وأصلحوا تركوا وشأنهم. فإن الله تواب رحيم يقبل التوبة من التائبين ويشملهم برحمته
أما الآيتان الأخريان، فإنهما جاءتا استطراديتين في صدد التوبة لتقررا أن الله إنما يعد بقبول توبة الذين يقترفون الذنوب بسائق الجهل والطيش، ثم يستشعرون حالا بخطأهم فيسارعون إلى التوبة قبل فوات الوقت. فهؤلاء هم الذين يتوب عليهم الله. أما الذين يظلون يرتكبون الآثام والموبقات بدون مبالاة إلى أن يحضرهم الموت، ثم يستشعرون بالحسرة فيقولون :تبنا أو الذين يموتون، وهم كفار فلا توبة لهم ولهم عذاب أليم عند الله.
ولقد شرحنا الآية ( ١٦ ) على اعتبار أن ( والذان ) جمع مذكر على ما عليه الجمهور والمأثور من اللغة يسمح به. وقد ذكر النساء في الآية ( ١٥ ) فصار من السائغ أن تكون الكلمة قد قصدت الرجال للمقابلة. ويكون على هذا تثنية ( فآذوهما ) و ( فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ) هي للتساوق وحسب. على أن هناك من يقول إن الآية ( ١٥ ) هي بحق النساء الثيبات والمتزوجات وأن الآية ( ١٦ ) هي بحق الأبكار من الرجال والنساء على السواء وهناك من يقول :إن الآية ( ١٦ ) تعني لواط الذكر بالذكر١ ولقد أورد الذين قالوا هذه الأحاديث النبوية الواردة في عقوبة جريمة اللواط والتي منها حديث رواه أصحاب السنن عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ) ٢ ويلحظ أن الحديث عين عقوبة أشد من العقوبة التي عينتها الآية التي نحن في صددها، والتي هي الخطوة التشريعية الأولى لمرتكبي الفاحشة. وهذا يجعلنا نرجح أن الحديث قد صدر في ظرف الخطوة التشريعية الثانية التي عينت عقوبة شديدة على الزنا على ما سوف نشرحه في سياق تفسير سورة النور، بحيث يسوغ القول إن إيراد الحديث للتدليل على أن كلمة ( اللذان ) قد قصد بها لواط الذكر بالذكر في غير محله. ونحن نرجح أن هذه الكلمة في مقامها هي جمع مذكر على ما شرحناه قبل. والله تعالى اعلم.
تعليق على الآية
( والتي يأتين الفاحشة من نسائكم )
والآيات الثلاث التالية لها
ولم نطلع على رواية خاصة في مناسبة نزول الآيات. ويلحظ شيء من التناسب الموضوعي بين هذه الآيات وما بعدها من الآيات المتصلة بمعاملة النساء والأنكحة المحرمة والمحللة وبين الآيات السابقة، بحيث يرد في البال أنها استمرار في التشريعات المتصلة بهذا الموضوع وأنها نزلت بعدها.
ولقد احتوى القرآن المكي تقبيحا وزجرا عن الزنا ووعيدا للزناة، وعدّ ذلك من الفواحش الكبرى على ما جاء في آيات سورة الفرقان ( ٦٨ـ ٦٩ ) والإسراء ( ٣٢ ).
وهذا الأسلوب المتسق مع ظروف العهد المكي. فجاءت هذه الآيات بأسلوب تشريعي ؛ لأن ذلك صار ممكنا في العهد المدني. ومع ذلك فإن التشريع في الآيات هو خطوة أولى. وقد جاءت الخطوة الثانية في الآيات الأولى من سورة النور وفي بعض الأحاديث النبوية على ما سوف يأتي شرحه في سياق تفسير هذه السورة.
ويلحظ أن عقوبة الزنا في الخطوة التشريعية الأولى اقتصرت بالنسبة للرجال الذين عبر عنهم بكلمة ﴿ والذان ﴾ على ما رجحناه على جملة ﴿ فئاذوهما ﴾ وبالنسبة للنساء على جملة ( فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ) وقد قال المفسرون عزوا إلى ابن عباس وغيره :إن ( فآذوهما ) بمعنى التعيير والضرب والتوبيخ. وإن حكمة استبقاء النساء في البيوت هي عدم تعريضهن للفاحشة ثانية بالبروز للرجال٣ وهذا مما يتسق مع روح الآيات. مع التنبيه على أن أقوال المفسرين لا تفيد أن إمساك النساء في البيوت هو عقوبة. في حين أنه في الحقيقة عقوبة شديدة ؛ لأنه سجن أبدي حتى الموت أو يجعل الله لهن سبيلا. وكل من العقوبتين متناسبة على ما هو المتبادر مع طبيعة كل من الرجل والمرأة أو ظروفهما في ذلك الوقت، من حيث إن الرجل مضطر إلى السعي والارتزاق فاكتفى في عقوبته بالضرب والتعزير، ولم تكن المرأة في مثل هذا الاضطرار فعوقبت بالحبس حتى الموت أو يجعل الله لها سبيلا. ولقد روى المفسرون في سياق الآية حديثا عن عبادة ابن الصامت قال ( كان رسول الله إذا نزل عليه الوحي أثر عليه وكرب وتغير لذلك وجهه. فأنزل الله عز وجل عليه ذات يوم، فلما سرى عنه قال :خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا :الثيب بالثيب والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة. ورجم بالحجارة والبكر جلد ثم نفي سنة )٤ ومن المحتمل أن يكون الحديث النبوي صدر على أثر نزول آيات سورة النور التي فيها تشريع جلد مائة للزاني والزانية.
وجمهور المفسرين والعلماء٥ على أن الخطوة الثانية في سورة النور والأحاديث النبوية نسخت الآيات التي نحن في صددها. ويلحظ أولا :أن في الخطوة الثانية تحديدا وتشديدا للعقوبة، وهذا أحرى أن يسمى تعديلا لا نسخا.
ويلحظ ثانيا :أن استشهاد أربعة شهود ظل محكما في الخطوة الثانية. ولقد استند بعضهم إلى الآية الثانية فقال :إن مرتكب الفاحشة إذا تاب تسقط عنه العقوبة.
والعقوبة المعينة في الآية هي كما قلنا الخطوة الأولى، ثم جاءت آيات سورة النور والأحاديث فنسختها وصارت هذه المحكمة ؛ لأنها تنص على وجوب اتباع الحد على الزاني والزانية بدون رأفة وبدون استدراك بحيث يكون ذلك القول غير سليم.
وعدم سلامة القول يلمح أيضا من نص الآية الثانية، حتى بقطع النظر عن أمر نسخها بآيات النور. فهي تأمر بأذية مرتكبي الفاحشة، ثم الإعراض عنهما إذا تابا وأصلحا، وهذا من نوع توبة من يرمي المحصنات، ولم يأت بأربعة شهداء التي ذكرت في آيات سورة النور ( ٤و٥ ) ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ٤ إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم٥ ) ومرتكب الفاحشة يكون قد أثم من ناحيتين من ناحية مخالفته لله وارتكابه ما حرمه ومن ناحية عدوانه على عرض آخر. فعليه الحد لهذا، وإذا تاب فيحظى بعفو الله عن ذلك. وهناك بعض الأحاديث في هذا الصدد سنوردها، ونعلق عليها في سياق شرح آيات النور٦.
وجملة ( فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت... ) لا تفيد فيما يتبادر لنا معنى الشهادة العيانية لجريمة الزنا فقط، بل تفيد معنى الشهادة العلمية الخبرية أيضا، بل قد تفيد هذه الشهادة في الدرجة الأولى إذا أمعن فيها. فكأنما تقول والله أعلم ( إذا علمتم أن امرأة ترتكب الفاحشة فاسألوا عن سيرتها فإن شهد أربعة من المسلمين بذلك فامسكوها في البيت... ) ومع أن الجمهور٧ على أن الشهادة التي يثبت بها الزنا هي الشهادة العيانية أي رؤية العملية الجنسية الجريمة ومشاهدتها بدون استنتاج ولا تخمين ولا بناء على الروايات والشائعات والمعرفة الصادقة فإن نص العبارة القرآنية يجعلنا نشك في صواب ذلك ونصر على القول :إن المقصود هو الشهادة العلمية. فالنص يأمر باستشهاد أربعة من المسلمين إطلاقا إذا ما عرف أن امرأة أتت فاحشة. وهذا إنما يكون بعد أن يعزى إليها ذلك، ويعني بالتالي أنه شهادة علم وليس شهادة عيان. ولم نطلع على حديث نبوي صريح في ذلك. والحوادث التي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام الحد فيها على الزناة كانت بناء على اعتراف أصحابها٨ وقد عبر الحديث الذي يرويه ابن عباس والذي أشرنا إليه آنفا عن هذه الشهادة بجملة ( إذا قامت البينة ) وهذا لا يفيد صراحة بأنها بينة عيانية. وقد يقال :إن من الممكن أن يكون المقصود أنه حينما يعزى إلى امرأة عمل الفاحشة يطلب من المسلمين رصدها فإذا رآها أربعة منهم ترتكب الفاحشة عيانا شهدوا، وإذا صح هذا الفرض برغم ما يبدو عليه من تكلف فإثبات الزنا يزداد صعوبة ويكون ذلك من حكمة إناطته بشهادة عيانية من أربعة من المسلمين حتى لا تهتك أعراض النساء بشهادات علمية وخبرية وقليلة والله تعالى اعلم. ولقد أورد المفسر القاسمي في سياق تفسير الآيات الأولى من سورة النور حديثا عزاه إلى البخاري جاء فيه ( إن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه جلد أبا بكر وشبل ابن معبد ونافعا بقذف المغيرة والي الكوفة بالزنا لما شهدوا بأنهم رأوه مستنبطا المرأة ؛ لأن الشاهد الرابع وهو زياد لم يشهد بشهادتهم ) ويتبادر لنا أن الذين جعلوا الشهادة التي يثبت بها الزنا عيانية قد استندوا إلى هذا الحديث.
والذي يتبادر لنا أن هذا الحديث إذا صح هو في صدد حادثة معينة، وليس في صدد مبدأ تحديد كيفية الشهادة بإثبات الزنا. هذا مع قولنا :إن من المستبعد أن يكون الشهود الأربعة المذكورون في الحديث قد رأوا العملية صدفة، وأنهم لا بد من أن يكونوا قد علموا بها مسبقا فترصدوها حتى شاهدوها.
وننبه على أن جلد عمر للثلاثة المروي في الحديث مستند إلى آية في سورة النور وهي ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة... ). وسنزيد الآية شرحا في مناسبتها.
ومهما يكن من أمر هذه النقطة فإن الحكمة في جعل عدد الشهود لإثبات جريمة الزنا بالشهادة أربعة ظاهرة بليغة. وبخاصة على ضوء ما يذهب إليه الجمهور من أنها يجب أن تكون عيانية. فهذه الجريمة من شأنها دائما أن تهز كيان الأسر وتثير الارتباك والهياج في المجتمع، وتؤدي إلى عواقب وخيمة في ظروف كثيرة والتشدد في إثبات وقوعها يحول دون كل ذلك. أما إذا شهد أربعة شهود عيان فمعنى ذلك :أن المجرمين استهتروا استهتارا بشعا بمصلحة المجتمع وسلامة الأعراض بجريمتهم ويصبح إعلان الجريمة والتنكيل بمرتكبيها من مصلحة الجمهور.
وكلمة ( منكم ) تفيد كما هو المتبادر وجوب كون الشهود الأربعة التي تثبت بشهادتهم جريمة الزنا من المسلمين. ولهذا فيما يتبادر مغزى بعيد المدى في الظرف الذي نزلت فيه الآية وفي كل ظرف معا. فالمفروض أن المؤمن المسلم يعرف خطورة إثم شهادة الزور وضرر إشاعة الفاحش
اللذان :الكلمة جمع مذكر في مقام اللذين على قول الجمهور.
﴿ وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ( ١ ) مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ( ١٥ ) وَاللَّذَانَ( ٢ ) يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ( ١٦ ) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( ١٧ ) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ( ١٨ ) ﴾
احتوت الآيتان الأوليان تشريعا بحق الذين يأتون الفاحشة من النساء والرجال وهي الزنا على تأويل جمهور المفسرين :
( ١ ) فإذا اقترفت النساء الفاحشة وشهد أربعة من المسلمين على ذلك حين استشهادهم فوجب حبسهن في البيوت إلى أن يمتن أو يأمر الله في شأنهن أمرا، ويجعل لهن سبيلا وفكاكا بصورة ما.
( ٢ ) أما الرجال الذين يقترفون الفاحشة فوجب أذيتهم فإذا تابوا وأصلحوا تركوا وشأنهم. فإن الله تواب رحيم يقبل التوبة من التائبين ويشملهم برحمته
أما الآيتان الأخريان، فإنهما جاءتا استطراديتين في صدد التوبة لتقررا أن الله إنما يعد بقبول توبة الذين يقترفون الذنوب بسائق الجهل والطيش، ثم يستشعرون حالا بخطأهم فيسارعون إلى التوبة قبل فوات الوقت. فهؤلاء هم الذين يتوب عليهم الله. أما الذين يظلون يرتكبون الآثام والموبقات بدون مبالاة إلى أن يحضرهم الموت، ثم يستشعرون بالحسرة فيقولون :تبنا أو الذين يموتون، وهم كفار فلا توبة لهم ولهم عذاب أليم عند الله.
ولقد شرحنا الآية ( ١٦ ) على اعتبار أن ( والذان ) جمع مذكر على ما عليه الجمهور والمأثور من اللغة يسمح به. وقد ذكر النساء في الآية ( ١٥ ) فصار من السائغ أن تكون الكلمة قد قصدت الرجال للمقابلة. ويكون على هذا تثنية ( فآذوهما ) و ( فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ) هي للتساوق وحسب. على أن هناك من يقول إن الآية ( ١٥ ) هي بحق النساء الثيبات والمتزوجات وأن الآية ( ١٦ ) هي بحق الأبكار من الرجال والنساء على السواء وهناك من يقول :إن الآية ( ١٦ ) تعني لواط الذكر بالذكر١ ولقد أورد الذين قالوا هذه الأحاديث النبوية الواردة في عقوبة جريمة اللواط والتي منها حديث رواه أصحاب السنن عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ) ٢ ويلحظ أن الحديث عين عقوبة أشد من العقوبة التي عينتها الآية التي نحن في صددها، والتي هي الخطوة التشريعية الأولى لمرتكبي الفاحشة. وهذا يجعلنا نرجح أن الحديث قد صدر في ظرف الخطوة التشريعية الثانية التي عينت عقوبة شديدة على الزنا على ما سوف نشرحه في سياق تفسير سورة النور، بحيث يسوغ القول إن إيراد الحديث للتدليل على أن كلمة ( اللذان ) قد قصد بها لواط الذكر بالذكر في غير محله. ونحن نرجح أن هذه الكلمة في مقامها هي جمع مذكر على ما شرحناه قبل. والله تعالى اعلم.
تعليق على الآية
( والتي يأتين الفاحشة من نسائكم )
والآيات الثلاث التالية لها
ولم نطلع على رواية خاصة في مناسبة نزول الآيات. ويلحظ شيء من التناسب الموضوعي بين هذه الآيات وما بعدها من الآيات المتصلة بمعاملة النساء والأنكحة المحرمة والمحللة وبين الآيات السابقة، بحيث يرد في البال أنها استمرار في التشريعات المتصلة بهذا الموضوع وأنها نزلت بعدها.
ولقد احتوى القرآن المكي تقبيحا وزجرا عن الزنا ووعيدا للزناة، وعدّ ذلك من الفواحش الكبرى على ما جاء في آيات سورة الفرقان ( ٦٨ـ ٦٩ ) والإسراء ( ٣٢ ).
وهذا الأسلوب المتسق مع ظروف العهد المكي. فجاءت هذه الآيات بأسلوب تشريعي ؛ لأن ذلك صار ممكنا في العهد المدني. ومع ذلك فإن التشريع في الآيات هو خطوة أولى. وقد جاءت الخطوة الثانية في الآيات الأولى من سورة النور وفي بعض الأحاديث النبوية على ما سوف يأتي شرحه في سياق تفسير هذه السورة.
ويلحظ أن عقوبة الزنا في الخطوة التشريعية الأولى اقتصرت بالنسبة للرجال الذين عبر عنهم بكلمة ﴿ والذان ﴾ على ما رجحناه على جملة ﴿ فئاذوهما ﴾ وبالنسبة للنساء على جملة ( فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ) وقد قال المفسرون عزوا إلى ابن عباس وغيره :إن ( فآذوهما ) بمعنى التعيير والضرب والتوبيخ. وإن حكمة استبقاء النساء في البيوت هي عدم تعريضهن للفاحشة ثانية بالبروز للرجال٣ وهذا مما يتسق مع روح الآيات. مع التنبيه على أن أقوال المفسرين لا تفيد أن إمساك النساء في البيوت هو عقوبة. في حين أنه في الحقيقة عقوبة شديدة ؛ لأنه سجن أبدي حتى الموت أو يجعل الله لهن سبيلا. وكل من العقوبتين متناسبة على ما هو المتبادر مع طبيعة كل من الرجل والمرأة أو ظروفهما في ذلك الوقت، من حيث إن الرجل مضطر إلى السعي والارتزاق فاكتفى في عقوبته بالضرب والتعزير، ولم تكن المرأة في مثل هذا الاضطرار فعوقبت بالحبس حتى الموت أو يجعل الله لها سبيلا. ولقد روى المفسرون في سياق الآية حديثا عن عبادة ابن الصامت قال ( كان رسول الله إذا نزل عليه الوحي أثر عليه وكرب وتغير لذلك وجهه. فأنزل الله عز وجل عليه ذات يوم، فلما سرى عنه قال :خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا :الثيب بالثيب والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة. ورجم بالحجارة والبكر جلد ثم نفي سنة )٤ ومن المحتمل أن يكون الحديث النبوي صدر على أثر نزول آيات سورة النور التي فيها تشريع جلد مائة للزاني والزانية.
وجمهور المفسرين والعلماء٥ على أن الخطوة الثانية في سورة النور والأحاديث النبوية نسخت الآيات التي نحن في صددها. ويلحظ أولا :أن في الخطوة الثانية تحديدا وتشديدا للعقوبة، وهذا أحرى أن يسمى تعديلا لا نسخا.
ويلحظ ثانيا :أن استشهاد أربعة شهود ظل محكما في الخطوة الثانية. ولقد استند بعضهم إلى الآية الثانية فقال :إن مرتكب الفاحشة إذا تاب تسقط عنه العقوبة.
والعقوبة المعينة في الآية هي كما قلنا الخطوة الأولى، ثم جاءت آيات سورة النور والأحاديث فنسختها وصارت هذه المحكمة ؛ لأنها تنص على وجوب اتباع الحد على الزاني والزانية بدون رأفة وبدون استدراك بحيث يكون ذلك القول غير سليم.
وعدم سلامة القول يلمح أيضا من نص الآية الثانية، حتى بقطع النظر عن أمر نسخها بآيات النور. فهي تأمر بأذية مرتكبي الفاحشة، ثم الإعراض عنهما إذا تابا وأصلحا، وهذا من نوع توبة من يرمي المحصنات، ولم يأت بأربعة شهداء التي ذكرت في آيات سورة النور ( ٤و٥ ) ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ٤ إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم٥ ) ومرتكب الفاحشة يكون قد أثم من ناحيتين من ناحية مخالفته لله وارتكابه ما حرمه ومن ناحية عدوانه على عرض آخر. فعليه الحد لهذا، وإذا تاب فيحظى بعفو الله عن ذلك. وهناك بعض الأحاديث في هذا الصدد سنوردها، ونعلق عليها في سياق شرح آيات النور٦.
وجملة ( فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت... ) لا تفيد فيما يتبادر لنا معنى الشهادة العيانية لجريمة الزنا فقط، بل تفيد معنى الشهادة العلمية الخبرية أيضا، بل قد تفيد هذه الشهادة في الدرجة الأولى إذا أمعن فيها. فكأنما تقول والله أعلم ( إذا علمتم أن امرأة ترتكب الفاحشة فاسألوا عن سيرتها فإن شهد أربعة من المسلمين بذلك فامسكوها في البيت... ) ومع أن الجمهور٧ على أن الشهادة التي يثبت بها الزنا هي الشهادة العيانية أي رؤية العملية الجنسية الجريمة ومشاهدتها بدون استنتاج ولا تخمين ولا بناء على الروايات والشائعات والمعرفة الصادقة فإن نص العبارة القرآنية يجعلنا نشك في صواب ذلك ونصر على القول :إن المقصود هو الشهادة العلمية. فالنص يأمر باستشهاد أربعة من المسلمين إطلاقا إذا ما عرف أن امرأة أتت فاحشة. وهذا إنما يكون بعد أن يعزى إليها ذلك، ويعني بالتالي أنه شهادة علم وليس شهادة عيان. ولم نطلع على حديث نبوي صريح في ذلك. والحوادث التي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام الحد فيها على الزناة كانت بناء على اعتراف أصحابها٨ وقد عبر الحديث الذي يرويه ابن عباس والذي أشرنا إليه آنفا عن هذه الشهادة بجملة ( إذا قامت البينة ) وهذا لا يفيد صراحة بأنها بينة عيانية. وقد يقال :إن من الممكن أن يكون المقصود أنه حينما يعزى إلى امرأة عمل الفاحشة يطلب من المسلمين رصدها فإذا رآها أربعة منهم ترتكب الفاحشة عيانا شهدوا، وإذا صح هذا الفرض برغم ما يبدو عليه من تكلف فإثبات الزنا يزداد صعوبة ويكون ذلك من حكمة إناطته بشهادة عيانية من أربعة من المسلمين حتى لا تهتك أعراض النساء بشهادات علمية وخبرية وقليلة والله تعالى اعلم. ولقد أورد المفسر القاسمي في سياق تفسير الآيات الأولى من سورة النور حديثا عزاه إلى البخاري جاء فيه ( إن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه جلد أبا بكر وشبل ابن معبد ونافعا بقذف المغيرة والي الكوفة بالزنا لما شهدوا بأنهم رأوه مستنبطا المرأة ؛ لأن الشاهد الرابع وهو زياد لم يشهد بشهادتهم ) ويتبادر لنا أن الذين جعلوا الشهادة التي يثبت بها الزنا عيانية قد استندوا إلى هذا الحديث.
والذي يتبادر لنا أن هذا الحديث إذا صح هو في صدد حادثة معينة، وليس في صدد مبدأ تحديد كيفية الشهادة بإثبات الزنا. هذا مع قولنا :إن من المستبعد أن يكون الشهود الأربعة المذكورون في الحديث قد رأوا العملية صدفة، وأنهم لا بد من أن يكونوا قد علموا بها مسبقا فترصدوها حتى شاهدوها.
وننبه على أن جلد عمر للثلاثة المروي في الحديث مستند إلى آية في سورة النور وهي ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة... ). وسنزيد الآية شرحا في مناسبتها.
ومهما يكن من أمر هذه النقطة فإن الحكمة في جعل عدد الشهود لإثبات جريمة الزنا بالشهادة أربعة ظاهرة بليغة. وبخاصة على ضوء ما يذهب إليه الجمهور من أنها يجب أن تكون عيانية. فهذه الجريمة من شأنها دائما أن تهز كيان الأسر وتثير الارتباك والهياج في المجتمع، وتؤدي إلى عواقب وخيمة في ظروف كثيرة والتشدد في إثبات وقوعها يحول دون كل ذلك. أما إذا شهد أربعة شهود عيان فمعنى ذلك :أن المجرمين استهتروا استهتارا بشعا بمصلحة المجتمع وسلامة الأعراض بجريمتهم ويصبح إعلان الجريمة والتنكيل بمرتكبيها من مصلحة الجمهور.
وكلمة ( منكم ) تفيد كما هو المتبادر وجوب كون الشهود الأربعة التي تثبت بشهادتهم جريمة الزنا من المسلمين. ولهذا فيما يتبادر مغزى بعيد المدى في الظرف الذي نزلت فيه الآية وفي كل ظرف معا. فالمفروض أن المؤمن المسلم يعرف خطورة إثم شهادة الزور وضرر إشاعة الفاحش
﴿ وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ( ١ ) مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ( ١٥ ) وَاللَّذَانَ( ٢ ) يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ( ١٦ ) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( ١٧ ) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ( ١٨ ) ﴾
احتوت الآيتان الأوليان تشريعا بحق الذين يأتون الفاحشة من النساء والرجال وهي الزنا على تأويل جمهور المفسرين :
( ١ ) فإذا اقترفت النساء الفاحشة وشهد أربعة من المسلمين على ذلك حين استشهادهم فوجب حبسهن في البيوت إلى أن يمتن أو يأمر الله في شأنهن أمرا، ويجعل لهن سبيلا وفكاكا بصورة ما.
( ٢ ) أما الرجال الذين يقترفون الفاحشة فوجب أذيتهم فإذا تابوا وأصلحوا تركوا وشأنهم. فإن الله تواب رحيم يقبل التوبة من التائبين ويشملهم برحمته
أما الآيتان الأخريان، فإنهما جاءتا استطراديتين في صدد التوبة لتقررا أن الله إنما يعد بقبول توبة الذين يقترفون الذنوب بسائق الجهل والطيش، ثم يستشعرون حالا بخطأهم فيسارعون إلى التوبة قبل فوات الوقت. فهؤلاء هم الذين يتوب عليهم الله. أما الذين يظلون يرتكبون الآثام والموبقات بدون مبالاة إلى أن يحضرهم الموت، ثم يستشعرون بالحسرة فيقولون :تبنا أو الذين يموتون، وهم كفار فلا توبة لهم ولهم عذاب أليم عند الله.
ولقد شرحنا الآية ( ١٦ ) على اعتبار أن ( والذان ) جمع مذكر على ما عليه الجمهور والمأثور من اللغة يسمح به. وقد ذكر النساء في الآية ( ١٥ ) فصار من السائغ أن تكون الكلمة قد قصدت الرجال للمقابلة. ويكون على هذا تثنية ( فآذوهما ) و ( فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ) هي للتساوق وحسب. على أن هناك من يقول إن الآية ( ١٥ ) هي بحق النساء الثيبات والمتزوجات وأن الآية ( ١٦ ) هي بحق الأبكار من الرجال والنساء على السواء وهناك من يقول :إن الآية ( ١٦ ) تعني لواط الذكر بالذكر١ ولقد أورد الذين قالوا هذه الأحاديث النبوية الواردة في عقوبة جريمة اللواط والتي منها حديث رواه أصحاب السنن عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ) ٢ ويلحظ أن الحديث عين عقوبة أشد من العقوبة التي عينتها الآية التي نحن في صددها، والتي هي الخطوة التشريعية الأولى لمرتكبي الفاحشة. وهذا يجعلنا نرجح أن الحديث قد صدر في ظرف الخطوة التشريعية الثانية التي عينت عقوبة شديدة على الزنا على ما سوف نشرحه في سياق تفسير سورة النور، بحيث يسوغ القول إن إيراد الحديث للتدليل على أن كلمة ( اللذان ) قد قصد بها لواط الذكر بالذكر في غير محله. ونحن نرجح أن هذه الكلمة في مقامها هي جمع مذكر على ما شرحناه قبل. والله تعالى اعلم.
تعليق على الآية
( والتي يأتين الفاحشة من نسائكم )
والآيات الثلاث التالية لها
ولم نطلع على رواية خاصة في مناسبة نزول الآيات. ويلحظ شيء من التناسب الموضوعي بين هذه الآيات وما بعدها من الآيات المتصلة بمعاملة النساء والأنكحة المحرمة والمحللة وبين الآيات السابقة، بحيث يرد في البال أنها استمرار في التشريعات المتصلة بهذا الموضوع وأنها نزلت بعدها.
ولقد احتوى القرآن المكي تقبيحا وزجرا عن الزنا ووعيدا للزناة، وعدّ ذلك من الفواحش الكبرى على ما جاء في آيات سورة الفرقان ( ٦٨ـ ٦٩ ) والإسراء ( ٣٢ ).
وهذا الأسلوب المتسق مع ظروف العهد المكي. فجاءت هذه الآيات بأسلوب تشريعي ؛ لأن ذلك صار ممكنا في العهد المدني. ومع ذلك فإن التشريع في الآيات هو خطوة أولى. وقد جاءت الخطوة الثانية في الآيات الأولى من سورة النور وفي بعض الأحاديث النبوية على ما سوف يأتي شرحه في سياق تفسير هذه السورة.
ويلحظ أن عقوبة الزنا في الخطوة التشريعية الأولى اقتصرت بالنسبة للرجال الذين عبر عنهم بكلمة ﴿ والذان ﴾ على ما رجحناه على جملة ﴿ فئاذوهما ﴾ وبالنسبة للنساء على جملة ( فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ) وقد قال المفسرون عزوا إلى ابن عباس وغيره :إن ( فآذوهما ) بمعنى التعيير والضرب والتوبيخ. وإن حكمة استبقاء النساء في البيوت هي عدم تعريضهن للفاحشة ثانية بالبروز للرجال٣ وهذا مما يتسق مع روح الآيات. مع التنبيه على أن أقوال المفسرين لا تفيد أن إمساك النساء في البيوت هو عقوبة. في حين أنه في الحقيقة عقوبة شديدة ؛ لأنه سجن أبدي حتى الموت أو يجعل الله لهن سبيلا. وكل من العقوبتين متناسبة على ما هو المتبادر مع طبيعة كل من الرجل والمرأة أو ظروفهما في ذلك الوقت، من حيث إن الرجل مضطر إلى السعي والارتزاق فاكتفى في عقوبته بالضرب والتعزير، ولم تكن المرأة في مثل هذا الاضطرار فعوقبت بالحبس حتى الموت أو يجعل الله لها سبيلا. ولقد روى المفسرون في سياق الآية حديثا عن عبادة ابن الصامت قال ( كان رسول الله إذا نزل عليه الوحي أثر عليه وكرب وتغير لذلك وجهه. فأنزل الله عز وجل عليه ذات يوم، فلما سرى عنه قال :خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا :الثيب بالثيب والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة. ورجم بالحجارة والبكر جلد ثم نفي سنة )٤ ومن المحتمل أن يكون الحديث النبوي صدر على أثر نزول آيات سورة النور التي فيها تشريع جلد مائة للزاني والزانية.
وجمهور المفسرين والعلماء٥ على أن الخطوة الثانية في سورة النور والأحاديث النبوية نسخت الآيات التي نحن في صددها. ويلحظ أولا :أن في الخطوة الثانية تحديدا وتشديدا للعقوبة، وهذا أحرى أن يسمى تعديلا لا نسخا.
ويلحظ ثانيا :أن استشهاد أربعة شهود ظل محكما في الخطوة الثانية. ولقد استند بعضهم إلى الآية الثانية فقال :إن مرتكب الفاحشة إذا تاب تسقط عنه العقوبة.
والعقوبة المعينة في الآية هي كما قلنا الخطوة الأولى، ثم جاءت آيات سورة النور والأحاديث فنسختها وصارت هذه المحكمة ؛ لأنها تنص على وجوب اتباع الحد على الزاني والزانية بدون رأفة وبدون استدراك بحيث يكون ذلك القول غير سليم.
وعدم سلامة القول يلمح أيضا من نص الآية الثانية، حتى بقطع النظر عن أمر نسخها بآيات النور. فهي تأمر بأذية مرتكبي الفاحشة، ثم الإعراض عنهما إذا تابا وأصلحا، وهذا من نوع توبة من يرمي المحصنات، ولم يأت بأربعة شهداء التي ذكرت في آيات سورة النور ( ٤و٥ ) ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ٤ إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم٥ ) ومرتكب الفاحشة يكون قد أثم من ناحيتين من ناحية مخالفته لله وارتكابه ما حرمه ومن ناحية عدوانه على عرض آخر. فعليه الحد لهذا، وإذا تاب فيحظى بعفو الله عن ذلك. وهناك بعض الأحاديث في هذا الصدد سنوردها، ونعلق عليها في سياق شرح آيات النور٦.
وجملة ( فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت... ) لا تفيد فيما يتبادر لنا معنى الشهادة العيانية لجريمة الزنا فقط، بل تفيد معنى الشهادة العلمية الخبرية أيضا، بل قد تفيد هذه الشهادة في الدرجة الأولى إذا أمعن فيها. فكأنما تقول والله أعلم ( إذا علمتم أن امرأة ترتكب الفاحشة فاسألوا عن سيرتها فإن شهد أربعة من المسلمين بذلك فامسكوها في البيت... ) ومع أن الجمهور٧ على أن الشهادة التي يثبت بها الزنا هي الشهادة العيانية أي رؤية العملية الجنسية الجريمة ومشاهدتها بدون استنتاج ولا تخمين ولا بناء على الروايات والشائعات والمعرفة الصادقة فإن نص العبارة القرآنية يجعلنا نشك في صواب ذلك ونصر على القول :إن المقصود هو الشهادة العلمية. فالنص يأمر باستشهاد أربعة من المسلمين إطلاقا إذا ما عرف أن امرأة أتت فاحشة. وهذا إنما يكون بعد أن يعزى إليها ذلك، ويعني بالتالي أنه شهادة علم وليس شهادة عيان. ولم نطلع على حديث نبوي صريح في ذلك. والحوادث التي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام الحد فيها على الزناة كانت بناء على اعتراف أصحابها٨ وقد عبر الحديث الذي يرويه ابن عباس والذي أشرنا إليه آنفا عن هذه الشهادة بجملة ( إذا قامت البينة ) وهذا لا يفيد صراحة بأنها بينة عيانية. وقد يقال :إن من الممكن أن يكون المقصود أنه حينما يعزى إلى امرأة عمل الفاحشة يطلب من المسلمين رصدها فإذا رآها أربعة منهم ترتكب الفاحشة عيانا شهدوا، وإذا صح هذا الفرض برغم ما يبدو عليه من تكلف فإثبات الزنا يزداد صعوبة ويكون ذلك من حكمة إناطته بشهادة عيانية من أربعة من المسلمين حتى لا تهتك أعراض النساء بشهادات علمية وخبرية وقليلة والله تعالى اعلم. ولقد أورد المفسر القاسمي في سياق تفسير الآيات الأولى من سورة النور حديثا عزاه إلى البخاري جاء فيه ( إن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه جلد أبا بكر وشبل ابن معبد ونافعا بقذف المغيرة والي الكوفة بالزنا لما شهدوا بأنهم رأوه مستنبطا المرأة ؛ لأن الشاهد الرابع وهو زياد لم يشهد بشهادتهم ) ويتبادر لنا أن الذين جعلوا الشهادة التي يثبت بها الزنا عيانية قد استندوا إلى هذا الحديث.
والذي يتبادر لنا أن هذا الحديث إذا صح هو في صدد حادثة معينة، وليس في صدد مبدأ تحديد كيفية الشهادة بإثبات الزنا. هذا مع قولنا :إن من المستبعد أن يكون الشهود الأربعة المذكورون في الحديث قد رأوا العملية صدفة، وأنهم لا بد من أن يكونوا قد علموا بها مسبقا فترصدوها حتى شاهدوها.
وننبه على أن جلد عمر للثلاثة المروي في الحديث مستند إلى آية في سورة النور وهي ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة... ). وسنزيد الآية شرحا في مناسبتها.
ومهما يكن من أمر هذه النقطة فإن الحكمة في جعل عدد الشهود لإثبات جريمة الزنا بالشهادة أربعة ظاهرة بليغة. وبخاصة على ضوء ما يذهب إليه الجمهور من أنها يجب أن تكون عيانية. فهذه الجريمة من شأنها دائما أن تهز كيان الأسر وتثير الارتباك والهياج في المجتمع، وتؤدي إلى عواقب وخيمة في ظروف كثيرة والتشدد في إثبات وقوعها يحول دون كل ذلك. أما إذا شهد أربعة شهود عيان فمعنى ذلك :أن المجرمين استهتروا استهتارا بشعا بمصلحة المجتمع وسلامة الأعراض بجريمتهم ويصبح إعلان الجريمة والتنكيل بمرتكبيها من مصلحة الجمهور.
وكلمة ( منكم ) تفيد كما هو المتبادر وجوب كون الشهود الأربعة التي تثبت بشهادتهم جريمة الزنا من المسلمين. ولهذا فيما يتبادر مغزى بعيد المدى في الظرف الذي نزلت فيه الآية وفي كل ظرف معا. فالمفروض أن المؤمن المسلم يعرف خطورة إثم شهادة الزور وضرر إشاعة الفاحش
﴿ وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ( ١ ) مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ( ١٥ ) وَاللَّذَانَ( ٢ ) يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ( ١٦ ) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( ١٧ ) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ( ١٨ ) ﴾
احتوت الآيتان الأوليان تشريعا بحق الذين يأتون الفاحشة من النساء والرجال وهي الزنا على تأويل جمهور المفسرين :
( ١ ) فإذا اقترفت النساء الفاحشة وشهد أربعة من المسلمين على ذلك حين استشهادهم فوجب حبسهن في البيوت إلى أن يمتن أو يأمر الله في شأنهن أمرا، ويجعل لهن سبيلا وفكاكا بصورة ما.
( ٢ ) أما الرجال الذين يقترفون الفاحشة فوجب أذيتهم فإذا تابوا وأصلحوا تركوا وشأنهم. فإن الله تواب رحيم يقبل التوبة من التائبين ويشملهم برحمته
أما الآيتان الأخريان، فإنهما جاءتا استطراديتين في صدد التوبة لتقررا أن الله إنما يعد بقبول توبة الذين يقترفون الذنوب بسائق الجهل والطيش، ثم يستشعرون حالا بخطأهم فيسارعون إلى التوبة قبل فوات الوقت. فهؤلاء هم الذين يتوب عليهم الله. أما الذين يظلون يرتكبون الآثام والموبقات بدون مبالاة إلى أن يحضرهم الموت، ثم يستشعرون بالحسرة فيقولون :تبنا أو الذين يموتون، وهم كفار فلا توبة لهم ولهم عذاب أليم عند الله.
ولقد شرحنا الآية ( ١٦ ) على اعتبار أن ( والذان ) جمع مذكر على ما عليه الجمهور والمأثور من اللغة يسمح به. وقد ذكر النساء في الآية ( ١٥ ) فصار من السائغ أن تكون الكلمة قد قصدت الرجال للمقابلة. ويكون على هذا تثنية ( فآذوهما ) و ( فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ) هي للتساوق وحسب. على أن هناك من يقول إن الآية ( ١٥ ) هي بحق النساء الثيبات والمتزوجات وأن الآية ( ١٦ ) هي بحق الأبكار من الرجال والنساء على السواء وهناك من يقول :إن الآية ( ١٦ ) تعني لواط الذكر بالذكر١ ولقد أورد الذين قالوا هذه الأحاديث النبوية الواردة في عقوبة جريمة اللواط والتي منها حديث رواه أصحاب السنن عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ) ٢ ويلحظ أن الحديث عين عقوبة أشد من العقوبة التي عينتها الآية التي نحن في صددها، والتي هي الخطوة التشريعية الأولى لمرتكبي الفاحشة. وهذا يجعلنا نرجح أن الحديث قد صدر في ظرف الخطوة التشريعية الثانية التي عينت عقوبة شديدة على الزنا على ما سوف نشرحه في سياق تفسير سورة النور، بحيث يسوغ القول إن إيراد الحديث للتدليل على أن كلمة ( اللذان ) قد قصد بها لواط الذكر بالذكر في غير محله. ونحن نرجح أن هذه الكلمة في مقامها هي جمع مذكر على ما شرحناه قبل. والله تعالى اعلم.
تعليق على الآية
( والتي يأتين الفاحشة من نسائكم )
والآيات الثلاث التالية لها
ولم نطلع على رواية خاصة في مناسبة نزول الآيات. ويلحظ شيء من التناسب الموضوعي بين هذه الآيات وما بعدها من الآيات المتصلة بمعاملة النساء والأنكحة المحرمة والمحللة وبين الآيات السابقة، بحيث يرد في البال أنها استمرار في التشريعات المتصلة بهذا الموضوع وأنها نزلت بعدها.
ولقد احتوى القرآن المكي تقبيحا وزجرا عن الزنا ووعيدا للزناة، وعدّ ذلك من الفواحش الكبرى على ما جاء في آيات سورة الفرقان ( ٦٨ـ ٦٩ ) والإسراء ( ٣٢ ).
وهذا الأسلوب المتسق مع ظروف العهد المكي. فجاءت هذه الآيات بأسلوب تشريعي ؛ لأن ذلك صار ممكنا في العهد المدني. ومع ذلك فإن التشريع في الآيات هو خطوة أولى. وقد جاءت الخطوة الثانية في الآيات الأولى من سورة النور وفي بعض الأحاديث النبوية على ما سوف يأتي شرحه في سياق تفسير هذه السورة.
ويلحظ أن عقوبة الزنا في الخطوة التشريعية الأولى اقتصرت بالنسبة للرجال الذين عبر عنهم بكلمة ﴿ والذان ﴾ على ما رجحناه على جملة ﴿ فئاذوهما ﴾ وبالنسبة للنساء على جملة ( فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ) وقد قال المفسرون عزوا إلى ابن عباس وغيره :إن ( فآذوهما ) بمعنى التعيير والضرب والتوبيخ. وإن حكمة استبقاء النساء في البيوت هي عدم تعريضهن للفاحشة ثانية بالبروز للرجال٣ وهذا مما يتسق مع روح الآيات. مع التنبيه على أن أقوال المفسرين لا تفيد أن إمساك النساء في البيوت هو عقوبة. في حين أنه في الحقيقة عقوبة شديدة ؛ لأنه سجن أبدي حتى الموت أو يجعل الله لهن سبيلا. وكل من العقوبتين متناسبة على ما هو المتبادر مع طبيعة كل من الرجل والمرأة أو ظروفهما في ذلك الوقت، من حيث إن الرجل مضطر إلى السعي والارتزاق فاكتفى في عقوبته بالضرب والتعزير، ولم تكن المرأة في مثل هذا الاضطرار فعوقبت بالحبس حتى الموت أو يجعل الله لها سبيلا. ولقد روى المفسرون في سياق الآية حديثا عن عبادة ابن الصامت قال ( كان رسول الله إذا نزل عليه الوحي أثر عليه وكرب وتغير لذلك وجهه. فأنزل الله عز وجل عليه ذات يوم، فلما سرى عنه قال :خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا :الثيب بالثيب والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة. ورجم بالحجارة والبكر جلد ثم نفي سنة )٤ ومن المحتمل أن يكون الحديث النبوي صدر على أثر نزول آيات سورة النور التي فيها تشريع جلد مائة للزاني والزانية.
وجمهور المفسرين والعلماء٥ على أن الخطوة الثانية في سورة النور والأحاديث النبوية نسخت الآيات التي نحن في صددها. ويلحظ أولا :أن في الخطوة الثانية تحديدا وتشديدا للعقوبة، وهذا أحرى أن يسمى تعديلا لا نسخا.
ويلحظ ثانيا :أن استشهاد أربعة شهود ظل محكما في الخطوة الثانية. ولقد استند بعضهم إلى الآية الثانية فقال :إن مرتكب الفاحشة إذا تاب تسقط عنه العقوبة.
والعقوبة المعينة في الآية هي كما قلنا الخطوة الأولى، ثم جاءت آيات سورة النور والأحاديث فنسختها وصارت هذه المحكمة ؛ لأنها تنص على وجوب اتباع الحد على الزاني والزانية بدون رأفة وبدون استدراك بحيث يكون ذلك القول غير سليم.
وعدم سلامة القول يلمح أيضا من نص الآية الثانية، حتى بقطع النظر عن أمر نسخها بآيات النور. فهي تأمر بأذية مرتكبي الفاحشة، ثم الإعراض عنهما إذا تابا وأصلحا، وهذا من نوع توبة من يرمي المحصنات، ولم يأت بأربعة شهداء التي ذكرت في آيات سورة النور ( ٤و٥ ) ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ٤ إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم٥ ) ومرتكب الفاحشة يكون قد أثم من ناحيتين من ناحية مخالفته لله وارتكابه ما حرمه ومن ناحية عدوانه على عرض آخر. فعليه الحد لهذا، وإذا تاب فيحظى بعفو الله عن ذلك. وهناك بعض الأحاديث في هذا الصدد سنوردها، ونعلق عليها في سياق شرح آيات النور٦.
وجملة ( فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت... ) لا تفيد فيما يتبادر لنا معنى الشهادة العيانية لجريمة الزنا فقط، بل تفيد معنى الشهادة العلمية الخبرية أيضا، بل قد تفيد هذه الشهادة في الدرجة الأولى إذا أمعن فيها. فكأنما تقول والله أعلم ( إذا علمتم أن امرأة ترتكب الفاحشة فاسألوا عن سيرتها فإن شهد أربعة من المسلمين بذلك فامسكوها في البيت... ) ومع أن الجمهور٧ على أن الشهادة التي يثبت بها الزنا هي الشهادة العيانية أي رؤية العملية الجنسية الجريمة ومشاهدتها بدون استنتاج ولا تخمين ولا بناء على الروايات والشائعات والمعرفة الصادقة فإن نص العبارة القرآنية يجعلنا نشك في صواب ذلك ونصر على القول :إن المقصود هو الشهادة العلمية. فالنص يأمر باستشهاد أربعة من المسلمين إطلاقا إذا ما عرف أن امرأة أتت فاحشة. وهذا إنما يكون بعد أن يعزى إليها ذلك، ويعني بالتالي أنه شهادة علم وليس شهادة عيان. ولم نطلع على حديث نبوي صريح في ذلك. والحوادث التي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام الحد فيها على الزناة كانت بناء على اعتراف أصحابها٨ وقد عبر الحديث الذي يرويه ابن عباس والذي أشرنا إليه آنفا عن هذه الشهادة بجملة ( إذا قامت البينة ) وهذا لا يفيد صراحة بأنها بينة عيانية. وقد يقال :إن من الممكن أن يكون المقصود أنه حينما يعزى إلى امرأة عمل الفاحشة يطلب من المسلمين رصدها فإذا رآها أربعة منهم ترتكب الفاحشة عيانا شهدوا، وإذا صح هذا الفرض برغم ما يبدو عليه من تكلف فإثبات الزنا يزداد صعوبة ويكون ذلك من حكمة إناطته بشهادة عيانية من أربعة من المسلمين حتى لا تهتك أعراض النساء بشهادات علمية وخبرية وقليلة والله تعالى اعلم. ولقد أورد المفسر القاسمي في سياق تفسير الآيات الأولى من سورة النور حديثا عزاه إلى البخاري جاء فيه ( إن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه جلد أبا بكر وشبل ابن معبد ونافعا بقذف المغيرة والي الكوفة بالزنا لما شهدوا بأنهم رأوه مستنبطا المرأة ؛ لأن الشاهد الرابع وهو زياد لم يشهد بشهادتهم ) ويتبادر لنا أن الذين جعلوا الشهادة التي يثبت بها الزنا عيانية قد استندوا إلى هذا الحديث.
والذي يتبادر لنا أن هذا الحديث إذا صح هو في صدد حادثة معينة، وليس في صدد مبدأ تحديد كيفية الشهادة بإثبات الزنا. هذا مع قولنا :إن من المستبعد أن يكون الشهود الأربعة المذكورون في الحديث قد رأوا العملية صدفة، وأنهم لا بد من أن يكونوا قد علموا بها مسبقا فترصدوها حتى شاهدوها.
وننبه على أن جلد عمر للثلاثة المروي في الحديث مستند إلى آية في سورة النور وهي ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة... ). وسنزيد الآية شرحا في مناسبتها.
ومهما يكن من أمر هذه النقطة فإن الحكمة في جعل عدد الشهود لإثبات جريمة الزنا بالشهادة أربعة ظاهرة بليغة. وبخاصة على ضوء ما يذهب إليه الجمهور من أنها يجب أن تكون عيانية. فهذه الجريمة من شأنها دائما أن تهز كيان الأسر وتثير الارتباك والهياج في المجتمع، وتؤدي إلى عواقب وخيمة في ظروف كثيرة والتشدد في إثبات وقوعها يحول دون كل ذلك. أما إذا شهد أربعة شهود عيان فمعنى ذلك :أن المجرمين استهتروا استهتارا بشعا بمصلحة المجتمع وسلامة الأعراض بجريمتهم ويصبح إعلان الجريمة والتنكيل بمرتكبيها من مصلحة الجمهور.
وكلمة ( منكم ) تفيد كما هو المتبادر وجوب كون الشهود الأربعة التي تثبت بشهادتهم جريمة الزنا من المسلمين. ولهذا فيما يتبادر مغزى بعيد المدى في الظرف الذي نزلت فيه الآية وفي كل ظرف معا. فالمفروض أن المؤمن المسلم يعرف خطورة إثم شهادة الزور وضرر إشاعة الفاحش
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ( ١٩ ) وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ( ٢٠ ) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا( ٢١ ) ﴾. [ ١٩-٢١ ]

عبارة الآيات واضحة :وقد تضمنت :

( ١ ) نهيا للمسلمين عن إمساك الزوجات مع الكراهية والبغض بقصد الكيد والإعنات وابتزاز أموالهن من مهور وغيرها.
( ٢ ) وأمرا لهم بمعاشرتهن بالحسنى والمعروف وتحملهن حتى في حال الشعور بكرههن. فليس كل ما يكرهه المرء شرا حقا. وقد يجعل الله في المكروه خيرا كثيرا.
( ٣ ) وتحذيرا لهم في حال اعتزامهم على تركهن للتزوج بغيرهن ألا يأخذوا شيئا مما أعطوهن مهما كان كثيرا. ففي ذلك إثم وظلم كبيران بعد ما كان بينهما ما كان من صلة الزوجية العظمى والميثاق والعهد الذي تم به التراضي.
( ٤ ) واستثناء لحالة صدور فاحشة ثابتة منهن. فهذه حالة استثنائية خطيرة تسوغ للزوج الكره والفراق ومحاولة استرداد ما أعطاه كله أو بعضه.
تعليق على الآية
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ... ) الخ
والآيتين التاليتين لها وما فيها من تلقينات
ولقد روى البخاري عن ابن عباس أنه قال :( كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها فنزلت الآية ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ )١.
وهناك روايات أخرى يرويها الطبري وغيره ذكر في بعضها أسماء وأحداث معينة وفي بعضها أن ابن الزوج وأقاربه كانوا يمسكون الزوجة إذا توفي زوجها حتى تفتدي نفسها برد المهر وفي بعضها أنهم كانوا يلقون عليها ثوابا كإعلان بأنهم سيمسكونها عندهم. وفي بعضها أن أهل ابن الزوج يفعلون ذلك إذا كان هذا الابن صغيرا حتى يكبر فيمسكها أو يتركها. وأن الآية الأولى نزلت في منع العادات المجحفة.
ويلحظ أن الفقرة الأخيرة من الآية الأولى تنطوي على قرينة حاسمة على أن الخطاب فيها موجه للأزواج في صدد معاملتهم لزوجاتهم ؛ حيث يجعل ذلك رواية نزولها بسبب عادة إمساك ابن الزوج أو أقاربه لزوجة الأب لأنفسهم أو لأخذ الفدية منها غريبة. وقد يكون تعبير ( لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ) من ما سوغ للمؤولين ولابن عباس ما قالوه كسبب لنزول الآية. ولقد رأينا الزمخشري يؤولها تأويلا وجيها متسقا مع ملاحظتنا وهو ( لا يحل لكم أن تمسكوا زوجاتكم على كراهيتكم لهن حتى يمتن عندكم بقصد أن ترثوهن ) وقد يكون من القرائن على أن الآية في صدد معاملة الأزواج لزوجاتهم ورود نهي عن نكاح زوجات الآباء في آية مستقلة بعد الآيات التي نحن في صددها. ونرجح أن الروايات المساقة في صدد هذه الآية، وأن سوقها في صدد الآية الأولى من الآيات التي نحن في صددها من قبيل الالتباس.
والذي يتبادر لنا أن الآيات نزلت في مناسبة شكوى رفعها بعض الزوجات إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حق أزواجهن بسبب ما بدا من بعض المحاولات والمواقف التي تضمنتها الآية الأولى. والله أعلم.
ومع أن الآيات تبدو فصلا مستقلا، فإن موضوعها متصل بموضوع النساء وحمايتهن وحقوقهن مما احتوت الآيات السابقة توطيده حتى ليصح أن يقال :إنها استمرار لها. ومن المحتمل كثيرا أن تكون نزلت بعدها إن لم تكن نزلت معها فوضعت بعدها للمناسبة الظرفية والموضوعية.
ولقد سبقت وصايا ونواه وتحذيرات مماثلة في الآيات ( ٢٢٢ـ ٢٤٧ ) من سورة البقرة مما يؤكد ما كان يلقاه الزوجات من أزواجهن من المكايدة والأذى، وما كان يعمد إليه الأزواج من أساليب لابتزاز أموالهن فاقتضت الحكمة مواصلة توكيد النواهي والتحذيرات للقضاء على هذه التصرفات المكروهة المتناقضة مع الحق والعدل والواجب والعهد الزوجي.
وأسلوب الآيات هنا قوي رائع حقا. ينطوي على أبلغ التلقين وأروع العظة في حماية الزوجات وتعظيم شأن الصلة الزوجية ووجوب حسن معاشرتهن ومعاملتهن وحمل النفس على ما تكره في هذا السبيل والتعفف عن أموالهن ولو كانوا هم الذين أعطوها لهن ؛ لأنها صارت حقهن وعدم التسرع في التخلي عنهن وتطليقهن. فإذا أضيف إليها ما احتوته الآيات العديدة الأخرى المكية والمدنية من مثل ذلك وفي صدده وقد مر منها أمثلة كثير وبدا الأمر فذا بالنسبة لجميع الشرائع، وصار من خصوصيات القرآن والشريعة الإسلامية ومرشحاتها للخلود والشمول.
ولقد أورد ابن كثير في سياق الآيات حديثا مقتطعا من حديث خطبة حجة وداع رسول الله رواه مسلم وأبو داود جاء فيه ( اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله )٢ وفي مجمع الزوائد حديث رواه ابن ماجة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ) مما فيه تلقين متسق مع التلقين القرآني في وجوب إحسان معاملة الزوجات والبر بهن، وهناك حديث آخر مهم رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لا يفرك مؤمن مؤمنة وإن كره منها خلفا رضي منها بآخر ) ٣. وجمهور المفسرين والمؤولين على أن جملة ( يأتين بفاحشة مبينة ) في الآية الأولى كناية عن الزنا. وإن للزوج في حالة ثبوت ذلك على زوجته حقا في استرداد مهرها وما قد يكون أعطاها إياه من مال أو بعضه بالأسلوب الذي لا يخالف شرعا ولا عرفا. وهذا متسق مع روح الآية كما هو المتبادر.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ( ١٩ ) وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ( ٢٠ ) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا( ٢١ ) ﴾. [ ١٩-٢١ ]

عبارة الآيات واضحة :وقد تضمنت :

( ١ ) نهيا للمسلمين عن إمساك الزوجات مع الكراهية والبغض بقصد الكيد والإعنات وابتزاز أموالهن من مهور وغيرها.
( ٢ ) وأمرا لهم بمعاشرتهن بالحسنى والمعروف وتحملهن حتى في حال الشعور بكرههن. فليس كل ما يكرهه المرء شرا حقا. وقد يجعل الله في المكروه خيرا كثيرا.
( ٣ ) وتحذيرا لهم في حال اعتزامهم على تركهن للتزوج بغيرهن ألا يأخذوا شيئا مما أعطوهن مهما كان كثيرا. ففي ذلك إثم وظلم كبيران بعد ما كان بينهما ما كان من صلة الزوجية العظمى والميثاق والعهد الذي تم به التراضي.
( ٤ ) واستثناء لحالة صدور فاحشة ثابتة منهن. فهذه حالة استثنائية خطيرة تسوغ للزوج الكره والفراق ومحاولة استرداد ما أعطاه كله أو بعضه.
تعليق على الآية
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ... ) الخ
والآيتين التاليتين لها وما فيها من تلقينات
ولقد روى البخاري عن ابن عباس أنه قال :( كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها فنزلت الآية ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ )١.
وهناك روايات أخرى يرويها الطبري وغيره ذكر في بعضها أسماء وأحداث معينة وفي بعضها أن ابن الزوج وأقاربه كانوا يمسكون الزوجة إذا توفي زوجها حتى تفتدي نفسها برد المهر وفي بعضها أنهم كانوا يلقون عليها ثوابا كإعلان بأنهم سيمسكونها عندهم. وفي بعضها أن أهل ابن الزوج يفعلون ذلك إذا كان هذا الابن صغيرا حتى يكبر فيمسكها أو يتركها. وأن الآية الأولى نزلت في منع العادات المجحفة.
ويلحظ أن الفقرة الأخيرة من الآية الأولى تنطوي على قرينة حاسمة على أن الخطاب فيها موجه للأزواج في صدد معاملتهم لزوجاتهم ؛ حيث يجعل ذلك رواية نزولها بسبب عادة إمساك ابن الزوج أو أقاربه لزوجة الأب لأنفسهم أو لأخذ الفدية منها غريبة. وقد يكون تعبير ( لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ) من ما سوغ للمؤولين ولابن عباس ما قالوه كسبب لنزول الآية. ولقد رأينا الزمخشري يؤولها تأويلا وجيها متسقا مع ملاحظتنا وهو ( لا يحل لكم أن تمسكوا زوجاتكم على كراهيتكم لهن حتى يمتن عندكم بقصد أن ترثوهن ) وقد يكون من القرائن على أن الآية في صدد معاملة الأزواج لزوجاتهم ورود نهي عن نكاح زوجات الآباء في آية مستقلة بعد الآيات التي نحن في صددها. ونرجح أن الروايات المساقة في صدد هذه الآية، وأن سوقها في صدد الآية الأولى من الآيات التي نحن في صددها من قبيل الالتباس.
والذي يتبادر لنا أن الآيات نزلت في مناسبة شكوى رفعها بعض الزوجات إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حق أزواجهن بسبب ما بدا من بعض المحاولات والمواقف التي تضمنتها الآية الأولى. والله أعلم.
ومع أن الآيات تبدو فصلا مستقلا، فإن موضوعها متصل بموضوع النساء وحمايتهن وحقوقهن مما احتوت الآيات السابقة توطيده حتى ليصح أن يقال :إنها استمرار لها. ومن المحتمل كثيرا أن تكون نزلت بعدها إن لم تكن نزلت معها فوضعت بعدها للمناسبة الظرفية والموضوعية.
ولقد سبقت وصايا ونواه وتحذيرات مماثلة في الآيات ( ٢٢٢ـ ٢٤٧ ) من سورة البقرة مما يؤكد ما كان يلقاه الزوجات من أزواجهن من المكايدة والأذى، وما كان يعمد إليه الأزواج من أساليب لابتزاز أموالهن فاقتضت الحكمة مواصلة توكيد النواهي والتحذيرات للقضاء على هذه التصرفات المكروهة المتناقضة مع الحق والعدل والواجب والعهد الزوجي.
وأسلوب الآيات هنا قوي رائع حقا. ينطوي على أبلغ التلقين وأروع العظة في حماية الزوجات وتعظيم شأن الصلة الزوجية ووجوب حسن معاشرتهن ومعاملتهن وحمل النفس على ما تكره في هذا السبيل والتعفف عن أموالهن ولو كانوا هم الذين أعطوها لهن ؛ لأنها صارت حقهن وعدم التسرع في التخلي عنهن وتطليقهن. فإذا أضيف إليها ما احتوته الآيات العديدة الأخرى المكية والمدنية من مثل ذلك وفي صدده وقد مر منها أمثلة كثير وبدا الأمر فذا بالنسبة لجميع الشرائع، وصار من خصوصيات القرآن والشريعة الإسلامية ومرشحاتها للخلود والشمول.
ولقد أورد ابن كثير في سياق الآيات حديثا مقتطعا من حديث خطبة حجة وداع رسول الله رواه مسلم وأبو داود جاء فيه ( اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله )٢ وفي مجمع الزوائد حديث رواه ابن ماجة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ) مما فيه تلقين متسق مع التلقين القرآني في وجوب إحسان معاملة الزوجات والبر بهن، وهناك حديث آخر مهم رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لا يفرك مؤمن مؤمنة وإن كره منها خلفا رضي منها بآخر ) ٣. وجمهور المفسرين والمؤولين على أن جملة ( يأتين بفاحشة مبينة ) في الآية الأولى كناية عن الزنا. وإن للزوج في حالة ثبوت ذلك على زوجته حقا في استرداد مهرها وما قد يكون أعطاها إياه من مال أو بعضه بالأسلوب الذي لا يخالف شرعا ولا عرفا. وهذا متسق مع روح الآية كما هو المتبادر.
مسألة المغالاة في المهور
ولقد روى المفسرون في سياق الآية ( ٢٠ ) أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس في خلافته فقال ( ما إكثاركم في صداق النساء، وقد كان الصداق في عهد النبي وأصحابه أربعمائة درهم فما دون ذلك. ولو كان في الإكثار تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها، فلأعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم. ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت :يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم، قال :نعم. فقالت :أما سمعت ما أنزل الله ؟ قال وأي ذلك ؟ فقالت :( وآتيتم إحداهن قنطارا ) فقال :اللهم غفرا كل الناس أفقه من عمر ثم رجع فركب المنبر فقال :أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب وفي رواية فمن طابت نفسه فليفعل ) ١ ورووا روايات أخرى من بابها جاء في إحداها أن عمر ابن الخطاب قال :لا تغالوا في مهور النساء فقالت امرأة ليس ذلك لك يا عمر إن الله يقول ( وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ) فقال عمر :إن امرأة خاصمت عمر فخصمته٢. وجاء في إحداها أن عمر قال :( لا تزيدوا في مهور النساء فقالت امرأة :ما ذاك لك، قال :ولم ؟ قالت :إن الله قال ( وآتيتم إحداهن قنطارا ) الآية فقال عمر :امرأة أصابت ورجل أخطأ ) ٣ وجاء في إحداها أن عمر قال :لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية من الفضة، فمن زاد جعلت الزيادة في بيت المال فقالت امرأة :ما ذاك لك ؟ قال لم ؟ قالت :إن الله يقول :( وآتيتم إحداهن قنطارا ) الآية فقال :امرأة أصابت وأخطأ عمر٤.
وهذه الروايات لم ترد في الصحاح، وقد روى أصحاب السنن حديثا فيه نهي من عمر عن المغالاة في المهور فقط عن أبي العجفاء قال ( خطبنا عمر فقال :ألا لا تغالوا بصداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم، ما أصدق امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية ) ٥.
على أن عدم ورود قصة اعتراض إحدى النساء على عمر في هذا الحديث لا يمنع أن تكون روايته المروية بصيغ وطرق عديدة صحيحة. ولئن صحت فيكون فيه صورة رائعة عن العهد الراشدي. منها نباهة المرأة العربية وقدرتها على استنباط الأحكام من القرآن. وجرأتها على الدفاع عن حقوقها. وإقرار الرجال وفي مقدمتهم الخليفة وبذلك منها تراجع الخليفة عن وصية وصاها حينما نبهته المرأة إلى احتمال مخالفة الوصية للتلقين القرآني.
والمتبادر أن إيعاز عمر كان اجتهادا منه فيه مصلحة للمسلمين. وهناك حديث رواه ابن حبان في صحيحه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء فيه ( إن من خير النساء أيسرهن صداقا )٦ وحديث ثان رواه أحمد والحاكم والبيهقي جاء فيه ( إن من يمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير صداقها٧ ومن المحتمل أن يكون عمر قد استأنس بهذه الأحاديث وأمثالها في إيعازه.
وفي سورة النور آية على تلقين قوي بوجوب تيسير الزواج لكل فئة وبخاصة للفقراء مما لا تيسير إلا بعدم المغالاة في المهور وهي ( وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم٣٢ ).
وحتى على فرض صحة رواية احتجاج المرأة على عمر وتراجعه عن إيعازه، فإنه ليس في الآية ما يصح الاستدلال به على أن المبلغ الكبير الذي عنته بلفظ القنطار هو المهر فقط ؛ حيث يمكن أن يكون مجموعة عطايا من الزوج. وعبارتها تهدف إلى حماية المرأة وعدم ابتزاز ما صار حقها الشرعي من مال أعطاه لها زوجها فيه المهر وغير المهر مهما كثر. ويظل تلقين آية سورة النور والأحاديث النبوية وإيعاز عمر واردا واجب الاحترام بل ومخولا للحكام الإشراف على مقادير المهور ومنع المغالاة فيها في كثير من الظروف التي لا يكون أكثر الناس فيها قادرين على دفع مهور عالية ؛ حيث يؤدي هذا إلى تعسير الزواج وتزايد الأيامى أي العزاب من رجال ونساء وعبيد وإماء وبعبارة أخرى إلى تعطيل أمر الله الوارد في آية سورة النور. أما القادرون فالذي يتبادر لنا أنه ليس في التلقين المشار إليه ما يحول دون زيادة المهر بينهم عن المقدار المحدد في الروايات المروية. ولعل حكمة عدم تحديد المقدار في الكتاب والسنة مع حضهما على التساهل فيه بالنسبة للناس الذين لا يقدرون على الكثير وهم الأكثرية الساحقة تلمح في كون طبيعة الحياة التي فيها التفاوت في المقدرة والمراتب الاجتماعية لا تتعارض مع الزيادة بالنسبة للقادرين، بل تجعل ذلك مما لا يمكن تفاديه. وهكذا تتسق الشريعة الإسلامية مع مصلحة الأكثرية الساحقة من الناس ومع طبيعة الحياة في مختلف الظروف، وهذا من مرشحاتها للشمول والخلود. ولقد روى أبو داود والنسائي وأحمد حديثا عن أم حبيبة أم المؤمنين قالت :( إنها كانت تحت عبد الله ابن جحش فمات بأرض الحبشة فزوجها النجاشي النبي صلى الله عليه وسلم وأمهرها منه أربعة آلاف درهم وبعث بها إلى رسول الله مع شرحبيل ابن حسنة )٨ حيث يمكن الاستئناس بهذا على ما قلناه. والله سبحانه أعلم.
١ النص منقول عن ابن كثير.
٢ النص منقول عن ابن كثير.
٣ المصدر نفسه.
٤ من رشيد رضا.
٥ التاج ج ٢ ص ٢٧٠ وقيمة الاثنتي عشرة أوقية (٤٨٠) درهما على ما جاء في شرح الحديث وهناك حديث رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي سلمة يؤيد ما جاء في الحديث المروي عن عمر جاء فيه (سألت عائشة كم كان صداق رسول الله قالت كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشا. أتدري ما النش قال لا. قالت نصف أوقية فتلك خمسمائة درهم) انظر التاج ج ٢ ص ٢٦٩..
٦ انظر تفسير الآية في تفسير المنار.
٧ المصدر نفسه.
٨ التاج ج ٢ ص ٢٧٠.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ( ١٩ ) وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ( ٢٠ ) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا( ٢١ ) ﴾. [ ١٩-٢١ ]

عبارة الآيات واضحة :وقد تضمنت :

( ١ ) نهيا للمسلمين عن إمساك الزوجات مع الكراهية والبغض بقصد الكيد والإعنات وابتزاز أموالهن من مهور وغيرها.
( ٢ ) وأمرا لهم بمعاشرتهن بالحسنى والمعروف وتحملهن حتى في حال الشعور بكرههن. فليس كل ما يكرهه المرء شرا حقا. وقد يجعل الله في المكروه خيرا كثيرا.
( ٣ ) وتحذيرا لهم في حال اعتزامهم على تركهن للتزوج بغيرهن ألا يأخذوا شيئا مما أعطوهن مهما كان كثيرا. ففي ذلك إثم وظلم كبيران بعد ما كان بينهما ما كان من صلة الزوجية العظمى والميثاق والعهد الذي تم به التراضي.
( ٤ ) واستثناء لحالة صدور فاحشة ثابتة منهن. فهذه حالة استثنائية خطيرة تسوغ للزوج الكره والفراق ومحاولة استرداد ما أعطاه كله أو بعضه.
تعليق على الآية
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ... ) الخ
والآيتين التاليتين لها وما فيها من تلقينات
ولقد روى البخاري عن ابن عباس أنه قال :( كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها فنزلت الآية ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ )١.
وهناك روايات أخرى يرويها الطبري وغيره ذكر في بعضها أسماء وأحداث معينة وفي بعضها أن ابن الزوج وأقاربه كانوا يمسكون الزوجة إذا توفي زوجها حتى تفتدي نفسها برد المهر وفي بعضها أنهم كانوا يلقون عليها ثوابا كإعلان بأنهم سيمسكونها عندهم. وفي بعضها أن أهل ابن الزوج يفعلون ذلك إذا كان هذا الابن صغيرا حتى يكبر فيمسكها أو يتركها. وأن الآية الأولى نزلت في منع العادات المجحفة.
