0:00
0:00

سورة النساء
سورة مدنية على الصحيح وزعم النحاس أنها مكية مستندا إلى أن قوله تعالى : ﴿ إن الله يأمركم ﴾ الآية نزلت بمكة اتفاقا( ١ ) في شأن مفتاح الكعبة وتعقبه العلامة السيوطي بأن ذلك مستند واه لأنه لا يلزم من نزول آية أو آيات بمكة من سورة طويلة نزل معظمها بالمدينة أن تكون مكية خصوصا أن الأرجح أن ما نزل بعد الهجرة مدني ومن راجع أسباب نزول آياتها عرف الرد عليه ومما يرد عليه أيضا ما أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت :ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده صلى الله تعالى عليه وسلم وبناؤه عليها صلى الله تعالى عليه وسلم كان بعد الهجرة إتفاقا وقيل :إنها نزلت عند الهجرة وعدة آياتها عند الشاميين مائة وسبع وسبعون وعند الكوفيين ست وسبعون وعند الباقين خمس وسبعون والمختلف فيه منها آيتان :إحداهما ﴿ أن تضلوا السبيل ﴾ وثانيتهما ﴿ فيعذبهم عذابا أليما ﴾ فالكوفيون يثبتون الأولى آية فقط والشاميون يثبتون الثانية أيضا والباقون يقولون هما بعضا آية ووجه مناسبتها لآل عمران أمور منها أن آل عمران ختمت بالأمر بالتقوى وأفتتحت هذه السورة به وذلك من آكد وجوه المناسبات في ترتيب السور وهو نوع من أنواع البديع يسمى في الشعر تشابه الأطراف( ٢ ) وقوم يسمونه بالتسبيغ وذلك كقول ليلى الإخيلية :إذا نزل الحجاج أرضا مريضة تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي بها غلام إذا هز القناة رواها رواها فأرواها بشرب سجالها دماء رجال حيث نال حشاها ومنها أن في آل عمران ذكر قصة أحد مستوفاة وفي هذه السورة ذكر ذيلها وهو قوله تعالى : ﴿ فمالكم في المنافقين فئتين ﴾ فإنه نزل فيما يتعلق بتلك الغزوة على ما ستسمعه إن شاء الله تعالى مرويا عن البخاري ومسلم وغيرهما ومنها أن في آل عمران ذكر الغزوة التي بعد أحد كما أشرنا إليه في قوله تعالى : ﴿ الذين استجابوا لله والرسول ﴾ إلخ وأشير إليها ههنا بقوله سبحانه : ﴿ ولا تهنوا في ابتغاء القوم ﴾ الآية وبهذين الوجهين يعرف أن تأخير النساء عن آل عمران أنسب من تقديمها عليها كما في مصحف ابن مسعود لأن المذكور هنا ذيل لما ذكر هناك وتابع فكان الأنسب فيه التأخير ومن أمعن نظره وجد كثيرا مما ذكر في هذه السورة مفصلا لما ذكر فيما قبلها فحينئذ يظهر مزيد الإرتباط وغاية الإحتباك
١ - وذكر الطبرسي أن آية الكلالة نزلت بمكة أيضاً اهـ منه..
٢ - ولا يضر في ذلك كون الخطاب الأول: (يا أيها الذين آمنوا) والخطاب الثاني: (يا أيها الناس) كما لا يخفى اهـ منه..

﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم ﴾
﴿ يَأَيُّهَا الناس ﴾ خطاب يعم المكلفين من لدن نزل إلى يوم القيامة على ما مرّ تحقيقه، وفي تناول نحو هذه الصيغة للعبيد شرعاً حتى يعمهم الحكم خلاف، فذهب الأكثرون إلى التناول لأن العبد من الناس مثلاً فيدخل في الخطاب العام له قطعاً وكونه عبداً لا يصلح مانعاً لذلك، وذهب البعض إلى عدم التناول قالوا :لأنه قد ثبت بالإجماع صرف منافع العبد إلى سيده فلو كلف بالخطاب لكان صرفاً لمنافعه إلى غير سيده وذلك تناقض فيتبع الإجماع ويترك الظاهر، وأيضاً خرج العبد عن الخطاب بالجهاد، والجمعة، والعمرة، والحج، والتبرعات، والأقارير، ونحوها، ولو كان الخطاب متناولاً له للعموم لزم التخصيص، والأصل عدمه، والجواب عن الأول :أنا لا نسلم صرف منافعه إلى سيده عموماً بل قد يستثنى من ذلك وقت تضايق العبادات حتى لو أمره السيد في آخر وقت الظهر ولو أطاعه لفاتته الصلاة وجبت عليه الصلاة، وعدم صرف منفعته في ذلك الوقت إلى السيد، وإذا ثبت هذا فالتعبد بالعبادة ليس مناقضاً لقولهم :بصرف المنافع للسيد، وعن الثاني :بأن خروجه بدليل اقتضى خروجه وذلك كخروج المريض، والمسافر، والحائض عن العمومات الدالة على وجوب الصوم، والصلاة، والجهاد، وذلك لا يدل على عدم تناولها اتفاقاً، غايته أنه خلاف الأصل ارتكب لدليل وهو جائز ثم الصحيح أن الأمم الدارجة قبل نزول هذا الخطاب لا حظ لها فيه لاختصاص الأوامر والنواهي بمن يتصور منه الامتثال، وأنى لهم به وهم تحت أطباق الثرى لا يقومون حتى ينفخ في الصور.
وجوز بعضهم كون الخطاب عاماً بحيث يندرجون فيه، ثم قال :ولا يبعد أن يكون الأمر الآتي عاماً لهم أيضاً بالنسبة إلى الكلام القديم القائم بذاته تعالى، وإن كان كونه عربياً عارضاً بالنسبة إلى هذه الأمة، وفيه نظر لأن المنظور إليه إنما هو أحكام القرآن بعد النزول وإلا لكان النداء وجميع ما فيه من خطاب المشافهة مجازات ولا قائل به فتأمل، وعلى العلات لفظ ( الناس ) يشمل الذكور والإناث بلا نزاع، وفي شمول نحو قوله تعالى : ﴿ اتقوا رَبَّكُمُ ﴾ خلاف، والأكثرون على أن الإناث لا يدخلن في مثل هذه الصيغة ظاهراً خلافاً للحنابلة، استدل الأولون بأنه قد روي عن أم سلمة أنها قالت :يا رسول الله إن النساء قلن ما نرى الله تعالى ذكر إلا الرجال فأنزل ذكرهن، فنفت ذكرهن مطلقاً ولو كن داخلات لما صدق نفيهن ولم يجز تقريره عليه الصلاة والسلام للنفي، وبأنه قد أجمع أرباب العربية على أن نحو هذه الصيغة جمع مذكر وأنه لتضعيف المفرد والمفرد مذكر، وبأن نظير هذه الصيغة المسلمون ولو كان مدلول المسلمات داخلاً فيه لما حسن العطف في قوله تعالى :
﴿ إِنَّ المسلمين والمسلمات ﴾ [ الأحزاب :٣٥ ] إلا باعتبار التأكيد، والتأسيس خير من التأكيد، وقال الآخرون :المعروف من أهل اللسان تغليبهم المذكر على المؤنث عند اجتماعهما باتفاق، وأيضاً لو لم تدخل الإناث في ذلك لما شاركن في الأحكام لثبوت أكثرها بمثل هذه الصيغة، واللازم منتف بالاتفاق كما في أحكام الصلاة، والصيام، والزكاة، وأيضاً لو أوصى لرجال ونساء بمائة درهم، ثم قال :أوصيت لهم بكذا دخلت النساء بغير قرينة، وهو معنى الحقيقة فيكون حقيقة في الرجال والنساء ظاهراً فيهما وهو المطلوب.
وأجيب أما عن الأول :فبأنه إنما يدل على أن الإطلاق صحيح إذا قصد الجميع، والجمهور يقولون به، لكنه يكون مجازاً ولا يلزم أن يكون ظاهراً وفيه النزاع( ١ ). وأما عن الثاني :فبمنع الملازمة، نعم يلزم أن لا يشاركن في الأحكام بمثل هذه الصيغة، وما المانع أن يشاركن بدليل خارج ؟ والأمر كذلك، ولذلك لم يدخلن في الجهاد والجمعة مثلاً لعدم الدليل الخارجي هناك، وأما عن الثالث :فبمنع المبادرة ثمة بلا قرينة فإن الوصية المتقدمة قرينة دالة على الإرادة، فالحق عدم دخول الإناث ظاهراً، نعم الأولى هنا القول بدخولهن باعتبار التغليب، وزعم بعضهم أن لا تغليب بل الأمر للرجال فقط كما يقتضيه ظاهر الصيغة، ودخول الإناث في الأمر بالتقوى للدليل الخارجي، ولا يخفى أن هذا يستدعي تخصيص لفظ الناس ببعض أفراده لأن إبقاءه حينئذ على عمومه مما يأباه الذوق السليم، والمأمور به إما الاتقاء بحيث يشمل ما كان باجتناب الكفر والمعاصي وسائر القبائح، ويتناول رعاية حقوق الناس كما يتناول رعاية حقوق الله تعالى. وأما الاتقاء في الإخلال بما يجب حفظه من الحقوق فيما بين العباد وهذا المعنى مطابق لما في السورة من رعاية حال الأيتام، وصلة الأرحام، والعدل في النكاح، والإرث ونحو ذلك بالخصوص بخلاف الأول فإنه إنما يطابقها من حيث العموم، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين ما لا يخفى من تأييد الأمر وتأكيد إيجاد الامتثال، وكذا في وصف الرب بقوله سبحانه :
﴿ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ * واحدة ﴾ لأن الاستعمال جار على أن الوصف الذي علق به الحكم علة موجبة له، أو باعثة عليه داعية إليه، ولا يخفى أن ما هنا كذلك لأن ما ذكر يدل على القدرة العظيمة أو النعمة الجسيمة، ولا شك أن الأول :يوجب التقوى مطلقاً حذراً عن العقاب العظيم، وأن الثاني :يدعو إليها وفاءاً بالشكر الواجب ؛ وإيجاب الخلق من أصل واحد للاتقاء على الاحتمال الثاني ظاهر جداً، وفي الوصف المذكور تنبيه على أن المخاطبين عالمون بما ذكر مما يستدعي التحلي بالتقوى، وفيه كمال توبيخ لمن يفوته ذلك، والمراد من النفس الواحدة آدم عليه السلام، والذي عليه الجماعة من الفقهاء والمحدثين ومن وافقهم أنه ليس سوى آدم واحد وهو أبو البشر وذكر صاحب «جامع الأخبار » من الإمامية في الفصل الخامس عشر خبراً طويلاً نقل فيه أن الله تعالى خلق قبل أبينا آدم ثلاثين آدم، بين كل آدم وآدم ألف سنة، وأن الدنيا بقيت خراباً بعدهم خمسين ألف سنة، ثم عمرت خمسين ألف سنة، ثم خلق أبونا آدم عليه السلام، وروى ابن بابويه في كتاب «التوحيد » عن الصادق في حديث طويل أيضاً أنه قال :لعلك ترى أن الله تعالى لم يخلق بشراً غيركم بلى والله لقد خلق ألف ألف آدم أنتم في آخر أولئك الآدميين، وقال الميثم في «شرحه الكبير على النهج » ونقل عن محمد بن علي الباقر أنه قال :قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر، وذكر الشيخ الأكبر قدس سره في «فتوحاته » ما يقتضي بظاهره أن قبل آدم بأربعين ألف سنة آدم غيره، وفي كتاب «الخصائص »( ٢ ) ما يكاد يفهم منه التعدد أيضاً الآن حيث روى فيه عن الصادق أنه قال :إن لله تعالى اثني عشر ألف عالم كل عالم منهم أكبر من سبع سموات وسبع أرضين ما يرى عالم منهم أن لله عز وجل عالماً غيرهم، وأنى للحجة عليهم، ولعل هذا وأمثاله من أرض السمسمة وجابر ساوجاً بلقاً إن صح محمول على عالم المثال لا على هذا العالم الذي نحن فيه، وحمل تعدد آدم في ذلك العالم أيضاً غير بعيد، وأما القول بظواهر هذه الأخبار فمما لا يراه أهل السنة والجماعة، بل قد صرح زين العرب بكفر من يعتقد التعدد، نعم إن آدمنا هذا عليه السلام مسبوق بخلق آخرين كالملائكة والجن وكثير من الحيوانات وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى لا بخلق أمثاله وهو حادث نوعاً وشخصاً خلافاً لبعض الفلاسفة في زعمهم قدم نوع الإنسان، وذهب الكثير منا إلى أنه منذ كان إلى زمن البعثة ستة آلاف سنة وأن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة ورووا أخباراً كثيرة في ذلك، والحق عندي أنه كان بعد أن لم يكن ولا يكون بعد أن كان، وأما أنه متى كان ومتى لا يكون فمما لا يعلمه إلا الله تعالى، والأخبار مضطربة في هذا الباب فلا يكاد يعوّل عليها.
والقول بأن النفس الكلي يجلس لفصل القضاء بين الأنفس الجزئية في كل سبعة آلاف سنة مرة وأن قيام الساعة بعد تمام ألف البعثة محمول على ذلك فمما لا أرتضيه ديناً ولا أختاره يقيناً.
والخطاب في ربكم و خلقكم للمأمورين وتعميمه بحيث يشمل الأمم السالفة مع بقاء ما تقدم من الخطاب غير شامل بناءاً على أن شمول ربوبيته تعالى وخلقه للكل أتم في تأكيد الأمر السابق مع أن فيه تفكيكاً للنظم مستغنى عنه لأن خلقه تعالى للمأمورين من نفس آدم عليه السلام حيث كانوا بواسطة ما بينه وبينهم من الآباء والأمهات كان التعرض لخلقهم متضمناً لحق الوسائط جميعاً، وكذا التعرض لربوبيته تعالى لهم متضمن لربوبيته تعالى لأصولهم قاطبة لا سيما وقد أردف الكلام بقوله تعالى شأنه :
﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ وهو عطف على ﴿ خَلَقَكُمْ ﴾ داخل معه في حيز الصلة، وأعيد الفعل لإظهار ما بين الخلقين من التفاوت لأن الأول :بطريق التفريع من الأصل، والثاني :بطريق الإنشاء من المادة فإن المراد من الزوج حواء وهي قد خلقت من ضلع آدم عليه السلام الأيسر( ٣ ) كما روي ذلك عن ابن عمر وغيره، وروى الشيخان
«استوصوا بالنساء خيراً فإنهن خلقن من ضلع، وإنّ أعوجَ شيء من الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج » وأنكر أبو مسلم خلقها من الضلع لأنه سبحانه قادر على خلقها من التراب فأي فائدة في خلقها من ذلك، وزعم أن معنى ﴿ مِنْهَا ﴾ من جنسها والآية على حد قوله تعالى : ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ﴾ [ النحل :٧٢ ] ووافقه على ذلك بعضهم مدعياً أن القول بما ذكر يجر إلى القول بأن آدم عليه السلام كان ينكح بعضه بعضاً، وفيه من الاستهجان ما لا يخفى، وزعم بعض أن حواء كانت حورية خلقت مما خلق منه الحور بعد أن أسكن آدم الجنة وكلا القولين باطل، أما الثاني :فلأنه ليس في الآيات ولا الأحاديث ما يتوهم منه الإشارة إليه أصلاً فضلاً عن التصريح به، ومع هذا يقال عليه :إن الحور خلقن من زعفران الجنة كما ورد في بعض الآثار فإن كانت حواء مخلوقة مما خلقن منه كما هو نص كلام الزاعم فبينها وبين آدم عليه السلام المخلوق من تراب الدنيا بُعدٌ كلّي يكاد يكون افتراقاً في الجنسية التي ربما توهمها الآية، ويستدعي بعد وقوع التناسل بينهما في هذه النشأة وإن كانت مخلوقة مما خلق منه آدم فهو مع كونه خلاف نص كلامه يردّ عليه إن هذا قول بما قاله أبو مسلم وإلا يكنه فهو قريب منه، وأما الأول :فلأنه لو كان الأمر كما ذكر فيه لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة وهو خلاف النص، وأيضاً هو خلاف ما نطقت به الأخبار الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يردّ على الثاني أيضاً.
والقول بأن أي فائدة في خلقها من ضلع والله تعالى قادر على أن يخلقها من تراب ؟ يقال عليه :إن فائدة ذلك سوى الحكمة التي خفيت عنا إظهار أنه سبحانه قادر على أن يخلق حياً من حي لا على سبيل التوالد كما أنه قادر على أن يخلق حياً من جماد كذلك ولو كانت القدرة على الخلق من التراب مانعة عن الخلق من غيره لعدم الفائدة لخلق الجميع من التراب بلا واسطة لأنه سبحانه كما أنه قادر على خلق آدم من التراب هو قادر على خلق سائر أفراد الإنسان منه أيضاً، فما هو جوابكم عن خلق الناس بعضهم من بعض مع القدرة على خلقهم كخلق آدم عليه السلام فهو جوابنا عن خلق حواء من آدم مع القدرة على خلقها من تراب والقول :بأن ذلك يجرّ إلى ما فيه استهجان لا يخفى ما فيه.
لأن ه
١ - فإن قيل: الأصل في الإطلاق الحقيقة فلا يصار إلى المجاز إلا لدليل، أجيب بأنه لا نزاع في أن الصيغة للرجال وحدهم حقيقة ولو كانت لهم وللنساء معاً حقيقة أيضاً لزم الاشتراك، وإلا فالمجاز وقد تقرر في الأصول أن المجاز أولى من الاشتراك اهـ منه..
٢ - لابن بابويه اهـ منه..
٣ - وقيل: إنها خلقت من فضل طينته ونسب للباقر اهـ منه..
﴿ وَءاتُواْ اليتامى أموالهم ﴾ شروع في تفصيل موارد الاتقاء على أتم وجه ؛ وبدأ بما يتعلق باليتامى إظهاراً لكمال العناية بشأنهم ولملابستهم بالأرحام إذ الخطاب للأوصياء والأولياء وقلما تفوض الوصاية لأجنبي، واليتيم من الإنسان من مات أبوه، ومن سائر الحيوانات فاقد الأم من اليتم وهو الانفراد، ومن هنا يطلق على كل شيء عزَّ نظيره، ومنه الدرة اليتيمة وجمع على يتامى مع أن فعيلاً لا يجمع على فعالى بل على فعال ككريم وكرام، وفعلاء ككريم وكرماء وفعل كنذير ونذر وفعلى كمريض ومرضى إما لأنه أجري مجرى الأسماء، ولذا قلما يجري على موصوف فجمع على يتايم كأفيل( ١ ) وأفايل، ثم قلب فقيل :يتامى بالكسر، ثم خفف بقلب الكسرة فتحة فقلبت الياء ألفاً، وقد جاء على الأصل في قوله :
أأطلال حسن بالبراق ( اليتايم ) سلام على أحجاركنّ القدايم
أو لأنه جمع أولاً على يتمى، ثم جمع يتمى على يتامى إلحاقاً له بباب الآفات والأوجاع، فإن فعيلاً فيها يجمع على فعلى، وفعلى يجمع على فعالى كما جمع أسير على أسرى ثم على أسارى، ووجه الشبه ما فيه من الذل والانكسار المؤلم، وقيل :ما فيه من سوء الأدب المشبه بالآفات، والاشتقاق يقتضي صحة إطلاقه على الصغار والكبار لكن الشرع وكذا العرف خصصه بالصغار، وحديث «لا يتم بعد احتلام » تعليم للشريعة لا تعيين لمعنى اللفظ.
والمراد بإيتاء أموالهم تركها سالمة غير متعرض لها بسوء فهو مجاز مستعمل في لازم معناه لأنها لا تؤتى إلا إذا كانت كذلك، والنكتة في هذا التعبير الإشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الغرض من ترك التعرض إيصال الأموال إلى من ذكر لا مجرد ترك التعرض لها، وعلى هذا يصح أن يراد باليتامى الصغار على ما هو المتبادر، والأمر خاص بمن يتولى أمرهم من الأولياء والأوصياء، وشمول حكمه لأولياء من كان بالغاً عند نزول الآية بطريق الدلالة دون العبارة، ويصح أن يراد من جرى عليه اليتم في الجملة مجازاً أعم من أن يكون كذلك عند النزول، أو بالغاً فالأمر شامل لأولياء الفريقين صيغة موجب عليهم ما ذكر من كف الكف عنها، وعدم فك الفك لأكلها، وأما وجوب الدفع إلى الكبار فمستفاد مما سيأتي من الأمر به، وقيل :المراد من الإيتاء الإعطاء بالفعل، واليتامى إما بمعناه اللغوي الأصلي فهو حقيقة وارد على أصل اللغة، وإما مجاز باعتبار ما كان أوثر لقرب العهد بالصغر، والإشارة إلى وجوب المسارعة إلى دفع أموالهم إليهم حتى كأن اسم اليتيم باق بعد غير زائل، وهذا المعنى يسمى في الأصول بإشارة النص، وهو أن يساق الكلام لمعنى ويضمن معنى آخر، وهذا في الكون نظير المشارفة في الأول، وقيل :يجوز أن يراد باليتامى الصغار، ولا مجاز بأن يجعل الحكم مقيدا كأنه قيل :وآتوهم إذا بلغوا، وردّ بأنه قال في «التلويح » :إن المراد من قوله تعالى : ﴿ وَءاتُواْ اليتامى أموالهم ﴾ وقت البلوغ باعتبار ما كان، فإن العبرة بحال النسبة لا بحال التكلم، فالورود للبلغ على كل حال.
وقال بعض المحققين :تقدير القيد لا يغني عن التجوز إذ الحكم على ما عبر عنه بالصفة يوجب اتصافه بالوصف حين تعلق الوصف وحين تعلق الإيتاء به يكون يتيماً فلا بدّ من التأويل بما مر، وأجيب بأن هذه المسألة وإن كانت مذكورة في «التلويح » لكنها ليست مُسلَّمة، وقد تردد فيها الشريف في «حواشيه »، والتحقيق أن في مثل ذلك نسبتين :نسبة بين الشرط والجزاء وهي التعليقية وهي واقعة الآن، ولا تتوقف على وجودهما في الخارج، ونسبة إسنادية في كل من الطرفين وهي غير واقعة في الحال بل مستقبلة والمقصود الأولى، وفي زمان تلك النسبة كانوا يتامى حقيقة، ألا تراهم قالوا في نحو عصرت هذا الخل في السنة الماضية أنه حقيقة ؟ مع أنه في حال العصر عصير لا خل لأن المقصود النسبة التي هي تبعية فيما بين اسم الإشارة وتابعه لا النسبة الإيقاعية بينه وبين العصر كما حققه بعض الفضلاء وقد مرت الإشارة إليه في أوائل البقرة فتأمله فإنه دقيق.
وقيل :المراد من الإيتاء ما هو أعم من الإيتاء حالاً أو مآلاً، ومن اليتامى ما يعم الصغار والكبار بطريق التغليب، والخطاب عام لأولياء الفريقين على أن من بلغ منهم فوليه مأمور بالدفع إليه بالفعل وإن من لم يبلغ بعد فوليه مأمور بالدفع إليه عند بلوغه رشيداً، ورجح غير واحد الوجه الأول لقوله تعالى بعد آيات : ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ [ النساء :٦ ] الخ فإنه كالدليل على أن الآية الأولى :في الحض على حفظها لهم ليؤتوها عند بلوغهم ورشدهم، والثانية :في الحض على الإيتاء الحقيقي عند حصول البلوغ والرشد، ويلوح بذلك التعبير بالإيتاء هنا وبالدفع هناك، وأيضاً تعقيب هذه الآية بقوله تعالى :
﴿ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم ﴾ يقوي ذلك، فهذا كله تأديب للوصي ما دام المال بيده واليتيم في حجره، وأما على سائر الوجوه فيكون مؤدى هذه الآية وما سيأتي بعد كالشيء الواحد من حيث إن فيهما الأمر بالإيتاء حقيقة، ومن قال بذلك جعل الأولى كالمجملة والثانية كالمبينة لشرط الإيتاء من البلوغ وإيناس الرشد، ويرد على آخر الوجوه أيضاً أن فيه تكلفاً لا يخفى، ولا يرد على الوجه الراجح أن ابن أبي حاتم أخرج عن سعيد بن جبير أن رجلاً من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت ﴿ وَءاتُواْ اليتامى ﴾ الخ، فإن ذلك يدل على أن المراد بالإيتاء الإعطاء بالفعل لا سيما وقد روى الثعلبي، والواحدي عن مقاتل، والكلبي أن العمّ لما سمعها قال :أطعنا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم نعوذ بالله عز وجل من الحوب الكبير لما أنهم قالوا :العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص لسبب، ولعل العمّ لم يفهم الأمر بالإعطاء حقيقة بطريق العبارة بل بشيء آخر فقال ما قال، هذا وتبدل الشيء بالشيء واستبداله به أخذ الأول بدل الثاني بعد أن كان حاصلاً له أو في شرف الحصول يستعملان أبداً بإفضائهما إلى الحاصل بأنفسهما وإلى الزائل بالباء كما في قوله تعالى :
﴿ وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان ﴾ [ البقرة :١٠٨ ] الخ، وقوله سبحانه : ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ الذى هُوَ أدنى بالذى هُوَ خَيْرٌ ﴾ [ البقرة :٦١ ] وأما التبديل فيستعمل تارة كذلك كما في قوله تعالى : ﴿ وبدلناهم بجنتيهم جَنَّتَيْنِ ﴾ [ سبأ :١٦ ] الخ، وأخرى بالعكس كما في قولك :بدلت الحلقة بالخاتم إذا أذبتها وجعلتها خاتماً، وبدلت الخاتم بالحلقة إذا أذبته وجعلته حلقة، واقتصر الدميري على الأول، ونقل الأزهري عن ثعلب الثاني، ويشهد له قول الطفيل لما أسلم :
وبدل طالعي نحسي بسعدي *** وتارة أخرى بإفضائه إلى مفعوليه بنفسه كما في قوله تعالى : ﴿ فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات ﴾ [ الفرقان :٧٠ ] ﴿ فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مّنْهُ ﴾ [ الكهف :٨١ ] بمعنى يجعل الحسنات بدل السيئات ويعطيهما بدل ما كان لهما خيراً منه، ومرة يتعدى إلى مفعول واحد مثل بدلت الشيء أي غيرته، وقوله تعالى : ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا مَا سَمِعَهُ ﴾ [ البقرة :١٨١ ] وذكر الطيبي أن معنى التبديل التغيير وهو عام في أخذ شيء وإعطاء شيء، وفي طلب ما ليس عنده وترك ما عنده، وهذا معنى قول الجوهري :تبديل الشيء تغييره وإن لم يأت ببدل، ومعنى التبدل الاستبدال، والاستبدال طلب البدل فكل تبدل تبديل وليس كل تبديل تبدلاً، وفرق بعضهم بين التبديل والإبدال بأن الأول تغيير الشيء مع بقاء عينه والثاني رفع الشيء ووضع غيره مكانه فيقال :أبدلت الخاتم بالحلقة إذا نحيت هذا وجعلت هذه مكانه وقد أطالوا الكلام في هذا المقام وفيما ذكر كفاية لما نحن بصدده.
والمراد بالخبيث والطيب إما الحرام والحلال، والمعنى لا تستبدلوا أموال اليتامى بأموالكم أو لا تذروا أموالكم الحلال وتأكلوا الحرام من أموالهم فالمنهي عنه استبدال مال اليتيم بمال أنفسهم مطلقاً، أو أكل ماله مكان مالهم المحقق أو المقدر، وإلى الأول ذهب الفراء والزجاج، وقيل :المعنى لا تستبدلوا الأمر الخبيث وهو اختزال مال اليتيم بالأمر الطيب وهو حفظ ذلك المال وأياً مّا كان فالتعبير عن ذلك بالخبيث والطيب للتنفير عما أخذوه والترغيب فيما أعطوه وإما الرديء والجيد، ومورد النهي حينئذ ما كان الأوصياء عليه من أخذ الجيد من مال اليتيم وإعطاء الرديء من مال أنفسهم، فقد أخرج ابن جرير عن السدي أنه قال :كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم ويجعل في مكانها الشاة المهزولة، ويقول :شاة بشاة، ويأخذ الدرهم الجيد ويضع مكانه الزائف، ويقول :درهم بدرهم وإلى هذا ذهب النخعي والزهري وابن المسيب ؛ وتخصيص هذه المعاملة بالنهي لخروجها مخرج العادة لا لإباحة ما عداها فلا مفهوم لانخرام شرطه عنه القائل به.
واعترض هذا بأن المناسب حينئذ التبديل أو تبدل الطيب بالخبيث على ما يقتضيه الكلام السابق. وأجيب بأنه إذا أعطى الوصي رديئاً وأخذ جيداً من مال اليتيم يصدق عليه أنه تبدل الرديء بالجيد لليتيم وبدل لنفسه، وظاهر الآية أنه أريد التبدل لليتيم لأن الأوصياء هم المتصرفون في أموال اليتامى فنهوا عن بيع بوكس من أنفسهم ومن غيرهم وما ضاهاه، ولا يضر تبدل لنفسه أيضاً باعتبار آخر لأن المتبادر إلى الفهم النهي عن تصرف لأجل اليتيم ضار سواء عامل الوصي نفسه أو غيره، ومن غفل عن اختلاف الاعتبار كالزمخشري أول( ٢ ) بما لا إشعار للفظ به، وعلى العلات المراد من الآية النهي عن أخذ مال اليتيم على الوجه المخصوص بعد النهي الضمني عن أخذه على الإطلاق، والمراد من الأكل في النهي الأخير مطلق الانتفاع والتصرف، وعبر بذلك عنه لأنه أغلب أحواله، والمعنى لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم أي تنفقوهما معاً ولا تسووا بينهما، وهذا حلال وذاك حرام، فإلى متعلقة بمقدر يتعدى بها، وقد وقع حالاً، وقدره أبو البقاء مضافة، ويجوز تعلقها بالأكل على تضمينه معنى الضم، واختار بعضهم كونها بمعنى مع كما في «الذود إلى الذود إبل »، والمراد بالمعية مجرد التسوية بين المالين في الانتفاع أعم من أن يكون على الانفراد، أو مع أموالهم، ويفهم من «الكشاف » أن المعية تدل على غاية قبح فعلهم حيث أكلوا أموالهم مع الغنى عنها، وفي ذلك تشهير لهم بما كانوا يصنعون فلا يلزم القائل بمفهوم المخالفة جواز أكل أموالهم وحدها، ويندفع السؤال بذلك.
وأنت تعلم أن السؤال لا يرد ليحتاج إلى الجواب إذا فسر تبدل الخبيث بالطيب باستبدال أموال اليتامى بماله وأكلها مكانه لأنه حينئذ يكون ذلك نهياً عن أكلها وحدها وهذا عن ضمها، وليس الأول مطلقاً حتى يرد سؤال بأنه أي فائدة في هذا بعد ورود النهي المطلق، وفي «الكشف » لو حمل الانتهاء في إلى على أصله على أن النهي عن أكلها مع بقاء مالهم لأن أموالهم جعلت غاية لحصلت المبالغة، والتخلص عن الاعتذار، وظاهر هذا النهي عدم جواز أكل شيء من أموال اليتامى وقد خص من ذلك مقدار أجر المثل عند كون الولي فقيراً، وكون ذلك من مال اليتيم مما لا يكاد يخفى، فالقول بأنه لا حاجة إلى التخصيص لأن ما يأخذه الأولياء من
١ - بوزن –أمير ابن المخاض فما فوقه- الفصيل اهـ منه..
٢ - قيل: وإن ذهب إلى التأويل لا محالة فالأولى أن يقال: المهزول هو الطيب، والسمين هو الخبيث ضربه مثالا للحرام والحلال فتدبر اهـ منه..
﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء ﴾ شروع في النهي عن منكر آخر كانوا يباشرونه متعلق بأنفس اليتامى أصالة وبأموالهم تبعاً عقيب النهي عما يتعلق بأموالهم خاصة، وتأخيره عنه لقلة وقوع المنهي عنه بالنسبة إلى الأموال ونزوله منه منزلة المركب من المفرد مع كون المراد من اليتامى هنا صنفاً مما أريد منه فيما تقدم، وذلك أنهم كانوا يتزوجون من تحل لهم من يتامى النساء اللاتي يلونهن( ١ ) لكن لا رغبة فيهن بل في مالهنّ ويسيئون صحبتهن ويتربصون بهن أن يمتن فيرثوهن فوعظوا في ذلك وهذا قول الحسن، ورواه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وأخرج هؤلاء من طريق آخر والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي في «سننه » عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة رضي الله تعالى عنها عن هذه الآية فقالت يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها يشركها في مالها ويعجبه مالها وجمالها فيريد أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره فنهوا أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن، فالمراد من اليتامى المتزوج بهن والقرينة على ذلك الجواب فإنه صريح فيه والربط يقتضيه ومن النساء غير اليتامى كما صرحت به الحميراء رضي الله تعالى عنها لدلالة المعنى وإشارة لفظ النساء إليه، والإقساط العدل والإنصاف، وجعل بعض الهمزة فيه للإزالة فأصل معناه حينئذ إزالة القسوط أي الظلم والحيف، وقرأ النخعى تقسطوا بفتح التاء فقيل :هو من قسط بمعنى جار وظلم، ومنه ﴿ وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً ﴾ ( الجن ؛ ١٥ ) ولا مزيدة كما في قوله تعالى : ﴿ لّئَلاَّ يَعْلَمَ ﴾ [ الحديد :٢٩ ]، وقيل :هو بمعنى أقسط فإن الزجاج حكى أن قسط بلا همز تستعمل استعمال أقسط.
واليتامى جمع يتيمة على القلب كما قيل أيامى والأصل أيائم ويتائم وهو كما يقال للذكور يقال للإناث، والمراد من الخوف العلم عبر عنه بذلك إيذاناً بكون المعلوم مخوفاً محذوراً لا معناه الحقيقي لأن الذي علق به الجواب هو العلم بوقوع الجور المخوف لا الخوف منه وإلا لم يكن الأمر شاملاً لمن يصبر على الجور ولا يخافه، وإن وما بعدها في تأويل مصدر فإن لم تقدر من كان منصوباً وكان الفعل واصلاً إليه بنفسه وإن قدرت جاز فيه أمران :النصب عند سيبويه والجر عند الخليل، وما موصولة أو موصوفة وما بعدها صلتها أو صفتها، وأوثرت على من ذهاباً إلى الوصف من البكر أو الثيب مثلاً، وما تختص أو تغلب في غير العقلاء فيما إذا أريد الذات، وأما إذا أريد الوصف فلا كما تقول :ما زيد ؟ في الاستفهام، أي أفاضل أم كريم ؟ وأكرم ما شئت من الرجال تعني الكريم أو اللئيم.
وحكي عن الفراء أنها هنا مصدرية وأن المصدر المقدر بها وبالفعل مقدر باسم الفاعل أي انكحوا الطيب من النساء وهو تكلف مستغنى عنه، وقيل :إن إيثارها على من بناءاً على أن الإناث من العقلاء يجرين مجرى غير العقلاء لما روي في حقهن أنهن ناقصات عقل ودين، وفيه أنه مخل بمقام الترغيب فيهن، ومن بيانية، وقيل :تبعيضية، والمراد مما طاب لكم ما مالت له نفوسكم واستطابته، وقيل :ما حل لكم، وروي ذلك عن عائشة، وبه قال الحسن وابن جبير وأبو مالك، واعترضه الإمام بأنه في قوة أبيح المباح، وأيضاً يلزم الإجمال حيث لا يعلم المباح من الآية، وآثر الحمل على الأول ويلزم التخصيص وجعله أولى من الإجمال، وأجاب المدقق في «الكشف » بأن المبين تحريمه في قوله تعالى : ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ [ النساء :٢٣ ] الخ إن كان مقدم النزول فلا إجمال ولا تخصيص لأن الموصول جار مجرى المعرف باللام، والحمل على العهد في مثله هو الوجه وإلا فالإجمال المؤخر بيانه أولى من التخصيص بغير المقارن لأن تأخير بيان المجمل جائز عند الفريقين، وتأخير بيان التخصيص غير جائز عند أكثر الحنفية.
وقال بعض المحققين :ما طاب لكم ما لا تحرج منه لأنه في مقابل المتحرج منه من اليتامى ولا يخلو عن حسن، وكيفما كان فالتعبير عن الأجنبيات بهذا العنوان فيه من المبالغة في الاستمالة إليهن والترغيب فيهن ما لا يخفى، والسر في ذلك الاعتناء بصرف المخاطبين عن نكاح اليتامى عند خوف عدم العدل رعاية ليتمهن وجبراً لانكسارهن ولهذا الاعتناء أوثر الأمر بنكاح الأجنبيات على النهي عن نكاحهن مع أنه المقصود بالذات وذلك لما فيه من مزيد اللطف في استنزالهم فإن النفس مجبولة على الحرص على ما منعت منه، ووجه النهي الضمني إلى النكاح المترقب مع أن سبب النزول هو النكاح المحقق على ما فهمه البعض من الأخبار، ودل عليه ما أخرجه البخاري عن عائشة «أن رجلاً كانت له يتيمة فنكحها وكان لها عَذْق فكان يمسكها عليه ولم يكن لها من نفسه شيء فأنزل الله تعالى : ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ ﴾ » الخ لما فيه من المسارعة إلى دفع الشر قبل وقوعه فرب واقع لا يرفع، والمبالغة في بيان حال النكاح المحقق فإن محظورية المترقب حيث كان للجور المترقب فيه فمحظورية المحقق مع تحقق الجور فيه أولى، وقرأ ابن أبي عبلة من طاب وفي بعض المصاحف كما في «الدر المنثور » ما طيب لكم بالياء، وفي الآية على هذا التفسير دليل لجواز نكاح اليتيمة وهي الصغيرة إذ يقتضي جوازه إلا عند خوف الجور.
وقد بسط الكلام في كتب الفقه على وليّ النكاح، ومذهب الإمام مالك أن اليتيمة الصغيرة لا تزوج إذ لا إذن لها وعنده خلاف في تزويج الوصي لها إذا جعل له الأب الإجبار أو فهم عنه ذلك، والمشهور أن له ذلك فيحمل اليتامى في الآية على الحديثات العهد بالبلوغ، واسم اليتيم كما أشرنا إليه فيما مر.
﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ منصوبة على الحال من فاعل طاب المستتر، أو من مرجعه، وجوز العلامة كونها حالاً من النساء على تقدير جعل من بيانية، وذهب أبو البقاء إلى كونها بدلاً من ما وإلى الحالية ذهب البصريون وهو المذهب المختار، والكوفيون لم يجوزوا ذلك لأنها معارف عندهم، وأوجبوا في هذا المقام ما ذهب إليه أبو البقاء، وهي ممنوعة من الصرف على الصحيح، وجوز الفراء صرفها والمذاهب المنقولة في علة منع صرفها أربعة :أحدها :قول سيبويه والخليل وأبي عمرو :إنه العدل والوصف، وأورد عليه أن الوصفية في أسماء العدد عارضة وهي لا تمنع الصرف، وأجيب بأنها وإن عرضت في أصلها فهي نقلت عنها بعد ملاحظة الوصف العارض فكان أصلياً في هذه دون أصلها ولا يخلو عن نظر، والثاني :قول الفراء :إنها منعت للعدل والتعريف بنية الألف واللام ولذا لم تجز إضافتها ولا دخول( ٢ ) أل عليها، والثالث :ما نقل عن الزجاج أنها معدولة عن اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، فعدلت عن ألفاظ العدد وعن المؤنث إلى المذكر ففيها عدلان وهما سببان، والرابع :ما نقله أبو الحسن عن بعض النحويين أن العلة المانعة من الصرف تكرار العدل فيه لأن مثنى مثلاً عدلت عن لفظ اثنين ومعناه لأنها لا تستعمل في موضع تستعمل فيه إذ لا تلي العوامل وإنما تقع بعد جمع إما خبراً، أو حالاً، أو وصفاً، وشذ أن تلي العوامل وأن تضاف، وزاد السفاقسي في علة المنع خامساً :وهو العدل من غير جهة العدل لأن باب العدل أن يكون في المعارف وهذا عدل في النكرات، وسادساً :وهو العدل والجمع لأنه يقتضي التكرار فصار في معنى الجمع، وقال :زاد هذين ابن الصائغ في «شرح الجمل »، وجاء آحاد وموحد، وثناء ومثنى، وثلاث ومثلث، ورباع ومربع، ولم يسمع فيما زاد على ذلك كما قال أبو عبيدة إلا في قول الكميت :
ولم يستر يثوك حتى رميت فوق الرجال خصالاً ( عشاراً )
ومن هنا أعابوا( ٣ ) على المتنبي قوله :
أحاد أم ( سداس ) في أحاد لييلتنا المنوطة بالتناد
ومن الناس من جوز خماس ومخمس إلى آخر العقد قياساً وليس بشيء، واختير التكرار والعطف بالواو لتفهم الآية أن لكل واحد من المخاطبين أن يختار من هذه الأعداد المذكورة أي عدد شاء إذ هو المقصود لا أن بعضها لبعض منهم والبعض الآخر لآخر، ولو أفردت الأعداد لفهم من ذلك تجويز الجمع بين تلك الأعداد دون التوزيع ولو ذكرت بكلمة أو لفات تجويز الاختلاف في العدد بأن ينكح واحد اثنتين، وآخر ثلاثاً أو أربعاً وما قيل :إنه لا يلتفت إليه الذهن لأنه لم يذهب إليه أحد لا يلتفت إليه لأن الكلام في الظاهر الذي هو نكتة العدول ؛ وادعى بعض المحققين أنه لو أتى من الأعداد بما لا يدل على التكرار لم يصح جعله حالاً معللاً ذلك بأن جميع الطيبات ليس حالها أنها اثنان ولا حالها أنها ثلاثة، وكذا لو قيل :اقتسموا هذا المال الذي هو ألف درهم درهماً واثنين وثلاثة وأربعة لم يصح جعل العدد حالاً من المال الذي هو ألف درهم لأن حال الألف ليس ذلك بخلاف ما إذا كرر فإن المقصود حينئذ التفصيل في حكم الانقسام كأنه قيل :فانكحوا الطيبات لكم مفصلة ومقسمة إلى ثنتين ثنتين( ٤ )، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً، واقتسموا هذا المال الذي هو ألف درهم مفصلاً ومقسماً إلى درهم درهم، واثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، وبهذا يظهر فساد ما قيل :من أنه لا فرق بين اثنين ومثنى في صحة الحالية لأن انفهام الانقسام ظاهر من الثاني دون الأول كما لا يخفى، وأنه إنما أتى بالواو دون أو ليفيد الكلام أن تكون الأقسام على هذه الأنواع غير متجاوز إياها إلى ما فوقها لا أن تكون على أحد هذه الأنواع غير مجموع بين اثنين منها وذلك بناءاً على أن الحال بيان لكيفية الفعل، والقيد في الكلام نفي لما يقابله والواو ليست لأحد الأمرين أو الأمور كأو، وبهذا يندفع ما ذهب إليه البعض من جواز التسع تمسكاً بأن الواو للجمع فيجوز الثنتان والثلاث والأربع وهي تسع، وذلك لأن من نكح الخمس أو ما فوقها لم يحافظ على القيد أعني كيفية النكاح وهي كونه على هذا التقدير والتفصيل بل جاوزه إلى ما فوقه، ولعل هذا مراد القطب بقوله :إنه تعالى لما ختم الأعداد على الأربعة لم يكن لهم الزيادة عليها وإلا لكان نكاحهم خمساً خمساً ؛ فقول بعضهم :اللزوم ممنوع لعدم دلالة الكلام على الحصر فإن الإنسان إذا قال لولده :افعل ما شئت اذهب إلى السوق وإلى المدرسة وإلى البستان كان هذا تنصيصاً في تفويض زمام الاختيار إليه مطلقاً ورفع الحجر عنه ولا يكون ذلك تخصيصاً للإذن بتلك الأشياء المذكورة بل كان إذناً في المذكور وغيره فكذا هنا ؛ وأيضاً ذكر جميع الأعداد متعذر فإذا ذكر بعض الأعداد بعد فانكحوا ما طاب لكم من النساء كان ذلك تنبيهاً على حصول الإذن في جميع الأعداد كلام ليس في محله، وفرق ظاهر بين ما نحن فيه والمثال الحادث.
وقد ذكر الإمام الرازي شبه المجوزين التزوج بأي عدد أريد، وأطال الكلام في هذا المقام إلا أنه لم يأت بما يشرح الصدر ويريح الفكر، وذلك أنه قال :«إن قوماً شذاذاً ذهبوا إلى جواز التزوج بأي عدد واحتجوا بالقرآن والخبر، أما القرآن فقد تمسكوا بهذه الآية بثلاثة أوجه :الأول :إن قوله سبحانه : ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء ﴾ إطلاق في جميع الأعداد بدليل أنه لا عدد إلا ويصح استثناؤه منه، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لكان داخلاً،
١ - كذا بخطه، والخطب سهل اهـ..
٢ - ودعوى الزمخشري دخولها عليها لا دليل لها وكان اللائق الاستشهاد على ذلك اهـ منه..
٣ - كذا بخطه..
٤ - كذا بخطه أيضا. والخطب سهل اهـ..
﴿ وَءاتُواْ النساء ﴾ أي اعطوا النساء اللاتي أمر بنكاحهن ﴿ صدقاتهن ﴾ جمع صدقة بفتح الصاد وضم الدال، وهي كالصداق بمعنى المهر، وقرىء صدقاتهنّ بفتح الصاد وسكون الدال، وأصلها بضم الدال فخففت بالتسكين، وصدقاتهن بضم الصاد وسكون الدال جمع صدقة بوزن غرفة، وقرىء صدقتهن بضم الصاد والدال على التوحيد، وأصله صدقة بضم الصاد وسكون الدال فضمت الدال اتباعاً لضم الأول كما يقال :ظلمة وظلمة.
﴿ نِحْلَةً ﴾ أي فريضة قاله ابن عباس وابن زيد وابن جريج وقتادة فانتصابها على الحالية من الصدقات أي أعطوهن مهورهنّ حال كونها فريضة من الله تعالى لهنّ. وقال الزجاج، وابن خالويه :تدينا فانتصابها على أنها مفعول له أي أعطوهنّ ديانة وشرعة، وقال الكلبي :هبة وعطية من الله وتفضلاً منه تعالى عليهن فانتصابها على الحالية من الصدقات أيضاً، وقيل عطية :من الأزواج لهنّ فانتصابها على المصدر، أو على الحالية من ضمير آتوا أو من النساء أو من صدقاتهنّ. واعترض بأن الحال قيد للعامل فيلزم هنا كون الإيتاء قيداً للإيتاء والشيء لا يكون قيداً لنفسه، وأجيب بأن النحلة ليست مطلق الإيتاء بل هي نوع منه، وهو الإيتاء عن طيب نفس، فالمعنى أعطوهنّ صدقاتهنّ طيبي النفوس بالإعطاء، أو معاطاة عن طيب نفس، وعليه فالمصدر مبين للنوع.
فإن قلت إن النحلة أخذ في مفهومها أيضاً عدم العوض فكيف يكون المهر بلا عوض وهو في مقابلة البضع والتمتع به ؟ أجيب بأنه لما كان للزوجة في الجماع مثل ما للزوج أو أزيد وتزيد عليه بوجوب النفقة والكسوة كان المهر مجاناً لمقابلة التمتع بتمتع أكثر منه، وقيل :إن الصداق كان في شرع من قبلنا للأولياء بدليل قوله تعالى : ﴿ إِنّى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتى ﴾ [ القصص :٢٧ ] الخ، ثم نسخ فصار ذلك عطية اقتطعت لهنّ فسمي نحلة، وأيد غير واحد قول الكلبي :بأن ما وضع له لفظ النحلة هو العطية من غير عوض كما ذهب إليه جماعة منهم الرماني، وجعل من ذلك النحلة للديانة لأنها كالنحلة التي هي عطية من الله تعالى والنحل للدبر لما يعطي من العسل، والناحل للمهزول لأنه يأخذ لحمه حالاً بعد حال كأنه المعطيه بلا عوض، والمنحول من الشعر لأنه نحلة الشاعر ما ليس له، وحينئذٍ فمن فسر النحلة بالفريضة نظر إلى أن هذه العطية فريضة، والخطاب على ما هو المتبادر للأزواج، وإليه ذهب ابن عباس وجماعة، واختاره الطبري والجبائي وغيرهما قيل :كان الرجل يتزوج بلا مهر يقول :أرثك وترثيني ؟ فتقول :نعم، فأمروا أن يسرعوا إلى إعطاء المهور، وقيل :الخطاب لأولياء النساء فقد أخرج ابن حميد وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال :كان الرجل إذا زوج أيماً أخذ صداقها دونها فنهاهم الله تعالى عن ذلك ونزلت ﴿ وَءاتُواْ النساء ﴾ الخ، وروى ذلك الجارود من الإمامية عن الباقر رضي الله تعالى عنه، وهذه عادة كثير من العرب اليوم، وهو حرام كأكل الأزواج شيئاً من مهور النساء بغير رضاهنّ.
﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ ﴾ الضمير للصدقات وتذكيره لإجرائه مجرى ذلك فإنه كثيراً ما يشار به إلى المتعدد كقوله تعالى : ﴿ قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم ﴾ [ آل عمران :١٥ ] بعد ذكر الشهوات المعدودة، وقد روي عن أبي عبيدة أنه قال :قلت لرؤبة في قوله :
فيها خطوط من سواد وبلق *** كأنه في الجلد توليع البهق
إن أردت الخطوط :فقل كأنها، وإن أردت السواد والبلق فقل كأنهما، فقال :أردت كأن ذلك ويلك، أو للصداق الواقع موقعه صدقاتهن كأنه قيل :وآتوا النساء صداقهن والحمل على المعنى كثير، ومنه قوله تعالى : ﴿ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن ﴾ [ المنافقون :١٠ ] حيث عطف على ما دل عليه المذكور ووقع موقعه، أو للصداق الذي في ضمن الجمع لأن المعنى آتوا كل واحدة من النساء صداقاً، وقيل :الضمير عائد إلى الإيتاء، واعترض بأنه إنما يستقيم إذا أريد به المأتى، ورجوع ضمير إلى مصدر مفهوم، ثم تأويل ذلك المصدر بمعنى المفعول لا يخلو عن بعد، واللام متعلقة بالفعل وكذا عن بتضمينه معنى التجافي والتباعد، وإلا فأصله أن يتعدى لمثل ذلك بالباء كقوله :
وما كاد نفساً بالفراق تطيب *** و من متعلقة بمحذوف وقع صفة لشيء أي كائن من الصداق، وفيه بعث لهنّ على تقليل الموهوب حتى نقل( ١ ) عن الليث أنه لا يجوز تبرعهن إلا باليسير ولا فرق بين المقبوض وما في الذمة إلا أن الأول هبة والثاني إبراء، ولذلك تعامل الناس على التعويض فيه ليرتفع الخلاف.
﴿ نَفْساً ﴾ تمييز لبيان الجنس ولذا وحد، وتوضيح ذلك على ما ذكره بعض المحققين أن التمييز كما قاله النحاة إن اتحد معناه بالمميز وجبت المطابقة نحو كرم الزيدون رجالاً كالخبر والصفة والحال، وإلا فإن كان مفرداً غير متعدد وجب إفراده نحو كرم بنو فلان أباً إذ المراد أن أصلهم واحد متصف بالكرم فإن تعدد وألبس وجب خلفه بظاهر نحو كرم الزيدون آباءاً إذا أريد أن لكل منهم أباً كريماً إذ لو أفرد توهم أنهم من أب واحد، والغرض خلافه وإن لم يلبس جاز الأمران، ومصحح الإفراد عدم الإلباس كما هنا لأنه لا يتوهم أن لهن نفساً واحدة ومرجحه أنه الأصل مع خفته ومطابقته لضمير ﴿ مِنْهُ ﴾، وهو اسم جنس والغرض هنا بيان الجنس، والواحد يدل عليه كقولك :عشرون درهماً، والمعنى فإن وهبن لكم شيئاً من الصداق متجافياً عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى البذل من شكاسة أخلاقكم وسوء معاملتكم، وإنما أوثر ما في النظم الكريم دون فإن وهبن لكم شيئاً منه عن طيب نفس إيذاناً بأن العمدة في الأمر طيب النفس وتجافيها عن الموهوب بالمرة حيث جعل ذلك مبتدأً وركناً من الكلام لا فضلة كما في التركيب المفروض.
﴿ فَكُلُوهُ ﴾ أي فخذوا ذلك الشيء الذي طابت لكم عنه نفوسهن وتصرفوا فيه تملكاً، وتخصيص الأكل بالذكر لأنه معظم وجوه التصرفات المالية. ﴿ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ صفتان من هنؤ الطعام يهنؤ هناءة ومرؤ يمرؤ مراءة إذا لم يثقل على المعدة وانحدر عنها طيباً. وفي «الصحاح » نقلاً عن الأخفش يقال :هنؤ وهنىء. ومرؤ ومرىء، كما يقال :فقه وفقه بكسر القاف وضمها ويقال :هنأني الطعام يهنئني ويهنأني ولا نظير له في المهموز هنأ وهنأ، وتقول :هنئت الطعام أي تهنأت به وكذا يقال :مرأني الطعام يمرأ مرءاً، وقال بعضهم :أمرأني، وقال الفراء :يقال :هنأني الطعام ومرأني بغير ألف فإذا أفردوها عن هنأني قالوا :أمرأني، وقيل الهنىء الذي يلذه الآكل، والمرىء ما تحمد عاقبته، وقيل :ما ينساغ في مجراه الذي هو المرىء كأمير وهو رأس المعدة، والكرش اللاصق بالحلقوم سمي به لمرور الطعام فيه أي انسياغه، وانتصابهما كما قال الزمخشري على أنهما صفتان للمصدر أي أكلاً هنيئاً مريئاً ووصف المصدر بهما كما قال السعد :على الإسناد المجازي إذ الهنىء حقيقة هو المأكول أو على أنهما حالان من الضمير المنصوب أي كلوه وهو هنيء مريء، وقد يوقف على كلوه ويبتدأ هنيئاً مريئاً على الدعاء وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين كأنه قيل :هنأ مرأ، وأورد على ذلك مع أن الدعاء لا يكون من الله تعالى حتى أولوه أنه تحريف لكلام النحاة ومخالفة لهم، فإنهم يجعلون انتصاب ﴿ هَنِيئَاً ﴾ على الحال، و ﴿ مَّرِيئاً ﴾ إما على الحال، وإما على الوصف، ويدل على فساد ما خرّجه الزمخشري وصحة قول النحاة ارتفاع الأسماء الظاهرة بعد ﴿ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾، ولو كانا منتصبين انتصاب المصادر المراد بها الدعاء لما جاز ذلك فيها كما لا يجوز أن يقال :في سقيا لك ورعيا سقيا الله تعالى لك ورعيا الله لك، وإن كان ذلك جائزاً في فعله، والدليل على جواز رفع الأسماء الظاهرة بعدهما قول كثير :
( هنيئاً مريئاً ) غير داء مخامر *** لعزة من أعراضنا ما استحلت
فإن ( ما ) مرفوعة بما تقدم من ﴿ هَنِيئَاً ﴾ أو ﴿ مَّرِيئاً ﴾ على طريق الإعمال، وجاز الإعمال في هذه المسألة، وإن لم يكن بينهما رابط عطف لكون مريئاً في الغالب( ٢ ) لا يستعمل إلا تابعاً لهنيئاً فصارا كأنهما مرتبطان لذلك ورد بأن سيبويه قال :هنيئاً مريئاً صفتان نصبهما نصب المصادر المدعو بها بالفعل غير المستعمل إظهاره المختزل لدلالة الكلام عليه، وفيه أنه ليس بنص فيما ذهب إليه الزمخشري لاحتمال أنه أراد أنهما صفتان منصوبان على الحالية، والعامل فيهما فعل محذوف يدل الكلام عليه كالمصادر المدعو بها في أنها معمولة لفعل محذوف يدل الكلام عليه، ويؤيد ذلك أنه قال بعد ذلك كأنهم قالوا :ثبت ذلك هنيئاً فإن هذا مما يقال :على تقدير إقامتهما مقام المصدر، ومن هنا قال السفاقسي :إن مذهب سيبويه والجماعة أنهما حال منصوب بفعل مقدر محذوف وجوباً لقيامهما مقامه كقولك :أقائماً وقد قعد الناس، واعترض بهذا على ما تقدم من احتمال جعلهما حالاً من الضمير المنصوب في ( كلوه ) إذ عليه يكونان من جملة أخرى لا تعلق لهما بكلوا من حيث الإعراب.
واعترض أيضاً على الاستدلال بالبيت على رفع الظاهر بهما بأنه لا يتم لجواز أن تكون ( ما ) مرفوعة بالابتداء ولعزة خبره، أو مرفوعة بفعل مقدر، وكيفما كان الأمر يكون قوله سبحانه ذلك عبارة عن التحليل والمبالغة في الإباحة وإزالة التبعة، وفي «كتاب العياشي » من الإمامية مرفوعاً إلى عليّ كرم الله تعالى وجهه أنه جاءه رجل فقال :يا أمير المؤمنين إن في بطني وجعاً فقال :ألك زوجة ؟ قال :نعم. قال :استوهب منها شيئاً طيبة به نفسها من مالها ثم اشتر به عسلاً ثم اسكب عليه من ماء السماء ثم اشربه فإني سمعت الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه : ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السماء مَاء مباركا ﴾ [ ق :٩ ] وقال تعالى : ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ ﴾ [ النحل :٦٩ ] وقال عز شأنه : ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ فإذا اجتمعت البركة والشفاء والهنىء والمرىء شفيت إن شاء الله تعالى ففعل الرجل ذلك فشفي، وأخرج عبد بن حميد وغيره من أصحابنا عن علي كرم الله تعالى وجهه ما يقرب من هذا بلفظ إذا اشتكى أحدكم فليسأل امرأته ثلاثة دراهم أو نحوها فليشتر بها عسلاً وليأخذ من ماء السماء فيجمع هنياً مريئاً وشفاءً ومباركاً. وأخرج ابن جرير عن حضرمي أن أناساً كانوا يتأثمون أن يرجع أحدهم في شيء مما ساقه إلى امرأته فنزلت هذه الآية، وفيها دليل على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط حيث بني الشرط على طيب النفس وقلما يتحقق ولهذا كتب عمر رضي الله تعالى عنه إلى قضاته أن النساء تعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها. وحكى الشعبي أن رجلاً أتى مع امرأته شريحاً في عطية أعطتها إياه وهي تطلب أن ترجع فقال شريح :ردها عليها فقال الرجل :أليس قد قال الله تعالى : ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ ﴾ قال :لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه، وعنه أقيلها فيما وهبت ولا أقيله لأنهن يخدعن والذي عليه الحنفيون أن الزوجة إذا وهبت شيئاً للزوج ليس لها الرجوع فيه بل ذكر ابن هبيرة اتفاق الأئمة الأربعة على أنه ليس لأحد من الزوجين الرجوع فيما وهب لصاحبه.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ وَءاتُواْ النساء صدقاتهن ﴾ مهورهن ﴿ نِحْلَةً ﴾ عطية من الله وفضلاً، وفيه إ
١ - وعن الأوزاعي –كما في الكشاف- لا يجوز تبرعها ما لم تلد، أو تقم في بيت زوجها سنة اهـ منه..
٢ - ومن غير الغالب قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الاستسقاء: "اسقنا غيثاً مريئاً" اهـ منه..
﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم ﴾ رجوع إلى بيان بقية الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى وتفصيل ما أجمل فيما سبق من شرط إيتائها ( ووقته ) وكيفيته إثر بيان ( بعض ) ( ١ ) الأحكام المتعلقة بالأنفس أعني النكاح، وبيان بعض الحقوق المتعلقة بالأجنبيات من حيث النفس ومن حيث المال استطراداً إذ الخطاب كما يدل عليه كلام عكرمة للأولياء، وصرح هو وابن جبير بأن المراد من السفهاء اليتامى، ومن أموالكم أموالهم وإنما أضيفت إلى ضمير الأولياء المخاطبين تنزيلاً لاختصاصها بأصحابها منزلة اختصاصها بهم فكأن أموالهم عين أموالهم لما بينهم وبينهم من الاتحاد الجنسي والنسبي مبالغة في حملهم على المحافظة عليها، ونظير ذلك قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ [ النساء :٢٩ ] فإن المراد لا يقتل بعضكم بعضاً إلا أنه عبر عن نوعهم بأنفسهم مبالغة في الزجر عن القتل حتى كأن قتلهم قتل أنفسهم، وقد أيد ذلك بما دل عليه قوله سبحانه : ﴿ التى جَعَلَ الله لَكُمْ قياما ﴾ حيث عبر عن جعلها مناطاً لمعاش أصحابها بجعلها مناطاً لمعاش الأولياء، ومفعول ﴿ جَعَلَ ﴾ الأول محذوف وهو ضمير الأموال، والمراد من القيام ما به القيام والتعيش، والتعبير بذلك زيادة في المبالغة وهو المفعول الثاني لجعل، وقد جوز أن يكون المحذوف وحده مفعولاً، وهذا حالاً منه ؛ وقيل :إنما أضيفت الأموال إلى ضمير الأولياء نظراً إلى كونها تحت ولايتهم. واعترض بأنه وإن كان صحيحاً في نفسه لأن الإضافة لأدنى ملابسة ثابتة في كلامهم كما في قوله :
إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة سهيل أذاعت غزلها في القرائب
إلا أنه غير مصحح لاتصاف الأموال بما بعدها من الصفة، وقيل :إنما أضيفت إلى ضميرهم لأن المراد بالمال جنسه مما يتعيش الناس به ونسبته إلى كل أحد كنسبته إلى الآخر لعموم النسبة والمخصوص بواحد دون واحد شخص المال فجاز أن ينسب حقيقة إلى الأولياء كما ينسب إلى الملاك، ويؤيد ذلك وصفه بما لا يختص بمال دون مال، واعترض بأن ذلك بمعزل عن حمل الأولياء على المحافظة المذكورة كيف لا والوحدة الجنسية المالية ليست مختصة بما بين أموال اليتامى وأموال الأولياء بل هي متحققة بين أموالهم وأموال الأجانب فإذاً لا وجه لاعتبارها أصلاً، وروي أنه سئل الصادق رضي الله تعالى عنه عن هذه الإضافة، وقيل له :كيف كانت أموالهم أموالنا ؟ فقال :إذ كنتم وارثين لهم، وفيه احتمالان :أحدهما :أنه إشارة إلى ما ذكرناه أولاً في توجيه الإضافة، وثانيهما :أن ذلك من مجاز الأول، ويرد عليه حينئذ بعد القول بكذب نسبته إلى الصادق رضي الله تعالى عنه أن الأول غير متحقق بل العادة في الغالب على خلافه، والحمل على التفاؤل مما يتشاءم منه الذوق السليم.
وذكر العلامة الطيبي أنه إنما أضيف الأموال إلى اليتامى في قوله تعالى : ﴿ وَءاتُواْ اليتامى أموالهم ﴾ [ النساء :٢ ] ولم يضفه إليهم هنا مع أن الأموال في الصورتين لهم ليؤذن بترتب الحكم على الوصف فيهما فإن تسميتهم يتامى هناك يناسب قطع الطمع فيفيد المبالبغة في ردّ الأموال إليهم، فاقتضى ذلك أن يقال :أموالهم، وأما الوصف هنا فهو السفاهة فناسب أن لا يختصوا بشيء من المالكية لئلا يتورطوا في الأموال فلذلك لم يضف أموالهم إليهم وأضافها إلى الأولياء انتهى، ولا يخفى أنه بيان للعلة المرجحة لإضافة الأموال لمن ذكر، وينبغي أن تكون العلة المصححة ما مرّ آنفاً، ثم وصف اليتامى بأنهم سفهاء باعتبار خفة أحلامهم واضطراب آرائهم لما فيهم من الصغر وعدم التدرب، وأصل السفه الخفة والحركة، يقال :تسفهت الريح الشجر أي مالت به، قال ذو الرمة :
جرين كما اهتزت رماح ( تسفهت ) أعاليها مر الرياح النواسم
وقال أيضاً :
على ظهر مقلات ( سفيه ) جديلها *** يعني خفيف زمامها، ولكون هذا الوصف مما ينشأ منه تبذير المال وتلفه المخل بحال اليتيم ناسب أن يجعل مناطاً لهذا الحكم، وقد فسر السفهاء بالمبذرين بالفعل من اليتامى وإلى تفسير الآية بما ذكرنا ذهب الكثير من المتأخرين، وروي عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما أن المراد بالسفهاء النساء والصبيان، والخطاب لكل أحد كائناً من كان، والمراد نهيه عن إيتاء ماله من لا رشد له من هؤلاء، وقيل :إن المراد بهم النساء خاصة، وروي عن مجاهد وابن عمر، وروي( ١ ) عن أنس بن مالك أنه قال :«جاءت امرأة سوداء جرية المنطق ذات ملح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت :بأبي أنت وأمي يا رسول الله قل فينا خيراً مرة واحدة فإنه بلغني أنك تقول فينا كل شر قال :أي شيء قلت فيكن ؟ قالت :سميتنا السفهاء فقال :الله تعالى سماكن السفهاء في كتابه، قالت :وسميتنا النواقص، فقال :كفى نقصانا أن تدعن من كل شهر خمسة أيام لا تصلين فيها، ثم قال :أما يكفي إحداكن أنها إذا حملت كان لها كأجر المرابط في سبيل الله تعالى وإذا وضعت كانت كالمشتحط في دمه في سبيل الله تعالى فإذا أرضعت كان لها بكل جرعة كعتق رقبة من ولد إسماعيل فإذا سهرت كان لها بكل سهرة تسهرها كعتق رقبة من ولد إسماعيل وذلك للمؤمنات الخاشعات الصابرات اللاتي لا يكفرن العشير فقالت :السوداء يا له من فضل لولا ما يتبعه من الشرط٢.
وقيل :إن السفهاء عام في كل سفيه من صبي أو مجنون أو محجور عليه للتبذير، وقريب منه ما روي عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه قال :إن السفيه شارب الخمر ومن يجري مجراه، وجعل الخطاب عاماً أيضاً للأولياء وسائر الناس، والإضافة في أموالكم لا تفيد إلا الاختصاص وهو شامل لاختصاص الملكية واختصاص التصرف، وأيد ما ذهب إليه الكثير بأنه الملائم للآيات المتقدمة والمتأخرة، ومن ذهب إلى غيره جعل ذكر هذا الحكم استطراداً وكون ذلك مخلاً بجزالة النظم الكريم محل تأمل، وقرأ نافع وابن عامر ( قيماً ) بغير ألف، وفيه كما قال أبو البقاء ثلاثة أوجه :أحدها :أنه مصدر مثل الحول والعوض وكان القياس أن تثبت الواو لتحصنها بتوسطها كما صحت في العوض والحول لكن أبدلوها ياءاً حملاً على قيام، وعلى اعتلالها في الفعل، والثاني :أنها جمع قيمة كديمة وديم والمعنى إن الأموال كالقيم للنفوس إذ كان بقاؤها بها، وقال أبو علي :هذا لا يصح لأنه قد قرىء في قوله تعالى :
﴿ دِينًا قِيَمًا مّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ ﴾ [ الأنعام :١٦١ ] وقوله سبحانه : ﴿ الكعبة البيت الحرام * قَيِّماً ﴾ [ المائدة :٩٧ ] ولا يصح معنى القيمة فيهما. والثالث :أن يكون الأصل قياماً فحذفت الألف كما حذفت في خيم ؛ وإلى هذا ذهب بعض المحققين وجعل ذلك مثل عوذاً وعياذاً، وقرأ ابن عمر قواماً بكسر القاف وبواو وألف، وفيه وجهان :الأول :أنه مصدر قاومت قواماً مثل لاوذت لواذاً فصحت في المصدر كما صحت في الفعل، والثاني :أنه اسم لما يقوم به الأمر وليس بمصدر، وقرىء كذلك إلا أنه بغير ألف وهو مصدر صحت عينه وجاءت على الأصل كالعوض، وقرىء بفتح القاف وواو وألف، وفيه وجهان :أحدهما :أنه اسم مصدر مثل السلام والكلام والدوام، وثانيهما :أنه لغة في القوام الذي هو بمعنى القامة يقال :جارية حسنة القوام والقوام، والمعنى التي جعلها الله تعالى سبب بقاء قامتكم، وعلى سائر القراءات في الآية إشارة إلى مدح الأموال وكان السلف يقولون :المال سلاح المؤمن ولأن أترك مالاً يحاسبني الله تعالى عليه خير من أن احتاج إلى الناس، وقال عبد الله بن عباس :الدراهم والدنانير خواتيم الله في الأرض لا تؤكل ولا تشرب حيث قصدت بها قضيت حاجتك، وقال قيس بن سعد :اللهم ارزقني حمداً ومجداً فإنه لا حمد إلا بفعال ولا مجد إلا بمال، وقيل لأبي الزناد :لم تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا ؟ فقال :هي وإن أدنتني منها فقد صانتني عنها، وفي «منثور الحكم » من استغنى كرم على أهله، وفيه أيضاً الفقر مخذلة والغنى مجذلة والبؤس مرذلة والسؤال مبذلة وكانوا يقولون :اتجروا واكتسبوا فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه، وقال أبو العتاهية :
أجلك قوم حين صرت إلى الغنى وكل غني في العيون جليل
إذا مالت الدنيا على المرء رغبت إليه ومال الناس حيث يميل
وليس الغنى إلا غنى زين الفتى عشية يقري أو غداة ينيل
وقد أكثر الناس في مدح المال واختلفوا في تفضيل الغنى والفقر، واستدل كل على مدعاه بما لا يتسع له هذا المجال، ولشيخنا علاء الدين أعلى الله تعالى درجته في أعلى عليين :
قالوا اغتنى ناس وإنا نرى عنك وأنت العلم المال مال
قلت غنى النفس كمال الغنى والفقر كل الفقر فقد الكمال
وله أيضاً :
قالوا حوى المال رجال وما على كمال نلت هذا المنال
فقلت حازوا بعض أجزائه وإنني حزت جميع الكمال
﴿ وارزقوهم فِيهَا واكسوهم ﴾ أي اجعلوها مكانا لرزقهم وكسوتهم بأن تتجروا وتربحوا حتى تكون نفقاتهم من الأرباح لا من صلب المال لئلا يأكله الانفاق، وهذا ما يقتضيه جعل الأموال نفسها ظرفاً للرزق والكسوة، ولو قيل :منها كان الانفاق من نفس المال، وجوز بعضهم أن تكون في بمعنى من التبعيضية.
﴿ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ أي كلاماً تطيب به نفوسهم كأن يقول الولي لليتيم :مالك عندي وأنا أمين عليه فإذا بلغت ورشدت أعطيتك مالك، وعن مجاهد وابن جريج أنهما فسرا القول المعروف بِعِدَة جميلة في البر والصلة، وقال ابن عباس :هو مثل أن يقول :إذا ربحت في سفري هذا فعلت بك ما أنت أهله، وإن غنمت في غزاي جعلت لك حظاً، وقال الزجاج :علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم مما يتعلق بالعلم والعمل، وقال القفال :إن كان صبياً فالوصي يعرفه أن المال ماله وأنه إذا زال صباه يرد المال إليه، وإن كان سفيهاً وعظه وحثه على الصلاة وعرفه أن عاقبة الاتلاف فقر واحتياج.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية إن كان ليس من ولدك ولا ممن يجب عليك أن تنفق عليه فقل له :عافانا الله تعالى وإياك بارك الله تعالى فيك، ولا يخفى أن هذا خلاف الظاهر لما أنه ظاهر في أن الخطاب في هذه الجملة ليس للأولياء، وبالجلمة كل ما سكنت إليه النفس لحسنه شرعاً أو عقلاً من قول أو عمل معروف، وكل ما أنكرته لقبحه شرعاً أو عقلاً منكر قاله غير واحد وليس إشارة إلى المذهبين في الحسن والقبح هل هو شرعي أو عقلي كما قيل إذ لا خلاف بيننا وبين القائلين بالحسن والقبح العقليين في الصفة الملائمة للغرض والمنافرة له، وإن منها ما مأخذه العقل وقد يرد به الشرع، وإنما الخلاف فيما يتعلق به المدح والذم عاجلاً والثواب والعقاب آجلا هل هو مأخذه الشرع فقط أو العقل على ما حقق في الأصول.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم ﴾ أي لا تودعوا الناقصين عن مراتب الكمال أسراركم وعلومكم ﴿ التي جَعَلَ الله لَكُمْ قياما وارزقوهم فِيهَا ﴾ أي غذوهم بشيء منها ﴿ واكسوهم ﴾ أي حلوهم
﴿ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ ( النساء ؛ ٥ ) لينقادوا إليكم ويسلموا أنفسهم بأيديهم.
١ - ذكر ذلك الطبرسي. ولي في صحته شك اهـ منه..
﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ شروع في تعيين وقت تسليم أموال اليتامى إليهم وبيان شرطه بعد الأمر بإيتائها على الإطلاق، والنهي عنه عند كون أصحابها سفهاء قاله شيخ الإسلام وهو ظاهر على تقدير أن يراد من السفهاء المبذرين( ١ ) بالفعل من اليتامى وأما على تقدير أن يراد بهم اليتامى مطلقاً ووصفهم بالسفه باعتبار ما أشير إليه فيما مرّ ففيه نوع خفاء، وقيل :إن هذا رجوع إلى بيان الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى لا شروع وهو مبني على أن ما تقدم كان مذكوراً على سبيل الاستطراد والخطاب للأولياء، والابتلاء الاختبار أي واختبروا من عندكم من اليتامى بتتبع أحوالهم في الاهتداء إلى ضبط الأموال وحسن التصرف فيها وجربوهم بما يليق بحالهم والاقتصار على هذا الاهتداء رأي أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه والشافعي رحمه الله تعالى يعتبر مع هذا أيضاً الصلاح في الدين، إلى ذلك ذهب ابن جبير، ونسب إلى ابن عباس والحسن.
واتفق الإمامان رضي الله تعالى عنهما على أن هذا الاختبار قبل البلوغ وظاهر الكلام يشهد لهما لما تدل عليه الغاية، وقال الإمام مالك :إنه بعد البلوغ، وفرع الإمام الأعظم على كون الاختبار قبل، أن تصرفات العاقل المميز بإذن الولي صحيحة لأن ذلك الاختبار إنما يحصل إذا أذن له في البيع والشراء مثلا، وقال الشافعي :الاختبار لا يقتضي الإذن في التصرف لأنه يتوقف على دفع المال إلى اليتيم وهو موقوف على الشرطين وهما إنما يتحققان بعد، بل يكون بدونه على حسب ما يليق بالحال، فولد التاجر مثلا يختبر في البيع والشراء إلى حيث يتوقف الأمر على العقد وحينئذ يعقد الولي إن أراد وعلى هذا القياس.
﴿ حتى إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ ﴾ أي إذا بلغوا حدّ البلوغ وهو إما بالاحتلام أو بالسن وهو خمس عشرة سنة عند الشافعي وأبي يوسف ومحمد وهي رواية عن أبي حنيفة وعليها الفتوى عند الحنفية لما أن العادة الفاشية أن الغلام والجارية يصلحان للنكاح وثمرته في هذه المدة ولا يتأخران عنها، والاستدلال بما أخرجه البيهقي في «الخلافيات » من حديث أنس إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ما له وما عليه وأقيمت عليه الحدود ضعيف لأن البيهقي نفسه صرح بأن إسناد الحديث ضعيف، وشاع عن الإمام الأعظم أن السن للغلام تمام ثماني عشرة سنة وللجارية تمام سبع عشرة سنة، وله في ذلك قوله تعالى : ﴿ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ [ الأنعام :١٥٢ ] وأشُدّ الصبي ثماني عشرة سنة هكذا قاله ابن عباس وتابعه القتبي، وهذا أقل ما قيل فيه فيبنى الحكم عليه للتيقن غير أن الإناث نشؤهن وإدراكهن أسرع فنقصنا في حقهن سنة لاشتمالها على الفصول الأربعة التي يوافق واحد منها المزاج لا محالة، وعنه في الغلام تسع عشرة سنة، والمراد أن يطعن في التاسعة عشرة ويتم له ثماني عشرة، وقيل :فيه اختلاف الرواية لذكر حتى يستكمل تسع عشرة سنة.
وشاع عن الإمام الشافعي أنه قد جعل الإنبات دليلاً على البلوغ في المشركين خاصة، وشنع ابن حزم الضال عليه، والذي ذكره الشافعية أنه إذا أسر مراهق ولم يعلم أنه بالغ فيفعل فيه ما يفعل بالبالغين من قتل ومنّ وفداء بأسرى منّاً أو مال واسترقاق أو غير بالغ فيفعل فيه ما يفعل بالصبيان من الرق يكشف عن سوأته فإن أنبت فله حكم الرجال وإلا فلا وإنما يفعل به ذلك لأنه لا يخبر المسلمين ببلوغه خوفاً من القتل بخلاف المسلم فإنه لا يحتاج إلى معرفة بلوغه بذلك، ولا يخفى أن هذا لا يصلح محلاً للتشنيع وغاية ما فيه أنه جعل الإنبات سبباً لإجراء أحكام الرجال عليه في هذه المسألة لعدم السبيل إلى معرفة البلوغ فيها وصلاحيته لأن يكون أمارة في الجملة لذلك ظاهرة، وأما أن فيه أن الإنبات أحد أدلة البلوغ مثل الاحتلام والإحبال والحيض والحبل في الكفار دون المسلمين فلا.
﴿ فَإِنْ ءانَسْتُمْ ﴾ أي أحسستم قاله مجاهد وأصل معنى الاستئناس كما قال الشهاب النظر من بعد وضع اليد على العين إلى قادم ونحوه ما يؤنس به، ثم عم في كلامهم قال الشاعر :
( آنست ) نبأة وأفزعها الق ناص عصراً وقد دنا الإمساء
ثم استعير للتبين أي علم الشيء بينا، وزعم بعضهم أن أصله الإبصار مطلقاً وأنه أخذ من إنسان العين وهو حدقتها التي يبصر بها، وهو هنا محتمل لأن يراد منه المعنى المجازي أو المعنى الحقيقي، وقرأ ابن مسعود أحستم بحاء مفتوحة وسين ساكنة، وأصله أحسستم بسينين نقلت حركة الأولى إلى الحاء وحذفت لالتقاء الساكنين إحداهما على غير القياس، وقيل :إنها لغة سليم وإنها مطردة في عين كل فعل مضاعف اتصل بها تاء الضمير، أو نونه كما في قول أبي زيد الطائي :
خلا أن العتاق من المطايا أحسن به فهن إليه شوس
﴿ مّنْهُمْ رُشْداً ﴾ أي اهتداءاً إلى ضبط الأموال وحسن التصرف فيها، وقيل :صلاحاً في دينهم وحفظاً لأموالهم، وتقديم الجار والمجرور لما مر غير مرة، وقرىء ( رشداً ) بفتحتين، و ( رشداً ) بضمتين، وهما بمعنى رشداً، وقيل :الرشد بالضم في الأمور الدنيوية والأخروية، وبالفتح في الأخروية لا غير، والراشد والرشيد يقال فيهما ﴿ فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم ﴾ أي من غير تأخير عن حدّ البلوغ كما تدل عليه الفاء، وفي إيثار الدفع على الإيتاء في أول الأمر إيذان على ما ذهب إليه البعض بتفاوتهما بحسب المعنى، وقد تقدم الكلام في ذلك، ونظم الآية أن حتى هي التي تقع بعدها الجمل كالتي في قوله :
سريت بهم حتى تكل مطيهم وحتى الجياد ما يقدن بأرسان
وتسمى ابتدائية في ذلك، ولا يذهب منها معنى الغاية كما نصوا عليه في عامة كتب النحو، وذكره الكثير من الأصوليين خلافاً لمن وهم فيه، وما بعدها جملة شرطية جعلت غاية للابتلاء، وفعل الشرط بلغوا وجوابه الشرطية الثانية كما حققه غير واحد من المعربين، وبيان ذلك أنه ذكر في «شرح التسهيل » لابن عقيل أنه إذا توالى شرطان فأكثر كقولك :إن جئتني إن وعدتك أحسنت إليك، فأحسنت إليك جواب إن جئتني واستغنى به عن جواب إن وعدتك، وزعم ابن مالك أن الشرط الثاني مقيد للأول، بمنزلة الحال، وكأنه قيل :إن جئتني في حال وعدي لك، والصحيح في هذه المسألة أن الجواب للأول، وجواب الثاني محذوف لدلالة الشرط الأول وجوابه عليه فإذا قلت :إن دخلت الدار إن كلمت زيداً إن جاء إليك فأنت حر، فأنت حرّ جواب إن دخلت، وإن دخلت، وجوابه دليل جواب إن كلمت، وإن كلمت وجوابه دليل جواب إن جاء، والدليل على الجواب جواب في المعنى، والجواب متأخر فالشرط الثالث مقدم وكذا الثاني فكأنه قيل :إن جاء فإن كلمت فإن دخلت فأنت حر فلا يعتق إلا إذا وقعت هكذا مجيء ثم كلام ثم دخول، وهو مذهب الشافعي، وذكر الجصاص أن فيها خلافاً بين محمد وأبي يوسف، وليس مذهب الشافعي فقط والسماع يشهد له قال :
إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا منا معاقد عز زانها كرم
وعليه فصحاء المولدين، وقال بعض الفقهاء :الجواب للأخير والشرط الأخير وجوابه جواب الثاني، والشرط الثاني وجوابه جواب الأول، فعلى هذا لا يعتق حتى يوجد هكذا دخول ثم كلام ثم مجيء، وقال بعضهم إذا اجتمعت حصل العتق من غير ترتيب وهذا إذا كان التوالي بلا عاطف فإن عاطف بأو فالجواب لأحدهما دون تعيين نحو إن جئتني، أو إن أكرمت زيداً أحسنت إليك وإن كان بالواو فالجواب لهما. وإن كان بالفاء فالجواب للثاني، وهو وجوابه جواب الأول فتخرج الفاء عن العطف وما نحن فيه من المقرون بالفاء وهي رابطة للجواب كالفاء الثانية وما خرجناه عليه هو الذي ارتضاه جماعة منهم الزمخشري، ومذهب الزجاج وبعض النحاة والمؤنة عليه أقل أن حتى الداخلة على هذه الجملة حرف جر، وإذا متمحضة للظرفية وليس فيها معنى الشرط، والعامل فيها على التقدير الأول ما يتلخص من معنى جوابها والمعنى( ٢ ) وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم فاستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم، وعبر في البلوغ بإذا وفي الإيناس بإن للفرق بينهما ظهوراً وخفاءاً.
وظاهر الآية الكريمة أنه لا يدفع إليهم ولو بلغوا ما لم يؤنس منهم الرشد وهو مذهب الشافعي، وقول الإمامين وبه قال مجاهد، فقد أخرج ابن المنذر وغيره عنه أنه قال :لا يدفع إلى اليتيم ماله وإن شمط ما لم يؤنس منه رشد، ونسب إلى الشعبي، وقال الإمام الأعظم.
إذا زادت على سن البلوغ سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير الأحوال إذ الطفل يميز بعدها ويؤمر بالعبادة كما في الحديث يدفع إليه ماله، وإن لم يؤنس الرشد لأن المنع كان لرجاء التأديب فإذا بلغ ذلك السن ولم يتأدب انقطع عنه الرجاء غالباً فلا معنى للحجر بعده وفي «الكافي ». وللإمام الأعظم قوله تعالى : ﴿ وَءاتُواْ اليتامى أموالهم ﴾ [ النساء :٢ ]، والمراد بعد البلوغ فهو تنصيص على وجوب دفع المال بعد البلوغ إلا أنه منع عنه ماله قبل هذه المدة بالإجماع ولا إجماع هنا فيجب دفع المال بالنص والتعليق بالشرط لا يوجب العدم عند العدم عندنا على أن الشرط رشد نكرة فإذا صار الشرط في حكم الوجود بوجه وجب جزاؤه، وأول أحوال البلوغ قد يقارنه السفه باعتبار أثر الصبا وبقاء أثره كبقاء عينه، وإذا امتد الزمان وظهرت الخبرة والتجربة لم يبق أثر الصبا وحدث ضرب من الرشد لا محالة لأنه حال كمال لبه فقد ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال :ينتهي لب الرجل إذا بلغ خمساً وعشرين. وقال أهل الطباع :من بلغ خمساً وعشرين سنة فقد بلغ أشدّه ألا ترى أنه قد يصير جداً صحيحاً في هذا السن لأن أدنى مدة البلوغ اثنا عشر حولاً وأدنى مدة الحمل ستة أشهر، ففي هذه المدة يمكن أن يولد له ابن ثم ضعف هذا المبلغ يولد لابنه ابن.
وأنت تعلم أن الاستدلال بما ذكر من الآية على الوجه الذي ذكر ظاهر بناءاً على أن المراد بالإيتاء فيها الدفع، وقد مر الكلام في ذلك، واعترض على قوله :على أن الشرط الخ بأنه إذا كان ضرب من الرشد كافياً كما يشعر به التنكير وكان ذلك حاصلاً لا محالة في ذلك السن كما هو صريح كلامه، واستدل عليه بما استدل كان الدفع حينئذ عند إيناس الرشد وهو مذهب الشافعي وقول الإمامين فلم يصح أن يقال :إن مذهب الإمام وجوب دفع مال اليتيم إليه إن أونس منه الرشد أو لم يؤنس، غاية ما في الباب أنه يبقى خلاف بين الإمام وغيره في أن الرشد المعتبر شرطاً للدفع في الآية ماذا وهو أمر آخر وراء ما شاع عن الإمام رضي الله تعالى عنه في هذه المسألة وأيضاً إن أريد بهذا الضرب من الرشد الذي أشار إليه التنوين هو الرشد في مصلحة المال فكونه لا بد وأن يحصل في سن خمس وعشرين سنة في حيز المنع، وإن أريد ضرب من الرشد كيفما كان فهو على فرض تسليم حصوله إذ ذاك لا يجدي نفعاً إذ الآية كالصريحة في اشتراط الضرب الأول.
فقد قال الفخر :«لا شك أن المراد من ابتلاء اليتامى المأمور به ابتلاؤهم فيما يتعلق بمصالح حفظ المال، وقد قال الله تعالى بعد ذلك الأمر ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إِذَا ﴾ فيجب أن يكون المراد فإن آنستم ( منهم ) رشداً في ( حفظ المال و ) ( ١ ) ضبط مصالحه فإنه إن لم يكن المراد ذلك تفكك النظم ولم يبق للبعض تعلق بالبعض، وإذا ثبت هذا علمنا أن الشرط المعتبر في الآية هو حصول الرشد في رعاية مصالح المال ( لا ضرب من الرشد كيف كان )، ثم قال :والقياس الجلي يقوي الاستدلال بالآية لأن الصبي إن
١ - قوله: "المبذرين" كذا بخط المؤلف اهـ مصححه..
٢ - تلخيص للمعنى وإظهار لكون المقصود الجزاء أعني الدفع وأن استحقاقهم الدفع لا يتخلف عن البلوغ البتة عند تحقق الشرط كذا في الكشف اهـ منه..
﴿ لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الولدان والأقربون ﴾ شروع في بيان أحكام المواريث بعد بيان ( أحكام ) ( ١ ) أموال اليتامى المنتقلة إليهم بالإرث، والمراد من الرجال الأولاد الذكور، أو الذكور أعم من أن يكون كباراً أو صغاراً، ومن الأقربين الموروثون، ومن الوالدين ما لم يكن بواسطة، والجد والجدة داخلان تحت الأقربين، وذكر الولدان مع دخولهما أيضاً اعتناءاً بشأنهما، وجوز أن يراد من الوالدين ما هو أعم من أن يكون بواسطة أو بغيرها فيشمل الجد والجدة، واعترض بأنه يلزم توريث أولاد الأولاد مع وجود الأولاد. وأجيب بأن عدم التوريث في هذه الصورة معلوم من أمر آخر لا يخفى، والنصيب الحظ كالنصب بالكسر ويجمع على أنصباء وأنصبة، و من في مما متعلقة بمحذوف وقع صفة للنكرة قبله أي نصيب كائن مما ترك وجوز تعلقه بنصيب.
﴿ وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا تَرَكَ * الولدان *والاقربون ﴾ المراد من النساء البنات مطلقاً أو الإناث كذلك، وإيراد حكمهن على الاستقلال دون الدرج في تضاعيف أحكام السالفين بأن يقال للرجال والنساء نصيب الخ للاعتناء كما قال شيخ الإسلام بأمرهن والإيذان بأصالتهن في استحقاق الإرث، والإشارة من أول الأمر إلى تفاوت ما بين نصيبي الفريقين والمبالغة في إبطال حكم الجاهلية فإنهم ما كانوا يورثون النساء والأطفال ويقولون :إنما يرث من يحارب ويذب عن الحوزة، وللرد عليهم نزلت هذه الآية كما قال ابن جبير وغيره وروي أن أوس بن ثابت وقيل :أوس بن مالك، وقيل :ثابت بن قيس، وقيل :أوس بن الصامت وهو خطأ لأنه توفي في زمن خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه مات وترك ابنتين وابناً صغيراً وزوجته أم كحة، وقيل :بنت كحة، وقيل :أم كحلة، وقيل :أم كلثوم فجاء أبناء عمه خالد أو سويد وعرفطة أو قتادة، وعرفجة فأخذا ميراثه كله فقالت امرأته لهما :تزوجا بالابنتين وكانت بهما دمامة فأبيا فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما أدري ما أقول ؟ فنزلت : ﴿ لّلرّجَالِ نَصِيبٌ ﴾ الآية فأرسل صلى الله عليه وسلم إلى ابني العم فقال :لا تحركا من الميراث شيئاً فإنه قد أنزل علي فيه شيء أخبرت فيه أن للذكر والأنثى نصيباً ثم نزل بعد ذلك : ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النساء ﴾ إلى قوله : ﴿ عَلِيماً ﴾ [ النساء :١٢٧ ] ثم نزل : ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم ﴾ إلى قوله : ﴿ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [ النساء :١١، ١٢ ] فدعى صلى الله عليه وسلم بالميراث فأعطى المرأة الثمن وقسم ما بقي بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين ولم يعط ابني العم شيئاً »، وفي بعض طرقه أن الميت خلف زوجة وبنتين وابني عم فأعطى صلى الله عليه وسلم الزوجة الثمن والبنتين الثلثين وابني العم الباقي.
وفي الخبر دليل على جواز تأخير البيان عن الخطاب، ومن عمم الرجال والنساء وقال :إن الأقربين عام لذوي القرابة النسبية والسببية جعل الآية متضمنة لحكم الزوج والزوجة واستحقاق كل منهما الإرث من صاحبه، ومن لم يذهب إلى ذلك وقال :إن الأقربين خاص بذوي القربة النسبية جعل فهم الاستحقاق كفهم المقدار المستحق مما سيأتي من الآيات، وعلل الاقتصار على ذكر الأولاد والبنات هنا بمزيد الاهتمام بشأن اليتامى واحتج الحنفية والإمامية بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام قالوا :لأن العمات والخالات وأولاد البنات من الأقربين فوجب دخولهم تحت قوله سبحانه : ﴿ لّلرّجَالِ ﴾ الخ غاية ما في الباب أنَّ قدر ذلك النصيب غير مذكور في هذه الآية إلا أنا نثبت كونهم مستحقين لأصل النصيب بها، وأما المقدار فمستفاد من سائر الدلائل، والإمامية فقط على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يورثون كغيرهم، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً رده على أتم وجه.
﴿ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ﴾ بدل من ما الأخيرة بإعادة العامل قبل ؛ ولعلهم إنما لم يعتبروا كون الجار والمجرور بدلاً من الجار المجرور لاستلزامه إبدال من من مّن واتحاد اللفظ في البدل غير معهود. وجوز أبو البقاء كون الجار والمجرور حالاً من الضمير المحذوف في ترك أي مما تركه قليلاً أو كثيراً أو مستقراً مما قلّ، ومثل هذا القيد معتبر في الجملة الأولى إلا أنه لم يصرح به هناك تعويلاً على ذكره هنا، وفائدته دفع توهم اختصاص بعض الأموال ببعض الورثة كالخيل وآلات الحرب للرجال، وبهذا يرد على الإمامية لأنهم يخصون أكبر أبناء الميت من تركته بالسيف والمصحف والخاتم واللباس البدني بدون عوض عند أكثرهم، وهذا من الغريب كعدم توريث الزوجة من العقار مع أن الآية مفيدة أن لكل من الفريقين حقاً من كل ما جل ودق، وتقديم القليل على الكثير من باب ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا ﴾ [ الكهف :٤٩ ].
﴿ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ نصب إما على أنه مصدر مؤكد بتأويله بعطاء ونحوه من المعاني المصدرية وإلا فهو اسم جامد، ونقل عن بعضهم أنه مصدر، وإما على الحالية من الضمير المستتر في قل وكثر أو في الجار والمجرور الواقع صفة، أو من نصيب لكون وصفه بالظرف سوغ مجيء الحال منه أو من الضمير المستتر في الجار والمجرور الواقع خبراً إذ المعنى ثبت لهم مفروضاً نصيب، وهو حينئذ حال موطئة والحال في الحقيقة وصفه، وقيل :هو منصوب على أنه مفعول بفعل محذوف والتقدير أوجب لهم نصيباً، وقيل :منصوب على إضمار أعني ونصبه على الاختصاص بالمعنى المشهور مما أنكره أبو حيان لنصهم على اشتراط عدم التنكير في الاسم المنصوب عليه، والفرض كالضرب التوقيت ومنه :
﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج ﴾ [ البقرة :١٩٧ ] والحز في الشيء كالتفريض وما أوجبه الله تعالى كالمفروض سمي بذلك لأن له معالم وحدوداً، ويستعمل بمعنى القطع، ومنه قوله تعالى : ﴿ لاَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ [ النساء :١١٨ ] أي مقتطعاً محدوداً كما في «الصحاح »، فمفروضاً هنا إما بمعنى مقتطعاً محدوداً كما في تلك الآية، وإما بمعنى ما أوجبه الله تعالى أي نصيباً أوجبه الله تعالى لهم.
وفرق الحنفية بين الفرض والواجب بأن الفعل غير الكف المتعلق به خطاب بطلب فعل بحيث ينتهض تركه في جميع وقته سبباً للعقاب إن ثبت بقطعي، ففرض كقراءة القرآن في الصلاة الثابتة بقول تعالى : ﴿ فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان ﴾ [ المزمل :٢٠ ] وإن ثبت بظني فهو الواجب نحو تعيين الفاتحة الثابت بقوله صلى الله عليه وسلم :" لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " وهو آحاد، ونفي الفضيلة محتمل ظاهر، وذهب الشافعية إلى ترادفهما، واحتج كل لمدعاه بما احتج به، والنزاع على ما حقق في الأصول لفظي قاله غير واحد، وقال بعض المحققين :لا نزاع للشافعي في تفاوت مفهومي الفرض والواجب في اللغة ولا في تفاوت ما ثبت بدليل قطعي كحكم الكتاب وما ثبت بدليل ظني كحكم خبر الواحد في الشرع فإن جاحد الأول كافر دون الثاني، وتارك العمل بالأول مؤلاً فاسق دون الثاني، وإنما يزعم أن الفرض والواجب لفظان مترادفان منقولان عن معناهما اللغوي إلى معنى واحد هو ما يمدح فاعله ويذمّ تاركه شرعاً سواء ثبت بدليل قطعي أو ظني، وهذا مجرد اصطلاح، فلا معنى للاحتجاج بأن التفاوت بين الكتاب وخبر الواحد موجب للتفاوت بين مدلوليهما، أو بأن الفرض في اللغة التقدير والوجوب هو السقوط، فالفرض علم قطعاً أنه مقدر علينا، والوجوب ما سقط علينا بطريق الظن ولا يكون المظنون مقدراً ولا المعلوم القطعي ساقطاً علينا على أن للخصم أن يقول :لو سلم ملاحظة المفهوم اللغوي فلا نسلم امتناع أن يثبت كون الشيء مقدراً علينا بدليل ظني، وكونه ساقطاً علينا بدليل قطعي، ألا ترى أن قولهم :الفرض أي المفروض المقدر في المسح هو الربع، وأيضاً الحق أن الوجوب في اللغة هو الثبوت، وأما مصدر الواجب بمعنى الساقط والمضطرب إنما هو الوجبة والوجيب، ثم استعمال الفرض فيما ثبت بظني والواجب فيما ثبت بقطعي شائع مستفيض كقولهم :الوتر فرض، وتعديل الأركان فرض ونحو ذلك، ويسمى فرضاً عملياً، وكقولهم :الصلاة واجبة والزكاة واجبة، ونحو ذلك، ومن هنا يعلم سقوط كلام بعض الشافعية في ردّ استدلال الحنفية بما تقدم على توريث ذوي الأرحام بأن الواجب عند الحنفية ما علم ثبوته بدليل مظنون، والمفروض ما علم بدليل قاطع، وتوريث ذوي الأرحام ليس من هذا القبيل بالاتفاق، فعرفنا أنه غير مراد من الآية ووجه السقوط ظاهر غني عن البيان. واحتج بعضهم بالآية على أن الوارث لو أعرض عن نصيبه لم يسقط حقه وهو مذهب الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه.
﴿ وَإِذَا حَضَرَ القسمة ﴾ أي قسمة التركة بين أربابها وهي مفعول به، وقدمت لأنها المبحوث عنها ولأن في الفاعل تعدداً فلو روعي الترتيب يفوت تجاذب أطراف الكلام، وقيل :قدمت لتكون أمام الحاضرين في اللفظ كما أنها أمامهم في الواقع، وهي نكتة للتقديم لم أر مَن ذكرها من علماء المعاني. ﴿ أُوْلُواْ القربى ﴾ ممن لا يرث لكونه عاصباً محجوباً أو لكونه من ذوي الأرحام، والقرينة على إرادة ذلك ذكر الورثة قبله ﴿ واليتامى والمساكين ﴾ من الأجانب ﴿ فارزقوهم مّنْهُ ﴾ أي اعطوهم شيئاً من المال أو المقسوم المدلول عليه بالقسمة، وقيل :الضمير لما وهو أمر ندب كلف به البالغون من الورثة تطييباً لقلوب المذكورين وتصدقاً عليهم، وقيل :أمر وجوب واختلف في نسخه ففي بعض الروايات عن ابن عباس أنه لا نسخ والآية محكمة وروي ذلك عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وأخرج أبو داود في «ناسخه » وابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس أنه قال : ﴿ وَإِذَا حَضَرَ القسمة ﴾ الآية نسختها آية الميراث فجعل لكل إنسان نصيبه مما ترك مما قلّ منه أو كثر. وحكي عن سعيد بن جبير أن المراد من أولى القربى هنا الوارثون، ومن ﴿ اليتامى * والمساكين ﴾ غير الوارثين وأن قوله سبحانه : ﴿ فارزقوهم مّنْهُ ﴾ راجع إلى الأولين، وقوله تعالى : ﴿ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ راجع للآخرين وهو بعيد جداً، والمتبادر ما ذكر أولاً وهذا القول للمرزوقين من أولئك المذكورين، والمراد من القول المعروف أن يدعو لهم ويستقلوا ما أعطوهم ويعتذروا من ذلك ولا يمنّوا عليهم.
وقوله تعالى : ﴿ وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا خَافُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ فيه أقوال :أحدها :أنه أمر للأوصياء بأن يخشوا الله تعالى أو يخافوا على أولادهم فيفعلوا مع اليتامى ما يحبون أن يفعل بذراريهم الضعاف بعد وفاتهم وإلى ذلك يشير كلام ابن عباس، فقد أخرج ابن جرير عنه أنه قال في الآية :يعني بذلك الرجل يموت وله أولاد صغار ضعاف يخالف عليهم العيلة والضيعة ويخاف بعده أن لا يحسن إليهم من يليهم يقول :فإن وَليَ مثل ذريته ضعافاً يتامى فليحسن إليهم ولا يأكل أموالهم إسرافاً وبداراً أن يكبروا والآية على هذا مرتبطة بما قبلها لأن قوله تعالى : ﴿ لّلرّجَالِ ﴾ ( النساء ؛ ٧ ) الخ في معنى الأمر للورثة أي اعطوهم حقهم دفعاً لأمر الجاهلية وليحفظ الأوصياء ما أعطوه ويخافوا عليهم كما يخافون على أولادهم، وقيل في وجه الارتباط :إن هذا وصية للأوصياء بحفظ الأيتام بعد ما ذكر الوارثين الشاملين للصغار والكبار على طريق التتميم، وقيل :إن الآية مرتبطة بقوله تعالى : ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ [ النساء :٦ ].
وثانيها :أنه أمر لمن حضر المريض من العوّاد عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم أو يخشوا أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم فلا يتركوه أن يضرّ بهم بصرف المال عنهم، ونسب نحو هذا إلى الحسن وقتادة ومجاهد وسعيد بن جبير. وروى عن ابن عباس أيضاً ما يؤيده، فقد :أخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عنه أنه قال في الآية :يعني الرجل يحضره الموت فيقال له :تصدق عن مالك وأعتق وأعط منه في سبيل الله فنهوا أن يأمروا بذلك يعني أن من حضر منكم مريضاً عند الموت فلا يأمره أن ينفق من ماله في العتق أو في الصدقة أو في سبيل الله ولكن يأمره أن يبين ما له وما عليه من دين، ويوصي من ماله لذوي قرابته الذين لا يرثون يوصي لهم بالخمس أو الربع يقول :أليس أحدكم إذا مات وله ولد ضعاف يعني صغار لا يرضى أن يتركهم بغير مال فيكونوا عيالاً على الناس ؟ فلا ينبغي لكم أن تأمروه بما لا ترضون به لأنفسكم ولأولادكم ولكن قولوا الحق من ذلك، وعلى هذا يكون أول الكلام للأوصياء وما بعده للورثة، وهذا للأجانب بأن لا يتركوه يضرهم أو لا يأمروه بما يضر، فالآية مرتبطة بما قبلها أيضاً.
وثالثها :أنه أمر للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب واليتامى والمساكين متصورين أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضعافاً مثلهم هل يجوّزون حرمانهم، واتصال الكلام على هذا بما قبله ظاهر لأنه حث على الإيتاء لهم وأمرهم بأن يخافوا من حرمانهم كما يخافون من حرمان ضعاف ذريتهم، ورابعها :أمر للمؤمنين أن ينظروا للورثة فلا يسرفوا في الوصية، وقد روي عن السلف أنهم كانوا يستحبون أن لا تبلغ الوصية الثلث ويقولون :إن الخمس أفضل من الربع والربع أفضل من الثلث، وورد في الخبر ما يؤيده، وعلى هذا فالمراد من الذين المرضى وأصحاب الوصية أمرهم بعدم الإسراف في الوصية خوفاً على ذريتهم الضعاف، والقرينة عليه أنهم المشارفون لذلك ويكون التخويف من أكل مال اليتامى بعده تخويفاً عن أخذ ما زاد من الوصية فيرتبط به، ويكون متصلاً بما قبله تتميماً لأمر الأوصياء، والورثة بأمر مرضى المؤمنين، وهذا أبعد الوجوه وأبعد منه ما قيل :إنه أمر لمن حضر المريض بالشفقة على ذوي القربى بأن لا يقول للمريض لا توص لأقاربك ووفر على ذريتك، وأبعد من ذلك القول :بأنه أمر للقاسمين بالعدل بين الورثة في القسمة بأن لا يراعوا الكبير منهم فيعطوه الجيد من التركة ولا يلتفتوا إلى الصغير ولو بما في حيزه صلة الموصول كما قال غير واحد، ولما كانت الصلة يجب أن تكون قصة معلومة للخاطب ثابتة للموصول كالصفة قالوا :إنها هنا كذلك أيضاً وأن المعنى :وليخش الذين حالهم وصفتهم أنهم لو شارفوا أن يخلفوا ذرية ضعافاً خافوا عليهم الضياع.
وذهب الأجهوري وغيره إلى أن لو بمعنى إن فتقلب الماضي إلى الاستقبال، وأوجبوا حمل تركوا على المشارفة ليصح وقوع خافوا جزاءاً له ضرورة أنه لا خوف بعد حقيقة الموت وترك الورثة، وفي ترتيب الأمر على الوصف المذكور في حيز الصلة المشعر بالعلية إشارة إلى أن المقصود من الأمر أن لا يضيعوا اليتامى حتى لا تضيع أولادهم، وفيه تهديد لهم بأنهم إن فعلوه أضاع الله أولادهم، ورمز إلى أنهم إن راعوا الأمر حفظ الله تعالى أولادهم، أخرج ابن جرير عن الشيباني قال :كنا في القسطنطينية أيام مسلمة بن عبد الملك وفينا ابن محيريز وابن الديلمي وهانىء بن كلثوم فجعلنا نتذاكر ما يكون في آخر الزمان فضقت ذرعاً مما سمعت فقلت لابن الديلمي :يا أبا بشر يودني أنه لا يولد لي ولد أبداً فضرب بيده على منكبي وقال :يا ابن أخي لا تفعل فإنه ليست من نسمة كتب الله أن تخرج من صلب رجل إلا وهي خارجة إن شاء وإن أبى، ثم قال :ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجاك الله تعالى منه وإن تركت ولداً من بعدك حفظهم الله تعالى فيك ؟ قلت :بلى فتلا ﴿ وَلْيَخْشَ الذين ﴾ الآية.
وفي وصف الذرية بالضعاف بعث على الترحم والظاهر أن من خلفهم ظرف لتركوا، وفي التصريح به مبالغة في تهويل تلك الحالة، وجوز أن يكون حالاً من ذرية وضعافاً كما قال أبو البقاء :يقرأ بالتفخيم على الأصل وبالإمالة لأجل الكسرة، وجاز ذلك مع حرف الاستعلاء لأنه مكسور مقدم ففيه انحدار، وكذلك ﴿ خَافُواْ ﴾ يقرأ بالتفخيم على الأصل وبالإمالة لأن الخاء تنكسر في بعض الأحوال وهو خفت ؛ وقرىء ضعفاء، وضعافى وضعافي، نحو سكارى وسكارى.
﴿ فَلْيَتَّقُواّ الله ﴾ في ذلك والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها وإنما أمرهم سبحانه بالتقوى التي هي غاية الخشية بعدما أمرهم بها مراعاة للمبدأ والمنتهى لما لم ينفع الأول بدون الثاني لم يقتصر عليه مع استلزامه له عادة ﴿ وَلِيَقُولُواْ ﴾ لليتامى أو للمريض أو لحاضري القسمة، أو ليقولوا في الوصية ﴿ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ فيقول الوصي لليتيم ما يقول لولده من القول الجميل الهادي له إلى حسن الآداب ومحاسن الأفعال، ويقول عائد المريض ما يذكره التوبة والنطق بكلمة الشهادة وحسن الظن بالله، وما يصده عن الإشراف بالوصية وتضييع الورثة، ويقول الوارث لحاضر القسمة ما يزيل وحشته، أو يزيد مسرته ويقول الموصي في إيصائه ما لا يؤدي إلى تجاوز الثلث، والسديد على ما قال الطبرسي المصيب العدل الموافق للشرع، وقيل :ما لا خلل فيه، ويقال سدّ قوله يسدّ بالكسر إذا صار سديداً، وأنه ليسد في القول فهو مسدّ إذا كان يصيب السداد أي القصد، وأمر سديد وأسد أي قاصد، والسداد بالفتح الاستقامة والصواب، وكذلك السدد مقصور منه، وأما السداد بالكسر فالبلغة وما يسد به، ومنه قولهم :فيه سداد من عوز قاله غير واحد وفي «درّة الغواص في أوهام الخواص«أنهم يقولون :سداد من عوز فيفتحون السين وهو لحن والصواب الكسر، وتعقبه ابن بَرِّي بأنه وهم فإن يعقوب بن السكيت سوى بين الفتح والكسر في «إصلاح المنطق » في باب فعال وفعال بمعنى واحد، فقال :يقال سداد من عوز وسداد، وكذا حكاه ابن قتيبة في «أدب الكاتب » ؛ وكذا في «الصحاح » إلا أنه زاد والكسر أفصح، نعم ذكر فيها أن سداد القارورة وسداد الثغور بالكسر لا غير، وأنشد قول العرجي :
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة ( وسداد ) ثغر
فليحفظ.
﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً ﴾ استئناف جيء به لتقرير ( مضمون ) ما فصل من الأوامر والنواهي و ﴿ ظُلْماً ﴾ إما حال أي ظالمين، أو مفعول لأجله وقيل :منصوب على المصدرية أي أكل ظلم على معنى أكلا على وجهه، وقيل :على التمييز وإنما علق الوعيد على الأكل بذلك لأنه قد يأكل مال اليتيم على وجه الاستحقاق كالأجرة والقرض مثلاً فلا يكون ظلماً ولا الآكل ظالماً. وقيل :ذكر الظلم للتأكيد والبيان لأن أكل مال اليتيم لا يكون إلا ظلماً ومن أخذ مال اليتيم قرضاً أو أجرة فقد أكل مال نفسه ولم يأكل مال اليتيم وفيه منع ظاهر.
﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ ﴾ أي ملء بطونهم، وشاع هذا التعبير في ذلك، وكأنه مبني على أن حقيقة الظرفية المتبادر منها الإحاطة بحيث لا يفضل الظرف عن المظروف فيكون الأكل في البطن ملء البطن، وفي بعض البطن دونه، وهو المراد في قوله :
كلو في بعض بطنكم تعفوا فإن زمانكم زمن خميص
ولا ينافي هذا قول الأصوليين :إن الظرف إذا جر بفي لا يكون بتمامه ظرفاً بخلاف المقدرة فيه، فنحو سرت يوم الخميس لتمامه وفي يوم الخميس لغيره، فقد قال عصام الملة :إن هذا مذهب الكوفين، والبصريون لا يفرقون بينهما كما بين في النحو، وقال شهاب الدين :الظاهر إن ما ذكره أهل الأصول فيما يصح جره بفي ونصبه على الظرفية، وهذا ليس كذلك لأنه لا يقال :أكل بطنه بمعنى في بطنه فليس مما ذكره أهل الأصول في شيء، وهو مثل جعلت المتاع في البيت فهو صادق بملئه وبعدمه لكن الأصل الأول كما ذكروه.
وجوز أن يكون ذكر البطون للتأكيد والمبالغة كما في قوله تعالى : ﴿ يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ ﴾ [ آل عمران :١٦٧ ] والقول لا يكون إلا بالفم، وقوله تعالى : ﴿ ولكن تعمى القلوب التى فِى الصدور ﴾ [ الحج :٤٦ ] والقلب لا يكون إلا في الصدر، وقوله سبحانه : ﴿ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ﴾ [ الأنعام :٣٨ ] والطير لا يطير إلا بجناح، فقد قالوا :إن الغرض من ذلك كله التأكيد والمبالغة، ثم المظروف هنا المفعول أي المأكول لا الفاعل، وتحقيق ذلك على ما نقل عن التمرتاشي في الأيمان أنه إذا ذكر ظرف بعد فعل له فاعل ومفعول كما إذا قلت :إن ضربت زيداً في الدار، أو في المسجد فكذا فإن كانا معاً فيه فالأمر ظاهر، وإن كان الفاعل فيه دون المفعول، أو بالعكس فإن كان الفعل مما يظهر أثره في المفعول كالضرب والقتل والجرح فالمعتبر كون المفعول فيه وإن كان مما لا يظهر أثره فيه كالشتم فالمعتبر كون الفاعل فيه، ولذا قال بعض الفقهاء :لو قال :إن شتمته في المسجد أو رميت إليه فشرط حنثه كون الفاعل فيه، ولو قال :إن ضربته أو جرحته أو قتلته أو رميته فشرطه كون المفعول فيه، وإنما كان الرمي في الأول مما لا يظهر له أثر لأنه أريد به إرسال السهم من القوس بنيته ؛ وذلك مما لا يظهر له أثر في المحل ولا يتوقف على وصول فعل الفاعل، وفي الثاني مما يظهر له أثر لأنه أريد به إرسال السهم، أو ما يضاهيه على وجه يصل إلى المرمى إليه فيجرحه أو يوجعه ويؤلمه، ولا شك أن ما نحن فيه من قبيل هذا القسم، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة الكلام على ذلك.
والجار والمجرور متعلق بيأكلون وهو الظاهر، وقيل :إنه حال من قوله تعالى : ﴿ نَارًا ﴾ أي ما يجرّ إليها فالنار مجاز مرسل من ذكر المسبب وإرادة السبب، وجوز في ذلك الاستعارة على تشبيه ما أكل من أموال اليتامى بالنار لمحق ما معه، واستبعده بعض المحققين، وذهب بعضهم إلى جواز حمله على ظاهره، فعن عبيد الله بن جعفر أنه قال :من أكل مال اليتيم فإنه يؤخذ بمشفره يوم القيامة فيملأ فمه جمراً ويقال له كل ما أكلته في الدنيا ثم يدخل السعير الكبرى. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال :حدثني النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به قال :" نظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخراً من نار فيقذف في أجوافهم حتى تخرج من أسافلهم ولهم خوار وصراخ فقلت :يا جبريل من هؤلاء ؟ قال :الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً "
﴿ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ﴾ أي سيدخلون ناراً هائلة مبهمة الوصف، وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم بضم ياء المضارعة، والباقون بفتحها، وقرىء ﴿ وَسَيَصْلَوْنَ ﴾ بتشديد اللام، وفي «الصحاح » يقال :صليت اللحم وغيره أصليه صلياً مثل رميته رمياً إذا شويته، وصليت الرجل ناراً إذا أدخلته وجعلته يصلاها فإن ألقيته فيها إلقاء كأنك تريد ازحراق قلت :أصليته بالألف وصليته تصلية، ويقال :صلى بالأمر إذا قاسى حره وشدته، قال الطهوي :
ولاتبلي بسالتهم وإن هم ( صلوا ) بالحرب حيناً بعد حين
وقال بعض المحققين :إن أصل الصلى القرب من النار وقد استعمل هنا في الدخول مجازاً، وظاهر كلام البعض أنه متعد بنفسه، وقيل :إنه يتعدى بالباء فيقال :صلى بالنار، وذكر الراغب أنه يتعدى بالباء تارة أو بنفسه أخرى ولعله بمعنيين كما يشير إليه ما في «الصحاح »، والسعير فعيل بمعنى مفعول من سعرت النار إذا أوقدتها وألهبتها. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن جبير أن السعير واد من فيح جهنم، وظاهر الآية أن هذا الحكم عام لكل من يأكل مال اليتيم مؤمناً كان أو مشركاً، وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم أنه قال :هذه الآية لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم أي اليتامى ويأكلون أموالهم، ولا يخفى أنه إذا أراد أن حكم الآية خاص بأهل الشرك فقط فغير مسلم، وإن أراد أنها نزلت فيهم فلا بأس به إذ العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وفي بعض الأخبار أنه لما نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس واحترزوا عن مخالطة اليتامى بالكلية فصعب الأمر على اليتامى فنزل قوله تعالى : ﴿ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ ﴾ ( البقرة ؛ ٢٢٠ ) الآية.
﴿ يُوصِيكُمُ الله ﴾ شروع في بيان ما أجمل في قوله عز وجل ﴿ لّلرّجَالِ نَصِيبٌ ﴾ [ النساء :٧ ] الخ، «والوصية كما قال الراغب :ألتقدم إلى الغير ما يعمل فيه مقترناً بوعظ من قولهم :أرض واصية متصلة النبات » وهي في الحقيقة أمر له بعمل ما عهد إليه، فالمراد يأمركم الله ويفرض عليكم، وبالثاني :فسره في «القاموس » وعدل عن الأمر إلى الإيصاء لأنه أبلغ وأدل على الاهتمام وطلب الحصول بسرعة.
﴿ فِى أولادكم ﴾ أي في توريث أولادكم، أو في شأنهم وقدر ذلك ليصح معنى الظرفية، وقيل :في بمعنى اللام كما في خبر : «إن امرأة دخلت النار في هرة » أي لها كما صرح به النحاة، والخطاب قيل :للمؤمنين وبين المتضايفين مضاف محذوف أي يوصيكم في أولاد موتاكم لأنه لا يجوز أن يخاطب الحي بقسمة الميراث في أولاده، وقيل :الخطاب لذوي الأولاد على معنى يوصيكم في توريثهم إذا متم وحينئذ لا حاجة إلى تقدير المضاف كما لو فسر يوصيكم بيبين لكم، وبدأ سبحانه بالأولاد لأنهم أقرب الورثة إلى الميت وأكثرهم بقاءاً بعد المورث، وسبب نزول الآية ما أشرنا إليه فيما مر. وأخرج عبد بن حميد عن جابر قال :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا مريض فقلت كيف أقسم مالي بين ولدي ؟ فلم يرد عليّ شيئاً فنزلت :
﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين ﴾ في موضع التفصيل والبيان للوصية فلا محل للجملة من الإعراب ؛ وجعلها أبو البقاء في موضع نصب على المفعولية ليوصي باعتبار كونه في معنى القول أو الفرض أو الشرع وفيه تكلف، والمراد أنه يعدّ كل ذكر بأنثيين حيث اجتمع الصنفان من الذكور والإناث واتحدت جهة إرثهما فيضعف للذكر نصيبه كذا قيل، والظاهر أن المراد بيان حكم اجتماع الابن والبنت على الإطلاق. ولا بد في الجملة من ضمير عائد إلى الأولاد محذوف ثقة بظهوره كما في قولهم :السمن منوان بدرهم، والتقدير هنا للذكر منهم فتدبر، وتخصيص الذكر بالتنصيص على حظه مع أن مقتضى كون الآية نزلت في المشهور لبيان المواريث رداً لما كانوا عليه من توريث الذكور دون الإناث الاهتمام بالإناث، وأن يقال :للأنثيين مثل حظ الذكر لأن الذكر أفضل، ولأن ذكر المحاسن أليق بالحكيم من غيره، ولذا قال سبحانه : ﴿ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لاِنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ [ الإسراء :٧ ] فقدم ذكر الإحسان وكرره دون الإساءة، ولأن في ذلك تنبيهاً على أن التضعيف كاف في التفضيل فكأنه حيث كانوا يورثون الذكور دون الإناث قيل لهم :كفى الذكور أن ضوعف لهم نصيب الإناث فلا يحرمن عن الميراث بالكلية مع تساويهما في جهة الإرث. وإيثار اسمي الذكر والأنثى على ما ذكر أولاً من الرجال والنساء للتنصيص على استواء الكبار والصغار من الفريقين في الاستحقاق من غير دخل للبلوغ والكبر في ذلك أصلاً كما هو زعم أهل الجاهلية حيث كانوا لا يورثون الأطفال كالنساء، والحكمة في أنه تعالى جعل نصيب الإناث من المال أقل من نصيب الذكور نقصان عقلهن ودينهن كما جاء في الخبر مع أن احتياجهن إلى المال أقل لأن أزواجهن ينفقون عليهن وشهوتهنّ أكثر فقد يصير المال سبباً لكثرة فجورهنّ، ومما اشتهر :
إن الشباب والفراغ والجده مفسدة للمرء أي مفسده
وروي عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أن حواء عليها السلام أخذت حفنة من الحنطة وأكلت وأخذت أخرى وخبأتها ثم أخرى ودفعتها إلى آدم عليه السلام فلما جعلت نصيب نفسها ضعف نصيب الرجل قلب الأمر عليها فجعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل ذكره بعضهم ولم أقف على صحته.
ثم محل الإرث إن لم يقم مانع كالرق والقتل واختلاف الدين كما لا يخفى، واستثنى من العموم الميراث من النبي صلى الله عليه وسلم بناءاً على القول بدخوله صلى الله عليه وسلم في العمومات الواردة على لسانه عليه الصلاة والسلام المتناولة له لغة، والدليل على الاستثناء قوله صلى الله عليه وسلم :" نحن معاشر الأنبياء لا نورث " وأخذ الشيعة بالعموم وعدم الاستثناء وطعنوا بذلك على أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حيث لم يورث الزهراء رضي الله تعالى عنها من تركة أبيها صلى الله عليه وسلم حتى قالت له بزعمهم :يا ابن أبي قحافة أنت ترث أباك وأنا لا أرث أبي أي إنصاف هذا، وقالوا :إن الخبر لم يروه غيره وبتسليم أنه رواه غيره أيضاً فهو غير متواتر بل آحاد، ولا يجوز تخصيص الكتاب بخبر الآحاد بدليل أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رد خبر فاطمة بنت قيس أنه لم يجعل لها سكنى ولا نفقة لما كان مخصصاً لقوله تعالى : ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ ﴾ [ الطلاق :٦ ] فقال :كيف نترك كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم بقول امرأة. فلو جاز تخصيص الكتاب بخبر الآحاد لخصص به ولم يرده ولم يجعل كونه خبر امرأة مع مخالفته للكتاب مانعاً من قبوله، وأيضاً العام وهو الكتاب قطعي، والخاص وهو خبر الآحاد ظني فيلزم ترك القطعي بالظني. وقالوا أيضاً :إن مما يدل على كذب الخبر قوله تعالى : ﴿ وَوَرِثَ سليمان * دَاوُودُ ﴾ [ النحل :١٦ ] وقوله سبحانه حكاية عن زكريا عليه السلام : ﴿ فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءالِ يَعْقُوبَ ﴾ [ مريم :٥، ٦ ] فإن ذلك صريح في أن الأنبياء يرثون ويورثون.
والجواب أن هذا الخبر قد رواه أيضاً حذيفة بن اليمان والزبير بن العوام وأبو الدرداء وأبو هريرة والعباس وعلي وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، وقد أخرج البخاري عن مالك بن أوس بن الحدثان أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال بمحضر من الصحابة فيهم علي والعباس وعثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص :أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :لا نورث ما تركناه صدقة ؟ قالوا :اللهم نعم، ثم أقبل على عليّ والعباس فقال :أنشدكما بالله تعالى هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك ؟ قالا :اللهم نعم، فالقول بأن الخبر لم يروه إلا أبو بكر رضي الله تعالى عنه لا يلتفت إليه، وفي كتب الشيعة ما يؤيده، فقد روى الكليني في «الكافي » عن أبي البختري في الكافي عن أبي عبد الله جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال : «إن العلماء ورثة الأنبياء وذلك أن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً وإنما ورثوا أحاديث فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ بحظ وافر » وكلمة إنما مفيدة للحصر قطعاً باعتراف الشيعة فيعلم أن الأنبياء لا يورثون غير العلم والأحاديث.
وقد ثبت أيضاً بإجماع أهل السير والتواريخ وعلماء الحديث أن جماعة( ١ ) من المعصومين عند الشيعة والمحفوظين عند أهل السنة عملوا بموجبه فإن تركة النبي صلى الله عليه وسلم لما وقعت في أيديهم لم يعطوا منها العباس ولا بنيه ولا الأزواج المطهرات شيئاً ولو كان الميراث جارياً في تلك التركة لشاركوهم فيها قطعاً، فإذا ثبت من مجموع ما ذكرنا التواتر فحبذا ذلك لأن تخصيص القرآن بالخبر المتواتر جائز اتفاقاً وإن لم يثبت وبقي الخبر من الآحاد فنقول :إن تخصيص القرآن بخبر الآحاد جائز على الصحيح وبجوازه قال الأئمة الأربعة، ويدل على جوازه أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم خصصوا به من غير نكير فكان إجماعاً، ومنه قوله تعالى : ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ [ النساء :٢٤ ] ويدخل فيه نكاح المرأة على عمتها وخالتها فخص بقوله صلى الله عليه وسلم : «لا تنكحوا المرأة على عمتها ولا على خالتها » والشيعة أيضاً قد خصصوا عمومات كثيرة من القرآن بخبر الآحاد فإنهم لا يورثون الزوجة من العقار ويخصون أكبر أبناء الميت من تركته بالسيف والمصحف والخاتم واللباس بدون بدل كما أشرنا إليه فيما مر، ويستندون في ذلك إلى آحاد تفردوا بروايتها مع أن عموم الآيات على خلاف ذلك، والاحتجاج على عدم جواز التخصيص بخبر عمر رضي الله تعالى عنه مجاب عنه بأن عمر إنما رد خبر ابنة قيس لتردده في صدقها وكذبها، ولذلك قال بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت، فعلل الرد بالتردد في صدقها وكذبها لا بكونه خبر واحد وكون التخصيص يلزم منه ترك القطعي بالظني مردود بأن التخصيص وقع في الدلالة لأنه دفع للدلالة في بعض الموارد فلم يلزم ترك القطعي بالظني بل هو ترك للظني بالظني وما زعموه من دلالة الآيتين اللتين ذكروهما على كذب الخبر في غاية الوهن لأن الوراثة فيهما وراثة العلم والنبوة والكمالات النفسانية لا وراثة العروض والأموال، ومما يدل على أن الوراثة في الآية الأولى منهما كذلك ما رواه الكليني عن أبي عبد الله أن سليمان ورث داود وأن محمداً ورث سليمان فإن وراثة المال بين نبينا صلى الله عليه وسلم وسليمان عليه السلام غير متصورة بوجه، وأيضاً إن داود عليه السلام على ما ذكره أهل التاريخ كان له تسعة عشر ابناً وكلهم كانوا ورثة بالمعنى الذي يزعمه الخصم فلا معنى لتخصيص بعضهم بالذكر دون بعض في وراثة المال لاشتراكهم فيها من غير خصوصية لسليمان عليه السلام بها بخلاف وراثة العلم والنبوة.
وأيضاً توصيف سليمان عليه السلام بتلك الوراثة مما لا يوجب كمالاً ولا يستدعي امتيازاً لأن البر والفاجر يرث أباه فأي داع لذكر هذه الوراثة العامة في بيان فضائل هذا النبي ومناقبه عليه السلام، ومما يدل على أن الوراثة في الآية الثانية كذلك أيضاً أنه لو كان المراد بالوراثة فيها وراثة المال كان الكلام أشبه شيء بالسفسطة لأن المراد بآل يعقوب حينئذٍ إن كان نفسه الشريفة يلزم أن مال يعقوب عليه السلام كان باقياً غير مقسوم إلى عهد زكريا وبينهما نحو من ألفي سنة وهو كما ترى، وإن كان المراد جميع أولاده يلزم أن يكون يحيى وارثاً جميع بني إسرائيل أحياءً وأمواتاً، وهذا أفحش من الأول، وإن كان المراد بعض الأولاد، أو أريد من يعقوب غير المتبادر وهو ابن إسحق عليهما السلام يقال :أي فائدة في وصف هذا الولي عند طلبه من الله تعالى بأنه يرث أباه ويرث بعض ذوي قرابته، والابن وارث الأب ومن يقرب منه في جميع الشرائع مع أن هذه الوراثة تفهم من لفظ الولي بلا تكلف وليس المقام مقام تأكيد، وأيضاً ليس في الأنظار العالية وهمم النفوس القدسية التي انقطعت من تعلقات هذا العالم الفاني واتصلت بحضائر القدس الحقاني ميل للمتاع الدنيوي قدر جناح بعوضة حتى يسأل حضرة زكريا عليه السلام ولداً ينتهي إليه ماله ويصل إلى يده متاعه، ويظهر لفوات ذلك الحزن والخوف، فإن ذلك يقتضي صريحاً كمال المحبة وتعلق القلب بالدنيا وما فيها، وذلك بعيد عن ساحته العلية وهمته القدسية، وأيضاً لا معنى لخوف زكريا عليه السلام من صرف بني أعمامه ماله بعد موته أما إن كان الصرف في طاعة فظاهر، وأما إن كان في معصية فلأن الرجل إذا مات وانتقل المال إلى الوارث وصرفه في المعاصي لا مؤاخذة على الميت ولا عتاب على أن دفع هذا الخوف كان متيسراً له بأن يصرفه ويتصدق به في سبيل الله تعالى قبل وفاته ويترك ورثته على أنقى من الراحة واحتمال موت الفجأة.
وعدم التمكن من ذلك لا ينتهض عند الشيعة لأن الأنبياء عندهم يعلمون وقت موتهم فما مراد ذلك النبي عليه السلام بالوراثة إلا وراثة الكمالات النفسانية والعلم والنبوة المرشحة لمنصب الحبورة فإنه عليه السلام خشي من أ
١ - كعلي كرم الله تعالى وجهه، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسن، والحسن بن الحسن رضي الله تعالى عنهم اهـ منه..
﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم ﴾ إن دخلتم بهن أولا ﴿ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ ﴾ ذكراً كان أو أنثى واحداً كان أو متعدداً منكم كان أو من غيركم، ولذا قال سبحانه : ﴿ لَهُنَّ ﴾ ولم يقل لكم، ولا فرق بين أن يكون الولد من بطن الزوجة وأن يكون من صلب بنيها أو بني بنيها إلى حيث شاء الله تعالى : ﴿ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ ﴾ على ما ذكر من التفصيل، وروي عن ابن عباس أن ولد الولد لا يحجب والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن ذكر تقدير عدم الولد وبيان حكمه مستتبع لتقدير وجوده وبيان حكمه ﴿ فَلَكُمُ الربع مِمَّا تَرَكْنَ ﴾ من المال والباقي في الصورتين لبقية الورثة من أصحاب الفروض والعصبات، أو ذوي الأرحام، أو لبيت المال إن لم يكن وارث آخر ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ متعلق بكلتا الصورتين لا بما يليه وحده، والكلام على فائدة الوصف وكذا على تقديم الوصية ذكراً قد مر آنفاً فلا فائدة في ذكر ﴿ وَلَهُنَّ ﴾ أي الأزواج تعددن أو لا ﴿ الربع مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ ﴾ على التفصيل المتقدم. ﴿ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثمن مِمَّا تَرَكْتُم مّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا ﴾ فرض للرجل بحق الزواج( ١ ) ضعف ما فرض المرأة كما في النسب لمزية عليها ولذا اختص بتشريف الخطاب، وتقديم ذكر حكم ميراثه وهكذا قياس كل رجل وامرأة اشتركا في الجهة والقرب، ولا يستثنى من ذلك إلا أولاد الأم والمعتق والمعتقة لاستواء الذكر والأنثى منهم.
﴿ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ ﴾ المراد بالرجل الميت وهو اسم كان ﴿ يُورَثُ ﴾ على البناء للمفعول من ورث الثلاثي خبر كان، والمراد يورث منه فإن ورث تتعدى بمن وكثيراً ما تحذف ﴿ كلالة ﴾ هي في الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو الإعياء قال الأعشى :
فآليت لا أرثي لها من ( كلالة ) *** ولا من حفي حتى ألاقي محمداً
ثم استعيرت واستعملت استعمال الحقائق للقرابة من غير جهة الوالد والولد لضعفها بالنسبة إلى قرابتهما، وتطلق على من لم يخلف والداً ولا ولداً، وعلى من ليس بوالد ولا ولد من المخلفين بمعنى ذي كلالة كما تطلق القرابة على ذوي القرابة وجعل ذلك بعضهم من باب التسمية بالمصدر وآخرون جوزوا كونها صفة كالهجاجة للأحمق قال الشاعر :
( هجاجة ) منتخب الفؤاد *** كأنه نعامة في واد
وتستعمل في المال الموروث مما ليس بوالد ولا ولد إلا أنه استعمال غير شائع وهي في جميع ذلك لا تثنى ولا تجمع، واختار كثير كون أصلها من تكلله النسب إذ أحاط به، ومن ذلك الإكليل لإحاطته بالرأس، والكل لإحاطته بالعدد، وقال الحسين بن علي المغربي :أصل الكلالة عندي ما تركه الإنسان وراء ظهره أخذاً من الْكَلّ وهو الظهر والقفا، ونصبها( ٢ ) على أنها مفعول له أي يورث منه لأجل القرابة المذكورة، أو على أنها حال من ضمير ﴿ يُورَثُ ﴾ أي حال كونه ذا كلالة واختاره الزجاج، أو على أنها خبر لكان ؛ و ﴿ يُورَثُ ﴾ صفة لرجل أي إن كان رجل موروث ذا كلالة ليس بوالد ولا ولد، وذكر أبو البقاء احتمال كون ﴿ كَانَ ﴾ تامة، و ﴿ رَجُلٌ ﴾ فاعلها، و ﴿ يُورَثُ ﴾ صفة له، و ﴿ كلالة ﴾ حال من الضمير في يورث، واحتمال نصبها على هذا الاحتمال على أنها مفعول له أيضاً ظاهر، وجوز فيها الرفع على أنها صفة، أو بدل من الضمير إلا أنه لم يعرف أحد قرأ به فلا يجوز القراءة به أصلاً، وجعل نصبها على الاستعمال الغير الشائع على أنها مفعول ثان ليورث.
وقرىء ﴿ يُورَثُ ﴾ و ﴿ يُورَثُ ﴾ بالتخفيف والتشديد على البناء للفاعل، فانتصاب ﴿ كلالة ﴾ إما على أنها حال من ضمير الفعل والمفعول محذوف أي يورث وارثه حال كونه ذا كلالة، وإما على أنها مفعول به أي يورث ذا كلاله، وإما على أنها مفعول له أي يورث لأجل الكلالة كذا قالوا، ثم إن الذي عليه أهل الكوفة وجماعة من الصحابة والتابعين هو أن الكلالة هنا بالمعنى الثالث، وروي عن آخرين منهم ابن جبير وصح به خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها بالمعنى الثاني، ولم نر نسبة القولين الآخرين لأحد من السلف، والأول منهما غير بعيد، والثاني سائغ إلا أن فيه بعداً كما لا يخفى.
﴿ أَو امرأة ﴾ عطف على ﴿ رَجُلٌ ﴾ مقيد بما قيد به، وكثيراً ما يستغنى بتقييد المعطوف عليه عن تقييد المعطوف، ولعل فصل ذكرها عن ذكره للإيذان بشرفه وأصالته في الأحكام، وقيل :لأن سبب النزول كان بيان حكمه بناءاً على ما روي عن جابر أنه قال :أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض فقلت :كيف الميراث وإنما يرثني كلالة ؟ فنزلت آية الفرائض لذلك ﴿ وَلَهُ ﴾ أي الرجل، وتوحيد الضمير لوجوبه فيما وقع بعد، أو حتى أن ما ورد على خلاف ذلك مؤل عند الجمهور كقوله تعالى : ﴿ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا ﴾ [ النساء :١٣٥ ] وأتى به مذكراً للخيار بين أن يراعى المعطوف أو المعطوف عليه في مثل ذلك، وقد روعي هنا المذكر لتقدمه ذكراً وشرافة، ويجوز أن يكون الضمير لواحد منهما، والتذكير للتغليب، وجوز أن يكون راجعاً للميت، أو الموروث ولتقدم ما يدل عليه، وأبعد من جوز أن يكون عائداً للرجل، وضمير المرأة محذوف، والمراد وله أو لها : ﴿ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ﴾ أي من الأم فقط وعلى ذلك عامة المفسرين حتى أن بعضهم حكى الإجماع عليه.
وأخرج غير واحد عن سعيد بن أبي وقاص أنه كان يقرأ ( وله أخ أو أخت من أم )، وعن أبي من الأم، وهذه القراءة وإن كانت شاذة إلا أن كثيراً من العلماء استند إليها بناءاً على أن الشاذ من القراءات إذا صح سنده كان كخبر الواحد في وجوب العمل به خلافاً لبعضهم، ويرشد إلى هذا القيد أيضاً أن أحكام بني الأعيان والعلات هي التي تأتي في آخر السورة الكريمة، وأيضاً ما قدر هنا لكل واحد من الأخ والأخت، وللأكثر وهو السدس، والثلث هو فرض الأم، فالمناسب أن يكون ذلك لأولاد الأم، ويقال لهم إخوة أخياف، وبنو الأخياف، والإضافة بيانية، والجملة في محل النصب على أنها حال من ضمير ﴿ يُورَثُ ﴾ أو من ﴿ رَجُلٌ ﴾ على تقدير كون ﴿ يُورَثُ ﴾ صفة له ومساقها لتصوير المسألة، وذكر الكلالة لتحقيق جريان الحكم المذكور، وإن كان مع من ذكر ورثة أخرى بطريق الكلالة ولا يضر عند من لم يقل بالمفهوم جريانه في صورة الأم، أو الجدة مع أن قرابتهما ليس بطريق الكلالة، وكذا لا يضر عند القائل به أيضاً للإجماع على ذلك ﴿ فَلِكُلّ واحد مّنْهُمَا ﴾ أي الأخت والأخ ﴿ السدس ﴾ مما ترك من غير تفضيل للذكر على الأنثى، ولعله إنما عدل عن فله السدس إلى هذا دفعاً لتوهم أن المذكور حكم الأخ، وترك حكم الأخت لأنه يعلم منه أن لها نصف الأخ بحكم الأنوثة والحكمة في تسوية الشارع بينهما تساويهما في الإدلاء إلى الميت بمحض الأنوثة.
﴿ فَإِن كَانُواْ ﴾ أي الأخوة والأخوات من الأم المدلول عليهم بما تقدم والتذكير للتغليب ﴿ أَكْثَرَ مِن ذلك ﴾ أي المذكور بواحد، أو بما فوقه والتعبير باسم الإشارة دون الواحد لأنه لا يقال أكثر من الواحد حتى لو قيل أوّل بأن المعنى زائداً عليه، وبعض المحققين التزم التأويل هنا أيضاً إذ لا مفاضلة بعد انكشاف حال المشار إليه، ولعل التعبير باسم الإشارة حينئذ تأكيد الإشارة إلى أن المسألة فريضة، والفاء لما مر من أن ذكر احتمال الانفراد مستتبع لذكر احتمال العدد. ﴿ فَهُمْ شُرَكَاء فِى الثلث ﴾ يقتسمونه فيما بينهم بالسوية، وهذا مما لا خلاف فيه لأحد من الأمة، والباقي لباقي الورثة من أصحاب الفروض والعصبات، وفيه خلاف الشيعة، هذا ومن الناس من جوز أن يكون يورث في القراءة المشهورة مبنياً للمفعول من أورث على أن المراد به الوارث، والمعنى وإن كان رجل يجعل وارثاً لأجل الكلالة ؛ أو ذا كلالة أي غير والد ولا ولد، ولذلك الوارث أخ أو أخت فلكل من ذلك الوارث، أو أخيه أو أخته السدس، فإن كانوا أكثر من ذلك أي من الاثنين بأن كانوا ثلاثة، أو أكثر فهم شركاء في الثلث الموزع للاثنين لا يزاد عليه شيء، ولا يخفى أن الكلام عليه قاصر عن بيان حكم صورة انفراد الوارث عن الأخ والأخت ومقتض أن يكون المعتبر في استحقاق الورثة للفرض المذكور إخوة بعضهم لبعض من جهة الأم فقط، وخارج على مخرج لا عهد به، وفيه أيضاً ما فيه، وقد أوضح ذلك مولانا شيخ الإسلام قدس سره بما لا مزيد عليه.
﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارّ ﴾ أي من غير ضرار لورثته فلا يقر بحق ليس عليه، ولا يوصى بأكثر من الثلث قاله ابن جبير فالدين هنا مقيد كالوصية، وفي ﴿ يُوصِى ﴾ قراءتان سبعيتان في البناء للمفعول والبناء للفاعل، و ﴿ غَيْرِ ﴾ على القراءة الأولى حال من فاعل فعل مبني للفاعل مضمر يدل عليه المذكور، وما حذف من المعطوف اعتماداً عليه، ونظيره قوله تعالى : ﴿ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والاصال * رِجَالٌ ﴾ [ النور :٣٦، ٣٧ ] على قراءة ﴿ يُسَبّحُ ﴾ بالبناء للمفعول، وقول الشاعر :
( ليبك ) يزيد ضارع لخصومة *** ومختبط مما تطيح الطوائح
وعلى القراءة الثانية حال من فاعل الفعل المذكور والمحذوف اكتفاءاً به، ولا يلزم على هذا الفصل بين الحال وذيها بأجنبي كما لا يخفى، أي يوصى بما ذكر من الوصية والدين حال كونه غير مضار، ولا يجوز أن يكون حالا من الفاعل المحذوف في المجهول لأنه ترك بحيث لا يلتفت إليه فلا يصح مجيء الحال منه، وجوز فيه أن يكون صفة مصدر أي إيصاء غير مضار، واختار بعضهم جعله حالاً من وصية أو دين أي من بعد أداء وصية أو دين غير مضار ذلك الواحد ؛ وجعل التذكير للتغليب وليس بشيء، وجوز هذا البعض أن يكون المعنى على ما تقدم غير مضر نفسه بأن يكون مرتكباً خلاف الشرع بالزيادة على الثلث وهو صحيح في نفسه إلا أن المتبادر الأول وعليه مجاهد وغيره. ويحتمل كما قال جمع أن يكون المعنى غير قاصد الإضرار بل القربة، وذكر عصام الملة أن المفهوم من الآية أن الإيصاء والإقرار بالدين لقصد الإضرار لا يستحق التنفيذ وهو كذلك إلا أن إثبات القصد مشكل إلا أن يعلم ذلك بإقراره، والظاهر أن قصد الإضرار لا القربة بالوصية بالثلث فما دونه لا يمنع من التنفيذ، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن معاذ بن جبل قال :إن الله تعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة في حياتكم، نعم ذاك محرم بلا شبهة وليس كل محرم غير منفذ فإن نحو العتق والوقف للرياء والسمعة محرم بالإجماع مع أنه نافذ، ومن ادعى تخصيص ذلك بالوصية فعليه البيان وإقامة البرهان. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الإضرار بالوصية من الكبائر، وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعاً
" إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة "
﴿ وَصِيَّةً مّنَ الله ﴾ مصدر مؤكد أي يوصيكم الله بذلك وصية، والتنوين للتفخيم، ومن متعلقة بمحذوف وقع صفة للنكرة مؤكداً لفخامتها، ونظير ذلك ﴿ فَرِيضَةً مّنَ الله ﴾ [ النساء :١١ ] ولعل السر في تخصيص كل منهما بمحله ما قاله الإمام من «أن لفظ الفرض أقوى وآكد من لفظ الوصية، فختم شرح ميراث الأولاد بذكر ا
١ - كقتال اهـ منه..
٢ - وجوز نصبها على أنها خبر ثان إن أريد أحد الملابسين. وعلى التمييز إن أريد المصدر اهـ منه..
﴿ تِلْكَ ﴾ أي الأحكام المذكورة في شؤون اليتامى والمواريث وغيرها، واقتصر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما على المواريث ﴿ حُدُودَ الله ﴾ أي شرائعه أو طاعته أو تفصيلاته أو شروطه، وأطلقت عليها الحدود لشبهها بها من حيث إن المكلف لا يجوز له أن يتجاوزها إلى غيرها. ﴿ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ فيما أمر به من الأحكام أو فيما فرض من الفرائض، والإظهار في مقام الإضمار لما مرت الإشارة إليه ﴿ يُدْخِلْهُ جنات ﴾ نصب على الظرفية عند الجمهور، وعلى المفعولية عند الأخفش. ﴿ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ﴾ أي من تحت أشجارها وأبنيتها، وقد مرّ الكلام في ذلك ﴿ الانهار ﴾ أي ماؤها ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ حال مقدرة من مفعول ﴿ يُدْخِلْهُ ﴾ لأن الخلود بعد الدخول فهو نظير قولك :مررت برجل معه صقر يصيد به غداً، وصيغة الجمع لمراعاة معنى ﴿ مِنْ ﴾ كما أن إفراد الضمير لمراعاة لفظها ﴿ وَذَلِكَ ﴾ أي دخول الجنات على الوجه المذكور ﴿ الفوز ﴾ أي الفلاح والظفر بالخير ﴿ العظيم ﴾ في نفسه أو بالإضافة إلى حيازة التركة على ما قيل ؛ والجملة اعترض.
﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ فيما أمر به من الأحكام أو فيما فرض من الفرائض، وقال ابن جريج :من لا يؤمن بما فصل سبحانه من المواريث، وحكي مثله عن ابن جبير. ﴿ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ ﴾ التي جاء بها رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن جملتها ما قص لنا قبل، أو يتعد حدوده في القسمة المذكورة استحلالاً كما حكي عن الكلبي ﴿ يُدْخِلْهُ ﴾ قرأ نافع وابن عامر بالنون في الموضعين ﴿ نَارًا ﴾ أي عظيمة هائلة ﴿ خالدا فِيهَا ﴾ حال كما سبق، وأفرد هنا وجمع هناك لأن أهل الطاعة أهل الشفاعة وإذا شفع أحدهم في غيره دخلها معه، وأهل المعاصي لا يشفعون فلا يدخل بهم غيرهم فيبقون فرادى، أو للإيذان بأن الخلود في دار الثواب بصفة الاجتماع الذي هو أجلب للأنس، والخلود في دار العقاب بصفة ( ١ ) الانفراد الذي هو أشد في استجلاب الوحشة، وجوز الزجاج والتبريزي كون ﴿ خالدين ﴾ [ النساء :١٣ ] هناك و خالداً هنا صفتين لجنات أو نار، واعترض بأنه لو كان كذلك لوجب إبراز الضمير لأنهما جريا على غير من هما له، وتعقبه أبو حيان بأن هذا على مذهب البصريين، ومذهب الكوفيين جواز الوصفية في مثل ذلك ولا يحتاج إلى إبراز الضمير إذ لا لبس ﴿ وَلَهُ عَذَابٌ ﴾ أي عظيم لا يكتنه ﴿ مُّهِينٌ ﴾ أي مذل له والجملة حالية، والمراد جمع أمرين للعصاة المعتدين عذاب جسماني وعذاب روحاني، نسأل الله تعالى العافية.
واستدل بالآية من زعم أن المؤمن العاصي مخلد في النار، والجواب أنها لا تصدق عليه إما لأنها في الكافر على ما سمعت عن الكلبي وابن جبير وابن جريج وإما لأن المراد من حدود الله تعالى جميع حدوده لصحة الاستثناء والمؤمن العاصي واقف عند حد التوحيد، وإما لأن ذلك مشروط بعدم العفو كما أنه مشروط بعدم التوبة عند الزاعم، وفي ختم آيات المواريث بهذه الآية إشارة إلى عظم أمر الميراث ولزوم الاحتياط والتحري وعدم الظلم فيه، وقد أخرج ابن ماجه عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «من قطع ميراثاً فرضه الله ورسوله قطع الله ميراثه من الجنة » وأخرج منصور عن سليمان بن موسى والبيهقي عن أبي هريرة نحو ذلك، وأخرج الحاكم عن ابن مسعود أن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة عدو، وكأن عدم القسم إما للتهاون في الدين وعدم المبالاة وكثرة الظلم بين الناس، وإما لفشو الجهل وعدم من يعرف الفرائض، فقد ورد عن أبي هريرة مرفوعاً «إن علم الفرائض أول ما ينزع من الأمة »، وأخرج البيهقي، والحاكم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «تعلموا الفرائض وعلموه الناس فإني امرؤ مقبوض وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الإثنان في الفريضة لا يجدان من يقضي بها » ولعل الاحتمال الأول أظهر.
وهذا وقد سددنا باب الإشارة في الآيات لما في فتحه من التكلف، وقد تركناه لأهله.
﴿ واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة مِن نّسَائِكُمْ ﴾ شروع في بيان بعض الأحكام المتعلقة بالرجال والنساء إثر بيان أحكام المواريث، و ﴿ اللاتى ﴾ جمع التي على غير قياس، وقيل :هي صيغة موضوعة للجمع، وموضعها رفع على الابتداء، والفاحشة ما اشتد قبحه، واستعملت كثيراً في الزنا لأنه من أقبح القبائح، وهو المراد هنا على الصحيح، والإتيان في الأصل المجيء، وفي «الصحاح » يقال :أتيته أتياً قال الشاعر :
فاختر لنفسك قبل أتى العسكر *** وأتوته أتوة لغة فيه، ومنه قول الهذلي :
ى كنت إذا أتوته من غيب *** وفي «القاموس » أتوته أتوة( ١ ) وأتيته أتياً وإتياناً وإتيانه بكسرهما، ومأتاة وإتيا كعتى، ويكسر جئته، وقد يعبر به كالمجيء والرهق والغشي عن الفعل، وشاع ذلك حتى صار حقيقة عرفية، وهو المراد هنا فالمعنى يفعلن الزنا أي يزنين، والتعبير بذلك لمزيد التهجين، وقرأ ابن مسعود ﴿ يَأْتِينَ ﴾ فالإتيان على أصله المشهور، و ﴿ صَلَحَ مِنْ ﴾ متعلقة بمحذوف وقع حالاً من فاعل ﴿ يَأْتِينَ ﴾ والمراد من النساء كما قال السدي وأخرجه عنه ابن جرير النساء اللاتي قد أنكحن وأحصن، ومثله عن ابن جبير ﴿ فاستشهدوا ﴾ أي فاطلبوا أن يشهد ﴿ عَلَيْهِنَّ ﴾ بإتيانهن الفاحشة ﴿ أَرْبَعةً مّنْكُمْ ﴾ أي أربعة من رجال المؤمنين وأحرارهم قال الزهري :مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود، واشترط الأربعة في الزنا تغليظاً على المدعي وستراً على العباد، وقيل :ليقوم نصاب الشهادة كاملاً على كل واحد من الزانيين كسائر الحقوق ولا يخفى ضعفه، والجملة خبر المبتدأ والفاء مزيدة فيه لتضمن معنى الشرط، وجاز الإخبار بذلك لأن الكلام صار في حكم الشرط حيث وصلت اللاتي بالفعل قاله أبو البقاء وذكر أنه إذا كان كذلك لم يحسن النصب على الاشتغال لأن تقدير الفعل قبل أداة الشرط لا يجوز، وتقديره بعد الصلة يحتاج إلى إضمار فعل غير فاستشهدوا لأنه لا يصح أن يعمل النصب في ﴿ اللاتى ﴾، وذلك لا يحتاج إليه مع صحة الابتداء( ٢ ) وأجاز قوم النصب بفعل محذوف تقديره اقصدوا اللاتي أو تعمدوا، وقيل :الخبر محذوف والتقدير فيما يتلى عليكم حكم اللاتي، فالجار والمجرور هو الخبر وحكم هو المبتدأ فحذفا لدلالة فاستشهدوا لأنه الحكم المتلو عليهم، والخطاب قيل :للحكام، وقيل :للأزواج.
﴿ فَإِن شَهِدُواْ ﴾ عليهن بالإتيان. ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ ﴾ أي فاحبسوهن عقوبة لهن ﴿ فِى البيوت ﴾ واجعلوها سجناً عليهن ﴿ حتى * يَتوفاهن الموت ﴾ المراد بالتوفي أصل معناه أي الاستيفاء وهو القبض تقول :توفيت مالي على فلان واستوفيته إذا قبضته. وإسناده إلى الموت باعتبار تشبيهه بشخص يفعل ذلك فهناك استعارة بالكناية والكلام على حذف مضاف، والمعنى حتى يقبض أرواحهن الموت ولا يجوز أن يراد من التوفي معناه المشهور إذ يصير الكلام بمنزلة حتى يميتهن الموت ولا معنى له إلا أن يقدر مضاف يسند إليه الفعل أي ملائكة الموت، أو يجعل الإسناد مجازاً من إسناد ما للفاعل الحقيقي إلى أثر فعله.
﴿ أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ أي مخرجاً من الحبس بما يشرعه من الحدّ لهن قاله ابن جبير وأخرج الإمامان الشافعي وأحمد وغيرهما عن عبادة بن الصامت قال :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك واربدّ وجهه، وفي لفظ لابن جرير يأخذه كهيئة الغشي لما يجد من ثقل ذلك فأنزل عليه ذات يوم فلما سرى عنه قال :" خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة والبكر جلد مائة ثم نفي سنة " وروى ابن أبي حاتم عن ابن جبير أنه قال :كانت المرأة أول الإسلام إذا شهد عليها أربعة من المسلمين عدول بالزنا حبست في السجن فإن كان لها زوج أخذ المهر منها ولكنه ينفق عليها من غير طلاق وليس عليها حد ولا يجامعها.
وروى ابن جرير عن السدي كانت المرأة في بدء الإسلام إذا زنت حبست في البيت وأخذ زوجها مهرها حتى جاءت الحدود فنسختها، وحكاية النسخ قد وردت في غير ما طريق عن ابن عباس ومجاهد وقتادة ورويت عن أبي جعفر، وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهما، والناسخ عند بعض آية الجلد على ما في سورة النور وعند آخرين إن آية الحبس نسخت بالحديث، والحديث منسوخ بآية الجلد، وآية الجلد بدلائل الرجم. وقال الزمخشري : «من الجائز أن لا تكون الآية منسوخة بأن يترك ذكر الحدّ لكونه معلوماً بالكتاب والسنة، ويوصي بإمساكهن في البيوت بعد أن يحددن صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال، ويكون السبيل على هذا النكاح المغني عن السفاح »، وقال الشيخ أبو سليمان الخطابي في «معالم السنن » :إنه لم يحصل النسخ في الآية ولا في الحديث وذلك أن الآية تدل على أن إمساكهن في البيوت ممدود إلى غاية أن يجعل الله تعالى لهن سبيلاً ثم إن ذلك السبيل كان مجملاً فلما قال صلى الله عليه وسلم : «خذوا عني » إلى آخر ما في الحديث صار ذلك بياناً لما في تلك الآية لا ناسخاً له، وصار مخصصاً لعموم آية الجلد، وقد تقدم لك في سورة البقرة ما ينفعك في تحقيق هذا المقام فتذكره.
١ - قوله: في القاموس: أتوته أتوة والذي في القاموس أتوته أتيته فليحرر اهـ مصححه..
٢ - ولم يمنعوا التقدير مقدما فيما تضمن معنى الشرط لأنه لا يعامل معاملته من كل وجه اهـ منه..
﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ هما الزاني والزانية بطريق التغليب، قاله السدي وابن زيد وابن جبير، أراد بهما البكران اللذان لم يحصنا، ويؤيد ذلك كون عقوبتهما أخف من الحبس المخلد، وبذلك يندفع التكرار لكن يبقى حكم الزاني المحصن غير ظاهر. وقرأ ابن كثير ﴿ واللذان ﴾ بتشديد النون وهي لغة وليس مخصوصاً بالألف كما قيل بل يكون مع الياء أيضاً وهو عوض عن ياء الذي المحذوف إذ قياسه اللذيان والتقاء الساكنين هنا على حده كما في دابة وشابة ﴿ فَئَاذُوهُمَا ﴾ أي بعد استشهاد أربعة شهود عليهما بالإتيان، وترك ذكر ذلك تعويلاً على ما ذكر آنفاً، واختلف في الإيذاء على قولين :فعن ابن عباس أنه بالتعيير والضرب بالنعال، وعن السدي وقتادة ومجاهد أنه بالتعيير والتوبيخ فقط ﴿ فَإِن تَابَا ﴾ عما فعلا من الفاحشة بسبب الإيذاء كما ينبىء عنه الفاء ﴿ وَأَصْلَحَا ﴾ أي العمل. ﴿ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا ﴾ أي اصفحوا عنهما وكفوا عن أذاهما ﴿ إِنَّ الله كَانَ تَوَّاباً ﴾ مبالغاً في قبول التوبة ﴿ رَّحِيماً ﴾ واسع الرحمة والجملة في معرض التعليل للأمر بالإعراض، والخطاب هنا للحكام، وجوز أن يكون للشهود الواقفين على فعلتهما، ويراد بالإيذاء ذمهما وتعنيفهما وتهديدهما بالرفع إلى القضاة والجر إلى الولاة وفتح باب الشر عليهما، وبالإعراض عنهما ترك التعرض لهما بذلك، والوجه الأول هو المشهور، والحكم عليه منسوخ بالحد المفروض في سورة النور أيضاً عند الحسن وقتادة والسدي والضحاك وابن جبير وغيرهم، وإلى ذلك ذهب البلخي والجبائي والطبري وقال الفراء :إن هذه الآية نسخت الآية التي قبلها، وهذا مما لا يتمشى على القول بأن المراد بالموصول البكران كما لا يخفى، وذهب أبو مسلم إلى أنه لا نسخ لحكم الآيتين بل الآية الأولى في السحاقات وهن النساء اللاتي يستمتع بعضهن ببعض وحدهن الحبس، والآية الثانية في اللائطين وحدهما الإيذاء، وأما حكم الزناة فسيأتي في سورة النور، وزيف هذا القول بأن لم يقل به أحد، وبأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم اختلفوا في حكم اللوطي ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية، وعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على الحكم دليل على أن الآية ليست في ذلك، وأيضاً جعل الحبس في البيت عقوبة السحاق مما لا معنى له لأنه مما لا يتوقف على الخروج كالزنا، فلو كان المراد السحاقات لكانت العقوبة لهن اختلاط بعضهنّ ببعض لا الحبس والمنع من الخروج، فحيث جعل هو عقوبة دل ذلك على أن المراد باللاتي يأتين الفاحشة الزانيات، وأجاب أبو مسلم بأنه قول مجاهد وهو من أكابر المفسرين المتقدمين وقد قال غير واحد :إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك على أنه تبين في الأصول أن استنباط تأويل جديد في الآية لم يذكره المتقدمون جائز، وبأن مطلوب الصحابة رضي الله تعالى عنهم معرفة حد اللوطي وكمية ذلك، وليس في الآية دلالة عليه بالنفي والإثبات، ومطلق الإيذاء لا يصلح حداً ولا بياناً للكمية فلذا اختلفوا، وبأن المراد من إمساكهن في البيوت حبسهن فيها واتخاذها سجناً عليهن ومن حال المسجون منع من يريد الدخول عليه وعدم تمكينه من الاختلاط، فكان الكلام في قوة فامنعوهنّ عن اختلاط بعضهن ببعض على أن الحبس المذكور حد، وليس المقصود منه إلا الزجر والتنكيل، وأيد مذهبه بتمحيض التأنيث في الآية الأولى والتذكير في الآية الثانية، والتغليب خلاف الأصل، ويبعده أيضاً لفظ منكم فإن المتبادر منه من رجالكم كما في قوله تعالى :
﴿ أَرْبَعةً مّنْكُمْ ﴾ [ النساء :١٥ ] وأيضاً لو كان كل واحدة من الآيتين وارداً في الزنا يلزم أن يذكر الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين وأنه تكرير لا وجه له، وأيضاً على هذا التقدير لا يحتاج إلى التزام النسخ في شيء من الآيتين بل يكون حكم كل واحد منهما مقرراً على حاله، وعلى ما قاله الغير يحتاج إلى التزام القول بالنسخ وهو خلاف الأصل، وأيضاً على ما قالوه يكون الكتاب خالياً عن بيان حكم السحاق واللواطة، وعلى ما قلناه يكون متضمناً لذلك وهو الأنسب بحاله، فقد قال سبحانه : ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِى الكتاب مِن شَىْء ﴾ [ الأنعام :٣٨ ]، و ﴿ تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء ﴾ [ النحل :٨٩ ] وأجيب بأنا لا نسلم أن هذا قول لمجاهد، ففي «مجمع البيان » أنه حمل اللذان يأتيانها على الرجلين الزانيين، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أنهما الفاعلان وهو ليس بنص على أنهما اللائطان على أن حمل ﴿ اللاتى ﴾ في الآية الأولى على السحاقات لم نجد فيه عنه رواية صحيحة بل قد أخرجوا عنه ما هو ظاهر في خلافه، فقد أخرج آدم والبيهقي في «سننه » عنه في تلك الآية أنه كان أمر أن يحبس ثم نسختها ﴿ الزانية والزانى فاجلدوا ﴾ [ النور :٢ ] وما ذكر من العلاوة مسلم لكن يبعد هذا التأويل أنه لا معنى للتثنية في الآية الثانية لأن الوعد والوعيد إنما عهدا بلفظ الجمع ليعم الآحاد أو بلفظ الواحد لدلالته على الجنس ولا نكتة للعدول عن ذلك هنا على تقرير أبي مسلم بل كان المناسب عليه الجمع لتكون آية اللواطة كآية السحاق، ولا يرد هذا على ما قرره الجمهور لأن الآية الأولى عندهم للإناث الثيبات إذا زنين، والآية الثانية للذكر البكر والأنثى البكر إذا زنيا فغوير بين التعبيرين لقوة المغايرة بين الموردين، ويحتمل أيضاً أن تكون المغايرة على رأيهم للإيذان بعزة وقوع زنا البكر بالنسبة إلى وقوع زنا الثيب لأن البكر من النساء تخشى الفضيحة أكثر من غيرها من جهة ظهور أثر الزنا، وهو زوال البكارة فيها ولا كذلك الثيب، ولا يمكن اعتبار مثل هذه النكتة في المغايرة على رأي أبي مسلم إذ لا نسلم أن وقوع اللواطة من الرجال أقل من وقوع السحاق من النساء بل لعل الأمر بالعكس، وكون مطلوب الصحابة رضي الله تعالى عنهم معرفة حد اللوطي وكمية ذلك والإيذاء لا يصلح حداً ولا بياناً للكمية ليس بشيء كما يرشد إلى ذلك أن منهم من لم يوجب عليه شيئاً، وقال :تؤخر عقوبته إلى الآخرة، وبه أخذ الأئمة رضي الله تعالى عنهم على أنه أي مانع من أن يعتبر الإيذاء حداً بعد أن ذكر في معرض الحدّ وتفوض كيفيته إلى رأي الإمام فيفعل مع اللوطي ما ينزجر به مما لم يصل إلى حد القتل ؛ وكون الكلام في قوة فامنعوهن عن اختلاط بعضهن ببعض في غاية الخفاء كما لا يخفى.
نعم ما في حيز العلاوة مما لا بأس به، وما ذكر من أن التغليب خلاف الأصل مسلم لكنه في القرآن العظيم أكثر من أن يحصى، واعتباره في منكم تبع لاعتباره في اللذان وذكر مثله قبل بلا تغليب فيه ربما يؤيد اعتبار التغليب فيه ليغاير الأول فيكون لذكره بعده أتم فائدة ألا ترى كيف أسقط من الآية الثانية الاستشهاد مع اشتراطه إجماعاً اكتفاءاً بما ذكر في الآية الأولى لاتحاد الاستشهادين في المسألتين، ودعوى لزوم التكرار في الموضع الواحد على رأي الجمهور ليست في محلها على ما أشرنا إليه في تفسير الآية، ودعوى الاحتياج إلى التزام القول بالنسخ لا تضر لأن النسخ أمر مألوف في كثير من الأحكام، وقد نص عليه هنا جماعة من الصحابة والتابعين على أن في كون فرضية الحدّ نسخاً في الآية الأولى مقالاً يعلم مما قدمناه في البقرة، وإذا جعل ﴿ أَوْ يَجْعَلَ ﴾ [ النساء :١٥ ] الخ معتبراً في الآية الثانية إلا أنه حذف منها اكتفاءاً بما في الأولى كما يشير إلى ذلك خبر عبادة بن الصامت جرى المقال في الآيتين ولزوم خلو الكتاب عن بيان حكم السحاق واللواطة على رأي الجمهور دون رأيه في حيز المنع أما على تقدير تسمية السحاق واللواطة زنا فظاهر، وأما على تقدير عدم التسمية فلأن ذكر ما يمكن قياسهما عليه في حكم البيان لحكمهما، وكم حكم ترك التصريح فيه في الكتاب اعتماداً على القياس كحكم النبيذ، وكحكم الجد وغيرهما اعتماداً على بيان ما يمكن القياس عليه وذلك لا ينافي كونه تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء وأنه ما فرط فيه من شيء، ومن ادعى أن جميع الأحكام الدينية مذكورة في القرآن صريحاً من غير اعتبار قياس، فقد ارتكب شططاً وقال غلطاً، وبالجملة المعول عليه ما ذهب إليه الجمهور، ويد الله تعالى مع الجماعة، ومذهب أبي مسلم وإن لم يكن من الفساد بمحل إلا أنه لم يعوّل عليه ولم تحط رحال القبول لديه، وهذا ما عندي في تحقيق المقام وبالله سبحانه الاعتصام.
ولما وصف سبحانه نفسه بالتواب الرحيم عقب ذلك بيان شرط قبول التوبة بقوله جل شأنه.
﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ أي إن قبول التوبة، و على وإن استعملت للوجوب حتى استدل بذلك الواجبة عليه، فالمراد أنه لازم متحقق الثبوت البتة بحكم سبق الوعد حتى كأنه من الواحبات كما يقال :واجب الوجود، وقيل :على بمعنى من، وقيل :هي بمعنى عند، وعليه الطبرسي أي إنما التوبة عند الله ﴿ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السوء ﴾ أي المعصية صغيرة كانت أو كبيرة، والتوبة مبتدأ، و للذين خبره، و على الله متعلق بما تعلق به الخبر من الاستقرار، أو بمحذوف وقع حالاً من ضمير المبتدأ المستكن في متعلق الجار الواقع خبراً على رأي من يجوز تقديم الحال على عاملها المعنوي عند كونها ظرفاً وجعله بعضهم على حدّ هذا بسراً أطيب منه رطباً، وجوز أن يكون على الله متعلقاً بمحذوف وقع صفة للتوبة أي إنما التوبة الكائنة على الله و للذين هو الخبر، وهو ظاهر على رأي من جوز حذف الموصول مع بعض صلته، وذكر أبو البقاء احتمال أن يكون على الله هو الخبر، و للذين متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من الضمير المستكن في متعلق الخبر، ويحتمل أن يكون متعلقاً بما تعلق به الخبر، ولا يخفى أن سوق الآية يؤيد جعل للذين خبراً كما لا يخفى على من لم يتعسف.
﴿ بجهالة ﴾ حال من فاعل يعملون أي يعملون السوء متلبسين بها، أو متعلق بيعملون والباء للسببية، والمراد من الجهالة الجهل والسفه بارتكاب ما لا يليق بالعاقل لا عدم العلم خلافاً للجبائي فإن من لا يعلم لا يحتاج إلى التوبة، والجهل بهذا المعنى حقيقة واردة في كلام العرب كقوله :
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ومن هنا قال مجاهد فيما أخرجه عنه البيهقي في «الشعب »، وغيره :كل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته، وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة قال :اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شيء عصى به فهو جهالة عمداً كان أو غيره، وروي مثل ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال أبو عبد الله رضي الله تعالى عنه :كل ذنب عمله العبد وإن كان عالماً فهو جاهل فيه حين خاطر بنفسه في معصية ربه، فقد حكى الله تعالى قول يوسف عليه السلام لأخوته : ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جاهلون ﴾ [ يوسف :٨٩ ] فنسبهم إلى الجهل لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية الله تعالى، وقال الفراء :معنى قوله سبحانه : ﴿ بِجَهَالَةٍ ﴾ أنهم لا يعلمون كنه ما في المعصية من العقوبة.
وقال الزجاج :معنى ذلك اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية.
﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾ أي من زمان قريب وهو ما قبل حضور الموت كما ينبىء عنه ما سيأتي من قوله تعالى : ﴿ حتى إِذَا حَضَرَ ﴾ [ النساء :١٨ ] الخ يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في آخر خطبة خطبها : «من تاب قبل موته بسنة تاب الله تعالى عليه » ثم قال : «وإن السنة لكثيرة من تاب قبل موته بشهر تاب الله تعالى عليه » ثم قال : «وإن الشهر لكثير من تاب قبل موته بيوم تاب الله تعالى عليه » ثم قال : «وإن اليوم لكثير من تاب قبل موته بساعة تاب الله تعالى عليه » ثم قال : «وإن الساعة لكثيرة من تاب قبل موته وقد بلغت نفسه هذه وأهوى بيده الشريفة إلى حلقه تاب الله تعالى عليه » وأخرج أحمد والترمذي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر » وأخرج ابن أبي شيبة عن قتادة قال :كنا عند أنس بن مالك وَثَمّ أبو قلابة فحدث أبو قلابة قال :إن الله تعالى لما لعن إبليس سأله النظرة فأنظره إلى يوم الدين فقال وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح قال :وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال القريب ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت، وروى مثله عن الضحاك، وعن عكرمة الدنيا كلها قريب وعن الإمام القشيري القريب على لسان أهل العلم قبل الموت، وعلى لسان أهل المعاملة قبل أن تعتاد النفس السوء ويصير لها كالطبيعة، ولعل مرادهم أنه إذا كان كذلك يبعد عن القبول، وإن لم يمتنع قبول توبته، و ﴿ مِنْ ﴾ تبعيضية كأنه جعل ما بين وجود المعصية وحضور الموت زماناً قريباً، ففي أي جزء من أجزاء هذا الزمان تاب فهو تائب في بعض أجزاء زمان قريب، وجعلها بعضهم لابتداء الغاية. ورجح الأول بأن من إذا كانت لابتداء الغاية لا تدخل على الزمان على القول المشهور، والذي لابتدائيته مذ ومنذ، وفي الإتيان بثم إيذان بسعة عفوه تعالى.
﴿ فَأُوْلَئِكَ ﴾ أي المتصفون بما ذكر وما فيه من معنى البعد باعتبار كونهم بانقضاء ذكرهم في حكم البعيد، وجوز أن يكون ذلك إيذاناً ببعد مرتبتهم ورفعة شأنهم من حيث إنهم تائبون، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب، والفاء للدلالة على السببية، واسم الإشارة مبتدأ خبره قوله تعالى : ﴿ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ ﴾ وما فيه من تكرير الإسناد لتقوية الحكم، وهذا وعد بالوفاء بما وعد به سبحانه أولاً فلا تكرار، وضمن ﴿ يَتُوبُ ﴾ معنى يعطف فلذا عدي بعلى. وجوز أن يكون ذلك من المذهب الكلامي كأنه قيل :التوبة كالواجب على الله تعالى، وكل ما هو كالواجب عليه تعالى كائن لا محالة فالتوبة أمر كائن لا محالة فالآية الأولى واقعة موقع الصغرى والكبرى مطوية، والآية الثانية واقعة موقع النتيجة.
﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً ﴾ فيعلم باخلاص من يتوب ﴿ حَكِيماً ﴾ فلا يعاقب التائب، والجملة اعتراض مقرر لمضمون ما قبلها، والإظهار في مقام الإضمار للإشعار بعلة الحكم.
﴿ وَلَيْسَتِ التوبة ﴾ على الله ﴿ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات ﴾ أي المعاصي وجمعت باعتبار تكرر وقوعها في الزمان المديد لا لأن المراد بها جميع أنواعها وبما مر من السوء نوع منها ﴿ حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت ﴾ بأن شاهد الأحوال التي لا يمكن معها الرجوع إلى الدنيا بحال وعاين ملك الموت وانقطع حبل الرجاء ﴿ قَالَ إِنّى تُبْتُ * الئن ﴾ أي هذا الوقت الحاضر، وذكر لمزيد تعيين الوقت، وإيثار قال على تاب لإسقاط ذلك عن درجة الاعتبار والتحاشي عن تسميته توبة، ولو أكده ورغب فيه، ولعل سبب ذلك كون تلك الحالة أشبه شيء بالآخرة بل هي أول منزل من منازلها، والدنيا دار عمل ولا جزاء، والآخرة دار جزاء ولا عمل، و حتى حرف ابتداء، والجمل الشرطية بعدها غاية لما قبلها أي ليست التوبة لقوم يعملون السيئات إلى حضور موتهم، وقولهم :كيت وكيت.
﴿ وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ عطف على الموصول قبله أي ليس قبول التوبة لهؤلاء ولا لهؤلاء، والمراد من ذكر هؤلاء مع أنه لا توبة لهم رأساً المبالغة في عدم قبول توبة المسوّفين والإيذان بأن وجودها كالعدم بل في تكرير حرف النفي في المعطوف كما قيل إشعار خفي بكون حال المسوّفين في عدم استتباع الجدوى أقوى من حال الذين يموتون على الكفر والكثير من أهل العلم على أن المراد بالذين يعملون السيئات ما يشمل الفسقة والكفرة، ومن الذين يموتون الخ الكفار فقط، وجوز أن يراد بالموصولين الكفار خاصة، وأن يراد بهما الفسقة وحدهم، وتسميتهم في الجملة الحالية كفاراً للتغليظ، وأن يراد بهما ما يعم الفريقين جميعاً فالتسمية حينئذ للتغليب، وأخرج ابن جرير عن الربيع وابن المنذر عن أبي العالية أن الآية الأولى :نزلت في المؤمنين والثانية :في المنافقين، والثالثة :في المشركين، وفي جعل الوسطى في المنافقين مزيد ذمّ لهم حيث جعل عمل السيئات من غيرهم في جنب عملهم بمنزلة العدم، فكأنهم عملوها دون غيرهم، وعلى هذا لا يخفى لطف التعبير بالجمع في أعمالهم، وبالمفرد في المؤمنين لكن ضعف هذا القول بأن المراد بالمنافقين إن كان المصرين على النفاق فلا توبة لهم يحتاج إلى نفيها، وإلا فهم وغيرهم سواء.
هذا واستدل بالآية على أن توبة اليائس كإيمانه غير مقبول، وفي المسألة خلاف فقد قيل :إن توبة اليائس مقبولة دون إيمانه لأن الرجاء باق ويصح معه الندم، والعزم على الترك، وأيضاً التوبة تجديد عهد مع الرب سبحانه، والإيمان إنشاء عهد لم يكن وفرق بين الأمرين، وفي «البزازية » أن الصحيح أنها تقبل بخلاف إيمان اليائس، وإذا قبلت الشفاعة في القيامة وهي حالة يائس فهذا أولى، وصرح القاضي عبد الصمد الحنفي في «تفسيره » إن مذهب الصوفية أن الإيمان أيضاً ينتفع به عند معاينة العذاب، ويؤيده أن مولانا الشيخ الأكبر قدس سره صرح في «فتوحاته » بصحة الإيمان عند الاضطرار، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لو غرغر المشرك بالإسلام لرجوت له خيراً كثيراً.
وأيد بعضهم القول بقبول توبة الكافر عند المعاينة بما أخرجه أحمد والبخاري في «التاريخ » والحاكم وابن مردويه عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن الله يقبل توبة عبده أو يغفر لعبده ما لم يقع الحجاب قيل :وما وقوع الحجاب ؟ قال :تخرج النفس وهي مشركة " ولا يخفى أن الآية ظاهرة فيما ذهب إليه أهل القول الأول، وأجاب بعض المحققين عنها بأن مفادها أن قبول توبة المسوّف والمصر غير متحقق، ونفي التحقق غير تحقق النفي فيبقى الأمر بالنسبة إليهما بين بين، وأنه تعالى إن شاء عفا عنهما وإن شاء لم يعف وآية ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ [ النساء :٤٨ ] تبين أنه سبحانه لا يشاء المغفرة للكافر المصر ويبقى التائب عند الموت من أي ذنب كان تحت المشيئة، وزعم بعضهم أنه ليس في الآية الوسطى توبة حقيقية لتقبل بل غايه ما فيها قول، إني تبت الآن وهو إشارة إلى عدم وجود توبة صادقة، ولذا لم يقل وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت تاب وعلى تسليم أن التعبير بالقول لنكتة غير ذلك يلتزم القول بأن التقييد بالآن مشعر بعدم استيفاء التوبة للشروط لأن فيه رمزاً إلى عدم العزم على عدم العود إلى ما كان عليه من الذنب فيما يأتي من الأزمنة إن أمكن البقاء، ومن شروط التوبة الصحيحة ذلك فتدبر.
﴿ أولئك ﴾ أي المذكورون من الفريقين المترامي حالهم إلى الغاية القصوى في الفظاعة ﴿ أَعْتَدْنَا لَهُمْ ﴾ أي هيأنا لهم، وقيل :أعددنا فأبدلت الدال تاءاً ﴿ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ أي مؤلماً موجعاً، وتقديم الجار على المفعول الصريح لإظهار الاعتناء بكون العذاب مهيئاً لهم، والتنكير للتفخيم، وتكرير الإسناد لما مر، واستدل المعتزلة بالآية على وجوب العقاب لمن مات من مرتكبي الكبائر من المؤمنين فبل التوبة، وأجيب بأن تهيئة العذاب هو خلق النار التي يعذب بها، وليس في الآية أن الله تعالى يدخلهم فيها البتة، وكونه تعالى يدخل من مات كافراً فيها معلوم من غير هذه الآية، ويحتمل أيضاً أن يكون المراد أعتدنا لهم عذاباً أليماً إن لم تعف كما تدل على ذلك النصوص، ويروى عن الربيع أن الآية منسوخة بقوله تعالى : ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ [ النساء :٤٨ ].
واعترض بأن أعتدنا خبر ولا نسخ في الأخبار، وقيل :إن ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى الذين يموتون وهم كفار فلا إشكال كما لو جعل إشارة إلى الفريقين وأريد بالأول المنافقون، وبالثاني المشركون.
﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النساء كَرْهاً ﴾ لما نهى الله سبحانه فيما تقدم عن عادات أهل الجاهلية في أمر اليتامى والأموال عقبه بالنهي عن الاستنان بنوع من سننهم في النساء أنفسهن أو أموالهن ؛ فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال :كان الرجل إذا مات وترك جارية ألقى عليها حميمه ثوبه فمنعها من الناس فإن كانت جميلة تزوجها وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها، وفي رواية البخاري وأبي داود كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها وإن شاءوا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك، وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال :نزلت هذه الآية في كبيشة ابنة معن بن عاصم من الأوس كانت عند أبي قيس بن الأسلت فتوفي عنها فجنح عليها ابنه فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت :لا أنا ورثت زوجي ولا أنا تركت فأنكح فنزلت، وروي مثله عن أبي جعفر وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال :كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله فكان يعضلها حتى يتزوجها أو يزوجها من أراد فنهى الله تعالى المؤمنين عن ذلك.
وروي عن الزهري أنها نزلت في الرجل يحبس المرأة عنده لا حاجة له بها وينتظر موتها حتى يرثها فالنساء إما مفعول ثان لترثوا على أن يكنّ هنّ الموروثات، وكرهاً مصدر منصوب على أنه حال من النساء، وقيل :من ضمير ﴿ تَرِثُواْ ﴾ والمعنى لا يحل لكم أن تأخذوا نساء موتاكم بطريق الإرث على زعمكم كما حل لكم أخذ الأموال وهنّ كارهات لذلك أو مكرهات عليه، أو أنتم مكروهون لهنّ، وإما مفعول أول له، والمعنى :لا يحل لكم أن تأخذوا من النساء المال بطريق الإرث كرهاً والمراد من ذلك أمر الزوج أن يطلق من كره صحبتها ولا يمسكها كرهاً حتى تموت فيرث منها مالها، وقرأ حمزة والكسائي ﴿ كَرْهاً ﴾ بالضم في مواضعه، ووافقهما عاصم وابن عامر ويعقوب في الأحقاف، وقرأ الباقون بالفتح في جميع ذلك وهما بمعنى كالضعف والضعف، وقيل :الكره بالضم الإكراه وبالفتح الكراهية، وقرىء لا تحل بالتاء الفوقانية لأن أن ترثوا بمعنى الوراثة كما قرىء ﴿ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ﴾ [ الأنعام :٢٣ ] لأنه بمعنى المقالة، وهذا عكس تذكير المصدر المؤنث لتأويله بأن والفعل، فكل منهما جار في اللسان الفصيح.
﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ أصل العضل التضييق والحبس، ومنه عضلت المرأة بولدها عسر عليها كأعضلت فهي معضل ومعضل، ويقال :عضل المرأة يعضلها مثلثة عضلاً وعضلاً وعضلاناً بكسرهما، وعضلها منعها الزوج ظلماً، وعضلت الأرض بأهلها غصت قال أوس :
ترى الأرض منا بالفضاء مريضة ( معضلة ) منا بجيش عرمرم
و ﴿ لا ﴾ إما ناهية على ما قيل والفعل مجزوم بها، والجملة مستأنفة كما قال أبو البقاء أو معطوفة على الجملة التي قبلها بناءاً على جواز عطف جملة النهي على جملة خبرية كما نسب إلى سيبويه، أو بناءاً على أن الجملة الأولى في معنى النهي إذ معناها ( لا ترثوا النساء كرهاً ) فإنه غير حلال لكم، وإما نافية مزيدة لتأكيد النفي، والفعل منصوب بالعطف على ترثوا كأنه قيل :لا يحل ميراث النساء ( كرهاً ) ولا عضلهن، ويؤيد ذلك قراءة ابن مسعود، ( ولا أن تعضلوهن )، وأما جعل لا نافية غير مزيدة والفعل معطوف على المنصوب قبله فقد ردّه بعضهم بأنه إذا عطف فعل منفي بلا على مثبت وكانا منصوبين فالقاعدة أن الناصب يقدر بعد حرف العطف لا بعد لا ولو قدرته هنا بعد العاطف على ذلك التقدير فسد المعنى كما لا يخفى، والخطاب في المتعاطفين إما للورثة غير الأزواج فقد كانوا يمنعون المرأة المتوفى عنها زوجها من التزوج لتفتدي بما ورثت من زوجها، أو تعطيهم صداقاً أخذته كما كانوا يرثونهن كرهاً، والمراد بما آتيتموهن على هذا ما أتاه جنسكم وإلا لم يلتئم الكلام لأن الورثة ما آتوهن شيئاً، وإما للأزواج فإنهم كما كانوا يفعلون ما تقدم كانوا يمسكون النساء من غير حاجة لهم إليهن فيضاروهن ويضيقوا عليهن ليذهبوا ببعض ما آتوهن بأن يختلعن بمهورهن، وإلى هذا ذهب الكثير من المفسرين وهو المروي عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه والالتئام عليه ظاهر، وجوز أن يكون الخطاب الأول للورثة، وهذا الخطاب للأزواج، والكلام قد تم بقوله سبحانه : ﴿ كَرْهاً ﴾ فلا يرد عليه بعد تسليم القاعدة أنه لا يخاطب في كلام واحد اثنان من غير نداء، فلا يقال :قم واقعد خطاباً لزيد. وعمرو، بل يقال :قم يا زيد، واقعد يا عمرو، وقيل :هذا خطاب للأزواج ولكن بعد مفارقتهم منكوحاتهم، فقد أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال :كانت قريش بمكة ينكح الرجل منهم المرأة الشريفة فلعلها ما توافقه فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها فإذا خطبها خاطب فإن أعطته وأرضته أذن لها وإلا عضلها. والمراد من قوله سبحانه : ﴿ لِتَذْهَبُواْ ﴾ الخ أن يدفعن إليكم بعض ما آتيتموهن وتأخذوه منهن، وإنما لم يتعرض لفعلهن لكونه لصدوره عن اضطرار منهن بمنزلة العدم، وعبر عن ذلك بالذهاب به لا بالأخذ، والإذهاب للمبالغة في تقبيحه ببيان تضمنه لأمرين كل منهما محظور شنيع الأخذ والإذهاب لأنه عبارة عن الذهاب مصطحباً به ؛ وذكر البعض ليعلم منه أن الذهاب بالكل أشنع شنيع.
﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بفاحشة مُّبَيّنَةٍ ﴾ على صيغة الفاعل من بين اللازم بمعنى تبين أو المتعدي، والمفعول محذوف أي مبينة حال صاحبها. وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم ﴿ مُّبَيّنَةٍ ﴾ على صيغة المفعول، وعن ابن عباس أنه قرأ ﴿ مُّبَيّنَةٍ ﴾ على صيغة الفاعل من أبان اللازم بمعنى تبين أو المتعدي، والمراد بالفاحشة هنا النشوز وسوء الخلق قاله قتادة والضحاك وابن عباس وآخرون ويؤيده قراءة أبيّ إلا أن يفحشن عليكم، وفي «الدر المنثور » نسبة هذه القراءة لكن بدون عليكم إلى أبيّ وابن مسعود، وأخرج ابن جرير عن الحسن أن المراد بها الزنا. وحكي ذلك عن أبي قلابة وابن سيرين، والاستثناء قيل :منقطع، وقيل :متصل وهو من ظرف زمان عام أي لا تعضلوهن في وقت من الأوقات إلا وقت إيتائهن الخ، أو من حال عامة أي في حال من الأحوال إلا في هذه الحال، أو من علة عامة أي لا تعضلوهن لعلة من العلل إلا لإيتائهن ولا يأبى هذا ذكر العلة المخصوصة لجواز أن يكون المراد العموم أي للذهاب وغيره، وذكر فرد منه لنكتة أو لأن العلة المذكورة غائية والعامة المقدرة باعثة على الفعل متقدمة عليه في الوجود.
وفي الآية إباحة الخلع عند النشوز لقيام العذر بوجود السبب من جهتهن. / وحكي عن الأصم أن إباحة أخذ المال منهن كان قبل الحدود عقوبة لهن. وروي مثل ذلك عن عطاء، فقد أخرج عبد الرزاق وغيره عنه كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ ما ساق إليها وأخرجها فنسخ ذلك الحدود، وذهب أبو علي الجبائي وأبو مسلم أن هذا متعلق بالعضل بمعنى الحبس والإمساك، ولا تعرض له بأخذ المال ففيه إباحة الحبس لهن إذا أتين بفاحشة وهي الزنا عند الأول والسحاق عند الثاني، فالآية على نحو ما تقدم من قوله تعالى : ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى البيوت ﴾ [ النساء :١٥ ].
﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ ﴾ أي خالقوهن ﴿ بالمعروف ﴾ وهو ما لا ينكره الشرع والمروءة، والمراد ههنا النصفة في القسم والنفقة، والإجمال في القول والفعل. وقيل :المعروف أن لا يضربها ولا يسىء الكلام معها ويكون منبسط الوجه لها، وقيل :هو أن يتصنع لها كما تتصنع له، واستدل بعمومه من أوجب لهن الخدمة إذا كنّ ممن لا يخدمن أنفسهن، والخطاب للذين يسيئون العشرة مع أزواجهم، وجعله بعضهم مرتبطاً بما سبق أول السورة من قوله سبحانه : ﴿ وَءاتُواْ النساء صدقاتهن نِحْلَةً ﴾ [ النساء :٤ ] وفيه بعد.
﴿ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ ﴾ أي كرهتم صحبتهن وإمساكهن بمقتضى الطبيعة من غير أن يكون من قبلهن ما يوجب ذلك ﴿ فعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً ﴾ كالصحبة والإمساك.
﴿ وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾ كالولد أو الألفة التي تقع بعد الكراهة، وبذلك قال ابن عباس ومجاهد، وهذه الجملة علة للجزاء ؛ وقد أقيمت مقامه إيذاناً بقوة استلزامها إياه فإن عسى لكونها لإنشاء الترجي لا تصلح للجوابية وهي تامة رافعة لما بعدها مستغنية عن الخبر، والمعنى فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن، ولا تفارقوهن لكرهة الأنفس وحدها، فلعل ( لكم ) فيما تكرهونه ( خيراً كثيراً ) فإن النفس ربما تكره ما يحمد وتحب ما هو بخلافه، فليكن مطمح النظر ما فيه خير وصلاح، دون ما تهوى الأنفس، ونكر شيئاً وخيراً ووصفه بما وصفه مبالغة في الحمل على ترك المفارقة وتعميماً للإرشاد، ولذا استدل بالآية على أن الطلاق مكروه، وقرىء ﴿ وَيَجْعَلَ ﴾ بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والجملة حال أي وهو أي ذلك الشيء يجعل الله فيه خيراً كثيراً، وقيل :تقديره والله يجعل الله بوضع المظهر موضع المضمر، فالواو حينئذٍ حالية. وفي دخولها على المضارع ثلاثة مذاهب :الأول :منع دخولها عليه إلا بتقدير مبتدأ، والثاني :جوازه مطلقاً. والثالث :التفصيل بأنه إن تضمن نكتة كدفع إيهام الوصفية حسن وإلا فلا، ولا يخفى أن تقدير المبتدأ هنا خلاف الظاهر.
﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ﴾ أيها الأزواج ﴿ استبدال زَوْجٍ ﴾ إقامة امرأة ترغبون بها ﴿ مَّكَانَ زَوْجٍ ﴾ أي امرأة ترغبون عنها بأن تطلقوها ﴿ وَءاتَيْتُمْ ﴾ أي أعطى أحدكم ﴿ إِحْدَاهُنَّ ﴾ أي إحدى الزوجات، فإن المراد من الزوج هو الجنس الصادق مع المتعدد المناسب لخطاب الجمع، والمراد من الإيتاء كما قال الكرخي :الالتزام والضمان كما في قوله تعالى : ﴿ إذا سلمتم ما أتيتم ﴾ [ البقرة :٢٣٣ ] أي ما التزمتم وضمنتم، ومفهوم الشرط غير مراد على ما نص عليه بعض المحققين، وإنما ذكر لأن تلك الحالة قد يتوهم فيها الأخذ فنبهوا على حكم ذلك، والجملة حالية بتقدير قد لا معطوفة على الشرط أي وقد آتيتم التي تريدون أن تطلقوها وتجعلوا مكانها غيرها ﴿ قِنْطَاراً ﴾ أي مالاً كثيراً، وقد تقدمت الأقوال فيه ﴿ فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ ﴾ أي من القنطار المؤتى ﴿ شَيْئاً ﴾ يسيراً أي فضلاً عن الكثير.
﴿ أَتَأْخُذُونَهُ ﴾ أي الشيء ﴿ بهتانا وَإِثْماً مُّبِيناً ﴾ استئناف مسوق لتقرير النهي والاستفهام للإنكار والتوبيخ، والمصدران منصوبان على الحالية بتأويل الوصف أي أتأخذونه باهتين وآثمين، ويحتمل أن يكونا منصوبين على العلة ولا فرق في هذا الباب بين أن تكون علة غائية وأن تكون علة باعثة وما نحن فيه من الثاني نحو قعدت عن الحرب جبناً لأن الأخذ بسبب بهتانهم واقترافهم المآثم فقد قيل :كان الرجل منهم إذا أراد جديدة بهت التي تحته بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوج الجديدة فنهوا عن ذلك، والبهتان الكذب الذي يبهت المكذوب عليه، وقال الزجاج :الباطل الذي يتحير من بطلانه، وفسر هنا بالظلم، وعن مجاهد أنه الإثم فعطف الإثم عليه للتفسير كما في قوله :
وألفى قولها كذباً وميناً *** وقيل :المراد به هنا إنكار التمليك والمبين البين الظاهر.
﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ ﴾ إنكار بعد إنكار، وقد بولغ فيه على ما تقدم في ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ ﴾ [ البقرة :٢٨ ]، وقيل :تعجيب منه سبحانه وتعالى أي إن أخذكم له لعجيب ﴿ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ ﴾ كناية عن الجماع على ما روي عن ابن عباس ومجاهد والسدي. وقيل :المراد به الخلوة الصحيحة وإن لم يجامع واختاره الفراء وبه قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه وهو أحد قولين للإمامية، وفي «تفسير الكلبي » عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الإفضاء الحصول معها في لحاف واحد جامعها أو لم يجامعها، ورجح القول الأول بأن الكلام كناية بلا شبهة، والعرب إنما تستعملها فيما يستحى من ذكره كالجماع، والخلوة لا يستحى من ذكرها فلا تحتاج إلى الكناية، وأيضاً في تعدية الإفضاء بإلى ما يدل على معنى الوصول والاتصال، وذلك أنسب بالجماع، ومن ذهب إلى الثاني قال :إنما سميت الخلوة إفضاءاً لوصول الرجل بها إلى مكان الوطء ولا يسلم أن الخلوة لا يستحى من ذكرها، والجملة حال من فاعل ﴿ تَأْخُذُونَهُ ﴾ مفيدة لتأكيد النكير وتقرير الاستبعاد أي على أي حال أو في أي ( حال ) تأخذونه، والحال أنه قد وقع منكم ما وقع ﴿ *و ﴾ قد ﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثاقا ﴾ أي عهداً ﴿ غَلِيظاً ﴾ أي شديداً قال قتادة :هو ما أخذ الله تعالى للنساء على الرجال ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان ﴾ [ البقرة :٢٢٩ ] ثم قال :وقد كان ذلك يؤخذ عند عقد النكاح فيقال :الله عليك لتمسكن بمعروف أو لتسرحن بإحسان، وروي ذلك عن الضحاك ويحيى بن أبي كثير وكثير، وعن مجاهد الميثاق الغليظ كلمة النكاح التي استحل بها فروجهن.
واستدل بالآية من منع الخلع مطلقاً وقال :إنها ناسخة لآية البقرة، وقال آخر :إنها منسوخة بها، وروي ذلك عن أبي زيد وقال جماعة :لا ناسخة ولا منسوخة، والحكم الذي فيها هو الأخذ بغير طيب نفس، واستدل بها كما قال ابن الفرس قوم على جواز المغالاة في المهور. وأخرج أبو يعلى عن مسروق أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه نهى أن يزاد في الصداق على أربعمائة درهم فاعترضته امرأة من قريش فقالت :أما سمعت ما أنزل الله تعالى ﴿ وآتيتم إحداهن قنطاراً ﴾ ؟ [ النساء :٢٠ ] فقال :اللهم غفراً كل الناس أفقه من عمر ثم رجع فركب المنبر، فقال :إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب، وطعن الشيعة بهذا الخبر على عمر رضي الله تعالى عنه لجهله بهذه المسألة وإلزام امرأة له وقالوا :إن الجهل مناف للإمامة، وأجيب بأن الآية ليست نصاً في جواز إيتاء القنطار فإنها على حدّ قولك :إن جاءك زيد وقد قتل أخاك فاعف عنه، وهو لا يدل على جواز قتل الأخ سلمنا أنها تدل على جواز إيتائه إلا أنا لا نسلم جواز إيتائه مهراً بل يحتمل أن يكون المراد بذلك إعطاء الحلي وغيره لا بطريق المهر بل بطريق الهبة، والزوج لا يصح له الرجوع عن هبته لزوجته خصوصاً إذا أوحشها بالفراق، وقوله تعالى : ﴿ وَقَدْ أفضى ﴾ لا يعين كون المؤتى مهراً سلمنا كونه مهراً لكن لا نسلم كون عدم المغالاة أفضل منه.
فقد روى ابن حبان في «صحيحه » عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن من خير النساء أيسرهن صداقاً " وعن عائشة رضي الله تعالى عنها عنه صلى الله عليه وسلم " يمن المرأة تسهيل أمرها في صداقها " وأخرج أحمد والبيهقي مرفوعاً " أعظم النساء بركة أيسرهن صداقاً "، فنهى أمير المؤمنين عن التغالي يحتمل أنه كان للتيسير وميلاً لما هو الأفضل ورغبة فيما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً، وعدوله عن ذلك وعدم رده على القرشية كان من باب الترغيب في تتبع معاني القرآن واستنباط الدقائق منه، وفي إظهار الكبير العالم المغلوبية للصغير الجاهل تنشيط للصغير وإدخال للسرور عليه وحث له ولأمثاله على الاشتغال بالعلم وتحصيل ما يغلب به، فقوله رضي الله تعالى عنه :اللهم غفراً كل الناس أفقه من عمر كان من باب هضم النفس والتواضع وحسن الخلق وقد دعاه إليه ما دعاه، ومع هذا لم يأمرهم بالمغالاة بل قصارى أمره أنه رفع النهي عنهم وتركهم واختيارهم بين فاضل ومفضول ولا إثم عليهم في ارتكاب أي الأمرين شاءوا، سلمنا أن هذه المسألة قد غابت عن أفق ذهنه الشريف لكن لا نسلم أن ذلك جهل يضر بمنصب الإمامة فقد وقع لأمير المؤمنين عليّ كرم الله تعالى وجهه مثل ذلك وهو إمام الفريقين، فقد أخرج ابن جرير. وابن عبد البر عن محمد بن كعب قال :سأل رجل علياً كرم الله تعالى وجهه عن مسألة فقال فيها، فقال الرجل :ليس هكذا ولكن كذا وكذا، فقال الأمير :أصبت وأخطأنا ﴿ وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ [ يوسف :٧٦ ]، وقد وقع لداود عليه السلام ما قص الله تعالى لنا في كتابه من قوله سبحانه : ﴿ وَدَاوُودَ وسليمان إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الحرث ﴾ إلى أن قال عز من قائل : ﴿ ففهمناها سليمان ﴾ [ الأنبياء :٧٨، ٧٩ ] فحيث لم ينقص ذلك من منصب النبوة والخلافة المشار إليها بقوله تعالى : ﴿ ياداوود إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً فِى الارض ﴾ [ ص الاية
٢٦ ] لا ينقص من منصب الإمامة كما لا يخفى، فمن أنصف جعل هذه الواقعة من فضائل عمر رضي الله تعالى عنه لا من مطاعنه، ولكن لا علاج لداء البغض والعناد ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ [ الرعد :٣٣ ].
﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ ﴾ شروع في بيان من يحرم نكاحها من النساء ومن لا يحرم بعد بيان كيفية معاشرة الأزواج، وهو عند بعض مرتبط بقوله سبحانه : ﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النساء كَرْهاً ﴾ [ النساء :١٩ ] وإنما خص هذا النكاح بالنهي ولم ينظم في سلك نكاح المحرمات الآتية مبالغة في الزجر عنه حيث كان ذلك ديدناً لهم في الجاهلية. وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب قال :كان الرجل إذا توفي عن امرأته كان ابنه أحق بها أن ينكحها إن شاء إن لم تكن أمه، أو ينكحها من شاء فلما مات أبو قيس بن الأسلت قام ابنه حصن فورث نكاح امرأته ولم ينفق عليها ولم يورثها من المال شيئاً فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال : «ارجعي لعل الله تعالى ينزل فيك شيئاً فنزلت ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ﴾ الآية، ونزلت أيضاً ﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ ﴾ [ النساء :١٩ ] الخ » وذكر الواحدي وغيره أنها نزلت في حصن المذكور، وفي الأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه، وفي صفوان بن أمية بن خلف تزوج امرأة أبيه فاختة بنت الأسود بن المطلب، وفي منظور بن ريان تزوج امرأة أبيه مليكة بنت خارجة، واسم الآباء ينتظم الأجداد كيف كانوا باعتبار معنى يعمهما لغة لا باعتبار الجمع بين الحقيقة والمجاز، وفي «النهاية » إن دلالة الأب على الجد بأحد طريقين :إما أن يكون المراد بالأب الأصل وإما بالإجماع، ولا يخفى أن كون الدلالة بالإجماع مما لا معنى له، نعم لثبوت حرمة من نكحها الجد بالإجماع معنى لا خفاء فيه فتثبت حرمة ما نكحوها نصاً وإجماعاً، ويستقل في إثبات هذه الحرمة نفس النكاح أعني العقد إن كان صحيحاً ولا يشترط الدخول، وإلى ذلك ذهب ابن عباس، فقد أخرج عنه ابن جرير والبيهقي أنه قال :كل امرأة تزوجها أبوك دخل بها أو لم يدخل بها فهي عليك حرام، وروي ذلك عن الحسن وابن أبي رباح، وإن كان النكاح فاسداً فلا بدّ في إثبات الحرمة من الوطء أو ما يجري مجراه من التقبيل والمس بشهوة مثلاً بل هو المحرم في الحقيقة حتى لو وقع شيء من ذلك بملك اليمين، وبالوجه المحرم ثبتت به الحرمة عندنا، وإليه ذهبت الإمامية، وخالفت الشافعية في المحرم، وتحقيق ذلك أن الناس اختلفوا في مفهوم النكاح لغة فقيل :هو مشترك لفظي بين الوطء والعقد وهو ظاهر كلام كثير من اللغويين، وقيل :حقيقة في العقد مجاز في الوطء وعليه الشافعية، وقيل :بالعكس وعليه أصحابنا، ولا ينافيه تصريحهم بأنه حقيقة في الضم( ١ ) لأن الوطء من أفراده والموضوع للأعم حقيقة في كل من أفراده على ما أطلقه الأقدمون، وقد تحقق استعمال النكاح في كل من هذه المعاني، ففي الوطء قوله صلى الله عليه وسلم :
" ولدت من نكاح لا من سفاح " أي من وطء حلال لا من وطء حرام، وقوله عليه الصلاة والسلام :" يحل للرجل من امرأته الحائض كل شيء إلا النكاح "، وقول الشاعر :
ومن أيم قد ( أنكحتها ) رماحنا وأخرى على خال وعم تلهف
وقول الآخر :
( ومنكوحة ) غير ممهورة *** وقول الفرزدق :
إذ سقى الله قوماً صوب عادية فلا سقى الله أرض الكوفة المطرا
التاركين على طهر نساءهم ( والناكحين ) بشطي دجلة البقرا
وفي «العقد » قول الأعشى :
فلا تقربن جارة إن سرها عليك حرام ( فانكحن ) أو تأبدا
وفي المعنى الأعم قول القائل :
ضممت إلى صدري معطر صدرها كما ( نكحت ) أم الغلام صبيها
وقول أبي الطيب :
( أنكحت ) صم حصاها خف يعملة تغشمرت بي إليك السهل والجبلا
فمدعي الاشتراك اللفظي يقول تحقق الاستعمال والأصل الحقيقة، والثاني يقول :كونه مجازاً في أحدهما حقيقة في الآخر حيث أمكن أولى من الاشتراك، ثم يدعي تبادر العقد عند إطلاق لفظ النكاح دون الوطء ويحيل فهم الوطء منه حيث فهم على القرينة، ففي الحديث الأول هي عطف السفاح بل يصح حمل النكاح فيه على العقد وإن كانت الولادة بالذات من الوطء، وفي الثاني إضافة المرأة إلى ضمير الرجل فإن امرأته هي المعقود عليها فيلزم إرادة الوطء من النكاح المستثنى وإلا فسد المعنى إذ يصير يحل من المعقود عليها كل شيء إلا العقد، وفي الأبيات الإضافة إلى البقر ونفي المهور، والإسناد إلى الرماح إذ يستفاد أن المراد وطء البقر والمسبيات، والجواب منع تبادر العقد عند الإطلاق لغة بل ذلك في المفهوم الشرعي الفقهي، ولا نسلم أن فهم الوطء فيما ذكر مسند إلى القرينة وإن كانت موجودة إذ وجود قرينة تؤيد إرادة المعنى الحقيقي مما يثبت مع إرادة الحقيقي فلا يستلزم ذلك كون المعنى مجازياً بل المعتبر مجرد النظر إلى القرينة إن عرف أنه لولاها لم يدل اللفظ على ما عنيته فهو مجاز وإلا فلا، ونحن في هذه المواد المذكورة نفهم الوطء قبل طلب القرينة، والنظر في وجه دلالتها فيكون اللفظ حقيقة وإن كان مقروناً بما إذا نظر فيه استدعى إرادة ذلك المعنى، ألا يرى أن ما ادعوا فيه الشهادة على أنه حقيقة في العقد مجاز في الوطء من بيت الأعشى فيه قرينة تفيد العقد أيضاً فإن قوله :
فلا تقربن جارة *** نهى عن الزنا بدليل أن سرها عليك حرام فيلزم أن قوله :فانكحن أمر بالعقد أي فتزوج إن كان الزنا عليك حراماً أو تأبد أي توحش أي كن كالوحش بالنسبة إلى الآدميات فلا يكن منك قربان لهن كما لا يقربهن وحش، ولم يمنع ذلك أن يكون اللفظ حقيقة في العقد عندهم في البيت إذ هم لا يقولون بأنه مجاز فيه، وأما ادعاء أنه في الحديث للعقد فيستلزم التجوز في نسبة الولادة إليه لأن العقد إنما هو سبب السبب، ففيه دعوى حقيقة بالخروج عن حقيقة وهو ترجيح بلا مرجح لو كانا سواء، فكيف والأنسب كونه في الوطء ليتحقق التقابل بينه وبين السفاح إذ يصير المعنى عن وطء حلال لا وطء حرام فيكون على خاص من الوطء، والدال على الخصوصية لفظ السفاح أيضاً فثبت إلى هنا أنا لم نزده على ثبوت مجرد الاستعمال شيئاً يجب اعتباره، وقد علم أيضاً ثبوت الاستعمال في الضم فباعتباره حقيقة فيه يكون مشتركاً معنوياً من أفراده الوطء والعقد إن اعتبرنا الضم أعم من ضم الجسم إلى الجسم والقول إلى القول، أو الوطء فقط فيكون مجازاً في العقد لأنه إذا دار بين المجاز والاشتراك اللفظي كان المجاز أولى ما لم يثبت صريحاً خلافه ولم يثبت نقل ذلك بل قالوا :نقل المبرد عن البصريين، وغلام ثعلب عن الكوفيين أنه الجمع والضم، ثم المتبادر من لفظ الضم تعلقه بالأجسام لا الأقوال لأنها أعراض يتلاشى الأول منها قبل وجود الثاني فلا يصادف الثاني ما ينضم إليه فوجب كونه مجازاً في العقد كذا في «فتح القدير ».
إذا علمت ذلك فنقول :حمل الشافعية النكاح في الآية التي نحن فيها على العقد دون الوطء، واستدلوا بها على حرمة المعقود عليها وإن لم توطأ، وذهبوا إلى عدم ثبوت الحرمة بالزنا وحمله بعض أصحابنا على العقد فيها، واستدلوا بها على حرمة نكاح نساء الآباء والأجداد، وثبوت حرمة المصاهرة بالزنا وجعلوا حرمة العقد ثابتة بالإجماع، ثم قالوا :ولو حمل على العقد تكون حرمة الوطء ثابتة بطريق الأولى.
واعترض بأنه لا ينبغي أن يقال :ثبت حرمة الموطوأة بالآية، والمعقود عليها بلا وطء بالإجماع لأنه إذا كان الحكم الحرمة بمجرد العقد ولفظ الدليل الصالح له كان مراداً منه بلا شبهة ؛ فإن الإجماع تابع للنص إذ القياس عن أحدهما يكون، ولو كان عن علم ضروري يخلق لهم ثبت بذلك أن ذلك الحكم مراد من كلام الشارع إذا احتمله، وحمله آخرون على الوطء والعقد معاً فقد قال الزيلعي :الآية تتناول منكوحة الأب وطءاً وعقداً صحيحاً، ولا يضر الجمع بين الحقيقة والمجاز لأن الكلام نفي، وفي النفي يجوز الجمع بينهما كما يجوز فيه أن يعم المشترك جميع معانيه، وقد نقل أيضاً سعدي أفندي عن وصايا «الهداية » جواز الجمع بين معاني المشترك في النفي وحينئذٍ لا إشكال في كون الآية دليلاً على حرمة الموطوأة والمعقود عليها كما لا يخفى.
واعترض ما قاله الزيلعي بأنه ضعيف في الأصول، والصحيح أنه لا يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز لا في النفي ولا في الإثبات، ولا عموم للمشترك مطلقاً، وفي «الأكمل »، والحق أن النفي كما اقتضاه الإثبات فإن اقتضى الإثبات الجمع بين المعنيين فالنفي كذلك وإلا فلا.
ومسألة اليمين المذكورة في «المبسوط » حلف لا يكلم مواليه وله أعلون وأسفلون فأيهم كلم حنث ليست باعتبار عموم المشترك في النفي كما توهم البعض، وإنما هو لأن حقيقة الكلام متروكة بدلالة اليمين إلى مجاز يعمها، وفي «البحر » إن الأولى أن النكاح في الآية للعقد كما هو المجمع عليه، ويستدل لثبوت حرمة المصاهرة بالوطء الحرام بدليل آخر فليفهم، وما موصول اسمي واقعة على من يعقل ولا كلام في ذلك على رأي من جوزه مطلقاً، وكذا على رأي من جوزه إذا أريد معنى صفة مقصودة منه، وقيل :مصدرية على إرادة المفعول من المصدر أي منكوحات آبائكم، واختار الطبري إبقاء المصدر على مصدريته ويكون المراد النهي عن كل نكاح كان لهم فاسد أي لا تنكحوا مثل نكاح آبائكم وليس بالوجيه.
﴿ مّنَ النساء ﴾ في موضع الحال من ما أو من العائد عليها، وعند الطبري متعلقة بنكح، وذكر غير واحد أنها بيان لما على الوجهين السابقين، وظاهره أنها بيانية، ويحتمل أن تكون تبعيضية والبيان معنوي، ونكتته مع عدم الاحتياج إليه إذ المنكوحات لا يكن إلا نساءاً التعميم كأنه قيل :أي امرأة كانت، واحتمال كونه رفع توهم التغليب في آبائكم وجعله أعم من الأمهات حتى يفيد أنه نهي للبنت عن نكاح منكوح أمها لا يخلو عن خفاء.
﴿ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ أي مات كما روي ذلك عن أبي بن كعب وهو استثناء متصل على المختار مما نكح للمبالغة في التحريم والتعميم، والكلام حينئذٍ من باب تأكيد الشيء بما يشبه نقيضه كما في قول النابغة :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ( بهن فلول من قراع الكتائب )
والمعنى لا تنكحوا حلائل آبائكم إلا من ماتت منهن. والمقصود سدّ باب الإباحة بالكلية لما فيه من تعليق الشيء بالمحال كقوله تعالى : ﴿ حتى يَلِجَ الجمل فِى سَمّ الخياط ﴾ [ الأعراف :٤٠ ] والمعلق على المحال محال، وقيل :إنه استثناء متصل مما يستلزمه النهي وتستلزمه مباشرة المنهي عنه من العقاب كأنه قيل :تستحقون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف ومضى فإنه معفو عنه، وبهذا التأويل يندفع الاستشكال بأن النهي للمستقبل، وما قد سلف ماض فكيف يستثنى منه، وجعل بعض محققي النحاة الاستثناء مما دخل في حكم دلالة المفهوم منقطعاً فحكم على ما هنا بالانقطاع أي لكن ما سلف لا مؤاخذة عليه فلا تلامون به لأن الإسلام يهدم ما قبله فتثبت به أحكام النسب وغيره، ولا يعد ذلك زنا، وقد ذكر البلخي أنه ليس كل نكاح حرمه الله تعالى يكون زنا لأن الزنا فعل مخصوص لا يجري على طريقة لازمة وسنة جارية، ولذلك لا يقال للمشركين في الجاهلية أولاد زنا، ولا لأولاد أهل الذمة مثلاً إذا كان ذلك عن عقد بينهم يتعارفونه، وزعم بعضهم على تقدير الانقطاع أن المعنى لكن ما سلف أنتم مقرون عليه، وحكي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرهم على منكوحات آبائهم مدة ثم أمر بمفارقتهن، وفعل ذلك ليكون إخراجهم عن هذه العادة الرديئة على سبيل التدريج، قال البلخي :وهذا خلاف الإجماع، وما علم من دين
١ - قال في البحر: وهو مردود فإن الوطء مغاير للضم. وأيده بما في المغرب فأرجع إليه اهـ منه..
﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وَبَنَاتُ الاخ وَبَنَاتُ الاخت ﴾ ليس المراد تحريم ذاتهن لأن الحرمة وأخواتها إنما تتعلق بأفعال المكلفين، فالكلام على حذف مضاف بدلالة العقل، والمراد تحريم نكاحهن لأنه معظم ما يقصد منهن ولأنه المتبادر إلى الفهم ولأن ما قبله وما بعده في النكاح، ولو لم يكن المراد هذا كأن تخلل أجنبي بينهما من غير نكتة فلا إجمال في الآية خلافاً للكرخي، والجملة إنشائية وليس المقصود منها الإخبار عن التحريم في الزمان الماضي ؛ وقال بعض المحققين :لا مانع من كونها إخبارية والفعل الماضي فيها مثله في التعاريف نحو الاسم ما دل على معنى في نفسه ولم يقترن بأحد الأزمنة، والفعل ما دل واقترن، فإنهم صرحوا أن الجملة الماضوية هناك خبرية وإلا لما صح كونها صلة الموصول مع أنه لم يقصد من الفعل فيها الدلالة على الزمان الماضي فقط، وإلا للزم أن يكون حال المعرف في الزمان الحال والمستقبل ليس ذلك الحال، وبنى الفعل لما لم يسم فاعله لأنه لا يشتبه أن المحرم هو الله تعالى.
و ﴿ أمهاتكم ﴾ تعم الجدات كيف كنّ إذ الأم هي الأصل في الأصل كأم الكتاب وأم القرى فتثبت حرمة الجدات بموضوع اللفظ وحقيقته لأن الأم على هذا من قبيل المشكك، وذهب بعضهم إلى أن إطلاق الأم على الجدة مجاز، وأن إثبات حرمة الجدات بالإجماع، والتحقيق أن الأم مراد به الأصل على كل حال لأنه إن استعمل فيه حقيقة فظاهر، وإلا فيجب أن يحكم بإرادته مجازاً فتدخل الجدات في عموم المجاز والمعرف لإرادة ذلك في النص الإجماع على حرمتهن.
والمراد بالبنات من ولدتها أو ولدت من ولدها ؛ وتسمية الثانية بنتاً حقيقة باعتبار أن البنت يراد به الفرع كما قيل به فيتناولها النص حقيقة أو مجازاً عند البعض، أو عند الكل، ومن منع إطلاق البنت على الفرع مطلقاً قال :إن ثبوت حرمة بنات الأولاد بالإجماع، وقد يستدل على تحريم الجدات وبنات الأولاد بدلالة النص المحرم للعمات والخالات وبنات الأخ والأخت، ففي الأول :لأن الأشِقّاءَ منهن أولاد الجدات فتحريم الجدات وهن أقرب أولى، وفي الثاني :لأن بنات الأولاد أقرب من بنات الأخوة، ثم ظاهر النص يدل على أنه يحرم للرجل بنته من الزنا لأنها بنته، والخطاب إنما هو باللغة العربية ما لم يثبت نقل كلفظ الصلاة ونحوه فيصير منقولاً شرعياً، وفي ذلك خلاف الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فقد قال :إن المخلوقة من ماء الزنا تحل للزاني لأنها أجنبية عنه إذ لا يثبت لها توارث ولا غيره من أحكام النسب، ولقوله صلى الله عليه وسلم : «الولد للفراش » وهو يقتضي حصر النسب في الفراش.
وقال بعض الشافعية :تحرم إن أخبره نبي كعيسى عليه السلام وقت نزوله بأنها من مائه، ورد عليه بأن الشارع قطع نسبها عنه كما تقرر فلا نظر لكونها من ماء سفاحه، واعترضوا على القائلين بالحرمة بأنهم إما أن يثبتوا كونها بنتاً له بناءاً على الحقيقة لكونها مخلوقة من مائه، أو بناءاً على حكم الشرع، والأول :باطل على مذهبهم طرداً وعكساً، أما الأول :فلأنه لو اشترى بكراً وافتضها وحبسها إلى أن تلد فهذا الولد مخلوق من مائه بلا شبهة مع أنه لا يثبت نسبه إلا عند الاستلحاق، وأما الثاني :فلأن المشرقي لو تزوج مغربية وحصل هناك ولد منها مع عدم اجتماعها مع زوجها وحيلولة ما بين المشرق والمغرب بينهما فإنه يثبت النسب مع القطع بأنه غير مخلوق من مائه، والثاني :باطل بإجماع المسلمين على أنه لا نسب لولد الزنا من الزاني ولو انتسب إليه وجب على القاضي منعه، وأجيب باختيار الشق الأول إذ لا خلاف بين أهل اللسان في أن المخلوقة من ماء إنسان بنته سواء كان ذلك الماء ماءً حلال أو سفاح والجزئية ثابتة في الصورتين، والظاهر أنها هي مبدأ حرمة النكاح، ألا ترى كيف حرم على المرأة ولدها من الزنا إجماعاً، والتفرقة بين المسألتين بأن الولد في المسألة الثانية بعضها، وانفصل منها إنساناً، ولا كذلك البنت في المسألة الأولى لأنها انفصلت منه منياً لا تفيد سوى أن البعضية في المسألة الثانية أظهر، وأما إنها تنفي البعضية في المسألة الأولى فلا لأنهم يطلقون البضعة وهي تقتضي البعضية على الولد المنفصل منياً من أبيه، فيقولون :فلان بضعة وفلانة بضعة من فلان، وإنكار وجود الجزئية في المسألتين مكابرة، وعدم ثبوت التوارث مثلاً بين المخلوقة من ماء الزنا وصاحب الماء ليس لعدم الجزئية وكونها ليست بنته حقيقة بل للإجماع على ذلك، ولولاه لورثت كما يرث ولد الزنا أمه. وما ذكر في بيان إبطال الطرد من أنه لو اشترى بكراً فافتضها وحبسها فولدت فالولد مخلوق من مائه قطعاً مع أنه لا يثبت نسبه إلا بالاستلحاق أخذه من قول الفقهاء في الأمة إذا ولدت عند المولى أنه لا يثبت نسب ولدها منه إلا أن يعترف به، ولا يكفي أنه وطأها فولدت، لكن في «الهداية » وغيرها إن هذا حكم، فأما الديانة بينه وبين الله تعالى فالمروى عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه إن كان حين وطئها لم يعزل عنها وحصنها عن مظان ريبة الزنا يلزمه من قبل الله تعالى أن يدعيه بالإجماع لأن الظاهر والحال هذه كونه منه، والعمل بالظاهر واجب، وإن كان عزل عنها حصنها أولاً أو لم يعزل.
ولكن لم يحصنها فتركها تدخل وتخرج بلا رقيب مأمون جاز له أن ينفيه لأن هذا الظاهر وهو كونه منه بسبب أن الظاهر عدم زنا المسلمة يعارضه ظاهر آخر وهو كونه من غيره لوجود أحد الدليلين على ذلك، وهما العزل أو عدم التحصين، وفيه روايتان أخريان عن أبي يوسف ومحمد ذكرهما في «المبسوط » فقال :وعن أبي يوسف إذا وطئها ولم يستبرئها بعد ذلك حتى جاءت بولد فعليه أن يدعيه سواء عزل عنها أو لم يعزل حصنها أو لم يحصنها تحسيناً للظن بها وحملاً لأمرها على الصلاح ما لم يتبين خلافه، وهذا كمذهب الجمهور لأن ما ظهر بسببه يكون حالاً به عليه حتى يتبين خلافه وعن محمد لا ينبغي أن يدعي ولدها إذا لم يعلم أنه منه ولكن ينبغي أن يعتق الولد، وفي «الإيضاح » ذكرهما بلفظ الاستحباب، فقال :قال أبو يوسف :أحب أن يدعيه، وقال محمد :أحب أن يعتق الولد، وقال في «الفتح » بعد كلام :وعلى هذا ينبغي أن لو اعترف فقال :كنت أطأ لقصد الولد عند مجيئها بالولد أن يثبت نسب ما أتت به وإن لم يقل هو ولدي لأن ثبوته بقوله :هو ولدي بناءاً على أن وطأه حينئذ لقصد الولد، وعلى هذا قال بعض فضلاء الدرس :ينبغي أنه لو أقرّ أنه كان لا يعزل عنها وحصنها أن يثبت نسبه من غير توقف دعواه، وإن كنا نوجب عليه في هذه الحالة الاعتراف به فلا حاجة إلى أن نوجب عليه الاعتراف ليعترف فيثبت نسبه بل يثبت نسبه ابتداءاً، وأظن أن لا بعد في أن يحكم على المذهب بذلك انتهى، وفي «المبسوط » أنه إذا تطاول الزمان ألحق به لأن التطاول دليل إقراره لأنه يوجد منه حينئذ ما يدل على الإقرار من قبول التهنئة ونحوه فيكون كالتصريح بإقراره.
ومن مجموع ما ذكر يعلم ما في كلام المعترض، وأن للخصم عدم تسليمه لكن ذكر في «البحر » متعقباً :ظن بعض الفضلاء أنه لا يصح أن يحكم على المذهب به لتصريح أهله بخلافه، ونقل نص «البدائع » في ذلك، ثم قال فإن أراد الثبوت عند القاضي ظاهراً فقد صرحوا أنه لا بد من الدعوة مطلقاً، وإن أراد فيما بينه وبين الله تعالى فقد صرح في «الهداية » وغيرها بأن ما ذكرناه من اشتراط الدعوة إنما هو في القضاء إلى آخر ما ذكرناه لكن في «المجتبى » لا يصح إعتاق المجنون وتدبيره ويصح استيلاده، فهذا إن صح يستثنى من الحكم وهو مشكل انتهى، وعلى هذا يقال في المسألة التي ذكرها المعترض :المولود ولد للمولى في نفس الأمر لأنه مخلوق من مائة وولد الزنا كذلك وزيادة حيث انضم إلى ذلك الإقرار، والله سبحانه جعل مناط الحرمة البنوة وهي متحققة في مسألتنا فكيف يحل النكاح في نفس الأمر، وعدم ثبوت التوارث ونحوه كما قلنا كان إجماعاً، وعدم الاستلحاق قضاءاً إلا بالدعوى أمر آخر وراء تحقق البنوة في نفس الأمر فكم متحقق في نفس الأمر لا يقضى به وكم مقضى به غير متحقق في نفس الأمر كما في خبر الفرس التي اشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأعرابي وشهد له خزيمة لما أنكر الأعرابي البيع وقد حقق الكلام في بحث الاستيلاد في «فتح القدير » وغيره من مبسوطات كتب القوم، وما ذكر في إبطال العكس من مسألة تزوج المشرقي بمغربية فلا نسلم القطع فيها بأن الولد ليس مخلوقاً من مائه لثبوت كرامات الأولياء والاستخدامات فيتصور أن يكون الزوج صاحب خطوة أو جني، وأنه ذهب إلى المغرب فجامعها، ولولا قيام هذا الاحتمال مع قيام النكاح لم يلحق الولد به، ألا ترى كيف قال الأصحاب :لو جاءت امرأة الصبي بولد لم يثبت نسبه منه لعدم تصور ذلك هناك والتصور شرط، وقيام الفراش وحده غير كاف على الصحيح، ولعل اعتبار هذه البنوة قضاءاً وإلا فحيث لم يكن الولد مخلوقاً من مائه لا يقال له ولد الزوج في نفس الأمر وإنما اعتبروا ذلك مع ضعف الاحتمال ستراً للحرائر وصيانة للولد عن الضياع، وقريب من هذا ما ذهب إليه الشافعي ومالك وأحمد رحمهم الله تعالى في باب الاستيلاد أن الجارية إذا ولدت يثبت نسب الولد من المولى إذا أقر بوطئها مع العزل كما يثبت مع عدم العزل بل لو وطئها في دبرها يلزمه الولد عند مالك ومثله عن أحمد، وهو وجه مضعف للشافعية، وقيل :إن بين هذه المسألة ومسألة تزويج المشرقي بمغربية بعداً كبعد ما بين المشرق والمغرب لأن الوطء هنا متحقق في الجملة من غير حاجة إلى قطع براري وقفار ولا كذلك هناك والله تعالى أعلم.
والبنات جمع بنت في المشهور وصحح أن لامها واو كأخت وإنما رد المحذوف في أخوات ولم يرد في بنات حملاً لكل واحد من الجمعين على مذكره، فمذكر بنات لم يرد إليه المحذوف بل قالوا فيه بنون، ومذكر أخوات رد فيه محذوفه فقالوا في جمع أخ :إخوة وأخوات، وقد نظم الدنوشري السؤال فقال :
أيها الفاضل اللبيب تفضل *** بجواب به يكون رشادي
لفظ أخت ولفظ بنت إذاما *** جمعا جمع صحة لا فساد
فلأخت ترد لأم وأما *** لفظ بنت فلا فأوضح مرادي
مع تعويضهم من اللام تاءا *** فيهما لا برحت أهل اعتمادي
وقد أجاب هو رحمه الله تعالى عن ذلك بقوله :
لفظ أخت له انضمام بصدر *** ناسب الواو فاكتسى بالمعاد
وقال أبو البقاء :التاء فيها ليست لتأنيث لأن تاء للتأنيث لا يسكن ما قبلها، وتقلب هاءاً في الوقف فبنات ليس بجمع بنت بل بنه، وكسرت الباء تنبيهاً على المحذوف قاله الفراء، وقال غيره :أصلها الفتح وعلى ذلك جاء جمعها، ومذكرها وهو بنون، وإلى ذلك ذهب البصريون، وأما أخت فالتاء فيها بدل من الواو لأنها من الأخوة، والأخوات ينتظمن الأخوات من الجهات الثلاث، وكذا الباقيات لأن الاسم يشمل الكل ويدخل في العمات والخالات أولاد الأجداد والجدات وإن علوا، وكذا عمة جده وخالته وعمة جدته وخالاتها لأب وأم أو لأب أو لأم وذلك كله بالإجماع، وفي «الخانية » وعمة العمة لأب وأم أو لأب كذلك، وأما عمة العمة لأم فلا تحرم، وفي «المحيط » :وأما عمة العمة فإن كانت العمة القربى عمة لأب وأم أو لأب فعمة العمة حرام لأن القربى إذا كانت أخت أبيه لأب وأم أو لأب فإن عمتها تكون أخت
﴿ والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم ﴾ عطف على ما قبله من المحرمات. والمراد بهن على المشهور ذوات الأزواج، أحصنهن التزوج أو الأزواج أو الأولياء أي منعهن عن الوقوع في الإثم، وأجمع القراء كما قال أبو عبيدة على فتح الصاد هنا ؛ ورواية الفتح عن الكسائي لا تصح، والمشهور رواية ذلك عن طلحة بن مصرف ويحيى بن وثاب، وعليه يكون اسم فاعل لأنهنّ أحصن فروجهن عن غير أزواجهن، أو أحصن أزواجهن، وقيل :الصيغة للفاعل على القراءة الأولى أيضاً، فقد قال ابن الأعرابي :كل أفعل اسم فاعله بالكسر إلا ثلاثة أحرف أحصن، وألفج إذا ذهب ماله، وأسهب إذا كثر كلامه.
وحكي عن الأزهري مثله، وقال ثعلب :كل امرأة عفيفة محصنة ومحصنة، وكل امرأة متزوجة محصنة بالفتح لا غير، ويقال :حصنت المرأة بالضم حصناً أي عفت فهي حاصن وحصنان بالفتح وحصناء أيضاً بينة الحصانة، وفرس حصان بالكسر بيّنُ التحصين والتحصن، ويقال :إنه سمي حصاناً لأنه ضن بمائه فلم ينز إلا على كريمة، ثم كثر ذلك حتى سموا كل ذكر من الخيل حصاناً، والإحصان في المرأة ورد في اللغة واستعمل في القرآن بأربعة معان :الإسلام والحرية والتزوج والعفة، وزاد الرافعي العقل لمنعه من الفواحش. والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من المحصنات أي حرمت عليكم المحصنات كائنات من النساء، وفائدته تأكيد عمومها، وقيل :دفع توهم شمولها للرجال بناءاً على كونها صفة للأنفس وهي شاملة للذكور والإناث وليس بشيء كما لا يخفى، وفي المراد بالآية غموض حتى قال مجاهد :لو كنت أعلم من يفسرها لي لضربت إليه أكباد الإبل أخرجه عنه ابن جرير، وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي السوداء قال :سألت عكرمة عن هذه الآية ﴿ والمحصنات ﴾ الخ فقال :لا أدري، وللعلماء المتقدمين فيها أقوال :أحدها :أن المراد بها المزوجات كما قدمنا.
والمراد بالمِلْكِ المِلْكُ بالسبي خاصة فإنه المقتضي لفسخ النكاح وحلها للسابي دون غيره، وهو قول عمر وعثمان وجمهور الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة، لكن وقع الخلاف هل مجرد السبي محل لذلك أو سبيها وحدها ؟ فعند الشافعي رحمه الله تعالى مجرد السبي موجب للفرقة ومحل للنكاح، وعند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه سبيها وحدها حتى لو سبيت معه لم تحل للسابي، واحتج أهل هذا القول بما أخرجه مسلم عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أنه قال :أصبنا سبياً يوم أوطاس ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية فاستحللناهن، وهذه الرواية عنه أصح من الرواية الأخرى أنها نزلت في المهاجرات، واعترض بأن هذا من قصر العام على سببه وهو مخالف لما تقرر في الأصول من أنه لا يعتبر خصوص السبب، وأجيب بأنه ليس من ذاك القصر في شيء وإنما خص لمعارضة دليل آخر وهو الحديث المشهور عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها لما اشترت بريرة وكانت مزوجة( ١ ) أعتقتها وخيرها صلى الله عليه وسلم فلو كان بيع الأمة طلاقاً ما خيرها فاقتصر بالعام حينئذٍ على سببه الوارد عليه لما كان غير البيع من أنواع الانتقالات كالبيع في أنه مِلْكٌ اختياري مترتب على مِلك متقدم بخلاف السباء فإنه ملك جديد قهري فلا يلحق به غيره كذا قيل، واعترض أصحاب الشافعي بإطلاق الآية والخبر على الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه وجعلوا ذلك حجة عليه فيما ذهب إليه، وأجاب الشهاب بأن الإطلاق غير مسلم ففي الأحكام المروي أنه لما كان يوم أوطاس لحقت الرجال بالجبال وأخذت النساء فقال المسلمون :كيف نصنع ولهن أزواج ؟ فأنزل الله تعالى الآية، وكذا في حنين كما ذكره أهل المغازي فثبت أنه لم يكن معهن أزواج.
فإن احتجوا بعموم اللفظ قيل لهم :قد اتفقنا على أنه ليس بعام وأنه لا تجب الفرقة بتجدد الملك فإذا لم يكن كذلك علمنا أن الفرقة لمعنى آخر وهو اختلاف الدارين فلزم تخصيصها بالمسبيات وحدهن، وليس السبي سبب الفرقة بدليل أنها لو خرجت مسلمة أو ذمية ولم يلحق بها زوجها وقعت الفرقة بلا خلاف.
وقد حكم الله تعالى به في المهاجرات في قوله سبحانه : ﴿ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر ﴾ [ الممتحنة :١٠ ] فلا يرد ما أورد، وثانيها :أن المراد بالمحصنات ما قدمنا، وبالمِلكِ مطلق ملك اليمين فكل من انتقل إليه ملك أمة ببيع أو هبة أو سباء أو غير ذلك وكانت مزوجة كان ذلك الانتقال مقتضياً لطلاقها وحلها لمن انتقلت إليه وهو قول ابن مسعود وجماعة من الصحابة وإليه ذهب جمهور الإمامية. وثالثها :أن المحصنات أعم من العفائف والحرائر وذوات الأزواج، والملك أعم من ملك اليمين وملك الاستمتاع بالنكاح فيرجع معنى الآية إلى تحريم الزنا وحرمة كل أجنبية إلا بعقد أو ملك يمين، وإلى ذلك ذهب ابن جبير وعطاء والسدي، وحكي عن بعض الصحابة، واختاره مالك في «لموطأ » ورابعها :كون المراد من المحصنات الحرائر، ومن الملك المطلق والمقصود تحريم الحرائر بعد الأربع. أخرج عبد الرزاق وغيره عن عبيدة أنه قال في هذه الآية : «أحل الله تعالى لك أربعاً في أول السورة وحرم نكاح كل محصنة بعد الأربع إلا ما ملكت يمينك » وروي مثله عن كثير.
وقال شيخ الإسلام :المراد من المحصنات ذوات الأزواج والموصول إما عام حسب عموم صلته، والاستثناء ليس لإخراج جميع الأفراد من حكم التحريم بطريق شمول النفي بل بطريق نفي الشمول المستلزم لإخراج البعض أي حرمت عليكم المحصنات على الإطلاق إلا المحصنات اللاتي ملكتموهن فإنهن لسن من المحرمات على الإطلاق بل فيهن من لا يحرم نكاحهن في الجملة وهن المسبيات بغير أزواجهن أو مطلقاً على اختلاف المذهبين، وإما خاص بالمسبيات فالمعنى حرمت عليكم المحصنات إلا اللاتي سبين فإن نكاحهن مشروع في الجملة أي لغير ملاكهن، وأما حلهن لهم بحكم ملك اليمين فمفهوم بدلالة النص لاتحاد المناط لا بعبارته لأن مساق النظم الكريم لبيان حرمة التمتع بالمحرمات المعدودة بحكم ملك النكاح، وإنما ثبوت حرمة التمتع بهن بحكم ملك اليمين بطريق دلالة النص وذلك مما لا يجري فيه الاستثناء قطعاً، وأما عدهن من ذوات الأزواج مع تحقق الفرقة بينهن وبين أزواجهن قطعاً بتباين الدارين أو بالسباء فمبني على اعتقاد الناس حيث كانوا غافلين عن الفرقة كما ينبي عن ذلك خبر أبي سعيد، وليس في ترتب ما فيه من الحكم على نزول الآية الكريمة ما يدل على كونها مسوقة له فإن ذلك إنما يتوقف على إفادتها له بوجه من وجوه الدلالات لا على إفادتها بطريق العبارة أو نحوها.
واعترض بأن فيه ارتكاب خلاف الظاهر من غير ما وجه ولا مانع على تقدير تسليم أن يكون مساق النظم الكريم لبيان حرمة التمتع بالمحرمات المعدودة بحكم ملك النكاح فقط من أن يكون الاستثناء باعتبار لازم تحريم النكاح وهو تحريم الوطء فكأنه قيل :يحرم عليكم نكاح المحصنات فلا يجوز لكم وطؤهن إلا ما ملكت أيمانكم فإنه يجوز لكم وطؤهن فتدبر.
﴿ كتاب الله ﴾ مصدر مؤكد أى كتب الله تعالى ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ تحريم هؤلاء كتاباً، ولا ينافيه الإضافة كما توهم، والجملة مؤكدة لما قبلها و ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ متعلق بالفعل المقدر، وقيل : ﴿ كِتَابٌ ﴾ منصوب على الإغراء أي ألزموا كتاب الله، و ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ متعلق إما بالمصدر أو بمحذوف وقع حالاً منه، وقيل :هو إغراء آخر مؤكد لما قبله وقد حذف مفعوله لدلالة ما قبله عليه ؛ وقيل :منصوب بعليكم، واستدلوا به على جواز تقديم المفعول في باب الإغراء وليس بشيء. وقرأ أبو السميقع ( كتب الله ) بالجمع والرفع أي :هذه فرائض الله تعالى عليكم، و كتب الله بلفظ الفعل.
﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ ﴾ قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم على البناء للمفعول، والباقون على البناء للمفاعل، وجعله الزمخشري على القراءة الأولى معطوفاً على ﴿ حرمات ﴾، وعلى الثانية معطوفاً على ( كتب ) المقدر، وتعقبه أبو حيان بأن ما اختاره من التفرقة غير مختار لأن جملة ( كتب ) لتأكيد ما قبلها، وهذه غير مؤكدة فلا ينبغي عطفها على المؤكدة بل على الجملة المؤسسة خصوصاً مع تناسبهما بالتحليل والتحريم، ونظر فيه الحلبي، ولعل وجه النظر أن تحليل ما سوى ذلك مؤكد لتحريمه معنى، وما ذكر أمر استحساني رعاية لمناسبة ظاهرة ﴿ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ إشارة إلى ما تقدم من المحرمات أي أحل لكم نكاح ما سواهن انفراداً وجمعاً، وفي إيثار اسم الإشارة على الضمير إشارة إلى مشاركة من في معنى المذكورات للمذكورات في حكم الحرمة فلا يرد حرمة الجمع بين المرأة وعمتها وكذا الجمع بين كل امرأتين أيتهما فرضت ذكراً لم تحل لها الأخرى كما بيّن في الفروع لأن تحريم من ذكر داخل فيما تقدم بطريق الدلالة كما مرت إليه الإشارة عن بعض المحققين، وحديث تخصيص هذا العموم بالكتاب والسنة مشهور.
﴿ أَن تَبْتَغُواْ ﴾ مفعول له لما دل عليه الكلام أي بين لكم تحريم المحرمات المذكورات وإحلال ما سواهن إرادة، وطلب أن تبتغوا والمفعول محذوف أي تبتغوا النساء، أو متروك أي تفعلوا الابتغاء ﴿ بأموالكم ﴾ بأن تصرفوها إلى مهورهن، أو بدل اشتمال من ﴿ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ بتقدير المفعول ضميراً. وجوز بعضهم كون ﴿ مَا ﴾ عبارة عن الفعل كالتزوج والنكاح، وجعل هذا بدل كل من كل، والمروي عن ابن عباس تعميم الكلام بحيث يشمل صرف الأموال إلى المهور والأثمان ﴿ مُّحْصِنِينَ ﴾ حال من فاعل ﴿ تَبْتَغُواْ ﴾، والمراد بالإحصان هنا العفة وتحصين النفس عن الوقوع فيما لا يرضي الله تعالى ﴿ غَيْرَ مسافحين ﴾ حال من الضمير البارز، أو من الضمير المستكن وهي في الحقيقة حال مؤكدة، والسفاح الزنا من السفح وهو صب الماء وسمي الزنا به لأن الزاني لا غرض له إلا صب النطفة فقط لا النسل، وعن الزجاج المسافحة والمسافح :الزانيان اللذان لا يمتنعان من أحد، ويقال للمرأة إذا كانت تزني بواحد :ذات خدن، ومفعول الوصفين محذوف أي محصنين فروجكم أو نفوسكم غير مسافحين الزواني، وظاهر الآية حجة لمن ذهب إلى أن المهر لا بدّ وأن يكون مالاً كالإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه، وقال بعض الشافعية :لا حجة في ذلك لأن تخصيص المال لكونه الأغلب المتعارف فيجوز النكاح على ما ليس بمال، ويؤيد ذلك ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل رجلاً خطب الواهبة نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ماذا معك من القرآن ؟ قال :معي سورة كذا وكذا وعددهن قال :تقرأهن على ظهر قلبك ؟ قال :نعم قال :اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن " ووجه التأييد أنه لو كان في الآية حجة لما خالفها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأجيب بأن كون القرآن معه لا يوجب كونه بدلاً والتعليم ليس له ذكر في الخبر فيجوز أن يكون مراده صلى الله عليه وسلم زوجتك تعظيماً للقرآن ولأجل ما معك منه قاله بعض المحققين ولعل في الخبر إشارة إليه.
﴿ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ ﴾ ( ما ) إما عبارة عن النساء أو عما يتعلق بهن من الأفعال وعليهما فهي إما شرطية أو موصولة وأياً مّا كان فهي مبتدأ وخبرها على تقدير الشرطية فعل الشرط أو جوابه أو كلاهما وعلى تقدير الموصولية قوله تعالى : ﴿ فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ والفاء لتضمن الموصول معنى الشرط ثم على تقدير
١ - اختلفوا هل كان الزوج عبداً أو حراً؟ فذهب الحنفيون إلى أنه كان حراً، والأئمة الثلاث إلى أنه كان عبداً، وأكثر الروايات على ذلك فتدبر اهـ منه..
﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطعْ منكُمْ ﴾ ﴿ مِنْ ﴾ إما شرطية وما بعدها شرطها، وإما موصولة وما بعدها صلتها، و ﴿ مّنكُمْ ﴾ حال من الضمير في ﴿ يَسْتَطِعْ ﴾ وقوله سبحانه : ﴿ طُولاً ﴾ مفعول به ليستطع وجعله مفعولاً لأجله على حذف مضاف أي لعدم طول تطويل بلا طول. والمراد به الغنى والسعة وبذلك فسره ابن عباس ومجاهد، وأصله الفضل والزيادة، ومنه الطائل، وفسره بعضهم بالاعتلاء والنيل فهو من قولهم :طلته أي نلته، ومنه قول الفرزدق :
إن الفرزدق صخرة ملمومة ( طالت ) فليس تنالها الأوعالا
قوله عز وجل : ﴿ أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات ﴾ أي الحرائر بدليل مقابلتهن بالمملوكات، وعبر عنهن بذلك لأن حريتهن أحصنتهن عن نقص الإماء إما أن يكون متعلقاً ب ﴿ طُولاً ﴾ على معنى ومن لم يستطع أن ينال نكاح المحصنات وإما أن يكون بتقدير إلى أو اللام والجار في موضع الصفة ل ﴿ طُولاً ﴾ أي ومن لم يستطع غنى موصلاً إلى نكاحهن أو لنكاحهن أو على على أن الطول بمعنى القدرة كما قال الزجاج، ومحل ﴿ إن ﴾ بعد الحذف جر، أو نصب على الخلاف المعروف، وهذا التقدير قول الخليل، وإليه ذهب الكسائي، وجوز أبو البقاء أن يكون بدلاً من ﴿ طُولاً ﴾ بدل الشيء من الشيء، وهما لشيء واحد بناءاً على أن الطول هو القدرة أو الفضل والنكاح قوة وفضل، وقيل :يجوز أن يكون مفعولاً ليستطع و ﴿ طُولاً ﴾ مصدر مؤكد له إذ الاستطاعة هي الطول أو تمييز أي ومن لم يستطع منكم استطاعة أو من جهة الطول والغنى أي لا من جهة الطبيعة والمزاج إذ لا تعلق لذلك بالمقام.
وقوله تعالى وتقدس : ﴿ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ جواب الشرط أو خبر الموصول وجاءت الفاء لما مر غير مرة، و ﴿ مَا ﴾ موصولة في محل جر بمن التبعيضية، والجار والمجرور متعلق بفعل مقدر حذف مفعوله، وفي الحقيقة متعلق بمحذوف وقع صفة لذلك المفعول أي فلينكح امرأة كائنة بعض النوع الذي ملكته أيمانكم، وأجاز أبو البقاء كون ( من ) زائدة أي فلينكح ما ملكته أيمانكم، وقوله تعالى : ﴿ مّن فتياتكم ﴾ أي إمائكم ﴿ المؤمنات ﴾ في موضع الحال من الضمير المحذوف العائد إلى ﴿ مَا ﴾، وقيل :( من ) زائدة، و ﴿ فتياتكم ﴾ هو المفعول للفعل المقدر قبل، و مما ملكت متعلق بنفس الفعل، و ( من ) لابتداء الغاية، أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من هذا المفعول، و ( من ) للتبعيض، و ( المؤمنات ) على جميع الأوجه صفة ( فتياتكم )، وقيل :هو مفعول ذلك الفعل المقدر، وفيه بعد.
وظاهر الآية يفيد عدم جواز نكاح الأمة للمستطيع لمفهوم الشرط كما ذهب إليه الشافعي وعدم جواز نكاح الأمة الكتابية مطلقاً لمفهوم الصفة كما هو رأي أهل الحجاز وجوزهما الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه لإطلاق المقتضى من قوله تعالى : ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء ﴾ [ النساء :٣ ] و ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ [ النساء :٢٤ ] فلا يخرج منه شيء إلا بما يوجب التخصيص ؛ ولم ينتهض ما ذكر حجة مخرجة ؛ أما أولاً :فالمفهومان أعني مفهوم الشرط ومفهوم الصفة ليسا بحجة عنده رضي الله تعالى عنه كما تقرر في الأصول، وأما ثانياً :فبتقدير الحجة مقتضى المفهومين عدم الإباحة الثابتة عند وجود القيد المبيح، وعدم الإباحة أعم من ثبوت الحرمة أو الكراهة، ولا دلالة للأعم على أخص بخصوصه فيجوز ثبوت الكراهة عند وجود طول الحرة كما يجوز ثبوت الحرمة على السواء، والكراهة أقل فتعينت فقلنا بها، وبالكراهة صرح في «البدائع »، وعلل بعضهم عدم حل تزوج الأمة حيث لم يتحقق الشرط بتعريض الولد للرق لتثبت الحرمة بالقياس على أصول شتى، أو ليتعين أحد فردي الأعم الذي هو عدم الإباحة وهو التحريم مراداً بالأعم.
واعترض بأنهم إن عنوا أن فيه تعريضاً موصوفاً بالحرية للرق سلمنا استلزامه للحرمة لكن وجود الوصف ممنوع إذ ليس هنا متصف بحرية عرض للرق بل الوصفان من الحرية والرق يقارنان وجود الولد باعتبار أمه إن كانت حرة فحر، أو رقيقة فرقيق، وإن أرادوا به تعريض الولد الذي سيوجد لأن يقارنه الرق في الوجود لا إرقاقه سلمنا وجوده ومنعنا تأثيره في الحرمة بل في الكراهة، وهذا لأنه كان له أن لا يحصل الولد أصلاً بنكاح الآيسة ونحوها فلأن يكون له أن يحصل رقيقاً بعد كونه مسلماً أولى إذ المقصود بالذات من التناسل تكثير المقرين لله تعالى بالوحدانية والألوهية وما يجب أن يعترف له به وهذا ثابت بالولد المسلم، والحرية مع ذلك كمال يرجع أكثره إلى أمر دنيوي وقد جاز للعبد أن يتزوج أمتين بالاتفاق مع أن فيه تعريض الولد للرق في موضع الاستغناء عن ذلك وعدم الضرورة، وكون العبد أباً لا أثر له في ثبوت رق الولد فإنه لو تزوج حرة كان ولده حراً والمانع إنما يعقل كونه ذات الرق لأنه الموجب للنقص الذي جعلوه محرماً لا مع قيد حرية الأب فوجب استواء العبد والحر في هذا الحكم لو صح ذلك التعليل قاله ابن الهمام وفيه مناقشة مّا فتأمل.
وفي هذه الآية ما يشير إلى وهن استدلال الشيعة بالآية السابقة على حل المتعة لأن الله تعالى أمر فيها بالاكتفاء بنكاح الإماء عند عدم الطول إلى نكاح الحرائر فلو كان أحل المتعة في الكلام السابق لما قال سبحانه بعده : ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ ﴾ الخ لأن المتعة في صورة عدم الطول المذكور ليست قاصرة في قضاء حاجة الجماع بل كانت بحكم لكل جديد لذة أطيب وأحسن على أن المتعة أخف مؤنة وأقل كلفة فإنها مادة يكفي فيها الدرهم والدرهمان فأية ضرورة كانت داعية إلى نكاح الإماء ؟ ولعمري إن القول بذلك أبعد بعيد كما لا يخفى على من أطلق من ربقة قيد التقليد
﴿ والله أَعْلَمُ بإيمانكم ﴾ جملة معترضة جيء بها تأنيساً لقلوبهم وإزالة للنفرة عن نكاح الإماء ببيان أن مناط التفاخر الإيمان دون الأحساب والأنساب، ورب أمة يفوق إيمانها إمان كثير من الحرائر.
والمعنى أنه تعالى أعلم منكم بمراتب إيمانكم الذي هو المدار في الدارين فليكن هو مطمح نظركم، وقيل :جيء بها للإشارة إلى أن الإيمان الظاهر كاف في صحة نكاح الأمة ولا يشترط في ذلك العلم بالإيمان علماً يقينياً إذ لا سبيل إلى الوقوف على الحقائق إلا لعلام الغيوب ﴿ بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ ﴾ أي أنتم وفتياتكم متناسبون إما من حيث الدين وإما من حيث النسب، وعلى الثاني يكون اعتراضاً آخر مؤكداً للتأنيس من جهة أخرى ؛ وعلى الأول يكون بياناً لتناسبهم من تلك الحيثية إثر بيان تفاوتهم في ذلك، وأياً ما كان فبعضكم مبتدأ والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع خبراً له، وزعم بعضهم أن ( بعضكم ) فاعل للفعل المحذوف، قيل :وفي الكلام تقديم وتأخير، والتقدير فلينكح بعضكم من بعض الفتيات، ولا ينبغي أن يخرج كتاب الله تعالى الجلي على ذلك.
﴿ فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾ مترتب على ما قبله ولذا صدر بالفاء أي فإذا وقعتم على جلية الأمر فانكحوهن الخ وأعيد الأمر مع فهمه مما قبله لزيادة الترغيب في نكاحهن، أو لأن المفهوم منه الإباحة وهذا للوجوب. والمراد من الأهل الموالي، وحمل الفقهاء ذلك على من له ولاية التزويج ولو غير مالك فقد قالوا :للأب والجد والقاضي والوصي تزويج أمة اليتيم لكن في «الظهيرية » الوصي لو زوج أمة اليتيم من لكن في الظهيرية الوصي لو زوج أمة اليتيم من عبده لا يجوز، وفي «جامع الفصولين » القاضي لا يملك تزويج أمة الغائب، وفي «فتح القدير » للشريك المفاوض تزويج الأمة، وليس لشريك العنان والمضارب والعبد المأذون تزويجها عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ومحمد، وقال أبو يوسف :يملكون ذلك، وهذا الإذن شرط عندنا لجواز نكاح الأمة فلا يجوز نكاحها بلا إذن، والمراد بعدم الجواز عدم النفاذ لا عدم الصحة بل هو موقوف كعقد الفضولي، وإلى هذا ذهب مالك وهو رواية عند أحمد ومثل ذلك نكاح العبد واستدلوا على عدم الجواز فيهما بما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث جابر، وقال :حديث حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر " والعهرالزنا وهو محمول على ما إذا وطىء لا بمجرد العقد وهو زنا شرعي لا فقهي فلم يلزم منه وجوب الحد لأنه مرتب على الزنا الفقهي كما بين في الفروع، وبأن في تنفيذ نكاحهما تعييبهما إذ النكاح عيب فيهما فلا يملكانه إلا بإذن مولاهما، ونسب إلى الإمام مالك ولم يصح أنه يجوز نكاح العبد بلا إذن السيد لأنه يملك الطلاق فيملك النكاح، وأجيب بالفرق فإن الطلاق إزالة عيب عن نفسه بخلاف النكاح، قال ابن الهمام :لا يقال :يصح إقرار العبد على نفسه بالحد والقصاص مع أن فيه هلاكه فضلاً عن تعييبه لأنا نقول :هو لا يدخل تحت ملك السيد فيما يتعلق به خطاب الشرع أمراً ونهياً كالصلاة والغسل والصوم والزنا والشرب وغيره إلا فيما علم إسقاط الشارع إياه عنه كالجمعة. والحج، ثم هذه الأحكام تجب جزاءاً على ارتكاب المحظور شرعاً، فقد أخرجه عن ملكه في ذلك الذي أدخله فيه باعتبار غير ذلك وهو الشارع زجراً عن الفساد وأعاظم العيوب انتهى. ادعى بعض الحنفية أن الآية تدل على أن للإماء أن يباشرن العقد بأنفسهن لأنه اعتبر إذن الموالي لا عقدهم. واعترض بأن عدم الاعتبار لا يوجب اعتبار العدم فلعل العاقد يكون هو المولى أو الوكيل فلا يلزم جواز عقدهن كما لا يخفى، ولو كانت الأمة مشتركة بين اثنين مثلاً لا يجوز نكاحها إلا بإذن الكل، وفي «الظهيرية » لو زوج أحد الموليين أمته ودخل بها الزوج فللآخر النقض فإن نقض فله نصف مهر المثل وللزوج الأقل من نصف مهر المثل، ومن نصف المسمى وحكى معتق البعض حكم كامل الرق عند الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه، وعندهما يجوز نكاحه بلا إذن لأنه حر مديون
﴿ وَءاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ أي أدوا إليهن مهورهن بإذن أهلن وحذف هذا القيد لتقدم ذكره لا لأن العطف يوجب مشاركة المعطوف المعطوف عليه في القيد، ويحتمل أنه يكون في الكلام مضاف محذوف أي آتوا أهلهن، ولعل ما تقدم قرينة عليه، قيل :ونكتة اختيار ( آتوهن ) على أتوهم مع تقدم الأهل على ما ذكره بعض المحققين إن في ذلك تأكيداً لإيجاب المهر وإشعاراً بأنه حقهن من هذه الجهة، وإنما تأخذه الموالي بجهة ملك اليمين، والداعي لهذا كله أن المهر للسيد عند أكثر الأئمة لأنه عوض حقه. وقال الإمام مالك :الآية على ظاهرها والمهر للأمة، وهذا يوجب كون الأمة مالكة مع أنه لا ملك للعبد فلا بد أن تكون مالكة له يداً كالعبد المأذون له بالتجارة لأن جعلها منكوحة إذن لها فيجب التسليم إليهن كما هو ظاهر الآية، وإن حملت الأجور على النفقات استغنى عن اعتبار التقدير أولاً وآخراً، وكذا إن فسر قوله تعالى.
﴿ بالمعروف ﴾ بما عرف شرعاً من إذن الموالي، والمعروف فيه أنه متعلق بآتوهن والمراد أدوا إليهن من غير مماطلة وإضرار، ويجوز أن يكون حالاً أي متلبسات بالمعروف غير ممطولات أو متعلقاً بأنكحوهن أي فانكحوهنّ بالوجه المعروف يعني بإذن أهلهنّ ومهر مثلهنّ
﴿ محصنات ﴾ حال إما من مفعول ﴿ *آتوهن ﴾ فهو بمعنى متزوجات، أو من مفعول ﴿ بَعْضٍ فانكحوهن ﴾ فهو بمعنى عفائف، وحمله على مسلمات وإن جاز خصوصاً على مذهب الجمهور الذين لا يجيزون نكاح الأمة الكتابية لكن هذا الشرط تقدم في قوله سبحانه : ﴿ فتياتكم المؤمنات ﴾ فليس في إعادته كثير جدوى
﴿ يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ ﴾ استئناف مقرر لما سبق من الأحكام، ومثل هذا التركيب وقع في كلام العرب قديماً وخرجه النحاة كما قال الشهاب على مذاهب فقيل :مفعول ( يريد ) محذوف أي تحليل ما أحل وتحريم ما حرم ونحوه، واللام للتعليل أو العاقبة أي ذلك لأجل التبيين، ونسب هذا إلى سيبويه وجمهور البصريين، فتعلق الإرادة غير التبيين وإنما فعلوه لئلا يتعدى الفعل إلى مفعوله المتأخر عنه باللام وهو ممتنع أو ضعيف. وقيل :إنه إذا قصد التأكيد جاز من غير ضعف، وقد قصد هنا تأكيد الاستقبال اللازم للإرادة ولكن باعتبار التعلق وإلا فإرادة الله تعالى قديمة، وسمى صاحب «اللباب » هذه اللام لام التكملة وجعلها مقابلة للام التعدية. وذهب بعض البصريين إلى أن الفعل مؤل بالمصدر من غير سابك كما قيل به في تسمع بالمعيدي خير من أن تراه على أنه مبتدأ والجار والمجرور خبره أي إرادتي كائنة للتبيين وفيه تكلف، وذهب الكوفيون إلى أن اللام هي الناصبة للفعل من غير إضمار وإن وهي وما بعدها مفعول للفعل المقدم لأن اللام قد تقام مقام إن في فعل الإرادة والأمر، والبصريون يمنعون ذلك ويقولون :إن وظيفة اللام الجر والنصب بأن مضمرة بعدها، ومفعول يبين على بعض الأوجه محذوف أي :ليبين لكم ما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم، أو ما تعبدكم به أو نحو ذلك، وجوز أن يكون قوله تعالى : ﴿ لِيُبَيّنَ ﴾ وقوله تعالى : ﴿ وَيَهْدِيَكُمْ ﴾ تنازعا في قوله سبحانه : ﴿ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ ﴾ أي مناهج من تقدمكم من الأنبياء والصالحين لتقتفوا أثرهم وتتبعوا سيرهم، وليس المراد أن الحكم كان كذلك في الأمم السالفة كما قيل به، بل المراد كون ما ذكر من نوع طرائق المتقدمين الراشدين وجنسها في بيان المصالح
﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ عطف على ما قبله وحيث كانت التوبة ترك الذنب مع الندم والعزم على عدم العود وهو مما يستحيل إسناده إلى الله تعالى ارتكبوا تأويل ذلك في هذا المقام بأحد أمور :فقيل إن التوبة هنا بمعنى المغفرة مجازاً لتسببها عنها، أو بمعنى الإرشاد إلى ما يمنع عن المعاصي على سبيل الاستعارة التبعية لأن التوبة تمنع عنها كما أن إرشاده تعالى كذلك، أو مجاز عن حثه تعالى عليها لأنه سبب لها عكس الأول، أو بمعنى الإرشاد إلى ما يكفرها على التشبيه أيضاً، وإلى جميع ذلك أشار ناصر الدين البيضاوي. وقرر العلامة الطيبي أن هذا من وضع المسبب موضع السبب وذلك لعطف ﴿ وَيَتُوبَ ﴾ على ﴿ وَيَهْدِيَكُمْ ﴾ الخ على سبيل البيان كأنه قيل :ليبين لكم ويهديكم ويرشدكم إلى الطاعات، فوضع موضعه ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ وما يرد على بعض الوجوه من لزوم تخلف المراد عن الإرادة وهي علة تامة يدفعه كون الخطاب ليس عاماً لجميع المكلفين بل لطائفة معينة حصلت لهم هذه التوبة ﴿ والله عَلِيمٌ ﴾ مبالغ في العلم بالأشياء فيعلم ما شرع لكم من الأحكام وما سلكه المهتدون من الأمم قبلكم وما ينفع عباده المؤمنين وما يضرهم ﴿ حَكِيمٌ ﴾ مراع في جميع أفعاله الحكمة والمصلحة فيبين لمن يشاء ويهدي من يشاء ويتوب على من يشاء، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. .
( هذا ومن باب الإشارة ) ﴿ يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ ﴾ بأن يكاشفكم بأسراره المودعة فيكم أثناء السير إليه ﴿ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ ﴾ أي مقاماتهم وحالاتهم ورياضاتهم، وأشار بهم إلى الواصلين إليه قبل المخاطبين، ويجوز أن تكون الإشارة بالسنن إلى التفويض والتسليم والرضا بالمقدور فإن ذلك شنشنة الصديقين ونشنشة الواصلين ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ من ذنب وجودكم حين يفنيكم فيه، ويحتمل أن يكون التبيين إشارة إلى الإيصال إلى توحيد الأفعال والهداية إلى توحيد الصفات والتوبة إلى توحيد الذات ﴿ والله عَلِيمٌ ﴾ بمراتب استعدادكم ﴿ حَكِيمٌ ﴾ [ النساء :٢٦ ] ومن حكمته أن يفيض عليكم حسب قابلياتكم.
﴿ والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ جعله بعضهم تكراراً لما تقدم للتأكيد والمبالغة وهو ظاهر إذا كان المراد من التوبة هناك وهنا شيئاً واحداً، وأما إذا فسر ﴿ يَتُوبُ ﴾ أولاً :بقبول التوبة والإرشاد مثلاً، وثانياً :بأن يفعلوا ما يستوجبون به القبول فلا يكون تكراراً، وأيضاً إنما يتمشى ذلك على كون ﴿ لِيُبَيّنَ لَكُمْ ﴾ [ النساء :٢٦ ] مفعولاً وإلا فلا تكرار أيضاً لأن تعلق الإرادة بالتوبة في الأول :على جهة العلية، وفي الثاني :على جهة المفعولية وبذلك يحصل الاختلاف لا محالة ﴿ وَيُرِيدُ الذين يَتَّبِعُونَ الشهوات ﴾ يعني الفسقة لأنهم يدورون مع شهوات أنفسهم من غير تحاش عنها فكأنهم بأنهماكهم فيها أمرتهم الشهوات باتباعها فامتثلوا أمرها واتبعوها فهو استعارة تمثيلية، وأما المتعاطي لما سوغه الشرع منها دون غيره فهو متبع له لا لها. وروي هذا عن ابن زيد، وأخرج مجاهد عن ابن عباس أنهم الزناة، وأخرج ابن جرير عن السدي أنهم اليهود والنصارى، وقيل :إنهم اليهود خاصة حيث زعموا أن الأخت من الأب حلال في التوراة، وقيل :إنهم المجوس حيث كانوا يحلون الأخوات لأب لأنهم لم يجمعهم رحم، وبنات الأخ والأخت قياساً على بنات العمة والخالة بجامع أن أمهما لا تحل، فكانوا يريدون أن يضلوا المؤمنين بما ذكر، ويقولون :لم جوزتم تلك ولم تجوزوا هذه ؟ا فنزلت، وغوير بين الجملتين ليفرق بين إرادة الله تعالى وإرادة الزائغين ﴿ أَن تَمِيلُواْ ﴾ عن الحق بموافقتهم فتكونوا مثلهم، وعن مجاهد أن تزنوا كما يزنون. وقرىء بالياء التحتانية فالضمير حينئذ للذين يتبعون الشهوات ﴿ مَيْلاً عَظِيماً ﴾ بالنسبة إلى ميل من اقترف خطيئة على ندرة، واعترف بأنها خطيئة ولم يستحل.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ تكرار لما تقدم إيذاناً بمزيد الاعتناء به لأنه غاية المراتب ﴿ وَيُرِيدُ الذين يَتَّبِعُونَ الشهوات ﴾ أي اللذائذ الفانية الحاجبة عن الوصول إلى الحضرة ﴿ أَن تَمِيلُواْ ﴾ إلى السوي ﴿ مَيْلاً عَظِيماً ﴾ [ النساء :٢٧ ] لتكونوا مثلهم.
﴿ يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ ﴾ أي في التكليف في أمر النساء والنكاح بإباحة نكاح الإماء قاله طاوس ومجاهد وقيل :يخفف في التكليف على العموم فإنه تعالى خفف عن هذه الأمة ما لم يخفف عن غيرها من الأمم الماضية، وقيل :يخفف بقبول التوبة والتوفيق لها، والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً ﴾ أي في أمر النساء لا يصبر عنهن قاله طاوس وفي الخبر : «لا خير في النساء ولا صبر عنهن يغلبن كريماً ويغلبهن لئيم فأحب أن أكون كريماً مغلوباً ولا أحب أن أكون لئيماً غالباً » وقيل :يستميله هواه وشهوته ويستشيطه خوفه وحزنه، وقيل :عاجز عن مخالفة الهوى وتحمل مشاق الطاعة، وقيل :ضعيف الرأي لا يدرك الأسرار والحكم إلا بنور إلهي. وعن الحسن رضي الله تعالى عنه أن المراد ضعيف الخلقة يؤلمه أدنى حادث نزل به، ولا يخفى ضعف مساعدة المقام لهما فإن الجملة اعتراض تذييلي مسوق لتقرير ما قبله من التخفيف بالرخصة في نكاح الإماء، وليس لضعف الرأي ولا لضعف البنية مدخل في ذلك، وكونه إشارة إلى تجهيل المجوس في قياسهم على أول القولين ليس بشيء، ونصب ( ضعيفاً ) على الحال وقيل :على التمييز، وقيل :على نزع الخافض أي من ضعيف وأريد به الطين أو النطفة، وكلاهما( ١ ) كما ترى، وقرأ ابن عباس ﴿ وَخُلِقَ الإنسان ﴾ على البناء للفاعل والضمير لله عز وجل. وأخرج البيهقي في «الشعب » عنه أنه قال :ثماني آيات نزلت في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، الأولى : ﴿ يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [ النساء :٢٦ ] والثانية : ﴿ والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ [ النساء :٢٧ ] إلى آخرها، والثالثة : ﴿ يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ ﴾ إلى آخرها، والرابعة : ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سيئاتكم وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً ﴾ [ النساء :٣١ ] والخامسة : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ [ النساء :٤٠ ] والسادسة : ﴿ وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله يَجِدِ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ [ النساء :١١٠ ] والسابعة : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ ﴾ إلى آخرها، والثامنة : ﴿ والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ﴾ [ النساء :١٥٢ ] الآية. .
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ ﴾ أثقال العبودية في مقام المشاهدة، أو أثقال النفس بفتح باب الاستلذاذ بالعبادة بعد الصبر عليها ﴿ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً ﴾ [ النساء :٢٨ ] عن حمل واردات الغيب وسطوات المشاهدة فلا يستطيع حمل ذلك إلا بتأييد إلهي، أو ضعيفاً لا يطيق الحجاب عن محبوبه لحظة ؛ ولا يصبر عن مطلوبه ساعة لكمال شوقه ومزيد غرامه :
والصبر يحمد في المواطن كلها إلا عليك فإنه مذموم
وكان الشبلي قدس سره يقول :إلهي لا معك قرار ولا منك فرار المستغاث بك إليك.
١ - أي القولين اهـ منه..
﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل ﴾ بيان لبعض المحرمات المتعلقة بالأموال والأنفس إثر بيان تحريم النساء على غير الوجوه المشروعة، وفيه إشارة إلى كمال العناية بالحكم المذكور، والمراد من الأكل سائر التصرفات، وعبر به لأنه معظم المنافع، والمعنى لا يأكل بعضكم أموال بعض، والمراد بالباطل ما يخالف الشرع كالربا والقمار والبخس والظلم قاله السدي وهو المروي عن الباقر رضي الله تعالى عنه، وعن الحسن هو ما كان بغير استحقاق من طريق الأعواض. وأخرج عنه وعن عكرمة بن جرير أنهما قالا :كان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بهذه الآية فنسخ ذلك بالآية التي في سورة النور ( ٦١ ) ﴿ وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ الآية، والقول الأول أقوى لأن ما أكل على وجه مكارم الأخلاق لا يكون أكلاً بالباطل، وقد أخرج ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود أنه قال في الآية :إنها محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة، و ﴿ بَيْنِكُمْ ﴾ نصب على الظرفية، أو الحالية من ( أموالكم ) ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ ﴾ استثناء منقطع، ونقل أبو البقاء القول بالاتصال وضعفه، و ﴿ عَنْ ﴾ متعلقة بمحذوف وقع صفة لتجارة، و ﴿ مّنكُمْ ﴾ صفة ﴿ تَرَاضٍ ﴾ أي إلا أن تكون التجارة تجارة صادرة ﴿ عَن تَرَاضٍ ﴾ كائن ﴿ مّنكُمْ ﴾ أو إلا أن تكون الأموال أموال تجارة، والنصب قراءة أهل الكوفة، وقرأ الباقون بالرفع على أن كان تامة.
وحاصل المعنى لا تقصدوا أكل الأموال بالباطل لكن اقصدوا كون أي وقوع تجارة عن تراض أو لا تأكلوا ذلك كذلك فإنه منهي عنه لكن وجود تجارة عن تراض غير منهي عنه، وتخصيصها بالذكر من بين سائر أسباب الملك لكونها أغلب وقوعاً وأوفق لذوي المروءات، وقد أخرج الأصبهاني عن معاذ بن جبل قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا وإذا وعدوا لم يخلفوا وإذا ائتمنوا لم يخونوا وإذا اشتروا لم يذموا وإذا باعوا لم يمدحوا وإذا كان عليهم لم يمطلوا وإذا كان لهم لم يعسروا » وأخرج سعيد بن منصور عن نعيم بن عبد الرحمن الأزدي قال :رسول الله صلى الله عليه وسلم :تسعة أعشار الرزق في التجارة والعشر في المواشي.
وجوز أن يراد بها انتقال المال من الغير بطريق شرعي سواء كان تجارة أو إرثاً أو هبة أو غير ذلك من استعمال الخاص وإرادة العام، وقيل :المقصود بالنهي المنع المبايعة عن صرف المال فيما لا يرضاه الله تعالى، وبالتجارة صرفه فيما يرضاه وهذا أبعد مما قبله، والمراد بالتراضي مراضاة المتبايعين بما تعاقدا عليه في حال وقت الإيجاب والقبول عندنا وعند الإمام مالك، وعند الشافعي حالة الافتراق عن مجلس العقد، وقيل :التراضي التخيير بعد البيع، أخرج عبد بن حميد عن أبي زرعة أنه باع فرساً له فقال لصاحبه :اختر فخيره ثلاثاً، ثم قال له :خيرني فخيره ثلاثاً، ثم قال :سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول :هذا البيع عن تراض.
﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ أي لا يقتل بعضكم بعضاً، وعبر عن البعض المنهي عن قتلهم بالأنفس للمبالغة في الزجر، وقد ورد في الحديث " المؤمنون كالنفس الواحد " وإلى هذا ذهب الحسن وعطاء والسدي والجبائي ؛ وقيل :المعنى لا تهلكوا أنفسكم بارتكاب الآثام كأكل الأموال بالباطل وغيره من المعاصي التي تستحقون بها العقاب، وقيل :المراد به النهي عن قتل الإنسان نفسه في حال غضب أو ضجر، وحكي ذلك عن البلخي. وقيل :المعنى لا تخاطروا بنفوسكم في القتال فتقاتلوا من لا تطيقونه، وروي ذلك عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه، وقيل :المراد لا تتجروا في بلاد العدو فتفردوا بأنفسكم، وبه استدل مالك على كراهة التجارة إلى بلاد الحرب، وقيل :المعنى لا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة، وأيد بما أخرجه أحمد وأبو داود عن عمرو بن العاص قال : «لما بعثني النبي صلى الله عليه وسلم عام ذات السلاسل احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك له فقال :يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب ؟ قلت :نعم يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك وذكرت قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ الآية فتيممت ثم صليت فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً »، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ ﴾ بالتشديد والتكثير، ولا يخفى ما في الجمع بين التوصية بحفظ المال والوصية بحفظ النفس من الملائمة لما أن المال شقيق النفس من حيث إنه سبب لقوامها وتحصيل كمالاتها واستيفاء فضائلها، والملائمة بين النهيين على قول مالك أتم، وقدم النهي الأول لكثرة التعرض لما نهى عنه فيه.
﴿ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾ تعليل للنهي، والمعنى أنه تعالى لم يزل مبالغاً في الرحمة، ومن رحمته بكم نهيكم عن أكل الحرام وإهلاك الأنفس، وقيل :معناه إنه كان بكم يا أمة محمد رحيماً إذ لم يكلفكم قتل الأنفس في التوبة كما كلف بني إسرائيل بذلك. .
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ الإيمان الحقيقي ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ ﴾ أي تذهبوا ﴿ أموالكم ﴾ وهو ما حصل لكم من عالم الغيب بالكسب الاستعدادي ﴿ بَيْنَكُمْ بالباطل ﴾ بأن تنفقوا على غير وجهه وتودعوه غير أهله ﴿ إِلا أَن تَكُونَ تجارة ﴾ أي إلا أن يكون التصرف تصرفاً صادراً ﴿ عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ ﴾ واستحسان ألقي من عالم الإلهام إليكم فإن ذلك مباح لكم ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ بالغفلة عنها فإن من غفل عنها فقد غفل عن ربه ومن غفل عن ربه فقد هلك، أو لا تقتلوا أنفسكم أي أرواحكم القدسية بمباشرتكم ما لا يليق فإن مباشرة ما لا يليق يمنع الروح من طيرانها في عالم المشاهدات ويحجب عنها أنوار المكاشفات ﴿ إِنَّ الله كَانَ ﴾ في أزل الآزال ﴿ بِكُمْ رَحِيماً ﴾ [ النساء :٢٩ ] فلذا أرشدكم إلى ما أرشدكم
﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك ﴾ أي قتل النفس فقط، أو هو وما قبله من أكل الأموال بالباطل، أو مجموع ما تقدم من المحرمات من قوله تعالى : ﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النساء كَرْهاً ﴾ [ النساء :١٩ ]، أو من أول السورة إلى هنا أقوال :روي الأول :منها عن عطاء ولعله الأظهر وما في ذلك من البعد إيذان بفظاعة قتل النفس وبعد منزلته في الفساد، وإفراد اسم الإشارة على تقدير تعدد المشار إليه باعتبار تأويله بما سبق.
﴿ عدوانا ﴾ أي إفراطاً في التجاوز عن الحد، وقرىء ﴿ عدوانا ﴾ بكسر العين ﴿ وَظُلْماً ﴾ أي إيتاءاً بما لا يستحقه، وقيل :هما بمعنى فالعطف للتفسير، وقيل :أريد بالعدوان التعدي على الغير، وبالظلم الظلم على النفس بتعريضها للعقاب، وأياً مّا كان فهما منصوبان على الحالية، أو على العلية، وقيل :وخرج بهما السهو والغلط والخطأ وما كان طريقه الاجتهاد في الأحكام ﴿ فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً ﴾ أي ندخله إياها ونحرقه بها، والجملة جواب الشرط.
وقرىء ( نصليه ) بالتشديد، و ( نصليه ) بفتح النون من صلاه لغة كأصلاه، ويصليه بالياء التحتانية والضمير لله عز وجل، أو لذلك، والاسناد مجازى من باب الاسناد إلى السبب.
﴿ وَكَانَ ذلك ﴾ أي إصلاؤه النار يوم القيامة ﴿ عَلَى الله يَسِيراً ﴾ هيناً لا يمنعه منه مانع ولا يدفعه عنه دافع ولا يشفع فيه إلا بإذنه شافع، وإظهار الاسم الجليل بطريق الالتفات لتربية المهابة وتأكيد استقلال الاعتراض التذييلي. .
﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ ﴾ أي تتركوا جانباً ﴿ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ ﴾ أي ينهاكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ﴿ عَنْهُ ﴾ أي عن ارتكابه مما ذكر ومما لم يذكر، وقرىء ( كبير ) على إرادة الجنس فيطابق القراءة المشهورة، وقيل :يحتمل أن يراد به الشرك ﴿ نَّكْفُرَ ﴾ أي نغفر ونمحو( ١ ) واختيار ما يدل على العظمة بطريق الالتفات تفخيم لشأن ذلك الغفران، وقرىء( ٢ ) ( يغفر ) بالياء التحتانية ﴿ عَنْكُمْ ﴾ أيها المجتنبون ﴿ سَيّئَاتِكُمْ ﴾ أي صغائركم كما قال السدي، واختلفوا في حد الكبيرة على أقوال :الأول :أنها ما لحق صاحبها عليها بخصوصها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة، وإليه ذهب بعض الشافعية، والثاني :أنها كل معصية أوجبت الحد، وبه قال البغوي وغيره، والثالث :أنها كل ما نصب الكتاب على تحريمه أو وجب في جنسه حد، والرابع :أنها كل جريرة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة وبه قال الإمام، والخامس :أنها ما أوجب الحد أو توجه إليه الوعيد، وبه قال الماوردي في «فتاويه »، والسادس :أنها كل محرم لعينه منهي عنه لمعنى في نفسه، وحكي ذلك بتفصيل مذكور في محله عن الحليمي، والسابع :أنها كل فعل نص الكتاب على تحريمه بلفظ التحريم، وقال الواحدي :الصحيح أن الكبيرة ليس لها حد يعرفها العباد به، وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها، ولكن الله تعالى أخفى ذلك عن العباد ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه رجاء أن تجتنب الكبائر، ونظير ذلك إخفاء الصلاة الوسطى وليلة القدر وساعة الإجابة انتهى.
وقال شيخ الإسلام البارزي :التحقيق أن الكبيرة كل ذنب قرن به وعيد أو حد أو لعن بنص كتاب أو سنة، أو علم أن مفسدته كمفسدة ما قرن به وعيد أو حد أو لعن أو أكثر من مفسدته، أو أشعر بتهاون مرتكبه في دينه إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها بذلك كما لو قتل معصوماً فظهر أنه مستحق لدمه، أو وطيء امرأة ظاناً أنه زان بها فإذا هي زوجته أو أمته، وقال بعضهم :كل ما ذكر من الحدود إنما قصدوا به التقريب فقط وإلا فهي ليست بحدود جامعة، وكيف يمكن ضبط ما لا مطمع في ضبطه ؟ وذهب جماعة إلى ضبطها بالعد من غير ضبطها بحد، فعن ابن عباس وغيره أنها ما ذكره الله تعالى من أول هذه السورة إلى هنا ؛ وقيل :هي سبع، ويستدل له بخبر «الصحيحين » " اجتنبوا السبع الموبقات الشرك بالله تعالى والسحر وقتل النفس التي حرم الله تعالى إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات "، وفي رواية لهما «الكبائر الإشراك بالله تعالى والسحر وعقوق الوالدين وقتل النفس ».
زاد البخاري «واليمين الغموس » ومسلم بدلها «وقول الزور » والجواب أن ذلك محمول على أنه صلى الله عليه وسلم ذكره قصداً لبيان المحتاج منها وقت الذكر لا لحصره الكبائر فيه وممن صرح بأن الكبائر سبع علي كرم الله تعالى وجهه وعطاء وعبيد بن عمير، وقيل :تسع لما أخرجه علي بن الجعد عن ابن عمر أنه قال حين سئل عن الكبائر :" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :هن تسع الإشراك بالله تعالى وقذف المحصنة وقتل النفس المؤمنة والفرار من الزحف والسحر وأكل الربا وأكل مال اليتيم وعقوق الوالدين والإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياءاً وأمواتاً " ونقل عن ابن مسعود أنها ثلاث ؛ وعنه أيضاً أنها عشرة، وقيل :أربع عشرة، وقيل :خمس عشرة، وقيل :أربع، وروى عبد الرزاق عن ابن عباس أنه قيل له :هل الكبائر سبع ؟ فقال :هي إلى السبعين أقرب، وروى ابن جبير أنه قال له :هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار، وأنكر جماعة من الأئمة أن في الذنوب صغيرة وقالوا :بل سائر المعاصي كبائر منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني والقاضي أبو بكر الباقلاني وإمام الحرمين في «الإرشاد ». وابن القشيري في «المرشد » بل حكاه ابن فورك عن الأشاعرة، واختاره في «تفسيره » فقال :معاصي الله تعالى كلها عندنا كبائر، وإنما يقال لبعضها :صغيرة وكبيرة بالإضافة، وأوَّلَ الآية بما ينبو عنه ظاهرها، وقالت المعتزلة :الذنوب على ضربين :صغائر وكبائر ؛ وهذا ليس بصحيح انتهى، وربما ادعى في بعض المواضع اتفاق الأصحاب على ما ذكره واعتمد ذلك التقى السبكي، وقال القاضي عبد الوهاب :لا يمكن أن يقال في معصية إنها صغيرة إلا على معنى أنها تصغر عند اجتناب الكبائر، ويوافق هذا القول ما رواه الطبراني عن ابن عباس لكنه منقطع أنه ذكر عنده الكبائر فقال :" كل ما نهى الله تعالى عنه فهو كبيرة "، وفي رواية «كل ما عصي الله تعالى فيه فهو كبيرة » قاله العلامة ابن حجر وذكر أن جمهور العلماء على الانقسام، وأنه لا خلاف بين الفريقين في المعنى، وإنما الخلاف في التسمية، والإطلاق لإجماع الكل على أن من المعاصي ما يقدح في العدالة، ومنها ما لا يقدح فيها وإنما الأولون فروا من التسمية فكرهوا تسمية معصية الله تعالى صغيرة نظراً إلى عظمة الله تعالى وشدة عقابه وإجلالاً له عز وجل عن تسمية معصيته صغيرة لأنها إلى باهر عظمته تعالى كبيرة وأيّ كبيرة. ولم ينظر الجمهور إلى ذلك لأنه معلوم بل قسموها إلى قسمين كما يقتضيه صرائح الآيات والأخبار لا سيما هذه الآية وكون المعنى :إن تجتنبوا كبائر ما نهيتم عنه في هذه السورة من المناكح الحرام وأكل الأموال وغير ذلك مما تقدم نكفر عنكم ما كان من ارتكابها فيما سلف، ونظير ذلك من التنزيل
﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ [ الأنفال :٣٨ ] بعيد غاية البعد، ولذلك قال حجة الإسلام الغزالي :لا يليق إنكار الفرق بين الصغائر والكبائر وقد عرفتا من مدارك الشرع، نعم قد يقال لذنب واحد :كبير وصغير باعتبارين لأن الذنوب تتفاوت في ذلك باعتبار الأشخاص والأحوال، ومن هنا قال الشاعر :
لا يحقر الرجل الرفيع دقيقة في السهو فيها للوضيع معاذر
( فكبائر ) الرجل الصغير ( صغائر ) وصغائر الرجل الكبير كبائر
قال سيدي ابن الفارض قدس سره :
ولو خطرت لي في سواك إرادة على خاطري سهواً حكمت بردتي
وأشار إلى التفاوت من قال :حسنات الأبرار سيئات المقربين، هذا وقد استشكلت هذه الآية مع ما في حديث مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم :" الصلوات الخمس مكفرة لما بينها ما اجتنبت الكبائر " ووجهه أن الصلوات إذا كفرت لم يبق ما يكفره غيرها فلم يتحقق مضمون الآية، وأجيب عنه بأجوبة أصحها على ما قاله الشهاب إن الآية والحديث بمعنى واحد لأن قوله صلى الله عليه وسلم فيه : «ما اجتنبت » الخ دال على بيان الآية لأنه إذا لم يصل ارتكب كبيرة وأي كبيرة فتدبر ﴿ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً ﴾ الجمهور على ضم الميم، وقرأ أبو جعفر ونافع بفتحها، وهو على الضم إما مصدر ومفعول ﴿ *ندخلكم ﴾ محذوف أي ندخلكم الجنة إدخالاً، أو مكان منصوب على الظرف عند سيبويه، وعلى أنه مفعول به عند الأخفش، وهكذا كل مكان مختص بعد دخل فيه الخلاف، وعلى الفتح قيل :منصوب بمقدر أي ندخلكم فتدخلون مدخلاً ونصبه كما مر، وجوز كونه كقوله تعالى : ﴿ والله أَنبَتَكُمْ مّنَ الارض نَبَاتاً ﴾ [ نوح :١٧ ] ورجح حمله على المكان لوصفه بقوله سبحانه : ﴿ كَرِيماً ﴾ أي حسناً، وقد جاء في القرآن العظيم وصف المكان به فقد قال سبحانه، ﴿ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴾ [ الشعراء :٥٨ ].
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾ وهي عند العارفين رؤية العبودية في مشهد الربوبية وطلب الأعواض في الخدمة وميل النفس إلى السوي من العرش إلى الثرى، والسكون في مقام الكرامات، ودعوى المقامات السامية قبل الوصول إليها. وأكبر الكبائر إثبات وجود غير وجود الله تعالى ﴿ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سيئاتكم ﴾ أي نمح عنكم تلوناتكم بظهور نور التوحيد ﴿ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً ﴾ [ النساء :٣١ ] وهي حضرة عين الجمع.
١ - قوله: "ونمحو" كذا بخطه بالواو مع أنه تفسير للمجزوم فكان حقه حذف الواو..
٢ - قوله: وقرئ "يغفر" كذا بخطه، ولفظ القرآن (يكفر) اهـ..
﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ ﴾ قال القفال :لما نهى الله تعالى المؤمنين عن أكل أموال الناس بالباطل وقتل الأنفس عقبه بالنهي عما يؤدي إليه من الطعم في أموالهم، وقيل :نهاهم أولاً عن التعرض لأموالهم بالجوارح، ثم عن التعرض لها بالقلب على سبيل الحسد لتطهر أعمالهم الظاهرة والباطنة، فالمعنى ؛ ولا تتمنوا ما أعطاه الله تعالى بعضكم وميزه به عليكم من المال والجاه وكل ما يجري فيه التنافس، فإن ذلك قسمة صادرة من حكيم خبير وعلى كل من المفضل عليهم أن يرضى بما قسم له ولا يتمنى حظ المفضل ولا يحسده لأن ذلك أشبه الأشياء بالاعتراض على من أتقن كل شيء وأحكمه ودبر العالم بحكمته البالغة ونظمه.
وأظلم خلق الله من بابت ( حاسداً ) لمن بات في نعمائه يتقلب
وإلى هذا الوجه ذهب ابن عباس وأبو عبد الله رضي الله تعالى عنهم، فقد روي عنهما في الآية لا يقل أحدكم ليت ما أعطي فلان من المال والنعمة والمرأة الحسناء كان عندي فإن ذلك يكون حسداً ولكن ليقل :اللهم أعطني مثله، ويفهم من هذا أن التمني المذكور كناية عن الحسد، وجعل بعضهم المقتضي للمنع عنه كونه ذريعة للحسد ولكل وجهة، وزعم البلخي أن المعنى لا يجوز للرجل أن يتمنى أن لو كان امرأة ولا للمرأة أن لو كانت رجلاً لأن الله تعالى لا يفعل إلا ما هو الأصلح فيكون قد تمنى ما ليس بأصلح، ونقل شيخ الإسلام أنه لما جعل الله تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين قالت النساء :نحن أحوج لأن يكون لنا سهمان وللرجال سهم واحد لأنا ضعفاء وهم أقوياء وأقدر على طلب المعاش منا فنزلت، ثم قال :وهذا هو الأنسب بتعليل النهي بقوله :
﴿ لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا اكتسبوا وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا اكتسبن ﴾ فإنه صريح في جريان التمني بين فريقي الرجال والنساء، ولعل صيغة المذكر في النهي لما عبر عنهن بالبعض، والمعني لكل من الفريقين( ١ ) في الميراث نصيب معين المقدار مما أصابه بحسب استعداده، وقد عبر عنه بالاكتساب على طريقة الاستعارة التبعية المبنية على تشبيه اقتضاه حاله لنصيبه باكتسابه إياه تأكيداً لاستحقاق كل منهما لنصيبه وتقوية لاختصاصه بحيث لا يتخطاه إلى غيره فإن ذلك ما يوجب الانتهاء عن التمني المذكور انتهى، وهذا المعنى الذي ذكره للآية مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لكن القيل الذي نقله تبعاً للزمخشري في سبب النزول لم نقف له على سند، والذي ذكره الواحدي في ذلك ثلاثة أخبار :الأول :ما أخرجه عن مجاهد قال :قالت أم سلمة :يا رسول الله تغزو الرجال ولا نغزو وإنما لنا نصف الميراث فأنزل الله تعالى الآية، والثاني :ما أخرجه عن عكرمة أن النساء سألنا الجهاد فقلن :وددن أن الله جعل لنا الغزو فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال فنزلت، والثالث :ما أخرجه عن قتادة والسدي قالا :لما نزل قوله تعالى :
﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين ﴾ [ النساء :١١ ] قال الرجال :إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا كما فضلنا عليهن في الميراث فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء، وقالت النساء :إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا فأنزل الله تعالى : ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ ﴾ إلى آخرها، وذكر الجلال السيوطي في «الدر المنثور » نحو ذلك، ولا يخفى أن القيل الذي نقله ظاهر في حمل التمني المنهي عنه على الحسد، والخبر الأول. والثاني :مما أخرجه الواحدي ليسا كذلك إذ عليهما يجوز حمله على الحسد أو على ما هو ذريعة له، وربما يتراءى أن حمله على الثاني نظراً إليهما أظهر، وأما الخبر الثالث :فيأباه معنى الآية سواء كان التمني كناية عن الحسد أو ذريعة إلا بتكلف بعيد جداً، ومعنى الآية على الأولين أن لكل من الرجال والنساء حظاً من الثواب على حسب ما كلفه الله تعالى من الطاعات بحسن تدبيره فلا تتمنوا خلاف هذا التدبير، وروي ذلك عن قتادة، وفيه استعمال الاكتساب في الخير وقد استعمل في الشر، واستعمل الكسب في الخير في قوله تعالى : ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت ﴾ [ البقرة :٢٨٦ ] وعن مقاتل وأبي جرير أنهما قالا المراد مما اكتسبوا من الإثم، وفيه استعمال اللام مع الشر دون على، وهو خلاف ما في الآية، وقيل :المراد لكل، وعلى كل من الفريقين مقدار من الثواب والعقاب حسبما رتبه الحكيم على أفعاله إلا أنه استغنى باللام عن علي وبالاكتساب عن الكسب وهو كما ترى ويرد على هذه المعاني أنه لا يساعدها النظم الكريم المتعلق بالمواريث وفضائل الرجال. ولعل من يذهب إليها يجعل الآية معترضة في البين. وذكر بعضهم أن معنى الآية على الوجه الأول المروي عن أبي عبد الله وابن عباس رضي الله تعالى عنهم أن لكل فريق من الرجال والنساء نصيباً مقدراً في أزل الآزال من نعيم الدنيا بالتجارات والزراعات وغير ذلك من المكاسب فلا يتمنّ خلاف ما قسم له.
﴿ وَاسْئَلُواْ * الله مِن فَضْلِهِ ﴾ عطف على النهي بعد تقرير الانتهاء بالتعليل كأنه قيل :لا تتمنوا نصيب غيركم ولا تحسدوا من فضل عليكم واسألوا الله تعالى من إحسانه الزائد وإنعامه المتكاثر فإن خزائنه مملوءة لا تنفد أبداً، والمفعول محذوف إفادة للعموم أي واسألوا ما شئتم فإنه سبحانه يعطيكموه إن شاء، أو لكونه معلوماً من السياق، أي واسألوا مثله، ويقال لذلك :غبطة.
وقيل :( من ) زائدة أي واسألوا الله تعالى فضله، وقد ورد في الخبر «لا يتمنين أحدكم مال أخيه ولكن ليقل اللهم ارزقني اللهم أعطني مثله » وذهب بعض العلماء كما في «البحر » إلى المنع عن تمني مثل نعمة الغير ولو بدون تمني زوالها لأن تلك النعمة ربما كانت مفسدة له في دينه ومضرة عليه في دنياه، فلا يجوز عنده أن يقول :اللهم أعطني داراً مثل دار فلان ولا زوجاً مثل زوجه بل ينبغي أن يقول :اللهم أعطني ما يكون صلاحاً لي في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي، ولا يتعرض لمن فضل عليه، ونسب ذلك للمحققين وهم محجوجون بالخبر اللهم إلا إذا لم يسلموا صحته، وقيل :المعنى لا تتمنوا الدنيا بل اسألوا الله تعالى العبادة التي تقربكم إليه، وإلى هذا ذهب ابن جبير وابن سيرين، وأخرج ابن المنذر عن الثاني أنه إذا سمع الرجل يتمنى الدنيا يقول :قد نهاكم الله تعالى عن هذا ويتلو الآية، والظاهر العموم، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" سلوا الله تعالى من فضله فإن الله تعالى يحب أن يسأل وإن من أفضل العبادة انتظار الفرج " وقال ابن عيينة :لما يأمر سبحانه بالمسألة إلا ليعطي ﴿ أَنَّ الله كان بِكُلّ شَىْء * عَلِيماً ﴾ ولذلك فضل بعض الناس على بعض حسب مراتب استعداداتهم وتفاوت قابلياتهم. ويحتمل أن يكون المعنى أنه تعالى لم يزل ولا يزال عليماً بكل شيء فيعلم ما تضمرونه من الحسد ويجازيكم عليه. .
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ ﴾ من الكمالات التابعة للاستعدادات فإن حصول كمال شخص لآخر محال إذا لم يكن مستعداً له، ولهذا عبر بالتمني. ﴿ لّلرّجَالِ ﴾ وهم الأفراد الواصلون ﴿ نَصِيبٌ مّمَّا اكتسبوا ﴾ بنور استعدادهم ﴿ وَلِلنّسَاء ﴾ وهم الناقصون القاصرون ﴿ نَصِيبٌ مّمَّا اكتسبن ﴾ حسب استعدادهم ﴿ واسألوا الله مِن فَضْلِهِ ﴾ بأن يفيض عليكم ما تقتضيه قابلياتكم ﴿ إِنَّ الله كَانَ بِكُلّ شَىْء عَلِيماً ﴾ [ النساء :٣٢ ] ومن جملة ذلك ما أنتم عليه من الاستعداد فيعطيكم ما يليق بكم.
١ - و"من" -كما قال غير واحد على هذا- بيانية لا تبعيضية فتدبر اهـ منه..
﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ الوالدان والاقربون ﴾ لا بد فيه من تقدير مضاف إليه أي لكل إنسان أو لكل قوم، أو لكل مال أو تركة وفيه على هذا وجوه ذكرها الشهاب نور الله تعالى مرقده :الأول :أنه على التقدير الأول معناه لكل إنسان موروث جعلنا موالي أي وراثاً مما ترك وهنا تم الكلام، فيكون ﴿ مّمَّا تَرَكَ ﴾ متعلقاً بموالي أو بفعل مقدر، و ﴿ مَوَالِىَ ﴾ مفعول أولا لجعل بمعنى صير، و ﴿ لِكُلّ ﴾ هو المفعول الثاني له قدم عليه لتأكيد الشمول ودفع توهم تعلق الجعل ببعض دون بعض، وفاعل ﴿ تَرَكَ ﴾ ضمير ( كل (، ويكون ﴿ الوالدان ﴾ مرفوعاً على أنه خبر مبتدأ محذوف كأنه قيل :ومن الوارث ؟ فقيل :هم الوالدان والأقربون، والثاني :أن التقدير لكل إنسان موروث جعلنا وراثاً مما تركه ذلك الإنسان، ثم بين ذلك الإنسان بقوله سبحانه : ﴿ الوالدان ﴾ كأنه قيل :ومن هذا الإنسان الموروث ؟ فقيل :الوالدان والأقربون وإعرابه كما قبله غير أن الفرق بينهما أن ﴿ الوالدان والاقربون ﴾ في الأول :وارثون، وفي الثاني :موروثون، وعليهما فالكلام جملتان، والثالث :أن التقدير ولكل إنسان وارث مما تركه الوالدان والأقربون جعلنا موالي أي موروثين، فالمولى الموروث و ( الوالدان ) مرفوع ب ﴿ تَرَكَ ﴾ و ( ما ) بمعنى من، والجار والمجرور صفة ( ما ) أضيفت إليه كل، والكلام جملة واحدة، والرابع :أنه على التقدير الثاني معناه، ولكل قوم جعلناهم موالي نصيب مما تركه والداهم وأقربوهم، فلكل خبر نصيب المقدر مؤخراً وجعلناهم صفة قوم ؛ والعائد الضمير المحذوف الذي هو مفعول جعل، وموالي :إما مفعول ثان أو حال و ﴿ مّمَّا تَرَكَ ﴾ صفة المبتدأ المحذوف الباقي صفته كصفة المضاف إليه وحذف العائد منها. ونظيره قولك :لكل من خلقه الله تعالى إنساناً من رزق الله تعالى، أي لكل واحد خلقه الله تعالى إنساناً نصيب من رزق الله تعالى، والخامس :أنه على التقدير الثالث معناه :لكل مال أو تركة مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي أي وراثاً يلونه ويحوزونه، ويكون ﴿ لِكُلّ ﴾ متعلقاً بجعل و ﴿ مّمَّا تَرَكَ ﴾ صفة كل، واعترض على الأول والثاني بأن فيهما تفكيك النظم الكريم مع أن المولى يشبه أن يكون في الأصل اسم مكان لا صفة فكيف تكون ( من ) صلة له ؟ وأجيب عن هذا بأن ذلك لتضمنه معنى الفعل كما أشير إليه على أن كون المولى ليس صفة مخالف لكلام الراغب فإنه قال :إنه بمعنى الفاعل والمفعول أي الموالي والموالى لكن وزن مفعل في الصفة أنكره قوم، وقال ابن الحاجب في «شرح المفصل » :إنه نادر، فإما أن يجعل من النادر أو مما عبر عن الصفة فيه باسم المكان مجازاً لتمكنها وقرارها في موصوفها، ويمكن أن يجعل من باب المجلس السامي، واعترض على الثالث بالبعد وعلى الرابع بأن فيه حذف المبتدأ الموصوف بالجار والمجرور وإقامته مقامه وهو قليل، وبأن لكل قوم من الموالي جميع ما ترك الوالدان والأقربون لا نصيب وإنما النصيب لكل فرد، وأجيب عن الأول بأنه ثابت مع قلته كقوله تعالى :
﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ [ الصافات :١٦٤ ] ﴿ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ ﴾ [ الجن :١١ ] ؛ وعن الثاني بأن ما يستحقه القوم بعض التركة لتقدم التجهيز والدين والوصية إن كانا، وأما حمل ( من ) على البيان للمحذوف فبعيد جداً، وتعقب الشهاب الجواب عن الأول بأن فيه خللاً من وجهين :أما أولاً :فلأن ما ذكر لا شاهد له فيه لما قرره النحاة أن الصفة إذا كانت جملة أو ظرفاً تقام مقام موصوفها بشرط كون المنعوت بعض ما قبله من مجرور بمن، أو في، وإلا لم تقم مقامه إلا في شعر، وما ذكر داخل فيه دون الآية، وأما ثانياً :فلأنه ليس المراد بقيامها مقامه أن تكون مبتدأ حقيقة بل المبتدأ محذوف وهذا بيانه كما أشير إليه في التقرير فلا وجه لاستبعاده، نعم ما ذكروه وإن كان مشهوراً غير مسلم، فإن ابن مالك صرح بخلافه في «التوضيح »، وجوز حذف الموصوف في السعة بدون ذلك الشرط، فالحق أنه أغلبي لا كلي، واعترض على الخامس بأن فيه الفصل بين الصفة والموصوف بجملة عاملة في الموصوف نحو بكل رجل مررت تميمي وفي جوازه نظر، ورد بأنه جائز كما في قوله تعالى : ﴿ قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ * السموات والارض ﴾ [ الأنعام :١٤ ] ففاطر صفة الاسم الجليل وقد فصل بينهما باتخذ العامل في غير، فهذا أولى، والجواب بأن العامل لم يتخلل بل المعمول تقدم فجاء التخلل من ذلك فلم يضعف إذ حق المعمول التأخر عن عامله وحينئذٍ يكون الموصوف مقروناً بصفته تكلف مستغنى عنه، واختار جمع من المحققين هذا الخامس والذي قبله، وجعلوا الجملة مبتدأة مقررة لمضمون ما قبلها، واعترضوا على الوجه الأول بأن فيه خروج الأولاد لأنهم لا يدخلون في الأقربين عرفاً كما لا يدخل الوالدان فيهم، وإذا أريد المعنى اللغوي شمل الوالدين، ورد بأن هذا مشترك الورود على أنه قد أجيب عنه بأن ترك الأولاد لظهور حالهم من آية المواريث كما ترك ذكر الأزواج لذلك، أو بأن ذكر الوالدين لشرفهم والاهتمام بشأنهم فلا محذور من هذه الحيثية تدبر.
﴿ والذين عَقَدَتْ أيمانكم ﴾ هم موالي الموالاة. أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة قال :كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول دمي دمك وهدمي هدمك وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك فجعل له السدس من جميع المال في الإسلام، ثم يقسم أهل الميراث ميراثهم، فنسخ ذلك بعد في سورة الأنفال ( ٧٥ ) بقوله سبحانه : ﴿ وَأُوْلُواْ الارحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ ﴾.
وروي ذلك من غير ما طريق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وكذلك عن غيره، ومذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه إذا أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يرثه ويعقل عنه صح وعليه عقله وله إرثه إن لم يكن له وراث أصلاً، وخبر النسخ المذكور لا يقوم حجة عليه إذ لا دلالة فيما ادعى ناسخاً على عدم إرث الحليف لا سيما وهو إنما يرثه عند عدم العصبات وأولي الأرحام. والأيمان هنا جمع يمين بمعنى اليد اليمنى، وإضافة العقد إليها لوضعهم الأيدي في العقود أو بمعنى القسم وكون العقد هنا عقد النكاح خلاف الظاهر إذ لم يعهد فيه إضافته إلى اليمين ؛ وقرأ الكوفيون ﴿ عَقَدَتْ ﴾ بغير ألف، والباقون ﴿ *عاقدت ﴾ بالألف، وقرىء بالتشديد أيضاً، والمفعول في جميع القراءات محذوف أي عهودهم، والحذف تدريجي ليكون العائد المحذوف منصوباً كما هو الكثير المطرد، وفي الموصول أوجه من الإعراب :الأول :أن يكون مبتدأ وجملة قوله تعالى : ﴿ أيمانكم فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ خبره وزيدت الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، والثاني :أنه منصوب على الاشتغال ؛ قيل :وينبغي أن يكون مختاراً لئلا يقع الطلب خبراً لكنهم لم يختاروه لأن مثله قلما يقع في غير الاختصاص وهو غير مناسب هنا، ورد بأن زيداً ضربته إن قدر العامل فيه مؤخراً أفاد الاختصاص، وإن قدر مقدماً فلا يفيده، ولا خفاء أن الظاهر تقديره مقدماً فلا يلزم الاختصاص والثالث :أنه معطوف على ﴿ الوالدان ﴾ فإن أريد أنهم موروثون عاد الضمير من فآتوهم على موالى وإن أريد أنهم وارثون جاز عوده على ﴿ مَوَالِىَ ﴾ وعلى ( الوالدين ) وما عطف عليهم، قيل :ويضعفه شهرة الوقف على ( الأقربون ) دون ( أيمانكم )، والرابع :أنه منصوب بالعطف على موالي وهو تكلف. وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أخرجها البخاري وأبو داود والنسائي وجماعة أنه قال في الآية :كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجر الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم فلما نزلت ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ ﴾ نسخت، ثم قال : ﴿ والذين عَقَدَتْ أيمانكم فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ من النصر والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث ويوصي له وروي عن مجاهد مثله، وظاهر ذلك عدم جواز العطف إذ من عطف أراد ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا ﴾ من الإرث ﴿ إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَىْء شَهِيداً ﴾ أي لم يزل سبحانه عالماً بجميع الأشياء مطلعاً عليها جليها وخفيها فيطلع على الإيتاء والمنع، ويجازي كلاً من المانع والمؤتي حسب فعله، ففي الجلة وعد ووعيد.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون ﴾ أي ولكل قوم جعلناهم موالي نصيب من الاستعداد يرثون به مما تركه والداهم وهما الروح والقلب والأقربون وهم القوى الروحانية ﴿ والذين عَقَدَتْ أيمانكم ﴾ وهم المريدون ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا ﴾ من الفيض على قدر نصيبهم من الاستعداد ﴿ إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَىْء شَهِيداً ﴾ [ النساء :٣٣ ] إذ كل شيء مظهر لاسم من أسمائه.
﴿ الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء ﴾ أي شأنهم القيام عليهن قيام الولاة على الرعية بالأمر والنهي ونحو ذلك. واختيار الجملة الإسمية مع صيغة المبالغة للإيذان بعراقتهم ورسوخهم في الاتصاف بما أسند إليهم، وفي الكلام إشارة إلى سبب استحقاق الرجال الزيادة في الميراث كما أن فيما تقدم رمزاً إلى تفاوت مراتب الاستحقاق، وعلل سبحانه الحكم بأمرين :وهبي وكسبي فقال عز شأنه : ﴿ بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ﴾ فالباء للسببية وهي متعلقة ب ﴿ قَوَّامُونَ ﴾ كعلى ولا محذور أصلاً، وجوز أن تتعلق بمحذوف وقع حالاً من ضميره والباء للسببية أو للملابسة و ( ما ) مصدرية وضمير الجمع لكلا الفريقين تغليباً أي قوّامون عليهن بسبب تفضيل الله تعالى إياهم عليهن، أو مستحقين ذلك بسبب التفضيل، أو متلبسين بالتفضيل، وعدل عن الضمير فلم يقل سبحانه بما فضلهم الله عليهن للإشعار بغاية ظهور الأمر وعدم الحاجة إلى التصريح بالمفضل والمفضل عليه بالكلية، وقيل :للإبهام للإشارة إلى أن بعض النساء أفضل من كثير من الرجال وليس بشيء، وكذا لم يصرح سبحانه بما به التفضيل رمزاً إلى أنه غني عن التفصيل، وقد ورد أنهن ناقصات عقل ودين، والرجال بعكسهن كما لا يخفى، ولذا خصوا بالرسالة والنبوة على الأشهر، وبالإمامة الكبرى والصغرى، وإقامة الشعائر كالأذان والإقامة والخطبة والجمعة وتكبيرات التشريق عند إمامنا الأعظم والاستبداد بالفراق وبالنكاح عند الشافعية وبالشهادة في أمهات القضايا وزيادة السهم في الميراث والتعصيب إلى غير ذلك ﴿ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أموالهم ﴾ عطف على ما قبله فالباء متعلقة بما تعلقت به الباء الأولى، و ( ما ) مصدرية أو موصولة وعائدها محذوف، و ﴿ مِنْ ﴾ تبعيضية أو ابتدائية متعلقة بأنفقوا أو بمحذوف وقع حالاً من العائد المحذوف وأريد بالمنفق كما قال مجاهد المهر، ويجوز أن يراد بما أنفقوه ما يعمه، والنفقة عليهنّ، والآية كما روي عن مقاتل نزلت في سعد بن الربيع بن عمرو وكان من النقباء، وفي امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير وذلك أنها نشزت عليه فلطمها فانطلق أبوها معها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :أفرشته كريمتي فلطمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم :لتقتص من زوجها، فانصرفت مع أبيها لتقتص منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" ارجعوا هذا جبرائيل عليه السلام أتاني وأنزل الله هذه الآية فتلاها صلى الله عليه وسلم ثم قال :أردنا أمراً وأراد الله تعالى أمراً والذي أراده الله تعالى خير " / وقال الكلبي :نزلت في سعد بن الربيع وامرأته خولة بنت محمد بن سلمة وذكر القصة، وقال بعضهم :نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبيّ وزوجها ثابت بن قيس بن شماس، وذكر قريباً منه، واستدل بالآية على أن للزوج تأديب زوجته ومنعها من الخروج وأن عليها طاعته إلا في معصية الله تعالى، وفي الخبر «لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لبعلها » واستدل بها أيضاً من أجاز فسخ النكاح عند الإعسار عن النفقة والكسوة وهو مذهب مالك والشافعي لأنه إذا خرج عن كونه قواماً عليها، فقد خرج عن الغرض المقصود بالنكاح، وعندنا لا فسخ لقوله تعالى :
﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ ﴾ [ البقرة :٢٨٠ ] واستدل بها أيضاً من جعل للزوج الحجر على زوجته في نفسها ومالها فلا تتصرف فيه إلا بإذنه لأنه سبحانه جعل الرجل قواماً بصيغة المبالغة وهو الناظر على الشيء الحافظ له.
﴿ فالصالحات ﴾ أي منهن ﴿ *قانتات ﴾ شروع في تفصيل أحوالهن وكيفية القيام عليهن بحسب اختلاف أحوالهن، والمراد فالصالحات منهن مطيعات لله تعالى ولأزواجهن ﴿ حفظات لّلْغَيْبِ ﴾ أي يحفظن أنفسهن وفروجهن في حال غيبة أزواجهن، قال الثوري وقتادة :أو يحفظن في غيبة الأزواج ما يجب حفظه في النفس والمال، فاللام بمعنى في، والغيب بمعنى الغيبة، وأل عوض عن المضاف إليه على رأي، ويجوز أن يكون المراد حافظات لواجب الغيب أي لما يجب عليهن حفظه حال الغيبة، فاللام على ظاهرها، وقيل :المراد حافظات لأسرار أزواجهن أي ما يقع بينهم وبينهن في الخلوة، ومنه المنافسة والمنافرة واللطمة المذكورة في الخبر، وحينئذٍ لا حاجة إلى ما قيل في اللام، ولا إلى تفسير الغيب بالغيبة إلا أن ما أخرجه ابن جرير والبيهقي وغيرهم من حديث أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «خير النساء التي إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ الرجال قَوَّامُونَ ﴾ إلى الغيب » يبعد هذا القول ؛ ومن الناس من زعم أنه أنسب بسبب النزول ﴿ بِمَا حَفِظَ الله ﴾ أي بما حفظهن الله تعالى في مهورهن، وإلزام أزواجهن النفقة عليهن قاله الزجاج، وقيل :بحفظ الله تعالى لهن وعصمته إياهن ولولا أن الله تعالى حفظهن وعصمهن لما حفظن فما إما موصولة أو مصدرية، وقرأ أبو جعفر ﴿ بِمَا حَفِظَ الله ﴾ بالنصب، ولا بد من تقدير مضاف على هذه القراءة كدين الله، وحقه لأن ذاته تعالى لا يحفظها أحد، و ( ما ) موصولة أو موصوفة، ومنع غير واحد المصدرية لخلو حفظ حينئذٍ عن الفاعل لأنه كان يجب أن يقال بما حفظن الله، وأجيب عنه بأنه يجوز أن يكون فاعله ضميراً مفرداً عائداً على جمع الإناث لأنه في معنى الجنس كأنه قيل.
فمن( ١ ) حفظ الله، وجعله ابن جني كقوله :
فإن الحوادث أودى بها *** ولا يخفى ما فيه من التكلف، وشذوذ ترك التأنيث ومثله لا يليق بالنظم الكريم كما لا يخفى، ثم إن صيغة جمع السلامة هنا للكثرة أما المعرف فظاهر، وأما المنكر فلأنه حمل عليه فلا بد من مطابقته له في الكثرة، وإلا لم يصدق على جميع أفراده، وقد نص على ذلك في «الدر المصون ». وقرأ ابن مسعود ( فالصوالح قوانت حوافظ للغيب بما حفظ الله فأصلحوا إليهن )، وأخرج ابن جرير عنه زيادة ( فأصلحوا إليهن ) فقط.
﴿ والتى * تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ أي ترفعهن عن مطاوعتكم وعصيانهن لكم، من النشز بسكون الشين وفتحها وهو المكان المرتفع ويكون بمعنى الارتفاع ﴿ فَعِظُوهُنَّ ﴾ أي فانصحوهن/ وقولوا لهن اتقين الله وارجعن عما أنتن عليه، وظاهر الآية ترتب هذا على خوف النشوز وإن لم يقع وإلا لقيل نشزن، ولعله غير مراد ولذا فسر في «التيسير » ﴿ تَخَافُونَ ﴾ بتعلمون، وبه قال الفراء كما نقله عنه الطبرسي وجاء الخوف بهذا كما في «القاموس »، وقيل :المراد :تخافون دوام نشوزهن أو أقصى مراتبه كالفرار منهم في المراقد.
واختار في «البحر » في الكلام مقدراً وأصله :واللاتي تخافون نشوزهن ونشزن فعظوهن، وهو خطاب للأزواج وإرشاد لهم إلى طريق القيام عليهن.
﴿ واهجروهن فِى المضاجع ﴾ أي مواضع الاضطجاع، والمراد :أتركوهن منفردات في مضاجعهن فلا تدخلونهن تحت اللحف ولا تباشروهن فيكون الكلام كناية عن ترك جماعهن، وإلى ذلك ذهب ابن جبير، وقيل :المراد أهجروهن في الفراش بأن تولوهن ظهوركم فيه ولا تلتفتوا إليهن، وروي ذلك عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه ولعله كناية أيضاً عن ترك الجماع، وقيل :المضاجع المبايت أي أهجروا حجرهن ومحل مبيتهن، وقيل : ﴿ فِى ﴾ للسببية أي أهجروهن بسبب المضاجع أي بسبب تخلفهن عن المضاجعة، وإليه يشير كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيما أخرجه عنه ابن أبي شيبة من طريق أبي الضحى، فالهجران على هذا بالمنطق، قال عكرمة :بأن يغلظ لها القول، وزعم بعضهم أن المعنى أكرهوهن على الجماع واربطوهن من هجر البعير إذا شده بالهجار، وتعقبه الزمخشري بأنه من تفسير الثقلاء، وقال ابن المنير : «لعل هذا المفسر يتأيد بقوله تعالى : ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ ﴾ فإنه يدل على تقدم إكراه في أمر ما، وقرينة ( المضاجع ) ترشد إلى أنه الجماع، فإطلاق الزمخشري لما أطلقه في حق هذا المفسر من الإفراط » انتهى، وأظن أن هذا لو عرض على الزمخشري لنظم قائله في سلك ذلك المفسر، ولعدّ تركه من التفريط ؛ وقرىء ( في المضطجع ) و ( المضجع ).
﴿ واضربوهن ﴾ يعني ضرباً غير مبرح كما أخرجه ابن جرير عن حجاج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفسر غير المبرح بأنت لا يقطع لحماً ولا يكسر عظماً.
وعن ابن عباس أنه الضرب بالسواك ونحوه، والذي يدل عليه السياق والقرينة العقلية أن هذه الأمور الثلاثة مترتبة فإذا خيف نشوز المرأة تنصح ثم تهجر ثم تضرب إذ لو عكس استغنى بالأشدّ عن الأضعف، وإلا فالواو لا تدل على الترتيب وكذا الفاء في ﴿ فَعِظُوهُنَّ ﴾ لا دلالة لها على أكثر من ترتيب المجموع، فالقول بأنها أظهر الأدلة على الترتيب ليس بظاهر، وفي «الكشف » الترتيب مستفاد من دخول الواو على «أجزئه » مختلفة في الشدة والضعف مترتبة على أمر مدرج، فإنما النص هو الدال على الترتيب. هذا وقد نص بعض أصحابنا أن للزوج أن يضرب المرأة على أربع خصال وما هو في معنى الأربع ترك الزينة والزوج يريدها وترك الإجابة إذا دعاها إلى فراشه وترك الصلاة في رواية والغسل، والخروج من البيت إلا لعذر شرعي، وقيل :له أن يضربها متى أغضبته، فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنه كنت رابعة أربع نسوة عند الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه فإذا غضب على واحدة منا ضربها بعود المشجب حتى يكسره عليها، ولا يخفى أن تحمل أذى النساء والصبر عليهن أفضل من ضربهن إلا لداع قوي، فقد أخرج ابن سعد والبيهقي عن أم كلثوم بنت الصديق رضي الله تعالى عنه قالت : «كان الرجال نهوا عن ضرب النساء ثم شكوهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلى بينهم وبين ضربهن، ثم قال :" ولن يضرب خياركم " وذكر الشعراني قدس سره «أن الرجل إذا ضرب زوجته ينبغي أن لا يسرع في جماعها بعد الضرب » وكأنه أخذ ذلك مما أخرجه الشيخان وجماعة عن عبد الله بن زمعة قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :أيضرب أحدكم امرأته كما يضرب العبد ثم يجامعها في آخر اليوم " وأخرج عبد الرزاق عن عائشة رضي الله تعالى عنها بلفظ : «أما يستحي أحدكم أن يضرب امرأته كما يضرب العبد يضربها أول النهار ثم يجامعها آخره » وللخبر محمل آخر لا يخفى.
﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ ﴾ أي وافقنكم وانقدن لما أوجب الله تعالى عليهن من طاعتكم بذلك كما هو الظاهر ﴿ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ﴾ أي فلا تطلبوا سبيلاً وطريقاً إلى التعدي عليهن، أو لا تظلموهن بطريق من الطرق بالتوبيخ اللساني والأذى الفعلي وغيره واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن، فالبغي إما بمعنى الطلب، و ﴿ سَبِيلاً ﴾ مفعوله والجار متعلق به، أو صفة النكرة قدم عليها، وإما بمعنى الظلم، و ﴿ سَبِيلاً ﴾ منصوب بنزع الخافض، وعن سفيان بن عيينة أن المراد فلا تكلفوهن المحبة، وحاصل المعنى إذا استقام لكم ظاهرهن فلا تعتلوا عليهن بما في باطنهن ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ﴾ فاحذروه فإن قدرته سبحانه عليكم أعظم من قدرتكم على من تحت أيديكم منهن، أو أنه تعالى على علو شأنه وكمال ذاته يتجاوز عن سيئاتكم ويتوب عليكم إذا تبتم فتجاوزوا أنتم عن سيئات أزواجكم واعفوا عنهن إذا تبن، أو أنه تعالى قادر على الانتقام منكم غير راض بظلم أحد، أو أنه سبحانه مع علوه المطلق وكبريائه لم يكلفكم
١ - قوله: "فمن" الخ كذا بخطه ولعله سبق قلم، والأصل "بمن" تأمل..
﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ ﴾ الخطاب كما قال ابن جبير والضحاك وغيرهما للحكام، وهو وارد على بناء الأمر على التقدير المسكوت عنه للإيذان أن ذلك مما ليس ينبغي أن يفرض تحققه أعني عدم الإطاعة ؛ وقيل :لأهل الزوجين أو للزوجين أنفسهما، وروى ذلك عن السدي، والمراد فإن علمتم كما قال ابن عباس أو فإن ظننتم كما قيل ﴿ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ أي الزوجين، وهما وإن لم يجر ذكرهما صريحاً فقد جرى ضمناً لدلالة النشوز الذي هو عصيان المرأة زوجها، والرجال والنساء عليهما، والشقاق الخلاف والعداوة واشتقاقه من الشق وهو الجانب لأن كلاً من المتخالفين في شق غير شق الآخر، و بين من الظروف المكانية التي يقل تصرفها، وإضافة الشقاق إليها إما لإجراء الظرف مجرى المفعول كما في قوله :
يا سارق الليلة أهل الدار *** أو الفاعل كقولهم صام نهاره، والأصل شقاقاً بينهما أي أن يخالف أحدهما الآخر، فللملابسة بين الظرف والمظروف نزل منزلة الفاعل أو المفعول وشبه بأحدهما ثم عومل معاملته في الإضافة إليه، وقيل :الإضافة بمعنى في وقيل :إن بين هنا بمعنى الوصل الكائن بين الزوجين أعني المعاشرة وهو ليس بظرف، وإلى ذلك يشير كلام أبي البقاء، ولم يرتض ذلك المحققون.
﴿ فابعثوا ﴾ أي وجهوا وأرسلوا إلى الزوجين لإصلاح ذات البين ﴿ حُكْمًا ﴾ أي رجلاً عدلاً عارفاً حسن السياسة والنظر في حصول المصلحة ﴿ مّنْ أَهْلِهِ ﴾ أي الزوج، و ﴿ مِنْ ﴾ إما متعلق بابعثوا فهو لابتداء الغاية، وإما بمحذوف وقع صفة للنكرة فهي للتبعيض ﴿ وَحَكَماً ﴾ آخر على صفة الأول ﴿ مّنْ أَهْلِهَا ﴾ أي الزوجة، وخص الأهل لأنهم أطلب للصلاح وأعرف بباطن الحال وتسكن إليهم النفس فيطلعون على ما في ضمير كلّ من حب وبغض وإرادة صحبة أو فرقة وهذا على وجه الاستحباب، وإن نصبا من الأجانب جاز، واختلف في أنهما هل يليان الجمع والتفريق إن رأيا ذلك ؟ فقيل لهما وهو المروي عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما وإحدى الروايتين عن ابن جبير، وبه قال الشعبي فقد أخرج الشافعي في الأم. والبيهقي في «السنن ». وغيرهما عن عبيدة السلماني قال :«جاء رجل وامرأة إلى علي كرم الله تعالى وجهه ومع كل واحد منهم فئام من الناس فأمرهم علي كرم الله تعالى وجهه أن يبعثوا رجلاً حكماً من أهله ورجلاً حكماً من أهلها، ثم قال للحكمين :تدريان ما عليكما ؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا، قالت المرأة :رضيت بكتاب الله تعالى بما عليّ فيه ولي، وقال الرجل :أما الفرقة فلا، فقال علي كرم الله تعالى وجهه :كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في هذه الآية : ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ ﴾ الخ هذا في الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما أمر الله تعالى أن يبعثوا رجلاً صالحاً من أهل الرجل ورجلاً مثله من أهل المرأة فينظران أيهما المسيء فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقسروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قسروها على زوجها ومنعوها النفقة فإن اجتمع أمرهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره ذلك الآخر ثم مات أحدهما فإن الذي رضي يرث الذي كره ولا يرث الكاره الراضي، وقيل :ليس لهما ذلك، وروي ذلك عن الحسن.
فقد أخرج عبد الرزاق وغيره عنه أنه قال :إنما يبعث الحكمان ليصلحا ويشهدا على الظالم بظلمه، وأما الفرقة فليست بأيديهما، وإلى ذلك ذهب الزجاج، ونسب إلى الإمام الأعظم، وأجيب عن فعل علي كرم الله تعالى وجهه بأنه إمام وللإمام أن يفعل ما رأى فيه المصلحة فلعله رأى المصلحة فيما ذكر فوكل الحكمين على ما رأى على أن في كلامه ما يدل على أن تنفيذ الأمر موقوف على الرضا حيث قال :للرجل كذبت حتى تقر بمثل الذي أقرت به. وأنت تعلم أن هذا على ما فيه لا يصلح جواباً عما روي عن ابن عباس، ولعل المسألة اجتهادية وكلام أحد المجتهدين لا يقوم حجة على الآخر. وذهب الإمامية إلى ما ذهب إليه الحسن وكأن الخبر عن علي كرم الله تعالى وجهه لم يثبت عندهم، وعن الشافعي روايتان في المسألة، وعن مالك أن لهما أن يتخالعا إن وجدا الصلاح فيه، ( ونقل عن بعض علمائنا أن الإساءة إن كانت من الزوج فرقا بينهما وإن كانت منها فرقا على بعض ما أصدقها )، والظاهر أن من ذهب إلى القول بنفاذ حكمهما جعلهما وكيلين حكما على ذلك. وقال ابن العربي في «الأحكام » :إنهما قاضيان لا وكيلان فإن الحَكَم اسم في الشرع له.
﴿ إِن يُرِيدَا ﴾ أي الحكمان ﴿ إصلاحا ﴾ أي بين الزوجين وتأليفاً ﴿ يُوَفّقِ الله بَيْنَهُمَا ﴾ فتتفق كلمتهما ويحصل مقصودهما ؛ فالضمير أيضاً للحكمين، وإلى ذلك ذهب ابن عباس ومجاهد والضحاك وابن جبير والسدي. وجوز أن يكون الضميران للزوجين أي إن أرادا إصلاح ما بينهما من الشقاق أوقع الله تعالى بينهما لألفة والوفاق، وأن يكون الأول :للحكمين، والثاني :للزوجين أي إن قصدا إصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله تعالى أوقع الله سبحانه بين الزوجين الألفة والمحبة وألقى في نفوسهما الموافقة والصحبة، وأن يكون الأول :للزوجين، والثاني :للحكمين أي إن يرد الزوجان إصلاحاً واتفاقاً يوفق الله تعالى شأنه بين الحكمين حتى يعملا بالصلاح ويتحرياه ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ﴾ بالظواهر والبواطن فيعلم إرادة العباد ومصالحهم وسائر أحوالهم، وقد استدل الحبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بهذه الآية على الخوارج في إنكارهم التحكيم في قصة عليّ كرم الله تعالى وجهه، وهو أحد أمور ثلاثة علقت في أذهانهم فأبطلها كلها رضي الله تعالى عنه فرجع إلى موالاة الأمير كرم الله تعالى وجهه منهم عشرون ألفاً، وفيها كما قال ابن الفرس رد على من أنكر من المالكية بعث الحكمين في الزوجين، وقال :تخرج المرأة إلى دار أمين أو يسكن معها أمين.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ ﴾ أيها المرشدون الكمل ﴿ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ أي بين الشيخ والمريد ﴿ فابعثوا حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا ﴾ فابعثوا متوسطين من المشايخ والسالكين ﴿ إِن يُرِيدَا إصلاحا ﴾ ويقصداه ﴿ يُوَفّقِ الله ﴾ تعالى
﴿ بَيْنَهُمَا ﴾ [ النساء :٣٥ ] وهمة الرجال تقلع الجبال. ويمكن أن يكون الرجال إشارة إلى العقول الكاملة والنساء إشارة إلى النفوس الناقصة، ولا شك أن العقل هو القائم بتدبير النفس وإرشادها إلى ما يصلحها، ويراد من الحكمين حينئذٍ ما يتوسط بين العقل والنفس من القوى الروحانية
﴿ واعبدوا الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ كلام مبتدأ مسوق للإرشاد إلى خلال مشتملة على معالي الأمور إثر إرشاد كل من الزوجين إلى المعاملة الحسنة، وإزالة الخصومة والخشونة إذا وقعت في البين وفيه تأكيد لرعاية حق الزوجية وتعليم المعاملة مع أصناف من الناس، وقدم الأمر بما يتعلق بحقوق الله تعالى لأنها المدار الأعظم، وفي ذلك إيماء أيضاً إلى ارتفاع شأن ما نظم في ذلك السلك، والعبادة أقصى غاية الخضوع، و ﴿ شَيْئاً ﴾ إما مفعول به أي لا تشركوا به شيئاً من الأشياء صنماً كان أو غيره، فالتنوين للتعميم. واختار عصام الدين كونه لتحقير ليكون فيه توبيخ عظيم أي لا تشركوا به شيئاً حقيراً مع عدم تناهي كبريائه إذ كل شيء في جنب عظمته سبحانه أحقر حقير ونسبة الممكن إلى الواجب أبعد من نسبة المعدوم إلى الموجود إذ المعدوم إمكان الموجود، وأين الإمكان من الوجوب ؟ ضدان مفترقان أيّ تفرق، وإما مصدر أي لا تشركوا به عز شأنه شيئاً من الإشراك جلياً أو خفياً، وعطف النهي عن الإشراك على الأمر بالعبادة مع أن الكف عن الإشراك لازم للعبادة بذلك التفسير إذ لا يتصور غاية الخضوع لمن له شريك ضرورة أن الخضوع لمن لا شريك له فوق الخضوع لمن له شريك للنهي عن الإشراك فيما جعله الشرع علامة نهاية الخضوع، أو للتوبيخ بغاية الجهل حيث لا يدركون هذا اللزوم كذا قيل :ولعل الأوضح أن يقال :إن هذا النهي إشارة إلى الأمر بالإخلاص فكأنه قيل :واعبدوا الله مخلصين له ويؤل ذلك كما أومأ إليه الإمام إلى أنه سبحانه أمر أولاً بما يشمل التوحيد وغيره من أعمال القلب والجوارح ثم أردفه بما يفهم منه التوحيد الذي لا يقبل الله تعالى عملاً بدونه فالعطف من قبيل عطف الخاص على العام.
﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ أي وأحسنوا بهما إحساناً فالجار متعلق بالفعل المقدر، وجوز تعلقه بالمصدر وقدم للاهتمام وأحسن يتعدى بالباء وإلى واللام، وقيل :إنما يتعدى بالباء إذا تضمن معنى العطف. والإحسان المأمور به أن يقوم بخدمتهما ولا يرفع صوته عليهما، ولا يخشن في الكلام معهما، ويسعى في تحصيل مطالبهما والانفاق عليهما بقدر القدرة، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة الكلام فيما يتعلق بهما. ﴿ وَبِذِى القربى ﴾ أي بصاحب القرابة من أخ وعم وخال وأولاد كل ونحو ذلك، وأعيد الباء هنا ولم يعد في البقرةقال في «البحر » :لأن هذا توصية لهذه الأمة فاعتنى به وأكد، وذلك في بني إسرائيل. ﴿ واليتامى والمساكين ﴾ من الأجانب ﴿ والجار ذِى القربى ﴾ أي الذي قرب جواره ﴿ والجار الجنب ﴾ أي البعيد من الجنابة ضد القرابة، وهي على هذا مكانية، ويحتمل أن يراد بالجار ذي القربى من له مع الجوار قرب واتصال بنسب أو دين وبالجار الجنب الذي لا قرابة له ولو مشركاً، أخرج أبو نعيم.
والبزار من حديث جابر بن عبد الله وفيه ضعف قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الجيران ثلاثة :فجار له ثلاثة حقوق :حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام، وجار له حقان :حق الجوار وحق الإسلام، وجار له حق واحد :حق الجوار، وهو المشرك من أهل الكتاب "، وأخرج البخاري في الأدب عن عبد الله بن عمر أنه ذبحت له شاة فجعل يقول لغلامه :أهديت لجارنا اليهودي أهديت لجارنا اليهودي ؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " والظاهر أن مبنى الجوار على العرف، وعن الحسن كما في الأدب أنه سئل عن الجار فقال :أربعين داراً أمامه وأربعين خلفه وأربعين عن يمينه وأربعين عن يساره، وروي مثله عن الزهري. وقيل :أربعين ذراعاً، ويبدأ بالأقرب فالأقرب، فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت :قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي ؟ قال :إلى أقربهما منك باباً، وقرىء والجار ذا القربى بالنصب أي وأخص الجار، وفي ذلك تنبيه على عظم حق الجار. وقد أخرج الشيخان عن أبي شريح الخزاعي " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره " وفيما سمعه عبد الله كفاية، وأخرجه الشيخان وأحمد من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.
﴿ والصاحب بالجنب ﴾ هو الرفيق في السفر أو المنقطع إليك يرجو نفعك ورفدك، وكلا القولين عن ابن عباس، وقيل :الرفق في أمر حسن كتعلم وتصرف وصناعة وسفر وعدوا من ذلك من قعد بجنبك في مسجد أو مجلس وغير ذلك من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه، واستحسن جماعة هذا القيل لما فيه من العموم. وأخرج عبد بن حميد عن علي كرم الله تعالى وجهه الصاحب بالجنب المرأة، والجار متعلق بمحذوف وقع حالاً من الصاحب، والعامل فيه الفعل المقدر ﴿ وابن السبيل ﴾ وهو المسافر أو الضيف. ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ قال مقاتل :من عبيدكم وإمائكم، وكان كثيراً ما يوصي بهم صلى الله عليه وسلم فقد أخرج أحمد والبيهقي عن أنس قال : «كان عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل يغرغرها في صدره وما يفيض بها لسانه » ثم الإحسان إلى هؤلاء الأصناف متفاوت المراتب حسبما يليق بكل وينبغي ﴿ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً ﴾ أي ذا خيلاء وكبر يأنف من أقاربه وجيرانه مثلاً ولا يلتفت إليهم ﴿ فَخُوراً ﴾ يعد مناقبه عليهم تطاولاً وتعاظماً، والجملة تعليل للأمر السابق.
أخرج الطبراني وابن مردويه عن ثابت بن قيس بن شماس قال :«كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ هذه الآية ﴿ إِنَّ الله ﴾ الخ فذكر الكبر وعظمه فبكى ثابت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما يبكيك ؟ فقال :يا رسول الله إني لأحب الجمال حتى إنه ليعجبني أن يحسن شراك نعلي قال :فأنت من أهل الجنة إنه ليس بالكبر أن تحسن راحلتك ورحلك ولكن الكبر من سفه الحق وغمص الناس " والأخبار في هذا الباب كثيرة.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ واعبدوا الله ﴾ بالتوجه إليه والفناء فيه ﴿ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ مما تحسبونه شيئاً وليس بشيء إذ لا وجود حقيقة لغيره سبحانه ﴿ وبالوالدين ﴾ الروح والنفس اللذين تولد بينهما القلب أحسنوا ﴿ إحسانا ﴾ فاستفيضوا من الأول وتوجهوا بالتسليم إليه وزكوا الثاني وطهروا برديه ﴿ وَبِذِى القربى ﴾ وهم من يناسبكم بالاستعداد الأصلي والمشاكلة الروحانية ﴿ واليتامى ﴾ المستعدين المنقطعين عن نور الأب وهو الروح بالاحتجاب ﴿ والمساكين ﴾ العاملين الذين لا حظ لهم من المعارف ولذا سكنوا عن السير وهم الناسكون ﴿ والجار ذِى القربى ﴾ القريب من مقامك في السلوك ﴿ والجار الجنب ﴾ البعيد مقامه عن مقامك ﴿ والصاحب بالجنب ﴾ الذي هو في عين مقامك ﴿ وابن السبيل ﴾ أي السالك المتغرب عن مأوى النفس الذي لم يصل إلى مقام بعد ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ من المنتمين إليكم بالمحبة والإرادة، وقيل :الوالدين إشارة إلى المشايخ وإحسان المريد إليهم إطاعتهم والانقياد إليهم وامتثال أوامرهم فإنهم أطباء القلوب وهم أعرف بالداء والدواء ولا يداوون إلا بما يرضي الله تعالى وإن خفي على المريد وجهه. ومن هنا قال الجنيد قدس سره :أمرني ربي أمراً وأمرني السَّرِي أمراً فقدمت أمر السري على أمر ربي وكل ما وجدت فهو من بركاته، وأول ﴿ وَبِذِى القربى واليتامى ﴾ بالروح الناطقة العارفة العاشقة الملكوتية التي خرجت من العدم بتجلي القدم وانقدحت من نور الأزل وهي أقرب كل شيء وهي جار الله تعالى المصبوغة بنوره والإحسان إليها أن تطلقها من فتنة الطبيعة وتقدس مسكنها من حظوظ البشرية لتطير بجناح المعرفة والشوق إلى عالم المشاهدة ﴿ والجار الجنب ﴾ بالصورة الحاملة للروح والإحسان إليها أن تفطم جوارحها من رضع ضرع الشهوات ﴿ والصاحب بالجنب ﴾ وهو القلب الذي يصحبك في سفر الغيب والإحسان إليه أن تفرده من الحدثان وتشوقه إلى جمال الرحمن، وقيل :هو النفس الأمارة، وفي الخبر «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك » والإحسان إليها أن تحبسها في سجن العبودية وتحرقها بنيران المحبة، وأول ﴿ ابن السبيل ﴾ بالولي الكامل فإنه لم يزل ينتقل من نور الأفعال إلى نور الصفات ومن نور الصفات إلى نور الذات والإحسان إليه كتم سره وعدم الخروج عن دائرة أمره، وقال بعض العارفين :وإن شئت أولت ( ذا القربى ) بما يتصل بالشخص من المجردات ( واليتامى ) بالقوى الروحانية، ( والمساكين ) بالقوى النفسانية من الحواس الظاهرة وغيرها ﴿ والجار ذِى القربى ﴾ بالعقل ﴿ والجار الجنب ﴾ بالوهم ﴿ والصاحب بالجنب ﴾ بالشوق والإرادة ﴿ وابن السبيل ﴾ بالفكر والمماليك بالملكات المكتسبة التي هي مصادر الأفعال الجميلة، وباب التأويل واسع جداً ﴿ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً ﴾ يسعى بالسلوك في نفسه ﴿ فَخُوراً ﴾ [ النساء :٣٦ ] بأحواله ومقاماته محتجباً برؤيتها
﴿ الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل ﴾ فيه أوجه من الإعراب :الأول :أن يكون بدلاً من مَن بدل كل من كل، الثاني :أن يكون صفة لها بناءاً على رأي من يجوز وقوع الموصول موصوفاً، والزجاج يقول به، الثالث :أن يكون نصباً على الذم، الرابع :أن يكون رفعاً عليه، الخامس :أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين، السادس :أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي مبغوضون، أو أحقاء بكل ملامة ونحو ذلك مما يؤخذ من السياق وإنما حذف لتذهب نفس السامع كل مذهب، وتقديره بعد تمام الصلة أولى، السابع :أن يكون كما قال أبو البقاء :مبتدأ ﴿ والذين ﴾ [ النساء :٣٨ ] الآتي معطوفاً عليه، والخبر ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ ﴾ [ النساء :٤٠ ] على معنى لا يظلمهم وهو بعيد جداً. وفرق الطيبي بين كونه خبراً ومبتدأ بأنه على الأول :متصل بما قبله لأن هذا من جنس أوصافهم التي عرفوا بها، وعلى الثاني :منقطع جيء به لبيان أحوالهم، وذكر أن الوجه الاتصال وأطال الكلام عليه، وفي البخل أربع لغات :فتح الخاء والباء وبها قرأ حمزة والكسائي وضمهما وبها قرأ الحسن وعيسى بن عمر وفتح الباء وسكون الخاء وبها قرأ قتادة وضم الباء وسكون الخاء وبها قرأ الجمهور.
﴿ وَيَكْتُمُونَ مَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ ﴾ أي من المال والغنى أو من نعوته صلى الله عليه وسلم. ﴿ وَأَعْتَدْنَا للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ أي أعددنا لهم ذلك ووضع المظهر موضع المضمر إشعاراً بأن من هذا شأنه فهو كافر لنعم الله تعالى، ومن كان كافراً لنعمه فله عذاب يهينه كما أهان النعم بالبخل والإخفاء، ويجوز حمل الكفر على ظاهره، وذكر ضمير التعظيم للتهويل لأن عذاب العظيم عظيم، وغضب الحليم وخيم، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما قبلها، وسبب نزول الآية ما أخرجه ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر بسند صحيح عن ابن عباس قال :كان كردم بن زيد حليف كعب بن الأشرف وأسامة بن حبيب ونافع بن أبي نافع وبحرى بن عمرو وحيي بن أخطب ورفاعة بن زيد بن التابوت يأتون رجالاً من الأنصار يتنصحون لهم فيقولون لهم :لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون فأنزل الله تعالى : ﴿ الذين يَبْخَلُونَ ﴾ إلى قوله سبحانه : ﴿ وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً ﴾ [ النساء :٣٧ ٣٩ ]، وقيل :نزلت في الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وروي ذلك عن سعيد بن جبير وغيره، أخرج عبد بن حميد وآخرون عن قتادة أنه قال في الآية :هم أعداء الله تعالى أهل الكتاب بخلوا بحق الله تعالى عليهم وكتموا الإسلام ومحمداً صلى الله عليه وسلم وهم يجدونه مكتوباً عندهم في «التوراة » «والإنجيل »، والبخل على هذه الرواية ظاهر في البخل بالمال، وبه صرح ابن جبير في إحدى الروايتين عنه، وفي الرواية الأخرى أنه البخل بالعلم، وأمرهم الناس أي أتباعهم به يحتمل أن يكون حقيقة، ويحتمل أن يكون مجازاً تنزيلاً لهم منزلة الآمرين بذلك لعلمهم باتباعهم لهم.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ الذين يَبْخَلُونَ ﴾ على أنفسهم وعلى المستحقين فلا يعملون بعلومهم ولا يعلمونها ﴿ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل ﴾ قالا أو حالا ﴿ وَيَكْتُمُونَ مَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ ﴾ فلا يشكرون نعمة الله، أو يكتمون ما أوتوا من المعارف في كتم الاستعداد وظلمة القوة حتى كأنها معدومة ﴿ وَأَعْتَدْنَا للكافرين ﴾ للحق الساترين أنوار الوحدة بظلمة الكثرة ﴿ عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ [ النساء :٣٧ ] يهينهم في ذل وجودهم وشين صفاتهم
﴿ والذين يُنْفِقُونَ أموالهم رِئَاء الناس ﴾ أي للفخار ولما يقال لا لوجه الله العظيم المتعال، والموصول عطف على نظيره أو على الكافرين، وإنما شاركوهم في الذم والوعيد لأن البخل والسرف الذي هو الانفاق لا على ما ينبغي من حيث إنهما طرفا إفراط وتفريط سواء في الشناعة واستجلاب الذم، وجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي قرينهم الشيطان كما يدل عليه الكلام الآتي. ﴿ وَرِئَاء ﴾ مصدر منصوب على الحال من ضمير ﴿ يُنفِقُونَ ﴾ وإضافته إلى الناس من إضافة المصدر لمفعوله أي مرائين الناس ﴿ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بالله ﴾ القادر على الثواب والعقاب ﴿ وَلاَ باليوم الاخر ﴾ الذي يثاب فيه المطيع ويعاقب العاصي ليقصدوا بالإنفاق ما تورق به أغصانه ويجتنى منه ثمره وهم اليهود، وروي ذلك عن مجاهد، أو مشركو مكة أو المنافقون كما قيل. ﴿ وَمَن يَكُنِ الشيطان ﴾ والمراد به إبليس وأعوانه الداخلة والخارجة من قبيلته، والناس التابعين له أو من القوى النفسانية والهوى وصحبة الأشرار، أو من النفس والقوى الحيوانية وشياطين الإنس والجن ﴿ لَهُ قَرِيناً ﴾ أي صاحباً وخليلاً في الدنيا ﴿ فَسَاء ﴾ فبئس الشيطان أو القرين. ﴿ قَرِيناً ﴾ لأنه يدعوه إلى المعصية المؤدية إلى النار وساء منقولة إلى باب نعم، وبئس فهي ملحقة بالجامدة ؛ فلذا قرنت بالفاء، ويحتمل أن تكون على بابها بتقدير قد كقوله سبحانه : ﴿ وَمَن جَاء بالسيئة فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى النار ﴾ [ النمل :٩٠ ] والغرض من هذه الجملة التنبيه على أن الشيطان قرينهم فحملهم على ذلك وزينه لهم، وجوز أن يكون وعيداً لهم بأن يقرن بهم الشيطان يوم القيامة في النار فيتلاعنان ويتباغضان وتقوم لهم الحسرة على ساق. .
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ والذين يُنْفِقُونَ أموالهم ﴾ أي يبرزون كمالاتهم ﴿ رِئَاء الناس ﴾ مرائين الناس بأنها لهم ﴿ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بالله ﴾ الإيمان الحقيقي ليعلموا أن لا كمال إلا له ﴿ وَلاَ باليوم الآخر ﴾ أي الفناء فيه سبحانه ليرزوا لله الواحد القهار ﴿ وَمَن يَكُنِ الشيطان ﴾ النفس وقواها ﴿ لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً ﴾ [ النساء :٣٨ ] لأنه يضله عن الحق كهؤلاء
﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ ﴾ أي ما الذي عليهم، أو أي وبال وضرر يحيق بهم. ﴿ لَوْ ءامَنُواْ بالله واليوم الاخر وَأَنفَقُواْ ﴾ على من ذكر من الطوائف ابتغاء وجه الله تعالى كما يشعر به السياق ويفهمه الكلام ﴿ مِمَّا رَزَقَهُمُ الله ﴾ من الأموال، وليس المراد السؤال عن الضرر المترتب على الإيمان والإنفاق في سبيل الله تعالى كما هو الظاهر إذ لا ضرر في ذلك ليسأل عنه بل المراد توبيخهم على الجهل بمكان المنفعة والاعتقاد في الشيء على خلاف ما هو عليه، وتحريضهم على صرف الفكر لتحصيل الجواب لعله يؤدي بهم إلى العلم بما في ذلك مما هو أجدى من تفاريق العصا، وتنبيههم على أن المدعو إلى أمر لا ضرر فيه ينبغي أن يجيب احتياطاً، فكيف إذا تدفقت منه المنافعا وهذا أسلوب بديع كثيراً ما استعملته العرب في كلامها، ومن ذلك قول من قال :
ما كان ضرك لو مننت وربما منّ الفتى وهو المغيظ المحنق
وفي الكلام رد على الجبرية إذ لا يقال مثل ذلك لمن لا اختيار له ولا تأثير أصلاً في الفعل، ألا ترى أن من قال للأعمى :ماذا عليك لو كنت بصيراً ؟ وللقصير ماذا عليك لو كنت طويلاً ؟ نسب إلى ما يكره. واستدل به القائلون بجواز إيمان المقلد أيضاً لأنه مشعر بأن الإيمان في غاية السهولة، ولو كان الاستدلال واجباً لكان في غاية الصعوبة، وأجيب بعد تسليم الإشعار بأن الصعوبة في التفاصيل وليست واجبة وأما الدلائل على سبيل الإجمال فسهلة وهي الواجبة، و ﴿ لَوْ ﴾ إما على بابها والكلام محمول على المعنى أي لو آمنوا لم يضرهم وإما بمعنى أن المصدرية كما قال أبو البقاء وعلى الوجهين لا استئناف. وجوز أن تكون الجملة مستأنفة وجوابها مقدر أي حصلت لهم السعادة ونحوه، وإنما قدم الإيمان ههنا وأخر في الآية المتقدمة لأنه ثمة ذكر لتعليل ما قبله من وقوع مصارفهم في دنياهم في غير محلها، وهنا للتحريض فينبغي أن يبدأ فيه بالأهم فالأهم، ولو قيل :أخر الإيمان هناك وقدم الإنفاق لأن ذلك الإنفاق كان بمعنى الإسراف الذي هو عديل البخل فأخر الإيمان لئلا يكون فاصلاً بين العديلين لكان له وجه لا سيما إذا قلنا بالعطف. ﴿ وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً ﴾ خبر يتضمن وعيداً وتنبيهاً على سوء بواطنهم، وأنه تعالى مطلع على ما أخفوه في أنفسهم فيجازيهم به، وقيل :فيه إشارة إلى إثابته تعالى إياهم لو كانوا آمنوا وأنفقوا، ولا بأس بأن يراد كان عليماً بهم وبأحوالهم المحققة والمفروضة فيعاقب على الأولى ويثيب على الثانية كما ينبىء عن ذلك قوله تعالى :
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ ﴾ ما كان يضرهم ﴿ لَوْ ءامَنُواْ بالله واليوم الآخر ﴾ فصدقوا بالتوحيد والفناء فيه ﴿ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ الله ﴾ ولم يروا كمالاً لأنفسهم ﴿ وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً ﴾ [ النساء :٣٩ ] فيجازيهم بالبقاء بعد الفناء
﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ المثقال مفعال من الثقل، ويطلق على المقدار المعلوم الذي لم يختلف كما قيل :جاهلية وإسلام وهو كما أخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه أربعة وعشرون قيراطاً، وعلى مطلق المقدار وهو المراد هنا ولذا قال السدي :أي وزن ذرة وهي النملة الحمراء الصغيرة التي لا تكاد ترى. وروي ذلك عن ابن عباس وابن زيد، وعن الأول :أنها رأس النملة، وعنه أيضاً أنه أدخل يده في التراب ثم نفخ فيه فقال :كل واحدة من هؤلاء ذرة، وقريب منه ما قيل :إنها جزء من أجزاء الهباء في الكوة، وقيل هي الخردلة، ويؤيد الأول ما أخرجه ابن أبي داود في «المصاحف » من طريق عطاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قرأ مثقال نملة ولم يذكر سبحانه الذرة لقصر الحكم عليها بل لأنها أقل شيء مما يدخل في وهم البشر، أو أكثر ما يستعمل عند الوصف بالقلة، ولم يعبر سبحانه بالمقدار ونحوه بل عبر بالمثقال للإشارة بما يفهم منه من الثقل الذي يعبر به عن الكثرة والعظم كقوله تعالى : ﴿ فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ موازينه ﴾ [ القارعة :٦ ] إلى أنه وإن كان حقيراً فهو باعتبار جزئه عظيم، وانتصابه على أنه صفة مصدر محذوف كالمفعول، أي ظلماً قدر مثقال ذرة فحذف المصدر وصفته، وأقيم المضاف إليه مقامهما، أو مفعول ثان ليظلم أي لا يظلم أحداً أو لا يظلمهم مثقال ذرة. قال السمين :وكأنهم ضمنوا ( يظلم ) معنى يغصب أو ينقص فعدوه لاثنين. وذكر الراغب أن الظلم عند أهل اللغة وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة أو بعدول عن وقته أو مكانه، وعليه ففي الكلام إشارة إلى أن نقص الثواب وزيادة العقاب لا يقعان منه تعالى أصلاً، وفي ذلك حث على الإيمان والإنفاق بل إرشاد إلى أن كل ما أمر به مما ينبغي أن يفعل وكل ما نهى عنه مما ينبغي أن يجتنب.
واستدل المعتزلة بالآية على أن الظلم ممكن في حدّ ذاته إلا أنه تعالى لا يفعله لاستحالته في الحكمة لا لاستحالته في القدرة لأنه سبحانه مدح نفسه بتركه ولا مدح بترك القبيح ما لم يكن عن قدرة، ألا ترى أن العنين لا يمدح بترك الزنا، واعترض على ذلك بقوله تعالى : ﴿ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ﴾ [ البقرة :٢٥٥ ] فإنه ذكر في معرض المدح مع أن النوم غير ممكن عليه سبحانه، قال في «الكشف » وهو غير وارد لأنه مدح بانتفاء النقص عن ذاته المقدسة وهو كما نقول :الباري عز وعلا ليس بجسم ولا عرض، وأما ما نحن فيه فمدح بترك الفعل والترك الممدوح إنما يكون إذا كان بالاختيار، نعم للمانع أن لا يسلم أنه تعالى مدح بالترك بل من حيث الدلالة على النقص لأن وجوب الوجود ينافي جواز الاتصاف بالظلم، وتحقيقه على مذهبهم أن وضع الشيء في غير موضعه الحقيق به ممكن في نفسه وقدرة الحق جل شأنه تسع جميع الممكنات، لكن الحكمة وهي الإتيان بالممكن على وجه الإحكام وعلى ما ينبغي مانعة، وعن هذا قالوا :الحكيم لا يفعل إلا الحسن من بين الممكنات إلا إذا دعته حاجة ؛ والمنزه عن الحاجات جمع يتعالى عن فعل القبيح، ونحن نقول :إنه عز اسمه لا ينقص من الأجر ولا يزيد في العقاب أيضاً بناءاً على وعده المحتوم، فإن الحلف فيه ممتنع لكونه نقصاً منافياً للألوهية وكمال الغنى، وبهذا الاعتبار يصح أن يسمى ظلماً، وإن كان لا يتصور حقيقة الظلم منه تعالى لكونه المالك على الإطلاق، فالزيادة والنقص ممكنان لذاتهما، والخلف ممتنع لذاته، ولا يلزم من كون الخلف ممتنعاً لذاته بالنسبة إلى الواجب تعالى وتقدس أن يكون متعلقه كذلك، وهذا على نحو ما تقرر في مسألة التكليف بالممتنع أن إخبار الله تعالى عن عدم إيمان المصر ووجوب الصدق اللازم له لا يخرج الفعل عن كونه مقدور المكلف بل يحقق قدرته عليه فليحفظ فإنه مهم.
﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً ﴾ الضمير المستتر في الفعل الناقص عائد إلى المثقال، وإنما أنث حملاً على المعنى لأنه بمعنى وإن تكن زنة ذرة حسنة، وقيل :لأن المضاف قد يكتسب التأنيث من المضاف إليه إذا كان جزأه نحو.
كما شرقت صدر القناة من الدم *** أو صفة له نحو ﴿ لاَّ تَنفَعُ * نَفْسًا إِيمَانُهَا ﴾ [ الأنعام :١٥٨ ] في قراءة من قرأ بالتاء الفوقانية ومقدار الشيء صفة له كما أن الإيمان صفة للنفس، وقيل :أنث الضمير لتأنيث الخبر، واعترض بأن تأنيث الخبر إنما يكون لمطابقة تأنيث المبتدأ، فلو كان تأنيث المبتدأ له لزم الدور، وأجيب بأن ذلك إذا كان مقصوداً وصفيته، والحسنة غلبت عليها الإسمية فألحقت بالجوامد التي لا تراعى فيها المطابقة نحو الكلام هو الجملة وقيل :الضمير عائد إلى المضاف إليه وهو مؤنث بلا خفاء، وحذفت النون من آخر الفعل من غير قياس تشبيهاً لها بحروف العلة من حيث الغنة والسكون وكونها من حروف الزوائد، وكان القياس عود الواو المحذوفة لالتقاء الساكنين بعد حذف النون إلا أنهم خالفوا القياس في ذلك أيضاً حرصاً على التخفيف فيما كثر دوره، وقد أجاز يونس حذف النون من هذا الفعل أيضاً في مثل قوله :
فإن لم ( تك ) المرآة أبدت وسامة فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم
وسيبويه يدعي أن ذلك ضرورة، وقرأ ابن كثير ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ بالرفع على أن ﴿ تَكُ ﴾ تامة أي وإن توجد أو تقع ﴿ حَسَنَةٌ ﴾.
﴿ يضاعفها ﴾ أضعافاً كثيرة حتى يوصلها كما مر عن أبي هريرة إلى ألفي ألف حسنة، وعنى التكثير لا التحديد، والمراد يضاعف ثوابها لأن مضاعفة نفس الحسنة بأن تجعل الصلاة الواحدة صلاتين مثلاً مما لا يعقل، وإن ذهب إليه بعض المحققين، وما في الحديث من أن تمرة الصدقة يربيها الرحمن حتى تصير مثل الجبل محمول على هذا للقطع بأنها أكلت، واحتمال إعادة المعدوم بعيد، وكذا كتابة ثوابها مضاعفاً، وهذه المضاعفة ليست هي المضاعفة في المدة عند الإمام لأنها غير متناهية، وتضعيف غير المتناهي محال بل المراد أنه تعالى يضعفه بحسب المقدار، مثلاً يستحق على طاعته عشرة أجزاء من الثواب فيجعله عشرين جزءاً أو ثلاثين أو أزيد، وقيل :هي المضاعفة بحسب المدة على معنى أنه سبحانه لا يقطع ثواب الحسنة في المدد الغير المتناهية لا أنه يضاعف جل شأنه مدتها ليجيء حديث محالية تضعيف ما لا نهاية، وجعل قوله تعالى : ﴿ وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ﴾ على هذا عطفاً لبيان الأجر المتفضل به، وهو الزيادة في المقدار إثر بيان الأجر المستحق وهو إعطاء مثله واحداً بعد واحد إلى أبد الدهر، وتسمية ذلك أجراً من مجاز المجاورة لأنه تابع للأجر مزيد عليه، وعلى الأول جعله البعض وارداً على طريقة عطف التفسير على معنى يضاعف ثواب تلك الحسنة بإعطاء الزائد عليه من فضله، وزعموا أن القول بالأجر المستحق مذهب المعتزلة ولا يتأتى على مذهب الجماعة وليس بشيء لأن الجماعة يقولون بالاستحقاق أيضاً لكن بمقتضى الوعد الذي لا يخلف، وبه يكون الأجر الموعود به كأنه حق للعبد كما أنه يكون كذلك أيضاً بمقتضى الكرم كما قيل :وعد الكريم دين، نعم حمل الأجر على ما ذكر لا يخلو عن بعد، والداعي إليه عدم التكرار، وقال الإمام أيضاً : «إن ذلك التضعيف يكون من جنس اللذات الموعود بها في الجنة، وأما هذا الأجر العظيم الذي يؤتيه من لدنه فهو اللذة الحاصلة عند الرؤية والاستغراق في المحبة والمعرفة *** وبالجملة فذلك التضعيف إشارة إلى السعادات الجسمانية، وهذا الأجر إشارة إلى السعادات الروحانية »، ولا يخلو عن حسن، و لدن بمعنى عند، وفرق بينهما بعضهم بأن لدن أقوى في الدلالة على القرب، ولذا لا يقال :لديّ مال إلا وهو حاضر بخلاف عند، وتقول :هذا القول عندي صواب، ولا تقول :لدي ولدني كما قاله الزجاج ونظر فيه بأنه شاع استعمال لدن في غير المكان كقوله تعالى : ﴿ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ﴾ [ الكهف :٦٥ ] اللهم إلا أن يخرج ما قاله الزجاج مخرج الغالب، وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب وابن جبير يضعفها بتضعيف العين وتشديدها، والمختار عند أهل اللغة والفارسي أنهما بمعنى، وقال أبو عبيدة :ضاعف يقتضي مراراً كثيرة، وضعف يقتضي مرتين، ورد بأنه عكس اللغة لأن المضاعفة تقتضي زيادة الثواب فإذا شددت دلت البنية على التكثير فيقتضي ذلك تكرير المضاعفة، وقد تقدم من الكلام ما ينفعك فتذكر.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ مقدار ما يظهر من الهباء ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً ﴾ ولا تكون كذلك إلا إذا كانت له فإن كانت له يضاعفها بالتأييد الحقاني ﴿ وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ﴾ [ النساء :٤٠ ] وهو الشهود الذاتي، أو العلم اللداني
﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ الفاء فصيحة، و ( كيف ) محلها إما الرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف، وإما النصب بفعل محذوف على التشبيه بالحال كما هو رأي سيبويه أو على التشبيه بالظرف كما هو رأي الأخفش والعامل بالظرف مضمون الجملة من التهويل والتفخيم المستفاد من الاستفهام، أو الفعل المصدر كما قرره صاحب «الدر المصون »، والجار متعلق بما عنده أي إذا كان كل قليل وكثير يجازى عليه، فكيف حال هؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى وغيرهم، أو كيف يصنعون، أو كيف يكون حالهم إذا جئنا يوم القيامة من كل أمة من الأمم وطائفة من الطوائف بشهيد يشهد عليهم بما كانوا عليه من فساد العقائد وقبائح الأعمال وهو نبيهم ؟ ﴿ وَجِئْنَا بِكَ ﴾ يا خاتم الأنبياء ﴿ على هَؤُلاء ﴾ إشارة إلى الشهداء المدلول عليهم بما ذكر ﴿ شَهِيداً ﴾ تشهد على صدقهم لعلمك بما أرسلوا واستجماع شرعك مجامع ما فرعوا وأصلوا، وقيل :إلى المكذبين المستفهم عن حالهم يشهد عليهم بالكفر والعصيان تقوية لشهادة أنبيائهم عليهم السلام، أو كما يشهدون على أممهم، وقيل :إلى المؤمنين لقوله تعالى : ﴿ لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [ البقرة :١٤٣ ] ومتى أقحم المشهود عليه في الكلام وأدخلت ﴿ على ﴾ عليه لا يحتاج لتضمين الشهادة معنى التسجيل، أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم من طرق عن ابن مسعود قال :قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اقرأ عليّ قلت :يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ا قال :نعم إني أحب أن أسمعه من غيري فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ الخ فقال :حسبك الآن فإذا عيناه تذرفان " فإذا كان هذا الشاهد تفيض عيناه لهول هذه المقالة وعظم تلك الحالة، فماذا لعمري يصنع المشهود عليه ؟ا وكأنه بالقيامة وقد أناخت لديه.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ وهو ما يحضر كل أحد ويظهر له بصورة معتقده فيكشف عن حاله ﴿ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء ﴾ وهم المحمديون ﴿ شَهِيداً ﴾ [ النساء :٤١ ] ومن لوازم الإتيان بالحقيقة المحمدية شهيداً للمحمديين معرفتهم لله تعالى عند التحول في جميع الصور فليس شهيدهم في الحقيقة إلا الحق سبحانه
﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول ﴾ استئناف لبيان حالهم التي أشير إلى شدتها وفظاعتها، وتنوين ( إذ ) عوض على الصحيح عن الجملتين السابقتين، وقيل :عن الأولى، وقيل :عن الأخيرة، والظرف متعلق بيود وجعله متعلقاً بشهيد، وجملة ﴿ يَوَدُّ ﴾ صفة، والعائد محذوف أي فيه بعيد، والمراد بالموصول إما المكذبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والتعبير عنهم بذلك لذمهم بما في حيز الصلة والإشعار بعلة ما اعتراهم من الحال الفظيعة والأمر الهائل، وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة لتشريفه وزيادة تقبيح حال مكذبيه، وإما جنس الكفرة ويدخل أولئك في زمرتهم دخولاً أولياً، والمراد من ﴿ الرسول ﴾ الجنس أيضاً ويزيد شرفه انتظامه للنبي صلى الله عليه وسلم انتظاماً أولياً، و ﴿ عَصَواْ ﴾ معطوف على ﴿ كَفَرُواْ ﴾ داخل معه في حيز الصلة ؛ والمراد عصيانهم بما سوى الكفر، فيدل على أن الكفار مخاطبون بالفروع في حق المؤاخذة، وقال أبو البقاء :إنه في موضع الحال من ضمير ﴿ كَفَرُواْ ﴾ وقد مرادة، وقيل :صلة لموصول آخر أي والذين عصوا، فالإخبار عن نوعين :الكفرة والعصاة، وهو ظاهر على رأي من يجوز إضمار الموصول كالفراء، وفي المسألة خلاف أي يود في ذلك اليوم لمزيد شدّته ومضاعف هوله الموصوفون بما ذكر في الدنيا.
﴿ لَوْ تسوى بِهِمُ الارض ﴾ إما مفعول ﴿ يَوَدُّ ﴾ على أن ﴿ لَوْ ﴾ مصدرية أي يودون أن يدفنوا وتسوى الأرض ملتبسة بهم، أو تسوى عليهم كالموتى، وقيل :يودون أنهم بقوا تراباً على أصلهم من غير خلق، وتمنوا أنهم كانوا هم والأرض سواء، وقيل :تصير البهائم تراباً فيودون حالها. وعن ابن عباس أن المعنى يودون أن يمشي عليهم أهل الجمع يطأونهم بأقدامهم كما يطأون الأرض، وقيل :يودون لو يعدل بهم الأرض أي يؤخذ منهم ما عليها فدية، وإما مستأنفة على أن ﴿ لَوْ ﴾ على بابها ومفعول ﴿ يَوَدُّ ﴾ محذوف لدلالة الجملة، وكذا جواب ﴿ لَوْ ﴾ إيذاناً بغاية ظهوره أي يودون تسوية الأرض بهم لو تسوى لسروا. وقرأ نافع وابن عامر ويزيد ﴿ تسوى ﴾ على أن أصله تتسوى، فأدغم التاء في السين لقربها منها، وحمزة والكسائي ﴿ تسوى ﴾ بحذف التاء الثانية مع الإمالة يقال :سويته فتسوى.
﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً ﴾ عطف على ﴿ يَوَدُّ ﴾ أي أنهم يومئذٍ لا يكتمون من الله تعالى حديثاً لعدم قدرتهم على الكتمان حيث إن جوارحهم تشهد عليهم بما صنعوا، أو أنهم لا يكتمون شيئاً من أعمالهم بل يعترفون بها فيدخلون النار باعترافهم، وإنما لا يكتمون لعلمهم بأنهم لا ينفعهم الكتمان، وإنما يقولون : ﴿ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ [ الأنعام :٢٣ ] في بعض المواطن قاله الحسن، وقيل :الواو للحال أي يودون أن يدفنوا في الأرض وهم لا يكتمون منه تعالى حديثاً ولا يكذبونه بقولهم : ﴿ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ إذ روى الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم إذا قالوا ذلك ختم الله على أفواههم فتشهد عليهم جوارحهم فيتمنون أن تسوى بهم الأرض وجعلها للعطف وما بعدها معطوف على ﴿ تسوى ﴾ على معنى يودون لو تسوى بهم الأرض وأنهم لا يكونون كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وبعثه في الدنيا كما روي عن عطاء بعيد جداً.
وأقرب منه العطف على مفعول ﴿ يَوَدُّ ﴾ على معنى يودون تسوية الأرض بهم وانتفاء كتمانهم إذ قالوا ﴿ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ ﴾ بالاحتجاب ﴿ وَعَصَوُاْ الرسول ﴾ بعدم المتابعة ﴿ لَوْ تسوى بِهِمُ الارض ﴾ لتنطمس نفوسهم أو تصير ساذجة لا نقش فيها من العقائد الفاسدة والرذائل الموبقة ﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً ﴾ [ النساء :٤٢ ] أي لا يقدرون على كتم حديث من تلك النقوش وهيهات أنى يخفون شيئاً منها، وقد صارت الجبال كالعهن المنفوش :
سهم أصاب وراميه بذي سلم من بالعراق لقد أبعدت مرماك
والله تعالى يتولى الحق وهو يهدي السبيل.
﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ﴾ إرشاد لإخلاص الصلاة التي هي رأس العبادة من شوائب الكدر ليجمعوا بين إخلاص عبادة الحق ومكارم الأخلاق التي بينهم وبين الخلق المبينة فيما تقدم وبهذا يحصل الربط، ويجوز أن يقال :لما نهوا فيما سلف عن الإشراك به تعالى نهوا ههنا عما يؤدي إليه من حيث لا يحتسبون، فقد أخرج أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والحاكم وصححه عن عليّ كرم الله تعالى وجهه قال : «صنع لنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه طعاماً فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون فنزلت ». وفي رواية ابن جرير وابن المنذر عن علي كرم الله تعالى وجهه : «إن إمام القوم يومئذٍ هو عبد الرحمن وكانت الصلاة صلاة المغرب وكان ذلك لما كانت الخمر مباحة، والخطاب للصحابة وتصدير الكلام بحرفي النداء والتنبيه اعتناءاً بشأن الحكم، والمراد بالصلاة عند الكثير الهيئة المخصوصة، وبقربها القيام إليها والتلبس بها إلا أنه نهى عن القرب مبالغة، وبالسكر الحالة المقررة التي تحصل لشارب الخمر، ومادته تدل على الانسداد ومنه سكرت أعينهم أي انسدت، والمعنى لا تصلوا في حالة السكر حتى تعلموا قبل الشروع ما تقولونه قبلها إذ بذلك يظهر أنكم ستعلمون ما ستقرءُونه فيها، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير أن المعنى لا تقربوا الصلاة وأنتم نشاوى من الشراب حتى تعلموا ما تقرءُونه في صلاتكم ولعل مراده حتى تكونوا بحيث تعلمون ما تقرءُونه وإلا فهو يستدعي تقدم الشروع في الصلاة على غاية النهي، وإذا أريد ذلك رجع إلى ما تقدم ولكن فيه تطويل بلا طائل على أن إيثار ﴿ مَا تَقُولُونَ ﴾ على ما تقرؤون حينئذٍ يكون عارياً عن الداعي، وروي عن ابن المسيب والضحاك وعكرمة والحسن أن المراد من الصلاة مواضعها فهو مجاز من ذكر الحال وإرادة المحل بقرينة قوله تعالى فيما يأتي : ﴿ إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ ﴾ فإنه يدل عليه بحسب الظاهر، فالآية مسوقة عن نهي قربان السكران المسجد تعظيماً له، وفي الخبر «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم » ويأباه ظاهر قوله تعالى : ﴿ حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ﴾ وروي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه حمل الصلاة على الهيئة المخصوصة وعلى مواضعها مراعاة للقولين، وفي الكلام حينئذٍ الجمع بين الحقيقة والمجاز ونحن لا نقول به، وروي عن جعفر رضي الله تعالى عنه والضحاك وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد من السكر سكر النعاس وغلبة النوم، وأيد بما أخرجه البخاري عن أنس قال :
" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف فلينم حتى يعلم ما يقول " وروي مثله عن عائشة رضي الله تعالى عنها وفيه بعد وأبعد منه حمله على سكر الخمر وسكر النوم لما فيه من الجمع بين الحقيقة والمجاز، أو عموم المجاز مع عدم القرينة الواضحة على ذلك، وأياً مّا كان فليس مرجع النهي هو المقيد مع بقاء القيد مرخصاً بحاله بل إنما هو القيد مع بقاء المقيد على حاله لأن القيد مصب النفي والنهي في كلامهم ولأنه مكلف بالصلاة مأمور بها والنهي ينافيه، نعم لا مانع عن النهي عنها للسكران مع الأمر المطلق إلا أن مرجعه إلى هذا. والحاصل كما قال الشهاب :أنه مكلف بها في كل حال، وزوال عقله بفعله لا يمنع تكليفه ولذا وقع طلاقه ونحوه، ولو لم يكن مأموراً بها لم تلزمه الإعادة إذا استغرق السكر وقتها وقد نص عليه الجصاص في «الأحكام » وفصله انتهى، وزعم بعضهم أن النهي عن الصلاة نفسها لكن المراد بها الصلاة جماعة مع النبي صلى الله عليه وسلم تعظيماً له عليه الصلاة والسلام وتوقيراً، ولا يخفى أنه مما لا يدل عليه نقل ولا عقل ويأباه الظاهر وسبب النزول، وقد روي أنهم كانوا بعدما أنزلت الآية لا يشربون الخمر في أوقات الصلاة فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون، وقرىء ﴿ سكارى ﴾ بفتح السين جمع سكران كندمان وندامى. وقرأ الأعمش سكرى بضم السين على أنه صفة كحبلى وقع صفة لجماعة أي وأنتم جماعة سكرى، والنخعي سكرى بالفتح، وهو إما صفة مفردة صفة جماعة كما في الضم، وإما جمع تكسير كجرحى، وإنما جمع سكران عليه لما فيه من الآفة اللاحقة للعقل، والصيغة على قراءة الجمهور جمع تكسير عند سيبويه، واسم جمع عند غيره لأنه ليس من أبنية الجمع، ورجح الأول.
﴿ وَلاَ جُنُباً ﴾ عطف على قوله تعالى : ﴿ وَأَنتُمْ سكارى ﴾ فإنه في حيز النصب كأنه قيل :لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنباً قاله غير واحد وقال الشهاب نقلاً عن «البحر » :إن هذا حكم الإعراب، وأما المعنى ففرق بين قولنا جاء القوم سكارى وجاءوا وهم سكارى إذ معنى الأول :جاؤوا كذلك، والثاني :جاءوا وهم كذلك باستئناف الإثبات ذكره عبد القاهر ويعني بالاستئناف أنه مقرر في نفسه مع قطع النظر عن ذي الحال وهو مع مقارنته له يشعر بتقرره في نفسه، ويجوز تقدمه واستمراره، ولذا قال السبكي في الأشباه :لو قال :لله تعالى عليّ أن أعتكف صائماً لا بد له من صوم يكون لأجل ذلك النذر من غير سبب آخر فلا يجزئه الاعتكاف بصوم رمضان، ولو قال :وأنا صائم أجزأه، ولعل وجه الفرق أن الحال إذا كانت جملة دلت على المقارنة، وأما اتصافه بمضمونها فقد يكون وقد لا يكون نحو جاء زيد وقد طلعت الشمس والحال المفردة صفة معنى فإذا قال :لله تعالى عليّ أن أعتكف وأنا صائم نذر مقارنته للصوم ولم ينذر صوماً فيصح في رمضان، ولو قال :صائماً نذر صومه فلا يصح فيه ؛ وهذه المسألة نقلها الإسنوي في «التمهيد » ولم يبين وجهها، ولم نر لأئمتنا فيها كلاماً انتهى كلامه.
ولم يبين رحمه الله تعالى السر في مخالفة هذين الحالين على وجه يتضح به ما ذكره في المسألة، وبين العلامة الطيبي فائدتها غير أنه لم يتعرض لهذا الفرق فقال :فائدتها والعلم عند الله تعالى الإشعار بأن قربان الصلاة مع السكر مناف لحال المسلمين، ومن يناجي الحضرة الصمدانية دل عليه الخطاب بأنتم ولهذا قرنه بقوله سبحانه : ﴿ حتى تَعْلَمُواْ ﴾ الخ، والمجنبون لا يعدمون إحضار القلب، ومن ثَمّ رخص لهم بالأعذار فتأمل جداً، والجنب من أصابته الجنابة يستوي فيه على اللغة الفصيحة المذكر والمؤنث والواحد والتثنية والجمع لجريانه مجرى المصدر وإن لم يكنه كما قاله بعض المحققين ومن العرب من يثنيه ويجمعه فيقول جنبان وأجناب وجنوب، واشتقاقه كما قال أبو البقاء :من المجانبة وهي المباعدة.
﴿ إِلاَّ عَابِرِى ﴾ أي مجتازي ﴿ سَبِيلٍ ﴾ أي طريق، والمراد إلا مسافرين وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال محله النصب على أنه حال من ضمير ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ ﴾ باعتبار تقييده بالحال الثانية دون الأولى، والعامل فيه معنى النهي أي لا تقربوا الصلاة جنباً في حال من الأحوال إلا حال كونكم مسافرين على معنى أنه في حالة السفر ينتهي حكم النهي لكن لا بطريق شمول النفي لجميع صورها بل بطريق نفي الشمول في الجملة من غير دلالة على انتفاء خصوصية البعض المنتفي ولا على بقاء خصوصية البعض الباقي ولا ثبوت نقيضه لا كلياً ولا جزئياً فإن الاستثناء لا يدل على ذلك عبارة، نعم يشير إلى مخالفة حكم ما بعده لما قبله إشارة إجمالية يكتفى بها في المقامات الخطابية لا في إثبات الأحكام الشرعية، فإن ملاك الأمر في ذلك إنما هو الدليل، وقد ورد عقيبه على طريق البيان، قاله المولى شيخ الإسلام، وقيل :هو صفة لجنباً على أن ﴿ إِلا ﴾ بمعنى غير، واعترض بأن مثل هذا إنما يصح عند تعذر الاستثناء ولا تعذر هنا لعموم النكرة بالنفي، وأجيب بأن هذا الشرط في التوصيف ذكره ابن الحاجب وقد خالفه فيه النحاة، ورجح بعضهم الوصفية هنا بناءاً على أن الكلام على تقدير الاستثناء يفيد الحصر ولا حصر لورود المريض إشكالاً عليه بخلافه على تقدير الوصفية، وادعى البعض إفادة الكلام له مطلقاً وأن المريض يرد إشكالاً إلا أن يؤل كما ستعرفه ومن حمل الصلاة على مواضعها فسر العبور بالاجتياز بها وجوز للجنب عبور المسجد، وبه قال الشافعي رحمه الله تعالى والمشهور عندنا منع الجنب المسجد مطلقاً، ورخص علي كرم الله تعالى وجهه كما في خبر الترمذي عن أبي سعيد بناءاً على ما فسره ضرار بن صرد حين سأله عن معناه علي بن المنذر، وكونه كرم الله تعالى وجهه رخص ثم منع لم يثبت عندي وإن نقله البعض، ونقل الجصاص في «الأحكام » أنه لا يجوز الدخول إلا أن يكون الماء أو الطريق فيه، وعن الليث أن الجنب لا يمرّ فيه إلا أن يكون بابه في المسجد، فقد روي أن رجالاً من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد وكان يصيبهم الجنابة ولا يجدون ممراً إلا فيه فرخص لهم في ذلك.
﴿ حتى تَغْتَسِلُواْ ﴾ غاية للنهي عن قربان الصلاة حال الجنابة، ولعل تقديم الاستثناء عليه كما قال شيخ الإسلام للإيذان من أول الأمر بأن حكم النهي في هذه السورة ليس على الإطلاق كما في صورة السكر تشويقاً إلى البيان وروماً لزيادة تقربه في الأذهان، وقيل :لما لم يكن لقوله سبحانه : ﴿ حتى تَغْتَسِلُواْ ﴾ مدخل في المقصود إذ المقصود إنما هو صحة الصلاة جنباً أخره وقدم الاستثناء عليه، وكان الظاهر عدم ذكره لذلك إلا أنه ذكره تنبيهاً على أن الجنابة إنما ترتفع بالاغتسال، وفي الآية الكريمة رمز إلى أنه ينبغي للمصلي أن يتحرز عما يلهيه ويشغل قلبه، وأن يزكي نفسه عما يدنسها لأنه إذا وجب تطهير البدن فتطهير القلب أولى أو لأنه إذا صين موضع الصلاة عمن به حدث فلأن يصان القلب الذي هو عرش الرحمن عن خاطر غير طاهر ظاهر الأولوية.
﴿ وَإِنْ كُنتُم مرضى ﴾ تفصيل لما أجمل في الاستثناء وبيان ما هو في حكم المستثنى من الأعذار، والاقتصار فيما قبل على استثناء السفر مع مشاركة الباقي له في حكم الترخيص للإشعار بأنه العذر الغالب المبني على الضرورة الذي( ١ ) يدور عليها أمر الرخصة، ولهذا قيل :المراد بغير عابري سبيل غير معذورين بعذر شرعي إما بطريق الكناية أو بإيماء النص ودلالته. وبهذا يندفع الإيراد السابق على الحصر وإنما لم يقل :إلا عابري سبيل أو مرضى فاقدي الماء حساً أو حكماً لما أن ما في النظم الكريم أبلغ وأوكد منه لما فيه من الإجمال والتفصيل، ومعرفة تفاضل العقول والأفهام، والمراد بالمرض ما يمنع من استعمال الماء مطلقاً سواء كان بتعذر الوصول إليه أو بتعذر استعماله، وأخرج ابن جريج عن ابن مسعود أنه قال :المريض الذي قد أرخص له في التيمم الكسير والجريح فإذا أصابته الجنابة لا يحل جراحته إلا جراحة لا يخشى عليها، وأخرج البيهقي في «المعرفة » عن ابن عباس يرفعه «إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله تعالى أو القروح أو الجدري فيجنب فيخاف إن اغتسل أن يموت فليتيمم »والذي تقرر في الفروع :أن المريض الذي يخاف إذا استعمل الماء أن يشتد مرضه يتيمم، ولا فرق بين أن يشتد مرضه بالتحرك كالمبطون أو بالاستعمال كمن به حصبة أو جدري ولم يشترط أصحابنا خوف التلف لظاهر النص وهو بإطلاقه يبيح التيمم لكل مريض إلا أن في بعض الآيات ما أخرج من لا يشتد مرضه،
١ - قوله: "الذي" كذا بخطه، ولعله "التي" اهـ..
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب ﴾ استئناف لتعجيب المؤمنين من سوء حالهم والتحذير عن موالاتهم إثر ذكر أنواع التكاليف والأحكام الشرعية، والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية من المؤمنين ؛ وفيه إيذان بكمال شهرة شناعة حالهم، وقيل :لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم، وخطاب سيد القوم في مقام خطابهم والرؤية بصرية، وتعديها بإلى حملاً لها على النظر أي ألم تنظر إليهم وجعلها علمية وتعديها بإلى لتضمينها معنى الانتهاء أي ألم ينته علمك إليهم منحط في مقام التعجيب وتشهير شنائعهم، ونظمها في سلك الأمور المشاهدة، والمراد من الموصول يهود المدينة. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في رفاعة بن زيد ومالك بن دخشم كانا إذا تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لويا لسانهما وعاباه، وعنه أنها نزلت في حبرين كانا يأتيان رأس المنافقين عبد الله بن أبيّ ورهطه يثبطانهم عن الإسلام. والمراد من الكتاب التوراة، وقيل :الجنس وتدخل فيه دخولاً أولياً وفيه تطويل للمسافة، وقيل :القرآن لأن اليهود علموا أنه كتاب حق أتى به نبي صادق لا شبهة في نبوته، وفيه أنه خلاف الظاهر، و بالذي أوتوه ما بين لهم فيه من الأحكام والعلوم التي من جملتها ما علموه من نعت النبي صلى الله عليه وسلم، والتعبير عن بالنصيب المشعر بأنه حق من حقوقهم التي تجب مراعاتها والمحافظة عليها للإيذان بركاكة آرائهم في الإهمال، والتنوين للتفخيم، وهو مؤيد للتشنيع، ومثله ما لو حمل على التكثير، و ﴿ مِنْ ﴾ متعلقة بمحذوف وقع صفة لنصيباً مبينة لفخامته الإضافية إثر فخامته الذاتية، وقيل :متعلقة بأوتوا
وقوله تعالى : ﴿ يَشْتَرُونَ الضلالة ﴾ استئناف مبين لمناط التشنيع ومدار التعجيب المفهومين من صدر الكلام مبني على سؤال نشأ منه كأنه قيل :ماذا يصنعون حتى ينظر إليهم ؟ فقيل :يختارون الضلالة على الهدى أو يستبدلونها به بعد تمكنهم منه المنزل منزلة الحصول، أو حصوله لهم بالفعل بإنكارهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وقال الزجاج :المعنى يأخذون الرشا ويحرفون التوراة، فالضلالة هو هذا التحريف أي اشتروها بمال الرشا، وذهب أبو البقاء إلى أن جملة ﴿ يَشْتَرُونَ ﴾ حال مقدرة من ضمير ﴿ أُوتُواْ ﴾ أو حال من ﴿ الذين ﴾، وتعقب الوجه الأول :بأنه لا ريب في أن اعتبار تقدير اشترائهم المذكور في الإيتاء مما لا يليق بالمقام، والثاني :بأنه خال عن إفادة أن مادة التشنيع والتعجيب هو الاشتراء المذكور، وما عطف عليه من قوله تعالى : ﴿ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السبيل ﴾ فالأوجه الاستئناف والمعطوف شريك للمعطوف عليه فيما سبق له، والمعنى أنهم لا يكتفون بضلال أنفسهم بل يريدون بما فعلوا من تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم وكتم نعوته الناطقة بها التوراة أن تكونوا أنتم أيضاً ضالين الطريق المستقيم الموصل إلى الحق، والتعبير بصيغة المضارع في الموضعين للإيذان بالاستمرار التجددي فإن تجدد حكم اشترائهم المذكور وتكرر العمل بموجبه في قوة تجدد نفسه وتكرره، وفي ذلك أيضاً من التشنيع ما لا يخفى، وقرىء ﴿ ان * يُضِلُّواْ ﴾ بالياء بفتح الضاد وكسرها.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا ﴾ أي بعضاً ﴿ مّنَ الكتاب ﴾ وهو اعترافهم بالحق مع احتجابهم برؤية الخلق ﴿ يَشْتَرُونَ الضلالة ﴾ ويتركون التوحيد الحقيقي ﴿ وَيُرِيدُونَ ﴾ مع ذلك ﴿ أَن تَضِلُّواْ السبيل ﴾ [ النساء :٤٤ ] الحق وهو التوحيد الصرف وعدم رؤية الأغيار فتكونوا مثلهم
﴿ والله أَعْلَمُ ﴾ منكم أيها المؤمنون ﴿ بِأَعْدَائِكُمْ ﴾ الذين من جملتهم هؤلاء، وقد أخبركم بعداوتهم لكم وما يريدون فاحذروهم، فالجملة معترضة للتأكيد وبيان التحذير وإلا فأعملية الله تعالى معلومة، وقيل :المعنى أنه تعالى أعلم بحالهم ومآل أمرهم فلا تلتفتوا إليهم ولا تكونوا في فكر منهم ﴿ وكفى بالله وَلِيّاً ﴾ يلي أمركم وينفعكم بما شاء ﴿ وكفى بالله نَصِيراً ﴾ يدفع عنكم مكرهم وشرهم فاكتفوا بولايته ونصرته ولا تبالوا بهم ولا تكونوا في ضيق مما يمكرون ؛ وفي ذلك وعد للمؤمنين ووعيد لأعدائهم، والجملة معترضة أيضاً، والباء مزيدة في فاعل ﴿ كفى ﴾ تأكيداً للنسبة بما يفيد الاتصال وهو الباء الإلصاقية، وقال الزجاج :إنما دخلت هذه الباء لأن الكلام على معنى اكتفوا بالله، و ﴿ وَلِيّاً ﴾ و ﴿ نَصِيراً ﴾ منصوبان على التمييز، وقيل :على الحال، وتكرير الفعل في الجملتين مع إظهار الاسم الجليل لتأكيد كفايته عز وجل مع الإشعار بالعلية.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ والله أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ﴾ وعنى بهم أولئك الموصوفين بما ذكر، وسبب عداوتهم لهم اختلاف الأسماء الظاهرة فيهم ولهذا ودوا تكفيرهم ﴿ وكفى بالله وَلِيّاً ﴾ يلي أموركم بالتوفيق لطريق التوحيد ﴿ وكفى بالله نَصِيراً ﴾ [ النساء :٤٥ ] ينصركم على أعدائكم فلا يستطيعون إيذاءكم وردكم عما أنتم عليه من الحق
﴿ مّنَ الذين هَادُواْ ﴾ قيل :هو بيان للذين أوتوا المتناول بحسب المفهوم لأهل الكتابين، وقد وسط بينهما ما وسط لمزيد الاعتناء ببيان محل التشنيع والتعجيب والمسارعة إلى تنفير المؤمنين عنهم والاهتمام بحثهم على الثقة بالله تعالى والاكتفاء بولايته ونصرته، واعترضه أبو حيان بأن الفارسي قد منع الاعتراض بجملتين فما ظنك بالثلاث ؟ا وأجاب الحلبي بأن الخلاف إذا لم يكن عطف والجمل هنا متعاطفة وبه يصير الشيئان شيئاً واحداً، وقيل :إنه بيان لأعدائكم، وفيه أنه لا وجه لتخصيص علمه سبحانه بطائفة من أعدائهم لا سيما في معرض الاعتراض، وقيل :إنه صلة لنصير أي ينصركم من الذين هادوا وفيه تحجير لواسع نصرة الله تعالى مع أنه لا داعي لوضع الموصول موضع ضمير الأعداء وكون ما في حيز الصلة وصفاً ملائماً للنصر غير ظاهر، وقيل :إنه خبر مبتدأ محذوف/
وقوله تعالى : ﴿ يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه ﴾ صفة له أي :من الذين هادوا قوم يحرفون ويتعين هذا في قراءة عبد الله و ﴿ مِنَ الذين ﴾ وقد تقرر أن المبتدأ إذا وصف بجملة أو ظرف، وكان بعض اسم مجرور بمن أو في مقدم عليه يطرد حذفه، ومنه قوله :
وما الدهر إلا تارتان فمنهما *** أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
والفراء يجعل المبتدأ المحذوف اسماً موصولاً، و ﴿ يُحَرّفُونَ ﴾ صلته أي :من الذين هادوا من يحرفون والبصريون يمنعون حذف الموصول مع بقاء صلته إلا أنه يؤيده ما في مصحف حفصة رضي الله تعالى عنها مَن يحرفون واعترض هذا أيضاً بأنه يقتضي بظاهره كون الفريق السابق بمعزل من التحريف الذي هو المصداق لاشترائهم في الحقيقة، و الكلم اسم جنس واحده كلمة كلبنة ولبن، ونبقة ونبق وقيل :جمع وليس بشيء على المختار ولعل من أطلقه عليه أراد المعنى اللغوي أعني ما يدل على ما فوق الإثنين مطلقاً، وتذكير ضميره باعتبار أفراده لفظاً، وجمعيته باعتبار تعدده معنى، وقرىء بكسر الكاف وسكون اللام جمع كلمة تخفيف كلمة بنقل كسرة اللام إلى الكاف، وقرىء ﴿ يُحَرّفُونَ ﴾، والمراد به ههنا إما ما في التوراة وإما ما هو أعم منه، ومما سيحكي عنهم من الكلمات الواقعة منهم في أثناء محاورتهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم، والأول :هو المأثور عن السلف كابن عباس ومجاهد وغيرهما، وتحريف ذلك إما إزالته عن مواضعه التي وضعه الله تعالى فيها من التوراة كتحريفهم ربعة في نعت النبي صلى الله عليه وسلم، ووضعهم مكانه طوال، وكتحريفهم الرجم ووضع الحد موضعه، وإما صرفه عن المعنى الذي أنزله الله تعالى فيه إلى ما لا صحة له بالتأويلات الفاسدة والتمحلات الزائغة كما تفعله المبتدعة في الآيات القرآنية المخالفة لمذهبهم، ويؤيد الأول ما رواه البخاري عن ابن عباس قال :كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسوله أحدث تقرءونه محضاً لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله تعالى وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا :هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، واستشكل بأنه كيف يمكن ذلك في الكتاب الذي بلغت آحاد حروفه وكلماته مبلغ التواتر وانتشرت نسخه شرقاً وغربا ؟ا.
وأجيب بأن ذلك كا قبل اشتهار الكتاب في الآفاق وبلوغه مبلغ التواتر وفيه بعد، وإن أيد بوقوع الاختلاف في نسخ التوراة التي عند طوائف اليهود، وقيل :إن اليهود فعلوا ذلك في نسخ من التوراة ليضلوا بها ولما لم ترج عدلوا إلى التأويل، والمراد من ﴿ عَن مواضعه ﴾ على تقدير إرادة الأعم ما يليق به مطلقاً سواء كان ذلك بتعيينه تعالى صريحاً كمواضع ما في التوراة أو بتعيين العقل والدين كمواضع غيره، وأصل التحريف إمالة الشيء إلى حرف أي طرف فإذا كان ﴿ يُحَرّفُونَ ﴾ بمعنى يزيلون كان كناية لأنهم إذا بدلوا الكلم ووضعوا مكانه غيره لزم أنهم أمالوه عن مواضعه وحرفوه، والفرق بين ما هنا وما يأتي في سورة المائدة ( ٤١ ) من قوله سبحانه : ﴿ مِن بَعْدِ مواضعه ﴾ أن الثاني أدل على ثبوت مقارّ الكلم واشتهارها مماهنا، وذلك لأن الظرف يدل على أنه بعد ما ثبت الموضع وتقرر حرفوه عنه، واختار ذلك هنالك لأن فيه ما يقتضي الاتيان بالأدل الأبلغ
﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ عطف على ﴿ يُحَرّفُونَ ﴾ وأكثر العلماء على أن المراد به القول اللساني بمحضر النبي صلى الله عليه وسلم، واختار البعض حمله على ما يعم ذلك وما يترجم عنه عنادهم ومكابرتهم ليندرج فيه ما نطقت به ألسنة حالهم عند تحريف التوراة ولا يقيد حينئذ بزمان أو مكان ولا يخصص بمادة دون مادة ويحتاج إلى ارتكاب عموم المجاز لئلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز والمعنى عليه أنهم مع ذلك التحريف يقولون ويفهمون في كل أمر مخالف لأهوائهم الفاسدة سواء كان بمحضر النبي صلى الله عليه وسلم أو بلسان الحال أو المقال عناداً وتحقيقاً للمخالفة ﴿ سَمِعْنَا ﴾ أي فهمنا ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ أي لم نأتمر وبذلك فسره الراغب ﴿ واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ عطف على ﴿ سَمِعْنَا ﴾ داخل معه تحت القول لكن باعتبار أنه لساني، وفي أثناء مخاطبته صلى الله عليه وسلم وهو كلام ذو وجهين محتمل للشر والخير، ويسمى في البديع بالتوجيه كما قاله غير واحد، ومثلوا له بقوله :
خاط لي عمرو قباء *** ليت عينيه سواء
واحتماله للشر بأن يحمل على معنى اسمع مدعوا عليك بلا سمعت، أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه، أو اسمع نابي السمع عما تسمعه لكراهيته عليك، أو اسمع كلاماً غير مسمع إياك لأن أذنيك تنبو عنه فغير إما حال لا غير، وإما مفعول به وصحت الحالية على الاحتمال الأول باعتبار أن الدعاء هو المقصود لهم وأنهم لما قدروا لعنهم الله تعالى إجابته صار كأنه واقع مقرر، واحتماله للخير بأن يحمل على معنى :اسمع منا غير مسمع مكروهاً من قولهم :أسمعه فلان إذا سبه، وكان أصله أسمعه ما يكره فحذف مفعوله نسياً منسياً وتعورف في ذلك، وقد كانوا لعنهم الله تعالى يخاطبون بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاءاً مظهرين له صلى الله عليه وسلم المعنى الأخير وهم يضمرون سواه.
﴿ وراعنا ﴾ عطف على ما قبله أي ويقولون أيضاً في أثناء خطابهم له صلى الله عليه وسلم هذا وهو ذو وجهين كسابقه، فاحتماله للخير على معنى أمهلنا وانظر إلينا، أو انتظرنا نكلمك، واحتماله للشر بحمله على السب، ففي «التيسير » :إن راعنا بعينه مما يتسابون به وهو للوصف بالرعونة، وقيل :إنه يشبه كلمة سب عندهم عبرانية أو سريانية وهي راعينا، وقيل :بل كانوا يشبعون كسر العين ويعنون لعنهم الله تعالى أنه وحاشاه صلى الله عليه وسلم بمنزلة خدمهم ورعاة غنمهم، وقد كانوا يقولون ذلك مظهرين الاحترام والتوقير مضمرين ما يستحقون به جهنم وبئس المصير. وهذا نوع من النفاق ولا ينافيه تصريحهم بالعصيان لما قيل :إن جميع الكفار يخاطبون النبي صلى الله عليه وسلم بالكفر ولا يخاطبونه بالسب والذم والدعاء عليه عليه الصلاة والسلام، واعترض بأنه حينئذ لا وجه لإيراد السماع والعصيان مع التحريف وإلقاء الكلام المحتمل احتيالاً، وأجيب بأنه يمكن أن يقال :المقصود على هذا عد صفاتهم الذميمة لا مجرد التحريف والاحتيال فكأنه قيل :يحرفون كتابهم ويجاهرون بإنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قالاً وحالاً وعصيانهم بعد سماع ما بلغهم وتحققه لديهم ويحتالون في سبه صلى الله عليه وسلم، وقيل :إن قولهم ﴿ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ لم يكن بمحضره عليه الصلاة والسلام بل كان فيما بينهم فلا ينافي نفاقهم في الجملتين بين يديه صلى الله عليه وسلم، وقيل :القول نظراً إلى الجملة الأولى حالي وإلى الجملتين الأخيرتين لساني، وقيل :إن الأولى أيضاً ذات وجهين كالأخيرتين إذ يحتمل أن يكون مرادهم أطعنا أمرك وعصينا أمر قومنا، ويحتمل أن يكون مرادهم ما تقدم. ومن الناس من جوز أن يراد بتحريف الكلم إمالتها عن مواضعها سواء كانت مواضع وضعها الله تعالى فيها أو جعلها المقام والعرف مواضع لذلك فيكون المعنى هم قوم عادتهم التحريف، ويكون قوله سبحانه : ﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ الخ تعداداً لبعض تحريفاتهم، والمراد إنهم يقولون لك :سمعنا وعند قومهم عصينا ويقولون كذا وكذا فيظهرون لك شيئاً ويبطنون خلافه
﴿ لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ ﴾ اللّي يكون بمعنى الانحراف والالتفات والانعطاف عن جهة إلى أخرى، ويكون بمعنى ضم إحدى نحو طاقات الحبل على الأخرى.
والمراد به هنا إما صرف الكلام من جانب الخير إلى جانب الشر، وإما ضم أحد الأمرين إلى الآخر، وأصله لوى فقلبت الواو ياءاً وأدغمت، ونصبه على أنه مفعول له ليقولون باعتبار تعلقه بالقولين الأخيرين، وقيل :بالأقوال جميعها، أو على أنه حال أي لاوِينَ ومثله في ذلك قوله تعالى : ﴿ وَطَعْناً فِى الدين ﴾ أي قدحاً فيه بالاستهزاء والسخرية، وكل من الظرفين متعلق بما عنده ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ ﴾ عندما سمعوا شيئاً من أوامر الله تعالى ونواهيه ﴿ قَالُواْ ﴾ بلسان المقال كما هو الظاهر أو به وبلسان الحال كما قيل : ﴿ سَمِعْنَا ﴾ سماع قبول مكان قولهم : ﴿ سَمِعْنَا ﴾ المراد به سماع الرد ﴿ وَأَطَعْنَا ﴾ مكان قولهم : ﴿ *عصينا ﴾ ﴿ وَعَصَيْنَا واسمع ﴾ بدل قولهم : ﴿ أَسْمِعْ * غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾. ﴿ وانظرنا ﴾ بدل قولهم : ﴿ راعنا ﴾ ﴿ لَكَانَ ﴾ قولهم هذا ﴿ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ وأنفع من قولهم ذلك ﴿ وَأَقْوَمُ ﴾ أي أعدل في نفسه، وصيغة التفضيل إما على بابها واعتبار أصل الفعل في المفضل عليه بناءاً على اعتقادهم أو بطريق التهكم، وإما بمعنى اسم الفاعل فلا حاجة إلى تقدير من، وفي تقديم حال القول بالنسبة إليهم على حاله في نفسه إيماء إلى أن همم اليهود لعنهم الله تعالى طماحة إلى ما ينفعهم، والمنسبك من ( أن ) وما بعدها فاعل ثبت المقدر لدلالة أن عليه أي :لو ثبت قولهم سمعنا الخ وهو مذهب المبرد، وقيل :مبتدأ لا خبر له، وقيل :خبره مقدر.
﴿ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ ﴾ أي ولكن لم يقولوا الأنفع والأقوم، واستمروا على ذلك فخذلهم الله تعالى وأبعدهم عن الهدى بسبب كفرهم ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ بعد ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ اختار العلامة الثاني كونه استثناء من ضمير المفعول في ﴿ لَّعَنَهُمُ ﴾ أي ولكن لعنهم الله تعالى إلا فريقاً قليلاً منهم فإنه سبحانه لم يلعنهم فلهذا آمن من آمن منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه، وقيل :هو مستثنى من فاعل ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ ويتجه عليه أن الوجه حينئذ الرفع على البدل لأنه من كلام غير موجب مع أن القراء قد اتفقوا على النصب، ويبعد منهم الاتفاق على غير المختار مع أنه يقتضي وقوع إيمان من لعنه الله تعالى وخذله إلا أن يحمل ﴿ لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ ﴾ على لعن أكثرهم وهو كما ترى، وقيل :إنه صفة مصدر محذوف أي إلا إيماناً قليلاً لأنهم وحدوا وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وشريعته، والإيمان بمعنى التصديق لا الإيمان الشرعي، وجوز على هذا الوجه أن يراد بالقلة العدم كما في قوله :
قليل التشكي للمهم يصيبه *** كثير الهوى شتى النوى والمسالك
والمراد أنهم لا يؤمنون إلا إيماناً معدوماً إما على حد ﴿ لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الاولى ﴾ [ الدخان :٥٦ ] أي إن كان المعدوم إيماناً فهم يحدثون شيئاً من الإيمان فهو من التعليق بالمحال، أو أن ما أحدثوه منه لما لم
﴿ يَأَيُّهَا الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ نزلت كما قال السدي في زيد بن التابوت ومالك بن الصيف.
وأخرج البيهقي في «الدلائل » وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال :«كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود منهم عبد الله بن صوريا وكعب بن أسد فقال لهم :يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق فقالوا :ما نعرف ذلك يا محمد فأنزل الله تعالى فيهم الآية، ولا يخفى أن العبرة لعموم اللفظ وهو شامل لمن حكيت أحوالهم وأقوالهم ولغيرهم، وجعل الخطاب للأولين خاصة بطريق الالتفات، وأن وصفهم بإيتاء الكتاب تارة وبإيتاء نصيب منه أخرى لتوفية كل من المقامين حظه بعيد جداً، ولما كان تفصيل هاتيك الأحوال والأقوال من مظان إقلاع من توجه الخطاب إليهم عما هم عليه من الضلالة عقب ذلك بالأمر بالمبادرة إلى سلوك محجة الهدى مشفوعاً بالتحذير والتخويف والوعيد الشديد على المخالفة فقال سبحانه :
﴿ ءامَنُواْ ﴾ إيماناً شرعياً ﴿ بِمَا نَزَّلْنَا ﴾ أي بالذي أنزلناه من عندنا على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن ﴿ مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ ﴾ من التوراة الغير المبدلة، وقد تقدم كيفية تصديق القرآن لذلك وعبر عن التوراة بما ذكر للإيذان بكمال وقوفهم على حقيقة الحال المؤدي إلى العلم بكون القرآن مصدقاً لها ﴿ مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ متعلق بالأمر مفيد للمسارعة إلى الامتثال لما فيه من الوعيد الوارد على أبلغ وجه وآكده حيث لم يعلق وقوع المتوعد به بالمخالفة ولم يصرح بوقوعه عندها تنبيهاً على أن ذلك أمر محقق غني عن الإخبار به ؛ وأنه على شرف الوقوع متوجه نحو المخاطبين، وفي تنكير وجوه تهويل للخطب ( مع ) لطف وحسن استدعاء، وأصل الطمس استئصال أثر الشيء، والمراد آمنوا من قبل أن نمحو ما خطه الباري بقلم قدرته في صحائف الوجوه من نون الحاجب، وصاد العين، وألف الأنف، وميم الفم فنجعلها كخف البعير أو كحافر الدابة، وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وقال الفراء والبلخي وحسين المغربي :إن المعنى آمنوا من قبل أن نجعل الوجوه منابت الشعر كوجوه القردة.
﴿ فَنَرُدَّهَا على أدبارها ﴾ أي فنجعلها على هيئة أدبارها وإقفائها مطموسة مثلها فإن ما خلف الوجه لا تصوير فيه وهو منبت الشعر أيضاً ؛ والعطف بالفاء إما على إرادة نريد الطمس، أو على جعل العطف من عطف المفصل على المجمل، وعن عطية العوفي :أن المراد ننكسها بعد الطمس بجعل العيون التي فيها وما معها في القفا، فالعطف بالفاء ظاهر، وقيل :المراد بالوجوه الوجهاء على أن الطمس بمعنى مطلق التغيير أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلب وجاهتهم وإقبالهم ونكسوهم صغاراً وإدباراً، أو نردهم من حيث جاءوا منه وهي أذرعات الشام، فالمراد بذلك إجلاء بني النضير، وإلى هذا المراد ذهب ابن زيد، وضعف بأنه لا يساعده مقام تشديد الوعيد وتعميم التهديد للجميع.
وقد اختلف في أن الوعيد هل كان بوقوعه في الدنيا أو في الآخرة، فقال جماعة :كان بوقوعه في الدنيا وأيد بما أخرجه ابن جرير عن عيسى بن المغيرة قال :تذاكرنا عند إبراهيم إسلام كعب فقال :أسلم كعب في زمان عمر رضي الله تعالى عنه أقبل وهو يريد بيت المقدس فمر على المدينة فخرج إليه عمر فقال :يا كعب أسلم قال :ألستم تقرءون في كتابكم : ﴿ مَثَلُ الذين حُمّلُواْ التوراة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾ [ الجمعة :٥ ] ؟ وأنا قد حملت التوارة فتركه، ثم خرج حتى انتهى إلى حمص فسمع رجلاً من أهلها يقرأ هذه الآية فقال :رب آمنت رب أسلمت مخافة أن يصيبه وعيدها، ثم رجع فأتى أهله باليمن ثم جاء بهم مسلمين، وروي أن عبد الله بن سلام لما قدم من الشام وقد سمع هذه الآية أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله فأسلم، وقال :يا رسول الله ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي إلى قفاي، ثم اختلفوا فقال المبرد :إنه منتظر بعد ولا بدّ من طمس في اليهود ومسخ قبل قيام الساعة، وأيد بتنكير وجوه، والتعبير بضمير الغيبة فيما يأتي، واعترضه شيخ الإسلام بأن انصراف العذاب الموعود عن أوائلهم وهم الذين باشروا أسباب نزوله وموجبات حلوله حيث شاهدوا شواهد النبوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذبوها وفي التوراة فحرفوها وأصروا على الكفر والضلالة، وتعلق بهم خطاب المشافهة بالوعيد ثم نزوله على من ( وجه بعد ما فات ) من السنين من أعقابهم الضالين بإضلالهم ( العاملين ) بما مهدوا من قوانين الغواية بعيد من حكمة العزيز الحكيم، والجواب بأن عادة الله سبحانه قد جرت مع اليهود بأن ينتقم من أخلافهم بما صنعت أسلافهم وإن لم يعلم وجه الحكمة فيه على تقدير تسليمه لا يزيل البعد في هذه الصورة، وقال الطبرسي : «إن هذا الوعيد كان متوجهاً إليهم لو لم يؤمن أحد منهم، وقد آمن جماعة من أحبارهم فلم يقع ورفع عن الباقين »، واعترض أيضاً بأن إسلام البعض إن لم يكن سبباً لتأكد نزول العذاب على الباقين لتشديدهم النكير والعناد بعد ازدياد الحق وضوحاً وقيام الحجة عليهم بشهادة أماثلهم العدول فلا أقل من أن لا يكون سبباً لرفعه عنهم، وقيل :في الجواب إنه إذا جاز أن ينزل سبحانه البلاء على قوم بسبب عصيان بعض منهم كما يشير إليه قوله تعالى :
﴿ واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً ﴾ [ الأنفال :٢٥ ] فلأن يجوز أن يرفع ذلك عن الكل بسبب طاعة البعض من باب أولى لأنه سبحانه الرحمن الرحيم الذي سبقت رحمته غضبه. وقد ورد في الأخبار ما يدل على وقوع ذلك، ودعوى الفرق مما لا تكاد تسلم.
وقيل :كان الوعيد بوقوع أحد الأمرين كما ينطق به قوله تعالى : ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أصحاب السبت ﴾ فإن لم يقع الأمر الأول فلا نزاع في وقوع الأمر الثاني فإن اليهود ملعونون بكل لسان وفي كل زمان، فاللعن بمعناه الظاهر ؛ والمراد من التشبيه بلعن أصحاب السبت الإغراق في وصفه، واعترض بأن اللعن الواقع عليهم ما تداولته الألسنة وهو بمعزل من صلاحيته أن يكون حكماً لهذا الوعيد أو مزجرة عن مخالفة للعنيد، فاللعن هنا الخزي بالمسخ وجعلهم قردة وخنازير كما أخرجه ابن المنذر عن الضحاك وابن جرير عن الحسن، ويؤيده ظاهر التشبيه، وليس في عطفه على الطمس والرد على الأدبار شائبة دلالة ( عدم ) على إرادة ذلك ضرورة أنه ( تعبير ) مغاير لما عطف عليه، والاستدلال على مغايرة اللعن للمسخ بقوله تعالى : ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير ﴾ [ المائدة :٦٠ ] لا يفيد أكثر من مغايرته للمسخ في تلك الآية، وذهب البلخي والجبائي إلى أن الوعيد إنما كان بوقوع ما ذكر في الآخرة عند الحشر وسيقع فيها أحد الأمرين أو كلاهما على سبيل التوزيع. وأجيب عما روي عن الحبرين الظاهر في أن ذلك في الدنيا بأنه مبني على الاحتياط وغلبة الخوف اللائق ( بشأنها )، وقد ورد «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر الدخول والخروج في الحجرات ولا يكاد يقر له قرار إذا اشتد الهواء، ويقول :أخشى أن تقوم الساعة » مع علمه صلى الله عليه وسلم بأن قبل قيامها القائم وعيسى عليه السلام والدجال عليه اللعنة والدابة وطلوع الشمس من مغربها إلى غير ذلك مما قصه صلى الله عليه وسلم علينا، وجوز بعضهم على تقدير كون الوعيد بالوقوع في الآخرة أن يراد بالطمس والرد على الأدبار الختم على العين والفم والطبع عليهما، فقد قال الله تعالى : ﴿ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ ﴾ [ ياس :٦٦ ] و ﴿ اليوم نَخْتِمُ على أفواههم ﴾ [ ياس :٦٥ ] وجوز نحو هذا بعض من ادعى أن ذلك في الدنيا فقال :إن المعنى آمنوا من قبل أن نطمس وجوهاً بأن نعمي الأبصار عن الاعتبار، ونصم الأسماع عن الإصغاء إلى الحق بالطبع، ونردها عن الهداية إلى الضلالة. وروي ذلك عن الضحاك وأخرجه أبو الجارود عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه، والحق أن الآية ليست بنص في كون ذلك في الدنيا أو في الآخرة بل المتبادر منها بحسب المقام كونه في الدنيا لأنه أدخل في الزجر، وعليه مبنى ما روي عن الحبرين لكن لما كان في وقوع ذلك خفاء واحتمال أنه وقع ولم يبلغنا على ما في «التيسير » مما لا يلتفت إليه، ورجح احتمال كونه في الآخرة، وأياً مّا كان فلعل السر في تخصيصهم بهذه العقوبة من بين العقوبات كما قال شيخ الإسلام مراعاة المشاكلة ( بينها ) وبين ما أوجبها من جنايتهم التي هي التحريف والتغيير والفاعل والراضي سواء، والضمير المنصوب في نلعنهم لأصحاب الوجوه، أو للذين على طريق الالتفات لأنه بعد تمام النداء يقتضي الظاهر الخطاب، وأما قبله فالظاهر الغيبة، ويجوز الخطاب لكنه غير فصيح كقوله :
يا من يعز علينا أن نفارقهم وجداننا ( كل شيء ) بعدكم عدم
أو للوجوه إن أريد به الوجهاء ﴿ وَكَانَ أَمْرُ الله ﴾ بإيقاع شيء ما من الأشياء، فالمراد بالأمر معناه المعروف، ويحتمل أن يراد به واحد الأمور ولعله الأظهر أي كان وعيده أو ما حكم به وقضاه ﴿ مَفْعُولاً ﴾ نافذاً واقعاً في الحال أو كائناً في المستقبل لا محالة، ويدخل في ذلك ما أوعدتم به دخولاً أولياً، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما سبق، ووضع الاسم الجليل موضع الضمير بطريق الالتفات لما مر غير مرة.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ يَأَيُّهَا الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ أي فهموا عليه الظاهر ولم يفهموا ما أشار إليه من علم الباطن ﴿ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدّقاً ﴾ على قلوب أوليائي من العلم اللدني ﴿ مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ ﴾ من علم الظاهر إذ كل باطن يخالف الظاهر فهو باطل ﴿ مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ وهي وجوه القلوب بالعمى ﴿ فَنَرُدَّهَا على أدبارها ﴾ ناظرة إلى الدنيا وزخارفها بعد أن كانت في أصل الفطرة متوجهة إلى ما في الميثاق الأول ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أصحاب السبت ﴾ [ النساء :٤٧ ] فنمسخ صورهم المعنوية كما مسخنا صور اليهود الحسية، ويحتمل أن يكون هذا خطاباً لمن أوتي كتاب الاستعداد أمرهم بالإيمان الحقيقي وهددهم بإزالة استعدادهم وردهم إلى أسفل سافلين، وإبعادهم بالمسخ
﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ كلام مستأنف مقرر لما قبله من الوعيد ومؤكد وجوب امتثال الأمر بالإيمان حيث إنه لا مغفرة بدونه كما زعم اليهود، وأشار إليه قوله تعالى : ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الكتاب يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الادنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ﴾ [ الأعراف :١٦٩ ] وفيه أيضاً إزالة خوفهم من سوء الكبائر السابقة إذا آمنوا. والشرك يكون بمعنى اعتقاد أن لله تعالى شأنه شريكاً إما في الألوهية أو في الربوبية، وبمعنى الكفر مطلقاً وهو المراد هنا كما أشار إليه ابن عباس فيدخل فيه كفر اليهود دخولاً أولياً فإن الشرع قد نص على إشراك أهل الكتاب قاطبة وقضى بخلود أصناف الكفرة كيف كانوا، ونزول الآية في حق اليهود على ما روي عن مقاتل لا يقتضي الاختصاص بكفرهم بل يكفي الاندراج فيما يقتضيه عموم اللفظ، والمشهور أنها نزلت مطلقة، فقد أخرج ابن المنذر عن أبي مجلز قال : «لما نزل قوله تعالى : ﴿ قُلْ ياعِبَادِى * الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ [ الزمر :٥٣ ] الآية قام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فتلاها على الناس فقام إليه رجل فقال :والشرك بالله ؟ فسكت، ثم قام إليه فقال :يا رسول الله والشرك بالله تعالى ؟ فسكت مرتين أو ثلاثاً فنزلت هذه الآية : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ » الخ والمعنى أن الله تعالى لا يغفر الكفر لمن اتصف به بلا توبة وإيمان لأنه سبحانه بت الحكم على خلود عذابه، وحكمه لا يتغير، ولأن الحكمة التشريعية مقتضية لسد باب الكفر ولذا لم يبعث نبي إلا لسده وجواز مغفرته بلا إيمان مما يؤدي إلى فتحه، وقيل :لأن ذنبه لا ينمحي عنه أثره فلا يستعد للعفو بخلاف غيره، ولا يخفى أن هذا مبني على أن فعل الله تعالى تابع لاستعداد المحل، وإليه ذهب أكثر الصوفية وجميع الفلاسفة، فإن ﴿ يُشْرَكَ ﴾ في موضع النصب على المفعولية ؛ وقيل :المفعول محذوف والمعنى لا يغفر من أجل أن يشرك به شيئاً من الذنوب فيفيد عدم غفران الشرك من باب أولى، والذي عليه المحققون هو الأول.
﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ ﴾ عطف على خبر ( إن ) لا مستأنف، وذلك إشارة إلى الشرك، وفيه إيذان ببعد درجته في القبح أي يغفر ما دونه من المعاصي وإن عظمت وكانت كرمل عالج، ولم يتب عنها تفضلاً من لدنه وإحساناً ﴿ لِمَن يَشَاء ﴾ أن يغفر له ممن اتصف بما ذكر فقط، فالجار متعلق بيغفر المثبت، والآية ظاهرة في التفرقة بين الشرك وما دونه بأن الله تعالى لا يغفر الأول ألبتة ويغفر الثاني لمن يشاء، والجماعة يقولون بذلك عند عدم التوبة فحملوا الآية عليه بقرينة الآيات والأحاديث الدالة على قبول التوبة فيهما جميعاً، ومغفرتهما عندها بلا خلاف من أحد، وذهب المعتزلة إلى أنه لا فرق بين الشرك وما دونه من الكبائر في أنهما يغفران بالتوبة ولا يغفران بدونها فحملوا الآية كما قيل :على معنى إن الله لا يغفر الإشراك لمن يشاء أن لا يغفر له وهو غير التائب ويغفر ما دونه لمن يشاء أن يغفر له وهو التائب وجعلوا ﴿ لِمَن يَشَاء ﴾ متعلقاً بالفعلين وقيدوا المنفي بما قيد به المثبت على قاعدة التنازل لكن ﴿ مَن يَشَآء ﴾ في الأول :المصرون بالاتفاق، وفي الثاني :التائبون قضاءاً لحق التقابل وليس هذا من استعمال اللفظ الواحد في معنيين متضادين لأن المذكور إنما تعلق بالثاني وقدر في الأول مثله والمعنى واحد لكن يقدر مفعول المشيئة في الأول :عدم الغفران، وفي الثاني :الغفران بقرينة سبق الذكر، ولايخفى أن كون هذا من التنازع مع اختلاف متعلق المشيئة مما لا يكاد يتفوه به فاضل ولا يرتضيه كامل على أنه لا جهة لتخصيص كل من القيدين بما خصص لأن الشرك أيضاً يغفر للتائب وما دونه لا يغفر للمصر عندهم من غير فرق بينهما، وسوق الآية ينادي بالتفرقة وتقييد مغفرة ﴿ مَا دُونَ ذَلِكَ ﴾ بالتوبة مما لا دليل عليه إذ ليس عموم آيات الوعيد بالمحافظة أولى من آيات الوعد.
وقد ذكر الآمدي في «أبكار الأفكار » أنها راجحة على آيات الوعيد بالاعتبار من ثمانية أوجه سردها هناك وزعم أنها لو لم تقيد، وقيل :بجواز المغفرة لمن لم يتب لزم إغراء الله تعالى للعبد بالمعصية لسهولتها عليه حينئذ والإغراء بذلك قبيح يستحيل على الله سبحانه ليس بشيء، أما أولاً :فلأنه مبني على القول بالحسن والقبح العقلين وقد أبطل في محلة، وأما ثانياً :فلأن لو سلم يلزم منه تقبيح العفو شاهداً وهو خلاف إجماع العقلاء، وأما ثالثاً :فلأنه منقوض بالتوبة فإنهم قالوا :بوجوب قبولها ولا يخفى أن ذلك مما يسهل على العاصي الإقدام على المعصية أيضاً ثقة منه بالتوبة حسب وثوقه بالمغفرة بل أبلغ من حيث إن التوبة مقدورة له بخلاف المغفرة فكان يجب أن لا تقبل توبته لما فيه من الإغراء وهو خلاف الإجماع فلئن قالوا :هو غير واثق بالإمهال إلى التوبة قلنا :هو غير واثق بالمغفرة لإبهام الموصول، والقول :بأنه لو لم تشترط التوبة لزم المحاباة من الله تعالى في الغفران للبعض دون البعض والمحاباة غير جائزة عليه تعالى ساقط من القول لأن الله تعالى متفضل بالغفران وللمتفضل أن يتفضل على قوم دون قوم وإنسان دون إنسان وهو عادل في تعذيب من يعذبه، وليس يمنع العقل والشرع من الفضل والعدل كما لا يخفى، ومن المعتزلة من قال :إن المغفرة قد جاءت بمعنى تأخير العقوبة دون إسقاطها كما في قوله تعالى :
﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ ﴾ [ الرعد :٦ ] فإنه لا يصح هنا حملها على إسقاط العقوبة لأن الآية في الكفار والعقوبة غير ساقطة عنهم إجماعاً، وقوله تعالى : ﴿ وَرَبُّكَ الغفور ذُو الرحمة لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ العذاب ﴾ [ الكهف :٥٨ ] فإنه صريح في أن المغفرة بمعنى تأخير العقوبة فلتحمل فيما نحن فيه على ذلك بقرينة إن الله تعالى خاطب الكفار وحذرهم تعجيل العقوبة عن ترك الإيمان، ثم قال سبحانه : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ الخ فيكون المعنى إن الله تعالى لا يؤخر عقوبة الشرك بل يعجلها ويؤخر عقوبة ما دونه لمن يشاء فلا تنهض الآية دليلاً على ما هو محل النزاع على أنه لو سلم أن المغفرة فيها بمعنى إسقاط العقوبة لا يحصل الغرض أيضاً لأنه إما أن يراد إسقاط كل واحد واحد من أنواع العقوبة، أو يراد إسقاط جملة العقوبات، أو يراد إسقاط بعض أنواعها لا سبيل إلى الأول لعدم دلالة اللفظ عليه بقي الاحتمالان الآخران، وعلى الأول :منهما لا يلزم من كونه لا يعاقب بكل أنواع العقوبات أن لا يعاقب ببعضها، وعلى الثاني :لا يلزم من إسقاط بعض الأنواع إسقاط البعض الآخر.
وأجيب بأن حمل المغفرة على إسقاط العقوبة أولى من حملها على التأخير لثلاثة أوجه :الأول :أنه المعنى المتبادر من إطلاق اللفظ، الثاني :أنه لو حمل لفظ المغفرة في الآية على التأخير لزم منه التخصيص في أن الله لا يغفر أن يشرك به لأن عقوبة الشرك مؤخرة في حق كثير من المشركين بل ربما كانوا في أرغد عيش وأطيبه بالنسبة إلى عيش بعض المؤمنين وأن لا يفرق في مثل هذه الصورة بين الشرك وما دونه بخلاف حملها على الإسقاط، الثالث :أن الأمة من السلف قبل ظهور المخالفين لم يزالوا مجمعين على حمل لفظ المغفرة في الآية على سقوط العقوبة وما وقع عليه الإجماع هو الصواب وضده لا يكون صواباً. وقولهم :لا يحصل الغرض أيضاً لو حملت على ذلك لأنه إما أن يراد الخ قلنا بل المراد إسقاط كل واحد واحد وبيانه أن قوله سبحانه : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ سلب للغفران فإذا كان المفهوم من الغفران إسقاط العقوبة فسلب الغفران سلب السلب فيكون إثباتاً، ومعناه إقامة العقوبة، وعند ذلك فإما أن يكون المفهوم إقامة كل أنواع العقوبات، أو بعضها لا سبيل إلى الأول لاستحالة الجمع بين العقوبات المتضادة ولأن ذلك غير مشترط في حق الكفار إجماعاً فلم يبق إلا الثاني، ويلزم من ذلك أن يكون الغفران فيما دون الشرك بإسقاط كل عقوبة وإلا لما تحقق الفرق بين الشرك وما دونه، ومنهم من وقع في حيص بيص في هذه الآية حتى زعم أن ﴿ وَيَغْفِرْ ﴾ عطف على المنفي والنفي منسحب عليهما، والآية للتسوية بين الشرك وما دونه لا للتفرقة، ولا يخفى أنه من تحريف كلام الله تعالى ووضعه في غير مواضعه.
ومن الجماعة من قال في الرد على المعتزلة :إن التقييد بالمشيئة ينافي وجوب التعذيب قبل التوبة ووجوب الصفح بعدها، وتعقبه صاحب «الكشف » بأنه لم يصدر عن ثبت لأن الوجوب بالحكمة يؤكد المشيئة عندهم، وأيضاً قد أشار الزمخشري في هذا المقام إلى أن المشيئة بمعنى الاستحقاق وهي تقتضي الوجوب وتؤكده فلا يرد ما ذكر رأساً. ثم إن هذه الآية كما يرد بها على المعتزلة يرد بها على الخوارج الذين زعموا أن كل ذنب شرك وأن صاحبه خالد في النار، وذكر الجلال السيوطي أن فيها رداً أيضاً على المرجئة القائلين :إن أصحاب الكبائر من المسلمين لا يعذبون. وأخرج ابن الضريس وابن عدي بسند صحيح عن ابن عمر قال : «كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ » الآية، وقال :إني ادخرت دعوتي وشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا ثم نطقنا ورجونا، وقد استبشر الصحابة رضي الله تعالى عنهم بهذه الآية جداً حتى قال علي كرم الله تعالى وجهه فيما أخرجه عنه الترمذي وحسنه :أحب آية إليّ في القرآن ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾.
﴿ وَمَن يُشْرِكْ بالله ﴾ استئناف مشعر بتعليل عدم غفران الشرك، وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لإدخال الروعة وزيادة تقبيح الإشراك، وتفظيع حال من يتصف به أي ومن يشرك بالله تعالى الجامع لجميع صفات الكمال من الجمال والجلال أي شرك كان ﴿ فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً ﴾ أي ارتكب ما يستحقر دونه الآثام فلا تتعلق به المغفرة قطعاً، وأصل الافتراء من الفري، وهو القطع ولكون قطع الشيء مفسدة له غالباً غلب على الإفساد، واستعمل في القرآن بمعنى الكذب والشرك والظلم كما قاله الراغب، فهو ارتكاب ما لا يصلح أن يكون قولاً أو فعلاً، فيقع على اختلاف الكذب وارتكاب الإثم، وهو المراد هنا، وهل هو مشتك بين اختلاق الكذب وافتعال ما لا يصلح أم حقيقة في الأول مجاز مرسل أو استعارة في الثاني ؟ قولان :أظهرهما عند البعض الثاني، ولا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز لأن الشرك أعم من القولي والفعلي لأن المراد معنى عام وهو ارتكاب ما لا يصلح، وفي «مجمع البيان » التفرقة بين فريت وأفريت في أصل المعنى بأنه يقال : «فريت الأديم إذا قطعته على وجه الإصلاح، وأفريته إذا قطعته على وجه الإفساد ».
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ إلا بالتوبة عنه لشدة غيرته «لا أحد أغير من الله » ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ أن يغفر له تاب أو لم يتب، وقد ذكروا أن الشرك ثلاث مراتب ولكل مرتبة توبة :فشر
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾ قال الكلبي :نزلت في رجال من اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأطفالهم فقالوا :يا محمد هل على أولادنا هؤلاء من ذنب ؟ فقال :لا فقالوا :والذي يحلف به ما نحن فيه إلا كهيئتهم ما من ذنب نعمله بالنهار إلا كفر عنا بالليل وما من ذنب نعمله بالليل إلا كفر عنا بالنهار فهذا الذي زكوا به أنفسهم ؛ وأخرج ابن جرير عن الحسن أنها نزلت في اليهود والنصارى حيث قالوا : ﴿ نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ [ المائدة :١٨ ] وقالوا : ﴿ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى ﴾ [ البقرة :١١١ ] والمعنى :انظر إليهم فتعجب من ادعائهم أنهم أزكياء عند الله تعالى مع ما هم عليه من الكفر والإثم العظيم، أو من ادعائهم أن الله تعالى يكفر ذنوبهم الليلية والنهارية مع استحالة أن يغفر لكافر شيء من كفره أو معاصيه، وفي معناهم من زكى نفسه وأثنى عليها لغير غرض صحيح كالتحدث بالنعمة ونحوه ﴿ بَلِ الله يُزَكّى مَن يَشَاء ﴾ إبطال لتزكية أنفسهم وإثبات لتزكية الله تعالى وكون ذلك للإضراب عن ذمهم بتلك التزكية إلى ذمهم بالبخل والحسد بعيد لفظاً ومعنى، والجملة عطف على مقدر ينساق إليه الكلام كأنه قيل :هم لا يزكونها في الحقيقة بل الله يزكي من يشاء تزكيته ممن يستأهل من عباده المؤمنين إذ هو العليم الخبير وأصل التزكية التطهير والتنزيه من القبيح قولاً كما هو ظاهر أو فعلاً كقوله تعالى : ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها ﴾ [ الشمس :٩ ]، و ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا ﴾ [ التوبة :١٠٣ ].
﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ عطف على جملة حذفت تعويلاً على دلالة الحال عليها، وإيذاناً بأنها غنية عن الذكر أي يعاقبون بتلك الفعلة الشنيعة ولا يظلمون في ذلك العقاب أدنى ظلم وأصغره وهو المراد بالفتيل، وهو الخيط الذي في شق النواة وكثيراً ما يضرب به المثل في القلة والحقارة كالنقير للنقرة التي في ظهرها والقطمير وهو قشرتها الرقيقة، وقيل :الفتيل ما خرج بين إصبعيك وكفيك من الوسخ، وروي ذلك عن ابن عباس وأبي مالك والسدي رضي الله تعالى عنهم، وجوز أن تكون جملة ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ ﴾ في موضع الحال والضمير راجع إلى من حملا له على المعنى أي والحال أنهم لا ينقصون من ثوابهم أصلاً بل يعطونه يوم القيامة كملاً مع ما زكاهم الله تعالى ومدحهم في الدنيا. وقيل :هو استئناف، والضمير عائد على الموصولين من زكى نفسه، ومن زكاه الله تعالى أي لا ينقص هذا من ثوابه ولا ذاك من عقابه، والأول أمس بمقام الوعيد، وانتصاب ﴿ فَتِيلاً ﴾ على أنه مفعول ثان كقولك :ظلمته حقه، قال علي بن عيسى :ويحتمل أن يكون تمييزاً كقولك :تصببت عرقاً.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾ كعلماء السوء من أهل الظاهر الذين لم يحصلوا من علومهم سوى العجب والكبر والحسد والحقد وسائر الصفات الرذيلة ﴿ بَلِ الله يُزَكّى مَن يَشَاء ﴾ [ النساء :٤٩ ] كالعارفين به الذين لا يرون لأنفسهم فعلاً، ويحتمل أن يكون هذا تعجيباً ممن يزكي نفسه بنفسه ويسلك في مسالك القوم على رأيه غير معتمد على مرب مرشد له من ولي كامل أو أثارة من علم إلهي كبعض المتفلسفين من أهل الرياضات
﴿ انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ في زعمهم أنهم أزكياء عند الله تعالى المتضمن لزعمهم قبول الله تعالى وارتضاءه إياهم ولشناعة هذا لما فيه من نسبته تعالى إلى ما يستحيل عليه بالكلية وجه النظر إلى كيفيته تشديداً للتشنيع وتأكيداً للتعجيب الدال عليه الكلام وإلا فهم أيضاً مفترون على أنفسهم بادعائهم الاتصاف بما هم متصفون بنقيضه، و ﴿ كَيْفَ ﴾ في موضع نصب إما على التشبيه بالظرف أو بالحال على الخلاف المشهور بين سيبويه والأخفش، والعامل ﴿ يَفْتَرُونَ ﴾ و ﴿ بِهِ ﴾ متعلق به. وجوز أبو البقاء أن يكون حالاً من الكذب، وقيل :هو متعلق به، والجملة في موضع النصب بعد نزع الخافض وفعل النظر معلق بذلك والتصريح بالكذب مع أن الافتراء لا يكون إلا كذباً للمبالغة في تقبيح حالهم ﴿ وكفى بِهِ ﴾ أي بافترائهم، وقيل :بهذا الكذب الخاص ﴿ إِثْماً مُّبِيناً ﴾ لا يخفى كونه مأثماً من بين آثامهم وهذا عبارة عن كونه عظيماً منكراً، والجملة كما قال عصام الملة :في موضع الحال بتقدير قد أي كيف يفترون الكذب والحال أن ذلك ينافي مضمونه لأن إثم مبين والآثم المبين غير المتحاشي عنه مع ظهوره لا يكون ابن الله سبحانه وتعالى وحبيبه ولا يكون زكياً عند الله تعالى، وانتصاب ﴿ ءاثِماً ﴾ على التمييز.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ بادعاء تزكية نفوسهم من صفاتها وما تزكت أو بانتحال صفات الله تعالى إلى أنفسهم مع وجودها
﴿ وكفى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً ﴾ [ النساء :٥٠ ] ظاهراً لا خفاء فيه
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ الكتاب يُؤْمِنُونَ بالجبت والطاغوت ﴾ تعجيب من حال أخرى لهم ووصفهم بما في حيز الصلة تشديداً للتشنيع وتأكيداً للتعجيب، وقد تقدم نظيره، والآية نزلت كما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف في جمع من يهود، وذلك أنهم خرجوا إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه ونزلت اليهود في دور قريش فقال أهل مكة :إنكم أهل كتاب ومحمد صلى الله عليه وسلم صاحب كتاب فلا يؤمن هذا أن يكون مكراً منكم فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما ففعل، ثم قال كعب :يا أهل مكة ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد صلى الله عليه وسلم ففعلوا ذلك فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب :إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم فأينا أهدى طريقاً وأقرب إلى الحق نحن أم محمد ؟ قال كعب :أعرضوا عليّ دينكم، فقال أبو سفيان :نحن ننحر للحجيج الكوماء ونسقيهم اللبن ونقري الضيف ونفك العاني ونصل الرحم ونعمر بيت ربنا ونطوف به ونحن أهل الحرم ومحمد صلى الله عليه وسلم فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم وديننا القديم ودين محمد الحديث، فقال كعب :أنتم والله أهدى سبيلاً مما عليه محمد صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى في ذلك الآية، و الجبت في الأصل اسم صنم فاستعمل في كل معبود غير الله تعالى، وقيل :أصله الجبس وهو كما قال الراغب :الرذيل الذي لا خير فيه فقلبت سينه تاءاً كما في قول عمرو بن يربوع :شرار النات أي الناس، وإلى ذلك ذهب قطرب والطاغوت يطلق على كل باطل من معبود أو غيره. وأخرج الفريابي وغيره عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : «الجبت الساحر والطاغوت الشيطان ». وأخرج ابن جرير من طرق عن مجاهد مثله، ومن طريق أبي الليث عنه قال :الجبت كعب بن الأشرف، والطاغوت الشيطان كان في صورة إنسان، وعن سعيد بن جبير الجبت الساحر بلسان الحبشة، والطاغوت الكاهن وأخرج ابن حميد عن عكرمة أن الجبت الشيطان بلغة الحبشة، والطاغوت الكاهن وهي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وفي رواية أخرى الجبت حيي بن أخطب والطاغوت كعب بن الأشرف، وفي أخرى الجبت الأصنام، والطاغوت الذين يكونون بين يديها يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس، ومعنى الإيمان بهما إما التصديق بأنهما آلهة وإشراكهما بالعبادة مع الله تعالى، وإما طاعتهما وموافقتهما على ما هما عليه من الباطل، وإما القدر المشترك بين المعنيين كالتعظيم مثلاً، والمتبادر المعنى الأول أي أنهم يصدقون بألوهية هذين الباطلين ويشركونهما في العبادة مع الإله الحق ويسجدون لهما.
﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ أي لأجلهم وفي حقهم فاللام ليست صلة القول وإلا لقيل أنتم بدل قوله سبحانه ﴿ هَؤُلاء ﴾ أي الكفار من أهل مكة. ﴿ أهدى مِنَ الذين ءامَنُواْ سَبِيلاً ﴾ أي أقوم ديناً وأرشد طريقة، قيل :والظاهر أنهم أطلقوا أفعل التفضيل ولم يلحظوا معنى التشريك فيه ؛ أو قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء لكفرهم، وإيراد النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه بعنوان الإيمان ليس من قبل القائلين بل من جهة الله تعالى تعريفاً لهم بالوصف الجميل وتخطئة لمن رجح عليهم المتصفين بأشنع القبائح.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أَتَوْا نَصِيباً ﴾ بعضاً ﴿ مّنَ الكتاب ﴾ الجامع، وأشير به إلى علم الظاهر ﴿ يُؤْمِنُونَ بالجبت ﴾ أي بجبت النفس ﴿ والطاغوت ﴾ أي طاغوت الهوى فيميلون مع أنفسهم وهواهم ﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ أي لأجل الذين ستروا الحق ﴿ هَؤُلاء أهدى مِنَ الذين ءامَنُواْ ﴾ الإيمان الحقيقي ﴿ سَبِيلاً ﴾ [ النساء :٥١ ]
﴿ أولئك ﴾ القائلون المبعدون في الضلالة ﴿ الذين لَعَنَهُمُ الله ﴾ أي أبعدهم عن رحمته وطردهم، واسم الإشارة مبتدأ والموصول خبره، والجملة مستأنفة لبيان حالهم وإظهار مآلهم ﴿ وَمَن يَلْعَنِ ﴾ أي يبعده ﴿ الله ﴾ من رحمته ﴿ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ﴾ أي ناصراً يمنع عنه العذاب دنيوياً كان أو أخروياً بشفاعة أو بغيرها، وفيه بيان لحرمانهم ثمرة استنصارهم بمشركي قريش وإيماء إلى وعد المؤمنين بأنهم المنصورون حيث كانوا بضد هؤلاء فهم الذين قربهم الله تعالى ومن يقربه الله تعالى فلن تجد له خاذلاً. وفي الإتيان بكلمة لن وتوجيه الخطاب إلى كل واحد يصلح له وتوحيد النصير منكراً والتعبير عن عدمه بعدم الوجدان المؤذن بسبق الطلب مسنداً إلى المخاطب العام من الدلالة على حرمانهم الأبدي عن الظفر بما أملوا بالكلية ما لا يخفى، وإن اعتبرت المبالغة في نصير متوجهة للنفي كما قيل ذلك في قوله سبحانه : ﴿ وَمَا رَبُّكَ بظلام ﴾ [ فصلت :٤٦ ] قوى أمر هذه الدلالة.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ أولئك الذين لَّعَنَهُمُ الله ﴾ أي أبعدهم عن معرفته وقربه ﴿ وَمَن يَلْعَنِ ﴾ أي يبعده ﴿ الله ﴾ عن ذلك ﴿ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ﴾ [ النساء :٥٢ ] يهديه إلى الحق
﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ الملك ﴾ شروع في تفصيل بعض آخر من قبائحهم، و ﴿ أَمْ ﴾ منقطعة فتقدر ببل، والهمزة أي بل آلهم، والمراد إنكار أن يكون لهم نصيب من الملك، وجحد لما تدعيه اليهود من أن الملك يعود إليهم في آخر الزمان. وعن الجبائي أن المراد بالملك ههنا النبوة أي ليس لهم نصيب من النبوة حتى يلزم الناس اتباعهم وإطاعتهم والأول أظهر لقوله تعالى شأنه ﴿ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ الناس ﴾ أي أحداً أو الفقراء أو محمداً صلى الله عليه وسلم وأتباعه كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ﴿ نَقِيراً ﴾ أي شيئاً قليلاً، وأصله ما أشرنا إليه آنفاً. وأخرج ابن جرير من طريق أبي العالية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال :هذا النقير فوضع طرف الإبهام على باطن السبابة ثم نقرها. وحاصل المعنى على ما قيل :إنهم لا نصيب لهم من الملك لعدم استحقاقهم له بل لاستحقاقهم حرمانه بسبب أنهم لو أوتوا نصيباً منه لما أعطوا الناس أقل قليل منه، ومن حق من أوتي الملك الإيتاء وهم ليسوا كذلك، فالفاء في ﴿ فَإِذَا ﴾ للسببية والجزائية لشرط محذوف هو أن حصل لهم نصيب لا لو كان لهم نصيب كما قدره الزمخشري لأن الفاء لا تقع في جواب لو سيما مع إذا والمضارع، ويجوز أن تكون الفاء عاطفة والهمزة لإنكار المجموع من المعطوف والمعطوف عليه بمعنى أنه لا ينبغي أن يكون هذا الذي وقع وهو أنهم قد أوتوا نصيباً من الملك حيث كانت لهم أموال وبساتين وقصور مشيدة كالملوك ويعقبه منهم البخل بأقل قليل، وفائدة ﴿ إِذَا ﴾ زيادة الإنكار والتوبيخ حيث يجعلون ثبوت النصيب الذي هو سبب الإعطاء سبباً للمنع، والفرق بين الوجهين أن الإنكار في الأول :متوجه إلى الجملة الأولى وهو بمعنى إنكار الوقوع. وفي الثاني :متوجه لمجموع الأمرين وهو بمعنى إنكار الواقع، و ( إذاً ) في الوجهين ملغاة، ويجوز إعمالها لأنه قد شرط في إعمالها الصدارة فإذا نظر إلى كونها في صدر جملتها أعملت، وإن نظر إلى العطف وكونها تابعة لغيرها أهملت، ولذا قرأ ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم فإذاً لا يؤتوا الناس بالنصب على الإعمال.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ الملك فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ الناس نَقِيراً ﴾ [ النساء :٥٣ ] ذم لهم بالبخل الذي هو الوصمة الكبرى عند أهل الله تعالى ﴿ مَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إبراهيم ﴾ من المعرفة وإعزازهم بين خلقه وإرشادهم لمن استرشدهم ﴿ فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إبراهيم ﴾ وهم المتبعون له على ملته من أهل المحبة والخلة ﴿ الكتاب ﴾ أي علم الظاهر أو الجامع له ولعلم الباطن ﴿ والحكمة ﴾ علم الباطن أو باطن الباطن
﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ الناس ﴾ انتقال من توبيخهم بالبخل إلى توبيخهم بالحسد الذي هو من أقبح الرذائل المهلكة من اتصف بها دنيا وأخرى، وذكره بعده من باب الترقي، و ﴿ أَمْ ﴾ منقطعة والهمزة المقدرة بعدها لإنكار الواقع، والمراد من الناس سيدهم بل سيد الخليقة على الإطلاق محمد صلى الله عليه وسلم هذا ذهب عكرمة ومجاهد والضحاك وأبو مالك وعطية، وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : «قال أهل الكتاب :زعم محمد أنه أوتي ما أوتي في تواضع وله تسع نسوة وليس همه إلا النكاح فأي ملك أفضل من هذا فأنزل الله تعالى هذه الآية ». وذهب قتادة والحسن وابن جريج إلى أن المراد بهم العرب، وعن أبي جعفر وأبي عبد الله أنهم النبي وآله عليه وعليهم أفضل الصلاة وأكمل السلام، وقيل :المراد بهم جميع الناس الذين بعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم من الأسود والأحمر أي بل أيحسدونهم ﴿ على مَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ ﴾ يعني النبوة وإباحة تسع نسوة أو بعثة النبي صلى الله عليه وسلم منهم ونزول القرآن بلسانهم أو جمعهم كمالات تقصر عنها الأماني، أو تهيئة سبب رشادهم ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، والحسد على هذا مجاز لأن اليهود لما نازعوه في نبوته صلى الله عليه وسلم التي هي إرشاد لجميع الناس فكأنما حسدوهم جمع ﴿ فَقَدْ ءاتَيْنَا ﴾ تعليل للإنكار والاستقباح وإجراء الكلام على سنن الكبرياء بطريق الالتفات لإظهار كمال العناية بالأمر، والفاء كما قيل :فصيحة أي أن يحسدوا الناس على ما أوتوا فقد أخطأوا إذ ليس الإيتاء ببدع منا لأنا قد آتينا من قبل هذا ﴿ ءالَ إبراهيم * الكتاب ﴾ أي جنسه والمراد به التوراة والإنجيل أو هما والزبور ﴿ والحكمة ﴾ أي النبوة، أو إتقان العلم والعمل، أو الأسرار المودعة في الكتاب أقوال ﴿ وءاتيناهم ﴾ مع ذلك ﴿ مُّلْكاً عَظِيماً ﴾ لا يقادر قدره، وجوز أن يكون المعنى أنهم لا ينتفعون بهذا الحسد فإنا قد آتينا هؤلاء ما آتينا مع كثرة الحساد الجبابرة من نمروذ. وفرعون. وغيرهما فلم ينتفع الحاسد ولم يتضرر المحسود، وأن يراد أن حسدهم هذا في غاية القبح والبطلان فإنا قد آتينا من قبل أسلاف هذا النبي المحسود صلى الله عليه وسلم وأبناء عمه ما آتيناهم فكيف يستبعدون نبوته عليه الصلاة والسلام ويحسدونه على إيتائها وتكرير الإيتاء لما يقتضيه مقام التفصيل مع الإشعار بما بين الملك وما قبله من المغايرة، والمراد من الإيتاء إما الإيتاء بالذات وإما ما هو أعم منه ومن الإيتاء بالواسطة، وعلى الأول :فالمراد من آل إبراهيم أنبياء ذريته، ومن الضمير الراجع إليهم من ﴿ ءاتيناهم ﴾ بعضهم، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الملك في آل إبراهيم ملك يوسف وداود وسليمان عليهم السلام، وخصه السدي بما أحل لداود.
وسليمان من النساء فقد كان للأول تسع وتسعون امرأة ولولده ثلثمائة امرأة ومثلها سرية » وعن محمد بن كعب قال : «بلغني أنه كان لسليمان عليه السلام ثلثمائة امرأة وسبعمائة سرية »، وعلى الثاني :فالمراد بهم ذريته كلها فإن تشريف البعض بما ذكر تشريف ( للكل لاغتنامهم بآثار ذلك واقتباسهم من أنوار ). ومن الناس من فسر الحكمة بالعلم والملك العظيم بالنبوة، ونسب ذلك إلى الحسن ومجاهد، ولا يخفى أن إطلاق الملك العظيم على النبوة في غاية البعد والحمل على المتبادر أولى.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ الناس ﴾ [ النساء :٥٤ ] وهو الوصول إلى العين وعدم الوقوف عند الأثر
﴿ فَمِنْهُمْ ﴾ أي من جنس هؤلاء الحاسدين وآبائهم ﴿ مَنْ ءامَنَ بِهِ ﴾ أي بما أوتي آل إبراهيم ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ ﴾ أي أعرض ﴿ عَنْهُ ﴾ ولم يؤمن به وهذا في رأي حكاية لما صدر عن أسلافهم عقيب وقوع المحكي من غير أن يكون له دخل في الإلزام، وقيل :له دخل في ذلك ببيان أن الحسد لو لم يكن قبيحاً لأجمع عليه أسلافهم فلم يؤمن منهم أحد كما أجمعوهم عليه فلم يؤمن أحد منهم، وليس بشيء، وقيل :معناه فمن آل إبراهيم من آمن به ومنهم من كفر، ولم يكن في ذلك توهين أمره فكذلك لا يوهن كفر هؤلاء أمرك فضمير ﴿ بِهِ ﴾ و ﴿ عَنْهُ ﴾ على هذا لإبراهيم، وفيه تسلية له عليه الصلاة والسلام ورجوع الضميرين لمحمد صلى الله عليه وسلم وجعل الكلام متفرعاً على قوله تعالى : ﴿ يَأَيُّهَا الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ [ النساء :٤٧ ] أو على قوله سبحانه : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين ﴾ الخ في غاية البعد، وكذا جعل الضميرين لما ذكر من حديث آل إبراهيم ﴿ وكفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ﴾ أي ناراً مسعرة موقدة إيقاداً شديداً أي إن انصرف عنهم بعض العذاب في الدنيا فقد كفاهم ما أعد لهم من سعير جهنم في العقبى.
﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ بئاياتنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً ﴾ استئناف وقع كالبيان والتقرير لما قبله، والمراد بالموصول إما الذين كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وإما ما يعمهم وغيرهم ممن كفر بسائر الأنبياء عليهم السلام، ويدخل أولئك دخولاً أولياً، وعلى الأول :فالمراد بالآيات إما القرآن أو ما يعم كله وبعضه، أو ما يعم سائر معجزاته عليه الصلاة والسلام، وعلى الثاني :فالمراد بها ما يعم المذكورات وسائر الشواهد التي أتى بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على مدعاهم، و ﴿ سَوْفَ ﴾ كما قال سيبويه :كلمة تذكر للتهديد والوعيد، وتنوب عنها السين كما في قوله تعالى : ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ [ المدثر :٢٦ ] وقد تذكر للوعد كما في قوله سبحانه : ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى ﴾ [ الضحى :٥ ] و ﴿ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى ﴾ [ يوسف :٩٨ ] ؛ وكثيراً ما تفيد هي والسين توكيد الوعيد، وتنكير ﴿ نَارًا ﴾ للتفخيم أي :يدخلون ولا بد ناراً هائلة
﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ﴾ أي احترقت وتهرت وتلاشت، من نضج الثمر واللحم نضجاً ونضجاً إذا أدرك، و ﴿ كُلَّمَا ﴾ ظرف زمان والعامل فيه ﴿ بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا ﴾ أي أعطيناهم مكان كل جلد محترق عند احتراقه جلداً جديداً مغايراً للمحترق صورة وإن كانت مادته الأصلية موجودة بأن يزال عنه الإحراق فلا يرد أن الجلد الثاني لم يعص فكيف يعذب ؟ وذلك لأنه هو العاصي باعتبار أصله فإنه لم يبدل إلا صفته، وعندي أن هذا السؤال مما لا يكاد يسأله عاقل فضلاً عن فاضل، وذلك لأن عصيان الجلد وطاعته وتألمه وتلذذه غير معقول لأنه من حيث ذاته لا فرق بينه وبين سائر الجمادات من جهة عدم الإدراك والشعور وهو أشبه الأشياء بالآلة فَيَدُ قاتل النفس ظلماً مثلاً آلة له كالسيف الذي قتل به ولا فرق بينهما إلا بأن اليد حاملة للروح، والسيف ليس كذلك، وهذا لا يصلح وحده سبباً لإعادة اليد بذاتها وإحراقها دون إعادة السيف وإحراقه لأن ذلك الحمل غير اختياري، فالحق أن العذاب على النفس الحساسة بأي بدن حلت وفي أي جلد كانت وكذا يقال في النعيم، ويؤيد هذا أن من أهل النار من يملأ زاوية من زوايا جهنم وأن سن الجهنمي كجبل أحد، وأن أهل الجنة يدخلونها على طول آدم عليه السلام ستين ذراعاً في عرض سبعة أذرع، ولا شك أن الفريقين لم يباشروا الشر والخير بتلك الأجسام بل من أنصف رأى أن أجزاء الأبدان في الدنيا لا تبقى على كميتها كهولة وشيوخة وكون الماهية واحدة لا يفيد لأنا لم ندع فيما نحن فيه أن الجلد الثاني يغاير الأول كمغايرة العرض للجوهر أو الإنسان للحجر بل كمغايرة زيد المطيع لعمرو العاصي مثلاً على أنه لو قيل :إن الكافر يعذب أولاً :ببدن من حديد تحله الروح، وثانياً :ببدن من غيره كذلك لم يسغ لأحد أن يقول :إن الحديد لم يعص فكيف أحرق بالنار ولولا ما علم من الدين بالضرورة من المعاد الجسماني بحيث صار إنكاره كفراً لم يبعد عقلاً القول بالنعيم والعذاب الروحانيين فقط.
ولما توقف الأمر عقلاً على إثبات الأجسام أصلاً، ولا يتوهم من هذا أني أقول باستحالة إعادة المعدوم معاذ الله تعالى، ولكني أقول بعدم الحاجة إلى إعادته وإن أمكنت، والنصوص في هذا الباب متعارضة، فمنها ما يدل على إعادة الأجسام بعينها بعد إعدامها، ومنها ما يدل على خلق مثلها وفناء الأولى، ولا أرى بأساً بعد القول بالمعاد الجسماني في اعتقاد أي الأمرين كان، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في الآيات التي يدل ظاهرها على إعادة العين مثل قوله سبحانه : ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [ النور :٢٤ ] وما في «شرح البخاري » للسفيري من أنه لا تزال الخصومة بين الناس حتى تختصم الروح والجسد يوم القيامة، فتقول الروح للجسد :أنت فعلت وأني كنت ريحاً ولولاك لم أستطع أن أعمل شيئاً، ويقول الجسد للروح :أنت أمرت وأنت سولت ولولاك لكنت بمنزلة الجذع الملقى لا أحرك يداً ولا رجلاً، فيبعث الله تعالى ملكاً يقضي بينهما فيقول لهما :إن مثلكما كمثل رجل مقعد بصير وآخر ضرير دخلا بستاناً فقال المقعد للضرير :إني أرى ههنا ثماراً لكن لا أصل إليها فقال له الضرير :اركبني فتناولها فأيهما المتعدي ؟ فيقولان كلاهما فيقول لهما الملك :فإنكما قد حكمتما على أنفسكما لا أراه صحيحاً لظهور الفرق بين المثال والممثل له فإن الحامل فيما نحن فيه لا اختيار له ولا شعور بوجه من الوجوه اللهم إلا أن يكون هناك شعور لكن لا شعور لنا به » ولعل لنا عودة إن شاء الله تعالى لتحقيق هذا المقام، ثم إن هذا التبديل كيفما كان يكون في الساعة الواحدة مرات كثيرة. فقد أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في «الحلية » عن ابن عمر قال : «قرىء عند عمر هذه الآية فقال كعب :عندي تفسيرها قرأتها قبل الإسلام فقال هاتها يا كعب فإن جئت بها سمعت كما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقناك قال :إني قرأتها قبل ( كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة ) فقال عمر :هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخرج ابن أبي شيبة وغيره عن الحسن قال :«بلغني أنه يحرق أحدهم في اليوم سبعين ألف مرة كلما نضجتهم النار وأكلت لحومهم قيل لهم :عودوا فعادوا ».
﴿ لِيَذُوقُواْ العذاب ﴾ أي ليدوم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز :أعزك الله والتعبير عن إدراك العذاب بالذوق من حيث إنه لا يدخله نقصان بدوام الملابسة، أو للإشعار بمرارة العذاب مع إيلامه أو للتنبيه على شدة تأثيره من حيث إن القوة الذائقة أشد الحواس تأثيراً أو على سرايته للباطن، ولعل السر في تبديل الجلود مع قدرته تعالى على إبقاء إدراك العذاب وذوقه بحال مع الاحتراق أو مع بقاء أبدانهم على حالها مصونة عنه أن النفس ربما تتوهم زوال الإدراك بالاحتراق ولا تستبعد كل الاستبعاد أن تكون مصونة عن التألم والعذاب صيانة بدنها عن الاحتراق قاله مولانا شيخ الإسلام، وقيل :السر في ذلك أن في النضج والتبديل نوع إياس لهم وتجديد حزن على حزن، وأنكر بعضهم نضج الجلود بالمعنى المتبادر وتبديلها زاعماً أن التبديل إنما هو للسرابيل التي ذكرها الله سبحانه بقوله :
﴿ سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ ﴾ [ إبراهيم :٥٠ ] وسميت السرابيل جلوداً للمجاورة، وفيه أنه ترك للظاهر، ويوشك أن يكون خلاف المعلوم ضرورة، وأن السرابيل لا توصف بالنضج وكأنه ما دعاه إلى هذا الزعم سوى استبعاد القول بالظاهر، وليس هو بالبعيد عن قدرة الله سبحانه وتعالى ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً ﴾ أي لم يزل منيعاً لا يدافع ولا يمانع، وقيل :إنه قادر لا يمتنع عليه ما يريده مما تواعد أو وعد به ﴿ حَكِيماً ﴾ في تدبيره وتقديره وتعذيب من يعذبه ؛ والجملة تعليل لما قبلها من الإصلاء والتبديل وإظهار الاسم الجليل لتعليل الحكم مع ما مر مراراً.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ بئاياتنا ﴾ أي حجبوا عن تجليات صفاتنا وأفعالنا أو أنكروا على أوليائنا الذين هم مظاهر الآيات ﴿ سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً ﴾ عظيمة وهي نار القهر والحجاب، أو نار الحسد ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ﴾ وتقطعت أماني نفوسهم الأمارة ومقتضيات هواها ﴿ بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا ﴾ بتجدد نوع آخر من أنواع تجليات القهر أو بتجدد نعم أخرى تظهر على أوليائنا الذين حسدوهم وأنكروا عليهم ﴿ لِيَذُوقُواْ العذاب ﴾ [ النساء :٥٦ ] ما داموا منغمسين في أوحال الرذائل
﴿ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ عقب بيان سوء حال الكفرة ببيان حسن حال المؤمنين تكميلاً للمساءة والمسرة، وقدم بيان حال الأولين لأن الكلام فيهم، والمراد بالموصول إما المؤمنون بنبينا صلى الله عليه وسلم، وإما ما يعمهم وسائر من آمن من أمم الأنبياء عليهم السلام أي إن الذين آمنوا بما يجب الإيمان به وعملوا الأعمال الحسنة ﴿ سَنُدْخِلُهُمْ جنات * تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الانهار ﴾ قرأ عبد الله سيدخلهم بالياء والضمير للاسم الجليل، وفي السين تأكيد للوعد، وفي اختيارها هنا واختيار ﴿ سَوْفَ ﴾ في آية الكفر ما لا يخفى.
﴿ خالدين فِيهَا أَبَداً ﴾ إعظاماً للمنة وهو حال مقدرة من الضمير المنصوب في ﴿ سَنُدْخِلُهُمْ ﴾ وقوله تعالى : ﴿ لَّهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ ﴾ أي من الحيض والنفاس وسائر المعايب والأدناس والأخلاق الدنيئة والطباع الرديئة لا يفعلن ما يوحش أزواجهن ولا يوجد فيهن ما ينفر عنهن، في محل النصب على أنه حال من ( جنات )، أو حال ثانية من الضمير المنصوب أو أنه صفة لجنات بعد صفة، أو في محل الرفع على أنه خبر للموصول بعد خبر. والمراد أزواج كثيرة كما تدل عليه الأخبار.
﴿ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً ﴾ أي فيناناً لا وجوب فيه، ودائماً لا تنسخه الشمس وسجسجاً لا حر فيه ولا قرّ، رزقنا الله تعالى التفيؤ فيه برحمته إنه أرحم الراحمين، والمراد بذلك إما حقيقته ولا يمنع منه عدم الشمس وإما أنه إشارة إلى النعمة التامة الدائمة، والظليل صفة مشتقة من لفظ الظل للتأكيد كما هو عادتهم في نحو يوم أيوم، وليل أليل وقال الإمام المرزوقي :إنه مجرد لفظ تابع لما اشتق منه وليس له معنى وضعي بل هو كبسن في قولك :حسن بسن، وقرىء ﴿ *يدخلهم ﴾ بالياء عطف على ﴿ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ ﴾ لا على أنه غير الإدخال الأول بالذات بل بالعنوان كما في قوله تعالى : ﴿ وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ [ هود :٥٨ ].
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ أي الأعمال التي يصلحون بها لقبول التجليات ﴿ سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ من ماء الحكمة ولبن الفطرة وخمر الشهود وعسل الكشف ﴿ خالدين فِيهَا أَبَداً ﴾ لبقاء أرواحهم المفاوضة عليها ما يروحها ﴿ لَّهُمْ فِيهَا أزواج ﴾ من التجليات التي يلتذون بها ﴿ مُّطَهَّرَةٍ ﴾ من لوث النقص ﴿ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً ﴾ [ النساء :٥٧ ] وهو ظل الوجود والصفات الإلهية وذلك بمحو البشرية عنهم، نسأل الله تعالى من فضله فلا فضل إلا فضله.
ثم إنه سبحانه وتعالى أرشد المؤمنين بأبلغ وجه إلى بعض أمهات الأعمال الصالحة
فقال عز من قائل : ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا ﴾ أخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : «لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دعا عثمان بن أبي طلحة فلما أتاه قال :أرني المفتاح فأتاه به فلما بسط يده إليه قام العباس فقال :يا رسول الله بأبي أنت وأمي اجعله لي مع السقاية فكف عثمان يده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :أرني المفتاح يا عثمان فبسط يده يعطيه، فقال العباس مثل كلمته الأولى فكف عثمان يده، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فهاتني المفتاح، فقال :هاك بأمانة الله تعالى فقام ففتح الكعبة فوجد فيها تمثال إبراهيم عليه السلام معه قداح يستقسم بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :ما للمشركين قاتلهم الله تعالى وما شأن إبراهيم عليه السلام وشأن القداح وأزال ذلك، وأخرج مقام إبراهيم عليه السلام وكان في الكعبة ؛ ثم قال :أيها الناس هذه القبلة، ثم خرج فطاف بالبيت، ثم نزل عليه جبريل عليه السلام فيما ذكر لنا برد المفتاح فدعا عثمان بن أبي طلحة فأعطاه المفتاح ثم قال : ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ ﴾ » الآية.
وفي رواية الطبراني " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين أعطى المفتاح :خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم " يعني سدانة الكعبة، وفي «تفسير ابن كثير » «أن عثمان دفع المفتاح بعد ذلك إلى أخيه شيبة بن أبي طلحة فهو في يد ولده إلى اليوم »، وذكر الثعلبي والبغوي والواحدي «أن عثمان امتنع عن إعطاء المفتاح للنبي صلى الله عليه وسلم وقال :لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه فلوى علي كرم الله تعالى وجهه يده وأخذه منه فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة وصلى ركعتين فلما خرج سأله العباس أن يجمع له السدانة والسقاية فنزلت فأمر علياً كرم الله تعالى وجهه أن يرد ويعتذر إليه وصار ذلك سبباً لإسلامه ونزول الوحي بأن السدانة في أولاده أبداً » وما ذكرناه أولى بالاعتبار. أما أولاً :فلما قال الأشموني :إن المعروف عند أهل السير أن عثمان بن طلحة أسلم قبل ذلك في هدنة الحديبية مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص كما ذكره ابن إسحق وغيره وجزم به ابن عبد البر في «الاستيعاب ». والنووي في «تهذيبه ». والذهبي وغيرهم، وأما ثانياً :فلما فيه من المخالفة لما ذكره ابن كثير، وقد نصوا على أنه هو الصحيح، وأما ثالثاً :فلأن المفتاح على هذا لا يعد أمانة لأن علياً كرم الله تعالى وجهه أخذه منه قهراً وما هذا شأنه هو الغصب لا الأمانة، والقول بأن تسمية ذلك أمانة لأن الله تعالى لم يرد نزعه منه، أو للإشارة إلى أن الغاصب يجب أن يكون كالمؤتمن في قصد الرد، أو إلى أن علياً كرم الله تعالى وجهه لما قصد بأخذه الخير وكان أيضاً بأمر النبي صلى الله عليه وسلم جعل كالمؤتمن في أنه لا ذنب عليه لا يخلو عن بعد، وأياً مّا كان فالخطاب يعم كل أحد كما أن الأمانات، وهي جمع أمانة مصدر سمي به المفعول تعم الحقوق المتعلقة بذممهم من حقوق الله تعالى وحقوق العباد سواء كانت فعلية أو قولية أو اعتقادية، وعموم الحكم لا ينافي خصوص السبب، وقد روي ما يدل على العموم عن ابن عباس.
وأبي. وابن مسعود. والبراء بن عازب وأبي جعفر وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وإليه ذهب الأكثرون، وعن زيد بن أسلم واختاره الجبائي/ وغيره أن هذا خطاب لولاة الأمر أن يقوموا برعاية الرعية وحملهم على موجب الدين والشريعة، وعدوا من ذلك تولية المناصب مستحقيها، وجعلوا الخطاب الآتي لهم أيضاً، وفي تصدير الكلام بإن الدالة على التحقيق وإظهار الاسم الجليل وإيراد الأمر على صورة الإخبار من الفخامة وتأكيد وجوب الامتثال والدلالة على الاعتناء بشأنه ما لا مزيد عليه، ولهذا ورد من حديث ثوبان قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا إيمان لمن لا أمانة له " وأخرج البيهقي في «الشعب » عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" أربع إذا كن فيك فلا عليك فيما فاتك من الدنيا :حفظ أمانة وصدق حديث وحسن خليقة وعفة طعمة " وأخرج عن ميمون بن مهران «ثلاث تؤدين إلى البر والفاجر :الرحم توصل برة كانت أو فاجرة والأمانة تؤدى إلى البر والفاجر والعهد يوفى به للبر والفاجر »، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم :من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان " والأخبار في ذلك كثيرة، وقرىء الأمانة بالإفراد والمراد الجنس لا المعهود أي يأمركم بأداء أيّ أمانة كانت.
﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس أَن تَحْكُمُواْ بالعدل ﴾ أمر بإيصال الحقوق المتعلقة بذمم الغير إلى أصحابها إثر الأمر بإيصال الحقوق المتعلقة بذممهم، فالواو للعطف، والظرف متعلق بما بعد أن وهو معطوف على ﴿ أَن تُؤدُّواْ ﴾ والجار متعلق به أو بمقدر وقع حالاً من فاعله أي :ويأمركم أن تحكموا بالإنصاف والسوية، أو متلبسين بذلك إذا قضيتم بين الناس ممن ينفذ عليه أمركم أو يرضى بحكمكم، وهذا مبني على مذهب من يرى جواز تقدم الظرف المعمول لما في حيز الموصول الحرفي عليه، والفصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف، وفي «التسهيل » الفصل بين العاطف والمعطوف إذا لم يكن فعلاً بالظرف والجار والمجرور جائز وليس ضرورة خلافاً لأبي علي، ولقيام الخلاف في المسألة ذهب أبو حيان إلى أن الظرف متعلق بمقدر يفسره المذكور أي وأن تحكموا إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا ليسلم مما تقدم، ولا يجوز تعلقه بما قبله لعدم استقامة المعنى لأن تأدية الأمانة ليست وقت الحكومة، والمراد بالحكم ما كان عن ولاية عامة أو خاصة، وأدخلوا في ذلك ما كان عن تحكيم.
وفي بعض الآثار أن صبيين ارتفعا إلى الحسن رضي الله تعالى عنه بن علي كرم الله تعالى وجهه في خط كتباه وحكماه في ذلك ليحكم أي الخطين أجود فبصر به علي كرم الله تعالى وجهه فقال :يا بني أنظر كيف تحكم فإن هذا حكم والله تعالى سائلك عنه يقوم القيامة.
﴿ إِنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ﴾ جملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها متضمنة لمزيد اللطف بالمخاطبين وحسن استدعائهم إلى الامتثال وإظهار الاسم الأعظم لتربية المهابة وهو اسم ﴿ إن ﴾ وجملة ﴿ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ ﴾ خبرها، و ( ما ) إما بمعنى الشيء معرفة تامة، و ﴿ يَعِظُكُمُ ﴾ صفة موصوف محذوف وهو المخصوص بالمدح، أي نعم الشيء شيء يعظكم به، ويجوز نعم هو أي الشيء شيئاً يعظكم به والمخصوص بالمدح محذوف، وإما بمعنى الذي وما بعدها صلتها وهو فاعل نعم والمخصوص محذوف أيضاً، أي نعم الذي يعظكم به تأدية الأمانة والحكم بالعدل قاله أبو البقاء ونظر فيه بأنه قد تقرر أن فاعل نعم إذا كان مظهراً لزم أن يكون محلى بلام الجنس أو مضافاً إليه كما في «المفصل »، وأجيب بأن سيبويه جوز قيام ( ما ) إذا كانت معرفة تامة مقامه، وابن السراج أيضاً جوز قيام الموصولة لأنها في معنى المعرف باللام، واعترض القول بوقوع ( ما ) تمييزاً بأنها مساوية للمضمر في الإبهام فلا تميزه لأن التمييز لبيان جنس المميز، وأجيب بمنع كونها مساوية له لأن المراد بها شيء عظيم، والضمير لا يدل على ذلك، ومن الغريب ما قيل :إن ( ما ) كافة فتدبر، وقد تقدم الكلام فيما في ﴿ نِعِمَّا ﴾ من القراءات ﴿ إِنَّ الله كَانَ سَمِيعاً ﴾ بجميع المسموعات ومنها أقوالكم ﴿ بَصِيراً ﴾ بكل شيء ومن ذلك أفعالكم، ففي الجملة وعد ووعيد، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي كرم الله تعالى وجهه :سوّ بين الخصمين في لحظك ولفظك.
( هذا ومن باب الإشارة ) :في الآيات : ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا ﴾ أمر للعارفين أن يظهروا ما كوشفوا به من الأسرار الإلهية لأمثالهم ويكتموا ذلك عن الجاهلين، أو أن يؤدوا حق كل ذي حق إليه فيعطوا الاستعداد حقه وألقوا حقها وآخر الأمانات أداء أمانة الوجود فليؤده العبد إلى سيده سبحانه وليفن فيه عز وجل : ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس ﴾ بالإرشاد ولا يكون إلا بعد الفناء والرجوع إلى البقاء ﴿ أَن تَحْكُمُواْ بالعدل ﴾ [ النساء :٥٨ ] وهو الإفاضة حسب الاستعداد
﴿ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ ﴾ بعدما أمر سبحانه ولاة الأمور بالعموم أو الخصوص بأداء الأمانة والعدل في الحكومة أمر الناس بإطاعتهم في ضمن إطاعته عز وجل وإطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم حيث قال عز من قائل : ﴿ أَطِيعُواْ الله ﴾ أي الزموا طاعته فيما أمركم به ونهاكم عنه ﴿ وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ المبعوث لتبليغ أحكامه إليكم في كل ما يأمركم به وينهاكم عنه أيضاً، وعن الكلبي أن المعنى :أطيعوا الله في الفرائض وأطيعوا الرسول في السنن، والأول أولى وأعاد الفعل وإن كانت طاعة الرسول مقترنة بطاعة الله تعالى اعتناءاً بشأنه عليه الصلاة والسلام وقطعاً لتوهم أنه لا يجب امتثال ما ليس في القرآن وإيذاناً بأن له صلى الله عليه وسلم استقلالاً بالطاعة لم يثبت لغيره، ومن ثمّ لم يعد في قوله سبحانه : ﴿ وَأُوْلِى الامر مِنْكُمْ ﴾ إيذاناً بأنهم لا استقلال لهم فيها استقلال الرسول صلى الله عليه وسلم، واختلف في المراد بهم فقيل :أمراء المسلمين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وبعده ويندرج فيهم الخلفاء والسلاطين والقضاة وغيرهم، وقيل :المراد بهم أمراء السرايا، وروي ذلك عن أبي هريرة وميمون بن مهران، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي، وأخرجه ابن عساكر عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في سرية، وفيها عمار بن ياسر فساروا قبل القوم الذين يريدون فلما بلغوا قريباً منهم عرسوا وأتاهم ذو العيينتين( ١ ) فأخبرهم فأصبحوا قد هربوا غير رجل أمر أهله فجمعوا متاعهم ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل حتى أتى عسكر خالد يسأل عن عمار بن ياسر فأتاه فقال :يا أيا اليقظان إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن قومي لما سمعوا بكم هربوا وإني بقيت فهل إسلامي نافعي غداً وإلا هربت ؟ فقال عمار :بل هو ينفعك فأقم فأقام فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحداً غير الرجل فأخذه وأخذ ماله فبلغ عماراً الخبر فأتى خالداً فقال :خل عن الرجال فإنه قد أسلم وهو في أمان مني، قال خالد :وفيم أنت تجير ؟ فاستبا وارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير الثانية على أمير فاستبا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال خالد :يا رسول الله أتترك هذا العبد الأجدع يشتمني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :يا خالد لا تسب عماراً فإن من سب عماراً سبه الله تعالى ومن أبغض عماراً أبغضه الله تعالى ومن لعن عماراً لعنه الله تعالى فغضب عمار فقام فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر إليه فرضي، فأنزل الله تعالى هذه الآية » ووجه التخصيص على هذا أن في عدم إطاعتهم ولا سلطان ولا حاضرة مفسدة عظيمة، وقيل :المراد بهم أهل العلم، وروى ذلك غير واحد عن ابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد والحسن وعطاء وجماعة، واستدل عليه أبو العالية بقوله تعالى :
﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِى الامر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ [ النساء :٨٣ ] فإن العلماء هم المستنبطون المستخرجون للأحكام، وحمله كثير وليس ببعيد على ما يعم الجميع لتناول الاسم لهم لأن للأمراء تدبير أمر الجيش والقتال، وللعلماء حفظ الشريعة وما يجوز مما لا يجوز.
واستشكل إرادة العلماء لقوله تعالى : ﴿ فَانٍ تَنَازَعْتُمْ فِي شَىْء ﴾ فإن الخطاب فيه عام للمؤمنين مطلقاً والشيء خاص بأمر الدين بدليل ما بعده، والمعنى فإن تنازعتم أيها المؤمنون أنتم وأولو الأمر منكم في أمر من أمور الدين ﴿ فَرُدُّوهُ ﴾ فراجعوا فيه ﴿ إِلَى الله ﴾ أي إلى كتابه ﴿ والرسول ﴾ أي إلى سنته، ولا شك أن هذا إنما يلائم حمل أولي الأمر على الأمراء دون العلماء لأن للناس والعامة منازعة الأمراء في بعض الأمور وليس لهم منازعة العلماء إذ المراد بهم المجتهدون والناس ممن سواهم لا ينازعونهم في أحكامهم. وجعل بعضهم :الخطاب فيه لأولي الأمر على الالتفات ليصح إرادة العلماء لأن للمجتهدين أن ينازع بعضهم بعضاً مجادلة ومحاجة فيكون المراد أمرهم بالتمسك بما يقتضيه الدليل، وقيل :على إرادة الأعم يجوز أن يكون الخطاب للمؤمنين وتكون المنازعة بينهم وبين أولي الأمر باعتبار بعض الأفراد وهم الأمراء، ثم إن وجوب الطاعة لهم ما داموا على الحق فلا يجب طاعتهم فيما خالف الشرع، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :لا طاعة لبشر في معصية الله تعالى »، وأخرج هو وأحمد والشيخان وأبو داود والنسائي عنه أيضاً كرم الله تعالى وجهه قال :بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية واستعمل عليهم رجلاً( ٢ ) من الأنصار فأمرهم عليه الصلاة والسلام أن يسمعوا له ويطيعوا فأغضبوه في شيء فقال :اجمعوا لي حطباً فجمعوا له حطباً قال :أوقدوا ناراً فأوقدوا ناراً قال :ألم يأمركم صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا لي وتطيعوا ؟ قالوا :بلى قال :فادخلوها فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا :إنما فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار فسكن غضبه وطفئت النار فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا له ذلك فقال عليه الصلاة والسلام «لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف » وهل يشمل المباح أم لا ؟ فيه خلاف، فقيل :إنه لا يجب طاعتهم فيه لأنه لا يجوز لأحد أن يحرم ما حلله الله تعالى ولا أن يحلل ما حرمه الله تعالى، وقيل :تجب أيضاً كما نص عليه الحصكفي وغيره، وقال بعض محققي الشافعية :يجب طاعة الإمام في أمره ونهيه ما لم يأمر بمحرم، وقال بعضهم :الذي يظهر أن ما أمر به مما ليس فيه مصلحة عامة لا يجب امتثاله إلا ظاهراً فقط بخلاف ما فيه ذلك فإنه يجب باطناً أيضاً، وكذا يقال في المباح الذي فيه ضرر للمأمور به، ثم هل العبرة بالمباح والمندوب المأمور به باعتقاد الآمر فإذا أمر بمباح عنده سنة عند المأمور يجب امتثاله ظاهراً فقط أو المأمور فيجب باطناً أيضاً وبالعكس فينعكس ذلك كل محتمل وظاهر إطلاقهم في مسألة أمر الإمام الناس بالصوم للاستسقاء الثاني لأنهم لم يفصلوا بين كون الصوم المأمور به هناك مندوباً عند الآمر أو لا، وأيد بما قرروه في باب الاقتداء من أن العبرة باعتقاد المأموم لا الإمام، ولم أقف على ما قاله أصحابنا في هذه المسألة فليراجع هذا، واستدل بالآية من أنكر القياس وذلك لأن الله تعالى أوجب الرد إلى الكتاب والسنة دون القياس، والحق أن الآية دليل على إثبات القياس بل هي متضمنة لجميع الأدلة الشرعية، فإن المراد بإطاعة الله العمل بالكتاب، وبإطاعة الرسول العمل بالسنة، وبالرد إليهما القياس لأن رد المختلف فيه الغير المعلوم من النص إلى المنصوص عليه إنما يكون بالتمثيل والبناء عليه، وليس القياس شيئاً وراء ذلك، وقد علم من قوله سبحانه : ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ ﴾ أنه عند عدم النزاع يعمل بما اتفق عليه وهو الإجماع.
﴿ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الاخر ﴾ متعلق بالأمر الأخير الوارد في محل النزاع إذ هو المحتاج إلى التحذير عن المخالفة، وجواب الشرط محذوف عند جمهور البصريين ثقة بدلالة المذكور عليه، والكلام على حد إن كنت ابني فأطعني فإن الإيمان بالله تعالى يوجب امتثال أمره، وكذا الإيمان باليوم الآخر لما فيه من العقاب على المخالفة ﴿ ذلك ﴾ أي الرد المأمور به العظيم الشأن ولو حمل كما قيل على جميع ما سبق على التفريع لحسن. وقال الطبرسي : «إنه إشارة إلى ما تقدم من الأوامر أي طاعة الله تعالى وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر ورد المتنازع فيه إلى الله والرسول عليه الصلاة والسلام ﴿ خَيْرٌ ﴾ لكم وأصلح ﴿ وَأَحْسَنُ ﴾ أي أحمد في نفسه ﴿ تَأْوِيلاً ﴾ أي عاقبة، قاله قتادة والسدي وابن زيد »، وأفعل التفضيل في الموضعين للإيذان بالكمال على خلاف الموضوع له، ووجه تقديم الأول على الثاني أن الأغلب تعلق أنظار الناس بما ينفعهم، وقيل :المراد :خير لكم في الدنيا وأحسن عاقبة في الآخرة »، ووجه التقديم عليه أظهر. «وعن الزجاج أن المراد :أحسن تأويلاً من تأويلكم أنتم إياه من غير رد إلى أصل من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. فالتأويل إما بمعنى الرجوع إلى المآل والعاقبة، وإما بمعنى بيان المراد من اللفظ الغير الظاهر منه، وكلاهما حقيقة، وإن غلب الثاني في العرف ولذا يقابل التفسير.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ ياأيها الذين ءامَنُواْ أَطِيعُواْ الله ﴾ بتطهير كعبة تجليه وهو القلب عن أصنام السوي ﴿ وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ بالمجاهدة وإتعاب البدن بأداء رسوم العبادة التي شرعها لكم ﴿ وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ وهم المشايخ المرشدون بامتثال أمرهم فيما يرونه صلاحاً لكم وتهذيباً لأخلاقكم. وربما يقال :إنه سبحانه جعل الطاعة على ثلاث مراتب، وهي في الأصل ترجع إلى واحدة :فمن كان أهلاً لبساط القربة وفهم خطاب الحق بلا واسطة كالقائل أخذتم علمكم ميتاً عن ميت، ونحن أخدناه من الحي الذي لا يموت، فليطلع الله تعالى بمراده وليتمثل ما فهمه منه، ومن لم يبلغ هذه الدرجة فليرجع إلى بيان الواسطة العظمى وهو الرسول صلى الله عليه وسلم إن فهم بيانه، أو استطاع الأخذ منه كبعض أهل الله تعالى، وليطعه فيما أمر ونهى، ومن لم يبلغ إلى هذه الدرجة فليرجع إلى بيان أكابر علماء الأمة وليتقيد بمذهب من المذاهب وليقف عنده في الأوامر والنواهي ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء ﴾ أنتم والمشايخ، وذلك في مبادي السلوك حيث النفس قوية ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى الله ﴾ تعالى ﴿ والرسول ﴾ [ النساء :٥٩ ] فارجعوا إلى الكتاب والسنة فإن فيهما ما يزيل النزاع عبارة أو إشارة، أو إذا وقع عليكم حكم من أحكام الغيب المتشابهة، وظهر في أسراركم معارضات الامتحان فارجعوا إلى خطاب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فإن فيه بحار علوم الحقائق، فكل خاطر لا يوافق خطاب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو مردود
١ - أي الجاسوس..
٢ - اسمه علقمة اهـ منه..
﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وتعجيب له عليه الصلاة والسلام أي ألم تنظر أو ألم ينته علمك. ﴿ إِلَى الذين يَزْعُمُونَ ﴾ من الزعم وهو كما في «القاموس » «مثلث القول :الحق والباطل والكذب ضد، وأكثر ما يقال فيما يشك فيه » ومن هنا قيل :إنه قول بلا دليل، وقد كثر استعماله بمعنى القول الحق، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم «زعم جبريل » وفي حديث ضمام بن ثعلبة رضي الله تعالى عنه «زعم رسولك » وقد أكثر سيبويه في الكتاب من قوله :زعم الخليل كذا في أشياء يرتضيها وفي «شرح مسلم للنووي » أن زعم في كل هذا بمعنى القول، والمراد به هنا مجرد الادعاء أي يدعون. ﴿ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ أي القرآن. ﴿ وَمَا أنَزلَ ﴾ إلى موسى عليه السلام ﴿ مِن قَبْلِكَ ﴾ وهو التوراة، ووصفوا بهذا الادعاء لتأكيد التعجيب وتشديد التوبيخ والاستقباح، وقرىء ﴿ أَنَزلَ وَمَا أَنَزلَ ﴾ بالبناء للفاعل.
﴿ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطاغوت ﴾ بيان لمحل التعجيب على قياس نظائره ؛ أخرج الثعلبي وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن رجلاً من المنافقين يقال له بشر :خاصم يهودياً فدعاه اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم إنهما احتكما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي فلم يرض المنافق وقال :تعال نتحاكم إلى عمر بن الخطاب، فقال اليهودي لعمر رضي الله تعالى عنه :قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه، فقال للمنافق أكذلك ؟ قال :نعم، فقال عمر :مكانكما حتى أخرج إليكما فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد ثم قال :هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فنزلت »، وفي بعض الروايات «وقال جبريل عليه السلام إن عمر فرق بين الحق والباطل وسماه النبي صلى الله عليه وسلم الفاروق رضي الله تعالى عنه »، والطاغوت على هذا كعب ابن الأشرف، وإطلاقه عليه حقيقة بناءاً على أنه بمعنى كثير الطغيان، أو أنه علم لقب له كالفاروق لعمر رضي الله تعالى عنه، ولعله في مقابلة الطاغوت، وفي معناه كل من يحكم بالباطل ويؤثر لأجله، ويحتمل أن يكون الطاغوت بمعنى الشيطان، وإطلاقه على الأخس بن الأشرف إما استعارة أو حقيقة، والتجوز في إسناد التحاكم إليه بالنسبة الإيقاعية بين الفعل ومفعوله بالواسطة، وقيل :إن التحاكم إليه تحاكم إلى الشيطان من حيث إنه الحامل عليه فنقله عن الشيطان إليه على سبيل المجاز المرسل، وأخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس أيضاً قال :كان أبو برزة الأسلمي كاهناً يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه فتنافر إليه ناس من المسلمين فأنزل الله تعالى فيهم الآية.
وأخرج ابن جرير عن السدي كان أناس من يهود قريظة والنضير قد أسلموا ونافق بعضهم، وكانت بينهم خصومة في قتيل فأبى المنافقون منهم إلا التحاكم إلى أبي برزة فانطلقوا إليه فسألوه فقال :أعظموا اللقمة، فقالوا :لك عشرة أوساق فقال :لا بل مائة وسق، فأبوا أن يعطوه فوق العشرة، فأنزل الله تعالى فيهم ما تسمعون وعلى هذا ففي الآية من الإشارة إلى تفظيع التحاكم نفسه ما لا يخفى، وهو أيضاً أنسب بوصف المنافقين بادعاء الإيمان بالتوراة، ويمكن حمل خبر الطبراني عليه بحمل المسلمين فيه على المنافقين ممن أسلم من قريظة والنضير.
﴿ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ يُرِيدُونَ ﴾ وفيه تأكيد للتعجيب كالوصف السابق، والضمير المجرور راجع إلى الطاغوت وهو ظاهر على تقدير أن يراد منه الشيطان وإلا فهو عائد إليه باعتبار الوصف لا الذات، أي أمروا أن يكفروا بمن هو كثير الطغيان أو شبيه بالشيطان، وقيل الضمير للتحاكم المفهوم من ﴿ يَتَحَاكَمُواْ ﴾ وفيه بعد، وقرأ عباس بن المفضل بها، وقرىء بهن، والضمير أيضاً للطاغوت لأنه يكون للواحد والجمع، وإذا أريد الثاني أنث باعتبار معنى الجماعة وقد تقدم ﴿ وَيُرِيدُ الشيطان أَن يُضِلَّهُمْ ضلالا بَعِيداً ﴾ عطف على الجملة الحالية داخلة في حكم التعجيب، وفيها على بعض الاحتمالات وضع المظهر موضع المضمر على معنى :يريدون أن يتحاكموا إلى الشيطان وهو بصدد إرادة إضلالهم ولا يريدون أن يتحاكموا إليك وأنت بصدد إرادة هدايتهم، و ﴿ ضَلاَلاً ﴾ إما مصدر مؤكد للفعل المذكور بحذف الزوائد على حد ما قيل في ﴿ أَنبَتَكُمْ مّنَ الارض نَبَاتاً ﴾ [ نوح :١٧ ] وإما مؤكد لفعله المدلول عليه بالمذكور أي ( فيضلون ضلالاً )، ووصفه بالبعد الذي هو نعت موصوفه للمبالغة.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ من علم التوحيد ﴿ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ من علم المبدأ والمعاد ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطاغوت ﴾ وهو النفس الأمارة الحاكمة بما تؤدي إليه أفكارها الغير المستندة إلى الكتاب والسنة ﴿ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ ﴾ ويخالفوه إن النفس لأمارة بالسوء إلا من رحم ربي ﴿ وَيُرِيدُ الشيطان ﴾ وهو الطاغوت ﴿ أَن يُضِلَّهُمْ ضلالا بَعِيداً ﴾ [ النساء :٦٠ ] وهو الانحراف عن الحق
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ﴾ أي لأولئك الزاعمين ﴿ تَعَالَوْاْ إلى مَا أَنزَلَ الله ﴾ في القرآن من الأحكام ﴿ وَإِلَى الرسول ﴾ المبعوث للحكم بذلك ﴿ رَأَيْتُ ﴾ أي أبصرت أو علمت ﴿ المنافقين ﴾ وهم الزاعمون، والإظهار في مقام الإضمار للتسجيل عليهم بالنفاق وذمهم به والإشعار بعلة الحكم أي رأيتهم لنفاقهم ﴿ يَصِدُّونَ ﴾ أي يعرضون ﴿ عَنكَ صُدُوداً ﴾ أي إعراضاً أيُّ إعراض فهو مصدر مؤكد لفعله وتنوينه للتفخيم، وقيل :هو اسم للمصدر الذي هو الصد وعزي إلى الخليل، والأظهر أنه مصدر لصد اللازم، والصد مصدر للمتعدي، ودعوى أن يصدون هنا متعد حذف مفعوله أي يصدون المتحاكمين أي يمنعونهم مما لا حاجة إليه، وهذه الجملة تكملة لمادة التعجيب ببيان إعراضهم صريحاً عن التحاكم إلى كتاب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم إثر بيان إعراضهم عن ذلك في ضمن التحاكم إلى الطاغوت، وقرأ الحسن ﴿ تَعَالَوْاْ ﴾ بضم اللام على أنه حذف لام الفعل اعتباطاً كما قالوا :ما باليت به بالة وأصلها بالية كعافية، وكما قال الكسائي في آية :إن أصلها أيية كفاعلة فصارت اللام كاللام فضمت للواو، ومن ذلك قول أهل مكة :تعالى بكسر اللام للمرأة، وهي لغة مسموعة أثبتها ابن جني فلا عبرة بمن لحن ( كابن هشام ) الحمداني فيها حيث يقول :
أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا ( تعالى اقاسمك الهموم تعالى )
ولا حاجة إلى القول بأن تعالى الأولى :مفتوحة اللام، والثانية :مكسورتها للقافية كما لا يخفى، وأصل معنى هذا الفعل طلب الإقبال إلى مكان عال ثم عمم.
﴿ فَكَيْفَ ﴾ يكون حالهم ﴿ إِذَا أصابتهم ﴾ نالتهم ﴿ مُّصِيبَةٍ ﴾ نكبة تظهر نفاقهم ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي بسبب ما عملوا من الجنايات كالتحاكم إلى الطاغوت والإعراض عن حكمك ﴿ ثُمَّ جَاءوكَ ﴾ للاعتذار وهو عطف على ﴿ أصابتهم ﴾ والمراد تهويل ما ( دهاهم )، وقيل :على ﴿ يَصِدُّونَ ﴾ [ النساء :٦١ ] وما بينهما اعتراض ﴿ يَحْلِفُونَ ﴾ حال من فاعل ﴿ جَاءوكَ ﴾ أي حالفين لك ﴿ بالله إِنْ أَرَدْنَا ﴾ أي ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك ﴿ إِلا * إحسانا ﴾ إلى الخصوم ﴿ وَتَوْفِيقاً ﴾ بينهم ولم نرد بالمرافعة إلى غيرك عدم الرضا بحكمك فلا تؤاخذنا بما فعلنا، وهذا وعيد لهم على ما فعلوا وأنهم سيندمون حين لا ينفعهم الندم، ويعتذرون ولا يغني عنهم الاعتذار، وقيل :جاء أصحاب القتيل طالبين بدمه وقالوا :إن أردنا بالتحاكم إلى عمر رضي الله تعالى عنه إلا أن يحسن إلى صاحبنا ويوفق بينه وبين خصمه فإذا على هذا لمرجد الظرفية دون الاستقبال. وقيل :المعنّي بالآية عبد الله بن أبيّ والمصيبة ما أصابه وأصحابه من الذل برجوعهم من غزوة بني المصطلق وهي غزوة مريسيع حين نزلت سورة المنافقين فاضطروا إلى الخشوع والاعتذار على ما سيذكر في محله إن شاء الله تعالى. وقالوا :ما أردنا بالكلام بين الفريقين المتنازعين في تلك الغزوة إلا الخير، أو مصيبة الموت لما تضرع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإقالة والاستغفار واستوهبه ثوبه ليتقي به النار.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ ﴾ وهي مصيبة التحير وفقد الطريق الموصل ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ من تقديم أفكارهم الفاسدة وعدم رجوعهم إليك ﴿ ثُمَّ جَاءوكَ يَحْلِفُونَ بالله إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً ﴾ بأنفسنا لتمرنها على التفكر حتى يكون لها ملكة استنباط الأسرار والدقائق من عباراتك وإشاراتك ﴿ وَتَوْفِيقاً ﴾ [ النساء :٦٢ ] أي جمعاً بين العقل والنقل أو بين الخصمين بما يقرب من عقولهم ولم نرد مخالفتك
﴿ أولئك ﴾ أي المنافقون المذكورون ﴿ الذين يَعْلَمُ الله مَا فِى قُلُوبِهِمْ ﴾ من فنون الشرور المنافية لما أظهروا لك من ( بنات غير وجاءوا به من أذنى عناق ) ﴿ فَأَعْرَضَ ﴾ حيث كانت حالهم كذلك ﴿ عَنْهُمْ ﴾ أي قبول عذرهم، ويلزم ذلك الإعراض عن طلبهم دم القتيل لأنه هدر، وقيل :عن عقابهم لمصلحة في استبقائهم، ولا تظهر لهم علمك بما في بواطنهم الخبيثة حتى يبقوا على نيران الوجل ﴿ وَعِظْهُمْ ﴾ بلسانك وكفهم عن النفاق ﴿ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ ﴾ أي قل لهم خالياً لا يكون معهم أحد لأنه أدعى إلى قبول النصيحة، ولذا قيل :النصح بين الملأ تقريع، أو قل لهم في شأن أنفسهم ومعناها ﴿ قَوْلاً بَلِيغاً ﴾ مؤثراً واصلا إلى كنه المراد مطابقاً لما سيق له من المقصود فالظرف على التقديرين متعلق بالأمر. وقيل :متعلق ب ﴿ بَلِيغاً ﴾ وهو ظاهر على مذهب الكوفيين، والبصريون لا يجيزون ذلك لأن معمول الصفة عندهم لا يتقدم على الموصوف لأن المعمول إنما يتقدم حيث يصح تقدم عامله، وقيل :إنه إنما يصح إذا كان ظرفاً وقواه البعض، وقيل :إنه متعلق بمحذوف يفسره المذكور وفيه بعد والمعنى على تقدير التعلق :قل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم مؤثراً فيها يغتمون به اغتماماً، ويستشعرون منه الخوف استشعاراً، وهو التوعد بالقتل والاستئصال، والإيذان بأن ما انطوت عليه قلوبهم الخبيثة من الشر والنفاق بمرأى من الله تعالى ومسمع غير خاف عليه سبحانه وإن ذلك مستوجب ( لما تشيب منه النواصي، وإنما هذه المكافة ) والتأخير لإظهارهم الإيمان وإضمارهم الكفر، ولئن أظهروا الشقاق وبرزوا بأشخاصهم من نفق النفاق ( لتسامرنهم السمر والبيض، وليضيقن عليهم رحب الفلا بالبلاء العريض )، واستدل بالآية الأولى على أنه قد تصيب المصيبة بما يكتسبه العبد من الذنوب، ثم اختلف في ذلك فقال الجبائي :لا يكون ذلك إلا عقوبة في التائب، وقال أبو هاشم :يكون ذلك لطفاً. وقال القاضي عبد الجبار :قد يكون لطفاً وقد يكون جزاءاً وهو موقوف على الدليل.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ أُولَئِكَ الذين يَعْلَمُ الله مَا فِى قُلُوبِهِمْ ﴾ من رين الشكوك فيجازيهم على ذلك يوم القيامة ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ ولا تقبل عذرهم ﴿ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ﴾ [ النساء :٦٣ ] مؤثراً ليرتدعوا أو كلمهم على مقادير عقولهم ومتحمل طاقتهم
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله ﴾ تمهيد لبيان خطئهم باشتغالهم بستر نار جنايتهم بهشيم اعتذارهم الباطل وعدم إطفائها بماء التوبة أي وما أرسلنا رسولاً من الرسل لشيء من الأشياء إلا ليطاع بسبب إذنه تعالى وأمره المرسل إليهم أن يطيعوه لأنه مؤد عنه عز شأنه فطاعته طاعته ومعصيته معصيته أو بتيسيره وتوفيقه سبحانه في طاعته، ولا يخفى ما في العدول عن الضمير إلى الإسم الجليل، واحتج المعتزلة بالآية على أن الله تعالى لا يريد إلا الخير والشر على خلاف إرادته، وأجاب عن ذلك صاحب «التيسير » بأن المعنى إلا ليطيعه من أذن له في الطاعة وأرادها منه، وأما من لم يأذن له فيريد عدم طاعته فلذا لا يطيعه ويكون كافراً، أو بأن المراد إلزام الطاعة أي وما أرسلنا رسولاً إلا لإلزام طاعته الناس ليثاب من انقاد ويعاقب من سلك طريق العناد فلا تنتهض دعواهم الاحتجاج بها على مدعاهم، واحتج بها أيضاً من أثبت الغرض في أفعاله تعالى وهو ظاهر، ولا يمكن تأويل ذلك بكونه غاية لا غرضاً لأن طاعة الجميع لا تترتب على الإرسال إلا أن يقال إن الغاية كونه مطاعاً بالإذن لا للكل إذ من لا إذن له لا يطيع، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة.
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ﴾ وعرضوها للبوار بالنفاق والتحاكم إلى الطاغوت ﴿ جَاءوكَ ﴾ على إثر ظلمهم بلا ريث متوسلين بك تائبين عن جنايتهم غير جامعين حشفاً وسوء كيلة باعتذارهم الباطل وأيمانهم الفاجرة ﴿ فاستغفروا الله ﴾ لذنوبهم ونزعوا عما هم عليه وندموا على ما فعلوا. ﴿ واستغفر لهم الرسول ﴾ وسأل الله تعالى أن يقبل توبتهم ويغفر ذنوبهم، وفي التعبير باستغفر الخ دون استغفرت تفخيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث عدل عن خطابه إلى ما هو من عظيم صفاته على طريق حكم الأمير بكذا مكان حكمت، وتعظيم لاستغفاره عليه الصلاة والسلام حيث أسنده إلى لفظ منبيء عن علو مرتبته ﴿ لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً رَّحِيماً ﴾ أي لعلموه قابلاً لتوبتهم متفضلاً عليهم بالتجاوز عما سلف من ذنوبهم، ومن فسر الوجدان بالمصادفة كان الوصف الأول :حال والثاني :بدلاً منه أو حالا من الضمير فيه أو مثله، وفي وضع الاسم الجامع موضع الضمير إيذان بفخامة القبول والرحمة.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ﴾ باشتغالهم بحظوظها ﴿ جَاءوكَ فاستغفروا الله ﴾ طلبوا منه ستر صفات نفوسهم التي هي مصادر تلك الأفعال ﴿ واستغفر لَهُمُ الرسول ﴾ بإمداده إياهم بأنوار صفاته ﴿ لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً رَّحِيماً ﴾ [ النساء :٦٤ ] مطهراً لنفوسهم مفيضاً عليها الكمال اللائق بها. وقال ابن عطاء في هذه الآية :أي لو جعلوك الوسيلة لدي لوصلوا إليَّ
﴿ فَلاَ وَرَبّكَ ﴾ أي فوربك و ( لا ) مزيدة لتأكيد معنى القسم لا لتأكيد النفي في جوابه أعني قوله تعالى : ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ لأنها تزاد في الإثبات أيضاً كقوله تعالى : ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بمواقع النجوم ﴾ [ الواقعة :٧٥ ] وهذا ما اختاره الزمخشري ومتابعوه في ( لا ) التي تذكر قبل القسم، وقيل :إنها رد لمقدر أي لا يكون الأمر كما زعمتم واختاره الطبرسي، وقيل :مزيدة لتأكيد النفي في الجواب ولتأكيد القسم إن لم يكن نفي، وقال ابن المنير :الظاهر عندي أنها ههنا لتوطئة النفي المقسم عليه، والزمخشري لم يذكر مانعاً من ذلك سوى مجيئها لغير هذا المعنى في الإثبات وهو لا يأبى مجيئها في النفي على الوجه الآخر من التوطئة على أنها لم ترد في القرآن إلا مع صريح فعل القسم ومع القسم بغير الله تعالى مثل ﴿ لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد ﴾ [ البلد :١ ] ﴿ لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة ﴾ [ القيامة :١ ] ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بالشفق ﴾ [ الانشقاق :١٦ ] قصداً إلى تأكيد القسم وتعظيم المقسم به إذ لا يقسم بالشيء إلا إعظاماً له فكأنه بدخولها يقول إن إعظامي لهذه الأشياء بالقسم بها كلا إعظام يعني أنها تستوجب من التعظيم فوق ذلك، وهو لا يحسن في القسم بالله تعالى إذ لا توهم ليزاح، ولم تسمع زيادتها مع القسم بالله إلا إذا كان الجواب منفياً فدل ذلك على أنها معه زائدة موطئة للنفي الواقع في الجواب، ولا تكاد تجدها في غير الكتاب العزيز داخلة على قسم مثبت وإنما كثر دخولها على القسم وجوابه نفي كقوله :
( فلا وأبيك ) ابنة العامري ( لا يدعي ) القوم أني أفر
وقوله :
ألا نادت أمامة ( بارتحال لتحزنني ( فلا بك ) ما أبالي
وقوله :
رأى برقا( ١ ) فأوضع فوق بكر ( فلا بك ما أسال ولا أغاما )
إلى ما لا يحصى كثرة، ومن هذا يعلم الفرق بين المقامين ؛ والجواب عن قولهم :إنه لا فرق بينهما فتأمل ذلك فهو حقيق بالتأمل ) ).
﴿ حتى يُحَكّمُوكَ ﴾ أي يجعلوك حكماً أو حاكماً، وقال شيخ الإسلام : «يتحاكموا إليك ويترافعوا، وإنما جيء بصيغة التحكيم مع أنه صلى الله عليه وسلم حاكم بأمر الله إيذاناً بأن اللائق بهم أن يجعلوه عليه الصلاة والسلام حكماً فيما بينهم ويرضوا بحكمه وإن قطع النظر عن كونه حاكماً على الإطلاق » ﴿ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ أي فيما اختلف بينهم من الأمور واختلط، ومنه الشجر لتداخل أغصانه، وقيل :للمنازعة تشاجر لأن المتنازعين تختلف أقوالهم وتتعارض دعاويهم ويختلط بعضهم ببعض ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ ﴾ عطف على مقدر ينساق إليه الكلام أي فتحكم بينهم ثم لا يجدوا ﴿ فِى أَنفُسِهِمْ ﴾ وقلوبهم ﴿ حَرَجاً ﴾ أي شكاً كما قاله مجاهد أو ضيقاً كما قاله الجبائي أو إثماً كما روي عن الضحاك واختار بعض المحققين تفسيره بضيق الصدر لشائبة الكراهة والإباء لما أن بعض الكفرة كانوا يستيقنون الآيات بلا شك ولكن يجحدون ظلماً وعتواً فلا يكونوا مؤمنين، وما روي عن الضحاك يمكن إرجاعه إلى أيّ الأمرين شئت ونفي وجْدَان الحرج أبلغ من نفي الحرج كما لا يخفى، وهو مفعول به ليجدوا والظرف قيل :حال منه أو متعلق بما عنده، وقوله تعالى : ﴿ مّمَّا قَضَيْتَ ﴾ متعلق بمحذوف وقع صفة لحرجاً، وجوز أبو البقاء تعلقه به، و ( ما ) يحتمل أن تكون موصولة ونكرة موصوفة ومصدرية أي من الذي قضيته أي قضيت به أو من شيء قضيت أو من قضائك.
﴿ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً ﴾ أي ينقادوا لأمرك ويذعنوا له بظاهرهم وباطنهم كما يشعر به التأكيد، ولعل حكم هذه الآية باق إلى يوم القيامة وليس مخصوصاً بالذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم فإن قضاء شريعته عليه الصلاة والسلام قضاؤه، فقد روي عن الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال :لو أن قوماً عبدوا الله تعالى وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وصاموا رمضان وحجوا البيت ثم قالوا لشيء صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا صنع خلاف ما صنع، أو وجدوا في أنفسهم حرجاً لكانوا مشركين ثم تلا هذه الآية، وسبب نزولها كما قال الشعبي ومجاهد :ما مر من قصة بشر واليهودي اللذين قضى بينهما عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بما قضى. وأخرج الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي من طريق الزهري «أن عروة بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام أنه خاصم( ٢ ) رجلاً من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج( ٣ ) من الحرة كانا يسقيان به كلاهما النخل فقال الأنصاري :سرح الماء يمر فأبى عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك فغضب الأنصاري وقال :يا رسول الله إن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال :اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر( ٤ ) ثم أرسل الماء إلى جارك، واستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه وكان رسول الله عليه الصلاة والسلام قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه السعة له وللأنصاري فلما أحفظ( ٥ ) رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصاري استوعى للزبير حقه في صريح الحكم فقال الزبير :ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك ﴿ فَلاَ وَرَبّكَ ﴾ » الخ. .
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً ﴾ [ النساء :٦٥ ] قال بعضهم :أظهر الله تعالى في هذه الآية على حبيبه خلعة من خلع الربوبية فجعل الرضا بحكمه ساء أم ستر سبباً لإيمان المؤمنين كما جعل الرضا بقضائه سبباً لإيقان الموقنين فأسقط عنهم اسم الواسطة لأنه صلى الله عليه وسلم متصف بأوصاف الحق متخلق بأخلاقه، ألا ترى كيف قال حسان :
وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد
وقال آخرون :سد سبحانه الطريق إلى نفسه على الكافة إلا بعد الإيمان بحبيبه صلى الله عليه وسلم فمن لم يمش تحت قبابه فليس من الله تعالى في شيء، ثم جعل جل شأنه من شرط الإيمان زوال المعارضة بالكلية فلا بد للمؤمن من تلقي المهالك بقلب راض ووجه ضاحك
١ - أي أسرع اهـ منه..
٢ - قيل: هو حاطب بن أبي بلتعة وقيل: ثعلبة بن حاطب وقيل: حاطب بن راشد، وقيل: ثابت بن قيس اهـ منه..
٣ - جمع شرجة مسيل الماء اهـ منه..
٤ - بالدال والذال –المسناة- حول الزرع، ويقال لها: المرز اهـ منه..
٥ - أي أغضب اهـ منه..
﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ أي فرضنا وأوجبنا ﴿ أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ ﴾ أي كما أمرنا بني إسرائيل وتفسير ذلك بالتعرض له بالجهاد بعيد ﴿ أَوِ اخرجوا مِن دياركم ﴾ كما أمرنا بني إسرائيل أيضاً بالخروج من مصر. والمراد إنما كتبنا عليهم إطاعة الرسول والانقياد لحكمه والرضا به ولو كتبنا عليهم القتل والخروج من الديار كما كتبنا ذلك على غيرهم ﴿ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ ﴾ وهم المخلصون من المؤمنين كأبي بكر رضي الله تعالى عنه. فقد أخرج ابن أبي حاتم عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال : «لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر يا رسول الله لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت فقال :صدقت يا أبا بكر » وكعبد الله بن رواحة، فقد أخرج عن شريح بن عبيد «أنها لما نزلت أشار صلى الله عليه وسلم إليه بيده فقال :لو أن الله تعالى كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل »، وكابن أم عبد، فقد أخرج عن سفيان «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه لو نزلت كان منهم »، وأخرج عن الحسن قال :«لما نزلت هذه الآية قال أناس من الصحابة :لو فعل ربنا لفعلنا فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال :" للإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي " وروي أن عمر رضي الله تعالى عنه قال :«والله لو أمرنا لفعلنا فالحمد لله الذي عافانا فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال :" إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي "
وفي بعض الآثار أن الزبير وصاحبه لما خرجا بعد الحكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم مرا على المقداد فقال :لمن القضاء ؟ فقال الأنصاري :لابن عمته ولوى شدقه ففطن يهودي كان مع المقداد فقال :قاتل الله تعالى هؤلاء يشهدون أنه رسول الله ويتهمونه في قضاء يقضى بينهم وأيم الله تعالى لقد أذنبنا ذنباً مرة في حياة موسى عليه السلام فدعانا إلى التوبة منه، وقال :اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في طاعة ربنا حتى رضي عنا ؛ فقال ثابت بن قيس :أما والله إن الله تعالى ليعلم مني الصدق لو أمرني محمد صلى الله عليه وسلم أن أقتل نفسي لقتلتها، وروي أن قائل ذلك هو وابن مسعود وعمار بن ياسر، وأنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فقال :" والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالاً الإيمان في قلوبهم أثبت من الجبال الرواسي وإن الآية نزلت فيهم "، وفي رواية البغوي الاقتصار على ثابت بن قيس، وعلى هذا الأثر وجه مناسبة ذكر هذه الآية مما لا يخفى، وكأنه لذلك قال صاحب «الكشاف » في معناها : «لو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم، أو خروجهم من ديارهم حين استتيبوا من عبادة العجل ما فعلوه إلا قليل »، وقال بعضهم :إن المراد أننا قد حففنا عليهم حيث اكتفينا منهم في توبتهم بتحكيمك والتسليم له ولو جعلنا توبتهم كتوبة بني إسرائيل لم يتوبوا، والذي يفهم من فحوى الأخبار المعول عليها أن هذه الكتابة لا تعلق لها بالاستتابة، ولعل المراد من ذكر ذلك مجرد التنبيه على قصور كثير من الناس ووهن إسلامهم إثر بيان أنه لا يتم إيمانهم إلا بأن يسلموا حق التسليم، وظاهر ما ذكره الزمخشري من أن بني إسرائيل أمروا بالخروج حين استتيبوا مما لا يكاد يصح إذا أريد بالديار الديار المصرية لأن الاستتابة من عبادة العجل إنما كانت بعد الخروج منها وبعد انفلاق البحر وهذا مما لا امتراء فيه على أنا لا نسلم أنهم أمروا بالخروج استتابة في وقت من الأوقات، وحمل الذلة على الخروج من الديار لأن ذل الغربة مثل مضروب في قوله تعالى :
﴿ إِنَّ الذين اتخذوا العجل سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّهِمْ وَذِلَّةٌ ﴾ [ الأعراف :١٥٢ ] لا يفيد إذ الآية لا تدل على الأمر به والنزاع فيه على أن في كون هذه الآية في التائبين من عبادة العجل نزاعاً، وقد حقق بعض المحققين أنها في المصرين المستمرين على عبادته كما ستعلمه إن شاء الله تعالى ؛ والعجب من صاحب «الكشف » كيف لم يتعقب كلام صاحب «الكشاف » بأكثر من أنه ليس منصوصاً في القرآن، ثم نقل كلامه في الآية.
هذا والكلام في ﴿ لَوْ ﴾ هنا أشهر من نار على علم، وحقها كما قالوا :أن يليها فعل، ومن هنا قال الطبرسي : «التقدير لو وقع كتبنا عليهم »، وقال الزجاج :إنها وإن كان حقها ذلك إلا أن إن الشديدة تقع بعدها لأنها تنوب عن الاسم والخبر فنقول ظننت أنك عالم كما تقول :ظننتك عالماً أي ظننت علمك ثابتاً فهي هنا نائبة عن الفعل والاسم كما أنها هناك نائبة عن الاسم والخبر، وضمير الجمع في ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ وما بعده قيل :للمنافقين ونسب إلى ابن عباس ومجاهد، واعترض بأن فعل القليل منهم غير متصور إذ هم المنافقون الذين لا تطيب أنفسهم بما دون القتل بمراتب، وكل شيء دون المنية سهل، فكيف تطيب بالقتل ويمتثلون الأمر به ؟ وأجيب بأن المراد لو كتبنا على المنافقين ذلك ما فعله إلا قليل منهم رياءاً وسمعة وحينئذٍ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم، فإذ لم نفعل بهم ذلك بل كلفناهم الأشياء السهلة فليتركوا النفاق وليلزموا الإخلاص، ونسب ذلك للبلخي.
ولا يخفى أن قوله صلى الله عليه وسلم في عبد الله بن رواحة :
«لو أن الله تعالى كتب ذلك لكان منهم » وكذا غيره من الأخبار السالفة تأبى هذا التوجيه غاية الإباء لأنها مسوقة للمدح، ولا مدح في كون أولئك المذكورين من القليل الذين يمتثلون الأمر رياءاً وسمعة بل ذلك غاية في الذم لهم وحاشاهم، وقيل :للناس مطلقاً، والقلة إضافية لأن المراد بالقليل المؤمنون وهم وإن كثروا قليلون بالنسبة إلى من عداهم من المنافقين، والكفرة المتمردين ﴿ وَمَا أَكْثَرُ الناس وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ [ يوسف :١٠٣ ] وحينئذٍ لا يرد أنه يلزم من الآية كون بني إسرائيل أقوى إيماناً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث امتثلوا أمر الله تعالى لهم بقتل أنفسهم حتى بلغ قتلاهم سبعين ألفاً، ولا يمتثله لو كان من الصدر الأول إلا قليل ومن الناس من جعل الآية بياناً لكمال اللطف بهذه الأمة حيث إنه لا يقبل القتل منهم إلا القليل لأن الله تعالى يعفو عنهم بقتل قليل ولا يدعهم أن يقتل الكثير كبني إسرائيل إلا أنهم لا يفعلون كما فعل بنو إسرائيل لقلة المخلصين فيهم وكثرة المخلصين في بني إسرائيل ليلزم التفضيل. وقيل :يحتمل أن يكون قتل كثير من بني إسرائيل لأنهم لو لم ينقادوا لأهلكهم عذاب الله تعالى، وهذه الأمة مأمونون إلى يوم القيامة فلا يقدمون كما أقدموا لعدم خوف الاستئصال لا لأنهم دون، وأن بني إسرائيل أقوى منهم إيماناً، وأنت تعلم أن الآية بمراحل عن إفادتها كمال اللطف، والسباق والسياق لا يشعران به أصلاً، وأن خوف الاستئصال وعدمه مما لا يكاد يخطر ببال كما لا يخفى على من عرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال، والضمير المنصوب في ﴿ فَعَلُوهُ ﴾ للمكتوب الشامل للقتل والخروج لدلالة الفعل عليه، أو هو عائد على القتل والخروج وللعطف بأو لزم توحيد الضمير لأنه عائد لأحد الأمرين، وقول الإمام الرازي :إن الضمير عائد إليهما معاً بالتأويل تنبو عنه الصناعة، و ﴿ قَلِيلٌ ﴾ لكون الكلام غير موجب بدل من الضمير المرفوع في ﴿ فَعَلُوهُ ﴾، وقرأ ابن عامر ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ بالنصب وجعله غير واحد على أنه صفة لمصدر محذوف، والاستثناء مفرغ أي ما فعلوه إلا فعلاً قليلاً، و من في ﴿ مِنْهُمْ ﴾ حينئذٍ للابتداء على نحو ما ضربته إلا ضرباً منك مبرحاً، وقال الطيبي :إنها بيان للضمير في فعلوا كقوله تعالى : ﴿ لَيَمَسَّنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ ﴾ [ المائدة :٧٣ ] على التجريد وليس بشيء، وكأن الذي دعاهم إلى هذا والعدول عن القول بنصبه على الاستثناء أن النصب عليه في غير الموجب غير مختار، فلا يحمل القرآن عليه كما يشير إليه كلام الزجاج حيث قال :النصب جائز في غير القرآن لكن قال ابن الحاجب :لا بعد في أن يكون أقل القراء على الوجه الأقوى، وأكثرهم على الوجه الذي هو دونه بل التزم بعض الناس أنه يجوز أن يجمع القراء غير الأقوى وحققه الحمصي، وقيل :بل يكون إجماعهم دليلاً على أن ذلك هو القوي لأنهم هم المتفننون الآخذون عن مشكاة النبوة، وأن تعليل النحاة غير ملتفت إليه.
ورجح بعضهم أيضاً النصب على الاستثناء هنا بأن فيه توافق القراءتين معنى وهو مما يهتم به، وبأن توجيه الكلام على غيره لا يخلو عن تكلف ودغدغة، وقرأ أبو عمرو ويعقوب أن اقتلوا بكسر النون على الأصل في التخلص من الساكنين، و ﴿ أَوِ اخرجوا ﴾ بضم الواو للاتباع، والتشبيه بواو الجمع في نحو ﴿ وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ ﴾ [ البقرة :٢٣٧ ]، وقرأ حمزة وعاصم بكسرهما على الأصل، والباقون بضمهما وهو ظاهر، و ﴿ إن ﴾ كيفما كانت نونها إما مفسرة لأنا كتبنا في معنى أمرنا ولا يضر تعديه بعلى لأنه لم يخرج عن معناه، ولو خرج فتعديه باعتبار معناه الأصلي جائز كما في نطقت الحال بكذا حيث تعدى الفعل بالباء مع أنهم قدير يدون به دل وهو يتعدى بعلى. وإن أبيت هذا ولا أظن قلنا :إنه بمعنى أو حيناً وإما مصدرية وهو الظاهر ولا يضر زوال الأمر بالسبك لأنه أمر تقديري.
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ ﴾ أي ما يؤمرون به مقروناً بالوعد والوعيد من متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم والانقياد إلى حكمه ظاهراً وباطناً ﴿ لَكَانَ ﴾ فعلهم ذلك ﴿ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ عاجلاً وآجلاً ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ لهم على الحق والصواب وأمنع لهم من الضلال وأبعد من الشبهات كما قال سبحانه : ﴿ والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى ﴾ [ محمد :١٧ ]، وقيل :معناه أكثر انتفاعاً لأن الانتفاع بالحق يدوم ولا يبطل لاتصاله بثواب الآخرة، والانتفاع بالباطل يبطل ويضمحل ويتصل بعقاب الآخرة.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ ﴾ بسيف المجاهدة لتحيى حياة طيبة ﴿ أَوِ اخرجوا مِن دياركم ﴾ وهي الملاذ التي ركنتم إليها وخيمتم فيها وعكفتم عليها، أو لو فرضنا عليهم أن اقمعوا الهوى أو اخرجوا من مقاماتكم التي حجبتم بها عن التوحيد الصرف كالصبر والتوكل مثلاً ﴿ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ ﴾ وهم أهل التوفيق والهمم العالية، وأيد الاحتمال الثاني بما حكي عن بعض العارفين أنه سئل إبراهيم بن أدهم عن حاله فقال إبراهيم :أدور في الصحاري وأطوف في البراري حيث لا ماء ولا شجر ولا روض ولا مطر فهل يصح حالي في التوكل فقال له :إذا أفنيت عمرك في عمران باطنك فأين الفناء في التوحيد » ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ لما فيه من الحياة الطيبة ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ [ النساء :٦٦ ] بالاستقامة بالدين
﴿ وَإِذاً لاتيناهم ﴾ لأعطيناهم ﴿ مّن لَّدُنَّا ﴾ من عندنا ﴿ أَجْراً ﴾ ثواباً ﴿ عَظِيماً ﴾ لا يعرف أحد مبداه ولا يبلغ منتهاه، وإنما ذكر ( من لدنا ) تأكيداً ومبالغة وهو متعلق بآتيناهم، وجوز أن يكون حالاً من ﴿ أَجْراً ﴾ والواو للعطف و لآتيناهم معطوف على لكان خيراً لهم لفظاً و ﴿ إِذَا ﴾ مقحمة للدلالة على أن هذا الجزاء الأخير بعد ترتب التالي السابق على المقدم ولإظهار ذلك وتحقيقه قال المحققون :إنه جواب لسؤال مقدر كأنه قيل :وماذا يكون لهم بعد التثبيت ؟ فقيل :وإذاً لو ثبتوا لآتيناهم وليس مرادهم أنه جواب لسؤال مقدر لفظاً ومعنى، وإلا لم يكن لاقترانه بالواو وجه، أو إظهار ( لو ) ليس لأنها مقدرة بل لتحقيق أن ذلك جواب للشرط لكن بعد اعتبار جوابه الأول، والمراد بالجواب في قولهم جميعاً :إن إذاً حرف جواب دائماً أنها لا تكون في كلام مبتدأ بل هو في كلام مبني على شيء تقدمه ملفوظ، أو مقدر سواء كان شرطاً، أو كلام سائل، أو نحوه كما أنه ليس المراد بالجزاء اللازم لها، أو الغالب إلا ما يكون مجازاة لفعل فاعل سواء السائل وغيره، وبهذا تندفع الشبه الموردة في هذا المقام، وزعم الطيبي أن ما أشرنا إليه من التقدير تكلف من ثلاثة أوجه وهو توهم منشأه الغفلة عن المراد كالذي زعمه العلامة الثاني فتدبر.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ وَإِذاً لآتيناهم مّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ﴾ [ النساء :٦٧ ] وهو كشف الجمال
﴿ ولهديناهم صراطا مُّسْتَقِيماً ﴾ وهو المراتب بعد الإيمان التي تفتح أبوابها للعاملين، فقد أخرج أبو نعيم في «الحلية » عن أنس قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :من عمل بما علم أورثه الله تعالى علم ما لم يعلم "، وقال الجبائي :المعنى ولهديناهم في الآخرة إلى طريق الجنة.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ ولهديناهم صراطا مُّسْتَقِيماً ﴾ [ النساء :٦٨ ] وهو التوحيد
﴿ وَمَن يُطِعِ الله ﴾ بالانقياد لأمره ونهيه ﴿ والرسول ﴾ المبلغ ما أوحي إليه منه باتباع شريعته والرضا بحكمه، والكلام مستأنف فيه فضل ترغيب في الطاعة ومزيد تشويق إليها ببيان أن نتيجتها أقصى ما تنتهي إليه همم الأمم، وأرفع ما تمتد إليه أعناق ( أمانيهم، وتشرأب إليه أعين ) عزائمهم من مجاورة أعظم الخلائق مقداراً وأرفعهم مناراً، ومتضمن لتفسير ما أبهم وتفصيل ما أجمل في جواب الشرطية السابقة و ﴿ مِنْ ﴾ شرطية وإفراد ضمير ﴿ يُطِعِ ﴾ مراعاة للفظ، والجمع في قوله سبحانه : ﴿ فَأُوْلَئِكَ ﴾ مراعاة للمعنى أي فالمطيعون الذين علت درجتهم وبعدت منزلتهم شرفاً وفضلاً.
﴿ مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم ﴾ بما تقصر العبارة عن تفصيله وبيانه ﴿ مّنَ النبيين ﴾ بيان للمنعم عليهم فهو حال إما من ﴿ الذين ﴾ أي مقارنيهم حال كونهم من النبيين وإما من ضميره والتعرض لمعية الأنبياء دون نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة مع أن الكلام في بيان حكم طاعته عليه الصلاة والسلام لجريان ذكرهم في سبب النزول مع الإشارة إلى أن طاعته متضمنة لطاعتهم، أخرج الطبراني وأبو نعيم والضياء المقدسي وحسنه قال : «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :يا رسول الله إنك لأحب إليّ من نفسي وإنك لأحب إليّ من ولدي وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً حتى نزل جبريل بهذه الآية ﴿ وَمَن يُطِعِ الله ﴾ » الخ، وروي مثله عن ابن عباس. وقال الكلبي :إن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب له عليه الصلاة والسلام قليل الصبر عنه، وقد نحل جسمه وتغير لونه خوف عدم رؤيته صلى الله عليه وسلم بعد الموت فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية، وعن مسروق «إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا :ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا فإنك إذا فارقتنا رفعت فوقنا فنزلت » وبدأ بذكر النبيين لعلو درجتهم وارتفاعهم على من عداهم، وقد نقل الشعراني عن مولانا الشيخ الأكبر قدس سره أنه قال : «فتح لي قدر خرم إبرة من مقام النبوة تجلياً لا دخولاً فكدت أحترق » ثم عطف ( عليهم ) على سبيل التدلي قوله سبحانه :
﴿ والصادقين * والشهداء والصالحين ﴾ فالمنازل أربعة بعضها دون بعض :الأول :منازل الأنبياء وهم الذين تمدهم قوة إلهية وتصحبهم نفس في أعلى مراتب القدسية ومثلهم كمن يرى الشيء عياناً من قريب، ولذلك قال تعالى في صفة نبينا صلى الله عليه وسلم :
﴿ أفتمارونه على مَا يرى ﴾ [ النجم :١٢ ]، والثاني :منازل الصديقين وهم الذين يتأخرون على الأنبياء عليهم السلام في المعرفة، ومثلهم كمن يرى الشيء عياناً من بعيد، وإياه عنى علي كرم الله تعالى وجهه حيث قيل له :هل رأيت الله تعالى ؟ فقال :ما كنت لأعبد رباً لم أره، ثم قال :لم تره العيون بشواهد العيان ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، والثالث :منازل الشهداء وهم الذين يعرفون الشيء بالبراهين، ومثلهم كمن يرى الشيء في المرآة من مكان قريب كحال من قال :كأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، وإياه قصد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله :" أعبد الله تعالى كأنك تراه "، والرابع :منازل الصالحين وهم الذين يعلمون الشيء بالتقليد الجازم، ومثلهم كمن يرى الشيء من بعيد في مرآة وإياه قصد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله :" فإن لم تكن تراه فإنه يراك " قاله الراغب ونقله الطيبي وغيره، ونقل بعض تلامذة مولانا الشيخ خالد النقشبندي قدس سره عنه «أنه قرر يوماً أن مراتب الكمل أربعة :نبوة وقطب مدارها نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم صديقية وقطب مدارها أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، ثم شهادة وقطب مدارها عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه، ثم ولاية وقطب مدارها علي كرم الله تعالى وجهه، وأن الصلاح في الآية إشارة إلى الولاية فسأله بعض الحاضرين عن عثمان رضي الله تعالى عنه في أي مرتبة هو من مراتب الثلاثة بعد النبوة فقال :إنه رضي الله تعالى عنه قد نال حظاً من رتبة الشهادة وحظاً من رتبة الولاية، وأن معنى كونه ذا النورين هو ذلك عند العارفين انتهى.
وأنا مستعيناً بالله تعالى ومستمداً من القوم قدس الله تعالى أسرارهم أقول :إن الولاية هي المحيطة العامة والفلك الدائر والدائرة الكبرى، وأن الولي من كان على بينة من ربه في حاله فعرف ما له بإخبار الحق إياه على الوجه الذي يقع به التصديق عنده ويصدق على أصناف كثيرة إلا أن المذكور منها في هذه الآية أربعة :الصنف الأول :الأنبياء، والمراد بهم هنا الرسل أهل الشرع سواء بعثوا أو لم يبعثوا أعني بطريق الوجوب عليهم ولا بحث لأهل الله تعالى عن مقاماتهم وأحوالهم إذ لا ذوق لهم فيها وكلهم معترفون بذلك غير أنهم يقولون :إن النبوة عامة وخاصة والتي لا ذوق لهم فيها هي الخاصة أعني نبوة التشريع وهي مقام خاص في الولاية. وأما النبوة العامة فهي مستمرة سارية في أكابر الرجال غير منقطعة دنيا وأخرى لكن باب الإطلاق قد انسد، وعلى هذا يخرج ما رواه البدر التماسكي البغدادي عن الشيخ بشير عن القطب عبد القادر الجيلي قدس سره أنه قال :معاشر الأنبياء أوتيتم اللقب وأوتينا ما لم تؤتوا فإن معنى قوله :أوتيتم اللقب أنه حجر علينا إطلاق لفظ النبي، وإن كانت النبوة العامة أبدية، وقوله :وأوتينا ما لم تؤتوا على حدّ قول الخضر لموسى عليه السلام وهو أفضل منه يا موسى أنا على علم علمنيه الله تعالى لا تعلمه أنت، وهذا وجه آخر غير ما أسلفنا من قبل في توجيه هذا الكلام.
والصنف الثاني :الصديقون وهم المؤمنون بالله تعالى ورسله عن قول المخبر لا عن دليل سوى النور الإيماني الذي أعد في قلوبهم قبل وجود المصدق به المانع لها من تردد أو شك يدخلها في قول المخبر الرسول ومتعلقه في الحقيقة الإيمان بالرسول ويكون الإيمان بالله تعالى على جهة القربة لا على إثباته إذ كان بعض الصديقين قد ثبت عندهم وجود الحق جل وعلا ضرورة أو نظراً لكن ما ثبت كونه قربة وليس بين النبوة والصديقية كما قال حجة الإسلام وغيره مقام، ومن تخطى رقاب الصديقين وقع في النبوة وهي باب مغلق، وأثبت الشيخ الأكبر قدس سره مقاماً بينهما سماه مقام القربة، وهو السر الذي وقر في قلب أبي بكر رضي الله تعالى عنه المشار إليه في الحديث «فليس بين النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله تعالى عنه رجل أصلاً » لا أنه ليس بين الصديقية والنبوة مقام ولها أجزاء على عدد شعب الإيمان، وفسرها بعضهم بأنها نور أخضر بين نورين يحصل به شهود عين ما جاء به المخبر من خلف حجاب الغيب بنور الكرم وبين ذلك بما يطول.
والصنف الثالث :الشهداء تولاهم الله تعالى بالشهادة وجعلهم من المقربين، وهم أهل الحضور مع الله تعالى على بساط العلم به فقد قال سبحانه : ﴿ شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم ﴾ [ آل عمران :١٨ ] فجمعهم مع الملائكة في بساط الشهادة فهم موحدون عن حضور إلهيّ وعناية أزلية فإن بعث الله تعالى رسولاً وآمنوا به فهم المؤمنون العلماء ولهم الأجر التام يوم القيامة وإلا فليس هم الشهداء المنعم عليهم وإيمانهم بعد العلم بما قاله الله سبحانه :إن ذلك قربة إليه من حيث قاله الله سبحانه، أو قاله الرسول الذي جاء من عنده فقدم الصديق على الشهيد وجعل بإزاء النبي فإنه لا واسطة بينهما لاتصال نور الإيمان بنور الرسالة، والشهداء لهم نور العلم مساوق لنور الرسول من حيث هو شاهد لله تعالى بتوحيده لا من حيث هو رسول فلا يصح أن يكون بعده مع المساوقة لئلا تبطل ولا أن يكون معه لكونه رسولاً، والشاهد ليس به فلا بد أن يتأخر فلم يبق إلا أن يكون في الرتبة التي تلي الصديقية فإن الصديق أتم نوراً منه في الصديقية لأنه صديق من وجهين :وجه التوحيد ووجه القربة، والشهيد من وجه القربة خاصة لأن توحيده عن علم لا عن إيمان فنزل عن الصديق في مرتبة الإيمان وهو فوقه في مرتبة العلم فهو المتقدم في مرتبة العلم المتأخر برتبة الإيمان والتصديق فإنه لا يصح من العالم أن يكون صديقاً، وقد تقدم العلم مرتبة الخبر فهو يعلم أنه صادق في توحيد الله تعالى إذا بلغ رسالة الله تعالى والصديق لم يعلم ذلك إلا بنور الإيمان المعد في قلبه فعندما جاء الرسول اتبعه من غير دليل ظاهر.
والصنف الرابع :الصالحون تولاهم الله تعالى بالصلاح وهم الذين لا يدخل في علمهم بالله تعالى ولا إيمانهم به وبما جاء من عنده سبحانه خلل فإذا دخله بطل كونه صالحاً وكل من لم يدخله خلل في صديقيته فهو صالح، ولا في شهادته فهو صالح، ولا في توبته فهو صالح، ولكل أحد أن يدعو بتحصيل الصلاح له في المقام الذي يكون فيه لجواز دخول الخلل عليه في مقامه لأن الأمر اختصاص إلهي وليس بذاتي فيجوز دخول الخلل فيه، ويجوز رفعه، فصح أن يدعو الصالح بأن يجعل من الصالحين أي الذين لا يدخل صلاحهم خلل في زمان مّا، وقد ذكر أنه ما من نبي إلا وذكر أنه صالح أو أنه دعا أن يكون من الصالحين مع كونه نبياً، ومن هنا قيل :إن مرتبة الصلاح خصوص في النبوة وقد تحصل لمن ليس بنبي ولا صديق ولا شهيد.
هذا ما وقفت عليه من كلام القوم قدس الله تعالى أسرارهم، ولم أظفر بالتفصيل الذي ذكره مولانا الشيخ قدس سره فتدبر، وقد ذكر أصحابنا الرسميون أن الصديق صيغة مبالغة كالسكير بمعنى المتقدم في التصديق المبالغ في الصدق والإخلاص في الأقوال والأفعال، ويطلق على كل من أفاضل أصحاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأماثل خواصهم كأبي بكر رضي الله تعالى عنه، وأن الشهداء جمع شهيد، والمراد بهم الذين بذلوا أرواحهم في طاعة الله تعالى وإعلاء كلمته وهم المقتولون بسيف الكفار من المسلمين، وقيل :المراد بهم ههنا ما هو أعم من ذلك، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :ما تعدون الشهيد فيكم ؟ قالوا :يا رسول الله من قتل في سبيل الله تعالى فقال صلى الله عليه وسلم :إن شهداء أمتي إذاً لقليل من قتل في سبيل الله تعالى فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات مبطوناً فهو شهيد » وعد بعضهم الشهداء أكثر من ذلك بكثير، وقيل :الشهيد هو الذي يشهد لدين الله تعالى تارة بالحجة والبيان، وأخرى بالسيف والسنان، وزعم النيسابوري أنه لا يبعد أن يدخل كل هذه الأمة في الشهداء لقوله تعالى :
﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس ﴾ [ البقرة :١٤٣ ] وليس بشيء كما لا يخفى، وأن المراد بالصالحين الصارفين( ١ ) أعمارهم في طاعة الله تعالى وأموالهم في مرضاته سبحانه، ويقال :الصالح هو الذي صلحت حاله واستقامت طريقته. «والمصلح هو الفاعل لما فيه ( الصلاح ) قال الطبرسي :ولذا يجوز أن يقال :مصلح في حق الله تعالى دون صالح »، وليس المراد بالمعية اتحاد الدرجة ولا مطلق الاشتراك في دخول الجنة بل كونهم فيها بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وزيارته متى أراد وإن بعدت المسافة بينهما، وذكر غير واحد أنه لا مانع من أن يرفع الأدنى إلى منزلة الأعلى
١ - قوله: (الصارفين) كذا بخطه اهـ مصححه..
﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما ثبت للمطيعين من جميع ما تقدم، أو إلى فضل هؤلاء المنعم عليهم ومزيتهم وهو مبتدأ، وقوله سبحانه : ﴿ الفضل ﴾ صفة، وقوله تعالى : ﴿ مِنَ الله ﴾ خبره أي ذلك الفضل العظيم كائن من الله تعالى لا من غيره، وجوز أبو البقاء أن يكون ﴿ الفضل ﴾ هو الخبر، و ﴿ مِنَ الله ﴾ متعلق بمحذوف وقع حالاً منه ؛ والعامل فيه معنى الإشارة، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً أي ذلك الذي ذكر الفضل كائناً، أو كائن من الله تعالى لا أن أعمال العباد توجبه ﴿ وكفى بالله عَلِيماً ﴾ بثواب من أطاعه وبمقادير الفضل واستحقاق أهله بمقتضى الوعد فثقوا بما أخبركم به ﴿ وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ [ فاطر :١٤ ]. وقيل :وكفى به سبحانه عليماً بالعصاة والمطيعين والمنافقين والمخلصين ومن يصلح لمرافقة هؤلاء ومن لا يصلح.
﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ أي عدتكم من السلاح قاله مقاتل وهو المروي عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه، وقيل :الحذر مصدر كالحذر، وهو الاحتراز عما يخاف فهناك الكناية والتخييل بتشبيه الحذر بالسلاح وآلة الوقاية، وليس الأخذ مجازاً ليلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز في قوله سبحانه : ﴿ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ﴾ [ النساء :١٠٢ ] إذ التجوز في الإيقاع، وقد صرح المحققون بجواز الجمع فيه، والمعنى استعدوا لأعدائكم أو تيقظوا واحترزوا منهم ولا تمكنوهم من أنفسكم ﴿ فانفروا ﴾ بكسر الفاء، وقرىء بضمها أي :أخرجوا إلى قتال عدوكم والجهاد معه عند خروجكم، وأصل معنى النفر الفزع كالنفرة، ثم استعمل فيما ذكر ﴿ ثُبَاتٍ ﴾ جمع ثبة وهي الجماعة من الرجال فوق العشرة، وقيل :فوق الاثنين، وقد تطلق على غير الرجال ومنه قول عمرو بن كلثوم :
فأما يوم خشيتنا عليهم فتصبح خيلنا عصباً ( ثباتاً )
ووزنها في الأصل فعلة كحطمة حذفت لامها وعوض عنها هاء التأنيث وهل هي واو من ثبا يثبو، كعدى يعدو أي اجتمع، أو ياء من ثبيت على فلان بمعنى أثنيت عليه بذكر محاسنه وجمعها ؟ قولان، وثبة الحوض وسطه واوية، وهي من ثاب يثوب إذا رجع، وقد جمع جمع المؤنث، وأعرب إعرابه على اللغة الفصيحة، وفي لغة ينصب بالفتح، وقد جمع أيضاً جمع المذكر السالم فيقال :ثبون، وقد اطرد ذلك فيما حذف آخره وإن لم يستوف الشروط جبراً له، وفي ثائه حينئذٍ لغتان :الضم والكسر، والجمع هنا في موضع الحال أي انفروا جماعات متفرقة جماعة بعد جماعة ﴿ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ أي مجتمعين جماعة واحدة، ويسمى الجيش إذا اجتمع ولم ينتشر كتيبة، وللقطعة المنتخبة المقتطعة منه سرية، وعن بعضهم أنها التي تخرج ليلاً وتعود إليه وهي من مائة إلى خمسمائة، أو من خمسة أنفس إلى ثلثمائة وأربعمائة، وما زاد على السرية منسر كمجلس ومنبر إلى الثمانمائة فإن زاد يقال له :جيش إلى أربعة آلاف، فإن زاد يسمى جحفلاً ويسمى الجيش العظيم خميساً وما افترق من السرية بعثاً وقد تطلق السرية على مطلق الجماعة، والآية وإن نزلت في الحرب لكن فيها إشارة إلى الحث على المبادرة إلى الخيرات كلها كيفما أمكن قبل الفوات.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ من أنفسكم فإنها أعدى أعدائكم ﴿ فانفروا ثُبَاتٍ ﴾ أسلكوا في سبيل الله تعالى جماعات كل فرقة على طريقة شيخ كامل ﴿ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ [ النساء :٧١ ] في طريق التوحيد والإسلام واتبعوا أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخلقوا بأخلاقه
﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ ﴾ أي ليتثاقلنّ وليتأخرنّ عن الجهاد من بطأ بمعنى أبطأ كعتم بمعنى أعتم إذا أبطأ، والخطاب لعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمنيهم ومنافقيهم والمبطئون هم المنافقون منهم، وجوز أن يكون منقولاً لفظاً ومعنى من بطؤ نحو ثقل من ثقل، فيراد ليبطئن غيره وليثبطنه عن الجهاد كما ثبط ابن أبي ناساً يوم أحد، ( والأنسب( ١ ) بما بعده )، واللام الأولى :لام التأكيد التي تدخل على خبر إن أو اسمها إذا تأخر، والثانية :جواب قسم، وقيل :«زائدة، وجملة القسم وجوابه صلة الموصول وهما كشيء واحد فلا يرد أنه لا رابطة في جملة القسم كما لا يرد أنها إنشائية فلا تقع صلة لأن المقصود الجواب، وهو خبري فيه عائد، ولا يحتاج إلى تقدير أقسم على صيغة الماضي ليعود ضميره إلى المبطىء بل هو خلاف الظاهر. وجوز في مَنْ أن تكون موصوفة، والكلام في الصفة كالكلام في الصلة، وهذه الجملة قيل :عطف على ﴿ خُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ [ النساء :٧١ ] عطف القصة على القصة ؛ وقيل :إنها معترضة إلى قوله سبحانه : ﴿ فَلْيُقَاتِلْ ﴾ [ النساء :٧٤ ] وهو عطف على ﴿ خُذُواْ ﴾، وقرىء ﴿ لَّيُبَطئَنَّ ﴾ بالتخفيف.
﴿ فَإِنْ أصابتكم مُّصِيبَةٌ ﴾ من العدو كقتل وهزيمة ﴿ قَالَ ﴾ أي المبطىء فرحاً بما فعل وحامداً لرأيه ﴿ قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَىَّ ﴾ بالقعود ﴿ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً ﴾ حاضراً معهم في المعركة فيصيبني مثل الذي أصابهم من البلاء والشدة، وقيل :يحتمل أن يكون المعنى إذ لم أكن مع شهدائهم شهيداً، أو لم أكن معهم في معرض الشهادة، فالإنعام هو النجاة عن القتل وخوفه عبر عنه بالشهادة تهكماً ولا يخفى بعده، والفاء في الشرطية لترتيب مضمونها على ما قبلها فإن ذكر التبطئة مستتبع لذكر ما يترتب عليها كما أن نفس التبطئة مستدعية لشيء ينتظر المبطىء وقوعه.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ ﴾ أي ليثبطن المجاهدين المرتاضين ﴿ فَإِنْ أصابتكم مُّصِيبَةٌ ﴾ شدة في السير ﴿ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَىَّ ﴾ [ النساء :٧٢ ] حيث لم أفعل كما فعلوا
١ - قوله: "والأنسب" بما بعده كذا بخطه، وتاء له.
﴿ وَلَئِنْ أصابكم فَضْلٌ ﴾ كفتح وغنيمة ﴿ مِنَ الله ﴾ متعلق بأصابكم أو بمحذوف وقع صفة لفضل، وفي نسبة إصابة الفضل إلى ( جانب ) الله تعالى دون إصابة المصيبة تعليم لحسن الأدب مع الله تعالى وإن كانت المصيبة فضلاً في الحقيقة، وتقديم الشرطية الأولى لما أن مضمونها لمقصدهم أوفق، وأثر نفاقهم فيها أظهر ﴿ لَّيَقُولَنَّ ﴾ ندامة على تثبطه وتهالكاً على حطام الدنيا وحسرة على فواته، وفي تأكيد القول دلالة على فرط التحسر المفهوم من الكلام ولم يؤكد القول الأول، وأتى به ماضياً إما لأنه لتحققه غير محتاج إلى التأكيد أو لأن العدول عن المضارع للماضي تأكيد، وقرأ الحسن ( ليقولن ) بضم اللام مراعاة لمعنى ( من ) وذلك شائع سائغ.
وقوله تعالى : ﴿ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ من كلامه تعالى اعتراض بين القول ومقوله الذي هو. ﴿ ياليتنى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾ لئلا يتوهم من مطلع كلامه أن تمنيه المعية للنصرة والمظاهرة حسبما يقتضيه ما في البين من المودة بل هو للحرص على حطام الدنيا كما ينطق به آخره فإن الفوز العظيم الذي عناه هو ذلك، وليس إثبات المودة في البين بطريق التحقيق بل بطريق التهكم، وقيل :الجملة التشبيهية حال من ضمير يقولن، أي ليقولن مشبهاً بمن لا مودة بينكم وبينه حيث لم يتمن نصرتكم ومظاهرتكم، وقيل :هي من كلام المبطىء داخلة كجملة التمني في المقول أي ليقولن المبطىء لمن يثبطه من المنافقين وضعفة المؤمنين كأن لم تكن بينكم وبين محمد صلى الله عليه وسلم مودة حيث لم يستصحبكم معه في الغزو حتى تفوزوا بما فاز به المستصحبون يا ليتني كنت معهم الخ، وغرضه إلقاء العداوة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأكيدها، وإلى ذلك ذهب الجبائي، وذهب أبو علي الفارسي والزجاج وتبعه الماتريدي إلى أنها متصلة بالجملة الأولى أعني قال :قد أنعم الخ أي قال :ذلك كأن لم يكن الخ ورده الراغب والأصفهاني بأنها إذا كانت متصلة بالجملة الأولى فكيف يفصل بها بين أبعاض الجملة الثانية ومثله مستقبح، واعتذر بأن مرادهم أنها معترضة بين أجزاء هذه الجملة ومعناها صريحاً متعلق بالأولى وضمناً بهذه، و ﴿ كَانَ ﴾ مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وهو محذوف، وقيل :إنها لا تعمل إذا خففت.
وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ورويس عن يعقوب ﴿ تَكُنْ ﴾ بالتاء لتأنيث لفظ المودة، والباقون يكن بالياء للفصل ولأنها بمعنى الودّ، والمنادى في ﴿ ياويلتا لَيْتَنِى ﴾ عند الجمهور محذوف أي يا قومي، وأبو علي يقول في نحو هذا :ليس في الكلام منادي محدوف بل تدخل يا خاصة على الفعل والحرف لمجرد التنبيه، ونصب أفوز على جواب التمني، وعن يزيد النحوي والحسن ﴿ فَأَفُوزَ ﴾ بالرفع على تقدير فأنا أفوز في ذلك الوقت، أو العطف على ( خبر ليت فيكون داخلاً في ) التمني.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ وَلَئِنْ أصابكم فَضْلٌ مِنَ الله ﴾ مواهب غيبية وعلوم لدنية ومراتب سنية وقبول عند الخواص والعوام ﴿ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ أي حسداً لكم ﴿ مَوَدَّةٌ ياليتنى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ ﴾ دونهم ﴿ فَوْزاً عَظِيماً ﴾ [ النساء :٧٣ ] وأنال ذلك وحدي
﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ الله الذين يَشْرُونَ الحياة الدنيا بالاخرة ﴾ الموصول فاعل الفعل وقدم المفعول الغير الصريح عليه للاهتمام به، و ﴿ يَشْرُونَ ﴾ مضارع شرى، ويكون بمعنى باع واشترى من الأضداد، فإن كان بمعنى يشترون فالمراد من الموصول المنافقون أمروا بترك النفاق والمجاهدة مع المؤمنين، والفاء للتعقيب أي ينبغي بعد ما صدر منهم من التثبيط والنفاق تركه وتدارك ما فات من الجهاد بعد، وإن كان بمعنى يبيعون فالمراد منه المؤمنون الذين تركوا الدنيا واختاروا الآخرة أمروا بالثبات على القتال وعدم الالتفات إلى تثبيط المبطئين، والفاء جواب شرط مقدر أي إن صدهم المنافقون فليقاتلوا ولا يبالوا. ﴿ وَمَن يقاتل فِى سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ ﴾ ولا بدّ، وفي الالتفات مزيد التفات ﴿ أَجْراً عَظِيماً ﴾ لا يكاد يعلم كمية وكيفية ؛ وفي تعقيب القتال بما ذكر تنبيه على أن المجاهد ينبغي أن يكون همه أحد الأمرين إما إكرام نفسه بالقتل والشهادة، أو إعزاز الدين وإعلاء كلمة الله تعالى بالنصر ولا يحدث نفسه بالهرب بوجه، ولذا لم يقل :فيغلب، ﴿ أَو يَغْلِبْ ﴾ وتقديم القتل للإيذان بتقدمه في استتباع الأجر، وفي الآية تكذيب للمبطىء بقوله : ﴿ قَدْ أَنْعَمَ الله ﴾ [ النساء :٧٢ ] الخ.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ وَمَن يقاتل ﴾ نفسه ﴿ فِى سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ ﴾ بسيف الصدق ﴿ أَو يَغْلِبْ ﴾ عليها بالظفر لتسلم على يده ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ [ النساء :٧٤ ] وهو الوصول إلينا
﴿ وَمَا لَكُمْ ﴾ خطاب للمأمورين بالقتال على طريقة الالتفات مبالغة في التحريض والحث عليه وهو المقصود من الاستفهام، و ﴿ مَا ﴾ مبتدأ و ﴿ لَكُمْ ﴾ خبره، وقوله تعالى : ﴿ لاَ تقاتلون * فِى سَبِيلِ الله ﴾ في موضع الحال والعامل فيها الاستقرار، أو الظرف لتضمنه معنى الفعل ( والاستفهام للإنكار والنفي ) أي أيّ شيء لكم غير مقاتلين والمراد لا عذر لكم في ترك المقاتلة ﴿ والمستضعفين ﴾ إما عطف على الاسم الجليل أي في سبيل المستضعفين وهو تخليصهم عن الأسر وصونهم عن العدو وهو المروي عن ابن شهاب واستبعد بأن تخليصهم سبيل الله تعالى لا سبيلهم، وفيه أنه وإن كان سبيل الله عز اسمه له نوع اختصاص بهم فلا مانع من إضافته إليهم ؛ واحتمال أن يراد بالمقاتلة في سبيلهم المقاتلة في فتح طريق مكة إلى المدينة ودفع سد المشركين إياه ليتهيأ خروج المستضعفين مستضعف جداً، وإما عطف على ( سبيل ) بحذف مضاف، وإليه ذهب المبرد أي وفي خلاص المستضعفين، ويجوز نصبه بتقدير أعني أو أخص فإن سبيل الله تعالى يعم أبواب الخير وتخليص المستضعفين من أيدي المشركين من أعظمها وأخصها، ومعنى المستضعفين الذين طلب المشركون ضعفهم وذلهم أو الضعفاء منهم والسين للمبالغة
﴿ مِنَ الرجال والنساء والولدان ﴾ بيان للمستضعفين وهم المسلمون الذين بقوا بمكة لمنع المشركين لهم من الخروج، أو ضعفهم عن الهجرة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كنت أنا وأمي من المستضعفين، وقد ذكر أن منهم سلمة بن هشام، والوليد بن الوليد وأبا جندل بن سهيل، وإنما ذكر الولدان تكميلاً للاستعطاف والتنبيه على تناهي ظلم المشركين، والإيذان بإجابة الدعاء الآتي واقتراب زمان الخلاص وفي ذلك مبالغة في الحث على القتال. ومن هنا يعلم أن الآية لا تصلح دليلاً على صحة إسلام الصبي بناءاً على أنه لولا ذلك لما وجب تخليصهم على أن في انحصار وجوب التخليص في المسلم نظراً لأن صبي المسلم يتوقع إسلامه فلا يبعد وجوب تخليصه لينال مرتبة السعداء، وقيل :المراد بالولدان العبيد والإماء وهو على الأول :جمع وليد ووليدة بمعنى صبي وصبية وقيل :إنه جمع ولد كورل وورلال، وعلى الثاني :كذلك أيضاً إلا أن الوليد والوليدة بمعنى العبد والجارية. وفي «الصحاح » :الوليد الصبي والعبد والجمع ولدان، والوليدة الصبية والأمة والجمع ولائد، فالتعبير بالولدان على طريق التغليب ليشمل الذكور والإناث.
﴿ الذين ﴾ في محل جر على أنه صفة للمستضعفين، أو لما في حيز البيان، وجوز أن يكون نصباً بإضمار فعل أي أعني أو أخص الذين. ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هذه القرية الظالم أَهْلُهَا ﴾ بالشرك الذي هو ظلم عظيم، وبأذية المؤمنين ومنعهم عن الهجرة والوصف صفة قرية وتذكيره لتذكير ما أسند إليه فإن اسم الفاعل والمفعول إذا أجري على غير من هو له فتذكيره وتأنيثه على حسب الاسم الظاهر الذي عمل فيه، ولم ينسب الظلم إليها مجازاً كما في قوله تعالى :
﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ﴾ [ القصص :٥٨ ] وقوله سبحانه : ﴿ ضَرَبَ الله مَثَلاً * قَرْيَةً كَانَتْ ءامِنَةً ﴾ إلى قوله عز وجل : ﴿ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله ﴾ [ النحل :١١٢ ] لأن المراد بها مكة كما قال ابن عباس والحسن والسدي وغيرهم، فوُقرت عن نسبة الظلم إليها تشريفاً لها شرفها الله تعالى.
﴿ واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً ﴾ يلي أمرنا حتى يخلصنا من أيدي الظلمة، وكلا الجارين متعلق باجعل لاختلاف معنييهما. وتقديمهما على المفعول الصريح لإظهار الاعتناء بهما وإبراز الرغبة في المؤخر بتقديم أحواله، وتقديم اللام على ﴿ مِنْ ﴾ للمسارعة إلى إبراز كون المسؤول نافعاً لهم مرغوباً فيه لديهم، وجوز أن يكون ﴿ مِن لَّدُنْكَ ﴾ متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من ﴿ وَلِيّاً ﴾ وكذا الكلام في قوله تعالى : ﴿ واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً ﴾ أي حجة ثابتة قاله عكرمة ومجاهد، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما :المراد وَلّ علينا والياً من المؤمنين يوالينا ويقوم بمصالحنا ويحفظ علينا ديننا وشرعنا وينصرنا على أعدائنا، ولقد استجاب الله تعالى شأنه دعاءهم حيث يسر لبعضهم الخروج إلى المدينة وجعل لمن بقي منهم خير وليّ وأعز ناصر، ففتح مكة على يدي نبيه صلى الله عليه وسلم فتولاهم أي تولّ، ونصرهم أيّ نصرة، ثم استعمل عليهم عتاب ابن أسيد وكان ابن ثماني عشرة سنة فحماهم ونصرهم حتى صاروا أعز أهلها، وقيل :المراد اجعل لنا من لدنك ولاية ونصرة أي كن أنت ولينا وناصرنا. وتكرير الفعل ومتعلقيه للمبالغة في التضرع والابتهال.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تقاتلون فِى سَبِيلِ الله والمستضعفين ﴾ خلاص ﴿ المستضعفين مِنَ الرجال ﴾ العقول ﴿ والنساء ﴾ الأرواح ﴿ والولدان ﴾ القوى الروحانية ﴿ الذين يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هذه القرية ﴾ وهي قرية البدن ﴿ الظالم أَهْلُهَا ﴾ وهي النفس الأمارة ﴿ واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً ﴾ يلي أمورنا ويرشدنا ﴿ واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً ﴾ [ النساء :٧٥ ] ينصرنا على من ظلمنا وهو الفيض الأقدس، نسأل الله تعالى ذلك بمنه وكرمه.
﴿ الذين ءامَنُواْ يقاتلون فِى سَبِيلِ الله ﴾ كلام مستأنف سيق لتشجيع المؤمنين وترغيبهم في الجهاد أي المؤمنون إنما يقاتلون في دين الله تعالى الموصل لهم إليه عز وجل وفي إعلاء كلمته فهو وليهم وناصرهم لا محالة. ﴿ والذين كَفَرُواْ يقاتلون فِى سَبِيلِ الطاغوت ﴾ فيما يبلغ بهم إلى الشيطان وهو الكفر فلا ناصر لهم سواه ﴿ فقاتلوا ﴾ يا أولياء الله تعالى إذا كان الأمر كذلك. ﴿ أَوْلِيَاء الشيطان ﴾ جميع الكفار فإنكم تغلبونهم. ﴿ إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً ﴾ في حد ذاته فكيف بالقياس إلى قدرة الله تعالى الذي يقاتلون في سبيله وهو سبحانه وليكم، ولم يتعرض لبيان قوة جنابه تعالى إيذاناً بظهورها، وفائدة ﴿ كَانَ ﴾ التأكيد ببيان أن كيده مذ كان ضعيف، وقيل :هي بمعنى صار أي صار ضعيفاً بالإسلام، وقيل :إنها زائدة وليس بشيء.
( هذا ومن باب الإشارة ) :في هذه الآيات : ﴿ الذين ءامَنُواْ يقاتلون ﴾ أنفسهم ﴿ فِى سَبِيلِ الله ﴾ فيهلكونها بسيوف المجاهدة ليصلوا إليه تعالى شأنه : ﴿ والذين كَفَرُواْ يقاتلون ﴾ عقولهم وينازعونها ﴿ فِى سَبِيلِ ﴾ طاغوت أنفسهم ليحصلوا اللذات ويغنموا في هذه الدار الفانية أمتعة الشهوات ﴿ فقاتلوا أَوْلِيَاء الشيطان ﴾ وهي القوى النفسانية أو النفس وقواها
﴿ إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً ﴾ [ النساء :٧٦ ] فوليه ضعيف عاذ بقرملة
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ ﴾ نزلت كما قال الكلبي في عبد الرحمن بن عوف الزهري والمقداد بن الأسود الكندي وقدامة بن مظعون الجمحي وسعد بن أبي وقاص كان يلقون من المشركين أذى شديداً وهم بمكة قبل الهجرة فيشكون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون :ائذن لنا يا رسول الله في قتال هؤلاء فإنهم قد آذونا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول :كفوا أيديكم وامسكوا عن القتال فإني لم أومر بذلك، وفي رواية :إني أمرت بالعفو. ﴿ وَأَقِيمُواْ الصلاة وَءاتُواْ الزكواة ﴾ واشتغلوا بما أمرتم به، ولعل أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تنبيهاً على أن الجهاد مع النفس مقدم وما لم يتمكن المسلم في الانقياد لأمر الله تعالى بالجود بالمال لا يكاد يتأتى منه الجود بالنفس، والجود بالنفس أقصى غاية الجود، وبناء القول للمفعول مع أن القائل هو النبي صلى الله عليه وسلم لأن المقصود والمعتبر في التعجيب المشار إليه في صدر الكلام إنما هو كمال رغبتهم في القتال وكونهم بحيث احتاجوا إلى النهي عنه، وإنما ذكر في حيز الصلة الأمر بكف الأيدي لتحقيقه وتصويره بطريق الكناية فلا يتعلق ببيان خصوصية الآمر غرض، وقيل :للإيذان بكون ذلك بأمر الله تعالى :
﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال ﴾ وأمروا به بعد أن هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ﴿ إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَخْشَوْنَ الناس ﴾ أي الكفار أن يقتلوهم، وذلك لما ركز في طباع البشر من خوف الهلاك ﴿ كَخَشْيَةِ الله ﴾ أي كما يخشون الله تعالى أن ينزل عليهم بأسه، والفاء عاطفة وما بعدها عطف على ﴿ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ ﴾ باعتبار معناه الكنائي إذ حينئذ يتحقق التباين بين مدلولي المعطوفين، وعليه يدور أمر التعجيب كأنه قيل :ألم تر إلى الذين كانوا حراصاً على القتال فلما كتب عليهم كرهه بمقتضى البشرية جماعة منهم، وتوجيه التعجيب إلى الكل مع أن تلك الكراهة إنما كانت من البعض للإيذان بأنه ما كان ينبغي أن يصدر من أحدهم ما ينافي حالته الأولى، و ﴿ إِذَا ﴾ للمفاجأة وهي ظرف مكان، وقيل :زمان وليس بشيء، وفيها تأكيد لأمر التعجيب، و ﴿ فَرِيقٌ ﴾ مبتدأ، و ﴿ مِنْهُمْ ﴾ صفته، و ﴿ يَخْشَوْنَ ﴾ خبره، وجوز أن يكون صفة أيضاً أو حالاً، والخبر ﴿ إِذَا ﴾ و ﴿ كَخَشْيَةِ الله ﴾ في موضع المصدر أي خشية كخشية الله، وجوز أن يكون حالاً من فاعل ﴿ يَخْشَوْنَ ﴾ ويقدر مضاف أي حال كونهم مثل أهل خشية الله تعالى أي مشبهين بأهل خشيته سبحانه، وقيل وفيه بعد إنه حال من ضمير مصدر محذوف أي يخشونها الناس كخشية الله ﴿ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ عطف عليه إن جعلته حالاً أي أنهم :أشد خشية من أهل خشية الله، بمعنى أن خشيتهم أشد من خشيتهم، ولا يعطف عليه على تقدير المصدرية على ما قيل بناءاً على أن ﴿ خَشْيَةَ ﴾ منصوب على التمييز وعلى أن التمييز متعلق الفاعلية، وأن المجرور بمن التفضيلية يكون مقابلاً للموصوف بأفعل التفضيل فيصير المعنى إن خشيتهم أشدّ من خشية غيرهم، ويؤل إلى أن خشية خشيتهم أشدّ، وهو غير مستقيم اللهم إلا على طريقة جدّ جده على ما ذهب إليه أبو علي وابن جني ويكون كقولك :زيد جدّ جدّاً بنصب جدّاً على التمييز لكنه بعيد، بل يعطف على الاسم الجليل فهو مجرور بالفتحة لمنع صرفه، والمعنى يخشون الناس خشية كخشية الله، أو خشية كخشية أشدّ خشية منه تعالى ولكن على سبيل الفرض إذ لا أشدّ خشية عند المؤمنين من الله تعالى، ويؤل هذا إلى تفضيل خشيتهم على سائر الخشيات إذا فصلت واحدة، وذكر ابن الحاجب أنه يجوز أن يكون هذا العطف من عطف الجمل أي يخشون الناس كخشية الناس، أو يخشون أشدّ خشية على أن الأول :مصدر والثاني :حال، وقيل عليه :إن حذف المضاف أهون من حذف الجملة وأوفى بمقتضى المقابلة وحسن المطابقة ؛ وجوز أن يكون ﴿ خَشْيَةَ ﴾ منصوباً على المصدرية و ﴿ أَشَدَّ ﴾ صفة له قدمت عليه، فانتصب على الحالية، وذكر بعضهم أن التمييز بعد اسم التفضيل قد يكون نفس ما انتصب عنه نحو :
﴿ فالله خَيْرٌ حافظاً ﴾ [ يوسف :٦٤ ] فإن الحافظ هو الله تعالى كما لو قلت :الله خير حافظ بالجر، وحينئذ لا مانع من أن تكون الخشية نفس الموصوف ولا يلزم أن يكون للخشية خشية بمنزلة أن يقال :أشد خشية بالجر، والقول بأن جواز هذا فيما إذا كان التمييز نفس الموصوف بحسب المفهوم واللفظ محل نظر محل نظر، إذ اتحاد اللفظ مع حذف الأول ليس فيه كبير محذور. وهذا إيراد قوي على ما قيل، وقد نقل ابن المنير عن «الكتاب » ما يعضده فتأمل، و ﴿ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ﴾ قيل :للتنويع، وقيل :للإبهام على السامع، وقيل :للتخيير، وقيل :بمعنى الواو، وقيل :بمعنى بل
﴿ وَقَالُواْ ﴾ عطف على جواب لما أي :فلما كتب عليهم القتال فاجأ بعضهم بألسنتهم أو بقلوبهم، وحكاه الله تعالى عنهم على سبيل تمني التخفيف لا الاعتراض على حكمه تعالى، والإنكار لإيجابه ولذا لم يوبخوا عليه ﴿ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال ﴾ في هذا الوقت. ﴿ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ وهو الأجل المقدر ؛ ووصف بالقريب للاستعطاف أي أنه قليل لا يمنع من مثله، والجملة كالبيان لما قبلها ولذا لم تعطف عليه، وقيل :إنما لم تعطف عليه للإيذان بأنهما مقولان مستقلان لهم، فتارة قالوا الجملة الأولى، وتارة الجملة الثانية، ولو عطفت لتبادر أنهم قالوا مجموع الكلامين بعطف الثانية على الأولى ﴿ قُلْ ﴾ أي تزهيداً لهم فيما يؤملونه بالقعود عن القتال والتأخير إلى الأجل المقدر من المتاع الفاني وترغيباً فيما ينالونه بالقتال من النعيم الباقي ﴿ متاع الدنيا ﴾ أي جميع ما يستمتع به وينتفع في الدنيا ﴿ قَلِيلٌ ﴾ في نفسه سريع الزوال وهو أقل قليل بالنسبة إلى ما في الآخرة ﴿ والاخرة ﴾ أي ثوابها المنوط بالأعمال التي من جملتها القتال ﴿ خَيْرٌ ﴾ لكم من ذلك المتاع القليل لكثرته وعدم انقطاعه وصفائه عن الكدورات، وفي اختلاف الأسلوب ما لا يخفى، وإنما قال سبحانه : ﴿ لِمَنِ اتقى ﴾ حثاً لهم وترغيباً على الاتقاء والإخلال بموجب التكليف.
وقيل :المراد أن نفس الآخرة خير ولكن للمتقين، لأن للكافر والعاصي هنالك نيراناً وأهوالاً، ولذا قيل :الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، ولا يخفى أن الأول أنسب بالسياق ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ عطف على مقدر أي تجزون فيها ولا تبخسون هذا المقدار اليسير فضلاً عما زاد من ثواب أعمالكم فلا ترغبوا عن القتال الذي هو من غرورها، وقرأ ابن كثير وكثير ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ ﴾ بالياء إعادة للضمير إلى ظاهر من.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين قِيلَ لَهُمْ ﴾ أي قال لهم المرصدون ﴿ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ ﴾ عن خاربة الأنفس الآن قبل أداء رسوم العبادات ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا ﴾ والمراد بها إتعاب البدن بأداء العبادة البدنية ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا ﴾ والمراد بها إتعاب القلب بأداء العبادة المالية فإذا تم لكم ذلك فتوجهوا إلى محاربة النفس فإن محاربتها قبل ذلك بغير سلاح، فإن هذه العبادات الرسمية سلاح السالكين فلا يتم لأحد تهذيب الباطن قبل إصلاح الظاهر ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال ﴾ حين أداء ما أمروا بأدائه ﴿ إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ ﴾ لضعف استعدادهم ﴿ يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ فلا يستطيعون هجرهم، ولا ارتكاب ما فيه ذل نفوسهم خشية اعتراضهم عليهم، أو إعراضهم عنهم، ﴿ وَقَالُواْ ﴾ بلسان الحال : ﴿ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال ﴾ الآن ﴿ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ وهو الموت الاضطراري، فالمنية ولا الدنية، وهذا حال كثير من الناسكين يرغبون عن السلوك وتحمل مشاقه مما فيه إذلال نفوسهم وامتهانها خوفاً من الملامة، واعتراض الناس عليهم فيبقون في حجاب أعمالهم ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً ولبئس ما كانوا يصنعون ﴿ قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ ﴾ فلا ينبغي أن يلاحظوا الناس في تركه وعدم الالتفات إليه ﴿ والاخرة خَيْرٌ لّمَنِ اتقى ﴾ فينبغي أن يتحملوا الملامة في تحصيلها ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ [ النساء :٧٧ ] مما كتب لكم فينبغي عدم خشية سوى الله تعالى
﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت ﴾ يحتمل أن يكون ابتداء كلام مسوق من قبله تعالى بطريق تلوين الخطاب وصرفه عن سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم إلى ما ذكر أولاً اعتناءاً بإلزامهم إثر بيان حقارة الدنيا وفخامة الآخرة بواسطته صلى الله عليه وسلم فلا محل للجملة من الإعراب، ويحتمل أن يكون داخلاً في حيز القول المأمور به، فمحل الجملة النصب، وجعل غير واحد ما تقدم جواباً للجملة الأولى من قولهم، وهذا جواباً للثانية منه، فكأنه لما قالوا : ﴿ لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال ﴾ ؟ أجيبوا ببيان الحكمة بأنه كتب عليكم ليكثر تمتعكم ويعظم نفعكم لأنه يوجب تمتع الآخرة، ولما قالوا : ﴿ لَوْلا أَخَّرْتَنَا ﴾ [ النساء :٧٧ ] ؟ ! الخ أجيبوا بأنه :أينما تكونوا في السفر أو في الحضر يدرككم الموت لأن الأجل مقدر فلا يمنع عنه عدم الخروج إلى القتال، وفي التعبير بالإدراك إشعار بأن القوم لشدة تباعدهم عن أسباب الموت وقرب وقت حلوله إليهم بممر الأنفاس والآنات كأنهم في الهرب منه وهو مجد في طلبهم لا يفتر نفساً واحداً في التوجه إليهم، وقرأ طلحة بن سليمان ﴿ يُدْرِككُّمُ ﴾ بالرفع، واختلف في تخريجه فقيل :إنه على حذف الفاء كما في قوله على ما أنشده سيبويه :
من يفعل الحسنات الله يشكرها والشر بالشر عند الله ( مثلان )
وظاهر كلام «الكشاف » الاكتفاء بتقدير الفاء، وقدر بعضهم مبتدأ معها أي فأنتم يدرككم، وقيل :هو مؤخر من تقديم، وجواب الشرط محذوف أي يدرككم الموت أينما تكونوا يدرككم واعترض بأن هذا إنما يحسن فيما إذا كان ما قبله طالباً له كما في قوله :
يا أقرع بن حابس يا أقرع إنك إن ( يصرع أخوك تصرع )
أو فيما إذا لم تكن الأداة اسم شرط، وأجيب بأن الشرط الأول :وإن نقل عن سيبويه إلا أنه نقل عنه أيضاً الإطلاق، والشرط الثاني :لم يعول عليه المحققون، وقيل :إن الرفع على توهم كون الشرط ماضياً فإنه حينئذ لا يجب ظهور الجزم في الجواب لأن الأداة لما لم يظهر أثرها في القريب لم يجب ظهوره في البعيد وما قيل عليه من أن كون الشرط ماضياً والجزاء مضارعاً إنما يحسن في كلمة أن لقلبها الماضي إلى معنى الاستقبال فلا يحسن أينما كنتم يدرككم الموت إلاعلى حكاية الماضي وقصد الاستحضار فيه نظر، نعم يرد عليه أن فيه تعسفاً إذ التوهم كما قال ابن المنير أن يكون ما يتوهم هو الأصل، أو مما كثر في الاستعمال حتى صار كالأصل، وما توهم هنا ليس كذلك، وقيل :إن ﴿ يُدْرِككُّمُ ﴾ كلام مبتدأ و ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ ﴾ متصل ب
﴿ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ [ النساء :٧٧ ]، واعترض كما قال الشهاب :بأنه ليس بمستقيم معنى وصناعة، أما الأول :فلأنه لا يناسب اتصاله بما قبله لأن ﴿ لاَ تُظْلَمُونَ * فَتِيلاً ﴾ المراد منه في الآخرة فلا يناسبه التعميم، وأما الثاني :فلأنه يلزم عليه عمل ما قبل اسم الشرط فيه وهو غير صحيح لصدارته، وأجيب عن الأول :بأنه لا مانع من تعميم :ولا تظلمون للدنيا والآخرة أو يكون المعنى لا ينقصون شيئاً من مدة الأجل المعلوم لا من الأجود وبه ينتظم الكلام، وعن الثاني :بأن المراد من الاتصال بما قبله كما قال الحلبي والسفاقسي اتصاله به معنى لا عملاً على أن ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ ﴾ شرط جوابه محذوف تقديره :لا تظلمون وما قبله دليل الجواب، وأنت تعلم أن هذا التخريج وإن التزم الذب عنه بما ترى خلاف الظاهر المنساق إلى الذهن، وأولى التخريجات أنه على حذف الفاء وهو الذي اختاره المبرد، والقول بأن الحذف ضرورة في حيز المنع
﴿ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ ﴾ أي قصور، قاله مجاهد وقتادة وابن جريج، وعن السدي والربيع رضي الله تعالى عنهم أنها قصور في السماء الدنيا، وقيل :المراد بها بروج السماء المعلومة، وعن أبي علي الجبائي أنها البيوت التي فوق القصور، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما :إنها الحصون والقلاع وهي جمع ج وأصله من التبرج وهو الإظهار، ومنه تبرجت المرأة إذا أظهرت حسنها ﴿ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ أي مطلية بالشيد وهو الجص قال عكرمة أو مطولة بارتفاع قاله الزجاج فهو من شيد البناء إذا رفعه ؛ وقرأ مجاهد ﴿ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ بفتح الميم وتخفيف الياء كما في قوله تعالى : ﴿ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴾ [ الحج :٤٥ ] وقرأ أبو نعيم بن ميسرة ﴿ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ بكسر الياء على التجوز ك ﴿ عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ﴾ وقصيدة شاعرة، والجملة معطوفة على أخرى مثلها أي لو لم تكونوا في بروج ولو كنتم الخ، وقد اطرد الحذف في مثل ذلك لوضوح الدلالة
﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِ الله وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ ﴾ نزلت على ما روي عن الحسن. وابن زيد في اليهود وذلك أنهم كانوا قد بسط عليهم الرزق فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فدعاهم إلى الإيمان فكفروا أمسك عنهم بعض الإمساك فقالوا :ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا مذ قدم علينا هذا الرجل، فالمعنى إن تصبهم نعمة أو رخاء نسبوها إلى الله تعالى وإن تصبهم بلية من جدب وغلاء أضافوها إليك متشائمين كما حكى عن أسلافهم بقوله تعالى : ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ ﴾ [ الأعراف :١٣١ ] وإلى هذا ذهب الزجاج والفراء والبلخي والجبائي، وقيل :نزلت في المنافقين ابن أبيّ وأصحابه الذين تخلفوا عن القتال يوم أحد، وقالوا للذين قتلوا ﴿ لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ ﴾
[ آل عمران :١٥٦ ] فالمعنى إن تصبهم غنيمة قالوا :هي من عند الله تعالى، وأن تصبهم هزيمة قالوا :هي من سوء تدبيرك، وهو المروي عن ابن عباس وقتادة، وقيل :نزلت فيمن تقدم وليس بالصحيح، وصحح غير واحد أنها نزلت في اليهود والمنافقين جميعاً لما تشاءموا من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة وقحطوا، وعلى هذا فالمتبادر من الحسنة والسيئة هنا النعمة والبلية، وقد شاع استعمالها في ذلك كما شاع استعمالها في الطاعة والمعصية، وإلى هذا ذهب كثير من المحققين، وأيد بإسناد الإصابة إليهما بل جعله صاحب «الكشف » دليلاً بيناً عليه وبأنه أنسب بالمقام لذكر الموت والسلامة قبل/
وقوله تعالى : ﴿ قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله ﴾ أمر له صلى الله عليه وسلم بأن يرد زعمهم الباطل واعتقادهم الفاسد ويرشدهم إلى الحق ببيان إسناد الكل إليه تعالى على الإجمال أي كل واحدة من النعمة والبلية من جهة الله تعالى خلقاً وإيجاداً من غير أن يكون لي مدخل في وقوع شيء منها بوجه من الوجوه كما تزعمون، بل وقوع الأولى منه تعالى بالذات تفضلاً، ووقوع الثانية بواسطة ذنوب من ابتلى بها عقوبة كما سيأتي بيانه. وهذا الجواب المجمل في معنى ما قيل رداً على أسلاف اليهود من قوله تعالى : ﴿ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ الله ﴾ [ الأعراف :١٣١ ] أي إنما سبب خيرهم وشرهم عند الله تعالى لا عند غيره حتى يستند ذلك إليه ويطيروا به قاله شيخ الإسلام ومنه يعلم اندفاع ما قيل :إن القوم لم يعتقدوا أن النبي صلى الله عليه وسلم فاعل السيئة كما اعتقدوا أن الله تعالى فاعل الحسنة بل تشاءموا به وحاشاه عليه الصلاة والسلام فكيف يكون هذا رداً عليهم، ولا حاجة إلى ما أجاب به العلامة الثاني من أن الجواب ليس مجرد قوله تعالى : ﴿ قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله ﴾ بل هو إلى قوله سبحانه : ﴿ وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ ﴾ [ النساء :٧٩ ] الخ
وقوله تعالى : ﴿ فَمَالِ * هَؤُلاء * القوم ﴾ أي اليهود والمنافقين المحتقرين ﴿ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ ﴾ أي يفهمون ﴿ حَدِيثاً ﴾ أي كلاماً يوعظون به وهو القرآن، أو كلاماً مّا أو كل شيء حدث وقرب عهده كلام من قبله تعالى معترض بين المبين وبيانه مسوق لتعييرهم بالجهل وتقبيح حالهم والتعجيب من كمال غباوتهم، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والجملة المنفية حالية والعامل فيها ما في الظرف من الاستقرار أو الظرف نفسه، والمعنى حيث كان الأمر كذلك فأي شيء حصل لهؤلاء حال كونهم بمعزل من أن يفقهوا نصوص القرآن الناطقة بأن الكل فائض من عند الله تعالى، أو بمعزل من أن يفهموا حديثاً مطلقاً حتى عدوا كالبهائم التي لا إفهام لها، أو بمعزل من أن يعقلوا صروف الدهر وتغيره حتى يعلموا أنه لها فاعلاً حقيقياً بيده جميع الأمور ولا مدخل لأحد معه، ويجوز أن تكون الجملة استئنافاً مبنياً على سؤال نشأ من الاستفهام وهو ظاهر، وعلى التقديرين فالكلام مخرج مخرج المبالغة في عدم فهمهم فلا ينافي اعتقادهم أن الحسنة من عند الله تعالى، ويفهم من كلام بعضهم أن المراد من الحديث هو ما تفوهوا به آنفاً حيث أنه يلزم منه تعدد الخالق المستلزم للشرك المؤدي إلى فساد العالم، وإن ( ما ) في حيز الأمر ردّ لهذا اللازم، وقدم لكونه أهم ثم استأنف بما هو حقيقة الجواب أعني قوله سبحانه :
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت ﴾ وتفارقون ولا بد من تخشون فراقه إن سلكتم ففارقوهم بالسلوك وهو الموت الاختياري قبل أن تفارقوهم بالهلاك وهو الموت الاضطراري ﴿ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ أي أجساد قوية :
فمن يك ذا عظم صليب رجابه ليكسر عود الدهر فالدهر كاسره
﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ ﴾ أي المحجوبين ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ أي شيء يلائم طباعهم ﴿ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِ الله ﴾ فيضيفونها إلى الله تعالى من فرح النفس ولذة الشهوة لاتبعت المعرفة والمحبة ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ ﴾ أي شيء تنفر عنه طباعهم وإن كان على خلاف ذلك في نفس الأمر ﴿ يَقُولُواْ ﴾ لضيق أنفسهم ﴿ هذه مِنْ عِندِكَ ﴾ فيضيفونها إلى غيره تعالى ويرجعون إلى الأسباب لعدم رسوخ الإيمان الحقيقي في قلوبهم ﴿ قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله ﴾ وهذا دعاء لهم إلى توحيد الأفعال، ونفي التأثير عن الأغيار، والإقرار بكونه سبحانه خالق الخير والشر ﴿ فَمَالِ هَؤُلاء القوم ﴾ المحجوبين
﴿ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ﴾ [ النساء :٧٨ ] لاحتجابهم بصفات النفوس وارتياج آذان قلوبهم التي هي أوعية السماع والوعي.
﴿ مَّا أصابك مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ وعلى ما ذكرنا ولعله الأولى يكون هذا بياناً للجواب المجمل المأمور به، والخطاب فيه كما قال الجبائي وروي عن قتادة :عام لكل من يقف عليه لا للنبي صلى الله عليه وسلم كقوله :
إذا أنت أكرمت ( الكريم ) ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
ويدخل فيه المذكورون دخولاً أولياً، وفي إجراء الجواب أولاً :على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وسوق البيان من جهته تعالى ثانياً :بطريق تلوين الخطاب، والالتفات إيذان بمزيد الاعتناء به والاهتمام برد اعتقادهم الباطل وزعمهم الفاسد، والإشعار بأن مضمونه مبني على حكمة دقيقة حرية بأن يتولى بيانها علام الغيوب عز وجل، والعدول عن خطاب الجميع كما في قوله تعالى : ﴿ وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ [ الشورى :٣٠ ] للمبالغة في التحقيق بقطع احتمال سببية ( معصية ) بعضهم لعقوبة الآخرين، و ﴿ مَا ﴾ كما قال أبو البقاء :شرطية وأصاب بمعنى يصيب والمراد بالحسنة والسيئة هنا ما أريد بهما من قبل، أي ما أصابك أيها الإنسان من نعمة من النعم فهي من الله تعالى بالذات تفضلاً وإحساناً من غير استيجاب لها من قبلك كيف لا وكل ما يفعله العبد من الطاعات التي يرجى كونها ذريعة إلى إصابة نعمة ما فهي بحيث لا تكاد تكافىء نعمة الوجود، أو نعمة الإقدار على أدائها مثلاً فضلاً عن أن تستوجب نعمة أخرى، ولذا قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة :" لن يدخل أحداً عمله الجنة قيل :ولا أنت يا رسول الله ؟ قال :ولا أنا إلا أن يتغمدني الله تعالى بفضل رحمته "
﴿ وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ ﴾ ( أي ) بلية ما من البلايا فهي بسبب اقتراف نفسك المعاصي والهفوات المقتضية لها، وإن كانت من حيث الإيجاد منتسبة إليه تعالى نازلة من عنده عقوبة وهذا كقوله تعالى : ﴿ وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ [ الشورى :٣٠ ]، وأخرج الترمذي عن أبي موسى قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :لا يصيب عبداً نكبة فما فوقها أو ما دونها إلا بذنب وما يعفو الله تعالى عنه أكثر " وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال في الآية : «ما كان من نكبة فبذنبك وأنا قدرت ذلك عليك »، وعن أبي صالح مثله، وقال الزجاج :الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمقصود منه الأمة، وقيل :له عليه الصلاة والسلام لكن لا لبيان حاله بل لبيان حال الكفرة بطريق التصوير، ولعل العدول عن خطابهم لإظهار كمال السخط والغضب عليهم ؛ والإشعار بأنهم لفرط جهلهم وبلادتهم بمعزل من استحقاق الخطاب لاسيما بمثل هذه الحكمة الأنيقة، ثم اعلم أنه لا حجة لنا ولا للمعتزلة في مسألة الخير والشر بهاتين الآيتين لأن إحداهما بظاهرها لنا، والأخرى لهم فلا بدّ من التأويل وهو مشترك الإلزام ولأن المراد بالحسنة والسيئة النعمة والبلية لا الطاعة والمعصية، والخلاف في الثاني، ولا تعارض بينهما أيضاً لظهور اختلاف جهتي النفي والإثبات، وقد أطنب الإمام الرازي في هذا المقام كل الإطناب بتعديد الأقوال والتراجيح، واختار تفسير الحسنة والسيئة بما يعم النعم والطاعات والمعاصي والبليات، وقال بعضهم :يمكن أن يقال :لما جاء قوله تعالى : ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ بعد قوله سبحانه :
﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت ﴾ [ النساء :٧٨ ] ناسب أن تحمل الحسنة الأولى على النعمة، والسيئة على البلية، ولما أردف قوله عز وجل : ﴿ مَّا أصابك مِنْ حَسَنَةٍ ﴾ بما سيأتي ناسب أن يحملا على ما يتعلق بالتكليف من المعصية والطاعة كما روي ذلك عن أبي العالية ولهذا غير الأسلوب فعبر بالماضي بعد أن عبر بالمضارع، ثم نقل عن الراغب أنه فرق بين قولك :هذا من عند الله تعالى، وقولك :هذا من الله تعالى بأن من عند الله أعم من حيث إنه يقال فيما كان برضاه سبحانه وبسخطه، وفيما يحصل وقد أمر به ونهى عنه ؛ ولا يقال :من الله إلا فيم كان برضاه وبأمره، وبهذا النظر قال عمر رضي الله تعالى عنه «إن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن الشيطان » فتدبر.
ونقل أبو حيان عن طائفة من العلماء أن ﴿ مَا أَصَابَكَ ﴾ الخ على تقرير القول أي :فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً يقولون ما أصابك من حسنة الخ، والداعي لهم على هذا التمحل توهم التعارض، وقد دعا آخرين إلى جعل الجملة بدلاً من ﴿ حَدِيثاً ﴾ على معنى أنهم لا يفقهون هذا الحديث أعني ﴿ مَا أَصَابَكَ ﴾ الخ فيقولونه غير متحاشين عما يلزمه من تعدد الخالق وآخرين إلى تقدير استفهام إنكاري أي ﴿ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾، وزعموا أنه قرىء به، وقد علمت أن لا تعارض أصلاً من غير احتياج إلى ارتكاب ما لا يكاد يسوغه الذوق السليم، وكذا لا حجة للمعتزلة في قوله سبحانه : ﴿ حَدِيثاً ﴾ على كون القرآن محدثاً لما علمت من أنه ليس نصاً في القرآن، وعلى فرض تسليم أنه نص لا يدل على حدوث الكلام النفسي والنزاع فيه، ثم وجه ارتباط هذه الآيات بما قبلها على ما قيل :إنه سبحانه بعد أن حكى عن المسلمين ما حكى ورد عليهم بما رد نقل عن الكفار ما رده عليهم أيضاً وبين المحكيين مناسبة من حيث اشتمالها على إسناد ما يكره إلى بعض الأمور وكون الكراهة له بسبب ذلك وهو كما ترى.
وفي «الكشف » أن جملة ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ ﴾ [ النساء :٧٨ ] الخ معطوفة على جملة قوله تعالى : ﴿ فَإِنْ أصابتكم مُّصِيبَةٌ ﴾ [ النساء :٧٢ ]، ﴿ وَلَئِنْ أصابكم فَضْلٌ ﴾ [ النساء :٧٣ ] دلالة على تحقق التبطئة والتثبيط، أما دلالة الأولتين فلا خفاء بهما، وأما الثانية :فلأنهم إذا اعتقدوا في الداعي إلى الجهاد صلى الله عليه وسلم ذلك الاعتقاد الفاسد قطعوا أن في اتباعه لا سيما فيما يجر إلى ما عدوه سيئة الخبال والفساد، ولهذا قلب الله عليهم في قوله سبحانه : ﴿ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ ليصير ذلك كافاً لهم عن التثبيط إلى التنشيط، وأردفه ذكر ما هم فيه من التعكيس في شأن من هو رحمة مرسلة للناس كافة، وأكد أمر اتباعه بأن جعل طاعته صلى الله عليه وسلم طاعة الله تعالى مع ما أمده به من التهديد البالغ المضمن في قوله سبحانه : ﴿ وَمَن تولى ﴾ [ النساء :٨٠ ] ثم قال ولا يخفى أن ما وقع بين المعطوفين ليس بأجنبي وأن ﴿ فَلْيُقَاتِلْ ﴾ [ النساء :٧٤ ] شديد التعلق بسابقه، ولما لزم من هذا النسق تقسيم المرسل إليهم إلى كافر مبطىء ومؤمن قوي وضعيف استأنف تقسيمهم مرة أخرى في قوله سبحانه الآتي : ﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ [ النساء :٨١ ] أي الناس المرسل إليهم إلى مبيت هو الأول ومذيع هو الثالث، ومن يرجع إليه هو الثاني فهذا وجه النظم والارتباط بين الآيات السابقة واللاحقة انتهى، ولا يخلو عن حسن وليس بمتعين كما لا يخفى.
هذا ووقف أبو عمرو والكسائي بخلاف عنه على ( ما ) من قوله تعالى : ﴿ فَمَا لِهَؤُلاء ﴾ [ النساء :٧٨ ] وجماعة على لام الجر وتعقب ذلك السمين بأنه ينبغي أن لا يجوز كلا الوقفين إذ الأول :وقف على المبتدأ دون خبره، والثاني :على الجار دون مجروره، وقرأ أبيّ وابن مسعود ابن عباس ( وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك ).
﴿ وأرسلناك لِلنَّاسِ رَسُولاً ﴾ بيان لجلالة منصبه صلى الله عليه وسلم ومكانته عند ربه سبحانه بعد الذب عنه بأتم وجه، وفيه رد أيضاً لمن زعم اختصاص رسالته عليه الصلاة والسلام بالعرب فتعريف الناس للاستغراق، والجار متعلق ب ﴿ رَسُولاً ﴾ قدم عليه للاختصاص الناظر إلى قيد العموم أي مرسلاً لكل الناس لا لبعضهم فقط كما زعموا، و ﴿ رَسُولاً ﴾ حال مؤكدة لعاملها، وجوز أن يتعلق الجار بما عنده، وأن يتعلق بمحذوف وقع حالاً من ﴿ رَسُولاً ﴾ وجوز أيضاً أن يكون ﴿ رَسُولاً ﴾ مفعولاً مطلقاً إما على أنه مصدر كما في قوله :
لقد كذب الواشون ما فهت عندهم ( بشيء ) ولا أرسلتهم برسول
وإما على أن الصفة قد تستعمل بمعنى المصدر مفعولاً مطلقاً كما استعمل الشاعر خارجاً بمعنى خروجاً في قوله :
عليّ حلفة لا أشتم الدهر مسلما ولا ( خارجاً ) من زور كلام
حيث أراد كما قال سيبويه :ولا يخرج خروجاً ﴿ وكفى بالله شَهِيداً ﴾ على رسالتك أو على صدقك في جميع ما تدعيه حيث نصب المعجزات وأنزل الآيات البينات، وقيل :المعنى كفى الله تعالى شهيداً على عباده بما يعملون من خير أو شر، والالتفات لتربية المهابة.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ مَّا أصابك مِنْ حَسَنَةٍ ﴾ صغرت أو عظمت ﴿ فَمِنَ الله ﴾ تعالى أفاضها حسب الاستعداد الأصلي ﴿ وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ ﴾ حقرت أو جلت ﴿ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ أي من قبلها بسبب الاستعداد الحادث بسبب ظهور النفس بالصفات والأفعال الحاجبة للقلب المكدرة لجوهره حتى احتاج إلى الصقل بالرزايا والمصائب والبلايا والنوائب، لا من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم أو غيره ﴿ وأرسلناك لِلنَّاسِ رَسُولاً ﴾ فأنت الرحمة لهم فلا يكون من عندك شر عليهم ﴿ وكفى بالله شَهِيداً ﴾ [ النساء :٧٩ ] على ذلك
﴿ مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ﴾ بيان لأحكام رسالته صلى الله عليه وسلم إثر بيان تحققها، وإنما كان كذلك لأن الآمر والناهي في الحقيقة هو الحق سبحانه، والرسول إنما هو مبلغ للأمر والنهي فليس الطاعة له بالذات إنما هي لمن بلغ عنه. وفي بعض الآثار عن مقاتل «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول :من أحبني فقد أحب الله تعالى ومن أطاعني فقد أطاع الله تعالى فقال المنافقون :ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل لقد قارف الشرك، وهو نهى أن يعبد غير الله تعالى ما يريد إلا أن نتخذه رباً كما اتخذت النصارى عيسى عليه السلام ؟ فنزلت » فالمراد بالرسول نبينا صلى الله عليه وسلم، والتعبير عنه بذلك ووضعه موضع المضمر للإشعار بالعلية، وقيل :المراد به الجنس ويدخل فيه نبينا صلى الله عليه وسلم دخولاً أولياً، ويأباه تخصيص الخطاب في قوله تعالى : ﴿ وَمَن تولى فَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾ وجعله من باب الخطاب لغير معين خلاف الظاهر، و ﴿ مِنْ ﴾ شرطية وجواب الشرط محذوف، والمذكور تعليل له قائم مقامه أي ومن أعرض عن الطاعة فأعرض عنه لأنا إنما أرسلناك رسولاً مبلغاً لا حفيظاً مهيمناً تحفظ أعمالهم عليهم وتحاسبهم عليها، ونفي كما قيل كونه حفيظاً أي مبالغاً في الحفظ دون كونه حافظاً لأن الرسالة لا تنفك عن الحفظ لأن تبليغ الأحكام نوع حفظ عن المعاصي والآثام، وانتصاب الوصف على الحالية من الكاف، وجعله مفعولاً ثانياً لأرسلنا لتضمينه معنى جعلنا مما لا حاجة إليه، و ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ متعلق به وقدم رعاية للفاصلة، وفي إفراد ضمير الرفع وجمع ضمير الجر مراعاة للفظ من ومعناها، وفي العدول عن ومن تولى فقد عصاه الظاهر في المقابلة إلى ما ذكر ما لا يخفى من المبالغة.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ﴾ [ النساء :٨٠ ] لأنه صلى الله عليه وسلم مرآة الحق يتجلى منه للخلق، وقال بعض العارفين :إن باطن الآية إشارة إلى عين الجمع
﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ الضمير للمنافقين كما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والحسن والسدي، وقيل :للمسلمين الذين حكى عنهم أنهم يخشون الناس كخشية الله أي ويقولون إذا أمرتهم بشيء ﴿ طَاعَةٌ ﴾ أي أمرنا وشأننا طاعة على أنه خبر مبتدأ محذوف وجوباً، وتقدير طاعتك طاعة خلاف الظاهر أو عندنا أو منا طاعة على أنه مبتدأ وخبره محذوف وكان أصله النصب كما يقول المحب :سمعناً وطاعة لكنه يجوز في مثله الرفع كما صرح به سيبويه للدلالة على أنه ثابت لهم قبل الجواب ﴿ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ ﴾ أي خرجوا من مجلسك وفارقوك ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ ﴾ أي جماعة ﴿ مِنْهُمْ ﴾ وهم رؤساؤهم، والتبييت إما من البيتوتة لأنه تدبير الفعل ليلاً والعزم عليه، ومنه تبييت نية الصيام ويقال :هذا أمر تبيت بليل، وإما من بيت الشعر لأن الشاعر يدبره ويسويه، وإما من البيت المبني لأنه يسوى ويدبر، وفي هذا بعد وإن أثبته الراغب لغة والمراد زورت وسوت ﴿ غَيْرَ الذى تَقُولُ ﴾ أي خلاف ما قلت لها أو ما قالت لك من القبول وضمان الطاعة، والعدول عن الماضي لقصد الاستمرار، وإسناد الفعل إلى طائفة منهم لبيان أنهم المتصدون له بالذات ؛ والباقون أتباع لهم في ذلك لا لأنهم ثابتون على الطاعة، وتذكيره أولاً لأن تأنيث الفاعل غير حقيقي، وقرأ أبو عمرو وحمزة ( بيت طائفة ) بالادغام لقربهما في المخرج، وذكر بعض المحققين أن الإدغام هنا على خلاف الأصل والقياس، ولم تدغم تاء متحركة غير هذه ﴿ والله يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ ﴾ أي يثبته في صحائفهم ليجازيهم عليه، أو فيما يوحيه إليك فيطلعك على أسرارهم ويفضحهم كما قال الزجاج والقصد على الأول :لتهديدهم، وعلى الثاني :لتحذيرهم ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ أي تجاف عنهم ولا تتصد للانتقام منهم، أو قلل المبالاة بهم والفاء لسببية ما قبلها لما بعدها ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الله ﴾ أي فوض أمرك إليك وثق به في جميع أمورك لا سيما في شأنهم، وإظهار الاسم الجليل للإشعار بعلة الحكم ﴿ وكفى بالله وَكِيلاً ﴾ قائماً بما فوض إليه من التدبير فيكفيك ( مضرتهم ) وينتقم لك منهم، والإظهار لما سبق للإيذان باستقلال الجملة واستغنائها عما عداها من كل وجه.
﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان ﴾ لعله جواب سؤال نشأ من جعل الله تعالى شهيداً كأنه قيل :شهادة الله تعالى لا شبهة فيها ولكن من أين يعلم أن ما ذكرته شهادة الله تعالى محكية عنه ؟ فأجاب سبحانه بقوله : ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ﴾ وأصل التدبر التأمل في أدبار الأمور وعواقبها ثم استعمل في كل تأمل سواء كان نظراً في حقيقة الشيء وأجزائه أو سوابقه وأسبابه أو لواحقه وأعقابه، والفاء للعطف على مقدر أي أيشكون في أن ما ذكر شهادة الله تعالى فلا يتدبرون القرآن الذي جاء به هذا النبي صلى الله عليه وسلم المشهود له ليعلموا كونه من عند الله فيكون حجة وأي حجة على المقصود وقيل :المعنى أيعرضون عن القرآن فلا يتأملون فيه ليعلموا كونه من عند الله تعالى بمشاهدة ما فيه من الشواهد التي من جملتها هذا الوحي الصادق والنص الناطق بنفاقهم المحكي على ما هو عليه.
﴿ وَلَوْ كَانَ ﴾ أي القرآن. ﴿ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله ﴾ كما يزعمون ﴿ لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً ﴾ بأن يكون بعض إخباراته الغيبية كالإخبار عما يسره المنافقون غير مطابق للواقع لأن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى فحيث اطرد الصدق فيه ولم يقع ذلك قط علم أنه بإعلامه تعالى ومن عنده، وإلى هذا يشير كلام الأصم والزجاج، وفي رواية عن ابن عباس أن المراد لوجدوا فيه تناقضاً كثيراً، وذلك لأن كلام البشر إذا طال لم يخل بحكم العادة من التناقض، وما يظن من الاختلاف كما في كثير من الآيات، ومنه ما سبق آنفاً ليس من الاختلاف عند المتدبرين، وقيل وهو مما لا بأس به خلافاً لزاعمه «المراد لكان الكثير منه مختلفاً متناقضاً قد تفاوت نظمه وبلاغته فكان بعضه بالغاً حد الإعجاز وبعضه قاصراً عنه يمكن معارضته، وبعضه إخباراً بغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخباراً مخالفاً للمخبر عنه، وبعضه دالاً على معنى صحيح عند علماء المعاني، وبعضه دالا على معنى فاسد غير ملتئم فلما تجاوب كله بلاغة معجزة ( فائقة ) لقوى البلغاء وتناصر صحة معان وصدق إخبار علم أنه ليس إلا من عند قادر على ما لا يقدر عليه غيره عالم بما لا يعلمه سواه انتهى٢.
وهو مبني على كون وجه الإعجاز عند علماء العربية كون القرآن في مرتبة الأعلى من البلاغة، وكون المقصود من الآية إثبات القرآن كله وبعضه من الله تعالى، وحينئذ لا يمكن وصف الاختلاف بالكثرة لأنه لا يكون الاختلاف حينئذ إلا بأن يكون البعض منه معجزاً والبعض غير معجز، وهو اختلاف واحد فلذا جعل ( وجدوا ) متعدياً إلى مفعولين أولهما : ﴿ كَثِيراً ﴾، وثانيهما : ﴿ اختلافا ﴾ بمعنى مخلفاً، وإليه يشير قوله :لكان الكثير منه مختلفاً وإنما جعل اللازم على تقدير كونه من عند غير الله تعالى كون الكثير مختلفاً مع أنه يلزم أن يكون الكل مختلفاً اقتصاراً على الأقل كما في قوله تعالى :
﴿ يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذى يَعِدُكُمْ ﴾ [ غافر :٢٨ ] وهو من الكلام المنصف، وبهذا يندفع ما أورد من أن الكثرة صفة الاختلاف والاختلاف صفة للكل في النظم، وقد جعل صفة الكثرة والكثرة صفة الكثير، لأنا لا نسلم أن الكثرة صفة الاختلاف بل هما مفعولا ﴿ وَجَدُواْ ﴾ وكذا ما أورد من أنه يفهم من قوله :لكان بعضه بالغاً حد الإعجاز ثبوت قدرة غيره تعالى على الكلام المعجز وهو باطل لأنا لا نسلم ذلك فإن المقصود أن القرآن كلاً وبعضاً من الله تعالى أي البعض الذي وقع به التحدي وهو مقدار أقصر سورة منه ولو كان بعض من أبعاضه من غيره تعالى لوجدوا فيه الاختلاف المذكور، وهو أن لا يكون بعضه بالغاً حد الإعجاز قاله بعض المحققين وقال بعضهم :لا محيص عن الإيراد الأخير سوى أن يحمل الكلام على الفرض والتقدير أي لو كان فيه مرتبة الإعجاز ففي البعض خاصة على أن يكون ذلك القدر مأخوذاً من كلام الله تعالى كما في الاقتباس ونحوه إلا أنه لا يخفى بعده، وإلى تفسير الاختلاف بالتفاوت بلاغة وعدم بلاغة ذهب أبو علي الجبائي إلى هذا ونقل عن الزمخشري أن في الآية فوائد :وجوب النظر في الحجج والدلالات، وبطلان التقليد وبطلان قول من يقول :إن المعارف الدينية ضرورية، والدلالة على صحة القياس، والدلالة على أن أفعال العباد ليست بخلق الله تعالى لوجود التناقض فيها انتهى.
ولا يخفى أن دلالتها على وجوب النظر في الجملة وبطلان التقليد للكل وقول من يقول :إن المعارف الدينية كلها ضرورية، أما على صحة القياس على المصطلح الأصولي فلا، وأما تقرير الأخير على ما في «الكشف » فلأن اللازم كل مختلف من عند غير الله تعالى على قولهم :إن لو عكس لولا ولو كان أفعال العباد من خلقه لكانت من عنده بالضرورة، وكذبت القضية أو بعض المختلف من عند غير الله تعالى على ما حققه الشيخ ابن الحاجب، والمشهور عند أهل الاستدلال فيكون بعض أفعال العباد غير مخلوقة له تعالى ويكفي ذلك في الاستدلال إذ لا قائل بالفرق بين بعض وبعض إذا كان اختيارياً، وأجاب فيه بأن اللازم كل مختلف هو قرآن من عند غير الله تعالى على الأول، وحينئذ لا يتم الاستدلال، وذكر أن معنى ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله ﴾ تعالى عند الجماعة ولو كان قائماً بغيره تعالى ولا مدخل للخلق في هذه الملازمة، وأنت تعلم أنه غير ظاهر الإرادة هنا وكذا استدل بالآية على فساد قول من زعم :إن القرآن لا يفهم معناه إلا بتفسير الرسول صلى الله عليه وسلم أو الإمام المعصوم كما قال بعض الشيعة.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان ﴾ ليرشدهم إلى أنك رسول الله تعالى، وأن إطاعتك إطاعته سبحانه حيث إنه مشتمل على الفرق والجمع، وقيل :ألا يتدبرونه فيتعظون بكريم مواعظه ويتبعون محاسن أوامره، أو أفلا يتدبرونه ليعلموا أن الله جل شأنه تجلى لهم فيه ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً ﴾ [ النساء :٨٢ ] أي لوجدوا الكثير منه مختلفاً بلاغة وعدمها فيكون مثل كلام المخلوقين فيكون لهم مساغ إلى تكذيبه وعدم قبول شهادته، أو القول بأنه لا يصلح أن يكون مجلى لله تعالى،
﴿ وَإِذَا جَاءهُمْ ﴾ أي المنافقين كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والضحاك وأبي معاذ أو ضعفاء المسلمين كما روي عن الحسن وذهب إليه غالب المفسرين أو الطائفتين كما نقله ابن عطية ﴿ أَمْرٌ مّنَ الامن أَوِ الخوف ﴾ أي مما يوجب الأمن والخوف ﴿ أَذَاعُواْ بِهِ ﴾ أي أفشوه، والباء مزيدة، وفي «الكشاف » «يقال :أذاع السر وأذاع به، ويجوز أن يكون المعنى فعلوا به الإذاغة وهو أبلغ من أذاعوه » لدلالته على أنه يفعل نفس الحقيقة كما في نحو فلان يعطي ويمنع ولما فيه من الإبهام والتفسير وقيل :الباء لتضمن الإذاعة معنى التحديث وجعلها بمعنى مع والضمير للمجيء مما لا ينبغي تخريج كلام الله تعالى الجليل عليه. والكلام مسوق لبيان جناية أخرى من جنايات المنافقين، أو لبيان جناية الضعفاء إثر بيان جناية المنافقين وذلك أنه إذا غزت سرية من المسلمين خبر الناس عنها فقالوا :أصاب المسلمون من عدوهم كذا وكذا، وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا فأفشوه بينهم من غير أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يخبرهم به، ولا يكاد يخلو ذلك عن مفسدة، وقيل :كانوا يقفون من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف فيذيعونه فينشر فيبلغ الأعداء فتعود الإذاعة مفسدة، وقيل :الضعفاء يسمعون من أفواه المنافقين شيئاً من الخبر عن السرايا مظنون غير معلوم الصحة فيذيعونه قبل أن يحققوه فيعود ذلك وبالاً على المؤمنين، وفيه إنكار على من يحدث بالشيء قبل تحقيقه، وقد أخرج مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً " كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع " والجملة عند صاحب «الكشف » معطوفة على قوله تعالى : ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ ﴾ [ النساء :٨١ ]، وقوله سبحانه : ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ﴾ [ النساء :٨٢ ] اعتراض تحذيراً لهم عن الإضمار لما يخالف الظاهر، فإن في تدبر القرآن جاراً إلى طاعة المنزل عليه أي جار، وقيل :الكلام مسوق لدفع ما عسى أن يتوهم في بعض المواد من شائبة الاختلاف بناءاً على عدم فهم المراد ببيان أن ذلك لعدم وقوفهم على معنى الكلام لا لتخلف مدلوله عنه، وذلك أن ناساً من ضعفة المسلمين الذين لا خبرة لهم بالأحوال كانوا إذا أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بما أوحي إليه من وعد بالظفر أو تخويف من الكفرة يذيعونه من غير فهم لمعناه ولا ضبط لفحواه على حسب ما كانوا يفهمونه ويحملونه عليه من المحامل، وعلى تقدير الفهم قد يكون ذلك مشروطاً بأمور تفوت بالإذاعة فلا يظهر أثره المتوقع فيكون ذلك منشأ لتوهم الاختلاف ولا يخلو عن حسن غير أن روايات السلف على خلافه، وأياً مّا كان فقد نعى الله تعالى ذلك عليهم.
وقال سبحانه : ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ ﴾ أي ذلك الأمر الذي جاءهم ﴿ إِلَى الرسول ﴾ صلى الله عليه وسلم ﴿ وإلى أُوْلِى الامر مِنْهُمْ ﴾ وهم كبائر الصحابة رضي الله تعالى عنهم البصراء في الأمور، وهو الذي ذهب إليه الحسن وقتادة وخلق كثير. وقال السدي وابن زيد وأبو علي الجبائي :المراد بهم أمراء السرايا والولاة، وعلى الأول :المعول ﴿ لَعَلِمَهُ ﴾ أي لعلم تدبير ذلك الأمر الذي أخبروا به ﴿ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ أي يستخرجون تدبيره بفطنتهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايده، أو لو ردوه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن ذكر، وفوضوه إليهم وكانوا كأن لم يسمعوا لعلم الذي يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون وما يذرون، أو :لو ردوه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى كبار أصحابه رضي الله تعالى عنهم وقالوا نسكت حتى نسمعه منهم ونعلمه هل مما يذاع أو لا يذاع لعلم صحته، وهل هو مما يذاع أو لا هؤلاء المذيعون وهم الذين يستنبطونه من الرسول وأولي الأمر أي يتلقونه منهم ويستخرجون علمه من جهتهم، أو لو عرضوه على رأيه عليه الصلاة والسلام مستكشفين لمعناه وما ينبغي له من التدبير، وإلى أجلة صحبه رضي الله تعالى عنهم لعلم الرادون معناه وتدبيره وهم الذين يستنبطونه ويستخرجون علمه وتدبيره من جهة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن تشرف بالعطف عليه، والتعبير بالرسالة لما أنها من موجبات الرد. وكلمة من إما ابتدائية والظرف لغو متعلق بيستنبطونه، وإما تبعيضية أو بيانية تجريدية والظرف حال، ووضع الموصول موضع الضمير في الاحتمالين الأخيرين للإيذان بأنه ينبغي أن يكون القصد بالرد استكشاف المعنى واستيضاح الفحوى، والاستنباط في الأصل استخراج الشيء من مأخذه كالماء من البئر والجوهر من المعدن ويقال للمستخرج :نبط بالتحريك ثم تجوز به فأطلق على كل أخذ وتلق.
﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ خطاب للطائفة المذكورة آنفاً بناءاً على أنهم ضعفة المؤمنين على طريقة الالتفات، والمراد من الفضل والرحمة شيء واحد أي لولا فضله سبحانه عليكم ورحمته بإرشادكم إلى سبيل الرشاد الذي هو الرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى أولي الأمر ﴿ لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان ﴾ وعملتم بآرائكم الضعيفة، أو أخذتم بآراء المنافقين فيما تأتون وتذرون ولم تهتدوا إلى ( صوب ) الصواب ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ وهم أولو الأمر المستنيرة عقولهم بأنوار الإيمان الراسخ، الواقفون على الأسرار الراسخون في معرفة الأحكام بواسطة الاقتباس من مشكاة النبوة، فالاستثناء منقطع أو الخطاب للناس أي :ولولا فضل الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم ورحمته بإنزال القرآن كما فسرهما بذلك السدي والضحاك وهو اختيار الجبائي، ولا يبعد العكس لاتبعتم كلكم الشيطان وبقيتم على الكفر والضلالة إلا قليلاً منكم قد تفضل عليه بعقل راجح فاهتدى به إلى طريق الحق، وسلم من مهاوي الضلالة وعصم من متابعة الشيطان من غير إرسال الرسول عليه الصلاة والسلام وإنزال الكتاب كقس بن ساعدة الأيادي وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل( ١ ) وأضرابهم فالاستثناء متصل، وإلى ذلك ذهب الأنباري.
وقال أبو مسلم :المراد بفضل الله تعالى ورحمته النصرة والمعونة مرة بعد أخرى، والمعنى لولا حصول النصر والظفر لكم على سبيل التتابع لاتبعتم الشيطان فيما يلقي إليكم من الوساوس والخواطر الفاسدة المؤدية إلى الجبن والفشل والركون إلى الضلال وترك الدين إلا قليلاً وهم أهل البصائر النافذة، والعزائم المتمكنة والنيات الخالصة من أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كون الدين حقاً حصول الدولة في الدنيا، أو باطلاً حصول الانكسار والانهزام، بل مدار الأمر في كونه حقاً وباطلاً على الدليل، ولا يرد أنه يلزم من جعل الاستثناء من الجملة التي وليها جواز أن ينتقل الإنسان من الكفر إلى الايمان، ومن اتباع الشيطان إلى عصيانه وخزيه، وليس لله تعالى عليه في ذلك فضل ومعاذ الله تعالى أن يعتقد هذا مسلم موحد سنياً كان أو معتزلياً، وذلك لأن لولا حرف امتناع لوجود، وقد أنبأت أن امتناع اتباع المؤمنين للشيطان في الكفر وغيره إنما كان بوجود فضل الله تعالى عليهم، فالفضل هو السبب المانع من اتباع الشيطان فإذا جعل الاستثناء مما ذكر فقد سلبت تأثير فضل الله تعالى في امتناع الاتباع عن البعض المستثنى ضرورة، وجعلهم مستبدين بالإيمان وعصيان الشيطان الداعي إلى الكفر بأنفسهم لا بفضل الله تعالى، ألا تراك إذا قلت لمن تذكره بحقك عليه :لولا مساعدتي لك لسلبت أموالك إلا قليلاً كيف لم تجعل لمساعدتك أثراً في بقاء القليل للمخاطب، وإنما مننت عليه في تأثير مساعدتك في بقاء أكثر ماله لا في كله، لأنا نقول هذا إذا عم الفضل لا إذا خص كما أشرنا إليه لأن عدم الاتباع إذا لم يكن بهذا الفضل المخصوص لا ينافي أن يكون بفضل آخر، نعم ظاهر عبارة «الكشاف » في هذا المقام مشكل حيث جعل الاستثناء من الجملة الأخيرة، وزاد التوفيق في البيان، ويمكن أن يقال أيضاً :أراد به توفيقاً خاصاً نشأ مما قبله، وهذا أولى من الإطلاق ودفع الإشكال بأن عدم الفضل والرحمة على الجميع لا يلزم منه العدم على البعض لما فيه من التكلف، وذهب بعضهم للتخلص من الإيراد إلى أن الاستثناء من قوله تعالى : ﴿ أَذَاعُواْ بِهِ ﴾، وروي ذلك عن ابن عباس وهو اختيار المبرد والكسائي والفراء والبلخي والطبري واتخذ القاضي أبو بكر الآية دليلاً في الرد على من جزم بعود الاستثناء عند تعدد الجمل إلى الأخيرة.
وعن بعض أهل اللغة أن الاستثناء من قوله سبحانه : ﴿ لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً ﴾ [ النساء :٨٢ ] وعن أكثرهم أنه من قوله تعالى : ﴿ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ ﴾ واعترضه الفراء والمبرد بأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه والأكثر يجهله، وصرف الاستثناء إلى ما ذكروه يقتضي ضد ذلك، وتعقب ذلك الزجاج بأنه غلط لأنه لا يراد بهذا الاستنباط ما يستخرج بنظر دقيق وفكر غامض إنما هو استنباط خبر ؛ وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه ولا يجهله إلا البالغ في البلادة وفيه نظر وبعضهم إلى جعل الاستثناء مفرغاً من المصدر فما بعد ﴿ إِلا ﴾ منصوب على أنه مفعول مطلق أي لاتبعتموه كل اتباع إلا اتباعاً قليلاً بأن تبقوا على إجراء الكفر وآثاره إلا البقاء القليل النادر بالنسبة إلى البعض، وذلك قد يكون بمجرد الطبع والعادة، وأحسن الوجوه وأقربها إلى التحقيق عند الإمام ما ذكره أبو مسلم، وأيد التخصيص فيما ذهب إليه الأنباري بأن قوله تعالى : ﴿ وَمَن يُطِعِ * الرسول ﴾ [ النساء :٨٠ ] الخ، وقوله سبحانه : ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان ﴾ [ النساء :٨٢ ] يشهدان له، وفي الذي بعده بأن قوله عز وجل : ﴿ وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ الامن أَوِ الخوف ﴾ الخ وقوله جل وعلا :
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ الامن أَوِ الخوف أَذَاعُواْ بِهِ ﴾ إخبار عمن في مبادي السلوك أي إذا ورد عليهم شيء من آثار الجمال أو الجلال أفشوه وأشاعوه ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ ﴾ أي عرضوه ﴿ إِلَى الرسول ﴾ إلى ما علم من أحواله، وما كان عليه ﴿ وإلى أُوْلِى الامر مِنْهُمْ ﴾ وهم الراشدون الكاملون الذين نالوا مقام الوراثة المحمدية ﴿ لَعَلِمَهُ ﴾ أي لعلم مآله وأنه مما يذاع أو أنه لا يذاع ﴿ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ ﴾ ويتلقونه منهم أي من جهتهم وواسطة فيوضاتهم، والمراد بالموصول الرادون أنفسهم، وحاصل ذلك أنه لا ينبغي للمريد إذا عرض له في أثناء سيره وسلوكه شيء من آثار الجمال أو الجلال أن يفشيه لأحد قبل أن يعرضه على شيخه فيوقفه على حقيقة الحال فإن في إفشائه قبل ذلك ضرراً كثيراً ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ ﴾ أيها الناس بالواسطة العظمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وَرَحْمَتُهُ ﴾ بالمرشدين الوارثين ﴿ لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان ﴾ والنفس أعظم جنوده إن لم تكنه ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ [ النساء :٨٣ ] وهم السالكون بواسطة نور إلهي أفيض عليهم فاستغنوا به كبعض أهل الفترة، قيل :وهم على قدم الخليل عليه الصلاة والسلام
١ - عد الطبرسي منهم –البراء، وأبا ذر- اهـ منه..
﴿ فقاتل فِى سَبِيلِ الله لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ يشهد له وأنت تعلم أن قرينة التخصيص بهما غير ظاهرة، والفاء في هذه الآية واقعة في جواب شرط محذوف ينساق إليه النظم الكريم أي إذا كان الأمر كما حكى من عدم طاعة المنافقين وتقصير الآخرين في مراعاة أحكام الإسلام فقاتل أنت وحدك غير مكترث بما فعلوا. ونقل الطبرسي في اتصال الآية قولين :أحدهما :أنها متصلة بقوله تعالى : ﴿ وَمَن يقاتل فِى سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ [ النساء :٧٤ ] والمعنى فإن أردت الأجر العظيم فقاتل، ونقل عن الزجاج، وثانيهما :أنها متصلة بقوله عز وجل : ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تقاتلون فِى سَبِيلِ الله ﴾ [ النساء :٧٥ ] والمعنى إن لم يقاتلوا في سبيل الله فقاتل أنت وحدك، وقيل :هي متصلة بقوله تعالى : ﴿ فقاتلوا أَوْلِيَاء الشيطان ﴾ [ النساء :٧٦ ] ومعنى ﴿ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ لا تكلف إلا فعلها إذ لا تكليف بالذوات، وهو استثناء مقرر لما قبله فإن اختصاص تكليفه عليه الصلاة والسلام بفعل نفسه من موجبات مباشرته صلى الله عليه وسلم للقتال وحده، وفيه دلالة على أن ما فعلوه من التثبيط والتقاعد لا يضره صلى الله عليه وسلم ولا يؤاخذ به، وذهب بعض المحققين إلى أن الكلام مجاز أو كناية عن ذلك فلا يرد أنه مأمور بتكليف الناس، فكيف هذا ولا حاجة إلى ما قيل، بل في ثبوته فقال :إنه عليه الصلاة والسلام كان مأموراً بأن يقاتل وحده أولاً، ولهذا قال الصديق رضي الله تعالى عنه في أهل الردة :أقاتلهم وحدي ولو خالفتني يميني لقاتلتها بشمالي، وجعل أبو البقاء هذه الجملة في موضع الحال من فاعل قاتل أي فقاتل غير مكلف إلا نفسك، وقرىء ﴿ لاَ تُكَلَّفُ ﴾ بالجزم على أن لا ناهية والفعل مجزوم بها أي لا تكلف أحداً الخروج إلا نفسك، وقيل :هو مجزوم في جواب الأمر وهو بعيد، و ( لا نكلف ) بالنون على بناء الفاعل فنفسك مفعول ثان بتقدير مضاف، وليس في موقع المفعول الأول أي لا نكلفك إلا فعل نفسك لا أنا لا نكلف أحداً إلا نفسك، وقيل :لا مانع من ذلك على معنى لا نكلف أحداً هذا التكليف إلا نفسك. والمراد من هذا التكليف مقاتلته وحده.
﴿ وَحَرّضِ المؤمنين ﴾ أي حثهم على القتال ورغبهم فيه وعظهم لما أنهم آثمون بالتخلف لفرضه عليهم قبل هذا بسنين، وأصل التحريض إزالة الحرض وهو ما لا خير فيه ولا يعتد به، فالتفعيل للسلب والإزالة كقذيته، وجلدته ولم يذكر المحرض عليه لغاية ظهوره.
﴿ عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ ﴾ نكاية ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ ومنهم قريش وعسى من الله تعالى كما قال الحسن وغيره تحقيق، وقد فعل سبحانه ما وعد به، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما واعد صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بعد حرب أحد موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد دعا الناس إلى الخروج فكرهه بعضهم فنزلت فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جماعة من أصحابه رضي الله تعالى عنهم حتى أتى موسم بدر فكفاهم الله سبحانه بأس العدو ولم يوافقهم أبو سفيان، وألقى الله تعالى الرعب في قلبه، ولم يكن قتال يومئذٍ وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه سالمين ﴿ والله أَشَدُّ بَأْساً ﴾ من الذين كفروا ﴿ وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ﴾ أي تعذيباً، وأصله التعذيب بالنكل وهو القيد فعمم، والمقصود من الجملة التهديد والتشجيع، وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة، وتعليل الحكم وتقوية استقلال الجملة، ( وتذكير ) الخبر لتأكيد التشديد.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ الله لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ أي قاتل من يخالفك وحدك ﴿ وَحَرّضِ المؤمنين ﴾ على أن يقاتلوا من يحول بينهم وبين ربهم ﴿ عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ ﴾ أي ستروا أوصاف الربوبية ﴿ والله أَشَدُّ ﴾ منهم ﴿ بَأْسًا ﴾ أي نكاية ﴿ وَأَشَدَّ ﴾ منهم ﴿ تَنكِيلاً ﴾ [ النساء :٨٤ ] أي تعذيباً.
وقوله تعالى : ﴿ مَّن يَشْفَعْ شفاعة حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ ﴾ أي حظ وافر ﴿ مِنْهَا ﴾ أي من ثوابها، جملة مستأنفة سيقت لبيان أن له عليه الصلاة والسلام فيما أمر به من تحريض المؤمنين حظاً موفوراً من الثواب، وبه ترتبط الآية بما قبلها كما قال القاضي. وقال علي بن عيسى :إنه سبحانه لما قال : ﴿ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ [ النساء :٨٤ ] مشيراً به إلى أنه عليه الصلاة والسلام غير مؤاخذ بفعل غيره كان مظنة لتوهم أنه كما لا يؤاخذ بفعل غيره لا يزيد عمله بعمل غيره أيضاً فدفع ما عسى أن يتوهم بذلك، وليس بشيء كما لا يخفى، و الشفاعة هي التوسط بالقول في وصول الشخص ولو كان أعلى قدراً من الشفيع إلى منفعة من المنافع الدنيوية أو الأخروية، أو خلاصه عن مضرة مّا كذلك من الشفع ضد الوتر كأن المشفوع له كان وتراً فجعله الشفيع شفعاً، ومنه الشفيع في الملك لأنه يضم ملك غيره إلى نفسه أو يضم نفسه إلى من يشتريه ويطلبه منه، و الحسنة منها ما كانت في أمر مشروع روعي بها حق مسلم ابتغاءاً لوجه الله تعالى، ومنها الدعاء للمسلمين فإنه شفاعة معنى عند الله تعالى، روى مسلم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم :" من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال الملك :ولك مثل ذلك "، وفيه بيان لمقدار النصيب الموعود ولا أرى حسناً إطلاق الشفاعة على الدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم بل لا أكاد أسوغه، وإن كانت فيه منفعة له صلى الله عليه وسلم كما أن فيه منفعة لنا على الصحيح.
وتفسيرها بالدعاء كما نقل عن الجبائي أو بالصلح بين إثنين كما روي الكلبي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لعله من باب التمثيل لا التخصيص، وكون التحريض الذي فعله صلى الله عليه وسلم من باب الشفاعة ظاهر فإن المؤمنين تخلصوا بذلك من مضرة التثبط وتعيير العدو، واحتمال الذل وفازوا بالأجر الجزيل المخبوء لهم يوم القيامة ؛ وربحوا أموالاً جسيمة بسبب ذلك، فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام لما وافى بجيشه بدراً ولم ير بها أحداً من العدو أقام ثماني ليال وكان معهم تجارات فباعوها وأصابوا خيراً كثيراً، ومن الناس من فسر الشفاعة هنا بأن يصير الإنسان شفع صاحبه في طاعة أو معصية، والحسنة منها ما كان في طاعة، فالجملة مسوقة للترغيب في الجهاد والترهيب عن التخلف والتقاعد، وأمر الارتباط عليه ظاهر ولا بأس به غير أن الجمهور على خلافه.
﴿ وَمَن يَشْفَعْ شفاعة سَيّئَةً ﴾ وهي ما كانت بخلاف الحسنة، ومنها الشفاعة في حد من حدود الله تعالى ففي الخبر : «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله تعالى فقد ضاد الله تعالى في ملكه ومن أعان على خصومة بغير علم كان في سخط الله تعالى حتى ينزع » واستثني من الحدود القصاص، فالشفاعة في إسقاطه إلى الدية غير محرمة ﴿ يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا ﴾ أي نصيب من وزرها، وبذلك فسره السدي والربيع وابن زيد وكثير من أهل اللغة، فالتعبير بالنصيب في الشفاعة الحسنة، وبالكفل في الشفاعة السيئة للتفنن، وفرق بينهما بعض المحققين بأن النصيب يشمل الزيادة، والكفل هو المثل المساوي، فاختيار النصيب أولاً لأن جزاء الحسنة يضاعف ؛ والكفل ثانياً لأن من جاء بالسيئة لا يجزى إلا مثلها، ففي الآية إشارة إلى لطف الله تعالى بعباده، وقال بعضهم :إن الكفل وإن كان بمعنى النصيب إلا أنه غلب في الشر وندر في غيره كقوله تعالى :
﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ﴾ [ الحديد :٢٨ ] فلذا خص بالسيئة تطرية وهرباً من التكرار ﴿ وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء مُّقِيتاً ﴾ أي مقتدراً كما قاله ابن عباس حين سأله عنه نافع بن الأزرق واستشهد عليه بقول أحيحة الأنصاري :
وذي ضغن كففت النفس عنه وكنت على مساءته ( مقيتاً )
وروي ذلك عن جماعة من التابعين، وفي رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه الحفيظ واشتقاقه من القوت، فإنه يقوي البدن ويحفظه، وعن الجبائي أنه المجازي أي يجازي على كل شيء من الحسنات والسيئات، وأصله مقوت فَأُعِلَّ كمقيم ؛ والجملة تذييل مقرر لما قبلها على سائر التفاسير.
( هذا ومن باب الإشارة ) : ﴿ مَّن يَشْفَعْ شفاعة حَسَنَةً ﴾ أي من يرافق نفسه على الطاعات ﴿ يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا ﴾ أي حظ وافر من ثوابها ﴿ وَمَن يَشْفَعْ شفاعة سَيّئَةً ﴾ أي من يرافق نفسه على معصية ﴿ يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا ﴾ أي مثل مساو من عقابها ﴿ وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء مُّقِيتاً ﴾ [ النساء :٨٥ ] فيوصل الثواب والعقاب إلى مستحقيهما
﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ ﴾ ترغيب كما قال شيخ الإسلام :في فرد شائع من ( أفراد ) الشفاعة الحسنة إثر ما رغب فيها على الإطلاق وحذر عما يقابلها من الشفاعة السيئة، فإن تحية الإسلام من المسلم شفاعة منه لأخيه عند الله عز وجل، وهذا أولى في الارتباط مما قاله الطبرسي : «إنه لما كان المراد بالسلام المسالمة التي هي ضد الحرب وقد تقدم ذكر القتال عقبه به للإشارة إلى الكف عمن ألقى إلى المؤمنين السلم وحياهم بتحية الإسلام »، والتحية مصدر حيي أصلها تحيية ( كتتمية )، وتزكية وأصل الأصل تحيي بثلاث ياءات فحذفت الأخيرة وعوض عنها هاء التأنيث ونقلت حركة الياء الأولى إلى ما قبلها، ثم أدغمت وهي في الأصل كما قال الراغب :الدعاء بالحياة وطولها، ثم استعملت في كل دعاء، وكانت العرب إذا لقي بعضهم بعضاً تقول :حياك الله تعالى، ثم استعملها الشرع في السلام، وهو تحية الإسلام قال الله تعالى : ﴿ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سلام ﴾ [ الأحزاب :٤٤ ] وقال سبحانه : ﴿ فَسَلّمُواْ على أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مّنْ عِندِ الله ﴾ [ النور :٦١ ]، وفيه على ما قالوا :مزية على قولهم :حياك الله تعالى لما أنه دعاء بالسلامة عن الآفات، وربما تستلزم طول الحياة، وليس في ذلك سوى الدعاء بطول الحياة أو به وبالملك، ورب حياة الموت خير منها.
ألا موت يباع فأشتريه فهذا العيش ما لا خير فيه
ألا رحم المهيمن نفس حر تصدق بالممات على أخيه
وقال آخر :
ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء
إنما الميت من يعيش كئيبا كاسفاً باله قليل الرجاء
ولأن السلام من أسمائه تعالى والبداءة بذكره مما لا ريب في فضله ومزيته أي إذا سلم عليكم من جهة المؤمنين كما قال الحسن وعطاء، أو مطلقاً كما أخرج ابن أبي شيبة والبخاري في «الأدب » وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
﴿ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا ﴾ أي بتحية أحسن من التحية التي حييتم بها بأن تقولوا وعليكم السلام ورحمة الله تعالى إن اقتصر المسلم على الأول، وبأن تزيدوا وبركاته إن جمعهما المسلم وهي النهاية، فقد أخرج البيهقي عن عروة بن الزبير أن رجلاً سلم عليه فقال :السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته فقال عروة :ما ترك لنا فضلاً إن السلام قد انتهى إلى وبركاته وفي معناه ما أخرجه الإمام أحمد والطبراني عن سلمان الفارسي مرفوعاً وذلك لانتظام تلك التحية لجميع فنون المطالب التي هي السلامة عن المضار، ونيل المنافع ودوامها ونمائها، وقيل :يزيد المحيي إذا جمع المحيي الثلاثة له، فقد أخرج البخاري في «الأدب المفرد » عن سالم مولى عبد الله بن عمر قال :كان ابن عمر إذا سلم عليه فرد زاد فأتيته فقلت :السلام عليكم فقال :السلام عليكم ورحمة الله تعالى، ثم أتيته مرة أخرى فقلت :السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، فقال :السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وطيب صلواته، ولا يتعين ما ذكر للزيادة، فقد ورد خبر رواه أبو داود والبيهقي عن معاذ زيادة ومغفرته، فما في «الدر » من أن المراد لا يزيد على وبركاته غير مجمع عليه.
﴿ أَوْ رُدُّوهَا ﴾ أي حيوا بمثلها ؛ و ﴿ أَوْ ﴾ للتخيير بين الزيادة وتركها، والظاهر أن الأول هو الأفضل في الجواب، بل لو زاد المسلم على السلام عليكم كان أفضل، فقد أخرج البيهقي عن سهل بن حنيف قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :من قال :السلام عليكم كتب الله تعالى له عشر حسنات فإن قال السلام عليكم ورحمة الله تعالى كتب الله تعالى له عشرين حسنة، فإن قال :السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته كتب الله تعالى له ثلاثين حسنة " وورد في معناه غير ما خبر. «وقد نصوا على أن جواب السلام المسنون واجب، ووجوبه على الكفاية، ولا يؤثر فيه إسقاط المسلم ( لحقه ) لأن الحق لله تعالى، ودليل الوجوب الكفائي خبر أبي داود، وفي معناه ما أخرجه البيهقي عن زيد بن أسلم ولم يضعفه «يجزىء عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزي عن الجلوس أن يردّ أحدهم » فبه يسقط الوجوب عن الباقين ( ويختص بالثواب ) فلو ردوا كلهم ولو مرتباً أثيبوا ثواب الواجب » وفي «المبتغى » يسقط عن الباقين برد صبي يعقل لأنه من أهل إقامة الفرض في الجملة بدليل حل ذبيحته، وقيل :لا، وظاهر «النهاية » ترجيحه وعليه الشافعية قالوا : «ولو رد صبي أو ( من ) لم يسمع منهم لم يسقط بخلاف نظيره في الجنازة لأن القصد ثم الدعاء، وهو منه أقرب للإجابة، وهنا الأمن، وهو ليس من أهله وقضيته أنه يجزىء تشميت الصبي عن جمع لأن القصد التبرك والدعاء كصلاة الجنازة » ويسقط بردّ العجوز. وفي رد الشابة قولان عندنا، وعند الشافعية لو ردّت امرأة عن رجل أجزأ إن شرع السلام عليها وعليه فلا يختص بالعجوز بل المحرم وأمة الرجل وزوجته كذلك، وفي «تحفتهم » ويدخل في المسنون سلام امرأة على امرأة أو نحو محرم أو سيد أو زوج، وكذا على أجنبي وهي عجوز لا تشتهى، ويلزمها في هذه الصورة ردّ سلام الرجل، أما مشتهاة ليس معها امرأة أخرى فيحرم عليها ردّ سلام أجنبي، ومثله ابتداءُه، ويكره له رد سلامها ومثله ابتداءُه أيضاً، والفرق أن ردها وابتداءها يطمعه فيها أكثر بخلاف ابتدائه ورده ؛ والخنثى مع رجل كامرأة ومع امرأة كرجل في النظر فكذا هنا، ولو سلم على جمع نسوة وجب ردّ إحداهن إذ لا يخشى فتنة حينئذٍ، ومن ثَمَّ حلت الخلوة بامرأتين، والظاهر أن الأمرد هنا كالرجل ابتداءاً وردّاً، وفي «الدر المختار » لو قال :السلام عليك يا زيد لم يسقط برد غيره، ولو قال :يا فلان أو أشار لمعين سقط، ولو سلم جمع مترتبون على واحد فرد مرة قاصداً جميعهم، وكذا لو أطلق على الأوجه أجزأه ما لم يحصل فصل ضار، ولا بدّ في الابتداء والردّ من رفع الصوت بقدر ما يحصل به السماع بالفعل ولو في ثقيل السمع، نعم إن مرّ عليه سريعاً بحيث لم يبلغه صوته فالذي يظهر أنه يلزمه الرفع وسعه، ولا يجهر بالرد الجهر الكثير، والمروي عن الإمام رضي الله تعالى عنه لعله مقيد بغير هذه الصورة دون العدو خلفه، واستظهر أنه لا بد من سماع جميع الصيغة ابتداءاً ورداً، والفرق بينه وبين إجابة أذان سمع بعضه ظاهر، ولو سلم يهودي أو نصراني أو مجوسي فلا بأس بالردّ، ولكن لا يزيد في الجواب على قوله :وعليك كما في «الخانية »، وروي ذلك مرفوعاً في الصحيح، ولا يسلم ابتداءاً على كافر لقوله عليه الصلاة والسلام :
" لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه " رواه البخاري ؛ وأوجب بعض الشافعية ردّ سلام الذمي بعليك فقط، وهو الذي يقتضيه كلام «الروضة » لكن قال البلقيني والأذرعي والزركشي :إنه يسن ولا يجب، وعن الحسن يجوز أن يقال للكافر :وعليك السلام، ولا يقل رحمة الله تعالى فإنها استغفار، وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلم عليه ذلك فقيل له فيه فقال :أليس في رحمة الله تعالى يعيش. وأخرج ابن المنذر من طريق يونس بن عبيد عن الحسن أنه قال في الآية :إن حيوا بأحسن منها للمسلمين أو ردوها لأهل الكتاب، وورد مثله عن قتادة، ورخص بعض العلماء ابتداءهم به إذا دعت إليه داعية ويؤدي حينئذٍ بالسلام، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يقول للذمي والظاهر عند الحاجة السلام عليك ويريد كما قال الله تعالى عليك أي هو عدوك، ولا مانع عندي إن لم يقصد ذلك من أن يقصد الدعاء له بالسلامة بمعنى البقاء حياً ليسلم أو يعطي الجزية ذليلاً، وفي «الأشباه » النص على ذلك في الدعاء له بطول البقاء، بقي الخلاف في الاتيان بالواو عند الردّ له، وعامة المحدثين كما قال الخطابي بإثباتها في الخبر غير سفيان بن عيينة فإنه يرويه بغير واو، واستصوب لأن الواو تقتضي الاشتراك معه، والدخول فيما قال، وهو قد يقول السام عليكم كما يدل عليه خبر عمر رضي الله تعالى عنه، ووجه العلامة الطيبي إثباتها بأن مدخولها قد يقطع عما عطف عليه لإفادة العموم بحسب اقتضاء المقام فيقدر هنا عليكم اللعنة، أو الغضب، وعليكم ما قلتم، ولا يخفى خفاء ذلك، وإن أيده بما ظنه شيئاً فالأولى ما في «الكشف » من أن رواية الجمهور هو الصواب وهما مشتركان في أنهما على سبيل الدعاء.
ولكن يستجاب دعاء المسلم على الكافر ولا يستجاب دعاؤه عليه، فقد جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم لما قالت عائشة في رهط اليهود القائلين له عليه الصلاة والسلام :" السام عليك، بل عليكم السام واللعنة، أنه صلى الله عليه وسلم قال :لا تكوني فاحشة، قالت :أو لم تسمع ما قالوا ؟ا قال :رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في " ويجب في الردّ على الأصم الجمع بين اللفظ والإشارة ليعلم، بل العلم هو المدار، ولا يلزمه الرد إلا إن جمع له المسلم عليه بينهما، وتكفي إشارة الأخرس ابتداءاً ورداً ويجب ردّ جواب كتاب التحية كردّ السلام. وعند الشافعية يكفي جوابه كتابة ويجب فيها إن لم يرد لفظاً الفور فيما يظهر، ويحتمل خلافه، ولو قال لآخر :أقرىء فلاناً السلام يجب عليه أن يبلغه وعللوه بأن ذلك أمانة ويجب أداؤهما، ويؤخذ منه أن محله ما إذا رضي بتحمل تلك الأمانة أما لو ردها فلا، وكذا إن سكت أخذاً من قولهم :لا ينسب لساكت قول، ويحتمل التفصيل بين أن تظهر منه قرينة تدل على الرضا وعدمه، وإذا قلنا بالوجوب، فالظاهر عند بعض أنه لا يلزمه قصد الموصي له بل إذا اجتمع به وذكر بلغه، وقال بعض المحققين الذي يتجه أنه يلزمه قصد محله حيث لا مشقة شديدة عرفاً عليه لأن أداء الأمانة ما أمكن واجب، وفرق بعضهم بين أن يقول المرسل :قل له فلان يقول :السلام عليك وبين ما لو قال له سلم لي، والظاهر عدم الفرق وفاقاً لما نقل عن النووي فيجب فيهما الرد ويسن الردّ على المبلغ والبداءة فيقول :وعليك وعليه السلام للخبر المشهور فيه.
وأوجبوا ردّ سلام صبي أو مجنون مميز، وكذا سكران مميز لم يعص بسكره، وقول «المجموع » :لا يجب ردّ سلام مجنون وسكران يحمل على غير المميز وزعم أن الجنون والسكر ينافيان التمييز غفلة عما صرحوا به من عدم التنافي، ولا يجب ردّ سلام فاسق أو مبتدع زجراً له أو لغيره، وإن شرع سلامه، وكذا لا يجب ردّ سلام السائل لأنه ليس للتحية بل لأجل أن يعطى، ولا ردّ سلام المتحلل من الصلاة إذا نوى الحاضر عنده على الأوجه لأن المهم له التحلل وقصد الحاضر به لتعود عليه بركته وذلك حاصل وإن لم يرد، وإنما حنث به الحالف على ترك الكلام والسلام لأن المدار فيهما على صدق الاسم لا غير، وقد نص على ذلك علماء الشافعية ولم أر لأصحابنا سوى التصريح بالحنث فيمن حلف لا يكلم زيداً فسلم على جماعة هو فيهم، وأما التصريح بهذه المسألة فلم أره، وصرح في «الضياء » بعدم وجوب الردّ لو قال المسلم :السلام عليكم بجزم الميم، وكأنه على ما في «تحفتنا » لمخالفة السنة، وعليه لو رفع الميم بلا تنوين ولا تعريف كان كجزم الميم في عدم وجوب الرد لمخالفته السنة أيضاً.
وجزم غير واحد من الشافعية أن صيغة السلام ابتداءاً وجواباً عليك السلام وعكسه، وأنه يجوز تنكير لفظه وإن حذف التنوين، وأنه يجزىء سلاماً عليكم، وكذا سلام الله تعالى، بل وسل
﴿ الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ مبتدأ وخبر، وقوله سبحانه : ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة ﴾ جواب قسم محذوف أي والله ليجمعنكم، والجملة إما مستأنفة لا محل لها من الإعراب، أو خبر ثان، أو هي الخبر، و ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ اعتراض واحتمال أن تكون خبراً بعد خبر لكان، وجملة ﴿ الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ معترضة مؤكدة لتهديد قصد بما قبلها وما بعدها بعيد، ثم الخبر وإن كان هو القسم وجوابه لكنه في الحقيقة الجواب فلا يرد وقوع الإنشاء خبراً، ولا أن جواب القسم من الجمل التي لا محل لها من الإعراب فكيف يكون خبراً مع أنه لا امتناع من اعتبار المحل وعدمه باعتبارين، والجمع بمعنى الحشر، ولهذا عدي بإلى كما عدي الحشر بها في قوله تعالى : ﴿ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ ﴾ [ آل عمران :١٥٨ ]، وقد يقال :إنما عدي بها لتضمينه معنى الإفضاء المتعدي بها أي ليحشرنكم من قبوركم إلى حساب يوم القيامة، أو مفضين إليه، وقيل :إلى بمعنى في كما أثبته أهل العربية أي ليجمعنكم في ذلك اليوم ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ أي في يوم القيامة، أو في الجمع، فالجملة إما حال من اليوم، أو صفة مصدر محذوف أي :جمعاً لا ريب فيه والقيامة بمعنى القيام، ودخلت التاء فيه للمبالغة كعلامة ونسابة وسمي ذلك اليوم بذلك لقيام الناس فيه للحساب مع شدة ما يقع فيه من الهول، ومناسبة الآية لما قبلها ظاهرة، وهي أنه تعالى لما ذكر ﴿ إِنَّ الله ﴾ تعالى ﴿ كَانَ على كُلّ شَىْء حَسِيباً ﴾ [ النساء :٨٦ ] تلاه بالإعلام بوحدانيته سبحانه والحشر والبعث من القبور للحساب بين يديه، وقال الطبرسي :وجه النظم أنه سبحانه لما أمر ونهى فيما قبل بيّن بعد أنه لا يستحق العبادة سواه ( ليعملوا على حسب ما أوجبه عليهم، وأشار إلى أن لهذا العمل جزاءاً ببيان وقته )، وهو يوم القيامة ليجدوا فيه ويرغبوا ويرهبوا
﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً ﴾ الإستفهام إنكاري، والتفضيل باعتبار الكمية في الأخبار الصادقة لا الكيفية إذ لا يتصور فيها تفاوت لما أن الصدق المطابقة للواقع وهي لا تزيد، فلا يقال لحديث معين :إنه أصدق من آخر إلا بتأويل وتجوز، والمعنى لا أحد أكثر صدقاً منه تعالى في وعده وسائر أخباره ويفيد نفي المساواة أيضاً كما في قولهم :ليس في البلد أعلم من زيد، وإنما كان كذلك لاستحالة نسبة الكذب إليه سبحانه بوجه من الوجوه، ولا يعرف خلاف بين المعترفين بأن الله تعالى متكلم بكلام في تلك الاستحالة، وإن اختلف مأخذهم في الاستدلال.
وقد استدل المعتزلة على استحالة الكذب في كلام الرب تعالى بأن الكلام من فعله تعالى، والكذب قبيح لذاته والله تعالى لا يفعل القبيح وهو مبني على قولهم :بالحسن والقبح الذاتيين وإيجابهم رعاية الصلاح والأصلح، وأما الأشاعرة فلهم كما قال الآمدي في بيان استحالة الكذب في كلامه تعالى القديم النفساني مسلكان :عقلي وسمعي، أما المسلك الأول :فهو أن الصدق والكذب في الخبر من الكلام النفساني القديم ليس لذاته ونفسه بل بالنظر إلى ما يتعلق به من المخبر عنه فإن كان قد تعلق به على ما هو عليه كان الخبر صدقاً، وإن كان على خلافه كان كذباً، وعند ذلك فلو تعلق من الرب سبحانه كلامه القائم على خلاف ما هو عليه لم يخل إما أن يكون ذلك مع العلم به أو لا لا جائز أن يكون الثاني، وإلا لزم الجهل الممتنع عليه سبحانه من أوجه عديدة، وإن كان الأول فمن كان عالماً بالشيء يستحيل أن لا يقوم به الإخبار عنه على ما هو به وهو معلوم بالضرورة، وعند ذلك فلو قام بنفسه الإخبار عنه على خلاف ما هو عليه حال كونه عالماً به مخبراً عنه على ما هو عليه لقام بالنفس الخبر الصادق والكاذب بالنظر إلى شيء واحد من جهة واحدة، وبطلانه معلوم بالضرورة.
واعترض بأنا نعلم ضرورة من أنفسنا أنا حال ما نكون عالمين بالشيء يمكننا أن نخبر بالخبر الكاذب، ونعلم كوننا كاذبين، ولولا أنا عالمون بالشيء المخبر عنه لما تصور علمنا بكوننا كاذبين، وأجيب بأن الخبر الذي نعلم من أنفسنا كوننا كاذبين فيه إنما هو الخبر اللساني، وأما النفساني فلا نسلم صحة علمنا بكذبه حال الحكم به، وأما الملسك الثاني :فهو أنه قد ثبت صدق الرسول صلى الله عليه وسلم بدلالة المعجزة القاطعة فيما هو رسول فيه على ما بين في محله. وقد نقل عنه بالخبر المتواتر أن كلام الله تعالى صدق، وأن الكذب عليه سبحانه محال، ونظر فيه الآمدي بأن لقائل أن يقول :صحة السمع متوقفة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وصدقه متوقف على استحالة الكذب على الله تعالى من حيث إن ظهور المعجزة على وفق تحديه بالرسالة نازل منزلة التصديق من الله سبحانه له في دعواه، فلو جاز الكذب عليه جل شأنه لأمكن أن يكون كاذباً في تصديقه له ولا يكون الرسول صادقاً، وإذا توقف كل منهما على صاحبه كان دوراً. لا يقال إثبات الرسالة لا يتوقف على استحالة الكذب على الله تعالى ليكون دوراً فإنه لا يتوقف إثبات الرسالة على الإخبار بكونه رسولاً حتى يدخله الصدق والكذب، بل على إظهار المعجزة على وفق تحديه، وهو منزل منزلة الإنشاء، وإثبات الرسالة وجعله رسولاً في الحال كقول القائل :وكلتك في أشغالي، واستنبتك في أموري، وذلك لا يستدعي تصديقاً ولا تكذيباً إذ يقال حينئذ :فلو ظهرت المعجزة على يد شخص لم يسبق منه التحدي بناءاً على جوازه على أصول الجماعة لم تكن المعجزة دالة على ثبوت رسالته إجماعاً ولو كان ظهور المعجزة على يده منزل منزلة الإنشاء لرسالته لوجب أن يكون رسولاً متبعاً بعد ظهورها، وليس كذلك، وكون الإنشاء مشروطاً بالتحدي بعيد بالنظر إلى حكم الإنشاءات، وبتقدير أن يكون كذلك غايته ثبوت الرسالة بطريق الإنشاء، ولا يلزم منه أن يكون الرسول صادقاً في كل ما يخبر به دون دليل عقلي يدل على صدقه فيما يخبر به، أو تصديق الله تعالى له في ذلك، ولا دليل عقلي يدل على ذلك، وتصديق الله تعالى له لو توقف على صدق خبره عاد ما سبق، فينبغي أن يكون هذا المسلك السمعي في بيان استحالة الكلام اللساني وهو صحيح فيه، والسؤال الوارد ثم منقطع هنا فإن صدق الكلام اللساني وإن توقف على صدق الرسول لكن صدق الرسول غير متوقف على صدق الكلام اللساني بل على الكلام اللساني نفسه فامتنع الدور الممتنع، وفي «المواقف » :الاستدلال على امتناع الكذب عليه تعالى عند أهل السنة بثلاثة أوجه :الأول :أنه نقص والنقص ممنوع إجماعاً، وأيضاً فيلزم أن يكون نحن أكمل منه سبحانه في بعض الأوقات أعني وقت صدقنا في كلامنا، والثاني :أنه لو اتصف بالكذب سبحانه لكان كذبه قديماً إذ لا يقوم الحادث بذاته تعالى فيلزم أن يمتنع عليه الصدق، فإن ما ثبت قدمه استحال عدمه واللازم باطل، فإنا نعلم بالضرورة أن من علم شيئاً أمكن له أن يخبر عنه على ما هو عليه، وهذان الوجهان إنما يدلان على أن الكلام النفسي الذي هو صفة قائمة بذاته تعالى يكون صادقاً، ثم أتى بالوجه الثالث :دليلاً على استحالة الكذب في الكلام اللفظي والنفسي على طرز ما في المسلك الثاني، وقد علمت ما للآمدي فيه فتدبر جميع ذلك ليظهر لك الحق.
﴿ فَمَا لَكُمْ ﴾ مبتدأ وخبر، والاستفهام للإنكار، والنفي والخطاب لجميع المؤمنين، ( وما فيه من معنى التوبيخ لبعضهم )، وقوله سبحانه : ﴿ فِى * المنافقين ﴾ يحتمل كما قال السمين أن يكون متعلقاً بما يدل عليه قوله تعالى : ﴿ فِئَتَيْنِ ﴾ ( من معنى الافتراق ) أي فما لكم تفترقون في المنافقين، وأن يكون حالاً من ﴿ فِئَتَيْنِ ﴾ أي فئتين مفترقتين في المنافقين، فلما قدم نصب على الحال، وأن يكون متعلقاً بما تعلق به الخبر أي أي شيء كائن لكم في أمرهم وشأنهم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وفي انتصاب ﴿ فِئَتَيْنِ ﴾ وجهان كما في «الدر المصون ». وأحدهما :أنه حال من ضمير ﴿ لَكُمْ ﴾ المجرور والعامل فيه الاستقرار، أو الظرف لنيابته عنه، وهذه الحال لازمة لا يتم الكلام بدونها، وهذا مذهب البصريين في هذا التركيب وما شابهه، وثانيهما :وهو مذهب الكوفيين أنه خبر كان مقدرة أي مالكم في شأنهم كنتم فئتين، ورد بالتزام تنكيره في كلامهم نحو ﴿ فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ ﴾ [ المدثر :٤٩ ] وأما ما قيل على الأول :من أن كون ذي الحال بعضاً من عامله غريب لا يكاد يصح عند الأكثرين فلا يكون معمولاً له، ولا يجوز اختلاف العامل في الحال وصاحبها فمن فلسفة النحو كما قال الشهاب، والمراد إنكار أن يكون للمخاطبين شيء مصحح لاختلافهم في أمر المنافقين، وبيان وجوب قطع القوم بكفرهم وإجرائهم مجرى المجاهرين في جميع الأحكام وذكرهم بعنوان النفاق باعتبار وصفهم السابق.
أخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال :هم قوم خرجوا من مكة حتى جاءوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون ثم ارتدوا بعد ذلك فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها، فاختلف فيهم المسلمون فقائل يقول :هم منافقون وقائل يقول :هم مؤمنون، فبين الله تعالى نفاقهم وأنزل هذه الآية وأمر بقتلهم. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال : «هم ناس تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقاموا بمكة وأعلنوا الإيمان ولم يهاجروا فاختلف فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتولاهم ناس وتبرأ من ولايتهم آخرون وقالوا :تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يهاجروا فسماهم الله تعالى منافقين وبرأ المؤمنين من ولايتهم وأمرهم أن لا يتولوهم حتى يهاجروا »، وأخرج الشيخان والترمذي والنسائي وأحمد وغيرهم عن زيد بن ثابت «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد فرجع ناس خرجوا معه فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فئتين فرقة تقول :نقتلهم وفرقة تقول :لا فأنزل الله تعالى : ﴿ فَمَا لَكُمْ فِى المنافقين ﴾ الآية كلها » ويشكل على هذا ما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى من جعل هجرتهم غاية للنهي عن توليتهم إلا أن يصرف عن الظاهر كما ستعلمه، وقيل :هم العرنيون الذين أغاروا على السرح وأخذوا يساراً راعى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومثلوا به فقطعوا يديه ورجليه وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات، ويرده كما قال شيخ الإسلام ما سيأتي إن شاء الله تعالى من الآيات الناطقة بكيفية المعاملة معهم من السلم والحرب وهؤلاء قد أخذوا، وفعل بهم ما فعل من المثلة والقتل ولم ينقل في أمرهم اختلاف المسلمين، وقيل غير ذلك.
﴿ والله أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ ﴾ حال من المنافقين مفيد لتأكيد الإنكار السابق، وقيل :من ضمير المخاطبين والرابط الواو، وقيل :مستأنفة والباء للسببية، وما إما مصدرية وإما موصولة، وأركس وركس بمعنى، واختلف في معنى الركس لغة، فقيل :الرد كما قيل في قول أمية بن أبي الصلت :
فأركسوا في جحيم النار أنهم كانوا عصاة وقالوا الإفك والزورا
وهذه رواية الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والمعنى حينئذ والله تعالى ردهم إلى الكفر بعد الإيمان بسبب ما كسبوه من الارتداد واللحوق بالمشركين أو نحو ذلك أو بسبب كسبهم، وقيل :هو قريب من النكس، وحاصله أنه تعالى رماهم منكسين فهو أبلغ من التنكيس لأن من يرمى منكساً في هوة قلما يخلص منها، والمعنى أنه سبحانه بكسبهم الكفر، أو بما كسبوه منه قلب حالهم ورماهم في حفر النيران. وأخرج ابن جرير عن السدي أنه فسر ﴿ أَرْكَسَهُمْ ﴾ بأضلهم وقد جاء الإركاس بمعنى الإضلال، ومنه :
( وأركستني ) عن طريق الهدى وصيرتني مثلاً للعدا
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال :المعنى حبسهم في جهنم، والبخاري عنه أن المعنى بددهم أي فرقهم وفرق شملهم، وابن المنذر عن قتادة أهلكهم، ولعلها معان ترجع إلى أصل واحد، وروي عن عبد الله وأبيّ أنهما قرآ ركسوا بغير ألف، وقد قرأ ركّسهم مشدداً.
﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله ﴾ توبيخ للفئة القائلة بإيمان أولئك المنافقين على زعمهم ذلك، وإشعار بأن يؤدي إلى محاولة المحال الذي هو هداية من أضله الله تعالى، وذلك لأن الحكم بإيمانهم وادعاء اهتدائهم مع أنهم بمعزل من ذلك سعي في هدايتهم وإرادة لها، فالمراد بالموصول المنافقون إلا أن وضع موضع ضميرهم لتشديد الإنكار وتأكيد استحالة الهداية بما ذكر في حيز الصلة، وحمله على العموم، والمذكورون داخلون فيه دخولاً أولياً كما زعمه أبو حيان ليس بشيء، وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون متعلقها للمبالغة في إنكاره ببيان أن إرادته مما لا يمكن فضلاً عن إمكان نفسه، والآية ظاهرة في مذهب الجماعة، وحمل الهداية والإضلال على الحكم بها خلاف الظاهر، ويبعده قوله تعالى : ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾ فإن المتبادر منه الخلق أي من يخلق فيه الضلال كائناً من كان ويدخل هنا من تقدم دخولاً أولياً فلن تجد له سبيلاً من السبل فضلاً عن أن تهديه إليه، والخطاب في ﴿ تَجِدُ ﴾ لغير معين، أو لكل أحد من المخاطبين للإشعار ( بعدم ) الوجدان للكل على سبيل التفصيل، ونفي وجدان السبيل أبلغ من نفي الهادي، وحمل إضلاله تعالى على حكمه وقضائه بالضلال مخل بحسن المقابلة بين الشرط والجزاء، وجعل السبيل بمعنى الحجة، وأن المعنى من يجعله الله تعالى في حكمه ضالاً فلن تجد له في ضلالته حجة كما قال جعفر بن حرب ليس بشيء كما لا يخفى، والجملة إما اعتراض تذييلي مقرر للإنكار السابق مؤكد لاستحالة الهداية، أو حال من فاعل ﴿ تُرِيدُونَ ﴾ أو ﴿ تَهْدُواْ ﴾، والرابط الواو.
﴿ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾ بيان لغلوهم وتماديهم في الكفر وتصديهم لإضلال غيرهم إثر بيان كفرهم وضلالتهم في أنفسهم، و ﴿ لَوْ ﴾ مصدرية لا جواب لها أي تمنوا أن تكفروا ؛ وقوله تعالى : ﴿ كَمَا كَفَرُواْ ﴾ نعت لمصدر محذوف، و ( ما ) مصدرية أي كفراً مثل كفرهم، أو حال من ضمير ذلك المصدر كما هو رأي سيبويه، ولا دلالة في نسبة الكفر إليهم على أنه مخلوق لهم استقلالاً لا دخل لله تعالى فيه لتكون هذه الآية دليلاً على صرف ما تقدم عن ظاهره كما زعمه ابن حرب لأن أفعال العباد لها نسبة إلى الله تعالى باعتبار الخلق، ونسبة إلى العباد باعتبار الكسب بالمعنى الذي حققناه فيما تقدم، وقوله تعالى : ﴿ فَتَكُونُونَ سَوَاء ﴾ عطف على ﴿ لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾ داخل معه في حكم التمني أي :ودوا لو تكفرون فتكونون مستوين في الكفر والضلال، وجوز أن تكون كلمة ﴿ لَوْ ﴾ على بابها، وجوابها محذوف كمفعول ( ود ) أي ودوا كفركم لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء لسروا بذلك
﴿ فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء ﴾ الفاء فصيحة، وجمع ﴿ أَوْلِيَاء ﴾ مراعاة لجمع المخاطبين فإن المراد نهي كل من المخاطبين عن اتخاذ كل من المنافقين ولياً أي إذا كان حالهم ما ذكر من الودادة فلا توالوهم. ﴿ حتى يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ الله ﴾ أي حتى يؤمنوا وتحققوا إيمانهم بهجرة هي لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لا لغرض من أغراض الدنيا، وأصل السبيل الطريق، واستعمل كثيراً في الطريق الموصلة إليه تعالى وهي امتثال الأوامر واجتناب النواهي، والآية ظاهرة في وجوب الهجرة. وقد نص في «التيسير » على أنها كانت فرضاً في صدر الإسلام، وللهجرة ثلاث استعمالات :أحدها :الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام وهو الاستعمال المشهور، وثانيها :ترك المنهيات، وثالثها :الخروج للقتال وعليه حمل الهجرة من قال :إن الآية نزلت فيمن رجع يوم أحد على ما حكاه خبر الشيخين وجزم به في الخازن ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ أي أعرضوا عن الهجرة في سبيل الله تعالى كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ﴿ فَخُذُوهُمْ ﴾ إذا قدرتم عليهم ﴿ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ من الحل والحرم فإن حكمهم حكم سائر المشركين أسراً وقتلاً، وقيل :المراد القتل لا غير إلا أن الأمر بالأخذ لتقدمه على القتل عادة. ﴿ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ أي جانبوهم مجانبة كلية ولا تقبلوا منهم ولاية ولا نصرة أبداً كما يشعر بذلك المضارع الدال على الاستمرار أو التكرير المفيد للتأكيد.
﴿ إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق ﴾ استثناء من الضمير في قوله سبحانه : ﴿ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم ﴾ [ النساء :٨٩ ] أي إلا الذين يصلون وينتهون إلى قوم عاهدوكم ولم يحاربوكم وهم بنو مدلج. أخرج ابن أبي شيبة وغيره عن الحسن أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال :لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل بدر وأحد وأسلم من حولهم قال سراقة :بلغني أنه عليه الصلاة والسلام يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي من بني مدلج فأتيته فقلت :أنشدك النعمة، فقالوا :مه ؛ فقال :دعوه ما تريد ؟ قلت :بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي، وأنا أريد أن توادعهم، فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإسلام، وإن لم يسلموا لم تخش بقلوب قومك عليهم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد خالد فقال :اذهب معه فافعل ما يريد فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن أسلمت قريش أسلموا معهم ومن وصل إليهم من الناس كانوا على مثل عهدهم فأنزل الله تعالى : ﴿ وَدُّواْ ﴾ [ النساء :٨٩ ] حتى بلغ ﴿ إِلاَّ الذين يَصِلُونَ ﴾ فكان من وصل إليهم كانوا معهم على عهدهم، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الآية نزلت في هلال بن عويمر الأسلمي وسراقة بن مالك المدلجي وفي بني جذيمة بن عامر، ولا يجوز أن يكون استثناء من الضمير في ﴿ فَلاَ تَتَّخِذُواْ ﴾ [ النساء :٨٩ ] وإن كان أقرب لأن اتخاذ الولي منهم حرام مطلقاً.
﴿ أَوْ جَاءوكُمْ ﴾ عطف على الصلة أي ( و ) الذين جاءوكم كافين من قتالكم وقتال قومهم، فقد استثنى من المأمور بأخذهم وقتلهم فريقان :من ترك المحاربين ولحق بالمعاهدين ؛ ومن أتى المؤمنين وكف عن قتال الفريقين، أو عطف على صفة قوم كأنه قيل :إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين، أو إلى قوم كافين عن القتال لكم وعليكم، والأول :أرجح رواية ودراية إذ عليه يكون لمنع القتال سببان :الاتصال بالمعاهدين، والاتصال بالكافين وعلى الثاني :يكون السببان الاتصال بالمعاهدين والاتصال بالكافين لكن قوله تعالى الآتي : ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم ﴾ الخ يقرر أن أحد السببين هو الكف عن القتال لأن الجزاء مسبب عن الشرط فيكون مقتضياً للعطف على الصلة إذ لو عطف على الصفة كان أحد السببين الاتصال بالكافين لا الكف عن القتال، فإن قيل :لو عطف على الصفة تحققت المناسبة أيضاً لأن سبب منع التعرض حينئذ الاتصال بالمعاهدين والاتصال بالكافين، والاتصال بهؤلاء وهؤلاء سبب للدخول في حكمهم/
وقوله سبحانه : ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم ﴾ يبين حكم الكافين لسبق حكم المتصلين بهم، أجيب :بأن ذلك جائز إلا أن الأول أظهر وأجرى على أسلوب كلام العرب لأنهم إذا استثنوا بينوا حكم المستثنى تقريراً وتوكيداً، وقال الإمام : «جعل الكف عن القتال سبباً لترك التعرض أولى من جعل الاتصال بمن يكف عن القتال سبباً ( قريباً ) لترك التعرض لأنه سبب بعيد » على أن المتصلين بالمعاهدين ليسوا معاهدين لكن لهم حكمهم بخلاف المتصلين بالكافين فإنهم إن كفوا فهم هم وإلا فلا أثر له، وقرأ أبي ﴿ جَاءوكُمْ ﴾ بغير أو على أنه استئناف وقع جواباً لسؤال كأنه قيل :كيف كان الميثاق بينكم وبنيهم ؟ فقيل :جاءوكم الخ، وقيل :يقدر السؤال كيف وصلوا إلى المعاهدين ومن أين علم ذلك وليس بشيء، أو على أنه صفة بعد صفة لقوم، أو بيان ليصلون، أو بدل منه، وضعف أبو حيان البيان بأنه لا يكون في الأفعال، والبدل أنه ليس إياه ولا بعضه ولا مشتملاً عليه، وأجيب بأن الإنتهاء إلى المعاهدين والاتصال بهم حاصله الكف عن القتال فصح جعل مجيئهم إلى المسلمين بهذه الصفة، وعلى هذه العزيمة بياناً لاتصالهم بالمعاهدين، أو بدلاً منه كلاً أو بعضاً أو اشتمالاً وكون ذلك لا يجري في الأفعال لا يقول به أهل المعاني، وقيل :هو معطوف على حذف العاطف/
وقوله تعالى : ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ حال بإضمار قد، ويؤيده قراءة الحسن حصرة صدورهم وكذا قراءة حصرات وحاصرات واحتمال الوصفية السببية لقوم لاستواء النصب والجر بعيد.
وقيل :هو صفة لموصوف محذوف هو حال من فاعل جاءوا أي جاءُكم قوماً حصرت صدورهم ولا حاجة حينئذ إلى تقدير قد، وما قيل :إن المقصود بالحالية هو الوصف لأنها حال موطئة فلا بد من قد سيما عند حذف الموصوف فما ذكر التزام لزيادة الإضمار من غير ضرورة غير مسلم، وقيل :بيان لجاءوكم وذلك كما قال الطيبي لأن مجيئهم غير مقاتلين و ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ أن يقاتلوكم بمعنى واحد، وقال العلامة الثاني :من جهة أن المراد بالمجيء الاتصال وترك المعاندة والمقاتلة لا حقيقة المجيء، أو من جهة أنه بيان لكيفية المجيء، وقيل :بدل اشتمال من ﴿ جَاءوكُمْ ﴾ لأن المجيء مشتمل على الحصر وغيره، وقيل :إنها جملة دعائية، ورد بأنه لا معنى للدعاء على الكفار بأن لا يقاتلوا قومهم، بل بأن يقع بينهم اختلاف وقتل، والحصر بفتحتين الضيق والانقباض
﴿ ان يقاتلوكم أَوْ يقاتلوا قَوْمَهُمْ ﴾ أي عن أن يقاتلوكم، أو لأن، أو كراهة أن ﴿ وَلَوْ شَاء الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ بأن قوى قلوبهم وبسط صدورهم وأزال الرعب عنهم ﴿ فلقاتلوكم ﴾ عقيب ذلك ولم يكفوا عنكم، واللام جوابية لعطفه على الجواب، ولا حاجة لتقدير لو، وسماها مكي وأبو البقاء لام المجازاة والازدواج، وهي تسمية غريبة، وفي الإعادة إشارة إلى أنه جواب مستقل والمقصود من ذلك الامتنان على المؤمنين، وقرىء ( فلقتلوكم ).
بالتخفيف والتشديد ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم ﴾ ولم يتعرضوا لكم ﴿ فَلَمْ يقاتلوكم ﴾ مع ما علمتم من تمكنهم من ذلك بمشيئة الله تعالى ﴿ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم ﴾ أي الصلح فانقادوا واستسلموا، وكان إلقاء السلم استعارة لأن من سلم شيئاً ألقاه وطرحه عند المسلم له، وقرىء بسكون اللام مع فتح السين وكسرها ﴿ فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾ فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم، وفي نفي جعل السبيل مبالغة في عدم التعرض لهم لأن من لا يمر بشيء كيف يتعرض له. وهذه الآيات منسوخة الحكم بآية براءة ﴿ فَإِذَا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ [ التوبة :٥ ] وقد روي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره.
﴿ سَتَجِدُونَ ءاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ ﴾ هم أناس كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا نبي الله تعالى صلى الله عليه وسلم ويأمنوا قومهم فأبى الله تعالى ذلك عليهم قاله ابن عباس ومجاهد وقيل :الآية في حق المنافقين ﴿ كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الفتنة ﴾ أي دعوا إلى الشرك كما روي عن السدي وقيل :إلى قتال المسلمين ﴿ أُرْكِسُواْ فِيِهَا ﴾ أي قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه، يروى عن ابن عباس أنه كان الرجل يقول له قومه :بماذا آمنت ؟ فيقول :آمنت بهذا القرد والعقرب والخنفساء ﴿ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ﴾ بالكف عن التعرض لكم بوجه مّا ﴿ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السلم ﴾ أي ولم يلقوا إليكم الصلح والمهادنة ﴿ وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ ﴾ أي ولم يكفوا أنفسهم عن قتالكم.
﴿ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ ﴾ أي وجدتموهم وأصبتموهم حيث تمكنتم منهم، وعن بعض المحققين إن هذه الآية مقابلة للآية الأولى، وبينهما تقابل إما بالإيجاب والسلب، وإما بالعدم والملكة لأن إحداهما عدمية والأخرى وجودية وليس بينهما تقابل التضاد ولا تقابل التضايف لأنهما على ما قرروا لا يوجدان إلا بين أمرين وجوديين فقوله سبحانه : ﴿ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ﴾ مقابل لقوله تعالى : ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم ﴾ [ النساء :٩٠ ] وقوله جل وعلا : ﴿ وَيُلْقُواْ ﴾ مقابل لقوله عز شأنه : ﴿ وَأَلْقَوْاْ ﴾ [ النساء :٩٠ ] وقوله جل جلاله : ﴿ وَيَكُفُّواْ ﴾ مقابل لقوله عز من قائل : ﴿ فَلَمْ يقاتلوكم ﴾ [ النساء :٩٠ ] والواو لا تقتضي الترتيب، فالمقدم مركب من ثلاثة أجزاء في الآيتين، وهي في الآية الأولى الاعتزال وعدم القتال وإلقاء السلم فبهذه الأجزاء الثلاثة تم الشرط، وجزاؤه عدم التعرض لهم بالأخذ والقتل كما يشير إليه قوله تعالى : ﴿ فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾ [ النساء :٩٠ ] وفي الآية الثانية عدم الاعتزال وعدم إلقاء السلم وعدم الكف عن القتال، فبهذه الأجزاء الثلاثة تم الشرط، وجزاؤه الأخذ والقتل المصرح به بقوله سبحانه : ﴿ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم ﴾. ومن هذا يعلم أن ﴿ وَيَكُفُّواْ ﴾ بمعنى لم يكفوا عطف على المنفي لا على النفي بقرينة سقوط النون الذي هو علامة الجزم، وعطفه على النفي والجزم بأن الشرطية لا يصح لأنه يستلزم التناقض لأن معنى ﴿ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ﴾ إن لم يكفوا، وإذا عطف ﴿ وَيَكُفُّواْ ﴾ على النفي يلزم اجتماع عدم الكف والكف، وكلام الله تعالى منزه عنه، وكذا لا يصح كون قوله سبحانه : ﴿ وَيَكُفُّواْ ﴾ جملة حالية أو استئنافية بيانية أو نحوية لاستلزام كل منهما التناقض مع أنه يقتضي ثبوت النون في ﴿ *يكفوا ﴾ على ما هو المعهود في مثله، وأبو حيان جعل الجزاء في الأول :مرتباً على شيئين وفي الثانية :على ثلاثة، والسر في ذلك الإشارة إلى مزيد خباثة هؤلاء الآخرين، وكلام العلامة البيضاوي بيض الله تعالى غرة أحواله في هذا المقام لا يخلو عن تعقيد، وربما لا يوجد له محمل صحيح إلا بعد عناية وتكلف فتأمل جداً ﴿ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ ﴾ الموصوفون بما ذكر من الصفات الشنيعة. ﴿ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سلطانا مُّبِيناً ﴾ أي حجة واضحة فيما أمرناكم به في حقهم لظهور عداوتهم ووضوح كفرهم وخباثتهم، أو تسلطاً لا خفاء فيه من حيث أذنا لكم في أخذهم وقتلهم.
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ شروع في بيان حال المؤمنين بعد بيان حال الكافرين والمنافقين، وقيل :لما رغب سبحانه في قتال الكفار ذكر إثره ما يتعلق بالمحاربة في الجملة أي ما صح له وليس من شأنه ﴿ أَن يَقْتُلَ ﴾ بغير حق ﴿ مُؤْمِناً ﴾ فإن الإيمان زاجر عن ذلك ﴿ إِلاَّ خَطَئاً ﴾ فإنه مما لا يكاد يحترز عنه بالكلية وقلما يخلو المقاتل عنه، وانتصابه إما على أنه حال أي ما كان له أن يقتل مؤمناً في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ، أو على أنه مفعول له أي ما كان له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ، أو على أنه صفة للمصدر أي إلا قتلا خطأ فالاستثناء في جميع ذلك مفرغ وهو استثناء متصل على ما يفهمه كلام بعض المحققين، ولا يلزم جواز القتل خطأ شرعاً حيث كان المعنى أن من شأن المؤمن أن لا يقتل إلا خطأ. وقال بعضهم :الاستثناء في الآية منقطع أي لكن إن قتله خطأ فجزاؤه ما يذكر، وقيل :إلا بمعنى ولا، والتقدير وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً عمداً ولا خطأ، وقيل :الاستثناء من مؤمن أي إلا خاطئاً، والمختار مع الفصل الكثير في مثل ذلك النصب، والخطأ ما لا يقارنه القصد إلى الفعل أو الشخص، أو لا يقصد به زهوق الروح غالباً، أو لا يقصد به محظور كرمي مسلم في صف الكفار مع الجهل بإسلامه، وقرىء خطاء بالمد وخطا بوزن عمى بتخفيف الهمزة، أخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي أن عياش بن أبي ربيعة المخزومي وكان أخا أبي جهل والحرث بن هشام لأمهما أسلم وهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان أحب ولد أمه إليها فشق ذلك عليها فحلفت أن لا يظلها سقف بيت حتى تراه، فأقبل أبو جهل والحرث حتى قدما المدينة فأخبرا عياشاً بما لقيت أمه، وسألاه أن يرجع معهما فتنظر إليه ولا يمنعاه أن يرجع وأعطياه موثقاً أن يخليا سبيله بعد أن تراه أمه فانطلق معهما حتى إذا خرجا من المدينة عمداً إليه فشداه وثاقاً وجلداه نحواً من مائة جلدة، وأعانهما على ذلك رجل من بني كنانة فحلف عياش ليقتلن الكناني إن قدر عليه فقدما به مكة فلم يزل محبوساً حتى فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فخرج عياش فلقي الكناني وقد أسلم، وعياش لا يعلم بإسلامه فضربه حتى قتله فأخبر بعد بذلك فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فنزلت، وروي مثل ذلك عن مجاهد وعكرمة.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد
" أنها نزلت في رجل قتله أبو الدرداء كان في سرية فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة له فوجد رجلاً من القوم في غنم له فحمل عليه بالسيف، فقال :لا إله إلا الله فبدر فضربه، ثم جاء بغنمه إلى القوم ثم وجد في نفسه شيئاً فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :ألا شققت عن قلبه وقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه ؟ا فقال :كيف بي يا رسول الله ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :فكيف بلا إلا إلا الله ؟ا وتكرر ذلك قال أبو الدرداء فتمنيت أن ذلك اليوم مبتدأ إسلامي ثم نزل القرآن "
﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ أي فعليه ( أي فواجبة ) تحرير رقبة والتحرير الإعتاق ؛ وأصل معناه جعله حراً أي كريماً لأنه يقال لكل مكرم حر، ومنه حر الوجه للخد وأحرار الطير، وكذا تحرير الكتاب من هذا أيضاً، والمراد بالرقبة النسمة تعبيراً عن الكل بالجزء، قال الراغب :إنها في المتعارف للمماليك كما يعبر بالرأس والظهر عن المركوب، فيقال :فلان يربط كذا رأساً وكذا ظهراً ﴿ مُؤْمِنَةٍ ﴾ محكوم بإيمانها وإن كانت صغيرة، وإلى ذلك ذهب عطاء، وعن ابن عباس والشعبي وإبراهيم والحسن لا يجزىء في كفارة القتل الطفل ولا الكافر، وأخرج عبد الرزاق عن قتادة قال في حرف أبي :( فتحرير رقبة مؤمنة لا يجزىء فيها صبي )، وفي الآية رد على من زعم جواز عتق كتابي صغير أو مجوسي كبير أو صغير، واستدل بها على عدم إجزاء نصف رقبة ونصف أخرى ﴿ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ﴾ أي مؤداة إلى ورثة القتيل يقتسمونها بينهم على حسب الميراث، فقد أخرج أصحاب «السنن الأربعة » عن الضحاك بن سفيان الكلابي قال :كتب إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أورث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها، ويقضي منها الدين وتنفذ الوصية ولا فرق بينها وبين سائر التركة، وعن شريك لا يقضى من الدية دين ولا تنفذ وصية. وعن ربيعة الغرة لأم الجنين وحدها ؛ وذلك خلاف قول الجماعة، وتجب الرقبة في مال القاتل، والدية تتحملها عنه العاقلة، فإن لم تكن فهي في بيت المال، فإن لم يكن ففي ماله.
﴿ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ ﴾ أي يتصدق أهله عليه، وسمي العفو عنها صدقة حثا عليه، وقد أخرج الشيخان عن النبي صلى الله عليه وسلم :" كل معروف صدقة " وهو متعلق بعليه قبل، أو بمسلمة أي فعليه الدية أو يسلمها في جميع الأحيان إلا حين أن يتصدق أهله بها فحينئذ تسقط ولا يلزم تسليمها، وليس فيه كما قيل دلالة على سقوط التحرير حتى يلزم تقدير عليه آخر قبل قوله : ﴿ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ ﴾ فالمنسبك في محل نصب على الاستثناء، وقال الزمخشري :إن المنسبك في محل النصب على الحال من القاتل أو الأهل أو الظرف، وتعقبه أبو حيان بأن كلا التخريجين خطأ لأن ﴿ ان ﴾ والفعل لا يجوز وقوعهما حالاً، ولا منصوباً على الظرفية كما نص عليه النحاة وذكر أن بعضهم استشهد على وقوع ﴿ ان ﴾ وصلتها موقع ظرف الزمان بقوله :
فقلت لها لا تنكحيه فإنه لأول سهم ( أن ) يلاقي مجمعا
أي لأول سهم زمان ملاقاته، وابن مالك كما قال السفاقسي يقدر في الآية والبيت حرف الجر أي بأن يصدقوا وبأن يلاقي، وقرأ أبي إلا أن يتصدقوا.
﴿ فَإن كَانَ ﴾ أي المقتول خطأ ﴿ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ ﴾ أي كفار يناصبونكم الحرب ﴿ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ ولم يعلم به القاتل لكونه بين أظهر قومه بأن أتاهم بعد ( أن أسلم ) لمهم، أو بأن أسلم فيما بينهم ولم يفارقهم، والآية نزلت كما قال ابن جبير في مرداس بن عمرو لما قتله خطأ أسامة بن زيد ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ أي فعلى قاتله الكفارة دون الدية إذ وراثة بينه وبين أهله ﴿ وَإِن كَانَ ﴾ أي المقتول المؤمن ما روي عن جابر بن زيد ﴿ مِن قَوْمٍ ﴾ كفار ﴿ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق ﴾ أي عهد مؤقت أو مؤبد ﴿ فِدْيَةٌ ﴾ أي فعلى قاتله دية ﴿ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ﴾ من أهل الإسلام إن وجدوا، ولا تدفع إلى ذوي قرابته من الكفار وإن كانوا معاهدين إذ لا يرث الكافر المسلم، ولعل تقديم هذا الحكم كما قيل مع تأخير نظيره فيما سلف للإشعار بالمسارعة إلى تسليم الدية تحاشياً عن توهم نقض الميثاق ﴿ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً ﴾ كما هو حكم سائر المسلمين، ولعل إفراده بالذكر ما قيل أيضاً مع اندراجه في حكم ما سبق في قوله سبحانه : ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً ﴾ الخ لبيان أن كونه فيما بين المعاهدين لا يمنع وجوب الدية كما منعه كونه بين المحاربين. وقيل :المراد بالمقتول هنا أحد أولئك القوم المعاهدين فيلزم قاتله تحرير الرقبة، وأداء الدية إلى أهله المشركين للعهد الذي بيننا وبينهم، وروي ذلك عن ابن عباس والشعبي وأبي مالك، واستدل بها على أن دية المسلم والذمي سواء لأنه تعالى ذكر في كل الكفارة والدية فيجب أن تكون ديتهما سواءاً كما أن الكفارة عنهما سواء. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال :بلغنا أن دية المعاهد كانت كدية المسلم ثم نقصت بعد في آخر الزمان فجعلت مثل نصف دية المسلم ؛ وأخرج أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن دية أهل الكتاب كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم النصف من دية المسلمين وبذلك أخذ مالك.
وعن الشافعي رضي الله تعالى عنه دية اليهودي والنصراني نصف دية المسلم ودية المجوسي ثلثا عشرها، وزعم بعضهم وجوب الدية أيضاً فيما إذا كان المقتول من قوم عدو لنا وهو مؤمن لعموم الآية الأولى، وأن السكوت عن الدية في آيته لا ينفيها، وإنما سكت عنها لأنه لا يجب فيه دية تسلم إلى أهله لأنهم كفار بل تكون لبيت المال، فأراد أن يبين بالسكوت أن أهله لا يستحقون شيئاً، وقال آخرون إن الدية تجب في المؤمن إذا كان من قوم معاهدين، وتدفع إلى أهله الكفار وهم أحق بديته لعهدهم، ولعل هؤلاء لا يعدون ذلك إرثاً إذ لا يرث الكافر ولو معاهداً المسلم كما برهن عليه.
﴿ الهدى فَمَن لَّمْ يَجِدْ ﴾ رقبة يحررها بأن لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها من الثمن ﴿ فَصِيَامُ ﴾ أي فعليه صيام ﴿ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ﴾ قال مجاهد :لا يفطر فيهما ولا يقطع صيامهما، فإن فعل من غير مرض ولا عذر استقبل صيامهما جميعاً، فإن عرض له مرض أو عذر صام ما بقي منهما، فإن مات ولم يصم أطعم عنه ستين مسكيناً لكل مسكين مدّ، رواه ابن أبي حاتم. وأخرج عنه أيضاً أنه قال :فمن لم يجد دية أو عتاقة فعليه الصوم، وبه أخذ من قال :إن الصوم لفاقد الدية والرقبة يجزيه عنهما، والاقتصار على تقدير الرقبة مفعولاً هو المروي عن الجمهور وأخرج ابن جرير عن الضحاك أنه قال :الصيام لمن لم يجد رقبة، وأما الدية فواجبة لا يبطلها شيء، ثم قال وهو الصواب لأن الدية في الخطأ على العاقلة والكفارة على القاتل، فلا يجزىء صوم صائم عما لزم غيره في ماله، واستدل بالآية من قال :إنه لا إطعام في هذه الكفارة، ومن قال :ينتقل إليه عند العجز عن الصوم قاسه على الظهار وهو أحد قولين للشافعي رحمه الله تعالى، وبذكر الكفارة في الخطأ دون العمد، من قال :أن لا كفارة في العمد، والشافعي يقول :هو أولى بها من الخطأ ﴿ تَوْبَةً ﴾ نصب على أنه مفعول له أي شرع لكم ذلك توبة أي قبولاً لها من تاب الله تعالى عليه إذا قبل توبته، وفيه إشارة إلى التقصير بترك الاحتياط. وقيل :التوبة هنا بمعنى التخفيف أي شرع لكم هذا تخفيفاً عليكم، وقيل :إنه منصوب على الحالية من الضمير المجرور في عليه بحذف المضاف أي فعليه صيام شهرين حال كونه ذا توبة، وقيل :على المصدرية أي تاب عليكم توبة، وقوله سبحانه : ﴿ مِنَ الله ﴾ متعلق بمحذوف وقع صفة للنكرة أي توبة كائنة من الله تعالى. ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً ﴾ بجميع الأشياء التي من جملتها حال هذا القاتل ﴿ حَكِيماً ﴾ في كل ما شرع وقضى من الأحكام التي من جملتها ما شرع وقضى في شأنه.
( ومن باب الإشارة ) :في بعض ما تقدم من الآيات : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ أي وما ينبغي لمؤمن الروح ﴿ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً ﴾ وهو مؤمن القلب ﴿ إِلا ﴾ أن يكون قتلاً ﴿ خطأ ﴾، وذلك إنما يكون إذا خلصت الروح من حجب الصفات البشرية فإذا أرادت أن تتوجه إلى النفس أنوارها لتميتها وقع تجليها على القلب فخر صعقاً من ذلك التجلي ودك جبل النفس دكاً فكان قتله خطأ لأنه لم يكن مقصوداً ﴿ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ ﴾ قلباً ﴿ مُؤْمِناً ﴾ خطأ ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ وهي رقبة السر الروحاني وتحريرها إخراجها عن رق المخلوقات ﴿ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ﴾ تسلمها العاقلة وهي الألطاف الإلهية إلى القوى الروحانية فيكون لكل منهما من حظ الأخلاق الربانية ﴿ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ ﴾ وذلك وقت غنائهم بالفناء بالله تعالى ﴿ فَإن كَانَ ﴾ المقتول بالتجلي ﴿ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ ﴾ بأن كان من قوى النفس الأمارة { وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَة
﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً ﴾ بأن يقصد قتله بما يفرق الأجزاء، أو بما لا يطيقه ألبتة عالماً بإيمانه، وهو نصب على الحال من فاعل ﴿ يُقْتَلُ ﴾. وروي عن الكسائي أنه سكن التاء وكأنه فر من توالي الحركات ﴿ فَجَزَاؤُهُ ﴾ الذي يستحقه بجنايته ﴿ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ﴾ أي ماكثاً إلى الأبد، أو مكثاً طويلاً إلى حيث شاء الله تعالى، وهو حال مقدرة من فاعل فعل مقدر يقتضيه المقام كأنه قيل :فجزاؤه أن يدخل جهنم خالداً. وقال أبو البقاء :هو حال من الضمير المرفوع أو المنصوب في يجزاها المقدر، وقيل :هو المنصوب لا غير ويقدر جازاه، وأيد بأنه أنسب بعطف ما بعده عليه لموافقته له صيغة، ومنع جعله حالاً من الضمير المجرور في ﴿ فَجَزَاؤُهُ ﴾ لوجهين، أحدهما :أنه حال من المضاف إليه، وثانيهما :أنه فصل بين الحال وذيها بخبر المبتدأ، وقوله سبحانه : ﴿ وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ ﴾ عطف على مقدر تدل عليه الشرطية دلالة واضحة كأنه قيل :بطريق الاستئناف تقريراً لمضمونها حكم الله تعالى بأن جزاءه ذلك وغضب عليه أي انتقم منه على ما عليه الأشاعرة ﴿ وَلَعَنَهُ ﴾ أي أبعده عن رحمته بجعل جزائه ما ذكر، وقيل :هو وما بعده معطوف على الخبر بتقدير أن وحمل الماضي على معنى المستقبل أي فجزاؤه جهنم وأن يغضب الله تعالى عليه الخ ﴿ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ﴾ لا يقادر قدره.
والآية كما أخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير نزلت في مقيس بن ضبابة الكناني( ١ ) أنه أسلم هو وأخوه هشام وكانا بالمدينة فوجد مقيس أخاه هشاماً ذات يوم قتيلاً في الأنصار في بني النجار فانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من قريش من بني فهر ومعه مقيس إلى بني النجار ومنازلهم يومئذ بقباء أن ادفعوا إلى مقيس قاتل أخيه إن علمتم ذلك وإلا فادفعوا إليه الدية فلما جاءهم الرسول قالوا :السمع والطاعة لله تعالى وللرسول صلى الله عليه وسلم والله تعالى ما نعلم له قاتلاً ولكن نؤدّي الدية فدفعوا إلى مقيس مائة من الإبل دية أخيه، فلما انصرف مقيس والفهري راجعين من قباء إلى المدينة، وبينهما ساعة عمد مقيس إلى الفهري رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله وارتد عن الإسلام، وفي رواية أنه ضرب به الأرض وفضخ رأسه بين حجرين وركب جملاً من الدية وساق معه البقية ولحق بمكة، وهو يقول في شعر له :
قتلت به فهراً وحملت عقله سراة بني النجار أرباب ( قارع )
وأدركت ثأري واضجعت موسدا وكنت إلى الأوثان أول راجع
فنزلت هذه الآية مشتملة على إبراق وإرعاد وتهديد وإبعاد، وقد تأيدت بغير ما خبر ورد عن سيد البشر صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج أحمد والنسائي عن معاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :كل ذنب عسى الله تعالى أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً، وأخرج ابن المنذر عن أبي الدرداء مثله، وأخرج ابن عدي والبيهقي عن ابن عمر قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من أعان على دم امرىء مسلم بشطر كلمة كتب بين عينيه يوم القيامة آيس من رحمة الله تعالى "، وأخرجا عن البراء بن عازب " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :لزوال الدنيا وما فيها أهون عند الله تعالى من قتل مؤمن ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله تعالى النار "، وفي رواية الأصبهاني عن ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام قال :" لو أن الثقلين اجتمعوا على قتل مؤمن لأكبهم الله تعالى على مناخرهم في النار، وإن الله تعالى حرم الجنة على القاتل والآمر "، واستدل بذلك ونحوه من القوارع المعتزلة على خلود من قتل مؤمناً متعمداً في النار، وأجاب بعض المحققين بأن ذلك خارج مخرج التغليظ في الزجر لا سيما الآية لاقتضاء النظم له فيها كقوله تعالى : ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ [ آل عمران :٩٧ ] في آية الحج، وقول صلى الله عليه وسلم للمقداد بن الأسود كما في «الصحيحين » حين سأله عن قتل من أسلم من الكفار بعد أن قطع يده في الحرب " لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول الكلمة التي قال "، وعلى ذلك يحمل ما أخرجه عبد بن حميد عن الحسن قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :نازلت ربي في قاتل المؤمن أن يجعل له توبة فأبى عليَّ " وما أخرجه عن سعيد بن عينا أنه قال :«كنت جالساً بجنب أبي هريرة رضي الله تعالى عنه إذ أتاه رجل فسأله عن قاتل المؤمن هل له من توبة ؟ فقال :لا والذي لا إله إلا هو لا يدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط٢.
وشاع القول بنفي التوبة عن ابن عباس، وأخرجه غير واحد عنه وهو محمول على ما ذكرنا، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن حميد والنحاس عن سعيد بن عبيدة أن ابن عباس كان يقول :لمن قتل مؤمناً توبة فجاءه رجل فسأله ألمن قتل مؤمناً توبة ؟ قال :لا إلا النار فلما قام الرجل قال له جلساؤه :ما كنت هكذا تفتينا كنت تفتينا أن لمن قتل مؤمناً توبة مقبولة فما شأن هذا اليوم ؟ا قال :إني أظنه رجلاً مغضباً يريد أن يقتل مؤمناً فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك، وكان هذا أيضاً شأن غيره من الأكابر فقد قال سفيان :كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا :لا توبة له فإذا ابتلى رجل قالوا له :تب، وأجاب آخرون بأن المراد من الخلود في الآية المكث الطويل لا الدوام لتظاهر النصوص الناطقة بأن عصاة المؤمنين لا يدوم عذابهم، وأخرج ابن المنذر عن عون بن عبد الله أنه قال :( فجزاؤه جهنم إن هو جازاه )، وروي مثله بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قيل :وهذا كما يقول الإنسان لمن يزجره عن أمر :إن فعلته فجزاؤك القتل والضرب، ثم إن لم يجازه لم يكن ذلك منه كذباً، والأصل في هذا على ما قال الواحدي :إن الله عز وجل يجوز أن يخلف الوعيد وإن امتنع أن يخلف الوعد، وبهذا وردت السنة ففي حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" من وعده الله تعالى على عمله ثواباً فهو منجزه له، ومن أوعده على عمله عقاباً فهو بالخيار " «ومن أدعية الأئمة الصادقين رضي الله تعالى عنهم :يا من إذا وعد وفا، وإذا توعد عفا »، وقد افتخرت العرب بخلف الوعيد، ولم تعده نقصاً كما يدل عليه قوله :
وإني إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
واعترض بأن الوعيد قسم من أقسام الخبر، وإذا جاز الخلف فيه وهو كذب لإظهار الكرم، فلم لا يجوز في القصص والأخبار لغرض من الأغراض، وفتح ذلك الباب يفضي إلى الطعن في الشرائع كلها.
والقائلون بالعفو عن بعض المتوعدين منهم من زعم أن آيات الوعيد إنشاء، ومنهم من قال :إنها أخبار إلا أن هناك شرطاً محذوفاً للترهيب فلا خلف بالعفو فيها، وقال شيخ الإسلام : «والتحقيق أنه لا ضرورة إلى تفريع ما نحن فيه على الأصل لأنه إخبار منه تعالى بأن جزاءه ذلك لا بأنه يجزيه ( بذلك ) كيف لا وقد قال عز وجل : ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ [ الشورى :٤٠ ] ولو كان هذا إخباراً بأنه سبحانه يجزي كل سيئة بمثلها لعارضه قوله جل شأنه : ﴿ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ [ الشورى :٣٠ ] وهذا مأخوذ من كلام أبي صالح وبكر بن عبد الله، واعترضه أبو علي الجبائي بأن ما لا يفعل لا يسمى جزاءاً ألا ترى أن الأجير إذا استحق الأجرة فالدراهم التي عند مستأجره لا تسمى جزاءاً ما لم تعط له وتصل إليه ؟ وتعقبه الطبرسي «بأن هذا لا يصح لأن الجزاء عبارة عن المستحق سواء فعل أم لم يفعل، ولهذا يقال :جزاء المحسن الإحسان وجزاء المسيء الإساءة، وإن لم يتعين المحسن والمسيء حتى يقال :فعل ذلك معهما أو لم يفعل، ويقال لمن قتل غيره :جزاء هذا أن يقتل، ( وهو كلام صادق وإن لم يفعل القتل ) وإنما لا يقال للدراهم :إنها جزاء الأجير لأن الأجير إنما يستحق الأجرة في الذمة لا في الدراهم المعينة، فللمستأجر أن يعطيه منها ومن غيرها ».
واعترض بأنا سلمنا أنه لا يلزم في الجزاء أن يفعل إلا أن كثيراً من الآيات كقوله تعالى : ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ ﴾ [ النساء :١٢٣ ] ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾ [ الزلزلة :٨ ] يدل على أنه تعالى يوصل الجزاء إلى المستحقين ألبتة، وفي الآية ما يشير إليه ؛ ولا يخفى ما فيه لأن الآيات التي فيها أنه تعالى يوصل الجزاء إلى مستحقه كلها في حكم آيات الوعيد والعفو فيه جائز، فلا معنى للقول بالبت، ومن هنا قيل :إن الآية لا تصلح دليلاً للمعتزلة مع قوله تعالى : ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ [ النساء :٤٨ ].
وقد أخرج البيهقي عن قريش بن أنس قال : «كنت عند عمرو بن عبيد في بيته فأنشأ يقول :يؤتى بي يوم القيامة فأقام بين يدي الله تعالى فيقول لي :لم قلت :إن القاتل في النار ؟ فأقول أنت قلته ثم تلا هذه الآية ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً ﴾ الخ فقلت له :وما في البيت أصغر مني أرأيت إن قال لك فإني قد قلت : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ [ النساء :٤٨ ] فمن أين علمت أني لا أشاء أن أغفر لهذا ؟ قال :فما استطاع أن يرد عليَّ شيئاً »، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن المنذر عن إسماعيل بن ثوبان قال : «جالست الناس قبل الداء الأعظم في المسجد الأكبر فسمعتهم يقولون لما نزلت ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً ﴾ الآية :قال المهاجرون والأنصار وجبت لمن فعل هذا النار حتى نزلت ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ الخ، فقال المهاجرون والأنصار يصنع الله تعالى ما شاء » وبآية المغفرة ردّ ابن سيرين على من تمسك بآية الخلود وغضب عليه وأخرجه من عنده وكون آية الخلود بعد تلك الآية نزولاً بستة أشهر، أو بأربعة أشهر كما روي عن زيد بن ثابت لا يفيد شيئاً، ودعوى النسخ في مثل ذلك مما لا يكاد يصح كما لا يخفى، وأجاب بعض الناس بأن حكم الآية إنما هو للقاتل المستحل وكفره مما لا شك فيه فليس ذلك محلاً للنزاع، ويدل عليه أنها نزلت في الكناني حسبما مرت حكايته، وقد روى عن عكرمة وابن جريج وجماعة أنهم فسروا ﴿ مُّتَعَمّداً ﴾ بمستحيلاً ؛ واعترض بأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وبأن تفسير المتعمد بالمستحل مما لا يكاد يقبل إذ ليس هو معناه لغة ولا شرعاً فإن التزم المجاز فلا دليل عليه وسبب النزول لا يصلح أن يكون دليلاً لما علمت الآن على أنه يفوت التقابل بين هذا القتل المذكور في هذه الآية والقتل المذكور في الآية السابقة وهو الخطأ الصرف، وقيل :إن الاستحلال يفهم من تعليق القتل بالمؤمن لأنه مشتق ؛ وتعليق الحكم بالمشتق يفيد علية مبدأ الاشتقاق، فكأنه قيل :ومن يقتل مؤمناً لأجل إيمانه ولا شك أن من يقتله لذلك لا يكون إلا مستحلاً فلا يكون إلا كافراً فيخرج هذا القاتل عن محل النزاع وإن لم يعتبر سبب النزول، واعترض بأن المؤمن وإن كان مشتقاً في الأصل إلا أنه عومل معاملة الجوامد، ألا ترى أن قولك كلمت مؤمناً مثلاً لا يفهم منه أنك كلمته لأجل إيمانه ؟ ولو أفاد تعليق الحكم بالمؤمن العلية لكان ضرب المؤمن وترك السلام عليه والقيام له كقتله كفراً ولا قائل به، واعتبار الاشتقاق تارة وعدم اعتباره أخرى خارج عن حيز الاعتبار فليفهم، ثم إنه سبحانه ذكر هنا حكم ا
١ - وهو الذي قتل متعلقا بأستار الكعبة يوم الفتح اهـ منه..
﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ ﴾ شروع في التحذير عما يوجب الندم من قتل من لا ينبغي قتله. ﴿ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ الله ﴾ أي سافرتم للغزو على ما يدل عليه السباق والسياق ﴿ فَتَبَيَّنُواْ ﴾ أي فاطلبوا بيان الأمر في كل ما تأتون وتذرون ولا ( تعملوا ) فيه من غير تدبر وروية، وقرأ حمزة وعلي وخلف فتثبتوا أي فاطلبوا ثبات الأمر ولا تعجلوا فيه، والمعنيان متقاربان، وصيغة التفعيل بمعنى الاستقبال، ودخلت الفاء لما في ﴿ إِذَا ﴾ من معنى الشرط كأنه قيل :إن غزوتم فتبينوا ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام ﴾ أي حياكم بتحية الإسلام ومقابلها تحية الجاهلية كأنعم صباحاً وحياك الله تعالى وقرأ حمزة وخلف وأهل الشام السلم بغير ألف، وفي بعض الروايات عن عاصم أنه قرأ السلم بكسر السين وفتح اللام، ومعناه في القرائتين الاستسلام والانقياد، وبه فسر بعضعم ﴿ السلام ﴾ أيضاً في القراءة المشهورة، واللام على ما قال السمين :للتبليغ، والماضي بمعنى المضارع، و ( من ) موصولة أو موصوفة، والمراد النهي عما هو نتيجة لترك المأمور به، وتعيين مادة مهمة من المواد التي يجب فيها التبيين والتثبيت، وتقييد ذلك بالسفر لأن عدم التبيين كان فيه لا لأنه لا يجب إلا فيه، والمعنى لا تقولوا لمن أظهر لكم ما يدل على إسلامه : ﴿ لَسْتَ مُؤْمِناً ﴾ وإنما فعلت ذلك خوف القتل بل اقبلوا منه ما أظهر وعاملوه بموجبه.
وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه ومحمد بن علي الباقر رضي الله تعالى عنهما وأبي جعفر القاري أنهم قرؤوا ﴿ مُؤْمِناً ﴾ بفتح الميم الثانية أي مبذولاً لك الأمان.
﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياة الدنيا ﴾ أي تطلبون ماله الذي هو حطام سريع الزوال وشيك الانتقال، والجملة في موضع الحال من فاعل ﴿ تَقُولُواْ ﴾ مشعراً بما هو الحامل لهم على العجلة، والنهي راجع إلى القيد والمقيد، وقوله تعالى : ﴿ فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ تعليل للنهي عن القيد بما فيه من الوعد الضمني كأنه قيل :لا تبتغوا ذلك العرض القليل الزائل فإن عنده سبحانه وفي مقدوره مغانم كثيرة يغنمكموها فيغنيكم عن ذلك، وقوله سبحانه : ﴿ كذلك كُنتُمْ مّن قَبْلُ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ ﴾ تعليل للنهي عن المقيد باعتبار أن المراد منه ردّ إيمان الملقي لظنهم أن الإيمان العاصم ما ظهرت على صاحبه دلائل تواطىء الباطن والظاهر ولم تظهر فيه، واسم الإشارة إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما فيه حيز الصلة، والفاء في ﴿ فَمَنْ ﴾ للعطف على ﴿ كُنتُمْ ﴾ وقدم خبرها للقصر المفيد لتأكيد المشابهة كأنه قيل :لا تردّوا إيمان من حياكم بتحية الإسلام وتقولوا إنه ليس بإيمان عاصم ولا يعد المتصف به مؤمناً معصوماً لظنكم اشتراط التواطؤ في العصمة ومجرد التحية لا يدل عليه، فإنكم كنتم أنتم في مبادىء إسلامكم مثل هذا الملقي في عدم ظهور شيء للناس منكم غير ما ظهر منه لكم من التحية ونحوها، ولم يظهر منكم ما تظنونه شرطاً مما يدل على التواطؤ، ومجرد أن الدخول في الإسلام لم يكن تحت ظلال السيوف لا يدل على ذلك فمنّ الله تعالى عليكم بأن قبل ذلك منكم ولم يأمر بالفحص عن تواطؤ ألسنتكم وقلوبكم، وعصم بذلك دماءكم وأموالكم، فإذا كان الأمر كذلك ﴿ فَتَبَيَّنُواْ ﴾ هذا الأمر ولا تعجلوا وتدبروا ليظهر لكم أن ظاهر الحال كاف في الإيمان العاصم حيث كفى فيكم من قبل، وأخر هذا التعليل على ما قيل لما فيه من نوع تفصيل ربما يخلّ تقديمه بتجاوب أطراف النظم الكريم مع ما فيه من مراعاة المقارنة بين التعليل السابق وبين ما علل به، أو لأن في تقديم الأول إشارة ما إلى ميل القوم نحو ذلك العرض، وأن سرورهم به أقوى، ففي تقديمه تعجيل لمسرتهم، وفيه نوع حط عليهم رفع الله تعالى قدرهم ورضي المولى عز شأنه عنهم أو لأنه أوضح في التعليل من التعليل الأخير وأسبق للذهن منه، ولعله لم يعطف أحد التعليلين على الآخر لئلا يتوهم أنهما تعليلا شيء واحد أو أن مجموعهما علة، وقيل :موافقة لما علل بهما من القيد والمقيد حيث لم يتمايزا بالعطف، وقيل :إنما لم يعطف لأن الأول تعليل للنهي الثاني بالوعد بأمر أخروي لأن المعنى لا تبتغوا عرض الحياة الدنيا لأن عنده سبحانه ثواباً كثيراً في الآخرة أعده لمن لم يبتغ ذلك، وعبر عن الثواب بالمغانم مناسبة للمقام، والتعليل الثاني للنهي الأول ليس كذلك، وذكر الزمخشري وغيره في الآية ما رده شيخ الإسلام بما يلوح عليه مخايل التحقيق، وقال بعض الناس فيها :إن المعنى كما كان هذا الذي قتلتموه مستخفياً بدينه في قومه خوفاً على نفسه منهم كنتم أنتم مستخفين بدينكم حذراً من قومكم على أنفسكم، فمنّ الله تعالى عليكم بإظهار دينه وإعزاز أهله حتى أظهرتم الإسلام بعدما كنتم تكتمونه من أهل الشرك فتبينوا نعمة الله تعالى عليكم، أو تبينوا أمر من تقتلونه، ولا يخفى أن هذا وإن كان بعضه مروياً عن ابن جبير غير واف بالمقصود على أن القول بأن المخاطبين كانوا مستخفين بدينهم حذراً من قومهم في حيز المنع اللهم إلا أن يقال :إن كون البعض كان مستخفياً كاف في الخطاب، وقيل :إن قوله سبحانه : ﴿ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ ﴾ منقطع عما قبله، وذلك أنه تعالى لما نهى القوم عن قتل من ذكر أخبرهم بعد بأنه منّ عليهم بأن قبل توبتهم عن ذلك الفعل المنكر، ثم أعاد الأمر بالتبيين مبالغة في التحذير، أو أمر بتبيين نعمته سبحانه شكراً لما منّ عليهم به وهو كما ترى.
واختلف في سبب الآية، فأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن حميد وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : «مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسوق غنماً له فسلم عليهم فقالوا :ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا فعمدوا له فقتلوه وأتوا بغنمه النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت ». وأخرج ابن جرير عن السدي قال : «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها أسامة بن زيد إلى بني ضمرة فلقوا رجلاً منهم يدعى مرداس بن نهيك معه غنيمة له وجمل أحمر فآوى إلى كهف جبل واتبعه أسامة فلما بلغ مرداس الكهف وضع فيه غنمه ثم أقبل عليهم فقال :السلام عليكم أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فشد عليه أسامة فقتله من أجل جمله وغنيمته، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أسامة أحب أن يثني عليه خيراً ويسأل عنه أصحابه، فلما رجعوا لم يسألهم عنه فجعل القوم يحدثون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون :يا رسول الله لو رأيت أسامة وقد لقيه رجل فقال الرجل :لا إله إلا الله محمد رسول الله فشد عليه فقتله وهو معرض عنهم فلما أكثروا عليه رفع رأسه إلى أسامة فقال :كيف أنت ولا إله إلا الله ؟ا فقال يا رسول الله إنما قالها متعوذاً يتعوذ بها فقال عليه الصلاة والسلام :هلا شققت عن قلبه فنظرت إليه ؟ا » ثم نزلت الآية. وأخرج عن ابن زيد أنها نزلت في رجل قتله أبو الدرداء، وذكر من قصته مثل ما ذكر من قصة أسامة، والاقتصار على ذكر تحية الإسلام على هذا مع أنها كانت مقرونة بكلمة الشهادة للمبالغة في النهي والزجر، والتنبيه على كمال ظهور خطئهم ببيان أن التحية كانت كافية في المكافة والانجزار عن التعرض لصاحبها فكيف وهي مقرونة بتلك الكلمة الطيبة، واستدل بالآية وسياقها على صحة إيمان المكره وأن المجتهد قد يخطىء وإن خطأه مغتفر، وجه الدلالة على الأول أنه مع ظن القاتلين أن إسلام من ذكر لخوف القتل وهو إكراه معنى أنكر عليهم قتله فلولا صحة إسلامه لم ينكر، ووجه الدلالة على الثاني أنه أمر فيها بالتبيين المشعر بأن العجلة خطأ. ووجه الدلالة على الثالث مأخوذ من السياق وعدم الوعيد على ترك التبيين، وذهب بعضهم إلى أنه لا عذر في ترك التثبت في مثل هذه الأمور، وأن المخطىء آثم، واحتج على ذلك بما أخرجه ابن أبي حاتم والبيهقي عن الحسن «أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهبوا يتطرقون فلقوا ناساً من العدو فحملوا عليهم فهزموهم فشد رجل منهم فتبعه رجل يريد متاعه فلما غشيه بالسنان قال :إني مسلم إني مسلم فأوجره السنان فقتله وأخذ متيعه، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام للقاتل :أقتلته بعد ما قال :إني مسلم ؟ا قال :يا رسول الله إنما قالها متعوذاً قال :أفلا شققت عن قلبه ؟ا قال :لم يا رسول الله ؟ قال :لتعلم أصادق هو أو كاذب ؟ قال :كنت عالم ذلك يا رسول الله قال عليه الصلاة والسلام :إنما كان يبين عنه لسانه إنما كان يعبر عنه لسانه، قال :فما لبث القاتل أن مات فحفر له أصحابه فأصبح وقد وضعته الأرض، ثم عادوا فحفروا له، فأصبح وقد وضعته الأرض إلى جنب قبره، قال الحسن فلا أدري كم قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم :دفناه مرتين أو ثلاثاً كل ذلك لا تقبله الأرض فلما رأينا الأرض لا تقبله أخذنا برجله فألقيناه في بعض تلك الشعاب » فأنزل الله تعالى قوله سبحانه : ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ الآية، وفي رواية عبد الرزاق عن قتادة
" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :إن الأرض أبت أن تقبله فألقوه في غار من الغيران " ووجه الدلالة في هذا على الإثم ظاهر، وأجيب بأن هذا القاتل لعله لم يفعل ذلك لكون المقتول غير مقبول الإسلام عنده بل لأمر آخر، واعتذر بما اعتذر كاذباً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد وابن المنذر والطبراني وجماعة عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي قال :«بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسل