0:00
0:00

(بسم الله الرّحمن الرّحيم)

سورة النساء «١»
قوله تعالى:
(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ) «٢» الآية (١) :
يدل على تأكيد الأمر في صلة الرحم، والمنع من قطيعتها، وهي اسم
(١) سميت سورة النساء: لأن ما نزل منها في أحكامهن أكثر مما نزل في غيرها.
وفي سبب نزولها روى العوفي عن ابن عباس: نزلت سورة النساء بالمدينة، وكذا روى ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت.
(٢) تساءلون: معناه بعضكم بعضا به مثل: أسألك بالله، وأنشدك الله، والمفاعلة على ظاهرها أو بمعنى تسألون كثيرا.
والأرحام: جمع رحم وهو في الأصل مكان تكون الجنين في بطن أمه، ثم أطلق على القرابة مطلقا.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ) :تكرير للأمر وتذكير ببعض آخر من موجبات الامتثال له، فان سؤال بعضهم بعضا بالله تعالى بأن يقولوا: أسألك بالله، وأنشدك بالله، على سبيل الاستعطاف، يقتضي الاتقاء من مخالفة أوامره ونواهيه، وتعليق الاتقاء بالاسم الجليل لمزيد التأكيد والمبالغة في الحمل على الامتثال بتربية المهابة وإدخال الروعة، ولوقوع التساؤل به لا بغيره من أسمائه تعالى وصفاته.
لكافة الأقارب من غير فرق بين المحرم «١» وغيره، وأبو حنيفة يعتبر الرحم المحرم في منع الرجوع في الهبة، ويجوز الرجوع في حق بني الأعمام، مع أن القطيعة موجودة والقرابة حاصلة، ولذلك تعلق بها الإرث والولاية وغيرهما من الأحكام، فاعتبار المحرم زيادة على نص الكتاب من غير مستند، وهم يرون ذلك نسخا، سيما وفيه إشارة إلى التعليل بالقطيعة، وقد جوزها في حق بني الأعمام وبني الأخوال والخالات.
قوله تعالى: (وَآتُوا «٢» الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) الآية (٢) :
روى عن الحسن أنه قال: لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم، فجعل ولي اليتيم يعزل مال اليتيم عن ماله، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى:
(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ) «٣».
وإنما قال الحسن ذلك لأنه تعالى قال:
(وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) إلى قوله (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى)
(١) يقول القرطبي:
«اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة وأن قطيعتها محرمة، وقد صح أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لأسماء وقد سألته- أأصل أمي- نعم صلي أمك»، فأمرها بصلتها وهي كافرة.
فلتأكيدها دخل الفضل في صلة الكافر.
(٢) وإيتاء اليتامى أموالهم كما يقول القرطبي- يكون بوجهين:
أحدهما: اجراء الطعام والكسوة ما دامت الولاية، إذ لا يمكن الا ذلك لمن لا يستحق الأخذ الكلي والاستبدد كالصغير والسفيه الكبير.
الثاني: الإيتاء بالتمكن واسلام الملل اليه، وذلك عند الابتلاء والإرشاد.
(٣) سورة البقرة آية ٢٢٠.
(أَمْوالِكُمْ)، وكل ذلك بعد البلوغ لا يتقرر، والمعنى بقوله:
(وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ)، أي أموالهم للأكل والشرب واللباس والثياب والمفارش والمساكن، فلما نزل ذلك، عزل أولياء اليتامى طعامهم من طعام اليتامى، وملابسهم من ملابس اليتامى، فجعل يفضل له من طعامه، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلم، فنزل قوله تعالى:
(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ) الآية.
ويجوز أن يكون قول الله تعالى: (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) عنى به البالغ، وسمّي يتيما لقرب عهده بالبلوغ، ولذلك قال: (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ).
والظاهر منه أنهم يؤتون أموالهم إيتاء لا بمعنى الإطعام والكسوة، ولكنه بمعنى تسليطه عليه، ونهى الولي عن إمساك ماله بعد البلوغ عنه، ولكن لم يشترط الرشد هاهنا، وشرط إيناس الرشد والابتلاء في قوله:
(وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) «١»، فكان ذلك مطلقا وهذا مقيد.
وذكر الرازي في أحكام القرآن: أنه لما لم يقيّد الرشد في موضع، وقيّد في موضع، وجب استعمالهما والجمع بينهما فأقول:
إذا بلغ خمسا وعشرين سنة وهو سفيه لم يؤنس منه الرشد، وجب دفع المال اليه، وإن كان دون ذلك لم يجب عملا بالآيتين، وهذا في غاية البعد، فإنه تعالى قال:
(١) سورة النساء آية ٦.
(وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ)، وذلك يقتضي اعتياد إيناس الرشد عقيب بلوغ النكاح من غير تطاول المدة.
وقوله تعالى: (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ)، يقتضي مثل ذلك، فإن اسم اليتيم إنما يطلق على قبل البلوغ حقيقة، وعلى قرب العهد بالبلوغ مجازا، فإما أن يقال: إنه يتناول ابن خمس وعشرين سنة فصاعدا إلى مائة، وهو جهل عظيم.
والعجيب أن أبا حنيفة إنما أطلق الحجر، لأنه قال قد بلغ أشده وصار يصلح أن يكون جدا، فإذا صار يصلح أن يكون جدا، فكيف يصح إعطاؤه المال بعلة اليتم، وباسم اليتم، وهل ذلك إلا في غاية البعد «١».
قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا «٢» فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ «٣» لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ «٤» وَرُباعَ) الآية (٣).
واختلفت أقاويل المفسرين في معناه:
(١) انظر روائع البيان ج ١ ص ٤٢٥.
(٢) أي أن لا تعدلوا في النساء.
(٣) أي من طبن لنفوسكم من جهة الجمال أو الحسن أو العقل أو الصلاح منهن.
ومعنى الآية: وأن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا فيهن إذا نكحتموهن، باساءة العشرة أو بنقص الصداق، فانكحوا غيرهن من الغريبات فإنهن كثير ولم يضيق الله عليكم.
فالآية للتحذير من التورط في الجور عليهن والأمر بالاحتياط، وان في غيرهن متسعا الى الأربع.
(٤) ما معنى قوله تعالى: (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) ؟.
اتفق العلماء على أن هذه الكلمات من ألفاظ العدد، وتدل كل واحدة منها على المذكور من نوعها، فمثنى تدل على اثنين اثنين، وثلاث تدل على ثلاثة ثلاثة، ورباع تدل على أربعة أربعة، والمعنى: أنكحوا ما اشتهت نفوسكم من النساء ثنتين ثنتين وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا حسبما تريدون.
انظر: روائع البيان ج ١ ص ٤٢٦- ٤٢٧، ومحاسن التأويل ج ٥ ص ١١٠٩ للقاسمي.
فروى الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة- رضي الله عنها- في قول الله تعالى:
(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) قالت:
يا ابن أختي: هي اليتيمة تكون في حجر وليها، تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن «١».
قال عروة: قالت عائشة- رضي الله عنها-:
وإن الناس استفتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد هذه الآية، فأنزل الله:
(وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ).. إلى قوله:
(وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) «٢».
قالت: والذي ذكر الله تعالى أنه يتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى التي فيها: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي) «٣»..
وقوله في الآية الأخرى: (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ)، رغبة أحدكم عن يتيمته التي هي في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا «٤» أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء، إلا
(١) رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
(٢) سورة النساء آية ١٢٧. [..... ]
(٣) وعلى هذا فان الآية: دلت على انه يجب بالنكاح حقوق.
انظر تفسير القاسمي ج ٥ ص ١١١٨.
(٤) يقول ابن حجر: «نهوا عن نكاح المرغوب فيها لجمالها ومالها لأجل زهدهم فيها إذا كانت قليلة المال والجمال، فينبغي أن يكون نكاح اليتيمتين على السواء في العدل» أهـ.
بالقسط من أجل رغبتهم عنهن، وهذا ما أورده البخاري في صحيحه «١»، وفيه دلالة على أن اليتيمة يجوز تزويجها «٢».
وروي عن سعيد بن جبير والضحاك والربيع غير هذا التأويل، وهو أن معنى الآية: «كما خفتم في حق اليتامى فخافوا في حق النساء الذي خفتم في اليتامى ألا تقسطوا «٣» فيهن».
وروي عن مجاهد: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا)، أي تحرجتم من أكل أموالهم، فتحرجوا من الزنا وانكحوا نكاحا طيبا مثنى وثلاث ورباع.
والمشكل أن عائشة رضي الله عنها قالت: نزلت هذه الآية في ذلك، وذلك لا يقال بالرأي وإنما يقال توقيفا، ولا يمكن أن يحمل على الجد، لأنه لا يجوز له نكاحها، فعلم أن المراد له ابن العم ومن هو أبعد منه من سائر الأولياء.
ويمكن أن يحمل على البالغة لأن عائشة رضي الله عنها قالت:
ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فأنزل الله تعالى:
(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ- إلى قوله- فِي يَتامَى النِّساءِ) «٤».
(١) انظر فتح الباري للبخاري ج ٩ ص ٣٠٩.
(٢) وفي الحديث أيضا: اعتبار مهر المثل في المحجورات، وأن غيرهن يجوز نكاحها بدون ذلك.
وفيه: أن للولي أن يتزوج من هي تحت حجره لكن يكون العاقد غيره.
وفيه جواز تزويج اليتامى قبل البلوغ لأنهن بعد البلوغ لا يقال لهن يتيمات الا أن يكون أطلق استصحابا لحالهن» أهـ.
قاله ابن حجر في الفتح:
(٣) ومعنى تأويل سعيد بن جبير هو: أن الآية نزلت في الغنية والمعدمة» انظر فتح الباري ج ٩ ص ٣٠٩.
(٤) والحديث أخرجه الامام مسلم في صحيحه والاسماعيلي. والنسائي في سننه.
والصغار لا يسمين نساء «١».
فإن قيل: قوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى) حقيقة في الصغيرة بدليل عليه السلام: «لا يتم بعد حلم» «٢»، واسم النساء يتناول الصغيرة في قوله:
(فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) «٣».
(وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) «٤».
(وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ) «٥».
ويقال في الجواب عنه:
إن اسم النساء في قبيل الإناث، كاسم الرجال في قبيل الذكور، واسم الرجل لا يتناول الصغير، فاسم النساء والمرأة لا يتناول الصغيرة والصغائر، وفي الإناث التي وقع الاستشهاد بها، يمكن أن يكون اللفظ لغير الصغيرة، ولكن يثبت مثل ذلك الحكم في الصغيرة بدلالة الإجماع.
وقول القائل: اسم اليتيم لا يتناول ما بعد البلوغ، فهو مسلم من حيث الحقيقة، غير أنه يطلق مجازا، بدليل أنه ذكر النساء، ولا يمكن تعطيل لفظ النساء الذي هو حقيقة في البالغات «٦».
(١) انظر القرطبي ج ٥ ص ١٣.
(٢) هذه الرواية أخرجها البزار، وأخرجه أبو داود في سننه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
(٣) سورة النساء آية ٣.
(٤) سورة النساء آية ٢٢.
(٥) سورة النساء آية ٢٣.
(٦) انظر الجصاص ج ٢ ص ٣٤٣.
فإن قيل: فالبالغة يجوز التزوج بها بدون مهر المثل برضاها، فأي معنى لذلك الجواب؟
يقال إن معناه أن يستضعفها الولي ويستولى على مالها، وهي لا تقدر على مقاومته، ولذلك قال:
(إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ) «١».
ولما ثبت أن المراد باليتيمة البالغة، ولم يكن في كتاب الله دلالة على جواز تزويج الصغيرة، لا جرم صار ابن شبرمة إلى أن تزويج الآباء للصغار لا يجوز، وهو مذهب الأصم، لأن نكاح الصغيرة يتخير «٢» بتفويت من غير تعجيل مصلحة، على ما قررناه في تصانيفنا في مسائل الخلاف، وإذا ثبت ذلك فلا يجوز ذلك تلقيا من القياس ولا توقيفا.
وقد قال قائلون: بل في كتاب الله ما يدل على جواز تزويج الصغيرة، فإن الله تعالى يقول:
(وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) «٣».
(١) سورة النساء الآية ٩٨.
(٢) أي يختار، والمراد يتم ويتحقق، إذا أخترنا القول بصحته بتفويت حقها في الاختيار عن رضا واقتناع بعد البلوغ، وفي المبسوط بسط لرأي ابن شبرمة والأصم، أنه لا يزوج الصغير والصغيرة حتى يبلغا ببيان السبب فيه، وهو قوله تعالى: (حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ)، فلو جاز التزويج قبل البلوغ لم يكن لهذا فائدة، ولأن ثبوت الولاية على الصغير لحاجة المولى عليه، حتى ان فيما لا تتحقق فيه الحاجة لا تثبت الولاية كالتبرعات، ولا حاجة بهما الى النكاح، لأن مقصود النكاح طبعا هو قضاء الشهوة، وشرعا النسل، والصغر ينافيهما، ثم هذا العقد يعقد للعمر وتلزمهما أحكامه بعد البلوغ. [..... ]
(٣) سورة الطلاق الآية ٤.
فحكم بصحة طلاق الصغيرة التي لم تحض، والطلاق لا يقع إلا في نكاح صحيح، وهذا لا دافع له إلا أن يقال:
النكاح في حق الصغيرة، إن لم يتصور، فالوطء الموجب للعدة متصور، وليس في القرآن ذكر الطلاق في حق الصغيرة، إنما فيه ذكر العدة، والعدة تجب بالوطء، والوطء متصور في النكاح الفاسد، وعلى حكم الشبهة في حق الأمة تزوجها مولاها وهي صغيرة فتوطأ.
والاعتماد على ما روي أن النبي صلّى الله عليه وسلم تزوج عائشة رضي الله عنها وهي بنت ست سنين، زوجها أبوها أبو بكر» «١».
وربما لا يقولون: لا يحتج بما كان في حق رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فإن نكاح رسول الله صلّى الله عليه وسلم لا يفتقر إلى الولاء.
وعماد كلامهم أن تزويج الصغيرة يتخير بتفويت في مقابلة نجح موهوم، ولا يتحقق ذلك في حق رسول الله صلّى الله عليه وسلم، إذ لا يتوقع فوات مصلحة الصغيرة من نكاح رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
وقد يقال في الجواب عن ذلك: إن المرأة ربما أرادت الدنيا بعد البلوغ، وأرادت التفرغ إلى نفسها ولم ترد زوجا فالتوقع قائم» «٢».
(١) هكذا أثبت المؤلف في هذه النسخة ولكن الحديث الصحيح الذي أخرجه النسائي يقول: تزوج صلّى الله عليه وسلم بعائشة وهي بنت سبع سنين وبنى بها وهي بنت تسع سنين.
(٢) قال في المبسوط بعد ذكر الأدلة على جواز تزويج الولي الصغير: والمقصود ان النكاح من جملة المصالح وضعا في حق الذكور والإناث جميعا، وهو يشتمل على أغراض ومقاصد لا يتوفر ذلك الا بين الأكفاء، والكفء لا ينفق في كل وقت، فكانت الحاجة ماسة الى اثبات الولاية للولي في صغرها، ولأنه لو انتظر بلوغها لفات ذلك الكفء ولا يوجد مثله، ولما كان هذا العقد يعقد للعمر تتحقق الحاجة الى ما هو من مقاصد هذا العقد، فتجعل تلك الحاجة كالمتحققة للحال لإثبات الولاية للولي، ثم في الحديث (زواج عائشة) بيان ان الأب إذا زوج ابنته لا يثبت لها الخيار إذا بلغت، فان رسول الله صلّى الله عليه وسلم لم يخيرها، ولو كان الخيار ثابتا لها لخيرها، كما خير عند نزول آية التخيير.
وليس في ذلك غبن لها فإنها أن كرهت الزواج أو لم ترض بالزواج كان حالها حال الزوجة التي كرهت زوجها فلها حق الخلع، ولها حق الاحتكام للحاكم في طلب الطلاق للحكم بما يراه في حدود الدين.
ويمكن أن يقال:
إن نكاح الصغيرة ليس بعيدا عن المصلحة، ولذلك اطردت به العادة واستمرت عليه العامة، فإن المقصود منه الألفة، فإذا ألفيت المرأة صغيرة لم تمارس الرجال ولم تعرف الهوى، ترسخت المودة بينهما، فقد قيل في المثل:
ما الحب إلا للحبيب الأول..
والشاعر يقول:
عرفت هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلبا فارغا متمكنا
قوله تعالى: (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) «١» الآية (٣) :
(١) مسألة تعدد الزوجات- كما يقول صاحب روائع البيان- ضرورة اقتضتها ظروف الحياة. وهي ليست تشريعا جديدا انفرد به الإسلام، وانما جاء الإسلام فوجده بلا قيود ولا حدود، وبصورة غير انسانية، فنظمه وشذ به وجعله دواء وعلاجا لبعض الحالات الاضطرارية التي يعاني منها المجتمع، جاء الإسلام والرجال يتزوجون عشرة نسوة أو أكثر أو أقل- كما جاء في حديث غيلان حين أسلم، وتحته عشرة نسوة- بدون حد ولا قيد، فجاء ليقول للرجال:
ان هناك حدا لا يحل تجاوزه هو (أربع)، وأن هناك قيدا أو شرطا لإباحة هذه الضرورة هي (العدل بين الزوجات)، فإذا لم يتحقق ذلك وجب الاقتصار على واحدة، (فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ).
فهو إذا نظام قائم وموجود منذ العصور القديمة، ولكنه كان فوضى فنظمه الإسلام، وكان تابعا للهوى والاستمتاع باللذائد، فجعله الإسلام سبيلا للحياة الفاضلة الكريمة. والحقيقة التي ينبغي أن يعلمها كل إنسان، أن إباحة تعدد الزوجات مفخرة من مفاخر الإسلام، لأنه استطاع ان يحل مشكلة عويصة من أعقد المشاكل، تعانيها الأمم والمجتمعات اليوم، فلا تجد لها حلا الا بالرجوع الى حكم الإسلام، وبالأخذ بنظام الإسلام.
أن هناك أسبابا قاهرة تجعل التعدد ضرورة: كعقم الزوجة، ومرضها مرضا يمنع زوجها من التحصن، وغير ذلك من الأسباب التي لا نتعرض لذكرها الآن، ولكن نشير الى نقطة هامة يدركها المرء ببساطة.
تقول أستاذة ألمانية في الجامعة:
«أن حل مشكلة المرأة الألمانية هو في إباحة تعدد الزوجات، أنني أفضل أن أكون زوجة مع عشر نساء لرجل ناجح، على أن أكون الزوجة الوحيدة لرجل فاشل تافه، أن هذا ليس رأيي وحدي بل هو رأي كل نساء ألمانيا».
اختارت الأستاذة الألمانية التي يحرم دينها التعدد: فلم تجد خيرة لها الا ما اختاره الإسلام، فأباحت تعدد الزوجات رغبة في حماية المرأة الالمانية من احتراف البغاء، وما يتولد عنه من أضرار فادحة. وفي مقدمتها كثرة اللقطاء».
وانظر بحثا ممتعا للشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار عند هذه الآية.
ظن قوم أن الواو تقتضي الجميع، فحل جميع هذا العدد الذي يخرج منه الاثنان والثلاث والأربع إلى تسع «١».
وقال جمهور العلماء: المراد به إباحة الثنتين إن شاء، والثلاث إن شاء، والأربع إن شاء، وأنه مخير في أن يجمع من هذه الأعداد ما شاء، فتقدير الكلام: تخيروا في هذه الأعداد.
فإن قيل: فلفظ التخيير قد عدم هاهنا، وإنما ذكر لفظ الجمع، ولم يكن كقوله:
(فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) «٢».
(١) انظر القرطبي ج ٥ ص ١٧.
(٢) سورة المائدة آية ٨٩.
قيل: ذلك لأن الله تعالى إنما أراد به بيان الأصلح لعباده، بالإضافة إلى أحوالهم، فإن أمكنه أن يعدل في الأربع نكح الأربع، وإلا نكح الثلاث، وإلا نكح المثنى فإن خاف ألا يعدل فواحدة، فتقديره:
ثلاث ورباع في حالة.
وهذا يرد عليه أن في أي وقت قدرتموه، فقد جاز له نكاح الأربع، فلا معنى لتقدير ذلك.
وقد قيل: الواو على حقيقتها ولكنه على وجه البدل، كأنه قال:
ثلاث بدلا من مثنى، ورباع بدلا من ثلاث، لا على الجمع بين الأعداد.
ومن قال هذا قال: لو قيل بأو لجاز أن لا يكون الثلاث لصاحب المثنى، ولا الرباع لصاحب الثلاث، فأفاد بذكر الواو إباحة الأربع لكل واحد ممن دخل في الخطاب، وأيضا فإن المثنى دخل في الثلاث، والثلاث دخل في الرباع، إذ لم يثبت أن كل واحد من الأعداد مراد مع الأعداد الأخر على وجه الجمع فيكون تسعة، وهذا كقوله:
(قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً) إلى قوله (قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ) «١».
والمعنى في أربعة أيام باليومين المذكورين بدءا، ثم قال:
(فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ) «٢».
(١) سورة فصلت آية ٩- ١٠.
(٢) سورة فصلت آية ١٢.
ولو أن ذلك كذلك، لصارت الأيام كلها ثمانية، وقد علم أن ذلك ليس كذلك.
لقوله تعالى: (خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) «١».
فذلك المثنى داخل في الثلاث. والثلاث في الرباع، فيكون الجميع أربعا، وهذا ما عليه جمهور العلماء.
ثم هذا العدد في الأحرار دون العبيد، فإن سياق الكلام يدل عليه، وهو قوله: (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ)، والعبد لا يملك النكاح بنفسه، لتوقف نكاحه على إذن مولاه، ولأن الأصل امتناع النكاح في حق العبد، لمنافاة الرق الاستقلال بالملك، غير أن الشرع أباح له لمكان الحاجة، فكان الأصل الاقتصار على الواحد، غير أنه جعل مشطرا، والزيادة عليه تعنت على أصل المنع «٢».
قوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً) «٣» الآية (٢).
فالمراد به العدل في القسم بينهن كما قال تعالى في آية أخرى:
(وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ) «٤».
والمراد به ميل القلب، والعدل الذي يمكنه فعله ويخاف ألا يفعل لإظهار الميل بالفعل، فيجب عليه الاقتصار على الواحدة إذا خاف إظهار الميل والجور ومجانية العدل.
(١) سورة الأعراف آية ٥٤، وسورة يونس آية ٣، والآية ٧ من سورة هود.
(٢) انظر الطبري ج ٥ ص ٢٢.
(٣) انظر روائع البيان ج ٥ ص ١١٢١.
(٤) سورة النساء، آية ١٢٩.
ثم قال: (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) الآية (٣).
فدل ذلك على أن لا عدد في ملك اليمين، ولا وجوب القسم والعدل فيهن، فإنه تعالى قال:
(فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً).
يزول له الخوف من الميل، (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ).
فإنه لا يجب فيهن العدل.
وظن قوم أن المراد به العطف على قوله: (فَانْكِحُوا) وتقديره:
فانكحوا ما طاب لكم من النساء أو ما ملكت أيمانكم، وهذا يدل عند هذا القائل على أنه يجوز التزويج بأربع إماء، كما جاز التزويج بأربع حرائر.
وهذا فيه نظر، لأن العطف رجع إلى أقرب مذكور، والمذكور آخرا قوله تعالى:
(فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ).
وذلك يقتضي أن يكون الذي يعدل اليه خيفة الحيفة وترك العدل، لا يجب فيه مراعاة العدل، وذلك ملك اليمين.
فإن قيل: الضمير المتقدم هو النكاح، وقوله: (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ)، لا يستقل بنفسه، فلا بد من عطف على ضمير متقدم، ولا متقدم إلا النكاح.
وإذا قلتم المراد به: (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) لم يستقم إثبات ضمير الفعل المتقدم في هذا المحل، فإنه لا نكاح في ذلك اليمين.
والجواب عنه: أن العطف على ما ذكره أخيرا من تحريم إظهار الميل، وأنه إذا كان كذلك يخلص بواحدة أو بملك يمين، ويدل على ذلك أنه لو رجع ذلك إلى نكاح الإماء كان تقدير الكلام: فانكحوا ما طاب لكم من النساء، أو انكحوا ما ملكت أيمانكم، وذلك يقتضي الجمع بينهما، والجمع ممتنع محرم جميعا.
وليس يمكن أن يقال: إنه قال:
(فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ)، ولم تدخل فيه الإماء، ثم قال: (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) على البدل من النساء، فإن ذلك مكروه بالإجماع، وقد بين الله خلافه في موضع آخر فقال:
(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) «١».
وأبان اشتراط خوف العنت، فيكون مبينا حكم نكاح الأمة هاهنا، وذلك بعيد من القول.
والدليل على ذلك أيضا: أن ظاهر قوله تعالى: (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ). إضافة جمع إلى جمع، وذلك يقتضي توزيع الآحاد على الآحاد، فتقدير قوله: (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) أي ما ملكت يمين كل واحد منكم، ولا يتصور ذلك في ملك النكاح، فدل على أن الضمير هو الوطء لا العقد.
نعم ورد مثله في موضع آخر وهو قوله:
(١) سورة النساء آية ٢٥.
(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ).
ولكن خالفنا ظاهر إضافة الجمع إلى الجمع وقلنا: المراد به نكاح ملك يمين الغير، ودل عليه قوله تعالى:
(فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) «١».
ولما بين نكاحهن قال: (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) «٢».
وها هنا قال:
(أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) ثم قال: (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً) «٣»، ولم يتعرض لصداق الأمة، ولو جرى ذكر نكاحها لذكر الصداق، كما ذكر حق النساء.
قوله تعالى: (ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا) الآية (٣).
أي تميلوا.
وقد قيل معناه ألا تميلوا، وأصل العول مجاوزة الحد، فالعول في الفريضة مجاوزته لحد السهام المسماة، وعال إذا حاد، وعال يعيل إذا افتقر، ويقال أيضا: إذا تبختر.
قال الشافعي رضي الله عنه:
وهذا يدل أن على الرجل مئونة امرأته، فقيل له: معنى قوله: أن لا تعولوا- أي لا تميلوا- وهو الميل الذي نهى الله عنه وأمر بضده في حق النساء.
(١) سورة النساء آية ٢٥. [..... ]
(٢) سورة النساء آية ٢٥.
(٣) سورة النساء آية ٤.
والشافعي يقول: إذا كثر عيال الرجل يقال هو معيل، وقد عال يعول، ويقال: هو يعول جمعا، فقيل له: في الآية ذكر الواحدة، وملك اليمين، والنفقة واجبة في جميع ذلك؟
فقال: نفقة ملك اليمين هو متمكن من دفعها بالبيع والتزويج من غير خسران، ويصعب عليه مفارقة أم أولاده.
فقيل له: فقد يتزوج الرجل بالمرأة الواحدة وعليه نفقتها؟
قال: هو أدنى ألا يقال فيه كثر العيال.
والشافعي رضي الله عنه حجة في اللغة.
وقد روي عن زيد بن أسلم في قول الله تعالى: (ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا) قال:
يقول: ذلك أدنى ألا يكثر من تعولون.
وقال أبو زيد فيه: ذلك أقل لنفقتك، للواحدة أقل من ثنتين وثلاث وأربع، وجاريتك أهون عليك من العيال.
ويدل على ما قاله الشافعي: أنه لو كان المراد به الميل، فإذا كثر عدد النساء أم قل فلا يختلف الميل، وإنما يختلف القيام بحقوقهن، فإنهن إذا كثرن تكاثرت الحقوق عليه.
أما إظهار ميل الطبع ونفاره، فلا يختلف بكثرة العدد وقلته.
وهذا يدل على أن المراد بقوله: (ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا) ما قاله.
وقد تجاوز بعض من صنف أحكام القرآن حد الإنصاف عند حكاية كلام الشافعي، وكفاه جهله بقدر الشافعي جوابا له.
قوله تعالى: (وَآتُوا «١» النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً) الآية (٤) :
والنحلة هاهنا الفريضة، وهو مثل ما ذكره الله تعالى عقيب ذكر المواريث (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) «٢».
والخطاب يدل على الأزواج، ونهيهم عن منع الصداق عنهم، وعلى الولي الذي يأخذ المهر ولا يعطيها «٣»، مع أن ما تقدم من قوله: (فَانْكِحُوا) يدل على أنه خطاب للأزواج.
وإذا كان خطابا للأزواج فيجوز أن يقال سمي نحلة، والنحلة في الأصل العطية، وإنما سماه عطية، لأن الزوج لا يملك من بدله شيئا، فكان ذلك ترغيبا في إبقاء صداقها وسياقة مهرها إليها على قدر مئونة، ظانا أن ذلك منه نحلة، ولا تعطوهنّ المهور كارهين، ظانين أن ذلك غرامة، ولكن لتكون أنفسهم طيبة به.
قوله تعالى: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ «٤» هَنِيئاً مَرِيئاً) (٤) :
وذلك يدل على أن للمرأة هبة الصداق من زوجها، بكرا كانت أو
(١) أي أعطوا النساء اللاتي أمر بنكاحهن مهورهن عطاء غير مسترد بحيلة تلجئهن الى الرد
(٢) سورة النساء آية ١١.
(٣) انظر الطبري ج ٤ ص ٢٤٢.
(٤) الضمير للصدقات، وذكره لاجرائه مجرى ذلك، والمعنى: فان أحللن لكم من المهر شيئا بطيبة النفس، جلبا لمودتكم، لا لحياء عرض لهن منكم أو من غيركم، ولا لاضطرارهن الى البذل من شكاسة أخلاقكم وسوء معاشرتكم، فخذوه وتصرفوا فيه.
ثيبا، خلافا لمالك، فإنه منع من هبة البكر الصداق من زوجها، وجعل ذلك للولي، مع أن الملك لها، وذلك في غاية البعد.
قوله تعالى: (فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) «١»، ليس المقصود صورة الأكل، وإنما المراد به الاستباحة بأي طريق كان، وهو المعنى بقوله تعالى في الآية التي بعدها:
(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً) «٢».
وليس المراد نفس الأكل، إلا أن الأكل لما كان أو في أنواع التمتع بالمال، عبر عن التصرفات بالأكل، فهذا ما سبق إلى الفهم، وعلم أن الأكل بصورته ليس معنيا.
ومثله قوله تعالى: (إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) «٣».
يعلم أن صورة البيع ليست مقصودة، وإنما المقصود ما يشغله عن ذكر الله تعالى، مثل النكاح وغيره، ولكن ذكر البيع لأنه أهم ما يشتغل به عن ذكر الله تعالى، فيكون معنى سابقا إلى الفهم، ونظائره كثيرة في الكتاب والسنة «٤».
وقوله تعالى: (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً) مع قوله: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ)، يدل على أنه أراد: فإن طبن قبل أن تؤتوهن صدقاتهن نحلة، وذلك هو الإبراء، فدل ذلك على أن من وهب
(١) أي فخذوه وتصرفوا فيه تملكا. وتخصيص الأكل لأنه معظم وجوه التصرفات المالية.
(٢) سورة النساء آية ١٠ وتمام الآية: (إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً).
(٣) سورة الجمعة آية ٩.
(٤) وقد أوضح القرطبي في تفسيره هذه المسألة ج ٥ ص ٢٦ نقلا عن الكيا الهراس.
لإنسان دينا له عليه أن البراءة قد وقعت بنفس الهبة «١».
وقوله تعالى (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ)، يدل على عموم الحكم في البكر والثيب.
وقوله تعالى: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ) الآية (٥) :
قال ابن عباس: الآية مجراة على حقيقتها، والمراد منها النهي عن دفع المال إلى الصبيان والنسوان، وتسليطهم على مال نفسه حتى يستنفذوه في أسرع مدة فيبقون عالة، وهو يبقى عائلا مستضعفا.
وقال ابن عباس: السفيه من ولدك وعيالك.
وقال: المرأة من أسفه السفهاء.
وفيه تنبيه عن النهي عن تضييع الأموال.
نعم الهبة على الأولاد والنسوان جائزة، ولكن لا بأن يجعل المال في أيديهم، ولكن بأن ينصب فيما عليهم في الموهوب منهم، وقد نهى الله تعالى عن التبذير، ومن التبذير تسليم المال إلى من ينفقه في غير وجهه.
والأولى أن يسلم ذلك إلى نائبه، أو يكون في يده، وهو وليه.
وإنما حكمهم على هذا التأويل قوله تعالى: (أَمْوالَكُمُ) وقوله تعالى: (وَارْزُقُوهُمْ فِيها) أي منها.
وقد قيل: معناه أموالهم، وفيه تنبيه على دفع مال السفيه اليه، فمعناه لا تؤتوهم أموالهم، وإنما أضافها إليهم، كما قال: (وَلا تَقْتُلُوا)
(١) انظر الجصاص: ج ٢ ص ٣٥٢.
(أَنْفُسَكُمْ) «١» يعني بعضكم بعضا.
وقال: (فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ) «٢».
يريد من يكون فيها، وذكروا أن هذا التأويل أولى، فإن السفه صفة ذم، وهذا يعترض عليه، فإن السفه في الأصل الخفة، وليس ذلك صفة ذم ولا مفيدا لعصيان، والمعنيان مختلفان.
قوله تعالى: (وَابْتَلُوا «٣» الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) الآية (٦).
واعلم أن كثيرا من العلماء جوزوا إذن الولي للصبي في التجارات وتسليم المال اليه، حتى يتصرف وتبدو بياعاته وتصرفاته، وليس في العلماء من يقول إنه إذا اختبر الصبي فوجد رشيدا ارتفع عنه الولاية، وأنه يجب دفع ماله اليه، وإطلاق يده في التصرف، وذلك يدل على أن الابتلاء في الصبي ليس يفيد العلم المعتبر برشده، فكذلك قال الله تعالى:
(وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً).
(١) سورة النساء آية ٢٩.
(٢) سورة النور آية ٦١.
(٣) الابتلاء: الاختبار، أي اختبروا عقولهم وتصرفهم في أموالهم.
آنستم: أي علمتم وقيل: رأيتم، وأصل الإيناس: الأبصار، ومنه قوله تعالى:
(آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً).
رشدا: الرشد الاهتداء الى وجوه الخير، والمراد به هنا الاهتداء الى حفظ الأموال.
إسرافا: الإسراف مجاوزة الحد والإفراط في الشيء، والسرف: التبذير.
بدارا: معناه مبادرة أي مسارعة، والمراد أن يسارع في أكل مال اليتيم خشية أن يكبر فيطالبه به. [..... ]
فدل ذلك على أن الابتلاء قبل البلوغ لا بدفع المال اليه، ولا بأن يبقى بعقله ورأيه، حتى يزعم بكونه رشيدا، فإنه لو كان كذلك ما توقف وجوب دفع المال على بلوغ النكاح، بل دل على أن الابتلاء قبل البلوغ في أمر الدين والدنيا، بأن يربيه على الخيرات والطاعات، ويندبه إلى المراشد وتأمل التصرفات والتجارات، حتى يكون نشوّه على الخيرات، فإذا بلغ النكاح نفعه ما تقدم من التدريب، ويحصل به إيناس الرشد، وهو إحساس الرشد، مثل قوله تعالى: (إِنِّي آنَسْتُ ناراً) «١».
يعني أحسستها وأبصرتها، وذلك يدل على أن الذي يجري في الصبي غير موثوق به شرعا، إنما هو توطئة وتمهيد لزمان البلوغ الذي يوثق فيه بإيناس الرشد، فهذا تحقيق لمذهب الشافعي رضي الله عنه، ويرد على من خالفه، ثم قال الشافعي:
ولما قال تعالى: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً)، وهو يقتضي صلاح الدين والدنيا، والفاسق غير رشيد ولا مأمون، وهذا لأن التبذير يتولد من غلبة الهوى، والهوى منشأ الفسق، ولا يؤمن من الفاسق صرف المال إلى المحصور المنكور، وذلك تبذير وإن قل، فإنه لا يكتسب به محمدة في الدنيا والآخرة، والكثير في الطاعات ليس بتبذير، على ما عرف من أقوال السلف رضوان الله عليهم أجمعين، فهذا معنى الآية.
قوله تعالى: (وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ «٢» وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) الآية (٦) :
(١) سورة طه الآية ١٠.
سورة النمل الآية ٧.
سورة القصص الآية ٢٩.
(٢) يقال: عف الرجل عن الشيء واستعف إذا أمسك، والاستعفاف عن الشيء تركه، والعفة: الامتناع عما لا يحل ولا يجب فعله.
توهم متوهمون من السلف بحكم هذه الآية، أن للوصي أن يأكل من مال الصبي قدرا لا ينتهي إلى حد السرف، وذلك خلافا ما أمر الله تعالى به في قوله:
(لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) «١».
ولا يتحقق ذلك في مال اليتيم.
فقوله: (وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ) يرجع إلى أكل مال نفسه دون مال اليتيم فمعناه:
ولا تأكلوا أموال اليتيم مع أموالكم، بل اقتصروا على أكل أموالكم، وقد دل عليه قوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً) «٢».
وبان بقوله تعالى: (وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ)، الاقتصار على البلغة حتى لا يحتاج إلى أكل مال اليتيم، فهذا تمام معنى هذه الآية، فقد وجدنا آيات محكمات بمنع أكل مال الغير بغير رضاه، سيما في حق اليتيم، ووجدنا هذه الآية محتملة للمعاني، فحملها على موجب الآيات المحكمات متعين «٣».
وقد جوز أبو حنيفة للوصي أن يعمل في مال الصبي مضاربة، فيأخذ منه مقدار ربحه، وإذا جاز ذلك، فلم لا يجوز أن يأكل من ماله إذا عمل فيه، فيأخذ أجر المثل بل هو أولى، فإن أجر المثل معلوم في وضع
(١) سورة النساء آية ٢٩.
(٢) سورة النساء آية ٢.
(٣) انظر القرطبي في تفسيره ج ٥ ص ٤٣.
الشرع، ومقدار أجرة عمله مأخوذ من العادة، وأما الربح فهو نتيجة الشرط وليس أجرة عمله، وهو على قدر الشرط، وأي قدر شرطه العامل الوصي لنفسه من الربح، فهو متحكم فيه، وإنما الشرط للعامل من جهة رب المال، وإلا فالواجب أجر المثل في القراض الفاسد، وهاهنا إذا لم يكن أجر المثل مع أنه أقرب، فالتحكم بالتقدير من جهة العامل كيف يحتمل، والربح أبعد عن الاستحقاق، فإن الربح زيادة على عين مال اليتيم، والزيادة تبع المزيد عليه، وليس للوصي في مال اليتيم حق.
وأما الأجرة: ففي مقابلة العمل، والعمل حق للوصي، وأنه من منفعة فهو أولى ببذلها، فلا وجه لمذهب أبي حنيفة، والعمومات التي ذكرناها من قبل محكمة في إبطال التصرف في مال اليتيم بطريق القراض وغيره.
فإن قال من ينصر مذهب السلف، إن القضاة يأخذون أرزاقهم لأجل عملهم للمسلمين، فهلا كان للوصي كذلك، إذا عمل لليتيم ولم لا يأخذ الأجرة بقدر عمله؟
قيل له: اعلم أن أحدا من السلف لم يجوز للوصي أن يأخذ من مال الصبي مع غنى الوصي، بخلاف القاضي، فذلك فارق بين المسألتين.
وبعد: فالذي يفصل بينهما من طريق المعنى يقول:
إن الرزق ليس كأجرة الشيء، وإنما هو شيء جعله الله تعالى لكل من قام بشيء من أمور الإسلام، فللمقابلة بينهم من مال الله تعالى، وللفقهاء سهم، مع أنهم لم يعملوا شيئا يستحقون عليه الأجرة، لأن اشتغالهم بالفتوى وتفقيه الناس، فرض لا يؤخذ عليه أجر، وكذلك الخلفاء لهم سهم من مال الله تعالى، وقد كان للنبي صلّى الله عليه وسلم سهم من الخمس والصفي
وسهم من الغنيمة، وما كان يأخذ الأجرة على شيء يقوم به من أمر الدين، وكيف يجوز ذلك مع قول الله تعالى:
(قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ) «١».
(قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) «٢».
فالذي يأخذه الفقهاء والقضاة والخلفاء، لا يأخذون من مال واحد معين، وإنما يأخذون من مال الله الذي لا يتعين له مالك، وقد جعل الله ذلك المال الضائع حقا لأصناف بأوصاف، والقضاة من جملتهم، والوصي إنما يأخذ بعمله مال شخص معين من غير رضاه، وعمله مجهول وأجرته مجهولة، وذلك بعيد عن الاستحقاق.
واعلم أن الاحتياط الذي أمر الله به في حق اليتامى، وأن لا يدفع إليهم أموالهم إلا بعد إيناس الرشد، يدل لا محالة بطريق الأولى على أن الأولياء من الأوصياء، والأقارب والحكام، لا بد وأن يكونوا عدولا ذوو رشد.
والفاسق المتهم من الآباء، والمرتشي من الحكام والأوصياء، والأمناء غير المأمونين، لا يجوز جعلهم أولياء وحكاما، ويدل على ذلك أن الحاكم إذا فسق انعزل. «٣»
قوله تعالى: (فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ)،
(١) سورة سبأ آية ٤٧.
(٢) سورة الفرقان آية ٥٧ وتمامها: (إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا). وسورة ص آية ٨٦ وتمامها: (وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ).
(٣) انظر احكام القرآن للجصاص ج ٢ ص ٣٦٤.
يؤذن بالاحتياط القاطع للدعوى الباطلة، كما أمر بالاحتياط في المداينات قطعا للمنازعة، لا جرم قال الشافعي رضي الله عنه:
لو ادعى تسليم المال إلى الصبي بعد البلوغ وأنكر الصبي، لم يصدق إلا بينة.
نعم المودع يصدق في الرد دون بينة، لمصلحة تعلقه بالوديعة، في أنه لا يرضى المودع بالإشهاد على ردها، لما فيه من إشهار أمرها، والودائع تعرض في خفية، ولأن المودع ائتمنه فرضي بقوله واعتقد أمانته.
وأما الائتمان من جهة الصبي فلم يجز أصلا، وفي هذا المعنى نظر، فإن الوصي في معنى النائب عن الصبي، فكذلك كان نائبا عنه في التصرفات، فيجوز أن يكون نائبا عنه في الحفظ حكما، وإن لم توجد الاستنابة من جهة الصبي خاصة الآن، فإن نيابته عن الصبي ظاهرة، وكذلك إذا ادعى تلف المال.
قيل: ولولا النيابة كان ضامنا للمال، لأنه ممسك مال غيره دون استنابة.
ومما يتعلق به الشافعي رضي الله عنه، أن الله تعالى إنما أمر بالإشهاد، لأن دعواه مردودة في الرد دون البينة.
ويمكن أن يقال: فائدته ظهور أمانته وبعده عن التهمة، وقطع دعوى الصبي بالباطل، وسقوط اليمين عن الوصي.
وقد أمر النبي صلّى الله عليه وسلم الملتقط بالإشهاد على اللقطة في حديث عياض بن حمار المجاشعي، أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:
«من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب» «١».
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه، ج ٢ ص ٨٣٧ رقم الحديث ٢٥٠٥.
فأمره بالإشهاد ليظهر أمانته وتزول الشبهة عنه.
قوله تعالى: (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ) إلى قوله (نَصِيباً مَفْرُوضاً) (٧).
لا شك في كونه مجملا في بيان المقدار، غير أن الذين لا يحجبون شخصا بشخص في بعض الأحوال، مثل الأخ بالجد عند قوم، والذين يورثون بالرحم، يحتجون بعموم هذه الآية ويقولون: إن ما فيها من الإجمال في المقدار، لا يمنع الاحتجاج بعمومها، في حق الأقارب، وهو عندهم مثل قوله تعالى:
(خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ؟؟؟) «١».
وأنه يحتج به في غير موضع الإجمال، وهو إبانة أصل الأمر بحسن الفعل، وهذا بيّن.
فيقال في حق العمة مثلا والخالة والخال: إن لهم نصيبا مما ترك الأقربون، وإنهم في هذا المعنى يقدمون على الأجانب.
نعم ذكر قتادة أن الآية وردت على سبب، وهو أن أهل الجاهلية كانوا يورثون الذكور دون الإناث، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وذلك لا يمنع التعلق بعموم الآية، لإمكان أنهم كانوا يورثون الذكور من ذوي الأرحام وغيرهم من الأقارب، فأبطل الله تعالى ما كانوا عليه في الجاهلية، وهذا مما يعترفون بكونه عاما.
وفيه دلالة على جعل القرابة مطلقة للميراث، إلا أنه لم يجعل لهم إلا النصيب المفروض لا المال المطلق، وليس في الآية ذلك النصيب المفروض.
(١) سورة التوبة آية ١٠٣.
نعم في الآية نصيب مجمل لا جرم يفهم منه أن لهم نصيبا مجملا،
قوله تعالى: (وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى) «١» الآية (٨) :
فيه أقاويل مختلفة للسلف، فنقل عن ابن عباس، أنها محكمة ليست بمنسوخة.
وقال سعيد بن المسيب: هي منسوخة بالميراث.
وروى عكرمة عن ابن عباس أنها محكمة ليست بمنسوخة، وهي في قسمة المواريث فيرضخ لهم، فإن كان المال عقارا أو فيه تقصير لا يقبل الرضخ، اعتذر إليهم، فهو قوله تعالى: (وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً).
والقول الثالث عن ابن عباس: أنها في وصية الميت لهؤلاء، وهي منسوخة بالميراث، فكأن الموصي أمر به في الشيء الذي يوصي فيه، ودل عليه قوله تعالى:
(وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ) الآية (٩).
قال: يقول له من حضر: اتق الله وصلهم وبرهم وأعطهم، ولا حاجة إلى تقدير النسخ، بل أمكن أن يحمل على الندب «٢».
(١) والمعنى: إذا حضر قسمة التركة ذوو القرابة ممن لا يرث، وقدمهم لأن اعطاءهم صدقة وصلة.
واليتامى: الضعفاء بفقد الآباء، والمساكين الضعفاء بفقد يكفيهم من المال، فأعطوهم من الميراث شيئا، وقولوا لهم قولا معروفا بتلطيف القول لهم والدعاء لهم بالبركة.
(٢) قال ابن عباس:
أمر الله المؤمنين عند قسمة مواريثهم أن يصلوا أرحامهم، ويتاماهم، ومساكينهم من الوصية، فان لم تكن وصية وصل لهم من الميراث.
والذين قالوا: إنها منسوخة لعلهم قالوا: ظاهر قولهم (فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) الوجوب، ولا وجوب هاهنا، فبقي أنه منسوخ، وليس ذلك من النسخ في شيء إنما هو حمل اللفظ على بعض مقتضياته، وإنما النسخ أن يثبت أن ذلك كان من قبل على ما الآن عليه، ثم نسخ.
فأما قوله: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا «١» عَلَيْهِمْ) الآية (٩).
اختلف السلف في تأويله، فقال قوم منهم ابن عباس «٢» :هو الرجل يحضره الموت، فيقول له من يحضره: أوص لفلان ولفلان، فيأمر الموصي بالإسراف فيما يعطيه لليتامى والمساكين، وندب له أن يزيد على الثلث، وهذا كان قبل أن تكون الوصية محصورة في الثلث، فيحثه من حضره على أن يوصي بأكثر المال لأقاربه اليتامى والمساكين، فقال الله تعالى: لا تأمروه بما لا تفعلوه لو حضركم الموت.
وفيه بيان أن المستحب له إذا كان ورثته ضعفاء وهو قليل المال، أن لا يوصي بشيء، أو يوصي بأقل من الثلث، كما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم لسعد لما رده إلى الثلث فقال:
«والثلث كثير» الحديث «٣».
فأبان له أن استغناء الورثة بفضلها، أولى من استغناء غيرهم.
(١) وهذه الآية قد اختلف العلماء في تأويلها، فقالت طائفة: هذا وعظ للأوصياء، أي افعلوا باليتامى ما تحبون أن يفعل بأولادكم من بعدكم وقالت طائفة: المراد جميع الناس أمرهم باتقاء الله في الأيتام وأولاد الناس، وان لم يكونوا في حجورهم، وأن يسددوا لهم القول كما يريد كل واحد منهم أن يفعل بولده بعده.
(٢) وقتادة، والسدي، وابن جبير، والضحاك، ومجاهد. [..... ]
(٣) أخرجه الامام البخاري في صحيحه كتاب الجنائز، باب رثي النبي صلّى الله عليه وسلم سعد بن خولة.
وقال مقسم، معنا، ضد ذلك، وهو أن يقول الرجل للذي حضره الموت: أمسك عليك مالك، ولو كانوا ذوي قرابته لأحب أن يوصي لهم.
فتأوله الأولون على نهي الحاضرين عن الحث على الوصية، وتأوله مقسم على نهي من يأمره بتركها.
وقال الحسن: هو الرجل يكون عند الميت فيقول: أوص بأكثر من الثلث من مالك، وهو الأوجه، إلا أن يكون ذلك في وقت كانت الوصية بأكثر من الثلث لازما، فأما إذا توقفت على إجازة الورثة، فلا نهي عليه.
وعن ابن عباس رواية أخرى، أنه في ولاية مال اليتيم وحفظه والاحتياط في التصرف فيه، وهذه المعاني بجملتها يجوز أن تكون معنية بالآية، إذ لا تناقض فيها، ويجمعها مراعاة المصلحة للورثة واليتامى والموصى..
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى»
ظُلْماً) الآية (١٠) :
الآية محكمة لا نسخ فيها، لأن الظلم ما أبيح قط، وإنما المنسوخ أنه تعالى لما قال:
(وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً)، تحرج كثير من المسلمين عن طعام اليتيم، فعزلوه حتى نزل قوله:
(١) أي على وجه الظلم من الورثة، أو أولياء السوء وقضاته، بخلاف أكل الفقير الناظر في أموالهم بقدر أجرته.
(انما يأكلون في بطونهم نارا) أي ما يجر الى النار ويؤدي إليها.
(وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ) «١»، مع أن ذلك أيضا ليس منسوخا فإن قوله:
(وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ)، إنما عنى به غير هذه الحالة، فهو تخصيص عموم الآية، والنسخ راجع إلى رفع ما قد ثبت قبل بما يخالفه، ولم يثبت أن مخالطة الأيتام كانت محرمة ثم إنها رفعت، فهذا معنى الكلام.
قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) الآية (١١) :
اعلم أن الناس في الجاهلية كانوا يخصصون الذكور المقاتلين على الخيل والذابين عن الحرم بالميراث، وما كانوا يورثون الصغار ولا الإناث، وقد ورد في بعض الآثار، أن الأمر كان على ذلك في صدر الإسلام، إلى أن نسخته هذه الآية، ولم يثبت عندنا اشتمال الشريعة على ذلك، بل ثبت خلافه، فإن هذه الآية نزلت في ورثة سعد بن الربيع، حين جاءت امرأة بابنتها من سعد فقالت: يا رسول الله:
هاتان ابنتا سعد قتل أبو هما معك يوم أحد وقد استوفى عمهما مالهما، وإن المرأة لا تنكح إلا ولها مال، فنزلت هذه الآية «٢».
وقيل: نزلت في ورثة ثابت بن قيس بن شماس، والأول أصح عند أهل النقل «٣»، فاسترجع رسول الله صلّى الله عليه وسلم الميراث من العم، ولو كان ثابتا من قبل في شرعنا ما استرجعه.
(١) سورة البقرة الآية ٢٢٠.
(٢) أخرج ذلك الترمذي، وأبو داود، وابن ماجة، والدارقطني، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه وقال الترمذي حديث صحيح.
(٣) لأن ثابت بن قيس استشهد باليمامة.
ولم يثبت قط في شرعنا أن الصبي ما كان يعطى الميراث حتى يقاتل على الفرس، ويذب عن الحريم.
واعلم أن الميراث كان يستحق في أول الإسلام بأسباب:
منها: الحلف والتبني والمعاقدة «١» :
ومنه قوله: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) «٢».
وقال آخرون: ما كان الميراث ثابتا قط بالمعاقدة، والذي في القرآن من قوله: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) من الموالاة والنصرة والمعافاة والمشورة.
نعم هذا الخيال إنما نشأ من شيء، وهو أن الله تعالى قال:
(وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً) «٣».
فظنوا أن الآية دلت على ثبوت الميراث بوجه آخر، وليس الأمر كذلك، فإن المراد بذلك: وأولوا الأرحام أولى من المؤمنين، فإن المؤمنين ورثة، إذ المراد ذوو الأرحام.
وقوله: (إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً) الوصية، وإلا فلا ثبوت للميراث بالمعاقدة من جهة النص، والآثار متعارضة، والذي في القرآن:
(١) وفي رواية: منها الحلف، والهجرة، والمعاقدة، ثم نسخ.
(٢) سورة النساء آية ٣٣.
(٣) سورة الأحزاب آية ٦.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) «١».
إنما عنى به في الميراث بالإسلام، إذا لم تكن قرابة، فإن الشافعي رضي الله عنه، يرى المسلمين ورثة في ذلك الوقت، ما كان الإسلام كافيا في هذا المعنى دون المهاجرة مع الإسلام، وإلا فلا وجه لدعوى من يدعي أن المحالفة المجردة، أو الهجرة المجردة، مورثة مع وجود الهجرة في حق ذوي الأرحام والعصبات، إذ جائز أن يكون قوله: (فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) أي: آتوهم نصيبهم من الوصية، ولعله كانت الوصية واجبة لهؤلاء، ثم نسخت الوصية، والأول أظهر.
وأبو حنيفة يرى التوريث بالحلف والمعاقدة، ويقول: إن حكمها ما نسخ، ولكن جعلت الرحم أولى منها.
فهو يرى أن الأسباب التي يورث بها شتى، فمنها الإسلام، ومنها المعاقدة والتواخي في الدين، والاتحاد في الديوان، وفوقها الولاء، وفوقها الزوجية، وكان الرجل إذا مات اعتدت امرأته سنة كاملة في بيته، ينفق عليها من تركته، وهو قوله:
(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ) - إلى قوله (مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ) «٢» ثم نسخ ذلك بالربع والثمن.
وقوله: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ)، نسخ به وجوب الميراث للذين ذكر ميراثهم في كتاب الله تعالى، والأقربون الذين ليسوا بوارثين، فأبان دخولهم تحت اللفظ تعينا، ولكن اللفظ عموم في حقهم، فلم يتبين قطعا وجوب الوصية لأولئك النفر، الذين لم يبين الله ميراثهم، فلا نسخ من هذا الوجه، وإنما هو تخصيص عموم.
(١) سورة الأنفال آية ٧٢.
(٢) سورة البقرة آية ٢٤٠.
والدليل عليه أن كل الميراث لهؤلاء المذكورين، وما قال الشرع للعصبة كل الميراث وللبنتين الثلثان، بل كان يقال: للوصية قسط واجب، فما يفضل عنها فهو لكذا، ولم يتبين وجوب الوصية في هذه الآية بل قال: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ)، وربما كان الدين أو لم يكن، وربما كانت الوصية أو لم تكن، فهذا تمام ما يتعلق بهذا النوع.
قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ)، حقيقة في أولاد الصلب فأما ولد الابن فإنما يدخل فيه بطريق المجاز، وإذا حلف لا ولد له وله ولد ابن لم يحنث «١»، فإذا أوصى لولد فلان، لم يدخل فيه ولد ولده، وأبو حنيفة يقول: إنه يدخل فيه إن لم يكن له ولد صلب «٢»، ومعلوم أن حقائق الألفاظ لم تتغير بما قالوه.
وقوله: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) :ليس فيه تقدير ميراث كل واحد منهم ومبلغ ما يستحقه، بل فيه أن ما كان من قليل أو كثير فبين الأولاد على هذه النسبة، وذلك يتناول ما فضل عن أصحاب الفرائض، وما يأخذون من جميع المال إذا لم يكن صاحب فرض.
(١) قال النيسابوري: وأعلم أن عموم قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) مخصوص بصور:
منها: أن العبد والحر لا يتوارثان.
ومنها: أن القاتل لا يرث.
ومنها: أن لا يتوارث أهل ملتين، والمرتد ماله فيء لبيت المال سواء اكتسب في الإسلام أو في الردة، وعند أبي حنيفة: ما اكتسب في الإسلام يرثه أقاربه المسلمون.
ومنها: أن الأنبياء لا يورثون خلافا للشيعة.
(٢) وقد استفاض الجصاص في بيان ذلك وانتهى الى أن لفظ الابن يطلق حقيقة على أولاد الصلب ومجازا على أولاد الأولاد عند عدم وجود الأولاد.
وإذا لم يكن في ميراثهم تحديد، فالذي يصل إليهم هو تمام حقهم قل أو كثر، وذلك يقتضي تقديم أصحاب الفرائض، فإنه لو لم يفعل ذلك لم يكمل لهم حقهم، وإذا قدم وفضل شيء، فقد استوفى العصبة تمام حقه، فهذا وجه البداية بأصحاب الفروض.
قوله تعالى: (فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) (١١) :
ولم يبين حكم الاثنتين، فنقل عن ابن عباس أن الآية نص قاطع في أن لا يزاد منه بسبب الثلثين شيء «١»، فإن قوله: (فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) تقييد نصا، ونفي لما دون هذا العدد.
قال قائلون من العلماء: إن بيان الاثنتين كان ظاهرا في كتاب الله تعالى، وإنما احتاج إلى بيان أن الثنتين فصاعدا لا يزيد حقهم على الثلثين، فكان قوله: (فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) لنفي المزيد.
ووجه دلالة الآية على بيان حكم الاثنتين، أن الله تعالى لما أوجب للبنت الواحدة مع الابن الثلث، فإذا كان لها مع الذكر الثلث، فلأن لا تنقص من الثلث مع البنت أولى، ولو جعلنا للبنتين النصف، نقصت حصة الواحدة من الثلث.
ويمكن أن يعترض على هذا فيقال: إنما استحقت الثلث مع الذكر، لا لأن المأخوذ ثلث التركة التامة، بل لأنها عصبة بأخيها، والمال بينهما أثلاث، ولا يأخذان إلا ما بقي في حالة، وكل المال في حالة.. أما البنت فتأخذ مقدارا من جملة التركة من غير نقصان من نصف الجملة، وذلك مقيد بشرط، فإذا لم يوجد الشرط لم يثبت القدر.
(١) أي لا يزاد من التركة في نصيبها عن النصف.
ويدل عليه أنه لو قال قائل: الابن ربما أخذ أقل من نصف التركة، والبنت لا تأخذ أقل من نصف جميع التركة، فيقال: لأن الابن عصبة فيأخذ ما بقي، والبنت صاحبة الفرض، وهذا بيّن.
ومما ذكره العلماء في ذلك، أن الله تعالى قال: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) فلو ترك بنتا وابنا، كان للابن سهمان ثلثا المال، وهو حظ الأنثيين، وهذا مثل الأول.
والاعتراض عليه كما مضى، فإن الابن لا يستحق ثلثي جميع التركة، بل يستحق بالعصوبة أي قدر، وتلك العصوبة تشمل الذكر والأنثى، والمال بينهما على نسبة التفاوت.
وأقوى ما قيل فيه، أن الله تعالى جعل للأختين الثلثين في نص الكتاب فقال: (فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ) «١»، ومعلوم أن أولاد الميت أولى من أولاد أب الميت، فدل أن بيان الاثنتين مقدر في كتاب الله تعالى.
واحتيج إلى بيان نفي المزيد على الثلثين عند زيادة عدد البنات، ولم يتعرض لهذا المعنى في ميراث الأخوات، لأن فيما ذكر من ميراث البنات بيان ذلك، ولم يذكر بيان البنتين في ميراث البنات، لأن فيما ذكر من ميراث الأخوات بيان ذلك، فاشتملت الآيتان على بيان نفي المزيد عند زيادة العدد، وعلى بيان ميراث البنتين، وهذا غاية البيان «٢».
واستدلوا أيضا على ذلك بما روي عن ابن مسعود، أن النبي صلّى الله عليه وسلم
(١) سورة النساء آية ١٧٦. [..... ]
(٢) قال الجصاص: ويدل على أن للبنتين الثلثين، أن الله تعالى أجرى الاخوة والأخوات مجرى البنات، وأجرى الأخت الواحدة مجرى البنت الواحدة.
قضى في بنت، وبنت ابن، وأخت، بأن للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، والباقي للأخت، فإذا كان للبنت مع ابنة الابن من التركة الثلثان، فالبنتان أحق بذلك وأقرب، لأنهما أقرب من بنت الابن، وإن أمكن أن يعترض على هذا، فإن الذي لبنت الابن فرض آخر، وليس من ميراث البنت في شيء، وإنما الكلام في أن النصف إذا كان للواحد، فهل يزداد ذلك لسبب وجود بنت أخرى، أو يتقاسمان ذلك النصف، فأما السدس فلا تعلق له بفريضة البنت أصلا، وإنما اتفق أن المبلغين صارا إلى مقدار الثلثين.
وقضى رسول الله صلّى الله عليه وسلم في تركة سعد بن الربيع، للبنتين الثلثين، وللزوجة الثمن، والباقي لأخته «١».
وقضى بذلك في ابنتي ثابت بن قيس بن شماس «٢».
والآية ليست نصا في نفي ما دون الثلثين عما دون الثلاث من البنات، بل محتملة ما ذكرناه «٣».
وقد قيل: قوله «فوق» صلة وتأكيد، كأنه قال: «فإن كنّ نساء اثنتين» ومثله: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ) «٤»، وهذا تأويل بعيد، وما ذكرناه أولا هو الصحيح، ومما دلت الآية عليه أنه لما لم يبين مقدار ميراث البنتين، عرفنا من قوله تعالى في حق الأخ (وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ) «٥»، أن الأخ لما جعل عصبة حائزا للميراث مطلقا، فالابن بذلك أولى.
(١) رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجة.
(٢) وقد سبق تضعيف ذلك لأن ثابت بن قيس لم يستشهد الا بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وسلم.
(٣) وبين ابن العربي ذلك فقال: ان النصف سهم لم يجعل فيه اشتراك، بل شرع مخلصا للواحدة بخلاف الثلثين، فانه سهم الاشتراك، بدليل دخول الثلاث فيه فما فوقهن، فدخلت فيه الاثنتان مع الثلاث دخول الثلاث مع ما فوقهن.
(٤) سورة الأنفال آية ١٢.
(٥) سورة النساء آية ١٧٦.
وجملة القول فيه أن الله تعالى لما بين كيف يقتسم الذكور والإناث، لم يحد ميراثهم بحد، لأنهم يرثون المال مرة جميعه، ومرة ما فضل عن فرض ذوي السهام، ولو حد لهم حدا، لضاربو ذوي السهام إذا ضاق المال عن حمل السهام، ولأزيدوا عليه إذا انفردوا، وتحرجوا عن حكم من يرث بالتعصيب إلى حكم من يرث بالفرض، فهذا بيان معنى التعصيب في ميراث «١».
قوله تعالى: (وَلِأَبَوَيْهِ «٢» لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ) (١١) :
فظاهره يقتضي أن يكون لكل واحد منهما السدس مع الولد، ذكرا كان أو أنثى، فيقتضي ذلك إلى «٣» إنه إذا كان الولد بنتا فلها النصف، ولا تستحق أكثر من النصف لقوله: (وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ).
فوجب بحكم الظاهر أن يعطي الأب السدس لقوله: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ)، ويبقى السدس يستحقه الأب بحكم التعصيب.
(١) الإرث بالتعصيب هو ما ليس فيه نصيب مقدر، ومعنى العصبة في اللغة أقارب الرجل لأبيه لإحاطتهم به، وعند الفقهاء: العصبة من يأخذ التركة كلها إذ انفرد، أو ما بقي بعد أصحاب الفروض أن كان معه صاحب فرض وبقي شيء، وان لم يبق شيء فلا شيء له.
والعاصب من جهة النسب ثلاثة أقسام:
عاصب بنفسه، وعاصب بغيره، وعاصب مع غيره، (راجع المواريث دائرة معارف الشعب).
(٢) ولأبويه أي الأب، والام، فغلب جانب الأب لشرفه، والضمير في أبويه يعود الى الى الميت المعلوم من سياق الكلام في الميراث.
(٣) كذا بالأصل، ولعل «الى» زائدة، أو أن «يقتضى» محرفة عن يفضى.
فاجتمع للأب الاستحقاق من جهتين: التعصيب والفرض.
وإن كان الولد ذكرا، فللأبوين السدسان بحكم النص، والباقي للابن لأنه أقرب العصبات من الأب، فخرجت منه مسألة البنت والأبوين، وما ذكره الفرضيون من الجمع للأب بين الفرض والتعصيب.
وقال عز وجل: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ)، ولم يذكر نصيب الأب، فاقتضى ظاهر اللفظ أن للأب الثلثين، إذ ليس هناك مستحق غيره، وقد أثبت لهما أولا، فاقتضى ظاهر اللفظ المساواة لو اقتصر على قوله: (وَوَرِثَهُ أَبَواهُ)، دون تفصيل نصيب الأم، فلما ذكر نصيب الأم «١»، دل على أن للأب الثلثين، وهو الباقي بحكم العصوبة، وبين الله تعالى ميراث الأم مع الأب، وفرض لغيرها من الورثة عند الانفراد مثل البنت والأخت وغيرهما من أصحاب الفروض، كالزوج والزوجة.
والحكمة فيه: أنه عز وجل أراد أن يبين حجبها بمن لا يرث في قوله: (وَلِأَبَوَيْهِ) إلى قوله: (فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ)، فلو ذكر ميراثها؟؟؟ منفردة، لاحتمل أنها لا يحجبها من لا يرث مثل الأخوة مع الأب، فأزال هذا الإشكال، وأفاد هذه الفائدة، حتى لا يتوهم أن الذي لا يرث «٢» بحاجب الأشخاص، كالأخوة الذين يحجبون بالأوصاف مثل القتل والرق والكفر، فهذا بيان هذا المعنى.
ثم قال تعالى: (فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ)، وقد حجبها
(١) أي وقصره على الثلث.
(٢) الأولى: أن الذي لا يرث ليس بحاجب، لأن الأب والأم والأخوة يكون ميراث الأم السدس والباقي للأب ولا شيء للاخوة، هذا والراجح أن الأخ الكافر أو القاتل والرقيق لا يحجب أمه الى السدس.
جماهير العلماء بأخوين، وانفرد ابن عباس، فاعتبر في حجبها من الثلث إلى السدس «١»، ولا شك أن ظاهر قوله: (فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ)، يقتضي أن ما دون ذلك وضعت العرب له اسم التثنية، وقد غايرت العرب بين المنزلتين، أعني منزلة التثنية والجمع في ظاهر إطلاق اللفظ.
وليس الكلام في أن معنى الجمع هل يتحقق في الإثنين أم لا، فإن المعنى بذلك أن لفظ الجمع المركب من الجيم والميم والعين حقيقة في الإثنين، فإنه مشتق من الاجتماع والضم، ويتحقق ذلك في الاثنتين تحققه في الثلاثة، وإنما الكلام في لفظ الأخوة هل يظهر إطلاقه على موضع الأخوان؟
ويجوز أن تفترق منازل الجموع في إطلاق ألفاظ، مثل قول القائل عشرة دراهم ومائة درهم، وقد لا تفترق، فيكون التعبير عن الإثنين مثل التعبير عن الثلاثة، من غير أن ترتيب المنازل من التثنية والواحد أن الجمع مثل قولك: قمنا لنفسه وأخرى معه، ولنفسه وآخرين معه من غير فصل.
فإذا تقرر ذلك، فليس في قول القائل إن لفظ الجمع حقيقة في الاثنين أخذا من موضع الاشتقاق وهو الجمع، جواب عن احتجاج ابن عباس بظاهر كتاب الله عز وجل في إطلاق الأخوة في موضع الأخوين، وهذا بيّن «٢».
نعم، قد يطلق لفظ الأخوة على الأخوين معدولا به عن الأصل، كما يطلق لفظ الجمع في موضع الواحد، ويعبر عن الواحد بلفظ الاثنين
(١) أي اعتبر ظاهر اللفظ (فان كان له اخوة)، وفي الجصاص: قال ابن عباس:
للام الثلث، وكان لا يحجبها الا بثلاثة من الأخوة والأخوات.
(٢) والقائل بذلك الجصاص في تفسير الآية، ففيه: والحجة للقول الأول (الحجب بأخوين) أن اسم الأخوة قد يقع على الاثنين.
مثل قوله: (نَحْنُ قَسَمْنا) «١»، والتعبير عن الواحد بلفظ الاثنين كقوله تعالى: (أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ) «٢» وهو يريد الواحد، إلا أن كل ذلك خلاف الأصل والوضع، وليس الكلام فيه.
وليس يبقى بعد النزول عن الظاهر إلا أن يقال: النص وإن ورد في الثلاث، فلا يمتنع الاثنتين به بطريق الاعتبار.
ووجه الاعتبار أن الله تعالى الحق الاثنين بالثلاث فيما يتعلق بميراث الأخوة في استحقاق الثلثين، وفيما يتعلق بميراث البنات، وغاير بين الواحدة والثنتين، فيدل ذلك على أن حكم الاثنتين أقرب إلى الثلاث منه إلى الواحد.
ولابن عباس أن يعترض على هذا الكلام من أوجه:
أن الله تعالى شرط في حجب الأمهات عددا فقال: (إن كان له إخوة)، وذلك يقتضي التقييد الذي لا يجوز تركه وإلغاؤه، فإذا حصل بالثنين بطل فحوى الكلام في التقييد.
ولو قال للواحد: فإن كان له أربعة إخوة فلأمه السدس، كان الكلام ركيكا، وأن عدد الأربعة لا يتعلق به حكم، فالتقييد بالثلاث مثل ذلك على رأي من لا يجعل لهذا القيد أثرا.
الوجه الثاني: أن الأصل في حق كل مستحق للميراث، أن لا يسقط ولا ينتقض إلا بتوقيف قاطع، والأم مستحقة بقرابتها، فما لم يثبت قاطع في حجبها لا يسقط حقها، فإذا شهد الظاهر للثلاثة وجب الرجوع إلى الأصل، فكان الذي لا يحجب الأم بالاثنتين متعلق بالظاهر، ومتعلق بالأصل في ميراث الأم.
(١) سورة الزخرف آية ٣٢. [..... ]
(٢) سورة ق آية ٢٤.
الوجه الثالث: أن مساواة الأخوين للثلاث في حكم من أحكام الميراث، لا يقتضي مساواتهما لهم في كل حكم، فإن الزوجة الواحدة تساوي للعدد في الميراث، والجدة الواحدة تساوي الجدات في نصيب الجدات، وبنت الابن مع البنت الواحدة حكمها حكم الجماعة، فإنه لا يفرق بين بنت الابن الواحدة وبين الجماعة من بنات الابن، وكذلك في الأخوات من الأب مع الأخت من الأب والأم، فليس لذلك قانون مطرد.
وغاية الأمر فيه أن يقال في حق الأخوة والأخوات وما في منزلتهم الأمر كذلك.
وإذا لم يختلف مقدار ميراثهم في الاثنتين والجماعة، لم يختلف مقدار قولهم في الحجب في حق الاثنتين والعدد، وفي حق الزوجان لا يختلف ميراثهن بالواحدة والعدد، إلا أنه لا يظهر حكم ميراثهن في حجب حرمان أو إسقاط، فكأن الشرع يقول لنا، كمال قوة الأخوة في الميراث، يقتضي حجب الأم، الثلث إلى السدس، وكمال قوتهم بكمال حقوقهم في الميراث، وفي ذلك يستوي الاثنان والجماعة.
ولما كانت قوة قرابة أولاد الميت وأولاد أولاده، أو في من قوة قرابة أولاد أب الميت، لا جرم أصل ميراث الأولاد دون كماله كان كافيا في حجب الأم، مثل البنت الواحدة وبنت الابن الواحدة، وإن كان ميراث الثنتين أوفى.
وإنما يظهر أثر ذلك في معنى آخر، وهو أن قوة قرابتي الأولاد «١» إذا لم تكف في حرمان أولاد الابن، فكمال قوة بنات الصلب في الميراث تكفي في إسقاط أولاد الابن.
(١) انظر صحيح البخاري، باب ميراث ابن الابن.
وكذلك كمال ميراث الأخوات من الأب والأم كاف في إسقاط أولاد الأب فقط، فإذا قلنا لا يقع حجب الأم بالأخت الواحدة، وإنما يقع بكمال قوتهم من الميراث، فذلك يقتضي التسوية بين الاثنين والثلاث، وهذا بيّن ظاهر، وهو نظر دقيق في نصرة قول جماهير العلماء «١».
ويمكن أن يقال إن العدد الكثير من الصحابة لم يتفقوا على مخالفة الظاهر إلا بتوقيف.
أما هذا المعنى الذي قلناه فدقيق، لبعد اجتماع الجم الغفير على ذلك، وترك الظاهر بسببه، فيظهر تقدير توقيف، وإن لم ينقل، يعلم أنهم به تركوا الظاهر، والعلم عند الله.
فهذا وجه منقول عن كافة الصحابة في مخالفة الظاهر.
الوجه الآخر: ما نقل عن قتادة أنه قال: إنما يحجب الأخوة الأم من غير أن يرثوا مع الأب، لأنه يقوم بنكاحهم، ويلزمه المؤن بسببهم لتحقيق إربهم، فأما الأخوة من الأم، فخارجون عن ذلك ولا يحجبون مع الأب، فخالف به مطلق قوله تعالى: (فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ).
وليس لقوله هذا وجه، فإن الذي يلتزم من المؤن ليس يلتزمه عوضا عن الميراث، بل يلتزمه بحكم الأبوة، ولا تعلق لذلك بالميراث، فلو
(١) ومما نحب التعريف به هنا أن استحقاق الميراث بالعصوبة يراعى فيه التقديم بالقرب، فيقدم الأقرب فالأقرب، ولا ينظر الى نوع العصوبة.
كان الإبن كافرا، فعلى الأب نفقته أيضا ولا يحجب الأم».
الوجه الثالث في مخالفة الظاهر: ما نقل عن ابن عباس، أن الأخوة مع الأب لا يحجبون الأم، إلا عن قدر يأخذونه هم، فإذا فرضنا أخوين وأبوين، فللأم السدس، وللأخوين السدس الذي حجبت عنه الأم، والباقي للأب، وذلك خلاف الظاهر، فإنه تعالى قال: (وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ).
وتقديره: فإن كان له إخوة مع الأب، ويبعد أن يكون للأخوين مع الأب ميراث.
وهو يقول: ليس ذلك ميراثا من الأخ، وإنما الأم قد حجبت بالأخوة، فيرجع إليهم لا إلى الأب، فيقال: فإذا حجبوا بالأب، فليس لهم من الميراث شيء، ولا لها الثلث، فيقول الأب: أنا أسقطهم من الميراث، وهم أسقطوا، فيجعل كأن السدس لم يكن لك، فأنا المستحق لذلك بحكم العصوبة، وهذا في غاية الوضوح، فهذه هي المذاهب المنتزعة من الظاهر.
وصار بعض الناس إلى أن الأخوات لا يحجبن الأم من الثلث إلى السدس، لأن كتاب الله في الأخوة، وليست قوة ميراث الإناث مثل قوة ميراث الذكور حتى تقتضي العبرة الإلحاق.
ومقتضى أقوالهم أن لا يدخلن مع الأخوة في لفظ الأخوة، فإن لفظ
(١) روى ابن أبي حاتم بسنده عن قتادة قال، (فان كان له اخوة فلامه السدس) :
أضروا بالأم ولا يرثون، ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث، ويحجبها ما فوق ذلك، وكان أهل العلم يرون أنهم حجبوا أمهم من الثلث أن أباهم يلي أنكاحهم، ونفقته عليهم دون أمهم.
الأخوة بمطلقه لا يتناول الأخوات (مع البنات «١» ) كما أن لفظ البنين لا يتناول البنات، وذلك يقتضي أن لا تحجب الأم بالأخ «٢» والأخت من الثلث إلى السدس، وهو خلاف إجماع المسلمين، وإذا كن مرادات بالآية مع الأخوة، كن مرادات على الانفراد.
ولو كان ذلك لقوة الذكورة، لاستوى الأخ الواحد والعدد، لأن ميراث الأخوة يستوي فيه الواحد والعدد، فهذا تمام المذاهب في الأوجه المنتزعة من الآية.
بقيت ها هنا مسألة واحدة دقيقة، وهي أنه إذا كان في الفريضة زوج وأم، وأخ وأخت لأم، فلا خلاف بين الصحابة أن للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخ وللأخت من الأم الثلث، وقد تمت الفريضة.
أما عامة الصحابة، فلأنهم حجبوا الأم بالأخ والأخت من الثلث إلى السدس، فاستقام لهم ذلك ها هنا.
وأما ابن عباس، فلأنه لا يرى العول، ولو جعل للأم الثلث لعالت المسألة، وهو لا يرى ذلك، وإذا قيل له: فلم كانت الأم بالنقصان أولى من الأخوين؟ لم يجد كلاما ظاهرا عليه.
وفيه دليل ظاهر على ما قاله أهل الإجماع من العلماء، وتخطئة ابن عباس في قوله.
ثم أبان الله تعالى ميراث الزوج والزوجة وحجبها بالولد من الربع إلى الثمن، ومن النصف إلى الربع، وميراثهما على نسبة ميراث العصبات:
(١) كذا بالأصل والأولى أن ما بين الفاصلين زائد كما في القرطبي.
(٢) أي الأخ الواحد كما في القرطبي.
(لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)، إلا أن ميراث العصبات لا يتعذر، وهذا مقدر، وميراث العصبات يشترك فيه الذكور والإناث، وها هنا لا يتصور الشركة.
إذا عرفنا ذلك، فأعلم أن كل من يحجبه الإبن يحجبه ابن الابن بالإجماع من الزوج والزوجة والإخوة، وذلك إما أن يدل على أن اسم الولد يتناول ابن الابن، أو يتلقى من الإجماع.
وإذا تبين ذلك، فقول الله عز وجل في ميراث الأزواج والأمهات (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ) «١» مطلق، ولكن جمهور العلماء خصوا الحجب بمن يرث، فأما من لا يرث كالكافر والمملوك، فلا يحجب ولا يرث.
وصار ابن مسعود أن من لا يرث من هؤلاء يحجب حجب النقصان، ولا يحجب حجب الحرمان، وذكرنا فرقة بين الحجبين في مسائل الروايا «٢»، وهو فرق حسن، وصورته أن الأب الكافر لا يحجب عنده ابن نفسه عن ميراث جده. وأنه بمنزلة المعدوم في ذلك، فأعتبر أصحابنا حجب النقصان به، وذكرنا فرقة بينهما.
وكافة العلماء يقولون إن الله تعالى إنما شرع الحجب لأن الذي ينقص من نصيبه يرجع إلى الحاجب في الأغلب، فقوة ميراثه تقتضي ذلك، وأما الكافر فلا يتصور هذا في حقه، فكان كالمعدوم، وسره يرجع إلى أن الوراثة خلافة، إلا أن بعض الخلفاء أولى ببعض، فمن حجب حجب
(١) سورة النساء آية ١٢.
(٢) ويحسن هنا أن نعرف بالحجب وأنواعه والفرق بينهما باختصار:
الحجب لغة المنع، وعند الفقهاء: منع من قام به سبب الإرث من الإرث كله أو من بعضه، وهو نوعان: حجب النقصان وحجب الحرمان راجع دائرة معارف الشعب، المواريث).
الحرمان، أخذ نصيب المحروم، ومن حجب حجب النقصان، أخذ نصيبه غالبا، وهذا بيّن.
لما ذكر الله الولد، وأجمع العلماء على أن ابن الإبن مثل الإبن، فعرفنا به أن المعتبر الميراث لا اسم الولد، وإذا تبين ذلك، فلا خلاف في الإبن والبنت وابن الابن وبنت الإبن، أن الميراث بينهم (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) لا بحكم الظاهر، فإن مطلق لفظ أولاده لا يتناول أولاد أولاده، وولد ولده ليس ولده تحقيقا، فإنه لو كان اسم الولد حقيقة فيه بالإضافة إلى الجد، ما كان حقيقة بالإضافة إلى الأب، فإن الجهة الواحدة إذا كان الإسم حقيقة فيها، لم يكن حقيقة في جهة أخرى تغايرها من طريق العموم، وإنما يكون على وجه الاستقراء بذلك الاشتراك، وذلك يقتضي الإجمال عند الإطلاق، وإذ تبين ذلك وعرف، لم يدخل ولد الإبن إلا بطريق الإجماع، فإذا ثبت ذلك، فإذا ترك بنتا وابنة ابن، فللبنت النصف بالتسمية، ولابنة الإبن السدس، وما بقي للعصبة، فاستحقاق ابنة الابن للسدس ليس مأخوذا من التسمية، وإنما أخذ من الإجماع.
فإذا ترك اثنتين وابنة ابن وابن ابن ابن فكمثل.
وقال ابن مسعود: إذا أخذ البنات الثلثين، فليس لبنات الإبن شيء، وإن كان معهن ذكر، وكذلك في الأخوات من الأب ذكر، درجتهن بعد فرض الأخوات من الأب والأم الثلثين، وأنه لو كان بدلهن عم وابن عم، كان لا تأخذ ابنة الابن شيئا، فكذلك مع الولد الذكر.
وأما جماهير العلماء فإنهم يقولون إن بنات الإبن لا يأخذن فرض البنات، وإنما يأخذن بجهة أخرى وهي جهة العصب، وإنما كان يمتنع
ذلك لو أخذن في هذا الوقت بذلك الفرض الذي أخذ به غيرهن من البنات، فأما إذا أخذن بوجه غير ذلك، فليس هو من أولئك في شيء، فيجعل ما بقي من المال بعد الثلثين كأنه جملة مال لا فريضة فيه مسماة لأحد، فيكون للذكر مثل حظ الأنثيين.
ونشأ منه أنا إذا جعلنا هذا المال كأنه لا فريضة فيه لأحد أصلا، فإذا كان في الفريضة بنات ابن وذكر أسفل منهن، فلا بد وأن يعصبهن، فإنه لو لم يعصبهن أخذن بالفرض، ونحن قدرنا المال كأن لا فرض فيه أصلا بحال، فإذا قدرنا ذلك، فلو فضلت العليا من بنات البنين على من هو أسفل منها من بني البنين في الثلث الذي يبقى، لم تكن الفريضة قد مضت.
فإن قيل: كيف جاز أن ترث بنت الابن بسبب ابن الابن، ولولا مكانه لم يرث شيئا؟ قيل: كما أنا إذا فرضنا ابنا وعشر بنات أخذن أكثر من الثلثين، ولو كن منفردات لم يأخذن، فصار لهن بسبب التعصيب أكثر مما لهن عند الانفراد، وربما كان التعصيب سببا للسقوط في بعض المواضع.
فإن قيل: فإذا فرض اثنتين وبنت ابن وأخت فلم لا يجعل الثلث الباقي بعد فرض البنتين لبنت الابن، وتجعل عصبة كما جعلتم الأخت عصبة، فإن بنوة الميت أولى بالميراث من بني أبي الميت، وعندكم أن الباقي بعد فرض البنتين للأخت، ولم لا يجعل لها العصوبة ها هنا على قياس حالها عند الانفراد كما جعل للأخت المعصوبة؟
ووجه الجواب عنه أنا بإعطائنا بنات الصلب الثلثين، قضينا حق الإناث من أولاد الصلب من الميراث، فلو أخذت بنت الإبن لأخذت ببنوة الميت.
فإن قلتم: الذي أخذ به البنات بالفرض، فهلا أثبتم العصوبة ها هنا وهي جهة أخرى؟
فالجواب عنه أن العصوبة إنما تثبت إذا كانت الجهة في الأصل مخالفة لجهة ميراث البنت، فيعدل من الفرض إلى العصوبة لغرض حفظ الجهة، أما إذا كانت الجهة واحدة وقد قضى من الميراث حقها، فلا وجه لإثبات الميراث لها ثابتا بجهة العصوبة.
نعم إذا كان هناك ابن ابن فليس ميراث الذكر من جنس ميراث الإناث، وكذلك لو كانت ابنة وابن ابن، فالباقي لابن الابن، لا بطريق أنه تكملة الثلثين، ولو كان يدل ذلك ابنة ابن، فلها تكملة الثلثين، فيدل ذلك على اختلاف الجهة.
ويدل على ذلك أنا إذا فرضنا أختا لأب وأم وأختا لأب، فلولد الأب السدس تكملة الثلثين، ولو كان أولاد الأب والأم اثنتين، فلا شيء لأولاد الأب إلا أن يكون معهن ذكر يعصب، وهو نظير مسألتنا، سوى أن الأسفل في الدرجة لا يعصب الأخوات للأم لوجه آخر، فهذا تمام البيان في ذلك.
وقال ابن مسعود: في البنت وبنت الإبن وابن الإبن، أن للبنت النصف، والباقي بين الذكر والأنثى على التفاوت، كفرائض أولاد الصلب، إلا أنه قال: ما لم يزد نصيب بنات الابن على السدس، فلا نعطيهن أكثر من السدس، وجعل لهن الأضر من المقاسمة، أو سدس جميع المال.
فلم يعتبر الفرض على حدة هذه الحالة، ولا التعصيب على حدة، لكنه اعتبر القسمة في منع الزيادة على القسمة، فاعتبر المقاسمة في النقصان، وهو بعيد لا وجه له.
وإذا نحن بينا ميراث الأمهات والزوجات والأزواج ومن يحجبهن فيتعلق بما إليه، انتهى الكلام أن الله تعالى قال: (وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ)، فاقتضى ذلك أن للأم الثلث والباقي للأب، إذا لم يكن ثم إخوة ولا أولاد ميت، فعلى هذا قال ابن عباس في زوج وأبوين: إن للأم الثلث الكامل، فيكون ميراثها، زائدا على ميراث الأب.
وكذلك قال في زوجة وأبوين.
وتابعه ابن سيرين في المرأة والأبوين وخالفه في الزوج والأبوين، لئلا يكون تفضيلا للأم على الأب.
واعلم أن الاستدلال بالقرآن في مخالفة ابن عباس ممكن هين، وذلك أن الله تعالى جعل الميراث بين الأبوين أثلاثا، مثل ما بين الإبن والبنت في قوله: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)، وجعل بين الأخ والأخت أثلاثا، فإذا سمى للزوج والزوجة ما سمى لهما، وأخذا نصيبهما، كان الباقي بين الإبن والبنتين على ما كان قبل دخولهما، وكذلك بين الأخ والأخت، يجب أن يكون على هذه النسبة، فاعلم أن ذلك إنما يكون إذا كان الابن يأخذ بالعصوبة، فأما إذا كان يأخذ بالفرض فهو والأم سواء، فإنه إذا كان في الفرض أبوان وابن، فللأبوين السدسان والباقي للابن، لأنه لا عصوبة للأب أصلا مع الابن، وإنما يأخذ بالفرض، فكان الذكر والأنثى في هذا المعنى سواء كأولاد الأم.
وهذا يرد عليه الزوج والزوجة، لأنه جعل بينهما على نسبة التفاوت، مع أنهما يأخذان بالفرض المحض، وعلى أن الأب إذا كان يأخذ بالتعصيب في زوج وأبوين، فالعصب مانع، فلا نظر إلى التفصيل،
وغاية ما يقال فيه أن عصوبة الأب غير متمحضة، بل هي عصوبة مشوبة بجهة الولادة، ولذلك يجمع له بين الفرض والتعصيب، فيجوز أن يكون جهة العصوبة بالابن الذي هو أولى العصبات، وأما تعطيل جهة الولادة فلا، وإذا لم يعطل جهة الولادة حال كونه عصبة، ولم تتمحض عصوبته، تعلق به على كل حال أن لا تفضل الأم على الأب مع تساويهما في الولاية، بل يراعى في حق الأب جهة الولادة وجهة العصوبة جميعا، وذلك يقتضي تفضيله عليها، فهذا منتهى الممكن في نصرة مذهب جماهير العلماء.
ونظر ابن عباس جلي جدا، وينشأ منه أن الجم الغفير إذا خالفوا النظر الجلي فلا يخالفون إلا بالتوقيف.
ويمكن أن يقال في مقابلته: وابن عباس إذ أظهر الخلاف، كان من الواجب أن يحتج عليه بذلك التوقيف، ولم يثبت ذلك، فهو مشكل والعلم عند الله تعالى.
وحاصل نظر الجمهور يرجع إلى أنه إذا وجب أن يبدأ بالزوجة أو الزوج، ويعطي كل واحد منهما نصيبه، فزال الفرض المنصوص لهما بالزوج والزوجة، لأن المنصوص لهما إذا لم يكن زوج ولا زوجة، فإذا أعطيناهما حقهما نظرنا إلى ما يبقى بعد ذلك، فيجعل بمنزلة جملة المال الذي لا فرض فيه لأحد الأبوين، فيقسم بينهما، فيعطي الأم ثلثه، ويعطي الأب ما بقي، لأن النقيصة لما دخلت عليهما من قبل الزوج أو الزوجة، وجب أن تكون داخلة عليهما على قدر حصصهما إذا لم يكن الأب في هذا الموضع بمنزلة العصبة الذين تبدأ بأهل الفرض، ثم يعطون ما بقي لأن أولئك غير مسمين، والأبوان إذا كانا هما الوارثان ففرض كل واحد منهما معلوم، فلما دخل عليهما فرض الزوج والزوجة دخل على كل واحد منهما بقدر حصته.
قوله تعالى: (وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ «١» ) (١٢) :
قرئ: يورث بفتح الراء والتخفيف على ما لم يسم فاعله.
وقرئ: بكسر الراء والتخفيف وقد سمي فاعله.
فمن كسر، نصب كلالة على المفعول به، وجعلها اسما للورثة، وجعل الفاعل للتوريث هو الرجل الميت، وجعل كان يعني وقع وحدث، فلا يحتاج إلى خبر.
ومن قرأ بفتح الراء، نصب كلالة على الحال من الضمير في يورث، وهو ضمير الرجل، وجعل الكلالة اسما للميت، وجعل كان يعني حدث.
ويحتمل أن يجعل كلالة خبرا لكان.
فلم يختلف العلماء في أن الكلالة اسم لمن لا ولد له، واختلفوا في أنه هل هو اسم لمن لا والد له؟ فقال قائلون: هو اسم لمن لا ولد له، فبنوا عليه أن أولاد الأم لا يرثون مع الأب، لأن الكلالة اسم لمن لا ولد له، فأما من له والد، فليس خارجا من الكلالة.
واعلم أن هذا يتصل به مسألة أخرى، وهو أن الله تعالى يقول:
(يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ «٢» ) الآية. فجعل للأخوات من الأب والأم الثلثين، وللواحدة النصف، وذلك لا يتصور مع البنت والأب، وسمى الله تعالى ذلك كلالة فقال: (يَسْتَفْتُونَكَ)
(١) قال النيسابوري: واعلم ان الوارث اما ان يكون متصلا بالميت بغير واسطة او بواسطة.
(٢) سورة النساء آية ١٧٦.
(قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ)، فأطلق اسم الكلالة، ولا بد وأن يكون المعنى ها هنا: ليس له ولد ولا والد، فإن المذكور من الميراث لا يتصور إلا عند فقد الوالد والولد، ويدل على أن الكلالة اسم لمن لا والد له ولا ولد.
قوله تعالى: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ)، يقتضي أن يكون ذلك الباقي للأب، ثم قال:
(فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ)، فلم يجعل للإخوة ميراثا مع الأب، فخرج الولد من الكلالة والوالد جميعا، لأنه لم يورثهم مع الأب، كما لم يورثهم مع الإبن، والإبنة أيضا ليست بكلالة كالابن، فلا جرم أولاد الأم يسقطن بها، لأنه تعالى شرط في توريث أولاد الأم أن يكون الميت كلالة، أو الوارث كلالة، فإن ترك بنتا أو ابنتين وإخوة وأخوات لأم فالبنت ليست بكلالة، فلا يستحق الأخوات الثلث.
واختلف أهل اللغة في اشتقاق الكلالة:
فمنهم من قال: هو من قوله: كلت الرحم إذا تباعدت، ولحت إذا قربت، يقال هو ابن عمي لحا، أي هو ابن أخي «١»، وهو ابن عمي كلالة، أي من عشيرتي. قال الشاعر:
ورثتم قناة الملك لا عن كلالة عن ابني مناف عبد شمس وهاشم
يعني ورثتموها بالآباء لا بالإخوة والعمومة.
(١) لعلها ابن أخ أبي، وفي القاموس: وهو ابن عمي لحا، وابن عم لح لاصق النسب، ولحت القرابة بيننا لحا، فان لم يكن لحا وكان رجلا من العشيرة قلت ابن عم الكلالة وابن عم كلالة.
ويمكن أن يكون مأخوذا من الكلال وهو الإعياء، ومنه قولهم:
مشى حتى كل: أي بعدت المسافة فطال سيره حتى كل. وكلّ البعير إذا طال الطريق حتى أعيا، وكلّ السيف إذا طال الضرب به، وكلت الرحم إذا ضعفت فطال نسبه، فتكون الكلالة من بعد النسب وبعد القرابة.
وقيل: أخذ من الإكليل المحيط بالرأس.
وروي عن عمر في الكلالة بعد النسب وبعد القرابة روايتان مختلفتان، فتارة لا يجعل الوالد كلالة، وتارة كان يجعله كلالة.
وردّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم على عمر لما سأله عن الكلالة إلى آية الصيف «١».
ولا شك أن عمر لا يخفى عليه معنى الكلالة من جهة اللغة، وذلك يدل على أن معنى الكلالة شرعا غير مفهوم من الإسم لغة، ولذلك لم يجب رسول الله صلّى الله عليه وسلم عمر عن سؤاله في معنى الكلالة، ووكله إلى استنباطه.
وفي ذلك دليل على جواز تفويض الإجماع إلى آراء المستنبطين، كما فوضها رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى رأي عمر.
وفيه دلالة على بطلان قول من يقول: لا يجوز استنباط معاني القرآن، فإن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ «٢» »،
(١) أخرج مالك ومسلم وابن جرير والبيهقي عن عمر قال: ما سألت النبي صلّى الله عليه وسلم عن شيء أكثر ما سألته عن الكلالة حتى طعن بإصبعه في صدري وقال: تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء..
راجع الدر المنثور فيما ورد من الروايات في ذلك.
(٢) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وحسنه السيوطي لاعتضاده.
فإن ذلك إنما قاله رسول الله صلّى الله عليه وسلم فيمن قال فيه بما سنح في وهمه، وخطر على باله، من غير استدلال عليه بالأصول، وإن من استنبط معناه بحمله على الأصول المحكمة المتفقة فهو ممدوح.
بقيت ها هنا دقيقة أخرى وهي خاتمة النظر، وذلك أن الجد من حيث كان أصل النسب خارج عن الكلالة كالأب والابن، وعليه بنى العلماء سقوط أولاد الأم به، لأن الله تعالى شرط في ميراثهم عدم الولد والوالد، وفقد الأصل والفرع، ولا يتحقق ذلك مع الجد، وموضع اشتقاق الكلالة يقتضيه أيضا.
ولأجل ذلك قلنا إن آية الصيف تدل أيضا على أن الجد خارج، فإن الله تعالى شرط في وراثة الأخت نصف التركة أن تكون كلالة، فلا جرم لا ترث النصف مع الجد ولا الأخ يرثها مع الجد بل يقاسمها، والله تعالى إنما شرط الكلالة في استحقاق النصف فقط وذلك مشروط بعدم الجد.
ويدل عليه أن الكلالة لا تتناول البنت، والأخت ترث مع البنت، إلا أنها لا ترث على الوجه المذكور في آية الصيف وهو النصف، وإنما ترث الباقي من نصيب البنت، فهذا تمام معنى آية الكلالة، وقد وردت في آية الصيف عدة أخبار تركنا ذكرها للاستغناء عنها في فهم معنى الآية.
ومما استنبطه العلماء من آية الكلالة بعد فهم معناها مسألة المشركة «١»، وقد اختلف فيها أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فروي عن علي إسقاط أولاد الأب والأم، وروي عن زيد التشريك «٢».
(١) المشركة كمعظمة ويقال المشتركة زوج وأم وأخوان لأم وأخوان لأب وأم، (راجع القاموس المحيط). [..... ]
(٢) أخرج أحمد بسند جيد عن زيد بن ثابت أنه سئل عن زوج وأخت لأب وأم فأعطى الزوج النصف والأخت النصف، فكلم في ذلك فقال: حضرت النبي صلّى الله عليه وسلم قضى بذلك.
(الدر المنثور).
ولا شك أن ظاهر قوله تعالى: (فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ)، يتناول أولاد الأم جملة، وقوله: (فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ) «١»، يتناولهم من جهة الأب لا من جهة الأم، فتعين الجمع بين الاثنتين، فمتى أمكن التوريث بقرابة الأبوة، وجبت مراعاتها لقوله تعالى: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ) «٢»، معناه يرثها بقرابة الأبوة، وإن لم يكن التوريث بقرابة الأبوة، وجب اتباع ظاهر قوله: (فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ)، فأخذنا حكم التشريك والتعصيب من الآيتين الواردتين في حق الكلالة، وذلك بيّن نعم إذا فرضنا زوجا وأما، وأخا من أم، وإخوة من أب وأم، فلولد الأم السدس، والسدس الباقي بين أولاد الأب والأم، لأن قوله تعالى: (وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) «٣»، ينفي التوريث بالفرض ما أمكن التوريث بالعصوبة، فإذا أمكن توريث بالعصوبة، وجب اتباع الآية الأخرى.
ومن يخالف هذا المذهب يقول: إنما جعل الله تعالى الإخوة شركاء في الثلث مبنيا على قوله تعالى: (فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ)، ولا يتصور استحقاق السدس ها هنا، فتقدير الآية: للواحد السدس وللإثنين الثلث، ولا يتصور ذلك في ولد الأب والأم، فعند ذلك يضعف التعليق بالظاهر من حيث الاسم، ويبقى التعليق من حيث المعنى، وهو أنه لما جعلت قرابة الأمومة مورثة، وقد وجدت العلة المورثة في حق الأب والأم، فينجر الكلام عند ذلك إلى طريق المعنى.
(١) سورة النساء آية ١٧٦.
(٢) سورة النساء آية ١٧٦.
(٣) سورة النساء آية ١٧٦.
وإذا ثبت الاستنباط من الكلام في مسألة المشركة، فالأخت مع البيت عصبة عند جماهير العلماء.
وقيل لابن عباس وابن الزبير: إن عليا وعبد الله وزيدا يجعلون الأخوات مع البنات عصبة، فقال: «أنتم أعلم أم الله؟»، يقول الله عز وجل: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ)، فجعل لها النصف عند عدم الولد، فكيف تجعلون لها مع الولد النصف؟
وعامة العلماء يرون معنى الآية: إن امرؤ هلك ليس له ولد ذكر، ولذلك قال: (وَهُوَ يَرِثُها) يعني الأخ، ولا شك أن الأخ يرث مع البنت.
ومثله قوله تعالى: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ)، ومعناه عند الجميع: إن كان له ولد ذكر.
ولا خلاف بين الصدر الأول ومن بعدهم من الفقهاء، أنه لو ترك ابنة وأبوين، أن للبنت النصف وللأبوين السدسان والباقي السدسان والباقي للأب، ولو ترك ابنة وأبا فللبنت النصف وللأب النصف، وقد أخذ في هاتين المسألتين مع الولد أكثر من السدس.
والسر في ذلك أن الذي تأخذه الأخت بعد أصحاب الفرائض، ليس هو النصف الذي كان مفروضا لها، إذا لم يكن ولد، فإن ذلك فرض، وهذا مأخوذ بالتعصيب، لأنها عصبة فتأخذ الباقي، فتارة يكون الباقي نصفا، وتارة أقل من ذلك، وربما ترك الميت ابنتين فصاعدا فتأخذ الأخت ما بقي بعد الثلثين، وربما كان مع الأخت أخواتها، فيأخذون جميع ما يبقى، فعلم به أن الذي تأخذه الأخت في هذا الموضع، إنما تأخذه بمعنى غير المعنى الذي كان فرض لها مع البنت.
فإذا كان المعنى الذي تأخذ به في هذا الموضع غير ذلك المعنى، لم يدخل أحد المعنيين على الآخر، وكان لكل واحد منهما معنى حكم على جهته.
نعم بنت الإبن لا تستحق الباقي بعد بنتي الصلب، لأن الجهة واحدة في البنت وبنت الابن، وأما الجهة فمختلفة ها هنا.
وليس يمكن إسقاط أولاد الإبن «١»، مع مشابهتهم لأولاد الصلب في تعصيب الأخت وغيره، وإعطاء الأبعد، وليس يمكن الترتيب في الفرض، فدعت الضرورة الى تعصيبهن «٢»، هذا تمام ما يقال في هذا الباب.
فإن قال قائل: فهلا قلتم لابنة الابن ما يبقى بعد بنتي الصلب؟ وإن بنت الابن في ذلك أولى من ابن ابن العم البعيد، فإنها تدلي ببنوة الميت، وابن العم يدلي ببنوة جد الميت، وشتان ما بينهما، فإن قلتم: لا شيء لها، علم أن ذا الفرض لا يصير عصبة، مخافة صرف المال إلى من هو أبعد منه في القرابة، فكذلك الإلزام في الأخت من الأب مع الأختين للأب والأم، فإنه لا يصرف إليها الباقي بعد الثلثين بحكم العصوبة، تقديما لقرابتها على قرابة ابن ابن العم، وهذا سؤال حسن.
والجواب عنه: أن السبب في ذلك أن الله تعالى شرع فرض البنات جملة واحدة، سواء كن بنات صلبه أو بنات ابنه، فجعل غاية حقهن الثلثين، وجعل غاية حق الأخوات سواء كن لأم وأب أو لأب الثلثين،
(١) في الأصل: الأب.
(٢) قال الجصاص: حكم بنات الابن إذا استوفى بنات الصلب الثلثين لم يبق لهن فرض، فان كان معهن أخ صرن عصبة معه، ووجبت قسمة الثلث الباقي بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
ودل عليه مطلق قوله تعالى: (لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ) إلى قوله: (فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ) «١» الآية، فوقعت الفريضة لهم جملة، لأنهم جميعا ولد الميت أو ولد أبى الميت، فإذا كان ذلك كمال حقهم من التركة، يقع الكلام منهم بعضهم مع بعض في البداية ببعضهم على بعض، فإذا استوفى الأخوات للأب وللأم حصصهم، كان الباقي للعصبة لأنهم يقولون لأولاد الأب: سواء علينا كنتم لأب وأم، أم كنتم لأب وقد استوفى فرض الأخوات، فليس لكن بعده شيء؟ وإن كان هناك أخ لأب سقط كلام العصبة، لأن الإخوة يقولون: أنتم لا حق لكم مع أخ لاب بوجه، فإنه ذكر عصبة لا يأخذ ما يأخذه بفرض الإناث.
السؤال: على هذا من أوجه:
أحدها: أنه إن صار نصيب الأخوات من الأب مستوفى في فريضة الأخوات للأب والأم وليس يبقى بعد ذلك لهن حق في الميراث، فلم تأخذ الأخت للأب مع أخيها «٢»، وهلا قال لها الأخ: قد صارت حصتك مستوفاة في ميراث الأخت للأب والأم، فلا حق لك أصلا بوجه من الوجوه، فلا جرم صار ابن مسعود إلى أن الباقي للأخ دون الأخت.
وأبى ذلك غيره حتى قال زيد بن ثابت: هذا من قضاء أهل الجاهلية.
أي إنهم كانوا يورثون الذكور دون الإناث.
إلا أن ابن مسعود يقول: أنا أورث الإناث، ولكن نصيبهم مستوفى في ميراث أولاد الأب والأم، فهذا تمام هذا القول في الاعتراض.
الوجه الثاني في الاعتراض، أن قول القائل إن ميراث أولاد الأب
(١) سورة النساء آية ١٧٦.
(٢) في الأصل: أختهم.
صار مستوفى لا وجه له، فإن حقهم لا يصير مستوفى لغيرهم، وكل من يحجب شخصا، لا يقال صار ميراثه مستوفى للحاجب، بل يقال:
لا ميراث للمحجوب مع الحاجب، فإذا تقرر ذلك فالثلثان لأولاد الأب والأم وبنات الابن معهن، ويبقى النظر بعد ذلك في أنهم حجبوا بمن فوقهم، فلم يحرمون من دونهم مثل مسألتنا سواء؟
الوجه الثالث: أنه لو جاز أن يقال هذا، جاز أن يقال: إن ميراث أولاد الأب شبيه بميراث أولاد الميت في الثلثين والنصف، وتعصيب الأخ للأخت، فيمكن أن يقال من أجل ذلك إنه ميراث الولادة، إلا أنه ولادة أب الميت، ولذلك تشابه الميراث، فإذا أخذت البنات الثلثين، صار حق الأولاد مستوفى على أبلغ الوجوه وهو ولادة الميت، وميراث أولاد أبي الميت من جنس ذلك بلا شك، فيصرف الفاضل إلى العصبة.
الجواب عن السؤال الأول: أن الأخت إنما تأخذ مع أخيها بجهة أخرى غير الجهة التي يستحق بها الأخوات الفرض، كما تأخذ بنت الابن مع ابن الابن ما يبقى، وإن وجد بنتا الابن.
فإن قلت: فلم يعصبها أخوها كما يعصب ابن الابن أخته؟ ولعل المعنى فيه أنها تقول نحن استوينا في القرب، وإنما لك فضل بالذكورة، فالمال بيننا على تلك النسبة، إذ يبعد أن يأخذه الأبعد في الدرجة بحكم البنوة، أو من في درجتها وهي لا تأخذ.
أو يقال: إن قوة عصوبة الابن اقتضت فعصبت أخته، وقد بعدت تلك القوة إلى أولاد الأب وإن تقاصرت عنه في بعض الوجوه، فكان التعصيب لهذا المعنى، وإذا ثبت التعصيب اختلفت الجهة، فلم يكن توفية ميراث الأخوات بالفرض مانعا جهة أخرى يستحق بها الميراث، وهذا بيّن.
والجواب عن الفصل الثاني، وهو قولهم إن ميراث أولاد الأب
لا يصير مستوفى، فإنهم محجوبون، وإنما ذلك حق أولاد الأب والأم، فالأمر كذلك على بعض الوجوه، غير أن الذي قلنا إنه ليس لأولاد الأب الإناث أكثر من هذا القدر الصحيح، والذي قالوه ثالثا إنه ليس لأولاد الأب إلا ما يشبه ميراث الأولاد، فهو الكلام الواقع، وما ذكروه من تشابه الميراثين فكمثل، ولكن مع هذا إذا فرضنا بنتا وأختا، لم نقل إن الأخت تأخذ مكملة الثلثين، مثل ما يقال في الأخت من الأب مع الأخت من الأب والأم، وذلك يدل على وجه على افتراق الميراثين.
واعلم أن هذا كله تعلل، والأصل فيه التوقيف، وهو ما روي هزيل ابن شرحبيل أن أبا موسى الأشعري سئل عن رجل ترك ابنته وابنة ابنه وأخته لأبيه وأمه. فقال: لبنته النصف، وما بقي فللأخت من الأب والأم. وقال: ائت ابن مسعود فسيقول مثل ما قلت، فسأل ابن مسعود عن ذلك وأخبره بما قال أبو موسى، فقال ابن مسعود: وكيف أقول ما قال أبو موسى وسمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت من الأب والأم «١».
وروى أبو حسان عن الأسود بن يزيد الكوفي، أن معاذ بن جبل وهو على اليمن ورث مال رجل توفي وترك ابنته وأخته، فجعل للابنة النصف ولأخته النصف، ورسول الله صلّى الله عليه وسلم حي يومئذ «٢».
وروى الأعمش عن إبراهيم عن الأسود قال: كان ابن الزبير يقول في بنت وأخت: المال للبنت، فقلت له: إن معاذا قضى فينا باليمن للبنت النصف وللأخت النصف الباقي، فقال ابن الزبير، فأنت رسولي إلى ابن
(١) رواه البخاري بنحوه والنسائي وابو داود.
(٢) رواه البخاري وابو داود والدارمي.
عتبة- وكان قاضيه على الكوفة- مره فليأخذ بذلك، فترك ابن الزبير قوله لما جاءه ما لم يمكن دفعه «١».

فصل


اعلم أن الله تعالى قال في ميراث الإخوة: (وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ) «٢»، فجعل الأخ عصبة، ولم يفصل بين الأخ من الأب والأم، والأخ من الأب، وجعل للأخت مطلقا النصف، وللأختين الثلثين، سواء كن من الأب أو من الأب والأم، ولم يفرد قرابة الأمومة، لا في حق الأخ ولا في حق الأخت، ولو انفردت قرابة الأمومة عن قرابة الأبوة، لكان للأخت من الأب والأم الثلثان: النصف بقرابة الأبوة، والسدس بقرابة الأمومة، وذلك كل المال، فإذا ثبت ذلك، علم به اتحاد القرابتين في حقه في استحقاق مقدار المال، ورجعت زيادة قرابة الأمومة إلى تأكيد قرابة الأبوة، حتى تقدم على ولد الأب، وتنزل زيادة قرابة الأمومة، منزلة زيادة درجة العصبات مثل الابن وابن الابن.
فإذا تبين ذلك، فإذا فرضنا ابني عم، أحدهما أخ لأم، لم تتحد قرابة الأمومة ببنوة العم، بل لمن اجتمعت فيه القرابتان، السدس بقرابة الأمومة، والباقي بينه وبين ابن عمه، وقال عمر وابن مسعود: المال للأخ من الأم.
ولم يختلفوا في الأخوين لأم، أحدهما ابن عم، أن لهما الثلث بنسب الأم، وما بقي فلابن العم خاصة.
وفي المسألة الأولى شبهوا بأخوة الأم، وأنها تتحد بأخوة الأب.
(١) رواه الدارمي، باب في بنت وأخت، وابن عتبة هو عبد الله..
(٢) سورة النساء آية ١٧٦.
وهذا بعيد، فإن الجهة هناك واحدة، واختلفت الجهة فيما نحن فيه، والأصل نفي الاتحاد بين الجهتين وتوفير مقتضى كل علة عليها، إلا ما كان مستثنى في حق الإخوة، والنافي منفي على أصله.
إذا ثبت الحكم في هذه المسائل فقد قال تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ) «١»، قدم الوصية على الدين في ثلاثة مواضع.
نعم أفاد بقوله: «أو» نفي اعتبار جمع الأمرين، فإنه لو قال:
«من بعد وصية ودين» بالعطف، لا أحتمل أن يقال: يعتبر وجود الأمرين، وإذا قال: «أو دين»، علم به أن اجتماعهما لا يعتبر، ومثله قوله تعالى: (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً) «٢»، أي لا تطعهما ولا كل واحد منهما، ومثله قول القائل: جالس الحسن أو ابن سيرين، هو أما بمجالستهما أو مجالسة أحدهما، فإذا قال: جالس الحسن وابن سيرين، احتمل أن يكون قد أمر بمجالستهما مجتمعين ومنفردين.
يبقى أن يقال: إنه تعالى قدم الدين على الوصية.
فيقال: إن المراد به استثناؤهما من جملة الميراث، وهما بالإضافة إلى التركة واحد، فإنهما مقدمان على حق الورثة، وليس يظهر أثر التقديم بالإضافة إلى الورثة، وإنما تتفاوت الوصية والدين في أنفسهما عند قطع النظر عن حق الورثة، وليس في الآية تعرض لذلك، وهذا بين، وكأنه تعالى ذكر الوصية قبل الدين، لأن الوصية أغلب وأكثر من الدين، فإنه قد يموت كثير ولا دين عليه، ولا يموت الإنسان غالبا إلا ويكون
(١) سورة النساء آية ١١.
(٢) سورة الإنسان آية ٢٤. [..... ]
قد أوصى بوصية، ولأن قضاء الدين من التركة كان مشهورا، ولعل الحاجة إلى بيان الوصية كان أكثر وأظهر، وعن علي رضي الله عنه قال:
قضى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالدين قبل الوصية وأنتم تقرءونها من بعد وصية يوصى بها أو دين «١».
واعلم أن قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ)، لا يقتضي اختصاص الوصية ببعض المال، كما لا يقتضي ذلك في الدين، إذ ظاهره العموم، إلا أن الخبر الصحيح ورد عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه، قال: مرض أبي مرضا شديدا أشفى «٢» منه، فعاده رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن لي مالا كثيرا وليس يرثني إلا كلاله، أفأتصدق بالثلثين؟ قال: لا. قال: فالشطر؟ قال: لا. قال: فالثلث؟
قال: الثلث والثلث كثير، إنك أن تترك ورثتك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة يتكففون وجوه الناس، وإنك إن تنفق نفقة إلا أجرت فيها، حتى اللقمة ترفعها إلى فيّ امرأتك. فقلت: يا رسول الله، أتخلف عن هجرتي؟ قال: لن تخلف بعدي، فتعمل عملا تريد به وجه الله تعالى، إلا تزداد رفعة ودرجة، لعلك أن تخلف فينتفع بك أقوام ويضرّ بك أقوام آخرون، ثم قال: اللهم امض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم «٣» لكن البائس سعد بن خولة يرثي رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن مات بمكة.
فدل الخبر على أن الزيادة على الثلث غير جائزة، فإن النقصان عن الثلث مستحب.
(١) رواه أحمد والترمذي وابن ماجة.
(٢) أشفى: أشرف.
(٣) أخرجه مالك والطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن الجارود وابن حيان.
ودل به على أنه إذا كان قليل الحال وورثته فقراء، فالمستحب أن لا يوصي أصلا.
وفيه دليل على أن الصدقة في المرض وصية غير جائزة إلا من الثلث، لأن سعدا قال: أتصدق بجميع مالي؟ فقال: لا، إلا أن يرده إلى الثلث.
وقول سعد: أتخلف عن هجرتي؟.. معناه أنه يموت بمكة وهي داره التي هاجر منها إلى المدينة، وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلم نهى المهاجرين عن أن يقيموا بعد النفر أكثر من الثلاث، وهاجر سعد مع النبي صلّى الله عليه وسلم وتخلف بعده، حتى نفع الله به أقواما وضرّ به آخرين، وفتح الله على يديه بلاد العجم وأزال ملك الأكاسرة.
وإذ قال تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ)، فيدل ظاهره على أن كل من كان عليه ما يسمى دينا، فلا يأخذ الوارث تركته.
ومساق ذلك أن دين الزكاة يؤخذ من ماله بعد الموت، وكذلك الحج، فإن رسول الله صلّى الله عليه وسلم سماه دين الله وجعله أحق الديون.
ومن الجهالات قول الرازي إن ذلك دين الله، فلا يفهم من مطلق اسم الدين، فإن الاختلاف في المضاف اليه لا في اسم الدين.
ولو قال قائل دين الآدمي ينطلق عليه اسم الدين لأنه مضاف إلى الآدمي، كان مثل ذلك.
ومطلق قوله «يوصي»، لا فصل فيه بين الوصية للوارث والأجنبي، إلا أن الأخبار قيدت بالوصية للأجنبي «١» على ما رواه الفقهاء في كتبهم، ودل الإجماع أيضا عليه.
(١) أخرج أبو داود والترمذي وأحمد وعبد بن حميد والبيهقي في سننه عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم في حجة الوداع في خطبته يقول: ان الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث، راجع فتح الباري في هذا الباب.
ومطلق قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ)، يقتضى التسوية بين مقدار الثلث وما فوقه، إلا أنه إذا كان هناك وارث معين استثناء رسول الله صلّى الله عليه وسلم بقوله: «إنك إن تدع ورثتك أغنياء» الحديث.
فإذا لم يكن وارث معين بقي عند أبي حنيفة على موجب العموم، إلا أن الشافعي رضي الله عنه يقول: قوله: (يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ)، ما ورد إلا في موضع الوراثة، ولم يرد مطلقا، فكيف يمكن الاستدلال بعمومه، وهذا قاطع في منع الاستدلال بعموم الآية في الوصية، وإذا لم يمكن ذلك، يبقى لنا أن الأصل امتناع إضافة التصرف إلى ما بعد الموت إلا بقدر ما استثنى، وقد شرحنا ذلك في مسائل الخلاف، وإنما مقصودنا بهذا الكتاب البحث عن معاني كتاب الله.
قوله تعالى في مساق الوصية: (غَيْرَ مُضَارٍّ)، أي غير مضار بالوصية، وذلك بأن يوصي بأكثر من الثلث.
وقوله تعالى: (غَيْرَ مُضَارٍّ)، يمتنع التعلق بعموم آية الوصية فيما يقع التنازع فيه، فإنه لا يدري أنه من قبيل المضارة أم لا، فيمتنع التعلق بعمومه لمكان الاستثناء المبهم، وهذا بين في منع التعلق بالعموم في الوصية، ومما يتعلق بمعاني الآية أن عموم قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ)، مع ذكر الزوجة والإخوة والأخوات، يدل على ميراث القاتل والرقيق والكافر، غير أن الأخبار الخاصة منعت منه، وإذا صار مضمون الخبر مقدما، فقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:
«لا يتوارث أهل ملتين شتى» «١».
ولم يختلف الناس في أن الكافر لا يرث المسلم.
نعم، نقل عن معاوية أنه ورث المسلم من قريبه الكافر.
وقيل هو قول معاذ.
وإذا كان قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يتوارث أهل ملتين شتى» قاضيا على عموم الآية في حق الكافر الأصلي والمسلم، قضى عليه في حق المرتد حتى لا يرثه المسلم» «٢».
وقال ابن شبرمة وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، والأوزاعي في إحدى الروايتين: ما اكتسبه المرتد بعد الردة فهو لورثته المسلمين.
وقال أبو حنيفة: ما اكتسبه المرتد في الردة فهو فيء، وما كان مكتسبا في حال الإسلام، ثم ارتد يرثه ورثته المسلمون إذا قتل على الردة عند أبي حنيفة، ولا يورث عنه ما اكتسبه في الإسلام.
وأما ابن شبرمة وأبو يوسف ومحمد، فلا يفصلون بين الأمرين، ومطلق قوله عليه السلام:
«لا وراثة بين أهل ملتين شتى»، يدل على بطلان أقوالهم.
تم انتزاع معاني الفرائض من آيات المواريث.
(١) وفيما أخرجه الامام البخاري ومسلم في صحيحيهما: «لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر».
(٢) انظر الجصاص ج ٣ ص ٣٧- ٣٨.
قوله تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ) »
الآية (١٥) :
الأكثرون على أن الآية منسوخة بما نزل في سورة النور: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) «٢» الآية.
والسبيل الذي جعله تعالى لهن: الرحم والجلد.
وقوله: (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما) «٣»، كانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، وكان الرجل إذا زنا أوذي بالتعيير والضرب بالنعال، فنزلت: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) الآية.
واعلم أن الآية إن كانت ناسخة فليس فيها فرق بين الثيب والبكر، وذلك يدل على أنه كان حكما عاما في البكر والثيب.
وورد في الأخبار الصحيحة عن عبادة بن الصامت في هذه الآية:
(وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ)، قال: كنا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم فنزل عليه الوحي، فكان إذا نزل عليه الوحي تربّد لونه، وكرب له، وصرفنا أبصارنا عنه فلم ننظر اليه، فلما سرّي عنه قال:
«خذوا عني».
قال: قلنا: نعم يا رسول الله، قال: قد جعل الله لهن سبيلا:
الثيب بالثيب الرجم، والبكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة «٤».
(١) الفاحشة: المتزايدة في القبح، وأجمعوا على أنها الزنا هاهنا.
(٢) سورة النور الآية ٢.
(٣) سورة النساء آية ١٦.
(٤) أخرجه الامام أحمد في مسنده جزء ٥ ص ٣١٧. ورواه الشافعي والطيالسي وعبد الرزاق وابن ابي شيبة والدارمي ومسلم وأبو داود وابن حبان.
وقال الحسن: كان أول حدود النساء كن يحبسن في بيوت لهن حتى نزلت الآية التي في النور: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) «١».. الآية، قال عبادة:
«كنا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم» فذكر مثل الحديث الأول.
وروي عن الحسن وعطاء أن المراد بقوله تعالى «فَآذُوهُما» الرجل والمرأة.
وقال السدي: البكر من الرجال والنساء.
وعن مجاهد: أنه أراد الرجلين الزانيين، وأراد بالأول المرأتين الزانيتين.
وذكروا أن الظاهر يدل عليه، فإنه قال تعالى أولا:
(وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ)، فاقتضى ذلك فاحشة مخصوصة من النساء.
وقال: (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ) فاقتضى ذلك فاحشة مخصوصة بالرجال، فالأول فاحشة بين النساء، والثاني فاحشة بين الرجال.
فعلى هذا المذكور من سورة النور ليس نسخا للأول من الفاحشتين، إذ لا يتعلق الجلد بها، وفي تعلقه بالفاحشة الثانية اختلاف قول بين العلماء.
ولا شك أن موجب الفاحشة وهو الحبس في البيت، منسوخ كيفما قدر الأمر، فأما الفاحشة الثانية فموجبها الإيذاء، وذلك ثابت الحكم غير منسوخ على قول بعض العلماء، وتأويل السدي أقرب إلى الظاهر، وقول غيره يحتمل، فيمكن أن تكون الآيتان نزلتا معا، فأفردت المرأة بالحبس،
(١) سورة النور آية ٢.
وجمعا جميعا في الأذى، وتكون فائدة إفرادها بالذكر، إفرادها بالحبس إلى أن تموت، وذلك حكم لا يشاركها فيه الرجل، وقرنت المرأة بالرجل في ذكر الأذى لاشتراكهما.
ويجوز أن تكون المرأة من قبل مشاركة الرجل في الأذى، ثم زيد في حدها الإمساك في البيت.
واعلم أن قوله: (يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ)، الظاهر كونه مقدما على قوله: (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ).
فإن قوله: (يَأْتِيانِها) كناية لا بد له من مظهر متقدم مذكور في الخطاب، أو معهود معلوم عند المخاطب، فالظاهر رجوع الكناية إلى ما تقدم ذكره من الفاحشة، فيقتضي ذلك أن يكون حبس المرأة متقدما، ثم تعذر زيادة الأذى على الحبس إن كان المراد بقوله: (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها) الرجل والمرأة، مع أن إضافة الفاحشة إلى المرأة، يبعد إضافتها ثانية إليها، إلا بتقدير أمر جديد، والأذى يشتمل على الحبس وما سواه، وليس فيه دلالة مصرحة بالزيادة ليعتقد مضموما إلى ما تقدم.
والظاهر أن قوله: «واللّذان» كناية عن الرجلين، لا عن الرجل والمرأة، لتقدم بيان فاحشة المرأة.
قيل لهؤلاء وقد قال الله تعالى (ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ) «١» من غير أن يتقدم ذكر المكنى عنه بالهاء.
وقال: (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) «٢» فيجوز في قوله: (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ).
(١) سورة فاطر آية ٤٥.
(٢) سورة القدر الآية ١.
فأجابوا: إن المفهوم من ذكر الإنزال: القرآن، ومن قوله على ظهرها من دابة: الأرض، فاكتفى بقرينة الحال عن ذكرها صريحا.
وقال السدي: إن قوله (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ) :في الثيبين، وقوله: (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ) :في البكرين.
وكيفما قدر فلا بد من شيء منسوخ في الآية.
والصحيح أنه نسخ بقوله عليه السلام: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا» الحديث.
ويجب أن يكون قوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) نازلا بعد قوله عليه السلام: «جعل الله لهن سبيلا»، فإنه لو نزل قبل هذا الخبر، ما كان لقوله عليه السلام: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا» معنى، وذلك يدل على نسخ الكتاب بالسنة.
وعلى هذا إذا نزلت آية النور بعد خبر عبادة، فإنما يكون متضمنا بعض حكم زنا البكر، من غير تعرض لزنا الثيب، ومن غير تعرض لنفي سنة، وذلك في القلب منه شيء.
وكيف ترك الأمر العظيم الأهم من زنا الثيب ورجمه بقول: الزانية والزاني، فيأتي بالألف واللام الدالين على استغراق الجنس، ويقول بعد ذلك: (وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) «١»، وذلك لأجل المبالغة، فيتعرض لمزيد تغليظ عليهم ليس من جنس الحد، ويقول في تمام التغليظ: (وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).
فيظهر من مجموع هذه المبالغة في التغليظ أنه لو كان ثم حد آخر أو في
(١) سورة النور آية ٢. [..... ]
منه، لكان أولى بأن يتعرض له، فيظهر بذلك الاحتمال الآخر وهو أن قوله: (فَآذُوهُما)، (وفَأَمْسِكُوهُنَّ)، لم ينسخه خبر عبادة، وإنما نسخه الذي في النور، فكان ذلك شاملا للبكر والثيب جميعا على وجه واحد، فإن الثيب أكثر من يصدر منهم الزنا، فكيف لا يتعرض لهن.
يبقى أن يقال: فما معنى قوله عليه السلام: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا» والسبيل كان سابقا؟
فيقال: إن ذلك من أخبار الآحاد، فلا يعترض به على هذا الأمر المقطوع به الذي قلناه.
أو يقال: قوله «قد جعل الله لهن سبيلا»، بيان حكم الله تعالى، وحكم الله تعالى يجوز أن يرد في دفعتين، فإذا ورد ثانيا، كان تتمة السبيل الذي أطلقه كتاب الله تعالى.
وفيه شيء آخر من الإشكال، وذلك أن الله تعالى يقول في الآية الأولى:
(فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ) الآية (١٥).
ويقول في الآية الثانية: (فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما) الآية (١٦).
فإن كان الذي وجب على الرجلين، أو على الرجل والمرأة على اختلاف المعنيين، عين الحبس، فإذا عزر المعزر منه، وجب الإعراض عنه، تاب أو لم يتب بقوله:
(فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما)، فإنه يقتضي عقابا دائما يسقطه التوبة والصلاح والإخلاص، ويكون ذلك الحبس، فيقتضي ذلك أن يكون الإيذاء عبارة عن الحبس أيضا، كما كان في الأولى، إلا أن الله تعالى عبر عنهما بعبارتين مختلفتين.
فهذا تمام ما تيسر تقريره ها هنا، مع ما فيه من الإشكال.
وقد أنكرت الخوارج الرجم، لأجل أن الذي في سورة النور لا يحتمل أن يكون في وقت اختلاف حد البكر والثيب كما قررناه، وإذا كان كذلك فلا بد وأن يكون تمام الحد هو القدر المذكور في سورة النور في حق البكر والثيب جميعا، فإذا كان كذلك، فشرع الرجم نسخ لهذه الآية، ونسخ القرآن بأخبار لا يجوز بوجه.
قوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى).. إلى قوله: (لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً) «١».
بيان الوقت الذي تقبل فيه التوبة، ليس متعلقا بأحكام التوبة في الدنيا، فأراد أن يبين حكمها في الآخرة.
قوله تعالى: (لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً) الآية (١٩) :
ذكر ابن عباس في هذه الآية أنه إذا مات الرجل، كان أولياؤه أحق بامرأته من ولي نفسها، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فنزلت هذه الآية في ذلك، فكانوا يورثون وارثه المال، وكان من الطاعة منهم أن يلقي أقرب الناس اليه عليها ثوبا فيرث نكاحها، فمات ابن عامر، زوج كبشة بنت عامر، فجاء ابن
(١) سورة النساء، الآية ١٧- ١٨- ١٩.
عامر من غيرها، فألقى عليها ثوبا فلم يقربها ولم ينفق عليها، فشكت إلى النبي صلّى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى:
(لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً).
وقوله: (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ) «١».
أمر للأزواج بتخلية سبيلها، إذا لم يكن فيها حاجة، فلا يضرّ بها في إمساكها حتى تضجر، فتفتدى ببعض مالها «٢».
كذا فسره ابن عباس.
وقال الحسن: هو نهي لولي الزوج الميت أن يمنعها من التزويج على ما كان عليه أمر الجاهلية.
وقوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ).
يحتمل زناها الذي يجوز للرجل من أجله أن يهجرها ويزجرها، ويجوز أن يكون نشوزها، فهذا معنى الآية، وشرحنا أحكام الخلع في سورة البقرة.
وذكر عطاء الخراساني أن الرجل كان إذا أصابت امرأته فاحشة، أخذ ما ساق إليها وأخرجها، فنسخ ذلك.
وقال زيد بن أسلم في هذه الآية: (لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً) :كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية، ورث
(١) العضل أن يكره الرجل امرأته، فيضربها حتى تفتدى منه، انظر تفسير الطبري ج ٤ ص ٣٠٨.
(٢) نهى الله جل ثناؤه زوج المرأة عن التضييق عليها، والإضرار بها، وهو لصحبتها كاره، ولفراقها محب، ولتفتدى منه ببعض ما آتاها مر الصداق».
امرأته من يرث ماله، فكان يعضلها حتى يتزوجها أو يزوجها من أراد، فكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة امرأته حتى يطلقها، ويشترط عليها ألا تنكح من أراد حتى تفتدى منه ببعض ما أعطاها، فنهى الله المؤمنين عن ذلك.
قال زيد: وأما قوله: (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ)، فإنه كان في الزنا ثلاثة أنحاء وقال:
(وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً) «١»، فلم ينته الناس.
ثم نزل: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ) إلى قوله:
(أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا).
كانت المرأة الثيب إذا زنت فشهد عليها أربعة، عضلت فلم يتزوجها أحد، فهي التي قال الله عز وجل:
(لا تَعْضُلُوهُنَّ... إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ).
قال زيد: ثم نزلت.
(وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما)، فهذين البكرين اللذين لم يتزوجا، فآذوهما أن يعرفا بذنبهما فيقال: يا زان، يا زانية، حتى يرى منهما توبة، حتى نزل السبيل فقال:
(الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ) «٢»، فهذا للبكرين، فقال زيد: وكان للثيب الرجم.
وفي الذي ذكره زيد جواب عن قول القائل: إن قوله: «فَآذُوهُما»
(١) سورة الإسراء، آية ٣٢.
(٢) سورة النور آية ٢.
يجب أن يكون الحبس، فإن التعزير إذا أقيم وجب الإعراض عنه، فإنه قال:
معنى الإيذاء له أن يعرف بالفاحشة تعبيرا فيقال: يا زان، يا زانية، إلى أن يتوبا فيسقط التعيير.
قوله تعالى: (وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ).
معناه مثل معنى قوله: (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ)، وذلك توفية حقها من المهر والنفقة، وأن لا يعبس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون مطلقا في القول، لا فظا ولا غليظا، ولا مظهر ميلا إلى غيرها.
قوله تعالى: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً).
بيان استحباب الإمساك بالمعروف، وإن كان على خلاف هوى النفس.
وفيه دليل على أن الطلاق مكروه.
قوله: (وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ) الآية (٢١) :
يستدل به من أوجب المهر بالخلوة.
وقال قوله تعالى: (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) «١»، يعم المخلو بها وغيرها.
وقوله: (وَقَدْ أَفْضى)، يدل في حق المخلو بها وغيرها، والإفضاء حمله القراء على الوطء.
(١) سورة البقرة آية ٢٣٧.
وقيل: أصله مأخوذ من الفضاء، وهو المكان الذي ليس فيه بناء حاجز عن إدراك ما فيه، فسميت الخلوة إفضاء لزوال المانع من الوطء.
ويقال في تقدير ذلك الأصل: أن لا يأخذ شيئا منها بعد أن ملكت، إلا أن الإجماع حصل في حق غير المخلو بها.
ويقال في الجواب عنه: بل الأصل أن المعوض متى عاد سليما إليها، فيرد كمال العوض إلى الزوج، إلا فيما استثنى من الوطأة الواحدة، أو الموت، أو بقاء نصف المهر عليها عند الطلاق، والكلام يتقاوم ويخرج عن معنى أحكام القرآن.
قوله تعالى: (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) الآية (٢٢) :
اعلم أن النكاح في أصل اللغة بمعنى الجمع والضم، وهذا المعنى في الوطء أظهر، غير أنه في عرف الشرع للعقد، حتى إذا قال لامرأة أجنبية: إن نكحتك فعبدي حر وامرأتي طالق، تعلق الحنث بالعقد لا بالوطء دون العقد، ولا يجوز عند كثير من الأصوليين، أن يكون اللفظ محمولا على الحقيقة وعلى المجاز جميعا، فيراد المعنيان.
فإذا ثبت ذلك، فالّتي عقد الأب عليها، مراد الآية إجماعا، ودل عليه نظيره: (وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) الآية (٢٣).
وسيقت الآيات بعدها لتحريم العقد، وقال: (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ).
ولا يجوز أن يريد به الوطء دون النكاح، فإن ذلك محرم لا بهذه العلة، بل الزنا محرم على الإطلاق، وإنما يكون قد حرم ما كان تحريمه لأجل نكاح الأب، وهو عقد نكاح الابن، وهذا لا يشك فيه عاقل.
ودل على ذلك أيضا قوله: (وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) الآية (٢٣). معناه: دخلتم بهن من نسائكم، ولا يكون ذلك إلا في النكاح «١».
وليس يخفى على عاقل، أن تحريم منكوحة الأب على الابن، ليس للتغليظ على الابن بحرام صدر من الأب، بل هو لتعظيم الأب في منكوحة بمثابة أم لابنه، وامرأة ابنه بمثابة بنت له، فإذا كان ذلك بطريق الكرامة والمحرمية، فلا يقتضي الزنا المجرد ذلك.
وذكر الرازي أن الله تعالى غلظ أمر الزنا بإيجاب الرجم تارة، وبإيجاب الجلد أخرى، فمن التغليظ إيجاب التحريم، وذكر هذا المعنى في شرح معنى هذه الآية، وذلك غلط فاحش منه، فإنه لا يتوهم التغليظ على الابن في زنا الأب، مع أن المزنية غير محرمة على الزاني، فهذا تمام هذا المعنى «٢».
ثم إن الرازي قال:
زعم الشافعي أن الله تعالى لما أوجب الكفارة على قاتل الخطأ، كان قاتل العمد أولى بذلك، إن كان حكم العمد أعظم من حكم الخطإ، ألا ترى أن الوطء لا يختلف حكمه أن يكون بزنا أو بغير الزنا، فيما يتعلق به من فساد الحج والصوم؟ فكذلك ما نحن فيه.
وهذا الذي ذكره غاية الجهل، فإن الشافعي لما «٣» قال ذلك في حكم الكفارة التي محلها القتل، الذي هو محظور غير مستحق، ولذلك لا تجب
(١) يعني أن أبنة الزنا ليست من ربائبه.
(٢) يقول الجصاص: «وسمي العقد المختص باباحة الوطء نكاحا، لأن من لا يحل له وطؤها لا يصح نكاحها».
(٣) كذا بالأصل، ولعل (لما) زائدة.
في القتل المباح، وأما المحرمية فإنها كرامة ونعمة، وتعلقت في الأصل بالنكاح الصحيح، قال «١» الشافعي:
الكفارة في الأصل وجبت لمعنى كرامة في الآدمي، وثبتت في النكاح، وأثبتت في حق الابن بسبب نكاح الأب، إنما أثبتت لمعنى، كان الزنا أولى بذلك المعنى.
فالذي ذكره يدل على أنه لم يفهم معنى كلام الشافعي رضي الله عنه، ولم يميز بين محل ومحل، ولكل مقام مقال، ولتفهم معاني كتاب الله رجال، وليس هو منهم، وعلى هذا فساد العبادات، فإن فسادها للجنايات على العبادة، والزنا في هذا المعنى مثل الوطء بالنكاح.
وقد اعترف بعض من ادعى الإنصاف منه، أن المحرمية لا تثبت بطريق التغليظ، فإن هذا النمط من الكلام باطل، فتكلف في الزنا جهة رأى أنه يقتضي الكرامة من تلك الجهة، وتلك الجهة باطلة قطعا ولسنا لنذكرها.
وذكر الشافعي مناظرة بينه وبين مسترشد طلب الحق منه في هذه المسألة، فأوردها الرازي متعجبا منها ومنبها على ضعف كلام الشافعي فيها، ولا شيء أدل على جهل الرازي، وقلة معرفته بمعاني الكلام من سياقته لهذه المناظرة، واعتراضاته عليها، ونحن نبين كلام الشافعي رضي الله عنه:
اعلم أن كلام الشافعي دل أولا، على أن الله تعالى ما أثبت المحرمية في زوجة الأب كان الوطء أو لم يكن في حق الابن إلا كرامة ونعمة،
(١) في الأصل: فقال.
ولا يتهيأ لعاقل أن يقول إن الشرع يجعل زوجة الإنسان محرما لابنه حتى يجوز له أن يخلو بها، ويسافر معها، ويراها بمثابة أمه من الرضاعة والنسب بطريق العقوبة، وإذا تقرر ذلك قال الشافعي رضي الله عنه:
فقال لي قائل: لم قلت: إن الحرام لا يحرم الحلال؟
قلت: قال الله تعالى: (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ).
وقال: (وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ) إلى قوله (دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) «١»، أفلست تجد التنزيل إنما يحرم من سمى بالنكاح أو الدخول في النكاح؟
قال: بلى.
قلت: أفيجوز أن يكون الله تعالى حرم بالحلال شيئا، وحرمه بالحرام، والحرام ضد الحلال؟ والنكاح مندوب اليه، مأمور به، وحرم الزنا فقال: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا) «٢».
فهذا تمهيد الدلالة من إمامنا الشافعي رضي الله عنه، وأشار بها إلى أن الشارع حرم زوجة الأب من غير دخول مثلا على الابن، وإذا ثبت ذلك، فإذا أردنا فهم المعنى منه لنلحق به ما سواه، لم يكن فهم معنى التغليظ، وإنما يفهم منه معنى الكرامة، والكرامة إنما تليق بسبب مباح أو مندوب اليه، فلا يتصور فهم معنى الكرامة في إثبات المحرمية، وحليلة الأب والابن وأم المرأة، ثم يقاس عليه الزنا الذي لا يليق به الكرامة، فإنهما ضدان، فلا يتعرف من أحدهما ضد مقتضاه في الآخر بطريق الاعتبار والقياس، وهذا في نظر أهل الأصول والتحقيق من الضروريات، فقال هذا الجاهل- أعني الرازي:-
(١) سورة النساء الآية ٢٣.
(٢) سورة الإسراء الآية ٣٢.
تلا الشافعي آيتين، وليس فيهما أن «١» التحريم لا يقع بغيرهما، كما لا ينفي الحلال إيجاب التحريم بالوطء، بملك اليمين وبسط القول فيه ومعناه هذا، ولم يعلم هذا الجاهل معنى كلام الشافعي رضي الله عنه، فاعترض عليه بما قاله، وعجب الناس من ذلك وقال:
في هذه المناظرة أعجوبة لمن تأمل، فكان كما قال القائل:
وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم
ويعلم الله تعالى، أن الذي حمله لا يلتبس على من شذا «٢» من التحقيق طرفا، غير أن فرط التعصب يعمي عين البصيرة بالمرة، وظن الجاهل أن الشافعي رضي الله عنه، رأى القياس ممتنعا في الضدين مطلقا، وأنه لم ير قياس الشيء على خلافه، وقال:
المتضادان قد يجتمعان في وجوه، وكفاه جهلا وخزيا أنه لم يفهم هذا الكلام الذي ذكره الشافعي على وضوحه.
ثم كلام الشافعي، قال له: أجد جماعا وجماعا، فلعل السائل ظن أن هذا الكلام الحكيم معلق على صورة الجماع، مثل الغسل وفساد العبادات، فقال الشافعي:
هذا جماع لو فعلت حمدت عليه، وذلك لو فعلت رجمت به، فرده إلى المعنى الأول.
أي إن العاقل لا يفهم من تحريم زوجة الأب بنفس العقد على تقدير أنها كرامة، ولا من تحريم حليلة الابن مذكورا بلفظ الحليلة مثل تلك
(١) انظر أحكام القرآن للجصاص ج ٣ ص ٥٦.
(٢) قال في القاموس: شذا بالخبر: علم به فأفهمه. [..... ]
الكرامة، فيما هو محظور محض، سماه الله تعالى مقتا وفاحشة، وقال:
(وَساءَ سَبِيلًا).
وقال له السائل: هل توضحه بأكثر من هذا؟
قال: نعم، أفنجعل الحلال الذي هو نعمة، قياسا على الحرام الذي هو نقمة؟
والعجب أن الرازي ذكر هذا وقال:
هذا تكرار المعنى الأول، ولم يفهم مقصوده مع هذا الإيضاح، ثم ألزم وطء الحائض، والوطء في النكاح الفاسد، والجارية المجوسية، وأن الوطء في هذه المواضع بمنزلة نفس النكاح، مع أن ذلك مزجور «١» عنه محرم، وهذا لا يخفي وجه الجواب عنه، لما تشتمل عليه هذه الوطئات من معنى الحرمة واقتضائها «٢» للكرامة في أمر النسب والعدة، وتمام الجواب عنه مذكور في مسائل الخلاف، غير أن مقصودنا الآن فهم معنى الآية التي سيقت لبيان مجرد العقد في حق الابن، وصار العقد المجرد مرادا به بالإجماع، كيف يمكن أن يفهم منه الزنا؟
ثم حكى زيادة على ما قلناه للشافعي رضي الله عنه، ووجد في كتبه، استشهادات من المسائل بعيدة، وجواب الشافعي عنها، وكذب الجاهل في تلك الزيادات.
والمنقول عن الشافعي رضي الله عنه في كتبه، هذا الذي ذكرناه من القواطع الأصولية، التي يتلقاها العقل والشرع بالقبول والاتباع.
(١) مزجور: منهي عنه.
(٢) الأصح: وعدم اقتضائها.
والعجب أنه كما لم يفهم كلام الشافعي، لم يفهم كلام السائل أيضا، حيث قال: «أجد جماعا وجماعا».
قال: السائل قصد بذلك أن يتبين أن المعنى إذا لم يتضح فاسد وجه فيه الشبه «١». فقال: «أجد جماعا وجماعا» والشافعي أبان الفرق بينهما بالمعنى الذي ذكره، فلا هو اهتدى إلى وجه الشبه، ولا إلى وجه الحجة، وإنما كان الذي ناظره محمد بن الحسن «٢».
ثم قال هذا الجاهل بفرط جهله: وسرور الشافعي بمناظرة مثله، يدل على أنهما كانا كالمتقاربين في المناظرة، وإلا فلو كان عنده في معنى المبتدي والغبي العامي، لما أثبت مناظرته إياه في كتابه، ولو كلم به المبتدئون من أصحابنا لما خفى عليهم عوار هذه الحجاج، وضعف السائل والمسئول فيه «٣».
هذا لفظ الرازي نقلته على وجهه من كتابه الذي سماه أحكام القرآن «٤».
والذي ذكره من الوقيعة في إمامنا الشافعي رضي الله عنه، يكفيه في الجواب عنه جهله بقدر الشافعي أولا، وجهله بكلامه الذي حكيناه وشرحناه، ولله يوم يخسر فيه المبطلون.
(١) كذا بالأصل والأصح: فاسد فيه وجه الشبه.
(٢) قال النيسابوري في غرائب القرآن: وقد ناظر الشافعي محمد بن الحسن في هذه المسألة فوقع ختم الكلام على قول الشافعي: وطء حرمت به ووطء رجعت به كيف يشتبهان؟..
(٣) أحكام القرآن للجصاص ج ٣ ص ٦٠.
(٤) وينتج من مقارنة ما ذكره بما في أحكام القرآن للجصاص تصرفه في العبارة، واعتماده طريق الاختصار مع الأمانة في النقل.
ولو أن المحققين يعلمون أن في إيضاحنا لجهله بمعنى كلام الشافعي أتم انتصار منه، لتجاوزنا ذلك إلى ما سواه.
ومما ذكره الشافعي رضي الله عنه أن قال:
كيف يتهيأ لعاقل أن يفهم من قوله تعالى:
(وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) أن من قبل امرأة بشهوة، حرم على ابنه التزوج بها تلقيا من قوله: (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ).
أترى ذلك من قبيل ما يسمى نكاحا على تقدير عرف الشرع، أو عرف اللغة وموجبها؟
ولو نظر إلى فرجها فكذلك، ولو نظر إلى سائر بدنها فلا، ولو نظرت إلى فرج رجل، حرم على ابنه أن ينكحها تلقيا من قوله (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ)، أو تلقيا من قوله: (وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ) أو من قوله: (وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ).
أليس ترك هذا القول خيرا من نصرته مع ما فيه من المخازي؟
وظاهر مذهب الشافعي رضي الله عنه، أن اللمس بشهوة في ملك اليمين وفي النكاح، لا يوجب تحريم ما يتعلق تحريمه بالوطء.
قوله: إلّا ما قد سلف: فيه نظر، فإنه قال: (وَلا تَنْكِحُوا) ثم قال: (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ).
وظاهر ذلك أن الذي سلف كان نكاحا، إلا أن قوله: (إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا) يرده فمعنى قوله (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ)، أي إلا ما قد سلف فإنكم غير مؤاخذين به.
فعلى هذا قوله: (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ)، استثناء منقطع كقولهم:
«لا تلق إلا ما لقيت، يعني لكن ما لقيت فلا لوم عليك فيه».
وقوله تعالى: (إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً). «١»
يعني بعد النهي، وإلا فقبل النهي ليس بفاحشة، لا قبل المبعث ولا بعده، فعلى هذا قوله: (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ)، يعني فإنه يسلم منه بتركه والتوبة منه.
نعم، في هذه الآية دلالة ظاهرة للشافعي رضي الله عنه، في أن من تزوج امرأة ابنه، ثم وطئها مع العلم بالنهي والتحريم إنه زان، لأنه تعالى قال:
(إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا).
كما قال: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا).
فذكر في نكاح امرأة الأب مثل ذلك.
فإن قيل: إنه إذا كان عندكم النكاح بمعنى العقد، والعقد لم ينعقد، فليس ثم زنا، فما معنى قوله: (فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا) والفاحشة عندكم ترجع إلى العقد، وليس في ذلك ما يوجب الحد؟ وهذا سؤال القوم.
والجواب عنه: أنه لما جعل العقد فاحشة، لم يكن فاحشة لعينه، وإنما كان فاحشة لحكمه ومقصوده، فلولا أن مقصوده أعظم وجوه الفواحش، وليس فيه شبهة، ما جعل الذريعة اليه فاحشة ومقتا، وهذا في غاية الوضوح فاعلمه.
(١) عقب بالذم البالغ المتتابع، وذلك دليل على أنه فعل انتهى من القبح الى الغاية.
قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ) الآية (٢٣) :
حرم الله تعالى من النسب سبعا ومن الصهر سبعا ثم قال:
(كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ) «١».
واللفظ ليس حقيقة في أمهات الأمهات، وأمهات الآباء، والأجداد:
والتحريم شامل «٢»، نعم اسم الأمهات ينطلق عليهن عرفا، فلا جرم اكتفى بإطلاق العرف عن ذكرهن.
والدليل على أن اسم الأمهات ليس حقيقة في الجدات، أن الصحابة لم يفهموا من ميراث الأبوين ميراث الجدات والأجداد، حتى بينه رسول الله صلّى الله عليه وسلم، واستنبطه أهل الإجماع بدقيق النظر، وروى لهم الراوي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أطعم الجدة بالسدس، واختلفوا في الجد مع الأخ، ولم يجهلوا معنى الاسم، وكان الإجماع انعقد على تحريم الجدات وهو الأصل.
فإذا ثبت ذلك، فقد حرم الله تعالى بعد الأمهات الأخوات، وذكر بنات الأخوات، وبنات الأخ، لأن اسم الأخ لا يتناول ابن الأخ مجازا ولا حقيقة.
واعلم أن الله تعالى وضع هذا التحريم على ترتيب عجيب، فحرم أولا أصول الإنسان عليه وفصوله، وفصول أصوله الأولى بلا نهاية، وحرم فصول فصوله بلا نهاية، وحرم أول فصول كل أصل ليس قبله أصل إلى غير نهاية، وهو أولاد الإخوة والأخوات، وحرم أول فصل من كل أصل قبله أصل آخر بينه وبين الناكح، وهو أولاد الجد وأبو
(١) سورة النساء، آية ٢٤.
(٢) أنظر النيسابوري في غرائب القرآن.
الجد، فإن التحريم مقصور، وابنة الخال، على أول فصل، فابنة العم، وابنة العمة، وابنة الخالة حلال، ثم قال: و (أُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ).
فحرم من الرضاع ما حرم من النسب، غير أن في الرضاع لم يذكر بنات الأخ والعمات والخالات من الرضاعة، ودل على ذلك قول الرسول صلّى الله عليه وسلم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». «١»
وقال تعالى: (وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ).
وقد حرم الله تعالى الأم من الرضاعة، من غير تعرض لما به يحصل الرضاع»
من مقدار الرضاع ومدته، فالتعلق بهذه الآية في إثبات التحريم بالرضعة الواحدة تعلق بالعموم، الذي سيق لغرض آخر غير غرض التعميم، إلا أن صيغة العموم وقعت صلة في الكلام زائدة، ليتوصل بها إلى غرض آخر يستنكره في سياقته، للتعريج على ذكر تفصيل ما يتعلق به حرمة الرضاع، وفي مثله يقول الشافعي رضي الله عنه.
الكلام يجمل في غير مقصوده ويفصل في مقصوده.
وفي الأصوليين من يخالف ذلك.
وقد شرحنا ذلك في تصانيفنا في الأصول، واليد العليا لمن يذب عن مذهب الشافعي رضي الله عنه في ذلك، وهو منع الاستدلال بهذا الجنس من العموم.
وذكر الرازي في هذا المقام، أن أخبار آحاد النصوص لا يجوز أن
(١) أخرجه الامام مسلم في صحيحه، وروى البخاري ومسلم عن عائشة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «ان الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة».
(٢) لعلها الراضع.
يخصص بها هذا العموم، فضلا عن منع التعلق به، وفيما قدمناه ما يبين فساد قوله.
واختلف الناس في لبن الفحل، وهو أن يتزوج المرأة فتلد منه ولدا ويدر لها لبنا بعد ولادتها منه، فترضع منه صبيا.
فأكثر العلماء على أن لبن هذا الفحل، يحرم هذا الصبي على أولاد الرجل، وإن كانوا من غيرها، ومن لا يعتبر لا يوجب تحريما بينه وبين أولاده من غيرها.
فمن قال بلبن الفحل ابن عباس.
وقال ابن سيرين: كرهه قوم، ولم ير به قوم بأسا، ومن كرهه كان أفقه.
وهو قول القاسم بن محمد، وعليه الفقهاء المعتبرون مثل الشافعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأبي حنيفة وأصحابه جميعا.
وخالف سعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وقالوا: لبن الفحل لا يحرم شيئا من قبل الرجل.
وقوله تعالى: (وَأُمَّهاتُكُمُ «١» اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ)، يدل على أن الفحل أب، لأن اللبن منسوب اليه، فإنه در بسبب ولده وهذا ضعيف، فإن الولد خلق من ماء الرجل والمرأة جميعا، واللبن من المرأة ولم يخرج من الرجل، وما كان من الرجل إلا وطء هو سبب لنزول الماء منه، وإذا حصل الولد، خلق الله للبن، من غير أن يكون اللبن مضافا إلى
(١) يقول النيسابوري في غرائب القرآن:
«سمى المرضعات- في هذه الآية- أمهات تفخيما لشأنهن، كما سمى أزواج النبي صلّى الله عليه وسلم أمهات لحرمتهن، وليس قوله: «وأمهاتكم اللاتي أرضعتكم».
الرجل بوجه ما، ولذلك لم يكن للرجل حق في اللبن، وإنما اللبن لها فلا يمكن أخذ ذلك من القياس على الماء.
وقول رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، يقتضي التحريم من الرضاع، ولا يظهر وجه نسبة الرضاع إلى الرجل، مثل ظهور نسبة الماء اليه، والرضاع منها، لا جرم الأصل فيه حديث الزهري وهشام ابن عروة عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها وهو عمها من الرضاعة، بعد أن نزل الحجاب، قالت: فأبيت أن آذن له، فلما جاء النبي صلّى الله عليه وسلم أخبرته، فقال: ليلج عليك، فإنه عمك تربت يمينك، وقال: أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة رضي الله عنها.. وهذا أيضا خبر واحد «١».
ويحتمل أن يكون أفلح مع أبي بكر رضيعي لبان، فلذلك قال:
«ليلج عليك فإنه عمك»، وإلا فلم يثبت أنه كان الرضاع قبل التزوج أو بعده، أو كانت امرأة أبي قعيس ولدت منه، فإن قدرت هذه الأمور، فيجوز أن يقدر به ما قال المخالف.
وبالجملة، القول فيه مشكل والعلم عند الله تعالى، ولكن العمل عليه والاحتياط في التحريم أولى، مع أن قوله: (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ)، يقوي قول المخالف فاعلمه.
قوله تعالى: (وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ «٢» وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي «٣» فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) الآية (٢٣) :
(١) رواه البخاري ومسلم.
(٢) ويدخل فيه الجدات من قبل الأب والأم. [..... ]
(٣) والربائب: جمع ربيبة، وهي بنت امرأة الرجل من غيره، ومعناها مربوبة، لأن الرجل يربيها، والحجور: جمع حجر بالفتح والكسر.
اعلم أن السلف اختلفوا في اشتراط الدخول في أمهات النساء.
فروي عن عليّ اشتراط ذلك، مثل ما في الربائب، وروي عن جابر مثل ذلك، وهو قول مجاهد وابن الزبير.
وأكثر العلماء على خلاف ذلك في الفرق بين الربائب وأمهات النساء.
فأما من جمع بينهما يقول:
الشرط إذا تعقب جملا رجع على الجميع، كالشرط والاستثناء بالمشيئة، وذلك ما قررناه في الأصول، وأصحاب الشافعي وأبي حنيفة يسلمون الشرط والاستثناء بالمشيئة، ورجوعهما إلى الجميع، فوجب عليهما أن يفرقوا بينهما على كل حال.
فكان الفرق أن قوله تعالى: (وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ)، ثم قال: (مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ)، فنعت الربائب بنعت لا يتقرر ذلك النعت في أمهات النساء، ثم ذكر إضافة، فالظاهر أن الإضافة وهي قوله: (مِنْ نِسائِكُمُ) لصاحبة الصفة، وكانت كالصفة الثانية، فلم يظهر رد النعت الثاني إلى أمهات الثاني، وقبله وصف لا يتصور فيهن، بل الثاني يتبع الأول.
ولو قال ظاهرا: «وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن»، أو هم أن أمهات النساء من النساء، وذلك وصف للربائب، لا وصف أمهات النساء، فتقرير اللفظ بنات نسائكم اللاتي دخلتم بهن.
والمخالف يقول: بل تقديره من حيث العطف: «وأمهات نسائكم وبنات نسائكم» وذلك يقتضي الجمع، فكأنه قال:
«وأمهاتهن وبناتهن»، فانصرف الثاني إلى ما انصرف الأول اليه،
فتقديره: وأمهات نسائكم، وبنات نسائكم اللاتي في حجوركم، ونساؤكم ممن قد دخلتم بهن.
ويجاب عنه بأن الأسماء المتحدث عنها المذكورة، هي التي يصرف النعت إليها دون الأسماء المضاف إليها، إلا أن يتبين أن النعوت للأسماء المضاف إليها بنص، أو بضرب من الدليل يقوم مقامه، فإنك إذا قلت:
لعلي بن محمد بن أبي الحسن عليّ ألف درهم، تكون الكنية لعلي دون محمد، وتقول زيد بن عبد الله الفقيه قال: ظاهر أن الفقيه هو الاسم المتحدث عنه.
فحاصل القول، أن الحكم إنما ورد في أمهات النساء وفي الربائب، وكانت الإضافة من النساء اللاتي دخلتم بهن لا تليق بأمهات النساء، وهي تليق بالربائب، جعل الشرط فيه فيهن، وقام مقام النعت، وكان جعل ذلك للنساء اللاتي أضيف الأمهات إليهن، إذ الأمهات والربائب جميعا دون الربائب ليس بمنصوص، ولم يجر فيه ما وصفتم من قولكم: وبنات نسائكم ونسائكم ممن قد دخلتم بهن، فإن ذلك بإضمار أمور يخرج بها اللفظ عن ظاهره.
وبالجملة لو جعل قوله: (وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ) تمام الكلام، ويجعل (مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) «١»، فيخرج الربائب اللاتي قد أجمعوا عليها من اللبن «٢»، فيكون تقديره:
«وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن».
(١) كذا في الأصل والأولى: ويجعل (مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) نعتا لأمهات النساء، فيكون تقدره: وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن.
(٢) كذا بالأصل، والأولى من الحكم، فيصير حكم الشرط وهو الدخول في أمهات النساء دونهن، وذلك خلاف نص التنزيل..
ولا شك أن كلام المخالف ليس ينقطع بذلك، إلا أنه يقال:
ساق الله تعالى محرمات عدة مبهمة، وليس فيها تقييد، وجعل في آخرها تقييدا، فالأصل اتباع العموم وترك المشكوك فيه، والاحتياط للتحريم يقتضي ذلك فاعلمه.
وفي الناس من خص التحريم بالتي توصف بكونها ربيبة، وقال:
إذا لم تكن في حجر الزوج، وكانت في بلد آخر، وفارق الأم بعد الدخول، فله أن يتزوج بها، وهذا قول علي «١» رضي الله عنه، على ما يرويه عنه مالك بن أوس، فإن صح هذا عنه «٢» فيقال:
يجوز أن يكون الله تعالى قد أجرى ذلك على الغالب، من غير أن تكون هذه الصفة شرطا في التحريم، إلا أن عليا يقول: فإن كان كذلك وثبت، فلم اعتبرتم هذا الوصف في قطع الشرط المذكور بعده عن الأول، وإنما قطعتموه بتخلل هذا الوصف في قطع الربائب، وفيه إبانة اتصال الوصف الثاني بالأول.
وأعلم أن قول الله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ) لم يستوعب المحرمات بالنسب والرضاع جميعا، فإنا بينا أن الآية ما تناولت
(١) روى ابن أبي حاتم عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: كانت عندي امرأة فتوفيت وقد ولدت لي، فوجدت عليها فلقيني علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: مالك؟ فقلت:
توفيت المرأة، فقال: لها ابنة؟ قلت: نعم، وهي بالطائف، قال: كانت في حجرك؟
قلت: لا هي بالطائف. قال: فانكحها، قلت: فأين قول الله: (وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ؟) قال: انها لم تكن في حجرك، انما ذلك إذا كانت في حجرك» أهـ.
(٢) قال الحافظ ابن كثير: اسناده قوى ثابت الى علي بن أبي طالب، على شرط مسلم.
واليه ذهب داود بن علي الظاهري وأصحابه، وحكاه أبو القاسم الرافعي، عن مالك رحمه الله تعالى واختاره ابن حزم.
الجدات من قبل الأم والأب حقيقة، ولا خالات الأب والجد وعماتهم، ولا خالات الأم وعماتهن «١».
وفي الرضاع لم يذكر بنات الأخ، وبنات الأخت، والخالات والعمات من الرضاعة، وكل ذلك مفوض إلى بيان رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
ولا يقال ذكر من ذكر، والسكوت عما سكت عنه لوجه صحيح، بل هو على ما شاء الله وأراده، لمصلحة خفية لم يطلع عليها، تولى بيان البعض وسكت عن البعض:
وإذا ثبت ذلك فقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ) الآية يقتضي تحريمهن مطلقا بملك اليمين وذلك النكاح، فإن الله تعالى أبان تحريم الاستمتاع، وحرم النكاح، لأنه طريق إلى الاستمتاع، وإذا ثبت ذلك وتقرر فقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ) إلى قوله: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ)، يقتضي تحريم الاستمتاع، إلا أن تحريم الاستمتاع بمنع النكاح ولا يمنع ملك اليمين، فنتيجته تحريم وطء المذكورين بملك اليمين، الذين لا يعتقون بالشراء.
واعلم أنه لا خلاف في تحريم وطء الأمهات، والأخوات من النسب، والرضاع بملك اليمين، وأن السبع اللواتي حرمن بالنسب، واللواتي حرمن بالنسب والصهر، حرم وطؤهن في ملك اليمين، ولا خلاف في تحريم الجمع بين وطء الأم والبنت بملك اليمين، وإذا دخل بالأم، حرمت البنت أبدا بملك اليمين، وحليلة الأب والابن محرمتان يملك اليمين.
(١) الأصح: وعماتها.
وإذا ثبت ذلك وتقرر فالله تعالى يقول:
(وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ «١» أَصْلابِكُمْ).
وإنما أنزلت الآية على ما قاله عطاء بن أبي رباح في النبي صلّى الله عليه وسلم تزوج امرأة زيد فنزلت:
(وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ) «٢».
و (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ) «٣» وكان يقال له: زيد بن محمد.
وسميت زوجة الإنسان حليلته، لأنها تحل معه في فراش واحد.
وقيل: لأنه يحل منها الجماع بعقد النكاح.
والأمة، وإن استباح فرجها بالملك، لا تسمى حليلة، ولا تحرم على الأب ما لم يطأها، وعقد نكاح الابن عليها يحرمها على أبيه تحريما مؤبدا.
وإذا تعلق التحريم باسم الحليلة، اقتضى ذلك تحريمهن بالعقد دون شرط الوطء، فشرط الوطء زيادة، لا يفتضيها اللفظ، وإذا ثبت ذلك فموطوءة الأب بملك اليمين أو بالشبهة، لا تسمى حليلة من حيث الإطلاق، ولكن اقتضى الإجماع إلحاقها بها.
وقوله تعالى: (الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ).
(١) الحلائل جمع حليلة، وهي الزوجة، سميت حليلة لأنها تحل مع الزوج حيث حل.
وللشرح انظر تفسير القرطبي ج ٥ ص ١١٤.
(٢) سورة الأحزاب، آية ٤.
(٣) سورة الأحزاب، آية ٤٠.
نفي للأدعياء، ولكنه لا ينفي الرضاع، والتحريم به ثابت، وليس الإسم بحقيقته متناولا للوطء بملك اليمين، وهو بحقيقته متناول لنفس النكاح، فإن اسم الحليلة حقيقة في نفس ملك النكاح.
وقوله: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ).
معناه تحريم الجمع على الوجه الذي حرم الأفراد من المحرمات، وفي الذي تقدم حرم الاستمتاع.
فتقدير الكلام: ولا تجمعوا بين الأختين في الوطء، وذلك يعم الوطء في النكاح وملك اليمين، إلا أن ذلك في النكاح يمنع أصل النكاح، ولا يمنع ملك اليمين، فإذا ثبت ذلك وتقرر، نشأ منه أن الجمع بين الأختين في النكاح لا يجوز، ونشأ منه تحريم وطء الأختين بملك اليمين.
وفي هذا على الخصوص نقل خلاف عن السلف، ثم زال الاختلاف.
وإذا تبين أن المنصوص على تحريمه جمع مضاف اليه، حتى يقال هو الذي يمسكهما ويطؤهما، فإذا زال النكاح، زال هذا المعنى من كل وجه، ولم يكن إمساك المعتدة مضافا اليه، فيقتضي هذا أن لا يكون النهي عن الجمع متنا، ولا من نكح الأخت في عدة الأخت، وإذا تبين ذلك، بقيت على مقتضى قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ) وهذا بين حسن، فكان الأصل الإباحة، ثم طرأ مانع. زال المانع فرجع إلى الأصل.
قوله تعالى: (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) «١».
(١) معناه: أن ما مضى مغفور.
يحتمل أن يكون معناه معنى قوله: (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) في قوله:
(وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ)، ويحتمل معنى زائدا، وهو جواز ما سلف، وأنه إذا جرى الجمع في الجاهلية، كان النكاح صحيحا، وإذا جرى في الإسلام، خير بين الأختين، على ما قاله الشافعي رضي الله عنه، من غير إجراء عقود الكفار، على موجب الإسلام ومقتضى الشرع، فهذا تحقيق القول في محتملات هذا اللفظ، فلا جرم، قال الشافعي رضي الله عنه:
إذا أسلم الكافر عن أختين، خير بينهما، سواء جمعهما في عقد واحد أو في عقدين.
وأبو حنيفة يبطل نكاحهما إن جمع في عقد واحد، وتعين الأولى إن فرق.
والشافعي لما رأى قوله تعالى: (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) غير نص في مقصوده، أراد أن يستدل بالنص، فاستدل بحديث فيروز الديلمي والحارث ابن قيس «١».
والعجب أن الرازي «٢» قال في أحكام القرآن:
لما لم يجز أن يبتدئ المسلم عقدا على أختين، لم يجز أن يبقى له عقد على الأختين، وإن لم يكونا أختين في حال العقد، كما إذا تزوج رضيعتين فأرضعتهما امرأة واحدة، واستوى حكم الابتداء والانتهاء.
ونقلنا هذا الكلام بلفظه، وذكر بعده كلمات يسيرة، ثم نقل
(١) ونصه عن أبي وهب الجيشاني عن الضحاك بن فيروز الديلمي عن أبيه قال:
«أسلمت وعندي اختان فأتيت النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: طلق إحداهما».
(٢) راجع أحكام القرآن للجصاص ج ٣ ص ٧٧.
احتجاج الشافعي رضي الله عنه، بحديث فيروز الديلمي، والحارث بن قيس وقال:
يحتمل أن يكون العقد قد كان قبل نزول التحريم، فكان صحيحا إلى أن طرأ التحريم، فلزمه اختيار أربع منهن ومفارقة سائرهن، كرجل له امرأتان، فطلق إحداهما ثلاثا، فيقال له: اختر أيتهما شئت، لأن العقد كان صحيحا إلى أن طرأ التحريم.
ووجه على نفسه سؤالا فقال:
إن قال قائل: لو كان ذلك يختلف، لسأله النبي صلّى الله عليه وسلم عن ذلك.
فأجاب بأن قال: قيل له:
يجوز أن يكون النبي صلّى الله عليه وسلم قد علم ذلك، فاكتفى بعلمه عن مسألته.
نقلنا هذا الفصل بلفظه، متعجبين من جهله بسياقه بكلاميه «١»، وأنه كيف تناقض أول كلامه وآخره مع تفاوت ما بين الأول والآخر، وفي النوع الواحد من الكلام.
كيف لم يتصور عين التناقض، وذكر في التأويل أنه يحتمل أن يكون العقد كان قبل نزول التحريم، فكان صحيحا إلى أن طرأ عليه التحريم؟ فلم يجعل طريان التحريم مانعا اختيار الأربع، لأن العقد في الأول كان صحيحا على الجميع، ثم قال قبله كلمات: لما لم يجز أن يبتدئ المسلم عقدا على أختين، لم يجز أن يبقى له عقد على أختين، وإن لم يكونا أختين في حالة العقد، كرجل تزوج رضيعتين فأرضعتهما امرأة واحدة.
(١) أنظر أحكام القرآن للجصاص ج ٣ ص ٧٨- ٧٩.
فليت شعري، نكاح الرضيعتين في الأول كان صحيحا حتى بطل الجميع بطريان الرضاع، أم نكاح فيروز الديلمي لما كان صحيحا في الأول، لم يبطل بما طرأ من الإسلام، وكيف يتصور الجمع بينهما؟
وكيف يتم له هذا القياس، وقد جعل الطارئ من التحريم كالمقارن بدليل الرضاع..؟
وتأويل خبر الديلمي ينقض هذا القياس، فإن النكاح لما كان صحيحا عنده لم ينقض، وفي الرضاع كان صحيحا ونقض.
وكيف يتصدى للتصنيف في الدين من هذا مبلغ علمه ومقدار فهمه، فيرسل الكلام إرسالا من غير أن يتحقق ما يقول، ويحصل على نفسه ما يورده، ثم يتعرض للطعن فيمن لو عمر عمر نوح، ما اهتدى إلى مبادئ نظره في الحقائق؟ فنسأل الله تعالى التوفيق، ونسأله النجاة من عمى البصيرة واتباع الهوى.
واعلم أن المنصوص على تحريمه في كتاب الله تعالى، هو الجمع بين الأختين، وقد وردت آثار متواترة في النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، رواه علي وابن عباس وابن عمر وأبو موسى وجابر وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة «١» وعائشة، وعليه الإجماع، إلا ما نقل عن طائفة من الخوارج، فإنهم زعموا أن قوله: (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ)، لا يدفع بأخبار الآحاد، وذلك متهم بناء على أن أخبار الآحاد لا يخص بها عموم الكتاب.
والأخبار في تحريم الجمع بين العمتين والخالتين، إن كانت مقرونة في بيان رسول الله صلّى الله عليه وسلم ببيان الآية، فتخصيص، وإن تقدم الخبر فقوله:
(١) رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما. [..... ]
(وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ)، منزل على موجب الخصوص، وإن تراخى فنسخ، وللناس في نسخ الكتاب بأخبار الآحاد كلام، والصحيح جوازه.
ومع أن قوله: (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ)، ليس نصا أصلا، وإذا لم يثبت التاريخ، فالمطلق منهم محمول على المقيد، على قول الشافعي رضي الله عنه، وهو قول أكثر الأصوليين.
وعند قوم منهم يتعارضان، وهو قول كثير من المحققين، والتعارض ها هنا سبب التحريم، فإن تعارض المبيح والمحرم يقتضي التحريم لا محالة.
قوله تعالى: (وَالْمُحْصَناتُ «١» مِنَ النِّساءِ) (٣٤) :
الآية عطف على المحرمات.
ثم قال: (إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ).
والمراد به أن ذوات الأزواج محرمات على غير الأزواج.
قوله: (إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ)، في تأويل علي وابن عباس، في رواية وابن عمر، والآية في ذوات الأزواج من النساء، أبيح وطؤهن بملك اليمين، وحصلت الفرقة بالسبي، وورد ذلك في سبايا أوطاس، وكان لهن أزواج في المشركين، فتحرج المسلمون من غشيانهن، وأنزل الله تعالى: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ)، أي هن لكم «٢».
(١) أي وحرمت عليكم المزوجات من النساء، حرائر وأما مسلمات أولا، لئلا تختلط المياه فيضيع النسب.
(٢) ورد في الجصاص: أي هن لكم حلال إذا انقضت عدتهن.
وتأوله ابن مسعود، وأبي بن كعب، وأنس بن مالك، وجابر وابن عباس في رواية عكرمة: أنه في جميع ذوات الأزواج من السبايا وغيرهن، وأنهن إذا ملكن حل وطؤهن، وكانوا يقولون: بيع السيد أمته المزوجة من أجنبي، موجب للفرقة بينها وبين زوجها.
وظن هؤلاء أن الآية عامة، ولا نظر إلى خصوص النسب، والصحيح أن ذلك مختص بالسبي الوارد على نكاح غير محترم، وأن تصرف الرجل في ملكه بالبيع، لا يبطل حقا لغيره على وجه اللزوم، إذا لم يكن بين إثباتهما تناقض، وليس نكاح المتزوج مانعا لملك اليمين، ولو كان مناقضا، لم يجز ابتداء النكاح، فهذا سبب الاختصاص.
وإنما رفع الله نكاح الأزواج الحربيّين، ليخلص الملك للمسلمين، وإنما يخلص الملك بانقطاع حق الزوج في المحل، وإنما ينقطع حق الزوج بسقوط حرمته، فهذا هو السبب وهو ظاهر.
وفيه سر آخر، وهو أن انقطاع نكاح الحربي لم يكن لإثبات الحل في حق السابي، ولكنه لتصفية الملك له، ولذلك لو كانت المسبية أخته من الرضاعة، أو كانت مجوسية، انقطع النكاح، فإنه لو لم ينقطع، لم يصف له الملك، ولم تنقطع الرحمة والعلقة، وكان الملك ناقصا، ولذلك تنقطع الإجارات والديون والعلق كلها، فهذا هو السبب فيه.
وأبو حنيفة لا يرى للسبي أثرا، ويقول: انقطاع النكاح باختلاف الدار، فإذا سبي الزوجان معا، لم ينقطع النكاح.
والذي ذكره بعيد من أوجه:
منها: أن المنقول في سبايا أو طاس أنهن كن ستة آلاف رجل وامرأة، فكيف يمكن أن يقال لم يكن فيهم امرأة معها زوجها، وأنه امتد الأمر حتى اختلفت الدار؟
والوجه الثاني: أن الله تعالى يقول: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ)، فأحال على ملك اليمين لا على اختلاف الدار، وجعل ملك اليمين هو المؤثر، فيتعلق به من حيث العموم والتعليل جميعا، إلا ما خصه الدليل.
وها هنا سؤال: وهو أنه يقال: قال: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ)، فإن كان النكاح قد ارتفع فليست محصنة.
قيل: المقصود بذلك رفع الحرج، بسبب أنها ذات زوج، وإبانة أنا لا نمسك بعصم الكوافر، وعلق الحربيين حتى لا يتحرج بذلك السبب، فمعناه: واللواتي كن ذوات الأزواج إذا سبيتموهن، فحكمه كذا.
وتمام البيان في ذلك، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم، قال في رواية أبي سعيد الخدري في سبايا أو طاس «١» : «لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض»، ولم يجعل لفراش الزوج السابق أثرا، حتى يقال إنّ المسبية مملوكة، ولكنها كانت زوجة زال نكاحها، فتعتد عدة الإماء، إلا ما نقل عن الحسن بن صالح، فإنه قال:
عليها العدة حيضتان إذا كان لها زوج في دار الحرب.
وكافة العلماء رأوا استبراءها، واستبراء التي لا زوج لها واحد في أن الجميع بحيضة «٢».
فإذا ثبت ذلك، فذلك يدل على أنه عند السبي لم يعتبر عصمة الكافر وحرمته، حتى لم يجب عقدة النكاح أيضا، من حيث أن إيجاب عدة
(١) أخرجه الامام مسلم في صحيحه في كتاب الرضاع، باب جواز وطء المسيبة بعد الاستبراء.
(٢) انظر القرطبي، ج ٥، ص ١٢٢.
النكاح تعويق ينشأ من عصمة الكافر وحرمته، ولا حرمة الكافر حتى يتعوق بسببه حق المسلم في الملك.
ولو أن المرأة هاجرت إلى دار الإسلام، أو أسلمت وانفسخ النكاح، فإنما يوجب عدة النكاح، فدل أن جواز الوطء المجرد للاستبراء لمكان زوال النكاح لملك اليمين، لا باختلاف الدار، وهذا في غاية الظهور لأصحاب الشافعي رحمة الله عليهم وعليه.
قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ) :
يحتمل ما وراء ذوات المحارم من أقاربكم، ويحتمل ما عدا المحرمات، وهو الأظهر «١».
قوله تعالى: (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ).
خطاب للأزواج كلهم، فكأنه قال: تبتغون بأموالكم، فمقتضاه ابتغاء كل واحد بمال نفسه.
وظن بعض الجهال أن المراد بذلك، أن كل واحد منهم يصدقها ما يسمى أموالا، وظاهره يقتضي أكثر من العشرة، وحكاية هذا الكلام كافية في الرد على قائله، كيف وقد قال تعالى:
(وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ) «٢» ؟ وذلك يقتضي إيجاب نصف المفروض قليلا كان أو كثيرا.
قوله تعالى: (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ).
يمنع كون عتق الأمة صداقا لها، خلافا لأحمد، لدلالة الآية على
(١) انظر لباب التأويل في معاني التنزيل، ج ١، ص ٥٠٦.
(٢) سورة البقرة، آية ٢٣٧.
كون المهر مالا، وليس في العتق تسليم مال، وإنما فيه إسقاط الملك من غير أن استحقت به تسليم مال إليها، فإن الذي كان يملكه المولى من عبده، لم ينتقل إليها، وإنما يسقط.
فإذا، لم يسلم الزوج إليها شيئا، ولم تستحق عليه شيئا، وإنما أتلف به ملكه فلم يكن مهرا، وهذا بين.
وقد جوز الشافعي رضي الله عنه جعل منفعة الحر صداقا، ولا خلاف في منفعة العبيد، وإنما يجعل صداقا، لأنها تستحق عليه تلك المنفعة وهي مال، ووردت فيه أخبار وهي نصوص، والشروع فيها خروج عن معاني القرآن، والذي ورد في الخبر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أعتق صفية، وجعل عتقها صداقا، لا يعارض استدلالنا بالقرآن، لإمكان أنه كان مخصوصا له، فإن نكاحه جاز بلا مهر، فليس يعارض ذلك استدلالنا بلفظ هو نص في حق الأمة. وقال أيضا:
(وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) «١».
وذلك يدل على أن العتق لا يكون صداقا من وجوه:
منها أنه قال تعالى: (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً)، وذلك أمر يقتضي الإيجاب، وإعطاء العتق لا يصح.
والثاني قوله: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً)، وذلك محال في العتق، ومتصور في المنفعة.
قوله تعالى: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ) «٢» يحتمل وجهين:
(١) سورة النساء، آية ٤.
(٢) محصنين: متزوجين، وقيل متعففين.
غير مسافحين: غير زانين، والسفاح: الفجور، وأصله من السفح أي الصب.
أحدهما: الإحصان بعقد النكاح، فتقدير الكلام: اطلبوا منافع البضع بأموالكم على وجه النكاح، لا على وجه السفاح، فيكون للآية على هذا الوجه عموم.
ويحتمل أن يقال: محصنين أي الإحصان صفة لهن، ومعناه لتزوجوهن على شرط الإحصان فيهن.
وقد قال الشافعي رضي الله عنه: الإحصان مجمل يتردد بين معاني جمة، فيفتقر إلى البيان.
والوجه الأول أولى، لأنه متى أمكن جري الآية على عمومها والتعلق بمقتضاها فهو أولى، ولأن مقتضى الوجه الثاني أن المسافحات لا يحل التزوج بهن، وذلك خلاف الإجماع.
ويدل عليه أيضا، أن الله تعالى ذكر نظيره في الإحصان في حق الإماء فقال:
(وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ) «١».
ثم قال: (فَإِذا أُحْصِنَّ)، معناه فإذا تزوجن.
وقال: (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ).
فتقدير الكلام على هذا: (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ) غير زنا، وهذا كلام ظاهر المعنى، ومقتضاه: إطلاق لفظ الإباحة، على وجه التعميم، وفيه إخبار عن كونها محصنة.
والإحصان في الأصل هو «٢» المنع، فقد يطلق على العقد، لأن صاحبه
(١) سورة النساء، آية ٢٥.
(٢) انظر روائع البيان، ج ٢، ص ٦٠.
يمنع نفسه من الحرام، ويطلق على الإسلام.
قال الله تعالى: (فَإِذا أُحْصِنَّ)، روي في بعض الأخبار: إذا أسلمن، وإن كان له معنى آخر ذكرناه.
وقال تعالى: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ) :ذوات الأزواج، وسميت محصنة لأن النكاح يحصنها من السفاح.
وفي الخبر: من تزوج فقد حصن ثلثي دينه «١».
وتقول الفقهاء: الإحصان معتبر في الرجم.
ويقولون: هو معتبر في حد القاذف، وتختلف معانيهما والأحكام المعتبرة فيهما.
وسمي الزنا سفاحا لأنه سفح الماء وهو صبه، يقال: سفح دمه، وسفح الجبل أسفله، لأنه موضع مصب الماء، وسافح الرجل إذا زنى، لأنه صب ماءه من غير أن يلحقه حكم مائه في ثبوت النسب، ووجوب العدة وسائر أحكام النكاح.
ويسمى الزاني مسافحا، لأنه ليس يتعلق به حكم ثابت مستمر، وهو نسب أو عدة أو مهر، ويفهم من ذلك أن لا نسب ولا فراش، ولأجل ذلك لم يثبت الشافعي رضي الله عنه التحريم والعتق في المخلوقة من ماء الزنا، واقتضى ذلك أيضا أن لا يثبت في حقها النسب، لأنها مسافحة، كما أنه مسافح، ولكن انفصال الولد منها محسوس، فلا يمكن تضييع حق الولد مع أن فيه خلافا لبعض أهل العلم، أخذا بلفظ المسافحة،
(١) وفي معناه «من تزوج فقد أحرز نصف دينه، فليتق الله في النصف الباقي».
وقد رواه الحاكم وصححه بنحوه.
وتحقيق الفرق بين جانبه وجانبها في النسب، ذكرناه على الاستقصاء في مجموعاتنا في الخلاف.
قوله تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً).
ذكر الله تعالى ذلك بعد قوله تعالى: (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ)، وذلك يقتضي بيان حكم الدخول في النكاح المذكور أولا، وأنه لا يجوز حط شيء، وحبس قدر ما من المهر، بأي سبب طارئ.
ولو لم يقدر ذلك، لم يفهم من قوله تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ) معنى بوجه ما، فإن الله تعالى أمر بابتغاء البضع بالأموال قبل الاستمتاع، فذكر الاستمتاع ينبغي أن يكون سببا لأمر ما، وليس هو إلا تقدير الصداق المذكور أولا، حتى لا يتوهم سقوط شيء منه لعارض.
وظن ظانون أن هذه الآية وردت في نكاح المتعة «١»، وأن المهر فيه يتعلق بالدخول لا بنفس العقد ولا ميراث فيه.
ونقل عن ابن عباس أنه تأول قوله: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ) إلى أجل مسمى (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ).
وروي عنه انه رجع عن ذلك لأخبار كثيرة وردت في النهي عن متعة النساء، وتحريم لحوم الحمر الأهلية، ومن رواة الحديث على.
وروي عن ابن عباس أنه قال: نسخه قوله تعالى: (إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ)، وأشار به إلى أنه لا نكاح إلا له طلاق، وإلا له عدة، وإلا فيه ميراث، والله تعالى يقول:
(١) انظر محاسن التأويل.
(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) ».
والذي ذكره هؤلاء في معنى قوله تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ) الآية، لا يحتمل ما ذكره هذا القائل الذي حمله على نكاح المتعة «٢»، فإن الأجر بمعنى المهر، قال تعالى:
(وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) «٣».
فلما ذكر النكاح علم أنه أراد به الصداق.
وقال تعالى: (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ).
فدل على أن محصنات ومحصنين عنى به التزويج، لأن محصنات ذكر مع النكاح، لقوله تعالى: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ).
(١) سورة المؤمنون، آية ٥.
(٢) ويلخص صاحب روائع البيان آراء الفقهاء في حكم نكاح المتعة فيقول:
«المتعة: هي أن يستأجر الرجل المرأة الى أجل معين بقدر معلوم، وقد كان الرجل ينكح امرأة وقتا معلوما شهر أو شهرين أو يوما أو يومين ثم يتركها بعد أن يقضي منها وطره، فحرمت الشريعة الاسلامية ذلك، ولم تبح الا النكاح الدائم الذي يقصد منه الدوام والاستمرار، وكل نكاح الى أجل فهو باطل لأنه لا يحقق الهدف من الزواج.
وقد أجمع العلماء وفقهاء الأمصار قاطبة على حرمة (نكاح المتعة)، فلم يخالف فيه الا الروافض والشيعة وقولهم مردود، لأنه يصادم النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، ويخالف اجماع علماء المسلمين والائمة المجتهدين.
وقد كانت المتعة في صدر الإسلام جائزة ثم نسخت واستقر على ذلك النهي والتحريم. [..... ]
(٣) سورة الممتحنة، آية ١٠.
قوله تعالى: (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ).
معناه جواز الإبراء عن بعض الصداق أو هبة بعضه، وتقدير الكلام:
أن تبتغوا بأموالكم محصنين- أي متزوجين- بهن، فإذا استمتعتم بهن فآتوهن أجورهن، ولا تنقصوا شيئا، وإن جرى فراق أو سبب، إلا أن تكون قد حطت شيئا من الصداق، فالحق لها، والمحطوط لا يجب توفيره عليها إذا استمتع.
واستدل قوم بذلك على جواز الزيادة، وذلك غلط، فإن الآية ما وردت في موضع الزيادة، فإنه لما قال تعالى: (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً)، اقتضى جواز إعطاء ما فرض لها أولا، فقوله: (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ) يرجع إلى الرخصة في ترك الإيتاء، بعد الأمر بالإيتاء في غير موضع الرخصة، وهذا بين لا شك فيه.
فإن قيل: فقد قال تعالى: (فِيما تَراضَيْتُمْ)، والإبراء لا يتوقف على تراضيهما.
الجواب: أن الإبراء وإن كان على المذهب الصحيح، لا يتوقف على تراضيهما، فالهبة موقوفة على ذلك، والإبراء في أحد الوجهين لأصحابنا وإن لم يقف، فالمعلوم العرف أن ذلك يجري بتراضيهما، والمقصود بقوله: (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)، طيبة قلبها، وأن لا ينقص من أجرها شيئا» والإبراء يصدر منها.
وقال: (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)، إلا إذا طابت نفسها، وقد صرح بذلك في موضع آخر فقال: (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ
طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً).
فهذا المشكل من هذه الآية، يعرف من المبين المحكم في الآية الأخرى.
ويدل عليه أن الله تعالى يقول:
(وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ) «١».
فجعل عند الطلاق شطر المفروض، وإذا تبين ذلك، فهذا الذي زيد، إن كان صداقا كان مفروضا، فإذا طلقها وقد فرض لها، فيجب أن يشطر ذلك، فإن الله حكم بتشطير نصف المفروض.
قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ) الآية (٢٥) :
اعلم أن التعرض لإحدى الصفتين المتضادتين، والنزول عن كلام مطلق، يدل قطعا على أن التقيد المذكور مقصود، لتعلق الحكم عليه، وأنه لا يجوز إلغاؤه، نعم قد يجوز أن يذكر أحد الحالتين، والمسكوت عنه أولى بالحكم المذكور من المنطوق به، فيتعرض لإحدى الحالتين تنبيها على ما هو أول بالحكم من المذكور، ولو أطلق الحكم لأمكن استثناء المذكور: بيانه أنه تعالى، قال:
(وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) «٢» إلى قوله (إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً).
(١) سورة البقرة، آية ٢٣٧.
(٢) سورة الإسراء، آية ٣١.
والقتل محرم عند زوال هذه الحالة لأنه لو قال: «ولا تقتلوا أولادكم» مطلقا، أو قال: «ولا تقتلوا أولادكم حال غناكم، لأمكن أن يتوهم جواز ذلك حالة الشقاق والإملاق، لئلا يشقى المولود له في تربيته فقال:
(لا تقتلوهنّ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) لعذر الإملاق، (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ)، فهذا يسمى التنبيه.
ومثله قوله تعالى: (لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً) «١»
، فحرم الربا، وإن كان له فيه النفع الكثير، فإذا لم يجوز لغرض عظيم، فتحريمه لما دونه أولى.
وقال: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ) «٢»، ليس أنه يتصور أن يقوم عليه برهان، ولكن المشركين قالوا لا نترك ديننا ودين آبائنا، فذم التقليد واتباع السلف وترك البرهان والإعراض عن الدليل.
ففي أمثال ذلك يجوز تخصيص إحدى الحالتين، تنبيها على ما هو الأولى بالحكم المذكور من الحالة الأخرى.
أما ها هنا فإنما تعرض لحالة الضرورة في جواز النكاح، فلا يقال حال عدم الحاجة أولى بجواز نكاح الأمة، والأمة في هذا المعنى أوفى من الحرة، فإذا تبين ذلك، فذكر حالة الحاجة تنبيه على جعل الحاجة علة الإباحة، فإذا لم توجد الحاجة تحرم، فإن الذي يفهم من ثبوت الحاجة، وأن ثبوته كان لأجلها، يعلم انتفاؤه عند عدم الحاجة، وهذا مقطوع به.
وإنما ذكرنا هذه الأمثلة، وأجبنا عليها لأن الرازي «٣» لم ير لهذه
(١) سورة آل عمران، آية ١٣٠.
(٢) سورة المؤمنون، آية ١١٧.
(٣) أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص، صاحب كتاب «أحكام القرآن» الذي نشر في خمسة أجزاء بدار المصحف لصاحبها عبد الرحمن محمد.
الآية دلالة على ضد المذكور عند عدم الحاجة، ورأى أن ذكر الحاجة في إباحة النكاح، تنزل منزلة ذكر الإملاق والحاجة في تحريم القتل، ولم يجعل لهما مفهوما «١»، وقد غلط «٢» من وجهين:
أحدهما «٣» :أن كل ما استشهد به له مفهوم وفحوى، ولكنه من قبيل مفهوم الموافقة والتنبيه بالمذكور على مثله في غير المذكور، والقسم الآخر مفهوم المخالفة، وهو التنبيه بالمذكور على خلافه الذي لم يذكر، وهذان قسمان يعرفان لمحال الخطاب، ومواضع الكلام، ومواقع العلل والمعاني.
والرازي ظن أن الأدلة في القسمين على ما عدا المذكور، فأبان من نفسه جهله بنوعي المفهوم وقال: وبينا ذلك في أصول الفقه، فظلم نفسه بالتصدي للتصنيف في الأصول، قبل معرفة هذه الأمور الجلية، كما ظلم نفسه بالتصنيف في معاني القرآن وأحكامه، قبل إحكام معانيه.
فإذا ثبت ذلك، فيبقى ها هنا نظر، وهو أنه إن قال قائل: قد وردت ألفاظ عامة في النكاح مثل قوله تعالى: (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) إلى قوله (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ)، وادعى هذا المحتج به أن معناه: أو نكاح ما ملكت أيمانكم، وهذا غلط، فإن معناه: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً) «٤»، لا يخشى فيه الجور، أو ما ملكت
(١) انظر أحكام القرآن للرازي الجصاص، ج ٣، ص ١٠٩.
(٢) أي أبو بكر الرازي الجصاص.
(٣) وهذا الاستدلال هو من أدلة الكيا الهراسي صاحب هذا المصنف في الرد على الرازي الجصاص.
(٤) أي فنكاح واحدة.
أيمانكم، فإن العدل في العدد فيه غير واجب أصلا، بل يبقى لهم التعلق بالعموم.
وتعلق أيضا بقوله: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ، وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) «١» وقوله: (وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ) «٢».
فزاد أن الاحتجاج بالعموم يقاوم الاحتجاج بالمفهوم، وهذا ركيك من القول، فإن ما احتجوا به من العمومات سيق للحرائر، ودل عليه سياق الآيات: (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً) «٣».
وقوله: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ)، عنى به الحرائر، فإنه تعالى قال بعده بكلمات وتخلل فاصل:
(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا «٤» أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ) «٥».
فدل أن المراد بالمحصنة في الآية الحرة، فإن الإحصان يطلق بمعنى الإسلام، ولا يحتمل ها هنا مع قوله: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ)، مع قوله: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ).
فذكروا أن المراد به التزويج، ولا يحتمل ها هنا، فإن المحصنات من
(١) سورة المائدة، آية ٥.
(٢) سورة النور، آية ٣٢.
(٣) سورة النساء، آية ٤.
(٤) الطول: الغني والقدرة، وقد يأتي بمعنى الفضل، انظر أحكام القرآن للجصاص، ج ٣، ص ١٠٩. [..... ]
(٥) سورة النساء، آية ٢٥.
النساء يعني المتزوجات في أقسام المحرمات، فإذا بطل ذلك، فلا يحتمل إلا معنى الحرة.
وقد أجمع المفسرون هنا على أن المراد بالمحصنات ها هنا الحرائر، ودل السياق عليه في ذكر نكاح الأمة «١»، نعم قال تعالى:
(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ) ولم يقل: «واللواتي أوتين الكتاب من قبلكم»، فوقع الشرط في المؤمنات دون الكتابيات، فلا جرم، قال قائلون من أصحابنا: لو قدر على نكاح الكتابية دون نكاح المسلمة، فجائز له نكاح الأمة.
ويلزم عليه على مذهب الشافعي رضي الله عنه جواز إدخال الأمة على الحرة الكتابية.
وفيه خلل من وجه آخر، وهو استواء نكاح الكتابية والمسلمة في الأحكام كلها، وإذا كانت القدرة على نكاح المسلمة مانعة نكاح الأمة، فإذا لم يمتنع نكاح الأمة بالقدرة على نكاح الحرة الكتابية، فالقدرة على نكاح المسلمة كذلك، فإن القدرة على مثل الشيء كالقدرة على الشيء.
وفيه أيضا بطلان فهم معنى ارقاق الولد، وأن ذلك مانع «٢»، وأن هذا موجود في نكاح الحرة الكتابية، فهذا تمام هذا النوع.
والأصح أنه لا فرق بينهما، وأن القدرة على مثل الشيء كالقدرة على الشيء.
الوجه الآخر في الجواب: أن هذه العمومات ما قصد بها تفصيل
(١) انظر تفسير القاسمي.
(٢) انظر غرائب القرآن للنيسابوري.
شرائط النكاح، من الشهادة والولاية، والخلو عن العدة، وإنما قصد بها الندب إلى أصل النكاح، فأما الشرائط فلا ذكر لها، والذي يطلق القول العام، لا يخطر له الشرط في نكاح الأمة.
فأما إذا قال: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ) الآية. مع قوله:
(ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ)، فلا بد وأن يكون قاصدا إبانة شرط، ولم يقصد به نزولا عن كلام عام، وإبانة وجه خاص، كان قوله هجرا ركيكا، فقصد التفرقة بين الحالتين ضروري في هذا الكلام، والتعرض للشرائط لا يظهر في العمومات التي ذكروها.
فليفهم الفاهم هذا، فإنه مقطوع به، ولا يهتدي إليه إلا الموفقون المتعمقون في العلم.
ومما يعارضون به ما قلناه، أنه تعالى قال: (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ) «١»... قالوا:
وذلك يجوز نكاح الأمة مع القدرة على مهر المشركة، والقادر على مهر المشركة، قادر على مثله في حق المسلمة، وهذا ركيك جدا.
فإن المراد به: أنهم كانوا لا يعافون عن نكاح المشركات، ويعافون من نكاح الإماء خيفة إرقاق الولد، فأبان الله تعالى أن الأمة مع إفضاء نكاحها إلى رق الولد، خير من المشركة التي لا يجوز نكاحها قط، والأمة يجوز نكاحها في بعض الأحوال، فهذا تمام الرد على هؤلاء في محاولة المعارضة.
وحكى القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي عن السلف مذاهبهم في هذه الآية وفق مذهبنا «٢» ثم قال:
(١) سورة البقرة، آية ٢٢١.
(٢) قال القرطبي: وقد اتفق الجميع على أن للحر أن يتزوج أربعا وان خاف الا يعدل
وحكي عن أبي حنيفة وأصحابه أنهم قالوا: لا بأس أن يتزوج الحر المسلم الأمة، مع وجود الطول إلى حرة، من غير خشية العنت، ثم قال:
هذا قول تجاوز فساده فساد ما يحتمل التأويل، لأنه لا محظور في كتاب الله تعالى إلا على الجهة التي أبيحت، ثم وجّه على نفسه سؤالا فقال:
يمكن أن يقول ذلك على الاختيار لا على التحريم.
فأجاب أنه قد بين موضع الاختيار لهم من موضع الحظر بقوله تعالى: (وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ)، فكان هذا موضع الاختيار، ولو كان الأول على الاختيار لهم لم يحتاجوا إلى اختيار ثان، فحيث جاز، وهو عند خوف العنت ذكر موضع الاختيار، فعند عدم الخوف، يستحيل أن يبقى الأمر على ذلك الاختيار.
والذي ذكره كلام صحيح.
وحكى الرازي هذا من كلامه أول كلامه، في أنه لا يحتمل التأويل ثم قال:
وقد اختلف السلف فيه ولو كان فيه نص ما اختلفوا، نقل عن علي مثل ذلك، ولم يثبت ذلك الذي صح.
ونقل إسماعيل «١» القاضي عن علي أنه قال:
(١) هو أبو اسحق إسماعيل بن اسحق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الجهضمي الازدي، مولى آل جرير بن حازم أصله من البصرة، وبها نشأ واستوطن بغداد. راجع كتاب الديباج المذهب لابن فرحون.
لا ينبغي للحر أن يتزوج الأمة وهو يجد طولا ينكح به الحرة، فإن فعل فرق بينهما وعزر «١».
وعن ابن عباس أنه قال:
من ملك ثلاثمائة درهم وجب عليه الحج وحرم عليه نكاح الأمة.
ثم الاحتجاج بالنص على وجهين:
منه ما يستوي في درك معناه الخاص والعام، ويعلم ذلك بأوائل الأفهام، فهذا لا يختلف فيه، وما لا يعلم إلا بالارتياء والبحث، فهذا يجوز أن يختلف فيه، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإذا ثبت ذلك.
ثم حكي عن داود الأصبهاني في حق إسماعيل شيئا، وذكر ما يدل على تهجينهما وسوء اعتقاده فيهما، وليس ذلك ببعيد منه، فإنه كان مكفرهما، لمخالفتهما له في الاعتزال ومذهب أهل البدعة والقدر، وقد شحن كتابه المصنف في أحكام القرآن بالرد على أهل السنة، وتسميتهم مرجئة ومجبرة، ويتجمل بالاعتزال ويتظاهر به، عليه وعليهم ما يستحقون.
وذكر وجها آخر فقال: إن خوف العنت وعدم الطول ليسا بضرورة، لأن الضرورة ما يخاف فيها فساد النفس أو فساد عضو، وليس في عدم الطول ذلك، ولذلك لم يجز هذا العذر نكاح الأمة الكتابية عند الشافعي رضي الله عنه، ولا نكاح المشركة بالاتفاق، فإذا ثبت ذلك، استوى وجود هذا العذر وعدمه.
وهذا يدل على جهله بأوضاع الأصول وقواعد الأحكام، فإن الذي
(١) انظر تفسير القرطبي، ج ٥ ص ١٣٨.
جوز لمكان الحاجة، ينقسم أقساما ويترتب على أبحاث مختلفة.
فمنها ما يعتبر فيه غاية الحاجة.
ومنها ما يعتبر فيه دون ذلك، كالتيمم عند عدم الماء.
ومنها ما يعتبر فيه مظنة الحاجة لا صورتها.
ومنها ما يعتبر فيه ضرر ظاهر، وإن لم يفض إلى هلاك نفس أو فساد عضو، كالقيام في الصلاة، والصيام في المرض، والجمع بين الصلاتين، فيجوز أن يجعل خوف العنت داخلا في أقسام الحاجات، وإن كان الأمر في الكتابية الأمة والمجوسية أعظم من ذلك، فلا يحل بهذا النسب.
ثم مراتب تلك الحاجات مختلفة تعلم بالأدلة الشرعية، فليس فيما ذكره ما يرفع التعلق بالعموم من هذه الآية.
وحكى عن أبي يوسف القاضي أنه قال:
تأويل الآية: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا)، لعدم الحرة في ملكه، وقال: وجود الطول هو كون الحرة تحته.
فلزمه على هذا، أن من ليس عنده حرة، فهو غير مستطيع للطول إليها، فالطول عنده هو وطء الحرة.
وهذا التأويل في غاية الضعف فإنه لما قال: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ)، فيقتضي أن يكون غير مستطيع أمرا، والذي لا حرة تحته، قادر على نكاح الحرة ووطئها إذا نكح.
فإن قال: هو عاجز في الحال قبل النكاح، فلا يخفى أن في مثل ذلك لا يقال هو غير مستطيع للوطء، وإنما الطول الفضل والغنى، قال الله تعالى:
(اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ) «١».
وعلى أن الذي الحرة عنده لا ينكح الأمة «٢».
وإن كان عاجزا عن وطئها كالغائبة والصغيرة والرتقاء، فلا حاصل لهذا التأويل بوجه، فكيف يتوهم ذلك وقد قال تعالى: (ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ).
والقادر على نكاح الحرة، كيف يخشى العنت إذا عشقها وصار مفتتنا بها؟ فيقال في الجواب عنه:
فإن عندك لا يعتبر الخوف من هذا الوجه، فلا وجه لاعتباره.
نعم ها هنا دقيقة، وهي: أن الحرة إذا كانت في نكاح الحر عندنا، فلا تحل له الأمة، سواء خاف العنت أو لم يخف، وسواء قدر على الحرة أم لم يقدر، كغيبتها أو رتقها، فليس يحرم نكاح الأمة ها هنا لوجود الطول، أو لأمن العنت، بل لعين نكاح الحرة.
وكان الشافعي رضي الله عنه يقول: الظاهر من وجود النكاح الطول والأمن، فلا مبالاة بنكاح نادر لا يفضي إلى ذلك، بل يحسم الباب.
نعم الغيبة عن ماله جعلت عدما شرعا في أصل آخر، وهو جواز أخذ الصدقة، فيلقى ذلك من ذلك الأصل، فلم يمكن اعتبار غيبة المال بالنادر الذي لا ينظر إليه.
وها هنا مذهب لمالك وهو أنه يقول: إذا كانت الحرة معه وهو غير
(١) سورة التوبة، آية ٨٦.
(٢) انظر تفسير الطبري، ج ٥، ص ١٥- ١٦.
واجد للطول في حق أخرى، ويخشى لعشقه أن يزني بالأمة، فله التزوج بالأمة والحرة في حيازته.
فقيل لهم: فإذا قلتم مع وجود الحرة يتزوج بالأمة، فقدرته على طول أخرى لا يزيد على هذه الحرة، فوجود هذه الحرة إذا لم يمنع، فالقدرة على مثلها في الابتداء لم يمنع، وكيف ينتظم ذلك وأبو حنيفة لما قال: وجود الحرة يمنع والقدرة لا تمنع، كان ذلك أمثل من قول مالك في هذا.
وقد حكى ابن وهب عن مالك، أنه لا بأس أن يتزوج الرجل الأمة على الحرة، والحرة على الأمة، والحرة بالخيار «١».
وقال ابن القاسم في الأمة تنكح على الحرة، أرى أن يفرق بينهما، ثم رجع فقال:
تخير الحرة إن شاءت أقامت وإن شاءت فارقت.
فوجه إسماعيل المالكي على نفسه هذا السؤال، وأراد أن يفصل بين حرة موجودة معه، وبين القدرة على حرة، فإن الوجود لا يمنع، والقدرة تمنع فقال:
إن الذي عنده حرة قد تزوجها، فليس له بعد الامتحان أنه يخاف العنف، وإن عشق الجارية لا يندفع بنكاح الحرة، والذي يريد أن يتزوج وهو يجد الطول فهو شاك، فلعله إذا تزوج حرة زال خوف العنت وأنس بها، فنحن اعتبرنا عدم الطول عند خوف العنت، فما لم يقع الأمن، فهو شاك لا يدري أيخاف أم لا، فإذا وقع وهو متيقن أنه قد خاف، فهو الموضع الذي قد أبيح؟
(١) انظر تفسير القاسمي، ج ٥، ص ١١٩٤.
وهذا في غاية الركاكة، وحاصله أن القدرة مانعة للنكاح الذي اعتبرت مانعة لأجله، وإن نكح حرة وهو قادر فلا ينكح، وإن نكح حرة وخرج عن كونه قادرا فله نكاح الأمة، وجعل القدرة مانعة، من غير أن يكون المنع لأجل المقدور عليه وهو النكاح، وهذا في غاية البعد.
قوله تعالى: (مِنْ فَتَياتِكُمُ «١» الْمُؤْمِناتِ «٢» ).
يدل على اعتبار الإيمان على الوجه الذي تقدم ذكره في أول الآية، وكيفية الاستدلال بها.
ومن الجهالات العظيمة قول الرازي: إن قوله تعالى: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)، يتناول الإماء والكتابيات، مع أنه تعالى ذكر ذلك ثم قال: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ) «٣».
فأبان أن إطلاق المحصنة ما تناول الأمة المؤمنة، أفتراها متناولة للكافرة؟ وذلك في غاية الركاكة.
(١) «من فتياتكم» أي المملوكات، وهي جمع فتاة، والعرب تقول للمملوك: فتى، وللمملوكة فتاة، وفي الحديث الصحيح:
«لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي ولكن ليقل فتاي وفتاتي».
ولفظ الفتى والفتاة يطلق أيضا على الأحرار في ابتداء الشباب، فأما في المماليك فيطلق في الشباب وفي الكبر.
(٢) «المؤمنات» بين بهذا أنه لا يجوز التزوج بالأمة الكتابية، فهذه الصفة مشترطة عند مالك وأصحابه، والشافعي وأصحابه، والثوري، والأوزاعي، والحسن البصري، والزهري، ومكحول، ومجاهد.
(٣) انظر أحكام القرآن للجصاص.
نعم ها هنا شيء، وهو أنه إن قال قائل: قد أبان الله تعالى أقسام المحرمات بالرضاع وبالنسب ثم قال: (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ) :
فأشبه أن يكون ما بعده تعرض لبيان ما يكره من الأنكحة وما لا يكره، مع الإجزاء، ليكون كتاب الله تعالى مستوعبا للقسمين، فأبان بعد قوله:
(وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ).
وقال بعده:
(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ) لإبانة المكروه من النكاح.
ولذلك قال:
(مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ).
وقال: (الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ).
ولو نكح غير مؤمنة يجوز، لأن القصد بيان المكروه لا بيان المحرم.
والجواب عنه، أن المقصود بالأول بيان حكم المحرمات اللواتي لا تحل بحال، وذكر بعده ما يجوز أن يباح في بعض الأحوال، وذكر بعده ما يحرم لفقد شرط في العقد، لا لتحريم في المحل، فلم يقل المحل محرم، ولكنه أبان عن شرط العقد.
ودل على بطلان هذا التأويل قوله تعالى:
(وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ).
ودل عليه أيضا قوله:
(وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)، مع أن نكاحها مكروه، فهذا يدل على بطلان التأويل قطعا.
إذا تمهد هذا الأصل، فيبقى بعده النظر في أن الشافعي رضي الله عنه يجوز للعبد نكاح الأمة مع الحرة، وقوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا)، عام في الجميع.
فقال الشافعي رضي الله عنه: لا طول للعبد «١».
فقيل له، إذا كانت الحرة تحته فهو مستطيع؟
فقال: النكاح لا يسمى طولا، فإنما جعلنا نكاح الحرة في حق الحرة مانعا لا بحكم الآية «٢»، لا سيما ومساق الآية يدل على الاختصاص، فإنه تعالى قال: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) فاعتبر إذن أهلهن ولم يتعرض لإذن المولى في حق المتزوج، فدل أن الآية للأحرار.
فكأنا نتعلق بالعموم في قوله: (وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ) «٣» الآية. إلا فيما استثنى، والاستثناء بالشرط وقع في حق الحرة، فبقي العبد على الأصل في العموم، وهذا واضح فاعلمه.
ولما لم يكن اللفظ متناولا لنكاح الأمة عند إدخال الحرة على الأمة، لا جرم قال الشافعي رضي الله عنه:
إن الله تعالى جوز نكاح الأمة لخوف العنت، ولم يكن هذا الخوف
(١) انظر الشافعي، ج ٥، ص ٨. [..... ]
(٢) لأن العبد قد يزوجه سيده حرة، ولا يدل ذلك على أنه واجد للطول، والآية تجعل زواج الأمة مقيدا بعدم وجود الطول.
(٣) سورة النور، آية ٣٢.
نسخا محرما من الابضاع في شيء من أصول الشرع، فكان هذا خاصا في هذا الحكم، فلم يكن لنا أن نتوسع في الاعتبار، فإذا صار هذا المعنى مانعا ابتداء النكاح، فلا يمكن أن يجعل على خصوصه، وخروجه عن أصول الشرع، قاطعا دوام النكاح الذي هو أثبت من الابتداء، بل يقتصر على ما ورد «١»، ولا يتعدى، كما اقتصرنا على الحر ولم نتعده، وليس يتبين لنا أن العبد مثل الحر في هذا المعنى الدقيق المتعلق بالتفصيل، ويترقى الكلام في هذا التفصيل والتصرف في غوامض هذه المراتب إلى أعلى الغايات في الدقة، والمتأمل يعرف به بعد غور الشافعي، ولطف نظره في مغمضات الأصول ومآخذ الأحكام، والله تعالى يوفقنا للوقوف على معاني كلامه.
قوله تعالى: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) «٢» :دليل على اشتراط الإذن في نكاحها، والرازي يسلم ذلك «٣».
واحتج بأن جعله شرطا، وترك لأجله العمومات في نكاح العبد والحر، وما أسرع ما نسي سابق قوله: فإن تخصيص الإباحة بحال وشرط لا يدل على نفي ما عداه، ثم قال: ما نعلم أحدا استدل به قبل الشافعي، ثم قال: ولو كان هذا دليلا لكانت الصحابة أولى بالسبق إلى الاستدلال به في هذه المسألة ونظائرها من المسائل، مع كثرة ما اختلفوا «٤» فيه، ثم على قرب العهد بهذا الكلام استدل بمثله، وقد روي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم في عموم الأحوال أنه قال:
(١) أنظر الشافعي.
(٢) أي وإليهن لا استقلالا، وذلك لأن منافعهن لهم يجوز لغيرهم أن ينتفع بشيء منها الا باذن من هي له. انظر تفسير القرطبي.
(٣) انظر أحكام القرآن للجصاص، ج ٣، ص ١١٩.
(٤) انظر أحكام القرآن للجصاص، ج ٣، ص ١١٣.
إذا تزوج العبد بغير إذن سيده فهو عاهر «١».
فإن احتج من يجوز التزويج بها بإذن سيده بقوله تعالى:
(فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) وأن اللفظ بعمومه يدل عليه، والشافعي رضي الله عنه يقول بموجب الآية، فإنه لا يجوز نكاحها إلا بإذنها، وليس فيه أن الإذن المجرد كفى عما ليس فيه بإسقاط سائر الشرائط عند وجود الإذن «٢».
قوله تعالى: (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) «٣».
يدل على وجوب المهر لها في عموم الأحوال.
وقوله: «بالمعروف»، يمنع الغلو في المهر والتقصير.
فأضاف الأجور إليهن لوجوبه بسبب نكاحهن، وتقديره:
فانكحوهن بإذن أهلهن، وآتوهن أجورهن بإذن أهلهن، فإنه كلام مفيد بنفسه لا حاجة إلى تعليقه على غيره، فتم الكلام بنفسه.
وروى عن مالك أن الأمة تستحق المهر، وهذا بعيد، فإنها لو كانت قابضة للمهر إلى نفسها، لكانت مستحقة للأجرة إذا أجرها السيد.
وربما قال: النكاح حقها، ولذلك لا يجوز تزويجها من مجبوب،
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه، ج ١، ص ٦٣٠، رقم ١٩٥٩. والحديث رواه أيضا أبو داود والترمذي من حديث جابر. وقال حسن صحيح.
(٢) انظر الشافعي، ج ٥، ص ١٧.
(٣) أجورهن: مهورهن. وللتفسير أنظر تفسير القاسمي. كذلك تفسير النيسابوري ج ٥، ص ٢٠.
وإذا زوجت فلها الخيار إذا علمت «١». وربما يقال: لا ينعقد العقد.
وليس نكاح الأمة نقل الملك إلى غيره، بل هو إثبات الحق في منافع بضعها للزوج على وجه لم يكن، فلذلك لم يجز النكاح بلفظ التمليك عند أكثر العلماء وهذا كلام له وجه.
إلا أن المهر لا تملكه المرأة «٢»، لأجل أنها لا تملك شيئا والعبد إذا خالع زوجته فلا يملك البدل عندنا وإنما ذلك للسيد، لأن للسيد حقا في منافع بضع العبد ولكنه لما لم يملكه العبد، كان السيد أحق به.
ولعل مالكا يقول أيضا في الأمة إذا وطئت بالشبهة، أن المهر يكون لها، وهذا مبني على أن العبد هل يتصور أن يكون له ملك مستقل به، والمسألة فرع ذلك الأصل.
ثم إن إسماعيل بن إسحاق المالكي قال: زعم بعض العراقيين أنه إذا زوج أمته من عبده فلا مهر، وهذا خلاف الكتاب والسنة، وأطنب فيه.
وأجاب الرازي عن ذلك: بأنا نوجب المهر، ولكنه يسقط بعد الوجوب لئلا يكون استباحة البضع بغير بدل، ثم يسقط في الثاني حتى يستحقه المولى، لأنها لا تملك والمولى هو الذي يملك «٣» مالها، ولا يثبت للمولى على عبده دينا «٤»، وهو مثل قول بعض أصحاب الشافعي رضي الله عنه في وجوب القصاص على الأب ثم سقوطه.
(١) إذا علمت أنه مجبوب.
(٢) أي الأمة.
(٣) يقول صلوات الله وسلامه عليه: «العبد وما يملكه لمولاه».
(٤) لأنه تابع لسيده ولا يصح أن يكون الدائن هو المدين لنفسه.
والذي ذكره الرازي لا يقطع تشغيب إسماعيل، فإنه إنما شنع بأمر فقال:
أفيجوز أن يكون الصداق فرضا من فرض الله تعالى لحرمة البضع حتى لا يتبذل دون الصداق ثم يغشى النساء من غير مهر؟
والرازي إن قال له: يجب بنفس العقد فلا يقول: إنه يجب عندنا لغشيان شيء.
ولا شك أن الوطء يعري عن المهر في حق الأمة المزوجة، وفيه بشاعة، فإن الغشيان كيف خلا عن وجوب المهر، وعلى أن إيجاب المهر في هذا العقد فيه إشكال، فإن المهر لو وجب لوجب لشخص على شخص، فمن الذي أوجب له وعلى من وجب؟
فإن قلت: وجب للسيد على العبد، فهذا محال أن يثبت له دين على عبده.
وإن قلت: وجب لا على أحد، فمحال.
وكما أن العقد يقتضي الإيجاب، فالملك يقتضي الإسقاط، وليس له إيجابه ضرورة الإسقاط، كما يقال: إن إثبات الملك للابن ضرورة العتق، فإن العتق لا يتصور بدون الملك، فأما إسقاط المهر فلا يقتضي إثباته، بل يمكن أن يقال: لا يجب المهر أصلا بوجه من الوجوه، فإنه لو وجب لوجب للسيد، وهذا بيّن في نفسه، وهو الصحيح من مذهبنا.
وأما استبعاد إسماعيل بن إسحاق، فلا وجه له، لأن الله تعالى أوجب المهر إذا أمكن إيجابه، وقد دل الدليل على أن العبد لا يملك بالتمليك أصلا، وإذا لم يملك ولا بد من مالك، والسيد استحال أن
يكون مالكا، فامتنع لذلك، فيكون الكلام عائدا إلى أصل آخر، وهو أن العبد هل يملك أم لا؟ ويخرج عن مقصودنا.
قوله تعالى: (مُحْصَناتٍ «١» غَيْرَ مُسافِحاتٍ «٢» ).
قد مضى بشرحه، وبينا أن معناه أن يكون العقد عليها بنكاح صحيح، وأن لا يكون الوطء على وجه الزنا: لأن الإحصان هو النكاح، والسفاح هو الزنا.
(وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ) «٣» :يعني لا يكون وطؤها على حسب ما كان عليه عادة الجاهلية في اتخاذ الأخدان.
قال ابن عباس: كان قوم منهم يحرمون ما ظهر من الزنا ويستحلون ما بطن وخفي منه.
والخدن هو الصديق للمرأة زنا بها سرا، فنهى الله عز وجل عن الفواحش ما ظهر منها ومن بطن، وحرم الوطء إلا على ملك نكاح أو ملك يمين، ويقرب منه نهي النبي عليه السلام: عن مهر البغي «٤»، فإنه يرجع إلى أنه أوجب المهر لحرمة الوطء وحرمة سبب الوطء وأما البغي فلا مهر لها.
(١) قال ابن عباس: أي عفائف. [..... ]
(٢) قال أكثر المفسرين: المسافحة هي التي تؤاجر نفسها أي رجل أردها وهي المعلنة بالزنا.
(٣) ومتخذة الخدن: هي التي لها صديق معين.
(٤) أخرج البخاري عن أبي جحيفة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «نهى عن ثمن الكلب، وعن ثمن الدم، وكسب البغي».
وأخرج البخاري ومسلم وأصحاب السنن عن ابن مسعود رضي الله عنه ان رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن».
قوله تعالى: (فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ) «١».
فقال قوم: «فإذا أحصن» بالضم يدل على التزويج، ويفهم منه أن الأمة لا يجب عليها الحد وإن أسلمت حتى تتزوج، وهو قول ابن عباس.
ومن قرأ بالفتح حمله على الإسلام، وأن عليها الحد إذا أسلمت، وهو قول أكثر العلماء في معنى الآية، ولا عبرة بالمعنيين في إيجاب الحد، فإن الحد واجب على الآمة الكافرة إذا زنت، ودلت الأخبار عليه، وعلى التسوية بين الحرة والآمة في هذا المعنى.
فإذا ثبت ذلك فإن قال قائل: فما فائدة ذكر الإحصان بمعنى الإسلام والنكاح ولا أثر لهما؟
قيل: أما الإسلام، فإنما ذكر على أحد المعنيين، لأنهن كن يحسبن البغاء مباحا، واتخاذ الخدن مباحا، وإذا جرى ذلك على اعتقاد الإباحة فلا حد.
وقوله: إذا أسلمن، يعني أن بالإسلام كن يعرفن تحريم ذلك، وقبل الإسلام ما كن يعرفن ذلك.
الوجه الآخر إن حمل قوله «أحصن» على النكاح، فإنما ذكر النكاح حتى لا يتوهم متوهم أنه يريد عقوبتها بالنكاح كما أراد في حق الحرة إذا تزوجت فأبان الله تعالى أنها وإن تزوجت وهي مسلمة، فعليها مثل ما كان من قبل ثم ذكر الله تعالى الإحصان في حق الإماء وقال:
(١) راجع تفسير القرطبي، وابن كثير.
(فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ)، ولم يرد به الرجم، إذ لا نصف له فإذا لم يرد الرجم، فلا يمكن أن يكون الإحصان في الحرة بمعنى النكاح لأن الحرة إذا أحصنت بالنكاح فعليها الرجم فيكون المراد بالمحصنة ها هنا الحرة «١» فالإحصان في حق الأمة بمعنى النكاح وفي حق الحرة بمعنى الحرية، فاختلف معنى الإحصان باختلاف محاله.
إذا ثبت ذلك فالله تعالى يقول: (فَإِذا أُحْصِنَّ) الآية. ذكر حكم الأمة والحرة، وفهمت الأمة منه أن العبد والحر مثلهما في معناهما، كما قال:
(إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ) «٢».
والأحرار المؤمنون الغافلون كمثلهن، لأن المعنى في الكل واحد، وهذا من أجلى مراتب الأقيسة.
والشافعي رضي الله عنه أورد هذا المثال في باب القياس، عند ذكر مراتب الأقيسة ومثله قوله عليه السلام:
«من أعتق شركا له في عبد عتق عليه الباقي» «٣».
وبالجملة: إذا ظهر مقصود الشرع في المسكوت عنه والمنطوق به، استوى الكل في الاعتبار.
(١) أنظر تفسير النيسابوري.
(٢) سورة النور، آية ٢٣.
(٣) الحديث رواه ابن عمر، وأخرجه ابن ماجة في سننه.
انظر ابن ماجة ج ٢ ص ٨٤٤ ورقم الحديث ٢٥٢٨ ورواه البخاري بنحوه.
قوله تعالى: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ).
يدل على جواز عطف الواجب على الندب، لأن النكاح ندب وإيتاء المهر واجب.
وقال تعالى: (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ).
ثم قال: (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً).
ويصح عطف الندب على الواجب أيضا، كقوله تعالى:
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ) «١»، فالعدل واجب والإحسان ندب.
وقال الشافعي رضي الله عنه في قوله: (فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ) «٢» الكتابة ندب والإيتاء واجب.
وقال أبو حنيفة في قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ «٣» لِلَّهِ)، الحج واجب، والعمرة ندب، إلى غيره من الأمثلة.
قوله تعالى: (ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) «٤».
بينا معناه، وأنه حرم ذلك لئلا يكون إرقاقا للولد.
وهذا يصلح أن يفهم منه معنى التحريم، فيفهم مثل هذا الحكم في مثل هذا المحل، فمقتضاه أن لا يحرم على العبد ولا ينقطع الدوام، وهو
(١) سورة النحل، آية ٩٠.
(٢) سورة النور، آية ٣٣.
(٣) سورة البقرة آية ١٩٦.
(٤) انظر تفسير الطبري، وأحكام القرآن للجصاص ج ٣ ص ١٢٥- ١٢٦.
نظر دقيق بينا وجهه من قبل، فإذا أراد أبو حنيفة حمله على معنى الاستحباب، كان متحكما، ونحن متعلقون بالأصل والظاهر.
قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) الآية (٢٦).
يدل على أنه يبين لنا ما بنا حاجة إلى معرفته، إما بنص أو بدلالة نص، وذلك يدل على امتناع خلو واقعة عن حكم الله تعالى، فإنه لو خلت لم يكن مريدا، إلا أن يبين لنا، ومنه قال تعالى:
(ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) «١».
وقوله تعالى: (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) الآية (٢٦).
معناه في بيان مالكم فيه الصلاح كما بينه لنا، وإن اختلفت العبارات في أنفسها، إلا أنها مع اختلافها متفقة في باب المصالح.
قوله تعالى: (لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) «٢».
اعلم أن في الناس من ظن أن غير التجارة من الهبات والصدقات، داخل تحت قوله بالباطل، إلا أنه ينسخ بالإجماع، أو بقوله: (ليس عليكم جناح أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ) «٣»، وهذا نقل عن ابن عباس، والحسن.
(١) سورة الأنعام، آية ٣٨.
(٢) سورة النساء آية ٢٩.
(٣) هكذا وردت في الأصل، ولعل المؤلف ذكر من الآية ما يثبت به صحة الرأي، راجع الآية كاملة في سورة النور آية ٦١. [..... ]
والذي هو الحق، أنه لا يفهم من أكل بالباطل، تحريم الهبات التي يبتغي بها الأغراض الصحيحة، وإنما حرم الله تعالى أكل المال بالباطل، والباطل الذي لا يفضي إلى غرض صحيح، مثل أكل المال بالقمار والخمر والاغرار، قال الله تعالى:
(وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ) «١».
فالنهي مقيد بوصف، وهو أن تأكله بالباطل.
وقد تضمن ذلك: أكل أبدال العقود الفاسدة، كأثمان البياعات الفاسدة، وكل شيء ما أباحه الله تعالى، فأما الذي أباحه الله تعالى من العقود، فلا مدخل فيه.
ثم إن الله تعالى قال: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً) «٢». فظاهره يقتضي إباحة سائر التجارات الواقعة عن تراض، والتجارة اسم واقع على عقود المعاوضات المقصود بها طلب الأرباح، قال الله تعالى.
(هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) «٣».
فسمى الايمان تجارة على وجه المجاز، تشبيها بالتجارات التي يقصد بها الأرباح.
وقال تعالى: (يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ) «٤»، كما سمى بذل النفوس لجهاد الكفار يقصد بها الأرباح، قال الله تعالى:
(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ) «٥» الآية.
(١) سورة البقرة آية ١٨٨.
(٢) سورة النساء، آية ٢٩.
(٣) سورة الصف، آية ١٠.
(٤) سورة فاطر، آية ٢٩.
(٥) سورة التوبة، آية ١١١.
وقال تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ، وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) «١».
فسمى ذلك بيعا وشراء على وجه المجاز، تشبيها بعقود الأشربة والبياعات، التي يحصل بها الأعواض.
كذلك سمى الإيمان بالله تجارة لما يستحقون به من جزيل الثواب.
واستدل أصحاب أبي حنيفة ومالك بهذه الآية على نفي خيار المجلس، فإن الله تعالى قد أباح كل ما اشتري بعد وقوع التجارة عن تراض، وما يقع من ذلك بإيجاب الخيار، خارج عن ظاهر الآية مخصص لها بغير دلالة، ونظير ذلك استدلالهم بقوله تعالى:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ «٢» ).
فألزم كل عاقد الوفاء بما عقد على نفسه، وذلك عقد قد عقده كل واحد منهما على نفسه، فألزمه الوفاء به، وفي إثبات الخيار نفي للزوم الوفاء به، وذلك خلاف مقتضى الآية.
وقال تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ) «٣».
ثم أمر عند عدم الشهود بأخذ وثيقة الرهن، وذلك مأمور به عند عقد البيع قبل التفرق، لأن قوله تعالى:
(١) سورة البقرة، آية ١٠٢.
(٢) سورة المائدة، آية ٢٨٢.
(٣) سورة البقرة، آية ٢٨٢.
(إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) «١».
فأمر بالكتابة عند عقد المداينة، وأمر بالكتابة بالعدل، وأمر الذي قد أثبت الدين عليه بقوله.
(وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً) «٢».
فلو لم يكن عقد المداينة موجبا للحق عليه قبل الافتراق لما قال:
(وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ). ولما وعظه بالبخس وهو لا شيء عليه، لأن ثبوت الخيار له يمنع ثبوت الدين للبائع في ذمته، وفي إيجاب الله تعالى الحق عليه بعقد المداينة في قوله: (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ)، دليل على نفي الخيار وإيجاب الثبات.
ثم قال: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ) «٣» تحصينا للمال، وقطعا لتوقع الجحود، ومبالغة في الاحتياط.
وقال تعالى: (وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ، وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً) «٤».
فلو كان لهما الخيار قبل التفرق لم يكن في الشهادة احتياط، ولا كان أقوم للشهادة إذا لم يمكن إقامة الشهادة بثبوت المال.
ثم قال تعالى: (إِذا تَبايَعْتُمْ)، وإذا: كلمة تدل على الوقت، فاقتضى ذلك الأمر بالشهادة عند وقوع التبايع من غير ذكر الفرقة، فأمر
(١) سورة البقرة، آية ٢٨٢.
(٢) سورة البقرة، آية ٢٨٢.
(٣) سورة البقرة، آية ٢٨٢.
(٤) سورة البقرة، آية ٢٨٢.
برهن مقبوضة في السفر، بدلا من الاحتياط بالاشهاد في الحضر، وفي إثبات الخيار إبطال الرهن إذ غير جائز إعطاء الرهن بدين لم يجب بعد.
فدلت الآية بما تضمنته من الأمر بالإشهاد على عقد المداينة، والتبايع من غير تعوض للافتراق أن لا خيار، إذ كان إثبات الخيار مانعا معنى الاشهاد والرهن، فهذا كلام الرازي بأحكام القرآن حكيناه بلفظه، والجواب عنه: أن الله تعالى وتقدس، أمر بالإشهاد والكتابة بناء على غالب الحال في أن الشهود يطلعون على الافتراق والبيع جميعا، وليس للبيع مما يدوم غالبا أو يتمادى زمانه، حتى يجري الإشهاد على أحدهما دون الآخر، فأراد الله تعالى بيان الوثائق على ما جرت به العادة من البيع، ويدل على ذلك، أن قبل القبض لا ينبرم العقد في البيع وفي الصرف، وإذا تفرق المتبايعان بطل الصرف، وإذا هلك المبيع قبل القبض بطل البيع، فتبطل الوثائق جملة، وذلك لم يمنع الإرشاد إلى الوثائق في البياعات والمداينات، وكذلك بالقول في خيار الرؤية فيما لم يره في خيار الشرط، فلا حاصل لما قاله هؤلاء فاعلمه.
ووراء ذلك تعلق الرازي بفنون، يفع الجواب عنها في مسائل الخلاف، لا تعلق لها بمعاني القرآن، وذلك عادته، فإنه إذا انتهى إلى مسألة مختلف فيها، بين أبي حنيفة وغيره، يستقصي الكلام فيها فيما يتعلق بالخبر والقياس، ويخرج بها عن مقصود الكتاب.
قوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) «١» الآية. معناه:
لا يقتل بعضكم بعضا، وهو نظير قوله تعالى:
(وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ) «٢».
(١) سورة النساء، آية ٢٩.
(٢) سورة البقرة، آية ١٩١. [..... ]
أي حتى يقتلوا بعضكم، ومجازه أنهم كالشخص الواحد، والمؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضا.
ويحتمل أن يقال: ولا تقتلوا أنفسكم في الحرص على الدنيا وطلب المال، بأن يحمل نفسه على الغرر المؤدي إلى التلف.
ويحتمل «ولا تقتلوا أنفسكم» في حال ضجر أو غضب.
قوله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً) «١».
الوعيد في ذلك يجوز أن يرجع إلى أكل المال بالباطل، وقتل النفس بغير حق، ويجوز أن يرجع إلى كل ما نهى الله عنه فيما تقدم، وقيد الوعيد بذكر العدوان والظلم، ليخرج منه فعل السهو والغلط، وذكر الظلم والعدوان مع تقارب معانيهما لاختلاف ألفاظهما، حسن في الكلام، كما يقال: «ألفى قولها كذبا ومينا»، وحسن العطف لاختلاف اللفظين، يقال بعدا وسحقا، وحسن لاختلاف اللفظ.
قوله تعالى: (وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ)، الآية (٣٢).
ورد في تفسيره عن مجاهد عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله، تغزوا الرجال ولا تغزوا وتذكر الرجال ولا نذكر، فأنزل الله تعالى: (وَلا تَتَمَنَّوْا، الآية) «٢».
(١) سورة النساء، آية ٣٠.
(٢) قالت أم سلمة: «يا رسول الله، يغزو الرجال ولا يغزو النساء، وانما لنا نصف الميراث..» رواه أحمد والترمذي والحاكم.
ونزل: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ) «١».
وروى قتادة عن الحسن:
«لا يتمنى أحد المال وما يدريه لعل هلاكه في ذلك المال «٢» ».
وقال قتادة: كان أهل الجاهلية لا يورثون المرأة شيئا ولا الصبي، فلما جاء الإسلام، وجعل للمرأة النصف من نصيب الذكر، قال النساء، «لو كان أنصباؤنا في الميراث كأنصباء الرجال، وقلن: إنا لنرجو أن نفضل عليهم في الآخرة»، فنزل قول الله تعالى:
(لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) «٣».
فللمرأة الجزاء على الحسنة عشر أمثالها كما للرجال.
قال: (وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) «٤»، ونهى الله أن تتمنى المرأة ما فضل الله بعضهم على بعض، لأن الله تعالى أعلم بصالحهم منهم، فوضع القسمة منهم على التفاوت على ما علم من مصالحهم.
وبالجملة: التمني إذا لم يفض إلى حسد في ابتغاء زوال نعمة الغير أو تباغض، فلا نهي عنه، فإن الواحد منا يود أن يكون إماما وسيدا في الدين والدنيا، ولا نهي عنه، وإن علم قطعا أنه لا يكون.
وورد في الخبر أن الشهيد يقال له: تمن، فيقول:
(١) سورة الأحزاب، آية ٣٥.
(٢) أخرجه ابن جرير الطبري.
(٣) سورة النساء، آية ٣٢.
(٤) سورة النساء، آية ٣٢. ويقصد بفضله هنا معونته وتوفيقه.
أتمنى أن أرجع إلى الدنيا، وأقتل في سبيل الله «١» ورسول الله صلّى الله عليه وسلم، كان يتمنى إيمان أبي طالب وأبي لهب وصناديد قريش، مع علمه بأنه لا يكون، وكان يقول: «واشوقاه إلى إخواني الذين يجيئون من بعدي يؤمنون بي ولا يروني» «٢».
وذلك كله يدل على أن التمني لا ينهى عنه إذا لم يكن داعية الحسد والتباغض، والتمني المنهي عنه في الآية من هذا القبيل، ومنه النهي عن الخطبة على خطبة أخيه، لأنه داعية الحسد والمقت.
قوله تعالى: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ)، الآية (٣٣) :
قال ابن عباس ومجاهد: المولى ها هنا العصبة.
وقال السدي: الورثة.
وأصل المولى: من ولي الشيء يليه، وهو إيصال الولاية في التصرف، والمولى لفظ مشترك يطلق على وجوه، فيسمى المعتق مولى والمعتق كمثل، ويقال: المولى الأسفل والأعلى، لاتصال كل واحد منهما بصاحبه، ويسمى الناصر المولى.
(وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ) «٣».
(١) رواه مسلم وأحمد وابن ماجة بروايات متقاربة.
وفي رواية مسلم أن الشهداء يقولون حين يسألون: «نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى».
(٢) روى البخاري ومسلم أن أبا طالب حين حضرته الوفاة قال له النبي صلّى الله عليه وسلم: «يا عم قل لا اله الا الله كلمة أحاج لك بها عند الله».
(٣) سورة محمد، آية ١١.
ويسمى ابن العم مولى، والجار مولى.
وقد بسط المتكلمون من أهل السنة أقوالهم في هذا في الرد على الإمامية، عند احتجاجهم بقوله عليه السلام:
«من كنت مولاه فعلي مولاه» «١»، فمعنى الولاء هاهنا العصبة، لقوله عليه السلام:
«ما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر» «٢».
وقوله «فلأولى عصبة ذكر» يدل على أن المراد بقوله: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ) هم العصبات «٣».
ومن العصبات المولى الأعلى لا الأسفل، على قول أكثر العلماء، لأن المفهوم في حق العتق، أنه المنعم على المعتق، وكالموجد له، فاستحق ميراثه لهذا المعنى.
وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد: أن المولى الأسفل، يرث من الأعلى واحتج فيه بما روي: أن رجلا أعتق عبدا له، فمات المعتق ولم يترك إلا المعتق، فجعل رسول الله صلّى الله عليه وسلم ميراثه للغلام المعتق «٤».
قال الطحاوي: ولا معارض لهذا الحديث، فوجب القول به، ولأنه إذا أمكن إثبات الميراث للمعتق، على تقدير أنه كالموجد له، فهو
(١) أخرجه الامام أحمد في مسنده عن بريدة رضي الله عنه، وأخرجه أحمد والنسائي، وأبن ماجة، والترمذي، وابن حبان، والحاكم في المستدرك، عن زيد بن أرقم.
(٢) رواه البخاري ومسلم.
(٣) المولى: العصبة، كما يقول مجاهد وقتادة.
(٤) انظر شرح معاني الآثار للطحاوي ج ٤ ص ٤٠٣ والحديث رواه الترمذي.
شبيه بالأب، والمولى الأسفل شبيه بالابن، وذلك يقتضي التسوية بينهما في الميراث.
والأصل أن الاتصال يعم.
وفي الخبر: ومولى القوم منهم» «١».
والذين خالفوا هذا وهم الجمهور قالوا:
الميراث يستدعي القرابة ولا قرابة، غير أنا أثبتنا للمعتق الميراث بحكم الإنعام على المعتق، فيقتضي مقابلة الإنعام بالمجازاة، وذلك لا ينعكس في المولى الأسفل.
وأما الابن فهو أولى الناس بأن يكون خليفة أبيه وقائما مقامه، وليس المعتق صالحا لأن يقوم مقام معتقه، وإنما المعتق قد أنعم عليه، فقابله الشرع بأن جعله أحق لمولاه المعتق، ولا يوجد هذا في المولى الأسفل، فظهر الفرق بينهما.
قوله تعالى: (والذين عاقدت «٢» أيمانكم فآتوهم نصيبهم) الآية (٣٣).
قال ابن عباس في ذلك: كان المهاجر يرث الأنصاري دون ذي رحمه بالأخوة التي جعلها الله تعالى بينهم بالإسلام «٣» فلما نزلت:
(وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ)
(١) رواه البخاري ومسلم وأحمد. [..... ]
(٢) عاقدت بالألف أي عاقدتهم، وتقرأ بدون ألف أي عقدت وتقديره: عقدت حلفهم أيمانكم. والعقد هو الشد والربط، والتوكيد والتغليظ.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التفسير، سورة النساء.
نسخت، ثم قرأ: (والّذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) من النصر والرفادة والوصاية، وقد ذهب الميراث.
وعن ابن عباس: (والّذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم)، فكان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله تعالى:
(وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً) «١» يقول: «إلا أن توصوا» «٢».
وعن سعيد بن جبير في قوله تعالى: (والّذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) قال:
كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيموت فيرثه.
وعاقد الصديق أبو بكر رضي الله عنه رجلا، فورثه لما مات وقال سعيد بن المسيب:
هذا في الذين كانوا يتبنون رجالا ويورثوهم، فأنزل الله تعالى فيهم، أن يجعل لهم من الوصية، ورد الميراث إلى المولى من ذوي الرحم والعصبة «٣».
إذا ثبت هذا فأبو حنيفة، وأبو يوسف، وزفر، ومحمد، صاروا
(١) سورة الأحزاب، آية ٦.
(٢) أخرجه ابن جرير في الأثر رقم ٩٢٦٨ عن علي بن أبي طلحة. الا ان توصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية، فهو لهم جائز من ثلث مال الميت، وذلك هو المعروف.
(٣) انظر ابن جرير في الأثر رقم ٩٢٨٨.
إلى أن الميراث بالمعاقدة، لم ينفسخ عند فقد الأقربين والمولى، بل يتعلق بها الميراث عند عدم الرحم والولاء، فإن الله تعالى جعل ذوي الأرحام أولى، فإذا لم يكونوا بقي على حكم الآية، وهذا بعيد، فإن الذي في الآية:
(ولكل جعلنا موالي ممّا ترك الوالدان والأقربون والّذين عاقدت أيمانكم).
فأثبت الميراث بالمعاقدة عند وجودها، وعلى أن قوله: (فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ)، ليس نصا في الميراث، بل معناه: من النصرة والمعونة والرفاد.
قوله تعالى: (الرِّجالُ قَوَّامُونَ «١» عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ) الآية (٣٤).
ورد في الخبر، أن رجلا لطم امرأته لنشوزها عنه فجرحها، فاستعدت عليه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم «٢» :القصاص، فأنزل الله تعالى:
(وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) «٣».
(١) قوامون: مفردها قوام، وهو القائم بالمصالح، والتدبير، والتأديب.
وقد ذكروا في فضل الرجال: العقل والحزم والعزم والقوة والفروسية والرمي.
وأن منهم الأنبياء، وفيهم الامامة الكبرى والصغرى، والجهاد والأذان والخطبة، والشهادة في مجامع القضايا، والولاية في النكاح والطلاق والرجعة وعدد الأزواج وزيادة السهم والتعصيب.
(٢) رواه ابن جرير الواحدي في اسباب النزول، وابن أبي حاتم. وأخرجه السيوطي في الدر المنثور ج ٢ ص ١٥١، والطبري في تفسيره ج ٨ ص ٢٩١.
(٣) سورة طه، آية ١١٤.
ثم أنزل: (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ).
وقيل: ما كان الضرب على النشوز مشروعا ثم شرع.
ودلت الآية على أن الزوج يقوم بتدبير المرأة، وتأديبها، وإمساكها في بيتها، ومنعها من البروز، وأن عليها طاعته وقبول أمره، ما لم تكن معصية.
وقوله تعالى: (بِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ)، يدل على أن الزوج جعل قوّاما عليها، حابسا لها على نفسه، ومانعا من البروز لأجل ما أنفق عليها من المال.
نعم بين الله تعالى أمر النفقة في مواضع في كتابه في قوله:
(لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ) «١».
وقول النبي صلّى الله عليه وسلم:
ولكن في هذه الآية ذكر علة النفقة، فلا جرم، فهم العلماء منهما أنه متى عجز عن نفقتها لم يكن قواما عليها، حتى زال الحبس في الدار على المذاهب كلها، ولها فسخ النكاح على مذهب الشافعي رضي الله عنه، لأنه إذا خرج عن كونه قواما عليها، وحابسا لها، فقد أخل غرض التحصين بالنكاح، فإن الغرض من النكاح على مذهب الشافعي رضي الله عنه، لأنه إذا خرج عن كونه قواما عليها، وحابسا لها فقد أخل غرض التحصين بالنكاح، فإن الغرض من النكاح تحصينها، وإلا فهن حبائل الشيطان وعرضة الآفات، فإذا لم يكن قواما عليها، كان لها فسخ العقد، لزوال المقصود الذي شرع لأجله النكاح، وفيه دلالة ظاهرة من هذا الوجه على ثبوت فسخ النكاح، عند الإعسار بالنفقة والكسوة.
(١) سورة الطلاق، آية ٧.
قوله تعالى: (وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ) «١» الآية (٣٤).
أمر الله تعالى بمراعاة الترتيب في استيفاء الحق من الممتنع على هذا الوجه، فإن لم يتأت إلا بالضرب والايجاع فيجوز، ولكن الضرب هو القدر الذي يصلحها له ويجعلها على توفية حقه.
وليس له أن يضرب ضربا يتوقع منه الهلاك، فإن المقصود الصلاح لا غيره، فلا جرم إذا أدى إلى الهلاك وجب الضمان، وكذلك القول في ضرب المؤدب لتعليم غلامه القرآن والأدب، ولأجله قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:
«لصاحب الحق يد ولسان» «٢».
وقال: «مطل الواجد يحل عرضه وعقوبته».
يعني قوله: «يحل عرضه» أن يقول: يا ظالم يا معتدي.
وعنى بعقوبته: طلب حبسه.
نعم: الصائل على مال الإنسان له دفعه عن ماله، وإن لم يتأت إلا بالقتل، لأن المال يخلص له عند ذلك، وهاهنا إذا نشزت، فليس في هلاكها استيفاء الحق بل فيه تفويته، فإنما رخص في ضرب مصلح وهذا بين.
قوله تعالى: (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا).
قال أبو عبيدة، معناه: لا تعللوا عليهن بالذنوب.
(١) النشوز: العصيان، وهو مأخوذ من النشز وهو ما ارتفع من الأرض.
(٢) رواه الشيخان بنحوه.
قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ «١» أَهْلِها) الآية (٣٥).
اختلف الناس في المخاطبين بهذا الخطاب.
فقال سعيد بن جبير: «إنه السلطان الذي يترافعان إليه».
وقال السدي: الرجل والمرأة.
قال الشافعي رضي الله عنه:
والذي يشبه ظاهر هذه الآية، أنه فيما عم الزوجين معا حتى يشتبه فيه حالاتهما، وذلك أني وجدت الله تعالى أذن في نشوز الزوج بأن يصطلحا، وسن رسول الله صلّى الله عليه وسلم ذلك، وسن في نشوز المرأة بالضرب، وأذن في خوفها أن لا يقيما حدود الله بالخلع، وذلك شبيه أن يكون برضا المرأة، وحظر أن يأخذ الرجل مما أعطى شيئا، إذا أراد استبدال زوج مكان زوج، فلما أمن فيمن خفنا الشقاق بينهما بالحكمين، دل ذلك على أن حكمهما غير حكم الأزواج، فإذا كان كذلك بعث حكما من أهله، وحكما من أهلها، ولا يبعث الحكمين إلا مأمونين برضا الزوجين، ويوكلهما الزوجان بأن يجمعا أو يفرقا إذا رأيا ذلك، ووجدنا حديثا بإسناده عن عليّ يدل على أن الحكمين وكيلان للزوجين، وهذا مذهب أبي حنيفة، وهو أصح المذاهب للشافعي، وإن حكى عن الشافعي فيه قول آخر على موافقة مذهب مالك، وهو أن الحكمين ينفردان دون رضا الزوجين إذا رأيا ذلك، وهو بعيد، فإن إقرار الزوج بالظلم لا
(١) الشقاق: مصدر من شاق: وهو أن يأتي احد الزوجين بأمر يشق على الآخر.
وهو عند المرأة النشوز، وتركها أداء حق الله عليها الذي ألزمها الله لزوجها، وعند الزواج تركه إمساكها بالمعروف أو تسريحها بإحسان.
ينافي النكاح، ولا ظلم المرأة مناف لذلك، والظلم إذا ظهر من أي جانب كان، وجب دفعه بطريقة، فأما أن يكون ظهور ظلم الظالم بينهما للحكمين طريقا إلى دفع النكاح دون رضا الزوجين فلا، وليس يزيد ظهور ذلك ظلما على إقرار الزوج أو الزوجة «١» بالظلم.
نعم قد يقول القائل: إذا استمرت الوحشة، فلا وجه لتبقية الخصومة ناشبة بينهما، فاشتباه الحال في ذلك، كاشتباه الحال في المتبايعين إذا تخالفا.
وهذا بعيد، فإنهما إذا تخالفا فلا يتصور بقاء العقد على نعت الإختلاف ليكون العقد على وضعين متضادين، وها هنا لا شيء يوجب منع بقاء العقد، وخللا في معنى العقد، إنما يظهر من أحدهما ظلم فيدفعه الحاكم فأما فسخ النكاح فلا، وليس كالإيلاء، فإن هناك رجع النعت إلى المقصود وهو الاستمتاع.
وبالجملة إن كان للقول الآخر وجه، فمن حيث وقوع الخلل في السكن المقصود بالنكاح، لاستمرار الخصومة بينهما، وذلك يقتضي أن يكون هذا قريبا من الإيلاء، وقد قال مالك:
وللحكمين أن يخالعانها دون رضاها، وهذا بعيد، فإن الحاكم لا يملك ذلك، فكيف يملكه الحكمان؟ «٢»..
نعم سميا حكمين- وإن كان الوكيل لا يسمى حكما- لأنه أشبه فعلهما، فهما يجتهدان ويتحريان الصلاح في إنفاذ القضايا بالعدل، إذا وكلا بذلك من جهة الزوجين، وما قضى به الحكمان من شيء فهو جائز
(١) انظر الشيخ الصابوني.
(٢) انظر احكام القرآن للجصاص ج ٢ ص ٢٣٢. [..... ]
ولكن برضا الزوجين لا دون رضاهما، والله تعالى إذا رأيناه يقول:
(فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) «١».
فكيف يفهم منه جواز الخلع دون رضا الزوجين، وقد حظر الشرع أخذ شيء منها دون شريطة الخوف.
ودلت الآيات المطلقة، على أن لا يحل أكل المال إلا أن يكون تجارة عن تراض منكم.
ودل قول الرسول صلّى الله عليه وسلم، على أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه.
وفي رواية: بطيبة من نفسه «٢».
قوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ) الآية (٣٦) :
يدل على أن من أتى بطاعة لغير الله، لا تقع عن جهة القربة، لأنه أشرك به شيئا، وترك الإخلاص، ولأجله قال علماؤنا:
من توضأ أو اغتسل لتبرد أو تنظيف، لم يكن له أن يصلي به، لأنه أشرك به شيئا.
فإذا خرج الفعل عن كونه لله، فلم يكن قربة، ولذلك قلنا:
إذا أحس بداخل في الركوع وهو إمام لم ينتظره، لأنه يخرج ركوعه بانتظاره عن كونه لله خالصا، ثم قال تعالى:
(١) سورة البقرة ٢٢٩.
(٢) ورد بمعناه فيما أخرجه البخاري ومسلم.
(وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً).
فأوجب الله تعالى طاعة الوالدين في غير معصية الخالق، ولا يعني بطاعة الوالدين أن يكون لهما صرف منافع بدنه بعد البلوغ إلى ما شاء، وتكليفهما أفعالا، وإنما هو على ما ذكره الله تعالى:
(إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما) «١» الآية..
وليس للوالدين منع الولد من الأسفار للتجارة والزيارة وطلب الفوائد.
نعم يكره له أن يجاهد دون إذنهما، فإن في ذلك تغريرا بالمهجة.
ومن تعظيم الوالدين أن لا يقتله الولد، إلا إذا كان محاربا كافرا «٢».
ثم ذكر الجار ذي القربى، وهو الجار الذي له حق القرابة، والجار الجنب «٣»، للبعيد منك نسبا، إذا كان مؤمنا، فيجتمع حق الجوار والإيمان، وورد في حق الجار أخبار عدة «٤».
والصاحب بالجنب: قيل هو الرفيق في السفر، وقيل هو الجار الملاصق، وخصه الله تعالى بالذكر تأكيدا لحقه على الجار غير الملاصق.
والجار لفظ مجمل يتردد بين معاني، فقد يقال لأهل المحلة جيران، ولأهل الدرب جيران. وجعل الله تعالى الاجتماع في مدينة جوارا، قال الله تعالى:
(١) سورة الإسراء آية ٢٣.
(٢) ومثال ذلك ان أبا عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح قتل أباه يوم بدر.
(٣) الجار الجنب: هو الجار البعيد، وقيل هو الجار الغريب، وقيل هو الجار المشرك.
(٤) من هذه الاخبار ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت انه سيورثه».
(لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ) إلى قوله: (ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا) «١».
فجعل اجتماعهم في المدينة جوارا.
والإحسان قد يكون بمعنى المواساة «٢»، وقد يكون بمعنى حسن العشرة، وكف الأذى والمحاماة دونه.
وابن السبيل: هو المسافر ينزل عندك فتكرمه وتضيفه.
(وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) :هو الإحسان إليه بالإنفاق، وكسوته ومراعاته بالمعروف.
هذا هو الأصل، فجمعت الآية أمورا منها الندب، ومنها الواجب.
قوله تعالى: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) (٣٧) :
البخل المذموم في الشرع الامتناع من أداء ما أوجب الله تعالى، وهو مثل قوله:
(وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ) «٣».
ونزلت الآية في اليهود، الذين بخلوا بالمال، فلم يعطوا منه حق
(١) سورة الأحزاب آية ٦٠.
(٢) أي مواساة الجار عند نزول نازلة به.
(٣) سورة آل عمران آية ١٨٠.
الله تعالى، ومنعوا الأنصار من أداء حق الله، وخوفوهم بالفقر، ومنعوا العلم، وكتموا ما علموا من صفة النبي محمد صلّى الله عليه وسلم، والمباهاة «١»، بل يقول:
كان ذلك من فضل الله، وما كان من قوتي ولا من عندي، فيتحدث بالنعم على وجه الشكر، كما قال تعالى:
(وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) «٢»..
وقال عليه السلام: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أفصح العرب ولا فخر» «٣».
فأراد بذكره التحدث بنعم الله تعالى، وأن يبلغ أمته من منزلته عند الله، ما يجب على أمته أن يعرفوه، وليعطوه من التعظيم حقه طاعة الله تعالى.
وقال عليه السلام: «لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس ابن متى».
وقد كان عليه السلام خيرا منه، ولكنه نهى أن يقال ذلك على وجه الافتخار.
وقال الله تعالى: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى) «٤».
(١) المباهاة: أي كتم نعم الله تعالى وإنكارها والتفاخر بها على أنها حق للعبد لا فضل لله بها.
(٢) سورة الضحى آية ١١.
(٣) رواه احمد في مسنده، والترمذي في سننه وقال عنه حديث حسن صحيح، وابن ماجة في سننه.
(٤) سورة النجم آية ٣٢.
ومنه قوله صلّى الله عليه وسلم: «احثوا في وجوه المداحين التراب» «١».
وذلك لئلا تزهو النفس وتترف، فإن النفس إذا ما مالت إلى شيء لطلب حظها، تولد منها قوة الهوى وضعف اليقين.
قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ..)
الآية (٣٨) :
معناه: الكفار الذين يبخلون بالأموال لوجه الله، وينفقون رثاء «٢» وسمعة، في غير مرضاة الله.
قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى) «٣» الآية (٤٣) :
اختلف العلماء في المراد بالسكر بالآية.
فقال قائلون: هو السكران الذي لا يعلم حقيقته، وهذا معتل من وجه: فإن الذي لا يعقل كيف ينهى.
فقيل في ذلك: أراد به النهي عن التعرض للسكر، إذا كان عليهم فرض الصلاة، والنهي على أن عليهم أن يعيدوها، وهذا بعيد من وجه، وهو أن السكر إذا نافى ابتداء الخطاب، ينافي دوامه، وهذا حسن في إبطال هذا القول، إلا أن يقال:
إن ذلك نهي عن السكر، وإزالة العقل بشرب القدر المسكر، حالة وجوب الصلاة، وهذا رفع ما دل اللفظ عليه بالكلية، كأنه تعالى قال:
(١) أخرجه الامام أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه، وأبو داود في سننه حسن المقداد. [..... ]
(٢) أي على مرأى من الناس وعلى غفلة من الخالق.
(٣) هذه الآية نزلت قبل تحريم الخمر.
«لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى»، أي في حالة سكركم، فلا وجه للتأويل.
الوجه الآخر: قالوا المراد به السكران الذي لم ينتبذ «١» نقصان عقله إلى حد يزول التكليف معه، بل هو فاهم للخطاب، وهذا بعيد، فإنه إن كان كذلك، فلا يكون منهيا عن فعل الصلاة، بل الإجماع منعقد على أنه مأمور بفعل الصلاة والحالة هذه.
ومن أجل ذلك قال الحسن، وقتادة، في هذه الآية: فإنها منسوخة الحكم.
وعلى الجملة، اضطراب هذه المحامل ينشأ منه قول الشافعي رضي الله عنه: وهو أن المراد من الصلاة موضع الصلاة، فتقديره: لا تقربوا المساجد التي هي مواضع الصلاة وأنتم سكارى، فإنه يتوقع منكم الفحش في المنطق، وتلويث المسجد، ولذلك قال: (حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ)، يعني أن السكران ربما نزق «٢»، فتكلم بما لا يجوز له، كما قال علي:
إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى.
فنهاهم عن دخول المسجد والصلاة مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم جماعة.
وهذا تأويل حسن تشهد له الأصول والمعقول، ومن أجله عطف عليه قوله تعالى: (وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ)، وذلك يقتضي جواز العبور للجنب في المساجد.
وأبو حنيفة يخالف ذلك ويقول:
(١) أي لم يصل به نقصان عقله أو لم يذهب.
(٢) النزق: الطيش والخفة.
بل المراد به الصلاة، ولذلك قال: (حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ) والذي ذكرتم يعلم ذلك.
فيقال: هذا في ضرب المثل، كالذي يقول للغضبان: اتئد وتثبت حتى يرجع إليك نفسك وتعلم ما تقول، إلا أن المراد به عدم العلم حقيقة.
وأبو حنيفة يخالف ذلك ويقول: بل المراد به أيضا، إذا حمل ذلك على الصلاة حمل قوله: إلا عابري سبيل، على الجنب المسافر إذا لم يجد الماء، فإنه يتيمم ويصلي، فيتعين إضمار عدم الماء فيه، وإذا عدم الماء في الحضر، كان كذلك.
وأحسبه يقول: بنى على الغالب، في أن الماء لا يعدم في الحضر، فيقال: فالذي يتيمم ليس جنبا عندكم حتى يصلي صلوات التيمم، وأحسبه يمنع هذا أيضا ويكابر، فيقال له:
إن تيمم الجنب، قد ذكره الله تعالى بعد هذا، بل فصل فقال:
(وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) «١».
وكيف يذكر المسافر والسفر، ثم يذكر بعده من غير فصل؟ وهذا واضح في بطلان قوله:
وأما إذا أراد التيمم، ذكر الوجوه التي بها يجوز التيمم، فذكر المرض وذكر السفر، وذكر المجيء من الغائط، وعدم الماء مطلقا في أي موضع كان، فكيف عنى بعابر السبيل المسافر ها هنا، ولم يذكر
(١) سورة النساء آية ٤٣.
عدم الماء، وهو الشرط لا السفر؟ وهذا لا جواب عنه فاعلمه، ولأن الله تعالى قال: (حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ)، فأحال المنع على عدم العلم بالقول، والسكران الطافح في سكره، المغشى عليه، تمتنع الصلاة، عليه، لأنه لا يعلم ما يقول، بل لأنه محدث غير طاهر، ولا ساجد ولا راكع ولا ناو، فدل أن الامتناع إنما نشأ من القول فقط، وذلك على الوجه الذي قلناه في تنزيه المسجد عن هجر القول والخنا في المنطق، ومن أجل ذلك بطل تأويل من حمل السكر على النوم، لأن النائم لا يصلي، ولا يتصور منه الصلاة مع النوم، ولا طهارة مع النوم.
وبالجملة، كل ما اعترضنا به على الفصل الأول، فهو متوجه ها هنا فاعلم.
فإن قيل: سبب نزول هذه الآية، ما روي عن علي رضي الله عنه أنه دعا رجل من الأنصار قوما فشربوا من الخمر، فتقدم عبد الرحمن ابن عوف لصلاة المغرب فقرأ: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، فالتبس عليه فأنزل الله تعالى:
(لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى).
والجواب أن المراد به ما قلناه، فإنه إذن التبس عليه، وتلا بداخل المسجد، حتى تكلم بما لا يجوز، وإلا فالصلاة واجبة في تلك الحالة قطعا، والذين منعوا اجتياز الجنب في المسجد، عرفوا أن كثيرا من السلف حملوا الآية على ما قلناه، وإن كان منهم من خالف.
قال: ومذاهب السلف مستقصاة في كتب الائمة، وليس ذكرها متعلقا بغرضنا، إلا أن منهم من تعلق بما روي عن جسرة بنت دجاجة أنها قالت: «سمعت عائشة رضي الله عنها تقول:
جاء رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد، ثم دخل ولم يصنع القوم شيئا رجاء أن تنزل لهم رخصة، فخرج إليهم بعد فقال: وجهوا هذه البيوت فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» «١».
قال: فأمرهم بتوجيه البيوت الشارعة في المسجد، صيانة للمسجد عن اجتياز الجنب، لأنه لو أراد القعود، لم يكن لقوله «وجهوا هذه البيوت فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» معنى، لأنه القعود منهم بعد دخول المسجد، لا تعلق له بكون البيوت شارعة إليه، فدل أنه إنما أمر بتوجيه البيوت، لئلا يضطروا عند الجنابة إلى الاجتياز في المسجد، إذا لم يكن لبيوتهم أبواب غير ما هي شارعة إلى المسجد.
والاعتراض على هذا، أن الخبر لا يجوز أن يثبت، فإن الغالب من أحوالهم المنقولة، أنهم كانوا يغتسلون في بيوتهم، ولأن المنع من المرور لو كان المقصود، ولم يتأت لهم الاغتسال في بيوتهم، لقال لهم:
اتخذوا أبوابا تجتازون منها للاغتسال.
ويدل عليه أنه لو كان باب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، لأفضى إلى المسجد وأبواب حجر نسائه، وباب أبي بكر، وباب عليّ، وقال:
«سدوا هذه الخوخات «٢» غير خوخة أبي بكر وعليّ».
وعلى أن الذي ذكره هذا القائل، تسليم منه لجواز ذلك من قبل، ويدعى نسخا لا يصح وقوع النسخ به.
قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ)
(١) رواه ابو داود، وأشار اليه مسلم في صحيحه.
(٢) رواه البخاري في صحيحه في كتاب فضائل اصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم.
أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ) «١».
قوله: «إن كنتم مرضى» يمنع «٢» من التوضؤ، وأن يكون من إمساس الماء خطر الهلاك أو فساد عضو، وليس المراد به مطلق المرض إجماعا، وقد أطلق الله المرض في مواضع من كتابه، وباطنه رخصا مختلفة، والمراد به الأمراض المختلفة، لا نوع واحد من المرض، فقال تعالى في موضع: وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) «٣».
والمراد ما يظهر أثره في منع الصوم.
وقال: (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ) «٤».
وعنى به نوعا آخر.
وها هنا عنى بالمرض، القروح التي تمنع إيصال الماء إلى الأعضاء، ويخشى منه فساد عضو وهلاك الجملة، أو طول الضنا على ما اختلف العلماء فيه.
ثم قال تعالى: (أَوْ عَلى سَفَرٍ)، بناء على الغالب، ولا يشترط فيه السفر الطويل، بل ما يسمى سفرا، فإن عموم كتاب الله تعالى يدل عليه.
وفي اللفظ أيضا خلاف، والفرق بينهما عند من فرق مأخوذ من
(١) سورة النساء آية ٤٣.
(٢) أي ان المرض يمنع من التوضؤ.
(٣) سورة البقرة آية ١٨٥.
(٤) سورة البقرة آية ١٩٦.
السنة، وورد في تيمم المجروح أخبار ذكرها الفقهاء في كتبهم، وهي صحيحة، دالة على أنه يتيمم.
قوله تعالى:
(أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ). اعلم أولا أنه روي عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلّى الله عليه وسلم، «قبل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ» «١».
وروى إبراهيم التيمي عن عائشة، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم «كان يتوضأ ثم يقبل ثم يصلي ولا يتوضأ، ربما فعله بي» «٢».
وعن شبابة مولى عائشة رضي الله عنها قالت: ربما يلقاني «٣» رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وهو خارج إلى الصلاة، فيقبلني ثم يأتي المسجد، فيصلي ولا يتوضأ.
كل ذلك رواه القاضي إسماعيل بن إسحاق بأسانيده المتصلة في كتاب أحكام القرآن.
وروى بإسناده عن الشعبي قال: قال علي: اللمس الجماع ولكنه كنى عنه.
وروى بإسناد عن عاصم الأحوال، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: الملامسة والمباشرة الجماع.
(١) رواه الطبري في الأوسط. انظر مجمع الزوائد ج ١ ص ٢٤٧.
(٢) رواه الامام احمد في مسنده وابن ماجة في سننه، وأبو داود، والنسائي وابن ماجة.
(٣) أخرجه الطبري بسنده عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة. [..... ]
وروى بإسناده عن عاصم الأحوال، عن بكر بن عبد الله قال:
قال ابن عباس:
أن الله حي كريم يكنى عما شاء، وإن المباشرة والرفث والتغشي والإفضاء والمسيس عنى به الجماع.
قال: والتغشي قوله: (فَلَمَّا تَغَشَّاها).
والإفضاء: قوله (وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ) «١».
وروى بإسناده عن سعيد بن جبير، قال: كنا على باب ابن عباس واختلفنا في الملامسة باليد، ومن كان عربيا قال الجماع، فخرج ابن عباس فقال: فيم يختصمون؟ قالوا في الملامسة، فمن كان عربيا قال الجماع، ومن كان مولى قال اللمس باليد، فقال: هو من فريق الموالي إن الله حكيم يكني ما شاء، فكنى الجماع ملامسة، وكنى الجماع مباشرة.
وأكثر القاضي إسماعيل في هذه الرواية، وأسندها كلها عن الصحابة والتابعين.
واعلم أنه روي في مقابلة ذلك بأسانيد صحيحة عن عبد الله بن عمر أنه قال: قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة، ومنها الوضوء.
وحديث القبلة منكر:
قال إسماعيل بن اسحق: حديث حبيب بن أبي ثابت في القبلة عرضه على نصر بن علي وعيسى بن شاذان، فعجبوا منه وأنكروه.
وهو مما يعتد به على حبيب بن أبي ثابت، ومن يحسن أمره يقول:
(١) سورة النساء آية ٢١.
أراد أنه صلّى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم، فغلط بهذا، فهذا غاية ما قاله:
والذي يحمل الملامسة على الجماع يقول: إن الله تعالى ذكر الأحداث كلها بألفاظ هي كناية «١»، فإنه ذكر الغائط وهو كناية، فيظهر أن يكون هذا أيضا كناية عن الجماع.
وهذا يجاب عنه بأن الغائط كناية مشهورة غالبة في عرف الاستعمال حتى لا يعرف من المتعارف سواه، والكناية المشهورة في الجنابة الجماع، فالجماع كناية عن اللفظ الأصلي الذي يستحي عن ذكره، مثل الغائط كناية عن الفضلة المستقذرة، فالله تعالى لم يكن عن سبب الجنابة باللفظ الأصلي الموضوع للكناية، وإنما ذكر الملامسة، وما اشتهر في العرف أن يكنى بها عن سبب الجنابة، فلو أراد الكناية، لذكر اللفظ الموضوع للكناية، وهذا بين ظاهر لا غبار عليه «٢».
ومن وجه آخر: وهو أنه ذكر الغائط وهو سبب الوضوء دون الغسل، فيظهر أن يكون قرينه سبب الوضوء، لأنه تعالى أفرد الجنابة فقال:
(وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) «٣».
وذكر في موضع: «فاطهروا» وهو يعني الغسل.
والمخالف يقول: ذكر الله تعالى الجنابة ولم يذكر سببها، ثم ذكر بعد ذلك سبب الحدث، وهو المجيء من الغائط، فيشبه أن يكون قد
(١) انظر تفسير الطبري.
(٢) وقد فصل ذلك صاحب روائع البيان في كتابه ج ١ ص ٤٨٧- ٤٨٨.
(٣) سورة النساء آية ٤٣.
ذكر سبب الجنابة، والسبب الأصلي في الحدث خروج الغائط، والأصلي في الجنابة الجماع، فيشبه أن يكون قد جمع الله بينهما.
ومن وجه آخر، وهو أن الله تعالى وتقدس، قد بين حكم طهارة الجنب والمحدث عند وجود الماء، فيشبه أن يتبين طهارتهما من عدمه، ولا يكون ذلك إلا بحمل الملامسة على الجنابة، ليكون قد بين أحوالهما عند عدم الماء ووجوده، فأما عند وجوده، فهو أنه ذكر السكر الناقض للطهارة والجنابة، ثم ذكر عند عدم الماء حكم المحدث، فيشبه أن يكون قد ذكر حكم الجنب أيضا.
هذا ما ذكروه وهو ضعيف جدا، فإن الله تعالى ذكر حكم السكران لا لإيجاب الطهارة، ولكن للمنع من دخول المسجد، كما ذكرناه، وذكر الجنب على هذا الوجه، فلم يكن فيه تعرض للطهارتين، إذ لم يذكر ما يحتاج فيه إلى الطهارتين، فإن دخول المسجد لا يحتاج فيه إلى الطهارتين، إنما يحتاج فيه إلى إحداهما، فلما فرغ من بيان دخول المسجد قال: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا، وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ) «١».
تعرض للتيمم في حق المحدث، لبيان حكم طهارته بعد الفراغ من أمر المسجد، فلم يكن الحكم الثاني متعلقا بالأول.
والدليل على ذلك، اختلاف أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم في تيمم الجنب.
فقال بعضهم: لا يصلي ولا يتيمم حتى يجد الماء، لأن التيمم إنما
(١) سورة المائدة آية ٦.
ذكره الله تعالى مع ما يكون منه الوضوء، ولم يذكر في موضع الجنابة.
وذهب قوم من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، أن الجنب يتيمم للرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ولهم أن يقولوا: يجوز أن يكون ذلك في القرآن ولكنه يستدرك بالاجتهاد والنظر، مثل ما بينا وجهه، وليس كل ما في القرآن يكون جليا يدركه كل واحد، ولذلك لم يفهم كثير من الناس أن الجنب يصح صومه إذا أصبح جنبا، حتى احتج ابن عباس بقوله تعالى:
(فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ) إلى قوله (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ) «١».
فإباحة المباشرة إلى الصبح تقتضي وقوع الغسل بعد الصبح، وهذا لم يفهمه غيره، وهو في القرآن تحقيقا.
واستدل بالقرآن في أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، إلى غير ذلك من احتجاجات غامضة بالقرآن، فيجوز أن يكون هذا أيضا في القرآن ولكنه لا يعرف قبل اعمال الفكر وإجالة الاجتهاد، وهذا بيّن.
وبالجملة، هذا أقرب من أن يقال: إن الله تعالى ذكر طهارة الجنب والمحدث عند وجود الماء، ثم يذكر طهارة المحدث عند عدمه ولا يذكر طهارة الجنب، مع أن الإشكال في تيمم الجنب أعظم، فإن فيه تسوية بين المحدث والجنب في الطهارة عند عدم الماء، مع افتراقهما عند وجودة.
وقد ذكر محمد بن مسلمة في الآية التي تقارب هذه في سورة
(١) سورة البقرة آية ١٨٧.
المائدة «١» تقديما وتأخيرا، يقتضي اشتمال كتاب الله تعالى على تيمم الجنب.
وإذا قررنا ذلك زال هذا الخيال.
فقال محمد بن مسلمة قال الله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) «٢»، الآية، فإنما نسقها وسياقتها فيما يرى، والله أعلم: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة من نوم، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء، فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، إلى قوله: إلى الكعبين، وإن كنتم جنبا فاطهروا، يعني بالماء.
وقد فسره في موضع آخر: حتى تغتسلوا، وإن كنتم مرضى أو على سفر، ولم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا، ليكون ذاكرا للطهارتين عند عدم الماء ووجوده، وفي القرآن تأخير وتقديم في قوله:
(وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) إلى قوله: (إِلَّا قَلِيلًا) «٣».
وقال الله تعالى:
(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً) «٤» فعلى هذا، لولا فضل الله عليهم لا تبعوا الشيطان إلا قليلا، يرجع إلى ما قال قبلها مما أمرهم أن يردوه إلى الرسول، وإلى أولي الأمر منهم
(١) انظر الآية ٦ من سورة المائدة.
(٢) سورة المائدة آية ٦.
(٣) سورة النساء آية ٨٣.
(٤) سورة النور آية ٢١.
وأخبرهم أنه يعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا، فكان الاستثناء إلى ها هنا.
ويكثر في القرآن التقديم والتأخير في النسق.
وروى مالك عن زيد بن أسلم، مما دل على التقديم والتأخير فقال:
قوله تعالى:
(إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) :معناه من المضاجع، فالنوم بسبب الحدث، والغائط وملامسة النساء: سببان آخران للوضوء، مثل القيام من المضاجع، فهذه أسباب ثلاثة.
وقوله: (وَأَرْجُلَكُمْ)، نسق الوجه واليدين، ومنصوب على ما تقدم من الفعل الواقع عليه في قوله: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) فأضمر ذلك، فقوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا)، له موجب آخر غير المذكور، فلا يجوز أن يذكر غسل الوجه واليدين موجبا للغائط المذكور بعده، فليكن الموجب مقدما على الموجب، وهذا بين، ولأنا لو لم نقدر هذا، عددنا السفر والمرض حدثا، والغائط ولمس النساء، وليس المرض والسفر حدثا، ولا هما من أسباب الحدث.
الاعتراض عليه أن المخالف يقول: لا يمكن أن تحمل الآية على وجه لا يحتاج فيه إلى تقديم وتأخير، فإنه تعالى قال (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) محدثين، من غير أن يذكر سبب الحدث، ذكر الطهارة الصغرى، ثم قال مطلقا: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا)، من غير أن يكون ذاكرا لسبب الجنابة، ثم قال: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ)، فذكر السبب بعد ذكر المسبب، وأراد أن يتعرض للسببين الأصليين اللذين يحصل بهما الحدثان غالبا، فقال: (أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ)
والسبب الأصلي للجنابة الجماع، والحدث خروج الخارج من السبيلين والنوم وزوال العقل حدث، بناء على توهم خروج الخارج، فرجع إليه، وفي حق الرجل، السبب الأصلي الجماع، وخروج المنى ملحق به، فهذا لا يحتاج إلى تقديم وتأخير، بل يكون الكتاب مبينا حكم الطهارتين عند وجوب السبب المطلق، ومبينا تفصيل السببين على الوجه الأصلي، وهذا حسن بين.
ويدل على أنه لا حاجة إلى التقديم والتأخير، أنه إذا أمكن التقديم والتأخير في آية الطهارة المذكورة في سورة المائدة، فلا يمكن ذلك في قوله تعالى: (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً) «١».
ثم قال: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ).
وليس الذي تقدم ها هنا مما سن به نسق الخطاب في التقديم والتأخير، ولأجل ذلك روى الأعمش عن أبي وائل، قال: كنت جالسا مع أبي موسى وعبد الله بن مسعود فقال أبو موسى:
أرأيت لو أن رجلا أجنب فلم يجد الماء شهرا، يتيمم ثم يصلي؟
فقال عبد الله: لا يتيمم، وإن لم يجد الماء شهرا، ثم ذكر له حديث عمار «٢» فرجع عنه، وذكر أنه لم يرجع، وقال: إن عمر لم يقنعه قول عمار، وذكر أنه لو رخصنا لهم في ذلك، استثقلوا الاغتسال عند وجود الماء وقنعوا بالتيمم.
(١) سورة النساء آية ٤٣.
(٢) انظر كتاب الطهارة لأبي داود، باب التيمم.
وهذا يدل على أنهم لم يروا في كتاب الله تعالى تيمم الجنب، ولم يرشد رسول الله صلّى الله عليه وسلم عمارا، لكنه كما أرشد عمر إلى الآية السيف مع ما فيها من الإشكال.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ «١» إِلى أَهْلِها) الآية (٥٨).
فيه دليل على وجوب رد الأمانة إذا طلبها مالكها، وقبل الطلب لا يخفى وجوب الرد، فإن في وجوب ردها قبل الطلب بطلان جواز الإمساك، وفيه بطلان مقصود الائتمان، وهو الحفظ المقصود للمالك وهذا عام في حق الجميع، وإن كان قوله تعالى من بعد: (وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)، مخصوصا بالحكام، غير أن خصوص الآخر لا يرفع التعلق بعموم الأول على رأي كثير من الأصوليين وإن كان فيهم من يخالف مخالفة لها وجه حسن.
وقد روى أنس بن مالك عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم، أنه قال:
«لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقت وإذا حكمت عدلت وإذا استرحمت رحمت» «٢».
ومثله قوله تعالى في قصة داود:
(فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى) «٣» الآية.
(١) قال السيوطي في الإكليل: في هذه الآية وجوب رد كل امانة من وديعة وقراض وقرض وغير ذلك..
ولتفصيل البحث في هذه الآية انظر رسالة ابن تيمية (السياسة الشرعية).
(٢) رواه أحمد وابو يعلى والبزار بمعناه مع اختلاف، انظر مجمع الزوائد ج ٥ ص ١٩٣ [..... ]
(٣) سورة ص آية ٢٦.
وقال تعالى:
(إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ) إلى قوله: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا) «١».
فأمر الحكام بهذه الخلال الثلاثة وأخذها عليهم.
أن لا يتبعوا الهوى.
وأن يخشوه ولا يخشوا الناس.
وأن لا يشتروا بآياته ثمنا قليلا.
قوله تعالى (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) آية (٥٩).
يحتمل أن يراد به الفقهاء والعلماء.
ويحتمل أن يراد به الأمراء، وهو الأظهر، لما تقدم من ذكر العدل في قوله: (وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ).
وقوله: (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) «٢» :
يدل على أن أولي الأمر هم الفقهاء، لأنه أمر سائر الناس بطاعتهم، وأمر أولي الأمر برد المتنازع فيه إلى كتاب الله، وسنة نبيه عليه السلام، وليس لغير العلماء معرفة كيفية الرد إلى الكتاب والسنة.
وزعم قوم، أن المراد بأولي الأمر، علي والأئمة المعصومين، ولو كان كذلك ما كان لقوله تعالى: (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)
(١) سورة المائدة آية ٤٤.
(٢) سورة النساء آية ٥٩.
معنى، بل قال ردوه إلى الإمام وإلى أولي الأمر، فإن قوله هذا هو المحكم على الكتاب والسنة عند هؤلاء، لأنه تعالى أمرهم بطاعة أولي الأمر في حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ولم يكن علي إماما على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وليس هذا من أحكام القرآن المتعلقة بالفقه، وإنما بيان ذلك في أصول الإمامة.
ووجوب طاعة الرسول، ليس متلقى من أدلة الفقه، وإنما هو مدلول المعجزة فقط. «١»
قوله تعالى:
(وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها) «٢» الآية (٨٦).
ذكر الرازي أن في هذه الآية دلالة أن من ملك غيره شيئا بغير بدل فأراد الرجوع فيه، فله ذلك، ما لم يثبت منه، وإذا وهب لغير ذي رحم، فله الرجوع ما لم يثبت، ومتى أثبت فلا رجوع له فيها.
وهذا الاستنباط ركيك جدا، فإن في التحية ليس يرد تلك التحية، ولا إن ردها متصور، ولا أنه يمكن الرجوع فيها، وإنما قوله:
(أَوْ رُدُّوها) أي ردوا مثلها فإن التحية في قضية العرف طلب الجواب فإذا لم يجب، كان إيحاشا، وأما الهبة فإنها تبرع، فلو اقتضت عوضا خرجت عن كونها تبرعا، بل كان معاوضا، وليس جواب التحية بأحسن منها، أو مثلا مخرجا للتحية عن موضعها.
(١) انظر كتاب (الحسبة في الإسلام) لابن تيمية.
(٢) انظر (الإكليل) للسيوطي.
قوله تعالى: (فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ) «١» الآية:
(٨٨).
هؤلاء كانوا أسلموا بمكة ولم يهاجروا، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين تقيه وتحببا إليهم.
قال الله تعالى: (فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) «٢».
يعني يسلموا ويهاجروا، لأن الهجرة تتبع الإسلام، وهو كقوله تعالى: (ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا) «٣» وكل ذلك كان حالة كانت الهجرة فرضا.
وقال عليه السلام: «أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين، وأنا بريء من كل مسلم مع مشرك، قيل: لم يا رسول الله؟ قال:
لأبرأ آثارهما»
.
ثم نسخ فرض الهجرة.
وروى ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: «لا هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» «٤».
وقال عليه السلام: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده،
(١) والمعنى: فما لكم تفرقتم في امر المنافقين. فرقتين، ولم تتفقوا على التبرؤ منهم.
(٢) سورة النساء آية ٨٩. ويقول الرازي: «دلت الآية على انه لا يجوز موالاة المشركين والمنافقين والمشتهرين بالزندقة والإلحاد»
.
(٣) سورة الأنفال آية ٧٢.
(٤) الحديث رواه البخاري ورواه مسلم في صحيحه ايضا عن ابن عباس رضي الله عنهما.
والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» «١»
قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ) الآية (٩٠).
قال أبو عبيد: يصلون يعني ينسبون إليهم، والانتساب يكون بالخلف تارة، وبالرحم والولاء، وجائز أن يدخل في عهدهم على حسب ما كان من رسول الله صلّى الله عليه وسلم بينه وبين قريش في الموادعة، فدخلت خزاعة في عهد النبي صلّى الله عليه وسلم، ودخلت بنو كنانة في عهد قريش ثم نسخت العقود بقوله تعالى:
(بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) إلى قوله تعالى: (وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) «٢».
وقال: (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ)، أي لكم مثل ما لهم، فإذا عقد الإمام عقد هدنة مع قوم من الكفار، فكل من يدخل في خبرهم من مناسيبهم بالحلف والرحم والولاء، داخل في عهدهم.
نعم، نسخ العهد مع المشركين بإعزاز الله الدين، وأمر المسلمين، بأن لا يقبلوا منهم إلا السيف أو الإسلام، بقوله تعالى:
(فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) «٣».
(١) أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود والنسائي.
(٢) سورة التوبة من الآية (١) حتى نهاية الآية (١١).
(٣) سورة التوبة آية ٥.
فنسخ به الصلح والهدنة، وتقريرهم على الكفر، وأمر المسلمين بقتالهم، حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، إن كانوا أهل كتاب، أو السيف أو الإسلام، إن لم يكونوا من أهل الكتاب. «١»
فالمنسوخ ذلك العهد.. فإذا دعت حاجة الزمان إلى مهادنة الكفار من غير جزية يؤدونها إليه، فكل من انتسب إلى المعاهدين صار منهم واشتمل الأمان عليهم.
قوله تعالى: (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً..)
الآية (٩٢).
معناه ما كان له ذلك في حكم الله تعالى.
واختلف الناس في معنى إلا، فقال قائلون هو استثناء منقطع بمعنى لكن، كأنه قال: لكن قد يقتله خطأ، فإذا قتله فحكمه كيت وكيت، والاستثناء المنقطع ذكروا له شواهد في أشعار العرب، مثل قول النابغة:
إلا الأواري، وغيره، وقد شرحناه في أصول الفقه.
وقال آخرون: هو استثناء صحيح، وفائدته أن له أن يقتله خطأ في بعض الأحوال، وهو أن يرى عليه لبسة المشركين والانحياز إليهم فيظنه مشركا، وقتله في هذا الوقت على هذا الوجه جائز، كما روى الزهري عن عروة بن الزبير، أن حذيفة بن اليمان قاتل مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم أحد، فأخطأ المسلمون يومئذ بأبيه يحسبونه من العدو، وتحاملوا عليه بأسيافهم، فطفق حذيفة يقول:
إنه أبي، فلا يفهموا قوله حتى قتلوه، فقال عنه ذلك: يغفر الله
(١) أنظر تفسير الطبري.
لكم وهو أرحم الراحمين، وبلغت رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فزاد حذيفة عنده خيرا.
فأما قول من قال: إنه منقطع من كل وجه، وليس فيه معنى الاستثناء بوجه ما فهو بعيد، فإنه مكابرة النص، وإلا لا بد أن يتحقق معناه على بعض الوجوه، إما مجازا وإما حقيقة، فأما إبطال وجه المجاز والحقيقة فتعطيل لا تأويل.
والذي ذكره من المعنى الثاني يقتضي أن يكون قتله مباحا من جهة الله تعالى إذا ظنه مشركا، وإذا ظنه مشركا فهو يتعمد قتله ولا يراه خطأ، وإذا قال الله تعالى: (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً) يقتضي أن يقال إنما يباح إذا وجد بشرط، وشرط الإباحة أن يكون خطأ، وإذا أبيح له على شرط، فلا بد وأن يعلم وجود الشرط حتى تصح الإباحة، ولا يتصور أن يعلم أنه خطأ، فإنه لو علمه خطأ علم التحريم، فدل أن القتل ليس مباحا في هذه الحالة، فإنه لو كان مباحا كان مباحا على شرط، والشرط يجب أن يعلمه من أبيح له، ولأن من يجوز له دفعه عن نفسه، فكيف يكون مباحا له؟ ودفعه جائز، والذي أباحه الله تعالى، هو الذي إذا علم المرء حقيقة الحال كان مباحا، ويكون مباحا لمصلحة في النفس، وقتل المسلم المعصوم ليس من مصلحة حال، فليس مباحا إذن، فأقرب قول فيه أن يقال:
قوله تعالى: (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً)، اقتضى تأثيم قاتله لاقتضاء النهي عن ذلك، فقوله إلا خطأ دفع المأثم عن قاتله، فإنما دخل الاستثناء على ما تضمنه اللفظ من استحقاق المأثم، وأخرج منه قاتل الخطأ بالاستثناء، فالاستثناء مستعمل في حقيقته على هذا الوجه، فإنه يرجع إلى المأثم الذي هو يتضمن القتل.
قوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ) «١».
ورأى العلماء إيجاب تحرير الرقبة المؤمنة، والإيمان معتبرها هنا، لا لأن ذكر الإيمان ينفي من طريق الفحوى غيره من حيث الإسم، ولكن مقادير العبادات لا تعرف بالرأي والقياس، فليس يمكن أن يقال:
إن الرقبة المؤمنة إذا حررت، فأي قدر يتعلق به من الثواب، وعلى أي درجة هو من القربة، وأن ذلك القدر هل هو مقدم إليه، أم يحصل الاجزاء بغيره مما دونه؟ فلما لم يتصور إحاطة ظن المستنبطين به، لا جرم وجب الاقتصار على المذكور، ومنع إلحاق ما دونه به.
ومعلوم أن اعتاق الكافر دون اعتاق المؤمن، فليس لنا أن نقيسه عليه، فيتعين اتباع مورد النص وموضع الإسم، وهذا حسن بين.
والذي قيل فيه، إن معناه: أنه عجز شخص بقتله عن طاعة الله تعالى، فتعين عليه تحرير رقبة مثله، معنى ضعيف، فإنما نشترط صفة الإيمان في اعتاق الرقبة عن المقتول الكافر، فلا حاصل لهذا المعنى، وهذا بين في منع قياس الكافر على المؤمن.
ولو ورد النص في تحرير المؤمن بقتل المؤمن، ما جاز لنا أن نقيس الكافر عليه، ولا جاز أن نقول إذا قتل عليه مسلم كافرا، فيجب عليه إعتاق المؤمن، بل أمكن أن يقال يجزى الكافر عن الكافر، ولكن الله تعالى نص عليه في قوله:
(وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ
(١) سورة النساء آية ٩٢. [..... ]
إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) «١».
إلا أنه إذا ثبت ذلك، فيظهر منه أن اعتبار الظهار واليمين بالقتل في هذا الحكم من طريق القياس بعيد، فإن الكفارات وضعت على أوضاع مختلفة: مثلا: التحرير في اليمين والظهار والقتل واحد، فوجب من كل واحد من هذه الأجناس، الرقبة على الصفة التي وجدت في الآخر من السلامة من العيب.
ثم الأصل أن يكون البدل قائما مقام الأصل، ومع هذا جعل بدل الرقبة في اليمين صيام ثلاثة أيام، وجعل في القتل والظهار صيام شهرين متتابعين، وقياس التفاوت في البدل، وقد استوت أوصاف البدل في الكفارات كلها، وقد جعل الله تعالى صوم ستين يوما معدلا بإطعام ستين مسكينا، وجعل في اليمين صيام ثلاثة أيام معدلا بإطعام عشرة مساكين، فكيف يتأتى الاعتبار مع اختلاف هذه الأوضاع؟
وعند ذلك اعتمد الشافعي في اشتراط الإيمان في تحرير الرقبة في كفارة الظهار، على حديث الأمة الخرساء وهو مشهور، وإن كان في القياس وجه يمكن تمشيته.
وقد ذكرنا في كتب الخلاف، أن الله تعالى ذكر صيام الشهرين المتتابعين، ثم قال: (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ) »
، ولم يكن من الخاطئ ما يقتضي التوبة، وقد قال تعالى: (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ)، مع أن التوبة حقيقتها الندم.
ويقال في الجواب عنه توبة من الله: أي عدم المؤاخذة في ترك التحفظ والتصون، مع إمكان عده من حملة الذنوب.
(١) سورة النساء آية ٩٢.
(٢) سورة النساء آية ٩٢.
ثم قال تعالى: (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ)، فإنها في الآية إيجاب الدية مطلقا، وليس فيه إيجابها على العاقلة أو على القاتل، وإنما أخذ ذلك من السنة، ولا شك أن إيجاب المساواة على العاقلة خلاف قياس الأصول من الغرامات وضمان المتلفات، والذي أوجب على العاقلة، لم يجب تغليظا، ولا أن وزر القاتل عليهم، ولكنه مواساة محضة.
واعتقد أبو حنيفة أنها باعتبار النصرة لازمة، وإنما هي إلى اختيار من في الديوان، وأما الناشئ من القرابة فيه لازم لا يزول، وما كل نصرة تعتبر، فإن الزوج ينصر زوجته ولا يتحمل عقلها، والمؤمنون ينصر بعضهم بعضا، والأصل عدم التحمل إلا حيث أثبت التحمل، وقد أثبت التحمل في نصرة الأقارب، فلا يجوز طرح وصف القرابة وإلغاؤها.
ثم اعلم أن الله تبارك وتعالى، أطلق الدية ولم يبين مقدارها، فلا نعلم مقدارها إلا من حيث بيان آخر، ولا يفهم من إيجاب أصل الدية إبانة التفاوت بين العمد والخطأ وشبه العمد، ولا بين الكافر والمسلم، ولا أصل المساواة، وإنما المساواة والتفاوت صفات وكيفيات، تعلم من بيان آخر، ولا نعلم منه التسوية بين الحر وغيره في مقدار الدية ولا التفاوت، فهذا بين يعرف بمبادئ النظر.
وقد غلط الرازي فيه من وجوه عدة، وعثر عثرات متتابعة، وظن أن الله تبارك وتعالى لما ذكر في قتل المعاهد: (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ) أن المراد به مثل دية المسلم في المقدار، ولم يعلم أن هذا الكلام لا تعلق له بالمقدار، فإنه لو اقتصر على ذكر دية المسلم، لم يفهم منه المقدار، وضم مثله إليه في المعاهد، كيف يكون بيانا للمقدار؟ وإذا قال القائل: من أتلف دما فعليه ضمانة، ومن أتلف ثوبا فعليه ضمانه،
ومن أتلف بهيمة فعليه ضمانها، لا يفهم منه المساواة في المقدار ولا التفاوت، وإنما ذلك معلوم من بيان آخر، وهذا لا ريب فيه.
نعم ذكر الله تعالى تحرير الرقبة في ثلاثة مواضع، ولم يذكر الدية في قوله: (فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ) «١»، فاحتمل أن يقال الدية تجب وتكون لبيت المال، ولكن الله تعالى إنما ذكر في الموضعين الدية المسلمة إلى أهله، فإذا لم يكن له وارث مسلم ولكنه مسلم، فإذا قتل فلا دية لأهله، فلم يذكر الدية لأهله لذلك.
وذكر ذاكرون تأويلا آخر فقالوا قوله:
(فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ).
إنما كان في صلح النبي صلّى الله عليه وسلم أهل مكة، لأنه من لم يهاجر لم يورث لأنهم كانوا يتوارثون بالهجرة، قال الله تعالى:
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا) «٢».
فلم يكن لمن لم يهاجر ورثة من المسلمين يستحقون ميراثه، فلم تجب الدية ثم نسخ ذلك بقوله:
(وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ) «٣».
والشافعي رضي الله عنه يقول: إذا قتل مسلما في دار الحرب في
(١) سورة النساء آية ٩٢.
(٢) سورة الأنفال آية ٧٢.
(٣) سورة الأنفال آية ٧٥.
الغارة والحرب، أو في دار السلام إلا أنه في الحرب والغارة، فعليه كفارة ولا دية في ظاهر المذهب.
ولا شك أن ذلك بعيد عن قياس الأصول، لأن الجهل بصفة الشيء لا يسقط ضمانه إذا كان مضمونا، ومن أجله صار صائرون إلى وجوب الضمان، وذكروا أن السكوت عن ذكر الضمان لا يسقط الضمان، فإن قوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً)، يتناول كل مؤمن، لبيان أنه لا يجب فيه دية تسلم إلى أهله، فإن أهله كفار، فأراد أن يتبين به أن أهله لا يستحقون من ديته شيئا، وأنه ليس لأهله أن يصدقوا، فإنه لا حق لهم في ديته.
وهذا بين ليكون جمعا بين دلالة السكوت ودلالة العموم.
قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها) «١».
ظن أصحاب أبي حنيفة، أن الله تعالى نص على حكم الخطأ، وأوجب التحرير فيه في ثلاثة مواضع، ثم قال من بعدها من غير فصل:
(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ)، فإيجاب الكفارة فيها «٢» خلاف الظاهر.
والجواب عنه: أن الله تعالى ذكر في الخطأ تمام ما أوجب فيه، ثم أبان للعمد مزية على الخطأ وذكر تلك المزية، وذلك لا ينفي إيجاب ما وجب في الخطأ، كما لا ينفي إيجاب الدية وإن وجبت في الخطأ، وإنما أوجب الله تعالى الكفارة في الخطأ، تعظيما لأمر الدم في مقابلته بالكفارة،
(١) سورة النساء آية ٩٣.
(٢) أي في العمد.
وشرع في العمد مزية، فلا ينبغي أن تكون المزية مسقطة ما قد وجب في الخطأ، ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه: إذا وجبت الكفارة في الخطأ، فلأن تجب في العمد أولى.
وقال إذا شرع السجود في السهو، فلأن يشرع في العمد أولى.
وقد قال تعالى في الخطأ (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ). معناه أنه إنما أوجبه الله عليكم ليتقبل الله توبتكم فيما أنتم منسوبون به إلى التقصير.
وقيل: معنى التوبة التوسعة، وهي توسعة من الله ورحمة، كما قال: (فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ) «١».
وقال تعالى: (لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ) «٢» :
أي وسع الله على النبي والمهاجرين والأنصار وخفف عنهم: فهذا تمام البيان في هذه الآية.
قول الله تعالى: (فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ) «٣» :ومعلوم أنه كلفنا التتابع على حسب الإمكان، فالحيض لا يقطع التتابع في صوم الشهرين، وليس إذا انقطع التتابع لمدى لا يمكن الاحتراز عنه ما دل على أنه ينقطع، لما لا يمكن الاحتراز منه «٤».
قوله عز وجل:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً) الآية (٩٤).
روي أن سبب نزول الآية، أن سرية للنبي صلّى الله عليه وسلم، لقيت رجلا ومعه غنيمات له، فقال:
(١) سورة البقرة آية ١٨٧.
(٢) سورة التوبة آية ١١٧.
(٣) سورة النساء آية ٩٢.
(٤) انظر محاسن التأويل ج ٥.
السلام عليكم، لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فقتله رجل من القوم، فلما رجعوا أخبروا النبي صلّى الله عليه وسلم بذلك فقال:
لم قتلته وقد أسلم؟
فقال: إنما قالها متعوذا.
فقال: هلا شققت عن قلبه؟ وحمل رسول الله صلّى الله عليه وسلم ديته إلى أهله ورد عليهم غنيماته «١».
وهذا مما يحتج في قبول توبة الزنديق إذا أظهر الإسلام، لأن الله تعالى لم يفرق بين الزنديق وغيره متى أظهر الإسلام.
ومقتضى الطلاق، أن من قال لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أو قال إني مسلم، يحكم له بحكم الإسلام، لأن قوله تعالى:
(لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً)، إنما معناه لمن استسلم، فأظهر الانقياد لما دعى إليه من الإسلام، فإذا قرئ السلام وهو إظهار تحية الإسلام، فلا جرم قال علماؤنا:
إنما نحكم له بالإسلام إذا أظهر ما ينافي سائر اعتقاده، فإذا قال اليهودي أو النصراني، أنا مسلم لم يصر مسلما، لأنهم كلهم يقولون نحن مسلمون، فهو كما قال أنا على الدين الحق.
نعم، المشركون قالوا: لا نقول نحن مسلمون، فحالهم في هذا خلاف حال اليهود والنصارى، وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:
(١) أخرجه الامام أحمد، بسنده عن ابن عباس.
والبزار، والدارقطني في الإفراد، والطبراني عن ابن عباس أيضا رضي الله عنهما.
«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني؟؟؟ دماءهم وأموالهم إلا بحقها» «١».
وإنما عنى به المشركين، لأن اليهود والنصارى يطلقون قول لا إله إلا الله ولا يتمانعون منه، وإن لزمهم الشرك في التفصيل فقول: لا إله إلا الله، إنما كان على إسلام مشركي العرب، لأنهم كانوا لا يعترفون به إلا استجابة لدعوة النبي صلّى الله عليه وسلم، وقد بين الله تعالى ذلك فقال:
(إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) «٢».
واليهود والنصارى يوافقون على إطلاق هذه الكلمة، وإنما يخالفون في نبوة محمد صلّى الله عليه وسلم، فمتى أظهر مظهر منهم الإيمان بالنبي صلّى الله عليه وسلم، فهو مسلم، حتى قال قائلون من أصحابنا: وإن هو قال محمد رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- فلا يحكم بإسلامه، لإمكان أن يكون من العيسوية، حتى يقول محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى الكافة.
وقال قائلون: ولا بذلك أيضا يصير مسلما، لأن فيهم من يقول محمد رسول الله إلى كافة الناس، ولكنه سيبعث وما بعث بعد.
وإذا تبين ذلك، فما لم يقل أنا بريء من اليهودية والنصرانية، لا يصير مسلما.
ومن أجل هذه الاعتبارات والشرائط، صار من صار إلى أن توبة الزنديق لا تقبل، لأنا لم نعرف في حقه علما يظهر به مخالفة مقتضى
(١) أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، وأبو يعلى في مسنده عن أبي هريرة.
(٢) سورة الصافات آية ٣٥. [..... ]
اعتقاده، لأن دينه الذي يعتقده أن يدخل مع كل قوم فيما يهوونه، وأن كل دين على اختلاف الأديان كلها ينجر باطنه إلى المخازي التي يعتقدونها، فلم يظهر لنا منه ما يخالف مقتضى اعتقاده، فكان كاليهودي إذا قال لا إله إلا الله.
وهذا دقيق حسن، وقد شرحنا هذه المسألة من الأصول ومسائل الخلاف.
واعلم أن في الآية إشكالا، من حيث إن الله تعالى قال:
(إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً). الآية (٩٤).
وذلك يمنع جزم الحكم بإسلامه، والتشكك من أمره، من غير أن يحكم له بالكفر ولا الإيمان، كالذي يخبر بالخبر ولا يعلم صدقه من كذبه، فلا يجوز لنا تكذيبه، وليس ترك تكذيبه مما يقتضي تصديقه، كذلك ما وصفنا من مقتضى الآية: ليس فيه إثبات الإيمان ولا الكفر إنما فيه الأمر بالتثبت حتى يتبين حاله، إلا أن الآثار التي ذكرناها قد أوجبت الحكم بإسلامه، فإنه عليه السلام قال: أقتلت مسلما؟ أو قتلته بعد ما أسلم.
وفيه أيضا سرّ آخر، وهو أنا ربما نقول إنا لا نعلم إسلامه الذي هو إسلام حقيقة عند الله تعالى، وربما غلب على ظننا كذبه، ولكن تجرى عليه أحكام الإسلام.
قوله تعالى: (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) الآية (٩٥).
يدل على أن كثرة الجزاء على قدر شرف العمل، وأن الذي لا
يجاهد لا يثاب ثواب المجاهدين، إلا أن يعلم الله تعالى من نيته أنه لو كان الجهاد لجاهد، فإنه يستحق الأجر على قدر نيته، لقوله تعالى:
(غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ).
وفيه رد على المعتزلة، لأنهم يمنعون التسوية بين أولي الضرر والمجاهد على فاسد أصولهم، ونص القرآن يبطل قولهم.
قوله تعالى: (وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) الآية (١٠١).
فأباح القصر بشرطين: الضرب في الأرض، والخوف.
وظن ظانون أن المراد بالقصر ها هنا، القصر في صفة الصلاة، بترك الركوع والسجود إلى الإيماء، وترك القيام إلى الركوب.
والرازي اختار هذا وقال: الذي حمله على أن القصر عزيمة عندهم، وأن فريضة الصلاة في حق المسافر ما نزلت إلا ركعتين فلا قصر، ولا يقال في العزيمة لا جناح، ولا يقال فيما شرع ركعتين إنه قصر، كما لا يقال في صلاة الصبح ذلك، فلا جرم اختار الأول.
واحتج عليه بأن الله تعالى قيد القصر بشرطين، والذي يعتبر فيه الشرطان إنما هو صلاة الخوف.
والذي ذكره فاسد من وجهين:
أحدهما: أن صلاة الخوف لا يعتبر فيها الشرطان، فإنه لو لم يضرب في الأرض، ولم يوجد السفر، بل جاءنا الكفار وغزونا في بلادنا، فتجوز صلاة الخوف، فلا يعتبر وجود الشرطين على ما قاله.
فإن حملنا على قصر الصفة، لم يشترط فيه الضرب في الأرض.
وإن حملنا على قصر الركعات، لم يعتبر فيه الخوف، فسقط ترجيحه أحد الحملين على الآخر، باعتبار الشرطين فيه.
الثاني: أن في الأخبار ما يدل على أن المراد بكتاب الله تعالى ما قلناه، وهو ما روي عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: كيف نقصر وقد أمنّا؟ وقال الله تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ) الآية، فقال:
عجبت مما عجبت، فسألت النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: «صدقه تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» «١».
وقوله لرسول الله صلّى الله عليه وسلم: ما لنا لا نقصر وقد أمنّا؟ دليل قاطع على أن مفهوم الآية القصر في الركعات، ولم يذكر أصحاب أبي حنيفة على هذا تأويلا يساوي الذكر.
وإذا قالوا لم يشرع الله في السفر إلا ركعتين، فليست الأربعة مشروعة، وإذا لم تكن الأربعة مشروعة ما دام السفر، فلم صح الاقتداء بالمقيم، وإذا اقتدي به، فلم لزمته الأربع؟ وقد قالوا: لو اقتدي به في التشهد لزمه الأربع، ومالك يشترط إدراك ركعة.
فإن قيل لنا: وعندكم، لم لزمته الأربع؟
قيل: إن نوى الأربع، فليلزمه الأربع، وإن لم ينو فلا، فهو صحيح على أصلنا.
فأما عندهم فاختلاف الصلاتين يمنع القدوة، وهذا بيّن.
(١) أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، وابو يعلى في مسنده، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ولا فرق بين سفر الحج والغزو، وسفر التجارة.
وابن مسعود يقول: لا نقصر إلا في حج أو جهاد.
وعطاء يقول: لا أرى القصر إلا في سبيل من سبل الله عز وجل.
وقول الله تعالى: (وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ) يعم كل سفر.
وقال مالك: إذا خرج للصيد لا لمعاشه ولكن متنزها، أو خرج لمشاهدة بلده متنزها ومتلذذا، لم يقصر.
وقال الشافعي رضي الله عنه: لا قصر في سفر المعصية.
وقد شرحنا ذلك في سورة البقرة.
وقوله (ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) مطلق، وقوله: يمسح المسافر ثلاثة أيام مطلق، غير أن الإطلاق يقيد بالمعنى المفهوم من الرخص.
ولعل أبا حنيفة يرى القصر عزيمة فيقول: صلاة غير المقيم لم تشرع إلا كذلك، فإذا لم تشرع في غير حالة الإقامة إلا كذلك، لم تكن شرعت لإعانته على ما هو بصدده.
إلا أن هذا الكلام باطل بالوجوه التي قدمناها.
والإشكال أنه ليس في كتاب الله تعالى تقييد المدة، ويعتبر في السفر مسيرة ثلاثة أيام أو ستة عشر فرسخا، على ما اختلف العلماء وبينا سببه فيما تقدم فلا نعيده.
قوله تعالى: (وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ) الآية (١٠٢).
مذهب الشافعي رضي الله عنه في صلاة الخوف، أن العدو إذا كان في غير وجه القبلة، جعل الإمام القوم صفين، وصلى بطائفة ركعة، وطائفة وجاه العدو، فإذا سجد سجدوا معه، وإذا قام قاموا معه ونووا مفارقته، وأتموا الصلاة لأنفسهم، وأطال الإمام القيام حتى تحصر الطائفة الأخرى بعد انصراف الطائفة الأولى إلى وجاه، وصلى الإمام بالطائفة الأخرى ركعة وتشهد وسلم، وقضى القوم بقية صلاتهم.
وإن كان العدو في جهة القبلة، أحرم بهم جميعا وحرسه صف «١» وسجد مع القيام صف، وباقي الصلاة على ما تقدم.
والفرق بين كون العدو في جهة القبلة، وكونه في جهة أخرى، أن العدو إذا كان في غير جهة القبلة، فإنما يحرم بطائفة واحدة، وإذا كانوا في جهة واحدة أحرم بهم.
وللناس اختلافات كثيرة في صلاة لخوف، وأبو حنيفة من بينهم يقول: يركع لإمام بقوم ويسجد وينصرفون وهم في الصلاة، ويجيء القوم الآخرون فيصلي بهم ركعة ثم ينصرفون ويجيء الأولون فيقضون بقية صلاتهم.
فأثبتوا ترددات كثيرة في الصلاة من غير حاجة، والله تعالى يقول:
(وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ) الآية (١٠٢).
فظن أن السجود يجري على حقيقته.
(١) وردت «طائفة» في نسخة اخرى.
ولكن لما لم يقل إنهم ينصرفون كرة أخرى، حمل الشافعي قوله:
فإذا سجدتم «١» يعني فإذا صليتم، فالذي ذكره الشافعي رضي الله عنه، ليس فيه إلا أن المأموم يقطع نية القدرة، وذلك ليس نية بعد.
وعلى ما قاله أبو حنيفة تجري ترددات في خلال الصلاة، وهي خارقة نظام الصلاة من غير حاجة، ومعلوم أن قطع نية القدوة أمثل من احتمال ترددات لا لحاجة في خلال الصلاة.
وأبو حنيفة قد قال في الذي سبقه الحدث، إنه يتردد «٢» وصلاته صحيحة، وذلك أيضا خلاف الأصول، فلا جرم قال أبو يوسف:
الذي كان من ذلك على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم في صلاة الخوف، لا يجوز مثله بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فإنما كان مختصا به لئلا يفوت الناس الجماعة معه، لأنه رأى أشياء تخرم نظام الصلاة، فأما نحن، فلا يحتمل ما يخالف نظام الصلاة، وإنما قصارى ما يفعله المأموم قطع نية القدوة فقط، وذلك غير ممنوع شرعا.
وإذا كان الخوف أشد من ذلك، وكان التحام القتال، فإن المسلمين يصلون على ما أمكنهم مستقبلي القبلة ومستدبريها، وأبو حنيفة وأصحابه الثلاثة متفقون على أنهم لا يصلون والحالة هذه، بل يؤخرون الصلاة، وإن قاتلوا في الصلاة قالوا فدت الصلاة.
وحكي عن الشافعي رضي الله عنه: إن تابع الطعن والضرب فسدت صلاته.
وليس في القرآن تعرض لذلك على الخصوص، وإنما فيه:
(١) المقصود (فَإِذا سَجَدُوا) كما ورد في الآية.
(٢) «يعود» في نسخة اخرى.
«فلا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة».
وهم يحملون ذلك على قصر الأوصاف، وقصر الأوصاف عند الخوف، يشتمل على حالة التحام القتال.
نعم، صح أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم، صلى صلاة الخوف في مواضع، على اختلاف في الصفات، ولم يصلّ يوم الخندق أربع صلوات حتى مضى هوى من الليل ثم قال:
«ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى «١» ».
فقضاهن على الترتيب، ولم يكن مشتغلا بالقتال حالة الحفر، ولا كان الكفار ثم «٢»، وإنما كانوا يستعدون لهم، والدليل على أنه لم يجر قتال إلا مناوشة في طرف مع بعضهم، قوله تعالى:
(وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ) «٣».
وذلك يدل على أنه لم يجر قتال، فعلم أن ذلك كان مخصوصا منسوخا، ويعلم ضرورة أن الأفعال في القتال، مثل الأفعال من المشي والحركات ثم الجيئة والذهاب في خلال صلاة الخوف عندهم لا تنافي صحة الصلاة على ما هو مذهبهم، فالقتال من أي وجه كان منافيا.
قوله تعالى: (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ) الآية (١٠٢).
فيه إباحة وضع السلاح، لما فيه من المشقة اللاصقة به في حمل السلاح
(١) أخرجه الامام احمد في مسنده، ومسلم في صحيحه، والنسائي، والشيخان وابو داود، والترمذي.
(٢) اي هناك.
(٣) سورة الأحزاب آية ٢٥.
في حالة المرض والوحل والطين، فيجوز أن يؤخذ منه أن من توحل ووقع في الطين وضاق عليه وقت الصلاة، فيجوز له أن يصلي بالإيماء، كما يجوز له في حالة المرض إذا لم يمكنه السجود، لأن الله تعالى سوى بين المرض والمطر.
قوله تعالى: (فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً) الآية (١٠٣).
واعلم أن الله تعالى ذكر لفظ الذكر في غير هذا الموضع، وأراد به الصلاة في قوله تعالى:
(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ) «١».
فروي أن عبد الله بن مسعود، رأى الناس يضجون في المسجد فقال:
ما هذه الضجة؟ قالوا: أليس الله تعالى يقول: أذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم؟ قال: إنما يعني بهذه الصلاة المكتوبة، إن لم تستطع قائما فقاعدا، وإلا فعلى جنبك.
وقال الحسن في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ).
هذه رخصة من الله تعالى للمريض أن يصلي قاعدا، فإن لم يستطع فعلى جنبه.
والمراد نفس الصلاة، لأن الصلاة ذكر الله تعالى، وقد اشتملت على الأذكار المفروضة والمسنونة، فسماها الله تعالى ذكرا لذلك، وسماها ركوعا، وكل ذلك تعبير عن الصلاة بما تشتمل عليه الصلاة.
فأما الذكر الذي في قوله عز وجل: (فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ) «٢»
(١) سورة آل عمران آية ١٩١.
(٢) سورة النساء آية ١٠٣.
فيحتمل أن يكون معناه ذكر الله تعالى بالقلب وباللسان وهو الظاهر، فإنه تعالى ذكر ذلك بعد الفراغ من الصلاة، فقال: (فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ).
وقوله تعالى: (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ) «١»، معناه فإذا رجعتم إلى أوطانكم، فعودوا إلى إتمام الصلاة ودعوا القصر، فإنه زال الخوف والسفر، فارجعوا إلى إتمام الأركان إن كان القصر قصرا في الأوصاف، قال الله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً) «٢».
قال عبد الله بن مسعود: موقوت: منجم، كلما مضى نجم دخل نجم آخر. وقال زيد بن أسلم مثل ذلك، فنزلت الآية على أن الصلاة مفروضة في أوقات معلومة على نوب مضبوطة، غير أن هذه دلالة حملية «٣»، وأشار إلى تفاصيلها في مواضع أخر من كتابه، من غير تحديد أوائلها وأواخرها، وبين على لسان الرسول صلّى الله عليه وسلم مقاديرها فيما ذكره الله تعالى في الكتاب في أوقات الصلوات، فمن جملة تلك الآيات.
قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) «٤».
وروي عن ابن عباس أنه قال:
دلوك الشمس، زوالها عن بطن السماء لصلاة الظهر، إلى غسق الليل، وهو صلاة المغرب.
وروي عن ابن عمر مثل ذلك في دلوكها أنه زوالها.
(١) سورة النساء آية ١٠٣.
(٢) سورة النساء آية ١٠٣.
(٣) انظر تفسير الطبري.
(٤) سورة الإسراء آية ٧٨.
وقال ابن مسعود: دلوكها: زوالها.
وروي عنه وعن ابن عباس في رواية أخرى، أن دلوكها غروبها، واللفظ يحتمل المعنيين.
والدلوك في الأصل الميل، فدلوك الشمس ميلها، وقد تميل تارة للزوال وتارة للغروب، فقال الرازي:
إذا عنى بالدلوك أول الوقت، وغسق الليل نهايته، لأنه تعالى قال:
إلى غسق الليل وإلى غاية.
ومعلوم أن وقت الظهر لا يتصل بغسق الليل، لأن بينهما وقت العصر، فالأظهر أن يكون المراد بالدلوك ها هنا هو الغروب، وغسق الليل اجتماع الظلمة، لأن وقت المغرب يتصل بغسق الليل ويكون نهايته.
والاعتراض على ما ذكر أن يقال:
إنه لو كان على ما ذكره، ما كان في كتاب الله إشارة إلى صلاة الظهر والعصر، والظهر أول ما نزل من الصلوات، والعصر الصلاة الوسطى عند الأكثرين، فكيف يجوز أن لا يقع التعرض لهما، ويقع التعرض لصلاة الليل أولا إلى صلاة الفجر ويغفل صلاتي النهار مع أن الميل في الشمس غير غروب الشمس، فإن الشمس تميل قبل أن تغرب، فلا يقال: مالت الشمس بمعنى غربت، إلا أن يقال: مالت للغروب، فإنه يقال للشمس وقت الظهر: إنها مائلة، ولا يقال لها بعد ما غربت مائلة.
يبقى أن يقال: إن الله تعالى قال: (إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ)، ولا يتصل أول الظهر بغسق الليل، فيقال: ليس كذلك، فإن ما بين زوال الشمس المعبر عنه بالدلوك، إلى غسق الليل، وقت لصلوات عدة،
وهي الظهر، والعصر، والمغرب، فيفيد ذلك أن من وقت الزوال إلى غسق الليل، لا يخرج أن يكون وقتا لصلاة، فيدخل فيه الظهر والعصر والمغرب، فأبان الله تعالى أن بين زوال الشمس إلى غسق الليل وقت لصلوات عدة، فيدخل فيها الظهر والعصر والمغرب، ويحتمل أن يدخل فيه العتمة أيضا، لأن الغاية قد تدخل في الحكم، كقوله:
(وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ) «١»، وقوله: (حَتَّى تَغْتَسِلُوا)، والغسل داخل في شرط الإباحة.
وإذا حمل الدلوك على الزوال، اشتملت الآية على خمس صلوات، فالأربعة من الزوال إلى غسق الليل، والخامسة قرآن الفجر.
ولما كان بين الصبح والظهر وقت ليس من أوقات الصلوات المفروضة، أبان الله تعالى أن من وقت الزوال إلى وقت العتمة وقتا للصلاة مفعولة فيه.
وأفرد الفرد بالذكر، إذ كان بينه وبين الصلوات المفروضة وقت ليس من أوقات الصلوات المفروضة، وقال تعالى في بيان المواقيت أيضا على نحو ما سلف.
(وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ) «٢».
وروي عن عمر وعن الحسن في قوله طرفي النهار.
الصبح والظهر والعصر.
وزلفا من الليل: المغرب والعشاء.
فعلى هذا القول قد انتظمت الآية الصلوات الخمس.
(١) سورة المائدة الآية ٦. [..... ]
(٢) سورة هود الآية ١١٤.
وروى يونس عن الحسن: (أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ) قال: المغرب والعشاء.
فعلى هذا القول قد انتظمت الآية الصلوات الخمس.
وعن الحسن في رواية: أقم الصلاة طرفي النهار، قال: هو الفجر والعصر.
وعن ابن عباس: جمعت هذه الآية مواقيت الصلاة.
(فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ) :المغرب والعشاء، (وَحِينَ تُصْبِحُونَ) :الفجر، (وَعَشِيًّا) :العصر، (وَحِينَ تُظْهِرُونَ) «١»، الظهر.
وعن الحسن مثله.
وعن ابن عباس: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى) «٢».
قوله تعالى: (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ) «٣» :تحريض على الجهاد، ونهي عن الونا والضعف.
وذكر العلة فيه فقال: (وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ) «٤» أي إن الألم الذي ينالكم محتمل في مقابلة عظيم الثواب عند الله تعالى،
(١) سورة الروم الآية ١٧ و ١٨.
(٢) سورة طه الآية ١٣٠.
(٣) سورة النساء آية ١٠٤.
(٤) سورة النساء آية ١٠٤.
ذلك ليعلم أن المشاق في التكاليف محتملة، لما يرجى فيها من ثواب الله تعالى.
قوله تعالى: (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً) «١».
سبب نزولها مذكور في التفاسير «٢»، وفيه دليل على أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد، إلا بعد أن يعلم أنه محق.
قوله تعالى: (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ)، يحتمل الوحي والاجتهاد جميعا، وفيه دليل على أن وجود السرقة في يد إنسان لا يجب الحكم عليه بها، لأن الله تعالى نفى الحكم عن اليهودي بوجود السرقة عنده، إذ كان جائزا أن يكون هو الآخذ، وذلك مذكور في التفاسير «٣».
وليس ذلك مثل ما فعله يوسف عليه السلام، حين جعل الصاع في رحل أخيه «٤»، ثم أخذ الصاع، واحتبسه عنده، فإنه إنما حكم عليهم بما كان عندهم أنه جائز، وكانوا يسترقون السارق، فاحتبسه عنده، وكان له أن يتوصل إلى ذلك ولا يسترقه، ولا قال إنه سارق، وإنما قال ذلك رجل عنده ظنه سارقا.
وقد نهي الله تعالى عن الحكم بالظن والهوى، بقوله تعالى: (اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) «٥».
(١) سورة النساء آية ١٠٥.
(٢) أنظر أسباب النزول للواحدي النيسابوري، وباب النقول في اسباب النزول للسيوطي وأحكام القرآن للقرطبي، وتفسير النيسابوري، وتفسير ابن كثير.
(٣) انظر تفسير الطبري، وابن كثير: والقرطبي، وتفسير النيسابوري.
(٤) انظر ما ورد في سورة يوسف آية ٧٠- ٧٦.
(٥) سورة الحجرات آية ١٢.
وقال عليه السلام: «إياكم والظن فإنه أكذب الحديث» «١».
قوله تعالى: (وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى) «٢». زيادة تغليظ في الزجر عنه، وتقبيح حاله، وتبيين للوعيد فيه، إذا كان معاندا بعد ظهور الآيات الدالة على صدق الرسول عليه السلام.
وقرن اتباع غير سبيل المؤمنين بمعاينة رسول الله فيما ذكر من الوعيد، فدل على صحة إجماع الأمة على ما قررناه في تصانيفنا في الأصول، وبينا ما يرد عليه من الاعتراض ومنع الاحتجاج «٣».
قوله تعالى: (فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) «٤».
فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: عن ابن عباس رواية: «فليغيرن خلق الله»، أي يغيرن دين الله بتحريم الحلال، وتحليل الحرام، ومثله قوله تعالى:
(لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) «٥».
وروي عن ابن عباس وأنس أنه الخصاء.
وروي عن الحسن أنه الوشم.
وروي عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا بإخصاء الدابة.
(١) أخرجه البخاري ومسلم وابو داود.
(٢) سورة النساء آية ١١٥.
(٣) انظر تفسير القرطبي.
(٤) سورة النساء آية ١١٩. [..... ]
(٥) سورة الروم آية ٣٠.
وعن طاوس وعروة مثله.
وقوله (وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً) «١».
ظاهر في وجوب اتباع ملة إبراهيم، إذا لم يظهر لنا ناسخ من شرعنا، وفيه دليل على أنه ليس للعباد تحريم ما أحله الله تعالى باليمين.
وقوله تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) «٢» الآية، وقد ذكرنا معناها.
قوله تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما) «٣»، فأباح الله تعالى الصلح، فروي عن علي وابن عباس، أنهما أجازا لهما أن يصلحا على ترك بعض مهرها أو بعض أيامها، أن يجعلها لغيرها.
وقال عمر: ما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز.
وروى سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: حسبت سودة أن يطلقها رسول الله فقالت: يا رسول الله، لا تطلقني وأمسكني واجعل النوبة لعائشة ففعل، فنزلت هذه الآية «٤».
ونزلت أيضا في المرأة تكون عند الرجل، فيزيد طلاقها ويتزوج غيرها، فتقول أمسكني ولا تطلقني، ثم تزوج وأنت في حل من النفقة
(١) سورة النساء آية ١٢٥.
(٢) سورة النساء آية ١٢٧. ومعنى الآية: وإذا استفتاك أصحابك يا محمد في امر النساء والواجب لهن وعليهن، فقل: الله يفتيكم فيهن.
(٣) سورة النساء آية ١٢٨.
(٤) أخرجه الترمذي.
والقسم، فذلك قوله: (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما) - إلى قوله- (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) «١».
فهذه الآية دالة على وجوب القسم بين النساء، إذا كان تحته جماعة وعلى وجوب القسم لها بالكون عندها، إذا لم يكن عنده إلا واحدة، تم الجزء الثاني بحمد الله تعالى، ويليه الجزء الثالث وأوله سورة المائدة، والله المستعان.
(١) سورة النساء آية ١٢٨.
الجزء الثالث
(بسم الله الرّحمن الرّحيم) «ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا»
السورة التالية
Icon