ويلحظ أن الفقرة الأخيرة من الآية الأولى تنطوي على قرينة حاسمة على أن الخطاب فيها موجه للأزواج في صدد معاملتهم لزوجاتهم ؛ حيث يجعل ذلك رواية نزولها بسبب عادة إمساك ابن الزوج أو أقاربه لزوجة الأب لأنفسهم أو لأخذ الفدية منها غريبة. وقد يكون تعبير ( لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ) من ما سوغ للمؤولين ولابن عباس ما قالوه كسبب لنزول الآية. ولقد رأينا الزمخشري يؤولها تأويلا وجيها متسقا مع ملاحظتنا وهو ( لا يحل لكم أن تمسكوا زوجاتكم على كراهيتكم لهن حتى يمتن عندكم بقصد أن ترثوهن ) وقد يكون من القرائن على أن الآية في صدد معاملة الأزواج لزوجاتهم ورود نهي عن نكاح زوجات الآباء في آية مستقلة بعد الآيات التي نحن في صددها. ونرجح أن الروايات المساقة في صدد هذه الآية، وأن سوقها في صدد الآية الأولى من الآيات التي نحن في صددها من قبيل الالتباس.
والذي يتبادر لنا أن الآيات نزلت في مناسبة شكوى رفعها بعض الزوجات إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حق أزواجهن بسبب ما بدا من بعض المحاولات والمواقف التي تضمنتها الآية الأولى. والله أعلم.
ومع أن الآيات تبدو فصلا مستقلا، فإن موضوعها متصل بموضوع النساء وحمايتهن وحقوقهن مما احتوت الآيات السابقة توطيده حتى ليصح أن يقال :إنها استمرار لها. ومن المحتمل كثيرا أن تكون نزلت بعدها إن لم تكن نزلت معها فوضعت بعدها للمناسبة الظرفية والموضوعية.
ولقد سبقت وصايا ونواه وتحذيرات مماثلة في الآيات ( ٢٢٢ـ ٢٤٧ ) من سورة البقرة مما يؤكد ما كان يلقاه الزوجات من أزواجهن من المكايدة والأذى، وما كان يعمد إليه الأزواج من أساليب لابتزاز أموالهن فاقتضت الحكمة مواصلة توكيد النواهي والتحذيرات للقضاء على هذه التصرفات المكروهة المتناقضة مع الحق والعدل والواجب والعهد الزوجي.
وأسلوب الآيات هنا قوي رائع حقا. ينطوي على أبلغ التلقين وأروع العظة في حماية الزوجات وتعظيم شأن الصلة الزوجية ووجوب حسن معاشرتهن ومعاملتهن وحمل النفس على ما تكره في هذا السبيل والتعفف عن أموالهن ولو كانوا هم الذين أعطوها لهن ؛ لأنها صارت حقهن وعدم التسرع في التخلي عنهن وتطليقهن. فإذا أضيف إليها ما احتوته الآيات العديدة الأخرى المكية والمدنية من مثل ذلك وفي صدده وقد مر منها أمثلة كثير وبدا الأمر فذا بالنسبة لجميع الشرائع، وصار من خصوصيات القرآن والشريعة الإسلامية ومرشحاتها للخلود والشمول.
ولقد أورد ابن كثير في سياق الآيات حديثا مقتطعا من حديث خطبة حجة وداع رسول الله رواه مسلم وأبو داود جاء فيه ( اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله )٢ وفي مجمع الزوائد حديث رواه ابن ماجة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ) مما فيه تلقين متسق مع التلقين القرآني في وجوب إحسان معاملة الزوجات والبر بهن، وهناك حديث آخر مهم رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لا يفرك مؤمن مؤمنة وإن كره منها خلفا رضي منها بآخر ) ٣. وجمهور المفسرين والمؤولين على أن جملة ( يأتين بفاحشة مبينة ) في الآية الأولى كناية عن الزنا. وإن للزوج في حالة ثبوت ذلك على زوجته حقا في استرداد مهرها وما قد يكون أعطاها إياه من مال أو بعضه بالأسلوب الذي لا يخالف شرعا ولا عرفا. وهذا متسق مع روح الآية كما هو المتبادر.
﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً٢٢ ﴾
تعليق الآية
( وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ )الخ
عبارة الآية واضحة. وهي في نهي المسلمين عن عادة بشعة جاهلية وتشنيعها وإبطالها.
وقد روى المفسرون١ أنه كان من عادة العرب قبل الإسلام، ومنهم من روى ذلك عن أهل المدينة خاصة إذا مات رجل منهم عن زوجة وله ابن بالغ من غيرها وألقى عليها ثوبا، فإن ذلك يكون بمثابة إعلان رغبته فيها فيصبح أحق بها من نفسها إن شاء تزوجها وإن شاء زوجها لغيره وإن شاء أمسكها في بيته وإن شاء سرحها مقابل فدية تفدي بها نفسها من مال تدفعه أو حق تتنازل عنه له. وقد رووا هذا في سياق الآيات السابقة كما ذكرنا قبل. ورووا إلى هذا أن الآية نزلت في مناسبة مراجعة امرأة كانت زوجة لأبي قيس ابن الأسلت الأنصاري، فلما مات خطبها ابنه فأتت رسول الله وأخبرته وقالت :إني أعد ابنه ابنا لي، فما لبثت الآية أن نزلت بالنهي. كذلك مما رووه أن الآية نزلت في مناسبة حالات متعددة من هذا الباب ذكروا أسماء أصحابها من قريش ؛ حيث خلف صفوان بن أمية والأسود بن خلف على زوجتي أبويهما.
ويلحظ أولا :أن الآية منصبة على النهي عن نكاح زوجات الآباء وتشنيعه فقط.
وثانيا :أنه جاء بعدها فصل فيه بيان المحرم على المسلمين من الأنكحة والحلال لهم ؛ حيث يسوغ القول :إنها غير منقطعة عن السياق السابق واللاحق موضوعا وظرفا، وهذا لا يمنع أن يكون بعض الروايات أو جميعها وقعت، أو مما كان يقع وإن امرأة شكت أمرها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نزول الآية وما بعدها من ما فيه محرمات الأنكحة.
وأسلوب الآية قوي في التشنيع حاسم في النهي. والمتبادر أن استثناء ما قد سلف قد استهدف تسوية نتائجه الطبيعية كالذرية التي نتجت من هذا النكاح تسوية شرعية وحقوقية. وفي هذا من الحكمة والحق ما هو ظاهر.
ويستفاد من أقوال المفسرين٢ ورواياتهم عن أهل التأويل أن الاستثناء أي جملة ( إلا ما قد سلف ) هو من أجل الأولاد الذين ولدوا من هذه الحالة قبل تحريمها ليعتبروا أولادا شرعيين ؛ لأنهم من نكاح كان سائغا، وليس للسماح باستمرار الزوجية بين زوجة الأب وابن الزوج. وهو حق سديد ولقد روى الترمذي حديثا عن فيروز الديلمي قال ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له :إني أسلمت وتحتي أختان. فقال :اختر أيتهما شئت وفي رواية طلق أيتهما شئت ) ٣ وقد حرمت آية تأتي بعد هذا جمع الأختين إلا ما قد سلف ؛ حيث يدعم هذا ذلك القول.
ولقد قال المفسر ابن كثير في سياق تفسير الآية :إن من يتزوج زوجة أبيه بعد تحريم ذلك يكون مرتدا عن دينه فيقتل ويصير ماله فيئا لبيت المال. وأورد للتدليل على ذلك حديثا رواه أصحاب السنن والإمام أحمد عن البراء ابن عازب قال ( لقيت عمي ومعه راية فقلت :أين تريد ؟ قال :بعثني رسول الله إلى رجل نكح امرأة أبيه، فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله ) ٤ حيث يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم شرع هذه العقوبة لمثل هذا الجرم الفظيع حينما اقترف في الإسلام رغم التحريم والتسفيه الشديدين اللذين احتوتهما الآية.
وهناك أقوال يوردها المفسرون، ومنهم من يعزوها أو يعزو بعضها إلى أهل التأويل من أصحاب رسول الله وتابعيهم في مدى الآية٥ من ذلك أن لفظ الآباء يشمل الجد بحيث يكون التحريم شاملا لنكاح ما نكحه الجد من قبل حفيده. ومنها أن زوجة الأب تحرم على الابن، ولو لم يدخل بها إن كان طلقها أو مات عنها قبل الدخول. ومنها أن التحريم يشمل ما استفرشه الآباء من إمائهم وما باشروه مباشرة بدون جماع من إمائهم وزوجاتهم، بل ومن يكونون خلوا بهن منهن أو رأوهن مجردات أي عاريات. ثم تخلوا عنهن بدون جماع، وهذه أقوال وجيهة. وهناك اختلاف في ما جمعه الآباء سفاحا وما باشروه مباشرة وقبلوه بشهوة بدون جماع من نساء حرائر وإماء ولم يكن زوجاتهم وملك يمينهم. فبعض المؤولين والفقهاء أخذوا جملة ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ) على معنى الجماع بالزواج أو بالسفاح وألحق به المباشرة والتقبيل بشهوة. وقال :إن ذلك يحرم المرأة المزنى بها أو المباشرة أو المقبلة بشهوة على الأبناء. وعزا الخازن هذا القول إلى عمران بن الحصين وجابر بن زيد والحسن وفقهاء العراق. ورتب أصحاب هذا الرأي حرمة المصاهرة عليه بحيث تكون بنت الزنا محرمة على أخيها الشرعي وعلى والد أبيها. وبعضهم أخذوا الجملة على معنى عقد الزواج، وقالوا بعدم حرمة من ليس زوجة بعقد يجب فيه الصداق على الزوج، ويلحق به الولد وتجب فيه العدة على الزوجة، وعزا الخازن هذا القول إلى على وابن عباس وسعيد ابن المسيب وعروة ابن الزبير والزهري ومالك والشافعي وفقهاء الحجاز، ومعنى هذا أن زواج الابن من امرأة زنى بها الأب غير محرم فضلا عن ما باشره أو خلا بها، أو قبله بشهوة من نساء حراما. وهذا الرأي مستفاد من الجزء الثاني من موطأ مالك.
وإذا لحظنا أن القرآن إنما استعمل كلمة ( النكاح ) ومشتقاتها في مقام الزواج وعقده دون استثناء مما مثاله ما جاء في آية البقرة ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ) ( ٢٢١ ) وفي آية الأحزاب ( يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ) ( ٤٩ ) ومما سوف يأتي أمثلة له في هذه السورة وما بعدها يكون القول الثاني هو الأوجه. وإن كان ضمير المرء يشعر أن القول الأول لا يخلو من وجاهة أيضا باستثناء اللمس والتقبيل بشهوة والمباشرة بدون جماع للمرأة غير الزوجة ؛ لأن هذه الأفعال لا يمكن أن تدخل في وصف النكاح ولو حمل على محمل الجماع. والمتبادر أن الإماء يلحقن بالحرائر في كلا القولين. والله تعالى أعلم.
١ انظر تفسير الآيات في الطبري والبغوي والخازن وابن كثير والزمخشري والطبرسي..
٢ انظر بخاصة تفسير ابن كثير والطبرسي والخازن لهذه الآيات.
٣ التاج ج ٢ ص ٣٢٤.
٤ التاج ج ٣ ص ٢٦.
٥ انظر كتب تفسير الطبري وابن كثير والخازن مثلا..
( ١ ) ربائبكم :جمع ربيبة وهي بنت الزوجة. والمتبادر أن التسمية من معنى كون الزوج يرب أو يربي بنت زوجته في كنفه
( ٢ ) في حجوركم :بمعنى في كفالتكم مع أمهاتهن.
( ٣ ) حلائل :جمع حليلة وهي الزوجة
﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ( ١ ) اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم( ٢ ) مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ( ٣ )أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ( ٢٣ ) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء( ٤ ) إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم به مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ( ٥ ) فَرِيضَةً( ٦ ) وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم به مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ( ٢٤ ) ﴾
الخطاب في الآيتين موجه إلى المسلمين، وقد أوذنوا فيه بما كتب الله لهم من الحلال والحرام في الأنكحة كما يلي :
١ ـ حرم عليهم التزوج بأمهاتهم وبناتهم، وأخواتهم، وعماتهم، وخالاتهم، وبنات إخوتهم، وبنات أخواتهم، ومرضعاتهم اللاتي يعتبرن أمهاتهم، وبنات مرضعاتهم اللاتي يعتبرن أخواتهم، وأمهات زوجاتهم، وبنات زوجاتهم من أزواج غيرهم إذا كانوا قد دخلوا بهن استثناء اللاتي يطلقوهن قبل الدخول بهن، وزوجات أبنائهم الذين من أصلابهم، وجمع الأختين في آن واحد مع العفو عما كان من ذلك قبل نزول الآيات والنساء المتزوجات باستثناء ما ملكته أيمانهم.
٢ ـ وأبيح لهم أن يتزوجوا بغير هذه المحرمات مع تنبيههم إلى وجوب أن تكون غايتهم الإحصان والعفة عن الزنا والسفاح. وإلى وجوب أدائهم مهرا للمرأة التي يتزوجون بها كفرض متفق عليه مع إباحة التراضي في شأنه بعد تسميته وأدائه زيادة أو نقصا حسب التراضي.
تعليق على الآية
( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم... ) الخ
والآية التالية لها وما يتصل بهما من أحكام
ولم نطلع على مناسبة خاصة لنزول الآيتين. وما احتوتاه هو تشريعات رئيسية قد لا تحتاج إلى مناسبات خاصة. غير أن الذي نرجحه أنهما نزلتا بسبب حوادث متنوعة في صدد حرام الأنكحة وحلالها كثرت في مناسباتها الاستفتاءات والمناقشات. وهو المتسق مع ما جرت عليه حكمة التنزيل في التشريع وغير التشريع في الأعم الأغلب.
والتناسب الموضوعي الخاص بين الآيتين والآية السابقة لها أولا، والتناسب الموضوعي العام بينهما وبين الآيات السابقة جملة واضح. فإما أن تكون الآيتان نزلتا بعد السياق السابق بدون فاصل فوضعتا في مكانهما للتناسب الموضوعي والظرفي، وإما أن تكونا نزلتا لحدتهما بعد وقت ما فوضعتا في مكانهما للتناسب الموضوعي.
ولم نطلع على روايات تفيد أن شيئا من المحرمات المذكورة وبخاصة الرئيسية منها مثل الأم والبنت والأخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت وزوجة الابن من الصلب كان مباحا عند العرب قبل الإسلام، وقد تكون جملة ( إلا ما قد سلف ) في صدد نكاح زوجات الآباء والجمع بين الأختين قرينة على أن المحرمات المذكورة في الآيتين، وبخاصة الرئيسية كانت محرمة قبل الإسلام.
ولعلهم كانوا يتساهلون في غير هذه المحرمات الرئيسية كأمهات الرضاع وأخوات الرضاع والربائب مثل تساهلهم في نكاح زوجة الأب والجمع بين الأختين. وكانوا إلى هذا يتشددون في تحريم نكاح أرامل ومطلقات الأبناء، حتى شمل ذلك مطلقات الأبناء بالتبني فاقتضت حكمة التنزيل إيحاء هذه الآيات لتكون أحكاما صريحة شاملة لجميع الحالات بأسلوب حاسم.
والنص على تحريم زوجة الابن من الصلب فقط وقيد تحريم الربائب بالدخول بأمهاتهن وما ورد من أحاديث حرمة الرضاع على ما سوف نورده بعد قد يكون قرائن على ما نقول.
والنص على تحريم زوجة الابن من الصلب فقط الذي خرج به تحريم زوجة الابن بالتبني من المحرمات قد يدل على أن هذه الآيات قد نزلت بعد إبطال تقليد التبني وتوابعه في سورة الأحزاب، ولعل ذلك من أسباب تقديم سورة الأحزاب على هذه السورة في روايات ترتيب النزول.
وقد نبه المفسرون١ والفقهاء ومنهم من عزا قوله إلى أهل التأويل من أصحاب رسول الله وتابعيهم على أن تعبير الأب في المحرمات يشمل الجد وتعبير الأم ويشمل الجدة، وتعبير الابن يشمل ابن الابن وبنت الابن وتعبير البنت يشمل ابن البنت وبنت البنت، وتعبير العمة يشمل عمة الأب وعمة الأم، وتعبير الخالة يشمل خالة الأب وخالة الأم، وهذا وجيه ومتسق مع روح الآيات وأساليب اللغة العربية.
ونبهوا كذلك على حرمة الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها استنادا إلى حديث رواه الخمسة عن أبي هريرة جاء فيه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها ) ٢ وهذا تشريع نبوي لحالة سكت القرآن عنها.
ونبهوا كذلك على حرمة وطء الرجل والدة أمته التي يستفرشها ولا بناتها من غيره ولا بنات أبنائها وبناتهم أيضا، ولو كن ملك يمينه. وهو قول سديد. ولم نقع على قول في عمات الأمة التي يستفرشها سيدها وخالاتها أو الجمع بينها وبينهن.
ويتبادر لنا أن هذا أن ينسحب عليه ذلك الأصل لن تعليله جنسي ولا يتبدل في حالة الحرية والرق. والله أعلم، ونبهوا أيضا على أن زوجات الكفار داخلات في مدى عبارة ( والمحصنات من النساء ) محرمات على المسلمين على اعتبار أنهن ذوات أزواج، سواء أكن مشركات أم كتابيات باستثناء ما يسبيه المسلمون من أعدائهم الكفار نتيجة لحرب وقتال من نساء ؛ حيث أبيح لهم أن يستفرشوهن لأنهن غدون ملك يمين لهم على ما تفيده جملة ( إلا ما ملكت أيمانكم ) مما سوف نزيده شرحا بعد.
وفي موطأ مالك٣ حالات أخرى. منها عزوا إلى زيد ابن ثابت ( عدم صحة زواج رجل من أم زوجة عقد عليها ثم طلقها قبل أن يمسها لأنه صارت أم زوجته على كل حال ) وهذا متسق مع إطلاق العبارة القرآنية. ومنها بدون عزو إلى أحد ( حالة الرجل تكون تحته امرأة فيجامع أمها. حيث تحرم عليه زوجته وأمها معا ) وهذا اجتهاد تطبيقي للجملة القرآنية إذا أخذ بقول من يقول بحرمة المرأة التي يصيبها الرجل ولو سفاحا. وقد علقنا على هذا سابقا.
ولم يذكر شيء في الآيات عن دين النساء اللاتي يحل للمسلم أن يتزوجهن.
غير أن الآية التالية لهذه الآيات مباشرة ذكرت ذلك بأسلوب يفيد وجوب كونهن من المؤمنات. ولقد حرمت آية البقرة ( ٢٢٠ ) نكاح المشركات على ما شرحناه قبل. ولقد أدخل تعديل على ذلك بإباحة الكتابيات في آية سورة المائدة ( ٥ ) على ما سوف نشرحه بعد.
وفي صدد حرمة الرضاع روى الخمسة عن عائشة رضي الله عنها حديثا جاء فيه ( قال النبي صلى الله عليه وسلم ) يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة ) ٤ وحديثا ثانيا رواه الشيخان جاء فيه ( يحرم من الرضاعة ما يحرم من الرحم ) ٥ وحديثا ثالثا رواه جميعهم عدا الترمذي عن أم حبيبة ( قالت :يا رسول الله، إنا لنتحدث أنك تريد أن تنكح درة بنت أبي سلمة فقال :بنت أم سلمة، قلت :نعم. قال :فوالله لو لم تكن في حجري ما حلت لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة ) ٦ وحديثا رابعا رواه الخمسة إلا البخاري عن أم الفضل جاء فيه ( قال النبي صلى الله عليه وسلم :لا تحرم الرضعة أو الرضعتان أو المصة أو المصتان ) ٧ وحديثا خامسا رواه البخاري والترمذي عن عقبة ابن الحارث قال :( تزوجت امرأة فجاءتنا امرأة سوداء فقالت :أرضعتكما فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، وقلت إن المرأة كاذبة فأعرض، فأتيته من قبل وجهه وقلت :إنها كاذبة. قال :كيف بها وقد زعمت أنها أرضعتكما، دعها عنك٨. وحديثا سادسا رواه الترمذي جاء فيه ( أن ابن عباس سئل عن امرأتين في عصمة رجل واحد أرضعت إحداهما جارية ( بنت ) والأخرى غلاما أتحل الجارية للغلام ؟ فقال :لا إن اللقاح واحد ) ٩ وحديثا سابعا رواه الترمذي عن أم سلمة قالت ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام ) ١٠ وحديثا ثامنا عن ابن عباس رواه الدارقطني جاء فيه ( قال رسول الله :لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين ) ١١.
وفي موطأ مالك أحاديث أخرى. منها حديث عن عائشة قالت :( جاء عمي من الرضاعة يستأذن علي، فأبيت أن آذن حتى أسأل رسول الله فسألته فقال :إنه عمك فأذني له. قالت :يا رسول الله إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل. قال :إنه عمك فليلج عليك ) ١٢ وحديث عن عبد الرحمان ابن القاسم عن أبيه أنه أخبره ( أن عائشة زوج النبي كان يدخل عليها من أرضعته أخواتها وبنات أخيها. ولا يدخل عليها من أرضعته نساء أخواتها ) ١٣.
وليس في أحاديث ما ينقض الجملة الواردة في الآية الأولى في تحريم المرضعات وبناتهن، وإنما فيها توضيح وتوسيع، ومن الواجب الأخذ بها بحيث يصح القول على ضوئها وضوء الجملة القرآنية أن الرضاعة المشبعة في سن الرضاعة هي التي تحرم النكاح، وأن الرضاعة بهذا الوصف تحرم من الأنكحة ما يحرمه الرحم والولادة ؛ حيث تغدو المرضعة بمثابة أم الطفل أو الطفلة التي رضعت منها فتحرم هي على الطفل كما يحرم عليه بناتها وأخواتها وعماتها وخالاتها وبنات أبنائها وبنات بناتها، ويحرم على الطفلة أبو المرضعة وأبناؤها وإخوتها وأعمامها وأخوالها ويحرم على الطفل من رضع معه منها من بنات غير بناتها ويحرم على الطفلة من رضع معها منها من صبيان غير صبيان مرضعتها، مع التنبيه على أن هناك بعض اختلافات مذهبية لا يتحمل منهج التفسير بسطها.
ولقد روى الخمسة إلا البخاري حديثا عن عائشة جاء فيه ( كان فيما أنزل من القرآن :عشر رضعات معلومات يحرمن :ثم نسخن بخمس معلومات وتوفي رسول الله وهن فيما يقرأ من القرآن ) ١٤ ونحن في حيرة من هذا الحديث. ففي عهد أبيها حرر مصحف رسمي ليكون الإمام والمرجع على ملأ من المسلمين، ولا يعقل أن تسكت على عدم إثبات قرآن مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو قرآن في المصحف، ولا يعقل أن ترد شهادتها في ذلك، ونرجح أن في الأمر التباسا، وقد ناقش رشيد رضا هذه المسألة وقال ما مفاده :إن رواية الخمس عنها هي المعتمدة وبها يقول أهل الحديث، ويرون أن العمل بها يجمع بين الأحاديث. ورواية القرآن كقرآن لا تثبت إلا بالتواتر، وليس هناك تواتر يؤيد صحة ما روي في هذا عن عائشة رضي الله عنها.
وعلى كل حال فإن قصارى الأمر تقرير كون حرمة الرضاع منوطة بالرضاعة الكثيرة المشبعة لا بالمصة والمصتين، وهو ما تضمنت الأحاديث الأخرى تقريره.
ولقد روى مالك قولا عن سعيد ابن المسيب١٥ ( إن كل ما كان في الحولين وإن كانت قطرة واحدة يحرم ) وعن ابن شهاب ( إن الرضاعة قليلها وكثيرها إذا كانت في الحولين تحرم ) ولا يروي الإمام مالك ما رواه البخاري وغيره من أصحاب الكتب الخمسة وأوردناه آنفا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ندري إذا كانت لم تبلغه، أو لم تثبت عنده وعند سعيد وابن شهاب. وما دامت
( ٤ ) المحصنات من النساء :كلمة المحصنات جاءت في مقامات في القرآن في معان متنوعة. منها الحرائر ومنها العفيفات ومنها المتزوجات والجمهور على أنها هنا بالمعنى الأخير، وهو الملموح من روح الآية.
( ٥ ) أجورهن :بمعنى مهورهن
( ٦ ) فريضة :مفروضة متفقا عليها
﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ( ١ ) اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم( ٢ ) مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ( ٣ )أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ( ٢٣ ) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء( ٤ ) إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم به مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ( ٥ ) فَرِيضَةً( ٦ ) وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم به مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ( ٢٤ ) ﴾
الخطاب في الآيتين موجه إلى المسلمين، وقد أوذنوا فيه بما كتب الله لهم من الحلال والحرام في الأنكحة كما يلي :
١ ـ حرم عليهم التزوج بأمهاتهم وبناتهم، وأخواتهم، وعماتهم، وخالاتهم، وبنات إخوتهم، وبنات أخواتهم، ومرضعاتهم اللاتي يعتبرن أمهاتهم، وبنات مرضعاتهم اللاتي يعتبرن أخواتهم، وأمهات زوجاتهم، وبنات زوجاتهم من أزواج غيرهم إذا كانوا قد دخلوا بهن استثناء اللاتي يطلقوهن قبل الدخول بهن، وزوجات أبنائهم الذين من أصلابهم، وجمع الأختين في آن واحد مع العفو عما كان من ذلك قبل نزول الآيات والنساء المتزوجات باستثناء ما ملكته أيمانهم.
٢ ـ وأبيح لهم أن يتزوجوا بغير هذه المحرمات مع تنبيههم إلى وجوب أن تكون غايتهم الإحصان والعفة عن الزنا والسفاح. وإلى وجوب أدائهم مهرا للمرأة التي يتزوجون بها كفرض متفق عليه مع إباحة التراضي في شأنه بعد تسميته وأدائه زيادة أو نقصا حسب التراضي.
تعليق على الآية
( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم... ) الخ
والآية التالية لها وما يتصل بهما من أحكام
ولم نطلع على مناسبة خاصة لنزول الآيتين. وما احتوتاه هو تشريعات رئيسية قد لا تحتاج إلى مناسبات خاصة. غير أن الذي نرجحه أنهما نزلتا بسبب حوادث متنوعة في صدد حرام الأنكحة وحلالها كثرت في مناسباتها الاستفتاءات والمناقشات. وهو المتسق مع ما جرت عليه حكمة التنزيل في التشريع وغير التشريع في الأعم الأغلب.
والتناسب الموضوعي الخاص بين الآيتين والآية السابقة لها أولا، والتناسب الموضوعي العام بينهما وبين الآيات السابقة جملة واضح. فإما أن تكون الآيتان نزلتا بعد السياق السابق بدون فاصل فوضعتا في مكانهما للتناسب الموضوعي والظرفي، وإما أن تكونا نزلتا لحدتهما بعد وقت ما فوضعتا في مكانهما للتناسب الموضوعي.
ولم نطلع على روايات تفيد أن شيئا من المحرمات المذكورة وبخاصة الرئيسية منها مثل الأم والبنت والأخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت وزوجة الابن من الصلب كان مباحا عند العرب قبل الإسلام، وقد تكون جملة ( إلا ما قد سلف ) في صدد نكاح زوجات الآباء والجمع بين الأختين قرينة على أن المحرمات المذكورة في الآيتين، وبخاصة الرئيسية كانت محرمة قبل الإسلام.
ولعلهم كانوا يتساهلون في غير هذه المحرمات الرئيسية كأمهات الرضاع وأخوات الرضاع والربائب مثل تساهلهم في نكاح زوجة الأب والجمع بين الأختين. وكانوا إلى هذا يتشددون في تحريم نكاح أرامل ومطلقات الأبناء، حتى شمل ذلك مطلقات الأبناء بالتبني فاقتضت حكمة التنزيل إيحاء هذه الآيات لتكون أحكاما صريحة شاملة لجميع الحالات بأسلوب حاسم.
والنص على تحريم زوجة الابن من الصلب فقط وقيد تحريم الربائب بالدخول بأمهاتهن وما ورد من أحاديث حرمة الرضاع على ما سوف نورده بعد قد يكون قرائن على ما نقول.
والنص على تحريم زوجة الابن من الصلب فقط الذي خرج به تحريم زوجة الابن بالتبني من المحرمات قد يدل على أن هذه الآيات قد نزلت بعد إبطال تقليد التبني وتوابعه في سورة الأحزاب، ولعل ذلك من أسباب تقديم سورة الأحزاب على هذه السورة في روايات ترتيب النزول.
وقد نبه المفسرون١ والفقهاء ومنهم من عزا قوله إلى أهل التأويل من أصحاب رسول الله وتابعيهم على أن تعبير الأب في المحرمات يشمل الجد وتعبير الأم ويشمل الجدة، وتعبير الابن يشمل ابن الابن وبنت الابن وتعبير البنت يشمل ابن البنت وبنت البنت، وتعبير العمة يشمل عمة الأب وعمة الأم، وتعبير الخالة يشمل خالة الأب وخالة الأم، وهذا وجيه ومتسق مع روح الآيات وأساليب اللغة العربية.
ونبهوا كذلك على حرمة الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها استنادا إلى حديث رواه الخمسة عن أبي هريرة جاء فيه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها ) ٢ وهذا تشريع نبوي لحالة سكت القرآن عنها.
ونبهوا كذلك على حرمة وطء الرجل والدة أمته التي يستفرشها ولا بناتها من غيره ولا بنات أبنائها وبناتهم أيضا، ولو كن ملك يمينه. وهو قول سديد. ولم نقع على قول في عمات الأمة التي يستفرشها سيدها وخالاتها أو الجمع بينها وبينهن.
ويتبادر لنا أن هذا أن ينسحب عليه ذلك الأصل لن تعليله جنسي ولا يتبدل في حالة الحرية والرق. والله أعلم، ونبهوا أيضا على أن زوجات الكفار داخلات في مدى عبارة ( والمحصنات من النساء ) محرمات على المسلمين على اعتبار أنهن ذوات أزواج، سواء أكن مشركات أم كتابيات باستثناء ما يسبيه المسلمون من أعدائهم الكفار نتيجة لحرب وقتال من نساء ؛ حيث أبيح لهم أن يستفرشوهن لأنهن غدون ملك يمين لهم على ما تفيده جملة ( إلا ما ملكت أيمانكم ) مما سوف نزيده شرحا بعد.
وفي موطأ مالك٣ حالات أخرى. منها عزوا إلى زيد ابن ثابت ( عدم صحة زواج رجل من أم زوجة عقد عليها ثم طلقها قبل أن يمسها لأنه صارت أم زوجته على كل حال ) وهذا متسق مع إطلاق العبارة القرآنية. ومنها بدون عزو إلى أحد ( حالة الرجل تكون تحته امرأة فيجامع أمها. حيث تحرم عليه زوجته وأمها معا ) وهذا اجتهاد تطبيقي للجملة القرآنية إذا أخذ بقول من يقول بحرمة المرأة التي يصيبها الرجل ولو سفاحا. وقد علقنا على هذا سابقا.
ولم يذكر شيء في الآيات عن دين النساء اللاتي يحل للمسلم أن يتزوجهن.
غير أن الآية التالية لهذه الآيات مباشرة ذكرت ذلك بأسلوب يفيد وجوب كونهن من المؤمنات. ولقد حرمت آية البقرة ( ٢٢٠ ) نكاح المشركات على ما شرحناه قبل. ولقد أدخل تعديل على ذلك بإباحة الكتابيات في آية سورة المائدة ( ٥ ) على ما سوف نشرحه بعد.
وفي صدد حرمة الرضاع روى الخمسة عن عائشة رضي الله عنها حديثا جاء فيه ( قال النبي صلى الله عليه وسلم ) يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة ) ٤ وحديثا ثانيا رواه الشيخان جاء فيه ( يحرم من الرضاعة ما يحرم من الرحم ) ٥ وحديثا ثالثا رواه جميعهم عدا الترمذي عن أم حبيبة ( قالت :يا رسول الله، إنا لنتحدث أنك تريد أن تنكح درة بنت أبي سلمة فقال :بنت أم سلمة، قلت :نعم. قال :فوالله لو لم تكن في حجري ما حلت لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة ) ٦ وحديثا رابعا رواه الخمسة إلا البخاري عن أم الفضل جاء فيه ( قال النبي صلى الله عليه وسلم :لا تحرم الرضعة أو الرضعتان أو المصة أو المصتان ) ٧ وحديثا خامسا رواه البخاري والترمذي عن عقبة ابن الحارث قال :( تزوجت امرأة فجاءتنا امرأة سوداء فقالت :أرضعتكما فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، وقلت إن المرأة كاذبة فأعرض، فأتيته من قبل وجهه وقلت :إنها كاذبة. قال :كيف بها وقد زعمت أنها أرضعتكما، دعها عنك٨. وحديثا سادسا رواه الترمذي جاء فيه ( أن ابن عباس سئل عن امرأتين في عصمة رجل واحد أرضعت إحداهما جارية ( بنت ) والأخرى غلاما أتحل الجارية للغلام ؟ فقال :لا إن اللقاح واحد ) ٩ وحديثا سابعا رواه الترمذي عن أم سلمة قالت ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام ) ١٠ وحديثا ثامنا عن ابن عباس رواه الدارقطني جاء فيه ( قال رسول الله :لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين ) ١١.
وفي موطأ مالك أحاديث أخرى. منها حديث عن عائشة قالت :( جاء عمي من الرضاعة يستأذن علي، فأبيت أن آذن حتى أسأل رسول الله فسألته فقال :إنه عمك فأذني له. قالت :يا رسول الله إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل. قال :إنه عمك فليلج عليك ) ١٢ وحديث عن عبد الرحمان ابن القاسم عن أبيه أنه أخبره ( أن عائشة زوج النبي كان يدخل عليها من أرضعته أخواتها وبنات أخيها. ولا يدخل عليها من أرضعته نساء أخواتها ) ١٣.
وليس في أحاديث ما ينقض الجملة الواردة في الآية الأولى في تحريم المرضعات وبناتهن، وإنما فيها توضيح وتوسيع، ومن الواجب الأخذ بها بحيث يصح القول على ضوئها وضوء الجملة القرآنية أن الرضاعة المشبعة في سن الرضاعة هي التي تحرم النكاح، وأن الرضاعة بهذا الوصف تحرم من الأنكحة ما يحرمه الرحم والولادة ؛ حيث تغدو المرضعة بمثابة أم الطفل أو الطفلة التي رضعت منها فتحرم هي على الطفل كما يحرم عليه بناتها وأخواتها وعماتها وخالاتها وبنات أبنائها وبنات بناتها، ويحرم على الطفلة أبو المرضعة وأبناؤها وإخوتها وأعمامها وأخوالها ويحرم على الطفل من رضع معه منها من بنات غير بناتها ويحرم على الطفلة من رضع معها منها من صبيان غير صبيان مرضعتها، مع التنبيه على أن هناك بعض اختلافات مذهبية لا يتحمل منهج التفسير بسطها.
ولقد روى الخمسة إلا البخاري حديثا عن عائشة جاء فيه ( كان فيما أنزل من القرآن :عشر رضعات معلومات يحرمن :ثم نسخن بخمس معلومات وتوفي رسول الله وهن فيما يقرأ من القرآن ) ١٤ ونحن في حيرة من هذا الحديث. ففي عهد أبيها حرر مصحف رسمي ليكون الإمام والمرجع على ملأ من المسلمين، ولا يعقل أن تسكت على عدم إثبات قرآن مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو قرآن في المصحف، ولا يعقل أن ترد شهادتها في ذلك، ونرجح أن في الأمر التباسا، وقد ناقش رشيد رضا هذه المسألة وقال ما مفاده :إن رواية الخمس عنها هي المعتمدة وبها يقول أهل الحديث، ويرون أن العمل بها يجمع بين الأحاديث. ورواية القرآن كقرآن لا تثبت إلا بالتواتر، وليس هناك تواتر يؤيد صحة ما روي في هذا عن عائشة رضي الله عنها.
وعلى كل حال فإن قصارى الأمر تقرير كون حرمة الرضاع منوطة بالرضاعة الكثيرة المشبعة لا بالمصة والمصتين، وهو ما تضمنت الأحاديث الأخرى تقريره.
ولقد روى مالك قولا عن سعيد ابن المسيب١٥ ( إن كل ما كان في الحولين وإن كانت قطرة واحدة يحرم ) وعن ابن شهاب ( إن الرضاعة قليلها وكثيرها إذا كانت في الحولين تحرم ) ولا يروي الإمام مالك ما رواه البخاري وغيره من أصحاب الكتب الخمسة وأوردناه آنفا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ندري إذا كانت لم تبلغه، أو لم تثبت عنده وعند سعيد وابن شهاب. وما دامت
تعليق وتمحيص في صدد نكاح المتعة
ولقد كانت جملة ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ) موضوع تأويلات وروايات عديدة ومختلفة١. منها أنها في معنى كون المهور الواجب إعطاؤها للنساء هي مقابل استمتاع الرجال بهن بالنكاح وكونها يجب أن تكون مقدارا معينا متفقا عليه، مع رفع الحرج عن الزوجين فيما يتراضيان عليه بعد ذلك فيه، إذا ما طرأت ظروف تدعو إلى تبديل من زيادة أو نقص أو تسامح... الخ وأن الاستمتاع هو كناية عن الوطء الذي يباح للرجال بعد العقد وأداء المهر. ومنها أن الجملة احتوت إباحة نكاح المتعة. وهو عقد بين امرأة ورجل على مدة معينة يستمتع بها فيها لقاء أجر معين، فإذا انتهت المدة انفسخ العقد دون تطليق مع جواز التراضي على تمديد المدة لقاء أجر جديد. وكان هذا جاريا عند العرب قبل الإسلام.
ومع أن في استنباط إباحة نكاح المتعة من العبارة تحميلا لا تتحمله هي وبقية الآية والآيات السابقة، وأن التأويل الذي تقدم هو الأوجه حسب ما يتبادر لنا مع التنبيه إلى نقطة هامة، وهي أن المهر ليس مقابل الوطء فحسب، وإنما هو لتوطيد الميثاق الزوجي بصورة عامة، فإن المفسرين جميعهم أداروا الكلام في سياق هذه الآية على نكاح المتعة.
ولقد عزوا إلى ابن عباس أقوالا ليس منها شيء واردا في الصحاح. منها أن الآية محكمة في إباحة نكاح المتعة، وأنه كان يزيد بعد عبارة ( فما استمتعتم به منهن ) جملة ( إلى أجل مسمى ) ( البقرة :٢٨٢ ) وأن أبا نضرة قال له :ما أقرؤها كذلك، فقال له :والله إن الله أنزلها كذلك ثلاث مرات. ومنها أن عمارا سأل ابن عباس عن المتعة فقال له :هي متعة لا سفاح ولا نكاح ولا طلاق ولا توارث، ومنها أنه قال لما كثر كلام الناس عن إباحته للمتعة وانتشارها :أنا ما أفتيت بها على الإطلاق، وإنما قلت تحل للمضطر كما تحل الميتة له. ومنها أنه رجع عن قوله وقال بتحريمها وأن الآية الأولى من سورة الطلاق نسختها.
ولقد أوردوا أحاديث فيها إباحة للمتعة ثم تحريم لها. وفي بعضها تناقض في الوقت نفسه. حيث روي النهي في ظروف وقعة خيبر، بينما رويت الإباحة في ظروف فتح مكة التي كانت بعد خيبر بسنتين. ومن هذه الأحاديث حديث رواه الشيخان عن جابر وسلمة قالا ( كنا في جيش فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم :قد أذن لكم أن تستمتعوا فاستمتعوا ) ٢ ومنها حديث عن سبرة الجهني رواه الإمام أحمد جاء فيه ( أن سبرة غزا مع رسول الله في فتح مكة قال :فأقمنا بها خمس عشرة، فأذن لنا رسول الله في متعة النساء، فخرجت أنا ورجل من قومي ولي عليه فضل في الجمال، وهو قريب من الدمامة مع كل واحد منا برد، وبردي خلق وبرد ابن عمي جديد غض. حتى إذا كنا بأسفل مكة أو بأعلاها تلقتنا فتاة مثل البكرة العطنطة. فقلنا :هل لك أن يستمتع منك أحدنا ؟ فقالت :وماذا تبذلان ؟ فنشر كل منا برده فجعلت تنظر إلى الرجلين ويراها صاحبي تنظر إلي بعطفها. فقال :إن برد هذا خلق وبردي جديد غض فتقول :برد هذا لا بأس به ثلاث مرات أو مرتين ثم استمتعت منها ) ٣ ومنها حديث رواه الخمسة عن علي ابن أبي طالب ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية ) ٤ ومنها حديث رواه مسلم عن سلمة قال ( رخص النبي عام أوطاس في المتعة ثلاثا، ثم نهى عنها ) ٥ ومنها حديث رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن سبرة قال ( رأيت رسول الله قائما بين الركن والباب وهو يقول :يا أيها الناس إني قد أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ) ٦ ومنها عن عمر بن الخطاب أنه قال ( نهى النبي عن المتعة وأيما رجل أو امرأة يأتوني بهما فسوف أرجمهما بالحجارة ).
ومع أن الخمسة رووا عن علي ابن أبي طالب أن النبي نهى عن المتعة يوم خيبر على ما أوردناه قبل، فقد روى عنه قوله ( لولا أن عمر نهى عن المتعة لما زنى إلا شقي ) ٧ حيث توهم الرواية أن عمر نهى عنها اجتهادا. ويستعبد جدا صدور هذا القول من علي الذي روى أن النبي هو الذي نهى عنها ؛ ولأن فيه اتهاما لعمر أنه نهى عن شيء كان سائغا في حياة النبي. والرواية المروية عن عمر التي تذكر أنه نهى عن المتعة استنادا إلى نهي النبي عنها هي الأكثر وجاهة وورودا.
ومن باب الرواية الآنفة الذكر المروية عن علي ثلاث روايات أخرى. واحدة عن عمران بن الحصين أنه قال ( إن آية المتعة نزلت في كتاب الله ولم ينزل بعدها آية تنسخها، وإن رسول الله أذن لنا وتمتعنا ولم ينهنا عنها. فقال رجل بعده وبرأيه ما شاء ) ٨ والرجل المقصود هو عمر. وواحدة جاء فيها ( سئل جابر ابن عبد الله عن المتعة فقال :نعم استمتعنا على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر ) ٩ وواحدة بدون راو عن عمر ابن الخطاب أنه قال :( متعتان كانتا على عهد رسول الله حلال وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما، وهما متعة النكاح ومتعة الحج ) ١٠.
والروايات الأربع التي يرويها الطبرسي الشيعي لم ترد في الصحاح ولم يوردها الطبري ولا البغوي ولا ابن كثير ولا الخازن الذين اهتموا لاستيفاء الروايات والأحاديث المأثورة في سياق الآيات عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعيهم باستثناء الأولى التي أوردها الطبري وحده. وإيراده لها لا يثبتها ؛ لأن الحديث الذي يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها والذي يرويه الخمسة هو الأوثق. ورواية الروايات الأربع مجتمعة في تفسير الطبرسي الشيعي، والراجح أنها وردت في كتب تفسير شيعية قبله وبعده تثير الشبهة في صنعها من الشيعة الذين يحللون المتعة ويقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم :لم يحرمها وإنما حرمها عمر، والذين يحاولون تشويه اسم عمر رضي الله عنه في كل مناسبة لهواهم الحزبي، ولو كان ذلك في مناسبات وصيغ لا تتسق معه عقل ومنطق وتخرج عمر من ربقة الإسلام في نسبة تحريم ما أحله الله ورسوله والعياذ بالله كما جاء في الرواية الرابعة مما أوردنا منه أمثلة كثيرة. ولا يمكن أن يعقل صدور هذا من عمر، وأن يسكت أصحاب رسول الله ويرضوا عنه ومن جملتهم علي ابن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين.
وعلى كل حال فإن جل أئمة السنة وعلمائها انتهوا إلى القول بأن تحريم المتعة صار محكما. أما أئمة الشيعة فإنهم انتهوا إلى القول بأن إباحتها هي التي ظلت محكمة ؛ حيث يبدو أنهم لا يثبتون أحاديث تحريمها ويثبتون أحاديث حلها من جهة، وما روي عن ابن عباس في صدد تأويله للآية واعتباره إياها محكمة في حل المتعة من جهة ثم ما روى عن علي وعمران ابن الحصين وعبد الله ابن جابر من أن عمر هو الذي حرمها وأنها كانت حلالا ممارسا في عهد النبي، ثم في عهد أبي بكر وشطر من عهد عمر من جهة.
والنفس تطمئن بما انتهى إليه أئمة السنة أكثر، ولا سيما إن الآية التي جاءت فيها العبارة والآيات السابقة لها منصبة على الزواج وتعظيم رابطته ووجوب الاحتفاظ بالزوجات وحسن معاشرتهن وتحمل ما يكره منهن والإحصان والأولاد والمواريث والمهور وما يحل التزوج به من النساء وإبطال بعض عادات الجاهلية منه مثل نكاح زوجة الأب والجمع بين الأختين. ثم ننبه على كون الزواج هو للإحصان وليس للشهوة فحسب وننهى عن قصد السفاح. والمتعة على كل حال ليست نكاحا ولا إحصانا في معناهما ومداهما الصحيحين، ولا تخرج عن كونها نوعا من أنواع المخادنة، وليس فيها قصد تأسيس علاقة زوجية ثابتة وإقامة كيان أسروي وإنجاب ذرية مما هو منطو في الآيات. ويتبادر لنا من كل ما روي وقيل :إن مسألة المتعة وحلها وتحريمها متصلة بما روي من أحاديث أكثر مما هي منطوية في الجملة القرآنية. وإن من المحتمل أن تكون مما أباحها رسول الله في ظرف ثم نهى عنها.
ولقد روي حديث أخرجه الإمام مالك في الموطأ عن عروة بن الزبير جاء فيه ( إن خولة بنت حكيم دخلت على عمر ابن الخطاب فقالت له :إن ربيعة ابن أمية استمتع بامرأة فحملت منه، فخرج فزعا يجر رداءه فقال :هذه المتعة لو كنت تقدمت فيها لرجمت ) وحديث آخر أخرجه الإمام مسلم عن عروة أيضا جاء فيه ( إن عبد الله ابن الزبير قام بمكة فقال :إن ناسا أعمى الله قلوبهم كما أعمى بصائرهم يفتون بالمتعة، يعرض بذلك بعبد الله بن عباس - فناداه عبد الله إنك لجلف جاف لعمري، لقد كانت المتعة على عهد إمام المتقين ( يعني النبي صلى الله عليه وسلم ) فقال له ابن الزبير :فجرب بنفسك، فوالله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجاري ) والحديثان يفيدان أن عبد الله ابن الزبير يعتبر المتعة زنا يستحق حد الزنا. وأن عمر أوشك أن يعتبرها كذلك. غير أن الحديثين لم يردا في الصحاح، وأن المستفاد من أقوال جمهور الفقهاء السنيين أنها وإن كانت محرمة فلا يوقع فيها حد الزنا للشبهة القائمة حول حلها وحرمتها عملا بالقاعدة الشرعية المشهورة ( ادرأوا الحدود بالشبهات ) ١١ ونعتقد أن بين أئمة الشيعة الذين يقولون بإباحتها علماء مجتهدين وأتقياء ورعون يبعد أن يحرموا ويحللوا جزافا دون قناعة بقطع النظر عن احتمال الخطأ والصواب في ذلك. هذا إلى أنهم قد يرون في إباحة هذا النكاح حكمة وهي منع المسلم من الوقوع في إثم الزنا أو العنت الشديد بالحرمان. والله أعلم.
١ انظر تفسير الآيات في الطبري والبغوي وابن كثير والخازن والطبرسي والزمخشري وغيرهم، وقد ألم بهذا الموضوع وما دار حوله وما ورد فيه جميع المفسرين، ومنهم من تبسط ومنهم من أوجز، ومنهم من أورد الروايات والأقوال والتأويلات المختلفة أيضا..
٢ انظر أيضا التاج ج ٢ ص ٣٠٦.
٣ انظر أيضا مجمع الزوائد ج ٤ ص ٣٦٤.
٤ انظر أيضا التاج ج ٢ ص ٣٠٦.
٥ المصدر نفسه.
٦ المصدر نفسه.
٧ أورد هذه الروايات المفسر الطبرسي الشيعي..
٨ أورد هذه الروايات المفسر الطبرسي الشيعي.
٩ روى الروايتين الطبرسي أيضا.
١٠ المصدر نفسه.
١١ هذه القاعدة مستمدة من أحاديث عديدة منها حديث رواه الترمذي والحاكم والبيهقي جاء فيه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة) التاج ج٣ ص ٣٣ ومنها حديث رواه ابن ماجة عن أبي هريرة قال (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا) ومنها حديث رواه عبد الله ابن مسعود مرفوعا (ادرأوا الحدود بالشبهات. ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم) نيل الأوطار للشوكاني ج ٧ ص ٢٧١ـ ٢٧٢ الطبعة المنيرية.
( ١ ) طولا :سعة وقدرة مالية أو فضلا من مال. وفسرها بعضهم بالإمكان والقدرة مطلقا ومنها ( يد فلان طائلة ) بمعنى قادرة ماديا ومعنويا.
( ٢ ) المحصنات :في المرتين اللتين وردت فيهما الكلمة بمعنى الحرائر.
( ٣ ) فتياتكم :إمائكم وكان العرب يسمون الصبيان من عبيدهم فتيانا والبنات فتيات.
( ٤ ) محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان :الجملة على سبيل وصف ما ينبغي أن يكون حالهن بعد الزواج أو القصد من زواجهن، وهو أن يكن متعففات لا يرتكسن في الزنا ولا في اتخاذ الأخدان. والخدن هو الخليل في السر. والمسافحة هي الزنا إطلاقا مع أي كان.
( ٥ ) فإذا أحصن :فإذا تزوجن وصرن محصنات بالزواج
( ٦ )فاحشة :هنا بمعنى الزنا
( ٧ ) العذاب :هنا بمعنى حد الزنا وعقوبته
( ٨ ) العنت :الشدة وهنا كناية عن غلبة الشهوة وحملها صاحبها على الإثم.
﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً( ١ ) أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ( ٢ ) الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ( ٣ ) الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ( ٤ ) فَإِذَا أُحْصِنَّ( ٥ ) فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ( ٦ ) فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ( ٧ ) ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ( ٨ ) مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ٢٥ ) يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ٢٦ ) وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا ( ٢٧ ) يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ( ٢٨ ) ﴾. [ ٢٥-٢٨ ]
تضمنت الآية الأولى تشريعا في صدد تزوج الرجال الأحرار بالإماء المؤمنات كما تضمنت حكمة ذلك. ووجه الخطاب فيها للمؤمنين لتقرر لهم :
( ١ ) أنه ليس من بأس على الذين لا قدرة مالية لهم على التزوج بامرأة حرة مؤمنة أن يتزوجوا بإماء مؤمنات.
( ٢ ) وبأن الله أعلم بإيمانهم جميعا، وبأن بعضهم من بعض أحرارا كانوا أم أرقاء.
( ٣ ) وبأن على من أراد ذلك أن يحصل على إذن أهل الفتاة، ويؤدي لها مهرها بالحسنى وبالقدر المتعارف عليه بين الناس والأمثال.
( ٤ ) وبأن الأمة حينما تتزوج من حر تكون قد تحصنت من السفاح والتخادن ويصبح من واجبها التعفف عن ذلك، والحذر من الارتكاس فيه وغدت زوجة شرعية لزوجها فإذا اقترفت الفاحشة فيترتب عليها نصف الحد الذي يترتب على الحرة المتزوجة.
وانتهت الآية بالتنبيه على أن التشريع والإذن الرباني قد جعل لمن يخشى على نفسه العنت والأذى والإثم وعلى أن الصبر والتحمل خير وأفضل وعلى أن الله غفور للمؤمنين رحيم بهم في كل حال.
أما الآيات الثلاث الأخريات فهي معقبة على محتويات الآية والآيات السابقة لها معا كما هو المتبادر من نصها وروحها. وأسلوبها ونصها رائعان قويا النفوذ. وقد وجه الخطاب فيها كذلك للمؤمنين :
( ١ ) لتنبههم على أن الله فيما شرعه لهم قد أراد لهم ما يحل لهم ويحرم عليهم ويهديهم إلى طريق الحق الذي بينه لمن قبلهم وهداهم إليه ويتوب عليهم فيحول بينهم وبين الإثم والطرق المعوجة المنحرفة ويخفف عنهم. فهو العليم بمقتضيات الأمور الحكيم الذي يأمر بما فيه الحكمة والصواب.
( ٢ ) ولتهيب بهم إلى وجوب اتباع ما أنزله الله وعدم اتباع وساوس الذين يندفعون وراء الشهوات. فهؤلاء لا يريدون لهم إلا الانحراف عن جادة الهدى والصواب. وقد أراد الله بما أنزل التسهيل لهم والتخفيف عليهم لما يعلمه من ضعف الطبيعة الإنسانية.
وورود كلمتي ( مسافحات ومتخذات أخدان ) معا ينطوي على صورة من صور ما كان جاريا. حيث كان بعض الإماء أو النساء يتخذن المسافحة أي الزنا مع أي كان مهنة وبعضهن يتخذن الأخدان والأخلاء الحقيقيين في السر وحسب.
ولقد روى عن ابن مسعود والسدي والشعبي أنهم كانوا يؤولون جملة ( فإذا أحصن ) بمعنى ( فإذا أسلمن ) ويقولون إحصانها إسلامها. غير أن جمهور المؤولين على أنها بمعنى ( فإذا تزوجن ) حيث يصرن بذلك محصنات. وهذا هو الأوجه المتسق مع روح الآية ومداها.
تعليق على الآية
( وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ١ الْمُؤْمِنَاتِ )
والآيات الثلاث التالية لها
ولم نطلع على رواية خاصة في مناسبة نزول الآيات. والمتبادر أنها متصلة مع سابقتها موضوعا، ومن المحتمل أن تكون نزلت معها أيضا وأن تكون سياقا واحدا منذ الآية ( ٢٢ ).
وجملة ( فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) تدل على أنها نزلت بعد الآيات الأولى من سورة النور التي عين فيها حد الزنا. هذا في حين أن الآيات ( ١٥ ـ ١٨ ) نزلت قبل آيات سورة النور المذكورة ؛ لأنها كانت الخطوة التشريعية الأولى في عقوبة الزنا، بينما جاءت آيات النور خطوة ثانية على ما نبهنا عليه قبل. وفي هذا وذاك مثل آخر من وجود بعض فصول في السورة نزلت بعد فصول سورة أخرى متأخرة عنها في الترتيب وصورة من صور تأليف السورة معا على ما ذكرناه في مقدمة السورة.
ويلحظ أن الفقرة الأولى من الآية الأولى تضمنت تقرير كون المؤمنات من حرائر وإماء هن اللائي يصح أن يتزوج بهن المؤمنون وحسب. وقد عدل هذا القيد بآية في سورة المائدة وهي ( اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن ) ( ٥ ) حيث أحل فيها للمؤمنين المحصنات من أهل الكتاب أيضا.
ونقول استطرادا لصلته بموضوع الآيات :إن المفسرين٢ أوردوا روايات وأقوالا مختلفة معزوة إلى ابن عباس، وبعض علماء التابعين ومفسريهم في تأويل كلمة ( المحصنات ) في آية المائدة حيث قيل :إنها بمعنى ( الحرائر ) كما قيل إنها بمعنى ( العفائف ) ثم بنوا على القول الأول عدم جواز تزوج المؤمن بالأمة الكتابية، وعلى القول الثاني جواز تزوج المؤمن بالكتابيات إطلاقا، سواء أكن حرائر أم إماء إذا ما تيقن من عفافهن، والكلمة تتحمل المعنيين. غير أن الأكثر على القول الثاني. هذا مع التنبيه إلى أن هناك من يقول٣ :إن الكتابيات إنما يحللن بعد إسلامهن، وإن الوصف هو على اعتبار ما كن عليه قبل إسلامهن. غير أن الأكثر على خلاف ذلك. وظاهر الآية يؤيد هذا إذ ذكر فيها المحصنات من المؤمنات مع المحصنات من أهل الكتاب. وما نقوله هو في صدد التزوج بعقد. أما استفراش الإماء الكتابيات من قبل مالكهن فليس هناك خلاف على جوازه فيما اطلعنا عليه. وجملة ( فمن ما ملكت أيمانكم ) مطلقة تتضمن إباحة ذلك، بل إباحة استفراش غير المسلمات إطلاقا سواء أكن كتابيات أم مشركات على ما نبهنا عليه في مناسبات سابقة والله تعالى أعلم.
وظاهر من نص الآية وروحها أن التزوج بالإماء يعني التزوج بهن بعقد، وأن الزوج هو غير مالكهن. إذ ليس على الملك قيد وشرط في استفراش ملك يمينه على ما ذكرناه قبل.
ومن المؤولين من أول جملة ( بإذن أهلهن ) بمعنى بإذن مالكيهن. ومنهم من أولها بمعنى أوليائهن من أقاربهن كالآباء والأخوة والأعمام. والجملة تتحمل المعنيين وإن كان المعنى الأول هو الأكثر ورودا ؛ لأن إذن الأولياء الأقارب لا يحسم الأمر إذا لم يأذن المالك. وقد نبه أصحاب الرأي الأول على أن ذلك متصل باستمرار ملكية المالك عليهن بعد زواجهن، وعلى أن تزوج الأمة بغير إذن مالكها باطل٤ وهناك حديث يرويه أبو داود والترمذي بسند حسن عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر وفي رواية فنكاحه باطل ٥ وقد يكون أصحاب القول استلهموا هذا الحديث وقاسوا الأمة على العبد. وهو وجيه والله أعلم.
ومع ذلك فإن أمر الآية بإعطائهن أجورهن أي مهورهن قد يدل على أن حالة الأمة حينما تتزوج بإذن مالكها تتبدل بعض الشيء. ويكون لها الحق في أن تقبض مهرها وتتصرف فيه. وقد يكون لمالكها أن يبيعها أو يهبها لغيره، وقد تنتقل ملكيتها لورثته بعد موته. ولكن ذلك لا يغير كما هو المتبادر حالتها الجديدة. وبكلمة أخرى عن مالك الأمة المتزوجة بإذنه لا يملك أن يسترجعها من زوجها، أو أن يتصرف فيها تصرفا مطلقا كما كان له ذلك قبل زواجها فضلا عن أنه يحرم عليه جماعها ؛ لأنها صارت ذات زوج محصنة. وإن هذا هو شأن مالكها الجديد إذ باعها المالك الأول أو وهبها أو أورثها بعد موته. والله تعالى أعلم.
ولقد ذكر القاسمي أن مالكا استدل بجملة ( وآتوهن أجورهن ) على أنهن أحق بمهورهن، وإنه لا حق لمالكهن فيه، ثم قال :وذهب الجمهور إلى أن المهر للمالك، وإن إضافته إليهن ؛ لأن التأدية لهن هي تأدية لمالكهن لأنهن ماله. ونحن نرى رأي الإمام مالك هو الأوجه المتسق مع نص الآية وروحها. ويظل ما ذكرناه في محله إن شاء الله.
ومما قالوه :إن أولاد الإماء المتزوجات يلحقون بأمهاتهم فيكونون أرقاء ملكا لمالكي الأمهات٦ ولم نطلع على أثر نبوي أو راشدي في ذلك. ونحن نراه عجيبا ومحلا للتوقف. فالأولاد عند العرب ينسبون إلى آبائهم ويلحقون بهم. وفي جملة ( ادعوهم لأبائهم ) في آية الأحزاب ( ٥ )قرينة على ذلك فما دام الزوج حرا فأحرى أن يكون ابنه حرا. وقد يصح أن يقاس هذا على أبناء مالكي الإماء من مستفرشاتهم منهن. فالعلماء والمفسرون متفقون على أنهم أحرار، بل ويحررون أمهاتهم فلا يبقى لمالكيهم حتى بيعهن ولا هبتهن ويتحررن بالمرة عند وفاة مالكيهن ويطلق عليهن اسم خاص للتمييز، وهو ( أم ولد ) وقد جاء في حديث أخرجه الإمام أحمد وابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أيما امرأة ولدت من سيدها فهي معتقة عن دبر منه ) ٧ مع التنبيه على أن حالة ولد الأمة المتزوجة بعقد ومهر أقوى من حالة الأمة المستفرشة.
ونص العبارة القرآنية ( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات ) وروحها يلهمان أن ذلك رخصة للمؤمنين الأحرار في حال عدم استطاعتهم أن يتزوجوا من الحرائر. وفيها تقرير ضمني بعدم جواز تزوج الحر من أمة إذا كان قادرا على التزوج من حرة. وهو ما قاله غير واحد من المفسرين أيضا. وينطوي في جملة ( ذلك لمن خشي العنت منكم ) حكمة الرخصة والتشريع كما هو المتبادر. ومع ذلك فإن جملة ( وأن تصبروا خير لكم ) تنطوي على الحث على عدم التسرع في التزوج بالإماء، وتحمل عنت الشهوة ما أمكن ذلك.
وما تقدم مضافا إليه ما انطوى في جملة ( محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ) على ما شرحناه قبل وأولا، وجعل عقوبة الزنا على الأمة في الآية نصف عقوبة الحرة ثانيا، وتعبير ( بعضكم من بعض ) الذي قد يلهم أنه أريد به التخفيف عن النفس ثالثا، يلهم أن الإماء كن عرضة للتورط والارتكاس في الفاحشة، ومظنة لها أكثر من الحرائر. وأن العرب كانوا يأنفون التزوج بهن بسبب ذلك أولا، وبسبب عدم التكافؤ ثانيا. ثم بسبب ما كان جاريا على ما يستفاد من روايات المفسرين من استمرار ملكية مالكي الإماء لهن بعد زواجهن وإلحاق أولادهن بحالتهن وغدوهم مملوكين لمالكيهن دون آبائهم ثالثا. وفي هذا ما فيه من الثقل والغضاضة والمتاعب.
ومع ما قلناه فيما تلهمه جملة ( بعضكم من بعض ) فإنه ينطوي فيها تلقين قرآني جليل مستمر المدى في صدد الأخوة والمساواة في الإسلام وشمولهما لكل المسلمين الأحرار منهم والأرقاء على السواء.
وقد استدللنا من جملة ( فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) على أن الآية قد نزلت بعد آيات سورة النور الأولى التي حددت عقوبة الزاني والزانية بمائة جلدة. وهذا يعني أن عقوبة الأمة المتزوجة خمسون جلدة. ولما كان هناك أحاديث شددت فيها عقوبة الزنا فغدت على غير المتزوجين مائة جلدة وتغريب سنة وع
﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً( ١ ) أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ( ٢ ) الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ( ٣ ) الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ( ٤ ) فَإِذَا أُحْصِنَّ( ٥ ) فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ( ٦ ) فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ( ٧ ) ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ( ٨ ) مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ٢٥ ) يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ٢٦ ) وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا ( ٢٧ ) يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ( ٢٨ ) ﴾. [ ٢٥-٢٨ ]
تضمنت الآية الأولى تشريعا في صدد تزوج الرجال الأحرار بالإماء المؤمنات كما تضمنت حكمة ذلك. ووجه الخطاب فيها للمؤمنين لتقرر لهم :
( ١ ) أنه ليس من بأس على الذين لا قدرة مالية لهم على التزوج بامرأة حرة مؤمنة أن يتزوجوا بإماء مؤمنات.
( ٢ ) وبأن الله أعلم بإيمانهم جميعا، وبأن بعضهم من بعض أحرارا كانوا أم أرقاء.
( ٣ ) وبأن على من أراد ذلك أن يحصل على إذن أهل الفتاة، ويؤدي لها مهرها بالحسنى وبالقدر المتعارف عليه بين الناس والأمثال.
( ٤ ) وبأن الأمة حينما تتزوج من حر تكون قد تحصنت من السفاح والتخادن ويصبح من واجبها التعفف عن ذلك، والحذر من الارتكاس فيه وغدت زوجة شرعية لزوجها فإذا اقترفت الفاحشة فيترتب عليها نصف الحد الذي يترتب على الحرة المتزوجة.
وانتهت الآية بالتنبيه على أن التشريع والإذن الرباني قد جعل لمن يخشى على نفسه العنت والأذى والإثم وعلى أن الصبر والتحمل خير وأفضل وعلى أن الله غفور للمؤمنين رحيم بهم في كل حال.
أما الآيات الثلاث الأخريات فهي معقبة على محتويات الآية والآيات السابقة لها معا كما هو المتبادر من نصها وروحها. وأسلوبها ونصها رائعان قويا النفوذ. وقد وجه الخطاب فيها كذلك للمؤمنين :
( ١ ) لتنبههم على أن الله فيما شرعه لهم قد أراد لهم ما يحل لهم ويحرم عليهم ويهديهم إلى طريق الحق الذي بينه لمن قبلهم وهداهم إليه ويتوب عليهم فيحول بينهم وبين الإثم والطرق المعوجة المنحرفة ويخفف عنهم. فهو العليم بمقتضيات الأمور الحكيم الذي يأمر بما فيه الحكمة والصواب.
( ٢ ) ولتهيب بهم إلى وجوب اتباع ما أنزله الله وعدم اتباع وساوس الذين يندفعون وراء الشهوات. فهؤلاء لا يريدون لهم إلا الانحراف عن جادة الهدى والصواب. وقد أراد الله بما أنزل التسهيل لهم والتخفيف عليهم لما يعلمه من ضعف الطبيعة الإنسانية.
وورود كلمتي ( مسافحات ومتخذات أخدان ) معا ينطوي على صورة من صور ما كان جاريا. حيث كان بعض الإماء أو النساء يتخذن المسافحة أي الزنا مع أي كان مهنة وبعضهن يتخذن الأخدان والأخلاء الحقيقيين في السر وحسب.
ولقد روى عن ابن مسعود والسدي والشعبي أنهم كانوا يؤولون جملة ( فإذا أحصن ) بمعنى ( فإذا أسلمن ) ويقولون إحصانها إسلامها. غير أن جمهور المؤولين على أنها بمعنى ( فإذا تزوجن ) حيث يصرن بذلك محصنات. وهذا هو الأوجه المتسق مع روح الآية ومداها.
تعليق على الآية
( وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ١ الْمُؤْمِنَاتِ )
والآيات الثلاث التالية لها
ولم نطلع على رواية خاصة في مناسبة نزول الآيات. والمتبادر أنها متصلة مع سابقتها موضوعا، ومن المحتمل أن تكون نزلت معها أيضا وأن تكون سياقا واحدا منذ الآية ( ٢٢ ).
وجملة ( فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) تدل على أنها نزلت بعد الآيات الأولى من سورة النور التي عين فيها حد الزنا. هذا في حين أن الآيات ( ١٥ ـ ١٨ ) نزلت قبل آيات سورة النور المذكورة ؛ لأنها كانت الخطوة التشريعية الأولى في عقوبة الزنا، بينما جاءت آيات النور خطوة ثانية على ما نبهنا عليه قبل. وفي هذا وذاك مثل آخر من وجود بعض فصول في السورة نزلت بعد فصول سورة أخرى متأخرة عنها في الترتيب وصورة من صور تأليف السورة معا على ما ذكرناه في مقدمة السورة.
ويلحظ أن الفقرة الأولى من الآية الأولى تضمنت تقرير كون المؤمنات من حرائر وإماء هن اللائي يصح أن يتزوج بهن المؤمنون وحسب. وقد عدل هذا القيد بآية في سورة المائدة وهي ( اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن ) ( ٥ ) حيث أحل فيها للمؤمنين المحصنات من أهل الكتاب أيضا.
ونقول استطرادا لصلته بموضوع الآيات :إن المفسرين٢ أوردوا روايات وأقوالا مختلفة معزوة إلى ابن عباس، وبعض علماء التابعين ومفسريهم في تأويل كلمة ( المحصنات ) في آية المائدة حيث قيل :إنها بمعنى ( الحرائر ) كما قيل إنها بمعنى ( العفائف ) ثم بنوا على القول الأول عدم جواز تزوج المؤمن بالأمة الكتابية، وعلى القول الثاني جواز تزوج المؤمن بالكتابيات إطلاقا، سواء أكن حرائر أم إماء إذا ما تيقن من عفافهن، والكلمة تتحمل المعنيين. غير أن الأكثر على القول الثاني. هذا مع التنبيه إلى أن هناك من يقول٣ :إن الكتابيات إنما يحللن بعد إسلامهن، وإن الوصف هو على اعتبار ما كن عليه قبل إسلامهن. غير أن الأكثر على خلاف ذلك. وظاهر الآية يؤيد هذا إذ ذكر فيها المحصنات من المؤمنات مع المحصنات من أهل الكتاب. وما نقوله هو في صدد التزوج بعقد. أما استفراش الإماء الكتابيات من قبل مالكهن فليس هناك خلاف على جوازه فيما اطلعنا عليه. وجملة ( فمن ما ملكت أيمانكم ) مطلقة تتضمن إباحة ذلك، بل إباحة استفراش غير المسلمات إطلاقا سواء أكن كتابيات أم مشركات على ما نبهنا عليه في مناسبات سابقة والله تعالى أعلم.
وظاهر من نص الآية وروحها أن التزوج بالإماء يعني التزوج بهن بعقد، وأن الزوج هو غير مالكهن. إذ ليس على الملك قيد وشرط في استفراش ملك يمينه على ما ذكرناه قبل.
