0:00
0:00

مدنية
وآياتها ست وسبعون ومائة
كلماتها :٣٧٤٠ ؛ حروفها :١٤٥٣٥

يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا( ١ ).
- لما كانت هذه السورة مشتملة على تكاليف كثيرة من التعطيف على الأولاد والنساء والأيتام، وإيصال حقوقهم إليهم، وحفظ أموالهم عليهم، ومن الأمر بالطهارة والصلاة والجهاد والدية، ومن تحريم المحارم وتحليل غيرهن، إلى غير ذلك من السياسات ومكارم الأخلاق التي يناط بها صلاح المعاش والمعاد، افتتح السورة ببعث المكلفين على التقوى.
ومن غرائب القرآن أن فيه سورتين صدرهما ( يأيها الناس ) إحداهما في النصف الأول، وهي الرابعة من سوره، والأخرى في النصف الثاني، وهي أيضا الرابعة من سوره ؛ ثم التي في النصف الأول مصدرة بذكر المبدأ : ﴿ اتقوا ربكم الذي خلقكم ﴾، والتي في النصف الثاني مصدرة بذكر المعاد :(.. إن زلزلة الساعة شيء عظيم )( ١ ) ؛ ثم إنه تعالى علل الأمر بالتقوى بأنه خلقنا من نفس واحدة، أما القيد الأول وهو أنه خلقنا فلا شك أنه علة لوجوب الانقياد لتكاليفه، والخشوع لأوامره ونواهيه، لأن المخلوقية هي العبودية، ومن شأن العبد امتثال أمر مولاه، في كل ما يأمره وينهاه، وأيضا الإيجاد غاية الإحسان، فيجب مقابلتها بغاية الإذعان، ...، وأما القيد الثاني وهو خصوص أنه خلقنا من نفس واحدة، فإنما يوجب علينا الطاعة لأن خلق أشخاص غير محصورة من إنسان واحد مع تغاير أشكالهم وتباين أمزجتهم واختلاف أخلاقهم دليل ظاهر وبرهان باهرعلى وجود مدبر مختار، وحكيم قدير ؛ ولو كان ذلك بالطبيعة أو لعلة موجبة كان كلهم على حد واحد ونسبة واحدة ؛ ثم في هذا القيد فوائد أخر، منها :أنه يأمر عقبه بالإحسان إلى اليتامى والنسوان، وكونهم متفرعين من أصل واحد، ... أعون على هذا المعنى، ..، ومنها أنه إخبار عن الغيب فيكون معجزا للنبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يقرأ كتابا ؛ وأجمع المفسرون على أن المراد بالنفس الواحدة ههنا :هو آدم عليه السلام ( ٢ ) ؛ ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ وخلق
الله من النفس الواحدة والشخص الواحد الذي هو آدم عليه السلام الزوج الثاني( ٣ ) له وهي حواء ؛ عن قتادة : ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ يعني حواء، خلقت من آدم من ضلع من أضلاعه ؛ ﴿ وبث منهما رجالا ونساء ﴾ ونشر الله تعالى وفرق من آدم وحواء وخلق منهما رجالا كثيرا ونساء كثيرات ؛ ﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به الأرحام ﴾ قال الضحاك :واتقوا الله الذي تعاقدون وتعاهدون به( ٤ )، واتقوا الأرحام أن تقطعوها ولكن بروها وصلوها ؛ ﴿ إن الله كان عليكم رقيبا ﴾ أي :هو مراقب لجميع أحوالهم وأعمالهم، كما قال :(.. والله على كل شيء شهيد ) ( ٥ )، وفي الحديث الصحيح : " اعبد الله كأنك تراه فإن لم تراه فإنه يراك " وهذا إرشاد وأمر بمراقبة الرقيب، ولهذا ذكر تعالى أن أصل الخلق من أب واحد وأم واحدة، ليعطف بعضهم على بعض، ويحثهم على ضعفائهم، وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه أولئك النفر من مضر وهم مجتابو النمار، أي من عريهم وفقرهم قام فخطب الناس بعد صلاة الظهر فقال في خطبته : ﴿ يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ حتى ختم الآية، ثم قال :( يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد.. ) ( ٦ ) ثم حضهم على الصدقة، فقال : " تصدق ( ٧ ) رجل من ديناره من درهمه من صاع بره من صاع تمره " وذكر تمام الحديث ( ٨ ).
١ سورة الحج. من الآية ١..
٢ من تفسير غرائب القرآن. ورغائب الفرقان..
٣ قال ابن سيده: الزوج: الفرد الذي له قرين؛ ويدل على أن الزوجين في كلام العرب اثنان قول الله عز و جل:(وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى) فكل واحد منهما – كما ترى- زوج ذكرا كان أو أنثى؛ والرجل زوج المرأة وهي زوجه وزوجته؛ وفي حديث أبي ذر:أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله ابتدرته حجبة الجنة" قلت: وما زوجان من ماله؟ قال: عبدان أو فرسان أو بعيران من إبل؛ وكان الحسن يقول: دينارين ودرهمين وعبدين واثنين من كل شيء..
٤ حذفت من كل من الفعلين إحدى التاءين، وأصلهما: تتعاهدون وتتعاقدون..
٥ سورة البروج. من الآية ٩..
٦ سورة الحشر. من الآية ١٨..
٧ خبر يراد به الطلب، أي: ليتصدق..
٨ من تفسير القرآن العظيم..
﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا( ٢ ﴾
أمر الله تعالى أن نعطي الصغار الذين فقدوا آباءهم أن نعطيهم حقوقهم كاملة وأموالهم حين بلوغهم سِن التكليف، ﴿ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ قال السدي :كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم، ويجعل مكانها الشاة المهزولة، ويقول شاة بشاة، ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف ويقول درهم بدرهم ؛ وأقول فعلى هذا يكون المعنى :لا تفعلوا ذلك، فإن من فعل وظن أنه بهذا الاستبدال قد غنم فقد وهم، فهو بظلمه قد ترك ما كان حلالا طيبا، لأنه كسب مشروع، وأخذ سحتا وحراما لأنه حق لغيره، وإنما قلت ذلك لأن الباء تدخل على المتروك، ففي محكم التنزيل :(.. أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير.. ) ( ١ ) ؛ ﴿ إنه كان حوبا كبيرا ﴾ إن الاستبدال الجائر الذي يقتطع به حق اليتيم إثم عظيم، ومن الخطأ الكبير كذلك أكلكم أموالهم مع أموالكم، قال مجاهد وسعيد بن جبير :أي لا تخلطوها فتأكلوها جميعا ؛
١ سورة البقرة. من الآية ٦١..
﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ﴾
في صحيح البخاري عن عائشة أن رجلا كانت له يتيمة فنكحها وكان لها عذق( ١ )، وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء فنزلت فيه ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا ﴾، أحسبه قال :كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله ؛ وفيه عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى : ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا ﴾ قالت :يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا إليهن، ويبلغوا بهم أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن ؛ قال عروة :قالت عائشة :وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فأنزل الله : ﴿ ويستفتونك في النساء ﴾ ( ٢ )، قالت عائشة :وقول الله في الآية الأخرى :( وترغبون أن تنكحوهن ) رغبة أحدهم عن يتيمته إذا كانت قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال ؛ والإقساط :العدل، والله تعالى يقول :(.. وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ) ( ٣ )، بخلاف قسط، فإنها تعني :جار وظلم، جاء في الكتاب العزيز :( وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ) ( ٤ ) ؛ ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ﴾ إن غلب على ظنكم أن تجوروا وتظلموا اليتيمة التي تتولون أمرها إذا تزوجتموها فتزوجوا من يحل لكم من النساء غيرها، وتطيب به نفوسكم وتستحسنوه، إن شاء أحدكم اثنتين، وإن شاء ثلاثا، وإن شاء أربعا ؛ إن قيل :كيف جاءت ﴿ ما ﴾ للآدميين وإنما أصلها لما لا يعقل ؟ ؛ فعنه أجوبة خمسة :الأول أن مَن وما قد يتعاقبان ؛ قال الله تعالى :( والسماء وما بناها ) ( ٥ ) أي :ومن بناها ؛ وقال :(.. فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع.. ) ( ٦ ) ؛ ف ﴿ ما ﴾ ههنا لمن يعقل وهن النساء _( ٧ ) ﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ﴾ قال الضحاك :في الميل والمحبة والجماع والعشرة، والقسم بين الزوجات الأربع والثلاث والاثنين، فواحدة ؛ ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ من غلب على ظنه أنه لن يقدر على العدل بين الزوجتين أو الزوجات فليتزوج بواحدة يقتصر عليها ولا يتجاوزها، أو يستمتع بالجارية المملوكة ؛ _ وفيه دليل على أنه لا حق لمملوكات في القسم، كما يدل على ذلك جعله قسيما للواحدة في الأمن من العدل ؛ وإسناد الملك إلى اليمين، لكونها المباشرة لقبض الأموال وإقباضها، ولسائر الأمور التي تنسب إلى الشخص في الغالب، ..، قوله : ﴿ ذلك أدنى ألا تعولوا ﴾ أي :ذلك أقرب إلى ألا تعولوا( ٨ )_( ٩ ) ؛
١ العذق: النخلة، وفي الحديث:" كم من عذق مذلل في الجنة لابن الدحداح" وبالكسر القنو..
٢ سورة النساء. من الآية ١٢٧..
٣ سورة الحجرات. من الآية ٩..
٤ سورة الجن. الآية ٤٥..
٥ سورة الشمس. الآية ٥..
٦ سورة النور. الآية ٤٥..
٧ مما أورد صاحب الجامع لأحكام القرآن..
٨ عن زيد بن أسلم وجابر بن زيد، وأبي إدريس الشافعي: تعولوا: تكثر عيالهم؛ وخاف في ذلك الثعلبي وابن العربي والزجاج؛ لكن الكسائي والدوري وابن الأعرابي حكوا أن العرب تقول: عال الرجل إذا كثر عياله..
٩ من فتح القدير للشوكاني..
﴿ وآتوا النساء صدقاتهم نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ﴾ أمر الله تعالى أن نعطي مَن نتزوج من النساء مهورهن، ﴿ نحلة ﴾ قال ابن عباس وقتادة وابن جريج وابن زيد :شريعة وديانة، وقال الكلبي :عطية وهبة ؛ ﴿ وإنما سميت عطية من الزوج لأن الزوج لا يملك بدله شيئا، لأن البضع في ملك المرأة بعد النكاح كهو قبله، وإنما الذي استحقه الزوج هو الاستباحة لا الملك، والنحلة :العطية من غير بدل، ... ثم لما أمرهم بإيتاء الصدقات( ١ ) أباح لهم جواز قبول إبرائها وهبتها، وانتصب{ نفسا ﴾ على التمييز } ( ٢ ) ؛ ﴿ فكلوه هنيئا مريئا ﴾ فخذوا ما طابت به نفوس الزوجات من مهورهن، وتملكوه وانتفعوا به منفعة تهنأون بها وتمرأون، وعبر عن التملك بالأكل.
١ أي المهور..
٢ مما جاء في تفسير غرائب القرآن.. للحسن النيسابوري القمي؛ ثم أردف يقول: على أن قبول ذلك إنما يحل إذا طابت نفوسهن بالهبة من غير اضطرار وسوء معاشرة من الزوج يحملهن على ذلك.. ومن هذا التقرير يظهر أن من في قوله﴿ منه﴾ للتبعيض.. ومن غفل عن هذه الدقيقة زعم أن (من) للتبيين والمعنى: عن شيء هو هذا الجنس يعني الصداق.ا هـ.
﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا( ٥ ) ﴾
في الآية الثانية من هذه السورة أمَر المولى سبحانه أن نعطي اليتيم ماله دون بخس، وكأن هاتين الآيتين الكريمتين لبيان الحين الذي تدفع إليهم أموالهم فيه، فلا تدفع إلى اليتامى أموالهم قبل البلوغ وإن كانوا قد رشدوا، ولا بعد البلوغ إلا بعد إيناس الرشد ؛ عن سعيد بن جبير :لا يدفع إلى اليتيم ماله إذا لم يؤنس رشده وإن كان شيخا ؛ _ والمراد بالرشد نوعه، وهو المتعلق بحسن التصرف في أمواله وعدم التبذير بها، ووضعها في مواضعها ؛.. واختلفوا في وجه إضافة الأموال إلى المخاطبين وهي للسفهاء، فقيل :أضافها إليهم أنها بأيديهم وهم الناظرون فيها، كقوله :( فسلموا على أنفسكم.. ) ( ١ ) ؛...، أي :ليسلم بعضكم على بعض ؛...، ﴿ التي جعل الله لكم قياما ﴾... القيام والقوام :ما يقيمك، يقال :فلان قيام أهله وقوام بيته، وهو الذي يقيم شأنه :أي يصلحه، ...، وهو منصوب على المصدر :أي لا تؤتوا السفهاء أموالكم التي تصلح بها أموركم فتقومون بها قياما، وقال الأخفش :المعنى قائمة بأموركم، فذهب إلى أنها جمع ؛ وقال البصريون :قيما جمع قيمة، .. :أي جعلها الله قيمة للأشياء_( ٢ ) ؛ ﴿ وارزقوهم فيها واكسوهم ﴾ مهما يكن السفيه ممنوعا من التصرف في ماله لصغر أو عدم رشد فإن على وصيه أن يعطيه ما لابد له من طعام وشراب وكسوة ؛ ﴿ وقولوا لهم قولا معروفا ﴾ فكما جرى له الأقوات ووفر له الكساء والأرزاق يتعهده بما يحبب إليه مكارم الأخلاق.
١ سورة النور. من الآية ٦١..
٢ من فتح القدير؛ بتصرف يسير..
﴿ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ءانستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا( ٦ ) ﴾
﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ اختبروا من كان يتيما قبل أن تسلموا إليه ماله، فليتأمل الوصي أخلاق مكفوله، فإن تبين نجابته، وقدرته على رعاية المال، وحسن التصرف فيه فلا بأس أن يدفع إليه شيئا ليرى كيف يدبره، وهو مع ذلك يراعيه لئلا يتلفه ؛ ﴿ حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ وحين تظهر علامات البلوغ على اليتيم المحجور عليه، ومنها :الإنبات_إنبات شعر إعانة_ والاحتلام، أي الرؤيا المنامية التي تجعله ينز الماء الدافق، ومنها :بلوغ خمس عشرة سنة أو سبع عشرة على خلاف بين الفقهاء في ذلك، وهذه العلامات تعم الذكر والأنثى، وتختص الأنثى بالحبل والحيض.
﴿ فإن آنستم منهم رشدا ﴾ فإن رأيتم من هؤلاء الذين كانوا صغارا يتامى فبلغوا ورأيتم منهم حسن تصرف في أموالهم فادفعوها إليهم وأعطوهم إياها ؛ ﴿ ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ﴾ عن السدي والحسن :لا تسرف فيها_ وأصل الإسراف تجاوز الحد المباح إلى ما لم يبح، وربما كان ذلك في الإفراط، وربما كان ذلك في التقصير_ لا تسرف فيها، ولا تبادر، تبادرًا أن يكبروا فيأخذوا أموالهم ؛ ﴿ ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ﴾ روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها :إنما نزلت في والي اليتيم( ١ ) إذا كان فقيرا ؛ أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بالمعروف ؛ والعفة :النزاهة عن الشيء ؛ وعن سعيد وغيره :يأخذ بقدر ما يحتاج إله قرضا( ٢ )، ثم إذا أيسر قضاه ؛ ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ﴾ نادى الله تعالى الأوصياء أن يشهدوا على دفع ما كان تحت وصايتهم مِن مال مَن كانوا يتامى إلى أصحابه_ وهذا الإشهاد مستحب عند طائفة من العلماء ؛..، وقالت طائفة :هو فرض، وهو ظاهر الآية_( ٣ ) ؛ ﴿ وكفى بالله حسيبا ﴾ كفى الله تعالى حاسبا لأعمالكم وشهيدا عليها ومجازا بها.
١ روى أبوداود_ بسنده_ عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال له: إن في حجري يتيما أفآكل من ماله؟ قال: "بالمعروف غير متأثل مالا ولا واق مالك بماله" قال: أفأضربه؟ قال: "مما كنت ضاربا منه ولدك" وروي أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمار وابن مسعود وعثمان بن حنيف: سلام عليكم، أما بعد: فإني قد رزقتكم كل يوم شاة، شطرها لعمار لعبد لله بن مسعود، وربعها لعثمان؛ ألا وإني قد أنزلت نفسي وإياكم من مال الله منزلة والي اليتيم. من كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف..
٢ أكثر العلماء على أن الاقتراض جاء في أصول الأموال، أما التناول من ألبان المواشي/ أو ركوب الدواب فمباح له إذا كان غير مضر بالمال..
٣ من الجامع لأحكام القرآن..
﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا ﴾_ لما ذكر الله تعالى أمر اليتامى وصله بذكر المواريث ؛ ونزلت الآية في أوس بن ثابت الأنصاري، توفي وترك امرأة يقال لها :أم كجة وثلاث بنات له منها ؛ فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووصياه يقال لهما :سويد وعرفجة ؛ فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته وبناته شيئا، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير، وإن كان ذكرا، ويقولون :لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل، وطاعن بالرمح، وضارب بالسيف، وحاز الغنيمة ؛ فذكرت أم كجة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهما، فقالا :يا رسول الله، ولدها لا يركب فرسا، ولا يحم كَلا، ولا ينكأ عدوا ؛ فقال عليه السلام : " انصرفا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن " فأنزل هذه الآية ردًا عليهم، وإبطالا لقولهم، وتصرفهم بجهلهم ؛ فإن الورثة الصغار كان ينبغي أن يكونوا أحق بالمال من الكبار، لعدم تصرفهم والنظر في مصالحهم، فعكسوا الحكم، وأبطلوا الحكمة، فضلوا بأهوائهم، وأخطئوا في آرائهم وتصرفاتهم، ... ﴿ مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا ﴾ أثبت الله تعالى للبنات نصيبا في الميراث ولم يبين كم هو ؛ فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سويد وعرفجة ألا يفرقا من مال أوس شيئا ؛ فإن الله جعل لبناته نصيبا ولم يبين كم هو حتى أنظر ما ينزل ربنا ؛ فنزلت : ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ إلى قوله تعالى : ﴿ الفوز العظيم ﴾ فأرسل إليهما : " أن أعطيا أم كجة الثمن مما ترك أوس، ولبناته الثلثين، ولكما بقية المال " ؛.. استدل علماؤنا بهذه الآية في قسمة المتروك على الفرائض إذا كان فيه تغيير عن حاله، ...، قال ابن أبي ليلى :إن كان فيهم من لا ينتفع بما يقسم له فلا يقسم ؛ وكل قسم يدخل فيه الضرر على أحدهما دون الآخر فإنه لا يقسم ؛ قال ابن المنذر :وهو أصح القولين ؛ ورواه ابن القاسم عن مالك فيما ذكر ابن العربي ؛ قال ابن القاسم :وأنا أرى أن كل ما لا ينقسم من الدور والمنازل و الحمامات، وفي قسمته الضرر ولا ينتفع به إذا قسم أن يباع ولا شفعة فيه، لقوله عليه السلام :
" الشفعة في كل مالا يقسم فإذا وقعت الحدود فلا قسمة "، وأخرج الدارقطني _بسنده_ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تعضية على أهل الميراث إلا ما حمل القسم " ؛ قال أبو عبيد :هو أن يموت الرجل ويدع شيئا إن قسم بين ورثته كان في ذلك ضرر على جميعهم أو على بعضهم ؛ يقول :فلا يقسم ؛ وذلك مثل الجوهرة والحمام والطيلسان وما أشبه ذلك ؛ والتعضية :التفريق ؛ و.. ومنه قوله تعالى :( الذين جعلوا القرآن عضين ) ( ١ ) ؛ وقال تعالى :( غير مضار.. ) فنفي المضارة ؛ وكذلك قال عليه السلام : " لا ضرر ولا ضرار " _( ٢ ) ؛ قال الفراء : ﴿ نصيبا مفروضا ﴾ هو كقوله :قسما واجبا، وحقا لازما ؛ فهو اسم في معنى المصدر فلهذا انتصب ؛ والمفروض :
المقدر الواجب ؛
١ سورة الحجر. الآية ٩١..
٢ مما أورد صاحب الجامع لأحكام القرأن..
﴿ وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا ومعروفا ﴾
أخرج البخاري عن ابن عباس قال :إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نسخت، ولا والله ما نسخت، ولكنها مما تهاون الناس بها ؛ هما واليان :والٍ يرث، وذلك الذي يرزق، ووالٍ لا يرث، وذلك الذي يقول بالمعروف، ويقول :لا أملك لك أن أعطيك ؛ قال ابن عباس :أمر الله المؤمنين عند قسمة مواريثهم أن يصلوا أرحامهم، ويتاماهم ومساكينهم من الوصية، فإن لم تكن وصية وصل لهم من الميراث ؛ قال النحاس :فهذا أحسن ما قيل في الآية، أن يكون على الندب والترغيب في فعل الخير، والشكر لله عز وجل.
﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ﴾
عن ابن عباس :هذا وعظ للأوصياء، أي :افعلوا باليتامى ما تحبون أن يفعل بأوليائكم من بعدكم ؛ وعن مجاهد وغيره :هذا في الرجل يحضره الموت، فيسمعه رجل يوصي بوصية تضر بورثته، فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله، ويوفقه ويسدده للصواب، فينظر لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضيعة ؛ وروى البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده قال :يا رسول الله إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي ؟، قال : " لا "، قال :فالشطر ؟ قال : " لا "، قال :فالثلث ؟ قال :" الثلث والثلث كثير " ثم قال رسول الله صلى اله عليه وسلم : " إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس "، وفي الصحيح عن ابن عباس قال :لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الثلث والثلث كثير ".
﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ﴾
روى الشيخان _البخاري ومسلم_ في صحيحيهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اجتنبوا السبع الموبقات " _ أي المهلكات _قيل :يا رسول الله، وما هُن ؟ قال : " الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " ؛ وسمى اقتطاع مال اليتيم بغير حق أكلا أن الأثر في الإتلاف للشيء يكون بالأكل ؛ وسمى المأكول نارا باعتبار ما يئول إليه ؛ وخص البطون للتأكيد، كما في قول الله سبحانه :(.. يقولون بأفواههم.. ) ( ١ )، و { ظلما { أي :أخذا ظلما، أو :أكل ظلم، أو نصب على الحالية، أي :ظالمين لهم ؛ والسعير :الجمر المستعر ؛ والصلاء :التسخين بقرب النار، أو مباشرتها.
١ سورة آل عمران. من الآية ١٦٧..
﴿ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصى بها أو دين ءاباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما( ١١ )* ﴾
روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله قال :عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سلمة ماشيين، فوجدني النبي صلى الله عليه وسلم لا أعقل شيئا، فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش عَليَّ فأفقت فقلت :ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله، فنزلت ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ يعَْلِمُكم الله سبحانه ويعهد إليكم إذا مات الميت وخلف أولادا ذكورا وإناثا فميراثه يقسم بينهم :تأخذ البنت نصف ما يأخذ الابن ؛ ﴿ فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ﴾ فإن لم يترك المتوفى أبناء وكان المتروكات بنات للميت ثنتين فأكثر، فلبناته الثلثان من ميراثه ؛ ﴿ وإن كانت واحدة فلها النصف ﴾ وإن كان المتروك للمتوفى ابنة واحدة، ليس معها ولد ذكر، فلهذه البنت نصف ميراث أبيها ؛ ﴿ ولأبويه لكل واحدة منها السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس ﴾ الآية بينت في بدايتها نصيب الأولاد حين ينفردون، وههنا بينت ماذا لهم وماذا للأبوين إذا اقتسموا التركة، ومعلوم أن اسم الولد يقع على الذكر وعلى الأنثى، فللأبوين سدسان والباقي للأولاد ؛ فإن انفرد الوالدان ولم يكن معهما أحد من الأولاد ولا وارث سواهما فللأم الثلث، والباقي للأب ؛ فإذا وجد مع الأبوين إخوة وأخوات حجبوا الأم من الثلث إلى السدس ؛ ﴿ من بعد وصية يوصي بها أو دين ﴾ كل ما ذكر من أنصباء الورثة تدفع إليهم بعد إنفاذ وصية المتوفى، وبعد قضاء ما كان عليه من دين، فإن كان أحدهما فالميراث بعده، وكذلك إن كان كلاهما ؛ ﴿ آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ﴾ لا تعرفون من الذي فتح الله تعالى به أبواب الخير لكم أمَن أوصى ببعض ماله أم من لم يوص، إذ بإمضائكم وصية مَن أوصى تتعرضون لثواب الآخرة ؛ ﴿ فريضة من الله ﴾ فرض الله ذلك فرضا ؛ ﴿ إن الله كان عليما ﴾ ( بكل المعلومات، فيكون عالما بما في قسمة المواريث من المصالح والمفاسد ﴿ حكيما ﴾ لا يأمر إلا بما هو الأحسن.. ﴿ كان ﴾ ههنا منخلع عن اعتبار الاقتران بالزمان، لأنه تعالى منزه عن الدخول تحت الزمان، ولكنه من الأزل إلى الأبد عليم حكيم ؛...
﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ﴾ إلى قوله : ﴿ توصون بها أو دين ﴾.. ولما جعل في الموجب النسبي حظ الرجل مثل حظ الأنثيين، فكذلك جعل في الموجب السببي وهو الزوجية حظ الزوج ضعف حظ الزوجة... ؛ واختلفوا في تفسير الكلالة، فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه سئل عن الكلالة، فقال :أقول فيه برأيي، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله برىء منه ؛ الكلالة :ما خلا الوالد والولد ؛ وعن عمر رضي الله عنه :الكلالة، من لا ولد له فقط } ( ١ ) ؛ ﴿ من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار ﴾ هذا الذي قسم الله لمن يرث بالكلالة لا يعطى للورثة إلا بعد إنفاذ ما وصى به المورث، وبعد سداد ما كان عليه من دين، وبعد أخذ أحدهما أو كليهما من التركة يقسم ما بقي بين الوارثين ؛ ( ﴿ والله عليم ﴾ يقول :والله ذو علم بمصالح خلقه ومضارهم، ومن يستحق أن يعطى من أقرباء من مات منكم وأنسبائه من ميراثه، ومن يحرم ذلك منهم، ومبلغ ما يستحق به كل من استحق منهم قسما، وغير ذلك من أمور عباده ومصالحهم، ﴿ حليم ﴾ يقول :ذو حلم على خلقه وذو أناة في تركه معاجلتهم بالعقوبة على ظلم بعضهم بعضا في إعطائهم الميراث لأهل الجند والقوة من ولد الميت، وأهل الغناء والبأس منهم دون أهل الضعف والعجز من صغار ولده وإناثهم ) ( ٢ ).
١ من تفسير غرائب القرآن..
٢ من الجامع البيان..
﴿ تلك حدود الله ﴾ عن قتادة :تلك حدود الله التي حد لخلقه، وفرائضه بينهم من الميراث والقسمة، فانتهوا إليها ولا تعدوها إلى غيرها ؛ ﴿ ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ﴾ ومن يستجب لأمر ربه، ويستقم على هدى نبيه يجزل الله ثوابه فيسكنه في الآخرة قصورا في دار النعيم وبساتين تجري من تحت أشجارها مياه الأنهار، وهو في هذا المقام الكريم مخلد لا يخرج منه، ولا يتحول عنه، ولا يذوق فيه الموت ولا السقم ولا الحزن، ولا ربح أعظم من ذلك.
﴿ ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ﴾
ومن تنكب طريق الله، وحاد عن سنن رسوله، وخرج على أمر ربه يسكنه في الآخرة دار البوار، ويصليه لهب النار، وتعلوه الحسرة والذل والصغار، يمكث في هذا الحريق والعذاب ؛ والعصيان إن أريد به الكفر فالخلود على بابه، وإن أريد به الكبائر وتجاوز أوامر الله تعالى فالخلود مستعار لمدة ما ؛ كما تقول :خلد الله ملكه_ " ( ١ ).
١ من الجامع لأحكام القرآن..
واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا( ١٥ )
﴿ واللاتي ﴾ اسم موصول للجمع من النساء ؛ ﴿ يأتين ﴾ يرتكبن ويباشرن ويفعلن ؛ ﴿ الفاحشة ﴾ الخطيئة البالغة القبح وهي الزنا ؛ ﴿ فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ﴾ تمهلوا حتى يكتمل الشهود على إفحاشهن أربعة من الرجال العدول المسلمين، والخطاب :للحكام، وقيل :للأزواج، ﴿ فإن شهدوا ﴾ فإن شهد عليهن العدول أربعة بأنهن فعلن الفاحشة ثبتت الجريمة بشهادتهم، ﴿ فأمسكوهن في البيوت ﴾ وكانت العقوبة حبس المفحشة في بيت ولا تمكن من الخروج ﴿ حتى يتوفاهن الموت ﴾ إلى أن تقبض أرواحهن بالموت ﴿ أويجعل الله لهن سبيلا ﴾ أو يشرع الله فيهن حكما آخر، ومخرجا مما صرن إليه من الحبس ؛ في صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال :كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه كرب لذلك وتربد( ١ ) وجهه، قال :فأنزل عليه ذات يوم، فلقي كذلك، فلما سري عنه قال : " خذوا عني خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر( ٢ ) جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب( ٣ ) جلد( ٤ )مائة والرجم ".
١ تلون بلون مغاير، واختلط بياضه بسواد..
٢ قال العلماء: ليس على سبيل الاشتراط، بل حد البكر: الجلد والتغريب سواء زنا بكر أم ثيب..
٣ الثيب بالثيب قال العلماء فيه ما قالوه في "البكر بالبكر" فالأمر فيهما شبيه بالتقييد الذي يخرج على الغالب، وحد الثيب الرجم سواء زنا بثيب أم بكر؛ والمراد بالبكر من الرجال والنساء من لم يجامع في نكاح صحيح، وهو بالغ عاقل، سواء جامع بوطء شبهة أو نكاح فاسد أو غيرها أم لا؛ والمراد بالثيب: من جامع في دهره ولو مرة في نكاح صحيح، وهو بالغ عاقل حر، والرجل والمرأة في هذا سواء، وسواء المسلم والكافر والرشيد والمحجوز عليه..
٤ مما يقول أبو جعفر: السبيل التي جعلها الله جل ثناؤه للثيبين المحصنين الرجم بالحجارة، وللبكرين جلد مائة ونفي سنة لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم ولم يجلد..
﴿ واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما ﴾
قال مجاهد وغيره :الآية الأولى في النساء عامة محصنات وغير محصنات، والآية الثانية في الرجال خاصة، وبين بلفظي التثنية صنفي الرجال من أحصن ومن لم يحصن ؛ فعقوبة النساء الحبس، وعقوبة الرجال الأذى ؛ وقال قتادة والسدي : ﴿ فآذوهما ﴾ ونحوهما ؛ وقال ابن عباس :النيل باللسان والضرب بالنعال ؛ ﴿ فإن تابا ﴾ _أي من الفاحشة ؛ ﴿ وأصلحا ﴾ يعني العمل فيما بعد ذلك ؛ ﴿ فأعرضوا عنهما ﴾ أي اتركوا أذاهما وتعييرهما ؛ وإنما كان هذا قبل نزول الحدود ؛ فلما نزلت الحدود نسخت هذه الآية ؛ وليس المراد بالإعراض الهجرة، ولكنها متاركة مُعرض ؛ وفي ذلك احتقار لهم بسبب المعصية المتقدمة، وبحسب الجهالة في الآية الأخرى ؛ والله تواب أي راجع بعباده عن المعاصي_( ١ ).
١ من الجامع لأحكام القرأن..
﴿ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما ﴾
أمر الله تعالى عباده بالإنابة إليه، والعودة إلى سبيله ومنهاجه، والرجوع عما فعلوا من عصيان، فقال تقدست أسماؤه :( وأنيبوا إلى ربكم.. ) ( ١ )، وقال عز ثناؤه :(. وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) ( ٢ ) ؛ وقال :( يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا.. ) ( ٣ ) ؛ ووعد سبحانه بقبول من أناب إليه( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيآت.. ) ( ٤ )، والتائبون هم أهل الفوز برضاه :(.. إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) ( ٥ ) ؛ ومن أسمائه الحسنى :التواب :(.. وأن الله تواب حكيم ) ( ٦ ) ؛ فكأن معنى الآية :ما قبول توبة من تاب إلا مِن المولى سبحانه، فإن على تأتي بمعنى مِن، وحروف الجر ينوب بعضها عن بعض كما في الآية الكريمة :( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده.. ) ( ٧ )، أي :منهم ؛ وذلك القبول يمنح للذين يفعلون المعاصي ثم يتوبون دون تسويف وتأخير ؛ فهؤلاء المنيبون يتجاوز الله عن سيآتهم ؛ وأما ﴿ بجهالة ﴾ فقد نقل عن مجاهد أنه قال :الجهالة هنا العمد، وقال قتادة :أجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أن كل معصية فهي بجهالة، عمدا كانت أو جهلا ؛ وقال الزجاج :اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية.
١ من سورة الزمر. من الآية ٥٤..
٢ من سورة النور. من الآية ٣١..
٣ من سورة التحريم. من الآية ٨..
٤ من سورة الشورى. من الآية ٢٥..
٥ من ور البقرة. من الآية ٢٢٢..
٦ من سور النور. من الآية ١٠..
٧ من سورة التوب. من الآية ١٠٤..
﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيآت حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما ﴾
حضور الموت :أي حضور علاماته ؛ عن ابن عباس ما حاصله :نفى سبحانه أن يدخل في حكم التائبين من حضره الموت وصار في حين اليأس ؛ كما كان فرعون حين صار في غمرة الماء والغرق فلم ينفعه ما أظهر من الإيمان ؛ لأن التوبة في ذلك الوقت لا تنفع، لأنها حال زوال التكليف ؛ ولا تقبل كذلك توبة من مات على الكفر إذ لا توبة في الآخرة ؛ و ﴿ أعتدنا ﴾ أي :هيأنا وأعددنا لمن لم يتب إلا عند حضور علامات الموت، ولمن مات على كفره دون توبة، هيأنا لهم عذابا أليما موجعا.
﴿ يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :كانوا إذا مات الرجل، كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها ؛ فنزلت هذه الآية في ذلك ؛ والعضل :المنع من الزواج ؛ ﴿ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ قال قتادة :لا يحل لك أن تحبس امرأتك ضرارا حتى تفتدي منك ؛ ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾عن أبي قلابة قال :إذا رأى الرجل من امرأته فاحشة فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى تختلع منه ؛ ولقد شرع القرآن الحكيم في آية أخرى كريمة أن للزوج أن يأخذ من زوجته التي يخشى ألا تصون أمانات ربها له أن يأخذ منها مالا مقابل تسريحها، فذلك قول الحق سبحانه :(.. فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به.. ) ( ١ )، وقصة التي أرادت أن تختلع من زوجها معروفة، وقد سألها رسول الله حين رغبت في فراق زوجها : " وتردين عليه حديقته " قالت :نعم، فقال صلى الله عليه وسلم لزوجها : " اقبل الحديقة وطلقها تطليقة " ؛ أخرجه البخاري وابن ماجة وغيرهما، بألفاظ متقاربة، والمرأة اسمها :جميلة بنت عبد الله بن سلول، وزوجها :ثابت بن قيس بن شماس ؛ عن ابن جريج عن عبد الكريم عن الحسن البصري : ﴿ بفاحشة ﴾ قال الزنا، .. فإن فعلت حل لزوجها أن يكون هو يسألها الخلع لتفتدي ؛ وعن ابن عباس : ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ وهو البغض والنشوز، فإذا فعلت ذلك فقد حل له منها الفدية ؛ قال أبو جعفر :أولى ما قيل... أنه معني به كل فاحشة من بذاءة باللسان على زوجها، وزنا وأذى له، وزنا بفرجها، ...، ﴿ مبينة ﴾... ظاهرة بينة للناس أنها فاحشة، .. ﴿ وعاشروهن بالمعروف ﴾...، خالقوهن من العشرة وهي المصاحبة. ا ه ؛ ﴿ فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ﴾ _ فههنا قد يميل طبعكم إلى المفارقة، ويكون الخير في الاستمرار على المواصلة، منه :الثناء في الدنيا بحسن الوفاء وكرم الخلق، ومنه الثواب في العقبى بالصبر على خلاف الهوى، ومنه حصول ولد نجيب، ومال كثير لليمن في صحبتها_( ٢ )، وله في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر " ( ٣ ).
١ من سورة البقرة. من الآية ٢٢٩..
٢ من تفسير غرائب القرآن..
٣ المعنى: لا يبغضها بغضا كليا يحمله على فراقها، ولا ينبغي له ذلك، بل يغفر سيئتها لحسنتها، ويتغاضى عما يكره لما يحب.
﴿ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ﴾
في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للمتلاعنين بعد فراغهما من تلاعنهما : " الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما من تائب " قالها ثلاثا، فقال الرجل :يا رسول الله ؟ مالي ! - يعني ما أصدقها- قال : " لا مال لك إن كنت صدقت فهو بما استحللت من فرجها وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منها " وقد استدل بعض علماء الأحكام بما في الآية على جواز إغلاء المهور، واستشهدوا بآثار كريمة( ١ ) ؛ ﴿ أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ﴾ البهتان :الكذب الذي يبهت ويحير المكذوب عليه، والباطل الذي يُتحيَر من بطلانه، والإثم المبين :الذنب الواضح الظاهر ؛ والاستفهام للإنكار والتوبيخ.
١ قال الحافظ أبو يعلى عن الشعبي عن مسروق قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: أيها الناس ما إكثاركم في صداق النساء!! وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصدُقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك؛ ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها؛ فلأعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم؛ قال: ثم نزل؛ فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم؟ قال: نعم؛ فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال: وأي ذلك؟ فقالت: أما سمعت الله يقول: ﴿وآتيتم إحداهن قنطارا﴾ الآية؛ قال: اللهم غفرا، كل الناس أفقه من عمر؛ ثم رجع فركب المنبر فقال! أيها الناس إني كنت نهيت أن تزيدوا النساء في صدقتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب؛ قال أبو يعلى: وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل؛ إسناده جيد قوي؛ وفي رواية: امرأة أصابت ورجل أخطأ..
﴿ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا ﴾
إنكار بعد إنكار، وتعجيب من حال من يفعل ذلك ؛ والإفضاء :الوصول إلى الشيء والاتصال به ومخالطته، هذا في اللغة، أما ههنا :فعن مجاهد والسدي :مجامعة النساء ؛ وعن ابن عباس :الإفضاء :المباشرة، ولكن الله كريم يكني عما يشاء. ا ه. والميثاق الغليظ الذي أخذه الله للنساء على الرجال :إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ويشهد لهذا ما جاء في صحيح مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبة حجة الوداع : " واستوصوا بالنساء خيرا فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله " ؛
﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ﴾
نهى الله تعالى عن تزويج الابن من زوجةٍ كانت مِن قبلُ زوجةً لأبيه، لكن ما سلف من هذا الغي ومضى فاجتنبوه ودعوه ؛ - وقيل : ﴿ إلا ﴾ بمعنى بعد، أي بعد ما سلف ؛ كما قال تعالى :( لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى.. ) ( ١ )، أي :بعد الموتة الأولى ؛ وقيل : ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ أي :ولا ما سلف ؛ كقوله تعالى : ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ.. ﴾ أي ولا خطأ ؛... وقيل في الآية إضمار.. ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ﴾ فإنكم إن فعلتم تعاقبون وتؤاخذون إلا ما قد سلف-( ٢ ) ؛ ﴿ إنه ﴾ إن زواج من سبق أن تزوجها الأب ﴿ كان فاحشة ﴾ كان ذنبا قبيحا مفحشا، ﴿ ومقتا ﴾ يستنزل مقت الله تعالى وسخطه، أو :يزرع البغضاء بين الابن وأبيه، ﴿ وساء سبيلا ﴾ وبئس هذا الصنيع طريقا، يُذَم مرتكبه، وتسوء عاقبته( ٣ ).
١ سورة الدخان. من الآية ٥٦..
٢ من الجامع لأحكام القرآن..
٣ نقل ابن كثير عن الإمام أحمد وأهل السنن عن البراء بن عازب عن خاله أبي بردة: أنه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن يقتله ويأخذ ماله؛ وقال الإمام أحمد عن البراء بن عازب قال مر بي عمي الحارث بن عمير ومعه لواء قد عقده له النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت له: أي عم أين بعثك النبي؟ قال: إلى رجل تزوج امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه..
﴿ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبناءكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما( ٢٣ )* ﴾
عن ابن حميد- بسنده- عن عمرو بن سالم مولى الأنصار قال :حرم النسب سبع، ومن الصهر سبع، ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت ﴾- فهؤلاء محرمات، بالنسب- ومن الصهر : ﴿ .. أمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نساءكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ﴾ ثم قال ﴿ والمحصنات من النساء.. ﴾ ومِن قبل قال تبارك وتعالى : ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء.. ﴾- ( فكل هؤلاء اللواتي سماهن الله تعالى وبين تحريمهن... محرمات غير جائز نكاحهن لمن حرم الله ذلك عليه من الرجال بإجماع جميع الأمة لا اختلاف بينهم في ذلك.. ) ( ١ ) ؛ ما جاء في روح المعاني :ليس المراد تحريم ذاتهن لأن الحرمة وأخواتها إنما تتعلق بأفعال المكلفين، فالكلام على حذف مضاف، بدلالة العقل، والمراد :تحريم نكاحهن، لأنه معظم ما يقصد منهن، ولأنه المتبادر إلى الفهم، ولأن ما قبله وما بعده في النكاح، .. والجملة إنشائية، وليس المقصود منها الإخبار عن التحريم في الزمان الماضي، ... و ﴿ أمهاتكم ﴾ تعم الجدات كيف كن، ...، والمراد بالبنات :من ولدْتها أو ولدت مَن ولَدَها، .....، والأخوات ينتظمن الأخوات من الجهات الثلاث- الأخت لأبوين، والأخت لأب، والأخت لأم-، وكذا الباقيات، ..، ويدخل في العمات والخالات أولاد الأجداد والجدات، .....، ولا يخفى أنه كما يحرم على الرجل أن يتزوج بمن ذكر، يحرم على المرأة التزوج بنظير من ذكر :......، ﴿ { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ﴾ عطف على سابقه، ... ومعنى-الرضاعة- لغة :مص الثدي، شرعا :مص الرضيع من ثدي الآدمية في وقت مخصوص، وأرادوا بذلك وصول اللبن من ثدي المرأة إلى جوف الصغير...، ...، لا فرق بين المص والسقوط ونحوه، ... ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عائشة، وابن عباس رضي الله تعالى عنهم : " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب "، ...... ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ شروع في بيان المحرمات من جهة المصاهرة إثر بيان المحرمات من جهة الرضاعة التي لها لحمة كلحمة النسب ؛ والمراد بالنساء :المنكوحات- من أبرم عقد نكاحهن- على الإطلاق سواء كن مدخولا بهن أو لا، وهو مجمع عليه عند الأئمة الأربعة ؛... ﴿ وربائبكم اللاتي( ٢ ) في حجوركم ﴾.. والربيب :ولد المرأة من آخر، سمي به لأنه يربه -يرعاه- غالبا كما يرب ولده. ا ه ؛ ﴿ من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ﴾ الربيبة تحرم على من دخل بأمها، ﴿ فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ﴾ فأما إذا عقد على أم الربيبة ثم طلقها قبل الدخول فلا إثم عليه بعد تطليق أمها أن يتزوج من تلك الربيبة، وكذا إن ماتت أمها قبل أن يدخل بها. ﴿ وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ﴾ أي :وحرم الله عليكم أن تتزوجوا زوجات أبنائكم لا مَن تتبنونهم -وليس المقصود من ذلك إسقاط حليلة الابن من الرضاع فإنها حرام أيضا كحليلة الابن من النسب-( ٣﴿ وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سف ﴾ وحرم الله عليكم أن تجمعوا بين الأختين في الزواج- ولا فرق بين كونهما أختين من النسب أو الرضاعة- لكن ما سلف ومضى من هذا فلا تفعلوه، بعدما كان البعض يفعل، ﴿ إن الله كان غفورا رحيما ﴾ إن المولى المعبود- تباركت آلاؤه وتقدست أسماؤه- كان وما يزال يستر زلات المستغفرين، ويصفح عن معاقبتهم عليها، واسع الرحمة أن يعذبهم بعد توبتهم.
١ ما بين العلامتين ( ) جاء في: جامع البيان..، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري..
٢ وصف الربائب بكونهن في الحجور- يعني في حضن زوج الأم- لبيان الواقع غالبا وعادة، فهو قيد لبيان الواقع وليس للاحتراز، وإلا لو قيد التحريم بقيد كونهن في الحجور لانتفى بانتفائه؛ وترتب على ذلك حل الربيبة إذا لم تكن في الحجر؛ وفي هذا خروج على الإجماع..
٣ ما أورد الألوسي..
﴿ والمحصنات من النساء ﴾ وحرم الله عليكم أن تتزوجوا امرأة في عصمة زوجها، ﴿ إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ أي :إلا أن تكون امرأة كافرة قد وقعت في الأسر إذ قاتلهم المسلمون فإنها وإن كانت ذات زوج إلا أنها بقسم الإمام تصبح مملوكة لمن قسمت له فيحل له أن يستمتع بها بملك اليمين بعد أن يستبرئها ؛ والاستبراء تربص مقداره نصف عدة الحرة فيما يتنصف ليعلم أنها ليست بذات حمل من زوجها الأول ؛ في ٠صحيح مسلم( ١ ) أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابو سبيا يوم أوطاس لهن أزواج من أهل الشرك، فكان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كفوا وتأثموا من غشيانهن، قال :فنزلت هذه الآية في ذلك( ٢ ) ؛ ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ أي :هذا التحريم كتاب كتبه الله عليكم ؛ ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين ﴾ وسائر النساء بعد من ذكر يحل لنا أن نطلبهن بأموالنا قاصدين التعفف عن الزنى ؛ ويلحق بمن ذكرن في هذه الآيات المحكمات مَن حرمهن الله تعالى بوحيه الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم فيضم إلى المذكورات، فبذلك أمرنا :(.. وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا.. ) ( ٣ ) ؛ روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها " ؛ -أباح الله تعالى الفروج بالأموال، ...، وجماعة أهل الحديث من أهل المدينة وغيرها، كلهم أجازوا الصداق بقليل المال وكثيره، ...، ﴿ فما استمتعتم به منهم فآتوهن أجورهن فريضة ﴾ الاستمتاع :التلذذ ؛ والأجور :المهور، .....، فإذا جامعها مرة واحدة فقد وجب المهر كاملا إن كان مسمى، أو مهر مثلها إن لم يسم، .. ﴿ فريضة ﴾ نصب على المصدر في موضع الحال، أي :مفروضة ؛.. ﴿ ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ﴾ أي من زيادة أو نقصان في المهر ؛ فإن ذلك سائغ عند التراضي بعد استقرار الفريضة-( ٤ ) ؛ ﴿ إن الله كان عليما حكيما ﴾. ( إن الله كان ذا علم بما يصلحكم أيها الناس في مناكحكم وغيرها من أموركم وأمور سائر خلقه، بما يدبر لكم ولهم من التدبير، وفيما يأمركم وينهاكم، لا يدخل حكمته خلل ولا زلل ) ( ٥ ).
١ رواه أبو سعيد الخدري..
٢ وفي رواية له عن أبي سعيد كذلك مرفوعا:" لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض..
٣ من سورة الحشر. من الآية ٧..
٤ من الجامع لأحكام القرآن..
٥ من جامع البيان..
ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وءاتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم( ٢٥ ).
﴿ ومن لم يستطع منكم طولا ﴾ الذي لا يجد منكم من المال سعة تمكنه ﴿ ينكح المحصنات المؤمنات ﴾ أي :يتزوج من حرة مؤمنة ﴿ فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ﴾ فليتزوج جارية مسلمة مملوكة لواحد من إخوانه المؤمنين ؛ مما يقول ابن زيد :لم يحل الله ذلك لأحد إلا لمن لا يجد ما ينكح به حرة، ( فينكح هذه الأمة، فيتعفف بها ) وينفق عليها، ولم يحل له حتى يخشى العنت ؛ ﴿ والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض ﴾ حقيقة إيمانها وإيمانه يعلمها الله سبحانه، فما دامت أظهرت الإسلام حل للمسلم الذي عجز عن التزوج من حرة مسلمة، وخاف على نفسه الوقوع في الزنا إن بقي دون زوجة أن يتخذها زوجة، ونفوض-كالشأن في كل أمر- علم الحقيقة والسرائر لله الذي لا تخفى عليه خافية ؛ ﴿ فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف ﴾ فتزوجوا من هؤلاء الجواري الإماء بإذن مواليهن وسادتهن، وأعطوهن مهورهن بما يقره الشرع ويرضاه أهل استقامة العقل والطبع، ولا يبخسوهن منه شيئا استهانة بهن لأنهن إماء ؛ ﴿ محصنات ﴾ عفائف ؛ ﴿ غير مسافحات ﴾ غير زوان معلنات بالزنى ؛ ﴿ ولا متخذات أخدان ﴾ ولا مستسرات بالزنى مع الأخلاء والأصدقاء ؛ ﴿ فإذا أحصن ﴾ فإذا صارت الجارية المؤمنة العفيفة متزوجة، ﴿ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾ قال أبو عمر :ظاهر قول الله عز وجل يقتضي ألا حد على أمة وإن كانت مسلمة إلا بعد التزويج، ثم جاءت السنة بجلدها وإن لم تحصن، فكان ذلك زيادة بيان. اه.
في صحيح البخاري ومسلم أنه قيل :يا رسول الله، الأمة إذا زنت ولم تحصن ؟ فأوجب عليها الحد ؛ يقول أبو عبد الله القرطبي :والأمر عندنا أن أمة إذا زنت وقد أحصنت مجلودة بكتاب الله، وإذا زنت ولم تحصن مجلودة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولا رجم عليها، لأن الرجم لا يتنصف ؛... ؛ وذكر في الآية حد الإماء خاصة، و لم يذكر حد العبيد ؛ ولكن حد العبيد والإماء سواء، خمسون جلدة في الزنى، وفي القذف وشرب الخمر أربعون ؛ لأن حد الأمة إنما نقص لنقصان الرق فدخل الذكور في ذلك بعلة المملوكية ؛...
﴿ وأن تصبروا خير لكم ﴾ أي :الصبر على الغربة خير من نكاح الأمة، ... ا ه، ﴿ والله غفور رحيم ﴾ ومولانا المعبود بحق- تقدست أسماؤه- عظيم عفوه عمن لم يقدر على نكاح الحرة وخاف على نفسه الزنا، وعفوه سبحانه عميم وستره وصفحه عن كل مستغفر، ورحمته تتسع لكل مؤمن مستقيم.
يريد الله لبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم( ٢٦ )
﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ قال الفراء :العرب تعاقب بين لام كي، وأن، فتأتي باللام التي على معنى كي في موضع أن في :أردت وأمرت، فيقولون :أردت أن تفعل، وأردت لتفعل، ومنه :( يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم.. )( ١ )، (.. وأمرت لأعدل بينكم.. ) ( ٢ )، (.. وأمرنا لنسلم لرب العالمين ) ( ٣ ) ؛ ومن فضل الله تعالى على الناس أوضح سبحانه وبين، وأوحى إلى نبيه ما حدث به لمزيد البيان، وقال في محكم القرآن :(.. وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم..... ) ( ٤ ) ؛ ﴿ ويهديكم سنن الذين من قبلكم ﴾ ويرشدكم ويدلكم على طريق من سبقكم، فرسالة ربنا الخاتمة فيها حكم ما بيننا، ونبأ من سبقنا، وحجة وبرهان من ربنا، ( ولقد أنزلنا إليكم آيات بينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين ) ( ٥ ) ؛ فإن أريد بالسابقين :الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- فالهداية في اتباعهم :( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده.. ) ( ٦ ) ؛ وإن أريد بهم من جعلهم الله نكالا، فالله يعرفنا أنهم لما تركوا أوامره وعصوا رسله، دمر عليهم، ليكون في ذلك لنا معتبرا ؛ ﴿ ويتوب عليكم ﴾ والله يريد أن يتوب عليكم، - فتلافوا ما فرط منكم بالتوبة، يغفر لكم ذنوبكم-( ٧ ) ﴿ والله عليم حكيم ﴾ ( والله ذو علم بما يصلح عباده في أديانهم ودنياهم وغير ذلك من أمورهم، وبما يأتون ويذرون مما أحل أو حرم عليهم، حافظ ذلك كله عليهم، حكيم بتدبيره فيهم في تصرفاتهم فيما صرفهم فيه ) ( ٨ ).
١ سورة التوبة. من الآية ٣٢..
٢ سورة الشورى. من الآية ١٥..
٣ سورة الأنعام. من الآية ٧١..
٤ سورة النحل. من الآية ٤٤..
٥ من سورة النور. الآية ٣٤..
٦ من سورة الأنعام. من الآية ٩٠..
٧ من فتح القدير..
٨ من جامع البيان..
﴿ والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما ﴾
مما جاء في روح المعاني :إذا فسر ﴿ يتوب ﴾ أولا :بقبول التوبة والإرشاد مثلا ؛ وثانيا :بأن يفعلوا ما يستوجبون به القبول فلا يكون تكرارا ؛.....، ﴿ ويريد الذين يتبعون الشهوات ﴾ يعني الفسقة، أنهم يدورون مع شهوات أنفسهم ؛..... ؛ ﴿ أن تميلوا ﴾ عن الحق بموافقتهم فتكونوا مثلهم ؛.. ﴿ ميلا عظيما ﴾ بالنسبة إلى ميل من اقترف خطيئة على ندرة، واعترف بأنها خطيئة، ولم يستحل.
﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾.... ؛ يخفف في التكليف على العموم، فإنه تعالى خفف عن هذه الأمة ما لم يخفف عن غيرها من الأمم الماضية ؛....، ﴿ وخلق الإنسان ضعيفا ﴾.... ؛ يستميله هواه وشهوته، ويستشيطه خوفه وحزنه، وقيل :عاجز عن مخالفة الهوى وتحمل مشاق الطاعة. ا ه.
يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما( ٢٩ )
﴿ تأكلوا ﴾ تأخذوا وتملكوا. ﴿ بالباطل ﴾ بما خالف الشرع.
﴿ تجارة ﴾ معاوضة ومقابلة بين شيئين.
﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ لا يقتل بعضكم بعضا، أو :لا يفعل أحدكم ما يزهق روحه.
نهى الله تعالى أهل الإيمان أن يأخذ أحد مالا إلا على طريقة شرعها في دينه الحنيف ؛ مما قال السدي :نهى عن أكلهم أموالهم بينهم بالباطل وبالربا والقمار والبخس والظلم ؛ قال ابن كثير :وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في قالب الحكم الشرعي ما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا ؛ ﴿ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ﴾ إلا أن تكون الأموال أموال تجارة فحذف المضاف وأقيم إليه مقامه ؛ - والتجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة ؛ ومنه الأجر الذي يعطيه البارئ سبحانه العبَد عوضا عن الأعمال الصالحة التي هي بعض من فعله ؛ قال الله تعالى :( يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ) ( ١ ) ؛ وقال تعالى :(... يرجون تجارة لن تبور ) ( ٢ ) ؛... ؛ وهي نوعان :تقلب في الحضر من غير نقلة ولا سفر، وهذا تربص واحتكار، قد رغب عنه أولو الأقدار، وزهد فيه ذوو الأخطار ؛ والثاني تقلب المال بالأسفار ونقله إلى الأمصار، فهذا أليق بأهل المروءة، وأعم جدوى ومنفعة ؛.... ؛ ويستحب للتاجر ألا تشغله تجارته عن أداء الفرائض ؛ فإذا جاء وقت الصلاة ينبغي أن يترك تجارته حتى يكون من أهل هذه الآية ؛ ( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة.. ) ( ٣ )-( ٤ ) ؛ وهناك أموال تستفاد بالحلال ولا تسمى تجارة، كالهبة والإرث، وأخذ الصدقات، والمهور، و أروش الجراحات ؛ ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما. ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا ﴾ - أجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية :النهي أن يقتل بعض الناس بعضا- ؛ ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه -( ٥ ) ؛ في الصحيحين :" من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة " وفي الصحيحين أيضا عن جندب بن عبد الله البجلي قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كان رجل ممن كان قبلكم وكان به جرح فأخذ سكينا نحر بها يده فما رفأ الدم حتى مات قال الله عز وجل عبدي بادرني بنفسه حرمت عليه الجنة " ؛
١ سورة الصف. الآية ١٠..
٢ سورة فاطر. من الآية ٢٩..
٣ سورة النور من الآية ٣٧..
٤ من الجامع لأحكام القرآن؛ بتصرف يسير..
٥ من الجامع لأحكام القرآن؛ بتصرف يسير..
﴿ ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان على الله يسيرا ﴾
﴿ عدوانا ﴾ تعديا على حق الغير.
﴿ وظلما ﴾ وجورا عن الحق والعدل. ﴿ نصليه ﴾ نذيق جلده.
قال ابن جرير ما حاصله : ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى كل ما نهى عنه من آخر وعيد، وهو قوله تعالى : ﴿ يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها.. ﴾ لأن كل ما نهى عنه من أول السورة قرن به وعيد، إلا من قوله : ﴿ يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم ﴾ فإنه لا وعيد بعده إلا قوله : ﴿ ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما ﴾ وخرج بقيد العدوان والظلم ما كان من القتل بحق كالقصاص، أو قتل الخطأ.
﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيآتكم وندخلكم مدخلا كريما ﴾
﴿ كبائر ما تنهون عنه ﴾ مناهي الله التي توجب الحد أو صرح عليها بالوعيد.
من يبتعد عن فعل الذنوب العظيمة التي أوجب الله على فاعلها الحد، أو صرح عليها بوعيد، فإنه إن يفعل ذنبا صغيرا يستره ربه عليه ولا يؤاخذه به، وفوق ذلك يتفضل عليه بإدخاله دار النعيم والكرامة والخلد ؛ وهذه البشرى كالتي بينها قول الحق- تقدست أسماؤه :(.. ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم.. ) ( ١ )، وقد أورد في الحديث النبوي الشريف صحاح كثيرة تبين عظائم الذنوب، روى الشيخان في صحيحيهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " ( ٢ ) ؛ ورويا عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه " قالوا :وكيف يلعن الرجل والديه ؟ قال : " يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه "، وفيهما كذلك عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال :قلت :يا رسول الله، أي الذنب أعظم ؟ وفي رواية :أكبر ؟ قال : " أن تجعل لله ندا وهو خلقك " قلت :ثم أي ؟ قال : " أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك " قلت :ثم أي ؟ قال : " أن تزاني حليلة جارك " ثم قرأ :( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما. يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا. إلا من تاب.. ) ( ٣ ) ؛ وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه قال :قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر " ؟ قلنا :بلى يا رسول الله، قال : " الإشراك بالله وعقوق الوالدين " - وكان متكئا فجلس، فقال : " ألا وشهادة الزور ألا وقول الزور "، فما زال يكررها حتى قلنا :ليته سكت ؛ وفي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اجتنبوا السبع الموبقات " قيل :يا رسول الله، وما هن ؟ قال : " الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " ؛ عن طاوس قال :جاء رجل إلى ابن عباس، فقال :أرأيت الكبائر السبع التي ذكرهن الله ما هن ؟ قال :هن إلى السبعين أدنى منهن إلى سبع. ( ٤ )
١ من سورة النجم. من الآيتين: ٣١-٣٢..
٢ اللؤلؤ والمرجان..
٣ حديث رقم ٤٣. والآيات من سورة الفرقان..
٤ نقل هذا ابن جبير، وروايته عن سعيد بن جبير عنه، بزيادة: غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار..
ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما( ٣٢ )
﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ التمني :نوع من الإرادة يتوجه إلى المستقبل، فمن رغب في تحقيق خير وبر له، وتمنى أن يكون له مثل ما منح آخر من غير تمني زوال منحة الغير، فهذا يسمى غبطة، ولا حرج على من كان كذلك- شرعا- لأن هذا الحال ليس فيه تحاسد ولا تباغض ؛ لكن المنهي عنه في الآية هو الرغبة في أن ينتقل إليه ما عند الآخر ؛ عن ابن عباس :لا يتمنى الرجل يقول :ليت أن لي مال فلان وأهله، فنهى الله سبحانه عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله ؛ ومما نقل عن السدي :الرجال قالوا :نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على أجر النساء، كما لنا في السهام سهمان، وقالت النساء( ١ ) :نريد أن يكون لنا أجر مثل أجر الرجال فإنا لا نستطيع القتال، ولوكتب علينا القتال لقاتلنا ؛ ﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ﴾ أورد ابن جرير – بسنده – عن أبي جرير يقول :لما نزل : ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ قالت النساء :كذلك عليهم نصيبان من الذنوب كما لهم نصيبان مِن الميراث ! فأنزل الله : ﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ﴾ يعني :الذنوب ؛ ورجحه ابن جرير- رحمه الله- وعن قتادة – ومال إليه القرطبي- :يريد :من الثواب والعقاب ﴿ النساء ﴾ كذلك ؛ فللمرأة الجزاء على الحسنة بعشر أمثالها كما للرجل ؛ ونقل عن ابن عباس :المراد بذلك الميراث ؛ ﴿ واسألوا الله من فضله ﴾ نداء من ربنا إلى العباد أن يدعوه لحاجاتهم، وهو سبحانه القائل :( ادعوا ربكم تضرعا وخفية.. ) ( ٢ )، وبشر بتحقيق الرجاء ؛ ( ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله.. ) ( ٣ ) ؛ فاللهم يا من يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء عمن ناداه، تقبل عنا أحسن ما عملنا وتجاوز عن سيآتنا في أصحاب الجنة، وامنحنا من فضلك العظيم ما تجعلنا به وأحبابنا من سعداء الدنيا والآخرة، اللهم آمين ؛ ﴿ إن الله كان بكل شيء ﴾- بما يصلح عباده فيما قسم لهم من خير، ورفع بعضهم فوق بعض في الدين والدنيا، وبغير ذلك من قضائه وأحكامه فيهم ﴿ عليما ﴾ يقول :ذا علم-( ٤ ).
١ روى الترمذي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، يغزو الرجال؛ ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث ؟! فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾..
٢ سورة الأعراف. من الآية ٥٥..
٣ سورة الشورى.من الآية ٢٦..
٤ من جامع البيان..
﴿ ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ﴾
قال ابن زيد :الموالي :العصبة، هم كانوا في الجاهلية الموالي، فلما دخلت العجم على العرب لم يجدوا لهم أسماء فقال الله تبارك و تعالى :( فإن لم تعلموا آباءكم فإخوانكم في الدين ومواليكم.. ) ( ١ )، فسموا :الموالي، قال :والمولى اليوم :موليان :مولى يرث ويورث فهؤلاء ذوو الأرحام، ومولى يورث ولا يرث، فهؤلاء العتاقة ؛... ؛ ويعني بقوله : ﴿ مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ :مما تركه والده وأقرباؤه من الميراث. ا ه. وأخرج البخاري عن ابن عباس :كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري، دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى رسول الله بينهم، فلما نزلت : ﴿ ولكل جعلنا موالي ﴾ نسختها، ثم قال : ﴿ والذين عاقدت أيمانكم ﴾ إلا ( ٢ ) النصر والرفادة ( ٣ ) والنصيحة، وقد ذهب الميراث، ويوصى له ؛ - قيل والمراد هنا :العصبة :أي :ولكل جعلنا عصبة يرثون ما أبقت الفرائض، .... والذين عاقدتهم أيمانكم فآتوهم نصيبهم :أي ما جعلتموه لهم بعقد الحلف- ( ٤ ) ؛ ﴿ إن الله كان على كل شيء شهيدا ﴾( أي :قد شهد معاقدتكم إياهم، وهو عز وجل يحب الوفاء ) ؛... ؛
١ سورة الأحزاب. من الآية ٥..
٢ في رواية: من النصر..
٣ الرفادة: الصلة والعطاء..
٤ من فتح القدير..
﴿ الرجال قوامون على النساء ﴾.. أي يقومون بالنفقة عليهن، والذب عنهن ؛ وأيضا فإن فيهم الحكام والأمراء ومن يغزو، وليس ذلك في النساء ؛..، ﴿ بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ﴾ بين تعالى أن تفضيلهم عليهن في الإرث لما على الرجال من المهر والإنفاق ؛.. ؛ ويقال :إن الرجال لهم فضيلة في زيادة العقل والتدبير ؛ فجعل لهم حق القيام عليهن لذلك ؛... ؛ و ﴿ قوام ﴾ فعال للمبالغة، .. ؛ يقوم بتدبيرها وتأديبها وإمساكها في بيتها ومنعها من البروز، وأن عليها طاعته وقبول أمره، ما لم تكن معصية ؛ وتعليل ذلك بالفضيلة والنفقة والعقل والقوة في أمر الجهاد، والميراث، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر } ( ١ ) ؛ ﴿ فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ﴾ المرأة المسلمة التقية( ٢ ) هي التي تطيع زوجها، وتحفظه في غيبته في نفسها وماله ؛ والمحفوظ مَن حفظه الله سبحانه ؛ ﴿ واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ﴾ ومن خاف من زوجته ترفعا عليه، وعصيانا لأمره، وبغضا لمصاحبته فليعظها وليذكرها بحقه عليها، وما أوجب الله له من الطاعة والقوامة( ٣ )، وأن تأنفها عن تلبية ندائه مغضبة للمولى جل علاه ؛ روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتى تصبح " ؛ ورواه مسلم، ولفظه :" إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح " ؛ ﴿ واهجروهن في المضاجع واضربوهن ﴾ روى مسلم – رحمه الله- في صحيحه، عن جابر رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع : " واتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان( ٤ ) ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف " ؛ نقل عن ابن عباس :يهجرها في المضجع فإن أقبلت وإلا فقد أذن لك أن تضربها ضربا غير مبرح، ولا تكسر لها عظما، فإن أقبلت وإلا فقد أحل الله لك منها الفدية ؛ ﴿ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ﴾ – أي :إذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريده منها، مما أباحه الله له منها فلا سبيل له عليها بعد ذلك، وليس له ضربها ولا هجرانها ؛ وقوله : ﴿ إن الله كان عليا كبيرا ﴾ تهديد للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب، فإن الله العلي الكبير وليهن، وهو منتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن.
١ من الجامع لأحكام القرآن؛ بتصرف يسير..
٢ روى ابن أبي حاتم وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك" قال: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿الرجال قوامون على النساء..﴾ إلى آخرها..
٣ أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لو كنت آمرًا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظيم حقه عليها"..
٤ أسيرات، شبههن عليه السلام بالأسيرات لنشفق عليهن ونترفق بهن..
﴿ وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ﴾..، قال الفقهاء :إذا وقع الشقاق بين الزوجين أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة، ينظر في أمرها، ويمنع الظالم منهما من الظلم ؛ فإن تفاقم أمرهما وطالت خصومتهما، بعث الحاكم ثقة من أهل المرأة، وثقة من قوم الرجل، ليجتمعا فينظرا في أمرهما، ويفعلا ما فيه المصلحة، مما يريانه من التفريق أو التوفيق، وتشوف الشارع إلى التوفيق، ولهذا قال تعالى : ﴿ إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ﴾...
عن ابن عباس قال :بعثت أنا ومعاوية حكمين، قال معمر :بلغني أن عثمان بعثهما وقال لهما :إن رأيتهما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا ففرقا ؛ وقال :أنبأنا ابن جريج حدثني ابن أبي مليكة أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة..... فكان إذا دخل عليها قالت :أين عتبة بن ربيعة وشيبة ابن ربيعة ؟ ! فقال :على يسارك في النار إذا دخلتِ ؛ فشدت عليها ثيابها، فجاءت عثمان فذكرت له ذلك، فضحك، فأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال ابن عباس :لأفرقن بينهما، فقال معاوية :ما كنت لأفرق بين شخصين من بني عبد مناف ؛ فأتياهما فوجداهما قد أغلقا عليهما أبوابهما فرجعا-( ١ )، وكذلك كل مصلح يوفقه الله للرشد والبر، ويوفق به للمودة والخير ؛ ﴿ إن الله كان عليما خبيرا ﴾ هو سبحانه يعلم المفسد من المصلح، محيط بأحوال جميع الخلق، يجازي كل عامل بما عملَ ويثيب الذين أساءوا بشر ثواب، ويكرم الذين أحسنوا بأعظم مآب.
١ من تفسير القرآن العظيم؛ بتصرف يسير..
واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا( ٣٦
﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ﴾ ( ١ ) انقادوا لأمر المولى المستحق للعبادة والتذلل والطاعة دون سواه. ﴿ فالآية أصل في خلوص الأعمال لله تعالى وتصفيتها من شوائب الرياء وغيره ﴾ ( ٢ ) ؛ وفي هذا المعنى جاءت آيات محكمات كثيرة، منها :(.. ألا لله الدين الخالص.. ) ( ٣ )، ومنها :( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين.. ) ( ٤ ) ومنها :(.. فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) ( ٥ ) ؛ وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال الله تبارك وتعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه " ؛ وفي الصحيح :قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل : " أتدري ما حق الله على العباد " ؟ قال :الله ورسوله أعلم، قال :" أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا " ثم قال : " أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك أن لا يعذبهم ".
﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ ( ٦ ) أي :أمركم أن تعبدوه وحده، وأمركم بالوالدين براً بهما ؛ أو :ذلوا لله بالطاعة وأفردوه بالربوبية، واستوصوا بالوالدين إحسانا ؛ قال العلماء :فأحق الناس بعد الخالق المنان بالشكر والإحسان، والتزام البر والطاعة له والإذعان، مَن قرن الله الإحسان إليه بعبادته وطاعته، وشكره بشكره. وهما الوالدان ؛ فقال تعالى :(.. أن اشكر لي ولوالديك.. ) ( ٧ ) ؛ ﴿ وبذي القربى ﴾ وأمر سبحانه بصلة ذي القربى، وهم ذوو القرابة من قِبَل الأب أو الأم، ﴿ واليتامى ﴾ وهم الصغار الذين مات آباؤُهم، وصانا ربنا بالإحسان إليهم والحنو عليهم، لأنهم فقدوا العائل والحاني ؛ ﴿ والمساكين ﴾ المحاويج الذين لا يجدون ما ينفقون ؛ يقول اللغويون :المسكين :الذي لا شيء له، أو :لا شيء له يكفي عياله ؛ قال يونس :الفقير أحسن حالا من المسكين ؛ وقال الأصمعي :المسكين أحسن حالا من الفقير، لأن الله تعالى قال :( أما السفينة فكانت لمساكين.. ) ( ٨ )، فأخبر أنهم مساكين وأن لهم سفينة تساوي جملة، كما استدل علي بن حمزة على ذلك بقول المولى عز وجل :( أو مسكينا ذا متربة ) ( ٩ )، فأكد عز وجل سوء حاله بصفة الفقر، لأن المتربة :الفقر، ولا يؤكد الشيء إلا بما هو أوكد منه. ا. ه.
وصانا ربنا البر الرحيم بالصدقة على هؤلاء ؛ وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله- وأحسبه قال- وكالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر " ؛ ﴿ والجار ذي القربى والجار الجنب ﴾ قال ابن عباس وعكرمة وغيرهما :الجار ذي القربى :الذي بينك وبينه قرابة، والجار الجنب :الذي ليس بينك وبينه قرابة ؛ وقال مجاهد :الجار الجنب :الرفيق في السفر ؛ وذهب البعض إلى أن الجار ذي القربى هو الذي قرب جواره ؛ روى البخاري عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " ؛ وروى عن أبي شريح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن " قيل :يا رسول الله، من ؟ قال : " الذي لا يأمن جاره بوائقه " ( ١٠ ).
ومن إكرام الجار ما رواه مسلم عن أبي ذر قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك " ؛ ﴿ والصاحب بالجنب ﴾ ( ١١ ) نقل عن علي وابن مسعود- رضي الله عنهما- أنهما قالا :هي المرأة ؛ ونقل( ١٢ )عن سعيد بن جبير، وقتادة ومجاهد :هو :الرفيق في السفر ؛ وقد تتناول الآية الجميع بالعموم ؛ ﴿ وابن السبيل ﴾- هو صاحب الطريق... الضارب فيه فله الحق على من مر به محتاجا منقطعا به إذا كان سفره في غير معصية الله أن يعينه إن احتاج إلى معونة، ويضيفه إن احتاج إلى ضيافة، وأن يحمله إن احتاج إلى حملان ؛ القول في تأويل قوله : ﴿ وما ملكت أيمانكم ﴾ يعني بذلك جل ثناؤه :والذين ملكتموهم من أرقائكم، فأضاف الملك إلى اليمين، ...، لأن مماليك أحدنا تحت يده، وإنما نطعم ما تناوله أيماننا.. فأضيف ملكهم إلى الأيمان لذلك، ... فأوصى ربنا جل جلاله بجميع هؤلاء عباده إحسانا إليهم، وأمر خلقه بالمحافظة على وصيته فيهم، فحق على عباده حفظ وصية الله فيهم، ثم حفظ وصية رسوله صلى الله عليه وسلم-( ١٣ ).
روى الشيخان- البخاري ومسلم- عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم :" هم إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم " ؛ وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال :" للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق " ؛ ﴿ إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ﴾- فنفى سبحانه محبته ورضاه عمن هذه صفته ؛ أي :لا يظهر عليه آثار نعمه في الآخرة ؛ وفي هذا ضرب من التوعد ؛ والمختال :ذو الخيلاء، أي الكبر ؛ والفخور الذي يعدد مناقبه كبرا ؛... ؛ وخص هاتين الصفتين بالذكر هنا لأنهما تحملان صاحبيهما على الأنفة من القريب الفقير والجار الفقير وغيرهم ممن ذكر في الآية، فيضيع أمر الله بالإحسان إليهم-( ١٤ ).
١ مفعول به، أي: شيئا من الأشياء من جماد أو حيوان أو ملك أو إنسان أو جان؛ وإما مصدر أي: شيئا من الإشراك من غير فرق بين الشرك الواضح والخفي والأصغر والأكبر..
٢ هكذا أورد صاحب الجامع لأحكام القرأن، ثم تابع يستشهد بما روى الدارقطني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" يجاء يوم القيامة بصحف مختمة فتنصب بين يدي الله تعالى فيقول الله تعالى للملائكة ألقوا هذا فتقول الملائكة وعزتك ما رأينا إلا خيرا فيقول الله عز وجل-وهو أعلم- عن هذا كان لغيري ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما كان ابتغي به وجهي"، وروى أيضا عن الضحاك بن قيس الفهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى يقول أنا خير شريك فمن أشرك معي شريكا فهو لشريكي يأيها الناس أخلصوا أعمالكم لله تعالى فإن الله لا يقبل إلا ما خلص له ولا تقولوا هذا لله وللرحم فإنما للرحم وليس لله منها شيء ولا تقولوا هذا ولوجوهكم فإنها لوجوهكم وليس لله تعالى منها شيء". ويتابع صاحب الجامع لأحكام القرآن: حتى لقد قال بعض علمائنا: إن من تطهر تبردا أو صام محما لمعدته ونوى مع ذلك التقرب لم يجزه: لأنه مزج في نية دنيوية وليس لله إلا العمل الخالص.. وكذلك إذا أحس الرجل بداخل في الركوع وهو إمام لم ينتظره؛ لأنه يخرج ركوعه بانتظاره عن كونه خالصا لله تعالى. ا هـ..
٣ من سورة الزمر. من الآية ٢..
٤ من سورة البينة. من الآية ٤..
٥ من سورة الكهف. من الآية ١١..
٦ قال بعض المفسرين: منصوب على الإغراء..
٧ سورة لقمان. من الآية ١٤..
٨ سورة الكهف. من الآية ٧٩..
٩ من سورة البلد. الآية ١٦..
١٠ عدوانه وظلمه وشروره، جمع بائقة؛ وهي الداهية..
١١ نقله عنهما صاحب تفسير القرآن العظيم..
١٢ نقله عنهم صاحب جامع البيان..
١٣ مما أورد الطبري..
١٤ من الجامع لأحكام القرآن..
﴿ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ﴾ جائز أن تكون ﴿ الذين ﴾ في موضع نصب على البدل من ﴿ مَن ﴾ في قوله سبحانه في الآية السابقة : ﴿ من كان مختالا ﴾ ؛ والبخل الذي قبحه الشرع :هو الامتناع من أداء ما أوجب الله تعالى ؛ ( وهؤلاء المذكورون في هذه الآية ضموا إلى ما وقعوا فيه من البخل الذي هو أشر خصال الشر ما هو أقبح منه، وأدل على سقوط نفس فاعله، وبلوغه في الرذالة إلى غايتها، وهو أنهم مع بخلهم بأموالهم، وكتمهم لما أنعم الله به عليهم ﴿ يأمرون الناس بالبخل ﴾ كأنهم يجدون في صدورهم من جود غيرهم بماله حرجا ومضاضة، ... وقد قيل :إن المراد بهذه الآية اليهود، فإنهم جمعوا بين الاختيال والفخر، والبخل بالمال وكتمان ما أنزل الله في التوراة ) ( ١ ) ؛ ﴿ وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ﴾ وهذا وعيد للجاحدين أنعم ربهم :أن الواحد القهار قد أعد لمن كفر مصيرا سيئا، وعقابا شديدا مذلا مخزيا، وهيأ لهم الخلود والمقام في دار الحسرة والحريق والآلام.
١ ما بين العلامتين من فتح القدير، للشوكاني..
﴿ والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ﴾ عطف على ما سبق، وتشريك لهم في الحكم والمال، فمستقر هؤلاء وأولئك النار، أولئك بشحهم، ومنعهم حقوق الله في مالهم وعملهم، وهؤلاء إنفاقهم بطرا وطلبا للمحمدة من الناس، لم يبتغوا بها وجه رب الناس ؛ (.. لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها.. ) ( ١ )، وما أعظم شقوة المفتونين، الذين يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا ! ؛ ﴿ ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا ﴾ زين لهم رفيق السوء، وعدو البشر أن يعرضوا عن الآخرة فقالوا :(.. ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين ) ( ٢ )، ( وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين ) ( ٣ )، ( وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه.. ) ( ٤ ) ؛ وزعم الذي ابتلي بالحديقتين وفتنتاه أنهما مخلدتاه (.. قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا. وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا ) ( ٥ ).
١ من سورة يونس. من الآية ٧..
٢ من سورة الجاثية. من الآية ٣٢..
٣ من سورة سبأ. الآية ٣٥..
٤ من سورة يس. من الآية ٤٧..
٥ من سورة الكهف. من الآية ٣٥؛ والآية ٣٦..
﴿ وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله ﴾ ما الذي على المانعين حق الله، والبخلاء الأشحاء على الضعفاء من العباد، والذين ألهتهم الزخارف عن اليقين بيوم التناد ؟ ! وأي ضرر يصيبهم لو استيقنوا بربنا ولقائه، واستجابوا لندائه، وبذلوا وأعطوا مما أفاء عليهم من نعمائه ؟ ! ﴿ وكان الله بهم عليما ﴾- بعث على إصلاح أفعال القلوب، التي يطلع عليها علام الغيوب، وردع عن دواعي النفاق والرياء، والسمعة والفخار-( ١ ).
١ من تفسير غرائب القرآن..
إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما( ٤٠ )
﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ﴾ في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري- حديث الشفاعة- وفيه : " حتى إذا خلص المؤمنون من النار فو الذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استصقاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة إخوانهم الذين في النار يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون فيقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به فيقول جل وعز ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا " ؛ فربنا البر الرحيم لا ينقص من جزاء المحسنين وزن ذرة من خير عملوه ولا يزيد على جزاء المسيئين وزن ذرة من وزر، فهو سبحانه لا يظلم قليلا ولا كثيرا، بل يتفضل فيضاعف الحسنات أضعافا قد تكون عشرة وقد تكون سبعمائة، وقد تضاعف إلى ما لا يعلمه إلا الله ؛ ويحل رضوانه على من يشاء فلا يسخط بعد ذلك أبدا، (.. ورضوان من الله أكبر.. ) ( ١ ).
١ سورة التوبة. من الآية ٧٢..
﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ﴾
روى البخاري عن عبد الله بن مسعود قال :قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اقرأ عَليَّ " قلت :أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ قال : " إني أحب أن أسمعه من غيري " فقرأت عليه سورة ﴿ النساء ﴾ حتى بلغت : ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ﴾ قال : " أمسك " فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل ؛ ﴿ فكيف ﴾ الفاء فصيحة، و ﴿ كيف ﴾ محلها :إما الرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف، وإما النصب بفعل محذوف، ...، - أي إذا كان كل قليل وكثير يجازى عليه، فكيف حال هؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى وغيرهم ؟ أو :كيف يصنعون ؟ أو :كيف يكون حالهم إذا جئنا يوم القيامة من كل أمة من الأمم وطائفة من الطوائف بشهيد يشهد عليهم بما كانوا عليه من فساد العقائد وقبائح الأعمال ؟ - وهو نبيهم- ؟ وجئنا بك يا خاتم الأنبياء ﴿ على هؤلاء ﴾ إشارة إلى الشهداء المدلول عليهم بما ذكر ﴿ شهيدا ﴾ تشهد على صدقهم لعلمك بما أرسلوا، واستجماع شرعك مجامع ما فرعوا وأضلوا، ...، وقيل :إلى المؤمنين :لقوله تعالى :(.. لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا.. ) ( ١ )، فإذا كان هذا الشاهد تفيض عيناه لهول هذه المقالة، وعظيم تلك الحالة، فماذا لعمري يصنع المشهود عليه ؟ ! وكأنه بالقيامة وقد أناخت لديه-( ٢ ).
١ سورة البقرة. من الآية ١٤٣..
٢ من روح المعاني..
﴿ يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا ﴾
في يوم الطامة الكبرى هذا يتمنى من جحد بآيات الله وعصى رسوله صلى الله عليه وسلم لو أنهم بقوا ترابا على أصلهم، أو دفنوا وسويت الأرض فوق أجداثهم ؛ ومن البلاء الذين يحل بهم عجزهم عن كتمان ما كان من أوزارهم ( يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ) ( ١ )، ( حتى إذا جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون ) ( ٢ ) ؛ عن سعيد بن جبير قال :جاء رجل إلى ابن عباس فقال :أشياء تختلف عليَ في القرآن، قال :ما هو، أشك في القرآن ؟ قال :ليس هو بالشك، ولكن اختلاف ؛ قال فهات ما اختلف عليك من ذلك، قال :أسمع الله يقول :( ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ) ( ٣ )، وقال : ﴿ .. ولا يكتمون الله حديثا ﴾ فقد كتموا، فقال ابن عباس :أما قوله :( ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ) فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن الله لا يغفر إلا لأهل الإسلام، ويغفر الذنوب ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره، ولا يغفر شركا، جحد المشركون فقالوا :(.. والله ربنا ما كنا مشركين ) رجاء أن يغفر لهم، فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك ﴿ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا ﴾.
١ سورة النور. الآية ٢٤..
٢ سورة فصلت. الآية ٢٠..
٣ سورة الأنعام. الآية ٢٣.
يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءاً فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا( ٤٣ ).
نهى الله تعالى المؤمنين عن التلبس بالصلاة والشروع في أدائها حال سكر من كان يسكر يومئذ( ١ )، ولا يؤذن له ولا يقبل منه الأداء إلا إذا كان مفيقا صاحيا، يعلم ما يصدر عنه من أفعال وأقوال ؛ ﴿ ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ﴾ عن علي رضي الله عنه قال :نزلت في السفر، ... وعابر السبيل :المسافر، إذا لم يجد ماء تيمم ؛ وعن الحكم :المسافر تصيبه الجنابة فلا يجد ماء فيتيمم ؛ فكأن المعنى :يأيها الذين آمنوا لا تقبل من أحد منكم صلاته وهو سكران إلا إذا أفاق وعاد صاحيا، ولا تقبل صلاة( ٢ ) من أجنب حتى يغتسل إلا أن يكون مسافرا ؛ قال أهل اللغة :إذا قيل :لا تقرب بفتح الراء فمعناه :لا تتلبس بالفعل، وإذا كان بضم الراء كان معناه :لا تَدْنُ منه ؛ والجنب :الذي يجب عليه الغسل بالجماع، أو خروج المني، قاله ابن الأثير( ٣ ) ؛ ﴿ وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء احد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ﴾ عن ابن مسعود :المريض الذي أرخص له في التيمم :الكسير والجريح، فإذا أصابته الجنابة لا يَحُل جراحتَه إلا جراحة لا يخشى عليها ؛ - وإن كنتم جرحى أو بكم.. علة لا تقدرون معها على الاغتسال من الجنابة وأنتم مقيمون غير مسافرين فتيمموا صعيدا طيبا، ..، وإن كنتم مسافرين وأنتم أصحاء جنب فتيمموا، ...، أو جاء أحد منكم من الغائط قد قضى حاجته وهو مسافر صحيح فليتيمم صعيدا أيضا، والغائط :ما اتسع من الأودية، ..، وجعل كناية عن قضاء حاجة الإنسان لأن العرب كانت تختار قضاء حاجتها في الغيطان-.
وذكر عن مجاهد أنه قال في الغائط :الوادي ؛... عن سعيد بن جبير قال :ذكروا اللمس، فقال ناس من الموالي :ليس بالجماع، وقال ناس من العرب :اللمس :الجماع، قال :فأتيت ابن عباس، فقلت :إن ناسا من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس، فقالت الموالي :ليس بالجماع، وقالت العرب :الجماع، قال :مِن أي الفريقين كنت ؟ قلت :كنت من الموالي، قال :غلب فريق الموالي، إن المس واللمس والمباشرة :الجماع، ولكن الله يكني ما يشاء بما يشاء ؛ ( ثم إن نظم هذين الأمرين- المجيء من الغائط ومجامعة النساء- في مسلك سببي سقوط الطهارة، والمصير إلى التيمم- يعني :المرض والسفر- مع كونهما سببي وجوبها ليس باعتبار أنفسهما، بل باعتبار قيدهما المستفاد من قوله سبحانه : ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ بل هو السبب في الحقيقة، ... كأنه قيل :أو :لم تكونوا مرضى ولا مسافرين بل كنتم فاقدين للماء بسبب من الأسباب مع تحقيق ما يوجب استعماله من الحدث الأصغر أو الأكبر...
﴿ فتيمموا صعيدا طيبا ﴾ الفاء واقعة في جواب الشرط، والظاهر أن الضمير راجع إلى جميع ما اشتمل عليه، .. والتيمم لغة :القصد، ..، والصعيد :وجه الأرض، ...، والطيب :الطاهر، ...، والمعنى :فتعمدوا واقصدوا شيئا من وجه الأرض طاهرا، وهذا دليل واضح لجواز التيمم بالكحل والآجر، ....، ونصب ﴿ صعيدا ﴾ على أنه مفعول به، وقيل :إنه منصوب بنزع الخافض، أي فتيمموا( ٤ ) بصعيد- ( ٥ ) ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ﴾ روى البخاري عن عمران بن حصين :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم، فقال : " يا فلان ما منعك أن تصلي " ؟ فقال :يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء، قال :" عليك بالصعيد فإنه يكفيك " ؛ ﴿ إن الله كان عفوا غفورا ﴾ إن الله لم يزل عفوا من ذنوب عباده وتركه العقوبة على كثير منها، ما لم يشركوا به، كما عفا عنكم أيها المؤمنون عن قيامكم إلى الصلاة التي فرضها عليكم في مساجدكم وأنتم سكارى.
﴿ غفورا ﴾- يقول :فلم يزل يستر عليهم ذنوبهم بتركه معاجلتهم العذاب على خطاياهم، كما ستر عليكم أيها المؤمنون بتركه معاجلتكم على صلاتكم في مساجدكم سكارى، يقول :فلا تعودوا لمثلها، فينالكم بعودكم لما قد نهيتكم عنه من ذلك منكلة-( ٦ ).
١ روى الإمام أحمد عن أبي ميسرة عن عمر أنه قال: لما نزل تحريم الخمر قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت هذه الآية التي في سورة البقرة:( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس) فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في النساء: ﴿ يأيها الذين أمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة نادى: أن لا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا؛ فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ: (..فهل أنتم منتهون) قال عمر: انتهينا انتهينا؛ وأما الخمر فكما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنه كل ما خامر العقل، والميسر هو القمار..
٢ نقل عن ابن مسعود وابن عباس ومالك والشافعي: عابر السبيل: هو المجتاز في المسجد، فيكون معنى الآية على هذا: لا تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد في حالة الجنابة إلا أن تكونوا مجتازين فيها من جانب إلى جانب؛ ومما قال ابن جرير: فتأويل الآية: يأيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضا جنبا حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل، قال: والعابر السبيل: المجتاز مرا وقطعا..ا هـ..
٣ وقال في معنى الحديث :"لا تدخل الملائكة بيتا فيه جنب": والذي يترك الاغتسال من الجنابة عادة، فيكون أكثر أوقاته جنبا، وهذا يدل على قلة دينه، وخبث باطنه؛ وقيل: أراد بالملائكة ههنا غير الحفظة، وقيل: أراد: لا تحضره الملائكة بخير؛ وقد جاء في بعض الروايات كذلك..
٤ في كيفية التيمم، وهل هو ضربة أو ضربتان ؟، وإلى أين يبلغ بالمسح ؟ وهل يصلي بتيمم واحد أكثر من فرض أم يتيمم لكل فريضة ؟ وردت في ذلك تفريعات كثيرة أفاض فيها الفقهاء..
٥ من روح المعاني؛ بتصرف..
٦ من جامع البيان..
ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل( ٤٤ )
﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ﴾ ؟ ألم ينته علمك، أو :ألم تنظر إلى من أنزل على أنبيائهم كتب ربانية سماوية ؟ ! نالوا حظا وقسما من هذا الوحي الإلهي ؛ يقول بعض المفسرين :فأما الذين آمنوا بالكتاب كله فقد قبلوا العلم دون تبعيض، كعبد الله بن سلام وأمثاله وفيهم نزل قول الحق سبحانه :(.. قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) ( ١ ).
﴿ يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل ﴾ يختارون الذهاب عن الحق، والميل إلى الغي ؛ قال الزجاج ما حاصله :والمراد تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم لأغراضهم الفاسدة من أخذ الرشا، وحب الرياسة ؛ ويحرصون على إضلالكم عن سبيل الرشد والهدى.
١ سورة الرعد. من الآية ٤٣..
﴿ والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا ﴾
لعل المعنى :ومولانا المعبود بحق أحاط بكل شيء علما، فهو خبير بصير بمن عادانا، لا يخفى عليه من كيدهم ومكرهم وتبييتهم لنا شيء، وبحسبنا أنه مولانا، وأن الكافرين لا مولى لهم، وبحسبنا أنه يؤيدنا، وهو خير الناصرين، فلن نتولى غيره، ولن نستنصر إلا به.
﴿ من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ من اليهود طائفة- وما أكثرها- يبدلون ويغيرون الكلام عن أماكنه ووجوهه التي هي وجوهه، ويفسرونه بغير مراد الله عز وجل زورا منهم وافتراء ؛ ﴿ ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ﴾ عن ابن عباس :كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم :اسمع لا سمعت، وهم يظهرون أنهم يريدون :.. غير مستمع مكروها ولا أذى ؛ وعن مجاهد :قالت اليهود :سمعنا ما تقول ولا نطيعك ؛ وقال ابن زيد :قال : ﴿ راعنا ﴾ طعنهم في الدين، وليهم بألسنتهم ليبطلوه ويكذبوه، قال :والراعن :الخطأ من الكلام ؛ ويقول الألوسي : ﴿ راعنا ﴾ عطف على ما قبله، أي :ويقولون أيضا في أثناء خطابهم له صلى الله عليه وسلم هذا، وهو ذو وجهين كسابقه، فاحتماله للخير على معنى :أمهلنا وانظر إلينا، ..، واحتماله للشر بحمله على السب، ففي التيسير :إن راعنا بعينه مما يتسابون به، وهو للوصف بالرعونة، ...، وقيل :بل كانوا يشبعون كسر العين، ويعنون- لعنهم الله تعالى –أنه- وحاشاه صلى الله عليه وسلم- بمنزله خدمهم ورعاة غنمهم، ...، ﴿ ليا بألسنتهم ﴾ اللي يكون بمعنى الانحراف.. والانعطاف عن جهة إلى أخرى، ...، والمراد هنا :إما صرف الكلام من جانب الخير إلى جانب الشر، وإما ضم أحد الأمرين إلى الآخر، ..
﴿ وطعنا في الدين ﴾ أي :قدحا فيه بالاستهزاء والسخرية، ..، ﴿ ولو أنهم ﴾ عندما سمعوا شيئا من أوامر الله تعالى ونواهيه ﴿ قالوا ﴾ بلسان المقال، كما هو الظاهر، أو :به وبلسان الحال، كما قيل : ﴿ سمعنا ﴾ سماع قبول، .. ﴿ وأطعنا ﴾ مكان قولهم : ﴿ عصينا ﴾، ﴿ واسمع ﴾ بدل قولهم : ﴿ اسمع غير مسمع ﴾ ﴿ وانظرنا ﴾ بدل قولهم : ﴿ راعنا ﴾ ﴿ لكان ﴾ قولهم هذا ﴿ خيرا لهم ﴾ وأنفع من قولهم ذلك ﴿ وأقوم ﴾ أي :أعدل في نفسه، ...
﴿ ولكن لعنهم الله بكفرهم ﴾ أي :ولكن لم يقولوا الأنفع والأقوم، واستمروا على ذلك، فخذلهم الله تعالى، وأبعدهم عن الهدى بسبب كفرهم ﴿ فلا يؤمنون ﴾ بعد ﴿ إلا قليلا ﴾...، إلا فريقا قليلا منهم، فإنه سبحانه لم يلعنهم ؛ فلهذا آمن من آمن منهم، كعبد الله بن سلام وأضرابه، ...، وقيل :إنه صفة مصدر محذوف، أي :إلا إيمانا قليلا، ... وجوز على هذا الوجه أن يراد بالقلة العدم.. ا ه.
﴿ يأيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا ﴾
نداء للكتابيين أن يصدقوا ويستيقنوا بالقرآن الذي جاء مصدقا لما سبقه من الكتب المنزلة ومهيمنا عليه، وتحذير لهم إن أقاموا على التكذيب أن يجعلهم الله نكالا، ويعجل لهم عقوبة في الدنيا كالتي حلت بأسلافهم ممن مسخوا قردة وخنازير، والله يفعل ما يشاء، لا يعجزه شيء أراده ؛ عن ابن عباس :يقول :أن نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم فيمشون القهقرى، ونجعل لأحدهم عينين في قفاه.
﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ﴾
في الصحيحين عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الظلم ثلاثة فظلم لا يغفره الله وظلم يغفره الله وظلم لا يترك الله منه شيئا فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك وقال :(.. إن الشرك لظلم عظيم ) ( ١ ) وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم وأما الظلم الذي لا يتركه فظلم العباد بعضهم بعضا حتى يدين لبعضهم من بعض " ؛ وعن أبي ذر قال :كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرة المدينة- حجارة صلبة سوداء- عشاء ونحن ننظر إلى أحد، فقال : " يا أبا ذر " قلت :لبيك يا رسول الله. قال :" ما أحب أن لي أحد ذاك عندي ذهبا أمسي ثالثة وعندي منه دينار إلا دينار أرصده- يعني لدين- إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا " فحثا عن يمينه وعن يساره وبين يديه، قال :ثم مشينا فقال :" يا أبا ذر إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا " فحثا عن يمينه ومن بين يديه وعن يساره قال :ثم مشينا، فقال : " يا أبا ذر كما أنت حتى آتيك "، قال :فانطلق حتى توارى عني، قال :فسمعت لغطا، فقلت :لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض له، قال :فهممت أن أتبعه، قال :فذكرت قوله :" لا تبرح حتى آتيك " فانتظرته حتى جاء، فذكرت له الذي سمعت فقال :" ذاك جبريل أتاني فقال من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة "، قلت :وإن زنى وإن سرق ؟ قال :وإن زنى وإن سرق " ( ٢ ) ؛ فالكافرون الذين يموتون على كفرهم لا يُغفر لهم والنار مأواهم ومصيرهم، يخلدون فيها وهي حسبهم ؛ ومن أجرم جريمة دون الشرك فهو إلى مشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه ؛ ذلك أن الكفر والجحود إنكار لأصول الدين، وخروج على فطرة رب العالمين.
١ سورة لقمان. من الآية ١٣..
٢ رواه أحمد والشيخان..
﴿ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا ﴾
عن قتادة :هم أعداء الله اليهود، زكوا أنفسهم بأمر لم يبلغوه، فقالوا :نحن أبناء الله وأحباؤه، وقالوا :لا ذنوب لنا ؛ ومما قال ابن زيد :قال أهل الكتاب :لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ؛ ومثل هذه الآية قوله تعالى :(.. فلا تزكوا أنفسهم هو أعلم بمن اتقى )( ١ ) ؛ وأصل التزكية :التنقية والتبرئة والتنزيه، في صحيح مسلم، عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال :سميت ابنتي برة :فقالت لي زينب بنت أبي سلمة :إن رسول الله نهى عن هذا الاسم، وسُميت برة ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم " فقالوا :بم نسميها ؟ فقال :" سموها زينب " ؛ وكأن المنهي عنه في الآية الكريمة وفي الحديث الشريف إنما هو مدح الإنسان نفسه عجبا وافتخارا ولغير غرض صحيح مثل التحدث بنعمة الله تعالى، أو للترغيب في الاقتداء به إن كان من أهل القدوة ؛ أما التزكي العملي الذي هو تطهير النفس وتنزيهها عن القبائح، وتنمية حبها لنهج الخير والرشد، والاستزادة من العمل الصالح، فهذا هو الفلاح، وصدق الله العظيم :( قد أفلح من تزكى ) ( ٢ ) ( قد أفلح من زكاها ) ( ٣ )، وإنها لأمانة بعث بها رسولنا محمد خاتم النبيين عليه الصلوات والتسليم، يقول مولانا – تقدست أسماؤه- :( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة.. ) ( ٤ )، ويقول جل وعز :( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة.. ) ( ٥ )، ويقول تبارك و تعالى :( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم.. ) ( ٦ )، وهي دعوة أبينا إبراهيم عليه السلام :( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم.. ) ( ٧ ) ؛ وإن أريد بالنهي أن لا يزكي بعضنا بعضا، كما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي بكرة أن رجلا ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" ويحك قطعت عنق صاحبك- يقوله مرارا- إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل أحسبه كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك وحسيبه الله ولا يزكي على الله أحدا " - فنهى صلى الله عليه وسلم أن يفرط في مدح الرجل بما ليس فيه فيدخله في ذلك الإعجاب والكبر، ويظن أنه في الحقيقة بتلك المنزلة، فيحمله ذلك على تضييع العمل، وترك الازدياد من الفضل ؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " ويحك قطعت عنق صاحبك " ؛ وفي الحديث الآخر : " قطعتم ظهر الرجل " حين وصفوه بما ليس فيه ؛ وعلى هذا تأول العلماء قوله صلى الله عليه وسلم : " احثوا التراب في وجوه المداحين " أن المراد به :المداحون في وجوههم بالباطل وبما ليس فيهم، حتى يجعلوا ذلك بضاعة يستأكلون به الممدوح ويفتنونه ؛ فأما مدح الرجل بما فيه من الفعل الحسن والأمر المحمود ليكون منه ترغيبا له في أمثاله، وتحريضا للناس على الاقتداء به في أشباهه فليس بمداح، وإن كان قد صار مادحا بما تكلم به من جميل القول فيه ؛ وهذا راجع إلى النيات :(.. والله يعلم المفسد من المصلح.. ) ( ٨ ) ؛ وقد مُدِحَ صلى الله عليه وسلم في الشعر والخطب والمخاطبة ولم يحث في وجوه المداحين التراب، ولا أمر بذلك، كقول أبي طالب :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وكمدح العباس وحسان له في شعرهما، ومَدحه كعب بُن زهير، ومدح هو أيضا أصحابه، فقال : " إنكم لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع " ؛ وأما قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح الحديث :" لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم وقولوا عبد الله ورسوله " فمعناه :لا تصفوني بما ليس في من الصفات تلتمسون بذلك مدحي، كما وصفت النصارى عيسى بما لم يكن فيه، فنسبوه إلى أنه ابن الله فكفروا بذلك وضلوا ؛ وهذا يقتضي أن من رفع امرءاً فوق حده وتجاوز مقداره بما ليس فيه فمعتد آثم ؛ لأن ذلك لو جاز في أحد لكان أولى الخلق بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم-( ٩ ) ؛ ﴿ ولا يظلمون فتيلا ﴾ عن قتادة :الفتيل :الذي في شق النواة، ) ( يعني بذلك جل ثناؤه :ولا يظلم الله هؤلاء الذين أخبر عنهم أنهم يزكون أنفسهم، ولا غيرهم من خلقه، فيبخسهم من تركه تزكيتهم وتزكية من ترك تزكيته، وفي تزكية من زكى من خلقه، شيئا من حقوقهم، ولا يضع شيئا في غير موضعه، ولكنه يزكي من يشاء مِن خلقه فيوفقه، ويخذل من يشاء من أهل معاصيه، كل ذلك إليه وبيده، وهو في كل ذلك غير ظالم أحدا ممن زكاه أو لم يزكه فتيلا ) ( ١٠ ).
١ سورة النجم. من الآية ٣٢..
٢ سورة الأعلى. الآية ١٤..
٣ سورة الشمس. الآية ٩..
٤ سورة آل عمران. من الآية ١١٤..
٥ سورة الجمعة.من الآية ٢..
٦ سورة البقرة.من الآية ١٥١..
٧ سورة البقرة. من الآية ١٢٩..
٨ سورة البقرة.من الآية ٢٢٠..
٩ الجامع لأحكام القرآن؛ بتصرف يسير..
١٠ جامع البيان..
﴿ انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا ﴾
تعجيب مِن حال مَن يزعم لنفسه ما ليس فيها، ويختلق على الله تعالى غير الحق، وإن كذبا على الله تعالى ليس ككذب على أحد، فبحسب هؤلاء وزرا أن يتقولوا على ربنا سبحانه ما لم يقله، من مثل قول اليهود والنصارى :(.. نحن أبناء الله وأحباؤه.. ) ( ١ ) وقولهم :(.. لن تمسنا النار إلا أياما معدودة.. ) ( ٢ )، وقولهم :(.. لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى.. ) ( ٣ ).
١ سورة المائدة.من الآية ١٨..
٢ سورة البقرة.من الآية ٨٠..
٣ سورة البقرة.من الآية ١١١..
﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ﴾.
عن قتادة :الجبت( ١ ) :الشيطان ؛ وعن مالك بن أنس :الطاغوت( ٢ ) ما عبد من دون الله أو خُضع له كائنا ما كان ذلك المعظم من حجر أو إنسان أو شيطان. واختار ابن جرير أن الجبت والطاغوت :اسمان لكل معظم بعبادة من دون الله أو طاعة ؛ تعجيب مِن حال مَن أوتي هدى فاستحب الضلالة على الهدى، ودعا إلى الغواية والردى، وآثر أهل الزيغ على أهل الصلاح والتقى،
١ وقيل: كل ما حرم الله..
٢ قيل: كل ما يطغي الإنسان..
﴿ أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ﴾
فهذا الباغي المسارع في ممالأة المعوجين، مبعد من رحمة البر الرحيم، لن يمنعه من نقمة الله مانع، ولن يدفع عنه مدافع ؛ عن ابن زيد قال :جاء حيي بن أخطب إلى المشركين فقالوا :يا حيي إنكم أصحاب كتب، فنحن خير أم محمد وأصحابه ؟ فقال :نحن وأنتم خير منهم.
﴿ أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا ﴾
عن ابن جريج :فليس لهم نصيب من الملك، فإذا لا يؤتون الناس نقيرا، ولو كان لهم نصيب وحظ من الملك لم يكونوا إذا يعطون الناس نقيرا من بخلهم ؛ والنقير :النقطة التي في ظهر النواة ؛ ونقل النيسابوري ما حاصله :فإن قيل :كيف يعقل أنهم لا يبذلون نقيرا، وكثيرا ما يشاهد منهم بذل الأموال ؟ ! يقال :لأنهم لا يبذلون شيئا نسبته إلى ما يملكون كنسبة النقير إلى النواة، أو لأنهم لا يطيبون بذلك نفسا لغلبة الشح عليهم "، والله تعالى أعلم. ا ه.
﴿ أم يحسدون الناس على ما آتهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما( ٥٤ ) ﴾
بعد أن بين الله تعالى شح اليهود. بين حسدهم، فكأن المعنى :بل يحسد اليهود النبي وصحبَه على ما أعطاهم الله تعالى من فضل في النبوة الخاتمة، وهيمنة كتابهم على الكتب السابقة، ونصر لهم وتأييد على كل من خالفهم ؛ وليس ما آتينا محمدا وأصحابه من فضلنا ببدع فهم يعلمون أن الله يمن على من يشاء، وقد من على إبراهيم عليه السلام وذريته بالحكم والنبوة.
﴿ فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا( ٥٥ ) ﴾
-﴿ فمنهم ﴾ أي اليهود، ﴿ من آمن به ﴾ أي :بالنبي صلى الله عليه وسلم، ﴿ ومنهم من صد عنه ﴾ أي :أعرض عنه ؛ وقيل :الضمير في ﴿ به ﴾ راجع إلى ما ذكر من حديث ﴿ آل إبراهيم ﴾... ﴿ وكفى بجهنم سعيرا ﴾ أي :نارا مسعرة- ( ١ ).
إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها
١ من فتح القدير..
﴿ إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا ﴾( ويدخل فيها( ١ ) كل ما يدل على ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه، وملائكته، والكتب والرسل، وكفرهم بها :أن ينكروا كونها آيات، أو يغفلوا عنها ولا ينظروا فيها، أو يلقوا الشكوك والشبهات فيها، أو ينكروها مع العلم بها، عنادا وحسدا، وبغيا ولددا به ) ( ٢ ) ؛ و ﴿ سوف ﴾ كلمة تذكر للتهديد والوعيد، وتنوب عنها السين، كما في قوله تعالى :( سأصليه سقر ) ( ٣ )، وقد تذكر للوعد، كما في قوله سبحانه :( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) ( ٤ )، و(.. سوف أستغفر لكم ربي... ) ( ٥ ) ؛ ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ﴾- بدلناهم جلودا غير محترقة، وذلك أنها تعاد جديدة والأولى كانت قد احترقت فأعيدت غير محترقة، فلذلك قيل غيرها، لأنها غير الجلود التي كانت لهم في الدنيا، التي عصوا الله وهي لهم، قالوا :وذلك نظير قول العرب للصائغ إذا استصاغه خاتما من خاتم مصوغ بتحويله عن صياغته التي هو بها إلى صياغة أخرى :صغ لي من هذا الخاتم غيره، فيكسره ويصوغ له منه خاتما غيره، والخاتم المصوغ بالصياغة الثانية هو الأول، ولكنه لما أعيد بعد كسره خاتما قيل هو غيره، قالوا :فكذلك معنى قوله : ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ﴾ لما احترقت الجلود ثم أعيدت جديدة بعد الاحتراق قيل على ذلك المعنى ؛.... وأما معنى قوله : ﴿ ليذوقوا العذاب ﴾ فإنه يقول :فعلنا ذلك بهم ليجدوا ألم العذاب وكربه وشدته بما كانوا في الدنيا يكذبون بآيات الله ويجحدونها ؛.. ﴿ إن الله كان عزيزا حكيما ﴾ يقول :إن الله لم يزل عزيزا في انتقامه ممن انتقم منه من خلقه، لا يقدر على الامتناع منه أحد أراده بضر، ولا الانتصار منه لأحد أحل به عقوبة. ﴿ حكيما ﴾ في تدبيره وقضائه-( ٦ ).
١ كأنه يعني: الكفر بآيات الله التكوينية والتنزيلية..
٢ ما بين العلامتين ( من تفسير غرائب القرآن)..
٣ سورة المدثر.الآية ٢٦..
٤ سورة الضحى. الآية ٥..
٥ سورة يوسف.من الآية ٩٨..
٦ من جامع البيان..
﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ ذاك الاحتراق الذي بينته الآية السابقة مآل الكافرين، وأما هذا النعيم المقيم الذي تبشر به هذه الآية فإليه مصير المؤمنين العاملين الصالحات، لهم عند ربهم جنات وروضات من تحت أشجارها مياه جاريات، ﴿ خالدين فيها أبدا ﴾ ماكثين في الجنة لا يموتون ولا يُخرجون، ولا يبغون حولا، وهي دار خلد ومقامة، لا تحول ولا تزول ؛ ﴿ لهم فيها أزواج مطهرة ﴾ قال ابن عباس :مطهرة من الأقذار والأذى ؛ وقال مجاهد :مطهرة من البول والحيض والنخام والبزاق والمني والولد ؛ وقال قتادة :مطهرة من الأذى والمآثم، ولا حيض ولا كلف ؛ ﴿ وندخلهم ظلا ظليلا ﴾ ينعمون في دار لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا ؛ ونقل :لا يدخله ما يدخل ظل الدنيا من الحر والسموم ونحو ذلك، وقيل : ﴿ ظليلا ﴾ دائما لايزول، واشتقاق الصفة من لفظ الموصوف للمبالغة.
إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا( ٥٨ )
﴿ تؤدوا ﴾ تعطوا. ﴿ الأمانات ﴾ جمع، والفرد :أمانة، مصدر بمعنى المفعول، أي ما تؤتمن عليه ويتعلق بذمتك من حقوق الله تعالى وحقوق العباد، فعلية أو قولية أو اعتقادية.
﴿ العدل ﴾ الإنصاف والتسوية. ﴿ أهلها ﴾ أصحابها ومستحقيها.
﴿ نعما يعظكم به ﴾ نعم الذي يعظكم الله تعالى به.
﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ عهد من الله تعالى موثق، مطلوب أن نوفيه إلى مستحقيه، دون نقص أو تأخير ؛ - تعم جميع الأمانات، فأولها :الأمانة مع الرب تعلى في كل ما أمر به ونهى عنه، قال ابن مسعود :الأمان في كل لازمة، في الوضوء والجنابة، والصلاة والزكاة والصوم، وعن ابن عمر أنه تعالى خلق فرج الإنسان وقال :هذا أمانة خبأتها عندك فاحفظها إلا بحقها ؛ وهذا باب واسع، فأمانة اللسان أن لا يستعمله في الكذب والغيبة والنميمة والكفر والبدعة والفحش وغيرها، وأمانة العين أن لا يستعمله في النظر إلى الحرام، وأمانة السمع أن لا يستعمله في سماع الملاهي والمناهي والفحش والأكاذيب، وكذا القول في سائر الأعضاء ؛ ثم الأمانة مع سائر الخلق، ويدخل فيه رد الودائع، وترك التطفيف ونشر عيوب الناس وإفشاء أسرارهم، ويدخل فيه عدل الأمراء مع الرعية والعلماء مع العوام بأن يرشدوهم إلى ما ينفعهم في دنياهم ودينهم، ويمنعوهم عن العقائد الباطلة، والأخلاق غير الفاضلة، وتشمل أمانة الزوجة للزوج في ماله وفي بضعها، وأمانة الزوج للزوجة في إيفاء حقوقها وحظوظها، وأمانة السيد للمملوك وبالعكس، وأمانة الجار للجار والصاحب للصاحب- ويدخل فيه نهي اليهود عن كتمان أمر محمد- والأمانة مع نفسه بأن لا يختار لها إلا ما هو أنفع وأصلح في الدين وفي الدنيا، وأن لا يوقعها بسبب اللذات الفانية في التبعات الدائمة، وقد عظم الله تعالى أمر الأمانة في مواضع من كتابه :( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها.. ) ( ١ ) ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) ( ٢ )، وقال صلى الله عليه وسلم( ٣ ) : " ألا لا إيمان لمن لا أمانة له " -( ٤ ) ؛ وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم مَن إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان " ؛ وقال ابن عباس :لم يرخص الله لمعسر ولا لموسر أن يمسك الأمانة ؛ وقال ابن المنذر :أجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها، الأبرار منهم والفجار ؛ ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾ لعل الأمر يشمل الحكم عن ولاية عامة أو خاصة أو عن تحكيم ؛ في الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" وكلكم راع فمسئول عن رعيته فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عنهم والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم والمرأة راعية على بيت بعلها وولده( ٥ ) وهي مسئولة عنهم والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته " قال العلماء :الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه وما تحت نظره، ففيه أن كل من كان تحت نظره شيء فهو مطالب بالعدل فيه والقيام لمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته، فإن وفى ما عليه من الرعاية كان له الحظ الأوفر والجزاء الأكبر، وإلا طالبه كل أحد من رعيته بحقه( ٦ ) ؛ يقول العلماء :فجعل النبي صلى الله عليه وسلم كل هؤلاء رعاة وحكاما على مراتبهم، وكذلك العالم حاكم، لأنه إذا أفتى حكم وقضى، وفصَل بين الحرام والحلال، والفرض والندب، والصحة والفساد فجميع ذلك أمانة تؤدى، وحكم يقضى، ﴿ إن الله كان سميعا بصيرا ﴾- إن الله لم يزل سميعا لما تقولون وتنطقون، وهو سميع لذلك منكم إذا حكمتم بين الناس ولم تجاوزوهم به، ﴿ بصيرا ﴾ بما تفعلون فيما ائتمنكم عليه من حقوق رعيتكم وأموالهم، وما تقضون به بينهم من أحكامكم، بعدل تحكمون أو جور، لا يخفى عليه شيء من ذلك، حافظ ذلك كله، حتى يجازي محسنكم بإحسانه، ومسيئكم بإساءته، أو يعفو بفضله-( ٧ ).
١ من سورة الأحزاب. من الآية ٧٢..
٢ من سورة المؤمنون.الآية ٨..
٣ كما روى عنه صلى الله عليه وسلم أبو أمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبة عام حجة الوداع:"العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مُقضى والزعيم غارم" صحيح أخرجه الترمذي وغيره، وزاد الدارقطني: فقال رجل فعهد الله ؟ قال:" عهد الله أحق ما أدى"؛ يقول علماء الأحكام: فالآية شاملة بنظمها بكل أمانة، وهي أعداد كثيرة، وأمهاتها في الأحكام: الوديعة واللقطة والرهن والعارية..
٤ من تفسير غرائب القرآن؛ بتصرف يسير..
٥ يقول الشراح: أي وغيرهم، كخدمة وأضيافه بحسن التدبير في أمرهم، والقيام بمصالحهم..
٦ وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" إن المقسطين يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا"..
٧ من جامع البيان..
﴿ يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا( ٥٩ ) ﴾
أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون " قالوا :يا رسول الله فما تأمرنا ؟ قال :" أوفوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم "، وأخرجا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مَن رأى مِن أميره شيئا فكرهه فليصبر فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهلية "، وروى مسلم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من خلع يداً مِن طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية "، وفي صحيح مسلم كذلك عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال :دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما- جالس في ظل الكعبة والناس حوله، مجتمعون عليه، فأتيتهم، فجلست إليه، فقال :كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فنزلنا منزلا، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره( ١ )، إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم :الصلاة جامعة ! فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" إنه لم يكن نبي من قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم وإن هذه الأمة جعلت عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلاء وأمور ينكرونها وتجيء فتن يرقق بعضها بعضا وتجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتي ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه هذه فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة فؤاده فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر " قال :فدنوت منه، فقلت :أنشدك بالله آنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيده، وقال :سمعته أذناي ووعاه قلبي، فقلت له :هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، ويقتل بعضنا بعضا، والله تعالى يقول : ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ﴾ ؛ قال :فسكت ساعة ثم قال :أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله ؛ يأمر الله تعالى أهل الإيمان المستيقنين بأن يطيعوا ربهم فيأتمروا بأمره وينتهوا عن مناهيه، وأن يطيعوا الرسول، فإنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله ؛ وعلى أهل التصديق بالحق أن يلتزموا كتاب الله وسنة نبيه ؛ ﴿ وأولي الأمر منكم ﴾ قال ابن عباس :يعني أهل الفقه والدين، وقال مجاهد وعطاء :يعني العلماء ؛ لكنا قد قدمنا أن الأمر على العموم في كل أولي الأمر، وأن عهد الله أن نطيعهم في المعروف، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ؛ ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ عن مجاهد قال :فإن تنازع العلماء ردوه إلى الله والرسول، قال :يقول :فردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله ؛ وعن ابن جرير :فإن اختلفتم أيها المؤمنون في شيء من أمر دينكم أنتم فيما بينكم، أو أنتم وولاة أمركم فاشتجرتم فيه، ..، فارتادوا معرفة حكم ذلك الذي اشتجرتم أنتم بينكم، أو أنتم وأولوا الأمر فيه من عند الله، يعني بذلك من كتاب الله، فاتبعوا ما وجدتم، وأما قوله، ﴿ والرسول ﴾ فإنه يقول :إن لم تجدوا إلى علم ذلك في كتاب الله سبيلا فارتادوا معرفة ذلك أيضا من عند الرسول إن كان حيا، وإن كان ميتا فمن سنته، ﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ يقول :افعلوا ذلك إن كنتم تصدقون بالله واليوم الآخر، يعني بالمعاد الذي فيه الثواب والعقاب، فإنكم إن فعلتم ما أمرتم به من ذلك من الله الجزيل من الثواب، وإن لم تفعلوا ذلك فلكم الأليم من العذاب، ....، ﴿ ذلك خير وأحسن تأويلا ﴾.. فرد ما تنازعتم فيه من شيء إلى الله والرسول خير لكم عند الله في معادكم، وأصلح لكم في دنياكم، لأن ذلك يدعوكم إلى الألفة وترك التنازع والفرقة، ﴿ وأحسن تأويلا ﴾ يعني :وأحمد موئلا ومغبة، وأجمل عاقبة. اه.
١ الدواب ترعى في مكان وتبيت فيه..
ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا( ٦٠ )
﴿ ألم تر ﴾ ألم تنظر، أو :ألم ينته علمك ؟ ﴿ يزعمون ﴾ يقولون ويدعون ﴿ الطاغوت ﴾ الشيطان، وما عبد من دون الله.
﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ﴾ الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أي :ألم تنظر، أو :ألم ينته علمك ؟ إنكار على الذين مرضت قلوبهم مع ادعائهم الإيمان( ١ ) فرغبوا عن طاعة الله تعالى والتحاكم إلى ما أنزل، ومالوا إلى حكم الظلمة الطغاة ؛ قال الليث :قولهم زعم فلان، معناه :لا نعرف أنه صدق أو كذب ؛ ومنه :زعموا :مطية الكذب ؛ وقال ابن الأعرابي :الزعم قد يستعمل في القول المحقق لكن المراد في الآية :الكذب بالاتفاق ؛ - هذا إنكار من الله عز وجل على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله-( ٢ ) ؛ وعن الشعبي وغيره أن سبب النزول شامل لهذه الآية وما بعدها إلى قوله تعالى : ﴿ ... ويسلموا تسليما ﴾.
وعن طائفة من علماء القرآن ما حاصله :كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فدعا اليهودي المنافق إلى النبي صلى الله عليه وسلم :لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة ؛ ودعا المنافق اليهودي إلى حكامهم ؛ لأنه علم أنهم يأخذون الرشوة في أحكامهم ؛ فلما اختلفا اجتمعا على أن يحكما كاهنا في جهينة ؛ فأنزل الله تعالى في ذلك : ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ﴾ يعني المنافق ؛ ﴿ وما أنزل من قبلك ﴾ يعني اليهودي ؛ ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ﴾ إلى قوله : ﴿ يسلموا تسليما ﴾. ا ه.
﴿ وقد أمروا أن يكفروا ﴾ يعدلون عن الاحتكام إلى شرع الله وقضاء رسوله، ويميلون إلى حكم الشيطان وأهل الطغيان، والحال أن الله سبحانه أمرهم أن يستيقنوا ببطلان كل سبيل غير سبيل المولى عز وتقدس-، ﴿ ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ﴾ يريد الأشقياء التحاكم إلى الباطل والمبطلين، ويريد إبليس وأعوانه أن يغووهم، فيعوجوا ويزيغوا زيغا لا يرجعون بعده إلى الرشد.
١ صحح السيوطي ما وراه الطبراني عن ابن عباس قال: كان برزة الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه الناس من المسلمين فأنزل الله: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون﴾ الآية؛ وأخرج ابن جرير وابن أبى من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾ قال: الطاغوت رجل من اليهود يقال له كعب بن الأشرف، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم، قالوا: بل نحاكمكم إلى كعب، فنزلت الآية..
٢ من تفسير القرآن العظيم..
﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ﴾
﴿ يصدون ﴾ يعرضون. ﴿ صدودا ﴾ إعراضا.
إذا ذُكروا بالحق لا يذكرون، فمهما ناديتموهم إلى الاستجابة والإذعان إلى منهج القرآن، وهدى خير الأنام، عليه الصلاة والسلام، فإنهم لنفاقهم يُعرضون عن الرسول وشرعته وسنته إعراضا، وأما صد المعتدي- أي منع غيره- فمصدرها صدا ؛ ويشهد لهذا ما يشير إليه قول الله الحكيم :(.. قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله.. ) ( ١ )
١ من سورة البقرة. من الآية ٢١٧..
﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ﴾
﴿ فكيف ﴾ استفهام للتعجيب.
﴿ إحسانا ﴾ إتقانا، أو إعطاء فضل فوق الحق ؛ فهو عدل وزيادة.
﴿ توفيقا ﴾ موافقة بين الخصوم، وتقريبا بينهم.
تعجيب من الذين تحاكموا إلى غير ما أنزل الله، وتحذير ووعيد لهم، أي :كيف يكون حالهم حين يصيبهم بلاء بسبب ما ارتكبوه من السوء ثم أتوا إليك يعتذرون، ويحلفون :ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك إلا الإحسان لا الإساءة، والتوفيق بين الخصمين لا المخالفة لك ؟ ! عند ذلك ستنقطع بهم المعاذير، ولا يقدرون على الدفع ؛ قال ابن كيسان :معناه :ما أردنا إلا عدلا وحقا، مثل قوله : ﴿ وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى.. ) ( ١ ) ؛ فكذبهم الله تعالى بقوله :{ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ﴾
١ سورة التوبة. من الآية ١٠٧..
﴿ فأعرض عنهم ﴾ فلا تقبل عليهم، ولا تولهم وجهك، أو :اترك عقوبتهم.
﴿ عظهم ﴾ ذكرهم بما يدل على الهدى ويرد عن الردى.
﴿ بليغا ﴾ بالغ التأثير، موصلا إلى كنه المطلوب، مطابقا لما هو مقصود.
﴿ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ﴾ قال الزجاج :معناه :قد علم الله أنهم منافقون ؛ ﴿ فأعرض عنهم ﴾ قيل :عن عقابهم ؛ وقيل :عن قبول اعتذارهم، ﴿ وعظهم ﴾ ذكرهم بماهم إليه صائرون، ﴿ وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ﴾ – أي ازجرهم بأبلغ الزجر في السر والخلاء ؛ الحسن :قل لهم إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلتكم-( ١ ).
١ من الجامع لأحكام القرآن..
﴿ لوجدوا ﴾ لعلموا قبول توبتهم، ولصادفوا قبولها لديه سبحانه.
﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ﴾ ( أي فرضت طاعته على من أرسله إليهم، وقوله : ﴿ بإذن الله ﴾...، كقوله : ﴿ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه.. ﴾ ( ١ ) أي :عن أمره وقدره ومشيئته وتسليطه إياكم عليهم، وقوله : ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ﴾ الآية، يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والنسيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيستغفروا الله عنده ويسألونه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم ) ( ٢ ).
١ سورة آل عمران. من الآية ١٥٢..
٢ ما بين العلامتين ( ) من تفسير القرآن العظيم..
﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ﴾
﴿ شجر ﴾ اشتبك واختلف واختلط. ﴿ حرجا ﴾ شكا أو ضيقا.
﴿ ويسلموا تسليما ﴾ وينقادوا لأمرك انقيادا، ويذعنوا له برضًا.
روى الشيخان، وغيرهما، من طريق الزهري أن عروة بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام أنه خاصم رجلا من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج- مسيل ماء – من الحرة كانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاري :سرح الماء يمر، فأبى عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك " فغضب الأنصاري وقال :يا رسول الله أن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : " اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ثم أرسل الماء إلى جارك " - والجدر :المسقاة حول الزرع-،  واستوعى رسول الله للزبير حقه، فقال الزبير :ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك : ﴿ فلا وربك ﴾ الآية ؛ قال ابن جرير قوله : ﴿ فلا ﴾ رد على ما تقدم ذكره، تقديره :فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، ثم استأنف القسم بقوله : ﴿ وربك لا يؤمنون ﴾ ﴿ ويسلموا تسليما ﴾ قال الزجاج : ﴿ تسليما ﴾ مصدر مؤكد، أي :ويسلمون لحكمك تسليما، لا يدخلون على أنفسهم شكا ولا شبهة فيه ؛ - وهذا في حياته صلى الله عليه و آله وسلم، وأما بعد موته فتحكيم الكتاب والسنة، وتحكيم الحاكم بما فيهما من الأئمة والقضاة إذا كان لا يحكم بالرأي المجرد مع وجود الدليل في الكتاب والسنة أو في أحدهما، وكان يعقل ما يرد عليه من حجج الكتاب والسنة، بأن يكون عالما باللغة العربية وما يتعلق بها من نحو وتصريف ومعاني وبيان، عارفا بما يحتاج إليه من علم الأصول، بصيرا بالسنة المطهرة، مميزا بين الصحيح وما يلحق به، والضعيف وما يلحق به، منصفا غير متعصب لمذهب من المذاهب ولا لنحلة من النحل، ورعا لا يحيف ولا يميل في حكمه، فمن كان هكذا فهو قائم في مقام النبوة، مترجم عنها، حاكم بأحكامها ؛ وفي هذا من الوعيد الشديد ما تقشعر له الجلود، وترجف له الأفئدة ؛ فإنه أولا أقسم سبحانه بنفسه مؤكدا لهذا القسم بحرف النفي بأنهم لا يؤمنون، فنفى عنهم الإيمان الذي هو رأس مال صالحي عباد الله حتى تحصل لهم غاية هي تحكيم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم لم يكتف سبحانه بذلك حتى قال : ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ﴾ فضم إلى التحكيم أمرا آخر، هو عدم وجود حرج، أي حرج في صدورهم، فلا يكون مجرد التحكيم والإذعان كافيا حتى يكون من صميم القلب عن رضا واطمئنان، واعتلاج قلب وطيب نفس، ثم لم يكتف بهذا كله، بل ضم إليه قوله : ﴿ ويسلموا ﴾ أي :يذعنوا وينقادوا ظاهرا وباطنا، ثم لم يكتف بذلك، بل ضم إليه المصدر المؤكد فقال : ﴿ تسليما ﴾ فلا يثبت الإيمان لعبد حتى يقع منه هذا التحكيم ولا يجد الحرج في صدره بما قضى عليه، ويسلم لحكم الله وشرعه، تسليما لا يخالطه رد ولا تشوبه مخالفة-( ١ ).
١ من فتح القدير..
ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا( ٦٦ )
﴿ ولو أنا كتبنا عليهم أن قاتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ﴾ عن ابن عباس ومجاهد ما حاصله :ولو أنا فرضنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، المحتكمين إلى الطاغوت أن يقتلوا أنفسهم، وأمرناهم بذلك، أو أن يخرجوا من ديارهم مهاجرين منها إلى دار أخرى سواها، ما قتلوا أنفسهم بأيديهم، ولا هاجروا من ديارهم فيخرجوا عنها طاعة لله ولرسوله، إلا قليل منهم ربما يفعلون رياء ؛ ﴿ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا. وإذا لآتيناهم من لدنا لأجرا عظيما. ولهديناهم صراطا مستقيما ﴾ ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به من الانقياد والطاعة لله ورسوله- وسمى التكليف وعظا لاقترانه بالوعد والوعيد، والترغيب والترهيب- ﴿ لكان خيرا لهم ﴾ أي :أنفع وأفضل من غيره، أو :خير الدنيا والآخرة، لأن ﴿ خيرا ﴾ يستعمل بالوجهين جميعا، ﴿ وأشد تثبيتا ﴾ أقرب إلى ثباتهم على الإيمان والطاعة، لأن الطاعة تدعو إلى أمثالها، وتجر إلى المواظبة عليها، ولأنه حق، والحق ثابت والباطل زائل، وأيضا :الإنسان يطلب الخير أولا، فإذا حصل يطلب ثباته ودوامه ؛ ثم بين أن ما يوعظون به كما هو خير في نفسه فهو أيضا مستعقب للخير.
﴿ وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ﴾
ثوابا جزيلا، و﴿ إذا ﴾ جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل :ماذا يكون لهم بعد الخير والتثبيت ؟ فقيل :هو أن نؤتيهم من لدنا أجرا عظيما، وفي إيراد صيغة التعظيم في ﴿ آتينا ﴾ و ﴿ لدنا ﴾ وفي قوله : ﴿ من لدنا ﴾ وفي وصف الأجر بالعِظم وفي تنكير الأجر من المبالغة ما لا يخفى ؛
والصراط المستقيم :الدين الحق، أو :الطريق من عرصة القيامة إلى الجنة، وهذا أولى، لأنه مذكور بعد استحقاق الأجر ) ( ١ ).
١ من تفسير غرائب القرآن..
﴿ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ﴾.
ثبت في الصحيح والمسانيد وغيرهما من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم ؟، فقال :" المرء مع من أحب " قال أنس :فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث ؛ وفي رواية عن أنس أنه قال :إني لأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحب أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وأرجو أن الله يبعثني معهم، وإن لم أعمل كعملهم ؛ وروى الشيخان واللفظ لمسلم، عن أبي سعيد الخدري قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم "، قالوا :يا رسول الله تلك منزل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال :" بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين " ؛ ﴿ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ﴾ فمن يستدم الانقياد لأمر ربنا ونهيه، ولهدي الرسول وسننه، ويرضى بحكمه، ولا يحتكم إلى غيره فهذا المطيع يدرك من درجات النعيم في الجنة أن يرافق أصحاب الدرجات العلى :من الأنبياء، وأهل الصدق والتصديق ومن تطابق أقوالهم أفعالهم، ومن ثبتت لهم الشهادة، وأصحاب الأعمال الباقية البارة الصالحة، وما أحسن هؤلاء الرفقاء ! -
﴿ ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما ﴾
ذلك الثواب بكمال درجته كأنه هو الفضل، وما عداه غير معتمد عليه، وذلك الثواب المذكور هو من الله لا غيره، وكفى بالله عليما بالطاعة وكيفية الثواب عليها ؛ وفيه ترغيب للمكلف على إكمال الطاعة، والاحتراز عن التقصير فيها-( ١ ).
١ من تفسير غرائب القرآن..
يأيها الذين أمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا( ٧١ )
﴿ خذوا حذركم ﴾ كونوا حذرين.
﴿ فانفروا ثبات ﴾ انهضوا لقتال العدو جماعات.
﴿ أو انفروا جميعا ﴾ أو انهضوا لقتال العدو جيشا واحدا.
ربنا الحكيم العلام خبير بمكر أعداء الإسلام، وتربصهم بالمؤمنين، وترقب غرة منهم لاستئصالهم، ولهذا عهد الله سبحانه إلى أهل اليقين أن يستصحبوا سلاحهم حذرين( ١ )، جاء في الكتاب المبين : ﴿ .. وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة.. ﴾ ( ٢ )، ولم يؤذن لأهل هذا الدين المرتضى أن يتركوا أسلحتهم جانبا مع دوام المرابطة إلا حين تقهرهم الأنواء أو الأدواء : ﴿ .. ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم.. ﴾ ( ٣ )، والآية هنا خطاب للمؤمنين أن يبقوا بسلاحهم مدججين، ولقتال عدوهم متابعين، فئات أو مجتمعين ﴿ يأيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ﴾- والمعنى :انهضوا لقتال العدو... جماعات متفرقات، .. ﴿ أو انفروا جميعا ﴾ أي مجتمعين جيشا واحدا ؛ ومعنى الآية :الأمر لهم بأن ينفروا على أحد الوصفين ليكون ذلك أشد على عدوهم، وليأمنوا أن يتخطفهم الأعداء إذا نفر كل واحد منهم وحده، أو نحو ذلك-( ٤ ).
١ يقال أخذ حذره: إذا تيقظ واحترز عن الخوف، كأنه جعل احذر آلته التي يقي بها نفسه، ويعصم بها روحه؛ مما جاء في تفسير غرائب القرآن: فإن قيل: أي فائدة في هذا الأمر؛ والحذر لا يغني عن القدر؟ والمقدر كائن والهم فضل؟ قلت: هذا من عالم الأسباب والوسائط المرتبطة، ولا ريب أن الكل يقع على نحو ما قُدر، فمن امتثل وترتب عليه الأثر كان بقدر، ومن أهمل حتى فاتته السلامة كان أيضا بقدر، وهكذا شأن جميع التكاليف إذا اعتبر.لهـ لكن القدرية زعموا: أن الحذر يدفع ويمنع من مكائد الأعداء، وادعوا أنه لو لم يكن للأمر بالحذر معنى، ونحن نرد عليهم فنقول: ليس في الآية دليل على ن الحذر ينفع من القدر شيئا، ولكنا تُعبدنا بألا نلقي بأيدينا إلى التهلكة؛ ومنه الحديث: " اعقلها وتوكل" وإن كان القدر جاريا على ما قضى، ويفعل ما يشاء؛ فلفعل المراد منه طمأنينة النفس، لا أن ذلك ينفع من القدر، وكذلك أخذ الحذر؛ ولهذا أثنى الله تعالى على أصحاب نبيه عليه السلام بقوله سبحانه:( لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا..)..
٢ سورة النساء. من الآية ١٠٢..
٣ سورة النساء. من الآية ١٠٢..
٤ من فتح القدير. ﴿تفسير الشوكاني﴾..
﴿ منكم ﴾ من دخلائكم. ﴿ ليبطئن ﴾ ليؤخرن وليتبطأن.
﴿ شهيدا ﴾ مشاهدا حاضرا.
﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾ وإن ممن أظهر إيمانه لكم نفاقا، ومَن يُحسب ظاهرا من جماعتكم لمن يتأخر عن الخروج لقتال الأعداء ويؤخر غيره، يَقعد ويُقعد من استجاب لتثبيطه وتأخيره وتخذيله، واللام في ﴿ لمن ﴾ للتوكيد، وفي ﴿ ليبطئن ﴾ للقسم ؛ ﴿ فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا ﴾ فإن حل بكم ما تكرهون قال المنافق الشامت، المتربص المخذل، القاعد المتخلف :لقد نجوت إذ لم أشاركهم قتالهم، ولم أحضر معهم نزالهم، فلم يصبني ما أصابهم ؛ ولولا مرض قلبه، وعمى بصيرته، لعلم أن تخلفه وتأخيره وتخذيله هو الهلاك والخسران والضلال البعيد !.
﴿ ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ﴾
وإذا قضى الله لكم نصرا ومغنما حسدكم الجبان المتأخر، وعض أنامل الغيظ عليكم، وندم أن لم يكن معكم، حتى يقاسمكم ما غنمتم ؛ وكذلك تزين لأهل النفاق أن تخالف ألسنتهم قلوبهم، ولقد هتك الذكر الحكيم أستارهم، وبين إلى من يكون ولاءهم، فجاء في آية كريمة : ﴿ الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين.. ﴾.
﴿ فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ﴾
﴿ يشرون ﴾ يبيعون.
في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو عَليَ ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة "، - حض من الله المؤمنين على جهاد عدوه من أهل الكفر به، على أحايينهم، غالبين كانوا أو مغلوبين، .. ﴿ فليقاتل في سبيل الله ﴾ يعني :في دين الله، والدعاء إليه، والدخول فيما أمر به، أهل الكفر به، ﴿ الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ يعني :الذين يبيعون حياتهم الدنيا بثواب الآخرة وما وعد الله أهل طاعته فيها، وبيعهم إياها بها :إنفاقهم أموالهم في طلب رضا الله كجهاد مَن أمر بجهاده مِن أعدائه وأعداء دينه، وبذلهم مهجهم له في ذلك، أخبر جل ثناؤه بما لهم في ذلك إذا فعلوه فقال : ﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ﴾ يقول :ومَن يقاتِل في طلب إقامة دين الله وإعلاء كلمة الله، أعداء الله.. فيقتله أعداء الله، أو يغلبهم فيظفر بهم، .. فسوف نعطيه في الآخرة ثوابا وأجرا عظيما، وليس لما سمى جل ثناؤه ﴿ عظيما ﴾ مقدار يعرف مبلغه عباد الله-( ١ ) ؛ لقد بين محكم التنزيل أن سلعة ربنا الغني الحميد تطلب بتقديم المال والروح :( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون.. ) ( ٢ )، كما نادى على هذه التجارة الرابحة التي لا تبور :( يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنحيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم ) ( ٣ )، ومع هذا الوعد الحق بالدرجات العلا والنعيم المقيم في دار الخلد والتكريم، فإن المولى تقدست أسماؤه تضمن تأييدهم وظفرهم وغلبتهم على من تصدى لهم :( وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين ) ( ٤ ).
١ من جامع البيان..
٢ سورة التوبة. من الآية ١١١..
٣ سورة الصف. الآيات ١٢،١١،١٠.
٤ سورة الصف. الآية ١٣..
﴿ وما لكم لا تقاتلون في سبل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا ﴾
روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال :كنت أنا وأمي من المستضعفين ؛ يحرض الكتاب العزيز أهل الإيمان أن يقاتلوا لإعلاء دين الإسلام، واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من أيدي الكفرة اللئام ؛ والاستفهام في الآية قد يعني الحض والتحريض، واختار الزجاج أن ﴿ المستضعفين ﴾ معطوف على اسم الله عز وجل، أي :وفي سبيل المستضعفين، فإن خلاص المستضعفين من سبيل الله ؛ وهؤلاء المستضعفون يدعون ربهم، ويضرعون إليه أن يحفظ عليهم دينهم، ويقولون :يا ربنا خلصنا من المقام بين الظلمة الفجرة، وتول حفظنا أن نزل أو نفتن، وهيئ لنا من ترضاه عونا على الرشد، وإعلاء الدين، وإظهارا للحق.
﴿ الذين آمنوا يقاتلون في سبل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا ﴾
يُقوي الله تعالى عزم المؤمنين، ويحرضهم على قتال الغاوين الكافرين، ويذكرهم بأنهم الأعلون والله معهم، فهم يقاتلون في طريق تدعو إلى طاعة الله وإتباع منهاجه والاستمساك بشرعته، أما أعداؤهم فإنما يقاتلون في سبيل مرضاة الشيطان وإغواء بني الإنسان، ﴿ فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا ﴾- فلا تهابوا أولياء الشيطان فإنما هم حزبه وأنصاره، وحزب الشيطان أهل وهن وضعف، وإنما وصفهم جل ثناؤه بالضعف لأنهم لا يقاتلون رجاء ثواب، ولا يتركون القتال خوف عقاب، وإنما يقاتلون حمية، أو حسدا للمؤمنين على ما آتاهم الله من فضله، والمؤمنون يقاتل من قاتل منهم رجاء العظيم من ثواب الله، ويترك القتال إن تركه على خوف من وعيد الله في تركه، فهو يقاتل على بصيرة بما له عند الله إن قتل، وبما له من الغنيمة والظفر إن سلم، والكافر يقاتل على حذر من القتل، وإياس من معاد، فهو ذو ضعف وخوف-( ١ ).
١ من جامع البيان؛ لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري..
ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا آخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا( ٧٧ )
﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ﴾ الاستفهام قد يراد به التعجيب، والمخاطب النبي صلى الله عليه وسلم، وكل من يصلح للخطاب ؛ وربما يكون هذا في أمر ناس أسلموا قبل فرض القتال، فلما فرض كرهوه ؛ نقل نحو هذا عن السدي، ومنه :ولم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال، فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله... ؛ وعن مجاهد : ﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة ﴾ إلى قوله : ﴿ لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ﴾ ما بين ذلك في اليهود ؛ وعن ابن عباس :نهى الله تبارك وتعالى هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم ؛ وفريق من المفسرين منهم صاحب تفسير القرآن العظيم، وصاحب روح المعاني نقلوا عن ابن جرير وغيره نقولا تخالف ما أوردناه( ١ ) ؛ وهي مع قصورها عن مستوى الصحة تنسب إلى الصحب الكرام رضوان الله عليهم ما ننزههم عنه، كما أن السياق يأباه ؛ يقول الحق جل علاه : ﴿ وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ﴾، ﴿ وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب ﴾- ومعاذ الله أن يصدر هذا القول من صحابي كريم يعلم أن الآجال محدودة والأرزاق مقسومة، بل كانوا لأوامر الله ممتثلين سامعين طائعين، يرون الوصول إلى الدار الآجلة خيرا من المقام في الدار العاجلة ؛ على ما هو معروف من سيرتهم- رضي الله عنهم-( ٢ ) ؛ مما أورد صاحب تفسير غرائب القرآن :وفي الآية دلالة على أن إيجاب الصلاة والزكاة كان مقدما على الجهاد، وهو أيضا ترتيب مطابق لما في العقول، لأن التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله مقدمان على الترهيب والقتل في سبيل الله، ...، يخشون الناس مشبهين لأهل خشية الله، أو أشد خشية من خشية أهل الله، ...، وكلمة ﴿ أو ﴾ ليست للشك ههنا، فإن ذلك على علام الغيوب محال، ولكنها بمعنى الواو.....
﴿ وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب ﴾.....، هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا !، ثم أزال الشبهة وأزاح العلة بقوله : ﴿ قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير ﴾ لا لكل الناس بل ﴿ لمن اتقى ﴾، فإن للكافر والفاسق هنالك نيرانا وأهوالا، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم :" الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر "، وأما ترجيح الآخرة :فلأن نعم الدنيا قليلة، ونعم الآخرة كثيرة، ونعم الدنيا منعطفة، ونعم الآخرة مؤبدة، ونعم الدنيا مشوبة بالأقذار، ونعم الآخرة صافية عن الأكدار، ونعم الدنيا مشكوكة التمتع بها، ونعم الآخرة يقينية الانتفاع منها.
١ نقل صاحب روح المعاني شهاب الدين محمود الألوسي عن الكلبي: نزلت في عبد الرحمن بن عوف الزهيري، والمقداد بن الأسود الكندي، وقدامة بن مظعون الجمحي، وسعد بن أبي وقاص..؛ ونقل آخرون عن النسائي عن ابن عباس نحو ذك..
٢ من الجامع لأحكام القرآن..
ثم بكت الفريق الخائنين بأنهم يدركهم الموت أينما كانوا، ولو كانوا في حصون مرتفعة، .. والغرض أنه لا خلاص لهم من الموت، والجهاد موت مستعقب للسعادة الأبدية، وإذا كان لا بد من الموت فوقوعه على هذا الوجه أولى. ا ه.
قال المفسرون :كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك الله تعالى عنهم بعض الإمساك، كما جرت سنته( ١ ) في جميع الأمم قال :( وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء.. ) ( ٢ )، فعند هذا قالت اليهود والمنافقون :ما رأينا أعظم شؤما من هذا الرجل، نقصت ثمارنا، وغلت أسعارنا منذ قدم، فقوله تعالى : ﴿ وإن تصبهم حسنة ﴾ يعني :الخصب والرخص وتتابع الأمطار ﴿ يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة ﴾ يعني :الجدب وانقطاع الأمطار : ﴿ يقولوا هذه من عندك ﴾ يقولون :هذا من شؤم محمد، وهذا كقوله :(.. فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه.. ) ( ٣ )، ...، فلا جرم أجابهم الله تعالى بقوله " ﴿ قل كل من عند الله ﴾ وكيف لا و جميع الممكنات، من الأفعال والذوات والصفات، لابد من استنادها إلى الواجب بالذات، ولهذا تعجب من حالهم وقال : ﴿ فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ﴾ فنفى عنهم مقاربة الفقه والفهم، فضلا عن الفقه والفهم، ...،
١ في الأصل: عادته، لكن القرآن الحكيم لم يجيء بمثل هذا اللفظ..
٢ سورة الأعراف. من الآية ٩٤..
٣ سورة الأعراف. من الآية ١٣١..
﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله ﴾.. السيئة تارة تقع على البلية والمحنة، وتارة تقع على الذنب والمعصية، ثم إنه تعالى أضاف السيئة إلى نفسه في الآية الأولى بقوله : ﴿ قل كل من عند الله ﴾ وأضافها في هذه الآية إلى العبد بقوله :
﴿ وما أصابك ﴾ أي :يا إنسان، خطابا عاما، ﴿ فمن نفسك ﴾، فلابد من التوفيق...، وما ذاك إلا بأن يجعل هناك بمعنى :البلية، وههنا بمعنى :المعصية، قال :وإنما فصل بين الحسنة والسيئة في هذه الآية، فأضاف الحسنة التي هي الطاعة إلى نفسه دون السيئة، مع أن كليهما من فعل العبد عندنا ؟ لأن الحسنة إنما تصل إلى العبد بتسهيل الله وألطافه، فصحت إضافتها إليه، وأما السيئة فلا يصح إضافتها إلى الله تعالى، لا بأنه فعلها، ولا بأنه أمر بها، ولا بأنه رغب فيها ؛ ا ه.
﴿ وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا ﴾ قال علماء المعاني : ﴿ رسولا ﴾ حال من الكاف، أي :حال كونك ذا رسالة، و ﴿ الناس ﴾ صفة ﴿ رسولا ﴾ فأصل النظم :وأرسلناك رسولا للناس، فلابد للتقديم من خاصية، هو التخصيص، أعني :ثبوت الحكم للمقدم، ونفيه عما يقابله حقيقة أو عرفا، لا عما عداه مطلقا، فتعين حمل اللام على الاستغراق، ليثبت الحكم كل فرد من أفراد الإنسان، وينفي نقيض هذا الحكم وهو ما يزعمه الضالة من أنه مبعوثا إلى بعض الناس كالعجم. ا ه.
﴿ وكفى بالله شهيدا ﴾ يشهد بأنك مرسل داعيا إلى الله ومبشرا ونذيرا، وليس عليك إلا البلاغ، وربنا يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا( ٨٠ )
﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني " ؛ ذلك أن الرسول لا يقول من عند نفسه، وإنما هو أمين صادق فيما يبلغ عن ربه، ( ما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى ) ( ١ ) ؛ ﴿ ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ﴾ والذي يدبر عن هدى خاتم النبيين، ويعرض عن دعوته فلا يستجيب لها، فما ضر إلا نفسه، ولن يُسأل الرسول عن ذنبه وجرمه، فهو عليه الصلاة والسلام ليس إلا مبشرا ونذيرا، لا يملك أن يكره الناس حتى يكونوا مؤمنين.
١ سورة النجم. الآيتان ٤، ٣..
﴿ ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون ﴾، مما نقل عن ابن عباس :ناس كانوا يقولون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم :آمنا بالله ورسوله، ليأمنوا على دمائهم وأموالهم، فإذا برزوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خالفوا إلى غير ما قالوا عنده، فعابهم الله ؛ وعن السدي :غيرت طائفة منهم ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ والله يكتب ما يبيتون ﴾.. يقولون ؛ وعن ابن جرير غير جماعة منهم ليلا الذي تقول لهم، والله يكتب ما يغيرون من قولك ليلا في كتب أعمالهم التي تكتبها حفظته، .. ﴿ فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ﴾.. فأعرض يا محمد عن هؤلاء المنافقين، ...، وخلهم ما هم عليه من الضلالة، وارض لهم بي منتقما منهم، وتوكل أنت يا محمد على الله، يقول :وفوض أنت أمرك إلى الله، وثق به في أمرك، وولها إياه ﴿ وكفى بالله وكيلا ﴾ يقول :وكفاك بالله، أي :وحسبك بالله وكيلا، أي :فيما يأمرك، ووليا لها ودافعا عنك وناصرا.
﴿ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ﴾ وصى الله العباد أن يتأملوا الذكر الحكيم وبيناته، ويعملوا العقل في برهانه ودلالاته، ليستيقنوا بصدقه ويستقيموا على هداياته، يقول مولانا في محكم التنزيل :( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب( ١ )، ويحض على التبصر والاعتبار :( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) ( ٢ )، ويثني على الصفوة الأبرار بأنهم يصحبون الفرقان صحبة تفهم وتقديس وإذعان، ( والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا ) ( ٣ ). ولكنهم يقاظ القلوب، فهام العقول، يفهمون عن الله ما يذكرهم به، ويفهمون عنه ما ينبههم عليه، فيوعون مواعظه آذانا سمعته، وقلوبا وعته-( ٤ ) ؛ وهكذا لا يدعون آياته سبحانه إلى غيرها ؛ وليسوا كالمنافقين الذين يظهرون الحرص الشديد على استماعها وهم كالصم والعميان، لا يعونها ولا يبصرون ما فيها، فهم متساقطون عليها، غير منتفعين بها ؛ مما نقل صاحب تفسير غرائب القرآن :وظاهر الآية يدل على أنه احتج بالقرآن على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وإلا انقطع النظم، ودلالة القرآن على صدق النبي من ثلاثة أوجه :الفصاحة، والاشتمال على الغيوب، والسلامة من الاختلاف( ٥ ) – وهو المقصود من الآية-، ...، المراد :صحة نظمه، وكون كله بل كل جزء من أجزائه وأبعاضه بالغا حد الإعجاز، ومن المعلوم أن الإنسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة إذا كتب كتابا مشتملا على المعاني الكثيرة فلا بد أن يظهر التفاوت في كلامه، .... ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه معجز من عند الله تعالى ؛ وفي الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال ؛ وأضاف بعضهم :ودلت هذه الآية وقوله تعالى :( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) ( ٦ )، على وجوب التدبر في القرآن ليعرف معناه ؛ فكان في هذا رد على فساد قول من قال :لا يؤخذ من تفسيره إلا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنع أن يُتأول على ما يسوغه لسان العرب، وفيه دليل على الأمر بالنظر والاستدلال وإبطال التقليد، وفيه دليل على إثبات القياس.
١ سورة ص. الآية ٢٩..
٢ سورة القمر. الآية ١٧..
٣ سورة الفرقان. الآية ٧٣..
٤ من جامع البيان..
٥ ثم تابع يقول: واختلف المفسرون في المراد من سلامته من الاختلاف، فقال أبو بكر الأصم: معناه أن المنافقين كانوا يتواطؤون في السر على أنواع كثيرة من المكايد، والرسول كان يخبرهم عنها حالا فحالا، فقيل لهم: إن ذلك لو لم يحصل بإخبار الله تعالى لم يطرد صدقه، ولظهر أنواع الاختلاف والتفاوت؛ وقال أكثر المتكلمين: المراد: تجاوب معانيه وتلاؤم مقاصده، مع أنه مشتمل على علوم كثيرة وفنون غزيرة ولو كان من عند غير الله لم يخل من تناقض واضطراب، والذي تظن به التناقض كقوله:(لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان) مع قوله:( لنسألنهم أجمعين) أو كقوله:(..فإذا هي ثعبان مبين) مع قوله:( كأنها جان..) ليس بذاك عند التدبر وملاحظة شروط التناقض: من اتحاد الزمان والمكان وغيرهما..
٦ سورة محمد. الآية ٢٤..
﴿ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ﴾ في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع " ( ١ )، نهى الله تعالى وذم من إذا أتاهم نبأ مما يوجب الأمن أو الحذر والخوف نشره في الناس ؛ ومن هذا يعلم أن المؤمن مطالب بعدم التحديث بالشيء قبل تحقيقه والتثبت من صحته ؛ ﴿ ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ والاستنباط :الاستخراج، يقال :استنبط الرجل العين :إذا حفرها واستخرجها من قعورها، في الصحيحين عن عمر بن الخطاب حديث، ومنه أنه حين بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق نساءه جاء من منزله حتى دخل المسجد، فوجد الناس يقولون ذلك فلم يصبر حتى استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فاستفهمه :أطلقت نساءك ؟، فقال :" لا " فقلت الله أكبر، وذكر الحديث..، وفي صحيح مسلم :فقلت :أطلقتهن ؟ فقال :" لا " فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي :لم يطلق الرسول صلى الله عليه وسلم نساءه، ونزلت هذه الآية : ﴿ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه ﴾، فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر ؛ يقول علماء الأحكام :وهو يدل على الاجتهاد إذا عدم النص والإجماع ؛ لأن أولي الأمر يستخرجون على علم ما ينبغي أن يفشي وما ينبغي أن يكتم ؛ ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ﴾ قال ابن زيد :هذه الآية مقدمة ومؤخرة، إنما هي :أذاعوا به إلا قيلا منهم، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لم ينج قليل ولا كثير ؛ - المراد بالفضل والرحمة ههنا :نصرته تعالى ومعونته اللذان تمناهما المنافقون بقولهم : ﴿ فأفوز فوزا عظيما ﴾، والتقدير :لولا حصول النصر والظفر على سبيل التتابع لتركتم الدين إلا القليل منكم، وهم أهل البصائر والعزائم من أفاضل المؤمنين، الذين يعلمون أنه ليس من شرط كونه حقا حصول الدولة في الدنيا، فلا تواتر الفتح والظفر يدل على كونه حقا، ولا انقطاع النصر والغلبة يدل على كونه باطلا، بل الأمر في كونه حقا وباطلا مبني على الدليل-( ٢ ).
١ وفي الصحيح:" من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين"..
٢ مما نقل صاحب تفسير غرائب القرآن..
﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ﴾ يأمر تعالى عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يباشر القتال بنفسه، ومن نكل عنه فلا عليه منه ؛.. عن أبي إسحق قال :قلت للبراء :الرجل يحمل على المشركين أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة ؟ قال :لا، إن الله بعث برسوله صلى الله عليه وسلم وقال : ﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ﴾ إنما ذلك في النفقة ؛ مما جاء في تفسير غرائب القرآن : ﴿ فقاتل ﴾ قيل إنه جواب لقوله : ﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل ﴾ كأنه تعالى قال :إن أردت الفوز فقاتل، ...، ويعلم من قوله : ﴿ وحرض المؤمنين ﴾ أن الواجب على الرسول :إنما هو الجهاد، وتحريض الناس على الجهاد- أي الحث والإحماء عليه-، فإذا أتى بالأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف، وليس عليه من كون غيره تاركا شيء ؛...، و﴿ عسى ﴾ من الله جزم، لأن الرجاء عليه محال، فهو إطماع، وإطماع الكريم إيجاب، فلزم الجهاد وإن كان وحده، فلا جرم أنه صلى الله عليه وسلم قال في بدر الصغرى( ١ ) : " لأخرجن وحدي فخرج وتبعه سبعون راكبا، ولو لم يتبعه أحد خرج وحده، ثم إنه تعالى كف بأس المشركين، وألقى الرعب في قلوب أبي سفيان وأصحابه، حتى ندموا وتركوا الحرب في تلك السنة ؛ وفي الآية دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان أشجع الخلق، لأنه تعالى لم يأمره بالقتال وحده إلا أنه كذلك، وقيل :اقتدى به أبو بكر حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة ؛ ومن عرف أن الأمر كله بيد الله، وأنه لا يحدث شيء إلا بقضاء الله، سهل عليه الفوت، وكان بمعزل عن تقية الموت ؛ ﴿ والله أشد بأسا ﴾ أقوى سلطانا، وأعظم هيمنة على ما يريده، ﴿ وأشد تنكيلا ﴾ عقوبة مخيفة قاهرة، وعذابا موجعا.
١ وتسمى بدر الموعد- غزوة خرج إليها النبي صلى الله عليه وسلم! إذ واعدته قريش أن يخرج لملاقاتهم عند بئر بدر، وذلك بعد غزوة أحد..
﴿ من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ﴾ عرفوا بأنها :إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع، وإيصال المنفعة إلى المشفوع له، فالشفاعة إذا ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك ؛ وهي من الشفع، وهو الزوج في العدد، لأنه يصير مع صاحبه شفعا، فمن شفع شفاعة حسنة ليصلح بين اثنين استوجب الأجر، ومن الشفاعة الحسنة الدعاء للمسلمين، في صحيح مسلم : " من دعا لأخيه بظهر الغيب فقال الملك الموكل به آمين ولك بمثل "، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء " ( ١ ) ؛ ﴿ ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا ﴾ مما قال الحسن ومجاهد وغيرهما :الحسنة منها- من الشفاعة- :هي التي بها روعي حق مسلم ودفع بها عنه شر أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم يؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز لا في حد من حدود الله ولا في إبطال حق من الحقوق، والسيئة :ما كان بخلاف ذلك ؛ قال أهل اللغة :الكفل :النصيب، ﴿ وكان الله على كل شيء مقيتا ﴾ حسيبا، حفيظا، مقتدرا.
١ رواه البخاري في الزكاة والتوحيد، ورواه مسلم في البر؛ وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه:" ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم"..
﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾- كانت العرب تقول عند التلاقي :حياك الله، دعاء له بالحياة، فأبدل الله ذلك بالسلام، ولعمري إن هذا أحسن لأن الحياة إن لم تكن مقرونة بالسلامة لم يعتد بها، بل لعل الموت خير منها، ولأن السلام اسم من أسماء الله تعالى فالابتداء به أولى-( ١ ) ؛ في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذ فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم " ؛ وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل عليه السلام يقرأ عليها السلام، قالت :وعليه السلام ورحمة الله ؛ وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم السلام عليكم فقل وعليك " ؛ وقد تضمنت الأخبار أن من قال لأخيه المسلم :سلام عليكم كتب له عشر حسنات فإن قال :السلام عليكم ورحمة الله كتب له عشرون حسنة، فإن قال :السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب له ثلاثون حسنة، وكذلك لمن رد من الأجر ؛ ﴿ إن الله كان على كل شيء حسيبا ﴾ قال قتادة :محاسبا، يحاسب كل قائل وعامل، ويجازيه بقدر قوله وعمله.
١ مما أورد صاحب تفسير غرائب القرآن؛ وقد ساق بحثا وافيا عن السلام، وأوفى منه ما أورده صاحب الجامع لأحكام القرآن..
﴿ الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا ﴾ لا أحد أصدق من الله، وهو سبحانه المعبود بحق دون سواه ؛ واللام في ﴿ ليجمعنكم ﴾ لام القسم، وكل لام بعدها نون مشددة فهو لام قسم، أقسم الله تعالى بنفسه أنه جامع الخلق ليوم لا شك في مجيئه ووقوعه، يوم يقوم الناس لرب العالمين.
*فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا( ٨٨ )
﴿ فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ﴾ في صحيح مسلم عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد، فرجع ناس ممن كان معه، فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين، فقال بعضهم :نقتلهم، وقال بعضهم :لا ؛ فنزلت :
﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ وروى البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنها طيبة تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة " وفيه عن أبي هريرة :".. المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد " ( ١ ) ؛
﴿ والله أركسهم بما كسبوا ﴾ قلب حالهم، وسيرمون في النار منكسين، بسبب كسبهم الكفر ؛ ﴿ أتريدون أن تهدوا من أضل الله ﴾ الاستفهام يتضمن معنى الإنكار، فإنه ما ينبغي لمؤمن ولا لمؤمنة أن يظن بمن خذله الله خيرا، أو يرجو له صلاحا ورشدا ؛
﴿ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ﴾ والذي يضلله الله مهما دعوته إلى الهدى فلن يهتدي، (.. وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا.. ) ( ٢ )، (.. فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم.. ) ( ٣ ).
١ وصاحب تفسير القرآن العظيم أورده عن زيد هكذا: أنها طيبة وإنها تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد. ينقله عن الإمام أحمد، بينما قال مختصر التفسير: رواه الشيخان؛ ورواية الشيخين هي ما دونته في صلب الكتاب...
٢ من سورة الأعراف. من الآية ١٤٦..
٣ سورة الصف. من الآية ٥..
﴿ ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ﴾ تمنى هؤلاء المنافقون أن تصيروا إلى ما صاروا إليه، وأحبوا كفركم لتستووا أنتم وهم في الزيغ والغي، فلم يكفهم أن استحبوا الضلال، ولكنهم تطلعوا إلى الإضلال، طمعا في أن يردوكم بعد إيمانكم كافرين ؛
﴿ فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله ﴾- وللهجرة ثلاث استعمالات :أحدها- الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام، وهو الاستعمال المشهور، وثانيها- ترك المنهيات، وثالثها- الخروج للقتال، وعليه حمل الهجرة من قال :إن الآية نزلت فيمن رجع يوم أحد، على ما حكاه خبر الشيخين، وجزم به في الخازن-( ١ ) ؛ ﴿ فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا ﴾. قال السدي :إذا أظهروا كفرهم فاقتلوهم حيث وجدتموهم ؛ ونهى الله تعالى المؤمنين عن موالاتهم ومصافاتهم، أو الاستنصار بهم ؛ -
١ من روح المعاني؛ للسيد محمود الألوسي البغدادي رحمه الله تعالى..
ثم لما أمر بقتل هؤلاء الكفار استثنى عنه موضعين :الأول : ﴿ إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ والمعنى :أن من دخل في عهد من كان داخلا في عهدكم فهم أيضا داخلون في عهدكم، ... الثاني قوله : ﴿ أو جاءوكم ﴾ وفي العطف وجهان :أحدهما أن يكون معطوفا على صفة ﴿ قوم ﴾، والمعنى :إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين أو إلى قوم جاءوكم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم، ثانيهما العطف على صلة ﴿ الذين ﴾ كأنه قيل :الذين يتصلون بالمعاهد أو إلى الذين لا يقاتلوكم، وهذا أنسب بقوله في صفتهم :
﴿ فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم ﴾ إلى آخر الآية، إذ بين أن كفهم عن القتال سبب استحقاقهم لنفي التعرض لهم بالاستقلال، لا بواسطة الاتصال، ومعنى : ﴿ حصرت صدورهم ﴾ ضاقت، والحصر :الضيق والانقباض، وهو في موضع الحال بإضمار قد، ...، ثم هؤلاء الجاءون من الكفار أو من المؤمنين ؟...، إنه تعالى لما أوجب الهجرة على كل من أسلم استثنى من له عذر، وهما طائفتان :إحداهما الذين قصدوا الرسول صلى الله عليه وسلم للهجرة والنصرة إلا أنه كان في طريقهم كفار غالبون فصاروا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وأقاموا عندهم إلى أن يمكنهم الخلاص، والثانية من صار إلى الرسول ولا يقاتل الرسول ولا أصحابه، لأنه يخاف الله فيه، ولا يقاتل الكافر أيضا لأنهم أقاربه، أو لأنه بقي أولاده وأزواجه بينهم فيخاف لو قاتلهم أن يقتلوا أولاده وأصحابه، فهذان الفريقان من المشركين لا يحل قتالهم، وأن كان لم يوجد منهم الهجرة ومقاتلة الكفار، وعلى هذا فمعنى قوله :
﴿ ولو شاء الله لسلطهم عليكم ﴾ أي :لو شاء لقوى قلوبهم ليدفعوا عن أنفسهم إن أقدمتم على مقاتلتهم على سبيل الظلم، ...، ﴿ فإن اعتزلوكم ﴾ أي :فإن لم يتعرضوا لكم ﴿ وألقوا إليكم السلم ﴾ أي الانقياد والاستسلام ﴿ فما جعل لكم عليهم سبيلا ﴾ فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم.
﴿ ستجدون آخرين ﴾ هم قوم من أسد وغطفان كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين، فإذا راجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم ﴿ كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها ﴾ أي :ردوا مقلوبين منكوسين فيها، وهذه استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين، لأن من وقع في حفرة منكوسا تعذر خروجه،
﴿ فإن لم يعتزلوكم ويلقوا ﴾ أي :ولم يلقوا، ولم يكفوا ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم ﴾ حيث تمكنتم منهم، قال الأكثرون :وفيه دليل على أنهم إذا اعتزلوا قتالنا وطلبوا الصلح منا وكفوا أيديهم عن إيذائنا لم يجز لنا قتالهم ولا قتلهم، ..، أما قوله ﴿ سلطانا ﴾ فمعناه حجة واضحة، لانكشاف حالهم في الكفر والغدر، أو :تسلط ظاهر حيث أذنا لكم في قتلهم-( ١ ).
١ مما أورد صاحب تفسير غرائب القرآن..
وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما( ٩٢ ).
في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :' لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والتارك( ١ ) لدينه المفارق للجماعة " وفيهما عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله " ( ٢ )، وفيهما عن جرير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في حجة الوداع :" استنصت الناس " فقال :" لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " وهكذا ينفر صلى الله عليه وسلم من قتل المسلم خشية أن يصل القاتل إلى النار مأوى أهل الكفر، أو يستحل قتل المؤمن فيصبح بذلك كافرا ؛ ويحذرنا المصطفى عليه الصلاة والسلام من كل ما يفضي إلى تلك البلية المهلكة بلية القتل، فقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :لا يشير( ٣ ) أحدكم على أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار " ( ٤ ) ؛ ﴿ وما كان ﴾ نهي وتحريم، كقوله سبحانه :(.. وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله.. ) ( ٥ ) ؛ ﴿ إلا خطأ ﴾ قال سيبويه والزجاج- رحمهما الله- ﴿ إلا ﴾ بمعنى :لكن، والتقدير :ما كان له أن يقتله البتة، لكن إن قتله خطأ فعليه كذا، ومن مجيء إلا بمعنى لكن :قوله تعالى : ﴿ .. ما لهم به من علم إلا اتباع الظن.. ﴾- ووجوه الخطأ كثيرة...، مثل أن يرمي صفوف المشركين فيصيب مسلما، ...، أو يرمي إلى غرض فيصيب إنسانا، ... ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ أي :فعليه تحرير رقبة ؛ وهذه الكفارة التي أوجبها الله تعالى في كفارة القتل والظهار أيضا، .. عن ابن عباس والحسن..، الرقبة المؤمنة هي التي صلت وعقلت الإيمان، ...، ﴿ ودية مسلمة ﴾ الدية ما يعطى عوضا عن دم القتيل إلى وليه ؛ ﴿ مسلمة ﴾ مدفوعة مؤداة، ...، وثبتت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الدية مائة من الإبل، ...، واختلفوا فيما يجب على غير أهل الإبل ؛ فقالت طائفة :على أهل الذهب ألف دينار، ...، وأما أهل الورق- الفضة- فاثنا عشر ألف درهم، .....، ثبتت الأخبار عن النبي المختار محمد صلى الله عليه وسلم أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة ؛...، ﴿ إلا أن يصدقوا ﴾.. يعني :إلا أن يبرئ الأولياء ورثة ُ المقتول القاتلين مما أوجب الله لهم من الدية عليهم ؛...، وأما الكفارة التي هي لله تعالى فلا تسقط بإبرائهم ؛...، ﴿ فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ﴾... فإن كان هذا المقتول رجلا مؤمنا قد آمن وبقي في قوم وهم كفرة... فلا دية فيه، وإنما كفارته تحرير الرقبة، ...، ﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ هذا في الذمي والمعاهد يُقتل خطأ فتجب الدية والكفارة ؛....، وأجمع العلماء على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل ؛...، ﴿ فمن لم يجد ﴾ أي الرقبة ولا اتسع ماله لشرائها ؛ ﴿ فصيام شهرين ﴾ أي فعليه صيام شهرين﴿ متتابعين ﴾ حتى لو أفطر يوما استأنف ؛ هذا قول الجمهور ؛... ﴿ توبة من الله ﴾ نصب على المصدر، ومعناه :رجوعا ؛ وإنما مست حاجة المخطئ إلى التوبة لأنه لم يتحرز، وكان من حقه أن يتحفظ ؛....، ﴿ وكان الله ﴾ أي :في أزله وأبده ﴿ عليما ﴾ بجميع المعلومات ﴿ حكيما ﴾ فيما أحكم وأبرم-( ٦ ).
١ وفي اللؤلؤ والمرجان:" والمارق من الدين التارك للجماعة"..
٢ ورواية أبي هريرة:" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله"..
٣ نهى بلفظ الخبر كقوله تعالى:( لا تضار والدة)..
٤ قال القسطلاني ما حاصله: أي يقلعه من يده فيصيب به الآخر أو يشد يده فيصيبه، فيقع في معصية تفضي به إلى أن يقع في حفرة من النار يوم القيامة..
٥ سورة الأحزاب. من الآية ٥٣..
٦ من الجامع لأحكام القرآن..
﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ﴾ نقل عن سعيد بن جبير قال :سألت ابن عباس عن قوله : ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ﴾ قال :إن الرجل إذا عرف الإسلام وشرائع الإسلام ثم قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ولا توبة له، فذكرت ذلك لمجاهد فقال :إلا من ندم ؛ وهذا الذي ذكره مجاهد عليه أهل السنة، .
فقد جاء في الصحيحين عن عبادة بن الصامت عن الرسول صلى الله عليه وسلم :وفيه : " تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب شيئا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه " ؛ .
وفي الصحيحين عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا ثم خرج يسأل فأتى راهبا فسأله فقال له هل من توبة قال لا، فقتله فجعل يسأل فقال له رجل :ائت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت فناء بصدره نحوها فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فأوحى الله إلى هذه أن تقربي وأوحى الله إلى هذه أن تباعدي وقال قيسوا ما بينهما فوجد إلى هذه أقرب بشبر فغفر له "، يقول صاحب تفسير القرآن العظيم :وإذا كان هذا في بني إسرائيل فلأن يكون في هذه الأمة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى، لأن الله وضع عنا الآصار والأغلال التي كانت عليهم، وبعث نبينا بالحنيفية السمحة ؛ قال النحاس :القول فيه عند العلماء أهل النظر أنه محكم وأنه يجازيه إذا لم يتب فإن تاب فقد بين أمره بقوله : ﴿ وإني لغفار لمن تاب.. ﴾ ( ١ )، فهذا لا يخرج عنه، والخلود لا يقتضي الدوام، قال الله تعالى :( وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد.. ) ( ٢ ) الآية ؛ وقال تعالى :( يحسب أن ماله أخلده ) ( ٣ )، وهذا يدل على الخلد يطلق على غير معنى التأبيد.
١ سورة طه. من الآية ٨٢..
٢ سورة الأنبياء. من الآية ٣٤..
٣ سورة الهمزة. الآية ٣..
يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا( ٩٤ )
أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس قال :كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون فقال السلام عليكم فقتلوه وأخذوا غنيمته ؛ فأنزل الله تعالى ذلك إلى قوله ﴿ عرض الحياة الدنيا ﴾ تلك الغنيمة( ١ ) ؛ وفي الصحيحين عن المقداد( ٢ ) بن الأسود أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم :أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار، فاقتتلنا، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال أسلمت لله، أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :'لا تقتله " فقال :يا رسول الله إنه قطع إحدى يدي ثم قال ذلك بعدما قطعها ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا تقتله فإنك إن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال " ؛ وفيهما عن أسامة بن زيد قال :بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، فلما غشيناه قال لا إله إلا الله، فكف الأنصاري عنه، وطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال :" يا أسامة أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله " ؟ قلت :كان متعوذا ؛ فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم ؛ ﴿ كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم ﴾ كنتم قبل أن تهدوا إلى الإسلام كهؤلاء الذين قتلتموهم، لكن الله تعالى أنعم عليكم، فشرح صدوركم للحق، فترفقوا بالخلق وائتوا إليهم ما تحبون أن يؤتى إليكم، ولا تتهموا من دخل في الدين بأنه مصانع، ﴿ فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا ﴾ تثبتوا من حال مَن تلقون، وتذكروا أن المولى محيط علمه بعمل كل عامل فاعملوا خيرا لتنالوا الخير.
١ عند غير البخاري: وحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته إلى أهله ورد عليهم غنيماته..
٢ هو المقداد بن عمرو الكندي، رضي الله عنه..
لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما( ٩٥ )
روى البخاري عن البراء قال :لما نزلت ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين ﴾ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته، فأنزل الله : ﴿ غير أولي الضرر ﴾ والضرر قد يعني :النقصان في البنية كالعمى والعرج والمرض، أو :عدم الأهبة ؛ فكأن المعنى :لا يستوي القاعدون والمجاهدون، إلا أولي الضرر فإنهم يساوون المجاهدين( ١ )، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم :" لقد خلفتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم أولئك أقوام حبسهم العذر " رواه البخاري في الجهاد( ٢ ) ؛ ﴿ فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى ﴾ قال ابن جريج والسدي :فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر بدرجة واحدة، وفضل الله المجاهدين على القاعدين من غير أولي الضرر بدرجات ؛ ﴿ وكلا وعد الله الحسنى ﴾ أي كل واحد من المجاهدين والقاعدين وعده الله الحسنى، مثوبة الجنة.
١ مما يقول المفسرون: وقد تمسك بعض العلماء بهذه الآية بأن أهل الديوان أعظم أجرا من أهل التطوع؛ قال ابن محيريز: أصحاب العطاء أفضل من المتطوعة لما يروعون. قال مكحول روعات البعوث تنفي روعات القيامة..
٢ ورواية أنس رضي الله عنه فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزاة فقال: "إن أقواما بالمدينة خلفنا ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا فيه حبسهم العذر". وفي رواية:" إن بالمدينة رجالا ما قطعتم واديا ولا سرتم مسيرا إلا كانوا معكم أولئك قوم حبسهم العذر"..
﴿ درجات منه ومغفرة ورحمة ﴾ انتصبت كلها على البدلية من ﴿ أجرا ﴾ ؛ عن قتادة :الإسلام درجة، والهجرة في الإسلام درجة، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد درجة ؛ وقال ابن زيد :هي الدرجات السبع التي ذكرها في سورة براءة :( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب.. ) ( ١ ) فقرأ حتى بلغ :(.. أحسن ما كانوا يعملون ) قال :هذه السبع الدرجات، قال :وكان أول شيء. فكانت درجة الجهاد مجملة، فكان الذي جاهد بماله له اسم في هذه، فلما جاءت هذه الدرجات بالتفصيل أخرج منها، فلم يكن له منها إلا النفقة، فقرأ :( لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ) وقال :ليس هذا لصاحب النفقة، ثم قرأ :( ولا ينفقون نفقة ) قال :وهذه نفقة القاعد ؛ وقال ابن محيريز ما حاصله :درجات الجنة ؛ ويشهد لهذا ما جاء في الصحيحين :.. إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله بين الدرجتين كما بين السماء والأرض "، ﴿ وكان الله غفورا رحيما ﴾ ولم يزل الله غفورا لذنوب عباده المؤمنين فيصفح لهم عن العقوبة عليها، رحيما بهم يتفضل عليهم بنعمه مع خلافهم أمره ونهيه، وركوبهم معاصيه.
١ سورة البراءة.الآيتان ١٢١،١٢٠..
﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ﴾ إن الذين تقبض أرواحهم الملائكة ﴿ ظالمي أنفسهم ﴾ يعني :مكسبي أنفسهم غضب الله وسخطه، .. ﴿ قالوا فيم كنتم ﴾ يقول :قالت الملائكة لهم :.. في أي شيء كنتم عن دينكم ؟ ﴿ قالوا كنا مستضعفين في الأرض ﴾... يستضعفنا أهل الشرك بالله في أرضنا وبلادنا بكثرة عددهم وقوتهم، فيمنعونا من الإيمان بالله واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم- معذرة ضعيفة، وحجة واهية- ﴿ قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾ يقول :فتخرجوا من أرضكم ودوركم، وتفارقوا من يمنعكم بها من الإيمان بالله واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، إلى الأرض التي يمنعكم أهلها من سلطان أهل الشرك بالله فتوحدوا الله فيها وتعبدوه وتتبعوا نبيه ؟ ! يقول الله جل ثناؤه : ﴿ فأولئك مأواهم جهنم ﴾ أي :فهؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم، الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم.. مصيرهم في الآخرة جهنم، وهي مسكنهم ﴿ وساءت مصيرا ﴾ يعني :وساءت جهنم لأهلها الذين صاروا إليها مصيرا ومسكني ومأوى.
ثم استثنى جل ثناؤه المستضعفين الذين استضعفهم المشركون من الرجال والنساء والولدان، وهم العجزة بالعسرة وقلة الحيلة وسوء البصر والمعرفة بالطريق من أرضهم أرض الشرك إلى أرض الإسلام- من القوم الذين أخبر جل ثناؤه أن مأواهم جهنم أن تكون جهنم مأواهم للعذر الذي هم فيه، على ما بينه تعالى ذكره، ونصب ﴿ المستضعفين ﴾ على الاستثناء...
﴿ فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ﴾.. لعل الله أن يعفو عنهم للعذر الذي هم فيه وهم مؤمنون، فيتفضل عليهم بالصفح عنهم في تركهم الهجرة إذ لم يتركوها اختيارا، ولا إيثارا منهم لدار الكفر على دار الإسلام، ولكن للعجز الذي هم فيه عن النقلة عنها، ﴿ وكان الله عفوا غفورا ﴾ يقول :ولم يزل الله عفُوا يعني ذا صفح بفضله عن ذنوب عباده بتركه العقوبة عليها، غفورا ساترا عليهم ذنوبهم بعفوه لهم عنها-( ١ ).
١ من جامع البيان، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري..
﴿ ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ﴾ يبشر الله في كتابه الحق بأن الذي يترك دياره التي تصده عن دين ربنا القويم، ليلحق بدار حق ونصرة سينزله الله منزلا كريما، يغيظ به أهل الغي والبغي، ويفسح له في العيش والرزق، (.. ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا ) ( ١ ) (.. ومن يتق الله يجعل له مخرجا. ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه.. ) ( ٢ ) ؛ ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ﴾ وبشرى للذي يشرع في الهجرة( ٣ ) ابتغاء نصرة الدين بأنه مأجور، وإن عاجلته المنية في طريقه قبل بلوغه مهجره ؛ نقل عن عكرمة قال :طلبت اسم هذا الرجل أربع عشرة سنة حتى وجدته( ٤ ) ؛ والذي ذكره عكرمة هو ضمرة بن العيص ؛ ﴿ وكان الله غفورا رحيما ﴾- ولم يزل الله تعالى ذكره غفورا يعني ساترا ذنوب عباده المؤمنين بالعفو لهم عن العقوبة عليها، رحيما بهم رفيقا-( ٥ ).
١ سورة الطلاق.من الآية ٤..
٢ سورة الطلاق. من الآية ٢ ومن الآية ٣..
٣ قسم العلماء رضي الله عنهم الذهاب في الأرض قسمين: هربا وطلبا، فالأول ينقسم إلى ستة أقسام: الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، الخروج من أرض البدعة، الخروج من أرض غلب عليها الحرام، الفرار من الأذية في البدن، خوف المرض في البلاد الوخمة، الفرار الأذية في المال؛ وقسم الطلب ينقسم إلى قسمين: طلب الدين كالعمرة والحج والجهاد والمعاش وسفر التجارة والكسب الزائد على القوت، وطلب العلم، وقصد البقاع، والثغور للرباط بها، وزيارة الإخوان في الله تعالى، فهذه خمسة عشر قسما من أقسام الذهاب في الأرض ستة أقسان منها في الهرب، وتسعة في الطلب، وقد كتب فيها القاضي أبو بكر بن العربي بحثا وافيا مبينا فيه حكم كل منها، وهي إما واجبة أو منبوذة، ونقل هذا عن ابن العربي والقرطبي..
٤ يقول القرطبي- رحمه الله-: وفي قول عكرمة هذا دليل على شرف هذا اعلم قديما، وأن الاعتناء به حسن والمعرفة به فضل؛ أقول: ومنه قول ابن عباس؛ مكثت سنين أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما يمنعني إلا مهابته. ا هـ..
٥ هو من جامع البيان لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري..
وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا( ١٠١ )
﴿ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ﴾ ضربتم :تحركتم واضطربتم في البلاد وسافرتم، وخرجتم ذاهبين فيها، لتجارة أو جهاد أو طلب علم أو رزق أو نحوها، فلا حرج عليكم ولا تضييق، بل أذن الله لكم أن تخففوا من صلاتكم، من عدد ركعات الرباعية لتصير ثنائية، وفي النافلة تصلون في سفركم على رواحلكم إن شئتم، مستقبلين القبلة وغير مستقبلين لها، - والمراد من الأرض ما يشمل البر والبحر، والمقصود التعميم، ...، والقصر خلاف المد، يقال :قصرت الشيء إذا جعلته قصيرا بحذف بعض أجزائه أو أوصافه، ... يراد بالصلاة الجنس ليكون المقصود بعضا منها وهي الرباعية-( ١ ).
أخرج الشيخان- البخاري ومسلم- عن حارثة بن وهب الخزاعي أنه قال :صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر بمنى أكثر ما كان الناس وآمنه بركعتين ؛ أخرجا عن عبد الله بن يزيد :صلى بنا عثمان بن عفان رضي الله عنه بمنى أربع ركعات فقيل في ذلك لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه فاسترجع( ٢ )، ثم قال :صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقلبتان ؛ وفي البخاري عن عبد الله بن عمر قال :صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين وأبي بكر وعمر، وعثمان صدراً مِن إمارته ثم أتمها ؛ وروى البخاري عن أنس يقول :خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، قلت :أقمتم بمكة شيئا ؟ قال :أقمنا بها عشرا ؛ ﴿ وإن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾- خرج مخرج الغالب حال نزول الآية، فإن في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة بل ما كانوا ينهضون إلا لغزو عام، أو في سرية خاصة، وسائر الأحيان حرب للإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب أو على حادثة فلا مفهوم له، كقوله تعالى : ﴿ .. ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا.. ﴾ وكقوله تعالى : ﴿ وربائبكم اللاتي في جحوركم.. ﴾- ( ٣ ) ؛ وعن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد أنه سأل عبد الله ابن عمر، فقال :يا أبا عبد الرحمن إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن ولا نجد صلاة السفر ؟ فقال عبد الله بن عمر :يا ابن أخي إن الله تبارك وتعالى بعث إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئا، فإنا نفعل كما رأيناه يفعل ؛ ومما قال الشافعي :القصر في غير الخوف بالسنة، وأما في الخوف مع السفر فبالقرآن والسنة ؛ وفي صحيح مسلم عن يعلى بن أمية قال :سألت عمر بن الخطاب قلت : ﴿ .. فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا.. ﴾ وقد أمن الناس ؛ فقال لي عمر :عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " ( ٤ )- وفتنتهم إياها فيها :حملهم عليهم وهم فيها ساجدون، حتى يقتلوهم أو يأسروهم، فيمنعوهم من إقامتها وأدائها، ويحولوا بينهم وبين عبادة الله وإخلاص التوحيد له ؛.. ﴿ إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا ﴾ يعني :الجاحدون وحدانية الله.. قد أبانوا لكم عداوتهم بمناصبتهم لكم الحرب على إيمانكم بالله ورسوله، وترككم عبادة ما يعبدون من الأوثان والأصنام، ومخالفتكم ما هم عليه من الضلالة-( ٥ ).
١ من روح المعاني، في تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى، للسيد محمود الألوسي البغدادي..
٢ أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون..
٣ من تفسير القرآن العظيم..
٤ مما جاء في فتح القدير: فالقصر مع الخوف ثابت بالكتاب، والقصر مع الأمن ثابت بالسنة، ومفهوم الشرط-(إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا)- لا يقوى على معارضة ما تواتر عنه صلى الله عليه وسلم من القصر مع الأمن؛ وقد قيل: إن هذا الشرط خرج مخرج الغالب، لأن الغالب على المسلمين إذ ذاك القصر للخوف في الأسفار..
٥ من جامع البيان..
﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ﴾ روى الشيخان في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع أنه صلى بطائفة ركعة فلما قام للثانية فارقته وأتمت وذهبت إلى وجه العدو، جاء الواقفون في وجهه ورسول الله ينتظرهم فاقتدوا به صلى بهم الركعة الثانية فلما جلس للتشهد قاموا فأتموا صلاتهم ولحقوه وسلم بهم ؛ وأخرجا عن سالم عن أبيه في قوله سبحانه : ﴿ فأقمت لهم الصلاة ﴾ هي صلاة الخوف، صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مقبلة على العدو، ثم انصرفت التي صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم فقاموا مقام أولئك مقبلين على العدو، وأقبلت الطائفة الأخرى التي كانت مقبلة على العدو فصلى بهم رسول الله صلى لله عليه وسلم ركعة أخرى، ثم سلم بهم، ثم قامت كل طائفة فصلوا ركعة ركعة فتم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان ولكل من الطائفتين ركعتان :ركعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركعة بعد سلامه.
﴿ ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ﴾ يحب الجاحدون أن يباغتوكم حين تكون منكم غرة أو غفلة عن عدة حربكم، فيحملون عليكم وأنتم مشاغيل، فيتمكنون من قتلكم أو أسركم إن باغتوكم وأنتم لا تشعرون ؛ ﴿ ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم ﴾ وما جعل الله عليكم من حرج ولا إثم إن كنتم ممطورين، أو أعلاء أو مجروحين أن تجعلوا سلاحكم في متناولكم مع أخذ الحذر من أن يباغتكم عدوكم، واحترسوا من كيدهم ﴿ إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ﴾- تعليل للأمر بأخذ الحذر، أي :أعد لهم عذابا مذلا، وهو عذاب المغلوبية لكم، ونصرتكم عليهم، فاهتموا بأموركم، ولا تهملوا مباشرة الأسباب كي يعذبهم بأيديكم، وقيل لما كان الحذر من العدو موهما لغلبته واعتزازه نفى ذلك الإيهام بالوعد بالنصر وخذلان العدو لتقوى قلوب المأمورين، ويعلموا أن التحرز في نفسه عبادة، كما أن النهي عن إلقاء النفس في التهلكة لذلك، لا للمنع عن الإقدام على الحرب-( ١ ).
١ من روح المعاني..
﴿ فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ﴾ فإذا أديتم صلاة الخوف كما شرعت لكم وانتهيتم من أدائها فداوموا على ذكر الله سبحانه على أي حال كنتم، فإن ذكر الله تعظيم للمذكور تقدست أسماؤه، وتطمين للذاكر، (.. ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) ( ١ ) فإذا استقررتم وسكنتم من السير، وأمنتم مداهمة العدو فأتموا الصلاة وعدلوا أركانها واستكملوا شروطها وحافظوا على حدودها، واجتمعوا على أدائها، إن هذه الفريضة أمر عهد الله تعالى إليكم أن تقفوا لها وتحسنوا النهوض بها في أوقاتها.
١ سورة الرعد. من الآية ٢٨..
﴿ ولا تهنوا في ابتغاء القوم ﴾ ولا تتوانو ولا يدركنكم ضعف في طلب الأعداء لتقاتلوهم، ﴿ إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون ﴾ دعوة إلى المصابرة والمجالدة، وبشرى بأن خير الناصرين ولي الطائفة المجاهدة، ومثل هذا قول الحق سبحانه : ﴿ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ﴾ ( ١ )، وقوله جل ثناؤه :( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم ) ( ٢ )، وإنها سنته التي لا تتبدل :( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين. وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين ) ( ٣ ) ؛ ﴿ وكان الله عليما ﴾ ولم يزل محيطا علمه بكل معلوم، ومنه، ما ادخر لكم من فتح ومغانم، ﴿ حكيما ﴾ فيما شرع لكم من مجاهدة الكفار والمنافقين، وما استحفظتم عليه من نصرة الدين.
١ سورة آل عمران.الآية ١٣٩..
٢ سورة محمد. الآية ٣٥..
٣ سورة آل عمران. الآيات ١٤٨،١٤٧،١٤٦..
إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما( ١٠٥ ) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما( ١٠٦ ) ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما( ١٠٧ ) يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا( ١٠٨ ) ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا( ١٠٩ ) ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما( ١١٠ ) ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما( ١١١ ) ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا( ١١٢ ) ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما( ١١٣ )* لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما( ١١٤ ) ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا( ١١٥ )
نُقولٌ كثيرة وردت في سبب نزول هذه الآيات الاثنتي عشرة بعضها مروي عن الصحابي قتادة( ١ ) بن النعمان رضي الله عنه، وبعضها عن ابن عباس رضي الله
تعالى عنهما، وأخرى عن مجاهد وابن زيد وعكرمة، وهي مُجمِعة على أن مجرما من بني أبيرق كان منافقا اقترف فوق نفاقه خطيئة سرقة أو خيانة، ثم اتهم به بريئا، فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بزخرف قول المنافق ومن جادلوا عنه، لكن الله جل ثناؤه أعلم نبيه حقيقة الأمر، فلما افتضح أمر هذا الخائن فر فمات بمكة أوفي الطريق إليها مذموما مدحروا ؛ لكنهم اختلفوا في الأبيرقي، هل هو بشر أو طعمة ؟، واختلفوا في المفترى عليه، أهو لبيد بن سهل ؟ أم أبو مليك أو أبو مليل ؟، أم يهودي :يقال له :زيد بن السمين ؟، وأيا ما كان سبب النزول فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ﴾ شهادة من الله العظيم- وكفى به شهيدا- أن الرسول مبعوث من ربه، وأن الكتاب المنزل عليه أوحى إليه به متلبسا بالحق، وهذا توكيد لصدق الرسالة والرسول، ﴿ لتحكم بين الناس بما أراك الله ﴾ فالقرآن المجيد منهاج الله، والعباد مطالبون بالتحاكم إليه، - في هذه الآية تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم وتكريم وتعظيم وتفويض إليه، ... ﴿ بما أراك الله ﴾ معناه :على قوانين الشرع ؛ إما بوحي ونص، أو بنظر جار على سنن الوحي ؛ وهذا أصل في القياس ؛ وهو يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى شيئا أصاب، لأن الله تعالى أراه ذلك، وقد ضمن الله تعالى لأنبيائه العصمة ؛ فأما أحدنا إذا رأى شيئا يظنه فلا يقطع فيما رآه، ولم يرد رؤية العين هنا، لأن الحكم لا يرى بالعين ؛ وفي الكلام إضمار، أي :بما أراكم الله، وفيه إضمار آخر، وأمض الأحكام على ما عرفناك من غير اغترار باستزلالهم ؛.. ﴿ ولا تكن للخائنين خصيما ﴾.. قيل :خصيما مخاصما..، فنهى الله عز وجل رسوله عن عضد أهل التهم، والدفاع عنهم بما يقوله خصمهم من الحجة، ... مال الكافر محفوظ عليه كمال المسلم، إلا في الموضع الذي أباحه الله تعالى ؛.. قال العلماء :ولا ينبغي إذا ظهر للمسلمين نفاق قوم أن يجادل فريق منهم فريقا عنهم ليحموهم ويدفعوا عنهم ؛ فإن هذا قد وقع على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم نزل قوله تعالى : ﴿ ولا تكن للخائنين خصيما ﴾ وقوله : ﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون نفسهم ﴾ ؛ والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد منه الذين كانوا يفعلونه من المسلمين دونه، لوجهين :أحدهما- أنه تعالى أبان ذلك بما ذكره بعد بقوله : ﴿ ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا ﴾ والآخر- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حكما فيما بينهم، ولذلك كان يُعتذر إليه ولا يَعتذر هو إلى غيره، فدل على أن القصد لغيره.
إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما( ١٠٥ ) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما( ١٠٦ ) ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما( ١٠٧ ) يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا( ١٠٨ ) ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا( ١٠٩ ) ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما( ١١٠ ) ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما( ١١١ ) ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا( ١١٢ ) ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما( ١١٣ )* لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما( ١١٤ ) ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا( ١١٥ )
نُقولٌ كثيرة وردت في سبب نزول هذه الآيات الاثنتي عشرة بعضها مروي عن الصحابي قتادة( ١ ) بن النعمان رضي الله عنه، وبعضها عن ابن عباس رضي الله
تعالى عنهما، وأخرى عن مجاهد وابن زيد وعكرمة، وهي مُجمِعة على أن مجرما من بني أبيرق كان منافقا اقترف فوق نفاقه خطيئة سرقة أو خيانة، ثم اتهم به بريئا، فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بزخرف قول المنافق ومن جادلوا عنه، لكن الله جل ثناؤه أعلم نبيه حقيقة الأمر، فلما افتضح أمر هذا الخائن فر فمات بمكة أوفي الطريق إليها مذموما مدحروا ؛ لكنهم اختلفوا في الأبيرقي، هل هو بشر أو طعمة ؟، واختلفوا في المفترى عليه، أهو لبيد بن سهل ؟ أم أبو مليك أو أبو مليل ؟، أم يهودي :يقال له :زيد بن السمين ؟، وأيا ما كان سبب النزول فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
﴿ واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما ﴾... والمعنى :واستغفر الله للمذنبين من أمتِك والمتخاصمين بالباطل، ... وقيل :الخطاب للنبي والمراد بنو أبيرق، كقوله تعالى :( يأيها النبي اتق الله.. ) ( ١ )، ( فإن كنت في شك.. ) ( ٢ ).
١ أول سورة الأحزاب..
٢ سورة يونس. من الآية ٩٤..
إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما( ١٠٥ ) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما( ١٠٦ ) ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما( ١٠٧ ) يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا( ١٠٨ ) ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا( ١٠٩ ) ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما( ١١٠ ) ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما( ١١١ ) ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا( ١١٢ ) ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما( ١١٣ )* لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما( ١١٤ ) ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا( ١١٥ )
نُقولٌ كثيرة وردت في سبب نزول هذه الآيات الاثنتي عشرة بعضها مروي عن الصحابي قتادة( ١ ) بن النعمان رضي الله عنه، وبعضها عن ابن عباس رضي الله
تعالى عنهما، وأخرى عن مجاهد وابن زيد وعكرمة، وهي مُجمِعة على أن مجرما من بني أبيرق كان منافقا اقترف فوق نفاقه خطيئة سرقة أو خيانة، ثم اتهم به بريئا، فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بزخرف قول المنافق ومن جادلوا عنه، لكن الله جل ثناؤه أعلم نبيه حقيقة الأمر، فلما افتضح أمر هذا الخائن فر فمات بمكة أوفي الطريق إليها مذموما مدحروا ؛ لكنهم اختلفوا في الأبيرقي، هل هو بشر أو طعمة ؟، واختلفوا في المفترى عليه، أهو لبيد بن سهل ؟ أم أبو مليك أو أبو مليل ؟، أم يهودي :يقال له :زيد بن السمين ؟، وأيا ما كان سبب النزول فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ هذا تعليم للأمة أن لا تنتصر لخائن، أو تدافع عنه، أو تتلمس له حجة داحضة، أو معذرة واهية، فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين، ﴿ إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما ﴾ فالخائض في الخيانة، العاكف على المعاصي والآثام بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة.
إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما( ١٠٥ ) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما( ١٠٦ ) ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما( ١٠٧ ) يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا( ١٠٨ ) ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا( ١٠٩ ) ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما( ١١٠ ) ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما( ١١١ ) ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا( ١١٢ ) ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما( ١١٣ )* لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما( ١١٤ ) ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا( ١١٥ )
نُقولٌ كثيرة وردت في سبب نزول هذه الآيات الاثنتي عشرة بعضها مروي عن الصحابي قتادة( ١ ) بن النعمان رضي الله عنه، وبعضها عن ابن عباس رضي الله
تعالى عنهما، وأخرى عن مجاهد وابن زيد وعكرمة، وهي مُجمِعة على أن مجرما من بني أبيرق كان منافقا اقترف فوق نفاقه خطيئة سرقة أو خيانة، ثم اتهم به بريئا، فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بزخرف قول المنافق ومن جادلوا عنه، لكن الله جل ثناؤه أعلم نبيه حقيقة الأمر، فلما افتضح أمر هذا الخائن فر فمات بمكة أوفي الطريق إليها مذموما مدحروا ؛ لكنهم اختلفوا في الأبيرقي، هل هو بشر أو طعمة ؟، واختلفوا في المفترى عليه، أهو لبيد بن سهل ؟ أم أبو مليك أو أبو مليل ؟، أم يهودي :يقال له :زيد بن السمين ؟، وأيا ما كان سبب النزول فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
﴿ يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا ﴾ يخاف المفترون أن يطلع الخلق على إفكهم، ولا يخافون اطلاع الخالق سبحانه على مكرهم وكيدهم، مع أنه جل وعلا سميع بصير خبير، يعلم سرهم ونجواهم :(.. ولا تعملون من عمل إلا كنا عليهم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر.. ) ( ١ )، ( أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون. أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون ) ( ٢ ).
(.. ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة.. ) ( ٣ ).
١ سورة ميونس. من الآية ٦١..
٢ سورة الزخرف. الآيتان ٨٠،٧٩..
٣ سورة المجادلة. من الآية ٧...
إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما( ١٠٥ ) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما( ١٠٦ ) ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما( ١٠٧ ) يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا( ١٠٨ ) ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا( ١٠٩ ) ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما( ١١٠ ) ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما( ١١١ ) ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا( ١١٢ ) ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما( ١١٣ )* لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما( ١١٤ ) ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا( ١١٥ )
نُقولٌ كثيرة وردت في سبب نزول هذه الآيات الاثنتي عشرة بعضها مروي عن الصحابي قتادة( ١ ) بن النعمان رضي الله عنه، وبعضها عن ابن عباس رضي الله
تعالى عنهما، وأخرى عن مجاهد وابن زيد وعكرمة، وهي مُجمِعة على أن مجرما من بني أبيرق كان منافقا اقترف فوق نفاقه خطيئة سرقة أو خيانة، ثم اتهم به بريئا، فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بزخرف قول المنافق ومن جادلوا عنه، لكن الله جل ثناؤه أعلم نبيه حقيقة الأمر، فلما افتضح أمر هذا الخائن فر فمات بمكة أوفي الطريق إليها مذموما مدحروا ؛ لكنهم اختلفوا في الأبيرقي، هل هو بشر أو طعمة ؟، واختلفوا في المفترى عليه، أهو لبيد بن سهل ؟ أم أبو مليك أو أبو مليل ؟، أم يهودي :يقال له :زيد بن السمين ؟، وأيا ما كان سبب النزول فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
﴿ ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا ﴾- ها أنتم الذين جادلتم- يا معشر من جادل عن بني أبيرق في الحياة الدنيا- والهاء والميم في قوله : ﴿ عنهم ﴾ من ذكر الخائنين، ﴿ فمن يجادل الله عنهم ﴾ يقول :فمن ذا يخاصم الله عنهم ﴿ يوم القيامة ﴾ أي :يوم يقوم الناس من قبورهم لمحشرهم، فيدافع عنهم ما الله فاعل بهم ومعاقبهم به، وإنما يعني بذلك أنكم أيها المدافعون عن هؤلاء الخائنين أنفسهم وإن دافعتم عنهم في عاجل الدنيا فإنهم سيصيرون في آجل الآخرة إلى من لا يدافع عنهم عنده أحد فيما بهم من أليم العذاب ونكال العقاب، وأما قوله : ﴿ أمن يكون عليهم وكيلا ﴾ فإنه يعني :ومن ذا الذي يكون على هؤلاء الخائنين وكيلا يوم القيامة، أي :ومن يتوكل لهم في خصوم ربهم عنهم يوم القيامة- ( ١ ).
١ من جامع البيان؛ لابن جرير الطبري..
إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما( ١٠٥ ) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما( ١٠٦ ) ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما( ١٠٧ ) يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا( ١٠٨ ) ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا( ١٠٩ ) ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما( ١١٠ ) ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما( ١١١ ) ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا( ١١٢ ) ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما( ١١٣ )* لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما( ١١٤ ) ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا( ١١٥ )
نُقولٌ كثيرة وردت في سبب نزول هذه الآيات الاثنتي عشرة بعضها مروي عن الصحابي قتادة( ١ ) بن النعمان رضي الله عنه، وبعضها عن ابن عباس رضي الله
تعالى عنهما، وأخرى عن مجاهد وابن زيد وعكرمة، وهي مُجمِعة على أن مجرما من بني أبيرق كان منافقا اقترف فوق نفاقه خطيئة سرقة أو خيانة، ثم اتهم به بريئا، فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بزخرف قول المنافق ومن جادلوا عنه، لكن الله جل ثناؤه أعلم نبيه حقيقة الأمر، فلما افتضح أمر هذا الخائن فر فمات بمكة أوفي الطريق إليها مذموما مدحروا ؛ لكنهم اختلفوا في الأبيرقي، هل هو بشر أو طعمة ؟، واختلفوا في المفترى عليه، أهو لبيد بن سهل ؟ أم أبو مليك أو أبو مليل ؟، أم يهودي :يقال له :زيد بن السمين ؟، وأيا ما كان سبب النزول فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
﴿ ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما. ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما ﴾ هكذا يبشر البر الرحيم أهل الإنابة بأنهم مهما أسرفوا على أنفسهم إثما وجرما ثم طلبوا العفو من الله فإنه سيدخلهم في رحمته، - وإنما خص ما يتعدى إلى الغير باسم السوء لأن إيصال الضرر إلى الغير سوء حاضر، ... وعن بعضهم :أن الاستغفار لا ينفع مع الإصرار، فلابد من اقترانه بالتوبة، ...
إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما( ١٠٥ ) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما( ١٠٦ ) ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما( ١٠٧ ) يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا( ١٠٨ ) ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا( ١٠٩ ) ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما( ١١٠ ) ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما( ١١١ ) ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا( ١١٢ ) ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما( ١١٣ )* لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما( ١١٤ ) ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا( ١١٥ )
نُقولٌ كثيرة وردت في سبب نزول هذه الآيات الاثنتي عشرة بعضها مروي عن الصحابي قتادة( ١ ) بن النعمان رضي الله عنه، وبعضها عن ابن عباس رضي الله
تعالى عنهما، وأخرى عن مجاهد وابن زيد وعكرمة، وهي مُجمِعة على أن مجرما من بني أبيرق كان منافقا اقترف فوق نفاقه خطيئة سرقة أو خيانة، ثم اتهم به بريئا، فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بزخرف قول المنافق ومن جادلوا عنه، لكن الله جل ثناؤه أعلم نبيه حقيقة الأمر، فلما افتضح أمر هذا الخائن فر فمات بمكة أوفي الطريق إليها مذموما مدحروا ؛ لكنهم اختلفوا في الأبيرقي، هل هو بشر أو طعمة ؟، واختلفوا في المفترى عليه، أهو لبيد بن سهل ؟ أم أبو مليك أو أبو مليل ؟، أم يهودي :يقال له :زيد بن السمين ؟، وأيا ما كان سبب النزول فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وقيل : ﴿ من يكسب إثما ﴾ الكسب عبارة عما يفيد جر منفعة أو دفع مضرة، ولذلك لم يجز وصف الباري تعالى بذلك، والمقصود منه :ترغيب العاصي في الاستغفار، وكأنه قال :الذنب الذي أتيت به إنما يعود وباله وضرره إليك لا إلي، فإني منزه عن النفع والضر، ولا تيأس من قبول التوبة، ﴿ وكان الله عليما حكيما ﴾ تقتضي حكمته أن يتجاوز عن التائب ما علمه منه.
إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما( ١٠٥ ) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما( ١٠٦ ) ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما( ١٠٧ ) يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا( ١٠٨ ) ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا( ١٠٩ ) ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما( ١١٠ ) ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما( ١١١ ) ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا( ١١٢ ) ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما( ١١٣ )* لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما( ١١٤ ) ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا( ١١٥ )
نُقولٌ كثيرة وردت في سبب نزول هذه الآيات الاثنتي عشرة بعضها مروي عن الصحابي قتادة( ١ ) بن النعمان رضي الله عنه، وبعضها عن ابن عباس رضي الله
تعالى عنهما، وأخرى عن مجاهد وابن زيد وعكرمة، وهي مُجمِعة على أن مجرما من بني أبيرق كان منافقا اقترف فوق نفاقه خطيئة سرقة أو خيانة، ثم اتهم به بريئا، فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بزخرف قول المنافق ومن جادلوا عنه، لكن الله جل ثناؤه أعلم نبيه حقيقة الأمر، فلما افتضح أمر هذا الخائن فر فمات بمكة أوفي الطريق إليها مذموما مدحروا ؛ لكنهم اختلفوا في الأبيرقي، هل هو بشر أو طعمة ؟، واختلفوا في المفترى عليه، أهو لبيد بن سهل ؟ أم أبو مليك أو أبو مليل ؟، أم يهودي :يقال له :زيد بن السمين ؟، وأيا ما كان سبب النزول فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
﴿ ومن يكسب خطيئة ﴾ صغيرة، ﴿ أو إثما ﴾ كبيرة، وقيل :الخطيئة :الذنب القاصر على فاعله، والإثم هو الذنب المتعدى إلى الغير كالظلم والقتل... ﴿ ثم يرم به ﴾ أي بأحد المذكورين، أو بالإثم، ...، أو بذلك الكسب ﴿ بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ﴾ لأنه بكسب الإثم أثيم، وبرمي البريء باهت فهو جامع بين الأمرين، فلا جرم يلحقه الذم في الدارين.
إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما( ١٠٥ ) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما( ١٠٦ ) ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما( ١٠٧ ) يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا( ١٠٨ ) ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا( ١٠٩ ) ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما( ١١٠ ) ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما( ١١١ ) ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا( ١١٢ ) ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما( ١١٣ )* لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما( ١١٤ ) ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا( ١١٥ )
نُقولٌ كثيرة وردت في سبب نزول هذه الآيات الاثنتي عشرة بعضها مروي عن الصحابي قتادة( ١ ) بن النعمان رضي الله عنه، وبعضها عن ابن عباس رضي الله
تعالى عنهما، وأخرى عن مجاهد وابن زيد وعكرمة، وهي مُجمِعة على أن مجرما من بني أبيرق كان منافقا اقترف فوق نفاقه خطيئة سرقة أو خيانة، ثم اتهم به بريئا، فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بزخرف قول المنافق ومن جادلوا عنه، لكن الله جل ثناؤه أعلم نبيه حقيقة الأمر، فلما افتضح أمر هذا الخائن فر فمات بمكة أوفي الطريق إليها مذموما مدحروا ؛ لكنهم اختلفوا في الأبيرقي، هل هو بشر أو طعمة ؟، واختلفوا في المفترى عليه، أهو لبيد بن سهل ؟ أم أبو مليك أو أبو مليل ؟، أم يهودي :يقال له :زيد بن السمين ؟، وأيا ما كان سبب النزول فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
﴿ ولولا فضل الله عليك ورحمته ﴾ ولولا أن خصك الله بالفضل، وهو النبوة، والرحمة، وهي العصمة ﴿ لهمت طائفة منهم ﴾... من الناس.. ﴿ أن يضلوك ﴾ عن القضاء الحق والحكم العدل، ﴿ وما يضلون إلا أنفسهم ﴾ بسبب تعاونهم على الإثم والعدوان، وشهادتهم بالزور والبهتان، لأن وباله عليهم ﴿ وما يضرونك من شيء ﴾ لأنك إنما عملت بظاهر الحال وما أمرت الأنبياء إلا بالحكم على الظواهر، أو هو وعد بإدامة العصمة له مما يريدون في الاستقبال من إيقاعه في الباطل، ثم أكد الوعيد بقوله : ﴿ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ﴾ أي إنه أمرك بتبليغ الشريعة إلى الخلق فكيف يليق بحكمته أن لا يعصمك عن الوقوع في الشبهات والضلالات ؛ ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم ﴾ من أخبار الأولين، فيه معنيان :أحدهما- أن يكون كما قال :(.. ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان.. ) ( ١ ) أي :أنزل الله عليك الكتاب والحكمة وأطلعك على أسرارها، وأوقفك على حقائقهما، مع أنك ما كنت قبل ذلك عالما بشيء منهما، فكذلك يفعل بك في مستأنف أيامك، حتى لا يقدر أحد من المنافقين على إضلالك ؛ الثاني- أن يكون المراد منها خفيات الأمور وضمائر القلوب، أي :علمك ما لم تكن تعلم من أخبار الأولين، فكذلك يعلمك من حيل المنافقين ووجوه مكايدهم ما تقدر به على الاحتراز منهم، ﴿ وكان فضل الله عليك عظيما ﴾ فيه دليل ظاهر على شرف العلم حيث سماه عظيما، وسمي متاع الدنيا بأسرها قليلا.
١ سورة الشورى. من الآية ٥٢...
إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما( ١٠٥ ) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما( ١٠٦ ) ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما( ١٠٧ ) يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا( ١٠٨ ) ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا( ١٠٩ ) ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما( ١١٠ ) ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما( ١١١ ) ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا( ١١٢ ) ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما( ١١٣ )* لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما( ١١٤ ) ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا( ١١٥ )
نُقولٌ كثيرة وردت في سبب نزول هذه الآيات الاثنتي عشرة بعضها مروي عن الصحابي قتادة( ١ ) بن النعمان رضي الله عنه، وبعضها عن ابن عباس رضي الله
تعالى عنهما، وأخرى عن مجاهد وابن زيد وعكرمة، وهي مُجمِعة على أن مجرما من بني أبيرق كان منافقا اقترف فوق نفاقه خطيئة سرقة أو خيانة، ثم اتهم به بريئا، فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بزخرف قول المنافق ومن جادلوا عنه، لكن الله جل ثناؤه أعلم نبيه حقيقة الأمر، فلما افتضح أمر هذا الخائن فر فمات بمكة أوفي الطريق إليها مذموما مدحروا ؛ لكنهم اختلفوا في الأبيرقي، هل هو بشر أو طعمة ؟، واختلفوا في المفترى عليه، أهو لبيد بن سهل ؟ أم أبو مليك أو أبو مليل ؟، أم يهودي :يقال له :زيد بن السمين ؟، وأيا ما كان سبب النزول فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
﴿ لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ﴾ أشار إلى ما كانوا يتناجون به حيث يبيتون ما لا يرضى من القول، والنجوى :سر بين اثنين، ... قال الفراء :قد تكون النجوى اسما ومصدرا، والآية وإن نزلت في مناجاة بعض قوم ذلك السارق بعضا إلا أنها في المعنى عامة والمراد أنه لا خير فيما يتناجى به الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا من أمر بصدقة، وفي محل ﴿ مَن ﴾ وجوه، ... فإن كان النجوى :السر، جاز أن يكون ﴿ من ﴾ في موضع النصب لأنه استثناء الشيء من خلاف جنسه، .. ومعناه :لكن من أمر بصدقة ففي نجواه الخير، .. وأبو عبيد جعل هذا من باب حذف المضاف، معناه :إلا نجوى من أمر... واعلم أن قول الخير إما أن يتعلق بإيصال المنفعة أو بدفع المضرة، والأول إن كان من الخيرات الجسمانية فهو الأمر بالصدقة، وإن كان من الخيرات الروحانية... فهو الأمر بالمعروف، والثاني هو الإصلاح بين الناس، .. - ( ١
١ من تفسير غرائب القرآن..
إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما( ١٠٥ ) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما( ١٠٦ ) ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما( ١٠٧ ) يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا( ١٠٨ ) ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا( ١٠٩ ) ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما( ١١٠ ) ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما( ١١١ ) ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا( ١١٢ ) ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما( ١١٣ )* لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما( ١١٤ ) ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا( ١١٥ )
نُقولٌ كثيرة وردت في سبب نزول هذه الآيات الاثنتي عشرة بعضها مروي عن الصحابي قتادة( ١ ) بن النعمان رضي الله عنه، وبعضها عن ابن عباس رضي الله
تعالى عنهما، وأخرى عن مجاهد وابن زيد وعكرمة، وهي مُجمِعة على أن مجرما من بني أبيرق كان منافقا اقترف فوق نفاقه خطيئة سرقة أو خيانة، ثم اتهم به بريئا، فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بزخرف قول المنافق ومن جادلوا عنه، لكن الله جل ثناؤه أعلم نبيه حقيقة الأمر، فلما افتضح أمر هذا الخائن فر فمات بمكة أوفي الطريق إليها مذموما مدحروا ؛ لكنهم اختلفوا في الأبيرقي، هل هو بشر أو طعمة ؟، واختلفوا في المفترى عليه، أهو لبيد بن سهل ؟ أم أبو مليك أو أبو مليل ؟، أم يهودي :يقال له :زيد بن السمين ؟، وأيا ما كان سبب النزول فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
﴿ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ﴾ المشاقة :أن يكون هذا في جانب وشق، وذاك في شق غيره، وهي تعني :المعاداة ؛ والهدى :الرشد والبيان ؛ وسبيل المؤمنين طريقهم ﴿ نوله ما تولى ﴾ نتركه إلى ما انحاز إليه، ومن شذ شذ في النار، وإنها لأسوأ منزل وقرار ؛ وقد استنبط العلماء من القول الحكيم : ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴾ صحة القول بالإجماع.
﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ عدل المولى سبحانه أن يفرق بين مَن آمن ومَن كفر، فالله بريء من المشركين ورسوله، ولم يأذن- تقدست أسماؤه- أن يُطلب لمشرك غفران :( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين.. ) ( ١ ) ؛ وربنا لا يهدي من هو كاذب كفار ؛ وعقبى الكافرين النار، ﴿ إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا. إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا.. ﴾ (.. إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ) ( ٢ )، والشرك هو الظلم العظيم ؛ وخص هذا الموضع به ليكون كالتكميل لقصة من سبق، بذكر الوعد بعد ذكر الوعيد في ضمن الآيات السابقة( ٣ ) فلا يضر بُعدُ العهد، أو لأن للآية سببا آخر في النزول، فقد أخرج الثعلبي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن شيخا من العرب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :إني شيخ منهمك في الذنوب إلا أني أشرك بالله تعالى منذ عرفته وآمنت به ولم أتخذ من دونه وليا ولم أوقع المعاصي جراءة وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله تعالى هربا وإني لنادم تائب، فما ترى حالي عند الله تعالى ؟ فنزلت ؛ ﴿ ومن يشرك بالله ﴾ شيئا من الشرك، أو أحدا من الخلق، وفي معنى الشرك به تعالى نفي الصانع، ولا يبعد أن يكون من أفراده ﴿ فقد ضل ضلالا بعيدا ﴾ عن الحق، أو عن الوقوع ممن له أدنى عقل، وإنما جعل الجزاء على ما قيل هنا : ﴿ فقد ضل ﴾.. وفيما تقدم : ﴿ فقد افترى إثما عظيما ﴾ لما أن تلك كانت في أهل الكتاب وهم مطلعون من كتبهم على ما لا يشكون في صحته من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ووجوب اتباع شريعته وما يدعو إليه من الإيمان بالله تعالى ومع ذلك أشركوا وكفروا فصار ذلك افتراء واختلافا وجراءة عظيمة على الله تعالى، وهذه الآية كانت في أناس لم يعلموا كتابا ولا عرفوا من قبل وحيا ولم يأتهم سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، فأشركوا بالله عز وجل وكفروا وضلوا مع وضوح الحجة وسطوع البرهان، فكان ضلالهم بعيدا، ولذلك جاء بعد تلك : ﴿ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ﴾ وقوله سبحانه : ﴿ أنظر كيف يفترون على الله الكذب ﴾، وجاء بعد هذه قوله تعالى : ﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثا ﴾.
١ سورة التوبة. من الآية ١١٣..
٢ سورة المائدة. من الآية ٧٢..
٣ مبل نستطيع القول: إن الجملة الكريمة الأولى من هذه الآية فيها الوعيد الشديد لمن أشرك وكفرن فالله ورسوله بريئان منهما، والله لا يحب كل خوان كفور، وبعدها جاء الوعد للعصاة المنيبين المستغفرين، بأنهم أنابوا إلى تواب رحيم..
﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثا ﴾ أي :ما يعبدون، أو :ما ينادون لحوائجهم من دون الله تعالى إلا أصناما، والجملة لوجه ما قبلها، ولذا لم تعطف عليه، وعبر عن الأصنام بالإناث لما روي عن الحسن أنه كان لكل حي من أحياء العرب صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان لأنهم يجعلون عليه الحلي وأنواع الزينة كما يفعلون بالنسوان، .....، ﴿ وإن يدعون ﴾ أي :وما يعبدون بعبادة تلك الأوثان ﴿ إلا شيطانا مريدا ﴾ إذ هو الذي أمرهم بعبادتها وأغراهم فكانت طاعتهم له عبادة، فالكلام محمول على المجاز، فلا ينافي الحصر السابق( ١ )... والظاهر أن المراد من الشيطان هنا :إبليس، وهو المروي عن مقاتل...، والمريد.. :العاتي الخارج عن الطاعة، ..
١ يشير إلى قول الحق سبحانه:( إن يدعون من دونه إلا إناثا)..
﴿ لعنه الله ﴾ أي :طرده وأبعده عن رحمته، ..، ﴿ وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ﴾.. والمراد :شيطانا مريدا، جامعا بين لعنة الله تعالى وهذا القول الشنيع الصادر منه عند اللعن، ...، والاتخاذ :أخذ الشيء على وجه الاختصاص، وأصل معنى الفرض :القطع، وأطلق هنا على المقدار المعين، لاقتطاعه عما سواه، ...،
﴿ ولأضلنهم ﴾ عن الحق، ﴿ ولأمنينهم ﴾ الأماني الباطلة، وأقول لهم :ليس وراءكم بعث، ولا نشر، ولا جنة، ولا نار، ولا ثواب، ولا عقاب، فافعلوا ما شئتم، وقيل :أمنيهم طول البقاء في الدنيا فيسوفون العمل، ...، وروى الأول عن الكلبي ﴿ ولآمرنهم ﴾ بالتبتيك-كما قال أبو حيان- أو :بالضلال، كما قال غيره ﴿ فليبتكن آذان الأنعام ﴾ أي فليقطعنها من أصلها، كما روي عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه، أو :ليشقنها -كما قال الزجاج- بموجب أمري، وذا إشارة إلى ما كانت الجالية تفعل من شق أو قطع أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرا ؛ وتحريم ركوبها، والحمل عليها، وسائر وجوه الانتفاع بها ﴿ ولآمرنهم فليغيرن ﴾ ممتثلين بلا ريث ﴿ خلق الله ﴾ عن نهجه وصورة أو صفة، ويندرج فيه ما فعل من فقء عين فحل الإبل إذا طال مكثه حتى بلغ نتاج نتاجه- ويقال له الحامي-، وخصاء العبيد، والوشم( ١ )، والوشر، واللواطة، والسحاق ونحو ذلك، وعبادة الشمس والقمر والنار والحجارة مثلا، وتغيير فطرة الله تعالى التي هي الإسلام، واستعمال الجوارح والقوى فيما لا يعود على الناس كمالا، ولا يوجب لها من الله سبحانه زلفى-( ٢ ) ؛ ﴿ ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا ﴾ من يتابع الشيطان يستحوذ عليه، ويسلكه في حزبه ليكونا من أهل النار، وذلك غاية الخسران والهلاك والبوار، - بخس نفسه حظها فأوبقها بخسا.. يبين عن عطبه وهلاكه، لأن الشيطان لا يملك له نصرا من الله إذا عاقبه على معصيته إياه في خلافه أمره، بل يخذله عند حاجته إليه-( ٣ ).
١ قال ابن مسعود والحسن ما حاصله: الوشم: التصنع للحسن، ومن ذلك الحديث الصحيح عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله" أخرجه مسلم؛ والوشم يكون في اليدين، وهو أن يغرز ظهر كف المرأة ومعصمها بإبرة ثم يحشى بالكحل فيخضر؛ والمتنمصات :جمع متنمصة، وهي التي تقلع الشعرمن وجهها بالمنماص، وهو الذي يقلع الشعر؛ ويقال لها النامصة؛ والمتفلجات جمع متفلجة، وهي التي تفعل الفلج في أسنانها؛ أي تعانيه، حتى ترجع المصمتة الأسنان خلقة فلجاء صنعة؛ وقالت طائفة: المراد بتغيير خلق الله هو أن الله خلق الشمس والقمر والأحجار والنار وغيرها من المخلوقات؛ ليعتبر بها وينتفع بها، فغيرها الكفار وجعلوها آلهة معبودة؛ قال الزجاج: إن الله تعالى خلق الأنعام لتركب وتؤكل فحرموها على أنفسهم، وجعل الشمس والقمر والحجارة مسخرة للناس فجعلوها آلهة يعبدونها؛ فقد غيروا خلق الله وقال جماعة من أهل التفسير: مجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة؛ قال ابن العربي: روى عن طاووس أنه كان لا يحضر نكاح سوداء بأبيض ولا بيضاء بأسود، ويقول: هذا من قول الله: ﴿ فليغيرن خلق الله ﴾..ا هـ وعلماء الأحكام لا يرون من المثلة ولا تعذيب الحيوان ولا من تغيير خلق الله: الوسم والإشعار، والوسم: الكي بالنار وأصله العلامة، لما ثبت في صحيح مسلم عن أنس قال رأيت في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم الميسم وهو يسم إبل الصدقة والفيء وغير ذلك حتى يعرف كل مال فيؤدي في حقه، ولا يتجاوز به إلى غيره؛ يقول الفقهاء: والوسم جائز في كل الأعضاء غير الوجه، لما رواه جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضرب في الوجه وعن الوسم في الوجه؛ أخرجه مسلم؛ وإنما كان ذلك لشرفه على الأعضاء، إذ هو مقر الحسن والجمال، ولأن به قوام الحيوان، وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل يضرب عبده فقال:" اتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته" أي على صورة المضروب أي وجه هذا المضروب يشبه وجه آدم، فينبغي أن يحترم لشبهه؛ وهذا أحسن ما قيل في تأويله، والله أعلم. الوشر: تحريز يصنع في الأسنان تشبها بالشابات؛ ربما تفعله المرأة الكبيرة..
٢ من روح المعاني..
٣ من جامع البيان..
﴿ يعدهم ويمنيهم ﴾ يوسوس الشيطان للذين يتولونه، ويلقي في صدورهم الأوهام، فقد يعدهم الفقر ويخوفهم غائلته إذا هم أنفقوا، حتى يشحوا ويبخلوا، ويمنيهم بطول العمر حتى يركنوا إلى العاجلة وينسون الآجلة ( إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون. أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون ) ( ١ ) ؛ ﴿ وما يعدهم الشيطان إلا غرورا. أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنا محيصا ﴾ وعد الشيطان كذب وخديعة وباطل ( كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين. فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها.. ) ( ٢ ) ؛ ( وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم ) ( ٣ ) ؛ وكذلك منى عبدة الأصنام يوم الفرقان، بأنهم سينتصرون على أهل الإيمان :( وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب ) ( ٤ ) ؛
١ سورة يونس. الآيتان: ٧، ٨..
٢ سورة الحشر. الآية ١٦، ومن الآية ١٧..
٣ سورة إبراهيم. الآية ٢٢..
٤ سورة الأنفال. الآية ٤٨..
وإبليس وأولياؤه ليس لهم في الآخرة إلا النار، لا يستطيعون هربا، ولا يجدون منها ملجأ.
﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا ﴾ وبشرى للذين يتولون الله سبحانه، فهم به مستيقنون، وبكل ما يجب التصديق به مؤمنون، ولكل الفرائض يؤدون، وعن كل المحارم ينتهون، هؤلاء لهم من ربهم الوعد الذي لا يخلف، ويدخلهم دار النعيم والتكريم، يسكنون القصور تحفها البساتين، وتجري تحت أشجارها الأنهار، يخلدون في منازل الصدق، ولا يبغون عنها حولا، يمكثون فيها أبدا، ولا أحد أصدق من ربنا قولا فهو تقدست أسماؤه يقول الحق، وكلماته التامات كلها صدق وعدل.
ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا( ١٢٣ )
قال مجاهد :قالت العرب لن نبعث ولن نعذب، وقالت اليهود والنصارى :(.. لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى.. ) ( ١ )، ( ٢ )( وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة.. ) ( ٣﴿ من يعمل سوءا يجز به ﴾ عن الربيع بن زياد قال :قلت لأبي كعب ؛ قول الله تبارك وتعالى : ﴿ من يعمل سوءا يجز به ﴾ والله إن كان كل ما عملنا جزينا به :كنا ؟ قال :والله إن كنت لأراك أفقه مما أرى ! إلا يصيب رجلا خدش ولا عثرة إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر حتى اللدغة والنفخة ﴿ ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا. ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ﴾ في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال :لما نزلت : ﴿ من يعمل سوءا يجز به ﴾ بلغت من المسلمين مبلغا شديدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها والشوكة يشاكها "، - فإن حملت الآية على الكافر فليس له غدا ولي ولا نصير، وإن حملت على المؤمن فليس له ولي ولا نصير دون الله.
١ من سورة البقرة. من الآية ١١١..
٢ وفي رواية: أو ؛ شك الراوي..
٣ من سورة البقرة. من الآية ٨٠..
﴿ ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ﴾ شرط الإيمان لأن المشركين أدلوا بخدمة الكعبة وإطعام الحجيج وقرى الأضياف، وأهل الكتاب بسبقهم، ...، فبين تعالى أن الأعمال الحسنة لا تقبل من غير إيمان، ...، يعني يدخلون الجنة بأعمالهم، .. النقير :النكتة في ظهر النواة-( ١ ).
١ من الجامع لأحكام القرآن..
﴿ ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا ﴾ الاستفهام إنكاري، في معنى النفي، أي لا تجد مَن دينه أحسن مِن دين من أسلم، فأخلص نفسه لله تعالى، لا دين لرب سواه، وأخلص توجهه له سبحانه، وهو آت بالحسنات مجتنب للسيئات، أو مؤد لكل العبادات على أفضل حال، كأنه يؤديها وهو يرى ربه عز وتقدس، وسار على نهج أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، الذي مال نهجه عن كل دين زائغ، وهداه ربنا إلى صراط مستقيم، ودين قويم ؛ ﴿ واتخذ الله إبراهيم خليلا ﴾ الاتخاذ :أخذ :الشيء على وجه الاختصاص ؛ والخلة- كما قال الزجاج- المحبة التي لا يداخلها خلل.
﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا ﴾ مما أورد صاحب تفسير غرائب القرآن :لما ذكر الوعد والوعيد وأنه لا يمكن الوفاء بهما إلا بالقدرة التامة على جميع الممكنات، والعلم الكامل الشامل لجميع الكليات والجزئيات، أشار إلى الأول بقوله : ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ وأشار إلى الثاني بقوله : ﴿ وكان الله بكل شيء محيطا ﴾، وإنما قدم القدرة على العلم لأن الفعل بحدوثه يدل على القدرة، وبما فيه من الأحكام والإتقان يدل على العلم، .. وقال بعضهم :الإحاطة أيضا ههنا بمعنى القدرة، كقوله تعالى :( وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها.. ) ( ١ )، ولا يلزم تكرار، لأن الأول لا يدل إلا على مالك لكل ما في السموات والأرض قادر عليهما، والثاني يفيد القدرة المطلقة على جميع الأشياء وإن فرضت خارج السموات والأرض.. ا ه.
١ سورة الفتح. من الآية ٢١..
ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما( ١٢٧ ).
﴿ يستفتونك ﴾ يسألونك عن حكم الله.
﴿ يفتيكم ﴾ يبين الحكم فيما سألتم عنه. ﴿ ترغبون ﴾ تميلون.
﴿ أن تنكحوهن ﴾ نكاحهن وزواجهن، بتقدير ﴿ في ﴾ أو ﴿ عن ﴾.
﴿ المستضعفين من الولدان ﴾ الصغار من البنين، والبنات.
﴿ تقوموا لليتامى ﴾ تنهضوا وتستوفوا الحق لليتامى.
روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها : ﴿ ويستفتونك في النساء- إلى قوله- وترغبون أن تنكحوهن ﴾ قالت عائشة :هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها فأشركته في ماله حتى في العذق( ١ )، فيرغب أن ينكحها ( أي عن أن يتزوجها ) ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه في ماله بما شركته، فيعضلها، فنزلت هذه الآية ؛ فكان المعنى :قل لمن يسأل عن أمر النساء وأحكامهن :الله يفتيكم فيهن، والقرآن يبين لكم من أحكامهن، ف ﴿ ما ﴾ في ﴿ وما يتلى عليكم ﴾ في موضع رفع، عطف على اسم الله تعالى ؛ ﴿ في يتامى النساء ﴾ أي ما يتلى عليكم في شأنهن، في شأن اليتيمة، وهي الصغيرة من النساء التي لم تبلغ وقد مات أبوها ؛ والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزوجها فتارة يرغب في أن يتزوجها، فأمره الله أن يمهرها أسوة أمثالها من النساء، فإن لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النساء، فقد وسع الله عز وجل، وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أول السورة، وتارة لا يكون له فيها رغبة لدمامتها عنده أو في نفس الأمر، فنهاه الله عز وجل أن يعضلها ( ٢ ) عن الأزواج، خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها، ... وقال ابن عباس : ﴿ والمستضعفين من الولدان ﴾ كانوا في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات، وذلك قوله : ﴿ لا تؤتونهن ما كتب لهن ﴾ فنهى الله عن ذلك وبين لكل ذي سهم سهمه ؛ وعن ابن أبي حاتم عن عائشة قالت :قول الله عز وجل : ﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ :رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره، حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن ؛ ﴿ وأن تقوموا لليتامى بالقسط ﴾ كما إذا كانت ذات مال وجمال نكحتها واستأثرت بها ؛ ﴿ وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما ﴾ تهييجا على فعل الخيرات وامتثالا للأوامر، وأن الله عز وجل عالم بجميع ذلك وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه، ...،
١ العذق: النخلة؛ والعِذق: العرجون بما فيه من الشمارخ، ويسمى: القنو..
٢ يمنعها..
﴿ خافت ﴾ توقعت.
﴿ بعلها ﴾ زوجها. ﴿ نشوزا ﴾ تجافيا وتعاليا، أو أذى وحرمانا.
﴿ إعراضا ﴾ انصرافا وصدودا.
﴿ الشح ﴾ البخل والضن، والإفراط في الحرص على الشيء.
يقول تعالى مخبرا ومشرعا من حال الزوجين :تارة في حال نفور الرجل عن المرأة، وتارة في حال اتفاقه معها، وتارة في حال فراقه لها.
فالحالة الأولى :ما إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها أو يعرض عنها، فلها أن تسقط عنه حقها أو بعضه من نفقة أو كسوة أو مبيت أو غير ذلك من حقوقها عليه، وله أن يقبل ذلك منها فلا حرج عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها ؛ ولهذا قال تعالى : ﴿ فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا ﴾ ؛ ثم قال : ﴿ والصلح خير ﴾ أي من الفراق، وقوله : ﴿ وأحضرت الأنفس الشح ﴾ أي :الصلح عند المشاحة خير من الفراق-( ١ ) ؛ في الصحيحين عن عائشة قالت :لما كبرت سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لها بيوم سودة ؛ مما يقول صاحب ( فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ) :قوله : ﴿ وأحضرت الأنفس الشح ﴾ إخبار منه سبحانه بأن الشح في كل واحد.. بل في كل الأنفس الإنسانية كائن، وأنه جعل كأنه حاضر لها لا يغيب عنها بحال من الأحوال، وأن ذلك بحكم الجبلة والطبيعة، فالرجل يشح بما يلزمه للمرأة من حسن العشرة وحسن النفقة ونحوها، والمرأة تشح على الرجل بحقوقها اللازمة للزوج فلا تترك شيئا منها ؛ وشح الأنفس بخلها بما يلزمها أو يحسن فعله بوجه من الوجوه، ومنه :(.. ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) ( ٢ ) ؛ قوله : ﴿ وإن تحسنوا وتتقوا ﴾ أي تحسنوا عشرة النساء وتتقوا مالا يجوز من النشوز والإعراض ﴿ فإن الله كان بما تعملون خبيرا ﴾ فيجازيكم يا معشر الأزواج بما تستحقونه.
١ من تفسير القرآن العظيم..
٢ سورة الحشر. من الآية ٩..
﴿ تميلوا كل الميل ﴾ تتعمدوا الإساءة والظلم.
﴿ فتذروها ﴾ فتتركوها.
﴿ كالمعلقة ﴾ كالتي لا هي ذات زوج، ولا هي أيم.
﴿ لن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ﴾ فيما يكون من بدنه وقلبه فذلك لا يستطيع يملكه.
قوله : ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ﴾ أخبر سبحانه بنفي استطاعتهم للعدل بين النساء على الوجه الذي لا ميل فيه البتة لما جبلت عليه الطباع البشرية من ميل النفس إلى هذه دون هذه، وزيادة هذه في المحبة ونقصان هذه، وذلك بحكم الخلقة بحيث لا يملكون قلوبهم ولا يستطيعون توقيف أنفسهم على التسوية، ولهذا كان يقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم :" اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك " ولما كانوا لا يستطيعون ذلك ولو حرصوا عليه وبالغوا فيه نهاهم عز وجل عن أن يميلوا كل الميل، لأن ترك ذلك وتجنب الجور كل الجور في وسعهم وداخل تحت طاقتهم فلا يجوز لهم أن يميلوا عن إحداهن إلى الأخرى كل الميل حتى يذروا الأخرى كالمعلقة التي ليست بذات زوج ولا مطلقة، تشبيها بالشيء الذي هو معلق غير مستقر على شيء ؛... ﴿ وإن تصلحوا ﴾ أي ما أفسدتم من الأمور التي تركتم ما يجب عليكم نحوهن، ﴿ وتتقوا ﴾ وتحذروا الميل عن الحق والجور عن سنن العدل، ﴿ فإن الله كان غفورا رحيما ﴾ فإن ربنا المعبود بحق سبحانه ما زال يستر الخطايا، ويصفح عن مؤاخذة المسيئين إذا هم تابوا وسلكوا سبيل المحسنين، ويتفضل برحمة واسعة، وجنة عالية.
﴿ يغن الله كلا من سعته ﴾ يغن الله الزوج والزوجة إن تفرقا فيهب كلا من فضله.
﴿ وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ﴾ فإن لم يتوافق الزوج وزوجته، وتعذر أن يتصالحا، وحدثت الفرقة بينهما بالطلاق، يكْفِ الله تعالى كلا منهما ما أهمه، وييسر له حياة لا يحتاج فيها إلى من فارقه ؛ ﴿ من سعته ﴾ أي :من غناه وقدرته، وفي ذلك تسلية لكل من الزوجين بعد الطلاق، .. ﴿ وكان الله واسعا ﴾ أي :غنيا وكافيا للخلق.. ﴿ حكيما ﴾ متقنا في أفعاله وأحكامه.
ولله ما في السموات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا( ١٣١ ).
﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ ( فلا يتعذر عليه الإغناء بعد الفرقة، ولا الإيناس بعد الوحشة- ولا ! ولا- وفيه من التنبيه على كمال سعته وعظم قدرته ما لا يخفى، والجملة مستأنفة جيء به- على ما قيل- لذلك ) ( ١ ) ؛ ﴿ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ﴾ أمرناكم كما أمرنا الذين سبقوكم وبعثت إليهم الرسل ونزلت فيهم الكتب، ووثقنا العهد إليكم وإليهم بأن تعبدوا الله مخلصين له الدين ؛ ﴿ وإن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا. ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ وحذرناكم وإياهم أن تجحدوا ما علمتم أنه الحق، فمن كذب ولم يستيقن بما يجب الإيمان به فلن يضر إلا نفسه، وما ضروا الله بشيء ( فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون ) ( ٢ )، ( ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس.. ) ( ٣ )، ( ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون ) ( ٤
١ من روح المعاني...
٢ سورة فصلت. الآية ٣٨..
٣ سورة الحج. من الآية ١٨..
٤ سورة النور. الآية ٤١..
﴿ وكفى بالله وكيلا ﴾ في النهاية :وكل فلان فلانا إذا استكفاه أمره ثقة به أو عجزا عن القيام بأمر نفسه، والوكيل في أسماء الله تعالى هو القيم :وحقيقته أنه يستقل بالأمر الموكول إليه. ا ه.
﴿ إن يشأ يذهبهم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا ﴾ يخوف الملك المهيمن عباده، وينذر البشر وبخاصة من غوى، بأنه عز وتقدس قادر على إهلاكهم وإفنائهم إذا يشاء، ولا يعجزه أن يعمر الأرض بخلق خير منهم، وهذا كالوعيد الذي في قوله سبحانه :(... وما نحن بمسبوقين. على أن نبدل أمثالكم.. ) ( ١ ) ؛ ونقل عن الزمخشري وابن عطية ومن يرى رأيهما أنه قد يكون المراد :خلقا آخرين غير جنس الناس ؛ لكن صاحب البحر المحيط خطأ هذا الرأي، لمخالفته لاستعمال العرب ؛ فإن- غيرا- تقع على المغاير في جنس أو وصف ؛ و- آخر – لا يقع إلا على المعايرة بين أبعاض جنس واحد( ٢ ).
١ سورة الواقعة. من الآيتين ٦١،٦٠..
٢ القرآن الكريم أورد (غير) في آية كريمة لا يكاد معناها يحتمل إلا التخالف في الجنس والوصف بين ما قبلها وما بعدها، يقول مولانا تباركت آلاه: ( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) الآية ٣٧ من سورة (محمد) علي السلام، وختام الآية (ثم لا يكونوا أمثالكم) يؤكد ما ذهبنا إليه، فمن الغفلة أن يسوي بين معنى(غير) ومعنى- آخر- حتى لقد فسر البعض الآية التي من سورة النساء: ﴿ ويأت بآخرين﴾ بهذه الآية الكريمة التي ختمت بها سورة (محمد) عليه السلام، مع ما بين الآيتين من تفاوت في المعنى؛ وكتاب ربنا العزيز خير شاهد:(.. ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر..) من سورة البقرة. من الآية ١٨٥، فالأيام تجانس ما قبلها إذ هي من جنس الشهر؛ وكذا ما جاء في سورة النجم:( أفرأيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة الأخرى)، الآيتان: ٢٠،١٩، و(الأخرى) تأنيت الآخر، وصفت (مناة) بها لما جانست ما قبلها.
﴿ من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا ﴾ ربنا له الآخرة والأولى، والذين غفلوا عن هذا أو عموا يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا :(.. فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق )( ١ ) ؛ والسعداء يقولون :(.. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ) ( ٢ )، وطلاب العاجلة وإن أظفرهم الله ببعض متاعها لا حظ لهم في الآجلة، فإن مولانا الحق يقول :(.. ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ) ( ٣ )، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال :سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال :فما عملت فيها قال :قاتلت فيك حتى استشهدت قال :كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما فعلت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت ليقال عالم وقرأت ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله تعالى عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار "، أما من ابتغى بعمله رضوان ربه فإن الله يجمع له سعادة الدارين :( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) ( ٤ ). ( وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله.. ) ( ٥ ) كيف يرائي المرائي وأن الله سميع بما يهجس في خاطره، وما تأمر به دواعيه ؟ ! بصير بأحواله كلها ظاهرها وباطنها فيجازيه على ذلك.
١ سورة البقرة. من الآية ٢٠٠..
٢ سورة البقرة. من الآية ٢٠١..
٣ سورة الشورى. من الآية ٢٠..
٤ سورة النحل. الآية ٩٧..
٥ سورة هود. من الآية ٣..
﴿ يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ﴾. ربنا ينادي أهل الإيمان أن يتحروا العدل والحق وأن يثبتوا عليه لا يصرفهم عنه صارف، فبالحق أنشىء الكون علويه وسفليه ( ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق.. ) ( ١ )، وبه جاء وحي الكتاب المبين ( وبالحق أنزلناه وبالحق نزل.. ) ( ٢ )، وشاء ربنا الحكيم أن تحمل الرسل البرهان وتتلقى شرع الله الذي حرم الظلم والطغيان، ذلك إذ هو سبحانه يعلم أن هداية الرسل ونور الوحي والكتب يبلغان بالناس التخلق بالعدل :( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط.. ) ( ٣ ) ؛ مما يقول قتادة :وإن الله رضي العدل لنفسه، والإقساط، والعدل ميزان الله في الأرض، به يرد الله من الشديد على الضعيف، ومن الكاذب على الصادق، ومن المبطل على المحق، وبالعدل يُصدق الصادق، ويكذب الكاذب، ويرد المعتدي، ويوبخه تعالى ربنا تبارك ؛ وبالعدل يصلح الناس ؛ وفي المأثور أن عبد الله بن رواحة لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم، فأرادوا أن يرشه ليرفق بهم، فقال :والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلي، ولأنتم أبغض إلي من أجدادكم من القردة والخنازير، وما يحملني حبي إياه وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم، فقالوا :بهذا قامت السموات والأرض ؛ وعن الراغب :أنه سبحانه نبه بلفظ القوامين على أن مراعاة العدالة مرة أو مرتين لا تكفي، بل يجب أن تكون على الدوام، فالأمور الدينية لا اعتبار بها ما لم تكن مستمرة دائمة، ومن عدل مرة أو مرتين لا يكون في الحقيقة عادلا ؛ ﴿ شهداء لله ﴾ وكونوا مؤدين شهادتكم لمرضاة ربكم المعبود بحق، ﴿ ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا ﴾ نقل ابن جرير عن ابن شهاب في شهادة الوالد لولده وذي القرابة، قال :كان ذلك فيما مضى من السنة في سلف المسلمين، وكانوا يتأولون في ذلك قول الله : ﴿ يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدان والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ﴾ الآية، فلم يكن يتهم سلف المسلمين الصالح في شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده، ولا الأخ لأخيه، ولا الرجل لامرأته، ثم دخل الناس بعد ذلك، فظهرت منهم أمور حملت الولاة على اتهامهم، وتركت شهادة مَن يُتهم إذا كانت من أقربائهم، وصار ذلك من الولد والوالد والأخ والزوج والمرأة، لم يتهم إلا هؤلاء في آخر الزمان ؛ ﴿ فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ﴾ ينهى الله عز وجل علاه عن اتباع الهوى فإن اتباعه سيجعلهم يعدلون عن الحق ويميلون، - واحتمال آخر وهو أن يراد :اتركوا الهوى لأجل أن تعدلوا، أي :حتى تتصفوا بصفة العدالة، لأن العدل عبارة عن ترك متابعة الهوى، ومن ترك أحد النقيضين فقد حصل له الآخر، ﴿ وإن تلووا ﴾.. من لوى إذا فتل، ..، والمعنى :وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق وحكومة العدل ﴿ أو تعرضوا ﴾ عن الشهادة، ... واعلم أن الإنسان لا يكون قائما بالقسط إلا إذا كان راسخ القدم في الإيمان- ( ٤﴿ فإن الله كان بما تعملون خبيرا ﴾ فمن أدى الشهادة على وجهها أجر، ومن بدلها أو كتمها فهو مزور آثم قلبه.
١ سورة الأحقاف. من الآية ٣..
٢ سورة الإسراء. من الآية ١٠٥..
٣ سورة الحديد. من الآية ٢٥..
٤ مما أورد صاحب تفسير غرائب القرآن..
﴿ يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ﴾
يأمر تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه ودعائمه، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه، كما يقول المؤمن في كل صلاة :( اهدنا الصراط المستقيم ( ١ ) أي بصرنا وزدنا هدى، وثبتنا عليه، فأمرهم بالإيمان به وبرسوله، كما قال تعالى :( يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله.. ) ( ٢ )، وقوله : ﴿ والكتاب الذي نزل على رسوله ﴾ يعني القرآن ﴿ والكتاب الذي أنزل من قبل ﴾ وهذا جنس يشمل جميع الكتب المتقدمة، وقال في القرآن : ﴿ نزل ﴾ لأنه نزل مفرقا منجما على الوقائع بحسب ما يحتاج إليه العباد في معاشهم ومعادهم، وأما الكتب المتقدمة فكانت تنزل جملة واحدة، ولهذا قال تعالى : ﴿ والكتاب الذي أنزل من قبل ﴾ ( ٣ ) ؛ ﴿ ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا ﴾ ؛ وكل من لم يستيقن ويصدق تصديقا جازما بالله تعالى، وبالملائكة الكرام، وبالكتب السماوية، وبالرسل عليهم الصلاة والسلام، وباليوم الآخر والبعث والحشر والحساب، والوزن والثواب والعقاب فقد ذهب عن قصد السبيل وجار عن محجة الطريق إلى المهالك ذهابا وجورا بعيدا، لأن من كفر بذلك خرج عن دين الله الذي ارتضاه، ولم يرتض سواه.
١ سورة الفاتحة. الآية ٦..
٢ سورة الحديد. من الآية ٢٨..
٣ من تفسير القرآن الكريم..
﴿ إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ﴾ في صحيح مسلم عن عبد الله قال :" أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذه به ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام " ( ١ )_ ومعنى : ﴿ ثم ازدادوا كفرا ﴾ أصروا على الكفر، ﴿ لم يكن الله ليغفر ولا ليهديهم ﴾ يرشدهم ﴿ سبيلا ﴾ طريقا إلى الجنة، وقيل :لا يخصهم بالتوفيق كما يخص أولياءه ؛ وفي هذه الآية رد على أهل القدر ؛ فإن الله تعالى بين أنه لا يهدي الكافرين طريق خير، ليعلم العبد أنه إنما ينال الهدى بالله تعالى، ويحرم الهدى بإرادة الله تعالى أيضا ؛ وتضمنت الآية أيضا حكم المرتدين- ( ٢ ).
١ وفي رواية:" ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر" يقول العلماء: الإساءة هنا بمعنى الكفر، إذ لا يصح أن يراد بها هنا ارتكاب سيئة، فإنه يلزم عليه ألا يهدم الإسلام ما سبق قبله إلا لمن يعصم من جميع السيئات إلى حين موته، وذلك باطل بالإجماع..
٢ مما أورد صاحب الجامع لأحكام القرأن..
بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما( ١٣٨ ).
﴿ بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما ﴾ هذا بلاغ للناس ولينذروا به، فالذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون. الله يستهزئ بهم.. ) ( ١ ).
١ سورة البقرة. الآية ١٤، ومن الآية ١٥..
﴿ الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا ﴾
نهى الله أهل الإيمان أن يوادوا ويصافوا ويتابعوا مَن غضب الله عليهم ؛ وجعل ذلك مما يتميز به الخبيث من الطيب، فقال في مرضى القلوب :( ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون. ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون ) ( ١ ) ؛ وعلمنا من نوالي، فقال تقدست أسماؤه :( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون. ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ) ( ٢ )، وتلك من سنته التي لا تتحول :( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده.. ) ( ٣ ) ؛ واتخاذ الكافرين أولياء بدلا من موالاة المؤمنين منكر، ومنكر أن يُطلب بمصافاة الهلكى بلوغ طرف من الجاه أو الكرامة، فإنه من يهن الله فما له من مكرم، والذين يحادون الله ورسوله هم الأذلون، فمن كان يريد العزة فليتول العزيز العليم، البر الرحيم، العلي العظيم، يمنحه فضلا وعزة ؛ ومنعة ومددا.
١ سورة المائدة. الآيتان ٨١،٨٠..
٢ سورة المائدة. الآيتان ٥٦،٥٥..
٣ سورة الممتحنة. الآية ٤..
﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم ﴾ سبق نزول هذه الآية ما أوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة من قول مولانا عز ثناؤه :( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين. وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون ) ( ١ ) ؛ وإلى هذا أشير في هذه الآيات من سورة النساء وهي مدنية : ﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم.. ﴾ الآية، فهاتان الآيتان من سورة الأنعام هما اللتان أنزلتا في هذا الشأن قبل الهجرة، يقول ابن حيان ما حاصله :نسخ قوله : ﴿ إنكم إذا مثلهم ﴾ لقوله :( وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون ) ؛ فكأن المعنى :أنزل عليكم في القرآن أنكم إذا سمعتم الكفر والاستهزاء بالآيات لا تقعدوا مع المستهزئين الكافرين حتى يخوضوا في حديث غير حديث الكفر والاستهزاء، فمن فعل ذلك ولم ينته وقعد مع المستهزئ فهو مثله ؛ قيل :والمماثلة ليست في جميع الصفات ؛ ﴿ إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا ﴾ المستعلن بكفره والمضمر له يصليان نار السعير خالدين مخلدين فيها أبدا.
١ سورة الأنعام. الآيتان:٦٩،٦٨..
﴿ الذين يتربصون بكم ﴾- يخبر تعالى عن المنافقين أنهم يتربصون بالمؤمنين دوائر السوء، بمعنى ينتظرون زوال دولتهم، وظهور الكفرة عليهم، وذهاب ملتهم، ﴿ فإن كان لكم فتح من الله ﴾أي :نصر وتأييد، وظفر وغنيمة : ﴿ قالوا ألم نكن معكم ﴾ ؟ أي :يتوددون إلى المسلمين بهذه المقالة، وإن كان للكافرين نصيب } أي :إدالة على المؤمنين في بعض الأحيان كما أحد فإن الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة ﴿ قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين ﴾ ؟ أي :ساعدناكم في الباطن، وما ألونا خبالا وتخذيلا حتى انتصرتم عليهم، ...، وهذا أيضا تودد منهم إليهم، فإنهم كانوا يصانعون هؤلاء وهؤلاء ليحظوا عندهم ويأمنوا كيدهم، وما ذاك إلا لضعف إيمانهم وقلة إيقانهم، قال تعالى : ﴿ فالله يحكم بينكم يوم القيامة ﴾ أي :بما يعلمه منكم أيها المنافقون من البواطن الرديئة، فلا تغتروا بجريان الأحكام الشرعية عليكم ظاهرا في الحياة الدنيا، لما له في ذلك من الحكمة، فيوم القيامة لا تنفعكم ظواهركم، بل هو يوم تُبلى فيه السرائر، ويحصل ما في الصدور ؛ وقوله تعالى : ﴿ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ﴾... قال السدي : ﴿ سبيلا ﴾ أي :حجة، ويحتمل أن يكون المعنى :ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا، أي في الدنيا، بأن يسلطوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى :( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا... ) الآية ( ١ )، وعلى هذا يكون ردا على المنافقين فيما أملوه، ورجوه وانتظروه، من زوال دولة المؤمنين، وفيما سلكوه من مصانعتهم الكافرين، خوفا على أنفسهم منهم، إذا هم ظهروا على المؤمنين فاستأصلوهم، كما قال تعالى :( فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم-إلى قوله- نادمين ) ( ٢ )، ....
١ سورة غافر. من الآية ٥١، وتمامها:(..ويوم يقوم الأشهاد)..
٢ من سورة المائدة. من الآية ٥٢، وتمامها:(يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين)..
﴿ إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ﴾ ولا شك أن الله لا يخادع، فإنه العالم بالسرائر والضمائر، ولكن المنافقين لجهلهم وقلة علمهم وعقلهم، يعتقدون أن أمرهم- كما راج عند الناس وجرت عليهم أحكام الشريعة ظاهرا- فكذلك يكون حكمهم عند الله يوم القيامة، وأن أمرهم يروج عنده، كما أخبر تعالى عنهم أنهم يوم القيامة يحلفون له أنهم كانوا على الاستقامة والسداد، ويعتقدون أن ذلك نافع لهم عنده، كما قال تعالى :( يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم.. ) الآية ( ١ )، وقوله ﴿ وهو خادعهم ﴾ أي :هو الذي يستدرجهم في طغيانهم وضلالهم ويخذلهم عن الحق والوصول إليه في الدنيا، وكذلك يوم القيامة، كما قال تعالى :( يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم-إلى قوله وبئس المصير ) ( ٢ )، وقد ورد في الحديث :" مَن سمع سمع الله به ومن رايا ريا الله به "، ... ﴿ وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ﴾ الآية، هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها، وهي :الصلاة، إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها، لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها، .. ولا يعقلون معناها، .... ثم ذكر تعالى صفة بواطنهم الفاسدة، فقال : ﴿ يراءون الناس ﴾ أي :لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة، ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التي لا يُرون فيها غالبا، كصلاة العشاء في وقت العتمة، وصلاة الصبح في وقت الغلس، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال ومعهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار "، .... ﴿ ولا يذكرون الله إلا قليلا ﴾ أي :في صلاتهم لا يخشعون، ولا يدرون ما يقولون، بل هم في صلاتهم ساهون لاهون، وعما يراد بهم من الخير معرضون، ....
١ من سورة هود المجادلة. من الآية ١٨، وتمامها(يحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون)..
٢ من سورة الحديد. من الآية١٣، وتمامها:(..قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب)..
﴿ مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ﴾ يعيش المنافقون محيرين بين الإيمان والكفر، فلا هم مع المؤمنين ظاهرا وباطنا، ولا مع الكافرين ظاهرا وباطنا، بل ظواهرهم مع المؤمنين، وبواطنهم مع الكافرين، ومنهم من يغريه الشك، فتارة يميل إلى هؤلاء، وتارة يميل إلى أولئك، .... ﴿ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ﴾ أي :ومن صرفه عن طريق الهدى(.. فلن تجد له وليا مرشدا ) ( ١ )، فإنه( من يضلل الله فلا هادي له.. ) ( ٢ )، والمنافقون الذين أضلهم عن سبيل النجاة فلا هادي لهم، ولا منقذ لهم مما هم فيه، فإنه تعالى لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون- ( ٣ ).
١ سورة الكهف. من الآية ١٧..
٢ سورة الأعراف. من الآية ١٨٦..
٣ من تفسير القرآن العظيم..
﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ﴾ بعد ست آيات متتابعات في ذم المنافقين ووعيدهم، نهى الله تعالى المؤمنين عن سلوك سبيلهم، وأن يصنعوا مثل صنيعهم، فيصاحبوا الكافرين ويناصحوهم، ويركنوا إليهم ويوادوهم، فتكون عليهم بتلك الموادة مؤاخذة، ويعاقبهم الله عليها وله سبحانه في ذلك الحجة ؛ وجائز أن يكون النهي كالتوكيد لوعيد المنافقين، وسماهم القرآن مؤمنين باعتبار ما يظهرونه ويدعونه من الإيمان، ولعل مما يسوغ هذا أن الآيات من قبل ومن بعد فيهم نزلت ؛ يقول قتادة :إن لله سلطان على خلقه، ولكنه يقول :عذرا مبينا.
﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴾ ينذر الله أهل النفاق الذين ماتوا على ذلك بأنهم في أقصى قاع جهنم ؛ وأكثر استعمال العرب لما يذهب صاعداً :درج، ولما يمضي نازلا :درك ؛ عن ابن عمر :إن أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة :المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون ؛ تصديق ذلك في كتاب الله تعالى : ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴾ ؛ وقال تعالى في أصحاب المائدة :(.. فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ) ( ١ )، وقال في آل فرعون :(.. أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) ( ٢﴿ ولن تجد لهم نصيرا ﴾ ومحال أن يكون لهم من ينقذهم من عذاب الله، أو يخرجهم مما هم فيه، أو يدفعه عنهم.
١ سورة المائدة. من الآية ١٨٦..
٢ سورة غافر. من الآية ٤٦..
﴿ إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله أخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين ﴾ لكن من استوفى من الذين نافقوا أربعة فإن مولانا بمنه يسلكه مع المؤمنين، وأول ذلك أن ينيب ويستغفر ويرجع إلى طريق الحق، والثاني أن يصلح باطنه الذي أفسده، و الثالث أن يلجأ إلى الله دون سواه، والرابع أن يقصد بقوله وعمله وكل شأنه مرضاة الله، فمن ختم له بذلك فليستبشر ؛ ﴿ وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرا عظيما ﴾ إذ المؤمن له عند ربه درجات ومغفرة ورحمة، وعد الله لا يخلف الله وعده.
﴿ ما يفعل الله بعذابهم إن شكرتم وآمنتم ﴾ ربنا تقدس وتبارك لا يعذب شاكرا ولا مؤمنا، فإنه يقول وقوله الحق :( لا يصلاها إلا الأشقى. الذي كذب وتولى. وسيجنبها الأتقى ) ( ١ ) ؛ ﴿ وكان الله شاكرا عليما ﴾- تقديم الشكر ( على الإيمان في القول الكريم : ﴿ إن شكرتم وآمنتم ﴾ ) أهم، لأنه عبارة عن صرف جميع ما أعطاه الله تعالى فيما خلق لآجله، حتى تكون أفعاله وأقواله على نهج السداد وسنن الاستقامة ؛ ﴿ وكان الله شاكرا ﴾ مثيبا على الشكر، فسمي جزاء الشكر شكرا، وفيه أنه يجزي على العمل القليل ثوابا كثيرا ﴿ عليما ﴾ بالكليات والجزئيات من غير غلط ونسيان، فيوصل جزاء الشاكرين إليهم لا كما يليق بحالهم بل كما يليق بكرمه وسعة فضله ورحمته ( ٢ ) ؛ قال مكحول :أربع مَن كن فيه كن له، وثلاث مَن كن فيه كن عليه ؛ فالأربع اللاتي له :الشكر والإيمان والدعاء والاستغفار، قال الله تعالى : ﴿ ما يفعل الله بعذابهم إن شكرتم وآمنتم ﴾، وقال الله تعالى :( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) ( ٣ )، وقال تعالى :( قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم.. ) ( ٤ ) ؛ وأما الثلاث اللاتي عليه :فالمكر والبغي والنكث ؛ قال الله تعالى :(.. فمن نكث فإنما ينكث على نفسه.. ) ( ٥ ) ؛ وقال تعالى :(.. ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.. ) ( ٦ )، وقال تعالى :(.. إنما بغيكم على أنفسكم.. ) ( ٧ ).
١ سورة الليل. الآيات ١٧،١٦،١٥..
٢ من تفسير غرائب القرآن؛ بتصرف يسير..
٣ سورة الأنفال. الآية ٣٣..
٤ سورة الفرقان. من الآية ٧٧..
٥ سورة الفتح. من الآية ١٠..
٦ سورة فاطر. من الآية ٤٣..
٧ سورة يونس. من الآية ٢٣..
*لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما( ١٤٨ )
نقل عن الحسن :الرجل يظلم الرجل فلا يدعو عليه، ولكن ليقل :اللهم أعني عليه، اللهم استخرج حقي، اللهم حل بينه وبين ما يريد من ظلمي ؛ فهذا دعاء في المدافعة وهي أقل منازل السوء ؛ وعن مجاهد أن المراد :لا يحب الله سبحانه أن يذم أحد أحدا أو يشكوه، إلا من ظلم، فيجوز له أن يشكو ظالمه، ويظهر أمره، ويذكره بسوء ما قد صنعه ؛ في القاموس :الجهر بالشيء :الإعلان به والإظهار ؛ وفي الصحاح :جهر بالقول :رفع صوته به- ولعل المراد هنا الإظهار وإن لم يكن برفع صوت، أي :لا يحب الله سبحانه أن يعلن أحد بالسوء كائنا من القول، إلا من ظلم، أي إلا جهر من ظلم فإنه غير مسخوط عنده تعالى- ( ١ ) ؛ ويستشهد لهذا بما جاء في الصحيح ( ٢ ) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لي ( ٣ ) الواجد ( ٤ ) ظلم يحل عرضه وعقوبته " ؛ قال ابن المبارك :يحل عرضه :يغلظ له، وعقوبته :يحبس له ؛ وفي صحيح مسلم ( ٥ ) :" مطل الغني ظلم " ؛ فالموسر المتمكن إذا طولب بالأداء ومطل ظلم، وذلك يبيح من عرضه أن يقال فيه :فلان يمطل الناس ويحبس حقوقهم، ويبيح للإمام أدبه وتعزيره ( ٦ ) حتى يرتدع عن ذلك ؛ نقل معناه عن سفيان، ﴿ وكان الله سميعا عليما ﴾، تحذير للظالم حتى لا يظلم، وللمظلوم حتى لا يتعدى الحد في الانتصار، فليتق الله ولا يقل إلا الحق، ولا يقذف مستورا.
١ من روح المعاني؛ للألوسي..
٢ جاء مرويا عن عمرو بن الشريد عن أبيه..
٣ اللي: المطل..
٤ الواجد: القادر على أداء ما عليه من دين..
٥ وأخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الحوالة، عن أبي هريرة، وزاد:" فإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع".
٦ روى الحافظ أبو بكر عن أبي هريرة: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي جارا يؤذيني، فقال له:" أخرج متاعك فضعه على الطريق"، فأخذ الرجل متاعه فطرحه على الطريق فكل من مر به قال: مالك؟ قال: جاري يؤذيني، فيقول: اللهم العنه، اللهم أخزه؛ فقال الرجل: ارجع إلى منزلك والله لا أوذيك أبدا..
﴿ إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا ﴾ في الحديث الصحيح :" ما نقص مال من صدقة ولا زاد الله عبدا بعفو إلا عزا ومن تواضع لله رفعه "، إن تظهروا حسنا من القول، أو إن تظهروا الصدقة، فإن الخير قد يراد به المال، أو :إن تظهروا أي خير من الأقوال والأفعال أو تسروا ذلك، أو تدفعوا عن العباد مضرة بعفوكم عمن أساء إليكم، وصفحكم عن مؤاخذته وقد أذن لكم فيها، فإن المعبود بحق سبحانه العفو عن العصاة مع قدرته على أخذهم ؛ قال الحسن :يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام، فعليكم أن تقتدوا بسنة الله تعالى، ونقل عن النيسابوري : ﴿ عفوا ﴾ عمن عفا، ﴿ قديرا ﴾ على إيصال الثواب إليه ؛ وهو سبحانه كان ولم يزل صاحب العفو العظيم، والاقتدار التام العميم.
إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا( ١٥٠ )
نقل عن قتادة أنه قال في الآيتين الأوليين :أولئك أعداء الله تعالى، اليهود والنصارى، آمنت اليهود بالتوراة وموسى، وكفروا بالإنجيل وعيسى عليه السلام، وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى عليه السلام، وكفروا بالقرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم، فاتخذوا اليهودية والنصرانية، وهما بدعتان ليستا من الله عز وجل، وتركوا الإسلام وهو دين الله عز وجل الذي بعث به رسله ؛ وقال بعضهم :الذين يكفرون بالله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام هم الذين خلص كفرهم الصرف بالجميع، فنفوا الصانع مثلا وأنكروا النبوات، والذين يفرقون بينه تعالى وبين رسله عليهم الصلاة والسلام هم الذين آمنوا بالله تعالى وكفروا برسله عليهم الصلاة والسلام، والذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض هم الذين آمنوا ببعض الأنبياء عليهم السلام وكفروا ببعضهم ؛ - والمقصود أن من كفر بنبي من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء، فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض، فمن رد نبوته.. تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانا شرعيا، إنما هو عن غرض وهوى وعصية، ...، إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه رسول الله لآمنوا بنظيره، وبمن هو أوضح دليلا وأقوى برهانا منه، أو نظروا حق النظر في نبوته، - ( ١ ) ؛ مما يقول صاحب جامع البيان : ﴿ ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا ﴾.. أن يتخذوا بين أضعاف قولهم :نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعض سبيلا، يعني طريقا إلى الضلالة التي أحدثوها، والبدعة التي ابتدعوها، يدعون أهل الجهل من الناس إليه.
١ من تفسير القرآن العظيم..
فقال جل ثناؤه لعباده منبها لهم على ضلالتهم وكفرهم : ﴿ أولئك هم الكافرون حقا ﴾.....، فهم الجاحدون وحدانية الله ونبوة أنبيائه حق الجحود، المكذبون بذلك حق التكذيب، فاحذروا أن تغتروا بهم وببدعتهم، ...، وأعتدنا لمن جحد بالله ورسوله جحود هؤلاء الذين وصفت لكم أمرهم، .. عذابا.. يهين من عذب به بخلوده فيه ا ه.
﴿ والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم ﴾ في مقابلة الوعيد بالعذاب المهين للجاحدين جاء الوعد بالثواب العظيم للمصدقين بالله ورسله أجمعين، فبشرى للنبي وأمته المستيقنين ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) ( ١ ) ؛ و ﴿ سوف ﴾ ليست للتبعيد، ولكنها للتوكيد ؛ وفي الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة ؛ ﴿ وكان الله غفورا ﴾ لمن هذه صفتهم ما سلف لهم من المعاصي والآثام ﴿ رحيما ﴾ بهم فيضاعف حسناتهم، ويزيدهم على ما وُعدوا- ( ٢ )
١ سورة البقرة. الآية ٢٨٥..
٢ من روح المعاني؛ الألوسي..
يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وأتينا موسى سلطانا مبينا( ١٥٣ )
﴿ كتابا من السماء ﴾ ألواحا مكتوبة تنزل من السماء وقد سطر فيها الوحي.
﴿ فقد سألوا موسى ﴾ سأل أسلافهم وأوائلهم نبي الله موسى عليه السلام.
﴿ أرنا الله جهرة ﴾ نعاينه وننظر إليه.
﴿ الصاعقة ﴾ النار التي تنزل عليهم فتهلكهم.
﴿ اتخذوا العجل ﴾ اختاروه وعبدوه.
﴿ البينات ﴾ الدلائل الواضحات مثل العصا والحية وانفلاق البحر.
﴿ فعفونا عن ذلك ﴾ فأحيينا من صعقوا منهم بعد موتهم.
﴿ وآتينا موسى سلطانا مبينا ﴾ أعطينا نبينا موسى حجة تبين عن صدقه وحقيقة نبوته.
﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء ﴾ يخبر الله تعالى عن طائفة من أهل الكتاب الذين حُملوا أماناتها فلم يوفوا، وجاءتهم فيها البشرى بالنبي الخاتم فكانوا من أول من صد عنه، ومن تعنتهم أن سألوه إنزال ألواح من السماء سطر فيها الوحي جملة، عن السدي :قالت اليهود :إن كنت صادقا أنك رسول فآتنا كتابا مكتوبا من السماء كما جاء به موسى ؛ وعن محمد بن كعب القرظي قال :جاء أناس من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا :إن موسى جاء بالألواح من عند الله فأتنا بالألواح من عند الله حتى نصدقك، فأنزل الله : ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء ﴾ إلى قوله : ﴿ وقولهم على مريم بهتانا عظيما ﴾ ؛ ﴿ فقد سأل موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ﴾- توبيخ من الله جل ثناؤه سائلي الكتاب الذين سألوا رسول الله صلى االه عليه وسلم أن ينزله عليهم في مسألتهم إياه ذلك، وتقريع منه لهم، يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم :يا محمد لا يعظمن عليك مسألتهم ذلك، فإنهم من جهلهم بالله وجراءتهم عليه واغترارهم بحلمه لو أنزلت عليك الكتاب الذي سألوك أن تنزله عليهم لخالفوا أمر الله كما خالفوه بعد إحياء الله أوائلهم من صعقتهم، فعبدوا العجل واتخذوه إلها يعبدونه من دون خالقهم وبارئهم الذي أراهم من قدرته وعظيم سلطانه ما أراهم، لأنهم لم يَعْدوا أن يكونوا كأوائلهم وأسلافهم، ... ﴿ ثم اتخذوا العجل ﴾ فإنه يعني :ثم اتخذ هؤلاء الذين سألوا موسى ما سألوه من رؤية ربهم جهرة بعد ما أحياهم الله فبعثهم من صعقتهم العجل الذي كان السامري نبذ فيه ما نبذ من القبضة التي قبضها من أثر فرس جبريل عليه السلام إلها يعبدونه من دون الله، ... ﴿ من بعد ما جاءتهم البينات ﴾.. الدلالات الواضحات بأنهم لن يروا الله في أيام حياتهم في الدنيا جهرة، ...، يقول الله مقبحا إليهم فعلهم ذلك، وموضحا لعباده جهلهم، ونقص عقولهم وأحلامهم، ثم أقروا للعجل بأنه لهم إله وهم يرونه عيانا، وينظرون إليه جهارا، بعد ما أراهم ربهم من الآيات ما أراهم أنهم لا يرون ربهم جهرة وعيانا في حياتهم الدنيا، فعكفوا على عبادته مصدقين بألوهيته ؛ وقوله : ﴿ فعفونا عن ذلك ﴾ يقول :فعفونا لعبدة العجل عن عبادتهم إياه... بالتوبة التي تابوها إلى ربهم بقتلهم أنفسهم وصبرهم في ذلك على أمر ربهم، ﴿ وآتينا موسى سلطانا مبينا ﴾ يقول :وآتينا موسى حجة تبين عن صدقه وحقيقة نبوته، وتلك الحجة :هي الآيات البينات التي آتاه الله إياها-( ١ ).
١ من جامع البيان؛ لابن جرير الطبري..
﴿ ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم ﴾ لما لم يوفوا بعهدهم ليعملن بالتوراة علق الله جانبا من جبل الطور فوق رءوسهم ليبقوا على خوف من وقوعه.
﴿ وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا ﴾ أمرناهم أن يدخلوا باب المدينة الموعودة ساجدين، خضوعا لله تعالى.
﴿ وقلنا لهم لا تعدلوا في السبت ﴾ وعهدنا إليهم أن لا يأكلوا الحيتان يوم السبت ولا يعرضوا لها، وأحل لهم ما وراء ذلك.
﴿ ميثاقا غليظا ﴾ عهدا مؤكدا مشددا.
﴿ ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم ﴾ لما لم يوفوا بعهدهم :ليعملن بالتوراة علق الله جانبا من جبل الطور فوق رءوسهم، ليبقوا على خوف من وقوعه، فيلتزموا العمل بما جاءهم في الوحي المنزل على نبيهم موسى عليه الصلاة والسلام، وفي هذا جاء قول الحق سبحانه :( وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ) ( ١ ) ؛ كما جاء بيان عبادتهم العجل في الآيات من رقم ٥١ إلى ٤٥من سورة البقرة، وفي آيات من سورة الأعراف وسورة طه ؛ ﴿ وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا ﴾ أمرهم الله تقدست أسماؤه أن يدخلوا باب المدينة التي وعدوها ساجدين، إقرارا بفضله سبحانه، فدخلوا يزحفون، تعظماُ أن يسجدوا وتأنفا، ﴿ وقلنا لهم لا تعدوا في السبت ﴾ وأمرناهم أن لا يأكلوا الحيتان يوم السبت، ولا يعرضوا لها، وأحللنا لهم ما وراء ذلك، فتعدوا أمرنا، فأحللنا بهم بأسنا ؛ يقول مولانا العلي الكبير :( واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون. وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون. فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون. فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) ( ٢ ) ؛ ﴿ وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ﴾ وأخذ الله تعالى عليهم عهدا مؤكدا مشددا أن ينهضوا بأمره وشرعه الذي أوحاه إليهم دون تفريط.
١ سورة الأعراف. الآية ٧١..
٢ من سورة الأعراف. الآيات: من ١٦٣ إلى ١٦٦..
﴿ فبما نقضهم ﴾ فبسبب خلفهم عهودهم. ﴿ وقولهم قلوبنا غلف ﴾ مغلقة مغطاة بغشاوة تمنع وصول الوعي إليها.
﴿ بل طبع الله عليها ﴾ بل لما زاغوا أزاغ الله قلوبهم.
﴿ فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ﴾ فبسبب خلفهم الوعد ونقضهم مع الله العهد، وجحودهم بآيات الله الكونية والتنزيلية، وقتلهم أنبياء الله عدوانا وظلما، ومن أجل ادعائهم أن قلوبهم لا تعي ما جاء عن ربهم، لعنهم سبحانه وغضب عليهم، وتركهم في عمايتهم وغيهم، فلا يصدقون بحق إلا تصديقا قليلا كالعدم، أو لا يصدق ويستيقن منهم إلا القليل.
﴿ بهتانا ﴾ كذبا يحير من كُذِب عليه.
﴿ وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما ﴾ عن ابن عباس :يعني أنهم رموها بالزنا، - فإنكارهم قدرة الله تعالى على خلق الولد من غير أب، وكذا إنكارهم نبوة عيسى كفر، ونسبتهم الزنا لمريم بهتان عظيم- ( ١ ).
١ مما أورد النيسابوري..
﴿ شبه لهم ﴾ أُلقى شبهه على رجل من حوارييه فأخذ الشبيه وقتل وصلب.
﴿ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ﴾ لعنة اليهود كانت بسبب نقضهم عهد الله ليعملن بما في التوراة، وبسبب قتلهم الأنبياء ظلما كما قتلوا زكريا عليه السلام، وبسبب تكذيبهم بآيات الله الكونية والتنزيلية، وبسبب رميهم مريم النقية التقية المطهرة والمصطفاة، وافتراء الزنا عليها، وبسبب ما ادعوه من قتل المسيح عيسى عليه السلام ؛ ( وكان من خبر اليهود عليهم لعائن الله وسخطه :وغضبه وعقابه، أنه لما بعث الله عيسى ابن مريم بالبينات والهدى، حسدوه على ما آتاه الله تعالى من النبوة والمعجزات الباهرات، التي كان يبرئ بها الأكمه والأبرص ويحي الموتى بإذن الله، ويصور من الطين طائرا ثم ينفخ فيه فيكون طائرا يشاهد طيرانه بإذن الله عز وجل، إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه الله بها وأجراها على يديه، ومع هذا كذبوه وخالفوه، وسعوا في أذاه بكل ما أمكنهم، حتى جعل نبي الله عيسى عليه السلام لا يساكنهم في بلدة، بل يكثر السياحة هو وأمه عليهما السلام، ثم لم يقنعهم ذلك حتى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان وكان رجلا مشركا من عبدة الكواكب، وكان يقال لأهل ملته اليونان، وأنهواإليه أن في بيت المقدس رجلا يفتن الناس ويضلهم، ويفسد على الملك رعاياه، فغضب الملك من هذا، وكتب إلى نائبه بالمقدس أن يحتاط على هذا المذكور، وأن يصلبه ويضع الشوك على رأسه ويكف أذاه عن الناس، فلما وصل الكتاب امتثل ولي بيت المقدس ذلك، وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى عليه السلام، وهو في جماعة من أصحابه، اثني عشر وقيل سبعة عشر نفرا- وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت- فحصروه هنالك فلما أحس بهم وأنه لا محالة من دخولهم عليه أو خروجه إليهم، قال لأصحابه :أيُكم يلقى عليه شبهي وهو رفيقي في الجنة ؟ فانتدب لذلك شاب منهم فكأنه استصغره عن ذلك، فأعادها ثانية وثالثة، وكل ذلك لا ينتدب إلا ذلك الشاب، فقال :أنت هو، وألقى الله عليه شبه عيسى حتى كأنه هو، وفتحت روزنة من سقف البيت، وأخذت عيسى عليه السلام سنة من النوم، فرفع إلى السماء وهو كذلك، كما قال الله تعالى :( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك.. ) ( ١ ) الآية، فلما رُفع خرج أولئك النفر، فلما رأى أولئك ذلك الشاب ظنوا أنه عيسى فأخذوه في الليل وصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه، وأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه وتبجحوا بذلك، وسلم لهم طوائف من النصارى ذلك، لجهلهم وقلة عقلهم، ما عدا من كان في البيت مع المسيح فإنهم شاهدوا رفعه، وأما الباقون فإنهم ظنوا- كما ظن اليهود- أن المصلوب هو المسيح ابن مريم، حتى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت ويقال أنه خاطبها، والله أعلم، وهذا كله من امتحان الله عباده، لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وقد أوضح الله الأمر وجلاه ؛ وبينه وأظهره في القرآن العظيم، الذي أنزله على رسوله الكريم، المؤيد بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات، فقال تعالى- وهو أصدق القائلين- : ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ﴾ أي :رأوا شبهه فظنوه إياه، ولهذا قال : ﴿ وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ﴾ يعني بذلك من ادعى أنه قُتل من اليهود، ومن سلمه إليهم من جهال النصارى، كلهم في شك من ذلك وحيرة وضلال ؛ ولهذا قال : ﴿ وما قتلوه يقينا ﴾ أي :وما قتلوه متيقنين أنه هو، بل شاكين متوهمين.
١ سورة آل عمران. من الآية ٥٥..
﴿ بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما ﴾ أي :منيع الجناب، لا يرام جنابه، ولا يضام من لاذ ببابه ﴿ حكيما ﴾ أي :في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، والسلطان العظيم ) ( ١ ) ؛ روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال :لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه، وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين، فخرج عليهم ورأسه يقطر ماء، فقال :إن منكم من يكفر بي اثني عشرة مرة بعد أن آمن بي، قال :ثم قال :أيكم يُلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجي ؟ فقام شاب من أحدثهم سنا، فقال له :اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام ذلك الشاب، فقال :اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب، فقال :أنا، فقال :هو أنت ذاك، فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء، قال :وجاء الطلب من اليهود، فأخذوا الشبه فقتلوه، ثم صلبوه، فكفر به بعضهم اثني عشرة مرة بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق، فقالت فرقة :كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء، هؤلاء ( اليعقوبية ) وقالت فرقة :كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه، هؤلاء ( النسطورية ) وقالت فرقة :كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه، هؤلاء ( المسلمون ) فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم. ا ه( ٢ ).
١ مما أورد صاحب تفسير القرآن العظيم..
٢ صحح الحافظ ابن كثير هذا الإسناد إلى ابن عباس..
﴿ وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ﴾ سينزل عيسى ولا يبقى أحد من أهل التوراة والإنجيل حينئذ إلا ليصدقن بمجيئه حيا قبل أن يموت.
﴿ وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ﴾ سينزل عيسى عليه السلام آخر الزمان، ولا يبقى أحد من أهل التوراة والإنجيل حينئذ إلا ليصدقن بمجيئه حيا قبل أن يموت- سلام الله عليه- وفي هذا مزيد تكذيب للذين زعموا أنه قتل وصلب ؛ روى البخاري( ١ ) في صحيحه عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد وحتى تكون السجدة خيرا له من الدنيا وما فيها "، ثم يقول أبو هريرة :اقرءوا إن شئتم : ﴿ وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ﴾ ؛ وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" كيف بكم إذا نزل فيكم المسيح ابن مريم وإمامكم منكم " ؟ ! ومن حديث لمسلم عن عبد الله بن عمرو- وفيه- :" يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين.. فيبعث الله تعالى عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه.. "، وروى مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال :" لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات طلوع الشمس من مغربها والدخان والدابة وخروج يأجوج ومأجوج ونزول عيسى ابن مريم والدجال وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب ونار تخرج من قعر عدن تسوق- أو تحشر- الناس تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا " ؛ ﴿ ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ﴾ قال قتادة :يشهد عليهم أنه قد بلغهم الرسالة من الله وأقر بالعبودية لله عز وجل، أقر بالعبودية على نفسه.
١ ورواه مسلم بنحوه..
فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا( ١٦٠ )
من سنن الله تعالى التي لا تتحول ولا تتبدل أن البطر بالنعم مجلبة للنقم، وقد مضى هذا في الأولين( وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين. وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ) ( ١ ) ؛ ويسوق ربنا القول الحكيم عصمة للمتدبرين من مصائر البطرين :( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ) ( ٢ ) ؛ وهكذا عجل الله النقمة لليهود لقاء غيهم، وعتوهم عن أمر ربهم، يقول تقدست أسماؤه :( وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون )( ٣ )، فهم مع الكنود والجحود، والشر والكفر، والغي والبغي، وتجاوز الحد، وأمعنوا في الفتنة عن الإسلام والصد، فضلوا وأضلوا كثيرا.
١ سورة القصص. الآيتان: ٥٩،٥٨..
٢ سورة النحل. الآية ١١٢..
٣ سورة الأنعام. الآية ١٤٦..
﴿ وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل ﴾ واختاروا الربا لأنفسهم واختصوا به مستحلين الاستحواذ على أموال الناس وعلى الأخص العرب أبناء إسماعيل عليه السلام :(.. ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل.. ) ( ١ ) ؛ عن مجاهد : ﴿ وأخذهم الربا ﴾ وهو أخذهم ما أفضلوا على رءوس أموالهم لفضل تأخير في الأجل بعد محلها ؛ ﴿ وأكلهم أموال الناس بالباطل ﴾ بالرشوة وبالكسب الخبيث الذي كانوا يأخذونه على تحريفهم فيما أنزل الله من وحي ( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ) ( ٢ )، وكذا سائر الأوجه المحرمة من سرقة وغش وغضب ونحو ذلك ؛ ﴿ وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما ﴾ ضيق الله تعالى عليهم معيشتهم عقوبة معجلة في الدنيا، مع ما هيأ لهم من عقاب شديد، ومصير بئيس، وعذاب موجع دائم، لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون.
١ سورة آل عمران. من الآية ٧٥..
٢ سورة البقرة. الآية ٧٩..
﴿ لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ﴾ إلا من كان منهم ثابت العلم، منتتفعا به، مستقيما على نوره، مصدقا مستيقنا بهداه، فإنه يصدق بالكتب المنزلة من قبل من التوراة والزبور والإنجيل، ويستيقن بالقرآن وهو المصدق لها والمهيمن عليها، - وقد وصفوا بالإيمان بعدما وصفوا بما يوجبه من الرسوخ في العلم بطريق العطف المبني على المغايرة بين المتعاطفين، تنزيلا للاختلاف العنواني منزلة الاختلاف الذاتي- ( ١ ) ؛ ﴿ والمقيمين الصلاة ﴾ نصب على المدح- عند كثير من النحاة- وإقامتها قد تعني :إتمامها من تقويم الشيء وتحسينه وتحقيقه، وقيل يؤدونها على ما فيها من قيام وغيره، فعبر عنها بالقيام، لأن القيام من فروضها، وإن كانت تشتمل على غيره ؛ - فذكر ركنا من أركانها الذي هو من فروضها، ودل به على أن ذلك فرض فيها، وعلى إيجاب ما هو من فروضها، فصار ( ﴿ المقيمين الصلاة ﴾ ) موجبا للقيام فيها، ومخبرا به عن فرض الصلاة، ويحتمل :المديمين فروضها في أوقاتها، كقوله تعالى : ﴿ .. إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ﴾ أي :فرضا في أوقات معلومة لها، ونحوه قوله تعالى :(.. قائما بالقسط.. ) ( ٢ )، يعني :يقيم القسط ولا يفعل غيره، والعرب تقول في الشيء الراتب الدائم قائم، ...، وقيل هو من قول القائل :قامت السوق، إذا حضر أهلها، فيكون معناه :الاشتغال بها عن غيرها، ومنه :قد قامت الصلاة ؛ وهذه الوجوه على اختلافها يجوز أن تكون مرادة بالآية- ( ٣ ) ؛ ﴿ والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما ﴾ والمعطون زكاة أموالهم مستحقيها، والمصدقون المستيقنون بالله وباليوم الآخر فأصحاب هذه المنازل من اليقين هيأ الله تعالى لهم الثواب الجزيل في جنات النعيم.
١ من روح المعاني..
٢ سورة آل عمران. من الآية ١٨..
٣ من كتاب أحكام القرآن لأبي بكر الجصاص، بتصرف.
*إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا( ١٦٣ )
﴿ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ﴾ الوحي :إعلام في خفاء، يقال وحى الكلام وحيا، وأوحى إليك إيحاء ؛ في هذا تكريم للرسالة والرسول، فإنه مبعوث من لدن ربه، ولا يقول من عند نفسه، وإنما يبلغ كلمات ربنا، وإنها لتامات صادقات عادلات لا مبدل لها، وما هو ببدع من الرسل، وما رسالته إلا كسائر الرسالات، لكنها الخاتمة الدائمة، وهذا قريب من معنى قول الحق جل ثناؤه :( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم.. ) ( ١ )، فوحي الله إلى خاتم أنبيائه كوحيه سبحانه إلى نوح أول أولي العزم من الرسل، ومن جاء من بعده، وعطف الوحي إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان على الوحي إلى النبيين مع انتظامهم في سلكهم تشريفا لهم وإظهار لفضلهم، وهو من عطف الخاص على العام، كما في قوله تعالى :( من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال.. ) ( ٢ )، وكما في الآية الكريمة ؛ ( فيهما فاكهة ونخل ورمان ) ( ٣ ) ؛ ﴿ والأسباط ﴾- وهم أولاد يعقوب عليه السلام في المشهور، وقال غير واحد :إن الأسباط في ولد إسحق كالقبائل في أولاد إسماعيل، وقد بعث منهم عدة رسل، فيجوز أن يكون أراد سبحانه بالوحي إليهم الوحي إلى الأنبياء منهم، ...، ولم يصح أن الأسباط الذين هم إخوة يوسف عليه السلام كانوا أنبياء، بل الذي صح عنده- وألف فيه الجلال السيوطي رسالة- خلافه- ( ٤ ) ﴿ وآتينا داود زبورا ﴾ وأعطينا داود عليه السلام وأنزلنا عليه كتابا هو الزبور، وقد نقل عن العلماء أن فيه مائة وخمسين سورة ليس فيها حُكْم من الأحكام، وإنما هي حِكَم ومواعظ، وتحميد وتمجيد، وثناء على الله تعالى شأنه، قالوا :وكان داود عليه السلام يقرأ من الزبور بصوت بالغ الحسن فيؤثر في الأسماع والقلوب.
١ من سورة الأحزاب. من الآية ٧..
٢ من سورة البقرة. من الآية ٩٨..
٣ من سورة الرحمن. الآية ٧..
٤ من روح المعاني..
﴿ ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك ﴾ وأرسلنا رسلا أوحينا إليك أخبارهم قبل هذه السورة، وأنبأتك شأنهم، ﴿ ورسلا لم نقصصهم عليك ﴾ وآخرين من المرسلين عليهم الصلوات والتسليم لم أعرفك نبأهم، ولا فصلت لك أمرهم، ﴿ وكلم الله موسى تكليما ﴾ ( ﴿ تكليما ﴾ مصدر معناه التأكيد، يدل على بطلان من يقول :خلق لنفسه كلاما في شجرة فسمعه موسى، بل هو الكلام الحقيقي الذي يكون المتكلم متكلما ؛ قال النحاس :وأجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازا..، لما قال ﴿ تكليما ﴾ وجب أن يكون كلاما على الحقيقة من الكلام الذي يُعقل. ) ( ١ ).
١ من الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي..
﴿ رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ﴾ أرسلناهم رسلا يبشرون أهل الطاعات، وينذرون أهل الخطيئات، لئلا يكون للناس بعد إرسالهم معذرة يعتذرون بها، كما في قوله تعالى :( ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ) ( ١ ) ؛ وسميت المعذرة حجة مع أن الله تعالى له الحجة البالغة تنبيها على أن هذه المعذرة مقبولة لديه، تفضلا منه ورحمة ؛ ﴿ وكان الله عزيزا حكيما ﴾. - ولم يزل الله ذا عزة في انتقامه ممن انتقم من خلقه على كفره به ومعصيته إياه بعد تثبيته حجته عليه برسله وأدلته ﴿ حكيما ﴾ في تدبيره فيهم ما دبره- ( ٢ ).
١ سورة طه. الآية ٣٤..
٢ من جامع البيان..
﴿ لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون ﴾ ( لابد له من مستدرك أن لكن لا يبتدأ به، وفي ذلك المستدرك وجهان :أحدهما- أن هذه الآيات بأسرارها جواب عن قول اليهود :لو كان نبيا لنزل عليه الكتاب جملة، وهذا الكلام يتضمن أن هذا القرآن ليس كتابا نازلا عليه من السماء، فلا جرم قيل ﴿ لكن الله يشهد ﴾ بأنه نازل عليه من السماء ؛ الثاني- أنه تعالى لما قال : ﴿ إنا أوحينا إليك ﴾ قال القوم :نحن لا نشهد لك بذلك، فنزل ؛ ﴿ لكن الله يشهد ﴾ ومعنى شهادة الله :إنزال القرآن بحيث عجز عن معاضته الأولون والآخرون، أي :يشهد لك بالنبوة بواسطة هذا القرآن الذي أنزله إليك، ثم فسر ذلك وأوضح بقوله : ﴿ أنزله بعلمه ﴾ أي :متلبسا بعلمه الخاص الذي لا يعلم غيره، أو :بسبب علمه الكامل، ...، أو :أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه، أو :أنزله بما علم من مصالح العباد فيه، أو :أنزله وهو عالم به، رقيب عليه، حافظ له من شياطين الجن والإنس، ﴿ والملائكة يشهدون ﴾.. فشهادته تستتبع شهادتهم، ومَن صدقه رب العالمين، وملائكة السموات والأرضين، لم يلتفت إلى تكذيب أخس الناس إياه ﴿ وكفى بالله شهيدا ﴾ وإن لم يشهد غيره ) ( ١ ).
١ من تفسير غرائب القرآن؛ للنيسابوري..
إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا( ١٦٧ ).
شهد الله تعالى بالحق، وأنه أرسل محمدا خاتم النبيين بالهدى ودين الحق، فمن يعرض عن هذا الرشد، أو يجحد هذا الإسلام فقد غوى، ومن يمنع الناس عن الدخول في الملة الحنيفية فقد صد عن طريق الله القويم، ومنهاجه المستقيم، فهلك وأهلك غيره، وسيحمل يوم القيامة وزره ووزر من فتنه وأضله( ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون ) ( ١ ).
١ سورة النمل. الآية ٢٥..
﴿ إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا. إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا ﴾ تحذير لمن جحد وبغى أن يحرم الهدى، فإن من اتخذ الشيطان وليا صده عن الرجوع إلى الحق :( كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير ) ( ١ ).
١ سورة الحج. الآية ٤..
وعيد شديد لمن نأى عن الإسلام ونهى عنه بأنه ما لم يتب فليس له في الآخرة إلا النار، مخلدا فيها، وبئس القرار، ولن يصعب هذا على الواحد القهار، ولن يعبأ سبحانه ولن يبالي بالفجرة الأشرار، فإنه المهيمن العزيز الجبار.
﴿ يأيها الناس قد جاءكم الرسول من ربكم فآمنوا خيرا لكم ﴾ نداء وبلاغ لكل المكلفين، وشهادة بصدق النبي وقدسية هذا الدين، ودعوة للتصديق بالحق، وبشرى للمستيقنين ؛ فيا معشر المكلفين، قد بعثنا محمدا إليكم كافة، وأرسلناه إليكم متلبسا بالحق الذي هو القرآن والإسلام والتوحيد، فاستيقنوا بما جاءكم يكن الإيمان واليقين بذلك خيرا لكم ؛ ﴿ وإن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض وكان الله عليما حكيما ﴾ ومن يكفر بالإيمان فلن يضر الله شيئا، - وإن تجحدوا رسالته وتكذبوا به وبما جاء به من عند ربكم فإن جحودكم ذلك وتكذيبكم به لن يضر غيركم، وإنما مكروه ذلك عائد عليكم دون الله الذي أمركم بالذي بعث به إليكم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، وذلك أن لله ما في السموات والأرض ملكا وخلقا، لا ينقص كفركم بما كفرتم به من أمره، وعصيانكم إياه فيما عصيتموه فيه من ملكه وسلطانه شيئا، ... ﴿ وكان الله عليما ﴾ بما أنتم صائرون إليه، ..، وعلى علم منه بذلك منكم أمركم ونهاكم ﴿ حكيما ﴾ يعني حكيما في أمره إياكم بما أمركم به، وفي نهيه إياكم عما نهاكم عنه، وفي غير ذلك من تدبيره فيكم وفي غيركم من خلقه-( ١ ).
١ من جامع البيان؛ للطبري..
يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا( ١٧١ )
﴿ يأهل الكتاب ﴾ يا من تنتسبون إلى جنس الكتاب المنزل من قبل :التوراة والإنجيل.
﴿ لا تغلوا ﴾ لا تُفِْرطوا، ولا تُفَرطوا، فلا تجعلوا عيسى ربا، ولا تجعلوه لغير رشدة.
﴿ المسيح ﴾ المبارك، أو الممسوح بالبركة، أو الذي يمسح المعتل فيبرأ بإذن الله.
﴿ وكلمته ﴾ كونه الله تعالى بكلمته الحكيمة( كن ) فكان بشرا من غير أب.
﴿ وروح منه ﴾ رحمة من الله، وبرهان، أو :روح من خلق الله سبحانه، أو :رسول منه.
﴿ ولا تقولوا ثلاثة ﴾ لا تقولوا :آلهتنا ثلاثة، أو :هو ثالث ثلاثة، أو :الآلهة ثلاثة.
﴿ انتهوا خيرا لكم ﴾ انتهوا من التثليث يكن الانتهاء عنها خيرا لكم.
﴿ سبحانه ﴾ نزهوه وقدسوه وبرءوه عن كل عيب ونقص واتخاذ صاحبة أو ولد.
﴿ يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ﴾ هذا بيان للناس وبلاغ لليهود والنصارى المنتسبين إلى التوراة والإنجيل ومن على شاكلتهم، لينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد، نهى لهم عن تجاوز الحد في الدين بالغلو فيه أو التجافي عنه، بالإفراط أو التفريط في أماناته ؛ ومن الإفراط :غلو النصارى في عيسى حتى جعلوه ربا، ومن التفريط غلو اليهود فيه عليه السلام حتى جعلوه لغير رشدة، ورموا مريم الطاهرة بيوسف النجار التقي العابد ؛ ولا تزعموا أن الله تعالى حل في بدن إنسان، أو اتحد بروحه، فهذا زور وباطل ؛ وذهب جماعة من المفسرين إلى أن في النداء تجريدا وفي الخطاب تخصيصا، وأنه موجه إلى النصارى زجرا لهم عما عليه من الضلال البعيد، من قولهم :عيسى إله، أو، ابن إله، أو :ثالث ثلاثة ؛ في صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى وقولوا عبد الله ورسوله " ؛ - بل قد غلوا في أتباع عيسى عليه السلام وأشياعه ممن زعم أنه على النصرانية فادعوا فيهم العصمة، واتبعوهم في كل ما قالوا سواء كان حقا أو باطلا، أو ضلالا أو رشادا، أو صحيحا أو كذبا، ولهذا قال الله تعالى :( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله.. ) ( ١ ).. -( ٢ ) ؛ ﴿ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ﴾ قال قتادة :هو كقوله :(.. كن فيكون ) ( ٣ )، وقال شاذ ابن يحيى :ليس الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى ؛ روى البخاري عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم :" من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل " ؛ فعيسى عليه السلام ليس إلا نبيا كسائر إخوانه النبيين عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين :( ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل.. ) ( ٤ )، ( إن هو إلا عبد أنعمنا عليه.. ) ( ٥ ) ؛ ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ﴾ ( ٦ )، وهكذا كل مراد الله تعالى يتحقق بأمره سبحانه ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) ( ٧﴿ وروح منه ﴾ ( من هاهنا ) لابتداء الغاية، أي من خلقه ومن عنده، وليست للتبعيض كما تقول النصارى- عليهم لعائن الله- ومثل هذا في القرآن قول الحق جل شأنه :( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه.. ) ( ٨ )، والروح قد تعني الرحمة، كما في قوله تعالى :(.. وأيدهم بروح منه.. ) ( ٩ )، وقد تعني الرسالة، كما سمى جبريل عليه السلام ( روح القدس ) لأنه ينزل بالوحي المقدس على من يصطفيهم الله، - وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في قوله :(.. هذه ناقة الله.. ) ( ١٠ )، وفي قوله :(.. وطهر بيتي للطائفين.. ) ( ١١ )، ..، وهذا كله من قبيل ونمط واحد-( ١٢ ) ؛ ﴿ فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة ﴾ فصدقوا واستيقنوا بجلال الله الذي ليس كمثله شيء، وآمنوا برسله وأنهم رجال اصطفاهم من خلقه، وبعثهم برسالاته ووحيه، فهم بشر يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، ليس لهم من الألوهية شيء، وعيسى واحد منهم ؛ ﴿ ولا تقولوا ثلاثة ﴾_ هي خبر مبتدأ محذوف، أي :الله ثلاثة إن كان معتقدهم أن الذات جوهر واحد، وأنه ثلاثة بالصفات، ويسمونها :الأقانيم :أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم روح القدس ؛ وربما يقولون :أقنوم الذات، وأقنوم العلم، وأقنوم الحياة ؛ أو :الآلهة ثلاثة إن كان في اعتقادهم أنها ذوات قائمة بأنفسها :الأب والأم والابن، .. - سورة الحج. من الآية ٢٦.، ( ومحصول كلامهم يئول إلى التمسك بأن عيسى إله بما كان يجريه الله على يديه من خوارق العادات على حسب دواعيه وإرادته ؛ وقالوا :قد علمنا خروج هذه الأمور عن مقدور البشر، فينبغي أن يكون المقتدر عليها موصوفا بالإلهية ؛ فيقال لهم :لو كان ذلك من مقدوراته وكان مستقلا به كان تخليص نفسه من أعدائه ودفع شرهم عنه من مقدوراته، وليس كذلك ؛ فإن اعترفت النصارى بذلك فقد سقط قولهم ودعواهم أنه كان يفعلها مستقلا به ؛ وإن لم يسلموا ذلك فلا حجة لهم أيضا ؛ لأنهم معارَضون بموسى عليه السلام، وما كان يجري على يديه من الأمور العظام، مثل قلب العصا ثعبانا، وفلق البحر، واليد البيضاء، والمن والسلوى، وغير ذلك ؛ وكذلك ما جرى على يد الأنبياء ) ( ١٣ ) ؛ مما جاء في فتح القدير، الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير :ووقفنا في الأناجيل الأربعة التي يطلق عليها عندهم اسم الإنجيل على اختلاف كثير في عيسى :فتارة يوصف بأنه ابن الإنسان، وتارة يوصف بأنه ابن الله، ..، وهذا تناقض ظاهر وتلاعب بالدين ؛ والحق ما أخبرنا الله به في القرآن ؛ وما خالفه في التوراة أو الإنجيل أو الزبور فهو من تحريف المحرفين وتلاعب المتلاعبين ؛ ومن أعجب ما رأيناه أن الأناجيل الأربعة كل واحد منها منسوب إلى واحد من أصحاب عيسى عليه السلام ؛ وحاصل ما فيها جميعا أن كل واحد من هؤلاء الأربعة ذكر سيرة عيسى من عند أن بعثه الله إلى أن رفعه إليه، وذكر ما جرى له من المعجزات والمراجعات لليهود ونحوهم، فاختلفت ألفاظهم، واتفقت معانيها، وقد يزيد بعضهم على بعض بحسب ما يقتضيه الحفظ والضبط، وذكر ما قاله عيسى وما قيل له، وليس فيها من كلام الله سبحانه شيء، ولا أنزل على عيسى من عنده كتابا، بل كان عيسى عليه السلام يحتج عليهم بما في التوارة ويذكر أنه لم يأت بما يخالفها، وهكذا الزبور فإنه من أوله إلى آخره من كلام داود عليه السلام ؛ وكلام الله أصدق، وكتابه أحق، وقد أخبرنا أن الإنجيل كتابه أنزله على عبده ورسوله عيسى ابن مريم وأن الزبور كتابه آتاه داود وأنزله عليه. ا ه ؛ ومما نقل صاحب روح المعاني :ذهب الملكانية أصحاب ملكا الذي ظهر بالروم واستولى عليها إلى أن الأقانيم غير الجوهر القديم، وأن كل واحد منها إله، وصرحوا بإثبات التثليث، وقالوا :إن الله ثالث ثلاثة- سبحانه وتعالى عما يشركون- وأن الكلمة اتحدت بجسد المسيح وتدرعت بناسوته وامتزجت به امتزاج الماء بالخمر، وانقلبت الكثرة وحدة، وأن المسيح ناسوت كلي لا جزئي وهو قديم أزلي، وأن مريم ولدت إلها أزليا، مع اختلافهم في مريم أنها إنسان كلي أو جزئي، واتفقوا على أن اتحاد اللاهوت بالمسيح دون مريم، وأن القتل والصلب وقع على الناسوت واللاهوت معا، ...
ومن النسطورية من قال :إن كل واحد من الأقانيم الثلاثة حي ناطق موجود، وصرحوا بالتثليث كالملكانية، ومنهم من منع ذلك، ..، وزعموا أن الابن لم يزل متولدا من الأب، وإنما تجسده وتوحده بجسد المسيح حين ولد، والحدوث راجع إلى الناسوت، فالمسيح إله تام، وإنسان تام، وهما قديم وحديث، والاتحاد غير مبطل لقدم القديم ولا لحدوث الحادث، وقالوا :عن الصلب ورد على الناسوت دون اللاهوت، .....، ومن النصارى من زعم أن معنى اتحاد اللاهوت بالناسوت :ظهور اللاهوت على الناسوت وإن لم ينتقل من اللاهوت إلى الناسوت شيء ولا حل فيه، وذلك كظهور نقش الطابع على الشمع، وحكى المؤرخون وأصحاب النقل أن أريوس أحد كبار النصارى كان يعتقد هو وطائفته توحيد الباري ولا يشرك معه غيره، ولا يرى في المسيح ما يراه النصارى، بل يعتقد رسالته، وأنه مخلوق بجسمه وروحه، ففشت مقالته في النصرانية، فتكاتبوا واجتمعوا بمدينة نقية عند الملك قسطنطين وتناظروا، فشرح أريوس مقالته، فرد عليه الأكصيدروس بَطْريق الإسكندرية، وشنع على مقالته عند الملك، ثم تناظروا، فطال تنازعهم، فتعجب الملك من انتشار مقالتهم وكثرة اختلافهم، وقام لهم البتِْرك وأمرهم أن يبحثوا عن القول المرضي، فاتفق رأيهم على شيء فحرروه وسموه بالأمانة- وأكثرهم اليوم عليها، وهي :نؤمن بالله تعالى الواحد الأب صانع كل شيء، ملك كل شيء، صانع ما يُرى وما لا يُرى، بالرب الواحد المسيح ابن الله تعالى الواحد، بكر الخلائق كلها، الذي ولد من أبيه قبل العوالم، وليس بمصنوع، إله حق، من إله حق، من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم، وخلق كل شيء، الذي من أجلنا معاشر الناس ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من روح القدس ومريم وصار إنسانا، وحُبل به وولد من مريم البتول واتجع وصلب أيام فيلاطس ودفن في اليوم الثالث، ..، ثم شرع في الرد على إفكهم، وأطال في الرد( ١٤ )، ومما قال :قولهم :إن اللاهوت ظهر بالناسوت فصار هو هو، فأما أن يريدوا به أن اللاهوت صار عين الناسوت، ... فيرجع إلى تجويز انقلاب الحقائق وهو محال، وإما أن يريدوا به أن اللاهوت اتصف بالناسوت فهوأيضا محال، لما ثبت من امتناع حلول الحادث بالحادث، وأما الأمانة التي هم بها متقربون وبما حوته متعبدون، فبيان اضطرابها وتناقضها وتهافتها من وجوه :الأول أن قولهم :نؤمن بالواحد الأب صانع كل شيء، يناقض قولهم :وبالرب الواحد المسيح مناقضة لا تكاد تخفى، الثاني أن قولهم إن يسوع المسيح ابن الله تعالى البكرمشعر بحدوث المسيح، إذ لا معنى لكونه ابنه إلا تأخره عنه، إذ الوالد والولد لا يكونان معا في الوجود، وكونهما معا مستحيل ببداهة العقول، لأن الأب لا يخلو إما أن يكون ولد ولداً لم يزل أو :لم يكن، فإن قالوا :ولد ولدا لم يزل، قلنا :فما ولد شيئا، إذ الابن لم يزل، وإن ولد شيئا لم يكن فالولد حادث مخلوق، وذلك مكذب لقولهم :حق من إله حق من جوهر أبيه، ..، الثالث أن قولهم إله حق من إله حق من جوهر أبيه يناقضه قول المسيح في الإنجيل :وقد سئل عن يوم القيامة فقال :لا أعرفه ولا يعرف إلا الأب وحده، .. الرابع أن قولهم إن يسوع أتقن العوالم بيده وخلق كل شيء، باطل مكذب لما في الإنجيل، إذ يقول متى :هذا مولد يسوع المسيح ابن داود، وأيضا خالق العالم لابد وأن يكون سابقا عليه، وأني بسبق المسيح وقد ولدته مريم ؟ وأيضا في الإنجيل
١ سورة التوبة. من الآية ٣١..
٢ من تفسير القرآن العظيم..
٣ سورة يس. من الآية ٨٢..
٤ سورة المائدة. من الآية ٧٥..
٥ سورة الزخرف. من الآية ٥٩..
٦ سورة آل عمران.الآية ٥٩..
٧ سورة النحل. الآية ٤٠..
٨ سورة الجاثية. من الآية ١٣..
٩ سورة المجادلة. من الآية ٢٢..
١٠ سورة الأعراف.من الآية ٧٣..
١١ سورة الحج. من الآية ٢٦..
١٢ مما أورد صاحب تفسير غرائب القرآن..
١٣ مما أورد صاحب الجامع لأحكام القرآن: ثم قال: وقد قيل: إن النصارى كانوا على دين الإسلام إحدى وثمانين سنة بعد ما رفع عيسى؛ يصلون إلى القبلة؛ ويصومون شهر رمضان، حتى وقع فيما بينهم وبين اليهود حرب، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له بولس، قتل جماعة من أصحاب عيسى فقال: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا وجحدنا وإلى النار مصيرنا ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار؛ وإني أحتال فيهم فأضلهم فيدخلون النار؛... فأظهر الندامة ووضع على رأسه التراب وقال للنصارى: أنا بولس عدوكم قد نوديت من السماء أن ليست لك توبة إلا أن تتنصر، فأدخلوه في الكنيسة بيتا فأقام فيه سنة لا يخرج لا ليلا ولا نهارا حتى تعلم الإنجيل؛ فخرج وقال: نوديت من السماء أن الله قد قبل توبتك، فصدقوه وأحبوه، ثم مضى إلى بيت المقدس، واستخلف عليهم نسطورا وأعلم أن عيسى ابن مريم إله، ثم توجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت، وقال: لم يكن عيسى بإنس فتأنس، ولا بجسم فتجسم، ولكنه ابن الله؛ وعلم رجلا يقال له يعقوب ذلك؛ ثم دعا رجلا يقال له: ملكا أو ملكان، فقال له، إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى؛ فلما استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحدا واحدا، وقال له: أنت خالصتي ولقد رأيت المسيح في النوم ورضي عني، وقال لكل واحد منهم: إني غدا أذبح نفسي وأتقرب بها، فادع الناس إلى نحلتك، ثم دخل المذبح فذبح نفسه؛ فلما كان يوم ثالثة دعا كل واحد منهم الناس إلى نحلته، فتبع كل واحد منهم طائفة، فاقتتلوا واختلفوا إلى يومنا هذا، فجميع النصارى من الفرق الثلاث؛ فهذا كان سبب شركهم فيما يقال؛ والله أعلم..
١٤ في بحث مستفيض يزيد على أربعة ألاف كلمة..
﴿ يستنكف ﴾ يتأنف، أو يعيب.
﴿ لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ﴾ لن يأنف المسيح العبودية لله تعالى ولن يتأبى عنها، ولن تأنف الملائكة العبودية، ولن ينقطعا عنها، وكلاهما من المقربين، وقد شهد المولى سبحانه لعيسى بأنه صاحب منزلة عالية(.. وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ) ( ١ )، وشهد عز ذكره للملائكة بأنهم عباد مكرمون يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا يسأمون.
﴿ ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا ﴾ هذا وعيد لمن تأنف عن العبودية لربه وانقطع عن أداء ما أوجب الله على العباد، وتأبى واستكبر عن الخضوع لجلال خالقه وبارئه، فإنه مردود إلى ربه، وموقوف بين يديه، ومجزي بالاستكبار في الدنيا صغارا وذلا في الآخرة ( وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل.. ) ( ٢ )، (.. إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) ( ٣ )، (... فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون ) ( ٤ )، والحشر يجمع الله تعالى فيه المطيعين والمستنكفين، لكنه سبحانه لا يسوي بين المسلمين والمجرمين، الذين استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة، والذين تولوا عن الهدى يدعون إلى نار جهنم دعا، ويساقون إلى المحشر سوقا مهينا(.. يوم يدع الداع إلى شيء نكر. خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر. مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر ) ( ٥ ) ؛ ( فإذا نقر في الناقور. فذلك يومئذ يوم عسير. على الكافرين غير يسير ) ( ٦ ).
١ سورة آل عمران. من الآية ٤٥..
٢ سورة الشورى. من الآية ٤٥..
٣ سورة غافر. من الآية ٦٠..
٤ سورة الأحقاف. من الآية ٢٠..
٥ سورة القمر. من الآية٦، والآيتان: ٨،٧..
٦ سورة المدثر. الآيات ٨ و٩ و١٠..
﴿ فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ﴾ لكن المؤمن الصالح يجزى ثواب ما عمل في دنياه جزاء موفورا، ويتفضل عليه مولانا البر الرحيم بمزيد من المثوبة والرضوان والتكريم :( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) ( ١ ) ؛ ﴿ وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا ﴾ ومن تأبى وتأنف عن عبادة ربه في الدنيا وانقطع عن طاعته وتعظم عنها فيحشر أعمى، ويغل ويسلسل في جهنم يصلاها مذموماً مدحورا، وعذابه فيها موجع شديد دائم، وما له من يخلصه أو يدفع عنه ما أحله الله به ( والذين كسبوا السيآت جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) ( ٢ ).
١ سورة يونس. الآية ٢٦..
٢ سورة يونس. الآية ٢٧..
يأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا( ١٧٤ )
ينادي الناس ويخاطبون بالرسالة الخاتمة، لأنها الرسالة التامة :( قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا... ) ( ١ )، ( وما أرسلناك إلا كافة للناس.. ) ( ٢ )، والبرهان :ما يبرهن به على المطلوب، وقد جاءنا عن ربنا السلطان والحجة والبيان، في آيات كونية وتنزيلية، بشر بها ودعا إليها السراج المنير، خاتم النبيين(.. قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين. يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ) ( ٣ )، وعن الثوري :البرهان يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، لأن معه البرهان وهو المعجزة ؛ وعن الحسن :النور المبين هو القرآن، لأن به تتبين الأحكام ويهتدي به من الضلالة، فهو نور مبين، أي :واضح بين ؛ ويحتمل أن يراد بالنور والبرهان كليهما القرآن
١ سورة الأعراف. من الآية ١٥٨..
٢ سورة السبأ. من الآية ٢٨..
٣ سورة المائدة. من الآية ١٥؛ والآية ١٦..
﴿ فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما ﴾ قال ابن جريج :آمنوا بالله واعتصموا بالقرآن ؛ وقال ابن كثير :جمعوا بين مقامي العبادة والتوكل على الله في جميع أمورهم ؛ ونقل الحسن النيسابوري : ﴿ آمنوا بالله ﴾ في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه، ﴿ واعتصموا به ﴾ تمسكوا بدينه، أو لجأوا إليه في أن يثبتهم على الإيمان، ويصونهم عن زيغ الشيطان، ﴿ فسيدخلهم في رحمة منه ﴾ المؤمنون بالله المعتصمون بمنهاجه وكتابه سيدخلهم الله تعالى جنته ودار كرامته، ﴿ وفضل ﴾ وإحسان لا يشبه إحسان، يمنحونه فوق ما متعوا به من نعيم، ﴿ ويهديهم إليه صراطا مستقيما ﴾ يهديهم ربهم بإيمانهم- وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنات-( ١ ).
١ من تفسير القرآن العظيم؛ لابن كثير..
يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم( ١٧٦ )
قال البخاري عن أبي إسحق قال :سمعت البراء قال :آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية نزلت ﴿ يستفتونك ﴾ ؛ وفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال :دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعقل فتوضأ ثم صب علي فعقلت فقلت إنه لا يرثني إلا كلالة فكيف الميراث ؟ فنزلت آية الفرائض ؛ وأخرج مسلم عن عمر قال :ما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بإصبعه في صدري وقال :" ما تكفيك آية الصيف التي في آخرها النساء " ؟ وأخرج البخاري ومسلم عن عمر قال :ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه الجد والكلالة وأبواب من الربا ؛ والمراد بالولد هنا :الابن، وهو أحد معنيي المشترك، لأن البنت لا تسقط الأخت ؛ وثبت في الصحيح أن معاذا قضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في بنت وبنت ابن وأخت فجعل للبنت النصف وللأخت النصف ؛ وثبت في الصحيح أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بنت وبنت ابن وأخت فجعل للبنت النصف ولبنت الابن السدس وللأخت الباقي ؛ فكانت هذه السنة مقتضية لتفسير الولد بالابن دون البنت.
﴿ يستفتونك ﴾ يسألك أصحابه يا محمد سؤال تعلم، ويطلبون بيان ما أشكل من حكم ميراث الكلالة، ﴿ قل الله يفتيكم في الكلالة ﴾ قل لأصحابك وسائليك وكل من يقال له :الله يحكم فيما أشكل عليكم من ميراث من لا ولد له ولا والد ؛ قال الفراء :الكلالة من القرابة ما خلا الوالد والولد، سموا كلالة لاستدارتهم بنسب الميت، الأقرب فالأقرب، من تكلله النسب إذا استدار به، وسمعته مرة يقول :الكلالة من سقط عنه طرفاه، وهما أبوه وولده ؛ فكل من مات ولا والد له ولا ولد فهو كلالة ورثته، وكل وارث ليس بوالد للميت ولا ولد له فهو كلالة مورثه ؛ وهذا مشتق من جهة العربية موافق للتنزيل والسنة ؛ فالكلالة ههنا الأخت للأب والأم، والأخوة للأب والأم، فجعل الأخت الواحدة نصف ما ترك الميت، والأختين الثلثين، والأخوة والأخوات جميع المال بينهم، للذكر مثل حظ الأثنيين ؛ أما في الآية الثانية عشرة من هذه السورة الكريمة : ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ﴾ فإن الكلالة تعني :الإخوة والأخوات لأم، لكن هنا تنصرف إلى الإخوة الأشقاء- الإخوة لأب وأم- والأخوات الشقيقات كذلك.
﴿ إن امرؤ هلك ﴾ إن مات امرؤ صفته أنه لا ولد له، أو مات حال كونه لا ولد له، ﴿ وله أخت ﴾ من الأبوين أو من الأب، لأن الأخت من الأم فرضها السدس، كما بين الله تعالى في الآية رقم ١٢.
﴿ .. وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس.. ﴾، ﴿ فلها نصف ما ترك ﴾- أي بالفرض والباقي للعصبة، أو :لها بالرد إن لم يكن له عصبة، والفاء واقعة في جواب الشرط ﴿ وهو ﴾ أي المرء المفروض ﴿ يرثها ﴾ أي :أخته المفروضة إن فرض هلاكها مع بقائه، والجملة مستأنفة لا موضع لها من الإعراب ؛ وقد سدت- كما قال أبو البقاء- مسد جواب الشرط في قوله تعالى : ﴿ إن لم يكن لها ولد ﴾ ذكرا كان أو أنثى، فالمراد بإرثه لها إحراز جميع مالها إذ هو المشروط بانتفاء الولد بالكلية، لا إرثه لها في الجملة، فإنه يتحقق مع وجود بنتها، والآية كما لم تدل على سقوط الإخوة بغير الولد لم تدل على سقوطهم به، وقد دلت السنة على أنهم لا يرثون مع الأب، إذ صح عنه صلى الله عليه وسلم :" ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولي عصبة ذكر " ولا ريب في أن الأب أولى من الأخ، وليس ما ذكر بأول حكمين بُين أحدهما بالكتاب والآخرُ بالسنة. هو الضمير لمن يرث بالإخوة، وتثنيته محمولة على المعنى، وحكم ما فوق الاثنتين كحكمهما، ...، وذكر أبو حيان لتخريج الآية وجهين :الأول أن ضمير كانتا لا يعود على الأختين بل على الوارثين، وثم صفة محذوفة لاثنتين، والصفة مع الموصوف هو الخبر، والتقدير : ﴿ فإن كانتا ﴾ أي :الوارثتان ﴿ اثنتين ﴾ من الأخوات، فيفيد إذ ذاك الخبر ما لا يفيده الاسم، وحذف الصفة لفهم المعنى جائز ؛ والثاني أن يكون الضمير عائدا على الأختين- كما ذكروا- ويكون خبر﴿ كان ﴾ محذوفا لدلالة المعنى عليه وإن كان حذفه قليلا، ويكون اثنتين حالا مؤكدة، والتقدير :فإن كانتا أي الأختان له، أي للمرء الهالك، ويدل على حذف له : ﴿ وله أخت ﴾ ؛ ﴿ وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ أصله :وإن كانوا إخوة وأخوات، فغلب المذكر بقرينة ﴿ رجالا ونساء ﴾ الواقع بدلا، .. ﴿ يبين الله لكم ﴾ حكم الكلالة، أو :أحكامه وشرائعه التي من جملتها حكمها، .. ﴿ أن تضلوا ﴾ كراهة أن تضلوا في ذلك، .. وذهب الكسائي والفراء وغيرهما.. إلى تقدير اللام ولا في طرفَيْ ﴿ أن ﴾ أي :لئلا تضلوا-( ١ ) ؛ ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ والله تعالى محيط علمه بجميع الأشياء، فهو قد شرع وقدره بحكمة وخبرة وعلم.
ختم السورة ببيان كمال العلم، كما أنه ابتدأها ببيان كمال القدرة، وبهما يحصل الترهيب والترغيب للعاصي والمطيع ؛ نسأل الله العون على ذكره وشكره وحسن عبادته، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر اللهم آمين.
١ من روح المعاني؛ للألوسي..
السورة التالية
Icon