0:00
0:00

القسم الثاني من الجزء الثاني
[سورة النساء]
نحمدك اللهمّ مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممّن تشاء وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء بيدك الخير انّك على كلّ شىء قدير ربّنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنّا سيّئاتنا وتوفّنا مع الأبرار، وصلّ وسلّم وبارك على حبيبك ونبيّك سيّدنا وشفيعنا ومولانا محمّد الامّىّ المبعوث الى جميع الخلق رحمة وهدى صلّى الله عليه وسلّم وعلى اله وأصحابه أجمعين سورة النّساء مدنيّة وآياتها مائة وستّ وسبعون روى البيهقي فى الدلائل من طرق عن ابن عباس قال نزلت سورة النساء بالمدينة وكذا اخرج ابن المنذر عن قتادة واخرج البخاري عنه ربّ يسّر وتمّم بالخير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا النَّاسُ خطاب للموجودين عند النبي ﷺ ويتبعهم الناس أجمعون اتَّقُوا رَبَّكُمُ اى العقاب بان تطيعوا الَّذِي خَلَقَكُمْ فى بدو الأمر مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعنى آدم عليه السلام وَخَلَقَ عطف على خلقكم او على محذوف تقديره خلقها وخلق مِنْها زَوْجَها يعنى حواء بالمد من ضلع من أضلاعها اليسرى، عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ استوصوا بالنساء خيرا فانها خلقت من ضلع آدم الحديث متفق عليه، واخرج ابو الشيخ عن ابن عباس قال خلق حواء من قصرى أضلاعه، واخرج ابن ابى شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم عن مجاهد قال خلق حواء من آدم وهو نائم فاستيقظ الحديث وجملة خلقها وخلق منها زوجها «١» تقرير لخلقكم من نفس واحدة، وَبَثَّ مِنْهُما اى نشر من آدم وحواء رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً كثيرة غيركم ايها المخاطبون اكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها إذ الحكمة تقتضى ان تكون النساء اكثر من الرجال حتى أباح الله تعالى لرجل أربعا من النساء وذكّر كثيرا حملا على الجمع ورتب
(١) اخرج إسحاق وابن عساكر عن ابن عباس قال ولد لادم أربعون ولدا عشرون غلاما وعشرون جارية منه رحمه الله
الأمر بالتقوى على هذه القصة لما فيها من الدلالة على كمال القدرة والنعمة المقتضيين الخشية والطاعة وفيه تمهيد للامر بالتقوى فى صلة الأرحام وأداء حقوق العباد وَاتَّقُوا اللَّهَ عطف على اتّقوا ربّكم كانه قيل اتقوه لربوبيته وخلقه إياكم خلقا بديعا ولكونه مستجمعا لجميع صفات الكمال او لكونه مستحقا بذاته للخشية والطاعة الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ قرا اهل الكوفة بتخفيف السين على حذف احدى التاءين والباقون بالتشديد على ادغام التاء فى السين يعنى يسئل به بعضكم بعضا ويقول أسئلك بالله وَالْأَرْحامَ بالنصب عطفا على الله يعنى واتقوا الأرحام ان تقطعوها عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ الرحم معلقة بالعرش تقول ألا من وصلني وصله الله ومن قطعنى قطعه الله متفق عليه وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ خلق الله الخلق فلما فرغ منه قامت الرحم فاخذت بحقوى «١» الرحمن فقال مه قالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال ألا ترضين ان اصل من وصلك واقطع من قطعك قالت بلى يا ربّ قال فذاك متفق عليه وعن عبد الله بن عمر وقال قال رسول الله ﷺ ليس الواصل المكافي ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها رواه البخاري وعن انس قال قال رسول الله ﷺ من أحب ان يبسط له فى رزقه وينساه له فى اثره فليصل رحمه متفق عليه وعن ابى هريرة ان الرجل قال يا رسول الله ان لى قرابة أصلهم ويقطعونى واحسن إليهم ويسيئون اليّ واحلم عنهم ويجهلون علىّ فقال لئن كنت كما قلت فكانما تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك رواه مسلم وقرا حمزة بالجر عطفا على الضمير المجرور وهذه الاية دليل للكوفيين على جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار فان القراءة متواترة والمعنى يتساءلون بالله وبالأرحام «٢» ويقول للاستعطاف بالله وبالرحم افعل كذا إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١) حافظا مطلقا فلا تغفلوا عنه، قال مقاتل والكلبي ان رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ يتيم له فلما بلغ اليتيم طلب
(١) الحقو معقد الإزار وسمى به الإزار مجازا قال فى النهاية لما جعل الرحم شجنه من الرحمن استعار بما الاستمساك به كما يستمسك القريب بقريبه والنسيب بنسيبه والحقو فيه مجاز وتمثيل منه رحمه الله-[..... ]
(٢) اخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم عن مجاهد تساءلون به والأرحام قال يقول أسئلك بالله وبالرحم وكذا اخرجوا عن مجاهد وابراهيم والحسن منه رحمه الله-
المال فمنعه عمه فترافعا الى النبي ﷺ فنزلت.
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ الاية فلما سمع العم قال اطعنا الله واطعنا الرسول نعوذ بالله من الحوب الكبير فدفع اليه ماله فقال النبي ﷺ من يوق شح نفسه ويطع ربّه هكذا فانه يحلّ داره يعنى جنته فلما قبض الفتى ماله أنفقه فى سبيل الله فقال النبي ﷺ ثبت الاجر وبقي الوزر فقال ثبت الاجر للغلام وبقي الوزر على والده رواه الثعلبي والواحدي وذكره البغوي والخطاب للاولياء والأوصياء واليتامى جمع يتيم وهو صغير لم يكن له اب ولاجد مشتق من اليتم «١» بمعنى الانفراد ومنه الدرة اليتيمة، قال البيضاوي اما على انه لما جرى مجرى الأسماء كفارس وصاحب جمع على يتائم ثم قلب فقيل يتامى او على انه جمع على يتمى كاسرى لانه من باب الآفات ثم جمع يتامى كاسرى وأسارى والاشتقاق يقتضى وقوعه على الصغار والكبار لبقاء معنى الانفراد عن الآباء لكن العرف خصّصه بمن لم يبلغ، قال رسول الله ﷺ لا يتم بعد الاحتلام ولا صمات يوم الى الليل رواه ابو داود بإسناد حسن عن على فالحديث اما مبنى على العرف او هو بيان للشريعة يعنى لا حكم اليتم بعد البلوغ ومعنى الاية أتوا أموالهم إذا بلغوا بالإجماع ولدلالة قوله تعالى وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ فانه لما منع المال من السفيه مع كونه عاقلا بالغا فلأن يمنع من الصغير اولى فاليتيم فى الاية اما مورد على الأصل او على الاتساع بقرب عهدهم بالصغر حثا على ان يدفع إليهم أموالهم أول بلوغهم وَلا تَتَبَدَّلُوا اى لا تستبدلوا والتفعّل بمعنى الاستفعال سائغ يقال تعجل بمعنى استعجل الْخَبِيثَ اى مال اليتيم الذي هو عليكم حرام خبيث بِالطَّيِّبِ اى الحلال من أموالكم، قال سعيد بن جبير والزهري والسدى كان اولياء اليتامى يأخذون الجيّد من مال اليتيم ويجعلون مكانه الزدى فربما كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من مال اليتيم ويجعل مكانها المهزولة ويأخذ الدرهم الجيّد ويجعل مكانه الزيف ويقول درهم بدرهم فنهوا عن ذلك وقال مجاهد معنى الاية لا تتعجل الرزق الحرام قبل ان يأتيك الرزق الحلال الموعود من الله وقيل معناه لا تستبدلوا الأمر الخبيث وهو اختزال أموالهم بالأمر الطيّب الذي هو حفظها ودفعها الى المالك وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ اى اليتامى مضمومة إِلى أَمْوالِكُمْ وقيل الى هاهنا بمعنى مع كذا روى ابن المنذر عن قتادة إِنَّهُ اى ذلك الاكل كانَ حُوباً كَبِيراً (٢)
(١) فى الأصل اليتيم
ذنبا عظيما كذا قال ابن عباس عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ اجتنبوا السبع الموبقات فذكر منها أكل مال اليتيم متفق عليه.
وَإِنْ خِفْتُمْ ايها الأولياء أَلَّا تُقْسِطُوا اى ان لا تعدلوا وتجوروا من قسط بمعنى جار ومنه القاسطون والهمزة للسلب يعنى خفتم ان تجوروا فِي الْيَتامى اللاتي فى حجوركم إذا نكحتموهن فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ الاجنبيات غير تلك اليتامى ويطلق اليتامى على الذكور والإناث، روى البخاري فى الصحيح عن الزهري قال كان عروة بن الزبير يحدث انه سال عائشة عن هذه الاية قال هى اليتيمة فى حجر وليها فيرغب يعنى الولي غير المحرم مثل ابن العم فى جمالها ومالها ويريد ان يتزوجها بأدنى من سنة نسائها يعنى ادنى من مهر مثلها فنهوا عن نكاحهن الا ان يقسطوا لهنّ فى إكمال الصداق وأمروا بنكاح من سواهن من النساء قالت عائشة ثم استفتى الناس رسول الله ﷺ فانزل الله تعالى يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ الى قوله وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ فبين الله فى هذه الاية ان اليتيمة إذا كانت ذات جمال او مال رغبوا ولم يلحقوا بسنتها بإكمال الصداق وإذا كانت مرغوبا عنها فى قلة الجمال والمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء قال فكما تتركونها حين ترغبون عنها ليس لكم ان تنكحوها إذا ترغبوا فيها الا ان تقسطوا لها فى الاوفى من الصداق وتعطوها حقها وقال البغوي قال الحسن كان الرجل من اهل المدينة تكون عنده الأيتام فيهن من يحل له نكاحها فيتزوجها لاجل مالها وهى لا تعجبه كراهية ان يدخله غريب وقال عكرمة فى تفسير الاية وهى رواية عطاء عن ابن عباس انه كان الرجل من قريش يتزوج العشر من النساء والأكثر فاذا صار معدما من مؤن نسائه مال الى مال يتيم فى حجره فانفقه فقيل لهم لا تزيدوا على اربع حتى يحوجكم الى أخذ اموال اليتامى وقيل لمّا نزل الوعيد فى أكل اموال اليتامى كانوا يتحرجون فى أموالهم ويترخصون فى النساء ويتزوجون ما شاءوا وربما لا يعدلون فنزلت فقال الله تعالى فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فى حقوق اليتامى فخافوا ايضا ان لا تعدلوا بين النساء فانكحوا مقدار ما يمكنكم القيام بحقوقهن أخرجه ابن جرير وهو قول سعيد بن جبير والضحاك والسدى وقيل كانوا يتحرجون عن ولاية اليتامى ولا يتحرجون من الزنى فقيل لهم ان خفتم ان لا تعدلوا فى امر اليتامى فخافوا الزنى فانكحوا......
ما طاب لكم وهذا قول مجاهد وانما عبر عنهن بما ذهابا الى الصفة لان ما يجىء فى صفات من يعقل فكانّه قيل الطيبات من النساء او اجراهن مجرى غير العقلاء لنقصان عقلهن كما فى ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ قيل معنى ما طاب لكم ما أدركت البلوغ يقال طابت التمرة اى أدركت وهذا اولى بتأويل رواه البخاري عن عائشة يعنى لا تنكحوا اليتامى وانكحوا البالغات لكن كلمة لكم يابى عنه إذ كان المناسب حينئذ فانكحوا ما طاب من النساء وقيل معناه ما حلّ لكم من النساء لان منهن المحرمات كاللاتى فى اية التحريم وهذا انسب بقول مجاهد يعنى خافوا الزنى وانكحوا ما حل لكم لكن على هذا التأويل يلزم ان يكون الاية مجملة والإجمال خلاف الأصل فالاولى ان يقال معناه ما استطاب منهن أنفسكم ومالت أنفسكم إليهن وهذا انسب بجميع التأويلات فالمعنى على قول عائشة ان خفتم ان لا تقسطوا فى اليتامى لضعفهن وعدم من يذب عنهن فوت حقوقهنّ فانكحوا ما طاب لكم من النساء فان الحامى حينئذ بحقوقهن ميلان أنفسكم إليهن سواء كانت يتيمة او بالغة وايضا كون المنكوحة مرغوبة للنفس امنع من وقوعه فى الزنى وايضا يناسب ان يقال لا تزيدوا على اربع بل اقتصروا على المرغوبات فان المرغوبات قل وجودهن والله اعلم (مسئلة) ولهذا سنّ للخاطب ان ينظر الى وجه المخطوبة وكفيها قبل النكاح اجماعا، وقال داود بجواز النظر الى سائر جسدها سوى السوئتين عن جابر قال قال رسول الله ﷺ إذا خطب أحدكم المرأة فان استطاع ان ينظر الى ما يدعوه الى نكاحها فليفعل رواه ابو داود وعن المغيرة بن شعبة قال خطبت امراة فقال لى رسول الله ﷺ هل نظرت إليها قلت لا قال فانظر إليها فانه أحرى ان يؤدم بينكما رواه احمد والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ معدولة عن اعداد مكررة وهى ثنتين ثنتين وثلاث ثلاث واربع اربع وهى غير منصرفة للعدل والصفة فانها بنيت صفات
بخلاف أصولها فانها لم تبن لها، وقيل لتكرير العدل فانها معدولة عن لفظ ثنتين وعن معناه اعنى ثنتين مرة بعد اخرى منصوبة على الحال من ما طاب مفعول فانكحوا منكرة عند البصريين وقال الكوفيون هى معرفة لامتناع دخول حرف التعريف عليها فهى منصوبة على البدلية من ما طاب،......
(مسئلة) أجاز الروافض بهذه الاية تسعا من المنكوحات وكذا نقل عن النخعي وابن ابى ليلى لاجل العطف بالواو التي هى للجمع قالوا معنى الاية فانكحوا ثنتين وثلاثا وأربعا ومجموع ذلك تسع وأجاز الخوارج ثمانى عشرة نظرا الى تكرار المعنى وكلا القولين باطلان، اما قول الخوارج فلان مثنى وأخواتها معدول عن عدد مكرر لا تقف الى حد بإزاء ما يقابله لا لمكرر مرتين فمن قال لجماعة خذوا من هذه الدراهم مثنى معناه لياخذ كل رجل منكم منها درهمين درهمين وليس المعنى خذوا منها اربعة دراهم ولو كان كذلك فلا يستقيم معنى فانكحوا مثنى وثلث وربع إذ لا يتصور لجميع الناس نكاح امرأتين او ثلاث او اربع او تسع او ثمان عشرة ولذا قال صاحب الكشاف لو أفردت لم يكن معنى يعنى لو قيل فانكحوا ثنتين وثلاثا وأربعا لم يستقم المعنى واماما قالت الروافض ان المراد بها اباحة تسع لكل رجل فلانه فى عرف البليغ لا يؤدى معنى التسع بلفظ ثنتين وثلاث واربع كما لا يخفى بل المعنى انه يجوز لكل أحد نكاح ثنتين وكذا يجوز لكل نكاح ثلاث وكذا يجوز لكل نكاح اربع قال البيضاوي لو ذكرت باو لذهب تجويز الاختلاف فى العدد وفيه انه لو كان كذلك لذهب بالواو تجويز الاتفاق «١» والحق انه لا تفاوت فى فهم المقصود بين مثنى او ثلث وبين مثنى وثلاث إذ لا يلتفت فى أحد الصورتين الى اشتراط ان يكون جميع الامة على نحو واحد من هذه الاقسام المجوزة البتة او على أنحاء مختلفة البتة وانما جىء بالواو لانه اقرب لافادة التوزيع عند مقابلة المجموع بالمجموع- (مسئلة) لا يجوز ان يتزوج ما فوق الاربعة من النساء عند الائمة الاربعة وجمهور المسلمين وحكى عن بعض الناس اباحة اىّ عدد شاء بلا حصر لان قوله تعالى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ يفيد العموم ولفظ مثنى تعداد عرفى لا قيد كما يقال خذ من هذا البحر ما شئت قربة وقربتين وثلاثا ولو سلمنا كونه قيدا فالمعنى اباحة نكاح ما طاب عن النساء حال كونهن مثنى وثلاث وربع وذا لا يدل على ففى الحكم عما زاد على الأربع الا بمفهوم العدد ولا عبرة بالمفهوم الا ترى ان قوله تعالى جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ لا يدل على انه تعالى لم يجعل من الملائكة رسولا ذا «٢» اجنحة زائدة على اربعة جناح كيف وقد صح انه صلى الله عليه وسلم
(١) لا يظهر وجه هذه الملازمة فان الواو لمطلق الجمع فالمعنى انكحوا ايها المخاطبون هذه الأنواع، وهو صريح فى تجويز الجمع بين انواع القسمة منه رحمه الله فى الأصل ثلث واربع-
(٢) فى الأصل ذى
راى جبرئيل وله ستمائة جناح والأصل فى النكاح الحل على العموم لقوله تعالى وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ وقوله وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وقد صح انه ﷺ تزوج تسعا والأصل عدم الخصوصية الا بدليل ولنا ان الاية نزلت فى قيس بن الحارث قال البغوي روى ان قيس بن الحارث كانت تحته ثمانى نسوة فلما نزلت هذه الاية قال له رسول الله ﷺ طلق أربعا وامسك أربعا قال فجعلت أقول للمرءة التي لم تلد منى يا فلانة أدبري والتي قد ولدت أقبلي فكان من النبي ﷺ بيانا للاية وهو اعلم بمراد الله تعالى فظهران الأصل فى النكاح الحرمة والتضييق كما ذكرنا فى تفسير سورة البقرة فى مسئلة حرمة إتيان النساء فى أدبارهن فى تفسير قوله تعالى فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ وما قيل ان الأصل فيه الحل ممنوع وقوله تعالى وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ المراد به ماوراء المحرمات من الأمهات وغيرهن المذكورات وذا لا يدل على العدد عموما ولا خصوصا بل على حل كل واحدة منهن وكذا قوله وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ الاية فان مقابلة الجمع بالجمع يقتضى انقسام الآحاد على الآحاد فظهران الاية ما سيقت الّا لبيان العدد المحلل لا لبيان نفس الحل لانه عرف من غيرها قبل نزولها كتابا وسنة فكان ذكره هنا مقيّدا بالعدد ليس الا لبيان قصر الحل عليه او هى لبيان الحل المقيد بالعدد لا مطلقا كيف وهو حال ممّا طاب فيكون قيدا فى العامل وهو الاحلال المفهوم من فانكحوا وايضا عدم جواز ما فوق الأربع من النساء ثبت بحديث ابن عمران غيلان بن سلمة الثقفي اسلم وله عشر نسوة فى الجاهلية فاسلمن معه فقال النبي ﷺ امسك أربعا وفارق سائرهن رواه الشافعي واحمد والترمذي وابن ماجة وحديث نوفل بن معاوية قال أسلمت وتحتى خمس نسوة فسالت النبي ﷺ فقال فارق واحدة وامسك أربعا فعمدت الى اقدمهن صحبة عندى عاقر منذ ستين سنة ففارقتها رواه الشافعي والبغوي فى شرح السنة وعلى حصر الحل فى اربع انعقد الإجماع وقول بعض الناس فى مقابلة الإجماع باطل ولم يذهب الى التعميم أحد من اهل البدع ايضا فانه حصر الخوارج فى ثمان عشرة والروافض فى تسع، مسئلة إذا اسلم الرجل وتحته اكثر من اربع او اختان او أم وبنتها واسلمن معه او هنّ......
كتابيات فعند مالك والشافعي واحمد ومحمد بن الحسن انه يختار من الأكثر أربعا ومن الأختين ونحوهما واحدة وقال ابو حنيفة ان كان تزوجهن بعقدة واحدة فرق بينه وبينهن وان كان على التعاقب فنكاح من يحل سبقة جائز ونكاح من تأخر فوقع به الجمع او الزيادة على الأربع باطل الّا فى أم وبنتها إذا دخل بهما لحرمة المصاهرة وما ذكرنا من الأحاديث وحديث الضحاك بن فيروز الديلمي عن أبيه قال قلت يا رسول الله انى أسلمت وتحتى اختان قال اختر أيتهما شئت رواه الترمذي وابو داود وابن ماجة حجة للجمهور على ابى حنيفة- (مسئلة:) لا يجوز للعبد ان يتزوج اكثر من امرأتين عند الثلاثة وقال مالك وداود وربيعة يتزوج أربعا لشمول هذه الاية الأحرار والعبيد، قلنا المخاطبون بهذه الاية الأحرار دون العبيد بدليل اخر الاية فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إذ لا ملك للعبيد وروى ابن الجوزي فى التحقيق عن عمر رضى الله عنه ينكح العبد امرأتين ويطلق طلقتين وتعتد الامة حيضتين وكذا روى البغوي فى المعالم وزاد فان لم تكن تحيض فشهرين او شهرا ونصفا، قال ابن الجوزي قال الحاكم اجمع اصحاب رسول الله ﷺ ان العبد لا ينكح اكثر من امرأتين، رواه ابن ابى شيبة والبيهقي- فَإِنْ خِفْتُمْ اى خشيتم ايها الذين تريدون النكاح أَلَّا تَعْدِلُوا بين الأزواج المتعددة فَواحِدَةً اى فانكحوا واحدة وذروا الجمع وقرا ابو جعفر فواحدة بالرفع على انه فاعل فعل محذوف او خبر مبتدا محذوف فتكفيكم واحدة او فالمقنع واحدة أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعنى السراري لانه لا يلزم فيهن من الحقوق ما يلزم فى المنكوحات ولا قسم لهن ولا حصر فى عددهن (مسئلة:) تعليق الاختصار على
الواحدة او التسرى بخوف الجور يدل على انه عند القدرة على أداء حقوق الزوجات والعدل بينهن الأفضل الإكثار فى النكاح والنكاح على التائق فرض عين اجماعا ان كان قادرا على النفقة وعلى غير التائق مسنون مستحبّ ما لم يخف الفتنة والتقصير فى أداء الحقوق، عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ يا معشر الشباب من استطاع منكم الباه فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فان الصوم له «١» وجاء متفق عليه،
(١) دق عروق الخصيتين، قاموس ١٢ منه رح، فى الأصل طليقتين ١٢-
وفى الصحيحين عن انس عن النبي ﷺ لكنى أصوم وأفطروا تزوج النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى وعن انس قال كان رسول الله ﷺ يأمر بالباه وينهى عن التبتل نهيا شديدا ويقول تزوجوا الولود الودود انى مكاثر بكم الأتقياء يوم القيامة رواه احمد وعن ابى ذرّ ان النبي ﷺ قال لعكاف بن خالد هل لك من زوجة قال لا قال ولا جارية قال لا قال وأنت موسر بخير قال وانا موسر قال أنت اذن من اخوان الشياطين ان سنتنا النكاح شراركم غرابكم واراذل موتاكم غرابكم اباء الشياطين وقال داود النكاح فرض عين على القادر على الوطي والانفاق تمسّكا بهذه الاية فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ والله اعلم ذلِكَ اى الاقتصار على الواحدة او التسرّى أَدْنى من أَلَّا تَعُولُوا (٣) «١» اى ان لا تميلوا يقال عال الميزاب إذا مال وعال الحاكم إذا جار وعول الفريضة الميل عن حدّ السهام المسمات وقال مجاهدان لا تضلوا وقال الفراء ان لا تجاوزوا ما فرض الله عليكم واصل العول المجاوزة ومنه عول الفرائض وقال الشافعي لا يكثر عيالكم وقال البغوي وما قاله أحد وانما يقال من كثرة العيال أعال يعيل إعالة، قال ابو حاتم كان الشافعي اعلم بلسان العرب منا فلعله لغة ويقال هى لغة حمير وقال البيضاوي انه من عال الرجل عياله يعولهم إذا مأنهم فعبّر عن كثرة العيال بكثرة المؤن على الكناية وقرأ طلحة بن مصرف الّا تعيلوا فهى يؤيد قول الشافعي ولعلّ المراد بالعيال الأزواج وان أريد الأولاد فلان التسرى مظنة قلة الولد بالاضافة الى التزوج لجواز العزل فيه كتزوج الواحدة بالاضافة الى تزوج الاربعة،.
وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ اى مهورهن سمى صداقا وصدقة قال الكلبي وجماعة هذا خطاب للاولياء اخرج ابن ابى حاتم عن ابى صالح قال كان الرجل إذا زوج ابنته أخذ صداقها دونها فنهاهم عن ذلك فانزل الله تعالى هذه الاية وكذا قال البغوي ان ولى المرأة كان إذا زوّجها فان كانت معهم فى العشيرة لم يعطها من مهرها قليلا ولا كثيرا وان كان زوجها غريبا حملوها اليه على بعير ولم يعطوها من مهرها غير ذلك وقال الحضرمي كان اولياء النساء يعطى هذا أخته على ان يعطيه الاخر أخته ولا مهر بينهما فنهوا عن ذلك وأمروا بتسمية المهر فى العقد ويسمّى هذا النكاح شغارا-
(١) أخرج ابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه عن عائشة عن النبي ص أي لا تجوروا. منه رحمه الله.
(مسئلة:) ونكاح الشغار باطل عند مالك واحمد وكذا عند الشافعي ان قال فى صلب العقد ان بضع كل واحدة منهما صداق الاخرى فان لم يقل ذلك بل قال زوجتك ابنتي على ان تزوجنى ابنتك بغير صداق فقال زوّجتك فالنكاح صحيح عند الشافعي ايضا ولزم المهر فيهما خلافا لمالك واحمد وهذا الخلاف مبنى على تفسير الشغار وقال ابو حنيفة العقد ان جائز ان ولزم مهر المثل فيهما على كلا الصورتين ولو قال زوّجتك بنتي على ان تزوجنى نبتك ولم يقل بغير صداق ولم يذكر الصداق فقيل جاز النكاح اتفاقا ولا يكون شغارا ولو زاد قوله على ان يكون بضع بنتي صداقا لبنتك فلم يقبل الاخر بل زوّجه بنته ولم يجعلها صداقا كان النكاح الثاني صحيحا اتفاقا والاوّل صحيحا عند ابى حنيفة دون الائمة الثلاثة احتجوا على بطلان الشغار بحديث ابن عمر رضى الله عنهما ان رسول الله ﷺ نهى عن نكاح الشغار والشغار ان يزوّج الرجل ابنته على ان يزوّجه الاخر ابنته وليس بينهما صداق متفق عليه ورواه ايضا اصحاب السنن الاربعة وفى رواية لمسلم لا شغار فى الإسلام وجه الاحتجاج ان النفي رفع لوجوده الشرعي والنهى يقتضى فساد المنهي عنه والفاسد فى النكاح لا يفيد الملك اتفاقا وبالمعقول بان كل بضع يكون فى الشغار صداقا ومنكوحا فيكون مشتركا بين الزوج ومستحق المهر وهو باطل وأجاب الحنفية بان متعلق النهى والنفي مسمّى الشغار والمأخوذ فى مفهومه خلوه عن الصداق، وكون البضع صداقا ونحن قائلون بنفي هذه الماهية وما صدق عليه شرعا فلا نثبت النكاح كذلك بل نبطله فبقى نكاحا سمّى فيه ما لا يصلح مهرا فينعقد موجبا لمهر المثل كالنكاح المسمّى فيه خمرا او خنزيرا فما هو متعلق النهى لم نثبته وما أثبتناه لم يتعلق به النهى بل اقتضت العمومات صحته وقد أبطلنا كونه صداقا فبقى كله منكوحا، وقال جماعة الاية خطاب للازواج أمروا بايتاء نسائهم الصدقات نِحْلَةً قال ابو عبيدة يعنى عطاء من طيب نفس فهو منصوب على المصدرية من أتوا او على الحال من فاعل أتوا او من الصّدقات اى ناحلين او منحولة من الله عليكم اى من خالص ما أعطاه الله لكم لا من مال الغير او من مال الشبهة وقال ابو عبيدة لا يكون النحلة الّا مسمات معلومة وقال قوم عطية وهبة يعنى من الله تعالى، وتفضلا منه عليهنّ فهو منصوب على انه حال من الصدقات، ولمّا كان الصّداق عطية من الله تعالى على النساء......
صارت فريضة وحقّا لهنّ على الأزواج ونظرا الى هذا قال قتادة فريضة، وقال ابن جريج فريضة مسماة وقال الزجاج تدينا من قولهم انتحل فلان كذا إذا دان به فعلى هذا مفعول له او حال من الصدقات اى دينا من الله شرعه، فَإِنْ طِبْنَ اى الزوجات لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ لمّا كان معنى قوله تعالى وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ أتوا كل واحدة منهن صداقها أفرد الضمير الراجع الى الصداق المفهوم من الكلام يعنى طابت كل واحدة عن شىء من صداقها ولك ان تجعل الضمير راجعا الى صداق ذكر فى ضمن الجمع وقيل الضمير للايتاء نَفْساً تميز عن الاسناد فى طبن يعنى ان طابت انفسهن والمعنى فان وهبن لكم من الصداق شيئا عن طيب انفسهنّ فجعل الله سبحانه العمدة طيب النفس للمبالغة ونقل الفعل من النفوس الى أصحابها وعداه بعن لتضمين معنى التجافي والتجاوز وقال كلمة منه بعثا لهم على الاقتصار على الموهوب وان كان قليلا وترك الطمع فى الكل او الكثير، فَكُلُوهُ اى خذوه يعنى ذلك الشيء الموهوب هَنِيئاً مَرِيئاً (٤) اى حلالا بلا تبعة الهنيء الطيب المساغ الذي لا ينغصه شىء وقيل ما يلتذ به الإنسان والمريء محمود العاقبة التام فى الهضم الذي لا يضرّ وهما صفتان من هنى يهنى على وزن ضرب يضرب ومرى يمرى على سمع يسمع أقيمتا مقام مصدريهما، او وصف مصدر محذوف او جعلتا حالا من الضمير قرا ابو جعفر هنيّا مريّا بتشديد الياء فيهما من غير همز وكذلك برىّ وبريّون وبريّا وكهيّة والباقون يهمزونها.
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ «١» يعنى نسائكم وصبيانكم سماهم سفهاء استخفافا لعقولهم كذا قال الضحاك ومجاهد والزهري والكلبي وغيرهم وهو أوفق بقوله تعالى أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً اى ما تقومون بها وتعيشون، قال الضحاك بها يقام الحج والجهاد واعمال البر وبه فكاك الرقاب من النار وقال ابن عبّاس لا تعمد الى مالك الذي خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك وبنيك فيكونوا هم الذين يقومون عليك ثم تنظر الى ما فى أيديهم ولكن امسك وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم فى رزقهم وتربيتهم كما قال الله تعالى وَارْزُقُوهُمْ فِيها اى منها
(١) اخرج الحاكم وصححه والبيهقي فى الشعب عن النبي ﷺ قال ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم رجل كانت تحته امراة سيئة الخلق فلم يطلقها ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد ورجل اتى سفيها ماله وقد قال الله تعالى وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ منه رحمه الله
وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٥) لينا تطيب به أنفسهم وقال سعيد بن جبير وعكرمة ان هذه الاية فى مال اليتيم يكون عندك يقول الله سبحانه لا تؤته إياه وأنفق عليه وانما أضاف الأموال الى الأولياء لانهم قوامها ومدبروها، وهذا التأويل يناسب سوابق هذه الاية ولو أحقها فان الخطاب فيما سبق ولحق للاولياء وانما قال وارزقوهم فيها ولم يقل منها ليدل على ان تجعلوها مكانا لمرزقهم بان تتجروا فيها وتتربحوا حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فيأكلها الانفاق.
وَابْتَلُوا الْيَتامى يعنى اختبروا عقولهم قبل البلوغ بان تدفعوا إليهم قليلا من المال حتى يتصرف فيه ويستبين حاله فان كان رشيدا يظهر رشده اوّل الأمر ففى هذه الاية دليل على جواز اذن الصبى العاقل فى التجارة وبه قال ابو حنيفة رحمه الله وقال الشافعي لا يجوز اذن التجارة للصبى والمراد بالابتلاء ان يكل اليه مقدمات العقد والاول اظهر حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ اى صلاح النكاح والتوالد وذلك فى الغلام بالاحتلام والاحبال والانزال إذا وطى وفى الجارية بالحيض والاحتلام والحبل فان لم يوجد شىء من ذلك فيهما فباستكمال خمس عشرة سنة غلاما كان او جارية عند مالك واحمد والشافعي وابى يوسف ومحمد وهو رواية عن ابى حنيفة وعليه الفتوى والمشهور عن ابى حنيفة باستكمال سبع عشرة فى الجارية وثمان عشرة فى الغلام وفى رواية تسع عشرة فى الغلام، احتج الجمهور بحديث انس قال قال رسول الله ﷺ إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ماله وما عليه وأقيمت عليه الحدود رواه البيهقي فى الخلافيات وسنده ضعيف وفى الصحيحين عن ابن عمر انه عرض على رسول الله ﷺ يوم أحد وهو ابن اربع عشرة سنة فلم يجزه ثم عرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فاجازه وعند احمد الإنبات ايضا علم على البلوغ وقال الشافعي هو علم فى المشركين وفى المسلمين عنه قولان وقال ابو حنيفة لا عبرة به والحجة فى الباب حديث عطية القرظي قال عرضت على النبي ﷺ يوم قريظة فشكوا فىّ فامر النبي ﷺ ان ينظروا هل نبت بعد فنظروا فلم يجدونى أنبت فخلى عنى والحقنى بالسبي رواه اصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم فَإِنْ آنَسْتُمْ اى أبصرتم مِنْهُمْ بعد البلوغ رُشْداً اى هداية فى التصرفات وصلاحا فى المعاملات كذا قال ابو حنيفة ومالك......
واحمد وقال الشافعي صلاحا فى الدين وحفظا للمال وعلما بما يصلحه، روى البيهقي من طريق على بن طلحة عن ابن عباس فى قوله تعالى آنستم منهم رشدا معناه رايتم منهم صلاحا فى دينهم بعد الحلم وحفظا لاموالهم وروى مثله الثوري فى جامعه عن منصور عن مجاهد والبيهقي من طريق يزيد بن هارون عن هشام بن حسان عن الحسن فالفاسق غير رشيد عند الشافعي رشيد عند غيره فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ من غير تأخير عن البلوغ، قوله فادفعوا جزاء لان الشرطية وإذا بلغوا ظرف فيه معنى الشرط متعلق بادفعوا وحتى للابتداء وما قبلها سبب لما بعدها ولا يجوز ان يكون حتى جارة متعلقا بالجملة السّابقة لان إذا لتضمنه معنى فى لا يصلح ان يدخل عليه حتى الجارة فالمعنى وابتلوا اليتامى حتى تدفعوا إليهم أموالهم إذا بلغوا النكاح وآنستم منهم رشدا فالابتلاء سبب للدفع والدفع مشروط بشرطين البلوغ وإيناس الرشد ولذا قال الشافعي ومالك واحمد وابو يوسف ومحمد لا يدفع إليهم أموالهم ابدا ما لم يونس منهم الرشد خلافا لابى حنيفة حيث قال إذا بلغ خمسا وعشرين سنة يدفع اليه ماله لان المنع باعتبار اثر الصبا وهو فى أوائل البلوغ وينقطع بتطاول الزمان فلا يبقى المنع، ولهذا قال ابو حنيفة لو بلغ رشيدا ثم صار سفيها لا يمنع المال عنه لانه ليس بأثر الصبا، قال ابو حنيفة تنكير رشدا فى الاية يفيد التقليل يعنى نوعا من الرشد حتى لا ينتظر به تمام الرشد فاذا بلغ خمسا وعشرين سنة فقد يصير جدا فى هذا السن فلا يخلو عن نوع من الرشد فى التصرفات وان منع المال عنه بطريق التأديب، ولا تأديب بعد هذا ظاهرا او غالبا فلا فائدة فى المنع فلزم الدفع.
(مسئلة:) السفيه الذي لا يدفع اليه ماله لا ينفذ تصرّفه القولى فى ماله مطلقا من البيع والاعتاق وغير ذلك عند الشافعي وعند محمد ينفذ ما لا يحتمل الفسخ كالعتق ولا ينفذ ما يحتمله، كالبيع الّا بإذن وليه وعند ابى يوسف واكثر العلماء ينفذ تصرّفاته ما لم يحجر عليه القاضي ويجوز للقاضى حجره فاذا حجره القاضي لا ينفذ بيعه ولا كل تصرّف يؤثر فيه الهزل وينفذ عتقه وعلى العبد ان يسعى فى قيمته عند ابى يوسف ومحمد وعن محمد انه لا يجب السعاية وعند ابى حنيفة لا يجوز للقاضى الحجر على العاقل البالغ لاجل السفه او الدين او الفسق لان فيه اهدار آدميته والحاقه بالبهائم وهو أشد ضررا من التبذير فلا يتحمل الا على لدفع الأدنى......
والحجة للشافعى ومالك واحمد وغيرهم فى حجر السفيه هذه الاية فانها تدل على منع الأموال عن السفيه وهو لا يفيد بدون الحجر لانه يتلف بلسانه ما منع من يده وقال ابو حنيفة منع المال مفيد لان غالب السفه فى الهبات والصدقات وذلك موقوف على اليد إذ لا يتم الهبة الا بالقبض، والحجة لابى حنيفة حديث انس ان رجلا كان فى عقدته ضعف وكان يبايع وان اهله أتوا رسول الله ﷺ قالوا يا رسول الله احجر «١» عليه فدعاه نبى الله فنهاه عن البيع فقال يا رسول الله لا اصبر عن البيع فقال إذا بايعت فقل لا خلابة رواه الترمذي واحمد وقال الترمذي هذا حديث صحيح وجه الاحتجاج ان النبي ﷺ لم يحجر عليه ولم يمنع نهى تحريم وأجيب عنه بان ذلك الرجل لم يكن مبدرا قصدا بل كان يلحقه الخسران فى المبايعة لضعف عقله فامكن تداركه بقوله لا خلابة وكلامنا فى سفيه مبذر مضيع باختياره، قال البغوي والدليل على جواز الحجر اتفاق الصحابة عليه روى الشافعي عن محمد بن الحسن عن ابى يوسف القاضي عن هشام بن عروة عن أبيه ان عبد الله بن جعفر ابتاع أرضا سبخة بستين الف درهم فقال على لاتين عثمان فلا حجرن عليك فاتى ابن جعفر الزبير فاعلمه بذلك فقال الزبير انا شريكك فى بيعك فاتى على عثمان رضى الله عنهم وقال احجر على هذا فقال الزبير انا شريكه فقال عثمان كيف احجر على رجل فى بيع شريكه فيه الزبير، وروى ابو عبيد فى كتاب الأموال بسنده عن ابن سيرين قال قال عثمان لعلى الا تأخذ على يد ابن أخيك يعنى عبد الله بن جعفر وتحجر عليه اشترى سبخة بستين الف درهم ما تسرنى انها لى بنعلي فذكر القصة كما مرّ، قال البغوي فكان ذلك اتفاقا منهم على جواز الحجر حتى احتال الزبير لدفعه.
(مسئلة:) إذا بلغ الصغير رشيدا ثم صار سفيها مبذّرا جاز الحجر عليه عند من أجاز الحجر عليه فيما بلغ سفيها كما يدل عليه قصة ابن جعفر رضى الله عنهما والحجة لهم فى جواز حجر المديون حديث كعب بن مالك عن أبيه ان رسول الله ﷺ حجر على معاذ ماله وباعه؟؟؟ فى دين كان عليه رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي- وروى ابو داود فى المراسيل من حديث عبد الرزاق مرسلا وكذا روى سعيد فى سننه وابن الجوزي من حديث ابن المبارك عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك مرسلا قال كان معاذ بن جبل شابا
(١) فى الأصل اهجر عليه.
سخيا وكان لا يمسك شيئا فلم يزل يد اين حتى غرق ماله كله فى الدين فاتى رسول الله ﷺ فكلمه ليكلم غرماءه فلو تركوا لاحد لتركوا لمعاذ من أجل رسول الله فباع رسول الله ﷺ ماله حتى قام معاذ بغير شىء قال عبد الحق المرسل أصح من المتصل وقال ابن الصلاح فى الاحكام هو حديث ثابت وكان ذلك فى سنة تسع من الهجرة وجعل لغرمائه خمسة اسباع حقوقهم فقالوا يا رسول الله بعه لنا قال ليس لكم اليه سبيل وقال ابو حنيفة فى المديون ان القاضي لا يحجر عليه ولا يبيع ماله لانه نوع حجر ولانه تجارة لا عن تراض وقد قال الله تعالى إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ ولكن يحبسه ابدا حتى يبيعه فى دينه إيفاء لحق الغرماء ودفعا لظلمه والجواب عن قصة معاذ انا لا نسلم ان النبي ﷺ باع ماله ولم يرض به معاذ ومحال ان لا يرصى معاذ بفعل النبي ﷺ فكان النبي ﷺ باع ماله برضاه فهو من باب بيع الوكيل او الفضولي مع الاجازة اللاحقة من المالك وقول الراوي حجر على معاذ ماله واباعه زعم منه زعم بيع ماله حجرا «١» عليه كيف وقد اخرج البيهقي من طريق الواقدي هذا الحديث وزاد ان النبي ﷺ بعثه بعد ذلك الى اليمن ليجبره وروى الطبراني فى الكبير ان النبي ﷺ لما حج بعث معاذا الى اليمن وانه أول من تأجر فى مال الله فظهر ان النبي ﷺ لم يحجر معاذا عن التصرفات، مسئلة: إذا أفلس وفرق ماله وبقي عليه دين وله حرفة تفضل أجرتها عن كفايته قال احمد جاز للحاكم اجازته فى قضاء دينه وعنه لا يؤجره وهو قول غيره من الائمة، احتج احمد بحديث رواه الدارقطني عن زيد بن اسلم قال رايت شيخا بالاسكندرية يقال له سرق فقلت ماذا لاسم قال اسم سمانيه رسول الله ﷺ ولن ادعه قلت ولم سماك قال قدمت المدينة وأخبرتهم ان مالى يقدم فبايعونى فاستهلكت أموالهم فاتوا الى رسول الله ﷺ فقال أنت سرق وباعني باربعة ابعر فقال الغرماء للذى اشترانى ما تصنع به قال اعتقه قالوا فلسنا بأزهد فى الاجر منك فاعتقونى بينهم وبقي اسمى قال ابن الجوزي قد علم انه لم يبع رقبته لانه حر وانما باع منافعه والمعنى أعتقوني من الاستخدام قلت لا وجه لحمل هذا الحديث على الاجارة لانه اجارة على عمل مجهول فالحديث متروك بالإجماع،
(١) فى الأصل بيع ماله عليه مجرا عليه
وكان لرسول الله ولاية التصرف فى الناس ما ليس لغيره وروى مسلم عن ابى سعيد أصيب رجل فى عهد رسول الله ﷺ فى ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال تصدقوا عليه فلم يبلغ وفاء دينه فقال خذوا ما وجدتم وليس لكم الّا ذلك فهذا الحديث صريح انه لا سبيل الى المديون الّا فى استيفاء ديونهم من ماله والله اعلم، وَلا تَأْكُلُوها يعنى اموال اليتامى يا معشر الأولياء إِسْرافاً فى القاموس السرف محركة ضدّ القصد وفى الصحاح السرف تجاوز الحد فى كل فعل يفعله الإنسان قال الله تعالى فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ وقال يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لكن ذلك فى الانفاق أشهر، فيقال تارة باعتبار القدر يعنى الكثرة كما فى قوله تعالى كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا وتارة باعتبار الكيفية ولهذا قال سفيان ما أنفقت فى غير طاعة الله فهو سرف وان كان قليلا قال الله تعالى أَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ، قلت فاكل مال اليتيم وان كان قليلا فهو إسراف ان كان الولي غنيا وان كان فقيرا فالتجاوز عن المعروف إسراف وافراط وَبِداراً اى مبادرة أَنْ يَكْبَرُوا فياخذوا منكم أموالهم فاسرا فاو بدارا مصدر ان فى موضع الحال وان يكبروا فى موضع المصدر منصوب المحل ببدارا يعنى لا تأكلوا مسرفين ومبادرين كبرهم ويجوز ان يكونا مفعولى «١» لهما اى لاسرافكم ومبادرتكم فى الاكل وجاز ان يكون ان يكبروا منصوب المحل على انه مفعول له للمبادرة اى لمبادرتكم لاجل مخافة ان يكبروا فيأخذوا من ايديكم وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ اى ليمتنع من مال اليتيم فلا يأخذ منه قليلا ولا كثيرا استعف ابلغ من عف كانه طلب زيادة العفة، وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان رجلا اتى رسول الله ﷺ فقال انى لفقير ليس لى شىء ولى يتيم فقال كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متاثل رواه ابو داود والنسائي وابن ماجة وعن ابن عباس ان رجلا قال لرسول الله ﷺ ان فى حجرى يتيما أفآكل من ماله قال بالمعروف غير متاثل مالا منه ولا واق مالك بماله رواه الثعلبي والمراد اجرة عمله بقدر قيامه وهو قول عائشة وبه نأخذ وقال عطاء وعكرمة يأكل باطراف أصابعه ولا يسرف
(١) فى الأصل مفعولا لهما
ولا يكتسى منه وقال النخعي لا يلبس الكتان ولا الحلل ولكن ما سد الجوعة ووارى العورة ولا قضاء فى هذه الأقوال كلها وقال الحسن وجماعة يأكل من تمر نخيله ولبن مواشيه بالمعروف ولا قضاء عليه وامّا الفضة والذهب فلا فان أخذ فعليه رده وقال الكلبي المعروف ركوب الدابة وخدمة الخادم وليس له ان يأكل من ماله شيئا وروى البغوي بسنده عن القاسم ابن محمد انه جاء رجل الى ابن عباس فقال ان لى يتيما وان له ابلا افاشرب من لبن ابله فقال ان كنت تبغى ضالة ابله وتهنا جرباها وتلط حوضها وتسقيها يوم وردها فاشرب غير مضر بنسل ولا ناهك فى الحلب وقال الشعبي لا يأكل الا ان يضطر اليه كما يضطر الى الميتة وقال قوم المعروف القرض اى يستقرض من مال اليتيم إذا احتاج اليه فاذا أيسر قضاه وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير وقال عمر بن الخطاب انى أنزلت نفسى من مال الله بمنزلة ولى اليتيم ان استغنيت استعففت وان افتقرت أكلت بالمعروف فاذا أيسرت قضيت فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ بعد بلوغهم وإيناس رشد منهم فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ هذا امر ارشاد وليس بواجب والاولى الاشهاد لدفع التهمة وانقطاع الخصومة واحتج الشافعي ومالك بهذه الاية على ان القيم لا يصدق فى دعواه بالدفع الا بالبينة وقال ابو حنيفة إذا لم يكن له بينة يصدق مع اليمين لانه أمين ينكر الضمان عليه ويدل على ذلك قوله تعالى وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٦) اى محاسبا ومجازيا وشاهدا لا حاجة الى شاهد غيره بل يصدق الولي مع اليمين ويفوض امره الى الله تعالى والباء زائدة على فاعل الفعل، اخرج ابو الشيخ ابن حبان فى كتاب الفرائض من طريق الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس قال كان اهل الجاهلية لا يورثون النبات ولا الصغار من الذكور حتى يدركوا فمات رجل من الأنصار يقال له أوس بن ثابت وترك ابنتين وابنا صغيرا فجاء ابنا عمه خالد وعرفطة وهما عصبتاه فأخذا ميراثه كله فاتت امرأته رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك فقال ما أدرى ما أقول فنزلت.
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ اى المتوارثون بالقرابة ولم يقل للنساء نصيب منه اهتماما لشأنهن مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ بدل من قوله ممّا ترك باعادة العامل وفائدته التوبيخ على عدم مبالاتهم فى القليل نَصِيباً مَفْرُوضاً (٧)......
نصب على انه مصدر مؤكد كقوله فريضة من الله، او حال من فاعل الظرف إذا المعنى ثبت لهم نصيب حال كونه مفروضا اى مقطوعا والحال فى الحقيقة قوله مفروضا لكن بحسب الظاهر جعل الحال نصيبا ومفروضا صفة له ويسمى الحال موطئة لانه مقدمة لذكر ما هو الحال حقيقة او على اختصاص بمعنى اعنى نصيبا مقطوعا واجبا لهم لا يجوز لاحد التبديل فيه، وفيه دليل على ان الوارث لو اعرض عن نصيبه او ابرا عنه لا يسقط حقه وفى الاية إجمال من وجهين أحدهما فى تعيين النصيب وثانيهما فى المراد بالاقرب وكلا الامرين ورد بيانهما من الشرع وذكر الوالدين مع دخولهما فى الأقربين اهتماما لشانهما ولانّ سبب النزول ميراث الوالد وذكر البغوي ان أوس بن ثابت الأنصاري توفى وترك امراة يقال لها أم كحة وثلث بنات له منها فقام رجلان هما ابنا عمّ الميت واوصياه «١» سويد وعرفجة فاخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئا وكانوا فى الجاهلية لا يرثون النساء ولا الصغار وان كان الصغير ذكرا انما كانوا يورثون الرجال ويقولون لا نعطى الا من قاتل وحاز الغنيمة فجاءت أم كحة فقالت يا رسول الله ان أوس بن ثابت مات وترك على بنات وانا امرأته وليس عندى ما أنفقه عليهن وقد ترك أبوهن مالا حسنا وهو عند سويد وعرفجة ولم يعطيانى ولا بناتي شيئا وهن فى حجرى لا يطعمن ولا يسقين فدعاهما رسول الله ﷺ فقالا يا رسول الله ولدها لا يركب فرسا ولا يحمل كلا ولا ينكأ عدوا فانزل الله هذه الآية فارسل رسول الله ﷺ الى سويد وعرفجة لا تفرقا من مال أوس بن ثابت شيئا فان الله جعل لبناته نصيبا ممّا ترك ولم يبيّن كم هو حتى انظر ما ينزل فيهنّ فانزل الله تعالى يوصيكم الله فى أولادكم فلما نزلت أرسل رسول الله ﷺ الى سويد وعرفجة ان ادفعا الى أم كحة الثمن والى بناته الثلثين ولكما باقى المال، قلت ولما نزل عقيبه يوصيكم الله لم يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة والله اعلم، قال سعد وقع فى الكتب المعتبرة والروايات الصحيحة أوس بن ثابت وهو أخو حسان بن ثابت استشهد بأحد قال الشيخ جلال الدين السيوطي وفيه نظر لانه كان أخا حسان ولم يكن لبنى العم مع الأخ سبيل ونقله ابن حجر فى الاصابة عن ابن مندة وخطّاه بانه ليس أحد من
(١) فى الأصل ووصياه
اخوته أوس ولا من بنى أعمامه عرفطة ولا خالدا ثم ذكر الشيخ السيوطي ان جماعة من الصحابة يسمى اوسا مع اختلاف اسماء ابائهم فلعل الذي نزل فيه الاية أحد هؤلاء والله اعلم.
وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ اى قسمة المواريث أُولُوا الْقُرْبى غير الأقربين الذين لا يرثون وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ اى شيئا مما ترك او مما يقسم تصدقا عليهم قال الحسن كانوا يعطون التابوت والأواني ورث الثياب والمتاع والشيء الذي يستحيى من قسمته وقال سعيد بن جبير والضحاك هذه الاية منسوخة باية يوصيكم الله وقال ابن عباس والشعبي والنخعي والزهري ومجاهد وجماعة انها محكمة قال قتادة عن يحيى بن يعمر ثلث آيات محكمات مدنيات تركهن الناس هذه الاية واية الاستيذان يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وقوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى الاية فقيل الأمر للوجوب حق واجب فى اموال الصغار والكبار فان كان الورثة كبارا تولوا اعطاءهم وان كانوا صغارا اعطى وليهم وروى محمد بن سيرين ان عبيدة السلماني قسم اموال أيتام فامر بشاة فذبحت فصنع طعاما لاهل هذه الاية وقال لولا هذه الاية لكان هذا من مالى والصحيح انه امر ندب قال ابن عباس ان كانت الورثة كبار ارضحوا لهم ويستقلوا ما يعطوا ولا يمنّوا عليهم وان كانوا صغارا اعتذر الولي او الوصي إليهم فيقول انى لا املك هذا المال انما هو للصغار ولو كان لى منه شىء أعطيتكم وان يكبروا فسيعرفون حقوقكم وهذا القول هو المعنى من قوله تعالى وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٨).
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ الضياع، الظاهر ان الأمر للاقوياء من الورثة وهذه الاية متصلة بقوله تعالى لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ الاية وقوله تعالى وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ الاية يعنى ليعطى الأقوياء أنصباء النساء والضعفاء من الورثة وليرضحوا من التركة غير الورثة من الضعفاء والفقراء والمساكين وليخشوا على أولاء الضعفاء الضياع كما لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم الضياع واشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم او المعنى ليخشوا الله فى تضييع ضعفاء الورثة كانه تنازع الفعلان ليخش وليتقوا فى قوله تعالى فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ فى اسم الله تعالى واعمل الثاني كما هو مذهب البصريين وحذف من الاول ولو......
اعمل الاوّل لقيل فليتقوه، أمرهم بالتقوى الذي هو غاية الخشيه بعد ما أمرهم بها مراعاة للمبدا والمنتهى وقال الكلبي هذا امر للاوصياء والأولياء بان يخشوا الله ويتقوه فى امر اليتامى ويحسنوا إليهم ويفعلوا بهم ما يحبون ان يفعل بذراريهم الضعاف متصل بقوله تعالى وابتلوا اليتامى ويكون قوله للرّجال نصيب الى هنا جملا معترضات وفائدته ان ولاية اليتامى وابتلاءهم وقسمة التركة انما يتصوّر بعد دفع ما تقرر فى الجاهلية ان لا ميراث للضعفاء انما هو لمن يحارب وجاز ان يكون امرا للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب واليتامى والمساكين متصوّرين انهم لو كانوا أولادهم وبقوا خلفهم ضعافا هل يجوّزوا حرمانهم، وقيل هذه الاية فى الرجل يحضره الموت فيقول من بحضرته ان أولادك وورثتك لا يغنون عنك شيئا أعتق واعط فلانا كذا وفلانا كذا حتى يأتى على عامة ماله فهو امر للحاضرين المريض عند الإيصاء بان يخشوا ربهم او يخشوا على أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم فلا يتركوه ان يضرّبهم ويصرف المال عنهم، او امر للموصين بان ينظروا للورثة الضعاف الذين خافوا عليهم الضياع ولا يسرفوا فى الوصية ولا يزيدوا فى الوصية على الثلث كيلا تحجف لورثته وجواب لو خافوا ولو مع ما فى حيزه صلة للذين وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً (٩) يعنى يقول الاترياء من الورثة ضعفاءهم بالشفقة وحسن الأدب او الأولياء لليتامى قولا حسنا شفقة كما يقولون لاولادهم بالشفقة او الحاضرون الوصية يأمروا الموصى بالتصدق دون الثلث او الحاضرون القسمة اعتذروا الى الفقراء او الموصى يقول فى الوصية قولا حسنا فيوصى بما دون الثلث ويراعى فى الوصية حسن النية مع الإخلاص لله تعالى، قال البغوي قال مقاتل بن حبان لما أكل مرثد بن زيد رجل من غطفان مال ابن أخيه وهو يتيم صغير نزلت.
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً مصدرا وحال اى أكلا ظلما او ظالمين إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً ما يجر الى النار ويؤل اليه، فى الحديث قال النبي ﷺ رايت ليلة اسرى بي قوما لهم مشافر كمشافر الإبل أحدهما قارصة على منخريه والاخرى على بطنه وخزنة جهنم يلقمونهم جمر جهنم وصخرها فقلت يا جبرئيل من هؤلاء قال الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما رواه ابن جرير......
وابن ابى حاتم من حديث ابى سعيد الخدري اخرج ابن ابى شيبة فى مسنده وابن ابى حاتم فى تفسيره وابن ابى حبان فى صحيحه عن ابى بردة انه ﷺ قال يبعث الله قوما من قبورهم يتاجج أفواههم نارا فقيل من هم فقال الم تر ان الله يقول إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠) قرا الجمهور بفتح الياء اى يدخلونه وابن عامر وابو بكر بضم الياء اى يدخلون النّار ويحرقون والسعير فعيل بمعنى المفعول من سعرت النار إذا لهبتها اخرج الائمة الستة عن جابر بن عبد الله قال عادنى رسول الله ﷺ وابو بكر فى بنى سلمة فوجدنى النبي ﷺ لا اعقل شيئا فدعا بماء فتوضأ ثم رش عليّ فافقت فقلت ما تأمرنى ان اصنع فى مالى فنزلت يوصيكم الله الاية واخرج احمد وابو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم عن جابر قال جاءت امراة سعد بن الربيع الى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله هاتان بنتا سعد بن الربيع قتل معك فى أحد شهيدا وان عمتهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا تنكحان الّا ولهما مال فقال يقضى الله فى ذلك فنزلت اية الميراث فبعث رسول الله ﷺ الى عمّهما فقال أعط لا بنتي سعد الثلثين واعظ امّهما الثمن وما بقي فهو لك قال الحافظ تمسّك من قال ان الاية نزلت فى قصة ابنتي سعد ولم تنزل فى قصّة جابر خصوصا بان جابرا لم يكن له يومئذ ولد قال والجواب انها نزلت فى الامرين معا ويحتمل ان يكون نزول اوّلها فى قصّة ابنتي سعد وآخرها وهو قوله وان كان رجل يورث كللة المتصل بهذه الاية فى قصّة جابر ويكون مراد جابر بقوله فنزلت.
يُوصِيكُمُ اللَّهُ إلخ الاية المتصلة بها وروى له سبب ثالث اخرج ابن جرير عن السدى قال كان اهل الجاهلية لا يورّثون الجواري ولا الضعفاء من الغلمان لا يرث الرجل من ولده الّا من أطاق القتال فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر وترك امراة يقال لها أم كحة وخمس بنات فجاءت الورثة يأخذون ماله فشكت أم كحة ذلك الى رسول الله ﷺ فانزل الله هذه الاية فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ ثم قال فى أم كحة وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ الاية وقد ورد فى قصة سعد بن الربيع وجه اخر اخرج القاضي إسماعيل......
فى احكام القران من طريق عبد الملك بن محمد بن حزم ان عمرة بنت حرام كانت تحت سعد بن الربيع فقتل عنها بأحد وكان له منها ابنة فاتت النبي ﷺ لطلب ميراث ابنتها ففيها نزلت يُوصِيكُمُ اللَّهُ يأمركم ويعهد إليكم فِي شأن ميراث أَوْلادِكُمْ وجاز ان يكون فى بمعنى اللام كما فى قوله عليه السّلام دخلت امراة النار فى هرة وهذا إجمال تفصيله لِلذَّكَرِ منهم مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ منهم إذا اجتمع الصنفان يعنى ان كان مع الأنثيين او اكثر ذكر واحدا واكثر يعطى لكل واحد منهم مثل حظ الثنتين منهن ويعلم بدلالة النص انه ان كان ذكر واحد او اكثر مع واحدة أنثى يعطى للانثى نصف حظ ذكر واحد ووجه تخصيص التنصيص على حظ الذكر تفضيله والتنبيه على ان التضعيف كاف للتفضيل فلا يحر منّ بالكلية وقد اشتركا فى الجهة، هذا حكمهم عند اجتماع الصنفين وان كان الأولاد صنفا واحدا أنثى فقط فَإِنْ كُنَّ اى الأولاد وانث الضمير باعتبار الخبر او الضمير راجع الى بنات مذكورات فى ضمن الأولاد نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ خبر ثان او صفة نساء يعنى زائدة على ثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ الميت منكم وَإِنْ كانَتْ المولودة المذكورة فى ضمن الأولاد واحِدَةً قرا نافع بالرفع على ان كانت تامّة والباقون بالنصب على الخبرية فَلَهَا النِّصْفُ ولم يذكر فى الاية حكم الأنثيين فقال ابن عباس حكمهما حكم الواحدة لانه الأقل المتيقن من النصيبين المذكورين والصحيح ان لهما الثلثان وعليه انعقد الإجماع فقيل لفظ فوق زائدة كما فى قوله تعالى فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ ويؤيده من السنة ما ذكرنا من قصّة سعد بن الربيع ونزول الاية فيهما وقيل ثبت حكمهما بالقياس على الأختين فان الله سبحانه جعل لاخت واحدة النصف كما جعل لبنت واحدة وجعل للاخوة والأخوات المختلطين للذكر مثل حظّ الأنثيين كما جعل للاولاد المختلطين هكذا وجعل للاختين الثلثان فكذا للبنتين فثبت بالسنة والإجماع ان حكم ما فوق الثنتين من الأخوات كحكم الثنتين منهما الثابت بالنصّ وحكم البنتين كحكم ما فوقهما الثابت بالنص ولا وجه لالحاق الثنتين منهما بالواحدة ولان البنت لمّا كان حظها مع ابن واحد ذكر الثلث لا ينقص منه ابدا فمع بنت واحدة غيرها اولى ان لا ينقص حظها من الثلث والله اعلم والسكوت عن حكم الذكر إذا لم يكن معه أنثى يدل على......
ان المال كله له لانه اولى بالميراث من الأنثى فلا جائز حرمانه ولو كان له بعض المال لم يجز السكوت عن بيانه وقت الحاجة ولا يرث معه غيره بالعصبية لانه اقرب العصبات فلا يترك شيئا لغيره ولانه جعل الله سبحانه للذكر مثل حظ الأنثيين وقد جعل للانثى عند الانفراد النصف فللذكر عند الانفراد ضعف النصف وهو الكل وإذا كان للولد الذكر عند الانفراد جميع المال يحجب مع ولد ذكر صلبى أولاد الابن ذكورا كان او إناثا او مختلطين بالإجماع (مسئلة) اجمعوا على ان أولاد الابن لهم حكم أولاد الصلب عند عدم الولد فللذكور او ذكر منفرد منهم جميع المال ولواحدة منفردة من الإناث النصف وللاكثر منها منفردات الثلثان وللذكر مثل حظ الأنثيين عند الاختلاط ولهم عند الاختلاط مع واحدة صلبية او اكثر ما بقي منها او منهن للذكر مثل حظ الأنثيين كذا روى الطحاوي عن عائشة انها أشركت بين بنات ابن وبنى ابن مع بنتين وبين الاخوة والأخوات لاب مع أختين لاب وأم فيما بقي ولذكر واحدا واكثر مع بنت او بنات جميع ما بقي منهن لقوله عليه السلام الحقوا الفرائض باهلها فما أبقت الفرائض فلا ولى رجل ذكر متفق عليه من حديث ابن عباس ولبنت ابن واحدة او اكثر منفردات مع واحدة صلبية السدس تكملة للثلثين
لما رواه البخاري عن الهذيل بن شرحبيل قال جاء رجل الى ابى موسى وسلمان بن ربيعة فسالهما عن رجل مات عن ابنة وابنة ابن واخت لاب وأم فقالا للبنت النصف وللاخت النصف وائت ابن مسعود فانه سيتابعنا فاتى ابن مسعود فقال قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ساقضى فيها بما قضى رسول الله ﷺ للبنت النصف ولابنة الابن السدس تكملة للثلثين وما بقي فللاخت فاتينا أبا موسى فاخبرناه بقول ابن مسعود فقال لا تسئلونى ما دام هذا الحبر فيكم ولا يرثن مع الصلبيتين لاحرازهما تمام الثلثين الا ان يكون بحذائهن او أسفل منهن غلام فيعصبهن، وَلِأَبَوَيْهِ اى أبوي الميت منكم لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا بدل من لابويه بتكرير العامل وفائدته دفع توهم اشتراكهما فى السدس والتفصيل بعد الإجمال تأكيدا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ الميت إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ ذكر او أنثى صلبى او ولد ابن غير ان الأب يأخذ السدس......
مع أنثى عند عدم ولد ذكر بالفرض وما بقي من ذوى الفروض بالعصوبة لانه اولى رجل ذكر بعد الأبناء وأبناء الابن فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ صلبى ولا ولد ابن وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ يعنى ثلث جميع المال ان لم يكن معهما وارث صاحب فرض غيرهما وثلث ما بقي بعد فرض أحد الزوجين ان كان معهما أحد الزوجين ولا يتصور معهما غير الزوجين لان الاخوة والأخوات والجد لا يرثون مع الأب والجدة مع الام والمفروض عدم الولد، او المعنى وورثه أبواه فقط فلامه الثلث مما ترك بقرينة تقيد السدس به فعلى هذا يعرف ميراثهما مع أحد الزوجين بالمقايسة فكما كان للام نصف ما للاب عند عدم غيرهما تضعيفا للذكر على الأنثى مع اتحاد القرابة يعنى ثلث الكل والثلثان فكذا مع غيرهما يعنى ثلث ما بقي والثلثان عن ابن مسعود قال كان عمر بن الخطاب إذا سلك طريقا فاتبعناه وجدنا سهلا وانه سئل عن امراة وأبوين فقال للمرءة الربع وللام الثلاث ما بقي وما بقي فللاب وبه قال زيد بن ثابت ان للام ثلث ما بقي بعد فرض أحد الزوجين فى مسئلة زوج وأبوين ومسئلة زوجة وأبوين وعليه انعقد الإجماع ولو كان مكان الأب الجد فلها ثلث الكل وروى البيهقي من طريق عكرمة قول ابن عباس ان للام فى المسألتين ثلث الكل وبه قال شريح ووافقه ابن سيرين فى زوجة وأبوين وخالفه فى زوج وأبوين روى البيهقي عن النخعي انه قال خالف ابن عباس جميع اهل الفرائض فى ذلك والسكوت عن حكم الأب بعد قوله وورثه أبواه يدل على ان الباقي يعنى الثلثين للاب لانه اولى بالميراث من الام فلا جائز حرمانه وقد نبّه على ميراثه بقوله ورثه ولو كان له بعض المال لم يجز السكوت عن بيانه ولا يرث معه غيره بالعصبية لانه اقرب العصبات عند عدم الولد فلا يترك لغيره شيئا وهذه الاية تدل على انه لو ورثته «١» امه فقط بدون الأب يكون لها الثلث بالطريق الاولى ولا دليل على الزيادة فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ لاب او لام أولهما والمراد بالاخوة ما فوق الواحد اجماعا سواء كانوا ذكورا او إناثا او مختلطين وكذا المراد بكل جمع وقع فى باب الفرائض والوصايا اجماعا وقال ابن عباس لا يحجب الام من الثلث ما دون الثلاثة روى الحاكم وصححه ان ابن عباس دخل على عثمان فقال له محتجا بانه كيف ترد الام الى السدس بالأخوين وليسا باخوة فقال عثمان لا أستطيع ردّ شىء كان قبلى ومضى فى البلدان
(١) فى الأصل لو ورثه-
وتوارث عليه الناس فاحتج عثمان بالإجماع وأجاب زيد بن ثابت بجواب اخر قالوا يا أبا سعيد ان الله يقول فان كان له اخوة وأنت تحجبها باخوين فقال ان العرب يسمى الأخوين اخوة- فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ وهذه الاية تدل بالمفهوم المخالف وما قبله بالمفهوم الموافق ان للام مع أخ او اخت واحدة الثلث فانه إذا كان لها مع الأب الثلث فلها مع الأخ او الاخت الثلث بالطريق الاولى قرا حمزة والكسائي فلامّه فى الموضعين هاهنا وفى القصص فى امّها وفى الزخرف فى امّ الكتب فى الوصل فقط بكسر الهمزة اتباعا للكسرة التي قبلها والباقون بضمها على الأصل وإذا أضيف الام الى جمع ووليت همزته كسرة وجملته اربعة مواضع فى النحل من بطون امّهاتكم وكذا فى النور والزمر والنجم فحمزة يكسر الهمزة والميم فى الوصل والكسائي يكسر الهمزة فى الوصل ويفتح الميم والباقون يضمون الهمزة ويفتحون الميم فى الحالين- (مسئلة) اجمعوا على ان الاخوة والأخوات يحجبن الام من الثلث الى السدس وان كانوا محجوبين بالأب وعن ابن عباس انهم يأخذون السدس الذي حجبوا عنه الام خلافا للجمهور (مسئلة) الجد الصحيح اعنى اب الأب وان علاله حكم الأب عند عدم الأب ولا شىء لاب الام لانه لا يصلح ان يكون مكان الأب لانه ليس من جهته ولا مكان الام لانه ليس من جنسه ويسمّى جدا فاسدا فالجد الصحيح عصبة عند عدم الولد وله السدس مع ولد ذكر والسدس والتعصيب مع ولد أنثى وخالف حكمه حكم الأب فى انه لا يرد الام من الثلث الى السدس او الربع مع أحد الزوجين اجماعا واختلفوا فى انه هل يحجب الاخوة كالاب أم لا فقال ابو حنيفة يحجبهم كلهم سواء كانوا من الأب او الام او منهما وهو المروي عن ابى بكر وكثير من الصحابة وقال مالك والشافعي واحمد وابو يوسف «١» ومحمد لا يحجب الاخوة والأخوات ان كانوا من الأبوين او من الأب ويحجبهم ان كانوا من الام قال ابن الجوزي محتجا بعدم حجبهم ان التوريث بالاخوة منصوص عليه فى القرآن فلا يثبت حجبهم الا بنصّ قلنا لو كان كذلك فلم قلتم يحجب أولاد الام مع الجدّ وهم منصوص توريثهم فى القران وايضا تقولون بان ابن الابن يحجب الاخوة كلهم لقيامه مقام الابن فلم لا تقولون بحجبهم بالجد لقيامه مقام الأب ولنا قوله ﷺ الحقوا الفرائض باهلها فما بقي فهو لاولى رجل ذكر ولا شك ان الجد اولى من الأخ لانه
(١) فى الأصل ابى يوسف-
اصل الميت دون الأخ ولنا ايضا انه إذا اجتمع الجد مع الاخوة فلا وجه للمقاسمة لاختلاف جهة قرابتهم ولا يسقط الجد بالاخوة اجماعا حيث لم يذهب اليه أحد فيسقط الاخوة بالجد فان قيل قال الشيخ ابن حجر فيه نظر لان ابن حزم حكى أقوالا ان الاخوة تقدم على الجد فاين الإجماع قلنا بعد انقراض اهل تلك الأقوال اجتمع الامة على أحد القولين اما إسقاط الاخوة او المقاسمة فثبت الإجماع ومذهبهم مروى عن زيد بن ثابت وحكم الجد مع الاخوة عندهم سواء كانت الاخوة لابوين او لاب ان للجد أفضل الامرين من المقاسمة وثلث جميع المال ان لم يكن معهم ذو فرض اخر وتفسير المقاسمة ان يجعل الجد فى القسمة كاحد الاخوة وبنو العلات يدخلون فى القسمة مع بنى الأعيان إضرارا للجد فاذا أخذ الجد نصيبه فبنوا لعلات يخرجون من البين خائبين بغير شىء والباقي لبنى الأعيان للذكر مثل حظ الأنثيين وإذا كانت من بنى الأعيان اخت واحدة أخذت فرضها نصف الكل بعد نصيب الجد فان بقي شىء فلبنى العلات للذكر مثل حظ الأنثيين والّا فلا شىء لهم كحد واخت لابوين وأختين لاب فبقى للاختين عشر المال وتصح من عشرين ولو كانت فى هذه المسألة اخت لاب لم يبق لها شىء وإذا كان مع الجدّ والاخوة ذو فرض غيرهم فللجد حينئذ أفضل الأمور الثلاثة اما سدس جميع المال كجدّ وجدّة وبنت وأخوين فقد لا يبقى شىء كبنتين وامّ وزوج فيفرض للجدّ سدس ويزاد فى العول وقد يبقى دون السدس كبنتين وزوج فيفرض للجد سدس وتعال وقد يبقى سدس كبنتين وأم فيفوز له الجدّ ويسقط الاخوة فى هذه الصور الثلث وامّا ثلاث الباقي بعد سهم ذوى الفروض غيرهم كجدّ وجدة وأخوين واخت وامّا المقاسمة كزوج وجدّ وأخ ولا يكون الاخت لابوين او لاب صاحبة فرض مع الجد عندهم الّا فى الاكدرية وهى زوج وأم وجدّ واخت فللزوج النصف وللام الثلث وللجد السدس وللاخت النصف فتعول الستة الى تسعة ثم يضم الجد نصيبه اعنى التسع الى نصيب الاخت اعنى الثلث فيقسمان أثلاثا لان المقاسمة خير للجدّ وتصح المسألة من سبع وعشرين تسعة للزوج وستة للام وثمانية للجد واربعة للاخت وسميت المسألة أكدرية لانها واقعة امراة من بنى أكدر ولو كان مكان الاخت أخ او اختان فلا عول ولا أكدرية وحينئذ لا شىء للاخوة (فائدة) وقع فى الصحابة فى مسئلة الجد مع الاخوة اختلافا كثيرا روى البيهقي عن الشعبي ان الحجاج ساله عن أم واخت وجدّ فقال اختلف فيها خمسة من......
اصحاب رسول الله ﷺ عثمان وعلى وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس قال فما قال فيها عثمان قلت جعلها أثلاثا قال فما قال فيها ابو تراب قلت جعلها من ستة أسهم للاخت ثلاثة وللام سهمين وللجد سهما قال فما قال ابن مسعود قلت جعلها من ستة للاخت ثلاثة وللجد سهمين وللام سهما قال فما قال فيها زيد بن ثابت قلت جعلها من تسعة اعطى الاخت الثلاثة والجد اربعة والام سهمين وروى البيهقي من طريق ابراهيم النخعي قال كان عمر وعبد الله لا يفضلان أخا على جدّ وروى ابن حزم من طريقه عن عمر للاخت النصف وللام السدس وللجد ما بقي وما ذهب اليه ابو حنيفة من قول ابى بكر أوفق بالنص والقياس.
(مسئلة) الجدة الصحيحة عند ابى حنيفة من لم يدخل فى نسبته الى الميّت جد فاسد ترث الجدات الصحيحات عنده وان كثرن ان كن متحاذيات غير ساقطات وقال مالك وداود لا ترث من الجدات الا اثنان أم الأب وأمهاتها وأم الام وأمهاتها والقربى منهما تحجب البعدى وهو أحد قولى الشافعي وقال احمد وهو الراجح المشهور من قولى الشافعي انه ترث منهن ثلاثا أم امّه وأم أبيه وأم جدّه وحظهن من التركة واحدة كانت او اكثر السدس اجماعا وإذا كانت جدة ذات قرابة واحدة كام أم الأب والاخرى ذات قرابتين كام أم الام وهى ايضا أم اب الأب يقسم السدس بينهما عند ابى يوسف أنصافا باعتبار الأبدان وعند محمد أثلاثا باعتبار الجهات وفى الباب حديث قبيصة بن ذويب قال جاءت الجدة الى ابى بكر تطلب ميراثها فقال لها مالك فى كتاب الله شىء ومالك فى سنة رسول الله ﷺ شىء فارجعى حتى اسئل الناس فسال فقال المغيرة بن شعبة حضرت جدة رسول الله ﷺ أعطاها السدس فقال ابو بكر هل معك غيرك فقال محمد بن مسلمة مثل ما قال المغيرة فانفذ لها ابو بكر ثم جاءت الجدة الاخرى الى عمر تسئله ميراثها فقال هو ذلك السدس فان اجتمعتما فهو بينكما وأيهما خلت به فهو لها رواه مالك واحمد والترمذي وابو داؤد والدارمي وابن ماجة وروى ابن وهب ان الجدّة التي أعطاها رسول الله ﷺ هى أم الام وهى التي جاءت الى ابى بكر والتي جاءت الى عمر هى أم الأب فسال الناس فلم يجد أحدا يخبره بشىء فقال غلام من بنى حارثة لم لا تورثها يا امير المؤمنين وهى لو تركت الدنيا وما فيها لورثها فورثها عمر......
وفى المؤطا وسنن البيهقي ان الجدتين جاءتا الى ابى بكر فاراد ان يجعل السدس للتى من قبل الام فقال له رجل من الأنصار مالك تترك التي لو ماتت وهو حى كان إياه ترث فجعل ابو بكر السدس بينهما رواه الدارقطني من طريق ابن عيينة وبين ان الأنصاري هو عبد الرحمن بن سهل ابن حارثة قالوا أم الام أتيحت مقام الام فاعطى اقل حصّتها وأم الأب أعطيت قياسا على أم الام لانها أم أحد الأبوين والحجة لابى حنيفة ان النبي ﷺ اعطى السدس ثلاث جدات ثنتان من قبل الام وواحدة من قبل الأب رواه الدارقطني بسند مرسل وابو داؤد فى المراسيل بسند اخر عن ابراهيم النخعي والدارقطني والبيهقي من مرسل الحسن وذكر البيهقي عن محمد بن نصر انه نقل اتفاق الصحابة والتابعين على ذلك الا ما روى عن سعد بن ابى وقاص انه أنكر ذلك ولا يصح اسناده عنه- (مسئلة) الام تحجب الجدات كلّها لحديث بريدة ان النبي ﷺ جعل للجدة السدس إذا لم يكن دونها أم رواه ابو داود والنسائي وفى اسناده عبيد الله العتكي مختلف فيه وصححه ابن السكن- (مسئلة) الأب يحجب الجدات الابويات فقط عند الثلاثة خلافا لاحمد فى أحد قوليه وعنه مثل قول الجماعة احتج احمد بحديث ابن مسعود قال فى الجدة مع ابنها انها اوّل جدة أطعمها رسول الله ﷺ سدسا مع ابنها وابنها حى رواه الترمذي والدارمي قلنا ضعّفه الترمذي والحجة للجمهور ان الأقرب تحجب الأبعد والله اعلم، مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ متعلق من حيث اللفظ بالظرف المستقر فى قوله تعالى فلامّه السّدس ومن حيث المعنى على سبيل التنازع لكل ظرف من الظروف المستقرة فى الجمل السابقة من قوله تعالى لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ... فَلَهَا النِّصْفُ...، لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ...، فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فيقدر فى جميع ما تقدم اى هذه الأنصباء لهؤلاء الورثة من ما بقي من بعد إنفاذ وصية يُوصِي بِها قرا ابن كثير وابن عامر وابو بكر بفتح الصاد على البناء للمفعول والباقون بالكسر لانه جرى ذكر الميت من قبل ورجع اليه الضمائر ان كان ثمه وصية أَوْ من بعد أداء دَيْنٍ ان كان على الميت وانما قال باو دون الواو للدلالة على ان كل واحد......
منهما مقدّم على الميراث سواء كان معه اخر اولا وقدم الوصية على الذين وهى متاخرة عن الدين فى الحكم لانه مندوب إليها الجميع والدين لكونه مانعا
من المغفرة الظاهر باقتضاء السنة الاسلامية ان يكون على الندرة عن ابى قتادة قال رجل يا رسول الله أرايت ان قتلت فى سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر يكفر الله عنى خطاياى فقال رسول الله ﷺ نعم الا الدين كذلك قال جبرئيل رواه مسلم وعن عبد الله بن عمر وان رسول الله ﷺ قال يغفر للشهيد كل ذنب الا الدّين رواه مسلم (مسئلة) اجمعوا على انه اوّل حق يتعلق بالتركة تجهيز الميت ثم يؤدى ديونه من جميع ماله ثم ينفذ وصاياه من ثلث ما بقي من التركة بعد الدين ثم يقسم ما بقي بين الورثة عن على عليه السلام قال انكم تقرءون هذه الاية مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية رواه الترمذي وابن ماجة- (مسئلة) وتنفيذ الوصايا من الثلث لحديث سعد بن ابى وقاص قال مرضت عام الفتح مرضا أشفيت على الموت فاتانى رسول الله ﷺ يعودنى فقلت يا رسول الله ان لى مالا كثيرا وليس يرثنى الا ابنتي أفأوصي بمالى كله قال لا قلت فثلثى مالى قال لا قلت فالشطر قال لا قلت فالثلث قال الثلث والثلث كثير انك ان تذر ذرّيتك اغنياء خير من ان تذرهم عالة يتكففون الناس وانك لن تنفق نفقة تبتغى بها وجه الله الا اجرت بها حتى اللقمة ترفعها الى فى امرأتك متفق عليه وروى الترمذي بلفظ اخر وفيه أوص بالعشر فما زلت انا قصه حتى قال أوص بالثلث والثلث كثير وحديث معاذ مرفوعا بلفظ ان الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة لكم فى حسناتكم ليجعل زكوة أموالكم رواه الطبراني بسند حسن ورواه الطبراني واحمد عن ابى الدرداء مرفوعا ورواه ابن ماجة والبزار والبيهقي عن ابى هريرة والعقيلي عن ابى بكر الصديق رضى الله عنهم آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً اى لا تعلمون من انفع لكم من الأصول والفروع فى الدنيا والاخرة عن ابن عباس ان النبي ﷺ قال إذا دخل الرجل الجنة سال عن أبويه وزوجته وولده فقال انهم لم يبلغوا درجتك وعملك......
فقال يا ربّ انى قد عملت لى ولهم فيؤمر بالحاقهم به رواه الطبراني فى الكبير وابن مردوية فى تفسيره قال البغوي قال ابن عباس أطوعكم لله عز وجلّ ارفعكم درجة يوم القيامة والله يشفّع المؤمنين بعضهم فى بعض فان كان الوالد ارفع درجة فى الجنة رفع اليه ولده والمكان الولد ارفع درجة رفع اليه والده لتقرّ بذلك أعينهم ولما كان الناس لا يعلمون من هو انفع لهم من الورثة لم يفوض تقسيم التركة إليهم يعنى لو كنتم تعلمون ذلك لملتم الى ترجيح الانفع وإذا لم تعلموا فلا يجوز لكم ترجيح بعض الورثة على بعض قال رسول الله ﷺ لا يجوز الوصية لوارث الا ان يشاء الورثة رواه الدارقطني من حديث ابن عباس ورواه ابو داود مرسلا عن عطاء الخراسانى ووصله يونس عن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس، والدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وروى ابو داود عن ابى امامة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول فى خطبته عام حجة الوداع ان الله قد اعطى كل ذى حق حقّه فلا وصية لوارث او المعنى لا تعلمون اى المورثين انفع لكم، من اوصى فعرّضكم للثواب بامضاء الوصية او من لم يوص وترك لكم الأموال كلها وجملة أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فى محل النصب على المفعولية من لا تدرون وهو خبر آباؤكم والجملة معترضة مؤكدة لام القسمة او تنفيذ الوصية، فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ مصدر مؤكد منصوب بفعل واجب الحذف يسميه النحاة توكيدا لنفسه لانها مضمون جملة سابقة لا محتمل لها غيره لان الجمل المفصلة بقوله تعالى يوصيكم الله لا يحتمل مضمونا لها غير كونها فريضة او مصدر منصوب بقوله تعالى يوصيكم لانه فى معنى يفرض عليكم إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بالمصالح حَكِيماً (١١) فيما فرض وقسم من المواريث وغيرها-.
وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ اى زوجاتكم إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ اى صاحب فرض او عصبة من الأولاد سواء كان بواسطة او بلا واسطة فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ اى للزوجات واحدة كانت او اكثر الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ من الصلب او ولد الابن فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ......
وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وكذا ترث المعتدة من الطلاق الرجعى دون البائن ان كان الزوج طلقها صحيحا وكذا ان طلقها فى مرض موته رجعيا اجماعا غير ان أبا حنيفة يقول ترث ان مات وهى فى العدة وقال احمد ترث وان انقضت عدتها ما لم تتزوج قبل موته وقال مالك ترث وان تزوجت وللشافعى اقوال كالمذاهب الثلاثة وكذا ان طلق فى مرض موته طلاقا بائنا عند ابى حنيفة واحمد الّا ان أبا حنيفة يشترط فى إرثها ان لا يكون الطلاق عن طلب منها لانها ان طلبت رضيت بابطال حقّها وللشافعى قولان اظهرهما انها لا ترث، روى احمد عن معمر ان غيلان بن سلمة اسلم وتحته عشر نسوة فقال النبي ﷺ اختر منهن أربعا فلما كان عهد عمر طلق نساءه وقسم ماله بين بنيه فبلغ ذلك عمر فقال انى لا ظن الشيطان مما يسترق من السمع سمع موتك فقذفه فى نفسك وأعلمك انك لا تمكث الا قليلا وايم الله لتراجعن نساءك ولترجعن مالك او لاورثهن منك ولامرت بقبرك فيرجم كما رجم قبر ابى رغال وحكم البخاري بصحة الموقوف منه عن الزهري عن سالم عن أبيه بخلاف اوّل القصة قلت هذا الحديث سند للاجماع على الا يراث بعد الطلاق الرجعى والحجة للجمهور على ايراثها بعد البائن ان عثمان رضى الله عنه ورث تماظر بنت الا صبغ بن زياد الكلبية وقيل بنت عمرو بن الشريد السلمية من عبد الرحمن بن عوف لمّا بتّ طلاقها فى مرضه ومات وهى فى العدة بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد فكان اجماعا وقال ما اتهمته ولكن أردت السنة وبمذهبنا ذهب عمر وابنه وعثمان وابن مسعود والمغيرة ونقله ابو بكر الرازي عن على وابى بن كعب وعبد الرحمن بن عوف وعائشة وزيد بن ثابت ولم يعلم عن صحابى خلافه وهو مذهب النخعي والشعبي وسعيد ابن المسيّب وابن سيرين وعروة وشريح وربيعة بن عبد الرحمن وطاؤس بن شبرمة والثوري والحماد بن ابى سليمان والحارث- وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يعنى الميت او الوارث يُورَثُ صفة رجل فان كان المراد به الميت فالمعنى يورث منه وان كان المراد به الوارث فهو من أورث كَلالَةً خبر كان او خبره يورث وكلالة حال من الضمير فيه وجاز ان يكون كلالة مفعولا له ان كان المراد بالكلالة قرابة ليست من جهة الولاد وهو فى الأصل مصدر بمعنى الكلال اعنى الاعياء يقال كلّ الرجل......
فى مشيبه كلالا والسيف عن ضربته كلولا وكلالة واللسان عن الكلام فاستعير لقرابة ليست بالبعضية يعنى ليس أحدهما متوالدا من الاخر لانها كالة بالاضافة إليها، ثم وصف بها من لا يرث منه والد ولا ولد ومن يرث ممن ليس له والد ولا ولد بمعنى ذى كلالة كذا قال البيضاوي وقال البغوي هو اسم للمورث الذي لا ولد له ولا والد وهو قول على وابن مسعود رضى الله عنهما لانه مات عن ذهاب طرفيه فكلّ عمود نسبه، وقال سعيد بن جبير هو اسم لوارث ليس والدا للميت ولا ولده لانهم يتكلّلون الميت من جوانبه وليس فى عمود نسبه أحد كالاكليل يحيط بالرأس ووسط الرأس منه خال وعليه حديث جابر حيث قال انما يرثنى كلالة اى يرثنى ورثة ليسوا لى بولد ولا والد وسئل ابو بكر عن الكلالة فقال انى ساقول فيها برأيى فان كان صوابا فمن الله وان كان خطأ فمنى ومن الشيطان أراه ما خلا الوالد والولد فلما استخلف عمر قال انى لاستحيى الله ان أرد شيئا قاله ابو بكر رواه البيهقي عن الشعبي ورواه ابن ابى حاتم فى تفسيره والحاكم بإسناد صحيح عن ابن عباس عن عمر قوله وفى حديث مرفوع عن ابى هريرة فسّر الكلالة بانها غير الوالد
والولد رواه الحاكم واخرج ابو الشيخ عن البراء قال سالت رسول الله ﷺ عن الكلالة قال ما خلا الوالد والولد وكذا اخرج ابو داود فى المراسيل عن ابى سلمة بن عبد الرحمن عنه ﷺ قال من لم يترك والدا ولا ولدا فورثته كلالة قلت والمراد بالوالد والولد فى تفسير الكلالة الذكر من الأصول او الفروع حتى انه إذا كان للميت بنت او أم فهو كلالة ايضا يدل عليه حديث جابر فان جابر بن عبد الله كان له عند نزول الاية بنت فقط ولم يكن له والد لان أباه عبد الله بن حرام مات يوم أحد قبل هذا والاخوة والأخوات ترث مع الام والبنت بالإجماع والمراد بالولد أعم من ولد الابن حتى لا يرث الاخوة مع ابن الابن بالإجماع وكذا المراد بالوالد اعمّ من الجدّ لعدم الفصل بين الوالد والولد فى تفسير الكلالة والله اعلم أَوِ امْرَأَةٌ عطف على رجل ونظم الاية وان كان رجل او امراة يورث يعنى أحدهما كلالة وَلَهُ الضمير عائد الى رجل لانه مذكر مبتدا به او الى أحدهما من رجل وامراة المذكورين وهو مذكر والجملة الظرفية معطوف على خبر كان ان كان المراد برجل الميت وان كان المراد به الوارث فالضمير عائد الى المورث المفهوم من السياق كضمير لامه والجملة الظرفية حال من ضمير يورث والمعنى وان كان رجل او امراة......
يورث أحدهما من الميت كلالة وهو يعنى الوارث للميّت أَخٌ أَوْ أُخْتٌ اجمعوا على ان المراد بالأخ والاخت هاهنا الأخ والاخت لام فقط يدل عليه قراءة أبيّ وسعد بن ابى وقاص روى البيهقي ان سعدا قال الراوي أظنه ابن ابى «١» وقاص كان يقرا وله أخ او اخت من امّ، وروى ابو بكر بن المنذر ايضا عن سعد كذلك وحكى الزمخشري عنه وعن أبيّ بن كعب وقيل قرا ابن مسعود كذلك قال الحافظ ابن حجر لم أره عن ابن مسعود ومن هاهنا يظهر انه يجوز العمل بالقراءة الغير المتواترة كما هو مذهب ابى حنيفة إذا صح اسناده خلافا للشافعى فى الأصول، قال البغوي قال ابو بكر الصديق فى خطبته الا ان الاية التي انزل الله فى أول سورة النساء فى بيان الفرائض أنزلها فى الولد والوالد والاية الثانية فى الزوج والزوجة والاخوة من الام والاية التي ختم بها السورة فى الاخوة والأخوات من الأب والام والاية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها فى اولى الأرحام بعضهم اولى ببعض فى كتب الله فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ اجمعوا على ان أولاد الام إذا كانوا اثنين فصاعدا يشتركون فى الثلث ذكرهم وأنثاهم فى الاستحقاق والقسمة سواء واختلفوا فى مسئلة حمارية وهى زوج وأم واخوان لام وأخ لابوين فللزوج النصف وللام السدس وللاخوة من أم الثلث ولا شىء لاخ لابوين واحدا كان او اكثر عند ابى حنيفة واحمد وداود لانه عصبة ولم يبق من اصحاب الفرائض شىء وقال مالك والشافعي يشارك الأخ لابوين الأخوين لام فى الثلث الذي هو فرض لهما، ذكر الطحاوي ان عمر كان لا يشرك حتى ابتلى بمسئلة فقال له الأخ لاب وأم يا امير المؤمنين هب ان أبانا كان حمارا السنا من امّ واحدة فشركهم ولذلك سمّى المسألة حمارية ورواه الحاكم فى المستدرك والبيهقي فى السنن من حديث زيد بن ثابت وصححه الحاكم وفيه ابو امية بن يعلى الثقفي ضعيف ورواه من طريق الشعبي عن عمر وعلى وزيد بن ثابت انه لم يزدهم الأب إلا قربا واخرج الدارقطني من طريق وهب بن منبه عن مسعود بن الحكم الثقفي قال اتى عمر فى امراة تركت زوجها وامّها وإخوتها لامها وإخوتها لابيها وأمها فبشرك الاخوة للام الاخوة للاب والام فقال له رجل انك لم تشرك بينهم عام كذا فقال تلك على ما قضيبنا وهذه على ما قضينا وأخرجه عبد الرزاق
(١) فى الأصل ابن وقاص-[..... ]
وأخرجه البيهقي من طريق ابن المبارك عن معمر لكن قال عن الحكم عن ابن مسعود وصوبه النسائي واخرج البيهقي ايضا ان عمر أشرك «١» بين الاخوة وان عليا لم يشرك- (مسئلة) ويسقط أولاد الام بالولد وولد الابن والأب والجد بالإجماع وانما الخلاف فى سقوط الاخوة من الأب او منهما مع الجد كما سبق وكان القياس سقوطهم مع الام لانه من يدلى الى الميت بشخص فانه يسقط مع ذلك الشخص لكن تركنا القياس بالإجماع ولان الام لا ترث جميع المال مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها قرا ابن كثير وابن عامر وعاصم بفتح الصاد على البناء للمفعول والباقون بكسر الصاد على البناء للفاعل أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ حال من فاعل يوصى على قراءة من قرأ على البناء للفاعل وامّا على قراءة من قرأ على البناء للمفعول فهو حال من فاعل فعل مضمر يدل عليه الكلام فان الفعل المبنى للمفعول يدل على فعل مبنى للفاعل كما فى قول الشاعر ليبك يزيد ضارع لخصومة اى غير مضار لورثته بالزيادة على الثلث فى الوصية او الإقرار بدين كاذبا او الوصية بقصد الإضرار بالورثة دون القربة عن ابى هريرة عن رسول الله ﷺ قال ان الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضار ان فى الوصية فتجب لهما النار ثم قرا ابو هريرة من بعد وصيّة يّوصى بها او دين غير مضارّ الى قوله وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ رواه احمد والترمذي وابو داود وابن ماجة وعن انس قال قال رسول الله ﷺ من قطع ميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة يوم القيامة رواه ابن ماجة ورواه البيهقي فى شعب الايمان عن ابى هريرة وعن على لان اوصى بالخمس احبّ الىّ من ان اوصى بالربع ولان اوصى بالربع احبّ الىّ من ان اوصى بالثلث رواه البيهقي وروى ايضا عن ابن عباس انه قال الذي يوصى بالخمس أفضل من الذي يوصى بالربع الحديث ((فائدة)) قيد الله تعالى الوصية والدين هاهنا بقوله غير مضار لا فيما سبق مع انه معتبر فى الجميع لان قرابة الولاد وحسن معاشرة الزواج مانع من الضرار غالبا وفى بنى الاخياف مظنة الضرار قوىّ فلذا قيده بذلك- ((فصل)) الوصية منها الواجب والمندوب والمباح والحرام والمكروه فمن كان عليه من دين او زكوة او نذر او حج او فائتة صلوة او صوم يجب عليه ان يوصى بأداء ما وجب عليه وبفدية
(١) فى الأصل شرك
الصلاة والصوم من ماله فينفذ الديون من جميع ماله ويقدم من الديون ما هو معروفة الأسباب على غير ذلك عند ابى حنيفة وقال الشافعي هما سواء وما عدا الدين ينفذ من ثلث ماله ولا يجوز ان يهمل مثل هذه الوصية، عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ ما حق امرئ مسلم له شىء يوصى فيه يبيت ليلتين الّا ووصيته مكتوبة عنده متفق عليه وفى رواية لمسلم ثلاث ليال ومن ليس عليه واجب يستحبّ ان يوصى بالتصدّق بما دون الثلث بالعشر او الخمس او الربع ويباح الى الثلث ان كان الورثة اغنياء لما مرّ من الأحاديث وان كان الورثة فقراء فحينئذ يكره الوصية تنزيها وترك الوصية اولى لما فيه من الصدقة على القريب، قال رسول الله ﷺ الصدقة على المسكين صدقة وهى على ذى الرحم صدقة وصلة رواه احمد والترمذي وابن ماجة والدارمي ويحرم من الوصية ما فيه مضار للورثة او قصد الإضرار بهم وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ مصدر مؤكد اى يوصيكم وصية او منصوب بغير مضار على المفعول به يعنى حال كونه غير مضار وصية من الله وهو الثلث فما دونه بالزيادة او وصية بالأولاد والأزواج والأقارب بالإسراف فى الوصية والإقرار الكاذب وَاللَّهُ عَلِيمٌ بالمضار وغيره حَلِيمٌ (١٢) لا يعاجل بالعقوبة.
تِلْكَ الاحكام فى امر اليتامى والوصايا والمواريث حُدُودُ اللَّهِ اى شرائعه التي لا يجوز التجاوز عنها وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤) قرا نافع وابن عامر ندخله فى الموضعين بالنون على التكلم والباقون بالياء على الغيبة وأفرد الضمير فى يدخله فى الموضعين نظرا الى الفظة من وخالدين وخالدا منصوبان على الحال وجمعه مرة وافراده اخرى نظرا الى لفظة من ومعناه ولا يجوز ان يكون خالدا صفة لنار والّا لوجب إبراز الضمير لكونه جاريا على غير من هو له والله اعلم ويذكر حكم بنى الأعيان والعملات فى اخر السورة ولنذكر هاهنا ما بقي من مسائل الفرائض اشباعا للمقام- (مسئلة) اجمعوا على انه إذا ازدادت الفرائض على سهام التركة دخل النقص على كل واحد منهم على قدر حصّته وتسمى المسألة عائلة اى مائلة عن مساوات التركة الأسهم بالتعارض......
وعدم الترجيح وبالقياس على الديون إذا زادت على التركة وقد انعقد عليه الإجماع فى زمن عمر رضى الله عنه حين ماتت امراة عن زوج وأختين فجمع الصحابة فاستشارهم فقال ارايت لو مات رجل وترك ستة دراهم وعليه لرجل ثلاثة ولرجل اربعة أليس جعل المال سبعة اجزاء فاخذت الصحابة بقوله رضى الله عنهم ثم خالف ابن عباس بعد موت عمر فانكره فقيل له الا قلت ذلك فى حضرة عمر فقال هيبة وكان مهيبا فقيل له رأيك مع الجماعة احبّ إلينا من رأيك منفردا روى البيهقي عن ابن عباس فقال ترون الذي احصى رمل عالج عددا يجعل فى مال نصفا ونصفا وثلثا إذا ذهب نصف ونصف بالمال فاين موضع الثلث فقيل له من اوّل من عال الفرائض قال عمر وذكر القصّة قال ابن عباس وايم الله لو قدم من قدم الله واخر من اخر ما عالت فريضة وكذا اخرج الحاكم وفى رواية وايها قدم الله قال كل فريضة لم يهبطها الله عن فريضة الا الى فريضة فهذا ما قدم الله وكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها الا ما بقي فتلك التي اخر الله فالذى قدم كالزوجين والام والذي اخر كالاخوات والبنات فاذا اجتمع من قدم الله ومن اخر بدئ بمن قدم فاعطى حقه كاملا فان بقي شىء كان لهن وان لم يبق شىء فلا شىء لهن وتبع ابن عباس فى هذا القول محمّد بن الحنفية- (مسئلة) اجمعوا على ان ما ابقته اصحاب الفرائض فهو لاولى رجل ذكر لما مر من الحديث ويسمى ذلك الرجل عصبة ويرث ذلك الرجل جميع المال عند عدم ذى فرض وأقربهم الى الميت الابن ثم ابنه وان سفل ثم الأب ثم أبوه وان علا ثم الأخ لاب وأم ثم الأخ لاب ثم ابن الأخ لاب وأم ثم ابن الأخ لاب وهكذا حكم من سفل منهما ثم العم لاب وأم ثم لاب ثم ابنهما هكذا وان سفل كل منهما ثم عمّ الأب هكذا لاب وأم ثم لاب ثم ابناهما وان سفل هكذا وهكذا أعمام الأجداد الى ما لا نهاية لها عن على قال قال رسول الله ﷺ اعيان بنى الأب والام يتوارثون دون بنى العلات يرث الرجل اخوه لابيه وامه دون أخيه لابيه رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم ولا خلاف فى هذا الا ما مرّ الخلاف فى مقاسمة الاخوة للجد (مسئلة) اجمعوا على ان من حظه النصف والثلثان من النساء تصير عصبة مع أخيها لقوله تعالى لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فى الأولاد والاخوة ومن ليس باهل فرض من النساء......
واخوه عصبة لا تصير عصبة كالعمة وبنت الأخ- (مسئلة) واخر العصبات مولى العتاقة بالإجماع روى البيهقي وعبد الرزاق انّ رجلا اتى رسول الله ﷺ برجل فقال انى اشتريته وأعتقته فما امر ميراثه فقال النبي ﷺ ان ترك عصبة فالعصبة أحق والا فالولاء لك وفى الصحيحين انما الولاء لمن أعتق ثم عصبات مولى العتاقة ولا ولاء للنساء الا ما اعتقن او أعتق من اعتقن روى النسائي وابن ماجة من حديث ابنة حمزة ان ابنة حمزة اعتقت فمات مولاها
وترك ابنته ومولاته يعنى ابنة حمزة فاعطى النبي ﷺ ابنته النصف ولابنة حمزة النصف وروى الدارقطني والطحاوي هذا الحديث مرسلا وقال البيهقي اتفق الرواة على ان ابنة حمزة هى المعتقة دون أبيها وفى الباب عن ابن عباس رواه الدارقطني- (مسئلة) وان بقي شىء من اصحاب الفرائض وليست للميت عصبة يردّ ذلك على اصحاب الفرائض بقدر حصصهم غير الزوجين عند ابى حنيفة واحمد وقال مالك والشافعي لا يرد والباقي لبيت المال وافتى المتأخرون من اصحاب الشافعي بالرد على اصحاب الفرائض لعدم انتظام أم بيت المال نقل القاضي عبد الوهاب المالكي عن ابى الحسن ان الصحيح عن عثمان وعلى وابن عباس وابن مسعود انهم كانوا لا يورثون ذوى الأرحام ولا يردون على أحد من اصحاب الفرائض وروى الطحاوي بسنده عن ابراهيم قال عمر وعبد الله يورثان الأرحام قال الراوي قلت أفكان على يفعل ذلك قال كان أشدهم فى ذلك وروى بسنده من طريقين عن سويد بن غفلة ان رجلا مات وترك ابنة وامراة ومولاة قال سويد انى لجالس عند على إذ جاءه مثل هذه الفريضة فاعطى ابنته النصف وامرأته الثمن ثم رد ما بقي على ابنته ولم يعط المولى شيئا وروى عن ابى جعفر من طريقين كان على رضى الله عنه يرد بقية المواريث على ذوى السهام من ذوى الأرحام وروى الطحاوي بسنده عن مسروق قال اتى عبد الله فى اخوة لام دام فاعطى الاخوة الثلث واعطى الام سائر المال وقال الام عصبة من لا عصبة له وكان لا يرد على اخوة لام مع الام ولا على ابنة ابن مع ابنة الصلب ولا على أخوات لاب مع اخت لاب وأم ولا على امراة ولا على جدة ولا على زوج قال الطحاوي النظر عندنا ما......
ذهب اليه على رضى الله عنه دون ما ذهب اليه ابن مسعود رض ان يكون ذوو الفروض فيما يرد عليهم من فصول المواريث كذلك وان لا يقدم من قرب رحمه على من كان ابعد رحما من الميت بل يقسم بقدر حصصهم لانا قد راينا فى فرائضهم التي فرض لهم قد ورثوا جميعا بارحام مختلفة ولم يكن بعضهم بقرب رحمه اولى بالميراث ممن بعد رحمه وهذا هو قول ابى حنيفة وابى يوسف ومحمد (مسئلة) اجمعوا على انه عند اجتماع جهتى فرض وتعصيب يعتبر الجهتان «١» جميعا فاذا ماتت عن أبناء عم ثلاثة أحدهم أخ لام لها والاخر زوج لها يعطى السدس لاحدهم بالاخوة والنصف للثانى بالزوجية والباقي بين الثلاثة بالعصبية ويصح المسألة من ثمانية عشر خمسة منها للاول واحد عشر للثانى واثنان للثالث واختلفوا فيما إذا اجتمع جهتا فرض فقال مالك والشافعي يرث باقواهما فقط وعند ابى حنيفة واحمد يرث بهما جميعا وذا لا يتصوّر الا فى مجوسى نكح المحارم ثم اسلم او مسلم وطى بشبهة وذلك كام هى اخت لاب بان نكح المجوسي بنته فولدت بنتا ثم نكح البنت الثانية فولدت ولدا فللولد الثالث الثانية امه وأخته لاب والاولى جدته وأخته لاب- (مسئلة) اختلفوا فى ميراث ذوى الأرحام سوى اصحاب الفروض والعصبات بعد إجماعهم على عدم توريثهم مع أحد من اصحاب الفروض سوى الزوجين واحد من العصبات الّا ما روى عن سعيد بن المسيّب ان الخال يرث مع البنت فذهب ابو حنيفة واحمد الى توريثهم وحكى عن على وابن مسعود وابن عباس وذهب مالك والشافعي الى عدم توريثهم ويكون المال لبيت المال قالوا حكى ذلك عن ابى بكر وعمر وعثمان وزيد والزهري والأوزاعي وافتى المتأخرون من الشافعية بتوريثهم لعدم انتظام امر بيت المال والحجة لنا فى توريث ذوى الأرحام قوله تعالى وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ وقد ذكر البغوي عن ابى بكر انه قال فى خطبته انها نزلت فى اولى الأرحام بعضها اولى ببعض، قالوا لا دليل لكم فى هذه الاية لان الناس كانوا يتوارثون بالتبني كما تبنى رسول الله ﷺ زيد بن حارثة وكانوا يتعاقدون فى الجاهلية على ان الرجل يرث الرجل فانزل الله تعالى وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ دفعا لذلك وردّا للمواريث الى ذوى الأرحام
(١) فى الأصل الجهتين-
وقال ادعوهم لابائهم هو اقسط عند الله والمراد باولى الأرحام فى الاية هم العصبات واصحاب الفروض قلنا على تقدير تسليم نزول الاية لذلك العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب واللفظ عام شامل لاصحاب الفروض والعصبات وغيرهم ولنا من الأحاديث حديث امامة بن سهل ان رجلا رمى بسهم فقتله وليس له وارث إلا خال فكتب فى ذلك ابو عبيدة الى عمر فكتب عمر ان النبي ﷺ قال الخال وارث من لا وارث له رواه احمد والبزار وروى الطحاوي بلفظ الله ورسوله مولى من لا مولى له والخال وارث من لا وارث له وحديث المقدام بن معد يكرب عن رسول الله ﷺ انه قال الخال وارث من لا وارث له يرثه ويعقل عنه رواه احمد وابو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه وابن حبان وحكى ابن ابى حاتم عن ابى زرعة انه حديث حسن وأعله البيهقي بالاضطراب ورواه الطحاوي بلفظ من ترك ما لا فلورثته وانا وارث من لا وارث له اعقل عنه وارثه والخال وارث من لا وارث له يعقل عنه ويرثه وفى رواية مثله الا انه قال أرثه وافك عنانه والخال وارث من لا وارث له يرث ما له يفك عنانه قلت معنى قوله عليه السّلام انا وارث من لا وارث له ان من لا وارث له فما له لبيت المال والنبي ﷺ كان متوليا لبيت المال وحديث عائشة عن رسول الله ﷺ قال الخال وارث من لا وارث له رواه الترمذي والنسائي والطحاوي وأعله النسائي بالاضطراب ورجح الدارقطني والبيهقي وقفه وحديث واسع بن حبان قال توفى ثابت بن الدحداح وكان أتيا وهو الذي ليس له اصل يعرف فقال رسول الله ﷺ لعاصم بن عدى هل تعرفون له فيكم نسبا قال لا يا رسول الله فدعى رسول الله ﷺ أبا لبابة بن المنذر ابن أخته فاعطاه ميراثه، رواه الطحاوي وروى الطحاوي اثار عمر بن الخطّاب انه جعل فى العمة والخالة الثلثين للعمة وو الثلث للخالة الثلثان لقرابة الأب والثلث لقرابة الام، احتجوا بحديث ابى هريرة قال سئل رسول الله ﷺ عن ميراث العمة والخالة قال لا أدرى حتى يأتينا جبريل ثم قال اين السّائل عن ميراث العمة والخالة قال فاتى الرجل فقال سارنى جبرئيل لا شىء لهما، رواه الدارقطني والحديث ضعيف قال الدارقطني لم يسنده غير مسعدة عن محمّد بن عمرو......
وهو ضعيف وضاع للحديث والصواب مرسل وقال احمد بن حنبل حرقنا حديثه ورواه الحاكم من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر وصححه وفى اسناده عبد الله بن جعفر المدني وهو ضعيف وروى الحاكم له شاهدا من حديث شريك بن عبد الله ان الحارث بن ابى عبيد أخبره ان رسول الله ﷺ سئل عن ميراث العمة والخالة فذكره وفيه سليمان بن داؤد متروك وأخرجه الدارقطني من وجه اخر غير شريك مرسلا وحديث زيد بن اسلم عن عطاء بن يسار ان رجلا من الأنصار جاء الى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله رجل هلك وترك عمته وخالته فسال النبي ﷺ وهو واقف على حماره فوقف ثم رفع يديه وقال اللهم رجل هلك وترك عمته وخالته فيسئله الرجل ويفعل النبي ﷺ ذلك ثلاث مرات ثم قال لا شىء لهما رواه الطحاوي بطرق والدارقطني والنسائي والحديث مرسل ورواه ابو داود فى المراسيل ووصله الحاكم فى المستدرك بذكر ابى سعيد وفى اسناده ضعف ووصله الطبراني فى الصغير ايضا من حديث ابى سعيد فى ترجمة محمد بن الحرث المخزومي وليس فى الاسناد من ينظر فى حاله غيره ووجه التطبيق بين الأحاديث ان النبي ﷺ سئل اوّلا عن ميراث العمة والخالة وذلك قبل نزول قوله تعالى وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ وحينئذ لم ينزل عليه شىء فى ذلك فقال لا شىء لهما ثم نزل توريث ذوى الأرحام فحينئذ قال الخال وارث من لا وارث له
والله اعلم- (مسئلة) اصناف ذوى الأرحام اربعة (١) فروع الميت (٢) وأصوله (٣) وفروع أصله القريب (٤) وفروع أصله البعيد فيحجب الاوّل الثاني والثاني الثالث والثالث الرابع ويحجب الأقرب من كل صنف الأبعد وعند الاستواء من يدنى بوارث يحجب من يدنى بذي رحم ويعتبر فى فروع الاخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات قوة القرابة ان كان حيّز قرابتهم واحدة فبنت العم لابوين اولى من بنت العم لاب وعند اختلاف حيز قرابتهم لا اعتبار لقوة القرابة كعمة لاب وخالة لاب وأم لا يحجب أحدهما صاحبته يعطى الثلثان لقرابة الأب والثلث لقرابة الام روى الطحاوي عن عمر كما ذكرنا ومن له جهتا قرابة يتضاعف حظه ويقسم المال فى ذوى الأرحام باعتبار أبدانهم عند ابى حنيفة وابى يوسف والحسن وعند محمد يعتبر عدد......
أبدانهم وصفة من يدنى بهم الى الميّت وتفصيل الكلام يقتضى بسطا لا يسعه المقام- (مسئلة) اجمعوا على ان القتل عمدا مانع من الإرث وكذا القتل خطأ عند الثلاثة وقال مالك يرث من المال القاتل خطأ دون الدية لنا عموم قوله ﷺ القاتل لا يرث رواه الترمذي وابن ماجة من حديث ابى هريرة وفيه إسحاق بن عبد الله الهروي متروك الحديث وروى النسائي والدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه والبيهقي والدارقطني من حديث ابن عباس نحوه احتج مالك بحديث عبد الله بن عمر ان رسول الله ﷺ يوم فتح مكة قال لا يتوارث اهل ملتين والمرأة ترث من دية زوجها وماله وهو يرث من ديتها ومالها ما لم يقتل أحدهما صاحبه عمدا فان قتل أحدهما صاحبه عمدا لم يرث من ديته رواه الدارقطني وفيه الحسن بن صالح مجروح وبحديث هشام بن عروة عن أبيه ان النبي ﷺ قال الرجل يقتل وليه خطأ انه يرث من ماله ولا يرث من ديته وفيه مسلم بن على قال يحيى ليس بشىء وقال الدارقطني متروك ورواه الدارقطني من حديث سعيد بن المسيب مرسلا لا يرث قاتل عمد ولا خطأ من الدية رواه ابو داود قلنا هذه الأحاديث لا تدل على ميراث القاتل خطأ الا بالمفهوم والمفهوم ليس بحجة عندنا ثم هو يخالف الأصول وهو الميراث فى بعض التركة (مسئلة) اجمعوا على ان المسلم لا يرث الكافر ولا الكافر المسلم لقوله عليه السّلام لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم رواه الشيخان واصحاب السنن الاربعة من حديث اسامة بن زيد وحكى عن معاذ وابن المسيب والنخعي انه يرث المسلم الكافر ولا عكس كما يتزوج المسلم الكتابية من غير عكس واستثنى احمد من هذا الحكم أمرين أحدهما ان المسلم يرث عنده من معتقه الكافر بالولاء محتجا بحديث جابر مرفوعا لا يرث المسلم النصراني الا ان يكون عبده او أمته رواه الدارقطني وقال الدارقطني روى موقوفا وهو المحفوظ قلنا المراد بالعبد والامة الماذونان فى التجارة فان مالهما مال المولى اطلق عليه الميراث مجازا وامّا المعتق فليس بعبد، وثانيهما انه إذا كان للميّت المسلم أقارب كفّارا فاسلموا قبل قسمة التركة فعنده يستحقون الميراث وفى رواية عنه لا يستحقون كمذهب الجمهور احتج احمد بحديث ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ كل قسم قسّم فى الجاهلية فهو على ما قسّم وكل قسم أدركه......
الإسلام فانه على قسم الإسلام رواه ابو داود وحديث ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ ما كان من ميراث قسّم فى الجاهلية فهو على قسمة الجاهلية وما كان من ميراث أدركه الإسلام فهو على قسمة الإسلام رواه ابن ماجة وليس فى الحديثين حجة فان المعنى يقسم فى الإسلام على فرائض الله لا على نسق الجاهلية وكذا لا حجة لهم فيما يحتجون به من حديث عروة بن الزبير قال قال رسول الله ﷺ من اسلم على شىء فهو له رواه ابن الجوزي- (مسئلة) يرث النصراني اليهودي وبالعكس كذا كل اهل ملتين من الكفر عند ابى حنيفة والشافعي لان الكفر ملة واحدة والأصل هو الميراث وقال مالك واحمد لا يرث لقوله ﷺ لا يتوارث اهل ملتين شتى رواه احمد والنسائي وابو داود وابن ماجة والدارقطني من
حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفيه يعقوب بن عطاء ضعيف ورواه ابن حبان من حديث ابن عمر فى حديث ورواه الترمذي واستغربه من حديث جابر وفيه ابن ابى ليلى ضعيف وأخرجه البزار من حديث ابى هريرة بلفظ لا يرث ملّة من ملّة وفيه عمرو بن راشد وهو لين الحديث ورواه النسائي والحاكم والدارقطني بهذا اللفظ من حديث اسامة بن زيد قال الدارقطني هذا اللفظ فى حديث اسامة غير محفوظ ووهم عبد الحق فعزاه الى مسلم ورواه البيهقي من حديث اسامة بلفظ لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ولا يتوارث اهل ملتين وفى اسناده الخليل ابن مرة ضعيف ثم المراد بالملتين هو الإسلام والكفر والله اعلم (مسئلة) اجمعوا على ان الأنبياء لا يورثون وان ما تركوه صدقة يصرف فى مصالح المسلمين ولم يخالف فى هذه المسألة الا الشيعة وهم يطعنون على خير البرية بعد الأنبياء ابى بكر الصديق رضى الله عنه انه منع فاطمة عن ميراث أبيها واحتج بحديث تفرد بروايته قال قال رسول الله ﷺ نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة وترك بهذا الحديث وهو من الآحاد قوله تعالى يُوصِيكُمُ اللَّهُ الاية مع ان هذا الحديث يعارض قوله تعالى وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وقوله تعالى حكاية عن زكريا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ قاتلهم الله انى يوفكون الم يعلموا ان الحديث وان كان بالنسبة إلينا من الآحاد لكنه فى حق الصديق الذي سمع بأذنه من فىّ رسول الله ﷺ كان فوق......
المتواتر لان المحسوسات فوق المتواترات على ان ما قالوا ان الحديث تفرد بروايته ابو بكر باطل بل رواه جماعة من الصحابة منهم خذيفة بن اليمان وابو الدرداء وعائشة وابو هريرة وروى البخاري ان عمر رضى الله عنه قال بمحضر من الصحابة منهم على وعباس وعبد الرحمن بن عوف وزبير بن العوام وسعد بن ابى وقاص أنشدكم بالله الذي باذنه تقوم السّماء والأرض أتعلمون ان رسول الله ﷺ قال لا نورث ما تركناه صدقة يريد بذلك نفسه قالوا اللهم نعم ثم اقبل على على وعباس فقال أنشدكما بالله هل تعلمان ان رسول الله ﷺ قال ذلك قالا اللهم نعم الحديث وقد صح روايات هؤلاء الصحابة فى كتب الحديث فى مسانيدهم فالحديث المذكور بالنسبة إلينا ايضا يبلغ درجة الشهرة وتلقته الامة بالقبول واجمعوا عليه وقد ورد ما يؤيد ذلك فى كتب الشيعة ايضا روى محمد بن يعقوب الرازي فى الكافي عن ابى البختري عن ابى عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام انه قال العلماء ورثة الأنبياء وذلك ان الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وانما أورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشىء منها فقد أخذ بحظ وافر وكلمة انما عندهم للحصر وقوله تعالى وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ المراد به ميراث العلم كما يدل عليه الاية حيث قال وورث سليمان داود وقال يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ فان قوله علمنا بيان لذلك الميراث وكذا قوله تعالى يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ المراد به ميراث العلم إذ لا يمكن ان يرث يحيى بن زكريا من جميع ال يعقوب ميراث المال وانما هو ميراث العلم والله اعلم.
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ يعنى الزنى وهى يشتمل السحاقات ايضا لعموم اللفظ ويشتمل ايضا ان يؤتى المرأة الاجنبية فى دبرها مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا يعنى اطلبوا ايها الحكام من قاذفيهن شهداء عَلَيْهِنَّ بانا رايناهن كالميل فى المكحلة أَرْبَعَةً مِنْكُمْ يعنى رجالا اربعة من المؤمنين العدول فلا يجوز فى الحدود شهادة النساء اجماعا فَإِنْ شَهِدُوا يعنى الاربعة فَأَمْسِكُوهُنَّ فاخبسوهن فِي الْبُيُوتِ واجعلوها عَلَيْهِنَّ سجنا حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ اى يستوفى أزواجهن الْمَوْتُ يعنى ملائكة الموت أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ قيل او بمعنى الى ان لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) يعنى حكما جاريا مشروعا، روى مسلم عن عبادة بن الصامت ان النبي ﷺ قال خذوا عنى خذوا عنى قد جعل الله......
لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيّب بالثيّب جلد مائة والرجم (فائدة) اختلفوا فى ان الإمساك فى البيت هل كان حدا فنسخ أم كان حبسا ليظهر الحد والصحيح عندى انه لم ينسخ بل الله سبحانه امر بالحبس الى ان ينزل الحد فيجرى عليه وبعد نزول الحد هذا الحكم باق حتى يقام عليه الحدّ قال فى الهداية قال فى الأصل يحبسه يعنى الحاكم حتى يسئل يعنى عن عدالة الشهود وسنذكر مسائل حد الزنى فى سورة النور ان شاء الله تعالى.
وَالَّذانِ قرا ابن كثير هنا وفى طه انّ هذانّ وفى الحج هذانّ وفى القصص هاتينّ وفى فصلت أرنا الّذينّ بتشديد النون وتمكين مدّ الالف «١» قبلها فى الخمسة والباقون بالتخفيف من غير تمكين يَأْتِيانِها يعنى الفاحشة وهى الزنى او اللواطة مِنْكُمْ فَآذُوهُما والمراد باللذان عند الأكثر الزاني والزانية وبقوله تعالى فاذوهما «٢» قال عطاء وقتادة فعيروهما باللسان اما خفت الله اما استحييت الله وقال ابن عباس هو باللسان واليد يؤذى بالتغيير وضرب النعال وعلى تقدير كون المراد بهذه الاية الزاني والزانية يشكل انه ذكر فى الاية الاولى الحبس وذكر فى هذه الاية الإيذاء فكيف الجمع فقيل الاية الاولى فى الثيّب وهذه فى البكر وقيل هذه الاية سابقة على الاولى نزولا كان عقوبة الزناة الأذى ثم الحبس ثم الجلد والظاهر عندى انّ المراد باللذان يأتيان الفاحشة الرجال الذين عملوا عمل قوم لوط وهو قول مجاهد وحينئذ لا إشكال والإيذاء غير مقدر فى الشرع فهو مفوض الى رأى الامام كذا قال ابو حنيفة رحمه الله يعزرهما الامام على حسب ما يرى ومن تعزيره إذا تكرر فيه الفعل والتعزير ولم ينزجر ان يقتل عند ابى حنيفة محصنا كان او غير محصن سياسة قال ابن همام لا حدّ عليه عند ابى حنيفة لكنه يعزر ويسجن حتى يموت ولو اعتاد اللواطة قتله الامام وقال مالك والشافعي واحمد وابو يوسف ومحمد اللواطة يوجب الحد فقال مالك واحمد فى اظهر الروايتين وهو أحد اقوال الشافعي حدّه الرجم بكل حال ثيبا كان او بكرا وفى قول للشافعى حدّه القتل بالسيف وأرجح اقوال الشافعي وهو قول ابى يوسف ومحمد ورواية عن احمد ان حدّه حدّ الزنى يجلد البكر ويرجم المحصن لانه فى معنى الزنى لانه قضاء شهوة فى محل مشتهى على سبيل الكمال على وجه تمحض حراما لقصد سفح الماء بل هو أشدّ من الزنى لانه حرمته منتهية
(١) قال رحمه الله ذلك تغليبا لان تمكين الالف لا يوجد الا فى الثلاثة الاول وذلك واجب وفى الأخريين تمكين الياء وهو جائز لان حركة ما قبلها مخالف ابو محمد عفا الله عنه
(٢) فى الأصل آذوهما
بالنكاح فيثبت فيه حكم الزنى بدلالة النص وبما روى البيهقي من حديث ابى موسى مرفوعا إذا اتى الرجل الرجل فهما زانيان وفيه محمد بن عبد الرحمن القشيري كذّبه ابو حاتم ورواه ابو الفتح الأزدي فى الضعفاء والطبراني فى الكبير من وجه اخر عن ابى موسى وفيه البشر بن الفضل البجلي مجهول وقد أخرجه ابو داود الطيالسي فى مسنده عنه ولابى حنيفة انه ليس بزنى لغة ولذلك اختلفت الصحابة فى موجبه وهو اندر من الزنى لعدم الداعي اليه من الجانبين فليس فى معناه ووجه قول من قال يقتل حدّا حديث ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به رواه احمد وابو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم والبيهقي عن عكرمة عنه قال الترمذي انما يعرف من حديث ابن عباس من هذا الوجه وقال الحاكم صحيح الاسناد وقال البخاري عمرو بن ابى عمر الراوي عن عكرمة صدوق لكنه روى عن عكرمة مناكير واستنكره النسائي وقال ليس بالقوى وقال ابن معين ثقة ينكر عليه حديث عكرمة عن ابن عباس هذه وقد اخرج له الجماعة واخرج الحاكم بطرق اخر وسكت عنه وتعقبة الذهبي بان عبد الرحمن العمرى ساقط ورواه ابن ماجة والحاكم من حديث ابى هريرة واسناده أضعف من الاول بكثير كذا قال الحافظ وقال حديث ابى هريرة لا يصح وأخرجه البزار من طريق عاصم بن عمر العمرى وعاصم متروك وقد رواه ابن ماجة ايضا من طريقه بلفظ فارجموا الأعلى والأسفل وقال ابن الصلاح فى أحكامه لم يثبت ان رسول الله ﷺ رجم فى اللواطة ولا انه حكم به فيه وثبت عنه انه قال اقتلوا الفاعل والمفعول قال ابو حنيفة ولمّا كان هذا لحديث بهذه المثابة من التردد لا يجوز به الاقدام على القتل مستمرا على انه حدّ كيف ولا يجوز عندنا الزيادة على الكتاب بحديث الآحاد وان كان صحيحا وقد ثبت بالكتاب الإيذاء وهو التعزير فان قيل كون الاية فى اللواطة لم يثبت قطعا بل قال اكثر المفسرين ان المراد به الزاني والزانية قلنا الاية تشملها لعموم لفظها وان كانت واردة فى الزناة لان الفاحشة كما يطلق على الزنى يطلق على اللواطة ايضا قال الله تعالى فى قوم لوط اتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العلمين وفى الباب عن الصحابة روايات مختلفة روى البيهقي فى شعب الايمان من طريق ابن ابى الدنيا عن محمد بن المنكدر ان خالد بن الوليد......
كتب الى ابى بكر انه وجد رجلا فى بعض نواحى العرب ينكح كما تنكح المرأة فجمع ابو بكر الصحابة فسالهم فكان أشدهم فى ذلك قولا على قال هذا ذنب لم يعص به الّا امة واحدة صنع الله به ما علمتم نرى ان نحرقه بالنار فاجتمع رأى الصحابة على ذلك وروى ابن ابى شيبة فى مصنفه والبيهقي عن ابن عباس قال ينظرا على بناء فى القرية فيرمى منه منكوسا ثم يتبع بالحجارة وكان مأخذ هذا القول ان قوم لوط اهلكوا بذلك حيث حملت قراهم ونكست بهم ولا شك فى اتباع الهديم بهم وهم نازلون وذكر عن ابن الزبير يحبسان فى أنتن المواضع حتى يموتا وروى البيهقي عن على من طرق انه رجم لوطيا ويجمع هذه الأقوال وحديث ابن عباس المرفوع وما فى معناه ان الرجل إذا اعتاد باللواطة وتكرر منه الفعل ولم ينزجر بالتعزير يقتل باىّ وجه كان ويدل على التكرار والاعتياد لفظ المرفوع من وجدتم يعمل عمل قوم لوط ولم يقل من عمل عمل قوم لوط وبه قال ابو حنيفة والله اعلم، فَإِنْ تابا عن الفاحشة وَأَصْلَحا العمل فيما بعد فَأَعْرِضُوا عَنْهُما فاقطعوا عنهما الإيذاء إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً التوبة فى الأصل بمعنى الرجوع فهى من العبد الرجوع عن المعصية ومن الله تعالى الرجوع عن ارادة العذاب او هو من الله تعالى بمعنى قبول التوبة او توفيق التوبة رَحِيماً (١٦) يرحم التائبين.
إِنَّمَا التَّوْبَةُ اى الرجوع عن ارادة العذاب بالمغفرة او قبول التوبة عَلَى اللَّهِ اى كالمتحتم عليه بمقتضى وعده لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ متلبسين «١» بِجَهالَةٍ قال البغوي قال قتادة اجمع اصحاب رسول الله ﷺ على ان كل معصية جهالة عمدا كان اولم يكن وكل من عصى الله فهو جاهل وكذا اخرج ابن جرير عن ابى العالية وقال الكلبي لم يجهل انه ذنب لكنه جهل عقوبته وقيل معنى الجهالة اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية قلت معنى الجهالة ذهوله عن عذاب الله عند ثوران النفس وغلبة الشهوة البهيمية او السبعية ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ من للتبعيض اى يتوبون فى اىّ جزء من الزمان القريب قيل معنى القريب قبل ان يحيط السوء بحسناته فحبطها وقيل قبل ان يشرب فى قلوبهم حبّه، فيطبع عليها ويرين السوء على قلبه وقال السدى والكلبي القريب ان يتوب فى صحته قبل مرض موته والصحيح ان المراد به فى حياته قبل حضور الموت
(١) فى الأصل ملتبسبن-
ومعائنة ملائكة العذاب كذا قال عكرمة والضحاك ويدل عليه قوله تعالى حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قوله عليه الصلاة والسّلام ان الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر رواه احمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم والبيهقي عن ابن عمر والحديث صحيح وعن ابى سعيد الخدري ان رسول الله ﷺ قال ان الشيطان قال وعزتك وجلالك لا أبرح اغوى بنى آدم ما دامت الأرواح فيهم فقال له ربّه فبعزتى وجلالى لا أبرح اغفر لهم ما استغفرونى رواه احمد وابو يعلى وعن ابى موسى قال قال رسول الله ﷺ ان الله يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل حتى تطلع الشمس من مغربها رواه مسلم وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من تاب قبل ان تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه رواه مسلم سمى الله تعالى مدة العمر قريبا نظرا الى ما بعده قال الله تعالى قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لاستحالة الخلف فيما وعد الله سبحانه وجعل على نفسه كالمتحتم فهذه الجملة كالنتيجة لما سبق وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً يعلم المخلص فى التوبة حَكِيماً (١٧) لا يعاقب بعد التوبة.
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ وقع فى النزع وراى ملائكة العذاب قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ يعنى حين يساق روحه فحينئذ لا يقبل من كافر ايمان ولا من عاص توبة وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ فى موضع الجر بالعطف على الذين يعملون السيئات يعنى ليست التوبة للذين يموتون وَهُمْ كُفَّارٌ حال من فاعل يموتون يعنى لا يغفرهم الله ولا يرجع عن تعذيبهم او لا يقبل توبتهم فى الاخرة حين يقولون رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ او لا يقبل توبتهم فى الدنيا عن بعض المعاصي إذا ماتوا على الكفر بل يعذبون على الكفر وجميع المعاصي أُولئِكَ أَعْتَدْنا اى هيئنا من العتيد بمعنى الحاضر لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٨) تأكيد لعدم قبول توبتهم- روى البخاري وابو داؤد والنسائي عن ابن عباس قال كان إذا مات الرجل كان أولياءه أحق بامراته ان شاء بعضهم تزوجوها وان شاءوا زوّجوها فهم أحق بها من أهلها فنزلت.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً اى تأخذوهن كما......
يؤخذ الميراث وتزوجوهن كارهات او مكرهات عليه قرأ حمزة والكسائي كرها بضم الكاف هاهنا وفى التوبة والباقون بفتحها قال الكسائي هما لغتان وقال الفراء بالضم ما اكره عليه وبالفتح ما كان من نفسه بالمشقة قال البغوي كانوا فى الجاهلية إذا مات الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها او قريبه من عصبته فالقى ثوبه على تلك المرأة او على خبائها فصار أحق بها من نفسها ومن غيره فان شاء تزوجها بغير صداق الا الصداق الاول الذي أصدقها الميت وان شاء زوجها غيره وأخذ صداقها وان شاء عضلها ومنعها من الأزواج يضارها لتفتدى منه بما ورثته من الميّت كذا اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن ابن عباس قال فنهوا عن ذلك وزاد البغوي فان ماتت المرأة ورثها من القى عليها الثوب وان ذهبت المرأة الى أهلها قبل ان يلقى عليها ولى زوجها ثوبه فهى أحق بنفسها فكانوا على هذا حتى توفى ابو قيس بن الاسلت الأنصاري وترك امرأته كبيشة بنت معن الانصارية فقام ابن له من غيرها يقال له حصن وقال مقاتل ابن حبان اسمه قيس بن ابى قيس فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها ثم تركها فلم يقربها ولم ينفق عليها يضارها لتفتدى منه فاتت كبيشة رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله انّ أبا قيس توفى وورث نكاحى ابنه فلا هو ينفق عليّ ولا يدخل بي ولا يخلى سبيلى فقال اقعدى فى بيتك حتى يأتى فيك امر الله فانزل الله تعالى لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ عطف على ان ترثوا منصوب بان ولا لتأكيد النفي واصل المعضل التضييق والمعنى ولا تمنعوهن من التزويج لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ من المهور الخطاب للمؤمنين عامة وضمير لتذهبوا راجع الى المخاطبين باعتبار بعض افرادهم يعنى اولياء الميّت وضمير اتيتموهنّ باعتبار بعض اخر يعنى الأزواج الأموات والمعنى ولا تعضلوهنّ ايها الأولياء لتفتدين فتذهبوا ببعض ما اتاهن أزواجهن المترفين من المهور وقيل الخطاب بالنهى عن توارث النساء والعضل مع الأزواج كانوا يحبسون النساء من غير حاجة ورغبة حتى يرثوا منهن او يختلعن بمهورهن والظاهر عندى ان الخطاب فى لا يحلّ لكم مع الأولياء وتم الكلام بقوله كرّها وهذا كلام مستانف خطاب مع الأزواج ولا تعضلوهن صيغة نهى مجزوم قال البغوي قال ابن عباس هذا فى الرجل يكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضاها......
لتفتدى وتردّ اليه ما ساق إليها من المهر فنهى الله عن ذلك وعلى هذا فقوله تعالى لا تَعْضُلُوهُنَّ معطوف على لا يَحِلُّ لَكُمْ عطف الجملة على الجملة لا عطف المفرد على المفرد، فان قيل يلزم عطف الإنشاء على الاخبار قلنا قوله تعالى لا يَحِلُّ لَكُمْ وان كان اخبارا لفظا فهو إنشاء معنى ومعناه النهى عن ميراثهن وايضا عطف الجملة على الجملة فيما لا محل لها من الاعراب مع اختلافهما خبرا وإنشاء جائز إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ قرا ابن كثير وابو بكر مبيّنة هنا وفى الأحزاب والطلاق بفتح الياء والباقون بكسرها فيهن والاستثناء فى محل النصب على الظرفية او على انه مفعول له او على انه حال من مفعول لا تعضلوهنّ تقديره لا تعضلوهن للاقتداء فى وقت الا وقت ان يأتين بفاحشة او لا تعضلوهن لغرض الافتداء بسبب الّا لان يأتين بفاحشة او لا تعضلوهن للافتداء ولا لغير ذلك من علة الّا لان يأتين او فى حال من الأحوال الّا حال ان يأتين بفاحشة والفاحشة قال ابن مسعود وقتادة هى النشوز وقال الحسن هو الزنى يعنى ان المرأة إذا نشزت او ذنت حل للزوج ان يسئلها الخلع وقد ذكرنا مسائل الخلع فى سورة البقرة وقال عطاء كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها فنسخ ذلك بالحدود وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ بالانصاف فى الفعل وأداء الحقوق والإحسان فى القول عطف على لا تعضلوا او على لا يحلّ لكم وقال الحسن رجع الى اوّل الكلام يعنى آتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً وعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ لسوء المنظر او سوء الأخلاق فاصبروا عليهن ولا تفارقوهن ولا تضاروهن فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ فى ذلك الشيء خَيْراً كَثِيراً (١٩) يعنى ثوابا جزيلا او ولدا
صالحا جملة عسى مع فاعله فى الأصل علة لجزاء الشرط أقيم مقام الجزاء وفاعل عسى مجموع المعطوف والمعطوف عليه ومناط الرجاء هو المعطوف فقط والمعنى الخير مرجو عند الكراهة-.
وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ يعنى تطليق امراة من غير نشوز من قبلها ولا فاحشة وتزوج امراة اخرى مكانها وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ الضمير راجع الى زوج لانه أراد به الجمع فانه جنس يطلق على الواحد والجمع ولولا ارادة الجمع لما استقام المقابلة بجماعة الرجال وانقسام الآحاد على الآحاد وفى أتيتم حذف مضاف تقديره واتى أحدكم إحداهن يعنى التي يريد أحدكم طلاقها قِنْطاراً اى مالا كثيرا صداقا اخرج ابن جرير عن انس عن رسول الله ﷺ أتيتم......
إحداهنّ قنطارا قال الفا ومائتين ومن هاهنا يظهر انه لا تقدير لاكثر الصداق وعليه انعقد الإجماع وبهذه الاية استدلت امراة على جواز المغالات فى المهر حين منع «١» عنها عمر فقال عمر كل افقه من عمر حتى المخدرات والمستحب اجماعا ان لا يغالى فيه قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه الا لا تغالوا فى صدقات النساء فانها لو كانت مكرمة فى الدنيا وتقوى عند الله لكان أولاكم بها نبى الله ﷺ ما علمت رسول الله ﷺ نكح شيئا من نسائه ولا انكح شيئا من بناته على اكثر من اثنى عشر اوقية رواه احمد واصحاب السنن الاربعة والدارمي وروى ابن حبان فى صحيحه والخطابي عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ خير النساء أيسرهن صداقا وروى ابن حبان عن عائشة انه ﷺ قال من يمن المرأة سهل أمرها وقلة صداقها وروى احمد والبيهقي أعظم النساء بركة أيسرهن صداقا واسناده جيّد وعن ابى سلمة قالت سالت عائشة كم كان صداق النبي ﷺ قال كان صداقه لازواجه اثنتي عشر اوقية ونش قالت أتدري ما النش قلت لا قالت نصف اوقية رواه مسلم فتلك خمسمائة درهم هذا صداق رسول الله ﷺ لازواجه لكن أم حبيبة أصدقها النجاشي عن النبي ﷺ اربعة آلاف درهم رواه ابو داؤد والنسائي وقال ابن إسحاق عن ابى جعفر أصدقها اربعة مائة دينار وفى خلاصة «٢» السير فى نكاح خديجة أصدقها رسول الله ﷺ اثنتي عشرة اوقية من ذهب والاوقية من الذهب سبعة مثاقيل وروى احمد وابو داود عن عائشة ان جويرية وقعت فى سهم ثابت بن قيس بن شماس وابن عم له فتخلصها ثابت من ابن عمّه بنخلات بالمدينة وكاتبها فادى رسول الله ﷺ ما كان من كتابتها وتزوجها وكان ذلك مهرا لها وفى سبيل الرشاد ان ثابت بن قيس وابن عم له كاتبا جويرية على تسع أواق من ذهب
(١) عن ابى عبد الرحمن السلمى قال قال عمر بن الخطاب لا تغالوا فى مهور النساء فقالت امراة ليس لك ذلك يا عمران الله يقول وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً من ذهب قال وكذلك فى قراءة ابن مسعود فقال عمران امراة خاصمت عمر فخصمته، وعن بكر بن عبد الله المزني قال قال عمر خرجت وانا أريد أنهاكم عن كثرة الصداق فعرضت لى اية من كتاب الله آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً، قلت هذان الحديثان يدلان على رجوع عمر عن النهى عن المغالات فى المهر والصحيح عندى ان عمر رضى الله عنه نهى عن المغالات على سبيل التنزيه دون التحريم ورجع عن النهى التحريمي والله اعلم منه رحمه الله
(٢) قيل كان صداق خديجة عشرين بكرة وقيل اربعمائة دينار، كذا فى شرح خلاصة السير منه رحمه الله-
فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ اى من القنطار شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ استفهام انكار وتوبيخ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) منصوبان على الحال او على العلة يعنى تأخذونه باهتين وآثمين او بسبب بهتانكم وارتكابكم الإثم والبهتان الباطل من القول وقد يستعمل فى الفعل الباطل وهو المراد هاهنا ولذا فسر هاهنا بالظلم وقيل كان الرجل إذا أراد نكاح جديدة بهت التي تحته بفاحشة حتى يلجئها الى الافتداء.
وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ استفهام الإنكار عن الاسترداد بعد التقرر ووجوب الأداء والحال انه قَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ يعنى أفضتم إليهن قال الشافعي يعنى دخلتم بهن فان الإفضاء عنده كناية عن الجماع ومن ثم قال الشافعي فى اظهر قوليه لا يتقرر المهر بالخلوة بدون الوطي فان طلقها قبل الوطي بعد الخلوة الصحيحة التي لا مانع فيها من الوطي طبعا ولا شرعا يجب نصف المهر عنده وقال ابو حنيفة واحمد يستقر المهر بالخلوة الصحيحة وان لم يطأ ومعنى الإفضاء الدخول فى الفضاء والفضاء فى اللغة الصحراء والمراد هاهنا المكان الخالي وقال مالك ان خلا بها وطالت مدة الخلوة استقر المهر وان لم يطأ وحد ابن القاسم الخلوة بالعام واحتج الشافعي على وجوب نصف المهر بعد الخلوة قبل الوطي بقوله تعالى وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ قلنا المجاز فى قوله مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ متحتّم لان المس ليس حقيقة بمعنى الجماع فالقول بانه فى معنى الجماع تسمية الاخصّ باسم الاعمّ ليس اولى من القول بانه مجاز عن الخلوة لان الخلوة سبب للمسّ والمسّ غاية لها فهو من تسمية السبب باسم المسبب ولنا اتفاق الصدر الاوّل على وجوب كمال المهر بالخلوة سواء وطئ بها او لا كذا نقل الشيخ ابو بكر الرازي فى أحكامه وحكى الطحاوي فيه اجماع الصّحابة وقال ابن المنذر هو قول عمر وعلى وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وجابر ومعاذ بن جبل وابى هريرة روى البيهقي عن الأحنف عن عمر وعلى انهما قالا إذا اغلق بابا وارخى سنرا فلها الصداق كاملا وعليها العدة وفيه انقطاع وفى المؤطا عن يحيى ابن سعيد عن سعيد بن المسيّب ان عمر قال إذا أرخت الستور فقد وجب الصداق وروى عبد الرزاق فى مصنفه عن ابى هريرة قال قال عمر نحوه وروى الدارقطني عن على قال إذا اغلق بابا وارخى سترا وراى عورة فقد وجب عليه الصداق وروى ابو عبيد فى كتاب النكاح من رواية زرارة بن اوفى قال قضى الخلفاء الراشدون المهديون إذا اغلق الباب وارخى الستر فقد وجب الصّداق والعدة......
وروى الدارقطني فى الباب حديثا مرفوعا عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مرسلا قال قال رسول الله ﷺ من كشف خمار امراة ونظر إليها فقد وجب الصداق دخل بها او لم يدخل وفى اسناده ابن لهيعة ضعيف لكن قال ابن الجوزي ابن لهيعة قد روى عنه العلماء وأخرجه ابو داود فى المراسيل عن ابن ثوبان ورجاله ثقات والمرسل عند ناحجة وقد روى عن ابن مسعود وابن عباس كمذهب الشافعي لكن لم يصح روى البيهقي عن الشعبي عن ابن مسعود فيمن خلا بامرأة ولم يحصل وطى لها نصف الصداق وهو منقطع وروى الشافعي عن ابن عباس مثله وفى اسناده ضعف وأخرجه ابن ابى شيبة عنه من وجه اخر وكذا البيهقي وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١) عهدا وثيقا عطف على افضى قال الحسن وابن سيرين والضحاك وقتادة هو قول الولي عند العقد زوجتكها على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف او تسريح بإحسان وقال الشعبي وعكرمة هو ما روى عن النبي ﷺ انه قال اتقوا الله فى النساء فانكم أخذتموهن بامانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله تعالى رواه مسلم من حديث جابر وروى ابن جرير من حديث ابن عمر نحوه يعنى أوثق الله عليكم لهن فكأنهنّ أخذن الميثاق اخرج ابن ابى سعد عن محمد بن كعب القرظي قال كان الرجل إذا توفى عن امرأته كان ابنه أحق بها ان ينكحها ان شاء ان لم تكن امه او ينكحها من شاء فلما مات ابو قيس بن سلمة قام ابنه محصن فورث نكاح امرأته ولم يورثها من المال شيئا فاتت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال ارجعي لعل ينزل فيك شىء ورواه ابن ابى حاتم والفرياني والطبراني عن عدى بن ثابت عن رجل من الأنصار نحوه بلفظ توفى ابو قيس بن الاسلمة وكان من صالحى الأنصار فخطب ابنه قيس امرأته فقالت انما اعدّك ولدا وأنت من صالحى قومك فاتت النبي ﷺ وأخبرته فقال ارجعي الى بيتك فنزلت.
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ ما موصولة يعنى التي نكحها آباؤكم وانما ذكر ما دون من لانه أريد به الصفة وقيل ما مصدرية بمعنى المفعول مِنَ النِّساءِ بيان ما نكح على الوجهين وفائدة البيان مع ظهور ان منكوحات الآباء لا تكون الّا من النساء التعميم إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ الظاهر ان الاستثناء منقطع ومعناه لكن ما قد سلف فانه لا مؤاخذة عليه وقيل استثناء من المعنى اللازم للنهى كانه قيل تعذبون بنكاح ما نكح......
آباؤكم الا بما قد سلف إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً يعنى أقبح المعاصي عند الله لم يرخص فيه لامة من الأمم وَمَقْتاً ممقوتا لله وعند ذى المروات كان العرب يقول لولد الرجل من امراة أبيه مقيت وكان منهم الأشعث بن قيس وابو معيط عمرو بن امية والمقت أشد البغض وَساءَ سَبِيلًا (٢٢) سبيل من يفعله عن البراء بن عازب رضى الله عنه قال مرّبى خالى ومعه لواء فقلت اين تذهب قال بعثني النبي ﷺ الى رجل تزوج بامراة أبيه اتيه برأسه رواه الترمذي وابو داؤد وفى رواية له وللنسائى وابن ماجة والدارمي فامرنى ان اضرب عنقه وأخذ ماله وفى هذه الرواية قال مرّ بي عمّى بدل خالى (فائدة) المراد بالآباء الأصول بعموم المجاز اجماعا حتى يحرم منكوحة الجد وان علا سواء كان الجد من قبل الأب او من قبل الام والنكاح قيل معناه الوطي حقيقة كذا قال ابن الجوزي فى التحقيق وبناء على هذا احتج بهذه الاية على ثبوت حرمة المصاهرة فى الزنى ومعنى الاية على هذا لا تطؤا موطوات الآباء سواء كان الوطي بنكاح صحيح او فاسدا وملك يمين او بشبهة او بزنى وفى القاموس النكاح الوطي والعقد له وهذه العبارة تفيد الاشتراك وفى الصحاح اصل النكاح العقد ثم استعير للجماع ومحال ان يكون فى الأصل للجماع ثم استعير للعقد لان اسماء الجماع كلها كنايات لاستقباحهم ذكره كاستقباحهم تعاطيه ومحال ان يستعير من لا يقصد فحشا اسم ما يستقبحونه بما يستحسنوه قال الله تعالى وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ الى غير ذلك من الآيات والصحيح عندى ان المراد بالنكاح فى هذه الاية العقد دون الجماع للاجماع على ان منكوحة الأب التي وقع عليها عقد النكاح ولم يطأها يحرم على الابن لا خلاف فى ذلك وثبوت حرمة المصاهرة بالزنى مختلف فيه، فحمل الاية على معنى يوجب حكما مجمعا عليه اولى من خلاف ذلك فان قيل إذا أريد بالنكاح فى الاية العقد فما وجه القول بتحريم موطوءة الأب بملك اليمين مع انّ حرمتها ايضا مجمع عليه قلنا وجه ذلك دلالة النص فان المقصود من النكاح انما هو الوطي وهو سبب للجزئية فاذا كان النكاح الذي هو سبب للوطى الحلال موجبا لحرمته المصاهرة كان الوطي الحلال موجبا لها بالطريق الاولى- (مسئلة) الزنى لا يوجب حرمة المصاهرة عند الشافعي ومالك وقال ابو حنيفة واحمد يوجب......
وهى رواية عن مالك وزاد احمد عليه فقال إذا اتى رجل امراة فى دبرها او اتى رجلا فى دبره حرمت على الواطى أم المفعول به وبنته رجلا كان او امراة وقد ذكرنا ان الاستدلال على حرمة المصاهرة بهذه الاية ضعيف فالاولى الاستدلال عليه بالقياس على الوطي الحلال لان علة التحريم كون الوطي سببا للولد ووصف الحل ملغاة شرعا بان وطى الامة المشتركة وجارية الابن والمكاتبة والمظاهر منها وامة المجوسية والحائض والنفساء ووطى المحرم والصائم فان كله حرام ويثبت به حرمة المصاهرة اجماعا فعلم ان المعتبر فى الأصل هو ذات الوطي من غير نظر لكونه حلالا او حراما قال ابن همام قد روى أصحابنا فيه أحاديث منها قال رجل يا رسول الله انى زينت بامراة فى الجاهلية أفأنكح ابنتها قال لا ارى ذلك ولا يصلح ان تنكح امراة تطلع من ابنتها على ما تطلع عليه منها وهو مرسل منقطع وفيه ابو بكر بن عبد الرحمن بن ابنة حكيم ومن طريق ابن وهب عن ابى أيوب عن ابن جريح ان النبي ﷺ قال فى الذي يتزوج المرأة فيغمز لا يزيد على ذلك لا يتزوج ابنتها وهو مرسل منقطع الا ان هذا لا يقدح عندنا إذا كانت الرّجال ثقات انتهى كلامه احتج الشافعي بحديثين أحدهما حديث عائشة قالت قال رسول الله ﷺ الحرام لا يفسد الحلال رواه الدارقطني وفيه عثمان
بن عبد الرحمن الوقاصى قال يحيى بن معين ليس بشىء كان يكذب ضعّفه ابن المديني جدّا وقال البخاري والنسائي والرازي وابو داود ليس بشىء وقال الدارقطني متروك وقال ابن حبان كان يروى عن الثقات الموضوعات لا يجوز الاحتجاج به، ثانيهما حديث ابن عمر نحو حديث عائشة رواه الدارقطني وابن ماجة وفيه عبد الله ابن عمر أخو عبيد الله قال ابن حبان فحش خطاؤه فاستحق الترك وفيه إسحاق بن محمد العروى قال يحيى ليس بشىء كذّاب وقال البخاري تركوه (مسئلة) ابن المزنية يحرم عليه منكوحة أبيه الزاني كما يحرم بنت المزنية على أبيها الزاني لانهما ابنه وبنته حقيقة لغة والخطاب انما هو باللغة العربية ما لم يثبت نقل كلفظ الصلاة ونحوه فيصير منقولا شرعيا وكذا إذا لا عن رجل امرأته بنفي نسب ابنه وبنته فنفى القاضي نسبهما من الأب والحقهما بالأم لا يجوز لابن الملاعنة ان ينكح منكوحة الملاعن ولا للملاعن ان ينكح ابنة الملاعنة لانه يحتمل ان يكذب الملاعن نفسه ويدعيها فيثبت نسبهما منه،......
(مسئلة) مس الرجل امرأة والمرأة رجلا بشهرة له حكم الوطي عند ابى حنيفة فى وجوب حرمة المصاهرة وكذا نظره الى فرجها الداخل ونظرها الى ذكره بشهوة يوجب حرمة المصاهرة عنده ولو مسّ فانزل او نظر الى فرجها فانزل او اولج امراة فى دبرها فانزل قيل يوجب حرمة المصاهرة عنده والصحيح انه لا يوجب الحرمة عنده ايضا وعند الائمة الثلاثة المسّ والنظر لا يوجبان الحرمة وجه قول ابى حنيفة ان المسّ والنظر سببان داعيان الى الوطي فيقامان مقامه فى موضع الاحتياط وإذا انزل لم يبق داعيا الى الوطي والمس بشهوة ان ينتشر الآلة لو يزداد انتشارا هو الصحيح.
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ يعنى أصولكم على عموم المجاز وقيل الام يطلق على الأصل لغة حقيقة فى القاموس أم كل شىء أصله ومنه أم القرى مكة وأم الكتاب الفاتحة او اللوح المحفوظ فيشتمل الجدات من قبل الأب او الام وان علون اجماعا وَبَناتُكُمْ يعنى فروعكم كذلك على عموم المجاز فيشتمل بنات الابن وبنات البنت وان سفلن اجماعا وَأَخَواتُكُمْ تعم ما كانت منها لاب او لام أولهما وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ تعم أخوات الأب لاحد الأبوين أولهما وأخوات الام لاحد الأبوين أولهما وتلحق بهن اجماعا عمات الأب وعمات الام وخالاتهما والعمات والخالات للجد والجدة وان علون سواء كن من قبل الأب او من قبل الام وسواء كن اخت أبيه او امه او جده أوجدته لاحد الأبوين أولهما كأنّ المراد بهما على عموم المجاز الفرع القريب للاصل البعيد ويحل الفرع البعيد للاصل البعيد اجماعا كبنت العم او العمة او الخال او الخالة وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ يعنى فروع الأخ والاخت بناتهما وبنات ابنائهما وبنات بناتهما وان سفلن سواء كان الأخ والاخت لابوين او لاحدهما، ذكر الله سبحانه المحرمات من النسب سبعا ويؤل امرهن الى اربعة اصناف أصله وفرعه وفرع أصله القريب وان بعد والفرع القريب للاصل البعيد واخصر من ذلك ان يقال يحرم النكاح بين الشخصين ان يكون بينهما ولا داو يكون أحدهما فرعا لاحد أبوي الاخر وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وكذا العمات والخالات وبنات الأخ وبنات الاخت من الرضاعة اجماعا على حسب ما فصلناه فى النسب لقوله ﷺ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ويروى ما يحرم من الولادة متفق عليه من حديث عائشة وعن على انه قال يا رسول الله هل......
لك فى بنت عمك حمزة فانها أجمل فتاة فى قريش فقال له اما علمت ان حمزة أخي من الرضاعة وان الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب رواه مسلم وعن عائشة قالت جاء عمّى من الرضاعة فاستأذن علىّ فابيت ان اذن له حتى اسئل رسول الله ﷺ فجاء رسول الله ﷺ فسالته فقال انه عمك فأذنى له قالت فقلت يا رسول الله انما أرضعتني المرأة ولم يرضعنى الرجل فقال رسول الله ﷺ انه عمك فيلج عليك وذلك بعد ما ضرب علينا الحجاب متفق عليه وعن عائشة ان رسول الله ﷺ كان عندها وانها سمعت صوت رجل يستأذن فى بيت حفصة فقالت عائشة قلت يا رسول الله هذا رجل يستأذن فى بيتك فقال رسول الله ﷺ أراه فلانا لعم حفصة من الرضاع فقلت يا رسول الله لو كان فلان حيا لعمها من الرضاعة ادخل فقال رسول الله ﷺ نعم ان الرضاعة يحرم ما يحرم من الولادة رواه البغوي، (فائدة:) احتج ابو حنيفة ومالك بهذه الاية وبقوله عليه السّلام مطلقا يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب على ان الرضاع قل او كثر يحرم ما يحرم من النسب وهو أحد اقوال احمد وقال الشافعي لا يحرم إلا خمس رضعات مشبعات فى خمس اوقات جائعات متفاصلات عرفا وهو القول الثاني لاحمد وعن احمد ثلاث رضعات وبه قال ابو ثور وابن المنذر وداود وابو عبيد وجه التقدير بثلاث حديث ابن الزبير عن عائشة ان نبى الله ﷺ قال لا تحرم المصة والمصتان وعن أم الفضل مرفوعا بلفظ لا يحرم الرضعة او الرضعتان وفى رواية اخرى عنها لا يحرم الاملاجة والإملاجتان وفيه قصّة وهذه الروايات رواها مسلم وكذا روى احمد والنسائي وابن حبان والترمذي من حديث ابن الزبير عن أبيه عن عائشة وأعله الطبري بالاضطراب لما روى عن ابن الزبير عن أبيه وعنه عن عائشة وعنه عن النبي ﷺ بلا واسطة وجمع ابن حبّان بامكان ان ابن الزبير سمع من كل منهم وقال البخاري الصحيح عن ابن الزبير عن عائشة وذكر الزبير تفرّد به محمد بن دينار وفيه ضعف واختلاف وإسقاط عائشة فى بعض الروايات إرسال ولا بأس به ورواه النسائي من حديث ابى هريرة وقال ابن
عبد البر لا يصح مرفوعا قالوا ثبت بهذا الحديث ان الرضعة والرضعتان لا تحرمان فبقى التحريم فى ثلاث رضعات ووجه القول بالخمس حديث عائشة......
قالت كان فيما انزل من القران عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخ بخمس معلومات فتوفى رسول الله ﷺ وهى فيما يقرا من القران رواه مسلم ورواه الترمذي بلفظ انزل فى القران عشر رضعات فنسخ من ذلك خمس وصار الى خمس رضعات فتوفى رسول الله ﷺ والأمر على ذلك، قلنا حديث الآحاد لا يعارض نصّ الكتاب المتواتر وعند التعارض يقدم التحريم احتياطا وايضا حديث عائشة كان فيما انزل من القران الحديث وان كان صحيحا سندا لكنه متروك لانقطاعه باطنا فانه يدل على انه ﷺ توفى وهى فيما يقرأ مع انه ليس كذلك قطعا والا ثبت قول الروافض ذهب كثير من القرآن بعد رسول الله ﷺ وهذا القول كفر لاستلزامه انكار قوله تعالى انّا له لحفظون والتأويل بان معنى قولها توفى رسول الله ﷺ يعنى قارب الوفاة يقتضى نسخ الخمس قبيل الوفاة كما نسخ العشر قبل ذلك وهو الصحيح قال ابن عباس حين قيل له ان الناس يقولون الرضعة لا يحرم قال كان ذلك ثم نسخ، وعن ابن مسعود الى امر الرضاع الى ان قليله وكثيره يحرم وروى عن ابن عمران القليل يحرم وعنه قيل له ابن الزبير يقول لا بأس بالرضعة والرضعتين فقال قضاء الله خير من قضاء ابن الزبير قال الله تعالى وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ والتأويل بان معناه توفى ﷺ وهى فيما يقرأ تعنى حكمها فيما يقرا غير مرضى لان القراءة انما يتعلق باللفظ دون الحكم، (مسئلة) اجمعوا على ان الرضاع بعد مدة الرضاع لا يوجب التحريم لانه لا يحصل التوليد والنمو بالرضاع الا فى المدة فلا يطلق بعد تلك المدة على المرضعة امّا وقال داود يوجب التحريم ابدا لحديث عائشة قالت جاءت سهلة بنت سهيل امراة ابى حذيفة الى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله انى ارى فى وجه ابى حذيفة من دخول سالم وهو حليفه فقال ﷺ ارضعى سالما خمسا تحرمى عليه رواه الشافعي ورواه مسلم وغيره بغير ذكر العدد والجواب ان الإجماع يدل على كون الحديث منسوخا وقد صح عن النبي ﷺ قال لا يحرم من الرضاع الا ما فتق الأمعاء فى الثدي وكان قبل الفطام رواه الترمذي من حديث أم سلمة وقال حديث صحيح وعنه عليه السّلام لا يحرم من الرضاع الا ما أنبت اللحم وانشر العظم رواه ابو داود من حديث ابن مسعود وفى الصحيحين عن عائشة قالت دخل علىّ......
رسول الله ﷺ وعندى رجل فقال يا عائشة من هذا قالت أخي من الرضاعة قال يا عائشة انظرن من اخوانكن فانما الرضاعة من المجاعة، (مسئلة) مدة الرضاع التي يوجب فيها التحريم سنتان وبه قال ابو يوسف ومحمد بن الحسن والشافعي واحمد ومالك وسعيد بن المسيّب وعروة والشعبي وهو المروي عن عمر وابن عباس رواهما الدارقطني وعن على وابن مسعود أخرجهما ابن ابى شيبة وفى رواية عن مالك سنتان وشهر وفى اخرى عنه شنتان وشهران وفى اخرى عنه ما دام محتاجا الى اللبن وقال ابو حنيفة سنتان وستة أشهر وقال زفر ثلاث سنين لنا قوله تعالى وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ جعل الله تعالى التمام بهما ولا مزيد على التمام وقوله تعالى وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً وادنى مدة الحمل ستة أشهر فبقى للفصال سنتان وقوله تعالى وفصاله فى عامين وقوله ﷺ لارضاع الّا ما كان فى الحولين رواه الدارقطني من حديث ابن عباس وقال تفرد برفعه الهيثم بن جميل وكان ثقة حافظا وكذا وثقه احمد والعجلى وقال ابن عدى كان يغلط ورواه سعيد بن منصور عن ابن عينية فوقفه، وجه قول ابى حنيفة انه تعالى قال وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ذكر شيئين وضرب لهما مدة فكان لكل واحد منهما بكمالها كالاجل المضروب للدينين على شخصين الا انه قام المنقص
فى مدة الحمل قول عائشة الولد لا يبقى فى بطن امه اكثر من سنتين ولو بقدر فلكة مغزل وفى رواية ولو بقدر ظل معزل ومثله لا يقال الا سماعا لان المقدرات لا تدرك بالرأى فبقى مدة الفصال على الظاهر وهذا ليس بشىء بوجوه أحدها ان جعل قول عائشة منقصا لمدة الحمل ليس اولى من جعل قوله عليه السّلام لارضاع بعد حولين وقوله تعالى يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ منقصا لمدة الرضاع ثانيها انه يلزم حينئذ الجمع بين الحقيقة والمجاز فى لفظ ثلاثين شهرا حيث أريد به باعتبار الحمل اربعة وعشرون شهرا وباعتبار الفصال ثلاثون، ثالثها انه يلزم من هذا التأويل استعمال ثلاثين فى اربعة وعشرين باعتبار الحمل مع انه لا يتجوز بشىء من اسماء العدد فى الاخر نصّ عليه كثير من المحققين لانها بمنزلة الاعلام فى مسمّياتها وذكر لقول ابى حنيفة وغيره وجه اخر انه لا بد من تغيير الغذاء لينقطع الا نبات باللبن وذلك بزيادة مدة يتعود الصبى......
فيها بغيره ولم يحد ذلك الزيادة مالك وحده زفر بحول لانه يشتمل على فصول اربعة وقدّره ابو حنيفة بستة أشهر لانه ادنى مدة الحمل نظرا الى ان غذاء الجنين يغائر غذاء الرضيع، قلنا انّ الشرع لم يحرم اطعام الرضيع غير اللبن قبل الحولين ليلزم اعتبار زيادة مدة القعود على الحولين فجاز ان يتعود بالطعام مع اللبن قبل الحولين وهو مختار ابن همام والطحاوي، وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ اشتملت كلمة الأمهات الجدّات سواء كن من قبل الأب او الام قريبة كانت او بعيدة والتحقت بهن بالحديث امّهاتهن وجداتهن من الرضاع والتحقت بالنساء الموطوءات بملك اليمين او بشبهة اجماعا والموطوءات بالزنى عند ابى حنيفة رحمه الله وكذا الا حنيفة الملموسة بشهوة عنده وَرَبائِبُكُمُ جمع ربيبة والربيب ولد المرأة من غيره سمّى به لانه يربّه كما يربّ ولده فى غالب الأمر فعيل بمعنى المفعول وانما لحقته التاء لانه صار اسما ويشتمل الربائب بعموم المجاز او بالقياس بنات أبناء الزوجات وبنات بناتهن وان سفلن وبنات الموطوءات بملك يمين او بشبهة ولو بواسطة او وسائط اجماعا وبنات المزّنيات وان سفلن عند ابى حنيفة اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ هذه الصفة خارجة مخرج العادة لا مفهوم لها اجماعا وقال داود لا يحرم من الربائب الا اللاتي فى حجورهم كذا روى عبد الرزاق وابن ابى حاتم بسند صحيح عن على رضى الله عنه فالمراد بالإجماع الإجماع بعد القرن الاول، مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ الموصول مع الصلة صفة لنسائكم مقيدة لها اجماعا ولا يجوز ان يكون صفة للنسائين لان عامليها مختلفان ولا يجتمع عاملان على معمول واحد الّا فى رواية عن الفراء وقوله من نسائكم ظرف مستقر جاز كونها صلة للموصول الاول ويكون قوله فى حجوركم متعلّقا به وجاز كونها منصوبا على الحالية من الضمير فى حجوركم والأظهر انه حال من ربائبكم وعلى تقدير كونه حالا من ربائبكم لا يجوز تعليقها بالأمهات ايضا لان كلمة من إذا علقتها بالربائب كانت ابتدائية وإذا علقتها بالأمهات لم يجز ذلك بل يجب ان تكون بيانا لنسائكم والكلمة الواحدة لا يحمل على معنيين عند جمهور الأدباء وان جوّز الشافعي عموم المشترك وايضا يوجب كونها بيانا لنسائكم كونها حالا منها ولا يجوز ان يكون شىء «١» واحد حالا من ربائبكم ومن نسائكم مع اختلاف العامل فيهما عند أحد فان ربائبكم مرفوع لقيامه مقام الفاعل ونسائكم مجرور بالاضافة قال البيضاوي الّا إذا جعلتها للاتصال
(١) فى الأصل شيئا واحدا
يعنى جعلت كلمة من اتصالية لا ابتدائية ولا بيانية فلا يكون المعنيان مختلفين بل تكون من مستعملة فى القدر المشترك بينهما وهو الاتصال اى الملابسة وحينئذ يكون الظرف حالا من الأمهات والريائب وهما مرفوعان من جهة واحدة وهذا التأويل مع بعده مردود بالحديث المرفوع والإجماع عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جدّه ان رسول الله ﷺ قال أيما رجل نكح امراة فدخل بها فلا يحل له نكاح ابنتها وان لم يدخل بها فلينكح ابنتها وأيما رجل نكح امراة فلا يحل له ان ينكح امّها دخل بها او لم يدخل رواه الترمذي وقال هذا حديث لا يصح من قبل اسناده انما رواه ابن لهيعة والمثنى بن الصبّاح عن عمرو بن شعيب وهما يضعفان فى الحديث قال الشيخ ابن حجر وفى الباب عن ابن عباس من قوله أخرجه ابن ابى حاتم فى تفسيره بإسناد قوى اليه انه كان يقول إذا طلق الرجل امراة قبل ان يدخل بها او ماتت لم يحل له أمها ونقل الطبراني فيه الإجماع «١» لكن اختلفت الرواية فيه عن زيد بن ثابت ففى مسند ابن ابى شيبة عنه انه كان لا يرى بأسا إذا طلقها ويكرهها او ماتت عنه وروى مالك عن يحيى بن سعيد عنه انه سئل عن رجل تزوج امراة ثم ماتت قبل ان يصيبها هل يحل له أمها قال لا الام مبهمة وانما الشرط فى الربائب وروى عن على كرم الله وجهه تقييد التحريم فيهما أخرجه ابن ابى حاتم وبه قال مجاهد وكذا روى ابن ابى شيبة وغيره عن زيد بن ثابت وابن عباس وكذا روى عبد الرزاق وابن ابى حاتم عن ابن الزبير فلو صح الرواية عن على ومجاهد وغيرهما فى تقييد التحريم فلعل المراد من قول الطبراني اجماع من بعد القرن الاوّل والثاني، والباء فى قوله دخلتم بهن للتعدية او للمصاحبة اى ادخلتموهن الستر او دخلتم معهن الستر وهى كناية عن الجماع كقولهم بنى عليها وضرب عليها الحجاب واللمس بشهوة والنظر الى فرجها الداخل بشهوة حكمها حكم الجماع عند ابى حنيفة فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ تصريح بعد اشعار دفعا للقياس وَحَلائِلُ جمع حليلة وهى الزوجة سميت حليلة لانها تحل للزوج او تحل فراشه ويلتحق بالزوجات الموطوءات بملك اليمين او بشبهة اجماعا والموطوءات
(١) روى ان رجلا تزوج امراة ولم يدخل بها ثم راى أمها فاعجبته فاستفتى ابن مسعود فامره ان يفارقها ثم يتزوج أمها ففعل فولدت له أولادا ثم اتى ابن مسعود المدينة فسال عمر وفى لفظ فسال اصحاب النبي ﷺ فقالوا لا يصلح فلما رجع الى الكوفة قال للرجل انها عليك حرام ففارقها، قلت هذا يدل على الإجماع منه رحمه الله
يزنى عند ابى حنيفة أَبْنائِكُمُ يشتمل بعموم المجاز الفروع من أبناء الأبناء والبنات وان بعدوا الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ خروج بهذا القيد المتبنى فانهم كانوا يطلقون الابن على المتبنى ولو مجازا اخرج ابن جرير عن ابن جريح قال قلت لعطاء قوله تعالى وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ قال كنا نتحدث انها نزلت فى محمد ﷺ حين نكح امراة زيد بن حارثة قال المشركون فى ذلك فنزلت وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ ونزلت وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ونزلت ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ واما ابن الابن وابن البنت بواسطة او بلا واسطة فلم يخرجا بهذا القيد لانهما من الأصلاب ولو بالواسطة واما الابن بالرضاع وفروعه فانهم وان خرجوا بهذا القيد لكن حرمة حلائلهم ثبتت بنص الحديث اعنى قوله ﷺ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وعليه انعقد الإجماع وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فى محل الرفع عطفا على أمهاتكم وبناتكم يعنى حرمت عليكم الجمع فى النكاح وفى الوطي بملك اليمين بين الأختين «١» بالنسب ويلتحق «٢» بهما بنصّ الحديث الأختان بالرضاع سواء كانتا لاب او لام أولهما من النسب او من الرضاع ولا يحرم الزنى باحده الأختين النكاح بالأخرى كما لا يحرم نكاح الاخرى بعد موت أحدهما او انقضاء العدة من الطلاق والتحقت به بالسنة والإجماع حرمة الجمع بين امراة وعمّتها وامراة وخالتها وكذا عمة أبيها او أمها او خالة أحدهما وعمات أجدادها وجداتها وان بعدن عن اىّ جهة كن، عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ لا يجمع بين المرأة وعمّتها ولا بين المرأة وخالتها متفق عليه ورواه ابو داود والترمذي والدارمي بلفظ لا تنكح المرأة على عمّتها ولا العمة على بنت أخيها ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها لا الكبرى على الصّغرى ولا الصّغرى على الكبرى ورواه النسائي الى قوله بنت أختها وصححه الترمذي وروى البخاري عن جابر نحوه قال ابن عبد البر طرق حديث ابى هريرة متواترة عنه وفى الباب عن ابن عباس رواه احمد وابو داود والترمذي وابن حبان وعن ابى سعيد رواه ابن ماجة بسند ضعيف وعن على رواه البزار وعن ابن عمر رواه ابن حبان وفيه ايضا عن سعد بن ابى وقاص وزينب امراة ابن مسعود وابى امامة وعائشة
(١) اخرج احمد وابو داؤد والترمذي وحسنه وابن ماجه عن فيروز الديلمي انه أدركه الإسلام وتحته اختان فقال له النبي ﷺ طلق أيهما شئت منه رحمه الله-
(٢) فى الأصل التحقق-
وابى موسى وسمرة بن جندب وروى ابن حبان فى صحيحه وابن عدى من حديث عكرمة عن ابن عباس الحديث المذكور وزاد فى آخره انكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامهن واخرج ابو داؤد فى المراسيل عن عيسى بن طلحة قال نهى رسول الله ﷺ من ان تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة ورواه ابن حبان بلفظ انكن إذا فعلتن ذلك «٢» قطعتن أرحامهن والإجماع على حرمة الجمع بين الأختين من الرضاع يدل على انه كما يحرم قطيعة وصلة الرحم يحرم قطيعة وصلة الرضاع وروى عن النبي ﷺ إكرام المرضعة عن ابى الطفيل الغنوي قال كنت جالسا مع النبي ﷺ إذا قبلت امراة فبسط النبي ﷺ رداءه حتى قعدت عليه فلما ذهبت قيل هذه أرضعت النبي ﷺ رواه ابو داؤد والحاصل انه يحرم من النسب والرضاع ما يكون أحدهما فرعا للاخر او ذاعا لاصله القريب ومن المصاهرة يحرم على المرأة اصول الزوج وفروعه مطلقا وعلى الرجل اصول الزوجة مطلقا وفروعها بشرط الدخول بها ولا يحرم من أقارب الزوج والزوجة بالمصاهرة ما عدى عمودى النسب الا الجمع بين امراة وفرع أصلها القريب «١» للاحتراز عن قطعية الرحم او قطعية وصلة الرضاع والله اعلم إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ قيل استثناء من المعنى اللازم للنهى يعنى يعذبون بنكاحهن الا بما قد سلف والظاهر ان الاستثناء منقطع بمعنى لكن يعنى لكن ما قد سلف فان الله يغفره ولا يؤاخذ به إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣) يغفرهم ويرحمهم لعذر الجهل عن الشرائع
(٢) سئل عن عمر عن جاريتين أختين توطا أحدهما بعد الاخرى قال عمر ما احبّ ان اجيزهما جميعا ونهاه واخرج مالك والشافعي عن قبيصة بن ذويب ان رجلا سال عثمان بن عفان عن الأختين فى ملك اليمين هل يجمع بينهما قال احلّتهما اية وحرمتهما اية وما كنت اصنع ذلك فخرج من عنده فلقى رجلا من اصحاب النبي ﷺ أراه على بن ابى طالب فساله عن ذلك فقال لو كان لى من الأمر شىء ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا وروى هذا الشك عن على من ابى صالح عن على قال فى الأختين المملوكتين احلّتهما اية وحرّمتهما اية ولا امر ولا انهى ولا أحل ولا احرم ولا افعل انا ولا اهل بيتي رواه ابن ابى شيبة والبيهقي وروى ابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود قال تحرم من الإماء ما تحرم من الحرائر الا العدد وكذا روى عبد الرزاق عن عمار بن ياسر قلت ما روى عن على انه أحلتهما اية وحرمتهما اية ليس مبنيا على الشك بل مراده ترجيح المحرم على المبيح وقد روى عنه ابن عبد البر فى الاستذكار ان إياس بن عامر ساله ان لى أختين أمتين اتخذت إحداهن سرية وولدت لى أولادا ثم رغبت فى الاخرى فما اصنع قال تعتق التي كنت تطأ ثم تطأ الاخرى ثم قال انه يحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم عليك فى كتاب الله من الحرائر الا العدد او قال الا الأربع ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك فى كتاب الله من للنسب منه رحمه الله تعالى
(١) فى الأصل قطعتم
قال الله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً «١»... حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ وقال الله تعالى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا.
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ عطف على أمهاتكم يعنى حرمت عليكم المحصنات من النّساء اى ذوات الأزواج لا يحل للغير نكاحهن ما لم يمت زوجها او يطلقها وتنقضى عدّتها من الوفاة او الطلاق سمّيت المتزوجات محصنات لانه احصنهن التزويج او الأزواج قال البغوي قال ابو سعيد الخدري رضى الله عنه نزلت فى نسائكن يهاجرن الى رسول الله ﷺ ولهن ازواج فيتزوجهن بعض المسلمين ثم يقدم أزواجهن مهاجرين فنهى الله المسلمين عن نكاحهن قلت لعل المراد من الحديث ان المرأة المهاجرة إذا كان زوجها مسلما لا يحل نكاحها وان كان فى دار الحرب لعدم اختلاف الدين حقيقة والدار حكما وامّا إذا أسلمت وهاجرت وزوجها كافر فى دار الحرب فنكاحها حلال لقوله تعالى «٢» يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ... «٣» فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ الى قوله تعالى وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ لكن عند ابى حنيفة وصاحبيه تقع الفرقة بينها وبين زوجها بمجرد الخروج من دار الحرب لاختلاف الدارين حقيقة وحكما ولا عدة عليها بعد الفرقة عنده وعندهما عليها العدة وعند مالك والشافعي واحمد يقع الفرقة بعد ثلاث حيض من وقت إسلامها ان دخل بها وان لم يدخل بها فمن وقت إسلامها ولا اثر عندهم لاختلاف الدارين إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ قال عطاء أراد بهذه الاستثناء ان تكون أمته فى نكاح عبده فيجوز له ان ينزعها منه وهذا القول مردود بالإجماع والصحيح ما روى مسلم وابو داود والترمذي والنسائي عن ابى سعيد الخدري قال أصبنا سبايا من سبى أوطاس لهن ازواج فكرهنا ان نقع عليهن ولهن ازواج فسالنا النبي ﷺ فنزلت وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يقول الا ما أفاء الله عليكم فاستحللتم بها فروجهن واخرج الطبراني عن ابن عباس قال نزلت يوم حنين لمّا فتح الله حنينا أصاب المسلمون نساء من نساء اهل الكتاب لهن ازواج وكان الرجل إذا أراد ان يأتى المرأة قالت ان لى زوجا فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فانزلت هذه الآية
(١) وفى القران قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى إلخ [..... ]
(٢) فى الأصل يا ايّها النّبىّ إذا جاءكم لعله من الناسخ
(٣) وفى القرآن اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ إلخ-
فهذه الاية تدل على ان المرأة إذا سبيت مع زوجها او بدونه وقعت الفرقة بينها وبين زوجها ويحل لمن ملكها وطيها بعد الاستبراء لما روى ان منادى رسول الله ﷺ نادى يوم أوطاس الا لا تنكح الحبالى حتى يضعن حملهن ولا الحيالى حتى يحضن رواه ( «١» ) وكذا يحل للمالك تزويجها لغيره وظهران السبي يوجب الصفا للسّابى فى ملك البضع كما يوجب الصفا فى ملك الرقبة وبه قال مالك والشافعي واحمد قالوا ان سبايا أوطاس سبين مع أزواجهن وقال ابو حنيفة لا يقع الفرقة بالسبي الا إذا سبى أحد الزوجين بدون الاخر فان الموجب للفرقة عنده اختلاف الدارين حقيقة وحكما دون السبي قالت الحنفية ان مع اختلاف الدارين لا ينتظم مصالح النكاح فشابه المحرمية والسبي يوجب الصّفا فى ملك الرقبة دون ملك البضع لعدم الاستلزام بينهما وهذا استدلال فى مقابلة النص قال ابن همام روى فى سبايا أوطاس ان النساء سبين وحدهن ورواية الترمذي يفيد ذلك روى عن ابى سعيد قال أصبنا سبايا أوطاس ولهن ازواج فى قومهن فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت هذه الاية قلت وليس فى لفظ الترمذي ما يدل قطعا انهن كلهن سبين بغير ازواج والظاهر فيه قول الشافعي ولو صح انهن سبين كلهن بغير ازواج فالعبرة لعموم اللفظ دون خصوص السبب وقد ذكر الله سبحانه الاستثناء من ذوات الأزواج بعنوان ملك اليمين لا بعنوان اختلاف الدّارين وقالت الحنفية الاية ليست على عمومها اجماعا فان مقتضى اللفظ حل المملوكة مطلقا سواء ملكت بالسبي او الشراء او الإرث او نحو ذلك ولا شك ان المشتراة المتزوجة خارجة عن هذا الحكم اجماعا فخصصنا عنها المسبيّة مع زوجها ايضا قلت لا بد لتخصيص العام وان كان ظنيا من دليل شرعى نصّ او اجماع او قياس ولا يجوز التخصيص بالرأى على ان الإجماع على كون الامة المشتراة المتزوجة خارجة عن هذا الحكم ممنوع قال البغوي قال ابن مسعود أراد الله تعالى بهذه الاية ان الجارية المتزوجة إذا بيعت يقع الفرقة بينها وبين زوجها ويكون بيعها طلاقا رواه ابن ابى شيبة وابن جرير وعبد بن حميد عنه قلت يمكن ان يقال المراد بالمحصنات الجرائر ذوات الأزواج والتحق بهن بالقياس الإماء ذوات الأزواج فمعنى الاية حرّمت عليكم الحرائر ذوات الأزواج الّا ما ملكت ايمانكم بالسبي والاستيلاء عليهن فحينئذ لا يحتاج الى تخصيص المملوكة بالشراء او الإرث من حكم الحل لا قبل الشراء ليست من المحصنات بل من المملوكات بخلاف المسبية فانها كانت قبل السبي حرّة
(١) هكذا بياض فى الأصل-
كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ مصدر مؤكد اى كتب الله عليكم كتابا تحريم من ذكرن اخرج ابن جرير من طريق عبيدة عن عمر بن الخطاب فى قوله تعالى كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ قال الأربع وابن المنذر من طريق ابن جريح عن ابن عباس قال واحدة الى اربع فى النكاح وَأُحِلَّ لَكُمْ قرأ ابو جعفر وحمزة والكسائي وحفص على البناء للمفعول والباقون على البناء للفاعل وضمير الفاعل راجع الى الله تعالى فى كتاب الله معطوف على حرّمت او على فعل مضمر الذي نصب كتاب الله فان قيل العطف يقتضى المشاركة وجملة كتاب الله مؤكد لما سبق من التحريم فما وجه مشاركة هذه الجملة معها فى التوكيد قلنا تحليل ماوراء ذلك يؤكد تحريم ذلك فان قيل على تقدير العطف على حرمت اىّ نكتة فى إيراد حرمت مجهولا وأحل معروفا على قراءة الجمهور قلنا التحليل انعام بخلاف التحريم فصرح بإسناد الانعام الى ذاته دون اسناد التحريم ما وَراءَ ذلِكُمْ يعنى ما سوى المحرمات المذكورات فى الآيات السابقة وخصّ عنه بالسنة والإجماع والقياس ما ذكرنا من المحرمات فى الشرح وما فوق الأربع من النساء أَنْ تَبْتَغُوا اى تبتغوهن يعنى ما وراء ذلكم من النساء بِأَمْوالِكُمْ بنكاح او باشتراء مُحْصِنِينَ حال من فاعل تبتغوا اى حال كونكم متعففين فان العفة تحصين الفرج عن الفاحشة والنفس عن اللوم والعقاب غَيْرَ مُسافِحِينَ حال بعد حال والسفاح الزنى من السفح وهو صبّ المنى فانه الغرض منه دون بقاء النسل وقوله أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ بدل اشتمال من قوله ما وَراءَ ذلِكُمْ لان المقصود بإسناد الحل الى ما وَراءَ ذلِكُمْ ليس الّا ابتغاءهن بالأموال حلالا فان النساء ما وراء المحرّمات المذكورات لا تحل لاحد مطلقا بل مقيدا بنكاح صحيح «١» او بملك يمين وهو المراد بالابتغاء بالأموال كما ان «٢» فى قواك أعجبني زيد علمه ليس المقصود بالإسناد ذات زيد بل علمه وجاز ان يكون قوله ان تبتغوا متعلّقا بقوله احلّ لكم بتقدير الباء يعنى أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ بسبب أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ بنكاح او باشتراء فعلى هذا
(١) ومن هاهنا يظهران قوله تعالى وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ ليس بعلم يدل على حل كل امرأة غير المحرمات المذكورة ولا ظاهر فى جواز كل ابتغاء بالمال بل هو مجمل منه ما هو نكاح صحيح موجب للاحصان ومنه ما هو سفاح مما ثبت بالسنة او الإجماع من شرائط النكاح كالشهادة او الإعلان والولي ونحو ذلك التحقق بيانا لمجمل الكتاب فلا يرد ما قيل ان اشتراط الشهادة ونحوها يلزم فيه الزيادة على الكتاب او تخصيص الكتاب بخبر الآحاد منه رحمه الله
(٢) فى الأصل كما ان فى ان قولك
يظهران المهر من لوازم النكاح لتقييد الاحلال به ويدل على ذلك قوله تعالى وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ لدلالته على ان النكاح بلا مهر من خصائص النبي ﷺ وكان القياس عدم صحة النكاح عند انعدام التسمية لكنا تركنا القياس لقوله تعالى لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً فانها تدل على صحّة النكاح بغير التسمية فقلنا ان المهر من لوازم النكاح وأحكامه وليس من شرائطه ذكره وعليه انعقد الإجماع لكن عند الشافعي ان تزوج ولم يسم لها مهرا او تزوج على ان لا مهر لها ومات عنها قبل ان يدخل بها لا يجب لها المهر وعند الجمهور يجب لها مهر المثل كما يجب بالدخول اجماعا لنا ان المهر وجب حقّا للشرع لما ذكرنا من تقييد الحل بالابتغاء بالأموال ولان الباء للالصاق فالله سبحانه أحل الابتغاء ملصقا بالمال فالقول بتراخيه الى وجود الوطي كما قاله الشافعي فى المفوضة ترك العمل بمضمون الباء ولحديث علقمة انه سئل ابن مسعود عن رجل تزوج امراة ولم يفرض لها شيئا ولم يدخل بها حتى مات فقال ابن مسعود لها مثل صداق نساءها لاوكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال قضى رسول الله ﷺ فى بروع بنت وأشق امراة منا مثل ما قضيت ففرح بها ابن مسعود رواه ابو داؤد والترمذي والنسائي والدارمي قال البيهقي جميع روايات هذا الحديث وأسانيدها صحاح فان قيل لو كان المهر من لوازم النكاح لزم ثبوته فى المفوضة ان طلقت قبل الدخول ايضا ولم يقل به أحد غير احمد فى بعض الروايات عنه حيث قال يجب نصف مهر المثل والأصح عنه كقول الجمهور انه لا يجب قلنا المتعة لها عوض عن نصف المهر ولذا قلنا بوجوب المتعة لها- (مسئلة) اختلفوا فيما إذا تزوج بشرط ان لا مهر لها فقال مالك لا يصح هذا النكاح لانه عقد معاوضة كالبيع والبيع بشرط ان لا ثمن لا يصح اجماعا فكذا النكاح قلنا ليس النكاح عقد معاوضة وانما وجب المهر حكما شرعا إظهارا لشرف المحل ولو كان عقد معاوضة كالبيع لما صح النكاح عند ترك التسمية كما لا يصح البيع عند ترك ذكر الثمن فالشرط بان لا مهر شرط فاسد وبه لا يفسد النكاح ويلغوا لشرط والثمن ركن فى البيع لا يصح البيع بدونه فافترقا- فائدة: - هذه الاية تقتضى ان المهر لا بد ان يكون مالا لان الحلّ مقيّد بالابتغاء بالأموال......
والمنافع المعلومة ملحق بالأموال شرعا ولذا جازت الاجارة بالنصوص والإجماع مع انها بيع المنافع وكان القياس يأبى عن جوازها لان المعقود عليه وهى المنفعة ليست بمال وايضا هى معدومة واضافة التمليك الى ما سيوجد لا يصح لكن الشرع اعتبرها ما لا وجوز الاجارة لمكان الحاجة واقام ما ينتفع به اعنى الدار مثلا فى اجارة الدار مقام المنفعة فى حق اضافة العقد واعتبار وجوده ولما ظهر كون المنافع ملحقا بالأموال- (مسئلة) جاز ان ينكح على سكنى داره وخدمة عبده وركوب دابته والحمل عليها وزراعة ارضه ونحوها من منافع الأعيان مدة معلومه لان الحاجة الى النكاح متحقق كالحاجة الى الاستيجار وإمكان الدفع ثابت بتسليم محالها فصار هو ابتغاء بالمال- (مسئلة) ولو نكح ان يخدمها بنفسه سنة قال محمد يجب قيمة الخدمة لان المسمى يلحق بالأموال الا ان خدمة الزوج للزوجة تناقض مقتضى عقد النكاح لان مقتضاه المالكية والخدمة من مقتضيات المملوكية فاذا عجز عن تسليم المسمى وجب قيمته وعند ابى حنيفة وابى يوسف يجب مهر المثل لان اعتبار المنافع مالا انما كان عند إمكان التسليم فاذا امتنع للمناقضة لم يعتبر مالا فلم يصح فوجب مهر المثل- (مسئلة) ولو نكح على خدمة حرّ اخر يصح ويجب على الزوج قيمتة الخدمة اتفاقا ان لم يرض ذلك الرجل او كانت الخدمة تستدعى مخالطتها مع رجل اجنبى (مسئلة) ولو نكح على ان يرعى الزوج غنمها او يزرع ارضها لم يجز فى رواية لانه من باب الخدمة والصحيح انه جاز ذلك لانه لم يتمحض لها خدمة إذ العادة اشتراك الزوجين فى القيام على مصالح مالهما ويدل على صحته قصّة موسى وشعيب عليهما السّلام من غير بيان ففيه فى شرعنا روى احمد وابن
ماجة عن عتبة بن المنذر قال كنا عند رسول الله ﷺ فقرا طسم حتى بلغ قصّة موسى فقال ان موسى اجر نفسه ثمان سنين او عشرا على عفة فرجه وطعام بطنه لكن هذه القصّة لا يصلح حجة الا إذا كان الغنم ملكا للبنت دون شعيب عليه السلام والظاهر خلافه (مسئلة) ولو نكح على تعليم سورة من القران جاز عند مالك والشافعي وهى رواية عن احمد ولم يجز عند ابى حنيفة واحمد فيجب عندهما مهر المثل وهذا الاختلاف مبنى على اختلافهم......
فى جواز الاستيجار على القرب كالحج والاذان وتعليم القران ونحو ذلك فمن جوّز الاستيجار عليها جوّز جعلها مهرا فى النكاح لانها من المنافع التي ألحقت بالأموال شرعا ومن لم يجوّز الاستيجار لم يجوّز جعلها مهرا وللشافعى فى اثبات جواز جعل القران مهرا طريقان أحدهما الاحتجاج على جواز الاستيجار على القرب مطلقا وثانيهما الاحتجاج على خصوصية هذه المسألة اعنى جعل تعليم القران مهرا وله فى الطريق الاول حديثان أحدهما عن ابى سعيد ان ناسا من اصحاب النبي ﷺ أتوا على حى من احياء العرب فلم يقروهم فبيناهم كذلك إذ لدغ سيّد أولئك فقال معكم من دواء أوراق فقال انكم لم تقروا ولن نفعل حتى تجعلوا لنا جعلا فجعلو لهم «١» قطيعا من الشاء فجعل يقرا بام القران ويجمع بزاقه ويتفل فبرا فاتوا بالشاء وقالوا لا نأخذ حتى نسئل رسول الله ﷺ فسالوه فضحك وقال وما يدريك انها رقية خذوها واضربوا لى بسهم ثانيهما عن ابن عباس ان نفرا من اصحاب رسول الله ﷺ مرّوا بماء فيه لديغ او سليم «٢» فعرض لهم رجل من اهل الماء فقال هل فيكم راق ان فى الماء رجلا لديغا او سليما فانطبق رجل فجاء فقرا بفاتحة الكتاب فبرأ فجاء بالشاء الى أصحابه فكرهوا ذلك وقالوا أخذت على كتاب الله اجرا حتى قدموا المدينة فقالوا يا رسول الله أخذ على كتاب الله اجرا فقال عليه السّلام ان احقّ ما أخذتم عليه اجرا كتاب الله وفى رواية أصبتم واضربوا لى معكم سهما الحديثان فى الصحيحين وروى احمد وابو داود نحو ذلك عن خارجة بن الصلت عن عمه وأجيب عن هذين الحديثين بان القوم كانوا كفارا جاز أخذ أموالهم وبان الرقية ليست قربة محضة جاز أخذ الاجرة عليها وللشافعى فى الطريق الثاني حديث سهل بن سعد ان رسول الله ﷺ جاءته امراة فقالت يا رسول الله انى وهبت نفسى لك فقامت طويلا فقام رجل فقال يا رسول الله زوّجنيها ان لم يكن لك فيها حاجة فقال هل عندك من شىء تصدقها قال ما عندى الا إزاري هذا قال التمس ولو خاتما من حديد فالتمس فلم يجد شيئا فقال رسول الله ﷺ هل معك من القران شىء قال نعم سورة كذا وسورة كذا فقال قد زوّجتكها بما معك من القران وفى رواية فانطلق فقد زوّجتكها فعلمها من القران متفق عليه وأجيب عن هذا الحديث بانه كما انه كان من خصائص النبي ﷺ ان ينكح امراة بلا مهران وهبت نفسها له كذلك كان له ان
(١) فى الأصل فجعلوهم
(٢) السليم اللديغ سمى به تفولا منه رح
يزوجها غيره بلا مهر بعد ما وهبت نفسها له روى ابن الجوزي عن مكحول ان رسول الله صلى عليه وسلم زوّج رجلا على ما معه من القران قال وكان مكحول يقول ليس ذلك لاحد بعد رسول الله ﷺ وكذا ذكر الطحاوي عن ليث انه قال لا يجوز هذا بعد رسول الله ﷺ وأجاب ابن الجوزي عن هذا الحديث بانه كان لضرورة الفقر فى اوّل الإسلام، قلت هذا كانّه ادعاء نسخ والنسخ لا يثبت بمجرد الاحتمال وكذا كونه من الخصائص، ولابى حنيفة ومن معه فى اثبات ما ادّعوه طريقان أحدهما الاحتجاج على عدم جواز الاستيجار للقرب وثانيها فى خصوصية عدم صلوح التعليم مهرا ولهم فى الطريق الاول أحاديث منها حديث عبادة بن الصامت قال علّمت ناسا من اصحاب الصّفة الكتابة والقرآن فاهدى الىّ رجل منهم قوسا فقلت ارمى عليها فى سبيل الله فسالت النبي ﷺ فقال ان يسرّك ان تطوق طوقا من نار فاقبلها رواه احمد وابو داؤد وفيه المغيرة قال ابن الجوزي ضعيف ومنها حديث ابى بن كعب قال علّمت رجلا القران فاهدى لى قوسا فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال ان أخذتها أخذت قوسا من نار فرددتها رواه ابن الجوزي ومنها حديث عبد الرحمن بن سهل الأنصاري قال سمعت رسول الله ﷺ يقول اقرءوا «١» القران ولا تغلوا «٢» فيه ولا تجفوا «٣» عنه ولا تأكلوا به ولا تستكبروا به رواه الطبراني ومنها حديث مطرف بن عبد الله ان عثمان بن ابى العاص قال يا رسول الله اجعلنى امام قومى قال اقتد باضعفهم واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه اجرا رواه احمد ولهم فى؟؟؟ السائق الثاني انا لو سلمنا جواز الاستيجار على القرب فتعليم القرآن خاصة لا يجوز الاستيجار عليه لان من شرائط صحة الاجارة كون العمل معلوما او الوقت معلوما والتعليم قد يحصل بقليل العمل وقد يحصل بكثيره وايضا التعليم يتوقف على وصف فى المتعلّم وذلك ليس فى وسع المعلم فلا يجوز الاستيجار عليه وإذا ظهر عدم جواز الاستيجار عليه ظهران الشرع ما الحقه بالأموال فلا يجوز جعله مهرا لتقتييد الاحلال بابتغاء النساء بالأموال، وحديث سهل بن سعد حديث احاد لا يجوز العمل به
(١) فى الأصل اقرأ القران
(٢) قوله لا تغلوا اى لا تجاوزوا الحد قال فى النهاية انما قال ذلك لان من أخلاقه وآدابه التي امر بها القصد فى الأمور وخير الأمور أوساطها وكلا طرفى قصد الأمور ذميم منه رحمه الله-
(٣) لا تجفوا اى تعاهدوه ولابتعدوا عن تلاوته والجفاء البعد عن الشيء نهاية منه رحمه الله-
فى مقابلة نصّ الكتاب اعنى قوله تعالى أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ قال البيضاوي قوله تعالى أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مفعول له لقوله تعالى احلّ لكم يعنى ليس قيدا للاحلال والمعنى أحل لكم ماوراء ذلكم ارادة ان تبتغوا النساء باموالكم بالصرف فى مهورهن او أثمانهن فى حال كونكم محصنين غير مسافحين وانما قدر البيضاوي المضاف ليكون المفعول له فعلا لفاعل «١» الفعل المعلل له والصحيح انه لا حاجة الى تقدير المضاف لان حذف حرف الجر مع ان وانّ قياس فجاز ان يقدر اللام من غير اشتراط اتحاد الفاعل ثم قال البيضاوي نظرا الى هذا التأويل انه احتج به الحنفية على ان المهر لا بدّ ان يكون مالا ولا حجة فيه ومعنى قوله لا حجة فيه ان التحليل لفائدة عدم صرف الأموال فى السّفاح الموجب لخسران الدنيا والآخرة لا يقتضى ان لا يحصل التحصيل بدون المال، قلت هذا التأويل يقتضى كون حل ماوراء المحرمات مطلقا وان لا يكون قوله ان تبتغوا قيدا له وليس كذلك لظهور ان الحل مقيد بالنكاح او ملك اليمين وكون المهر لا بد ان يكون مالا امر مجمع عليه حتى ان من نكح على ميتة او تراب او رماد مثلا مما ليس بمال يجب عليه مهر المثل اجماعا كمن نكح بلا مهر وانما جوّز الشافعي النكاح على تعليم سورة من القران الحاقا له بالمال كما جوّز الاستيجار عليه وقد ذكرنا ما له وما عليه فالتأويل الصحيح هو الذي ذكرنا الذي يستنبط بها المسائل المجمع عليها والله اعلم- (مسئلة) من أعتق امة وجعل عتقها صداقها بان قال اعتقتك على ان تزوجنى نفسك بعوض العتق صح العتق بالإجماع وقال احمد ان كان هذا بحضرة شاهدين صح النكاح لقصّة نكاح صفية وعنه لا يصح كقول الجمهور وهى بالخيار فى تزويجه فان تزوجته فلها مهر مثلها عند الجمهور خلافا لابى يوسف وسفيان الثوري لهما الحديث الصحيح انه ﷺ تزوج صفية وجعل عتقها صداقها وقصّة جويرية فى سبايا بنى المصطلق انها وقعت فى سهم ثابت بن قيس وابن عمّ له فكاتبها فجاءت الى رسول الله ﷺ تستعينه فى كتابتها فقال لها رسول الله ﷺ أقضي عنك كتابتك وأتزوجك قالت نعم قال قد فعلت رواه احمد وابو داؤد من حديث عائشة قلنا انه نكاح بغير مال إذ رقبة الامة لا تصير ملكها فصار حكمه حكم نكاح بلا مهر فيجب مهر المثل والحديث لا يصلح حجة لان النكاح بلا مهر
(١) فى الأصل للفاعل
كان من خصائص النبي ﷺ لقوله تعالى خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وان أبت ان تتزوجه يجب على الامة السعاية فى قيمتها عند ابى حنيفة والشافعي وابى يوسف ومحمد وقال مالك وزفر لا يجب عليها السّعاية وجه قول ابى حنيفة وصاحبيه والشافعي ان المولى اجعل العتق عوضا من البضع فاذا أبت عن التزويج بقي العتق بلا عوض ولم يرض به المولى فوجب السعاية عليها كما إذا أعتق على خدمة سنة فمات المولى يجب على العبد قيمة نفسه عند ابى حنيفة وابى يوسف وقيمة الخدمة عند محمد ووجه قول مالك وزفران العتق لمّا لم يصلح عوضا عن النكاح فبقى العتق بغير عوض فلا سعاية عليها ان أبت كما لا سعاية عليها ان اجابت وهذا القول اظهر، (مسئلة) اكثر المهر لاحد له اجماعا لما ذكرنا فى تفسير قوله وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً واختلفوا فى اقل المهر فقال الشافعي واحمد لاحد لاقل المهر فكل ما جاز ان يكون ثمنا فى البيع جاز ان يكون صداقا فى النكاح والحجة لهما اطلاق قوله تعالى أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ وقال ابو حنيفة ومالك اقل المهر مقدر شرعا وهو ما يقطع فيه يد السّارق مع اختلافهما فى قدر ذلك فعند ابى حنيفة عشرة دراهم او دينار وعند مالك ربع دينار او ثلثة دراهم احتج ابو حنيفة ومالك على كونه مقدرا من الله تعالى بقوله تعالى قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ قالوا الفرض هو التقدير فكان المهر مقدرا شرعا فمن لم يجعله مقدرا كان مبطلا للكتاب وأسند التقدير الى نفسه فمن جعل التقدير مفوضا الى العبد كان مبطلا لموجب ضمير المتكلم قلنا هذه الاية فى النفقة دون المهر قال الله تعالى قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ إذ ليس للمملوكة مهر ولو ثبت بهذه الاية تقدير المهر لزم تقدير الثمن فى المملوكة ايضا ولم يقل به أحد واحتج الشافعي لعدم التقدير بأحاديث منها ما ذكرنا من حديث سهل بن سعد وفيه التمس ولو خاتما من حديد وهو حديث صحيح ومنها حديث عامر بن ربيعة ان امراة من فزارة تزوجت على نعلين فقال لها رسول الله ﷺ أرضيت من نفسك ومالك بنعلين قالت نعم فاجازه رواه الترمذي وصححه وقال ابن الجوزي لا يصح لان فى سنده عاصم بن عبيد الله قال يحيى بن معين ضعيف لا يحتج بحديثه قال ابن حبان كان فاحش الخطا فترك ومنها حديث جابر بن عبد الله ان رسول الله ﷺ قال لو ان رجلا اعطى امراة صداقها ملا يده......
طعاما كانت له حلالا وفى رواية بلفظ من اعطى فى نكاح ملا كف فقد استحل قال من دقيق او طعام او سويق رواه الدارقطني وروى ابو داود بلفظ ملا كفيه سويقا او تمرا وفى جميع طرقه صالح بن مسلم بن رومان ضعّفه يحيى والرازي وذكر فى بعض طرقه موسى بن مسلم مكان صالح بن مسلم ولا يعرف موسى ورواه الدارقطني من حديث عبد الله بن مؤمل عن ابى الزبير عن جابر قال كنا تنكح المرأة على الحفنة والحفنتين قال احمد أحاديث ابن المؤمل منكر وقال يحيى هو ضعيف ومنها حديث ابى سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ انكحوا الأيامى وادوا العلائق قيل ما العلائق بينهم يا رسول الله قال ما تراضى عليه الأهلون ولو قضيب من أراك رواه الدارقطني من طريق إسماعيل بن عياش عن برد بن سنان عن ابى هارون العبدى عنه واسمعيل بن عياش ضعّفوه قال ابن حبّان خرج عن الاحتجاج به وابو هارون العبدى اسمه عمارة ابن جون قال حماد بن زيد كان كذابا وقال احمد ليس بشىء وقال شعبة ان اقدم فيضرب عنقى احبّ الى من ان أحدث عنه قال السعدي كذاب مفتر وروى الدارقطني والبيهقي نحوه من طريق محمد بن عبد الرحمن السلماني عن أبيه عن ابن عباس وقيل عن ابن عمر رواه الدارقطني والطبراني وقال يحيى بن معين محمد بن عبد الرحمن ليس بشىء وقال ابن حبان حدث عن أبيه بنسخه شبيها بماتى حديث كلها موضوعة وأخرجه البيهقي من حديث عمر واسناده ضعيف ايضا، ورواه ابو داود فى المراسيل من طريق عبد الملك بن المغيرة الطائفي عن عبد
الرحمن السليماني مرسلا حكى عبد الحق المرسل أصح وروى البيهقي عن يحيى بن عبد الرحمن عن أبيه عن جدّه من استحل بدرهم فقد استحل وأخرجه ابن شاهين بلفظ يستحل النكاح بدرهمين فصاعدا واحتج ابو حنيفة بحديث جابر قال قال رسول الله ﷺ الا لا يزوج النساء الا الأولياء ولا يزوجن الا من الأكفاء ولا مهر اقل من عشرة دراهم رواه الدارقطني والبيهقي قال ابن الجوزي روينا هذا الحديث من طرق مدارها على مبشر بن عبيد قال ابن حنبل مبشر ليس بشىء أحاديثه موضوعات كذب يضع الحديث وقال الدارقطني يكذب وقال ابن حبان يروى عن الثقات الموضوعات قال ابن همام لهذا الحديث شاهد يعضده وهو ما روى عن على موقوفا لا يقطع اليد فى اقل من عشرة دراهم ولا يكون المهر اقل من عشرة دراهم وقال محمد بلغنا ذلك عن على وعبد الله بن عمرو عامر......
وابراهيم ورواه بإسناده الى جابر فى شرح الطحاوي عن رسول الله ﷺ لكن فى حديث على داود الأزدي عن الشعبي عن على قال يحيى بن معين داود ليس حديثه بشىء قال ابن حبان كان داود يقول بالرجعة ثم ان الشعبي لم يسمع عن على وفى بعض طرقه غياث بن ابراهيم قال احمد والبخاري والدارقطني غياث بن ابراهيم متروك وقال يحيى كان كذابا وقال ابن حبان يضع الحديث وقد روى عن على لا مهر اقل من خمسة دراهم وفيه الحسن بن دينار قال احمد لا يكتب حديثه وقال يحيى ليس بشىء وقال ابو حاتم كذاب قلت فظهران حديث التقدير بعشرة دراهم لم يصح بل صح ما ليضاده وهو حديث سهل بن سعد ولو صح حديث التقدير بعشرة لم يجز به الزيادة على الكتاب المفيد للاطلاق وما قيل ان المهر وجب حقا للشرع وسببه اظهار الخطر للبضع ومطلق المال لا يقتضى الخطر كحبة حنظة وكسرة خبز فهو تعليل يعود على النص بالابطال فى موجبه وهو الإطلاق فيرد والله اعلم فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ قال جماعة المراد بالاستمتاع عقد المتعة وهى عقد يراد بها ملك البضعة الى مدة معينة بمهر معين بانت المرأة بعد انقضاء تلك المدة بلا طلاق وتستبرئ رحمها وليس بينهما ميراث ولا تسمى المرأة بها زوجة ولا الرجل زوجا روى عبد الرزاق فى مصنفه عن ابن جريح عن عطاء عن ابن عبّاس انه كان يراها الان حلالا ويقرا فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ قال وقال ابن عباس وفى حرف ابى بن كعب الى أجل مسمى قال وكان يقول يرحم الله عمر ما كانت المتعة الا رحمة من الله يرحم الله بها عباده ولولا نهى عمر ما احتيج الى الزنى ابدا وروى ابن عبد البر انه سئل ابن عباس عن المتعة أسفاح هى أم نكاح قال لا نكاح ولا سفاح قيل فما هى قال المتعة كما قال الله تعالى قلت وهل عليها حيضة قال نعم قلت ويتوارثان قال لا وروى تحليلها عن جماعة من الصحابة روى النسائي والطحاوي عن اسماء بنت ابى بكر قالت فعلناها على عهد رسول الله ﷺ وروى مسلم عن جابر قال تمتعنا على عهد رسول الله ﷺ وابى بكر وصدر خلافة عمر ولما كان اخر خلافة عمر نهانا عنها فلم نعد وروى الطحاوي عنه وعن سلمة بن الأكوع ان النبي ﷺ أتاهم فاذن فى المتعة وفى الصحيحين عن ابن مسعود قال رخص لنا رسول الله ﷺ ان ننكح المرأة الى أجل مسمى ثم قرا يعنى ابن مسعود يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ......
وهذه الآثار لا تمنع كونها منسوخة غير اثر ابن عباس وقراءة ابن مسعود يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وروى عبد الرزاق فى مصنفه عن معاوية انه استمتع بامراة بالطائف وذكر عمرو بن شيبة فى اخبار المدينة بإسناده ان سلمة بن امية استمتع بامراة فبلغ ذلك عمر فتوعده وروى عبد الرزاق فى مصنفه عن معبد بن امية حل المتعة قال الحافظ وافتى بها من التابعين ابن جريح وطاءوس وعطاء واصحاب ابن عباس وسعيد بن جبير وفقهاء مكة
ولهذا قال الأوزاعي فيما رواه الحاكم عنه فى علوم الحديث يترك من قول اهل الحجاز خمس فذكر منها متعة النساء من قول اهل مكة وإتيان النساء فى أدبارهن من قول اهل المدينة (مسئلة) والإجماع انعقد على عدم جواز المتعة وتحريمها لا خلاف فى ذلك فى علماء الأمصار الا من طائفة من الشيعة والحجة على تحريم المتعة قوله تعالى وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ، إذ لا شك ان المرأة بالمتعة لا تسمّى زوجة ولذا لا توارث بينهما فان كان تأويل الاية على ما قال ابن عباس فالاية منسوخة روى مسلم عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني ان أباه حدّثه انه كان مع رسول الله ﷺ فقال يايّها الناس انى كنت أذنت لكم فى الاستمتاع من النساء وان الله قد حرم ذلك الى يوم القيامة فمن كان عنده شىء منهن فليخل سبيله ولا تأخذوا ممّا اتيتموهن شيئا وروى مسلم ايضا عنه قال اذن لنا رسول الله ﷺ بالمتعة فانطلقت انا ورجل الى امراة من بنى عامر كانها بكرة عيطاء فعرضنا عليها أنفسنا فقالت ما تعطينى فقلت ردائى وقال صاحبى ردائى وكان رداء صاحبى أجود من ردائى وكنت أشبّ منه فاذا نظرت الى رداء صاحبى أعجبها وإذا نظرت الى اعجبتها ثم قالت أنت ورداءك يكفينى فمكثت معها ثلاثا ثم ان رسول الله ﷺ قال من كان عنده شىء من النساء التي يتمتع بهنّ فليخلّ سبيلها وروى ابن ماجة بإسناد صحيح عن عمر انه خطب فقال ان رسول الله ﷺ اذن لنا فى المتعة ثلاثا ثم حرّمها والله لو اعلم أحدا تمتع وهو محصن الا رجمته بالحجارة وفى رواية خطب عمر فقال ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله ﷺ عنها لا اوتى أحد نكحها الا رجمته وسئل ابن عمر عن المتعة فقال حرام فقيل له ابن عباس يفتى بها قال فهلّا تزمزم بها فى زمان عمر وروى مسلم عن سلمة بن الأكوع......
قال رخص لنا رسول الله ﷺ عام أوطاس ثلاثا ثم نهانا عنها وروى مسلم عن سبرة بن معبد أمرنا رسول الله ﷺ عام الفتح حين دخلنا مكة ثم لم يخرج منها حتى نهانا عنها واخرج الحازمي بسنده عن جابر قال خرجنا مع رسول الله ﷺ الى غزوة تبوك حتى إذا كنا عند العقبة مما يلى الشام جاءت نسوة فذكرنا تمتعنا وهن تظعن فى رحالنا فجاء رسول الله ﷺ فنظر إليهن فقال من هؤلاء النسوة فقلنا يا رسول الله نسوة تمتعنا بهن قال فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه وتمعر وجهه وقام فينا خطيبا فحمد الله واثنى عليه ثم نهى عن المتعة فتواد عنا يومئذ الرجال والنساء فلم نعد ولا نعود اليه ابدا وروى الطحاوي عن ابى هريرة قال خرجنا مع رسول الله ﷺ فى غزوة تبوك فنزل ثنية الوداع فراى مصابيح ونساء يبكون فقال ما هذا فقيل نساء تمتع بهن ازواجهنّ وفارقوهن فقال رسول الله ﷺ ان الله حرم وأهدر المتعة بالطلاق والنكاح والعدة والميراث وفى لفظ عند الدارقطني بإسناد حسن هدم المتعة بالطلاق والعدة والميراث وروى البخاري ومسلم عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن على عن أبيهما عن على انه سمع ابن عباس يلين فى متعة النساء فقال مهلا يا ابن عباس فان رسول الله ﷺ نهى عنها يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الانسية وفى رواية عن على انه قال لابن عباس انك رجل تائه وروى مسلم عن عروة بن الزبير ان عبد الله بن الزبير قام بمكة فقال ان ناسا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة يعرض برجل يعنى ابن عباس فانه ذهب بصره فى آخر عمره فناداه يعنى ابن عباس فقال انك لجلف «١» جاف فلعمرى لقد كانت المتعة تفعل على عهد امام المتقين يريد رسول الله ﷺ فقال له ابن الزبير فجرب بنفسك فو الله لان فعلتها لارجمنك باحجارك
فقال ابن ابى عمرة الأنصاري انها كانت رخصة فى اوّل الإسلام لمن اضطر إليها كالميتة والدّم ولحم الخنزير ثم احكم الله الدّين ونها عنها واخرج البيهقي عن الزهري انه قال ما مات ابن عباس حتى رجع عن فتواه بحل المتعة وكذا ذكر ابو عوانة فى صحيحه،
(١) الجلف الأحمق ومعناه الحقيقي الشاة المسلوخة التي قطع رأسها وقوائمها ويقال للدنى ايضا شبه الأحمق بهما والجفا البعد عن الشيء منه رحمه الله
واخرج ابو داود فى ناسخه وابن المنذر والنحاس من طريق عطاء عن ابن «١» عطفى هذه الاية قال نسخها يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ...، وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ...، وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ الاية وكذا روى البيهقي وغيره عن ابن مسعود وابو داود والبيهقي عن سعيد بن المسيّب قال نسخت اية الميراث المتعة وروى الترمذي عن ابن عبّاس انه قال انما كانت المتعة فى اوّل الإسلام كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يرى انه مقيم فتحفظ له متاعه وتصلح له شيئه حتى إذا نزلت الآية إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ قال ابن عباس فكل فرج سواهما فهو حرام قلت لعل ابن عباس انما رجع عن فتواه بعد مناظرة ابن الزبير وغيره من العلماء حين اطلع على حقيقة الأمر وظهر كونها منسوخة وقد حكى انه انما كان يفتى بإباحتها حالة الاضطرار والعنت فى الاسفار لما روى الحارمى من طريق الخطابي عن ابى المنهال عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس سارت بفتياك الركبان وقال فيها الشعراء فقال ما قالوا قلت قالوا قد قلت للشيخ لما طال محبسه يا صاح هل لك فى فتوى ابن عباس هل لك فى رخصة الأطراف أنسة يكون مثواك حتى يصدر الناس، فقال سبحان الله ما بهذا أفتيت وما هى الّا كالميتة والدم ولحم الخنزير لا يحل الا للمضطر وكذا روى ابن المنذر فى تفسيره والبيهقي فى سننه بلفظ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ لا والله ما بهذا أفتيت ولا هذا أردت ولا احللتها الا للمضطر انتهى، وابن جريج ايضا رجع عن فتواه وروى ابو عوانة فى صحيحه عن ابن جريح انه قال بالبصرة اشهدوا انى قد رجعت عنها يعنى عن الفتوى بحل المتعة بعد ان حدثهم ثمانية عشر حديثا انه لا بأس به فان قيل وقع فى بعض روايات مسلم الرخصة بالمتعة وتحريمها عام أوطاس وفى بعضها حرّمها يوم الفتح وفى الصحيحين حرمها يوم خيبر وفى بعض الروايات ورود النهى فى غزوة تبوك فكيف التوفيق قلنا غزوة أوطاس كان مقارنا بالفتح فعام أوطاس ويوم الفتح واحد والتوفيق بين يوم الفتح ويوم خيبر ان المتعة رخصت فيها مرتين ثم نسخت كل مرة واستقر الأمر على التحريم الى يوم القيامة كذا قال ابن همام وفى صحيح مسلم باب نكاح المتعة وانه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ واستقر تحريمه الى يوم القيامة وقال البغوي قال الربيع بن سليمان سمعت الشافعي يقول لا اعلم فى الإسلام شيئا أحل ثم حرم ثم أحل ثم حرم
(١) هكذا فى الأصل لعله ابن عباس
غير المتعة وقال بعضهم نسخت ثلاث مرات وقيل اكثر واما غزوة تبوك فلم يرد هناك رخصة وانما فعل من فعل هناك بناء على عدم علمهم بالتحريم المؤبد ومن ثم غضب رسول الله ﷺ حتى تمعر وجهه وخطب ونهى عن المتعة وقال الحارمى انه ﷺ لم يكن أباحها لهم قط وهم فى بيوتهم وأوطانهم وانما أباحها لهم فى اوقات بحسب الضرورات حتى حرّمها عليهم فى اخر سنينه فى حجة الوداع وكان تحريمه تابيدا يعنى بين الحرمة فى اخر سنينه فى حجة الوداع حتى استقر عليه الأمر والله اعلم وقال اكثر المفسرين المتعة ليست مرادة من هذه الاية بل معنى قوله فما استمتعتم به منهن ما انتفعتم وتلذدتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح فاتوهن أجورهن اى مهوهن كذا قال الحسن ومجاهد واخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم عن ابن عباس قال الاستمتاع النكاح وهو قوله وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً، (مسئلة) قيل هذه الاية بهذا التأويل تدل على ان المرأة لا تستحق المهر الا بالدخول فهى حجّة لمالك حيث قال المرأة لا تملك الصداق الا بالدخول او الموت دون العقد وانما تستحق بالعقد نصف المسمى خلافا للجمهور فعندهم تملك بالعقد لكن يسقط نصف المهر بالطلاق قبل الدخول بالنص قلنا الباء فى قوله تعالى أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ للالصاق فهى تدل على لصوق وجوب المال بالابتغاء يعنى العقد وتنافى تراخيه الى الدخول كما ذكرنا ثمه وهذه الاية تدل على وجوب الأداء وعدم احتمال السقوط بالاستمتاع- ولا تدل على عدم الوجوب قبل ذلك بنفس العقد بل هو مسكوت عنه فى هذه الآية فلا تعارض بين الآيتين ولا حجة لمالك وإذا ملكت المهر بالعقد جاز لها ان تمنع الزوج من الدخول بها او يسافر بها حتى يؤدى مهرها وجاز اعتاقها لا اعتاقه عبدا سمى مهرا والله اعلم، فَرِيضَةً حال من الأجور بمعنى مفروضة او صفة مصدر محذوف اى إيتاء مفروضا او مصدر مؤكد اى فرض فريضة وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ فمن حمل ما قبله على المتعة قال معناه إذا عقد الى أجل بمال فاذا تم الاجل فان شاءت المرأة زادت فى الاجل وزاد الرجل فى الاجر والا تفارقا ومن حمل على الاستمتاع بالنكاح الصحيح قال المراد به لا جناح عليكم فيما تراضيتم به من ان تحطّ المرأة بعض المفروض......
عن الزوج او تهبه كله او يزيد الرجل لها على قدر المفروض، (مسئلة) وهذه الاية تدل على ان الزيادة فى المهر تلحق بأصل العقد وكذا الحط فللمرءة ان يطالب الزيادة كما ان لها طلب اصل المهر فهى حجة على الشافعي حيث قال الزيادة هبة مستانفة ان قبضها مضت وان لم يقبضها بطلت، وجه الاحتجاج ان الأمر لو كان كما قال الشافعي فلا فائدة فى هذه الاية وبناء على لحوق الزيادة بأصل المهر قال احمد ان مات الزوج او دخل بها يجب المهر كله مع الزيادة وان طلقها قبل الدخول ينتصف الزيادة مع المسمى وكذا قال ابو حنيفة غير انه قال تسقط الزيادة بالطلاق قبل الدخول ولا ينتصف لقوله تعالى وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ خصّ الوجوب بنصف المفروض فى العقد فقط وقال مالك الزيادة ثابتة ان دخل بها وان طلقها قبل الدخول فلها نصف الزيادة مع نصف المسمى وان مات قبل الدخول وقبل القبض بطلت، (مسئلة) لو حطت المرأة بعض مهرها صح اتفاقا فلو وهبت اقل من النصف وقبض الباقي وطلقت قبل الدخول رجع الزوج عليها الى تمام النصف عند ابى حنيفة وعند ابى يوسف ومحمد ينتصف المقبوض فقط إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بالمصالح حَكِيماً (٢٤) فيما شرع من الاحكام.
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا الطول والطائل والطائلة الفضل والقدرة والغناء والسعة كذا فى القاموس ومعناه هاهنا الاستطاعة وهى القدرة فهو منصوب على المصدرية أَنْ يَنْكِحَ منصوب على انه مفعول به يعنى من لم يستطع منكم استطاعة ان ينكح وجاز ان يكون طولا مفعولا به ومعناه الاعتلاء وهو يلازم الفضل والغناء وان ينكح منصوبا بنزع الخافض متعلّقا بطولا يعنى من لم يستطع منكم ان يعتلى ويرتفع الى ان ينكح وجاز ان يكون طولا علة للاستطاعة المنفية وان ينكح مفعولا به للمنفى يعنى ومن لم يستطع منكم بسبب الغناء ان ينكح وجاز ان يكون طولا بمعنى الغناء وان ينكح متعلقا بفعل مقدر صفة لطولا يعنى من لم يستطع منكم غنى يبلغ به ان ينكح الْمُحْصَناتِ اى الحرائر سميت محصنات لكونهن ممنوعات عن ذل الرق الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ تقديره فلينكح امراة كائنة مما ملكنه أَيْمانُكُمْ يعنى ايمان بعض منكم يعنى من إماء غيركم فان النكاح بمملوكة نفسه لا يجوز لعدم الحاجة الى نكاحها كائنة مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ......
احتج الشافعي ومالك واحمد بهذه الاية على تحريم نكاح الامة عند طول الحرة وتحريم نكاح الامة الكتابية مطلقا لان الأمر المقدر اعنى فلينكح للاباحة فاباحة نكاح الامة مشروطة بشرط عدم طول الحرة وبشرط إيمانها لان الوصف ملحق بالشرط وعدم الشرط يوجب نفى الحكم وإذا انتفى الإباحة ثبت التحريم وهذا القول مروى عن جابر وابن مسعود روى البيهقي من طريق ابى الزبير انه سمع جابرا يقول لا ينكح الامة على الحرة وينكح الحرة على الامة ومن وجد صداق حرة فلا ينكح امة ابدا واسناده صحيح وروى ابن المنذر عن ابن مسعود قال انما أحل الله نكاح الإماء لمن لم يستطع طولا وخشى العنت على نفسه قالت الحنفية اوّلا بان الاستدلال بمفهوم المخالفة غير صحيح عندنا وعدم الشرط لا يوجب نفى الحكم لان أقصى مراتب الشرط ان يكون علة وعدم العلة لا يوجب عدم المعلول لجواز وجوده بعلة اخرى فالتعليق بالشرط والتقييد بالوصف انما يوجب وجود الحكم على تقدير الشرط والوصف وتقدير عدم الشرط والوصف مسكوت عنه فان ثبت الحكم على ذلك التقدير بعلة اخرى فذاك والا فيعدم الحكم عدما اصليا لا حكما شرعيا وفيما نحن فيه اباحة نكاح الإماء مطلقا مؤمنة كانت او كتابية سواء كان الزوج قادرا على نكاح الحرة او لم يكن ثابت بعموم قوله تعالى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ وقوله تعالى وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ وثانيا بان الاستدلال بالمفهوم عند القائلين به مشروط بان لا يكون التقييد خارجا مخرج العادة ولا يتصوّر من التقييد فائدة غير الاحتراز وهاهنا جاز ان يكون الكلام خارجا مخرج العادة فان العادة ان الرجل الحرّ لا يرغب الى نكاح الامة الّا عند عدم طول الحرة والمسلم لا يرضى بالمعاشرة مع الكافرة ولاجل ذلك قيد المحصنات بالمؤمنات وليس ذلك القيد للاحتراز اجماعا ومن ثم قال الشافعي لا يجوز نكاح الامة مع طول الحرة الكتابية ايضا وجاز ان يكون التقييد لبيان الأفضل وثالثا بانا لو سلمنا إفادة المفهوم نفى الإباحة فنفى الإباحة لا يستلزم ثبوت الحرمة بل قد يكون فى ضمن الكراهة ونحن نقول بالكراهة كما صرح فى البدائع ووجه كراهة نكاح الامة الكتابية بل الحرة الكتابية ايضا استلزامه موالات الكفار وقد نهينا عنه قال رسول الله ﷺ لم تر للمتحابين مثل النكاح رواه ابن ماجة عن ابن عباس وقال الله تعالى لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ وقال لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وقال رسول الله......
صلى الله عليه وسلم تنكح المرأة لاربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك متفق عليه من حديث ابى هريرة ولمسلم عن جابر ان المرأة تنكح على دينها ومالها وجمالها فعليك بذات الدّين تربت يداك ورواه الحاكم وابن حبان من حديث ابى سعيد وابن ماجة والبزار والبيهقي من حديث عبد الله بن عمرو نحوه ووجه كراهة نكاح الإماء انها توجب ارقاق الولد والرق موت حكما وقد قال رسول الله ﷺ تخيروا لنطفكم فانكحوا الأكفاء وانكحوا إليهم رواه ابو داؤد والحاكم وصححه البيهقي عن عائشة وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ والتفاضل انما هو بالايمان
والأعمال بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ يعنى بعضكم من جنس بعض الأحرار والأرقاء كلهم من نفس واحدة آدم عليه السلام قال رسول الله ﷺ ان الله قد اذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها بالآباء انما هو مومن تقى وفاجر شقى الناس كلهم بنوا آدم وآدم من تراب رواه الترمذي وابو داؤد من حديث ابى هريرة وروى احمد والبيهقي عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله ﷺ انسابكم هذه ليست بمسبة على أحد كلكم بنو آدم طف الصّاع بالصّاع لم تملؤه ليس لاحد على أحد فضل الآبدين وتقوى كفى بالرجل ان يكون بذيا فاحشا بخيلا فهذان الجملتان لتأنيس الناس بنكاح الإماء ومنعهم عن الاستنكاف منهن فَانْكِحُوهُنَّ اى الفتيات المؤمنات بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ يعنى اربابهن الضمير راجع الى الفتيات والمراد بها الإماء وهى تعم القنة والمكاتبة والمدبرة وأم الولد والأمر هاهنا للوجوب والإيجاب راجع الى القيد يعنى لا يجوز نكاح الإماء الّا بإذن سيّدها وكذا العبد ولذلك ذكر صيغة فانكحوهن ولم يكتف بان يقول فممّا ملكت ايمانكم من فتيتكم المؤمنات بإذن اهلهنّ لان الأمر هناك للاباحة وهاهنا للوجوب ولا يجوز الجمع بين معنى الإيجاب والإباحة فى صيغة واحدة وعدم جواز نكاح الرقيق بلا اذن السيّد امر مجمع عليه قال رسول الله ﷺ أيما عبد تزوج بغير اذن مولاه فهو عاهر رواه ابو داود والترمذي من حديث جابر وقال حديث حسن وفى السّنن ايضا عن ابن عمر عنه ﷺ إذا نكح العبد بغير اذن مولاه فنكاحه باطل (مسئله:) اختلفوا فى ان نكاح الرقيق بغير اذن السيّد هل ينعقد ويتوقف نفاذه على اذن المولى أم لا ينعقد أصلا فقال ابو حنيفة ومالك وهى رواية عن احمد انه ينعقد موقوفا،......
وقال الشافعي لا ينعقد أصلا، للجمهور ان العبد يتصرف باهليته وانما يشترط اذن المولى لفوات حقه فى الوطي فى الامة وشغل الذمة بالمهر فى العبد وفى الاية انما اعتبر اذن المولى دون عقده وللشافعى قوله ﷺ فنكاحه باطل وان الباء فى الاية للالصاق فلا بد ان يكون الاذن ملاصقا بالنكاح فلا يتوقف على اذن متأخر وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ قال مالك بظاهر هذه الاية ان المهر للامة وعند الجمهور مهرها ملك لسيّدها لانها مملوكة ملحقة بالجمادات لا يتصوّر كونها مالكة وقالوا فى تأويل الآية اتوهن مهورهن بإذن أهلهن فخذف ذلك لتقدم ذكره او المعنى أتوا مواليهنّ فخذف المضاف للعلم بان المهر للسيّد ضرورة دينية وفى هذين التأويلين ضعف لان العطف لا يقتضى مشاركة المعطوف والمعطوف عليه فى القيد المتأخر وانما الاشتراك فيما تقدم ولا بد لحذف المضاف من دليل ولا بد من نكتة لاختيار اتوهن على أتوهم مع سبق ذكر الأهل قال المحقق التفتازانيّ النكتة تأكيد إيجاب المهور والاشعار بأنها أجور الابضاع ومن هذا الجهة يسلم المهر إليهن وانما يأخذ الموالي من جهة ملك اليمين والأقرب ان يقال ان الامة مالكة للمهر يدا كالعبد المأذون والاذن فى النكاح كالاذن فى التجارة فيجب التسليم اليهنّ، ولك ان تحمل أجورهن على نفقاتهن فتستغنى عن اعتبار الاذن بِالْمَعْرُوفِ يعنى بلا مطل ونقصان ويمكن ان يقال المراد بالمعروف ايتاءهن بإذن أهلهن فان الإيتاء بغير اذن أهلهن منكر شرعا مُحْصَناتٍ عفيفات غَيْرَ مُسافِحاتٍ زانيات جهارا وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ احباب يزنون بهن سرّا قال الحسن المسافحة هى ان كل من دعاها تبعته وذات خدن ان تختص بواحد لا تزنى الا معه والعرب كانوا يحرمون الاولى ويجوّزون الثانية قوله غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ بيان لمحصنات وقوله محصنات حال من مفعول فَانْكِحُوهُنَّ وآتُوهُنَّ على سبيل التنازع، وقيد نكاحهن بالاحصان لبيان الأفضل عند ابى حنيفة والشافعي وقال احمد لا يجوز النكاح مع الزانية حرة كانت او امة حتى تتوب حيث قال الله تعالى الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وسنذكر تفسيرها فى سورة النور ان شاء الله تعالى وقال مالك يكره التزويج بالزانية مطلقا وقيد إيتاء المهر بالاحصان انما جاء بناء على تقييد النكاح به لان النكاح إذا كان فى حالة الإحصان كان الأداء ايضا فى تلك الحالة......
غالبا نظرا على استصحاب الحال فلا يرد ان وجوب أداء المهر
غير مقيد بالعفة اجماعا- فَإِذا أُحْصِنَّ قرا حمرة والكسائي وابو بكر بفتح الالف والصاد على البناء للفاعل اى حفظن فروجهنّ بالتزويج وقرا الآخرون بضم الالف وكسر الصاد على البناء للمفعول اى حفظهنّ أزواجهن والإحصان فى اللغة المنع وجاء فى القران بمعنى الحرية والعفة والزواج والإسلام يعتبر فى كل مقام ما يناسبه وفى كل منها نوع من المنع والمراد هاهنا التزويج لان الكلام فى الامة المسلمة والعفة تنافى قوله تعالى فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ يعنى الزنى فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ يعنى الحرائر اى الابكار منهن ولا يجوز ان يراد بها المتزوجات عن الحرائر لانّ حدهن الرجم وذا لا يتصوّر التنصيف فيه مِنَ الْعَذابِ يعنى الحد- (مسئلة) وحد الزنى فى الحر رجلا كان او امراة مائة جلدة ان كان غير محصن عند أبي حنيفة رحمه الله لقوله تعالى الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ، وعند الشافعي واحمد مائة جلدة وتغريب عام وقال مالك انما التغريب فى الرجال دون النساء والدليل على اثبات التغريب مع الجلد ما ذكرنا من حديث عبادة بن الصّامت البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام رواه مسلم وقد مرّ وعن زيد بن خالد قال سمعت النبي ﷺ يأمر فيمن زنى ولم يحصن جلد مائة وتغريب عام رواه البخاري قال مالك البكر لا يشتمل المرأة فلا يثبت التغريب فى النساء وهذا ليس بشىء فان سياق الحديث فى النساء قال رسول الله ﷺ خذوا عنى خذوا عنى قد جعل الله لهنّ سبيلا البكر بالبكر الحديث وعدم شمول البكر المرأة ممنوع كيف وقد قال عليه السّلام البكر تستأذن وكلمة من زنى فى حديث زيد عام فى الذكر والأنثى وقال ابو حنيفة هذه زيادة على الكتاب لا يجوز بخبر الآحاد وسنذكر زيادة البحث فى هذا الباب فى سورة النور ان شاء الله تعالى (مسئلة) وحدّ الرقيق رجلا كان او امراة متزوجا كان او غير متزوج خمسون سوطا عند الائمة الاربعة اما الامة فبعبارة هذا النصّ وامّا العبد فبدلالة النصّ بطريق المساوات ولا تغريب على الرقيق عند الائمة الثلاثة واحد قولى الشافعي وأصح قولى الشافعي انه يغرب نصف عام وقال ابو ثور يرجم المحصن يعنى المتزوج من الأرقاء وهذه الاية حجة للجمهور عليه لانها تدل على نصف حدّ الأحرار وذا لا يتصوّر الا فى الجلد وامّا الرجم فلا يقبل التنصيف......
وذهب ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير الى انه لاحد على غير المتزوجة من الأرقاء عملا بمفهوم الشرط من هذه الاية ومفهوم الشرط غير معتبر عند ابى حنيفة وعند الائمة الثلاثة لا مفهوم للشرط فى هذه الاية بل المراد منه التنبيه على ان المملوك وان كان محصنا بالتزويج فلا رجم عليه انما حده الجلد بخلاف الحرّ وهذا الحكم العام يثبت بعموم قوله ﷺ إذا زنت امة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم ان زنت فليجلدها الحدّ ولا يثرب عليها ثم ان زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل شعر متفق عليه من حديث ابى هريرة فان لفظ امة نكرة فى حيز الشرط فتعم وعليه انعقد الإجماع وعن على رضى الله عنه قال ايها الناس اقيموا على ارقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن فان امة لرسول الله ﷺ زنت فامرنى ان اجلدها فاذا هى حديث عهد بنفاس فخشيت ان جلدتها ان اقتلها فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال أحسنت رواه مسلم وروى عن عبد الله بن عياش بن ابى ربيعة قال أمرني عمر ابن الخطاب فى فتية من قريش فجلدنا ولائد من ولائد الامارة خمسين خمسين فى الزنى ذلِكَ اى شرع الحد لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ اى لمن خاف مشقة الضرب مِنْكُمْ حتى لا تقربوا الزنى وَأَنْ تَصْبِرُوا عن قضاء الشهوة ولا تقربوا الزنى خَيْرٌ لَكُمْ فى الدنيا والاخرة، وقال اكثر المفسّرين ذلك اشارة الى نكاح الإماء يعنى نكاح الإماء مختص بمن خشى العنت يعنى خاف الوقوع فى الزنى منكم فان الزنى سبب للمشقة فى الدنيا والاخرة وان تصبروا عن نكاح الإماء متعففين خير لكم كيلا يخلق الولد رقيقا ولا ترتكبوا الفعل المكروه قال رسول الله ﷺ الحرائر صلاح البيت والإماء
هلاكه رواه الثعلبي والديلمي فى مسند الفردوس من حديث ابى هريرة وفى التحرير انه ضعيف قلت لعل هلاك البيت بمعنى ان أولاد الإماء تكون مماليك لساداتهن فيخلوا عنهم بيوت أزواجهن وهذا التأويل يناسب قوله تعالى وَاللَّهُ غَفُورٌ لمن لم يصبر عن نكاح الإماء رَحِيمٌ (٢٥) حيث رخص لكم فى نكاح الإماء وهذه الاية على هذا التأويل حجة للشافعى ومالك على اشتراط خوف الوقوع فى الزنى لجواز نكاح الإماء فان اللام للاختصاص قال البغوي وهو قول جابر وبه قال طاؤس وعمرو بن دينار ولا يشترط ذلك عند ابى حنيفة لكنه يكره نكاح الامة عنده من غير ضرورة بمقتضى هذه الاية-......
(فائدة:) قال الشافعي واحمد نكاح الإماء ضرورى لاستلزامه رق الأولاد ولاشتراطه بعدم طول الحرة وتقييد نكاح الامة بالايمان فلا يجوز نكاح ما فوق الواحدة من الإماء للحرّ لاندفاع الضرورة بالواحدة وقال ابو حنيفة يجوز نكاح الامة مطلقا من غير الضرورة مسلمة كانت او كتابية عند طول الحرة وعدمه وان كان مكروها من غير ضرورة لاطلاق قوله تعالى وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ وقوله تعالى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ واستلزام رق الأولاد ولو كان علة لعدم الجواز من غير ضرورة لما جاز للعبد ايضا نكاح الامة عند القدرة على نكاح الحرة ولم يقل به أحد وايضا يجوز للعبد نكاح الثنتين من الإماء عندكم فاولى ان يكون ذلك جائزا للحرّ فان حلّه اكثر من حلّ العبد ولذلك جاز للحرّ نكاح اربع من النساء بالنص وللعبد نكاح «١» ثنتين بالحديث كما مرّ وايضا النصّ المبيح أربعا من النساء مطلق لا يجوز تقييده بالحرائر والله اعلم وقول مالك فى تجويز اربع من الإماء والحرائر للحرّ كقول ابى حنيفة رحمهما الله تعالى- (مسئلة) لا يجوز نكاح الامة على الحرة عند الائمة الاربعة غير ان مالكا يقول بالجواز ان رضيت الحرة خلافا لغيره ويجوز نكاح الحرة على الامة من غير إفساد فى نكاح الامة اجماعا فالائمة الثلاثة يقولون بعدم جواز نكاح الامة على الحرة لمفهوم قوله تعالى وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا لان من كان فى نكاحه حرة فله طول الحرة وهذا الاستدلال لا يقتضى التفرقة بين الحرّ والعبد وبين رضاء الحرة وعدمه وابو حنيفة يقول بعدم جواز نكاح الامة على الحرة لما روى سعيد بن منصور فى السنن عن ابن علية عن من سمع الحسن ان رسول الله ﷺ نهى ان تستنكح الامة على الحرة قال وتنكح الحرة على الامة ورواه البيهقي والطبري فى تفسيره بسند متصل الى الحسن واستغربه من رواية ما مر الأحول عنه وانما المعروف رواية عمرو بن عبيد عن الحسن قال الحافظ وهو المبهم فى رواية سعيد بن منصور ورواه عبد الرزاق عن الحسن ايضا مرسلا وكذا رواه ابن ابى شيبة عنه والمرسل عندنا حجة وكذا عند الشافعي إذا اعتضد بأقوال الصحابة وهاهنا قد اعتضد، روى ابن ابى شيبة والبيهقي عن على موقوفا ان الامة لا ينبغى لها ان يتزوج على الحرة وفى لفظ لا تنكح الامة على الحرة وسنده حسن، واخرج عن ابن مسعود نحوه وروى عبد الرزاق من طريق ابى الزبير انه سمع جابرا يقول لا تنكح الامة على الحرة وتنكح الحرة على الامة وللبيهقى نحوه،
(١) فى الأصل وللعبد نكاح نكاح ثنتين-[..... ]
وزاد من وجد صداق حرة فلا ينكح امة ابدا واسناده صحيح وهو عند عبد الرزاق ايضا مفردا واخرج ابن ابى شيبة عن سعيد بن المسيّب تزوج الحرة على الامة ولا تتزوج الامة على الحرة وفى الباب حديث عائشة قالت قال رسول الله ﷺ طلاق العبد اثنتان الحديث الى ان قال ويتزوج الحرة على الامة ولا يتزوج الامة على الحرة رواه الدارقطني وفيه مظاهر بن اسلم ضعيف لكن يرد على اصل ابى حنيفة هاهنا انه يلزم تخصيص الكتاب اعنى قوله تعالى وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ بحديث الآحاد اللهم الا «١» ان يقال هذا الحديث تأيد بالإجماع ويجوز للعبد نكاح الامة على الحرة عند الشافعي وقال ابو حنيفة لا يجوز لاطلاق ما روينا من المرسل وكذا ما استدل به الائمة الثلاثة على عدم الجواز للحر من المفهوم موجود فى العبد ايضا والله اعلم.
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ اى لان يبين لكم شرائع دينكم ومصالح أموركم واللام زائدة لتأكيد معنى الاستقبال او يقال للتعليل وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وهذه الاية دليل على انّ شرائع من قبلنا ما لم يظهر كونها منسوخة فى شريعتنا واجب علينا إتيانها إذا ثبت عندنا بالكتاب والسنة ولا عبرة لرواية اليهود فانهم كفار متهمون الا إذا روى منهم مثل عبد الله بن سلام وكعب الأحبار بعد إيمانه وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ويغفر لكم ذنوبكم التي ارتكبتموها قبل بيانها وقيل يوفقكم للتوبة او لاتيان ما يكفر سيئاتكم وَاللَّهُ عَلِيمٌ بالمصالح حَكِيمٌ (٢٦) فى وضعها،.
وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ كرّره للتأكيد والمبالغة وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ يعنى الفجار فامّا من وضع شهوته فيما امر به الشرع فهو متبع للشرع دون الشهوة وقيل المراد بهم الزناة وقيل المجوس حيث يحلّون المحارم وقيل اليهود فانهم يحلّون الأخوات من الأب وبنات الأخ والاخت أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً (٢٧) عن الحق يعنى مستحلين الحرام فانه أعظم ميلا الى الباطل من اقتراف الذنب مع الاعتقاد بحرمته.
يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ولذلك شرع لكم الشريعة الحنفية السمحة السهلة وأحل بعض ما كان محرّما على من قبلكم اخرج ابن ابى شيبة فى المصنف وابن المنذر فى التفسير عن مجاهد قال مما وسّع الله به على هذه الامة نكاح الامة والنصرانية واليهودية وذكر فى المدارك هذا القول لابن عباس وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٨) لا يصبر عن الشهوات ولا يتحمل مشاق الطاعات
(١) فى الأصل اللهمّ ان يقال-
وكلما كان الزمان اقرب الى الساعة ازداد فيهم الضعف ولهذا خفف الله عن هذه الامة،.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ يعنى لا يأكل أحد منكم مال غيره من المسلمين ومن تبعهم من اهل الذمّة ولا بأس بأكل مال الحربي الغير المعاهد من غير عذر بِالْباطِلِ اى بوجه ممنوع شرعا كالغصب والسّرقة والخيانة والقمار والربوا والعقود الفاسدة إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً قرا الكوفيون بالنصب على انه خبر لتكون واسمه مضمر تقديره الّا ان تكون جهة الاكل تجارة والباقون بالرفع بالفاعلية وتكون تامة والاستثناء منقطع يعنى لكن كلوا وقت كون وجه الاكل تجارة او وقت كون التجارة الصّادرة عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ قال رسول الله ﷺ انما البيع عن تراض رواه ابن ماجة وابن المنذر عن ابى سعيد اى من المعطى والعاطى او المعنى لكن اقصدوا كون وجه الاكل تجارة او كون تجارة والتجارة البيع بالتكلم او بالتعاطى وهو مبادلة المال بالمال والاجارة يعنى مبادلة المال بالمنافع المعلومة خصّ التجارة بالذكر من الوجوه التي بها يحل أخذ المال من الغير لانها اغلب وأطيب «١» عن رافع ابن خديج قال قيل يا رسول الله اىّ الكسب أطيب قال عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور رواه احمد وعن المقدام بن معد يكرب قال قال رسول الله ﷺ ما أكل أحد طعاما قطّ خيرا من ان يأكل من عمل يديه وان نبى الله داود كان يأكل من عمل يديه رواه البخاري وعن عائشة انّ أطيب ما أكلتم من كسبكم وان أولادكم من كسبكم رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وهذه الاية
(١) اخرج الاصبهانى عن ابى امامة مرفوعا ان التاجر إذا كان فيه اربع خصال طاب كسبه إذا اشترى لم يذم وإذا باع لم يمدح ولم يدلس فى البيع ولم يحلف فيما بين ذلك واخرج احمد والحاكم عن عبد الرحمن بن شبلى سمعت رسول الله ﷺ يقول التّجارهم الفجار قالوا يا رسول الله أليس قد أحل الله البيع قال بلى ولكنهم يحلفون فيأثمون ويحدثون فيكذبون واخرج الحاكم وصححه عن رفاعة بن رافع ان رسول الله ﷺ قال ان التجار يبعثون يوم القيامة فجارا الّا من اتقى الله وبرّ وصدق واخرج الترمذي وحسّنه والحاكم عن ابى سعيد الخدري عن النبي ﷺ التاجر الصدوق الامين مع النبيين والصدّيقين والشهداء وابن ماجة والحاكم عن ابن عمر مرفوعا التاجر الصدوق الامين المسلم مع الشهداء يوم القيامة واخرج الطبراني عن صفوان بن امية مرفوعا ان عون الله مع صالحى التجار والاصبهانى عن انس مرفوعا، التاجر الصدوق تحت ظلّ العرش يوم القيامة، واخرج الاصبهانى عن معاذ بن جبل عن رسول الله ﷺ قال ان أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا وإذا وعدوا لم يخلفوا وإذا اؤتمنوا لم يخونوا وإذا اشتروا لم يدموا وإذا باعوا لم يمدحوا وإذا كان عليهم لم يمطلوا وإذا كان لهم لم يعيروا منه رحمه الله تعالى- فى الأصل بين المسلمين-
لا تدل على نفى غير التجارة من الوجوه كالمهر والهبة والصدقة والعارية وغير ذلك لانها ليست من الباطل بل هى ثابتة بالنصوص الشرعية، احتج الحنفية بهذه الآية على انه لا خيار فى المجلس لاحد المتبايعين بعد الإيجاب والقبول وبه قال مالك لانها تدل على جواز الاكل بالتجارة عن تراض وان كان قبل افتراقهما عن المجلس وجواز الاكل مبنى على تمام البيع وتمام البيع يقتضى عدم بقاء الخيار لاحدهما وقال الشافعي واحمد لكل واحد منهما الخيار ما لم يتفرقا عن المجلس لحديث ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ المتبايعان كل واحد بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا الّا بيع الخيار متفق عليه وعن حكيم بن خرام قال قال رسول الله ﷺ البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا فان صدقا وبينابورك لهما فى بيعهما وان كتما وكذبا محقت بركة بيعهما متفق عليه قالت الحنفية هذه أحاديث لا يجوز العمل بها على خلاف مقتضى الكتاب ومقتضى الكتاب عدم بقاء الخيار كما ذكرنا وهذه الأحاديث محمولة على خيار القبول وفيه اشارة اليه فانهما متبايعان حالة المباشرة لا بعدها او يحتمله فيحمل عليه والمراد بالتفرق تفرق الأقوال كذا فى الهداية قال ابن همام كون تفرق الأقوال مرادا بالتفرق كثير فى الشرع والعرف قال الله تعالى وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ... إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ قلت والصحيح عندى ان الاية تدل على جواز الاكل وتمام البيع قبل الافتراق من المجلس لكن لا يدل على نفى ولاية الفسخ عنهما فالاولى ان يقال بثبوت خيار المجلس للمتعاقدين كما اثبت ابو حنيفة خيار الرؤية وخيار العيب بعد تمام البيع كيلا يلزم ترك العمل بالحديث الصحيح وما قالوا انهما متبايعان حالة المباشرة لا بعدها ممنوع بل قبل قبول الاخر انما هو بايع واحد لا متبايعان وبعد الإيجاب والقبول ما دام المجلس باقيا حالة المباشرة قائم عرفا وشرعا لان ساعات المجلس كلها تعتبر ساعة واحدة فهما متبايعان ما دام المجلس باقيا حقيقة والقول بان المراد بالتفرق التفرق فى الأقوال قول بالمجاز مع إمكان الحقيقة على ان بعض ألفاظ الحديث يأبى عن هذا التأويل فانه روى مسلم حديث ابن عمر بلفظ إذا تبايع المتبايعان فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا فان كلمة الفاء فى قوله فكل واحد منهما بالخيار تدل على تعقيب الخيار عن التبايع وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان رسول الله ﷺ قال البيعان بالخيار ما لم يتفرقا الّا ان تكون صفقة خيار ولا يحل له ان يفارق صاحبه خشية ان يستقيله رواه الترمذي وابو داود والنسائي وعن ابى هريرة عن النبي ﷺ قال لا يتفرقن اثنان الا عن تراض......
رواه ابو داود وعن جابر ان رسول الله ﷺ خيّرا عرابيا بعد البيع رواه الترمذي وقال هذا حديث صحيح غريب فان هذه الأحاديث صريحة فى جواز الا قالة بعد البيع قبل الافتراق عن المجلس والله اعلم- وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ قيل معناه لا يقتل أحدكم نفسه عن ثابت بن الضحاك ان رسول الله ﷺ قال من قتل نفسه بشىء فى الدنيا عذب به يوم القيامة رواه البغوي من طريق الشافعي وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من تردى من جبل فقتل نفسه فهو فى نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها ابدا ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته فى يده يتوجأ بها فى نار جهنم خالدا مخلدا فيها ابدا رواه البخاري ومسلم والترمذي بتقديم وتأخير والنسائي ولابى داود ومن جشاسما فسمه بيده يتجشأه فى نار جهنم وعن جندب بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ جرح من رجل فيمن كان قبلكم اراب فجزع منه فأخرج سكينا فجزّ بها يده فمارقا الدم حتى مات فقال الله عز وجل بادرني عبدى بنفسه فحرمت عليه الجنة رواه البغوي وروى ابو داؤد وابن حبان والحاكم فى صحيحه عن عمرو بن العاص انه تأوّل هذه الاية فى التيمم لخوف البرد فلم ينكر عليه النبي ﷺ حيث قال احتلمت فى ليلة باردة وانا فى غزوة ذات السلاسل فاشفقت لى ان اغتسلت ان أهلك فتيمّمت ثم صليت فذكر ذلك لرسول
الله ﷺ فقال يا عمرو صليت باصحابك وأنت جنب فقلت انى سمعت الله عز وجل يقول وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئا وقال الحسن وعكرمة وعطاء بن ابى رباح والسدىّ معناه لا تقتلوا «١» إخوانكم كما قوله تعالى ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ يعنى إخوانكم فى الدين وقتل المسلم من أعظم الكبائر بعد الشرك عن جرير قال قال لى رسول الله ﷺ استنصت الناس ثم قال لا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض رواه البخاري وقيل معناه لا تقتلوا أنفسكم بأكل المال بالباطل وهذا يحتمل المعنيين أحدهما ان أكل مال الغير بالباطل قتل وإهلاك لنفس الاكل لكونه موجبا لتصليته نار جهنم وثانيهما ان أكل مال الغير إهلاك لدلك الغير، إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) يعنى أمركم بالحسنات ونهاكم عن السيّئات لفرط رحمته عليكم
(١) عن عاصم بن بهدلة ان مسروقا اتى صفين فقام بين الصفين فقال يا ايها الناس انصتوا ارايتم لو ان مناديا يناديكم من السماء ورأيتموه وسمعتم كلامه فقال ان الله ينهاكم عما أنتم عليه اكنتم منتهين قالوا سبحان الله قال فو الله نزل بذلك جبرئيل على محمد ﷺ وما ذلك بابين عندى منه ان الله قال وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً منه رحمه الله
وقيل ان معناه انه امر بنى إسرائيل بقتل أنفسهم ليكون لهم توبة وكان بكم رحيما حيث لم يكلفكم به بل جعل توبتكم الندم والاستغفار.
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اى أكل مال غيره او قتل نفسا معصومة عُدْواناً اى تعديا على الغير عمدا وَظُلْماً على نفسه بتعريضها للعقاب مصدر ان فى موضع الحال او مفعول لهما فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ندخله فى الاخرة ناراً يعنى نار جهنم وَكانَ ذلِكَ اى اصلاء النار عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠) سهلا هذا الوعيد فى حق المستحل للتخليد وفى حق غيره لبيان استحقاقه دخول النار مع جواز المغفرة من الله تعالى ان شاء-.
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ قال على رضى الله عنه الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار او غضب او لعنة او عذاب وكذا قال الضحاك انه ما أوعد الله عليه حدا فى الدنيا او عذابا فى الاخرة قلت والكبائر على ثلاثة مراتب، المرتبة الاولى وهى اكبر الكبائر الإشراك بالله ويلتحق به كل ما فيه تكذيب بما جاء به النبي ﷺ وثبت بدليل قطعى امّا تكذيبا صريحا، بلا تأويل ويسمّى كفرا او بتأويل ويسمى هوى وبدعة كاقوال الروافض والخوارج والقدرية والمجسمة وأمثالهم ومن هاهنا قال على وابن مسعود اكبر الكبائر الإشراك بالله والا من من مكر الله والقنوط من رحمة الله واليأس من روح «١» الله قلت قال الله تعالى فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ...، وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ...، إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ والمرتبة الثانية ما فيه إتلاف حقوق العباد من المظالم فى الدماء والأموال والاعراض قال سفيان الثوري الكبائر ما كان فيه المظالم بينك وبين العباد فانها اكبر ممّا بينك وبين الله تعالى لان الله كبير يغفر الذنوب جميعا كل شىء بالنسبة اليه صغير قال رسول الله ﷺ اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبى وقال الله تعالى وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ الدواوين عند الله ثلاثة فديوان لا يعبأ الله به شيئا وديوان لا يترك الله منه شيئا وديوان لا يغفر الله امّا الديوان الذي لا يغفره الله فهو الشرك وامّا الدّيوان الذي لا يعبأ الله به شيئا فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربّه من صوم تركه او صلوة تركها فانّ الله تعالى يغفر ذلك
(١) روى البزار والطبراني فى الأوسط عن ابن عباس قال سئل رسول الله ﷺ ما الكبائر قال الشرك بالله والياس من روح الله والامن من مكر الله منه رحمه الله-
ويتجاوز لمن يشاء وامّا الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا فظلم العباد بعضهم بعضا القصاص لا محالة رواه احمد والحاكم وروى الطبراني مثله من حديث سلمان وابى هريرة والبزار مثله من حديث انس وعن انس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ ينادى مناد من بطنان العرش يوم القيامة يا امة محمد ان الله عز وجل قد عفا عنكم جميعا المؤمنين والمؤمنات تواهبوا لمظالم وادخلوا الجنّة برحمتي رواه البغوي وعن ابى بكرة قال قال رسول الله ﷺ فى خطبته يوم النحر فى حجة الوداع ان دماءكم وأموالكم واعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا فى بلدكم هذا فى شهركم هذا متفق عليه ورواه الترمذي وصححه عن عمرو بن الأحوص وعن اسامة بن شريك قال قال رسول الله ﷺ لا حرج الأعلى رجل اقترض عرض مسلم وهو ظالم فذلك الذي حرج وأهلك رواه ابو داؤد وقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ «١» يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ «٢» لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً،
بيان للمرتبتين المذكورتين الكفر والظلم على العباد وفى إيراد هذه الاية بعد قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ...، وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ اشارة الى ان الظلم على اموال العباد وأنفسهم من أعظم الكبائر والأحاديث الصحاح التي وردت فى عدّ الكبائر انما ورد فيها غالبا المظالم من حقوق العباد والإشراك منها حديث انس وعبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس فى رواية عبد الله عند البخاري وفى رواية انس وشهادة الزور بدل اليمين الغموس متفق عليه وروى ابن مردوية عن انس انها سبع وزاد وقذف المحصنة وأكل مال اليتيم وأكل الربوا والفرار عن الزحف ومنها حديث ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وماهن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله الا بالحق وأكل الربوا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الرجف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات متفق عليه وفى رواية زاد ابن راهويه وغيره عقوق الوالدين والإلحاد بالبيت الحرام ومنها حديث ابن مسعود قال قال رجل يا رسول الله اىّ الذنب اكبر عند الله قال ان تدعو لله ندّا وهو خلقك قال ثم اىّ قال ان تقتل ولدك خشية ان بطعم معك قال ثم اىّ قال ان تزنى حليلة جارك فانزل الله تصديقها وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
(١) فى الأصل والذين إلخ
(٢) فى الأصل ولهم عذاب مهين
وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ الاية متفق عليه قيد رسول الله ﷺ الزنى بحليلة الجار لان فيه إتلاف حق الجار وقد قال رسول الله ﷺ لان يزنى الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من ان يزنى بحليلة جاره رواه احمد عن المقداد بن اسود ورواته ثقات ورواه الطبراني عنه فى الكبير والأوسط ومنها حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال من اكبر الكبائر ان يسبّ الرجل والديه قال وكيف يسبّ الرجل والديه قال يسبّ أبا الرجل فيسبّ أباه ويسبّ امه فيسبّ امه رواه البغوي وغيره ومنها حديث ابى بكرة قال قال النبي ﷺ الا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا قالوا بلى يا رسول الله قال الإشراك بالله وعقوق الوالدين (وجلس وكان متكيا) الا وقول الزور الا وقول الزور الا وقول الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت رواه البخاري، (فائدة) مبالغة النبي ﷺ فى التهديد فى قول الزور لشمولها كثيرا من الكبائر الإشراك بالله وشهادة الزور واليمين الغموس والقذف والدعوى الباطل والكذب على النبي ﷺ فانه ﷺ قال من كذب على متعمدا فليتبوا مقعده من النار متفق عليه والغيبة التي هى أشد من الزنى رواه البيهقي عن ابى سعيد وجابر مرفوعا والنميمة، عن عبد الرحمن ابن غنم واسماء مرفوعا شرار عباد الله مشاؤن بالنميمة رواه احمد ومدح الفاسق عن انس مرفوعا إذا مدح الفاسق غضب الرب واهتز له العرش رواه البيهقي ولعن من لا يستحقه فانه من لعن شيئا ليس له اهل رجعت اللعنة عليه رواه الترمذي عن ابن عباس وابو داؤد عنه وعن ابى الدرداء مرفوعا والطعن والفحش عن ابن مسعود مرفوعا ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش ولا البذيء رواه الترمذي وغير ذلك من المعاصي ولذلك قال رسول الله ﷺ من يضمن لى ما بين لحييه وما بين رجليه اضمن له الجنة رواه البخاري عن سهل بن سعد وروى مالك والبيهقي عن صفوان بن سليم مرسلا انه سئل رسول الله ﷺ أيكون المؤمن جبانا قال نعم قيل أيكون بخيلا قال نعم قيل أيكون كذابا قال لا وقال رسول الله ﷺ اية المنافق ثلاث وان صام وصلى وزعم انه مسلم إذا حدث كذب وإذا وعد اخلف وإذا اؤتمن خان رواه مسلم والبخاري نحوه وفى الصحيحين عن عبد الله بن عمرو مرفوعا اربع من كن فيه كان منافقا خالصا
ومن كان فيه خصلة كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجروا لله اعلم والمرتبة الثالثة من الكبائر ما يتعلق منها بحقوق الله تعالى كالزنى والشرب، اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عمرو انه سئل عن الخمر فقال سألت عنها رسول الله ﷺ فقال هى اكبر الكبائر وأم الفواحش من شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على امه وعمته وخالته كذا روى عبد ابن حميد عن ابن عباس، عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن ولا يسرق «١» السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة يرفع الناس اليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن ولا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن فاياكم إياكم متفق عليه وفى رواية عن ابن عباس ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن رواه البخاري قلت واللواطة فى معنى الزنى وقد قال الله تعالى فيها أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ وأشد من السرقة قطع الطريق فان فيه قوله تعالى إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الاية ويلحق بالسرقة التطفيف قال الله تعالى وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ والخيانة فبئست البطانة وهى من علامات النفاق وأعظم الذنوب من هذا الباب ما يستحقره الفاعل ويزعمه سهلا فان استحقار الذنب وان كان صغيرا يبعده عن
المغفرة ويدل على التمرد وربما يفضى الى الكفر وما استعظمه وخاف عنه فهو يستحق المغفرة قال رسول الله ﷺ المؤمن يرى ذنبه كأنّ جبلا على راسه والمنافق يرى ذنبه كذباب على انفه قال به هكذا فطارت وعن انس قال انكم لتعملون أعمالا هى أدق فى أعينكم من الشعر ان كنا نعد على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات رواه البخاري واحمد مثله عن ابى سعيد بسند صحيح وبهذا التحقيق يظهر انه من قال بحصر الكبائر فى سبع ونحو ذلك فقد اخطأ وان «٢» الصغيرة بالإصرار وكذا بالاستحقار يصير كبيرة اخرج ابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير انّ رجلا سال ابن عباس عن الكبائر أسبع هى قال هى الى «٣» سبعمائة اقرب الا انه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع اصرار، وقال كل شىء عصى الله به فهو كبير فمن عمل شيئا
(١) السرقة والخيانة والتطفيف من القسم الثاني منه رحمه الله
(٢) اخرج الترمذي وابن ابى حاتم عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر وكذا اخرج ابن ابى شيبة عن عمرو ابى موسى وابى قتادة من قولهم منه رحمه الله-
(٣) فى الأصل الى السبعمائة
منها فليستغفر الله فان الله لا يخلد فى النار من هذه الامة الا راجعا عن اسلام او جاحدا فريضة او مكذبا بقدر قلت ومعنى قول ابن عباس لا كبيرة مع استغفار المراد بالكبيرة ما تعلق منها بحقوق الله تعالى وامّا ما تعلق بحقوق العباد فلا بدّ فيه من ردّ المظالم واسترضاء المظلوم- (فائدة:) أساس المعاصي كلها قساوة القلب الموجب للغفلة عن الله سبحانه ورذائل النفس الداعية الى الشهوات السّبعية والبهيمية قال رسول الله ﷺ ان فى جسد بنى آدم لمضغة إذ أصلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب وقال الله تعالى وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ولا يتصوّر التنزه عن المعاصي الّا بدوام الحضور وصفاء القلوب والنفوس وذا لا يتصوّر الا بجذب من الله تعالى بتوسط المشائخ فعليك التشبّث بأذيالهم فهم قوم لا يشقى جليسهم ولا يخاب انيسهم- (فائدة:) ما قيل ان العبد يبلغ درجة لا يضره ذنب عمله ليس معناه ان بعض الناس يسقط عنهم التكاليف الشرعية ويباح لهم المحرمات فانه كفر وزندقة بل معناه ان العبد بعد تصفية القلب وتزكية النفس إذا دام حضوره لا يصدر عنه ذنب الّا نادرا وكلما صدر عنه ذنب صغير او كبير يستعظم ذلك ويندم ويغتم كانما هلك نفسه واهله وماله وولده بحيث يصير ذلك الندم والتوبة والاغتمام موجبا لمزيد درجته ونزول الرحمة عليه أولئك يبدل الله شيئاتهم حسنات ذكر العارف الرومي قصّة إيقاظ الشيطان معاوية رضى الله عنه لصلوة الصبح وتلك القصّة وان لم اطلع على صحة سندها لكن يكفى للتمثيل مجرد الفرض، قال رسول الله ﷺ والذي نفسى بيده لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم كانّ هذا الحديث اشارة الى هذه الحالة والله اعلم نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ يعنى الصغائر مثل النظرة واللمسة والقبلة ولشباهها قال النبي ﷺ العينان تزنيان واليدان تزنيان والرجلان تزنيان ويصدّق ذلك الفرج او يكذّبه كل ذلك يكفرهن الصلاة والصوم والاذكار ان شاء الله تعالى إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ الصلوات الخمس والجمعة الى الجمعة ورمضان الى رمضان مكفرات لما بينهنّ إذا اجتنب الكبائر رواه مسلم وَنُدْخِلْكُمْ......
مُدْخَلًا كَرِيماً (٣١) قرا نافع مدخلا هاهنا وفى الحج بفتح الميم والباقون بالضم وعلى كلا القرائتين يحتمل المكان فيكون مفعولا به والمصدر على ان المفعول به محذوف اى ندخلكم الجنّة الحسناء او ندخلكم الجنة دخولا حسنا والله اعلم- قال مجاهد قالت أم سلمة يا رسول الله ان الرجال يغزون ولا نغزوا ولهم ضعف ما لنا من الميراث ولو كنا رجالا غزونا كما غزوا وأخذنا من الميراث ما أخذوا فنزلت.
وَلا تَتَمَنَّوْا الاية كذا روى الترمذي والحاكم عن أم سلمة وصححه وقيل لما جعل الله عز وجلّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فى الميراث قالت النساء نحن أحق وأحوج الى الزيادة من الرجال لانا ضعيفات وهم أقوى واقدر على طلب المعاش فانزل الله تعالى هذه الاية وقال قتادة والسدى لما نزل قوله تعالى لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ قال الرجال انا لنرجوان نفضل على النساء بحسناتنا فى الاخرة فيكون أجرنا على الضعف من اجر النساء كما فضلنا عليهن بالميراث فانزل الله تعالى وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لانّ ذلك التفضيل قسمة من الله تعالى صادرة عن حكمة وتدبير والتمني يفضى الى الحسد ولا يفيد شيئا بل ينبغى لكل واحد بذل جهده فى كسب ما يمكنه من الحسنات فان ذلك يوجب القرب عند الله والفضل فى الدار الاخرة لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مكتوب لهم عند الله من الأموال والثواب والفضل مِمَّا اكْتَسَبُوا اى بسبب ما كسبوا من الجهاد وغير ذلك من العبادات المختصة بهم وغير المختصة بهم ومن الغنيمة والإرث والتجارة على ما قدر لهم وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ من المال والثواب مِمَّا اكْتَسَبْنَ من إطاعة الأزواج وحضانة الأولاد وحفظ الفروج وغير ذلك مما يختصّ بهن وما لا يختصّ بهن من العبادات ومن المهور والنفقات والإرث وغير ذلك على ما قدر لهن وَسْئَلُوا اللَّهَ «١» كثرة ثواب الدنيا والاخرة مِنْ فَضْلِهِ اى من خزائنه التي لا ينفد فانه تعالى يعطى ثواب حسنة عشرة أمثالها الى سبعمائة ضعف الى ما شاء الله وكذا يعطى بركة الاكساب فى الدنيا ويفضل بعضهم على بعض فى الرزق ولا يفيد التمني شيئا ولا يجوز الحسد قرا ابن كثير والكسائي
(١) اخرج الترمذي عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ سلوا الله من فضله فان الله يجب ان يسئل واخرج ابن جرير عن رجل من الصحابة لم يسمّه قال قال رسول الله ﷺ سلوا الله من فضله فانه يحب ان يسئل وان من أفضل العبادة انتظار الفرج واخرج احمد عن انس قال رسول الله ﷺ ما سال رجل مسلم الله الجنة ثلاثا الّا قالت الجنة اللهم ادخله الجنة وما استجار رجل مسلم الله من النار ثلاثا الا قالت النار اللهم اجره من النار اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ قال العبادة ليس من امر الدنيا منه رحمه الله
وسلوا وسل فسل يعنى الأمر الحاضر منه إذا كان قبله واو او فاء بنقل حركة الهمزة الى السين وحذف تلك الهمزة وقرا حمزة فى الوقف على أصله والباقون بسكون السين مهموزا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٣٢) فهو عليم بما يستحقه كل انسان من الفضائل وهذا يقتضى سبق استعداد لكل امرئ بما فضله الله به والاستعداد متفرع على استناد الأشياء الى الأعيان الثابتة كما قرّره الصوفية العلية رضى الله عنهم-.
وَلِكُلٍّ المضاف اليه محذوف والظرف متعلق بقوله جَعَلْنا اى جعلنا لكل مال او لكل أحد من الأموات مَوالِيَ اى ورثة يحرزون الأموال ويرثون الأموات مِمَّا تَرَكَ اى تركه ظرف مستقر صفة لمال مقدر على التقدير الاوّل ولا بأس بالفصل بالعامل لان حقه التقديم وظرف لغو متعلق بفعل مقدر دلّ عليه الموالي على التقدير الثاني اى يرثون مما تركه وذلك الفعل المقدر صفة لموالى وقوله الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ على التقدير الاوّل فاعل لترك وعلى التقدير الثاني استيناف مفسّر للموالى وفاعل ترك ضمير راجع الى كل تقديره هم الوالدان والأقربون وجاز ان يقال لكل خبر وجعلنا موالى صفة والعائد محذوف وقوله مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ صفة لمبتدا محذوف تقديره لكل جماعة من ورثة جعلناهم موالى حظ ممّا ترك الوالدان والأقربون وَالَّذِينَ «١» عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ معطوف على الوالدان والأقربون فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ جملة مبينة عن الجملة المتقدمة وجاز ان يكون الموصول مبتدأ متضمنا بمعنى الشرط وقوله تعالى
(١) روى ابو داود فى ناسخه عن داود بن الحصين قال كنت اقرأ على أم سعد ابنة الربيع وكانت يتيمة فى حجر ابى بكر فقرأت عليها والّذين عاقدت ايمانكم فقالت لا ولكن وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ انها نزلت فى ابى بكر وابنه عبد الرحمن حين ابى ان يسلم فحلف ابو بكر انه لا يورثه فلما اسلم امره الله ان يورثه نصيبه قلت وعلى هذا التأويل لا حجة بالآية على ايراث مولى الموالاة روى عبد بن حميد وابن ابى حاتم عن ابى مالك قال كان الرجل فى الجاهلية يأتى القوم فيعقدون له انه رجل منهم ان كان ضرّا او نفعا او دما فانه فيهم مثلهم ويأخذون له من أنفسهم مثل الذي يأخذون منه فكانوا إذا كان قتال قالوا يا فلان أنت منا فانصرنا وان كانت منفعة قالوا أعطنا أنت منا ولم ينصروه كنصرة بعضهم بعضا إذا استنصر وإن نزل به امر أعطاه بعضهم ومنعه بعضهم ولم يعطوه مثل الذي يأخذون منه فاتوا لنبى ﷺ فسالوه وتحرجوا من ذلك وقالوا قد عاقدنا فى الجاهلية فانزل الله تعالى والّذين عاقدت ايمانكم فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ يعنى أتوهم مثل الذي تأخذون منهم واخرجاه من وجه اخر عن ابى مالك قال هو حليف القوم يقول اشهدوا أمركم ومشورتكم واخرج عبد ابن حميد وابن جرير عن ابن عمرو ان رسول الله ﷺ قال يوم الفتح أوفوا بحلف الجاهلية فانه لا يزيد الإسلام الا شدة ولا تحدثوا حلفا فى الإسلام واخرج احمد ومسلم عن جبير بن مطعم ان النبي ﷺ قال لا حلف فى الإسلام وايّما حلف كان فى الجاهلية فلم يزده الإسلام الا شدة واخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رقعه كل حلف كان فى الجاهلية لم يزده الإسلام الا حدة وشدة واخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الزهري قال قال رسول الله ﷺ لا حلف فى الإسلام منه رحمه الله
فاتوهم خبره وجاز ان يكون الموصول منصوبا بمضمر يفسّره ما بعده على طريقة زيدا فاضربه لكن على التأويل الثاني يلزم وقوع الخبر جملة طلبية وتركيب الإضمار على شريطة التفسير يفيد الاختصاص ولا اختصاص هاهنا فالاولى هو التأويل الاوّل ولا عبرة بالوقف على الأقربون فانه غير منقول عن النبي ﷺ وذلك التأويل مناسب لمذهب ابى حنيفة فان عنده يرث مولى الموالاة يعنى الأعلى دون الأسفل جميع التركة او ما بقي بعد فرض أحد الزوجين ان لم تكن للميت عصبة ولا ذو فرض نسبى ولا ذو رحم عند ابى حنيفة رحمه الله وعند وجود أحد منهم لا ميراث له اجماعا وعند الجمهور كان ذلك الحكم فى الجاهلية وفى ابتداء الإسلام وكان نصيب الحليف السدس من مال الحليف ثم نسخ ذلك الحكم بقوله تعالى وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ فلا يرث مولى الموالاة عندهم بحال بل يكون التركة لبيت المال عند عدم الورثة وأورد على ذلك بان النسخ يتفرع على التعارض ولا تعارض هاهنا إذ لا دلالة فى قوله تعالى وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ على نفى ارث الحليف والصحيح انه يدلّ على نفى ارث الحليف لان تمام الاية إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً صريح فى ان الموالي لا بدلهم من الوصية وبدون الوصية ليس لهم شىء غير ان أبا حنيفة يقول ان ارث موالى الموالاة منسوخ عند وجود أحد من اولى الأرحام ونحن نقول به وبقي ارثهم ثابتا عند عدم اولى الأرحام كيف لا وماله حقه فيصرفه الى حيث شاء والصرف الى بيت المال ضرورة عدم المستحق لا انه مستحق كما يقول به الشافعي لان ورثة بيت المال مجهولون والمجهول لا يصلح مستحقا (مسئلة) وللمولى الأسفل ان يسقط ولاءه عن الأعلى ما لم يعقل عنه لانه عقد غير لازم بمنزلة الوصية وكذا للاعلى ان يتبرا عن ولائه لعدم اللزوم الا انه يشترط فى هذا ان يكون بمحضر من الآخر كما فى عزل الوكيل قصدا بخلاف ما إذا عقد الأسفل مع غيره بغير محضر من الاول فحينئذ يسقط ولاؤه عن الاول وإذا عقل الأعلى عن الأسفل فحينئذ لم يكن له ان يتحول بولائه الى غيره إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٣٣) تهديد على منع نصيبهم اخرج ابن ابى حاتم عن الحسن قال جاءت امراة الى النبىّ ﷺ تستعدى على زوجها انه لطمها فقال رسول الله ﷺ القصاص فانزل الله تعالى
الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ الاية فرجعت بغير قصاص وأخرجه ابن ابى شيبة وابو داود فى المراسيل واخرج ابن جرير......
عن الحسن نحوه، وروى الثعلبي والواحدي وكذا ذكر البغوي أنها نزلت فى سعد بن الربيع وكان من النقباء وفى امرأته حبيبة بنت زيد بن ابى زهير قاله مقاتل وقال الكلبي امرأته بنت محمد بن مسلمة وذلك انها نشزت عليه فلطمها فانطلق أبوها معها الى رسول الله ﷺ وقال افرشته كريمتى فلطمها فقال النبي ﷺ لتقتصّ منه فقال النبي ﷺ ارجعوا هذا جبرئيل أتانى فانزل الله تعالى هذه الآية فقال النبىّ ﷺ أردنا امرا وأراد الله امرا والذي أراد الله خير ورفع القصاص واخرج ابن مردوية عن على قال اتى النبي ﷺ رجل من الأنصار بامرأة له فقالت يا رسول الله انه ضربنى فاثرفى وجهى فقال رسول الله ﷺ ليس له ذلك فانزل الله تعالى الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ يقومون عليهن قيام الولاة على الرعية مسلّطون على تأديبهم وسموا الرجال قواما لذلك والقوام والقيّم بمعنى واحد والقوام ابلغ وهو القائم بالمصالح والتدبير والتأديب وعلل ذلك بامرين وهبى وكسبى فقال بِما فَضَّلَ اللَّهُ اى بسبب تفضيل الله بَعْضَهُمْ يعنى الرجال عَلى بَعْضٍ يعنى على النساء فى اصل الخلقة بكمال العقل وحسن التدبير وبسطة فى العلم والجسم ومزيدا لقوة فى الأعمال وعلو الاستعداد ولذلك خصّوا بالنبوة والامامة والولاية والقضاء والشهادة فى الحدود والقصاص وغيرهما ووجوب الجهاد والجمعة والعيدين والاذان والخطبة والجماعة وزيادة السهم فى الإرث ومالكية النكاح وتعدد المنكوحات والاستبداد بالطلاق وكمال الصوم والصلاة من غير فتور وغير ذلك وهذا امر وهبى ولذلك الفضل قال رسول الله ﷺ لو أمرت أحدا ان يسجد لاحد لامرت المرأة ان تسجد لزوجها رواه احمد عن معاذ وعن عائشة نحوه والترمذي عن ابى هريرة وابو داؤد عن قيس بن سعد وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فى نكاحهن من المهور والنفقات الراتبة وهذا امر كسبى ثم قسمهنّ على نوعين اما النوع الاول فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ مطيعات لله تعالى فى أداء حقوق ازواجهنّ حافِظاتٌ لما يجب عليهن حفظه من الفروج واموال الأزواج وأسرارهم لِلْغَيْبِ اى فى غيبة الأزواج او المراد بالغيب ما غاب عن الناس من اسرار الأزواج وأموالهم الخفية واللام صلة بِما حَفِظَ اللَّهُ اخرج ابن جرير عن طلحة ابن مطرف قال فى قراءة ابن مسعود فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ فاصلحوا اليهنّ واخرج عن السدى فاحسنوا اليهنّ قرا ابو جعفر بنصب الجلالة وما حينئذ موصولة وضمير......
الفاعل راجع اليه والمعنى بالأمر الذي حفظ حق الله او طاعة الله وهو التعفف والشفقة على الأزواج وقرأ العامة بالرفع وما حينئذ اما مصدرية يعنى بحفظ الله اياهن بالأمر على حفظ الغيب والتوفيق او يقال اسناد الحفظ إليهن باعتبار الكسب والى الله تعالى باعتبار الخلق والخلق سبب للكسب وامّا موصولة يعنى بالذي حفظ الله لهنّ على الأزواج من المهر والنفقة والقيام بحفظهن والذبّ عنهنّ عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ خير «١» النساء امراة إذا نظرت إليها سرتك وان أمرتها اطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك فى مالها ونفسها ثم تلا الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ الاية رواه البغوي ورواه ابن جرير بلفظ مالك ونفسها وروى النسائي والحاكم والبيهقي فى شعب الايمان عنه قيل لرسول الله ﷺ اى النساء خير قال التي تسرّه إذا نظر وتطيعه إذا امر ولا تخالفه فى نفسها ولا مالها بما يكره وفى رواية تحفظ فى نفسها وماله قال السيوطي فى اكثر طرق الحديث فى نفسها وماله وكذا روى ابن ماجة من حديث ابى امامة وفى بعض الطرق فى نفسها ومالها قال الطيبي أراد بما لها مال الزوج أضاف إليها لادنى ملابسة لانها هى المتصرفة فيه، عن انس قال قال رسول الله ﷺ المرأة إذا صلت خمسها وصامت شهرها وأحصنت فرجها واطاعت بعلها
فليدخل من اىّ أبواب الجنة شاءت رواه ابو نعيم فى الحلية وعن أم سلمة مرفوعا ايّما امراة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة رواه الترمذي واما النوع الثاني فقال وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ اى عصيانهن وتكبرهن واصل النشوز الارتفاع ومنه النشز للموضع المرتفع قيل معنى تخافون تعلمون وفى القاموس جعل من معانى الخوف العلم ومنه وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً وقيل المراد بخوف النشوز خوف دوام النشوز والإصرار عليه ولا يجوز العقوبة قبل ظهور النشوز قلت خوف النشوز يكفى للوعظ فَعِظُوهُنَّ بالقول يعنى خوفوهن عقوبة الله والضرب والهجران وَاهْجُرُوهُنَّ حال كونكم فِي الْمَضاجِعِ إذا لم ينفعهن الوعظ يعنى لا تدخلوهنّ فى اللحف او هو كناية عن الجماع او ان يوليها ظهره فى المضجع وهو الأظهر حيث قال فى المضاجع ولم يقل
(١) عن عمر قال ما استفاده رجل بعد الايمان بالله من امرأة حسنة الخلق ودود ولود وما استفاد رجل بعد الكفر بالله شرّا من امراة سيئة الخلق حديدة اللسان وعن عمر بن الخطّاب قال النساء ثلاث امراة عفيفة مسلمة هبنة لينة ودود ولود تعين أهلها على الدهر ولا تعين الدهر على أهلها وقليل ما تجدها وامراة لم تزد على ان تلد الولد والثالثة غل قمل يجعلها الله فى عنق من يشاء وإذا أراد ان ينزعه نزعه رواه ابن ابى شيبة والبيهقي منه رحمه الله
عن المضاجع وَاضْرِبُوهُنَّ ان لم ينفع الهجران قال اكثر المفسّرين يعنى ضربا غير مبرج اى غير شاق وانما قيدوا بهذا لما روى مسلم عن جابر فى قصّة حجة الوداع فى خطبته ﷺ فاتقوا الله فى النساء فانكم أخذتموهن بامان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن ان لا يوطئن فروشكم أحدا تكرهونه فان فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرج ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف قلت وهذا حديث احاد لا يجوز تقييد مطلق الكتاب بمثله واطلاق الكتاب وسياقه يقتضى ان يكون السياسة على قدر الجريمة فان خاف نشوزها بان ظهرت اماراته منها من المخاشنة وسوء الخلق وعظها فان أظهرت النشوز هجرها فان أصرّت عليه ضربها على قدر نشوزها فان أتت بفاحشة او تركت الصّلوة المكتوبة او صيام رمضان او غسل الجنابة او الحيض بضربها او يحبسها بقدر ما يرى ان تنزجر بها وان كان نشوزها ادنى من ذلك وأصرّت ولم تنزجر بالوعظ والهجران ضربها غير مبرج فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ من أول الأمر او بعد ما نشرت وتابت من النشوز فَلا تَبْغُوا اى لا تطلبوا يقال بغوت الأمر إذا طلبته عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا اى سبيل الإيذاء مفعول به لتبغوا يعنى اجعلوا بعد التوبة ما كان منهن من النشوز كان لم يكن لان التائب من الذنب كمن لا ذنب له إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤) فلا تظلموا من تحت ايديكم واتقوا الله العلى الكبير فانه اقدر عليكم منكم على من تحت ايديكم او انه تعالى مع علو شانه متجاوز عن سيئاتكم ويتوب عليكم فانتم أحق بعفو حقوقكم عن أزواجكم، عن عبد الله بن زمعة قال قال رسول الله ﷺ لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها فى اخر اليوم متفق عليه وعن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه قال قلت يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه قال ان يطعمها إذا طمت ويكسوها إذا اكتسيت ولا يضرب الوجه ولا يقبح ولا يهجر الا فى البيت رواه احمد وابو داؤد وابن ماجة وعن إياس بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ لا تضربوا إماء الله فجاء عمر الى رسول الله ﷺ فقال ذئرن النساء على أزواجهن فرخص فى ضربهن فاطاف بال رسول الله ﷺ نساء كثيرة يشكون أزواجهن فقال رسول الله ﷺ لقد طاف بآل محمد نساء كثيرة يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم رواه ابو داود وابن ماجة والدارمي وعن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ خيركم خيركم لاهله وانا خيركم لاهلى رواه الترمذي والدارمي ورواه ابن ماجة عن ابن عباس.
وَإِنْ خِفْتُمْ ايّها الحكّام شِقاقَ يعنى العداوة والخلاف لان كلا من الأعداء يفعل ما يشق على صاحبه او يميل الى شق اخر غير شق مختار لصاحبه بَيْنِهِما اى بين الزوجين، او رد ضميرهما من غير سبق المرجع لجريان ذكر ما يدل عليهما وهو النشوز لانه عصيان المرأة عن مطاوعة الزوج او يقال ذكر المرأة وضمير الزوج فى قوله تعالى وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ وأضيف الشقاق الى الظرف مجازا كما فى قوله تعالى مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ والخوف بمعنى الظنّ يعنى إذا ظهر من الزوجين ما ظننتم به تباغضهما واشتبه حالهما فى الحق والباطل فَابْعَثُوا الى الرجل حَكَماً يعنى رجلا عاقلا عادلا يصلح للحكومة مِنْ أَهْلِهِ وَابعثوا الى المرأة رجلا اخر حَكَماً مِنْ أَهْلِها وانما قيد بكون الحكمين من أهلهما لان الأقارب اعرف ببواطن الأحوال واطلب للصلاح وهذا القيد استحبابى ولو بعثوا أجنبيين جاز فيبحث الحكمان عن أحوالهما ويعرفان الظالم منهما فان كان الظلم من الزوج امراه بامساك بمعروف او تسريح بإحسان وان كان النشوز منها امراها باطاعة الزوج او الافتداء روى البغوي بسنده من طريق الشافعي عن عبيدة انه قال فى هذه الاية انه جاء رجل وامراة الى على بن ابى طالب رضى الله عنه ومع كل واحد منهما قيام من الناس فامرهم علىّ فبعثوا «١» حكما من اهله وحكما من أهلها ثم قال للحكمين تدريان ما عليكما، عليكما ان رايتما ان تجمعا تجمعا وان رايتما ان تفرّقا تفرقا قالت المرأة رضيت بكتاب الله بما علىّ فيه ولى وقال الرجل اما الفرقة فلا فقال على كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به فقال مالك يجوز لحكم الزوج ان يطلق المرأة بدون رضاء الزوج ولحكم المرأة ان يختلع بدون رضاء المرأة ويجب عليها المال إذا راى الصلاح فى ذلك حيث ملّك علىّ الحكمين الجمع والتفريق وكذّب الزوج على نفى الفرقة وعند جمهور العلماء ليس للحكمين ذلك بل ان كان الزوجان وكلهما بالتطليق والخلع فعلا ذلك والا أصلحا بينهما بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ما أمكن والا شهدا عند الحاكم بظلم أحد الزوجين فجبر الحاكم الظالم منهما اما الزوج على إمساك بمعروف او تسريح بإحسان وامّا الزوجة على ترك النشوز أو الافتداء وقول على للرجل حتى تقر دليل على انّ رضاه شرط للفرقة فما لم يؤكله المطلاق ويفوض امره اليه لا ينفذ طلاقه إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما الضمير الاول
(١) عن ابن عباس بعثت انا ومعاوية حكمين فقيل لنا ان رأيتما ان تجمعا جمعتما وان رايتما ان تفرقا فرقتما والذي بعثهما عثمان رضى الله عنه منه رحمه الله،
للحكمين والثاني للزوجين يعنى ان قصد الحكمان «١» إصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة، أوقع الله بحسن سعيهما بين الزوجين الوفاق والالفة وجاز ان يكون المراد بالإصلاح ما هو اعمّ من الوفاق والفراق يعنى ان أراد اما هو الأصلح من ابقاء النكاح او إيقاع الطلاق يوفق الله بينهما ذلك الأصلح او الضمير ان للحكمين يعنى ان قصد الإصلاح ونصر المظلوم ولم يكن ارادة أحدهما اعانة قريبة على الباطل يوفق الله بينهما فيتفقان على الكلمة الواحدة حتى يتم المراد او الضميران للزوجين يعنى ان يريد الزوجان إصلاح ما بينهما او طلبا ما هو الأصلح القى الله بينهما الالفة او وفقهما الله بما هو الأصلح وفيه تنبيه على ان من أصلح نيته فيما يفعل أصلح الله عاقبة امره إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بما فى الضمائر وبعواقب الأمور خَبِيراً (٣٥) بالظالم من الزوجين فيجازيه-.
وَاعْبُدُوا اللَّهَ فى الصحاح العبودية اظهار التذلل والعبادة ابلغ منها لانها غاية التذلل ولا يستحقها الا من له غاية العظمة ونهاية الإفضال قلت ولهذا نهى عن الإشراك به تعالى فى العبادة وقال وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً منصوب على المفعولية والتنوين للتحقير وفيه توبيخ اى لا تشركوا به حقيرا مع عدم تناهى كبريائه إذ كل ممكن بالنسبة الى الواجب حقير جدّا او على المصدرية يعنى لا تشركوا به شيئا من الإشراك خفيا ولا جليا والعبادة ضربان عبادة بالتسخير لا يمكن لشىء من الممكنات الاستنكاف عنها وعبادة بالاختيار وهو المأمور به فى الآية والمراد به امتثال أوامره والانتهاء عما نهى عنه قال الصوفية العلية العبادة عبارة عن جعل العبد نفسه عديم الارادة والاختيار كالميّت بين يدى الغسّال فى امتثال أوامره ونواهيه راضيا بما قضى فيه حتى يكون فى أوامره التكليفية والتكوينية على انهج واحد قال الله تعالى وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، عن معاذ بن جبل قال كنت رديف النبي ﷺ فقال يا معاذ هل تدرى ما حق الله على العباد قال قلته ورسوله اعمل قال حقه عليهم ان يعبدوه ولا يشركوا به شيئا اتدرى يا معاذ ما حق الناس على الله إذا فعلوا ذلك قال قلت الله ورسوله اعلم قال فانّ حق الناس على الله ان لا يعذبهم قال قلت يا رسول الله الا ابشر الناس قال دعهم يعملون رواه البغوي وفى الصحيحين نحوه قلت وعند الصوفية معنى لا يعذبهم ان لا يعذبهم بعذاب الهجر والفراق وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً يعنى أحسنوا بهما إحسانا،
(١) فى الأصل ان قصدا الحكمين [..... ]
عن معاذ قال أوصاني رسول الله ﷺ بعشر كلمات قال لا تشرك بالله وان قتلت او حرقت ولا تعقن والديك وان امراك ان تخرج من أهلك ومالك الحديث رواه احمد وَبِذِي الْقُرْبى مصدر بمعنى القرابة يعنى أحسنوا بذي القرابة عن سلمان بن عامر قال قال رسول الله ﷺ الصدقة على المسكين صدقة وهى على ذى الرحم صدقة وصلة رواه احمد والنسائي وابن حبان والحاكم والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن خزيمة وصححه ولفظه وعلى القريب صدقتان صدقة وصلة وبهذه الاية يظهر وجوب نفقة الوالدين والأقارب لكن يشترط ان يكون غنيا لقوله تعالى يسئلونك ماذا ينفقون قل العفو يعنى الفاضل عن حاجته وقال عليه السلام خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول رواه البخاري عن ابى هريرة وحكيم ومسلم عن حكيم ويشترط لوجوب نفقة الأقارب غير الوالدين كونه عاجزا عن الكسب بان يكون صغيرا او زمنا او امراة ولا يشترط ذلك فى الوالدين وجه الوجوب انه ليس من الإحسان ان يكون هو غنيا ويموت قريبه جوعا وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ والإحسان الواجب فى هؤلاء ان يؤتيهم زكوة ماله وما زاد على ذلك فمستحبّ عن سهل بن سعد قال قال رسول الله ﷺ انا وكافل اليتيم فى الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا رواه البخاري وعن ابى امامة عن النبي ﷺ قال من مسح رأس يتيم لم يمسحه الا لله كان له بكل شعر تمرّ عليها يده عشر حسنات ومن احسن الى يتيمة او يتيم عنده كنت انا وهو فى الجنة كهأتين وفرق بين إصبعيه رواه البغوي وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى يعنى الجار الذي قرب جواره او يكون جارا وذا قرابة فى النسب او فى الدين وَالْجارِ الْجُنُبِ يعنى الجار الذي بعد جواره او يكون جارا بلا قرابة وبلا اشتراك فى الدين عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ الجيران ثلاثة فجادله ثلاثة حقوق حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام وجارله حقان حق الجوار وحق الإسلام وجادله حق واحد حق الجوار وهو المشرك من اهل الكتاب رواه الحسن بن سفيان والبزار فى مسنديهما وابو الشيخ فى كتاب الثواب وابو نعيم فى الحلية وروى ابن عدى فى الكامل من حديث عبد الله بن عمر ونحوه والحديثان كلاهما ضعيفان وعن عائشة قالت يا رسول الله انّ لى جارين فالى أيهما اهدى قال الى أقربهما منك بابا رواه البخاري وعن ابى ذر قال قال النبي ﷺ إذا طبخت عرقة......
فاكثر مائها وتعاهد جيرانك رواه مسلم وعن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ ما زال جبرئيل يوصينى بالجار حتى ظننت انه سيورثه رواه البخاري وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة هو الرفيق فى السفر وقال ابن جريح وابن زيد الذي يصحبك رجاء نفعك فيشتمل التلميذ وتلميذ استاده وقال على وعبد الله وابراهيم النخعي هو المرأة تكون مع جنبه وَابْنِ السَّبِيلِ قيل هو المسافر والأكثرون على انه الضيف عن ابى شريح الخزاعي ان النبىّ ﷺ قال من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليحسن الى جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليقل خيرا او ليصمت رواه البغوي وفى الصحيحين عن ابى شريح الكعبي ان رسول الله ﷺ قال من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة والضيافة ثلاثة ايام فما بعد ذلك فهو صدقة ولا يحل له ان يثوى عنده حتى يحرجه وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليقل خيرا او ليصمت متفق عليه وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ اى العبيد والإماء، قلت ويدخل فيه البهائم ايضا، عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم للمملوك طعامه وكسوته وان لا يكلف من العمل ما لا يطيق رواه مسلم وعن ابى ذر قال قال رسول الله ﷺ إخوانكم جعلهم الله تحت ايديكم فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه ممّا يلبس ولا يكلف من العمل ما يغلبه فان كلفه ما يغلبه فليعنه عليه متفق عليه وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا صنع لاحدكم خادمه طعامه وقد ولى حره ودخانه فليقعده معه وليأكل فان كان الطعام مشفوها قليلا فليضع به فى يده منه أكلة او اكلتين رواه مسلم وعن ابى مسعود الأنصاري قال كنت اضرب غلاما لى فسمعت من خلفى صوتا اعلم أبا مسعود لله اقدر عليك منك عليه فالتفت فاذا هو رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله هو حرّ لوجه الله تعالى فقال اما لو لم تفعل للفحتك النار او لمسّنتك النار رواه مسلم وعن أم سلمة عن النبي ﷺ انه كان يقول فى مرضه الصّلوة وما ملكت ايمانكم رواه البيهقي فى شعب الايمان وروى احمد وابو داؤد عن علي نحوه وعن جابر عن النبي ﷺ قال ثلاث من كن فيه يسر الله حقه وادخله الجنة......
رفق بالضعيف وشفقة على الوالدين واحسان الى المملوك رواه الترمذي وعن عبد الله بن عمرو قال جاء رجل الى النبي ﷺ فقال يا رسول الله كم نعفو من الخادم فسكت ثم أعاد عليه الكلام فصمت فلما كانت الثالثة قال اعفوا عنه كل يوم سبعين مرة رواه الترمذي وروى ابو داؤد عن عبد الله ابن عمرو وعن سهل بن حنظلة قال مرّ رسول الله ﷺ ببعير قد لحق ظهره ببطنه فقال اتقوا الله فى هذه البهائم المعجمة فاركبوها صالحة واتركوها صالحة رواه ابو داود وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ الا أنبئكم بشراركم الذي يأكل وحده ويجلد عبده ويمنع رفده رواه رزاين وعن ابى سعيد قال قال رسول الله ﷺ إذا ضرب أحدكم خادمه فذكر الله فارفعوا ايديكم رواه الترمذي، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ اى يبغض ذكر عدم الحبّ وأراد به البغض مَنْ كانَ مُخْتالًا متكبرا يأنف عن أقاربه وجيرانه وأصحابه لا يلتفت إليهم فَخُوراً (٣٦) يتفاخر عليهم، عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ بينما رجل يتبختر فى بردين وقد أعجبته نفسه خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها الى يوم القيامة (كذا بياض فى الأصل) وعن ابن عمر قال ان رسول الله ﷺ قال لا ينظر الله يوم القيامة الى من جرّثوبه خيلاء متفق عليه وعن عياض بن حمار الأشجعي ان رسول الله ﷺ قال ان الله اوحى الىّ ان تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغى أحد على أحد رواه مسلم وعن جابر بن عبد الله ان رسول الله ﷺ قال يا معشر المسلمين اتقوا الله فان ريح الجنة يوجد من مسيرة الف عام وانه لا يجد عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ولا جار إزاره خيلاء وانما الكبرياء لربّ العلمين، الحديث رواه الطبراني فى الأوسط.
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ممّا وجب عليه بدل من من كان بدل الكل لانّ المختال الفخور يبخل عن إيفاء بنى نوعه التواضع او لانه أراد بالمختال هذا الفرد وجمع الموصول نظرا الى معنى من وجاز ان يكون منصوبا على الذم او مرفوعا على انه خبر مبتدا محذوف اى هم الذين او مبتدا خبره محذوف تقديره الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ أحقاء لكل ملامة او أحقاء بالعذاب ويدل على التقدير الثاني التذئيل بقوله أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ الاية قرا حمزة والكسائي بالبخل هاهنا وفى الحديد بفتح الباء والخاء والباقون بضم الباء وسكون الخاء وهما لغتان قال البغوي قال ابن عباس وابن زيد نزلت......
الاية فى كردم بن زيد وحيى بن اخطب ورفاعة بن زيد بن التابوت واسامة بن حبيب ونافع بن ابى نافع وبحرى بن عمرو من اليهود كانوا يأتون رجالا من الأنصار ويخالطونهم فيقولون لا تنفقوا أموالكم فانا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون كذا اخرج ابن إسحاق وابن جرير بسند صحيح عن ابن عباس فعلى هذا المراد بالبخل البخل بالمال وقال سعيد بن جبير المراد بالبخل كتمان العلم اخرج ابن ابى حاتم من طريق عطية العوفى وهو ضعيف عن ابن عباس انها نزلت فى الذين كتموا صفة محمد ﷺ ولا بخل فوق إمساك العلم بصفة النبي ﷺ وامر بعضهم بعضا بذلك وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعنى المال او العلم وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ وضع الظاهر موضع المضمر اشعارا بان من هذا شأنه فهو كافر لنعمة الله ومن كان كافرا لنعمة الله هيّئنا له عَذاباً مُهِيناً (٣٧) كما أهان النعمة بالبخل والكتمان ووضع ضمير المتكلم موضع الغائب لتفخيم العذاب ومزيد التهويل عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار ولجاهل سخى احبّ الى الله من عابد بخيل رواه الترمذي وعن ابى سعيد مرفوعا خصلتان لا تجتمعان «١» فى مؤمن البخل وسوء الخلق رواه الترمذي وعن ابى بكر الصديق عنه ﷺ لا يدخل «٢» الجنة خبّ «٣» ولا بخيل ولا منان رواه الترمذي-.
وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ رياء مفعول له للانفاق يعنى ينفقون لان يراه الناس ويقولوا ما أجودهم والموصول معطوف على الموصول يعنى الذين يبخلون ووجه المشاركة بينهما فى الذم ان الانفاق رياء كعدم الانفاق او ان البخل والإسراف طرفا انفاق على ما لا ينبغى بالإفراط والتفريط سيان فى استجلاب الذّم والعذاب او مبتدا وخبره محذوف يعنى فالشيطان قرين له يدل على المحذوف قوله تعالى وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً او معطوف على الكفرين فان الانفاق رياء كفر واشراك خفىّ ولذلك عطف عليه وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى انا اغنى الشركاء «٤»
(١) وعن ابى بكر الصديق قال سمعت رسول الله ﷺ يقول لا يدخل الجنة سيّىء الملكة منه رحمه الله
(٢) خبّ اى خدّاع وهو الجربز الذي يسعى بين الناس بالفساد منه رحمه الله
(٣) فى الأصل لا يجتمع
(٤) فى الأصل قال رسول الله ﷺ انا اغنى الشركاء. هـ
عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معى غيرى تركته وشركه وفى رواية فانا منه برىء هو للذى عمله رواه مسلم وفى حديث عمر بن الخطّاب عن معاذ مرفوعا ان يسير الرياء شرك هذه الاية نزلت فى اليهود كما ذكرنا وقال السدى فى المنافقين وقيل فى مشركى مكة المنفقين أموالهم فى عداوة النبي ﷺ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً صاحبا وخليلا فَساءَ قَرِيناً (٣٨) المخصوص بالذم محذوف يعنى الشيطان ففيه تحذير عن متابعة الشيطان ومصاحبته او المخصوص من يكن الشيطان له قرينا ففيه اشارة الى ما فعلوه من الشرور من البخل والرياء وغير ذلك انما هو بمقارنة الشيطان وجاز ان يكون وعيدا لهم بان الشيطان يقرن بهم فى النار.
وَماذا عَلَيْهِمْ يعنى ما الذي عليهم او اىّ مضرة يلحقهم لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فان شكر المنعم حسن لذاته لا يحتمل المضرة أصلا عقلا ولا نقلا وَأَنْفَقُوا فى سبيل الله لتحصيل مرضات الله وطمع ثوابه بعشرة أمثاله الى سبعمائة ضعف والى ما شاء الله مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ اى شيئا قليلا من كثير رزقهم الله يعنى ربع العشر فى النقود او اقل منه فى السوائم بعد ما كان نصابا فاضلا عن الحوائج فان ذلك غير شاقّ على أحد ولا حرج فيه أصلا فالاستفهام للتوبيخ على جهلهم المركب حيث يزعمون ما فيه كمال المنفعة مضرة، وفيه تحريض على الفكر لطلب الجواب حتى يظهر لهم الفوائد الجليلة والعوائد الجميلة فيما يدعو اليه الله ورسوله وتنبيه على ان المدعو الى امر إذا علم انه لا ضرر فى ذلك الأمر ينبغى ان يجيب احتياطا فكيف عند ظهور منافعه وعوائده وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (٣٩) وعيد لهم-.
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ المثقال مفعال من الثقل والذرة هى النملة الصغيرة الحمراء وقيل الذرة اجزاء الهباء المرئية فى الكوة ولا يكون لها ثقل والمعنى ان الله لا يظلم شيئا وفيه اشارة الى ان ما اعدّ الله تعالى للكافرين من العذاب المهين عدل ليس بظلم بل ترك تعذيبهم بعد اتلافهم حقوق الله تعالى من التوحيد والعبادة وحقوق الوالدين والأقربين وغيرهم كانّه ظلم بالنسبة الى من ما منعوا عن الحقوق ويمكن ان يقال انهم استحقوا العذاب بحيث لو منعوا عن التعذيب كانوا كانهم ظلموا والظلم عبارة عن وضع الشيء فى غير محلّه وفعل شىء لا يجوز فعله وذلك غير متصور من الله تعالى فانه تعالى خالق الأشياء مالك الملك......
لو عذب العالمين من غير ذنب لا يكون ظلما لكن المراد هاهنا انه لا يفعل فعلا لو صدر ذلك الفعل من غيره عد ظلما يعنى انه تعالى لا ينقص من أجور الطاعات ولا يزيد فى عقاب المعاصي روى البغوي بسنده عن انس ان رسول الله ﷺ قال ان الله لا يظلم المؤمن حسنة ثياب عليها الرزق فى الدنيا ويجزى بها فى الاخرة وامّا الكافر فيطعم فى الدنيا حتى إذا افضى الى الاخرة لم يكن له حسنة يعطى بها خيرا رواه احمد ومسلم وعن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ إذا خلص المؤمنون من النار وأمنوا فما مجادلة أحدكم لصاحبه فى الحق يكون له فى الدنيا باشدّ مجادلة من المؤمنين بربهم فى إخوانهم الذين ادخلوا النار قال يقولون ربّنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويحجّون معنا قال فيقول اذهبوا فاخرجوا من عرفتم منهم فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم لا تأكل النار صورهم فمنهم من أخذته النار الى انصاف ساقيه ومنهم من أخذته الى كعبيه فيخرجونهم فيقولون ربنا قد أخرجنا من امرتنا قال ثم يقول اخرجوا من كان فى قلبه وزن دينار من الايمان ثم من كان فى قلبه وزن نصف دينار حتى يقول من كان فى قلبه مثقال ذرّة قال ابو سعيد فمن لم يصدق هذا فليقرا هذه الاية إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً قال فيقولون ربنا قد أخرجنا من امرتنا فلم يبق فى النار أحد فيه خير ثم يقول الله عز وجلّ شفعت الملائكة وشفعت الأنبياء وشفع المؤمنون وبقي ارحم الراحمين قال فيقبض قبضة من النّار او قال قبضتين ناسا لم يعملوا لله خيرا قطّ قد احترقوا حتى صاروا حمما فيؤتى بهم الى ماء يقال له ماء الحياة فيصب عليهم فينبتون كما ينبت الحبّة فى حميل السيل قال فيخرج أجسادهم مثل اللؤلؤ فى أعناقهم الخاتم عتقاء الله فيقال لهم ادخلوا الجنّة فما تمنيتم او رأيتم شيئا فهو لكم، قال فيقولون ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العلمين قال فيقول فانّ عندى لكم أفضل منه فيقولون ربنا وما أفضل من ذلك فيقول رضائى عنكم فلا أسخط عليكم ابدا رواه البغوي بسنده وفى الصحيحين نحوه فى حديث طويل وليس فيهما قول ابى سعيد فمن لم يصدق هذا فليقرا هذه الاية وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله ﷺ ان الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل مدّ البصر ثم يقول الله أتنكر هذا شيئا أظلمك كتبتى الحافظون فيقول لا يا ربّ فيقول افلك عذر او حسنة فبهت الرجل قال لا يا ربّ......
فيقول بلى ان لك عندنا حسنة وانه لا ظلم عليك اليوم فيخرج له بطاقة فيها اشهد ان لا اله الا الله وان محمدا عبده ورسوله فيقول احضر وزنك فيقول يا ربّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فقال انك لا تظلم قال فيوضع السجلات فى كفة والبطاقة فى كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة قال فلا يثقل مع اسم الله شىء رواه ابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه وقال قوم معنى هذه الاية إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ للخصم على الخصم بل يأخذ له منه ولا يظلم مثقال ذرّة يبقى له بل يثيبه عليها ويضعفها له كما قال وَإِنْ تَكُ حذف النون من غير قياس تشبيها بنون الرفع ولم يعد الواو التي حذفت لالتقاء الساكنين بعد حذف النون وهذا خلاف قياس اخر وكانهم
لم يعيدوها تحرزا عن صورة ابقاء حرف العلة فى اخر الكلمة مع الجازم حَسَنَةً واحدة قرا اهل الحجاز بالرفع على ان تكون تامة وحسنة فاعلها والباقون بالمنصب على انها ناقصة وضمير الاسم راجع الى مثقال ذرّة وانث الضمير لتانيث الخبر او لاضافة المثقال الى مؤنث يعنى ان يك مثقال ذرّة حسنة يُضاعِفْها اى يجعلها أضعافا كثيرة عن ابى هريرة قال والله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول انّ الله ليضاعف الحسنة الفى الف حسنة رواه ابن جرير وابن ابى شيبة وَيُؤْتِ صاحبه مِنْ لَدُنْهُ تفضّلا زائدا على ما وعد فى مقابلة العمل أَجْراً عَظِيماً (٤٠) قال البغوي قال ابو هريرة إذا قال الله اجرا عظيما فمن يقدر قدره عن ابن مسعود قال إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم نادى مناد الا من كان يطلب مظلمة فليجىء الى حقّه فليأخذ فيفرح المرء ان يكون له الحق على والده او ولده او زوجته او أخيه فيأخذ منه وان كان صغيرا ومصداق ذلك فى كتاب الله عز وجلّ فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ الاية ويؤتى بالعبد وينادى مناد على رءوس الأولين والآخرين هذا فلان فمن كان له عليه حق فليأت الى حقّه ثم يقال له ات هؤلاء حقوقهم فيقول يا رب من اين وقد ذهبت الدنيا فيقول الله عزّ وجلّ لملائكته انظروا فى اعماله وأعطوهم منها فان بقي مثقال ذرّة حسنة قالت الملائكة يا ربنا بقي له مثقال ذرّة حسنة فيقول الله ضعّفوه لعبدى وأدخلوه بفضل رحمتى الجنة ومصداق ذلك فى كتاب الله عزّ وجلّ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وان كان عبدا شقيا قالت الملائكة الهنا فنيت حسناته وبقي طالبون فيقول الله عزّ وجلّ خذوا......
من سيئاتهم فاضيفوها الى سيئاته ثم صكّوا له صكا الى النار رواه البغوي وكذا روى ابن المبارك وابو نعيم وابن ابى حاتم-.
فَكَيْفَ خبر مبتدا محذوف يعنى كيف هؤلاء الكفار والاستفهام للتهويل والفاء للتفريع على مفهوم ما سبق يعنى إذا علمت ان الله لا يظلم على أحد بل يأخذ لكلّ صاحب حق حقه ممن ظلمه ولا يترك منه شيئا فكيف حال هؤلاء الذين لم يؤدّوا حقوق الله وحقوق العباد إِذا جِئْنا متعلق بالتهويل المستفاد من الاستفهام مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ يعنى نبى ذلك الامة يشهد عليهم بما عملوا من خير او شرّ وما أجابوه وما كذبوه وَجِئْنا بِكَ يا محمد عَلى هؤُلاءِ يعنى أمتك امة الدعوة شَهِيداً (٤١) يشهد النبي ﷺ مكى جميع الامة من رآه ومن لم يره اخرج ابن المبارك عن سعيد بن المسيّب قال ليس من يوم الّا وتعرض على النبي ﷺ أمته غدوة وعشية فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم وروى البخاري عن ابن مسعود قال قال لى النبي ﷺ اقرأ علىّ قلت يا رسول الله اقرأ عليك وعليك انزل قال نعم فقرات سورة النساء حتى إذا أتيت هذه الاية فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً قال حسبك الان فالتفت اليه فاذا عيناه تذر فان وقيل المشار اليه بهؤلاء الأنبياء فانهم يشهدون على الأمم والنبي ﷺ يشهد على صدقهم وقيل المشار اليه مؤمنوا هذه الامة يشهدون للانبياء على الأمم والنبي ﷺ يصدّقهم ويزكيهم وقد ذكرنا شهادتهم على الأمم فى البقرة فى تفسير قوله تعالى لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ.
يَوْمَئِذٍ يعنى يوم إذا كان كذلك يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ لو للتمنى يعنى يتمنى الذين أتوا بالكفر والعصيان جميعا او بأحدهما قرا نافع وابن عامر تشوّى بفتح التاء وتشديد السين بإدغام تاء التفعل فى السين وحمزة والكسائي بفتح التاء وتخفيف السين على حذف تاء التفعل واصله على القراءتين تتسوى والباقون بضم التاء والتخفيف على البناء للمفعول من التفعيل قال قتادة وابو عبيدة يعنى لو تخرقت الأرض فصاروا فيها ثمّ تسوى الأرض عليهم وقيل معناه ودوا انهم لم يبعثوا وقال الكلبي يقول الله للبهائم والوحوش والطيور والسباع كونوا ترابا فتسوى بهن الأرض فعند ذلك يتمنى الكافر وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ......
حَدِيثاً
(٤٢) قال عطاء ودوا لو تسوّى بهم الأرض وانهم لم يكونوا كتموا امر محمد ﷺ ولا نعته يعنى جملة لا يكتمون معطوف على تسوّى داخل فى التمني وصيغة المضارع بمعنى الماضي، وقال الآخرون بل هو كلام مستانف يعنى لا يقدرون على كتمانه لان ما عملوه لا يخفى على الله، وجوارحهم تشهد عليهم فعلى هذا جملة لا يكتمون معطوف على يودّ وقيل الواو للحال من فاعل يودّ يعنى يودّون ان تسوى بهم الأرض وحالهم انهم لا يكتمون من الله حديثا ولا يكذبونه بقولهم وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ قال سعيد بن جبير قال رجل لابن عباس انى لاجد فى القرآن أشياء تختلف علىّ قال هات ما اختلف عليك قال فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ... وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ وقال وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً وقال وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فقد كتموا وقال أَمِ السَّماءُ بَناها الى قوله وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض ثم قال أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ الى قوله طائعين فذكر فى هذه الآيات خلق الأرض قبل خلق السماء وقال وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً فكانه كان ثم قضى فقال ابن عباس فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ هذا فى النفخة الاولى إذا نفخ فى الصور فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ثم فى النفخة الاخرى أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ واما قوله تعالى ما كُنَّا مُشْرِكِينَ...، وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً فانهم لمّا راوا يوم القيامة ان الله يغفر لاهل الإسلام ذنوبهم ولا يغفر للمشركين جحد المشركون رجاء ان يغفر لهم فقالوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فيختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون فعند ذلك يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً وخلق الله الأرض فى يومين ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فى يومين آخرين ثم دحى الأرض فى يومين فخلقت الأرض وما فيها من شىء فى اربعة ايام وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً اى لم يزل كذلك فلا يختلف عليك القران فان كلا من عند الله كذا اخرج البخاري وغيره وقال الحسن انها مواطن ففى موطن لا يتكلمون فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً وفى موضع يتكلمون ويكذبون ويقولون ما كُنَّا مُشْرِكِينَ وما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ وفى موطن يعترفون على أنفسهم وهو قوله تعالى فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ وفى موضع يَتَساءَلُونَ وفى موضع يسئلون......
الرجعة واخر تلك المواطن ان يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم وهو قوله تعالى وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حديثا والله اعلم- روى ابو داود والترمذي وحسنه والحاكم عن على عليه السّلام قال صنع لنا عبد الرحمن ابن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر وذلك قبل تحريم الخمر فاخذت الخمر منا وحضرت الصلاة فقدّمونى فقرات قل يا ايّها الكافرون اعبد ما تعبدون بحذف لا هكذا الى اخر السّورة فانزل الله تعالى.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى يعنى لا تقربوها فى حال سكركم حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ذكر هذا القيد لتعيين حدّ السكر الذي يمنع قربان الصلاة فان قيل الشكر إذا بلغ حدا لا يعلم الرجل ما يقول فحينئذ لا يصح خطابه فكيف خوطب بالنهى عن اقتراب الصلاة قلنا الخطاب توجه بعد الصحو والمراد به النهى عن اقتراب المسكر فى اوقات الصلاة قال البغوي فكانوا بعد نزول هذه الاية يجتنبون السكر فى اوقات الصلاة حتى نزل تحريم الخمر يعنى اية المائدة او يقال هذا نهى ومعناه النفي يعنى لا صلوة لكم وأنتم سكارى وحَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ غاية لنفى الصلاة على التقدير الثاني وعلى التقدير الاول حتى لتعليل النهى بمعنى كى وقال الضحاك بن مزاحم أراد به سكر النوم نهى عن الصلاة عند غلبة النوم عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ إذا نعس أحدكم وهو يصلى فلير قد حتى يذهب عنه النوم فان أحدكم إذا صلى وهو ينعس لعله يذهب يستغفر فيسبّ نفسه متفق عليه ورواه ابو داود والترمذي وابن ماجة وفى هذه الاية تنبيه على انه يجب على المصلى ان يحضر قلبه حتى يعلم ما يقول ويتعلم معانى القران ويتدبر فيه ويتحرز عما يلهيه ويشغل قلبه والله اعلم واخرج الطبراني عن الاسلع قال كنت اخدم النبي ﷺ وارحل له فقال لى ذات يوم يا اسلع قم فارحل فقلت يا رسول الله أصابتني جنابة وكذا روى ابن مردوية بلفظ أصابتني جنابة فى ليلة باردة فخشيت ان اغتسل بالماء البارد فاموت او امرض فأتاه جبرئيل باية الصعيد فارانى التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين الى المرفقين فقمت فيتممت ثم رحلت وكذا اخرج الفريابي وابن المنذر وابن ابى حاتم عن على عليه السّلام قال هذه الاية قوله وَلا جُنُباً فى المسافر تصيبه الجنابة فيتيمم انتهى وسنذكر فى سورة المائدة ان شاء الله تعالى انّ اوّل اية......
نزلت لرخصة التيمم اية المائدة وهى اسبق من هذه ولعل نزول هذه الاية لرخصة التيمم لمن خشى المرض او الموت باستعمال الماء البارد فى ليلة باردة كما يدل عليه حديث الاسلع والله اعلم والجنب الذي أصابته الجنابة ويستوى فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع فصحّ عطفه على وأنتم سكارى وفى القاموس الجنابة المنى وقالت الحنفية الجنابة فى اللغة خروج المنى على وجه الشهوة يقال اجنب الرجل إذا قضى شهوته من المرأة بالانزال وقال بعض العلماء الجنابة يطلق على مجرد الجماع انزل اولم ينزل نقل الحافظ ابن حجر عن الشافعي ان كلام العرب يقتضى ان الجنابة يطلق بالحقيقة على الجماع وان لم يكن معه إنزال قال فان كل من خوطب بان فلانا اجنب من فلانة يفهم انه أصابها وان لم ينزل واصل الجنابة البعد سمى الجماع جنابة لمجانبته الناس وبعده منهم فى تلك الحالة فذهب داود الى انه لا يجب الغسل بالجماع ما لم ينزل زعما منه ان الجنابة هو خروج المنى واحتج على ذلك بحديث أبيّ بن كعب انه قال يا رسول الله إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل قال يغتسل ما مس المرأة منه ثم يتوضا ويصلى متفق عليه وحديث ابى سعيد الخدري ان رسول الله ﷺ أرسل الى رجل من الأنصار فجاء ورأسه يقطر فقال النبي ﷺ لعلّنا اعجلناك قال نعم فقال رسول الله ﷺ إذا عجلت او قحطت فعليك الوضوء متفق عليه وفى لفظ مسلم قصّة وفيه انما الماء من الماء- (مسئلة) واجمع الائمة الاربعة وجمهور المسلمين على وجوب الغسل بالجماع وان لم ينزل فان كانت الجنابة بمعنى الجماع كما قاله الشافعي وهو المناسب للاشتقاق فالحكم ثابت بإطلاق هذه الاية وان كانت بمعنى خروج المنى بشهوة فهذا المعنى ثابت فى الجماع امّا حقيقة وامّا حكما لان الجماع سبب لخروج المنى غالبا والذكر عند الجماع يغيب عن النظر والمعنى قد يرق فلا يدرك خروجه فاقيم السبب مقام المسبّب كالنوم أقيم مقام الحدث لانه مظنة خروج الريح غالبا، قال رسول الله ﷺ العينان وكاء السية فاذا نامت العينان استطلق الوكاء رواه احمد وابو داؤد وابن ماجة والدارقطني عن على وايضا الحجة على وجوب الغسل بالجماع مطلقا الأحاديث
والإجماع عن ابى هريرة عن النبي ﷺ قال إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهد بها وجب الغسل متفق عليه وعن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ......
إذا قعد بين الشعب الأربع والزق الختان الختان فقد وجب الغسل رواه مسلم وروى الترمذي وصححه بلفظ إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل فعلته انا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا والحديثان اللذان احتج بهما داؤد منسوخان روى احمد واصحاب السنن عن سهل بن سعد حدثنى ابى بن كعب ان الأنصار كانوا يقولون الماء من الماء رخصة كان رسول الله ﷺ رخصها فى اوّل الإسلام ثم أمرنا بالاغتسال بعد، صححه ابن خزيمة وابن حبّان وقال الإسماعيلي هو صحيح على شرط البخاري فان قيل جزم ابن هارون والدارقطني ان الزهري لم يسمعه عن سهل وقال الحافظ ابن حجر وقع عند ابى داؤد ما يقتضى انقطاعه فقال عن عمرو بن الحرب عن ابن شهاب حدثنى بعض من ارضى ان سهل بن سعد أخبره ان أبيّ بن كعب أخبره قلنا ان سند ابى داؤد صحيح لان الثقة إذا قال أخبرني ثقة او من ارضى يكون الحديث صحيحا وهذا لا يستلزم ان يكون سند احمد وابن ماجة وغيرهما منقطعا لانه يمكن ان الزهري سمعه عن ثقة عن سهل ثم لقى سهلا فحدثه، (مسئلة) ويجب الغسل بخروج المنى ايضا اجماعا غير ان أبا حنيفة ومحمدا «١» ومالكا واحمد يشترطون ان يكون الخروج بدفق وشهوة عند الانفصال وقال ابو يوسف بدفق وشهوة عند الانفصال والخروج جميعا وقال الشافعي خروج المنى موجب للغسل وان لم يقارن اللذة سواء كان بتدفق أو لا- احتج الشافعي بحديث على انه ﷺ لما سئل عن المذي فقال فيه الوضوء وفى المنى الغسل رواه الطحاوي وما مرّ من قوله ﷺ انما الماء من الماء وحديث أم سلمة انها قالت جاءت أم سليم الى رسول الله ﷺ فقالت هل على المرأة غسل إذا احتلمت قال نعم إذا رات الماء متفق عليه قال الجمهور اللام فى قوله ﷺ المنى والماء للعهد والمعهود ما كان منه بدفق وشهوة وقول الشافعي أحوط واللام عنده للجنس (مسئلة) رؤية المستيقظ المنى او المذي يوجب الغسل وان لم يتذكر الاحتلام والشهوة لان النوم او ان غفلة ومظنة الاحتلام والمنى قد يرق بطول الزمان او فساد الغذاء فالشك يبلغ الى درجة الظن فى كونه منيا فيوجب الغسل روى الترمذي عن عائشة قالت سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما قال يغتسل وعن الرجل يرى انه قد احتلم
(١) فى الأصل محمد-
ولم يجد بللا قال لا غسل عليه وفيه عبد الله بن عمر يروى عن عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمّد عنها قال الترمذي ضعّفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه، إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حال متداخل من قوله جنبا استثناء من أعم أحواله او صفة لقوله جنبا وعلى التقديرين الاستثناء مفرغ اى لا تقربوا الصلاة جنبا فى حال من الأحوال الّا حال كون الجنب مسافرين او جنبا موصوفا بصفة من الصّفات الا بصفة كونهم مسافرين وذلك إذا لم يجد الماء او لم يقدر على استعماله ويتيمم ويشهد له ما روينا فى شأن نزوله وتعقيبه بذكر التيمم كأنّه عبر عن المتيمّم بالمسافر لان غالب حاله عدم الماء وفيه دليل على ان التيمم لا يرفع الحدث بل يستره وبه قال جمهور العلماء وقال داؤد التيمم يرفع الحدث وكذا وقع فى بعض كتب الحنفية ان التيمم يرفع الحدث عنده وان وجدان الماء ناقض المتيمم مثل سائر نواقض الوضوء والصحيح عندى انه لا يرفع الحدث ولو كان رافعا للحدث فوجدان الماء لا يتصوّر كونه حدثا وكون وجدان الماء غاية لطهورية الصعيد يقتضى ظهور الحدث السّابق المستور لا ورود الحدث الجديد، وجه قول داود انه يرفع الحدث قوله ﷺ الصعيد الطيّب وضوء المسلم وان لم يجد الماء عشر سنين الحديث رواه اصحاب السنن من حديث ابى ذرّ وقال الترمذي حديث صحيح وقوله ﷺ جعلت لى الأرض كلّها مسجدا وتربتها طهورا رواه مسلم وابن خزيمة وغيرهما قلنا هذان الحديثان وما فى معناهما مبنيان على المجاز يدل على ذلك قوله ﷺ فى اخر حديث ابى ذرّ المذكور فاذا وجد الماء فليمسّ بشرته فانه ان كان طهورا على الحقيقة لم يجب عليه استعمال الماء بعد رفع الحدث وفى الصحيحين عن عمران بن حصين ذكر قصّة وفيه امر لمجنب عند عدم الماء بالتيمم ثم إذا وجد الماء امره بالغسل ولو كان التيمم رافعا للجنابة لم يأمره بالغسل- (فائدة:) ما ذكرنا من التفسير قول على وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقال بعض المفسرين معنى هذه الاية لا تقربوا مواضع الصلاة يعنى المساجد بحذف المضاف جنبا الّا عابرى سبيل يعنى الا مجتازين من المسجد بغير مكث لما روى ابن جرير عن يزيد بن ابى حبيب ان رجالا من الأنصار كانت أبوابهم فى المسجد كانت تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم فيريدون الماء ولا يجدون ممرّا الّا فى المسجد فانزل الله قوله وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ وهذا قول ابن مسعود وسعيد بن المسيّب......
والضحاك والحسن وعكرمة والنخعي والزهري وبناء على هذا التفسير قال مالك والشافعي جاز للجنب المرور من المسجد على الإطلاق وهو قول الحسن فان اللفظ عام وان كان سبب نزول الاية خاصا يعنى ضرورة عدم وجدان الممرّ الا فى المسجد وعندنا لا يجوز المرور فى المسجد للجنب لان تأويل الاية على هذا الوجه يتوقف على تقدير المضاف والأصل عدم التقدير وايضا لو كان معنى الاية لا تقربوا مواضع الصلاة لزم حرمة دخول مساجد البيوت للجنب ولم يقل به أحد وايضا لا معنى لقوله لا تَقْرَبُوا مواضع الصلاة وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ فانه صريح فى النهى عن قربان الصلاة ولا يمكن فى المعطوف تقدير غير ما ذكر او قدر فى المعطوف عليه- (مسئلة) لا يجوز المكث فى المسجد عند مالك والشافعي ايضا كما لا يجوز عند ابى حنيفة وقال احمد يجوز، لنا قوله ﷺ وجهوا هذه البيوت عن المسجد فانى لا أحل المسجد لحائض ولا جنب رواه ابو داود وابن ماجة والبخاري فى التاريخ والطبراني عن أفلت بن خليفة عن جسرة بنت دجاجة عن عائشة وقال الحافظ رواه ابو داؤد من حديث جسرة عن أم سلمة وقال ابو زرعة الصحيح حديث جسرة عن عائشة فان قيل ضعّف الخطابي هذا الحديث فقال أفلت بن خليفة العامري الكوفي مجهول الحال وقال ابن الرفعة متروك قلنا قول ابن الرفعة مردود لم يقله أحد من ائمة الحديث بل قال احمد ما ارى به بأسا وصححه ابن خزيمة وحسنه ابن القطان فلا يضرّ ان جهله بعض الناس وهذا الحديث كما هو حجة للجمهور على احمد فهو باطلاقه حجة على الشافعي بل انما سيق
الكلام لمنع المرور جنبا فى المسجد والله اعلم- (مسئلة) لا يجوز للجنب الطواف لانه فى المسجد ولاقراءة القران عند الجمهور وقال مالك يجوزان يقرا آيات يسيرة للتعوذ وقال داود يجوز مطلقا لنا قوله ﷺ لا تقرا الحائض والجنب شيئا من القران وقد مرّ فى البقرة فى تفسير قوله تعالى وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ولانه لا يجوز للجنب مس مصحف فيه نقوش دالة على القران كما سنذكر فى تفسير قوله تعالى لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ فلان لا يجوز له إيراد حروف القران على اللسان اولى وامّا جواز قراءة القران للمحدث مع كونه ممنوعا عن المس بالنص المذكور فلان الحدث لا يسرى فى الفم بل على ظاهر البدن او لان الحدث غالب الوقوع فلم يجعل مانعا عن القراءة دفعا للحرج بخلاف الجنابة فانها......
نادرة وقد صح عن النبي ﷺ انه لم يكن يحجبه شىء من القران سوى الجنابة رواه احمد واصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن الجارود والبيهقي وصححه الترمذي وابن السكن والبيهقي وعبد الحق والبغوي فى شرح السنة وفى الصحيحين انه ﷺ قرأ عشر آيات خواتيم ال عمران قبل الوضوء- حَتَّى تَغْتَسِلُوا غاية للنهى عن قربان الصلاة للجنب غير المسافر المعذور فانه جائز له بالتيمم لما سيجيئ او غاية لنفى الصّلوة فى حالة الجنابة، لا يقال كيف يقع الاغتسال نهاية عدم القربان حالة الجنابة مع ان الجنابة يرتفع بالاغتسال لانا نقول كلمة حتى تدخل على ما يجاوز الجزء الأخير ايضا كما فى نمت البارحة حتى الصباح كذا هاهنا فان قيل اىّ فائدة فى هذا القيد مع انّ المقصود يعنى النهى عن الصلاة حالة الجنابة يحصل بدونه، قلنا فائدته، بيان ما يزيل الجنابة وسنذكر مسائل الغسل فى سورة المائدة فى تفسير قوله تعالى وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ان شاء الله تعالى وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى جمع مريض أَوْ عَلى سَفَرٍ الاشتراط بالمرض او السفر خرج مخرج العادة الغالبة لان فقد الماء غالبا انما يكون لمرض او سفر فلا مفهوم لهذين الشرطين عند الجمهور وقال الشافعي ان كان صحيحا مقيما فى موضع لا يعدم الماء فيه غالبا بان كان فى قرية انقطع ماؤها يصلى بالتيمم ويجب عليه إعادتها نظرا الى مفهوم هذين الشرطين قلنا مفهوم هذين الشرطين غير معتبر اجماعا ولذلك تجب عليه الصلاة بالتيمم بالإجماع فلا وجه لوجوب الاعادة لان سبب الوجوب واحد لا يتكرر فلا يتكرر الواجب ولكون مفهوم هذين الشرطين غير معتبر لا يجب الاعادة اتفاقا على فاقد ماء صحيح مقيم فى موضع يعدم فيه الماء غالبا- عن ابى ذرّ انه كان مقيما «١» بالربذة ويفقد الماء أياما فسال رسول الله ﷺ عن ذلك فقال التراب كافيك ولو لم تجد الماء عشر حجج وفى رواية الصعيد الطيّب وضوء المسلم ولو الى عشر حجج رواه اصحاب السنن وصححه ابو داؤد وقوله تعالى مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ تفصيل للجنب تقدير الكلام وان كنتم جنبا مرضى او على سفر وانما حذف قوله جنبا لما سبق ذكره وذكر السفر هاهنا مع سبق ذكره بقوله الا عابرى سبيل لبيان التسوية بينه وبين المرض بالحاق الواجد بالفاقد بجامع العجز عن الاستعمال ثم عطف على المقدر يعنى جنبا قوله أَوْ جاءَ أَحَدٌ
(١) فى الأصل مقيم-
مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ الغائط المطمئن من الأرض والمجيء من الغائط كناية عن الاستفراغ الحاصل بخروج البول او البراز لان العادة ان الرجل يذهب للبول او البراز الى المطمئن من الأرض فالمعنى إذا أحدث أحدكم من أجل البول او البراز- (مسئلة) هذه الاية تدل على ان الخارج من السّبيلين إذا كان معتادا ينقض الوضوء ولا تدل على ان غير المعتاد الخارج منهما ليس بناقض كما قال به مالك- (مسئلة) وعند الجمهور غير المعتاد ايضا ناقض وهى رواية عن مالك لحديث عائشة فى الاستحاضة انه ﷺ قال لفاطمة بنت حبيش اغسلي عنك الدم وتوضئ لكلّ صلوة متفق عليه ولا على ان النجس الخارج من غير السبيلين كالقئ والدم ليس بناقض كما قاله الشّافعى وقال احمد اليسير منه ليس بناقض وعند ابى حنيفة ينقض مطلقا بشرط كونه نجسا وما ليس بسائل من الدم ليس ببخس وكذا القليل من القيء لانه فى حكم البزاق والحجة لنا القياس على الخارج من السّبيلين لان العلة لوجوب التطهير خروج النجاسة لا غير، فان قيل وجوب الوضوء بخروج النجاسة غير معقول فلا يجوز فيه القياس، قلنا كون خروج النجاسة مؤثرا فى زوال الطهارة معقول والاقتصار على الأعضاء الاربعة غير معقول لكنه يتعدى بتعدي الاوّل ولنا ايضا الأحاديث منها حديث معدان عن ابى الدرداء ان النبي ﷺ قاء فتوضأ فلقيت ثوبان فى مسجد دمشق فذكرت ذلك له فقال صدق انا صببت له وضوءه، رواه احمد عن حسين المعلم عن يحيى بن كثير عن الأوزاعي عن يعيش بن الوليد المخزومي عن أبيه عن معدان عنه قالوا قد اضطربوا فرواه معمر عن يحيى بن كثير عن يعيش عن خالد بن معدان عن ابى الدرداء والجواب ان اضطراب بعض الرواة لا يؤثر فى ضبط غيره قال الأثرم قلت لاحمد قد اضطربوا فى هذا الحديث فقال حسين المعلم يجوده وقال الترمذي حديث حسن أصح شىء فى هذا الباب ومنها حديث عائشة ان رسول الله ﷺ قال إذا قاء أحدكم فى صلاته او قلس فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على ما مضى ما لم يتكلم رواه الدارقطني من حديث إسماعيل ابن عياش حدثنى عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح عن أبيه عن عبد الله بن ابى مليكة عنها فان قيل قال الدارقطني الحفاظ من اصحاب ابن جريج يروونه عن ابن جريح عن أبيه مرسلا واما حديثه......
عن ابن «١» مليكة عن عائشة يرويه إسماعيل بن عياش قال ابو حاتم الرازي ليس بشىء قلنا قال يحيى بن معين إسماعيل بن عياش ثقة والزيادة من الثقة مقبولة ومن عادة المحدثين تقديم الإرسال ثم المرسل عندنا حجة وفى الباب أحاديث اخر ضعيفة لم نذكرها مخافة التطويل واحتج احمد على الفرق بين القليل والكثير بحديث ابى هريرة مرفوعا ليس فى القطرة ولا فى القطرتين من الدم وضوء الّا ان يكون دما سائلا وحديث ابن عباس ان رسول الله ﷺ رخص فى دم الحيوان يعنى الدّماميل رواهما الدارقطني لكن حديث ابى هريرة فيه محمد بن الفضل بن عطية كذبه احمد ويحيى بن حبان وفى الثاني بقية يرويه بلفظ عن وهو مدلس قال الدارقطني هذا باطل احتج مالك والشافعي بحديث انس انه ﷺ احتجم وصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه رواه الدارقطني والبيهقي وفى اسناده صالح بن مقاتل ضعيف، قال الحافظ ابن حجر قال ابن العربي ان الدارقطني صححه وليس كذلك بل قال صالح ليس بالقوى وذكره النووي فى فصل الضعيف، وحديث ثوبان ان رسول الله ﷺ قاء فدعا بوضوء فتوضأ فقلت يا رسول الله أفريضة الوضوء من القيء قال لو كان فريضة لوجدته فى القران رواه الدارقطني وفيه عتبة بن السّكن متروك الحديث قال البيهقي هو منسوب الى الوضع- أَوْ لامَسْتُمُ كذا قرا جمهور القراء هاهنا وفى المائدة وقرا حمزة والكسائي فيهما او لمستم النِّساءَ قال على وعائشة وابن عبّاس وابو موسى الأشعري والحسن ومجاهد وقتادة كنى به الجماع وبه قال ابو حنيفة والثوري وعلى هذا التأويل لا يستقيم العطف على جنبا ان كان الجنابة بمعنى الجماع ويستقيم ان كان الجنابة بمعنى الانزال كما قالت به الحنفية وقال ابن مسعود وعمرو ابن عمر والشعبي المراد به معناه الحقيقي
وهو التقاء البشرتين وبناء على ذلك قالوا ينتقض الوضوء بمسّ المرأة بلا حائل بينهما، روى عن ابن مسعود فى تفسير هذه الاية قال معناه ما دون الجماع وروى البيهقي عنه القبلة من اللمس وفيها الوضوء وروى الشافعي ومالك عن ابن عمر بلفظ من قبّل امرأته او حبسها بيده فعليه الوضوء وبه قال احمد والزهري والأوزاعي وهى رواية عن الشافعي ان مسّ المرأة مطلقا ينقض «٢» الوضوء وقال مالك والشافعي والليث وإسحاق وهى رواية عن احمد ان كان المسّ
(١) والصحيح ابن ابى مليكة
(٢) قال عمر ان القبلة من اللمس فتوضؤا منها وقال عثمان اللمس باليد منه رحمه الله
بشهوة والمرأة مشتهاة ينتقض الوضوء والا فلا ويشترط الشافعي ان يكون المسّ بباطن الكف قياسا على مسّ الذكر فانه يحمل المطلق على المقيّد ولو كانا فى حادثتين وقد ورد فى مسّ الذكر قوله عليه السّلام إذا افضى أحد كم بيده الى فرجه قالوا لفظ الإفضاء يعطى هذا المعنى قلنا حديث مسّ الذكر بلفظ الإفضاء غير صحيح وإعطاء الإفضاء هذا المعنى ممنوع وحمل المطلق على المقيد فى الحادثتين باطل على أصلنا فتأويل الآية على مذهب ابى حنيفة وان كنتم جنبا يعنى قاضين الشهوة بالانزال مرضى او على سفر او محدثين بالخارج من السبيلين او جامعتم ولو بلا إنزال فتيمّموا وعلى مذهب الشافعي إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً اى جامعتم النساء مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ او محدثين بالخارج من السبيلين او يمسّ المرأة فتيمّموا ولو لم يقل تقدير الكلام ان كنتم جنبا مرضى ولا يقدر هناك كلمة جنبا فلا بدّ ان يقال ان كلمة او فى قوله تعالى أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ بمعنى الواو فتقدير الكلام وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فعلى هذا يجب ان يكون لامستم بمعنى الجماع دون مسّ المرأة حتى يستفاد من الاية جواز التيمّم للمجنب إذ لا يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز وكان عمر رضى الله عنه بناء على عدم التقدير وزغمه اللمس بمعنى المسّ لم ير جواز التيمم للجنب كما يدل عليه قصّة منازعة عمار معه كما سيجيئ استدل ابن الجوزي على كون مسّ المرأة بشهوة ناقضا للوضوء بحديث رواه عن معاذ بن جبل انه كان قاعدا عند النبي ﷺ فجاءه رجل فقال يا رسول الله ما تقول فى رجل أصاب من امراة لا تحل له فلم يدع شيئا يصيبه الرجل من امرأته الا قد أصابه منها غير انه لم يجامعها فقال له النبي ﷺ توضأ وضوءا حسنا ثم قم فصلّ وهذا الحديث لا يصلح حجة فى هذا المقام لان سوال الرجل لم يكن عن نقض الوضوء بمسّ تلك المرأة بل كان سوالا عن كيفية استغفاره وما يحكم الله فيه من عقوبة فعلّمه النبي ﷺ ان الوضوء والصلاة يكفّران لذنبه كما ورد فى حديث ابى هريرة إذا توضأ المسلم فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة الحديث وحديث عثمان مرفوعا من توضأ وضوئي ثم صلى ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه متفق عليه وفى الصحيحين عن انس قال جاء رجل فقال يا رسول الله أصبت حدّا فاقم علىّ قال الراوي فلم يسئل عنه وحضرت الصلاة فصلى مع رسول الله ﷺ الحديث وليس فيه الأمر بالوضوء وعن ابن مسعود قال جاء رجل الى النبي ﷺ......
قال يا رسول الله عالجت امراة فى أقصى المدينة وانى أصبت منها ما دون ان امسّها الحديث نحو ما ذكر وزاد ثم تلا رسول الله ﷺ وأقم الصّلوة فى النّهار وزلفا من اللّيل انّ الحسنات يذهبن السّيئات ولنا حديث عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يصلى وانا معترضة بين يديه «١» اعتراض الجنازة فاذا سجد غمزنى فقبضت رجلى وفى رواية قال الراوي والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح متفق عليه ولهذا الحديث طرق كثيرة للشيخين وغيرهما وعنها فقدته من الليل فلمسته بيدي فذهب يدى على قدمه وهو ساجد وهو يقول أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا احصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك رواه البخاري وفى رواية للطبرانى ادخلت يدى فى شعره لانظر اغتسل أم لا، قال الحافظ ظاهر هذا السياق يقتضى تغاير القصّتين وعنها انها كانت ترجل رسول الله ﷺ وهو معتكف رواه البخاري والظاهر ان لبثه ﷺ فى المسجد معتكفا لا يكون على غير وضوء وعنها وعن ميمونة وعن أم سلمة كان يغتسل معها من اناء واحد قلت والسنة الوضوء قبل الغسل ومن المحال ان لا يمس يده يدها وعن ابى قتادة كان يصلى وهو حامل امامة بنت زينب متفق عليه وعن عائشة كان فى حجرى وانا حائض فيقرا القران متفق عليه وقد توفى رسول الله ﷺ فى
حجر عائشة ولا يجوّز العقل وفاته ﷺ على غير طهر فهذه الأحاديث حجة لنا على من قال ان مسّ المرأة ناقض للوضوء مطلقا ولاجل هذه الأحاديث خصّص الشافعي ومن معه الاية فقالوا لا ينقض الوضوء من المسّ الّا ما كان بشهوة والحجة لنا عليهم حديث عائشة ان النبي ﷺ قبل بعض نسائه ثم خرج الى الصلاة ولم يتوضأ رواه البزار وحسنه ورواه الترمذي وابن ماجة وغيرهم عن وكيع عن الأعمش عن حبيب بن ابى ثابت عن عروة عنها فان قيل ضعّفه البخاري وقال ان حبيبا لم يسمع عروة قلنا رواته ثقات وشهادة عدم السّماع شهادة على النفي، ورواه احمد وابن ماجة من طريق حجاج عن عمرو بن شعيب عن زينب السهمية عن عائشة كان عليه السلام يتوضأ ثم يقبل ثم يصلى ولا يتوضأ فان قيل زينب السهمية مجهولة قلنا حديث المجهول من القرن الثاني مقبول فان قيل الحجاج مجروح قلنا تابعه الأوزاعي فى رواية الدارقطني عن عمرو وهو من أوثق الناس ورواه الدار قطنى من طريق سفيان الثوري عن ابى روق
(١) فى الأصل بين يديها
عن ابراهيم التيمي عن عائشة فان قيل قال الترمذي لا يعرف لابراهيم سماع عن عائشة ولا يصح عن النبي ﷺ فى هذا الباب شىء قلت إمكان السماع يكفى لصحة الحديث لا معرفة السّماع على ان المرسل عندنا حجة وابراهيم تابعي ثقة ولعل مراد الترمذي انه لا شىء فى هذا الباب حديث مرفوع متصل صحيح بنفسه والا فرجال هذا المرسل ثقات فان قيل لم يروه عن ابراهيم غير ابى روق وعطية بن الحارث ولا يعلم حدث به عن ابى روق غير الثوري وابى حنيفة واختلفا فيه أسنده الثوري عن عائشة وأسنده ابو حنيفة عن حفصة وابراهيم لم يسمع منها قلنا هؤلاء الاربعة ثقات ائمة ويمكن ان ابراهيم روى حديثين مرسلين أحدهما عن عائشة والثانية عن حفصة فبلّغ للثورى حديثه عن عائشة ولابى حنيفة عن حفصة وهذه العلة ليست بقادحة عند الفقهاء وقد روى هذا الحديث عن الثوري عن ابى روق عن ابراهيم التيمي عن أبيه عن عائشة بوصل اسناده، فان قيل قد اختلف فى لفظ الحديث فروى عثمان بن ابى شيبة ان النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم وقال غير عثمان كان يقبل ولا يتوضأ قلنا بعد كون الرجال ثقات هذا الأمر غير قادح عند الفقهاء لامكان الجمع بين القولين بان يكونا حديثين او يكون حديثا واحدا كأنّه قال يقبّل وهو صائم ولا يتوضأ فروى بعضهم ببعض الألفاظ وبعضهم ببعض آخر وذلك جائز عند البخاري قال الحافظ ابن حجر قال الشافعي روى سعيد بن بنانة عن محمد بن عمر ابن عطاء عن عائشة عن النبي ﷺ انه كان يقبّل ولا يتوضأ قال الشافعي لا اعرف حال سعيد فان كان ثقة فالحجة ما روى عن النبي ﷺ وقال الحافظ روى من عشرة أوجه أوردها البيهقي فى الخلافيات وضعّفها قلت الضعيف ايضا بتعدد الطرق يرتفع الى درجة الحسن وقد علمت ان رواة هذه الطرق لم يتهم بالكذب وفى الباب حديث ابى امامة قال قلت يا رسول الله الرجل يتوضأ للصلوة ثم يقبل اهله او يلاعبها ينتقض الوضوء بذلك قال لا رواه الدارقطني فيه ركن بن عبد الله متروك وإذا اعتضد طرق هذا الحديث بعضها ببعض مع كونها حسنة فى نفسها او مرسلة صحيحة صحّ انه ﷺ كان لا يتوضأ من القبلة فظهر ان مسّ المرأة ليس بناقض ولو كان ناقضا لنقل ذلك برواية أحد من الصحابة خصوصا عن أزواجه ﷺ مع كثرتهنّ وشدّة حرصهنّ على بيان العلم وكثرة مخالطته ﷺ وملامسته اياهن كما ترى فى حديث......
رواه الحاكم عن عائشة ما كان يوم الّا وكان رسول الله ﷺ يأتينا فيقبل ويلمس الحديث فظهر ان المراد باللمس فى الاية انما هو الجماع وايضا لو كان المراد باللمس ما دون الجماع لزم تقليل الفائدة مع تكثير العبارة لان جواز التيمم للمحدث يفهم من قوله تعالى أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ والمقصود من الاية بيان خليفة التراب للماء لاعدّ الأحداث لانه قد ترك كثير من الأحداث عن الاية اتفاقا كالنوم والإغماء والجنون والخارج من غير السبيلين والقهقهة وأكل لحوم الجزور ومس الذكر فلا فائدة فى ذكر اللمس فان النوم مضطجعا ومتكيا والإغماء والجنون مطلقا حدث بالإجماع لقوله ﷺ ولكن من غائط وبول ونوم صححه ابن خزيمة والترمذي من حديث صفوان بن عسال وكذا نوم الراكع والساجد عند مالك ونوم القائم ايضا عند الشافعي والنوم الطويل على اىّ هيئة كان عند احمد لكن عند ابى حنيفة إذا نام على حالة من احوال الصلاة لا ينقض لقوله ﷺ ليس على من نام ساجدا وضوء حتى يضطجع فاذا اضطجع استرخت مفاصله رواه عبد الله بن احمد عن ابن عباس وروى ابو داود والترمذي بلفظ لا وضوء على من نام قاعدا والبيهقي بلفظ لا يجب الوضوء على من نام جالسا او قائما او ساجدا ومدار الطرق على يزيد ابى خالد الدالاني وان ضعّفه بعض الائمة لكن الصحيح ما قال الذهبي انه حسن الحديث وقال احمد لا بأس به والإغماء والجنون أشد وأقوى من النوم فى الغفلة
ولذلك اجمعوا على انه حدث على اىّ حال كان- (مسئلة) والقهقهة فى صلوة ذات ركوع وسجود حدث عند ابى حنيفة لقوله ﷺ من ضحك فى صلاته قهقهة فليعد الوضوء والصلاة رواه ابن عدى عن ابن عمر وفيه بقية أخرجه مسلم متابعا واختلف فيه والتحقيق انه ثقة مدلس فلو روى عن ثقة بلفظ حدثنا كما فى هذا الحديث فهو حجة وقوله ﷺ فى قصة أعمى من كان منكم قهقه فليعد الوضوء والصلاة رواه الدارقطني من حديث معبد الخزاعي والصحيح انه صحابى ابن أم معبد ومن رواية الامام ابو حنيفة ووهم ابن الجوزي حيث قال وهم فيه ابو حنيفة وروى الدارقطني عن رجل من الأنصار وفيه خالد بن عبد الله الواسطي ولا نعلم أحدا طعن فيه وقال اكثر المحدثين الصحيح انه مرسل عن ابى العالية......
والمرسل عندنا حجة، وما احتج به الخصم من حديث جابر مرفوعا الضحك ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء فيه عبد الرحمن بن إسحاق ابو شيبة ضعيف كذا قال يحيى وقال احمد ليس بشىء منكر (مسئلة) وأكل لحوم الإبل حدث عند احمد لقوله ﷺ توضؤا من لحوم الإبل رواه اصحاب السنن من حديث البراء وصححه المحدثون وروى مسلم نحوه عن جابر واحمد نحوه عن أسيد بن حضير وذى العزة وما احتج به الخصم من حديث ابن عباس مرفوعا الوضوء مما يخرج وليس ممّا يدخل رواه الدارقطني والبيهقي ضعيف منكر- (مسئلة) ومس الذكر حدث عند مالك واحمد وكذا عند الشافعي ان كان بباطن الكف لقوله ﷺ من مسّ ذكره فلا يصل حتى يتوضأ رواه الائمة الثلاثة واصحاب السنن الاربعة وغيرهم من حديث عروة عن بسرة، قالت الحنفية هذا الحديث لا يصح وهو منقطع والتحقيق انه حديث صحيح متصل رواه عروة عن مروان عن بسرة ثم لقى بسرة فسمعه منها ورواته، كلهم فى الصحيحين وصححه احمد والترمذي ويحيى والدارقطني وقال البخاري أصح شىء فى الباب وروى الترمذي واحمد عن زيد بن جالد مرفوعا من مسّ فرجه فليتوضأ وروى الترمذي واحمد والبيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا نحوه صححه البخاري فيما حكى عنه الترمذي وفى الباب ما روى ابن ماجة عن ابى أيوب وهو ضعيف والحاكم عن سعد بن ابى وقاص وأم سلمة والبيهقي عن ابن عبّاس وهو ضعيف والطبراني وصححه عن على بن طلق وذكر ابن مندة حديث النعمان وانس وابى بن كعب ومعاوية بن جندة وقبيصة والترمذي حديث اروى بنت انس ولابى حنيفة حديث طلق بن على قيل يا رسول الله أيتوضأ أحدنا من مسّ ذكره قال هل هو الّا بضعة منك رواه احمد واصحاب السنن وصححه عمرو بن على القلاس وابن المديني وابن حبّان والطبراني وابن حزم وضعّفه الشافعي وابو زرعة وابو حاتم والدارقطني والبيهقي قلت لهذا الحديث خمسة طرق اربعة منها ضعاف ورجال طريقة واحدة منها ثقات الا قيس بن طلق راويه عن أبيه مختلف فيه ضعفه احمد ووثقه البجلي وعن يحيى روايتين فمن قال بتوثيقه فالحديث عنده صحيح والا فضعيف والحق عندى ان الحديث حسن لكن حديث بسرة أقوى منه وفى الباب حديث ابى امامة وعصمة بن مالك وعائشة وكلها ضعاف وادعى ابن حبان ان حديث طلق منسوخ لان من رواة كون مسّ الذكر ناقضا ابو هريرة وإسلامه فى سنة ستّ وطلق اتى عند رسول الله صلى الله......
عليه وسلم أول الهجرة وهم يؤسّسون مسجد المدينة كذا روى الدارقطني قلت سند هذه الرواية ضعيف على ان مجىء طلق اوّل الهجرة لا يدل على عدم مجيئة ثانيا بعد اسلام ابى هريرة وايضا حديث ابى هريرة ضعيف فلا يثبت به نسخ حديث بسرة «١» والله اعلم فَلَمْ تَجِدُوا ماءً اى لم تقدروا على استعماله كذا ثبت تفسيره بالسنة والإجماع، وعدم القدرة على استعمال الماء أعم من ان يكون لعدم الماء او لبعده ميلا او بحيث ان ذهب الى الماء وتوضأ غابت القافلة او لفقد فمعز الدولة إخراج الماء من البير مثلا او لمانع من حية او سبع أوعد
ومسلّط على الماء او خوف عطش او لخوف حدوث مرض لشدة برد او نقاحة او لمرض مانع من التحرك للوضوء وعدم من يناوله او لمرض خيف زيادته باستعمال الماء او بالحركة او خيف تلف نفس او عضو وفى رواية عن الشافعي يشترط فى المرض خوف تلف نفس او عضو- اخرج ابن ابى حاتم عن مجاهد قال نزلت هذه الاية فى رجل من الأنصار كان مريضا فلم يستطع ان يقوم فيتوضأ ولم يكن له خادم يناوله فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فانزل الله تعالى وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى الاية واخرج ابن جرير عن ابراهيم النخعي قال أصاب اصحاب النبىّ ﷺ جراحة فغشت فيهم ثم ابتلوا بالجنابة فشكوا ذلك الى رسول الله ﷺ فنزلت وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى الاية كلها وعن عمرو بن العاص قال احتلمت فى ليلة باردة فى غزوة ذات السلاسل فاشفقت لى ان اغتسلت ان أهلك فتيمّمت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال يا عمرو صليت باصحابك وأنت جنب فقلت انى سمعت الله عز وجل يقول وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ الاية فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئا علقه البخاري ورواه ابو داود والحاكم وعن ابن عمر انه اقبل من ارضه بالجرف فحضرت العصر بمربد النعم فتيمم فمسح وجهه ويديه وصلى العصر ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد رواه الشافعي ومالك فى المؤطا مختصرا والجرف موضع على فرسخ من المدينة كذا قال ابو إسحاق والمربد على ميل من المدينة وروى البيهقي عن ابن عمر انه يكون فى السفر
(١) هكذا فى الأصل والنقول كلها لكن عندى فيه نظر لان حديث بسرة وابى هريرة كلاهما فى شىء واحد وهو ان مسّ الذكر حدث ناقض للوضوء والبحث هاهنا فى حديث طلق هل هو منسوخ أم لا فلعل الناسخ الاول فهم بسرة سهوا فى مقام طلق والله اعلم ٢ بو محمد عفا الله عنه
فيحضر الصلاة والماء منه على غلوة او غلوتين او نحو ذلك ثم لا يعدل اليه قلت هذا عند خوف ذهاب القافلة ولفظ العدول يقتضى كون الماء على يمينه او يساره لا تلقاء وجهه- (مسئلة) قال الشافعي المسافر إذا فقد الماء يشترط للتيمم طلب الماء فى رحله ومن رفقائه وان كان فى صحراء لا حائل دون نظره ينظر حواليه وان كان دون نظره تل او جدار عدل عنه لانه تعالى قال فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ولا يقال لم يجد الا لمن طلب وقال ابو حنيفة طلب الماء من الرفيق ليس بشرط لانه غير واجد للماء إذ ليس فى ملكه فَتَيَمَّمُوا يعنى فاقصدوا، فى القاموس التيمم التوخي والتعمد الياء بدل من الهمزة ويممه قصده واليمامة القصد ولذلك قال ابو حنيفة رحمه الله النية شرط فى التيمم بخلاف الوضوء والغسل وقال زفر لا يشترط النية فى التيمم كما لا يشترط فى الوضوء والغسل والحجة عليه هذه الاية وقال الائمة الثلاثة يشترط فى الوضوء والغسل ايضا وسنذكر هذه المسألة فى سورة المائدة ان شاء الله تعالى صَعِيداً الصعيد اسم لوجه الأرض ترابا كان او رملا او جصا او نورة او حجرا او غير ذلك قال الزجاج لا اعلم خلافا بين اهل اللغة فى ذلك قلت ولذلك لم يذكر البيضاوي فى تفسير الصعيد التراب مع كونه شافعيا وقال البغوي قال ابن عباس الصعيد هو التراب وفى القاموس الصّعيد التراب او وجه الأرض وذكر فى الهداية انه فسّر ابن عباس صعيدا طيّبا اى ترابا منبتا وقال الحافظ ابن حجر لم أجده لكن روى البيهقي وابن ابى حاتم عنه أطيب الصّعيد تراب الحرث ورواه ابن مردوية فى تفسيره من حديث ابن عباس مرفوعا ولفظ أطيب يفيد ان غير تراب الحرث ايضا صعيد طيّب، قلت ولو كان لفظ الصعيد مشتركا بين التراب ووجه الأرض كما قاله صاحب القاموس فالمراد به هاهنا وجه الأرض دون التراب بقرينة قوله تعالى فى المائدة ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ لان فى إيجاب التراب المنبت حرج خصوصا على من أسكنهم الله بواد غير ذى زرع او ارض سبخة او رمل او جبل لا يجدونه الا بحرج عظيم وايضا يدل على التأويل بوجه الأرض حديث ابى هريرة فضلت على الأنبياء بستّ أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب واحلّت لى الغنائم وجعلت لى الأرض طهورا ومسجدا وأرسلت الى الخلق كافة وختم بي النبوة رواه مسلم والترمذي وصححه وروى الطبراني بسند صحيح عن السائب بن يزيد فضّلت و......
بخمس ولم يذكر إعطاء جوامع الكلم وختم النبوة وزاد ادّخرت «١» شفاعتى لامتى والباقي نحوه وروى البيهقي بسند صحيح عن ابى امامة فضلت بأربع جعلت لى الأرض كلها ولامتى مسجدا وطهورا فايما رجل من أمتي اتى الصلاة فلم يجد ما يصلى عليه وجد الأرض مسجدا وطهورا وذكر الرسالة الى الناس كافة والنصرة بالرعب مسيرة شهرين وحلّ الغنائم وعند احمد بلفظ فعنده طهوره ومسجده وفى رواية عمرو بن شعيب فاينما أدركتني الصلاة تمسحت وفى الصحيحين عن جابر أعطيت خمسا لم يعط أحد من الأنبياء قبلى فعدّ منها وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا وعن انس عند ابن الجارود وابن المنذر بلفظ جعلت لى كل ارض طيبة مسجدا وطهورا فان ألفاظ هذه الأحاديث كلّها تدل على ان الأرض بجميع اجزائها طهوركما هى بجميع اجزائها مسجد اجماعا فان اللام فى الأرض للجنس، وحديث ابى امامة ونحوه ادلّ واصرح على ذلك فهذه الاية حجّة لابى حنيفة فى جواز التيمم على كل شىء من جنس الأرض سواء كان سبخة او رملا او حجرا بلا نقع او غير ذلك وقال مالك يجوز بالنبات ايضا إذا كان متصلا بالأرض لاطلاق الصعيد عليه طبعا وقال ابو يوسف لا يجوز الا بالرمل او التراب وقال الشافعي واحمد لا يجوز الا بالتراب احتجوا بحديث حذيفة بلفظ فضلنا على الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء رواه مسلم وبحديث على وفيه وجعل التراب لى طهورا، قالوا هذا خاص فينبغى ان يحمل عليه العام قلنا هذا استدلال بمفهوم اللقب ومفهوم اللقب ليس بحجّة عند الجمهور وتخصيص العام بالخاص انما يتصوّر عند التعارض ولا تعارض هاهنا فان جواز
التيمم بالتراب لا ينفى جواز التيمم بغيره بل هو ساكت عنه وتخصيص التراب بالذكر لبيان الأفضل، وزاد ابو يوسف جواز التيمم بالرمل لحديث ابى هريرة ان ناسا من اهل البادية أتوا رسول الله ﷺ فقالوا انا نكون بالرمال الأشهر الثلاثة او الاربعة فيكون فينا الجنب والنفساء والحائض ولسنا نجد الماء فقال عليكم بالأرض ثم ضرب بيده على الأرض لوجهه ضربة واحدة ثم ضرب ضربة اخرى فمسح بها على يديه الى المرفقين رواه ابن الجوزي وقال هذا الحديث لا يصحّ فان فيه المثنى بن الصباح قال احمد والرازي ليس بشىء وقال النسائي متروك طَيِّباً اى طاهرا ولا جائز ان يراد به منبتا لان طهارة الصعيد شرط بالإجماع فلو أريد به
(١) فى الأصل ذخرت
الإنبات ايضا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز ولما كانت الطهارة فى الصعيد شرطا بدليل قطعىّ نصّ الكتاب والإجماع قال ابو حنيفة إذا تنجس الأرض ثم تطهر باليبس يجوز عليها الصلاة ولا يجوز بها التيمم لان ذكوة الأرض يبسها ثبت بحديث الآحاد فلا يتادّى بها ما ثبت اشتراطها بدليل قطعى وقالت الائمة الثلاثة لا يجوز عليها الصلاة ايضا وحديث ذكوة الأرض يبسها لا يعرف والمعتمد عليه عندى للحكم بطهارة الأرض بيبسها ما رواه البخاري عن حمزة بن عبد الله قال كانت الكلاب بتول وتقبل وتدبر فى المسجد فى زمان رسول الله ﷺ فلم يرشون شيئا من ذلك وهكذا فى سنن ابى داود والإسماعيلي وابى نعيم «١» والبيهقي والله اعلم فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ الباء زائدة واستيعاب الوجه بالمسح فريضة اجماعا وَأَيْدِيكُمْ اليد اسم للعضو الى المنكب ولذلك حكى عن الزهري ان الواجب فى التيمم المسح الى الآباط وكذا حكى عن الصحابة انهم بعد نزول هذه الاية مسحوا الى الآباط والمناكب وذلك قبل تعليم رسول الله ﷺ مراد الله تعالى بهذه الاية، عن عمار بن ياسر ان رسول الله ﷺ عرّس بذات الجيش ومعه عائشة فانقطع عقدتها من جزع ظفار فحبس الناس ابتغاء عقدتها ذلك حتى أضاء الفجر وليس مع الناس ماء فانزل الله تعالى على رسوله رخصة التطهير بالصعيد الطيّب فقام المسلمون فضربوا الأرض ثم رفعوا أيديهم ولم يفيضوا من التراب شيئا فمسحوا بها وجوههم الى المناكب ومن بطون أيديهم الى الآباط رواه ابن الجوزي من طريق احمد وروى ابن ماجة بلفظ فتيممنا الى المناكب وفى رواية له فتيممنا مع رسول الله ﷺ الى المناكب لكن ظهر بتعليم رسول الله ﷺ وبالإجماع ان جميع اليد ليس بمراد فهى مجمل فى المقدار فبيّن رسول الله ﷺ ان مقدار اليد فى التيمم مقدارها فى الوضوء يعنى الى المرفقين- عن عمار قال «٢» كنت فى القوم حين نزلت اية التيمم فامرنا رسول الله ﷺ فضربنا واحدة للوجه ثم ضربة اخرى لليدين الى المرفقين رواه البزار ذكر الحافظ ابن حجر فى تخريج أحاديث الرافعي ولم يطعن فيه وروى ابو داود من حديث عمار انه قال الى المرفقين لكن فى سنده قال قتادة حدثنى محدث عن الشعبي وذلك المحدث مبهم الّا ان لفظ المحدث يدل على توثيقه فلا بأس به وقد مرّ حديث الاسلع فى شأن نزول الاية قال فارانى
(١) فى الأصل ابو نعيم
(٢) فى الأصل قال قال
رسول الله ﷺ التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين الى المرفقين لكن فى سنده ربيع ابن بدر ضعيف غير انه يعضد حديث عمار والتحق حديث عمار واسلع بيانا للاية (مسئلة) وبناء على هذا قال ابو حنيفة والشافعي الواجب فى التيمم المسح الى المرفقين ويؤيد هذا المذهب حديث جابر قال جاء رجل الى رسول الله ﷺ فقال أصابتني جنابة وانى تمعكت فى التراب فقال عليه السلام التيمم ضربة للوجه وضربة للذراعين الى المرفقين وفى رواية ضرب بيده الأرض فمسح وجهه ثم ضرب يديه فمسح بهما الى المرفقين رواه الحاكم وقال صحيح الاسناد ولم يخرجاه وقال الدارقطني رجاله كلهم ثقات وحديث ابن الصمة قال مررت على النبي ﷺ وهو يبول فسلمت عليه فلم يرد علىّ حتى قام الى جدار فحته بعصا كانت معه ثم وضع يده فمسح وجهه وذراعيه رواه الشافعي والنسائي من طريقه وقال النسائي حديث حسن فان قيل فيه ابو عصمة وتابعه ابو خارجة قال ابن الجوزي يتكلم فيهما وفيه ابو الحويرث قال الحافظ فيه من الضعف قلت هذه الثلاثة لم يتهم أحد منهم بالكذب فارتقى الحديث الى درجة الحسن وهذا الحديث فى الصحيحين فمسح بوجهه ويديه وحديث عبد الله بن ابى اوفى سئل عن التيمم قال امر النبي ﷺ عمارا ان يفعل هكذا وضرب بيديه الأرض ثم نفضهما ومسح على وجهه ويديه وفى رواية ومرفقيه مكان يديه رواه ابن ماجة ولم يخرج الذهبي فى الضعفاء أحدا من رجال هذا السند الا انه قال عثمان بن ابى شيبة شيخ للبخارى تكلم فيه وهو صدوق فالحديث حسن وفى الباب أحاديث أخر ضعاف منها حديث ابن عمر مثل حديث ابن الصمة رواه ابو داود ومداره على محمد بن ثابت وهو ضعيف وعنه وعن عائشة قوله ﷺ التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين الى المرفقين رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي وفى حديث ابن عمر على بن ظبيان ضعّفه القطان وابن معين وقال الحاكم صدوق وروى ايضا من طريق سليمان ابن داود وهو متروك وفى حديث عائشة الحريش بن الحريث قال ابو حاتم منكر الحديث وعن ابن عمر ايضا تيممنا مع النبي ﷺ ضربنا بايدينا على الصعيد الطيب ثم نفضنا أيدينا فمسحنا بها وجوهنا ثم ضربنا ضربة اخرى فمسحنا من المرافق الى الأكف رواه الدارقطني وفيه سليمان بن أرقم متروك وفى الباب حديث ابى امامة رواه الطبراني واسناده ضعيف وقال مالك......
واحمد يجوز فى التيمم الاقتصار على ضربة واحدة يمسح بها وجهه وكفيّه لحديث عمار قال كنت فى سرية فاجتنبت فتمعكت فى التراب فلما أتيت النبي ﷺ ذكرت ذلك له فقال انما يكفيك هكذا وضرب النبي ﷺ بيده الى الأرض ثم نفخ فيها ومسح بها وجهه وكفيه وفى رواية عنه ان نبى الله ﷺ قال فى التيمم ضربة للوجه والكفين رواهما احمد وفى الصحيحين بطرق فبعض ألفاظ البخاري انما كان يكفيك هكذا فضرب النبي ﷺ بكفية الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه وروى مسلم انما يكفيك ان تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفّيك وعند البخاري يكفيك الوجه والكفين قلت حديث الصحيحين يدل على ان عمّارا وقت نزول الاية لم يعرف ان التيمم يكفى للمجنّب وانما علم حينئذ انه للمحدث ولذلك تمعك للجنابة قياسا عليه قالوا ما رواه الشيخان من حديث عمار أقوى، قلنا وان كان أقوى من كل واحد واحد ممّا ذكرنا من الأحاديث لكن أحاديثنا لكثرة الرواة وطرق شتى صحيحة وضعيفة يبلغ فى القوة مبلغ حديث الصحيحين فتعارضا فرجّحنا بوجوه أحدها ان ما احتج به احمد متاخر عن وقت نزول الاية والمتأخر لا يصلح بيانا لمجمل الكتاب إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة فلو حمل هذا الحديث على ظاهره لكان ناسخا لكتاب الله ولا يجوز نسخ الكتاب بحديث الآحاد فيسقط حديث الصحيحين لاجل معارضة الكتاب وامّا أحاديثنا فمنها ما هو صريح فى كونه بيانا للاية مقارنا لنزولها فالتحق بالكتاب بيانا وثانيها بان حديث الصحيحين يحتمل التأويل
بان يقال اطلق الكف وأريد به اليد مجازا إطلاقا لاسم الجزء على الكل او يقال انما أراد رسول الله ﷺ بيان صورة الضرب ونفى التمعك وليس المراد به بيان جميع ما لا بد منه للتيمم كما قال فى الغسل انما يكفيك ان تحثى على راسك ثلاث حثيات ولم يذكر فيه المضمضة والاستنشاق وغسل جميع البدن لان المقصود هناك بيان عدم الحاجة الى نقض الضفائر ثالثها بانه إذا تعارض الحديثان سقطا وعملنا بالقياس على الوضوء رابعها الاخذ بالاحتياط- (مسئلة) قال ابو حنيفة يجوز التيمم لخوف فوت ما يفوت لا الى خلف كصلوة العيد ابتداء وبناء وصلوة الجنازة لغير الولي لا لخوف فوت الوقت والجمعة وقال مالك والشافعي لا يجوز لخوف فوت العيد والجنازة لعدم الضرورة فى إتيانهما فان صلوة العيد ليست بواجبة......
عندهما بل سنة وصلوة الجنازة فرض كفاية يتادى بغيره ويجوز لخوف فوت الوقت والجمعة لكن عند الشافعي يجب الاعادة ايضا وقال احمد لا يجوز لخوف فوت شىء منها لان طهورية الصعيد مشروطة بعدم وجدان الماء ولم يوجد والحجة لابى حنيفة انه ﷺ تيمم لردّ السّلام كما مرّ- (مسئلة) إذا وجد الماء بعد الصّلوة فى الوقت بالتيمم لا يجب عليه الاعادة وان كان الوقت باقيا وقال عطاء وطاؤس ومكحول وابن سيرين والزهري يجب الاعادة لنا حديث ابى سعيد الخدري ان رجلين خرجا فى سفر فحضرت الصّلوة وليس معهما ماء فتيمّما صعيدا طيّبا وصلّيا ثم وجدا الماء فى الوقت فاعاد أحدهما الوضوء والصلاة ولم يعد الاخر فاتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له فقال للذى لم يعد أصبت السنة وأجزأتك صلوتك وقال للذى أعاد لك الاجر مرتين رواه ابو داود والنسائي والحاكم والدارمي- (مسئلة) من كان بعض أعضائه صحيحا وبعضه جريحا يغسل الصحيح ويتيمم للجريح عند الشافعي واحمد وهو المختار عندى للفتوى وقال ابو حنيفة ومالك ان كان الأكثر صحيحا يغسل الصحيح ويمسح على الجريح ولا يتيمم والا يتيمم ولا يغتسل لنا انه صحيح بعض أعضائه وهو واجد للماء من وجه فلا يسقط غسله ومريض من وجه حيث لا يقدر على استعمال الماء فى جميع بدنه فيتيمم ويؤيده حديث جابر قال خرجنا فى سفر فاصاب رجلا حجر فشجّه فى رأسه ثم احتلم فسال أصحابه هل تجدون لى رخصة فى التيمم فقالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات فقال رسول الله ﷺ قتلوه قتلهم الله الا سالوا إذا لم يعلموا فان شفاء العي السؤال انما كان يكفيه ان يتيمم ويعصر او يعصب على جرحه ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده رواه الدارقطني ومن طريقه ابن الجوزي- (مسئلة) يجوز بتيمم واحد صلوات كثيرة ما لم يحدث او يجد الماء وقال الشافعي واحمد يجب ان يتمم لوقت كل صلوة، لنا قوله ﷺ الصعيد الطيّب وضوء المسلم وان لم يجد الماء عشر سنين فاذا وجد الماء فليمس بشرته فان ذلك خير رواه اصحاب السّنن من حديث ابى ذرّ قال الترمذي حديث صحيح احتج الشافعي بقول ابن عباس من السنة ان لا يصلى بالتيمم اكثر من صلوة واحدة رواه الدارقطني والبيهقي قال الرافعي قول الصحابي من السنة ينصرف الى سنة الرسول......
صلى الله عليه وسلم فله حكم الرفع وفى الباب اثر على رواه ابن ابى شيبة وعن عمرو بن العاص موقوفا انه كان يتيمم لكل صلوة وبه كان يفتى قتادة روى الدارقطني بسنده عن قتادة وكان ابن عمر يتيمّم لكل صلوة رواه البيهقي قلنا لا يصح شىء من هذه الآثار امّا اثر ابن عباس قال ابن الجوزي فيه ابو يحيى عن حسن بن عمارة وهما متروكان وقال الحسن ضعيف جدّا وامّا اثر على ففيه الحجاج بن ارطاة تركه ابن مهدى والقطان وقال احمد والدارقطني لا يحتج به وقال ابن معين والنسائي ليس بالقوى وامّا اثر عمرو بن العاص فهو منقطع بين قتادة وعمر وإرسال شديد وامّا اثر ابن عمر ففيه عامر الأحول مختلف فيه ليّنه احمد وغيره ووثقه ابو حاتم ومسلم ثم هذه الآثار لا يعارض المرفوع الصحيح وايضا نحملها على الاستحباب وقول ابن عباس
من السنة يعنى مستحب ليس بواجب- (مسئلة) فاقد الطهورين لا يصلى عند ابى حنيفة ومالك وعليه القضاء عند ابى حنيفة دون مالك وعند الشافعي واحمد يصلى ويجب عليه الاعادة عند الشافعي دون احمد إذا وجد الماء لنا هذه الاية حيث قال ولا جنبا يعنى لا تقربوا الصلاة جنبا الّا عابرى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى الاية نهى عن الصلاة جنبا وجعل غاية النهى الغسل لواجد الماء والتيمم للفاقد فبقى فاقد الطّهورين داخلا فى النهى لعدم الغاية فان قيل المسافر خارج عن النهى قلنا انما هو المسافر المتيمم ولولا ذلك لجاز للمسافر الصلاة بغير تيمم ويمكن للشافعى ان يقول الخارج عن النهى المسافر مطلقا ثم أوجب عليه التيمم ويشترط لوجوب التيمم القدرة على الصعيد كيلا يلزم التكليف بما لا يطاق فاذا لم يقدر على الصعيد سقط عنه التيمم وبقي خارجا عن النهى ولنا ايضا قوله ﷺ لا يقبل الله صلوة الا بطهور رواه الترمذي والصلاة نكرة فى حيّز النفي فهو عام والقول بانه محمول على من يقدر على الطهور تخصيص للنصّ بلا دليل ولنا ايضا حديث عمار بن ياسر قال لعمر بن الخطّاب اما تذكر انا كنا على سفر انا وأنت فاصابتنا جنابة فامّا أنت فلم تصل وامّا انا فتمعكت فى التراب فصليت فذكرت ذلك للنبىّ ﷺ فقال انما يكفيك هكذا متفق عليه حيث لم ينكر النبي ﷺ على عمر لاجل ترك الصلاة واحتج الشافعي بحديث عائشة انها استعارت من اسماء قلادة فهلكت فارسل رسول الله صلى عليه وسلم ناسا من أصحابه فى طلبها فادركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء فلما أتوا النبي صلى الله......
عليه وسلم شكوا ذلك اليه فنزلت اية التيمم فقال أسيد بن حضير جزاك الله خيرا فو الله ما نزل بك امر قطّ الا جعل الله لك منه مخرجا وجعل للمسلمين فيه بركة متفق عليه وفى رواية فقام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء فانزل الله اية التيمم فتيمّموا فقال أسيد بن حضير وهو أحد النقباء ما هى باوّل بركتكم يا ال ابى بكر قالت عائشة فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقدة فيه والجواب ان هذا الحديث حجة لنا لا علينا حيث لم ينقل انه ﷺ صلّى وانما فعلوا ذلك بآرائهم ولو كانت الصّلوة جائزة لما تيمّموا بعد نزول الاية وقول الشافعي بوجوب إعادة الصّلوة مع وجوب الصّلوة بلا طهور باطل على قاعدة الأصول فان سبب الوجوب الوقت واحد لا يتصوّر ان يكون سببا لتكرار الواجب وقول مالك لا قضاء عليه لانه لا تقصير من جانبه فى ترك الصّلوة ايضا باطل لان قوله ﷺ ما فاتكم فاقضوا امر بالقضاء عند الفوات اعمّ من ان يكون بتقصير منه اولا، الا ترى انّ وجوب القضاء على النائم مجمع عليه مع انه لا تقصير منه إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا حيث يسّر الأمر لكم ورخّص لكم غَفُوراً (٤٣) يغفر لكم ما شربتم المسكر وصليتم فى السّكر ومع الجنابة قبل نزول هذه الاية والله اعلم اخرج ابن إسحاق عن ابن عباس رضى الله عنهما انه قال كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء اليهود إذا كلم رسول الله ﷺ لوّى لسانه وقال راعنا سمعك يا محمّد حتى نفهمك ثم طعن فى الإسلام وعابه وذكر البغوي عن ابن عباس قال فى رفاعة بن زيد ومالك ابن دحشم نزلت.
أَلَمْ تَرَ خطاب لغير معيّن يدل عليه قوله تضلّوا وأعدائكم او خطاب لسيّد القوم فى مقام خطابهم والرواية مجاز عن النظر والّا فالرؤية سواء كان من البصر او القلب لا يتعدى بالى ويحتمل تضمين معنى النظر على انها روية البصر او تضمين معنى الانتهاء سواء كانت الرؤية من البصر او القلب ولذا عدى بالى حيث قال إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يعنى يهود المدينة وتنكير نصيبا للتحقير يعنى أوتوا حظّا يسيرا من الكتاب اى التوراة وهو القراءة باللسان دون التفقه والإذعان بالجنان يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ اى الكفر بنبوة محمد ﷺ يستبدلونها بالهداية التي كانوا عليها قبل البعثة فانهم كانوا يؤمنون بالنبي الأمي المبعوث فى اخر الزمان وكانوا يستفتحون على الذين كفروا، او المعنى يستبدلون......
الضلالة بالهداية التي تمكنوا على تحصيلها باتباع النبي ﷺ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا ايها المؤمنون السَّبِيلَ (٤٤) الى الحق والاستفهام للتقرير والتعجيب والتحذير يعنى قد رأيت وعلمت عداوتهم بك وبالمؤمنين مع علمهم بكونك على الحق فاحذرهم فانّ أعدى الأعداء من أراد بكم الضلالة الموجبة للهلاك الابدى ولا تستنضحوهم فى أموركم.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ منكم بِأَعْدائِكُمْ هذه الجملة تأكيد للتحذير وَكَفى بِاللَّهِ الباء زائدة فى المرفوع لتأكيد الاتصال الاسنادى بالاتصال الإضافي لافادة زيادة حرف الإلصاق لزوم الكفاية للفاعل وَلِيًّا فى النفع يلى أموركم وينفعكم وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (٤٥) فى دفع الضر يكفيكم مكرهم وينصركم عليهم فاكتفوا به عن غيره فى الولاية والنصرة فانه اعلم واقدر فثقوا به ولا تتولوا ولا تستنصروا غيره ووليا ونصيرا منصوبان اما على التمييز واما على الحال.
مِنَ الَّذِينَ هادُوا قيل متصل بما قبله بيان ل الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ او بيان لاعدائكم او متعلق بقوله نصيرا اى ينصركم من الذين هادوا فعلى هذا قوله يُحَرِّفُونَ حال متداخل او مترادف لما قبله وقيل مِنَ الَّذِينَ هادُوا كلام مستانف ظرف مستقر مسند الى مقدر بعده تقديره من الّذين هادوا فريق يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ جمع كلمة وقيل اسم جنس وليس بجمع يدل عليه تذكير الضمير الراجع اليه فى قوله تعالى عَنْ مَواضِعِهِ وأجيب بانّ تقديره يحرّفون بعض الكلم عن مواضعه واختار التفتازانيّ كونه اسم جنس وقال من نفى كونه جمعا نفى كونه جمعا اصطلاحا ومن اثبت الجمعية أراد انه جمع معنى ولؤيد كونه كلاما مستانفا قراءة ابن مسعود ومن الّذين هادوا بزيادة الواو وما فى مصحف حفصة من الّذين هادوا من يحرّقون الكلم اى يغيرونها ويزيلونها عن مواضعها التي وضعها الله تعالى فيها من التوراة والمراد بالكلم نعت محمد ﷺ لما روى البيهقي عن ابن عباس قال وصف الله تعالى محمدا ﷺ فى التورية اكحل أعين ربعة جعد الشعر حسن الوجه فلما قدم رسول الله ﷺ حسده أحبار يهود فغيّروا صفته فى كتابهم وقالوا لا نجد نعته عندنا وقالوا نجد النبي الأمي طويلا ازرق سبط الشعر وقالوا للسفلة هذا ليس هذا فلبسوا بذلك على الناس وانما فعلوا ذلك لان الاخبار كانت لهم ما كلمة يطعمهم إياهم السفلة فخافوا ان تؤمن السفلة «١» فيتنقطع
(١) فى الأصل ان يومنوا السفلة [..... ]
تلك المأكلة وقال البغوي قال ابن عبّاس كانت اليهود يأتون رسول الله ﷺ فيسئلونه عن الأمر فيخبرهم فيرى انهم يأخذون بقوله فاذا انصرفوا من عنده حرفوا كلامه فعلى هذا المراد بالكلم مطلق الكلم وقيل معنى تحريف الكلم من التوراة عن مواضعه تأويله على ما يشتهونه غير ما أراد الله تعالى منها كما يفعل اهل الأهواء من هذه الامة فى القران وجاز ان يكون معنى تحريف الكلم ان يقولوا كلمة ذات جهتين يحتمل المدح والذم والتوقير والتحقير فيظهرون المدح ويضمرون به الذم وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا عطف على قوله يحرّفون وليس هذا من جملة التحريفات ان كان المراد تحريف التوراة والمعنى انهم يقولون للنبى ﷺ هذا فهو بيان لكفرهم حيث يقولون لا نطيعك بعد السماع وجاز ان يكون المعنى يقولون عند أصحابهم سمعنا قول محمد وعصيناه او يكون قولهم سمعنا عند النبي ﷺ وعصينا عند قومهم فهو بيان لنفاقهم وجاز ان يكون هذا بيانا لبعض تحريفاتهم حيث يقولون بحضرة النبي ﷺ سمعنا وهى كلمة ذات جهتين يعنى سمعنا سماع اجابة ويريدون به سماعا بلا اجابة وجاز ان يكون قوله تعالى حكاية عنهم سمعنا وعصينا كناية عن تحقق عصيانهم بعد السماع فانّ المحقق نزل منزلة القول يعنى انهم يسمعونك ثم يعصونك وَاسْمَعْ منا غَيْرَ مُسْمَعٍ قيل كانوا يقولون للنبى ﷺ اسمع ثم يقولون فى أنفسهم لا سمعت دعاء عليه بالصمم او الموت والظاهر انهم كانوا يقولون ذلك جهارا وهى كلمة ذات جهتين يحتمل التعظيم والدعاء اى اسمع غير مسمع مكروها من قولهم اسمع فلان فلانا اى سبّه ويحتمل السبّ اى اسمع منا ندعوا عليك بلا سمعت او غير مسمع جوابا ترضاه او اسمع غير مجاب الى ما تدعو اليه او اسمع كلاما غير مسمع إياك لان اذنك تأبى عنه فيكون مفعولا به وَراعِنا هذه ايضا كلمة ذات الجهتين فانّ معناه بالعربية ارقبنا وانتظرنا نكلمك ومعناه بالعبرانية او السّريانية السبّ فانهم كانوا يتسابّون بما يشبه ذلك يقولون راعينا فكانوا يقولون ذلك سخرية بالدّين وهزوا برسول ربّ العالمين ﷺ لعنهم الله أجمعين لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ مفعول له لقوله تعالى يقولون يعنى يقولون ذلك لان يفتلوا بألسنتهم الحق بالباطل والتوقير فى الظاهر بالشتم المضمر وَطَعْناً فِي الدِّينِ اى لاجل الطعن فى الدين حيث يقولون لو كان نبيّا حقّا لاخبر بما اضمرنا فيه،......
وَلَوْ ثبت أَنَّهُمْ قالُوا سرّا وعلانية سَمِعْنا وَأَطَعْنا مكان قولهم سمعنا وعصينا وَاسْمَعْ بغير الحاق غير مسمع وَانْظُرْنا مكان راعنا لَكانَ قولهم ذلك خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ اى اعدل وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ اى خذلهم وابعدهم عن الهدى بِكُفْرِهِمْ اى بسبب كفرهم فذلك اللعنة موجب لعدم توفيقهم الى ما هو خير لهم واعدل فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦) منصوب على المصدرية او على الظرفية يعنى الّا ايمانا قليلا وتصديقا لا يعبا به شرعا- وذلك الايمان ببعض الكتب وبعض الرسل او الايمان فى الظاهر بالنفاق ويجوزان يراد بالقلة العدم وقيل معناه الا قليلا منهم كعبد الله بن سلام ويتجه عليه ان نصب المستثنى فى الكلام المنفي غير مختار عند النحاة وان جوّزه ابن الحاجب مع ان القراء متفقون على النصب وايضا لا بدّ حينئذ حمل قوله تعالى لعنهم على لعن أكثرهم وقال التفتازانيّ هو استثناء من قوله تعالى لَعَنَهُمُ اللَّهُ والله اعلم- اخرج ابن إسحاق عن ابن عباس قال كلم رسول الله ﷺ رؤساء من أحبار يهود منهم عبد الله بن صوريا وكعب بن أسيد فقال لهم يا معشر يهود اتقوا الله واسلموا فو الله انكم لتعلمون ان الذي جئتكم به لحق فقالوا ما نعرف ذلك يا محمد وأصروا على الكفر فانزل الله تعالى.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ التورية آمِنُوا بِما نَزَّلْنا على محمد من القران مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ من التورية مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً التنوين عوض للمضاف اليه اى وجوهكم اصل الطمس ازالة الأثر والمعنى نمحوا اثار الوجوه من الانف والعين والفم والحاجب فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها اى نجعلها كالاقفاء وقيل نجعل الوجوه منابت الشعر كوجوه القردة لان منابت شعور الآدميين فى ادبار وجوههم قال ابن عباس نجعلها كخف البعير وقال قتادة والضحّاك نعميها والمراد بالوجه العين فان قيل قد وعدهم الله تعالى بالطمس ان لم يؤمنوا يدل على ذلك ما روى ان عبد الله بن سلام رضى الله عنه لما سمع هذه الاية جاء الى النبي ﷺ قبل ان يأتى اهله ويده على وجهه واسلم وقال يا رسول الله ما كنت ارى ان اصل إليك حتى يتحول وجهى فى قفائى وكذلك ما روى عن كعب الأحبار لما سمع هذه الاية اسلم فى زمن عمر فقال يا ربّ امنت يا رب أسلمت مخافة ان يصيبه وعيد هذه الآية......
لكنهم لم يؤمنوا ولم يفعل بهم ذلك قلنا قيل هذا الوعيد يأتى ويكون طمس ومسخ فى اليهود قبل قيام السّاعة وقيل كان وعيدا بشرط عدم ايمان كلهم فلمّا اسلم عبد الله بن سلام وأصحابه رفع ذلك من الباقين وقيل أوعدهم الله بأحد الامرين على سبيل منع الخلو بالطمس او اللعن وقد لعنوا فثبت الوعيد والصحيح عندى انه يطمسهم يوم القيامة ان لم يؤمنوا- اخرج ابن عساكر والخطيب عن معاذ بن جبل ان النبي ﷺ تلا يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً قال يحشر أمتي عشرة أفواج صنف على صورة القردة وصنف على صورة الخنازير وصنف على صورة الكلاب وصنف على صورة الحمر الحديث وقد ذكرنا فى تفسير تلك الاية وقال مجاهد أراد بقوله نَطْمِسَ وُجُوهاً اى نتركهم فى الضلالة فيكون المراد طمس وجه القلب والرد عن بصائر الهدى لكن يرد عليه ان ذلك التأويل يقتضى كون قلوب اليهود نقية قبل ذلك وقال ابن زيد معناه نمحو اثارهم من المدينة فنردها على أدبارها حتى يعودوا الى حيث جاءوا منه وهو الشام، وقد مضى تأويله بإجلاء بنى نضير الى أذرعات وأريحا بالشام أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ من اليهود على لسان داود وعيسى بن مريم وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) نافذا كائنا لا محالة لا يقدر أحد على دفعه- اخرج الطبراني وابن ابى حاتم عن ابى أيوب الأنصاري قال جاء رجل الى النبي ﷺ فقال ان لى ابن أخ لا ينتهى عن الحرام قال وما دينه قال يصلى ويوحّد قال استوهب منه دينه فان ابى فاتبعه منه فطلب الرجل ذلك منه فابى عليه فاتى النبي ﷺ فاخبره فقال وجدته شحيحا على دينه فنزلت.
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ تعالى فى وجوب الوجود او العبادة إذا مات وهو مشرك وامّا إذا تاب عن الشرك وأمن فيغفر له ما قد سلف منه من الشرك وغيره اجماعا لان التائب من الذنب كمن لا ذنب له يعنى كانه لم يصدر عنه ذلك الذنب قط قال الله تعالى قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ يعنى ما سوى الشرك من الذنوب صغيرة كانت او كبيرة صدرت عنه خطأ او عمدا وان مات مذنبا لم يتب لِمَنْ يَشاءُ تعميم المغفرة لما دون الشرك وتقييدها بالمشية مبطل لمذهب المرجئة حيث قالوا بوجوب المغفرة لكل ذنب وقالوا لا يضر ذنب مع الايمان كما لا ينفع عمل مع الشرك......
ومذهب المعتزلة حيث قيّدوا مغفرة الذنوب بالتوبة فان الاية تدل على نفى التقييد بالتوبة لان سوق الكلام للتفرقة بين حال المشرك والمذنب والتقييد بالمشية يبطل القول بوجوب المغفرة للتائب ووجوب التعذيب لغيره فان قيل التقييد بالمشية لا ينافى الوجوب بل يستلزم وجوب المشية بعد ثبوت المغفرة قلنا فحينئذ لا فائدة فى هذا التقييد ومذهب الخوارج حيث قالوا كل ذنب شرك صاحبه مخلد فى النار اخرج ابو يعلى وابن المنذر وابن عدى بسند صحيح عن ابن عمر قال كنا نمسك عن الاستغفار لاهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا ﷺ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ قال انى ادخرت دعوتى شفاعتى لاهل الكبائر من أمتي فامسكنا عن كثير ممّا كان فى أنفسنا ثم نطقنا بعد ورجونا قال البغوي ناقلا عن الكلبي انّ الاية نزلت فى وحشي بن حرب وأصحابه وذلك انه لمّا قتل حمزة كان قد جعل له على قتله ان يعتق فلم يوف له بذلك فلمّا قدم مكة ندم على ما صنع هو وأصحابه فكتبوا الى رسول الله ﷺ انا قد ندمنا على ما صنعنا وانه ليس يمنعنا عن الإسلام الا انا سمعناك تقول وأنت بمكة وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الآيات وقد دعونا مع الله الهة وقتلنا النّفس الّتى حرم الله تعالى وزنينا فلولا هذه الآيات لاتبعناك فنزلت إِلَّا مَنْ تابَ... «١» وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً الآيتين فبعث بهما رسول الله ﷺ إليهم فلما قرءوا كتبوا اليه انّ هذا شرط شديد نخاف ان لا نعمل عملا صالحا فنزلت هذه الاية إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ الاية فبعث بها إليهم فبعثوا اليه انا نخاف ان لا نكون من اهل مشية فنزلت يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ الاية فبعث بها إليهم فدخلوا فى الإسلام ورجعوا الى النبي ﷺ فتقبل منهم ثم قال للوحشى أخبرني كيف قتلت حمزة فلمّا أخبره فقال ويحك غيب وجهك عنى فلحق الوحشي بالشام وكان بها الى ان مات فان قيل هذه القصّة يدل على نسخ تقييد المغفرة بالمشية فيثبت مذهب المرجئة قلنا هذا التقييد لا يحتمل النسخ إذ لا يجوز وجود شىء من الأشياء مغفرة كانت او غيرها بدون مشية الله لكن نزول قوله تعالى يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا فى شأن الوحشي دل على كونه من اهل المشية والله اعلم وقال البغوي ناقلا عن ابى مجلز عن ابن عمر انه لما نزل قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا الاية قام رجل فقال والشّرك يا رسول الله فسكت ثم قام اليه
(١) وفى القران إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ إلخ-
مرتين او ثلاثا فنزلت إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ الاية «١» - وقال ناقلا عن مطرف بن عبد الله ابن الشخير عن ابن عمر قال كنا على عهد رسول الله ﷺ إذا مات الرجل على كبيرة شهدنا انه من اهل النار حتى نزلت هذه الآية فامسكنا عن الشهادات وقال حكى عن على ان هذه الاية أرجى اية فى القران وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى معنى الافراء الإفساد والافتراء استعمل فى الكذب والشرك والظلم كذا فى الصحاح فالمعنى فقد أفسد وكذب إِثْماً منصوب على المصدرية يعنى ارتكب الكذب والفساد كذبا وفسادا عظيما وجازان يكون منصوبا على المفعولية والمعنى على التجريد اختلق اثما عَظِيماً (٤٨) يستحقر دونه الآثام وهذا وجه الفرق بينه وبين سائر الآثام عن جابر رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ ثنتان موجبتان فقال رجل يا رسول الله ما الموجبتان قال من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار رواه مسلم وعن ابى ذرّ رضى الله عنه قال أتيت النبي ﷺ وعليه ثوب ابيض وهو نائم ثم أتيته وقد استيقظ فقال ما من عبد قال لا اله الا الله ثم مات على ذلك الّا دخل الجنة قلت وان زنى وان سرق قال وان زنى وان سرق قلت وان زنى وان سرق قال وان زنى وان سرق قلت وان زنى وان سرق قال وان زنى وان سرق على رغم انف ابى ذرّ وكان ابو ذر إذا حدث بهذا قال وان رغم انف ابى ذرّ متفق عليه وفى الباب أحاديث كثيرة والله اعلم- اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس واخرج ابن جرير نحوه عن عكرمة وابى مالك ومجاهد وغيرهم انه كانت اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم ويقربون قربانهم ويزعمون انهم لا خطايا لهم ولا ذنوب فانزل الله تعالى.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ الاستفهام للتعجيب
(١) روى ابو يعلى وابن ابى حاتم عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ ما من عبد يموت لا يشرك بالله شيئا الّا حلّت له المغفرة ان شاء غفر له وان شاء عذبه ان الله استثنى فقال إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ واخرج ابو يعلى عن انس قال قال رسول الله ﷺ من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجز له ومن وعده على عمل عقابا فهو بالخيار واخرج الطبراني عن سلمان قال قال رسول الله ﷺ ذنب لا يغفر وذنب لا يترك وذنب يغفر فامّا الذي لا يغفر فالشرك وامّا الذي يغفر فذنب بينه وبين الله وامّا الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا منه رحمه الله
من حال من يزكى نفسه لان غرضه من تزكية نفسه اعتلاؤه بين الناس ولا يحصل ذلك بتزكيته نفسه بل يوجب ذلك دناءة فى أعين الناس وانما يحصل الاعتلاء والزكاء بتزكية الله تعالى وجعله عاليا ناميا فيما بين عباده ذكر البغوي والثعلبي عن الكلبي انها نزلت فى رجال من اليهود منهم بحرى بن عمرو والنعمان بن اوفى ومرحب بن زيد أتوا بأطفالهم الى النبي ﷺ فقالوا يا محمد هل على هؤلاء ذنب فقال لا قالوا ما نحن الا كهيئتهم ما عملنا بالنهار يكفّر عنا بالليل وما عملنا بالليل يكفر عنا بالنهار فانزل الله تعالى هذه الاية وقال الحسن والضحّاك وقتادة نزلت فى اليهود والنصارى حين قالوا نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ وقالوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى، قلت وان كان سبب نزول الاية خاصّا لكن الحكم عام وقال ابن مسعود هو تزكية بعضهم لبعض، روى عن طارق بن شهاب عن ابن مسعود قال انّ الرجل ليغدوا من بيته ومعه دينه فيأتى الرجل لا يملك له ولا لنفسه ضرّا ولا نفعا فيقول والله أنت لذيت وذيت فيرجع الى بيته وما معه من دينه شىء ثم قرأ الم تر الى الّذين يزكّون أنفسهم (مسئلة) لا يجوز لاحد ان يزكى نفسه ويثنى عليها وينسبها الى الطهارة من الذنوب، وايضا لا يجوز ان يحكم لغيره بالطهارة الأعلى سبيل حسن الظن المأمور به فان الحكم بغير العلم لا يجوز قال الله تعالى وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ وتزكية نفسه يفضى الى العجب والكبر المنهيين ايضا وفى نفس الأمر ما لكل أحد عند الله تعالى من القرب والثواب لا يعلمه الّا الله تعالى ولذلك قال بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي اى يحكم بالطهارة او يطهر من الذنوب بالمغفرة ويصلح مَنْ يَشاءُ فانه القادر على التطهير وبما ينطوى عليه الإنسان هو العليم الخبير وفيه اشعار بأنه يجوز تزكية نفسه او غيره باعلام من الله تعالى بتوسط الوحى او الإلهام بشرط ان لا يكون ذلك على وجه البطر والتكبر فانها من رذائل النفس وهذا هو محمل ما ورد فى الأحاديث قوله ﷺ انا سيد ولد آدم ولا فخر وقد مر فى البقرة وقوله ﷺ والله انى لامين فى السّماء أمين فى الأرض لمّا عرّض المنافقون بانه جارّ فى القسمة وقوله ﷺ والله لا تجدون بعدي اعدل عليكم منى رواه الطبراني والحاكم بسند صحيح عن ابى هريرة واحمد عن ابى سعيد وقوله ﷺ ابو بكر وعمر سيّدا كهول اهل الجنة والحسن والحسين سيّدا شباب اهل الجنة وفاطمة سيدة نساء اهل الجنة وكذا ما ورد فى كلام الأولياء بناء على الهام من الله تعالى كقول غوث الثقلين قدمى......
هذه على رقبة كل ولى الله وَلا يُظْلَمُونَ الضمير راجع الى من يشاء الله تزكيته فانهم يثابون على زكائهم ولا ينقص من ثوابهم او الى الناس أجمعين المفهوم فى ضمن ما سبق يعنى ان الله لا يظلم الناس فى التزكية فتيلا بل لا يزكى الا من يستأهله ولا يترك الا من لا يستأهله او الى الذين يزكون أنفسهم فانهم يعاقبون على قدر جريمتهم ولا يظلمون فَتِيلًا (٤٩) فى الصّحاح هو ما تقتله بين أصابعك من خيط او وسخ ويضرب بها المثل فى الشيء الحقير وقيل هو الخيط الذي فى شق النواة منصوب على المصدر اى لا يظلمون ظلما فتيلا اى ادنى ظلم بقدر الفتيل.
انْظُرْ يا محمد كَيْفَ يَفْتَرُونَ اى اليهود يكذبون عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ انهم ابناؤه واحباؤه او يغفرهم بالليل ما يعملون بالنهار وبالنهار ما يعملون بالليل وَكَفى بِهِ الى بافترائهم هذا إِثْماً مُبِيناً (٥٠) ظاهر البطلان لان بطلان كونهم أبناء الله واحباؤه بديهي لا يحتاج الى دليل وقولهم هذا ظاهر فى المأثم من بين سائر اثامهم وجملة كفى به حال بتقدير قد من فاعل يفترون والله اعلم قال المفسّرون خرج كعب بن الأشرف فى سبعين راكبا من اليهود الى مكة بعد واقعة أحد ليحالفوا قريشا على رسول الله ﷺ وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ فنزل كعب على ابى سفيان فاحسن مثواه ونزلت اليهود فى دور قريش فقال اهل مكة انكم اهل كتاب ومحمد صاحب كتاب ولا نامن ان يكون هذا مكرا منكم فان أردت ان نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وأمن بهما ففعل ذلك ثم قال كعب لاهل مكة ليجىء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد ربّ هذا البيت لنجهدنّ على قتال محمّد ففعلوا فنزلت.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ اخرج الطبراني والبيهقي فى الدلائل عن ابن عباس نحوه واختلفوا فى تفسير الجبت والطّاغوت فقال عكرمة هما صنمان كان المشركون يعبدونهما من دون الله ويؤيّده ما روينا من القصّة وروى عنه ان الجبت بلسان الحبشة الشيطان قلت لعل ذلك الصنم سمى باسمه وقال ابو عبيدهما كل معبود يعبد من دون الله لكن العطف يقتضى المغايرة والتحقيق ان الجبت أصله الجبس وهو الذي لا خير فيه فقلبت سينه تاء والطّاغوت فعلوت من الطغيان والتجاوز......
عن الحد فى الكفر والعصيان أصله طغووت قلبت اللام بالعين ثم قلبت الواو الفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار طاغوت كذا فى الصحاح والقاموس فعلى هذا جاز اطلاق الجبت على كل ما لا خير فيه والطاغوت على كل ما تجاوز الحد فى العصيان ولذا سمى بالجبت حيى بن اخطب وبالطاغوت كعب ابن الأشرف كذا قال الضحاك وقال عمرو الشعبي ومجاهد الجبت السحر والطاغوت الشيطان وقال محمد بن سيرين الجبت الكاهن والطاغوت الساحر وقال سعيد بن جبير وابو العالية بعكس ذلك وروى البغوي بسنده عن قبيصة ان النبي ﷺ قال العيافة «١» والطرق «٢» والطيرة «٣» من الجبت يعنى لا خير فى شىء منها قلت فالظاهر ان المراد بالجبت هاهنا الأوثان إذ لا خير فيها أصلا وبالطاغوت شياطين الأوثان وكان لكل صنم شيطان يعبر عنه فيغتر به الناس روى البيهقي عن ابى الطفيل رضى الله عنه انه بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد لهدم العزى يوم فتح مكة قال ابو الطفيل فقطع خالد السمرات ثم رجع الى رسول الله ﷺ فاخبره فقال هل رايت شيئا قال لا قال فاتك لم تهدمها فرجع خالد فلما رات السدنة خالدا انبعثوا فى الجبل وهم يقولون يا عزى خبلتيه «٤» يا عرى عورته والا فموتى برغم فخرجت اليه امراة سوداء عريانة ناشزة الرأس تحثوا لتراب على رأسها ووجهها فجرّد خالد سيفه وهو يقول يا عزى كفرانك لا سبحانك انى رأيت الله قد هانك، فضربها بالسيف فجزلها باثنتين ثم رجع الى رسول الله ﷺ فاخبره فقال نعم تلك العزى قد يئست ان تعبد ببلادكم ابدا- كذا فى سبيل الرشاد والله اعلم اخرج احمد وابن ابى حاتم عن ابن عبّاس قال لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش الا ترى هذا المنصبر المنبتر من قومه يزعم انه خير منا ونحن اهل الحجيج واهل السدانة واهل السقاية قال أنتم خير منه فنزلت فيهم إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ونزلت هذه الاية وَيَقُولُونَ يعنى كعب الأشرف وأصحابه لِلَّذِينَ كَفَرُوا من اهل مكة ابى «٥» سفيان وغيره هؤُلاءِ يعنى
(١) العيافة زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها يقال عاف يعيف عيفا إذا زجر وحدس وطن نهاية منه رح
(٢) الطرق الضرب بالحصى الذي تفعله النساء نهاية منه رح
(٣) الطيرة التشاوم بالشيء وأصله فيما يقال التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما نهاية حزرى منه رحمه الله تعالى
(٤) الخبل الجنون والفساد أصله من النقصان ثم صار الهلاك خبالا نهاية منه رحمه الله
(٥) فى الأصل ابو سفيان-
كفّار مكة أَهْدى أقوم وارشد مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بمحمد ﷺ سَبِيلًا (٥١) دينا وطريقا واخرج ابن إسحاق عن ابن عباس قال كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبنى قريظة حيى بن اخطب وسلام بن ابى الحقيق وابو رافع والربيع بن ابى الحقيق وابو عمارة وهودة بن قيس وكان سائرهم من بنى النضير فلما قدموا على قريش قالوا هؤلاء أحبار اليهود واهل العلم بالكتب الاولى فسئلوهم أديننا خير أم دين محمد فقالوا دينكم خير من دينه وأنتم اهدى منه وممن تبعه فانزل الله تعالى هذه الاية الى قوله ملكا عظيما، وذكر البغوي انه لمّا سال ابو سفيان كعبا عن ذلك قال كعب اعرضوا على دينكم فقال ابو سفيان نحن ننحر للحجيج الكوماء ونسقيهم الماء ونقر الضيف ونفك العاني ونصل الرحم ونعمّر بيت ربّنا ونطوف به ونحن اهل الحرم ومحمد فارق دين ابائه وقطع الرحم وفارق الحرم وديننا القديم ودين محمد الحديث فقال كعب والله أنتم اهدى سبيلا مما عليه محمد.
أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ابعدهم من رحمته وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ إياه فَلَنْ تَجِدَ ايها المخاطب لَهُ نَصِيراً (٥٢) فى الدنيا فى الحروب وفى الاخرة بدفع العذاب بالشفاعة او غيرها وفيه ردّ للاستنصار بهم ومخالفتهم مع قريش على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم- ثم وصف الله تعالى اليهود بالبخل والحسد وهما من شرّ الخصال حيث يمنعون مالهم ويتمنون زوال مال غيرهم فقال.
أَمْ لَهُمْ اى لليهود نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ أم منقطعة ومعنى الهمزة التي فى ضمنها انكار ان يكون لهم نصيب من الملك ونفى ما زعمت اليهود ان الملك سيصير إليهم او المراد بنصيب من الملك الرياسة التي أنكر اليهود النبوة لخوف فواتها فانكر الله تعالى رياستهم لفقد لوازمها وهو السخاء بأبلغ الوجوه وذلك بإثبات كمال الشح فيهم وجاز ان يقال فيه تعريض بان انكار نبوة محمد ﷺ لو نفع انما ينفع لمن خاف فوت ملكه بظهور نبوته فانكار من لا نصيب له من الملك فى غاية السفه فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣) يعنى ان كان لهم نصيب من الملك فاذن لا يؤتون أحدا ما يوازى نقيرا لغاية بخلهم وكما شحّهم فكيف يؤتيهم الله تعالى الملك وجاز ان يكون المعنى انهم لو كانوا ملوكا بخلوا بالنقير فما ظنكم بهم إذا كانوا أذلاء متفاقرين فهو بيان لغاية بخلهم والنقير هو النقرة فى ظهر النواة وهو مثل فى القلة كالفتيل،......
اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عبّاس انه قال اهل الكتاب يزعم محمد انه اوتى ما اوتى فى التواضع وله تسع نسوة وليس همه الّا النكاح فاىّ ملك أفضل من هذا فانزل الله تعالى.
أَمْ بل يَحْسُدُونَ الاية اى اليهود واخرج ابن سعد عن عمر مولى عفرة ابسط منه النَّاسَ قال ابن عباس والحسن ومجاهد وجماعة المراد بالناس رسول الله ﷺ وحده حسدوه على ما أحل الله له من النساء كما مرّ وقيل المراد به محمد ﷺ وأصحابه وقال قتادة المراد بالناس العرب حسدهم اليهود على النبوة وما أكرمهم الله تعالى بالنبي ﷺ وقيل المراد بالناس الناس أجمعون لان من حسد النبوة فكأنّما حسد الناس كلهم كمالهم ورشدهم عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعنى النبوة والكتاب ورضوان الله تعالى والنصر على الأعداء والإعزاز فى الدنيا والنساء وغير ذلك مما يشتهونه فى الدنيا من الحلال وجعل النبىّ الموعود منهم فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الذين هم أسلاف محمد ﷺ وأبناء جده يعنى إسماعيل وإسحاق ويعقوب وسائر أنبياء بنى يعقوب عليهم السّلام الْكِتابَ التورية والإنجيل والزبور واللام للجنس وَالْحِكْمَةَ العلم اللدني او العلوم التي اعطوا مما سوى الكتاب وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (٥٤) ملّك يوسف وطالوت وداؤد وسليمان عليهم السلام وغيرهم فلا يبعد ان يعطى محمد ﷺ واتباعه مثل ما اعطوا او أفضل من ذلك وقد كان لسليمان عليه السلام الف امراة ثلاثمائة مهرية وسبعمائة سرية وكان لداود مائة امراة ولم يكن لرسول الله ﷺ يومئذ الا تسع نسوة قال البغوي فلما قال الله تعالى لهم ذلك سكتوا يعنى عن ذكر كثرة نساء النبي ﷺ وغير ذلك من النعماء وجازان يراد بقوله فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً مع كثرة حسادهم وقوتهم كنمرود وفرعون وغيرهما فلم ينفع الحسد للحساد ولم يضر بالمحسودين-.
فَمِنْهُمْ او من اليهود مَنْ آمَنَ بِهِ بمحمد ﷺ كعبد الله بن سلام وأصحابه او بما ذكر من حديث ال ابراهيم وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ اى اعرض عنه ولم يؤمن وقال السدى الضمير المجرور فى آمَنَ بِهِ وصَدَّ عَنْهُ راجع الى ابراهيم وذلك ان ابراهيم زرع ذات سنة وزرع الناس فهلك زرع الناس وزكا زرع ابراهيم عليه السلام فاحتاج اليه الناس فكان يقول......
من أمن بي أعطيته فمن أمن به أعطاه ومن لم يؤمن به منعه والمعنى على هذا ان لم يوهن عدم ايمان بعض الناس بإبراهيم امر ابراهيم فكذا لا يوهن كفر هؤلاء الأشقياء أمرك وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (٥٥) اى نارا مسعور لا موقدة يعذبون بها من ان يعجلوا بالعقوبة بالدنيا-.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كالبيان والتقرير لما سبق كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ اى احترقت بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها بان يعاد ذلك الجلد بعينه على صورة اخرى كقولك بدلت الخاتم قرطا او بان يزال عنه اثر الإحراق ليعود إحساسه بالعذاب وهو المعنى من قول ابن عبّاس يبدلون جلودا بيضاء كامثال القراطيس ذكر عنه البغوي وكذا اخرج ابن ابى خاتم فى الاية عن ابن عمر واخرج الطبراني وابن ابى حاتم وابن مردوية عن ابن عمر قال قرئ عند عمر هذه الاية فقال معاذ عندى تفسيرها يبدل فى ساعة مائة مرة فقال هكذا سمعت من رسول الله ﷺ وفى رواية أبيّ مكان معاذ واخرج ابن مردوية وابو نعيم فى الحلية من وجه اخر بلفظ تبدل فى الساعة الواحدة عشرون ومائة مرة وأخرجه البيهقي من وجه ثالث بلفظ تحرق وتجدد فى مقدار ساعة ستة آلاف مرة واخرج البيهقي عن الحسن فى الاية قال تأكل النار كل يوم سبعين الف مرة كلما أكلتهم قيل لهم عودوا فيعودون كما كانوا- واخرج ابن ابى الدنيا عن حذيفة ان فى جهنم سباعا من نار وكلابا من نار وكلاليب من نار وسيوفا من نار وانه يبعث ملائكة يعلقون اهل النار بتلك الكلاليب بأحقابهم ويقطعونهم بتلك السيوف عضوا عضوا ويلقونهم الى تلك السباع والكلاب كلما قطعوا عضوا عاد مكانه عضو جديد قلت يعنى عضوا جديدا من اجزاء العضو السّابق جلدا جديدا من اجزاء الجلد السّابق وقيل يخلق مكانه جلدا اخر والعذاب فى الحقيقة للنفس العاصية المدركة لالالة إدراكها فلا محذور، قال عبد العزيز بن يحيى ان الله عز وجل يلبس اهل النار جلودا لا تألم فيكون زيادة عذاب عليهم كلما احترق جلد بدلهم جلدا غيره كما قال سرابيلهم من قطران فالسّرابيل تؤلمهم وهى لا تألم لِيَذُوقُوا اى ليدوم لهم «١» ذوق الْعَذابَ اسناد الذوق الى الكفار دون الجلود يؤيد قول عبد العزيز ومن قال ان العذاب للنفس العاصية والله اعلم- عن ابى هريرة عن النبي ﷺ قال ما بين منكبى الكافر مسيرة ثلاثة ايام
(١) فى الأصل له-
للراكب المسرع رواه البخاري ومسلم وعنه قال قال رسول الله ﷺ ضرس الكافر مثل أحد وغلظ جلده مسيرة ثلاث رواه مسلم، واخرج ابن المبارك عنه بلفظ ضرس الكافر يوم القيامة أعظم من أحد يعلمون لتمتلى جهنم منهم وليذوقوا العذاب وعند الترمذي والبيهقي فخذه مثل البيضاء ومقعده من جهنم ما بين مكة والمدينة وغلظ جلده اثنان وأربعون ذراعا وعند احمد والترمذي والحاكم وصححه والبيهقي عرض جلده سبعون ذراعا وعضده مثل البيضاء وفخذه مثل ورقان، وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال يعظم اهل النار فى النار حتى ان بين شحمة اذن أحدهم الى عاتقه مسيرة سبعمائة عام وان غلظ جلده سبعون ذراعا وان فرسه مثل أحد واخرج الترمذي والبيهقي وهنا دعنه مرفوعا ان الكافر ليجر لسانه الفرسخين وعند الترمذي الفرسخ والفرسخين واخرج احمد والحاكم عن ابن عباس بين شحمة اذن أحدهم وبين عاتقه مسيرة أربعين خزيفا يجرى فيه اودية من القيح والدم قيل انهار قال لابل اودية إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً لا يمتنع عليه ما يريده حَكِيماً (٥٦) يعاقب على وفق حكمته.
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ اخرج الحاكم وصحّحه عن ابى سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال مطهرة من الحيض والغائط والنخامة والبزاق واخرج هناد عن مجاهد قال مطهرة عن الحيض والغائط والبول والمخاط والبصاق والنخام والولد والمنى وعن عطاء مثله. وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧) عن ابى هريرة عن رسول الله ﷺ قال ان فى الجنة لشجرة يسير الراكب فى ظلّها مائة عام ما يقطعها اقرءوا ان شئتم وَظِلٍّ مَمْدُودٍ متفق عليه وزاد احمد فى آخره وان ورقها ليخمر الجنة واخرج ابن ابى حاتم عن الربيع بن انس فى قوله تعالى وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا قال هو ظل العرش الذي لا يزول والظليل صفة مشتقة من الظلّ للتأكيد كقولهم شمس شامس وليل لئيل ويوم ايوم وفيه اشارة الى دوام نعماء الجنة والله اعلم- اخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس قال لما فتح رسول الله ﷺ مكة دعا عثمان بن طلحة فلما أتاه قال ادّنى المفتاح فاتاه به فلما بسط يده قام العباس فقال يا رسول الله بابى أنت وامّى اجمعه لك مع السقاية وخلف عثمان يده فقال......
رسول الله ﷺ هات المفتاح يا عثمان فقال هات بامانة الله فقام ففتح الكعبة ثم خرج فطاف بالبيت ثم نزل عليه بردّ المفتاح فدعا عثمان بن طلحة فاعطاه المفتاح ثم قال.
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها حتى فرغ من الاية واخرج سنيد فى تفسيره عن حجاج بن جريح والأزرقي عن مجاهد قال نزلت هذه الاية فى عثمان بن طلحة أخذ رسول الله ﷺ منه مفتاح الكعبة فدخل به البيت يوم الفتح فخرج وهو يتلو هذه الآية فدعا عثمان فناوله المفتاح قال وقال عمر بن الخطّاب لما خرج رسول الله ﷺ من الكعبة وهو يتلو هذه الاية فداه ابى وأمي وما سمعته يتلو قبل ذلك فالظاهر انها نزلت فى جوف الكعبة وروى ايضا نحوه عن سعيد بن المسيّب وفيه خذوها يا بنى طلحة خالدة لا يظلمكموها الّا كافر وروى ابن سعد عن ابراهيم بن محمد العبدري عن أبيه ومحمد بن عمرو عن شيوخه قالوا قال عثمان بن طلحة لقينى رسول الله ﷺ بمكة قبل الهجرة فدعانى الى الإسلام فقلت يا محمد اتعجب لك حيث تطمع ان اتبعك وقد خالفت دين قومك وجئت بدين محدث وكنا نفتح الكعبة فى الجاهلية الاثنين والخميس فاقبل يوما يريد ان يدخل الكعبة مع الناس فاغلظت عليه ونلت منه فحلم عنى ثم قال يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت فقلت لقد هلكت قريش وذلّت قال بل عمرت وعزت ودخل الكعبة فوقعت كلمة منى موقعا ظننت ان الأمر سيصير الى ما قال فاردت الإسلام فاذا قومى يزبروننى زبرا شديدا فلما كان يوم الفتح قال لى يا عثمان ايت بالمفتاح فاتيته به فاخذه منى ثم دفعه الىّ وقال خذها خالدة تالدة لا ينزعها منكم الّا ظالم يا عثمان ان الله استأمنكم على بيته فكلوا مما وصل إليكم من هذا البيت بالمعروف فلما وليت نادانى فرجعت اليه فقال الم يكن الذي قلت لك فذكرت قوله لى بمكة قبل الهجرة فقلت بلى اشهد انك رسول الله وروى الفاكهاني عن جبير بن مطعم ان رسول الله ﷺ لما ناول عثمان المفتاح قال له غيّبه قال الزهري فلذلك يغيب المفتاح قلت ولعل الوجه فى الأمر بتغييب المفتاح ان الناس كانوا يطمعون فى ان يكون المفتاح عندهم كما ذكرنا من رواية ابن مردوية طمع عباس فيه وروى ابن عابد والأزرقي ان عليا قال للنبى ﷺ اجمع لنا الحجابة والسقاية فنزلت هذه الاية فدعا عثمان فقال خذوها يا بنى طلحة خالدة......
مخلدة لا ينزعها منكم الّا ظالم وروى عبد الرزاق والطبراني عن الزهري ان رسول الله ﷺ لما خرج من البيت قال علىّ رضى الله عنه انا أعطينا النبوة والسقاية والحجابة ما من قوم بأعظم نصيبا منا فكره رسول الله ﷺ مقالته ثم دعا عثمان بن طلحة فدفع اليه وقال غيّبوه وذكر البغوي انه لما دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح اغلق عثمان باب البيت وصعد السطح فطلب رسول الله ﷺ المفتاح فقيل له انه مع عثمان فابى وقال لو علمت انه رسول الله لم امنعه المفتاح فلوى على رضى الله عنه عنقه فأخذ منه المفتاح وفتح الباب فدخل رسول الله ﷺ البيت وصلى ركعتين فلما خرج ساله العباس المفتاح ان يعطيه ويجمع له بين السّقاية والسدانة فانزل الله تعالى هذه الاية فامر رسول الله ﷺ عليا ان يرد المفتاح الى عثمان ويعتذر اليه ففعل ذلك على فقال له عثمان أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق فقال لقد انزل الله فى شأنك وقرأ عليه الاية فقال عثمان اشهد ان محمّدا رسول الله وكان المفتاح معه فلما مات دفعه الى أخيه شيبة فالمفتاح والسدانة فى أولادهم الى يوم القيامة (فائدة:) نزول الاية وان كان فى إعطاء المفتاح لبنى طلحة لكن الاية بعموم لفظها يفيد وجوب أداء كل امانة الى أهلها عن انس قال قلّما خطبنا رسول الله ﷺ الّا قال لا ايمان لمن لا امانة له ولا دين لمن لا عهد له رواه البيهقي فى شعب الايمان وفى الصحيحين عن ابى هريرة وعبد الله بن عمرو مرفوعا انه ﷺ ذكر من علامات النفاق إذا اؤتمن خان «١» (فائدة:) ليس أداء الامانة منحصرا فى مال الوديعة ونحو ذلك بل كل حق
لاحد على أحد امانة
(١) قال سمعت رسول الله ﷺ أول ما يرفع من الناس الإماتة واخر ما يبقى الصلاة ورب مصل لا خير فيه رواه الحكيم عن زيد بن ثابت واخرج ابن جرير عن ابن عباس انه لم يرخص لموسر ولا لمعسر واخرج البيهقي عن ميمون ابن مهران قال ثلاثة يؤدين الى البر والفاجر الرحم توصل كانت برة او فاجرة والامانة تؤدى الى البر والفاجر والعهد يوفى للبر والفاجر واخرج عبد الرزاق وابن ابى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن ابى حاتم والبيهقي عن ابن مسعود رض قال ان القتل فى سبيل الله يكفر الذنوب كلها الا الأمانة يجاء بالرجل يوم القيامة وان كان قتل فى سبيل الله فيقال له ادّ أمانتك فيقول من اين وقد ذهبت الدنيا فقال انطلقوا به الى الهاوية فينطلق به فتتمثل أمانته كهيئتها فى قعر جهنم فيحملها فيصعد بها حتى إذا ظن انه خارج بها زلت من عاتقه فهوت وهوى معها ابد الآبدين قال زاذان فاتيت البراء بن عازب فقلت اما سمعت ما قال أخوك ابن مسعود قال صدق ان الله يقول إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها والامانة فى الصلاة والامانة فى الغسل من الجنابة والامانة فى الحديث والامانة فى الكيل والامانة فى الوزن والامانة فى الدين وأشدّ ذلك فى الودائع منه رحمه الله-
يجب أداؤه لاهله كما يدل عليه سبب نزول هذه الاية فلهذا قال الصوفية العلية ان الوجود وتوابعه وكل كمال فى الممكن فهو ليس لذاته بل مقتبس من مرتبة الوجوب جلّت عظمته وامانة مودعة مستعارة منه تعالى ومقتضى هذه الاية وجوب ردّ تلك الأمانات الى أهلها «١» بحيث يرى نفسه عاريا منها كما ان السّلطان إذا لبس كنّاسا لباس الامارة فالواجب على الكنّاس ان يرى نفسه فى كل حين عاريا كما كان منتسبا لباسه الى مالكه وإذا غلب على الصّوفى هذه الملاحظة وجد نفسه فى نفسه معدوما خاليا عن الوجود وعن سائر الكمالات مبدأ للشرور والمناقص وذلك هو مرتبة الفناء ثم قد ينتفى عنه هذه الرؤية المستعارة ايضا وذلك فناء الفناء ثم يرى نفسه موجودا بوجود مستعار من الله تعالى متصفا بصفات مضافة اليه سبحانه باقيا ببقائه وذلك مرتبة البقاء ومن هاهنا قال الله تعالى فى الحديث القدسي كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به الحديث فاذا وصل الصوفي الى تلك المرتبة المعبر عنها بالفناء والبقاء المكنى عنها بأداء الامانة لا يتصور حينئذ ان يصدر من الصوفي تزكية لنفسه حيث يرى نفسه معدوما خاليا عن الكمالات وجاز له حينئذ التكلم بما أعطاه الله من الكمالات والتحديث بما أنعم الله عليه من الفضائل والمقامات والمعاملات لان الكمالات حينئذ مضافة الى الله تعالى وكل ثناء واقع على تلك الكمالات راجعة الى الله سبحانه ويظهر استغراق المحامد لله وانحصار المدائح فى الله تعالى فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فكأنّ هذه الاية متصلة بقوله تعالى فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ «٢»... بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وما بينهما اعتراض ومعنى الآيتين لا تزكوا أنفسكم فان كمالاتكم ليست ناشية من أنفسكم بل الله يزكى من يشاء بإعطاء نور من أنواره ورشحة من بحار كماله والله يأمركم ان تؤدوا الأمانات التي عندكم من الكمالات الى أهلها حتى لا يتصوّر منكم تزكية نفوسكم ويتاتى منكم أداء بعض محامد ربكم ومن هاهنا يظهر لك جواب ما اعترض بعض الجهال على كلمات المشائخ المشعرة بالتفاخر فانها بعد أداء الأمانات الى أهلها ناشية على سبيل التحديث بالنعمة بإذن ربّهم على مقتضى الحكمة والله اعلم-
(١) فى الأصل الى اهله-
(٢) هكذا فى الأصل والنقول لعله سباق قلم او تصحيف من الناسخ لان قوله تعالى المتقدم ليس هكذا بل هو أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ نعم وقع فى سورة والنجم فلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى ٢ بو محمد عفا الله عنه
وَإِذا حَكَمْتُمْ الظرف متعلق بمحذوف دل عليه ما بعده تقديره ويأمركم ان تحكموا بالعدل إذا حكمتم اى قضيتم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ تفسير للمحذوف لا محلّ له من الاعراب والحكم بالعدل ايضا من باب أداء الامانة والإخلال به خيانة- عن ابى ذرّ قال قلت يا رسول الله استعملني قال يا أبا ذرّ انك ضعيف وانها امانة وانها يوم القيامة خزى وندامة الا من أخذ بحقّها وادي الذي عليه فيها وفى رواية قال يا أبا ذرّ انى أراك ضعيفا وانى احبّ لك ما احبّ لنفسى لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم رواه مسلم وكذا ما يذكر بعد ذلك من إطاعة الله والرسول واولى الأمر ايضا امانة إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا ما نكرة منصوبة على التمييز موصوفة بيعظكم او موصولة مرفوعة على الفاعلية اى نعم شيئا او نعم الشيء الذي يَعِظُكُمْ بِهِ والمخصوص محذوف اى أداء الامانة والعدل فى الحكم إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بأقوالكم واحكامكم بَصِيراً (٥٨) بما تفعلون فى الأمانات عن عبد الله بن عمرو بن العاص يرفعه الى النبي ﷺ قال المقسطون على منابر من نور على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين هم الذين يعدلون فى حكمهم وأهلهم وما ولوا رواه مسلم وعن ابى سعيد قال قال رسول الله ﷺ ان احبّ الناس الى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسا امام عادل وان ابغض الناس الى الله يوم القيامة وأشدّهم عذابا وفى رواية ابعدهم منه مجلسا امام جائر رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب وعن عائشة عن رسول الله ﷺ قال أتدرون من السّابقون الى ظلّ الله عز وجل يوم القيامة قالوا الله ورسوله اعلم قال الذين إذا اعطوا الحق قبلوا وإذا سئلوه بذلوا وحكموا للناس كحكمهم لانفسهم رواه احمد وروى البيهقي فى شعب الايمان نحوه عن عمر بن الخطاب مرفوعا.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ روى الشيخان واصحاب السنن عن ابن عباس قال نزلت هذه الاية فى عبد الله ابن حذافة إذ بعثه النبي ﷺ فى سرية واخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن السدى قال بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فى سرية وفيها عمار بن ياسر فساروا قبل القوم الذين يريدن فاصبحوا وقد هرب القوم غير رجل اتى عمّارا وقال قد......
أسلمت وشهدت ان لا اله الا الله وان محمدا عبده ورسوله قال عمار ينفعك إسلامك فاقم فلمّا أصبحوا أغار خالد فقال خل عن الرجل فانه قد اسلم وهو فى أمان منى فاستبّا وارتفعا الى النبي ﷺ فاجاز أمان عمار ونهاه ان يجير الثانية على امير فاستبّا عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ يا خالد لا تسبّ عمارا فانه من سبّ عمارا سبّه الله ومن ابغض عمارا أبغضه الله ومن لعن عمارا لعنه الله فاعتذر اليه خالد فرضى فانزل الله هذه الاية «١»، اخرج ابو شيبة وغيره عن ابى هريرة قال هم الأمراء وفى لفظ هم أمراء السّرايا هذا لفظ عام يشتمل الملوك وأمراء الأمصار والقضاة وأمراء السّرايا والجيوش قال على رضى الله عنه حق على الامام ان يحكم بما انزل الله ويؤدى الامانة فاذا فعل ذلك فحق على الرعية ان يسمعوا ويطيعوا عن حذيفة رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ اقتدوا بالذين من بعدي ابى بكر وعمر رواه الترمذي وعن ابى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصانى فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصانى متفق عليه وعن عبادة بن الصامت قال بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة فى العسر واليسر والمنشط والمكره وان لا ننازع الأمر اهله وان نقوم او نقول بالحق حيث ما كنا وان لا نخاف فى الله لومة لائم متفق عليه وعن انس رضى الله عنه ان النبي ﷺ قال اسمع وأطع ولو لعبد حبشى كأن رأسه زبيبة رواه البخاري وعن ابى امامة قال سمعت رسول الله ﷺ يخطب فى حجة الوداع فقال اتقوا الله وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وادّوا زكوة أموالكم وأطيعوا إذا أمركم تدخلوا جنة ربكم رواه الترمذي ويشتمل هذه الاية ايضا الزوج يأمر امرأته والسيّد يأمر عبده والوالد يأمر والده عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ﷺ الا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالامام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته والرجل راع فى اهل بيته وهو مسئول عن رعيته والمرأة راعية على بيت زوجها وولده وهى مسئولة عنهم وعبد الرجل راع فى مال سيّده وهو مسئول عنه فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته متفق عليه وكذا
(١) عن عكرمة فى قوله تعالى أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ قال ابو بكر وعمرو عن الكلبي قال ابو بكر وعمر وعثمان وعلى وابن مسعود وعن عكرمة انه سئل عن أمهات الأولاد فقال هن أحرار قيل بأيّ شىء تقول قال بالقرءان قالوا بماذا فى القران قال قول الله عز وجل أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وكان عمر من اولى الأمر قال اعتقت وان كان سقطا عن عمران بن حصين قال كان عمر إذا استعمل رجلا كتب فى عهده اسمعوا له وأطيعوا ما عدل فيكم وعن عمر قال اسمع وأطع وان امر عليك عبد حبشى مجدع ان ضربك فاصبر وان ضربك فاصبر وان أراد امرا ينتقض دينك فقل دمى دون دينى منه رحمه الله-
يشتمل الفقهاء والعلماء والمشائخ بل اولى لانهم ورثة الأنبياء وخازنوا احكام الله واحكام رسوله اخرج ابن جرير والحاكم وغيرهما عن ابن عبّاس هم اهل الفقه والدين وفى لفظ هم اهل العلم وابن ابى شيبة والحاكم وصححه وغيرهما عن جابر بن عبد الله نحوه وعن ابى العالية ومجاهد كذلك وقال الله تعالى وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وقال رسول الله ﷺ العلماء ورثة الأنبياء رواه احمد والترمذي وابو داود وابن ماجة من حديث كثير بن قيس وقال رسول الله ﷺ للصحابة رضوان الله عليهم الناس لكم تبع وان رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون فى الدّين رواه الترمذي عن ابى سعيد الخدري والله اعلم (مسئلة) وهذا الحكم يعنى وجوب إطاعة الأمير مختص بما لم يخالف امره الشرع يدل عليه سياق الآية فان الله تعالى امر الناس بطاعة اولى الأمر بعد ما أمرهم بالعدل فى الحكم تنبيها على ان طاعتهم واجبة ما داموا على العدل ونصّ على ذلك فيما بعد فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ، الاية قال بعض الأفاضل صيغة اولى الأمر يفيد ان متابعتهم واجبة فيما ولوه من الأمر وجعلهم الله تعالى واليا فيه وانما هو العدل فى الحكم ولو جعلت الأمر على الإيجاب لكان أشدّ دلالة على ذلك فان وجوب طاعتهم فيما كان لهم على الناس إيجابه فان قال الأمير أعط فلانا من مالك الفا لا يجب عليك اطاعته- (مسئلة) إذا قال القاضي قضيت على هذا بالرجم فارجمه او بالقطع فاقطعه او بالضرب فاضربه وسعك ان تفعل وعن محمد انه رجع عن هذا وقال لا يأخذ بقوله حتى يعاين الحجّة واستحسن المشائخ هذه الرواية لفساد الحال فى اكثر القضاة وقال الامام ابو منصور ان كان عدلا عالما يقبل قوله لانعدام تهمة الخطاء والخيانة وان كان عدلا جاهلا يستفسر فان احسن التفسير وجب تصديقه والا فلا وان كان فاسقا لا يقبل الا ان يعاين سبب الحكم لتهمة الخطاء والخيانة كذا فى الهداية روى البخاري وغيره عن ابن عباس قال نزلت هذه الاية فى عبد الله ابن حذافة بن قيس إذ بعثه النبي ﷺ فى سرية كذا أخرجه مختصرا قال الداودي ان عبد الله بن حذافة خرج على جيش فغضب فاوقد نارا وقال اقتحموا فامتنع بعضهم وهم بعضهم......
ان يفعل قال الحافظ ابن حجر فالمقصود بنزول هذه الاية فى تلك القصّة قوله تعالى فَإِنْ تَنازَعْتُمْ اختلفتم- روى سعيد بن منصور وغيره عن مجاهد يعنى ان تنازع العلماء فردّوه الى الله والى الرسول فِي شَيْءٍ مما أمركم به أميركم يعنى قال بعضكم لا يجوز لنا إطاعة الأمير فى هذا الأمر وقال بعض يجب إطاعة الأمير فَرُدُّوهُ يعنى ذلك الأمر إِلَى اللَّهِ اى الى كتابه وَالرَّسُولِ ﷺ ما دام حيّا والى سنته بعد وفاته والإجماع والقياس فيما لا نصّ فيه راجعان الى الكتاب والسنة، فان أباح الشرع ذلك الأمر أطيعوا أميركم فيه والا فلا، عن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبي ﷺ قال السمع والطاعة على المرء المسلم فيما احبّ وكره ما لم يؤمر بمعصية فاذا امر بمعصية فلا سمع ولا طاعة متفق عليه وعن على رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ لا طاعة لاحد فى معصية انما الطاعة فى المعروف متفق عليه وعن عمران بن حصين والحكيم ابن عمرو الغفاري قالا قال رسول الله ﷺ لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق رواه احمد والحاكم وصححه قال فى المدارك حكى ان مسلمة بن عبد الملك بن مروان قال لابى حازم ألستم أمرتم بطاعتنا بقوله تعالى وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فقال ابو حازم أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله تعالى فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ- (مسئلة) إذا رفع الى القاضي حكم حاكم أمضاه الا ان يخالف الكتاب كما إذا قضى بشاهد واحد مع يمين المدعى حيث يخالف قوله تعالى وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ الاية، او السنة المشهورة كما إذا حكم بثبوت الحل للزوج الاوّل بعد الطلقات الثلاث بنكاح الزوج الثاني بدون الوطي وهو يخالف حديث عائشة فى قصّة امراة
رفاعة قوله ﷺ لا حتى تذوقى عسيلته ويذوق عسيلتك وقد ذكرناه فى سورة البقرة او الإجماع كما إذا حكم بجواز بيع متروك التسمية عامدا فانه مخالف لما اتفقوا عليه فى الصدر الاوّل فحينئذ لا يجوز امضاؤه كذا فى الهداية (مسئلة) إذا افتى المجتهد وظهران فتواه مخالف للكتاب او السنة وجب علينا اتباع الكتاب والسنة روى البيهقي فى المدخل بإسناد صحيح الى عبد الله بن المبارك قال سمعت أبا حنيفة يقول إذا جاء عن النبي ﷺ فعلى الرأس والعين وذكر عن روضة العلماء عن ابى حنيفة قال اتركوا قولى بخبر الرسول ﷺ وقول الصحابة رضى الله عنهم ونقل عنه انه قال......
إذا صح الحديث فهو مذهبى وجاز ان يكون قوله تعالى فان تنازعتم خطابا للائمة على سبيل الالتفات إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ شرط مستغن عن الجزاء بما سبق ذلِكَ الرد الى الله والرسول خَيْرٌ لكم من جمودكم على ما تقرر فى أذهانكم وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) مالا من تأويلكم بلا ردّ والله اعلم- اخرج ابن جرير عن الشعبي قال كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة فقال اليهودي أحاكمك الى النبي ﷺ لانه قد علم انه لا يأخذ الرشوة فى الحكم وقال المنافق نتحاكم الى اليهود لعلمه انهم يأخذون الرشوة ويميلون فى الحكم فاتفقا على ان يأتيا كاهنا فى جهينة فيتحاكما اليه واخرج الثعلبي عن ابن عباس وابن ابى حاتم من طريق ابن لهيعة عن ابى الأسود مرسلا وكذا ذكر البغوي قول الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس ان منافقا وسماه الكلبي بشرا خاصم يهوديا فدعاه اليهودي الى النبي ﷺ ودعاه المنافق الى كعب بن الأشرف وابى اليهودي ان يخاصمه الا الى رسول الله ﷺ فلمّا راى المنافق ذلك اتى معه الى رسول الله ﷺ فقضى رسول الله ﷺ لليهودى فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال انطلق بنا الى عمر فاتيا عمر رضى الله عنه فقال اليهودي اختصمت انا وهذا الى محمد (صلى الله عليه وسلم) فقضى لى عليه فلم يرض بقضائه وزعم انه مخاصم إليك فقال عمر رضى الله عنه للمنافق أكذلك قال نعم قال لهما رويدكما حتى اخرج اليكما فدخل عمر رضى الله عنه البيت وأخذ السيف واشتمل عليه ثم خرج فضرب به المنافق حتى برد وقال هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله فنزلت.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يعنى المنافقين يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ الاية وقال جبرئيل ان عمر فرّق بين الحق والباطل فسمى بالفاروق وسمى بالطاغوت كعب بن الأشرف او كاهن من جهينة لفرط طغيانه او لتشبيهه بالشيطان أو لأن التحاكم اليه تحاكم الى الشيطان واخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس قال كان ابو برزة الأسلمي كاهنا يقضى بين اليهود فيما يتنافرون فيه فتنافر اليه ناس من المسلمين فانزل الله تعالى هذه الاية واخرج ابن ابى حاتم من طريق عكرمة او سعيد عن ابن عباس قال كان الحلاس......
ابن الصامت ومعتب بن قشير ورافع بن زيد وبشر يدّعون الإسلام فدعاهم من قومهم من المسلمين فى خصومة كانت بينهم الى رسول الله ﷺ فدعوهم الى الكهان حكّام الجاهلية فانزل الله تعالى هذه الاية قال البغوي قال السّدى كان ناس من اليهود اسلموا ونافق بعضهم وكانت قريظة والنضير فى الجاهلية إذا قتل رجل من بنى قريظة رجلا من بنى النضير قتل به او أخذ مائة وسق تمر وإذا قتل رجل من نضير رجلا من قريظة لم يقتل واعطى ديته ستين وسقا وكانت نضير وهم حلفاء الأوس «١» اشرف واكثر من قريظة وهم حلفاء الخزرج فلمّا جاء الإسلام وهاجر النبي ﷺ الى المدينة قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فاختصموا فى ذلك فقالت بنوا النضير كنا وأنتم اصطلحنا على ان نقتل منكم ولا تقتلون منا وديتكم ستون وسقا وديتنا مائة وسق فنحن نعطيكم ذلك فقال الخزرج هذا شىء فعلتموه فى الجاهلية لكثرتكم وقلتنا فقهرتمونا ونحن وأنتم اليوم اخوة وديننا ودينكم واحد فلا فضل لكم علينا فقال المنافقون منهم انطلقوا الى ابى برزة الكاهن الأسلمي وقال المسلمون من الفريقين لابل الى النبي ﷺ وابى المنافقون وانطلقوا الى ابى برزة ليحكم فانزل الله تعالى اية القصاص وهذه الاية وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ يعنى أمروا ان يخالفوا الطاغوت ويتبرؤا عنه كما فى قوله تعالى يَوْمَ... يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ والمؤمنون أمروا بمخالفة اليهود والكهان والشياطين والتبري عنهم قال الله تعالى لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ وقال رسول الله ﷺ من اتى كاهنا فصدّقه بما يقول او اتى امراة حائضا او اتى امراة فى دبرها فقد برئ مما نزل على محمّد رواه احمد واصحاب السنن الاربعة بسند صحيح عن ابى هريرة وروى الطبراني بسند ضعيف من حديث واثلة من اتى كاهنا فساله عن شىء حجبت عنه التوبة أربعين ليلة فان صدّقه بما قال كفر وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ شيطان الانس والجنّ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً (٦٠) عن الحق.
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ اى للمنافقين الذين يزعمون انهم أمنوا، مقولة القول تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ يعنى القران وَإِلَى الرَّسُولِ عطف قوله الىّ الرّسول على قوله ما انزل الله يدل على ان الرسول كان قد يحكم بعلمه سوى القران من الوحى الغير المتلو وبالاجتهاد والظرف اعنى إذا قيل لهم متعلق بقوله رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ وضع المظهر موضع المضمر للتقبيح
(١) فيه نظر (أبو محمد عفا الله عنه).
والتفضيح وبيان سبب الصدّ يَصُدُّونَ يعرضون عَنْكَ الى غيرك لطمعهم بالحكم بالباطل بالرشوة ونحوها والجملة واقع موقع الحال من المنافقين صُدُوداً (٦١) مصدر او اسم للمصدر الذي هو الصدّ وفى الصحاح الصدود يكون انصرافا عن الشيء وامتناعا وقد يكون بمعنى الصرف والمنع نحو فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ- قيل لمّا قتل عمر رضى الله عنه المنافق جاء أولياؤه طالبين بدمه الى رسول الله ﷺ يحلفون بالله ان أردنا بالتحاكم الى عمر الا إحسانا يحسن عمر الى صاحبنا وتوفيقا اى إصلاحا يصلح بين الخصمين فانزل الله تعالى
فَكَيْفَ استفهام للتعجب، من حلفهم بعد صدّهم صدّا ظاهرا ومن انهم كيف يقدرون عليه ولا يستحيون وتقدير الكلام فكيف لا يستحيون وإِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ يعنى قتل عمر واحدا منهم وإذ المجرد الظرف دون الاستقبال بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من الاعراض عن قضاء رسول الله ﷺ والتحاكم الى غيره ثُمَّ جاؤُكَ للاعتذار وطلب الدم عطف على أصابتهم فكيف يَحْلِفُونَ مع ظهور كذبهم حال من فاعل جاءوك بِاللَّهِ الباء امّا صلة ليحلفون او للقسم وجواب القسم على الوجهين إِنْ أَرَدْنا بتحكيمنا غيرك إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (٦٢) يعنى الا الفصل بالوجه الحسن والتوفيق بين الخصمين ولم نرد مخالفتك ولم نسخط لحكمك يعنى خفنا ان يحدث عداوة بالحكم المرّ وهبنا رسول الله ﷺ ان نقول يصلح بيننا فجئنا عمر ليصلح بيننا ويبقى الالفة وجاز ان يكون إذا بمعنى الاستقبال للشرط والمراد بالمصيبة العذاب من الله تعالى او الانتقام من النبي ﷺ ويدلّ على الجزاء قوله فكيف يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إلخ فوقع الشرط بين اجزاء الدال على الجزاء، والمراد التعجّب من حلفهم فى الاستقبال وجاز ان يكون تقدير الكلام فكيف يكون حالهم او كيف يصنعون إذا أصابتهم مصيبة عذاب من الله او انتقام منك او من أصحابك بما قدّمت أيديهم وقوله ثُمَّ جاؤُكَ امّا معطوف على أصابتهم او على يصدّون وما بينهما اعتراض وكيف سوال عن حالهم عند العذاب فى الاخرة او فى الدنيا وجاز ان يكون إذا للشرط ويحلفون جزاء للشرط والشرط والجزاء بيانا من كيفية حالهم.
أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ من النفاق فلا يفيدهم اليمين الغموس الّا غموسا فى النار فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ اى عن قبول......
اعتذارهم او عن اجابتهم فى مطالبة دم المقتول فان دمه هدر وَعِظْهُمْ ان ينتهوا من النفاق ويؤمنوا بالإخلاص وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ اى فى حق أنفسهم قَوْلًا بَلِيغاً (٦٣) يبلغ صميم قلوبهم بالتأثير قال الحسن القول البليغ ان يقول لهم انكم تقتلون على نفاقكم فانه يبلغ من نفوسهم كل مبلغ وقيل هو التخويف بالله تعالى وذكر فى الكشاف احتمال تعلق فى أنفسهم ببليغا يعنى بليغا فى أنفسهم وضعّفه البيضاوي بان معمول الصفة لا يتقدم على الموصوف وأجيب بالحمل على الحذف والتفسير وجاز ان يكون معنى الاية فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ اى عن عقابهم لمصلحة استبقائهم وعظهم باللسان وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ يعنى فى الخلوة فان النصح فى السرّ انفع قولا بليغا-.
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ اى لالزام طاعته على الناس فانه المقصود من الرسالة بِإِذْنِ اللَّهِ اى بسبب اذنه وامره المبعوث إليهم بان يطيعوه فمن لم يرض بحكمه ولم يطعه استوجب القتل لانه كانّه لم يقبل رسالته وَلَوْ ثبت أَنَّهُمْ اى المنافقون إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالنفاق والتحاكم الى الطاغوت جاؤُكَ تابئين بالإخلاص وهو خبر انّ والظرف متعلق به فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ بالتوبة عن النفاق واعتذروا الى الرسول ﷺ بالإخلاص وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ عدل عن الخطاب الى الغيبة تعظيما لشأنه وتنبيها على انّ شأن الرسول يقتضى قبول العذر وان عظم الجرم لَوَجَدُوا اللَّهَ لعلموه تَوَّاباً قابلا للتوبة رَحِيماً (٦٤) عليهم وجاز ان يكون وجد بمعنى صادف فحينئذ توابا منصوب على الحال ورحيما بدل منه او حال من الضمير فيه او حال مرادف له والله اعلم اخرج الائمة الستة عن الزبير بن العوام رضى الله عنه انه خاصم رجلا من الأنصار الى رسول الله ﷺ فى شراج من الحرة كانا يسقيان به كلاهما فقال رسول الله ﷺ اسق يا زبير ثم أرسل الى جارك فغضب الأنصاري فقال يا رسول الله ان كان ابن عمتك فتلوّن وجه رسول الله ﷺ ثم قال اسق ثم احبس حتى يبلغ الجدر فاستوفى رسول الله ﷺ حينئذ حقّه للزبير وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير بامر فيه سعة له وللانصارى فلما احفظ الأنصاري رسول الله ﷺ استوفى للزبير حقه فى صريح الحكم قال الزبير والله احسب قوله تعالى.
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ الاية نزلت فى ذلك وكذا اخرج الطبراني فى الكبير والحميدي فى مسنده عن أم سلمة قالت خاصم......
الزبير رجلا الى رسول الله ﷺ فقضى للزبير فقال الرجل انما قضى له لانه ابن عمته فنزلت قال البغوي روى ان الأنصاري الذي خاصم الزبير كان اسمه حاطب بن ابى بلتعة قلت أخرجه ابن ابى حاتم عن سعيد بن المسيب فى هذه الاية قال نزلت فى الزبير بن العوام وحاطب ابن ابى بلتعة «١» اختصما فى ماء فقضى النبي ﷺ ان يسقى الأعلى ثم الأسفل قلت وتسمية حاطب بن ابى بلتعة فى هذه القصّة وهم لان حاطبا لم يكن من الأنصار بل من المهاجرين شهد بدرا ولعل ذلك رجل منافق من الأوس او الخزرج سمّى أنصاريا لكونه منهم نسبا قال البغوي لمّا خرجا من عند رسول الله ﷺ مرّا على المقداد فقال لمن كان القضاء فقال الأنصاري لابن عمته ولوّى شدقه ففطن له يهودى كان مع المقداد فقال قاتل الله هؤلاء يشهدون انه رسول الله ثم يتهمونه فى قضاء يقضى بينهم وايم الله لقد أذنبنا مرة فى حيوة موسى فدعانا موسى الى التوبة منه فقال اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين الفا فى طاعة ربنا حتى رضى عنا فقال ثابت بن شماس بن قيس اما والله ان الله ليعلم منى الصدق لو أمرني محمد ﷺ ان اقتل نفسى لفعلت وقال البغوي قال مجاهد والشعبي نزلت هذه الاية فى بشر المنافق واليهودي الذي اختصما الى عمر الذي مرّ ذكره كما يقتضيه السياق ومعنى الاية فلا اى ليس الأمر كما فعل الذين يزعمون انهم مؤمنون ثم لا يرضون بحكمك ثم استأنف القسم فقال وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وجاز ان يكون لا زائدة كما فى لا اقسم والمعنى وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ، حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ اى اختلف بينهم واختلط عليهم الأمر ومنه الشجر لالتفات أغصانه ثُمَّ لا يَجِدُوا عطف على يحكموك فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ضيقا مما حكمت به وقال مجاهد شكّا فان الشاكّ فى ضيق امره وَيُسَلِّمُوا اى ينقادوا لك تَسْلِيماً (٦٥) انقيادا طوعا بلا كره منهم.
وَلَوْ ثبت أَنَّا كَتَبْنا اى فرضنا عَلَيْهِمْ اى على الذين يزعمون انهم أمنوا ولم يرضوا بحكمك وهم المنافقون ولا جائز ان يكون الضمير راجعا الى جميع المؤمنين الموجودين فى ذلك الزمان وهم الصّحابة رضى الله عنهم لان سوق الكلام فى المنافقين وكيف يتصوّر الحكم فى حق الصحابة بانه لو كتب عليهم ما فعلوه وقد مدح الله تعالى عليهم بقوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
(١) فى الأصل هنا ابن بلتعة-[..... ]
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وبقوله يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ ونحو ذلك واثنى عليهم رسول الله ﷺ بقوله خير القرون قرنى وبقوله ان الله اختارني واختار لي أصحابا ولو كان الضمير عايدا الى الصحابة لزم فضل اصحاب موسى عليه السّلام عليهم فانهم قتلوا أنفسهم حين أمروا به للتوبة، أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ للتوبة عن اعراضهم عن حكمك الى غيرك وان مفسرة لان فى كتبنا معنى القول او مصدرية يعنى أمرنا بقتل أنفسهم كما أمرنا بنى إسرائيل حين عبدوا العجل أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ كما أمرنا بنى إسرائيل بالخروج من مصر وجاز ان يكون المعنى امرناهم بالخروج من ديارهم للجهاد وتعريض أنفسهم على القتل فيه قرأ ابو عمرو ويعقوب بكسر النون فى ان اقتلوا وضم الواو فى او اخرجوا للاتباع او التشبيه بواو الجمع وقرا عاصم وحمزة بكسرهما على الأصل والباقون بضمّهما اجراء لهما مجرى همزة الوصل ما فَعَلُوهُ اى القتل او الخروج او المكتوب عليهم إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ قرا ابن عامر الّا قليلا بالنصب على الاستثناء والباقون بالرفع على انّ المختار فى كلام غير موجب هو البدل وانما يفعل ذلك القليل بتوفيق الله تعالى ايّاهم الإخلاص بعد النفاق والله اعلم، اخرج ابن جرير عن السّدى قال لمّا نزلت وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ
افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من يهود فقال اليهودي والله لقد كتب الله علينا ان اقتلوا أنفسكم فقتلنا أنفسنا فقال ثابت والله لو كتب الله علينا ان اقتلوا أنفسكم لقتلنا أنفسنا فانزل الله تعالى وَلَوْ ثبت أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ من متابعة الرسول ومطاوعته طوعا ورغبة لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦) تحقيقا لايمانهم او تثبيتا لثواب أعمالهم ونصبه على التمييز قال الحسن ومقاتل لمّا نزلت هذه الاية قال عمر وعمار ابن ياسر وعبد الله بن مسعود وناس من اصحاب النبي ﷺ والله لو أمرنا لفعلنا والحمد لله الذي عافانا فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال ان من أمتي لرجالا الايمان فى قلوبهم اثبت من الجبال الرواسي.
وَإِذاً اى إذا فعلوا ذلك عطف على قوله لَكانَ خَيْراً لَهُمْ او استيناف كانه قيل ما لهم بعد التثبت فقال وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ والواو للاستيناف وأورد عليه انه لا يليق إيراد الشرط فى جواب ما يكون لهم بعد التثبت بل يكفى اتيناهم وأجيب بان......
تقدير الشرط للاشارة الى بعدهم عن التثبت لما فى لو معنى الدلالة على الامتناع وجاز ان يكون الواو للقسم تقديره والله إذا لَآتَيْناهُمْ وجاز ان يكون الواو للعطف على المقدر اى إذا لهم اجر التثبت وإذا لاتينهم مِنْ لَدُنَّا تفضلا زائدا على ثواب أعمالهم وثواب التثبت أَجْراً عَظِيماً (٦٧).
وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مفعول ثان مُسْتَقِيماً (٦٨) يصلون يسلوكه الى جناب القدس والله اعلم- اخرج الطبراني بسند لا بأس به وابو نعيم والضياء وحسّنه عن عائشة قالت جاء رجل الى النبي ﷺ فقال يا رسول الله انك لاحبّ الىّ من نفسى وولدي وانى لا كون فى البيت فاذكرك فما اصبر حتى اتى فانظر إليك وإذا ذكرت موتى وموتك عرفت انك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين وانى ان دخلت خشيت ان لا أراك فلم يردّ النبي ﷺ شيئا حتى نزل جبرئيل بقوله تعالى.
وَمَنْ يُطِعِ الله فى أداء الفرائض وَالرَّسُولَ فى اتباع سننه فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ الاية واخرج الطبراني عن ابن عباس نحوه وابن ابى حاتم عن مسروق قال قال اصحاب رسول الله ﷺ ما ينبغى لنا ان نفارقك فانك لو متّ لرفعت فوقنا فلم نرك اخرج ابن جرير عن الربيع انّ اصحاب النبي ﷺ قالوا قد علمنا ان النبي ﷺ له فضل على من أمن به فى درجات الجنة فمن اتبعه وصدقه كيف لهم إذا اجتمعوا فى الجنة ان يرى بعضهم بعضا فانزل الله هذه الاية فقال النبي ﷺ ان الأعلين ينحدرون الى من هو أسفل منهم فيجتمعون فى رياضها فيذكرون ما أنعم الله عليهم ويثنون عليه واخرج مسلم وابو داود والنسائي عن ربيعة بن كعب الاسلمىّ قال كنت أتيت النبىّ ﷺ فاتيته بوضوئه وحاجته فقال لى سلنى فقلت يا رسول الله أسئلك مرافقتك فى الجنة قال او غير ذلك قلت هو ذلك قال فاعنّى على نفسك بكثرة السجود واخرج عن عكرمة قال اتى فتى النبي ﷺ فقال يا نبى الله ان لنا منك نظرة فى الدنيا ويوم القيامة لا نراك فانك فى الدرجات العلى فانزل الله تعالى هذه الاية فقال رسول الله ﷺ أنت معنى فى الجنة ان شاء الله تعالى واخرج ابن جرير نحوه من مرسل سعيد بن جبير ومسروق والربيع......
وقتادة والسدى وذكر البغوي انها نزلت فى ثوبان مولى رسول الله ﷺ رضى الله عنه وكان شديد الحبّ لرسول الله ﷺ قليل الصّبر عنه فأتاه ذات يوم قد تغير لونه يعرف الحزن فى وجهه فقال له رسول الله ﷺ ما غيّر لونك فقال يا رسول الله ما لى مرض ولا وجع غير انى إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك ثم ذكرت الاخرة فاخاف ان لا أراك لانك ترفع مع النبيين وانى ان دخلت الجنة كنت فى منزلة ادنى من منزلتك وان لم ادخل الجنة لا أراك ابدا فنزلت وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ ذكر الله سبحانه للذين أنعم الله عليهم اربعة اصناف على ترتيب منازلهم فى القرب وحثّ كافة الناس ان لا يتاخروا عنهم، اوّل الأصناف الأنبياء عليهم السلام الذين مبادى تعيناتهم صفات الله تعالى وهم المستغرقون فى التجليات الذاتية الصرفة الدائمية بلا حجاب الصفات المعبر عنها بكمالات النبوة الفائزون الراسخون فى هذا المقام بالاصالة المبعوثون لتكميل الخلائق وجذبهم الى مراتب القرب على حسب استعداد افراد الامة وكسبهم وحسب مشية الله تعالى المبلّغون من الله تعالى أحكامه الى الناس ما يصلح دنياهم وآخرتهم- وثانيهم الصدّيقون وهم المبالغون فى الصدق المتصفون بكمال متابعة الأنبياء ظاهرا وباطنا المستغرقون فى كمالات النبوة والتجلّيات الذاتية الصرفة الدائمية بلا حجاب بالوراثة والتبعية وثالثهم الشهداء الباذلون أنفسهم فى سبيل الله ليفاض عليهم نوعامن التجليات الذاتية بسبب بذلهم ذواتهم فى سبيل الله ورابعهم الصالحون الذين أصلحوا أنفسهم بازالة الرذائل وقلوبهم بشرب بحار الحبّ ودوام الذكر المانع عن الاشتغال بغير الله سبحانه وأبدانهم عن المعاصي فصلحوا لتجلّيات الظلال والافعال بعد حصول الفناء والبقاء على الكمال وتحصلوا برخا من التجلّيات الذاتية ان شاء الله تعالى ولو من وراء حجب الصّفات وهم الذين سموا بلسان القوم بالأولياء ووعد الله سبحانه سائر المؤمنين بعد دخول الجنة معيتهم وزيارتهم على قدر ما أطاعوا الله ورسوله والمراد بالصّديقين هاهنا غير الأنبياء وكذا بالصالحين غير الأنبياء والصدّيقين ولذلك فسرنا بما ذكرنا والا فالصديق أعم من النبي والصالح أعم من الجميع ولذا يطلق الصديق والصالح على الأنبياء قال الله تعالى فى ابراهيم إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا وقال فى......
يحيى وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ وفى عيسى وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ فائدة: لمّا استشهد شيخى وامامى قدسنا الله بسره السامي توجه قلبى الى تاريخ وفاته فوقع فى قلبى بغتة هذه الاية فاذا قوله تعالى فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ تاريخ لوفاته اعنى النا «١» ومائة وخمسا وتسعين سنة سبحان من جعل للانسان بطاعته الى نفسه سبيلا وَحَسُنَ أُولئِكَ الأصناف
الاربعة المذكورون رَفِيقاً (٦٩) نصب على التميز او الحال ولم يجمع لاطلاقه على الواحد والجمع.
ذلِكَ يعنى مرافقتهم مع المنعم عليهم من غير عمل كاعمالهم الْفَضْلُ صفة لاسم الاشارة او خبره مِنَ اللَّهِ خبر أو حال وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (٧٠) بسبب ذلك اللحوق والمرافقة وانما هى المحبّة يعنى ان المحبّة التي هى سبب للحوق المحبّ بالمحبوب من غير عمل كعمله امر لا يعلمه الا الله تعالى ولا يظهر ذلك على الكرام الكاتبين ايضا عن انس ان رجلا قال يا رسول الله الرجل يحب قوما ولم يلحق بهم فقال النبي ﷺ المرء مع من احبّ رواه احمد والشيخان وكذا فى الصحيحين عن ابن مسعود وعن انس قال قال رجل يا رسول الله متى السّاعة قال ويلك ما اعددت لها قال ما اعددت لها الا انى أحب الله ورسوله قال أنت مع من أحببت قال انس فما رايت المسلمين فرحوا بشئ بعد الإسلام فرحهم بها متفق عليه، وجاز ان يكون المشار اليه بذلك مرتبة الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يعنى انهم لم ينالوا تلك الدرجة الا بفضل من الله دون عملهم فان سبب وصولهم الى الله تعالى الاجتباء غالبا عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ قاربوا وسدّدوا واعلموا انه لا ينجو أحد منكم بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا انا الا ان يتغمدنى الله برحمة منه وفضل متفق عليه-.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ الحذر والحذر كالاثر والأثر والمثل والمثل ما يحذر به من العدو من السّلاح وغيره فَانْفِرُوا اخرجوا الى الجهاد ثُباتٍ «٢» جماعات متفرقات جمع ثبة ويجمع ايضا على ثبين جبرا لما حذف من عجزه أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (٧١) مجتمعين على حسب المصالح.
وَإِنَّ مِنْكُمْ عطف على خذوا حذركم عطف قصّة على قصّة او معترضة الى قوله فليقاتل لَمَنْ اللام للابتداء دخلت على اسم ان للفصل بالخبر
(١) فى الأصل الف ومائة وخمس وتسعون سنة
(٢) روى عن ابن عبّاس فى قوله انفروا ثبات قال عشرة فما فوقها وعن مجاهد قال فرقا قليلا منه رحمه الله، فى الأصل مذكورين-
لَيُبَطِّئَنَّ جواب قسم محذوف تقديره ان منكم والله ليبطئن يعنى يتخلفون عن الجهاد ويتثاقلون وهم المنافقون من بطّا بمعنى ابطا وهو لازم او المعنى يثبطون غيرهم عن الجهاد كما ثبّط ابن ابى ناسا يوم أحد من بطّا منقولا من بطوء كثقّل من ثقل فَإِنْ أَصابَتْكُمْ ايها المؤمنون مُصِيبَةٌ من قتل او هزيمة قالَ ذلك المنافق المبطئ قال أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ مع المؤمنين شَهِيداً (٧٢) حاضرا فلم يصبنى ما أصاب المؤمنين.
وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ من فتح وغنيمة لَيَقُولَنَّ أكد الفعل تنبيها على فرط تحسّرهم كَأَنْ مخففة من المثقلة اسمه ضمير الشأن محذوف لَمْ تَكُنْ قرا ابن كثير وحفص ويعقوب بالتاء على التأنيث والباقون بالياء على التذكير بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ جملة معترضة بين ليقولنّ والمقولة وهو التمني للتنبيه على ضعف عقيدتهم وان قولهم هذا قول من لا مواصلة بينكم وبينه وانما يريد المال بمرافقتكم ويحسدون على ان تفوزوا او حال عن الضمير فى ليقولن او داخل فى المقول اى يقول المبطئ فيما بينهم ومع ضعفة المسلمين كان لم تكن بينكم وبين محمد مودة حيث لم يستعن بكم فتفوزوا كما فازوا يا قوم لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ اى مع المؤمنين فى الوقعة وقيل يا اطلق للتنبيه مجازا فَأَفُوزَ منصوب على جواب التمني فَوْزاً عَظِيماً (٧٣) فاخذ من الغنيمة حظّا وافرا قال البغوي جملة كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ متصلة بالجملة الاولى تقديره فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً... كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ قال البيضاوي وهو ضعيف إذ لا يفصل بين بعض الجملة بما لا يتعلق بها لفظا ومعنى-.
فَلْيُقاتِلْ عطف على خذوا حذركم وفيه التفات من الخطاب الى الغيبة وجاز ان يكون الفاء جزائية والتقدير ان بطّا هؤلاء المنافقون فليقاتل فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ اى يبيعون الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وهم المخلصون الباذلون أنفسهم فى طلب الاخرة فالموصول مرفوع على الفاعلية وقيل يشرون هاهنا بمعنى يشترون اى يختارون الدنيا على الاخرة وهم المنافقون يعنى ينبغى لهم ان يؤمنوا بالإخلاص ويتركوا ما يصنعون من النفاق ويقاتلوا فى سبيل الله كيلا يكون عليهم حسرة فى الدنيا والاخرة وجاز ان يكون الموصول فى محلّ......
النصب على المفعولية والمراد به الكفار والمنافقون الذين يختارون الدنيا على الاخرة والضمير المرفوع فى فليقاتل راجع الى الذين أمنوا الذين خوطبوا بقوله خذوا حذركم وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (٧٤) فى الاخرة، وعد المقاتل بالأجر العظيم على اجتهاده فى إعلاء كلمة الله سواء قتل فلم يتيسر له الاعلاء لما بذل ما فى وسعه من الجهد او غلب وحصل له الملك والغنيمة فان إحرازه الغنائم لا ينقص من اجره شيئا إذا لم يكن همته المال بل إعزاز الدين فحسب عن ابى هريرة عن النبي ﷺ قال انتدب الله لمن خرج فى سبيله لا يخرجه الا ايمان بي وتصديق برسلى ان ارجعه بما نال من اجر وغنيمة او ادخله الجنة متفق عليه والترديد لمنع الخلو- وعنه قال قال رسول الله ﷺ مثل المجاهد فى سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بايات الله لا يفتر من صيام ولا صلوة حتى يرجع المجاهد فى سبيل الله وفى رواية حتى يرجعه الله الى اهله بما يرجعه من غنيمة واجر او يتوفاه فيدخله الجنة-.
وَما لَكُمْ مبتدا وخبر لا تُقاتِلُونَ حال والعامل فيه الظرف المستقر والمعنى اى شىء ثبت لكم تاركين القتال والاستفهام للانكار على الترك والاستبطاء فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ عطف على اسم الله او على سبيل الله يعنى فى سبيل الله وفى خلاص المستضعفين «١» بحذف المضاف او فى سبيل المستضعفين وهو تخليصهم عن أيدي المشركين بمكة ويجوز نصبه على الاختصاص فان سبيل الله يعمّ أبواب الخير وتخليص ضعفاء المسلمين من أيدي الكفار أعظمها مِنَ الرِّجالِ الضعفاء وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ
الذين كانوا يلقون من المشركين بمكة أذى كثيرا الَّذِينَ يدعون الله ويَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ يعنى مكة الظَّالِمِ صفة لقرية من حيث اللفظ وذكّر لاسناده الى ظاهر مذكّر مذكور بعده اعنى أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يلى أمرنا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (٧٥) يمنع المشركين عنا فاستجاب الله دعاءهم وفتح مكة على رسول الله ﷺ وولى عليهم عتاب بن أسيد جعله الله لهم نصيرا ينصف المظلوم
(١) اخرج البخاري عن ابن عباس قال كنت انا وأمي من المستضعفين منه رح.
من الظالم.
الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ موصل الى اللَّهِ يعنى طاعته وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فى طاعة الشيطان وسبيل يلحقهم بالشيطان فى دركات جهنم فَقاتِلُوا ايّها المؤمنون أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ اى جنوده وهم الكفار ثم شجعهم بقوله إِنَّ كَيْدَ اى مكر الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (٧٦) فانه لا يقدر الّا على الوسوسة قال يوم بدر للكفار لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فلما راى الملائكة هرب وخذلهم ونكص على عقبيه وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ والله اعلم- اخرج النسائي والحاكم عن ابن عباس ان عبد الرحمن بن عوف وأصحابه أتوا النبي ﷺ وهو بمكة قبل الهجرة فقالوا يا نبى الله كنا فى عزّ ونحن مشركون فلمّا أمنا صرنا اذلة فقال انى أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم فلما حوله الله الى المدينة امره بالقتال فحينئذ جبن بعض الناس فكفوا أيديهم فانزل الله تعالى.
أَلَمْ تَرَ استفهام للتعجب ومناط التعجب تقاعد فريق منهم عن القتال وخشيتهم عن الناس عند الأمر بالقتال بعد تصديهم كلهم للقتال عند الأمر بالكف والتصدي يفهم من الأمر بالكف لان الكف انما يتحقق فيما يتصدى له المكفوف إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ قال البغوي عن الكلبي ان المراد بهم عبد الرحمن بن عوف الزهري والمقداد بن الأسود الكندي وقدامة بن مطعون الجحمي وسعد بن ابى وقاص وجماعة كانوا يلقون من المشركين بمكة أذى كثيرا قبل ان يهاجروا ويقولون يا رسول الله ائذن لنا فى قتالهم فانهم قد آذونا فيقول رسول الله ﷺ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ عن القتال فانى لم اومر بقتالهم وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ واشتغلوا بما أمرتم به وفيه تنبيه على ان الجهاد مع النفس لاصلاح قلبه ونفسه مقدم على الجهاد مع الكفار فان الاوّل لاصلاح نفسه وهو أهم من الثاني الذي هو الإصلاح «١» لغيره واخلاء العالم الكبير عن الفساد ولذلك جعل الله تعالى الاول من الفروض على الأعيان والثاني من الفروض على الكفاية فَلَمَّا هاجروا الى المدينة وكُتِبَ فرض عَلَيْهِمُ الْقِتالُ مع المشركين شق ذلك على بعضهم وجبنوا كما يقول الله تعالى إِذا للمفاجاة جواب لمّا فَرِيقٌ مبتدأ مِنْهُمْ صفة يَخْشَوْنَ النَّاسَ خبره كَخَشْيَةِ اللَّهِ اضافة
(١) في الأصل لإصلاح لغيره.
المصدر الى المفعول فى محل النصب على المصدرية يعنى يخشون من الناس خشية كخشيتهم من الله او على حال من فاعل يخشون يعنى يخشون الناس حال كونهم مثل اهل خشية الله منه أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً عطف عليه ان جعلته حالا اى حال كونهم أشدّ خشية من اهل خشية الله منه لا ان جعلته مصدرا لان افعل التفضيل إذا نصب ما بعده لم يكن من جنسه بل حينئذ معطوف على اسم الله تعالى اى كخشية الله او كخشية أشدّ خشية من خشية الله واو للتخيير لا للشكّ اى ان قلت ان خشيتهم الناس كخشية الله فانت مصيب وان قلت انها أشد فانت مصيب لانه حصل مثلها وزيادة- وهذا الكلام مبنى على التجوز فانهم لمّا تقاعدوا عن الحرب باستيلاء النفس جبنا ولم يسارعوا الى امتثال امر الله تعالى فى قتالهم قيل فيهم يخشون الناس اكثر من خشية الله إطلاقا للسبب اعنى شدة الخشية على المسبب اعنى التقاعد وعدم الامتثال بالأمر وهذا لا يستلزم ان يكون فى الواقع خشيتهم من الناس اكثر من خشيتهم من الله فانه كفر بل قد يكون ارتكاب المعصية من سؤلة النفس والغفلة عن عذاب الله والطمع فى غفرانه لا من الاعتقاد بان الناس أشدّ عذابا من الله واقدر وبناء على ظاهر هذه الاية قالت الخوارج مرتكب الكبيرة كافر فان الاية تدل على ان القاعدين «١» عن الجهاد يخشون من الناس أشد من خشية الله واستدلوا على ذلك من العقليات ان العاقل إذا تيقن ان الحية فى هذا الحجر لا يدخل يده فى ذلك الحجر قطعا وإذا ادخل يده فيه يعلم منه قطعا انه لم يتيقن يكون الحية فيه فكذا من ارتكب كبيرة يعلم انه لم يؤمن بايات الوعيد ولو تيقن بوقوع العذاب على الكبيرة لم يرتكبها وبما ذكرنا اندفع هذا الاستدلال وظهران الاية مبنى على المجاز وَقالُوا «٢» رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ فنقتل لَوْلا أَخَّرْتَنا هلا أمهلتنا فى الدنيا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ الى زمان الموت فنموت على الفرش ذكر الجملتين بلا عطف ليدل على انّ قولهم تارة كذا وتارة كذا وليسا بكلام واحد وليس هذا سوالا عن وجه الحكمة فى إيجاب القتال فانها معلومة بل هو تمنى واستزادة فى مدّة الكف عن القتال حذرا عن الموت ويحتمل انهم ما تفوهوه ولكن قالوه فى أنفسهم فحكى الله تعالى عنهم قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا اى منفعتها والاستمتاع بها قَلِيلٌ من منافع الاخرة ومع ذلك سريع التقضي وان طال فلا يفيدكم استزادة العمر وان زاد فرضا وَثواب
(١) وفى الأصل القاعدون
(٢) فى الأصل قالوا-
الْآخِرَةُ خَيْرٌ من ثواب الدنيا وأبقى لِمَنِ اتَّقى من الشرك والعصيان فاستزادوا ثواب الاخرة بالتقوى عن التقاعد وامتثال امر الله تعالى فى الجهاد وكانه جواب عن قولهم لم كتبت علينا القتال يعنى كتبنا لتكثير تمتيعكم هذا على تقدير كون قولهم لم كتبت سؤالا عن وجه الحكمة وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) يعنى لا تنقصون ادنى شىء من ثوابكم فلا ترغبوا عنه او المعنى لا تنقصون من اجالكم المقدرة بالقتال- قرا ابن كثير وابو جعفر وحمزة والكسائي بالياء لتقدم الغيبة والباقون بالتاء للخطاب ونزلت ردّا لقول المنافقين الذين قالوا فى قتلى أحد لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا.
أَيْنَ ما تَكُونُوا ما زائدة لتأكيد معنى الشرط فى اين يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ فى قصورا وحصون مرتفعة وقال قتادة معناه فى قصور محصنة وقال عكرمة مجصّصة والشيد الجصّ وفى إيراد هذه الاية فى هذا المقام اشعار الى جواب قولهم لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ يعنى بالقتال لا يستعجل الاجل والحذر لا يبعد الاجل ولا يرد القدر- ولمّا قالت اليهود والمنافقون بعد قدوم رسول الله ﷺ المدينة ما زلنا نعرف النقص فى ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه نزلت وَإِنْ تُصِبْهُمْ اى المنافقين واليهود حَسَنَةٌ اى خصب ورخص فى السعر وزيادة فى الأموال والأولاد يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لنا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ قحط او بلية يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ اى من شومك وان كان الفاعل هو الله تعالى قُلْ يا محمد كُلٌّ اى كل واحد من الحسنة والسيئة مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بخلقه على حسب إرادته تفضلا او انتقاما على مقتضى حكمته ولا يجوز من الله تعالى الانتقام من أحد بشوم غيره فنسبتهم السيئة الى النبي ﷺ بسبب شومه مع انغماسهم فى الكفر والمعاصي ظاهر البطلان فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ الكافرين لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ يعنى لا يقربون الفهم والتفقه فضلا من ان يفقهوا حَدِيثاً (٧٨) يعنى القران فانهم لو فهموه وتدبروا معانيه لعلموا ان الخير والشرّ كل من عند الله وان الله لا يعذب أحدا بعمل غيره اولا يفهمون حديثا ما كالانعام او شيئا حادثا فيتفكروا فيما صدر عنهم من الأعمال هل هو حسنة يوجب الانعام......
او سيئة يقتضى النقمة.
ما أَصابَكَ ايّها الإنسان مِنْ حَسَنَةٍ نعمة فَمِنَ اللَّهِ أنعم عليكم تفضلا منه من غير استحقاق عليه سبحانه واستيجاب فان كل ما فعله انسان من الطاعة لو سلم صدوره عنه غير مشوب بالمعصية قابلا للقبول وان كان عامرا لجميع أوقاته فهو مخلوقة لله تعالى نعمة منه تعالى حيث حماه عما لا يرضى عنه ووفقه لمرضاته مستوجب على العبد الشكر على توفيقه فكيف يقتضى عليه استحقاق شىء من ثواب الدنيا او الاخرة مع ان الوجود وتوابعه (مما يتوقف عليه صدور الطاعة وما لا يتوقف عليه) نعماء من الله تعالى لا تعد ولا تحصى لا يمكن ان يكون ذلك الطاعة بإزائه شكرا لها ولذلك قال رسول الله ﷺ ما أحد يدخل الجنة الا برحمة الله قيل ولا أنت قال ولا انا متفق عليه من حديث ابى هريرة وَما أَصابَكَ ايّها الإنسان مِنْ سَيِّئَةٍ بلاء فَمِنْ نَفْسِكَ روى ابن المنذر عن مجاهد انه كان فى قراءة أبيّ بن كعب وابن مسعود ما أصابك من سيّئة فمن نفسك وانا كتبتها عليك اى من شامة نفسك استجلابا لا من شامة غيرك يعنى خلق الله تعالى تلك المصيبة والبلاء انتقاما لبعض معاصيك وجزاء لسيئاتك فان كان الإنسان كافرا كان أنموذجا لبعض ما يعدله من العقاب وان كان الإنسان مؤمنا كان كفارة لذنوبه وباعثا لرفع درجاته عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ ما من مصيبة تصيب المسلم الا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها متفق عليه وعن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ ما من نصب او وصب حتى الشوكة يشاكها الا كفر الله من خطاياه متفق عليه وعن ابى موسى ان رسول الله ﷺ قال لا تصيب عبدا نكبة فما فوقها وما دونها الا بذنب وما يعفو اكثر رواه الترمذي ففى هذه الاية جواب عن نسبتهم السوء الى النبي ﷺ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا منصوب على المصدرية او الحالية وقصد به التؤكيد ان علق الجار بالفعل وان علق برسولا قصد به التعميم كما فى قوله تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ وفى هذه الجملة ايضا ردّ على قولهم هذه من عندك حيث نسبوا الشوم اليه عليه السّلام وما هو الا رسول من الله تعالى أرسل رحمة عامّة للناس أجمعين وانما حرم الكفار من الرحمة وأصابهم ما أصابهم من النقمة فى الدنيا والاخرة بشوم أنفسهم حيث لم يطيعوا رسول الله......
صلى الله عليه وسلم وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٧٩) يشهد على رسالته فى الدنيا بنصب المعجزات وعند اختصامهم عند الله يوم القيامة كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً الإلزام الكفار وتعذيبهم فان الملك يومئذ لله الواحد القهار يحكم بعلمه لا حاجة حينئذ الى شهادة غيره والله اعلم- قال البغوي كان رسول الله ﷺ يقول من أطاعني فقد أطاع الله ومن أحبني فقد احبّ الله فقال بعض المنافقين ما يريد هذا الرجل الا ان نتخده ربّا كما اتخذت النصارى عيسى بن مريم فانزل الله تعالى.
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ لانه فى الحقيقة مبلغ والأمر هو الله تعالى وَمَنْ تَوَلَّى عن طاعتك فلا تهتم فَما أَرْسَلْناكَ يا محمد عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠) حال من الكاف يعنى انما عليك البلاغ وعلينا الحساب ما أرسلناك لحفظ أعمالهم ومحاسبتهم.
وَيَقُولُونَ اى المنافقون إذا امرتهم بشىء طاعَةٌ يعنى أمرنا طاعة كان حقها النصب على المصدرية يعنى نطيعك طاعة لكن رفع للدلالة على الدوام والثبات فَإِذا بَرَزُوا خرجوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ قرا ابو عمرو وحمزة بإدغام التاء فى الطاء والباقون بالإظهار ومعنى بيّت غيّر وبدّل والتبييت بمعنى التبديل كذا قال قتادة والكلبي وقال الأخفش معنى بيّت قدر تقول العرب للشىء إذا قدر قد بيت يشبهونه ببيت الشعراء او ببيت مبنى وقال ابو عبيدة والقتيبي معناه قدروا ليلا غير ما أعطوك العهد نهارا من البيتوتة مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ الضمير فى تقول راجع الى طائفة يعنى زورت طائفة منهم خلاف الذي قالت عندك من الطاعة وجازان يكون للخطاب يعنى زورت طائفة منهم خلاف الذي قلت ايها النبي وعهدت إليهم وَاللَّهُ يَكْتُبُ يعنى كتبة الله من الملائكة تكتب باذنه ما يُبَيِّتُونَ ليوفى عليهم جزاء تزويرهم او المعنى يكتب الله فى جملة ما يوحى إليك حتى تطلع على أسرارهم فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ يعنى لا تلتفت إليهم فالاعراض بمعنى قلة المبالاة والتجافي عنهم او المعنى لا تعاتبهم ولا تخبر بأسمائهم وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فى الأمور كلّها وفى شأنهم وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١) إذا فوضت اليه أمرهم ينتقم لك منهم ولا يضرونك بشىء.
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ اى المنافقون ويتاملون فى الْقُرْآنَ نظمه ومعانيه وينظرون ما فيه من الغرائب حتى يظهر لهم انه ليس من جنس كلام البشر فيحصل لهم الايمان ويذرون......
النفاق واصل التدبر النظر فى ادبار الشيء فيه دليل على صحة القياس وَلَوْ كانَ هذا القران مختلقا كائنا مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ كما زعم الكفار لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢) من تناقض المعنى وتفاوت النظم بحيث يكون بعضه فصيحا وبعضه ركيكا وبعضه صعب المعارضة وبعضه دون ذلك ومطابقة بعض احباره المستقبلة دون بعض لنقصان القوة البشرية وامّا الناسخ والمنسوخ فليس من باب الاختلاف بل النسخ بيان لمدة الحكم الذي اختلف بناء على اختلاف الأحوال فى الحكم والمصالح بحسب اختلاف الزمان والله اعلم- قال البغوي كان النبي ﷺ يبعث السّرايا فاذا غلبوا او غلبوا بادر المنافقون يستخبرون عن حالهم فيحدّثون به قبل ان يحدّث به رسول الله ﷺ فيضعّفون به قلوب المؤمنين وقيل كان ضعفة الرأى من المسلمين إذا بلغهم خبر السّرايا او أخبرهم الرسول بما اوحى اليه من وعد بالظفر او تخويف اشاعوا ذلك الخبر وتكون فيه مفسدة فانه إذا سمع الخصم الا من يسعى فى حفظ نفسه وإذا سمع الخوف يسعى فى القتال والفساد فانزل الله تعالى.
وَإِذا جاءَهُمْ اى المنافقين او ضعفة الرأى من المسلمين أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ اى الفتح والسلامة أَوِ الْخَوْفِ اى الهزيمة والاختلاف أَذاعُوا بِهِ اشاعوه وَلَوْ رَدُّوهُ اى ذلك الخبر إِلَى الرَّسُولِ ﷺ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ اى ذوى الرأى من الصحابة كابى بكر وعمر وعثمان وعلى سموا باولى الأمر لانهم بصراء بالأمور او لانهم يؤمرون منهم غالبا أو لأن النبي ﷺ يستشار منهم قبل ان يأمر الناس بشىء او يأمر الناس بالاقتداء بهم قال رسول الله ﷺ امّا وزير اى من اهل الأرض فابو بكر وعمر رواه الترمذي عن ابى سعيد وقال رسول الله ﷺ اقتدوا بالذين من بعدي ابى بكر وعمر رواه الترمذي لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ الاستنباط الاستخراج يقال استنبط الماء إذا استخرجه يعنى يستخرجون بانظارهم ما يليق بذلك الأمر من الاشاعة او الإخفاء والمراد بالذين يستنبطون هم النبي ﷺ وأولوا الأمر من أصحابه فههنا وضع المظهر موضع المضمر وكان المقام تعلموه والعلم هاهنا بمعنى المعرفة يقتضى مفعولا واحدا، ومنهم حال من الذين والمعنى لعلم المستنبطون من النبي واولى الأمر ما يليق بذلك الخبر او......
المراد بالمستنبطين هم المذيعون ومنهم على هذا صلة للفعل والمعنى لعلم المذيعون الذين يستخرجون العلم من النبي ﷺ وأصحابه ما يليق بذلك الأمر وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ الاضافة للعهد يعنى لولا فضل الله ورحمته بإرسال الرسول وإنزال الكتاب لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ بالكفر والضلال إِلَّا قَلِيلًا (٨٣) استثناء من ضمير المخاطب- او استثناء مفرغ يعنى اتباعا قليلا يعنى لاتبعتم الشيطان الّا بعضا «١» منكم بحسن الرأى والعصمة من الله تعالى كزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وهذا نوع اخر من فضل الله او لاتبعتم الشيطان الا اتباعا قليلا فى بعض الأمور والحاصل ان عصمتكم عن اتباع الشيطان غالبا مستفاد من الرسول والقران حيث لا يكفى عقولكم فى معرفة حسن كثير من الأشياء وقبحه فلا تستعجلوا فى اشاعة الاخبار ايضا من غير اذن منه ﷺ روى مسلم عن عمر بن الخطاب قال لما اعتزل النبي ﷺ نساءه دخلت المسجد فاذا الناس ينكتون بالحصا ويقولون طلّق رسول الله ﷺ نساءه فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتى لم يطلّق رسول الله ﷺ نساءه ونزلت هذه الاية وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ الاية فكنت انا استنبط ذلك الأمر والله اعلم ولمّا ذكر الله سبحانه ما فعل المبطئون وما قالوا إذا جبنوا امر الله سبحانه نبيه ﷺ بالقتال ولو كان وحده ووعده بالنصر ونبه ان تقاعد عيره لا يضره ولا مؤاخذة عليه بفعل غيره فقال.
فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وان قعدوا عن الجهاد وتركوك وحدك لا تُكَلَّفُ أنت إِلَّا نَفْسَكَ إلا فعل نفسك لا يضرك مخالفتهم وتقاعدهم «٢» قال البغوي ان النبي ﷺ واعد أبا سفيان بعد حرب أحد موسم بدر الصغرى فى ذى القعدة فلمّا بلغ الميعاد دعا الى الخروج
(١) فى الأصل بعض
(٢) اخرج ابن سعد عن خالد بن معدان ان رسول الله ﷺ قال بعثت الى النّاس كافة فان لم يستجيبوا لى قالى العرب فان لم يستجيبوا لى فالى الفرس فان لم يستجيبوا لى فالى بنى هاشم فان لم يستجيبوا لى فالىّ وحدي منه رحمه الله-
فكرهه بعضهم فانزل الله تعالى هذه الاية كذا اخرج ابن جرير عن ابن عباس «١» وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ على القتال إذ ما عليك الا البلاغ والتحريض عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا اى قتالهم فخرج رسول الله ﷺ فى بدر الصغرى فى سبعين راكبا وأنجز الله وعده فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وقد مرّ القصة فى ال عمران وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً صولة وأعظم سلطانا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤) تعذيبا من قريش ومن غيرهم فيه تهديد لمن لم يتبع الرسول خوفا من الكفار قال البغوي الفاء فى قوله تعالى فقاتل جواب عن قوله وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً... فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ... وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ- والله اعلم-.
مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً راعى بها حق مسلم ودفع بها عنه ضررا او جلب نفعا لوجه الله تعالى يَكُنْ لَهُ اى للشافع نَصِيبٌ مِنْها وهو ثواب الشفاعة قال مجاهد هى شفاعة بعضهم لبعض ويؤجر الشفيع على شفاعته وان لم يشفّع كذا روى ابن ابى حاتم «٢» وغيره عن الحسن وعن ابى موسى قال كان النبي ﷺ إذا جاءه رجل يسئل او طلب حاجة اقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا توجرؤا ويقضى الله على لسان نبيه ما شاء متفق عليه وقال رسول الله ﷺ الدال على الخير كفاعله رواه البزار عن ابن مسعود والطبراني عنه وعن سهل بن سعد- (فائدة) ومن الشفاعة الحسنة الدعاء لمسلم عن ابى الدرداء قال قال رسول الله ﷺ إذا دعا الرجل لاخيه بظهر الغيب قالت الملائكة أمين ولك بمثل ذلك، وقال ابن عبّاس الشفاعة الحسنة الإصلاح بين الناس وقيل هو حسن القول فى الناس ينال به الثواب والخير، وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً الموجبة للحرمان وقال ابن عباس هى المشى بالنميمة وقيل هى الغيبة واساءة القول فى الناس ينال به الشرّ يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ اى حظ مِنْها اى من وزرها- عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من أعان على قتل مؤمن بشرط كلمة لقى الله مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله رواه ابن ماجة وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (٨٥) قال ابن عباس اى مقتدرا من اقات على الشيء إذا قذر
(١) اخرج ابن ابى حاتم وابن عبد البر عن سفيان بن عيينة قال سمعت ابن شبرمة يقراها عسى الله ان يكف من بأس الذين كفروا قال سفيان وهى فى قرأته ابن مسعود منه
(٢) فى الأصل كذا ابن ابى حاتم
واشتقاقه من القوت فانه يقوّى البدن وقال مجاهد شاهدا وقال قتادة حافظا وقيل مقيتا لكل حيوان اى معطيا له قوته-.
وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ التحية مصدر حياك الله على الاخبار ثم استعمل للدعاء بذلك وكانت العرب تقول حياك الله اى أطال حياتك او نحو ذلك ثم أبدل ذلك بعد الإسلام بالسّلام وجعل الله تحية بيننا بالسّلام عن عمران بن حصين قال كنا فى الجاهلية نقول أنعم الله بك عينا وأنعم صباحا فلما كان الإسلام نهينا عن ذلك رواه ابو داود وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا فلمّا خلقه قال اذهب فسلّم على أولئك النفر وهم نفر من الملائكة جلوس فاسمع ما يحيونك فانها تحيتك وتحيّة ذريتك فذهب فقال السّلام عليكم فقالوا السّلام عليك ورحمة الله قال فزادوه ورحمة الله متفق عليه فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها اى ردوا مثلها على حذف المضاف، الأمر للوجوب وكلمة او للتخيير فالواجب فى جواب السّلام ردّ مثلها لانه ادنى الامرين ويستحبّ الرد بأحسن منها بزيادة الرحمة والبركة- وكلما زاد فى السّلام او فى الجواب كان اكثر ثوابا وأفضل، عن عمران بن حصين ان رجلا جاء الى النبي ﷺ فقال السلام عليكم فرد عليه فجلس فقال النبي ﷺ عشر ثم جاء آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله فرد عليه فقال عشرون ثم جاء اخر فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فرد عليه فجلس فقال ثلثون رواه الترمذي وابو داود وعن معاذ بن انس عن النبي ﷺ نحوه وزاد ثم اتى اخر فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال أربعون هكذا يكون الفضائل رواه ابو داود وقيل كمال الزيادة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته روى ان رجلا سلم على ابن عباس فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثم زاد شيئا آخر فقال ابن عباس ان السلام انتهى الى البركة ذكره البغوي وروى احمد فى الزهد وابن ابى حاتم والطبراني فى الكبير وابن مردوية من حديث سلمان الفارسي ان رجلا قال لرسول الله ﷺ السلام عليك فقال وعليك السلام ورحمة الله وبركاته وقال اخر السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقال وعليك السلام قال الرجل نقصتنى فاين ما قال الله وتلا الاية فقال انك لم تترك لى فضلا فرددت عليك مثله......
قلت وهذا الحديث يدل على ان قوله وعليك السّلام يكفى فى جواب من قال السّلام عليك ورحمة الله وبركاته اما لان المماثلة فى نفس السّلام يكفى وامّا لان اللام فى وعليك السلام للعهد فتضمن فى الجواب ما كان مذكورا فى كلام البادي بالسلام من الرحمة والبركة (مسئلة) وإذا سلم على جماعة وردّ واحد منهم يسقط عن الباقين لانه فرض كفاية كذا فى السراجية- عن على بن ابى طالب رضى الله عنه قال يجزى عن الجماعة إذا مروا ان يسلم أحدهم ويجزئ عن الجلوس ان يرد أحد هم ذكره البغوي فى المصابيح موقوفا ورواه البيهقي فى شعب الايمان مرفوعا وروى ابو داود وقال ورفعه الحسن بن على وهو شيخ ابى داود وامّا إذا سلّم على واحد من الجماعة بعينه فيقول يا فلان السلام عليك او عليكم فحينئذ يجب على ذلك الرجل الجواب ولا يسقط برد غيره من الجماعة وكذا لا يسقط عن الجماعة برد واحد من غيرهم، كذا فى بيان الاحكام- (مسئلة) البداية بالسّلام مسنون وهو احسن وأفضل عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا اولا أدلكم على شىء إذا فعلتم تحاببتم أفشوا السلام بينكم رواه مسلم، وعن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ البادي بالسلام برىء من الكبر رواه البيهقي فى شعب الايمان وعن ابى امامة قال قال رسول الله ﷺ ان اولى الناس بالله من بدا بالسلام رواه احمد والترمذي وابو داود وعن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما ان الرجل سال رسول الله ﷺ اىّ الإسلام خير يعنى اىّ خصال الإسلام خير قال رسول الله ﷺ تطعم الطعام وتقرا السلام على من عرفت ومن لم تعرف متفق عليه مسئلة- يسلم الراكب على الماشي والماشي
على القاعد والقليل على الكثير روى الشيخان فى الصحيحين هذا اللفظ من حديث ابى هريرة مرفوعا وزاد البخاري فى رواية ويسلم الصغير على الكبير مسئلة ويسلم على الغلمان والنساء لحديث انس ان رسول الله ﷺ مر على غلمان فسلم عليهم متفق عليه، وحديث جرير ان رسول الله ﷺ مر على نسوة فسلم عليهن رواه احمد وفى فتاوى الغرائب ان السّلام يكره على المرأة الشابّة والأمر دوان سلما لا يجب الجواب قلت وهذا......
عند خوف الفتنة (مسئلة:) ويسلم على اهل بيته حين يدخل عن انس ان رسول الله ﷺ قال يا بنى إذا دخلت على أهلك فسلم يكون بركة عليك وعلى اهل بيتك رواه الترمذي (مسئلة) وان دخل بيتا ليس فيها أحد فليقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فان الملائكة يردون عليه كذا فى الشرعة قال الله تعالى فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً، (مسئلة:) يسن السّلام قبل الكلام لحديث جابر مرفوعا السّلام قبل الكلام رواه الترمذي (مسئلة:) وسن ان يسلم على الأخ المسلم كلما لقيه وان حالت بينهما شجرة او جدار جدّد السلام عليه لحديث ابى هريرة عن النبي ﷺ قال إذا لقى أحدكم أخاه فليسلم عليه فان حالت بينهما شجرا وجدارا وحجر ثم لقيه فليسلم عليه رواه ابو داود (مسئلة:) ويسن السلام ايضا عند الوداع عن قتادة قال قال النبي ﷺ إذا دخلتم بيتا فسلّموا على اهله فاذا خرجتم فاودعوا اهله بالسلام رواه البيهقي فى الشعب مرسلا وعن ابى هريرة عن النبي ﷺ إذا انتهى أحدكم الى مجلس فليسلّم فان بدا له ان يجلس فليجلس ثم إذا قام فليسلم فليست الاولى بأحق من الاخرة رواه الترمذي وابو داود (مسئلة:) إذا بلّغ رجل بتسليم من الغائب فليقل للمبلغ عليك وعليه السّلام روى غالب عن أبيه عن جدّه قال بعثني ابى الى رسول الله ﷺ فقال اتيه فاقرأه السّلام فقال رسول الله ﷺ عليك وعلى أبيك السّلام رواه ابو داود (مسئلة:) لا يجوز البداية السّلام على الكفار لقوله ﷺ لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام فاذا لقيتم أحدهم فى طريق فاضطروه الى أضيقه رواه مسلم عن ابى هريرة وان كان فى القوم اختلاط «١» من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود يسلم عليهم رواه الشيخان من حديث اسامة بن زيد مرفوعا لكن ينوى بالسلام المسلمين منهم كيلا يلزم بداية السّلام على الكافر مسئلة: لا بأس برد السلام على اهل «٢» الذمّة لكن لا يزيد على قوله وعليك لقوله ﷺ إذا سلم عليكم اهل الكتاب فقولوا وعليكم متفق عليه عن انس- (مسئلة:) لا يجب رد السّلام فى الصلاة والخطبة بل لا يجوز ويبطل
(١) فى الأصل اخلاط-
(٢) قال ابن عباس من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه وان كان يهوديا او نصرانيا او مجوسيا ذلك بان الله يقول إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ الاية رواه ابن ابى شيبة والبخاري فى الأدب المفرد وغيرهما منه رحمه الله
صلاته ولا يجب فى قراءة القران جهرا ورواية الحديث ومذاكرة العلم والاذان والاقامة وجاز جوابه فى تلك المواضع إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦) اى محاسبا مجازيا وقال مجاهد حفيظا يعنى يحاسب الله تعالى على كل شىء من حقوق العباد كالسّلام وتشميت العاطس وغير ذلك عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ للمؤمن على المؤمن ست خصال يعوده إذا مرض ويشهده إذا مات ويجيبه إذا دعاه ويسلم عليه إذا لقيه ويشمّته إذا عطس وينصح له إذا غاب او شهد رواه النسائي وروى الترمذي والدارمي عن على عليه السلام نحو ذلك وذكر السادس ويحبّ له ما يحبّ لنفسه ولم يذكر وينصح له والمال واحد وعن ابى سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال وإياكم والجلوس بالطرقات فقالوا ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها قال فاذا أبيتم الّا المجلس فاعطوا الطريق حقه قالوا وما حق الطريق يا رسول الله قال غضّ البصر وكف الأذى وردّ السلام والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر متفق عليه وعن ابى هريرة عن النبي ﷺ فى هذه القصّة قال وارشاد السبيل رواه ابو داود وعن عمر رضى الله عنه عن النبي ﷺ فى هذه القصّة قال وتعينوا الملهوف وتهدوا الضال رواه ابو داود (مسئلة) ومن تمام التحية المصافحة والمعانقة قال رسول الله ﷺ تمام تحيّاتكم بينكم المصافحة رواه احمد والترمذي عن ابى امامة- وعن ابى ذرّ قال ما لقيت رسول الله ﷺ قط إلا صافحني وبعث الىّ ذات يوم ولم أكن فى أهلي فلما جئت أخبرت فاتيته وهو على سرير فالتزمنى وكانت تلك أجود وأجود رواه ابو داود وعن الشعبي ان النبي ﷺ تلقى جعفر بن ابى طالب فالتزمه وقبّل ما بين عينيه رواه ابو داود والبيهقي فى الشعب مرسلا وفى شرح السنة عن البياضي متصلا وكذا روى فى شرح السنة عن جعفر بن ابى طالب قال تلقانى رسول الله ﷺ فاعتنقنى وعن عطاء الخراسانى ان رسول الله ﷺ قال تصافحوا يذهب الغلّ وتهادّوا تحابوا وتذهب الشحناء رواه مالك مرسلا وعن البراء بن عازب المسلمان إذا تصافحا لم يبق بينهما ذنب إلا سقط رواه البيهقي فى شعب الايمان-.
اللَّهُ مبتدا لا إِلهَ إِلَّا هُوَ اما خبر مبتدا والجملة معترضة مؤكدة لتهديد قصد......
بما قبلها وما بعدها وقوله تعالى لَيَجْمَعَنَّكُمْ خبر بعد خبر عديل لقوله تعالى حسيبا او يقال الله مبتدا والتهليل جملة معترضة وخبر المبتدا ليجمعنكم اى والله ليحشرنهم من القبور إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ اى مفضين اليه او فى يوم القيامة والقيام والقيامة كالطلاب والطلابة وهى قيامهم للحساب لا رَيْبَ فِيهِ اى فى اليوم او فى الجمع حال من اليوم او صفة للمصدر اى جمعا وَمَنْ أَصْدَقُ يعنى لا أحد اصدق مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (٨٧) قولا هذه الجملة بمنزلة التعليل لقوله لا ريب فيه فانّ اخباره تعالى لا يحتمل تطرق الكذب اليه بوجه من الوجوه لانه نقص مستحيل على الله تعالى فما ثبت بقوله تعالى فهو حق لا ريب فيه قرا حمزة والكسائي اصدق وكل صاد ساكنة بعدها دال بإشمام الزاء- اخرج البخاري وغيره عن زيد بن ثابت ان رسول الله ﷺ لما خرج الى أحد رجع ناس ممّن خرج معه فكان اصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين فرقة تقول نقاتلهم وفرقة تقول لا نقاتلهم فنزلت.
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ قوله «١» فئتين حال عاملها الظرف المستقر يعنى لكم او معنى الفعل اى ما تصنعون حال كونكم فئتين وفى المنفقين حال من فئتين اى متفرقين فيهم او من الضمير اى فما لكم تفترقون فيهم ومعنى الافتراق يستفاد من فئتين والفاء للتفريع على كونه تعالى اصدق حديثا يعنى فما لكم تختلفون فيه لم لا تفوضون الأمر الى من هو اصدق حديثا فاعتقدوا بما أخبركم وامتثلوا بما يأمركم واخرج سعيد بن منصور وابن ابى حاتم عن سعد بن معاذ قال خطب «٢» رسول الله ﷺ فقال من لى بمن يوذينى ويجمع فى بيته من يوذينى فقال سعد بن معاذ ان كان من الأوس قتلناه وان كان من إخواننا من الخزرج امرتنا فاطعناك فقام سعد بن عبادة فقال ما بك يا ابن معاذ طاعة رسول الله ﷺ ولقد عرفت ما هو منك فقام أسيد بن حضير فقال انك
(١) نقل الناسخ فى الأصل على حاشيته حديثا انها طيبة إلخ وأشار ان موضعه بعد قوله تعالى فِئَتَيْنِ فنقله الناقلون هاهنا لكن السياق السياق يأتى عن ذلك وعندى ان موضع هذا الحديث بعد قول الرجال الذين خرجوا من المدينة شاكين من وبائها وحماها او بعد قول ناس من قريش ولكنا اجتوينا المدينة إلخ فلهذا الوجه نقلناه على حاشية ص ٨٣٤ ٢ بو محمد عفا الله عنه-
(٢) واخرج ابن ابى حاتم عن زيد بن اسلم ان رسول الله ﷺ خطب فقال كيف ترون فى الرجل يجادل بين اصحاب رسول الله ﷺ ويسئ القول لاهل رسول الله ﷺ وقد برّاها الله ثم قرا ما انزل الله فى براءة عائشة فنزل القران فى ذلك فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ منه رحمه الله [..... ]
يا ابن عبادة منافق وتحبّ المنافقين فقام محمد بن مسلمة فقال اسكتوا ايها الناس فانّ بيننا رسول الله ﷺ وهو يأمرنا فننفذ امره فانزل الله تعالى هذه الاية واخرج احمد عن عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه ان قوما من العرب أتوا رسول الله ﷺ بالمدينة فاثابهم وباء المدينة وحماها فاركسوا وخرجوا من المدينة فاستقبلهم نفر من الصحابة فقالوا ما لكم رجعتم قالوا أصابنا وباء المدينة «١» فقالوا ما لكم فى رسول الله أسوة حسنة فقال بعضهم نافقوا وقال بعضهم لم ينافقوا فانزل الله تعالى هذه الاية وفى اسناده تدليس وانقطاع قال البغوي قال مجاهدهم قوم خرجوا الى المدينة واسلموا ثم ارتدوا واستأذنوا رسول الله ﷺ الى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها فخرجوا وأقاموا بمكة فاختلف المسلمون فيهم فقيل هم منافقون وقيل هم مؤمنون وقال بعضهم هم ناس من قريش قدموا المدينة واسلموا ثم ندموا على ذلك فخرجوا كهيئة المتنزهين حتى تباعدوا من المدينة فكتبوا الى رسول الله صلى الله انا على الذي فارقناك عليه من الايمان ولكنا اجتوينا المدينة واشتقنا الى ارضنا ثم انهم خرجوا فى تجارة لهم نحو الشام فبلغ ذلك المسلمين فقال بعضهم نخرج إليهم فنقتلهم ونأخذ ما معهم لانهم رغبوا عن ديننا وقالت طائفة كيف تقتلون قوما على دينكم بان لا يذروا ديارهم فنزلت وقال بعضهم هم قوم اسلموا بمكة ولم يهاجروا وكانوا يظاهرون المشركين فنزلت وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ اى ردّهم الى الكفر اصل الركس ردّ الشيء مقلوبا بِما كَسَبُوا اى عملوا الردة واللحوق بدار الحرب أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ اى تجعلوه من المهتدين او تقولوا هؤلاء مهتدون وقد أضلّهم الله وفى الاية دليل على ان خالق افعال العباد هو الله تعالى والكسب من العبد وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) طريقا الى الحقّ-.
وَدُّوا تمنوا أولئك الذين رجعوا الى الكفر لَوْ يعنى ليتكم تَكْفُرُونَ بيان للوداد كَما كَفَرُوا اى كفرا ككفرهم فَتَكُونُونَ سَواءً مستوين معهم فى الضلال عطف على تكفرون ولو نصب على جواب التمني لجاز من جهة النحو لكنه لا يجوز لانه لم يرد فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ منع عن موالاتهم حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ معكم
(١) فقال رسول الله ﷺ انها طيبة وانها تتفى الخبث كما تنفى النار خبث الفضة منه رح
بعد ايمانهم صابرا محتسبا لا لغرض من اغراض الدنيا قال عكرمة الهجرة على ثلاثة أوجه هجرة المؤمنين فى اوّل الإسلام وهجرة المنافقين وهى الخروج فى سبيل الله مع رسول الله ﷺ صابرا محتسبا وهجرة سائر المؤمنين عمّا نهى الله عنه فَإِنْ تَوَلَّوْا عن الايمان او عن الهجرة بعد الايمان فان الهجرة يومئذ كانت فريضة فَخُذُوهُمْ أسارى وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ كسائر الكفرة وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا كرّر النهى عن الولاية للتأكيد او يقال السابق نهى عن اتخاذهم اولياء قبل الاخذ وهذا عن موالاتهم بعد الاخذ وَلا نَصِيراً (٨٩) وهذا دليل على عدم جواز الاستنصار بالكفار ذكر الزهري ان الأنصار استأذنوا رسول الله ﷺ لما رجع ابن أبيّ عن أحد فى الاستعانة بحلفائهم من يهود المدينة فقال رسول الله ﷺ الخبيث لا حاجة لنا بهم.
إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ استثناء من قوله فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ فان قيل ما وجه صحة الاعتراض بين المستثنى والمستثنى منه مع انه لا مدخل له فى الاستثناء قلنا قوله تعالى لا تتخذوا ذكر تأكيدا للقتل كانه قيل فاقتلوهم ولا تتركوا قتلهم بطمع الولاية والنصرة والمعنى الّا الذين يتصلون وينتهون إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ قال البغوي وهم الاسلميون وذلك ان رسول الله ﷺ وادع هلال بن عويمر الأسلمي قبل خروجه الى مكة ان لا يعينه ولا يعين عليه ومن وصل الى هلال من قومه وغيرهم ولجاء اليه فلهم من الجوار مثل ما لهلال كذا روى ابن ابى حاتم عن مجاهد واخرج ابن ابى حاتم وابن مردوية عن الحسن ان سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال لمّا ظهر النبي ﷺ على اهل بدر وأحد واسلم من حولهم قال سراقة بلغني انه يريدان يبعث خالد بن الوليد الى قومى بنى مدلج فاتيته فقلت أنشدك النعمة بلغني انك تريد ان تبعث الى قومى وانا أريد ان توادعهم فان اسلم قومك اسلموا ودخلوا فى الإسلام وان لم يسلموا لم يخشين مغلوب قومك عليهم فاخذ رسول الله ﷺ بيد خالد فقال اذهب معهم فافعل ما تريد فصالحهم خالد على ان لا يعينوا على رسول الله ﷺ وان أسلمت قريش اسلموا معهم وانزل الله إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فكان من وصل إليهم كان منهم على عهدهم واخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس قال نزلت إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ......
مِيثاقٌ
فى هلال بن عويمر الأسلمي وسراقة بن مالك المدلجي وفى بنى خزيمة بن عامر بن عبد مناف وقال الضحاك عن ابن عباس هم بنو بكر بن زيد مناة كانوا فى الصلح والهدنة وقال مقاتل هم خزاعة أَوْ جاؤُكُمْ عطف على الصلة اى الا الذين وصلوا الى قوم او جاءوكم او الا الذين يصلون الى قوم او يجيئونكم او عطف على صفة قوم يعنى الا الذين يصلون الى قوم معاهدين او قوم كافين عن القتال والاول اظهر لقوله فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فان ترك التعرض للاعتزال عن القتال لا للاتصال بالمعتزلين حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ حال بإضمار قد او بيان لجاءوكم وقيل صفة لمحذوف اى جاءوكم قوما حصرت اى ضاقت صدورهم أَنْ يُقاتِلُوكُمْ اى عن ان أو لأن او كراهة ان يقاتلوكم أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ يعنى ضاقت صدورهم عن قتالكم للعهد الذي بينكم وبينهم وعن قتال قومهم قريشا معكم وهم بنوا مدلج كانوا عاهدوا ان لا يقاتلوا المسلمين وعاهدوا قريشا ان لا يقاتلوهم نهى الله تعالى عن قتال المرتدين إذا لحقوا بالمعاهدين لان من انضمّ الى قوم معاهدين فلهم حكمهم فى حقن الدّماء لان قتالهم يستلزم قتال المعاهدين ولا يجوز ذلك وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ بازالة الرعب عنهم فَلَقاتَلُوكُمْ ولم يكفوا عنكم، أعاد اللام تنبيها على انه جواب مستقل ويس المجموع جوابا واحدا فانّ التسليط لا يستلزم المقاتلة بل بعد التسليط يتوقف المقاتلة على مشية الله تعالى وفى هذه الاية اشارة الى منة الله تعالى على المؤمنين حيث القى الرعب فى قلوب أعدائهم فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ اى اعتزلوا قتالكم فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ الصلح والانقياد فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) طريقا الى الاخذ والقتل وذلك الطريق هو اباحة دمائهم-.
سَتَجِدُونَ قوما آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ فلا تتعرضوا لهم وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ فلا يتعرضوا لهم قال الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس هم اسد وغطفان كانوا حاضرى المدينة تكلموا بالإسلام رياء وهم غير مسلمين وكان الرجل يقول له قومه بماذا أسلمت فيقول امنت بهذا القرد وبهذا العقرب والخنفساء وإذا لقوا اصحاب رسول الله ﷺ قالوا انا على دينكم يريدون بذلك الامن من الفريقين كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ......
اى دعوا الى الكفر او الى قتال المسلمين أُرْكِسُوا فِيها اى قلبوا وأعيدوا فى الفتنة أقبح قلب وإعادة فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ عطف على يعتزلوا وَكذا قوله يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ اى ان لم يعتزلوا قتالكم ولم ينقادوا لكم بطلب الصلح ولم يكفوا أيديهم عن الشر فَخُذُوهُمْ أسارى وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ اى حيث مكنتم منهم وظفرتم بهم وَأُولئِكُمْ اى اهل هذه الصفة جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (٩١) اى حجة ظاهرة اذنا بالقتل والقتال لظهور عداوتهم وانكشاف حالهم فى الكفر والغدر والإضرار بالمسلمين- والله اعلم قال البغوي ان عياش بن ربيعة المخزومي انى رسول الله ﷺ بمكة قبل الهجرة فاسلم ثم خاف ان يظهر إسلامه لاهله فخرج هاربا الى المدينة وتحصن فى أطم من اطامها فجزعت امه لذلك جزعا شديدا وقالت لا بنيها الحارث وابى جهل ابني هشام وهما أخواه لامه والله لا يظلنى سقف ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى تأتونى به فخرجا فى طلبه وخرج معهما الحارث بن زيد بن ابى انيسة حتى أتوا المدينة فاتوا عياشا وهو فى الأطم وقالا له انزل فان امّك لم يؤويها سقف بيت بعدك وقد خلفت ان لا تأكل طعاما ولا شرابا حتى ترجع إليها ولك الله علينا لانكرهك على شىء ولا نحول بينك وبين دينك فلما ذكروا له جزع امّه وأوثقوا بالله نزل إليهم وأخرجوه من المدينة ثم أوثقوه «١» بنسعة فجلده كل واحد منهم مائة جلدة ثم قدموا به على امه فلما أتاها قالت والله لا أخليك من وثاقك حتى تكفر بالذي امنت به ثم تركوه موثقا مطروحا فى الشمس ما شاء الله فاعطاهم الذي أرادوا فاتاه الحارث بن زيد فقال يا عياش اهذا الذي كنت عليه فو الله لان كان هدى لقد تركت الهدى ولئن كان ضلالة لقد كنت عليها فغضب عياش من مقالته فقال والله لا ألقاك خاليا ابدا الّا قتلتك ثم انّ عيّاشا اسلم بعد ذلك وهاجر ثم اسلم الحارث بن زيد بعده وهاجر الى رسول الله ﷺ وليس عياش حاضرا يومئذ ولم يشعر بإسلامه فبينا عيّاش يسير بظهر قبا إذ لقى الحارث فقتله فقال الناس ويحك اى شىء صنعت انه قد اسلم فرجع عياش
(١) النسعة بالكسر سير مضفور يجعل زماما للبعير وغيره وقد ينسج عريضة على صدر البعير- نهاية يعنى نوادر منه رحمه الله
الى رسول الله ﷺ وقال يا رسول الله قد كان من امرى وامر الحارث ما قد علمت وانى لم أشعر بإسلامه حتى قتلته واخرج ابن جرير عن عكرمة قال كان الحارث بن زيد بن عامر بن لوى يعذب عياش بن ابى ربيعة مع ابى جهل ثم خرج الحارث مهاجرا الى النبي ﷺ فلقيه عياش بالحرة فقتله بالسيف وهو يحسب انه كافر ثم جاء الى النبي ﷺ فأخبره فنزلت.
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً الاية واخرج نحوه عن مجاهد والسدى واخرج ابن إسحاق وابو يعلى والحارث بن ابى اسامة وابو مسلم الكحى عن القاسم بن محمد نحوه واخرج ابن ابى حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوه ومعنى الاية ما كان لمؤمن من حيث انه مؤمن اى ما وقع له ولا يقع عنه ولا يوجد ولا يحصل على يديه ان يقتل مؤمنا بغير حق فان ذلك من أعظم محظورات دينه وإيمانه مانع عنه فهو اخبار بعدم صدور قتل المؤمن من المؤمن والمقصود منه المبالغة كانه نزل ايمان من قتل مؤمنا متعمدا لكمال نقصانه منزلة العدم وهو المعنى من قوله ﷺ لا يقتل حين يقتل وهو مؤمن رواه البخاري عن ابن عباس مرفوعا وفى الصحاح ان الشيء إذا كان وصفا لازما لشىء قليل الانفكاك عنه يستعمل هناك كان كما فى قوله تعالى كانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً...، كانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً قلت فعلى هذا إذا كان الشيء منفكا عنه غالبا نادر الحصول او عديم الحصول يستعمل هناك ما كان كما فى قوله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ مع ان الله تعالى عذبهم يوم أحد بالقتل والهزيمة حين اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا من مخالفة امر النبي ﷺ وقيل هو نفى ومعناه النهى كما فى قوله تعالى ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِلَّا خَطَأً منصوب على الحالية او العلية او المصدرية يعنى كائنا على اىّ حال الا خاطئا او لاجل شىء الا للخطأ او قتلا الا قتلا خطأ فالاستثناء مفرغ وجاز ان يكون استثناء من قوله لمؤمن، لا يقال المختار حينئذ الجرّ مع ان القراء اتفقوا على النصب لان المختار مع الفصل الكثير بين المستثنى والمستثنى منه النصب على الاستثناء صرح به الشهيد ووافقه الرضى وجاز ان يكون الاستثناء منقطعا لان قوله ان يقتل يدل على قتل العمد كما هو شأن الافعال الاختيارية فقتل الخطأ غير داخل فيما سبق والمعنى لكن ان قتله......
خطأ فجزاؤه كذلك وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً اعلم ان القتل نوعان قتل عمد وقتل خطأ وقد ذكرنا تفسير العمد على اختلاف الأقوال وحكمه من القصاص ووجوب المال وكيفية القصاص فى سورة البقرة فى تفسير قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ، بقي الكلام هناك فى انه هل تجب الكفارة فى قتل العمد أم لا فقال ابو حنيفة ومالك لا تجب وقال الشافعي تجب وعن احمد روايتان كالمذهبين قال الشافعي وجبت الكفارة فى القتل خطأ بهذه الاية فتجب بالقتل عمدا بالطريق الاولى وعن واثلة بن الأسقع قال اتينا النبي ﷺ فى صاحب لنا قد استوجب النار بالقتل فقال أعتقوا عنه رقبة يعتق لكل عضو منه عضوا منه من النار كذا ذكره الرافعي قلنا الحديث رواه احمد وابو داود والنسائي وابن حبان والحاكم ولفظهم قد استوجب فقط ولم يقولوا النار بالقتل فلا حجة فيه ودلالة النصّ ممنوع لان القتل عمدا كبيرة محضة لا يمكن الطهارة عنه بالكفارة ولو كان كذلك لا نفتح باب القتل عمدا بخلاف الخطأ فانه دائر بين العصيان بترك الحزم وإتيان المباح فيمكن الطهارة منه بامر دائر بين العبادة والعقوبة وهذا هو الفرق بين اليمين الغموس والمنعقدة فى وجوب الكفارة فى الثاني دون الاول عندنا «١» وامّا القتل خطأ فعلى اقسام أحدها شبيه العمد واختلفوا فى تفسيره فقال ابو حنيفة هو القتل عمدا بما ليس موضوعا للقتل وقال ابو يوسف ومحمد هو القتل عمدا بما يلبث غالبا وقال الشافعي هو ضربه عمدا ضربا لا يموت به غالبا فمات فمن ضرب سوطا او سوطين عمدا فمات فهو شبيه العمد بالاتفاق ومن ضرب بسوط صغير ووالى حتى مات فهو عمد عند الشافعي وشبيه بالعمد عند ابى حنيفة وصاحبيه ومن ضرب بحجر عظيم او خشبة عظيمة لا تلبث غالبا فهو عمد عند الكل وشبيه بالعمد عند ابى حنيفة قال ابو حنيفة لا قصاص ولو رماه بابا قبيس وما هو شبيه بالعمد فى النفس فهو عمد فيما دون النفس اجماعا احتج ابو حنيفة بقوله
(١) ولنا ايضا على عدم الكفارة فى القتل عمدا واليمين الغموس ما رواه ابن ابى شبية والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ من لقى الله لا يشرك به شيئا وادي ركوة ماله طيبة نفسه محتسبا وسمع وأطاع فله الجنة وخمس ليس لهن كفارة قتل النفس بغير حق وبهت مؤمن والفرار من الزحف ويمين صابرة يقطع بها ما لا بغير حق منه رحمه الله
صلى الله عليه وسلم الا ان قتل الخطأ شبه العمد قتل السوط والعصا وسيأتى وجه الاحتجاج ان السوط والعصا يعم الصغير والكبير قال الجمهور العصا لا يطلق الا على الصغير عرفا والله اعلم، وثانى انواع الخطأ ما اخطأ فى القصد وهو ان يرمى شخصا يظنه صيدا فاذا هو آدمي او حربيّا فاذا هو مسلم وثالثها ما اخطأ فى الفعل وهو ان يرمى غرضا فاصاب مؤمنا، رابعها ما اجرى مجرى الخطأ مثل النّائم ينقلب على رجل مؤمن فقتله خامسها القتل بالتسبيب كحافر بئر وواضع حجر فى غير ملكه وحكم جميع الاقسام المذكورة وجوب الدية على العاقلة اجماعا لانه قتل لم يجب فيه القصاص فوجب الدية تحرّزا عن اهدار دم معصوم وايضا حكم جميعها وجوب الكفارة على القاتل وحرمانه عن الإرث اجماعا الا عند ابى حنيفة فى القتل بالتّسبيب لانه ليس بقتل حقيقة لانه تصرف فى الجثة ولم يوجد وانما وجد التصرف فى محل اخر ووجه قول الجمهور ان الشرع أنزله قاتلا حتى وجبت الدية اجماعا فعموم قوله تعالى وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ يقتضى وجوب الكفارة ايضا كيف ومقتضى الاية ان الدية قد يجب فى القتل وقد لا يجب بخلاف الكفارة فانه يجب لا محالة وايضا الكفارة لدفع الإثم فالقول بوجوب الكفارة على النائم إذا انقلب على رجل فقتله مع انه ﷺ قال رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى استيقظ الحديث وعدم وجوبها على من حفر بيرا فى غير ملكه ظلما حتى مات بالوقوع فيه مؤمن غير مرضى (مسئلة:) وفى رواية عن ابى حنيفة لا يجب الكفارة فى الشبيه بالعمد ذكر فى الكفاية شرح الهداية انه قال الجرجاني وحدت رواية عن أصحابنا ان الكفارة لا يجب فى شبه العمد، قلت وهذا هو الأظهر لان القصاص انما سقط هناك بشبهة من جهة الآلة واما المعصية فكمالها انما يبتنى على القصد فى قتل المؤمن فاذا كان بالقصد فهو كبيرة محضة بل أقبح من القتل بالسّيف الا ترى انه لا يجوز قتل من وجب قتله بالقصاص الا بالسّيف قال رسول الله ﷺ ان الله كتب الإحسان على كل شىء فاذا قتلتم فاحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فاحسنوا الذبحة وليحد شفرته وليرح ذبيحته رواه احمد ومسلم واصحاب السنن الاربعة من حديث شدّاد بن أوس وقوله تحرير رقبة خبر مبتدا محذوف تقديره فجزاؤه تحرير رقبة واجب على القاتل والتحرير الاعتاق والحر العتيق الكريم من الشيء،......
قال فى القاموس الحر خيار كل شىء سمى به لان الكرم والخير فى الأحرار والرقبة عبر بها عن النسمة كما عبر عنها بالرأس وتحرير الرقبة يقتضى ان يكون كاملا فى الرقبة فلا يجوز اعتاق أم الولد حيث استحقت العتق ولا يجوز بيعها قال عليه السلام أعتقها ولدها وكذا لا يجوز اعتاق المدبّر عند ابى حنيفة ويجوز عند الشافعي حيث لا يجوز بيعه عند ابى حنيفة ويجوز عند الشافعي ويجوز اعتاق المكاتب ما لم يؤد شيئا عند ابى حنيفة لان الكتابة يحتمل الفسخ برضائهما ولا يجوز عند الشافعي كما لا يجوز عتق من ادى بعض مكاتبته اتفاقا ولا يجوز اعتاق المجنون والأعمى والأخرس والاصمّ الذي لا يسمع أصلا ومقطوع اليدين او الرجلين او يد ورجل من جانب واحد لان فائت جنس المنفعة كالهالكة معنى ويجوز اعتاق مقطوع أحد اليدين واحد الرجلين من خلاف والأعور والأعمش والأبرص والارمد لانه ناقص المنفعة لا فائدة به ويجوز اعتاق العنين والحصى والمجبوب لان منفعة النسل زائد على ما يطلب من المماليك وكذا يجوز اعتاق الامة الرتقاء والقرناء لبقاء منفعة الاستخدام (مسئلة:) يشترط لوجوب الكفارة ان يكون القاتل عاقلا بالغا مسلما لانها عبادة فيشترط لها ما يشترط لسائر العبادات وقال الشافعي لا يشترط شيئا من ذلك قياسا على ضمان الأموال كالدية قلنا هذا قياس مع الفارق (مسئلة:) يشترط للكفارة عند الشافعي رحمه الله الاعتاق باختياره فلو اشترى أباه بنية الكفارة لا يجوز عنده وعند ابى حنيفة يشترط اقتران النية بسبب اختياري موجب للعتق فيجوز عنده إذا نوى الكفارة عند شراء قريبه وكذا إذا وهب له او اوصى له ونوى ولو ورث أباه او ابنه ونوى الكفارة عند ذلك لا يجوز اجماعا مُؤْمِنَةٍ اجمعوا على اشتراط الايمان فى كفّارة القتل بناء على هذا النصّ دون
كفارة اليمين والظهار والصوم لكن يكفى ان يكون محكوما بإسلامها فلو أعتق صغيرا أحد أبويه مسلم جاز وروى ابن المنذر وابن جرير وابن ابى حاتم عن ابن عباس قال يعنى بالمؤمنة من قد عقل الايمان وصام وصلى وكل رقبة فى القران لم تسم مؤمنة؟؟؟
يجوز المولود فما فوقه ممن ليس له امانة، كذا اخرج عبد الرزاق عن قتادة وقال فى حرف أبيّ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ لا يجزى فيها صبىّ- وَدِيَةٌ عطف على تحرير رقبة يعنى جزاؤه دية قال فى القاموس الدية بالكسر حق القتيل وهى مجملة فى المقدار ومن يجب عليه بيّنه النبي ﷺ (مسئلة:) يجب الدية على العاقلة والقاتل كاحدهم عند ابى حنيفة وعند الشافعي لا يجب على القاتل شىء منها وهذا يعنى وجوب الدية على العاقلة وان كان غير ظاهر الاستنباط من القران لكنه ثبت بالسنة......
المشهورة والإجماع عن ابى هريرة قال اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الاخرى بحجر فقتلتها وما فى بطنها فقضى رسول الله ﷺ ان دية جنينها غرة عبدا ووليدة وقضى بدية المرأة على عاقلتها وفى لفظ جعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عصبة القاتلة وغرة لما فى بطنها وأحاديث الآحاد بمصاعدة الإجماع يقوى قوة الكتاب روى البيهقي من طريق الشافعي انه قال وجدنا عامّا فى اهل العلم ان رسول الله ﷺ قضى فى جناية الحر المسلم على الحرّ خطأ مائة من الإبل على عاقلة الجاني وعامّا فيهم ايضا انها فى ثلاث سنين فى كل سنة ثلثها، وروى البيهقي من طريق ابن لهيعة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب قال من السنة ان تنجم الدية فى ثلاث سنين وممّا حكى عن الشافعي يستفاد الإجماع كذا نقل الترمذي فى جامعه وابن المنذر وروى ابن ابى شيبة وعبد الرزاق والبيهقي من طريق الشعبي عن عمر وهو منقطع ان عمر بن الخطاب جعل الدية الكاملة فى ثلاث سنين وجعل نصف الدية فى سنتين وما دون النصف فى سنة، وكذا روى البيهقي ايضا عن على من رواية يزيد بن ابى حبيب وهو منقطع وفيه ابن لهيعة- (مسئلة) لا يجب على العاقلة ما يجب من المال فى قتل العمد بالصلح او بعفو بعض الورثة او غير ذلك بل فى مال القاتل وايضا لا يجب على العاقلة ما ثبت بإقرار القاتل ولا فى قتل العبد سواء كان العبد قاتلا او مقتولا وكل ذلك فى مال الجاني روى الدار قطنى والطبراني فى مسند الشاميين من حديث عبادة «١» بن الصّامت ان رسول الله ﷺ قال لا تجعلوا على العاقلة من دية المعترف شيئا واسناده واه فيه محمد بن سعيد كذاب والحارث بن نبهان منكر الحديث وروى الدارقطني والبيهقي عن عمر موقوفا العبد والعمد والصلح والاعتراف لا يعقله العاقلة وهو منقطع وفى اسناده عبد الملك بن حسين ضعيف قال البيهقي والمحفوظ عن عامر عن الشعبي من قوله وروى البيهقي عن ابن عباس لا يحمل العاقلة عمدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا ما جنى المملوك وفى المؤطا عن الزهري مضت السنة ان العاقلة لا يحمل شيئا من ذلك وروى البيهقي عن ابى الزناد عن الفقهاء من اهل المدينة نحوه، (مسئلة:) العاقلة قبيلته وعصباته عند الشافعي وعند ابى حنيفة اهل ديوانه فان لم يكن من اهل الديوان فقبيلته ويضم الأقرب فالاقرب وللمعتق عاقلة المعتق ولمولى الموالاة مولاه وعاقلة مولاه (مسئلة) لا يزاد على رجل واحد
(١) فى الأصل عبادة الصامت-
من العاقلة على اربعة دراهم فى كل سنة عند ابى حنيفة وفى رواية عنه فى ثلاث سنين على اربعة دراهم وقال الشافعي على نصف دينار (مسئلة:) ومن لا عاقلة له فدية مقتوله فى بيت المال، (فصل) فى مقدار الدية (مسئلة) :اجمعوا على ان فى شبيه العمد دية مغلظة وهو الواجب فى العمد إذا سقط القصاص بعارض قال رسول الله ﷺ عقل شبه العمد مغلّظا مثل قتل العمد ولا يقتل صاحبه وذلك ان ينزو الشيطان بين الناس فيكون رميا فى عميا فى غير فتنة ولا سلاح رواه احمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفى غيرها من انواع الخطاء دية مخففة ولا تغليظ الا فى الإبل توقيفا والدية المغلظة عند ابى حنيفة وابى يوسف مائة من الإبل ارباعا خمس وعشرون بنت مخاض وكذا بنت لبون وكذا حقة وكذا جزعة وعند محمد والشافعي وغيرهما ثلاثون جذعة وثلاثون حقة وأربعون ثنية كلها خلفات فى بطونها أولادها احتج الشافعي ومن معه بحديث عبد الله بن عمرو ان رسول الله ﷺ قال الا انّ دية قتل شبه العمد قتل السّوط والعصا فيه مائة منها أربعون فى بطونها أولادها رواه احمد وابو داؤد والنسائي وصحّحه ابن حبّان وروى الترمذي وابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عبد الله بن عمرو من قتل متعمدا سلّم الى اولياء المقتول فان أحبوا قتلوا وان احبّوا أخذوا العقل ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين «١» خلفة فى بطونها أولادها وعن عبادة بن الصّامت الا ان فى الدية العظمى مائة من الإبل منها أربعون خلفة فى بطونها أولادها رواه الدارقطني والبيهقي وفى اسناده انقطاع قال ابو حنيفة قال رسول الله ﷺ فى نفس المؤمن مائة من الإبل وكون الناقة ذات حمل فى بطنها ولدها لا يعلم يقينا ولو علمت فالحمل حيوان من وجه وله عرضة الانفصال ففى إيجاب الخلفات الحاملات إيجاب للزيادة على ما قدره الشرع يعنى المائة وهذا استدلال فى مقابلة النصّ والظاهر ان المراد بكونها فى بطنها ولدها صلاحها لذلك والله اعلم (مسئلة:) والدية المخففة من الإبل أخماس فعند ابى حنيفة واحمد عشرون جذعة وعشرون حقة وعشرون بنت لبون وعشرون بنت مخاض وعشرون ابن مخاض وعند مالك والشافعي كذلك لكن ابن لبون مكان ابن مخاض، والحجة لابى حنيفة واحمد ما روى احمد واصحاب السّنن والبزار والدارقطني والبيهقي من حديث حجاج بن ارطاة
(١) فى الأصل أربعون
عن زيد بن جبير عن حشف بن مالك عن ابن مسعود قال قضى رسول الله ﷺ فى دية الخطأ عشرون بنت مخاض وعشرون ابن مخاض ذكور وعشرون بنت لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة واحتج مالك والشافعي بما رواه الدارقطني عن ابى عبيدة ان أباه يعنى ابن مسعود قال دية الخطأ أخماس عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنات مخاض وعشرون بنات لبون وعشرون أبناء لبون ذكور قال الدارقطني هذا اسناد حسن ورواته ثقات وامّا حديث حشف بن مالك فضعيف غير ثابت عند اهل المعرفة بوجوه أحدها انه مخالف لما رواه ابو عبيدة عن أبيه بالسند الصحيح وابو عبيدة اعلم بحديث أبيه ومذهبه من حشف بن مالك وابن مسعود اتقى لربّه وأشحّ على دينه من ان يروى عن رسول الله ﷺ انه قضى يقضاء ويفتى بخلافه قال وحشف رجل مجهول لم ير وعنه الّا زيد بن جبير ثم لا يعلم أحد رواه عن زيد غير الحجاج بن ارطاة وهو رجل مدلس ثم قد رواه عن الحجاج أقوام فاختلفوا عنه، وقال ابن الجوزي يعارض قول الدارقطني هذا ان أبا عبيدة لم يسمع من أبيه فكيف جاز له ان يسكت عن ذكر هذا وكيف يقال عن الثقة مجهول واشتراط المحدثين ان يروى عنه اثنان لا وجه له وقال الحافظ ابن حجر تعقب البيهقي الدارقطني وقال وهم الدارقطني فيه والجواد قد يغتر قال وقد رايته فى جامع سفيان الثوري عن منصور عن ابراهيم عن عبد الله، وعن ابى اسحق عن علقمة عن عبد الله، وعن عبد الرحمن بن يزيد بن هارون عن سليمان التيمي عن ابى مجلد عن ابى عبيدة عن عبد الله وعند الجميع بنى مخاض والله اعلم، (مسئلة) والدية من الذهب الف دينار ومن الورق اثنا عشر الف درهم عند احمد وقال ابو حنيفة عشرة آلاف درهم وقال الشافعي الأصل الإبل فان عدمت فعلى قولين أحدهما يعدل الى الف دينار او اثنى عشر الف درهم والثاني الى قيمتها حين القبض زائدة وناقصة والدية من الذهب الف دينار يثبت من حديث ابى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وسنذكره وفى المدية من الورق حديث ابن عباس عن النبي ﷺ انه جعل الدية اثنى عشر الفا رواه اصحاب السّنن من حديث عكرمة واختلف فيه على عمرو بن دينار فقال محمد بن مسلمة الطائفي عنه عن عكرمة عن ابن عبّاس عن النبي ﷺ وقال سفيان بن عيينة......
عن عمرو بن دينار عن عكرمة مرسلا كذا رواه عبد الرزاق فى مصنفه قال ابن ابى حاتم عن أبيه المرسل أصح قال ابن حزم هكذا رواه مشاهير اصحاب ابن عينية ووجه قول ابى حنيفة ان الدراهم كان على عهد رسول الله ﷺ وزن ستة وهى الان من زمن عمر وزن سبعة فاثنا عشر الفا على وزن ستة تقارب عشرة آلاف وزن سبعة ووجه قول الشافعي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه ان النبي ﷺ كان يقوّم على اهل القرى فاذا غلت رفع فى قيمتها وإذا اهانت نقص من قيمتها رواه الشافعي عن مسلم عن ابن جريج عنه ورواه ابو داود والنسائي من حديث محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه- (مسئلة) لا يثبت الدية الا من هذه الأنواع الثلاثة عند الجمهور وقال ابو يوسف ومحمد واحمد منها ومن البقر مائتا بقرة ومن الغنم ألفا شاة ومن الحلل مائتا حلة كل حلة ثوبان لحديث عطاء عن جابر بن عبد الله قال فرض رسول الله ﷺ فى الدية على اهل الإبل مائة من الإبل وعلى اهل البقرة مائتى بقرة وعلى اهل الشاة الفى شاة وعلى اهل الحلل مائتى حلية رواه ابو داود وابن الجوزي من طريقه وسكت عن الطعن فيه ورواه ابو داود فى المراسيل عن عطاء قضى رسول الله ﷺ هكذا- (مسئلة:) دية ما دون النفس عامتها مذكور فى حديث ابى بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم عن أبيه عن جدّه ان رسول الله ﷺ كتب الى اهل اليمن وكان
فى كتابه ان من اعتبط «١» مؤمنا قتلا فانه قوديده الا ان يرضى اولياء المقتول وفيه ان الرجل يقتل بالمرأة وفيه فى النفس الدية مائة من الإبل وعلى اهل الذهب الف دينار وفى الالف إذا اوعب جذعة الدية مائة من الإبل وفى الأسنان الدية وفى الشفتين الدية وفى البيضتين الدية وفى الذكر الدية وفى الصلب الدية وفى العينين الدية وفى اليدين مائة من الإبل وفى اليد خمسون وفى الرجلين الدية وفى الرجل الواحد نصف الدية وفى المامومة ثلث الدية وفى الجائفة ثلث الدية وفى المنقلة خمس عشرة من الإبل وفى كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل وفى السنّ خمس من الإبل رواه النسائي والدارمي وفى رواية مالك فى العين خمسون وفى الموضحة خمس اختلف اهل الحديث فى صحة هذا الحديث قال ابو دلود فى المراسيل قد أسند هذا الحديث ولا يصح وصححه الحاكم وابن حبان والبيهقي ونقل عن احمد انه قال أرجو أن
(١) اعتبط اى قتله بلا جناية منه ولا جريمة توجب قتله وكل من مات بغير علة فقد اعتبط ومات فلان عبطة اى شابا ضحيحا وعبطت الناقة ذبحت من غير مرض، نهاية منه رحمه الله
يكون صحيحا وقد صحح الحديث بالكتاب المذكور جماعة من الائمة لا من حيث الاسناد بل من حيث الشهرة فقال الشافعي فى رسالته لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم انه كتاب رسول الله ﷺ وقال ابن عبد البر هذا كتاب مشهور عند اهل السير معروف ما فيه عند اهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الاسناد لانه أشبه التواتر فى مجيئه لتلقى الناس له بالقبول والمعرفة وقال الحاكم قد شهد عمر بن عبد العزيز وامام عصره الزهري بالصّحة لهذا الكتاب ثم ساق ذلك بسنده إليهما واخرج عبد الرزاق بسنده عن سعيد بن المسيّب قضى ابو بكر فى الجائفة إذا أنفذت فى الجوف بثلثي الدية، كذا روى ابن ابى شيبة وروى الدارقطني موقوفا عن زيد بن ثابت فى الهاشمة عشر من الإبل وكذا اخرج عنه عبد الرزاق والبيهقي وروى مرفوعا ولا يصح وروى ابن ابى شيبة والبيهقي عن ابن ابى إسحاق عن مكحول ان النبي ﷺ جعل فى الموضحة خمسا من الإبل ولم يوقت فيما دون ذلك شيئا وروى عبد الرزاق عن شيخ له عن الحسن ان رسول الله ﷺ لم يقض فيما دون الموضحة بشىء ورواه البيهقي عن ابن شهاب وربيعة وابى الزناد وإسحاق بن ابى طلحة مرسلا وجعل رسول الله ﷺ أصابع اليد والرجل سواء وقال الأسنان سواء الثنية والضرس سواء وهذه وهذه سواء رواه ابو داود والبزار بتمامه وابن ماجة مختصرا وابن حبان وفى صحيح البخاري بلفظ هذه وهذه سواء يعنى الخنصر والإبهام ولابى داود والنسائي وابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه بلفظ الأصابع والأسنان سواء فى كل إصبع عشر من الإبل وفى كل سنّ خمس من الإبل وروى ابن ابى شيبة عن ابى خالد عن عوف سمعت شيخا فى زمن الحجاج وهو ابو المهلّب عمّ ابى قال رمى رجل رجلا بحجر فى رأسه فى زمن عمر فذهب سمعه وعقله ولسانه وذكره فلم يقرب النساء فقضى فيه عمر بأربع ديات وهو حىّ (مسئلة) دية المرأة على النصف من دية الرجل نفسا وجرحا وقال الشافعي ما دون الثلث لا ينصف ثم رجع الشافعي عن هذا القول الى قول الجمهور وروى الشافعي عن محمد بن الحسن عن ابى حنيفة عن حماد عن ابراهيم عن عليّ قال عقل المرأة على النصف من عقل الرجل فى النفس وما دونها وروى سعيد بن منصور عن زكريا وغيره عن الشعبي ان عليا كان يقول جراحات النساء على النصف من دية الرجل فيما قل وكثر وروى البغوي عن على بن الجعد عن......
شعبة عن الحكم عن الشعبي عن زيد بن ثابت قال جراحات الرجال والنساء سواء الى الثلث فما زاد فعلى النصف وقال ابن مسعود الا السن والموضحة فانهما سواء وقال علىّ على النصف وروى سعيد بن منصور عن هشيم عن مغيرة عن ابراهيم عن عمر انّ الخنصر والإبهام سواء وان جراح الرجال والنساء سواء فى الأسنان والموضحة وما خلى ذلك فعلى النصف كذا روى البيهقي عن سفيان عن جابر عن الشعبي عن شريح قال كتب الىّ عمر فذكر نحوه وروى النسائي من رواية إسماعيل بن عباس عن ابن جريح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عقل المرأة كعقل الرجل الى ثلث الدية فاختار مالك قول زيد بن ثابت وعمرو ابن مسعود ومن معهم وقال الشافعي كان مالك يذكر انه السنة وكنت أتابعه عليه وفى نفسى منه شىء ثم ظهر انه، يريد انه سنة اهل المدينة فرجعت عنه وكان قول على أعجبها الى الشعبي واختاره الجمهور لان حال المرأة انقص من حال الرجل ومنفعتها اقل وقد ظهر اثر النقصان فى التنصيف فى النفس اجماعا فكذا فى أطرافها واجزائها اعتبارا بها وبالثلث وما فوقه (مسئلة) دية العبد قيمته ودية الامة قيمتها بالغا ما بلغ عند الشافعي وابى يوسف وكذا عند ابى حنيفة ومحمد غير انهما قالا إذا كان قيمة العبد عشرة آلاف او اكثر والامة خمسة آلاف او اكثر ينقص من كل واحد منهما عشرة دراهم وجراح العبد من قيمته كجراح الحر من ديته، روى
البيهقي عن عمر وعلىّ انهما قالا فى الحر يقتل العبد عليه ثمنه بالغا ما بلغ وروى عبد الرزاق ان عمر جعل فى العبد ثمنه كعقل الحرّ فى ديته وفيه انقطاع وروى ابن ابى شيبة عن على واخرج الشافعي بسند صحيح الى الزهري جراح العبد من قيمته كجراح الحرّ من ديته وجه قول ابى حنيفة انه تعالى قال وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ يعم الحرّ والعبد ولذا تجب الكفارة بقتل العبد فما وجب بقتل العبد خطأ انما هودية وضمان نفسه من حيث الآدمية فلا يجوز ان يكون زائدا او مساويا لدية الحرّ بل يجب ان يكون ناقصا عنه الا ترى ان دية الحرة مع كمال آدميتها ينقص من دية الحرّ فدية العبد وهو آدمي من وجه ومال من وجه اولى ان ينقص ولو غصب عبدا قيمته عشرون الفا وهلك فى يده يجب قيمته بالغا ما بلغت بالإجماع لان ضمان الغصب بمقابلة المالية لا غير- (مسئلة:) إذا جنى العبد جناية خطأ قيل لمولاه امّا ان تدفعه......
بها او تفديه وقال الشافعي جنايته فى رقبته يباع فيها الا ان يقضى المولى الأرش وفائدة الاختلاف فى اتباع الجاني بعد العتق او المولى قال الشافعي انما يطالب العبد بعد العتق دون المولى وقال ابو حنيفة ان اعتقه بعد العلم بالجناية كان المولى مختارا للفداء وان أعتق قبل العلم بالجناية يجب على المولى الأقل من الأرش والقيمة والله اعلم- مُسَلَّمَةٌ مؤداة إِلى أَهْلِهِ اى اهل المقتول يعنى ورثة يصرفونها مصارف تركته فى تجهيزه وما بقي فى أداء ديونه ثم ما بقي فى إنفاذ وصاياه من الثلث وما زادان شاءوا وما بقي يقسم بين الورثة كسائر المواريث إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا يعنى ان يعفوا الى الورثة او المقتول بعد الجرح قبل ان يموت سمى الله سبحانه العفو صدقة للحثّ عليه والتنبيه على فضله قال رسول الله ﷺ كل معروف صدقة رواه البخاري من حديث جابر ومسلم من حديث حذيفة وايضا فيه حث على ادائه لمن يستنكف عن قبول الصّدقة فانها من أوساخ الأموال استثناء مفرغ متعلق بمحذوف اى واجبة على عاقلته او بمسلّمة وهو فى محل النصب على انه حال من العاقلة او الأهل او على انه ظرف زمان يعنى واجبة على العاقلة كائنين على اىّ حال كانوا الا حال تصدّق ورثة القاتل عليهم او مسلمة الى اهله كائنين على اى حال الا حال تصدّقهم على العاقلة او مسلمة فى كل زمان الأزمان تصدقهم على العاقلة فَإِنْ كانَ القتيل مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ يعنى الكفار والعدو يطلق على الواحد والجمع وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ اى فجزاؤه تحرير رقبة مؤمنة فقط دون الدية قالوا معناه إذا كان الرجل المسلم فى دار الحرب لم يهاجر إلينا بعد إسلامه او هاجر ثم رجع الى دار الحرب مسلما فقتله مسلم خطأ تجب الكفارة بقتله للعصمة المؤثمة بالإسلام ولا يجب الدية لان العصمة المقومة بالدار ولم يوجد ولان العاقلة انما تعقل لتركهم النصرة ولا نصرة لهم فى دار الحرب اخرج ابن المنذر عن جرير بن عبد الله البجلي انّ رسول الله ﷺ قال من اقام مع المشركين فقد برئت منه الذمّة وقيل المراد منه إذا كان المقتول مسلما فى دار الإسلام وهو من نسب قوم كفار وقرابته فى دار الحرب حرب للمسلمين كما كان الحارث ابن زيد فالواجب فيه تحرير رقبة مؤمنة فقط وليس فيه دية لانه ليس بين قومه وبين المسلمين......
عهد فلا سبيل لهم للوجوب على المسلمين ولانه لا وراثة بين المسلم والكفار والاوّل أصح لان المقتول إذا لم يكن له وارث فديته يوضع فى بيت المال وعموم الآية يرجّح الأخير وَإِنْ كانَ «١» القتيل مِنْ قَوْمٍ كفّار بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ من المعاهدين واهل الذمة فَدِيَةٌ يعنى فجزاؤه دية واجبة على عاقلة القاتل مُسَلَّمَةٌ مؤداة إِلى أَهْلِهِ اى ورثة المقتول وذا لا يتصوّر الا إذا كان المقتول كافرا ذمّيّا او معاهدا او مسلما كان له وارث مسلم والا فديته توضع فى بيت المال قال فى المدارك فيه دليل على ان دية الذمّى كدية المسلم قلت لا دليل فيه لان الدية لفظ مجمل ورد بيانه من النبي ﷺ مختلفا كما ذكرنا من الاختلاف فى دية الرجل والمرأة والحرّ والعبد فكذا جاز الاختلاف بين دية المسلم والكافر (مسئلة) دية المسلم
والكافر سواء عند ابى حنيفة رحمه الله وقال مالك دية الكافر من اىّ نوع كان ستة آلاف درهم يعنى نصف دية المسلم على قوله وقال الشافعي دية اليهودي والنصراني اربعة آلاف درهم ودية المجوسي وكذا الوثني ثمانى مائة درهم وقال احمد ان كان القتل عمدا فديته على المسلم مثل دية المسلم فى ماله وان كان خطأ فعنه روايتان كقولى مالك والشافعي فى الكتابي واما دية المجوسي والوثني فثمانى مائة درهم، احتج مالك بحديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جدّه قال خطب رسول الله ﷺ عام الفتح الحديث بطوله وفيه لا يقتل مؤمن بكافر ودية الكافر نصف دية المسلم وفى رواية دية المعاهد نصف دية الحرّ رواه ابو داود وكذا روى الترمذي وقال السيوطي حسن، وروى احمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ بطريقين لفظ أحدهما دية الكافر نصف دية المسلم ولفظ الآخر أن رسول الله ﷺ قضى ان عقل اهل الكتابين نصف عقل المسلم ووجه قول الشافعي فى اهل الكتابين حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثمان مائة دينار او ثمانية آلاف درهم ودية
(١) اخرج ابن ابى شيبة وابن ابى حاتم والحاكم وصححه والطبراني والبيهقي فى سننه عن ابن عباس فى قوله فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ قال كان الرجل يأتى النبي ﷺ فيسلم ثم يرجع الى قومه فيكون فيهم وهم مشركون فيصيبه المسلمون خطأ فى سرية إذا أغارت فيعتق الذي يصيبه رقبة وفى قوله وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ قال كان الرجل يكون معاهدا وقومه اهل عهد فيسلم إليهم ديته ويعتق الذي أصابه رقبة منه رحمه الله
اهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين قال فكان كذلك حتى استخلف عمر فقام خطيبا فقال ان الإبل قد غلت قال ففرضها عمر على اهل الذهب الف دينار وعلى اهل الورق اثنى عشر الف درهم وعلى اهل البقرة مائتى بقرة وعلى اهل الشاء الفى شاة وعلى اهل الحلل مائتى حلة، قال وترك دية اهل الذمّة لم يرفعها فيما رفع من الدية رواه ابو داود وروى الشافعي عن فضيل بن عياص عن منصور بن المعتمر عن ثابت الحداد عن ابن المسيّب ان عمر مضى فى دية اليهودي والنصراني باربعة آلاف درهم وفى دية المجوسي ثمان مائة درهم وكذا روى الدارقطني بسنده عن سعيد بن المسيّب وروى البيهقي من طريق الشافعي عن سفيان عن صدقة ابن بشار قال أرسلنا يعنى صدقة الى سعيد بن المسيب يسئله عن دية المعاهد قال قضى فيه عثمان باربعة آلاف درهم وروى البيهقي والدارقطني عن عمر فى المجوسية اربعمائة درهم وروى ابن حزم فى الإيصال من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن حبيب عن ابى الخير عن عقبة بن عامر ان رسول الله ﷺ قال دية المجوسي ثمانى مائة درهم وكذا اخرج الطحاوي وابن عدى والبيهقي واسناده ضعيف من أجل ابن لهيعة قال عقبة بن عامر قتل رجل فى خلافة عثمان كليا يصيد لا يعرف مثله فى الكلاب فقوّم ثمانى مائة درهم فالزمه عثمان بتلك القيمة فصار دية المجوسي قيمة الكلب وروى البيهقي من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن ابى حبيب عن ابن شهاب ان عليّا وابن مسعود كانا يقولان فى دية المجوسي ثمانى مائة درهم والحجة لابى حنيفة حديث ابن عمران النبي ﷺ قال دية الذمّى دية المسلم رواه الطبراني فى الأوسط وذكر فى الهداية بلفظ دية كل ذى عهد فى عهده الف دينار قال صاحب الهداية وكذا قضى ابو بكر وعمر قلت اما حديث ابن عمر فرواه الدارقطني ايضا وقال لم يروه عن نافع عن ابن عمر غير ابى بكر القرشي عبد الله بن عبد الملك النهدي وهو متروك وقال هذا الحديث باطل لا اصل له وكذلك قال ابن حبان هذا باطل لا اصل له من كلام رسول الله ﷺ ولا يحل الاحتجاج بابى بكر وروى الدارقطني ايضا حديث اسامة بن زيد ان رسول الله ﷺ جعل دية المعاهد كدية المسلم وقال فيه عثمان بن عبد الرحمن الوقاصى متروك وروى الدارقطني ايضا حديث ابن عباس قال جعل رسول الله ﷺ دية العامريين دية المسلم قال ابو بكر بن عياش روايه كان لهما عهد قال الدارقطني......
فيه ابو سعيد سعيد بن المرزبان البقّال قال يحيى ليس بشىء ولا يكتب حديثه وقال القلاس متروك وامّا اثر عمر فروى عبد الرزاق فى مصنفه عن رباح عن عبيد الله عن حميد عن انس انّ يهوديا قتل عيلة فقضى عمر باثنى عشر الف درهم ورباح ضعيف وروى الطحاوي والحاكم من حديث جعفر بن عبد الله بن الحكم ان رفاعة بن اشمول اليهودي قتل بالشام فجعل عمر ديته الف دينار واحمد رحمه الله حمل ما احتج به ابو حنيفة على القتل عمدا وما احتج به غيره على القتل خطأ والله اعلم وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فى مال القاتل ان كان القاتل واجدا للرقبة مالكا لها او قادرا على تحصيلها بوجود ثمنها فاضلا عن الديون وعن حوائجه الاصلية فَمَنْ لَمْ يَجِدْ رقبة فَصِيامُ يعنى فالواجب على القاتل فى جميع الصّور المذكورة صيام شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ فمن أفطر يوما فى خلال الشهرين بلا عذر او نسى النية او نوى صوما اخر وجب عليه الاستيناف اجماعا لاشتراط التتابع وان أفطرت المرأة بحيض فلا استيناف عليها اجماعا ومن أفطر بعذر مرض او سفر يجب عليه الاستيناف عند الجمهور خلافا لاحد قولى الشافعي وهو القديم منه كذا روى ابن ابى حاتم عن مجاهد فان عجز عن الصّوم لا يجزيه الإطعام عند ابى حنيفة ومالك وأصح قولى الشافعي وقال الشافعي فى أحد قوليه واحمد يجزيه قياسا على الظهار كذا روى ابن ابى حاتم عن مجاهد قلنا هو قياس من غير جامع وفى مورد النصّ والمذكور فى الاية كل الواجب تَوْبَةً منصوب على العلية اى شرع ذلك له لكى يتوب الله عليه او على المصدرية اى تاب الله
عليكم توبة او فليتب توبة او على انه بحذف المضاف حال من الصّيام ان جعل فاعلا للظرف ومن ضميره فى الظرف ان جعل مبتدا والمعنى فعليه صيام شهرين والتوبة بمعنى ان الصيام سبب لقبول التوبة ولك ان تجعل النصب على المدح فيكون مدحا للصيام بجعله توبة مِنَ اللَّهِ صفة للتوبة وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بحال من قتل حَكِيماً (٩٢) فيما قدّر والله اعلم قال البغوي ان مقيس بن ضبابة الكندي اسلم هو واخوه هشام فوجد أخاه هشاما قتيلا فى بنى النجار فاتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فارسل رسول الله ﷺ معه رجلا من بنى فهر الى بنى النجار ان رسول الله ﷺ يأمركم ان علمتم قاتل هشام ابن ضبابة ان تدفعوا الى مقيس فيقتصّ منه وان لم تعلموا ان تدفعوا اليه ديته فابلغهم......
الفهري ذلك فقالوا سمعا وطاعة لله ولرسوله ما نعلم له قاتلا لكنا نؤدى ديته فاعطوه مائة من الإبل ثم انصرفا راجعين نحو المدينة فاتى الشيطان مقيسا فوسوس اليه فقال تقبل دية أخيك فتكون عليك مسبة اقتل الذي معك فتكون نفس مكان نفس وفضل الدية فتغفل الفهري فرماه بصخر فشدخه ثم ركب بعيرا وساق بقيتها راجعا الى مكة كافرا فنزل.
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً من حيث انه مؤمن يعنى سخطا لايمانه او مستحلا لقتله كما قتل مقيس فهريا مُتَعَمِّداً وما ذكر البغوي من قصّة مقيس يمكن الاستدلال به على ابى حنيفة فى ان القتل بالمثقل ايضا من قبيل العمد وقد قال ابو حنيفة هو شبه العمد ويمكن الجواب عنه على رواية الجرجاني ان شبه العمد من حيث الإثم حكمه حكم العمد ولذا قلنا لا كفارة له وانما خالف العمد فى سقوط القصاص لتمكن الشبهة من جهة الآلة ومقتضى هذه الاية الإثم دون القصاص، (فائدة:) قال البغوي مقيس ابن ضبابة هو الذي استثناه النبي ﷺ يوم فتح مكة عمن امّنه فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة واخرج ابن جرير من طريق ابن جريح عن عكرمة ان رجلا من الأنصار قتل أخا مقيس ابن ضبابة فاعطاه النبي ﷺ الدية فقبلها ثم وثب على قاتل أخيه فقتله فقال النبي ﷺ لا أومنه فى حل ولا حرم فقتل يوم الفتح فقال ابن جريح فيه نزلت هذه الاية وهذه الرواية مرسلة ظاهرا لكن روى ابو داود عن عكرمة انه قال كل شىء أقول لكم فى التفسير فهو عن ابن عباس فعلى هذا يكون متصلا وهذه الرواية تدل على ان قاتل هشام كان معروفا ولعل ذلك القتل كان خطأ حيث حكم رسول الله ﷺ بالدية ورواية البغوي تدلّ على ان القاتل لم يعلم والحكم فى مثل ذلك القسامة والدية ومسائل القسامة وشرائطها والاختلاف فيها يقتضى بسطا لا حاجة الى ذكره هاهنا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها لاجل كفره لازما لسخطه من الايمان او لاستباحته القتل او المراد بالخلود المكث الطويل اخرج الطبراني بسند ضعيف عن ابى هريرة عن النبي ﷺ قال ان جازاه وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ طرده من الرحمة وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (٩٣) روى الشيخان عن ابن عباس انه لا يقبل نوبة قاتل المؤمن عمدا وقال البغوي حكى عن ابن عباس ان قاتل المؤمن عمدا لا توبة له فقيل له اليس قد قال الله تعالى ولا يقتلون «١» النّفس الّتى حرّم الله الّا بالحقّ الى ان قال وَمَنْ يَفْعَلْ
(١) فى الأصل ولا تقتلوا بصيغه النهى لكنه سهو- ابو محمد عفا الله عنه
ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً إِلَّا مَنْ تابَ فقال كانت هذه فى الجاهلية وذلك ان ناسا من اهل الشرك كانوا قد قتلوا وزنوا فاتوا رسول الله ﷺ فقالوا ان الذي تدعونا «١» اليه لحسن لو تخبرنا ان لما عملنا كفارة فنزل وَالَّذِينَ لا «٢» يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الى قوله إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ فهذه أولئك وامّا التي فى النساء فالرجل إذا عرف الإسلام بشرائعه ثم قتل فجزاؤه جهنم وروى عن ابن عبّاس خلافه ذكر فى التفسير انه قال ابن عبّاس فجزاؤه جهنم خالدا فيها لو جازاه الله لكنه يتفضل عليه ولا يخلده لايمانه واخرج سعيد ابن منصور والبيهقي فى السنن عن ابن عباس ان رجلا أتاه فقال ملأت حوضى انتظرت بهيمتى ترد عليه فقال لم استيقظ الا برجل قد اسرع ناقته وثلم الحرض وسال الماء فقمت فزعا فضربته بالسّيف فامره بالتوبة قال سعيد بن منصور حدثنا سفيان بن عيينة قال كان اهل العلم إذا سئلوا قالوا لا توبة له فاذا ابتلى رجل قالوا له تب قلت وجه الجمع بين القولين لابن عباس وغيره من اهل العلم ان قتل العمد جناية على حق العبد وجناية على حق الله تعالى فقولهم لا توبة له معناه لا توبة له فى حق العبد وفيه القصاص لا محالة امّا فى الدنيا او فى الاخرة كما ينطق به النصوص وهو المعنى من قوله ﷺ كل ذنب عسى الله ان يغفره الا من مات مشركا او من يقتل مؤمنا متعمدا رواه ابو داود من حديث ابى الدرداء ورواه النسائي وصححه الحاكم عن معاوية وامّا قول العلماء بقبول التوبة فمعناه تفيد التوبة لاستدراك حق الله تعالى وقال زيد بن ثابت لما نزلت التي فى الفرقان وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ عجبنا من لينها فلبثنا سبعة أشهر ثم نزلت الغليظة بعد اللينة فنسخت اللينة وأراد بالتغليظ هذه الاية والقول بان هذه الاية ناسخة لما فى الفرقان زعم من زيد بن ثابت رضى الله عنه إذ لا تدل هذه الاية على انه لا توبة له بل المذكور فى هذه الآية جزاء القتل عمدا وذا لا يتصوّر الّا إذا لم يتب ومات فان تاب فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له اعنى فى حق الله تعالى وامّا فى حق العبد فلا بد فيه ردّ المظالم واسترضاؤه، (فائدة) احتجت المعتزلة بهذه الاية على خلود مرتكب الكبيرة فى النار والخوارج على انّ مرتكب الكبيرة كافر وامّا اهل السنة والجماعة فياوّلون هذه الاية كما ذكرنا للاجماع على ان المؤمن لا يخلد فى النار وان مات بلا توبة وان الكبيرة لا يخرج المؤمن من إيمانه مستندا ذلك الإجماع
(١) فى الأصل تدعون-
(٢) فى الأصل والذين يدعون ٨٥٣
على ما تواتر من الكتاب والسنة من قوله تعالى فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وقد ذكرنا الكلام فى تفسيره فى موضعه وقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى حيث ذكر عنوان القاتل بقوله الَّذِينَ آمَنُوا وقوله ﷺ من قال لا اله الا الله دخل الجنة وان زنى وان سرق متفق عليه عن ابى ذرّ- وقوله ﷺ من مات لا يشرك بالله دخل الجنة رواه مسلم عن جابر وقوله ﷺ بايعونى على ان لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين ايديكم وأرجلكم ولا تعصوا فى معروف فمن وفى منكم فاجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب فى الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو الى الله ان شاء عفا عنه وان شاء عاقبه فبايعناه على ذلك متفق عليه من حديث عبادة بن الصّامت، (فصل) فيما ورد فى القاتل عمدا، عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ اوّل ما يقضى بين الناس يوم القيامة فى الدّماء متفق عليه وعنه قال رجل يا رسول الله اىّ الذنب اكبر قال ان تدعو لله ندّا وهو خلقك قال ثم اىّ قال ان تقتل ولدك خشية ان يطعم معك الحديث متفق عليه وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ اجتنبوا السبع الموبقات وعدّ منها قتل النفس التي حرم الله الّا بالحق متفق عليه وفى حديث عن بن عبّاس مرفوعا لا يقتل حين يقتل وهو مؤمن رواه البخاري وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ان النبي ﷺ قال لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم رواه الترمذي والنسائي ورواه ابن ماجة عن البراء بن عازب وروى النسائي من حديث بريدة قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدّنيا وعن ابى سعيد وابى هريرة عن رسول الله ﷺ قال لو ان اهل السّماء والأرض اشتركوا فى دم مؤمن لاكبّهم الله فى النار رواه الترمذي وعن عبد الله بن عمرو قال رايت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة ويقول ما اطيبك وما أطيب ريحك وما أعظمك وما أعظم حرمتك والذي نفسى بيده لحرمة المؤمن أعظم من حرمتك ماله ودمه رواه ابن ماجة وعن ابى الدرداء عن رسول الله ﷺ قال لا يزال المؤمن معتقا صالحا ما لم يصب دما حراما فاذا أصاب دما حراما بلّح رواه ابو داود وعن ابى هريرة......
من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة لقى الله وهو مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله، رواه ابن ماجة وروى الطبراني من حديث ابن عباس نحوه وابن الجوزي عن ابى سعيد الخدري نحوه وابو نعيم فى الحلية عن عمر بن الخطاب موقوفا نحوه والله اعلم، روى البخاري والترمذي والحاكم وغيرهم عن عكرمة عن ابن عباس قال مرّ رجل من بنى سليم بنفرس اصحاب النبي ﷺ وهو يسوق غنما له فسلم عليهم فقالوا ما سلم علينا الا ليتعوّذ منا فعمدوا اليه فقتلوه وأتوا بغنمه الى النبي ﷺ فنزلت.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ يعنى سافرتم وذهبتم فِي سَبِيلِ اللَّهِ للجهاد فَتَبَيَّنُوا قرا حمزة والكسائي فى الموضعين هاهنا وفى الحجرات بالتاء المثناة الفوقانية والثاء المثلثة من التثبت اى قفوا حتى تعرفوا المؤمن من الكافر وقرا الباقون بالتاء المثناة الفوقانية والباء الموحدة والياء المثناة التحتانية والنون من التبيّن يقال تبينت الأمر إذا تامّلته، وطلبت بيانه يعنى لا تعجلوا قبل وضوح الأمر ذكر البغوي من طريق الكلبي عن ابن عبّاس ان اسم المقتول مرداس بن نهيك من اهل فدك وكان مسلما ولم يسلم من قومه غيره فسمعوا بسرية لرسول الله ﷺ تريدهم وكان على السرية رجل يقال له غالب بن فضالة الليثي فهربوا واقام الرجل لانه كان على دين المسلمين فلما راى الخيل خاف ان يكونوا غير اصحاب النبي ﷺ فالجأ غنمه الى عاقول من جبل وصعد هو الى الجبل فلما تلاحقت الخيل سمعهم يكبرون فلما سمع التكبير عرف انهم من اصحاب النبي ﷺ فكبر ونزل وهو يقول لا اله الا الله محمد رسول الله السّلام عليكم فتغشاه اسامة بن زيد فقتله واستاق غنمه ثم رجعوا الى النبي ﷺ فوجد رسول الله ﷺ من ذلك وجدا شديدا وقد كان قد سبقهم قبل ذلك الخبر قال رسول الله ﷺ قتلتموه ارادة ما معه ثم قرا هذه الاية على اسامة بن زيد فقال يا رسول الله استغفر لى فقال فكيف بلا اله الا الله قالها رسول الله ﷺ ثلاث مراة قال اسامة رضى الله عنه فما زال رسول الله ﷺ يعيدها حتى وددت انى لم أكن أسلمت الا يومئذ ثم ان رسول الله ﷺ استغفر لى بعد ثلاث مرات وقال أعتق رقبة كذا روى الثعلبي من طريق الكلبي وروى ابو ظبيان عن اسامة......
رضى الله عنه قال قلت يا رسول الله انما قال خوفا من السّلاح قال افلا شققت عن قبله حتى تعلم أقالها أم لا واخرج البزار من وجه اخر عن ابن عبّاس قال بعث رسول الله ﷺ سرية فيها المقداد فلمّا أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا وبقي رجل له مال كثير فقال اشهد ان لا اله الّا الله فقتله المقداد فقال له النبي ﷺ كيف لك بلا اله الا الله غدا وانزل الله تعالى هذه الاية واخرج احمد والطبراني وغيرهما عن عبد الله بن ابى حد رد الأسلمي وروى ابن جرير نحوه من حديث ابى عمرة قال عبد الله بن ابى حدرد بعثنا رسول الله ﷺ فى نفر من المسلمين فيهم ابو قتادة ومحلم بن حثامة بن قيس الليثي فمرّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعي فسلم علينا فحمل عليه محلم فقتله «١» فلمّا قدمنا النبي ﷺ وأخبرناه الخبر نزل فينا القران يعنى هذه الاية واخرج ابن مندة عن جزء بن الحدرجان قال وفد أخي فداد الى النبي ﷺ فقال لهم انا مؤمن فلم يقبلوا منه فقتلوه فبلغنى ذلك فخرجت الى رسول الله ﷺ فنزلت هذه الاية فاعطانى النبي ﷺ دية أخي واخرج ابن جرير من طريق السدى وعبد من طريق قتادة وابن ابى حاتم من طريق ابن لهيعة عن ابى الزبير انّ قوله تعالى وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ كذا قرا نافع وابن عامر وحمزة ومعناه الاستسلام والانقياد وقرا الباقون السّلام يعنى السلام عليكم وقيل المراد بكلا القرائتين هو القول بالسلام عليكم نزلت فى مرداس وهذا شاهد حسن لما رواه الثعلبي وغيره عن ابن عباس لَسْتَ مُؤْمِناً وانما فعلت ذلك متعوّذا تَبْتَغُونَ حال من الضمير فى تقولوا مشعر بما هو سبب لترك التثبت وطلب البيان عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا اى منافعها من المال والغنيمة سمّى به لفنائه والعرض اسم لما لا دوام له فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ فى الدنيا والاخرة يغنيكم فى الدنيا عن مثل هذه الافعال لاجل المال واعدّ فى الاخرة اجورا كثيرة لمن أمن واتقى كَذلِكَ كُنْتُمْ الكاف فى كذلك خبر كان
(١) واخرج ابن جرير عن ابن عمر قال بعث رسول الله ﷺ محلم بن حثامة مبعثا فلقيهم عامر بن الأضبط فحياهم بتحية الإسلام وكانت بينهم إحنة فى الجاهلية فرماه محلم بسهم فقتله فجاء الخبر الى رسول الله ﷺ ليستغفر له فقال لا غفر الله لك فقام وهو يتلقى دموعه سردته فما مضت به ساعة حتى مات فدفنوه فلفظته الأرض فجاءوا النبي ﷺ فذكروا ذلك له فقال النبي ﷺ ان الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم ولكن الله أراد ان يعظهم ثم طرحوه فى جبل والقوا عليه الحجارة فنزلت هذه الاية منه رحمه الله-
قدم عليها مِنْ قَبْلُ اى قبل هذا حين دخلتم فى الإسلام وقلتم كلمة التوحيد فعصمت بها دماؤكم وأموالكم من غير ان يعلم مواطاة قلوبكم بألسنتكم فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بالاشتهار بالايمان والاستقامة فى الدين او المعنى كذلك كنتم قبل الهجرة تأمنون فى قومكم من المؤمنين بلا اله الا الله فمن الله عليكم بالهجرة وقال قتادة كذلك كنتم ضلالا من قبل فمن الله عليكم بالإسلام ووفقتم بقول لا اله الا الله وقال سعيد بن جبير كذلك كنتم تكتمون ايمانكم من المشركين فمن الله عليكم بإظهار الإسلام فَتَبَيَّنُوا كرر الأمر بالتثبت والتبيين امّا لتأكيد امر التثبت وتعظيمه وتأكيد ترتب الحكم على حالهم حيث علل الحكم بالمذكور من حالهم ثم قرع عليه فتأكد الترتيب ويقال هذا متفرع على قوله فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ يعنى فتثبتوا فى أخذ الغنيمة وتبيّنوا حتى يظهر لكم ان هذه الغنيمة هل هى مسوقة إليكم من عند الله تعالى حلالا أم هو محرم من اعراض الحيوة الدنيا او يقال الأمر بالتبيين والتثبت اولا لنفى العجلة فى القتل حتى يظهر منه امارة الإسلام وثانيا لنفى العجلة فى القتل بعد ظهور امارات الإسلام حتى يظهر كفره ونفاقه إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٩٤) عالما بأعمالكم وأغراضكم فيجازيكم على أعمالكم على حسب أغراضكم ونياتكم، (فائدة:) فى هذه الاية دليل على صحة ايمان المكره لاجراء احكام الدنيا عليه وان المجتهد قد يخطى وان خطأه مغفوران كان بلا تقصير منه فى طلب الحق وان المجتهد يجب عليه التثبت والتبين وكمال الجهد ولا يلتفت الى ما لاح له فى اوّل نظره وانه إذا اتى بما وجب عليه من التثبت والتبين فهو ماجور وان اخطأ فى اجتهاده وانه لا يجوز الحكم بكفر من قال لا اله الا الله مع انه مشترك بين الكتابي والمسلم ولا يعجل فى قتله حتى يتبين امره والله اعلم إذا راى الغزاة فى بلد او قرية شعار الإسلام فالواجب ان يكفوا عنهم فان النبي ﷺ كان إذا غزى قوما فان سمع اذانا كفّ عنهم وان لم يسمع أغار عليهم وروى البغوي من طريق الشافعي عن ابن عصام عن أبيه ان النبي ﷺ كان إذا بعث سرية قال إذا رايتم مسجدا او سمعتم مؤذنا فلا تقتلن أحدا والله اعلم روى البخاري وابو داود والترمذي والنسائي عن زيد بن ثابت والبخاري عن البراء بن عازب والطبراني عن زيد بن أرقم وابن حبان من حديث ابن عاصم والترمذي عن ابن عباس نحوه......
ان رسول الله ﷺ املى على زيد بن ثابت.
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ... وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال زيد فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملئها علىّ فقال يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان رجلا أعمى وفى حديث ابن عباس قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم انا عميان فانزل الله تعالى عليه وفخذه على فخذى يعنى على فخذ زيد بن ثابت فثقلت علىّ حتى خفت ان ترض فخذى ثم سر عنه فانزل الله تعالى مكانه لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ عن الجهاد مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فى موضع الحال من القاعدين او من الضمير الذي فيه غَيْرُ بالرفع صفة للقاعدين او بدل منه وغير هاهنا اكتسب التعريف لان غير اولى الضرر هو من لا ضرر له فلا يرد ان ابدال النكرة من المعرفة يقتضى نعتها والتوجيه بان القاعدين معرفة فى حكم النكرة لانه لم يقصد به قوم بأعيانهم ضعيف لان المعرفة وان كان فى حكم النكرة لكن لا يوصف بشىء مما يوصف به النكرة الا بجملة فعلية فعلها مضارع كما فى قوله ولقد امر على اللئيم يسبنى، وقرا نافع وابن عامر والكسائي بالنصب على الاستثناء ونصبه على الحال مشكل لكونه معرفة أُولِي الضَّرَرِ فى الصحاح الضر سوء الحال امّا فى نفسه لقلة العلم والفضل والعفّة وامّا فى بدنه لعدم جارحة او نقص فيها وامّا فى حالة الظاهر من قلة مال او جاه وفى القاموس الضرر سوء الحال كالضر ومنه الضرير فى ذاهب البصر قلت والمراد هاهنا غير اولى الزمانة او المرض او الضعف فى البدل او البصر او المال بقرينة قوله تعالى وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ يعنى لا مساوات بينهم وبين غير المجاهدين بانفسهم وأموالهم من غير عذر وامّا غير المجاهدين بعذر الزمانة او العمى او نحو ذلك من الأمراض وغيرها او عدم وجدان ما ينفقون فى سبيل الله من الأموال فهم قد يساوون المجاهدين فى سبيل الله إذا كان نيتهم المجاهدة لو قدروا عليها روى البخاري عن انس وابن سعد عنه وعن جابران رسول الله ﷺ لما رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة قال ان فى المدينة لا قواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد الا كانوا معكم قالوا يا رسول الله وهم بالمدينة قال نعم وهم بالمدينة حبسهم العذر وروى مقسم عن ابن عباس قال لا يستوى القاعدون من المؤمنين عن بدر والخارجون الى بدر فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ المؤمنين......
غير اولى الضرر لان المعرفة إذا أعيدت معرفة فالثانية «١» عين الاولى دَرَجَةً منصوب بنزع الخافض اى بدرجة او على المصدرية لوقوعها موقع المرة من التفضيل كانه قيل فضلهم تفضيلة كقولهم ضربته سوطا او على الحال بمعنى ذوى درجة والجملة موضحة للجملة السّابقة من نفى الاستواء وانما لم يقتصر على هذه الجملة مع كونه مغنية عن نفى المساوات لان نفى المساوات يتضمن التفضيل اجمالا ودلالة وفى التفصيل بعد الإجمال والتصريح بعد الدلالة مزيد التأكيد والتمكن فان قيل عدم مساوات من عمل بطاعة اىّ طاعة كان ومن لم يعملها بديهي غير مخفى فاىّ فائدة فى بيانه قلنا فائدته التنبيه على ذلك والترغيب فى الجهاد والاولى ان يقال انه قد يتاتى فى حالة القعود عن الجهاد من الطاعات بفراغ القلب وأداء حقوق الله تعالى وحقوق الناس ما لا يتاتى فى حالة الجهاد فيوهم ذلك فضل القاعد على المجاهد ففائدة هذه الاية دفع ذلك التوهم عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ مثل المجاهد فى سبيل الله كمثل الصّائم القائم القانت بايات الله لا يفتر من صيام ولا صلوة حتى يرجع المجاهد فى سبيل الله متفق عليه وَكُلًّا اى كل واحد من المجاهدين والقاعدين بلا عذر وَعَدَ اللَّهُ المثوبة الْحُسْنى يعنى الجنّة بايمانهم فيه دليل على ان الجهاد فرض على الكفاية ولو كان فرضا على الأعيان لاستحق القاعد العقاب دون الثواب، (فصل) اجمعوا على انه إذا كان الكفار قارين فى بلادهم فعلى الامام ان لا يخلو سنة من السنين عن غزوة يغزوها بنفسه او بسراياه حتى لا يكون الجهاد معطلا لان النبي ﷺ والخلفاء الراشدون لم يهملوا الجهاد فاذا قام على الجهاد فئة من المسلمين بحيث حصل بهم دفع شرّ الكفار وإعلاء كلمة الله تعالى سقط عن الباقين وحينئذ لا يجوز للعبد ان يخرج الى الجهاد بغير
اذن المولى ولا للمرءة بغير اذن الزوج ولا للمديون بغير اذن الدائن ولا للولد إذا منعه أحد أبويه لان بغيرهم مقنعا فلا ضرورة الى ابطال حقوق العباد وان لم يقم به أحد اثم جميع الناس الا اولى الضرر منهم واجمعوا على انه يجب على اهل كل قطر من الأرض ان يقاتلوا من يلونهم من الكفّار فان عجزوا ساعدهم الأقرب فالاقرب وكذا إذا تهاونوا مع القدرة يجب القيام به على الأقرب فالاقرب الى منتهى الأرض (مسئلة) واجمعوا على انه إذا التقى
(١) فى الأصل فالثانى عين الاول
الصفان وجب على المسلمين الحاضرين الثبات وحرم عليهم الفرار الا ان يكونوا متحرفين لقتال او متحيّزين الى فئة او يكون الكفار اكثر من ضعف عدد المسلمين فيباح لهم الفرار لكن الثبات حينئذ أفضل، (مسئلة:) يشترط للجهاد الزاد والراحلة مع سلامة الأسباب والآلات عند الائمة الثلاثة إذا تعين الجهاد على اهل بلد وكان بينهم وبين موضع الجهاد مسافة سفر وقال مالك لا يشترط ذلك لنا قوله تعالى غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ومن لا زاد له ولا راحلة فهو من اهل الضرر وقوله تعالى وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ الاية (مسئلة) واجمعوا على انه إذا هجم العدو دار قوم من المؤمنين يجب على كل مكلّف من الرجال حرا كان او عبدا غنيا كان او فقيرا ممّن لا عذر له من اهل تلك البلدة الخروج الى الجهاد وحينئذ يكون من فروض الأعيان فلا يظهر فيه حق العبد كالمولى والدائن والأبوين كما فى الصلاة والصوم وقال ابو حنيفة تخرج المرأة ايضا بغير اذن زوجها فان وقع بهم الكفاية سقط عمّن ورائهم وان لم يقع بهم الكفاية يجب على من يليهم اعانتهم وان قعد من يليهم يجب على من ورائهم الأقرب فالاقرب والله اعلم، وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ فى سبيل الله باموالهم وأنفسهم عَلَى الْقاعِدِينَ المؤمنين غير اولى الضرر أَجْراً عَظِيماً (٩٥) منصوب على المصدرية لان فضّل بمعنى اجر او على انه المفعول الثاني له لتضمنه معنى الإعطاء كانه قيل وأعطاهم زيادة على القاعدين اجرا عظيما.
دَرَجاتٍ فى القرب والجنة كائنة مِنْهُ تعالى وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً كل واحد من الثلاثة بدل من اجرا الدرجات لغير المذنب والمغفرة للمذنب والرحمة يعمّهما وجاز ان ينصب درجات على المصدر كقولهم ضربتهم أسواطا واجرا على الحال منها تقدمت عليها لكونها نكرة ومغفرة ورحمة على المصدرية بإضمار فعليهما كرّر تفضيل المجاهدين وبالغ فيها اجمالا وتفصيلا حيث أومى الى التفضيل اوّلا بنفي المساوات ثم صرح بالتفضيل مجملا بقوله درجة ثم فضل تفصيلا بقوله أَجْراً عَظِيماً دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ترغيبا فى الجهاد وتعظيما لامره، ولا تنافى فى توحيد الدرجة اوّلا وتكثيرها ثانيا لان المراد تفضيل كل مجاهد على كل قاعد اولا وفيما بعد تفضيل الجميع على الجميع ومقتضاه انقسام الآحاد على الآحاد أو لأن المراد اختلاف حال المجاهدين فمنهم من فضل بدرجة ومنهم من فضل بدرجات وقيل أراد بقوله فَضَّلَ اللَّهُ......
الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ
درجة فى الدنيا من الغنيمة والظفر والسلطنة وجميل الذكر وأفرد الدرجة تحقيرا لما فى الدنيا وأراد بقوله فضّل الله الثاني ما أعد الله لهم فى الاخرة وقيل المراد بالدرجة الاولى ارتفاع منزلتهم عند الله تعالى وبالدرجات منازلهم فى الجنة وقيل المجاهدون الأولون من جاهد الكفار لهم درجة والآخرون من جاهد نفسه أعد الله لهم اجرا عظيما درجات القرب منه تعالى ومغفرة ورحمة قال رسول الله ﷺ المجاهد يعنى المجاهد الكامل من جاهد نفسه فى طاعة الله والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب رواه البيهقي فى شعب الايمان عن فضالة وقيل القاعدون فى الاية الاولى اولى الضرر منهم فضل الله المجاهدين عليهم درجة لان المجاهدين باشروا الجهاد مع النية واولى الضرر من القاعدين كانت لهم نية ولم يتيسّر لهم الجهاد وكلا من المجاهدين والقاعدين المعذورين وعد الله الحسنى على نياتهم كذا قال مقاتل والقاعدون الثاني غير معذورين فضل الله المجاهدين عليهم اجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة عن ابى سعيد الخدري ان رسول الله ﷺ قال يا أبا سعيد من رضى بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وجبت له الجنة قال فعجب لها ابو سعيد فقال أعدها عليّ يا رسول الله ففعل قال رسول الله ﷺ واخرى يرفع الله بها للعبد مائة درجة فى الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض قال وما هى يا رسول الله قال الجهاد فى سبيل الله الجهاد فى سبيل الله رواه مسلم وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من أمن بالله ورسوله واقام الصّلوة وصام رمضان كان حقا على الله عز وجل ان يدخله الجنة جاهد فى سبيله او جلس فى ارضه التي ولد فيه قالوا يا رسول الله أفلا نبشر الناس بذلك قال ان فى الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين فى سبيله ما بين كلّ درجتين كما بين السّماء والأرض فاذا سالتم الله فاسئلوا الفردوس فانه اوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر انهار الجنة رواه البخاري وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لذنوبهم رَحِيماً (٩٦) بهم يعطيهم درجات عظام والله اعلم ذكر البغوي ان ناسا من اهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا منهم قيس بن الفاكة بن المغيرة وقيس بن الوليد بن المغيرة وأشباههما فلما خرج المشركون الى بدر خرجوا معهم فقتلوا مع الكفار وروى البخاري عن ابن عبّاس انّ ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين......
على رسول الله ﷺ فيأتى السهم يرمى به فيصيب أحدهم فيقتله او يضرب فيقتل قلت قوله يكثر سواد المشركين يدل على انهم لم يكونوا يقاتلون وأخرجه ابن مندة وسمى منهم فى روايته قيس بن الوليد بن المغيرة وابو القيس بن الفاكة بن المغيرة والوليد بن عتبة بن ربيعة وعمرو ابن امية سفيان وعلى بن امية بن خلف وذكر شأنهم انهم خرجوا الى بدر فلما راوا قلة المسلمين دخلهم شك وقالوا غرّ هؤلاء دينهم فقتلوا ببدر قلت وهذه الرواية يعنى قوله دخلهم شكّ يدل على ارتدادهم ونظم القران لا يدل على كفرهم وأخرجه ابن ابى حاتم وزاد فيهم الحارث ابن ربيعة بن الأسود والعاص بن عتبة بن حجاج واخرج الطبراني عن ابن عباس قال كان قوم
بمكة قد اسلموا فلما هاجر رسول الله ﷺ كرهوا ان يهاجروا وخافوا واخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال كان قوم من اهل مكة قد اسلموا وكانوا يخفون الإسلام فاخرجهم المشركون معهم يوم بدر فاصيب بعضهم فقال المسلمون هؤلاء كانوا مسلمين فاكرهوا فاستغفروا لهم فنزلت.
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ يحتمل الماضي والمضارع بحذف أحد التاءين والتوفى قبض الروح الْمَلائِكَةُ قيل أراد به ملك الموت وحده لما ورد فى قوله تعالى قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ والعرب قد يخاطب الواحد بلفظ الجمع والصحيح انه أراد ملك الموت وأعوانه لما روى احمد والنسائي من حديث ابى هريرة بطوله وفيه قال رسول الله ﷺ إذا احتضر المؤمن أتت ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء فيقولون اخرجى راضية مرضية عنك الى روح الله وريحان وربّ غير غضبان الحديث وامّا الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسيح فيقولون اخرجى ساخطة مسخوطة عليك الى عذاب الله عز وجل الحديث وروى احمد عن البراء بن عازب حديثا طويلا وفيه ان العبد المؤمن إذا كان فى انقطاع من الدنيا واقبال من الاخرة نزل اليه ملائكة بيض الوجوه كأنّ وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة ثم جلسوا منه مد البصر ثم يجىء ملك الموت عليه السّلام حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجى الى مغفرة من الله ورضوان قال فيخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء فيأخذها فاذا أخذها لم يدعوها فى يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها فى ذلك الكفن وذلك الحنوط الحديث وانّ العبد الكافر......
إذا كان فى انقطاع من الدنيا واقبال من الاخرة نزل اليه من السّماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون معه مدّ البصر ثم يجىء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة اخرجى الى سخط من الله قال فتفرق فى جسده فينزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فاذا أخذها لم يدعوها فى يده طرفة عين حتى يجعلوها فى تلك المسوخ الحديث وفى رواية ابن جرير وابن المنذر وابن عباس انه لما نزلت هذه الاية كتب المسلمون الى من بقي منهم بمكة وانه لا غنى لهم فخرجوا فلحقهم المشركون فردوهم فنزلت فيهم فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ فكتب إليهم المسلمون بذلك فقالوا نخرج فان اتبعنا أحد قاتلناه فخرجوا فلحقوهم فنجامنهم من نجا وقتل من قتل فنزلت ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا الاية ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ بترك فريضة الهجرة والمقام بدار الشرك وارتكاب معصية موافقة الكفار حال من الضمير المفعول قال البغوي قيل لم يكن يقبل الإسلام بعد هجرة النبي ﷺ الّا بالهجرة ثم نسخ ذلك بعد فتح مكة فقال النبي ﷺ لا هجرة بعد فتح مكة رواه ابو داود واحمد بسند صحيح عن مجاشع بن مسعود وابن جرير عن الضحاك والصحيح ان الهجرة من دار الكفر على من قدر عليها فريضة محكمة بالإجماع غير منسوخة وهذه الاية دليل على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكن فيه اقامة شرائع الإسلام ومعنى قوله ﷺ لا هجرة بعد فتح مكة ان مكة بعد الفتح صارت دار الإسلام ولم تبق الهجرة من مكة بعد الفتح واجبة ومن هاجر من مكة بعد الفتح لا يعدّ من المهاجرين ولا يدرك ثوابهم وكون الهجرة فريضة لا يستلزم عدم قبول إسلامهم والحكم بانهم ليسوا بمؤمنين بل يقتضى عصيانهم وترك موالاتهم، قال الله تعالى والّذين أمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شىء حتّى يهاجروا وان استنصروكم فى الدّين فعليكم النّصر الّا على قوم بينكم وبينهم ميثاق قالُوا اى الملائكة توبيخا، جملة قالوا خبر انّ والعائد محذوف اى قالوا لهم وجاز ان يكون حالا من الملائكة بتقدير قد او من الضمير المنصوب فى تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ بتقدير قد والضمير اى وقد قالوا لهم فِيمَ كُنْتُمْ مقولة قالوا اى فى اىّ شىء كنتم فى الإسلام كما يدل عليه إقراركم به أم فى الكفر كما يدل عليه مقامكم مع الكفار وموافقتكم بهم بلا عذر قالُوا يعنى المتوفين الذين تركوا فريضة الهجرة هذا خبر انّ......
على تقدير كون ما قبله حالا وجملة مستانفة على تقدير كونه خبر ان كانّه فى جواب السائل ما قالت المتوفون إذا قالت الملائكة ما ذكر فاجيب بانهم قالوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ اى ارض مكة لم نقدر على مقاومة الكفار ومخالفتهم او كنا عاجزين عن اظهار الدين وإعلاء كلمته قالُوا اى الملائكة تكذيبا لهم وتبكيتا جملة مستانفة فى جواب ما قالت الملائكة حين اعتذر المتوفون أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها يعنى
كنتم قادرين على الخروج من مكة الى ارض لا تمنعون فيها من اظهار الإسلام ومخالفة الكفار وإعلاء كلمة الله كما فعل المهاجرون الى المدينة والحبشة ونصب فتهاجروا على جواب الاستفهام فَأُولئِكَ اى المتوفون ظالمى أنفسهم مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ الفاء للتعقيب والسببية يعنى لاجل تركهم الهجرة مأويهم جهنم وذا لا يستلزم الكفر ولا الخلود فى جهنم والجملة معطوفة على جملة قبلها مستنتجة منها وجاز ان يكون جملة فاولئك خبر ان والفاء فيه لتضمن الاسم معنى الشرط وما قبله حال او استيناف وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧) مصيرهم او جهنم قال النبي ﷺ من فر بدينه من ارض الى ارض وان كان شبرا من الأرض استوجبت له الجنة وكان رفيقه أبوه ابراهيم ونبيه محمد ﷺ أخرجه الثعلبي من حديث الحسين مرسلا وقال رسول الله ﷺ خير مال المسلم الغنم يتبع بها شعف الجبال يفر بدينه من الفتن رواه البخاري وغيره وقال رسول الله ﷺ ان الإسلام بهدم ما كان قبله وان الهجرة تهدم ما كان قبلها وان الحج يهدم ما كان قبله رواه مسلم عن عمرو بن العاص-.
إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ استثناء منقطع لعدم دخولهم فى الموصول وضميره والاشارة اليه فانهم ليسوا بظالمى أنفسهم إذ لا وجوب الا بعد القدرة لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها مِنَ الرِّجالِ كالشيخ الفاني والمريض والضعيف والزمن الذي لا يستطيع السفر راجلا ولا يقدر على الراحلة وذى عيال لا يستطيع نقلهم ويخاف عليهم الضياع ان هاجر بدونهم وَالنِّساءِ فانهن مستضعفات غالبا وَالْوِلْدانِ يعنى الصبيان ذكرهم فى الاستثناء مبالغة فى الأمر والاشعار بانهم على صدد وجوب الهجرة إذا بلغوا وقدروا على الهجرة او المراد بالولدان أولياؤهم فان أولياءهم إذا قدروا على نقلهم من دار الشرك وجب عليهم ذلك والا فهم من المستضعفين......
ولم يذكر العبيد فان العبد إذا كان قادرا على الهجرة يجب عليه ذلك ولا يمنعه حق المولى لان حقوق العباد لا تظهر فى الفروض على الأعيان قال محمد بن إسحاق فى رواية يونس بن بكير حدثنى عبد الله بن المكرم ومحمد بن يحيى عن شيوخه قال نادى منادى رسول الله ﷺ يعنى إذا حاصر الطائف ايّما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر فخرج من الحصن بضعة عشر رجلا سماهم الحافظ محمد بن يوسف الصالحي الشافعي فى سبيل الرشاد وروى احمد عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ من خرج إلينا من العبيد فهو حر فخرج العبيد فيهم ابو بكرة فاعتقهم رسول الله ﷺ وفى الصحيحين عن ابى عثمان النهدي قال سعد وهو اوّل من رمى بسهم فى سبيل الله وابو بكرة «١» كان بسور حصن الطائف نزل الى النبي ﷺ ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف فشق ذلك على اهل الطائف مشقة شديدة واغتاظوا على غلمانهم فاعتقهم رسول الله ﷺ ودفع رسول الله ﷺ كل رجل منهم الى رجل من المسلمين يمونه ويحمله وأمرهم ان يقرءوهم القران واعلموهم السنن فلما أسلمت ثقيف تكلمت اشرافهم فى هؤلاء المعتقين منهم الحارث بن كلدة يردونهم فى الرق فقال رسول الله ﷺ أولئك عتقاء الله لا سبيل إليهم لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً الحيلة الحذق وجودة النظر والقدرة على التصرف يعنى لا يقدرون على الهجرة ولا يجدون أسبابها وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) اى لا يعرفون السبيل بنفسه ولا يجدون الدليل.
فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ذكر الله سبحانه صيغة الاطماع ولفظ العفو إيذانا بان ترك الهجرة امر خطير حتى ان المعذور ايضا ينبغى ان لا يأمن ويترصد الفرصة ويتعلق بها قلبه وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (٩٩) قال ابن عباس كنت انا وأمي ممن عذر الله يعنى من المستضعفين وكان رسول الله ﷺ يدعو لهؤلاء المستضعفين فى الصلاة، روى البخاري وغيره عن ابى هريرة ان النبي ﷺ كان إذا قال سمع الله لمن حمده فى الركعة الاخيرة من صلوة العشاء قنت اللهم انج عياش بن ابى ربيعة اللهم انج الوليد بن الوليد اللهم انج سلمة بن هشام اللهم انج المستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهمّ اجعلها سنين كسنى يوسف
(١) فى الأصل أبا بكرة
وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً قال على بن ابى طلحة عن ابن عباس مراغما اى متحولا يتحول اليه مشتق من الرغام وهو التراب وقيل طريقا يراغم قومه اى يفارقهم على رغم أنوفهم وهو ايضا من الرغام بمعنى التراب وقال مجاهد متزحزحا عما يكره وقال ابو عبيد المراغم المهاجر يقال راغمت قومى اى هاجرتهم وهو المضطرب والمذهب فى القاموس المراغمة الهجران والتباعد والمراغم بالضم وفتح الغين المذهب والمهرب والحصن والمضطرب وَسَعَةً فى الرزق والمعاش وسعة فى الصدر بالأمن وزوال الخوف واظهار الدّين قال البغوي روى انه لما نزلت هذه الاية سمعها رجل من بنى ليث شيخ كبير مريض يقال له جندع بن ضمرة فقال والله ما انا ممن استثنى الله عز وجل وانى لاجد حيلة ولى من المال ما يبلّغنى المدينة وابعد منها والله لا أبيت الليلة بمكة أخرجوني فخرجوا به يحملونه على سرير حتى أتوا به التنعيم فادركه الموت فصفق بيمينه على شماله ثم قال اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك عليه رسولك فمات فبلغ خبره رسول الله ﷺ فقالوا لو وافى المدينة لكان أتم واوفى اجرا وضحك المشركون فقالوا ما أدرك هذا ما طلب واخرج ابن ابى حاتم وابو يعلى بسند جيّد عن ابن عباس قال خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجرا فقال لاهله احملوني فاخرجونى من ارض المشركين الى رسول الله ﷺ فمات فى الطّريق قبل ان يصل النبي الى ﷺ فنزلت وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً حال من الضمير فى يخرج إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ اى الى حيث امر الله ورسوله ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ قبل بلوغه مهاجره عطف على يخرج فَقَدْ وَقَعَ اى ثبت والوقوع بمعنى الوجوب وهو مجاز عن تأكيد حصول الاجر بوعد الله تعالى إذ لا يجب على الله شىء أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٠) واخرج ابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير عن ابى ضمرة الزرقي الذي كان مصاب البصر وكان بمكة فلما نزلت إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ الاية فقال انى بلغني وانى لذو حيلة فتجهز مريدا الى النبي ﷺ فادركه الموت بالتنعيم فنزلت هذه الاية واخرج ابن جرير نحو ذلك عن سعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدىّ والضحّاك وغيرهم سمى فى بعضها ضمرة بن العيص وفى بعضها العيص بن ضمرة وفى بعضها جندب بن ضمرة الجندعي وفى بعضها الضمري وفى بعضها......
رجل من بنى ضمرة وفى بعضها رجل من خزاعة وفى بعضها من بنى ليث وفى بعضها من بنى كنانة وفى بعضها من بنى بكر واخرج ابن سعد فى الطبقات عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ان جندع بن ضمرة الضمري الجندعي كان بمكة فقال لبنيه أخرجوني من مكة فقد قتلنى غمّها فقالوا الى اين فاومى بيده نحو المدينة يريد الهجرة فخرجوا به فلمّا بلغوا اضاءة بنى عمارة مات فانزل الله تعالى فيه هذه الاية واخرج ابن ابى حاتم وابن مندة والباوزدى فى الصحابة عن هشام بن عروة عن أبيه ان الزبير بن عوام قال هاجر خالد بن حرام الى ارض الحبشة فنهشه حيّة فى الطريق فنزلت فيه هذه الاية واخرج الأموي فى مغازيه عن عبد الملك بن عمير قال لمّا بلغ اكتم بن صيفى مخرج النبي ﷺ أراد ان يأتيه فابى قومه ان يدعوه قال فليأت من يبلّغه عنى ويبلّغنى عنه فانتدب له رجلان فاتيا النبي ﷺ فقالا نحن رسل اكتم بن صيفى وهو يسئلك من أنت وما أنت وبما جئت فقال انا محمد بن عبد الله وانا عبد الله ورسوله ثم تلا إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ الاية فاتيا اكتم فقالا له ذلك فقال اى قوم انه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها فكونوا فى هذا لامر رؤساء ولا تكونوا اذنابا فركب بعيره متوجها الى المدينة فمات فى الطريق فنزلت فيه هذه الاية وهذا مرسل واسناده ضعيف واخرج ابو حاتم فى كتاب المعمرين من طريقين عن ابن عباس انه سئل عن هذه الاية فقال نزلت فى اكتم بن صيفى قيل فاين الليثي قال كان هذا قبل الليثي بزمانة هى
خاصة عامة، (فائدة:) قالوا كل هجرة لطلب علم او حج او جهاد او فرار الى بلد يزداد فيه طاعة او قناعة او زهدا او ابتغاء رزق طيّب فهى هجرة الى الله ورسوله ومن أدركه الموت فى طريقه فقد وقع اجره على الله والله اعلم- اخرج ابن جرير عن على قال سال قوم من بنى النجار رسول الله ﷺ فقالوا يا رسول الله انا نضرب فى الأرض فكيف نصلى فانزل الله تعالى.
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ اى سافرتم فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ اى اثم كذا فى القاموس أَنْ تَقْصُرُوا اى فى ان تقصروا مِنَ الصَّلاةِ الرباعية دون الثنائية والثلاثية اجماعا الى ركعتين والجار والمجرور صفة لمحذوف اى شيئا من الصلاة عند سيبويه ومفعول لتقصروا بزيادة من عند الأخفش وهاهنا ابحاث البحث الاوّل فى مقدار مسافة السفر المرخص للقصر وقد مرّ هذا البحث فى......
سورة البقرة فى رخصة إفطار الصّوم (البحث الثاني) فى انه هل يجوز الإتمام فى السفر أم لا، فقال ابو حنيفة وبعض اصحاب مالك لا يجوز قال البغوي وهو المروي عن عمر وعلى وابن عمر وجابر وابن عباس وبه قال الحسن وعمر بن عبد العزيز وقتادة ومالك وقال الشافعي واحمد وهو المشهور من مذهب مالك انه يجوز قال البغوي وهو المروي عن عثمان وسعد بن ابى وقاص والحجة للشافعى ظاهر هذه الاية فان نفى الجناح يقال فى الرخص لا فيما يكون حتما وحديث عائشة ان النبي ﷺ كان يقصر فى السفر ويتم ويفطر ويصوم رواه الشافعي وابن ابى شيبة والبزار والدارقطني وقال الدارقطني اسناده صحيح واعترض عليه بانه من رواية مغيرة بن زياد عن عطاء بن «١» رباح وقد ضعّفه احمد وقال ابو زرعة لا يحتج بحديثه لكن ابن الجوزي أخرجه من طريق عمر بن سعيد عن عطاء والمغيرة بن زياد قد وثقه وكيع ويحيى بن معين وحديث عبد الرحمن بن اسود عن عائشة قالت خرجت مع رسول الله ﷺ فى عمرة فى رمضان فافطر وصمت وقصر وأتممت فقلت بابى أنت وأمي أفطرت وصمت وقصرت وأتممت قال أحسنت يا عائشة رواه النسائي والدارقطني وحسنه والبيهقي وصححه واعترض عليه بان عبد الرحمن بن اسود دخل على عائشة وهو صغير لم يسمع منها وقال الدارقطني دخل عليها وهو مراهق وفى تاريخ البخاري وغيره ما يشهد لذلك وروى الدارقطني هذا الحديث عن عبد الرحمن بن اسود عن أبيه عن عائشة واختلف قول الدارقطني فيه فقال فى السير اسناده حسن وقال فى العلل المرسل أشبه واعترض عليه ايضا بانه ﷺ لم يعتمر فى رمضان باتفاق اصحاب السير لكن قوله فى عمرة رمضان فى رواية الدارقطني وليس فى رواية غيره والله اعلم احتج ابو حنيفة بحديث يعلى بن امية قال سالت عمر بن الخطّاب قلت ليس عليكم جناح ان تقصروا من الصّلوة ان خفتم ان يفتنكم الّذين كفروا وقد أمن الناس فقال لى عمر عجبت منه فسالت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته رواه مسلم وحديث انس بن مالك رجل من بنى عبد الله بن كعب ليس له رواية عن النبي ﷺ غير هذا الحديث قال أغارت علينا خيل رسول الله ﷺ فاتيت رسول الله ﷺ فوجدته يتغذى فقال ادن فكل فقلت انى صائم فقال ادن أحدثك عن الصوم ان الله وضع عن المسافر الصّوم
(١) ابن ابى رباح [..... ]
وشطر الصلاة وعن الحامل والموضع الصوم فيالهف نفسى ان لا أكون طعمت من طعام رسول الله ﷺ رواه ابن الجوزي من طريق الترمذي والشافعي احتج بهذا الحديث لمذهبه حيث قرن الصوم بالصّلوة ورخصة المسافر فى فطر الصوم رخصة التخيير اجماعا، وجه احتجاج ابى حنيفة ان الوضع هو الاسقاط لكن استعماله فى رخصة الصوم يدل على ان المراد به هاهنا التخيير ولو مجازا والجمع بين الحقيقة والمجاز لا يجوز حتى يقال انه فى حق الصوم للتخيير وفى حق الصلاة للاسقاط ووجه احتجاج ابى حنيفة بحديث يعلى بن امية عن عمر انّ التصدق بما لا يحتمل التمليك إسقاط محض وان كان المتصدق ممن لا يلزم وطاعته كولى القصاص إذا عفى فممّن يلزم طاعته اولى وان الأمر بقبول الصدقة للوجوب واحتج ابو حنيفة ايضا بأثر عمر بن الخطاب قال صلوة السفر ركعتان وصلوة الأضحى ركعتان وصلوة الفطر ركعتان وصلوة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد ﷺ أخرجه النسائي وابن ماجة واثر ابن عباس قال فرض الله الصّلوة على نبيكم فى الحضر أربعا وفى السّفر ركعتين وفى الخوف ركعة رواه مسلم واثر عائشة قالت فرضت الصلاة ركعتين فاقرت صلوة السّفر وزيد فى صلوة الحضر متفق عليه وفى لفظ قال الزهري قلت لعروة فما بال عائشة تتم فى السفر قال انها تاوّلت كما تاوّل عثمان وفى لفظ للبخارى فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ثم لمّا هاجر النبي ﷺ فرضت أربعا فتركت صلوة السفر على الاول وبحديث ابن عمر قال صحبت رسول الله ﷺ فى السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله وقد قال الله تعالى لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ رواه البخاري وفى الصحيحين بلفظ صحبت رسول الله ﷺ فكان لا يزيد فى السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك وايضا فيهما عنه ﷺ صلى بمنى ركعتين وابو بكر بعده وعمر بعد ابى بكر وعثمان صدرا من خلافته ثم ان عثمان صلى بعده أربعا وبما روى احمد ان عثمان صلى بمنى اربع ركعات فانكر الناس عليه فقال ايها الناس انى تاهلت بمكة منذ قدمت وانى سمعت رسول الله ﷺ يقول من تاهل فى بلد فليصل صلوة المقيم وجه الاحتجاج ان انكار الناس على عثمان فى إتمامه وبيانه العذر بالتأهل بمكة دليل واضح على انه لا يجوز الإتمام ولو جاز......
لما أنكروا عليه ولما اعتذر بالتأهل بل ببيان التخيير- وأجيب عن الآثار بان اثر عمر بن الخطاب ان صلوة السفر ركعتان تمام فى الاجر غير قصر يعنى لا نقصان فى صلوته وكيف يقول عمر غير قصر مع انه تعالى يقول فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا فانه صريح فى كونه قصرا وحديث الآحاد وان كان مرفوعا ساقط فى مقابلة نصّ الكتاب فكيف الموقوف واثر ابن عباس متروك بالإجماع حيث لم يذهب أحد الى ان الصّلوة فى الخوف ركعة واثر عائشة لا يجوز العمل به لان عمل الراوي على خلاف ما يرويه جرح فى الحديث ولا شك ان عائشة كانت تتم فى السفر وروت عن النبي ﷺ رخصة التخيير فيجب ان يحمل قولها تركت صلوة السفر على الاول على من ان من اختار الركعتين فكانّ الصلاة تركت فى حقه على الحالة الاولى وامّا حديث ابن عمر فشهادة على النفي وحديث عائشة شهادة على الإثبات فهو اولى او يقال معناه لم يزد على ركعتين غالبا وايضا ذكر ابن عمران عثمان صلى صدرا من خلافته ركعتين ثم صلى أربعا ولم يذكر انكار الناس عليه وهذا دليل التخيير وايضا قوله لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ تدل على الاولوية دون الوجوب وانكار الناس على عثمان واعتذاره جاز ان يكون لترك الاولى واحتج الحنفية بالمعقول بان الشفع الثاني لا يقضى ولا يأثم بتركه وهذا اية النافلة بخلاف الصوم فانه يقضى وبخلاف الحج على الفقير فانه يصير فريضة إذا دخل الميقات وان التخيير بين الواجبات لا يكون الا لنوع يسر فى كلا الامرين كما فى صوم
رمضان للمسافر فان فيه ايضا نوع يسر بسهولة فى الصوم مع الناس ما ليس فى انفراده ولا كذلك فى الاثنين والأربع فان اليسر فى الاثنين متيقن وامّا جمعة السافر وظهره فكل واحد منهما جنس اخر من الصلاة وفى كل منهما نوع يسر حيث يشترط فى الجمعة ما لا يشترط فى الظهر والتخيير بلا مراعاة يسر للمكلّف مناف لشأن العبودية وأجيب بان التخيير بين القليل والكثير مفيد فاختيار القليل لليسر واختيار الكثير لزيادة الاجر وزيادة الاجر فى الأربع لا يوجب نقصانا فى الثنتين نظيره القراءة فى الصلاة فان المصلى مخيّربين ان يقرا ادنى ما يجوز به الصلاة وحينئذ لا نقصان فى صلوته وبين ان يقرا القران كله فى ركعة وكلّما قرا فى الصلاة وان كان جميع القران وقع من الفريضة لانه فرد من افراد المأمور به حيث قال الله تعالى فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ويرد عليه ان تقريركم هذا يدل على ان الإتمام للمسافر أفضل واكثر ثوابا من القصر......
كما انّ زيادة القراءة فى الصلاة أفضل اجماعا وانما يكره الزيادة على القدر المسنون فى حقّ الامام رعاية للقوم وامّا فى المنفرد وكذا فى حق الامام إذا كان القوم راغبين فلا كراهة اجماعا لكن القصر فى السفر أفضل من الإتمام اجماعا وما روى عن الشافعي من أحد قوليه ان الإتمام أفضل فقد رجع عنه وأجاب الحنفية عن استدلال الشافعي بهذه الاية ان الناس لما كانوا الفوا بالإتمام كان مظنة ان يخطر ببالهم ان عليهم نقصانا فى القصر فنفى عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمانوا اليه نظيره قوله تعالى إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ورد بان هذا ترك بظاهر الاية من غير موجب فلا يجوز والله اعلم البحث الثالث ان سفر المعصية يبيح القصر عند ابى حنيفة لعموم هذه الاية وقالت الائمة الثلاثة لا يبيح وليس لهم ما يمكن التعويل عليه من الحجة البحث الرابع إذا فارق المسافر بيوت المصر صلى ركعتين عند الائمة الاربعة وفى رواية عن مالك إذا كان من المصر على ثلثة أميال وحكى عن الحارث بن ربيعة انه أراد سفرا فصلى بهم ركعتين فى منزله وفيهم الأسود وغير واحد من اصحاب عبد الله وعن مجاهد انه كان إذا خرج نهارا لم يقصر حتى يدخل الليل وان خرج ليلا لم يقصر حتى يدخل النهار، لنا ان الاقامة يتعلق بدخول المصر فالسفر يتعلق بخروجها وروى ابن ابى شيبة عن على رضى الله عنه انه خرج من البصرة فصلى الظهر أربعا يعنى قبل التجاوز عن بيوت المصر ثم قال لو جاوزنا هذا الحصن لصلينا ركعتين وكذا إذا رجع من السفر وأراد دخول بلده صلى ركعتين ما لم يدخل بيوت مصره فاذا دخل البيوت صلى أربعا اجماعا ذكر البخاري تعليقا قال خرج على فقصر وهو يرى البيوت فلمّا رجع قيل له هذه الكوفة قال لا حتى ندخلها يريد انه صلى ركعتين والكوفة بمراء منهم وروى عبد الرزاق قال أخبرنا الثوري عن وفا بن إياس الأسدي قال خرجنا مع على ونحن ننظر الكوفة فصلى ركعتين ثم رجعنا فصلى ركعتين وهو ينظر الى القرية فقلنا له الا نصلى أربعا قال لا حتى ندخلها البحث الخامس فى انه فى أثناء السفر إذا نوى فى بلد او قرية اقامة اربعة ايام غير يومى الدخول والخروج صلى أربعا عند مالك والشافعي، وعن احمد ان نوى اقامة مدة يفعل فيها اكثر من عشرين صلوة أتم وقال ابو حنيفة لا يتم حتى ينوى اقامة خمسة عشر يوما فى مصر او قرية ولا عبرة بنية الاقامة فى الصحراء والاخبية......
لنا ما صح انه ﷺ دخل مكة فى حجة الوداع صبيحة رابعة ذى الحجة يوم الأحد فلما كان يوم التروية ثامن ذى الحجة يوم الخميس توجه الى منى وبعد طلوع الشمس من يوم عرفة توجه الى عرفة فاذا فرغ من الحج بات بالمحصّب ليلة الأربعاء ثم طاف عليه السّلام طواف الوداع سحرا قبل الصبح وخرج صبيحة وهو اليوم الرابع عشر فتمت عشر ليال واقام بمكة الى يوم التروية اربعة ايام ولياليها كوامل فظهر بذلك بطلان قول مالك والشافعي دون قول احمد حيث صلى النبي ﷺ بمكة عشرين صلوة لا مزيد عليه احتج ابو حنيفة بالآثار اخرج الطحاوي عن ابن
عباس وابن عمر قالا إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفى نفسك ان تقوم خمس عشرة ليلة فاكمل الصلاة بها وان كنت لا تدرى متى تظعن فاقصرها وروى ابن ابى شيبة بسنده عن مجاهد ان ابن عمر كان إذا جمع على اقامة خمسة عشر أتم وقال محمد فى كتاب الآثار ثنا ابو حنيفة ثنا موسى بن مسلم عن مجاهد عن ابن عمر قال إذا كنت مسافرا فوطنت نفسك على اقامة خمسة عشر يوما فاتمم الصلاة وان كنت لا تدرى متى تظعن فاقصر مسئلة: - لو دخل مصرا يريد ان يخرج غدا او بعد غد او متى أنجز حاجته ولم ينو مدة الاقامة حتى بقي على ذلك سنين قصرا بدا كذا قال الجمهور وهو أحد اقوال الشافعي وفى قول يقصر اربعة عشر يوما وأرجح أقواله يقصر سبعة عشر ويتم ثمانية عشر لحديث ابن عباس قال سافر رسول الله ﷺ سفرا فصلى سبعة عشر يوما ركعتين ركعتين قال ابن عباس فنحن نصلى الى سبعة عشر ركعتين ركعتين فاذا قمنا اكثر من ذلك صلينا أربعا رواة الترمذي وقال هذا حديث صحيح ولا حجة فيه لانه اتفقت الا قامة تلك المدة والظاهر لو زادت دام القصر وقد روى احمد وابو داود عن جابر قال اقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة وروى عبد الرزاق بسنده ان ابن عمر اقام بآذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة ورواه البيهقي بسند صحيح وروى البيهقي بسنده ان ابن عمر قال ارتج علينا الثلج ونحن بآذربيجان ستة أشهر فى غزاة فكنا نصلى ركعتين وفيه انه كان مع غيره من الصحابة يفعلون ذلك واخرج عبد الرزاق عن الحسن قال كنا مع عبد الرحمن بن سمرة ببعض بلاد فارس سنين فكان لا يجمع ولا يزيد على ركعتين واخرج عن انس بن مالك انه كان مع عبد الملك بن مروان بالشام......
شهرين فيصلى ركعتين ركعتين مسئلة: - الملاح إذا سافر فى سفينة فيها اهله وماله وكذا المكاري الذي يسافر دائما يقصر عند الثلاثة لاطلاق النص وقال احمد لا يقصر- مسئلة نية الاقامة من اهل الكلاء وهم الاخبية قيل لا يصح والصحيح انهم مقيمون لان الاقامة اصل فلا يبطل بالانتقال من مرعى الى مرعى (مسئلة) إذا اقتدى المسافر بمقيم فى جزء من صلاته أتم أربعا عند الجمهور وقال مالك ان أدرك ركعة من صلوته أتم والا فلا وقال إسحاق بن راهويه يقصر المسافر خلف المقيم روى احمد عن موسى بن سلمة قال كنا مع ابن عباس بمكة فقلت انا إذا كنّا معكم صلينا أربعا وإذا رجعنا صلينا ركعتين قال تلك سنة ابى القاسم ﷺ مسئلة من فاته صلوة الحضر فقضاها فى السفر قضاها تامّة قال ابن المنذر لا اعرف فيه خلافا الّا شيئا يحكى عن الحسن والمزني انه يقصر وان فاتته صلوة فى السفر فقضاها فى الحضر يقصر عند ابى حنيفة ومالك واحد قولى الشافعي وعند احمد يتم وهو أصح قولى الشافعي (مسئلة) ان صلى المسافر بالمقيمين صلى ركعتين وأتم المقيمون صلاتهم اجماعا عن عمران بن حصين قال غزوت مع رسول الله ﷺ وشهدت معه الفتح فاقام بمكة ثمان عشر ليلة لا نصلى الا ركعتين يقول يا اهل مكة صلّوا أربعا فانا قوم سفر رواه الترمذي وصححه- إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ اى ينالكم بمكروه من قتل او جرح او اسر او سلب مال، الَّذِينَ كَفَرُوا هذا شرط استغنى عن الجزاء بما سبق يعنى ان خفتم الفتنة من الكفّار فاقصروا من الصلاة فالخوف شرط لجواز القصر بظاهر هذا النصّ وبه قالت الخوارج والإجماع على انه ليس بشرط بل الكلام خارج مخرج الغالب فان غالب اسفار النبي ﷺ كان مظنة الخوف فلا حكم لهذا الشرط كما فى قوله تعالى وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً وقد تظاهرت السنن على قصر الصلاة فى حالة الامن كما ذكرنا حديث يعلى بن امية عن عمر وروى الشافعي عن ابن عبّاس قال سافر رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة أمنا لا يخاف الّا الله يصلى ركعتين- وعن حارثة بن وهب الخزاعي صلى بنا رسول الله ﷺ ونحن اكثر ما كنا قطّ وامنة بمنى ركعتين متفق عليه وقيل قوله ان
خفتم متصل بما بعده من صلوة الخوف منفصل عما قبله وهذا وان كان بعيدا من حيث النظم لكنه قريب من حيث المعنى......
إذ الخوف فى صلوة الخوف شرط قطعا اجماعا ولم يذكر فيما بعد ويؤيده ما قال البغوي انه روى عن ابى أيوب الأنصاري انه قال نزل قوله فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ هذا القدر ثم بعد حول سالوا رسول الله ﷺ عن صلوة الخوف فنزل إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ الاية قال البغوي ومثله فى القران كثير يجىء الخبر بتمامه ثم ينسق عليه خبر اخر هو فى الظاهر كالمتّصل به وهو منفصل عنه كقوله تعالى الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وهذه حكاية عن امراة العزيز وقوله ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ اخبار عن يوسف عليه السّلام واخرج ابن جرير عن على عليه السلام قال سال قوم من بنى نجار رسول الله ﷺ قالوا يا رسول الله انا نضرب فى الأرض فكيف نصلى فانزل الله تعالى وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ثم انقطع الوحى فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي ﷺ فصلى الظهر فقال المشركون لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم فهلا شددتم عليهم فقال قائل منهم ان لهم اخرى مثلها فى اثرها فانزل الله بين الصلاتين إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا الى قوله عَذاباً مُهِيناً قلت فعلى هذا جزاء الشرط محذوف يدل عليه ما بعده يعنى إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فلا تتركوا الحزم والجهاد فى حالة الصلاة إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (١٠١) ظاهر العداوة واخرج احمد والحاكم وصححه والبيهقي فى الدلائل عن ابى عياش الزرقي قال كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن وليد وهم بيننا وبين القبلة فصلى بنا النبي ﷺ الظهر فقالوا قد كانوا على حالة لو أصبنا غرتهم ثم قالوا يأتى عليهم الان صلوة هى احبّ إليهم من أبنائهم وأنفسهم قال فنزل جبرئيل بهذه الاية بين الظهر والعصر.
وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ الاية قال فحضرت فامرهم رسول الله ﷺ فاخذوا بسلاح قال فصففنا خلفه صفين قال ثم ركع فركعنا جميعا ثم رفع فرفعنا جميعا ثم سجد النبي ﷺ بالصّف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم فلمّا سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا فى مكانهم ثم تقدم هؤلاء الى مصاف هؤلاء وجاء هؤلاء الى مصاف هؤلاء قال ثم ركع فركعوا جميعا ثم رفع فرفعوا جميعا......
ثم سجد النبي ﷺ ثم انصرف فصلّاها رسول الله ﷺ مرتين مرة بعسفان ومرة بأرض بنى سليم وروى مسلم صلوة الخوف عن النبي ﷺ مثل هذا من حديث جابر قوله تعالى وَإِذا كُنْتَ يا محمد حاضرا فِيهِمْ وأنتم تخافون العدو قيدنا بهذا القيد للاجماع على كون الحكم مقيدا به وان كان قوله تعالى ان خفتم الاية متصلا بما بعده كما قيل فهو قرينة على هذا التقييد وعلى هذا جاز ان يكون هذه الاية معطوفة على قوله ان خفتم والشرط مجموع الامرين الخوف وكونه ﷺ فيهم وبناء على اشتراط كونه ﷺ فيهم كما ينطق به ظاهر النصّ قال ابو يوسف رحمه الله انّ صلوة الخوف كانت مختصة به ﷺ غير مشروع بعده وعامة العلماء على انها ثابت الحكم بعد النبي ﷺ والائمة نواب عن رسول الله ﷺ فى كل عصر فكان الخطاب متنا ولا لكل امام وهذا جرى على عادة القران فى الخطاب للنبى ﷺ وان كان المقصود جميع الامة كما فى قوله تعالى فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ والحجة على جواز صلوة الخوف بعد رسول الله ﷺ ان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين صلوا صلوة الخوف بعد النبي ﷺ من غير نكير بعضهم على بعض فصار اجماعا روى ابو داود انهم غزوا مع عبد الرحمن بن سمرة كابل فصلى بنا صلوة الخوف وروى عن على عليه السّلام انه صلاها يوم الصفين وذكر الرافعي انه صلى المغرب صلوة الخوف ليلة الهرير بالطائفة الاولى ركعة وبالثانية ركعتين وقال البيهقي يذكر عن جعفر ابن محمّد عن أبيه ان عليا صلى المغرب صلوة الخوف ليلة الهرير وقال الشافعي وحفظ عن علىّ انه صلى صلوة الخوف ليلة الهرير كما روى صالح بن خوات عن النبي ﷺ وروى البيهقي من طريق قتادة عن ابى العالية عن ابى موسى الأشعري انه صلى صلوة الخوف بأصبهان وروى البيهقي عن سعد بن ابى وقاص انه صلى صلوة الخوف بحرب مجوس بطبرستان ومعه الحسن ابن على وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عمرو بن العاص وروى ابو داود والنسائي من طريق ثعلبة بن زهرم قال كنا مع سعيد بن العاص فقال أيكم صلى مع رسول الله ﷺ صلوة الخوف فقال حذيفة انا فصلى مع هؤلاء ركعة ومع هؤلاء ركعة فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ يعنى فاجعلهم طائفتين فليقم أحدهما معك......
فصل بهم وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ قال مالك يجب حمل السّلاح فى صلوة الخوف وهو أحد قولى الشافعي وقال اكثر العلماء الأمر للاستحباب فَإِذا سَجَدُوا يعنى إذا أتم المصلون ركعة مع الامام وجاز ان يكون معناه فاذا صلوا اطلق السجود وأريد به الصلاة بتمامها تسمية الكل باسم الجزء فَلْيَكُونُوا اى المصلون مِنْ وَرائِكُمْ ايها الائمة الى تجاه العدو وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فى محل الرفع صفة لطائفة فَلْيُصَلُّوا اى تلك الطائفة الاخرى مَعَكَ يحتمل ان يراد بالصلوة الصلاة بتمامها وان يراد بالصلوة الركعة الثانية وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ المراد بالحذر ما يتحذر به من العدو كالدرع والجنة وبالسّلاح ما يقاتل به- اعلم انه روى صلوة الخوف عن النبي ﷺ على وجوه أحدها ما ذكرنا من حديث ابى عياش الزرقي وحديث جابر قصة صلاته ﷺ بعسفان إذا كان العدو بيننا وبين القبلة ثانيها ما رواه الشيخان فى الصحيحين عن جابر قال أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بذات الرقاع وفيه فصلى بطائفة ركعتين ثم تاخروا فصلى بالطائفة الاخرى ركعتين قال فكانت لرسول الله صلى
الله عليه وسلم اربع ركعات وللقوم ركعتان متفق عليه وهذا الحديث يحتمل الوجهين أحدهما انه ﷺ صلى أربعا بتسليمة واحدة وكل طائفة صلى معه ركعتين ركعتين وثانيهما ان النبي ﷺ صلى بكل طائفة ركعتين وسلم على كل ركعتين كذا وقع صريحا فى حديث جابر ان النبي ﷺ كان يصلى بالناس صلوة الظهر فى الخوف ببطن نخل فصلى بطائفة ركعتين ثم سلم ثم جاء طائفة اخرى فصلى بهم ركعتين رواه البغوي من طريق الشافعي وشيخ الشافعي مجهول لكن وثقه الشافعي فقال أخبرني الثقة ابو عليّة او غيره، عن يونس عن الحسن عن جابر ورواه ابن الجوزي من طريق الدارقطني عن عنبسة عن الحسن عن جابر قال ابن الجوزي لا يصح قال يحيى بن معين عنبسة ليس بشىء وقال النسائي متروك وقال ابو حاتم كان يضع الحديث وروى هذا الحديث ابو داود وابن حبان والحاكم والدارقطني من حديث ابى بكرة ففى رواية ابى داود وابن حبان انها الظهر وفى رواية الدارقطني انها المغرب وأعلها ابن القطّان بان أبا بكرة اسلم بعد وقوع صلوة الخوف قال الحافظ هذا ليس بعلة فانه يكون......
مرسل الصحابي ثالثها ما رواه الشيخان عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عن من صلى مع رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع واخرج البخاري بطريق اخر عن صالح بن خوات عن سهيل بن ابى حثمة عن النبي ﷺ ان طائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائما وأتموا لانفسهم ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الاخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالسا واتمّوا لانفسهم ثم سلم بهم رابعها ما رواه الترمذي والنسائي عن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ نزل بين ضحنان وعسفان فقال المشركون لهؤلاء صلوة هى احبّ إليهم من ابائهم وأبنائهم وهى العصر فاجمعوا أمركم فتميلوا عليهم ميلة واحدة وان جبرئيل اتى النبي ﷺ فامره ان يقسّم أصحابه شطرين فيصلى بهم ويقوم طائفة اخرى وراءهم وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم فيكون لهم ركعة ولرسول الله ﷺ ركعتان رواه الترمذي والنسائي وهكذا قال البغوي انه روى عن حذيفة عن النبي ﷺ فى صلوة الخوف صلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا قال البغوي ورواه زيد بن ثابت وقال كانت للقوم ركعة ركعة وللنبى ﷺ ركعتان وتاوّله قوم على صلوة شدة الخوف وقالوا الفرض فى هذه الحالة ركعة واحدة خامسها ما رواه البخاري فى الصحيح عن سالم بن عمر عن أبيه قال غزوت مع رسول الله ﷺ قبل نجد فوازينا العدو فصاففنا فقام رسول الله ﷺ يصلى لنا فقامت طائفة معه وأقبلت طائفة على العدو وركع رسول الله ﷺ معه وسجد سجدتين ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم يصل فجاءوا فركع رسول الله ﷺ بهم ركعة وسجد سجدتين ثم سلم فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين وروى نافع نحوه وزاد فان كان خوف هو أشد من ذلك صلوا رجالا على أقدامهم او ركبانا مستقبلى القبلة او غير مستقبليها قال نافع لا ارى قال ابن عمر ذلك الّا عن رسول الله ﷺ وليس فى رواية ابن عمر هذه اىّ الطّائفتين يتم صلاته اوّلا بعد رسول الله ﷺ واختار ابو حنيفة من وجوه صلوة الخوف هذا الوجه الأخير ولم يجوّز سواه وقال يذهب الطائفة الثانية بعد سلام الامام وجاه العدو ويجىء الطائفة الاولى فيتم صلاته اوّلا ثم يجىء الطائفة الثانية فيتم صلاته......
ويسلم لما ذكر محمد فى كتاب الآثار هكذا من رواية ابى حنيفة قول ابن عباس والموقوف فيه كالمرفوع ولم يجوّز سواه اما الوجه الثاني صلاته عليه السّلام ببطن نخل فهو يستلزم اقتداء المفترض بالمتنفل قال الطحاوي انه كان فى وقت كانت الفريضة تصلى مرتين ثم نسخ ذلك ولو كانت الفريضة مشروعة تكرارها لما احتيج الى شرع صلوة الخوف مع المنافى وامّا الوجه الثالث صلاته
صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع فهو يستلزم ان يركع المؤتم ويسجد قبل الامام وذلك لم يعهد وان انتظار الامام المأموم على خلاف مقتضى الامامة وامّا الوجه الرابع صلاته ﷺ بين ضحنان وعسفان يكون للقوم ركعة واحدة فمتروك العمل بالإجماع لانهم اتفقوا على ان الخوف لا ينقص عدد الركعات وامّا الوجه الاوّل صلاته ﷺ بعسفان حين كان العدو بينه وبين القبلة فهو مخالف لكتاب الله تعالى حيث قال الله تعالى فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وفى هذا الوجه تقوم الطائفتان جميعا وقال الله تعالى وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا وفى هذا الوجه انهم قد صلوا وقال الشافعي واحمد ومالك جميع الصفات المروية عن النبي ﷺ فى صلوة الخوف معتد بها وانما الخلاف فى الترجيح وقال احمد بن حنبل ما اعلم فى هذا الباب الّا حديثا صحيحا واختار الشافعي من الوجوه المذكورة اربعة أوجه واحمد ثلاثة ان كان العدو بينه وبين القبلة فالمختار عندهما الوجه الاول صلاته بعسفان وان كان فى جهة غير جهة القبلة فالمختار عند الشافعي امّا الوجه الثاني صلاته عليه السلام ببطن نخل واقتداء المفترض بالمتنفل صحيح عنده خلافا لاحمد وامّا الوجه الثالث صلاته عليه السّلام بذات الرقاع وعند احمد هو المختار فحسب قالوا هذا الوجه أشدّ موافقة لظاهر القران وأحوط للصلوة وابلغ للحراسة عن العدو وذلك لان الله تعالى قال فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ اى إذا صلوا ثم قال وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا وهذا يدل على ان الطائفة الاولى قد صلوا وقال فليصلّوا معك، ومقتضاه ان بصلوا تمام الصلاة وظاهره يدل على ان كل طائفة تفارق الامام بعد تمام الصلاة وفيه الاحتياط لامر الصلاة من حيث انه لا يكثر فيها العمل والذهاب والمجيء والاحتياط لامر الحرب من حيث انهم إذا لم يكونوا فى الصلاة كان أمكن للحرب والهرب ان احتاجوا اليه والوجه الرابع للشافعى وهو الثالث لاحمد حين يلتحم القتال ويشتد الخوف فيصلى كيف أمكن راكبا و......
ماشيا ويعذر فى ترك القبلة وفى الأعمال الكثيرة لحاجة وان عجز عن ركوع وسجود اومأ والسجود اخفض وقال ابو حنيفة لا يجوز الصلاة فى حالة القتال ماشيا والقتال والعمل الكثير يفسد الصلاة عنده ويجوز الصلاة راكبا يومى ايماء او قائما على قدميه وقد مرّت هذه المسألة فى سورة البقرة فى تفسير قوله تعالى فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً- (فائدة) قال الحافظ رويت صلوة الخوف عن النبي ﷺ على اربعة عشر نوعا ذكرها ابن حزم فى جزء مفرد بعضها فى صحيح مسلم ومعظمها فى سنن ابى داود وذكر الحاكم منها ثمانية انواع وابن حبان تسعة مسئلة يجوز صلوة الخوف فى الحضر عند الجمهور خلافا لمالك فيصلى بكل طائفة ركعتين ويصلى المغرب بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة والله اعلم- وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اى يتمنون لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ عطف على تغفلون اى يحملون ويشدون عليكم مَيْلَةً واحِدَةً بجملتهم وكلمة لو للتمنى والجملة بيان للوداد وجاز ان يكون لو مصدرية والجملة فى محل النصب على انه مفعول ودوا وهذا بيان ما لاجله أمروا بأخذ السلاح والصلاة بهذه الكيفية والله اعلم، قال الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس ان رسول الله ﷺ غزى محاربا وبنى انمار فنزلوا ولا يرون من العدو واحدا فوضع الناس أسلحتهم وخرج رسول الله ﷺ لحاجة له قد وضع سلاحه حتى قطع الوادي والسماء ترش فحال الوادي بين رسول الله ﷺ وبين أصحابه فجلس رسول الله ﷺ فى ظل شجرة فبصر به غويرث بن الحارث المحاربي فقال قتلنى الله ان لم اقتله ثم انحدر من الجبل ومعه السيف قد سلّه من غمده فقال يا محمد من يعصمك منى الان قال رسول الله ﷺ ثم قال اللهم اكفنى غويرث بن الحارث بما شئت ثم أهوى بالسيف الى رسول الله ﷺ ليضربنه فانكب بوجهه من زلّخة «١» زلّخها بين كتفيه وندر سيفه فقام رسول الله ﷺ فاخذ ثم قال يا غويرث من يمنعك
منى الان قال لا أحد قال تشهد ان لا اله الا الله وان محمدا عبده ورسوله وأعطيك سيفك قال لا ولكن اشهد ان لا أقاتلك ابدا ولا أعين عليك عدوا فاعطاه رسول الله ﷺ سيفه فقال غويرث
(١) زلخة بضم الزاء وتشديد اللام وفتحها وجع يأخذ فى الظهر لا يتحرك الإنسان من شدته واشتقاقها من الزلخ وهو الزلق نهاية- منه رحمه الله وفى القران ودّ
والله لانت خير منى قال النبي أجل انا أحق بذلك منك فرجع غويرث الى أصحابه فقالوا ويلك ما منعك منه قال لقد أهويت اليه بالسّيف لاضربنه فو الله ما أدرى من زلخنى بين كتفى فخررت بوجهي وذكر حاله فنزل قوله تعالى وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ يبلّ السلاح أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى لا تستطيعون حمل السّلاح لثقلها أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ اى فى ان تضعوا وقع الشرط فى خلال جملة تصلح للجزاء فحذف الجزاء استغناء تقدير الكلام وان كان بكم أذى من مطر او كنتم مرضى فلا جناح عليكم فى ان تضعوا أسلحتكم، رخص الله سبحانه فى وضع الأوزار بعذر المطر او المرض وذلك يدل على ان الأمر بأخذ السلاح فيما سبق للوجوب كما قال مالك والشافعي دون الاستحباب وَخُذُوا حِذْرَكُمْ من التحصن بالحصن او التحيز الى المنعة فى مثل هذه الحالة أمرهم فى تلك الحالة بأخذ الحذر كيلا يهجم عليهم العدو فان حفظ الأنفس عن الضياع بلا فائدة (يعود الى إعلاء كلمة الله) واجب وهذه الجملة اعنى الأمر بأخذ الحذر فى مثل تلك الحالة وجه المناسبة للاية بما ذكرنا من شأن نزولها كأنّ الله سبحانه ارشد نبيه ﷺ ان لا يبعد عن المعسكر وحده لحاجة الإنسان عند خوف العدو إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٠٢) فى الدنيا بالقتل والاسر وفى الاخرة بالنار وفيه وعد للمؤمنين بالنصر على الكافرين بعد الأمر بالحزم ليتقوى قلوبهم وليعلموا ان الأمر بالحذر ليس لضعفهم وغلبة عدوهم بل لان الواجب التشبث بالأسباب على مقتضى جرى العادة وان تحافظوا على التيقظ والتدبر مع التوكل على الله ثم الكلبي فى الرواية المذكورة قال وسكن الوادي فقطع رسول الله ﷺ الوادي الى أصحابه وأخبرهم الخبر وقرأ عليهم هذه الآية واخرج البخاري عن ابن عباس قال نزلت إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى فى عبد الرحمن بن عوف كان جريحا يعنى رخص هو لاجل الجرح فى وضع الاسلحة.
فَإِذا «١» قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ اى فرغتم منها يعنى من صلوة الخوف فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ يعنى فدوموا على الذكر بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وغير ذلك فى جميع الأحوال عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل احيانه رواه ابو داود والظاهر ان المراد بالآية والحديث دوام الحضور بالقلب إذ لا يتصور دوام الذكر باللسان
(١) فى الأصل وإذا-
وقيل المراد به إذا فرغتم من صلوة الخوف فاذكروا الله يعنى صلوا قياما فى حالة الصحة وقعودا او على جنوبكم بحسب الطاقة فى حالة المرض او الزمانة او الجرح او الضعف او المراد إذا أردتم الصلاة فى حالة الخوف فصلوا قياما ان قدرتم عليه وقعودا ان عجزتم عن القيام وعلى جنوبكم ان عجزتم عن القعود فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ اى سكنت قلوبكم بزوال الخوف فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ فعدلوا واحفظوا أركانها وشرائطها ولا يجوز حينئذ فى الصلاة ما يجوز فى حالة الخوف إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً اى مكتوبا مفروضا مَوْقُوتاً (١٠٣) محدودا بالأوقات لا يجوز إخراجها عنها ما أمكن كانه تعليل لتشريع صلوة الخوف والصلاة قاعدا او راقدا عند العذر ولا دليل فى هذه الاية على جواز الصلاة فى حالة الحرب والمسابقة كما قال به الشافعي واستدل عليه البيضاوي بهذه الاية لانه لو كانت الصلاة جائزة فى حالة المسابقة لذكرها كما ذكرها قاعدا وعلى الجنوب فاذا لم يذكر فالاصل عدم الجواز والاية مجملة فى الأوقات ورد بيانها بالسنة، مسئلة اجمعوا على انّ وقت الظهر بعد الزوال الى وقت العصر والعصر الى غروب الشمس الا انه يكره تحريما بالإجماع بعد اصفرار الشمس والوقت المختار عند الشافعي ان لا يؤخر العصر عن مصير الظل مثلين ووقت المغرب بعد غروب الشمس والعشاء بعد غروب الشفق الى طلوع الفجر لكن المختار بالإجماع ان لا يؤخر العشاء بعد نصف الليل والفجر بعد طلوع الصبح المعترض الى طلوع الشمس واختلفوا فى اخر وقت الظهر والمغرب فالجمهور على ان وقت الظهر الى بلوغ ظل كل شىء مثله سوى فىء الزوال والمغرب الى غروب الشفق خلافا لابى حنيفة فى اخر الظهر حيث قال الى المثلين وخلافا لمالك والشافعي فى أحد قوليه فى اخر المغرب حيث قالا لا يؤخر المغرب فى الاختيار عن غروب الشمس والأصل فى الباب حديث امامة جبرئيل عن ابن عباس ان النبي ﷺ قال امّنى جبرئيل عند البيت مرتين فصلى بي الظهر فى الاولى منهما حين كان الفيء مثل الشراك ثم صلى العصر حين كان كل شىء مثل ظله ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم ثم صلى العشاء حين غاب الشفق ثم صلى الفجر حين «١» برق الفجر وحرم الطعام على الصّائم وصلى المرة الثانية الظهر حين صار ظل كل شىء مثله كوقت العصر بالأمس وصلى العصر حين صار ظل كل شىء مثليه ثم المغرب بوقته الاول والعشاء الاخر حين ذهب ثلث الليل ثم صلى الصبح حين اصفرت الأرض ثم التفت
(١) فى الأصل حتى
الىّ جبرئيل فقال يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك والوقت فيما بين هذين رواه ابو داود والترمذي وقال حسن صحيح وابن حبان فى صحيحه والحاكم وقال صحيح الاسناد لكن فيه عبد الرحمن بن الحرث ضعّفه احمد والنسائي وابن معين وابو حاتم ووثقه ابن سعد وابن حبان وقد توبع عليه اخرج عبد الرزاق عن العمرى عن عمرو بن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه عن ابن عباس نحوه قال ابن دقيق العبد هى متابعة حسنة وصححه ابو بكر بن العربي وابن عبد البر وقد روى حديث امامة جبرئيل عن عدة من الصحابة منهم جابر بمعناه وفيه فصلى العشاء فى اليوم الثاني حين ذهب نصف الليل او قال ثلث الليل قال البخاري أصح حديث فى المواقيت حديث جابر وعن بريدة قال انّ رجلا سال رسول الله ﷺ عن وقت الصلاة فقال له صل معنا هذين يعنى اليومين فلمّا زالت الشمس امر بلالا فاذن ثم امره فاقام الظهر ثم امره فاقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية ثم امره فاقام المغرب حين غابت الشمس ثم امره فاقام العشاء حين غاب الشفق ثم امره فاقام الفجر حين طلع الفجر فلما كان اليوم الثاني امره فابرد بالظهر فابردها فانعم ان يبردها وصلى العصر والشمس مرتفعة آخرها فوق الذي كان وصلى المغرب قبل ان يغيب الشفق وصلى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل وصلى الفجر فاسفرها ثم قال اين السائل عن وقت الصلاة فقال الرجل انا يا رسول الله قال وقت صلاتكم بين ما رايتم رواه مسلم وعن ابى موسى نحو حديث بريدة وفيه اخّر النبي ﷺ المغرب يعنى فى اليوم الثاني حتى كان عند سقوط الشفق رواه مسلم وعن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ انه قال وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل كل شىء كطوله ما لم يحضر العصر ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ووقت المغرب ما لم يغب «١» الشفق ووقت العشاء الى نصف الليل الأوسط ووقت الفجر من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس رواه مسلم، وفى حديث ابى هريرة اوّل وقت المغرب حين تغرب الشمس واخر وقتها حين تغيب الأفق وان اوّل وقت العشاء الاخرة حين تغيب الأفق وان اخر وقتها حين ينتصف الليل وان اوّل وقت الفجر حين يطلع واخر وقتها حين تطلع الشمس رواه الترمذي من حديث محمد بن فضيل عن الأعمش عن ابى صالح عن ابى هريرة وخطأ البخاري رفعه وهذه الأحاديث حجة للجمهور على مالك والشافعي فى ان اخر وقت المغرب الى ان يغيب الشفق واما اخر وقت العصر الى غروب الشمس فمستفاد من قوله تعالى إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ فَقالَ
(١) فى الأصل ما لم يغرب
إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ وقوله ﷺ من أدرك ركعة من الصبح قبل ان تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل ان تغرب الشمس فقد أدرك العصر متفق عليه من حديث ابى هريرة وامّا اخر وقت العشاء ما لم تطلع الفجر فلم يوجد فى شىء من الأحاديث صحيح ولا ضعيف لكن اختلف الأحاديث الصحاح فيه روى عن ابن عباس وابى موسى الأشعري وابى سعيد الخدري انه ﷺ آخرها الى ثلث الليل وروى عن ابى هريرة وانس انه ﷺ آخرها حتى انتصف الليل وروى ابن عمر انه ﷺ آخرها حتى ذهب ثلثا اللّيل وروت عائشة انه اعتم بها حتى ذهب عامة الليل وكل هذه الأحاديث فى الصحيح قال الطحاوي يفيد مجموع هذه الأحاديث ان الليل كله وقت لها لكن على ثلاث مراتب الى الثلث أفضل والى النصف دونه وما بعده دونه، ثم ساق بسنده الى نافع بن جبير قال كتب عمر الى ابى موسى الأشعري وصل العشاء اىّ الليل شئت ولا تغفلها وعند مسلم فى قصّة ليلة التعريس عن ابى قتادة ان النبي ﷺ قال ليس فى النوم تفريط انما التفريط ان يؤخر صلوة حتى يدخل وقت الاخرى وهذا يدل على ان وقتها الى طلوع الفجر وقد اجمعوا على انه إذا اسلم الكافر او طهرت الحائض او بلغ الصبى وقد بقي من الليل شىء يجب عليه العشاء وامّا أحاديث امامة جبرئيل وامامة النبي ﷺ للسّائل عن وقت الصّلوة فمحمولة على المختار من الوقت ما لا كراهة فيه ولذا قال ابو حنيفة رحمه الله تأخير المغرب عن اوّل الوقت مكروه تنزيها لا تحريما لما صحّ عنه ﷺ انه اخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق وتأخير العشاء عما ثبت عنه ﷺ والعصر الى اصفرار الشمس مكروه تحريما وأشدّ كراهة تأخير العصر الى الاصفرار لورود النهى عن الصّلوة فى ذلك الوقت وكونه منسوبا الى الشيطان وامّا ما ورد فى حديث امامة جبرئيل اخر وقت العصر حين صار ظل كل شىء مثليه فمنسوخ من قوله ﷺ وقت العصر ما لم تصفى الشمس وامّا اخر وقت الظهر فلم يوجد فى حديث صحيح ولا ضعيف انه يبقى بعد مصير ظل كل شىء مثله ولذا خالف أبا حنيفة فى هذه المسألة صاحباه ووافقا الجمهور واحتج ابو حنيفة بما مرّ من حديث بريدة فلما كان اليوم الثاني امره فامره «١» فابرد بالظهر فابردها فانعم ان يبردها ولقوله ﷺ إذا اشتد الحرّ فابردوا بالصلوة فان شدة الحرّ من فيح جهنم رواه الستة قال ابو حنيفة وأشدّ الحر
(١) هكذا فى الأصل-
فى ديارهم فى هذا الوقت حين صار ظل كل شىء مثله فكان حديث الإبراد ناسخا لحديث امامة جبرئيل فانه اوّل أحاديث الباب وإذا ثبت بقاء وقت الظهر بعد صيرورة الظل مثل الشيء نسخا لامامة جبرئيل بحديث الإبراد ثبت نسخ حديث امامة جبرئيل فى حق اوّل وقت العصر ايضا لانّ قوله تعالى إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً يقتضى كون «١» الوقت لكل صلوة وقتا على حدة ولذا قال رسول الله ﷺ انما التفريط ان يؤخر صلوة حتى تدخل وقت الاخرى لكن امامة جبرئيل فى اليوم الثاني العصر عند صيرورة ظل كل شىء مثليه يفيد انه وقته ولم ينسخ فيستمر ما علم ثبوته من بقاء وقت الظهر الى ان يدخل هذا الوقت المعلوم كونه وقتا للعصر وهذا الاستدلال ضعيف جدّا ودلالة حديث الأبرار على بقاء وقت الظهر بعد المثل ممنوع بل الأبرار امر إضافي وشدة الحرّ انما يكون عند الزوال وبعض الأبرار يحصل قبيل بلوغ الظل مثل الشيء ولو كان الحرّ فى ديارهم حين بلوغ ظل الشيء مثله أشد مما قبله لكان مقتضى الأمر بالابرار تعجيل الصلاة فى اوّل الوقت والله اعلم (مسئلة) الشفق الحمرة عند الجمهور وهو رواية عن ابى حنيفة رحمه الله والمشهور من مذهبه انه البياض التي بعد الحمرة لان اللفظ مشترك بينهما ولا يزول وقت المغرب ولا يدخل وقت العشاء بالشك ولان الأحوط ذلك فانه لا يجوز الصلاة قبل الوقت ويجوز بعده احتج الجمهور بقوله ﷺ الشفق الحمرة فاذا غاب الشفق وجبت الصلاة رواه ابن عساكر فى غرائب مالك من حديث عتيق بن يعقوب عن مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعا ورواه ابن عساكر من حديث ابى حذافة عن مالك وقال حديث عتيق أمثل اسنادا وصحح البيهقي وقفه وذكر الحاكم فى المدخل حديث ابى حذافة وجعله مثالا لما رفعه المخرجون من الموقوفات ورواه ابن خزيمة فى صحيحه من حديث محمد بن يزيد الواسطي عن شعبة عن قتادة عن ابى أيوب عن ابن عمر ورفعه وقت المغرب الى ان يذهب حمرة الشفق قال ابن خزيمة ان صحّت هذه الرواية بهذا اللفظ اغنت عن جميع الروايات لكن تفرّد بها محمد بن يزيد وانما قال فيه اصحاب شعبة ثور الشفق مكان حمرة الشفق قال الحافظ ابن حجر محمد بن يزيد صدوق وقال البيهقي روى هذا الحديث عن عمرو على وابن عباس وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس وابى هريرة ولا يصح فيه شىء والله اعلم ذكر البغوي ان أبا سفيان وأصحابه لما رجعوا يوم أحد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم
(١) فى الأصل كون لكل صلوة-
طائفة فى اثارهم فشكوا الم الجراحات فانزل الله تعالى.
وَلا تَهِنُوا اى لا تضعفوا ايّها المؤمنون فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ فى طلب الكفار بالقتال إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ الم الجراحات فَإِنَّهُمْ اى الكفار يَأْلَمُونَ من الجراحات كَما تَأْلَمُونَ يعنى ضرر القتال دائر بين الفريقين غير مختصّ بكم وَتَرْجُونَ من الاجر والثواب مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ اى الكفار فينبغى ان تكونوا ارغب فى القتال منهم واصبر وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بأعمالكم وضمائركم حَكِيماً (١٠٤) فيما يأمر وينهى والله اعلم، ما ذكر البغوي يدل على ان الاية نزلت فى غزوة حمراء الأسد ويدل عليه قوله تعالى إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ وقال البيضاوي نزلت فى بدر الصغرى ولا دليل عليه ولم يذكر اصحاب السير نزول هذه الاية فى أحد الغزوتين ولا يدل عليه سياق الكلام بل ذكروا فيه نزول الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ الاية اية ال عمران والله اعلم، روى الترمذي والحاكم وغيرهما عن قتادة بن النعمان قال كان اهل بيت يقال لهم بنوا أبيرق بشر وبشير ومبشر وكان بشير رجلا منافقا يقول الشعر يهجو به اصحاب رسول الله ﷺ ثم ينحله «١» بعض العرب يقول قال فلان كذا وكانوا اهل بيت حاجة وفاقة فى الجاهلية والإسلام وكان الناس انما طعامهم بالمدينة التمر والشعير فابتاع عمّى رفاعة بن زيد حملا من الدرر «٢» مك فجعله فى مشربة «٣» له فيها سلاح ودرع وسيف فعدى «٤» عليه من تحت فنقبت المشربة وأخذ الطعام والسّلاح فلما أصبح أتاني عمّى رفاعة فقال يا ابن أخي انه قد عدى علينا فى فى ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا وذهب بطعامنا وسلاحنا فتجسسنا فى الدار وسالنا فقيل لنا راينا بنى أبيرق استوقد وافى هذه الليلة ولا نرى فيما نرى الأعلى بعض طعامكم فقال بنوا أبيرق ونحن نسئل فى الدار والله ما نرى صاحبكم الّا لبيد بن سهيل رجل منا له صلاح واسلام فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال انا اسرق فو الله ليخالطنكم هذا السيف او لتبيننّ هذه السرقة قالوا إليك عنا ايها الرجل فما أنت بصاحبها فسالنا فى الدار حتى لم نشك انهم أصحابها فقال لى عمّى يا ابن أخي لو أتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فاتيته فقلت اهل بيت منا اهل جفاء عمدوا الى عمّى فنقبوا مشربة له وأخذوا سلاحه وطعامه فليردوا علينا سلاحنا فامّا الطعام
(١) اى ينسبه إليهم من النخلة بمعنى النسبة بالباطل نهاية
(٢) الدقيق الحرارى نهاية منه رح
(٣) بالضم والفتح الغرفة نهاية منه رح
(٤) اى سرق ماله وظلم نهاية منه رح
فلا حاجة لنا فيه فقال رسول الله ﷺ سانظر فى ذلك فلما سمع بنوا أبيرق أتوا «١» رجلا منهم يقال له أسير بن عروة فكلموه فى ذلك فاجتمع فى ذلك أناس من اهل الدار فقالوا يا رسول الله ان قتادة بن النعمان وعمه عمدا الى اهل بيت نا اهل اسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا يثبت قال قتادة فاتيت رسول الله ﷺ فقال عمدت الى اهل بيت ذكر منهم اسلام وصلاح ترميهم بالسرقة فلم نلبث ان نزل القران.
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ الآيات الى قوله عظيما، فلما نزل القران اتى رسول الله بالسلاح فرده الى رفاعة ولحق بشير المشركين فنزل على سلافة بنت سعد فانزل الله وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى الى قوله ضللا بعيدا، قال الحاكم صحيح على شرط مسلم واخرج ابن سعد فى الطبقات بسنده عن محمود بن لبيد قال عدا بشير بن الحارث على علية رفاعة بن زيد عمّ قتادة بن النعمان فنقبها من ظهرها وأخذ طعاما له ودرعين باداتهما فاتى قتادة النبي ﷺ فاخبره بذلك فدعا بشيرا فساله فانكر ورمى بذلك لبيد بن سهيل رجلا من اهل الدار ذا حسب ونسب فنزل القران بتكذيب بشير وبراءة لبيد إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ الآيات فلما نزل القران فى بشير وعثر عليه هرب الى مكة مرتدا فنزل على سلافة بنت سعد فجعل يقع فى النبي ﷺ وفى المسلمين فنزل القران فيه وهجاه حسان بن ثابت حتى رجع وكان ذلك فى شهر الربيع الثاني سنة اربع من الهجرة وقال البغوي روى الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس وأخرجه ابن جرير عنه قال نزلت هذه الاية فى رجل من الأنصار يقال له طعمة بن أبيرق بنى ظفر بن الحارث سرق درعا من جار له يقال له قتادة بن النعمان وكانت الدرع فى جراب فيه دقيق فجعل الدقيق ينتثر من خرق فى الجراب حتى انتهى الى الدار ثم خبأها عند رجل من اليهود يقال له زيد السمين فالتمست الدرع من عند طعمة فحلف والله ما أخذها وماله بها علم فقال اصحاب الدرع لقد راينا اثر الدقيق حتى دخل داره فلما خلف تركوه واتبعوا اثر الدقيق الى منزل اليهودي فاخذوه فقال اليهودي دفعها الىّ طعمة بن أبيرق فجاء بنوا ظفر وهم قوم طعمة الى رسول الله ﷺ وسالوه ان يجادل عن صاحبهم وقال له انك ان لم تفعل افتضح صاحبنا فهمّ رسول الله ﷺ ان يعاقب اليهودي وقال البغوي ويروى عن ابن عبّاس رواية اخرى انّ
(١) فى الأصل وأتوا-
طعمة سرق الدرع فى جراب فيه نخالة فخرق الجراب حتى كان يتناثر منه النخالة طول الطريق فجاء به الى دار زيد السمين وتركه على بابه وحمل الدرع الى بيته فلما أصبح صاحب الدرع جاء على اثر النخالة الى دار زيد السمين فاخذه وحمله الى النبي ﷺ فهمّ النبي ﷺ ان يقطع يد زيد اليهودي وقال البغوي قال مقاتل ان زيد السمين أودع درعا عند طعمة فجحدها طعمة فانزل الله تعالى هذه الاية إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ متلبسا بِالْحَقِّ اى بالأمر والنهى والعلوم الحقة لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ قال البيضاوي الرؤية ليست بمعنى العلم والا لاستدعى ثلثة مفاعيل والروية بمعنى الابصار ظاهر الانتفاء فالمعنى بما عرفك الله واوحى إليك وقال بعض الأفاضل يمكن حمله على معنى العلم بحذف مفعوله الثاني والثالث اى بما علمكه الله حقا وهو وان كان محتاجا الى زيادة الحذف لكنه غنى عن التجوز قلت والظاهر عندى ان الرؤية بمعنى العلم وما الموصولة عبارة عن مضمون جملة يتعلق بها العلم والضمير العائد الى الموصول محذوف فى حكم المذكور مغنى عن المفعولين لقيام مضمون الجملة مقامها كانه قيل لتحكم بين الناس بكون طعمة سارقا ولبيد او زيد «١» بريا وهذه الاية دليل على ان النبي ﷺ لم يكن يعمل بالمظنون لكنها لا ينفى الاجتهاد عن النبي ﷺ لانه إذا حصل للنبى ﷺ ظن بالاجتهاد وقرر الله سبحانه ولم يطلعه على الخطأ ظهر عنده بيقين انه الحق بخلاف المجتهد ويؤيده ما روى عن عمرو بن دينار ان رجلا قال لعمر احكم بما أراك الله قال مه انما هذا للنبى ﷺ خاصّة وجاز ان يكون هذا الحكم عاما ويقال ان المجتهد إذا ظهر عنده الحكم بدليل ظنى من خبر الآحاد او القياس فالعمل به واجب بدلائل قطعية من الكتاب والسنة والإجماع ما لم يظهر دليل راجح يخالفه فالحكم المظنون عند المجتهد بعد بذل جهده وان كان غير معلوم عنده انه فى نفس الأمر لكنه معلوم عنده انه واجب «٢» العمل وقال الشيخ ابو منصور رحمه الله معنى الاية بما ألهمك الله بالنظر فى الأصول المنزلة وقال فيه دليل على جواز الاجتهاد فى حقه
(١) فى الأصل لبيدا او زيدا
(٢) وعن ابن وهب قال قال لى مالك الحكم الذي يحكم بين الناس على وجهين فالذى حكم بالقران والسنة الماضية فذلك الحكم الواجب والصّواب والحكم الذي يجتهد فيه العالم نفسه فيما لم يأت فيه شىء فلعله ان يوافق والثالث التكلف لما لا يعلم فما أشبه ذلك ان لا يوافق منه رحمه الله.
وَلا تَكُنْ عطف على أنزلنا بتقدير القول يعنى وقلنا لا تكن او عطف على الكتاب لكونه منزلا يعنى أنزلنا إليك الكتاب وأنزلنا إليك لا تكن لِلْخائِنِينَ يعنى لاجلهم وللذب عنهم والمراد بهم بنوا أبيرق خَصِيماً (١٠٥) للبراء وهم لبيد بن سهيل او زيد السمين اليهودي.
وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ ممّا قلت لقتادة بن النعمان كذا فى رواية الترمذي والحاكم عن قتادة وقال البغوي استغفر الله مما هممت به من معاقبة اليهودي وقال مقاتل استغفر الله من جدالك عن طعمة إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٦) لمن استغفره-.
وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ
اى يخونونها فان وبال خيانتهم يعود عليهم او جعل المعصية خيانة لانفسهم لما جعلت ظلما عليها والضمير لابن أبيرق وأمثاله اوله ولقومهم حيث شاركوه فى الإثم وسالوا النبي ﷺ ان يجادل عنه إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُ
اى يبغض مَنْ كانَ خَوَّاناً
اى مبالغا فى الخيانة مصرّا عليها أَثِيماً
(١٠٧) بانكار الحق والكذب ورميه بالسرقة البريء منه قيل انه خطاب مع النبي ﷺ والمراد به غيره كقوله فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ قال البغوي الاستغفار فى حقّ الأنبياء على أحد الوجوه الثلاثة امّا لذنب تقدم على النبوة او لذنوب أمته وقرابته او لمباح جاء فى الشرع تحريمه فتركه والاستغفار معناه السمع والطاعة لحكم الشرع.
يَسْتَخْفُونَ
«١» اى يستترون حياء وخوفا من الفضيحة يعنى قوم بنى أبيرق مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ
اى لا يستحيون من الله وهو أحق ان يستحيى منه وأحق ان يخاف الفضيحة لديه او لا يمكنهم الاستخفاء من الله تعالى وَهُوَ مَعَهُمْ
لا يخفى عليه سرهم ولا طريق معه الا ترك ما يستقبحه ويؤاخذ عليه إِذْ يُبَيِّتُونَ
اى يزورون ليلا ويتقولون وقد مر معنى التبييت فى قوله تعالى بيّت طائفة ما لا يَرْضى
الله مِنَ الْقَوْلِ
قال البغوي ذلك ان قوم طعمة قالوا فيما بينهم نرفع الأمر الى النبي ﷺ فانه يسمع قول طعمة ويمينه لانه مسلم ولا يسمع قول اليهودي لانه كافر فلم يرض الله بذلك القول وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً
(١٠٨) لا يفوت منه شىء-
(١) عن ابن حميد وابن ابى حاتم عن ابن مسعود موقوفا من صلى صلوة عند الناس لا يصلى بها إذا خلا فهى استهانة استهان بها ربّه ثم تلا هذه الاية يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ منه رحمه الله [..... ]
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ
أنتم مبتدا وهؤلاء منادى بحذف حرف النداء وما بعده خبر المبتدا او يقال هؤلاء خبر مبتدا وقوله جادَلْتُمْ
الى آخره جملة مبيّنة بوقوع هؤلاء خبرا وصلة عند من يجعله موصولا عَنْهُمْ
يعنى عن ابن أبيرق وأمثاله وقومه والجدال شدة المخاصمة من الجدل وهو شدة الفتل وهو يريد قتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج وقيل الجدال من الجدالة بمعنى الأرض فكأنّ كل واحد من الخصمين يريد إلقاء صاحبه على الأرض فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ
يعنى لا أحد يجادل الله عن أمثال ابن أبيرق إذا أراد تعذيبهم يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
(١٠٩) محاميا يحميهم ويدفع عنهم عذاب الله لان من وكل اليه الأمر يحافظ عليه وأم فى مثل هذا الموضع حيث وقع بعده حرف استفهام مثل أم ماذا كنتم وأم كيف ينفع ليست بمتصلة ولا منقطعة بل هى بمعنى بل ويجوز الحمل على أحد معنييه بتأويل.
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً
«١» قبيحا يسوء به غيره أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ
بما يختص به وقيل المراد بالسوء ما دون الشرك وبالظلم الشرك وقيل الصغيرة والكبيرة ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ
«٢» لَّهَ بالتوبة ورد المظالم يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً
لذنوبه رَحِيماً
(١١٠) متفضلا عليه فيه حث لابن أبيرق وقومه على التوبة والاستغفار.
وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً
صغيرا او كبيرا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ
حيث يتضرر به نفسه لا يتعدى وباله الى غيره وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً
بما كسب عبده حَكِيماً
(١١١) فى مجازاته.
وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً
صغيرة او ما لا عمد فيه أَوْ إِثْماً
كبيرة او ما كان عن عمد ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً
كما رمى ابن أبيرق لبيدا او زيد السمين ووحد الضمير لمكان او فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً
اى كذبا يبهت «٣» ويتحير به العقول وَإِثْماً
ذنبا مُبِيناً
(١١٢) ظاهرا بسبب رمى البريء وتبرئة النفس الخاطئة
(١) اخرج ابن راهويه فى مسنده عن عمر بن الخطاب قال لمّا نزلت مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً لبثنا ما ينفضا طعام ولا شراب حتى انزل الله بعد ذلك وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
منه رحمه الله-
(٢) روى من طرق متعددة عن على قال سمعت أبا بكر يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول ما من عبد أذنب ذنبا فقام فتوضأ فاحسن وضوءه ثم قام فصلى واستغفر من ذنبه الا كان حقا على الله ان يغفره لانه يقول وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً رواه ابن ابى حاتم وابن السنى وابن مردوية منه رحمه الله
(٣) عن زيد بن اسلم ان عمر بن الخطاب اطلع على ابى بكر وهو يمد لسانه قال ما تصنع يا خليفة رسول الله قال ان هذا الذي أورد فى الموارد ان رسول الله ﷺ قال ليس شىء من الجسد الا يشكو ذرب اللسان على حدته منه رحمه الله-
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ
ايها النبي وَرَحْمَتُهُ
اى عصمته ولطفه من الاطلاع على سرّهم لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ
اى بنوا ظفر أَنْ يُضِلُّوكَ
فى القضاء بالتزوير ويلبسوا عليك الأمر حتى تدافع عن ابن أبيرق والجملة جواب لولا وليس القصد فيه الى نفى همّهم بل الى نفى تأثيره فيه كانّه نزل وجود الهمّ منزلة العدم لعدم تأثيره وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ
فان ضرر اضلالهم انما يعود إليهم وَما يَضُرُّونَكَ
بعصمة الله مِنْ شَيْءٍ
منصوب المحل على المصدرية اى شيئا من الضرر كان مقتضى الظاهر وما أضلوا الا أنفسهم وما أضرّوك من شىء عدل الى المضارع لحكاية الحال وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ
اى القران وَالْحِكْمَةَ
اى العلوم الحقة بالوحى الغير المتلوّ وَعَلَّمَكَ
العلوم بالاسرار والمغيبات قال قتادة علمه الله بيان الدنيا والاخرة من حلاله وحرامه ليحتج بذلك على صحة ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
جملة وانزل الله وعلّمك جملة حالية بتقدير قد متعلق بنفي الإضلال ونفى الضرر على سبيل التنازع وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
(١١٣) إذ لا فضل أعظم من النبوة والله اعلم.
لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ النجوى السرّ كذا فى القاموس وناجيته ساررته قال فى الصحاح أصله ان تخلو به فى نجوة من الأرض يعنى ما ارتفع منها وقيل أصله من النجاة وهو ان يعاونه على ما فيه خلاصة قال البغوي النجوى هو الاسرار فى التدبير وقيل النجوى ما يتفرد بتدبيره قوم سرّا كان او جهارا ويؤيّده قوله تعالى وَأَسَرُّوا النَّجْوى ومعنى الاية لا خير فى كثير ممّا يزور به بينهم وجاز ان يكون المصدر بمعنى الفاعل والمراد به الرجال المتناجون كما فى قوله تعالى وَإِذْ هُمْ نَجْوى والضمير المجرور عائد الى قوم ابن أبيرق الذين يستخفون من الناس إذ هم يبيون ما لا يرضى الله من القول وقال مجاهد الاية عامّة فى حق جميع الناس فعلى تقدير عوده الى قوم ابن أبيرق قوله تعالى إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ الاستثناء منقطع لان من امر بصدقة غير داخلين فيهم وعلى تقدير عود الضمير الى جميع الناس استثناء متصل من الضمير المذكور وقيل هذا استثناء من قوله كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ فان كان النجوى بمعنى الفاعل فلا خفاء فيه وان كان بمعنى المصدر يقدر المضاف فى المستثنى يعنى لا خير فى كثير من نجويهم الّا نجوى من امر بصدقة ويرد عليه ان هذا الاستثناء لا يجوز لانه مثل جاءنى كثير من الرجال الّا......
زيد لعدم الجزم بدخول زيد فى كثير ولا فى خروجه فلا يصح المتصل ولا المنقطع وأجيب بان المراد لا خير فى كثير من نجوى واحد منهم الا نجوى من امر وهذا الجواب لا يتأتى إذا كان النجوى بمعنى المتناجى إذ لا معنى لان يقال لا خير فى كثير من متناجى كل واحد منهم والظاهر ان الّا هاهنا بمعنى غير صفة كما فى قوله تعالى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا أَوْ مَعْرُوفٍ اى ما يعرف حسنها شرعا من اعمال البر قيل المراد القرض واعانة الملهوف وصدقة التطوع وبالصدقة الزكوة المفروضة أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ عطف على معروف تخصيص بعد تعميم لمزيد الاهتمام او يقال قد يباح لاجل الإصلاح بين الناس ما ليس بمعروف فى غيره كالكذب عن أم كلثوم بنت عقبة بن ابى معيط وكانت من المهاجرات الاول قالت قال رسول الله ﷺ ليس بالكذاب من أصلح بين الناس فقال خيرا او نمى خيرا متفق عليه عن ابى الدرداء قال قال رسول الله ﷺ الا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة والصلاة قال قلنا بلى قال إصلاح ذات البين وإفساد ذات البين هى الحالقة رواه ابو داود والترمذي وقال هذا حديث صحيح وعن اسماء بنت يزيد قالت قال رسول الله ﷺ لا يحل الكذب الّا فى ثلاث كذب الرجل امرأته ليرضيها والكذب فى الحرب والكذب ليصلح بين الناس رواه احمد والترمذي وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اى الأمر بأحد هذه الأشياء او أحد هذه الأشياء المذكورة يعنى الصدقة وأختيه والظاهر هو الاول واختار البيضاوي الثاني وقال بنى الكلام على الأمر ورتّب الجزاء على الفعل ليدل على انه لما دخل الأمر فى زمرة الخيّرين كان الفاعل ادخل فيهم وان العمدة والغرض هو الفعل والأمر وصلة اليه ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ قيد الفعل به لان من فعل رياءا وسمعة لم يستحق الاجر انما الأعمال بالنيات متفق عليه من حديث عمر مرفوعا فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ قرا حمزة وابو عمرو بالياء على الغيبة والباقون بالتاء «١» على الخطاب أَجْراً عَظِيماً (١١٤) يستحقر فى جنبه اعراض الدنيا روى الشيخان فى الصحيحين واحمد عن ابى شريح الخزاعي قال قال رسول الله ﷺ من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليقل خيرا او ليصمت وروى البيهقي عن انس قال قال رسول الله ﷺ رحم الله امرأ تكلم فغنم او سكت فسلم
(١) الصحيح بالنون على التكلم
ولما ذكر الله سبحانه جزاء المستثنيين الخيار عقبه جزاء من بقوا بعد الاستثناء «١» من الشرار فقال.
وَمَنْ يُشاقِقِ اى يخالف مشتق من الشق كانّ كلا من المتخالفين فى شق غير شق الاخر الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى اى بعد ما ثبت عنده بدليل قطعىّ وظهر ما حكم به الرسول ﷺ قيد بهذا احترازا عمّن خالف الرسول ﷺ ولم يبلغه الخبر بما حكم به الرسول او بلغه بطريق اتهم بعض رواته او اخطأ المجتهد فى فهم مراده بعد بذل الجهد وقيل معنى خالف الرسول انه ارتد عن الدّين بعد ظهور التوحيد وصدق الرسول بالمعجزات كما حكى عن طعمة وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ اى غير ما هم عليه أجمعون من اعتقاد او عمل ولا بأس بمخالفة البعض إذا وافق البعض لقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بايهم اقتديتم اهتديتم نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى اى نجعله فى الدنيا واليا لما تولى من الضلال وو نخلى بينه وبين ما اختاره من الكفر وقيل معناه نكله فى الاخرة الى ما اتكل عليه فى الدنيا كما فى الصحيحين عن ابى سعيد الخدري وعن عبد الله بن عمرو بن العاص فى حديث طويل قال رسول الله ﷺ إذا كان يوم القيامة اذن مؤذن ليتبع كل امة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب الا يتساقطون فى النار وَنُصْلِهِ اى ندخله جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥) جهنم «٢» او التولية عن الحق قال البغوي نزلت هذه الاية فى طعمة ابن أبيرق وذلك انه لما ظهرت عليه السرقة خاف على نفسه من قطع اليد والفضيحة هرب الى مكة وارتد عن الدين فقال الله تعالى وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ الاية وهذه الاية دليل على حرمة مخالفة الإجماع لانه تعالى رتّب الوعيد على المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين ولا وجه لكون أحدهما سببا له دون الاخر والا للغا ذكر الاخر ولا لكون مجموعهما سببا لان المشاقة محرمة بانفرادها بالنصوص القطعية فظهر ان كل واحد منهما سبب للوعيد فثبت ان اتباع غير سبيلهم محرم فثبت ان اتباع سبيلهم واجب لان الإنسان لا محالة سالك سبيلا روى البيهقي والترمذي عن ابن عمرو ابن عباس قالا قال رسول الله ﷺ لا يجمع الله هذه الامة على الضلالة
(١) فى الأصل بعد الثنيا
(٢) عن مالك قال كان عمر بن عبد العزيز يقول من رسول الله ﷺ وولاه الأمر من بعدة سننا الاخذ بها تصديق بكتاب الله واستكمال بطاعته وقوة على دين الله ليس لاحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر فيها خالفها من اقتدى بها مهتد ومن استنصر بها منصور ومن يخالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا منه رحمه الله.
ابدا ويد الله على الجماعة ومن شذ شذ فى النار والله اعلم قال البغوي روى ان طعمة بن أبيرق نزل على رجل من بنى سليم من اهل مكة يقال له الحجاج بن علاظ فنقب بيته فسقط عليه حجر فلم يستطع ان يدخله ولا ان يخرج حتى أصبح فاخذ ليقتل فقال بعضهم دعوه فانه قد لجا إليكم فتركوه فاخرجوه من مكة فخرج مع تجار من قضاعة نحو الشام فنزلوا منزلا فسرق بعض مطاعهم فهرب فطلبوه فاخذوه ورموه بالحجارة حتى قتلوه فصار قبره تلك الحجارة وقيل انه ركب سفينة الى جدة فسرق فيها كيسا فيه دنانير فاخذ فالقى فى البحر وقيل انه نزل فى حرة بنى سليم فكان يعبد صنما لهم الى ان مات فانزل الله تعالى فيه.
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ من الصغائر والكبائر بالتوبة وبلا توبة لِمَنْ يَشاءُ مغفرته وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فى وجوب الوجود وتاصله او فى العبادة شيئا فَقَدْ ضَلَّ عن سبيل الحق ضَلالًا بَعِيداً (١١٦) لا يمكن وصوله الى النجاة والمغفرة وقال البغوي قال الضحاك عن ابن عباس رضى الله عنهما ان هذه الاية السابقة نزلت فى شيخ من الاعراب جاء الى رسول الله ﷺ فقال يا نبى الله انى شيخ منهمك فى الذنوب الا انى لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وامنت به ولم اتخذ من دونه وليا ولم اواقع المعاصي جرءة على الله وما توهمت انى أعجز الله هربا وانى لنادم تائب مستغفر فماذا حالى، وكذا اخرج الثعلبي عنه والله اعلم قال البغوي ونزل فى اهل مكة قوله تعالى.
إِنْ يَدْعُونَ اى ما يعبدون قال رسول الله ﷺ الدعاء هو العبادة ثم قال وقال رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي الاية رواه احمد واصحاب السنن الاربعة، ولان من عبد شيئا دعاه لحوائجه ومصالحه مِنْ دُونِهِ تعالى إِلَّا إِناثاً قال اكثر المفسرين معناه الّا أوثانا ووجه تسميتها بالإناث اما لان العرب كانوا يزعمونها إناثا ويسمونها بأسماء الإناث اللات والعزى ومناة ونحوها ويقولون ربة بنى فلان وأنثى بنى فلان لما روى عبد الله بن احمد فى زوائد المسند وابن المنذر وابن ابى حاتم عن ابى بن كعب انه قال الّا إناثا قال مع صنم جنية وامّا لانه لا حقيقة لها الا اسماءها قال الله تعالى ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها فاعتبرت إناثا باعتبار تأنيث أسمائها وامّا لانها كانت......
جمادات والإناث يطلق على الجمادات لغة فى القاموس الإناث جمع الأنثى كالاناثى والموات كالشجر والحجر وصغار النجوم فهذا اطلاق لغوى أصلي من غير تجوّز كما قيل فى كتب النحو الضمير بالألف والتاء ونون الجماعة لغير العقلاء فى الأصل يقال سفن جاريات ونخل باسقات وصرن الأيام ليالى وانما جعل ضمير جماعة النساء بها لتنزيلهن منزلة غير العقلاء لنقصان عقلهن وقال الحسن وقتادة الّا إناثا اى مواتا لا روح فيه سماها إناثا لانها تخبر عن الموات كما تخبر عن الإناث او لان الإناث أدون الجنسين كما ان الموات أرذل من الحيوان وعلى هذين الوجهين الإطلاق مجازى وقرأ ابن عباس الّا اثنا جمع الأوثان جمع وثن قلبت الواو همزة وقال الضحاك أراد بالإناث الملائكة فانهم كانوا يقولون الملائكة بنات الله قال الله تعالى وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً وذلك انه كان فى كل وثن شيطانا يتزا اى للسدنة والكهنة ويكلمهم كما ذكرنا فيما سبق وقيل المراد به إبليس فانه هو الذي أمرهم بعبادتها فعبادتها طاعته وعبادته مَرِيداً (١١٧) المارد والمريد الذي لا يعلق بخير واصل التركيب للملاسة ومنه صرح ممرد وغلام امرد والمراد هاهنا العاتي الخارج عن طاعة الله.
لَعَنَهُ اللَّهُ صفة ثانية للشيطان وَقالَ عطف على لعن اى شيطانا مريدا جامعا بين لعنة الله وهذا القول الدال على فرط عداوته للناس والتوصيف بهذا القول يدل على ان المراد بالشيطان إبليس فانه إذا ابى عن سجود آدم ولعنه الله قال وعزتك وجلالك لا أبرح اغوى بنى آدم ما دامت الأرواح فيهم كذا فى الصحيح من الحديث وهو المعنى من قوله تعالى لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (١١٨) اى مقدرا قدر لى قال الحسن من كل الف تسعمائة وتسعا وتسعين الى النار وواحدا الى الجنة قلت كذا ورد فى حديث بعث النار او المعنى نصيبا مقطوعا عمن عداه يعنى جماعة أشقياء ممتازة من السعداء.
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ عن الحق بإلقاء الوسوسة فى قلوبهم وتزيين الشهوات عندهم فنسبة الإضلال اليه انما هو بالمجاز عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ يأتى الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول من خلق ربّك فاذا بلغه فليستعذ بالله ولينته متفق عليه وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ الأماني الباطلة ان......
لا بعث ولا عذاب وطول الحيوة وادراك الاخرة مع ارتكاب المعاصي عن انس قال قال رسول الله ﷺ ان الشيطان يجرى من الإنسان مجرى الدم متفق عليه وعن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ ان للشيطان لمّة بابن آدم وللملك لمة فاما لمة الشيطان فايعاد بالشر وتكذيب بالحق وامّا لمة الملك فايعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم انه من الله فليحمد الله ومن وجد الاخرى فليستعذ بالله من الشيطان الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ رواه الترمذي وقال حديث غريب وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ البتك القطع والشق والتبتيك للتكثير والتكرير اى ليقطعن ويشققن آذانَ الْأَنْعامِ وهى عبارة عما كانت تفعل بالبحائر قال قتادة والسدى كانوا يبتكون آذانها لطواغيتهم قال فى القاموس البحر الشق وشق الاذن ومنه البحيرة كانوا إذا أنتجت الناقة عشرة ابطن بحروها اى شقوا اذنها وتركوها ترعى وحرموا لحمها إذا ماتت على نسائهم وأكلها الرجال وفيه اشارة الى تحريم كل ما أحل الله وتنقيص كل ما خلق كاملا بالفعل او بالقوة وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ عن وجهه صورة «١» او صفة «٢» ويندرج فيه فقوعين الحامى وخصاء العبيد والوشيم «٣» والوشير «٤» والمثلة واللواطة والسحق وعبادة الشمس والقمر والحجارة لانها ما وضعت لها واستعمال الجوارح والقوى فيما لا يعود على النفس كمالا وتغيير فطرة الله التي هى الإسلام، عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ما من مولود الا يولد على الفطرة فابواه يهود انه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء «٥» هل تحسون فيها من جدعاء «٦» ثم يقول فِطْرَتَ اللَّهِ
(١) قال رسول الله ﷺ لعن الله الواشمات والمتوشمات والمتنمصات والمتفلحات للحسن المغيرات خلق الله رواه احمد والشيخان عن ابن مسعود وروى احمد والشيخان عن ابن عمر عنه ﷺ لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة وروى احمد عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يلعن القاشرة والمقشورة والواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة منه رحمه الله
(٢) عن ابن عمر ان عمر بن الخطاب كان ينهى عن اختصاء البهائم ويقول هل النماء الا فى الذكور وامّا خصاء البهائم فلا يأس به عند ابى حنيفة كذا فى الهداية كذا روى عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الحسن وروى ابن ابى شيبة وابن المنذر عن محمد بن سيرين والحسن لكن روى ابن ابى شيبة والبيهقي وابن المنذر ان عمر بن الخطاب كان ينهى عن خصاء البهائم وروى ابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس قال نهى رسول الله ﷺ عن صبر الروح واخصاء البهائم واخرج ابن ابى شيبة والبيهقي عن ابن عمر قال نهى رسول الله ﷺ عن خصاء الخيل والبهائم وروى ابن ابى شيبة وغيره عن ابن عباس انه قال فيه نزلت وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وروى ابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم عن ابن عباس ولامرنهم ليغيرن خلق الله قال دين الله منه رحمه الله
(٣) الوشم غرز الابرة فى البدن وذر النيلج عليه منه رح
(٤) الوشر تحديد المرأة أسنانها وترقيقها منه رح
(٥) جمعاء اى سليمة من العيوب مجتمعة الأعضاء كاملتها نهاية
(٦) جدعاء اى مقطوعة الأطراف او أحدها والجدع قطع الانف او الاذن او الشفة نهاية منه رح
الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ متفق عليه يعنى لا تبدلوا خلق الله وجاز ان تكون هذه الجمل الخمس حكاية عمّا يأتيه الشيطان فعلا فحينئذ لا يختص هذا القول بإبليس، برهن الله سبحانه على ان الشرك ضلال غاية الضلال بان ما تشركون به تعالى جمادات لا تضر ولا تنفع بل هى اسماء سميتموها بأسماء الإناث لا حقيقة لها وبان الإشراك طاعة للشيطان المريد المنهمك فى الشر والضلال لا يعلق بشىء من الخير والهدى وبانه ملعون لضلالته فلا يستجلب مطاوعته الا اللعن والضلال وبانه فى غاية العداوة للانسان والسعى فى إهلاكهم فموالات من هذا شأنه بعيد عن العقل ضلال غايته فضلا عن عبادته ثم حكم بما هو كالنتيجة لما سبق من البرهان فقال وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا ربّا يطيعه مِنْ دُونِ اللَّهِ بايثاره ما يدعوه اليه على ما امر الله تعالى فيه اشارة الى ان عبادة الله بالاشراك غير مقبول عند الله تعالى بل هو عبادة لغير الله فقط ولا يجتمع عبادة الله مع عبادة غيره عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى انا اغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معى غيرى تركته وشركه وفى رواية فانا منه برئ وهو للذى عمله رواه مسلم فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (١١٩) حيث ضيع رأس ماله واشترى النار بالجنة.
يَعِدُهُمْ بالخواطر الفاسدة او بلسان أولياءه ما لا ينجزه ويحتمل ان يتصور بصورة انسان ويعدهم كما فعل يوم بدر إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ الاية وَيُمَنِّيهِمْ الأماني الباطلة التي لا ينالونها من طول العمر ونيل الدنيا ونحو ذلك وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً (١٢٠) باطلا وهو اظهار النفع فيما فيه الضرر واظهار الضرر فيما فيه النفع قال الله تعالى الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ يعنى بالإنفاق فى سبيل الله وصلة الرحم ويأمركم بالفحشاء.
أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (١٢١) اى هربا او مهربا فى القاموس حاص عنه يحيص حيصا وحيصة ومحيصا عدل وحاد وكلمة عنها حال منه وليس صلة لانه اسم مكان او مصدر فلا يعمل فيما قبله.
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اى تحت قصورها وغرفها الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا اى......
وعد الله وعدا وحق ذلك حقا فالمصدر الاول مؤكد لنفسه لان مضمون الجملة الاسمية وعد التي قبلها والثاني مؤكد لغيره ويجوز نصب الموصول بفعل يفسره ما بعده ووعد الله بقوله سندخلهم لانه بمعنى نعدهم ادخالهم الجنة وعدا حقا على انه حال من المصدر وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢) اى لا أحد جملة مؤكدة بليغة فى التأكيد والمقصود من الاية معارضة المواعيد الشيطانية الكاذبة لقرنائه بوعد الله الصادق لاوليائه وجاز ان يكون جملة معترضة بالواو وفائدتها التأكيد او معطوفة على محذوف اى صدق الله ومن اصدق من الله وجاز ان يكون عطفا على خالدين بتقدير القول اى وقائلين من اصدق والله اعلم اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس قالت اليهود والنصارى لا يدخل الجنة غيرنا وقالت قريش انا لا نبعث فانزل الله تعالى.
لَيْسَ الأمر منوطا بِأَمانِيِّكُمْ يا اهل مكة حيث تقولون لا بعث ولا نشور وتقولون هؤلاء الأصنام شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ وتقولون ان كان الأمر كما يزعم اصحاب محمد لنكونن خيرا منهم واحسن حالا ويدل على كون الخطاب لاهل مكة سياق الاية وبه قال مجاهد وَلا الأمر منوطا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ اليهود والنصارى حيث يقولون نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ويقولون لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى، ولَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ بل امر النجاة والثواب وضدهما منوط بالايمان والأعمال الصالحة وضدّها ثم فصّل الجملة فقال مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً من الكفر والمعاصي يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا يوصل اليه خيرا وَلا نَصِيراً (١٢٣) يدفع عنه شرا، كلمة من عامة شاملة للمؤمن والكافر وان كان سبب النزول خاصا اعنى أماني الكفار من اهل مكة واهل الكتاب فان العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب كذا ذكر البغوي قول ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهم ان الاية عامة فى حق كل عامل وقوله تعالى يجز به مقيد بعدم المغفرة كغيره من آيات الوعيد والجزاء يعم ما يصيبه فى الدنيا وما يصيبه فى الاخرة ان لم يغفر الله تعالى عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله ﷺ وحوله عصابة من أصحابه بايعونى على ان لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين ايديكم وأرجلكم ولا تعصوا فى معروف فمن وفى منكم فاجره على الله ومن أصاب من ذلك......
شيئا فعوقب على ذلك فى الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو الى الله ان شاء عفا عنه وان شاء عاقبه فبايعناه على ذلك متفق عليه وقوله تعالى لا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً لا يدل على ان هذا الحكم خاص بالكفار ولا يضر ذلك بالمؤمنين فان مولاهم الله تعالى كفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا فيغفرهم الله تعالى ان شاء يشفع لهم الملائكة والأنبياء والصالحون بإذن الله تعالى ولا يطلبون من دون الله وليا ولا نصيرا وامّا الكفار فيطلبون الولاية والنصرة ممّا عبدوها دون الله تعالى فلا يجدونها لهم اولياء ولا أنصارا ويدل على عموم هذه الاية المؤمنين والكفار حديث ابى بكر الصديق رضى الله عنه قال كنت عند رسول الله ﷺ فانزلت هذه الاية مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ قال رسول الله ﷺ يا أبا بكر الا اقرئك اية أنزلت عليّ قال قلت بلى قال فاقرانيها قال ولا اعلم انى وجدت انفصاما فى ظهرى حتى تمطيت لها فقال رسول الله ﷺ ما لك ما لك يا أبا بكر فقلت يا رسول الله بابى أنت وامّى أينا لم يعمل سوءا وانا لمجزيون بكل سوء عملناه فقال رسول الله ﷺ اما أنت وأصحابك المؤمنون فيجزون بذلك فى الدنيا حتى تلقوا الله وليست لكم ذنوب وامّا الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا يوم القيامة رواه البغوي بسنده والترمذي وعبد ابن حميد وابن المنذر وأخرجه احمد وابن حبان والحاكم بلفظ قال ابو بكر فمن ينجو مع هذا فقال عليه السلام اما تحزن اما تمرض اما يصيبك البلاء قال بلى يا رسول الله قال هو ذلك وروى احمد والبخاري فى تاريخه وابو يعلى والبيهقي نحوه عن عائشة وقال البغوي قال الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس رضى الله عنهما لما نزلت هذه الاية شقت «١» على المسلمين وقالوا يا رسول الله وايّنا لم يعمل سوءا غيرك فكيف الجزاء قال منه ما يكون فى الدنيا فمن يعمل حسنة فله عشر حسنات ومن جوزى بالسيئة نقصت واحدة من عشر وبقيت له تسع حسنات فويل لمن غلبت احاده أعشاره وامّا ما كان جزاء فى الاخرة فيقابل من حسناته وسيئاته فيلقى مكان كل سيئة حسنة وينظر فى الفضل فيعطى الجزاء فى الجنة فيؤتى كل ذى فضل
(١) وعن محمد بن المنتشر قال قال عمر لبثنا حين نزلت مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ما ينفعنا طعام ولا شراب حتى انزل الله بعد ذلك ورخص وقال وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
منه رحمه الله
فضله «١» والله اعلم قلت ما ذكرنا تخريج ابن ابى حاتم عن ابن عباس فى سبب نزول قوله تعالى ليس بامانيّكم هو الظاهر من حيث الرواية والدراية ولكن روى له سبب اخر ايضا أخرجه ابن جرير عن مسروق مرسلا ونحوه عن قتادة والضحاك والسدىّ وعن ابن عباس من طريق العوفى ان قوله تعالى لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ نزلت فى تفاخر النصارى واهل الإسلام وفى لفظ تفاخر اهل الأديان جلس ناس من اليهود وناس من النصارى وناس من المسلمين فقال هؤلاء نحن أفضل وقال هؤلاء نحن أفضل قال البغوي قال اهل الكتاب نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم فنحن اولى بالله منكم وقال المسلمون نبينا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضى على الكتب وقد أمنا بكتابكم ولم تؤمنوا بكتابنا فنحن اولى وعلى هذا الخطاب فى لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ مع المؤمنين ولا خفاء حينئذ فى عموم قوله تعالى مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً- واخرج ابن جرير ايضا عن مسروق وكذا ذكر البغوي عن الأعمش عن ابن الضحى عنه انه قال لما نزلت لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ قال اهل الكتاب نحن وأنتم سواء فنزلت هذه الاية.
وَمَن