ومن المؤولين من أول جملة ( بإذن أهلهن ) بمعنى بإذن مالكيهن. ومنهم من أولها بمعنى أوليائهن من أقاربهن كالآباء والأخوة والأعمام. والجملة تتحمل المعنيين وإن كان المعنى الأول هو الأكثر ورودا ؛ لأن إذن الأولياء الأقارب لا يحسم الأمر إذا لم يأذن المالك. وقد نبه أصحاب الرأي الأول على أن ذلك متصل باستمرار ملكية المالك عليهن بعد زواجهن، وعلى أن تزوج الأمة بغير إذن مالكها باطل٤ وهناك حديث يرويه أبو داود والترمذي بسند حسن عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر وفي رواية فنكاحه باطل ٥ وقد يكون أصحاب القول استلهموا هذا الحديث وقاسوا الأمة على العبد. وهو وجيه والله أعلم.
ومع ذلك فإن أمر الآية بإعطائهن أجورهن أي مهورهن قد يدل على أن حالة الأمة حينما تتزوج بإذن مالكها تتبدل بعض الشيء. ويكون لها الحق في أن تقبض مهرها وتتصرف فيه. وقد يكون لمالكها أن يبيعها أو يهبها لغيره، وقد تنتقل ملكيتها لورثته بعد موته. ولكن ذلك لا يغير كما هو المتبادر حالتها الجديدة. وبكلمة أخرى عن مالك الأمة المتزوجة بإذنه لا يملك أن يسترجعها من زوجها، أو أن يتصرف فيها تصرفا مطلقا كما كان له ذلك قبل زواجها فضلا عن أنه يحرم عليه جماعها ؛ لأنها صارت ذات زوج محصنة. وإن هذا هو شأن مالكها الجديد إذ باعها المالك الأول أو وهبها أو أورثها بعد موته. والله تعالى أعلم.
ولقد ذكر القاسمي أن مالكا استدل بجملة ( وآتوهن أجورهن ) على أنهن أحق بمهورهن، وإنه لا حق لمالكهن فيه، ثم قال :وذهب الجمهور إلى أن المهر للمالك، وإن إضافته إليهن ؛ لأن التأدية لهن هي تأدية لمالكهن لأنهن ماله. ونحن نرى رأي الإمام مالك هو الأوجه المتسق مع نص الآية وروحها. ويظل ما ذكرناه في محله إن شاء الله.
ومما قالوه :إن أولاد الإماء المتزوجات يلحقون بأمهاتهم فيكونون أرقاء ملكا لمالكي الأمهات٦ ولم نطلع على أثر نبوي أو راشدي في ذلك. ونحن نراه عجيبا ومحلا للتوقف. فالأولاد عند العرب ينسبون إلى آبائهم ويلحقون بهم. وفي جملة ( ادعوهم لأبائهم ) في آية الأحزاب ( ٥ )قرينة على ذلك فما دام الزوج حرا فأحرى أن يكون ابنه حرا. وقد يصح أن يقاس هذا على أبناء مالكي الإماء من مستفرشاتهم منهن. فالعلماء والمفسرون متفقون على أنهم أحرار، بل ويحررون أمهاتهم فلا يبقى لمالكيهم حتى بيعهن ولا هبتهن ويتحررن بالمرة عند وفاة مالكيهن ويطلق عليهن اسم خاص للتمييز، وهو ( أم ولد ) وقد جاء في حديث أخرجه الإمام أحمد وابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أيما امرأة ولدت من سيدها فهي معتقة عن دبر منه ) ٧ مع التنبيه على أن حالة ولد الأمة المتزوجة بعقد ومهر أقوى من حالة الأمة المستفرشة.
ونص العبارة القرآنية ( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات ) وروحها يلهمان أن ذلك رخصة للمؤمنين الأحرار في حال عدم استطاعتهم أن يتزوجوا من الحرائر. وفيها تقرير ضمني بعدم جواز تزوج الحر من أمة إذا كان قادرا على التزوج من حرة. وهو ما قاله غير واحد من المفسرين أيضا. وينطوي في جملة ( ذلك لمن خشي العنت منكم ) حكمة الرخصة والتشريع كما هو المتبادر. ومع ذلك فإن جملة ( وأن تصبروا خير لكم ) تنطوي على الحث على عدم التسرع في التزوج بالإماء، وتحمل عنت الشهوة ما أمكن ذلك.
وما تقدم مضافا إليه ما انطوى في جملة ( محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ) على ما شرحناه قبل وأولا، وجعل عقوبة الزنا على الأمة في الآية نصف عقوبة الحرة ثانيا، وتعبير ( بعضكم من بعض ) الذي قد يلهم أنه أريد به التخفيف عن النفس ثالثا، يلهم أن الإماء كن عرضة للتورط والارتكاس في الفاحشة، ومظنة لها أكثر من الحرائر. وأن العرب كانوا يأنفون التزوج بهن بسبب ذلك أولا، وبسبب عدم التكافؤ ثانيا. ثم بسبب ما كان جاريا على ما يستفاد من روايات المفسرين من استمرار ملكية مالكي الإماء لهن بعد زواجهن وإلحاق أولادهن بحالتهن وغدوهم مملوكين لمالكيهن دون آبائهم ثالثا. وفي هذا ما فيه من الثقل والغضاضة والمتاعب.
ومع ما قلناه فيما تلهمه جملة ( بعضكم من بعض ) فإنه ينطوي فيها تلقين قرآني جليل مستمر المدى في صدد الأخوة والمساواة في الإسلام وشمولهما لكل المسلمين الأحرار منهم والأرقاء على السواء.
وقد استدللنا من جملة ( فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) على أن الآية قد نزلت بعد آيات سورة النور الأولى التي حددت عقوبة الزاني والزانية بمائة جلدة. وهذا يعني أن عقوبة الأمة المتزوجة خمسون جلدة. ولما كان هناك أحاديث شددت فيها عقوبة الزنا فغدت على غير المتزوجين مائة جلدة وتغريب سنة وع
﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً( ١ ) أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ( ٢ ) الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ( ٣ ) الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ( ٤ ) فَإِذَا أُحْصِنَّ( ٥ ) فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ( ٦ ) فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ( ٧ ) ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ( ٨ ) مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ٢٥ ) يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ٢٦ ) وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا ( ٢٧ ) يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ( ٢٨ ) ﴾. [ ٢٥-٢٨ ]
تضمنت الآية الأولى تشريعا في صدد تزوج الرجال الأحرار بالإماء المؤمنات كما تضمنت حكمة ذلك. ووجه الخطاب فيها للمؤمنين لتقرر لهم :
( ١ ) أنه ليس من بأس على الذين لا قدرة مالية لهم على التزوج بامرأة حرة مؤمنة أن يتزوجوا بإماء مؤمنات.
( ٢ ) وبأن الله أعلم بإيمانهم جميعا، وبأن بعضهم من بعض أحرارا كانوا أم أرقاء.
( ٣ ) وبأن على من أراد ذلك أن يحصل على إذن أهل الفتاة، ويؤدي لها مهرها بالحسنى وبالقدر المتعارف عليه بين الناس والأمثال.
( ٤ ) وبأن الأمة حينما تتزوج من حر تكون قد تحصنت من السفاح والتخادن ويصبح من واجبها التعفف عن ذلك، والحذر من الارتكاس فيه وغدت زوجة شرعية لزوجها فإذا اقترفت الفاحشة فيترتب عليها نصف الحد الذي يترتب على الحرة المتزوجة.
وانتهت الآية بالتنبيه على أن التشريع والإذن الرباني قد جعل لمن يخشى على نفسه العنت والأذى والإثم وعلى أن الصبر والتحمل خير وأفضل وعلى أن الله غفور للمؤمنين رحيم بهم في كل حال.
أما الآيات الثلاث الأخريات فهي معقبة على محتويات الآية والآيات السابقة لها معا كما هو المتبادر من نصها وروحها. وأسلوبها ونصها رائعان قويا النفوذ. وقد وجه الخطاب فيها كذلك للمؤمنين :
( ١ ) لتنبههم على أن الله فيما شرعه لهم قد أراد لهم ما يحل لهم ويحرم عليهم ويهديهم إلى طريق الحق الذي بينه لمن قبلهم وهداهم إليه ويتوب عليهم فيحول بينهم وبين الإثم والطرق المعوجة المنحرفة ويخفف عنهم. فهو العليم بمقتضيات الأمور الحكيم الذي يأمر بما فيه الحكمة والصواب.
( ٢ ) ولتهيب بهم إلى وجوب اتباع ما أنزله الله وعدم اتباع وساوس الذين يندفعون وراء الشهوات. فهؤلاء لا يريدون لهم إلا الانحراف عن جادة الهدى والصواب. وقد أراد الله بما أنزل التسهيل لهم والتخفيف عليهم لما يعلمه من ضعف الطبيعة الإنسانية.
وورود كلمتي ( مسافحات ومتخذات أخدان ) معا ينطوي على صورة من صور ما كان جاريا. حيث كان بعض الإماء أو النساء يتخذن المسافحة أي الزنا مع أي كان مهنة وبعضهن يتخذن الأخدان والأخلاء الحقيقيين في السر وحسب.
ولقد روى عن ابن مسعود والسدي والشعبي أنهم كانوا يؤولون جملة ( فإذا أحصن ) بمعنى ( فإذا أسلمن ) ويقولون إحصانها إسلامها. غير أن جمهور المؤولين على أنها بمعنى ( فإذا تزوجن ) حيث يصرن بذلك محصنات. وهذا هو الأوجه المتسق مع روح الآية ومداها.
تعليق على الآية
( وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ١ الْمُؤْمِنَاتِ )
والآيات الثلاث التالية لها
ولم نطلع على رواية خاصة في مناسبة نزول الآيات. والمتبادر أنها متصلة مع سابقتها موضوعا، ومن المحتمل أن تكون نزلت معها أيضا وأن تكون سياقا واحدا منذ الآية ( ٢٢ ).
وجملة ( فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) تدل على أنها نزلت بعد الآيات الأولى من سورة النور التي عين فيها حد الزنا. هذا في حين أن الآيات ( ١٥ ـ ١٨ ) نزلت قبل آيات سورة النور المذكورة ؛ لأنها كانت الخطوة التشريعية الأولى في عقوبة الزنا، بينما جاءت آيات النور خطوة ثانية على ما نبهنا عليه قبل. وفي هذا وذاك مثل آخر من وجود بعض فصول في السورة نزلت بعد فصول سورة أخرى متأخرة عنها في الترتيب وصورة من صور تأليف السورة معا على ما ذكرناه في مقدمة السورة.
ويلحظ أن الفقرة الأولى من الآية الأولى تضمنت تقرير كون المؤمنات من حرائر وإماء هن اللائي يصح أن يتزوج بهن المؤمنون وحسب. وقد عدل هذا القيد بآية في سورة المائدة وهي ( اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن ) ( ٥ ) حيث أحل فيها للمؤمنين المحصنات من أهل الكتاب أيضا.
ونقول استطرادا لصلته بموضوع الآيات :إن المفسرين٢ أوردوا روايات وأقوالا مختلفة معزوة إلى ابن عباس، وبعض علماء التابعين ومفسريهم في تأويل كلمة ( المحصنات ) في آية المائدة حيث قيل :إنها بمعنى ( الحرائر ) كما قيل إنها بمعنى ( العفائف ) ثم بنوا على القول الأول عدم جواز تزوج المؤمن بالأمة الكتابية، وعلى القول الثاني جواز تزوج المؤمن بالكتابيات إطلاقا، سواء أكن حرائر أم إماء إذا ما تيقن من عفافهن، والكلمة تتحمل المعنيين. غير أن الأكثر على القول الثاني. هذا مع التنبيه إلى أن هناك من يقول٣ :إن الكتابيات إنما يحللن بعد إسلامهن، وإن الوصف هو على اعتبار ما كن عليه قبل إسلامهن. غير أن الأكثر على خلاف ذلك. وظاهر الآية يؤيد هذا إذ ذكر فيها المحصنات من المؤمنات مع المحصنات من أهل الكتاب. وما نقوله هو في صدد التزوج بعقد. أما استفراش الإماء الكتابيات من قبل مالكهن فليس هناك خلاف على جوازه فيما اطلعنا عليه. وجملة ( فمن ما ملكت أيمانكم ) مطلقة تتضمن إباحة ذلك، بل إباحة استفراش غير المسلمات إطلاقا سواء أكن كتابيات أم مشركات على ما نبهنا عليه في مناسبات سابقة والله تعالى أعلم.
وظاهر من نص الآية وروحها أن التزوج بالإماء يعني التزوج بهن بعقد، وأن الزوج هو غير مالكهن. إذ ليس على الملك قيد وشرط في استفراش ملك يمينه على ما ذكرناه قبل.
ومن المؤولين من أول جملة ( بإذن أهلهن ) بمعنى بإذن مالكيهن. ومنهم من أولها بمعنى أوليائهن من أقاربهن كالآباء والأخوة والأعمام. والجملة تتحمل المعنيين وإن كان المعنى الأول هو الأكثر ورودا ؛ لأن إذن الأولياء الأقارب لا يحسم الأمر إذا لم يأذن المالك. وقد نبه أصحاب الرأي الأول على أن ذلك متصل باستمرار ملكية المالك عليهن بعد زواجهن، وعلى أن تزوج الأمة بغير إذن مالكها باطل٤ وهناك حديث يرويه أبو داود والترمذي بسند حسن عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر وفي رواية فنكاحه باطل ٥ وقد يكون أصحاب القول استلهموا هذا الحديث وقاسوا الأمة على العبد. وهو وجيه والله أعلم.
ومع ذلك فإن أمر الآية بإعطائهن أجورهن أي مهورهن قد يدل على أن حالة الأمة حينما تتزوج بإذن مالكها تتبدل بعض الشيء. ويكون لها الحق في أن تقبض مهرها وتتصرف فيه. وقد يكون لمالكها أن يبيعها أو يهبها لغيره، وقد تنتقل ملكيتها لورثته بعد موته. ولكن ذلك لا يغير كما هو المتبادر حالتها الجديدة. وبكلمة أخرى عن مالك الأمة المتزوجة بإذنه لا يملك أن يسترجعها من زوجها، أو أن يتصرف فيها تصرفا مطلقا كما كان له ذلك قبل زواجها فضلا عن أنه يحرم عليه جماعها ؛ لأنها صارت ذات زوج محصنة. وإن هذا هو شأن مالكها الجديد إذ باعها المالك الأول أو وهبها أو أورثها بعد موته. والله تعالى أعلم.
ولقد ذكر القاسمي أن مالكا استدل بجملة ( وآتوهن أجورهن ) على أنهن أحق بمهورهن، وإنه لا حق لمالكهن فيه، ثم قال :وذهب الجمهور إلى أن المهر للمالك، وإن إضافته إليهن ؛ لأن التأدية لهن هي تأدية لمالكهن لأنهن ماله. ونحن نرى رأي الإمام مالك هو الأوجه المتسق مع نص الآية وروحها. ويظل ما ذكرناه في محله إن شاء الله.
ومما قالوه :إن أولاد الإماء المتزوجات يلحقون بأمهاتهم فيكونون أرقاء ملكا لمالكي الأمهات٦ ولم نطلع على أثر نبوي أو راشدي في ذلك. ونحن نراه عجيبا ومحلا للتوقف. فالأولاد عند العرب ينسبون إلى آبائهم ويلحقون بهم. وفي جملة ( ادعوهم لأبائهم ) في آية الأحزاب ( ٥ )قرينة على ذلك فما دام الزوج حرا فأحرى أن يكون ابنه حرا. وقد يصح أن يقاس هذا على أبناء مالكي الإماء من مستفرشاتهم منهن. فالعلماء والمفسرون متفقون على أنهم أحرار، بل ويحررون أمهاتهم فلا يبقى لمالكيهم حتى بيعهن ولا هبتهن ويتحررن بالمرة عند وفاة مالكيهن ويطلق عليهن اسم خاص للتمييز، وهو ( أم ولد ) وقد جاء في حديث أخرجه الإمام أحمد وابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أيما امرأة ولدت من سيدها فهي معتقة عن دبر منه ) ٧ مع التنبيه على أن حالة ولد الأمة المتزوجة بعقد ومهر أقوى من حالة الأمة المستفرشة.
ونص العبارة القرآنية ( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات ) وروحها يلهمان أن ذلك رخصة للمؤمنين الأحرار في حال عدم استطاعتهم أن يتزوجوا من الحرائر. وفيها تقرير ضمني بعدم جواز تزوج الحر من أمة إذا كان قادرا على التزوج من حرة. وهو ما قاله غير واحد من المفسرين أيضا. وينطوي في جملة ( ذلك لمن خشي العنت منكم ) حكمة الرخصة والتشريع كما هو المتبادر. ومع ذلك فإن جملة ( وأن تصبروا خير لكم ) تنطوي على الحث على عدم التسرع في التزوج بالإماء، وتحمل عنت الشهوة ما أمكن ذلك.
وما تقدم مضافا إليه ما انطوى في جملة ( محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ) على ما شرحناه قبل وأولا، وجعل عقوبة الزنا على الأمة في الآية نصف عقوبة الحرة ثانيا، وتعبير ( بعضكم من بعض ) الذي قد يلهم أنه أريد به التخفيف عن النفس ثالثا، يلهم أن الإماء كن عرضة للتورط والارتكاس في الفاحشة، ومظنة لها أكثر من الحرائر. وأن العرب كانوا يأنفون التزوج بهن بسبب ذلك أولا، وبسبب عدم التكافؤ ثانيا. ثم بسبب ما كان جاريا على ما يستفاد من روايات المفسرين من استمرار ملكية مالكي الإماء لهن بعد زواجهن وإلحاق أولادهن بحالتهن وغدوهم مملوكين لمالكيهن دون آبائهم ثالثا. وفي هذا ما فيه من الثقل والغضاضة والمتاعب.
ومع ما قلناه فيما تلهمه جملة ( بعضكم من بعض ) فإنه ينطوي فيها تلقين قرآني جليل مستمر المدى في صدد الأخوة والمساواة في الإسلام وشمولهما لكل المسلمين الأحرار منهم والأرقاء على السواء.
وقد استدللنا من جملة ( فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) على أن الآية قد نزلت بعد آيات سورة النور الأولى التي حددت عقوبة الزاني والزانية بمائة جلدة. وهذا يعني أن عقوبة الأمة المتزوجة خمسون جلدة. ولما كان هناك أحاديث شددت فيها عقوبة الزنا فغدت على غير المتزوجين مائة جلدة وتغريب سنة وع
﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً( ١ ) أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ( ٢ ) الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ( ٣ ) الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ( ٤ ) فَإِذَا أُحْصِنَّ( ٥ ) فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ( ٦ ) فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ( ٧ ) ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ( ٨ ) مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ٢٥ ) يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ٢٦ ) وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا ( ٢٧ ) يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ( ٢٨ ) ﴾. [ ٢٥-٢٨ ]
تضمنت الآية الأولى تشريعا في صدد تزوج الرجال الأحرار بالإماء المؤمنات كما تضمنت حكمة ذلك. ووجه الخطاب فيها للمؤمنين لتقرر لهم :
( ١ ) أنه ليس من بأس على الذين لا قدرة مالية لهم على التزوج بامرأة حرة مؤمنة أن يتزوجوا بإماء مؤمنات.
( ٢ ) وبأن الله أعلم بإيمانهم جميعا، وبأن بعضهم من بعض أحرارا كانوا أم أرقاء.
( ٣ ) وبأن على من أراد ذلك أن يحصل على إذن أهل الفتاة، ويؤدي لها مهرها بالحسنى وبالقدر المتعارف عليه بين الناس والأمثال.
( ٤ ) وبأن الأمة حينما تتزوج من حر تكون قد تحصنت من السفاح والتخادن ويصبح من واجبها التعفف عن ذلك، والحذر من الارتكاس فيه وغدت زوجة شرعية لزوجها فإذا اقترفت الفاحشة فيترتب عليها نصف الحد الذي يترتب على الحرة المتزوجة.
وانتهت الآية بالتنبيه على أن التشريع والإذن الرباني قد جعل لمن يخشى على نفسه العنت والأذى والإثم وعلى أن الصبر والتحمل خير وأفضل وعلى أن الله غفور للمؤمنين رحيم بهم في كل حال.
أما الآيات الثلاث الأخريات فهي معقبة على محتويات الآية والآيات السابقة لها معا كما هو المتبادر من نصها وروحها. وأسلوبها ونصها رائعان قويا النفوذ. وقد وجه الخطاب فيها كذلك للمؤمنين :
( ١ ) لتنبههم على أن الله فيما شرعه لهم قد أراد لهم ما يحل لهم ويحرم عليهم ويهديهم إلى طريق الحق الذي بينه لمن قبلهم وهداهم إليه ويتوب عليهم فيحول بينهم وبين الإثم والطرق المعوجة المنحرفة ويخفف عنهم. فهو العليم بمقتضيات الأمور الحكيم الذي يأمر بما فيه الحكمة والصواب.
( ٢ ) ولتهيب بهم إلى وجوب اتباع ما أنزله الله وعدم اتباع وساوس الذين يندفعون وراء الشهوات. فهؤلاء لا يريدون لهم إلا الانحراف عن جادة الهدى والصواب. وقد أراد الله بما أنزل التسهيل لهم والتخفيف عليهم لما يعلمه من ضعف الطبيعة الإنسانية.
وورود كلمتي ( مسافحات ومتخذات أخدان ) معا ينطوي على صورة من صور ما كان جاريا. حيث كان بعض الإماء أو النساء يتخذن المسافحة أي الزنا مع أي كان مهنة وبعضهن يتخذن الأخدان والأخلاء الحقيقيين في السر وحسب.
ولقد روى عن ابن مسعود والسدي والشعبي أنهم كانوا يؤولون جملة ( فإذا أحصن ) بمعنى ( فإذا أسلمن ) ويقولون إحصانها إسلامها. غير أن جمهور المؤولين على أنها بمعنى ( فإذا تزوجن ) حيث يصرن بذلك محصنات. وهذا هو الأوجه المتسق مع روح الآية ومداها.
تعليق على الآية
( وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ١ الْمُؤْمِنَاتِ )
والآيات الثلاث التالية لها
ولم نطلع على رواية خاصة في مناسبة نزول الآيات. والمتبادر أنها متصلة مع سابقتها موضوعا، ومن المحتمل أن تكون نزلت معها أيضا وأن تكون سياقا واحدا منذ الآية ( ٢٢ ).
وجملة ( فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) تدل على أنها نزلت بعد الآيات الأولى من سورة النور التي عين فيها حد الزنا. هذا في حين أن الآيات ( ١٥ ـ ١٨ ) نزلت قبل آيات سورة النور المذكورة ؛ لأنها كانت الخطوة التشريعية الأولى في عقوبة الزنا، بينما جاءت آيات النور خطوة ثانية على ما نبهنا عليه قبل. وفي هذا وذاك مثل آخر من وجود بعض فصول في السورة نزلت بعد فصول سورة أخرى متأخرة عنها في الترتيب وصورة من صور تأليف السورة معا على ما ذكرناه في مقدمة السورة.
ويلحظ أن الفقرة الأولى من الآية الأولى تضمنت تقرير كون المؤمنات من حرائر وإماء هن اللائي يصح أن يتزوج بهن المؤمنون وحسب. وقد عدل هذا القيد بآية في سورة المائدة وهي ( اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن ) ( ٥ ) حيث أحل فيها للمؤمنين المحصنات من أهل الكتاب أيضا.
ونقول استطرادا لصلته بموضوع الآيات :إن المفسرين٢ أوردوا روايات وأقوالا مختلفة معزوة إلى ابن عباس، وبعض علماء التابعين ومفسريهم في تأويل كلمة ( المحصنات ) في آية المائدة حيث قيل :إنها بمعنى ( الحرائر ) كما قيل إنها بمعنى ( العفائف ) ثم بنوا على القول الأول عدم جواز تزوج المؤمن بالأمة الكتابية، وعلى القول الثاني جواز تزوج المؤمن بالكتابيات إطلاقا، سواء أكن حرائر أم إماء إذا ما تيقن من عفافهن، والكلمة تتحمل المعنيين. غير أن الأكثر على القول الثاني. هذا مع التنبيه إلى أن هناك من يقول٣ :إن الكتابيات إنما يحللن بعد إسلامهن، وإن الوصف هو على اعتبار ما كن عليه قبل إسلامهن. غير أن الأكثر على خلاف ذلك. وظاهر الآية يؤيد هذا إذ ذكر فيها المحصنات من المؤمنات مع المحصنات من أهل الكتاب. وما نقوله هو في صدد التزوج بعقد. أما استفراش الإماء الكتابيات من قبل مالكهن فليس هناك خلاف على جوازه فيما اطلعنا عليه. وجملة ( فمن ما ملكت أيمانكم ) مطلقة تتضمن إباحة ذلك، بل إباحة استفراش غير المسلمات إطلاقا سواء أكن كتابيات أم مشركات على ما نبهنا عليه في مناسبات سابقة والله تعالى أعلم.
وظاهر من نص الآية وروحها أن التزوج بالإماء يعني التزوج بهن بعقد، وأن الزوج هو غير مالكهن. إذ ليس على الملك قيد وشرط في استفراش ملك يمينه على ما ذكرناه قبل.
ومن المؤولين من أول جملة ( بإذن أهلهن ) بمعنى بإذن مالكيهن. ومنهم من أولها بمعنى أوليائهن من أقاربهن كالآباء والأخوة والأعمام. والجملة تتحمل المعنيين وإن كان المعنى الأول هو الأكثر ورودا ؛ لأن إذن الأولياء الأقارب لا يحسم الأمر إذا لم يأذن المالك. وقد نبه أصحاب الرأي الأول على أن ذلك متصل باستمرار ملكية المالك عليهن بعد زواجهن، وعلى أن تزوج الأمة بغير إذن مالكها باطل٤ وهناك حديث يرويه أبو داود والترمذي بسند حسن عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر وفي رواية فنكاحه باطل ٥ وقد يكون أصحاب القول استلهموا هذا الحديث وقاسوا الأمة على العبد. وهو وجيه والله أعلم.
ومع ذلك فإن أمر الآية بإعطائهن أجورهن أي مهورهن قد يدل على أن حالة الأمة حينما تتزوج بإذن مالكها تتبدل بعض الشيء. ويكون لها الحق في أن تقبض مهرها وتتصرف فيه. وقد يكون لمالكها أن يبيعها أو يهبها لغيره، وقد تنتقل ملكيتها لورثته بعد موته. ولكن ذلك لا يغير كما هو المتبادر حالتها الجديدة. وبكلمة أخرى عن مالك الأمة المتزوجة بإذنه لا يملك أن يسترجعها من زوجها، أو أن يتصرف فيها تصرفا مطلقا كما كان له ذلك قبل زواجها فضلا عن أنه يحرم عليه جماعها ؛ لأنها صارت ذات زوج محصنة. وإن هذا هو شأن مالكها الجديد إذ باعها المالك الأول أو وهبها أو أورثها بعد موته. والله تعالى أعلم.
ولقد ذكر القاسمي أن مالكا استدل بجملة ( وآتوهن أجورهن ) على أنهن أحق بمهورهن، وإنه لا حق لمالكهن فيه، ثم قال :وذهب الجمهور إلى أن المهر للمالك، وإن إضافته إليهن ؛ لأن التأدية لهن هي تأدية لمالكهن لأنهن ماله. ونحن نرى رأي الإمام مالك هو الأوجه المتسق مع نص الآية وروحها. ويظل ما ذكرناه في محله إن شاء الله.
ومما قالوه :إن أولاد الإماء المتزوجات يلحقون بأمهاتهم فيكونون أرقاء ملكا لمالكي الأمهات٦ ولم نطلع على أثر نبوي أو راشدي في ذلك. ونحن نراه عجيبا ومحلا للتوقف. فالأولاد عند العرب ينسبون إلى آبائهم ويلحقون بهم. وفي جملة ( ادعوهم لأبائهم ) في آية الأحزاب ( ٥ )قرينة على ذلك فما دام الزوج حرا فأحرى أن يكون ابنه حرا. وقد يصح أن يقاس هذا على أبناء مالكي الإماء من مستفرشاتهم منهن. فالعلماء والمفسرون متفقون على أنهم أحرار، بل ويحررون أمهاتهم فلا يبقى لمالكيهم حتى بيعهن ولا هبتهن ويتحررن بالمرة عند وفاة مالكيهن ويطلق عليهن اسم خاص للتمييز، وهو ( أم ولد ) وقد جاء في حديث أخرجه الإمام أحمد وابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أيما امرأة ولدت من سيدها فهي معتقة عن دبر منه ) ٧ مع التنبيه على أن حالة ولد الأمة المتزوجة بعقد ومهر أقوى من حالة الأمة المستفرشة.
ونص العبارة القرآنية ( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات ) وروحها يلهمان أن ذلك رخصة للمؤمنين الأحرار في حال عدم استطاعتهم أن يتزوجوا من الحرائر. وفيها تقرير ضمني بعدم جواز تزوج الحر من أمة إذا كان قادرا على التزوج من حرة. وهو ما قاله غير واحد من المفسرين أيضا. وينطوي في جملة ( ذلك لمن خشي العنت منكم ) حكمة الرخصة والتشريع كما هو المتبادر. ومع ذلك فإن جملة ( وأن تصبروا خير لكم ) تنطوي على الحث على عدم التسرع في التزوج بالإماء، وتحمل عنت الشهوة ما أمكن ذلك.
وما تقدم مضافا إليه ما انطوى في جملة ( محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ) على ما شرحناه قبل وأولا، وجعل عقوبة الزنا على الأمة في الآية نصف عقوبة الحرة ثانيا، وتعبير ( بعضكم من بعض ) الذي قد يلهم أنه أريد به التخفيف عن النفس ثالثا، يلهم أن الإماء كن عرضة للتورط والارتكاس في الفاحشة، ومظنة لها أكثر من الحرائر. وأن العرب كانوا يأنفون التزوج بهن بسبب ذلك أولا، وبسبب عدم التكافؤ ثانيا. ثم بسبب ما كان جاريا على ما يستفاد من روايات المفسرين من استمرار ملكية مالكي الإماء لهن بعد زواجهن وإلحاق أولادهن بحالتهن وغدوهم مملوكين لمالكيهن دون آبائهم ثالثا. وفي هذا ما فيه من الثقل والغضاضة والمتاعب.
ومع ما قلناه فيما تلهمه جملة ( بعضكم من بعض ) فإنه ينطوي فيها تلقين قرآني جليل مستمر المدى في صدد الأخوة والمساواة في الإسلام وشمولهما لكل المسلمين الأحرار منهم والأرقاء على السواء.
وقد استدللنا من جملة ( فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) على أن الآية قد نزلت بعد آيات سورة النور الأولى التي حددت عقوبة الزاني والزانية بمائة جلدة. وهذا يعني أن عقوبة الأمة المتزوجة خمسون جلدة. ولما كان هناك أحاديث شددت فيها عقوبة الزنا فغدت على غير المتزوجين مائة جلدة وتغريب سنة وع
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ( ٢٩ ) وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا ( ٣٠ ) إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا ( ٣١ ) وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ به بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ( ٣٢ ) ﴾.
عبارات الآيات واضحة :والخطاب فيها موجه للمسلمين وقد تضمن :
( ١ ) نهيا عن أكل بعضهم أموال بعض بالباطل مستثنيا ما يدخل على بعضهم من بعض من الربح عن طريق التجارة والتراضي.
( ٢ ) ونهيا عن قتل أنفسهم
( ٣ ) وتعقيبا على ما نهوا عنه يتضمن تقرير كون الله بهم رحيما ييسر لهم الرزق الحلال ويشملهم بالرحمة والعناية، فلا يجوز أن يتحايل بعضهم على بعض ويظلم بعضهم بعضا ويعتدي بعضهم على بعض.
( ٤ ) وإنذارا لمن يفعل ذلك منهم بالنار مما هو يسير على الله عز وجل.
( ٥ ) وتنبيها على وجوب اجتناب الكبائر التي ينهاهم الله عنها. ووعدا بتسامح الله مع من يجتنبها فيما يمكن أن يصدر منه من هفوات ثانوية ؛ حيث يغفرها له وييسر له الدخول في المدخل الكريم.
( ٦ ) ونهيا عن التنافس والتحاسد وتشهي ما فضل الله به بعضهم على بعض في القسمة والأنصبة والربح والرزق. مع تقرير حق الرجال فيما أحرزوا وكسبوا وحق النساء فيما أحرزن وكسبن، وتقرير كون الله عز وجل هو المتفضل عليهم جميعا، وأن عليهم أن يسألوه من فضله فهو العليم بمقتضيات كل شيء.
تعليق على الآية
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ.. )الخ
والآيات الثلاث التالية لها
ولم نطلع على مناسبة خاصة في نزول الآيات الثلاث الأولى. وقد روى المفسرون١
أن الآية الرابعة نزلت في مناسبة قول أم سلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم :يغزو الرجال ولا يغزو النساء وجعل نصيب النساء نصف نصيب الرجال. وقد روى هذا الترمذي أيضا، وهذا لفظه عن أم سلمة قالت :يغزو الرجال ولا يغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث فنزلت الآية. وشيء من هذا روي عن أم سلمة في سياق آيات سورة آل عمران ( ١٩٥ ) وسورة الأحزاب ( ٣٥ ) على ما ذكرناه سابقا. والذي يتبادر لنا أن هذه الآية غير منفصلة عن الآيات الثلاث، وأن النهي فيها متصل بالنهي عن أكل بعض الناس أموال بعضهم بالباطل، وهذا ما جعلنا نعرض الآيات الأربع معا. ويجعلنا نميل إلى القول :إن في رواية نزولها في مناسبة ما قالته أم سلمة التباسا. بل ويتبادر لنا من روحها وانسجامها مع الآيات الثلاث أن فيها نهيا عن أكل أموال النساء، من حيث كون الرجال اعتادوا أن يتحايلوا على أموال النساء بشتى الطرق، فاحتوت الآية بمناسبة النهي الوارد في الآية الأولى تثبيتا لحقوقهن ونهيا عن العدوان والتحايل عليها بأسلوب آخر جعلها تدخل في عموم النهي وفي مشمول الكبائر.
وإذا صح هذا التوجيه كما نرجو، فتكون الآية الرابعة قد انطوت على تنبيه حاسم على حق المرأة فيما يدخل إلى يدها من مال مشروع من مختلف الطرق وحرية تصرفها فيه وأهليتها الاستقلالية لهذا التصرف ثم على حقها في النشاط والاكتساب وأهليتها لهما. بل إن هذا منطو في الآية على كل حال على ما تلهمه روحها ومضمونها بالإضافة إلى الآيات العديدة الأخرى التي مرت في هذه السورة وفي سورة البقرة وشرحناها شرحا يغني عن التكرار.
والآيات الأربع كما قلنا وحدة تامة. وفيما احتوته من أوامر ونواه وإنذار وتبشير ووعيد تلقينات جليلة مستمرة المدى في صدد المواضيع المتنوعة التي تضمنتها على ما شرحناه في تأويلها شرحا يغني عن التكرار. وقد تكرر مثل ذلك بمختلف الأساليب في فصول عديدة مكية ومدنية معا ؛ لأن ما احتوته متصل بمختلف أعمال الناس وصلاتهم ببعضهم وحياتهم ومصالحهم، فاقتضت حكمة التنزيل أن تتوالى الفصول فيه.
ومع ما شرحناه لمدى الآية الأخيرة، وقولنا باتصال مداها بمسائل أنصبة الإرث التي عينها الله تعالى في آيات المواريث للرجال والنساء، فإن فيها تلقينا عاما يجدر التنويه به. وهو عدم طمع الناس فيما عند غيرهم مما هو من كسبهم وجهدهم وحقهم الشرعي. مع التنبيه على أن هذا لا يعني عدم التمني بأن يكون لهم مثل ذلك أو عدم الجهد في الحصول عليه من طرقه الشرعية السائغة، بل إن الفقرة الأخيرة من الآية تتضمن حثا على ذلك.
وجملة ( ألا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) في الآية الأولى تأتي للمرة الثانية. وقد جاءت قبل في آية سورة البقرة ( ١٨٨ ) وشرحنا مداها بما يغني عن التكرار، إلا أن نقول :إن تكرارها يفيد أن حكمة التنزيل قد توخت التوكيد على وجوب قيام التعامل بين المسلمين، وبخاصة في الشؤون المالية على الحق والإنصاف واجتناب كل جنف وحيلة ووسيلة باطلة. وفي هذا ما فيه من تلقين جليل.
ولقد وقف المفسرون٢ عند جملة ( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) وهذا لم يرد في آية سورة البقرة. وقد رووا عن أهل التأويل أن التراضي الذي يجب أخذ المسلمين أموال بعضهم به في التجارة هو منح الخيار للبائع والشاري في النقض والإمضاء بعد عقد الصفقة، حتى لا يبقى في نفس أي من البائع والشاري أي شيء. وروى الطبري في صدد ذلك حديثا عن مهران ابن ميمون جاء فيه ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البيع عن تراض والخيار بعد الصفقة ولا يحل لمسلم أن يغش مسلما ) وحديثا آخر عن أبي قلابة قال ( قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يفترق بيعان إلا عن رضا ) وحديثا آخر عن ابن عباس جاء فيه ( إن النبي صلى الله عليه وسلم بايع، ثم قال له :اختر. فقال :اخترت. فقال :هكذا البيع ).
وهذه الأحاديث لم ترد في الصحاح. وهذا لا يمنع صحتها، وإن لم تكن نصا فروحا وهناك أحاديث وردت في الصحاح من بابها. منها حديث رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر جاء فيه ( إن رجلا ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع فقال :إذا بايعت فقل لا خلابة، وفي رواية :لا خيابة ) ٣ وحديث رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا يفترق اثنان إلا عن تراض ) ٤. وحديث رواه الخمسة عن حكيم ابن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا محقت بركة بيعهما ) ٥ وهناك أحاديث أخرى فاكتفينا بما تقدم٦ وينطوي في الأحاديث تساوق مع التلقين القرآني وتعليم وتوضيح نبويان يجب الوقوف عندهما.
وهناك من قال :إن الخيار الممنوح في الأحاديث يجب أن يكون في مجلس البيع، وهناك من لم ير ذلك ضروريا. وأصحاب هذا المذهب أولوا جملة ( ما لم يتفرقا ) في الحديث بأنها ما لم يتفرقا في القول٧ وقد صوب الطبري القول الأول، إلا إذا تراضى المتبايعان على الخيار بعد الافتراق. ولعل هذا هو الأسد الأوجه.
ولقد حمل بعض المفسرين جملة ( ولا تقتلوا أنفسكم ) على ظاهرها. ومنهم من حملها على النهي عن تعريض النفس للقتل بقتل الغير أو بأكل مال الغير بالباطل أو الهلاك بالموبقات٨ ويتبادر لنا أن النهي متصل بموضوع الآيات ولا سيما أنه جزء من الآية الأولى التي تنهى الناس عن أكل أموال بعضهم بالباطل.
فإما أن تكون الآية رمت إلى مفهوم معنوي، وهو ما يكون في أكل الناس أموال بعضهم بالباطل الذي يكون قتل النفس في معنى من معانيه وفي تعريضها بعقوبة الله. وإما أن تكون رمت إلى النهي عن العدوان على النفس بسبيل الإرث ومشاكله، ولا سيما أن مشاكل الإرث كثيرا ما تبعت على البغي والجريمة. ولعل التشريع الإرثي الجديد قد أحدث بعض الأحقاد وساق بعض الناس إلى البغي والعدوان. ولعل الآية الرابعة رمت فيما رمت إليه إلى تهدئة النفوس في صدد ذلك وتوطينها على الامتثال لما شرع الله.
وهذا الذي نقوله لا يقلل وجاهة حمل الجملة على ظاهرها، من حيث كون قتل الإنسان نفسه مما يقدم عليه بعض الناس في كل ظرف ومكان بسبب ما يلم بهم من أزمات نفسية ومادية وجملة ( إن الله كان بكم رحيما ) التي جاءت بعد الجملة تنطوي في هذا المقام على تهدئة ومعالجة حيث تهتف بالمسلمين :إن الله يظل شاملا إياهم برحمته فيجب أن لا ييأسوا ويقدموا على قتل أنفسهم.
ولقد أورد المفسرون في سياق ذلك بعض الأحاديث النبوية. منها حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا ) ومن تحسى سما فقتل نفسه، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا فيها. ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها ) ٩ وحديث رواه البخاري عن جندب ابن عبد الله البجلي قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رجل ممن كان قبلكم، وكان به جرح فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات فقال الله عز وجل :عبدي بادرني بنفسه حرمت عليه الجنة ) ١٠ ؛ حيث يفيد هذا أن قاتل نفسه مخلد في النار وحيث ينطوي فيه على كل حال تنبيه على أن قتل الإنسان نفسه ليس أمرا شخصيا له الحرية فيه، وإنما هو جريمة كبرى يعاقب الله عليها. ولقد روى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي حديثا عن جابر ابن سمرة قال ( أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه ) ١١
ومما لا ريب فيه أن هذه الجريمة داخلة في جملة الكبائر المنهي عنها التي نبهت الآية الثالثة من الآيات على وجوب تجنبها ووعدت من يتجنبها بالمدخل الكريم.
وبعض المفسرين أولوا المدخل الكريم بالجنة. ومع وجاهة هذا التأويل فإن إطلاق الجملة القرآنية يسوغ القول باحتمال أن يكون ذلك في الحياة أيضا. ولقد وعد المتقون بالحياة الحسنة في الدنيا بالإضافة إلى ما هو أحسن في الآخرة كما جاء في آية سورة النحل هذه ( وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين٣٠ ) ١٢.
ولا شك في أن اجتناب الكبائر يضمن للمسلم حياة كريمة مطمئنة في الدنيا بالإضافة إلى ما يضمنه من نعيم ورضوان في الآخرة.
ومع أن المتبادر أن جملة ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ) راجعة إلى ما ذكرته الآية الأولى من الآيات ؛ لأنها متصلة بها مباشرة فإن الطبري روى عن عبد الله ابن مسعود وغيره أن ذلك يشمل كل ما ورد من المنهيات في جميع الآيات من أول السورة. ومع ذلك فإن جمهور المفسرين أخذوها على إطلاقها أيضا واعتبروها شاملة على الحث على اجتناب ما نهى الله ورسوله عنه من كبائر.
وليس في هذا بعد عن مفهوم الجملة ظاهر فيما نرى.
ولقد أورد المفسرون أحاديث نبوية عديدة فيها بيان كبائر الذنوب وموبقاتها.
ولقد أوردنا طائفة من هذه الأحاديث في سياق تفسير الآية ( ٣١ ) من سورة النجم فنكتفي بهذ
١ انظر تفسير الآيات في الطبري والبغوي وابن كثير والخازن والطبرسي..
٢ انظر كتب تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والخازن.
٣ التاج ج ٢ص ١٧٩ والراجح أن في الحديث تعليما بأنه إذا كان في البيع خلابة أو خيابة أي غش وتغرير فهو غير ملزم.
٤ المصدر نفسه ص ١٨٥.
٥ المصدر نفسه ١٨٥.
٦ المصدر نفسه ١٧٩ـ ١٨٥.
٧ انظر تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والخازن وفيها بيان مذاهب أئمة الفقه في هذه المسائل.
٨ المصدر نفسه.
٩ التاج ج ٣ ص ٤.
١٠ التاج ج ٥ ص ٢٢.
١١ التاج ج ١ ص ٣٢٨ والمشقص: نصل أو حديدة عريضة.
١٢ هناك آيات أخرى من هذا الباب مثل آيتي النحل (٤١ و ٩٧) والنور (٥٤) مثلا.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٩: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ( ٢٩ ) وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا ( ٣٠ ) إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا ( ٣١ ) وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ به بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ( ٣٢ ) ﴾.
عبارات الآيات واضحة :والخطاب فيها موجه للمسلمين وقد تضمن :
( ١ ) نهيا عن أكل بعضهم أموال بعض بالباطل مستثنيا ما يدخل على بعضهم من بعض من الربح عن طريق التجارة والتراضي.
( ٢ ) ونهيا عن قتل أنفسهم
( ٣ ) وتعقيبا على ما نهوا عنه يتضمن تقرير كون الله بهم رحيما ييسر لهم الرزق الحلال ويشملهم بالرحمة والعناية، فلا يجوز أن يتحايل بعضهم على بعض ويظلم بعضهم بعضا ويعتدي بعضهم على بعض.
( ٤ ) وإنذارا لمن يفعل ذلك منهم بالنار مما هو يسير على الله عز وجل.
( ٥ ) وتنبيها على وجوب اجتناب الكبائر التي ينهاهم الله عنها. ووعدا بتسامح الله مع من يجتنبها فيما يمكن أن يصدر منه من هفوات ثانوية ؛ حيث يغفرها له وييسر له الدخول في المدخل الكريم.
( ٦ ) ونهيا عن التنافس والتحاسد وتشهي ما فضل الله به بعضهم على بعض في القسمة والأنصبة والربح والرزق. مع تقرير حق الرجال فيما أحرزوا وكسبوا وحق النساء فيما أحرزن وكسبن، وتقرير كون الله عز وجل هو المتفضل عليهم جميعا، وأن عليهم أن يسألوه من فضله فهو العليم بمقتضيات كل شيء.
تعليق على الآية
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ.. )الخ
والآيات الثلاث التالية لها
ولم نطلع على مناسبة خاصة في نزول الآيات الثلاث الأولى. وقد روى المفسرون١
أن الآية الرابعة نزلت في مناسبة قول أم سلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم :يغزو الرجال ولا يغزو النساء وجعل نصيب النساء نصف نصيب الرجال. وقد روى هذا الترمذي أيضا، وهذا لفظه عن أم سلمة قالت :يغزو الرجال ولا يغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث فنزلت الآية. وشيء من هذا روي عن أم سلمة في سياق آيات سورة آل عمران ( ١٩٥ ) وسورة الأحزاب ( ٣٥ ) على ما ذكرناه سابقا. والذي يتبادر لنا أن هذه الآية غير منفصلة عن الآيات الثلاث، وأن النهي فيها متصل بالنهي عن أكل بعض الناس أموال بعضهم بالباطل، وهذا ما جعلنا نعرض الآيات الأربع معا. ويجعلنا نميل إلى القول :إن في رواية نزولها في مناسبة ما قالته أم سلمة التباسا. بل ويتبادر لنا من روحها وانسجامها مع الآيات الثلاث أن فيها نهيا عن أكل أموال النساء، من حيث كون الرجال اعتادوا أن يتحايلوا على أموال النساء بشتى الطرق، فاحتوت الآية بمناسبة النهي الوارد في الآية الأولى تثبيتا لحقوقهن ونهيا عن العدوان والتحايل عليها بأسلوب آخر جعلها تدخل في عموم النهي وفي مشمول الكبائر.
وإذا صح هذا التوجيه كما نرجو، فتكون الآية الرابعة قد انطوت على تنبيه حاسم على حق المرأة فيما يدخل إلى يدها من مال مشروع من مختلف الطرق وحرية تصرفها فيه وأهليتها الاستقلالية لهذا التصرف ثم على حقها في النشاط والاكتساب وأهليتها لهما. بل إن هذا منطو في الآية على كل حال على ما تلهمه روحها ومضمونها بالإضافة إلى الآيات العديدة الأخرى التي مرت في هذه السورة وفي سورة البقرة وشرحناها شرحا يغني عن التكرار.
والآيات الأربع كما قلنا وحدة تامة. وفيما احتوته من أوامر ونواه وإنذار وتبشير ووعيد تلقينات جليلة مستمرة المدى في صدد المواضيع المتنوعة التي تضمنتها على ما شرحناه في تأويلها شرحا يغني عن التكرار. وقد تكرر مثل ذلك بمختلف الأساليب في فصول عديدة مكية ومدنية معا ؛ لأن ما احتوته متصل بمختلف أعمال الناس وصلاتهم ببعضهم وحياتهم ومصالحهم، فاقتضت حكمة التنزيل أن تتوالى الفصول فيه.
ومع ما شرحناه لمدى الآية الأخيرة، وقولنا باتصال مداها بمسائل أنصبة الإرث التي عينها الله تعالى في آيات المواريث للرجال والنساء، فإن فيها تلقينا عاما يجدر التنويه به. وهو عدم طمع الناس فيما عند غيرهم مما هو من كسبهم وجهدهم وحقهم الشرعي. مع التنبيه على أن هذا لا يعني عدم التمني بأن يكون لهم مثل ذلك أو عدم الجهد في الحصول عليه من طرقه الشرعية السائغة، بل إن الفقرة الأخيرة من الآية تتضمن حثا على ذلك.
وجملة ( ألا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) في الآية الأولى تأتي للمرة الثانية. وقد جاءت قبل في آية سورة البقرة ( ١٨٨ ) وشرحنا مداها بما يغني عن التكرار، إلا أن نقول :إن تكرارها يفيد أن حكمة التنزيل قد توخت التوكيد على وجوب قيام التعامل بين المسلمين، وبخاصة في الشؤون المالية على الحق والإنصاف واجتناب كل جنف وحيلة ووسيلة باطلة. وفي هذا ما فيه من تلقين جليل.
ولقد وقف المفسرون٢ عند جملة ( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) وهذا لم يرد في آية سورة البقرة. وقد رووا عن أهل التأويل أن التراضي الذي يجب أخذ المسلمين أموال بعضهم به في التجارة هو منح الخيار للبائع والشاري في النقض والإمضاء بعد عقد الصفقة، حتى لا يبقى في نفس أي من البائع والشاري أي شيء. وروى الطبري في صدد ذلك حديثا عن مهران ابن ميمون جاء فيه ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البيع عن تراض والخيار بعد الصفقة ولا يحل لمسلم أن يغش مسلما ) وحديثا آخر عن أبي قلابة قال ( قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يفترق بيعان إلا عن رضا ) وحديثا آخر عن ابن عباس جاء فيه ( إن النبي صلى الله عليه وسلم بايع، ثم قال له :اختر. فقال :اخترت. فقال :هكذا البيع ).
وهذه الأحاديث لم ترد في الصحاح. وهذا لا يمنع صحتها، وإن لم تكن نصا فروحا وهناك أحاديث وردت في الصحاح من بابها. منها حديث رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر جاء فيه ( إن رجلا ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع فقال :إذا بايعت فقل لا خلابة، وفي رواية :لا خيابة ) ٣ وحديث رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا يفترق اثنان إلا عن تراض ) ٤. وحديث رواه الخمسة عن حكيم ابن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا محقت بركة بيعهما ) ٥ وهناك أحاديث أخرى فاكتفينا بما تقدم٦ وينطوي في الأحاديث تساوق مع التلقين القرآني وتعليم وتوضيح نبويان يجب الوقوف عندهما.
وهناك من قال :إن الخيار الممنوح في الأحاديث يجب أن يكون في مجلس البيع، وهناك من لم ير ذلك ضروريا. وأصحاب هذا المذهب أولوا جملة ( ما لم يتفرقا ) في الحديث بأنها ما لم يتفرقا في القول٧ وقد صوب الطبري القول الأول، إلا إذا تراضى المتبايعان على الخيار بعد الافتراق. ولعل هذا هو الأسد الأوجه.
ولقد حمل بعض المفسرين جملة ( ولا تقتلوا أنفسكم ) على ظاهرها. ومنهم من حملها على النهي عن تعريض النفس للقتل بقتل الغير أو بأكل مال الغير بالباطل أو الهلاك بالموبقات٨ ويتبادر لنا أن النهي متصل بموضوع الآيات ولا سيما أنه جزء من الآية الأولى التي تنهى الناس عن أكل أموال بعضهم بالباطل.
فإما أن تكون الآية رمت إلى مفهوم معنوي، وهو ما يكون في أكل الناس أموال بعضهم بالباطل الذي يكون قتل النفس في معنى من معانيه وفي تعريضها بعقوبة الله. وإما أن تكون رمت إلى النهي عن العدوان على النفس بسبيل الإرث ومشاكله، ولا سيما أن مشاكل الإرث كثيرا ما تبعت على البغي والجريمة. ولعل التشريع الإرثي الجديد قد أحدث بعض الأحقاد وساق بعض الناس إلى البغي والعدوان. ولعل الآية الرابعة رمت فيما رمت إليه إلى تهدئة النفوس في صدد ذلك وتوطينها على الامتثال لما شرع الله.
وهذا الذي نقوله لا يقلل وجاهة حمل الجملة على ظاهرها، من حيث كون قتل الإنسان نفسه مما يقدم عليه بعض الناس في كل ظرف ومكان بسبب ما يلم بهم من أزمات نفسية ومادية وجملة ( إن الله كان بكم رحيما ) التي جاءت بعد الجملة تنطوي في هذا المقام على تهدئة ومعالجة حيث تهتف بالمسلمين :إن الله يظل شاملا إياهم برحمته فيجب أن لا ييأسوا ويقدموا على قتل أنفسهم.
ولقد أورد المفسرون في سياق ذلك بعض الأحاديث النبوية. منها حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا ) ومن تحسى سما فقتل نفسه، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا فيها. ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها ) ٩ وحديث رواه البخاري عن جندب ابن عبد الله البجلي قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رجل ممن كان قبلكم، وكان به جرح فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات فقال الله عز وجل :عبدي بادرني بنفسه حرمت عليه الجنة ) ١٠ ؛ حيث يفيد هذا أن قاتل نفسه مخلد في النار وحيث ينطوي فيه على كل حال تنبيه على أن قتل الإنسان نفسه ليس أمرا شخصيا له الحرية فيه، وإنما هو جريمة كبرى يعاقب الله عليها. ولقد روى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي حديثا عن جابر ابن سمرة قال ( أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه ) ١١
ومما لا ريب فيه أن هذه الجريمة داخلة في جملة الكبائر المنهي عنها التي نبهت الآية الثالثة من الآيات على وجوب تجنبها ووعدت من يتجنبها بالمدخل الكريم.
وبعض المفسرين أولوا المدخل الكريم بالجنة. ومع وجاهة هذا التأويل فإن إطلاق الجملة القرآنية يسوغ القول باحتمال أن يكون ذلك في الحياة أيضا. ولقد وعد المتقون بالحياة الحسنة في الدنيا بالإضافة إلى ما هو أحسن في الآخرة كما جاء في آية سورة النحل هذه ( وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين٣٠ ) ١٢.
ولا شك في أن اجتناب الكبائر يضمن للمسلم حياة كريمة مطمئنة في الدنيا بالإضافة إلى ما يضمنه من نعيم ورضوان في الآخرة.
ومع أن المتبادر أن جملة ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ) راجعة إلى ما ذكرته الآية الأولى من الآيات ؛ لأنها متصلة بها مباشرة فإن الطبري روى عن عبد الله ابن مسعود وغيره أن ذلك يشمل كل ما ورد من المنهيات في جميع الآيات من أول السورة. ومع ذلك فإن جمهور المفسرين أخذوها على إطلاقها أيضا واعتبروها شاملة على الحث على اجتناب ما نهى الله ورسوله عنه من كبائر.
وليس في هذا بعد عن مفهوم الجملة ظاهر فيما نرى.
ولقد أورد المفسرون أحاديث نبوية عديدة فيها بيان كبائر الذنوب وموبقاتها.
ولقد أوردنا طائفة من هذه الأحاديث في سياق تفسير الآية ( ٣١ ) من سورة النجم فنكتفي بهذ
١ انظر تفسير الآيات في الطبري والبغوي وابن كثير والخازن والطبرسي..
٢ انظر كتب تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والخازن.
٣ التاج ج ٢ص ١٧٩ والراجح أن في الحديث تعليما بأنه إذا كان في البيع خلابة أو خيابة أي غش وتغرير فهو غير ملزم.
٤ المصدر نفسه ص ١٨٥.
٥ المصدر نفسه ١٨٥.
٦ المصدر نفسه ١٧٩ـ ١٨٥.
٧ انظر تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والخازن وفيها بيان مذاهب أئمة الفقه في هذه المسائل.
٨ المصدر نفسه.
٩ التاج ج ٣ ص ٤.
١٠ التاج ج ٥ ص ٢٢.
١١ التاج ج ١ ص ٣٢٨ والمشقص: نصل أو حديدة عريضة.
١٢ هناك آيات أخرى من هذا الباب مثل آيتي النحل (٤١ و ٩٧) والنور (٥٤) مثلا.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٩: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ( ٢٩ ) وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا ( ٣٠ ) إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا ( ٣١ ) وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ به بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ( ٣٢ ) ﴾.
عبارات الآيات واضحة :والخطاب فيها موجه للمسلمين وقد تضمن :
( ١ ) نهيا عن أكل بعضهم أموال بعض بالباطل مستثنيا ما يدخل على بعضهم من بعض من الربح عن طريق التجارة والتراضي.
( ٢ ) ونهيا عن قتل أنفسهم
( ٣ ) وتعقيبا على ما نهوا عنه يتضمن تقرير كون الله بهم رحيما ييسر لهم الرزق الحلال ويشملهم بالرحمة والعناية، فلا يجوز أن يتحايل بعضهم على بعض ويظلم بعضهم بعضا ويعتدي بعضهم على بعض.
( ٤ ) وإنذارا لمن يفعل ذلك منهم بالنار مما هو يسير على الله عز وجل.
( ٥ ) وتنبيها على وجوب اجتناب الكبائر التي ينهاهم الله عنها. ووعدا بتسامح الله مع من يجتنبها فيما يمكن أن يصدر منه من هفوات ثانوية ؛ حيث يغفرها له وييسر له الدخول في المدخل الكريم.
( ٦ ) ونهيا عن التنافس والتحاسد وتشهي ما فضل الله به بعضهم على بعض في القسمة والأنصبة والربح والرزق. مع تقرير حق الرجال فيما أحرزوا وكسبوا وحق النساء فيما أحرزن وكسبن، وتقرير كون الله عز وجل هو المتفضل عليهم جميعا، وأن عليهم أن يسألوه من فضله فهو العليم بمقتضيات كل شيء.
تعليق على الآية
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ.. )الخ
والآيات الثلاث التالية لها
ولم نطلع على مناسبة خاصة في نزول الآيات الثلاث الأولى. وقد روى المفسرون١
أن الآية الرابعة نزلت في مناسبة قول أم سلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم :يغزو الرجال ولا يغزو النساء وجعل نصيب النساء نصف نصيب الرجال. وقد روى هذا الترمذي أيضا، وهذا لفظه عن أم سلمة قالت :يغزو الرجال ولا يغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث فنزلت الآية. وشيء من هذا روي عن أم سلمة في سياق آيات سورة آل عمران ( ١٩٥ ) وسورة الأحزاب ( ٣٥ ) على ما ذكرناه سابقا. والذي يتبادر لنا أن هذه الآية غير منفصلة عن الآيات الثلاث، وأن النهي فيها متصل بالنهي عن أكل بعض الناس أموال بعضهم بالباطل، وهذا ما جعلنا نعرض الآيات الأربع معا. ويجعلنا نميل إلى القول :إن في رواية نزولها في مناسبة ما قالته أم سلمة التباسا. بل ويتبادر لنا من روحها وانسجامها مع الآيات الثلاث أن فيها نهيا عن أكل أموال النساء، من حيث كون الرجال اعتادوا أن يتحايلوا على أموال النساء بشتى الطرق، فاحتوت الآية بمناسبة النهي الوارد في الآية الأولى تثبيتا لحقوقهن ونهيا عن العدوان والتحايل عليها بأسلوب آخر جعلها تدخل في عموم النهي وفي مشمول الكبائر.
وإذا صح هذا التوجيه كما نرجو، فتكون الآية الرابعة قد انطوت على تنبيه حاسم على حق المرأة فيما يدخل إلى يدها من مال مشروع من مختلف الطرق وحرية تصرفها فيه وأهليتها الاستقلالية لهذا التصرف ثم على حقها في النشاط والاكتساب وأهليتها لهما. بل إن هذا منطو في الآية على كل حال على ما تلهمه روحها ومضمونها بالإضافة إلى الآيات العديدة الأخرى التي مرت في هذه السورة وفي سورة البقرة وشرحناها شرحا يغني عن التكرار.
والآيات الأربع كما قلنا وحدة تامة. وفيما احتوته من أوامر ونواه وإنذار وتبشير ووعيد تلقينات جليلة مستمرة المدى في صدد المواضيع المتنوعة التي تضمنتها على ما شرحناه في تأويلها شرحا يغني عن التكرار. وقد تكرر مثل ذلك بمختلف الأساليب في فصول عديدة مكية ومدنية معا ؛ لأن ما احتوته متصل بمختلف أعمال الناس وصلاتهم ببعضهم وحياتهم ومصالحهم، فاقتضت حكمة التنزيل أن تتوالى الفصول فيه.
ومع ما شرحناه لمدى الآية الأخيرة، وقولنا باتصال مداها بمسائل أنصبة الإرث التي عينها الله تعالى في آيات المواريث للرجال والنساء، فإن فيها تلقينا عاما يجدر التنويه به. وهو عدم طمع الناس فيما عند غيرهم مما هو من كسبهم وجهدهم وحقهم الشرعي. مع التنبيه على أن هذا لا يعني عدم التمني بأن يكون لهم مثل ذلك أو عدم الجهد في الحصول عليه من طرقه الشرعية السائغة، بل إن الفقرة الأخيرة من الآية تتضمن حثا على ذلك.
وجملة ( ألا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) في الآية الأولى تأتي للمرة الثانية. وقد جاءت قبل في آية سورة البقرة ( ١٨٨ ) وشرحنا مداها بما يغني عن التكرار، إلا أن نقول :إن تكرارها يفيد أن حكمة التنزيل قد توخت التوكيد على وجوب قيام التعامل بين المسلمين، وبخاصة في الشؤون المالية على الحق والإنصاف واجتناب كل جنف وحيلة ووسيلة باطلة. وفي هذا ما فيه من تلقين جليل.
ولقد وقف المفسرون٢ عند جملة ( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) وهذا لم يرد في آية سورة البقرة. وقد رووا عن أهل التأويل أن التراضي الذي يجب أخذ المسلمين أموال بعضهم به في التجارة هو منح الخيار للبائع والشاري في النقض والإمضاء بعد عقد الصفقة، حتى لا يبقى في نفس أي من البائع والشاري أي شيء. وروى الطبري في صدد ذلك حديثا عن مهران ابن ميمون جاء فيه ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البيع عن تراض والخيار بعد الصفقة ولا يحل لمسلم أن يغش مسلما ) وحديثا آخر عن أبي قلابة قال ( قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يفترق بيعان إلا عن رضا ) وحديثا آخر عن ابن عباس جاء فيه ( إن النبي صلى الله عليه وسلم بايع، ثم قال له :اختر. فقال :اخترت. فقال :هكذا البيع ).
وهذه الأحاديث لم ترد في الصحاح. وهذا لا يمنع صحتها، وإن لم تكن نصا فروحا وهناك أحاديث وردت في الصحاح من بابها. منها حديث رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر جاء فيه ( إن رجلا ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع فقال :إذا بايعت فقل لا خلابة، وفي رواية :لا خيابة ) ٣ وحديث رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا يفترق اثنان إلا عن تراض ) ٤. وحديث رواه الخمسة عن حكيم ابن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا محقت بركة بيعهما ) ٥ وهناك أحاديث أخرى فاكتفينا بما تقدم٦ وينطوي في الأحاديث تساوق مع التلقين القرآني وتعليم وتوضيح نبويان يجب الوقوف عندهما.
وهناك من قال :إن الخيار الممنوح في الأحاديث يجب أن يكون في مجلس البيع، وهناك من لم ير ذلك ضروريا. وأصحاب هذا المذهب أولوا جملة ( ما لم يتفرقا ) في الحديث بأنها ما لم يتفرقا في القول٧ وقد صوب الطبري القول الأول، إلا إذا تراضى المتبايعان على الخيار بعد الافتراق. ولعل هذا هو الأسد الأوجه.
ولقد حمل بعض المفسرين جملة ( ولا تقتلوا أنفسكم ) على ظاهرها. ومنهم من حملها على النهي عن تعريض النفس للقتل بقتل الغير أو بأكل مال الغير بالباطل أو الهلاك بالموبقات٨ ويتبادر لنا أن النهي متصل بموضوع الآيات ولا سيما أنه جزء من الآية الأولى التي تنهى الناس عن أكل أموال بعضهم بالباطل.
فإما أن تكون الآية رمت إلى مفهوم معنوي، وهو ما يكون في أكل الناس أموال بعضهم بالباطل الذي يكون قتل النفس في معنى من معانيه وفي تعريضها بعقوبة الله. وإما أن تكون رمت إلى النهي عن العدوان على النفس بسبيل الإرث ومشاكله، ولا سيما أن مشاكل الإرث كثيرا ما تبعت على البغي والجريمة. ولعل التشريع الإرثي الجديد قد أحدث بعض الأحقاد وساق بعض الناس إلى البغي والعدوان. ولعل الآية الرابعة رمت فيما رمت إليه إلى تهدئة النفوس في صدد ذلك وتوطينها على الامتثال لما شرع الله.
وهذا الذي نقوله لا يقلل وجاهة حمل الجملة على ظاهرها، من حيث كون قتل الإنسان نفسه مما يقدم عليه بعض الناس في كل ظرف ومكان بسبب ما يلم بهم من أزمات نفسية ومادية وجملة ( إن الله كان بكم رحيما ) التي جاءت بعد الجملة تنطوي في هذا المقام على تهدئة ومعالجة حيث تهتف بالمسلمين :إن الله يظل شاملا إياهم برحمته فيجب أن لا ييأسوا ويقدموا على قتل أنفسهم.
ولقد أورد المفسرون في سياق ذلك بعض الأحاديث النبوية. منها حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا ) ومن تحسى سما فقتل نفسه، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا فيها. ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها ) ٩ وحديث رواه البخاري عن جندب ابن عبد الله البجلي قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رجل ممن كان قبلكم، وكان به جرح فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات فقال الله عز وجل :عبدي بادرني بنفسه حرمت عليه الجنة ) ١٠ ؛ حيث يفيد هذا أن قاتل نفسه مخلد في النار وحيث ينطوي فيه على كل حال تنبيه على أن قتل الإنسان نفسه ليس أمرا شخصيا له الحرية فيه، وإنما هو جريمة كبرى يعاقب الله عليها. ولقد روى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي حديثا عن جابر ابن سمرة قال ( أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه ) ١١
ومما لا ريب فيه أن هذه الجريمة داخلة في جملة الكبائر المنهي عنها التي نبهت الآية الثالثة من الآيات على وجوب تجنبها ووعدت من يتجنبها بالمدخل الكريم.
وبعض المفسرين أولوا المدخل الكريم بالجنة. ومع وجاهة هذا التأويل فإن إطلاق الجملة القرآنية يسوغ القول باحتمال أن يكون ذلك في الحياة أيضا. ولقد وعد المتقون بالحياة الحسنة في الدنيا بالإضافة إلى ما هو أحسن في الآخرة كما جاء في آية سورة النحل هذه ( وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين٣٠ ) ١٢.
ولا شك في أن اجتناب الكبائر يضمن للمسلم حياة كريمة مطمئنة في الدنيا بالإضافة إلى ما يضمنه من نعيم ورضوان في الآخرة.
ومع أن المتبادر أن جملة ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ) راجعة إلى ما ذكرته الآية الأولى من الآيات ؛ لأنها متصلة بها مباشرة فإن الطبري روى عن عبد الله ابن مسعود وغيره أن ذلك يشمل كل ما ورد من المنهيات في جميع الآيات من أول السورة. ومع ذلك فإن جمهور المفسرين أخذوها على إطلاقها أيضا واعتبروها شاملة على الحث على اجتناب ما نهى الله ورسوله عنه من كبائر.
وليس في هذا بعد عن مفهوم الجملة ظاهر فيما نرى.
ولقد أورد المفسرون أحاديث نبوية عديدة فيها بيان كبائر الذنوب وموبقاتها.
ولقد أوردنا طائفة من هذه الأحاديث في سياق تفسير الآية ( ٣١ ) من سورة النجم فنكتفي بهذ
١ انظر تفسير الآيات في الطبري والبغوي وابن كثير والخازن والطبرسي..
٢ انظر كتب تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والخازن.
٣ التاج ج ٢ص ١٧٩ والراجح أن في الحديث تعليما بأنه إذا كان في البيع خلابة أو خيابة أي غش وتغرير فهو غير ملزم.
٤ المصدر نفسه ص ١٨٥.
٥ المصدر نفسه ١٨٥.
٦ المصدر نفسه ١٧٩ـ ١٨٥.
٧ انظر تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والخازن وفيها بيان مذاهب أئمة الفقه في هذه المسائل.
٨ المصدر نفسه.
٩ التاج ج ٣ ص ٤.
١٠ التاج ج ٥ ص ٢٢.
١١ التاج ج ١ ص ٣٢٨ والمشقص: نصل أو حديدة عريضة.
١٢ هناك آيات أخرى من هذا الباب مثل آيتي النحل (٤١ و ٩٧) والنور (٥٤) مثلا.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٩: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ( ٢٩ ) وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا ( ٣٠ ) إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا ( ٣١ ) وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ به بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ( ٣٢ ) ﴾.
عبارات الآيات واضحة :والخطاب فيها موجه للمسلمين وقد تضمن :
( ١ ) نهيا عن أكل بعضهم أموال بعض بالباطل مستثنيا ما يدخل على بعضهم من بعض من الربح عن طريق التجارة والتراضي.
