0:00
0:00

سورة النساء
فضلها: انظر حديث: "من أخذ السبع الأول من القرآن فهو خير".
تقدم في فضل سورة البقرة.
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)
انظر تفسير التقوى في الآية (١٠٢) من سورة آل عمران.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن السدي: قوله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) أما خلقكم من نفس واحدة، فمن آدم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن مقاتل بن حيان (وَبَثَّ مِنْهُمَا) من أدم وحواء، يقول خلق منهما رجالا كثيرا ونساء.
قال الحاكم: أخبرني أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الحميد الصنعانى. بمكة، ثنا إسحاق بن إبراهيم بن عباد، أنبا عبد الرزاق، أنبا معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ). قال: إن الرحم لتقطع وإن النعمة لتكفر وإن الله إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شيء أبداً ثم قرأ (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جميعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) قال: وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "الرحم شجنة من الرحمن وإنها تجيئ يوم القيامة تتكلم بلسان طلق ذلق فمن أشارت إليه بوصل وصله الله ومن أشارت إليه بقطع قطعه الله".
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة. (المستدرك ٢/٣٠١-٣٠٢- ك التفسير، سورة النساء ووافقه الذهبي). وأخرج البخاري الجزء المرفوع من الحديث (الصحيح- الأدب، ب من وصل وصله الله ح ٥٩٨٨-٥٩٨٩) من حديث عائشة وأبى هريرة بنحوه).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (اتقوا الله الذي تساءلون به)، واتقوا الله في الأرحام فصلوها.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان ح وثنا الأشج، ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (اتقوا الله الذي تساءلون به) قال: يقول أسألك بالله وبالرحم.
ورجاله ثقات وإسناده صحيح.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن مجاهد قوله (إن الله كان عليكم رقيباً) قال: حفيظاً.
قوله تعالى (وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (وأتوا اليتامى أموالهم) الآية أمر الله تعالى في هذه الآية الكريمة بإيتاء اليتامى أموالهم، ولم يشترط هنا في ذلك شرطا، ولكنه بين بعد هذا أن هذا الإيتاء المأمور به مشروط بشرطين: الأول: بلوغ اليتامى، الثاني: إيناس الرشد منهم، وذلك قوله تعالى: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فإن أنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم).
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله تعالى (ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب) قال: الحلال بالحرام.
قوله تعالى (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا) ذكر في هذه الآية الكريمة أن أكل أموال اليتامى حوب كبير، أي: إثم عظيم، ولم يبين مبلغ هذا الحوب من العظم، ولكنه بينه في موضع أخر وهو قوله (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً).
قال الطبري: حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم)، يقول: لا تأكلوا أموالكم وأموالهم تخلطوها فتأكلوها جميعاً.
ورجاله ثقات وإسناده صحيح.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله (إنه كان حوبا كبيرا) قال: إثما عظيما.
(وصححه الحافظ ابن حجر من طريق عكرمة عن ابن عباس (فتح الباري ٨/٢٤٦)).
قوله تعالى (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا)
قال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام عن ابن جريج قال أخبرني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أَنَّ رجلاً كانت له يتيمة فنكحها، وكان لها عَذْق وكان يُمسكها عليه ولم يكن لها من نفسه شيء، فنزلت فيه (وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى) أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العَذْق وفي ماله.
(الصحيح ٨/٨٦-٨٧ ح ٤٥٧٣- ك التفسير- سورة النساء، ب (وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى). العذق: النخلة، وبالكسر عِذْق: العرجون بما فيه من الشماريخ، ويجمع على عِذَاق.
(النهاية لابن الأثير ٣/١٩٩).
وقال البخاري: حدثني عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى: (وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى) ؟ فقالت: يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويُعجبه مالها وجَمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يُقسط في صداقها فيُعطيها مثل ما يُعطيها غيره، فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهنّ أعلى سنتهن في الصداق، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال عروة قالت عائشة: وإن الناس استفتَوا رسولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعدَ هذه الآية، فأنزل الله (ويستفتونك في النساء) قالت عائشة: وقول الله تعالى في آية أخرى (وترغبون أن تنكحوهن) رغبة أحدِكم عن يتيمته حين تكون قليلةَ المال والجمال، قالت: فنهوا عن أن ينكحوا
من رغبوا في ماله وجماله في يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهنّ إذا كن قليلات المال والجمال.
(الصحيح ٨/٨٧ ح ٤٥٧٤- ك التفسير- سورة النساء، ب (وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى) (وصحيح مسلم ٤/٢٣١٤- ك التفسير).
أخرج الطبري وبن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كانوا في الجاهلية ينكحون عشرا من النساء الأيامى، وكانوا يعظمون شأن اليتيم، فتفقدوا من دينهم شأن اليتيم وتركوا ما كانوا ينكحون في الجاهلية، فقال (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) ونهاهم عما كانوا ينكحون في الجاهلية.
قال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن مهدي، ثنا النفيلي، ثنا عبيد الله بن عمرو الرقى عن عبد الكريم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآية: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى) قال: فكما خفتم أن لا تعدلوا في اليتامى فخافوا أن لا تعدلوا في النساء، إنما جمعتموهن عندكم.
قال ابن ماجة: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي. ثنا هُشيم عن ابن أبي ليلى، عن حُميضة بنت الشمردل، عن قيس بن الحارث " قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة. فأتيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت ذلك له. فقال: اختر منهن أربعاً.
وقال ابن ماجة: حدثنا يحيى بن حكيم. ثنا محمد بن جعفر. ثنا معمر عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: أسلم غيلان بن سلمة وتحته عشر نسوة. فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "خذ منهن أربعاً ".
(السنن ح ١٩٥٢، ١٩٥٣- النكاح- باب الرجل يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة)، حديث قيس بن الحارث: أخرجه أبو داود من طريق هشيم به. (السنن ٢/٢٧٢- الطلاق)، وقال ابن كثير: وهذا الإسناد حسن. (التفسير ٢/١٨٤) وقال الألباني: حسن. (الإرواء٦/٢٩٥). وحديث ابن عمر: أخرجه أحمد والترمذي وابن حبان والحاكم من طرق عن معمر به. (المسند ٢/١٤، ٤٤)، (السنن- النكاح ٤/٢٧٨)، (موارد الظمآن ١٣٧٧)، (المستدرك ٢/١٩٢).
وقد أعله جماعة ووهموا فيه معمر بن راشد ولكن قد تابعه غيره على روايته، فقال ابن كثير: وهذا الإسناد الذي قدمناه من مسند الإمام أحمد رجاله ثقات على شرط الصحيحين. ثم قد روي من غير طريق
معمر، ثم ذكره بإسناد النسائي إلى مرار بن مجشر عن أيوب عن نافع وسالم عن ابن عمر بنحوه وقال: قال أبو علي بن السكن تفرد به مرار بن مجشر وهو ثقة وكذا وثقه ابن معين قال أبو علي وكذلك رواه السميدع بن واهب عن مرار وقال الحافظ ابن حجر: ورجال إسناده ثقات (التلخيص الحبير ٣/١٦٩) وقال الألبانى: صحيح. (انظر التفسير ٢/١٨٢، ١٨٣ والإرواء٦/٢٩١- ٢٩٥).
قوله تعالى (أدنى ألا تعولوا)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يعني ألا تميلوا.
قوله تعالى (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة..)
قال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس: أن عبد الرحمن بن عوف تزوج امرأة على وزن نواةٍ، فرأى النبيُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بشاشة العُرس، فسأله، فقال. إني تزوجت امرأة على وزن نواة".
وعن قتادة عن أنس أن عبد الرحمن بن عوف تزوج امرأة على وزن نواة من ذهب.
(الصحيح ٩/١١١ ح ٥١٤٨- ك النكاح، ب قوله تعالى: (الآية)).
قال مسلم: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير. حدثنا أبي. حدثنا عبد العزيز بن عمر. حدثني الربيع بن سبرة الجهني، أن أباه حدثه، أنه كان مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: " يا أيها الناس! إني قد كنتُ أذنت لكم في الاستمتاع من النساء.
وإن الله قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة. فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله.
ولا تأخذوا مما أتيتموهن شيئاً".
(الصحيح ٢/١٠٢٥ ح ١٤٠٦- ك النكاح، ب نكاح المتعة وبيان انه أبيح ثم نسخ واستقر تحريمه إلى يوم القيامة).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يعني بـ "النحلة" المهر.
قوله تعالى (فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئًا مريئا)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: إذا كان من غير إضرار ولا خديعة، فهو هنيء مرىء كما قال الله جل ثناؤه.
قوله تعالى (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: امرأتك وبنيك، وقال: (السفهاء) الولدان، والنساء أسفه السفهاء.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما) يقول الله سبحانه: لا تعمد إلى مالك وما خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنيك ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم ورزقهم ومؤونتهم. قال وقوله (قياما). بمعنى: قوامكم في معايشكم.
قوله تعالى (وقولوا لهم قولا معروفا)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (وقولوا لهم قولا معروفا) قال: أمروا أن يقولوا لهم قولا معروفا في البر والصلة.
قوله تعالى (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يقول الله تبارك وتعالى اختبروا اليتامى عند الحلم، فإن عرفتم منهم الرشد في حالهم والإصلاح في أموالهم فادفعوا إليهم أموالهم وأشهدوا عليهم.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (فإن أنستم منهم رشدا) يقول: صلاحا في عقله ودينه.
قوله تعالى (ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قوله (إسرافا وبدارا) يعني: أكل مال اليتيم مبادرا أن يبلغ، فيحول بينه وبين ماله.
قوله تعالى (ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف)
قال البخاري: حدثني إسحاق أخبرنا عبد الله بن نمير حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: (ومن كان غنياً فليستعفف، ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف) أنها نزلت في مال اليتيم إذا كان فقيراً أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بمعروف.
(الصحيح ٨/٨٩ ح ٤٥٧٥- ك التفسير- سورة النساء، ب (الآية)، (صحيح مسلم ٤/٢٣١٥- ك التفسير).
قال أبو داود: حدثنا حميد بن مسعدة، أن خالد بن الحارث حدثهم، ثنا حسين -يعني المعلم- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رجلا أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: إني فقير ليس لي شيء، ولي يتيم، قال: فقال: "كلْ مِن مال يتيمك غير مسرف، ولا مبادر، ولا متأثل".
(السنن ٣/١١٥ ح ٢٨٧٢- ك الوصايا، ب ما جاء في ما لولى اليتيم أن ينال من مال اليتيم).
وأخرجه النسائي (السنن ٦/٢٥٦- ك الوصايا، ب ما للوصي من مال اليتيم إذا قام عليه). وأحمد (٦٧٤٧) و (٧٠٢٢). قال ابن حجر: إسناده قوي. (فتح الباري ٨/٩٠) وقال محقق المسند: إسناده صحيح. وقال الألبانى: حسن صحيح. (صحيح النسائى ٣٤٢٩).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف) يعني: القرض.
قوله تعالى (وكفى بالله حسيباً)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي (وكفى بالله حسيباً) يقول: شهيداً.
قوله تعالى (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أوكثر نصيبا مفروضا)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا)، لم يبين هنا قدر هذا النصيب الذي هو للرجال والنساء مما ترك الوالدان والأقربون، ولكنه بينه في آيات المواريث كقوله (يوصيكم الله في أولادكم) الآيتين، وقوله في خاتمة هذه السورة الكريمة (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) الآية.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قال: كانوا لا يورثون النساء، فنزلت: (وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون).
قوله تعالى (وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا)
قال البخاري: حدثنا أحمد بن حميد أخبرنا عبيد الله الأشجعى عن سفيان عن الشيباني عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما (وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين) قال: هي مُحكمة. وليست. بمنسوخة.
تابعه سعيد بن جبير عن ابن عباس (الصحيح ٨/٩٠ ح ٤٥٧٦- ك التفسير- سورة النساء الآية).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه) أمر الله جل ثناؤه المؤمنين عند قسمة مواريثهم أن يصلوا أرحامهم وأيتامهم
ومساكينهم من الوصية، إن كان أوصى لهم، وإن لم تكن لهم وصية، وصل إليهم من مواريثهم.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن أبي الربيع، أنبا عبد الرزاق، أنبا ابن جريح أخبرنى ابن أبي مليكة أن أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر والقاسم بن محمد أخبراه أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسم ميراث أبيه عبد الرحمن، وعائشة حية، قالا: فلم يدع في الدار مسكينا ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه قال: وتلا (وإذا حضر القسمة أولوا القربى) قال: القسم، فذكرت ذلك لابن عباس، فقال: ما أصاب ذلك له، إنما ذلك إلى الوصية وإنما هذه الآية في الوصية، يريد الميت أن يوصي لهم.
(وذكره ابن حجر وقال: أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن القاسم بن محمد (فتح الباري ٨/٢٤٢). وهو في تفسير عبد الرزاق).
قوله تعالى (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة في قوله: (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا) قال يقول: من حضر ميتا فليأمره بالعدل والإحسان، ولينهه عن الحيف والجور في وصيته، وليخش على عياله ما كان خائفا على عياله لو نزل به الموت.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا)، يعني الرجل يحضره الموت، فيقال له تصدق من مالك واعتق، وأعط منه في سبيل الله، فنهوا اًن يأمروه بذلك، يعني من حضر منكم مريضا عند الموت فلا يأمره أن ينفق ماله في العتق والصدقة في سبيل الله، ولكن يأمره أن يبين ما له وما عليه من دين ويوصي من ماله لذي قرابته الذين لا يرثون، يوصي لهم بالخمس أو الربع، يقول أيسر أحدكم إذا مات وله ولد ضعاف -يعنى صغارا- إن يتركهم بغير مال
فيكونوا عيالا على الناس، فلا ينبغي أن تأمروه بما لا ترضون به لأنفسكم ولأولادكم ولكن قولوا الحق من ذلك.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا)، فهذا الرجل يحضر الرجل عند موته فيسمعه بوصية يضر بورثته، فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله ويوفقه، ويسدده للصواب، ولينظر لورثته كما يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضيعة.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: ما ينهى عنه من الإضرار في الوصية.
قوله تعالى (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً)
قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال حدثني سليمان بن بلال عن ثور بن زيد المدني عن أبي الغيث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "اجتنبوا السبع الموبقات". قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات".
(الصحيح ٥/٤٦٢ ح ٢٧٦٦- ك الوصايا، ب قوله تعالى (الآية)).
وانظر حديث الحاكم المتقدم عند تفسير الآية (٢٢٠) من سورة البقرة.
قوله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ماترك وإن كانت واحدة فلها النصف)
قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا حكمة تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث مع أنهما سواء في القرابة. ولكنه أشار في موضع أخر وهو قوله تعالى (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) لأن
القائم على غيره المنفق ماله عليه مترقب النقص دائما، والمقوم عليه المنفق عليه المال مترقب للزيادة دائما، والحكمة في إيثار مترقب النقص على مترقب الزيادة جبراً لنقصه المترقب ظاهرة جداً.
قال البخاري: حدثني إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام أن ابن جريج أخبرهم قال أخبرني ابن المنكدر عن جابر - رضي الله عنه - قال عادني النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبو بكر في بني سَلِمة ماشيين، فوجدني النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا أعقل، فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش على فأفقت، فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالى يا رسول الله؟ فنزلت (يوصيكم الله في أولادكم).
(الصحيح ٨/٩١ ح ٤٥٧٧- ك التفسير- سورة النساء الآية)، (صحيح مسلم ٣/١٢٣٥-ك الفرائض، ب ميراث الكلالة).
قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان المالُ للولد، وكانتِ الوصية للوالدين، فنَسخ الله من ذلك ما أحبّ: فجعل للذكر مثل حظّ الأنثيين، وجعل للأبوين لكلّ واحد منهما السدس والثلث، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع.
(صحيح البخاري ٨/٩٣ ح ٤٥٧٨ -ك التفسير- سورة النساء، ب الآية).
قوله تعالى (... فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف)
قال البخاري: حدثنا أدم حدثنا شعبة حدثنا أبو قيس: سمعت هزيل بن شرحبيل قال: سُئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن وأخت، فقال: للابنة النصف وللأخت النصف وائت ابنَ مسعود فسيُتابعني، فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللتُ إذا وما أنا من المهتدين، أقضى فيها بما قضى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: للابنة النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم.
(الصحيح ١٢/١٨ ح ٦٧٣٦- ك الفرائض، ب ميراث ابنة ابن مع ابنة. وأخرجه أيضاً في، ب ميراث الأخوات مع البنات عصباً عن ابن مسعود به مختصراً. الصحيح ١٢/٢٥ ح ٦٧٤٢).
قال الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثني زكرياء بن عدي، أخبرنا عبيد الله ابن عمرو، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك يوم أحد شهيداً، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا، ولا تنكَحَان إلا ولهما مال، قال: "يقضي الله في ذلك فنزلت آية الميراث، فبعث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى عمهما، فقال: "أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك".
(السنن ٤/٤١٤ ح ٢٠٩٢-ك الفرائض، ب ما جاء في ميراث البنات)، وأخرجه أحمد (المسند ٣/٣٥٢) عن زكريا بن عدي به. وأبو داود (السنن ٣/١٢١ ح ٢٨٩٢- ك الفرائض، ب ما جاء في ميراث الصلب من طريق داود بن قيس. وابن ماجه (السنن ٢/٩٠٨ ح ٢٧٢٠- ك الفرائض، ب فرائض الصلب). من طريق سفيان بن عيينة. والحاكم (المستدرك ٤/٣٣٣، ٣٣٤) من طريق عبيد الله بن عمرو الرقي كلهم عن عبد الله بن محمد بن عقيل به. قال الترمذي. هذا حديث صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وحسنه الألبانى (صحيح ابن ماجه ح ٢١٩٩).
قوله تعالى (فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس) أضروا بالأم ولا يرثون، ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث، ويحجبها ما فوق ذلك. وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم من الثلث لأن أباهم يلى نكاحهم والنفقة عليهم دون أمهم.
قال ابن كثير: وهذا كلام حسن.
قوله تعالى (من بعد وصية يوصي بها أو دين)
وقال البخاري: حدثنا بِشر بن محمد السختياني أخبرنا عبد الله أخبرنا يونس عن الزهري قال أخبرني سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت
رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: "كلكم راع ومسئول عن رعيته، والإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية ومسئولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع ومسئول عن رعيته، قال: وأحسب أن قد قال: والرجل راع في مال أبيه".
(الصحيح ٥/ ٤٤٤ ح ٢٧٥١- ك الوصايا، ب تأويل قوله تعالى (.. من بعد وصية يوصي)).
وانظر حديث البخاري (آية المنافق ) تحت الآية رقم (١٧٧) من سورة البقرة.
وانظر حديث مسلم تحت الآية رقم (١٨٢) من سورة البقرة.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (من بعد وصية يوصي بها أو دين) والدين أحق ما بدئ به من جميع المال، فيؤدى عن أمانة الميت، ثم الوصية، ثم يقسم أهل الميراث ميراثهم.
قال أحمد: ثنا حيوة بن شريح، ثنا بقية، ثنا بَحير بن سعيد، عن خالد بن معدان عن المقدام بن معدي كرب أنه سمع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: " إن الله عز وجل يوصيكم بالأقرب فالأقرب".
(المسند ٤/١٣١) وأخرجه ابن ماجه (السنن ٢/١٢٠٧، ١٢٠٨ ح ٣٦٦١- ك الأدب، ب بر الوالدين) عن هشام بن عمار، والحاكم (المستدرك ٤/١٥١- ك البر والصلة) من طريق أسد بن موسى، كلاهما عن إسماعيل بن عياش عن بحير به. وصححه الألبانى (السلسلة الصحيحة ح ١٦٦٦).
وأخرجه البيهقي من طريق بقية به (السنن الكبرى ٤/١٧٩) وقال الحافظ ابن حجر: أخرجه البيهقي بإسناد حسن (التلخيص الحبير ٤/١٠) وحسنه السيوطى (الجامع الصغير٢/٣١٩ ح ١٩٤٦).
قوله تعالى (آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله) أخرج الطبري وأبن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: أطوعكم لله من الآباء والأبناء، أرفعكم درجة يوم القيامة، لأن الله سبحانه يشفع المؤمنين بعضهم في بعض.
أخرج آدم بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: (أيهم أقرب لكم نفعا) في الدنيا.
انظر تفسير سورة البقرة آية (٢٣٦).
قوله تعالى (إن الله كان عليما حكيما)
اخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية قوله (حكيما) قال حكيم في أمره.
قوله تعالى (ولكم نصف ما ترك أزواجكم)
قال مسلم: حدثنا عبد الأعلى بن حماد (وهو النرسي). حدثنا وُهيب عن ابن طاوُس، عن أبيه، عن ابن عباس. قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولَى رجل ذكر".
(الصحيح ٣/١٢٣٣ح ١٦١٥ - ك الفرائض، ب ألحقوا الفرائض بأهلها).
قوله تعالى (فلهن الثمن مما تركتم)
انظر حديث جابر في امرأة سعد بن الربيع في الآية السابقة.
قوله تعالى (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الكلالة من لم يترك ولدا ولا والدا.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (وله أخ أو أخت) فهؤلاء الاخوة من الأم: وإن كان واحد فله السدس، وإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث، ذكرهم وأنثاهم فيه سواء.
قوله تعالى (من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم)
انظر الآية السابقة قول قتادة.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: (غير مضار) قال: في ميراث أهله.
قال الطبري: حدثني نصر بن عبد الرحمن الأزدي قال، حدثنا عبيدة بن حميد وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال حدثنا ابن علية جميعاً، عن داود بن أبي هند،
عن عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية: (غير مضار وصية من الله والله عليم حليم) قال: الضرار في الوصية من الكبائر.
(وأخرجه النسائي وابن أبي حاتم كلاهما في التفسير، والبيهقي (السنن الكبرى ٦/٢٧١) كلهم من طريق داود بن أبي هند به، وصححه ابن أبي حاتم ونقل ابن كثير تصحيحه عن الطبري).
قال البخاري: حدثنا محمد بن خالد حدثنا محمد بن موسى بن أعين حدثنا أبي عن عمرو بن الحارث عن عبيد الله بن أبي جعفر أن محمد بن جعفر حدثه عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - ﷺ - قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه".
(الصحيح٤/٢٢٦-٢٢٧ ح ١٩٥٢- ك الصوم، باب من مات وعليه صوم).
قوله تعالى (كذلك حدود الله)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يعني طاعة الله، يعني المواريث التي سمى الله.
قوله تعالى (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده) في شأن المواريث التي ذكر من قبل.
قوله تعالى (واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا واللذان يأتيانها منكم فآذوهما)
قال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي. أخبرنا هُشيم عن منصور، عن الحسن، عن حِطان بن عبد الله الرّقاشي، عن عُبادة بن الصامت. قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " خذوا عني. خذوا عني. قد جعل الله لهن سبيلاً. البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب، جلد مائة والرجم".
(الصحيح ٣/١٣١٦ ح ١٦٩٠ -ك الحدود- ب حد الزنى).
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا) لم يبين هنا هل جعل لهن سبيلا أولا؟
ولكنه بين في مواضع أنه جعل لهن السبيل بالحد كقوله في البكر (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما) الآية. وقوله في الثيب الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم. لأن هذه الآية باقية الحكم كما صح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -- رضي الله عنه - وأرضاه- وإن كانت منسوخة التلاوة.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كانت المرأة إذا زنت جلست في البيت حتى تموت، وفي قوله (واللذان يأتيانها منكم فآذوهما) قال: كان الرجل إذا زنى أوذي بالتعزير، وضرب بالنعال فأنزل الله عز وجل بعد هذا (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) النور: ٢. فإن كانا محصنين رجما في سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهذا وهذا سبيلهما الذي جعل الله لهما.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: (واللذان يأتيانها منكم) الزانيان.
قوله تعالى (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب)
قال ابن ماجه: حدثنا راشد بن سعيد الرملى. أنبأنا الوليد بن مسلم عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جُبير بن نفير، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إن الله عز وجل ليقبل توبة العبد ما لم يُغرغِر".
(السنن ح ٤٢٥٣- ك الزهد، باب ذكر التوبة). قال المزي: عند ابن ماجة عبد الله بن عمرو وهذا وهم والصواب ابن عمر (تحفة الأشراف ٥/٣٢٨). قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف لتدليس الوليد ومكحول الدمشقي (مصباح الزجاجة ٣/٣٠٩). أخرجه الترمذي من طريق محمد بن بشار وأبي ثابت العقدي عن ابن ثوبان عنه به (السنن- الدعوات، باب إن الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر). وقال
حسن غريب. ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك من طريق ابن ثوبان به (مصباح الزجاجة ٣/ ٠٩). ذكره ابن كثير وقال: ووقع في سنن ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو وهو وهم إنما هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ا. هـ. ثم ذكر له شواهد موصولة ومرسلة (انظر التفسير ٢/٢٠٦، ٢٠٧).
وحسنه السيوطي (الجامع الصغير ٢/٣٠٦)، وصححه أحمد شاكر في المسند (ح ٦١٦٠) وقال الألباني: حسن (صحيح ابن ماجة ٢/٤١٨).
أخرج أدم بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله (للذين يعملون السوء بجهالة) قال: كل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته.
وانظر سورة الأنعام آية (٥٤) وتفسيرها.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (ثم يتوبون من قريب) والقريب فيما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت.
قوله تعالى (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا اليماً)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار) فأنزل الله تبارك وتعالى بعد ذلك (إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء) النساء: ٤٨ فحرم الله تعالى المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته فلم يؤيسهم من المغفرة.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية في قوله (وليست التوبة للذين يعملون السيئات) قال: هذا في أهل النفاق.
وبه عن أبي العالية: (أليماً) قال: الأليم الموجع في القرآن كله.
قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن)
قال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل أخبرنا أسباط بن محمد حدثنا الشيباني عن عكرمة عن ابن عباس -قال الشيباني وذكره أبو الحسن السوائى ولا أظنه ذكره إلا عن ابن عباس- (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كَرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما أتيتموهن) قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وان شاءوا لم يُزوجوها وهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك.
(الصحيح ٨/٩٣ ح ٤٥٧٩ -ك التفسير- سورة النساء، ب الآية).
قال النسائي: نا على بن المنذر، عن ابن فضيل، نا يحيى بن سعيد، عن محمد ابن أبي أمامة، عن أبيه قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت، أراد ابنه أن يتزوج امرأته من بعده، فكان ذلك لهم في الجاهلية، فأنزل الله عز وجل (لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً).
(التفسير ١/٣٦٩ ح ١١٥). وأخرجه الطبري (التفسير ٨/١٠٥ ح ٨٨٧٠) من طريق عبد الرحمن ابن صالح. وابن أبي حاتم (التفسير- النساء/ آية ١٩ح ٢٥٨٠) عن أبي سعيد الأشج. وابن مردويه- كما في ابن كثير (١/٧٠١) - من طريق علي بن المنذر، كلهم عن محمد بن فضيل به. قال الحافظ ابن حجر: إسناد حسن. (فتح الباري ٨/٩٥). وحسنه السيوطي في (لباب النقول ص ٦٥).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا مات وترك جارية ألقى عليها حميمة ثوبه فمنعها من الناس فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها.
قوله تعالى (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: لا تعضلوهن: لا تقهروهن (لتذهبوا ببعض ما أتيتموهن) يعني: الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر، فيضر بها لتفتدى.
قوله تعالى (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (ٍ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) هو البغض والنشوز، فإذا فعلت ذلك فقد حل له منها الفدية.
قوله تعالى (وعاشروهن بالمعروف)
قال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود قال، أنبأنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت أبا عبد الله الجدلي يقول: سألت عائشة عن خلُق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فقالت: لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا صخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح.
(السنن ٤/٣٦٩ ح ٢٠١٦- ك البر والصلة، ب ما جاء في خلق النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -)، وأخرجه أحمد (المسند ٦/١٧٤) من طريق محمد بن جعفر عن شعبة به. وأخرجه في (الزهد ص٤) من طريق زكريا ابن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن الجدلى به، وفيه قول الجدلى: كيف كان خلق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أهله؟. وأخرجه ابن حبان من هذا الطريق وبهذا اللفظ أيضاً (الإحسان ١٤/٣٥٥ ح ٦٤٤٣) قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني (صحيح الترمذي ح ١٦٤٠).
قال الترمذي: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، وإذا مات صاحبكم فدعوه".
(السنن ٥/٧٠٩ ح ٣٨٩٥- ك المناقب، ب فضل أزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح من حديث الثورى... وأخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان ٩/٤٨٤ح ٤١٧٧) من طريق: هشام بن عبد الملك ويحيى بن عثمان، عن محمد بن يوسف به. قال محققه: إسناده صحيح. وصححه الألباني (صحيح الترمذي ٣/٢٤٥). وأخرج له الحاكم شاهداً من حديث أبي هريرة بدون الجملة الأخيرة (المستدرك ٣/٣١١، ٣١٢) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه... وأخرج عن ابن عباس بنحوه (المستدرك ٤/١٧٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي على كل منهما).
قوله تعالى (فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً)
قال مسلم: وحدثني إبراهيم بن موسى الرازي، حدثنا عيسى (يعنى ابن يونس) :حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن عمران بن أبي أنس، عن عمر بن الحكم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا يفرك مؤمن مؤمنة. إن كره منها خلقاً رضي منها آخر" أو قال "غيره".
(الصحيح ٢/١٠٩١ ح ١٤٦٩- الرضاع، ب الوصية بالنساء).
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: (فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً) يقول فعسى الله أن يجعل في الكراهة خيراً كثيراً.
قوله تعالى (وإن أردتم إستبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا) أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج) قال: إن كرهت امرأتك وأعجبك غيرها فطلقت هذه وتزوجت تلك.
وبه عن ابن عباس قوله: (وآتيتم إحداهن قنطارا) قال: إن كرهت امرأتك وأعجبك غيرها، فطلقت هذه وتزوجت تلك، فأعط هذه مهرها وإن كان قنطارا.
قوله تعالى (فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا)
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن مجاهد قوله: (فلا تأخذوا منه شيئاً) قال، فلا يحل له من مال المطلقة شيء وإن كثر.
وبه عن مجاهد قوله: (بهتانا) قال: إثماً.
قوله تعالى (وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا)
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، ثنا مقاتل بن محمد، ثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن بكر بن عبد الله المزنى، عن ابن عباس في قوله: (وقد أفضى بعضكم إلى بعض) قال: الإفضاء: الجماع.
ورجاله ثقات وإسناده صحيح.
أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن معمر عن قتادة في قوله تعالى (وأخذن منكم ميثاقا غليظا) قال: هو ما أخذ الله تعالى للنساء على الرجال، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، قال: وقد كان ذلك يؤخذ عند عقدة النكاح.
قال الطبري: حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا سفيان، عن أبي هاشم المكى، عن مجاهد في قوله: (وأخذن منكم ميثاقا غليظا) قال قوله: نكحتُ.
وأبو هاشم هو إسماعيل بن كثير. ورجاله ثقات وإسناده صحيح.
قوله تعالى (ولا تنكحوا مانكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف)
قال الشيخ الشنقيطي: نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن نكاح المرأة التي نكحها الأب، ولم يبين ما المراد بنكاح الأب هل هو العقد أو الوطء، ولكنه بين في موضع أخر أن اسم النكاح يطلق على العقد وحده، وإن لم يحصل مسيس وذلك في قوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) فصرح بأنه نكاح وأنه لا مسيس فيه. وقد أجمع العلماء على أن من عقد عليها الأب حرمت على ابنه وإن لم يمسها الأب، وكذلك عقد الابن محرّم على الأب إجماعا، وإن لم يمسها وقد أطلق تعالى النكاح لا آية أخرى مريدا به الجماع بعد العقد وذلك في قوله (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره).
قال أبو داود: حدثنا عمرو بن قسَيط الرقي، ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد ابن أبي أنيسة، عن عدي بن ثابت، عن يزيد بن البراء، عن أبيه، قال: لقيت
عَمّي ومعه راية، فقلت له: أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله - ﷺ - إلى رجل نكح امرأة أبيه فأمرنى أن أضرب عنقه وآخذ ماله.
(السنن ٤/ ١٥٧ ح ٤٤٥٧- ك الحدود، ب في الرجل يزني بحريمه)، وأخرجه النسائي في (سننه ٦/١٠٩-١١٠- ك النكاح، ب نكاح ما نكح الآباء) من طريق عبد الله بن جعفر عن عبيد الله بن عمرو به. والحاكم في (المستدرك، ٤/ ٣٥٧- ك الحدود). ونقل المنذري عن ابن القيم قوله: والحديث له طرق حسان يقوي بعضها بعضاً (تهذيب السنن ٦/٢٦٦)، وأورد ابن القيم شاهداًٍ له بإسناد صحيح (زاد المعاد ٥/١٥). وصححه الألباني وأفاض في الكلام عليه وبيان طرقه، ومتابعاته (الإرواء رقم ٢٣٥١).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كل ذات تزوجها أبوك وابنك دخل أو لم يدخل، فهي عليك حرام.
قوله تعالى (إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا)
قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين، ثنا صفوان بن صالح، ثنا الوليد، ثنا زهير بن محمد، عن عطاء بن أبي رباح في قول الله تعالى (إلا ما قد سلف) يقول: في جاهليتكم.
وسنده صحيح.
وبه عن عطاء بن رباح (وساء سبيلا) قال: طريقا لمن عمل به.
قوله تعالى (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم... )
قال البخاري: حدثنا إسماعيل حدثني مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن أن عائشة زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخبرتها: أن رسولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان عندها، وأنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة، قالت فقلتُ: يا رسول الله، هذا رجل يستأذن في بيتك، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أراه فلاناً" لعمّ حفصة من الرضاعة- قالت عائشة: لو كان فلان حياً -لعمها من الرضاعة- دخل عليّ؟
فقال: نعم، الرضاعة تحرّم ما تحرم الولادة ".
(الصحيح ٩/٤٣، ح ٥٠٩٩- ك النكاح، ب (الآية) ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).
(وصحيح مسلم ٢/١٠٦٨ ح ١٤٤٤- ك الرضاعة، ب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة).
قال مسلم: وحدثني حرملة بن يحيى. حدثنا ابن وهب. أخبرنى يونس عن ابن شهاب، عن عروة، أن عائشة أخبرته، أنه جاء أفلح أخو أبي القعيس يستأذن عليها بعد ما نزل الحجاب. وكان أبو القعيس أبا عائشة من الرضاعة.
قالت عائشة: فقلت: والله! لا آذن لأفلح. حتى استأذن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فإن أبا القعيس ليس هو أرضعني. ولكن أرضعتني امرأته. قالت عائشة: فلمّا دخل رسولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قلتُ: يا رسول الله! إن أفلح أخا أبي القعيس جاءنى يستأذن عليّ. فكرهتُ أن أذن له حتى استأذنك. قالت: فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ائذني له".
قال عروة: فبذلك كانت عائشة تقول: حرّموا من الرضاعة ما تحرّمون من النسب.
(الصحيح ٢/١٠٦٩ ح ١٤٤٥- ك الرضاعة- ب تحريم الرضاعة من ماء الفحل).
قال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن الأشعث، عن أبيه، عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل عليها وعندَها رجل، فكأنه تغير وجهه، كأنه كره ذلك، فقالت: إنه أخي، فقال: "انظُرن ما إخوانكن، فإنما الرضاعة من المَجاعة".
(الصحيح ٩/٥٠ ح ٥١٠٢- ك النكاح، ب من قال: لا رضاع بعد حولين... )، وأخرجه مسلم في (صحيحه ح ١٤٥٥- ك الرضاع، ب إنما الرضاعة من المجاعة).
قال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأتُ على مالك عن عبد الله بن أبي بكر، عن عَمرة، عن عائشة، أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يُحرِّمن. ثم نسخن: بخمس معلومات. فتوفي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهُنّ فيما يُقرأ من القرآن.
(الصحيح ٢/١٠٧٥ ح ١٤٥٢- ك الرضاع، ب التحريم بخمس رضعات).
وقال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى وعمرو الناقد وإسحاق بن إبراهيم. كلهم عن المعتمر (واللفظ ليحيى). أخبرنا المعتمر بن سليمان عن أيوب، يُحدّث عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم الفضل. قالت: دخل أعرابى على
نبي الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو في بيتي. فقال: يا نبي الله! إني كانت لي امرأة فتزوجت عليها أخرى. فزعمت امرأتى الأولى أُنها أرضعت امرأتي الحدثى رضعة أو رضعتين.
فقال نبي الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا تحرم الإملاجة والإملاجتان".
قال عمرو في روايته: عن عبد الله بن الحارث بن نوفل.
(الصحيح ٢/١٠٧٤ ح ١٤٥١- ك الرضاع، ب في المصة والمصتان).
قوله تعالى (... وأخواتكم من الرضاعة... )
قال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن قال أخبرنا عبد الله قال أخبرنا عمر بن سعيد بن أبي حُسين قال حدثني عبد الله بن أبي مُليكة عن عقبة ابن الحارث أنه تزوج ابنةً لأبي إهاب بن عزيز فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعتُ عقبة والتي تزوّج. فقال لها عُقبة: ما أعلم أنك أرضعتني، ولا أخبرتني. فركب إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالمدينة، فسأله، فقال رسولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "كيف وقد قيل".
ففارقها عُقبة، ونكحت زوجاً غيره.
(الصحيح ١/٢٢٢ ح ٨٨- ك العلم، ب الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله).
قوله تعالى (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) قال البخاري: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا هشام عن أبيه عن زينب عن أم حبيبة قالت: قلت يا رسول الله هل لك في بنت أبي سفيان؟ قال: " فأفعل ماذا"؟. قلت: تنْكحُ. قال: " أتحبين"؟ قلت: لستُ لك. بمخلية، وأحب من شركتي فيك أختي. قال: "إنها لا تحل لي"، قلت بلغني أنك تخطب. قال: "ابنة أم سلمة"؟ قلت: نعم. قال: " لو لم تكن ربيبتي ما حلت لي، أرضعتني وإياها ثُويبة، فلا تعرضن على بناتكن ولا أخواتكن".
قال الليث حدثنا هشام (دُرة بنت أم سلمة).
(الصحيح ٩/١٥٨ ح ٥١٠٦- ك النكاح، ب الآية). وأخرجه مسلم في (صحيحه ٢/١٠٧٢ - ك الرضاع، ب تحريم الربيبة وأخت المرأة).
قوله تعالى (من نسائكم اللاتى دخلتم بهن)
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الدخول: النكاح.
قوله تعالى (فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم)
وبه عن ابن عباس قوله تعالى: (فلا جناح عليكم) قال: فلا حرج.
قوله تعالى (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) والآية
قال الشيخ الشنقيطي: يفهم منه أن حليلة دعيه الذي تبناه لا تحرم عليه، وهذا المفهوم صرح به تعالى في قوله (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا) وقوله (وما جعل أدعيائكم أبنائكم ذلكم قولكم بأفواهكم) وقوله (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) الآية.
قوله تعالى (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف)
قال ابن ماجة: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، ثنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن أبي وهب الجيشاني، حدثه أنه سمع الضحاك بن فيروز الديلمي يحدث عن أبيه، قال: أتيتُ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلتُ: يا رسول الله! إني أسلمت وتحتي أختان. قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لي: "طلق أيتهما شئت".
(السنن ١/٦٢٧ ح ١٩٥١- ك النكاح، ب الرجل يسلم وعنده أختان). وأخرجه أحمد (المسند ٤/٢٣٢) عن يحيى بن إسحاق عن ابن لهيعة به. قال الألباني: حسن (صحيح ابن ماجة ح ١٥٨٧).
وأخرجه الترمذي (السنن ٣/٤٢٧ ح ٢٩١١) عن قتيبه عن ابن لهيعة، لكن لفظه: "أختر أيتهما شئت".
وقد توبع ابن لهيعة في اللفظ الأول، فأخرجه ابن ماجة (ح ١٩٥٠) من طريق إسحاق بن أبي فروة عن أبي وهب به. وتوبع في اللفظ الثاني، أخرجه الترمذي (ح ١١٣٠) من طريق يزيد بن أبي حبيب عن أبي وهب، وقال: حديث حسن. وقال ابن حجر: صححه ابن حبان والدارقطني والبيهقي (بلوغ المرام مع سبل السلام ٣/٢٧٩)، وحسنه الألباني (صحيح سنن الترمذي ح ٩٠٢).
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها".
(الصحيح ٩/٦٤ ح ٥١٠٩- ك النكاح، ب لاتنكح المرأة على عمتها)، وأخرجه مسلم في (الصحيح ٢/١٠٢٨ح ٣٣- ك النكاح، ب تحريم الجمع في المرأة وعمتها والمرأة وخالتها).
قال مالك: عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب، أن رجلا سأل عثمان بن عفان عن الأختين من ملك اليمين، هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان: أحلتهما آية وحرمتهما آية. فأما أنا فلا أحب أن أصنع ذلك. قال: فخرج من عنده، فلقى رجلا من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فسأله عن ذلك؟ فقال: "لو كان لى من الأمر شىء، ثم وجدت أحدا فعل ذلك، لجعلته نكالا.
قال ابن شهاب: أراه علي بن أبي طالب.
(الموطأ ٢/٥٣٨ ح ٣٣- النكاح، ب ما جاء في كراهية إصابة الأختين بملك اليمين والمرأة وابنتها).
ورجاله ثقات وسنده صحيح.
قوله تعالى (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم)
قال مسلم: حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري. حدثنا يزيد بن زُريع. حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن صالح، أبي الخليل، عن أبي علقمة الهاشمي، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يوم حنين، بعث جيشاً إلى أوطاس، فلقوا عدواً. فقاتلوهم. فظهروا عليهم. وأصابوا لهم سبايا.
فكأن ناساً من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين. فأنزل الله عز وجل في ذلك: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم). أي: فهُن لكم حلال إذا انقضت عدتهن.
(الصحيح ٢/١٠٧٩ ح ١٤٥٦- ك الرضاع، ب جواز وطء المسبية بعد الاستبراء..).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قوله: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) كل امرأة لها
زوج فهي عليك حرام، إلا أمة ملكتها ولها زوج بأرض الحرب فهي لك حلال إذا استبرأتها.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كل ذات زوج عليكم حرام، إلا الأربع اللائى ينكحن بالبينة والمهر.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، ثنا يوسف الصفار، ثنا أبو أسامة، أخبرنى عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يرى مشركة محصنة، يعنى: اليهوديات والنصرانيات.
ورجاله ثقات وإسناده صحيح.
قوله تعالى (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة... )
قال الشيخ الشنقيطي: يعني: كما أنكم تستمتعون بالمنكوحات فأعطوهن مهورهن في مقابلة ذلك، وهذا المعنى تدل له آيات من كتاب الله كقوله تعالى: (وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض) الآية. فإفضاء بعضهم إلى بعض المصرح بأنه سبب لاستحقاق الصداق كاملا، هو بعينه الاستمتاع المذكور هنا في قوله (فما استمتعتم به منهن) الآية.
أخرج أدم بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: (محصنين)، قال: متناكحين (غير مسافحين)، قال: زانين بكل زانية.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قوله (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة) إذا تزوج الرجل منكم المرأة، ثم نكحها مرة واحدة، فقد وجب صداقها كله، والاستمتاع هو النكاح.
انظر تفسير سورة البقرة آية (٢٣٦).
قوله تعالى (ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليماً حكيماً)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: التراضي: أن يوفيها صداقها ثم يخيرها.
قوله تعالى (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات)
قال الشيخ الشنقيطي: ظاهر هذه الآية الكريمة أن الأمة لا يجوز نكاحها، ولو عند الضرورة إلا إذا كانت مؤمنة بدليل قوله (من فتياتكم المؤمنات) فمفهوم مخالفته أن غير المؤمنات من الإماء لا يجوز نكاحهن على كل حال، وهذا المفهوم يفهم من مفهوم آية أخرى وهي قوله تعالى: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب) فإن المراد بالمحصنات فيها الحرائر على أحد الأقوال، ويفهم منه أن الإماء الكوافر لا يحل نكاحهن ولو كن كتابيات.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (ومن لم يستطع منكم طولا) من لم يكن له سعة.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قوله (أن ينكح المحصنات) أن ينكح الحرائر، فلينكح من إماء المؤمنين.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد (من فتياتكم المؤمنات) قال: لا ينبغي أن يتزوج مملوكة نصرانية.
قوله تعالى (فانكحوهن بإذن أهلهن)
قال ابن ماجة: حدثنا جميل بن الحسن العتكي. ثنا محمد بن مروان العُقيلى. ثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"لا تُزوج المرأةُ المرأةَ. ولا تزوج المرأة نفسها. فإن الزانية هي التي تزوج نفسها".
(السنن ح ١٨٨٢ -ك النكاح- باب لا نكاح إلا بولى). قال محقق السنن: في الزوائد: في إسناده جميل بن الحسن العتكي. قال فيه عبدان: إنه فاسق يكذب، يعني في كلامه. وقال ابن عدي: لم أسمع أحدا تكلم فيه غير عبدان، إنه لا بأس به، ولا أعلم له حديثاً منكراً. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: يغرب. وأخرج له في صحيحه هو وابن خزيمة والحاكم. وقال مسلمة الأندلسي: ثقة.
وباقي رجال الإسناد ثقات ا. هـ. والذى في مصباح الزجاجة غير هذا بالمرة (انظر ١/٣٣٢).وقد أخرجه الدارقطني من طريق عبد السلام بن حرب عن هشام به، وفي آخره بلفظ ".. إن التى تزوج نفسها هي الفاجرة.." (السنن٣/٢٢٧ ح ٢٦) وصحح ابن الملقن رواية الدارقطني (خلاصة البدر المنير ٢/١٨٧ ح ١٩٣٨). وقال الألباني في أحد هذه الطرق: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(انظر الإرواء ٦/٢٤٩). وذكره ابن كثير (٢/٢٢٧).
وانظر حديث ابن ماجة الآخر المتقدم تحت الآية رقم (٢٣٢) من سورة البقرة. وهو حديث: "لا نكاح إلا بولي".
قوله تعالى (محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يعني تنكحوهن عفائف غير زوان في سر ولا علانية ولا متخذات أخدان "يعني في أخلاء".
قوله تعالى (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب)
قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا هذا العذاب الذي على المحصنات -وهن الحرائر- الذي نصفه على الإماء، ولكنه بين في موضع أخر أنه جلد مائة بقوله (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) فيعلم منه أن على الأمة الزانية خمسين جلدة ويلحق بها العبد الزاني فيجلد خمسين، فعموم الزانية مخصوص بنص قوله تعالى: (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) وعموم الزاني مخصوص بالقياس على المنصوص، لأنه لا فارق البتة بين الحرة
والأمة إلا الرق، فعلم أنه سبب تشطير الجلد فأجرى في العبد لاتصافه بالرق الذي هو مناط تشطير الجلد، وهذه الآية عند الأصوليين من أمثلة تخصيص عموم النص بالقياس، بناء على أن نوع تنقيح المناط المعروف بإلغاء الفارق يسمى قياسا، والخلاف في كونه قياسا معروف في الأصول. أما الرجم فمعلوم أنه لا يتشطر، فلم يدخل في المراد بالآية.
قال مسلم: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمى. حدثنا سليمان أبو داود.
حدثنا زائدة عن السُّدّي، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن. قال: خطب عليّ فقال: يا أيها الناس! أقيموا على أرقّائكم الحدّ. من أحصن منهم ومن لم يُحصن. فإن أمَة لِرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زنت. فأمرني أن أجلدها. فإذا هي حديث عهد بنفاس. فخشيتُ، إن أنا جلدتها، أن أقتلها. فذكرت ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: "أحسنتَ".
(الصحيح ٣/١٣٣٠ ح ١٧٠٥- ك الحدود، ب تأخير الحد عن النفساء).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال قوله (فإذا أحصن) إذا تزوجن حرا.
قال البخاري: حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا سفيان عن الزهري حدثني عبيد الله سمعت أبا هريرة - رضي الله عنه - وزيد بن خالد عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا زنت الأمة فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها في الثالثة أو الرابعة فبيعوها ولو بضفير".
(الصحيح ٥/٢١١ ح ٢٥٥٥، ٢٥٥٦- ك العتق، ب كراهية التطاول على الرقيق )، وأخرجه مسلم (الصحيح ٣/١٣٢٨ ح ١٧٠٣- ك الحدود، ب رجم اليهود، أهل الذمة، في الزنى).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قوله (فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) من الجلد.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) خمسون جلدة، ولا نفى ولا رجم.
قوله تعالى (ذلك لمن خشي العنت)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (العنت) الزنا.
قوله تعالى (وأن تصبروا خير لكم)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (وأن تصبروا خير لكم) وأن تصبروا عن الأمة خير لكم.
قوله تعالى (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم)
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: مبدأ التوبة من الله.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن مقاتل بن حيان قوله: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم) من تحريم الأمهات والبنات، كذلك كان سنة الذين من قبلكم، ثم قال: (والله يريد أن يتوب عليكم).
قوله تعالى (والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله (ويريد الذين يتبعون الشهوات) قال: الزنا (أن تميلوا ميلا عظيما) قال: يريدون أن تزنوا.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي (ويريد الذين يتبعون الشهوات) قال هم اليهود والنصارى (أن تميلوا ميلا عظيما).
قوله تعالى (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (يريد الله أن يخفف عنكم) في نكاح الأمة، وفي كل شيء فيه يسر.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحسى، ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه: (وخلق الإنسان ضعيفا) قال: في أمر النساء. قال وكيع: يذهب عقله عندهن.
ورجاله ثقات وإسناده صحيح.
قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما. ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيراً)
قال ابن ماجة: حدثنا العباس بن الوليد الدمشقي. ثنا مروان بن محمد. ثنا عبد العزيز بن محمد، عن داود بن صالح المدني، عن أبيه، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إنما البيع عن تراض".
(السنن ح ٢١٨٥- التجارات، باب بيع الخيار) قال البوصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات رواه ابن حبان في صحيحه عن الحسن بن سفيان ثنا سعيد بن عبد الجبار ثنا الدراوردى عن داود بن صالح به وزيادة. ورواه البيهقي في الكبرى من طريق يحيى بن سليمان عن عبد العزيز فذكره بإسناده ومتنه، وله شاهد من حديث جابر بن عبد الله، رواه الترمذي وابن ماجة، ورواه أبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة. (مصباح الزجاجة ٢/١٠). وحسنه السيوطي (الجامع الصغير ٢/٥٥٩ ح ٢٥٥١).
وقال الألباني: صحيح (صحيح ابن ماجة ٢/١٣).
قال البخاري: حدثنا صدقة، أخبرنا عبد الوهاب، قال سمعت يحيى بن سعيد، قال سمعت نافعا، عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا أو يكون البيع خيارا". قال نافع: وكان ابن عمر إذا اشترى شيئا يعجبه فارق صاحبه.
(الصحيح ح ٢١٠٧- البيوع، ب كم يجوز الخيار)، وأخرجه مسلم في (صحيحه- البيوع ح ٤٥).
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الموصلى، ثنا ابن فضيل، عن داود الأدوي، عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله، (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) قال: إنها لمحكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة.
ورجاله ثقات وإسناده صحيح.
قال مسلم: حدثنا زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم (قال إسحاق: أخبرنا. وقال زهير: حدثنا جرير) عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، قال: دخلتُ المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة، والناس مجتمعون عليه، فأتيتهم. فجلست إليه.
فقال: كنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سفر، فنزلنا منزلا، فمنّا من يصلح خباءه.
ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جَشَره. إذ نادى منادي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الصلاة جامعة. فاجتمعنا إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فقال: "إنه لم يكن نبي قبلى إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شرّ ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جُعل عافيتها في أولها. وسيصيب أخرها بلاء وأمور تنكرونها. وتجيء فتنة فيُرقق بعضها بعضاً. وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مُهلكتي، ثم تنكشف.
وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه. فمن أحب أن يزحزح عن النار ويُدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم والآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع. فإن جاء أخر ينازعه فاضربوا عنق الأخر". فدنوت منه فقلت له: أنشدك الله! آنت سمعت هذا من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيده. وقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي، فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل. ونقتل أنفسنا والله يقول: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما). قال: فسكت ساعةً ثم قال: أطعه في طاعة الله. واعصه في معصية الله.
(الصحيح ٣/١٤٧٢-١٤٧٣ ح ١٨٤٤- ك الأمارة، ب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء... ).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: لما أنزل الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) فقال المسلمون إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو من فضل الأموال، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكف الناس عن ذلك فأنزل الله تعالى بعد ذلك: (ليس على الأعمى حرج) الآية.
(التفسير- النساء/٢٩، ح ٢٩٠٠). وقد أخرج هذا الحديث أبو داود (السنن ٣/٣٤٣ ح ٣٧٥٣- ك الأطعمة، ب نسخ الضيف يأكل من مال غيره) من طريق يزيد النحوي، عن عكرمة عن ابن عباس بنحوه. قال الألباني: حسن الإسناد (صحيح أبي داود ح ٣١٩٢).
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) قال: التجارة رزق من رزق الله، وحلال من حلال الله، لمن طلبها بصدقها وبرها.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد قول الله تبارك وتعالى (عن تراض منكم)، في تجارة أو بيع، أو عطاء يعطه أحد أحدا.
قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار حدثنا عثمان بن عمر حدثنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة أن ثابت بن الضحاك -وكان من أصحاب الشجرة- حدثه أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "من حَلَفَ على ملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال، وليس على ابن أدم نذر فيما لا يملك، ومن قتل نفسه بشىء في الدنيا عُذب به يوم القيامة، ومن لَعنَ مؤمناً فهو كقتله، ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله".
(الصحيح ١٠/٤٧٩ ح ٦٠٤٧- ك الأدب، ب ما ينهى عن السب واللعن). وأخرجه مسلم في (الصحيح - ك الإيمان، ب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، ح ١٧٦-١٧٧).
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا شعبة عن سليمان قال: سمعت ذكوان يحدث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى
فيه خالداً مخلداً فيها أبداً. ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً. ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلدا فيها أبداً".
(الصحيح ١٠/٢٥٨ ح ٥٧٧٨- ك الطب، ب شراب السم والدواء به )، وأخرجه مسلم (ك الإيمان، باب غلظ تحريم قتل النفس ح ١٧٥).
قال أبو داود: حدثنا ابن المثنى، أخبرنا وهب بن جرير: أخبرنا أبي، قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيِب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير (المصري)، عن عمرو بن العاص، قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: "يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ " فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول (وٍ لا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) فضحك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم يقل شيئا.
قال أبو داود: عبد الرحمن بن جبير مصري مولى خارجة بن حذافة، وليس هو ابن جبير بن نفير.
وقال أبو داود: حدثنا محمد بن سلمة (المرادي) :أخبرنا ابن وهب، عن ابن لهيعة، وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، أن عمرو بن العاص كان على سرية، وذكر الحديث نحوه، قال: فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة ثم صلى بهم، فذكر نحوه، ولم يذكر التيمم، قال أبو داود: وروى هذه القصة عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال فيه "فتيمم".
(السنن ١/٩٢ ح ٣٣٤، ٣٣٥- ك الطهارة، ب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم؟). والرواية الثانية: أخرجها ابن حبان في صحيحه (الإحسان ٤/١٤٢-١٤٣ ح ١٣١٥) من طريق. عمرو بن الحارث عن يزيد به. قال محققه: إسناده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه أحمد من طريق ابن لهيعة به، (المسند ٤/٢٠٣، ٢٠٤) قال ابن حجر: إسناده قوى (الفتح١/٤٥٤) وصححه النووي كما نقل
الألباني (إرواء الغليل ١/١٨١، ١٨٢)، وأخرجه الحاكم (المستدرك ١/١٧٧- ك الطهارة) عن عمرو ابن الحارث ورجل آخر، عن يزيد به، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي وقد رجح ابن القيم الرواية التي فيها الغسل على رواية التيمم (زاد المعاد ٣/٣٨٨).
قال النسائى: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أنبأنا بقية قال: حدثني بجير بن سعد، عن خالد بن معدان أن أبارهم السمعي حدثهم أن أبا أيوب الأنصاري حدثه أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "من جاء يعبد الله ولا يشرك به شيئاً ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويجتنب الكبائر كان له الجنة فسألوه عن الكبائر؟ فقال: "الإشراك بالله وقتل النفس المسلمة والفرار يوم الزحف".
(السنن٧/٨٨- ك تحريم الدم، ب ذكر الكبائر). وأخرجه أحمد (المسند ٥/٤١٣) من طريق حيوة عن بقيه به. وصححه الألباني (صحيح النسائي ح ٣٧٤٣) وحسنه الأرناؤوط (جامع الأصول ١٠/٦٢٦).
قوله تعالى (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما)
قال البخاري: حدثنا أحمد بن يونس قال حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن حميد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه" قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: "يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه".
(الصحيح ١٠/٤١٧ ح ٥٩٧٣ - ك الأدب، ب لا يسب الرجل والديه). وأخرجه مسلم (الصحيح ١/٩٢ ح ٩٠- ك الإيمان، ب بيان الكبائر وأكبرها).
وانظر حديث البخاري عن أبي هريرة المتقدم عند الآية (١٠) من السورة نفسها "اجتنبوا السبع الموبقات".
وانظر حديث النسائي عن أبي أيوب المتقدم عند الآية (٢٩) من السورة نفسها. وهو حديث: "من جاء يعبد الله ولا يشرك به شيئاً... ".
قال الترمذي: حدثنا حميد بن مسعدة بصري. حدثنا بِشر بن المفضل حدثنا الجريري عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ألا أحدثكم بأكبر الكبائر"؟. قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "الإشراك بالله، وعُقوق الوالدين"، قال: وجَلَسَ وكان متكئاً قال: "وشهادة الزور- أو قال: قول الزور" قال: فما زال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولها حتى قلنا ليته سكت.
قال أبو عيسى. هذا حديث حسن غريب صحيح.
(السنن٥/٢٣٥-٢٣٦ ح ٣٠١٩-٣٠٢١- ك التفسير، ب سورة النساء). وصححه الألباني في (صحيح سنن الترمذي).
قال الحاكم: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي ثنا إسحاق ابن الحسن ثنا أبو حذيفة ثنا سفيان (وحدثنا) أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري ثنا محمد بن عبد السلام ثنا إسحاق بن إبراهيم انبأ وكيع عن سفيان عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله قال: الكبائر من أول سورة النساء إلى (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) من أول السورة ثلاثين آية.
(المستدرك ١/٥٩ - ك الإيمان) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وجب إخراجه على ما شرطت في تفسير الصحابة).
قال ابن خزيمة: ثنا علي بن مسلم قال: ثنا أبو داود قال: ثنا الحكم بن خزرج قال: ثنا ثابت عن أنس قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي".
(التوحيد ٢/٦٥٦، ب ذكر لفظة رويت عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ذكر الشفاعة). وأخرجه الضياء المقدسي في (المختارة ٥/٢١-٢٢ ح ١٦٢٢-١٦٢٣) من طريق محمد بن رافع وعلي بن مسلم عن كلاهما عن أبي داود -وهو الطيالسي- به. وصحح محققه إسناديهما). وأخرجه الترمذي (السنن ٤/٦٢٥ ح ٢٤٣٥) وابن حبان في صحيحه (الإحسان ٨/١٣٢ ح ٦٤٣٤)، والحاكم (المستدرك ١/٦٩) كلهم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ثابت عن أنس. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه البيهقي. (انظر تخريج إحياء علوم الدين ٥/٢٢٠٥ ح ٣٤٨٣، وكشف الخفا ٢/١٠). وقال الحافظ ابن كثير: إسناد صحيح على شرط الشيخين (التفسير ٢/٢٤٨)، وصححه الألباني (صحيح سنن الترمذي ح ١٩٨٣).
وانظر حديث البخاري عن عبد الله بن مسعود الآتي عند الآية (٦٨) من سورة الفرقان.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الكبائر: كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة أو عذاب.
قوله تعالى (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن وسئلوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما)
قال الترمذي: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم سلمة، أنها قالت: يغزو الرجال ولا يغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث. فأنزل الله: (ولا تتمنوا ما فضّل الله بعضكم على بعض). قال مجاهد: فأنزل فيها: (إن المسلمين والمسلمات) وكانت أم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة.
قال أبو عيسى: هذا حديث مرسل. ورواه بعضهم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مرسلاً أن أم سلمة قالت: كذا وكذا.
(السنن ٥/٢٣٧ ح ٣٠٢٢- ك تفسير القرآن، ب من سورة النساء)، وأخرجه الحاكم (المستدرك ٢/٣٠٥-٣٠٦) من طريق قبيصة عن سفيان به، وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وأخرجه الطبري في تفسيرة (٨/٢٦٢ ح ٩٢٤١) من طريق: عبد الرزاق، عن سفيان: وعنده: عن مجاهد قال: قالت أم سلمة. ولأجل ذلك حكم الترمذي على الرواية السالفه بالإرسال، ولكن رد الشيخ أحمد شاكر القول بإرساله في بحث له نافع، وأثبت صحة الحديث واتصاله (حاشية الطبري ٨/٢٦٣)، وصححه الألباني (صحيح الترمذي ح ٢٤١٩).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: لا يتمنى الرجل فيقول: "ليت لي مال فلان أو أهله فنهى الله سبحانه عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله".
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله تعالى: (للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن) :يعني مما ترك الوالدان والأقربون، يقول: للذكر مثل حظ الأنثيين.
قوله تعالى (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم... )
قال البخاري: حدثنا الصلت بن محمد، حدثنا أبو أسامة، عن إدريس، عن طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما (ولكل جعلنا موالي) قال: ورثة. (والذين عقدت أيمانكم) كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجر الأنصارىَّ دون ذوي رحمه للأخوة التي أخى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينهم فلما نزلت (ولكل جعلنا موالي) نسخت. ثم قال (والذين عقدت أيمانكم) من النصر والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث ويوصى له.
سمع أبو أسامة إدريس. سمع إدريس طلحة. (الصحيح ٨/٩٦ ح ٤٥٨٠- ك التفسير، سورة النساء).
قال الحاكم: أخبرنا أبو العباس القاسم بن القاسم السياري. بمرو ثنا محمد بن موسى بن حاتم ثنا علي بن الحسن بن شقيق انبأ الحسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما (والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) قال: كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب ليرث أحدهما الآخر فنسخ الله ذلك بالأنفال (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله).
(المستدرك ٤/٣٤٦- ك الفرائض). وسكت عنه وكذا الذهبي. وقد رويت عدة آثار في ذلك تقوي أثر ابن عباس وتشهد له. (انظر بيان ذلك في مرويات الإمام أحمد في التفسير ١/٣٥٣).
ومن هذه الآثار رواية الطبري عن ابن عباس التالية:
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الموالي، العصبة، يعنى: الورثة.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قوله (والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) فكان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا) الأحزاب: ٦. يقول: إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية، فهو لهم جائز من ثلث مال الميت وذلك هو المعروف.
وانظر حديث مسلم عن جبير بن مطعم الآتي عند الآية (٩١) من سورة النحل: "لا حلف في الإسلام".
قوله تعالى (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم)
قال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا النضر بن شميل، أخبرنا محمد ابن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها".
(السنن ٣/٤٥٦ ح ١١٥٩- ك الرضاع، ب حق الزوج على المرأة) قال الترمذي: حسن غريب.
وقال الألبانى: حسن صحيح (صحيح الترمذى ح ٩٢٦). وأخرجه أحمد (المسند ٤/٣٨١) من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وله زيادة قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "... ولا تؤدي المرأة حق الله عز وجل عليها كله حتى تؤدي حق زوجها عليها كله"... )، وأخرجه الحاكم من حديث قيس بن سعد وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/١٨٧) وصححه السيوطي (الجامع الصغير ٥/٣٢٩ ح ٧٤٨٢).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (الرجال قوامون على النساء) يعني: أمراء، عليها أن تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وطاعته: أن تكون محسنة إلى أهله، حافظة لماله وفضله عليها بنفقته وسعيه..
قوله تعالى (فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله)
قال الطبري: حدثني المثنى، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا أبو معشر قال، حدثنا سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك" قال: ثم قرأ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (الرجال قوامون على النساء) الآية.
(التفسير ٨/٢٩٥ ح ٩٣٢٨)، وأخرجه الطيالسي (المسند ص ٣٠٦ ح ٢٣٢٥) عن أبي معشر به. وقد تابع أبا معشر محمد بن عجلان: أخرجه النسائى (السنن ٦/٦٨- ك النكاح، ب أي النساء خير). وأحمد (المسند ٢/٢٥١، ٤٣٢، ٤٣٨) والحاكم (المستدرك ٢/١٦١) من طريق محمد بن عجلان عن سعيد المقرى به. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وله شاهد من حديث عبد الله بن سلام، ذكره الهيثمي (المجمع ٤/٢٧٣) وقال: رواه الطبرانى وفيه زريك بن أبي زريك ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. قال الألبانى: وزريك معروف وثقة... -ثم ذكر توثيق ابن معين له- ومن طريق الطبراني أخرجه الضياء في (المختارة ٥٨/١٨٠/١/ق)، (الصحيحة ٤/٤٥٣ ح ١٨٣٨) وله شاهد أخر من حديث عبد الله بن عمر: أخرجه ابن ماجة (١/١٨٥٧). وصححه الألبانى (المصدر المتقدم).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قوله (قانتات) مطيعات..
وانظر تفسير سورة البقرة آية (١١٦).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله (حافظات للغيب بما حفظ الله) يعنى إذا كن هكذا فأصلحوا إليهن.
قوله تعالى (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا)
قال الشيخ الشنقيطي: ذكر في هذه الآية الكريمة أن النشوز قد يحصل من النساء ولم يبين هل يحصل من الرجال نشوز أو لا؟ ولكنه بين في موضع أخر أن النشوز قد يحصل من الرجال. وهو قوله تعالى: (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً).
قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن هشام عن أبيه عن عبد الله بن زمعة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يُجامعها في أخر اليوم".
(الصحيح ٩/٢١٣ ح ٥٢٠٤-ك النكاح، ب ما يكره من ضرب النساء... ).
قال البخاري: حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان قال حدثني حميد عن أنس - رضي الله عنه - قال: آلى رسولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من نسائه شهراً، وقعد في مشربة له، فنزل لتسع وعشرين، فقيل: يا رسول الله إنك آليت شهراً، قال: "إن الشهر تسع وعشرون".
(الصحيح ٩/١١٢ ح ٥٢٠١ -ك النكاح- ب قوله الله تعالى الآية... ).
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، أخبرنا أبو قزعة الباهلي، عن حكيم بن معاوية القشيري، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: "أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت -أو اكتسبت- ولا تضرب الوجه، ولا تُقبّح ولا تهجر إلا في البيت. قال أبو داود: "ولا تقبح الوجه" أن تقول: قبحك الله.
(السنن ٢/٢٤٤ ح ٢١٤٢ -ك النكاح، ب في حق المرأة على زوجها). وأخرجه أحمد (المسند ٤/٤٤٧)، وابن حبان في صحيحه (الإحسان ٦/١٨٨ ح ٤١٦٣)، والحاكم (المستدرك ٢/١٨٧) كلهم من طريق أبي قزعة به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قال الألباني: حسن صحيح. (صحيح أبي داود ح ١٨٧٥).
انظر حديث مسلم عن جابر في صفة حجة الوداع المتقدم عند الآية (١٩) من السورة نفسها.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قوله (واللاتى تخافون نشوزهن) تلك المرأة تنشز وتستخف بحق زوجها ولا تطيع أمره فأمر الله عز وجل أن يعظها ويذكرها بالله، ويعظم حقه عليها، فإن قبلت وإلا هجرها في المضجع، ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها -وذلك عليها شديد- فإن رجعت وإلا ضربها ضربا غير مبرح ولا يكسر له
عظما ولا يجرح لها جرحاً قال (فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا) يقول: "إذا أطاعتك فلا تتجن عليها العلل".
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: عظوهن فإن أطعنكم، وإلا فاهجروهن. والهجر أن لا يجامعها ويضاجعها على فراشها ويوليها ظهره.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن مقاتل بن حيان قوله: (فلا تبغوا عليهن سبيلا) فحرم الله ضربهن عند الطاعة.
قوله تعالى (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا)
قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى الطبّاع، حدثني يحيى بن سليم، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عبيد الله بن عياض بن عمرو القاري قال: جاء عبد الله بن شداد فدخل على عائشة ونحن عندها جلوس، مرجعه من العراق ليالى قتل على فقالت له: يا عبد الله بن شداد، هل أنت صادقي عما اسألك عنه؟ تحدثني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي؟ قال: ومالي لا أصدُقك!
قالت: تحدثنى عن قصتهم، قال: فإن عليا لما كاتب معاوية وحكم الحكمان خرج عليه ثمانية ألاف من قرّاء الناس، فنزلوا بأرض يقال لها حروراء من جانب الكوفة، وإنهم عتبوا عليه فقالوا: انسلخت من قميصٍ ألبسكه الله تعالى، واسم سماك الله تعالى به، ثم انطلقت فحكّمت في دين الله، فلا حكم إلا لله تعالى، فلما أن بلغ عليا ما عتبوا عليه وفارقوه عليه، فأمر مؤذنا فأذن، أن لا يدخل على أمير المؤمنين إلا رجل قد حمل القرآن، فلما أن امتلأت الدار من قراء الناس دعا بمصحف إمام عظيم، فوضعه بين يديه، فجعل يصُكه بيده ويقول: أيها المصحف! حدّث الناس! فناداه الناس فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما تسأل عنه؟
إنما هو مداد في ورق! ونحن نتكلم. بما روينا منه! فماذا تريد؟ قال: أصحابكم
هؤلاء الذين خرجوا، بيني وبينهم كتاب الله، يقول الله تعالى في كتابه في امرأة ورجل: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفّق الله بينهما) فأمة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعظم دما وحرمة من امرأة ورجل...
(المسند ح ٦٥٦)، وصحح أحمد شاكر إسناده، وأخرجه الضياء (المختارة ٢/٢٢٢-٢٢٦ ح ٦٠٥) من طريق ابن أبي عمر العدني، عن يحيى بن سليم به. وقال ابن كثير: إسناده صحيح (البداية والنهاية ٧/٢٧٩-٢٨٠) وصحح إسناده محقق الضياء). وقال المنذري: رواه أحمد، بإسناد جيد (الترغيب ٣/٦٤) وقال الهيثمى رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٣/١١٩) وحسنه السيوطي وصححه المناوى (فيض القدير شرح الجامع الصغير ٥/٤٢٣ ح ١٨٢٤) وصححه الألبانى (صحيح الجامع رقم ٥٥٣٥).
انظر تفسير سورة البقرة آية (١٣٧).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: فهذا الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما، فأمر الله سبحانه أن يبعثوا رجلا صالحاً من أهل الرجل، ومثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة، قصروها على زوجها ومنعوها النفقة، فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا، فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا، فرضي أحد الزوجين وكره ذلك الأخر، ثم مات أحدهما، فإن الذي رضي يرث الذي كره، ولا يرث الكاره الراضي وذلك قوله (إن يريدا إصلاحا) قال: هما الحكمان (يوفق الله بينهما).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قوله (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) وذلك الحكمان، وكذلك كل مصلح يوفقه الله للحق والصواب.
قوله تعالى (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً)
قال البخاري: حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا همام، حدثنا قتادة: حدثنا أنس ابن مالك، عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال، بينا أنا رديف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليس بيني وبينه
إلا آخرة الرحل فقال: "يا معاذ"، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة، ثم قال: يا معاذ، قلت لبيك رسول الله وسعديك ثم سار ساعة، ثم قال: يا معاذ بن جبل"، قلتُ: لبيك رسول الله وسعديك. قال: هل تدري ماحق الله على عباده؟ "قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "حق الله على عباده: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. ثم سار ساعة ثم قال: "يا معاذ بن جبل"، قلت: لبيك رسول الله وسعديك. قال: "هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه؟ "قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "حق العباد على الله أن لايعذبهم".
(الصحيح ١١/٣٤٥ ح ٦٥٠٠ -ك الرقاق- ب من جاهد نفسه في طاعة الله).
قال البخاري: حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك قال حدثنا شعبة قال: الوليد بن العيزار أخبرنى قال: سمعت أبا عمرو الشيباني يقول: حدثنا صاحب هذه الدار -وأشار إلى دار عبد الله- قال: سألت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها". قال: ثم أى؟ قال: "ثم برّ الوالدين". قال: ثم أيّ؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني.
(الصحيح ٢/١٢ ح ٥٢٧- ك مواقيت الصلاة، ب فضل الصلاة لوقتها).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن مقاتل بن حيان في قول الله تعالى (وبالوالدين إحسانا) فيما أمركم به من حق الوالدين.
قوله تعالى (وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم)
قال أحمد: ثنا إبراهيم بن أبي العباس قال ثنا بقية قال ثنا بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن المقدام بن معدي كرب قال قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة وما أطعمت زوجك فهو لك صدقة وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة".
(المسند ٤/١٣١)، وأخرجه النسائي في الكبرى (٥/٣٨٢ ح ٩٢٠٤) من طريق عيسى بن أحمد عن بقية به. قال ابن كثير: إسناده صحيح ولله الحمد. (التفسير ٢/٢٦٤).
وانظر حديث أبي داود عن علي المتقدم عند الآية (٨٣) من سورة البقرة.
وانظر حديث مسلم عن أبي هريرة المتقدم عند الآية (٢٧٣) من سورة البقرة.
قال البخاري: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني مالك عن يحيى بن سعيد قال أخبرني أبو بكر بن محمد عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "ما زال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه".
(الصحيح ١٠/٤٥٥ ح ٦٠١٤- ك الأدب، ب الوصاة بالجار).
قال مسلم: حدثنا أبو كامل الجحدري وإسحاق بن إبراهيم -واللفظ لإسحاق- قال أبو كامل: حدثنا. وقال إسحاق: أخبرنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمّى. حدثنا أبو عمران الجونى عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر.
قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يا أبا ذر! إذا طبخت مرقة، فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك.
(الصحيح ٤/٢٠٢٥- ك البر والصلة والآداب، ب الوصية بالجار، والإحسان إليه بعد رقم ٢٦٢٥).
وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الليث قال حدثني سعيد المقبري عن أبي شريح العدوي قال: سمعت أذناي وأبصرت عيناي حين تكلم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم والآخر فليكرم ضيفه جائزته"، قيل: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: "يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت".
(الصحيح ١٠/٤٤٥ ح ٦٠١٩- ك الأدب، ب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره).
قال الترمذي: حدثنا أحمد بن محمد. حدثنا عبد الله بن المبارك عن حيوة بن شُريح عن شرحبيل بن شريك عن أبي عبد الرحمن الحبلى عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره".
(السنن ٤/٣٣٣ ح ١٩٤٤ - ك البر والصلة، باب ما جاء في حق الجوار). وقال: حدث حسن غريب.
وأخرجه الدارمي في سننه (٢/٢١٥ - ك السير، باب في حسن الصحبه) من طريق عبد الله يزيد، عن حيوة وابن لهيعة، عن شرحبيل به. والحاكم في المستدرك (٤/١٦٤) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، وتعقبهما الألباني: بأن ابن مسلم لم يخرج له الشيخان، وأن ابن شريك قد احتج به مسلم وحده، وهما ثقتان. ثم نقل عن ابن بشران قوله: حديث صحيح وإسناده كلهم ثقات قال: وهو كما قال (سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم ١٠٣).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قوله (والجار ذى القربي) الذي بينك وبينه قرابة.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قوله تعالى: (والجار الجنب) الذي ليس بينك وبينه قرابه.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قوله (والصاحب بالجنب) الرفيق.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (والصاحب بالجنب)، وهو الرفيق في السفر.
قال الطبري حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة وابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وابن السبيل)، هو الذي يمر عليك وهو مسافر.
وإسناده صحيح.
وانظر تفسير سورة البقرة آية (١٧٧).
قال البخاري: حدثنا أدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة، حدثنا واصل الأحدب قال: سمعت المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذر الغفاري - رضي الله عنه - وعليه حلة وعلى غلامه حلة، فسألناه عن ذلك فقال: إني ساببت رجلا فشكاني إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال لي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أعيَرته بأمِّه"؟ ثم قال: "إن إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تُكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم".
(الصحيح ٥/٢٠٦ ح ٢٥٤٥- ك العتق، ب قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "العبيد إخوانكم")، وأخرجه مسلم بنحوه عن أبي هريرة (الصحيح ٣/١٢٨٤ ح ١٦٦٢ - ك الأيمان، ب إطعام المملوك مما يأكل وإلباسه مما يلبس، ولا يكلفه مايغلبه).
قوله تعالى (إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً)
قال أبو داود: حدثنا مسدد، ثنا يحيى، عن أبي غفار، ثنا أبو تميمة الهجيمى، -وأبو تميمة اسمه طريف بن مجالد- عن أبي جري جابر بن سليم، قال: رأيت رجلاً يصدر الناس عن رأيه، لا يقول شيئاً إلا صدروا عنه، قلت: من هذا؟
قالوا: هذا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قلت: عليك السلام يا رسول الله مرتين، قال:
"لا تقل عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الميت، قل: السلام عليك". قال: قلت: أنت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قال: " أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك، وإن أصابك عامة سنة فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفراء أو فلاة فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك" قلت: اعهد إلى قال:
"لا تسبن أحداً" قال: فما سببت بعده حراً ولا عبداً ولا بعيراً ولا شاة، قال: "ولا تحقرن شيئاً من المعروف، وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك إن ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة، وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك لا تعيره بما تعلم فيه فإنما وبال ذلك عليه".
(السنن ٤/٥٦ ح ٤٠٨٤ -ك اللباس- ب ما جاء في إسبال الإزار)، وأخرجه الترمذى (السنن ٥/٧٢ ح ٢٧٢٢ -ك الاستئذان- ب ماجاء في كراهية أن يقول: عيك السلام مبتدئاً) من طريق أبي أسامة، عن أبي غفار به، وأخرجه أحمد (المسند ٥/٦٣-٦٤) من طرق عدة، عن أبي تميمة به.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصححه الحافظ ابن حجر (الفتح ١١/٥). وقال الألبانى: صحيح (صحيح أبي داود ح ٣٤٤٢).
وانظر حديث مسلم عن ابن مسعود الآتي عند سورة الأعراف آية (٣١) وهو حديث: "الكبر بطر الحق وغمط الناس".
قال أحمد: ثنا يزيد، أنا الأسود بن شيبان، عن يزيد أبو العلاء، عن مطرف ابن عبد الله بن الشخير، قال: بلغني عن أبي ذر حديث فكنت أحب أن ألقاه، فلقيته فقلت له: يا أبا ذر بلغنى عنك حديث فكنت أحب أن ألقاك فأسألك عنه.
فقال: قد لقيت فاسأل قال: قلت بلغنى أنك تقول سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول:
"ثلاثة يحبهم الله عز وجل، وثلاثة يبغضهم الله عز وجل"؟ قال: نعم فما إخالنى أكذب على خليلى محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ثلاثاً يقولها. قال: قلت من الثلاثة الذين يحبهم الله عز وجل؟ قال: رجل غزا في سبيل الله فلقى العدو مجاهداً محتسباً فقاتل حتى قتل وأنتم تجدون في كتاب الله عز وجل (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً) ورجل له جار يؤذيه فيصبر على أذاه ويحتسبه حتى يكفيه الله إياه. بموت أو حياة، ورجل يكون مع قوم فيسيرون حتى يشق عليهم الكرى أو النعاس فينزلون في آخر الليل فيقوم إلى وضوئه وصلاته. قال: قلت من الثلاثة الذين يبغضهم الله؟
قال: الفخور المختال وأنتم تجدون في كتاب الله عز وجل (إن الله لا يحب كل مختال فخور) والبخيل المنان، والتاجر والبياع الحلاف. قال: قلت يا أبا ذر ما المال؟ قال: فرق لنا وذرد. يعني بالفرق غنماً يسيرة. قال قلت لست عن هذا أسأل إنما أسألك عن صامت المال قال: ما أصبح لا أمسى وما أمسى لا أصبح.
قال: قلت: يا أبا ذر مالك ولإخوتك قريش؟ قال: والله لا أسألهم دنيا ولا أستفتيهم عن دين الله تبارك وتعالى حتى ألقى الله ورسوله. ثلاثاً يقولها.
(المسند ٥/١٧٦)، أخرجه الطيالسى (المسند ٣٦٨) عن الأسود به، وأخرجه الطبرانى (المعجم الكبير ح ١٦٣٧)، والحاكم (المستدرك ٢/٨٨، ٨٩)، والبيهقي (السنن ٩/١٦٠) كلهم من طريق الأسود به.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، وقد تابع مطرفاً زيد بن ظبيان: أخرجه الترمذي (السنن٤/٦٩٨ ح ٢٥٦٨) والنسائى (السنن ٥/٨٤) وابن حبان (الإحسان ٨/١٣٧ ح ٣٣٤٩) من طريق ربعى بن حِراش عن زيد بن ظبيان به مختصراً. قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال الحافظ العراقى: إسناد جيد (تخريج الإحياء ٤/١٧٠٥ ح ٢٦٧١) وصححه السيوطى (الجامع الصغير ٣/٣٣٥ ح ٣٥٥٠)، وصححه الألبانى (صحيحح الجامع الصغير ح ٣٠٧٤).
قوله تعالى (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً. والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله واليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً. وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم وكان الله بهم عليماً)
قال، أبو داود: حدثنا حفص بن عمر، ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث عن أبي كثير، عن عبد الله بن عمرو، قال: خطب رسول
الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: "إياكم والشح، فإنما هلك من كان قبلكم بالشح: أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا".
(السنن ٢/١٣٣ ح ١٦٩٨- ك الزكاة، ب في الشح)، وأخرجه أحمد (المسند ح ٦٤٨٧) عن ابن أبي عدي. وابن حبان في صحيحه (الإحسان ١١/٥٧٩ ح ٥١٧٦) من طريق ابن أبي عدي وأبى داود -لعله الطيالسي-. والحاكم (المستدرك ١/١١) من طريق سليم بن حرب ومعاذ، كلهم عن شعبة به، وهو عندهم مطول فيه التحذير من الظلم والفحش والقطيعة وغير ذلك. قال الحاكم عن هذه الرواية: صحيحة سليمه من رواية المجروحين... ولم يخرجاها. وقال الألبانى: صحيح (صحيح أبي داود ح /١٤٨٩) وصححه محقق المسند والإحسان، وصححه السيوطي الجامع السيوطي (الجامع الصغير٣/١٢٥ ح ٢٩٠٦).
ْأخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل) إلى قوله (وكان الله بهم عليما) ما بين ذلك في اليهود.
قوله تعالى (إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها)
قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين في هذه الآية الكريمة أقل ما تضاعف به الحسنة، ولا أكثره ولكنه بين في موضع أخر أن أقل ما تضاعف به الحسنة عشر أمثالها، وهو قوله (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) وبين في موضع أخر أن المضاعفة ربما بلغت سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله وهو قوله (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل) الآية كما تقدم.
قال ابن كثير: يقول تعالى مخبرا أنه لا يظلم أحدا من خلقه يوم القيامة مثقال حبة من خردل أو مثقال ذرة بل يوفيها له ويضاعفها له إن كانت حسنة كما قال تعالى (ونضع الموازين القسط) الآية وقال تعالى مخبرا عن لقمان أنه قال (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله) الآية. وقال تعالى (يومئذ يصدر الناس أشتاتا فيروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره).
قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدتنا الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري فذكر حديث رؤية الرب يوم القيامة مطولاً، وفيه: "فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه" فيخرجون من عرفوا. قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني فاقرءوا (إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها) الحديث.
(الصحيح ١٣/٤٣١ ح ٧٤٣٩ - ك التوحيد، ب قوله تعالى (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة)).
وانظر حيث مسلم عن أنس الآتي عند الآية (٩٧) من سورة النحل.
قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج، ثنا عيسى بن يونس، عن هارون ابن عنترة، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان قال: قال عبد الله ابن مسعود: يؤتى بالعبد والأمة يوم القيامة، فينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان ابن فلان من كان له حق فليأت إلى حقه فتفرح المرأة أن يذوب لها الحق على أبيها أو على أخيها أو على زوجها فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، فيغفر الله من حقه ما شاء ولا يغفر من حقوق الناس شيئا، فينصب للناس، فينادى: هذا فلان ابن فلان من كان له حق فليأت إلى حقه، فيقول: فنيت الدنيا من أين أوتيهم حقوقهم، قال: خذوا من أعماله الصالحة، فأعطوا كل ذى حق بقدر طلبته، فإن كان وليا لله، ففضل له مثقال ذرة ضاعفها الله له حتى يدخله الجنة، ثم قرأ علينا: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) قال ادخل الجنة، وإن كان عبدا شقيا قال الملك: فنيت حسناته وبقي له طالبون كثير، قال: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته، ثم صكوا له صكا من النار.
(رجاله ثقات إلا زاذان صدوق وهو أبو عمر الكندى، وهارون بن عنترة صدوق وإسناده صحيح).
قوله تعالى (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً)
قال مسلم: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب. جميعاً عن حفص. قال أبو بكر: حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله قال: قال لى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "اقرأ علىّ القرآن". قال فقلت: يا رسول الله! أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: "إني أشتهي أن أسمعه من غيري" فقرأت النساء. حتى إذا بلغت: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدأ) رفعت رأسي. أو غمزني رجل إلى جَنْبى فرفعت رأسي. فرأيت دموعه تسيل.
(الصحيح ١/٥٥١ ك صلاة المسافرين وقصرها ب فضل استماع القرآن ح /٨٠٠).
قوله تعالى (يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض) الآية
قال الشيخ الشنقيطي: على القراءات الثلاث معناه أنهم يستووا بالأرض، فيكونوا ترابا مثلها على أظهر الأقوال، ويوضح هذا المعنى قوله تعالى: (يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر ياليتني كنت ترابا).
قوله تعالى (ولا يكتمون الله حديثا)
قال الشيخ الشنقيطي: بين في موضع أخر أن عدم الكتم المذكور هنا، إنما هو باعتبار إخبار أيديهم وأرجلهم بكل ماعملوا عند الختم على أفواههم إذا أنكروا شركهم ومعاصيهم وهو قوله تعالى: (اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون) فلا يتنافى قوله (ولا يكتمون الله حديثا) مع قوله عنهم (والله ربنا ما كنا مشركين) وقوله عنهم أيضاً (ما كنا نعمل من سوء) وقوله عنهم (بل لم نكن ندعو من قبل شيئا) للبيان الذي ذكرنا والعلم عند الله تعالى.
قال مسلم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن سعد بن طارق، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة قال: أتى الله بعبد من عباده، أتاه الله مالاً. فقال له: ماذا عملت في الدنيا؟ - قال: (ولا يكتمون الله حديثاً) - قال: يارب. أتيتني مالك، فكنت أبايع الناس، وكان من خلقي الجواز، فكنت أيسر على الموسر، وأنظر المعسر، فقال الله: أنا أحق بذا منك، تجاوزوا عن عبدي.
فقال عقبة بن عامر الجهني وأبو مسعود الأنصاري: هكذا سمعناه من في رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(الصحيح ٣/١١٩٥ بعد رقم ١٥٦٠- ك المساقاة، ب فضل إنظار المعسر).
قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون)
قال الترمذي: حدثنا سُويد: أخبرنا ابن المبارك عن سفيان عن الأعمش نحو حديث معاوية بن هشام. حدثنا عبد بن حميد. حدثنا عبد الرحمن بن سعد عن أبي جعفر الرازي عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب قال: صنع بنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذتِ الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدّمونى فقرأتُ: (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون). قال: فأنزل الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح كريب. (السنن ٥/٢٣٨ ح /٣٠٢٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، وأخرجه الضياء في (المختارة ٢/١٨٧ ح ٥٦٦) من طريق: إبراهيم بن خذم، عن عبد بن حميد به. وقال محققه: إسناده صحيح).
وانظر حديث عمر في نزول تحريم الخمر المتقدم عند الآية (٢١٩) من سورة البقرة.
قوله تعالى (ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا)
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن هشام عن أبيه عن عائشة زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "أن النبي كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يُدخل أصابعه في الماء فيُخلل بها أصول شعره، ثم يَصب على رأسه ثلاث غرف بيديه، ثم يفيض على جِلده كله".
وقال البخاري حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا سفيان عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن كريب عن ابن عباس عن ميمونة زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالت: "توضأ رسولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وُضوءه للصلاة غير رجليه، وغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثم أفاض عليه الماء ثم نحّى رجليه فغسلهما" هذه غُسله من الجنابة.
(الصحيح ١/٤٢٩ و٤٣١ ح ٢٤٨، ٢٤٩- ك الغسل، ب الوضوء قبل الغسل).
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن يحيى بن ملك السوسي، ثنا أبو بدر، حدثني عبد الرحمن بن عبد الله، قال أبو بدر -وليس هو السعدي- عن المنهال ابن عمرو، عن زر بن حبيش عن علي قال: نزلت هذه الآية في المسافر (ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) قال: إذا أجنب فلم يجد الماء تيمم، وصلى، حتى يدرك الماء فإذا أدرك الماء اغتسل وصلى.
(التفسير -سورة النساء آية ٤٣ - ح ٣١٩٦. وأخرجه الطبري (التفسير ٨/٣٧٩ ح ٩٥٣٧) من طريق ابن أبي ليلى، عن المنهال به. والإسناد حسن بهذه المتابعة (انظر حاشية تفسير ابن أبي حاتم).
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: (ولا جنبا إلا عابري سبيل) قال: مسافرين لا يجدون ماء.
قوله تعالى (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً)
قال البخاري: حدثنا أدم قال حدثنا شعبة حدثنا الحكم عن ذرّ عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني
أجنبتُ فلم أصب الماء. فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنّا كنا في سفر أنا وأنت، فأمّا أنتَ فلم تصل، وأما أنا فتمعّكت فصليت، فذكرتُ للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "كان يكفيك هكذا" فضرب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه.
(الصحيح ١/٥٢٨ ح ٣٣٨- ك التيمم، ب المتيمم هل ينفخ فيهما)، وأخرجه مسلم (الصحيح ح ١١٢، ١١٣ - ك الحيض، باب التيمم).
قال البخاري: حدثنا محمد أخبرنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: هلكت قلادة لأسماء، فبعث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في طلبها رجالاً فحضرت الصلاة وليسوا على وُضوء ولم يجدوا ماء، فصلّوا وهم على غير وضوء فأنزل الله. يعنى آية التيمم.
(الصحيح ٨/١٠٠ ح ٤٥٨٣- ك التفسير، سورة النساء).
وانظر حديث البخاري عن جابر بن عبد الله المتقدم عند الآية ١٥١ من سورة آل عمران، وهو حديث: "أعطيت خمساً... ".
قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عون، أخبرنا خالد الواسطى، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة ح وحدثنا مسدد: أخبرنا خالد -يعنى ابن عبد الله الواسطى- عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بُجدان، عن أبي ذر قال: اجتمعت غنيمة عند رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: "يا أبا ذر، ابدُ فيها" فبدوتُ إلى الربذة، فكانت تصيبني الجنابة فأمكث الخمس والستّ، فأتيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: "أبو ذر" فسكت، فقال: "ثكلتك أمك أبا ذر، لأمك الويل" فدعا لى بجارية سوداء، فجاءت بعس فيه ماء فسترتني بثوب، واستترت بالراحلة، واغتسلت فكأني ألقيت عني جبلاً، فقال: "الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسَّه جلدك، فإن ذلك خير.
وقال مسدد: غنيمة من الصدقة.
(السنن ١/٩٠-٩١ ح ٣٣٢ - ك الطهارة، ب الجنب يتيمم). وأخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان ٤/١٣٥ ح ٣١١) من طريق وهب بن بقية. والحاكم (المستدرك ١/١٧٦-١٧٧) من طريق مسدد، كلاهما عن خالد الواسطى عن خالد الحذاء به. وأخرجه الترمذي (السنن ١/٢١١-٢١٢)، وأحمد (المسند ٥/١٨٠) كلاهما من طريق سفيان الثوري، عن خالد الحذاء به. وأخرجه النسائى (السنن ١/١٧١)، وأحمد (المسند ٥/٦) كلاهما من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو ابن بجدان به. قال الترمذي: حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. ونقل محقق الإحسان تصحيح الأئمة: أبي حاتم والدارقطنى والنووي له. وقال الألبانى: صحيح (صحيح الترمذي ح ١٠٧).
قال البخاري: حدثنا معاذ بن فضالة قال: حدثنا هشام ح وحدثنا أبو نعيم، عن هشام، عن قتادة، عن الحسن عن أبي رافع، عن أبي هريرة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل".
(الصحيح ١/٤٧٠ ح ٢٩١- ك الغسل، ب إذا التقى الختانان)، وأخرجه مسلم (الصحيح- ك الحيض، ب نسخ الماء من الماء ح ٣٤٨).
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن حبيب عن عروة عن عائشة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبَّل امرأة من نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ" فقلت لها: من هي إلا أنت؟ فضحكت.
(السنن ١/٤٦ ح ١٧٩- ك الطهارة، ب الوضوء من القبلة). وأخرجه الترمذي (السنن ١/١٣٣ ح ٨٦- ك الطهارة، ب ترك الوضوء من القبلة) من طريق: أحمد بن منيع، ومحمود بن غيلان، والحسين بن حريث. وابن ماجه (السنن ١/١٦٨ ح ٥٠٢ - ك الطهارة، ب الوضوء من القبلة (من طريق أبي بكر بن أبي شيبة وعلى بن محمد. وأحمد (المسند ٦/٢١٠). والطبرى (التفسير ٨/٣٩٦ ح ٩٦٣٠) من طريق أبي كريب. كلهم عن وكيع عن الأعمش به، وقد أعل بعضهم هذا الحديث بعدم سماع حبيب بن أبي ثابت من عروة، لكن صححه جماعة من الأئمة، وقال أبو داود -مشيراً إلى صحة سماع حبيب من عروة-: وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثاً صحيحاً. ومال أبو عمر بن عبد البر إلى تصحيحه (نصب الراية ١/٣٨). وقال البوصيرى: رواه البزار بإسناد حسن. وأفاض العلامة أحمد شاكر في تصحيح الحديث ودفع علته فأجاد رحمه الله (حاشية سنن الترمذى) وقال الألبانى: صحيح (صحيح الترمذى ح ٧٥).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: "الملامسة": النكاح..
قوله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم)
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، ثنا أبو جعفر الجمال، ثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد قال: كل شيء وضعت عليه يدك صعيد حتى غبار لبدك فتيمم به.
ورجاله ثقات وإسناده صحيح.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن قتادة قوله: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) فإن أعياك الماء، فلا يعييك الصعيد أن تضع فيه كفك، ثم تنفضهما فتمسح بهما وجهك وكفيك، ولا بعد ذلك لغسل جنابة ولا لوضوء صلاة، فمن تيمم بالصعيد وصلى ثم قدر على الماء بعد فعليه الغسل وحسبه صلاته التي كان صلى.
قوله تعالى (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل) الآية
قال الشيخ الشنقيطي: ذكر في هذه الآية الكريمة أن الذين أوتوا نصيبا من الكتاب مع اشترائهم الضلالة يريدون إضلال المسلمين أيضاً. وذكر في موضع أخر أنهم كثير، وأنهم يتمنون ردة المسلمين، وأن السبب الحامل لذلك هو الحسد أنهم ما صدر منهم ذلك إلا بعد معرفتهم الحق وهو قوله تعالى: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق). وذكر في موضع آخر أن هذا الإضلال الذي يتمنونه للمسلمين لا يقع من المسلمين وإنما يقع منهم - أعني المتمنين الضلال.
للمسلمين - وهو قوله (ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال: كان رفاعة بن زيد التابوت من عظماء اليهود إذا كَلم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لوى لسانه وقال: أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك ثم طعن في الإسلام وعابه، فأنزل الله تعالى فيه: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية قوله: (اشتروا الضلالة)
يقول اختاروا الضلالة.
وهذا الأثر قد أورده ابن أبي حاتم في سورة البقرة.
قوله تعالى (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين)
أخرج وابن أبي حاتم بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يعنى يحرفون حدود الله في التوراة.
قال الطبري حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله: (واسمع غير مسمع)، قال: كما تقول اسمع غير مسموع منك. ورجاله ثقات وإسناده صحيح.
وانظر تفسير سورة البقرة الآية (١٠٤).
قوله تعالى (ولو أنهم قالوا سمعنا واطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم)
أخرج أدم بسنده الصحيح عن مجاهد: (وانظرنا)، قال: أفهمنا بين لنا.
قوله تعالى (يا أيها الذين أوتوا الكتاب ءامنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن ابن إسحاق عن ابن عباس قال: كلم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رؤساء من أحبار اليهود: عبد الله بن صوريا، وكعب بن أسد فقال لهم: يامعشر اليهود، اتقوا الله وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق!
فقالوا: مانعرف ذلك يامحمد! وجحدوا ما عرفوا، وأصروا على الكفر، فأنزل الله فيهم (يا أيها الذين أوتوا الكتاب ءامنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها).
أخرج أدم بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: (أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها) فنردها عن الصراط، عن الحق (فنردها على أدبارها)، قال: الضلالة.
قوله تعالى (أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت)
قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا صفة لعنه لأصحاب السبت، ولكنه بين في غير هذا الموضع أن لعنه لهم هو مسخهم قردة ومن مسخه الله قردا غضبا عليه فهو ملعون بلا شك، وذلك قوله تعالى: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين) وقوله (فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين) والاستدلال على مغايرة اللعن للمسخ بعطفه عليه في قوله (قل أؤنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير) لا يفيد أكثر من مغايرته للمسخ في تلك الآية.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب) إلى قوله (أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت) أي: نحولهم قردة.
قوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما)
قال الشيخ الشنقيطي: ذكر في هذه الآية الكريمة أنه تعالى لا يغفر الإشراك به وأنه يغفر غير ذلك لمن يشاء وأن من أشرك به فقد افترى إثما عظيما. وذكر في مواضع أخر أن محل كونه لا يغفر الإشراك به إذا لم يتب المشرك من ذلك فإن تاب غفر له كقوله (إلا من تاب وأمن وعمل عملا صالحاً) الاَية فإن الاستثناء راجع لقوله (والذين لا يدعون مع الله إلها أخر) وما عطف عليه لأن معنى الكل جمع في قوله (ومن يفعل ذلك يلق أثاما) الآية وقوله (قل للذين كفروا إن
ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) وذكر في موضع آخر أن من أشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا عن الحق وهو قوله في هذه السورة الكريمة أيضاً (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا) وصرح بأن من أشرك بالله فالجنة عليه حرام ومأواه النار بقوله (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار) وقوله (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين).
قال البخاري: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن قتادة قال: حدثنا أنس بن مالك أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -ومعاذ رديفه على الرحل- قال: "يامعاذ بن جبل". قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: "يامعاذ" قال: لبيك يا رسول الله وسعديك (ثلاثاً)، . قال: "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ الله صِدقاً من قلبه إلا حرّمه الله على النار"، قال: يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: "إذا يتّكلوا". وأخبر بها معاذ عند موته تأثماً.
وقال البخاري: حدثنا مسدد قال حدثنا معتمر قال سمعت أبي قال سمعت أنسا قال: ذكر لي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لمعاذ "من لقي الله لايشرك به شيئاً دخل الجنة" قال: ألا أبشر الناسَ؟ قال: "لا؛ إني أخاف أن يتكلوا"
(الصحيح ١/٢٧٢ و٢٧٤ ح ١٢٨، ١٢٩- ك العلم، ب من خص بالعلم قوماً دون قوم... ).
قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة.. حدثنا وكيع. حدثنا الأعمش عن المعرور بن سُويد، عن أبي ذر. قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "يقول الله عز وجل: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد. ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها. أو أغفر. ومن تقرب منّي شبرا، تقربتُ منه ذراعاً. ومن تقرب مني ذراعاً، تقربتُ منه باعاً. ومن أتاني يمشي، أتيته هرولة. ومن لقيني بِقُراب الأرض خطيئة لا يُشرك بي شيئاً، لقيته. بمثلها مغفرة".
(الصحيح ٤/٢٠٦٨ ح ٢٦٨٧ - ك الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، ب فضل الذكر والدعاء، والتقرب إلى الله تعالى).
قال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن الحسين، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر حدثه، أن أبا الأسود الديلى حدثه، أن أبا ذر - رضي الله عنه - حدثه قال: أتيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعليه ثوب أبيض وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، فقال: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة". قلت: وان زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق".
قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق". قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر". وكان أبو ذر إذا حدث بهذا قال: وإن رغم أنف أبي ذر.
قال أبو عبد الله: هذا عند الموت أو قبله إذا تاب وندم وقال: لا إله إلا الله، غفر له.
(الصحيح ١٠/٢٨٣ (الفتح ح رقم ٥٨٢٧) - ك الباس، ب الثياب البيض) وأخرجه مسلم (الصحيح ١/٩٥ ح ١٥٤- ك الإيمان، ب من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة... ).
قال النسائى: أخبرنا محمد بن المثنى قال: حدثنا صفوان بن عيسى، عن ثور،
عن أبي عون عن أبي إدريس قال: سمعت معاوية يخطب -وكان قليل الحديث عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -- قال سمعته يخطب يقول سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: لكل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يقتل المؤمن متعمداً، أو الرجل يموت كافراً".
(السنن ٧/٨١ - تحريم الدم) وأخرجه أحمد (المسند ٤/٩٩) عن صفوان بن عيسى به. والحاكم (المستدرك ٤/٣٥١) من طريق بكار بن قتية عن صفوان، عن ثور به. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وصححه الألبانى (صحيح النسائي ح ٣٧١٩).
وللحديث شواهد، منها: عن أبي الدرداء، أخرجه ابن حبان (الإحسان ١٣/٣١٨ ح ٥٩٨٠) والحاكم (المستدرك ٤/٣٥١) وغيرهما من طرق عن عبد الله بن أبي زكريا عن أم الدرداء عن أبي الدرداء، وفيه: "... إلا من مات مشركاً" قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي) وأخرج البزار: حديث
عبادة بن الصامت نحوه (المسند ٧/١٦٣ ح ٢٧٣٠). وق الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٧/٢٩٦).
وانظر حديث مسلم عن جابر الآتي عند الآية ٩٠ من سورة النمل.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (إن الله لايغفر أن يشرك به) فحرم الله المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجاها أهل التوحيد إلى مشيئته فلم يؤيسهم من المغفرة.
قوله تعالى (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا. انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثماً مبيناً)
قال الشيخ الشنقيطي: أنكر تعالى في هذه الآية تزكيتهم أنفسهم بقوله (ألم تر إلى الذين) وبقوله (انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا) وصرح بالنهى العام عن تزكية النفس وأحرى نفس الكافر التي هي أخس شيء وأنجسه بقوله (هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى) ولم يبين هنا كيفية تزكيتهم أنفسهم. ولكنه بين ذلك في مواضع أخر، كقوله عنهم (نحن أبناء الله وأحباؤه) وقوله (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أونصارى) إلى غير ذلك من الآيات.
قال ابن ماجة: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا غندر، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن معبد الجهنى، عن معاوية قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: "إياكم والتمادح، فإنه الذبح".
(السنن ٢/١٢٣٢ ح ٣٧٤٣ - ك الأدب، ب المدح)، وأخرجه أحمد (المسند ٤/٩٣) عن محمد ابن جعفر عن شعبة وحجاج عن سعد به، وفيه زيادة وهي قوله: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإن هذا المال حلو خضر". قال البوصيرى: هذا إسناد حسن، لأن معبداً مختلف فيه، وباقى رجال الإسناد ثقات (مصباح الزجاجة ٣/١٨١). وحسنه الألباني كذلك (صحيح سنن ابن ماجة ح ٣٠١٧).
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا) وهم أعداء الله اليهود،
زكوا أنفسهم بأمر لم يبلغوه، فقالوا: (نحن أبناء الله وأحباؤه). وقالوا: لا ذنوب لنا.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (فتيلا) الذي في الشق: الذي في بطن النواة.
قوله تعالى (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً)
قال ابن حبان: أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: لمّا قدم كعب بن الأشرف مكة أتوه، فقالوا: نحن أهل السقاية والسدانة، وأنت سيد أهل يثرب، فنحن خير أم هذا الصنَيْبير المنْبَتِر من قومه يزعم أنه خير منا؟
فقال: أنتم خير منه، فنزل على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (إن شانئك هو الأبتر) ونزلت: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يومنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً).
(الإحسان، ١٤/٥٣٤ ح ٦٥٧٢ - ك التاريخ، ب تسمية المشركين صفي الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَصنيبير).
وأخرجه الطبري (ح ٩٧٨٦)، وعزاه ابن كثير للبزار، وقال: وهو إسناد صحيح (التفسير ٤/ ٥٩٨).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (الجبت) السحر.
قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج، ثنا وكيع ح، وثنا أحمد بن سنان، ثنا عبد الرحمن بن مهدى، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد، عن عمر قال: (الجبت) السحر. (الطاغوت) :الشيطان.
أخرجه البخارى عن عمر معلقاً. قال ابن حجر: وصله عبد بن حميد في تفسيره ومسدد في مسنده، وعبد الرحمن بن رسته في كتاب (الإيمان)، كلهم من طريق أبي إسحاق عن حسان بن فائد عن عمر مثله وإسناده قوي، وقد وقع التصريح بسماع أبي إسحاق له من حسان وسماع حبان من عمر في رواية ابن رسته). (فتح الباري ٨/٢٥٢، وانظر التهذيب ٢/٢٥٢) ٠ أي في رواية ابن رسته.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، ثنا عيسى بن جعفر، ثنا مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى (ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً) قال: يهود تقول ذلك يقولون: قريش أهدى من محمد وأصحابه.
وإسناده حسن.
قوله تعالى (أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً)
أنظر سورة البقرة آية (١٥٩).
قوله تعالى (أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (نقيرا) :النقطة التي في ظهر النواة.
قوله تعالى (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما)
أخرج أدم بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله: (أم يحسدون الناس) قال يهود (على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب) وليسوا منهم (والحكمة وأتيناهم ملكا عظيما) قال: النبوة.
قوله تعالى (فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه)
أخرج أدم بسنده الصحيح عن مجاهد: (فمنهم من أمن به) قال: بما أنزل على محمد من يهود (ومنهم من صد عنه).
قوله تعالى (إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نَضِجَتَ جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها) يقول: كلما احترقت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية: (عزيزا حكيما) يقول: عزيزا في نقمته إذا انتقم...
قوله تعالى (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً لهم فيها أزواج مطهرة)
انظر تفسير سورة البقرة آية (٢٥).
قوله تعالى (وندخلهم ظلا ظليلًا)
قال الشيخ الشنقيطي: وصف في هذه الآية الكريمة ظل الجنة بأنه ظليل ووصفه في آية أخرى بأنه دائم، وهي قوله (أكلها دائم وظلها) ووصفه في آية أخرى بأنه ممدود وهي قوله (وظل ممدود) وبين في موضع أخر أنها ظلال متعددة وهو قوله (إن المتقين وظلال وعيون) الآية، وذكر في موضع أخر أنهم في تلك الظلال متكئون مع أزواجهم على الأرائك وهو قوله (هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون).
انظر حديث البخاري عن أبي هريرة الآتي عند الآية (٣٠) من سورة الواقعة.
قوله تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) إلى قوله (إن الله كان سميعاً بصيراً)
قال مسدد: حدثنا يحيى، ثنا سفيان، حدثنى عبد الله بن السائب، عن زاذان قال: قال عبد الله هو ابن مسعود - رضي الله عنه -: القتل في سبيل الله تعالى يكفر الذنوب كلها غير الأمانة. يؤتى بالشهيد في سبيل الله عز وجل، فيقال: أد أمانتك، فيقول: من أين أؤديها، فقد ذهبت الدنيا؟ قال فيقال: اذهبوا به إلى الهاوية، حتى إذا انتهى به إلى قرار الهاوية مثلت له أمانته كهيئة يوم ذهبت، فيحملها فيضعها على عاتقه، فيصعد في النار، حتى إذا رأى أنه قد خرج منها هوت وهوى في أثرها أبد الآبدين، ثم قرأ عبد الله (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها).
(المطالب العالية ل/١٣٣/ب)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (تفسير آل عمران والنساء ح ٣٤٨١) من طريق سفيان الثوري به، إلى قوله "أبد الآبدين". وزاد: قال زاذان: فأتيت البراء فحدثته، فقال: صدق أخي (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها). وهذا إسناد صحيح عن ابن مسعود. وأخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق (ح ١٤٤) وأبو نعيم في الحلية (٤/٢٠١) والبيهقي
في (شعب الإيمان ٤/٣٢٣-٣٢٤ ح ٥٢٦٦) من طرق عن الأعمش عن عبد الله بن السائب به، وزادوا في قول ابن مسعود: "وإن الأمانة في الصلاة والزكاة والغسل من الجنابة والكيل والميزان والحديث"، وأعظم من ذلك الودائع". واللفظ للخرائطي، وزاد أبو نعيم والبيهقي أيضاً قول البراء.
وأخرجه ابن أبي الدنيا في الأهوال (ح ٢٥٠)، والطبري في تفسيره (٢٢/٥٦) وابن أبي حاتم في تفسيره (آل عمران والنساء ح ٣٤٨٢) والخرئطي في (مكارم الأخلاق ح ١٤٥) والطبرانى في الكبير (١٠/٢٧٠ ح ١٠٥٢٧) وغيرهم من طريق إسحاق الأزرق عن شريك عن الأعمش عن عبد الله بن السائب به مرفوعاً، وفيه الزيادتان السابقتان، وزادوا أيضاً: "قال شريك: وحدثنا عياش العامري عن زاذان عن عبد الله عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بنحو منه، ولم يذكر الأمانة في الصلاة والأمانة في كل شيء". واللفظ لابن أبي الدنيا. وقال ابن كثير: إسناد جيد ولم يخرجوه (التفسير ٣/٥٢٤) وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٥/٢٩٣). وقال الدارقطني: الموقوف هو الصواب (العلل ٥/٧٨)، ولكن له حكم الرفع إذ ليس للاجتهاد فيه مجال.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قوله (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) يعني السلطان يعظون النساء.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية قال: الأمانة ما أمروا به ونهوا عنه.
قوله تعالى (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)
قال الطبري حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا إسماعيل، عن مصعب بن سعد قال: قال على - رضي الله عنه - كلمات أصاب فيهن: فحق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدى الأمانة. وإذا فعل ذلك، فحق على الناس أن يسمعوا، وأن يطيعوا وأن يجيبوا إذا دعوا.
ورجاله ثقات وسنده صحيح وتقدم بحثه في تفسير ابن أبي حاتم.
قال أبو داود: حدثنا علي بن نصر ومحمد بن يونس النسائى، المعنى، قالا: ثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، ثنا حرملة -يعني ابن عمران- حدثني أبو يونس سليم بن جبير مولى أبي هريرة، قال: سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) إلى قوله تعالى: (سميعاً بصيراً) قال:
رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه، قال أبو هريرة: رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقرؤها ويضع إصبعيه، قال ابن يونس: قال المقرىء: يعنى أن الله سميع بصير، يعني أن لله سمعاً وبصراً.
قال أبو داود: وهذا رد على الجهمية.
(السنن ٤/٢٣٣ ح /٤٧٢٨- ك السنة، ب في الجهمية). وأخرجه ابن خزيمة في (التوحيد ١/٩٧ ح ٤٦) عن محمد بن يحيى عن عبد الله بن يزيد به. قال محققه: رجال المسند كلهم ثقات في الصحيحين أو في أحدهما، وأخرجه الحاكم من طريق عبد الله بن يزيد به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/٢٣٦) وابن حبان في صحيحه (الإحسان ١/٤٩٨) من طريق: محمد بن يحيى الذهبي عن المقرى به، قال محققه: إسناده صحيح على شرط الصحيح، وصححه الألباني (صحيح سنن أبي داود ٣/٨٩٥ ح ٣٩٥٤).
قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)
قال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل، أخبرنا حجّاج بن محمد، عن ابن جريج، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم) قال: نزلت في عبد الله بن حُذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سرية.
(الصحيح ٨/١٠١-١٠٢ ح ٤٥٨٤- ك التفسير، سورة النساء)، (صحيح مسلم ٣/١٤٦٥ ح ١٨٣٤ ك الإمارة، ب وجوب طاعة الأمراء).
وقال البخاري: حدثنا محمد بن أبان، حدثنا غندر، عن شعبة، عن أبي التياح أنه سمع أنس بن مالك قال: قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأبى ذر: "اسمع وأطع ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة".
(الصحيح ٢/٦٩٦ ح ٦٩٦ ك الأذان، ب إمامة المفتون والمبتدع... ).
قال البخاري: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن علي - رضي الله عنه - قال: بعث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سرية وأمّر عليهم رجلاً من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب عليهم
وقال: أليس قد أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: قد عزمت عليكم لما جمعتم حطبا وأوقدتم نارا ثم دخلتم فيها. فجمعوا حطبا فأوقدوا نارا، فلما همّوا بالدخول فقاموا ينظر بعضهم إلى بعض فقال بعضهم: إنما تبعنا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فراراً من النار أفندخلها؟ فبينما هم كذلك إذ خمدت النار وسكن غضبه، فذكر للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: "لو دخلوها ما خرجو منها أبداً، إنما الطاعة في المعروف".
(الصحيح ١٣/١٣٠ ح ٧١٤٥ - ك الأحكام، ب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية).
وأخرجه مسلم (الصحيح ٣/١٤٦٩ ح ١٨٤٠- ك الأمارة، ب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية).
انظر حديث البخاري عند الآية ٨٠ من السورة نفسها.
قال مسلم: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره. إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة".
(الصحيح ٣/١٤٦٩ ح ١٨٣٩- ك الأمارة، ب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية).
قال البخاري: حدثنا إسماعيل حدثني مالك عن يحيى بن سعيد قال أخبرني عُبادة بن الوليد أخبرنى أبي عن عُبادة بن الصامت قال: "بايعنا رسولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على السمع والطاعة في المنشَط والمكرَه، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم -أو نقول- بالحق حيثما كنا ولا نخاف في الله لومة لائم".
(الصحيح ١٣/٢٠٤ ح ٧١٩٩، ٧٢٠٠- ك الأحكام، ب كيف يبايع الإمام الناس). وأخرجه مسلم في (صحيحه ٣/١٤٧٠ ح ٤١- ك الإمارة، ب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية).
قال الحاكم: حدثنا أبو محمد عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم العدل ببغداد، ثنا أبو الأحوص محمد بن الهيثم القاضي. وحدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد العنبري من أصل كتابه وسأله عنه أبو على الحافظ ثنا عثمان بن سعيد الدارمي (قالا) ثنا نعيم بن حماد، ثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الزهرى، عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه جبير قال: قام رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالخيف فقال: "نَضَّر الله عبداً سمع مقالتىَ فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه
لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن: إخلاص العمل لله، والطاعة لذوي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم".
(المستدرك ١/٨٦-٨٧- ك العلم)، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، قاعدة من قواعد أصحاب الروايات، ولم يخرجاه... ووافقه الذهبي. والحديث عند الطبرانى في (الكبير ٢/١٢٧ رقم ١٥٤٤) من هذا الوجه. قال الهيثمي في (المجمع ١/١٣٩) :رجاله موثقون. وقال الألبانى: إسناد حسن (صحيح الترغيب ١/٤٢).
قال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سنان، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في قول الله تعالى: (وأولى الأمر منكم) قال: هم الأمراء.
ورجاله ثقات وسنده صحيح.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قوله (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم) يعني أهل الفقه والدين واْهل طاعة الله الذين يعلمون الناس معانى دينهم ويأمرونهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر، فأوجب الله سبحانه طاعتهم على العباد.
وأخرجه الحاكم في (المستدرك ١/١٢٣).
قوله تعالى (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) الآية
قال الشيخ الشنقيطي: أمر الله في هذه الآية الكريمة، بأن كل شيء تنازع فيه الناس من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع إلى كتاب الله وسنة نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لأنه تعالى قال (من يطع الرسول فقد أطاع الله) وأوضح هذا المأمور به هنا بقوله (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) الآية.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) يقول: ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر).
قوله تعالى ذلك خير وأحسن تأويلا)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (وأحسن تأويلا)، قال: أحسن جزاء.
قوله تعالى (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت... ) الآية
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن محمد بن إسحاق، عن ابن عباس قال: كان الجلاس بن الصامت قبل توبته فيما بلغني، ومعتب بن قشير، ورافع بن زيد، وبشير كانوا يدّعون الإسلام، فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فدعوهم إلى الكهان حكام الجاهلية، فأنزل الله تعالى فيهم (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً).
قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصى، ثنا أبو اليمان، ثنا صفوان يعنى ابن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان أبو بردة الأسلمى كاهنا يقضى بين اليهود، فتنافروا إليه أناس من أسلم من اليهود فأنزل الله تعالى (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك).
(ورجاله ثقات وإسناده صحيح، وصححه السيوطي في الدر المنثور ٢/١٧٨).
قوله تعالى (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً. فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً)
قال ابن كثير: وقوله (ويصدون عنك صدوداً) أي: يعرضون عنك إعراضاً كالمستكبرين عن ذلك، كما قال تعالى عن المشركين (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا)، هؤلاء وهؤلاء بخلاف المؤمنين، الذين قال الله فيهم (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا) الآية.
ثم قال تعالى في ذم المنافقين: (فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم) أي: فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير، إليك في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم، واحتاجوا إليك في ذلك (ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً) أى: يعتذرون إليك ويحلفون: ما أردنا بذهابنا إلى غيرك، وتحاكمنا إلى عداك إلا الإحسان والتوفيق، أي: المداراة والمصانعة، لا اعتقاداً منا صحة تلك الحكومة، كما أخبرنا تعالى عنهم في قوله (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى) إلى قوله (فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين).
قوله تعالى (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله (إلا ليطاع بإذن الله) واجب لهم أن يطيعهم من شاء الله، ولا يطيعهم أحد إلا بإذن الله.
قوله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)
قال الشيخ الشنقيطي: أقسم تعالى في هذه الآية الكريمة المقدسة، أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في جميع الأمور، ثم ينقاد لما حكم به ظاهرا وباطنا ويسلمه تسليما كليا من غير ممانعة ولامدافعة ولامنازعة، وبين في آية أخرى أن قول المؤمنين عصور في هذا التسليم الكلى، والانقياد التام ظاهراً وباطناً لما حكم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهي قوله تعالى: (إنما كان قول المومنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا) الآية.
قال مسلم: حدثنا قتيبة بن سعيد. حدثنا ليث. ح وحدثنا محمد بن رُمح.
أخبرنا الليث عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، أن عبد الله بن الزبير حدثه، أن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير عند رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في شراج الحَرّة التي يسقون بها النخل. فقال الأنصاري: سَرِّح الماء يمر. فأبى عليهم. فاختصموا عند رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للزبير: "اسق. يا زبير! ثم أرسل الماء إلى جارك". فغضب الأنصاري. فقال: يا رسول الله! أن كان ابن عمتك!
فتلوّن وجه نبي الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ثم قال: "يا زبير اسق. ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدْر"؟. فقال الزبير: والله! إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك (فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً).
(الصحيح ٤/١٨٢٩-١٨٣٠ ح ٢٣٥٧- ك الفضائل، ب وجوب اتباعه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -)، وأخرجه البخاري (الصحيح ٥/٣٤ ح ٢٣٥٩- ك الشرب، ب سكر الأنهار).
أخرج أدم بسنده الصحيح عن مجاهد، قوله (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً) قال: شكاً.
قوله تعالى (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم مافعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً)
وبه عن مجاهد قوله (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم) هم يهود يعنى الرب كما أمر أصحاب موسى.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي (لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً) قال تصديقاً.
قوله تعالى (ولهديناهم صراطاً مستقيماً)
انظر حديث النواس بن سمعان المتقدم عند الآية ٦ من سورة الفاتحة.
قوله تعالى (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً)
قال مسلم: وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار (واللفظ لابن المثنى) قالا: حدثنا محمد بن جعفر. حدثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم، عن عروة، عن عائشة قالت: كنتُ أسمع أنه لن يموت نبيّ حتى يُخيّر بين الدنيا والآخرة. قالت: فسمعتُ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، في مرضه الذي مات فيه، وأخذتْهُ بُحَّة، يقول: (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقاً) قالت: فظننته خير حينئذ.
(الصحيح ٤/١٨٩٣ بعد رقم ح ٢٤٤٤- ك فضائل الصحابة) ب فضل عائشة رضي الله عنها)، وأخرجه البخارى (الصحيح ٨/١٣٦ ح ٤٤٣٥- المغازي).
قال مسلم: وحدثني زهير بن حرب. حدثنا جرير عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ما تعدّون الشهيد فيكم؟. قالوا: يا رسول الله! من قتل في سبيل الله فهو شهيد. قال: "إن شهداء أمتي إذاً لقيل". قالوا: فمن هم؟ يا رسول الله! قال: "من قتل في سبيل الله فهو شهيد. ومن مات في سبيل الله فهو شهيد. ومن مات في الطاعون فهو شهيد.
ومن مات في البطن فهو شهيد".
قال ابن مقسم: أشهد على أبيك، في هذا الحديث؛ أنه قال: "والغريق شهيد".
(الصحيح ٣/١٥٢١ ح ١٩١٥- ك الإمارة، ب بيان الشهداء).
قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال: حدثني مالك بن أنس، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدرى - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما يتراءون الكوكب الدرى الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم". قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبباء لا يبلغها غيرهم؟
قال: "بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين".
(الصحيح ٦/٣٦٨ ح ٣٢٥٦- ك بدء الخلق، ب ماجاء في صفة الجنة )، وأخرجه مسلم (الصحيح ٤/٢١٧٧ ح ٢٨٣١- ك الجنة وصفة نعيمها، ب ترائي أهل الجنة اهل الغرف).
قال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي زائل، عن أبي موسى قال: قيل للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟
قال: "المرء مع من أحب".
(الصحيح ١٠/٥٧٣ ح ٦١٧٠ - ك الأدب، ب علامة الحب في الله)، وأخرجه مسلم (الصحيح ٤/٢٠٣٤ ح ٢٦٤٠- ك البر والصلة، ب المرء مع من أحب) من حديث ابن مسعود بنحوه.
قال الطبراني: حدثنا أحمد بن عمرو الخلال المكي أبو عبد الله حدثنا عبد الله ابن عمران العابدي حدثنا فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا رسول الله والله إنك لأحب إلى من نفسي، وإنك أحب إلى من أهلى ومالى وأحب إلى من ولدى وإني لأكون
في البيت فأذكرك فما أصبر حتى أتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك. فلم يرد عليه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شيئاً حتى نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين) الآية.
(المعجم الصغير ١/٢٦)، وأخرجه أبو نعيم (حلية الأولياء ٤/٢٤٠) عن أحمد بن عمرو الخلال به.
وعزاه الحافظ ابن كثير إلى المقدسى في (صفة الجنة) من طريق الطبراني، ثم قال: لا أرى بإسناده بأساً.
(التفسير ١/٥٢٣). وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الصغير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله ابن عمران العابدى، وهو ثقة (مجمع الزوائد ٧/٧)، والحديث أخرجه ابن أبي حاتم (التفسير ح ٣٥٧٥)، والطبري (التفسير ح ٩٩٢٥) من طريق جرير، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق به مرسلاً. وهو إسناد حسن على إرساله (انظر تفسير ابن أبي حاتم- الحاشية).
قوله تعالى (ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليماً)
إشارة إلى مقام الطاعة بالله والرسول كما في الآية السابقة.
قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: (خذوا حذركم فانفروا ثبات) قال: عصبا، يعنى سرايا متفرقين (أو انفروا جميعاً) يعني كلكم.
قوله تعالى (وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله على إذ لم أكن معهم شهيدا)
أخرج أدم بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: (وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة) إلى قوله (فسوف نؤتيه أجرا عظيما) مابين ذلك في المنافقين.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن مقاتل بن حيان قوله: (وإن منكم لمن ليبطئن) يقول: وإن منكم لمن ليتخلفن عن الجهاد (فإن أصابتكم مصيبة) من العدو والجهد من العيش.
قال الشيخ الشنقيطي: ذكر في هذه الآية الكريمة أن المنافقين إذا سمعوا بأن المسلمين أصابتهم مصيبة أي: من قتل الأعداء لهم، أو جراح أصابتهم أو نحو ذلك يقولون إن عدم حضورهم معهم من نعم الله عليهم. وذكر في مواضع أخر: أنهم يفرحون بالسوء الذي أصاب المسلمين، كقوله تعالى (وإن تصبكم سيئة يفرحرا بها) وقوله (وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل، ويتولوا وهم فرحون).
قوله تعالى (ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ياليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيما)
قال الشيخ الشنقيطي: ذكر في هذه الآية، أن المنافقين إذا سمعوا أن المسلمين أصابهم فضل الله أي: نصر وظفر وغنيمة، تمنوا أن يكونوا معهم ليفوزوا بسهامهم من الغنيمة، وذكر في مواضع أخر أن ذلك الفضل الذي يصيب المؤمنين يسوءهم لشدة عداوتهم الباطنة لهم كقوله تعالى (إن تمسسكم حسنة تسؤهم) وقوله (إن تصبك حسنة تسؤهم).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن مقاتل بن حيان قوله: (ولئن أصابكم فضل من الله) يعنى فتحاً وغنيمة وسعة في الرزق، قوله تعالى (ليقولن) المنافق وهو نادم في التخلف، قوله (كأن لم تكن بينكم وبينه مودة) يقول: كأنه ليس من أهل دينكم في المودة، فهذا من التقديم، قوله: (ياليتنى كنت معهم) قال: المنافق نادم في التخلف يتمنى ياليتني كنت معهم، قوله (فأفوز) يعني أنجو بالغنيمة، قوله (عظيما) يقول: وافرا.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن قتادة قوله (ياليتني كنت معهم) قال: قول حاسد.
قوله تعالى (فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالأخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيماً)
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن السدي: (فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة) يقول: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة.
قال الشيخ الشنقيطي: ذكر في هذه الآية الكريمة، أنه سوف يؤتى المجاهد في سبيله أجرا عظيما سواء قتل في سبيل الله، أم غلب عدوه وظفر به وبين في موضع أخر: أن كلتا الحالتين حسنى، وهو قوله (قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين).
قوله تعالى (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً)
قال البخاري: حدثني عبد الله بن محمد حدثنا سفيان عن عبيد الله قال: سمعتُ ابن عباس قال: كنتُ أنا وأمي من المستضعفين.
(الصحيح ٨/١٠٣ ح ٤٥٨٧- ك التفسير، سورة النساء).
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله: (من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها) قال: أمر المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفى المؤمنين، كانوا بمكة.
قوله تعالى (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا)
انظر تفسير سورة آل عمران آية ١٣ وسورة النساء آية (٥١).
قوله تعالى (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية)
قال الحاكم: حدثنا أبو العباس قاسم بن القاسم السياري ثنا إبراهيم بن هلال ثنا على بن الحسن بن شقيق أنبأ الحسين بن واقد عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمكة فقالوا: يا نبي الله كنا في عز ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة؟ قال: "إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا" فكفوا فأنزل الله تعالى (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس).
(هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه المستدرك ٢/٣٠٧ ووافقه الذهبي)، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق علي بن الحسن بن شقيق به، ورجاله ثقات وسنده صحيح).
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، ثنا الوليد، ثنا عبد الرحمن بن نمر قال: سألت الزهري عن قوله: (وأقيموا الصلاة) قال الزهري: أن يصلى الصلوات الخمس لوقتها.
ورجاله ثقات وسنده صحيح، والوليد هو ابن مسلم القرشى.
قوله تعالى (وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى)
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن السدي قوله (لولا أخرتنا إلى أجل قريب) وهو الموت.
قال ابن أبي حاتم: حدثنى أبي، ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا حماد بن زيد، عن هشام قال: قرأ الحسن (قل متاع الدنيا قليل) قال: رحم الله عبداً صحبها على حسب ذلك، ما الدنيا كلها من أولها إلى أخرها إلا كرجل نام نومة فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه.
ورجاله ثقات وسنده صحيح.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله (لمن اتقى) يقول اتقى معاصى الله.
قوله تعالى (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (ولو كنتم في بروج مشيدة) يقول: في قصور محصنة.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية قوله (وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله) قال هذه في السراء، قوله (وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك) قال فهذه في الضراء.
قوله تعالى (قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (قل كل من عند الله) النعم والمصائب.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً) الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم الله بها عليك، وأما السيئة فابتلاك الله بها.
قوله تعالى (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (الحسنة) ما فتح الله عليه يوم بدر، وما أصابه من الغنيمة والفتح و (السيئة) ما أصابه يوم أحد أن شج في وجهه وكسرت رباعيته.
قال الطبري: حدثني يونس قال: حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله (وما أصابك من سيئة فمن نفسك) قال: بذنبك وأنا قدرتها عليك.
قوله تعالى (من يطع الرسول فقد أطاع الله)
قال البخاري: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب حدثنا أبو الزناد أن الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله. ومن يُطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصِ الأمير فقد عصاني. وإنما الإمام جُنّة يُقاتل من ورائه، ويُتّقى به. فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجراً، وإن قال بغيره فإن عليه منه".
(الصحيح ٦/١٣٥ ح ٢٩٥٧- ك الجهاد والسير، ب يقاتل من وراء الإمام)، (صحيح مسلم ٣/١٤٦٦ - ك الإمارة، ب وجوب طاعة الأمراء في غير معصيه... ).
وانظر الأحاديث المتقدمة عند الآية (٥٩) من السورة نفسها.
قوله تعالى (ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيّت طائفة منهم غير الذي تقول)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيّت طائفة منهم غير الذي تقول) قال: يغيرون ما عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
قوله تعالى (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً)
قال أحمد: حدثنا أنس بن عياض، حدثنا أبو حازم عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: لقد جلست أنا وأخى مجلساً ما أحب أن لى به حمر النعم، أقبلت أنا وأخي، وإذا مشيخة من صحابة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جلوس عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم، فجلسنا حجرة، إذ ذكروا آية من القرأن، فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مغضباً قد احمر وجهه، يرميهم بالتراب، ويقول: "مهلاً يا قوم، بهذا أهلكت الأمم من قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضاً، بل يصدق بعضه بعضا فماعرفتم فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه".
(المسند ح ٦٧٠٢). وأخرجه ابن ماجة (السنن ١/٣٣ ح ٨٥- المقدمة، ب في القدر) من طريق داود بن أبي هند عن عمرو بن شعيب بنحوه مختصراً، وفيه: "إنهم اختصموا في آية من القدر".
قال البوصيري: إسناده صحيح رجاله ثقات (مصباح الزجاجة ١/٥٨). وقال الألبانى: حسن صحيح (صحيح ابن ماجة ح ٦٩).
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (أفلا يتدبرون القرأن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) أي: قول الله لا يختلف، وهو حق ليس فيه باطل، وإن قول الناس يختلف.
قوله تعالى (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)
قال مسلم: حدثني زهير بن حرب. حدثنا عمر بن يونس الحنفى. حدثنا عكرمة بن عمار عن سماك أبي زُميل. حدثني عبد الله بن عباس. حدثنى عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل نبي الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نساءه قال: دخلتُ المسجد. فإذا الناس
ينكتون بالحصى ويقولون: طلّق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نساءه. وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب. فقال عمر: فقلتُ: لأعلمنّ ذلك اليوم. قال: فدخلت على عائشة.
فقلتُ: يابنت أبي بكر! أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟.
فقالت: مالى ومالك يا ابن الخطاب؟ عليك بعيبتك. قال: فدخلتُ على حفصة بنت عمر. فقلتُ لها: يا حفصة! أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ والله! لقد علمت أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يُحبكِ. ولولا أنا لطلقكِ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فبكتْ أشد البكاء. فقلتُ لها: أين رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قالت: هو في خِزانته في المشربة. فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قاعدأ على أسكفة المشربة. مدلِّ رجليه على نقير من خشب. وهو جِذع يرقى عليه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وينحدر. فناديت: يا رباح! استأذن لى عندك على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
فنظر رباح إلى الغرفة. ثم نظر إلىّ. فلم يقل شيئاً. ثم قلت: يا رباح! استأذن لى عندك على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فنظر رباح إلى الغرفة. ثم نظر إلى. فلم يقل شيئاً.
ثم رفعتُ صوتي فقلت: يا رباح! استأذن لى عندك على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فإنّي أظنّ أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ظن أنّي جئتُ من أجل حفصة. والله! لئن أمرني رسولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بضرب عنقها لأضربن عنقها. ورفعتُ صوتي. فأومأ إلى أن ارْقه.
فدخلتُ على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو مضطجع على حصير. فجلستُ. فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره. وإذا الحصير قد أثّر في جَنْبه. فنظرت ببصرى في خزانة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإذا أنا بقبضةٍ من شعير نحو الصاع. ومثلها قَرَظاً في ناحية الغرفة.
وإذا أفيق معلق. قال: فابتدرتْ عيناي. قال: "ما يُبكيك؟ يا ابن الخطاب"!
قلتُ: يا نبي الله! ومالى لا أبكى؟ وهذا الحصير قد أثّر في جنبك وهذه خِزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى. وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار.
وأنتَ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وصفوته. وهذه خِزانتك. فقال: "يا ابن الخطاب!.
ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا"؟. قلتُ: بلى. قال ودخلتُ
عليه حين دخلتُ وأنا أرى في وجهه الغضب. فقلتُ: يا رسول الله ما يشق عليك من شأن النساء؟ فإن كنت طلّقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. وقلّما تكلمت، وأحمد الله، بكلام إلا رجوت أن يكون الله يُصدق قولى الذي أقول، ونزلت هذه الآية. آية التخيير (عسى ربّه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن) (٦٦/ التحريم/٥).
(وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير) (٦٦/ التحريم/٤) وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلتُ: يا رسول الله! أطلقتهن؟ قال: لا "قلتُ: يا رسول الله! إني دخلتُ المسجد والمسلمون ينكبنون بالحصى. يقولون: طلّق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نساءه. أفأنزل فأُخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال نعم إن شئت" فلم أزل أْحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه. وحتى كشر فضحك. وكان من أحسن الناس ثَغْراً. ثم نزل نبي الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ونزلتُ. فنزلتُ أتشبّث بالجذع ونزل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كأنما يمشي على الأرض ما يمسّه بيده. فقلتُ: يا رسول الله!
إنما كنتَ في الغرفة تسعة وعشرين. قال: "إن الشهر يكون تسعاً وعشرين" فقمتُ على باب المسجد. فناديت بأعلى صوتي: لم يُطّلق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نساءه.
ونزلت هذه الآية: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أوالخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر. وأنزل الله عز وجل آية التخيير.
(الصحيح ٢/١١٠٥ ح ١٤٧٩- ك الطلاق، ب في الإيلاء واعتزال النساء... ).
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به) يقول سارعوا به وأفشوه.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن قتادة قوله (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم) يقول: إلى علمائهم.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية قوله (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) قال الذين يتتبعونه ويتجسسونه.
قوله تعالى (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا) فهو في أول الآية لخبر المنافقين، قال (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به) إلا قليلا، يعني بالقليل "المؤمنين".
قوله تعالى (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك... )
قال الإمام أحمد: ثنا سليمان بن داود الهاشمى قال أنا أبو بكر عن أبي إسحاق قال قلت للبراء: الرجل يحمل على المشركين أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة قال: لا لأن الله عز وجل بعث رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك) إنما ذاك في النفقة.
(المسند ٤/٢٨١) ورجاله ثقات وإسناده صحيح. وأبو بكر هو: ابن عياش المقري ثقة الا أنه ساء حفظه لما كبر وكتابه صحيح والحديث ليس من سوء حفظه لأنه ثبت في الصحيح من حديث حذيفة وغيره (انظر صحيح البخارى -التفسير- سورة البقرة، باب (وآنفقوا في سبيل الله) رقم ٤٥١٦).
وأبو إسحاق هو السبيعي، وأخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق أبي بكر بن عياش به، (تفسير ابن أبي حاتم رقم ٣٧٤٥) وانظر تفسير ابن كثير فقد ذكر رواية أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه (٢/٣٢٢ و٣٢٣) وأخرجه الحاكم من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/٢٧٥-٢٧٦).
قوله تعالى (وحرض المؤمنين على القتال عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا)
قال الشيخ الشنقيطي: لم يصرح هنا بالذى يحرض عليه المؤمنين ماهو، وصرح في موضع أخر بأنه القتال، وهو قوله (وحرض المؤمنين على القتال) وأشار إلى ذلك هنا بقوله في أول الآية (فقاتل في سبيل الله) وقوله في آخرها: (عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا) الآية.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (وأشد تنكيلا) أى عقوبة.
قوله تعالى (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها)
أخرج أدم بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة)، قال: شفاعة بعض الناس لبعضهم
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها) أي حظ منها، (ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها) والكفل هو الإثم.
قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد الواحد، حدثنا أبو بريدة بن عبد الله بن أبي بردة، حدثنا أبو بردة بن أبي موسى، عن أبيه - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا جاءه السائل أو طلبت إليه حاجة قال: "اشفعوا تؤجروا، ويقضى الله على لسان نبيه ﷺ ما شاء".
(الصحيح ٣/٣٥١ ح ١٤٣٢ - ك الزكاة، ب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها). وأخرجه مسلم (الصحيح ٤/٢٠٢٦ ح ٢٦٢٧ - ك البر والصلة، ب استحباب الشفاعة فيما ليس بحرام).
قوله تعالى (وكان الله على كل شيء مقيتا)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله (مقيتا) حفيظاً.
قوله تعالى (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا)
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم السام عليكم، فقل: وعليك".
(الصحيح ١١ ح ٦٢٥٧- ك الإستئذان، ب كيف يرد على أهل الذمة بالسلام؟). وأخرجه مسلم في (صحيحه٤/١٧٠٦- ك السلام، ب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف يرد عليهم).
قال مسلم: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز (يعنى الدراوردي) عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا تبدؤا اليهود ولا النصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه".
(الصحيح ٤/١٧٠٧ ح ٢١٦٧ - ك السلام، ب النهي عن ابتداء أهل الكتاب، بالسلام... ).
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا جعفر بن سليمان، عن عوف، عن أبي رجاء، عن عمران بن حصين، قال: جاء رجل إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: السلام عليكم، فرد عليه السلام، ثم جلس، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "عشر" ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه، فجلس، فقال: "عشرون" ثم جاء أخر فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه، فجلس، فقال: "ثلاثون".
(السنن ٤/٣٥٠ ح ٥١٩٥- ك الأدب، ب كيف السلام؟).، وأخرجه الترمذي (٥/٥٢ ح ٢٦٨٩- ك الاستئذان، ب ما ذكر في فضل السلام) من طريق عبد الله بن عبد الرحمن والحسين بن محمد الجريري عن محمد بن كثير به. قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وقال ابن حجر. سند قوي (الفتح ١١/٦)، صححه الألباني (انظر صحيح سنن الترمذي ح ٢١٦٣).
روى ابن أبي شيبة: عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله قال: "إن السلام اسم من أسماء الله فأفشوه".
وبالإسناد نفسه قال: إن الرجل إذا مر بالقوم فسلم عليهم فردوا عليه كان له فضل درجة عليهم، لأنه أذكرهم السلام.
(المصنف ٨/٤٣٨ و٤٤١ ح ٥٧٩٦، ٥٨٠٧)، وأخرجه الخطيب في (موضح الأوهام ١/٤٠٩-٤١٠) من طريق ابن جريج، عن فافاه به. وقد روي هذا الحديث عن ابن مسعود عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مرفوعاً، أخرجه كذلك: البزار في (مسنده ٥/١٧٤-١٧٥ ح ١٧٧٠، ١٧٧١)، والطبرانى في (الكبير ١٠/٢٢٤ ح ١٠٣٩١، ١٠٣٩٢)، وابن حبان في (روضة العقلاء ص ١١٢)، من طرق، عن الأعمش به، وساقوه جميعاً مساق حديث واحد. قال المنذري. رواه البزار والطبراني، وأحد إسنادي البزار جيد قوي. (الترغيب والترهيب ٣/٤٢٧-٤٢٨)، وقال الهيثمي: رواه البزار بإسنادين والطبرانى بأسانيد، وأحدهما رجاله رجاله الصحيح عند البزار والطبراني. (مجمع الزوائد ٨/٢٩).
وقال الحافظ ابن حجر: رواه البزار بإسناد جيد. (التلخيص الحبير ٤/٩٤). ورمز له السيوطي بالحسن في (الجامع الصغير ٤/١٥١مع فيض القدير)، وصححه الألبانى في (صحيح الجامع ٣٦٩٧).
وأما الاختلاف في رفعه ووقفه: فقد صحح الأئمه روايه الوقف، فقال الدارقطني -بعد أن ذكر الخلاف في رفعه-: والموقوف أصح. (العلل ٥/٧٦). وقال الحافظ ابن حجر:... وطريق الموقوف أقوى.
(فتح الباري ١١/٣) والحديث وإن كان موقوفاً، إلا أن أكثره له معنى الرفع؛ إذ أنه مما لا بمجال للرأي فيه. هذا، وللشطر الأول منه شاهد من رواية أنس - رضي الله عنه -، أخرجه البخارى في (الأدب المفرد ٢/٤٤٩ ح ٩٨٩ - مع فضل الله الصمد) إلى قوله "... فأفشوا السلام بينكم. وحسن الحافظ ابن حجر إسناده (فتح الباري ١١/١٣)، وصحيح إسناده الألبانى (السلسلة الصحيحة رقم ١٨٤)، وحسن الحديث في (صحيح الأدب المفرد ص ٣٨٠ ح ٧٦٠).
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها) عن قتادة يقول: حيوا أحسن منها، أي: على المسلمين (أو ردوها) أي: على أهل الكتاب.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد (حسيبا) قال: حفيظاً.
قوله تعالى (الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لاريب فيه)
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية في قوله (لاريب فيه) لا شك فيه.
قوله تعالى (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا)
قال البخاري: حدثني محمد بن بشار، حدثنا غندر وعبد الرحمن قالا: حدثنا شعبة، عن عدى عن عبد الله بن يزيد، عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - (فما لكم في المنافقين فئتين) رجع ناس من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أحدٍ وكان الناس فيهم فِرقتين: فريق يقول: اقتلهم، وفريق يقول: لا، فنزلت (فما لكم في المنافقين فئتين).
(الصحيح ٨/١٠٤-١٠٥ ح ٤٥٨٩ -ك التفسير- سورة النساء)، (صحيح مسلم ٤/٢١٤٢ ح ٢٧٧٦ - ك صفات المنافقين).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (والله أركسهم بما كسبوا) يقول: أوقعهم.
قوله تعالى (أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا)
قال الشيخ الشنقيطي: أنكر تعالى في هذه الآية الكريمة على من أراد أن يهدي من أضل الله، وصرح فيها بأن من أضله الله لايوجد سبيل إلى هداه وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، لهم في الدنيا خزى ولهم في الآخرة عذاب عظيم) وقوله (ومن يضلل الله فلا هادى له).
قوله تعالى (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً)
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن السدي قوله (فإن تولوا) يقول: إذا أظهروا كفرهم.
انظر سورة البقرة آية (١٩١) وسورة الأنفال آية (٥٧).
قوله تعالى (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت صدورهم)
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن السدي قوله: (أوجاءوكم) يقول: رجعوا فدخلوا فيكم.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (حصرت صدورهم) ضاقت.
قوله تعالى (ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا)
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن مجاهد قوله: (أن يقاتلوكم) أن يقاتل المؤمنين أو يقاتل قومه.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة في قوله: (فإن اعتزلوكم)، قال: نسختها (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم).
انظر تفسير سورة البقرة آية (٢٠٨).
قوله تعالى (ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم) قال: ناس كانوا يأتون إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش يرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا. فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الصحيح عن قتادة قوله: (ستجدون آخرين يريدون) قال: حيا كانوا بتهامة، قالوا: يانبي الله: إنا لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا فأرادو أن يأمنوا رسول الله، ويأمنوا قومهم فأبى الله ذلك عليهم.
وهذه المراسيل يقوي بعضها بعضاً في الإحتجاج.
قوله تعالى (كلما ردوا إلى الفتنة اركسوا فيها)
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الصحيح عن قتادة قوله: (كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها) كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية قوله: (كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها) قال كلما ابتلوا بها عموا فيها.
قوله تعالى (فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا)
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن مجاهد قوله: (فإن لم يعتزلوكم) قال: أمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا.
انظر تفسير سورة البقرة آية (٢٠٨).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن السدي قوله: (وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا) أما السلطان فهو الحجة.
قوله تعالى (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ) يقول: ماكان له ذلك فيما أتاه من ربه، من عهد الله الذي عهد إليه.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (فتحرير رقبة مؤمنة)، يعني بالمؤمنة: من عقل الإيمان وصام، وصلى فإن لم يجد رقبة، فصيام شهرين متتابعين، وعليه دية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا بها عليه.
قال مسلم: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلى. أخبرنا جرير عن منصور، عن إبراهيم، عن عُبيد بن نضيلة الخُزاعي، عن المغيرة بن شعبة. قال: ضربتْ امرأة ضرّتها بعمود فسطاط وهي حبلى. فقتلتها. قال: وإحداهما لِحيانية.
قال: فجعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دية المقتولة على عصبة القاتلة. وغرّة لما في بطنها فقال رجل من عصبة القاتلة: أنغرم دية من لا أكل ولا شرب ولا استهل؟ فمثل ذلك يُطل. فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أسجع كسجع الأعراب"؟ قال: وجعل عليهم الدية.
(الصحيح ٣/١٣١٠ ح ١٦٨٢- ك القسامة، ب دية الجنين... ).
وانظر حديث مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي المتقدم تحت الآية رقم (٢٣٨) من سورة البقرة وفيه قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أعتقها فإنها مؤمنة".
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: فإن كان في أهل الحرب وهو مؤمن، فقتله خطأ، فعلى قاتله أن يكفر بتحرير رقبة مؤمنة أو صام شهرين متتابعين ولا دية عليه.
قال البخاري: حدثنا قيس بن حفص حدثنا عبد الواحد حدثنا الحسن بن عمرو، حدثنا مجاهد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "من قتل معاهداً لم يرِحْ رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً".
(الصحيح ٦/٣١١ ح ٣١٦٦- ك الجزية، ب إثم من قتل معاهداً بغير جرم).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله) وإذا كان كافرا في ذمتكم فقتل، فعلى قاتله الدية مسلمة إلى أهله، وتحرير رقبة مؤمنة أو صيام شهرين متتابعين.
انظر تفسير سورة البقرة آية (١٨٥).
قال ابن أبي حاتم حدثنا عمار بن خالد التمار، ثنا أسباط، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة قال: اذا كان (فمن لم يجد) فالأول الأول.
ورجاله ثقات وسنده صحيح، وأسباط هو ابن محمد.
قوله تعالى (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما)
قال البخاري: حدثنا محمد بن عرعرة قال حدثنا شعبة عن زبيد قال: سألت أبا وائل عن المرجئة، فقال: حدثني عبد الله أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "سِباب المسلم فسُوق وقتاله كفر".
(الصحيح ١/١٣٥ ح ٤٨ - ك الايمان، ب خوف المؤمن من أن يحبط عمله... )، صحيح مسلم ١/٨١ - ك الايمان، ب بيان قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "سباب المسلم فسوق").
قال البخاري: حدثنا علي حدثنا إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يُصب دماً حَراماً".
(الصحيح ١٢/١٩٤ ح ٦٨٦٢ - ك الديات، ب قول الله تعالى (الآية).
قال البخاري: حدثنا آدم بن أبي إياس حدثنا شعبة حدثنا مغيرة بن النعمان قال سمعت سعيد بن جبير قال: آية اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلتُ فيها إلى ابن عباس فسألته عنها فقال: نزلت هذه الآية (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم) هي أخر ما نزل، وما نسخها شيء.
(الصحيح ٨/١٠٦ ح ٤٥٩٠ - ك التفسير، سورة النساء، ب (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم)).
وانظر سورة الفرقان آية (٦٨) حديث النسائي عن زيد بن ثابت.
قال البخارى: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أول ما يقضى بين الناس في الدماء".
(الصحيح ١٢/١٩٤ ح، ٦٨٦٤- ك الديات، ب قول الله تعالى: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً)، وأخرجه مسلم (الصحيح ٣/١٣٠٤ ح ١٦٧٨- ك القسامة، ب المجازاة بالدماء في الآخرة) من طريق عبدة بن سليمان ووكيع، كلاهما عن الأعمش به، وفيه: "يوم القيامة".
قال البخاري: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب ويونس، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس قال: ذهبت لأنصر هذا الرجل، فلقينى أبو بكرة فقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل. قال: ارجع، فإني سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: "إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار". قلت: يارسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصاً على قتل صاحبه".
(الصحيح ١٢/١٩٢ ح ٦٨٧٥ -فتح البارى- ك الديات، ب قوله تعالى (ومن أحياها... ))، وأخرجه مسلم في (صحيحه ٤/٢٢١٣ ح ٢٨٨٨- ك الفتن وأشراط الساعة، ب إذا تواجه المسلمان بسيفهما) وعنده قول الأحنف: قال: قلت: أريد نصر ابن عم رسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -يعنى علياً-... ).
قال ابن ماجة: حدثنا محمد بن الصباح، ثنا سفيان بن عُيينة، عن عمار الدهني، عن سالم ابن أبي الجعد، قال: سئل ابن عباس عمّن قتل مؤمناً متعمداً ثم تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى؟ قال: ويحه! وأنى له الهدى؟ سمعت نبيكم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: "يجئ القاتل، والمقتول يوم القيامة متعلق برأس صاحبه
يقول: ربّ! سَل هذا، لِم قتلنى"؟ والله! لقد أنزلها الله عز وجل على نبيكم، ثم ما نسخها بعد ما أنزلها.
(السنن ح ٢٦٢١ - ك الديات، ب هل لقاتل مؤمن توبة). وأخرجه أحمد والنسائي من طرق عن سالم به نحوه. وقال ابن كثير: وقد روى هذا عن ابن عباس من طرق كثيرة. (المسند ١/٢٤٠)، (السنن - التحريم ٧/٨٥)، (التفسير ٢/٣٣٣). وقال الألباني: صحيح (صحيح ابن ماجه ٢/٩٣).
وأخرجه الطبري (٩/٦٣ ح ١٠١٨٨) من طريق يحيى الجابر عن سالم، بزيادة ألفاظ فيه. قال الشيخ أحمد شاكر: وهو حديث صحيح.
وانظر سورة النساء آية (٤٨) حديث النسائي عن معاوية.
وانظر سورة الفرقان آية (٦٩).
قال ابن ماجة: حدثنا هشام بن عمار، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا مروان بن جناح، عن أبي الجهم الجوزجانى، عن البراء بن عازب، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق".
(السنن ح ٢٦١٩- ك الديات، ب التغليظ في قتل مسلم ظلماً)، قال البوصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات رواه البيهقى والأصبهانى من هذا الوجه وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو، ورواه النسائى في الصغرى من حديث بريدة بن الحصيب ومن حديث عبد الله بن مسعود (مصباح الزجاجة ٢/٨٣). وحسن إسناده المنذرى (الترغيب ٣/٢٠٢)، وقال الألباني: صحيح (صحيح ابن ماجة ١/٩٢). وله شاهد أخرجه النسائى من حديث بريدة (السنن ٧/٨٣) صحح إسناده ابن الملقن (خلاصة البدر المنير ٢/٢٦١).
قال الضياء المقدسي: أخبرنا عبد الرحيم بن عبد الكريم بن محمد المروزي - بها- أن أبا الفضل محمد بن عبد الواحد بن محمد المغازلى أخبرهم -قراءةً عليه- أنا أبو الخير محمد بن أحمد بن رَرَا الأصبهاني -قراءة عليه- أبنا أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الحافظ، ثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، ثنا عبد الرحمن بن علي بن خشرم، ثنا سُويد بن نصر، ثنا ابن المبارك، عن سليمان التيمى، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أبى علَي أن يجعل لقاتل المؤمن توبة".
(المختارة ٦/١٦٣ ح /٢١٦٤) قال محققه: إسناده صحيح، وصححه السيوطي (الجامع الصغير ١/٧١)، وصححه الألبانى (السلسلة الصحيحة ٢/٣٠٩ ح ٦٨٩).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله لأن الله سبحانه يقول (فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه وأعد له عذابا عظيماً).
قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا... ) إلى قوله (إن الله كان بما تعملون خبيراً)
قال أحمد: ثنا يعقوب ثنا أبي عن (محمد بن) إسحاق حدثني يزيد بن عبد الله ابن قسيط عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد قال: بعثنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى أضم فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعي ومحلم بن جثامة بن قيس فخرجنا حتى إذا كنا ببطن أضم مر بنا عامر الأشجعي على قعود له متيع ووطب من لبن فلما مر بنا سلم علينا فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله بشيء كان بينه وبينه وأخذ بعيره ومتيعه فلما قدمنا على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأخبرناه الخبر نزل فينا القرآن (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعلمون خبيراً).
(المسند ٦/١١)، وأخرجه الطبري في (تفسيره رقم ١٠٢١٢، ١٠٢١٣)، وغيرهما. قال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٧/٧). وقال د. حكمت بشير: إسناده حسن (مرويات الإمام أحمد ١/٣٨٦)
قال البخاري: حدثني على بن عبد الله حدثنا سفيان عن عمرو عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً).
قال: قال ابن عباس: كان رجل في غنيمة له، فلحِقه المسلمون. فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك إلى قوله (عرض الحياة الدنيا) تلك الغنيمة. قال: قرأ ابن عباس: (السلام).
(الصحيح ٨/١٠٧ ح ٤٥٩١ - ك التفسير، سورة النساء، ب (الآية))، (صحيح مسلم، ٤/٢٣١٩ - ك التفسير).
قال ابن أبي حاتم: حدثنا إبراهيم بن عتيق الدمشقى، ثنا مروان يعني ابن محمد الطاطري، ثنا ابن لهيعة حدثني أبو الزبير، عن جابر قال: أنزلت هذه الآية: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً) في مرداس.
(التفسير ح ٣٩٣٢ - سورة النساء، آية ٩٤). وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٨/١٠٧) وله شاهد في البخاري (٨/١٠٧ ح ٤٥٩١) من حديث ابن عباس، دون تسمية صاحب القصة).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: حرم الله على المؤمنين أن يقولوا لمن شهد أن لا إله إلا الله: (لست مؤمنا)، كما حرم عليهم الميتة، فهو أمن على ماله ودمه، لاتردوا عليه قوله.
قوله تعالى (كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا)
قال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، ثنا وكيع، عن سفيان عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير: (فمن الله عليكم) فأظهر الإسلام.
قال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، ثنا وكيع، عن سفيان عن حبِيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير قوله: (فتبينوا) قال: وعيد من الله مرتين (إن الله كان بما تعملون خبيرا).
قوله تعالى (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله) ذكر في هذه الآية الكريمة أنه فضل المجاهدين في سبيل الله بأموالهم على القاعدين درجة وأجرا عظيما، ولم يتعرض لتفضيل بعض المجاهدين على بعض، ولكنه بين في موضع أخر وهو قوله (لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى) وقوله في هذه الآية الكريمة (غير أولى الضرر) يفهم من مفهوم مخالفته أن من خلفه العذر إذا كانت نيته صالحة يحصل على ثواب المجاهد.
قال البخاري: حدثنا إسماعيل بن عبد الله قال حدثني إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب قال حدثني سهلُ بن سعد الساعدي أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد، فأقبلتُ حتى جلستُ إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أملى عليه (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) فجاءه ابن أم مكتوم وهو يُملها عليّ قال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت -وكان أعمى- فأنزل الله على رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفخذُه على فخذى، فثقُلت على حتى خفتُ أن ترضّ فخذي. ثم سُرّىَ عنه فأنزل الله (غير أولى الضرر).
(الصحيح ٨/١٠٨ ح ٤٥٩٢ - ك التفسير، سورة النساء، ب (الآية)، (صحيح مسلم ٣/١٥٠٨ - ك الإمارة، ب سقوط فرض الجهاد عن المعذورين).
قال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد -هو ابن زيد- عن حميد عن أنس - رضي الله عنه -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان في غزاة فقال: "إن أقواماً بالمدينة خلفنا ما سلكنا شعباً ولا وادياً إلا وهم معنا فيه، حبسهم العذر".
وقال موسى: حدثنا حماد عن حُميد عن موسى بن أنس عن أبيه: قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال أبو عبد الله: الأول أصح.
(الصحيح ٦/٥٥ ح ٢٨٣٩ - ك الجهاد والسير، ب من حبسه العذر عن الغزو)، (صحيح مسلم ٣/١٥١٨ ح ١٩١١- ك الامارة، ب ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر نحوه).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله (أولى الضرر) أهل العذر.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (وكلا وعد الله الحسنى) وهي الجنة، والله يؤتي كل ذى فضل فضله.
قوله تعالى (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً. درجات منه ومغفرة ورحمة... )
قال مسلم: حدثنا سعيد بن منصور. حدثنا عبد الله بن وهب. حدثني أبو هانيء الخولاني عن أبي عبد الرحمن الحبُلي، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "يا أبا سعيد! مَن رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وجبت له الجنة". فعجب لها أبو سعيد. فقال: أعِدْها علي. يا رسول الله!
ففعل. ثم قال: "وأُخرى يُرفع بها العبد مائة درجة في الجنة. ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض" قال: وما هي؟ يا رسول الله! قال: "الجهاد في سبيل الله. الجهاد في سبيل الله".
(الصحيح ٣/١٥٠١ ح ١٨٨٤ - ك الإمارة، ب بيان ما أعده الله تعالى للمجاهدين في الجنة من الدرجات).
قال الترمذي: حدثنا عباس العنبري. حدثنا يزيد بن هارون. أخبرنا إسرائيل عن محمد بن جُحادة عن عطاء عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين مائة عام".
(السنن ٤/٦٧٤ ح ٢٥٢٩ - صفة الجنة، ب صفة درجات الجنة). قال الترمذي: حديث حسن غريب. وأخرجه أحمد في المسند رقم (٧٩١٠) من طريق: شريك، عن محمد بن جحادة به. قال محققه: صحيح. وصححه الألبانى في (صحيح سنن الترمذي رقم ٢٠٥٤).
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (درجات منه ومغفرة ورحمة) كان يقال: الإسلام درجة، والهجرة في الإسلام درجة، والقتل والجهاد درجة.
قوله تعالى (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يزيد المقريء حدثنا حيوة وغيره قالا حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود قال: قُطع على أهل المدينة بعث، فاكتتبتُ فيه، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس، فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشدّ النهي ثم قال:
أخبرني ابن عباس أن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يُكثرون سواد المشركين على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يأتي السهم يرمى به فيُصيب أحدَهم فيقتله، أو يُضرب فيقتل، فأنزل الله (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم) الآية.
رواه الليث عن أبي الأسود.
(الصحيح ٨/١١١ ح ٤٥٩٦ - ك التفسير، سورة النساء).
قال الطبري: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا محمد بن شريك، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا! فاستغفروا لهم، فنزلت (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم) الآية، قال: فكتب إلى من بقى بمكة من المسلمين بهذه الآية، لا عذر لهم. قال: فخرجنا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة، فنزلت فيهم: (ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذى في الله) (سورة العنكبوت: ١٠) إلى آخر الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك، فحزنوا وأيسوا من كل خير ثم نزلت فيهم: (إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم) (سورة النحل:١١٠) فكتبوا إليهم بذلك: إن الله قد جعل لكم مخرجاً، فخرجوا فأدركهم المشركون، فقاتلوهم حتى نجا من نجا، وقتل من قتل.
(التفسير ٩/١٠٢- ١٠٣ ح ١٠٢٦٠)، وأخرجه ابن أبي حاتم (التفسير ح ٣٩٦٩- النساء/ ٩٧) بإسناد الطبري نفسه، ولفظه أخصر منه، والطحاوى (مشكل الآثار ٤/٣٢٨)، والبيهقي (السنن ٩/١٤)، من طرق عن عمرو بن دينار نحوه. وعزاه الهيثمي للبزار وقال: رجاله رجال الصحيح غير محمد بن شريك، وهو ثقة. (مجمع الزوائد ٧/١٠). والحديث رجاله ثقات، وإسناده صحيح (انظر تفسير ابن أبي حاتم - في الموضع المشار إليه).
قال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنبا ابن وهب، حدثني عبد الرحمن بن مهدي، عن الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد أن سعيد بن جبير قال: في قول الله تعالى (قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) قالوا: إذا عمل فيها بالمعاصي فاخرجوا.
ورجاله ثقات وإسناده صحيح، وابن وهب هو ابن عبد الله.
قوله تعالى (إلا المستضعفين من الرجال والنساء... )
قال البخاري: حدثنا قتيبة حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة يقول: اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مُضر، اللهم اجعلها سِنين كسِني يوسف. وأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: غِفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله".
قال ابن أبي الزناد عن أبيه: هذا كله في الصُبح.
(الصحيح ٢/٥٧٢ ح ١٠٠٦ - ك الاستسقاء، ب دعاء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -).
انظر حديثي البخارى عن ابن عباس المتقدمين في الآية (٧٥) من السورة نفسها.
قوله تعالى (لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا)
قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة في قوله: (لا يستطيعون حيلة) قال: نهوضا إلى المدينة، (ولا يهتدون سبيلا) طريقا إلى المدينة.
ورجاله ثقات وإسناده صحيح، وعمرو هو ابن دينار.
قوله تعالى (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: المراغم: التحول من الأرض إلى الأرض. والسعة: السعة في الرزق.
قوله تعالى (ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله... )
قال البخاري: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا شقيق حدثنا خباب - رضي الله عنه - قال: "هاجرنا مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نلتمس وجه الله، فوقع أجرُنا على الله، فمنّا من مات لم يأكل من أجره شيئاً منهم مصعب بن عُمير، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها. قتل يوم أحد فلم نجد ما نكَفنه إلا بُردة إذا غطّينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فأمرنا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نغطّى رأسه، وأن نجعل على رجليه من الإذخر"
(الصحيح ٣/١٧٠ ح ١٢٧٦ - ك الجنائز، ب إذا لم يجد كفنا إلا... ).
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا محمد بن شريك، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان بمكة رجل يقال له: ضمرة من بنى بكر، وكان مريضاً، فقال لأهله: أخرجوني من مكة فإني أجد الحرّ فقالوا: أين نخرجك؟ فأشار بيده نحو المدينة يعني.
فمات، فنزلت هذه الآية: (ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله).
(التفسير- سورة النساء/١٠٠ ح ٤٠٠١). وأخرجه الطبري (التفسير ٩/١١٨ ح ١٠٢٩٤) بسند ابن أبي حاتم نفسه، لكن وقع في إسناده "شريك" وصوابه: محمد بن شريك كما عند أبي حاتم. وعزاه السيوطي لابن المنذر أيضاً بلفظه. وعزاه الهيثمي لأبى يعلى بنحوه وقال: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٧/١٠) وقال السيوطى عن سند أبي يعلى والطبرانى: رجاله ثقات (الدر المنثور ٢/٢٠٧ وسنده صحيح).
قوله تعالى (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا)
قال البخاري: حدثنا أبو معمر، قال: حدثنا عبد الوارث قال: حدثنا يحيى ابن أبي إسحاق قال: سمعت أنساً يقول: خرجنا مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من المدينة إلى مكة، فكان يُصلى ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة، قلت: أقمتم بمكة شيئاً؟
قال أقمنا بها عشراً.
(الصحيح ٢/٦٥٣ ح ١٠٨١- ك تقصير الصلاة، ب ما جاء في التقصير... ).
وقال البخارى: حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا سفيان، عن الزهرى، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقِرَّتْ صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر. قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم؟ قال: تأولت ما تأول عثمان.
(الصحيح ٢/٦٦٣ ح ١٠٩٠- ك تقصير الصلاة، ب يقصر إذا خرج من موضعه... )، و (صحيح مسلم ١/٤٧٨ بعد رقم ٦٨٥ك صلاة المسافرين... ).
قال مسلم: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم (قال إسحاق: أخبرنا. وقال الآخرون: حدثنا عبد الله بن إدريس) عن ابن جريج، عن ابن أبي عمار، عن عبد الله بن بابيه، عن يعلى بن أمية؛ قال: قلتُ لعمر بن الخطاب (ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) فقد أمِن الناس! فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه. فسألت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك، فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم. فاقبلوا صدقته".
(الصحيح ١/٤٧٨ ح ٦٨٦- ك صلاة المسافرين وقصرها، ب صلاة المسافرين وقصرها).
قال أحمد: حدثنا الفضل بن دكين حدثنا مالك، -يعني ابن مغول- عن أبي حنظلة قال سألت ابن عمر عن صلاة السفر؟ فقال: ركعتين قال: قلت فأين قول الله تبارك وتعالى (إن خفتم) ونحن آمنون؟ قال: سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أو قال كذاك سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(المسند رقم ٦١٩٤) وصححه أحمد شاكر. وقال محققو المسند بإشراف أ. د. عبد الله التركى: صحيح لغيره (المسند ١٠/٣٣١ ح ٧١٩٤). واورده الحافظ ابن حجر محتجاً به (الفتح ٢/٥٦٤).
قوله تعالى (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم... )
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى بعده يليه مبينا له (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا
حذرهم وأسلحتهم) الآية. وقوله تعالى (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) ويزيده إيضاحا أنه قال هنا (فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة) وقال في آية البقرة (فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون) ؛ لأن معناه فإذا أمنتم فأتموا كيفيتها بركوعها وسجودها وجميع ما يلزم فيها مما يتعذر وقت الخوف. وعلي هذا التفسير الذي دل له القرآن فشرط الخوف في قوله (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) معتبر أي: وإن لم تخافوا منهم أن يفتنوكم فلا تقصررا من كيفيتها، بل صلوها على أكمل الهيئات، كما صرح به في قوله (فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة) وصرح باشتراط الخوف أيضاً لقصر كيفيتها بأن يصليها الماشي والراكب بقوله (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا). ثم قال (فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم) الآية.
قال البخاري: حدثنا أبو اليمان قال آخبرنا شعيب عن الزهري قال: سألته هل صلّى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -يعني صلاة الخوف-؟ قال: أخبرني سالم أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "غزوت مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِبل نجد، فوازينا العدوّ فصاففنا لهم، فقام رسول الله يصلى لنا، فقامت طائفة معه تصلى، وأقبلت طائفة على العدو، وركع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. بمَن معه وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تُصل، فجاءوا فركع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بهم ركعة وسجد سجدتين ثم سلم، فقام كل واحدٍ منهم فركع بنفسه ركعة وسجد سجدتين".
(الصحيح ٢/٤٩٧ ح ٩٤٢- ك صلاة الخوف، ب صلاة الخوف)، وأخرجه مسلم في صحيحه - ك صلاة المسافرين، ب صلاة الخوف ح ٣٠٥، ٣٠٦).
قال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان. حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا سعيد بن عبيد الهنائي. حدثنا عبد الله بن شقيق. حدثنا أبو هريرة: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نزل بين ضجنان وعُسفان، فقال المشركون: إن لهولاء صلاةً هي أحب اليهم من آبائهم وأبنائهم وهي العصر، فأجمعوا أمركم فميلوا عليهم مَيلة واحدة، وإن جبريل أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأمره أن يقسِم أصحابه شطرين فيُصلى بهم،
وتقوم طائفة أخرى وراءهم، وليأخذوا حِذرهم وأسلحتهم، ثم يأتي الآخرون ويُصلّون معه ركعة واحدة، ثم يأخذ هؤلاء حِذرهم وأسلحتهم، فتكون لهم ركعة ركعة ولرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ركعتان.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة وفى الباب عن عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس وجابر وأبى عياش الزرقي وابن عمر وحذيفة وأبى بكرة وسهل بن أبي حثمة وأبو عياش الزرقى اسمه زيد بن صامت.
(سنن الترمذى ٥/٢٤٣ ح ٣٠٣٥- ك التفسير، سورة النساء)، وصححه الألباني في (صحيح سنن الترمذي ٣/٤٢). ونقل ابن رجب عن البخاري قوله: حديث عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة: حسن (علل الترمذي ١/٣٠٣).
قال أبو داود: وأما عبيد الله بن سعد فحدثنا قال: حدثني عمي، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، أن عروة بن الزبير حدثه أن عائشة حدثته بهذه القصة، قالت: كبر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكبرت الطائفة الذين صفوا معه، ثم ركع فركعوا، ثم سجد فسجدوا، ثم رفع فرفعوا، ثم مكث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جالساً ثم سجدوا هم لأنفسهم الثانية، ثم قاموا فنكصوا على أعقابهم يمشون القهقرى، حتى قاموا من ورائهم، وجاءت الطائفة الأخرى فقاموا فكبروا، ثم ركعوا لأنفسهم ثم سجد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسجدوا معه، ثم قام رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وسجدوا لأنفسهم الثانية. ثم قامت الطائفتان جميعاً فصلوا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فركع فركعوا، ثم سجد فسجدوا جميعاً، ثم عاد فسجد الثانية وسجدوا معه سريعاً كأسرع الاسراع جاهداً لا يألون سراعاً، ثم سلم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وسلموا فقام رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقد شاركه الناس في الصلاة كلها.
(السنن ٢/١٥ ح /١٢٤٢- ك الصلاة، ب من قال يكبرون جميعاً)، وأخرجه أحمد في (مسنده ٦/٢٧٥) من طريق: يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن ابن إسحاق به وفيه: صلى رسول الله بالناس صلاة الخوف بذات الرقاع... والحاكم في المستدرك (١/ ٣٣٦-٣٣٧) من طريق: محمد بن حاتم الدورى، عن يعقوب به. وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وهو أتم حديث وأشفاه في صلاة الخوف. ووافقه الذهبي. وإسناده حسن. وقد سأل الترمذي الإمام البخاري عن أي الروايات في صلاة الخوف أصح؟ فقال: كل الروايات عندي صحيح وكل يستعمل. (انظر العلل لابن رجب ١/٣٠١).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم)، وطائفة يأخذون أسلحتهم ويقفون بإزاء العدو، فيصلى الإمام بمن معه ركعة ثم يجلس علي هيئته، فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية والإمام جالس، ثم ينصرفرن حتى يأتوا أصحابهم فيقفون موقفهم، ثم يقبل الآخرون فيصلى بهم الإمام الركعة الثانية، ثم يسلم، فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية.
فهكذا صلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم بطن نخلة.
قوله تعالى (فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: فإذا سجدت الطائفة التي قامت معك في صلاتك تصلى بصلاتك ففرغت من سجودها. (فليكونوا من ورائكم)، يقول: فليصيروا بعد فراغهم من سجودهم خلفكم مصافي العدو في المكان الذي فيه سائر الطوائف التي لم تصل معك، ولم تدخل معك في صلاتك.
قوله تعالى (ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم)
أخرج البخاري بسنده عن ابن عباس (إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى) قال عبد الرحمن بن عوف، وكان جريحاً.
(الصحيح ٨/٢٦٤ ح ٤٥٩٩- التفسير).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (ولا جناح) لا حرج.
قوله تعالى (فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قوله (فاذكروا الله قياما)، لا يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما، ثم عذر أهلها في حال عذر، غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حداً ينتهي إليه، ولم يعذر أحد في تركه إلا مغلوبا على عقله فقال (فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم) بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية وعلي كل حال.
قوله تعالى (فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة)
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن مقاتل بن حيان قوله: (فإذا اطمأننتم) يقول: إذا استقررتم وآمنتم.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله (فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة)، قال: أتموها.
قوله تعالى (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً)
قال الشيخ الشنقيطي: ذكر في هذه الآية الكريمة أن الصلاة كانت ولم تزل على المؤمنين كتابا أى: شيئا مكتوبا عليهم واجبا حتما موقوتا أي له أوقات يجب بدخولها ولم يشر هنا إلى تلك الأوقات، ولكنه أشار لها في مواضع أخر كقوله (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا).
قال الترمذي: حدثنا هناد حدثنا محمد بن فضيل عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إن للصلاة أولاً وآخراً، وإن أول وقت صلاة الظهر حين تزول الشمس، وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر،
وإن أول وقت صلاة العصر حين يدخل وقتها، وإن آخر وقتها حين تصفرّ الشمس، وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وإن أخر وقتها حين يغيب الأفق، وإن أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الأفق، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل، وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإن أخر وقتها حين تطلع الشمس".
(السنن ١/٢٨٣-٢٨٤ ح ١٥١- ك الصلاة، ب ما جاء في مواقيت الصلاة)، وأخرجه الإمام أحمد في (مسنده رقم ٧١٧٢) حدثنا محمد بن فضيل به. وقد أعل الترمذي الحديث برواية أخرى عن مجاهد مرسلاً، ورد ذلك التعليل ابن حزم وابن الجوزى وابن القطان والزيلعي وأحمد شاكر ومحققو (مسند أحمد ١٢/٩٤-٩٦) بإشراف أ. د. عبد الله التركي، وله شواهد صحيحة وردت في المسند برقم (٦٩٦٦ و٤/٤١٦)، وصححه الألبانى (صحيح سنن الترمذي رقم ١٢٩).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله (موقوتا) مفروضا.
قوله تعالى (ولاتهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون وكان الله عليما حكيما)
قال الشيخ الشنقيطي: نهى الله تعالى المسلمين في هذه الآية الكريمة عن الوهن الضعف في طلب أعدائهم الكافرين وأخبرهم بأنهم إن كانوا يجدون الألم من القتل والجراح فالكفار كذلك والمسلم يرجو من الله من الثواب والرحمة مالا يرجوه الكافر فهو أحق بالصبر على الآلام منه، وأوضح هذا المعنى في آيات متعددة كقوله (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله) وكقوله (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم) إلى غير ذلك من الآيات.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قوله (إن تكونوا تألمون)، قال: توجعون (وترجون من الله مالا يرجون)، قال: ترجون الخير.
قوله تعالى (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً. واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً. ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً. يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما تعملون محيطاً. ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلاً)
قال الترمذي: حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم الحراني. حدثنا محمد بن سلمة الحرّاني. حدثنا محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أبيه عن جده قتادة بن النعمان قال: كان أهل بيت منّا يقال لهم بنو أبيرق بشر وبشير ومبشر، وكان بشير رجلاً منافقاً يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم ينحله بعض العرب ثم يقول قال فلان كذا وكذا قال فلان كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث أو كما قال الرجل، وقالوا ابن الأبيرق قالها، قال وكان أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدِمت ضافطة من الشام من الدَرْمَك ابتاع الرجل منها فخصَّ بها نفسه. وأما العيال فإنما طعامهم التمر والشعير، فقدمت ضافطة من الشام فابتاع عمِّى رفاعة بن زيد حِملا من الدرمك فجعله في مشربة له وفي المشربة سلاح ودرع وسيف، فعُدى عليه من تحت البيت فنقبت المشربة، وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عمِّى رفاعة، فقال: يا ابن أخي إنه قد عُدى علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا فذهب بطعامنا وسلاحنا.
قال! فتحسسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم قال: وكان بنو أبيرق قالوا ونحن نسأل في الدار، والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل رجل منا له صلاح
وإسلام، فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال: أنا أسرق؟ فوالله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبيننّ هذه السرقة، قالوا: إليك عنها أيها الرجل فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى لم نشكّ أنهم أصحابها، فقال لى عمّى: يا ابن أخى لو آتيتَ رسولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكرتَ ذلك له، قال قتادة: فأتيت رسولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت: إن أهل بيتٍ منا أهلُ جفاء عمدوا إلى عمّى رفاعة بن زيد فنقبوا مشربة له وأخذوا سلاحه وطعامه فليرُدّوا علينا سلاحنا، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "سآمر في ذلك"، فلما سمع بنو أُبيرق أتوا رجلاً منهم يقال له أسير بن عروة فكلّموه في ذلك، فاجتمع في ذلك ناس من أهل الدار فقالوا: يا رسول الله إن قتادة بن النعمان وعمّه عمدوا إلى أهل بيت منّا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت قال قتادة: فأتيتُ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فكلّمته، فقال: لعمدت إلى أهل بيتٍ ذُكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة على غير ثبت ولا بينة"، قال: فرجعتُ، ولوَدِدتُ أني خرجت من بعض مالى ولم أكلم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ذلك، فأتاني عمّى رفاعة، فقال: يا ابن أخي ما صنعتَ؟ فأخبرته بما قال لى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: الله المستعان، فلم يلبث أن نزل القرآن (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً) بني أبيرق (واستغفر الله) أي مما قلتُ لقتادة (إن الله كان غفوراً رحيماً. ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوّاناً أثيماً. يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله -إلى قوله- غفورا رحيما) أي: لو استغفروا الله لغفر لهم، (ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه -إلى قوله- إثماً مبيناً) قوله للبيد: (ولولا فضل الله عليك ورحمته -إلى قوله- فسوف نؤتيه أجراً عظيماً) فلما نزل القرأن أتى رسولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالسلاح فردّه إلى رفاعة، فقال قتادة: لمّا أتيتُ عمّي بالسلاح، وكان شيخاً قد عمىَ أو عشي في الجاهلية، وكنتُ أرى إسلامه مدخولاً، فلما
أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخى هو في سبيل الله، فعرفتُ أن إسلامه كان صحيحاً، فلما نزل القرآن لحِق بشيرٌ بالمشركين، فنزل على سُلافة بنت سعد بن سُمية فأنزل الله (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً. إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ومن يُشرك بالله فقد ضلّ ضلالا بعيداً) فلما نزل على سُلافة رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعره، فأخذتْ رحله فوضعته على رأسها، ثم خرجت به فرمت به في الأبطح، ثم قالت: أهديتَ لى شعر حسّان؟
ما كنتَ تأتيني بخير.
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نحلم أحداً أسنده غير محمد بن سلمة الحَراني.
وروى يونس بن بكير وغير واحد هذا الحديث عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلاً لم يذكروا فيه عن أبيه عن جده، وقتادة هو أخو أبي سعيد الخدري لأمه وأبو سعيد الخدري سعد ابن مالك بن سنان.
(السنن ٥/ ٢٤٤-٢٤٧ ح /٣٠٣٦ - ك التفسير، سورة النساء)، وصححه الألباني في (صحيح سنن الترمذي) وأخرجه الطبري في (تفسيره ٩/١٧٧) ح ١٠٤١١) بسند الترمذي نفسه. وأخرجه الحاكم (٤/٣٨٥- ك الحدود) -مع اختلاف في لفظه- من طريق: يونس بن بكير، عن ابن إسحاق به. وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. "وأما عن قول الترمذي: بأن يونس بن بكير وجماعة رووه عن عاصم بن عمر مرسلاً، فقد قال الشيخ أحمد شاكر: غير أن الحاكم: رواه كما ترى من طريق يونس بن بكير مرفوعاً إلى قتادة بن النعمان" (تفسير الطبري ٩/١٨٣).
وانظر حديث أم سلمة عند البخاري ومسلم المتقدم تحت الآية رقم (١٨٨) من سورة البقرة.
قال الطبري: حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان عن الأعمش، عن أبي رزين: (إذ يبيتون مالا يرضى من القول) قال: يؤلفون مالا يرضى من القول.
ورجاله ثقات وسنده صحيح، وأبو رزين هو مسعود بن مالك.
قوله تعالى (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما)
انظر حديث علي الذي يرويه عن أبي بكر الصديق المتقدم عند الترمذي تحت الآية (١٣٥) من سورة آل عمران.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: أخبر الله عباده بحلمه وعفوه وسعة رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنبا صغيرا كان أو كبيرا، ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما، ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال.
قوله تعالى (ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه)
قال الشيخ الشنقيطي: ذكر في هذه الآية أن من فعل ذنبا فإنه إنما يضر به خصوص نفسه لا غيرها وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله (ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) وقوله (ومن أساء فعليها) إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك)
انظر حديث الترمذي عن قتادة بن النعمان المتقدم عند الآية (١٠٥) من السورة نفسها.
قوله تعالى (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك مالم تكن تعلم)
قال الشيخ الشنقيطي: ذكر في هذه الآية الكريمة أنه علم نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما لم يكن يعلمه، وبين في مواضع أخر أنه علمه ذلك عن طريق هذا القرآن العظيم الذي أنزله عليه كقوله (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا) الآية.
وقوله (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) إلى غير ذلك من الآيات.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الصحيح عن قتاده قوله (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم) علمه الله بيان الدنيا والآخرة، بين حلاله وحرامه ليحتج به على خلقه.
قوله تعالى (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس... )
قال الشيخ الشنقيطي: ذكر في هذه الآية الكريمة أن كثيرا من مناجاة الناس فيما بينهم لاخير فيه. ونهى في موضع آخر عن التناجى بما لا خير فيه وبين أنه من الشيطان ليحزن به المؤمنين وهو قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالأثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي اليه تحشرون إنما النجوي من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئاً إلا بأذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون) وقوله في هذه الآية الكريمة (أو إصلاح بين الناس) لم يبين هنا هل المراد بالناس المسلمون دون الكفار أولا.
ولكنه أشار في مواضع أخر أن المراد بالناس المرغب في الأصلاح بينهم هنا المسلمون خاصة كقوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم) وقوله (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) فتخصيصه المؤمنين بالذكر يدل على أن غيرهم ليس كذلك كما هو ظاهر وكقوله تعالى (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم).
قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب أن حُميد بن عبد الرحمن أخبره أن أمّه أمّ كلثوم بنت عُقبة أخبرته أنها سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: "ليس الكذّاب الذي يُصلح بين الناس فينمى خيراً أو يقول خيراً".
(الصحيح ٥/٣٥٣ ح ٢٦٩٢ - ك الصلح، ب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس)، وأخرجه مسلم (ح ٢٦٠٥ - ك البر، ب تحريم الكذب وبيان ما يباح منه)، وأخرجه أحمد في مسنده (٦/٤٠٣) وفى آخره زيادة وهي بيان ما رخص فيه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الكذب).
قال الترمذى: حدثنا هناد. حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مُرة عن سالم بن أبي الجعد عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ألا أخبركم بأفضل مِن درجة الصيام والصلاة والصدقة"؟، قالوا: بلى قال: "إصلاح ذاتِ البين، فإن فساد ذاتِ البين هي الحالقة".
(السنن ٤/٦٦٣ ح ٢٥٠٩- ك صفة القيامة) وقال: هذا حديث صحيح، ويروى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين. وأخرجه الإمام أحمد في المسند (٦/٤٤٤، ٤٤٥) وابن حبان في صحيحه (الإحسان ٧/٢٧٥ ح ٥٠٧٠) كلاهما من طريق أبي معاوية به.
وعزاه الزيلعى للبزار في مسنده ثم نقل عنه قوله: لا نعلمه يروى بإسناد متصل أحسن من هذا، وإسناده صحيح (نصب الراية ٤/٣٥٥)، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر والسيوطى (فيض القدير شرح الجامع الصغير ٣/١٠٦)، وصححه الألبانى في (صحيح سنن الترمذى رقم ٢٠٣٧).
قوله تعالى (ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيماً) أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن مقاتل بن حيان (ومن يفعل ذلك) تصدق أو أقرض أو أصلح بين الناس (ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيماً)
قوله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين)
انظر حديث الترمذي عن قتادة بن النعمان المتقدم عند الآية (١٠٥) من السورة نفسها.
قوله تعالى (نوله ما تولى)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد قوله (نوله ما تولى) قال، من آلهة الباطل.
قوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء) يقول: من يجتنب الكبائر من المسلمين.
قوله تعالى (إن يدعون من دونه إلا إناثا)
قال الضياء المقدسى: أخبرنا أبو طاهر المبارك بن أبي المعالى -بقراءتي عليه بالجانب الغربي من بغداد- قلتُ له: أخبركم هِبة الله بن الحصين -قراءة عليه وأنت تسمع- أنا الحسن بن المذهِب، أنا أبو بكر القطيعى، نا عبد الله بن أحمد، حدثنى هدية بن عبد الوهاب ومحمود بن غيلان، قالا: نا الفضل بن مرسى، أنا حُسين بن واقد، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب (إن يدعون من دونه إلا إناثاً) قال: مع كل صنمٍ جِنِّية.
(المختارة ٣/٣٦٢، ٣٦٣ ح ١١٥٧)، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمود بن غيلان به.
وسنده حسن، وعزاه الهيثمي لأحمد وقال: رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/١٢)، وصحح إسناده، د. عامر حسن صبري في (زوائد المسند ص٣٥١ ح ١٤٤).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (إلا إناثا)، يقول: ميتا.
قوله تعالى (وإن يدعون إلا شيطانا مريدا)
قال الشيخ الشنقيطي: المراد في هذه الآية بدعائهم الشيطان المريد عبادتهم له ونظيره قوله تعالى (ألم أعهد إليكم يابني أدم ألا تعبدوا الشيطان) الآية، وقوله عن خليله إبراهيم مقررا له (يا أبت لا تعبد الشيطان) وقوله عن الملائكة (بل كانوا يعبدون الجن) الآية وقوله: (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم) ولم يبين في هذه الآيات ماوجه عبادتهم للشيطان وإطاعتهم له واتباعهم لتشريعه وإيثاره على ماجاءت به الرسل من عند الله تعالى كقوله (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) وقوله (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) الآية.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (وإن يدعون إلا شيطانا مريدا) قال: تمرد على معاصي الله.
قوله تعالى (وقال لآتخدن من عبادك نصيبا مفروضا. ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خَلقَ الله)
قال الشيخ الشنقيطي: بين هنا فيما ذكر عن الشيطان كيفية اتخاذه لهذا النصيب المفروض بقوله (ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن أذان الأنعام، ولآمرنهم فليغيرن خلق الله)... كما بين كيفية اتخاذه لهذا النصيب المفروض في آيات أخر كقوله (لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) وقوله (أرأيتك هذا الذي كرمت على لأحتنكن ذريته) الآية. ولم يبين هنا هل هذا الظن الذي ظنه لإبليس ببني أدم أنه يتخذ منهم نصيبا مفروضا وأنه يضلهم تحقق لإبليس أولا، ولكنه بين في آية أخرى أن ظنه تحقق له وهي قوله (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه) الآية. ولم يبين هنا الفريق السالم من كونه من نصيب إبليس ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله (لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) وقوله (إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون).
قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي، ثنا إبراهيم بن موسى، أنبا هاشم يعني ابن يوسف عن ابن جريج، أخبرني القاسم بن أبي بزة، عن عكرمة يعنى قوله: (ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم) قال: دين شرعه لهم الشيطان كهيئة البحاير والسوائب.
ورجاله ثقات وإسناده صحيح.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (فليبتكن أذان الأنعام) قال: البتك في البحيرة والسائبة، كانوا يبتكون أذانها لطواغيتهم.
قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: "لعن الله الواشمات والمتوشمات والمتنمِّصات والمتفلِّجات للحُسن، المغيّرات خلق الله. فبلغ ذلك امرأة من بني أسدٍ يقال لها أم يعقوب، فجاءت فقالت: إنه بلغني أنكَ لعنت كيت وكيت،
فقال: وماليَ لا ألعن من لعَنَ رسولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومن هو في كتاب الله، فقالت: لقد قرأتُ ما بين اللوحين، فما وجدت فيه ما تقول. قال: لئن كنتِ قرأتيه لقد وجدتيه، أما قرأتِ (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) قالت: بلى. قال: فإنه قد نهى عنه. قالت: فإني أرى أهلكَ يفعلونه. قال: فاذهبي فانظري، فذهبتْ فنظرت فلم ترَ من حاجتها شيئاًَ. فقال: لو كانت كذلك ما جامعتها".
(الصحيح ٨/٤٩٨ ح ٤٨٨٦ - ك التفسير، ب (وما آتاكم الرسول فخذوه)، وأخرجه مسلم في (صحيحه - ك اللباس والزينة، ب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة... التالى لرقم١٢٠).
انظر حديث عبد الله بن مسعود عند البخاري عند الآية (٨٧-٨٨) من سورة المائدة.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (خلق الله) :دين الله.
قوله تعالى (ومن أصدق من الله قيلاً)
قال البخاري: حدثنا أدم بن أبي إياس حدثنا شعبة أخبرنا عمرو بن مُرّة سمعت مرة الهمدانى يقول: قال عبد الله: إن أحسن الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وشر الأمور محدثاتها، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.
(الصحيح ١٣/٢٦٣ ح ٧٢٧٧ - ك الاعتصام بالكتاب والسنة، ب الاقتداء بسنن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -)، وأخرجه الإمام أحمد (المسند٣/٣١٠) بلفظ: "... فإن أصدق الحديث كتاب الله... ".
وانظر حديث مسلم تحت الآية رقم (١) من سورة القمر.
قوله تعالى (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب) الآية
قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا شيئا من أمانيهم، ولا أماني أهل الكتاب، ولكنه أشار إلى بعض ذلك في مواضع أخر كقوله في أماني العرب الكاذبة (وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين) وقوله عنهم (إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين) ونحو ذلك من الآيات، وقوله في أماني أهل
الكتاب (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم) الآية. وقوله (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه) الآية. ونحو ذلك من الآيات.
قوله تعالى (من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا) قال مسلم: حدثنا قتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة. كلاهما عن ابن عُيينة (واللفظ لقتيبة) حدثنا سفيان عن ابن محيصن، شيخ من قريش، سمع محمد بن قيس بن مخرمة يُحدّث عن أبي هريرة قال: لمّا نزلت (من يعمل سوءاً يُجز به) بلغتْ من المسلمين مبلغاً شديداً فقال رسولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "قاربوا وسدّدوا. ففي كلّ ما يصاب به المسلم كفارة. حتى النكبة ينكبها، أو الشوكة يُشاكها".
قال مسلم: هو عمر بن عبد الرحمن بن محيصن، من أهل مكة.
(الصحيح ٤/١٩٩٣ ح ٢٥٧٤ - ك البر والصلة والآداب، ب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض)
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن محمد بن عبد الله ابن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه قال: سمعت سعيدَ بن يسار أبا الحباب يقول: سمعت أبا هريرة يقول، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من يرد الله به خيراً يصب منه".
(الصحيح ١٠/١٠٨ ح ٥٦٤٥ - ك المرضى، ب ما جاء في كفارة المرض... ).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: من يشرك يجز به، وهو "السوء"، ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا، إلا أن يتوب قبل فيتوب الله عليه.
قوله تعالى (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو انثى وهو مؤمن)
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن السدي قوله (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن)، قال: أبي أن يقبل الإيمان إلا بالعمل الصالح، وأبى أن يقبل الإسلام إلا بالإحسان.
قوله تعالى (ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن)
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية قوله: (ممن أسلم وجهه لله وهو محسن) يقول: من أخلص لله.
وانظر سورة البقرة آية (١٣٥) لبيان كلمة: حنيفاً.
قوله تعالى (واتخذ الله إبراهيم خليلاً)
قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا أبو معاوية ووكيع. ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم. أخبرنا جرير. ح وحدثنا ابن أبي عمر. حدثنا سفيان. كلهم عن الأعمش. ح وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير وأبو سعيد الأشج (واللفظ لهما) قالا: حدثنا وكيع. حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ألا إني أبرأ إلى كل خِلَّ من خله ولو كنت متخذاً خليلاً لاتّخذت أبا بكر خليلاً. إن صاحبكم خليل الله".
(الصحيح ٤/١٨٥٦ - فضائل الصحابة، ب من فضائل أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -).
قوله تعالى (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتى لاتؤتونهن ماكتب لهن وترغبون أن تنكحوهن)
قال البخاري: حدثنا عُبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن -إلا قوله- وترغبون أن تنكحوهن) قالت عائشة: هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها فأشركته في ماله حتى في العذق. فيرغب أن ينكحها ويكره أن يُزوجها رجلاً فيشركه في ماله بما شرِكته فيعضلها، فنزلت هذه الآية.
(الصحيح ٨/١١٤ ح ٤٦٠٠- ك التفسير، سورة النساء ب الآية).
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء) الآية. لم يبين هنا هذا الذي يتلى عليهم في الكتاب ماهو، ولكنه بينه في أول السورة وهو قوله تعالى (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء) الآية.
قال مسلم: حدثي أبو الطاهر، أحمد بن عمرو بن سرح وحرملة بن يحيى التجيبي (قال أبو الطاهر: حدثنا. وقال حرملة: أخبرنا) ابن وهب. أخبرني يونس عن ابن شهاب. أخبرنى عروة بن الزبير؛ أنه سأل عائشة عن قول الله: (وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) (النساء: ٣). قالت: يا ابن أختي! هي اليتيمة تكون في حجر وليها تُشاركه في ماله فيُعجبه مالها وجمالها. فيُريد وليها أن يتزوجها بغير أن يُقسط في صداقها. فيعطيها مثل ما يُعطيها غيره. فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يُقسطوا لهن. ويبلغوا بهن أعلى سُنتهن من الصداق. وأمرو أن ينكحوا من طاب لهم من النساء، سواهن قال عروة: قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد هذه الآية، فيهن. فأنزل الله عز وجل: (يستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن ما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتى لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن) قالت: والذي ذكر الله تعالى؛ أنه يُتلى عليكم في الكتاب، الآية الأولى التي قال الله فيها: (وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء) (النساء: ٣) قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: (وترغبون أن تنكحوهن)، رغبة أحدكم عن اليتيمة التي تكون في حجره، حين تكون قليلة المال والجمال. فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط. من أجل رغبتهم عنهن.
(الصحيح ٤/٢٣١٣ ح ٣٠١٨ - ك التفسير).
انظر حديث البخاري عن عائشة عند الآية (٣) من السورة نفسها.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله (في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ماكتب لهن وترغبون أن تنكحوهن) فكان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقى عليها ثوبه، فإذا فعل بها ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبداً، فإن كانت جميلة وهويها تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجل أبداً حتى تموت، فإذا ماتت ورثها فحرم الله ذلك ونهى عنه.
قوله تعالى (والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قوله (والمستضعفين من الولدان) فكانوا في الجاهية لايورثون الصغار ولا البنات، فذلك قوله: (لا تؤتونهن ما كتب لهن) فنهى الله عن ذلك وبين لكل ذي سهم سهمه، فقال: (للذكر مثل حظ الأنثيين) صغيرا كان أو كبيرا.
قال الشيخ الشنقيطي: القسط العدل، ولم يبين هنا هذا القسط الذي أمر به لليتامى، ولكنه أشار له في مواضع أخر كقوله (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) وقوله (قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح) وقوله (فأما اليتيم فلا تقهر) وقوله (وآتى المال على حبه ذوي القربي واليتامى) الآية. ونحو ذلك من الآيات فكل ذلك فيه القيام بالقسط لليتامى.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الصحيح عن شيبان عن قتادة يعنى قوله (فإن الله كان به عليما) قال: محفوظ ذلك عند الله، عالم به شاكر له...
قوله تعالى (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا)
قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا عبدة بن سليمان. حدثنا هشام عن أبيه، عن عائشه: (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً) الآية. قالت: أنزلت في المرأة تكون عند الرجل. فتطول صُحبتها. فيُريد طلاقها فتقول: لا تطلّقني، وأمسكني، وأنت في حل منّي. فنزلت هذه الآية.
(الصحيح ٤/٢٣١٦ ح ٣٠٢١ - ك التفسير)، (وصحيح البخاري ٨/١١٤ح ٤٦٠١ - ك التفسير سورة النساء بنحوه).
قال الترمذى: حدثنا محمد بن المثنى. حدثنا أبو داود. حدثنا سليمان بن معاذ عن سِماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: خشيتْ سودة أن يُطلقها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالت: لا تطلقني وأمسكني، واجعل يومى لعائشة ففعل فنزلت (فلا جناح عليها أن يصلحا بينهما صُلحاً والصلح خير) فما اصطلحا عليه من شىء فهو جائز. كأنه من قول ابن عباس.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. (السنن ٥/٢٤٩ ح /٣٠٤٠ وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي). وفيه سماك بن حرب وروايته عن عكرمة فيها اضطراب ولا يضر لأنه ثبت عن عائشة فيما أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/١٨٦) وانظر (الفتح ٩/٣١٣).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (نشوزا) البغض.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: فتلك المرأة تكون عند الرجل، لايرى منها ما يحب وله امرأة غيرها أحب اليه منها، فيؤثرها عليها. فأمره الله إذا كان ذلك ما تقول لها: "ياهذه إن شئت أن تقيمي على ما ترين من الأثرة، فأواسيك وأنافق عليك، فأقيمي وإن كرهت خليت سبيلك"، فإن هي رضيت أن تقيم بعد أن يخيرها فلا جناح عليه، وهو قوله: "والصلح خير"، وهو التخيير.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الشح: هواه في الشيء يحرص عليه.
قوله تعالى (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم)
قال الشيخ الشنقيطي: هذا العدل الذي ذكر تعالى هنا أنه لا يستطاع هو العدل في المحبة، والميل الطبيعى؛ لأنه ليس تحت قدرة البشر بخلاف العدل في الحقوق الشرعية فإنه مستطاع، وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: لا تستطيع أن تعدل بالشهوة بينهن ولو حرصت.
وقال أيضاً في تفسير هذه الآية الكريمة:
اخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يعني: في الحب والجماع.
قوله تعالى (فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة)
قال أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا همام، ثنا قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل".
(السنن ٢/٢٤٢ ح ٢١٣٣- ك النكاح، ب في القسم بين النساء). وأخرجه الترمذي في (سننه ٣/٤٣٨ ح ١١٤١ - ك النكاح، ب ما جاء في التسوية بين الضرائر). والنسائى في (سننه ٧/٦٣ - ك عشرة النساء، ب ميل الرجل إلى بعض نسائه). وابن ماجه في (سننه ١/٦٣٣ ح ١٩٦٩ - ك النكاح، ب القسمة بين النساء). والحاكم في (المستدرك ٢/١٨٦ - ك النكاح من طرق عن همام به نحوه). قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي. ونقل ابن حجر عن ابن دقيق العيد قوله: إسناده على شرط الشيخين ونقل عن عبد الحق قوله: خبر ثابت (التلخيص الحبير ٣/٢٠١) وقد أعله بعضهم بأن هماماً تفرد برفعه، وأن هشاماً الدستوائى قال فيه: كان يقال. لكن قال الترمذي: لا يعرف هذا الحديث مرفوعاً إلا من حديث همام وهمام ثقة حافظ. وتعقبه ابن الملقن فقال: هو ثقة احتج به الشيخان وباقي الكتب السته فلا يضره ذلك (خلاصة البدر المنير ٢/٢١٣) وقال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات (الدراية ٢/٦٦)، وصححه السيوطي (الجامع الصغير ١/٤٣٠ ح ٨٢٦). وقال الألباني في جواب هذه العلة: وهذه العلة غير قادحة ولذلك تتابع العلماء على تصحيحه (إرواء الغليل ٧/٨١).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله (فتذروها كالمعلقة) تذروها لا هي أيم، ولا هي ذات زوج.
قوله تعالى (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته)
قال الشيخ الشنقيطي: ذكر في هذه الآية الكريمة أن الزوجين إذا افترقا أغنى الله كلا منهما من سعته وفضله الواسع، وربط بين الأمرين بأن جعل أحدهما
شرطا والآخر جزاء. وقد ذكر أيضاً أن النكاح سبب للغنى بقوله (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله).
أخرج آدم بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله: (وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته) قال الطلاق.
قوله تعالى (إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديراً)
قال الشيخ الشنقيطي: ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه إن شاء أذهب الناس الموجودين وقت نزولها، وأتى بغيرهم بدلا منهم، وأقام الدليل على ذلك في موضع آخر، وذلك الدليل هو أنه أذهب من كان قبلهم وجاء بهم بدلا منهم وهو قوله تعالى (إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين). وذكر في موضع آخر: أنهم إن تولوا أبدل غيرهم وأن هؤلاء المبدلين لا يكونون مثل المبدل منهم بل يكونون خيرا منهم، وهو قوله تعالى (وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم). وذكر في موضع آخر: أن ذلك هين عليه غير صعب وهو قوله تعالى (إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز) أي: ليس بممتنع ولا صعب.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة في قوله: (إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا)، قادر والله ربنا على ذلك: أن يهلك من يشاء من خلقه، ويأتى بآخرين من بعدهم.
قوله تعالى (من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعاً بصيراً)
انظر سورة الإسراء آية (١٨) وفيها تقييد هذا الاطلاق في قوله تعالى (عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد).
قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الولدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا)
انظر حديث مسلم عن زيد بن خالد المتقدم في سورة البقرة آية (٢٨٢).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين) أمر الله المؤمنين أن يقولوا الحق ولو على أنفسهم أو آبائهم ولايحابوا غنيا لغناه، ولا يرحموا مسكينا لمسكنته، وذلك قوله: (إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا)، فتذروا الحق، فتجوروا.
أخرج الطبري بنسده الحسن عن قتادة: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله) الآية، هذا في الشهادة. فأقم الشهادة، يا ابن أدم، ولو على نفسك، أو الوالدين، أو على ذوى قرابتك أو أشراف قومك، فإنما الشهادة لله وليست للناس، وإن الله رضي العدل بنفسه، والإقساط والعدل ميزان الله في الأرض، به يرد الله من الشديد على الضعيف، ومن الكاذب على الصادق، ومن المبطل على المحق. وبالعدل يصدق الصادق، ويكذب الكاذب، ويرد المعتدي ويوبخه، تعالى ربنا وتبارك وبالعدل يصلح الناس يا ابن آدم (إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما) يقول: أولى بغنيكم وفقيركم.
قوله تعالى (إن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (وإن تلووا أو تعرضوا) إن تلووا بألسنتكم بالشهادة أو تعرضوا عنها.
قوله تعالى (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا) وهم اليهود والنصارى. آمنت اليهود بالتوراة ثم كفرت، وأمنت النصارى بالإنجيل ثم كفرت. وكفرهم به: تركهم إياه ثم ازدادوا كفرا بالفرقان وبمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال الله: (لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا)، يقول: لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريق هدى، وقد كفروا بكتاب الله وبرسوله محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قوله تعالى (بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما)
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية قوله: (عذابا أليما) قال: الأليم الموجع في القرآن كله.
قوله تعالى (الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين)
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله (الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين) قال: نهى الله تعالى المؤمنين أن يلاطفوا الكفار ويتخذوهم وليجة من دون المؤمنين إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين فيظهرون لهم ويخالفونهم في الدين.
قوله تعالى (أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً)
قال الشيخ الشنقيطي: ذكر في هذه الآية الكريمة أن جميع العزة له جل وعلى وبين في موضع آخر: أن العزة التي هي له وحده أعز بها رسوله والمؤمنين، وهو قوله تعالى (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) أي وذلك بإعزاز الله لهم. والعزة: الغلبة، ومنه قوله تعالى (وعزني في الخطاب) أي: غلبني في الخصام.
قوله تعالى (وقد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم)
قال الشيخ الشنقيطي: هذا المنزل الذي أحال عليه هنا هو المذكور في سورة الأنعام في قوله تعالى (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره) وقوله هنا (فلا تقعدوا معهم) لم يبين فيه حكم ما إذا نسوا النهي حتى قعدوا معهم، ولكنه بينه في سورة الأنعام بقوله (وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قوله تعالى (أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها)، وقوله (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) وقوله (وأقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) ونحو هذا من القرآن، قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم، أنما هلك من كان قبلكم بالمراء والخصومات في دين الله.
قوله تعالى (الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً)
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن قتادة يعني قوله: (الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم) قال: هم المنافقون.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن السدي قوله (وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم) يقول: نغلب عليكم.
قال الضياء: أخبرنا أبو الحسن على بن حمزة بن علي بن طلحة البغدادي -بالقاهرة- أن هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين الشيباني أخبرهم -قراءة عليه- أنا أبو طالب محمد بن محمد بن ابراهيم بن غيلان، أنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، ثنا إسحاق بن الحسن الحربي، ثنا أبو حذيفة، ثنا سفيان -يعني عن الأعمش- عن ذرّ، عن يسيع، قال: جاء رجل إلى على قال: يقول الله تبارك وتعالى (فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً) وهؤلاء المؤمنون يُقتلون؟! فقال علي: ادنه (فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً).
(التفسير ص ٩٨، ورجاله ثقات. وسنده صحيح)، وأخرجه الحاكم (المستدرك ٢/٣٠٩) والضياء المقدسي (المختارة ٢/٤٠٦-٤٠٧ ح ٧٩٣) كلاهما من طريق الثوري به وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن السدي قوله: (سبيلا) قال: حجة.
قوله تعالى (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم)
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن السدي قوله: (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم) قال: يعطيهم يوم القيامة نورا يمشون به مع المسلمين كما كانوا معهم في الدنيا، ثم يسلبهم ذلك النور فيطفيه، فيقومون في ظلمتهم ويضرب بينهم بالسور.
وأخرجه بسند صحيح عن الحسن البصري بنحوه وأطول.
انظر تفسير سورة البقرة آية (٩).
قوله تعالى (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا)
قال الشيخ الشنقيطي: بين في هذه الآية الكريمة صفة صلاة المنافقين بأنهم يقومون إليها في كسل ورياء، ولا يذكرون الله فيها إلا قليلا، ونظيرها في ذمهم على التهاون بالصلاة قوله تعالى (ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى) الآية.
وقوله (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) الآية. ويفهم من مفهوم مخالفة هذه الآيات أن صلاة المؤمنين المخلصين ليست كذلك، وهذا المفهوم صرح به تعالى في آيات كثيرة كقوله (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون) وقوله (والذين هم على صلاتهم يحافظون).
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة في قوله: (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس) قال: هم المنافقون، لولا الرياء ما صلوا.
أخرج ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سنان، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن أبي الأشهب عن الحسن: (لا يذكرون الله إلا قليلا) قال: إنما قل لأنه كان لغير الله.
ورجاله ثقات وإسناده صحيح.
قال البخاري: حدثنا عمر بن حفص قال حدثنا أبي قال حدثنا الأعمش قال حدثني أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء. ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا. لقد هممتُ أن آمر المؤذن فيُقيم، ثم آمر رجلا يؤمّ الناس، ثم آخذ شُعلا من نار فأحرق على من لا يخرج إلى الصلاة بعد.
(الصحيح ٢/١٦٥ح ٦٥٧- ك الأذان، ب فضل العشاء في جماعه).
قال مسلم: وحدثنا يحيى بن أيوب ومحمد بن الصباح وقتيبة وابن حُجر.
قالوا: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن؛ أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة. حين انصرف من الظهر. وداره بجنب المسجد.
فلما دخلنا عليه قال: أصليتم العصر؟ فقلنا له: إنما انصرفنا الساعة من الظهر.
قال: فصلّوا العصر فقمنا فصلينا. فلما انصرفنا قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول قال: "تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقرها أربعاً. لا يذكر الله فيها إلا قليلا".
(الصحيح ١/٤٣٤، ح ٦٢٢ - ك المساجد ومواضع الصلاة، ب استحباب التكبير بالعصر).
قوله تعالى (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء)
قال مسلم: حدثني محمد بن عبد الله بن نمير. حدثنا أبي. ح وحدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة. حدثنا أبو أسامة. قالا: حدثنا عبيد الله. ح وحدثنا محمد بن المثنى (واللفظ له) أخبرنا عبد الوهاب (يعني الثقفى). حدثنا عُبيد الله عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين. تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة".
(الصحيح ٤/٢١٤٦ ح ٢٧٨٤ - ك صفات المنافقين وأحكامهم).
أخرج أدم بسنده الصحيح عن مجاهد (مذبذبين) قال: المنافقون لا مع المؤمنين ولا مع اليهود.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هولاء) يقول: ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرحين بالشرك.
انظر تفسير سورة البقرة آية (٨).
قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين)
قال ابن كثير: ينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المومنين، يعني مصاحبتهم ومصادقتهم، ومناصحتهم وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم، كما قال تعالى (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه).
وانظر تفسير سورة آل عمران آية (٢٨).
قوله تعالى (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله واخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين)
قال الشيخ الشنقيطي: ذكر في هذه الآية الكريمة أن المنافقين في أسفل طبقات النار عياذا بالله تعالى. وذكر في موضع آخر أن آل فرعون يوم القيامة يؤمر بإدخالهم أشد العذاب، وهو قوله (ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب). وذكر في موضع آخر أنه يعذب من كفر من أصحاب المائدة عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين وهو قوله تعالى (قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين) فهذه الآيات تبين أن أشد أهل النار عذابا المنافقون وآل فرعون ومن كفر من أصحاب المائدة.
قال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع عن سفيان عن سلمة عن خيثمة عن عبد الله (إن المنافقين في الدرك الاسفل من النار) قال: في توابيت مبهمة عليهم.
(المصنف ١٣/١٥٤ ح ١٥٩ ٧٢) ورجاله ثقات وإسناده صحيح، وسلمة هو ابن كهيل، وخيثمة هو ابن عبد الرحمن الجعفي الكوفي، وعبد الله هو ابن مسعود).
قال ابن أبي حاتم: حدثنا المنذر بن شاذان، ثنا عبيد الله بن موسى، أنبا إسرائيل، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) قال: الدرك الاسفل بيوت لها أبواب تطبق عليها فيوقد من تحتهم ومن فوقهم.
وسنده حسن وعاصم هو ابن بهدلة، وأبو صالح هو ذكوان السمان.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: في الدرك الأسفل من النار: يعنى في أسفل النار.
قال البخاري: حدثنا عمر بن حفص حدثنا أبي حدثني الأعمش قال: حدثني إبراهيم عن الأسود قال: "كنا في حلقة عبد الله، فجاء حذيفة حتى قام علينا فسلم ثم قال: لقد أنزل النفاق على قوم خير منكم. قال الأسود: سبحان الله،
إن الله يقول (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار). فتبسم عبد الله، وجلس حذيفة في ناحية المسجد، فقام عبد الله، فتفرق أصحابه، فرماني بالحصا فأتيته، فقال حذيفة: عجبت من ضحكه، وقد عرف ما قلت: لقد أنزل النفاق على قوم خير منكم ثم تابوا، فتاب الله عليهم.
(الصحيح ح ٤٦٠٢ - التفسير، سورة النساء).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الصحيح عن شيبان عن قتادة (وأصلحوا) قال: أصلحوا ما بينهم وبين الله ورسوله.
قوله تعالى (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما) قال: إن الله جل ثناؤه لا يعذب شاكراً ولا مؤمناً.
قوله تعالى (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: لا يحب الله أن يدعوَ أحد على أحد، إلا أن يكون مظلوما، فإنه قد أرخص له أن يدعوَ على من ظلمه، وذلك قوله: (إلا من ظلم)، وإن صبر فهو خير له.
قوله تعالى (إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفواً قديراً)
قال مسلم: حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حُجر. قالوا: حدثنا إسماعيل وهو ابن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "ما نقصت صدقة من مال ومازاد الله عبداً بعفو إلا عزاً. وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله".
(الصحيح ٤/٢٠٠١ ح ٢٥٨٨ - ك البر والصلة، ب استحباب العفو والتواضع).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن ابن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: أخبر الله عباده بحكمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته فمن أذنب ذنبا صغيرا أو كبيرا ثم استغفر الله يجد الله غفورا رحيما ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال.
قوله تعالى (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا)
انظر حديث أبي أمامة: "كم كانت الرسل؟ " عند الحاكم المتقدم تحت الآية (٣١) من سورة البقرة.
أخرج الطبري بسنده عن قتادة قوله: (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن لبعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا)، أولئك أعداء الله اليهود والنصارى. أمنت اليهود بالتوراة وموسى، وكفروا بالإنجيل وعيسى. وأمنت النصارى بالإنجيل وعيسى، وكفروا بالقرأن وبمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فاتخذوا اليهودية والنصرانية، وهما بدعتان وليستا من الله، وتركوا الإسلام وهو دين الله الذي بعث به رسله.
قوله تعالى (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء)، أي كتاباً، خاصة.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، ثنا صفوان بن صالح، ثنا الوليد، أخبرني سعيد عن قتادة في قوله: (جهرة) أي: عياناً.
ورجاله ثقات وإسناده صحيح.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن قتادة في قوله: (فأخذتهم الصاعقة) قال: أخذتهم الصاعقة أي: ماتوا.
قوله تعالى (ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك) قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا سبب عفوه عنهم ذنب اتخاذ العجل إلها ولكنه بينه في سورة البقرة بقوله (فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية: إنما سمى العجل لأنهم عجلوا فاتخذوه قبل أن يأتيهم موسى.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن مجاهد: قوله (العجل) حسيل البقرة.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية: قوله (عفونا) يعني: من بعد ما اتخذوا العجل.
قوله تعالى (ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجداً) انظر حديث البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - المتقدم تحت الآية (٥٨) من سورة البقرة.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين في قوله: (ورفعنا فوقهم الطور) قال: رفعته الملائكة.
وسنده حسن.
قوله تعالى (وقلنا لا تعدوا في السبت) الآية
قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا هل امتثلوا هذا الأمر، فتركوا العدوان في السبت أولا، ولكنه بين في مواضع أخر أنهم لم يمتثلوا وأنهم اعتدوا في السبت كقوله تعالى (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت) الآية. وقوله (واسألهم عن القرية التى كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت) الآية.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن قتادة: (وقلنا لا تعدوا في السبت) أمر القوم أن لا يأكلوا الحيتان يوم السبت ولا يعرضوا وأحلت لهم ماخلا ذلك.
قوله تعالى (فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة في قوله: (فبما نقضهم ميثاقهم) يقول: فبنقضهم ميثاقهم لعناهم (وقولهم قلوبنا غلف)، أي لا نفقه، (بل طبع الله عليها بكفرهم)، ولعنهم حين فعلوا ذلك. (فلا يؤمنون إلا قليلا) لما ترك القوم أمر الله، وقتلوا رسله، وكفروا بآياته، ونقضوا الميثاق الذي أخذ عليهم، طبع الله عليها بكفرهم ولعنهم.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (قلوبنا غلف) قال: في غطاء.
انظر تفسير سورة البقرة آية (٨٨).
قوله تعالى (وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما)
قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا هذا البهتان العظيم الذي قالوه على الصديقة مريم العذراء، ولكنه أشار في موضع أخر إلى أنه رميهم لها بالفاحشة، وأنها جاءت بولد لغير رشدة في زعمهم الباطل -لعنهم الله- وذلك في قوله (فأتت به قومها تحمله قالوا يامريم لقد جئت شيئا فريا) يعنون ارتكاب الفاحشة (يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (وقولهم على مريم بهتانا عظيما) يعني: رموها بالزنا.
قوله تعالى: (قولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وماصلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه مالهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا. بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطى، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جيبر، عن ابن عباس قال: لما أراد الله تعالى أن يرفع عيسى إلى السماء، خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر
رجلا من الحواريين، يعني فخرج عيسى من عين في البيت ورأسه يقطر ماء، فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي، فقام شاب من أحدثهم سنا فقال له اجلس ثم أعاد عليهم فقام الشاب، فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم فقام الشاب، فقال: أنت هو ذاك فألقي عليه شبه عيسى ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق.
فقالت فرقة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء، فهؤلاء اليعقوبية.
وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ما شاء الله ثم رفعه إليه، فهؤلاء النسطورية.
وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه وهؤلاء المسلمون. فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قال ابن كثير: هذا إسناد صحيح.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله (إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وماصلبوه) إلى قوله (وكان الله عزيزا حكيماً) أولئك أعداء الله اليهود ائتمروا بقتل عيسى ابن مريم رسول الله، وزعموا أنهم قتلوه وصلبوه.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يعني لم يقتلوه ظنهم يقينا.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن مجاهد قوله: (بل رفعه الله إليه) رفع الله إليه عيسى حيا.
قوله تعالى (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً)
قال البخاري: حدثنا إسحاق أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب أن سعيد بن المسيب سمع أبا هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويضع الحرب، ويفيض المالُ حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها". ثم يقول أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته، ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً).
(الصحيح ٦/٥٦٦ ح ٣٤٤٨ - ك أحاديث الأنبياء، ب نزول عيسى بن مريم عليهما السلام).
قال مسلم: حدثنا أبو خيثمة، زهير بن حرب. حدثنا الوليد بن مسلم.
حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. حدثني يحيى بن جابر الطائى، قاضى حمص حدثني عبد الرحمن بن جُبر عن أبيه، جبير بن نفير الحضرمي، أنه سمع النوّاس بن سمعان الكلابى. ح وحدثني محمد بن مهران الرازي -واللفظ له- حدثنا الوليد ابن مسلم. حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن يحيى بن جابر الطائي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، جبير بن نفير، عن النوّاس بن سمعان، قال: ذكر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الدجال ذات غداة. فخفّض فيه ورفّع. حتى ظنناه في طائفة النخل. فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا. فقال: "ما شأنكم؟. قلنا: يا رسول الله! ذكرتَ الدجال غداة. فخفّضتَ فيه ورفّعت. حتى ظنناه في طائفة النخل. فقال: "غير الدجال أخوفني عليكم. إن يخرج، وأنا فيكم، فأنا حجيجه دونكم. وإن يخرج، ولستُ فيكم، فامرؤ حجيج نفسه.
والله خليفتيَ علي كل مسلم. إنه شاب قطط. عينه طافئة. كأني أشبّهه بعبد العزى بن قطن. فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف. إنه خارج
خلّة بين الشام والعراق. فعاث يميناً وعاث شمالاً. يا عباد الله! فاثبتوا.
قلنا: يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعون يوماً يوم كسنة ويوم كشهر. ويوم كجمعة. وسائر أيامه كأيامكم. قلنا: يا رسول الله! فذلك اليوم الذي كسنةٍ، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا. اقدروا له قدره. قلنا: يا رسول الله! وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح. فيأتي على القوم فيدعوهم، فيؤمنون به ويستجيبون له. فيأمر السماء فتمطر. والأرض فتنبت، فنزوحُ عليهم سارحتهم، أطول ما كانت ذراً، وأسبغه ضُروعاً، وأمدّه خواصر. ثم يأتي القوم. فيدعوهم فيردون عليه قوله. فينصرف عنهم.
فيُصبحون ممحِلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك. فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل. ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً.
فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض ثم يدعوه فيُقبل ويتَهَلل وجهه.
يضحك. فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم. فينزل عند المنارة البيضاء شرقى دمشق. بين مهرودتين. واضعاً كفّيه على أجنحة ملكين. إذا طأطأ رأسه قطر. وإذا رفعه تحدر منه جُمان كاللولؤ. فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات. ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه. فيطلبه حتى يُدركه بباب لدّ.
فيقتله. ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه. فيمسح عن وجوههم ويُحدثهم بدرجاتهم في الجنة. فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عباداً لي، لايدان لأحد بقتالهم، فحرزّ عبادي إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ومأجوج. وهم من كل حدب ينسلون. فيمرّ أوائلهم على بُحيرة طبرية.
فيشربون ما فيها. ويمرّ آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه، مرة، ماء. ويُحصر نبي الله عيسى وأصحابه. حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم. فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه. فيُرسل الله عليهم النغف في رقابهم. فيُصبحون فرسى كموت نفس واحدة. ثم يهبط نبي الله عيسى
وأصحابه إلى الأرض. فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم.
فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله. فيُرسل الله طيراً كأعناق البُخت.
فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله. ثم يُرسل الله مطراً لا يكن منه بيت مدر ولا وبر. فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة. ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، ورُدّي بركتك. فيومئذ تأكل العصابة من الرمّانة. ويستظلون بقحفها. ويُبارك في الرسل. حتى أن اللقحة من الابل لتكفي الفئام من الناس. واللقحة من البقر لتكفى القبيلة من الناس. واللقحة من الغنم لتكفى الفخذ من الناس. فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيبة. فتأخذهم تحت آباطهم. فتقبض رُوح كل مؤمن وكل مسلم. ويبقى شرار الناس، يتهارجون فيها تهارج الحُمر، فعليهم تقوم الساعة.
(الصحيح ٤/٢٢٥٠ ح ٢٩٣٧- ك الفتن وأشراط الساعة، ب ذكر الدجال وصفته وما معه).
قال مسلم: وحدثنا سعيد بن منصور وعمرو الناقد وزهير بن حرب. جميعاً عن ابن عيينة. قال سعيد: حدثنا سفيان بن عيينة. حدثني الزهري عن حنظلة الأسلمي. قال: سمعت أبا هريرة - رضي الله عنه - يُحدّث عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "والذي نفسي بيده! ليهلن ابن مريم بفجّ الروحاء، حاجاً أو معتمراًَ أو ليثنينهما".
(الصحيح ٢/٩١٥ ح ١٢٥٢ - ك الحج، ب إهلال النبي ﷺ وهديه).
قال الترمذي: حدثنا قتيبة. حدثنا الليث عن ابن شهاب أنه سمع عُبيد الله بن عبد الله بن ثعلبة الأنصاري يحدّث عن عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري من بني عمرو بن عوف يقول: سمعت عمي مجمع بن جارية الأنصاري يقول: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: "يقتل ابن مريم الدجال بباب لد".
(السنن ٤/٥١٥ ح ٢٢٤٤- ك الفتن، ب ما جاء في قتل عيسى بن مريم الدجال). قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وأخرجه أحمد في (المسند ٣/٤٢٠) من طريق: ابن عيينة، عن الزهري به).
قال ابن ماجة: حدثنا محمد بن بشار. ثنا يزيد بن هارون. ثنا العوّام بن حوشب. حدثني جبلة بن سُحيم عن مؤثر بن عفازة، عن عبد الله بن مسعود، قال: لمّا كان ليلة أُسرِيَ برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لقي إبراهيم وموسى وعيسى.
فتذاكروا الساعة. فبدأوا بإبراهيم. فسألوه عنها. فلم يكن عنده منها علم. ثم سألوا موسى. فلم يكن عنده منها علم. فرُدّ الحديث إلى عيسى بن مريم. فقال: قد عُهد إلى فيما دون وجبتها. فأما وجبتها فلا يعلمها إلا الله. فذكر خروج الدجال. قال: أنزل فأقتله. فرجع الناس إلى بلادهم. فيستقبلهم يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون. فلا يمرون بماء إلا شربوه. ولا بشىء إلا أفسدوه. فيجأرون إلى الله. فأدعو الله أن يُميتهم. فتنتن الأرض من ريحهم.
فيجأرون إلى الله. فأدعو الله. فيرسل السماء بالماء. فيحملهم فيلقيهم في البحر.
ثم تنسف الجبال وتمد الأرض مد الأديم. فعُهد إليّ: متى كان ذلك، كانت الساعة من الناس. كالحامل التي لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها.
قال العوام: ووُجد تصديق ذلك في كتاب الله تعالى (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون).
(السنن ٢/١٣٦٥ ح ٤٠٨١ - ك الفتن، ب فتنة الدجال وخروج عيسى بن مريم وخروج يأجوج ومأجوج). وأخرجه أحمد في (المسند رقم ٣٥٥٦) من طريق هشيم عن العوام به. وقال محققه: صحيح، وأخرجه أحمد في (المسند رقم ٤/٤٨٨، ٤٨٩- ك الفتن والملاحم) من طريق: سعيد بن مسعود، عن يزيد بن هارون به. وقال: صحيح الأسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وفى (زوائد ابن ماجة للبوصيري) قال: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.
وانظر حديث مسلم عن أبي سريحة الآتي عند الآية (٨٢) من سورة النمل: "إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات... ".
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا)
يقول: يكون عليهم شهيدا يوم القيامة على أنه بلغ رسالة ربه، وأقر بالعبودية على نفسه.
قوله تعالى (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا. وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما)
قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا ما هذه الطيبات التى حرمها عليهم بسبب ظلمهم ولكنه بينها في سورة الأنعام بقوله (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر، ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ماحملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن مقاتل بن حيان في قوله: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم) كان الله تعالى حرم على أهل التوراة حين أقروا بها أن يأكلوا الربا، ونهاهم أن يبخسوا الناس أشياءهم ونهاهم أن يأكلوا أموال الناس ظلما، فأكلوا الربا وأكلوا أموال الناس ظلما وصدوا عن دين الله وعن الإيمان بمحمد، فلما فعلوا ذلك حرم الله عليهم بعض ماكان أحل لهم في التوراة عقوبة لهم بما استحلوا مما كان نهاهم عنه، فحرم عليهم كل ذى ظفر: البعير والنعامة ونحوهما من الدواب ومن البقر والغنم شحومهما إلا ماحملت ظهورهما من الشحم والحوايا يقال: هذا البقر ويقال هذا البطن غير الثرب وما اختلط بعظم من اللحم، يقول ذلك جزيناهم ببغيهم يقول باستحلالهم ماكان الله حرم عليهم.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله: (وبصدهم عن سبيل الله كثيرا) قال: أنفسهم وغيرهم عن الحق.
قوله تعالى (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك)
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الصحيح عن قتادة قوله: (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك) استثنى الله منهم ثنية من أهل الكتاب فكان منهم من يؤمن بالله وما أنزل عليهم وما أنزل على نبي الله يؤمنون به ويصدقونه ويعلمون أنه الحق من ربهم.
قوله تعالى (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط... )
أخرج الطبري بسنده الحسن عن ابن إسحاق عن ابن عباس قال: قال سكين وعدي بن زيد: يامحمد، مانعلم الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى! فأنزل الله في ذلك من قولهم (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده) إلى آخر الآيات.
وانظر تفسير سورة البقرة آية (١٣٦).
قوله تعالى (ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك) انظر حديث أبي أمامة: "كم كانت الرسل". عند الحاكم المتقدم تحت الآية (٣١) من سورة البقرة.
قوله تعالى (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)
قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا ما هذه الحجة التى كانت تكون للناس عليه لو عذبهم دون إنذارهم على ألسنة الرسل ولكنه بينها في (سورة طه) بقوله (ولو أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى) وأشار لها في سورة القصص بقوله (ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين).
قوله تعالى (لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن ابن إسحاق عن ابن عباس قال: دخل على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جماعة من اليهود، فقال لهم: "إني والله أعلم أنكم لتعلمون أني رسول الله! فقالوا: مانعلم ذلك! فأنزل الله (لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا).
وفي سورة الإسراء آية (١٠٥) بين الله تعالى أنه شهد بالحق على نزول القرآن فقال تعالى (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل).
قوله تعالى (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالاً بعيداً) انظر سورة آل عمران آية (٩٩) لبيان (سبيل الله).
قوله تعالى (يا أيها الناس)
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن ابن إسحاق عن ابن عباس قال: (يا أيها الناس) أي: الفريقين جميعاً من الكافرين والمنافقين.
قوله تعالى (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله..)
قال الشيخ الشنقيطي: هذا الغلو الذي نهوا عنه هو قول غير الحق وهو قول بعضهم إن عيسى ابن الله، وقول بعضهم هو الله، وقول بعضهم هو إله مع الله سبحانه وتعالى عن ذلك كله علوا كبيرا كما بينه قوله تعالى (وقالت النصارى المسيح ابن الله) وقوله (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) وقوله (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) وأشار هنا إلى إبطال هذه المفتريات بقوله (إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم) الآية. وقوله (لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله).
قال البخاري: حدثنا عمر بن حفص حدثنا أبي حدثنا الأعمش حدثنا مسلم عن مسروق قال: قالت عائشة رضي الله عنها: صنع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شيئاً ترخّص فيه وتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فحمِد الله وأثنى عليه. ثم قال: "ما بال أقوام يتنزهون عن الشىء أصنعه؟ فو الله إني أعلمهم بالله وأشدهم له خشية".
(الصحيح ١٣/٢٩٠ ح ٧٣٠١ - ك الاعتصام بالكتاب والسنه، ب ما يكره من التعمق والتنازع والغلو في الدين والبدع لقوله تعالى (الآية).
قال البخاري: حدثنا الحميدى حدثنا سفيان قال سمعت الزهري يقول: أخبرني عُبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس سمع عمر - رضي الله عنه - يقول على المنبر: سمعت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله".
(الصحيح ٦/٥٥١ ح ٣٤٤٥- ك أحاديث الأنبياء، ب قول الله (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها) مريم/١٦).
قوله تعالى (وكلمته ألقاها إلى مريم)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (وكلمته ألقاها إلى مريم) قال: هو قوله (كن) فكان.
قوله تعالى (لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، ثنا إبراهيم بن موسى، أنبا همام بن يوسف، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قوله: (لن يستنكف) قال: لن يستكبر.
وصححه الحافظ ابن حجر (الفتح ٨/٢٣٧).
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً بالله ولا الملائكة المقربون) لن يحتشم المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة.
قوله تعالى (ياأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم) أي: بينة من ربكم (وأنزلنا إليكم نورا مبينا) وهو هذا القرآن.
قال الشيخ الشنقيطي: المراد بهذا النور المبين القرآن العظيم؛ لأنه يزيل ظلمات الجهل والشك كما يزيل النور الحسي ظلمة الليل، وقد أوضح تعالى ذلك بقوله (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا) الآية. وقوله (واتبعوا النور الذي أنزل معه) ونحو ذلك من الآيات.
وانظر تفسير سورة البقرة آية (١١١).
قوله تعالى (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة... )
قال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن أبي إسحاق سمعت البراء - رضي الله عنه - قال: آخر سورة نزلت براءة، وأخر آية نزلت (يستفتونك).
(الصحيح ٨/١١٧ ح ٤٦٠٥- ك التفسير، سورة النساء، ب (الآية).
قال مسلم: حدثنا عمرو بن محمد بن بكير الناقد. حدثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر. سمع جابر بن عبد الله قال: مرضت فأتاني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبو بكر. يعوداني، ماشيان فأُغمي علي. فتوضأ ثم صبّ على من وضوئه.
فأفقت فقلت: يا رسول الله! كيف أقضي في مالي؟ فلم يرُدّ على شيئاً. حتى نزلت آية الميراث: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة).
(الصحيح ٣/١٢٣٤ ح ١٦١٦ -كتاب الفرائض- ب ميراث الكلالة).
قال مسلم: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدّمي ومحمد بن المثنى (واللفظ لابن المثنى) قالا: حدثنا يحيى بن سعيد. حدثنا هشام. حدثنا قتادة عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة؛ أن عمر بن الخطاب خطب يوم جمعة.
فذكر نبي الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وذكر أبا بكر ثم قال: إني لا أدع بعدى شيئاً أهمّ عندي من الكلالة. ما راجعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في شيء ما راجعته في الكلالة. وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه حتى طعن بإصبعه في صدري. وقال: "ياعمر!
ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء؟. وإنى إن أعِش أقضِ فيها
بقضية، يقضي بها من يقرأ القرأن قوله تعالى: (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة) ومن لا يقرأ القرآن.
(الصحيح ٣/١٢٣٦ ح ١٦١٧ - ك الفرائض، باب ميراث الكلالة).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الكلالة من لم يترك ولدا ولا والدا.
قوله تعالى (فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم)
قال الشيخ الشنقيطي: صرح في هذه الآية الكريمة بأن الأختين ترثان الثلثين، والمراد بهما الأختان لغير أم، بأن تكونا شقيقتين أو لأب بإجماع العلماء، ولم يبين هنا ميراث الثلاث من الأخوات فصاعداً، ولكنه أشار في موضع آخر أن الأخوات لا يزدن على الثلثين، ولو بلغ عددهن ما بلغ وهو قوله تعالى في البنات (فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (فللذكر مثل حظ الأنثيين) صغيرا أو كبيرا.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن السدي قوله: (حظ) يقول: نصيب.
السورة التالية
Icon