0:00
0:00

سورة النساء مدنية وآياتها ١٧٦

أما القسم الأول من سورة النساء الذي يندرج في هذا الربع فيتناول وصفا لوحدة النوع الإنساني ﴿ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ وحديثا عن الأرحام والأيتام، وآخر عن تكوين الأسرة الموحدة، وعن مبدأ تعدد الزوجات، ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً ﴾ ثم حديثا عن موقف الإسلام من أموال السفهاء ﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً ﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: من الجاري على الألسنة قولهم " لكل اسم من مسماه نصيب " ونحن الآن في ( سورة النساء ) فلا بد أن يكون الحديث عن النساء في هذه السورة أطول من الحديث عنهن في أية سورة أخرى، وقد نبهت الآيات الكريمة في هذه السورة إلى نشأة الأسرة والحكمة المقصودة من وجودها ﴿ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء ﴾.
واهتمت آياتها بوجوب معاملة النساء على أساس العدل التام، والابتعاد عن كل ما فيه مساس بحقوقهن الأخلاقية والمادية، سواء كان أساس الأسرة قائما على الوحدة أو على التعدد ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء ﴾ ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً ﴾ ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ( ٣ ) ﴾
وأوجبت آياتها تقديم الصداق، عطاء خالصا للزوجة لا يشاركها فيه ولي ولا زوج إلا إذا طابت نفسها بشيء منه تعطيه للأول، أو تتنازل عنه للثاني ﴿ وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا ﴾.
وحددت آياتها نظام الإرث بين الأزواج وبين الأقارب، مما يحقق تكافل الأسرة، ويضمن استمرارها وانتفاعها بما يؤول إليها من أفرادها، فأقرت مبدأ الإرث، وبينت أنصبة الوارثين والوارثات ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا( ٧ ) ﴾ ﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ ﴿ فرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا، وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ( ١٢ ) ﴾.

الربع الثالث من الحزب الثامن
في المصحف الكريم
كل من درس طبيعة الإسلام وعرف مقاصده يتيقن أنه دين رحمة وإحسان، وأنه يوجه أكبر عناية لرعاية حقوق الضعفاء والمستضعفين من بني الإنسان، وفي طليعة الضعفاء المعرضين للإهمال وأحيانا للعدوان، فئة اليتامى الذين فقدوا آباءهم، ففقدوا بفقدهم الحماية والنصرة والعطف والشفقة والحنان، فهذه الفئة يهتم بها كتاب الله في غير ما آية، وفي غير ما سورة، ومن ذلك آيات سبقت في سورة البقرة أوصى الله فيها بالإحسان إليهم والإنفاق عليهم، فقال تعالى ﴿ وَبِالوَالِدَينِ إِحسَاناً وَذِي القُربَى واليَتَامَى ﴾ وقال تعالى : ﴿ قُل مَا أَنفَقتُم مِّن خَير فَلِلوالِدَينِ والأقرَبِينَ واليَتَامَى ﴾.
وسبقت في سورة البقرة آية أخرى في شأن اليتامى تبين إلى أي مدى اهتم المسلمون بأمرهم، حتى أخذوا يستفسرون الرسول عن حكم الله فيهم، وهي قوله تعالى ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾.
وبمقتضى هذه الآية رخص الإسلام للقائمين بحضانة اليتامى وكفالتهم في مخالطتهم في العيش، بدلا من عزلهم واعتزالهم كما وقع من بعض الناس، حيث تحرجوا من مخالطتهم واعتزلوهم ﴿ وَلَو شَاءَ اللهُ لأَعنَتَكُمُ ﴾ إلا أن كتاب الله يأمر بأن يقتصر الغرض من مخالطة اليتامى على إصلاحهم وإصلاح أموالهم، وتحقيق ما فيه نفع لهم ورفق بهم، واعتبر ذلك عملا من أعمال الخير إذ قال : ﴿ قُل إصلاَحٌ لَّهُم خَيرٌ ﴾ ولا يرضى الإسلام بأن تكون مخالطتهم مجرد ذريعة إلى تحقيق منفعة المخالط ومصلحته الخاصة، على حساب اليتيم، فذلك أشبه بالإفساد منه بالإصلاح ﴿ واللهُ يَعلَمُ المُفسِدَ مِنَ المُصلِحَ ﴾ إذ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
ومما تجب ملاحظته في هذه الآية وصف الحق سبحانه وتعالى لليتامى بوصف ( الأخوة ) التي تقتضي مزيدا من العطف والتكافل بين الإخوة ﴿ وإن تُخَالِطُوهُمُ فَإخوَانُكُم ﴾ وكلمة ( الإصلاح ) التي استعملها كتاب الله في شأنهم يمكن تعميمها على سائر وجوه الإصلاح بما يشمل الناحية التربوية والناحية المادية معا.
وفي الربع الماضي من سورة النساء تولى كتاب الله الحديث عن اليتامى أيضا فقال تعالى : ﴿ وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ﴾ بمعنى أن القائمين بحضانة اليتامى وكفالتهم يجب عليهم صيانة أموال اليتامى وحفظها لهم، إلى أن يأنسوا منهم الرشد، وإذ ذاك يجب عليهم بحكم هذه الآية أن يدفعوا إليهم أموالهم كاملة غير منقوصة.
ثم قال تعالى : ﴿ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ﴾ بمعنى أن القائمين على اليتامى لا يسوغ لهم أن يحوزوا لنفسهم من ممتلكات اليتامى وأمتعتهم ما هو جيد، ويبادلوهم بما هو رديء، فهذا العمل يعتبره الإسلام نوعا من الخيانة، وضد الأمانة.
ثم قال تعالى : ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ ﴾ بمعنى القائمين أن على اليتامى لا يسوغ لهم أن يتحايلوا ويخلطوا أموال اليتامى بأموالهم، حتى لا يتميز رأس مال اليتيم ولا ملكه، من رأس مال القائم عليه وملكه الخاص، لأن هذا النوع من التصرفات والحيل مدعاة إلى الحيف على اليتيم، وذريعة لابتلاع ماله واختلاسه.
ثم قال تعالى : ﴿ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا( ٢ ) ﴾ بمعنى أن هذه التصرفات الملتوية التي تضيع معها معالم مال اليتيم، ويتعرض عن طريقها للضياع، تصرفات حرمها الإسلام، وإثمها عند الله إثم كبير، بحيث تلتحق عنده بكبائر الذنوب لا بصغائرها.
ثم لا يكتفي كتاب الله بهذه الآيات في الحديث عن اليتامى وحقوقهم، بل يخصص آية أخرى في هذا الربع لنفس الموضوع، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا( ٦ ) ﴾
وهذه الآية تتضمن عدة أحكام إلهية تجب طاعتها، ويلزم الوقوف عند حدودها :
-الحكم الأول :وجوب اختبار اليتيم من طرف القائم عليه قبل دفع أمواله إليه، وهذا الاختبار يتم في نظر علمائنا على مرحليتين :
المرحلة الأولى :أن يتأمل القائم على أمر اليتيم أخلاق يتيمه، ويستمع إلى حديثه، ويتعرف على اتجاهاته وأغراضه، ليعرف ما هو عليه من نجابة وضبط، أو غفلة وإهمال.
والمرحلة الثانية :أن يدفع إليه شيئا يسيرا من ماله ويبيح له التصرف فيه إذا توسم فيه الخير، فإن نماه وأحسن النظر فيه فقد تم الاختيار، وليسلم إليه ماله جميعه، وإن أساء النظر في اليسير الذي دفعه إليه وجب عليه إمساك ماله عنه، هذا هو تفسير قوله تعالى : ﴿ وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ ﴾ أي بلغوا أول مرحلة تؤهلهم للزواج ﴿ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾. ونقل ابن كثير عن سعيد بن جبير في معنى ﴿ آنستم منهم رشدا ﴾ أي صلاحا في دينهم، وحفظا لأموالهم. وكذا روي عن ابن عباس والحسن البصري وغير واحد من الأئمة، وهكذا قال الفقهاء :" إذا بلغ الغلام، مصلحا لدينه وماله، انفك الحجر عنه، فسلم إليه ماله الذي تحت يد وليه ".
-الحكم الثاني :نهى القائم على أمر اليتيم عن الإسراف والتبذير في الصرف من مال اليتيم الذي هو إلى نظره، ولو كان الصرف على نفس اليتيم، ونهيه أيضا عن استغلال صغر سنه، والمبادرة بتبديد ماله قبل بلوغه وكبره، حتى إذا ما كبر وجد ماله قد نفد أو بقي منه القليل، وهذا ما يقتضيه قوله تعالىْ ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوهَا ﴾ أي أموال اليتامى ﴿ إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ ﴾.
-الحكم الثالث :أمر القائم على أمر اليتيم إذا كان غنيا بعدم أخذ أي أجر على ما يقوم به من نظر في مصالح اليتيم وتدبير لأمواله، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ قال الشعبي :هو عليه كالميتة والدم.
-الحكم الرابع :السماح للقائم على أمر اليتيم إذا كان فقيرا بتناول الأجر على ما يقوم به من نظر في مصالح اليتيم وتدبير لأمواله، بشرط أن يكون أجره على ذلك معقولا لا تبذير فيه ولا استغلال، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ على غرار قوله تعالى في سورة الأنعام : ﴿ وَلاَ تَقرَبُوا ماَلَ اليَتِيمِ إِلاَّ بالتِي هِيَ أَحسَنُ حَتَّى يَبلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ وذهب بعض الأئمة ومنهم عبيدة السلماني وأبو العالية، وهو أحد قولي ابن عباس، على أن ما أخذه الفقير القائم على أمر اليتيم أجرا على نظره يرده إليه إذا أيسر، لأن مال اليتيم على الحظر لا على الإباحة، وإنما أبيح للحاجة فيرد بدله، وروي عن عمر أنه قال : " إني أنزلت نفسي من هذا المال منزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت استقرضت، فإذا أيسرت قضيت ".
-الحكم الخامس :وجوب الإشهاد على اليتامى بدفع أموالهم إليهم حين الدفع من طرف القائمين عليهم، حتى لا يبقى أي التباس ولا إدعاء، ولا يقع أي جحود أو إنكار، وذلك قوله تعالى : ﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ ﴾
وبعد هذه الأحكام الإلهية والتوجيهات السماوية المحددة والصريحة والواضحة كل الوضوح جاء التعقيب عليها بقوله تعالى : ﴿ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا( ٦ ) ﴾ تنبيها للقائمين على أمر اليتامى إلى أن الحق سبحانه وتعالى هو الذي يتكفل بحسابهم في يوم الحساب إذا قصروا أو زيفوا أو دلسوا أو خانوا في حساب اليتامى الذين كانوا إلى نظرهم، مما يدل على خطورة مسؤوليتهم أمام الله أكثر من غيرهم، إذ غيرهم من الناس يكل إليهم الله حساب أنفسهم بأنفسهم، كما يدل عليه قوله تعالى في سورة الإسراء ﴿ وَكُلَّ إنسَانِ ألزَمنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقُهِ، وَنُخرِجُ لَهُ يَومَ القِيَامَةِ كِتَاباً يَلقَاهُ مَنشُوراً، اقرَأ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفسِكَ اليَومَ عَلَيكَ حَسِيباً ﴾.
على أن كتاب الله لا يكتفي بهذا الإنذار الصريح، بل يزيد عليه إنذارا آخر يمس نفس الذرية التي تكون للقائمين على أمر اليتامى، عندما يموتون ويتركون ذريتهم في أيد غير أمينة، معرضة للاستغلال والأذى، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ ﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: من الجاري على الألسنة قولهم " لكل اسم من مسماه نصيب " ونحن الآن في ( سورة النساء ) فلا بد أن يكون الحديث عن النساء في هذه السورة أطول من الحديث عنهن في أية سورة أخرى، وقد نبهت الآيات الكريمة في هذه السورة إلى نشأة الأسرة والحكمة المقصودة من وجودها ﴿ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء ﴾.
واهتمت آياتها بوجوب معاملة النساء على أساس العدل التام، والابتعاد عن كل ما فيه مساس بحقوقهن الأخلاقية والمادية، سواء كان أساس الأسرة قائما على الوحدة أو على التعدد ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء ﴾ ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً ﴾ ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ( ٣ ) ﴾
وأوجبت آياتها تقديم الصداق، عطاء خالصا للزوجة لا يشاركها فيه ولي ولا زوج إلا إذا طابت نفسها بشيء منه تعطيه للأول، أو تتنازل عنه للثاني ﴿ وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا ﴾.
وحددت آياتها نظام الإرث بين الأزواج وبين الأقارب، مما يحقق تكافل الأسرة، ويضمن استمرارها وانتفاعها بما يؤول إليها من أفرادها، فأقرت مبدأ الإرث، وبينت أنصبة الوارثين والوارثات ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا( ٧ ) ﴾ ﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ ﴿ فرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا، وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ( ١٢ ) ﴾.

ولعل أحد الدارسين يتساءل لماذا اعتنى كتاب الله بأمر اليتامى إلى هذا الحد، ولماذا جاءت أحكامه مفصلة في شأنهم كل هذا التفصيل ؟.
والجواب أن الله تعالى عليم بخلقه، مطلع على خفاياهم ونواياهم، وكثير من الناس تطغى عليهم مصالحهم المادية، وتهيمن على تصرفاتهم روح الأثرة والأنانية، فينسون الله بالكلية، ويستغلون ضعف اليتامى وعجزهم عندما يسقطون فريسة بين أيديهم، بمجرد ما يفقدون الأب الذي كان يحنو عليهم، ويرعى شؤونهم ويحوط مصالحهم، فاهتم كتاب الله بأمرهم، واعتنى بشأنهم، وتولى الحق سبحانه وتعالى الدفاع عن حقوقهم، بل تولى بنفسه محاسبة القائمين على أمرهم، حماية لهم من استغلال المستغلين، وخيانة الخائنين، وذلك قوله تعالى في نفس هذا الربع ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا( ١٠ ) ﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: من الجاري على الألسنة قولهم " لكل اسم من مسماه نصيب " ونحن الآن في ( سورة النساء ) فلا بد أن يكون الحديث عن النساء في هذه السورة أطول من الحديث عنهن في أية سورة أخرى، وقد نبهت الآيات الكريمة في هذه السورة إلى نشأة الأسرة والحكمة المقصودة من وجودها ﴿ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء ﴾.
واهتمت آياتها بوجوب معاملة النساء على أساس العدل التام، والابتعاد عن كل ما فيه مساس بحقوقهن الأخلاقية والمادية، سواء كان أساس الأسرة قائما على الوحدة أو على التعدد ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء ﴾ ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً ﴾ ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ( ٣ ) ﴾
وأوجبت آياتها تقديم الصداق، عطاء خالصا للزوجة لا يشاركها فيه ولي ولا زوج إلا إذا طابت نفسها بشيء منه تعطيه للأول، أو تتنازل عنه للثاني ﴿ وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا ﴾.
وحددت آياتها نظام الإرث بين الأزواج وبين الأقارب، مما يحقق تكافل الأسرة، ويضمن استمرارها وانتفاعها بما يؤول إليها من أفرادها، فأقرت مبدأ الإرث، وبينت أنصبة الوارثين والوارثات ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا( ٧ ) ﴾ ﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ ﴿ فرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا، وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ( ١٢ ) ﴾.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: من الجاري على الألسنة قولهم " لكل اسم من مسماه نصيب " ونحن الآن في ( سورة النساء ) فلا بد أن يكون الحديث عن النساء في هذه السورة أطول من الحديث عنهن في أية سورة أخرى، وقد نبهت الآيات الكريمة في هذه السورة إلى نشأة الأسرة والحكمة المقصودة من وجودها ﴿ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء ﴾.
واهتمت آياتها بوجوب معاملة النساء على أساس العدل التام، والابتعاد عن كل ما فيه مساس بحقوقهن الأخلاقية والمادية، سواء كان أساس الأسرة قائما على الوحدة أو على التعدد ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء ﴾ ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً ﴾ ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ( ٣ ) ﴾
وأوجبت آياتها تقديم الصداق، عطاء خالصا للزوجة لا يشاركها فيه ولي ولا زوج إلا إذا طابت نفسها بشيء منه تعطيه للأول، أو تتنازل عنه للثاني ﴿ وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا ﴾.
وحددت آياتها نظام الإرث بين الأزواج وبين الأقارب، مما يحقق تكافل الأسرة، ويضمن استمرارها وانتفاعها بما يؤول إليها من أفرادها، فأقرت مبدأ الإرث، وبينت أنصبة الوارثين والوارثات ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا( ٧ ) ﴾ ﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ ﴿ فرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا، وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ( ١٢ ) ﴾.

الربع الأخير من الحزب الثامن
في المصحف الكريم
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: من الجاري على الألسنة قولهم " لكل اسم من مسماه نصيب " ونحن الآن في ( سورة النساء ) فلا بد أن يكون الحديث عن النساء في هذه السورة أطول من الحديث عنهن في أية سورة أخرى، وقد نبهت الآيات الكريمة في هذه السورة إلى نشأة الأسرة والحكمة المقصودة من وجودها ﴿ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء ﴾.
واهتمت آياتها بوجوب معاملة النساء على أساس العدل التام، والابتعاد عن كل ما فيه مساس بحقوقهن الأخلاقية والمادية، سواء كان أساس الأسرة قائما على الوحدة أو على التعدد ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء ﴾ ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً ﴾ ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ( ٣ ) ﴾
وأوجبت آياتها تقديم الصداق، عطاء خالصا للزوجة لا يشاركها فيه ولي ولا زوج إلا إذا طابت نفسها بشيء منه تعطيه للأول، أو تتنازل عنه للثاني ﴿ وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا ﴾.
وحددت آياتها نظام الإرث بين الأزواج وبين الأقارب، مما يحقق تكافل الأسرة، ويضمن استمرارها وانتفاعها بما يؤول إليها من أفرادها، فأقرت مبدأ الإرث، وبينت أنصبة الوارثين والوارثات ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا( ٧ ) ﴾ ﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ ﴿ فرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا، وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ( ١٢ ) ﴾.


وأتمت سورة النساء الحديث الذي خصصته لنظام الإرث في الأسرة المسلمة وتحديد أنصبته في آخر آية منها، وهي قوله تعالى : ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾.
وهكذا نلمس إلى أي حد بلغت عناية الحق سبحانه وتعالى بالأسرة المسلمة، فهو يصدر أوامره ووصاياه من فوق سبع سماوات لتنظيم شؤونها في الحياة وبعد الممات، مما يعطي الدليل القاطع والبرهان الساطع على أن هذا المجال الحيوي قد تفرد فيه الحق سبحانه وتعالى وحده بالاختصاص دون غيره، بحيث لا يمكن أن يتدخل فيه الغير، فضلا عن أن يدخل عليه أي تبديل أو تغيير.
وهذا المعنى هو ما ترمي إليه الآيات الكريمة الواردة في هذا الربع ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، ( ١٣ ) وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ( ١٤ ) ﴾.
على أن هذه الآيات إنما هي تأكيد وتثبيت للمعاني المستوحاة سابقا من قوله تعالى : ﴿ يُوصِيكُم اللهُ فِي أولاَدِكُم ﴾ وقوله تعالى ﴿ وَصِيةً مِنَ اللهُ، واللهُ عَلِيمُ حَلِيمُ( ١٢ ) ﴾ وقوله تعالى في آخر هذه السورة –سورة النساء- بعد اختتام الحديث في موضوع الإرث ﴿ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُم أن تَضِلُّوا، واللهُ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ ﴾ فالوصية في هذا الموضوع الخطير آتية من الله مباشرة، وهذه الوصية إنما هي بيان من الله حتى لا يضل المسلمون، والتعقيب بقوله تعالى في هذا السياق ﴿ واللهُ عَلِيمُ حَلِيمُ( ١٢ ) ﴾ وبقوله تعالى ﴿ واللهُ بكُلِّ شيء عَلِيمُ ﴾ كأنما هو رد على أولئك المتحذلقين الذين يتحدثون في هذا الموضوع حديثا كله هراء وادعاء للعلم بما لم يعلمه الله، وتطاول على حكمته، ومحاولة لنقض حكمه، وذلك حتى لا يتعالموا على الله، ولا يستمروا في ادعائهم الكاذب وجهلهم الفاضح.
وقوله تعالى : ﴿ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ الوارد على وجه الاعتراض بين الآيات المحددة لأنصبة الوارثين والوارثات معناه كما نص عليه ( ابن العربي ) المعافري " أنه تفاديا لحيف أحدهم وظلمه، بتفضيله ابنا على بنت، أو أبا على أم، أو ولدا على ولد، أو أحدا من هؤلاء أو غيرهم على أحد آخر، تولى الله سبحانه قسم التركة بعلمه، وأنفذ فيها حكمته بحكمه، وكشف لكل ذي حق حقه، وعبر لكم ربكم عن ولاية ما جهلتم، وتولى لكم بيان ما فيه نفعكم ومصلحتكم ".
ومما يستلفت النظر في هذا الموضوع قوله تعالى خلال آيات الميراث ﴿ وَإِذاَ حَضَرَ القِسمَةَ اُولُوا القُربَى واليَتَامَى والمَسَاكينُ فارزُقُوهُم مِّنهُ وقُولُوا لهم قَولاً مَّعرُوفاً ﴾ بمعنى " الارضاخ " للقرابة الذين يحضرون القسمة ولا يرثون، وإعطائهم نصيبا من التركة، إذا كان مال التركة وافرا، والاعتذار إليهم إذا كان مال التركة قليلا.
قال أبو بكر ( ابن العربي ) المعافري في كتابه " أحكام القرآن " :( والصحيح أنها-أي هذه الآية-مبينة استحباب المشاركة لمن لا نصيب لهم من الإرث، بأن يسهم الورثة لهم من التركة، ويذكروا لهم من القول ما يؤنسهم، وتطيب به نفوسهم. وهذا محمول على الندب من وجهين :
أحدهما :أنه لو كان فرضا لكان ذلك استحقاقا في التركة، ومشاركة في الميراث، لأحد الجهتين معلوم، وللآخر مجهول، وذلك مناقض للحكمة وإفساد لوجه التكليف.
الثاني :أن المقصود من ذلك هو الصلة، ولو كان فرضا يستحقونه لتنازعوا منازعة القطيعة ). انتهى كلام ابن العربي.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٣: الربع الأخير من الحزب الثامن
في المصحف الكريم
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: من الجاري على الألسنة قولهم " لكل اسم من مسماه نصيب " ونحن الآن في ( سورة النساء ) فلا بد أن يكون الحديث عن النساء في هذه السورة أطول من الحديث عنهن في أية سورة أخرى، وقد نبهت الآيات الكريمة في هذه السورة إلى نشأة الأسرة والحكمة المقصودة من وجودها ﴿ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء ﴾.
واهتمت آياتها بوجوب معاملة النساء على أساس العدل التام، والابتعاد عن كل ما فيه مساس بحقوقهن الأخلاقية والمادية، سواء كان أساس الأسرة قائما على الوحدة أو على التعدد ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء ﴾ ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً ﴾ ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ( ٣ ) ﴾
وأوجبت آياتها تقديم الصداق، عطاء خالصا للزوجة لا يشاركها فيه ولي ولا زوج إلا إذا طابت نفسها بشيء منه تعطيه للأول، أو تتنازل عنه للثاني ﴿ وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا ﴾.
وحددت آياتها نظام الإرث بين الأزواج وبين الأقارب، مما يحقق تكافل الأسرة، ويضمن استمرارها وانتفاعها بما يؤول إليها من أفرادها، فأقرت مبدأ الإرث، وبينت أنصبة الوارثين والوارثات ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا( ٧ ) ﴾ ﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ ﴿ فرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا، وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ( ١٢ ) ﴾.


وأتمت سورة النساء الحديث الذي خصصته لنظام الإرث في الأسرة المسلمة وتحديد أنصبته في آخر آية منها، وهي قوله تعالى : ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾.
وهكذا نلمس إلى أي حد بلغت عناية الحق سبحانه وتعالى بالأسرة المسلمة، فهو يصدر أوامره ووصاياه من فوق سبع سماوات لتنظيم شؤونها في الحياة وبعد الممات، مما يعطي الدليل القاطع والبرهان الساطع على أن هذا المجال الحيوي قد تفرد فيه الحق سبحانه وتعالى وحده بالاختصاص دون غيره، بحيث لا يمكن أن يتدخل فيه الغير، فضلا عن أن يدخل عليه أي تبديل أو تغيير.
وهذا المعنى هو ما ترمي إليه الآيات الكريمة الواردة في هذا الربع ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، ( ١٣ ) وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ( ١٤ ) ﴾.
على أن هذه الآيات إنما هي تأكيد وتثبيت للمعاني المستوحاة سابقا من قوله تعالى : ﴿ يُوصِيكُم اللهُ فِي أولاَدِكُم ﴾ وقوله تعالى ﴿ وَصِيةً مِنَ اللهُ، واللهُ عَلِيمُ حَلِيمُ( ١٢ ) ﴾ وقوله تعالى في آخر هذه السورة –سورة النساء- بعد اختتام الحديث في موضوع الإرث ﴿ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُم أن تَضِلُّوا، واللهُ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ ﴾ فالوصية في هذا الموضوع الخطير آتية من الله مباشرة، وهذه الوصية إنما هي بيان من الله حتى لا يضل المسلمون، والتعقيب بقوله تعالى في هذا السياق ﴿ واللهُ عَلِيمُ حَلِيمُ( ١٢ ) ﴾ وبقوله تعالى ﴿ واللهُ بكُلِّ شيء عَلِيمُ ﴾ كأنما هو رد على أولئك المتحذلقين الذين يتحدثون في هذا الموضوع حديثا كله هراء وادعاء للعلم بما لم يعلمه الله، وتطاول على حكمته، ومحاولة لنقض حكمه، وذلك حتى لا يتعالموا على الله، ولا يستمروا في ادعائهم الكاذب وجهلهم الفاضح.
وقوله تعالى : ﴿ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ الوارد على وجه الاعتراض بين الآيات المحددة لأنصبة الوارثين والوارثات معناه كما نص عليه ( ابن العربي ) المعافري " أنه تفاديا لحيف أحدهم وظلمه، بتفضيله ابنا على بنت، أو أبا على أم، أو ولدا على ولد، أو أحدا من هؤلاء أو غيرهم على أحد آخر، تولى الله سبحانه قسم التركة بعلمه، وأنفذ فيها حكمته بحكمه، وكشف لكل ذي حق حقه، وعبر لكم ربكم عن ولاية ما جهلتم، وتولى لكم بيان ما فيه نفعكم ومصلحتكم ".
ومما يستلفت النظر في هذا الموضوع قوله تعالى خلال آيات الميراث ﴿ وَإِذاَ حَضَرَ القِسمَةَ اُولُوا القُربَى واليَتَامَى والمَسَاكينُ فارزُقُوهُم مِّنهُ وقُولُوا لهم قَولاً مَّعرُوفاً ﴾ بمعنى " الارضاخ " للقرابة الذين يحضرون القسمة ولا يرثون، وإعطائهم نصيبا من التركة، إذا كان مال التركة وافرا، والاعتذار إليهم إذا كان مال التركة قليلا.
قال أبو بكر ( ابن العربي ) المعافري في كتابه " أحكام القرآن " :( والصحيح أنها-أي هذه الآية-مبينة استحباب المشاركة لمن لا نصيب لهم من الإرث، بأن يسهم الورثة لهم من التركة، ويذكروا لهم من القول ما يؤنسهم، وتطيب به نفوسهم. وهذا محمول على الندب من وجهين :
أحدهما :أنه لو كان فرضا لكان ذلك استحقاقا في التركة، ومشاركة في الميراث، لأحد الجهتين معلوم، وللآخر مجهول، وذلك مناقض للحكمة وإفساد لوجه التكليف.
الثاني :أن المقصود من ذلك هو الصلة، ولو كان فرضا يستحقونه لتنازعوا منازعة القطيعة ). انتهى كلام ابن العربي.

ومما تناولته آيات هذا الربع حسن المعاشرة وحسن العهد بين الزوج والزوجة، ووجوب ترفع الأزواج عن استغلال زوجاتهم أو الضغط عليهن بحبسهن إلى الموت، للتمتع بإرثهن، وعن الإضرار بهن، لاسترجاع ما قدموا إليهن من الصداق عند الزواج، وضرورة تحمل الزوج لبعض المتاعب من زوجته حفظا للأسرة من الانهيار، وتفاديا للفراق بينهما والطلاق، وذلك قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ( ١٩ )، وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً، ( ٢٠ ) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا( ٢١ ) ﴾ فها هنا سمى الله عقد الزواج ( ميثاقا غليظا ) ليبرز ما يجب أن يكون له من الحرمة الخاصة والتقدير البالغ.
وينهى الله الرجال عن أن يحبسوا نسائهم كرها إذا ساءت علاقتهم معهن، وانتهت عشرتهم الجميلة لهن، وأصبح بقاء النساء في عصمتهم إنما هو لغرض نفعي مادي هو الحصول على أرثهن بعد الموت ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا ﴾.
كما ينهى الله الرجال أيضا أن يعضلوا نساءهم عن طريق الإضرار بهن في العشرة ومنعهن من الطلاق حتى لا يستطعن الزواج من غيرهم، واستعمالهم معهن وسائل الضغط والإكراه، حتى يسترجعوا منهن المهر الذي أعطوه إليهن، ليتزوجوا به مرة أخرى من بعد الفراق﴿ وَلاَ تَعضُلُوهُنَّ لِتَذهَبُوا بِبَعضِ ما آتيتموهن آتاخُذُونَهُ بُهتَاناً وَإِثماً مُّبيناً، وَكَيفَ تأخُذُونَهُ وَقَد أفضَى بَعضُكُم إلَى بَعضِ وَأخَذنَ مِنكُم مِيثَاقاً غَلِيظاً ﴾.
ثم يأمر الله الرجال أن يعاشروا نسائهم عشرة طيبة بالمعروف، فإن ذلك على حد قول ( ابن العربي ) " أهدأ للنفس، وأهنأ للعيش، وأقر للعين " ﴿ وعَاشِرُوهنَّ بالمَعرُوفِ ﴾ ﴿ ولَهُنَّ مثل الذي عليهِنَّ بالمَعروفِ ﴾.
ويوصي الحق سبحانه وتعالى الرجال في نفس هذا السياق، بالصبر والاحتمال وعدم المبادرة إلى الفراق، إذا وجدوا في زوجاتهم كراهية، ومنهم نفرة، من غير فاحشة ولا نشوز، فربما آل ذلك إلى عشرة أفضل ومحبة أدوم ﴿ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا( ١٩ ) ﴾.
قال القاضي أبو بكر ( ابن العربي ) : " قال علماؤنا في هذا دليل على كراهية الطلاق، ويناسب هذا المعنى ما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أبغض الحلال عند الله الطلاق ) وقوله صلى الله عليه وسلم ( خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي ) وجاء رجل إلى عمر بن الخطاب يريد أن يطلق زوجته بدعوى ( أنه لا يحبها ) فما كان من عمر إلا أن قال له : " ويحك ألم تبن البيوت إلا على الحب ؟ فأين الرعاية وأين التذمم ". وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في حياته البيتية جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله ويتلطف بهم، ويوسع النفقة عليهم، وكان إذا صلى العشاء ودخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام، يؤانسهم بحديثه وسمره عليه السلام.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٩: ومما تناولته آيات هذا الربع حسن المعاشرة وحسن العهد بين الزوج والزوجة، ووجوب ترفع الأزواج عن استغلال زوجاتهم أو الضغط عليهن بحبسهن إلى الموت، للتمتع بإرثهن، وعن الإضرار بهن، لاسترجاع ما قدموا إليهن من الصداق عند الزواج، وضرورة تحمل الزوج لبعض المتاعب من زوجته حفظا للأسرة من الانهيار، وتفاديا للفراق بينهما والطلاق، وذلك قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ( ١٩ )، وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً، ( ٢٠ ) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا( ٢١ ) ﴾ فها هنا سمى الله عقد الزواج ( ميثاقا غليظا ) ليبرز ما يجب أن يكون له من الحرمة الخاصة والتقدير البالغ.
وينهى الله الرجال عن أن يحبسوا نسائهم كرها إذا ساءت علاقتهم معهن، وانتهت عشرتهم الجميلة لهن، وأصبح بقاء النساء في عصمتهم إنما هو لغرض نفعي مادي هو الحصول على أرثهن بعد الموت ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا ﴾.
كما ينهى الله الرجال أيضا أن يعضلوا نساءهم عن طريق الإضرار بهن في العشرة ومنعهن من الطلاق حتى لا يستطعن الزواج من غيرهم، واستعمالهم معهن وسائل الضغط والإكراه، حتى يسترجعوا منهن المهر الذي أعطوه إليهن، ليتزوجوا به مرة أخرى من بعد الفراق﴿ وَلاَ تَعضُلُوهُنَّ لِتَذهَبُوا بِبَعضِ ما آتيتموهن آتاخُذُونَهُ بُهتَاناً وَإِثماً مُّبيناً، وَكَيفَ تأخُذُونَهُ وَقَد أفضَى بَعضُكُم إلَى بَعضِ وَأخَذنَ مِنكُم مِيثَاقاً غَلِيظاً ﴾.
ثم يأمر الله الرجال أن يعاشروا نسائهم عشرة طيبة بالمعروف، فإن ذلك على حد قول ( ابن العربي ) " أهدأ للنفس، وأهنأ للعيش، وأقر للعين " ﴿ وعَاشِرُوهنَّ بالمَعرُوفِ ﴾ ﴿ ولَهُنَّ مثل الذي عليهِنَّ بالمَعروفِ ﴾.
ويوصي الحق سبحانه وتعالى الرجال في نفس هذا السياق، بالصبر والاحتمال وعدم المبادرة إلى الفراق، إذا وجدوا في زوجاتهم كراهية، ومنهم نفرة، من غير فاحشة ولا نشوز، فربما آل ذلك إلى عشرة أفضل ومحبة أدوم ﴿ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا( ١٩ ) ﴾.
قال القاضي أبو بكر ( ابن العربي ) :" قال علماؤنا في هذا دليل على كراهية الطلاق، ويناسب هذا المعنى ما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أبغض الحلال عند الله الطلاق ) وقوله صلى الله عليه وسلم ( خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي ) وجاء رجل إلى عمر بن الخطاب يريد أن يطلق زوجته بدعوى ( أنه لا يحبها ) فما كان من عمر إلا أن قال له :" ويحك ألم تبن البيوت إلا على الحب ؟ فأين الرعاية وأين التذمم ". وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في حياته البيتية جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله ويتلطف بهم، ويوسع النفقة عليهم، وكان إذا صلى العشاء ودخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام، يؤانسهم بحديثه وسمره عليه السلام.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٩: ومما تناولته آيات هذا الربع حسن المعاشرة وحسن العهد بين الزوج والزوجة، ووجوب ترفع الأزواج عن استغلال زوجاتهم أو الضغط عليهن بحبسهن إلى الموت، للتمتع بإرثهن، وعن الإضرار بهن، لاسترجاع ما قدموا إليهن من الصداق عند الزواج، وضرورة تحمل الزوج لبعض المتاعب من زوجته حفظا للأسرة من الانهيار، وتفاديا للفراق بينهما والطلاق، وذلك قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ( ١٩ )، وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً، ( ٢٠ ) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا( ٢١ ) ﴾ فها هنا سمى الله عقد الزواج ( ميثاقا غليظا ) ليبرز ما يجب أن يكون له من الحرمة الخاصة والتقدير البالغ.
وينهى الله الرجال عن أن يحبسوا نسائهم كرها إذا ساءت علاقتهم معهن، وانتهت عشرتهم الجميلة لهن، وأصبح بقاء النساء في عصمتهم إنما هو لغرض نفعي مادي هو الحصول على أرثهن بعد الموت ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا ﴾.
كما ينهى الله الرجال أيضا أن يعضلوا نساءهم عن طريق الإضرار بهن في العشرة ومنعهن من الطلاق حتى لا يستطعن الزواج من غيرهم، واستعمالهم معهن وسائل الضغط والإكراه، حتى يسترجعوا منهن المهر الذي أعطوه إليهن، ليتزوجوا به مرة أخرى من بعد الفراق﴿ وَلاَ تَعضُلُوهُنَّ لِتَذهَبُوا بِبَعضِ ما آتيتموهن آتاخُذُونَهُ بُهتَاناً وَإِثماً مُّبيناً، وَكَيفَ تأخُذُونَهُ وَقَد أفضَى بَعضُكُم إلَى بَعضِ وَأخَذنَ مِنكُم مِيثَاقاً غَلِيظاً ﴾.
ثم يأمر الله الرجال أن يعاشروا نسائهم عشرة طيبة بالمعروف، فإن ذلك على حد قول ( ابن العربي ) " أهدأ للنفس، وأهنأ للعيش، وأقر للعين " ﴿ وعَاشِرُوهنَّ بالمَعرُوفِ ﴾ ﴿ ولَهُنَّ مثل الذي عليهِنَّ بالمَعروفِ ﴾.
ويوصي الحق سبحانه وتعالى الرجال في نفس هذا السياق، بالصبر والاحتمال وعدم المبادرة إلى الفراق، إذا وجدوا في زوجاتهم كراهية، ومنهم نفرة، من غير فاحشة ولا نشوز، فربما آل ذلك إلى عشرة أفضل ومحبة أدوم ﴿ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا( ١٩ ) ﴾.
قال القاضي أبو بكر ( ابن العربي ) :" قال علماؤنا في هذا دليل على كراهية الطلاق، ويناسب هذا المعنى ما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أبغض الحلال عند الله الطلاق ) وقوله صلى الله عليه وسلم ( خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي ) وجاء رجل إلى عمر بن الخطاب يريد أن يطلق زوجته بدعوى ( أنه لا يحبها ) فما كان من عمر إلا أن قال له :" ويحك ألم تبن البيوت إلا على الحب ؟ فأين الرعاية وأين التذمم ". وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في حياته البيتية جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله ويتلطف بهم، ويوسع النفقة عليهم، وكان إذا صلى العشاء ودخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام، يؤانسهم بحديثه وسمره عليه السلام.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الربع الأول من الحزب التاسع
في المصحف الكريم
أول ما نلاحظه عند النظر في هذا الربع أن بدايته مرتبطة كل الارتباط بما قبله بواسطة واو العطف، فهي تتمة لموضوع تناولته الآيات الأخيرة في الربع الماضي، ابتداء من قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً، حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ﴾ إلى آخر الآية.
والحديث هنا عما حرمه الله على الرجال، ومنع زواجهم به من النساء، وهذا التحريم إما بسبب النسب، وإما بسبب المصاهرة، وإما بسبب الرضاع الذي يترتب عليه ما يترتب على النسب.
وبناء على حكم الله في هذه المسألة يحرم على الرجل أن يتزوج بأمه، وبأم زوجته، وبزوجة أبيه، وابنته، وبأخته، وبعمته، وبخالته، وببنت أخيه، وببنت أخته، وبزوجة ابنه.
وتحرم عليه المرأة المتزوجة بغيره، ويحرم عليه الجمع بين الأختين ومثله الجمع بين المرأة وعمتها، والجمع بين المرأة وخالتها.
كما يحرم عليه من الرضاع مثل ما حرم عليه من النسب، حيث إن المرضعة تنزل منزلة الأم، فتحرم على من أرضعته هي وكل من يحرم على الابن من قبل أم النسب، وإنما اكتفت الآية بالإشارة إلى صورتين من هذا الصنف، وهما الأم من الرضاعة، والأخت من الرضاعة، لأن ذكر الأم التي هي أصل، والأخت التي هي فرع تنبيه على الباقي، ويشمل ذلك البنت من الرضاع، والعمة من الرضاع، والخالة من الرضاع، وأم الزوجة من الرضاع، وبنت الزوجة من الرضاع، والجمع بين المرأة وأختها من الرضاع، أو عمتها وخالتها من الرضاع، وذلك معنى قوله تعالى ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً( ٢٢ ) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا، ( ٢٣ ) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾.
وقال صلى الله عليه وسلم :( يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب )، وقال عليه الصلاة والسلام :( لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها ) وكلاهما من أحاديث الصحاح. ولتوضيح ما يدور عليه الحكم في الرضاع قال القاضي أبو بكر ( ابن العربي ) :" إن كل شخصين التقما ثديا واحدا في زمان واحد أو في زمانين فهما أخوان، والأصول منهما والفروع بمنزلة أصول الأنساب وفروعها في التحريم ".
ولاشك أن لله حكما كبرى في تحريم زواج الرجال من النساء اللاتي تتناولهن هذه الآيات الكريمة، من ذلك أن الزواج بين الأقارب يضعف ذريتهم كلما امتد الزمن، بينما تلقيح العائلة بدم جديد يجدد حيويتها، ويقوي استعداداتها، وهذا المعنى وارد في الحديث النبوي الشريف.
ومن ذلك أن الزواج بمن يجب توقيرهن واحترامهن كالأم والعمة والخالة، أو من تجب رعايتهن والعطف عليهن، كالبنت والأخت، وبنات الأخ والأخت، قد يؤدي إلى معاملتهن معاملة غير مرضية، عندما تطرأ بعض الهزات والخلافات على الحياة الزوجية، وينشأ عن ذلك شقاق في العائلة لا يمحى طول العمر. وقس على ذلك الشعور الغريب الذي يشعر به الأب إذا عرف أن ابنه قد يخلفه في زوجته، أو الابن إذا عرف أن أباه قد سبقه إليها.
ولنتصور كيف يكون شعور الأم إذا زاحمتها بنتها في زوجها، وشعور البنت إذا زاحمتها أمها، وشعور الأخت إذا زاحمتها أختها، فأية أمومة وأية أخوة تبقى وقتئذ بينهن وهن يتصارعن على امتلاك قلب واحد، ويتزاحمن على الاستقلال بفراش واحد.
يضاف إلى ذلك ما نبه إليه شيخ الكتاب المعاصرين الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه ( حقائق الإسلام وأباطيل خصومه ) أثناء كلامه على الأسرة الإسلامية إذ قال :" والمقاصد من هذا التحريم منوعة لا نحصيها في هذا المقام، أجلها وأجداها توسعة الأسرة ووقايتها من شواجر الخصومة والبغضاء، وأن يتحقق بالزواج من أسباب المودة والنسب ما لم بتحقق بالقرابة " ثم نبه إلى الأهمية الخاصة التي جعلها الله للنسب والمصاهرة، حيث اعتبرهما القرآن الكريم من آيات خلق الإنسان، كما جاء في سورة الفرقان : ﴿ وَهُوَ الذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهراً، وَكَانَ رَبُكَ قَدِيراً ﴾.
والآن نعود إلى بعض الفقرات في هذه الآيات الكريمة لمزيد البيان والتوضيح.
فقوله تعالى بعد تحريم التزوج بزوجات الآباء إِلاَّ مَا قَد سَلَفَ هو خبر عن عفو الله سبحانه وتعالى، وعدم مؤاخذته بما مضى في الجاهلية من هذا العمل القبيح، إذ كان بعض الأعراب تغلب عليه الحمية لأبيه، فيكره أن يحل أجنبي محل والده، ويخلفه ولده في فراشه.
وقوله تعالى : ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم ﴾ الربائب واحدتها ربيبة، وهي بنت امرأة الرجل من غيره، من قولك ربها يربها إذا تولى أمرها، وهي محرمة على الرجل سواء كانت في حجره كما تشير إليه الآية، أو كانت في حجر حاضنتها غير أمها، لأن كونها في حجر الرجل ليس شرطا في الحكم بتحريمها، وإنما خرج هذا الخطاب مخرج الغالب فلا مفهوم له.
ونقل عن علي بن أبي طالب القول بإباحة تزوج الرجل بربيبته إذا لم تكن في حجره، اعتمادا على ظاهر الآية، وإليه ذهب داود الظاهري وابن حزم، وذكر الحافظ الذهبي أنه عرض ما روي عن علي بن أبي طالب في هذا الموضوع على الشيخ تقي الدين ابن تيمية فاستشكله وتوقف في أمره، كما حكى ذلك ابن كثير في تفسيره.
وقوله تعالى : ﴿ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ ﴾ الحلائل واحدتها حليلة، بمعنى محللة، والأبناء ثلاثة أنواع :ابن النسب، وابن الرضاع، وابن التبني، فأما ابن النسب وابن الرضاع فحكمهما معلوم، وأما ابن التبني فكان أمره معروفا في الجاهلية وصدر الإسلام، وكان ينسب إلى الرجل الذي تبناه لا إلى أبيه الحقيقي، فلما نزل قوله تعالى : ﴿ ادعُوهُم لآبائهم هُوَ أَقسَطُ عِندَ اللهِ ﴾ انتهى العمل بذلك، وتفاديا من دخول ابن التبني تحت كلمة ( أبنائكم ) في هذا المقام جاء بعد هذه الكلمة قوله تعالى : ﴿ الذِينَ مِن أَصلاَبِكُم ﴾ وذلك ليسقط ولد التبني فلا تندرج زوجته تحت حكم التحريم في هذه الآية، ويكون الزواج بزوجته بعد فراقه لها مباحا، وهذا النوع الأخير من الأبناء عن طريق التبني هو الذي يطلق عليه لفظ ( أدعياء ) كما في قوله تعالى : ﴿ لِكَي لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجُ فِي أزواجِ أَدعِيائِهِمُ إذاَ قَضَوا مِنهُنَّ وَطَراً ﴾.
وقوله تعالى بعد تحريم الجمع بين الأختين ﴿ إلا مَا قَد سَلَف ﴾ معناه أن الجمع بين الأختين الذي كان شرعا لمن قبلنا لم يقره الإسلام بل أبطله وألغاه.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الربع الأول من الحزب التاسع
في المصحف الكريم
أول ما نلاحظه عند النظر في هذا الربع أن بدايته مرتبطة كل الارتباط بما قبله بواسطة واو العطف، فهي تتمة لموضوع تناولته الآيات الأخيرة في الربع الماضي، ابتداء من قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً، حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ﴾ إلى آخر الآية.
والحديث هنا عما حرمه الله على الرجال، ومنع زواجهم به من النساء، وهذا التحريم إما بسبب النسب، وإما بسبب المصاهرة، وإما بسبب الرضاع الذي يترتب عليه ما يترتب على النسب.
وبناء على حكم الله في هذه المسألة يحرم على الرجل أن يتزوج بأمه، وبأم زوجته، وبزوجة أبيه، وابنته، وبأخته، وبعمته، وبخالته، وببنت أخيه، وببنت أخته، وبزوجة ابنه.
وتحرم عليه المرأة المتزوجة بغيره، ويحرم عليه الجمع بين الأختين ومثله الجمع بين المرأة وعمتها، والجمع بين المرأة وخالتها.
كما يحرم عليه من الرضاع مثل ما حرم عليه من النسب، حيث إن المرضعة تنزل منزلة الأم، فتحرم على من أرضعته هي وكل من يحرم على الابن من قبل أم النسب، وإنما اكتفت الآية بالإشارة إلى صورتين من هذا الصنف، وهما الأم من الرضاعة، والأخت من الرضاعة، لأن ذكر الأم التي هي أصل، والأخت التي هي فرع تنبيه على الباقي، ويشمل ذلك البنت من الرضاع، والعمة من الرضاع، والخالة من الرضاع، وأم الزوجة من الرضاع، وبنت الزوجة من الرضاع، والجمع بين المرأة وأختها من الرضاع، أو عمتها وخالتها من الرضاع، وذلك معنى قوله تعالى ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً( ٢٢ ) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا، ( ٢٣ ) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾.
وقال صلى الله عليه وسلم :( يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب )، وقال عليه الصلاة والسلام :( لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها ) وكلاهما من أحاديث الصحاح. ولتوضيح ما يدور عليه الحكم في الرضاع قال القاضي أبو بكر ( ابن العربي ) :" إن كل شخصين التقما ثديا واحدا في زمان واحد أو في زمانين فهما أخوان، والأصول منهما والفروع بمنزلة أصول الأنساب وفروعها في التحريم ".
ولاشك أن لله حكما كبرى في تحريم زواج الرجال من النساء اللاتي تتناولهن هذه الآيات الكريمة، من ذلك أن الزواج بين الأقارب يضعف ذريتهم كلما امتد الزمن، بينما تلقيح العائلة بدم جديد يجدد حيويتها، ويقوي استعداداتها، وهذا المعنى وارد في الحديث النبوي الشريف.
ومن ذلك أن الزواج بمن يجب توقيرهن واحترامهن كالأم والعمة والخالة، أو من تجب رعايتهن والعطف عليهن، كالبنت والأخت، وبنات الأخ والأخت، قد يؤدي إلى معاملتهن معاملة غير مرضية، عندما تطرأ بعض الهزات والخلافات على الحياة الزوجية، وينشأ عن ذلك شقاق في العائلة لا يمحى طول العمر. وقس على ذلك الشعور الغريب الذي يشعر به الأب إذا عرف أن ابنه قد يخلفه في زوجته، أو الابن إذا عرف أن أباه قد سبقه إليها.
ولنتصور كيف يكون شعور الأم إذا زاحمتها بنتها في زوجها، وشعور البنت إذا زاحمتها أمها، وشعور الأخت إذا زاحمتها أختها، فأية أمومة وأية أخوة تبقى وقتئذ بينهن وهن يتصارعن على امتلاك قلب واحد، ويتزاحمن على الاستقلال بفراش واحد.
يضاف إلى ذلك ما نبه إليه شيخ الكتاب المعاصرين الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه ( حقائق الإسلام وأباطيل خصومه ) أثناء كلامه على الأسرة الإسلامية إذ قال :" والمقاصد من هذا التحريم منوعة لا نحصيها في هذا المقام، أجلها وأجداها توسعة الأسرة ووقايتها من شواجر الخصومة والبغضاء، وأن يتحقق بالزواج من أسباب المودة والنسب ما لم بتحقق بالقرابة " ثم نبه إلى الأهمية الخاصة التي جعلها الله للنسب والمصاهرة، حيث اعتبرهما القرآن الكريم من آيات خلق الإنسان، كما جاء في سورة الفرقان : ﴿ وَهُوَ الذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهراً، وَكَانَ رَبُكَ قَدِيراً ﴾.
والآن نعود إلى بعض الفقرات في هذه الآيات الكريمة لمزيد البيان والتوضيح.
فقوله تعالى بعد تحريم التزوج بزوجات الآباء إِلاَّ مَا قَد سَلَفَ هو خبر عن عفو الله سبحانه وتعالى، وعدم مؤاخذته بما مضى في الجاهلية من هذا العمل القبيح، إذ كان بعض الأعراب تغلب عليه الحمية لأبيه، فيكره أن يحل أجنبي محل والده، ويخلفه ولده في فراشه.
وقوله تعالى : ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم ﴾ الربائب واحدتها ربيبة، وهي بنت امرأة الرجل من غيره، من قولك ربها يربها إذا تولى أمرها، وهي محرمة على الرجل سواء كانت في حجره كما تشير إليه الآية، أو كانت في حجر حاضنتها غير أمها، لأن كونها في حجر الرجل ليس شرطا في الحكم بتحريمها، وإنما خرج هذا الخطاب مخرج الغالب فلا مفهوم له.
ونقل عن علي بن أبي طالب القول بإباحة تزوج الرجل بربيبته إذا لم تكن في حجره، اعتمادا على ظاهر الآية، وإليه ذهب داود الظاهري وابن حزم، وذكر الحافظ الذهبي أنه عرض ما روي عن علي بن أبي طالب في هذا الموضوع على الشيخ تقي الدين ابن تيمية فاستشكله وتوقف في أمره، كما حكى ذلك ابن كثير في تفسيره.
وقوله تعالى : ﴿ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ ﴾ الحلائل واحدتها حليلة، بمعنى محللة، والأبناء ثلاثة أنواع :ابن النسب، وابن الرضاع، وابن التبني، فأما ابن النسب وابن الرضاع فحكمهما معلوم، وأما ابن التبني فكان أمره معروفا في الجاهلية وصدر الإسلام، وكان ينسب إلى الرجل الذي تبناه لا إلى أبيه الحقيقي، فلما نزل قوله تعالى : ﴿ ادعُوهُم لآبائهم هُوَ أَقسَطُ عِندَ اللهِ ﴾ انتهى العمل بذلك، وتفاديا من دخول ابن التبني تحت كلمة ( أبنائكم ) في هذا المقام جاء بعد هذه الكلمة قوله تعالى : ﴿ الذِينَ مِن أَصلاَبِكُم ﴾ وذلك ليسقط ولد التبني فلا تندرج زوجته تحت حكم التحريم في هذه الآية، ويكون الزواج بزوجته بعد فراقه لها مباحا، وهذا النوع الأخير من الأبناء عن طريق التبني هو الذي يطلق عليه لفظ ( أدعياء ) كما في قوله تعالى : ﴿ لِكَي لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجُ فِي أزواجِ أَدعِيائِهِمُ إذاَ قَضَوا مِنهُنَّ وَطَراً ﴾.
وقوله تعالى بعد تحريم الجمع بين الأختين ﴿ إلا مَا قَد سَلَف ﴾ معناه أن الجمع بين الأختين الذي كان شرعا لمن قبلنا لم يقره الإسلام بل أبطله وألغاه.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الربع الأول من الحزب التاسع
في المصحف الكريم
أول ما نلاحظه عند النظر في هذا الربع أن بدايته مرتبطة كل الارتباط بما قبله بواسطة واو العطف، فهي تتمة لموضوع تناولته الآيات الأخيرة في الربع الماضي، ابتداء من قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً، حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ﴾ إلى آخر الآية.
والحديث هنا عما حرمه الله على الرجال، ومنع زواجهم به من النساء، وهذا التحريم إما بسبب النسب، وإما بسبب المصاهرة، وإما بسبب الرضاع الذي يترتب عليه ما يترتب على النسب.
وبناء على حكم الله في هذه المسألة يحرم على الرجل أن يتزوج بأمه، وبأم زوجته، وبزوجة أبيه، وابنته، وبأخته، وبعمته، وبخالته، وببنت أخيه، وببنت أخته، وبزوجة ابنه.
وتحرم عليه المرأة المتزوجة بغيره، ويحرم عليه الجمع بين الأختين ومثله الجمع بين المرأة وعمتها، والجمع بين المرأة وخالتها.
كما يحرم عليه من الرضاع مثل ما حرم عليه من النسب، حيث إن المرضعة تنزل منزلة الأم، فتحرم على من أرضعته هي وكل من يحرم على الابن من قبل أم النسب، وإنما اكتفت الآية بالإشارة إلى صورتين من هذا الصنف، وهما الأم من الرضاعة، والأخت من الرضاعة، لأن ذكر الأم التي هي أصل، والأخت التي هي فرع تنبيه على الباقي، ويشمل ذلك البنت من الرضاع، والعمة من الرضاع، والخالة من الرضاع، وأم الزوجة من الرضاع، وبنت الزوجة من الرضاع، والجمع بين المرأة وأختها من الرضاع، أو عمتها وخالتها من الرضاع، وذلك معنى قوله تعالى ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً( ٢٢ ) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا، ( ٢٣ ) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾.
وقال صلى الله عليه وسلم :( يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب )، وقال عليه الصلاة والسلام :( لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها ) وكلاهما من أحاديث الصحاح. ولتوضيح ما يدور عليه الحكم في الرضاع قال القاضي أبو بكر ( ابن العربي ) :" إن كل شخصين التقما ثديا واحدا في زمان واحد أو في زمانين فهما أخوان، والأصول منهما والفروع بمنزلة أصول الأنساب وفروعها في التحريم ".
ولاشك أن لله حكما كبرى في تحريم زواج الرجال من النساء اللاتي تتناولهن هذه الآيات الكريمة، من ذلك أن الزواج بين الأقارب يضعف ذريتهم كلما امتد الزمن، بينما تلقيح العائلة بدم جديد يجدد حيويتها، ويقوي استعداداتها، وهذا المعنى وارد في الحديث النبوي الشريف.
ومن ذلك أن الزواج بمن يجب توقيرهن واحترامهن كالأم والعمة والخالة، أو من تجب رعايتهن والعطف عليهن، كالبنت والأخت، وبنات الأخ والأخت، قد يؤدي إلى معاملتهن معاملة غير مرضية، عندما تطرأ بعض الهزات والخلافات على الحياة الزوجية، وينشأ عن ذلك شقاق في العائلة لا يمحى طول العمر. وقس على ذلك الشعور الغريب الذي يشعر به الأب إذا عرف أن ابنه قد يخلفه في زوجته، أو الابن إذا عرف أن أباه قد سبقه إليها.
ولنتصور كيف يكون شعور الأم إذا زاحمتها بنتها في زوجها، وشعور البنت إذا زاحمتها أمها، وشعور الأخت إذا زاحمتها أختها، فأية أمومة وأية أخوة تبقى وقتئذ بينهن وهن يتصارعن على امتلاك قلب واحد، ويتزاحمن على الاستقلال بفراش واحد.
يضاف إلى ذلك ما نبه إليه شيخ الكتاب المعاصرين الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه ( حقائق الإسلام وأباطيل خصومه ) أثناء كلامه على الأسرة الإسلامية إذ قال :" والمقاصد من هذا التحريم منوعة لا نحصيها في هذا المقام، أجلها وأجداها توسعة الأسرة ووقايتها من شواجر الخصومة والبغضاء، وأن يتحقق بالزواج من أسباب المودة والنسب ما لم بتحقق بالقرابة " ثم نبه إلى الأهمية الخاصة التي جعلها الله للنسب والمصاهرة، حيث اعتبرهما القرآن الكريم من آيات خلق الإنسان، كما جاء في سورة الفرقان : ﴿ وَهُوَ الذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهراً، وَكَانَ رَبُكَ قَدِيراً ﴾.
والآن نعود إلى بعض الفقرات في هذه الآيات الكريمة لمزيد البيان والتوضيح.
فقوله تعالى بعد تحريم التزوج بزوجات الآباء إِلاَّ مَا قَد سَلَفَ هو خبر عن عفو الله سبحانه وتعالى، وعدم مؤاخذته بما مضى في الجاهلية من هذا العمل القبيح، إذ كان بعض الأعراب تغلب عليه الحمية لأبيه، فيكره أن يحل أجنبي محل والده، ويخلفه ولده في فراشه.
وقوله تعالى : ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم ﴾ الربائب واحدتها ربيبة، وهي بنت امرأة الرجل من غيره، من قولك ربها يربها إذا تولى أمرها، وهي محرمة على الرجل سواء كانت في حجره كما تشير إليه الآية، أو كانت في حجر حاضنتها غير أمها، لأن كونها في حجر الرجل ليس شرطا في الحكم بتحريمها، وإنما خرج هذا الخطاب مخرج الغالب فلا مفهوم له.
ونقل عن علي بن أبي طالب القول بإباحة تزوج الرجل بربيبته إذا لم تكن في حجره، اعتمادا على ظاهر الآية، وإليه ذهب داود الظاهري وابن حزم، وذكر الحافظ الذهبي أنه عرض ما روي عن علي بن أبي طالب في هذا الموضوع على الشيخ تقي الدين ابن تيمية فاستشكله وتوقف في أمره، كما حكى ذلك ابن كثير في تفسيره.
وقوله تعالى : ﴿ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ ﴾ الحلائل واحدتها حليلة، بمعنى محللة، والأبناء ثلاثة أنواع :ابن النسب، وابن الرضاع، وابن التبني، فأما ابن النسب وابن الرضاع فحكمهما معلوم، وأما ابن التبني فكان أمره معروفا في الجاهلية وصدر الإسلام، وكان ينسب إلى الرجل الذي تبناه لا إلى أبيه الحقيقي، فلما نزل قوله تعالى : ﴿ ادعُوهُم لآبائهم هُوَ أَقسَطُ عِندَ اللهِ ﴾ انتهى العمل بذلك، وتفاديا من دخول ابن التبني تحت كلمة ( أبنائكم ) في هذا المقام جاء بعد هذه الكلمة قوله تعالى : ﴿ الذِينَ مِن أَصلاَبِكُم ﴾ وذلك ليسقط ولد التبني فلا تندرج زوجته تحت حكم التحريم في هذه الآية، ويكون الزواج بزوجته بعد فراقه لها مباحا، وهذا النوع الأخير من الأبناء عن طريق التبني هو الذي يطلق عليه لفظ ( أدعياء ) كما في قوله تعالى : ﴿ لِكَي لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجُ فِي أزواجِ أَدعِيائِهِمُ إذاَ قَضَوا مِنهُنَّ وَطَراً ﴾.
وقوله تعالى بعد تحريم الجمع بين الأختين ﴿ إلا مَا قَد سَلَف ﴾ معناه أن الجمع بين الأختين الذي كان شرعا لمن قبلنا لم يقره الإسلام بل أبطله وألغاه.


وقوله تعالى : ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء ﴾ معناه النساء إذا كن في عصمة الأزواج، وقوله تعالى : ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ أي هن محرمات إلا ما ملكت اليمين بالسبي في دار الحرب أثناء الجهاد فإنه يحل الزواج بهن بعد الاستبراء.
وقوله تعالى : ﴿ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ معناه أن ما عدا الأصناف المحدودة التي نص كتاب الله على تحريمها في هذا السياق، أو في غيره كتحريم المرأة المشركة، يكون حلالا للزواج، اللهم إلا إذا اعترض عارض، أو حدث مانع استوجب الحرمة في نظر الشرع، مثل المرأة الخامسة الزائدة على أربع، ومثل المطلقة ثلاثا، ومثل المرأة الحامل والمرأة المعتدة، قبل وضع الحمل وإتمام العدة، وكذلك اليتيمة الصغيرة في مذهب الإمام مالك والإمام الشافعي.
وقوله تعالى ﴿ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ معناه أن هذا التحريم القاطع في شأن الأصناف المحرمة من النساء التي نص عليها القرآن الكريم أمر صادر من الحق سبحانه وتعالى لا يسوغ تبديله ولا تغييره، بل يجب التزام العمل به دائما، فما حرم الزواج به فهو حرام، وما أحل الزواج به فهو حلال بين المسلمين إلى يوم الدين.
وفي هذا الربع آيات كريمة أخرى من المناسب أن نقف عندها وقفة خاصة، إذ لها علاقة وثيقة بما حدده الله من الحلال والحرام في موضوع الزواج الذي هو أساس تكوين الأسرة وكل ما يتفرع عنها، وما هو حرام في هذا الموضوع الخطير، إرشادا للمؤمنين من عباده وهداية لهم إلى أحسن الطرق وأفضل النظم، حتى يقفوا عند حدودها ولا يتجاوزوها.
كما أنه مهد طريق التوبة وفتح باب العفو في وجه أولئك الذين عرفوا انحراف الجاهلية وفوضاها الاجتماعية والخلقية، فلم يؤاخذهم على ما سلف قبل نزول القرآن الكريم.
وفيها علاوة على ذلك تنبيه إلى أن عبيد الشهوات وأسراء اللذات سوف لا يرتاحون لهذا النظام الإلهي الأخلاقي وأحكامه الطاهرة، لأنه يقف في وجوههم، ويسد أمامهم طريق الفوضى والتلاعب بالأعراض، بل إنهم سيحاولون إغواء بقية المسلمين وإغراءهم على تعدي الحدود التي رسمها الحق سبحانه وتعالى، وسيدعونهم إلى نبذ أحكامه وتعاليمه ظهريا.
وأخيرا في هذه الآيات امتنان من الله على عباده بأنه يريد أن يخفف عنهم، ولذلك أحل لهم ما فيه الخير والنفع، مما يفتح في وجوههم أبواب الفضائل، وحرم عليهم ما فيه الشر والأذى، ليقفل من خلفهم أبواب الرذائل.
ثم سجل كتاب الله في نهاية هذا الموضوع حقيقة لا ينازع فيها إنسان، ألا وهي أن الإنسان مخلوق ضعيف أمام نداء الشهوة وإغراء الشيطان.
وإذن فلا بد لتوجيهه وإنقاذه وحمايته من الأخذ بيده وحضه على الإيمان بالله، وأمره بالتزام شريعته.
وهذه المعاني هي التي يشير إليها في إيجاز وإعجاز قوله تعالى : ﴿ يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، ( ٢٦ )وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا، ( ٢٧ ) يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا( ٢٨ ) ﴾.
ومسك الختام في هذا الربع هو التنبيه بالأخص على قوله تعالى ضمن هذه الآيات ﴿ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ فهذا الوصف-وصف العلم والحكمة- الذي جاء به التعقيب الإلهي هو مفتاح الفهم الصحيح، والإيمان الصادق، والطاعة الكاملة للتعاليم الإلهية في شأن الأسرة المسلمة، إذ لا علم أصح ولا أكمل من علم الله الشامل، ولا حكمة أوثق ولا أوفق من حكمته الكاملة، ولله الحجة البالغة.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٦: وفي هذا الربع آيات كريمة أخرى من المناسب أن نقف عندها وقفة خاصة، إذ لها علاقة وثيقة بما حدده الله من الحلال والحرام في موضوع الزواج الذي هو أساس تكوين الأسرة وكل ما يتفرع عنها، وما هو حرام في هذا الموضوع الخطير، إرشادا للمؤمنين من عباده وهداية لهم إلى أحسن الطرق وأفضل النظم، حتى يقفوا عند حدودها ولا يتجاوزوها.
كما أنه مهد طريق التوبة وفتح باب العفو في وجه أولئك الذين عرفوا انحراف الجاهلية وفوضاها الاجتماعية والخلقية، فلم يؤاخذهم على ما سلف قبل نزول القرآن الكريم.
وفيها علاوة على ذلك تنبيه إلى أن عبيد الشهوات وأسراء اللذات سوف لا يرتاحون لهذا النظام الإلهي الأخلاقي وأحكامه الطاهرة، لأنه يقف في وجوههم، ويسد أمامهم طريق الفوضى والتلاعب بالأعراض، بل إنهم سيحاولون إغواء بقية المسلمين وإغراءهم على تعدي الحدود التي رسمها الحق سبحانه وتعالى، وسيدعونهم إلى نبذ أحكامه وتعاليمه ظهريا.
وأخيرا في هذه الآيات امتنان من الله على عباده بأنه يريد أن يخفف عنهم، ولذلك أحل لهم ما فيه الخير والنفع، مما يفتح في وجوههم أبواب الفضائل، وحرم عليهم ما فيه الشر والأذى، ليقفل من خلفهم أبواب الرذائل.
ثم سجل كتاب الله في نهاية هذا الموضوع حقيقة لا ينازع فيها إنسان، ألا وهي أن الإنسان مخلوق ضعيف أمام نداء الشهوة وإغراء الشيطان.
وإذن فلا بد لتوجيهه وإنقاذه وحمايته من الأخذ بيده وحضه على الإيمان بالله، وأمره بالتزام شريعته.
وهذه المعاني هي التي يشير إليها في إيجاز وإعجاز قوله تعالى : ﴿ يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، ( ٢٦ )وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا، ( ٢٧ ) يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا( ٢٨ ) ﴾.
ومسك الختام في هذا الربع هو التنبيه بالأخص على قوله تعالى ضمن هذه الآيات ﴿ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ فهذا الوصف-وصف العلم والحكمة- الذي جاء به التعقيب الإلهي هو مفتاح الفهم الصحيح، والإيمان الصادق، والطاعة الكاملة للتعاليم الإلهية في شأن الأسرة المسلمة، إذ لا علم أصح ولا أكمل من علم الله الشامل، ولا حكمة أوثق ولا أوفق من حكمته الكاملة، ولله الحجة البالغة.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٦: وفي هذا الربع آيات كريمة أخرى من المناسب أن نقف عندها وقفة خاصة، إذ لها علاقة وثيقة بما حدده الله من الحلال والحرام في موضوع الزواج الذي هو أساس تكوين الأسرة وكل ما يتفرع عنها، وما هو حرام في هذا الموضوع الخطير، إرشادا للمؤمنين من عباده وهداية لهم إلى أحسن الطرق وأفضل النظم، حتى يقفوا عند حدودها ولا يتجاوزوها.
كما أنه مهد طريق التوبة وفتح باب العفو في وجه أولئك الذين عرفوا انحراف الجاهلية وفوضاها الاجتماعية والخلقية، فلم يؤاخذهم على ما سلف قبل نزول القرآن الكريم.
وفيها علاوة على ذلك تنبيه إلى أن عبيد الشهوات وأسراء اللذات سوف لا يرتاحون لهذا النظام الإلهي الأخلاقي وأحكامه الطاهرة، لأنه يقف في وجوههم، ويسد أمامهم طريق الفوضى والتلاعب بالأعراض، بل إنهم سيحاولون إغواء بقية المسلمين وإغراءهم على تعدي الحدود التي رسمها الحق سبحانه وتعالى، وسيدعونهم إلى نبذ أحكامه وتعاليمه ظهريا.
وأخيرا في هذه الآيات امتنان من الله على عباده بأنه يريد أن يخفف عنهم، ولذلك أحل لهم ما فيه الخير والنفع، مما يفتح في وجوههم أبواب الفضائل، وحرم عليهم ما فيه الشر والأذى، ليقفل من خلفهم أبواب الرذائل.
ثم سجل كتاب الله في نهاية هذا الموضوع حقيقة لا ينازع فيها إنسان، ألا وهي أن الإنسان مخلوق ضعيف أمام نداء الشهوة وإغراء الشيطان.
وإذن فلا بد لتوجيهه وإنقاذه وحمايته من الأخذ بيده وحضه على الإيمان بالله، وأمره بالتزام شريعته.
وهذه المعاني هي التي يشير إليها في إيجاز وإعجاز قوله تعالى : ﴿ يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، ( ٢٦ )وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا، ( ٢٧ ) يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا( ٢٨ ) ﴾.
ومسك الختام في هذا الربع هو التنبيه بالأخص على قوله تعالى ضمن هذه الآيات ﴿ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ فهذا الوصف-وصف العلم والحكمة- الذي جاء به التعقيب الإلهي هو مفتاح الفهم الصحيح، والإيمان الصادق، والطاعة الكاملة للتعاليم الإلهية في شأن الأسرة المسلمة، إذ لا علم أصح ولا أكمل من علم الله الشامل، ولا حكمة أوثق ولا أوفق من حكمته الكاملة، ولله الحجة البالغة.

٨الربع الثاني من الحزب التاسع
في المصحف الكريم
عندما نتدبر هذا الربع الثاني من الحزب التاسع نجده يهتم بموضوعات بلغت الغاية في التنوع والكثرة، فمن أمر بعبادة الله ونهي عن الشرك به، إلى أمر بالإحسان إلى الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين، ومن إحسان للجار القريب ذي الرحم، إلى الإحسان للجار البعيد من غير الأرحام، ومن إحسان للرفيق، إلى الإحسان لعابر السبيل والرقيق، ثم يعلن، الحق سبحانه وتعالى غضبه على المختالين الفخورين من أهل الكبر والزهو، وغضبه على البخلاء الذين لا يجودون ولا ينفقون، وعلى الدعاة إلى البخل الذين يضيفون إلى بخلهم تحريض غيرهم على البخل ولا يظهرون أثر نعمة الله عليهم، وينذرهم بالعذاب والاهانة يوم القيامة.
ويستنكر كتاب الله ما يتظاهر به عشاق السمعة وعبيد الرياء من مظاهر الإنفاق والإحسان، وهم في الحقيقة قرناء الشيطان ﴿ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا( ٣٨ ) ﴾.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٦: ٨الربع الثاني من الحزب التاسع
في المصحف الكريم
عندما نتدبر هذا الربع الثاني من الحزب التاسع نجده يهتم بموضوعات بلغت الغاية في التنوع والكثرة، فمن أمر بعبادة الله ونهي عن الشرك به، إلى أمر بالإحسان إلى الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين، ومن إحسان للجار القريب ذي الرحم، إلى الإحسان للجار البعيد من غير الأرحام، ومن إحسان للرفيق، إلى الإحسان لعابر السبيل والرقيق، ثم يعلن، الحق سبحانه وتعالى غضبه على المختالين الفخورين من أهل الكبر والزهو، وغضبه على البخلاء الذين لا يجودون ولا ينفقون، وعلى الدعاة إلى البخل الذين يضيفون إلى بخلهم تحريض غيرهم على البخل ولا يظهرون أثر نعمة الله عليهم، وينذرهم بالعذاب والاهانة يوم القيامة.
ويستنكر كتاب الله ما يتظاهر به عشاق السمعة وعبيد الرياء من مظاهر الإنفاق والإحسان، وهم في الحقيقة قرناء الشيطان ﴿ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا( ٣٨ ) ﴾.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٦: ٨الربع الثاني من الحزب التاسع
في المصحف الكريم
عندما نتدبر هذا الربع الثاني من الحزب التاسع نجده يهتم بموضوعات بلغت الغاية في التنوع والكثرة، فمن أمر بعبادة الله ونهي عن الشرك به، إلى أمر بالإحسان إلى الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين، ومن إحسان للجار القريب ذي الرحم، إلى الإحسان للجار البعيد من غير الأرحام، ومن إحسان للرفيق، إلى الإحسان لعابر السبيل والرقيق، ثم يعلن، الحق سبحانه وتعالى غضبه على المختالين الفخورين من أهل الكبر والزهو، وغضبه على البخلاء الذين لا يجودون ولا ينفقون، وعلى الدعاة إلى البخل الذين يضيفون إلى بخلهم تحريض غيرهم على البخل ولا يظهرون أثر نعمة الله عليهم، وينذرهم بالعذاب والاهانة يوم القيامة.
ويستنكر كتاب الله ما يتظاهر به عشاق السمعة وعبيد الرياء من مظاهر الإنفاق والإحسان، وهم في الحقيقة قرناء الشيطان ﴿ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا( ٣٨ ) ﴾.

ومن هناك يتجه الخطاب الإلهي إلى الرسول الأعظم، ويصف له مشهدا من أعظم المشاهد المؤثرة في يوم القيامة، عندما يقف الرسول صلى الله عليه وسلم شهيدا على أمته، ولا فرق بين من شاهدوه في حياته، ومن لم يشاهدوه ولحقوا به خلال القرون والأجيال حتى يوم الدين، وبين كتاب الله ماذا يكون عليه في ذلك المشهد العظيم حال أولئك الذين عصوا الله ورسوله، حيث يودون لو أن الأرض ابتلعتهم فلم يبق منهم أثر ولا خبر، ولكن أين المفر ؟ ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا، ( ٤١ ) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا( ٤٢ ) ﴾.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤١: ومن هناك يتجه الخطاب الإلهي إلى الرسول الأعظم، ويصف له مشهدا من أعظم المشاهد المؤثرة في يوم القيامة، عندما يقف الرسول صلى الله عليه وسلم شهيدا على أمته، ولا فرق بين من شاهدوه في حياته، ومن لم يشاهدوه ولحقوا به خلال القرون والأجيال حتى يوم الدين، وبين كتاب الله ماذا يكون عليه في ذلك المشهد العظيم حال أولئك الذين عصوا الله ورسوله، حيث يودون لو أن الأرض ابتلعتهم فلم يبق منهم أثر ولا خبر، ولكن أين المفر ؟ ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا، ( ٤١ ) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا( ٤٢ ) ﴾.
ثم تتناول الآيات الكريمة فريضة الصلاة التي هي عماد الدين، وما يجب للدخول فيها من استعداد فكري ونفسي وجسمي خاص، فلا صلاة مع ضياع العقل وخبال الفكر وشرود الذهن، ولا صلاة مع قيام ما يمنع المصلي من استيفاء جميع أركانها على الوجه المطلوب ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ﴾ ثم لا صلاة مع الحدث الأصغر والحدث الأكبر، المنافيين لمناجاة الله والوقوف بين يديه.
ونظرا لحرص الإسلام على عدم تضييع المؤمن للصلاة التي هي أوثق صلة بينه وبين ربه، وضرورة قيامه بأدائها في الحضر والسفر والصحة والمرض، أباح التيمم بدلا من الطهارة المائية للمريض والمسافر والمحدث والجنب، ولم يوجب التيمم بالنسبة لجميع الأعضاء والأطراف المطلوب تطهيرها بالماء، بل اكتفى في التيمم بالوجه واليدين دون ما عداهما زيادة في التخفيف، وأشار كتاب الله إلى أن هذا التخفيف منبثق من الرفق والعفو الذي هو من صفات الله، ومن مقتضيات حكمته ﴿ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا( ٤٣ ) ﴾.
وانتقلت الآيات إلى الحديث من جديد عن أهل الكتاب الذين يقفون حجر عثرة في طريق الإسلام، فبينت سوء استغلالهم للقسم الضئيل الباقي عندهم من الكتاب في خدمة مصالحهم المادية، وترضية أهوائهم الشخصية، وأوضحت سعيهم إلى تضليل المسلمين، وما هم عليه من عداوة ثابتة للمؤمنين ﴿ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ، ( ٤٤ ) وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرًا( ٤٥ ) ﴾.
وأشارت الآيات بالأخص إلى تحريف اليهود وتأويلهم لنصوص الوحي وأوامره عن مواضعها ومقاصدها، وحكت جملة من تعابيرهم المستنكرة التي اعتادوا أن يستعملوها في أحاديثهم عن رسول الله والمؤمنين، طعنا منهم في الدين، وعارضت تعابيرها المستنكرة بتعابير أخرى لو اهتدوا إليها وعبروا بها لكان خيرا لهم وأقوم، لكن ﴿ لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً( ٤٦ ) ﴾.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤٤: وانتقلت الآيات إلى الحديث من جديد عن أهل الكتاب الذين يقفون حجر عثرة في طريق الإسلام، فبينت سوء استغلالهم للقسم الضئيل الباقي عندهم من الكتاب في خدمة مصالحهم المادية، وترضية أهوائهم الشخصية، وأوضحت سعيهم إلى تضليل المسلمين، وما هم عليه من عداوة ثابتة للمؤمنين ﴿ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ، ( ٤٤ ) وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرًا( ٤٥ ) ﴾.
وأشارت الآيات بالأخص إلى تحريف اليهود وتأويلهم لنصوص الوحي وأوامره عن مواضعها ومقاصدها، وحكت جملة من تعابيرهم المستنكرة التي اعتادوا أن يستعملوها في أحاديثهم عن رسول الله والمؤمنين، طعنا منهم في الدين، وعارضت تعابيرها المستنكرة بتعابير أخرى لو اهتدوا إليها وعبروا بها لكان خيرا لهم وأقوم، لكن ﴿ لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً( ٤٦ ) ﴾.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤٤: وانتقلت الآيات إلى الحديث من جديد عن أهل الكتاب الذين يقفون حجر عثرة في طريق الإسلام، فبينت سوء استغلالهم للقسم الضئيل الباقي عندهم من الكتاب في خدمة مصالحهم المادية، وترضية أهوائهم الشخصية، وأوضحت سعيهم إلى تضليل المسلمين، وما هم عليه من عداوة ثابتة للمؤمنين ﴿ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ، ( ٤٤ ) وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرًا( ٤٥ ) ﴾.
وأشارت الآيات بالأخص إلى تحريف اليهود وتأويلهم لنصوص الوحي وأوامره عن مواضعها ومقاصدها، وحكت جملة من تعابيرهم المستنكرة التي اعتادوا أن يستعملوها في أحاديثهم عن رسول الله والمؤمنين، طعنا منهم في الدين، وعارضت تعابيرها المستنكرة بتعابير أخرى لو اهتدوا إليها وعبروا بها لكان خيرا لهم وأقوم، لكن ﴿ لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً( ٤٦ ) ﴾.

ثم عاد كتاب الله إلى توجيه الخطاب لأهل الكتاب لإقامة الحجة عليهم، داعيا إياهم إلى الإيمان برسالة القرآن، محذرا لهم من عقاب الله لهم بطمس وجوههم وجعلها من قبل أقفيتهم، وردهم على أدبارهم، أو لعنتهم كما لعن الله أصحاب السبت من قبلهم ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولا( ٤٧ ) ً ﴾.
وقررت الآيات الكريمة إثر ذلك مبدأ إسلاميا جوهريا لا تسامح فيه ولا تنازل عنه، هو أن الشرك بالله ذنب عظيم لا يمكن أن يغفره لأحد من خلقه، وأن غيره من بقية الذنوب يمكن أن يكون محلا للمغفرة بإذنه ومشيئته ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤٧: ثم عاد كتاب الله إلى توجيه الخطاب لأهل الكتاب لإقامة الحجة عليهم، داعيا إياهم إلى الإيمان برسالة القرآن، محذرا لهم من عقاب الله لهم بطمس وجوههم وجعلها من قبل أقفيتهم، وردهم على أدبارهم، أو لعنتهم كما لعن الله أصحاب السبت من قبلهم ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولا( ٤٧ ) ً ﴾.
وقررت الآيات الكريمة إثر ذلك مبدأ إسلاميا جوهريا لا تسامح فيه ولا تنازل عنه، هو أن الشرك بالله ذنب عظيم لا يمكن أن يغفره لأحد من خلقه، وأن غيره من بقية الذنوب يمكن أن يكون محلا للمغفرة بإذنه ومشيئته ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾.

واتجه الخطاب الإلهي مرة أخرى إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، متحدثا إليه عن أولئك المتبجحين المداحين الذين يزكون أنفسهم بأنفسهم بمختلف وجوه التزكية، حيث يترفعون على غيرهم، ويعتبرون الغير أقل منهم درجة ومقاما بالنسبة للحياة الدنيا وللحياة الآخرة أيضا، ومنبها إلى أن التزكية الحقيقية بالأفضلية والأسبقية إنما تكون بأمر الله ومن عنده، وما عداها من التزكيات الشخصية والملفقة، إنما هو محض كذب على الله ومجرد افتراء على الناس ﴿ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً( ٤٩ ) ﴾ ﴿ فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُم، هُوَ أَعلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴾.
واستمر الخطاب الإلهي متجها إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، لافتا نظره إلى أمر مستغرب جدا من الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، إذ هو على خلاف ما كان ينتظر منهم طبقا لإدعاءاتهم، ذلك أنهم يؤمنون بالشياطين والسحرة والكهان والأصنام، ويؤيدون الباطل، ويفضلون المشركين على المسلمين بدعوى أنهم أحسن منهم حالا وأفضل اعتقادا ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلا( ٥١ ) ﴾ ثم تكر عليهم الآيات باللعن والطرد وتنذرهم بالفشل : ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا( ٥٢ ) ﴾.
ويتساءل كتاب الله لو أن هذا الصنف من الناس كان لهم نصيب من الملك والسلطان، ماذا كانوا يفعلون بضعفاء بني الإنسان ؟ ويأتي الجواب القاطع بأنهم لا يؤتون الناس حتى " النقير "، أي حتى أتفه الأشياء وأقلها، وذلك لأنهم بلغوا من البخل والشح وقسوة القلب واحتقار الضعفاء ما يجعلهم أحرص الناس على احتكار جميع وسائل العيش وأسباب الثروة لأنفسهم دون الناس جميعا ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا( ٥٣ ) ﴾.
وفي مثل هذا الصنف جاء قوله تعالى أيضا : ﴿ قُل لَّوَ أنتُم تَملِكُونَ خَزَائِنَ رَحمَةِ رَبِيِّ إِذاً لأَّمسكتُم خَشيَةَ الإنفاق ﴾.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥١: واستمر الخطاب الإلهي متجها إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، لافتا نظره إلى أمر مستغرب جدا من الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، إذ هو على خلاف ما كان ينتظر منهم طبقا لإدعاءاتهم، ذلك أنهم يؤمنون بالشياطين والسحرة والكهان والأصنام، ويؤيدون الباطل، ويفضلون المشركين على المسلمين بدعوى أنهم أحسن منهم حالا وأفضل اعتقادا ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلا( ٥١ ) ﴾ ثم تكر عليهم الآيات باللعن والطرد وتنذرهم بالفشل : ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا( ٥٢ ) ﴾.
ويتساءل كتاب الله لو أن هذا الصنف من الناس كان لهم نصيب من الملك والسلطان، ماذا كانوا يفعلون بضعفاء بني الإنسان ؟ ويأتي الجواب القاطع بأنهم لا يؤتون الناس حتى " النقير "، أي حتى أتفه الأشياء وأقلها، وذلك لأنهم بلغوا من البخل والشح وقسوة القلب واحتقار الضعفاء ما يجعلهم أحرص الناس على احتكار جميع وسائل العيش وأسباب الثروة لأنفسهم دون الناس جميعا ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا( ٥٣ ) ﴾.
وفي مثل هذا الصنف جاء قوله تعالى أيضا : ﴿ قُل لَّوَ أنتُم تَملِكُونَ خَزَائِنَ رَحمَةِ رَبِيِّ إِذاً لأَّمسكتُم خَشيَةَ الإنفاق ﴾.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥١: واستمر الخطاب الإلهي متجها إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، لافتا نظره إلى أمر مستغرب جدا من الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، إذ هو على خلاف ما كان ينتظر منهم طبقا لإدعاءاتهم، ذلك أنهم يؤمنون بالشياطين والسحرة والكهان والأصنام، ويؤيدون الباطل، ويفضلون المشركين على المسلمين بدعوى أنهم أحسن منهم حالا وأفضل اعتقادا ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلا( ٥١ ) ﴾ ثم تكر عليهم الآيات باللعن والطرد وتنذرهم بالفشل : ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا( ٥٢ ) ﴾.
ويتساءل كتاب الله لو أن هذا الصنف من الناس كان لهم نصيب من الملك والسلطان، ماذا كانوا يفعلون بضعفاء بني الإنسان ؟ ويأتي الجواب القاطع بأنهم لا يؤتون الناس حتى " النقير "، أي حتى أتفه الأشياء وأقلها، وذلك لأنهم بلغوا من البخل والشح وقسوة القلب واحتقار الضعفاء ما يجعلهم أحرص الناس على احتكار جميع وسائل العيش وأسباب الثروة لأنفسهم دون الناس جميعا ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا( ٥٣ ) ﴾.
وفي مثل هذا الصنف جاء قوله تعالى أيضا : ﴿ قُل لَّوَ أنتُم تَملِكُونَ خَزَائِنَ رَحمَةِ رَبِيِّ إِذاً لأَّمسكتُم خَشيَةَ الإنفاق ﴾.

وأخيرا يكشف كتاب الله الستار عن السبب الدفين في معارضة اليهود للمسلمين، ويبين أنه مجرد حسد اليهود للمسلمين على ما آتاهم الله من فضله، فقد ظلت النبوة زمنا طويلا في أنبياء بني إسرائيل، وجاء عيسى بن مريم فكان منهم، وإن رفضوا دعوته، وأنكروا رسالته، لكن هذا الرسول الذي جعله الله خاتم الأنبياء والمرسلين هو من بني إسماعيل لا من بني إسرائيل، فهم يحسدونه حسدا بالغا، لأن النبوة ختمت به، فخرجت منهم، ولن تعود إليهم أبدا ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِه ﴾.
غير أن الله تعالى يفضح ما هم عليه من تناقض وتضارب واضطراب، ويسجل عليهم مرة أخرى أنهم كفروا بنفس الرسل الذين أرسلوا إليهم من بني إسرائيل وذرية إبراهيم، وإذن فلا غرابة ولا عجب في كفرهم بالنبي الهاشمي المطلبي.
ثم ينتهي الربع بوصف ما أعده الله في النار من العذاب للكافرين ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا، ( ٥٦ ) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً( ٥٧ ) ﴾.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٦: ثم ينتهي الربع بوصف ما أعده الله في النار من العذاب للكافرين ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا، ( ٥٦ ) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً( ٥٧ ) ﴾.
الربع الثالث من الحزب التاسع
في المصحف الكريم
يتناول هذا الربع عدة موضوعات رئيسية وجوهرية بالنسبة لتكوين الدولة الإسلامية، وبسط العدل وإقرار النظام فيها، وضمان التعايش وحفظ الوئام بين أبنائها.
ففيه آيات تلزم المؤمنين بطاعة الله من جهة، وبطاعة الرسول ومن يلي أمر المسلمين بعده من جهة أخرى.
وطاعة الله امتثال أوامره ونواهيه طبقا لما أوحى به في كتابه. وطاعة الرسول امتثال أمره ونهيه وهو بين ظهراني المسلمين، والتزام سنته والسير على طريقته بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى.
وطاعة من يلون أمر المسلمين من بعده هي مبايعتهم على كتاب الله وسنة رسوله، وعدم عصيانهم في المعروف، لا في المنشط ولا في المكره، وعدم الافتيات عليهم أو خذلانهم.
ويدخل تحت( أولي الأمر ) من الوجهة العملية والتنفيذية أمراء المسلمين، بما جعل الله في أعناقهم من مسؤولية السلطة والحكم، ويدخل تحت( أولي الأمر ) من الوجهة العلمية والنظرية علماء المسلمين، بما تخصصوا فيه وائتمنهم الله عليهم من النظر في الكتاب والسنة وكل ما يدور في فلكهما، مما لا غنى عنه بالنسبة لتسيير شؤون الدولة، في انسجام ووفاق مع أنظار الملة، وذلك قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ﴾ قال ابن كثير : " والظاهر أن( أولي الأمر ) عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء، والله أعلم ".
ويلاحظ في تعبير القرآن الكريم أنه استعمل الأمر بالطاعة قبل ورود كلمة( الله )( أطيعوا الله )، لأن الأمر بطاعة الله مستقل بنفسه كل الاستقلال، كما استعمل نفس الأمر بالطاعة قبل ورود كلمة( الرسول ) _( وأطيعوا الرسول ) حيث إن الأمر بطاعة الرسول مستقل بنفسه أيضا، وإن كانت طاعة الرسول هي في نهاية الأمر وحقيقته طاعة لمن أرسله وهو الله، وإن كان الرسول نفسه أول مطيع لله وملتزم لأمره بحكم رسالته وعصمته.
أما طاعة( أولي الأمر ) فقد ربطها القرآن بطاعة الرسول نفسه ربطا وثيقا محكما، وذلك بواسطة واو العطف، وجعلها بحكم هذا الربط مندرجة تحت طاعته، إذ إنها بمنزلة الفرع من الأصل، والطاعة الأصلية طاعة الله ورسوله، وفي إطارها، وفي دائرة حدودها تتم طاعة أولي الأمر، الذين هم خلفاء الرسول بالنسبة لأمته وملته.
والعجيب أن هذه الآية الكريمة ما كادت تنتهي من الأمر بطاعة الله، وبطاعة الرسول وأولي الأمر، حتى وضعت المسلمين أمام مسؤولياتهم إذا طرأ على حياتهم ما يدعو إلى التنازع والاختلاف في شؤونهم العامة، وبادرت إلى قطع دابر النزاع، إذ نصت على الحل الملائم والمناسب لكل تنازع أو اختلاف قد يقع بينهم، وذلك حتى يحسم الخلاف بينهم من الأساس، ويعود المسلمون إلى الاتفاق والائتلاف.
والحل القرآني والعملي لكل تنازع يطرأ بين المسلمين كما نص عليه كتاب الله هو الرجوع إلى الله ورسوله، والنظر فيما أوجب التنازع بينهم، على ضوء ما في كتاب الله وسنة رسوله، واستخراج الحل الإسلامي الملائم من تعاليمهما وتوجيهاتهما، ومن القياس على نصوص الدين، وسوابقه، في عهد الرسالة وعهد الخلافة الراشدة، وبذلك يهتدي المسلمون إلى حل واحد يرضاه الجميع، ويلتزم طاعته الجميع، ومادام المرجع فيه هو الله ورسوله فلا غالب ولا مغلوب، ولا منتصر ولا منهزم، وإنما تكون كلمة الله وحدها هي العليا ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِم حَرَجاً مِّمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسلِيماً( ٦٥ ) ﴾ وهذا هو معنى قوله تعالى : ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ على غرار قوله تعالى في آية أخرى : ﴿ وَمَا اختَلَفتُم فِيهِ مِن شَيء فَحُكمُهُ إِلَى اللهِ ﴾.
ثم جاء التعقيب على هذا الإرشاد الإلهي بأنه هو خير وسيلة وأحسن طريقة لفض النزاع بين المسلمين إذا طرأ عليهم ما يدفع إليه، وأنه أحسن عاقبة ومآلا، وفي ذلك إيماء إلى أن أية وسيلة أخرى قد يقع عليها الاختيار خارج هذا الإطار، لا تكون ناجعة ولا نافعة ولا حاسمة للنزاع، وإلى هذا يشير قوله تعالى : ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً( ٥٩ ) ﴾.
ثم استنكر الحق سبحانه وتعالى موقف الذين يزعمون أنهم مؤمنون، ومع ذلك يرفضون التحاكم إلى الله ورسوله، مفضلين التحاكم إلى غيرهما، وبذلك يخرجون من دائرة الحق والحكمة إلى دائرة الباطل والشهوة.
ونبه كتاب الله إلى أن هؤلاء المؤمنين بزعمهم إذا ساروا في هذا الاتجاه فإنهم يصبحون بمنزلة الدمى في يد الشيطان، إذ هو الذي يضلهم عن الطريق السوي، ويذهب بهم إلى أبعد مذاهب الضلال، وذلك معنى قوله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا ﴾.
على أن كتاب الله يتولى فضيحة هذا الصنف من أدعياء الإيمان، فيصفهم علانية بالنفاق الصريح، ويسجل عليهم تهربهم من حكم الله ورسوله، وامتعاضهم منه، وإعراضهم عنه، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا( ٦١ ) ﴾. ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا( ٦٣ ) ﴾.
ثم تعود الآيات الكريمة مرة أخرى لتثبيت المعاني الرئيسية السابقة في هذا الربع فتقول : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ ﴾. إذ الحكمة في إرسال الرسل هي تبليغ أوامر الله وتوجيهاته إلى عباده، ليسيروا في حياتهم الخاصة والعامة وفقا لها، وطبقا لمقتضاها، ومادام الرسول ثابت الصدق عن الله، ومضمون العصمة من الهوى ﴿ إِن هُوَ إِلاَّ وَحيٌ يُوحَى ﴾، . فلا بد لمن آمن به من أن يطيعه فيما أمر به ونهى عنه، دون أدنى تحفظ ولا أدنى اعتراض.
ويؤكد كتاب الله هذا المبدأ بكل قوة وبكل شدة، فيوجه خطابه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مقسما بالله العظيم على محتواه وفحواه ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا( ٦٥ ) ﴾.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٩: الربع الثالث من الحزب التاسع
في المصحف الكريم
يتناول هذا الربع عدة موضوعات رئيسية وجوهرية بالنسبة لتكوين الدولة الإسلامية، وبسط العدل وإقرار النظام فيها، وضمان التعايش وحفظ الوئام بين أبنائها.
ففيه آيات تلزم المؤمنين بطاعة الله من جهة، وبطاعة الرسول ومن يلي أمر المسلمين بعده من جهة أخرى.
وطاعة الله امتثال أوامره ونواهيه طبقا لما أوحى به في كتابه. وطاعة الرسول امتثال أمره ونهيه وهو بين ظهراني المسلمين، والتزام سنته والسير على طريقته بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى.
وطاعة من يلون أمر المسلمين من بعده هي مبايعتهم على كتاب الله وسنة رسوله، وعدم عصيانهم في المعروف، لا في المنشط ولا في المكره، وعدم الافتيات عليهم أو خذلانهم.
ويدخل تحت( أولي الأمر ) من الوجهة العملية والتنفيذية أمراء المسلمين، بما جعل الله في أعناقهم من مسؤولية السلطة والحكم، ويدخل تحت( أولي الأمر ) من الوجهة العلمية والنظرية علماء المسلمين، بما تخصصوا فيه وائتمنهم الله عليهم من النظر في الكتاب والسنة وكل ما يدور في فلكهما، مما لا غنى عنه بالنسبة لتسيير شؤون الدولة، في انسجام ووفاق مع أنظار الملة، وذلك قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ﴾ قال ابن كثير :" والظاهر أن( أولي الأمر ) عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء، والله أعلم ".
ويلاحظ في تعبير القرآن الكريم أنه استعمل الأمر بالطاعة قبل ورود كلمة( الله )( أطيعوا الله )، لأن الأمر بطاعة الله مستقل بنفسه كل الاستقلال، كما استعمل نفس الأمر بالطاعة قبل ورود كلمة( الرسول ) _( وأطيعوا الرسول ) حيث إن الأمر بطاعة الرسول مستقل بنفسه أيضا، وإن كانت طاعة الرسول هي في نهاية الأمر وحقيقته طاعة لمن أرسله وهو الله، وإن كان الرسول نفسه أول مطيع لله وملتزم لأمره بحكم رسالته وعصمته.
أما طاعة( أولي الأمر ) فقد ربطها القرآن بطاعة الرسول نفسه ربطا وثيقا محكما، وذلك بواسطة واو العطف، وجعلها بحكم هذا الربط مندرجة تحت طاعته، إذ إنها بمنزلة الفرع من الأصل، والطاعة الأصلية طاعة الله ورسوله، وفي إطارها، وفي دائرة حدودها تتم طاعة أولي الأمر، الذين هم خلفاء الرسول بالنسبة لأمته وملته.
والعجيب أن هذه الآية الكريمة ما كادت تنتهي من الأمر بطاعة الله، وبطاعة الرسول وأولي الأمر، حتى وضعت المسلمين أمام مسؤولياتهم إذا طرأ على حياتهم ما يدعو إلى التنازع والاختلاف في شؤونهم العامة، وبادرت إلى قطع دابر النزاع، إذ نصت على الحل الملائم والمناسب لكل تنازع أو اختلاف قد يقع بينهم، وذلك حتى يحسم الخلاف بينهم من الأساس، ويعود المسلمون إلى الاتفاق والائتلاف.
والحل القرآني والعملي لكل تنازع يطرأ بين المسلمين كما نص عليه كتاب الله هو الرجوع إلى الله ورسوله، والنظر فيما أوجب التنازع بينهم، على ضوء ما في كتاب الله وسنة رسوله، واستخراج الحل الإسلامي الملائم من تعاليمهما وتوجيهاتهما، ومن القياس على نصوص الدين، وسوابقه، في عهد الرسالة وعهد الخلافة الراشدة، وبذلك يهتدي المسلمون إلى حل واحد يرضاه الجميع، ويلتزم طاعته الجميع، ومادام المرجع فيه هو الله ورسوله فلا غالب ولا مغلوب، ولا منتصر ولا منهزم، وإنما تكون كلمة الله وحدها هي العليا ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِم حَرَجاً مِّمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسلِيماً( ٦٥ ) ﴾ وهذا هو معنى قوله تعالى : ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ على غرار قوله تعالى في آية أخرى : ﴿ وَمَا اختَلَفتُم فِيهِ مِن شَيء فَحُكمُهُ إِلَى اللهِ ﴾.
ثم جاء التعقيب على هذا الإرشاد الإلهي بأنه هو خير وسيلة وأحسن طريقة لفض النزاع بين المسلمين إذا طرأ عليهم ما يدفع إليه، وأنه أحسن عاقبة ومآلا، وفي ذلك إيماء إلى أن أية وسيلة أخرى قد يقع عليها الاختيار خارج هذا الإطار، لا تكون ناجعة ولا نافعة ولا حاسمة للنزاع، وإلى هذا يشير قوله تعالى : ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً( ٥٩ ) ﴾.
ثم استنكر الحق سبحانه وتعالى موقف الذين يزعمون أنهم مؤمنون، ومع ذلك يرفضون التحاكم إلى الله ورسوله، مفضلين التحاكم إلى غيرهما، وبذلك يخرجون من دائرة الحق والحكمة إلى دائرة الباطل والشهوة.
ونبه كتاب الله إلى أن هؤلاء المؤمنين بزعمهم إذا ساروا في هذا الاتجاه فإنهم يصبحون بمنزلة الدمى في يد الشيطان، إذ هو الذي يضلهم عن الطريق السوي، ويذهب بهم إلى أبعد مذاهب الضلال، وذلك معنى قوله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا ﴾.
على أن كتاب الله يتولى فضيحة هذا الصنف من أدعياء الإيمان، فيصفهم علانية بالنفاق الصريح، ويسجل عليهم تهربهم من حكم الله ورسوله، وامتعاضهم منه، وإعراضهم عنه، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا( ٦١ ) ﴾. ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا( ٦٣ ) ﴾.
ثم تعود الآيات الكريمة مرة أخرى لتثبيت المعاني الرئيسية السابقة في هذا الربع فتقول : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ ﴾. إذ الحكمة في إرسال الرسل هي تبليغ أوامر الله وتوجيهاته إلى عباده، ليسيروا في حياتهم الخاصة والعامة وفقا لها، وطبقا لمقتضاها، ومادام الرسول ثابت الصدق عن الله، ومضمون العصمة من الهوى ﴿ إِن هُوَ إِلاَّ وَحيٌ يُوحَى ﴾،. فلا بد لمن آمن به من أن يطيعه فيما أمر به ونهى عنه، دون أدنى تحفظ ولا أدنى اعتراض.
ويؤكد كتاب الله هذا المبدأ بكل قوة وبكل شدة، فيوجه خطابه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مقسما بالله العظيم على محتواه وفحواه ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا( ٦٥ ) ﴾.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٩: الربع الثالث من الحزب التاسع
في المصحف الكريم
يتناول هذا الربع عدة موضوعات رئيسية وجوهرية بالنسبة لتكوين الدولة الإسلامية، وبسط العدل وإقرار النظام فيها، وضمان التعايش وحفظ الوئام بين أبنائها.
ففيه آيات تلزم المؤمنين بطاعة الله من جهة، وبطاعة الرسول ومن يلي أمر المسلمين بعده من جهة أخرى.
وطاعة الله امتثال أوامره ونواهيه طبقا لما أوحى به في كتابه. وطاعة الرسول امتثال أمره ونهيه وهو بين ظهراني المسلمين، والتزام سنته والسير على طريقته بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى.
وطاعة من يلون أمر المسلمين من بعده هي مبايعتهم على كتاب الله وسنة رسوله، وعدم عصيانهم في المعروف، لا في المنشط ولا في المكره، وعدم الافتيات عليهم أو خذلانهم.
ويدخل تحت( أولي الأمر ) من الوجهة العملية والتنفيذية أمراء المسلمين، بما جعل الله في أعناقهم من مسؤولية السلطة والحكم، ويدخل تحت( أولي الأمر ) من الوجهة العلمية والنظرية علماء المسلمين، بما تخصصوا فيه وائتمنهم الله عليهم من النظر في الكتاب والسنة وكل ما يدور في فلكهما، مما لا غنى عنه بالنسبة لتسيير شؤون الدولة، في انسجام ووفاق مع أنظار الملة، وذلك قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ﴾ قال ابن كثير :" والظاهر أن( أولي الأمر ) عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء، والله أعلم ".
ويلاحظ في تعبير القرآن الكريم أنه استعمل الأمر بالطاعة قبل ورود كلمة( الله )( أطيعوا الله )، لأن الأمر بطاعة الله مستقل بنفسه كل الاستقلال، كما استعمل نفس الأمر بالطاعة قبل ورود كلمة( الرسول ) _( وأطيعوا الرسول ) حيث إن الأمر بطاعة الرسول مستقل بنفسه أيضا، وإن كانت طاعة الرسول هي في نهاية الأمر وحقيقته طاعة لمن أرسله وهو الله، وإن كان الرسول نفسه أول مطيع لله وملتزم لأمره بحكم رسالته وعصمته.
أما طاعة( أولي الأمر ) فقد ربطها القرآن بطاعة الرسول نفسه ربطا وثيقا محكما، وذلك بواسطة واو العطف، وجعلها بحكم هذا الربط مندرجة تحت طاعته، إذ إنها بمنزلة الفرع من الأصل، والطاعة الأصلية طاعة الله ورسوله، وفي إطارها، وفي دائرة حدودها تتم طاعة أولي الأمر، الذين هم خلفاء الرسول بالنسبة لأمته وملته.
والعجيب أن هذه الآية الكريمة ما كادت تنتهي من الأمر بطاعة الله، وبطاعة الرسول وأولي الأمر، حتى وضعت المسلمين أمام مسؤولياتهم إذا طرأ على حياتهم ما يدعو إلى التنازع والاختلاف في شؤونهم العامة، وبادرت إلى قطع دابر النزاع، إذ نصت على الحل الملائم والمناسب لكل تنازع أو اختلاف قد يقع بينهم، وذلك حتى يحسم الخلاف بينهم من الأساس، ويعود المسلمون إلى الاتفاق والائتلاف.
والحل القرآني والعملي لكل تنازع يطرأ بين المسلمين كما نص عليه كتاب الله هو الرجوع إلى الله ورسوله، والنظر فيما أوجب التنازع بينهم، على ضوء ما في كتاب الله وسنة رسوله، واستخراج الحل الإسلامي الملائم من تعاليمهما وتوجيهاتهما، ومن القياس على نصوص الدين، وسوابقه، في عهد الرسالة وعهد الخلافة الراشدة، وبذلك يهتدي المسلمون إلى حل واحد يرضاه الجميع، ويلتزم طاعته الجميع، ومادام المرجع فيه هو الله ورسوله فلا غالب ولا مغلوب، ولا منتصر ولا منهزم، وإنما تكون كلمة الله وحدها هي العليا ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِم حَرَجاً مِّمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسلِيماً( ٦٥ ) ﴾ وهذا هو معنى قوله تعالى : ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ على غرار قوله تعالى في آية أخرى : ﴿ وَمَا اختَلَفتُم فِيهِ مِن شَيء فَحُكمُهُ إِلَى اللهِ ﴾.
ثم جاء التعقيب على هذا الإرشاد الإلهي بأنه هو خير وسيلة وأحسن طريقة لفض النزاع بين المسلمين إذا طرأ عليهم ما يدفع إليه، وأنه أحسن عاقبة ومآلا، وفي ذلك إيماء إلى أن أية وسيلة أخرى قد يقع عليها الاختيار خارج هذا الإطار، لا تكون ناجعة ولا نافعة ولا حاسمة للنزاع، وإلى هذا يشير قوله تعالى : ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً( ٥٩ ) ﴾.
ثم استنكر الحق سبحانه وتعالى موقف الذين يزعمون أنهم مؤمنون، ومع ذلك يرفضون التحاكم إلى الله ورسوله، مفضلين التحاكم إلى غيرهما، وبذلك يخرجون من دائرة الحق والحكمة إلى دائرة الباطل والشهوة.
ونبه كتاب الله إلى أن هؤلاء المؤمنين بزعمهم إذا ساروا في هذا الاتجاه فإنهم يصبحون بمنزلة الدمى في يد الشيطان، إذ هو الذي يضلهم عن الطريق السوي، ويذهب بهم إلى أبعد مذاهب الضلال، وذلك معنى قوله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا ﴾.
على أن كتاب الله يتولى فضيحة هذا الصنف من أدعياء الإيمان، فيصفهم علانية بالنفاق الصريح، ويسجل عليهم تهربهم من حكم الله ورسوله، وامتعاضهم منه، وإعراضهم عنه، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا( ٦١ ) ﴾. ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا( ٦٣ ) ﴾.
ثم تعود الآيات الكريمة مرة أخرى لتثبيت المعاني الرئيسية السابقة في هذا الربع فتقول : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ ﴾. إذ الحكمة في إرسال الرسل هي تبليغ أوامر الله وتوجيهاته إلى عباده، ليسيروا في حياتهم الخاصة والعامة وفقا لها، وطبقا لمقتضاها، ومادام الرسول ثابت الصدق عن الله، ومضمون العصمة من الهوى ﴿ إِن هُوَ إِلاَّ وَحيٌ يُوحَى ﴾،. فلا بد لمن آمن به من أن يطيعه فيما أمر به ونهى عنه، دون أدنى تحفظ ولا أدنى اعتراض.
ويؤكد كتاب الله هذا المبدأ بكل قوة وبكل شدة، فيوجه خطابه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مقسما بالله العظيم على محتواه وفحواه ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا( ٦٥ ) ﴾.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٩: الربع الثالث من الحزب التاسع
في المصحف الكريم
يتناول هذا الربع عدة موضوعات رئيسية وجوهرية بالنسبة لتكوين الدولة الإسلامية، وبسط العدل وإقرار النظام فيها، وضمان التعايش وحفظ الوئام بين أبنائها.
ففيه آيات تلزم المؤمنين بطاعة الله من جهة، وبطاعة الرسول ومن يلي أمر المسلمين بعده من جهة أخرى.
وطاعة الله امتثال أوامره ونواهيه طبقا لما أوحى به في كتابه. وطاعة الرسول امتثال أمره ونهيه وهو بين ظهراني المسلمين، والتزام سنته والسير على طريقته بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى.
وطاعة من يلون أمر المسلمين من بعده هي مبايعتهم على كتاب الله وسنة رسوله، وعدم عصيانهم في المعروف، لا في المنشط ولا في المكره، وعدم الافتيات عليهم أو خذلانهم.
ويدخل تحت( أولي الأمر ) من الوجهة العملية والتنفيذية أمراء المسلمين، بما جعل الله في أعناقهم من مسؤولية السلطة والحكم، ويدخل تحت( أولي الأمر ) من الوجهة العلمية والنظرية علماء المسلمين، بما تخصصوا فيه وائتمنهم الله عليهم من النظر في الكتاب والسنة وكل ما يدور في فلكهما، مما لا غنى عنه بالنسبة لتسيير شؤون الدولة، في انسجام ووفاق مع أنظار الملة، وذلك قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ﴾ قال ابن كثير :" والظاهر أن( أولي الأمر ) عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء، والله أعلم ".
ويلاحظ في تعبير القرآن الكريم أنه استعمل الأمر بالطاعة قبل ورود كلمة( الله )( أطيعوا الله )، لأن الأمر بطاعة الله مستقل بنفسه كل الاستقلال، كما استعمل نفس الأمر بالطاعة قبل ورود كلمة( الرسول ) _( وأطيعوا الرسول ) حيث إن الأمر بطاعة الرسول مستقل بنفسه أيضا، وإن كانت طاعة الرسول هي في نهاية الأمر وحقيقته طاعة لمن أرسله وهو الله، وإن كان الرسول نفسه أول مطيع لله وملتزم لأمره بحكم رسالته وعصمته.
أما طاعة( أولي الأمر ) فقد ربطها القرآن بطاعة الرسول نفسه ربطا وثيقا محكما، وذلك بواسطة واو العطف، وجعلها بحكم هذا الربط مندرجة تحت طاعته، إذ إنها بمنزلة الفرع من الأصل، والطاعة الأصلية طاعة الله ورسوله، وفي إطارها، وفي دائرة حدودها تتم طاعة أولي الأمر، الذين هم خلفاء الرسول بالنسبة لأمته وملته.
والعجيب أن هذه الآية الكريمة ما كادت تنتهي من الأمر بطاعة الله، وبطاعة الرسول وأولي الأمر، حتى وضعت المسلمين أمام مسؤولياتهم إذا طرأ على حياتهم ما يدعو إلى التنازع والاختلاف في شؤونهم العامة، وبادرت إلى قطع دابر النزاع، إذ نصت على الحل الملائم والمناسب لكل تنازع أو اختلاف قد يقع بينهم، وذلك حتى يحسم الخلاف بينهم من الأساس، ويعود المسلمون إلى الاتفاق والائتلاف.
والحل القرآني والعملي لكل تنازع يطرأ بين المسلمين كما نص عليه كتاب الله هو الرجوع إلى الله ورسوله، والنظر فيما أوجب التنازع بينهم، على ضوء ما في كتاب الله وسنة رسوله، واستخراج الحل الإسلامي الملائم من تعاليمهما وتوجيهاتهما، ومن القياس على نصوص الدين، وسوابقه، في عهد الرسالة وعهد الخلافة الراشدة، وبذلك يهتدي المسلمون إلى حل واحد يرضاه الجميع، ويلتزم طاعته الجميع، ومادام المرجع فيه هو الله ورسوله فلا غالب ولا مغلوب، ولا منتصر ولا منهزم، وإنما تكون كلمة الله وحدها هي العليا ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِم حَرَجاً مِّمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسلِيماً( ٦٥ ) ﴾ وهذا هو معنى قوله تعالى : ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ على غرار قوله تعالى في آية أخرى : ﴿ وَمَا اختَلَفتُم فِيهِ مِن شَيء فَحُكمُهُ إِلَى اللهِ ﴾.
ثم جاء التعقيب على هذا الإرشاد الإلهي بأنه هو خير وسيلة وأحسن طريقة لفض النزاع بين المسلمين إذا طرأ عليهم ما يدفع إليه، وأنه أحسن عاقبة ومآلا، وفي ذلك إيماء إلى أن أية وسيلة أخرى قد يقع عليها الاختيار خارج هذا الإطار، لا تكون ناجعة ولا نافعة ولا حاسمة للنزاع، وإلى هذا يشير قوله تعالى : ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً( ٥٩ ) ﴾.
ثم استنكر الحق سبحانه وتعالى موقف الذين يزعمون أنهم مؤمنون، ومع ذلك يرفضون التحاكم إلى الله ورسوله، مفضلين التحاكم إلى غيرهما، وبذلك يخرجون من دائرة الحق والحكمة إلى دائرة الباطل والشهوة.
ونبه كتاب الله إلى أن هؤلاء المؤمنين بزعمهم إذا ساروا في هذا الاتجاه فإنهم يصبحون بمنزلة الدمى في يد الشيطان، إذ هو الذي يضلهم عن الطريق السوي، ويذهب بهم إلى أبعد مذاهب الضلال، وذلك معنى قوله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا ﴾.
على أن كتاب الله يتولى فضيحة هذا الصنف من أدعياء الإيمان، فيصفهم علانية بالنفاق الصريح، ويسجل عليهم تهربهم من حكم الله ورسوله، وامتعاضهم منه، وإعراضهم عنه، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا( ٦١ ) ﴾. ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا( ٦٣ ) ﴾.
ثم تعود الآيات الكريمة مرة أخرى لتثبيت المعاني الرئيسية السابقة في هذا الربع فتقول : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ ﴾. إذ الحكمة في إرسال الرسل هي تبليغ أوامر الله وتوجيهاته إلى عباده، ليسيروا في حياتهم الخاصة والعامة وفقا لها، وطبقا لمقتضاها، ومادام الرسول ثابت الصدق عن الله، ومضمون العصمة من الهوى ﴿ إِن هُوَ إِلاَّ وَحيٌ يُوحَى ﴾،. فلا بد لمن آمن به من أن يطيعه فيما أمر به ونهى عنه، دون أدنى تحفظ ولا أدنى اعتراض.
ويؤكد كتاب الله هذا المبدأ بكل قوة وبكل شدة، فيوجه خطابه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مقسما بالله العظيم على محتواه وفحواه ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا( ٦٥ ) ﴾.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٩: الربع الثالث من الحزب التاسع
في المصحف الكريم
يتناول هذا الربع عدة موضوعات رئيسية وجوهرية بالنسبة لتكوين الدولة الإسلامية، وبسط العدل وإقرار النظام فيها، وضمان التعايش وحفظ الوئام بين أبنائها.
ففيه آيات تلزم المؤمنين بطاعة الله من جهة، وبطاعة الرسول ومن يلي أمر المسلمين بعده من جهة أخرى.
وطاعة الله امتثال أوامره ونواهيه طبقا لما أوحى به في كتابه. وطاعة الرسول امتثال أمره ونهيه وهو بين ظهراني المسلمين، والتزام سنته والسير على طريقته بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى.
وطاعة من يلون أمر المسلمين من بعده هي مبايعتهم على كتاب الله وسنة رسوله، وعدم عصيانهم في المعروف، لا في المنشط ولا في المكره، وعدم الافتيات عليهم أو خذلانهم.
ويدخل تحت( أولي الأمر ) من الوجهة العملية والتنفيذية أمراء المسلمين، بما جعل الله في أعناقهم من مسؤولية السلطة والحكم، ويدخل تحت( أولي الأمر ) من الوجهة العلمية والنظرية علماء المسلمين، بما تخصصوا فيه وائتمنهم الله عليهم من النظر في الكتاب والسنة وكل ما يدور في فلكهما، مما لا غنى عنه بالنسبة لتسيير شؤون الدولة، في انسجام ووفاق مع أنظار الملة، وذلك قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ﴾ قال ابن كثير :" والظاهر أن( أولي الأمر ) عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء، والله أعلم ".
ويلاحظ في تعبير القرآن الكريم أنه استعمل الأمر بالطاعة قبل ورود كلمة( الله )( أطيعوا الله )، لأن الأمر بطاعة الله مستقل بنفسه كل الاستقلال، كما استعمل نفس الأمر بالطاعة قبل ورود كلمة( الرسول ) _( وأطيعوا الرسول ) حيث إن الأمر بطاعة الرسول مستقل بنفسه أيضا، وإن كانت طاعة الرسول هي في نهاية الأمر وحقيقته طاعة لمن أرسله وهو الله، وإن كان الرسول نفسه أول مطيع لله وملتزم لأمره بحكم رسالته وعصمته.
أما طاعة( أولي الأمر ) فقد ربطها القرآن بطاعة الرسول نفسه ربطا وثيقا محكما، وذلك بواسطة واو العطف، وجعلها بحكم هذا الربط مندرجة تحت طاعته، إذ إنها بمنزلة الفرع من الأصل، والطاعة الأصلية طاعة الله ورسوله، وفي إطارها، وفي دائرة حدودها تتم طاعة أولي الأمر، الذين هم خلفاء الرسول بالنسبة لأمته وملته.
والعجيب أن هذه الآية الكريمة ما كادت تنتهي من الأمر بطاعة الله، وبطاعة الرسول وأولي الأمر، حتى وضعت المسلمين أمام مسؤولياتهم إذا طرأ على حياتهم ما يدعو إلى التنازع والاختلاف في شؤونهم العامة، وبادرت إلى قطع دابر النزاع، إذ نصت على الحل الملائم والمناسب لكل تنازع أو اختلاف قد يقع بينهم، وذلك حتى يحسم الخلاف بينهم من الأساس، ويعود المسلمون إلى الاتفاق والائتلاف.
والحل القرآني والعملي لكل تنازع يطرأ بين المسلمين كما نص عليه كتاب الله هو الرجوع إلى الله ورسوله، والنظر فيما أوجب التنازع بينهم، على ضوء ما في كتاب الله وسنة رسوله، واستخراج الحل الإسلامي الملائم من تعاليمهما وتوجيهاتهما، ومن القياس على نصوص الدين، وسوابقه، في عهد الرسالة وعهد الخلافة الراشدة، وبذلك يهتدي المسلمون إلى حل واحد يرضاه الجميع، ويلتزم طاعته الجميع، ومادام المرجع فيه هو الله ورسوله فلا غالب ولا مغلوب، ولا منتصر ولا منهزم، وإنما تكون كلمة الله وحدها هي العليا ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِم حَرَجاً مِّمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسلِيماً( ٦٥ ) ﴾ وهذا هو معنى قوله تعالى : ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ على غرار قوله تعالى في آية أخرى : ﴿ وَمَا اختَلَفتُم فِيهِ مِن شَيء فَحُكمُهُ إِلَى اللهِ ﴾.
ثم جاء التعقيب على هذا الإرشاد الإلهي بأنه هو خير وسيلة وأحسن طريقة لفض النزاع بين المسلمين إذا طرأ عليهم ما يدفع إليه، وأنه أحسن عاقبة ومآلا، وفي ذلك إيماء إلى أن أية وسيلة أخرى قد يقع عليها الاختيار خارج هذا الإطار، لا تكون ناجعة ولا نافعة ولا حاسمة للنزاع، وإلى هذا يشير قوله تعالى : ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً( ٥٩ ) ﴾.
ثم استنكر الحق سبحانه وتعالى موقف الذين يزعمون أنهم مؤمنون، ومع ذلك يرفضون التحاكم إلى الله ورسوله، مفضلين التحاكم إلى غيرهما، وبذلك يخرجون من دائرة الحق والحكمة إلى دائرة الباطل والشهوة.
ونبه كتاب الله إلى أن هؤلاء المؤمنين بزعمهم إذا ساروا في هذا الاتجاه فإنهم يصبحون بمنزلة الدمى في يد الشيطان، إذ هو الذي يضلهم عن الطريق السوي، ويذهب بهم إلى أبعد مذاهب الضلال، وذلك معنى قوله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا ﴾.
على أن كتاب الله يتولى فضيحة هذا الصنف من أدعياء الإيمان، فيصفهم علانية بالنفاق الصريح، ويسجل عليهم تهربهم من حكم الله ورسوله، وامتعاضهم منه، وإعراضهم عنه، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا( ٦١ ) ﴾. ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا( ٦٣ ) ﴾.
ثم تعود الآيات الكريمة مرة أخرى لتثبيت المعاني الرئيسية السابقة في هذا الربع فتقول : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ ﴾. إذ الحكمة في إرسال الرسل هي تبليغ أوامر الله وتوجيهاته إلى عباده، ليسيروا في حياتهم الخاصة والعامة وفقا لها، وطبقا لمقتضاها، ومادام الرسول ثابت الصدق عن الله، ومضمون العصمة من الهوى ﴿ إِن هُوَ إِلاَّ وَحيٌ يُوحَى ﴾،. فلا بد لمن آمن به من أن يطيعه فيما أمر به ونهى عنه، دون أدنى تحفظ ولا أدنى اعتراض.
ويؤكد كتاب الله هذا المبدأ بكل قوة وبكل شدة، فيوجه خطابه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مقسما بالله العظيم على محتواه وفحواه ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا( ٦٥ ) ﴾.

وبعدما أمر كتاب الله كافة المسلمين حكاما ومحكومين، رؤساء ومرءوسين، بطاعة الله ورسوله، وبرجوعهم إليهما، واحتكامهم عندهما، وتحكيمهم لهما، كلما وقع تنازع بين المسلمين أو اختلاف، وبعدما وصف كتاب الله بوصف النفاق وزعم الإيمان كل من يتهرب منهما، ويتحاكم إلى غيرهما، جاءت الآيات الكريمة تسجل فضل من أطاع الله ورسوله، وتبين أي ركب عظيم سيسير فيه، وأي الرفاق الأعلين سيكون برفقتهم في أعلى عليين، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا، ( ٦٩ ) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيمًا( ٧٠ ) ﴾.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٩: وبعدما أمر كتاب الله كافة المسلمين حكاما ومحكومين، رؤساء ومرءوسين، بطاعة الله ورسوله، وبرجوعهم إليهما، واحتكامهم عندهما، وتحكيمهم لهما، كلما وقع تنازع بين المسلمين أو اختلاف، وبعدما وصف كتاب الله بوصف النفاق وزعم الإيمان كل من يتهرب منهما، ويتحاكم إلى غيرهما، جاءت الآيات الكريمة تسجل فضل من أطاع الله ورسوله، وتبين أي ركب عظيم سيسير فيه، وأي الرفاق الأعلين سيكون برفقتهم في أعلى عليين، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا، ( ٦٩ ) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيمًا( ٧٠ ) ﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ففي الآيتين الأخيرتين من الربع الماضي وصف كاشف لشعور المنافقين الدفين، وموقفهم الحقيقي من الجهاد والمجاهدين، إذ يبين كتاب الله ما عليه المنافقون من التخلف والتباطؤ عن تلبية نداء الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، وما يقومون به علاوة على تخلفهم عن ركب المجاهدين من تثبيط لعزائم المسلمين، حتى لا يجاهدوا المشركين.
ورغما عن موقف التلكؤ والتخاذل والتثبيط الذي يقفونه كلما خرج المسلمون للجهاد في سبيل الله، فإنهم بحكم روح النفاق والطمع، والانتهازية التي هم عليها، يأسفون بالغ الأسف عندما ينتصر المسلمون، ويرجعون من جهادهم سالمين غانمين، ويتمنون لو أنهم حضروا معهم وكانوا من بين الفائزين كما أنهم بحكم روح النفاق والجبن والأنانية التي عليها يفرحون كامل الفرح بتخلفهم وعدم حضورهم، عندما يرجع المجاهدون وقد خلفوا من ورائهم في ساحة الجهاد عددا من الشهداء في سبيل الله.
ويشير كتاب الله في نفس هاتين الآيتين إلى أن نفس التعبير الغامض الذي يستعمله المنافقون في الحديث عن المؤمنين ينبئ عن دخيلتهم، إذ لا يذكرونهم بوصفهم المميز، وإنما يستعملون في الحديث عنهم " ضمير الغائب المبهم " مما يدل على أنهم لا يجمعهم بهم أدنى رابطة، وعلى أن كل ما يتظاهرون به من المودة لهم محض زور وبهتان، وذلك ما يتضمنه قوله تعالى في ختام الربع الماضي ﴿ وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا، ( ٧٢ ) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا( ٧٣ ) ﴾.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ففي الآيتين الأخيرتين من الربع الماضي وصف كاشف لشعور المنافقين الدفين، وموقفهم الحقيقي من الجهاد والمجاهدين، إذ يبين كتاب الله ما عليه المنافقون من التخلف والتباطؤ عن تلبية نداء الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، وما يقومون به علاوة على تخلفهم عن ركب المجاهدين من تثبيط لعزائم المسلمين، حتى لا يجاهدوا المشركين.
ورغما عن موقف التلكؤ والتخاذل والتثبيط الذي يقفونه كلما خرج المسلمون للجهاد في سبيل الله، فإنهم بحكم روح النفاق والطمع، والانتهازية التي هم عليها، يأسفون بالغ الأسف عندما ينتصر المسلمون، ويرجعون من جهادهم سالمين غانمين، ويتمنون لو أنهم حضروا معهم وكانوا من بين الفائزين كما أنهم بحكم روح النفاق والجبن والأنانية التي عليها يفرحون كامل الفرح بتخلفهم وعدم حضورهم، عندما يرجع المجاهدون وقد خلفوا من ورائهم في ساحة الجهاد عددا من الشهداء في سبيل الله.
ويشير كتاب الله في نفس هاتين الآيتين إلى أن نفس التعبير الغامض الذي يستعمله المنافقون في الحديث عن المؤمنين ينبئ عن دخيلتهم، إذ لا يذكرونهم بوصفهم المميز، وإنما يستعملون في الحديث عنهم " ضمير الغائب المبهم " مما يدل على أنهم لا يجمعهم بهم أدنى رابطة، وعلى أن كل ما يتظاهرون به من المودة لهم محض زور وبهتان، وذلك ما يتضمنه قوله تعالى في ختام الربع الماضي ﴿ وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا، ( ٧٢ ) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا( ٧٣ ) ﴾.

الربع الأخير من الحزب التاسع
في المصحف الكريم
عندما نتأمل الآية الأولى في هذا الربع، وهي قوله تعالى : ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ ﴾. الآية، نجدها مرتبطة كل الارتباط بالآيتين الأخيرتين من الربع الماضي ومبنية عليهما.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ففي الآيتين الأخيرتين من الربع الماضي وصف كاشف لشعور المنافقين الدفين، وموقفهم الحقيقي من الجهاد والمجاهدين، إذ يبين كتاب الله ما عليه المنافقون من التخلف والتباطؤ عن تلبية نداء الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، وما يقومون به علاوة على تخلفهم عن ركب المجاهدين من تثبيط لعزائم المسلمين، حتى لا يجاهدوا المشركين.
ورغما عن موقف التلكؤ والتخاذل والتثبيط الذي يقفونه كلما خرج المسلمون للجهاد في سبيل الله، فإنهم بحكم روح النفاق والطمع، والانتهازية التي هم عليها، يأسفون بالغ الأسف عندما ينتصر المسلمون، ويرجعون من جهادهم سالمين غانمين، ويتمنون لو أنهم حضروا معهم وكانوا من بين الفائزين كما أنهم بحكم روح النفاق والجبن والأنانية التي عليها يفرحون كامل الفرح بتخلفهم وعدم حضورهم، عندما يرجع المجاهدون وقد خلفوا من ورائهم في ساحة الجهاد عددا من الشهداء في سبيل الله.
ويشير كتاب الله في نفس هاتين الآيتين إلى أن نفس التعبير الغامض الذي يستعمله المنافقون في الحديث عن المؤمنين ينبئ عن دخيلتهم، إذ لا يذكرونهم بوصفهم المميز، وإنما يستعملون في الحديث عنهم " ضمير الغائب المبهم " مما يدل على أنهم لا يجمعهم بهم أدنى رابطة، وعلى أن كل ما يتظاهرون به من المودة لهم محض زور وبهتان، وذلك ما يتضمنه قوله تعالى في ختام الربع الماضي ﴿ وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا، ( ٧٢ ) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا( ٧٣ ) ﴾.


وعلى هذا المعنى الذي تتضمنه هاتان الآيتان وقع التعقيب بالآية الأولى في هذا الربع، وهي دعوة صادرة من الله تعالى إلى أولئك الذين استرخصوا أرواحهم في سبيله، لأن يقوموا بواجب الجهاد المقدس، غير ملتفتين إلى تخلف المنافقين وتثبيط المثبطين، كما أنها وعد صادق من الحق سبحانه وتعالى لهم بالأجر العظيم والثواب الجسيم، سواء منهم من غلب وعاد، ومن وقع شهيدا في ساحة الجهاد. وذلك قوله تعالى : ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا( ٧٤ ) ﴾.
وفي هذا الربع يتحدث كتاب الله عن طائفة أخرى لا تملك من الشجاعة والاستعداد للتضحية القدر الكافي لمواجهة أعباء الجهاد، ويتضمن الحديث عنها معنى الاستغراب والتعجب، حيث إن هذه الطائفة بالذات، في الوقت الذي كانت أوامر الله وتعليماته تصدر إلى المسلمين بالانتظار والصبر وتحمل الأذى إلى حين، كانت تتحرق شوقا إلى الجهاد، وتطلب من الرسول الإذن لها بالقتال، فلما حل موعد الجهاد وكتب عليها القتال أخذت تتراجع إلى الوراء، وتتمنى لو أن هذه الفريضة لم تفرض، وأجلت إلى موعد آخر، بل إنها أخذت تتساءل في دهشة واستغراب عن السر الذي من أجله فرض الله الجهاد على المسلمين وذلك كله حرصا منها على الحياة، وتشبثا بمصالحها المادية الخاصة، وخوفا على الأموال والنساء والأولاد من عواقب الجهاد.
وبعدما وصف كتاب الله هذا الصنف الرعديد من الناس، وما هو عليه من ضعف في النفس، وتمسك بالعيش الهنيء، جاء التعقيب على ذلك بمقارنة بين الدنيا ومتاعها والآخرة وثوابها، وأن الله يجازي من جاهد في سبيله بكامل العدل ومنتهى الكرم، كما يجازي القاعدين والمتخلفين بما هم أهله، وأن الموت الذي يخشونه سيدركهم لا محالة حيثما كانوا قاعدين أو مجاهدين.
وإلى مجموع هذه المعاني يشير قوله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً، ( ٧٧ ) أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾.
وبعدما وصف كتاب الله ما عليه المذبذبون والمنافقون من غريب الأطوار والأحوال، وما يبيتونه في نفوسهم ويجري على ألسنتهم من سخيف الأقوال، وما يغلب عليهم من ميل إلى التمرد والخلاف، بدلا من التزام الطاعة والتمسك بالائتلاف، اتجه الخطاب الإلهي رأسا إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، داعيا إياه في نفس السياق إلى القيام بواجب الجهاد الذي كلفه الله به، وألقاه على عاتقه قبل كل الناس، ليبادر إلى أدائه، دون أن ينظر إلى أي اعتبار آخر، وآمرا له في نفس الوقت بأن يحض المؤمنين على الجهاد في سبيل الله، بغض النظر عن تخاذل المتخاذلين، وتثبيط المثبطين، وتراجع ضعفاء النفوس العاجزين، مبينا لرسوله والمؤمنين أن هدف الجهاد في سبيل الله إنما هو كف أذى الكافرين عن المؤمنين، وخضد شوكة المشركين وذلك قوله تعالى : ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً( ٨٤ ) ﴾.
ونظرا لأن الهدف الأساسي من القتال في سبيل الله هو تحرير الفرد المسلم حتى لا يفتن في دينه، وتحرير الجماعة المسلمة حتى لا تفتن في دينها اختار كتاب الله أن يبرز هذا الهدف بشكل قوي، حتى تلتفت إليه جميع النظار، فجعله في مطلع هذا الربع منذ البداية، لأنه هو المقصد والغاية، وما يتبعه ويليه إنما هو وسيلة إليه، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ ﴾.
فاستثار كتاب الله حمية المسلمين، لإنقاذ إخوانهم المستضعفين الذين لم يستطيعوا الهجرة من مكة إلى المدينة بجانب بقية المهاجرين، ممن أصبحوا مغلوبين فيها على أمرهم، معرضين لسائر صنوف الأذى من طرف المشركين.
ووصف كتاب الله بمنتهى الدقة، وبصيغة بالغة التأثير تثير المشاعر، الحالة النفسية القلقة لأولئك المستضعفين من الرجال والنساء والولدان المعذبين من أجل عقيدة الإيمان، وما هم عليه من تبرم بنوع الحياة الجهنمية التي يتحملونها بمكة، وما يتوجهون به إلى الله صباح مساء من دعاء خاشع وابتهال صادق، ليعينهم على الخلاص من ربقة الشرك، والخروج من القرية الظالم أهلها إلى المدينة التي آمن أهلها، أملا في اللحاق بالرسول وصحبه من المهاجرين والأنصار، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا( ٧٥ ) ﴾.
وفي هذا السياق بين كتاب الله الفرق الجوهري والأساسي بين جهاد المؤمنين وقتال الكافرين، فالجهاد الذي فرضه الإسلام ليس من أجل السيطرة والاستغلال، ولا من أجل الاستعباد والإذلال، وإنما هو من أجل نصرة الحق وبسط العدل، وبث الخير والمعروف بين الناس، وهو في النهاية لإقامة دين الله، وإعلاء كلمته في الأرض على من سواه.
وعلى العكس من ذلك القتال الذي يقوم به الكافرون، فهو من أجل تدعيم العدوان، ومساندة الطغيان واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، وهو في النهاية للدفاع عن عبادة الأصنام والأوثان، وسدنتها من السحرة والكهان، وذلك ما تشير إليه في إيجاز وإعجاز هذه الآية الكريمة : ﴿ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ﴾.
ثم حرض كتاب الله المؤمنين على قتال الكافرين لوضع حد لعدوانهم، وفرض احترام الإسلام عليهم، وتمكين هيبته في نفوسهم، ونشر دعوتهم بكل حرية في أوساطهم، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
ونبه كتاب الله إلى الحلف الشيطاني المعقود بين الشيطان وأوليائه الكافرين إذ إنهم عن إيحائه يصدرون، وبإغرائه يمكرون، مؤكدا أن كيد الشيطان مطبوع بطابع الضعف والهزال، محكوم عليه بالفشل والزوال، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : ﴿ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا( ٧٦ ) ﴾.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٤: الربع الأخير من الحزب التاسع
في المصحف الكريم
عندما نتأمل الآية الأولى في هذا الربع، وهي قوله تعالى : ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ ﴾. الآية، نجدها مرتبطة كل الارتباط بالآيتين الأخيرتين من الربع الماضي ومبنية عليهما.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ففي الآيتين الأخيرتين من الربع الماضي وصف كاشف لشعور المنافقين الدفين، وموقفهم الحقيقي من الجهاد والمجاهدين، إذ يبين كتاب الله ما عليه المنافقون من التخلف والتباطؤ عن تلبية نداء الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، وما يقومون به علاوة على تخلفهم عن ركب المجاهدين من تثبيط لعزائم المسلمين، حتى لا يجاهدوا المشركين.
ورغما عن موقف التلكؤ والتخاذل والتثبيط الذي يقفونه كلما خرج المسلمون للجهاد في سبيل الله، فإنهم بحكم روح النفاق والطمع، والانتهازية التي هم عليها، يأسفون بالغ الأسف عندما ينتصر المسلمون، ويرجعون من جهادهم سالمين غانمين، ويتمنون لو أنهم حضروا معهم وكانوا من بين الفائزين كما أنهم بحكم روح النفاق والجبن والأنانية التي عليها يفرحون كامل الفرح بتخلفهم وعدم حضورهم، عندما يرجع المجاهدون وقد خلفوا من ورائهم في ساحة الجهاد عددا من الشهداء في سبيل الله.
ويشير كتاب الله في نفس هاتين الآيتين إلى أن نفس التعبير الغامض الذي يستعمله المنافقون في الحديث عن المؤمنين ينبئ عن دخيلتهم، إذ لا يذكرونهم بوصفهم المميز، وإنما يستعملون في الحديث عنهم " ضمير الغائب المبهم " مما يدل على أنهم لا يجمعهم بهم أدنى رابطة، وعلى أن كل ما يتظاهرون به من المودة لهم محض زور وبهتان، وذلك ما يتضمنه قوله تعالى في ختام الربع الماضي ﴿ وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا، ( ٧٢ ) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا( ٧٣ ) ﴾.


وعلى هذا المعنى الذي تتضمنه هاتان الآيتان وقع التعقيب بالآية الأولى في هذا الربع، وهي دعوة صادرة من الله تعالى إلى أولئك الذين استرخصوا أرواحهم في سبيله، لأن يقوموا بواجب الجهاد المقدس، غير ملتفتين إلى تخلف المنافقين وتثبيط المثبطين، كما أنها وعد صادق من الحق سبحانه وتعالى لهم بالأجر العظيم والثواب الجسيم، سواء منهم من غلب وعاد، ومن وقع شهيدا في ساحة الجهاد. وذلك قوله تعالى : ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا( ٧٤ ) ﴾.
وفي هذا الربع يتحدث كتاب الله عن طائفة أخرى لا تملك من الشجاعة والاستعداد للتضحية القدر الكافي لمواجهة أعباء الجهاد، ويتضمن الحديث عنها معنى الاستغراب والتعجب، حيث إن هذه الطائفة بالذات، في الوقت الذي كانت أوامر الله وتعليماته تصدر إلى المسلمين بالانتظار والصبر وتحمل الأذى إلى حين، كانت تتحرق شوقا إلى الجهاد، وتطلب من الرسول الإذن لها بالقتال، فلما حل موعد الجهاد وكتب عليها القتال أخذت تتراجع إلى الوراء، وتتمنى لو أن هذه الفريضة لم تفرض، وأجلت إلى موعد آخر، بل إنها أخذت تتساءل في دهشة واستغراب عن السر الذي من أجله فرض الله الجهاد على المسلمين وذلك كله حرصا منها على الحياة، وتشبثا بمصالحها المادية الخاصة، وخوفا على الأموال والنساء والأولاد من عواقب الجهاد.
وبعدما وصف كتاب الله هذا الصنف الرعديد من الناس، وما هو عليه من ضعف في النفس، وتمسك بالعيش الهنيء، جاء التعقيب على ذلك بمقارنة بين الدنيا ومتاعها والآخرة وثوابها، وأن الله يجازي من جاهد في سبيله بكامل العدل ومنتهى الكرم، كما يجازي القاعدين والمتخلفين بما هم أهله، وأن الموت الذي يخشونه سيدركهم لا محالة حيثما كانوا قاعدين أو مجاهدين.
وإلى مجموع هذه المعاني يشير قوله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً، ( ٧٧ ) أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾.
وبعدما وصف كتاب الله ما عليه المذبذبون والمنافقون من غريب الأطوار والأحوال، وما يبيتونه في نفوسهم ويجري على ألسنتهم من سخيف الأقوال، وما يغلب عليهم من ميل إلى التمرد والخلاف، بدلا من التزام الطاعة والتمسك بالائتلاف، اتجه الخطاب الإلهي رأسا إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، داعيا إياه في نفس السياق إلى القيام بواجب الجهاد الذي كلفه الله به، وألقاه على عاتقه قبل كل الناس، ليبادر إلى أدائه، دون أن ينظر إلى أي اعتبار آخر، وآمرا له في نفس الوقت بأن يحض المؤمنين على الجهاد في سبيل الله، بغض النظر عن تخاذل المتخاذلين، وتثبيط المثبطين، وتراجع ضعفاء النفوس العاجزين، مبينا لرسوله والمؤمنين أن هدف الجهاد في سبيل الله إنما هو كف أذى الكافرين عن المؤمنين، وخضد شوكة المشركين وذلك قوله تعالى : ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً( ٨٤ ) ﴾.
ونظرا لأن الهدف الأساسي من القتال في سبيل الله هو تحرير الفرد المسلم حتى لا يفتن في دينه، وتحرير الجماعة المسلمة حتى لا تفتن في دينها اختار كتاب الله أن يبرز هذا الهدف بشكل قوي، حتى تلتفت إليه جميع النظار، فجعله في مطلع هذا الربع منذ البداية، لأنه هو المقصد والغاية، وما يتبعه ويليه إنما هو وسيلة إليه، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ ﴾.
فاستثار كتاب الله حمية المسلمين، لإنقاذ إخوانهم المستضعفين الذين لم يستطيعوا الهجرة من مكة إلى المدينة بجانب بقية المهاجرين، ممن أصبحوا مغلوبين فيها على أمرهم، معرضين لسائر صنوف الأذى من طرف المشركين.
ووصف كتاب الله بمنتهى الدقة، وبصيغة بالغة التأثير تثير المشاعر، الحالة النفسية القلقة لأولئك المستضعفين من الرجال والنساء والولدان المعذبين من أجل عقيدة الإيمان، وما هم عليه من تبرم بنوع الحياة الجهنمية التي يتحملونها بمكة، وما يتوجهون به إلى الله صباح مساء من دعاء خاشع وابتهال صادق، ليعينهم على الخلاص من ربقة الشرك، والخروج من القرية الظالم أهلها إلى المدينة التي آمن أهلها، أملا في اللحاق بالرسول وصحبه من المهاجرين والأنصار، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا( ٧٥ ) ﴾.
وفي هذا السياق بين كتاب الله الفرق الجوهري والأساسي بين جهاد المؤمنين وقتال الكافرين، فالجهاد الذي فرضه الإسلام ليس من أجل السيطرة والاستغلال، ولا من أجل الاستعباد والإذلال، وإنما هو من أجل نصرة الحق وبسط العدل، وبث الخير والمعروف بين الناس، وهو في النهاية لإقامة دين الله، وإعلاء كلمته في الأرض على من سواه.
وعلى العكس من ذلك القتال الذي يقوم به الكافرون، فهو من أجل تدعيم العدوان، ومساندة الطغيان واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، وهو في النهاية للدفاع عن عبادة الأصنام والأوثان، وسدنتها من السحرة والكهان، وذلك ما تشير إليه في إيجاز وإعجاز هذه الآية الكريمة : ﴿ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ﴾.
ثم حرض كتاب الله المؤمنين على قتال الكافرين لوضع حد لعدوانهم، وفرض احترام الإسلام عليهم، وتمكين هيبته في نفوسهم، ونشر دعوتهم بكل حرية في أوساطهم، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
ونبه كتاب الله إلى الحلف الشيطاني المعقود بين الشيطان وأوليائه الكافرين إذ إنهم عن إيحائه يصدرون، وبإغرائه يمكرون، مؤكدا أن كيد الشيطان مطبوع بطابع الضعف والهزال، محكوم عليه بالفشل والزوال، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : ﴿ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا( ٧٦ ) ﴾.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٤: الربع الأخير من الحزب التاسع
في المصحف الكريم
عندما نتأمل الآية الأولى في هذا الربع، وهي قوله تعالى : ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ ﴾. الآية، نجدها مرتبطة كل الارتباط بالآيتين الأخيرتين من الربع الماضي ومبنية عليهما.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ففي الآيتين الأخيرتين من الربع الماضي وصف كاشف لشعور المنافقين الدفين، وموقفهم الحقيقي من الجهاد والمجاهدين، إذ يبين كتاب الله ما عليه المنافقون من التخلف والتباطؤ عن تلبية نداء الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، وما يقومون به علاوة على تخلفهم عن ركب المجاهدين من تثبيط لعزائم المسلمين، حتى لا يجاهدوا المشركين.
ورغما عن موقف التلكؤ والتخاذل والتثبيط الذي يقفونه كلما خرج المسلمون للجهاد في سبيل الله، فإنهم بحكم روح النفاق والطمع، والانتهازية التي هم عليها، يأسفون بالغ الأسف عندما ينتصر المسلمون، ويرجعون من جهادهم سالمين غانمين، ويتمنون لو أنهم حضروا معهم وكانوا من بين الفائزين كما أنهم بحكم روح النفاق والجبن والأنانية التي عليها يفرحون كامل الفرح بتخلفهم وعدم حضورهم، عندما يرجع المجاهدون وقد خلفوا من ورائهم في ساحة الجهاد عددا من الشهداء في سبيل الله.
ويشير كتاب الله في نفس هاتين الآيتين إلى أن نفس التعبير الغامض الذي يستعمله المنافقون في الحديث عن المؤمنين ينبئ عن دخيلتهم، إذ لا يذكرونهم بوصفهم المميز، وإنما يستعملون في الحديث عنهم " ضمير الغائب المبهم " مما يدل على أنهم لا يجمعهم بهم أدنى رابطة، وعلى أن كل ما يتظاهرون به من المودة لهم محض زور وبهتان، وذلك ما يتضمنه قوله تعالى في ختام الربع الماضي ﴿ وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا، ( ٧٢ ) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا( ٧٣ ) ﴾.


وعلى هذا المعنى الذي تتضمنه هاتان الآيتان وقع التعقيب بالآية الأولى في هذا الربع، وهي دعوة صادرة من الله تعالى إلى أولئك الذين استرخصوا أرواحهم في سبيله، لأن يقوموا بواجب الجهاد المقدس، غير ملتفتين إلى تخلف المنافقين وتثبيط المثبطين، كما أنها وعد صادق من الحق سبحانه وتعالى لهم بالأجر العظيم والثواب الجسيم، سواء منهم من غلب وعاد، ومن وقع شهيدا في ساحة الجهاد. وذلك قوله تعالى : ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا( ٧٤ ) ﴾.
وفي هذا الربع يتحدث كتاب الله عن طائفة أخرى لا تملك من الشجاعة والاستعداد للتضحية القدر الكافي لمواجهة أعباء الجهاد، ويتضمن الحديث عنها معنى الاستغراب والتعجب، حيث إن هذه الطائفة بالذات، في الوقت الذي كانت أوامر الله وتعليماته تصدر إلى المسلمين بالانتظار والصبر وتحمل الأذى إلى حين، كانت تتحرق شوقا إلى الجهاد، وتطلب من الرسول الإذن لها بالقتال، فلما حل موعد الجهاد وكتب عليها القتال أخذت تتراجع إلى الوراء، وتتمنى لو أن هذه الفريضة لم تفرض، وأجلت إلى موعد آخر، بل إنها أخذت تتساءل في دهشة واستغراب عن السر الذي من أجله فرض الله الجهاد على المسلمين وذلك كله حرصا منها على الحياة، وتشبثا بمصالحها المادية الخاصة، وخوفا على الأموال والنساء والأولاد من عواقب الجهاد.
وبعدما وصف كتاب الله هذا الصنف الرعديد من الناس، وما هو عليه من ضعف في النفس، وتمسك بالعيش الهنيء، جاء التعقيب على ذلك بمقارنة بين الدنيا ومتاعها والآخرة وثوابها، وأن الله يجازي من جاهد في سبيله بكامل العدل ومنتهى الكرم، كما يجازي القاعدين والمتخلفين بما هم أهله، وأن الموت الذي يخشونه سيدركهم لا محالة حيثما كانوا قاعدين أو مجاهدين.
وإلى مجموع هذه المعاني يشير قوله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً، ( ٧٧ ) أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾.
وبعدما وصف كتاب الله ما عليه المذبذبون والمنافقون من غريب الأطوار والأحوال، وما يبيتونه في نفوسهم ويجري على ألسنتهم من سخيف الأقوال، وما يغلب عليهم من ميل إلى التمرد والخلاف، بدلا من التزام الطاعة والتمسك بالائتلاف، اتجه الخطاب الإلهي رأسا إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، داعيا إياه في نفس السياق إلى القيام بواجب الجهاد الذي كلفه الله به، وألقاه على عاتقه قبل كل الناس، ليبادر إلى أدائه، دون أن ينظر إلى أي اعتبار آخر، وآمرا له في نفس الوقت بأن يحض المؤمنين على الجهاد في سبيل الله، بغض النظر عن تخاذل المتخاذلين، وتثبيط المثبطين، وتراجع ضعفاء النفوس العاجزين، مبينا لرسوله والمؤمنين أن هدف الجهاد في سبيل الله إنما هو كف أذى الكافرين عن المؤمنين، وخضد شوكة المشركين وذلك قوله تعالى : ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً( ٨٤ ) ﴾.
ونظرا لأن الهدف الأساسي من القتال في سبيل الله هو تحرير الفرد المسلم حتى لا يفتن في دينه، وتحرير الجماعة المسلمة حتى لا تفتن في دينها اختار كتاب الله أن يبرز هذا الهدف بشكل قوي، حتى تلتفت إليه جميع النظار، فجعله في مطلع هذا الربع منذ البداية، لأنه هو المقصد والغاية، وما يتبعه ويليه إنما هو وسيلة إليه، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ ﴾.
فاستثار كتاب الله حمية المسلمين، لإنقاذ إخوانهم المستضعفين الذين لم يستطيعوا الهجرة من مكة إلى المدينة بجانب بقية المهاجرين، ممن أصبحوا مغلوبين فيها على أمرهم، معرضين لسائر صنوف الأذى من طرف المشركين.
ووصف كتاب الله بمنتهى الدقة، وبصيغة بالغة التأثير تثير المشاعر، الحالة النفسية القلقة لأولئك المستضعفين من الرجال والنساء والولدان المعذبين من أجل عقيدة الإيمان، وما هم عليه من تبرم بنوع الحياة الجهنمية التي يتحملونها بمكة، وما يتوجهون به إلى الله صباح مساء من دعاء خاشع وابتهال صادق، ليعينهم على الخلاص من ربقة الشرك، والخروج من القرية الظالم أهلها إلى المدينة التي آمن أهلها، أملا في اللحاق بالرسول وصحبه من المهاجرين والأنصار، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا( ٧٥ ) ﴾.
وفي هذا السياق بين كتاب الله الفرق الجوهري والأساسي بين جهاد المؤمنين وقتال الكافرين، فالجهاد الذي فرضه الإسلام ليس من أجل السيطرة والاستغلال، ولا من أجل الاستعباد والإذلال، وإنما هو من أجل نصرة الحق وبسط العدل، وبث الخير والمعروف بين الناس، وهو في النهاية لإقامة دين الله، وإعلاء كلمته في الأرض على من سواه.
وعلى العكس من ذلك القتال الذي يقوم به الكافرون، فهو من أجل تدعيم العدوان، ومساندة الطغيان واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، وهو في النهاية للدفاع عن عبادة الأصنام والأوثان، وسدنتها من السحرة والكهان، وذلك ما تشير إليه في إيجاز وإعجاز هذه الآية الكريمة : ﴿ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ﴾.
ثم حرض كتاب الله المؤمنين على قتال الكافرين لوضع حد لعدوانهم، وفرض احترام الإسلام عليهم، وتمكين هيبته في نفوسهم، ونشر دعوتهم بكل حرية في أوساطهم، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
ونبه كتاب الله إلى الحلف الشيطاني المعقود بين الشيطان وأوليائه الكافرين إذ إنهم عن إيحائه يصدرون، وبإغرائه يمكرون، مؤكدا أن كيد الشيطان مطبوع بطابع الضعف والهزال، محكوم عليه بالفشل والزوال، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : ﴿ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا( ٧٦ ) ﴾.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٤: الربع الأخير من الحزب التاسع
في المصحف الكريم
عندما نتأمل الآية الأولى في هذا الربع، وهي قوله تعالى : ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ ﴾. الآية، نجدها مرتبطة كل الارتباط بالآيتين الأخيرتين من الربع الماضي ومبنية عليهما.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ففي الآيتين الأخيرتين من الربع الماضي وصف كاشف لشعور المنافقين الدفين، وموقفهم الحقيقي من الجهاد والمجاهدين، إذ يبين كتاب الله ما عليه المنافقون من التخلف والتباطؤ عن تلبية نداء الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، وما يقومون به علاوة على تخلفهم عن ركب المجاهدين من تثبيط لعزائم المسلمين، حتى لا يجاهدوا المشركين.
ورغما عن موقف التلكؤ والتخاذل والتثبيط الذي يقفونه كلما خرج المسلمون للجهاد في سبيل الله، فإنهم بحكم روح النفاق والطمع، والانتهازية التي هم عليها، يأسفون بالغ الأسف عندما ينتصر المسلمون، ويرجعون من جهادهم سالمين غانمين، ويتمنون لو أنهم حضروا معهم وكانوا من بين الفائزين كما أنهم بحكم روح النفاق والجبن والأنانية التي عليها يفرحون كامل الفرح بتخلفهم وعدم حضورهم، عندما يرجع المجاهدون وقد خلفوا من ورائهم في ساحة الجهاد عددا من الشهداء في سبيل الله.
ويشير كتاب الله في نفس هاتين الآيتين إلى أن نفس التعبير الغامض الذي يستعمله المنافقون في الحديث عن المؤمنين ينبئ عن دخيلتهم، إذ لا يذكرونهم بوصفهم المميز، وإنما يستعملون في الحديث عنهم " ضمير الغائب المبهم " مما يدل على أنهم لا يجمعهم بهم أدنى رابطة، وعلى أن كل ما يتظاهرون به من المودة لهم محض زور وبهتان، وذلك ما يتضمنه قوله تعالى في ختام الربع الماضي ﴿ وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا، ( ٧٢ ) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا( ٧٣ ) ﴾.


وعلى هذا المعنى الذي تتضمنه هاتان الآيتان وقع التعقيب بالآية الأولى في هذا الربع، وهي دعوة صادرة من الله تعالى إلى أولئك الذين استرخصوا أرواحهم في سبيله، لأن يقوموا بواجب الجهاد المقدس، غير ملتفتين إلى تخلف المنافقين وتثبيط المثبطين، كما أنها وعد صادق من الحق سبحانه وتعالى لهم بالأجر العظيم والثواب الجسيم، سواء منهم من غلب وعاد، ومن وقع شهيدا في ساحة الجهاد. وذلك قوله تعالى : ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا( ٧٤ ) ﴾.
وفي هذا الربع يتحدث كتاب الله عن طائفة أخرى لا تملك من الشجاعة والاستعداد للتضحية القدر الكافي لمواجهة أعباء الجهاد، ويتضمن الحديث عنها معنى الاستغراب والتعجب، حيث إن هذه الطائفة بالذات، في الوقت الذي كانت أوامر الله وتعليماته تصدر إلى المسلمين بالانتظار والصبر وتحمل الأذى إلى حين، كانت تتحرق شوقا إلى الجهاد، وتطلب من الرسول الإذن لها بالقتال، فلما حل موعد الجهاد وكتب عليها القتال أخذت تتراجع إلى الوراء، وتتمنى لو أن هذه الفريضة لم تفرض، وأجلت إلى موعد آخر، بل إنها أخذت تتساءل في دهشة واستغراب عن السر الذي من أجله فرض الله الجهاد على المسلمين وذلك كله حرصا منها على الحياة، وتشبثا بمصالحها المادية الخاصة، وخوفا على الأموال والنساء والأولاد من عواقب الجهاد.
وبعدما وصف كتاب الله هذا الصنف الرعديد من الناس، وما هو عليه من ضعف في النفس، وتمسك بالعيش الهنيء، جاء التعقيب على ذلك بمقارنة بين الدنيا ومتاعها والآخرة وثوابها، وأن الله يجازي من جاهد في سبيله بكامل العدل ومنتهى الكرم، كما يجازي القاعدين والمتخلفين بما هم أهله، وأن الموت الذي يخشونه سيدركهم لا محالة حيثما كانوا قاعدين أو مجاهدين.
وإلى مجموع هذه المعاني يشير قوله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً، ( ٧٧ ) أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾.
وبعدما وصف كتاب الله ما عليه المذبذبون والمنافقون من غريب الأطوار والأحوال، وما يبيتونه في نفوسهم ويجري على ألسنتهم من سخيف الأقوال، وما يغلب عليهم من ميل إلى التمرد والخلاف، بدلا من التزام الطاعة والتمسك بالائتلاف، اتجه الخطاب الإلهي رأسا إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، داعيا إياه في نفس السياق إلى القيام بواجب الجهاد الذي كلفه الله به، وألقاه على عاتقه قبل كل الناس، ليبادر إلى أدائه، دون أن ينظر إلى أي اعتبار آخر، وآمرا له في نفس الوقت بأن يحض المؤمنين على الجهاد في سبيل الله، بغض النظر عن تخاذل المتخاذلين، وتثبيط المثبطين، وتراجع ضعفاء النفوس العاجزين، مبينا لرسوله والمؤمنين أن هدف الجهاد في سبيل الله إنما هو كف أذى الكافرين عن المؤمنين، وخضد شوكة المشركين وذلك قوله تعالى : ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً( ٨٤ ) ﴾.
ونظرا لأن الهدف الأساسي من القتال في سبيل الله هو تحرير الفرد المسلم حتى لا يفتن في دينه، وتحرير الجماعة المسلمة حتى لا تفتن في دينها اختار كتاب الله أن يبرز هذا الهدف بشكل قوي، حتى تلتفت إليه جميع النظار، فجعله في مطلع هذا الربع منذ البداية، لأنه هو المقصد والغاية، وما يتبعه ويليه إنما هو وسيلة إليه، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ ﴾.
فاستثار كتاب الله حمية المسلمين، لإنقاذ إخوانهم المستضعفين الذين لم يستطيعوا الهجرة من مكة إلى المدينة بجانب بقية المهاجرين، ممن أصبحوا مغلوبين فيها على أمرهم، معرضين لسائر صنوف الأذى من طرف المشركين.
ووصف كتاب الله بمنتهى الدقة، وبصيغة بالغة التأثير تثير المشاعر، الحالة النفسية القلقة لأولئك المستضعفين من الرجال والنساء والولدان المعذبين من أجل عقيدة الإيمان، وما هم عليه من تبرم بنوع الحياة الجهنمية التي يتحملونها بمكة، وما يتوجهون به إلى الله صباح مساء من دعاء خاشع وابتهال صادق، ليعينهم على الخلاص من ربقة الشرك، والخروج من القرية الظالم أهلها إلى المدينة التي آمن أهلها، أملا في اللحاق بالرسول وصحبه من المهاجرين والأنصار، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا( ٧٥ ) ﴾.
وفي هذا السياق بين كتاب الله الفرق الجوهري والأساسي بين جهاد المؤمنين وقتال الكافرين، فالجهاد الذي فرضه الإسلام ليس من أجل السيطرة والاستغلال، ولا من أجل الاستعباد والإذلال، وإنما هو من أجل نصرة الحق وبسط العدل، وبث الخير والمعروف بين الناس، وهو في النهاية لإقامة دين الله، وإعلاء كلمته في الأرض على من سواه.
وعلى العكس من ذلك القتال الذي يقوم به الكافرون، فهو من أجل تدعيم العدوان، ومساندة الطغيان واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، وهو في النهاية للدفاع عن عبادة الأصنام والأوثان، وسدنتها من السحرة والكهان، وذلك ما تشير إليه في إيجاز وإعجاز هذه الآية الكريمة : ﴿ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ﴾.
ثم حرض كتاب الله المؤمنين على قتال الكافرين لوضع حد لعدوانهم، وفرض احترام الإسلام عليهم، وتمكين هيبته في نفوسهم، ونشر دعوتهم بكل حرية في أوساطهم، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
ونبه كتاب الله إلى الحلف الشيطاني المعقود بين الشيطان وأوليائه الكافرين إذ إنهم عن إيحائه يصدرون، وبإغرائه يمكرون، مؤكدا أن كيد الشيطان مطبوع بطابع الضعف والهزال، محكوم عليه بالفشل والزوال، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : ﴿ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا( ٧٦ ) ﴾.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٤: الربع الأخير من الحزب التاسع
في المصحف الكريم
عندما نتأمل الآية الأولى في هذا الربع، وهي قوله تعالى : ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ ﴾. الآية، نجدها مرتبطة كل الارتباط بالآيتين الأخيرتين من الربع الماضي ومبنية عليهما.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ففي الآيتين الأخيرتين من الربع الماضي وصف كاشف لشعور المنافقين الدفين، وموقفهم الحقيقي من الجهاد والمجاهدين، إذ يبين كتاب الله ما عليه المنافقون من التخلف والتباطؤ عن تلبية نداء الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، وما يقومون به علاوة على تخلفهم عن ركب المجاهدين من تثبيط لعزائم المسلمين، حتى لا يجاهدوا المشركين.
ورغما عن موقف التلكؤ والتخاذل والتثبيط الذي يقفونه كلما خرج المسلمون للجهاد في سبيل الله، فإنهم بحكم روح النفاق والطمع، والانتهازية التي هم عليها، يأسفون بالغ الأسف عندما ينتصر المسلمون، ويرجعون من جهادهم سالمين غانمين، ويتمنون لو أنهم حضروا معهم وكانوا من بين الفائزين كما أنهم بحكم روح النفاق والجبن والأنانية التي عليها يفرحون كامل الفرح بتخلفهم وعدم حضورهم، عندما يرجع المجاهدون وقد خلفوا من ورائهم في ساحة الجهاد عددا من الشهداء في سبيل الله.
ويشير كتاب الله في نفس هاتين الآيتين إلى أن نفس التعبير الغامض الذي يستعمله المنافقون في الحديث عن المؤمنين ينبئ عن دخيلتهم، إذ لا يذكرونهم بوصفهم المميز، وإنما يستعملون في الحديث عنهم " ضمير الغائب المبهم " مما يدل على أنهم لا يجمعهم بهم أدنى رابطة، وعلى أن كل ما يتظاهرون به من المودة لهم محض زور وبهتان، وذلك ما يتضمنه قوله تعالى في ختام الربع الماضي ﴿ وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا، ( ٧٢ ) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا( ٧٣ ) ﴾.


وعلى هذا المعنى الذي تتضمنه هاتان الآيتان وقع التعقيب بالآية الأولى في هذا الربع، وهي دعوة صادرة من الله تعالى إلى أولئك الذين استرخصوا أرواحهم في سبيله، لأن يقوموا بواجب الجهاد المقدس، غير ملتفتين إلى تخلف المنافقين وتثبيط المثبطين، كما أنها وعد صادق من الحق سبحانه وتعالى لهم بالأجر العظيم والثواب الجسيم، سواء منهم من غلب وعاد، ومن وقع شهيدا في ساحة الجهاد. وذلك قوله تعالى : ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا( ٧٤ ) ﴾.
وفي هذا الربع يتحدث كتاب الله عن طائفة أخرى لا تملك من الشجاعة والاستعداد للتضحية القدر الكافي لمواجهة أعباء الجهاد، ويتضمن الحديث عنها معنى الاستغراب والتعجب، حيث إن هذه الطائفة بالذات، في الوقت الذي كانت أوامر الله وتعليماته تصدر إلى المسلمين بالانتظار والصبر وتحمل الأذى إلى حين، كانت تتحرق شوقا إلى الجهاد، وتطلب من الرسول الإذن لها بالقتال، فلما حل موعد الجهاد وكتب عليها القتال أخذت تتراجع إلى الوراء، وتتمنى لو أن هذه الفريضة لم تفرض، وأجلت إلى موعد آخر، بل إنها أخذت تتساءل في دهشة واستغراب عن السر الذي من أجله فرض الله الجهاد على المسلمين وذلك كله حرصا منها على الحياة، وتشبثا بمصالحها المادية الخاصة، وخوفا على الأموال والنساء والأولاد من عواقب الجهاد.
وبعدما وصف كتاب الله هذا الصنف الرعديد من الناس، وما هو عليه من ضعف في النفس، وتمسك بالعيش الهنيء، جاء التعقيب على ذلك بمقارنة بين الدنيا ومتاعها والآخرة وثوابها، وأن الله يجازي من جاهد في سبيله بكامل العدل ومنتهى الكرم، كما يجازي القاعدين والمتخلفين بما هم أهله، وأن الموت الذي يخشونه سيدركهم لا محالة حيثما كانوا قاعدين أو مجاهدين.
وإلى مجموع هذه المعاني يشير قوله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً، ( ٧٧ ) أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾.
وبعدما وصف كتاب الله ما عليه المذبذبون والمنافقون من غريب الأطوار والأحوال، وما يبيتونه في نفوسهم ويجري على ألسنتهم من سخيف الأقوال، وما يغلب عليهم من ميل إلى التمرد والخلاف، بدلا من التزام الطاعة والتمسك بالائتلاف، اتجه الخطاب الإلهي رأسا إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، داعيا إياه في نفس السياق إلى القيام بواجب الجهاد الذي كلفه الله به، وألقاه على عاتقه قبل كل الناس، ليبادر إلى أدائه، دون أن ينظر إلى أي اعتبار آخر، وآمرا له في نفس الوقت بأن يحض المؤمنين على الجهاد في سبيل الله، بغض النظر عن تخاذل المتخاذلين، وتثبيط المثبطين، وتراجع ضعفاء النفوس العاجزين، مبينا لرسوله والمؤمنين أن هدف الجهاد في سبيل الله إنما هو كف أذى الكافرين عن المؤمنين، وخضد شوكة المشركين وذلك قوله تعالى : ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً( ٨٤ ) ﴾.
ونظرا لأن الهدف الأساسي من القتال في سبيل الله هو تحرير الفرد المسلم حتى لا يفتن في دينه، وتحرير الجماعة المسلمة حتى لا تفتن في دينها اختار كتاب الله أن يبرز هذا الهدف بشكل قوي، حتى تلتفت إليه جميع النظار، فجعله في مطلع هذا الربع منذ البداية، لأنه هو المقصد والغاية، وما يتبعه ويليه إنما هو وسيلة إليه، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ ﴾.
فاستثار كتاب الله حمية المسلمين، لإنقاذ إخوانهم المستضعفين الذين لم يستطيعوا الهجرة من مكة إلى المدينة بجانب بقية المهاجرين، ممن أصبحوا مغلوبين فيها على أمرهم، معرضين لسائر صنوف الأذى من طرف المشركين.
ووصف كتاب الله بمنتهى الدقة، وبصيغة بالغة التأثير تثير المشاعر، الحالة النفسية القلقة لأولئك المستضعفين من الرجال والنساء والولدان المعذبين من أجل عقيدة الإيمان، وما هم عليه من تبرم بنوع الحياة الجهنمية التي يتحملونها بمكة، وما يتوجهون به إلى الله صباح مساء من دعاء خاشع وابتهال صادق، ليعينهم على الخلاص من ربقة الشرك، والخروج من القرية الظالم أهلها إلى المدينة التي آمن أهلها، أملا في اللحاق بالرسول وصحبه من المهاجرين والأنصار، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا( ٧٥ ) ﴾.
وفي هذا السياق بين كتاب الله الفرق الجوهري والأساسي بين جهاد المؤمنين وقتال الكافرين، فالجهاد الذي فرضه الإسلام ليس من أجل السيطرة والاستغلال، ولا من أجل الاستعباد والإذلال، وإنما هو من أجل نصرة الحق وبسط العدل، وبث الخير والمعروف بين الناس، وهو في النهاية لإقامة دين الله، وإعلاء كلمته في الأرض على من سواه.
وعلى العكس من ذلك القتال الذي يقوم به الكافرون، فهو من أجل تدعيم العدوان، ومساندة الطغيان واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، وهو في النهاية للدفاع عن عبادة الأصنام والأوثان، وسدنتها من السحرة والكهان، وذلك ما تشير إليه في إيجاز وإعجاز هذه الآية الكريمة : ﴿ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ﴾.
ثم حرض كتاب الله المؤمنين على قتال الكافرين لوضع حد لعدوانهم، وفرض احترام الإسلام عليهم، وتمكين هيبته في نفوسهم، ونشر دعوتهم بكل حرية في أوساطهم، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
ونبه كتاب الله إلى الحلف الشيطاني المعقود بين الشيطان وأوليائه الكافرين إذ إنهم عن إيحائه يصدرون، وبإغرائه يمكرون، مؤكدا أن كيد الشيطان مطبوع بطابع الضعف والهزال، محكوم عليه بالفشل والزوال، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : ﴿ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا( ٧٦ ) ﴾.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٤: الربع الأخير من الحزب التاسع
في المصحف الكريم
عندما نتأمل الآية الأولى في هذا الربع، وهي قوله تعالى : ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ ﴾. الآية، نجدها مرتبطة كل الارتباط بالآيتين الأخيرتين من الربع الماضي ومبنية عليهما.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ففي الآيتين الأخيرتين من الربع الماضي وصف كاشف لشعور المنافقين الدفين، وموقفهم الحقيقي من الجهاد والمجاهدين، إذ يبين كتاب الله ما عليه المنافقون من التخلف والتباطؤ عن تلبية نداء الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، وما يقومون به علاوة على تخلفهم عن ركب المجاهدين من تثبيط لعزائم المسلمين، حتى لا يجاهدوا المشركين.
ورغما عن موقف التلكؤ والتخاذل والتثبيط الذي يقفونه كلما خرج المسلمون للجهاد في سبيل الله، فإنهم بحكم روح النفاق والطمع، والانتهازية التي هم عليها، يأسفون بالغ الأسف عندما ينتصر المسلمون، ويرجعون من جهادهم سالمين غانمين، ويتمنون لو أنهم حضروا معهم وكانوا من بين الفائزين كما أنهم بحكم روح النفاق والجبن والأنانية التي عليها يفرحون كامل الفرح بتخلفهم وعدم حضورهم، عندما يرجع المجاهدون وقد خلفوا من ورائهم في ساحة الجهاد عددا من الشهداء في سبيل الله.
ويشير كتاب الله في نفس هاتين الآيتين إلى أن نفس التعبير الغامض الذي يستعمله المنافقون في الحديث عن المؤمنين ينبئ عن دخيلتهم، إذ لا يذكرونهم بوصفهم المميز، وإنما يستعملون في الحديث عنهم " ضمير الغائب المبهم " مما يدل على أنهم لا يجمعهم بهم أدنى رابطة، وعلى أن كل ما يتظاهرون به من المودة لهم محض زور وبهتان، وذلك ما يتضمنه قوله تعالى في ختام الربع الماضي ﴿ وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا، ( ٧٢ ) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا( ٧٣ ) ﴾.


وعلى هذا المعنى الذي تتضمنه هاتان الآيتان وقع التعقيب بالآية الأولى في هذا الربع، وهي دعوة صادرة من الله تعالى إلى أولئك الذين استرخصوا أرواحهم في سبيله، لأن يقوموا بواجب الجهاد المقدس، غير ملتفتين إلى تخلف المنافقين وتثبيط المثبطين، كما أنها وعد صادق من الحق سبحانه وتعالى لهم بالأجر العظيم والثواب الجسيم، سواء منهم من غلب وعاد، ومن وقع شهيدا في ساحة الجهاد. وذلك قوله تعالى : ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا( ٧٤ ) ﴾.
وفي هذا الربع يتحدث كتاب الله عن طائفة أخرى لا تملك من الشجاعة والاستعداد للتضحية القدر الكافي لمواجهة أعباء الجهاد، ويتضمن الحديث عنها معنى الاستغراب والتعجب، حيث إن هذه الطائفة بالذات، في الوقت الذي كانت أوامر الله وتعليماته تصدر إلى المسلمين بالانتظار والصبر وتحمل الأذى إلى حين، كانت تتحرق شوقا إلى الجهاد، وتطلب من الرسول الإذن لها بالقتال، فلما حل موعد الجهاد وكتب عليها القتال أخذت تتراجع إلى الوراء، وتتمنى لو أن هذه الفريضة لم تفرض، وأجلت إلى موعد آخر، بل إنها أخذت تتساءل في دهشة واستغراب عن السر الذي من أجله فرض الله الجهاد على المسلمين وذلك كله حرصا منها على الحياة، وتشبثا بمصالحها المادية الخاصة، وخوفا على الأموال والنساء والأولاد من عواقب الجهاد.
وبعدما وصف كتاب الله هذا الصنف الرعديد من الناس، وما هو عليه من ضعف في النفس، وتمسك بالعيش الهنيء، جاء التعقيب على ذلك بمقارنة بين الدنيا ومتاعها والآخرة وثوابها، وأن الله يجازي من جاهد في سبيله بكامل العدل ومنتهى الكرم، كما يجازي القاعدين والمتخلفين بما هم أهله، وأن الموت الذي يخشونه سيدركهم لا محالة حيثما كانوا قاعدين أو مجاهدين.
وإلى مجموع هذه المعاني يشير قوله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً، ( ٧٧ ) أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾.
وبعدما وصف كتاب الله ما عليه المذبذبون والمنافقون من غريب الأطوار والأحوال، وما يبيتونه في نفوسهم ويجري على ألسنتهم من سخيف الأقوال، وما يغلب عليهم من ميل إلى التمرد والخلاف، بدلا من التزام الطاعة والتمسك بالائتلاف، اتجه الخطاب الإلهي رأسا إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، داعيا إياه في نفس السياق إلى القيام بواجب الجهاد الذي كلفه الله به، وألقاه على عاتقه قبل كل الناس، ليبادر إلى أدائه، دون أن ينظر إلى أي اعتبار آخر، وآمرا له في نفس الوقت بأن يحض المؤمنين على الجهاد في سبيل الله، بغض النظر عن تخاذل المتخاذلين، وتثبيط المثبطين، وتراجع ضعفاء النفوس العاجزين، مبينا لرسوله والمؤمنين أن هدف الجهاد في سبيل الله إنما هو كف أذى الكافرين عن المؤمنين، وخضد شوكة المشركين وذلك قوله تعالى : ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً( ٨٤ ) ﴾.
ونظرا لأن الهدف الأساسي من القتال في سبيل الله هو تحرير الفرد المسلم حتى لا يفتن في دينه، وتحرير الجماعة المسلمة حتى لا تفتن في دينها اختار كتاب الله أن يبرز هذا الهدف بشكل قوي، حتى تلتفت إليه جميع النظار، فجعله في مطلع هذا الربع منذ البداية، لأنه هو المقصد والغاية، وما يتبعه ويليه إنما هو وسيلة إليه، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ ﴾.
فاستثار كتاب الله حمية المسلمين، لإنقاذ إخوانهم المستضعفين الذين لم يستطيعوا الهجرة من مكة إلى المدينة بجانب بقية المهاجرين، ممن أصبحوا مغلوبين فيها على أمرهم، معرضين لسائر صنوف الأذى من طرف المشركين.
ووصف كتاب الله بمنتهى الدقة، وبصيغة بالغة التأثير تثير المشاعر، الحالة النفسية القلقة لأولئك المستضعفين من الرجال والنساء والولدان المعذبين من أجل عقيدة الإيمان، وما هم عليه من تبرم بنوع الحياة الجهنمية التي يتحملونها بمكة، وما يتوجهون به إلى الله صباح مساء من دعاء خاشع وابتهال صادق، ليعينهم على الخلاص من ربقة الشرك، والخروج من القرية الظالم أهلها إلى المدينة التي آمن أهلها، أملا في اللحاق بالرسول وصحبه من المهاجرين والأنصار، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا( ٧٥ ) ﴾.
وفي هذا السياق بين كتاب الله الفرق الجوهري والأساسي بين جهاد المؤمنين وقتال الكافرين، فالجهاد الذي فرضه الإسلام ليس من أجل السيطرة والاستغلال، ولا من أجل الاستعباد والإذلال، وإنما هو من أجل نصرة الحق وبسط العدل، وبث الخير والمعروف بين الناس، وهو في النهاية لإقامة دين الله، وإعلاء كلمته في الأرض على من سواه.
وعلى العكس من ذلك القتال الذي يقوم به الكافرون، فهو من أجل تدعيم العدوان، ومساندة الطغيان واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، وهو في النهاية للدفاع عن عبادة الأصنام والأوثان، وسدنتها من السحرة والكهان، وذلك ما تشير إليه في إيجاز وإعجاز هذه الآية الكريمة : ﴿ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ﴾.
ثم حرض كتاب الله المؤمنين على قتال الكافرين لوضع حد لعدوانهم، وفرض احترام الإسلام عليهم، وتمكين هيبته في نفوسهم، ونشر دعوتهم بكل حرية في أوساطهم، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
ونبه كتاب الله إلى الحلف الشيطاني المعقود بين الشيطان وأوليائه الكافرين إذ إنهم عن إيحائه يصدرون، وبإغرائه يمكرون، مؤكدا أن كيد الشيطان مطبوع بطابع الضعف والهزال، محكوم عليه بالفشل والزوال، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : ﴿ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا( ٧٦ ) ﴾.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٤: الربع الأخير من الحزب التاسع
في المصحف الكريم
عندما نتأمل الآية الأولى في هذا الربع، وهي قوله تعالى : ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ ﴾. الآية، نجدها مرتبطة كل الارتباط بالآيتين الأخيرتين من الربع الماضي ومبنية عليهما.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ففي الآيتين الأخيرتين من الربع الماضي وصف كاشف لشعور المنافقين الدفين، وموقفهم الحقيقي من الجهاد والمجاهدين، إذ يبين كتاب الله ما عليه المنافقون من التخلف والتباطؤ عن تلبية نداء الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، وما يقومون به علاوة على تخلفهم عن ركب المجاهدين من تثبيط لعزائم المسلمين، حتى لا يجاهدوا المشركين.
ورغما عن موقف التلكؤ والتخاذل والتثبيط الذي يقفونه كلما خرج المسلمون للجهاد في سبيل الله، فإنهم بحكم روح النفاق والطمع، والانتهازية التي هم عليها، يأسفون بالغ الأسف عندما ينتصر المسلمون، ويرجعون من جهادهم سالمين غانمين، ويتمنون لو أنهم حضروا معهم وكانوا من بين الفائزين كما أنهم بحكم روح النفاق والجبن والأنانية التي عليها يفرحون كامل الفرح بتخلفهم وعدم حضورهم، عندما يرجع المجاهدون وقد خلفوا من ورائهم في ساحة الجهاد عددا من الشهداء في سبيل الله.
ويشير كتاب الله في نفس هاتين الآيتين إلى أن نفس التعبير الغامض الذي يستعمله المنافقون في الحديث عن المؤمنين ينبئ عن دخيلتهم، إذ لا يذكرونهم بوصفهم المميز، وإنما يستعملون في الحديث عنهم " ضمير الغائب المبهم " مما يدل على أنهم لا يجمعهم بهم أدنى رابطة، وعلى أن كل ما يتظاهرون به من المودة لهم محض زور وبهتان، وذلك ما يتضمنه قوله تعالى في ختام الربع الماضي ﴿ وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا، ( ٧٢ ) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا( ٧٣ ) ﴾.


وعلى هذا المعنى الذي تتضمنه هاتان الآيتان وقع التعقيب بالآية الأولى في هذا الربع، وهي دعوة صادرة من الله تعالى إلى أولئك الذين استرخصوا أرواحهم في سبيله، لأن يقوموا بواجب الجهاد المقدس، غير ملتفتين إلى تخلف المنافقين وتثبيط المثبطين، كما أنها وعد صادق من الحق سبحانه وتعالى لهم بالأجر العظيم والثواب الجسيم، سواء منهم من غلب وعاد، ومن وقع شهيدا في ساحة الجهاد. وذلك قوله تعالى : ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا( ٧٤ ) ﴾.
وفي هذا الربع يتحدث كتاب الله عن طائفة أخرى لا تملك من الشجاعة والاستعداد للتضحية القدر الكافي لمواجهة أعباء الجهاد، ويتضمن الحديث عنها معنى الاستغراب والتعجب، حيث إن هذه الطائفة بالذات، في الوقت الذي كانت أوامر الله وتعليماته تصدر إلى المسلمين بالانتظار والصبر وتحمل الأذى إلى حين، كانت تتحرق شوقا إلى الجهاد، وتطلب من الرسول الإذن لها بالقتال، فلما حل موعد الجهاد وكتب عليها القتال أخذت تتراجع إلى الوراء، وتتمنى لو أن هذه الفريضة لم تفرض، وأجلت إلى موعد آخر، بل إنها أخذت تتساءل في دهشة واستغراب عن السر الذي من أجله فرض الله الجهاد على المسلمين وذلك كله حرصا منها على الحياة، وتشبثا بمصالحها المادية الخاصة، وخوفا على الأموال والنساء والأولاد من عواقب الجهاد.
وبعدما وصف كتاب الله هذا الصنف الرعديد من الناس، وما هو عليه من ضعف في النفس، وتمسك بالعيش الهنيء، جاء التعقيب على ذلك بمقارنة بين الدنيا ومتاعها والآخرة وثوابها، وأن الله يجازي من جاهد في سبيله بكامل العدل ومنتهى الكرم، كما يجازي القاعدين والمتخلفين بما هم أهله، وأن الموت الذي يخشونه سيدركهم لا محالة حيثما كانوا قاعدين أو مجاهدين.
وإلى مجموع هذه المعاني يشير قوله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً، ( ٧٧ ) أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾.
وبعدما وصف كتاب الله ما عليه المذبذبون والمنافقون من غريب الأطوار والأحوال، وما يبيتونه في نفوسهم ويجري على ألسنتهم من سخيف الأقوال، وما يغلب عليهم من ميل إلى التمرد والخلاف، بدلا من التزام الطاعة والتمسك بالائتلاف، اتجه الخطاب الإلهي رأسا إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، داعيا إياه في نفس السياق إلى القيام بواجب الجهاد الذي كلفه الله به، وألقاه على عاتقه قبل كل الناس، ليبادر إلى أدائه، دون أن ينظر إلى أي اعتبار آخر، وآمرا له في نفس الوقت بأن يحض المؤمنين على الجهاد في سبيل الله، بغض النظر عن تخاذل المتخاذلين، وتثبيط المثبطين، وتراجع ضعفاء النفوس العاجزين، مبينا لرسوله والمؤمنين أن هدف الجهاد في سبيل الله إنما هو كف أذى الكافرين عن المؤمنين، وخضد شوكة المشركين وذلك قوله تعالى : ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً( ٨٤ ) ﴾.
ونظرا لأن الهدف الأساسي من القتال في سبيل الله هو تحرير الفرد المسلم حتى لا يفتن في دينه، وتحرير الجماعة المسلمة حتى لا تفتن في دينها اختار كتاب الله أن يبرز هذا الهدف بشكل قوي، حتى تلتفت إليه جميع النظار، فجعله في مطلع هذا الربع منذ البداية، لأنه هو المقصد والغاية، وما يتبعه ويليه إنما هو وسيلة إليه، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ ﴾.
فاستثار كتاب الله حمية المسلمين، لإنقاذ إخوانهم المستضعفين الذين لم يستطيعوا الهجرة من مكة إلى المدينة بجانب بقية المهاجرين، ممن أصبحوا مغلوبين فيها على أمرهم، معرضين لسائر صنوف الأذى من طرف المشركين.
ووصف كتاب الله بمنتهى الدقة، وبصيغة بالغة التأثير تثير المشاعر، الحالة النفسية القلقة لأولئك المستضعفين من الرجال والنساء والولدان المعذبين من أجل عقيدة الإيمان، وما هم عليه من تبرم بنوع الحياة الجهنمية التي يتحملونها بمكة، وما يتوجهون به إلى الله صباح مساء من دعاء خاشع وابتهال صادق، ليعينهم على الخلاص من ربقة الشرك، والخروج من القرية الظالم أهلها إلى المدينة التي آمن أهلها، أملا في اللحاق بالرسول وصحبه من المهاجرين والأنصار، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا( ٧٥ ) ﴾.
وفي هذا السياق بين كتاب الله الفرق الجوهري والأساسي بين جهاد المؤمنين وقتال الكافرين، فالجهاد الذي فرضه الإسلام ليس من أجل السيطرة والاستغلال، ولا من أجل الاستعباد والإذلال، وإنما هو من أجل نصرة الحق وبسط العدل، وبث الخير والمعروف بين الناس، وهو في النهاية لإقامة دين الله، وإعلاء كلمته في الأرض على من سواه.
وعلى العكس من ذلك القتال الذي يقوم به الكافرون، فهو من أجل تدعيم العدوان، ومساندة الطغيان واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، وهو في النهاية للدفاع عن عبادة الأصنام والأوثان، وسدنتها من السحرة والكهان، وذلك ما تشير إليه في إيجاز وإعجاز هذه الآية الكريمة : ﴿ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ﴾.
ثم حرض كتاب الله المؤمنين على قتال الكافرين لوضع حد لعدوانهم، وفرض احترام الإسلام عليهم، وتمكين هيبته في نفوسهم، ونشر دعوتهم بكل حرية في أوساطهم، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
ونبه كتاب الله إلى الحلف الشيطاني المعقود بين الشيطان وأوليائه الكافرين إذ إنهم عن إيحائه يصدرون، وبإغرائه يمكرون، مؤكدا أن كيد الشيطان مطبوع بطابع الضعف والهزال، محكوم عليه بالفشل والزوال، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : ﴿ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا( ٧٦ ) ﴾.

الربع الأول من الحزب العاشر
في المصحف الكريم
يتوالى الحديث في هذا الربع عن الجهاد في سبيل الله، وعن بيان الظروف التي يسوغ فيها أولا يسوغ.
فمن ذلك أن طائفة كانت قد أظهرت الإسلام بمكة قبل الهجرة، فلما جاء وقت الهجرة وهاجر الرسول ومن معه بقيت هذه الطائفة مستقرة بمكة مع المشركين، دون أن تلحق بالنبي المهاجر، وذات يوم خرجت تطلب حاجة لها خارج مكة على أن تعود إليها ولا تهاجر، مطمئنة إلى أن أصحاب محمد إن لقوها فليس عليها منهم بأس، على حد تعبيرها الخاص، فبلغ خبر خروجها إلى المؤمنين من المهاجرين والأنصار، وانقسم الرأي العام بالمدينة في شأن هذه الطائفة، فمن قائل :يجب التعرض لهؤلاء الجبناء وقتلهم، بحجة أنهم يظاهرون العدو، ومن قائل :أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به، وتستحلون دماءهم وأموالهم من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم ؟ وافترق المسلمون في الرأي إلى فئتين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهى أي فريق من الفريقين عن رأيه، حتى نزلت آيات كريمة لفض هذا الخلاف في الرأي، وأكدت هذه الآيات رأي الفريق الذي نادى بقتالهم، إن لم يفارقوا مكة نهائيا، ويلحقوا برسول الله مهاجرين معه، وبينت أن " الفرقان " بين نفاق هذه الطائفة وإيمانها هو الإقدام على الهجرة في سبيل الله دون تردد، والتضحية من أجلها بالنفس والنفيس، وإلا حقت على هذه الطائفة كلمة العذاب، واعتبرها المسلمون ملحقة بالمشركين، يعمها ما يعمهم من الأسر والسبي والقتال، وذلك قوله تعالى في شأن هذه الطائفة، وموقف المؤمنين منها ووجه الحق في مصيرها مخاطبا للمؤمنين ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً، ( ٨٨ ) وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا( ٨٩ ) ﴾. أي ما لكم تفرقتم فرقتين في شأن قوم نافقوا نفاقا ظاهرا ولم تبتوا القول بكفرهم.
ومن ذلك أن طائفة أخرى بمكة كان لها نوع ارتباط وتحالف بمن لهم مع المسلمين حلف وميثاق، فهذه الطائفة ألزم كتاب الله بعدم المساس بها، رعاية واحتراما للميثاق الذي بين المسلمين وبين الطرف المعاهد الذي لها به علاقة وارتباط، وهذا معنى قوله تعالى : ﴿ إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ﴾. أي فاجعلوا حكمهم كحكمهم.
ومن ذلك أن طائفة ثالثة التزمت الحياد بالنسبة للمسلمين وبالنسبة للمشركين، فلا هي تقاتل المسلمين إلى جانب أهل الشرك، ولا هي تشارك المسلمين في قتالهم للمشركين، فهذه الطائفة إن حافظت على حيادها وبقيت ملتزمة للسلم تجاه المسلمين لم ينالوها بسوء، وهذا هو معنى قوله تعالى : ﴿ أَوْ جَاؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾. أي لم تسمح له ضمائرهم ﴿ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ ﴾. أي لم يتعرضوا لكم ﴿ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً( ٩٠ ) ﴾.
ومن ذلك أن طائفة رابعة تتظاهر بالحياد إزاء المؤمنين وإزاء الكافرين، لكن لا بوازع قلبي سليم وإنما بدافع مصلحتها الخاصة، حيث إنها ترى من فائدتها أن تلعب على حبلين، حتى تضمن مصالحها لدى كل من الطرفين، فهي في الباطن من الفتنة وإليها، وهي في جانب الشرك وأهله، وإن كانت في الظاهر تقف موقف الحياد، وتتظاهر بالإسلام أمام أهله، وهذه الطائفة أباح الله للمسلمين دماءها وأموالها إذا تعرضت للمسلمين ولم تعتزلهم وتسالمهم ظاهرا وباطنا، وجعل الله للمسلمين عليها حق القتال بكافة توابعه ونتائجه، وهذا معنى قوله تعالى مخاطبا المؤمنين : ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا ﴾. أي انهمكوا في تدبيرها ﴿ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ ﴾. بل تعرضوا لكم ﴿ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ ﴾. أي حيث تمكنتم منهم ﴿ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا( ٩١ ) ﴾.
ثم وجه كتاب الله خطابه إلى المؤمنين يدعوهم إلى مزيد التثبت ومنتهى التحري قبل الحكم على أي شخص أو أية طائفة بالكفر، وقبل معاملتهم لأي واحد منهما على ذلك الأساس، ونبههم إلى أنهم إذا كانوا يجوبون الأرض في سبيل الله وعثروا على من يعلن أنه مسالم لا محارب، ويدعي أنه مؤمن، لا كافر ولا منافق، فإنهم لا يسوغ لهم أن يبادروا إلى قتله لمجرد سوء الظن به وعدم معرفته، بل يجب عليهم التثبت من أمره، والاطلاع على حقيقته، والحكم بعد ذلك له أو عليه، وأكد كتاب الله أكثر من مرة في نفس السياق ضرورة التحري من جانبهم في شأنه، حتى لا يحمل عملهم على مجرد الطمع في الاستيلاء على ماله بعد قتله.
وذكرت الآية الكريمة المؤمنين الذين هاجروا مع الرسول صلى الله عليه وسلم أن منهم من كان مؤمنا وكان يخفي إيمانه، حتى من الله عليهم وأذن لهم بإعلان إيمانهم أمام الملأ، وأنه يبعد أن يكون هذا الذي سقط بين أيديهم الآن وأعلن إيمانه هو أيضا في نفس الوضع الذي كانوا عليه من قبل، وهذا معنى قوله تعالى : ﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ( ٩٤ ) ﴾.
وأخيرا استعرض كتاب الله حال طائفة أخرى آثرت البقاء بمكة تحت سلطان الشرك والوثنية، لا لأن أفرادها من المستضعفين الذين أقعدهم العجز والضعف عن الهجرة إلى المدينة، ولكن لأن هواهم من هوى المشركين، ومصالحهم تقضي عليهم بمجاملة الشرك وأهله، والرضى بالبقاء تحت أمره ونهيه، والوقوف بجانبه عند الحاجة، ويعتبر كتاب الله أفراد الطائفة( ظالمي أنفسهم ) لا مظلومين ولا مستضعفين.
ويصف القرآن الكريم حوارا يدور بينهم بعد موتهم وبين الملائكة، يتبين من خلاله ما تعودوا عليه من كذب ونفاق وميل إلى التضليل، وينتهي هذا الحوار بكشف الستار عنهم، وبسقوط ادعائهم الباطل، وبعقابهم من الله عقابا شديدا.
ثم يستثني كتاب الله من هذه الطائفة الظالمة المؤمنين المظلومين والمستضعفين حقا، وهم أولئك الذين لم يجدوا حيلة للخروج من مكة، ولا قدرة على الهجرة إلى المدينة، من الرجال العاجزين، والنساء الضعيفات، والولدان الصغار، ويفتح كتاب الله في وجه هؤلاء المستضعفين باب الأمل والرجاء في عفوه ومغفرته، جزاء ثقتهم بالله، وتعلقهم به، وهجرتهم بقلوبهم إلى الله ورسوله. ونقل عن ابن عباس أنه قال :( كنت أنا وأمي ممن عذر الله عز وجل، من المستضعفين، من النساء والولدان ).
وهذه المعاني هي التي يتضمنها قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا، ( ٩٧ ) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً، ( ٩٨ ) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا( ٩٩ ) ﴾.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٧: الربع الأول من الحزب العاشر
في المصحف الكريم
يتوالى الحديث في هذا الربع عن الجهاد في سبيل الله، وعن بيان الظروف التي يسوغ فيها أولا يسوغ.
فمن ذلك أن طائفة كانت قد أظهرت الإسلام بمكة قبل الهجرة، فلما جاء وقت الهجرة وهاجر الرسول ومن معه بقيت هذه الطائفة مستقرة بمكة مع المشركين، دون أن تلحق بالنبي المهاجر، وذات يوم خرجت تطلب حاجة لها خارج مكة على أن تعود إليها ولا تهاجر، مطمئنة إلى أن أصحاب محمد إن لقوها فليس عليها منهم بأس، على حد تعبيرها الخاص، فبلغ خبر خروجها إلى المؤمنين من المهاجرين والأنصار، وانقسم الرأي العام بالمدينة في شأن هذه الطائفة، فمن قائل :يجب التعرض لهؤلاء الجبناء وقتلهم، بحجة أنهم يظاهرون العدو، ومن قائل :أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به، وتستحلون دماءهم وأموالهم من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم ؟ وافترق المسلمون في الرأي إلى فئتين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهى أي فريق من الفريقين عن رأيه، حتى نزلت آيات كريمة لفض هذا الخلاف في الرأي، وأكدت هذه الآيات رأي الفريق الذي نادى بقتالهم، إن لم يفارقوا مكة نهائيا، ويلحقوا برسول الله مهاجرين معه، وبينت أن " الفرقان " بين نفاق هذه الطائفة وإيمانها هو الإقدام على الهجرة في سبيل الله دون تردد، والتضحية من أجلها بالنفس والنفيس، وإلا حقت على هذه الطائفة كلمة العذاب، واعتبرها المسلمون ملحقة بالمشركين، يعمها ما يعمهم من الأسر والسبي والقتال، وذلك قوله تعالى في شأن هذه الطائفة، وموقف المؤمنين منها ووجه الحق في مصيرها مخاطبا للمؤمنين ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً، ( ٨٨ ) وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا( ٨٩ ) ﴾. أي ما لكم تفرقتم فرقتين في شأن قوم نافقوا نفاقا ظاهرا ولم تبتوا القول بكفرهم.
ومن ذلك أن طائفة أخرى بمكة كان لها نوع ارتباط وتحالف بمن لهم مع المسلمين حلف وميثاق، فهذه الطائفة ألزم كتاب الله بعدم المساس بها، رعاية واحتراما للميثاق الذي بين المسلمين وبين الطرف المعاهد الذي لها به علاقة وارتباط، وهذا معنى قوله تعالى : ﴿ إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ﴾. أي فاجعلوا حكمهم كحكمهم.
ومن ذلك أن طائفة ثالثة التزمت الحياد بالنسبة للمسلمين وبالنسبة للمشركين، فلا هي تقاتل المسلمين إلى جانب أهل الشرك، ولا هي تشارك المسلمين في قتالهم للمشركين، فهذه الطائفة إن حافظت على حيادها وبقيت ملتزمة للسلم تجاه المسلمين لم ينالوها بسوء، وهذا هو معنى قوله تعالى : ﴿ أَوْ جَاؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾. أي لم تسمح له ضمائرهم ﴿ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ ﴾. أي لم يتعرضوا لكم ﴿ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً( ٩٠ ) ﴾.
ومن ذلك أن طائفة رابعة تتظاهر بالحياد إزاء المؤمنين وإزاء الكافرين، لكن لا بوازع قلبي سليم وإنما بدافع مصلحتها الخاصة، حيث إنها ترى من فائدتها أن تلعب على حبلين، حتى تضمن مصالحها لدى كل من الطرفين، فهي في الباطن من الفتنة وإليها، وهي في جانب الشرك وأهله، وإن كانت في الظاهر تقف موقف الحياد، وتتظاهر بالإسلام أمام أهله، وهذه الطائفة أباح الله للمسلمين دماءها وأموالها إذا تعرضت للمسلمين ولم تعتزلهم وتسالمهم ظاهرا وباطنا، وجعل الله للمسلمين عليها حق القتال بكافة توابعه ونتائجه، وهذا معنى قوله تعالى مخاطبا المؤمنين : ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا ﴾. أي انهمكوا في تدبيرها ﴿ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ ﴾. بل تعرضوا لكم ﴿ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ ﴾. أي حيث تمكنتم منهم ﴿ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا( ٩١ ) ﴾.
ثم وجه كتاب الله خطابه إلى المؤمنين يدعوهم إلى مزيد التثبت ومنتهى التحري قبل الحكم على أي شخص أو أية طائفة بالكفر، وقبل معاملتهم لأي واحد منهما على ذلك الأساس، ونبههم إلى أنهم إذا كانوا يجوبون الأرض في سبيل الله وعثروا على من يعلن أنه مسالم لا محارب، ويدعي أنه مؤمن، لا كافر ولا منافق، فإنهم لا يسوغ لهم أن يبادروا إلى قتله لمجرد سوء الظن به وعدم معرفته، بل يجب عليهم التثبت من أمره، والاطلاع على حقيقته، والحكم بعد ذلك له أو عليه، وأكد كتاب الله أكثر من مرة في نفس السياق ضرورة التحري من جانبهم في شأنه، حتى لا يحمل عملهم على مجرد الطمع في الاستيلاء على ماله بعد قتله.
وذكرت الآية الكريمة المؤمنين الذين هاجروا مع الرسول صلى الله عليه وسلم أن منهم من كان مؤمنا وكان يخفي إيمانه، حتى من الله عليهم وأذن لهم بإعلان إيمانهم أمام الملأ، وأنه يبعد أن يكون هذا الذي سقط بين أيديهم الآن وأعلن إيمانه هو أيضا في نفس الوضع الذي كانوا عليه من قبل، وهذا معنى قوله تعالى : ﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ( ٩٤ ) ﴾.
وأخيرا استعرض كتاب الله حال طائفة أخرى آثرت البقاء بمكة تحت سلطان الشرك والوثنية، لا لأن أفرادها من المستضعفين الذين أقعدهم العجز والضعف عن الهجرة إلى المدينة، ولكن لأن هواهم من هوى المشركين، ومصالحهم تقضي عليهم بمجاملة الشرك وأهله، والرضى بالبقاء تحت أمره ونهيه، والوقوف بجانبه عند الحاجة، ويعتبر كتاب الله أفراد الطائفة( ظالمي أنفسهم ) لا مظلومين ولا مستضعفين.
ويصف القرآن الكريم حوارا يدور بينهم بعد موتهم وبين الملائكة، يتبين من خلاله ما تعودوا عليه من كذب ونفاق وميل إلى التضليل، وينتهي هذا الحوار بكشف الستار عنهم، وبسقوط ادعائهم الباطل، وبعقابهم من الله عقابا شديدا.
ثم يستثني كتاب الله من هذه الطائفة الظالمة المؤمنين المظلومين والمستضعفين حقا، وهم أولئك الذين لم يجدوا حيلة للخروج من مكة، ولا قدرة على الهجرة إلى المدينة، من الرجال العاجزين، والنساء الضعيفات، والولدان الصغار، ويفتح كتاب الله في وجه هؤلاء المستضعفين باب الأمل والرجاء في عفوه ومغفرته، جزاء ثقتهم بالله، وتعلقهم به، وهجرتهم بقلوبهم إلى الله ورسوله. ونقل عن ابن عباس أنه قال :( كنت أنا وأمي ممن عذر الله عز وجل، من المستضعفين، من النساء والولدان ).
وهذه المعاني هي التي يتضمنها قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا، ( ٩٧ ) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً، ( ٩٨ ) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا( ٩٩ ) ﴾.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٧: الربع الأول من الحزب العاشر
في المصحف الكريم
يتوالى الحديث في هذا الربع عن الجهاد في سبيل الله، وعن بيان الظروف التي يسوغ فيها أولا يسوغ.
فمن ذلك أن طائفة كانت قد أظهرت الإسلام بمكة قبل الهجرة، فلما جاء وقت الهجرة وهاجر الرسول ومن معه بقيت هذه الطائفة مستقرة بمكة مع المشركين، دون أن تلحق بالنبي المهاجر، وذات يوم خرجت تطلب حاجة لها خارج مكة على أن تعود إليها ولا تهاجر، مطمئنة إلى أن أصحاب محمد إن لقوها فليس عليها منهم بأس، على حد تعبيرها الخاص، فبلغ خبر خروجها إلى المؤمنين من المهاجرين والأنصار، وانقسم الرأي العام بالمدينة في شأن هذه الطائفة، فمن قائل :يجب التعرض لهؤلاء الجبناء وقتلهم، بحجة أنهم يظاهرون العدو، ومن قائل :أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به، وتستحلون دماءهم وأموالهم من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم ؟ وافترق المسلمون في الرأي إلى فئتين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهى أي فريق من الفريقين عن رأيه، حتى نزلت آيات كريمة لفض هذا الخلاف في الرأي، وأكدت هذه الآيات رأي الفريق الذي نادى بقتالهم، إن لم يفارقوا مكة نهائيا، ويلحقوا برسول الله مهاجرين معه، وبينت أن " الفرقان " بين نفاق هذه الطائفة وإيمانها هو الإقدام على الهجرة في سبيل الله دون تردد، والتضحية من أجلها بالنفس والنفيس، وإلا حقت على هذه الطائفة كلمة العذاب، واعتبرها المسلمون ملحقة بالمشركين، يعمها ما يعمهم من الأسر والسبي والقتال، وذلك قوله تعالى في شأن هذه الطائفة، وموقف المؤمنين منها ووجه الحق في مصيرها مخاطبا للمؤمنين ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً، ( ٨٨ ) وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا( ٨٩ ) ﴾. أي ما لكم تفرقتم فرقتين في شأن قوم نافقوا نفاقا ظاهرا ولم تبتوا القول بكفرهم.
ومن ذلك أن طائفة أخرى بمكة كان لها نوع ارتباط وتحالف بمن لهم مع المسلمين حلف وميثاق، فهذه الطائفة ألزم كتاب الله بعدم المساس بها، رعاية واحتراما للميثاق الذي بين المسلمين وبين الطرف المعاهد الذي لها به علاقة وارتباط، وهذا معنى قوله تعالى : ﴿ إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ﴾. أي فاجعلوا حكمهم كحكمهم.
ومن ذلك أن طائفة ثالثة التزمت الحياد بالنسبة للمسلمين وبالنسبة للمشركين، فلا هي تقاتل المسلمين إلى جانب أهل الشرك، ولا هي تشارك المسلمين في قتالهم للمشركين، فهذه الطائفة إن حافظت على حيادها وبقيت ملتزمة للسلم تجاه المسلمين لم ينالوها بسوء، وهذا هو معنى قوله تعالى : ﴿ أَوْ جَاؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾. أي لم تسمح له ضمائرهم ﴿ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ ﴾. أي لم يتعرضوا لكم ﴿ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً( ٩٠ ) ﴾.
ومن ذلك أن طائفة رابعة تتظاهر بالحياد إزاء المؤمنين وإزاء الكافرين، لكن لا بوازع قلبي سليم وإنما بدافع مصلحتها الخاصة، حيث إنها ترى من فائدتها أن تلعب على حبلين، حتى تضمن مصالحها لدى كل من الطرفين، فهي في الباطن من الفتنة وإليها، وهي في جانب الشرك وأهله، وإن كانت في الظاهر تقف موقف الحياد، وتتظاهر بالإسلام أمام أهله، وهذه الطائفة أباح الله للمسلمين دماءها وأموالها إذا تعرضت للمسلمين ولم تعتزلهم وتسالمهم ظاهرا وباطنا، وجعل الله للمسلمين عليها حق القتال بكافة توابعه ونتائجه، وهذا معنى قوله تعالى مخاطبا المؤمنين : ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا ﴾. أي انهمكوا في تدبيرها ﴿ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ ﴾. بل تعرضوا لكم ﴿ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ ﴾. أي حيث تمكنتم منهم ﴿ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا( ٩١ ) ﴾.
ثم وجه كتاب الله خطابه إلى المؤمنين يدعوهم إلى مزيد التثبت ومنتهى التحري قبل الحكم على أي شخص أو أية طائفة بالكفر، وقبل معاملتهم لأي واحد منهما على ذلك الأساس، ونبههم إلى أنهم إذا كانوا يجوبون الأرض في سبيل الله وعثروا على من يعلن أنه مسالم لا محارب، ويدعي أنه مؤمن، لا كافر ولا منافق، فإنهم لا يسوغ لهم أن يبادروا إلى قتله لمجرد سوء الظن به وعدم معرفته، بل يجب عليهم التثبت من أمره، والاطلاع على حقيقته، والحكم بعد ذلك له أو عليه، وأكد كتاب الله أكثر من مرة في نفس السياق ضرورة التحري من جانبهم في شأنه، حتى لا يحمل عملهم على مجرد الطمع في الاستيلاء على ماله بعد قتله.
وذكرت الآية الكريمة المؤمنين الذين هاجروا مع الرسول صلى الله عليه وسلم أن منهم من كان مؤمنا وكان يخفي إيمانه، حتى من الله عليهم وأذن لهم بإعلان إيمانهم أمام الملأ، وأنه يبعد أن يكون هذا الذي سقط بين أيديهم الآن وأعلن إيمانه هو أيضا في نفس الوضع الذي كانوا عليه من قبل، وهذا معنى قوله تعالى : ﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ( ٩٤ ) ﴾.
وأخيرا استعرض كتاب الله حال طائفة أخرى آثرت البقاء بمكة تحت سلطان الشرك والوثنية، لا لأن أفرادها من المستضعفين الذين أقعدهم العجز والضعف عن الهجرة إلى المدينة، ولكن لأن هواهم من هوى المشركين، ومصالحهم تقضي عليهم بمجاملة الشرك وأهله، والرضى بالبقاء تحت أمره ونهيه، والوقوف بجانبه عند الحاجة، ويعتبر كتاب الله أفراد الطائفة( ظالمي أنفسهم ) لا مظلومين ولا مستضعفين.
ويصف القرآن الكريم حوارا يدور بينهم بعد موتهم وبين الملائكة، يتبين من خلاله ما تعودوا عليه من كذب ونفاق وميل إلى التضليل، وينتهي هذا الحوار بكشف الستار عنهم، وبسقوط ادعائهم الباطل، وبعقابهم من الله عقابا شديدا.
ثم يستثني كتاب الله من هذه الطائفة الظالمة المؤمنين المظلومين والمستضعفين حقا، وهم أولئك الذين لم يجدوا حيلة للخروج من مكة، ولا قدرة على الهجرة إلى المدينة، من الرجال العاجزين، والنساء الضعيفات، والولدان الصغار، ويفتح كتاب الله في وجه هؤلاء المستضعفين باب الأمل والرجاء في عفوه ومغفرته، جزاء ثقتهم بالله، وتعلقهم به، وهجرتهم بقلوبهم إلى الله ورسوله. ونقل عن ابن عباس أنه قال :( كنت أنا وأمي ممن عذر الله عز وجل، من المستضعفين، من النساء والولدان ).
وهذه المعاني هي التي يتضمنها قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا، ( ٩٧ ) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً، ( ٩٨ ) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا( ٩٩ ) ﴾.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٧: الربع الأول من الحزب العاشر
في المصحف الكريم
يتوالى الحديث في هذا الربع عن الجهاد في سبيل الله، وعن بيان الظروف التي يسوغ فيها أولا يسوغ.
فمن ذلك أن طائفة كانت قد أظهرت الإسلام بمكة قبل الهجرة، فلما جاء وقت الهجرة وهاجر الرسول ومن معه بقيت هذه الطائفة مستقرة بمكة مع المشركين، دون أن تلحق بالنبي المهاجر، وذات يوم خرجت تطلب حاجة لها خارج مكة على أن تعود إليها ولا تهاجر، مطمئنة إلى أن أصحاب محمد إن لقوها فليس عليها منهم بأس، على حد تعبيرها الخاص، فبلغ خبر خروجها إلى المؤمنين من المهاجرين والأنصار، وانقسم الرأي العام بالمدينة في شأن هذه الطائفة، فمن قائل :يجب التعرض لهؤلاء الجبناء وقتلهم، بحجة أنهم يظاهرون العدو، ومن قائل :أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به، وتستحلون دماءهم وأموالهم من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم ؟ وافترق المسلمون في الرأي إلى فئتين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهى أي فريق من الفريقين عن رأيه، حتى نزلت آيات كريمة لفض هذا الخلاف في الرأي، وأكدت هذه الآيات رأي الفريق الذي نادى بقتالهم، إن لم يفارقوا مكة نهائيا، ويلحقوا برسول الله مهاجرين معه، وبينت أن " الفرقان " بين نفاق هذه الطائفة وإيمانها هو الإقدام على الهجرة في سبيل الله دون تردد، والتضحية من أجلها بالنفس والنفيس، وإلا حقت على هذه الطائفة كلمة العذاب، واعتبرها المسلمون ملحقة بالمشركين، يعمها ما يعمهم من الأسر والسبي والقتال، وذلك قوله تعالى في شأن هذه الطائفة، وموقف المؤمنين منها ووجه الحق في مصيرها مخاطبا للمؤمنين ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً، ( ٨٨ ) وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا( ٨٩ ) ﴾. أي ما لكم تفرقتم فرقتين في شأن قوم نافقوا نفاقا ظاهرا ولم تبتوا القول بكفرهم.
ومن ذلك أن طائفة أخرى بمكة كان لها نوع ارتباط وتحالف بمن لهم مع المسلمين حلف وميثاق، فهذه الطائفة ألزم كتاب الله بعدم المساس بها، رعاية واحتراما للميثاق الذي بين المسلمين وبين الطرف المعاهد الذي لها به علاقة وارتباط، وهذا معنى قوله تعالى : ﴿ إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ﴾. أي فاجعلوا حكمهم كحكمهم.
ومن ذلك أن طائفة ثالثة التزمت الحياد بالنسبة للمسلمين وبالنسبة للمشركين، فلا هي تقاتل المسلمين إلى جانب أهل الشرك، ولا هي تشارك المسلمين في قتالهم للمشركين، فهذه الطائفة إن حافظت على حيادها وبقيت ملتزمة للسلم تجاه المسلمين لم ينالوها بسوء، وهذا هو معنى قوله تعالى : ﴿ أَوْ جَاؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾. أي لم تسمح له ضمائرهم ﴿ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ ﴾. أي لم يتعرضوا لكم ﴿ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً( ٩٠ ) ﴾.
ومن ذلك أن طائفة رابعة تتظاهر بالحياد إزاء المؤمنين وإزاء الكافرين، لكن لا بوازع قلبي سليم وإنما بدافع مصلحتها الخاصة، حيث إنها ترى من فائدتها أن تلعب على حبلين، حتى تضمن مصالحها لدى كل من الطرفين، فهي في الباطن من الفتنة وإليها، وهي في جانب الشرك وأهله، وإن كانت في الظاهر تقف موقف الحياد، وتتظاهر بالإسلام أمام أهله، وهذه الطائفة أباح الله للمسلمين دماءها وأموالها إذا تعرضت للمسلمين ولم تعتزلهم وتسالمهم ظاهرا وباطنا، وجعل الله للمسلمين عليها حق القتال بكافة توابعه ونتائجه، وهذا معنى قوله تعالى مخاطبا المؤمنين : ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا ﴾. أي انهمكوا في تدبيرها ﴿ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ ﴾. بل تعرضوا لكم ﴿ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ ﴾. أي حيث تمكنتم منهم ﴿ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا( ٩١ ) ﴾.
ثم وجه كتاب الله خطابه إلى المؤمنين يدعوهم إلى مزيد التثبت ومنتهى التحري قبل الحكم على أي شخص أو أية طائفة بالكفر، وقبل معاملتهم لأي واحد منهما على ذلك الأساس، ونبههم إلى أنهم إذا كانوا يجوبون الأرض في سبيل الله وعثروا على من يعلن أنه مسالم لا محارب، ويدعي أنه مؤمن، لا كافر ولا منافق، فإنهم لا يسوغ لهم أن يبادروا إلى قتله لمجرد سوء الظن به وعدم معرفته، بل يجب عليهم التثبت من أمره، والاطلاع على حقيقته، والحكم بعد ذلك له أو عليه، وأكد كتاب الله أكثر من مرة في نفس السياق ضرورة التحري من جانبهم في شأنه، حتى لا يحمل عملهم على مجرد الطمع في الاستيلاء على ماله بعد قتله.
وذكرت الآية الكريمة المؤمنين الذين هاجروا مع الرسول صلى الله عليه وسلم أن منهم من كان مؤمنا وكان يخفي إيمانه، حتى من الله عليهم وأذن لهم بإعلان إيمانهم أمام الملأ، وأنه يبعد أن يكون هذا الذي سقط بين أيديهم الآن وأعلن إيمانه هو أيضا في نفس الوضع الذي كانوا عليه من قبل، وهذا معنى قوله تعالى : ﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ( ٩٤ ) ﴾.
وأخيرا استعرض كتاب الله حال طائفة أخرى آثرت البقاء بمكة تحت سلطان الشرك والوثنية، لا لأن أفرادها من المستضعفين الذين أقعدهم العجز والضعف عن الهجرة إلى المدينة، ولكن لأن هواهم من هوى المشركين، ومصالحهم تقضي عليهم بمجاملة الشرك وأهله، والرضى بالبقاء تحت أمره ونهيه، والوقوف بجانبه عند الحاجة، ويعتبر كتاب الله أفراد الطائفة( ظالمي أنفسهم ) لا مظلومين ولا مستضعفين.
ويصف القرآن الكريم حوارا يدور بينهم بعد موتهم وبين الملائكة، يتبين من خلاله ما تعودوا عليه من كذب ونفاق وميل إلى التضليل، وينتهي هذا الحوار بكشف الستار عنهم، وبسقوط ادعائهم الباطل، وبعقابهم من الله عقابا شديدا.
ثم يستثني كتاب الله من هذه الطائفة الظالمة المؤمنين المظلومين والمستضعفين حقا، وهم أولئك الذين لم يجدوا حيلة للخروج من مكة، ولا قدرة على الهجرة إلى المدينة، من الرجال العاجزين، والنساء الضعيفات، والولدان الصغار، ويفتح كتاب الله في وجه هؤلاء المستضعفين باب الأمل والرجاء في عفوه ومغفرته، جزاء ثقتهم بالله، وتعلقهم به، وهجرتهم بقلوبهم إلى الله ورسوله. ونقل عن ابن عباس أنه قال :( كنت أنا وأمي ممن عذر الله عز وجل، من المستضعفين، من النساء والولدان ).
وهذه المعاني هي التي يتضمنها قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا، ( ٩٧ ) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً، ( ٩٨ ) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا( ٩٩ ) ﴾.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٧: الربع الأول من الحزب العاشر
في المصحف الكريم
يتوالى الحديث في هذا الربع عن الجهاد في سبيل الله، وعن بيان الظروف التي يسوغ فيها أولا يسوغ.
فمن ذلك أن طائفة كانت قد أظهرت الإسلام بمكة قبل الهجرة، فلما جاء وقت الهجرة وهاجر الرسول ومن معه بقيت هذه الطائفة مستقرة بمكة مع المشركين، دون أن تلحق بالنبي المهاجر، وذات يوم خرجت تطلب حاجة لها خارج مكة على أن تعود إليها ولا تهاجر، مطمئنة إلى أن أصحاب محمد إن لقوها فليس عليها منهم بأس، على حد تعبيرها الخاص، فبلغ خبر خروجها إلى المؤمنين من المهاجرين والأنصار، وانقسم الرأي العام بالمدينة في شأن هذه الطائفة، فمن قائل :يجب التعرض لهؤلاء الجبناء وقتلهم، بحجة أنهم يظاهرون العدو، ومن قائل :أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به، وتستحلون دماءهم وأموالهم من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم ؟ وافترق المسلمون في الرأي إلى فئتين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهى أي فريق من الفريقين عن رأيه، حتى نزلت آيات كريمة لفض هذا الخلاف في الرأي، وأكدت هذه الآيات رأي الفريق الذي نادى بقتالهم، إن لم يفارقوا مكة نهائيا، ويلحقوا برسول الله مهاجرين معه، وبينت أن " الفرقان " بين نفاق هذه الطائفة وإيمانها هو الإقدام على الهجرة في سبيل الله دون تردد، والتضحية من أجلها بالنفس والنفيس، وإلا حقت على هذه الطائفة كلمة العذاب، واعتبرها المسلمون ملحقة بالمشركين، يعمها ما يعمهم من الأسر والسبي والقتال، وذلك قوله تعالى في شأن هذه الطائفة، وموقف المؤمنين منها ووجه الحق في مصيرها مخاطبا للمؤمنين ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً، ( ٨٨ ) وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا( ٨٩ ) ﴾. أي ما لكم تفرقتم فرقتين في شأن قوم نافقوا نفاقا ظاهرا ولم تبتوا القول بكفرهم.
ومن ذلك أن طائفة أخرى بمكة كان لها نوع ارتباط وتحالف بمن لهم مع المسلمين حلف وميثاق، فهذه الطائفة ألزم كتاب الله بعدم المساس بها، رعاية واحتراما للميثاق الذي بين المسلمين وبين الطرف المعاهد الذي لها به علاقة وارتباط، وهذا معنى قوله تعالى : ﴿ إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ﴾. أي فاجعلوا حكمهم كحكمهم.
ومن ذلك أن طائفة ثالثة التزمت الحياد بالنسبة للمسلمين وبالنسبة للمشركين، فلا هي تقاتل المسلمين إلى جانب أهل الشرك، ولا هي تشارك المسلمين في قتالهم للمشركين، فهذه الطائفة إن حافظت على حيادها وبقيت ملتزمة للسلم تجاه المسلمين لم ينالوها بسوء، وهذا هو معنى قوله تعالى : ﴿ أَوْ جَاؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾. أي لم تسمح له ضمائرهم ﴿ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ ﴾. أي لم يتعرضوا لكم ﴿ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً( ٩٠ ) ﴾.
ومن ذلك أن طائفة رابعة تتظاهر بالحياد إزاء المؤمنين وإزاء الكافرين، لكن لا بوازع قلبي سليم وإنما بدافع مصلحتها الخاصة، حيث إنها ترى من فائدتها أن تلعب على حبلين، حتى تضمن مصالحها لدى كل من الطرفين، فهي في الباطن من الفتنة وإليها، وهي في جانب الشرك وأهله، وإن كانت في الظاهر تقف موقف الحياد، وتتظاهر بالإسلام أمام أهله، وهذه الطائفة أباح الله للمسلمين دماءها وأموالها إذا تعرضت للمسلمين ولم تعتزلهم وتسالمهم ظاهرا وباطنا، وجعل الله للمسلمين عليها حق القتال بكافة توابعه ونتائجه، وهذا معنى قوله تعالى مخاطبا المؤمنين : ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا ﴾. أي انهمكوا في تدبيرها ﴿ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ ﴾. بل تعرضوا لكم ﴿ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ ﴾. أي حيث تمكنتم منهم ﴿ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا( ٩١ ) ﴾.
ثم وجه كتاب الله خطابه إلى المؤمنين يدعوهم إلى مزيد التثبت ومنتهى التحري قبل الحكم على أي شخص أو أية طائفة بالكفر، وقبل معاملتهم لأي واحد منهما على ذلك الأساس، ونبههم إلى أنهم إذا كانوا يجوبون الأرض في سبيل الله وعثروا على من يعلن أنه مسالم لا محارب، ويدعي أنه مؤمن، لا كافر ولا منافق، فإنهم لا يسوغ لهم أن يبادروا إلى قتله لمجرد سوء الظن به وعدم معرفته، بل يجب عليهم التثبت من أمره، والاطلاع على حقيقته، والحكم بعد ذلك له أو عليه، وأكد كتاب الله أكثر من مرة في نفس السياق ضرورة التحري من جانبهم في شأنه، حتى لا يحمل عملهم على مجرد الطمع في الاستيلاء على ماله بعد قتله.
وذكرت الآية الكريمة المؤمنين الذين هاجروا مع الرسول صلى الله عليه وسلم أن منهم من كان مؤمنا وكان يخفي إيمانه، حتى من الله عليهم وأذن لهم بإعلان إيمانهم أمام الملأ، وأنه يبعد أن يكون هذا الذي سقط بين أيديهم الآن وأعلن إيمانه هو أيضا في نفس الوضع الذي كانوا عليه من قبل، وهذا معنى قوله تعالى : ﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ( ٩٤ ) ﴾.
وأخيرا استعرض كتاب الله حال طائفة أخرى آثرت البقاء بمكة تحت سلطان الشرك والوثنية، لا لأن أفرادها من المستضعفين الذين أقعدهم العجز والضعف عن الهجرة إلى المدينة، ولكن لأن هواهم من هوى المشركين، ومصالحهم تقضي عليهم بمجاملة الشرك وأهله، والرضى بالبقاء تحت أمره ونهيه، والوقوف بجانبه عند الحاجة، ويعتبر كتاب الله أفراد الطائفة( ظالمي أنفسهم ) لا مظلومين ولا مستضعفين.
ويصف القرآن الكريم حوارا يدور بينهم بعد موتهم وبين الملائكة، يتبين من خلاله ما تعودوا عليه من كذب ونفاق وميل إلى التضليل، وينتهي هذا الحوار بكشف الستار عنهم، وبسقوط ادعائهم الباطل، وبعقابهم من الله عقابا شديدا.
ثم يستثني كتاب الله من هذه الطائفة الظالمة المؤمنين المظلومين والمستضعفين حقا، وهم أولئك الذين لم يجدوا حيلة للخروج من مكة، ولا قدرة على الهجرة إلى المدينة، من الرجال العاجزين، والنساء الضعيفات، والولدان الصغار، ويفتح كتاب الله في وجه هؤلاء المستضعفين باب الأمل والرجاء في عفوه ومغفرته، جزاء ثقتهم بالله، وتعلقهم به، وهجرتهم بقلوبهم إلى الله ورسوله. ونقل عن ابن عباس أنه قال :( كنت أنا وأمي ممن عذر الله عز وجل، من المستضعفين، من النساء والولدان ).
وهذه المعاني هي التي يتضمنها قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا، ( ٩٧ ) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً، ( ٩٨ ) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا( ٩٩ ) ﴾.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٧: الربع الأول من الحزب العاشر
في المصحف الكريم
يتوالى الحديث في هذا الربع عن الجهاد في سبيل الله، وعن بيان الظروف التي يسوغ فيها أولا يسوغ.
فمن ذلك أن طائفة كانت قد أظهرت الإسلام بمكة قبل الهجرة، فلما جاء وقت الهجرة وهاجر الرسول ومن معه بقيت هذه الطائفة مستقرة بمكة مع المشركين، دون أن تلحق بالنبي المهاجر، وذات يوم خرجت تطلب حاجة لها خارج مكة على أن تعود إليها ولا تهاجر، مطمئنة إلى أن أصحاب محمد إن لقوها فليس عليها منهم بأس، على حد تعبيرها الخاص، فبلغ خبر خروجها إلى المؤمنين من المهاجرين والأنصار، وانقسم الرأي العام بالمدينة في شأن هذه الطائفة، فمن قائل :يجب التعرض لهؤلاء الجبناء وقتلهم، بحجة أنهم يظاهرون العدو، ومن قائل :أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به، وتستحلون دماءهم وأموالهم من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم ؟ وافترق المسلمون في الرأي إلى فئتين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهى أي فريق من الفريقين عن رأيه، حتى نزلت آيات كريمة لفض هذا الخلاف في الرأي، وأكدت هذه الآيات رأي الفريق الذي نادى بقتالهم، إن لم يفارقوا مكة نهائيا، ويلحقوا برسول الله مهاجرين معه، وبينت أن " الفرقان " بين نفاق هذه الطائفة وإيمانها هو الإقدام على الهجرة في سبيل الله دون تردد، والتضحية من أجلها بالنفس والنفيس، وإلا حقت على هذه الطائفة كلمة العذاب، واعتبرها المسلمون ملحقة بالمشركين، يعمها ما يعمهم من الأسر والسبي والقتال، وذلك قوله تعالى في شأن هذه الطائفة، وموقف المؤمنين منها ووجه الحق في مصيرها مخاطبا للمؤمنين ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً، ( ٨٨ ) وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا( ٨٩ ) ﴾. أي ما لكم تفرقتم فرقتين في شأن قوم نافقوا نفاقا ظاهرا ولم تبتوا القول بكفرهم.
ومن ذلك أن طائفة أخرى بمكة كان لها نوع ارتباط وتحالف بمن لهم مع المسلمين حلف وميثاق، فهذه الطائفة ألزم كتاب الله بعدم المساس بها، رعاية واحتراما للميثاق الذي بين المسلمين وبين الطرف المعاهد الذي لها به علاقة وارتباط، وهذا معنى قوله تعالى : ﴿ إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ﴾. أي فاجعلوا حكمهم كحكمهم.
ومن ذلك أن طائفة ثالثة التزمت الحياد بالنسبة للمسلمين وبالنسبة للمشركين، فلا هي تقاتل المسلمين إلى جانب أهل الشرك، ولا هي تشارك المسلمين في قتالهم للمشركين، فهذه الطائفة إن حافظت على حيادها وبقيت ملتزمة للسلم تجاه المسلمين لم ينالوها بسوء، وهذا هو معنى قوله تعالى : ﴿ أَوْ جَاؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾. أي لم تسمح له ضمائرهم ﴿ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ ﴾. أي لم يتعرضوا لكم ﴿ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً( ٩٠ ) ﴾.
ومن ذلك أن طائفة رابعة تتظاهر بالحياد إزاء المؤمنين وإزاء الكافرين، لكن لا بوازع قلبي سليم وإنما بدافع مصلحتها الخاصة، حيث إنها ترى من فائدتها أن تلعب على حبلين، حتى تضمن مصالحها لدى كل من الطرفين، فهي في الباطن من الفتنة وإليها، وهي في جانب الشرك وأهله، وإن كانت في الظاهر تقف موقف الحياد، وتتظاهر بالإسلام أمام أهله، وهذه الطائفة أباح الله للمسلمين دماءها وأموالها إذا تعرضت للمسلمين ولم تعتزلهم وتسالمهم ظاهرا وباطنا، وجعل الله للمسلمين عليها حق القتال بكافة توابعه ونتائجه، وهذا معنى قوله تعالى مخاطبا المؤمنين : ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا ﴾. أي انهمكوا في تدبيرها ﴿ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ ﴾. بل تعرضوا لكم ﴿ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ ﴾. أي حيث تمكنتم منهم ﴿ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا( ٩١ ) ﴾.
ثم وجه كتاب الله خطابه إلى المؤمنين يدعوهم إلى مزيد التثبت ومنتهى التحري قبل الحكم على أي شخص أو أية طائفة بالكفر، وقبل معاملتهم لأي واحد منهما على ذلك الأساس، ونبههم إلى أنهم إذا كانوا يجوبون الأرض في سبيل الله وعثروا على من يعلن أنه مسالم لا محارب، ويدعي أنه مؤمن، لا كافر ولا منافق، فإنهم لا يسوغ لهم أن يبادروا إلى قتله لمجرد سوء الظن به وعدم معرفته، بل يجب عليهم التثبت من أمره، والاطلاع على حقيقته، والحكم بعد ذلك له أو عليه، وأكد كتاب الله أكثر من مرة في نفس السياق ضرورة التحري من جانبهم في شأنه، حتى لا يحمل عملهم على مجرد الطمع في الاستيلاء على ماله بعد قتله.
وذكرت الآية الكريمة المؤمنين الذين هاجروا مع الرسول صلى الله عليه وسلم أن منهم من كان مؤمنا وكان يخفي إيمانه، حتى من الله عليهم وأذن لهم بإعلان إيمانهم أمام الملأ، وأنه يبعد أن يكون هذا الذي سقط بين أيديهم الآن وأعلن إيمانه هو أيضا في نفس الوضع الذي كانوا عليه من قبل، وهذا معنى قوله تعالى : ﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ( ٩٤ ) ﴾.
وأخيرا استعرض كتاب الله حال طائفة أخرى آثرت البقاء بمكة تحت سلطان الشرك والوثنية، لا لأن أفرادها من المستضعفين الذين أقعدهم العجز والضعف عن الهجرة إلى المدينة، ولكن لأن هواهم من هوى المشركين، ومصالحهم تقضي عليهم بمجاملة الشرك وأهله، والرضى بالبقاء تحت أمره ونهيه، والوقوف بجانبه عند الحاجة، ويعتبر كتاب الله أفراد الطائفة( ظالمي أنفسهم ) لا مظلومين ولا مستضعفين.
ويصف القرآن الكريم حوارا يدور بينهم بعد موتهم وبين الملائكة، يتبين من خلاله ما تعودوا عليه من كذب ونفاق وميل إلى التضليل، وينتهي هذا الحوار بكشف الستار عنهم، وبسقوط ادعائهم الباطل، وبعقابهم من الله عقابا شديدا.
ثم يستثني كتاب الله من هذه الطائفة الظالمة المؤمنين المظلومين والمستضعفين حقا، وهم أولئك الذين لم يجدوا حيلة للخروج من مكة، ولا قدرة على الهجرة إلى المدينة، من الرجال العاجزين، والنساء الضعيفات، والولدان الصغار، ويفتح كتاب الله في وجه هؤلاء المستضعفين باب الأمل والرجاء في عفوه ومغفرته، جزاء ثقتهم بالله، وتعلقهم به، وهجرتهم بقلوبهم إلى الله ورسوله. ونقل عن ابن عباس أنه قال :( كنت أنا وأمي ممن عذر الله عز وجل، من المستضعفين، من النساء والولدان ).
وهذه المعاني هي التي يتضمنها قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا، ( ٩٧ ) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً، ( ٩٨ ) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا( ٩٩ ) ﴾.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٤: نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٤: الربع الأخير من الحزب التاسع
في المصحف الكريم
عندما نتأمل الآية الأولى في هذا الربع، وهي قوله تعالى : ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ ﴾. الآية، نجدها مرتبطة كل الارتباط بالآيتين الأخيرتين من الربع الماضي ومبنية عليهما.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ففي الآيتين الأخيرتين من الربع الماضي وصف كاشف لشعور المنافقين الدفين، وموقفهم الحقيقي من الجهاد والمجاهدين، إذ يبين كتاب الله ما عليه المنافقون من التخلف والتباطؤ عن تلبية نداء الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، وما يقومون به علاوة على تخلفهم عن ركب المجاهدين من تثبيط لعزائم المسلمين، حتى لا يجاهدوا المشركين.
ورغما عن موقف التلكؤ والتخاذل والتثبيط الذي يقفونه كلما خرج المسلمون للجهاد في سبيل الله، فإنهم بحكم روح النفاق والطمع، والانتهازية التي هم عليها، يأسفون بالغ الأسف عندما ينتصر المسلمون، ويرجعون من جهادهم سالمين غانمين، ويتمنون لو أنهم حضروا معهم وكانوا من بين الفائزين كما أنهم بحكم روح النفاق والجبن والأنانية التي عليها يفرحون كامل الفرح بتخلفهم وعدم حضورهم، عندما يرجع المجاهدون وقد خلفوا من ورائهم في ساحة الجهاد عددا من الشهداء في سبيل الله.
ويشير كتاب الله في نفس هاتين الآيتين إلى أن نفس التعبير الغامض الذي يستعمله المنافقون في الحديث عن المؤمنين ينبئ عن دخيلتهم، إذ لا يذكرونهم بوصفهم المميز، وإنما يستعملون في الحديث عنهم " ضمير الغائب المبهم " مما يدل على أنهم لا يجمعهم بهم أدنى رابطة، وعلى أن كل ما يتظاهرون به من المودة لهم محض زور وبهتان، وذلك ما يتضمنه قوله تعالى في ختام الربع الماضي ﴿ وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا، ( ٧٢ ) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا( ٧٣ ) ﴾.


وعلى هذا المعنى الذي تتضمنه هاتان الآيتان وقع التعقيب بالآية الأولى في هذا الربع، وهي دعوة صادرة من الله تعالى إلى أولئك الذين استرخصوا أرواحهم في سبيله، لأن يقوموا بواجب الجهاد المقدس، غير ملتفتين إلى تخلف المنافقين وتثبيط المثبطين، كما أنها وعد صادق من الحق سبحانه وتعالى لهم بالأجر العظيم والثواب الجسيم، سواء منهم من غلب وعاد، ومن وقع شهيدا في ساحة الجهاد. وذلك قوله تعالى : ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا( ٧٤ ) ﴾.
وفي هذا الربع يتحدث كتاب الله عن طائفة أخرى لا تملك من الشجاعة والاستعداد للتضحية القدر الكافي لمواجهة أعباء الجهاد، ويتضمن الحديث عنها معنى الاستغراب والتعجب، حيث إن هذه الطائفة بالذات، في الوقت الذي كانت أوامر الله وتعليماته تصدر إلى المسلمين بالانتظار والصبر وتحمل الأذى إلى حين، كانت تتحرق شوقا إلى الجهاد، وتطلب من الرسول الإذن لها بالقتال، فلما حل موعد الجهاد وكتب عليها القتال أخذت تتراجع إلى الوراء، وتتمنى لو أن هذه الفريضة لم تفرض، وأجلت إلى موعد آخر، بل إنها أخذت تتساءل في دهشة واستغراب عن السر الذي من أجله فرض الله الجهاد على المسلمين وذلك كله حرصا منها على الحياة، وتشبثا بمصالحها المادية الخاصة، وخوفا على الأموال والنساء والأولاد من عواقب الجهاد.
وبعدما وصف كتاب الله هذا الصنف الرعديد من الناس، وما هو عليه من ضعف في النفس، وتمسك بالعيش الهنيء، جاء التعقيب على ذلك بمقارنة بين الدنيا ومتاعها والآخرة وثوابها، وأن الله يجازي من جاهد في سبيله بكامل العدل ومنتهى الكرم، كما يجازي القاعدين والمتخلفين بما هم أهله، وأن الموت الذي يخشونه سيدركهم لا محالة حيثما كانوا قاعدين أو مجاهدين.
وإلى مجموع هذه المعاني يشير قوله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً، ( ٧٧ ) أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾.
وبعدما وصف كتاب الله ما عليه المذبذبون والمنافقون من غريب الأطوار والأحوال، وما يبيتونه في نفوسهم ويجري على ألسنتهم من سخيف الأقوال، وما يغلب عليهم من ميل إلى التمرد والخلاف، بدلا من التزام الطاعة والتمسك بالائتلاف، اتجه الخطاب الإلهي رأسا إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، داعيا إياه في نفس السياق إلى القيام بواجب الجهاد الذي كلفه الله به، وألقاه على عاتقه قبل كل الناس، ليبادر إلى أدائه، دون أن ينظر إلى أي اعتبار آخر، وآمرا له في نفس الوقت بأن يحض المؤمنين على الجهاد في سبيل الله، بغض النظر عن تخاذل المتخاذلين، وتثبيط المثبطين، وتراجع ضعفاء النفوس العاجزين، مبينا لرسوله والمؤمنين أن هدف الجهاد في سبيل الله إنما هو كف أذى الكافرين عن المؤمنين، وخضد شوكة المشركين وذلك قوله تعالى : ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً( ٨٤ ) ﴾.
ونظرا لأن الهدف الأساسي من القتال في سبيل الله هو تحرير الفرد المسلم حتى لا يفتن في دينه، وتحرير الجماعة المسلمة حتى لا تفتن في دينها اختار كتاب الله أن يبرز هذا الهدف بشكل قوي، حتى تلتفت إليه جميع النظار، فجعله في مطلع هذا الربع منذ البداية، لأنه هو المقصد والغاية، وما يتبعه ويليه إنما هو وسيلة إليه، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ ﴾.
فاستثار كتاب الله حمية المسلمين، لإنقاذ إخوانهم المستضعفين الذين لم يستطيعوا الهجرة من مكة إلى المدينة بجانب بقية المهاجرين، ممن أصبحوا مغلوبين فيها على أمرهم، معرضين لسائر صنوف الأذى من طرف المشركين.
ووصف كتاب الله بمنتهى الدقة، وبصيغة بالغة التأثير تثير المشاعر، الحالة النفسية القلقة لأولئك المستضعفين من الرجال والنساء والولدان المعذبين من أجل عقيدة الإيمان، وما هم عليه من تبرم بنوع الحياة الجهنمية التي يتحملونها بمكة، وما يتوجهون به إلى الله صباح مساء من دعاء خاشع وابتهال صادق، ليعينهم على الخلاص من ربقة الشرك، والخروج من القرية الظالم أهلها إلى المدينة التي آمن أهلها، أملا في اللحاق بالرسول وصحبه من المهاجرين والأنصار، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا( ٧٥ ) ﴾.
وفي هذا السياق بين كتاب الله الفرق الجوهري والأساسي بين جهاد المؤمنين وقتال الكافرين، فالجهاد الذي فرضه الإسلام ليس من أجل السيطرة والاستغلال، ولا من أجل الاستعباد والإذلال، وإنما هو من أجل نصرة الحق وبسط العدل، وبث الخير والمعروف بين الناس، وهو في النهاية لإقامة دين الله، وإعلاء كلمته في الأرض على من سواه.
وعلى العكس من ذلك القتال الذي يقوم به الكافرون، فهو من أجل تدعيم العدوان، ومساندة الطغيان واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، وهو في النهاية للدفاع عن عبادة الأصنام والأوثان، وسدنتها من السحرة والكهان، وذلك ما تشير إليه في إيجاز وإعجاز هذه الآية الكريمة : ﴿ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ﴾.
ثم حرض كتاب الله المؤمنين على قتال الكافرين لوضع حد لعدوانهم، وفرض احترام الإسلام عليهم، وتمكين هيبته في نفوسهم، ونشر دعوتهم بكل حرية في أوساطهم، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
ونبه كتاب الله إلى الحلف الشيطاني المعقود بين الشيطان وأوليائه الكافرين إذ إنهم عن إيحائه يصدرون، وبإغرائه يمكرون، مؤكدا أن كيد الشيطان مطبوع بطابع الضعف والهزال، محكوم عليه بالفشل والزوال، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : ﴿ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا( ٧٦ ) ﴾.


نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٧: الربع الأول من الحزب العاشر
في المصحف الكريم
يتوالى الحديث في هذا الربع عن الجهاد في سبيل الله، وعن بيان الظروف التي يسوغ فيها أولا يسوغ.
فمن ذلك أن طائفة كانت قد أظهرت الإسلام بمكة قبل الهجرة، فلما جاء وقت الهجرة وهاجر الرسول ومن معه بقيت هذه الطائفة مستقرة بمكة مع المشركين، دون أن تلحق بالنبي المهاجر، وذات يوم خرجت تطلب حاجة لها خارج مكة على أن تعود إليها ولا تهاجر، مطمئنة إلى أن أصحاب محمد إن لقوها فليس عليها منهم بأس، على حد تعبيرها الخاص، فبلغ خبر خروجها إلى المؤمنين من المهاجرين والأنصار، وانقسم الرأي العام بالمدينة في شأن هذه الطائفة، فمن قائل :يجب التعرض لهؤلاء الجبناء وقتلهم، بحجة أنهم يظاهرون العدو، ومن قائل :أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به، وتستحلون دماءهم وأموالهم من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم ؟ وافترق المسلمون في الرأي إلى فئتين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهى أي فريق من الفريقين عن رأيه، حتى نزلت آيات كريمة لفض هذا الخلاف في الرأي، وأكدت هذه الآيات رأي الفريق الذي نادى بقتالهم، إن لم يفارقوا مكة نهائيا، ويلحقوا برسول الله مهاجرين معه، وبينت أن " الفرقان " بين نفاق هذه الطائفة وإيمانها هو الإقدام على الهجرة في سبيل الله دون تردد، والتضحية من أجلها بالنفس والنفيس، وإلا حقت على هذه الطائفة كلمة العذاب، واعتبرها المسلمون ملحقة بالمشركين، يعمها ما يعمهم من الأسر والسبي والقتال، وذلك قوله تعالى في شأن هذه الطائفة، وموقف المؤمنين منها ووجه الحق في مصيرها مخاطبا للمؤمنين ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً، ( ٨٨ ) وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا( ٨٩ ) ﴾. أي ما لكم تفرقتم فرقتين في شأن قوم نافقوا نفاقا ظاهرا ولم تبتوا القول بكفرهم.
ومن ذلك أن طائفة أخرى بمكة كان لها نوع ارتباط وتحالف بمن لهم مع المسلمين حلف وميثاق، فهذه الطائفة ألزم كتاب الله بعدم المساس بها، رعاية واحتراما للميثاق الذي بين المسلمين وبين الطرف المعاهد الذي لها به علاقة وارتباط، وهذا معنى قوله تعالى : ﴿ إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ﴾. أي فاجعلوا حكمهم كحكمهم.
ومن ذلك أن طائفة ثالثة التزمت الحياد بالنسبة للمسلمين وبالنسبة للمشركين، فلا هي تقاتل المسلمين إلى جانب أهل الشرك، ولا هي تشارك المسلمين في قتالهم للمشركين، فهذه الطائفة إن حافظت على حيادها وبقيت ملتزمة للسلم تجاه المسلمين لم ينالوها بسوء، وهذا هو معنى قوله تعالى : ﴿ أَوْ جَاؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾. أي لم تسمح له ضمائرهم ﴿ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ ﴾. أي لم يتعرضوا لكم ﴿ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً( ٩٠ ) ﴾.
ومن ذلك أن طائفة رابعة تتظاهر بالحياد إزاء المؤمنين وإزاء الكافرين، لكن لا بوازع قلبي سليم وإنما بدافع مصلحتها الخاصة، حيث إنها ترى من فائدتها أن تلعب على حبلين، حتى تضمن مصالحها لدى كل من الطرفين، فهي في الباطن من الفتنة وإليها، وهي في جانب الشرك وأهله، وإن كانت في الظاهر تقف موقف الحياد، وتتظاهر بالإسلام أمام أهله، وهذه الطائفة أباح الله للمسلمين دماءها وأموالها إذا تعرضت للمسلمين ولم تعتزلهم وتسالمهم ظاهرا وباطنا، وجعل الله للمسلمين عليها حق القتال بكافة توابعه ونتائجه، وهذا معنى قوله تعالى مخاطبا المؤمنين : ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا ﴾. أي انهمكوا في تدبيرها ﴿ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ ﴾. بل تعرضوا لكم ﴿ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ ﴾. أي حيث تمكنتم منهم ﴿ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا( ٩١ ) ﴾.
ثم وجه كتاب الله خطابه إلى المؤمنين يدعوهم إلى مزيد التثبت ومنتهى التحري قبل الحكم على أي شخص أو أية طائفة بالكفر، وقبل معاملتهم لأي واحد منهما على ذلك الأساس، ونبههم إلى أنهم إذا كانوا يجوبون الأرض في سبيل الله وعثروا على من يعلن أنه مسالم لا محارب، ويدعي أنه مؤمن، لا كافر ولا منافق، فإنهم لا يسوغ لهم أن يبادروا إلى قتله لمجرد سوء الظن به وعدم معرفته، بل يجب عليهم التثبت من أمره، والاطلاع على حقيقته، والحكم بعد ذلك له أو عليه، وأكد كتاب الله أكثر من مرة في نفس السياق ضرورة التحري من جانبهم في شأنه، حتى لا يحمل عملهم على مجرد الطمع في الاستيلاء على ماله بعد قتله.
وذكرت الآية الكريمة المؤمنين الذين هاجروا مع الرسول صلى الله عليه وسلم أن منهم من كان مؤمنا وكان يخفي إيمانه، حتى من الله عليهم وأذن لهم بإعلان إيمانهم أمام الملأ، وأنه يبعد أن يكون هذا الذي سقط بين أيديهم الآن وأعلن إيمانه هو أيضا في نفس الوضع الذي كانوا عليه من قبل، وهذا معنى قوله تعالى : ﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ( ٩٤ ) ﴾.
وأخيرا استعرض كتاب الله حال طائفة أخرى آثرت البقاء بمكة تحت سلطان الشرك والوثنية، لا لأن أفرادها من المستضعفين الذين أقعدهم العجز والضعف عن الهجرة إلى المدينة، ولكن لأن هواهم من هوى المشركين، ومصالحهم تقضي عليهم بمجاملة الشرك وأهله، والرضى بالبقاء تحت أمره ونهيه، والوقوف بجانبه عند الحاجة، ويعتبر كتاب الله أفراد الطائفة( ظالمي أنفسهم ) لا مظلومين ولا مستضعفين.
ويصف القرآن الكريم حوارا يدور بينهم بعد موتهم وبين الملائكة، يتبين من خلاله ما تعودوا عليه من كذب ونفاق وميل إلى التضليل، وينتهي هذا الحوار بكشف الستار عنهم، وبسقوط ادعائهم الباطل، وبعقابهم من الله عقابا شديدا.
ثم يستثني كتاب الله من هذه الطائفة الظالمة المؤمنين المظلومين والمستضعفين حقا، وهم أولئك الذين لم يجدوا حيلة للخروج من مكة، ولا قدرة على الهجرة إلى المدينة، من الرجال العاجزين، والنساء الضعيفات، والولدان الصغار، ويفتح كتاب الله في وجه هؤلاء المستضعفين باب الأمل والرجاء في عفوه ومغفرته، جزاء ثقتهم بالله، وتعلقهم به، وهجرتهم بقلوبهم إلى الله ورسوله. ونقل عن ابن عباس أنه قال :( كنت أنا وأمي ممن عذر الله عز وجل، من المستضعفين، من النساء والولدان ).
وهذه المعاني هي التي يتضمنها قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا، ( ٩٧ ) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً، ( ٩٨ ) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا( ٩٩ ) ﴾.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٧: الربع الأول من الحزب العاشر
في المصحف الكريم
يتوالى الحديث في هذا الربع عن الجهاد في سبيل الله، وعن بيان الظروف التي يسوغ فيها أولا يسوغ.
فمن ذلك أن طائفة كانت قد أظهرت الإسلام بمكة قبل الهجرة، فلما جاء وقت الهجرة وهاجر الرسول ومن معه بقيت هذه الطائفة مستقرة بمكة مع المشركين، دون أن تلحق بالنبي المهاجر، وذات يوم خرجت تطلب حاجة لها خارج مكة على أن تعود إليها ولا تهاجر، مطمئنة إلى أن أصحاب محمد إن لقوها فليس عليها منهم بأس، على حد تعبيرها الخاص، فبلغ خبر خروجها إلى المؤمنين من المهاجرين والأنصار، وانقسم الرأي العام بالمدينة في شأن هذه الطائفة، فمن قائل :يجب التعرض لهؤلاء الجبناء وقتلهم، بحجة أنهم يظاهرون العدو، ومن قائل :أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به، وتستحلون دماءهم وأموالهم من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم ؟ وافترق المسلمون في الرأي إلى فئتين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهى أي فريق من الفريقين عن رأيه، حتى نزلت آيات كريمة لفض هذا الخلاف في الرأي، وأكدت هذه الآيات رأي الفريق الذي نادى بقتالهم، إن لم يفارقوا مكة نهائيا، ويلحقوا برسول الله مهاجرين معه، وبينت أن " الفرقان " بين نفاق هذه الطائفة وإيمانها هو الإقدام على الهجرة في سبيل الله دون تردد، والتضحية من أجلها بالنفس والنفيس، وإلا حقت على هذه الطائفة كلمة العذاب، واعتبرها المسلمون ملحقة بالمشركين، يعمها ما يعمهم من الأسر والسبي والقتال، وذلك قوله تعالى في شأن هذه الطائفة، وموقف المؤمنين منها ووجه الحق في مصيرها مخاطبا للمؤمنين ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً، ( ٨٨ ) وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا( ٨٩ ) ﴾. أي ما لكم تفرقتم فرقتين في شأن قوم نافقوا نفاقا ظاهرا ولم تبتوا القول بكفرهم.
ومن ذلك أن طائفة أخرى بمكة كان لها نوع ارتباط وتحالف بمن لهم مع المسلمين حلف وميثاق، فهذه الطائفة ألزم كتاب الله بعدم المساس بها، رعاية واحتراما للميثاق الذي بين المسلمين وبين الطرف المعاهد الذي لها به علاقة وارتباط، وهذا معنى قوله تعالى : ﴿ إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ﴾. أي فاجعلوا حكمهم كحكمهم.
ومن ذلك أن طائفة ثالثة التزمت الحياد بالنسبة للمسلمين وبالنسبة للمشركين، فلا هي تقاتل المسلمين إلى جانب أهل الشرك، ولا هي تشارك المسلمين في قتالهم للمشركين، فهذه الطائفة إن حافظت على حيادها وبقيت ملتزمة للسلم تجاه المسلمين لم ينالوها بسوء، وهذا هو معنى قوله تعالى : ﴿ أَوْ جَاؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾. أي لم تسمح له ضمائرهم ﴿ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ ﴾. أي لم يتعرضوا لكم ﴿ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً( ٩٠ ) ﴾.
ومن ذلك أن طائفة رابعة تتظاهر بالحياد إزاء المؤمنين وإزاء الكافرين، لكن لا بوازع قلبي سليم وإنما بدافع مصلحتها الخاصة، حيث إنها ترى من فائدتها أن تلعب على حبلين، حتى تضمن مصالحها لدى كل من الطرفين، فهي في الباطن من الفتنة وإليها، وهي في جانب الشرك وأهله، وإن كانت في الظاهر تقف موقف الحياد، وتتظاهر بالإسلام أمام أهله، وهذه الطائفة أباح الله للمسلمين دماءها وأموالها إذا تعرضت للمسلمين ولم تعتزلهم وتسالمهم ظاهرا وباطنا، وجعل الله للمسلمين عليها حق القتال بكافة توابعه ونتائجه، وهذا معنى قوله تعالى مخاطبا المؤمنين : ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا ﴾. أي انهمكوا في تدبيرها ﴿ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ ﴾. بل تعرضوا لكم ﴿ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ ﴾. أي حيث تمكنتم منهم ﴿ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا( ٩١ ) ﴾.
ثم وجه كتاب الله خطابه إلى المؤمنين يدعوهم إلى مزيد التثبت ومنتهى التحري قبل الحكم على أي شخص أو أية طائفة بالكفر، وقبل معاملتهم لأي واحد منهما على ذلك الأساس، ونبههم إلى أنهم إذا كانوا يجوبون الأرض في سبيل الله وعثروا على من يعلن أنه مسالم لا محارب، ويدعي أنه مؤمن، لا كافر ولا منافق، فإنهم لا يسوغ لهم أن يبادروا إلى قتله لمجرد سوء الظن به وعدم معرفته، بل يجب عليهم التثبت من أمره، والاطلاع على حقيقته، والحكم بعد ذلك له أو عليه، وأكد كتاب الله أكثر من مرة في نفس السياق ضرورة التحري من جانبهم في شأنه، حتى لا يحمل عملهم على مجرد الطمع في الاستيلاء على ماله بعد قتله.
وذكرت الآية الكريمة المؤمنين الذين هاجروا مع الرسول صلى الله عليه وسلم أن منهم من كان مؤمنا وكان يخفي إيمانه، حتى من الله عليهم وأذن لهم بإعلان إيمانهم أمام الملأ، وأنه يبعد أن يكون هذا الذي سقط بين أيديهم الآن وأعلن إيمانه هو أيضا في نفس الوضع الذي كانوا عليه من قبل، وهذا معنى قوله تعالى : ﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ( ٩٤ ) ﴾.
وأخيرا استعرض كتاب الله حال طائفة أخرى آثرت البقاء بمكة تحت سلطان الشرك والوثنية، لا لأن أفرادها من المستضعفين الذين أقعدهم العجز والضعف عن الهجرة إلى المدينة، ولكن لأن هواهم من هوى المشركين، ومصالحهم تقضي عليهم بمجاملة الشرك وأهله، والرضى بالبقاء تحت أمره ونهيه، والوقوف بجانبه عند الحاجة، ويعتبر كتاب الله أفراد الطائفة( ظالمي أنفسهم ) لا مظلومين ولا مستضعفين.
ويصف القرآن الكريم حوارا يدور بينهم بعد موتهم وبين الملائكة، يتبين من خلاله ما تعودوا عليه من كذب ونفاق وميل إلى التضليل، وينتهي هذا الحوار بكشف الستار عنهم، وبسقوط ادعائهم الباطل، وبعقابهم من الله عقابا شديدا.
ثم يستثني كتاب الله من هذه الطائفة الظالمة المؤمنين المظلومين والمستضعفين حقا، وهم أولئك الذين لم يجدوا حيلة للخروج من مكة، ولا قدرة على الهجرة إلى المدينة، من الرجال العاجزين، والنساء الضعيفات، والولدان الصغار، ويفتح كتاب الله في وجه هؤلاء المستضعفين باب الأمل والرجاء في عفوه ومغفرته، جزاء ثقتهم بالله، وتعلقهم به، وهجرتهم بقلوبهم إلى الله ورسوله. ونقل عن ابن عباس أنه قال :( كنت أنا وأمي ممن عذر الله عز وجل، من المستضعفين، من النساء والولدان ).
وهذه المعاني هي التي يتضمنها قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا، ( ٩٧ ) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً، ( ٩٨ ) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا( ٩٩ ) ﴾.

الربع الثاني من الحزب العاشر
في المصحف الكريم
يتوالى الحديث في بداية هذا الربع عن الهجرة في سبيل الله، وما أعده الله للمهاجرين من خير عاجل وثواب آجل، وذلك ترغيبا لمن تخلفوا بمكة في الهجرة إلى المدينة، للالتحاق بجمهرة المسلمين، وتحريضا لهم على مفارقة المشركين، ففي الهجرة في أرض الله الواسعة سعة للمسلم من الضيق، وفيها مندوحة له عن الأذى، وفيها فوق ذلك كله تمكين له من ممارسة دينه بكل حرية واطمئنان، والمسلم إذا فارق بيته بنية الهجرة وأدركه الموت في الطريق يكون له عند الله ثواب المهاجر الذي أتم هجرته، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا( ١٠٠ ) ﴾. ويندرج تحت هذه الآية ما صح الحديث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيحي البخاري ومسلم والموطأ برواية محمد بن الحسن الشيباني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه ).
وينتقل كتاب الله من الحث على الهجرة وتبيين فوائدها وفضائلها إلى تبيين الكيفية التي يؤدي بها المسلمون صلواتهم عندما يكونون مشتبكين في حالة حرب مع أعدائهم، حيث إن الإسلام لا يعفيهم من الصلاة ولو في هذه الحالة، نظرا إلى أن الصلاة عماد الدين وعموده الفقري، لا غنى عنها في حضر أو سفر، ولا في صحة أو مرض، ولا في حال أمن أو خوف، وأرشدهم الحق سبحانه وتعالى إلى نوع التخفيف الذي خففه عنهم بالنسبة للحالة التي يخشون فيها فتنة العدو وهم في مواجهته، وذلك بالإذن لهم في قصر الصلاة، والاقتصار فيها على ركعة واحدة أو ركعتين اثنتين، على أن يقسموا أنفسهم بالتناوب إلى طائفتين :طائفة تقوم بالصلاة، وأخرى بالحراسة، فتصطف الطائفة الأولى وراء الإمام وتصلي معه ركعة واحدة، ثم تتم ركعتها الثانية وحدها وتسلم، في الوقت الذي تكون فيه الطائفة الثانية قائمة بحراستها من مفاجآت العدو لها أثناء الصلاة.
وعند انتهاء الطائفة الأولى من صلاتها تبادر فتأخذ مراكز الطائفة الأخرى التي حرستها من قبل وتحل محلها في الحراسة، وتأتي الطائفة الثانية لتلتحق بدورها في الصلاة وراء الإمام، الذي يثبت قائما في انتظارها بركعته الثانية، فتأتم به فيها، ثم تضيف إلى الركعة التي أدركتها معه ركعة أخرى وحدها تتم بها ركعتين وتسلم، وفي الحين تعود إلى مراكزها في صف القتال.
وهكذا يحافظ المؤمنون على صلواتهم التي هي صلتهم بالله في كل الظروف، يستمدون عن طريقها المدد الإلهي والعون الروحي لمواجهة مسؤولياتهم بقلب ثابت، وعزم صادق، ويقين في الله لا يداخله أدنى شك أو وهن، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا، ( ١٠١ ) وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ﴾.
ومما تجدر ملاحظته في هذا الصدد ما قرره الشارع في كيفية هذه الصلاة من الجمع بين مقتضيات العبادة ومقتضيات الدفاع على أكمل وجه من التوفيق والتنسيق، فأعطى لواجب العبادة حقه من جهة، وأعطى لضرورة الدفاع حقها من جهة أخرى، وهكذا لم يكتف الإسلام من جنوده بالعبادة وحدها مع التفريط في مقتضيات الدفاع والتعرض للخطر، كما لم يكتف منهم بالواجب العسكري وحده والتحرز من العدو، مع نسيان الله وإهمال الصلاة.
وتلك هي خطة الإسلام المرسومة دائما في مختلف مجالات الحياة، بالنسبة للجوانب الروحية والجوانب المادية، لا يضحي بجانب منها في سبيل الجانب الآخر، وإنما يعمل على إعطاء كل جانب من الجانبين حظه من العناية والاهتمام، ويسعى للتوفيق بينهما حفظا للتوازن وحرصا على الانسجام.
وطبقا لما هو متعارف في تشريع الكتاب والسنة من تنبيه الشارع إلى حكمة التشريع في عدة مناسبات جاء التعقيب على الكيفية التي شرعها الله لصلاة المسلمين وهم في مواجهة العدو، بما يبين السر فيها وفي تقسيمهم إلى طائفتين :طائفة تصلي وطائفة تحرس المصلين، ألا وهو اتخاذ الاحتياط والتزام الحذر، إزاء مباغتات العدو وهجومه المنتظر، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً ﴾. ويؤكد هذا المعنى ما جاء في الأثر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى المناسبات التي واجه فيها المشركين صلى بأصحابه صلاة الظهر أربع ركعات بركوعهم وسجودهم وقيامهم جميعا، فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم، فشرع الله للمسلمين في هذه الآيات نوع الصلاة المناسبة لظروف القتال، وجعلها جامعة بين التحرز من العدو والتعبد لله في نفس الوقت.
ثم رخص الله سبحانه وتعالى لجنود الإسلام أن يضعوا أسلحتهم لعذر المرض والمطر، لكن مع ترك الاستسلام ووجوب الاحتياط وأخذ الحذر، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا( ١٠٢ ) ﴾.
قال القاضي أبو بكر( ابن العربي ) المعافري : " قوله تعالى :( خذوا حذركم ) أمر الله سبحانه للمؤمنين أن لا يقتحموا على عدوهم على جهالة، حتى يتحسسوا إلى ما عندهم، ويعلموا كيف يردون عليهم، فذلك أثبت للنفوس، وهذا معلوم بالتجربة، فإن الجيش ما جاءه قط مصاب إلا من تفريط في حذر ".
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٠١: وينتقل كتاب الله من الحث على الهجرة وتبيين فوائدها وفضائلها إلى تبيين الكيفية التي يؤدي بها المسلمون صلواتهم عندما يكونون مشتبكين في حالة حرب مع أعدائهم، حيث إن الإسلام لا يعفيهم من الصلاة ولو في هذه الحالة، نظرا إلى أن الصلاة عماد الدين وعموده الفقري، لا غنى عنها في حضر أو سفر، ولا في صحة أو مرض، ولا في حال أمن أو خوف، وأرشدهم الحق سبحانه وتعالى إلى نوع التخفيف الذي خففه عنهم بالنسبة للحالة التي يخشون فيها فتنة العدو وهم في مواجهته، وذلك بالإذن لهم في قصر الصلاة، والاقتصار فيها على ركعة واحدة أو ركعتين اثنتين، على أن يقسموا أنفسهم بالتناوب إلى طائفتين :طائفة تقوم بالصلاة، وأخرى بالحراسة، فتصطف الطائفة الأولى وراء الإمام وتصلي معه ركعة واحدة، ثم تتم ركعتها الثانية وحدها وتسلم، في الوقت الذي تكون فيه الطائفة الثانية قائمة بحراستها من مفاجآت العدو لها أثناء الصلاة.
وعند انتهاء الطائفة الأولى من صلاتها تبادر فتأخذ مراكز الطائفة الأخرى التي حرستها من قبل وتحل محلها في الحراسة، وتأتي الطائفة الثانية لتلتحق بدورها في الصلاة وراء الإمام، الذي يثبت قائما في انتظارها بركعته الثانية، فتأتم به فيها، ثم تضيف إلى الركعة التي أدركتها معه ركعة أخرى وحدها تتم بها ركعتين وتسلم، وفي الحين تعود إلى مراكزها في صف القتال.
وهكذا يحافظ المؤمنون على صلواتهم التي هي صلتهم بالله في كل الظروف، يستمدون عن طريقها المدد الإلهي والعون الروحي لمواجهة مسؤولياتهم بقلب ثابت، وعزم صادق، ويقين في الله لا يداخله أدنى شك أو وهن، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا، ( ١٠١ ) وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ﴾.
ومما تجدر ملاحظته في هذا الصدد ما قرره الشارع في كيفية هذه الصلاة من الجمع بين مقتضيات العبادة ومقتضيات الدفاع على أكمل وجه من التوفيق والتنسيق، فأعطى لواجب العبادة حقه من جهة، وأعطى لضرورة الدفاع حقها من جهة أخرى، وهكذا لم يكتف الإسلام من جنوده بالعبادة وحدها مع التفريط في مقتضيات الدفاع والتعرض للخطر، كما لم يكتف منهم بالواجب العسكري وحده والتحرز من العدو، مع نسيان الله وإهمال الصلاة.
وتلك هي خطة الإسلام المرسومة دائما في مختلف مجالات الحياة، بالنسبة للجوانب الروحية والجوانب المادية، لا يضحي بجانب منها في سبيل الجانب الآخر، وإنما يعمل على إعطاء كل جانب من الجانبين حظه من العناية والاهتمام، ويسعى للتوفيق بينهما حفظا للتوازن وحرصا على الانسجام.
وطبقا لما هو متعارف في تشريع الكتاب والسنة من تنبيه الشارع إلى حكمة التشريع في عدة مناسبات جاء التعقيب على الكيفية التي شرعها الله لصلاة المسلمين وهم في مواجهة العدو، بما يبين السر فيها وفي تقسيمهم إلى طائفتين :طائفة تصلي وطائفة تحرس المصلين، ألا وهو اتخاذ الاحتياط والتزام الحذر، إزاء مباغتات العدو وهجومه المنتظر، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً ﴾. ويؤكد هذا المعنى ما جاء في الأثر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى المناسبات التي واجه فيها المشركين صلى بأصحابه صلاة الظهر أربع ركعات بركوعهم وسجودهم وقيامهم جميعا، فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم، فشرع الله للمسلمين في هذه الآيات نوع الصلاة المناسبة لظروف القتال، وجعلها جامعة بين التحرز من العدو والتعبد لله في نفس الوقت.
ثم رخص الله سبحانه وتعالى لجنود الإسلام أن يضعوا أسلحتهم لعذر المرض والمطر، لكن مع ترك الاستسلام ووجوب الاحتياط وأخذ الحذر، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا( ١٠٢ ) ﴾.
قال القاضي أبو بكر( ابن العربي ) المعافري :" قوله تعالى :( خذوا حذركم ) أمر الله سبحانه للمؤمنين أن لا يقتحموا على عدوهم على جهالة، حتى يتحسسوا إلى ما عندهم، ويعلموا كيف يردون عليهم، فذلك أثبت للنفوس، وهذا معلوم بالتجربة، فإن الجيش ما جاءه قط مصاب إلا من تفريط في حذر ".

وقوله تعالى : ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ ﴾. خطاب للمجاهدين من المؤمنين الذين أقاموا الصلاة وهم في مواجهة العدو، على الكيفية المخففة التي شرعها الله لهم، أن يوالوا بعد فراغهم من الصلوات ذكر الله أثناء الجهاد والقتال، سواء كانوا قائمين أو قاعدين أو مضطجعين، لا فرق بين مختلف الأحوال، وذلك لما يؤدي إليه الذكر من حضور القلب مع الله، وما يعين عليه من تلقي مدده ورضاه، على غرار قوله تعالى في خطابه لنبيه : ﴿ فَإِذَا فَرَغتَ فَانصَب، وَإِلَى رَبِّكَ فَارغَب ﴾.
وقوله تعالى : ﴿ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ ﴾. معناه أنه إذا ذهب عنكم الخوف من فتنة العدو وأصبحتم في حالة اطمئنان تام فعليكم أن تتركوا الكيفية المخففة للصلاة التي بينتها الآيات السالفة، وتعودوا إلى إقامة الصلاة على وجهها الكامل كيفا وكما، هيئة وعددا.
وغني عن البيان أن الصلاة التي حددها كتاب الله لحالة القتال، والتي وصفتها آيات هذا الربع هي المعبر عنها في لسان علماء الشريعة باسم( صلاة الخوف ) وذلك أخذا من الحالة التي تقع فيها هذه الصلاة، وهي حالة اشتباك المسلمين مع عدوهم، وخوفهم من أن يفتنهم في صلاتهم وهم في مواجهته.
وهنا قد يتساءل البعض عن قصر الصلاة في السفر دون قتال ولا خوف، هل قصرها داخل في سياق هذه الآيات، أم أن له سندا شرعيا آخر ؟
والجواب عن ذلك ما رواه ابن جرر الطبري في كتابه في التفسير ونقله عنه ابن كثير :أن أمية بن عبد الله قال لعبد الله بن عمر :إنا نجد في كتاب الله قصر صلاة الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر، فقال عبد الله : " إنا وجدنا نبينا صلى الله عليه وسلم يعمل عملا فعملنا به ".
فقد سمي صلاة الخوف مقصورة، وحمل الآية عليها، لا على قصر صلاة المسافر، وأقره ابن عمر على ذلك، واحتج على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع، لا بنص القرآن.
ونقل( ابن العربي ) المعافري سؤال أمية بن عبد الله لعبد الله بن عمر على الوجه الآتي :( إنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن، ولا نجد صلاة السفر ). ( يعني لا نعلم شيئا، فإنا نفعل كما رأيناه يفعل ". كما نقل( ابن العربي ) أيضا مقالة يعلى بن أمية لعمر بن الخطاب نفسه في نفس الموضوع، وذلك بالصيغة الآتية، وهي مروية في سنن ابن ماجة : " إن الله تعالى يقول :فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم، فها نحن قد أمنا ". قال عمر :( عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ).
هذا وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة ) مما يدل على أن قصر الصلاة في السفر ثابت بالسنة الفعلية والسنة القولية، والسنة كما هو معلوم مصدر ثان للتشريع، بجانب الكتاب الذي هو المصدر الأول، غير أن هذه الرخصة لا يعقل الانتفاع بها في سفر المعصية، وإنما يعمل بها في سفر الطاعة وحده إن طرأ في السفر ما يدعو إليها.
وأخيرا أكد كتاب الله في ختام هذا الموضوع معنى أن الصلاة لازمة للمسلمين مفروضة عليهم في جميع أحوالهم لا يعفيهم منها شئ، وأن الشارع حرصا منه على قيامهم بها رخص لهم بإقامتها على الوجه الذي يستطيعونه بحسب كل حال من الأحوال، حتى أنه اكتفى منهم في بعض حالات الأعذار بطهارة التيمم التي هي أيضا طهارة رمزية، وذلك تنبيها على أن الصلاة لا تستباح إلا بطهارة، حتى تبقى النفس متشوفة إلى استعمالها، ولا تتعود على إهمالها.
الربع الثالث من الحزب العاشر
في المصحف الكريم
يتناول هذا الربع موضوعات متنوعة، اعتقادية وأخلاقية، كما يتناول جوانب من العبادات، وأخرى من المعاملات.
وأول آية فيه تبين أن أكثر ما يتناوله الناس في أحاديثهم من القيل والقال لا خير فيه، ولا فائدة من ورائه، وأن أحسن الحديث الذي ينبغي أن يشغل المسلمون أنفسهم به هو حديث البر والمعروف وإصلاح ذات البين، وذلك بقصد حضهم على الاتجاه وجهة الخير، وتنفيرهم من الاتجاه وجهة الشر، فيما يتبادلونه من آراء وأفكار، حيث إن الفكر عادة هو الذي يدفع إلى العمل، فإذا كانت أحاديث الناس ومحاوراتهم تنحو نحو الهدم اتجهت أعمالهم للهدم لا محالة، وعلى العكس من ذلك إذا كانت مشاغلهم الفكرية تنحو نحو البناء اتجهت أعمالهم إلى البناء بدل الهدم، وذلك قوله تعالى : ﴿ لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ ﴾. وفي معناه قوله تعالى : ﴿ وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾.
وثاني آية في هذا الربع تبين حكم الله فيمن تعمد مخالفة الرسول والمؤمنين بعدما ظهر له وجه الحق فتحدى ملته وأمته، وذهب برأيه وهواه في واد، وترك الملة والأمة في واد، وأصبح معتزلا وحده في شق، وهما بريئتان منه في الشق الآخر. ومن هنا جاء التعبير بكلمة( الشقاق ) في هذا الصدد، وحكم الله فيه هو اعتباره خارجا عن جماعة المسلمين، متمردا على إجماع المؤمنين، له عذاب جهنم وبيس المصير، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا( ١١٥ ) ﴾.
وعلى هذه الآية نفسها اعتمد الإمام الشافعي رضي الله عنه في الحكم بحجية الإجماع، وما يجب له من الإتباع، نظرا إلى أن الشريعة قد ضمنت العصمة من الخطأ لمجموع الأمة " لا تجتمع أمتي على خطأ " فما ثبت في شأنه اتفاقها وتحقق إجماعها عليه، حق لا ريب فيه.
قال ابن كثير بعد ما ذكر احتجاج الشافعي بهذه الآية على حجية الإجماع وأنه اهتدى إلى ذلك بعد التروي والفكر الطويل : " وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها ".
وقوله تعالى : ﴿ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ﴾. معناه نكله إلى نفسه في رأيه واختياره، ونستدرجه من حيث لا يعلم، على حد قوله تعالى : ﴿ فَذَرنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهّذاَ الحَدِيثِ، سَنَستَدرِجُهُم مِّن حَيثُ لاَ يَعلَمُونَ، وَأُملِي لَهُمُ ﴾.
وثالث آية في الربع تؤكد من جديد خطورة الشرك بالله، وتقرر مرة أخرى أن هذا الذنب الأكبر على نقيض بقية الذنوب لا غفران له عند الله، بينما غيره يمكن أن يغفره الله لمن يريد، بشرط التوبة وعدم الإصرار.
والسر في ذلك أن الشرك بالله لا يمكن أن يختلط أمره على ذي عقل سليم، وهو ظلم لمقام الألوهية عظيم، إذ أقل نظرة يلقيها العاقل على نفسه وعلى ما حوله ومن حوله تؤكد له وحدانية بديع السماوات والأرض الحكيم العليم، وذلك قوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا( ١١٦ ) ﴾.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١٤: الربع الثالث من الحزب العاشر
في المصحف الكريم
يتناول هذا الربع موضوعات متنوعة، اعتقادية وأخلاقية، كما يتناول جوانب من العبادات، وأخرى من المعاملات.
وأول آية فيه تبين أن أكثر ما يتناوله الناس في أحاديثهم من القيل والقال لا خير فيه، ولا فائدة من ورائه، وأن أحسن الحديث الذي ينبغي أن يشغل المسلمون أنفسهم به هو حديث البر والمعروف وإصلاح ذات البين، وذلك بقصد حضهم على الاتجاه وجهة الخير، وتنفيرهم من الاتجاه وجهة الشر، فيما يتبادلونه من آراء وأفكار، حيث إن الفكر عادة هو الذي يدفع إلى العمل، فإذا كانت أحاديث الناس ومحاوراتهم تنحو نحو الهدم اتجهت أعمالهم للهدم لا محالة، وعلى العكس من ذلك إذا كانت مشاغلهم الفكرية تنحو نحو البناء اتجهت أعمالهم إلى البناء بدل الهدم، وذلك قوله تعالى : ﴿ لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ ﴾. وفي معناه قوله تعالى : ﴿ وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾.
وثاني آية في هذا الربع تبين حكم الله فيمن تعمد مخالفة الرسول والمؤمنين بعدما ظهر له وجه الحق فتحدى ملته وأمته، وذهب برأيه وهواه في واد، وترك الملة والأمة في واد، وأصبح معتزلا وحده في شق، وهما بريئتان منه في الشق الآخر. ومن هنا جاء التعبير بكلمة( الشقاق ) في هذا الصدد، وحكم الله فيه هو اعتباره خارجا عن جماعة المسلمين، متمردا على إجماع المؤمنين، له عذاب جهنم وبيس المصير، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا( ١١٥ ) ﴾.
وعلى هذه الآية نفسها اعتمد الإمام الشافعي رضي الله عنه في الحكم بحجية الإجماع، وما يجب له من الإتباع، نظرا إلى أن الشريعة قد ضمنت العصمة من الخطأ لمجموع الأمة " لا تجتمع أمتي على خطأ " فما ثبت في شأنه اتفاقها وتحقق إجماعها عليه، حق لا ريب فيه.
قال ابن كثير بعد ما ذكر احتجاج الشافعي بهذه الآية على حجية الإجماع وأنه اهتدى إلى ذلك بعد التروي والفكر الطويل :" وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها ".
وقوله تعالى : ﴿ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ﴾. معناه نكله إلى نفسه في رأيه واختياره، ونستدرجه من حيث لا يعلم، على حد قوله تعالى : ﴿ فَذَرنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهّذاَ الحَدِيثِ، سَنَستَدرِجُهُم مِّن حَيثُ لاَ يَعلَمُونَ، وَأُملِي لَهُمُ ﴾.
وثالث آية في الربع تؤكد من جديد خطورة الشرك بالله، وتقرر مرة أخرى أن هذا الذنب الأكبر على نقيض بقية الذنوب لا غفران له عند الله، بينما غيره يمكن أن يغفره الله لمن يريد، بشرط التوبة وعدم الإصرار.
والسر في ذلك أن الشرك بالله لا يمكن أن يختلط أمره على ذي عقل سليم، وهو ظلم لمقام الألوهية عظيم، إذ أقل نظرة يلقيها العاقل على نفسه وعلى ما حوله ومن حوله تؤكد له وحدانية بديع السماوات والأرض الحكيم العليم، وذلك قوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا( ١١٦ ) ﴾.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١٤: الربع الثالث من الحزب العاشر
في المصحف الكريم
يتناول هذا الربع موضوعات متنوعة، اعتقادية وأخلاقية، كما يتناول جوانب من العبادات، وأخرى من المعاملات.
وأول آية فيه تبين أن أكثر ما يتناوله الناس في أحاديثهم من القيل والقال لا خير فيه، ولا فائدة من ورائه، وأن أحسن الحديث الذي ينبغي أن يشغل المسلمون أنفسهم به هو حديث البر والمعروف وإصلاح ذات البين، وذلك بقصد حضهم على الاتجاه وجهة الخير، وتنفيرهم من الاتجاه وجهة الشر، فيما يتبادلونه من آراء وأفكار، حيث إن الفكر عادة هو الذي يدفع إلى العمل، فإذا كانت أحاديث الناس ومحاوراتهم تنحو نحو الهدم اتجهت أعمالهم للهدم لا محالة، وعلى العكس من ذلك إذا كانت مشاغلهم الفكرية تنحو نحو البناء اتجهت أعمالهم إلى البناء بدل الهدم، وذلك قوله تعالى : ﴿ لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ ﴾. وفي معناه قوله تعالى : ﴿ وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾.
وثاني آية في هذا الربع تبين حكم الله فيمن تعمد مخالفة الرسول والمؤمنين بعدما ظهر له وجه الحق فتحدى ملته وأمته، وذهب برأيه وهواه في واد، وترك الملة والأمة في واد، وأصبح معتزلا وحده في شق، وهما بريئتان منه في الشق الآخر. ومن هنا جاء التعبير بكلمة( الشقاق ) في هذا الصدد، وحكم الله فيه هو اعتباره خارجا عن جماعة المسلمين، متمردا على إجماع المؤمنين، له عذاب جهنم وبيس المصير، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا( ١١٥ ) ﴾.
وعلى هذه الآية نفسها اعتمد الإمام الشافعي رضي الله عنه في الحكم بحجية الإجماع، وما يجب له من الإتباع، نظرا إلى أن الشريعة قد ضمنت العصمة من الخطأ لمجموع الأمة " لا تجتمع أمتي على خطأ " فما ثبت في شأنه اتفاقها وتحقق إجماعها عليه، حق لا ريب فيه.
قال ابن كثير بعد ما ذكر احتجاج الشافعي بهذه الآية على حجية الإجماع وأنه اهتدى إلى ذلك بعد التروي والفكر الطويل :" وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها ".
وقوله تعالى : ﴿ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ﴾. معناه نكله إلى نفسه في رأيه واختياره، ونستدرجه من حيث لا يعلم، على حد قوله تعالى : ﴿ فَذَرنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهّذاَ الحَدِيثِ، سَنَستَدرِجُهُم مِّن حَيثُ لاَ يَعلَمُونَ، وَأُملِي لَهُمُ ﴾.
وثالث آية في الربع تؤكد من جديد خطورة الشرك بالله، وتقرر مرة أخرى أن هذا الذنب الأكبر على نقيض بقية الذنوب لا غفران له عند الله، بينما غيره يمكن أن يغفره الله لمن يريد، بشرط التوبة وعدم الإصرار.
والسر في ذلك أن الشرك بالله لا يمكن أن يختلط أمره على ذي عقل سليم، وهو ظلم لمقام الألوهية عظيم، إذ أقل نظرة يلقيها العاقل على نفسه وعلى ما حوله ومن حوله تؤكد له وحدانية بديع السماوات والأرض الحكيم العليم، وذلك قوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا( ١١٦ ) ﴾.

وقوله تعالى : ﴿ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا( ١١٧ )، لَّعَنَهُ اللّهُ ﴾. إشارة إلى ما تواطأ عليه المشركون من عبادة الشيطان واللات والعزى وما شابههما من الأوثان، وإلى الملائكة الذين وصفوهم بالأنوثة والبنوة لله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وفي مثل هذا السياق جاء قوله تعالى : ﴿ وَيَجعَلُونَ لِلَهِ البَنَاتِ سُبحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشهَدُونَ ﴾. ﴿ وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الذِّين هُم عِندَ الرَّحمَانِ إِنَاثاً ﴾. ﴿ أَم خَلَقنَا المَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُم شَاهِدُونَ ﴾.
وانتقل كتاب الله بعد ذلك إلى التحذير من متابعة الشيطان والسير في ركابه، وبين ما في اتباعه من الخسران المبين، وأشار إلى أن الشيطان لا يقدم لأوليائه الأقربين، ومتبعي وصاياه المطيعين، إلا الوعود الخلابة والأماني الكاذبة، فهم كالدمى بين أصابع الشيطان، يغرهم ويغرر بهم، وينزل بهم إلى درك أسفل من درك الحيوان، وذلك لقوله تعالى حكاية عن إبليس ووصفا لوساوسه ودسائسه : ﴿ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا، وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ ﴾. ﴿ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا، ( ١١٩ ) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا، ( ١٢٠ ) أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا( ١٢١ ) ﴾. ومصداق الغرور المشار إليه في هذه الآية قوله تعالى في آية أخرى﴿ وَقَالَ الشَّيطَانُ لَّمَا قُضِيَ الأمرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُم وَعدَ الحَقِّ، وَوَعَدتُّكُم فَاَخلَفتُكُم وَمَا كَانَ لِي عَلَيكُم مِّن سُلطَانٍ ﴾.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١٧: وقوله تعالى : ﴿ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا( ١١٧ )، لَّعَنَهُ اللّهُ ﴾. إشارة إلى ما تواطأ عليه المشركون من عبادة الشيطان واللات والعزى وما شابههما من الأوثان، وإلى الملائكة الذين وصفوهم بالأنوثة والبنوة لله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وفي مثل هذا السياق جاء قوله تعالى : ﴿ وَيَجعَلُونَ لِلَهِ البَنَاتِ سُبحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشهَدُونَ ﴾. ﴿ وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الذِّين هُم عِندَ الرَّحمَانِ إِنَاثاً ﴾. ﴿ أَم خَلَقنَا المَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُم شَاهِدُونَ ﴾.
وانتقل كتاب الله بعد ذلك إلى التحذير من متابعة الشيطان والسير في ركابه، وبين ما في اتباعه من الخسران المبين، وأشار إلى أن الشيطان لا يقدم لأوليائه الأقربين، ومتبعي وصاياه المطيعين، إلا الوعود الخلابة والأماني الكاذبة، فهم كالدمى بين أصابع الشيطان، يغرهم ويغرر بهم، وينزل بهم إلى درك أسفل من درك الحيوان، وذلك لقوله تعالى حكاية عن إبليس ووصفا لوساوسه ودسائسه : ﴿ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا، وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ ﴾. ﴿ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا، ( ١١٩ ) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا، ( ١٢٠ ) أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا( ١٢١ ) ﴾. ومصداق الغرور المشار إليه في هذه الآية قوله تعالى في آية أخرى﴿ وَقَالَ الشَّيطَانُ لَّمَا قُضِيَ الأمرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُم وَعدَ الحَقِّ، وَوَعَدتُّكُم فَاَخلَفتُكُم وَمَا كَانَ لِي عَلَيكُم مِّن سُلطَانٍ ﴾.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١٧: وقوله تعالى : ﴿ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا( ١١٧ )، لَّعَنَهُ اللّهُ ﴾. إشارة إلى ما تواطأ عليه المشركون من عبادة الشيطان واللات والعزى وما شابههما من الأوثان، وإلى الملائكة الذين وصفوهم بالأنوثة والبنوة لله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وفي مثل هذا السياق جاء قوله تعالى : ﴿ وَيَجعَلُونَ لِلَهِ البَنَاتِ سُبحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشهَدُونَ ﴾. ﴿ وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الذِّين هُم عِندَ الرَّحمَانِ إِنَاثاً ﴾. ﴿ أَم خَلَقنَا المَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُم شَاهِدُونَ ﴾.
وانتقل كتاب الله بعد ذلك إلى التحذير من متابعة الشيطان والسير في ركابه، وبين ما في اتباعه من الخسران المبين، وأشار إلى أن الشيطان لا يقدم لأوليائه الأقربين، ومتبعي وصاياه المطيعين، إلا الوعود الخلابة والأماني الكاذبة، فهم كالدمى بين أصابع الشيطان، يغرهم ويغرر بهم، وينزل بهم إلى درك أسفل من درك الحيوان، وذلك لقوله تعالى حكاية عن إبليس ووصفا لوساوسه ودسائسه : ﴿ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا، وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ ﴾. ﴿ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا، ( ١١٩ ) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا، ( ١٢٠ ) أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا( ١٢١ ) ﴾. ومصداق الغرور المشار إليه في هذه الآية قوله تعالى في آية أخرى﴿ وَقَالَ الشَّيطَانُ لَّمَا قُضِيَ الأمرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُم وَعدَ الحَقِّ، وَوَعَدتُّكُم فَاَخلَفتُكُم وَمَا كَانَ لِي عَلَيكُم مِّن سُلطَانٍ ﴾.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١٧: وقوله تعالى : ﴿ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا( ١١٧ )، لَّعَنَهُ اللّهُ ﴾. إشارة إلى ما تواطأ عليه المشركون من عبادة الشيطان واللات والعزى وما شابههما من الأوثان، وإلى الملائكة الذين وصفوهم بالأنوثة والبنوة لله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وفي مثل هذا السياق جاء قوله تعالى : ﴿ وَيَجعَلُونَ لِلَهِ البَنَاتِ سُبحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشهَدُونَ ﴾. ﴿ وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الذِّين هُم عِندَ الرَّحمَانِ إِنَاثاً ﴾. ﴿ أَم خَلَقنَا المَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُم شَاهِدُونَ ﴾.
وانتقل كتاب الله بعد ذلك إلى التحذير من متابعة الشيطان والسير في ركابه، وبين ما في اتباعه من الخسران المبين، وأشار إلى أن الشيطان لا يقدم لأوليائه الأقربين، ومتبعي وصاياه المطيعين، إلا الوعود الخلابة والأماني الكاذبة، فهم كالدمى بين أصابع الشيطان، يغرهم ويغرر بهم، وينزل بهم إلى درك أسفل من درك الحيوان، وذلك لقوله تعالى حكاية عن إبليس ووصفا لوساوسه ودسائسه : ﴿ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا، وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ ﴾. ﴿ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا، ( ١١٩ ) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا، ( ١٢٠ ) أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا( ١٢١ ) ﴾. ومصداق الغرور المشار إليه في هذه الآية قوله تعالى في آية أخرى﴿ وَقَالَ الشَّيطَانُ لَّمَا قُضِيَ الأمرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُم وَعدَ الحَقِّ، وَوَعَدتُّكُم فَاَخلَفتُكُم وَمَا كَانَ لِي عَلَيكُم مِّن سُلطَانٍ ﴾.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١٧: وقوله تعالى : ﴿ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا( ١١٧ )، لَّعَنَهُ اللّهُ ﴾. إشارة إلى ما تواطأ عليه المشركون من عبادة الشيطان واللات والعزى وما شابههما من الأوثان، وإلى الملائكة الذين وصفوهم بالأنوثة والبنوة لله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وفي مثل هذا السياق جاء قوله تعالى : ﴿ وَيَجعَلُونَ لِلَهِ البَنَاتِ سُبحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشهَدُونَ ﴾. ﴿ وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الذِّين هُم عِندَ الرَّحمَانِ إِنَاثاً ﴾. ﴿ أَم خَلَقنَا المَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُم شَاهِدُونَ ﴾.
وانتقل كتاب الله بعد ذلك إلى التحذير من متابعة الشيطان والسير في ركابه، وبين ما في اتباعه من الخسران المبين، وأشار إلى أن الشيطان لا يقدم لأوليائه الأقربين، ومتبعي وصاياه المطيعين، إلا الوعود الخلابة والأماني الكاذبة، فهم كالدمى بين أصابع الشيطان، يغرهم ويغرر بهم، وينزل بهم إلى درك أسفل من درك الحيوان، وذلك لقوله تعالى حكاية عن إبليس ووصفا لوساوسه ودسائسه : ﴿ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا، وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ ﴾. ﴿ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا، ( ١١٩ ) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا، ( ١٢٠ ) أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا( ١٢١ ) ﴾. ومصداق الغرور المشار إليه في هذه الآية قوله تعالى في آية أخرى﴿ وَقَالَ الشَّيطَانُ لَّمَا قُضِيَ الأمرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُم وَعدَ الحَقِّ، وَوَعَدتُّكُم فَاَخلَفتُكُم وَمَا كَانَ لِي عَلَيكُم مِّن سُلطَانٍ ﴾.

ثم وضح كتاب الله مبدأ من المبادئ الأساسية في العقيدة الإسلامية، وهي أن الجزاء من جنس العمل، والجزاء الحسن مرتبط بالعمل الصالح، وأن مجرد الأماني دون سعي ولا عمل ولا اكتساب للخير لا ينفع المسلمين كما لا ينفع أهل الكتاب، سواء بسواء، ولذلك فإن من يعمل سوءا يجز به ومن يعمل صالحا يجز به، في الدنيا أولا، وفي الآخرة أخيرا، سواء كان العامل ذكرا أو كان أنثى، وذلك قوله تعالى في خطابه للمؤمنين : ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا( ١٢٣ )، وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا( ١٢٤ ) ﴾.
قال ابن كثير في تفسيره :( والمعنى في هذه الآية أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال. وليس كل من ادعى شيئا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال :إنه هو على الحق سمع قوله بمجرد ذلك، حتى يكون له من الله برهان، أي ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله سبحانه، وإتباع ما شرعه على ألسنة الرسل( الكرام ).
وروي أنه لما نزلت هذه الآية شق أمرها على كثير من الصحابة، وكان أبو بكر الصديق ممن استفسر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى فيها ﴿ وَمَن يَعمَل سُوءاً يجز بِه ﴾. فأجابه عليه السلام قائلا :( غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض، ألست تنصب، ألست تحزن، ألست تصيبك اللاواء( الشدة والمحنة ) قال بلى، قال :( فهو مما يجزون به ).
وروى علي بن أبي طالب عن ابن عباس تعقيبا على قوله تعالى : ﴿ ولاَ يَجِد لَهُ مِن دُونِ اللهِ وَلِياًّ وَلا َنَصِيراً ﴾ :إلا أن يتوب فيتوب الله عليه.
وقوله تعالى( نقيرا ) المراد بالنقير النقرة التي في ظهر نواة التمرة، ومما يتصل به لفظ ( القطمير )، والمراد به اللفافة التي على نواة التمرة، ولفظ( الفتيل )، والمراد به الخيط الذي في شق النواة، وهذه الألفاظ الثلاثة كلها وردت في القرآن الكريم.
فكلمة " النقير " وردت في القرآن مرتين إحداهما في هذا الربع ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾ والثانية في الربع الثاني من الحزب التاسع من هذه السورة ﴿ أَم لَهُم نَصِيبٌ مِنَ المُلكِ فَإِذاً لاَّ يُوتُونَ النَّاسَ نَقِيراً ﴾ وكلمة " الفتيل " وردت في القرآن ثلاث مرات، مرتين في هذه السورة سورة النساء، وذلك في قوله تعالى : ﴿ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ وفي قوله تعالى ﴿ قُل مَتَاعُ الدُنيَّا قَلِيلٌ، والآخرة خَيرٌ لِمَن اتَّقَى، ولا َتُظلَمُونَ فَتِيلاُ ﴾.
وكلمة " القطمير " وردت في القرآن مرة واحدة في سورة فاطر ﴿ والذينَ تَدعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَملِكُونَ مِن قِطمِيرٍ ﴾.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٢٣: ثم وضح كتاب الله مبدأ من المبادئ الأساسية في العقيدة الإسلامية، وهي أن الجزاء من جنس العمل، والجزاء الحسن مرتبط بالعمل الصالح، وأن مجرد الأماني دون سعي ولا عمل ولا اكتساب للخير لا ينفع المسلمين كما لا ينفع أهل الكتاب، سواء بسواء، ولذلك فإن من يعمل سوءا يجز به ومن يعمل صالحا يجز به، في الدنيا أولا، وفي الآخرة أخيرا، سواء كان العامل ذكرا أو كان أنثى، وذلك قوله تعالى في خطابه للمؤمنين : ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا( ١٢٣ )، وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا( ١٢٤ ) ﴾.
قال ابن كثير في تفسيره :( والمعنى في هذه الآية أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال. وليس كل من ادعى شيئا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال :إنه هو على الحق سمع قوله بمجرد ذلك، حتى يكون له من الله برهان، أي ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله سبحانه، وإتباع ما شرعه على ألسنة الرسل( الكرام ).
وروي أنه لما نزلت هذه الآية شق أمرها على كثير من الصحابة، وكان أبو بكر الصديق ممن استفسر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى فيها ﴿ وَمَن يَعمَل سُوءاً يجز بِه ﴾. فأجابه عليه السلام قائلا :( غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض، ألست تنصب، ألست تحزن، ألست تصيبك اللاواء( الشدة والمحنة ) قال بلى، قال :( فهو مما يجزون به ).
وروى علي بن أبي طالب عن ابن عباس تعقيبا على قوله تعالى : ﴿ ولاَ يَجِد لَهُ مِن دُونِ اللهِ وَلِياًّ وَلا َنَصِيراً ﴾ :إلا أن يتوب فيتوب الله عليه.
وقوله تعالى( نقيرا ) المراد بالنقير النقرة التي في ظهر نواة التمرة، ومما يتصل به لفظ ( القطمير )، والمراد به اللفافة التي على نواة التمرة، ولفظ( الفتيل )، والمراد به الخيط الذي في شق النواة، وهذه الألفاظ الثلاثة كلها وردت في القرآن الكريم.
فكلمة " النقير " وردت في القرآن مرتين إحداهما في هذا الربع ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾ والثانية في الربع الثاني من الحزب التاسع من هذه السورة ﴿ أَم لَهُم نَصِيبٌ مِنَ المُلكِ فَإِذاً لاَّ يُوتُونَ النَّاسَ نَقِيراً ﴾ وكلمة " الفتيل " وردت في القرآن ثلاث مرات، مرتين في هذه السورة سورة النساء، وذلك في قوله تعالى : ﴿ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ وفي قوله تعالى ﴿ قُل مَتَاعُ الدُنيَّا قَلِيلٌ، والآخرة خَيرٌ لِمَن اتَّقَى، ولا َتُظلَمُونَ فَتِيلاُ ﴾.
وكلمة " القطمير " وردت في القرآن مرة واحدة في سورة فاطر ﴿ والذينَ تَدعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَملِكُونَ مِن قِطمِيرٍ ﴾.

وأخيرا عادت الآيات الكريمة إلى موضوع معاملة النساء والولدان الصغار واليتامى، وهذا الموضوع أحد الموضوعات الرئيسية لسورة النساء ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ﴾ وفي سياق هذه الآيات وردت مادة( الصلح ) و( الإصلاح ) أربع مرات متتالية، مما يوضح بشكل قوي وصريح حرص الشارع الأكيد على سلامة الأسرة المسلمة، وحثه على ضمان استقرارها، ووجوب اتخاذ كل الوسائل، واستنفاد جميع المساعي للحيلولة دون الفراق بين الزوج والزوجة، ودون تعريض الأسرة بكافة أفرادها للتسكع والضياع والشتات، وذلك قوله تعالى : ﴿ فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ )- ( وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا( ١٢٩ ) ﴾.
الربع الأخير من الحزب العاشر
في المصحف الكريم
بعدما حض كتاب الله في نهاية الربع الماضي أعضاء الأسرة المسلمة على ضرورة تفادي الفراق والطلاق بكل ما يمكن من الوسائل، وأورد مادة الصلح والتصالح والإصلاح أربع مرات متوالية في سياق واحد جاءت أول آية في هذا الربع لتتحدث عن الفراق، الذي يقع بعد استنفاد كافة وسائل الوفاق، وكأن هذه الآية الكريمة تشير إلى الحالة التي لم يعد فيها أحد الزوجين يطيق الحياة مع الآخر، أو لم يعد فيها كل واحد منهما قادرا على العيش بجانب الآخر، وإذن تكون وضعية أحدهما أو وضعيتهما معا وضعية الأسير الذي يتمنى الخلاص من رق الأسر، أو وضعية السجين الذي يبحث عن النور ليخرج من الظلام، ففي هذه الحالة وحدها يعد الله الزوج أو الزوجة أو يعدهما معا بأنه سبحانه وتعالى سيعوضهما عن بعضهما خير العوض، وسيفتح لهما أبواب الأمل والرجاء في زواج أسعد، وعيش أفضل، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا( ١٣٠ ) ﴾ وإنما جاءت الآية بهذه الصيغة التي فيها إيماء إلى الرضى والعطف والمصادقة على الفراق، لأن الفراق في هذه الحالة أصبح هو الحل الوحيد لمشكلة سبق لها أن تأزمت، واتخذت لحلها جميع الوسائل دون جدوى، فكان الفراق هو المخرج الوحيد منها، بمنزلة العملية الجراحية التي يلجأ إليها في نهاية مراحل العلاج، بعد استنفاد المراحل الأخرى كلها.
وقوله تعالى ﴿ وَاسِعًا حَكِيمًا ﴾ في هذا السياق، مطابقان كل المطابقة للمشكل القائم الذي حله الإسلام عن طريق الطلاق، ففي سعة رحمة الله وعظيم فضله ملاذ لكل من الزوجين المتفارقين، وفي إذن الله بالفراق بعد استنفاد وسائل الوفاق، منتهى الحكمة في القضاء على أسباب الخلاف والشقاق.
ثم انتقل كتاب الله في نفس هذا المقام إلى التذكير بفريضة التقوى وعدم التعدي لحدود الله، مبينا أن التقوى وصية عامة وصى الله بها أهل الكتاب كما وصى بها المسلمين على السواء، وشأن الوصية من الناس بعضهم لبعض أن توضع موضع الاحترام والتنفيذ، وأن لا يقع فيها تبديل ولا كتمان، فما بالك بوصية الله المنزلة في كتبه، المنقولة على الناس على لسان رسله ؟ إنها أجدر الوصايا كلها وأحقها بالتنفيذ الدقيق والاحترام التام.
وكأن في هذا التذكير إشارة إلى أن من اعتصم بتقوى الله يتفادى الوقوع في كثير من المشاكل، ويعينه الحق سبحانه وتعالى على تخطي العقبات عندما تنزل بساحته النوازل ﴿ وَمَن يَّتَّقِ اللهَ يَجعَل لَّهُ مَخرَجاُ ﴾ وذلك قوله تعالى : ﴿ وَلَقَد وَصَّيناَ الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبلِكُم وَإِيَّاكُم أَنِ اتَّقُوا اللهَ ﴾.
ومن هنا اتجه كتاب الله إلى مخاطبة خلقه أجمعين، ولا سيما الكافرين منهم وعصاة المؤمنين في سياق الوعيد والتهديد، لافتا نظرهم جميعا إلى حقيقة هي أكبر الحقائق وأصدقها جميعا، ألا وهي غنى الله المطلق عن خلقه، أساؤوا أم أحسنوا، أطاعوا أم عصوا، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا( ١٣١ ) ﴾، ثم قدرة الله القاهرة على إفناء الموجود، وإنشاء المعدوم، وقلب أوضاع العالم رأسا على عقب، تأديبا منه للمتمردين على طاعته، وعقابا للعصاة من خلقه، وتعويضا عنهم بمن هم أطوع لإرادة الله وأمره، وبمن هم أحرص على رضاه، وأشد تمسكا بتقواه، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً، ( ١٣٢ ) إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا( ١٣٣ ) ﴾.
وكأن في هذا الخطاب الإلهي تحذيرا من الهزات والانقلابات والنكبات والكوارث الطبيعية، و دعوة موجهة للمؤمنين إلى أن يقوموا بواجبهم الكامل في تحقيق مراد الله وإعلاء كلمته في الأرض، وإعطاء الخلافة عن الله التي وكلها إليهم في أرضه حقها من الامتثال والفعالية، حتى تكون التوجيهات الإلهية حاكمة عليها، مسيرة لها، بارزة في جميع جنباتها، وإلا نزع الله يده منهم، ووكلهم إلى أنفسهم، وسلط عليهم النقمة، بدلا من النعمة، وفي هذا المعنى جاءت آيات كريمة أخرى تزيده وضوحا وبيانا، وذلك قوله تعالى : ﴿ إِن يَّشَأ يُذهِبكُم وَيَأتِ بِخَلقٍ جَدِيدٍ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ ﴾ أي وما ذلك عليه بممتنع، وقوله تعالى : ﴿ وإن تَتَوَلَّوا يَستَبدِل قَوماً غَيرَكُم ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أمثَلَكُمُ ﴾
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٣٠: بعدما حض كتاب الله في نهاية الربع الماضي أعضاء الأسرة المسلمة على ضرورة تفادي الفراق والطلاق بكل ما يمكن من الوسائل، وأورد مادة الصلح والتصالح والإصلاح أربع مرات متوالية في سياق واحد جاءت أول آية في هذا الربع لتتحدث عن الفراق، الذي يقع بعد استنفاد كافة وسائل الوفاق، وكأن هذه الآية الكريمة تشير إلى الحالة التي لم يعد فيها أحد الزوجين يطيق الحياة مع الآخر، أو لم يعد فيها كل واحد منهما قادرا على العيش بجانب الآخر، وإذن تكون وضعية أحدهما أو وضعيتهما معا وضعية الأسير الذي يتمنى الخلاص من رق الأسر، أو وضعية السجين الذي يبحث عن النور ليخرج من الظلام، ففي هذه الحالة وحدها يعد الله الزوج أو الزوجة أو يعدهما معا بأنه سبحانه وتعالى سيعوضهما عن بعضهما خير العوض، وسيفتح لهما أبواب الأمل والرجاء في زواج أسعد، وعيش أفضل، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا( ١٣٠ ) ﴾ وإنما جاءت الآية بهذه الصيغة التي فيها إيماء إلى الرضى والعطف والمصادقة على الفراق، لأن الفراق في هذه الحالة أصبح هو الحل الوحيد لمشكلة سبق لها أن تأزمت، واتخذت لحلها جميع الوسائل دون جدوى، فكان الفراق هو المخرج الوحيد منها، بمنزلة العملية الجراحية التي يلجأ إليها في نهاية مراحل العلاج، بعد استنفاد المراحل الأخرى كلها.
وقوله تعالى ﴿ وَاسِعًا حَكِيمًا ﴾ في هذا السياق، مطابقان كل المطابقة للمشكل القائم الذي حله الإسلام عن طريق الطلاق، ففي سعة رحمة الله وعظيم فضله ملاذ لكل من الزوجين المتفارقين، وفي إذن الله بالفراق بعد استنفاد وسائل الوفاق، منتهى الحكمة في القضاء على أسباب الخلاف والشقاق.
ثم انتقل كتاب الله في نفس هذا المقام إلى التذكير بفريضة التقوى وعدم التعدي لحدود الله، مبينا أن التقوى وصية عامة وصى الله بها أهل الكتاب كما وصى بها المسلمين على السواء، وشأن الوصية من الناس بعضهم لبعض أن توضع موضع الاحترام والتنفيذ، وأن لا يقع فيها تبديل ولا كتمان، فما بالك بوصية الله المنزلة في كتبه، المنقولة على الناس على لسان رسله ؟ إنها أجدر الوصايا كلها وأحقها بالتنفيذ الدقيق والاحترام التام.
وكأن في هذا التذكير إشارة إلى أن من اعتصم بتقوى الله يتفادى الوقوع في كثير من المشاكل، ويعينه الحق سبحانه وتعالى على تخطي العقبات عندما تنزل بساحته النوازل ﴿ وَمَن يَّتَّقِ اللهَ يَجعَل لَّهُ مَخرَجاُ ﴾ وذلك قوله تعالى : ﴿ وَلَقَد وَصَّيناَ الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبلِكُم وَإِيَّاكُم أَنِ اتَّقُوا اللهَ ﴾.
ومن هنا اتجه كتاب الله إلى مخاطبة خلقه أجمعين، ولا سيما الكافرين منهم وعصاة المؤمنين في سياق الوعيد والتهديد، لافتا نظرهم جميعا إلى حقيقة هي أكبر الحقائق وأصدقها جميعا، ألا وهي غنى الله المطلق عن خلقه، أساؤوا أم أحسنوا، أطاعوا أم عصوا، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا( ١٣١ ) ﴾، ثم قدرة الله القاهرة على إفناء الموجود، وإنشاء المعدوم، وقلب أوضاع العالم رأسا على عقب، تأديبا منه للمتمردين على طاعته، وعقابا للعصاة من خلقه، وتعويضا عنهم بمن هم أطوع لإرادة الله وأمره، وبمن هم أحرص على رضاه، وأشد تمسكا بتقواه، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً، ( ١٣٢ ) إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا( ١٣٣ ) ﴾.
وكأن في هذا الخطاب الإلهي تحذيرا من الهزات والانقلابات والنكبات والكوارث الطبيعية، و دعوة موجهة للمؤمنين إلى أن يقوموا بواجبهم الكامل في تحقيق مراد الله وإعلاء كلمته في الأرض، وإعطاء الخلافة عن الله التي وكلها إليهم في أرضه حقها من الامتثال والفعالية، حتى تكون التوجيهات الإلهية حاكمة عليها، مسيرة لها، بارزة في جميع جنباتها، وإلا نزع الله يده منهم، ووكلهم إلى أنفسهم، وسلط عليهم النقمة، بدلا من النعمة، وفي هذا المعنى جاءت آيات كريمة أخرى تزيده وضوحا وبيانا، وذلك قوله تعالى : ﴿ إِن يَّشَأ يُذهِبكُم وَيَأتِ بِخَلقٍ جَدِيدٍ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ ﴾ أي وما ذلك عليه بممتنع، وقوله تعالى : ﴿ وإن تَتَوَلَّوا يَستَبدِل قَوماً غَيرَكُم ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أمثَلَكُمُ ﴾

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٣٠: بعدما حض كتاب الله في نهاية الربع الماضي أعضاء الأسرة المسلمة على ضرورة تفادي الفراق والطلاق بكل ما يمكن من الوسائل، وأورد مادة الصلح والتصالح والإصلاح أربع مرات متوالية في سياق واحد جاءت أول آية في هذا الربع لتتحدث عن الفراق، الذي يقع بعد استنفاد كافة وسائل الوفاق، وكأن هذه الآية الكريمة تشير إلى الحالة التي لم يعد فيها أحد الزوجين يطيق الحياة مع الآخر، أو لم يعد فيها كل واحد منهما قادرا على العيش بجانب الآخر، وإذن تكون وضعية أحدهما أو وضعيتهما معا وضعية الأسير الذي يتمنى الخلاص من رق الأسر، أو وضعية السجين الذي يبحث عن النور ليخرج من الظلام، ففي هذه الحالة وحدها يعد الله الزوج أو الزوجة أو يعدهما معا بأنه سبحانه وتعالى سيعوضهما عن بعضهما خير العوض، وسيفتح لهما أبواب الأمل والرجاء في زواج أسعد، وعيش أفضل، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا( ١٣٠ ) ﴾ وإنما جاءت الآية بهذه الصيغة التي فيها إيماء إلى الرضى والعطف والمصادقة على الفراق، لأن الفراق في هذه الحالة أصبح هو الحل الوحيد لمشكلة سبق لها أن تأزمت، واتخذت لحلها جميع الوسائل دون جدوى، فكان الفراق هو المخرج الوحيد منها، بمنزلة العملية الجراحية التي يلجأ إليها في نهاية مراحل العلاج، بعد استنفاد المراحل الأخرى كلها.
وقوله تعالى ﴿ وَاسِعًا حَكِيمًا ﴾ في هذا السياق، مطابقان كل المطابقة للمشكل القائم الذي حله الإسلام عن طريق الطلاق، ففي سعة رحمة الله وعظيم فضله ملاذ لكل من الزوجين المتفارقين، وفي إذن الله بالفراق بعد استنفاد وسائل الوفاق، منتهى الحكمة في القضاء على أسباب الخلاف والشقاق.
ثم انتقل كتاب الله في نفس هذا المقام إلى التذكير بفريضة التقوى وعدم التعدي لحدود الله، مبينا أن التقوى وصية عامة وصى الله بها أهل الكتاب كما وصى بها المسلمين على السواء، وشأن الوصية من الناس بعضهم لبعض أن توضع موضع الاحترام والتنفيذ، وأن لا يقع فيها تبديل ولا كتمان، فما بالك بوصية الله المنزلة في كتبه، المنقولة على الناس على لسان رسله ؟ إنها أجدر الوصايا كلها وأحقها بالتنفيذ الدقيق والاحترام التام.
وكأن في هذا التذكير إشارة إلى أن من اعتصم بتقوى الله يتفادى الوقوع في كثير من المشاكل، ويعينه الحق سبحانه وتعالى على تخطي العقبات عندما تنزل بساحته النوازل ﴿ وَمَن يَّتَّقِ اللهَ يَجعَل لَّهُ مَخرَجاُ ﴾ وذلك قوله تعالى : ﴿ وَلَقَد وَصَّيناَ الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبلِكُم وَإِيَّاكُم أَنِ اتَّقُوا اللهَ ﴾.
ومن هنا اتجه كتاب الله إلى مخاطبة خلقه أجمعين، ولا سيما الكافرين منهم وعصاة المؤمنين في سياق الوعيد والتهديد، لافتا نظرهم جميعا إلى حقيقة هي أكبر الحقائق وأصدقها جميعا، ألا وهي غنى الله المطلق عن خلقه، أساؤوا أم أحسنوا، أطاعوا أم عصوا، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا( ١٣١ ) ﴾، ثم قدرة الله القاهرة على إفناء الموجود، وإنشاء المعدوم، وقلب أوضاع العالم رأسا على عقب، تأديبا منه للمتمردين على طاعته، وعقابا للعصاة من خلقه، وتعويضا عنهم بمن هم أطوع لإرادة الله وأمره، وبمن هم أحرص على رضاه، وأشد تمسكا بتقواه، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً، ( ١٣٢ ) إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا( ١٣٣ ) ﴾.
وكأن في هذا الخطاب الإلهي تحذيرا من الهزات والانقلابات والنكبات والكوارث الطبيعية، و دعوة موجهة للمؤمنين إلى أن يقوموا بواجبهم الكامل في تحقيق مراد الله وإعلاء كلمته في الأرض، وإعطاء الخلافة عن الله التي وكلها إليهم في أرضه حقها من الامتثال والفعالية، حتى تكون التوجيهات الإلهية حاكمة عليها، مسيرة لها، بارزة في جميع جنباتها، وإلا نزع الله يده منهم، ووكلهم إلى أنفسهم، وسلط عليهم النقمة، بدلا من النعمة، وفي هذا المعنى جاءت آيات كريمة أخرى تزيده وضوحا وبيانا، وذلك قوله تعالى : ﴿ إِن يَّشَأ يُذهِبكُم وَيَأتِ بِخَلقٍ جَدِيدٍ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ ﴾ أي وما ذلك عليه بممتنع، وقوله تعالى : ﴿ وإن تَتَوَلَّوا يَستَبدِل قَوماً غَيرَكُم ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أمثَلَكُمُ ﴾

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٣٠: بعدما حض كتاب الله في نهاية الربع الماضي أعضاء الأسرة المسلمة على ضرورة تفادي الفراق والطلاق بكل ما يمكن من الوسائل، وأورد مادة الصلح والتصالح والإصلاح أربع مرات متوالية في سياق واحد جاءت أول آية في هذا الربع لتتحدث عن الفراق، الذي يقع بعد استنفاد كافة وسائل الوفاق، وكأن هذه الآية الكريمة تشير إلى الحالة التي لم يعد فيها أحد الزوجين يطيق الحياة مع الآخر، أو لم يعد فيها كل واحد منهما قادرا على العيش بجانب الآخر، وإذن تكون وضعية أحدهما أو وضعيتهما معا وضعية الأسير الذي يتمنى الخلاص من رق الأسر، أو وضعية السجين الذي يبحث عن النور ليخرج من الظلام، ففي هذه الحالة وحدها يعد الله الزوج أو الزوجة أو يعدهما معا بأنه سبحانه وتعالى سيعوضهما عن بعضهما خير العوض، وسيفتح لهما أبواب الأمل والرجاء في زواج أسعد، وعيش أفضل، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا( ١٣٠ ) ﴾ وإنما جاءت الآية بهذه الصيغة التي فيها إيماء إلى الرضى والعطف والمصادقة على الفراق، لأن الفراق في هذه الحالة أصبح هو الحل الوحيد لمشكلة سبق لها أن تأزمت، واتخذت لحلها جميع الوسائل دون جدوى، فكان الفراق هو المخرج الوحيد منها، بمنزلة العملية الجراحية التي يلجأ إليها في نهاية مراحل العلاج، بعد استنفاد المراحل الأخرى كلها.
وقوله تعالى ﴿ وَاسِعًا حَكِيمًا ﴾ في هذا السياق، مطابقان كل المطابقة للمشكل القائم الذي حله الإسلام عن طريق الطلاق، ففي سعة رحمة الله وعظيم فضله ملاذ لكل من الزوجين المتفارقين، وفي إذن الله بالفراق بعد استنفاد وسائل الوفاق، منتهى الحكمة في القضاء على أسباب الخلاف والشقاق.
ثم انتقل كتاب الله في نفس هذا المقام إلى التذكير بفريضة التقوى وعدم التعدي لحدود الله، مبينا أن التقوى وصية عامة وصى الله بها أهل الكتاب كما وصى بها المسلمين على السواء، وشأن الوصية من الناس بعضهم لبعض أن توضع موضع الاحترام والتنفيذ، وأن لا يقع فيها تبديل ولا كتمان، فما بالك بوصية الله المنزلة في كتبه، المنقولة على الناس على لسان رسله ؟ إنها أجدر الوصايا كلها وأحقها بالتنفيذ الدقيق والاحترام التام.
وكأن في هذا التذكير إشارة إلى أن من اعتصم بتقوى الله يتفادى الوقوع في كثير من المشاكل، ويعينه الحق سبحانه وتعالى على تخطي العقبات عندما تنزل بساحته النوازل ﴿ وَمَن يَّتَّقِ اللهَ يَجعَل لَّهُ مَخرَجاُ ﴾ وذلك قوله تعالى : ﴿ وَلَقَد وَصَّيناَ الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبلِكُم وَإِيَّاكُم أَنِ اتَّقُوا اللهَ ﴾.
ومن هنا اتجه كتاب الله إلى مخاطبة خلقه أجمعين، ولا سيما الكافرين منهم وعصاة المؤمنين في سياق الوعيد والتهديد، لافتا نظرهم جميعا إلى حقيقة هي أكبر الحقائق وأصدقها جميعا، ألا وهي غنى الله المطلق عن خلقه، أساؤوا أم أحسنوا، أطاعوا أم عصوا، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا( ١٣١ ) ﴾، ثم قدرة الله القاهرة على إفناء الموجود، وإنشاء المعدوم، وقلب أوضاع العالم رأسا على عقب، تأديبا منه للمتمردين على طاعته، وعقابا للعصاة من خلقه، وتعويضا عنهم بمن هم أطوع لإرادة الله وأمره، وبمن هم أحرص على رضاه، وأشد تمسكا بتقواه، وذلك قوله تعالى : ﴿ وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً، ( ١٣٢ ) إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا( ١٣٣ ) ﴾.
وكأن في هذا الخطاب الإلهي تحذيرا من الهزات والانقلابات والنكبات والكوارث الطبيعية، و دعوة موجهة للمؤمنين إلى أن يقوموا بواجبهم الكامل في تحقيق مراد الله وإعلاء كلمته في الأرض، وإعطاء الخلافة عن الله التي وكلها إليهم في أرضه حقها من الامتثال والفعالية، حتى تكون التوجيهات الإلهية حاكمة عليها، مسيرة لها، بارزة في جميع جنباتها، وإلا نزع الله يده منهم، ووكلهم إلى أنفسهم، وسلط عليهم النقمة، بدلا من النعمة، وفي هذا المعنى جاءت آيات كريمة أخرى تزيده وضوحا وبيانا، وذلك قوله تعالى : ﴿ إِن يَّشَأ يُذهِبكُم وَيَأتِ بِخَلقٍ جَدِيدٍ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ ﴾ أي وما ذلك عليه بممتنع، وقوله تعالى : ﴿ وإن تَتَوَلَّوا يَستَبدِل قَوماً غَيرَكُم ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أمثَلَكُمُ ﴾

وتعود الآيات الكريمة في هذا الربع إلى الحديث عن العدل المجرد من الهوى، والشهادة الخالصة من الزور، مبينة ما يجب أن يكون عليه المؤمنون المحكومون والحاكمون، في شؤونهم الخاصة والعامة، من العدل في أحكامهم، والصدق في أقوالهم، والإخلاص في أعمالهم، داعية إياهم إلى نسيان القرابات الحاملة على التحيز للأقرباء، وإلى نسيان الخصومات الحاملة على التحيز ضد الخصوم.
وطالب كتاب الله كل مؤمن أن يأخذ الحق لغيره من نفسه، وأن يقول كلمة الحق ولو على نفسه، وألزم المؤمن بأن لا تأخذه في الحق لومة لائم، ولو كان الأمر يتعلق بالوالدين، إذ لا علاقة للبرور والعقوق، بما على الوالدين لغيرهما من الحقوق.
ونبه كتاب الله إلى أن ميزان الحق والعدل يجب أن لا يؤثر في رجحان كفته أو انخفاضها ما يتأثر به ضعاف الناس من المؤثرات العاطفية، والاعتبارات الشخصية والاجتماعية، وذلك قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ﴾ أي بالعدل ﴿ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا ﴾ أي لا ترعاه لغناه، ولا تشفق عليه لفقره، فحق الله أولى بالرعاية والإشفاق، كما أنه لا يسوغ لك الميل بالهوى مع الفقير والتساهل معه لضعفه، والميل على الغني والتحامل عليه لغناه، فكن مع الحق أينما كان، واتبع الحق حيث كان ﴿ فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ ﴾ أي لا يحملكم الهوى على ترك العدل، بل ألزموه في كل حال كما في الآية الأخرى ﴿ وَلاَ يَجرِمَنَّكُم شَنئَانُ قَومٍ عَلَى أَلاَّ تَعدِلُوا، اعدِلُوا هُوَ أَقرَبُ لِلتَّقوَى ﴾ ﴿ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا( ١٣٥ ) ﴾ أي إذا حرفتم أو ماطلتم، أو غلبتم الهوى وتجنبتم العدل فإن الله تعالى لا يغيب عن علمه ما عملتم من تحريف أو انحراف، بل يعلمه ويؤاخذكم عليه.
وقد سبق لنا في نفس هذه السورة-سورة النساء- قوله تعالى في موضوع العدل والأمانة : ﴿ إِنَّ اللهَ يَأمُرُكُم أن تُؤَدُّوا الأمانات إِلَى أَهلِهَا، وإذَا حَكَمتُم بَينَ النَّاسِ أن تَحكُمُوا بالعَدلِ، إِنَّ اللهَ نِعِمًّا يَعِظُكُم بِه، إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعَا بَصِيراً( ٥٨ ) ﴾.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٣٤: وتعود الآيات الكريمة في هذا الربع إلى الحديث عن العدل المجرد من الهوى، والشهادة الخالصة من الزور، مبينة ما يجب أن يكون عليه المؤمنون المحكومون والحاكمون، في شؤونهم الخاصة والعامة، من العدل في أحكامهم، والصدق في أقوالهم، والإخلاص في أعمالهم، داعية إياهم إلى نسيان القرابات الحاملة على التحيز للأقرباء، وإلى نسيان الخصومات الحاملة على التحيز ضد الخصوم.
وطالب كتاب الله كل مؤمن أن يأخذ الحق لغيره من نفسه، وأن يقول كلمة الحق ولو على نفسه، وألزم المؤمن بأن لا تأخذه في الحق لومة لائم، ولو كان الأمر يتعلق بالوالدين، إذ لا علاقة للبرور والعقوق، بما على الوالدين لغيرهما من الحقوق.
ونبه كتاب الله إلى أن ميزان الحق والعدل يجب أن لا يؤثر في رجحان كفته أو انخفاضها ما يتأثر به ضعاف الناس من المؤثرات العاطفية، والاعتبارات الشخصية والاجتماعية، وذلك قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ﴾ أي بالعدل ﴿ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا ﴾ أي لا ترعاه لغناه، ولا تشفق عليه لفقره، فحق الله أولى بالرعاية والإشفاق، كما أنه لا يسوغ لك الميل بالهوى مع الفقير والتساهل معه لضعفه، والميل على الغني والتحامل عليه لغناه، فكن مع الحق أينما كان، واتبع الحق حيث كان ﴿ فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ ﴾ أي لا يحملكم الهوى على ترك العدل، بل ألزموه في كل حال كما في الآية الأخرى ﴿ وَلاَ يَجرِمَنَّكُم شَنئَانُ قَومٍ عَلَى أَلاَّ تَعدِلُوا، اعدِلُوا هُوَ أَقرَبُ لِلتَّقوَى ﴾ ﴿ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا( ١٣٥ ) ﴾ أي إذا حرفتم أو ماطلتم، أو غلبتم الهوى وتجنبتم العدل فإن الله تعالى لا يغيب عن علمه ما عملتم من تحريف أو انحراف، بل يعلمه ويؤاخذكم عليه.
وقد سبق لنا في نفس هذه السورة-سورة النساء- قوله تعالى في موضوع العدل والأمانة : ﴿ إِنَّ اللهَ يَأمُرُكُم أن تُؤَدُّوا الأمانات إِلَى أَهلِهَا، وإذَا حَكَمتُم بَينَ النَّاسِ أن تَحكُمُوا بالعَدلِ، إِنَّ اللهَ نِعِمًّا يَعِظُكُم بِه، إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعَا بَصِيراً( ٥٨ ) ﴾.

وفي آيات هذا الربع عود على بدء، بالنسبة لاتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فها هنا يندد الحق سبحانه وتعالى مرة أخرى بموالاة الكافرين من دون المؤمنين ومصادقتهم والتودد إليهم، ويحذر من اتخاذهم بطانة قريبة تطلع على الأسرار والأخبار، وفي نفس الوقت ينعى كتاب الله على المنافقين كونهم اتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ويكشف الستار عن سرهم الدفين، مبنيا أن غرضهم الحقيقي من موالاتهم، وهدفهم الأول من الارتباط الوثيق بهم، هو تعزيز جانبهم بتلك الموالاة وذلك الارتباط، على اعتبار أن الكافرين أعزاء أقوياء، يعطون لمن والاهم وارتبط بهم من عزتهم عزة، ومن قوتهم قوة، ثم عقب كتاب الله على هذا الوهم بالنقض والإبطال، مذكرا بأن العزة كل العزة إنما هي لله وحده لا لسواه، فمن أراد العزة فما عليه إلا أن يعتز بالله، وذلك قوله تعالى : ﴿ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، ( ١٣٨ ) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا( ١٣٩ ) ﴾ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ثم وجه كتاب الله إلى المؤمنين سؤالا فيه استغراب واستنكار هل يريدون موالاة الكافرين، بالرغم مما تجلبه لهم من سخط الله وغضبه-ولله الحجة البالغة-فقال تعالى : ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا( ١٤٤ ) ﴾ أي حجة عليكم في عقوبته إياكم.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٣٨: وفي آيات هذا الربع عود على بدء، بالنسبة لاتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فها هنا يندد الحق سبحانه وتعالى مرة أخرى بموالاة الكافرين من دون المؤمنين ومصادقتهم والتودد إليهم، ويحذر من اتخاذهم بطانة قريبة تطلع على الأسرار والأخبار، وفي نفس الوقت ينعى كتاب الله على المنافقين كونهم اتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ويكشف الستار عن سرهم الدفين، مبنيا أن غرضهم الحقيقي من موالاتهم، وهدفهم الأول من الارتباط الوثيق بهم، هو تعزيز جانبهم بتلك الموالاة وذلك الارتباط، على اعتبار أن الكافرين أعزاء أقوياء، يعطون لمن والاهم وارتبط بهم من عزتهم عزة، ومن قوتهم قوة، ثم عقب كتاب الله على هذا الوهم بالنقض والإبطال، مذكرا بأن العزة كل العزة إنما هي لله وحده لا لسواه، فمن أراد العزة فما عليه إلا أن يعتز بالله، وذلك قوله تعالى : ﴿ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، ( ١٣٨ ) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا( ١٣٩ ) ﴾ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ثم وجه كتاب الله إلى المؤمنين سؤالا فيه استغراب واستنكار هل يريدون موالاة الكافرين، بالرغم مما تجلبه لهم من سخط الله وغضبه-ولله الحجة البالغة-فقال تعالى : ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا( ١٤٤ ) ﴾ أي حجة عليكم في عقوبته إياكم.
وتنتقل الآيات إلى وصف العدل الإلهي الذي لا يضيع في وزنه مثقال ذرة فضلا عما هو أكبر وأجل، ويسجل كتاب الله " وعد الصدق " بمضاعفة الحسنات للمحسنين وثوابهم عليها بما لا حد له ولا حصر.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٣٨: وفي آيات هذا الربع عود على بدء، بالنسبة لاتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فها هنا يندد الحق سبحانه وتعالى مرة أخرى بموالاة الكافرين من دون المؤمنين ومصادقتهم والتودد إليهم، ويحذر من اتخاذهم بطانة قريبة تطلع على الأسرار والأخبار، وفي نفس الوقت ينعى كتاب الله على المنافقين كونهم اتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ويكشف الستار عن سرهم الدفين، مبنيا أن غرضهم الحقيقي من موالاتهم، وهدفهم الأول من الارتباط الوثيق بهم، هو تعزيز جانبهم بتلك الموالاة وذلك الارتباط، على اعتبار أن الكافرين أعزاء أقوياء، يعطون لمن والاهم وارتبط بهم من عزتهم عزة، ومن قوتهم قوة، ثم عقب كتاب الله على هذا الوهم بالنقض والإبطال، مذكرا بأن العزة كل العزة إنما هي لله وحده لا لسواه، فمن أراد العزة فما عليه إلا أن يعتز بالله، وذلك قوله تعالى : ﴿ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، ( ١٣٨ ) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا( ١٣٩ ) ﴾ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ثم وجه كتاب الله إلى المؤمنين سؤالا فيه استغراب واستنكار هل يريدون موالاة الكافرين، بالرغم مما تجلبه لهم من سخط الله وغضبه-ولله الحجة البالغة-فقال تعالى : ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا( ١٤٤ ) ﴾ أي حجة عليكم في عقوبته إياكم.

الربع الأول من الحزب الحادي عشر
في المصحف الكريم
يتناول كتاب الله في هذا الربع، بادئ ذي بدء موضوعا أخلاقيا خطيرا، ألا وهو الجهر بقالة السوء بين عامة الناس ونشر المرذول من الأقاويل بينهم، وترويج البذيء من الإشاعات المغرضة في أوساطهم، فكما يبغض الإسلام أولئك الأبالسة المفسدين الذين يتاجرون بالأعراض والعقول، ويشيعون الفاحشة بين أفراد المجتمع، والذين يضربون بسلوكهم أسوأ الأمثال لمن عداهم فيصبحون قدوة في الفساد، كذلك يبغض الإسلام من يتعمدون الجهر بالسوء، ويقومون بترويج الإشاعات الكاذبة والتلفيقات المضللة، ويتحدثون عن الناس بما يلوث أعراضهم، ويضيع الثقة منهم وفيهم، إذ بذلك ينتشر سوء الظن بين الناس جميعا، وتضعف ثقة بعضهم ببعض، أو تزول بالمرة، ويصبح المجتمع كله – بحكم العدوى والتقليد والبلبلة – مجتمع سوء لا خير فيه، ولا ثقة بين أفراده، بل ما منهم من أحد إلا هو يتربص بأخيه الدوائر، لينقض عليه انقضاض الأسد على فريسته، دون شفقة ولا رحمة، ومن غير تقزز ولا مضض، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ﴾.
غير أن الإسلام الذي يعطي للمظلوم الحق في دفع الظلم عنه، ويأذن له بالعمل على رفعه، لا يقف حجر عثرة في سبيل تشهير المظلوم بالظالم، لإقامة الحجة عليه، وتحذير الناس منه، حتى لا يكونوا من ضحاياه، وذلك ما ينبغي أن نفهم من قوله تعالى : ﴿ إلا من ظلم ﴾ أي أن المظلوم لا يحرمه الإسلام من التمتع بحق التنفيس عن كربه، وبالتحدث عن مظلمته، حديثا قد يسيء إلى الظالم في سمعته ومكانته، ما دام ذلك في حدود الواقع، ودون مبالغة فيه ولا زيادة عليه.
وقوله تعالى في التعقيب على هذا السياق ﴿ وكان الله سميعا عليما ﴾ إشارة إلا أن الحق سبحانه وتعالى لا يخفى عليه من أقوال القائلين شيء، بل يسمع أقوالهم كيفما كانت، لا فرق بين من قال سوءا أو قال خيرا، كما أنه سبحانه مطلع على نياتهم ومقاصدهم، يعلم منهم المظلوم من الظالم، والصادق من الكاذب، والمفسد من المصلح.
ثم أخد كتاب الله ينبه المؤمنين إلى ما ينبغي أن يشغلوا به ألسنتهم من قول الخير، بدلا من قول السوء، ويحضهم على إبراز خصال الخير وإشهار فضائله والتنويه بمظاهره، وعلى ضرب المثل للناس بالعفو عن السوء كلما بدرت بادرته من مسيء، ومضى كتاب الله في توكيد هذا المعنى وإغراء المؤمنين به، لافتا نظرهم إلى أن من صفات الكمال التي اتصف بها الحق سبحانه وتعالى صفة ( العفو ) مع كامل القدرة، وإذن فمن أدب المؤمن، بل من الواجب عليه أن يتحلى في هذا المجال بخلق ربه، فيعفوا عمن أساء إليه، حتى ولو كان قادرا عليه، وهذا ما نستوحيه من قوله تعالى : ﴿ إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا ﴾.
ومما تجب ملاحظته في هذه الآية أنها ابتدأت في الذكر بإبداء الخير وإبرازه، فقالت ﴿ إن تبدوا خيرا ﴾ لأن في إبداء الخير وإظهاره وإشهاره بين الناس تشجيعا عليه، ودفعا إليه، وضربا للمثل الصالح والقدوة الحسنة.
ولا يخفى على بصير أن تقليد الناس ومحاكاة بعضهم لبعض، وتشبه فريق منهم بفريق، ظاهرة اجتماعية ونفسية لا تتخلف بالنسبة للخير والشر، وللصلاح والفساد، فإشاعة الفاحشة وقالة السوء تدفع بالمجتمع إلى أن يصير مجتمعا فاحشا ومجتمع سوء وإشاعة الخير قولا وفعلا تدفع بالمجتمع إلى أن يصير مجتمعا خيرا، ومن هنا نادى الإسلام في غير ما آية وغير ما حديث بضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك حتى تضيق دائرة الشر، وتحاصر بؤرة الفساد فلا يتسرب إلى البلاد والعباد.
وعلى ضوء هذا التفسير يتضح المقصود من قوله تعالى : ﴿ إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، والله يعلم، وأنتم لا تعلمون ﴾.
وفي هذا الربع يعود كتاب الله إلى الحديث بمنتهى القوة وبالحجج البالغة عن وحدانية الله، ووحدة الوحي الإلهي، ووحدة الرسالة السماوية، ووحدة الرسل والأنبياء جميعا، وكما أن الكون بسائر أصنافه وأشكاله وألوانه، وعلى اختلاف أنواعه، تتجلى فيه وحدة المكون وحكمته، من خلال نواميسه القائمة وسننه الثابتة، فعالم الإنسان الذي هو جزء لا يتجزأ من الكون لا يختلف عن هذه الحقيقة الكبرى، وما الوحي وما الرسالة وما الرسل إلا فرع من شجرة الوحدة الكبرى، وحدة الواحد الأحد الذي له الخلق والأمر، الخلق لجميع العوالم، والأمر لعالم المكلفين من بني آدم وغيرهم من بقية العوالم ﴿ قالتا أتينا طائعين ﴾.
وقد حمل كتاب الله بمنتهى الشدة على من يدعون الإيمان ببعض الرسل وبعض الكتب، وهم يكفرون ببقية الرسل والكتب، واصفا لهم بصفة الكفر المطلق، وبأنهم في الواقع يكفرون بجميع الرسالات والرسل ولا يؤمنون منها بشيء، إذ إن ظاهرة النبوة والرسالة، وظاهرة الوحي إلى الأنبياء والرسل، هي في الواقع ظاهرة واحدة متماثلة، ومتسلسلة، في موكب الأنبياء والرسل، من فاتحهم إلى خاتمهم.
وقصر الإيمان على البعض منهم دون الآخر لا يقضي به منطق، ولا يبرره أي برهان، وإنما هو أثر من آثار التعصب البغيض، والتقليد الأعمى، والهوى المتبع، وذلك قوله تعالى : ﴿ إن الذين يكفرون بالله ورسله، ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله، ويقولون نومن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا، أولئك هم الكافرون حقا، واعتدنا للكافرين عذابا مهينا، والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف نوتيهم أجورهم، وكان الله غفورا رحيما ﴾ ﴿ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيئين من بعده، وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان، وأتينا داود زبورا، ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك، وكلم الله موسى تكليما ﴾.
والإسلام عندما يقرر وحدة الوحي، ووحدة الرسالة، ووحدة الرسل، إنما يؤكد بذلك وحدة الإنسان نفسه، ووحدة التوجيه الإلهي للناس جميعا، لا فرق بين مختلف الأجناس والألوان والفئات، فالإنسانية في حقيقتها واحدة، ودين الله كما أوحاه إلى رسله وأنزله في كتبه واحد في مصدره، واحد في جوهره، واحد في أثره، والأثر الذي يهدف إليه هو هداية الإنسان عن طريق الوحي الإلهي، وإمداد الإنسان عن طريق التوجيه الإلهي، حتى لا يبقى للإنسان على الله حجة، إذ كما أنعم عليه بنعمة الخلق والإيجاد، أنعم عليه بنعمة التوجيه والإمداد، وذلك قوله تعالى : ﴿ رسلا مبشرين ومنذرين ليلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وكان الله عزيزا حكيما ﴾. وفي آية أخرى من كتاب الله بسورة طه ما يزيد هذا المعنى وضوحا وبيانا، قال تعالى : ﴿ وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أو لم تأتيهم بينة ما في الصحف الأولى، ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آيتك من قبل أن نذل ونخزى، قل كل متربص فتربصوا، فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى ﴾.
الربع الثاني من الحزب الحادي عشر
يبتدئ هذا الربع بالحديث عن الوحي الإلهي الذي أكرم الله به خاتم النيئين، وشهادة الله والملائكة بصدقه ﴿ وكفى بالله شهيدا ﴾.
ويتجه الحديث إثر ذلك إلى وصف الكافرين ووصف إعراضهم وظلمهم وضلالهم،
وما ينتظرهم عند الله من الخلود في عذاب الجحيم ﴿ وكان ذلك على الله يسيرا ﴾.
ثم يخاطب كتاب الله كافة الناس دون استثناء، فيدعوهم إلى الإيمان بالحق الذي جاءهم من ربهم، مبينا لهم أن خيرهم فيه لا في غيره ﴿ فآمنوا خيرا لكم ﴾.
ومن هنا تنتقل الآيات الكريمة إلى التنديد بغلو أهل الكتاب، وما أضافوه إلى دين الله من تلقاء أنفسهم من العقائد الباطلة، وما خلعوه على أنبيائهم من صفات الألوهية ودعاوى الربوبية، التي هم بريئون منها كل البراءة ﴿ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ﴾-﴿ ولا تقولوا ثلاثة، وانتهوا خيرا لكم، إنما الله إله واحد، سبحانه أن يكون له ولد ﴾.
ويعود كتاب الله إلى الحديث عن عذاب ﴿ الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما، ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا ﴾ وعن ثواب ﴿ الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ﴾.
ثم يتجه الخطاب الإلهي إلى كافة الناس، يدعوهم جميعا إلى الإيمان بكتاب الله، والاعتصام بحبله، والالتفاف من حوله، مبينا لهم أن القرآن الكريم هو آخر برهان من ربهم أنزله إليهم، حتى لا يبقى بعده للناس، أقل عذر أو أدنى التباس ﴿ يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا، فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما ﴾.
السورة التالية
Icon