( ٢ ) ونهيا عن قتل أنفسهم
( ٣ ) وتعقيبا على ما نهوا عنه يتضمن تقرير كون الله بهم رحيما ييسر لهم الرزق الحلال ويشملهم بالرحمة والعناية، فلا يجوز أن يتحايل بعضهم على بعض ويظلم بعضهم بعضا ويعتدي بعضهم على بعض.
( ٤ ) وإنذارا لمن يفعل ذلك منهم بالنار مما هو يسير على الله عز وجل.
( ٥ ) وتنبيها على وجوب اجتناب الكبائر التي ينهاهم الله عنها. ووعدا بتسامح الله مع من يجتنبها فيما يمكن أن يصدر منه من هفوات ثانوية ؛ حيث يغفرها له وييسر له الدخول في المدخل الكريم.
( ٦ ) ونهيا عن التنافس والتحاسد وتشهي ما فضل الله به بعضهم على بعض في القسمة والأنصبة والربح والرزق. مع تقرير حق الرجال فيما أحرزوا وكسبوا وحق النساء فيما أحرزن وكسبن، وتقرير كون الله عز وجل هو المتفضل عليهم جميعا، وأن عليهم أن يسألوه من فضله فهو العليم بمقتضيات كل شيء.
تعليق على الآية
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ.. )الخ
والآيات الثلاث التالية لها
ولم نطلع على مناسبة خاصة في نزول الآيات الثلاث الأولى. وقد روى المفسرون١
أن الآية الرابعة نزلت في مناسبة قول أم سلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم :يغزو الرجال ولا يغزو النساء وجعل نصيب النساء نصف نصيب الرجال. وقد روى هذا الترمذي أيضا، وهذا لفظه عن أم سلمة قالت :يغزو الرجال ولا يغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث فنزلت الآية. وشيء من هذا روي عن أم سلمة في سياق آيات سورة آل عمران ( ١٩٥ ) وسورة الأحزاب ( ٣٥ ) على ما ذكرناه سابقا. والذي يتبادر لنا أن هذه الآية غير منفصلة عن الآيات الثلاث، وأن النهي فيها متصل بالنهي عن أكل بعض الناس أموال بعضهم بالباطل، وهذا ما جعلنا نعرض الآيات الأربع معا. ويجعلنا نميل إلى القول :إن في رواية نزولها في مناسبة ما قالته أم سلمة التباسا. بل ويتبادر لنا من روحها وانسجامها مع الآيات الثلاث أن فيها نهيا عن أكل أموال النساء، من حيث كون الرجال اعتادوا أن يتحايلوا على أموال النساء بشتى الطرق، فاحتوت الآية بمناسبة النهي الوارد في الآية الأولى تثبيتا لحقوقهن ونهيا عن العدوان والتحايل عليها بأسلوب آخر جعلها تدخل في عموم النهي وفي مشمول الكبائر.
وإذا صح هذا التوجيه كما نرجو، فتكون الآية الرابعة قد انطوت على تنبيه حاسم على حق المرأة فيما يدخل إلى يدها من مال مشروع من مختلف الطرق وحرية تصرفها فيه وأهليتها الاستقلالية لهذا التصرف ثم على حقها في النشاط والاكتساب وأهليتها لهما. بل إن هذا منطو في الآية على كل حال على ما تلهمه روحها ومضمونها بالإضافة إلى الآيات العديدة الأخرى التي مرت في هذه السورة وفي سورة البقرة وشرحناها شرحا يغني عن التكرار.
والآيات الأربع كما قلنا وحدة تامة. وفيما احتوته من أوامر ونواه وإنذار وتبشير ووعيد تلقينات جليلة مستمرة المدى في صدد المواضيع المتنوعة التي تضمنتها على ما شرحناه في تأويلها شرحا يغني عن التكرار. وقد تكرر مثل ذلك بمختلف الأساليب في فصول عديدة مكية ومدنية معا ؛ لأن ما احتوته متصل بمختلف أعمال الناس وصلاتهم ببعضهم وحياتهم ومصالحهم، فاقتضت حكمة التنزيل أن تتوالى الفصول فيه.
ومع ما شرحناه لمدى الآية الأخيرة، وقولنا باتصال مداها بمسائل أنصبة الإرث التي عينها الله تعالى في آيات المواريث للرجال والنساء، فإن فيها تلقينا عاما يجدر التنويه به. وهو عدم طمع الناس فيما عند غيرهم مما هو من كسبهم وجهدهم وحقهم الشرعي. مع التنبيه على أن هذا لا يعني عدم التمني بأن يكون لهم مثل ذلك أو عدم الجهد في الحصول عليه من طرقه الشرعية السائغة، بل إن الفقرة الأخيرة من الآية تتضمن حثا على ذلك.
وجملة ( ألا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) في الآية الأولى تأتي للمرة الثانية. وقد جاءت قبل في آية سورة البقرة ( ١٨٨ ) وشرحنا مداها بما يغني عن التكرار، إلا أن نقول :إن تكرارها يفيد أن حكمة التنزيل قد توخت التوكيد على وجوب قيام التعامل بين المسلمين، وبخاصة في الشؤون المالية على الحق والإنصاف واجتناب كل جنف وحيلة ووسيلة باطلة. وفي هذا ما فيه من تلقين جليل.
ولقد وقف المفسرون٢ عند جملة ( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) وهذا لم يرد في آية سورة البقرة. وقد رووا عن أهل التأويل أن التراضي الذي يجب أخذ المسلمين أموال بعضهم به في التجارة هو منح الخيار للبائع والشاري في النقض والإمضاء بعد عقد الصفقة، حتى لا يبقى في نفس أي من البائع والشاري أي شيء. وروى الطبري في صدد ذلك حديثا عن مهران ابن ميمون جاء فيه ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البيع عن تراض والخيار بعد الصفقة ولا يحل لمسلم أن يغش مسلما ) وحديثا آخر عن أبي قلابة قال ( قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يفترق بيعان إلا عن رضا ) وحديثا آخر عن ابن عباس جاء فيه ( إن النبي صلى الله عليه وسلم بايع، ثم قال له :اختر. فقال :اخترت. فقال :هكذا البيع ).
وهذه الأحاديث لم ترد في الصحاح. وهذا لا يمنع صحتها، وإن لم تكن نصا فروحا وهناك أحاديث وردت في الصحاح من بابها. منها حديث رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر جاء فيه ( إن رجلا ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع فقال :إذا بايعت فقل لا خلابة، وفي رواية :لا خيابة ) ٣ وحديث رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا يفترق اثنان إلا عن تراض ) ٤. وحديث رواه الخمسة عن حكيم ابن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا محقت بركة بيعهما ) ٥ وهناك أحاديث أخرى فاكتفينا بما تقدم٦ وينطوي في الأحاديث تساوق مع التلقين القرآني وتعليم وتوضيح نبويان يجب الوقوف عندهما.
وهناك من قال :إن الخيار الممنوح في الأحاديث يجب أن يكون في مجلس البيع، وهناك من لم ير ذلك ضروريا. وأصحاب هذا المذهب أولوا جملة ( ما لم يتفرقا ) في الحديث بأنها ما لم يتفرقا في القول٧ وقد صوب الطبري القول الأول، إلا إذا تراضى المتبايعان على الخيار بعد الافتراق. ولعل هذا هو الأسد الأوجه.
ولقد حمل بعض المفسرين جملة ( ولا تقتلوا أنفسكم ) على ظاهرها. ومنهم من حملها على النهي عن تعريض النفس للقتل بقتل الغير أو بأكل مال الغير بالباطل أو الهلاك بالموبقات٨ ويتبادر لنا أن النهي متصل بموضوع الآيات ولا سيما أنه جزء من الآية الأولى التي تنهى الناس عن أكل أموال بعضهم بالباطل.
فإما أن تكون الآية رمت إلى مفهوم معنوي، وهو ما يكون في أكل الناس أموال بعضهم بالباطل الذي يكون قتل النفس في معنى من معانيه وفي تعريضها بعقوبة الله. وإما أن تكون رمت إلى النهي عن العدوان على النفس بسبيل الإرث ومشاكله، ولا سيما أن مشاكل الإرث كثيرا ما تبعت على البغي والجريمة. ولعل التشريع الإرثي الجديد قد أحدث بعض الأحقاد وساق بعض الناس إلى البغي والعدوان. ولعل الآية الرابعة رمت فيما رمت إليه إلى تهدئة النفوس في صدد ذلك وتوطينها على الامتثال لما شرع الله.
وهذا الذي نقوله لا يقلل وجاهة حمل الجملة على ظاهرها، من حيث كون قتل الإنسان نفسه مما يقدم عليه بعض الناس في كل ظرف ومكان بسبب ما يلم بهم من أزمات نفسية ومادية وجملة ( إن الله كان بكم رحيما ) التي جاءت بعد الجملة تنطوي في هذا المقام على تهدئة ومعالجة حيث تهتف بالمسلمين :إن الله يظل شاملا إياهم برحمته فيجب أن لا ييأسوا ويقدموا على قتل أنفسهم.
ولقد أورد المفسرون في سياق ذلك بعض الأحاديث النبوية. منها حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا ) ومن تحسى سما فقتل نفسه، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا فيها. ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها ) ٩ وحديث رواه البخاري عن جندب ابن عبد الله البجلي قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رجل ممن كان قبلكم، وكان به جرح فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات فقال الله عز وجل :عبدي بادرني بنفسه حرمت عليه الجنة ) ١٠ ؛ حيث يفيد هذا أن قاتل نفسه مخلد في النار وحيث ينطوي فيه على كل حال تنبيه على أن قتل الإنسان نفسه ليس أمرا شخصيا له الحرية فيه، وإنما هو جريمة كبرى يعاقب الله عليها. ولقد روى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي حديثا عن جابر ابن سمرة قال ( أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه ) ١١
ومما لا ريب فيه أن هذه الجريمة داخلة في جملة الكبائر المنهي عنها التي نبهت الآية الثالثة من الآيات على وجوب تجنبها ووعدت من يتجنبها بالمدخل الكريم.
وبعض المفسرين أولوا المدخل الكريم بالجنة. ومع وجاهة هذا التأويل فإن إطلاق الجملة القرآنية يسوغ القول باحتمال أن يكون ذلك في الحياة أيضا. ولقد وعد المتقون بالحياة الحسنة في الدنيا بالإضافة إلى ما هو أحسن في الآخرة كما جاء في آية سورة النحل هذه ( وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين٣٠ ) ١٢.
ولا شك في أن اجتناب الكبائر يضمن للمسلم حياة كريمة مطمئنة في الدنيا بالإضافة إلى ما يضمنه من نعيم ورضوان في الآخرة.
ومع أن المتبادر أن جملة ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ) راجعة إلى ما ذكرته الآية الأولى من الآيات ؛ لأنها متصلة بها مباشرة فإن الطبري روى عن عبد الله ابن مسعود وغيره أن ذلك يشمل كل ما ورد من المنهيات في جميع الآيات من أول السورة. ومع ذلك فإن جمهور المفسرين أخذوها على إطلاقها أيضا واعتبروها شاملة على الحث على اجتناب ما نهى الله ورسوله عنه من كبائر.
وليس في هذا بعد عن مفهوم الجملة ظاهر فيما نرى.
ولقد أورد المفسرون أحاديث نبوية عديدة فيها بيان كبائر الذنوب وموبقاتها.
ولقد أوردنا طائفة من هذه الأحاديث في سياق تفسير الآية ( ٣١ ) من سورة النجم فنكتفي بهذ
١ انظر تفسير الآيات في الطبري والبغوي وابن كثير والخازن والطبرسي..
٢ انظر كتب تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والخازن.
٣ التاج ج ٢ص ١٧٩ والراجح أن في الحديث تعليما بأنه إذا كان في البيع خلابة أو خيابة أي غش وتغرير فهو غير ملزم.
٤ المصدر نفسه ص ١٨٥.
٥ المصدر نفسه ١٨٥.
٦ المصدر نفسه ١٧٩ـ ١٨٥.
٧ انظر تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والخازن وفيها بيان مذاهب أئمة الفقه في هذه المسائل.
٨ المصدر نفسه.
٩ التاج ج ٣ ص ٤.
١٠ التاج ج ٥ ص ٢٢.
١١ التاج ج ١ ص ٣٢٨ والمشقص: نصل أو حديدة عريضة.
١٢ هناك آيات أخرى من هذا الباب مثل آيتي النحل (٤١ و ٩٧) والنور (٥٤) مثلا.

﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ( ١ ) مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ٣٣ ﴾.
موالي :جمع مولى في معنى الوارث على قول الجمهور
تعليق على الآية
( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ... ) الخ
لم نطلع على رواية في مناسبة نزول هذه الآية. وقد يتبادر أنها استمرار للآيات السابقة، وأن الضمير المخاطب فيها راجع إلى المؤمنين الذين وجه إليهم الخطاب في تلك الآيات.
ولقد تعددت أقوال المفسرين في مفهوم الفقرة الأولى من الآية.
فهناك من قال :إن الفقرة تقرر أن الله قد جعل لكل ميت ورثة يرثون ما تركه وهم الآباء والأقربون والمتعاقدون. وهناك من قال :إن الله قد جعل لكل ما يتركه الآباء والأقربون والمتعاقدون وراثا. وكلمة ( لكل ) تجعل فيما يتبادر لنا المعنى الأول أوجه. وعلى هذا يكون تقدير الجملة ولكل ميت جعلنا ورثة مما ترك من آباء وأقربين ومتعاقدين.
كذلك تعددت أقوالهم١ في مدلول جملة ( والذين عقدت أيمانكم )، وهناك من قرأها عاقدت بدلا من عقدت. وقال بعضهم :إنها تعني الحليف حيث كان من العادات الجارية عند العرب قبل الإسلام أن يلتحق شخص بآخر باسم الولاء أو الحلف فيتعاقدا على تحمل كل منهما تبعة الآخر العصبية. فإذا مات أحدهما ورث الآخر سدس تركته. وقال بعضهم٢ :إنها تعني الأبناء بالتبني ؛ حيث كان التبني يتم بعقد وصيغة مماثلة لعقد الولاء والحلف. وقال بعضهم :إنها تعني ما تم في أول عهد الهجرة من المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار التي اعتبرت بمثابة عقد ولاء وحلف. وقال بعضهم :إنها تعني حق الأزواج في الإرث، على اعتبار أن الزوجية تمت بين الزوجين بالتعاقد فصار لكل منهما حق في إرث الآخر وتركته٣ وننبه على أن المفسرين الذين أوردوا هذه الأقوال عزوها إلى بعض أصحاب رسول الله وتابعيهم.
ويلحظ أن تقليد التبني قد ألغي في آيات سورة الأحزاب وألغيت نتائجه، ومنها التوارث على ما شرحناه في سياق تفسير هذه السورة. وتعيين حرمة حلائل الأبناء من الأصلاب فقط في الآية ( ٢٣ ) من سورة النساء قد يدل على أن هذا الإلغاء قد تم قبل نزول الآية التي نحن في صددها.
ورواية التوارث بين المتآخين من المهاجرين والأنصار ليست وثيقة على ما شرحناه في سياق تفسير آية الأنفال ( ٧٢ ) ومع ذلك فآية الأنفال ( ٧٥ ) ثم آية الأحزاب ( ٦ ) وكلتاهما نزلتا على ما نرجحه قبل الآية التي نحن في صددها قد أكدتا أولوية التوارث بين ذوي الأرحام. وهذا يجعل القول إن الجملة في صدد ذلك في غير محله أيضا، فضلا عن أنها لا يصح أن توصف بالوصف الذي جاء في الآية ( والذين عقدت أيمانكم ) ويبقى من الأقوال عقد الولاء أو الحلف وعقد الزوجية. وكل منهما وارد في دلالة الجملة. وقد أوردنا حديثا في ذيل سابق يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ألغى الحلف في الإسلام، ولكنه أقر ما كان منه قبل ذلك٤.
ونحن نرجح أن الجملة قد قصدت عقد الزوجية. فقد جعل الله الإرث في آيات المواريث للوالدين والأقربين وهم الأولاد والأخوة وللزوجين. فحيث ذكر الوالدان والأقربون، فيتعين أن تعني الجملة عقد الزوجية فيتسق ذلك مع آيات المواريث.
وبناء على هذا فإن الآية فيما يتبادر لنا ونرجو أن يكون صوابا، تقرر أن الله تعالى قد جعل لكل ميت ورثة يرثونه وهم والداه وأقاربه وزوجه. وأن لكل من هؤلاء حقا لا يصح لأحد منعه منه، وأن من الواجب إعطاءه إياه. فيكون في هذا توطيد لتشريع الإرث من جهة وتدعيم للآية السابقة لهذه الآية التي نهت المسلمين على أن يتمنوا ما فضل الله به بعضهم على بعض، والتي قررت في الوقت نفسه أن لكل من الرجال والنساء حقا فيما نالوا واكتسبوا.
ولقد قال بعض المفسرين٥ استنادا إلى أقوال مروية عن بعض الصحابة والتابعين :إن هذه الآية نسخت بآيات المواريث، ولسنا نرى القول في محله ؛ بناء على ما تقدم من شرحها من جهة ؛ ولأن كل ما فيها هو تقرير مبدأ حق الورثة بالإرث مطلقا من جهة أخرى.
١ انظر الكتب السابقة الذكر.
٢ مما رواه الخازن أنه كان يستعمل في التعاقد على الولاء والحلف والتبني هذه الصيغة يقولها كل من المتعاقدين للآخر ماسكا كل منهما بيد صاحبه (دمي دمك وهدمي هدمك وثأري ثأرك وحربي حربك وسلمي سلمك ترثني وأرثك وتطلب لي واطلب لك وتعقل عني وأعقل عنك) والجملة الأخيرة تعني أن يدفع الواحد منهما نصيبا من الديات التي تطلب من الآخر؛ لأن الديات تدفع من ذوي العصبية حينما تطلب من واحد منهم لأناس آخرين. وقد روى ابن كثير حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء فيه: (لا حلف في الإسلام وما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة؛ حيث يفيد أن النبي ألغى هذا التقليد مع إقرار ما كان من قبل..
٣ هذا القول معزو إلى أبي مسلم الأصفهاني على ما جاء في تفسير القاسمي. ومما قاله المفسر لتدعيم القول: إن النكاح يسمى عقدا اقتباسا من جملة (ولا تعزموا عقدة النكاح) في آية سورة البقرة (٢٣٥).
٤ إن الطبري أورد في سياق الآيات أحاديث عن أحلاف كانت قبل الإسلام تفيد أن الحلف المقصود هو حلف حربي تعقده عشائر أو قبائل عديدة للتناصر ضد عشائر وقبائل أخرى فيكون في هذا أيضا نفي لمدى الحلف والولاء في الآية والله تعالى أعلم..
٥ انظر ابن كثير والخازن والطبري.
﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ( ١ ) حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ( ٢ ) نُشُوزَهُنَّ( ٣ ) فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ( ٣٤ ) ﴾.
( ١ ) قانتات :مطيعات
( ٢ ) تخافون :هنا بمعنى تتوقعون أو تتيقنون من وقوعه
( ٣ ) نشوزهن :عصيانهن وتمردهن
تعليق على الآية
( الرجال قوامون على النساء ) الخ وتمحيص مسألة قوامة الرجل على النساء وحدودها وتأديب الزوجة ومداه.
الخطاب في الآية موجه إلى المسلمين. وقد تضمنت :
( ١ ) تقرير حق القوامة والإشراف للرجال على النساء، مع تعليل ذلك بأنه بسبب ما فضل الله به الرجال على النساء من مزايا خاصة، ثم بسبب ما ينفقونه من الأموال.
( ٢ ) تنويها بالمرأة الصالحة ووصفا لها. فهي المطيعة المسالمة الحافظة بما أمر الله حفظه من حقوق زوجها في غيبته.
( ٣ ) إشارة إلى المرأة التي لا تتصف بهذا الوصف. ويبدر منها بوادر العصيان والانحراف عن واجبها، وإيجاب عظتها وردعها بالكلام أولا، فإذا لم تتعظ وترتدع فبالهجر، فإذا لم يجد فبالضرب. وإيجاب توقف الرجل عن ذلك، حالما يبدو من زوجته طاعة وإذعان. وتقرير كون الله لم يجعل للرجل حق الاستمرار في الموقف الخشن من المرأة بدون حق وضرورة وهو العلي فوق الجميع، الكبير الذي يجب أن يطاع ويخشى.
ولقد روى المفسرون١ أن الآية نزلت في مناسبة لطم أحد الأنصار لزوجته فأخذها أبوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاكيا. فأمر النبي بالاقتصاص من الزوج، فلما انصرفا استرجعهما وقال :أتاني جبريل بهذه الآية، ولقد أردنا أمرا وأراد الله أمرا والذي أراد الله خير.
والرواية لم ترد في الصحاح، ولا نراها متسقة مع الآية وفحواها وهدفها.
والذي يتبادر لنا أن الآية غير منقطعة عن سابقاتها. فالسابقات احتوت تثبيت حقوق المرأة المالية والزوجية وتعظيم شأنها، ووصت بالاعتراف بها واحترامها، فجاءت هذه الآية لتستدرك ذكر ما للرجال من حق على النساء.
ويلحظ أن الآية مع جعلها الرجال قوامين على النساء وفي منحها لهم حق تأديب الناشزات منهن تظل كما هو ظاهر من فحواها وروحها في نطاق التلقين القرآني العام الذي يوجب على الرجال عدم اضطهاد النساء وإعناتهم ومخاشنتهم بدون مبرر مشروع معقول.
وجملة ( الرجال قوامون على النساء ) وإن كانت مطلقة فإن روح الآية التي وردت فيها ونصها معا يسوغان القول :إنها في صدد تقرير قوامة على الزوجة في الحياة الزوجية دون الشؤون الأخرى. والآية التي تأتي بعد هذه الآية من الأدلة الحاسمة على ذلك ؛ لأنها تذكر احتمال الشقاق بينهما. ( وكلمة ( بينهما ) لا يمكن أن تعني إلا الزوجين والحياة الزوجية بالتالي. ويؤيد هذا تقريرات القرآن لحق المرأة في تزويج نفسها وقبض مهرها والتصرف فيه وحقها في التصرف في نفسها بعد الطلاق وبعد وفاة زوجها في ما يدخل في يدها من مال من طريق الإرث وغيره وأهليتها في التصرف فيه هبة ووصية وإدانة، وحقها في الاستدانة.
وتملك العقار والمماليك والتصرف في كل ذلك مما سبق شرحه في سياق آيات سابقة. ويساق بعض الأحاديث الموهمة نقضا لما نقرره. منها حديث رواه الطبراني عن الأسقع ابن واثلة جاء فيه ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :ليس لامرأة أن تنتهك من مالها شيئا إلا بإذن زوجها إذا ملك عصمتها ) وقد قال الطبري :إن بين رواة هذا الحديث من لا يعرفهم مما يوجب التوقف فيه. ومنها حديث قد يكون أقوى سندا رواه أصحاب السنن جاء فيه ( سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي النساء خير قال :التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره ) ٢ وواضح أنه ليس في هذا الحديث منع الزوجة عن التصرف بمالها وممارسة أي نشاط مشروع آخر. بل فيه إقرار لحقها في ذلك. وكل ما فيه تحذير بأن لا يكون في ذلك عصيان لأمره أو ما يكرهه. وفرق كبير بين هذا النص والنص السابق. ومع ذلك فإن الزوجة إذا رأت أن تفعل ما تراه حقا مشروعا في مالها ونفسها وكرهه زوجها ورأت في موقفه تعسفا، وأدى ذلك إلى شقاق فيكون لها الرجوع إلى الحاكم لحل الأمر في نطاق الآية التالية على ما سوف نشرحه بعد. وهذا يكون للزوجة حتى في صحة الحديث الأول.
وإذا كان القرآن سكت عن حريتها في النشاط الاجتماعي والسياسي، فلا يعني ذلك أنها محرومة من حقها بذلك بدون قوامة الرجل أيضا بدليل أن القرآن خاطبها بكل ما خاطب الرجل ورتب عليها كل ما رتب على الرجل من إيمان وعمل وعلم وتدبر وتفكر وتذكر وجهاد وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر ودعوة إلى الخير وتواص بالحق والصبر وإنفاق في سبيل الله وهجرة في سبيله. وذكر مشاركتها في كل ذلك على ما أوردناه نصوصه في مناسبات سابقة وبخاصة في سياق تفسير آيات البقرة ( ٩ ١٤ ) وآل عمران ( ١٩٥ ) والأحزاب ( ٧٢ ٧٣ ) مما يدخل فيه ذلك النشاط وحقها فيه. وفي سورة التوبة آية تقرر واقع المؤمنات وممارستهن للشؤون العامة كالمؤمنين مما فيه تأييد لذلك أيضا، وهي ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ).
ومع ما قلناه من أن قوامة الرجال على النساء في الآية هي في صدد الحياة الزوجية، فإننا نقول أيضا :إن آيات عديدة مرت في هذه السورة وفي سورتي البقرة والروم يمكن أن يكون فيها قيود وضوابط لهذه القوامة ؛ حيث تأمر برعاية الزوجية وتنوه بعظمة شأن الرابطة الزوجية وكونها قائمة على المودة والرحمة، وتثبت للزوجة حقوقا على زوجها مثل الذي عليها مما يدخل فيه حسن المعاشرة والتحمل وعدم البغي عليها والطمع في مالها ومكايدتها ومضارتها والوفاء والأمانة والانسجام والتشاور في شؤون البيت والأسرة والتكريم والترفيه والمساعدة الخ. وما ذكرته آية البقرة من الدرجة للزوج على الزوجة هي هذه القوامة الزوجية التي جعلت له المزايا الطبيعية والاجتماعية التي امتاز بها وللأموال التي ينفقها، ومما كان ولا يزال ولن يزال متسقا مع طبائع الأمور، ومما ليس فيه ما يثقل على الطبيعة البشرية أو يتناقض معها مهما وصل الإنسان إليه من حضارة وثقافة.
ولقد قال بعض الأئمة والمفسرين :إن حق القوامة للزوج يزول إذا قصر أو امتنع عن النفقة، وهذا وجيه متفق مع ما يلهمه روح ونص الآية التي جعلت الإنفاق من أسباب منحه هذا الحق.
ولقد روى المفسرون :أن جملة ( وبما أنفقوا من أموالهم ) عنت ما دفعوه من مهور. ومنهم من قال :إنها المهور وما بعدها من نفقات الكساء والغذاء المستمرة، وهذا هو الأوجه. وهناك أحاديث نبوية وصحابية وتابعية في مدى العبارات الأخرى في الآية.
ففي صدد وصف ( فالصالحات ) روى الطبري حديثا بصراحة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالها، ثم قرأ الآية ) وهذا الحديث مقارب لما رواه أصحاب السنن وأوردناه قبل. وهناك حديث رواه مسلم والنسائي عن أبي هريرة قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :إن الدنيا كلها متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة ) ٣ وحديث رواه الشيخان عن أبي هريرة أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( خير نساء ركبن الإبل صالحو نساء قريش. أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده ) ٤ والأحاديث الرائعة في وصفها وتنويهها بالمرأة الصالحة، ثم في حثها المرأة المسلمة على الاتصاف بالصفات المحببة التي تجعلها كذلك. وفي صدد جملة ( حافظات للغيب بما حفظ الله ) روى الطبري وغيره أنها بمعنى ( حافظات لما استودعهن الله من حقه ولغيب أزواجهن ) أو ( حافظات لفروجهن ومال أزواجهن ) والأقوال سديدة متسقة مع روح الآية.
وفي صدد ( النشوز ) رووا أنه الامتناع عن الاستجابة لطلب الزوج الجنسي أو عدم إطاعته في ما أوجب الله عليها إطاعته فيه أو جنوح الزوجة إلى المعصية والتمرد وكراهية زوجها وأهله. وكل هذا سديد كذلك. مع التنبيه على أن الطبري نبه عزوا إلى عكرمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم على أن طاعة الزوجة لزوجها مشروطة بأن تكون في معروف. أي أن ما يأمرها به ويجب طاعتها له، وهو ما يكون فيه توافق مع كتاب الله وسنة رسوله ومكارم الأخلاق المتعارف أنها كذلك. وصحة ما يرويه الطبري عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم محتملة، وهو متسق مع التلقينات القرآنية والنبوية الوثيقة.
فالله حينما أمر النبي بأخذ البيعة من النساء كان من جملة ذلك ( ولا يعصينك في معروف ) على ما جاء في آية سورة الممتحنة ( ١٢ ) التي سوف يأتي شرحها في مناسبتها. ومن باب أولى أن يكون ذلك في صدد ما نحن فيه. بحيث يمكن أن يقال بجزم :إنه ليس للزوج في أي حال أن يسيء استعمال القوامة التي منحها الله له على زوجته. إذا ما أطاعته في ما هو حق ومعروف وغير معصية في ذات نفسها وفي نطاق الحياة الزوجية، وكانت وفية أمينة له حافظة لما له وسمعته وعرضه في الحضور والغياب. وفي هذا تلقين مزدوج ؛ حيث يكون من جهة ضابطا تنتظم به الصلات الزوجية، ومن جهة زاجرا لسيئ الأخلاق من الأزواج الذين يحاولون قهر زوجاتهم بالعنف والشتائم بدون داع ولا مبرر، وإذا تجاوز الزوج النطاق المشروع، فللزوجة أن لا تمتثل لأمره، فإذا أصر فيكون الأمر حالة شقاق، وللزوجة أن ترفع أمرها للقضاء لحلها وفاقا للآية ( ٣٤ ) على ما سوف يأتي شرحه بعد قليل.
وحق التأديب الذي منح للزوج على زوجته إنما يكون والحالة هذه في حالة نشوزها الموصوف مداه وعدم طاعتها في ما هو حق ومعروف وشذوذها في أخلاقها ومعاملتها له ولأهله بالسوء والأذى وعدم وفائها وأمانتها، ولا يمكن لعاقل منصف أن يرى فيه حيفا أو جنفا وهو متدرج بحيث تكون العظة والنصيحة أولا، فإذا استمر فالهجر في المضاجع الذي يقصد منه على ما عليه الجمهور الامتناع عن وطئها وتحويل وجهه عنها في الفراش الواحد إشعارا لها بعدم رضائه عنها. فإذا استمر النشوز جاز له ضربها. وإذا لاحظنا أن الضرب جاء كآخر وسيلة أولا، وأنه على سبيل الإباحة لا الإيجاب ثانيا، ولا يكون إلا بعد استنفاد وسيلتي العظة والنصح والهجران ثالثا. وبعبارة أخرى إلا في حالة التمرد الشديد والإصرار على النشوز والشذوذ وسوء الخلق والتصرف بدا لنا ما قد يبدو غريبا ليس هو كذلك في حقيقة الأمر، بل هو احتياط حكيم في شريعة مرشحة لكل ظرف وفئة من حيث إن ظروف الناس وحالاتهم لا تدخل تحت حصر. فقد يكون هناك ظروف وحالات خاصة من حيث الوقائع وطبقات الناس يكون الضرب فيها وسيلة لا بد منها، وليس من وسيلة غيرها للردع والتأديب أو وسيلة يتفادى بها كارثة الطلاق وغيرها من كوارث الزوجية مما هو جائز الوقوع وسائغ في العقول وممارس فعلا في كل ظرف ومكان.
وهناك مأثورات نبوية في صدد الضرب، إذا ما أتت الزوجة ما يستحق ؛ حيث جاء في خطبة حجة وداع ال
١ انظر الخازن وابن كثير والطبرسي والطبري والبغوي.
٢ التاج ج٢ ص ٢٥٨.
٣ التاج ج ٢ ص ٢٥٧.
٤ المصدر نفسه.
﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ( ١ ) شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ( ٣٥ ) ﴾
١ إن خفتم :بمعنى إن توقعتم أو غلب ظنكم
عبارة الآية واضحة ولم نطلع على رواية في مناسبة نزولها. والمتبادر أنها استمرار للآية السابقة التي احتوت تقرير قوامة الرجل على الزوجة ومعالجة حالة نشوز الزوجة ؛ حيث جاءت هذه معها أو بعدها تباعا لمعالجة حالة احتمال الشقاق بين الزوجين. فأمرت المسلمين المخاطبين بالمداخلة والنظر في الأمر من قبل حكم من جانب الزوج وأهله وحكم من جانب الزوجة وأهلها فيما ينبغي عمله في سبيل الإصلاح بينهما الذي قد يوفق الله إليه إن أراده الفريقان.
ويتبادر لنا أن الفقرة الأخيرة من الآية أسلوبية، وأن فيها معنى الحث على الإصلاح والتأميل في توفيق الله إليه مع عدم إغفال إرادة الزوجين مما هو متسق مع التقريرات القرآنية في أهلية المرء للإرادة والاختيار التي أودعها الله فيه.
تعليق على الآية
( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا... )الخ.
لقد تعددت الأقوال التي يوردها المفسرون١ لأنفسهم أو لأهل التأويل وأئمة الفقه في مدى الإجراءات التي تضمنتها الآية نوجزها ونعلق عليها بما يلي، مع التنبيه على أننا لم نطلع على أثر نبوي وثيق في ذلك، وأن الراجح أن الأقوال المساقة هي من قبيل الاجتهاد.
( ١ ) قال المفسرون :إن المخاطبين في الآية يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلمك أو أهل الزوجين أو ذوي الشأن والعلاقة من المسلمين. ونقول :إن من المحتمل أن يكون كل من الجهات الثلاث معا مخاطبة. فكل منها يصح أن تتدخل وتتوسط في الإصلاح بين الزوجين. ولما كانت صيغة الآية تشريعية مطلقة لتكون محل تطبيق وتنفيذ في كل ظرف فيكون ولي أمر المؤمنين أو نائبه يقوم مقام النبي صلى الله عليه وسلم بعده. ومع ذلك فإن من المتبادر أنه الأقوى هو أن الخطاب موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان المرجح فيما كان ينشب بين المسلمين من خلافات والقادر على التنفيذ المطاع فيه. وإذا صح هذا فيكون الخطاب بعد النبي موجها لولي أمر المؤمنين في الدرجة الأولى. وإن كان هذا لا يقلل من احتمال توجيه لذوي الشأن في أسرة الزوجين ومجتمعهما.
( ٢ ) هناك من قال :إن الزوجين المتشاقين هما اللذان يختاران حكميهما. فيخبر كل منهما حكمه المختار بما يطلب ويشكو. وهناك من قال :إن هذا شأن ذوي الشأن من الأسرة أو المجتمع أو السلطان على اختلاف تحمل مدى العبارة القرآنية ويكون للطرف المتضرر من موقف الآخر أن يرفع أمره وحسب. والآية تخاطب المخاطبين ببعث الحكمين وهذا يجعل الرجحان للقول الثاني. ويوجهه كون كل من الطرفين قد يختار حكما متعصبا له فيتعسر إيجاد الحل الوسط.
( ٣ ) هناك من قال :للحكمين أن يجدا الحلول المناسبة، ويلزما بها الطرفين عدا التفريق الذي لا يتم إلا بتفويض وموافقة الفريقين. وهناك من قال :إن الحكمين يرفعان ما يريانه من حلول إلى من عينهما. وأن هؤلاء هم الذين يلزمون الزوجين بما يرونه موافقا منها مع اختلاف فيما إذا كان هؤلاء أيضا يستطيعون أن يقرروا التفريق ويلزموا به الزوجين بدون موافقتهما أم لا بد من موافقتهما ؛ حيث قال فريق بحقهم في الإلزام بالتفريق. وقال آخر :إنه لابد من موافقة الزوجين على ذلك. وجميع هذه الأقوال واردة ووجيهة.
ومهما يكن من أمر هذه الاجتهادات فالذي يتبادر لنا صورة عامة ومبدئية أن الآية هدفت إلى إزالة الشقاق وتوطيد الوفاق بين الزوجين في حالة حدوث نزاع بينهما أو احتمال ذلك اتساقا مع هدف القرآن العام في تعظيم الرابطة الزوجية والإبقاء عليها ما استطيع إلى ذلك، وخاطبت ذوي الشأن في سبيل تحقيق ذلك.
والاختلاف في التفريق هو كما يبدو بسبب كون الآية هدفت إلى التوفيق والإصلاح وحسب. ويتبادر لنا أن التفريق يصح أن يرد في مجال الحلول استلهاما من المبدأ القرآني العام للحياة الزوجية الذي شرحناه في سياق آيات الطلاق في سورة البقرة، وهو الإمساك بالمعروف أو التسريح بالمعروف والإحسان وعدم الإمساك للضرر والعدوان. ويكون التفريق وفق الخطط القرآنية المشروحة في تلك الآيات أيضا، وهو الخلع والفداء أو الطلاق الرجعي والبائن أو البات.
هذا مع توكيد القول :إن الآية هدفت إلى إزالة الشقاق وتوطيد الوفاق، وإن على الحكمين أو من يتدخل بذل كل جهد في سبيل ذلك في الدرجة الأولى.
ومع صحته واحتمال أن يكون التدخل من ذوي الأسرة والشأن في المجتمع والسلطان، فالذي يتبادر لنا أن هذا متروك للظروف. فما أمكن حله بدون تدخل السلطان حل. وما كان يحتاج إلى سلطان رفع إليه. وإن كان رفع الأمر إلى السلطان يظل هو ضمن للحسم والتنفيذ.
وقد يصح القول بالإضافة إلى ما تقدم واستلهاما من فحوى الآية أن المخاطبين فيها مدعوون إلى التدخل للإصلاح والتوفيق إذا ما خيف من تسوية نزاع وشقاق بين الزوجين، ولو لم يرفع الزوجان أمرهما إليهم. والله تعالى أعلم.
ولم نقع على قول بما يجب إذا اختلف الحكمان والمتبادر أن للذي عينهما أن ينتدب مكانهما أو يمحص الأمر بوسائله الأخرى، أو يرجح رأي أحد الحكمين على الآخر أو يفرض الحل المناسب، وهذا ما يوحيه ما قلناه أن السلطان يظل هو الأضمن للحسم والتنفيذ والأكثر ورودا في الخطاب. والله تعالى أعلم.
حكمة تفصيل القرآن لشؤون الأسرة
هذا، وهذه الآية هي خاتمة فصل طويل في شؤون الأسرة المتنوعة، ومن المحتمل أن يكون بعض آياته نزلت متتابعة فوضعت في مكانها للمناسبة الظرفية والموضوعية. ومن المحتمل أن يكون بعض آياته الأخرى نزلت في غير ظرف نزول الباقي فوضعت في مكانها للمناسبة الموضوعية.
ويلحظ من هذا الفصل الطويل أن حكمة التنزيل قد أعارت هذه الشؤون عناية كبيرة، واقتضت نتيجة لذلك أن يحتوي القرآن بيانات وتشريعات كثيرة حولها.
وهذا يلحظ كذلك في الفصل الطويل الذي احتوته آيات سورة البقرة ( ٢٢٠ ٢٤١ ) والذي هو من هذا الباب لأنه متصل بالطلاق والعدة والمهر وحالة الزوجة التي يتوفى عنها زوجها وحالة الزوجة التي يطلقها زوجها قبل الدخول ومسألة الرضاع الخ.
وليس هذان الفصلان كل ما جاء في هذا الباب في القرآن. ففي سورة الأحزاب التي مر تفسيرها فصل منه، ومعظم سورة الطلاق من الباب نفسه، وفي سورة النور فصول عديدة منه أيضا.
والمتبادر أن من حكمة ذلك كون هذه الشؤون متصلة بحياة جميع الأفراد من آباء وأمهات وزوجات وأولاد، وبعبارة أخرى :أن لكل إنسان صلة بها بشكل من الأشكال واحتمال أن تكون مثار خلاف ونزاع وشقاق وبلبلة وضغائن بل وجرائم واردة باستمرار في كل ظرف ومكان، وكل هذا مما يؤدي إلى اضطراب أسروي واجتماعي واقتصادي ومعاشي وسلوكي، فإذا ما حددت وأوضحت انتفت أسباب ذلك وضمنت الطمأنينة والهدوء والتراضي للأسرة الإسلامية ثم للمجتمع الإسلامي. والله أعلم.
١ انظر تفسير الطبري والبغوي والخازن وابن كثير والطبرسي.
( ١ ) الجار ذي القربى :قيل إنه القريب رحما، وقيل إنه القريب دينا
( ٢ ) الجار الجنب :قيل إنه الأجنبي رحما، وقيل إنه الأجنبي دينا
( ٣ ) الصاحب بالجنب :الذي بينه وبين الآخر رفقة وصحبة. وبعضهم قال :إن الجملة تعني زوجة الرجل.
( ٤ ) ابن السبيل :الغريب
﴿ وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ به شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى( ١ ) وَالْجَارِ الْجُنُبِ( ٢ ) وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ ( ٣ ) وَابْنِ السَّبِيلِ ( ٤ ) وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا ( ٣٦ ) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ( ٥ ) واعتدنا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ( ٣٧ ) وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا ( ٣٨ ) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللّهُ وَكَانَ اللّهُ بِهِم عَلِيمًا ( ٣٩ ) إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ( ٤٠ ) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا ( ٤١ ) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ( ٦ ) وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا ( ٤٢ ) ﴾ [ ٣٦-٤٢ ]
تعليق على الآية
( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا )
والآيات الخمس التالية لها وما فيها من تلقينات
في صدد سلوك المسلم تجاه غير على اختلاف الفئات
الخطاب في الآيات موجه للمؤمنين السامعين كالآيات السابقة. وقد تضمنت :
( ١ ) أمرا لهم بعبادة الله وحده وعدم إشراك شيء بأي هدف وشكل وبحسن معاملة الوالدين والأقارب واليتامى والمساكين والجيران والأقارب والغرباء والأصحاب والمعارف وأبناء السبيل والأرقاء والبر بهم ومعاونتهم.
( ٢ ) وتشنيعا على المتكبرين المتفاخرين الذين لا يعاملون الناس بالبر والحسنى، ويبخلون بأموالهم في سبيل الخير ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ولا يكتفون بما في ذلك من إثم عليهم بل يأمرون غيرهم بمثل عملهم. وتشنيعا كذلك بالمرائين الذين إذا أنفقوا شيئا أنفقوه مراءاة للناس وطلبا للثناء وتفاخرا لا عن إيمان بالله ورغبة في رضائه ولا عن إيمان باليوم الآخر ورغبة في تقديم العمل الصالح بين أيديهم. وهؤلاء وأولئك هم قرناء الشيطان، ومن كان الشيطان قرينه فقد ساء قرينه وتعس وشقي.
( ٣ ) وتنديدا بهؤلاء بأسلوب السؤال التعجبي عما دهاهم حتى جعلهم ينحرفون هذا الانحراف، في حين أن العقل والمنطق يقضيان بالبداهة أن يؤمنوا بالله واليوم الآخر وينفقوا مما رزقهم الله، وهم يعترفون بوجوده أنه عليم بجميع أحوالهم وأعمالهم.
( ٤ ) وتقريرا بأن الله لا يظلم أحدا ولا يبخس حق أحد وعمله ولو كان مثقال ذرة واحدة. وإذا كان هذا العمل خيرا ضاعفه وآتاه عليه أجرا عظيما.
( ٥ ) وسؤالا موجها للنبي صلى الله عليه وسلم فيه تنديد وإنذارا لهم عما يكون حالهم حينما يجمع الله الناس، ويأتي بشهيد من كل أمة عليها ويأتي به شهيدا عليهم.
( ٦ ) وجوابا عما يكون حال الذين كفروا وعصوا الرسول ؛ حيث يتولاهم الندم والحسرة ويتمنون لو انشقت الأرض وبلعتهم حتى لا يقفوا أمام الله هذا الموقف العصيب، أو حتى لا يضطروا إلى كتمان حقيقة ما كانوا عليه في الدنيا وإنكار شركهم بسبيل الدفاع عن أنفسهم.
ولم نطلع على مناسبة في نزول الآيات. ويتبادر لنا أنها غير منقطعة عن الآيات السابقة ولو من قبيل الصلة التعقيبية أو الاستطرادية. فالآيات السابقة احتوت بيان حقوق والواجبات بين الأزواج والرجال والنساء فاقتضت حكمة التنزيل بوحي هذه الآيات تعقيبا أو استطرادا لتنبيه المسلمين على ما يجب عليهم من حسن المعاملة والبر نحو جميع الطبقات عامة من آباء وأقارب وأباعد وجيران وأصحاب وغرباء ومساكين وأيتام وأرقاء، وللتشنيع على من يقصر في ذلك ويتعاظم ويختال على الناس اغترارا بماله وجاهه ومركزه ؛ ليتم الاتساق بين التلقينات الخاصة بالأسرة وبغير الأسرة معا.
وأسلوب الآيات قوي نافذ وبعض ما احتوته من أوامر ونواه ورد في سور مكية ومدنية سبق تفسيرها. غير أنها جاءت هنا مجموعة بحيث يصح وصفها بأنها من جوامع الآيات في بابها. وقد انطوت على تلقينات جليلة فياضة بواجب الإحسان والبر بالناس على اختلاف طبقاتهم وجعلت للطبقات الضعيفة والمحتاجة خاصة نصيبا واضحا في ذلك وبتقبيح إهمال هذا الواجب والتقصير فيه والتكبر على الناس وأذيتهم وحرمان المحتاجين والتحريض على ذلك وإنكار فضل الله ورزقه بسبيل ذلك وبكون القيام بهذا الواجب لا يؤدي على وجهه الصحيح إلا بالإخلاص فيه والصدور فيه عن إيمان بالله واليوم الآخر، وعن رغبة صادقة في أدائه كواجب أوجبه الله عليه ابتغاء مرضاته مجردا عن مراءاة الناس وقصد اكتساب ثنائهم أو نيل جزائهم، وكل هذا متسق مع وصايا على ما شرحناه في مناسبات عديدة سابقة.
ولقد أثرت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في صدد ما احتوته هذه الآيات فيها الأمر وفيها النهي. ومنها ما ورد في الكتب الخمسة ومنها ما أخرجه الإمام أحمد أو روى من طرق أخرى. منها في صدد حق الجار عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) ١ وعنها قالت ( يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي ؟ قال إلى أقربهما منك بابا ) ٢. ٣ وحديث آخر جاء فيه ( لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ) ٣ وحديث رابع أخرجه الإمام أحمد جاء فيه ( لا يشبع الرجل دون جاره ) ٤ وحديث خامس جاء فيه ( لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بحليلة جاره، ولأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره ) ٥ وحديث سادس جاء فيه ( الجيران ثلاثة :جار له حق واحد وجار له حقان وجار له ثلاثة حقوق. فالأول جار مشرك فله حق الجوار، والثاني جار مسلم فله حق الإسلام والجوار، والثالث جار مسلم ذو رحم، فله حق الجوار والإسلام والرحم ) ٦ وحديث سابع :جاء فيه ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ) ٧ ومنها في صدد حق الجار والصاحب معا حديث جاء فيه ( خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره ) ٨ ومنها في صدد الأقارب وذوي الرحم حديث عن أبي هريرة جاء فيه ( من سره أن يبسط الله في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه ) ٩ وحديث عنه أيضا ( إن رجلا قال يا رسول الله :إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عنهم ويجهلون علي فقال :لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك ) ١٠.
ومنها في حق الخدم والمماليك حديث رواه عبادة ابن الصامت جاء فيه ( سمع رسول الله يقول :أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ) ١١ وثان عن أبي مسعود قال ( كنت أضرب غلاما لي فسمعت صوتا من خلفي يقول :اعلم أبا مسعود مرتين أن الله أقدر عليك منك عليه، فالتفت فإذا هو النبي فقلت :يا رسول الله هو حر لوجه الله قال :أما لو لم تفعل للفحتك النار ) ١٢ وثالث :عن أبي هريرة عن النبي قال ( من قذف مملوكه وهو بريء مما قال جلد له يوم القيامة حدا ) ١٣ ورابع عن ابن عمر جاء فيه ( جاء رجل إلى النبي فقال :يا رسول الله كم نعفو عن الخادم ؟ فصمت فأعاد الكلام فصمت، فلما كان في الثالثة قال :في كل يوم سبعين مرة ) ١٤ وخامس عن أبي ذر جاء فيه ( قال رسول الله :من لاءمكم من مملوككم فأطعموه مما تأكلون واكسوه مما تكتسون، ومن لم يلائمكم منهم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله ) ١٥ وسادس عن رافع جاء فيه ( أن النبي قال :حسن الملكة يمن وسوء الخلق شؤم ) ١٦ وسابع عن جابر جاء فيه ( ثلاث من كن فيه ستر الله عليه كنفه وأدخله الجنة :رفق بالضعيف وشفقة على الوالدين وإحسان إلى المملوك ) ١٧ وثامن عن عبد الله بن عمر قال :قال رسول الله ( كفى المرء إثما أن يحبس عمن يملك قوتهم ) ١٨ وتاسع عن أبي ذر جاء فيه ( خولكم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم، وإن كلفتموهم فأعينوهم ) ١٩ وعاشر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوصي أمته في مرض الموت فيقول ( الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم، ويردد ذلك حتى ما يفيض بها لسانه ) ٢٠. وحادي عشر عن أبي هريرة قال قال رسول الله ( للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق ) ٢١.
ومنها في صدد الخيلاء حديث رواه مسلم والترمذي جاء فيه ( لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء ) ٢٢ وحديث ثان رواه الترمذي جاء فيه ( لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين ) ٢٣ وحديث ثالث رواه الترمذي جاء فيه ( يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان ) ٢٤ وفي صدد البخل والشح حديث عن أبي بكر رواه الترمذي جاء فيه ( لا يدخل الجنة خب ولا منان ولا بخيل ) ٢٥ وحديث عن أبي سعيد رواه الترمذي كذلك جاء فيه ( خصلتان لا تجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق ) ٢٦ وفي صدد الإنفاق مرآة للناس روى مسلم والترمذي والنسائي حديثا عن أبي هريرة ( في من يقضي عليهم أول ما يقضي يوم القيامة :رجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، فقال :ما عملت فيها ؟ قال :ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها المال إلا أنفقت فيها لك. قال :كذبت، ولكنك فعلت ليقال :هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار ) ٢٧ وروى البغوي بطرقه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله قال :الرياء ) ٢٨.
ونختم هذه السلسلة بحديث جامع لما يجب على المسلم تجاه أخيه رواه الأربعة عن أبي هريرة جاء فيه ( لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم. لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى هاهنا. ويشير إلى صدره ويكررها ثلاث مرات. بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ) ٢٩.
وهكذا تتسق التلقينات النبوية بهذه السعة مع التلقينات القرآنية في هذا الموضوع المهم في صلات الناس ومعاملاتهم وسلوكهم مع بعضهم على اختلاف فئاتهم وبقطع النظر عن أي اعتبار طبقي أو مالي، بل أو ديني كما هو الشأن في كل موضوع آخر.
هذا، ولقد روى عن عبد الله قال ( قال لي النبي صلى الله عليه وسلم :اقرأ علي. قلت :أقرأ عليك وعليك نزل. قال فإني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) قال :أمسك فإذا عيناه تذرفان ) ٣٠ حيث ينطوي في الحديث صورة رائعة لعمق شعور النبي صلى الله عليه وسلم بخطورة مهمته العظمى ومسؤوليتها.
وقد يكون في هذا قرينة على أن سورة النساء كانت قد ألفت في حياة النبي صلى ا
( ٥ ) من المؤولين من قال :إن هذه الآية عنت اليهود الذين وصفوا بمثل ذلك في آيات أخرى.
ومن قال :إنها عنت من يبخل بعلمه ويكتمه من العلماء مطلقا، ومن قال :إنها على المعنى الظاهر، وهو الشح بالمال وكتمانه وأمر الناس بذلك، والقول الأخير هو الأوجه بقرينة في الآية التالية.
﴿ وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ به شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى( ١ ) وَالْجَارِ الْجُنُبِ( ٢ ) وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ ( ٣ ) وَابْنِ السَّبِيلِ ( ٤ ) وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا ( ٣٦ ) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ( ٥ ) واعتدنا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ( ٣٧ ) وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا ( ٣٨ ) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللّهُ وَكَانَ اللّهُ بِهِم عَلِيمًا ( ٣٩ ) إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ( ٤٠ ) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا ( ٤١ ) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ( ٦ ) وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا ( ٤٢ ) ﴾ [ ٣٦-٤٢ ]
تعليق على الآية
( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا )
والآيات الخمس التالية لها وما فيها من تلقينات
في صدد سلوك المسلم تجاه غير على اختلاف الفئات
الخطاب في الآيات موجه للمؤمنين السامعين كالآيات السابقة. وقد تضمنت :
( ١ ) أمرا لهم بعبادة الله وحده وعدم إشراك شيء بأي هدف وشكل وبحسن معاملة الوالدين والأقارب واليتامى والمساكين والجيران والأقارب والغرباء والأصحاب والمعارف وأبناء السبيل والأرقاء والبر بهم ومعاونتهم.
( ٢ ) وتشنيعا على المتكبرين المتفاخرين الذين لا يعاملون الناس بالبر والحسنى، ويبخلون بأموالهم في سبيل الخير ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ولا يكتفون بما في ذلك من إثم عليهم بل يأمرون غيرهم بمثل عملهم. وتشنيعا كذلك بالمرائين الذين إذا أنفقوا شيئا أنفقوه مراءاة للناس وطلبا للثناء وتفاخرا لا عن إيمان بالله ورغبة في رضائه ولا عن إيمان باليوم الآخر ورغبة في تقديم العمل الصالح بين أيديهم. وهؤلاء وأولئك هم قرناء الشيطان، ومن كان الشيطان قرينه فقد ساء قرينه وتعس وشقي.
( ٣ ) وتنديدا بهؤلاء بأسلوب السؤال التعجبي عما دهاهم حتى جعلهم ينحرفون هذا الانحراف، في حين أن العقل والمنطق يقضيان بالبداهة أن يؤمنوا بالله واليوم الآخر وينفقوا مما رزقهم الله، وهم يعترفون بوجوده أنه عليم بجميع أحوالهم وأعمالهم.
( ٤ ) وتقريرا بأن الله لا يظلم أحدا ولا يبخس حق أحد وعمله ولو كان مثقال ذرة واحدة. وإذا كان هذا العمل خيرا ضاعفه وآتاه عليه أجرا عظيما.
( ٥ ) وسؤالا موجها للنبي صلى الله عليه وسلم فيه تنديد وإنذارا لهم عما يكون حالهم حينما يجمع الله الناس، ويأتي بشهيد من كل أمة عليها ويأتي به شهيدا عليهم.
( ٦ ) وجوابا عما يكون حال الذين كفروا وعصوا الرسول ؛ حيث يتولاهم الندم والحسرة ويتمنون لو انشقت الأرض وبلعتهم حتى لا يقفوا أمام الله هذا الموقف العصيب، أو حتى لا يضطروا إلى كتمان حقيقة ما كانوا عليه في الدنيا وإنكار شركهم بسبيل الدفاع عن أنفسهم.
ولم نطلع على مناسبة في نزول الآيات. ويتبادر لنا أنها غير منقطعة عن الآيات السابقة ولو من قبيل الصلة التعقيبية أو الاستطرادية. فالآيات السابقة احتوت بيان حقوق والواجبات بين الأزواج والرجال والنساء فاقتضت حكمة التنزيل بوحي هذه الآيات تعقيبا أو استطرادا لتنبيه المسلمين على ما يجب عليهم من حسن المعاملة والبر نحو جميع الطبقات عامة من آباء وأقارب وأباعد وجيران وأصحاب وغرباء ومساكين وأيتام وأرقاء، وللتشنيع على من يقصر في ذلك ويتعاظم ويختال على الناس اغترارا بماله وجاهه ومركزه ؛ ليتم الاتساق بين التلقينات الخاصة بالأسرة وبغير الأسرة معا.
وأسلوب الآيات قوي نافذ وبعض ما احتوته من أوامر ونواه ورد في سور مكية ومدنية سبق تفسيرها. غير أنها جاءت هنا مجموعة بحيث يصح وصفها بأنها من جوامع الآيات في بابها. وقد انطوت على تلقينات جليلة فياضة بواجب الإحسان والبر بالناس على اختلاف طبقاتهم وجعلت للطبقات الضعيفة والمحتاجة خاصة نصيبا واضحا في ذلك وبتقبيح إهمال هذا الواجب والتقصير فيه والتكبر على الناس وأذيتهم وحرمان المحتاجين والتحريض على ذلك وإنكار فضل الله ورزقه بسبيل ذلك وبكون القيام بهذا الواجب لا يؤدي على وجهه الصحيح إلا بالإخلاص فيه والصدور فيه عن إيمان بالله واليوم الآخر، وعن رغبة صادقة في أدائه كواجب أوجبه الله عليه ابتغاء مرضاته مجردا عن مراءاة الناس وقصد اكتساب ثنائهم أو نيل جزائهم، وكل هذا متسق مع وصايا على ما شرحناه في مناسبات عديدة سابقة.
ولقد أثرت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في صدد ما احتوته هذه الآيات فيها الأمر وفيها النهي. ومنها ما ورد في الكتب الخمسة ومنها ما أخرجه الإمام أحمد أو روى من طرق أخرى. منها في صدد حق الجار عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) ١ وعنها قالت ( يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي ؟ قال إلى أقربهما منك بابا ) ٢. ٣ وحديث آخر جاء فيه ( لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ) ٣ وحديث رابع أخرجه الإمام أحمد جاء فيه ( لا يشبع الرجل دون جاره ) ٤ وحديث خامس جاء فيه ( لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بحليلة جاره، ولأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره ) ٥ وحديث سادس جاء فيه ( الجيران ثلاثة :جار له حق واحد وجار له حقان وجار له ثلاثة حقوق. فالأول جار مشرك فله حق الجوار، والثاني جار مسلم فله حق الإسلام والجوار، والثالث جار مسلم ذو رحم، فله حق الجوار والإسلام والرحم ) ٦ وحديث سابع :جاء فيه ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ) ٧ ومنها في صدد حق الجار والصاحب معا حديث جاء فيه ( خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره ) ٨ ومنها في صدد الأقارب وذوي الرحم حديث عن أبي هريرة جاء فيه ( من سره أن يبسط الله في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه ) ٩ وحديث عنه أيضا ( إن رجلا قال يا رسول الله :إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عنهم ويجهلون علي فقال :لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك ) ١٠.
ومنها في حق الخدم والمماليك حديث رواه عبادة ابن الصامت جاء فيه ( سمع رسول الله يقول :أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ) ١١ وثان عن أبي مسعود قال ( كنت أضرب غلاما لي فسمعت صوتا من خلفي يقول :اعلم أبا مسعود مرتين أن الله أقدر عليك منك عليه، فالتفت فإذا هو النبي فقلت :يا رسول الله هو حر لوجه الله قال :أما لو لم تفعل للفحتك النار ) ١٢ وثالث :عن أبي هريرة عن النبي قال ( من قذف مملوكه وهو بريء مما قال جلد له يوم القيامة حدا ) ١٣ ورابع عن ابن عمر جاء فيه ( جاء رجل إلى النبي فقال :يا رسول الله كم نعفو عن الخادم ؟ فصمت فأعاد الكلام فصمت، فلما كان في الثالثة قال :في كل يوم سبعين مرة ) ١٤ وخامس عن أبي ذر جاء فيه ( قال رسول الله :من لاءمكم من مملوككم فأطعموه مما تأكلون واكسوه مما تكتسون، ومن لم يلائمكم منهم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله ) ١٥ وسادس عن رافع جاء فيه ( أن النبي قال :حسن الملكة يمن وسوء الخلق شؤم ) ١٦ وسابع عن جابر جاء فيه ( ثلاث من كن فيه ستر الله عليه كنفه وأدخله الجنة :رفق بالضعيف وشفقة على الوالدين وإحسان إلى المملوك ) ١٧ وثامن عن عبد الله بن عمر قال :قال رسول الله ( كفى المرء إثما أن يحبس عمن يملك قوتهم ) ١٨ وتاسع عن أبي ذر جاء فيه ( خولكم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم، وإن كلفتموهم فأعينوهم ) ١٩ وعاشر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوصي أمته في مرض الموت فيقول ( الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم، ويردد ذلك حتى ما يفيض بها لسانه ) ٢٠. وحادي عشر عن أبي هريرة قال قال رسول الله ( للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق ) ٢١.
ومنها في صدد الخيلاء حديث رواه مسلم والترمذي جاء فيه ( لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء ) ٢٢ وحديث ثان رواه الترمذي جاء فيه ( لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين ) ٢٣ وحديث ثالث رواه الترمذي جاء فيه ( يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان ) ٢٤ وفي صدد البخل والشح حديث عن أبي بكر رواه الترمذي جاء فيه ( لا يدخل الجنة خب ولا منان ولا بخيل ) ٢٥ وحديث عن أبي سعيد رواه الترمذي كذلك جاء فيه ( خصلتان لا تجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق ) ٢٦ وفي صدد الإنفاق مرآة للناس روى مسلم والترمذي والنسائي حديثا عن أبي هريرة ( في من يقضي عليهم أول ما يقضي يوم القيامة :رجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، فقال :ما عملت فيها ؟ قال :ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها المال إلا أنفقت فيها لك. قال :كذبت، ولكنك فعلت ليقال :هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار ) ٢٧ وروى البغوي بطرقه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله قال :الرياء ) ٢٨.
ونختم هذه السلسلة بحديث جامع لما يجب على المسلم تجاه أخيه رواه الأربعة عن أبي هريرة جاء فيه ( لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم. لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى هاهنا. ويشير إلى صدره ويكررها ثلاث مرات. بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ) ٢٩.
وهكذا تتسق التلقينات النبوية بهذه السعة مع التلقينات القرآنية في هذا الموضوع المهم في صلات الناس ومعاملاتهم وسلوكهم مع بعضهم على اختلاف فئاتهم وبقطع النظر عن أي اعتبار طبقي أو مالي، بل أو ديني كما هو الشأن في كل موضوع آخر.
هذا، ولقد روى عن عبد الله قال ( قال لي النبي صلى الله عليه وسلم :اقرأ علي. قلت :أقرأ عليك وعليك نزل. قال فإني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) قال :أمسك فإذا عيناه تذرفان ) ٣٠ حيث ينطوي في الحديث صورة رائعة لعمق شعور النبي صلى الله عليه وسلم بخطورة مهمته العظمى ومسؤوليتها.
وقد يكون في هذا قرينة على أن سورة النساء كانت قد ألفت في حياة النبي صلى ا
﴿ وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ به شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى( ١ ) وَالْجَارِ الْجُنُبِ( ٢ ) وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ ( ٣ ) وَابْنِ السَّبِيلِ ( ٤ ) وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا ( ٣٦ ) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ( ٥ ) واعتدنا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ( ٣٧ ) وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا ( ٣٨ ) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللّهُ وَكَانَ اللّهُ بِهِم عَلِيمًا ( ٣٩ ) إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ( ٤٠ ) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا ( ٤١ ) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ( ٦ ) وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا ( ٤٢ ) ﴾ [ ٣٦-٤٢ ]
تعليق على الآية
( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا )
والآيات الخمس التالية لها وما فيها من تلقينات
في صدد سلوك المسلم تجاه غير على اختلاف الفئات
الخطاب في الآيات موجه للمؤمنين السامعين كالآيات السابقة. وقد تضمنت :
( ١ ) أمرا لهم بعبادة الله وحده وعدم إشراك شيء بأي هدف وشكل وبحسن معاملة الوالدين والأقارب واليتامى والمساكين والجيران والأقارب والغرباء والأصحاب والمعارف وأبناء السبيل والأرقاء والبر بهم ومعاونتهم.
( ٢ ) وتشنيعا على المتكبرين المتفاخرين الذين لا يعاملون الناس بالبر والحسنى، ويبخلون بأموالهم في سبيل الخير ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ولا يكتفون بما في ذلك من إثم عليهم بل يأمرون غيرهم بمثل عملهم. وتشنيعا كذلك بالمرائين الذين إذا أنفقوا شيئا أنفقوه مراءاة للناس وطلبا للثناء وتفاخرا لا عن إيمان بالله ورغبة في رضائه ولا عن إيمان باليوم الآخر ورغبة في تقديم العمل الصالح بين أيديهم. وهؤلاء وأولئك هم قرناء الشيطان، ومن كان الشيطان قرينه فقد ساء قرينه وتعس وشقي.
( ٣ ) وتنديدا بهؤلاء بأسلوب السؤال التعجبي عما دهاهم حتى جعلهم ينحرفون هذا الانحراف، في حين أن العقل والمنطق يقضيان بالبداهة أن يؤمنوا بالله واليوم الآخر وينفقوا مما رزقهم الله، وهم يعترفون بوجوده أنه عليم بجميع أحوالهم وأعمالهم.
( ٤ ) وتقريرا بأن الله لا يظلم أحدا ولا يبخس حق أحد وعمله ولو كان مثقال ذرة واحدة. وإذا كان هذا العمل خيرا ضاعفه وآتاه عليه أجرا عظيما.
( ٥ ) وسؤالا موجها للنبي صلى الله عليه وسلم فيه تنديد وإنذارا لهم عما يكون حالهم حينما يجمع الله الناس، ويأتي بشهيد من كل أمة عليها ويأتي به شهيدا عليهم.
( ٦ ) وجوابا عما يكون حال الذين كفروا وعصوا الرسول ؛ حيث يتولاهم الندم والحسرة ويتمنون لو انشقت الأرض وبلعتهم حتى لا يقفوا أمام الله هذا الموقف العصيب، أو حتى لا يضطروا إلى كتمان حقيقة ما كانوا عليه في الدنيا وإنكار شركهم بسبيل الدفاع عن أنفسهم.
ولم نطلع على مناسبة في نزول الآيات. ويتبادر لنا أنها غير منقطعة عن الآيات السابقة ولو من قبيل الصلة التعقيبية أو الاستطرادية. فالآيات السابقة احتوت بيان حقوق والواجبات بين الأزواج والرجال والنساء فاقتضت حكمة التنزيل بوحي هذه الآيات تعقيبا أو استطرادا لتنبيه المسلمين على ما يجب عليهم من حسن المعاملة والبر نحو جميع الطبقات عامة من آباء وأقارب وأباعد وجيران وأصحاب وغرباء ومساكين وأيتام وأرقاء، وللتشنيع على من يقصر في ذلك ويتعاظم ويختال على الناس اغترارا بماله وجاهه ومركزه ؛ ليتم الاتساق بين التلقينات الخاصة بالأسرة وبغير الأسرة معا.
وأسلوب الآيات قوي نافذ وبعض ما احتوته من أوامر ونواه ورد في سور مكية ومدنية سبق تفسيرها. غير أنها جاءت هنا مجموعة بحيث يصح وصفها بأنها من جوامع الآيات في بابها. وقد انطوت على تلقينات جليلة فياضة بواجب الإحسان والبر بالناس على اختلاف طبقاتهم وجعلت للطبقات الضعيفة والمحتاجة خاصة نصيبا واضحا في ذلك وبتقبيح إهمال هذا الواجب والتقصير فيه والتكبر على الناس وأذيتهم وحرمان المحتاجين والتحريض على ذلك وإنكار فضل الله ورزقه بسبيل ذلك وبكون القيام بهذا الواجب لا يؤدي على وجهه الصحيح إلا بالإخلاص فيه والصدور فيه عن إيمان بالله واليوم الآخر، وعن رغبة صادقة في أدائه كواجب أوجبه الله عليه ابتغاء مرضاته مجردا عن مراءاة الناس وقصد اكتساب ثنائهم أو نيل جزائهم، وكل هذا متسق مع وصايا على ما شرحناه في مناسبات عديدة سابقة.
ولقد أثرت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في صدد ما احتوته هذه الآيات فيها الأمر وفيها النهي. ومنها ما ورد في الكتب الخمسة ومنها ما أخرجه الإمام أحمد أو روى من طرق أخرى. منها في صدد حق الجار عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) ١ وعنها قالت ( يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي ؟ قال إلى أقربهما منك بابا ) ٢. ٣ وحديث آخر جاء فيه ( لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ) ٣ وحديث رابع أخرجه الإمام أحمد جاء فيه ( لا يشبع الرجل دون جاره ) ٤ وحديث خامس جاء فيه ( لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بحليلة جاره، ولأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره ) ٥ وحديث سادس جاء فيه ( الجيران ثلاثة :جار له حق واحد وجار له حقان وجار له ثلاثة حقوق. فالأول جار مشرك فله حق الجوار، والثاني جار مسلم فله حق الإسلام والجوار، والثالث جار مسلم ذو رحم، فله حق الجوار والإسلام والرحم ) ٦ وحديث سابع :جاء فيه ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ) ٧ ومنها في صدد حق الجار والصاحب معا حديث جاء فيه ( خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره ) ٨ ومنها في صدد الأقارب وذوي الرحم حديث عن أبي هريرة جاء فيه ( من سره أن يبسط الله في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه ) ٩ وحديث عنه أيضا ( إن رجلا قال يا رسول الله :إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عنهم ويجهلون علي فقال :لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك ) ١٠.
ومنها في حق الخدم والمماليك حديث رواه عبادة ابن الصامت جاء فيه ( سمع رسول الله يقول :أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ) ١١ وثان عن أبي مسعود قال ( كنت أضرب غلاما لي فسمعت صوتا من خلفي يقول :اعلم أبا مسعود مرتين أن الله أقدر عليك منك عليه، فالتفت فإذا هو النبي فقلت :يا رسول الله هو حر لوجه الله قال :أما لو لم تفعل للفحتك النار ) ١٢ وثالث :عن أبي هريرة عن النبي قال ( من قذف مملوكه وهو بريء مما قال جلد له يوم القيامة حدا ) ١٣ ورابع عن ابن عمر جاء فيه ( جاء رجل إلى النبي فقال :يا رسول الله كم نعفو عن الخادم ؟ فصمت فأعاد الكلام فصمت، فلما كان في الثالثة قال :في كل يوم سبعين مرة ) ١٤ وخامس عن أبي ذر جاء فيه ( قال رسول الله :من لاءمكم من مملوككم فأطعموه مما تأكلون واكسوه مما تكتسون، ومن لم يلائمكم منهم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله ) ١٥ وسادس عن رافع جاء فيه ( أن النبي قال :حسن الملكة يمن وسوء الخلق شؤم ) ١٦ وسابع عن جابر جاء فيه ( ثلاث من كن فيه ستر الله عليه كنفه وأدخله الجنة :رفق بالضعيف وشفقة على الوالدين وإحسان إلى المملوك ) ١٧ وثامن عن عبد الله بن عمر قال :قال رسول الله ( كفى المرء إثما أن يحبس عمن يملك قوتهم ) ١٨ وتاسع عن أبي ذر جاء فيه ( خولكم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم، وإن كلفتموهم فأعينوهم ) ١٩ وعاشر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوصي أمته في مرض الموت فيقول ( الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم، ويردد ذلك حتى ما يفيض بها لسانه ) ٢٠. وحادي عشر عن أبي هريرة قال قال رسول الله ( للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق ) ٢١.
ومنها في صدد الخيلاء حديث رواه مسلم والترمذي جاء فيه ( لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء ) ٢٢ وحديث ثان رواه الترمذي جاء فيه ( لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين ) ٢٣ وحديث ثالث رواه الترمذي جاء فيه ( يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان ) ٢٤ وفي صدد البخل والشح حديث عن أبي بكر رواه الترمذي جاء فيه ( لا يدخل الجنة خب ولا منان ولا بخيل ) ٢٥ وحديث عن أبي سعيد رواه الترمذي كذلك جاء فيه ( خصلتان لا تجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق ) ٢٦ وفي صدد الإنفاق مرآة للناس روى مسلم والترمذي والنسائي حديثا عن أبي هريرة ( في من يقضي عليهم أول ما يقضي يوم القيامة :رجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، فقال :ما عملت فيها ؟ قال :ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها المال إلا أنفقت فيها لك. قال :كذبت، ولكنك فعلت ليقال :هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار ) ٢٧ وروى البغوي بطرقه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله قال :الرياء ) ٢٨.
ونختم هذه السلسلة بحديث جامع لما يجب على المسلم تجاه أخيه رواه الأربعة عن أبي هريرة جاء فيه ( لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم. لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى هاهنا. ويشير إلى صدره ويكررها ثلاث مرات. بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ) ٢٩.
وهكذا تتسق التلقينات النبوية بهذه السعة مع التلقينات القرآنية في هذا الموضوع المهم في صلات الناس ومعاملاتهم وسلوكهم مع بعضهم على اختلاف فئاتهم وبقطع النظر عن أي اعتبار طبقي أو مالي، بل أو ديني كما هو الشأن في كل موضوع آخر.
هذا، ولقد روى عن عبد الله قال ( قال لي النبي صلى الله عليه وسلم :اقرأ علي. قلت :أقرأ عليك وعليك نزل. قال فإني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) قال :أمسك فإذا عيناه تذرفان ) ٣٠ حيث ينطوي في الحديث صورة رائعة لعمق شعور النبي صلى الله عليه وسلم بخطورة مهمته العظمى ومسؤوليتها.
وقد يكون في هذا قرينة على أن سورة النساء كانت قد ألفت في حياة النبي صلى ا
﴿ وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ به شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى( ١ ) وَالْجَارِ الْجُنُبِ( ٢ ) وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ ( ٣ ) وَابْنِ السَّبِيلِ ( ٤ ) وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا ( ٣٦ ) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ( ٥ ) واعتدنا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ( ٣٧ ) وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا ( ٣٨ ) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللّهُ وَكَانَ اللّهُ بِهِم عَلِيمًا ( ٣٩ ) إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ( ٤٠ ) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا ( ٤١ ) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ( ٦ ) وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا ( ٤٢ ) ﴾ [ ٣٦-٤٢ ]
تعليق على الآية
( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا )
والآيات الخمس التالية لها وما فيها من تلقينات
في صدد سلوك المسلم تجاه غير على اختلاف الفئات
الخطاب في الآيات موجه للمؤمنين السامعين كالآيات السابقة. وقد تضمنت :
( ١ ) أمرا لهم بعبادة الله وحده وعدم إشراك شيء بأي هدف وشكل وبحسن معاملة الوالدين والأقارب واليتامى والمساكين والجيران والأقارب والغرباء والأصحاب والمعارف وأبناء السبيل والأرقاء والبر بهم ومعاونتهم.
( ٢ ) وتشنيعا على المتكبرين المتفاخرين الذين لا يعاملون الناس بالبر والحسنى، ويبخلون بأموالهم في سبيل الخير ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ولا يكتفون بما في ذلك من إثم عليهم بل يأمرون غيرهم بمثل عملهم. وتشنيعا كذلك بالمرائين الذين إذا أنفقوا شيئا أنفقوه مراءاة للناس وطلبا للثناء وتفاخرا لا عن إيمان بالله ورغبة في رضائه ولا عن إيمان باليوم الآخر ورغبة في تقديم العمل الصالح بين أيديهم. وهؤلاء وأولئك هم قرناء الشيطان، ومن كان الشيطان قرينه فقد ساء قرينه وتعس وشقي.
( ٣ ) وتنديدا بهؤلاء بأسلوب السؤال التعجبي عما دهاهم حتى جعلهم ينحرفون هذا الانحراف، في حين أن العقل والمنطق يقضيان بالبداهة أن يؤمنوا بالله واليوم الآخر وينفقوا مما رزقهم الله، وهم يعترفون بوجوده أنه عليم بجميع أحوالهم وأعمالهم.
( ٤ ) وتقريرا بأن الله لا يظلم أحدا ولا يبخس حق أحد وعمله ولو كان مثقال ذرة واحدة. وإذا كان هذا العمل خيرا ضاعفه وآتاه عليه أجرا عظيما.
( ٥ ) وسؤالا موجها للنبي صلى الله عليه وسلم فيه تنديد وإنذارا لهم عما يكون حالهم حينما يجمع الله الناس، ويأتي بشهيد من كل أمة عليها ويأتي به شهيدا عليهم.
( ٦ ) وجوابا عما يكون حال الذين كفروا وعصوا الرسول ؛ حيث يتولاهم الندم والحسرة ويتمنون لو انشقت الأرض وبلعتهم حتى لا يقفوا أمام الله هذا الموقف العصيب، أو حتى لا يضطروا إلى كتمان حقيقة ما كانوا عليه في الدنيا وإنكار شركهم بسبيل الدفاع عن أنفسهم.
ولم نطلع على مناسبة في نزول الآيات. ويتبادر لنا أنها غير منقطعة عن الآيات السابقة ولو من قبيل الصلة التعقيبية أو الاستطرادية. فالآيات السابقة احتوت بيان حقوق والواجبات بين الأزواج والرجال والنساء فاقتضت حكمة التنزيل بوحي هذه الآيات تعقيبا أو استطرادا لتنبيه المسلمين على ما يجب عليهم من حسن المعاملة والبر نحو جميع الطبقات عامة من آباء وأقارب وأباعد وجيران وأصحاب وغرباء ومساكين وأيتام وأرقاء، وللتشنيع على من يقصر في ذلك ويتعاظم ويختال على الناس اغترارا بماله وجاهه ومركزه ؛ ليتم الاتساق بين التلقينات الخاصة بالأسرة وبغير الأسرة معا.
وأسلوب الآيات قوي نافذ وبعض ما احتوته من أوامر ونواه ورد في سور مكية ومدنية سبق تفسيرها. غير أنها جاءت هنا مجموعة بحيث يصح وصفها بأنها من جوامع الآيات في بابها. وقد انطوت على تلقينات جليلة فياضة بواجب الإحسان والبر بالناس على اختلاف طبقاتهم وجعلت للطبقات الضعيفة والمحتاجة خاصة نصيبا واضحا في ذلك وبتقبيح إهمال هذا الواجب والتقصير فيه والتكبر على الناس وأذيتهم وحرمان المحتاجين والتحريض على ذلك وإنكار فضل الله ورزقه بسبيل ذلك وبكون القيام بهذا الواجب لا يؤدي على وجهه الصحيح إلا بالإخلاص فيه والصدور فيه عن إيمان بالله واليوم الآخر، وعن رغبة صادقة في أدائه كواجب أوجبه الله عليه ابتغاء مرضاته مجردا عن مراءاة الناس وقصد اكتساب ثنائهم أو نيل جزائهم، وكل هذا متسق مع وصايا على ما شرحناه في مناسبات عديدة سابقة.
ولقد أثرت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في صدد ما احتوته هذه الآيات فيها الأمر وفيها النهي. ومنها ما ورد في الكتب الخمسة ومنها ما أخرجه الإمام أحمد أو روى من طرق أخرى. منها في صدد حق الجار عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) ١ وعنها قالت ( يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي ؟ قال إلى أقربهما منك بابا ) ٢. ٣ وحديث آخر جاء فيه ( لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ) ٣ وحديث رابع أخرجه الإمام أحمد جاء فيه ( لا يشبع الرجل دون جاره ) ٤ وحديث خامس جاء فيه ( لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بحليلة جاره، ولأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره ) ٥ وحديث سادس جاء فيه ( الجيران ثلاثة :جار له حق واحد وجار له حقان وجار له ثلاثة حقوق. فالأول جار مشرك فله حق الجوار، والثاني جار مسلم فله حق الإسلام والجوار، والثالث جار مسلم ذو رحم، فله حق الجوار والإسلام والرحم ) ٦ وحديث سابع :جاء فيه ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ) ٧ ومنها في صدد حق الجار والصاحب معا حديث جاء فيه ( خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره ) ٨ ومنها في صدد الأقارب وذوي الرحم حديث عن أبي هريرة جاء فيه ( من سره أن يبسط الله في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه ) ٩ وحديث عنه أيضا ( إن رجلا قال يا رسول الله :إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عنهم ويجهلون علي فقال :لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك ) ١٠.
ومنها في حق الخدم والمماليك حديث رواه عبادة ابن الصامت جاء فيه ( سمع رسول الله يقول :أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ) ١١ وثان عن أبي مسعود قال ( كنت أضرب غلاما لي فسمعت صوتا من خلفي يقول :اعلم أبا مسعود مرتين أن الله أقدر عليك منك عليه، فالتفت فإذا هو النبي فقلت :يا رسول الله هو حر لوجه الله قال :أما لو لم تفعل للفحتك النار ) ١٢ وثالث :عن أبي هريرة عن النبي قال ( من قذف مملوكه وهو بريء مما قال جلد له يوم القيامة حدا ) ١٣ ورابع عن ابن عمر جاء فيه ( جاء رجل إلى النبي فقال :يا رسول الله كم نعفو عن الخادم ؟ فصمت فأعاد الكلام فصمت، فلما كان في الثالثة قال :في كل يوم سبعين مرة ) ١٤ وخامس عن أبي ذر جاء فيه ( قال رسول الله :من لاءمكم من مملوككم فأطعموه مما تأكلون واكسوه مما تكتسون، ومن لم يلائمكم منهم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله ) ١٥ وسادس عن رافع جاء فيه ( أن النبي قال :حسن الملكة يمن وسوء الخلق شؤم ) ١٦ وسابع عن جابر جاء فيه ( ثلاث من كن فيه ستر الله عليه كنفه وأدخله الجنة :رفق بالضعيف وشفقة على الوالدين وإحسان إلى المملوك ) ١٧ وثامن عن عبد الله بن عمر قال :قال رسول الله ( كفى المرء إثما أن يحبس عمن يملك قوتهم ) ١٨ وتاسع عن أبي ذر جاء فيه ( خولكم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم، وإن كلفتموهم فأعينوهم ) ١٩ وعاشر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوصي أمته في مرض الموت فيقول ( الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم، ويردد ذلك حتى ما يفيض بها لسانه ) ٢٠. وحادي عشر عن أبي هريرة قال قال رسول الله ( للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق ) ٢١.
ومنها في صدد الخيلاء حديث رواه مسلم والترمذي جاء فيه ( لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء ) ٢٢ وحديث ثان رواه الترمذي جاء فيه ( لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين ) ٢٣ وحديث ثالث رواه الترمذي جاء فيه ( يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان ) ٢٤ وفي صدد البخل والشح حديث عن أبي بكر رواه الترمذي جاء فيه ( لا يدخل الجنة خب ولا منان ولا بخيل ) ٢٥ وحديث عن أبي سعيد رواه الترمذي كذلك جاء فيه ( خصلتان لا تجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق ) ٢٦ وفي صدد الإنفاق مرآة للناس روى مسلم والترمذي والنسائي حديثا عن أبي هريرة ( في من يقضي عليهم أول ما يقضي يوم القيامة :رجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، فقال :ما عملت فيها ؟ قال :ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها المال إلا أنفقت فيها لك. قال :كذبت، ولكنك فعلت ليقال :هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار ) ٢٧ وروى البغوي بطرقه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله قال :الرياء ) ٢٨.
ونختم هذه السلسلة بحديث جامع لما يجب على المسلم تجاه أخيه رواه الأربعة عن أبي هريرة جاء فيه ( لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم. لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى هاهنا. ويشير إلى صدره ويكررها ثلاث مرات. بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ) ٢٩.
وهكذا تتسق التلقينات النبوية بهذه السعة مع التلقينات القرآنية في هذا الموضوع المهم في صلات الناس ومعاملاتهم وسلوكهم مع بعضهم على اختلاف فئاتهم وبقطع النظر عن أي اعتبار طبقي أو مالي، بل أو ديني كما هو الشأن في كل موضوع آخر.
هذا، ولقد روى عن عبد الله قال ( قال لي النبي صلى الله عليه وسلم :اقرأ علي. قلت :أقرأ عليك وعليك نزل. قال فإني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) قال :أمسك فإذا عيناه تذرفان ) ٣٠ حيث ينطوي في الحديث صورة رائعة لعمق شعور النبي صلى الله عليه وسلم بخطورة مهمته العظمى ومسؤوليتها.
وقد يكون في هذا قرينة على أن سورة النساء كانت قد ألفت في حياة النبي صلى ا
﴿ وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ به شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى( ١ ) وَالْجَارِ الْجُنُبِ( ٢ ) وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ ( ٣ ) وَابْنِ السَّبِيلِ ( ٤ ) وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا ( ٣٦ ) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ( ٥ ) واعتدنا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ( ٣٧ ) وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا ( ٣٨ ) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللّهُ وَكَانَ اللّهُ بِهِم عَلِيمًا ( ٣٩ ) إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ( ٤٠ ) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا ( ٤١ ) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ( ٦ ) وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا ( ٤٢ ) ﴾ [ ٣٦-٤٢ ]
تعليق على الآية
( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا )
والآيات الخمس التالية لها وما فيها من تلقينات
في صدد سلوك المسلم تجاه غير على اختلاف الفئات
الخطاب في الآيات موجه للمؤمنين السامعين كالآيات السابقة. وقد تضمنت :
( ١ ) أمرا لهم بعبادة الله وحده وعدم إشراك شيء بأي هدف وشكل وبحسن معاملة الوالدين والأقارب واليتامى والمساكين والجيران والأقارب والغرباء والأصحاب والمعارف وأبناء السبيل والأرقاء والبر بهم ومعاونتهم.
( ٢ ) وتشنيعا على المتكبرين المتفاخرين الذين لا يعاملون الناس بالبر والحسنى، ويبخلون بأموالهم في سبيل الخير ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ولا يكتفون بما في ذلك من إثم عليهم بل يأمرون غيرهم بمثل عملهم. وتشنيعا كذلك بالمرائين الذين إذا أنفقوا شيئا أنفقوه مراءاة للناس وطلبا للثناء وتفاخرا لا عن إيمان بالله ورغبة في رضائه ولا عن إيمان باليوم الآخر ورغبة في تقديم العمل الصالح بين أيديهم. وهؤلاء وأولئك هم قرناء الشيطان، ومن كان الشيطان قرينه فقد ساء قرينه وتعس وشقي.
( ٣ ) وتنديدا بهؤلاء بأسلوب السؤال التعجبي عما دهاهم حتى جعلهم ينحرفون هذا الانحراف، في حين أن العقل والمنطق يقضيان بالبداهة أن يؤمنوا بالله واليوم الآخر وينفقوا مما رزقهم الله، وهم يعترفون بوجوده أنه عليم بجميع أحوالهم وأعمالهم.
( ٤ ) وتقريرا بأن الله لا يظلم أحدا ولا يبخس حق أحد وعمله ولو كان مثقال ذرة واحدة. وإذا كان هذا العمل خيرا ضاعفه وآتاه عليه أجرا عظيما.
( ٥ ) وسؤالا موجها للنبي صلى الله عليه وسلم فيه تنديد وإنذارا لهم عما يكون حالهم حينما يجمع الله الناس، ويأتي بشهيد من كل أمة عليها ويأتي به شهيدا عليهم.
( ٦ ) وجوابا عما يكون حال الذين كفروا وعصوا الرسول ؛ حيث يتولاهم الندم والحسرة ويتمنون لو انشقت الأرض وبلعتهم حتى لا يقفوا أمام الله هذا الموقف العصيب، أو حتى لا يضطروا إلى كتمان حقيقة ما كانوا عليه في الدنيا وإنكار شركهم بسبيل الدفاع عن أنفسهم.
ولم نطلع على مناسبة في نزول الآيات. ويتبادر لنا أنها غير منقطعة عن الآيات السابقة ولو من قبيل الصلة التعقيبية أو الاستطرادية. فالآيات السابقة احتوت بيان حقوق والواجبات بين الأزواج والرجال والنساء فاقتضت حكمة التنزيل بوحي هذه الآيات تعقيبا أو استطرادا لتنبيه المسلمين على ما يجب عليهم من حسن المعاملة والبر نحو جميع الطبقات عامة من آباء وأقارب وأباعد وجيران وأصحاب وغرباء ومساكين وأيتام وأرقاء، وللتشنيع على من يقصر في ذلك ويتعاظم ويختال على الناس اغترارا بماله وجاهه ومركزه ؛ ليتم الاتساق بين التلقينات الخاصة بالأسرة وبغير الأسرة معا.
وأسلوب الآيات قوي نافذ وبعض ما احتوته من أوامر ونواه ورد في سور مكية ومدنية سبق تفسيرها. غير أنها جاءت هنا مجموعة بحيث يصح وصفها بأنها من جوامع الآيات في بابها. وقد انطوت على تلقينات جليلة فياضة بواجب الإحسان والبر بالناس على اختلاف طبقاتهم وجعلت للطبقات الضعيفة والمحتاجة خاصة نصيبا واضحا في ذلك وبتقبيح إهمال هذا الواجب والتقصير فيه والتكبر على الناس وأذيتهم وحرمان المحتاجين والتحريض على ذلك وإنكار فضل الله ورزقه بسبيل ذلك وبكون القيام بهذا الواجب لا يؤدي على وجهه الصحيح إلا بالإخلاص فيه والصدور فيه عن إيمان بالله واليوم الآخر، وعن رغبة صادقة في أدائه كواجب أوجبه الله عليه ابتغاء مرضاته مجردا عن مراءاة الناس وقصد اكتساب ثنائهم أو نيل جزائهم، وكل هذا متسق مع وصايا على ما شرحناه في مناسبات عديدة سابقة.
ولقد أثرت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في صدد ما احتوته هذه الآيات فيها الأمر وفيها النهي. ومنها ما ورد في الكتب الخمسة ومنها ما أخرجه الإمام أحمد أو روى من طرق أخرى. منها في صدد حق الجار عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) ١ وعنها قالت ( يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي ؟ قال إلى أقربهما منك بابا ) ٢. ٣ وحديث آخر جاء فيه ( لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ) ٣ وحديث رابع أخرجه الإمام أحمد جاء فيه ( لا يشبع الرجل دون جاره ) ٤ وحديث خامس جاء فيه ( لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بحليلة جاره، ولأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره ) ٥ وحديث سادس جاء فيه ( الجيران ثلاثة :جار له حق واحد وجار له حقان وجار له ثلاثة حقوق. فالأول جار مشرك فله حق الجوار، والثاني جار مسلم فله حق الإسلام والجوار، والثالث جار مسلم ذو رحم، فله حق الجوار والإسلام والرحم ) ٦ وحديث سابع :جاء فيه ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ) ٧ ومنها في صدد حق الجار والصاحب معا حديث جاء فيه ( خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره ) ٨ ومنها في صدد الأقارب وذوي الرحم حديث عن أبي هريرة جاء فيه ( من سره أن يبسط الله في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه ) ٩ وحديث عنه أيضا ( إن رجلا قال يا رسول الله :إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عنهم ويجهلون علي فقال :لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك ) ١٠.
ومنها في حق الخدم والمماليك حديث رواه عبادة ابن الصامت جاء فيه ( سمع رسول الله يقول :أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ) ١١ وثان عن أبي مسعود قال ( كنت أضرب غلاما لي فسمعت صوتا من خلفي يقول :اعلم أبا مسعود مرتين أن الله أقدر عليك منك عليه، فالتفت فإذا هو النبي فقلت :يا رسول الله هو حر لوجه الله قال :أما لو لم تفعل للفحتك النار ) ١٢ وثالث :عن أبي هريرة عن النبي قال ( من قذف مملوكه وهو بريء مما قال جلد له يوم القيامة حدا ) ١٣ ورابع عن ابن عمر جاء فيه ( جاء رجل إلى النبي فقال :يا رسول الله كم نعفو عن الخادم ؟ فصمت فأعاد الكلام فصمت، فلما كان في الثالثة قال :في كل يوم سبعين مرة ) ١٤ وخامس عن أبي ذر جاء فيه ( قال رسول الله :من لاءمكم من مملوككم فأطعموه مما تأكلون واكسوه مما تكتسون، ومن لم يلائمكم منهم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله ) ١٥ وسادس عن رافع جاء فيه ( أن النبي قال :حسن الملكة يمن وسوء الخلق شؤم ) ١٦ وسابع عن جابر جاء فيه ( ثلاث من كن فيه ستر الله عليه كنفه وأدخله الجنة :رفق بالضعيف وشفقة على الوالدين وإحسان إلى المملوك ) ١٧ وثامن عن عبد الله بن عمر قال :قال رسول الله ( كفى المرء إثما أن يحبس عمن يملك قوتهم ) ١٨ وتاسع عن أبي ذر جاء فيه ( خولكم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم، وإن كلفتموهم فأعينوهم ) ١٩ وعاشر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوصي أمته في مرض الموت فيقول ( الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم، ويردد ذلك حتى ما يفيض بها لسانه ) ٢٠. وحادي عشر عن أبي هريرة قال قال رسول الله ( للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق ) ٢١.
ومنها في صدد الخيلاء حديث رواه مسلم والترمذي جاء فيه ( لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء ) ٢٢ وحديث ثان رواه الترمذي جاء فيه ( لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين ) ٢٣ وحديث ثالث رواه الترمذي جاء فيه ( يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان ) ٢٤ وفي صدد البخل والشح حديث عن أبي بكر رواه الترمذي جاء فيه ( لا يدخل الجنة خب ولا منان ولا بخيل ) ٢٥ وحديث عن أبي سعيد رواه الترمذي كذلك جاء فيه ( خصلتان لا تجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق ) ٢٦ وفي صدد الإنفاق مرآة للناس روى مسلم والترمذي والنسائي حديثا عن أبي هريرة ( في من يقضي عليهم أول ما يقضي يوم القيامة :رجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، فقال :ما عملت فيها ؟ قال :ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها المال إلا أنفقت فيها لك. قال :كذبت، ولكنك فعلت ليقال :هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار ) ٢٧ وروى البغوي بطرقه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله قال :الرياء ) ٢٨.
ونختم هذه السلسلة بحديث جامع لما يجب على المسلم تجاه أخيه رواه الأربعة عن أبي هريرة جاء فيه ( لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم. لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى هاهنا. ويشير إلى صدره ويكررها ثلاث مرات. بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ) ٢٩.
وهكذا تتسق التلقينات النبوية بهذه السعة مع التلقينات القرآنية في هذا الموضوع المهم في صلات الناس ومعاملاتهم وسلوكهم مع بعضهم على اختلاف فئاتهم وبقطع النظر عن أي اعتبار طبقي أو مالي، بل أو ديني كما هو الشأن في كل موضوع آخر.
هذا، ولقد روى عن عبد الله قال ( قال لي النبي صلى الله عليه وسلم :اقرأ علي. قلت :أقرأ عليك وعليك نزل. قال فإني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) قال :أمسك فإذا عيناه تذرفان ) ٣٠ حيث ينطوي في الحديث صورة رائعة لعمق شعور النبي صلى الله عليه وسلم بخطورة مهمته العظمى ومسؤوليتها.
وقد يكون في هذا قرينة على أن سورة النساء كانت قد ألفت في حياة النبي صلى ا
﴿ وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ به شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى( ١ ) وَالْجَارِ الْجُنُبِ( ٢ ) وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ ( ٣ ) وَابْنِ السَّبِيلِ ( ٤ ) وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا ( ٣٦ ) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ( ٥ ) واعتدنا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ( ٣٧ ) وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا ( ٣٨ ) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللّهُ وَكَانَ اللّهُ بِهِم عَلِيمًا ( ٣٩ ) إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ( ٤٠ ) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا ( ٤١ ) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ( ٦ ) وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا ( ٤٢ ) ﴾ [ ٣٦-٤٢ ]
تعليق على الآية
( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا )
والآيات الخمس التالية لها وما فيها من تلقينات
في صدد سلوك المسلم تجاه غير على اختلاف الفئات
الخطاب في الآيات موجه للمؤمنين السامعين كالآيات السابقة. وقد تضمنت :
( ١ ) أمرا لهم بعبادة الله وحده وعدم إشراك شيء بأي هدف وشكل وبحسن معاملة الوالدين والأقارب واليتامى والمساكين والجيران والأقارب والغرباء والأصحاب والمعارف وأبناء السبيل والأرقاء والبر بهم ومعاونتهم.
( ٢ ) وتشنيعا على المتكبرين المتفاخرين الذين لا يعاملون الناس بالبر والحسنى، ويبخلون بأموالهم في سبيل الخير ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ولا يكتفون بما في ذلك من إثم عليهم بل يأمرون غيرهم بمثل عملهم. وتشنيعا كذلك بالمرائين الذين إذا أنفقوا شيئا أنفقوه مراءاة للناس وطلبا للثناء وتفاخرا لا عن إيمان بالله ورغبة في رضائه ولا عن إيمان باليوم الآخر ورغبة في تقديم العمل الصالح بين أيديهم. وهؤلاء وأولئك هم قرناء الشيطان، ومن كان الشيطان قرينه فقد ساء قرينه وتعس وشقي.
( ٣ ) وتنديدا بهؤلاء بأسلوب السؤال التعجبي عما دهاهم حتى جعلهم ينحرفون هذا الانحراف، في حين أن العقل والمنطق يقضيان بالبداهة أن يؤمنوا بالله واليوم الآخر وينفقوا مما رزقهم الله، وهم يعترفون بوجوده أنه عليم بجميع أحوالهم وأعمالهم.
( ٤ ) وتقريرا بأن الله لا يظلم أحدا ولا يبخس حق أحد وعمله ولو كان مثقال ذرة واحدة. وإذا كان هذا العمل خيرا ضاعفه وآتاه عليه أجرا عظيما.
( ٥ ) وسؤالا موجها للنبي صلى الله عليه وسلم فيه تنديد وإنذارا لهم عما يكون حالهم حينما يجمع الله الناس، ويأتي بشهيد من كل أمة عليها ويأتي به شهيدا عليهم.
( ٦ ) وجوابا عما يكون حال الذين كفروا وعصوا الرسول ؛ حيث يتولاهم الندم والحسرة ويتمنون لو انشقت الأرض وبلعتهم حتى لا يقفوا أمام الله هذا الموقف العصيب، أو حتى لا يضطروا إلى كتمان حقيقة ما كانوا عليه في الدنيا وإنكار شركهم بسبيل الدفاع عن أنفسهم.
ولم نطلع على مناسبة في نزول الآيات. ويتبادر لنا أنها غير منقطعة عن الآيات السابقة ولو من قبيل الصلة التعقيبية أو الاستطرادية. فالآيات السابقة احتوت بيان حقوق والواجبات بين الأزواج والرجال والنساء فاقتضت حكمة التنزيل بوحي هذه الآيات تعقيبا أو استطرادا لتنبيه المسلمين على ما يجب عليهم من حسن المعاملة والبر نحو جميع الطبقات عامة من آباء وأقارب وأباعد وجيران وأصحاب وغرباء ومساكين وأيتام وأرقاء، وللتشنيع على من يقصر في ذلك ويتعاظم ويختال على الناس اغترارا بماله وجاهه ومركزه ؛ ليتم الاتساق بين التلقينات الخاصة بالأسرة وبغير الأسرة معا.
وأسلوب الآيات قوي نافذ وبعض ما احتوته من أوامر ونواه ورد في سور مكية ومدنية سبق تفسيرها. غير أنها جاءت هنا مجموعة بحيث يصح وصفها بأنها من جوامع الآيات في بابها. وقد انطوت على تلقينات جليلة فياضة بواجب الإحسان والبر بالناس على اختلاف طبقاتهم وجعلت للطبقات الضعيفة والمحتاجة خاصة نصيبا واضحا في ذلك وبتقبيح إهمال هذا الواجب والتقصير فيه والتكبر على الناس وأذيتهم وحرمان المحتاجين والتحريض على ذلك وإنكار فضل الله ورزقه بسبيل ذلك وبكون القيام بهذا الواجب لا يؤدي على وجهه الصحيح إلا بالإخلاص فيه والصدور فيه عن إيمان بالله واليوم الآخر، وعن رغبة صادقة في أدائه كواجب أوجبه الله عليه ابتغاء مرضاته مجردا عن مراءاة الناس وقصد اكتساب ثنائهم أو نيل جزائهم، وكل هذا متسق مع وصايا على ما شرحناه في مناسبات عديدة سابقة.
ولقد أثرت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في صدد ما احتوته هذه الآيات فيها الأمر وفيها النهي. ومنها ما ورد في الكتب الخمسة ومنها ما أخرجه الإمام أحمد أو روى من طرق أخرى. منها في صدد حق الجار عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) ١ وعنها قالت ( يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي ؟ قال إلى أقربهما منك بابا ) ٢. ٣ وحديث آخر جاء فيه ( لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ) ٣ وحديث رابع أخرجه الإمام أحمد جاء فيه ( لا يشبع الرجل دون جاره ) ٤ وحديث خامس جاء فيه ( لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بحليلة جاره، ولأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره ) ٥ وحديث سادس جاء فيه ( الجيران ثلاثة :جار له حق واحد وجار له حقان وجار له ثلاثة حقوق. فالأول جار مشرك فله حق الجوار، والثاني جار مسلم فله حق الإسلام والجوار، والثالث جار مسلم ذو رحم، فله حق الجوار والإسلام والرحم ) ٦ وحديث سابع :جاء فيه ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ) ٧ ومنها في صدد حق الجار والصاحب معا حديث جاء فيه ( خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره ) ٨ ومنها في صدد الأقارب وذوي الرحم حديث عن أبي هريرة جاء فيه ( من سره أن يبسط الله في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه ) ٩ وحديث عنه أيضا ( إن رجلا قال يا رسول الله :إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عنهم ويجهلون علي فقال :لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك ) ١٠.
ومنها في حق الخدم والمماليك حديث رواه عبادة ابن الصامت جاء فيه ( سمع رسول الله يقول :أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ) ١١ وثان عن أبي مسعود قال ( كنت أضرب غلاما لي فسمعت صوتا من خلفي يقول :اعلم أبا مسعود مرتين أن الله أقدر عليك منك عليه، فالتفت فإذا هو النبي فقلت :يا رسول الله هو حر لوجه الله قال :أما لو لم تفعل للفحتك النار ) ١٢ وثالث :عن أبي هريرة عن النبي قال ( من قذف مملوكه وهو بريء مما قال جلد له يوم القيامة حدا ) ١٣ ورابع عن ابن عمر جاء فيه ( جاء رجل إلى النبي فقال :يا رسول الله كم نعفو عن الخادم ؟ فصمت فأعاد الكلام فصمت، فلما كان في الثالثة قال :في كل يوم سبعين مرة ) ١٤ وخامس عن أبي ذر جاء فيه ( قال رسول الله :من لاءمكم من مملوككم فأطعموه مما تأكلون واكسوه مما تكتسون، ومن لم يلائمكم منهم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله ) ١٥ وسادس عن رافع جاء فيه ( أن النبي قال :حسن الملكة يمن وسوء الخلق شؤم ) ١٦ وسابع عن جابر جاء فيه ( ثلاث من كن فيه ستر الله عليه كنفه وأدخله الجنة :رفق بالضعيف وشفقة على الوالدين وإحسان إلى المملوك ) ١٧ وثامن عن عبد الله بن عمر قال :قال رسول الله ( كفى المرء إثما أن يحبس عمن يملك قوتهم ) ١٨ وتاسع عن أبي ذر جاء فيه ( خولكم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم، وإن كلفتموهم فأعينوهم ) ١٩ وعاشر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوصي أمته في مرض الموت فيقول ( الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم، ويردد ذلك حتى ما يفيض بها لسانه ) ٢٠. وحادي عشر عن أبي هريرة قال قال رسول الله ( للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق ) ٢١.
ومنها في صدد الخيلاء حديث رواه مسلم والترمذي جاء فيه ( لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء ) ٢٢ وحديث ثان رواه الترمذي جاء فيه ( لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين ) ٢٣ وحديث ثالث رواه الترمذي جاء فيه ( يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان ) ٢٤ وفي صدد البخل والشح حديث عن أبي بكر رواه الترمذي جاء فيه ( لا يدخل الجنة خب ولا منان ولا بخيل ) ٢٥ وحديث عن أبي سعيد رواه الترمذي كذلك جاء فيه ( خصلتان لا تجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق ) ٢٦ وفي صدد الإنفاق مرآة للناس روى مسلم والترمذي والنسائي حديثا عن أبي هريرة ( في من يقضي عليهم أول ما يقضي يوم القيامة :رجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، فقال :ما عملت فيها ؟ قال :ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها المال إلا أنفقت فيها لك. قال :كذبت، ولكنك فعلت ليقال :هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار ) ٢٧ وروى البغوي بطرقه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله قال :الرياء ) ٢٨.
ونختم هذه السلسلة بحديث جامع لما يجب على المسلم تجاه أخيه رواه الأربعة عن أبي هريرة جاء فيه ( لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم. لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى هاهنا. ويشير إلى صدره ويكررها ثلاث مرات. بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ) ٢٩.
وهكذا تتسق التلقينات النبوية بهذه السعة مع التلقينات القرآنية في هذا الموضوع المهم في صلات الناس ومعاملاتهم وسلوكهم مع بعضهم على اختلاف فئاتهم وبقطع النظر عن أي اعتبار طبقي أو مالي، بل أو ديني كما هو الشأن في كل موضوع آخر.
هذا، ولقد روى عن عبد الله قال ( قال لي النبي صلى الله عليه وسلم :اقرأ علي. قلت :أقرأ عليك وعليك نزل. قال فإني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) قال :أمسك فإذا عيناه تذرفان ) ٣٠ حيث ينطوي في الحديث صورة رائعة لعمق شعور النبي صلى الله عليه وسلم بخطورة مهمته العظمى ومسؤوليتها.
وقد يكون في هذا قرينة على أن سورة النساء كانت قد ألفت في حياة النبي صلى ا
( ٦ ) لو تسوى بهم الأرض :الجملة كما يتبادر لنا أنها في معنى ( لو تنشق الأرض وتبلعهم، ثم تعود إلى حالها مسواة، ويبقون في بطنها ).
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٦: ( ١ ) الجار ذي القربى :قيل إنه القريب رحما، وقيل إنه القريب دينا
( ٢ ) الجار الجنب :قيل إنه الأجنبي رحما، وقيل إنه الأجنبي دينا
( ٣ ) الصاحب بالجنب :الذي بينه وبين الآخر رفقة وصحبة. وبعضهم قال :إن الجملة تعني زوجة الرجل.
( ٤ ) ابن السبيل :الغريب
﴿ وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ به شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى( ١ ) وَالْجَارِ الْجُنُبِ( ٢ ) وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ ( ٣ ) وَابْنِ السَّبِيلِ ( ٤ ) وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا ( ٣٦ ) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ( ٥ ) واعتدنا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ( ٣٧ ) وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا ( ٣٨ ) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللّهُ وَكَانَ اللّهُ بِهِم عَلِيمًا ( ٣٩ ) إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ( ٤٠ ) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا ( ٤١ ) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ( ٦ ) وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا ( ٤٢ ) ﴾ [ ٣٦-٤٢ ]
تعليق على الآية
( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا )
والآيات الخمس التالية لها وما فيها من تلقينات
في صدد سلوك المسلم تجاه غير على اختلاف الفئات
الخطاب في الآيات موجه للمؤمنين السامعين كالآيات السابقة. وقد تضمنت :
( ١ ) أمرا لهم بعبادة الله وحده وعدم إشراك شيء بأي هدف وشكل وبحسن معاملة الوالدين والأقارب واليتامى والمساكين والجيران والأقارب والغرباء والأصحاب والمعارف وأبناء السبيل والأرقاء والبر بهم ومعاونتهم.
( ٢ ) وتشنيعا على المتكبرين المتفاخرين الذين لا يعاملون الناس بالبر والحسنى، ويبخلون بأموالهم في سبيل الخير ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ولا يكتفون بما في ذلك من إثم عليهم بل يأمرون غيرهم بمثل عملهم. وتشنيعا كذلك بالمرائين الذين إذا أنفقوا شيئا أنفقوه مراءاة للناس وطلبا للثناء وتفاخرا لا عن إيمان بالله ورغبة في رضائه ولا عن إيمان باليوم الآخر ورغبة في تقديم العمل الصالح بين أيديهم. وهؤلاء وأولئك هم قرناء الشيطان، ومن كان الشيطان قرينه فقد ساء قرينه وتعس وشقي.
( ٣ ) وتنديدا بهؤلاء بأسلوب السؤال التعجبي عما دهاهم حتى جعلهم ينحرفون هذا الانحراف، في حين أن العقل والمنطق يقضيان بالبداهة أن يؤمنوا بالله واليوم الآخر وينفقوا مما رزقهم الله، وهم يعترفون بوجوده أنه عليم بجميع أحوالهم وأعمالهم.
( ٤ ) وتقريرا بأن الله لا يظلم أحدا ولا يبخس حق أحد وعمله ولو كان مثقال ذرة واحدة. وإذا كان هذا العمل خيرا ضاعفه وآتاه عليه أجرا عظيما.
( ٥ ) وسؤالا موجها للنبي صلى الله عليه وسلم فيه تنديد وإنذارا لهم عما يكون حالهم حينما يجمع الله الناس، ويأتي بشهيد من كل أمة عليها ويأتي به شهيدا عليهم.
( ٦ ) وجوابا عما يكون حال الذين كفروا وعصوا الرسول ؛ حيث يتولاهم الندم والحسرة ويتمنون لو انشقت الأرض وبلعتهم حتى لا يقفوا أمام الله هذا الموقف العصيب، أو حتى لا يضطروا إلى كتمان حقيقة ما كانوا عليه في الدنيا وإنكار شركهم بسبيل الدفاع عن أنفسهم.
ولم نطلع على مناسبة في نزول الآيات. ويتبادر لنا أنها غير منقطعة عن الآيات السابقة ولو من قبيل الصلة التعقيبية أو الاستطرادية. فالآيات السابقة احتوت بيان حقوق والواجبات بين الأزواج والرجال والنساء فاقتضت حكمة التنزيل بوحي هذه الآيات تعقيبا أو استطرادا لتنبيه المسلمين على ما يجب عليهم من حسن المعاملة والبر نحو جميع الطبقات عامة من آباء وأقارب وأباعد وجيران وأصحاب وغرباء ومساكين وأيتام وأرقاء، وللتشنيع على من يقصر في ذلك ويتعاظم ويختال على الناس اغترارا بماله وجاهه ومركزه ؛ ليتم الاتساق بين التلقينات الخاصة بالأسرة وبغير الأسرة معا.
وأسلوب الآيات قوي نافذ وبعض ما احتوته من أوامر ونواه ورد في سور مكية ومدنية سبق تفسيرها. غير أنها جاءت هنا مجموعة بحيث يصح وصفها بأنها من جوامع الآيات في بابها. وقد انطوت على تلقينات جليلة فياضة بواجب الإحسان والبر بالناس على اختلاف طبقاتهم وجعلت للطبقات الضعيفة والمحتاجة خاصة نصيبا واضحا في ذلك وبتقبيح إهمال هذا الواجب والتقصير فيه والتكبر على الناس وأذيتهم وحرمان المحتاجين والتحريض على ذلك وإنكار فضل الله ورزقه بسبيل ذلك وبكون القيام بهذا الواجب لا يؤدي على وجهه الصحيح إلا بالإخلاص فيه والصدور فيه عن إيمان بالله واليوم الآخر، وعن رغبة صادقة في أدائه كواجب أوجبه الله عليه ابتغاء مرضاته مجردا عن مراءاة الناس وقصد اكتساب ثنائهم أو نيل جزائهم، وكل هذا متسق مع وصايا على ما شرحناه في مناسبات عديدة سابقة.
ولقد أثرت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في صدد ما احتوته هذه الآيات فيها الأمر وفيها النهي. ومنها ما ورد في الكتب الخمسة ومنها ما أخرجه الإمام أحمد أو روى من طرق أخرى. منها في صدد حق الجار عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) ١ وعنها قالت ( يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي ؟ قال إلى أقربهما منك بابا ) ٢. ٣ وحديث آخر جاء فيه ( لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ) ٣ وحديث رابع أخرجه الإمام أحمد جاء فيه ( لا يشبع الرجل دون جاره ) ٤ وحديث خامس جاء فيه ( لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بحليلة جاره، ولأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره ) ٥ وحديث سادس جاء فيه ( الجيران ثلاثة :جار له حق واحد وجار له حقان وجار له ثلاثة حقوق. فالأول جار مشرك فله حق الجوار، والثاني جار مسلم فله حق الإسلام والجوار، والثالث جار مسلم ذو رحم، فله حق الجوار والإسلام والرحم ) ٦ وحديث سابع :جاء فيه ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ) ٧ ومنها في صدد حق الجار والصاحب معا حديث جاء فيه ( خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره ) ٨ ومنها في صدد الأقارب وذوي الرحم حديث عن أبي هريرة جاء فيه ( من سره أن يبسط الله في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه ) ٩ وحديث عنه أيضا ( إن رجلا قال يا رسول الله :إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عنهم ويجهلون علي فقال :لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك ) ١٠.
ومنها في حق الخدم والمماليك حديث رواه عبادة ابن الصامت جاء فيه ( سمع رسول الله يقول :أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ) ١١ وثان عن أبي مسعود قال ( كنت أضرب غلاما لي فسمعت صوتا من خلفي يقول :اعلم أبا مسعود مرتين أن الله أقدر عليك منك عليه، فالتفت فإذا هو النبي فقلت :يا رسول الله هو حر لوجه الله قال :أما لو لم تفعل للفحتك النار ) ١٢ وثالث :عن أبي هريرة عن النبي قال ( من قذف مملوكه وهو بريء مما قال جلد له يوم القيامة حدا ) ١٣ ورابع عن ابن عمر جاء فيه ( جاء رجل إلى النبي فقال :يا رسول الله كم نعفو عن الخادم ؟ فصمت فأعاد الكلام فصمت، فلما كان في الثالثة قال :في كل يوم سبعين مرة ) ١٤ وخامس عن أبي ذر جاء فيه ( قال رسول الله :من لاءمكم من مملوككم فأطعموه مما تأكلون واكسوه مما تكتسون، ومن لم يلائمكم منهم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله ) ١٥ وسادس عن رافع جاء فيه ( أن النبي قال :حسن الملكة يمن وسوء الخلق شؤم ) ١٦ وسابع عن جابر جاء فيه ( ثلاث من كن فيه ستر الله عليه كنفه وأدخله الجنة :رفق بالضعيف وشفقة على الوالدين وإحسان إلى المملوك ) ١٧ وثامن عن عبد الله بن عمر قال :قال رسول الله ( كفى المرء إثما أن يحبس عمن يملك قوتهم ) ١٨ وتاسع عن أبي ذر جاء فيه ( خولكم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم، وإن كلفتموهم فأعينوهم ) ١٩ وعاشر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوصي أمته في مرض الموت فيقول ( الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم، ويردد ذلك حتى ما يفيض بها لسانه ) ٢٠. وحادي عشر عن أبي هريرة قال قال رسول الله ( للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق ) ٢١.
ومنها في صدد الخيلاء حديث رواه مسلم والترمذي جاء فيه ( لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء ) ٢٢ وحديث ثان رواه الترمذي جاء فيه ( لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين ) ٢٣ وحديث ثالث رواه الترمذي جاء فيه ( يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان ) ٢٤ وفي صدد البخل والشح حديث عن أبي بكر رواه الترمذي جاء فيه ( لا يدخل الجنة خب ولا منان ولا بخيل ) ٢٥ وحديث عن أبي سعيد رواه الترمذي كذلك جاء فيه ( خصلتان لا تجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق ) ٢٦ وفي صدد الإنفاق مرآة للناس روى مسلم والترمذي والنسائي حديثا عن أبي هريرة ( في من يقضي عليهم أول ما يقضي يوم القيامة :رجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، فقال :ما عملت فيها ؟ قال :ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها المال إلا أنفقت فيها لك. قال :كذبت، ولكنك فعلت ليقال :هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار ) ٢٧ وروى البغوي بطرقه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله قال :الرياء ) ٢٨.
ونختم هذه السلسلة بحديث جامع لما يجب على المسلم تجاه أخيه رواه الأربعة عن أبي هريرة جاء فيه ( لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم. لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى هاهنا. ويشير إلى صدره ويكررها ثلاث مرات. بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ) ٢٩.
وهكذا تتسق التلقينات النبوية بهذه السعة مع التلقينات القرآنية في هذا الموضوع المهم في صلات الناس ومعاملاتهم وسلوكهم مع بعضهم على اختلاف فئاتهم وبقطع النظر عن أي اعتبار طبقي أو مالي، بل أو ديني كما هو الشأن في كل موضوع آخر.
هذا، ولقد روى عن عبد الله قال ( قال لي النبي صلى الله عليه وسلم :اقرأ علي. قلت :أقرأ عليك وعليك نزل. قال فإني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) قال :أمسك فإذا عيناه تذرفان ) ٣٠ حيث ينطوي في الحديث صورة رائعة لعمق شعور النبي صلى الله عليه وسلم بخطورة مهمته العظمى ومسؤوليتها.
وقد يكون في هذا قرينة على أن سورة النساء كانت قد ألفت في حياة النبي صلى ا

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الغائط ( ١ ) أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ( ٢ ) صَعِيدًا( ٣ ) طَيِّبًا( ٤ ) فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ( ٤٣ ) ﴾
( ١ ) الغائط :المحل المنخفض ولعله أريد بالكلمة ( الحفرة ) أو ( الجورة ) العميقة في الأرض التي كانوا يقضون حاجتهم فيها. وقد ذكرت بعض الروايات أن الناس كانوا يذهبون إلى البراري، ويقضون حاجاتهم في منخفضاتها. وهناك روايات تذكر أنه كان في جانب المساكن أماكن تسمى كنفا ( مفردها كنيف ) لقضاء الحاجة، وهو ما نسميه بيت الماء أو بيت الخلاء. وهذا أو ذاك بمثابته هو المعقول ؛ لأن خروج الناس إلى البراري لقضاء الحاجة من أهل المدن غير معقول. ولا بد من أن يكون لهم أماكن لذلك ( حفرا أو جورا ) قريبة من المساكن.
( ٢ ) تيمموا :معناها اللغوي :اتجهوا نحو الشيء أو تحروا أو اختاروا وكلمة ( التيمم ) التي هي اصطلاح إسلامي، والتي صارت تطلق على عملية المسح من الصعيد الطاهر بدلا من الماء مشتقة منها
( ٣ ) صعيدا :قيل إنه بمعنى الأرض الملساء أو بمعنى الأرض المستوية أو الأرض المرتفعة. وقيل إنها بمعنى وجه الأرض مطلقا ترابا كان أم حجرا أو صخرا.
( ٤ ) طيبا :طاهرا
الخطاب في الآية موجه إلى المسلمين وقد تضمنت :
( ١ ) نهيا عن الصلاة، وهم في حالة السكر حتى يعلموا ما يقولون ؛ لأن السكران لا يدري ما يقول أو يفعل.
( ٢ ) ونهيا آخر عن الصلاة، وهم على جنابة حتى يغتسلوا مع الترخيص لعابري السبيل١.
( ٣ ) وترخيصا لهم إذا كانوا مرضى.
تعليق على الآية
( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى... ) الخ
وما فيها من أحكام التيمم والجنابة والوضوء والاغتسال.
أولا :روى المفسرون٢ روايات عديدة متقاربة المدى مختلفة الصيغ في سبب نزول الشطر الأول من هذه الآية. وقد روى أبو داود والترمذي عن علي صيغة نكتفي بإيرادها ؛ لأنها الأوثق سندا جاء فيها ( صنع لنا عبد الرحمان بن عوف طعاما وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة، فقدموني فقرأت :قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون فأنزل الله ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة٣ وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) ٤ وروى المفسرون روايات عديدة متقاربة المدى مختلفة الصيغ في سبب نزول الشطر الثاني من الآية. ومن ذلك حديث رواه البخاري عن عائشة قالت ( هلكت قلادة لأسماء فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبها رجالا، فحضرت الصلاة وليسوا على وضوء، ولم يجدوا ماء فصلوا على غير وضوء. فأنزل الله آية التيمم ) ٥ ومن ذلك رواية يرويها الطبري تذكر أنه نال أصحاب رسول الله جراحة، ففشت فيهم، ثم ابتلوا بالجنابة فشكوا إلى رسول الله فنزلت وإن كنتم مرضى. ورواية أخرى يرويها الطبري أيضا أنه كان للنبي خادم اسمه :الأسلع فناداه ليلة يا أسلع، قم فارحل لي. فقال :يا رسول الله أصابتني جنابة، فأتاه جبريل بآية الصعيد، فناداه أن قم فتيمم، ووصف له ضربتين للتيمم واحدة للوجه، وواحدة لليدين إلى المرفقين، ثم مروا على ما فأمره أن يغتسل. وهذه الرواية تفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر أيضا.
والأحاديث والروايات تفيد أن الآية نزلت مجزأة وفي مناسبات متعددة أنها وحدة تامة كما تبدو. وفيها نقاط أخرى لم ترد في الروايات والأحاديث مثل ملامسة النساء وعبور المساجد. وهذا يسوغ القول :إن الآية نزلت مرة واحدة واحتوت مواضيع متناسبة.
ولا يمنع هذا بطبيعة الحال أن تكون المناسبات المروية صحيحة، فكانت سببا لنزول الآية جامعة لما كان، ولما يفرض أن يكون ليكون الموضوع تاما.
ثانيا :والآية بعد فصل جديد وتام. وهذا النوع من الآيات التشريعية غير نادر في النظم القرآني، وقد مر منه أمثلة في سورة البقرة. وفي هذه السورة. والتناسب قائم بين الآية والآيات السابقة من ناحية كون الجميع فصولا تشريعية. ومن المحتمل أن تكون نزلت بعد الفصل السابق لها فوضعت بعده للمناسبة الظرفية والموضوعية.
ومن المحتمل أن تكون نزلت في ظرف، فوضعت بعده المناسبة الموضوعية.
ثالثا :إن النهي عن الصلاة في حالة السكر في الآية يأتي كخطوة تشريعية ثانية في الخمر. والخطوة الأولى جاء في آية سورة البقرة ( ٢١٩ ) التي ذكرت أن إثم الخمر أكبر من نفعها. وقد عرض القرآن المكي بآثار خمر الدنيا وما تحدثه من أعراض كريهة ضارة أكثر من مرة في سياق وصفه خمر الآخرة وكونها مبرأة من ذلك. وهذه الخطوة الثانية ليست حاسمة أيضا ؛ لأنها إنما تنهى عن الصلاة في حالة السكر التي تنجم عن شرب الخمر. وقد نزل التشريع الحاسم الأمر بالانتهاء من شربها والجامع في الإثم بينها وبين الميسر والأنصاب والأزلام بعد مدة ما من هذه الآية في سورة المائدة. وفي هذا مشهد من مشاهد التطور التشريعي، ودليل على تأصل تعاطي الخمر وشيوعه والانتفاع به اقتصاديا، حتى اقتضت حكمة التنزيل هذا التدرج.
رابعا :إن الأمر بالاغتسال من الجنابة يأتي هنا لأول مرة. وقد تكرر مرة ثانية في سورة المائدة في صيغة ( وإن كنتم جنبا فاطهروا ) ( ٦ ) وهذه وتلك من الآيات المدنية. وليس هناك حديث يمكن وصفه بأنه مكي الصدور عن النبي صلى الله عليه وسلم يوجب الاغتسال من الجنابة. غير أن المفسر القاسمي ينقل عن ابن عبد البر قوله :إن أهل السير متفقون على أن الغسل من الجنابة قد فرض في مكة وإن هذا مما لا يجهله عالم. وهناك حديث يرويه أبو داود والترمذي عن أبي كعب جاء فيه ( إن الفتيا التي يفتون بها إنما الماء من الماء كانت رخصة رخصها النبي صلى الله عليه وسلم في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد ) وجملة إنما الماء من الماء تفيد أن نزول المني هو الذي يكون به الجنابة، ويوجب الاغتسال. والحديث يفيد أن هذا التشريع نبوي مكي. ولعل العلماء الذين يحكي ابن عبد البر اتفاقهم استندوا إلى هذا الحديث.
وشراح الحديث يذكرون أن الحديث يعني أن النبي أوجب في بدء الإسلام الاغتسال إذا ما حدث إنزال في جماع ثم أوجبه في حالة الجماع مطلقا ولو بدون إنزال. وليس هناك ما يمكن الاستناد إليه فيما اطلعنا عليه في ما إذا كان أمر النبي بالاغتسال من الجماع، ولو لم يكن إنزال مكيا. وهناك حديث في ذلك رواه مسلم عن عائشة قالت ( إن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجامع أهله، ثم يكسل هل عليهما الغسل وعائشة جالسة فقال رسول الله إني لأفعل ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل ) ٦ وهذا الحديث مدني يقينا. وصار الاغتسال من الجماع بدون إنزال على كل حال تشريعا.
على أن قول الشراح :إن معنى إنما الماء من الماء هو :إيجاب الغسل إذا نزل مني في الجماع محل نظر في ما نرى. ونرى الأوجه، والله أعلم أن يؤخذ الكلام على ظاهره، فيكون نزول المني في غير حالة الجماع أيضا موجبا للاغتسال. وإذا صح هذا فيكون أيضا تشريعا تبعا لأصل الحديث الذي يذكر أن الفتيا بأن الماء من الماء كان في بدء الإسلام.
وننبه أن هناك أحاديث صريحة باعتبار نزول الماء في الاحتلام حالة جنابة وبإيجاب الاغتسال من ذلك حديث رواه البخاري ومسلم جاء فيه ( إن أم سليم جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت :يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة غسل إذا احتلمت قال :نعم إذا رأت الماء ) ٧ وحديث رواه أبو داود والترمذي عن عائشة قالت ( سئل النبي عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما قال :يغتسل. وعن الرجل أنه قد احتلم ولا يجد ماء قال لا غسل عليه. فقالت أم سليم :المرأة ترى ذلك أعليها غسل قال :نعم. إنما النساء شقائق الرجال ) ٨ والأحاديث مدنية الصدور. ولكنها لا تفيد أن التشريع النبوي جديد لأمر لم يكن، ويجوز أن يكون استمرارا للجاري منذ بدء الإسلام الذي أساسه ( إنما الماء من الماء ) ولم نطلع على حديث نبوي في صدد الإنزال في اليقظة نتيجة للتهيج الجنسي. ويقاس هذا على نزول الماء في الاحتلام، بل يكون الأوجب للاغتسال. والله تعالى اعلم.
وهناك أحاديث نبوية توجب الغسل، ولو لم يكن إنزال إذا التقى الختانان. من ذلك حديث رواه الخمسة إلا الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها وجب الغسل وفي رواية وإن لم ينزل وفي رواية ومس الختان بالختان ) ٩ وحديث رواه الترمذي عن عائشة قالت ( إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا ) ١٠ فصار هذا بدوره تشريعا وفي حكم الجنابة. والأحاديث مدنية الصدور، ولا يمكن الجزم بما إذا كان الأمر استمرار لما كان جاريا في العهد المكي.
وهناك أحاديث عن المذي الذي يخرج من ذكر الرجل حين يدنو من أهله. وهو غير المني الذي ينقذف في الجماع أو الاحتلام أو اشتداد الشهوة تسوغ المناسبة إيرادها. منها حديث يرويه الإمام مالك عن المقداد ابن الأسود قال ( سئل رسول الله عنه فقال :إذا وجد ذلك أحدكم فلينضح فرجه، وليتوضأ وضوءه للصلاة ) ١١ وحديث آخر يرويه نفس الإمام عن زيد ابن أسلم عن أبيه أن عمر ابن الخطاب قال ( إني لأجده ينحدر مني مثل الحريرة، فإذا وجد ذلك أحدكم فليغسل ذكره وليتوضأ وضوءه للصلاة يعني المذي ) ١٢. ولقد تكفلت السنة النبوية في بيان كيفية الاغتسال من الجنابة. من ذلك حديث رواه الخمسة عن ميمونة قالت :( وضعت للنبي صلى الله عليه وسلم ماء للغسل فغسل يديه مرتين أو ثلاثا ثم أفرغ على شماله فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض ثم مضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول عن مكانه فغسل قدميه وفي رواية ثم غسل رأسه ثلاثا، وفي رواية فأتيته بخرقة فلم يردها فجعل ينفض الماء بيده ) ١٣ وحديث رواه الخمسة عن عائشة قالت ( كان رسول الله إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه ) ١٤ وحديث رواه الخمسة عن أم سلمة إلا البخاري قالت ( قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة. قال :لا. إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين ) ١٥.
وهناك أحاديث مهمة في صدد السلوك في حالة الجنابة من المفيد إيرادها.
منها حديث رواه الخمسة عن أبي هريرة قال ( لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة في طريق من طرق المدينة وأنا جنب فاختنست. وفي رواية :فانسللت فذهبت فاغتسلت ثم جئت فقال :أين كنت يا أبا هريرة قلت :إني كنت جنبا فكرهت أن أجالسك على غير طهارة قال سبحان الله إن المسلم لا ينجس ) ١٦ وحديث رواه الخمسة أيضا عن عائشة قالت ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان جنبا، فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة ) ١٧ وحد
١ فارغ؟؟؟؟؟.
٢ سيأتي شرح لمدى جملة (عابري سبيل).
٣ انظر الطبري والبغوي وابن كثير والخازن والطبرسي والقاسمي ورشيد رضا الخ.
٤ انظر الطبري والبغوي وابن كثير والخازن.
٥ التاج ج ٤ ص ٨٢ و ٨٣.
٦ التاج ج ١ ص٩٦و ٩٧.
٧ المصدر نفسه.
٨ المصدر نفسه ص ٩٦ و ٩٧.
٩ التاج ج ١ ص ٩٦.
١٠ المصدر نفسه.
١١ الموطأ ج ١ ص ٢١.
١٢ المصدر نفسه.
١٣ التاج ج ١ ص ١٠١.
١٤ المصدر نفسه.
١٥ المصدر نفسه ص ١٠٢ و ١٠٣.
١٦ المصدر نفسه.
١٧ المصدر نفسه.
( ١ ) يشترون الضلالة :أول المؤولون الجملة بمعنى يختارون الضلالة ويتعمدونها ويستبدلونها بالهدى. وهو وجيه ومتسق مع ما جاء في آيات عديدة مثل آيات البقرة ( ١٦ و ٤١ ) وآل عمران ( ٧٧ ).
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ( ١ ) وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ( ٤٤ ) وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرًا ( ٤٥ ) مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ( ٢ ) وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ( ٣ ) وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( ٤٦ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً ( ٤٧ ) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ به وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ( ٤٨ ) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً( ٤ ) ( ٤٩ ) انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى به إِثْمًا مُّبِينًا ( ٥٠ )أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ( ٥ ) وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً ( ٥١ ) أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ( ٥٢ ) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا( ٦ ) ( ٥٣ ) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ( ٥٤ ) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ به وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ( ٥٥ ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ( ٥٦ ) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً ( ٥٧ ) ﴾
تعليق على الآية
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ) الخ.
وما بعدها لآخر الآية ( ٥٧ )
عبارة الآيات واضحة. وفيها إشارات تنديدية إلى مواقف عداء وكيد وكفر وهزء وتمرد وتآمر بدرت من اليهود وحملة شديدة عليهم بسببها وكشف عن أخلاقهم وطبائعهم الكريهة ودعوة مجددة لهم إلى الإيمان بالرسالة المحمدية التي جاءت مصدقة لما معهم والسير في طريق الإخلاص والصلاح، وتذكير بما كان من نكال الله لأهل السبت منهم وإنذار بنكال مماثل إذا لم يستجيبوا بالإضافة إلى النار الأخروية الدائمة الرهيبة.
وهي فصل جديد لا يبدو أن له صلة بالفصول السابقة. وقد روى المفسرون روايات عديدة في مناسبة نزولها١ من ذلك أن الآيات الثلاث الأولى نزلت في صدد ما كان اليهود يستعملونه من أساليب الخطاب التي كانوا يقصدون بها السخرية بالنبي والطعن في دينه ويقولون :إنه لو كان نبيا لعرف ذلك. وقد ذكروا في سياق ذلك اسم رفاعه ابن التابوت من زعمائهم وقالوا :إنه كان يلوي لسانه سخرية بالنبي ويطعن في الإسلام. وأن الآية الرابعة نزلت في صدد دعوة بعض أحبار اليهود أو يهود بني قينقاع إلى الإيمان وإبائهم. وأن الآية الخامسة نزلت في وحشي الحبشي قاتل حمزة ورفاق له، وكتبوا للنبي من مكة أنهم يريدون أن يتبعوه إذا كانت رحمة الله تتسع لذنوبهم، وفي رواية أنها نزلت جوابا على سؤال رجل من المسلمين عن احتمال غفران الله للشرك حينما نزلت الآية ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) ( ٥٣ ) من سورة الزمر حيث سكت النبي عن الجواب فأعاد الرجل سؤاله مرتين ثانيتين فنزلت. وأن الآيتين السادسة والسابعة نزلتا في رجال من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي فسألوه :هل على هؤلاء من ذنب ؟ فقال :لا. فقالوا :ما نحن إلا كهيئتهم ما عملناه بالنهار يكفر عنا بالليل وما علمناه بالليل يكفر عنا بالنهار ؛ لأننا أحباء الله. وأن الآيتين الثامنة والتاسعة نزلتا في وفد زعماء من اليهود ذهبوا إلى مكة برئاسة زعماء بني النضير الذين تزعموا يهود خيبر بعد إجلائهم من المدينة ليحرضوا قريشا على النبي والمسلمين ويتحالفون معهم، فطلب القرشيون أن يسجدوا لأصنامهم، فأجابوهم وسألوهم بصفتهم أهل علم وكتاب عمن هو الأهدى أهم أم محمد ؟ فقالوا لهم :إنهم هم الأهدى وحلفوا لهم عند أصنامهم على وعدهم بنصرتهم عليه. وألصقوا أكبادهم بالأصنام كالمشركين. وأن الآية العاشرة نزلت بمناسبة انتقاد اليهود النبي على ما صار من تبدل حاله من ضعف إلى قوة وما صار يسير فيه من مظاهر السلطان أو بمناسبة ما ظهر منهم من حسد وغيظ مما آتى الله نبيه وأصحابه من نصر وفضل وهدى.
وليس شيء من هذه الروايات واردا في كتب الصحاح من جهة، ومنها ما لا يستقيم مع موضوع الآيات وروحها وظروف نزولها من جهة أخرى وإن كان بعضها يتسق إجمالا مع مضمون الآيات ورواية نزول الآية في وحشي ورفاقه أوردت في سياق آيات الزمر ( ٥٤ـ ٥٩ ) وقد فندناها ونبهنا على عدم اتساقها مع روح الآية وظروفها.
والذي يتبادر لنا ويلهمه أسلوب الآيات ونظمها وانسجامها أنها سلسة تامة نزلت فصلا واحدا في حق اليهود. وهذا لا يمنع أن يكون قد بدر من اليهود بوادر عديدة في مناسبات مختلفة مما روته وما لم تروه. فجاءت الآيات تنعى عليهم وتندد بهم وتفضحهم وتنذرهم في سياق مناسبة من المناسبات لا نستطيع أن نعينها بجزم وإن كنا نظن أنها مناسبة ذهاب وفد اليهود إلى مكة لتحريض القريشيين على النبي والمسلمين وما فعلوه في مكة وما قالوه لقريش على ما ذكرته الروايات، وفيه اتساق لمضمون الآية ( ٥١ ) وهي أشد المناسبات استدعاء للحملة عليهم والتنديد بهم وإنذارهم بهذا الأسلوب القارع الذي جاء في الآيات. وقد يبدو لأول وهلة أن الآية ( ٤٨ ) لا صلة لها باليهود، غير أن المناسبة المذكورة تجعل صلتها بهم قائمة بل شديدة. فقد أعلنوا أيمانهم بالأصنام وحلفوا عندها وتبركوا بها أو سجدوا لها وقالوا لقريش المشركين :إنهم أهدى من محمد وهو الداعي إلى وحدة الله ومكارم الأخلاق. فجاءت الآية لتعظم جريمة الشرك ولتشير إلى هذا الموقف الشركي البشع ولتقول :إن الله وإن كان غفورا يغفر كل ذنب فهو لا يمكن أن يغفر ذنب الشرك به.
وننبه على أن في هذه السورة آية أخرى قريبة للآية ( ٤٨ ) وهي الآية ( ١١٦ ) غير أن هذه جاءت في سياق آخر ومدى آخر متصلين بالشرك العربي فكان أن اقتضت حكمة التنزيل التكرار. وبينما وصف مشركو العرب في الآية ( ١١٦ ) بأنهم ضلوا ضلالا بعيدا وصف اليهود في الآية ( ٤٨ ) بأنهم افتروا إثما عظيما فتناسق الوصف مع كل من الفريقين.
وجملة ( انظر كيف يفترون على الله الكذب ) بعد التنديد بالذين يزكون أنفسهم بدون تعيين هويتهم تعيين هذه الهوية وكونهم اليهود ؛ لأنهم كانوا يقولون نحن أحباء الله وأبناؤه وشعبه المختار الذين يرعاهم وهو رب إسرائيل٢ فكذبتهم الآية وأعلنت أن هذا افتراء على الله تعالى.
وهذا الفصل يدل على استمرار اليهود في مواقفهم التي وقفوها منذ قدوم النبي صلى الله عليه وسلم من مكة صدا عن سبيل الله ومكايدة وتشكيكا ووسوسة وتآمر وسوء أدب وهزء مع الزهو والتبجح وعريض الدعوى مما احتوته الفصول العديدة الطويلة في سورتي البقرة وآل عمران بتفصيل أكثره، وتدل على أن هذا الاستمرار إنما كان ينشأ عن الغيظ الذي أكل صدورهم من انتشار دعوة النبي وتوطد أمره وسلطانه وعلى أن هذه المواقف كانت تحدث بعض النتائج المؤذية نفسيا وظرفيا للنبي والمسلمين.
ولعل أشنع ما حكته عنهم الآيات وأبشعه أن يدفعهم الحقد والحسد والعداء إلى الإيمان بالأصنام والسجود لها وعدم التورع عن الشهادة الفاجرة بأن المشركين هم أهدى من المسلمين الموحدين. وهو موقف يدمغهم بطابع من العار لا يمكن أن يمحى.
ومن المعلوم أن اليهود في المدينة كانوا ثلاث قبائل أو كتل وهي بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. وقد أجلي بنو قينقاع في السنة الثانية، وبنو النضير في السنة الثالثة، ونكل ببني قريظة في السنة الخامسة للهجرة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأنفال والحشر والأحزاب. ولا بد من أن يكون هذا الفصل قد نزل وبعض هؤلاء موجود في المدينة يواجه النبي والمسلمين ويقف منهم هذه المواقف التي ذكرتها الآيات ؛ لأن الحملة لا يكون لها مكان لو كان نزل بعد جلاء جميع اليهود عن المدينة.
ورواية وفد اليهود إلى مكة تذكر أنهم كانوا زعماء بني النضير الذين حلوا بعد جلائهم عن المدينة في خيبر وتزعموا يهودها وقد نتج عن ذلك زحف الأحزاب على المدينة ومظاهرة بني قريظة لها على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب. وهكذا يمكن أن يقال :إن هذا الفصل نزل قبل التنكيل ببني قريظة، وأنه قد يكون شاملا في إنذاره وتنديده ليهود خيبر وزعماء بني النضير الذين تزعموهم أيضا. بل ليس هناك ما يمنع أن يكون نزل قبل جلاء بني النضير، وأن ما روي من مواقف الوفد اليهودي وأقواله في مكة كان في مناسبة أخرى والله أعلم. وروايات السيرة٣ تذكر أن زعماء بني النضير جاؤوا من خيبر إلى المدينة وألحوا على بني قريظة الذين بقوا فيها حتى نقضوا عهدهم مع النبي والمسلمين، وأن النبي زحف عليهم ونكل بهم عقب ارتداد الأحزاب عن المدينة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب.
وحكمة وضع هذا الفصل في مكانه من السورة خافية علينا ؛ لأنه لا يبدو له صلة بما سبقه وبما لحقه من آيات إلا أن يكون نزل بعد الآية السابقة له مباشرة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضعه بعدها للمناسبة الظرفية.
وعلى كل حال فهو مثال آخر مما ذكره في مقدمة السورة عن كيفية تأليفها ؛ حيث يرجح أنه نزل قبل فصل وقعتي الأحزاب وبني قريظة اللتين ذكرتا في سورة الأحزاب المتقدمة على هذه السورة في روايات النزول.
وآيات الفصل تحتوي وصفا قويا لأخلاق اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم من خبث ومكر وكيد ودس وتحريف كلام وليّ لسان وتبجح وزهو وغرور وتزكية نفس وسوء أدب وبخل بأي شيء مهما تفه على أي غريب وحسد لأية نعمة وخير وفضل يصيب غيرهم وطمع بما في أيدي غيرهم مع ما تفضل الله عليهم وعلى آبائهم من خيرات وبركات وملك عظيم، وعدم تورع عن أي تناقض مهما كان شديد البشاعة قوي الخزي ب
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ( ١ ) وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ( ٤٤ ) وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرًا ( ٤٥ ) مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ( ٢ ) وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ( ٣ ) وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( ٤٦ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً ( ٤٧ ) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ به وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ( ٤٨ ) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً( ٤ ) ( ٤٩ ) انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى به إِثْمًا مُّبِينًا ( ٥٠ )أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ( ٥ ) وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً ( ٥١ ) أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ( ٥٢ ) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا( ٦ ) ( ٥٣ ) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ( ٥٤ ) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ به وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ( ٥٥ ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ( ٥٦ ) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً ( ٥٧ ) ﴾
تعليق على الآية
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ) الخ.
وما بعدها لآخر الآية ( ٥٧ )
عبارة الآيات واضحة. وفيها إشارات تنديدية إلى مواقف عداء وكيد وكفر وهزء وتمرد وتآمر بدرت من اليهود وحملة شديدة عليهم بسببها وكشف عن أخلاقهم وطبائعهم الكريهة ودعوة مجددة لهم إلى الإيمان بالرسالة المحمدية التي جاءت مصدقة لما معهم والسير في طريق الإخلاص والصلاح، وتذكير بما كان من نكال الله لأهل السبت منهم وإنذار بنكال مماثل إذا لم يستجيبوا بالإضافة إلى النار الأخروية الدائمة الرهيبة.
وهي فصل جديد لا يبدو أن له صلة بالفصول السابقة. وقد روى المفسرون روايات عديدة في مناسبة نزولها١ من ذلك أن الآيات الثلاث الأولى نزلت في صدد ما كان اليهود يستعملونه من أساليب الخطاب التي كانوا يقصدون بها السخرية بالنبي والطعن في دينه ويقولون :إنه لو كان نبيا لعرف ذلك. وقد ذكروا في سياق ذلك اسم رفاعه ابن التابوت من زعمائهم وقالوا :إنه كان يلوي لسانه سخرية بالنبي ويطعن في الإسلام. وأن الآية الرابعة نزلت في صدد دعوة بعض أحبار اليهود أو يهود بني قينقاع إلى الإيمان وإبائهم. وأن الآية الخامسة نزلت في وحشي الحبشي قاتل حمزة ورفاق له، وكتبوا للنبي من مكة أنهم يريدون أن يتبعوه إذا كانت رحمة الله تتسع لذنوبهم، وفي رواية أنها نزلت جوابا على سؤال رجل من المسلمين عن احتمال غفران الله للشرك حينما نزلت الآية ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) ( ٥٣ ) من سورة الزمر حيث سكت النبي عن الجواب فأعاد الرجل سؤاله مرتين ثانيتين فنزلت. وأن الآيتين السادسة والسابعة نزلتا في رجال من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي فسألوه :هل على هؤلاء من ذنب ؟ فقال :لا. فقالوا :ما نحن إلا كهيئتهم ما عملناه بالنهار يكفر عنا بالليل وما علمناه بالليل يكفر عنا بالنهار ؛ لأننا أحباء الله. وأن الآيتين الثامنة والتاسعة نزلتا في وفد زعماء من اليهود ذهبوا إلى مكة برئاسة زعماء بني النضير الذين تزعموا يهود خيبر بعد إجلائهم من المدينة ليحرضوا قريشا على النبي والمسلمين ويتحالفون معهم، فطلب القرشيون أن يسجدوا لأصنامهم، فأجابوهم وسألوهم بصفتهم أهل علم وكتاب عمن هو الأهدى أهم أم محمد ؟ فقالوا لهم :إنهم هم الأهدى وحلفوا لهم عند أصنامهم على وعدهم بنصرتهم عليه. وألصقوا أكبادهم بالأصنام كالمشركين. وأن الآية العاشرة نزلت بمناسبة انتقاد اليهود النبي على ما صار من تبدل حاله من ضعف إلى قوة وما صار يسير فيه من مظاهر السلطان أو بمناسبة ما ظهر منهم من حسد وغيظ مما آتى الله نبيه وأصحابه من نصر وفضل وهدى.
وليس شيء من هذه الروايات واردا في كتب الصحاح من جهة، ومنها ما لا يستقيم مع موضوع الآيات وروحها وظروف نزولها من جهة أخرى وإن كان بعضها يتسق إجمالا مع مضمون الآيات ورواية نزول الآية في وحشي ورفاقه أوردت في سياق آيات الزمر ( ٥٤ـ ٥٩ ) وقد فندناها ونبهنا على عدم اتساقها مع روح الآية وظروفها.
والذي يتبادر لنا ويلهمه أسلوب الآيات ونظمها وانسجامها أنها سلسة تامة نزلت فصلا واحدا في حق اليهود. وهذا لا يمنع أن يكون قد بدر من اليهود بوادر عديدة في مناسبات مختلفة مما روته وما لم تروه. فجاءت الآيات تنعى عليهم وتندد بهم وتفضحهم وتنذرهم في سياق مناسبة من المناسبات لا نستطيع أن نعينها بجزم وإن كنا نظن أنها مناسبة ذهاب وفد اليهود إلى مكة لتحريض القريشيين على النبي والمسلمين وما فعلوه في مكة وما قالوه لقريش على ما ذكرته الروايات، وفيه اتساق لمضمون الآية ( ٥١ ) وهي أشد المناسبات استدعاء للحملة عليهم والتنديد بهم وإنذارهم بهذا الأسلوب القارع الذي جاء في الآيات. وقد يبدو لأول وهلة أن الآية ( ٤٨ ) لا صلة لها باليهود، غير أن المناسبة المذكورة تجعل صلتها بهم قائمة بل شديدة. فقد أعلنوا أيمانهم بالأصنام وحلفوا عندها وتبركوا بها أو سجدوا لها وقالوا لقريش المشركين :إنهم أهدى من محمد وهو الداعي إلى وحدة الله ومكارم الأخلاق. فجاءت الآية لتعظم جريمة الشرك ولتشير إلى هذا الموقف الشركي البشع ولتقول :إن الله وإن كان غفورا يغفر كل ذنب فهو لا يمكن أن يغفر ذنب الشرك به.
وننبه على أن في هذه السورة آية أخرى قريبة للآية ( ٤٨ ) وهي الآية ( ١١٦ ) غير أن هذه جاءت في سياق آخر ومدى آخر متصلين بالشرك العربي فكان أن اقتضت حكمة التنزيل التكرار. وبينما وصف مشركو العرب في الآية ( ١١٦ ) بأنهم ضلوا ضلالا بعيدا وصف اليهود في الآية ( ٤٨ ) بأنهم افتروا إثما عظيما فتناسق الوصف مع كل من الفريقين.
وجملة ( انظر كيف يفترون على الله الكذب ) بعد التنديد بالذين يزكون أنفسهم بدون تعيين هويتهم تعيين هذه الهوية وكونهم اليهود ؛ لأنهم كانوا يقولون نحن أحباء الله وأبناؤه وشعبه المختار الذين يرعاهم وهو رب إسرائيل٢ فكذبتهم الآية وأعلنت أن هذا افتراء على الله تعالى.
وهذا الفصل يدل على استمرار اليهود في مواقفهم التي وقفوها منذ قدوم النبي صلى الله عليه وسلم من مكة صدا عن سبيل الله ومكايدة وتشكيكا ووسوسة وتآمر وسوء أدب وهزء مع الزهو والتبجح وعريض الدعوى مما احتوته الفصول العديدة الطويلة في سورتي البقرة وآل عمران بتفصيل أكثره، وتدل على أن هذا الاستمرار إنما كان ينشأ عن الغيظ الذي أكل صدورهم من انتشار دعوة النبي وتوطد أمره وسلطانه وعلى أن هذه المواقف كانت تحدث بعض النتائج المؤذية نفسيا وظرفيا للنبي والمسلمين.
ولعل أشنع ما حكته عنهم الآيات وأبشعه أن يدفعهم الحقد والحسد والعداء إلى الإيمان بالأصنام والسجود لها وعدم التورع عن الشهادة الفاجرة بأن المشركين هم أهدى من المسلمين الموحدين. وهو موقف يدمغهم بطابع من العار لا يمكن أن يمحى.
ومن المعلوم أن اليهود في المدينة كانوا ثلاث قبائل أو كتل وهي بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. وقد أجلي بنو قينقاع في السنة الثانية، وبنو النضير في السنة الثالثة، ونكل ببني قريظة في السنة الخامسة للهجرة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأنفال والحشر والأحزاب. ولا بد من أن يكون هذا الفصل قد نزل وبعض هؤلاء موجود في المدينة يواجه النبي والمسلمين ويقف منهم هذه المواقف التي ذكرتها الآيات ؛ لأن الحملة لا يكون لها مكان لو كان نزل بعد جلاء جميع اليهود عن المدينة.
ورواية وفد اليهود إلى مكة تذكر أنهم كانوا زعماء بني النضير الذين حلوا بعد جلائهم عن المدينة في خيبر وتزعموا يهودها وقد نتج عن ذلك زحف الأحزاب على المدينة ومظاهرة بني قريظة لها على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب. وهكذا يمكن أن يقال :إن هذا الفصل نزل قبل التنكيل ببني قريظة، وأنه قد يكون شاملا في إنذاره وتنديده ليهود خيبر وزعماء بني النضير الذين تزعموهم أيضا. بل ليس هناك ما يمنع أن يكون نزل قبل جلاء بني النضير، وأن ما روي من مواقف الوفد اليهودي وأقواله في مكة كان في مناسبة أخرى والله أعلم. وروايات السيرة٣ تذكر أن زعماء بني النضير جاؤوا من خيبر إلى المدينة وألحوا على بني قريظة الذين بقوا فيها حتى نقضوا عهدهم مع النبي والمسلمين، وأن النبي زحف عليهم ونكل بهم عقب ارتداد الأحزاب عن المدينة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب.
وحكمة وضع هذا الفصل في مكانه من السورة خافية علينا ؛ لأنه لا يبدو له صلة بما سبقه وبما لحقه من آيات إلا أن يكون نزل بعد الآية السابقة له مباشرة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضعه بعدها للمناسبة الظرفية.
وعلى كل حال فهو مثال آخر مما ذكره في مقدمة السورة عن كيفية تأليفها ؛ حيث يرجح أنه نزل قبل فصل وقعتي الأحزاب وبني قريظة اللتين ذكرتا في سورة الأحزاب المتقدمة على هذه السورة في روايات النزول.
وآيات الفصل تحتوي وصفا قويا لأخلاق اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم من خبث ومكر وكيد ودس وتحريف كلام وليّ لسان وتبجح وزهو وغرور وتزكية نفس وسوء أدب وبخل بأي شيء مهما تفه على أي غريب وحسد لأية نعمة وخير وفضل يصيب غيرهم وطمع بما في أيدي غيرهم مع ما تفضل الله عليهم وعلى آبائهم من خيرات وبركات وملك عظيم، وعدم تورع عن أي تناقض مهما كان شديد البشاعة قوي الخزي ب
( ٢ ) اسمع غير مسمع :قيل إنها كلمة هجو بمعنى :اسمع لا سمعت. وقيل :إنها كلمة تمرد بمعنى اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه.
( ٣ ) راعنا ليا بألسنتهم :كانوا يلوون ألسنتهم بكلمة راعنا لتكون بمعنى الرعونة استهزاء بالنبي. وفي سورة البقرة آية من هذا الباب نهى المسلمون فيها عن ترديد هذه الكلمة تقليدا لليهود وهي الآية ( ١٠٤ ).
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ( ١ ) وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ( ٤٤ ) وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرًا ( ٤٥ ) مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ( ٢ ) وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ( ٣ ) وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( ٤٦ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً ( ٤٧ ) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ به وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ( ٤٨ ) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً( ٤ ) ( ٤٩ ) انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى به إِثْمًا مُّبِينًا ( ٥٠ )أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ( ٥ ) وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً ( ٥١ ) أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ( ٥٢ ) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا( ٦ ) ( ٥٣ ) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ( ٥٤ ) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ به وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ( ٥٥ ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ( ٥٦ ) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً ( ٥٧ ) ﴾
تعليق على الآية
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ) الخ.
وما بعدها لآخر الآية ( ٥٧ )
عبارة الآيات واضحة. وفيها إشارات تنديدية إلى مواقف عداء وكيد وكفر وهزء وتمرد وتآمر بدرت من اليهود وحملة شديدة عليهم بسببها وكشف عن أخلاقهم وطبائعهم الكريهة ودعوة مجددة لهم إلى الإيمان بالرسالة المحمدية التي جاءت مصدقة لما معهم والسير في طريق الإخلاص والصلاح، وتذكير بما كان من نكال الله لأهل السبت منهم وإنذار بنكال مماثل إذا لم يستجيبوا بالإضافة إلى النار الأخروية الدائمة الرهيبة.
وهي فصل جديد لا يبدو أن له صلة بالفصول السابقة. وقد روى المفسرون روايات عديدة في مناسبة نزولها١ من ذلك أن الآيات الثلاث الأولى نزلت في صدد ما كان اليهود يستعملونه من أساليب الخطاب التي كانوا يقصدون بها السخرية بالنبي والطعن في دينه ويقولون :إنه لو كان نبيا لعرف ذلك. وقد ذكروا في سياق ذلك اسم رفاعه ابن التابوت من زعمائهم وقالوا :إنه كان يلوي لسانه سخرية بالنبي ويطعن في الإسلام. وأن الآية الرابعة نزلت في صدد دعوة بعض أحبار اليهود أو يهود بني قينقاع إلى الإيمان وإبائهم. وأن الآية الخامسة نزلت في وحشي الحبشي قاتل حمزة ورفاق له، وكتبوا للنبي من مكة أنهم يريدون أن يتبعوه إذا كانت رحمة الله تتسع لذنوبهم، وفي رواية أنها نزلت جوابا على سؤال رجل من المسلمين عن احتمال غفران الله للشرك حينما نزلت الآية ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) ( ٥٣ ) من سورة الزمر حيث سكت النبي عن الجواب فأعاد الرجل سؤاله مرتين ثانيتين فنزلت. وأن الآيتين السادسة والسابعة نزلتا في رجال من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي فسألوه :هل على هؤلاء من ذنب ؟ فقال :لا. فقالوا :ما نحن إلا كهيئتهم ما عملناه بالنهار يكفر عنا بالليل وما علمناه بالليل يكفر عنا بالنهار ؛ لأننا أحباء الله. وأن الآيتين الثامنة والتاسعة نزلتا في وفد زعماء من اليهود ذهبوا إلى مكة برئاسة زعماء بني النضير الذين تزعموا يهود خيبر بعد إجلائهم من المدينة ليحرضوا قريشا على النبي والمسلمين ويتحالفون معهم، فطلب القرشيون أن يسجدوا لأصنامهم، فأجابوهم وسألوهم بصفتهم أهل علم وكتاب عمن هو الأهدى أهم أم محمد ؟ فقالوا لهم :إنهم هم الأهدى وحلفوا لهم عند أصنامهم على وعدهم بنصرتهم عليه. وألصقوا أكبادهم بالأصنام كالمشركين. وأن الآية العاشرة نزلت بمناسبة انتقاد اليهود النبي على ما صار من تبدل حاله من ضعف إلى قوة وما صار يسير فيه من مظاهر السلطان أو بمناسبة ما ظهر منهم من حسد وغيظ مما آتى الله نبيه وأصحابه من نصر وفضل وهدى.
وليس شيء من هذه الروايات واردا في كتب الصحاح من جهة، ومنها ما لا يستقيم مع موضوع الآيات وروحها وظروف نزولها من جهة أخرى وإن كان بعضها يتسق إجمالا مع مضمون الآيات ورواية نزول الآية في وحشي ورفاقه أوردت في سياق آيات الزمر ( ٥٤ـ ٥٩ ) وقد فندناها ونبهنا على عدم اتساقها مع روح الآية وظروفها.
والذي يتبادر لنا ويلهمه أسلوب الآيات ونظمها وانسجامها أنها سلسة تامة نزلت فصلا واحدا في حق اليهود. وهذا لا يمنع أن يكون قد بدر من اليهود بوادر عديدة في مناسبات مختلفة مما روته وما لم تروه. فجاءت الآيات تنعى عليهم وتندد بهم وتفضحهم وتنذرهم في سياق مناسبة من المناسبات لا نستطيع أن نعينها بجزم وإن كنا نظن أنها مناسبة ذهاب وفد اليهود إلى مكة لتحريض القريشيين على النبي والمسلمين وما فعلوه في مكة وما قالوه لقريش على ما ذكرته الروايات، وفيه اتساق لمضمون الآية ( ٥١ ) وهي أشد المناسبات استدعاء للحملة عليهم والتنديد بهم وإنذارهم بهذا الأسلوب القارع الذي جاء في الآيات. وقد يبدو لأول وهلة أن الآية ( ٤٨ ) لا صلة لها باليهود، غير أن المناسبة المذكورة تجعل صلتها بهم قائمة بل شديدة. فقد أعلنوا أيمانهم بالأصنام وحلفوا عندها وتبركوا بها أو سجدوا لها وقالوا لقريش المشركين :إنهم أهدى من محمد وهو الداعي إلى وحدة الله ومكارم الأخلاق. فجاءت الآية لتعظم جريمة الشرك ولتشير إلى هذا الموقف الشركي البشع ولتقول :إن الله وإن كان غفورا يغفر كل ذنب فهو لا يمكن أن يغفر ذنب الشرك به.
وننبه على أن في هذه السورة آية أخرى قريبة للآية ( ٤٨ ) وهي الآية ( ١١٦ ) غير أن هذه جاءت في سياق آخر ومدى آخر متصلين بالشرك العربي فكان أن اقتضت حكمة التنزيل التكرار. وبينما وصف مشركو العرب في الآية ( ١١٦ ) بأنهم ضلوا ضلالا بعيدا وصف اليهود في الآية ( ٤٨ ) بأنهم افتروا إثما عظيما فتناسق الوصف مع كل من الفريقين.
وجملة ( انظر كيف يفترون على الله الكذب ) بعد التنديد بالذين يزكون أنفسهم بدون تعيين هويتهم تعيين هذه الهوية وكونهم اليهود ؛ لأنهم كانوا يقولون نحن أحباء الله وأبناؤه وشعبه المختار الذين يرعاهم وهو رب إسرائيل٢ فكذبتهم الآية وأعلنت أن هذا افتراء على الله تعالى.
وهذا الفصل يدل على استمرار اليهود في مواقفهم التي وقفوها منذ قدوم النبي صلى الله عليه وسلم من مكة صدا عن سبيل الله ومكايدة وتشكيكا ووسوسة وتآمر وسوء أدب وهزء مع الزهو والتبجح وعريض الدعوى مما احتوته الفصول العديدة الطويلة في سورتي البقرة وآل عمران بتفصيل أكثره، وتدل على أن هذا الاستمرار إنما كان ينشأ عن الغيظ الذي أكل صدورهم من انتشار دعوة النبي وتوطد أمره وسلطانه وعلى أن هذه المواقف كانت تحدث بعض النتائج المؤذية نفسيا وظرفيا للنبي والمسلمين.
ولعل أشنع ما حكته عنهم الآيات وأبشعه أن يدفعهم الحقد والحسد والعداء إلى الإيمان بالأصنام والسجود لها وعدم التورع عن الشهادة الفاجرة بأن المشركين هم أهدى من المسلمين الموحدين. وهو موقف يدمغهم بطابع من العار لا يمكن أن يمحى.
ومن المعلوم أن اليهود في المدينة كانوا ثلاث قبائل أو كتل وهي بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. وقد أجلي بنو قينقاع في السنة الثانية، وبنو النضير في السنة الثالثة، ونكل ببني قريظة في السنة الخامسة للهجرة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأنفال والحشر والأحزاب. ولا بد من أن يكون هذا الفصل قد نزل وبعض هؤلاء موجود في المدينة يواجه النبي والمسلمين ويقف منهم هذه المواقف التي ذكرتها الآيات ؛ لأن الحملة لا يكون لها مكان لو كان نزل بعد جلاء جميع اليهود عن المدينة.
ورواية وفد اليهود إلى مكة تذكر أنهم كانوا زعماء بني النضير الذين حلوا بعد جلائهم عن المدينة في خيبر وتزعموا يهودها وقد نتج عن ذلك زحف الأحزاب على المدينة ومظاهرة بني قريظة لها على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب. وهكذا يمكن أن يقال :إن هذا الفصل نزل قبل التنكيل ببني قريظة، وأنه قد يكون شاملا في إنذاره وتنديده ليهود خيبر وزعماء بني النضير الذين تزعموهم أيضا. بل ليس هناك ما يمنع أن يكون نزل قبل جلاء بني النضير، وأن ما روي من مواقف الوفد اليهودي وأقواله في مكة كان في مناسبة أخرى والله أعلم. وروايات السيرة٣ تذكر أن زعماء بني النضير جاؤوا من خيبر إلى المدينة وألحوا على بني قريظة الذين بقوا فيها حتى نقضوا عهدهم مع النبي والمسلمين، وأن النبي زحف عليهم ونكل بهم عقب ارتداد الأحزاب عن المدينة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب.
وحكمة وضع هذا الفصل في مكانه من السورة خافية علينا ؛ لأنه لا يبدو له صلة بما سبقه وبما لحقه من آيات إلا أن يكون نزل بعد الآية السابقة له مباشرة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضعه بعدها للمناسبة الظرفية.
وعلى كل حال فهو مثال آخر مما ذكره في مقدمة السورة عن كيفية تأليفها ؛ حيث يرجح أنه نزل قبل فصل وقعتي الأحزاب وبني قريظة اللتين ذكرتا في سورة الأحزاب المتقدمة على هذه السورة في روايات النزول.
وآيات الفصل تحتوي وصفا قويا لأخلاق اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم من خبث ومكر وكيد ودس وتحريف كلام وليّ لسان وتبجح وزهو وغرور وتزكية نفس وسوء أدب وبخل بأي شيء مهما تفه على أي غريب وحسد لأية نعمة وخير وفضل يصيب غيرهم وطمع بما في أيدي غيرهم مع ما تفضل الله عليهم وعلى آبائهم من خيرات وبركات وملك عظيم، وعدم تورع عن أي تناقض مهما كان شديد البشاعة قوي الخزي ب
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ( ١ ) وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ( ٤٤ ) وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرًا ( ٤٥ ) مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ( ٢ ) وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ( ٣ ) وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( ٤٦ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً ( ٤٧ ) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ به وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ( ٤٨ ) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً( ٤ ) ( ٤٩ ) انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى به إِثْمًا مُّبِينًا ( ٥٠ )أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ( ٥ ) وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً ( ٥١ ) أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ( ٥٢ ) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا( ٦ ) ( ٥٣ ) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ( ٥٤ ) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ به وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ( ٥٥ ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ( ٥٦ ) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً ( ٥٧ ) ﴾
تعليق على الآية
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ) الخ.
وما بعدها لآخر الآية ( ٥٧ )
عبارة الآيات واضحة. وفيها إشارات تنديدية إلى مواقف عداء وكيد وكفر وهزء وتمرد وتآمر بدرت من اليهود وحملة شديدة عليهم بسببها وكشف عن أخلاقهم وطبائعهم الكريهة ودعوة مجددة لهم إلى الإيمان بالرسالة المحمدية التي جاءت مصدقة لما معهم والسير في طريق الإخلاص والصلاح، وتذكير بما كان من نكال الله لأهل السبت منهم وإنذار بنكال مماثل إذا لم يستجيبوا بالإضافة إلى النار الأخروية الدائمة الرهيبة.
وهي فصل جديد لا يبدو أن له صلة بالفصول السابقة. وقد روى المفسرون روايات عديدة في مناسبة نزولها١ من ذلك أن الآيات الثلاث الأولى نزلت في صدد ما كان اليهود يستعملونه من أساليب الخطاب التي كانوا يقصدون بها السخرية بالنبي والطعن في دينه ويقولون :إنه لو كان نبيا لعرف ذلك. وقد ذكروا في سياق ذلك اسم رفاعه ابن التابوت من زعمائهم وقالوا :إنه كان يلوي لسانه سخرية بالنبي ويطعن في الإسلام. وأن الآية الرابعة نزلت في صدد دعوة بعض أحبار اليهود أو يهود بني قينقاع إلى الإيمان وإبائهم. وأن الآية الخامسة نزلت في وحشي الحبشي قاتل حمزة ورفاق له، وكتبوا للنبي من مكة أنهم يريدون أن يتبعوه إذا كانت رحمة الله تتسع لذنوبهم، وفي رواية أنها نزلت جوابا على سؤال رجل من المسلمين عن احتمال غفران الله للشرك حينما نزلت الآية ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) ( ٥٣ ) من سورة الزمر حيث سكت النبي عن الجواب فأعاد الرجل سؤاله مرتين ثانيتين فنزلت. وأن الآيتين السادسة والسابعة نزلتا في رجال من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي فسألوه :هل على هؤلاء من ذنب ؟ فقال :لا. فقالوا :ما نحن إلا كهيئتهم ما عملناه بالنهار يكفر عنا بالليل وما علمناه بالليل يكفر عنا بالنهار ؛ لأننا أحباء الله. وأن الآيتين الثامنة والتاسعة نزلتا في وفد زعماء من اليهود ذهبوا إلى مكة برئاسة زعماء بني النضير الذين تزعموا يهود خيبر بعد إجلائهم من المدينة ليحرضوا قريشا على النبي والمسلمين ويتحالفون معهم، فطلب القرشيون أن يسجدوا لأصنامهم، فأجابوهم وسألوهم بصفتهم أهل علم وكتاب عمن هو الأهدى أهم أم محمد ؟ فقالوا لهم :إنهم هم الأهدى وحلفوا لهم عند أصنامهم على وعدهم بنصرتهم عليه. وألصقوا أكبادهم بالأصنام كالمشركين. وأن الآية العاشرة نزلت بمناسبة انتقاد اليهود النبي على ما صار من تبدل حاله من ضعف إلى قوة وما صار يسير فيه من مظاهر السلطان أو بمناسبة ما ظهر منهم من حسد وغيظ مما آتى الله نبيه وأصحابه من نصر وفضل وهدى.
وليس شيء من هذه الروايات واردا في كتب الصحاح من جهة، ومنها ما لا يستقيم مع موضوع الآيات وروحها وظروف نزولها من جهة أخرى وإن كان بعضها يتسق إجمالا مع مضمون الآيات ورواية نزول الآية في وحشي ورفاقه أوردت في سياق آيات الزمر ( ٥٤ـ ٥٩ ) وقد فندناها ونبهنا على عدم اتساقها مع روح الآية وظروفها.
والذي يتبادر لنا ويلهمه أسلوب الآيات ونظمها وانسجامها أنها سلسة تامة نزلت فصلا واحدا في حق اليهود. وهذا لا يمنع أن يكون قد بدر من اليهود بوادر عديدة في مناسبات مختلفة مما روته وما لم تروه. فجاءت الآيات تنعى عليهم وتندد بهم وتفضحهم وتنذرهم في سياق مناسبة من المناسبات لا نستطيع أن نعينها بجزم وإن كنا نظن أنها مناسبة ذهاب وفد اليهود إلى مكة لتحريض القريشيين على النبي والمسلمين وما فعلوه في مكة وما قالوه لقريش على ما ذكرته الروايات، وفيه اتساق لمضمون الآية ( ٥١ ) وهي أشد المناسبات استدعاء للحملة عليهم والتنديد بهم وإنذارهم بهذا الأسلوب القارع الذي جاء في الآيات. وقد يبدو لأول وهلة أن الآية ( ٤٨ ) لا صلة لها باليهود، غير أن المناسبة المذكورة تجعل صلتها بهم قائمة بل شديدة. فقد أعلنوا أيمانهم بالأصنام وحلفوا عندها وتبركوا بها أو سجدوا لها وقالوا لقريش المشركين :إنهم أهدى من محمد وهو الداعي إلى وحدة الله ومكارم الأخلاق. فجاءت الآية لتعظم جريمة الشرك ولتشير إلى هذا الموقف الشركي البشع ولتقول :إن الله وإن كان غفورا يغفر كل ذنب فهو لا يمكن أن يغفر ذنب الشرك به.
وننبه على أن في هذه السورة آية أخرى قريبة للآية ( ٤٨ ) وهي الآية ( ١١٦ ) غير أن هذه جاءت في سياق آخر ومدى آخر متصلين بالشرك العربي فكان أن اقتضت حكمة التنزيل التكرار. وبينما وصف مشركو العرب في الآية ( ١١٦ ) بأنهم ضلوا ضلالا بعيدا وصف اليهود في الآية ( ٤٨ ) بأنهم افتروا إثما عظيما فتناسق الوصف مع كل من الفريقين.
وجملة ( انظر كيف يفترون على الله الكذب ) بعد التنديد بالذين يزكون أنفسهم بدون تعيين هويتهم تعيين هذه الهوية وكونهم اليهود ؛ لأنهم كانوا يقولون نحن أحباء الله وأبناؤه وشعبه المختار الذين يرعاهم وهو رب إسرائيل٢ فكذبتهم الآية وأعلنت أن هذا افتراء على الله تعالى.
وهذا الفصل يدل على استمرار اليهود في مواقفهم التي وقفوها منذ قدوم النبي صلى الله عليه وسلم من مكة صدا عن سبيل الله ومكايدة وتشكيكا ووسوسة وتآمر وسوء أدب وهزء مع الزهو والتبجح وعريض الدعوى مما احتوته الفصول العديدة الطويلة في سورتي البقرة وآل عمران بتفصيل أكثره، وتدل على أن هذا الاستمرار إنما كان ينشأ عن الغيظ الذي أكل صدورهم من انتشار دعوة النبي وتوطد أمره وسلطانه وعلى أن هذه المواقف كانت تحدث بعض النتائج المؤذية نفسيا وظرفيا للنبي والمسلمين.
ولعل أشنع ما حكته عنهم الآيات وأبشعه أن يدفعهم الحقد والحسد والعداء إلى الإيمان بالأصنام والسجود لها وعدم التورع عن الشهادة الفاجرة بأن المشركين هم أهدى من المسلمين الموحدين. وهو موقف يدمغهم بطابع من العار لا يمكن أن يمحى.
ومن المعلوم أن اليهود في المدينة كانوا ثلاث قبائل أو كتل وهي بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. وقد أجلي بنو قينقاع في السنة الثانية، وبنو النضير في السنة الثالثة، ونكل ببني قريظة في السنة الخامسة للهجرة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأنفال والحشر والأحزاب. ولا بد من أن يكون هذا الفصل قد نزل وبعض هؤلاء موجود في المدينة يواجه النبي والمسلمين ويقف منهم هذه المواقف التي ذكرتها الآيات ؛ لأن الحملة لا يكون لها مكان لو كان نزل بعد جلاء جميع اليهود عن المدينة.
ورواية وفد اليهود إلى مكة تذكر أنهم كانوا زعماء بني النضير الذين حلوا بعد جلائهم عن المدينة في خيبر وتزعموا يهودها وقد نتج عن ذلك زحف الأحزاب على المدينة ومظاهرة بني قريظة لها على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب. وهكذا يمكن أن يقال :إن هذا الفصل نزل قبل التنكيل ببني قريظة، وأنه قد يكون شاملا في إنذاره وتنديده ليهود خيبر وزعماء بني النضير الذين تزعموهم أيضا. بل ليس هناك ما يمنع أن يكون نزل قبل جلاء بني النضير، وأن ما روي من مواقف الوفد اليهودي وأقواله في مكة كان في مناسبة أخرى والله أعلم. وروايات السيرة٣ تذكر أن زعماء بني النضير جاؤوا من خيبر إلى المدينة وألحوا على بني قريظة الذين بقوا فيها حتى نقضوا عهدهم مع النبي والمسلمين، وأن النبي زحف عليهم ونكل بهم عقب ارتداد الأحزاب عن المدينة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب.
وحكمة وضع هذا الفصل في مكانه من السورة خافية علينا ؛ لأنه لا يبدو له صلة بما سبقه وبما لحقه من آيات إلا أن يكون نزل بعد الآية السابقة له مباشرة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضعه بعدها للمناسبة الظرفية.
وعلى كل حال فهو مثال آخر مما ذكره في مقدمة السورة عن كيفية تأليفها ؛ حيث يرجح أنه نزل قبل فصل وقعتي الأحزاب وبني قريظة اللتين ذكرتا في سورة الأحزاب المتقدمة على هذه السورة في روايات النزول.
وآيات الفصل تحتوي وصفا قويا لأخلاق اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم من خبث ومكر وكيد ودس وتحريف كلام وليّ لسان وتبجح وزهو وغرور وتزكية نفس وسوء أدب وبخل بأي شيء مهما تفه على أي غريب وحسد لأية نعمة وخير وفضل يصيب غيرهم وطمع بما في أيدي غيرهم مع ما تفضل الله عليهم وعلى آبائهم من خيرات وبركات وملك عظيم، وعدم تورع عن أي تناقض مهما كان شديد البشاعة قوي الخزي ب
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ( ١ ) وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ( ٤٤ ) وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرًا ( ٤٥ ) مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ( ٢ ) وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ( ٣ ) وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( ٤٦ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً ( ٤٧ ) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ به وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ( ٤٨ ) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً( ٤ ) ( ٤٩ ) انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى به إِثْمًا مُّبِينًا ( ٥٠ )أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ( ٥ ) وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً ( ٥١ ) أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ( ٥٢ ) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا( ٦ ) ( ٥٣ ) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ( ٥٤ ) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ به وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ( ٥٥ ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ( ٥٦ ) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً ( ٥٧ ) ﴾
تعليق على الآية
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ) الخ.
وما بعدها لآخر الآية ( ٥٧ )
عبارة الآيات واضحة. وفيها إشارات تنديدية إلى مواقف عداء وكيد وكفر وهزء وتمرد وتآمر بدرت من اليهود وحملة شديدة عليهم بسببها وكشف عن أخلاقهم وطبائعهم الكريهة ودعوة مجددة لهم إلى الإيمان بالرسالة المحمدية التي جاءت مصدقة لما معهم والسير في طريق الإخلاص والصلاح، وتذكير بما كان من نكال الله لأهل السبت منهم وإنذار بنكال مماثل إذا لم يستجيبوا بالإضافة إلى النار الأخروية الدائمة الرهيبة.
وهي فصل جديد لا يبدو أن له صلة بالفصول السابقة. وقد روى المفسرون روايات عديدة في مناسبة نزولها١ من ذلك أن الآيات الثلاث الأولى نزلت في صدد ما كان اليهود يستعملونه من أساليب الخطاب التي كانوا يقصدون بها السخرية بالنبي والطعن في دينه ويقولون :إنه لو كان نبيا لعرف ذلك. وقد ذكروا في سياق ذلك اسم رفاعه ابن التابوت من زعمائهم وقالوا :إنه كان يلوي لسانه سخرية بالنبي ويطعن في الإسلام. وأن الآية الرابعة نزلت في صدد دعوة بعض أحبار اليهود أو يهود بني قينقاع إلى الإيمان وإبائهم. وأن الآية الخامسة نزلت في وحشي الحبشي قاتل حمزة ورفاق له، وكتبوا للنبي من مكة أنهم يريدون أن يتبعوه إذا كانت رحمة الله تتسع لذنوبهم، وفي رواية أنها نزلت جوابا على سؤال رجل من المسلمين عن احتمال غفران الله للشرك حينما نزلت الآية ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) ( ٥٣ ) من سورة الزمر حيث سكت النبي عن الجواب فأعاد الرجل سؤاله مرتين ثانيتين فنزلت. وأن الآيتين السادسة والسابعة نزلتا في رجال من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي فسألوه :هل على هؤلاء من ذنب ؟ فقال :لا. فقالوا :ما نحن إلا كهيئتهم ما عملناه بالنهار يكفر عنا بالليل وما علمناه بالليل يكفر عنا بالنهار ؛ لأننا أحباء الله. وأن الآيتين الثامنة والتاسعة نزلتا في وفد زعماء من اليهود ذهبوا إلى مكة برئاسة زعماء بني النضير الذين تزعموا يهود خيبر بعد إجلائهم من المدينة ليحرضوا قريشا على النبي والمسلمين ويتحالفون معهم، فطلب القرشيون أن يسجدوا لأصنامهم، فأجابوهم وسألوهم بصفتهم أهل علم وكتاب عمن هو الأهدى أهم أم محمد ؟ فقالوا لهم :إنهم هم الأهدى وحلفوا لهم عند أصنامهم على وعدهم بنصرتهم عليه. وألصقوا أكبادهم بالأصنام كالمشركين. وأن الآية العاشرة نزلت بمناسبة انتقاد اليهود النبي على ما صار من تبدل حاله من ضعف إلى قوة وما صار يسير فيه من مظاهر السلطان أو بمناسبة ما ظهر منهم من حسد وغيظ مما آتى الله نبيه وأصحابه من نصر وفضل وهدى.
وليس شيء من هذه الروايات واردا في كتب الصحاح من جهة، ومنها ما لا يستقيم مع موضوع الآيات وروحها وظروف نزولها من جهة أخرى وإن كان بعضها يتسق إجمالا مع مضمون الآيات ورواية نزول الآية في وحشي ورفاقه أوردت في سياق آيات الزمر ( ٥٤ـ ٥٩ ) وقد فندناها ونبهنا على عدم اتساقها مع روح الآية وظروفها.
والذي يتبادر لنا ويلهمه أسلوب الآيات ونظمها وانسجامها أنها سلسة تامة نزلت فصلا واحدا في حق اليهود. وهذا لا يمنع أن يكون قد بدر من اليهود بوادر عديدة في مناسبات مختلفة مما روته وما لم تروه. فجاءت الآيات تنعى عليهم وتندد بهم وتفضحهم وتنذرهم في سياق مناسبة من المناسبات لا نستطيع أن نعينها بجزم وإن كنا نظن أنها مناسبة ذهاب وفد اليهود إلى مكة لتحريض القريشيين على النبي والمسلمين وما فعلوه في مكة وما قالوه لقريش على ما ذكرته الروايات، وفيه اتساق لمضمون الآية ( ٥١ ) وهي أشد المناسبات استدعاء للحملة عليهم والتنديد بهم وإنذارهم بهذا الأسلوب القارع الذي جاء في الآيات. وقد يبدو لأول وهلة أن الآية ( ٤٨ ) لا صلة لها باليهود، غير أن المناسبة المذكورة تجعل صلتها بهم قائمة بل شديدة. فقد أعلنوا أيمانهم بالأصنام وحلفوا عندها وتبركوا بها أو سجدوا لها وقالوا لقريش المشركين :إنهم أهدى من محمد وهو الداعي إلى وحدة الله ومكارم الأخلاق. فجاءت الآية لتعظم جريمة الشرك ولتشير إلى هذا الموقف الشركي البشع ولتقول :إن الله وإن كان غفورا يغفر كل ذنب فهو لا يمكن أن يغفر ذنب الشرك به.
وننبه على أن في هذه السورة آية أخرى قريبة للآية ( ٤٨ ) وهي الآية ( ١١٦ ) غير أن هذه جاءت في سياق آخر ومدى آخر متصلين بالشرك العربي فكان أن اقتضت حكمة التنزيل التكرار. وبينما وصف مشركو العرب في الآية ( ١١٦ ) بأنهم ضلوا ضلالا بعيدا وصف اليهود في الآية ( ٤٨ ) بأنهم افتروا إثما عظيما فتناسق الوصف مع كل من الفريقين.
وجملة ( انظر كيف يفترون على الله الكذب ) بعد التنديد بالذين يزكون أنفسهم بدون تعيين هويتهم تعيين هذه الهوية وكونهم اليهود ؛ لأنهم كانوا يقولون نحن أحباء الله وأبناؤه وشعبه المختار الذين يرعاهم وهو رب إسرائيل٢ فكذبتهم الآية وأعلنت أن هذا افتراء على الله تعالى.
وهذا الفصل يدل على استمرار اليهود في مواقفهم التي وقفوها منذ قدوم النبي صلى الله عليه وسلم من مكة صدا عن سبيل الله ومكايدة وتشكيكا ووسوسة وتآمر وسوء أدب وهزء مع الزهو والتبجح وعريض الدعوى مما احتوته الفصول العديدة الطويلة في سورتي البقرة وآل عمران بتفصيل أكثره، وتدل على أن هذا الاستمرار إنما كان ينشأ عن الغيظ الذي أكل صدورهم من انتشار دعوة النبي وتوطد أمره وسلطانه وعلى أن هذه المواقف كانت تحدث بعض النتائج المؤذية نفسيا وظرفيا للنبي والمسلمين.
ولعل أشنع ما حكته عنهم الآيات وأبشعه أن يدفعهم الحقد والحسد والعداء إلى الإيمان بالأصنام والسجود لها وعدم التورع عن الشهادة الفاجرة بأن المشركين هم أهدى من المسلمين الموحدين. وهو موقف يدمغهم بطابع من العار لا يمكن أن يمحى.
ومن المعلوم أن اليهود في المدينة كانوا ثلاث قبائل أو كتل وهي بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. وقد أجلي بنو قينقاع في السنة الثانية، وبنو النضير في السنة الثالثة، ونكل ببني قريظة في السنة الخامسة للهجرة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأنفال والحشر والأحزاب. ولا بد من أن يكون هذا الفصل قد نزل وبعض هؤلاء موجود في المدينة يواجه النبي والمسلمين ويقف منهم هذه المواقف التي ذكرتها الآيات ؛ لأن الحملة لا يكون لها مكان لو كان نزل بعد جلاء جميع اليهود عن المدينة.
ورواية وفد اليهود إلى مكة تذكر أنهم كانوا زعماء بني النضير الذين حلوا بعد جلائهم عن المدينة في خيبر وتزعموا يهودها وقد نتج عن ذلك زحف الأحزاب على المدينة ومظاهرة بني قريظة لها على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب. وهكذا يمكن أن يقال :إن هذا الفصل نزل قبل التنكيل ببني قريظة، وأنه قد يكون شاملا في إنذاره وتنديده ليهود خيبر وزعماء بني النضير الذين تزعموهم أيضا. بل ليس هناك ما يمنع أن يكون نزل قبل جلاء بني النضير، وأن ما روي من مواقف الوفد اليهودي وأقواله في مكة كان في مناسبة أخرى والله أعلم. وروايات السيرة٣ تذكر أن زعماء بني النضير جاؤوا من خيبر إلى المدينة وألحوا على بني قريظة الذين بقوا فيها حتى نقضوا عهدهم مع النبي والمسلمين، وأن النبي زحف عليهم ونكل بهم عقب ارتداد الأحزاب عن المدينة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب.
وحكمة وضع هذا الفصل في مكانه من السورة خافية علينا ؛ لأنه لا يبدو له صلة بما سبقه وبما لحقه من آيات إلا أن يكون نزل بعد الآية السابقة له مباشرة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضعه بعدها للمناسبة الظرفية.
وعلى كل حال فهو مثال آخر مما ذكره في مقدمة السورة عن كيفية تأليفها ؛ حيث يرجح أنه نزل قبل فصل وقعتي الأحزاب وبني قريظة اللتين ذكرتا في سورة الأحزاب المتقدمة على هذه السورة في روايات النزول.
وآيات الفصل تحتوي وصفا قويا لأخلاق اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم من خبث ومكر وكيد ودس وتحريف كلام وليّ لسان وتبجح وزهو وغرور وتزكية نفس وسوء أدب وبخل بأي شيء مهما تفه على أي غريب وحسد لأية نعمة وخير وفضل يصيب غيرهم وطمع بما في أيدي غيرهم مع ما تفضل الله عليهم وعلى آبائهم من خيرات وبركات وملك عظيم، وعدم تورع عن أي تناقض مهما كان شديد البشاعة قوي الخزي ب
( ٤ ) لا يظلمون فتيلا :لا ينقص من أجرهم وحقهم مقدار فتلة من خيط والعبارة لأجل التقليل وتمثيل الضآلة.
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ( ١ ) وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ( ٤٤ ) وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرًا ( ٤٥ ) مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ( ٢ ) وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ( ٣ ) وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( ٤٦ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً ( ٤٧ ) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ به وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ( ٤٨ ) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً( ٤ ) ( ٤٩ ) انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى به إِثْمًا مُّبِينًا ( ٥٠ )أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ( ٥ ) وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً ( ٥١ ) أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ( ٥٢ ) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا( ٦ ) ( ٥٣ ) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ( ٥٤ ) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ به وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ( ٥٥ ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ( ٥٦ ) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً ( ٥٧ ) ﴾
تعليق على الآية
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ) الخ.
وما بعدها لآخر الآية ( ٥٧ )
عبارة الآيات واضحة. وفيها إشارات تنديدية إلى مواقف عداء وكيد وكفر وهزء وتمرد وتآمر بدرت من اليهود وحملة شديدة عليهم بسببها وكشف عن أخلاقهم وطبائعهم الكريهة ودعوة مجددة لهم إلى الإيمان بالرسالة المحمدية التي جاءت مصدقة لما معهم والسير في طريق الإخلاص والصلاح، وتذكير بما كان من نكال الله لأهل السبت منهم وإنذار بنكال مماثل إذا لم يستجيبوا بالإضافة إلى النار الأخروية الدائمة الرهيبة.
وهي فصل جديد لا يبدو أن له صلة بالفصول السابقة. وقد روى المفسرون روايات عديدة في مناسبة نزولها١ من ذلك أن الآيات الثلاث الأولى نزلت في صدد ما كان اليهود يستعملونه من أساليب الخطاب التي كانوا يقصدون بها السخرية بالنبي والطعن في دينه ويقولون :إنه لو كان نبيا لعرف ذلك. وقد ذكروا في سياق ذلك اسم رفاعه ابن التابوت من زعمائهم وقالوا :إنه كان يلوي لسانه سخرية بالنبي ويطعن في الإسلام. وأن الآية الرابعة نزلت في صدد دعوة بعض أحبار اليهود أو يهود بني قينقاع إلى الإيمان وإبائهم. وأن الآية الخامسة نزلت في وحشي الحبشي قاتل حمزة ورفاق له، وكتبوا للنبي من مكة أنهم يريدون أن يتبعوه إذا كانت رحمة الله تتسع لذنوبهم، وفي رواية أنها نزلت جوابا على سؤال رجل من المسلمين عن احتمال غفران الله للشرك حينما نزلت الآية ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) ( ٥٣ ) من سورة الزمر حيث سكت النبي عن الجواب فأعاد الرجل سؤاله مرتين ثانيتين فنزلت. وأن الآيتين السادسة والسابعة نزلتا في رجال من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي فسألوه :هل على هؤلاء من ذنب ؟ فقال :لا. فقالوا :ما نحن إلا كهيئتهم ما عملناه بالنهار يكفر عنا بالليل وما علمناه بالليل يكفر عنا بالنهار ؛ لأننا أحباء الله. وأن الآيتين الثامنة والتاسعة نزلتا في وفد زعماء من اليهود ذهبوا إلى مكة برئاسة زعماء بني النضير الذين تزعموا يهود خيبر بعد إجلائهم من المدينة ليحرضوا قريشا على النبي والمسلمين ويتحالفون معهم، فطلب القرشيون أن يسجدوا لأصنامهم، فأجابوهم وسألوهم بصفتهم أهل علم وكتاب عمن هو الأهدى أهم أم محمد ؟ فقالوا لهم :إنهم هم الأهدى وحلفوا لهم عند أصنامهم على وعدهم بنصرتهم عليه. وألصقوا أكبادهم بالأصنام كالمشركين. وأن الآية العاشرة نزلت بمناسبة انتقاد اليهود النبي على ما صار من تبدل حاله من ضعف إلى قوة وما صار يسير فيه من مظاهر السلطان أو بمناسبة ما ظهر منهم من حسد وغيظ مما آتى الله نبيه وأصحابه من نصر وفضل وهدى.
وليس شيء من هذه الروايات واردا في كتب الصحاح من جهة، ومنها ما لا يستقيم مع موضوع الآيات وروحها وظروف نزولها من جهة أخرى وإن كان بعضها يتسق إجمالا مع مضمون الآيات ورواية نزول الآية في وحشي ورفاقه أوردت في سياق آيات الزمر ( ٥٤ـ ٥٩ ) وقد فندناها ونبهنا على عدم اتساقها مع روح الآية وظروفها.
والذي يتبادر لنا ويلهمه أسلوب الآيات ونظمها وانسجامها أنها سلسة تامة نزلت فصلا واحدا في حق اليهود. وهذا لا يمنع أن يكون قد بدر من اليهود بوادر عديدة في مناسبات مختلفة مما روته وما لم تروه. فجاءت الآيات تنعى عليهم وتندد بهم وتفضحهم وتنذرهم في سياق مناسبة من المناسبات لا نستطيع أن نعينها بجزم وإن كنا نظن أنها مناسبة ذهاب وفد اليهود إلى مكة لتحريض القريشيين على النبي والمسلمين وما فعلوه في مكة وما قالوه لقريش على ما ذكرته الروايات، وفيه اتساق لمضمون الآية ( ٥١ ) وهي أشد المناسبات استدعاء للحملة عليهم والتنديد بهم وإنذارهم بهذا الأسلوب القارع الذي جاء في الآيات. وقد يبدو لأول وهلة أن الآية ( ٤٨ ) لا صلة لها باليهود، غير أن المناسبة المذكورة تجعل صلتها بهم قائمة بل شديدة. فقد أعلنوا أيمانهم بالأصنام وحلفوا عندها وتبركوا بها أو سجدوا لها وقالوا لقريش المشركين :إنهم أهدى من محمد وهو الداعي إلى وحدة الله ومكارم الأخلاق. فجاءت الآية لتعظم جريمة الشرك ولتشير إلى هذا الموقف الشركي البشع ولتقول :إن الله وإن كان غفورا يغفر كل ذنب فهو لا يمكن أن يغفر ذنب الشرك به.
وننبه على أن في هذه السورة آية أخرى قريبة للآية ( ٤٨ ) وهي الآية ( ١١٦ ) غير أن هذه جاءت في سياق آخر ومدى آخر متصلين بالشرك العربي فكان أن اقتضت حكمة التنزيل التكرار. وبينما وصف مشركو العرب في الآية ( ١١٦ ) بأنهم ضلوا ضلالا بعيدا وصف اليهود في الآية ( ٤٨ ) بأنهم افتروا إثما عظيما فتناسق الوصف مع كل من الفريقين.
وجملة ( انظر كيف يفترون على الله الكذب ) بعد التنديد بالذين يزكون أنفسهم بدون تعيين هويتهم تعيين هذه الهوية وكونهم اليهود ؛ لأنهم كانوا يقولون نحن أحباء الله وأبناؤه وشعبه المختار الذين يرعاهم وهو رب إسرائيل٢ فكذبتهم الآية وأعلنت أن هذا افتراء على الله تعالى.
وهذا الفصل يدل على استمرار اليهود في مواقفهم التي وقفوها منذ قدوم النبي صلى الله عليه وسلم من مكة صدا عن سبيل الله ومكايدة وتشكيكا ووسوسة وتآمر وسوء أدب وهزء مع الزهو والتبجح وعريض الدعوى مما احتوته الفصول العديدة الطويلة في سورتي البقرة وآل عمران بتفصيل أكثره، وتدل على أن هذا الاستمرار إنما كان ينشأ عن الغيظ الذي أكل صدورهم من انتشار دعوة النبي وتوطد أمره وسلطانه وعلى أن هذه المواقف كانت تحدث بعض النتائج المؤذية نفسيا وظرفيا للنبي والمسلمين.
ولعل أشنع ما حكته عنهم الآيات وأبشعه أن يدفعهم الحقد والحسد والعداء إلى الإيمان بالأصنام والسجود لها وعدم التورع عن الشهادة الفاجرة بأن المشركين هم أهدى من المسلمين الموحدين. وهو موقف يدمغهم بطابع من العار لا يمكن أن يمحى.
ومن المعلوم أن اليهود في المدينة كانوا ثلاث قبائل أو كتل وهي بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. وقد أجلي بنو قينقاع في السنة الثانية، وبنو النضير في السنة الثالثة، ونكل ببني قريظة في السنة الخامسة للهجرة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأنفال والحشر والأحزاب. ولا بد من أن يكون هذا الفصل قد نزل وبعض هؤلاء موجود في المدينة يواجه النبي والمسلمين ويقف منهم هذه المواقف التي ذكرتها الآيات ؛ لأن الحملة لا يكون لها مكان لو كان نزل بعد جلاء جميع اليهود عن المدينة.
ورواية وفد اليهود إلى مكة تذكر أنهم كانوا زعماء بني النضير الذين حلوا بعد جلائهم عن المدينة في خيبر وتزعموا يهودها وقد نتج عن ذلك زحف الأحزاب على المدينة ومظاهرة بني قريظة لها على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب. وهكذا يمكن أن يقال :إن هذا الفصل نزل قبل التنكيل ببني قريظة، وأنه قد يكون شاملا في إنذاره وتنديده ليهود خيبر وزعماء بني النضير الذين تزعموهم أيضا. بل ليس هناك ما يمنع أن يكون نزل قبل جلاء بني النضير، وأن ما روي من مواقف الوفد اليهودي وأقواله في مكة كان في مناسبة أخرى والله أعلم. وروايات السيرة٣ تذكر أن زعماء بني النضير جاؤوا من خيبر إلى المدينة وألحوا على بني قريظة الذين بقوا فيها حتى نقضوا عهدهم مع النبي والمسلمين، وأن النبي زحف عليهم ونكل بهم عقب ارتداد الأحزاب عن المدينة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب.
وحكمة وضع هذا الفصل في مكانه من السورة خافية علينا ؛ لأنه لا يبدو له صلة بما سبقه وبما لحقه من آيات إلا أن يكون نزل بعد الآية السابقة له مباشرة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضعه بعدها للمناسبة الظرفية.
وعلى كل حال فهو مثال آخر مما ذكره في مقدمة السورة عن كيفية تأليفها ؛ حيث يرجح أنه نزل قبل فصل وقعتي الأحزاب وبني قريظة اللتين ذكرتا في سورة الأحزاب المتقدمة على هذه السورة في روايات النزول.
وآيات الفصل تحتوي وصفا قويا لأخلاق اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم من خبث ومكر وكيد ودس وتحريف كلام وليّ لسان وتبجح وزهو وغرور وتزكية نفس وسوء أدب وبخل بأي شيء مهما تفه على أي غريب وحسد لأية نعمة وخير وفضل يصيب غيرهم وطمع بما في أيدي غيرهم مع ما تفضل الله عليهم وعلى آبائهم من خيرات وبركات وملك عظيم، وعدم تورع عن أي تناقض مهما كان شديد البشاعة قوي الخزي ب
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ( ١ ) وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ( ٤٤ ) وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرًا ( ٤٥ ) مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ( ٢ ) وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ( ٣ ) وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( ٤٦ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً ( ٤٧ ) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ به وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ( ٤٨ ) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً( ٤ ) ( ٤٩ ) انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى به إِثْمًا مُّبِينًا ( ٥٠ )أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ( ٥ ) وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً ( ٥١ ) أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ( ٥٢ ) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا( ٦ ) ( ٥٣ ) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ( ٥٤ ) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ به وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ( ٥٥ ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ( ٥٦ ) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً ( ٥٧ ) ﴾
تعليق على الآية
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ) الخ.
وما بعدها لآخر الآية ( ٥٧ )
عبارة الآيات واضحة. وفيها إشارات تنديدية إلى مواقف عداء وكيد وكفر وهزء وتمرد وتآمر بدرت من اليهود وحملة شديدة عليهم بسببها وكشف عن أخلاقهم وطبائعهم الكريهة ودعوة مجددة لهم إلى الإيمان بالرسالة المحمدية التي جاءت مصدقة لما معهم والسير في طريق الإخلاص والصلاح، وتذكير بما كان من نكال الله لأهل السبت منهم وإنذار بنكال مماثل إذا لم يستجيبوا بالإضافة إلى النار الأخروية الدائمة الرهيبة.
وهي فصل جديد لا يبدو أن له صلة بالفصول السابقة. وقد روى المفسرون روايات عديدة في مناسبة نزولها١ من ذلك أن الآيات الثلاث الأولى نزلت في صدد ما كان اليهود يستعملونه من أساليب الخطاب التي كانوا يقصدون بها السخرية بالنبي والطعن في دينه ويقولون :إنه لو كان نبيا لعرف ذلك. وقد ذكروا في سياق ذلك اسم رفاعه ابن التابوت من زعمائهم وقالوا :إنه كان يلوي لسانه سخرية بالنبي ويطعن في الإسلام. وأن الآية الرابعة نزلت في صدد دعوة بعض أحبار اليهود أو يهود بني قينقاع إلى الإيمان وإبائهم. وأن الآية الخامسة نزلت في وحشي الحبشي قاتل حمزة ورفاق له، وكتبوا للنبي من مكة أنهم يريدون أن يتبعوه إذا كانت رحمة الله تتسع لذنوبهم، وفي رواية أنها نزلت جوابا على سؤال رجل من المسلمين عن احتمال غفران الله للشرك حينما نزلت الآية ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) ( ٥٣ ) من سورة الزمر حيث سكت النبي عن الجواب فأعاد الرجل سؤاله مرتين ثانيتين فنزلت. وأن الآيتين السادسة والسابعة نزلتا في رجال من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي فسألوه :هل على هؤلاء من ذنب ؟ فقال :لا. فقالوا :ما نحن إلا كهيئتهم ما عملناه بالنهار يكفر عنا بالليل وما علمناه بالليل يكفر عنا بالنهار ؛ لأننا أحباء الله. وأن الآيتين الثامنة والتاسعة نزلتا في وفد زعماء من اليهود ذهبوا إلى مكة برئاسة زعماء بني النضير الذين تزعموا يهود خيبر بعد إجلائهم من المدينة ليحرضوا قريشا على النبي والمسلمين ويتحالفون معهم، فطلب القرشيون أن يسجدوا لأصنامهم، فأجابوهم وسألوهم بصفتهم أهل علم وكتاب عمن هو الأهدى أهم أم محمد ؟ فقالوا لهم :إنهم هم الأهدى وحلفوا لهم عند أصنامهم على وعدهم بنصرتهم عليه. وألصقوا أكبادهم بالأصنام كالمشركين. وأن الآية العاشرة نزلت بمناسبة انتقاد اليهود النبي على ما صار من تبدل حاله من ضعف إلى قوة وما صار يسير فيه من مظاهر السلطان أو بمناسبة ما ظهر منهم من حسد وغيظ مما آتى الله نبيه وأصحابه من نصر وفضل وهدى.
وليس شيء من هذه الروايات واردا في كتب الصحاح من جهة، ومنها ما لا يستقيم مع موضوع الآيات وروحها وظروف نزولها من جهة أخرى وإن كان بعضها يتسق إجمالا مع مضمون الآيات ورواية نزول الآية في وحشي ورفاقه أوردت في سياق آيات الزمر ( ٥٤ـ ٥٩ ) وقد فندناها ونبهنا على عدم اتساقها مع روح الآية وظروفها.
والذي يتبادر لنا ويلهمه أسلوب الآيات ونظمها وانسجامها أنها سلسة تامة نزلت فصلا واحدا في حق اليهود. وهذا لا يمنع أن يكون قد بدر من اليهود بوادر عديدة في مناسبات مختلفة مما روته وما لم تروه. فجاءت الآيات تنعى عليهم وتندد بهم وتفضحهم وتنذرهم في سياق مناسبة من المناسبات لا نستطيع أن نعينها بجزم وإن كنا نظن أنها مناسبة ذهاب وفد اليهود إلى مكة لتحريض القريشيين على النبي والمسلمين وما فعلوه في مكة وما قالوه لقريش على ما ذكرته الروايات، وفيه اتساق لمضمون الآية ( ٥١ ) وهي أشد المناسبات استدعاء للحملة عليهم والتنديد بهم وإنذارهم بهذا الأسلوب القارع الذي جاء في الآيات. وقد يبدو لأول وهلة أن الآية ( ٤٨ ) لا صلة لها باليهود، غير أن المناسبة المذكورة تجعل صلتها بهم قائمة بل شديدة. فقد أعلنوا أيمانهم بالأصنام وحلفوا عندها وتبركوا بها أو سجدوا لها وقالوا لقريش المشركين :إنهم أهدى من محمد وهو الداعي إلى وحدة الله ومكارم الأخلاق. فجاءت الآية لتعظم جريمة الشرك ولتشير إلى هذا الموقف الشركي البشع ولتقول :إن الله وإن كان غفورا يغفر كل ذنب فهو لا يمكن أن يغفر ذنب الشرك به.
وننبه على أن في هذه السورة آية أخرى قريبة للآية ( ٤٨ ) وهي الآية ( ١١٦ ) غير أن هذه جاءت في سياق آخر ومدى آخر متصلين بالشرك العربي فكان أن اقتضت حكمة التنزيل التكرار. وبينما وصف مشركو العرب في الآية ( ١١٦ ) بأنهم ضلوا ضلالا بعيدا وصف اليهود في الآية ( ٤٨ ) بأنهم افتروا إثما عظيما فتناسق الوصف مع كل من الفريقين.
وجملة ( انظر كيف يفترون على الله الكذب ) بعد التنديد بالذين يزكون أنفسهم بدون تعيين هويتهم تعيين هذه الهوية وكونهم اليهود ؛ لأنهم كانوا يقولون نحن أحباء الله وأبناؤه وشعبه المختار الذين يرعاهم وهو رب إسرائيل٢ فكذبتهم الآية وأعلنت أن هذا افتراء على الله تعالى.
وهذا الفصل يدل على استمرار اليهود في مواقفهم التي وقفوها منذ قدوم النبي صلى الله عليه وسلم من مكة صدا عن سبيل الله ومكايدة وتشكيكا ووسوسة وتآمر وسوء أدب وهزء مع الزهو والتبجح وعريض الدعوى مما احتوته الفصول العديدة الطويلة في سورتي البقرة وآل عمران بتفصيل أكثره، وتدل على أن هذا الاستمرار إنما كان ينشأ عن الغيظ الذي أكل صدورهم من انتشار دعوة النبي وتوطد أمره وسلطانه وعلى أن هذه المواقف كانت تحدث بعض النتائج المؤذية نفسيا وظرفيا للنبي والمسلمين.
ولعل أشنع ما حكته عنهم الآيات وأبشعه أن يدفعهم الحقد والحسد والعداء إلى الإيمان بالأصنام والسجود لها وعدم التورع عن الشهادة الفاجرة بأن المشركين هم أهدى من المسلمين الموحدين. وهو موقف يدمغهم بطابع من العار لا يمكن أن يمحى.
ومن المعلوم أن اليهود في المدينة كانوا ثلاث قبائل أو كتل وهي بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. وقد أجلي بنو قينقاع في السنة الثانية، وبنو النضير في السنة الثالثة، ونكل ببني قريظة في السنة الخامسة للهجرة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأنفال والحشر والأحزاب. ولا بد من أن يكون هذا الفصل قد نزل وبعض هؤلاء موجود في المدينة يواجه النبي والمسلمين ويقف منهم هذه المواقف التي ذكرتها الآيات ؛ لأن الحملة لا يكون لها مكان لو كان نزل بعد جلاء جميع اليهود عن المدينة.
ورواية وفد اليهود إلى مكة تذكر أنهم كانوا زعماء بني النضير الذين حلوا بعد جلائهم عن المدينة في خيبر وتزعموا يهودها وقد نتج عن ذلك زحف الأحزاب على المدينة ومظاهرة بني قريظة لها على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب. وهكذا يمكن أن يقال :إن هذا الفصل نزل قبل التنكيل ببني قريظة، وأنه قد يكون شاملا في إنذاره وتنديده ليهود خيبر وزعماء بني النضير الذين تزعموهم أيضا. بل ليس هناك ما يمنع أن يكون نزل قبل جلاء بني النضير، وأن ما روي من مواقف الوفد اليهودي وأقواله في مكة كان في مناسبة أخرى والله أعلم. وروايات السيرة٣ تذكر أن زعماء بني النضير جاؤوا من خيبر إلى المدينة وألحوا على بني قريظة الذين بقوا فيها حتى نقضوا عهدهم مع النبي والمسلمين، وأن النبي زحف عليهم ونكل بهم عقب ارتداد الأحزاب عن المدينة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب.
وحكمة وضع هذا الفصل في مكانه من السورة خافية علينا ؛ لأنه لا يبدو له صلة بما سبقه وبما لحقه من آيات إلا أن يكون نزل بعد الآية السابقة له مباشرة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضعه بعدها للمناسبة الظرفية.
وعلى كل حال فهو مثال آخر مما ذكره في مقدمة السورة عن كيفية تأليفها ؛ حيث يرجح أنه نزل قبل فصل وقعتي الأحزاب وبني قريظة اللتين ذكرتا في سورة الأحزاب المتقدمة على هذه السورة في روايات النزول.
وآيات الفصل تحتوي وصفا قويا لأخلاق اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم من خبث ومكر وكيد ودس وتحريف كلام وليّ لسان وتبجح وزهو وغرور وتزكية نفس وسوء أدب وبخل بأي شيء مهما تفه على أي غريب وحسد لأية نعمة وخير وفضل يصيب غيرهم وطمع بما في أيدي غيرهم مع ما تفضل الله عليهم وعلى آبائهم من خيرات وبركات وملك عظيم، وعدم تورع عن أي تناقض مهما كان شديد البشاعة قوي الخزي ب
( ٥ ) الجبت والطاغوت :أول المؤولون الجبت بالأصنام والطاغوت بما يشرك به الله عموما وهناك من أول الجبت بالسحر والطاغوت بالسحرة والكهان أو بسدنة الأصنام، والتأويل الأول هو الأوجه المتساوق مع مدى الآية.
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ( ١ ) وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ( ٤٤ ) وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرًا ( ٤٥ ) مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ( ٢ ) وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ( ٣ ) وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( ٤٦ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً ( ٤٧ ) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ به وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ( ٤٨ ) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً( ٤ ) ( ٤٩ ) انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى به إِثْمًا مُّبِينًا ( ٥٠ )أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ( ٥ ) وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً ( ٥١ ) أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ( ٥٢ ) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا( ٦ ) ( ٥٣ ) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ( ٥٤ ) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ به وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ( ٥٥ ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ( ٥٦ ) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً ( ٥٧ ) ﴾
تعليق على الآية
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ) الخ.
وما بعدها لآخر الآية ( ٥٧ )
عبارة الآيات واضحة. وفيها إشارات تنديدية إلى مواقف عداء وكيد وكفر وهزء وتمرد وتآمر بدرت من اليهود وحملة شديدة عليهم بسببها وكشف عن أخلاقهم وطبائعهم الكريهة ودعوة مجددة لهم إلى الإيمان بالرسالة المحمدية التي جاءت مصدقة لما معهم والسير في طريق الإخلاص والصلاح، وتذكير بما كان من نكال الله لأهل السبت منهم وإنذار بنكال مماثل إذا لم يستجيبوا بالإضافة إلى النار الأخروية الدائمة الرهيبة.
وهي فصل جديد لا يبدو أن له صلة بالفصول السابقة. وقد روى المفسرون روايات عديدة في مناسبة نزولها١ من ذلك أن الآيات الثلاث الأولى نزلت في صدد ما كان اليهود يستعملونه من أساليب الخطاب التي كانوا يقصدون بها السخرية بالنبي والطعن في دينه ويقولون :إنه لو كان نبيا لعرف ذلك. وقد ذكروا في سياق ذلك اسم رفاعه ابن التابوت من زعمائهم وقالوا :إنه كان يلوي لسانه سخرية بالنبي ويطعن في الإسلام. وأن الآية الرابعة نزلت في صدد دعوة بعض أحبار اليهود أو يهود بني قينقاع إلى الإيمان وإبائهم. وأن الآية الخامسة نزلت في وحشي الحبشي قاتل حمزة ورفاق له، وكتبوا للنبي من مكة أنهم يريدون أن يتبعوه إذا كانت رحمة الله تتسع لذنوبهم، وفي رواية أنها نزلت جوابا على سؤال رجل من المسلمين عن احتمال غفران الله للشرك حينما نزلت الآية ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) ( ٥٣ ) من سورة الزمر حيث سكت النبي عن الجواب فأعاد الرجل سؤاله مرتين ثانيتين فنزلت. وأن الآيتين السادسة والسابعة نزلتا في رجال من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي فسألوه :هل على هؤلاء من ذنب ؟ فقال :لا. فقالوا :ما نحن إلا كهيئتهم ما عملناه بالنهار يكفر عنا بالليل وما علمناه بالليل يكفر عنا بالنهار ؛ لأننا أحباء الله. وأن الآيتين الثامنة والتاسعة نزلتا في وفد زعماء من اليهود ذهبوا إلى مكة برئاسة زعماء بني النضير الذين تزعموا يهود خيبر بعد إجلائهم من المدينة ليحرضوا قريشا على النبي والمسلمين ويتحالفون معهم، فطلب القرشيون أن يسجدوا لأصنامهم، فأجابوهم وسألوهم بصفتهم أهل علم وكتاب عمن هو الأهدى أهم أم محمد ؟ فقالوا لهم :إنهم هم الأهدى وحلفوا لهم عند أصنامهم على وعدهم بنصرتهم عليه. وألصقوا أكبادهم بالأصنام كالمشركين. وأن الآية العاشرة نزلت بمناسبة انتقاد اليهود النبي على ما صار من تبدل حاله من ضعف إلى قوة وما صار يسير فيه من مظاهر السلطان أو بمناسبة ما ظهر منهم من حسد وغيظ مما آتى الله نبيه وأصحابه من نصر وفضل وهدى.
وليس شيء من هذه الروايات واردا في كتب الصحاح من جهة، ومنها ما لا يستقيم مع موضوع الآيات وروحها وظروف نزولها من جهة أخرى وإن كان بعضها يتسق إجمالا مع مضمون الآيات ورواية نزول الآية في وحشي ورفاقه أوردت في سياق آيات الزمر ( ٥٤ـ ٥٩ ) وقد فندناها ونبهنا على عدم اتساقها مع روح الآية وظروفها.
والذي يتبادر لنا ويلهمه أسلوب الآيات ونظمها وانسجامها أنها سلسة تامة نزلت فصلا واحدا في حق اليهود. وهذا لا يمنع أن يكون قد بدر من اليهود بوادر عديدة في مناسبات مختلفة مما روته وما لم تروه. فجاءت الآيات تنعى عليهم وتندد بهم وتفضحهم وتنذرهم في سياق مناسبة من المناسبات لا نستطيع أن نعينها بجزم وإن كنا نظن أنها مناسبة ذهاب وفد اليهود إلى مكة لتحريض القريشيين على النبي والمسلمين وما فعلوه في مكة وما قالوه لقريش على ما ذكرته الروايات، وفيه اتساق لمضمون الآية ( ٥١ ) وهي أشد المناسبات استدعاء للحملة عليهم والتنديد بهم وإنذارهم بهذا الأسلوب القارع الذي جاء في الآيات. وقد يبدو لأول وهلة أن الآية ( ٤٨ ) لا صلة لها باليهود، غير أن المناسبة المذكورة تجعل صلتها بهم قائمة بل شديدة. فقد أعلنوا أيمانهم بالأصنام وحلفوا عندها وتبركوا بها أو سجدوا لها وقالوا لقريش المشركين :إنهم أهدى من محمد وهو الداعي إلى وحدة الله ومكارم الأخلاق. فجاءت الآية لتعظم جريمة الشرك ولتشير إلى هذا الموقف الشركي البشع ولتقول :إن الله وإن كان غفورا يغفر كل ذنب فهو لا يمكن أن يغفر ذنب الشرك به.
وننبه على أن في هذه السورة آية أخرى قريبة للآية ( ٤٨ ) وهي الآية ( ١١٦ ) غير أن هذه جاءت في سياق آخر ومدى آخر متصلين بالشرك العربي فكان أن اقتضت حكمة التنزيل التكرار. وبينما وصف مشركو العرب في الآية ( ١١٦ ) بأنهم ضلوا ضلالا بعيدا وصف اليهود في الآية ( ٤٨ ) بأنهم افتروا إثما عظيما فتناسق الوصف مع كل من الفريقين.
وجملة ( انظر كيف يفترون على الله الكذب ) بعد التنديد بالذين يزكون أنفسهم بدون تعيين هويتهم تعيين هذه الهوية وكونهم اليهود ؛ لأنهم كانوا يقولون نحن أحباء الله وأبناؤه وشعبه المختار الذين يرعاهم وهو رب إسرائيل٢ فكذبتهم الآية وأعلنت أن هذا افتراء على الله تعالى.
وهذا الفصل يدل على استمرار اليهود في مواقفهم التي وقفوها منذ قدوم النبي صلى الله عليه وسلم من مكة صدا عن سبيل الله ومكايدة وتشكيكا ووسوسة وتآمر وسوء أدب وهزء مع الزهو والتبجح وعريض الدعوى مما احتوته الفصول العديدة الطويلة في سورتي البقرة وآل عمران بتفصيل أكثره، وتدل على أن هذا الاستمرار إنما كان ينشأ عن الغيظ الذي أكل صدورهم من انتشار دعوة النبي وتوطد أمره وسلطانه وعلى أن هذه المواقف كانت تحدث بعض النتائج المؤذية نفسيا وظرفيا للنبي والمسلمين.
ولعل أشنع ما حكته عنهم الآيات وأبشعه أن يدفعهم الحقد والحسد والعداء إلى الإيمان بالأصنام والسجود لها وعدم التورع عن الشهادة الفاجرة بأن المشركين هم أهدى من المسلمين الموحدين. وهو موقف يدمغهم بطابع من العار لا يمكن أن يمحى.
ومن المعلوم أن اليهود في المدينة كانوا ثلاث قبائل أو كتل وهي بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. وقد أجلي بنو قينقاع في السنة الثانية، وبنو النضير في السنة الثالثة، ونكل ببني قريظة في السنة الخامسة للهجرة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأنفال والحشر والأحزاب. ولا بد من أن يكون هذا الفصل قد نزل وبعض هؤلاء موجود في المدينة يواجه النبي والمسلمين ويقف منهم هذه المواقف التي ذكرتها الآيات ؛ لأن الحملة لا يكون لها مكان لو كان نزل بعد جلاء جميع اليهود عن المدينة.
ورواية وفد اليهود إلى مكة تذكر أنهم كانوا زعماء بني النضير الذين حلوا بعد جلائهم عن المدينة في خيبر وتزعموا يهودها وقد نتج عن ذلك زحف الأحزاب على المدينة ومظاهرة بني قريظة لها على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب. وهكذا يمكن أن يقال :إن هذا الفصل نزل قبل التنكيل ببني قريظة، وأنه قد يكون شاملا في إنذاره وتنديده ليهود خيبر وزعماء بني النضير الذين تزعموهم أيضا. بل ليس هناك ما يمنع أن يكون نزل قبل جلاء بني النضير، وأن ما روي من مواقف الوفد اليهودي وأقواله في مكة كان في مناسبة أخرى والله أعلم. وروايات السيرة٣ تذكر أن زعماء بني النضير جاؤوا من خيبر إلى المدينة وألحوا على بني قريظة الذين بقوا فيها حتى نقضوا عهدهم مع النبي والمسلمين، وأن النبي زحف عليهم ونكل بهم عقب ارتداد الأحزاب عن المدينة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب.
وحكمة وضع هذا الفصل في مكانه من السورة خافية علينا ؛ لأنه لا يبدو له صلة بما سبقه وبما لحقه من آيات إلا أن يكون نزل بعد الآية السابقة له مباشرة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضعه بعدها للمناسبة الظرفية.
وعلى كل حال فهو مثال آخر مما ذكره في مقدمة السورة عن كيفية تأليفها ؛ حيث يرجح أنه نزل قبل فصل وقعتي الأحزاب وبني قريظة اللتين ذكرتا في سورة الأحزاب المتقدمة على هذه السورة في روايات النزول.
وآيات الفصل تحتوي وصفا قويا لأخلاق اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم من خبث ومكر وكيد ودس وتحريف كلام وليّ لسان وتبجح وزهو وغرور وتزكية نفس وسوء أدب وبخل بأي شيء مهما تفه على أي غريب وحسد لأية نعمة وخير وفضل يصيب غيرهم وطمع بما في أيدي غيرهم مع ما تفضل الله عليهم وعلى آبائهم من خيرات وبركات وملك عظيم، وعدم تورع عن أي تناقض مهما كان شديد البشاعة قوي الخزي ب
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ( ١ ) وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ( ٤٤ ) وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرًا ( ٤٥ ) مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ( ٢ ) وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ( ٣ ) وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( ٤٦ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً ( ٤٧ ) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ به وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ( ٤٨ ) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً( ٤ ) ( ٤٩ ) انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى به إِثْمًا مُّبِينًا ( ٥٠ )أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ( ٥ ) وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً ( ٥١ ) أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ( ٥٢ ) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا( ٦ ) ( ٥٣ ) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ( ٥٤ ) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ به وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ( ٥٥ ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ( ٥٦ ) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً ( ٥٧ ) ﴾
تعليق على الآية
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ) الخ.
وما بعدها لآخر الآية ( ٥٧ )
عبارة الآيات واضحة. وفيها إشارات تنديدية إلى مواقف عداء وكيد وكفر وهزء وتمرد وتآمر بدرت من اليهود وحملة شديدة عليهم بسببها وكشف عن أخلاقهم وطبائعهم الكريهة ودعوة مجددة لهم إلى الإيمان بالرسالة المحمدية التي جاءت مصدقة لما معهم والسير في طريق الإخلاص والصلاح، وتذكير بما كان من نكال الله لأهل السبت منهم وإنذار بنكال مماثل إذا لم يستجيبوا بالإضافة إلى النار الأخروية الدائمة الرهيبة.
وهي فصل جديد لا يبدو أن له صلة بالفصول السابقة. وقد روى المفسرون روايات عديدة في مناسبة نزولها١ من ذلك أن الآيات الثلاث الأولى نزلت في صدد ما كان اليهود يستعملونه من أساليب الخطاب التي كانوا يقصدون بها السخرية بالنبي والطعن في دينه ويقولون :إنه لو كان نبيا لعرف ذلك. وقد ذكروا في سياق ذلك اسم رفاعه ابن التابوت من زعمائهم وقالوا :إنه كان يلوي لسانه سخرية بالنبي ويطعن في الإسلام. وأن الآية الرابعة نزلت في صدد دعوة بعض أحبار اليهود أو يهود بني قينقاع إلى الإيمان وإبائهم. وأن الآية الخامسة نزلت في وحشي الحبشي قاتل حمزة ورفاق له، وكتبوا للنبي من مكة أنهم يريدون أن يتبعوه إذا كانت رحمة الله تتسع لذنوبهم، وفي رواية أنها نزلت جوابا على سؤال رجل من المسلمين عن احتمال غفران الله للشرك حينما نزلت الآية ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) ( ٥٣ ) من سورة الزمر حيث سكت النبي عن الجواب فأعاد الرجل سؤاله مرتين ثانيتين فنزلت. وأن الآيتين السادسة والسابعة نزلتا في رجال من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي فسألوه :هل على هؤلاء من ذنب ؟ فقال :لا. فقالوا :ما نحن إلا كهيئتهم ما عملناه بالنهار يكفر عنا بالليل وما علمناه بالليل يكفر عنا بالنهار ؛ لأننا أحباء الله. وأن الآيتين الثامنة والتاسعة نزلتا في وفد زعماء من اليهود ذهبوا إلى مكة برئاسة زعماء بني النضير الذين تزعموا يهود خيبر بعد إجلائهم من المدينة ليحرضوا قريشا على النبي والمسلمين ويتحالفون معهم، فطلب القرشيون أن يسجدوا لأصنامهم، فأجابوهم وسألوهم بصفتهم أهل علم وكتاب عمن هو الأهدى أهم أم محمد ؟ فقالوا لهم :إنهم هم الأهدى وحلفوا لهم عند أصنامهم على وعدهم بنصرتهم عليه. وألصقوا أكبادهم بالأصنام كالمشركين. وأن الآية العاشرة نزلت بمناسبة انتقاد اليهود النبي على ما صار من تبدل حاله من ضعف إلى قوة وما صار يسير فيه من مظاهر السلطان أو بمناسبة ما ظهر منهم من حسد وغيظ مما آتى الله نبيه وأصحابه من نصر وفضل وهدى.
وليس شيء من هذه الروايات واردا في كتب الصحاح من جهة، ومنها ما لا يستقيم مع موضوع الآيات وروحها وظروف نزولها من جهة أخرى وإن كان بعضها يتسق إجمالا مع مضمون الآيات ورواية نزول الآية في وحشي ورفاقه أوردت في سياق آيات الزمر ( ٥٤ـ ٥٩ ) وقد فندناها ونبهنا على عدم اتساقها مع روح الآية وظروفها.
والذي يتبادر لنا ويلهمه أسلوب الآيات ونظمها وانسجامها أنها سلسة تامة نزلت فصلا واحدا في حق اليهود. وهذا لا يمنع أن يكون قد بدر من اليهود بوادر عديدة في مناسبات مختلفة مما روته وما لم تروه. فجاءت الآيات تنعى عليهم وتندد بهم وتفضحهم وتنذرهم في سياق مناسبة من المناسبات لا نستطيع أن نعينها بجزم وإن كنا نظن أنها مناسبة ذهاب وفد اليهود إلى مكة لتحريض القريشيين على النبي والمسلمين وما فعلوه في مكة وما قالوه لقريش على ما ذكرته الروايات، وفيه اتساق لمضمون الآية ( ٥١ ) وهي أشد المناسبات استدعاء للحملة عليهم والتنديد بهم وإنذارهم بهذا الأسلوب القارع الذي جاء في الآيات. وقد يبدو لأول وهلة أن الآية ( ٤٨ ) لا صلة لها باليهود، غير أن المناسبة المذكورة تجعل صلتها بهم قائمة بل شديدة. فقد أعلنوا أيمانهم بالأصنام وحلفوا عندها وتبركوا بها أو سجدوا لها وقالوا لقريش المشركين :إنهم أهدى من محمد وهو الداعي إلى وحدة الله ومكارم الأخلاق. فجاءت الآية لتعظم جريمة الشرك ولتشير إلى هذا الموقف الشركي البشع ولتقول :إن الله وإن كان غفورا يغفر كل ذنب فهو لا يمكن أن يغفر ذنب الشرك به.
وننبه على أن في هذه السورة آية أخرى قريبة للآية ( ٤٨ ) وهي الآية ( ١١٦ ) غير أن هذه جاءت في سياق آخر ومدى آخر متصلين بالشرك العربي فكان أن اقتضت حكمة التنزيل التكرار. وبينما وصف مشركو العرب في الآية ( ١١٦ ) بأنهم ضلوا ضلالا بعيدا وصف اليهود في الآية ( ٤٨ ) بأنهم افتروا إثما عظيما فتناسق الوصف مع كل من الفريقين.
وجملة ( انظر كيف يفترون على الله الكذب ) بعد التنديد بالذين يزكون أنفسهم بدون تعيين هويتهم تعيين هذه الهوية وكونهم اليهود ؛ لأنهم كانوا يقولون نحن أحباء الله وأبناؤه وشعبه المختار الذين يرعاهم وهو رب إسرائيل٢ فكذبتهم الآية وأعلنت أن هذا افتراء على الله تعالى.
وهذا الفصل يدل على استمرار اليهود في مواقفهم التي وقفوها منذ قدوم النبي صلى الله عليه وسلم من مكة صدا عن سبيل الله ومكايدة وتشكيكا ووسوسة وتآمر وسوء أدب وهزء مع الزهو والتبجح وعريض الدعوى مما احتوته الفصول العديدة الطويلة في سورتي البقرة وآل عمران بتفصيل أكثره، وتدل على أن هذا الاستمرار إنما كان ينشأ عن الغيظ الذي أكل صدورهم من انتشار دعوة النبي وتوطد أمره وسلطانه وعلى أن هذه المواقف كانت تحدث بعض النتائج المؤذية نفسيا وظرفيا للنبي والمسلمين.
ولعل أشنع ما حكته عنهم الآيات وأبشعه أن يدفعهم الحقد والحسد والعداء إلى الإيمان بالأصنام والسجود لها وعدم التورع عن الشهادة الفاجرة بأن المشركين هم أهدى من المسلمين الموحدين. وهو موقف يدمغهم بطابع من العار لا يمكن أن يمحى.
ومن المعلوم أن اليهود في المدينة كانوا ثلاث قبائل أو كتل وهي بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. وقد أجلي بنو قينقاع في السنة الثانية، وبنو النضير في السنة الثالثة، ونكل ببني قريظة في السنة الخامسة للهجرة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأنفال والحشر والأحزاب. ولا بد من أن يكون هذا الفصل قد نزل وبعض هؤلاء موجود في المدينة يواجه النبي والمسلمين ويقف منهم هذه المواقف التي ذكرتها الآيات ؛ لأن الحملة لا يكون لها مكان لو كان نزل بعد جلاء جميع اليهود عن المدينة.
ورواية وفد اليهود إلى مكة تذكر أنهم كانوا زعماء بني النضير الذين حلوا بعد جلائهم عن المدينة في خيبر وتزعموا يهودها وقد نتج عن ذلك زحف الأحزاب على المدينة ومظاهرة بني قريظة لها على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب. وهكذا يمكن أن يقال :إن هذا الفصل نزل قبل التنكيل ببني قريظة، وأنه قد يكون شاملا في إنذاره وتنديده ليهود خيبر وزعماء بني النضير الذين تزعموهم أيضا. بل ليس هناك ما يمنع أن يكون نزل قبل جلاء بني النضير، وأن ما روي من مواقف الوفد اليهودي وأقواله في مكة كان في مناسبة أخرى والله أعلم. وروايات السيرة٣ تذكر أن زعماء بني النضير جاؤوا من خيبر إلى المدينة وألحوا على بني قريظة الذين بقوا فيها حتى نقضوا عهدهم مع النبي والمسلمين، وأن النبي زحف عليهم ونكل بهم عقب ارتداد الأحزاب عن المدينة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب.
وحكمة وضع هذا الفصل في مكانه من السورة خافية علينا ؛ لأنه لا يبدو له صلة بما سبقه وبما لحقه من آيات إلا أن يكون نزل بعد الآية السابقة له مباشرة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضعه بعدها للمناسبة الظرفية.
وعلى كل حال فهو مثال آخر مما ذكره في مقدمة السورة عن كيفية تأليفها ؛ حيث يرجح أنه نزل قبل فصل وقعتي الأحزاب وبني قريظة اللتين ذكرتا في سورة الأحزاب المتقدمة على هذه السورة في روايات النزول.
وآيات الفصل تحتوي وصفا قويا لأخلاق اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم من خبث ومكر وكيد ودس وتحريف كلام وليّ لسان وتبجح وزهو وغرور وتزكية نفس وسوء أدب وبخل بأي شيء مهما تفه على أي غريب وحسد لأية نعمة وخير وفضل يصيب غيرهم وطمع بما في أيدي غيرهم مع ما تفضل الله عليهم وعلى آبائهم من خيرات وبركات وملك عظيم، وعدم تورع عن أي تناقض مهما كان شديد البشاعة قوي الخزي ب
( ٦ ) نقيرا :قشرة النواة أو شقها أو نقرتها التي تكون في ظهرها. والقصد أقل شيء مهما كان تافها.
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ( ١ ) وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ( ٤٤ ) وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرًا ( ٤٥ ) مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ( ٢ ) وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ( ٣ ) وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( ٤٦ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً ( ٤٧ ) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ به وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ( ٤٨ ) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً( ٤ ) ( ٤٩ ) انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى به إِثْمًا مُّبِينًا ( ٥٠ )أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ( ٥ ) وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً ( ٥١ ) أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ( ٥٢ ) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا( ٦ ) ( ٥٣ ) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ( ٥٤ ) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ به وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ( ٥٥ ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ( ٥٦ ) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً ( ٥٧ ) ﴾
تعليق على الآية
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ) الخ.
وما بعدها لآخر الآية ( ٥٧ )
عبارة الآيات واضحة. وفيها إشارات تنديدية إلى مواقف عداء وكيد وكفر وهزء وتمرد وتآمر بدرت من اليهود وحملة شديدة عليهم بسببها وكشف عن أخلاقهم وطبائعهم الكريهة ودعوة مجددة لهم إلى الإيمان بالرسالة المحمدية التي جاءت مصدقة لما معهم والسير في طريق الإخلاص والصلاح، وتذكير بما كان من نكال الله لأهل السبت منهم وإنذار بنكال مماثل إذا لم يستجيبوا بالإضافة إلى النار الأخروية الدائمة الرهيبة.
وهي فصل جديد لا يبدو أن له صلة بالفصول السابقة. وقد روى المفسرون روايات عديدة في مناسبة نزولها١ من ذلك أن الآيات الثلاث الأولى نزلت في صدد ما كان اليهود يستعملونه من أساليب الخطاب التي كانوا يقصدون بها السخرية بالنبي والطعن في دينه ويقولون :إنه لو كان نبيا لعرف ذلك. وقد ذكروا في سياق ذلك اسم رفاعه ابن التابوت من زعمائهم وقالوا :إنه كان يلوي لسانه سخرية بالنبي ويطعن في الإسلام. وأن الآية الرابعة نزلت في صدد دعوة بعض أحبار اليهود أو يهود بني قينقاع إلى الإيمان وإبائهم. وأن الآية الخامسة نزلت في وحشي الحبشي قاتل حمزة ورفاق له، وكتبوا للنبي من مكة أنهم يريدون أن يتبعوه إذا كانت رحمة الله تتسع لذنوبهم، وفي رواية أنها نزلت جوابا على سؤال رجل من المسلمين عن احتمال غفران الله للشرك حينما نزلت الآية ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) ( ٥٣ ) من سورة الزمر حيث سكت النبي عن الجواب فأعاد الرجل سؤاله مرتين ثانيتين فنزلت. وأن الآيتين السادسة والسابعة نزلتا في رجال من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي فسألوه :هل على هؤلاء من ذنب ؟ فقال :لا. فقالوا :ما نحن إلا كهيئتهم ما عملناه بالنهار يكفر عنا بالليل وما علمناه بالليل يكفر عنا بالنهار ؛ لأننا أحباء الله. وأن الآيتين الثامنة والتاسعة نزلتا في وفد زعماء من اليهود ذهبوا إلى مكة برئاسة زعماء بني النضير الذين تزعموا يهود خيبر بعد إجلائهم من المدينة ليحرضوا قريشا على النبي والمسلمين ويتحالفون معهم، فطلب القرشيون أن يسجدوا لأصنامهم، فأجابوهم وسألوهم بصفتهم أهل علم وكتاب عمن هو الأهدى أهم أم محمد ؟ فقالوا لهم :إنهم هم الأهدى وحلفوا لهم عند أصنامهم على وعدهم بنصرتهم عليه. وألصقوا أكبادهم بالأصنام كالمشركين. وأن الآية العاشرة نزلت بمناسبة انتقاد اليهود النبي على ما صار من تبدل حاله من ضعف إلى قوة وما صار يسير فيه من مظاهر السلطان أو بمناسبة ما ظهر منهم من حسد وغيظ مما آتى الله نبيه وأصحابه من نصر وفضل وهدى.
وليس شيء من هذه الروايات واردا في كتب الصحاح من جهة، ومنها ما لا يستقيم مع موضوع الآيات وروحها وظروف نزولها من جهة أخرى وإن كان بعضها يتسق إجمالا مع مضمون الآيات ورواية نزول الآية في وحشي ورفاقه أوردت في سياق آيات الزمر ( ٥٤ـ ٥٩ ) وقد فندناها ونبهنا على عدم اتساقها مع روح الآية وظروفها.
والذي يتبادر لنا ويلهمه أسلوب الآيات ونظمها وانسجامها أنها سلسة تامة نزلت فصلا واحدا في حق اليهود. وهذا لا يمنع أن يكون قد بدر من اليهود بوادر عديدة في مناسبات مختلفة مما روته وما لم تروه. فجاءت الآيات تنعى عليهم وتندد بهم وتفضحهم وتنذرهم في سياق مناسبة من المناسبات لا نستطيع أن نعينها بجزم وإن كنا نظن أنها مناسبة ذهاب وفد اليهود إلى مكة لتحريض القريشيين على النبي والمسلمين وما فعلوه في مكة وما قالوه لقريش على ما ذكرته الروايات، وفيه اتساق لمضمون الآية ( ٥١ ) وهي أشد المناسبات استدعاء للحملة عليهم والتنديد بهم وإنذارهم بهذا الأسلوب القارع الذي جاء في الآيات. وقد يبدو لأول وهلة أن الآية ( ٤٨ ) لا صلة لها باليهود، غير أن المناسبة المذكورة تجعل صلتها بهم قائمة بل شديدة. فقد أعلنوا أيمانهم بالأصنام وحلفوا عندها وتبركوا بها أو سجدوا لها وقالوا لقريش المشركين :إنهم أهدى من محمد وهو الداعي إلى وحدة الله ومكارم الأخلاق. فجاءت الآية لتعظم جريمة الشرك ولتشير إلى هذا الموقف الشركي البشع ولتقول :إن الله وإن كان غفورا يغفر كل ذنب فهو لا يمكن أن يغفر ذنب الشرك به.
وننبه على أن في هذه السورة آية أخرى قريبة للآية ( ٤٨ ) وهي الآية ( ١١٦ ) غير أن هذه جاءت في سياق آخر ومدى آخر متصلين بالشرك العربي فكان أن اقتضت حكمة التنزيل التكرار. وبينما وصف مشركو العرب في الآية ( ١١٦ ) بأنهم ضلوا ضلالا بعيدا وصف اليهود في الآية ( ٤٨ ) بأنهم افتروا إثما عظيما فتناسق الوصف مع كل من الفريقين.
وجملة ( انظر كيف يفترون على الله الكذب ) بعد التنديد بالذين يزكون أنفسهم بدون تعيين هويتهم تعيين هذه الهوية وكونهم اليهود ؛ لأنهم كانوا يقولون نحن أحباء الله وأبناؤه وشعبه المختار الذين يرعاهم وهو رب إسرائيل٢ فكذبتهم الآية وأعلنت أن هذا افتراء على الله تعالى.
وهذا الفصل يدل على استمرار اليهود في مواقفهم التي وقفوها منذ قدوم النبي صلى الله عليه وسلم من مكة صدا عن سبيل الله ومكايدة وتشكيكا ووسوسة وتآمر وسوء أدب وهزء مع الزهو والتبجح وعريض الدعوى مما احتوته الفصول العديدة الطويلة في سورتي البقرة وآل عمران بتفصيل أكثره، وتدل على أن هذا الاستمرار إنما كان ينشأ عن الغيظ الذي أكل صدورهم من انتشار دعوة النبي وتوطد أمره وسلطانه وعلى أن هذه المواقف كانت تحدث بعض النتائج المؤذية نفسيا وظرفيا للنبي والمسلمين.
ولعل أشنع ما حكته عنهم الآيات وأبشعه أن يدفعهم الحقد والحسد والعداء إلى الإيمان بالأصنام والسجود لها وعدم التورع عن الشهادة الفاجرة بأن المشركين هم أهدى من المسلمين الموحدين. وهو موقف يدمغهم بطابع من العار لا يمكن أن يمحى.
ومن المعلوم أن اليهود في المدينة كانوا ثلاث قبائل أو كتل وهي بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. وقد أجلي بنو قينقاع في السنة الثانية، وبنو النضير في السنة الثالثة، ونكل ببني قريظة في السنة الخامسة للهجرة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأنفال والحشر والأحزاب. ولا بد من أن يكون هذا الفصل قد نزل وبعض هؤلاء موجود في المدينة يواجه النبي والمسلمين ويقف منهم هذه المواقف التي ذكرتها الآيات ؛ لأن الحملة لا يكون لها مكان لو كان نزل بعد جلاء جميع اليهود عن المدينة.
ورواية وفد اليهود إلى مكة تذكر أنهم كانوا زعماء بني النضير الذين حلوا بعد جلائهم عن المدينة في خيبر وتزعموا يهودها وقد نتج عن ذلك زحف الأحزاب على المدينة ومظاهرة بني قريظة لها على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب. وهكذا يمكن أن يقال :إن هذا الفصل نزل قبل التنكيل ببني قريظة، وأنه قد يكون شاملا في إنذاره وتنديده ليهود خيبر وزعماء بني النضير الذين تزعموهم أيضا. بل ليس هناك ما يمنع أن يكون نزل قبل جلاء بني النضير، وأن ما روي من مواقف الوفد اليهودي وأقواله في مكة كان في مناسبة أخرى والله أعلم. وروايات السيرة٣ تذكر أن زعماء بني النضير جاؤوا من خيبر إلى المدينة وألحوا على بني قريظة الذين بقوا فيها حتى نقضوا عهدهم مع النبي والمسلمين، وأن النبي زحف عليهم ونكل بهم عقب ارتداد الأحزاب عن المدينة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب.
وحكمة وضع هذا الفصل في مكانه من السورة خافية علينا ؛ لأنه لا يبدو له صلة بما سبقه وبما لحقه من آيات إلا أن يكون نزل بعد الآية السابقة له مباشرة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضعه بعدها للمناسبة الظرفية.
وعلى كل حال فهو مثال آخر مما ذكره في مقدمة السورة عن كيفية تأليفها ؛ حيث يرجح أنه نزل قبل فصل وقعتي الأحزاب وبني قريظة اللتين ذكرتا في سورة الأحزاب المتقدمة على هذه السورة في روايات النزول.
وآيات الفصل تحتوي وصفا قويا لأخلاق اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم من خبث ومكر وكيد ودس وتحريف كلام وليّ لسان وتبجح وزهو وغرور وتزكية نفس وسوء أدب وبخل بأي شيء مهما تفه على أي غريب وحسد لأية نعمة وخير وفضل يصيب غيرهم وطمع بما في أيدي غيرهم مع ما تفضل الله عليهم وعلى آبائهم من خيرات وبركات وملك عظيم، وعدم تورع عن أي تناقض مهما كان شديد البشاعة قوي الخزي ب
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤٤: ( ١ ) يشترون الضلالة :أول المؤولون الجملة بمعنى يختارون الضلالة ويتعمدونها ويستبدلونها بالهدى. وهو وجيه ومتسق مع ما جاء في آيات عديدة مثل آيات البقرة ( ١٦ و ٤١ ) وآل عمران ( ٧٧ ).
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ( ١ ) وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ( ٤٤ ) وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرًا ( ٤٥ ) مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ( ٢ ) وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ( ٣ ) وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( ٤٦ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً ( ٤٧ ) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ به وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ( ٤٨ ) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً( ٤ ) ( ٤٩ ) انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى به إِثْمًا مُّبِينًا ( ٥٠ )أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ( ٥ ) وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً ( ٥١ ) أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ( ٥٢ ) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا( ٦ ) ( ٥٣ ) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ( ٥٤ ) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ به وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ( ٥٥ ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ( ٥٦ ) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً ( ٥٧ ) ﴾
تعليق على الآية
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ) الخ.
وما بعدها لآخر الآية ( ٥٧ )
عبارة الآيات واضحة. وفيها إشارات تنديدية إلى مواقف عداء وكيد وكفر وهزء وتمرد وتآمر بدرت من اليهود وحملة شديدة عليهم بسببها وكشف عن أخلاقهم وطبائعهم الكريهة ودعوة مجددة لهم إلى الإيمان بالرسالة المحمدية التي جاءت مصدقة لما معهم والسير في طريق الإخلاص والصلاح، وتذكير بما كان من نكال الله لأهل السبت منهم وإنذار بنكال مماثل إذا لم يستجيبوا بالإضافة إلى النار الأخروية الدائمة الرهيبة.
وهي فصل جديد لا يبدو أن له صلة بالفصول السابقة. وقد روى المفسرون روايات عديدة في مناسبة نزولها١ من ذلك أن الآيات الثلاث الأولى نزلت في صدد ما كان اليهود يستعملونه من أساليب الخطاب التي كانوا يقصدون بها السخرية بالنبي والطعن في دينه ويقولون :إنه لو كان نبيا لعرف ذلك. وقد ذكروا في سياق ذلك اسم رفاعه ابن التابوت من زعمائهم وقالوا :إنه كان يلوي لسانه سخرية بالنبي ويطعن في الإسلام. وأن الآية الرابعة نزلت في صدد دعوة بعض أحبار اليهود أو يهود بني قينقاع إلى الإيمان وإبائهم. وأن الآية الخامسة نزلت في وحشي الحبشي قاتل حمزة ورفاق له، وكتبوا للنبي من مكة أنهم يريدون أن يتبعوه إذا كانت رحمة الله تتسع لذنوبهم، وفي رواية أنها نزلت جوابا على سؤال رجل من المسلمين عن احتمال غفران الله للشرك حينما نزلت الآية ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) ( ٥٣ ) من سورة الزمر حيث سكت النبي عن الجواب فأعاد الرجل سؤاله مرتين ثانيتين فنزلت. وأن الآيتين السادسة والسابعة نزلتا في رجال من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي فسألوه :هل على هؤلاء من ذنب ؟ فقال :لا. فقالوا :ما نحن إلا كهيئتهم ما عملناه بالنهار يكفر عنا بالليل وما علمناه بالليل يكفر عنا بالنهار ؛ لأننا أحباء الله. وأن الآيتين الثامنة والتاسعة نزلتا في وفد زعماء من اليهود ذهبوا إلى مكة برئاسة زعماء بني النضير الذين تزعموا يهود خيبر بعد إجلائهم من المدينة ليحرضوا قريشا على النبي والمسلمين ويتحالفون معهم، فطلب القرشيون أن يسجدوا لأصنامهم، فأجابوهم وسألوهم بصفتهم أهل علم وكتاب عمن هو الأهدى أهم أم محمد ؟ فقالوا لهم :إنهم هم الأهدى وحلفوا لهم عند أصنامهم على وعدهم بنصرتهم عليه. وألصقوا أكبادهم بالأصنام كالمشركين. وأن الآية العاشرة نزلت بمناسبة انتقاد اليهود النبي على ما صار من تبدل حاله من ضعف إلى قوة وما صار يسير فيه من مظاهر السلطان أو بمناسبة ما ظهر منهم من حسد وغيظ مما آتى الله نبيه وأصحابه من نصر وفضل وهدى.
وليس شيء من هذه الروايات واردا في كتب الصحاح من جهة، ومنها ما لا يستقيم مع موضوع الآيات وروحها وظروف نزولها من جهة أخرى وإن كان بعضها يتسق إجمالا مع مضمون الآيات ورواية نزول الآية في وحشي ورفاقه أوردت في سياق آيات الزمر ( ٥٤ـ ٥٩ ) وقد فندناها ونبهنا على عدم اتساقها مع روح الآية وظروفها.
والذي يتبادر لنا ويلهمه أسلوب الآيات ونظمها وانسجامها أنها سلسة تامة نزلت فصلا واحدا في حق اليهود. وهذا لا يمنع أن يكون قد بدر من اليهود بوادر عديدة في مناسبات مختلفة مما روته وما لم تروه. فجاءت الآيات تنعى عليهم وتندد بهم وتفضحهم وتنذرهم في سياق مناسبة من المناسبات لا نستطيع أن نعينها بجزم وإن كنا نظن أنها مناسبة ذهاب وفد اليهود إلى مكة لتحريض القريشيين على النبي والمسلمين وما فعلوه في مكة وما قالوه لقريش على ما ذكرته الروايات، وفيه اتساق لمضمون الآية ( ٥١ ) وهي أشد المناسبات استدعاء للحملة عليهم والتنديد بهم وإنذارهم بهذا الأسلوب القارع الذي جاء في الآيات. وقد يبدو لأول وهلة أن الآية ( ٤٨ ) لا صلة لها باليهود، غير أن المناسبة المذكورة تجعل صلتها بهم قائمة بل شديدة. فقد أعلنوا أيمانهم بالأصنام وحلفوا عندها وتبركوا بها أو سجدوا لها وقالوا لقريش المشركين :إنهم أهدى من محمد وهو الداعي إلى وحدة الله ومكارم الأخلاق. فجاءت الآية لتعظم جريمة الشرك ولتشير إلى هذا الموقف الشركي البشع ولتقول :إن الله وإن كان غفورا يغفر كل ذنب فهو لا يمكن أن يغفر ذنب الشرك به.
وننبه على أن في هذه السورة آية أخرى قريبة للآية ( ٤٨ ) وهي الآية ( ١١٦ ) غير أن هذه جاءت في سياق آخر ومدى آخر متصلين بالشرك العربي فكان أن اقتضت حكمة التنزيل التكرار. وبينما وصف مشركو العرب في الآية ( ١١٦ ) بأنهم ضلوا ضلالا بعيدا وصف اليهود في الآية ( ٤٨ ) بأنهم افتروا إثما عظيما فتناسق الوصف مع كل من الفريقين.
وجملة ( انظر كيف يفترون على الله الكذب ) بعد التنديد بالذين يزكون أنفسهم بدون تعيين هويتهم تعيين هذه الهوية وكونهم اليهود ؛ لأنهم كانوا يقولون نحن أحباء الله وأبناؤه وشعبه المختار الذين يرعاهم وهو رب إسرائيل٢ فكذبتهم الآية وأعلنت أن هذا افتراء على الله تعالى.
وهذا الفصل يدل على استمرار اليهود في مواقفهم التي وقفوها منذ قدوم النبي صلى الله عليه وسلم من مكة صدا عن سبيل الله ومكايدة وتشكيكا ووسوسة وتآمر وسوء أدب وهزء مع الزهو والتبجح وعريض الدعوى مما احتوته الفصول العديدة الطويلة في سورتي البقرة وآل عمران بتفصيل أكثره، وتدل على أن هذا الاستمرار إنما كان ينشأ عن الغيظ الذي أكل صدورهم من انتشار دعوة النبي وتوطد أمره وسلطانه وعلى أن هذه المواقف كانت تحدث بعض النتائج المؤذية نفسيا وظرفيا للنبي والمسلمين.
ولعل أشنع ما حكته عنهم الآيات وأبشعه أن يدفعهم الحقد والحسد والعداء إلى الإيمان بالأصنام والسجود لها وعدم التورع عن الشهادة الفاجرة بأن المشركين هم أهدى من المسلمين الموحدين. وهو موقف يدمغهم بطابع من العار لا يمكن أن يمحى.
ومن المعلوم أن اليهود في المدينة كانوا ثلاث قبائل أو كتل وهي بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. وقد أجلي بنو قينقاع في السنة الثانية، وبنو النضير في السنة الثالثة، ونكل ببني قريظة في السنة الخامسة للهجرة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأنفال والحشر والأحزاب. ولا بد من أن يكون هذا الفصل قد نزل وبعض هؤلاء موجود في المدينة يواجه النبي والمسلمين ويقف منهم هذه المواقف التي ذكرتها الآيات ؛ لأن الحملة لا يكون لها مكان لو كان نزل بعد جلاء جميع اليهود عن المدينة.
ورواية وفد اليهود إلى مكة تذكر أنهم كانوا زعماء بني النضير الذين حلوا بعد جلائهم عن المدينة في خيبر وتزعموا يهودها وقد نتج عن ذلك زحف الأحزاب على المدينة ومظاهرة بني قريظة لها على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب. وهكذا يمكن أن يقال :إن هذا الفصل نزل قبل التنكيل ببني قريظة، وأنه قد يكون شاملا في إنذاره وتنديده ليهود خيبر وزعماء بني النضير الذين تزعموهم أيضا. بل ليس هناك ما يمنع أن يكون نزل قبل جلاء بني النضير، وأن ما روي من مواقف الوفد اليهودي وأقواله في مكة كان في مناسبة أخرى والله أعلم. وروايات السيرة٣ تذكر أن زعماء بني النضير جاؤوا من خيبر إلى المدينة وألحوا على بني قريظة الذين بقوا فيها حتى نقضوا عهدهم مع النبي والمسلمين، وأن النبي زحف عليهم ونكل بهم عقب ارتداد الأحزاب عن المدينة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب.
وحكمة وضع هذا الفصل في مكانه من السورة خافية علينا ؛ لأنه لا يبدو له صلة بما سبقه وبما لحقه من آيات إلا أن يكون نزل بعد الآية السابقة له مباشرة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضعه بعدها للمناسبة الظرفية.
وعلى كل حال فهو مثال آخر مما ذكره في مقدمة السورة عن كيفية تأليفها ؛ حيث يرجح أنه نزل قبل فصل وقعتي الأحزاب وبني قريظة اللتين ذكرتا في سورة الأحزاب المتقدمة على هذه السورة في روايات النزول.
وآيات الفصل تحتوي وصفا قويا لأخلاق اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم من خبث ومكر وكيد ودس وتحريف كلام وليّ لسان وتبجح وزهو وغرور وتزكية نفس وسوء أدب وبخل بأي شيء مهما تفه على أي غريب وحسد لأية نعمة وخير وفضل يصيب غيرهم وطمع بما في أيدي غيرهم مع ما تفضل الله عليهم وعلى آبائهم من خيرات وبركات وملك عظيم، وعدم تورع عن أي تناقض مهما كان شديد البشاعة قوي الخزي ب

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ( ١ ) وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ( ٤٤ ) وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرًا ( ٤٥ ) مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ( ٢ ) وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ( ٣ ) وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( ٤٦ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً ( ٤٧ ) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ به وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ( ٤٨ ) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً( ٤ ) ( ٤٩ ) انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى به إِثْمًا مُّبِينًا ( ٥٠ )أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ( ٥ ) وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً ( ٥١ ) أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ( ٥٢ ) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا( ٦ ) ( ٥٣ ) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ( ٥٤ ) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ به وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ( ٥٥ ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ( ٥٦ ) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً ( ٥٧ ) ﴾
تعليق على الآية
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ) الخ.
وما بعدها لآخر الآية ( ٥٧ )
عبارة الآيات واضحة. وفيها إشارات تنديدية إلى مواقف عداء وكيد وكفر وهزء وتمرد وتآمر بدرت من اليهود وحملة شديدة عليهم بسببها وكشف عن أخلاقهم وطبائعهم الكريهة ودعوة مجددة لهم إلى الإيمان بالرسالة المحمدية التي جاءت مصدقة لما معهم والسير في طريق الإخلاص والصلاح، وتذكير بما كان من نكال الله لأهل السبت منهم وإنذار بنكال مماثل إذا لم يستجيبوا بالإضافة إلى النار الأخروية الدائمة الرهيبة.
وهي فصل جديد لا يبدو أن له صلة بالفصول السابقة. وقد روى المفسرون روايات عديدة في مناسبة نزولها١ من ذلك أن الآيات الثلاث الأولى نزلت في صدد ما كان اليهود يستعملونه من أساليب الخطاب التي كانوا يقصدون بها السخرية بالنبي والطعن في دينه ويقولون :إنه لو كان نبيا لعرف ذلك. وقد ذكروا في سياق ذلك اسم رفاعه ابن التابوت من زعمائهم وقالوا :إنه كان يلوي لسانه سخرية بالنبي ويطعن في الإسلام. وأن الآية الرابعة نزلت في صدد دعوة بعض أحبار اليهود أو يهود بني قينقاع إلى الإيمان وإبائهم. وأن الآية الخامسة نزلت في وحشي الحبشي قاتل حمزة ورفاق له، وكتبوا للنبي من مكة أنهم يريدون أن يتبعوه إذا كانت رحمة الله تتسع لذنوبهم، وفي رواية أنها نزلت جوابا على سؤال رجل من المسلمين عن احتمال غفران الله للشرك حينما نزلت الآية ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) ( ٥٣ ) من سورة الزمر حيث سكت النبي عن الجواب فأعاد الرجل سؤاله مرتين ثانيتين فنزلت. وأن الآيتين السادسة والسابعة نزلتا في رجال من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي فسألوه :هل على هؤلاء من ذنب ؟ فقال :لا. فقالوا :ما نحن إلا كهيئتهم ما عملناه بالنهار يكفر عنا بالليل وما علمناه بالليل يكفر عنا بالنهار ؛ لأننا أحباء الله. وأن الآيتين الثامنة والتاسعة نزلتا في وفد زعماء من اليهود ذهبوا إلى مكة برئاسة زعماء بني النضير الذين تزعموا يهود خيبر بعد إجلائهم من المدينة ليحرضوا قريشا على النبي والمسلمين ويتحالفون معهم، فطلب القرشيون أن يسجدوا لأصنامهم، فأجابوهم وسألوهم بصفتهم أهل علم وكتاب عمن هو الأهدى أهم أم محمد ؟ فقالوا لهم :إنهم هم الأهدى وحلفوا لهم عند أصنامهم على وعدهم بنصرتهم عليه. وألصقوا أكبادهم بالأصنام كالمشركين. وأن الآية العاشرة نزلت بمناسبة انتقاد اليهود النبي على ما صار من تبدل حاله من ضعف إلى قوة وما صار يسير فيه من مظاهر السلطان أو بمناسبة ما ظهر منهم من حسد وغيظ مما آتى الله نبيه وأصحابه من نصر وفضل وهدى.
وليس شيء من هذه الروايات واردا في كتب الصحاح من جهة، ومنها ما لا يستقيم مع موضوع الآيات وروحها وظروف نزولها من جهة أخرى وإن كان بعضها يتسق إجمالا مع مضمون الآيات ورواية نزول الآية في وحشي ورفاقه أوردت في سياق آيات الزمر ( ٥٤ـ ٥٩ ) وقد فندناها ونبهنا على عدم اتساقها مع روح الآية وظروفها.
والذي يتبادر لنا ويلهمه أسلوب الآيات ونظمها وانسجامها أنها سلسة تامة نزلت فصلا واحدا في حق اليهود. وهذا لا يمنع أن يكون قد بدر من اليهود بوادر عديدة في مناسبات مختلفة مما روته وما لم تروه. فجاءت الآيات تنعى عليهم وتندد بهم وتفضحهم وتنذرهم في سياق مناسبة من المناسبات لا نستطيع أن نعينها بجزم وإن كنا نظن أنها مناسبة ذهاب وفد اليهود إلى مكة لتحريض القريشيين على النبي والمسلمين وما فعلوه في مكة وما قالوه لقريش على ما ذكرته الروايات، وفيه اتساق لمضمون الآية ( ٥١ ) وهي أشد المناسبات استدعاء للحملة عليهم والتنديد بهم وإنذارهم بهذا الأسلوب القارع الذي جاء في الآيات. وقد يبدو لأول وهلة أن الآية ( ٤٨ ) لا صلة لها باليهود، غير أن المناسبة المذكورة تجعل صلتها بهم قائمة بل شديدة. فقد أعلنوا أيمانهم بالأصنام وحلفوا عندها وتبركوا بها أو سجدوا لها وقالوا لقريش المشركين :إنهم أهدى من محمد وهو الداعي إلى وحدة الله ومكارم الأخلاق. فجاءت الآية لتعظم جريمة الشرك ولتشير إلى هذا الموقف الشركي البشع ولتقول :إن الله وإن كان غفورا يغفر كل ذنب فهو لا يمكن أن يغفر ذنب الشرك به.
وننبه على أن في هذه السورة آية أخرى قريبة للآية ( ٤٨ ) وهي الآية ( ١١٦ ) غير أن هذه جاءت في سياق آخر ومدى آخر متصلين بالشرك العربي فكان أن اقتضت حكمة التنزيل التكرار. وبينما وصف مشركو العرب في الآية ( ١١٦ ) بأنهم ضلوا ضلالا بعيدا وصف اليهود في الآية ( ٤٨ ) بأنهم افتروا إثما عظيما فتناسق الوصف مع كل من الفريقين.
وجملة ( انظر كيف يفترون على الله الكذب ) بعد التنديد بالذين يزكون أنفسهم بدون تعيين هويتهم تعيين هذه الهوية وكونهم اليهود ؛ لأنهم كانوا يقولون نحن أحباء الله وأبناؤه وشعبه المختار الذين يرعاهم وهو رب إسرائيل٢ فكذبتهم الآية وأعلنت أن هذا افتراء على الله تعالى.
وهذا الفصل يدل على استمرار اليهود في مواقفهم التي وقفوها منذ قدوم النبي صلى الله عليه وسلم من مكة صدا عن سبيل الله ومكايدة وتشكيكا ووسوسة وتآمر وسوء أدب وهزء مع الزهو والتبجح وعريض الدعوى مما احتوته الفصول العديدة الطويلة في سورتي البقرة وآل عمران بتفصيل أكثره، وتدل على أن هذا الاستمرار إنما كان ينشأ عن الغيظ الذي أكل صدورهم من انتشار دعوة النبي وتوطد أمره وسلطانه وعلى أن هذه المواقف كانت تحدث بعض النتائج المؤذية نفسيا وظرفيا للنبي والمسلمين.
ولعل أشنع ما حكته عنهم الآيات وأبشعه أن يدفعهم الحقد والحسد والعداء إلى الإيمان بالأصنام والسجود لها وعدم التورع عن الشهادة الفاجرة بأن المشركين هم أهدى من المسلمين الموحدين. وهو موقف يدمغهم بطابع من العار لا يمكن أن يمحى.
ومن المعلوم أن اليهود في المدينة كانوا ثلاث قبائل أو كتل وهي بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. وقد أجلي بنو قينقاع في السنة الثانية، وبنو النضير في السنة الثالثة، ونكل ببني قريظة في السنة الخامسة للهجرة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأنفال والحشر والأحزاب. ولا بد من أن يكون هذا الفصل قد نزل وبعض هؤلاء موجود في المدينة يواجه النبي والمسلمين ويقف منهم هذه المواقف التي ذكرتها الآيات ؛ لأن الحملة لا يكون لها مكان لو كان نزل بعد جلاء جميع اليهود عن المدينة.
ورواية وفد اليهود إلى مكة تذكر أنهم كانوا زعماء بني النضير الذين حلوا بعد جلائهم عن المدينة في خيبر وتزعموا يهودها وقد نتج عن ذلك زحف الأحزاب على المدينة ومظاهرة بني قريظة لها على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب. وهكذا يمكن أن يقال :إن هذا الفصل نزل قبل التنكيل ببني قريظة، وأنه قد يكون شاملا في إنذاره وتنديده ليهود خيبر وزعماء بني النضير الذين تزعموهم أيضا. بل ليس هناك ما يمنع أن يكون نزل قبل جلاء بني النضير، وأن ما روي من مواقف الوفد اليهودي وأقواله في مكة كان في مناسبة أخرى والله أعلم. وروايات السيرة٣ تذكر أن زعماء بني النضير جاؤوا من خيبر إلى المدينة وألحوا على بني قريظة الذين بقوا فيها حتى نقضوا عهدهم مع النبي والمسلمين، وأن النبي زحف عليهم ونكل بهم عقب ارتداد الأحزاب عن المدينة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب.
وحكمة وضع هذا الفصل في مكانه من السورة خافية علينا ؛ لأنه لا يبدو له صلة بما سبقه وبما لحقه من آيات إلا أن يكون نزل بعد الآية السابقة له مباشرة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضعه بعدها للمناسبة الظرفية.
وعلى كل حال فهو مثال آخر مما ذكره في مقدمة السورة عن كيفية تأليفها ؛ حيث يرجح أنه نزل قبل فصل وقعتي الأحزاب وبني قريظة اللتين ذكرتا في سورة الأحزاب المتقدمة على هذه السورة في روايات النزول.
وآيات الفصل تحتوي وصفا قويا لأخلاق اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم من خبث ومكر وكيد ودس وتحريف كلام وليّ لسان وتبجح وزهو وغرور وتزكية نفس وسوء أدب وبخل بأي شيء مهما تفه على أي غريب وحسد لأية نعمة وخير وفضل يصيب غيرهم وطمع بما في أيدي غيرهم مع ما تفضل الله عليهم وعلى آبائهم من خيرات وبركات وملك عظيم، وعدم تورع عن أي تناقض مهما كان شديد البشاعة قوي الخزي ب
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ( ١ ) وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ( ٤٤ ) وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرًا ( ٤٥ ) مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ( ٢ ) وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ( ٣ ) وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( ٤٦ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً ( ٤٧ ) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ به وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ( ٤٨ ) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً( ٤ ) ( ٤٩ ) انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى به إِثْمًا مُّبِينًا ( ٥٠ )أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ( ٥ ) وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً ( ٥١ ) أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ( ٥٢ ) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا( ٦ ) ( ٥٣ ) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ( ٥٤ ) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ به وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ( ٥٥ ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ( ٥٦ ) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً ( ٥٧ ) ﴾
تعليق على الآية
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ) الخ.
وما بعدها لآخر الآية ( ٥٧ )
عبارة الآيات واضحة. وفيها إشارات تنديدية إلى مواقف عداء وكيد وكفر وهزء وتمرد وتآمر بدرت من اليهود وحملة شديدة عليهم بسببها وكشف عن أخلاقهم وطبائعهم الكريهة ودعوة مجددة لهم إلى الإيمان بالرسالة المحمدية التي جاءت مصدقة لما معهم والسير في طريق الإخلاص والصلاح، وتذكير بما كان من نكال الله لأهل السبت منهم وإنذار بنكال مماثل إذا لم يستجيبوا بالإضافة إلى النار الأخروية الدائمة الرهيبة.
وهي فصل جديد لا يبدو أن له صلة بالفصول السابقة. وقد روى المفسرون روايات عديدة في مناسبة نزولها١ من ذلك أن الآيات الثلاث الأولى نزلت في صدد ما كان اليهود يستعملونه من أساليب الخطاب التي كانوا يقصدون بها السخرية بالنبي والطعن في دينه ويقولون :إنه لو كان نبيا لعرف ذلك. وقد ذكروا في سياق ذلك اسم رفاعه ابن التابوت من زعمائهم وقالوا :إنه كان يلوي لسانه سخرية بالنبي ويطعن في الإسلام. وأن الآية الرابعة نزلت في صدد دعوة بعض أحبار اليهود أو يهود بني قينقاع إلى الإيمان وإبائهم. وأن الآية الخامسة نزلت في وحشي الحبشي قاتل حمزة ورفاق له، وكتبوا للنبي من مكة أنهم يريدون أن يتبعوه إذا كانت رحمة الله تتسع لذنوبهم، وفي رواية أنها نزلت جوابا على سؤال رجل من المسلمين عن احتمال غفران الله للشرك حينما نزلت الآية ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) ( ٥٣ ) من سورة الزمر حيث سكت النبي عن الجواب فأعاد الرجل سؤاله مرتين ثانيتين فنزلت. وأن الآيتين السادسة والسابعة نزلتا في رجال من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي فسألوه :هل على هؤلاء من ذنب ؟ فقال :لا. فقالوا :ما نحن إلا كهيئتهم ما عملناه بالنهار يكفر عنا بالليل وما علمناه بالليل يكفر عنا بالنهار ؛ لأننا أحباء الله. وأن الآيتين الثامنة والتاسعة نزلتا في وفد زعماء من اليهود ذهبوا إلى مكة برئاسة زعماء بني النضير الذين تزعموا يهود خيبر بعد إجلائهم من المدينة ليحرضوا قريشا على النبي والمسلمين ويتحالفون معهم، فطلب القرشيون أن يسجدوا لأصنامهم، فأجابوهم وسألوهم بصفتهم أهل علم وكتاب عمن هو الأهدى أهم أم محمد ؟ فقالوا لهم :إنهم هم الأهدى وحلفوا لهم عند أصنامهم على وعدهم بنصرتهم عليه. وألصقوا أكبادهم بالأصنام كالمشركين. وأن الآية العاشرة نزلت بمناسبة انتقاد اليهود النبي على ما صار من تبدل حاله من ضعف إلى قوة وما صار يسير فيه من مظاهر السلطان أو بمناسبة ما ظهر منهم من حسد وغيظ مما آتى الله نبيه وأصحابه من نصر وفضل وهدى.
وليس شيء من هذه الروايات واردا في كتب الصحاح من جهة، ومنها ما لا يستقيم مع موضوع الآيات وروحها وظروف نزولها من جهة أخرى وإن كان بعضها يتسق إجمالا مع مضمون الآيات ورواية نزول الآية في وحشي ورفاقه أوردت في سياق آيات الزمر ( ٥٤ـ ٥٩ ) وقد فندناها ونبهنا على عدم اتساقها مع روح الآية وظروفها.
والذي يتبادر لنا ويلهمه أسلوب الآيات ونظمها وانسجامها أنها سلسة تامة نزلت فصلا واحدا في حق اليهود. وهذا لا يمنع أن يكون قد بدر من اليهود بوادر عديدة في مناسبات مختلفة مما روته وما لم تروه. فجاءت الآيات تنعى عليهم وتندد بهم وتفضحهم وتنذرهم في سياق مناسبة من المناسبات لا نستطيع أن نعينها بجزم وإن كنا نظن أنها مناسبة ذهاب وفد اليهود إلى مكة لتحريض القريشيين على النبي والمسلمين وما فعلوه في مكة وما قالوه لقريش على ما ذكرته الروايات، وفيه اتساق لمضمون الآية ( ٥١ ) وهي أشد المناسبات استدعاء للحملة عليهم والتنديد بهم وإنذارهم بهذا الأسلوب القارع الذي جاء في الآيات. وقد يبدو لأول وهلة أن الآية ( ٤٨ ) لا صلة لها باليهود، غير أن المناسبة المذكورة تجعل صلتها بهم قائمة بل شديدة. فقد أعلنوا أيمانهم بالأصنام وحلفوا عندها وتبركوا بها أو سجدوا لها وقالوا لقريش المشركين :إنهم أهدى من محمد وهو الداعي إلى وحدة الله ومكارم الأخلاق. فجاءت الآية لتعظم جريمة الشرك ولتشير إلى هذا الموقف الشركي البشع ولتقول :إن الله وإن كان غفورا يغفر كل ذنب فهو لا يمكن أن يغفر ذنب الشرك به.
وننبه على أن في هذه السورة آية أخرى قريبة للآية ( ٤٨ ) وهي الآية ( ١١٦ ) غير أن هذه جاءت في سياق آخر ومدى آخر متصلين بالشرك العربي فكان أن اقتضت حكمة التنزيل التكرار. وبينما وصف مشركو العرب في الآية ( ١١٦ ) بأنهم ضلوا ضلالا بعيدا وصف اليهود في الآية ( ٤٨ ) بأنهم افتروا إثما عظيما فتناسق الوصف مع كل من الفريقين.
وجملة ( انظر كيف يفترون على الله الكذب ) بعد التنديد بالذين يزكون أنفسهم بدون تعيين هويتهم تعيين هذه الهوية وكونهم اليهود ؛ لأنهم كانوا يقولون نحن أحباء الله وأبناؤه وشعبه المختار الذين يرعاهم وهو رب إسرائيل٢ فكذبتهم الآية وأعلنت أن هذا افتراء على الله تعالى.
وهذا الفصل يدل على استمرار اليهود في مواقفهم التي وقفوها منذ قدوم النبي صلى الله عليه وسلم من مكة صدا عن سبيل الله ومكايدة وتشكيكا ووسوسة وتآمر وسوء أدب وهزء مع الزهو والتبجح وعريض الدعوى مما احتوته الفصول العديدة الطويلة في سورتي البقرة وآل عمران بتفصيل أكثره، وتدل على أن هذا الاستمرار إنما كان ينشأ عن الغيظ الذي أكل صدورهم من انتشار دعوة النبي وتوطد أمره وسلطانه وعلى أن هذه المواقف كانت تحدث بعض النتائج المؤذية نفسيا وظرفيا للنبي والمسلمين.
ولعل أشنع ما حكته عنهم الآيات وأبشعه أن يدفعهم الحقد والحسد والعداء إلى الإيمان بالأصنام والسجود لها وعدم التورع عن الشهادة الفاجرة بأن المشركين هم أهدى من المسلمين الموحدين. وهو موقف يدمغهم بطابع من العار لا يمكن أن يمحى.
ومن المعلوم أن اليهود في المدينة كانوا ثلاث قبائل أو كتل وهي بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. وقد أجلي بنو قينقاع في السنة الثانية، وبنو النضير في السنة الثالثة، ونكل ببني قريظة في السنة الخامسة للهجرة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأنفال والحشر والأحزاب. ولا بد من أن يكون هذا الفصل قد نزل وبعض هؤلاء موجود في المدينة يواجه النبي والمسلمين ويقف منهم هذه المواقف التي ذكرتها الآيات ؛ لأن الحملة لا يكون لها مكان لو كان نزل بعد جلاء جميع اليهود عن المدينة.
ورواية وفد اليهود إلى مكة تذكر أنهم كانوا زعماء بني النضير الذين حلوا بعد جلائهم عن المدينة في خيبر وتزعموا يهودها وقد نتج عن ذلك زحف الأحزاب على المدينة ومظاهرة بني قريظة لها على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب. وهكذا يمكن أن يقال :إن هذا الفصل نزل قبل التنكيل ببني قريظة، وأنه قد يكون شاملا في إنذاره وتنديده ليهود خيبر وزعماء بني النضير الذين تزعموهم أيضا. بل ليس هناك ما يمنع أن يكون نزل قبل جلاء بني النضير، وأن ما روي من مواقف الوفد اليهودي وأقواله في مكة كان في مناسبة أخرى والله أعلم. وروايات السيرة٣ تذكر أن زعماء بني النضير جاؤوا من خيبر إلى المدينة وألحوا على بني قريظة الذين بقوا فيها حتى نقضوا عهدهم مع النبي والمسلمين، وأن النبي زحف عليهم ونكل بهم عقب ارتداد الأحزاب عن المدينة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب.
وحكمة وضع هذا الفصل في مكانه من السورة خافية علينا ؛ لأنه لا يبدو له صلة بما سبقه وبما لحقه من آيات إلا أن يكون نزل بعد الآية السابقة له مباشرة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضعه بعدها للمناسبة الظرفية.
وعلى كل حال فهو مثال آخر مما ذكره في مقدمة السورة عن كيفية تأليفها ؛ حيث يرجح أنه نزل قبل فصل وقعتي الأحزاب وبني قريظة اللتين ذكرتا في سورة الأحزاب المتقدمة على هذه السورة في روايات النزول.
وآيات الفصل تحتوي وصفا قويا لأخلاق اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم من خبث ومكر وكيد ودس وتحريف كلام وليّ لسان وتبجح وزهو وغرور وتزكية نفس وسوء أدب وبخل بأي شيء مهما تفه على أي غريب وحسد لأية نعمة وخير وفضل يصيب غيرهم وطمع بما في أيدي غيرهم مع ما تفضل الله عليهم وعلى آبائهم من خيرات وبركات وملك عظيم، وعدم تورع عن أي تناقض مهما كان شديد البشاعة قوي الخزي ب
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ( ١ ) وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ( ٤٤ ) وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرًا ( ٤٥ ) مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ( ٢ ) وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ( ٣ ) وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( ٤٦ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً ( ٤٧ ) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ به وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ( ٤٨ ) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً( ٤ ) ( ٤٩ ) انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى به إِثْمًا مُّبِينًا ( ٥٠ )أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ( ٥ ) وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً ( ٥١ ) أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ( ٥٢ ) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا( ٦ ) ( ٥٣ ) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ( ٥٤ ) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ به وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ( ٥٥ ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ( ٥٦ ) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً ( ٥٧ ) ﴾
تعليق على الآية
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ) الخ.
وما بعدها لآخر الآية ( ٥٧ )
عبارة الآيات واضحة. وفيها إشارات تنديدية إلى مواقف عداء وكيد وكفر وهزء وتمرد وتآمر بدرت من اليهود وحملة شديدة عليهم بسببها وكشف عن أخلاقهم وطبائعهم الكريهة ودعوة مجددة لهم إلى الإيمان بالرسالة المحمدية التي جاءت مصدقة لما معهم والسير في طريق الإخلاص والصلاح، وتذكير بما كان من نكال الله لأهل السبت منهم وإنذار بنكال مماثل إذا لم يستجيبوا بالإضافة إلى النار الأخروية الدائمة الرهيبة.
وهي فصل جديد لا يبدو أن له صلة بالفصول السابقة. وقد روى المفسرون روايات عديدة في مناسبة نزولها١ من ذلك أن الآيات الثلاث الأولى نزلت في صدد ما كان اليهود يستعملونه من أساليب الخطاب التي كانوا يقصدون بها السخرية بالنبي والطعن في دينه ويقولون :إنه لو كان نبيا لعرف ذلك. وقد ذكروا في سياق ذلك اسم رفاعه ابن التابوت من زعمائهم وقالوا :إنه كان يلوي لسانه سخرية بالنبي ويطعن في الإسلام. وأن الآية الرابعة نزلت في صدد دعوة بعض أحبار اليهود أو يهود بني قينقاع إلى الإيمان وإبائهم. وأن الآية الخامسة نزلت في وحشي الحبشي قاتل حمزة ورفاق له، وكتبوا للنبي من مكة أنهم يريدون أن يتبعوه إذا كانت رحمة الله تتسع لذنوبهم، وفي رواية أنها نزلت جوابا على سؤال رجل من المسلمين عن احتمال غفران الله للشرك حينما نزلت الآية ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) ( ٥٣ ) من سورة الزمر حيث سكت النبي عن الجواب فأعاد الرجل سؤاله مرتين ثانيتين فنزلت. وأن الآيتين السادسة والسابعة نزلتا في رجال من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي فسألوه :هل على هؤلاء من ذنب ؟ فقال :لا. فقالوا :ما نحن إلا كهيئتهم ما عملناه بالنهار يكفر عنا بالليل وما علمناه بالليل يكفر عنا بالنهار ؛ لأننا أحباء الله. وأن الآيتين الثامنة والتاسعة نزلتا في وفد زعماء من اليهود ذهبوا إلى مكة برئاسة زعماء بني النضير الذين تزعموا يهود خيبر بعد إجلائهم من المدينة ليحرضوا قريشا على النبي والمسلمين ويتحالفون معهم، فطلب القرشيون أن يسجدوا لأصنامهم، فأجابوهم وسألوهم بصفتهم أهل علم وكتاب عمن هو الأهدى أهم أم محمد ؟ فقالوا لهم :إنهم هم الأهدى وحلفوا لهم عند أصنامهم على وعدهم بنصرتهم عليه. وألصقوا أكبادهم بالأصنام كالمشركين. وأن الآية العاشرة نزلت بمناسبة انتقاد اليهود النبي على ما صار من تبدل حاله من ضعف إلى قوة وما صار يسير فيه من مظاهر السلطان أو بمناسبة ما ظهر منهم من حسد وغيظ مما آتى الله نبيه وأصحابه من نصر وفضل وهدى.
وليس شيء من هذه الروايات واردا في كتب الصحاح من جهة، ومنها ما لا يستقيم مع موضوع الآيات وروحها وظروف نزولها من جهة أخرى وإن كان بعضها يتسق إجمالا مع مضمون الآيات ورواية نزول الآية في وحشي ورفاقه أوردت في سياق آيات الزمر ( ٥٤ـ ٥٩ ) وقد فندناها ونبهنا على عدم اتساقها مع روح الآية وظروفها.
والذي يتبادر لنا ويلهمه أسلوب الآيات ونظمها وانسجامها أنها سلسة تامة نزلت فصلا واحدا في حق اليهود. وهذا لا يمنع أن يكون قد بدر من اليهود بوادر عديدة في مناسبات مختلفة مما روته وما لم تروه. فجاءت الآيات تنعى عليهم وتندد بهم وتفضحهم وتنذرهم في سياق مناسبة من المناسبات لا نستطيع أن نعينها بجزم وإن كنا نظن أنها مناسبة ذهاب وفد اليهود إلى مكة لتحريض القريشيين على النبي والمسلمين وما فعلوه في مكة وما قالوه لقريش على ما ذكرته الروايات، وفيه اتساق لمضمون الآية ( ٥١ ) وهي أشد المناسبات استدعاء للحملة عليهم والتنديد بهم وإنذارهم بهذا الأسلوب القارع الذي جاء في الآيات. وقد يبدو لأول وهلة أن الآية ( ٤٨ ) لا صلة لها باليهود، غير أن المناسبة المذكورة تجعل صلتها بهم قائمة بل شديدة. فقد أعلنوا أيمانهم بالأصنام وحلفوا عندها وتبركوا بها أو سجدوا لها وقالوا لقريش المشركين :إنهم أهدى من محمد وهو الداعي إلى وحدة الله ومكارم الأخلاق. فجاءت الآية لتعظم جريمة الشرك ولتشير إلى هذا الموقف الشركي البشع ولتقول :إن الله وإن كان غفورا يغفر كل ذنب فهو لا يمكن أن يغفر ذنب الشرك به.
وننبه على أن في هذه السورة آية أخرى قريبة للآية ( ٤٨ ) وهي الآية ( ١١٦ ) غير أن هذه جاءت في سياق آخر ومدى آخر متصلين بالشرك العربي فكان أن اقتضت حكمة التنزيل التكرار. وبينما وصف مشركو العرب في الآية ( ١١٦ ) بأنهم ضلوا ضلالا بعيدا وصف اليهود في الآية ( ٤٨ ) بأنهم افتروا إثما عظيما فتناسق الوصف مع كل من الفريقين.
وجملة ( انظر كيف يفترون على الله الكذب ) بعد التنديد بالذين يزكون أنفسهم بدون تعيين هويتهم تعيين هذه الهوية وكونهم اليهود ؛ لأنهم كانوا يقولون نحن أحباء الله وأبناؤه وشعبه المختار الذين يرعاهم وهو رب إسرائيل٢ فكذبتهم الآية وأعلنت أن هذا افتراء على الله تعالى.
وهذا الفصل يدل على استمرار اليهود في مواقفهم التي وقفوها منذ قدوم النبي صلى الله عليه وسلم من مكة صدا عن سبيل الله ومكايدة وتشكيكا ووسوسة وتآمر وسوء أدب وهزء مع الزهو والتبجح وعريض الدعوى مما احتوته الفصول العديدة الطويلة في سورتي البقرة وآل عمران بتفصيل أكثره، وتدل على أن هذا الاستمرار إنما كان ينشأ عن الغيظ الذي أكل صدورهم من انتشار دعوة النبي وتوطد أمره وسلطانه وعلى أن هذه المواقف كانت تحدث بعض النتائج المؤذية نفسيا وظرفيا للنبي والمسلمين.
ولعل أشنع ما حكته عنهم الآيات وأبشعه أن يدفعهم الحقد والحسد والعداء إلى الإيمان بالأصنام والسجود لها وعدم التورع عن الشهادة الفاجرة بأن المشركين هم أهدى من المسلمين الموحدين. وهو موقف يدمغهم بطابع من العار لا يمكن أن يمحى.
ومن المعلوم أن اليهود في المدينة كانوا ثلاث قبائل أو كتل وهي بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. وقد أجلي بنو قينقاع في السنة الثانية، وبنو النضير في السنة الثالثة، ونكل ببني قريظة في السنة الخامسة للهجرة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأنفال والحشر والأحزاب. ولا بد من أن يكون هذا الفصل قد نزل وبعض هؤلاء موجود في المدينة يواجه النبي والمسلمين ويقف منهم هذه المواقف التي ذكرتها الآيات ؛ لأن الحملة لا يكون لها مكان لو كان نزل بعد جلاء جميع اليهود عن المدينة.
ورواية وفد اليهود إلى مكة تذكر أنهم كانوا زعماء بني النضير الذين حلوا بعد جلائهم عن المدينة في خيبر وتزعموا يهودها وقد نتج عن ذلك زحف الأحزاب على المدينة ومظاهرة بني قريظة لها على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب. وهكذا يمكن أن يقال :إن هذا الفصل نزل قبل التنكيل ببني قريظة، وأنه قد يكون شاملا في إنذاره وتنديده ليهود خيبر وزعماء بني النضير الذين تزعموهم أيضا. بل ليس هناك ما يمنع أن يكون نزل قبل جلاء بني النضير، وأن ما روي من مواقف الوفد اليهودي وأقواله في مكة كان في مناسبة أخرى والله أعلم. وروايات السيرة٣ تذكر أن زعماء بني النضير جاؤوا من خيبر إلى المدينة وألحوا على بني قريظة الذين بقوا فيها حتى نقضوا عهدهم مع النبي والمسلمين، وأن النبي زحف عليهم ونكل بهم عقب ارتداد الأحزاب عن المدينة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب.
وحكمة وضع هذا الفصل في مكانه من السورة خافية علينا ؛ لأنه لا يبدو له صلة بما سبقه وبما لحقه من آيات إلا أن يكون نزل بعد الآية السابقة له مباشرة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضعه بعدها للمناسبة الظرفية.
وعلى كل حال فهو مثال آخر مما ذكره في مقدمة السورة عن كيفية تأليفها ؛ حيث يرجح أنه نزل قبل فصل وقعتي الأحزاب وبني قريظة اللتين ذكرتا في سورة الأحزاب المتقدمة على هذه السورة في روايات النزول.
وآيات الفصل تحتوي وصفا قويا لأخلاق اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم من خبث ومكر وكيد ودس وتحريف كلام وليّ لسان وتبجح وزهو وغرور وتزكية نفس وسوء أدب وبخل بأي شيء مهما تفه على أي غريب وحسد لأية نعمة وخير وفضل يصيب غيرهم وطمع بما في أيدي غيرهم مع ما تفضل الله عليهم وعلى آبائهم من خيرات وبركات وملك عظيم، وعدم تورع عن أي تناقض مهما كان شديد البشاعة قوي الخزي ب
﴿ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم به إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ( ٥٨ ) ﴾
في الآية خطاب للسامعين الذين تلهم أنهم المسلمون بأن الله تعالى يأمرهم بحفظ الأمانات وردها إلى أصحابها. وبالعدل بين الناس إذا حكموهم في مشاكلهم وحكموا بينهم. وأعقب الأمرين تعقيب تنويه بهذه الأوامر وخطورة شأنها، وتنبيه على أن الله سميع بصير تجب مراقبته في كل موقف وعمل وحال.
تعليق على الآية
( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل... ) الخ.
روى المفسرون روايات عديدة متفقة المدى مختلفة الصيغة في نزول الآية خلاصتها :أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ يوم فتح مكة مفتاح الكعبة من سادنها عثمان ابن طلحة، ودخل إلى الكعبة، ثم خرج منها فسأله عمه العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له بذلك السقاية والسدانة، فأنزل الله الآية فرد المفتاح إلى عثمان قائلا له :فخذوها يا بني طلحة خالدة مخلدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم وقال له إن الله قد أنزل في شأنه قرآنا وتلا الآية فكان هذا سبب إسلامه. والروايات لم ترد في الصحاح إلا حديث رواه الخمسة عن ابن عمر ذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ المفتاح من عثمان ودخل الكعبة وصلى فيها دون ذكر لنزول الآية، ورد المفتاح إلى عثمان )١.
ويلحظ أن الآية جاءت في سياق نرجح أنه نزل قبل فتح مكة بمدة غير قصيرة، ولقد جاء بعد هذه الآية آية فيها أمر للمسلمين بإطاعة الله ورسوله وأولي الأمر ورد ما يتنازعون فيه إلى الله ورسوله، ثم آيات بعدها فيها حكاية لموقف وقفه المنافقون فيه صد عن التقاضي عند رسول الله ؛ حيث يجعل كل هذا صلة وثيقة بين الآية والآيات التي بعدها فضلا عن أنه لا تفهم أية حكمة في وضع آية في شأن وقع يوم الفتح المكي في هذا السياق. والذي يتبادر لنا نظرا للروايات العديدة التي تروى في مسألة مفتاح الكعبة :أن النبي صلى الله عليه وسلم رد هذا مفتاح إلى سادن الكعبة بتلقين هذه الآية التي روي أنه تلاها حينئذ، وأن الأمر التبس مع الرواة أن الآية نزلت حينئذ والله أعلم.
والآية وما بعدها فصل جديد كما هو المتبادر، ومن المحتمل أن تكون نزلت بعد الآيات السابقة فوضعت بعدها للتناسب الظرفي. والله
أعلم.
والآية فصل تام لذاتها، ومن الآيات المحكمة وهذا ما جعلنا نوردها لحدتها. ولقد روى الطبري عن ابن عباس وغيره أنها في صدد تشريع عام بوجوب رد الأمانات والحقوق إلى أصحابها، والحكم بين الناس بالعدل، والحق وأن الخطاب فيها موجه لأولي الأمر من المسلمين وهذا سديد وجيه. غير أن إطلاق العبارة في الآية وتوجيه الخطاب بصيغة الجمع أولا، وموضوعه العام ثانيا، يجعلان الآية عامة التوجيه والشمول للمسلمين جميعهم عامتهم وحكامهم وأولي الأمر منهم في كل ظرف ومكان على ما هو المتبادر، ولا سيما إنه يكون أحيانا كثيرة عند الناس أمانات لبعضهم وينتدب أناس أحيانا كمحكمين بين غيرهم ؛ حيث يكون في هذا الإطلاق أولا، وفي تعبير ( الناس ) ثانيا تلقينات جليلة مستمرة المدى من حيث إيجاب العدل وتقريره وحفظ الأمانات والحقوق وردها إلى المسلمين وأولياء أمرهم معا في كل وقت وبقطع النظر عن أي اعتبار وصفة وطبقة ونحلة وملة وجنس. وهذا من طوابع الشرع الإسلامي الخالدة. قد تكرر وروده بهذا الإطلاق في مواضع كثيرة من القرآن. منها ما مر ومنها ما يأتي، ومما يأتي آيتان في سورة المائدة :إحداهما تأمر المسلمين بأن لا يمنعهم أي عداء وبغضاء بينهم وبين الغير من العدل، وبأن يكونوا قوامين لله شهداء بالقسط في كل حال ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) ( ٨ ) وثانيتهما تأمر النبي بالحكم بين اليهود بالقسط إذا حكموه مهما بدا منهم من مواقف الدس والتحريض ( سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو اعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ) ( ٤٢ ) حيث ينطوي في الآيتين ما قلناه من انطواء الآية التي نحن في صددها على وجوب العدل بين الناس بقطع النظر عن أي اعتبار. ولقد أورد المفسرون بعض الأحاديث النبوية في سياق هذه الآية في صدد العدل في قضاء والأئمة العادلين والجائرين منها ما رواه أصحاب الكتب الخمسة. ومن ذلك حديث رواه مسلم والنسائي عن عبد الله ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن المقسطين عند الله على منائر من نور عن يمين الرحمان عز وجل وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا ) ٢ وحديث رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء فيه ( إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدانهم منه مجلسا إمام عادل. وأبغض الناس إلى الله وأبعدهم منه مجلسا إمام جائر ) ٣. وحديث رواه الترمذي كذلك عن رسول الله قال ( إن الله تعالى مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار تبرأ الله منه وألزمه الشيطان ) ٤ وهناك أحاديث أخرى من هذا الباب منها حديث رواه أبو داود بسند صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( من طلب قضاء المسلمين حتى يناله، ثم غلب عدله على جوره فله الجنة ومن غلب جوره على عدله فله النار ) ٥ وحديث رواه أبو داود والترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار ) فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار ) ٦ وحديث رواه أبو داوود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه تعظيم لخطورة مهمة القضاء جاء فيه ( من جعل قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين ) ٧.
وينطوي في الأحاديث تلقين نبوي متساوق مع التلقين القرآني في واجب العدل بين الناس، كما ينطوي في الآية والأحاديث تقرير كون ذلك مبدأ محكما من مبادئ الدين الإسلامي الذي يجب على المسلمين وقضائهم وأمرائهم الالتزام به.
والآية احتوت أمر آخر وهو أداء الأمانات إلى أهلها. ولقد علقنا على موضوع الأمانة وخطورتها في كتاب الله وسنة رسوله، وأوردنا طائفة من الآيات والأحاديث في ذلك سياق تفسير الآيات الأولى من سورة ( المؤمنون ) فلا نرى ضرورة للتكرار ويحسن مراجعة ذلك حين قراءة هذا التعليق لتكون الصورة بارزة للقارئ.
على أن بعض الأئمة نبهوا على معان خاصة في الجملة الواردة في الآية ذلك. وفي تفسير القاسمي نبذة عن الإمام ابن تيمية خلاصتها :أن أداء الأمانات نوعان :
أحدهما :تولية أمور المسلمين إلى أهلها الأصلح لها فإن ذلك أمانة في عنق المسلمين وأولياء أمورهم. وأورد حديثا وصفه بالصحيح أخرجه الحاكم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من ولي من أمر المسلمين شيئا فولى رجلا يجد من هو أصلح منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ) وحديثا آخر رواه البخاري أيضا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إذا ضيعت الأمانة فانتظر قيام الساعة ) قيل :يا رسول الله وما إضاعتها ؟ قال :إذا وسد الأمر إلى غير أهله ) وأما ثاني نوعي أداء الأمانات فهو أداء المسلم ما اؤتمن عليه من مال وودائع ورهن الخ. وأورد في صدد ذلك أحاديث أوردناها في تعليقنا على آيات سورة ( المؤمنون ).
وفي تفسير رشيد رضا نبذة طويلة أيضا في صدد هذه الجملة جاء فيها فيما جاء أن أداء الأمانة يشمل بالإضافة إلى أداء مسلم ما اؤتمن عليه العلماء الذين يكون العلم فيهم بمثابة أمانة يجب عليهم أداؤها بما يفيد الناس. وبالأسلوب المفيد، بحيث يكون مخالفة هذا وذاك خيانة للأمانة. وأورد في صدد ذلك الآية ( ١٨٧ ) من سورة آل عمران التي تندد بالذين يكتمون ما أتوا من علم وينبذونه وراء ظهورهم ويشترون به ثمنا قليلا. ويشمل كذلك حفظ الأسرار التي يؤتمن المسلم عليها. ويشمل أمانة المسلم في معاملته مع غيره بصدق وإخلاص وحسن نية وبعد المكر والغش والاحتيال. وكل هذه الأقوال وجيه سديد. وفي الأحاديث النبوية تعليم وتلقين وتحذير واجب الالتزام.
ولم يترك مفسرو الشيعة هذه الآية ؛ حيث رووا عن بعض الأئمة أنها تعني أمانة الحكم والولاية للأئمة وأمر الله بتسليمها إليهم ؛ لأنهم أهلها. والتكلف والتعسف والهوى يطبع هذه الرواية كما هو ظاهر٨.
١ انظر التاج ج ٣ ص ٣٨٧.
٢ التاج ج ٣ ص ٤٥.
٣ المصدر نفسه.
٤ المصدر نفسه ص ٥٢.
٥ المصدر نفسه.
٦ المصدر نفسه ص٥٣.
٧ المصدر نفسه.
٨ انظر الجزء الثاني من كتاب التفسير والمفسرون للذهبي ص ١٧٣ و ١٨٩.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً( ١ ) ( ٥٩ ) ﴾.
١ تأويلا :هنا بمعنى مخرجا وعاقبة ونتيجة ومصيرا. وهذه المعاني لا تخرج عن نطاق معنى الكلمة اللغوي الذي هو من آل بمعنى صار.
تعليق على الآية
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ )
وشرح ما في صددها من مبادئ وأحكام.
عبارة الآية واضحة وقد تضمنت أمرا للمسلمين بطاعة الله ورسوله وأولي الأمر منهم. وبرد كل خلاف ونزاع بينهم في أي شيء إلى الله ورسوله. وقد جعلت الآية هذا دليلا أو شرطا لصحة إيمان المسلمين بالله واليوم الآخر. وقررت أن في ذلك الخير وأحسن الحلول والمخارج والأحكام.
ولقد روى المفسرون روايات عديدة في سبب نزول هذه الآية. منها أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أميرا على سرية اختلف في اسمه ؛ حيث روت رواية أنه عبد الله ابن حذافة، ورواية أنه خالد بن الوليد وأن أحد رجال السرية أجار شخصا من الذين أرادت السرية الإغارة عليهم أعلن إسلامه بدون الرجوع إلى أميره، فاعترض الأمير ورفع الأمر إلى النبي فأجاز الإجارة مع التنبيه على أن لا يتكرر ذلك بدون علم الأمير. فنزلت الآية لتوطيد طاعة الأمير. ومن الروايات أن تمردا وقع من أفراد سرية على أميرها، فشكى القائد إلى النبي فنزلت الآية بسبيل ذلك وبعض المفسرين ً١ يعزون بعض هذه الروايات باستثناء رواية خالد ابن الوليد إلى البخاري ومسلم والترمذي. ولم نجدها في الكتب التي بين أيدينا وخالد ابن الوليد لم يكن أسلم في ظروف نزول الآية على ما نرجح، ونخشى أن يكون اسمه قد أقحم لغرض دعائي ؛ لأن الرواية تذكر أنه اختلف مع عمار وصار بينهما تشاد وتشاتم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أبغض عمارا أبغضه الله... والذي يتبادر لنا أن الآية في صدد أعم مما جاءت في الروايات، وأنها هدفت إلى توطيد طاعة الله ورسوله وأولي الأمر على المسلمين بصورة عامة في مناسبة ما، مما كانت حكمة التنزيل تقتضيه في العهد المدني بسبب تركيب المجتمع الإسلامي فيه على ما نبهنا عليه في سياق تفسير الآيات الأولى من سورة الأنفال. ونرجح أن المناسبة التي نزلت فيها هي المذكورة في الآيات التالية لها على ما سوف ما نشرحه بعد بحيث يمكن أن يقال :إن السياق واحد، بل وإنه بدأ بالآية ( ٥٨ ) واستمر إلى الآية ( ٦٥ ) وهذا يبدو قوي الوضوح إذا ما أنعم النظر فيه. وبقطع النظر عن تعدد الروايات فإن ترجيحنا لا يمنع أن يكون وقع حادث اختلاف بين أمير سرية وأحد أفرادها أو جماعة منهم فرفع الأمر إلى رسول الله فتلا الآية بسبيل لا توطيد طاعة الأمير، فالتبس الأمر على الرواة. والله تعالى أعلم.
والآية على كل حال جملة تشريعية تامة مثل سابقتها. وهذا ما جعلناه نفردها عن السياق أيضا. وإطلاقها يفيد كما هو المتبادر أن ما احتوته هو تشريع مستمر للمسلمين في كل ظرف ومكان.
والجمهور متفقون على أن طاعة الله تتمثل في طاعة القرآن، والتزام ما فيه من حدود وأحكام ومبادئ وأوامر ونواه. وأن طاعة الرسول تتمثل في السير وفق أوامره ونواهيه وتعليماته وإرشاداته في حياته ووفق سننه القولية والفعلية بعد مماته.
وينطوي في الآية في الوقت نفسه تقرير كون القرآن والسنة هما المرجعان الرئيسيان اللذان يجب الرجوع إليهما في كل نزاع بين المسلمين والوقوف عند ما فيهما من حدود ورسوم. وهذا الواجب يترتب على المسلمين وعلى أولي الأمر منهم. وسواء أكان النزاع فيما بين المسلمين أو فيما بينهم وبين أولي الأمر منهم. ويتبادر لنا أن جملة ( فإن تنازعتم ) تعني أيضا الاختلاف في الاجتهاد والمواقف جدلا نظريا أو مواقف فعلية. ويلفت النظر بخاصة إلى نقطة هامة وهي أمر الآية برد الأمور المتنازع فيها إلى الله ورسوله حصرا ؛ حيث ينطوي في هذا أنه ليس للمسلمين أن يردوا ذلك إلى أولى الأمر الذين أمرت الآية بطاعتهم بالإضافة إلى الله ورسوله. بل يكون كتاب الله وسنة رسوله هما الحكم في ذلك، وأنه ليس لأولي الأمر أن يصدوا في ذلك أوامر غير ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله وأن يحملوا المسلمين على طاعتهم فيما يصدرون.
على أن هناك ما يمكن قوله ففي القرآن والسنة تشريعات وأوامر ونواه محددة كما فيهما مبادئ وتلقينات وتوجيهات وخطوط عامة. وهذه بخاصة شاملة واسعة ؛ بحيث يسوغ القول :إن من الممكن على ضوئها حل كل نزاع أو مشكلة أو مسألة ليس فيها تحديد صريح وقطعي في كتاب الله وسنة رسوله. وهذا من أسرار ترشح الشريعة الإسلامية للخلود والشمول فيما يتبادر لنا.
ومرجعية كتاب الله وسنة رسوله تصدق على هذه كما تصدق على تلك بطبيعة الحال.
والأمور المحددة القطعية في كتاب الله وسنة رسوله تظل محكمة لا يجوز فيها اجتهاد ولا تحويل ولا تبديل. أما عدا ذلك فيصح أن يجتهد في حله في نطاق المبادئ والتلقينات والتوجيهات والخطوط العامة في كتاب الله وسنة رسوله التي ذكرنا شمولها وسعتها. وفي هذه السورة هذه الآية ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم... ) ( ٨٣ ) التي يمكن على ما يتبادر لنا أن يقال على ضوئها :إن حل الأمور المتنازع فيها والتي يحتاج حلها إلى اجتهاد لعدم ورودها محددة وقطعية في كتاب الله وسنة رسوله يناط بأولي الأمر من المسلمين وأهل الحل والعقد والعلم. منهم الذين يؤهلهم علمهم وعقلهم وتجربتهم وممارستهم لاستنباط الأحكام من مآخذها. واستلهام تلك المبادئ والتوجيهات والتلقينات والخطوط العامة في كتاب الله وسنة رسوله. وقد يصح أن نذكر جملة ( وشاورهم في الأمر ) في الآية ( ١٥٩ ) من سورة آل عمران وجملة ( وأمرهم شورى بينهم ) في الآية ( ٣٨ ) من سورة الشورى في هذا السياق. وهذا شامل لكل ظرف ومكان وشأن كما هو المتبادر.
وننبه في هذه المناسبة على أن لعلماء الأصول في العصور الإسلامية الأولى تقريرات في الخطة التي ينبغي أن يسار عليها في حل ما ليس فيه في القرآن والسنة شيء صريح ومحدد يقوم على أساسا حل ذلك وفقا لإجماع علماء المسلمين.
وما لا يكون وما لا يمكن أن يكون فيه إجماع يسار فيها على مقتضى القياس على أمثال جرت في عهد النبي وخلفائه الراشدين. وما لا يكون فيه أمثال يسار فيه على الاستحسان أو الاستصلاح حسب الترتيب. مع واجب التنبيه على أن هذه التقريرات ليست مجمعا عليها ؛ حيث اختلف الأصوليون في إمكانية وواقعية الإجماع وحجيته. وفي الاعتماد على القياس وتعيين مداه أو التوسع فيه وفي الاستحسان والاستصلاح وظروفهما ومبرراتهما. وهناك من قال بإمكانية وواقعية حجية إجماع صدر الإسلام أو أصحاب رسول الله فقط ؛ لأن مجتهدي هذا العهد وعلماءه قليلون والرقعة غير منبسطة في حين أن المسلمين تفرقوا في أبعاد شاسعة. وصارت واقعية الإجماع وإمكانيته متعذرتين.
وهذا الخلاف من جهة وما هناك من خلافات اجتهادية، فما ليس فيه نص محدود وقطعي ورتب الأحاديث والأخذ بالاستحسان والقياس والمصالح وعدمه من جهة أخرى من أسباب تعدد المذاهب الفقهية في ذلك.
وهناك خلاف بين العلماء المتأخرين في وجوب الوقوف عند أقوال واجتهادات أئمة الفقه المشهورين، وفي جواز الاجتهاد لمن يؤهله علمه وخبرته وممارسته وعقله لاستنباط الأحكام من مآخذها فيما ليس فيه نص صريح أو محدد من قرآن وسنة. ونحن مع جواز ففضل الله لا يجوز حصره وتحريمه على أحد ولا زمن ولا جيل. وكتاب الله وسنن رسوله موجهة للمؤمنين في كل ظرف ومكان. وفي كتاب الله آيات كثيرة تهتف بالمؤمنين إطلاقا ليتدبروا كتاب الله ويتفكرون فيه ويعقلوه مع واجب القول :إن أقوال واجتهادات أئمة الفقه وعلمائه في القرون الإسلامية الأولى كنوز " ثمينة يجب أن تكون ملهمات ومآخذ لمن يتصدون للاجتهاد والنظر من المتأخرين.
وبديهي أن الأمر الذي تتضمنه الآية من جهة والإيمان بالله ورسوله من جهة أخرى موجبات إطاعة الله ورسوله وما يمثلهما من القرآن والسنن بدون قيد وشرط. أما أولو الأمر فقد رويت أحاديث عديدة تفيد أن طاعتهم منوطة بما فيه مصلحة المسلمين وما لا يتناقض مع ما في كتاب الله وسنن رسوله من أوامر ونواه وحدود وأنه لا طاعة لهم في معصية ولا فيما ليس فيه مصلحة للمسلمين ولا فيما يتناقض مع القرآن والسنة. من ذلك حديث رواه الخمسة عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ) ً٢ وحديث رواه مسلم عن أبي ذر قال ( أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع وإن كان عبدا مجدع الأطراف. وفي رواية إن أمر عليكم عبد مجدع أسود يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا ) ً٣ وحديث رواه الشيخان عن عبادة ابن الصامت قال ( بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثره علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم. وفي رواية لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان ) ً٤ وحديث رواه الطبري بطرقه عن أبي هريرة قال ( قال النبي صلى الله عليه وسلم سيليكم بعدي ولاة فيليكم البر ببره والفاجر بفجوره فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق، وصلوا وراءهم فإن أحسنوا فلكم وإن أساؤوا فعليهم ) وهذا الحديث لم يرد في الصحاح. ولكن هذا لا يمنع صحته. وقد ورد في الصحاح أحاديث من بابه. منها حديث رواه الشيخان عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات مات ميتة جاهلية ) ً٥ وحديث رواه مسلم وأبو داود جاء فيه ( إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون ) فمن كره فقد برئ. ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع قيل يا رسول الله ألا نقاتلهم قال لا ما وصلوا ) ً٦ وحديث رواه مسلم عن عرفجة قال ( سمعت رسول الله يقول :ستكون هناك هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائنا من كان )٧ وحديث رواه مسلم عن عوف ابن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم. وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم. قيل :يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف ؟ فقال :لا ما أقاموا الصلاة فيكم، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة )ً٨.
وكلمة منكم في الآية تعني أن أولي الأمر الذين تجب على المسلمين طاعتهم هم الذين يكونون منهم أي ( المسلمين ) وينطوي في هذا عدم جواز طاعة المسلم لحاكم أو سلطان أو أمير غير مسلم كما هو المتبادر.
وفي هذا ما فيه من تلقين جليل مستمر المدى بعدم الرضا لحكم الأجنبي والخضوع والاستسلام له وحفز المسلم على التمرد عليه والتخلص من سيطرته وبذل ما يستطيع من جهد في هذ
١ انظر تفسير ابن كثير والقاسمي.
٢ التاج ج ٣ ص ٤٠ ومعنى (فيما أحب أو كره) في الحديث الأول هو أن السمع والطاعة واجبة في غير المعصية سواء أحب المسلم ما أمر به أو كرهه.
٣ المصدر نفسه.
٤ التاج ج ٣ ص ٤٠ ـ ٤٢.
٥ المصدر نفسه.
٦ المصدر نفسه.
٧ المصدر نفسه.
٨ المصدر نفسه.
١ الطاغوت :قال الجمهور إن الكلمة هنا عنت أحد حكام اليهود أو أحد كهان العرب.
﴿ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ( ١ ) وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ به وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا ( ٦٠ ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ( ٦١ ) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ( ٦٢ ) أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا ( ٦٣ ) وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ( ٦٤ ) فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ( ٢ ) ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ( ٦٥ ) ﴾
وجه الخطاب في الآيات إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد تضمنت :
( ١ ) سؤالا فيه معنى التنديد بفريق من المسلمين يدعون الإيمان بما أنزل الله علي النبي والأنبياء من قبله ثم يناقضون أنفسهم فيريدون أن يتحاكموا إلى طاغية أمروا أن يكفروا بحكمه لأنه ليس من عند الله وبذلك يستسلمون لوساوس الشيطان التي تبعدهم عن جادة الحق والهدى وتورطهم في مهاوي الضلال العميقة. وإذا ما نبهوا إلى تصرفهم المنحرف ودعوا إلى التحاكم أمام النبي بما أنزل الله أبى المنافقون وصدوا عن ذلك.
( ٢ ) وتساؤلا آخر فيه معنى الإنذار والفضيحة لهم عما يكون أمرهم إذا حلت فيهم مصيبة من جراء انحرافهم عن الحق حيث كانوا يشعرون بالخزي ويتراجعون خوفاـ لا إيمانا ـ ويأتون إلى الرسول ليحلفوا له أنهم لم يريدوا صدا عنه ولا جحودا بما أنزل الله وأن نيتهم حسنة وأن كل ما أرادوه هو التوفيق في الخصومة وحلها بالمعروف والحسنى.
( ٣ ) وإشارة تقريعية إليهم :فالله يعلم ما في قلوبهم من سوء قصد وطوية. وعلى النبي أن لا ينزعج من موقفهم من جهة وأن يعظهم من جهة ثانية. ويؤنبهم بأسلوب قوي بليغ يؤثر فيهم ويجعلهم يدركون بشاعة تصرفهم.
( ٤ ) وتقريرا ربانيا فيه توطيد لواجب الطاعة للنبي والاحتكام إليه بأن الله تعالى لم يرسل رسولا للناس إلا أوجب عليهم طاعته وقيض له من يطيعه فعلا وبأن هؤلاء الذين يدعون الإسلام لن يصدقوا في إيمانهم إلا إذا تحاكموا لدى النبي في كل ما يقع بينهم من خلاف ثم ارتضوا بحكمه رضاء تاما ظاهرا وباطنا وسلموا به ونفذوه بدون لجاجة وتردد.
( ٥ ) والتفاتا تأنيبيا إلى المحكي عنهم :فلقد كان من واجبهم لو كانوا صادقين في اعتذارهم وحسن نيتهم أن يشعروا بشناعة موقفهم وظلم أنفسهم به وأن يسرعوا إلى النبي نادمين مستغفرين الله على ما بدا منهم وملتمسين من النبي أن يستغفر لهم الله. ولو فعلوا هذا لوجدوا الله توابا رحيما فيقبل توبتهم ويصفح عن زلتهم ويشملهم بعفوه.
تعليق على الآية
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ... ) الخ.
وما بعدها إلى آخر الآية ( ٦٥ )
ولقد روى المفسرون١ في صدد هذه الآية عدة روايات. منها أنها نزلت في يهودي ومنافق بينهما خصومة فطلب اليهودي الاحتكام إلى النبي وأبي المنافق ذلك وطلب الاحتكام إلى أحد طواغيت اليهود :كعب ابن الأشرف وكان شاعرا وعرف بشدة عدائه للنبي والمسلمين وكانوا يسمونه الطاغوت ومنها أنها نزلت في جماعة من اليهود كانوا يظهرون الإسلام نفاقا واختلفوا مع جماعة من مسلمي الخزرج على مسألة قصاص ودية قتلى فقال المسلمون ننطلق إلى النبي فنحكمه فأبى المنافقون اليهود وطلبوا الاحتكام إلى كاهن اسمه أبو برزة الأسلمي. ومنها أن الخلاف على الدية كان بين فريقين من اليهود فطلب فريق الاحتكام إلى النبي ورفض الآخر وطلب الاحتكام إلى الكاهن المذكور. ومنها أن الآية الأخيرة نزلت في مناسبة خصومة على ماء بين الزبير ابن العوام وجار لأرضه من الأنصار حكم فيها النبي للزبير فطعن الأنصاري في حكمه واتهمه بمحاباة الزبير ؛ لأنه ابن عمته حتى تغير وجه النبي من ذلك ٢ ومنها ٣ أن هذه الآية نزلت في مناسبة احتكام شخصين إلى النبي في أمر فلم يرض المحكوم عليه بالحكم وطلب الاحتكام إلى أبي بكر فذهبا إليه فقال لهما :أنتما على ما قضى رسول الله، فطلب الاحتكام إلى عمر فلما سمع عمر كلامهما دخل بيته فتقلد سيفه ثم خرج فضرب به رأس الذي أبى حكم النبي فقتله، فاشتكى أهله إلى النبي فقال :ما كنت أظن أن عمر يجترئ على قتل مؤمن فنزلت الآية تنفي عن القتيل صدق إيمانه. وباستثناء الرواية التي فيها خصومة بين الزبير والأنصاري ليس شيء من الروايات واردا في الصحاح وليس في حديث هذه الخصومة ما يفيد أن الآية نزلت في مناسبتها بأسلوب صريح. وهذا بالإضافة إلى أن الآية المذكورة تبدو كنتيجة للآيات السابقة. وهذا لا ينفي تلك الخصومة ومن المحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم تلا الآية فالتبس الأمر على الرواة.
وباستثناء رواية نزول الآيات في جماعة من اليهود المنافقين فإن الروايات الأخرى لا تتطابق مع الآيات. وجملة ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) قد تعني اليهود وبالتالي قد تجعل الرواية التي استثنيناها أكثر ورودا كما هو المتبادر كمناسبة لنزول الآيات التي تبدو وحدة منسجمة لتحتوي تنديدا باليهود المنافقين ثم لتوطيد سلطة النبي صلى الله عليه وسلم القضائية. وما زلنا عند ترجيحنا بأن تكون الآيتان السابقتان لهذه الآيات نزلتا مع هذه الآيات لتكونا تمهيدا تشريعيا عاما في توطيد طاعة الله ورسوله وردّ الأمور إليهما والحكم بين الناس بالعدل وأداء الأمانات إلى أهلها.
ولعل جملة ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ) في الآية ( ٦٤ ) ثم الآية ( ٦٥ ) من القرائن على ذلك حيث ينطوي فيهما توكيد بوجوب طاعة رسول الله وتحكيمه والرضاء بحكمه وهو تكرار بأسلوب آخر للأمر الوارد في الآية ( ٥٩ ) والله أعلم.
والآيات قوية حاسمة في صدد الهدف الذي استهدفته وفيها صورة من صور السيرة النبوية في العهد المدني وما كان يلقاه النبي من مواقف ومشاكل مزعجة ممضة، وبخاصة من المنافقين ومرضى القلوب. وقد انطوى فيها معالجة بأسلوب في منتهى الروعة والبلاغة امتزجت فيه الشدة والتنديد والتكذيب والإنذار بالعظة والرفق والتأميل والرغبة في الارعواء. وفي هذا ما فيه من تلقين جليل أخلاقي واجتماعي. وبخاصة سياسية الرعية والحكم الصالح. بالإضافة إلى ما في الآيات من مثل ذلك في تقبيح مواقف الكيد والدس والتمرد واللجاج التي يقفها مرضى القلوب اتجاه الحق والعدل مما يمكن أن يحدث في كل ظرف ومكان.
ولقد وقف المفسر القاسمي عند الآية ( ٦٥ ) وقال :إن كل حديث صح عن رسول الله يدخل فيها بحيث إنه يتعين على كل مسلم أن يلتزم به في أي شأن كان وأن الذي لا يفعل ذلك يدخل في وعيد الآية الشديدة وأورد أقوالا للشافعي وابن تيمية في سبيل توكيد ذلك في سياق طويل.
ولقد وقف عندها رشيد رضا أيضا. وقال فيما قاله :إن العلماء استدلوا بالآية على أن النص لا يعارض ولا يخصص بالقياس، وأن من بلغه حديث للرسول ورده بمخالفة قياسية فهو غير مطيع للرسول ولا ممن تصدق عليه الخصال الثلاث المشروطة في صحة الإيمان في نص الآية. ثم قال :والآية تدل من باب أولى على بطلان التقليد. فمن ظهر له حكم الله أو حكم رسوله في شيء وتركه إلى قول الفقهاء الذين يقلد مذهبهم كان غير مطيع لله ورسوله وإذا كان للعامي أن يتبع العلماء فليس معنى ذلك أن يتخذهم شارعين ويقدم أقوالهم على أحكام الله ورسوله المنصوصة. وإنما يتبعهم بتلقي هذه النصوص عنهم والاستعانة بهم على فهمها لا على آرائهم وأقيستهم المعارضة للنص.
والأقوال سديدة وجيهة وفي القرآن آيات أخرى مؤيدة لذلك مثل آيات آل عمران ( ٢١ و ٢٢ ) والنساء ( ٨٠ ) والحشر ( ٧ ) وواضح أن هذا يقتضي التحري الشديد في سند الحديث ومتنه معا حتى تصبح صحته يقينية. ومع أن أئمة الحديث رحمهم الله قد بذلوا جهدا عظيما شكره الله لهم في تصنيف الأحاديث النبوية ونقد رواتها، وأنه صار هناك نتيجة لذلك مجموعة كبيرة من الأحاديث الصحيحة التي يجب تلقيها بالقبول والوقوف عندها فإن اهتمامهم لتدقيق المتون لم يكن بقدر اهتمامهم لتدقيق الرواة مما أدى إلى إشكالات كثيرة. وهناك أحاديث توصف بالصحاح فيها أحكام متغايرة يمكن أن يكون بعضها متقدما على بعض وبعضها ناسخا لبعض أو بعضها أقوى من بعض أو بعضها يثير الحيرة لأنه يتعارض مع نصوص قرآنية ووقائع تعيينية. ولعل ما بين المذاهب الفقهية من خلافات ومناقضات ناتج عن ذلك. والله تعالى أعلم.
﴿ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ( ١ ) وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ به وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا ( ٦٠ ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ( ٦١ ) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ( ٦٢ ) أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا ( ٦٣ ) وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ( ٦٤ ) فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ( ٢ ) ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ( ٦٥ ) ﴾
وجه الخطاب في الآيات إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد تضمنت :
( ١ ) سؤالا فيه معنى التنديد بفريق من المسلمين يدعون الإيمان بما أنزل الله علي النبي والأنبياء من قبله ثم يناقضون أنفسهم فيريدون أن يتحاكموا إلى طاغية أمروا أن يكفروا بحكمه لأنه ليس من عند الله وبذلك يستسلمون لوساوس الشيطان التي تبعدهم عن جادة الحق والهدى وتورطهم في مهاوي الضلال العميقة. وإذا ما نبهوا إلى تصرفهم المنحرف ودعوا إلى التحاكم أمام النبي بما أنزل الله أبى المنافقون وصدوا عن ذلك.
( ٢ ) وتساؤلا آخر فيه معنى الإنذار والفضيحة لهم عما يكون أمرهم إذا حلت فيهم مصيبة من جراء انحرافهم عن الحق حيث كانوا يشعرون بالخزي ويتراجعون خوفاـ لا إيمانا ـ ويأتون إلى الرسول ليحلفوا له أنهم لم يريدوا صدا عنه ولا جحودا بما أنزل الله وأن نيتهم حسنة وأن كل ما أرادوه هو التوفيق في الخصومة وحلها بالمعروف والحسنى.
( ٣ ) وإشارة تقريعية إليهم :فالله يعلم ما في قلوبهم من سوء قصد وطوية. وعلى النبي أن لا ينزعج من موقفهم من جهة وأن يعظهم من جهة ثانية. ويؤنبهم بأسلوب قوي بليغ يؤثر فيهم ويجعلهم يدركون بشاعة تصرفهم.
( ٤ ) وتقريرا ربانيا فيه توطيد لواجب الطاعة للنبي والاحتكام إليه بأن الله تعالى لم يرسل رسولا للناس إلا أوجب عليهم طاعته وقيض له من يطيعه فعلا وبأن هؤلاء الذين يدعون الإسلام لن يصدقوا في إيمانهم إلا إذا تحاكموا لدى النبي في كل ما يقع بينهم من خلاف ثم ارتضوا بحكمه رضاء تاما ظاهرا وباطنا وسلموا به ونفذوه بدون لجاجة وتردد.
( ٥ ) والتفاتا تأنيبيا إلى المحكي عنهم :فلقد كان من واجبهم لو كانوا صادقين في اعتذارهم وحسن نيتهم أن يشعروا بشناعة موقفهم وظلم أنفسهم به وأن يسرعوا إلى النبي نادمين مستغفرين الله على ما بدا منهم وملتمسين من النبي أن يستغفر لهم الله. ولو فعلوا هذا لوجدوا الله توابا رحيما فيقبل توبتهم ويصفح عن زلتهم ويشملهم بعفوه.
تعليق على الآية
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ... ) الخ.
وما بعدها إلى آخر الآية ( ٦٥ )
ولقد روى المفسرون١ في صدد هذه الآية عدة روايات. منها أنها نزلت في يهودي ومنافق بينهما خصومة فطلب اليهودي الاحتكام إلى النبي وأبي المنافق ذلك وطلب الاحتكام إلى أحد طواغيت اليهود :كعب ابن الأشرف وكان شاعرا وعرف بشدة عدائه للنبي والمسلمين وكانوا يسمونه الطاغوت ومنها أنها نزلت في جماعة من اليهود كانوا يظهرون الإسلام نفاقا واختلفوا مع جماعة من مسلمي الخزرج على مسألة قصاص ودية قتلى فقال المسلمون ننطلق إلى النبي فنحكمه فأبى المنافقون اليهود وطلبوا الاحتكام إلى كاهن اسمه أبو برزة الأسلمي. ومنها أن الخلاف على الدية كان بين فريقين من اليهود فطلب فريق الاحتكام إلى النبي ورفض الآخر وطلب الاحتكام إلى الكاهن المذكور. ومنها أن الآية الأخيرة نزلت في مناسبة خصومة على ماء بين الزبير ابن العوام وجار لأرضه من الأنصار حكم فيها النبي للزبير فطعن الأنصاري في حكمه واتهمه بمحاباة الزبير ؛ لأنه ابن عمته حتى تغير وجه النبي من ذلك ٢ ومنها ٣ أن هذه الآية نزلت في مناسبة احتكام شخصين إلى النبي في أمر فلم يرض المحكوم عليه بالحكم وطلب الاحتكام إلى أبي بكر فذهبا إليه فقال لهما :أنتما على ما قضى رسول الله، فطلب الاحتكام إلى عمر فلما سمع عمر كلامهما دخل بيته فتقلد سيفه ثم خرج فضرب به رأس الذي أبى حكم النبي فقتله، فاشتكى أهله إلى النبي فقال :ما كنت أظن أن عمر يجترئ على قتل مؤمن فنزلت الآية تنفي عن القتيل صدق إيمانه. وباستثناء الرواية التي فيها خصومة بين الزبير والأنصاري ليس شيء من الروايات واردا في الصحاح وليس في حديث هذه الخصومة ما يفيد أن الآية نزلت في مناسبتها بأسلوب صريح. وهذا بالإضافة إلى أن الآية المذكورة تبدو كنتيجة للآيات السابقة. وهذا لا ينفي تلك الخصومة ومن المحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم تلا الآية فالتبس الأمر على الرواة.
وباستثناء رواية نزول الآيات في جماعة من اليهود المنافقين فإن الروايات الأخرى لا تتطابق مع الآيات. وجملة ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) قد تعني اليهود وبالتالي قد تجعل الرواية التي استثنيناها أكثر ورودا كما هو المتبادر كمناسبة لنزول الآيات التي تبدو وحدة منسجمة لتحتوي تنديدا باليهود المنافقين ثم لتوطيد سلطة النبي صلى الله عليه وسلم القضائية. وما زلنا عند ترجيحنا بأن تكون الآيتان السابقتان لهذه الآيات نزلتا مع هذه الآيات لتكونا تمهيدا تشريعيا عاما في توطيد طاعة الله ورسوله وردّ الأمور إليهما والحكم بين الناس بالعدل وأداء الأمانات إلى أهلها.
ولعل جملة ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ) في الآية ( ٦٤ ) ثم الآية ( ٦٥ ) من القرائن على ذلك حيث ينطوي فيهما توكيد بوجوب طاعة رسول الله وتحكيمه والرضاء بحكمه وهو تكرار بأسلوب آخر للأمر الوارد في الآية ( ٥٩ ) والله أعلم.
والآيات قوية حاسمة في صدد الهدف الذي استهدفته وفيها صورة من صور السيرة النبوية في العهد المدني وما كان يلقاه النبي من مواقف ومشاكل مزعجة ممضة، وبخاصة من المنافقين ومرضى القلوب. وقد انطوى فيها معالجة بأسلوب في منتهى الروعة والبلاغة امتزجت فيه الشدة والتنديد والتكذيب والإنذار بالعظة والرفق والتأميل والرغبة في الارعواء. وفي هذا ما فيه من تلقين جليل أخلاقي واجتماعي. وبخاصة سياسية الرعية والحكم الصالح. بالإضافة إلى ما في الآيات من مثل ذلك في تقبيح مواقف الكيد والدس والتمرد واللجاج التي يقفها مرضى القلوب اتجاه الحق والعدل مما يمكن أن يحدث في كل ظرف ومكان.
ولقد وقف المفسر القاسمي عند الآية ( ٦٥ ) وقال :إن كل حديث صح عن رسول الله يدخل فيها بحيث إنه يتعين على كل مسلم أن يلتزم به في أي شأن كان وأن الذي لا يفعل ذلك يدخل في وعيد الآية الشديدة وأورد أقوالا للشافعي وابن تيمية في سبيل توكيد ذلك في سياق طويل.
ولقد وقف عندها رشيد رضا أيضا. وقال فيما قاله :إن العلماء استدلوا بالآية على أن النص لا يعارض ولا يخصص بالقياس، وأن من بلغه حديث للرسول ورده بمخالفة قياسية فهو غير مطيع للرسول ولا ممن تصدق عليه الخصال الثلاث المشروطة في صحة الإيمان في نص الآية. ثم قال :والآية تدل من باب أولى على بطلان التقليد. فمن ظهر له حكم الله أو حكم رسوله في شيء وتركه إلى قول الفقهاء الذين يقلد مذهبهم كان غير مطيع لله ورسوله وإذا كان للعامي أن يتبع العلماء فليس معنى ذلك أن يتخذهم شارعين ويقدم أقوالهم على أحكام الله ورسوله المنصوصة. وإنما يتبعهم بتلقي هذه النصوص عنهم والاستعانة بهم على فهمها لا على آرائهم وأقيستهم المعارضة للنص.
والأقوال سديدة وجيهة وفي القرآن آيات أخرى مؤيدة لذلك مثل آيات آل عمران ( ٢١ و ٢٢ ) والنساء ( ٨٠ ) والحشر ( ٧ ) وواضح أن هذا يقتضي التحري الشديد في سند الحديث ومتنه معا حتى تصبح صحته يقينية. ومع أن أئمة الحديث رحمهم الله قد بذلوا جهدا عظيما شكره الله لهم في تصنيف الأحاديث النبوية ونقد رواتها، وأنه صار هناك نتيجة لذلك مجموعة كبيرة من الأحاديث الصحيحة التي يجب تلقيها بالقبول والوقوف عندها فإن اهتمامهم لتدقيق المتون لم يكن بقدر اهتمامهم لتدقيق الرواة مما أدى إلى إشكالات كثيرة. وهناك أحاديث توصف بالصحاح فيها أحكام متغايرة يمكن أن يكون بعضها متقدما على بعض وبعضها ناسخا لبعض أو بعضها أقوى من بعض أو بعضها يثير الحيرة لأنه يتعارض مع نصوص قرآنية ووقائع تعيينية. ولعل ما بين المذاهب الفقهية من خلافات ومناقضات ناتج عن ذلك. والله تعالى أعلم.
﴿ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ( ١ ) وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ به وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا ( ٦٠ ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ( ٦١ ) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ( ٦٢ ) أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا ( ٦٣ ) وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ( ٦٤ ) فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ( ٢ ) ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ( ٦٥ ) ﴾
وجه الخطاب في الآيات إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد تضمنت :
( ١ ) سؤالا فيه معنى التنديد بفريق من المسلمين يدعون الإيمان بما أنزل الله علي النبي والأنبياء من قبله ثم يناقضون أنفسهم فيريدون أن يتحاكموا إلى طاغية أمروا أن يكفروا بحكمه لأنه ليس من عند الله وبذلك يستسلمون لوساوس الشيطان التي تبعدهم عن جادة الحق والهدى وتورطهم في مهاوي الضلال العميقة. وإذا ما نبهوا إلى تصرفهم المنحرف ودعوا إلى التحاكم أمام النبي بما أنزل الله أبى المنافقون وصدوا عن ذلك.
( ٢ ) وتساؤلا آخر فيه معنى الإنذار والفضيحة لهم عما يكون أمرهم إذا حلت فيهم مصيبة من جراء انحرافهم عن الحق حيث كانوا يشعرون بالخزي ويتراجعون خوفاـ لا إيمانا ـ ويأتون إلى الرسول ليحلفوا له أنهم لم يريدوا صدا عنه ولا جحودا بما أنزل الله وأن نيتهم حسنة وأن كل ما أرادوه هو التوفيق في الخصومة وحلها بالمعروف والحسنى.
( ٣ ) وإشارة تقريعية إليهم :فالله يعلم ما في قلوبهم من سوء قصد وطوية. وعلى النبي أن لا ينزعج من موقفهم من جهة وأن يعظهم من جهة ثانية. ويؤنبهم بأسلوب قوي بليغ يؤثر فيهم ويجعلهم يدركون بشاعة تصرفهم.
( ٤ ) وتقريرا ربانيا فيه توطيد لواجب الطاعة للنبي والاحتكام إليه بأن الله تعالى لم يرسل رسولا للناس إلا أوجب عليهم طاعته وقيض له من يطيعه فعلا وبأن هؤلاء الذين يدعون الإسلام لن يصدقوا في إيمانهم إلا إذا تحاكموا لدى النبي في كل ما يقع بينهم من خلاف ثم ارتضوا بحكمه رضاء تاما ظاهرا وباطنا وسلموا به ونفذوه بدون لجاجة وتردد.
( ٥ ) والتفاتا تأنيبيا إلى المحكي عنهم :فلقد كان من واجبهم لو كانوا صادقين في اعتذارهم وحسن نيتهم أن يشعروا بشناعة موقفهم وظلم أنفسهم به وأن يسرعوا إلى النبي نادمين مستغفرين الله على ما بدا منهم وملتمسين من النبي أن يستغفر لهم الله. ولو فعلوا هذا لوجدوا الله توابا رحيما فيقبل توبتهم ويصفح عن زلتهم ويشملهم بعفوه.
تعليق على الآية
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ... ) الخ.
وما بعدها إلى آخر الآية ( ٦٥ )
ولقد روى المفسرون١ في صدد هذه الآية عدة روايات. منها أنها نزلت في يهودي ومنافق بينهما خصومة فطلب اليهودي الاحتكام إلى النبي وأبي المنافق ذلك وطلب الاحتكام إلى أحد طواغيت اليهود :كعب ابن الأشرف وكان شاعرا وعرف بشدة عدائه للنبي والمسلمين وكانوا يسمونه الطاغوت ومنها أنها نزلت في جماعة من اليهود كانوا يظهرون الإسلام نفاقا واختلفوا مع جماعة من مسلمي الخزرج على مسألة قصاص ودية قتلى فقال المسلمون ننطلق إلى النبي فنحكمه فأبى المنافقون اليهود وطلبوا الاحتكام إلى كاهن اسمه أبو برزة الأسلمي. ومنها أن الخلاف على الدية كان بين فريقين من اليهود فطلب فريق الاحتكام إلى النبي ورفض الآخر وطلب الاحتكام إلى الكاهن المذكور. ومنها أن الآية الأخيرة نزلت في مناسبة خصومة على ماء بين الزبير ابن العوام وجار لأرضه من الأنصار حكم فيها النبي للزبير فطعن الأنصاري في حكمه واتهمه بمحاباة الزبير ؛ لأنه ابن عمته حتى تغير وجه النبي من ذلك ٢ ومنها ٣ أن هذه الآية نزلت في مناسبة احتكام شخصين إلى النبي في أمر فلم يرض المحكوم عليه بالحكم وطلب الاحتكام إلى أبي بكر فذهبا إليه فقال لهما :أنتما على ما قضى رسول الله، فطلب الاحتكام إلى عمر فلما سمع عمر كلامهما دخل بيته فتقلد سيفه ثم خرج فضرب به رأس الذي أبى حكم النبي فقتله، فاشتكى أهله إلى النبي فقال :ما كنت أظن أن عمر يجترئ على قتل مؤمن فنزلت الآية تنفي عن القتيل صدق إيمانه. وباستثناء الرواية التي فيها خصومة بين الزبير والأنصاري ليس شيء من الروايات واردا في الصحاح وليس في حديث هذه الخصومة ما يفيد أن الآية نزلت في مناسبتها بأسلوب صريح. وهذا بالإضافة إلى أن الآية المذكورة تبدو كنتيجة للآيات السابقة. وهذا لا ينفي تلك الخصومة ومن المحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم تلا الآية فالتبس الأمر على الرواة.
وباستثناء رواية نزول الآيات في جماعة من اليهود المنافقين فإن الروايات الأخرى لا تتطابق مع الآيات. وجملة ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) قد تعني اليهود وبالتالي قد تجعل الرواية التي استثنيناها أكثر ورودا كما هو المتبادر كمناسبة لنزول الآيات التي تبدو وحدة منسجمة لتحتوي تنديدا باليهود المنافقين ثم لتوطيد سلطة النبي صلى الله عليه وسلم القضائية. وما زلنا عند ترجيحنا بأن تكون الآيتان السابقتان لهذه الآيات نزلتا مع هذه الآيات لتكونا تمهيدا تشريعيا عاما في توطيد طاعة الله ورسوله وردّ الأمور إليهما والحكم بين الناس بالعدل وأداء الأمانات إلى أهلها.
ولعل جملة ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ) في الآية ( ٦٤ ) ثم الآية ( ٦٥ ) من القرائن على ذلك حيث ينطوي فيهما توكيد بوجوب طاعة رسول الله وتحكيمه والرضاء بحكمه وهو تكرار بأسلوب آخر للأمر الوارد في الآية ( ٥٩ ) والله أعلم.
والآيات قوية حاسمة في صدد الهدف الذي استهدفته وفيها صورة من صور السيرة النبوية في العهد المدني وما كان يلقاه النبي من مواقف ومشاكل مزعجة ممضة، وبخاصة من المنافقين ومرضى القلوب. وقد انطوى فيها معالجة بأسلوب في منتهى الروعة والبلاغة امتزجت فيه الشدة والتنديد والتكذيب والإنذار بالعظة والرفق والتأميل والرغبة في الارعواء. وفي هذا ما فيه من تلقين جليل أخلاقي واجتماعي. وبخاصة سياسية الرعية والحكم الصالح. بالإضافة إلى ما في الآيات من مثل ذلك في تقبيح مواقف الكيد والدس والتمرد واللجاج التي يقفها مرضى القلوب اتجاه الحق والعدل مما يمكن أن يحدث في كل ظرف ومكان.
ولقد وقف المفسر القاسمي عند الآية ( ٦٥ ) وقال :إن كل حديث صح عن رسول الله يدخل فيها بحيث إنه يتعين على كل مسلم أن يلتزم به في أي شأن كان وأن الذي لا يفعل ذلك يدخل في وعيد الآية الشديدة وأورد أقوالا للشافعي وابن تيمية في سبيل توكيد ذلك في سياق طويل.
ولقد وقف عندها رشيد رضا أيضا. وقال فيما قاله :إن العلماء استدلوا بالآية على أن النص لا يعارض ولا يخصص بالقياس، وأن من بلغه حديث للرسول ورده بمخالفة قياسية فهو غير مطيع للرسول ولا ممن تصدق عليه الخصال الثلاث المشروطة في صحة الإيمان في نص الآية. ثم قال :والآية تدل من باب أولى على بطلان التقليد. فمن ظهر له حكم الله أو حكم رسوله في شيء وتركه إلى قول الفقهاء الذين يقلد مذهبهم كان غير مطيع لله ورسوله وإذا كان للعامي أن يتبع العلماء فليس معنى ذلك أن يتخذهم شارعين ويقدم أقوالهم على أحكام الله ورسوله المنصوصة. وإنما يتبعهم بتلقي هذه النصوص عنهم والاستعانة بهم على فهمها لا على آرائهم وأقيستهم المعارضة للنص.
والأقوال سديدة وجيهة وفي القرآن آيات أخرى مؤيدة لذلك مثل آيات آل عمران ( ٢١ و ٢٢ ) والنساء ( ٨٠ ) والحشر ( ٧ ) وواضح أن هذا يقتضي التحري الشديد في سند الحديث ومتنه معا حتى تصبح صحته يقينية. ومع أن أئمة الحديث رحمهم الله قد بذلوا جهدا عظيما شكره الله لهم في تصنيف الأحاديث النبوية ونقد رواتها، وأنه صار هناك نتيجة لذلك مجموعة كبيرة من الأحاديث الصحيحة التي يجب تلقيها بالقبول والوقوف عندها فإن اهتمامهم لتدقيق المتون لم يكن بقدر اهتمامهم لتدقيق الرواة مما أدى إلى إشكالات كثيرة. وهناك أحاديث توصف بالصحاح فيها أحكام متغايرة يمكن أن يكون بعضها متقدما على بعض وبعضها ناسخا لبعض أو بعضها أقوى من بعض أو بعضها يثير الحيرة لأنه يتعارض مع نصوص قرآنية ووقائع تعيينية. ولعل ما بين المذاهب الفقهية من خلافات ومناقضات ناتج عن ذلك. والله تعالى أعلم.
﴿ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ( ١ ) وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ به وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا ( ٦٠ ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ( ٦١ ) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ( ٦٢ ) أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا ( ٦٣ ) وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ( ٦٤ ) فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ( ٢ ) ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ( ٦٥ ) ﴾
وجه الخطاب في الآيات إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد تضمنت :
( ١ ) سؤالا فيه معنى التنديد بفريق من المسلمين يدعون الإيمان بما أنزل الله علي النبي والأنبياء من قبله ثم يناقضون أنفسهم فيريدون أن يتحاكموا إلى طاغية أمروا أن يكفروا بحكمه لأنه ليس من عند الله وبذلك يستسلمون لوساوس الشيطان التي تبعدهم عن جادة الحق والهدى وتورطهم في مهاوي الضلال العميقة. وإذا ما نبهوا إلى تصرفهم المنحرف ودعوا إلى التحاكم أمام النبي بما أنزل الله أبى المنافقون وصدوا عن ذلك.
( ٢ ) وتساؤلا آخر فيه معنى الإنذار والفضيحة لهم عما يكون أمرهم إذا حلت فيهم مصيبة من جراء انحرافهم عن الحق حيث كانوا يشعرون بالخزي ويتراجعون خوفاـ لا إيمانا ـ ويأتون إلى الرسول ليحلفوا له أنهم لم يريدوا صدا عنه ولا جحودا بما أنزل الله وأن نيتهم حسنة وأن كل ما أرادوه هو التوفيق في الخصومة وحلها بالمعروف والحسنى.
( ٣ ) وإشارة تقريعية إليهم :فالله يعلم ما في قلوبهم من سوء قصد وطوية. وعلى النبي أن لا ينزعج من موقفهم من جهة وأن يعظهم من جهة ثانية. ويؤنبهم بأسلوب قوي بليغ يؤثر فيهم ويجعلهم يدركون بشاعة تصرفهم.
( ٤ ) وتقريرا ربانيا فيه توطيد لواجب الطاعة للنبي والاحتكام إليه بأن الله تعالى لم يرسل رسولا للناس إلا أوجب عليهم طاعته وقيض له من يطيعه فعلا وبأن هؤلاء الذين يدعون الإسلام لن يصدقوا في إيمانهم إلا إذا تحاكموا لدى النبي في كل ما يقع بينهم من خلاف ثم ارتضوا بحكمه رضاء تاما ظاهرا وباطنا وسلموا به ونفذوه بدون لجاجة وتردد.
( ٥ ) والتفاتا تأنيبيا إلى المحكي عنهم :فلقد كان من واجبهم لو كانوا صادقين في اعتذارهم وحسن نيتهم أن يشعروا بشناعة موقفهم وظلم أنفسهم به وأن يسرعوا إلى النبي نادمين مستغفرين الله على ما بدا منهم وملتمسين من النبي أن يستغفر لهم الله. ولو فعلوا هذا لوجدوا الله توابا رحيما فيقبل توبتهم ويصفح عن زلتهم ويشملهم بعفوه.
تعليق على الآية
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ... ) الخ.
وما بعدها إلى آخر الآية ( ٦٥ )
ولقد روى المفسرون١ في صدد هذه الآية عدة روايات. منها أنها نزلت في يهودي ومنافق بينهما خصومة فطلب اليهودي الاحتكام إلى النبي وأبي المنافق ذلك وطلب الاحتكام إلى أحد طواغيت اليهود :كعب ابن الأشرف وكان شاعرا وعرف بشدة عدائه للنبي والمسلمين وكانوا يسمونه الطاغوت ومنها أنها نزلت في جماعة من اليهود كانوا يظهرون الإسلام نفاقا واختلفوا مع جماعة من مسلمي الخزرج على مسألة قصاص ودية قتلى فقال المسلمون ننطلق إلى النبي فنحكمه فأبى المنافقون اليهود وطلبوا الاحتكام إلى كاهن اسمه أبو برزة الأسلمي. ومنها أن الخلاف على الدية كان بين فريقين من اليهود فطلب فريق الاحتكام إلى النبي ورفض الآخر وطلب الاحتكام إلى الكاهن المذكور. ومنها أن الآية الأخيرة نزلت في مناسبة خصومة على ماء بين الزبير ابن العوام وجار لأرضه من الأنصار حكم فيها النبي للزبير فطعن الأنصاري في حكمه واتهمه بمحاباة الزبير ؛ لأنه ابن عمته حتى تغير وجه النبي من ذلك ٢ ومنها ٣ أن هذه الآية نزلت في مناسبة احتكام شخصين إلى النبي في أمر فلم يرض المحكوم عليه بالحكم وطلب الاحتكام إلى أبي بكر فذهبا إليه فقال لهما :أنتما على ما قضى رسول الله، فطلب الاحتكام إلى عمر فلما سمع عمر كلامهما دخل بيته فتقلد سيفه ثم خرج فضرب به رأس الذي أبى حكم النبي فقتله، فاشتكى أهله إلى النبي فقال :ما كنت أظن أن عمر يجترئ على قتل مؤمن فنزلت الآية تنفي عن القتيل صدق إيمانه. وباستثناء الرواية التي فيها خصومة بين الزبير والأنصاري ليس شيء من الروايات واردا في الصحاح وليس في حديث هذه الخصومة ما يفيد أن الآية نزلت في مناسبتها بأسلوب صريح. وهذا بالإضافة إلى أن الآية المذكورة تبدو كنتيجة للآيات السابقة. وهذا لا ينفي تلك الخصومة ومن المحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم تلا الآية فالتبس الأمر على الرواة.
وباستثناء رواية نزول الآيات في جماعة من اليهود المنافقين فإن الروايات الأخرى لا تتطابق مع الآيات. وجملة ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) قد تعني اليهود وبالتالي قد تجعل الرواية التي استثنيناها أكثر ورودا كما هو المتبادر كمناسبة لنزول الآيات التي تبدو وحدة منسجمة لتحتوي تنديدا باليهود المنافقين ثم لتوطيد سلطة النبي صلى الله عليه وسلم القضائية. وما زلنا عند ترجيحنا بأن تكون الآيتان السابقتان لهذه الآيات نزلتا مع هذه الآيات لتكونا تمهيدا تشريعيا عاما في توطيد طاعة الله ورسوله وردّ الأمور إليهما والحكم بين الناس بالعدل وأداء الأمانات إلى أهلها.
ولعل جملة ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ) في الآية ( ٦٤ ) ثم الآية ( ٦٥ ) من القرائن على ذلك حيث ينطوي فيهما توكيد بوجوب طاعة رسول الله وتحكيمه والرضاء بحكمه وهو تكرار بأسلوب آخر للأمر الوارد في الآية ( ٥٩ ) والله أعلم.
والآيات قوية حاسمة في صدد الهدف الذي استهدفته وفيها صورة من صور السيرة النبوية في العهد المدني وما كان يلقاه النبي من مواقف ومشاكل مزعجة ممضة، وبخاصة من المنافقين ومرضى القلوب. وقد انطوى فيها معالجة بأسلوب في منتهى الروعة والبلاغة امتزجت فيه الشدة والتنديد والتكذيب والإنذار بالعظة والرفق والتأميل والرغبة في الارعواء. وفي هذا ما فيه من تلقين جليل أخلاقي واجتماعي. وبخاصة سياسية الرعية والحكم الصالح. بالإضافة إلى ما في الآيات من مثل ذلك في تقبيح مواقف الكيد والدس والتمرد واللجاج التي يقفها مرضى القلوب اتجاه الحق والعدل مما يمكن أن يحدث في كل ظرف ومكان.
ولقد وقف المفسر القاسمي عند الآية ( ٦٥ ) وقال :إن كل حديث صح عن رسول الله يدخل فيها بحيث إنه يتعين على كل مسلم أن يلتزم به في أي شأن كان وأن الذي لا يفعل ذلك يدخل في وعيد الآية الشديدة وأورد أقوالا للشافعي وابن تيمية في سبيل توكيد ذلك في سياق طويل.
ولقد وقف عندها رشيد رضا أيضا. وقال فيما قاله :إن العلماء استدلوا بالآية على أن النص لا يعارض ولا يخصص بالقياس، وأن من بلغه حديث للرسول ورده بمخالفة قياسية فهو غير مطيع للرسول ولا ممن تصدق عليه الخصال الثلاث المشروطة في صحة الإيمان في نص الآية. ثم قال :والآية تدل من باب أولى على بطلان التقليد. فمن ظهر له حكم الله أو حكم رسوله في شيء وتركه إلى قول الفقهاء الذين يقلد مذهبهم كان غير مطيع لله ورسوله وإذا كان للعامي أن يتبع العلماء فليس معنى ذلك أن يتخذهم شارعين ويقدم أقوالهم على أحكام الله ورسوله المنصوصة. وإنما يتبعهم بتلقي هذه النصوص عنهم والاستعانة بهم على فهمها لا على آرائهم وأقيستهم المعارضة للنص.
والأقوال سديدة وجيهة وفي القرآن آيات أخرى مؤيدة لذلك مثل آيات آل عمران ( ٢١ و ٢٢ ) والنساء ( ٨٠ ) والحشر ( ٧ ) وواضح أن هذا يقتضي التحري الشديد في سند الحديث ومتنه معا حتى تصبح صحته يقينية. ومع أن أئمة الحديث رحمهم الله قد بذلوا جهدا عظيما شكره الله لهم في تصنيف الأحاديث النبوية ونقد رواتها، وأنه صار هناك نتيجة لذلك مجموعة كبيرة من الأحاديث الصحيحة التي يجب تلقيها بالقبول والوقوف عندها فإن اهتمامهم لتدقيق المتون لم يكن بقدر اهتمامهم لتدقيق الرواة مما أدى إلى إشكالات كثيرة. وهناك أحاديث توصف بالصحاح فيها أحكام متغايرة يمكن أن يكون بعضها متقدما على بعض وبعضها ناسخا لبعض أو بعضها أقوى من بعض أو بعضها يثير الحيرة لأنه يتعارض مع نصوص قرآنية ووقائع تعيينية. ولعل ما بين المذاهب الفقهية من خلافات ومناقضات ناتج عن ذلك. والله تعالى أعلم.
﴿ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ( ١ ) وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ به وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا ( ٦٠ ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ( ٦١ ) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ( ٦٢ ) أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا ( ٦٣ ) وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ( ٦٤ ) فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ( ٢ ) ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ( ٦٥ ) ﴾
وجه الخطاب في الآيات إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد تضمنت :
( ١ ) سؤالا فيه معنى التنديد بفريق من المسلمين يدعون الإيمان بما أنزل الله علي النبي والأنبياء من قبله ثم يناقضون أنفسهم فيريدون أن يتحاكموا إلى طاغية أمروا أن يكفروا بحكمه لأنه ليس من عند الله وبذلك يستسلمون لوساوس الشيطان التي تبعدهم عن جادة الحق والهدى وتورطهم في مهاوي الضلال العميقة. وإذا ما نبهوا إلى تصرفهم المنحرف ودعوا إلى التحاكم أمام النبي بما أنزل الله أبى المنافقون وصدوا عن ذلك.
( ٢ ) وتساؤلا آخر فيه معنى الإنذار والفضيحة لهم عما يكون أمرهم إذا حلت فيهم مصيبة من جراء انحرافهم عن الحق حيث كانوا يشعرون بالخزي ويتراجعون خوفاـ لا إيمانا ـ ويأتون إلى الرسول ليحلفوا له أنهم لم يريدوا صدا عنه ولا جحودا بما أنزل الله وأن نيتهم حسنة وأن كل ما أرادوه هو التوفيق في الخصومة وحلها بالمعروف والحسنى.
( ٣ ) وإشارة تقريعية إليهم :فالله يعلم ما في قلوبهم من سوء قصد وطوية. وعلى النبي أن لا ينزعج من موقفهم من جهة وأن يعظهم من جهة ثانية. ويؤنبهم بأسلوب قوي بليغ يؤثر فيهم ويجعلهم يدركون بشاعة تصرفهم.
( ٤ ) وتقريرا ربانيا فيه توطيد لواجب الطاعة للنبي والاحتكام إليه بأن الله تعالى لم يرسل رسولا للناس إلا أوجب عليهم طاعته وقيض له من يطيعه فعلا وبأن هؤلاء الذين يدعون الإسلام لن يصدقوا في إيمانهم إلا إذا تحاكموا لدى النبي في كل ما يقع بينهم من خلاف ثم ارتضوا بحكمه رضاء تاما ظاهرا وباطنا وسلموا به ونفذوه بدون لجاجة وتردد.
( ٥ ) والتفاتا تأنيبيا إلى المحكي عنهم :فلقد كان من واجبهم لو كانوا صادقين في اعتذارهم وحسن نيتهم أن يشعروا بشناعة موقفهم وظلم أنفسهم به وأن يسرعوا إلى النبي نادمين مستغفرين الله على ما بدا منهم وملتمسين من النبي أن يستغفر لهم الله. ولو فعلوا هذا لوجدوا الله توابا رحيما فيقبل توبتهم ويصفح عن زلتهم ويشملهم بعفوه.
تعليق على الآية
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَن