0:00
0:00

سورة النساء
وآياتها مائة وست وسبعون مدنية فقد روى البخاري عن عائشة- رضى الله عنها- أنها قالت:
ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد بنى النبي صلّى الله عليه وسلّم بعائشة في المدينة في شوال من السنة الأولى للهجرة.
اجتماع الناس في أصل واحد [سورة النساء (٤) :آية ١]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١)
المفردات:
النَّاسُ: هم الجنس البشرى، وهو الحيوان الناطق المنتصب القامة الذي يطلق عليه الإنسان. وَبَثَّ: نشر. تَسائَلُونَ بِهِ: يسأل بعضكم بعضا بأن يقول:
سألتك بالله أن تفعل كذا. وَالْأَرْحامَ: جمع رحم، وهي القرابة من جهة الأب أو الأم. رَقِيباً: مشرفا، والمراد: محافظا.
افتتح الله هذه السورة الكريمة بتذكير الناس بأنهم من أصل واحد كلهم لآدم وآدم من تراب، وذكر الرحم والقرابة ليكون هذا كبراعة استهلال لما في السورة من أحكام
المحافظة على أموال الضعاف وأحكام النكاح والإرث، وكأن هذه الأحكام لازمة للناس من حيث كونهم ناسا ولذا بدأها بقوله: يا أيها الناس، وإن تكن السورة مدنية.
المعنى:
يا أيها الناس خذوا لأنفسكم الوقاية، واتقوا الله الذي رباكم بنعمه، وتفضل عليكم بإحسانه ومننه، فهو الذي خلقكم من جنس واحد وحقيقة واحدة هي آدم- عليه السلام- وإذا كنا جميعا أبناء لأب واحد، فلا يصح أن نتعدى حدود الله خاصة حدود القربى والرحم الإنسانية.
وقيل:
هذه النفس لم تبدأ بآدم بل بأوادم قبله، فليس آدم أبا البشر جميعا والله أعلم بهذا كله، والخطب يسير، والقرآن أبهم النفس ولم يعرفها فهي تحتمل هذه المعاني وأكثر منها.
فإذا ثبت علميا أن آدم أبو البشر أو ليس آدم أبا البشر لم يتعارض ذلك مع القرآن كما تتعارض التوراة وغيرها.
على أن الرأى الأول هو الأحسن والذي يتلاءم مع كثير من الأحاديث الصحيحة، والمعنى المراد أنه خلقكم من نفس واحدة أنشأها من تراب وخلق منها زوجها، قيل:
من ضلع لآدم كما
في الحديث «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج، فإن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها».
وعند بعض العلماء أن المراد أنه خلق من جنسها زوجها فهما من جنس واحد وطبيعة واحدة واستدل على ذلك بقوله- تعالى-: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها [الروم ٢١] وقال في سورة أخرى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا من أنفسهم [الجمعة ٢] فالمراد في الآيات من النفس واحد وهو الجنس ونشر وفرق من آدم وحواء نوعي البشر: الذكور والإناث، فقد خلق آدم من تراب، وخلقت حواء منه، ومنها خلقت الذكور والإناث التي تفرع منهما الإنسان الذي سكن الأرض، وهذا تفصيل لما أجمل في قوله- تعالى-: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ [سورة الزمر آية ٦].
واتقوا الله الذي تساءلونه به فيقول الواحد منكم لأخيه: أسألك بالله أن تفعل كذا، والمعنى: أسألك بإيمانك به وتعظيمك له.
واتقوا الرحم، أى: وصلوا الأرحام بالمودة والإحسان ولا تقطعوها، وكرر الأمر بالتقوى للمبالغة والتأكيد، وفي الأولى ذكر لفظ (الرب) الذي هو علم العطف والتربية في حالة الضعف والحاجة، وفي الثانية لفظ (الله) إذ هو علم المهابة والجلالة ليكون أدعى للإجابة وقبول الأمر، ثم ختم الآية بقوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً مشيرا إلى أنه لا يشرع لنا إلا ما به حفظنا ومصلحتنا، وهو الخبير بنا البصير بأحوالنا.
ما هي النفس والروح؟: مما لا شك فيه أن في الإنسان ناحية مادية وناحية مبهمة محجوبة بها العقل والحفظ والتذكر، وهذه الأمور آثارها محسوسة بلا شك، وليست من صفات الجسد، فما منشئوها؟ قال الأقدمون عنها: إنها النفس والروح، وهل هي جسم نوراني علوي منفصل عن الجسم متصل به في حال الحياة؟ أو هي حالة تعرض للجسم ما دام حيا وليست جسما؟! رأيان.
اليتامى ومعاملتهم في أموالهم [سورة النساء (٤) :آية ٢]
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٢)
المفردات:
الْيَتامى: جمع يتيم: وهو من فقد أباه، وخص الفقهاء اليتم بما دون البلوغ.
وَلا تَتَبَدَّلُوا: تأخذوه بدله، فالباء داخلة على المتروك. الْخَبِيثَ: الرديء، مأخوذ من خبث الحديد، والمراد منه: الحرام بِالطَّيِّبِ: الحسن، والمراد:
الحلال. حُوباً: إثما وذنبا كبيرا.
شروع في بيان نواحي التقوى وجهتها، وأولها المحافظة على مال الضعاف من اليتامى والنساء والسفهاء، حيث ذكرنا الله بالرحم والقربى.
المعنى:
يا أيها الأوصياء في مال اليتامى: أنفقوا عليه من ماله، واجعلوا ماله خاصا به لا تأكلوا منه شيئا حتى تسلموه إليه بعد البلوغ كاملا غير منقوص، ولا تتمتعوا بمال اليتيم في موضع يجب أن تتمتعوا فيه بمالكم فإنكم إن أخذتم من ماله وتركتم مالكم تكونوا قد استبدلتم الخبيث بدل الطيب، والحرام بدل الحلال، وهذا منهى عنه شرعا.
روى أنهم كانوا يضعون الشاة الهزيلة ويأخذون بدلها شاة سمينة، فجاء النهى عن ذلك، ولا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف.
ومن كان غنيا فليكن عفيفا عن مال اليتيم، إن أكل مال اليتيم بغير حق ذنب كبير وإثم عظيم، فأقلعوا عنه أيها الناس، واتقوا الله الذي خلقكم من نفس واحدة.
تعدد الزوجات والعدل معهن [سورة النساء (٤) :الآيات ٣ الى ٤]
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (٤)
المفردات:
تُقْسِطُوا: من أقسط بمعنى عدل ولم يظلم، بخلاف قسط بمعنى ظلم وجار.
ما طابَ لَكُمْ: ما مال إليه القلب وعده طيبا من النساء. مَثْنى وَثُلاثَ
وَرُباعَ
: هذه ألفاظ معدولة عن اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة. تَعُولُوا العول: الجور. صَدُقاتِهِنَّ: مهورهن. نِحْلَةً عطية وهبة. هَنِيئاً مَرِيئاً: طعام هنيء إذا كان سائغا لا تنغيص فيه ولا ألم، وقيل: الهنيء: ما يستلذه الآكل، والمريء: ما تحسن عاقبته وهضمه وتغذيته.
سبب النزول:
في الصحيحين عن عروة بن الزبير أنه سأل خالته عائشة أم المؤمنين- رضى الله عنها- عن هذه الآية فقالت: يا ابن أختى هذه اليتيمة تكون في حجر وليها يشركها في مالها ويعجبه مالها وجمالها فيريد أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها، فلا يعطيها مثل ما يعطى أترابها من الصداق، فنهوا عن ذلك وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء مثنى وثلاث ورباع.
وفي رواية أنها نزلت في اليتيمة تكون عند الرجل فتشاركه في ماله فيرغب عنها ويكره أن يتزوجها غيره فيشاركه في مالها فيعضلها، فلا يتزوجها ولا يزوجها غيره.
وفي رواية أخرى عن عائشة قالت: أنزلت في الرجل تكون له اليتيمة وهو وليها ووارثها ولها مال وليس لها أحد يخاصم دونها فلا ينكحها لمالها، فيضربها ويسيء صحبتها، فنزلت الآية على معنى: خذ ما طابت بها نفسك ودع هذه لا تضر بها.
وقد كانوا في الجاهلية يتزوجون أكثر من أربعة، بل قد يجمع الرجل ما شاء فيضطر إلى أخذ مال اليتيم، فنهوا عن ذلك كله.
المعنى:
بعد أن نهاهم الله عن أكل مال اليتامى والجور فيه، ووقع هذا النهى هذا الموقع فتحرجوا من الإثم، قال ما معناه:
وإن خفتم عدم العدل في أموال اليتامى وتحرجتم من أكلها بالباطل، وأحسستم الخوف من أكل مال الزوجة اليتيمة وهضم حقوقها في الصداق، فعليكم ألا تتزوجوا
بها وألا تمنعوها من الزواج، فإن الله جعل لكم مندوحة، وشرع لكم الزواج بمن تحبون من النساء الرشيدات من واحدة إلى أربع.
وإذا قلت لجماعة: اقتسموا هذا المال بينكم مثنى وثلاث ورباع كان المطلوب أن يأخذ كل واحد منهم ما شاء من اثنين أو ثلاثة أو أربعة لا يجمع بين الأعداد كلها فيأخذ الواحد تسعة مثلا، هذا استعمال العرب وعادتهم، والقرآن عربي مبين.
ولكن إذا خفتم ألا تعدلوا مع اثنتين أو ثلاث أو أربع، فتزوجوا واحدة فقط ومعها ما شئتم من الموالي، فإنه لا يخشى معهن الجور وعدم العدل، والخوف من عدم العدل يشمل تحقيق الظلم أو ظنه بل الشك فيه، أما التوهم فالرأى التسامح فيه.
فالمعنى:
للرجل المسلم أن يتزوج من واحدة إلى أربع ما دام يثق في أنه يعدل ولا يجوز، وإن خاف عدم العدل فلا يتزوج إلا واحدة ومعها ما شاء من الجواري- وهن الإماء الأرقاء المملوكات ملكا شرعيا- والعدل المطلوب بين النساء يكون في القسم بينهن في المبيت والتسوية في المأكل والمشرب والمسكن والأمور المادية، أما الأمور القلبية كالميل والحب فهذا ما ليس في وسعه، ولذا
كان الرسول صلّى الله عليه وسلّم يقول: «هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك»
وقد كان يحب عائشة أكثر من غيرها ومع هذا ما كان يخصها بشيء إلا بعد أن يستأذن أخواتها.
تعدد الزوجات
طبيعة الحياة الزوجية تقتضي- بالفطرة- أن يختص الزوج بالزوجة والزوجة بالزوج، فكما أن الزوج يغار جدا على زوجته كذلك الزوجة.
ونحن نرى أن البيت الذي فيه ضرّتان فيه خلاف ونزاع وشقاق قد يؤدى إلى الموت والهلاك والعداوات المستحكمة.
لهذا يرى البعض أن في إباحة الإسلام التعدد في الزوجات شيئا يتنافى مع الطبيعة ويتنافى مع العقل فمن الخير المنع، فإن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة!!
ولكن الإسلام حينما أباح التعدد أباحه للضرورة وقيده بقيود تكاد تكون بعيدة المنال، فالقرآن يقول: لا تظلموا اليتيمة في مالها ونفسها، وأمامكم النساء غيرها كثيرات. تزوجوا باثنين أو بثلاث أو بأربع ولكن هذا مقيد بقيد العدل وعدم الظلم، لا فرق بين قديمة وحديثة وجميلة وقبيحة!! والقرآن قال في موضع آخر: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ «١» والعدل المقصود منه هنا: الميل القلبي، فإن تحقق العدل الكامل بعيد جدا، والميل واقع حتما، فلم يبح التعدد بلا قيد ولا شرط، بل بشرط بعيد الحصول والتعدد أو الطلاق كحق للزوج لا غبار عليهما أبدا، بل لعلهما بعض الضرورات اللازمة للطبيعة البشرية، ولكن الخطأ الأكبر يجيء من سوء الاستعمال، أما القول بمنعهما ففيه مخالفة لصريح القرآن ومخالفة لمصلحة الرجل والمرأة على السواء.
ماذا نفعل في رجل تزوج بامرأة لا تلد، وهو غنى يريد الولد وعنده القدرة على كفاية اثنتين من النساء؟
ورجل عنده نهم على النساء، ومن تحته امرأة عزوف عن الرجال أو بها مانع أو مرض فهل يزنى؟ فيضيع الدين والمال والصحة والشرف!! أم يتزوج بامرأة بشرط عدم الظلم في معاملة الاثنتين.
وماذا نعمل في الأمة عقب الحروب التي تبيد أكثر رجالها فتبقى النساء كثيرات مع قلة الرجال، أمن الخير أن يتمتع بعض النساء وتبقى الأغلبية محرومة من عطف الرجل والعائل؟ وقد تضطرها الظروف إلى ارتكاب الإثم والفحش!! إذا الخير في علاج المسألة بعلاج الدين، فنحافظ على المرأة محافظة تامة ونعنى بها عناية كاملة في الحرب والسلم.
ولا يضر الدين إساءة المسلمين له في تنفيذ بعض رخصه، فإنا نراهم لا يعدلون بين الأزواج ويتزوجون لمجرد الشهوة والانتقام لا لغرض شريف، ويكفى الإسلام فخرا أن قال بالطلاق ونادى بتعدد الزوجات كثير من فلاسفة الغرب.
فالواجب على أولى الأمر أن يعالجوا الداء بما يحسمه مع تنفيذ روح الدين.
(١) سورة النساء آية ١٢٩.
وآتوا النساء مهورهن اللاتي يستحقنها تشريفا لهن وتكريما وعلامة على المحبة وتوثيقا لعرى الصداقة والمودة بلا مبالغة ولا إسراف فإن طبن لكم عن شيء من أموالهن وتنازلن عنه فخذوه هنيئا مريئا.
متى نعطى أموال اليتامى لهم؟ [سورة النساء (٤) :الآيات ٥ الى ٦]
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٥) وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٦)
المفردات:
السُّفَهاءَ: جمع سفيه، والسفه: الاضطراب في العقل والفكر والخلق، والمراد به هنا: من لا يحسن التصرف في المال، ويشمل ذلك اليتامى. قِياماً: ما به تقومون وتعيشون. آنَسْتُمْ
: أبصرتم وتبينتم. رُشْداً: المراد به: صلاحا للعقل وحفاظا للمال. إِسْرافاً: مجاوزة للحد في كل عمل، وغلب في الأموال.
بِداراً: مبادرة ومسارعة. فَلْيَسْتَعْفِفْ: فليطلب العفة وليحمل نفسه عليها، والعفة: ملكة في النفس تقتضي ترك ما لا ينبغي من الشهوات. حَسِيباً:
رقيبا..
أمر الله- سبحانه وتعالى- فيما سبق بإيتاء أموال اليتامى لهم وإعطاء النساء أموالهن
ومهورهن، وهنا شرط ذلك بشرطين: الخلو من السفه، والاختبار حتى لا يضيعوا أموالهم.
المعنى:
نهى الله- سبحانه وتعالى- الأمة نهيا عاما، يدخل فيه أولياء اليتامى والسفهاء دخولا من باب أولى.. نهاهم عن إعطاء السفهاء الذين لا يحسنون التصرف في أموالهم، نهاهم عن إعطاء أموالهم لهم، فإنهم يبددونها، والدين حريص على حفظها لهم.
وإنما أضاف الأموال للأولياء وقال: (أموالكم) مع أنها أموال اليتامى والسفهاء للإشارة إلى أن الولي يجب عليه أن يحافظ على المال، إذ لو ضاع لوجبت نفقة اليتيم عليه، فكأن مال اليتيم ماله، ولا يخفى عليك مبدأ التكافل في الأمة الواحدة، وانظر إلى القرآن وقد وصف الأموال بأنها جعلت قوامكم في الحياة، فبالمال تبنى الأمم صروح العمران وتقام دعائم الدنيا، وفي هذا إشارة إلى أن المال والاقتصاد مما يرغب فيه الدين.
فعليكم- أيها الأولياء- أن تعطوا الأموال لأربابها بشرط ألا يكون سفيها لا يحسن التصرف، وإلا بقي المال في أيديكم حتى يتم تمرينه على المحافظة على الأموال التي جعلها الله قوامكم في الحياة.
وارزقوهم منها ومن ثمرتها وكسبها لا من أصلها وذاتها، والرزق يشمل وجوه الإنفاق جميعها من أكل وكسوة وتعليم وتمريض، وخصت الكسوة بالذكر لأنها مظهر خارجى قد يتساهل فيه، وقولوا لهم قولا لينا ليست فيه خشونة، بل عاملوهم معاملة الأولاد بالعطف واللين، وأشعروهم بالعزة والكرامة وأن ما ينفق عليهم من مالهم، وسيأخذونه بعد البلوغ، ويجب عليكم أن تختبروهم لتعرفوا مدى عقلهم وحسن تصريفهم للمال، وقد أطلق القرآن الكريم الابتلاء حتى تتبينوا رشدهم وكمال تصريفهم، لأن لكل زمن وبيئة نظاما، فاختبار المتعلم غير اختبار العامي وهكذا.
وهذا الاختبار يكون عند البلوغ، أى: بلوغ سن الزواج والاكتمال العقلي، فإن تبينتم رشدهم فآتوهم أموالهم.
ولا تأخذوها وتأكلوها عن طريق الإسراف والتبذير، فإن طبيعة النفس التبذير في مال الغير، ولا تأكلوها مسرعين قبل أن يصل اليتيم إلى مرحلة البلوغ والإدراك السليم.
أما الأكل من غير إسراف ولا تبذير وبلا إسراع ومبادرة فحكمه أن من كان غنيا فليطلب العفة ويحمل نفسه عليها حتى يتعود ذلك، وفي هذا إشارة إلى أن طبيعة النفوس ميالة إلى الاعتداء على حق الغير وإن كان صغيرا ضعيفا.
ومن كان فقيرا محتاجا فليأكل بالمعروف شرعا وعرفا بلا إسراف وتبذير حتى قال بعضهم: إن الولي ليس له أن يأكل إلا قرضا أو بأجر المثل.
والحكمة في ذلك أن اليتيم الصغير من الخير له أن يخالط الولي ويأكل مع أولاده حتى يتسنى للولي أن يشرف عليه إشرافا فعليا، فإن كان الولي غنيا كانت المخالطة لمصلحة اليتيم، وإن كان فقيرا فالواجب عليه أن يأكل بالمعروف من كسب المال وثمرته، وليس له أن يجمع من مال اليتيم شيئا خاصا به.
فإذا اختبرتم اليتيم أو السفيه وتبينتم صلاحيته لإدارة المال فادفعوه إليه بحضور الشهود قطعا للنزاع، والله شهيد عليكم ورقيب فراقبوه فإنه لا تخفى عليه خافية في الأرض والسماء.
تشريع حقوق اليتامى والنساء [سورة النساء (٤) :الآيات ٧ الى ١٠]
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (٧) وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠)
المفردات:
مَفْرُوضاً: محتوما لا بد من أخذه. وَلْيَخْشَ الخشية: الخوف مع تعظيم المخفو والأمل فيه. سَدِيداً: محكما صائبا، والمراد: موافقا للدين.
ظُلْماً: بغير حق. سَيَصْلَوْنَ: سيحرقون، من أصلاه إصلاء: أراد إحراقه، ومنه: صلى اللحم: شواه، واصطلى: استدفأ. سَعِيراً: النار المستعرة.
سبب النزول:
روى أن أوس بن الصامت الأنصارى توفى وترك امرأته أم كحلة وبنات له فمنع ابنا عمه سويد وعرفطة ميراث أوس عن زوجته وبناته، فشكت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فدعاهما رسول الله، فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرسا ولا يحمل كلّا ولا ينكى عدوا، نكسب عليها ولا تكسب، فنزلت الآية
فأثبتت لهن الميراث، ثم نزلت آية المواريث فجعلت لكل حقه.
المعنى:
إذا توفى رجل وورثه ذكور وإناث- صغارا كانوا أو كبارا- فالله قد أوجب لكل وارث نصيبا مفروضا وقدرا محتوما في المال الموروث من الوالدين أو الأقربين يستوي في ذلك القليل والكثير، وستأتى آية المواريث وتوضح هذا المجمل وتبينه.
ولقد عالج القرآن الكريم بمناسبة تقسيم المال في التركات مرضا في نفوسنا وهو تألم البعض من حضور الأقارب ساعة التقسيم، وحسد الأقارب الذين لا يرثون، فقال:
إذا حضر مجلس القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فعالجوا شح النفس عندكم واقطعوا ألسنة بعض ضعاف النفوس بأن تعطوهم شيئا من المال ولو قليلا، وقولوا لهم قولا حسنا واعتذارا جميلا يسل السخائم ويهدئ النفوس، والمأمور بهذا هو الولي أو اليتيم عند البلوغ واستلام المال كل هذا تحتمله الآية، والمهم أن هذا أدب قرآنى وعلاج حكيم، ولعل أحدث الدول رجعت تقول بضريبة التركات بل بالغت في درجتها.
ألا ما أحسن كلامك يا خالق الخلق!! وما أحكم دستورك يا إله السماء والأرض، ارجعوا إلى القرآن واعملوا بما فيه فهو الخير ومنه الشفاء وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ «١».
وعلاج لمرض آخر وهو أن النفس الإنسانية كثيرا ما تتحامل على اليتيم وتقسو عليه فذكّرنا بشيء يهز القلب ويحرك المشاعر. تذكروا أنكم مفارقون أولادكم واخشوا ترك ذرية ضعفاء كزغب القطا لا حول لها ولا قوة، فاتقوا الله وقولوا قولا سديدا يوافق الدين وتذكّروا أنه
كما تدين تدان
، ثم ختم الكلام بهذا التهديد الشديد، إن الذين يأكلون أموال اليتامى ويأخذونها بأى طريق إنما يأكلون في بطونهم ما به يدخلون النار وسيحرقون بنار مسعرة وقودها الناس والحجارة، وقانا الله منها.
آيات المواريث [سورة النساء (٤) :الآيات ١١ الى ١٤]
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤)
(١) سورة الإسراء آية ٨٢.
المفردات:
يُوصِيكُمُ الوصية: ما تعهد به إلى غيرك من العمل في المستقبل، تقول: سافر
فلان إلى بلد كذا وأوصيته بأن يحضر لي شيئا. حَظِّ: نصيب. كَلالَةً الكلالة: مصدر كلّ يكل كلالا، وهو من الإعياء، ثم استعمل في القرابة البعيدة غير قرابة الأصول والفروع، رجل ذو كلالة ليس له والد ولا ولد، وعلى هذا أكثر الصحابة.
حُدُودُ اللَّهِ: جمع حدّ وهو المنع، وأحكام الله مانعة من الوقوع في المعصية.
مُهِينٌ : ذو إهانة وذل.
سبب النزول:
جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالت: يا رسول الله: هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا، ولا تنكحان إلا ولهما مال. فقال: يقضى الله في ذلك، فنزلت آية المواريث، فأرسل رسول الله إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين وأمهما الثّمن وما بقي فهو لكم «١»
، وهذه أول تركة قسمت في الإسلام.
وهذا نظام المواريث في الحكم الإسلامى الذي يفتخر به المسلمون، وقد أصبح قاعدة عامة للمواريث في العالم- إن لم يكن هو المصدر الأول لأحدث الدساتير- ولولا العصبية الممقوتة عند غير المسلمين لأخذوه كله فإنه نظام من حكيم عليم، والآيات تتضمن حقوق الأولاد ذكورا وإناثا (الفروع)، وحقوق الأصول كالأب والأم، وحقوق الزوجية وحقوق الإخوة لأم. أما الإخوة لأب فحكمهم سيأتى في آخر السورة.
ولأن الأولاد أحق بالعطف والمعونة ولأن الأصول قد يكون لهم حق واجب على غير المتوفى، أو لهم قدرة على الكسب، ولقلة ما بقي من عمرهما بدأ بالفروع وكان لهم نصيب كبير.
يوصيكم الله وصية لمصلحتكم- أيها المخاطبون والمكلفون- من المسلمين لأنهم هم الذين يقسمون التركات، ولمبدأ تكافل الأمة وأنها كالجسد الواحد، يوصيكم الله في شأن أولادكم أن يأخذوا من تركة أبيهم، وإذا كانوا إناثا وذكورا، فللذكر مثل نصيب
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الفرائض رقم ٢٨٩١ وأخرجه الترمذى وابن ماجة.
الأنثيين ولا غرابة في هذا، فالرجل محتاج إلى النفقة على نفسه وزوجته، وأخته وأخته تكفل نفسها، فإن تزوجت كانت نفقتها على زوجها.
وإن كان للميت ذكر واحد لا أخت له أخذ التركة بعد أخذ أصحاب الفروض كالزوجة والأم والأخ لأم كما سيأتى.
وإن كان للميت بنتان فأكثر أخذتا الثلثين فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وقد دخلت البنتان في عموم الآية، لأن البنت مع أخيها تأخذ الثلث وهو يأخذ الثلثين، والذكر له حظ الأنثيين، فإذن البنتان تأخذان الثلثين، ولأن الله صرح في آية أخرى بحق الأختين وأنهما يأخذان الثلثين، وقد ساق القرآن هنا حكم البنتين فأكثر مع بقاء التفريع على ما تقدم، وهذا ما فهمه جمهور الصحابة خلافا لابن عباس الذي يرى أن للبنتين النصف، وإن كانت واحدة فلها نصف ما ترك أبوها والباقي يورث على حسب المواريث الشرعية.
حقوق الوالدين:
ولأبوى الميت السدس لكل واحد منهما، لا فرق في ذلك بين الأب والأم لأن علاقتهما ومحبتهما بالنسبة له سواء، هذا إن كان له ولد، فإن لم يكن له ولد ولا ولد ابن (الولد يطلق على الذكر والأنثى) وقد ورثه أبواه فلأمه الثلث مما ترك والباقي للأب كما هو معلوم من انحصار الإرث فيهما، فإن كان للميت إخوة من ذكور أو إناث رجعت الأم من الثلث إلى السدس سواء كانت الإخوة لأبوين أو لأحدهما وليس كذلك كالأخ الواحد وقد قضى النبي صلّى الله عليه وسلّم والخلفاء الراشدون من بعده بأن الأخوين والأختين يردون الأم من الثلث إلى السدس، هذا حكم الوالدين مع ولد للميت وعدمه ومع الإخوة للميت، وبقي حكم الوالدين مع أحد الزوجين.
والحكم أن الزوجين يأخذان حظهما، والأم ثلث الباقي والأب الباقي من التركة، هذا رأى جمهور الصحابة ما عدا ابن عباس- رضى الله عنهم أجمعين-.
يوصيكم الله أن تعملوا بهذه القوانين فإنها خير لكم وأنفع من بعد وصية يوصى بها الميت أو دين يتركه عليه، ولعل تقديم الوصية في الذكر على الدّين لأنها أخذ شيء من
غير عوض، قد تكون ثقيلة على الورثة فقدمها للاعتناء بها، وإن كان الدّين مقدما عليها في الأداء وكان العطف للإيذان بأنهما متساويان في الوجوب متقدمان على القسمة مجموعين أو منفردين. ولا تتبعوا ما كنتم عليه في الجاهلية من حرمان الأنثى والصغير، فلستم تعرفون النافع من الضار فاتبعوا ما أمركم الله به فهو أعلم منكم، بما هو أقرب في النفع لكم، وقد فرض ما ذكر من الأحكام فريضة محكمة لا هوادة في وجوب العمل بها فريضة من الله، إنه كان عليما بكم حكيما يضع الأمور في نصابها.
حقوق الأزواج:
إن كان الميت أنثى فللزوج النصف، هذا إن لم يكن للزوجة ولد ولا ولد ابن سواء كان من الزوج أو من غيره ويستوي في ذلك الزوجة المدخول بها والمعقود عليها، فإن كان لها ولد أو ولد ابن من أى زوج فلكم أيها الأزواج الربع مما تركن والباقي للأقارب حسب الميراث الشرعي وذلك من بعد وصية توصى بها أو دين ثبت عليها.
وإن كان الميت ذكرا فلزوجته الربع من تركته إن لم يكن له ولد ولا ولد ابن، أى:
فرع وارث وإن يكن من غيرها، فإن كان له ولد أو ولد ابن فلها الثمن والباقي للورثة حسب المواريث الشرعية، وذلك من بعد وصية يوصى بها أو دين.
وإن كان هناك رجل موروث كلالة بأن لم يكن له فرع وارث من ابن أو ابن ابن، وليس له أصل وارث كالأب والجد، وكان له أخ من الأم أو أخت فللأخ من الأم السدس ذكرا كان أو أنثى، فإن كانوا أكثر من ذلك فلهم الثلث كالأم.
كل هذا: من بعد وصية يوصى بها أو دين حالة كونه غير مضار في الوصية بأن تكون أكثر من الثلث، وفي الدّين بأن يقر بدين لم يقبضه أو يستغرق المال كله، وشرط عدم الضرر في صاحب الكلالة فقط لأن بعض الناس قد يكره ميراث الكلالة فنهاهم الله عن الضرر في ذلك، والله عليم بالأحوال حليم بنا لا يعاجل بالعقوبة من يستحقها.
وبعد أن بين الله الأحكام المتعلقة بالضعفاء من الأيتام والنساء وأحكام المواريث، أشار إلى أنها حدود الله ومحارمه التي لا يصح لمسلم أن يتخطاها ويتجاوزها، ومن حام حولها يوشك أن يقع فيها.
ومن يطع الله باتباع ما أنزله على رسوله وبلغه إلى خلقه ومن يطع الرسول فيما بلغ عن ربه من أحكام وآيات، يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار. وصفها الحقيقي الله أعلم به، وعلينا أن نسلم به وأنه جزاء المحسنين، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟
وهم فيها خالدون، وذلك هو الفوز العظيم.
وأما من يتعدّ حدود الله وينتهك حرمات الله ويعص الله ورسوله يدخله نارا وقودها الناس والحجارة خالدين فيها إلى ما شاء الله وله عذاب مهين ومذل له فهو عذاب مادى وروحي.
الفاحشة وجزاؤها [سورة النساء (٤) :الآيات ١٥ الى ١٦]
وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (١٦)
المفردات:
يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ: يفعلنها، والفاحشة: ما فحش ذنبه وقبح جرمه كالزنا.
يَتَوَفَّاهُنَّ يقال: توفيت مالي على فلان واستوفيته: قبضته، والمراد: توفى أرواحهن ملك الموت.
المعنى:
واللاتي يأتين الفعلة الممقوتة وهي الزنا، ولا شك أنها أكبر الفواحش وأحقرها،
ومن يفعلها من النساء فاطلبوا أربعة من الرجال يشهدون عليهن، والخطاب للأمة كلها لأن هذا مرض عام يفت في عضد الأمة، فإن شهدوا عليهن فأمسكوهن في البيوت فإنهن جرثومة الفساد، وداء إذا تفشى أهلك الأمم والأفراد حتى يتوفى أرواحهن ملك الموت ويقبضها، أو يجعل الله لهن سبيلا بأن يتزوجن ويقلعن، وقيل: هو الحد عن هذا الداء الحقير ولا يكون ذلك إلا من الله وتوفيقه.
واللذان يأتيان الفاحشة من الزاني والزانية غير المحصنين فآذوهما بالتأديب والتوبيخ، فإن تابا وأصلحا حالهما وأعرضا عن هذا العمل المشين فأعرضوا عنهما وكفوا الأذى، إن الله كان توابا يقبل التوبة من عباده ويعفوا عن السيئات رحيما بعباده.
وفي هاتين الآيتين رأيان: رأى الجمهور القائل: إن الفاحشة هي الزنا خاصة، فالآيات الأولى في المحصنات من النساء، أى المتزوجات، والآية الثانية في الأبكار، ولذا كان عقابهن خفيفا.. والآيتان منسوختان بالحد المفروض في سورة النور من الرجم والجلد وهو المراد بالسبيل الذي جعله الله للنساء المحبوسات في البيوت.
وعن أبى مسلم أن الآية الأولى في المساحقات التي تحصل بين النساء، والثانية في اللواط، وعلى هذا فلا نسخ، وقد قال بذلك مجاهد، والله أعلم.
متى يقبل الله التوبة [سورة النساء (٤) :الآيات ١٧ الى ١٨]
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٨)
المفردات:
السُّوءَ: العمل القبيح الذي يسوء فاعله، فيشمل الصغائر والكبائر.
بِجَهالَةٍ المراد بها: الجهل والسفه بارتكاب ما لا يليق بالعاقل، لا عدم العلم، وذلك يكون عند ثورة الشهوة أو الغضب، وكل من عصى الله فهو جاهل.
أَعْتَدْنا: هيأنا وأعددنا.
المعنى:
إنما قبول التوبة والغفران واجب على الله لسابق وعده الكريم فقد كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة الأنعام آية ٥٤].
قبول التوبة متحقق للذين يعملون المعصية ويلمون بها ولم يصروا عليها لأنهم فعلوها بدافع الهوى والشيطان، حتى إذا ما ثابوا لأنفسهم ورجعوا لعقولهم أدركوا خطأهم وأنبوا أنفسهم وتابوا إلى الله توبة نصوحا هؤلاء هم الذين يعملون السوء، أى: المعصية الواحدة التي لم تكرر حتى تصير سيئات- كما في الصنف الثاني- في ثورة الجهل والسفه، والغضب، حتى إذا زالت تلك الحال تابوا من قريب، أى: بعد وقوعها بسرعة، فأولئك يتوب الله عليهم.
والله الذي أوجب قبول التوبة على نفسه عليم بخلقه إذ إن النفس الإنسانية قد تشذ ويغويها الشيطان فتقع في المعصية، فلولا باب التوبة ليئس الناس وظلوا على حالهم، وهو الحكيم في صنعه- سبحانه وتعالى-.
وليست توبة الذين يعملون السوء بعد السوء حتى تصير لهم سيئات وسيئات مقبولة عند الله، وذلك أن المعصية تجعل في القلب نكتة سوداء. بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون من المعاصي، هؤلاء لا تقبل توبتهم، وكيف تقبل وهم يظلون على عملهم سادرين في غيهم؟ حتى إذا أدركهم الموت وساعته تابوا عند العجز عن المعصية والخوف من العقاب.
وأما
حديث أن التوبة تقبل ما لم يغرغر
فمحمول على من تاب توبة خالصة لله، يدرك فيها المذنب قبح فعله السابق ويندم ندما حقيقيّا وقلما يحصل مثل هذا.
ولا يقبل الله توبة الذين يموتون وهم كفار. وقد سوى الله بين من يموت كافرا وبين من يؤجل التوبة حتى تحضره الوفاة إذ هي لا تكون إلا عند التكليف والاختيار.
أولئك هيأنا لهم عذابا مؤلما ومذلا لهذين الفريقين اللذين استعبدهما الشيطان إلى الموت.
كيف نعامل نساءنا؟ [سورة النساء (٤) :الآيات ١٩ الى ٢١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١)
المفردات:
وَلا تَعْضُلُوهُنَّ العضل: داء عضال، أى: شديد، وعضلت المرأة بولدها:
إذا اختنقت رحمها به فخرج بعضه وبقي بعضه، فالعضل: الشدة والتضييق والحبس.
الفاحشة: الفعلة الشنيعة القبيحة. مُبَيِّنَةٍ: واضحة ظاهرة.
بِالْمَعْرُوفِ: ما لا ينكره الشرع والعرف والطبع. والبهتان: الكذب.
أَفْضى: وصل إليها وصولا خاصا وهو ما يكون بين الزوجين. مِيثاقاً غَلِيظاً: عهدا مؤكدا ربط برباط قوى محكم.
كانت المرأة في الجاهلية تعد من قبيل المتاع حتى كان أقارب الزوج المتوفى يستولون عليها كرها. روى البخاري: أنه كان إذا مات الرجل منهم كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها وإن شاءوا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها، فنزلت الآية.
وقيل: كان الرجل يمسك المرأة وهو لها كاره حتى تموت فيرثها!! وكان الرجل إذا تزوج امرأة ولم تكن تكفى حاجته حبسها مع سوء العشرة لتفتدى نفسها بمالها وتختلع، فقيل: ولا تعضلوهن... الآية.
وكان من عادتهم في الجاهلية أيضا إذا أرادوا فراق امرأة رموها بفاحشة حتى تخاف وتشترى نفسها بالمهر الذي دفعه إليها.
والآية الكريمة فيها دواء لهذه الأدواء وعلاج كريم ورفع المرأة إلى مكانتها اللائقة بها كشريكة في الحياة وكإنسان حي له كرامة وشخصية. وهكذا الإسلام والقرآن من أربعة عشر قرنا يعالج ولكن بحكمة لا إفراط ولا تفريط. لأنه تنزيل من حكيم عليم.
فيا من اتصفتم بالإيمان بالله ورسوله لا يليق أن تعاملوا المرأة كالمتاع فتستولون عليها وترثونها وهي كارهة لهذا، لا يحل لكم أبدا أن تفعلوا فعل الجاهلية إن شاء أحد الأقارب تزوجها وإن شاء أمسكها ومنعها إلى أن تموت، تالله إن هذا عمل لا يليق بكم أبدا.
ولا يحل لكم أن تضيقوا عليهن، وتضاروهن حتى يضطروا إلى الافتداء بالمال والصداق،
فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان في أيديكم، أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله».
وهل يليق بمن اتصف بالإيمان وخالط قلبه بشاشته أن يفعل الإيذاء خاصة مع من أفضى إليها وعاشرها معاشرة الأزواج لأجل المال أو العتاد؟ تالله إن هذا لا يليق أبدا.
ما دامت المرأة في طاعته وتحفظ فراشه وتقوم بخدمته، فإذا نشزن عن طاعتك وساءت عشرتهن ولم ينفع معها النصح أو التأديب أو ظهر- والعياذ بالله- أنها ارتكبت فاحشة كالزنا أو السرقة أو نحوها من الأمور الممقوتة شرعا وعرفا فلكم حينئذ أن تعاكسوهن وتعضلوهن لتذهبوا ببعض ما أعطيتموه لهن من المال والصداق، وإنما شرط في الفاحشة أن تكون ظاهرة فاضحة لئلا يستغل هذا بعض ضعاف النفوس من الرجال فيرمى المرأة العفيفة بشيء لمجرد الظن فقط، وإنما أبيح للرجل التضييق على المرأة التي تأتى بالفاحشة خشية أن يستغل بعض النساء هذا فيفحشن في القول والفعل حتى يطلقها زوجها فتتاجر بالمال والصداق مع كل رجل.
ويا أيها المؤمنون عاشروا نساءكم بالمعروف وخالطوهن بما تألفه الطباع السليمة ولا ينكره الشرع ولا العرف من غير تضييق في النفقة ولا إسراف، وفي كلمة المعاشرة معنى المشاركة والمساواة، أى: كلّ يعاشر صديقه من جانبه بالمعروف معرضا عن الهفوات جالبا للسرور معينا على الشدائد حافظا للود وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً «١» فإن كرهتموهن لعيب خلقي أو دمامة في خلقتهن أو تقصير أو مرض أو لهوى في نفوسكم فاصبروا ولا تتعجلوا، فعسى أن تكرهوا شيئا وفيه الخير الكثير لكم، ومن يدرى؟ إن هذه الدميمة تكون أم الأولاد النجباء وربة البيت الأمينة المحافظة المقتصدة الصبور المعينة لك في السراء والضراء، والحوادث تثبت أكثر من هذا، فالصبر الصبر أيها المؤمنون، وحسن المعاشرة وإن أردتم استبدال زوج جديد مكان زوج سابقة كرهتموها وهي لم تأت بفاحشة ظاهرة وقد كنتم آتيتموها المال الكثير قبل ذلك، فلا تأخذوا من هذا المال شيئا لأنها لم ترتكب ذنبا تستحق أن يؤخذ منها المال وإرادة الاستبدال ليست شرطا في عدم حلّ الأخذ بل هو الكثير الغالب.
وكيف تأخذونه وتستسيغون ذلك بعد أن تأكدت بينكم رابطة الزوجية بأقوى رباط حيوي وباشر كل منكم الآخر ولابسه ملابسة يتكون منها الولد، واطلع على ما لم يطلع عليه أب أو أخ؟! إن هذا الشيء عجيب، أتأخذونه بالبهتان آثمين وقد أفضى
(١) سورة الروم آية ٢١.
بعضكم إلى بعض، وأخذن منكم ميثاقا غليظا هو حق الصحبة والمضاجعة، ووصفه بالغلظ لقوته وعظمته، وقيل: الميثاق: «إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان».
والشريعة لم تحدد مقدار الصداق بل تركته للظروف والأحوال، وإن التغالى فيه لمعوق للزواج الذي هو مطلوب الشرع.
من يحرم التزوج بهن [سورة النساء (٤) :الآيات ٢٢ الى ٢٣]
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣)
المفردات:
سَلَفَ مضى. مَقْتاً: ممقوتا ومبغوضا. ساءَ سَبِيلًا أى: بئس ذلك طريقا.
المعنى:
ذكر الله في هاتين الآيتين ما يحرم على الرجال نكاحهن وقد كانوا في الجاهلية إذا توفى الرجل عن امرأته كان ابنه أحق بها ينكحها إن شاء إن لم تكن أمه، أو ينكحها من شاء!! والمراد بالنكاح: العقد كما قال ابن عباس.
روى ابن جرير: كل امرأة تزوجها أبوك دخل بها أو لم يدخل بها فهي حرام، والمراد بالآباء ما يشمل الأجداد، والمراد أنكم تستحقون العقاب لنكاحكم ما نكح آباؤكم إلا ما مضى فهو معفو عنه، إن هذا النكاح كان فاحشة يأباها العقل وممقوتا في الشرع وساء سبيلا، وبئس ذلك الطريق في العرف، ولذا كانوا يسمونه نكاح المقت وبعد هذا بين الله أنواع المحرمات وهي أنواع.
نكاح الأصول:
فقد حرم الله نكاح الأمهات وكذا الجدات.
ونكاح الفروع:
فقد حرم الله نكاح البنات وهن يشملن بنات الصلب وبنات الأبناء.
نكاح الحواشي القريبة والبعيدة:
فقد حرم نكاح الأخت سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم.
ونكاح العمات والخالات القريبة والبعيدة كعمة الأب وخالة الأم.
وقد حرم بنات الأخ وبنات الأخت من جهة الأبوين أو لأب أو لأم.
ما حرم من جهة الرضاع:
يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب.
فإذا رضع طفل من امرأة فهي أمه تحرم عليه، وزوجها أبوه وأولادها أخواته، وهكذا للرضاع أحكام كثيرة مذكورة في كتب الفقه، ويجب على المسلمين العناية به.
ما يحرم بسبب المصاهرة:
فقد حرم أم الزوجة التي دخلت بها أو عقدت عليها، وكالأم الجدة.
وابنة الزوجة التي من غيرك- وهي الربيبة- بشرط الدخول بأمها، وكذا أولاد أولادها، فإن لم يدخل بها لا يحرم عليها بناتها، وزوجة الابن وابن الابن تحرم على الأب والجد.
ما يحرم بسبب عارض:
الجمع بين الأختين أو بين المرأة وقريباتها، وضابط ذلك كل امرأتين بينهما قرابة لو كانت إحداهما ذكرا لحرم عليه نكاح الأخرى كالمرأة وعمتها وخالتها... إلخ.
إلا ما قد سلف فلا يؤاخذ عليه... وعن ابن عباس أن أهل الجاهلية كانوا يحرمون ما حرم الله إلا نكاح امرأة الأب والجمع بين الأختين. إن الله كان غفورا رحيما.
والله أعلم.
من أحكام الزواج [سورة النساء (٤) :آية ٢٤]
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤)
المفردات:
وَالْمُحْصَناتُ الإحصان في القرآن جاء بأربع معان: الزواج كما في قوله تعالى وَالْمُحْصَناتُ أى: المتزوجات لأنهن دخلن حصن الزواج وحمايته. العفة:
مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ. الحرية: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الإسلام: فَإِذا أُحْصِنَّ أى: أسلمن عند بعض العلماء. ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ المراد بهن: ما سبين في حروب دينية وأزواجهن كفار في دار الحرب. أُجُورَهُنَّ المراد بها هنا: المهور. فَرِيضَةً: مفروضة ومقدرة.
لا جُناحَ: لا إثم ولا حرج.
المعنى:
ذكر الله- سبحانه- في الآية السابقة المحرمات من النساء بسبب النسب أو الرضاع أو المصاهرة أو بسبب عارض كأخت الزوجة وعمتها... إلخ. وفي الآية هنا ذكر أن
المحصنات من النساء بمعنى المتزوجات كذلك يحرمن ما دمن في عصمة رجل... إلا اللاتي سبين في حرب دينية بيننا وبين الكفار، أى: ليست حرب استعمار واستغلال،
فقد روى عن أبى سعيد الخدري أنه قال: «أصبنا سبيا يوم (أوطاس)، ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن، فسألنا النبىّ صلّى الله عليه وسلّم فنزلت الآية فاستحللناهن»
فقد أحل الله للمسلم نكاح المسبية بعد براءة رحمها من زوجها الأول، وشرط الأحناف أنه لا بد من اختلاف الدار بينها وبين زوجها، فلو سبيت هي وزوجها لم تحل لغيره.
ولعل سائلا يقول: الرق وصمة عار فكيف يبيح الإسلام هذه المعاملة؟
نعم هو وصمة عار والإسلام لم يفرضه ولم يحرمه، بل لم ترد آية واحدة في القرآن تبيح الرق، وقد ترك لإمام المسلمين الحرية فيما يراه صالحا وموافقا لمصلحة الدولة من ناحية الأسرى فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [سورة محمد آية ٤]. وفي هذا الحكم خاصة نظر القرآن إلى مصلحة المرأة نفسها، إذ غالبا زوجها قتل في الحرب وفرق بينه وبينها، فلن يعود إليها. فبدل أن تكون جرثومة فساد، أو عالة على المجتمع، ندب لها كافلا أو زوجا يكفيها مئونة العيش ولم يتركها. بل أمره بالعدل معها والرحمة، وحثه على العتق ورغبه فيه، وشرطه في كثير من الكفارات.
وبالجملة فقد حرم الله علينا المحصنات من النساء إلا ما سبيناهن في حروب دينية.
وعلى هذا الأساس فليس هناك رق في العالم يقره الإسلام ويرضاه إلا لضرورة.
كتب الله علينا هذه المحرمات كلها، وأحل لكم ما وراء ذلك المذكور من المحرمات في قوله حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ... إلى هنا، وكذا المطلقة ثلاثا حتى تنكح زوجا غيره، والمشركة حتى تسلم، فعل ذلك لأجل أن تبتغوا النكاح الحلال وتطلبوه بأموالكم متى تدفعونها للزوجة أو ثمنا للأمة بشرط قصد الإحصان والإعفاف. لا بقصد سفح الماء والزنا محصنين أنفسكم وزوجاتكم غير مسافحين ولا زانين.
فالقصد الصحيح الشرعي من الزواج هو الإعفاف، وحفظ الماء، والنسل الطاهر، فيختص كل رجل بأنثى وكل أنثى برجل، وهذا هو معنى الإحصان وعدم سفح الماء، فإن الزاني لا يريد باتصاله بالمرأة إلا سفح الماء فقط استجابة لداعي الطبيعة الحيوانية فيه.
فما استمتعتم به من النساء فآتوهن مهورهن التي اتفقتم عليها وفرضتموها على أنفسكم، فريضة من الله العليم الحكيم.
والمهر ليس في مقابلة المتعة للرجل، وحق الإشراف على البيت والقيامة على المرأة، وإنما هو لتحقيق العدل والمساواة ودليل المحبة والإخلاص، ولذا سماه الله نحلة وعطية، ولا جناح عليكم فيما لو تراضيتم واتفقتم بعد العقد، فزدتم في المهر أو نقصتم فيه أو تنازلت الزوجة عن شيء لمصلحة الحياة الزوجية وعلامة على الإخلاص والتعاون إن الله كان عليما بكل نية وقصد، حكيما في كل قانون يسنه لعباده.
والمهر يجب بالعقد أو الدخول، وفي بعض المذاهب بالخلوة الصحيحة.
متى تنكح الأمة وما جزاؤها على الفاحشة [سورة النساء (٤) :آية ٢٥]
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)
المفردات:
يَسْتَطِعْ الاستطاعة: كون الشيء في طوعك. لا يتعاصى عليك.
طَوْلًا: زيادة وفضلا في المال أو الحال. الْمُحْصَناتِ والمراد هنا: الحرائر.
مُسافِحاتٍ: زانيات. أَخْدانٍ جمع خدن: وهو الصاحب أو الرفيق الذي يزنى سرّا. بِفاحِشَةٍ: بفعلة قبيحة وهي الزنا. الْعَنَتَ أصله: كسر العظم بعد الجبر، ثم استعير لكل مشقة وضرر.
المعنى:
ومن لم يستطع منكم من جهة الطول والقدرة في المال، أو الحال لسبب من الأسباب. أن ينكح الحرائر اللاتي أحصنتهن الحرية، ومنعتهن عن الوقوع في المفاسد خاصة المؤمنات، فلينكح ما ملكته يمينه من المسبيات في الحرب الدينية من فتياتكم، والمؤمنات منهن أفضل، وانظر إلى قوله تعالى: مِنْ فَتَياتِكُمُ بدل إمائكم، للإشارة إلى أنهن أخواتكن فليعاملن معاملة كريمة عزيزة.
ثم رغب القرآن في نكاحهن بقوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فأنتم أيها المؤمنون أولى ببعض فلا ينبغي أن يعد نكاح الإماء عيبا، إذ المهم هو الإيمان والله أعلم به، فرب أمة خير من ألف حرة إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ «١».
فانكحوهن أيها الراغبون بإذن أهلهم، وهم الموالي المالكون، وقيل: من له ولاية عليهن كالأب والجد أو القاضي والموصى. أدوا إليهن مهورهن كاملة بالمعروف شرعا وعادة بلا نقص أو تهاون، حالة كونهن متزوجات منكم، محصنات بكم، لا مسافحات ولا زانيات، بمعنى ادفعوا المهر بقصد الزواج والإحصان لا بقصد الزنا والسفاح، بشرط ألا يكن متخذات أخدان وأصحاب يزنين بهن سرّا.
والفاحشة كانت في الجاهلية على نوعين: سرّا وكان يأنف منها الأشراف، وجهرا وكان يقوم بها الإماء فقط، وينصبون علامة حمراء لهن في الجبل بل كان بعضهم يشترى الإماء لهذا، ولذا نرى الله يقول: وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ «٢» وقيد هنا بقوله: غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ في جانب الإماء لأنهن أقرب إلى الوقوع في الفاحشة من الحرائر، وعند الكلام على الحرائر قال: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ لأن الرجال أكثر منهن انقيادا لدواعى الفاحشة وهم الذين يطلبونها من النساء غالبا.
(١) سورة الحجرات آية ١٣.
(٢) سورة الأنعام آية ١٥١.
فإذا أحصن بالزواج، وقيل: بالإسلام، فإن أتين بفاحشة الزنا، فجزاؤهن خمسون جلدة على النصف من الحرة، وقال العلماء: المتزوجة من الإماء حدّت بالقرآن، والبكر منهن حدت بالسنة. لما
ورد في الصحيحين من أن النبي صلّى الله عليه وسلّم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال: «اجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير» «١».
وإنما كانت الأمة على النصف لأنها ضعيفة المقاومة، والحرة أبعد عن داعية الفاحشة فلذا رحم الله ضعف الأمة!! ذلك أن جواز نكاح الإماء لمن خاف العنت والمشقة في ارتكاب الإثم والفاحشة حيث لم يستطع نكاح الحرة لسبب من الأسباب. وصبركم عن نكاح الإماء خير لكم، وإن رخص الشارع في نكاحهن للضرورة، إذ فيه يعرض الولد للرق، وحق الولي فيها أقوى فلا تخلص للزوج كالحرة فهو يقدر على استخدامها كيفما يريد في سفر أو حضر وعلى بيعها، وهي ممتهنة خرّاجة ولّاجة والله غفور لمن يصبر، ستار على العيوب والذنوب، رحيم بكم حيث رخص لكم في نكاحهن للضرورة.
نكاح المتعة: هو نكاح المرأة إلى أجل معين، وقد أباحه النبي صلّى الله عليه وسلّم أولا ثم حرمه تحريما مؤكدا، وليس في الآية دليل على جوازه خلافا لبعضهم.
تقدير المهر: المهر في الشرع ليس له حد في القلة أو الكثرة إذ
قد ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «التمس ولو خاتما من حديد» «٢»
وفي القرآن: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً «٣» ولكن المغالاة فيه ليست من المصلحة في شيء بل قد تعوق الزوج.
(١) أخرجه البخاري في كتاب البيع باب بيع العبد الزاني رقم ٢١٥٣.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب النكاح باب التزويج على القرآن وبغير صداق ٥١٤٩.
(٣) سورة النساء آية ٢٠.
حكم عامة للأحكام السابقة [سورة النساء (٤) :الآيات ٢٦ الى ٢٨]
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٨)
المفردات:
سُنَنَ: جمع سنة، وهي الطريقة والشريعة. ضَعِيفاً: غير قادر على مخالفة نفسه وهواه.
المعنى:
بعد ما ذكر الله الأحكام السابقة المتعلقة بالبيوت والنكاح- حلاله وحرامه- كأن سائلا سأل: ما هي الحكمة في ذلك؟ وهل الأنبياء والأمم السابقة كانت مكلفة بمثل هذا؟ وهل هذه الأحكام مقصود بها التخفيف علينا أم التشديد؟ فأجاب الله بهذه الآيات مبينا الحكم العالية في آياته وأحكامه وأنه ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ «١»..
يريد الله أن يبين لكم ما هو خفى عنكم، ويرشدكم إلى ما فيه مصلحتكم، ويهديكم إلى مناهج من قبلكم من الأنبياء والصالحين وطرقهم التي سلكوها في دينهم ودنياهم وأن دينهم الذي ارتضاه لهم سابقا لا يبعد عما اختاره لكم.
يريد الله أن يرشدكم إلى طاعات وأعمال إن قمتم بها وأديتموها على وجهها كانت
(١) سورة الحج آية ٧٨.
كفارات لكم ولسيئاتكم، فيتوب عليكم، ويكفر عنكم إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ «١» والله عليهم بكل قصد، حكيم في كل عمل وقانون يسنه لعباده.
والله يريد أن يتوب عليكم بما كلفكم به من الأعمال التي تطهركم وتزكى نفوسكم فيتوب عليكم بعد هذا، ويريد الذين يتبعون الشهوات ويجرون وراءها- فكأنها أمرتهم باتباعها فامتثلوا أمرها- أن تميلوا معهم حيث مالوا ميلا عظيما، فإن مرتكب الإثم يهمه جدا أن يشاركه غيره فيه إرضاء لنفسه واطمئنانا لها.
يريد الله بهذه الأحكام التخفيف عليكم، حيث أحل لكم نكاح الأمة للضرورة، وحرم عليكم نكاح هذه المحرمات السابقة، وخلق الإنسان ضعيفا عن مقاومة الشهوات والوقوف أمام تيارات النساء فإنهن حبائل الشيطان. ولهذا نهانا عن الجلوس مع غير المحارم والحديث معهن لغير ضرورة، ونهى النساء عن كشف عوراتهن وتبرجهن وعن إبداء زينتهن.
أخرج البيهقي عن ابن عباس- رضى الله عنهما- ثماني آيات نزلت في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، وعد هذه الآيات الثلاث (٢٦ و ٢٧ و ٢٨) والرابعة إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ. والخامسة إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ. والسادسة وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
. والسابعة إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ.
والثامنة وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ «٢».
حدود ومعالم [سورة النساء (٤) :الآيات ٢٩ الى ٣٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (٣١) وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٣٢) وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٣٣)
(١) سورة هود آية ١١٤.
(٢) وهي على التوالي الآيات: ٣١، ٤٠، ١١٠، ١١٦، ١٥٢. [..... ]
المفردات:
لا تَأْكُلُوا المراد: لا تأخذوا، وإنما عبر بذلك عن الأخذ لأن الأكل هو المقصود المهم. بِالْباطِلِ الباطل: ما قابل الحق. وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ:
لا يقتل بعضكم بعضا. عُدْواناً العدوان: قصد التعدي على الغير.
وَظُلْماً: هو تجاوز الحق بالفعل. نُصْلِيهِ ناراً: ندخله ونحرقه بالنار.
تَجْتَنِبُوا: تتركوا الشيء جانبا. كَبائِرَ: جمع كبيرة، وهي المعصية التي قرن بها وعيد شديد أو حد في كتاب الله أو سنة رسوله كما في بعض الأقوال.
نُكَفِّرْ: نغفر ونمنح. مُدْخَلًا كَرِيماً: مكانا طيبا وهو الجنة.
وَلا تَتَمَنَّوْا التمني: طلب حصول الأمر المرغوب فيه. فَضْلِهِ: إحسانه
ونعمه الكثيرة. مَوالِيَ: جمع مولى، والظاهر أن المراد به من يحق له الاستيلاء على التركة، وقيل غير ذلك. وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ قيل: إن المراد بهم الأحلاف، فقد كان من عادة العرب أن يتحالف الرجل مع رجل آخر على تبادل النجدة والمعونة، وكان الحليف يرث السدس. وقيل وهو الظاهر: إن المراد بهم الأزواج.
ونحن في بيوتنا وأسرنا ومجتمعنا الصغير والكبير أحوج ما نكون إلى معرفة حكم الله في الاعتداء على المال أو النفس، ولذا وضعت هذه الآية هنا.
المعنى:
المال شقيق الروح، والاعتداء عليه يورث العداوة بل قد يجر إلى الجرائم والاعتداء على النفس أقسى اعتداء وأشده، قد تنجم عنه حروب وثارات، واجتناب الكبائر وإعطاء الحقوق لأربابها من دعائم المجتمع السليم لذا عالج القرآن هذا بأحسن علاج.
يا أيها المؤمنون: لا تكونوا من ذوى الأطماع في حقوق الغير، الذين يأكلون أموال الناس بغير حق، فلا يأكل بعضكم مال أخيه الذي بينه وبينه ويتخاصم لأجله بالباطل، ولكن كلوه عن طريق التجارة ما دامت عن تراض منكم ليس فيها كذب ولا خداع ولا غش ولا تدليس.
والتجارة مشروعة، ومتى كانت بالتراضي مع الذكاء وحسن العرض وجذب قلوب الناس بحسن الكلام والوسائل المغرية غالبا يأتى معها الربح الكثير، وإنما أضاف الأموال إلى الجميع (أموالكم) للإشارة إلى أن مال الفرد مال الأمة، والاعتداء على مال الفرد اعتداء على مال الأمة جمعاء، فنحن خلفاء الله في هذا المال. والمال للكل، فالفقير والمحتاج له منه نصيب فلا تمنعوه... وهذه هي الاشتراكية الإسلامية، احترام الملكية وإيجاد حق معلوم للسائل والمحروم بالزكاة المقيدة والمطلقة، وحث على العمل ومنع الاعتداء على حق الغير إلا بحق الإسلام.
واستثناء التجارة من الأكل بالباطل فيه إشارة إلى أن معظم أنواع التجارة يدخل فيها أكل مال الغير، وإنما أبيحت للترغيب فيها «تسعة أعشار الرزق في التجارة» فهي عماد الحياة ودعامة العمران. متى خلت من الغش والكذب.
ولا يقتل بعضكم بعضا، وفي تعبير القرآن وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إشارة إلى أن من قتل غيره فكأنما قتل نفسه (بالقصاص) بل من قتل غيره فقد اعتدى على الأمة كلها وهو فرد منها مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً «١» فدم المسلم على المسلم حرام إلا من ارتد أو زنى وهو محصن أو قتل عمدا.
وإذا كان قتل الغير على هذا الوضع. كان قتل النفس (الانتحار) أشد جرما وأفظع ذنبا لا يصح أن يصدر من مؤمن، ولذا لم ينهنا عنه القرآن صراحة.
إن الله كان بكم رحيما، حيث حرم الاعتداء على الغير في المال والنفس إلا بحق الإسلام، من يفعل ذلك الاعتداء بقصد الجور والظلم فقد استحق من الله عقوبة صارمة وهي إصلاؤه النار وإدخاله فيها وبئس المصير وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً [النساء ٩٣] وكان ذلك على الله يسيرا وسهلا تحقيقه فهو القادر على كل شيء، مالك الملك والملكوت فلا يغرنك حال الكافرين والعصاة فالله يمهل ولا يهمل، سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا.
نهى الله عن أكل أموال الناس بالباطل، وعن القتل بغير حق، وتوعد من ارتكب ذلك بأقسى العقوبة، ثم ذكر في هذه الآية نهيا عامّا لكل كبيرة ووعد من يمتثل بمحو السيئة ودخول الجنة.
اختلف العلماء في المعصية وتحديدها وهل فيها كبيرة وصغيرة؟ أم كلها كبائر؟
وأحسن الآراء أن لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار، فالمعصية إن صاحبها استخفاف بالدين، واستهانة به مع الإصرار فهي كبيرة من الكبائر.
وإذا نظرت إلى الزنى وقبلة المرأة أو النظر إليها رأيت أن الزنى كبيرة بلا شك بالنسبة إلى النظر أو القبلة. وعلى هذا الأساس جاء حد الكبائر في الأحاديث الشريفة،
فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبى هريرة: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اجتنبوا السبع الموبقات: - أى: المهلكات- قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي
(١) سورة المائدة آية ٣٢.
يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات»
وقد رويت عدة روايات ثابتة، فيها غير هذه الكبائر كشهادة الزور مثلا... إلخ.
وخرج علماء الحديث ذلك على أن الرسول كان يذكر في كل مقام ما يناسبه، فلم يكن ذلك على سبيل الحصر، على أن الشارع نظر إلى عدم تحديد الكبيرة والصغيرة رجاء أن تجتنب المعاصي كلها، كما أخفى الصلاة الوسطى، وليلة القدر، وساعة الإجابة لنحافظ على الكل.
واجتناب الكبيرة إنما يكفر الصغيرة إذا اجتنبها مع القدرة والإرادة كمن تدعوه امرأة ذات حسن وجمال إلى نفسها، فيأبى ذلك خوفا من الله لا لشيء آخر، فهؤلاء الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم البسيط من السيئات، والمعاصي التي تحصل لظرف طارئ كثورة أو غضب ثم يعقبها تأنيب وندم، هؤلاء يكفر الله عنهم سيئاتهم ويدخلهم جنات النعيم، نزلا من عند الله مباركا طيبا إنه واسع المغفرة.
بعد أن نهى الله- سبحانه وتعالى- عن أكل أموال الناس بالباطل وقتل النفس بغير حق، نهى عن كل الكبائر، توعد على ذلك وأوعد، نهى في الآية عن سبب كل هذا وهو تمنى ما عند الغير، وحثنا على العمل والكسب حتى لا نطمع فيما في أيدى الناس.
وقد ذكروا في أسباب نزول الآية عدة روايات، كلها تدور حول تمنى الرجال.
مضاعفة الثواب كما ضوعف حظهم في الميراث، وتمنى النساء الجهاد مثل الرجال وغير ذلك.
ينهانا الله- سبحانه وتعالى- عن أن يتمنى كل مكلف منا- ذكرا كان أو أنثى- ما فضل الله به غيره، بل الواجب على كل منا أن يعمل ويكتسب ويجد ويجتهد، فله في كل عمل أتقنه وأخلص فيه نصيبه من الحسنات، وعلينا أن نوجه أفكارنا إلى الخير وإلى ما يغذى العقل ويزكى النفس، واسألوا الله أن يهبكم من فضله ويمن عليكم من نعمه، فهو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ «١» ولذا ختم الله الآية بقوله إن الله كان بكل شيء عليما.
والله- سبحانه وتعالى- خص كلا من الرجال والنساء بأعمال تتفق وطبيعة كل،
(١) سورة الشورى آية ٢٧
وحثهم جميعا على العمل بالإشارة في قوله اكْتَسَبُوا الذي يفيد المبالغة والتكلف في العمل والكسب.
وانظر إلى قوله تعالى: بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ إذ فيه إيجاز بديع، فالآية تشمل كل تفضيل واقع بين الرجال والنساء وبين النساء والرجال، أفرادا وجماعات.
وهذا التفضيل يشمل الخلقي، ويشمل التفاضل فيما يدخل فيه العمل والاجتهاد كالعلم وتحصيل المال أو الجاه مثلا، وهذا هو المقصود بالنهى في الآية. ومن السخف أن يتمنى الإنسان أن يكون قوى البنية أو صحيح الجسم أو ذكرا أو أنثى.
والخلاصة: إننا نهينا عن التمني مع الكسل والخمول ولا يتمنى هذا إلا ضعيف الهمة وضعيف الإيمان، ولا شك أن هذا يجر إلى التعدي على الغير والحسد والحقد... إلخ. وينبهنا الله بقوله: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا إلى الكسب والعمل. وفقنا الله إلى ما فيه الخير والسداد.
بعد أن نهى الله- سبحانه وتعالى- عن أكل أموال الناس بالباطل وعن تمنى ما للغير من مال أو جاه، والمال هو المقصود ويأتى عن طريق الكسب وعن الإرث، قال الله- تعالى- قطعا للأطماع ووضعا للأمور في نصابها: (ولكل) من الرجال والنساء (جعلنا موالي مما ترك) يحق لهم الاستيلاء على التركة وأخذها.
والمولى: هم (الوالدان والأقربون) والأزواج، فآتوهم نصيبهم كاملا من غير نقصان، واعلموا أن الله كان ولا يزال على كل شيء تفعلونه شهيدا فيجازيكم عليه يوم القيامة، فلا يحملنكم الطمع وحسد بعضكم لبعض من جراء زيادة نصيبه في الميراث على أن يأكل من حق غيره سواء كان ذكرا أو أنثى صغيرا أو كبيرا.
تنظيم الحياة الزوجية [سورة النساء (٤) :الآيات ٣٤ الى ٣٥]
الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥)
المفردات:
قَوَّامُونَ: يقومون بأمرهن ويحافظون عليهن بعناية ورعاية تامة. قانِتاتٌ القنوت: السكون والطاعة. لِلْغَيْبِ: ما غاب واستتر من أمور الزوجية. نُشُوزَهُنَّ النشوز: ارتفاع الأرض عما حولها، والمراد: عصيان المرأة وترفعها على زوجها. شِقاقَ: نزاع وخصام، كأن كلا منهما في شق وجانب.
حَكَماً الحكم: من له حق الفصل بين الخصمين.
المناسبة:
لما نهى الله- سبحانه وتعالى- عن تمنى الرجال والنساء ما فضل الله به بعضهم على بعض، وأمرهم بالعمل والجد، وإعطاء كل وارث نصيبه في الميراث وفيه تفضيل الرجال على النساء. ذكر هنا معالم لتدعيم الرابطة الأسرية.
المعنى:
من حكم الله العالية أن جعل الرجال من شأنهم وطبيعتهم أن يقوموا بأمر النساء والإرعاء عليهن خير قيام، وتبع ذلك فرض الجهاد، وحماية الذمار، والإنفاق على النساء من أموالهم، ولذا جعل الله حظهم في الميراث ضعف النساء.
وذلك بما فضل الله به بعض الرجال على بعض النساء، فالرجل كامل الخلقة قوى الإدراك، معتدل العاطفة، سليم البنية، كما فضلهم بوجوب الإنفاق على الزوجة والقريبة ووجوب المهر على أنه تعويض أدبى للمرأة ومكافأة على الدخول في حماية الرجل وحصن الزوجية، وفيما عدا ذلك فالرجل والمرأة متساويان في كل الحقوق والواجبات، ذلك من مفاخر الدين الإسلامى وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وهي رئاسة البيت والقيام عليه، ومعناها تصرف المرأة بكامل حريتها في حدود الشرع وحدود ما يرضاه الزوج ويحبه، فتحفظ منزله وتدبره بالحكمة وترعى أولاده. وتحفظ نفسها وعرضها، وتنفق على حسب طاقة الزوج، وفي ظل كفالة الرجل وحمايته يمكنها أن تقوم بوظائفها الطبيعية كالحمل والولادة والإرضاع... إلخ، وليست القوامة على النساء سلطة وتحكما، ولكنها إرعاء وتفهم.
هؤلاء النساء لهن في الحياة المنزلية حالتان:
فالصالحات منهن قانتات مطيعات لأزواجهن، حافظات لما غاب واستتر من أمور الزوجية التي لا يصح أن يطلع عليها أحد مهما كان، كالأعراض وما يحصل في الخلوات، وذلك بما وعدهن الله من الثواب العظيم على حفظ الغيب، وبما أوعدهن من العقاب الشديد على إفشائه،
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «خير النساء: التي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها»
وهؤلاء ليس لكم عليهن إلا المعاشرة بالمعروف، والمخالطة بالحسنى والآداب الإسلامية.
الحالة الثانية تظهر في هذا الصنف:
واللاتي تخافون أن يرتفعن عن حدود الزوجية وواجباتها فعلى الزوج أن يتبع التعليمات الآتية:
(أ) أن يعظها بما يناسبها من تخويف بالله، وأن هذه معصية ستعاقبين عليها يوم القيامة وأن يهددها ويحذرها سواء العاقبة، وأنه سيحرمها بعض الهدايا والتحف، واللبيب أدرى بحالة امرأته.
(ب) الهجر والإعراض عنها فلا يضاجعها حتى تتبصر في أمرها وتفكر في فعلها فربما رجعت عن نشوزها.
(ج) الضرب غير المبرح، أى: المؤذى إيذاء شديدا.
وليس معنى هذا أن الضرب دواء يعطى لكل امرأة، لا: بل قد تكون هناك نساء شواذ لا يصلح لهن إلا الضرب ومع هذا فديننا يأمرنا بالإحسان في المعاملة فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ «١»
وعن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أيضرب أحدكم امرأته كما يضرب العبد ثم يضاجعها في آخر اليوم» ؟؟ «٢»
فالضرب علاج مرّ قد يستغنى عنه الكريم الحر.
فإن أطعنكم وعولج حالهن بواحد من هذا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ «٣» ولا تبغوا في الاعتداء عليهن سبيلا، إن الله كان عليّا كبيرا، ومع هذا فهو يقبل التوبة ويعفوا عن السيئة، ولله المثل الأعلى، فعاملوا من هو أضعف منكم بالحسنى والمغفرة.
قد لا ينتهى الحال عند هذا وقد تكون المرأة مظلومة فيتسع النزاع.
والعلاج أن يبعث الأهل أو الجيران وكل من يهمهم الأمر رجلا حكما من جانب الزوج وحكما من جانب الزوجة بشرط العدالة فيهما والقرابة والخبرة في شئون العائلات ونظام البيوت مع توفر حسن النية، وهما إن يريدا إصلاحا وتوفيقا بين الزوجين قاصدين وجه الله فالله سيوفق ويهدى إلى الخير، وإلا فقد يكون من الخير لهما الطلاق.
إن الله كان عليما بنا وبأحوالنا، خبيرا بأمورنا، وأفضل علاج يرتضيه هو العلاج الحاسم والدواء الناجع وليس علينا إلا اتباعه، والله الموفق.
(١) سورة البقرة آية ٢٢٨.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب النكاح باب ما يكره من ضرب النساء ٥٢٠٤.
(٣) سورة الأحزاب آية ٢٥.
وعظ وإرشاد [سورة النساء (٤) :الآيات ٣٦ الى ٣٩]
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (٣٨) وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (٣٩)
المفردات:
وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى: صاحب القرابة، أى القريب. وَالْجارِ الْجُنُبِ:
البعيد منك. وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ قيل: المراد به الرفيق في السفر، أو من صاحبته وعرفته ولو وقتا قصيرا. وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ: تقدم تفسيرها في آية «ليس البر» ج ٢. مُخْتالًا: ذا الخيلاء والكبر الذي يظهر تكبره في أفعاله
وأعماله. فَخُوراً: هو المتكبر الذي يعدد محاسنه وأعماله تعاظما وتعاليا.
وَأَعْتَدْنا: هيأنا وأعددنا. مُهِيناً ذا إهانة وذلة. رِئاءَ النَّاسِ: للرياء والسمعة. قَرِيناً: صاحبا وخليلا.
المناسبة:
الكلام من أول السورة إلى هنا في ربط أواصر الصلات وتنظيم حال البيوت والأسر مع العناية بالقرابة والمصاهرة، ثم ناسب هنا ذكر بعض الحقائق التي تنظم المجتمع، وتبنى الأسرة على أساس من التعاون وحسن المعاملة، وقد صدّر هذا الإرشاد بالأمر بعبادة الله تعالى لأنها الأساس الأول ومصدر الخير والهداية.
المعنى:
عبادة الله- سبحانه وتعالى- هي الخضوع له غاية الخضوع، مع إشعار القلب بتعظيم الله وإجلاله، في السر والعلن، والخشية منه وحده، واعبدوا الله وحده مخلصين له الدين، ولا تشركوا به شيئا من الإشراك حتى يكون العمل لله وحده.
وأحسنوا بالوالدين إحسانا، فلا تقصروا في حقوقهما، وقوموا بخدمتهما كما يجب من غير تأفف أو تألم فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً. وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً [الإسراء ٢٣- ٢٤].
ولأن حب الوالد لولده غريزة وطبيعة لم يأمرنا الله العطف على الأولاد.
وأحسنوا لذوي القربى كالأخ والأخت والعم والخال وأبنائهما، فإن الإنسان إذا أحسن للوالدين والأقارب تكونت أسرة قوية متعاونة متساندة. وهي نواة المجتمع ومنها تتكون الدولة، لا سيما إذا كان هذا العمل بعد الإيمان بالله والإخلاص له.
وأحسنوا لليتامى فقد فقدوا آباءهم ولا عائل لهم، والمساكين فقد فقدوا أموالهم لضعف أو عجز أو آفة لا لكسل أو خمول أو إسراف في الشر، وأحسنوا للجار القريب إذ له عليكم حق الجوار، وحق القرابة، وحق الإسلام، والجار البعيد عنكم في النسب
أو الدار، وقيل: المراد به الجار ولو كان كافرا،
فقد روى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يعطف على جار له يهودي ويزور ابنه
وقد قال الرسول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره».
والصاحب بالجنب كالرفيق في السفر، ومن عرفته ولو مدة قصيرة، وابن السبيل:
المنقطع في سفره عن أهله وماله واللقيط من باب أولى. كل هؤلاء الإحسان إليهم من إرشادات الدين ودعائمه، وأما عبيدكم وإماؤكم فأحسنوا إليهم بالعتق أو بالمساعدة عليه بالمال، وإذا كلفتموهم فأعينوهم على أعمالهم، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون، وليأكلوا مما تأكلون وليشربوا مما تشربون فهم إخوانكم، وهكذا تكون الاشتراكية الحقيقية للعمال، وهكذا الدين الإسلامى يعامل الأرقاء بهذا فما بال الأحرار! ثم بعد هذا كله ذكر القرآن العلة في الامتثال وأن من يخالف هذه الوصايا ينطبق عليه الوصف الآتي المفهوم من قوله إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ «١».
المختال: من تمكنت من نفسه صفة الكبر حتى ظهرت على حركاته وأعماله، والفخور: المعتد بنفسه المتحدث بعمله كبرا وانتقاصا لحقوق الغير، والمختال الفخور مبغوض من عند الله والناس أجمعين، إذ لا يعقل أنهما يمتثلان أمر الله في الوصايا، إذ العبادة خضوع وخشوع وقلبهما بعيد عن هذا، وهما لا يقومان بحق الغير لأنهما لا يشعران بحق للغير عليهما كبرا وبطرا،
ولقد صدق رسول الله حيث قال ما معناه:
«الكبر بطر الحق وغمط الناس»
وبطر الحق: رده استخفافا وترفعا، وغمط الناس:
استحقارهم والازدراء بهم، وقد فسر القرآن الكريم المختالين الفخورين بأنهم الذين يبخلون فلا يعطون، ويأمرون غيرهم بالبخل، ويكتمون ما آتاهم الله من فضله كالعلم والمال.
وقد روى عن ابن عباس: كان جماعة من اليهود يأتون رجالا من الأنصار ينصحون لهم فيقولون: لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر، ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون، ويشمل البخل في الآية البخل بالمال وبالإحسان في الكلام وبالنصيحة.
هؤلاء هيأ الله لهم وأعد لهم بسبب كبرهم وبخلهم، وكتمانهم الحق، وعدم شكرهم
(١) سورة لقمان آية ١٨.
عذابا يهينهم ويذلهم، وقد سماهم الله كفارا للإشارة إلى أن من هذا شأنه فهو كافر بنعمة الله، ومن كان كافرا بنعمة الله فله عذاب يهينه كما أهان النعمة بالبخل والإخفاء.
والذين ينفقون أموالهم للرياء والسمعة، لا شكرا لله على النعمة، ولا اعترافا لعباده بحق والمرائى أقل خطرا من البخيل ولذا أخر في الذكر. وهم لا يؤمنون بالله حقا- لأن المؤمن الكامل لا ينفق رياء بل لله- ولا يؤمنون باليوم الآخر. إذ هم لو كانوا كذلك ما راءوا أحدا بل يعملون لهذا اليوم وهؤلاء هم قرناء الشيطان يوحى إليهم ويعدهم بالفقر لو أنفقوا، ويأمرهم بالفحشاء والمنكر، ومن يكن الشيطان له قرينا فبئس هذا القرين.
أى ضرر كان يلحقهم لو آمنوا حقيقة بالله وعملوا لليوم الآخر الذي فيه الجزاء وآمنوا به، وأنفقوا مما رزقهم الله ابتغاء رضوانه وامتثالا لأمره؟ وهذا الأسلوب للتعجب من حالهم إذ هم لو أخلصوا العمل لما فاتهم ما يطلبون من منافع الدنيا والآخرة، فحالهم حقيقة جدير بالعجاب.
وكان الله بهم عليما وخبيرا وسيجازيهم على أعمالهم، فعلى المؤمن أن يعتقد أن الله يراه ويحاسبه على عمله فإنه إن لم يكن يرى الله فالله يراه.
ترغيب وتحذير [سورة النساء (٤) :الآيات ٤٠ الى ٤٢]
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (٤٠) فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (٤٢)
المفردات:
لا يَظْلِمُ الظلم: النقص وتجاوز الحد. مِثْقالَ أصله: المقدار الذي له ثقل، ثم أطلق على المعيار المخصوص للذهب. ذَرَّةٍ: أصغر ما يدرك من الأجسام، وقيل: الجزء الذي لا يتجزأ، وقيل: هي ما يرى في نور الشمس إذا دخلت من نافذة، والذرة الآن لها اصطلاح علمي آخر.
المناسبة:
بعد الإرشادات السابقة من الأوامر والنواهي، رغب- سبحانه- في الامتثال وحذر من المخالفة والعصيان بهذه الآيات.
المعنى:
الله- سبحانه وتعالى- متصف بكل كمال، ومنزه عن كل نقص، ومن النقص الظلم، ومن الظلم أن ينقص أحدا من أجر عمله شيئا ولو بسيطا جدّا أو يعاقب أحدا مهما كان بغير ما يستحق وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً «١». فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ «٢».
والله خلق الخلق ولهم عقول ومشاعر تدرك بعض الخير والشر، وأرسل لهم رسلا وأنزل معهم كتبا لتمام هدايتهم مع المبالغة في التحذير والإنذار، فمن اجترح سيئة بعد ذلك، ووقع فيما يضره ويؤذيه كان هو الظالم لنفسه وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ «٣».
ومن فضله وإحسانه أنه يضاعف الحسنة إلى عشرة، ويجزى السيئة بمثلها فقط مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها «٤» والله يضاعف بعد هذا لمن يشاء، ويؤتى من لدنه أجرا عظيما فهو واسع الفضل كثير الخير.
وإذا كان هذا هو النظام العام في الثواب والعقاب، فكيف حال هؤلاء الكفرة؟ إذا جاء يوم القيامة وشهد عليهم أنبياؤهم وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ «٥» وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا «٦».
(١) سورة الأنبياء آية ٤٧.
(٢) سورة الزلزلة الآيتان ٧ و ٨.
(٣) سورة فصلت آية ٤٦.
(٤) سورة الأنعام آية ١٦٠.
(٥) سورة فاطر آية ٢٤.
(٦) سورة الإسراء آية ٦٥.
وقيل: معنى الشهادة أن أعمالهم تقاس بأعمال أنبيائهم، وتعرض عليهم يوم القيامة. وأما الرسول الأعظم خاتم الأنبياء والمرسلين فهو شهيد على الأنبياء جميعا صلّى الله عليه وسلّم
روى البخاري والنسائي من حديث ابن مسعود أنه قال: قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: اقرأ علىّ، قلت: يا رسول الله: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: نعم أحب أن أسمعه من غيرى، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية فَكَيْفَ إِذا جِئْنا فقال صلّى الله عليه وسلّم: حسبك الآن. فإذا عيناه تذرفان.
فانظر كيف بكى النبي صلّى الله عليه وسلّم لهذا اليوم؟! يومئذ يلاقون ما يلاقون، يومئذ يود الذين كفروا بالله وعصوا رسول الله أن يدفنوا في الأرض كالبهائم ويسوى بهم فيكونون سواءا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
«١» وأنهم يودون لو يكونون ترابا فتسوى بهم الأرض، والحال أنهم لا يكتمون الله حديثا ولا يكذبون في قولهم وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ «٢» لأنهم حينما يقولون ذلك تنطق عليهم أيديهم وأرجلهم بأعمالهم والشهادة عليهم بالشرك، فلشدة الأمر عليهم يتمنون لو تسوى بهم الأرض.
بعض شروط الصلاة مع بيان رخصة التيمم [سورة النساء (٤) :آية ٤٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣)
(١) سورة النبأ آية ٤٠.
(٢) سورة الأنعام آية ٢٣. [..... ]
المفردات:
سُكارى: جمع سكران وهو من الخمر. جُنُباً: من أصابته الجنابة كإنزال المنى أو الجماع. الْغائِطِ: المكان المطمئن من الأرض كان بقصد قديما لقضاء الحاجة فجعل كناية عنها أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ: كناية عن الجماع، وحقيقته: اللمس المشترك من الجانبين، فَتَيَمَّمُوا أى: اقصدوا. صَعِيداً:
وجها طاهرا للأرض عَفُوًّا: ذو العفو، وهو محو السيئة من أساسها.
غَفُوراً: ذا المغفرة، وهي ستر الذنب وقد يبقى أثره.
سبب النزول:
روى أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما وشرابا ودعا نفرا من الصحابة حين كانت الخمر مباحة فأكلوا وشربوا، فلما ثملوا وجاء وقت صلاة المغرب قدموا أحدهم للصلاة فقرأ: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون، فنزلت الآية
فحرموا الخمر وقت الصلاة، وكانوا يشربونها ليلا حتى نزلت آية التحريم الكبرى.
وروى أن السيدة عائشة كانت في سفر ففقدت عقدها فنزل النبي صلّى الله عليه وسلّم يلتمسه والناس حوله وليسوا على ماء. فنزلت الآية وصلوا بالتيمم
. وقد جاء أسيد بن الحضير إلى مضرب عائشة وجعل يقول: ما أكثر بركتكم يا آل أبى بكر. ما نزل بك يا عائشة أمر تكرهينه إلا جعل الله تعالى فيه للمسلمين فرجا، والظاهر أن صدر الآية نزل لحادثة الخمر وعجزها في حادثة السفر.
المعنى:
لما نهى الله- سبحانه- فيما مضى عن الشرك وارتكاب الكبائر نهى هنا عما يؤدى إليه وهو السكر. يا أيها الذين آمنوا: احذروا أن يكون السكر وصفا لكم عند حضور الصلاة والقيام لها، فتصلوا وأنتم سكارى، وامتثال النهى يكون بترك السكر وقت الصلاة وفيما يقرب منها، والخطاب في الآية موجه للمؤمنين قبل السكر ليجتنبوه.
حتى تعلموا ما تقولون وتدعون به ربكم: إذ السكر يتنافى مع الصلاة التي تحتاج إلى خشوع وخضوع واتجاه لله بالقلب ودعائه باللسان.
ولا تقربوا الصلاة حالة كونكم جنبا إلا في حالة عبور السبيل واجتياز الطريق، وهل المراد بالصلاة حقيقتها؟ أو مكانها؟ الأصح أن يراد بها هذا وذاك، لا تقربوها مع الجنابة أصلا حتى تغتسلوا، والغسل: أن يعم الماء جميع الجسد إذ عند الجنابة توجد حالة عصبية عامة في الجسد يتبعها انحلال عام فيه، وهذا الانحلال يذهب بالغسل.
الصلاة هي الركن الأول العملي في الدين، وهي الصلة بين العبد والرب تتكرر خمس مرات في اليوم، وهي مطلوبة طلبا لا هوادة فيه، إلا أن الطهارة لها قد تتعذر على المسلم لمرض أو عذر، فرخص الشارع الرحيم في التيمم لها حتى لا يعذر في تركها إنسان.
وكان التيمم بالتراب إذ لا يعقل أن يفقده الإنسان بحال من الأحوال بخلاف الماء، على أنا خلقنا من التراب وكانت صورته كما ستعرف لإشعار الشخص بإجراء عملية تشبه الوضوء في أهم أركانه.
وإن كنتم مرضى مرضا يتعذر معه الوضوء أو الغسل، أو في سفر من الأسفار وتعذر استعمال الماء لفقده أو لمشقة السفر، أو أحدثتم حدثا أصغر يوجب الوضوء كخروج شيء من أحد السبيلين... إلخ، ما هو معروف في كتب الفقه الإسلامى. أو أحدثتم حدثا أكبر يوجب الغسل- كالجماع مثلا ولم تجدوا الماء لتعذر وجوده واستعماله لسبب من الأسباب.
فاقصدوا وجها للأرض طاهرا لا نجاسة فيه، له غبار عند بعض العلماء والبعض لا يشترط فيكفى حجر صلب... وتيمموا.
والخلاصة: أن التيمم رخصة تغنى عن الوضوء والغسل عند تعذر استعمال الماء لسبب من الأسباب التي ذكرت بالتفصيل في كتب الفقه.
وكيفية التيمم: نية وضربتان على تراب ولو كان غبارا من حشية (مرتبة) الأولى للوجه، والثانية لليدين، ثم لك بعد هذا أن تصلى وتقرأ القرآن... إلخ، كأنك متوضئ أو مغتسل، وللتيمم أحكام كثيرة في كتب الفقه.
إن الله كان غفورا حيث سهل الصلاة للمعذور بدون وضوء وغسل، ونحن يا أمة النيل لكثرة نعم الله علينا ولجريان النيل تحت أقدامنا، قد لا نشعر بفقد الماء وبالحاجة للتيمم، ولكن الدين الإسلامى دين عالمي للصحراء وللوديان، وقد عفا عمن صلى في حالة السكر قبل هذا، والله عفو عن الذنب، ومن كان عفوّا غفورا آثر التسهيل ولم يشدد علينا. سبحانه من رءوف رحيم ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج ٧٨].
اليهود وأعمالهم [سورة النساء (٤) :الآيات ٤٤ الى ٤٦]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (٤٦)
المفردات:
نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ أى: جزءا من التوراة. يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ: يميلونه ويزيلونه عن مواضعه. غَيْرَ مُسْمَعٍ: يحتمل غير سامع مكروها، أو غير مقبول منك ولا مسموع دعاؤك. وَراعِنا يحتمل انظرنا وأمهلنا، أو بمعنى الرعونة والطيش، أو هي كلمة عبرية كانوا يتسابون بها وهي راعينا. لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ: فتلا بها وتحريفا. طَعْناً فِي الدِّينِ قدحا فيه وذمّا.
المناسبة:
بعد ذكر هذه الأحكام العامة المتعلقة بالفرد والجماعة، أراد القرآن الكريم أن يرشدنا إلى خطر تركها أو العمل ببعضها، بالكلام على الأمم السابقة الذين أوتوا الكتاب فنسوا حظا منه وعملوا ببعض ما فيه فكان الخطر عليهم إذ الله بهم وبنا محيط.
المعنى:
ألم ينته علمك أيها المخاطب إلى الذين أوتوا جزءا من التوراة، وأما بقية الكتاب فلإهمالهم أمر التدوين والحفظ ضاع شيء منه. وبتلبيس رجال الدين وإنقاصهم منه تبعا لأهوائهم وتحريفهم ضاع جزء آخر، ولذا وصفهم القرآن بأنهم أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ وبقوله: فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وأما قوله في موضع آخر:
أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ فلتسجيل تقصيرهم، وقيل: المراد جنس الكتاب.
ألم تر إلى الذين أوتوا جزءا من الكتاب، يستبدلون الضلالة بالهدى ويأخذون الكفر بدل الإيمان، ويريدون منكم أن تضلوا معهم الطريق المستقيم، والله أعلم بأعدائكم أيها المؤمنون، فامتثلوا أمره، واحذروا أعداءكم من أهل الكتاب وكفى بالله وليّا يتولى أمركم، وكفى به نصيرا ينصركم إن نصرتموه كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ.
ثم بين الله الذين أوتوا نصيبا من الكتاب وهم أعداؤنا فقال: من الذين هادوا نعم منهم قوم يحرفون الكلم الذي أنزله الله عليهم في التوراة عن مواضعه الأصلية بأن يزيلوه عن مواضعه أصلا أو يضعوه في غير مكانه، وقيل: المراد يحرفونه عن معناه، فيفسرونه بغير المراد تضليلا للناس وتلبيسا عليهم، وقد فعل اليهود كل ذلك، فغيروا وصف النبي صلّى الله عليه وسلّم والبشارة به وفسروا الكلام بغير معناه كما في آية الرجم.
وهم يقولون للنبي صلّى الله عليه وسلّم: سمعنا وعصينا، بدل قولهم: سمعنا وأطعنا.
وكانوا يقولون حسدا وحقدا على النبي صلّى الله عليه وسلّم واسمع غير مسموع لك دعاؤك أو غير مقبول منك، ويحتمل واسمع غير سامع مكروها كما يقال: واسمع لا سمعت مكروها، كانوا يخاطبون به النبي صلّى الله عليه وسلّم استهزاء مظهرين إرادة المعنى الأخير وهم مضمرون في أنفسهم المعنى الأول.
وكانوا يقولون: راعنا، وهو كلام أيضا كالذي قبله يحتمل: انظرنا وتمهل علينا، ويحتمل أنه من الرعونة والحمق، أو هي كالكلمة العبرانية (راعنا) وهي كلمة سب عندهم.
فهذه جرائم ثلاث كانوا يقولونها للنبي صلّى الله عليه وسلّم تارة في مجلسه وتارة بعيدا عنه يفعلون هذا ليّا بألسنتهم وفتلا بها وصرفا للكلام عن إرادة الخير إلى إرادة الشر والسب وطعنا في الدين وقدحا فيه بالاستهزاء والسخرية.
وهذا منتهى الجرأة في الباطل والعدوان على الحق، ولو أنهم قالوا عند ما سمعوا أمرا أو نهيا: سمعنا وأطعنا، بدل: سمعنا وعصينا، ولو أنهم قالوا: اسمع وانظرنا عند خطاب النبي صلّى الله عليه وسلّم بدل: اسمع غير مسمع، وراعنا لو ثبت هذا لكان خيرا لهم، وأهدى سبيلا، ولكن لم يقولوا ذلك فخذلهم الله ولعنهم وطردهم من رحمته فهم لا يوفقون أبدا لخير، ولذا فإنهم لا يؤمنون أبدا إلا إيمانا قليلا لا إخلاص فيه أو إلا قليلا منهم كعبد الله ابن سلام وأضرابه.
تهديد ووعيد لأهل الكتاب [سورة النساء (٤) :الآيات ٤٧ الى ٤٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (٤٨)
المفردات:
الطمس: الإزالة، ومنه طمس الدار، أزال معالمها. وُجُوهاً الوجه:
تارة يراد به الوجه المعروف، وتارة يراد به وجه النفس، وهو ما تتوجه إليه من
المقاصد، قال تعالى: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ. أَدْبارِها: جمع دبر وهو الخلف والقفا. والارتداد: الرجوع إلى الوراء في المحسوسات وفي المعاني. قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ. أَوْ نَلْعَنَهُمْ أو نهلكهم، وقيل: نمسخهم. افْتَرى:
اختلق.
المعنى:
يا أيها الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى: آمنوا بالقرآن المنزل على محمد صلّى الله عليه وسلّم المصدق لما معكم من التوراة والإنجيل، وقد وصفهم القرآن بأنهم أوتوا الكتاب مع أنهم ضيعوا جزءا منه وحرفوا جزءا آخر تسجيلا عليهم بالتقصير واستحقاق العقاب.
والأديان السماوية متفقة في الأصول العامة كالتوحيد ونفى الشرك وإثبات البعث والدعوة إلى كريم الأخلاق والقرآن الكريم مصدق لموسى وعيسى بهذا المعنى، ومعترف بهما وبغيرهما من الأنبياء والرسل، فكيف لا يؤمن أهل الكتاب بالقرآن وبمحمد؟ مع أنه جاء مصدقا لما معهم وموافقا لملة إبراهيم- عليه السلام- بل تراهم غيروا وصفه صلّى الله عليه وسلّم وبدلوا وأنكروا فقيل لهم: يا أهل الكتاب آمنوا بما أنزلنا من قبل أن نطمس وجوه مقاصدكم التي توجهتم إليها، في كيدكم للإسلام وأهله، ونردها خاسئة خاسرة إلى الوراء، وذلك بإظهار الإسلام وإعلاء كلمته وافتضاح أمركم وكشف ستركم، فالطمس والوجه والرد على الأدبار كلها أمور معنوية وقد تحققت، أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت، وقد ورد أن الله أهلكهم، وقد تم ذلك وتحقق الوعيد في كل المعاصرين بإذلال بنى النضير وإجلائهم، وإهلاك بنى قريظة، وبعضهم فسر الطمس والوجه والارتداد على الأدبار على أنها أمور حسية، وتأول في تحقيق ذلك والله أعلم بكلامه، وأنتم تعلمون أن وعيده في الأمم السابقة قد تحقق وحصل فاحذروا وعيده وخافوا عقابه إن وعد الله كان مفعولا.
بعد أن وعد الله أهل الكتاب وهددهم إن لم يؤمنوا، وكان وعده مفعولا لا محالة، ساق هذه الآية لتأكيد ما مضى وتقريره ببيان استحالة المغفرة بدون الإيمان فإنهم كانوا يفعلون ما يفعلون، ويقولون: سَيُغْفَرُ لَنا على أن المراد بالشرك في الآية مطلق
الكفر الشامل لكفر اليهود وغيرهم، وهو يظهر في اعتقاد المرء أن لغير الله تصريفا في الكون، ودفعا للضر، وجلبا للخير، وفي أخذ الحلال والحرام في الدين عن غير الله وكتابه المنزل كما فعلت النصارى اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [سورة التوبة آية ٣١].
الشرك: هو الغطاء الكثيف الذي يمنع نور الإيمان من الوصول إلى القلب وهو منتهى ما تهبط إليه عقول البشر، ومنه تتولد سائر الرذائل التي تهدم الأفراد والجماعات ولا غرابة في ذلك فالمشرك بالله يفهم في حجر أو بشر مثله أو جماد لا حياة فيه: له تأثيرا في الكون، ويعبده ليقربه إلى الله زلفى، وبالتوحيد والإيمان: الخلاص من كل ذلك والسمو بالنفس إلى عبادة الرب والاعتماد عليه وحده والتوكل عليه والإخلاص له وفي هذا نور القلب، وصفاء الروح، ونور البصيرة، والعزة الكاملة، والنص المحقق لهذا كله لا يغفر الله الشرك أبدا تغليظا لذنبه، وامتيازا له عن سائر المعاصي، ويغفر ما دون ذلك، لأن نور الإيمان يسترها، وإنما مغفرة المعاصي لمن يشاء من عباده الموفقين للتوبة والعمل الصالح إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [سورة هود آية ١١٤].
وأما من يشرك بالله فقد اجترح إثما عظيما، وأى إثم يقاس بجانب الشرك بالله؟
أهل الكتاب وجزاؤهم على أعمالهم [سورة النساء (٤) :الآيات ٤٩ الى ٥٥]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (٥١) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣)
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (٥٥)
المفردات:
يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ: يمدحونها. يُظْلَمُونَ الظلم: النقص وتجاوز الحد.
فَتِيلًا: هو ما تكون في شق نواة التمر مثل الخيط. بِالْجِبْتِ المراد: الأصنام، وأصله الرديء الذي لا خير فيه. الطَّاغُوتِ: مصدر بمعنى الطغيان والجبروت، ويطلق على كل ما يعبد من دون الله، وعلى الشيطان. نَقِيراً: هو النقرة التي تكون في ظهر النواة: ويضرب بها المثل في القلة والحقارة. يَحْسُدُونَ الحسد:
تمنى زوال نعمة للغير.
المعنى:
ألم ينته علمك إلى هؤلاء الذين يزكون أنفسهم، ويدّعون ما ليس فيهم. وأنهم أبناء الله وأحباؤه، لا تمسهم النار مهما فعلوا لكرامتهم على الله: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ «١» وما علموا أن تزكية النفس تكون بالعمل الذي يجعلها زكية طاهرة، وهذه التزكية محمودة عند الله والناس، أما التزكية بالقول والادعاء والاعتماد على ما كان للآباء فهي مستهجنة عند الله والناس مبعثها الغرور الكاذب، والجهل الفاضح، ولذا يقول الله: (بل الله يزكى من يشاء) من عباده بتوفيقه للعمل الصالح، ولا تنقصون شيئا من جزاء أعمالكم مهما كان بسيطا هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى «٢» فلا عبرة بتزكيتكم أنفسكم يا أهل الكتاب.
(١) سورة البقرة آية ١١١.
(٢) سورة النجم آية ٣٢.
وعلينا نحن المسلمين ألا ندع لهذا الداء طريقا إلى قلوبنا أبدا وألا نغتر بأننا أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم وكتابنا خير كتاب، ونبينا خاتم الأنبياء وأننا الأمة الوسط، لا: اعملوا فسيرى الله أعمالكم:
«اعملي يا فاطمة فلن أغنى عنك من الله شيئا».
انظروا أيها المسلمون كيف يختلقون على الله الكذب في دعواهم وتزكيتهم أنفسهم، وكفى بهذا الافتراء على الله إثما مبينا واضحا.
روى عن عكرمة: أن كعب بن الأشرف انطلق إلى المشركين في مكة يؤلبهم على النبي صلّى الله عليه وسلّم يأمرهم أن يغزوه قائلا: إنا معكم نقاتله فقالوا: إنكم أهل كتاب مثله ولا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم، فإن أردت أن تخرج معنا فاسجد لهذين الصنمين فسجد. ثم قالوا: نحن أهدى أم محمد؟ فنحن ننحر الكوماء (الناقة الضخمة) ونسقى الحاج، ونقرى الضيف، ومحمد قطع رحمه، وخرج من بلده؟ فقال: بل أنتم أهدى سبيلا، فنزلت تلك الآيات.
ألم ينته علمك إلى أولئك الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ومع هذا يؤمنون بالأصنام والطاغوت ويقولون في شأن الذين آمنوا للذين كفروا أى من أجل مخالفتهم: هؤلاء الكفار الجاهليون أهدى من الذين آمنوا سبيلا وأقوم طريقا، يا عجبا كل العجب:
يقول أصحاب الكتاب والرسل لمن لهم كتاب ورسول مصدق لما معهم مؤيد بكتبهم مبشر به عندهم مثل هذا القول.
أولئك الذين قضى عليهم الله بالطرد من الرحمة بسبب كفرهم وعصيانهم ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا أبدا.
بل ليس لهم نصيب من الملك ولو كان لهم نصيب منه فرضا، فهم لا يؤتون غيرهم من الناس أحقر شيء وأبسطه، وصدق الله فهم كذلك في حكمهم الزائل بفلسطين، وما ذلك إلا لأنهم أنانيون مطبوعون على الأثرة وحب المادة والغرور الكاذب بأنه ليس أحد غيرهم يستحق شيئا.
بل هم يحسدون الناس كمحمد صلّى الله عليه وسلّم على ما آتاه الله من فضله كالنبوة والكتاب والحكمة، ولا غرابة في هذا فقد آتى الله آل إبراهيم الكتاب والحكمة والنبوة وآتيناهم ملكا عظيما، والعرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم، واليهود من ولد إسحاق بن إبراهيم.
فمن أسلافهم من آمن بما أعطى إبراهيم، ومنهم من كفر، وكذا شأن الناس دائما مع الأنبياء قديما وحديثا فلا تأس يا محمد.
والخلاصة: أن حال اليهود لا تخلوا من غرور كاذب أو خطأ فاضح لسجودهم للأصنام، وشهادتهم أن الجاهليين خير من المؤمنين أو اعتقاد خاطئ في أنهم أصحاب الملك والنبوة فلا يعطى أحد مثلهم، أو من حسد كامن للعرب على ما أعطاهم الله من الكتاب والحكمة والنبوة والملك الذي ظهرت آثاره على يد محمد صلّى الله عليه وسلّم.
وكفى بجهنم نارا مسعرة لهم وبئس المصير.
جزاء الكفر وثواب الإيمان [سورة النساء (٤) :الآيات ٥٦ الى ٥٧]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (٥٧)
المفردات:
نُصْلِيهِمْ ناراً: نشويهم بالنار. نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ: احترقت وتلاشت.
ظِلًّا ظَلِيلًا: وارفا دائما لا تنسخه شمس. ولا يصيب صاحبه حر ولا برد، وقد يراد بالظل النعمة والعزة.
المعنى:
تقدم أن منهم من آمن، ومنهم من كفر وكان جزاؤهم جهنم، وهذا تفصيل لما تقدم.
إن الذين كفروا بآياتنا الدالة علينا المنزلة على أنبيائنا وخاصة القرآن لأنه أظهر الآيات وأكملها، هؤلاء سوف نصليهم ونحرقهم بالنار التي وقودها الناس والحجارة كلما احترقت جلودهم حتى لم تعد صالحة لإيصال الألم إلى مراكز الشعور والإدراك بدلناهم جلودا جديدة غيرها، أو هذا تمثيل لدوام شعورهم بالعذاب شعورا كاملا، ولا غرابة إن الله عزيز لا يغلبه غالب، حكيم في كل صنعه، ومن حكمته وعدله تعذيب العاصي بهذا وأمثاله، وإثابة المؤمن بما يناسب عمله، ومن ثم قرن ثواب المؤمن بجزاء الكافر حتى يظهر الفرق جليا فيكون ذلك أدعى للإيمان.
والذين آمنوا بالله إيمانا صحيحا، وعملوا الصالحات من الأعمال سيدخلهم ربهم الجنة التي عرضها السموات والأرض، والتي تجرى من تحتها الأنهار فلا تعب فيها ولا مشقة، وهم فيها ماكثون وخالدون، ولهم فيها أزواج مطهرة طهارة حسية ومعنوية من دنس الحيض والنفاس، وكذا العيوب النفسية، كأنهن الياقوت والمرجان ويدخلهم ربهم ظلا دائما لا حر فيه ولا برد، ولا تنسخه شمس، ولهم فيها العزة الدائمة والهناءة المستمرة، ولا حرج على فضل الله، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان: اللهم ارزقنا التوفيق والسداد حتى نكون منهم يا رب الأرباب.
السياسة العامة للحكمة الإسلامية [سورة النساء (٤) :الآيات ٥٨ الى ٥٩]
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٥٩)
المفردات:
الْأَماناتِ: جمع أمانة، وهي: ما يؤتمن عليها الشخص وتعم جميع الحقوق المتعلقة بذمته من حقوق لله أو للناس أو لنفسه. بِالْعَدْلِ: التساوي في الشيء والمراد به إيصال الحقوق إلى أربابها من أقرب الطرق. تَأْوِيلًا التأويل: بيان المآل والعاقبة.
سبب النزول:
روى أنها نزلت في عثمان بن طلحة بن عبد الدار، وكان سادان الكعبة وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان بن طلحة الكعبة وصعد إلى السطح، وأبى أن يدفع المفتاح إليه وقال: لو علمت أنك رسول الله لم أمنعه، فأخذه علي بن أبى طالب بالقوة، وفتح الباب ودخل رسول الله وصلّى ركعتين، فلما خرج سأله عمه العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة فنزلت، فأمر النبي عليًّا أن يرده إلى عثمان ويعتذر إليه
... هذا ما روى في سبب النزول: ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعلى ذلك فهو أمر عام لكل مسلم في كل أمانة في ذمته أو تحت يده، سواء كانت عامة للأمة أو خاصة للفرد.
وهذا رد على اليهود- الذين قالوا للكفار: أنتم أهدى من المؤمنين سبيلا- ببيان أسس الحكومة الإسلامية الصحيحة الموافقة للقرآن الكريم.
المعنى:
الأمانة كلمة عامة جامعة تشمل أمانة العبد مع ربه، بمعنى أن الله عاهده على الامتثال للأوامر واجتناب النواهي. وأمانته مع الناس بأن يرد ودائعهم ويحفظ حقوقهم، وغيبتهم، وسرهم، ولا يغشهم، ويطيع الله فيهم، وإن كان حاكما فالشعب أمانة في عنقه واجب عليه أن يحكم فيهم بما أنزل الله، وأن يتقى الله فيهم بامتثال أمره والاهتداء بسنة المصطفى فلا يسند أمرا لغير أهله ولا يضيع حقا، ولا يغش مسلما، ولا يقبل رشوة، ولا يأكل أموال الناس بالباطل، ولا يدخر وسعا في السهر على المصلحة، والإرعاء على الخلق، وأن يعامل غيره بما يجب أن يعامله به لو كان محكوما.
وإن كان عالما فالواجب عليه أن يرشد الناس إلى الخير، ويهديهم إلى طريق الحق ويوقفهم على أسرار الشرع حتى يتمسكوا بأهداف الدين وإلا اعتبر مقصرا في واجبه إن لم يكن خائنا للأمانة. وأمانته مع نفسه بأداء ما طلب منه.
ألست معى أن الأساس الأول للحكومة الإسلامية هو (الأمانة) بل هي الدعامة لإقامة مجتمع طاهر ونظيف وأمة رشيدة؟
الأساس الثاني (العدل) نعم العدل أساس الملك وأصل من أصول الدين الإسلامى لأنه شريعة ودولة ودين ودنيا، فالعدل واجب على الحكام والولاة حتى تصل الحقوق لأربابها كاملة غير منقوصة، ولذا أمر الله به في كثير من الآيات اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى. [سورة المائدة آية ٨] كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [سورة النساء آية ١٣٥].
وإذا كان هذا إرشاد الله ووعظه فنعم شيئا يعظكم به أيها المسلمون، إن الله كان سميعا لكل مظلوم وصاحب حق وأمانة، وبصيرا بكل خائن أو مقصر في واجبه أو متسبب في ضياع الحق بأى شكل ولون.
وعلى الشعب بالنسبة للحكام والقادة السمع والطاعة ما داموا قد أدوا الأمانة على خير وجه وحكموا بالعدل بين الناس، يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله بتنفيذ أحكامه والعمل بكتابه ودستوره. وأطيعوا الرسول فهو الذي بين لنا دستور السماء وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ «١» وأطيعوا أولى الأمر وهم أهل الحل والعقد في الأمة، أى: السلطة التشريعية في البلد، وهي تتكون من الحكام والولاة والنواب والشيوخ والعلماء والزعماء، أطيعوهم متى أجمعوا على أمر من الأمور بشرط أن يكونوا أدوا الأمانة وأقاموا العدالة وأطاعوا الله ورسوله بتنفيذ دستور القرآن عند ذلك تجب طاعتهم على الناس وهذا هو المسمى بالإجماع في علم الأصول.
فإن تنازعوا في شيء فالواجب رده إلى نظيره ومثله في القرآن والسنة، والذي يفهم هذا هم العلماء الأعلام العاملون المخلصون لله ولرسوله، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر فاعملوا بهذه الوصايا وامتثلوا أمر الله فذلك خير لكم في الدنيا والآخرة، وأحسن تأويلا، ويؤخذ من الآية الكريمة أن أصول التشريع في الدين أربعة:
(١) سورة النحل آية ٤٤.
١- الكتاب: وهو القرآن الكريم فقد قال الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ.
٢- السنة: وهي ما أتت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قولا أو فعلا أو تقريرا فقد قال الله:
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ.
٣- الإجماع: وهو إجماع أهل الحل والعقد من الأمة إذا اتبعوا الله ورسوله.
٤- القياس: وهو عرض المسائل المتنازع فيها على القواعد العامة في الكتاب والسنة وذلك قوله: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ.
هؤلاء هم المنافقون وهذه أعمالهم [سورة النساء (٤) :الآيات ٦٠ الى ٦٣]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (٦٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (٦٢) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (٦٣)
المفردات:
يَزْعُمُونَ الزعم في الأصل: القول حقا كان أو باطلا، ثم كثر استعماله في الكذب. صُدُوداً: إعراضا عن قبول الحكم.
سبب النزول:
روى أن بشرا المنافق خاصم يهوديا فدعاه اليهودي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ودعا المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم إنهما احتكما إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقضى لليهودي فلم يرض المنافق بهذا الحكم... إلخ، ما جاء في رواية الزمخشري.
المعنى:
ألم ينته علمك إلى الذين يزعمون كذبا وبهتانا، أنهم آمنوا بما أنزل إليك من القرآن، وما أنزل من قبلك من الكتب. هؤلاء المنافقون من اليهود والنصارى يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، قيل: هو كعب بن الأشرف سمى طاغوتا لإفراطه في الطغيان وعداوة الرسول صلّى الله عليه وسلّم والبعد عن الحق، وقد أمروا في القرآن أن يكفروا بالطاغوت ويجتنبوه وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ «١» فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى «٢». هؤلاء الذين تدّعى ألسنتهم الإيمان بالله وما أنزله على رسوله، وتدل أفعالهم على الكفر بهما والإيمان بالطاغوت وإيثار حكمه على حكم الشرع الشريف، ويريد الشيطان- وما توسوس به نفوسهم، وداعي الشر فيهم- أن يضلهم ضلالا بعيدا جدا عن الحق والصواب. وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول فهو الصراط المستقيم: رأيت هؤلاء المنافقين يصدون عنك يا محمد وعن دعوتك صدودا مؤكدا بكل ما أوتوا من قوة وحجة، والحامل لهم على ذلك هو اتباع شهواتهم، فكيف يكون حال هؤلاء المنافقين إذا أصابتهم مصيبة افتضاحهم وظهور حالهم، وانكشاف سترهم بما قدمته أيديهم، كيف يكون حالهم؟
(١) سورة النحل آية ٣٦.
(٢) سورة البقرة آية ٢٥٦.
ففي الآية نذير وقوع الخطر بهم حتما، ثم جاءوك بعد ظهور حالهم، يحلفون بالله- وهم الكاذبون- قائلين: ما أردنا بأعمالنا هذه إلا إحسانا في المعاملة وتوفيقا بين الخصوم بالصلح أو الجمع بين منفعة الخصمين.
أولئك الذين لعنهم الله وعلم ما في قلوبهم من الكيد والحقد والحسد، جزاؤهم الإعراض عنهم وعدم مقابلتهم بالبشاشة والترحاب لعل هذا يجعلهم يفكرون في أمر أنفسهم، ويقبلون نصحك ووعظك فأعرض عنهم، وعظهم، وقل لهم قولا بليغا يصل إلى شغاف قلوبهم ويؤثر في نفوسهم، وهذه شهادة من الله للنبي صلّى الله عليه وسلّم بأنه صاحب القول البليغ والكلام المؤثر الدقيق
«أوتيت جوامع الكلم»
«أدبنى ربي فأحسن تأديبي»
حديث شريف. وأما جزاؤهم في الآخرة فمعروف لا يجهلونه.
إرشادات وآداب للسلم والحرب [سورة النساء (٤) :الآيات ٦٤ الى ٧٠]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (٦٤) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٦٥) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (٦٧) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٦٨)
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (٧٠)
المفردات:
شَجَرَ بَيْنَهُمْ: فيما اختلف بينهم من الأمور واختلط. حَرَجاً: ضيقا.
كَتَبْنا: فرضنا عليهم. تَثْبِيتاً: تقوية، والتثبيت: جعل الشيء ثابتا راسخا.
الصِّدِّيقِينَ: جمع صديق، وهو الصادق في قوله واعتقاده المبالغ فيه كأبى بكر الصديق وأمثاله من الصحابة- رضى الله عنهم-. وَالشُّهَداءِ: جمع شهيد، وهو من يشهد بصحة الدين بالحجة والبرهان ويقاتل في سبيله بالسيف والسنان حتى يقتل. وَالصَّالِحِينَ: من صلحت نفوسهم وغلبت حسناتهم سيئاتهم.
المعنى:
وما أرسلنا من رسول إلا وطاعته واجبة، بإذن الله وأمره، فالطاعة لله، ولمن يأمر بطاعته، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن يعص الرسول فقد عصى الله. ثم ترشد العصاة والمذنبين- إذا وقع منهم ذنب- أن يبادروا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيستغفروا الله عنده ويبالغوا في التوبة وطلب المغفرة حتى يستغفر لهم الرسول فإنهم إن فعلوا ذلك تاب الله عليهم إنه هو التواب الرحيم، وهكذا كل من يعصى الله ورسوله ثم يبادر بالتوبة يجد الله توابا رحيما.
روى أن الزبير بن العوام خاصم رجلا من الأنصار في شأن ماء، فاختصما إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فغضب الأنصارى وقال: لأن كان
ابن عمتك: فتغير وجه النبي صلّى الله عليه وسلّم وقال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ثم أرسل الماء إلى جارك.
كان قد أشار على الزبير أولا برأى فيه سعة له ولخصمه فلما أحفظ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم استوعب للزبير حقه في صريح الحكم الأخير... إلخ، ما جاء في أبى السعود فنزلت آية فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وفيها يقسم الله- سبحانه وتعالى- بنفسه الكريمة المقدسة أنهم لا يؤمنون إيمانا كاملا حتى يحكموك في كل أمورهم وما يختلط عليهم من المشاكل، فما حكمت به فهو الحق لا شك فيه، ثم لا يجدون في أنفسهم حرجا ولا ضيقا من قضائك ويسلمون به تسليما.
وهكذا نحن- وربك- لا نؤمن بالله إيمانا كاملا حتى نحكّم الله ورسوله في كل أمورنا ومشاكلنا، ثم نجد في أنفسنا ضيقا من حكم القرآن والسنة، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون الفاسقون الظالمون.
لو أن الله- سبحانه- فرض على الناس أن يقتلوا أنفسهم كما أمر بنى إسرائيل قديما تكفيرا لهم عن خطيئتهم في عبادة العجل، أو فرضنا أن كتب عليهم أن اخرجوا من أوطانكم في سبيل الله ما امتثل المأمور به إلا نفر قليل منهم،... ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به من الأوامر والنواهي التي تظهر معها الحكم وتقرن بالوعد والوعيد، لكان خيرا لهم وأحسن وأشد تثبيتا في الدين وأرسخ، وإذا لآتاهم الله من عنده أجرا عظيما لا يعرف كنهه إلا هو، ولهداهم صراطا مستقيما.
روى عن عائشة- رضى الله عنها-: جاء رجل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال:
يا رسول الله إنك لأحب إلى من نفسي وإنك لأحب إلى من ولدي، وإنى لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر أن آتى فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتى وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإنى إذا دخلت الجنة حسبت ألا أراك، فلم يرد عليه المصطفى صلّى الله عليه وسلّم حتى نزل جبريل بهذه الآية
وروى: من أحب قوما حشر معهم.
كيف لا ترضون بحكم الله ورسوله؟ ومن يطع الله فيما أمر ونهى والنبىّ صلّى الله عليه وسلّم فيما بشر وأنذر، وبلغ عن ربه، فأولئك يحشرون يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وكفاهم فخرا شهادة الله لهم أنهم من شدة المحبة وتمام الألفة وعدم الفرقة رفقاء، وذلك الفضل من الله يؤتيه من يشاء، وهو أعلم بمن اتقى!!
إذا فليحذر المنافقون المراءون لعلهم يتذكرون فيثوبون إلى رشدهم وليثبت المؤمنون على حالهم ويطمئنوا على مصيرهم لعلهم ينشطون ويبالغون في الطاعة والبعد عن المعصية.
السياسة الحربية في الإسلام [سورة النساء (٤) :الآيات ٧١ الى ٧٦]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (٧٢) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (٧٣) فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (٧٤) وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (٧٥)
الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (٧٦)
المفردات:
حِذْرَكُمْ الحذر والحذر بمعنى واحد، وهو: التيقظ والاستعداد، والمراد:
احترسوا واستعدوا. فَانْفِرُوا النفر: الانزعاج عن الشيء وإلى الشيء، والمراد:
اخرجوا إلى الجهاد. ثُباتٍ: جمع ثبة، وهي الجماعة، أى: اخرجوا جماعة تلو جماعة. لَيُبَطِّئَنَّ: ليثبطن غيره عن القتال، أو ليبطئن هو، أى: يتباطأ.
يَشْرُونَ الْحَياةَ أى: يبيعونها ويأخذون بدلها نعيم الآخرة وثوابها. الطَّاغُوتِ تقدم تفسيره وقريبا. كَيْدَ الكيد: السعى في الإفساد على جهة الاحتيال.
المعنى:
بعد أن بين الله لنا السياسة الدينية والاجتماعية التي بينت لنا حدود التعامل مع الناس خاصة الأقارب واليتامى والمساكين وغيرهم، وأحوالنا الشخصية من نكاح وإرث وزواج... إلخ، وأيد ذلك بضرب الأمثال بمن سبقنا من الأمم أخذ يذكر السياسة الحربية التي بها نحمى ذمارنا ونرد أعداءنا حتى تستوي دعوتنا قائمة وحتى يكون الدين كله لله، وهذه السياسة تتلخص في وجوب الاستعداد للحرب، وفي تنظيف الجبهة الداخلية، وفي الحث على الجهاد ببيان جزائه، وبذكر أحوال الضعفاء المستعبدين إخواننا في الدين! وأن الواجب أن تكون الحرب لغرض شريف فقال ما معناه:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ واحترسوا من عدوكم واستعدوا دائما لملاقاته، فالاستعداد له قد يمنع الحرب، ويكون بتنظيم الجيوش وإعداد العدة المناسبة في كل عصر وحين وبث العيون (المخابرات والجواسيس) ودراسة حاله وبلده وطرقه... إلخ ما هو معروف في الأصول الحربية، وإذا أخذتم حذركم فاخرجوا إليه جماعات إن اقتضى الحال ذلك، وإلا فأعلنوا التعبئة العامة واخرجوا إليه مجتمعين وفي هذا إشارة إلى تنظيم الأمة عسكريا وتعليم شبابها الفنون العسكرية حتى إذا دعا داعي الوطن وجدنا الكل يحمل السلاح، أما الجبهة الداخلية فلا تخلو أمة من الأمم من الجبناء الرعاديد والمنافقين الذين يثبطون الهمم، ويعوقون عن القتال ويقعدون عنه لفرط حبهم للدنيا وانخلاع قلوبهم من الحرب لضعف إيمانهم وخور عزيمتهم، فاعرفوهم وعالجوا ضعفهم، ولذا يقول القرآن: وإن منكم لجماعة يثبطون الهمم ويقعدون عن الحرب فإن أصابتكم مصيبة في
الحرب كالهزيمة أو القتل مثلا قالوا: قد أنعم الله علينا وتفضل حيث لم نكن معكم، ولئن أصابكم فضل من الله وانتصار على العدو قالوا: يا ليتنا كنا معكم فأخذنا نصيبنا من الغنيمة، كأنه لم تكن بينكم وبينهم مودة وصلة إذ الصلة والمودة التي يظهرونها تقتضي أن يكونوا معكم في السراء والضراء، والله أعلم بقلوبهم وما عندهم من الحسد والحقد، ولكنه سمى مودة تهكما بهم وبحالهم.
وإذا كان هذا واجبكم نحو العدو والاستعداد له وقد عرفتم أن فيكم المنافقين الجبناء الذين لا يخلو منهم زمان أبدا. فليقاتل في سبيل الله ولإعلاء كلمته ونصرة دينه- دين الحق والعدل والكرامة والقوة والمدينة- أولئك المسلمون المخلصون الذين باعوا دنياهم الفانية بالآخرة الباقية ونعيمها الدائم حتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى والله عزيز ذو انتقام، والمقاتلون في سبيل الله ينتظرون إحدى الحسنيين إما الاستشهاد في سبيل الله وإما النصرة والغلبة على الأعداء، وفي كلا الحالين سوف يؤتيهم الله أجرا حسنا، وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي سبيل هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان؟ وقد كان المسلمون الذين هم في مكة قبل الفتح ولم يتمكنوا من الهجرة في عذاب أليم وتعب مقيم فكانوا يلاقون من عنت الكفار الجبابرة الشيء الكثير، وما قصص بلال وصهيب وعمار عنكم ببعيد!!.
وهؤلاء يقولون من شدة الألم: ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها، واجعل لنا من لدنك وليا يلي أمورنا ويحمى ذمارنا، واجعل لنا من لدنك نصيرا ينصرنا فقد عز الناصر وقل المدافع وسدت الأبواب إلا بابك يا كريم يا قوى يا حكيم.
والقتال الذي يضع القرآن سياسته ليس قتال ظلم وتعد وتوسع في الملكية واستعباد للشعوب كما نرى الآن، وإنما هو قتال في سبيل الله ولإعلاء كلمة الحق والإنصاف:
إنصاف الشعوب والأمم، ولذا كانت الحركة الإسلامية تزحف على الشعوب وتجرف الأمم كالسيل المنهمر، وظل الحال كذلك حتى ابتعد المسلمون عن الدين. فابتعدوا عن المثل العليا وضعف فيهم الوازع الديني فطمع فيهم كل طامع وغلبهم كل مغلب.
ولذا يحدد القرآن الغاية من القتال في الإسلام بقوله: الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، وأما الذين كفروا فإنهم يقاتلون في سبيل الطاغوت الذي هو الظلم والجبروت والطغيان والتعدي على حقوق الأمم والأفراد، فقاتلوا أيها المسلمون أولياء الشيطان
ولا تغرنكم قوتهم وهم عدد، فهي على غير أساس لأن وليهم الشيطان ووليكم الرحمن، وهو ناصركم ما نصرتموه، وكيد الشيطان للمؤمنين في جنب كيد الله للكافرين أضعف شيء وأوهنه، ألا إن حزب الله هم الغالبون.
بعض ضعاف النفوس [سورة النساء (٤) :الآيات ٧٧ الى ٧٩]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧٧) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨) ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٧٩)
المفردات:
كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ: امنعوها عن العادات الجاهلية والحروب القديمة التي كانت بين القبائل. فَتِيلًا: شعرة بسيطة بين فكى النواة، وهي مثل في البساطة والقلة.
بُرُوجٍ: جمع برج، وهو القصر أو الحامية التي يحتمي فيها الجند من العدو.
مُشَيَّدَةٍ: عالية، وقيل: مطلية بالجبس والجير. يَفْقَهُونَ: يفهمون.
المعنى:
ألم ينته علمك إلى الذين قيل لهم لما دخلوا في الإسلام: كفوا أيديكم وامنعوا أنفسكم عن الحرب الجاهلية والإحن القبلية التي كانت تثار لأتفه الأسباب، وأدوا الصلاة مقومة الأركان تامة بالخشوع والخضوع لله، وأدوا الزكاة وغير ذلك من حدود الإسلام وتعاليمه التي ترفع صاحبها إلى مستوى المثل العليا.
من المسلمين الذين أمروا بالكف عن المنكرات والإتيان بالحسنات فريق كان يتمنى القتال لإرضاء شهوته في الاعتداء، فلما فرض عليهم قتال المشركين بعد الهجرة إذا فريق منهم يخشون المشركين كخشيتهم لله أو أشد، ويفرون من الحرب كأنهم مساقون إلى الموت ويقولون: ربنا لم فرضت علينا القتال؟ لولا تركتنا نموت حتف أنوفنا ولو بعد أجل قريب. أليس هذا عجبا؟ وأى عجب؟
قل لهم يا محمد: ما لكم تقعدون عن القتال حبا في الدنيا، ومتاعها قليل فان والآخرة متاعها باق دائم لا كدر فيه ولا تعب؟ وهي لمن خاف الله وامتثل أمره وأخذ لنفسه الوقاية من عذابها فأنتم محاسبون على أعمالكم إن خيرا فخير وإن شرّا فشر ولا تظلمون فتيلا. وإن كان مثقال حبة من خردل لأى إنسان أتينا بها وكفى بنا حاسبين. ما لكم تخافون الحرب؟ أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في قصور عالية وبروج مشيدة فملك الموت لا تحجزه الحواجز ولا تعوقه العوائق، وكم من محارب نجا، وقاعد عن الحرب مات حتف أنفه، فلا نامت أعين الجبناء.
وأعجب العجب مقالة أولئك المنافقين إذا أصابتهم حسنة من غنيمة أو خصب أو رزق قالوا: هذه من عند الله ومن فضله وإحسانه ليس لأحد دخل فيها، وإن أصابتهم سيئة من هزيمة أو جدب قالوا- لعنهم الله-: هذه من شؤم محمد، كما حكى القرآن عن قوم موسى وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ [سورة الأعراف آية ١٣١].
قل لهم: كل من الحسنات والسيئات والسراء والضراء من عند الله فإنه موجد وخالق للكل، فما لهؤلاء القوم لا يقربون من فهم حديث من الأحاديث؟ ما الذي دهاهم في عقولهم حتى وصلوا إلى هذا الفهم السقيم؟ فقد ربطت الأسباب بمسبباتها
وإن كان الله خالقا لكل شيء فما أصابك أيها المخاطب من حسنة فمن فضل الله ونعمه وتوفيقه لك حتى تسلك سبل النجاة والخير، وما أصابك من سيئة فمن نفسك حيث لم تسلك سبيل العقل والحكمة، حتى قالوا: إن المرض بسببك بل الأمراض الوراثية بسبب الإنسان وسلوكه الطرق التي تتنافى مع الصحة!! وأما أنت يا محمد فرسول وما عليك إلا البلاغ، والخير والشر كله من عند الله خلقا وإيجادا، وعلى الله الحساب وكفى بالله شهيدا.
الطاعة لله ولرسوله [سورة النساء (٤) :الآيات ٨٠ الى ٨١]
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠) وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٨١)
المفردات:
تَوَلَّى: أعرض. بَرَزُوا أى: خرجوا من عندك، وأصل البراز:
الأرض الفضاء. بَيَّتَ: دبّر جماعة منهم ليلا رأيا غير الذي قالوه لك.
وروى مقاتل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يقول: من أحبنى فقد أحب الله ومن أطاعنى فقد أطاع الله. فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل لقد قارف الشرك؟ قد نهى أن نعبد غير الله ويريد أن نتخذه ربّا كما اتخذت النصارى عيسى، فأنزل الله هذه الآية.
المعنى:
محمد بن عبد الله صلّى الله عليه وسلّم نبي كريم ورسول رب العالمين وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا
وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
«١» وهو بهذا المعنى يخبر عن المولى- عز وجل- ويبلغ ما أوحى إليه، فالآمر والناهي هو الله، والرسول مبلغ فليست الطاعة له بالذات إنما هي لمن بلغ عنه وهو الله- عز وجل- فمن يطع الرسول فقد أطاع الله والرسول صلّى الله عليه وسلّم في أوامر الشريعة وفيما يتعلق بالقرآن وأحكام الدين وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى [سورة النجم الآيات ٣- ٥].
أما أمور الدنيا وما يقوله باجتهاده ورأيه في غير الشرع فقد كان الصحابة يسألون النبي عنه: أوحى يا رسول الله أم رأى؟ فإن كان وحيا أطاعوا بلا تردد ولا نظر وإن كان رأيا أشاروا، وقد يرجع الرسول إلى رأيهم كما حصل في غزوة بدر وأحد.
ومن تولى وأعرض عن طاعتك فلا تحزن عليهم إن عليك إلا البلاغ ولست عليهم بمسيطر، وهؤلاء الذين يخشون الناس كخشية الله أو أشد يقولون إذا أمرهم النبي صلّى الله عليه وسلّم بأمر: أمرك طاعة، أى: مطاع نفاقا وانقيادا للنبي ظاهرا فقط.
فإذا خرجوا من المكان الذي يكونون معك فيه منصرفين إلى بيوتهم دبر جماعة منهم في الليل رأيا غير الذي قالوه لك، والله يكتب ما يبيتونه ويطلعك عليه في كتابه المنزل فلا يهمنك أمرهم فإنا مجازوهم، وأعرض عنهم، وتوكل على الله فإن الله كافيك شرهم ومنتقم منهم، وكفى بالله وكيلا.
القرآن من عند الله [سورة النساء (٤) :آية ٨٢]
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢)
المفردات:
يَتَدَبَّرُونَ التدبر: التأمل في أدبار الأمور وعواقبها، وتدبر القرآن: النظر والتفكير في غاياته ومقاصده التي يرمى إليها.
(١) سورة النساء آية ٧٩.
المعنى:
أعمى هؤلاء عن حقيقة الرسالة وكنه الهداية فلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟ ولو تدبروه لعلموا أنه الحق من ربهم إذ هو في صدق في إخباره عما تكنّه ضمائرهم وما تخفيه سرائرهم، ولكن ختم الله على قلوبهم وأضل أعمالهم!! ولو كان هذا القرآن الذي هو عماد الدعوة المحمدية من عند غير الله بأن كان من عند محمد بن عبد الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا في نظمه من جهة البلاغة فيكون بعضه عاليا بلغ حد الإعجاز وبعضه قاصرا عنه، وبعضه صحيح المعنى وبعضه سقيمه، وجزء وافق في إخباره بالغيب وجزء خالف!!! وكان بعضه موفقا صادقا في تصوير الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للأمم، فكان مثلا أعلى، وبعضه غير موافق.
وناهيك بوضع الآيات وترتيبها مع أنها نزلت منجمة غير مرتبة، وسبحان الله وتعالى عما يصفون، وكيف لا يكون القرآن من عند الله وفيه تصوير الحقائق تصويرا تامّا كاملا بلا اختلاف ولا تفاوت في أى جزئية.
وفيه الإخبار عن الماضي الذي لم يشاهده محمد بن عبد الله ولم يتيسر له أن يقف على تاريخه، وعن الحاضر والمستقبل، بل على مكنونات الأنفس ومخبئات الضمائر، وأما الأصول والقواعد في التشريع والسياسة العامة والخاصة للفرد والأمة فيكفى شهادة الأعداء له، والحديث فيه عن الاجتماع ونواميس العمران وطبائع الإنسان مع ضرب الأمثال والقصص الذي يسحر القلوب ويخطف الأبصار فأمر لا ينكره إلا مكابر، وأما البلاغة والجزالة فهو الذي أعجز فحول البلاغة من العرب وتحداهم فقهرهم وأذلهم على كره منهم.
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً يشبه بعضه بعضا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ (الزمر ٢٣).
ولو تدبر المسلمون القرآن الكريم وفهموه فهما صحيحا سليما ووقفوا على أسراره لما وصلوا إلى ما وصلوا.
الرقابة على الأخبار [سورة النساء (٤) :آية ٨٣]
وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٣)
المفردات:
أَذاعُوا بِهِ يقال: أذاع السر وبالسر: نشره وأشاعه بين الناس. رَدُّوهُ:
أرجعوه. يَسْتَنْبِطُونَهُ استنبط الماء: استخرجه من البئر، ثم استعمل فيما يستخرجه الرجل بفضل عقله من المعاني والحلول للمشكلات.
المعنى:
سبحانك يا رب أنت الحكيم العليم. ما تركت لنا شيئا إلا ونبهتنا إليه. حتى إذاعة الأخبار، إذ في كل أمة من الأمم جماعة يذيعون الأخبار بشغف خصوصا ما يتعلق بالحروب بقصد سيّئ كالمنافقين، أو بقصد حسن كما يحصل من عامة الشعب، فيرشدنا الله إلى أن الأمور التي تتعلق بالأمن أو الخوف يجب أن يترك الحديث فيها إلى القائد العام وهو الرسول- عليه السلام- ولأهل الرأى والحل والعقد في الأمة فهم أدرى الناس بها وبالكلام فيها، أما أن نتحدث ونهرف بما نعرف وما لا نعرف بقصد وبغير قصد فهذا ضرر وأى ضرر على الدولة!! ولذا تنبهت الأمم الحديثة إلى الرقابة على الصحف والإذاعة وغيرها حتى لا تستغل عقول الجماهير خصوصا في الحرب رقابة تكفل الحرية، وتمنع الخطأ، أما الرقابة بمعنى كمّ الأفواه والقضاء على الحرية فشيء لا يقره الدين.
ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم إذ هداكم ووفقكم لطاعة الله ورسوله ولنور
القرآن لاتبعتم وسوسة الشيطان كما اتبعه الذين يبيتون ما لا يرضى من القول ويكون لهم ظاهر وباطن، ولما آمن منكم الإيمان الخالص إلا قليل، أو لآمنتم إيمانا ضعيفا.
الحث على الجهاد أيضا [سورة النساء (٤) :آية ٨٤]
فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً (٨٤)
المفردات:
وَحَرِّضِ التحريض: الحث على الشيء بتزيينه والترغيب فيه. بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا: قوتهم وشدتهم. تَنْكِيلًا التنكيل: معاقبة المجرم عقابا يمنع غيره من أن يفعل مثله.
المعنى:
إذا كان الأمر كما حكى من عدم طاعة المنافقين وكيدهم وتقصير الآخرين فقاتل أنت وحدك في سبيل الله وامتثل أمره إن أردت الظفر بالأعداء إذ لا تكلف إلا فعل نفسك فقط، أما غيرك من الذين يقولون: لم كتبت علينا القتال؟ ويخشون الناس أكثر من خشيتهم الله فدعهم، والله مجازيهم على أفعالهم وما عليك إلا أن تحرض المؤمنين على القتال وتحثهم عليه ببيان آثاره في الدنيا ونتائجه في الآخرة.
وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم حينما حل موعد بدر الصغرى في السنة التالية لغزوة أحد صمم على الخروج فخرج ومعه ألف وخمسمائة مقاتل وعشرة أفراس، وأقاموا على بدر ينتظرون أبا سفيان كما وعدهم وكان النصر لهم، أما أبو سفيان فرجع من الطريق وصرفه الله عن النبي صلّى الله عليه وسلّم عسى أن يكف بأسهم ويزيل قوتهم، فالله ناصرك على الأعداء سواء
كنت وحدك أو معك الألوف، فهو أشد بأسا وأشد قوة وسيعاقبهم العقاب الصارم الذي يمنع أمثالهم من الجرأة على الحق وينكل بهم.
من آداب القرآن [سورة النساء (٤) :الآيات ٨٥ الى ٨٧]
مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (٨٥) وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (٨٧)
المفردات:
يَشْفَعْ الشفاعة: ضم صوتك إلى صوت رجل آخر لنصرته في طلبه.
نَصِيبٌ أى: حظ منصوب ومعلوم. كِفْلٌ : نصيب مكفول ومضمون.
مُقِيتاً أى: حافظا ومقتدرا. بِتَحِيَّةٍ التحية: مصدر حياه إذا قال له: حياك الله، وهي في الأصل: الدعاء له بالحياة، ثم صارت اسما لكل دعاء وثناء عند المقابلة، والتحية الإسلامية: السلام عليكم، للإشارة إلى أن الدين الإسلامى دين محبة وسلام وأمن. حَسِيباً: محاسبا على العمل ومكافئا له.
المعنى:
الشفاعة: ضم صوتك إلى أخيك لنصرته وتوصيل الحق له، وعلى هذا الأساس يدخل فيها تحريض المؤمنين على القتال وتحبيبهم فيه فإن هذا خير لهم وأى خير؟ ومن
هنا كانت المناسبة ظاهرة على أن بعض المنافقين كانوا يستأذنون النبي في القعود عن القتال لهم ولغيرهم، وإذا توسعنا فيها شملت شفاعة الناس بعضهم لبعض، والتحية نوع من الشفاعة، وعلى كل فهي نوعان: شفاعة حسنة، وشفاعة سيئة والضابط العام أن الحسنة ما كانت فيما استحسنه الشرع ورضيه، والسيئة فيما كرهه الشرع أو حرمه.
ويجب ألا ننسى أن العبرة في القرآن الكريم بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
والشفاعة الحسنة هي التي يراعى فيها حق المسلم فيدفع بها شرا أو يجلب إليه خيرا، وابتغى صاحبها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز لا في حد من حدود الله ولا في ضياع حق من الحقوق، والسيئة ما كانت بخلاف ذلك، وقد شاعت عندنا الوساطات والشفاعات السيئة الملوثة بالمادة لتضييع الحقوق وهضمها والاستيلاء على مال الغير، وهذا داء حقير يتنافى مع مبدأ الدين وأصوله، ولكل من الشفعاء نصيب إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وكان الله على كل شيء مقيتا ومقتدرا على إيصال الجزاء لكل شافع.
بعد أن علم الله الناس طريق الشفاعة الحسنة وجزاءها وطريق الشفاعة السيئة ومآلها، علم الناس سنة التحية وآدابها، فكلاهما من أسبابها التواصل بين الناس، ولذا عدت التحية من الشفاعة، وإذا حييتم بتحية فالواجب ردها على أن تكون مثل الأولى أو أحسن منها، وحسن الرد يكون بزيادة الألفاظ فإذا قال لك: السلام عليكم، تقول:
وعليكم السلام ورحمة الله. ويكون بزيادة معنوية كالبشاشة وحسن الاستقبال... إلخ، ما هو معروف.
وأحكام السلام موضحة في كتب الحديث، ومنها أن بدأه سنة ورده واجب، ويجوز بدء السلام ورده على غير المسلمين عند بعض الأئمة، وأن يسلم القادم على الجالس، والراكب على الماشي، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير، ولا يسلم الرجل على المرأة الأجنبية ويسلم على زوجته.
إن الله كان على كل شيء تعملونه حسيبا ومكافئا.
ثم ختم الآيات بالأساس العام للدين، وهو إثبات التوحيد والبعث ولا شك أن ذلك يدفع المسلم إلى العمل والامتثال لأمر الله، لا إله إلا هو، ليجمعنكم إلى يوم القيامة
ليأخذ كلّ جزاءه فلينظر الإنسان ما قدم، وليحاسب نفسه قبل أن يحاسب، ومن أصدق من الله حديثا، فكلامه- سبحانه- كلام عالم الغيب والشهادة الذي لا يضل ولا ينسى، وهو القوى القادر فكيف لا يكون صادقا في وعده؟!
المنافقون وكيف تعاملهم [سورة النساء (٤) :الآيات ٨٨ الى ٩١]
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٨٩) إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (٩١)
المفردات:
فِئَتَيْنِ الفئة: الجماعة. أَرْكَسَهُمْ الركس: رد الشيء مقلوبا، والمراد ردهم إلى الكفر والقتال. يَصِلُونَ: يتصلون. مِيثاقٌ : عهد. حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ: ضاقت عن قتالكم وقتال قومهم. السَّلَمَ: الاستسلام والسلام.
الْفِتْنَةِ: الشرك والضلال واضطراب الأحوال. ثَقِفْتُمُوهُمْ: وجدتموهم وصادفتموهم. سُلْطاناً مُبِيناً: حجة واضحة.
سبب النزول:
روى أن قوما من المنافقين استأذنوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الخروج إلى البدو معتلين بجو المدينة فلما خرجوا لم يزالوا راحلين حتى وصلوا مكة قلب الشرك،
وقيل: هم قوم أظهروا الإسلام وقعدوا عن الهجرة يظاهرون المشركين، وقد رويت عدة روايات في سبب النزول كثيرة، ولكن المعقول منها الموافق لروح الآية الروايات التي يشم منها أنها في جماعة خارج المدينة. ويظهر أن النفاق نوعان: نفاق في الإسلام وادعائه، وهؤلاء هم الذين كانوا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم في المدينة ونزل في شأنهم آيات النفاق في سورة البقرة وسورة المنافقون بدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يقتلهم أينما وجدوا، فهذا زعيمهم عبد الله بن أبىّ يسرح ويمرح على الملأ، وبدليل عدم اتخاذ الأولياء منهم حتى يهاجروا، فدل كل ذلك على أن هؤلاء الذين نزلت فيهم هذه الآية نوع آخر لم يكونوا في المدينة وإنما كانوا خارجها، نافقوا في الولاء للإسلام وادعوا أنهم مع المسلمين، والواقع أنهم عليهم، وهذا ما ظهر والله أعلم.
المعنى:
خاطب الله- جل شأنه- المؤمنين خطابا يتعلق بما قبله، ولذا أتى بالفاء: فما لكم اختلفتم في شأن المنافقين فئتين؟ جماعة يشهدون لهم بالخير، وأخرى تشهد لهم بالكفر والشرك، وكيف هذا؟ والحال أن الله صرفهم عن الحق وأركسهم في الضلال وردهم إلى الشرك على أقبح صورة، بما كسبوا من أعمال الضلال، والبعد عن حظيرة الإسلام
وعدم الهجرة مع رسول الله، أتريدون أن تبدلوا سنة الله في الخلق؟ وأن تجعلوا الضال مهتديا والكافر مسلما، لا يعقل هذا!! إنهم ينظرون إليكم نظرة الأعداء ويودون أن تكفروا مثلهم، فتكونوا سواء، ومن كان هذا حاله فلا يصح أن تختلفوا في شأنه، بل أجمعوا على أنه منافق خارج عن حدود الإسلام. ولا تتخذوا منهم أولياء تعتمدون عليهم، وتركنون إليهم، حتى يهاجروا في سبيل الله هجرة خالصة لوجه الله ورسوله فإن تولى هؤلاء الموصوفون بما ذكر، وأعرضوا عن الهجرة في سبيل الله ولزموا مواضعهم وأساليبهم السابقة وكانوا حربا عليكم فخذوهم إن قدرتم عليهم في أى مكان أو زمان واقتلوهم حيث وجدتموهم في الحل أو الحرم، ولا تتخذوا منهم وليّا ولا نصيرا. وقد استثنى الله منهم طائفتين:
(أ) الذين يتصلون بقوم معاهدين بينكم وبينهم ميثاق وعهد بعدم الاعتداء فيلحقون بهم، ويدخلون معهم في عهدهم.
(ب) الذين جاءوكم وقد ضاقت صدورهم بقتالكم وقتال قومهم المشركين وأعلنوا الحياد، فهؤلاء اتبعوا فيهم أيضا قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ [سورة البقرة آية ١٩٠] فهاتان الطائفتان لا يصح قتالهم.
واعلموا أن الله لو شاء لسلط هؤلاء وأولئك عليكم فانضموا إلى معسكر المشركين الذين يجاهرونكم بالعداوة والحروب، لكنه ألقى في قلوبهم الرعب والخوف منكم، فإن اعتزلوكم ولم يقاتلوكم بأى نوع من أنواع القتال وألقى المذكورون إليكم الاستسلام وزمام أمورهم فاعلموا أن الله لم يجعل لكم عليهم سبيلا تسلكونها للاعتداء عليهم.
وقال الرازي: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عامر السلمى على ألا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أن كل من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله جواره.
ستجدون آخرين، أى: فئة أخرى غير السابقة، مردوا على النفاق ومرنوا عليه يريدون أن يأمنوا على أنفسهم وأموالهم.
حكى ابن جرير أنها نزلت في قوم هم بنو أسد وغطفان وقيل غيرهم، كانوا يأتون النبي صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة، فيسلمون رياء ونفاقا ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان
ويرتدون إلى الشرك، يبتغون أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمر بقتلهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا أنفسهم.
هؤلاء كلما ردوا إلى الفتنة والشرك ودعوا إليها أركسوا فيها على أسوأ حالة، وبالغوا في الضلال، فهؤلاء إن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم زمام السلام فاقتلوهم إن تمكنتم منهم، وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا واضحا ظاهرا وحجة قوية في قتالهم.
قتل المؤمن وجزاؤه [سورة النساء (٤) :الآيات ٩٢ الى ٩٣]
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (٩٣)
المفردات:
خَطَأً: بغير قصد للقتل. فَتَحْرِيرُ: فعتق. رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ: نفس مؤمنة. وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ: مال يدفع لأهل القتيل جبرا لخاطرهم وعوضا
عنه. أَنْ يَصَّدَّقُوا: أن يعفوا عنها. مِيثاقٌ : عهد، أو ذمة، أو أمان.
مُتَتابِعَيْنِ: المراد شهرين قمريين لا يتخللهما فطر إلا لعذر شرعي. تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ: تطهيرا لأنفسكم ولأما لجرحكم.
سبب النزول:
روى أن الحارث بن يزيد من بنى عامر بن لؤي كان يعذب عياش بن أبى ربيعة ثم خرج الحارث مهاجرا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم ولم يعرف إسلامه بعد، فلقيه عياش بالحرة (ضاحية من ضواحي المدينة) فعلاه بالسيف وهو يظن أنه لا يزال كافرا، ثم جاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فأخبره الخبر، فنزلت الآية ثم قال له: قم يا عياش فحرر، أى: أعتق رقبة مؤمنة.
المعنى:
الإيمان بالله ورسوله إذا وصل إلى القلب منع صاحبه من ارتكاب الفواحش خاصة التعدي على النفس بغير حق، والمؤمن يشعر بحقوق الله عليه وحقوق إخوانه المؤمنين.
ويؤمن بقوله تعالى: ومَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً «١»
وروى في الصحيحين أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة»
والأحاديث التي تقرن القتل بالشرك كثيرة، ولذا يقول الله وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً «٢» أى: ليس من شأن الإيمان وطبعه أن يقتل المؤمن مؤمنا، وأن يقترف هذا الجرم الفظيع عمدا وبقصد!! ولكنه قد يقع منه ذلك خطأ وبغير قصد.
ومن قتل مؤمنا خطأ فعليه عقاب إذ الخطأ ينشأ من التهاون وعدم الاهتمام والاعتناء.
والقتل الخطأ: كأن يقصد طيرا فيصيب إنسانا، أو يظن شخصا كافرا حربيا فيظهر أنه مسلم، كما حصل لعياش- رضى الله عنه- أو يقصد إنسانا بما لا يقتل غالبا كالعصا البسيطة واليد فيقتله.
(١) سورة المائدة آية ٣٢.
(٢) سورة النساء آية ٩٢.
وعقابه في شيئين: كفارة للقتل، وهي: عتق رقبة مؤمنة، لأنه أعدم نفسا مؤمنة.
فيحيى بالعتق نفسا مثلها.
ودية مسلّمة إلى ورثة القتيل عوضا عن دمه، وإزالة للعداء، وقطعا للإحن والبغضاء. وقد بينتها السنة، وهي مائة من الإبل مختلفة الأسنان، أو قيمتها، وتجب على أسرة القاتل، فإن عجزت أخذت من بيت المال (وزارة المال)، وهي واجبة كما قلنا إلا إذا عفا أهل القتيل وتصدقوا بها، ولها أحكام كثيرة في كتب الفقه.
فإذا كان القتيل مؤمنا وهو من قوم أعداء لكم فالواجب تحرير رقبة مؤمنة فقط، بلا دية إذ لا يعطى لهم مال يحاربوننا به.
وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق أو عهد أو ذمة كالذي بين الدول الآن، فالواجب دية مسلّمة إلى أهله احتراما للعهود والدماء، وعتق رقبة مؤمنة، واختلف العلماء في دية غير المسلم فقيل: دية كاملة، وقيل: على النصف، والظاهر أن القرآن نكّر الدية للإشارة إلى أنها مال يتفق عليه ويحكم به الحاكم حسب ما يمليه عليه دينه وضميره، ويوافق العصر الذي هو فيه وتزال آثار القتل به، فمن لم يجد رقبة يعتقها فعليه صيام شهرين متتابعين، تطهيرا لنفسه وتكفيرا عن فعلته، ومعنى التتابع أنه إذا أفطر لغير عذر شرعي في أثناء الصوم لم يحسب له ما مضى.
وكان الله عليما بكم حكيما في حكمه.
ومن يقتل مؤمنا عامدا قاصدا قتله بما يقتل غالبا كالرصاص أو الآلة الحادة كالسيف مثلا، فجزاؤه جهنم، خالدا فيها، وغضب الله عليه، وطرده من رحمته وأعد له عذابا عظيما لا يدرى كنهه إلا المنتقم الجبار!! لأنه هدم ما بناه الله بغير حق.
هذا غير القصاص في القتل كما ثبت في آية البقرة وآية المائدة.
وهذا التهديد الشديد والوعيد الكثير المفهوم من الآية جعل بعض الأئمة كابن عباس يقول: ليس للقاتل توبة، وفيه أحاديث صحيحة تثبت ذلك. وقال بعضهم: هذا من التغليظ، وقوله تعالى: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً «١» يشمل القاتل وقيل: إن هذا الجزاء لمن استحل قتل المؤمن. والله أعلم.
(١) سورة الفرقان آية ٧٠.
التسرع في الحكم [سورة النساء (٤) :آية ٩٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٩٤)
المفردات:
ضَرَبْتُمْ: سرتم في الأرض للتجارة أو الحرب. فَتَبَيَّنُوا قرئ: فتثبتوا، والمراد: اطلبوا بيان الأمر وحقيقته ولا تتسرعوا. السَّلامَ: الاستسلام والانقياد، أو التحية. عَرَضَ الْحَياةِ: متاعها الفاني. مَغانِمُ كَثِيرَةٌ المراد:
أرزاق ونعم كثيرة.
سبب النزول:
رويت روايات كثيرة كلها تدور حول قتل مسلم أظهر إسلامه ساعة القتال وهو في أرض المشركين، عن ابن عباس- رضى الله عنهما-: مر رجل من بنى سليم بنفر من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو يسوق غنما له فسلم عليهم فقالوا: ما سلّم علينا إلا ليتعوذ منا. فعمدوا إليه فقتلوه واستاقوا غنمه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت الآية.
المعنى:
بعد بيان حكم قتل المسلم خطأ وعمدا، شرع في بيان نوع من قتل الخطأ الناشئ عن التسرع في الحكم على الرجل بعدم الإسلام.
يا أيها الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله: إذا سافرتم في سبيل الله، ولإعلاء كلمته فالواجب عليكم أن تتمهلوا في الحكم على من يقابلكم، وتتبينوا جلية الأمر. هل هو مؤمن يظهر عليه علامة الإيمان من التهليل والتكبير وإلقاء تحية الإسلام؟ فمتى ظهر عليه شيء من ذلك، فلا تتعرضوا له أصلا فأنتم مأمورون بالحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، وليس لكم أن تقولوا: قال هذا تعوذا منا ليفر بنفسه وليس مؤمنا فالله أعلم به، تبتغون بذلك عرض الدنيا الفاني وحطامها الزائل من الغنيمة التي معه، فعند الله أرزاق ونعم كثيرة لا تحصى، وله خزائن السموات والأرض، فلا يصح منكم ولا يليق بكم أن تفعلوا هذا الفعل وتتسرعوا في الحكم، على أنكم كنتم هكذا من قبل، آمنتم سرا ثم أظهرتم الإسلام علنا فقبلتم في عداد المؤمنين وصرتم آمنين مطمئنين، إن الله كان بما تعملون خبيرا وبصيرا سيجازيكم على نواياكم فاحذروه وخافوا عقابه.
الجهاد في سبيل الله وفضله [سورة النساء (٤) :الآيات ٩٥ الى ٩٦]
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (٩٥) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٩٦)
المفردات:
الضَّرَرِ: المرض والعلة كالعمى والعرج. الْحُسْنى: هي الجنة.
المعنى:
لا يستوي القاعدون عن الجهاد بأموالهم بخلا بها، وحرصا عليها، وضنّا بها عن
الإنفاق في سبيل الله، والقاعدون بأنفسهم حرصا على الراحة والنعيم، نعم لا يستوي هؤلاء مع المجاهدين في سبيل الله.
ولكن القعود عن الجهاد يكون مذموما حيث لا عذر يمنع منه، فإن كان هناك عذر شرعي فلا لوم ولا عتاب، بل
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند دخوله المدينة بعد غزوة تبوك:
«إن في المدينة لأقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا كانوا معكم فيه. قالوا:
يا رسول الله: وهم بالمدينة؟ قال: نعم وهم بالمدينة حبسهم العذر»
.
فضل الله المجاهدين في سبيل الله بالنفس والنفيس على القاعدين بعذر درجة وفضلا والله أعلم به، وإن كان قد وعد كلا الجنة والمثوبة الحسنى.
أما القاعدون بغير عذر. فقد فضل الله عليهم المجاهدين أجرا عظيما، ودرجات كثيرة ومغفرة من الله كبيرة، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة، أى:
جوع في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار، ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح، ورحمة من الله ورضوان فوق هذا وذاك، ولا غرابة فالله غفور لمن يستحق المغفرة رحيم بمن يتعرض لنفحات الرحمة.
المهاجرون في سبيل الله والمتخلفون عنها [سورة النساء (٤) :الآيات ٩٧ الى ١٠٠]
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (٩٨) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (٩٩) وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٠)
المفردات:
تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ توفى الشيء: أخذه وافيا تامّا، وتوفى الملائكة الناس: قبض أرواحهم حين الموت. سَبِيلًا طريقا يوصلهم. مُراغَماً الرغم: الذل والهوان. وأصله لصوق الأنف بالرغام، أى: التراب، والمراد: مكانا للهجرة ومأوى يصيب فيه الخير فيرغم بذلك أنوفهم. وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ أى: وجب، ألا ترى إلى قوله تعالى: وَجَبَتْ جُنُوبُها أى: وقعت جنوبها على الأرض.
نزلت في قوم أسلموا بمكة، وتركوا الهجرة ثم ماتوا. وقيل: ماتوا في غزوة بدر وكانوا يحاربون في صفوف الكفار على كره منهم فقتلوا.
المعنى:
لما اشتد إيذاء الكفار للمسلمين في أول الأمر وهاجر بعضهم إلى الحبشة ثم هاجر الرسول صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة، وولدت الدولة الإسلامية. في هذا الوقت كانت الهجرة واجبة وكان بعض المسلمين قد هاجر مع النبي صلّى الله عليه وسلّم ولم يدخر وسعا في ذلك. وبعضهم قعد عنها حبّا في وطنه وإيثارا للدنيا وعرضها، ومنهم من كان ضعيفا لا يقدر عليها لمرض أو كبر أو جهل بالطريق، ومنهم من هاجر ومات في الطريق.
إن الذين قبضت أرواحهم الملائكة وهم في دار الشرك حالة كونهم ظالمي أنفسهم برضاهم الإقامة في دار الشرك وإيثارهم الدنيا وعرضها على نصرة الحق، والهجرة مع رسول الله، وبقبولهم الظلم والتضييق عليهم في عدم إقامتهم الشعائر الدينية. هؤلاء قالت لهم الملائكة توبيخا لهم وتأنيبا: في أى شيء كنتم من أمور دينكم؟ فإنهم تركوا الهجرة التي كانت طريق نصرة الإسلام في مهده وهم قادرون عليها قالوا معتذرين بغير
العذر الحقيقي: كنا مستضعفين ومستذلين في مكة، فلم نقدر على إقامة الدين وواجباته، وهذه حجة واهية، ولذا قالت لهم الملائكة: ألم تكن أرض الله التي يمكنكم فيها القيام بواجبات الدين والهجرة مع الرسول بدون تعرض لكم، ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟؟ نعم هي واسعة ولكنكم رضيتم بالذل، وآثرتم الدنيا على نصرة الحق. فأولئك جزاؤهم جهنم وبئس المصير مصيرهم.
وفي هذا إشارة إلى أنه يجب على المسلم أن يفر بدينه إلى حيث يمكنه أن يقيم حدوده وواجباته حسبما أمر الله، وقد استثنى الله من هؤلاء صنفا وهم المستضعفون حقيقة الذين لهم عذر مقبول كالشيوخ الضعفاء، والعجزة من النساء والولدان الذين لا يستطيعون الهجرة، وقد ضاقت بهم الحيل، وعميت عليهم الطرق فلا يهتدون إلى سبيل منها، مثل عياش بن ربيعة. ومسلمة بن هشام، وأم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عباس، وغيرهم، على أن المراد بالولدان المراهقون لا الصبيان، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم، ولا يؤاخذهم بالإقامة في دار الشرك وترك الهجرة، وفي هذا إشارة إلى أن ترك الهجرة ذنب كبير، وكان الله كثير العفو عن الذنوب غفورا لأصحابها.
وأما المهاجرون في سبيل الله وإن كان بهم ضعف فمن يهاجر منهم يجد في الأرض مكانا للهجرة، ومأوى يسلكه، فيه الخير والسعة والرزق والعزة، وهذا ترغيب في الهجرة، ووعد صريح لمن يخشى ترك المال والأهل ومشقة السفر والبعد عن الديار بأنه سيجد ما يغنيه ويرغم به أعداءه متى كانت هجرته خالصة لوجه الله!! ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت قبل الوصول إلى المدينة، فقد ثبت أجره على الله، والله هو الذي أوجب هذا تفضلا وإحسانا
«إنما الأعمال بالنيات».
روى أنها نزلت في جندب بن ضمرة وكان قد بلغه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ (الآية)، فقال لأولاده: احملوني إلى المدينة فلن أبيت بمكة الليلة، فحملوه ومات بالطريق فنزلت هذه الآية.
وما أعظم الفرق بين هذا الوعد المؤكد الذي لا يعلم كنهه إلا هو وبين الوعد بالمغفرة لمن ترك الهجرة لضعفه.
والهجرة قبل الفتح كانت واجبة ليعز المسلم دينه ويقيم حدوده وأركانه، ويتعلم الفقه ويأخذه من معينه الأول ولتقوية شوكة المسلمين ونصرة النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى إذا فتحت مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا، وانتشر الصحابة يعلمون الناس ويفقهونهم في دينهم، وقويت شوكة الإسلام لم تعد الهجرة واجبة
«لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا» (رواه الشيخان).
كيفية الصلاة في السفر والحرب [سورة النساء (٤) :الآيات ١٠١ الى ١٠٣]
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (١٠١) وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٠٢) فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (١٠٣)
المفردات:
ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ: سافرتم فيها لأن المسافر يضرب الأرض برجليه أو بعصاه أو بقوائم راحلته. تَقْصُرُوا أى: تتركوا شيئا منها. يَفْتِنَكُمُ: يؤذونكم بالقتل أو غيره. كِتاباً: فرضا ثابتا ثبوت الكتابة في اللوح. مَوْقُوتاً:
منجما في أوقات معلومة.
لا زال الكلام في الجهاد والهجرة وما يتصل بهما، وفيهما سفر وخوف فمن الحكمة بيان الصلاة فيهما.
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا إذا سرتم في الأرض وسافرتم فيها لقصد الهجرة أو للحرب أو التجارة فليس عليكم جناح ولا إثم في قصر الصلاة الرباعية، وهذه صلاة السفر المسماة في كتب الفقه بصلاة القصر، وذلك أن السفر شدة ومشقة رخص الشارع فيها قصر الصلاة، وقد ثبتت كيفيتها بالسنة المتواترة، أما صلاة الخوف الآتية في الآية فثبتت كيفيتها بنص القرآن. والثابت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وعن أبى بكر وعمر وكبار الصحابة وصدر من خلافة عثمان أنهم كانوا يصلون في السفر الظهر، والعصر، والعشاء ركعتين، ولذا قال الأحناف: إن قصر الصلاة في السفر عزيمة، أى: واجب، والشافعى يقول: إنها رخصة، أى: جائز لك أن تتم وأن تقصر، والظاهر أن الحق مع الأحناف.
وعثمان- رضى الله عنه- قيل:
حددوها بمسيرة ثلاثة أيام بلياليها على القدم أو على البعير وحددت الآن بالكيلومتر حوالى ٨١ كيلو متر، وبعضهم يرى القصر مع أى سفر كان.
إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا بمعنى أن يتعرضوا لكم بما تكرهونه من القتال وغيره فليس عليكم جناح، قال العلامة أبو السعود في تفسيره: «وهذا شرط معتبر في شرعية ما يذكر بعده من صلاة الخوف المؤداة بالجماعة، وأما في حق مطلق القصر فلا اعتبار له اتفاقا لتظاهر السنن على مشروعيته»
وقد روى عن عمر- رضى الله عنه- أنه سئل عن قوله تعالى: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وعن أمن الناس فقال: سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته».
فالظاهر- والله أعلم- أن السفر مطلقا يقتضى القصر، وقوله تعالى: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ كقوله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً «١» حيث إن الإكراه حرام مطلقا أردن التحصن أم لم يردن.
إن الكافرين كانوا لكم عدوّا مبينا ظاهرا فاحذروهم في السفر والإقامة... ولقد ذكر القرآن الكريم كيفية صلاة الخوف بعد ذكرها مجملة، وأنه لا إثم فيها لأنها تزيد على صلاة القصر بكثرة التغير عن الهيئة العامة مع القصر.
وإذا كنت يا محمد فيهم- وكذلك كل إمام قائم مقامك- فأقمت لهم الصلاة وناديتهم لها بالأذان والإقامة. فالواجب أن يقسم الجيش طائفتين، فلتقم طائفة منهم معك في الصلاة وليأخذوا أسلحتهم معهم حتى لا يحتاجوا إلى مجهود عقب الصلاة، وربما باغتهم العدو فيكونون على استعداد، فإذا سجدوا فليكن الذين يحرسون من ورائكم في اتجاه العدو مستعدين لرده إن حدثته نفسه بالاعتداء، والظاهر أن المراد بالسجود هنا إتمام الصلاة، فإذا أتمت الطائفة الأولى صلاتها وأنت واقف في أول الركعة الثانية فلتأت الطائفة الثانية التي كانت حارسة، وتقتدى بك وتأخذ حذرها وأسلحتها، ولعل الحكمة في الأمر بأخذ الحذر لها أن العدو قد يكون تنبه في صلاة الطائفة الأولى فمن الحكمة أن تحذر الثانية وتتنبه ثم تصلى بها الركعة الثانية لك وتنتظرها في جلوس التشهد الأخير حتى تقوم هي وتصلى الركعة الثانية لها ثم تسلم بها، وعلى هذا تحظى الطائفة الأولى بالتكبير مع الإمام والثانية بالتسليم معه.
(١) سورة النور آية ٣٣.
ولصلاة الخوف أحكام كثيرة في كتب الفقه وصفات الصلاة كلها تدور حول الآية وتختلف باختلاف ما إذا كان العدو في جهة القبلة أو غيرها.
والحكمة العامة في الأمر بأخذ الحذر والسلاح حتى في الصلاة، أن الكفار يودون من صميم قلوبهم أن تغفلوا عن أسلحتكم وأمتعتكم ولو بانشغالكم في الصلاة، فينقضون عليكم ويميلون عليكم ميلة واحدة بالقتل والنهب ولكن الله يريد لكم النصر والغلبة، فيأمركم بالاستعداد والحذر.
ولا جناح عليكم إذا كان بكم أذى كمطر أو مرض أو عذر أن تضعوا أسلحتكم مع أخذ الحذر والاستعداد للعدو، ولتعلموا أن النصر لكم ما نصرتموه. وأن الله يدافع عنكم إذا دافعتم عن قرآنه ودينه، وأنه أعد للكافرين عذابا شديد الإهانة في الدنيا والآخرة.
وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم يوم ذات الرقاع ما معناه أنه صلّى بطائفة ركعة ثم ثبت قائما فأتموا لأنفسهم الركعة الثانية وسلموا وانصرفوا تجاه العدو، وجاءت الطائفة الثانية فصلى بهم الركعة الثانية التي بقيت لهم ثم أتموا فسلم بهم.
وقال بهذه الصلاة أكابر الصحابة ومالك والشافعى رضى الله عنهم جميعا.
فإذا أديتم الصلاة- أى: صلاة الخوف- فاذكروا الله في أنفسكم بتذكر نعمه، وبألسنتكم بالحمد والتكبير والدعاء في أى حال تكونون من قيام وقعود واضطجاع.
وإذا كنا مأمورين بالذكر في الحرب على كل حال ولا عذر في تركه!! فما بالنا في السلم، فإذا اطمأننتم بانتهاء الحرب أو الحلول في دار الإقامة بعد السفر فأقيموا الصلاة كالمعتاد تامة الأركان والشروط، إن الصلاة عماد الدين قد فرضها الله فرضا ثابتا كالكتابة في اللوح، موقوتا بأوقات معلومة، فلا يصح أن يترك وقتها أبدا حتى في الحرب وساعة الخوف فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [سورة البقرة آية ٢٣٩].
وإتمام صلاة الخوف بالجماعة يدل على أن الجماعة مطلوبة في أشد الأحوال.
في الحث على القتال أيضا [سورة النساء (٤) :آية ١٠٤]
وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٠٤)
المفردات:
وَلا تَهِنُوا: لا تضعفوا. فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ: في طلب القوم ورد عدوانهم.
المعنى:
يرشدنا الله إلى أننا لا نضعف ولا نهن في طلب القوم الذين ناصبونا العداء.
وجاهرونا بالبغضاء، إن كنتم تتألمون من الحرب وشدتها فإنهم كذلك يتألمون مثلكم ولكنكم تنتظرون إحدى الحسنيين وترجون من الله نصرة دينه، وفوز حزبه والثواب الجزيل على حرب الأعداء، وكان الله عليما حكيما فيما يأمركم به وينهاكم عنه.
وهذا من باب تقوية الروح المعنوية، وشحذ العزائم بالنسبة لمن يتربص بالإسلام الدوائر، ويناصبونه العداء بل ويعتدى علينا بالفعل.
أما من لم يقاتلنا في الدين ولم يخرجنا من ديارنا فلا جناح علينا أن نبرهم ونقسط إليهم، ونعاملهم معاملة حسنة، وصدق الله: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (الممتحنة آية ٨)
حفظ الحقوق وعدم المحاباة في الأحكام [سورة النساء (٤) :الآيات ١٠٥ الى ١١٣]
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٦) وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (١٠٨) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (١٠٩)
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (١١٢) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (١١٣)
المفردات:
لِلْخائِنِينَ: الذين يخونون أنفسهم بارتكاب المعاصي. وَلا تُجادِلْ
المجادلة: أشد أنواع المخاصمة. خَوَّاناً أَثِيماً
: مبالغا في الخيانة وركوب الآثام.
يَسْتَخْفُونَ
: يستترون من الناس حياء وخوفا. يُبَيِّتُونَ
: يدبرون، والأكثر أن يكون هذا ليلا. وَكِيلًا
: حفيظا يوكل إليه الأمر في الحفظ والحماية.
خَطِيئَةً
: ذنبا بلا قصد، والإثم: الذنب المقصود. يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً
: يقذفه به ويسنده إليه. بُهْتاناً
: كذبا يبهت الغير ويجعله يتحير عند سماعه.
سبب النزول:
روى أن طعمة بن أبيرق أحد بنى ظفر من الأنصار سرق درعا- من جار له- في جراب دقيق فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه، وخبأها عند زيد بن السمين من اليهود، فالتمسوا الدرع عند طعمة فلم يجدوها وحلف بالله ما أخذها، فساروا في أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي فأخذوها، فقال: دفعها إلىّ طعمة، وشهد له ناس من اليهود بذلك ولكن طعمة أنكر ذلك، فقالت بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله، فسألوه أن يجادل عن صاحبهم، وقالوا: إن لم تفعل هلك وافتضح وبرىء اليهودي فهم النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يفعل وأن يعاقب اليهودي، فنزلت.
وروى أن طعمة هرب إلى مكة وارتد، وقد سقط عليه حائط في سرقة فمات.
المعنى:
أراد الله- سبحانه وتعالى- أن يأمر رسوله بإقامة العدل والحكم بما أنزل الله، والرسول صلّى الله عليه وسلّم في المكان الذي نعرفه، فما بال الناس والحكام غيره؟! إنا أنزلنا إليك يا محمد القرآن هاديا إلى صراط الله العزيز الحكيم، وهو الحق من عنده، والحق في خيره وطلبه وحكمه، أنزله لتحكم بين الناس بما علمك الله وأرشدك إليه، فاحكم بين الناس به، ولا تكن لمن خان نفسه وغيّر ضميره مخاصما ومدافعا تدافع عنه وترد من طالبه بالحق.
فعلى الحكام أن يبحثوا في القضية، ويدققوا النظر في شكلها وموضوعها، ولا تغرنهم بلاغة الخصم ولحنه في القول، ولا تأخذهم العاطفة الدينية أو الجنسية فيميلوا لبنى جنسهم أو دينهم، ولعل السر فيما دار في خلد النبي صلّى الله عليه وسلّم أن طعمة المسلم يغلب عليه الصدق، وذاك اليهودي يغلب عليه الكذب والخداع.
والثابت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يحكم في هذه القضية قبل نزول القرآن ولم يعمل بغير ما يعتقد لكنه أحسن الظن في المسلم، فبين له علام الغيوب حقيقة الأمر.
واستغفر- يا محمد- الله مما يعرض لك من شئون البشر وميلك إلى من هو ألحن بحجة أو إلى من هو مسلم لإسلامه فهذا وإن لم يكن ذنبا إلا أنه في صورة الذنب. إن الله كان غفورا لذنوب عباده، ستارا رحيما بهم.
ولا تجادل- يا محمد- عن الذين يخونون أنفسهم بتعديهم على حقوق الغير، إن الله لا يحب بل يبغض من كان كثير الخيانة دائبا على ارتكاب الإثم، واجتراح السيئة!! والخيانة مطلقا تقتضي عدم المحبة من الله لصاحبها، ولكن الوصف المبالغ فيه في الآية لبيان ما كان عليه من طعمة وأقاربه، هؤلاء وأمثالهم الذين يأخذون المال خفية يستخفون من الناس، ويستترون منهم حياء وخوفا، ويا للعجب العجاب!! يستخفون من الله عالم الغيب والشهادة الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، وبالضرورة يعلمهم ويشاهدهم وقت أن يدبروا ليلا ما لا يرضى الله ورسوله، تبرئة لأنفسهم ولصاحبهم ولرمي غيرهم بالجريمة وهم يعلمون أنه برىء، وما ذاك إلا لضعف دينهم ولصدأ قلوبهم، وكان الله بما يعملون محيطا وحافظا لهم، فكيف ينجون من عقابه؟
أيها الأقارب لطعمة: ها أنتم أولاء جادلتم عن صاحبكم ومن وقف معه تبرئة له، زورا وبهتانا، جادلتم في الدنيا، فمن يجادل عنهم يوم القيامة؟ يوم تكشف السرائر، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله؟ بل من يكون عليهم وكيلا ومدافعا عنهم؟ لا أحد إلا أعمالهم تنطق عليهم، فلينظر كل إلى عمله.
ومن يعمل سوءا يتعدى جرمه إلى غيره أو يظلم نفسه بفعل معصية خاصة، ثم هو يرجع إلى الله ويتوب نادما على فعله فإنه يجد الله غفورا رحيما يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، لأنه كتب على نفسه الرحمة، فلا تيأسوا من رحمته، ومن يفعل
إثما ويرتكب جرما ظنّا منه أنه كسب لنفسه شيئا فإنما مكسبه وبال وضرر عليه لا يتعداه إلى غيره، فليبق على نفسه من كسب السوء، وليعلم أن الله عليم به، وحكيم في وضعه العقاب الصارم للمذنب.
ومن يكسب ذنبا خطأ بلا قصد أو ذنبا آثما فيه وقاصدا له ثم يجنى جناية أخرى بأن يرمى به شخصا بريئا لا ذنب له مهما كان دينه وجنسه ولونه، فقد احتمل بشدة وألم بهتانا حيث كذب على الله في ادعائه البراءة واتهامه البريء الذي يبهت ويتحير عند سماعه هذا الاتهام، وقد احتمل إثما في ارتكاب الذنب.
فانظر يا أخى كيف ينشد الإسلام العدالة حيثما كانت ويطبقها على المسلم وغيره!! ولولا فضل الله عليك يا محمد أنت وأمتك ورحمته بك وأنه عصمك من الوقوع في الخطأ العملي والقولى، ويمنع عنك أذى الأشرار الذين يحاولون إضلالك وتلبيس الحق بالباطل وإخفائه عليك، لهمت طائفة منهم أن يضلوك، فإن الإنسان مهما كان إذا أحيط بجماعة كهؤلاء يحتاج إلى بحث وفكر حتى يميز حقهم من باطلهم، ويكشف حيلهم ويرد كيدهم، ومن ثم تفضل الله بزحزحة الأشرار عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وصرف كيدهم عنه حتى يسير على طريق الله وهدى القرآن والنور الذي أنزل عليه كاشفا له الحقائق ليكون حكمه سليما عادلا.
والواقع أنهم بهذا لا يضلون إلا أنفسهم، إذ الوزر عليهم فقط، وما يضرونك أبدا وقد عصمك الله من كل مكروه وأنزل عليك القرآن، والحكمة- وهي فقه مقاصد الدين وأسراره- وعلمك ما لم تكن تعلم قبل ذلك، ولا غرابة ففضل الله عليك عظيم إذ أرسلك للناس كافة وجعلك خاتم الأنبياء، وشهيدا عليهم يوم القيامة، وعصمك من الناس، وجعل أمتك وسطا، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها.
إرشادات [سورة النساء (٤) :الآيات ١١٤ الى ١١٥]
لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١١٤) وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥)
المفردات:
نَجْواهُمْ: مسارتهم بالحديث. أَوْ مَعْرُوفٍ: ما يعرفه الشرع ويقره العقل. يُشاقِقِ المشاقة: المعاداة والمخالفة، وذلك أن كل واحد من المتعادين يكون في شق.
سبب النزول:
نزلت في تناجى أهل طعمة ليلا بالفساد وتعاونهم على الشر
وروى أن طعمة ارتد ومات مشركا فنزلت آية وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ في حقه.
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ولكن تناجوا بالبر والتقوى وفعل الخير والمعروف، وذلك أن التناجي وحديث السر مظنة لارتكاب الإثم: إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ «١» إذ
«الإثم ما حاك في الصدر وخفت أن يطلع عليه غيرك»
(١) سورة المجادلة آية ١٠.
(حديث شريف)
، ولما كان التناجي قد يكون في الأمور العادية كالزراعة والتجارة مثلا، وفيما يضر شرعا قال الله: لا خير في كثير من تناجى الناس إلا نجوى من أمر بصدقة أو بما تعارف عليه الشرع من كل خير عام، أو بإصلاح بين الناس في الخصومة والنزاع، والخيرية في هذه الأشياء الثلاثة إنما يكون في السر دون الجهر: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ «١» وكذلك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إذا ما كان في السر كان أجدى لمن يسدى له النصيحة، والإصلاح بين الناس قد يكون في السر أدعى لإزالة الخصومة وسل السخيمة وتقريب الشقة.
ومن يفعل ذلك بقصد طلب الرضا من الله بأن يكون الدافع له على هذا العمل في السر الرغبة في رضوان الله فسوف يؤتيه أجرا عظيما والله أعلم به.
ومن يشاقق الرسول بارتداده عن الإسلام وإظهاره عداوته له من بعد ما ظهرت له الهداية على لسان رسوله، ويعادى سنته ويتبع غير سبيل المؤمنين ويخالف إجماعهم وما اتفقوا عليه فجزاؤه أن الله يوليه ما تولى ويتركه يتخبط في دياجير الظلام والضلال:
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [سورة الصف آية ٥] وجعل النار مصيرهم وساءت مصيرا، ويمكن أن نفهم من هذه الآية أن الوجهة التي يتوجه إليها الإنسان ويرضاها لنفسه يوليه الله إياها ويسيره في طريقها، وعلى ذلك فاستحقاقه العقاب أمر طبيعي لاختياره طريق الشر وبعده عن الصراط المستقيم.
الشرك وخطره، والشيطان وأثره [سورة النساء (٤) :الآيات ١١٦ الى ١٢٢]
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (١٢٠)
أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً (١٢٢)
(١) سورة البقرة آية ٢٧١.
المفردات:
يَدْعُونَ: يتوجهون ويطلبون المعونة، وهذا نوع من العبادة. شَيْطاناً قيل: إنه الخبيث من الجن والإنس. مَرِيداً: متمرنا على الخبث والخبائث.
لَعَنَهُ: طرده من الرحمة مع السخط والإهانة. مَفْرُوضاً: معينا ثابتا.
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ: لأدفعنهم إلى الضلال والفساد. وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ: أزين لهم الأمانى الباطلة المبنية على غير أساس. فَلَيُبَتِّكُنَّ البتك: القطع، والمراد قطع آذان الأنعام لأجل تمييزها للآلهة. مَحِيصاً: مهربا ومخلصا.
المناسبة:
بين الله جزاء العصيان والخروج عن الشرع ومشاقة الرسول والمؤمنين، وهنا بين أن الله لا يغفر الشرك به أصلا ويغفر غيره لمن يشاء، وهذا تحذير وإطماع.
المعنى:
الشرك بالله لا يصدر عن قلب فيه مثقال ذرة من إيمان، ولذلك لا يغفر الله الشرك أصلا، ولكنه يغفر ما دون ذلك- لأن القلب فيه بقية من نور الإيمان- لمن يشاء من
عباده الذين تابوا إلى الله وأنابوا إليه قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها. وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها «١» والقرآن الكريم ساق مثل هذه الآية قريبا تسجيلا لفظاعة جرم الشرك بالله بالنسبة لغيره من المعاصي، وليس هناك تكرير للآية وإنما هو مبدأ قرآنى وقاعدة مهمة في الدين تذكر عند ما يناسبها كرأى السياسى أو مذهبه الذي يذكره ويكرره في كل خطبة مع ما يناسبه من قول محكم ومعنى دقيق، ومن يشرك بالله شيئا من الإشراك في القول أو الفعل أو الاتجاه أو التقديس فقد ضل ضلالا بعيدا عن الخير والرشد، ما يعبدون بدعائهم غير الله إلا أمواتا لا ينفعون ولا يضرون بل إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ «٢» وقيل: سماها إناثا لأنها اللات والعزى ومناة، وما يدعون بذلك إلا شيطانا متمرنا على الإيذاء والخبائث لعنه الله وطرده من رحمته مع الذل والهوان، فإنه داعية الشر والفساد، ولذا يقسم: لأتخذن من عبادك جزءا من الناس معينا لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ «٣» وقيل: ما من إنسان إلا وفيه استعداد للخير وللشر ووسوسة الشيطان وهذا معنى وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ «٤» ولأضلنهم وأصرفنهم عن العقائد الصحيحة والطرق المستقيمة مغريا لهم بالأمانى الباطلة، كما إذا وسوس لإنسان بارتكاب المعاصي وغره بالمغفرة أو الشفاعة... إلخ، من الأمانى الكاذبة، وهذا ديدن الشيطان وطبعه إضلال العباد وملء عقولهم بالأمانى الباطلة، ولآمرنهم بكل سوء وضار فليقطعن آذان الأنعام للآلهة كما كانوا يفعلون في البحيرة من شق الآذان أو قطعها.
ولآمرنهم فليغيرن خلق الله وفطرته التي فطر الناس عليها وهي الاهتداء إلى الحق والدين الصحيح فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها «٥» إذ
«كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه» (حديث شريف).
وقيل: المراد بتغيير خلق الله الأمور الحسية كالخصاء وغيره، وقد روى المعنيان عن السلف الصالح، ومن يتخذ الشيطان وليّا وإماما من دون الله فقد باء بالخسران المبين، وهل هناك خسران أكثر من ترك هدى القرآن واتباع أساليب الشيطان؟
(١) سورة الشمس الآيتان ٩ و ١٠.
(٢) سورة الحج آية ٧٣. [..... ]
(٣) سورة ص الآيتان ٨٢ و ٨٣.
(٤) سورة البلد آية ١٠.
(٥) سورة الروم آية ٣٠.
وهو يعدهم الباطل ويمنيهم بالكاذب، يعدهم بالفقر والمرض والتأخر والبعد عن الحضارة ويمنيهم الأمانى الواسعة الكاذبة، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا وباطلا، أولئك المتبعون للشيطان التاركون للقرآن مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا ولا مهربا وبئس المصير مصيرهم.
والذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات ولم يقترفوا المنكرات وخالفوا أنفسهم وشياطينهم وكانوا من عباد الله المخلصين الذين قوى الله إيمانهم وأنار بصيرتهم أولئك سيدخلهم ربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين ولهم فيها ما يدّعون نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ «١» وعد الله ومن أصدق من الله حديثا؟ فانظر يا أخى- رعاك الله ووفقك- أين أنت من هؤلاء وأولئك!؟ وهل أنت من حزب الرحمن؟!!
الأمانى وعاقبتها، والعمل وجزاؤه [سورة النساء (٤) :الآيات ١٢٣ الى ١٢٦]
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً (١٢٥) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (١٢٦)
(١) سورة فصلت آية ٣٢.
المفردات:
بِأَمانِيِّكُمْ الأمانى: مفردها أمنية، وهي تمنى الشيء المحبوب. وَلِيًّا:
يتولى أمره ويدافع عنه. نَقِيراً: هو النقرة في النواة، ويضرب بها المثل في القلة.
حَنِيفاً: مائلا عن الزيغ والضلال. خَلِيلًا الخليل: المحب الذي يدفع الخلة، أى: الحاجة عن صاحبه وقد تخللت محبته قلبه.
المناسبة:
مر أن الشيطان يعد أصحابه ويمنيهم الأمانى الكاذبة وقد كان لهذا أثر في نفوس أهل الكتاب وبعض ضعاف الإيمان من المسلمين فناسب بيان حقيقة الأمانى وأثرها والعمل وجزائه.
المعنى:
ليس الثواب يوم القيامة يحصل بالأمانى منكم أيها المسلمون أنتم وأهل الكتاب، ولكن الثواب المعد في الآخرة إنما هو منوط بالعمل، فمن يعمل مثقال ذرة من سوء يجز به الجزاء المساوى لعمله حسبما وعد الله، ولا يجد له من غير الله وليا يتولى أمره أو يدافع عنه ولا نصيرا ينصره يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ومن يعمل مثقال ذرة من الصالحات سواء كان ذكرا أو أنثى عربيا أو عجميًّا وقد جمع مع ذلك الإيمان الخالص بالله ورسوله فأولئك يدخلون الجنة التي وصف لهم بعض ما فيها في القرآن وصفا قريبا من المشاهد المحسوسة حتى تتصوره عقول البشر، ولا يظلم أحد نقيرا، والنقير مثل في القلة، والله أرحم الراحمين لا يظلم أحدا من العالمين، ولا يزيد في عقاب المقصرين وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ «١» وبعد أن بيّن- سبحانه- أن الجزاء منوط بالعمل لا بالأمانى ولا الغرور الكاذب أردف ذلك بذكر درجات الكمال فقال:
لا أحد أحسن دينا من دين من أسلم وجهه لله وجعل قلبه خالصا له، وفوض أمره إليه لا يعرف رباّ سواه وبالطبع لا أحد يساويه، وقد عبر عن توجه القلب بإسلام الوجه
(١) سورة الزلزلة آية ٨.
لأن الوجه هو المرآة لما في القلب، ومع هذا الإيمان الكامل هو محسن للعمل، والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، واتبع ملة إبراهيم وطريقته حالة كونه حنيفا ومائلا عن الشرك، فهو الذي تبرأ من الوثنية وأهلها وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ. وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ «١».
وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا جملة اعتراضية تفيد مبلغ تفانى إبراهيم الخليل في الذات العلية وإخلاصه في إيمانه إخلاصا جعله خليل الرحمن عدو الشيطان، وقد اختصه الله بكرامات ومنزلة يشبه بها الخليل لدى خليله، ومن كان كذلك كان جديرا بأن تتبع ملته وطريقته.
واعلموا أن لله ما في السموات والأرض ملكا وخلقا وتصريفا وعبيدا فهو القادر على جزاء العاملين خيرا أو شرا. إذ الكل ملكه فلم يخرج أحد من ملكوته، وهو المستحق للطاعة والعبادة وحده إذ هو المالك ومن عداه مملوك، ولم يتخذ إبراهيم خليلا لحاجة إذ له ملك السموات والأرض وما فيهن، وإبراهيم عبد خاضع، والمولى سيد قاهر جل شأنه، وكان الله بكل شيء محيطا بعلمه وقدرته وتدبيره وخلقه.
حقوق الضعفاء وعلاج المشاكل الزوجية [سورة النساء (٤) :الآيات ١٢٧ الى ١٣٠]
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (١٢٧) وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً (١٣٠)
(١) سورة الزخرف آية ٢٦- ٢٨.
المفردات:
يَسْتَفْتُونَكَ: يطلبون منك الفتيا. يُفْتِيكُمْ: يبين لكم ما أشكل من أمورهن. ما كُتِبَ لَهُنَّ أى: فرض لهن من ميراث وصداق. وَأَنْ تَقُومُوا: وأن تعنوا عناية خاصة بهن. بِالْقِسْطِ: العدل. خافَتْ مِنْ بَعْلِها: توقعت من زوجها. نُشُوزاً: تكبرا وتعاليا. إِعْراضاً: ميلا.
وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ: جعلت مطبوعة عليه وحاضرة له لا تنفك عنه أبدا.
كَالْمُعَلَّقَةِ: التي ليست مطلقة ولا ذات بعل. سَعَتِهِ السعة: الغنى.
المناسبة:
كان الكلام أول السورة في الأحكام المتعلقة باليتامى والنساء والقرابة والإرث والمصاهرة، ومن قوله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً في أسس الدين وما يتعلق بذلك من ذكر أهل الكتاب، والقتال، وقد كثر السؤال بشأن حقوق النساء
واليتامى والعدل بينهن وهل يحل أن يمنع اليتيمة ما كتب لها من الإرث حين يرغب في نكاحها؟ وبماذا يصالح امرأته؟ كل هذا مما تشتد الحاجة إلى معرفته والسؤال عنه، ولذا سئل الرسول صلّى الله عليه وسلّم في ذلك كثيرا فما بين حكمه فيما سلف أحيل بيانه على ما ورد في ذلك الكتاب، أى: هذه السورة وما لم يبين حكمه بعد بين هنا.
المعنى:
ويستفتونك يا محمد في حقوق النساء على الإطلاق الشاملة للميراث وحقوق الزوجية والمعاشرة، قل: الله يفتيكم فيهن ويبين لكم ما أشكل من أمرهن وكذلك يوضح لكم هذا ما أنزله الله من الآيات السابقة في أول السورة التي تتلى عليكم كأحكام معاملة النساء اليتامى في المواريث فقد جرت عادتكم ألا تعطوهن ما كتب لهن من الإرث إذا كان في أيديكم، وما يتلى عليكم في هذا قوله: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ ولا تأكلوها (الآية). وترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن والتمتع بأموالهن. وقيل:
المعنى: وترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن فلا تنكحوهن، وما يتلى عليكم قوله:
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا (الآية). وقد كان الرجل منهم يضم اليتيمة ومالها إلى نفسه فإن كانت جميلة تزوجها وأكل مالها وإن كانت دميمة عضلها عن التزوج حتى تموت فيدفنها.
وما يتلى عليكم كذلك في شأن المستضعفين من الأولاد لا تعطونهم حقهم في الميراث وذلك قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ (الآية).
والله يذكرهم بالآيات السابقة ليتدبروا معناها فإن النفس كثيرا ما تتغافل عن دقائق الأحكام خصوصا إذا كانت الآيات تخالف طبائعهم وما ألفوه من الظلم والجور، والله يرشدكم إلى أن تقوموا لليتامى من هؤلاء النساء والولدان الضعفاء بالعدل وأن تعنوا بهم عناية خاصة.
وما تفعلوا من خير- قل أو كثر- فإن الله عليم فسيجازيكم عليه أحسن الجزاء، وما تفعلوا من شر- قل أو كثر- فإن الله به عليم ومجازيكم عليه.
وإن كانت امرأة تتوقع من زوجها استكبارا وعلوّا عليها بأن يمنعها نفسه ويغلظ لها
القول أو يعاملها معاملة قاسية لا تتناسب مع رابطة الزوجية التي عبر عنها القرآن بقوله:
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [سورة الروم آية ٢١].
وعلى المرأة الانتظار والتريث فربما يكون الزوج مضطرّا إلى هذا العمل لظروف خاصة له فإذا أحست منه ذلك لكراهته إياها ورغبته عنها، فلا إثم عليها ولا حرج في أن يصلحا بينهما بأن تعرض على زوجها التنازل عن بعض حقوقها ونفقاتها لتبقى في عصمته إن كان ذلك خيرا لهما أو تتنازل عن نفقة العدة أو عن بعض الصداق ومتعة الطلاق ليطلقها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ «١» إن كان في هذا خير لها.
وقد روى أن امرأة أراد زوجها أن يطلقها لرغبته عنها وكان لها منه ولد فقالت:
لا تطلقني ودعني أقم بتربية ولدي وتقسم لي في كل شهرين فقال: إن كان هذا يصلح فهو أحب لي، والصلح خير من الطلاق والشقاق والخلاف الذي يهدم كيان الأسر ويقطع رابطة من أقدس الروابط، وناهيك أن الطلاق أبغض الحلال إلى الله فالصلح هو الخير حتى لا يمنى المجتمع بداء التفرق فإن فيه القضاء على الأولاد الصغار وضياعهم ماديا وأدبيا، ويشير القرآن إلى أن الشح طبع في النفوس فقد جعلت حاضرة له ومطبوعة عليه فتجد المرأة تشح نفسها ولا تسمح بحقوقها التي قبل الرجل وترى الرجل شحيحا لا يجود بحسن المعاشرة وطيب المعاملة، هكذا جبلت النفوس. وعلى هذا طبعت، وأحضرت الأنفس الشح وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «٢»
فالقرآن يحث كلا من الزوجين على التنازل عن بعض الحقوق وعلى معالجة شح النفس، ويقول لهم أيضا: وأن تحسنوا المعاملة وتتقوا النشوز والإعراض والمعاكسة وتصبروا على ما يبدو من أحد الزوجين مراعاة لحقوق الزوجية وهناءتها، أن تفعلوا ذلك فإن الله بما تعملون خبير وبصير.
ولن تستطيعوا العدل بين النساء ولو كنتم حريصين على ذلك ففي المعاملة أمور مادية وأخرى غير مادية، وأما المادية فتستطيعون فعلها والعدل فيها كالمبيت والنفقة والكسوة... إلخ، أما الأمور القلبية كالميل والحب وغير ذلك مما يكون الباعث عليه
(١) سورة البقرة آية ٢٢٩.
(٢) سورة الحشر الآية ٩ والتغابن ١٦.
الوجدان والشعور النفسي، فهذا مما لا تملكونه، ولهذا خفف الله عنكم ورفع الحرج فيه.
ولكن لا تميلوا كل الميل بحيث تترك المرأة الثانية كالمعلقة لا هي مطلقة ولا هي متزوجة بل عليكم إرضاؤها وحسن عشرتها ومحاربة الميول الجارفة لضرتها حتى لا تتألم.
وإن لم ينفع العلاج واستفحل الداء حتى صار البيت كالمرجل المغلق المليء بالبخار المعرض للانفجار في أى وقت وانفجاره قد يودى بشرف الأسرة كلها وهتك حجابها فإن الكريم العليم الخبير بطبائع النفوس قد فتح بابا للتخلص من هذا حتى تهدأ النفوس وتسكن، ألا وهو باب الطلاق، وإن يتفرقا يغن الله كلا منهما من سعته وقدرته، وربما بعد الانفصال يعودان على أحسن حال وقلوب العباد بين أصابع الرحمن يقلبها كيفما شاء.
وكان الله واسع الفضل والتدبير حكيما فيما شرعه لعباده.
كمال القدرة [سورة النساء (٤) :الآيات ١٣١ الى ١٣٤]
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً (١٣١) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (١٣٣) مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (١٣٤)
المعنى:
واعلموا أن لله ما في السموات وما في الأرض ملكا وخلقا وإيجادا وتصريفا له الحكم وإليه ترجعون. ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب كالتوراة والإنجيل والزبور من قبلكم وهم اليهود والنصارى، ووصيناكم أنتم يا أمة محمد كذلك بأن اتقوا الله جميعا، وفي هذا إشارة إلى أن الأديان جميعها متفقة على مبدأ التوحيد وتقوى الله ومختلفة في الفروع تبعا للزمان والمكان، وإن تكفروا بالله فاعلموا أن له ما في السموات وما في الأرض وكان الله غنيا عن عبادتكم ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ «١» ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا. ثم هدد تهديدا عاما صريحا إن يشأ الله يذهبكم أيها الناس ويستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم، وكان الله على ذلك قديرا.
أيها الناس: من كان يريد بعمله ثواب الدنيا فقد أخطأ فعند الله ثواب الدنيا والآخرة فليرجوا ثوابهما معا رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ «٢» فبدل أن يبغى بالجهاد الدنيا فقط كالغنيمة فليرج بعمله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا لكل قول، بصيرا بكل قصد وعمل.
وفي هذه الآية إشارة صريحة إلى أن الدين الإسلامى كفل لأتباعه وكل من سار على هديه سعادة الدنيا والآخرة، وقد تحقق هذا في صدر الإسلام بما لم يتفق لأمة في المعمورة إلى الآن، ولو استقام المسلمون على سنة كتابهم وهدى دستورهم ورجعوا إلى الدين لاستردوا مكانتهم التي بهرت العالم قرونا طويلة.
(١) سورة الذاريات آية ٥٧.
(٢) سورة البقرة آية ٢٠١.
العدل والشهادة لله والإيمان به وبكتبه [سورة النساء (٤) :الآيات ١٣٥ الى ١٣٦]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١٣٦)
المفردات:
قَوَّامِينَ: جمع قوّام، وهو المبالغ في القيام بالشيء حتى يأتى على خير وجه.
انظر إلى قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ أَقِيمُوا الشَّهادَةَ. تَلْوُوا أى: ألسنتكم بالشهادة، والمراد تحرفونها ولا تأتون بها على وجهها. فإن اللّيّ هو التحريف وتعمد الكذب. تُعْرِضُوا: لا تؤدوها.
المعنى:
يأمر الله- سبحانه وتعالى- عباده بأن يكونوا قوامين بالعدل ومبالغين في الإتيان به على خير وجه، لا تأخذهم في الله لومة لائم، لا يصرفهم عنه صارف مع التعاون والتساند والتناصر، وأن يؤدوا الشهادة لله ابتغاء رضوانه وحينئذ تكون شهادة عامة خالية من التحريف والتبديل والكتمان ولو كانت على أنفسكم فاشهدوا الحق ولو عاد
ضرره عليكم أو على الوالدين والأقربين فإن بر الوالدين وصلة الأقارب لا تكون بالشهادة لغير الله، ولا تراعوا غنيا لغناه أو ترحموا فقيرا لفقره بل اتركوا الأمر لله، فالله يتولى أمرهما وهو أعلم بما فيه صلاحهما فلا تحملنكم العصبية وهوى النفس وبغضكم الناس على ترك العدل فيما بينكم وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى «١» ومن هذا ما
روى أن عبد الله بن رواحة لما بعثه صلّى الله عليه وسلّم يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزرعهم فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم فقال: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلىّ، ولأنتم أبغض إلىّ من أعدائكم من القرود والخنازير، وما يحملني حبى إياه وبغضي لكم على ألا أعدل فيكم.
فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض.
وأن تلووا ألسنتكم بالشهادة وتحرفوها أو تعرضوا عن إقامة الشهادة وتكتموها فاعلموا أن الله بما تعملون خبير وسيجازيكم بذلك.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ: المعنى: اثبتوا على ذلك وداوموا عليه وازدادوا يقينا، وآمنوا بالكتاب الذي أنزله الله على رسوله وهو القرآن وجنس الكتاب الذي أنزله على رسله كالتوراة والإنجيل، ومعنى الإيمان بالقرآن التصديق بأنه أنزل من عند الله على خاتم الأنبياء والمرسلين وهو الناسخ لما قبله ليس بعده شيء، والإيمان بالكتب السابقة على أنها من عند الله نزلت على موسى وعيسى.
وقيل: هو خطاب لمؤمنى أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه أتوا رسول الله قالوا: نؤمن بك وبكتابك والتوراة وبموسى ونكفر بما عدا ذلك، فقال- عليه السلام-: بل آمنوا بالله ورسوله والقرآن وبكل كتاب قبله. فقالوا: لا نفعل، فنزلت، فآمنوا كلهم، ثم توعد من لم يؤمن بما ذكر بقوله: ومن يكفر بالله وملائكته الذين هم رسل الله إلى أنبيائه وبرسله إلى خلقه واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا عن طريق الحق ونور الهدى، فاليهود والنصارى الذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض إيمانهم لا يعتد به إذ الكفر بكتاب أو برسول كفر بالكل، لأنه لو آمن إيمانا صحيحا بنبيه وكتابه لما كفر بمحمد المبشر به عندهم.
(١) سورة المائدة آية ٨.
المنافقون وصفاتهم [سورة النساء (٤) :الآيات ١٣٧ الى ١٤٣]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (١٤٠) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (١٤١)
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (١٤٣)
المفردات:
بَشِّرِ: المراد أنذر، وإنما قال: بشر تهكما بهم. الْعِزَّةَ: القوة والمنعة. يَخُوضُوا: يدخلوا. يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ: ينتظرون وقوع أمر بكم.
نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ الاستحواذ: هو الاستيلاء، والمراد: ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم فأبقينا عليكم.
المعنى:
من الناس من ران على قلبه ظلمات الغي والضلال فختم الله عليه وحجب بصره كثرة الفسوق والعصيان حتى لم يعد عقله يرى نور الإيمان، ولا قلبه يهتدى بهدى القرآن، أولئك هم الذين تذبذبوا واضطربوا، فمرة هم مؤمنون في الظاهر وإذا خلوا إلى شياطينهم فهم كافرون، وإذا عادوا مع المؤمنين آمنوا ثم ارتدوا كافرين بل أشد كفرا وعنادا مما جاهر بالكفر وثبت عليه، أولئك هم المنافقون الذين كانوا حربا على الإسلام وخطرا داهما على الدولة، وهؤلاء بطبيعتهم التي وصفها القرآن يستحيل عليهم الهداية فإن القلب يصدأ كما يصدأ الحديد، وقلوب هؤلاء تراكم عليها الصدأ حتى أكلها وأفناها، فإن الله لن يغفر لهم ولن يهديهم سبيلا إلى الخير لأنهم لم يحاولوا الهداية ولم يفتحوا عيونهم للنور أبدا.
أنذر هؤلاء المنافقين بأن لهم عذابا أليما إذ هم في الدرك الأسفل من النار، هؤلاء هم الذين يتخذون الكافرين أولياء متجاوزين المؤمنين اعتقادا منهم أن الدولة للكافرين ولم يعلموا أن العاقبة للمتقين لأن الله معهم.
وكذبوا وافتروا: أيبتغون العزة عند هؤلاء؟ كيف يطلبون من هؤلاء القوة والمنفعة وهم أعداء الله ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين وأوليائه.
وقد نزل عليكم في الكتاب حيث قال: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ.
والخطاب موجه إلى المؤمنين مطلقا الصادقين والمنافقين، أى: إذا سمعتم آيات الله يكفر بها الكافرون ويستهزئون بها فلا تستمعوا لهؤلاء ولا تجالسوهم حتى يتكلموا في
حديث آخر غير حديث الكفر والإلحاد إنكم إن قعدتم معهم وهم يتكلمون بالباطل في الدين ويستهزئون بالقرآن تكونوا مثلهم، وقد كان المنافقون يجالسون اليهود ويستعمون إليهم وهم يجعلون القرآن موضع الهزء والسخرية، إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا، فإنهم بين مرتكب للإثم وراض عنه غير منكر بل مشجع على ارتكابه.
هؤلاء المنافقون الذين يتربصون بكم وقوع الأمر المؤلم وأن تدور الدائرة عليكم وينتظرون ما يحدث لكم من خير وشر، فإن كان لكم نصر من الله وفتح قالوا: نحن معكم نستحق في الغنيمة، وإن كان للكافرين نصيب في النصر كما حصل يوم أحد قالوا: ألم نستحوذ عليكم ونتمكن من قتلكم فأبقينا عليكم ونحن نمنعكم من المؤمنين بتخذيلهم وإذاعة الأخبار التي تثبط قلوبهم وتلقى الرعب فيها، وإذا كنا نهينا عن مجالسة هؤلاء فكيف بنا إذا اتخذناهم أولياء؟ فالله يحكم بينكم يوم القيامة فيجازى كلا على عمله، ففريق في الجنة وفريق في السعير، ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا يغلبونكم به على أمركم، وحيث وصف المؤمنين بهذا الوصف وهو الإيمان فإن تحقق الإيمان تحقق وعد الله بالنصر وغلبة المؤمنين على الكافرين، وقريب من هذا قوله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا «١» كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
«٢» وأين هم المؤمنون الصادقون في الإيمان؟
المنافقون لجهلهم، وقلة علمهم، وسوء تقديرهم، يفعلون ما يفعل المخادع، حيث يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، والله- سبحانه- فاعل بهم ما يفعله المخادع حيث أجرى عليهم الأحكام العامة التي عصموا بها دماءهم وأموالهم وأعد لهم في الآخرة الدرك الأسفل من النار، وفي الحقيقة الله لا يخادع فإنه العالم بالسر وأخفى، فقيل: إن المراد يخادعون رسول الله والمؤمنين، وإنما آثر القرآن هذا التعبير ليسجل عليهم عظم جرمهم وليشير إلى أن من يخادع الله كما في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ «٣» وهكذا يكون مركز الرسول الأعظم صلّى الله عليه وسلّم.
(١) سورة الحج آية ٣٨.
(٢) سورة الروم آية ٤٧.
(٣) سورة الفتح آية ١٠. [..... ]
وقال بعضهم: إنهم يخادعون الله يوم القيامة حيث يحلفون له أنهم كانوا على الاستقامة وسائرين على الطريق يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ والله خادعهم حيث يستدرجهم في طغيانهم ويبعدهم عن الحق والنور يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً [سورة الحديد آية ١٣].
ولا غرابة في ذلك فها هم أولاء المنافقون مع أشرف الأعمال وأفضلها وهي الصلاة إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها لأنه لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها ولا خشية ولا هم يعقلون معناها! وأما قلوبهم ففاسدة، ونواياهم سيئة يفعلون بلا إخلاص، ولا يعاملون الله ولكن يعاملون الناس، ألا تراهم يراءون في كل عمل، ويستخفون من الناس والله معهم.
وإذا قاموا إلى الصلاة خشية من الناس بالطبع لا يذكرون الله إلا قليلا بل كما
يقول الحديث: «تلك صلاة المنافق. كررها ثلاثا. يجلس يرقب الشمس إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعة لا يذكر الله فيها إلا قليلا».
وهم- لعنهم الله- مضطربون دائما بين الإيمان والكفر كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا «١» وتراهم مرة مع المؤمنين في الظاهر وأخرى مع الكفار في الباطن، فهم لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، وحقيقة من يضله الله ولا يوفقه، فلن تجد له سبيلا إلى الخير والسداد.
موالاة الكافرين.. وجزاء المنافقين [سورة النساء (٤) :الآيات ١٤٤ الى ١٤٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (١٤٤) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (١٤٥) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (١٤٦) ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً (١٤٧)
(١) سورة البقرة آية ٢٠.
المفردات:
سُلْطاناً: حجة قوية ظاهرة. الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ: الطبقة التي في قعر جهنم.
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله لا تتخذوا الكافرين أولياء متجاوزين المؤمنين تبغون بذلك العزة عندهم، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، وكيف يصدر منكم هذا وهو دأب المنافقين وصفتهم أتريدون بهذا أن تجعلوا لله عليكم حجة قوية ظاهرة في استحقاق العذاب، وإذا اتخذتم الكافرين أولياء من دون المؤمنين فإن هذا لا يصدر إلا من منافق، مع أن المنافقين لسوء أعمالهم وفساد أرواحهم يوم القيامة يكونون في الدرك الأسفل من النار، والنار ذات دركات والجنة درجات، فالمنافقون في أسفل الدرك من النار، ولا شك أنهم يستحقون، فهم خالطوا الإسلام وعرفوه ثم أنكروه اتباعا للشيطان وإيثارا للهوى وزخرف الدنيا، أما الكفار فقد يغلبهم الجهل ويعميهم التقليد لذلك كانوا في درك أقل من المنافقين في النار ولن تجد لهم نصيرا أبدا يمنعهم من العذاب أو يخفف عنهم ما هم فيه، هذا جزاؤهم، أما من تاب منهم عن النفاق وتوفرت فيه شروط التوبة الصحيحة وأتبعوها بثلاثة:
(أ) الاجتهاد في صالح الأعمال التي تستر ما مضى من سيئ النفاق.
(ب) الاعتصام بالله والتمسك بكتابه والاهتداء بهدى الرسول المصطفى صلّى الله عليه وسلّم كل ذلك طلبا لرضا الله.
(ج) الإخلاص لله بأن يدعوه وحده ويتجهوا إليه اتجاها خالصا إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة الآيتان ٥ و ٦].
فأولئك الموصوفون بما ذكر مع المؤمنين، وسوف يؤت الله المؤمنين الأجر العظيم الذي لا يدرى كنهه إلا الله فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [سورة السجدة آية ١٧].
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ماذا يريد الله بعذابكم أيها الناس أيعذبكم انتقاما؟! لا... أيعذبكم لدفع ضرر وجلب خير؟! لا.. إنه هو القوى الغنى، ولكن الله عادل حكيم لا يسوى بين الصالح والطالح، فالكافرون والمنافقون والعاصون لم يؤدوا حق الشكر لله وواجبه، ولم يصرفوا ما أعطى لهم من نعم في الخير ولكن في غير ما خلقت لأجله، ولو شكروا الله وآمنوا به حقا لاستحقوا الثواب المعد لأمثالهم فالله شاكر يجازى من شكر عليم بخلقه لا تخفى عليه خافية لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ «١» فهو الكريم يعطى، ويجازى بل ويضاعف الحسنة بعشر إلى أضعاف.. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، واجعلنا يا رب من عبادك المخلصين الأبرار، إنك سميع الدعاء.
(١) سورة إبراهيم الآية ٧.
الجهر بالسوء وخطره [سورة النساء (٤) :الآيات ١٤٨ الى ١٤٩]
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (١٤٩)
المفردات:
الْجَهْرَ: الإعلان، يقال جهر برأيه: أعلنه.
المناسبة:
كان الكلام إلى هنا في المنافقين والكفار من أهل الكتاب، وبعد هذه الآيات رجع القرآن إلى الكلام عليهما، وكل ذلك بذكر عيوبهم والتعرض لسوءاتهم، حتى يقف المسلمون عليها فيبعدوا عنها وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ «١» وقد جاءت هاتان الآيتان في الوسط، لإرشاد المسلمين إلى أن الجهر بالسوء لا بأس به. وخاصة بعد أن تعرض القرآن الكريم لإذاعة السوء عن الكفار، وسنعرف أن الجهر بالسوء فيه خطر على الأمة والفرد.
المعنى:
لا يحب الله الجهر بالسوء حالة كونه من القول لأنه يؤجج نيران العدوان، ويولد البغضاء والكراهية، ولا تنس أنه يؤثر في نفوس السامعين تأثيرا سيئا من ناحية تقليد صاحبه في إذاعة السوء، وتقليد نفس السوء الذي يحكى للناس وهذا أمر مسلّم به ومعروف.
لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا إذا كان صادرا من مظلوم، إذ له بالطبع أن يشكو ظلمه للناس، ويشرحه للقضاء لعله ينصفه، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، ويقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين.
(١) سورة الحديد آية ١٦.
والظالم لنفسه هو الذي يحب الجهر بالسوء وإذاعة الفاحشة بين الناس، والسوء من القول يشمل إذاعة الفاحشة والغيبة والنميمة والسعاية والكذب والبهتان... إلخ. والله سميع لكل قول من ظالم أو مظلوم، عليم بكل فعل ونية، وسيجازى كلا على عمله.
وإن تبدوا خيرا من قول أو فعل أو تخفوه فلا تظهروه، أو تعفوا عن سوء منكم وضرر ألمّ بكم، فاعلموا أن الله عفو عن السيئات، يحب العافين عن الناس مع القدرة، قدير على أن يجزل الثواب للطائعين. وفي هذا ترغيب لفعل الخير، والعفو عند القدرة.
أما إبداء الخير فحسن لمن يأنس من نفسه عدم الرياء وكان قلبه عامرا بالإخلاص والإيمان، وهو قدوة لغيره، والإخفاء حسن إن خاف شيئا من الرياء والنفاق وكان فيه حفظ للكرامة وستر على الفقراء والمحتاجين.
الكفر والإيمان وعاقبة كل [سورة النساء (٤) :الآيات ١٥٠ الى ١٥٢]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١٥٠) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٥٢)
المفردات:
سَبِيلًا: طريقا. وَأَعْتَدْنا: هيأنا وأعددنا. مُهِيناً: ذا إهانة.
المعنى:
الكفر والإيمان ضدان لا يجتمعان في قلب أبدا، وهل تستوي الظلمات والنور... ؟
ومن الناس من يكفرون بالله ورسله جميعا في الواقع ونفس الأمر وإن لم يصرحوا بذلك، ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله، فيؤمنوا بالله ويكفروا بالرسل وكتبهم، وهؤلاء هم أكثر سكان العالم.
ومن الناس من يؤمن بالله وببعض الرسل كاليهود والنصارى. يؤمنون بموسى أو عيسى ويكفرون بمحمد صلّى الله عليه وسلّم وبكتابه المنزل عليه.
ويريدون بهذا أن يتخذوا سبيلا وسطا بين الإيمان والكفر، أولئك المذكورون هم الكافرون الكاملون في الكفر، والراسخون في الضلال حقا. وأى حق يكون أثبت وأصح مما يجعله الله تعالى حقا؟؟ وأعتدنا وهيأنا للكافرين منهم ومن غيرهم عذابا ذا إهانة في الدنيا والآخرة.
ولا غرابة في هذا الحكم الشديد، لمن يؤمن بالله ويكفر برسله، أو يؤمن ببعض الرسل ويكفر بالبعض الآخر، إذ الإيمان بالله حقيقة يقتضى عبادته على وجه يرتضيه، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالإيمان بالرسل واتباع تعاليمهم فهم السفراء بين الله وخلقه، فكيف يتصور إيمان بالله وكفر برسله؟
وأما الإيمان برسله كموسى أو عيسى كما فعلت اليهود أو النصارى. والكفر بمحمد صلّى الله عليه وسلّم والأنبياء فليس بشيء.
إذ لو آمن اليهود بموسى حقيقة لآمنوا بمحمد كذلك، ولو آمن النصارى بعيسى حقيقة لآمنوا كذلك بمحمد صلّى الله عليه وسلّم فهو مذكور في كتبهم ومبشر به عندهم ومصدق لما معهم، على أن دلائل الرسالة عند محمد صلّى الله عليه وسلّم أوضح من غيرها فهو الأمى العربي الذي نشأ في الجاهلية ثم أنزل عليه القرآن الكامل في كل شيء ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [سورة البقرة آية ٢].
ألست ترى أن الرسل وكتبهم كأمراء الأقاليم، والقوانين التي تصدر إليهم من الرئيس الأعلى، والشعب ملزم بطاعة الرئيس وقانونه، حتى إذا انتهت مدته وجاء رئيس آخر
بقانون آخر وجب أن يترك السابق ويؤمن بالجديد وهكذا فالله وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى «١» أرسل رسله قديما بالهدى ودين الحق حتى ختم الرسالة بمحمد صلّى الله عليه وسلّم والقران دستوره الباقي ما بقيت الأرض والسماء لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً «٢» فالواجب اتباعه والإيمان به.
والمسلمون هم الذين يؤمنون بالله ورسله ولا يفرقون بين أحد من رسله إيمانا خالصا لله، أولئك سوف يؤتيهم ربهم أجورهم كاملة يوم القيامة، وكان الله غفورا لمن يأتى بهفوة مع الإيمان الصحيح، رحيما بعباده جميعا، حيث أرسل لهم الرسل لهدايتهم الطريق المستقيم.
من قبائح اليهود وأفعالهم [سورة النساء (٤) :الآيات ١٥٣ الى ١٥٩]
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (١٥٣) وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (١٥٤) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧)
بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (١٥٩)
(١) سورة الروم الآية ٢٧.
(٢) سورة المائدة الآية ٤٨.
المفردات:
جَهْرَةً المراد: رؤية جهرة. الصَّاعِقَةُ: نار تنزل من السماء، والظاهر أنها الشرارة الكهربائية التي تظهر في السماء. الْبَيِّناتُ: الدلائل الواضحة على نبوة موسى: كفلق البحر، واليد البيضاء، والعصا. الطُّورَ: اسم الجبل الذي كانوا مقيمين أسفله. سُجَّداً المراد: خاضعين متذللين. لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ: لا تتجاوزوا ما أبيح لكم، أو لا تظلموا أنفسكم بالصيد فيه.
غُلْفٌ : جمع غلاف، وهو الظرف، والمراد: أوعية العلم فليست في حاجة إلى ما نقول، ويصح أن يكون جمع أغلف، والمراد: مغطاة بأغطية خلقية لا يصل إليها شيء مما نقول. طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها: ختم عليها بالخاتم.
وقيل صارت كالنقود المسكوكة فلا تقبل غير النقش الذي عليها. بُهْتاناً:
كذبا يبهت صاحبه عند سماعه ويتعجب منه.
المعنى:
يسألك أهل الكتاب من اليهود أن تنزل عليهم كتابا مكتوبا بخط سماوي يشهد أنك رسول الله إليهم، وقيل: ينزل باسم جماعتهم أو أسماء الأحبار منهم، وهذا الطلب دليل على عدم فهمهم حقيقة الرسالة وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ
لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
«١» يسألك هؤلاء اليهود على سبيل التعنت والتعجيز، ولا تعجب أيها الرسول من سؤالهم ولا تستكثره عليهم فقد سألوا موسى قديما أكبر من هذا، وقالوا: أرنا الله رؤية جهرة عيانا بلا حاجز ولا حجاب، وقد مر كثيرا أن فعل آبائهم ينسب إلى المعاصرين منهم، لأنهم وارثوهم ومقلدوهم ومعتزون بهم، ولا تنس مبدأ تكافل الأمة الواحدة، وقيل: إن أهل الكتاب جنس عام يدخل فيه المعاصرون وآباؤهم... وسؤالهم رؤية الله عيانا يدل على جهلهم بالله وما يجب له من صفات الكمال، إذ كيف تحيط به الأبصار والعيون؟ لذا كان أكبر جرما من سؤالهم كتابا من السماء، وقد عوقبوا على هذا الطلب بنزول الصاعقة وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [البقرة ٥٥].
ثم هم بعد أن ماتوا بالصاعقة أحياهم الله فاتخذوا العجل إلها من بعد ما جاءتهم الآيات البينات الواضحات، كالعصا وفلق البحر وغيرها من الحجج القوية التي تثبت الألوهية والوحدانية لله- سبحانه وتعالى- فعفونا عن ذلك الذنب حين تابوا منه تلك التوبة النصوح، وآتينا موسى سلطانا مبينا وحجة قوية حيث طلب منهم القتل فقتلوا أنفسهم وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [سورة البقرة آية ٥٤].
ومن عجائب أحوالهم أن الله أخذ عليهم الميثاق. وكلفهم بالشريعة ورفع فوقهم الطور بسبب هذا الميثاق ليأخذوه بقوة ونشاط. وقد كان رفع الطور فوقهم من الآيات الكونية، حتى يؤمنوا، ولكنهم اليهود وكفى!! وقلنا لهم: ادخلوا باب القرية (والله أعلم بها) خاضعين لله متذللين له ذلة وانكسارا لعظمته وجبروته، وقلنا لهم، لا تتجاوزوا الحدود المرسومة لكم، ولا تصطادوا يوم السبت- وقد كانت حيتانهم تأتيهم يوم سبتهم شرعا- ابتلاء لهم واختبارا، فظلموا أنفسهم واصطادوا فيه وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [البقرة ٦٥]. وأخذنا منهم ميثاقا شديدا ليأخذنّ التوراة بقوة وجد،
(١) سورة الأنعام الآية ٧.
وليعملن بها، ولا يكتمون بشارة عيسى ابن مريم ومحمد صلّى الله عليه وسلّم
روى أنهم بعد ما قبلوا ما كلفوا به من الدين أعطوا الميثاق على أنهم إن هموا بالرجوع عنه فالله يعذبهم بأى نوع من العذاب وهذا هو الميثاق المؤكد.
ثم انظر بعد هذا الميثاق المؤكد والعقود الموثقة ماذا هم فاعلون؟؟
لقد سجل القرآن عليهم هنا أقبح المخالفات وأشد العناد فقال ما معناه: فبسبب نقضهم الميثاق الذي واثقهم الله عليه، فقد أحلوا حرامه وحرموا حلاله، وبكفرهم بآيات الله التي أراهم منها ما لم ير سواهم، وبسبب قتلهم الأنبياء بغير ذنب إلا أنهم قالوا: ربنا الله، قتلوهم بغير حق كزكريا ويحيى- عليهما السلام- وبسبب قولهم:
قلوبنا في غلاف فلا يصل إليها شيء مما تدعون إليه، أو هي أوعية مليئة بالعلم فليست في حاجة إلى شيء!! لا بل طبع الله على قلوبهم بكفرهم وختم عليها فلا يصل إليها نور الهدى فهي كالنقود المضروبة لا تقبل نقشا آخر، ولذلك فهم لا يؤمنون إلا قليلا منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه.
وبكفرهم بعيسى والإنجيل ورميهم بالفاحشة مريم البتول رموها بيوسف النجار وكان صالحا فيهم، ولا شك أن هذا بهتان يبهت من يقال فيه ويدهش عند سماعه لبعده عن الحق وغرابته، وبادعائهم أنهم قتلوا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ووصفهم له بالرسالة تهكما به ووصف القرآن له بأن ابن مريم رسول الله للرد على من يزعم من النصارى أنه الإله أو ابنه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
وما قتلوه، وما صلبوه: كما زعموا وادعوا وشاع بينهم ولكن وقع لهم الشبه فظنوا أنهم صلبوه والواقع أنهم صلبوا شخصا غيره.. وكيف يقتل عيسى والله قد عصم أولى العزم من الرسل جميعا فنجى نوحا من الغرق، وإبراهيم من النار، وموسى من فرعون، وعيسى من اليهود، ومحمدا من المشركين.
وإن الذين اختلفوا في شأن عيسى من أهل الكتاب لفي شك منه وحيرة، ما لهم به من علم قاطع بقتله، لكنهم يتبعون الظن والشك في أمره، ويرجحون هذا على ذلك بالظنون والشبه لا بالعلم القاطع.
وفي الأناجيل المعتمدة عند النصارى، أنه قال لتلاميذه والمقربين إليه، وفي الليلة التي طلب فيها للقتل «كلكم تشكون في هذه الليلة».
وقيل: اختلافهم قولهم: إن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ وإن كان المقتول عيسى فأين صاحبنا؟
وما قتلوه قتلا يقينا، لأن الجند الذين قاموا بقتله من الثابت أنهم كانوا يعرفون شخص المسيح، وقد مات في شبه ثورة.
وفي الأناجيل الموجودة الآن، أن الذي سلمه هو يهوذا الأسخريوطى، وفي بعض الأناجيل أن الجند أخذوا يهوذا نفسه ظنا منهم أنه المسيح، فالذي لا خلاف فيه أن الجند ما كانوا يعرفون عيسى وأنهم قتلوا شخصا هل هو المسيح أو شخص يشبه إلى أبعد حد. وقيل: المعنى ما قتلوا العلم يقينا من جهة البحث والنظر في أمر قتله وصلبه.
رفع عيسى- عليه السلام-:
المسلمون يعتقدون كما أخبر القرآن أن عيسى لم يقتل ولم يصلب وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وأنه نجاه من الذين مكروا به وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ «١» وهذا هو معنى (متوفيك) عند بعض العلماء، أى: موفيك أجلك كاملا وعاصمك من الناس كغيرك من الأنبياء، وهل هو بعد النجاة رفع إلى السماء بروحه وجسده أو رفع بروحه فقط، وأما جسده فانتهت حياته كغيره من الناس؟ أو لم يحصل له رفع لا بالروح ولا بالجسد؟ ويتبع ذلك تفسير قوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ «٢» أما جمهور المفسرين: فيرون أن الله رفع عيسى بروحه وجسده إلى السماء وسينزل آخر الزمان يحكم بالقرآن ويقتل الخنزير ويكسر الصليب بدليل الآية الآتية وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وكما هو ثابت في حديث البخاري. وهناك آراء أخرى في رفع عيسى إلى السماء، والقرآن الكريم لا يثبت الرفع ولا ينفيه (والله أعلم بكلامه) وكان الله عزيزا لا يغالب أبدا، فهو الذي أنقذ عيسى من كيد اليهود وعصم محمدا من الناس جميعا، حكيما في كل فعل وعمل.
وما من أحد من أهل الكتاب سواء كان يهوديا أو نصرانيا إلا ليؤمنن بعيسى إيمانا صحيحا قبل موته، أى: عند خروج روحه بلا إفراط ولا تفريط، فاليهودى يؤمن أنه
(١) سورة آل عمران الآية ٥٤.
(٢) سورة آل عمران الآية ٥٥.
رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والنصراني يؤمن بأنه رسول الله وعبده وكلمته فليس إلها ولا ابن الإله.
وإذا كان حالهم هكذا قبل الموت ولا ينفعهم الإقرار حينئذ فما بالهم لا يسرعون في الإيمان بعيسى إيمانا صحيحا؟
وقيل: وما من أهل الكتاب أحد من المعاصرين لنزول عيسى آخر الزمان إلا ليؤمنن بعيسى قبل موته، أى: موت عيسى أو موت ذلك الكتابي، ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا، يشهد بإيمانهم به وبكفرهم فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [سورة النساء آية ٤١].
ودعاة المسيحية:
إنه أتم وهو بمنى صلاته، وقد تأولوا ذلك بأنه كان متزوجا ونوى الإقامة ومسافة السفر التي تبيح قصر الصلاة وتبيح الفطر في رمضان
يقولون بصلب المسيح- عليه السلام- وينسجون لهذا قصة الخطيئة الخاصة بأبينا آدم وأن العدل والرحمة تقاتلا حتى انتهى الأمر إلى صلب المسيح كفارة لخطايا شعبه أو للعالم إلخ، ما هو مدون في كتبهم، ونحن إذ ننكر هذه العقيدة لا نقول باستحالتها على عيسى كبشر وإنما لأن القرآن نفاها نفيا باتا وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ.
على أن مسألة القتل، لا مجال للعقل فيها، بل لا بد أن نستقيها من مصدر صحيح، يكون موضع الثقة، ونحن المسلمين نقلنا نفى القتل والصلب عن القرآن.
وهو الكتاب الوحيد الذي نقل بالتواتر نقلا سليما لا شبهة فيه لأى منصف بدليل أنه لا يختلف في أى بلد من بلاد العالم في كلمة وأما الكتب الأخرى التي فيها الصلب فهي كتابة أفراد لم تنقل بالتواتر وليس مصدرها واحدا ولذا نراها مختلفة جدا في الشكل والموضوع اقرءوا إن شئتم إنجيل برنابا وبعض الأناجيل الأخرى وهل من كتب من أتباع المسيح بالصلب شاهده أو هو خبر يحتمل الصدق والكذب؟؟! وكيف يتصور عاقل أن قوما يؤمنون بأن عيسى إله أو ابنه أو واحد من ثلاثة ثم يؤمنون مع هذا بأنه صلب على خشبة مع اعترافهم بأن المسيح تألم وبكى من هذا القتل وتضرع إلى الله أن يكشف عنه هذا السوء فقد ورد في الإنجيل: (يا أبتاه إن أمكنك فلتعبر عنى هذه الكأس إن لم يمكن أن تعبر عنى هذه الكأس إلا أن أشربها فلتكن مشيئتك).
ثم كيف يتصور عاقل قصة الخطيئة وصلب عيسى كفارة؟ - وفيها:
(أ) طول تفكير الإله من وقت خطيئة آدم إلى قبيل ظهور عيسى، بل كيف نتصور العراك والنزاع بين العدل والرحمة!! ما شاء الله ما شاء الله!!! (ب) وكيف نحكم على أمثال أبينا إبراهيم الخليل وقد مات قبل ظهور المسيح وصلبه أمات عاصيا لم تكفر ذنوبه! (ج) وكيف يبيح شرع لأتباعه أن يرتكبوا كل شيء لأن نبيهم عيسى صلب تكفيرا لخطاياهم، إن هذا لشيء عجيب!! وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [سورة البقرة آية ١٤٦] وأعجب من هذا إيمان كثير من المسيحيين بتلك الخرافات.
بعض قبائحهم وجزاؤهم عليها [سورة النساء (٤) :الآيات ١٦٠ الى ١٦٢]
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦١) لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١٦٢)
المفردات:
هادُوا: تابوا ورجعوا بعد عبادة العجل. بِصَدِّهِمْ: منعهم.
الرَّاسِخُونَ: الثابتون في العلم المتقنون له.
المعنى:
كان اليهود قديما كلما ارتكبوا ذنبا خاصة بعد ما تابوا من عبادة العجل، حرم الله عليهم نوعا من الطيبات التي كانت حلالا لهم ولأسلافهم من قبل، فبسبب هذا الظلم الذي لا يعرف كنهه إلا الله حرم عليهم ما حرم، ومع هذا كانوا يفترون على الله الكذب ويقولون: هذه المحرمات كانت جراما علينا وعلى نوح وإبراهيم ومن بعدهما، ولذا كذبهم الله تعالى في كثير من الآيات: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ [آل عمران ٩٣]. وقوله: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما [سورة الأنعام آية ١٤٦].. ثم شرع القرآن في بيان مجمل الظلم الصادر منهم فقال: وبسبب صدهم عن سبيل الله كثيرا من الناس لقد منعوا أنفسهم وغيرهم من الإيمان بالله بسبب عصيانهم موسى وعنادهم مرارا، وبالقدوة السيئة لغيرهم في الكفر، وأمرهم بالمنكر، ونهيهم عن المعروف، وكتمانهم البشارة ووصف النبي صلّى الله عليه وسلّم وبسبب أخذهم الربا من غيرهم وأكله معتقدين حله، وقد كتب في التوراة المحرفة: إن الربا حلال مع غير اليهود حرام مع اليهود، وبسبب أكلهم أموال الناس بالباطل من طريق الرشوة والنصب والاحتيال والغش سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ «١» وجزاء هؤلاء الظلمة لأنفسهم ولغيرهم أن الله هيأ للكافرين منهم عذابا ذا إهانة وذل لهم في الدنيا والآخرة، وقد ذكر أن تحريم الطيبات كان عاما، أما العذاب فكان للمصرين منهم على الكفر، وبعد أن بيّن الله قبائحهم وجزاءهم عليها! وأنه شامل للكل استدرك على ذلك بقوله:
لكن الراسخون في العلم الثابتون فيه، الذين لا يشترون الضلالة بالهدى، وهم المنتفعون به المؤمنون إيمانا صادقا بالله وبما أنزل عليك، وبما أنزل على من قبلك من الرسل، وهم لا يفرقون بين أحد منهم، وأخصّ المقيمين الصلاة المؤدين لها تامة الأركان، مستوفية الشروط بالجوارح والقلب، والمؤتون الزكاة لمن يستحقها، والمؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانا حقيقيا فلا يقولون: عزير ابن الله ولا المسيح ابن الله، ولا يقولون: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة أولئك البعيدون في درجات الكمال سيؤتيهم ربهم أجرا لا يعلم قدره إلا هو، أجرا عظيما من عنده.
(١) سورة المائدة الآية ٤٢.
وحدة الوحى وحكمة إرسال الرسل [سورة النساء (٤) :الآيات ١٦٣ الى ١٦٦]
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (١٦٣) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (١٦٤) رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٦٥) لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (١٦٦)
المفردات:
أَوْحَيْنا الإيحاء يأتى في اللغة على معان، منها: الإشارة كقوله تعالى:
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا والإلهام: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ وعلى ما يكون غريزة: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وعلى الإعلام في خفاء: شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً والمراد بالإيحاء في الآية ما يلقى إلى الأنبياء من عند الله.
الْأَسْباطِ جمع سبط، وهو: ولد الولد، والمراد: أبناء يعقوب لصلبه أو أولاد أولاده. زَبُوراً: مكتوبا، وكل كتاب زبور، والمراد به: الكتاب المنزل على داود عليه السلام.
المناسبة:
نعى الله على أهل الكتاب عموما أنهم يفرقون بين الأنبياء فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. ثم تعرض القرآن لليهود خاصة وأنهم سألوا محمدا صلّى الله عليه وسلّم- عنادا واستكبارا- أن ينزل كتابا من السماء آية لهم ولم يكن هذا العناد جديدا على اليهود فقد سألوا موسى قديما أكبر من هذا، وفعلوا القبائح، وكفروا بعيسى، وبهتوا أمه وحاولوا قتله وصلبه... إلخ، ما ذكر.
ولو فعلت هذا لآمنوا بك وصدقوك، فأنت أوضح دليلا وأقوم قيلا، على أن الإيحاء من الله إليك كان كالأنبياء السابقين، فما لهم يفرقون بين نبي ونبي؟؟ وما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا؟!!
المعنى:
إنا بما لنا من العظمة والقدرة قد أوحينا إليك يا محمد هذا القرآن إيحاء كإيحائنا إلى الأنبياء قبلك، فلست بدعا من الرسل، وهم قد آمنوا بهم، فكيف يطلبون منك أن تنزل عليهم كتابا من السماء، على أنهم لو آمنوا حقيقة بالرسل لآمنوا بك فالوحى جنس واحد لم يتغير، وفي كتبهم البشارة بك ووصفك.
وحقيقة الإيحاء كما قال المرحوم الشيخ محمد عبده في رسالة التوحيد: (عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة).. إنا أوحينا إليك يا محمد كما أوحينا إلى المشهورين من الأنبياء قبلك كنوح، وخص بالذكر أولا لأنه أقدم نبي مرسل، على أن قومه كذبوه فعذبوا. وهو الأب الثاني للبشر، وأوحى إلى النبيين من بعده لا سيما إبراهيم- عليه السلام- أبو الأنبياء، والذي يدين له العرب وأهل الكتاب، وإسماعيل ابنه الأكبر وأبو العرب وجد المصطفى صلّى الله عليه وسلّم وإسحاق ابن إبراهيم أبو يعقوب المسمى بإسرائيل وإليه تنسب اليهود، والأسباط وهم حفدة يعقوب، وقيل: أولاده لصلبه وعددهم عشرة أولاد يوسف واثنان فكان المجموع اثنى عشر، وهم في نسل إسحاق كالقبائل في نسل إسماعيل، وعيسى ابن مريم وقدم على غيره
لأنه محل طعن اليهود، وأيوب ويونس وهارون وسليمان بن داود، وخص هؤلاء جميعا بالذكر مع اندراجهم في لفظ النبيين لشرفهم وكرامتهم على الله.
وآتينا داود كتابا زبورا، قال القرطبي: كان فيه مائة وخمسون سورة ليس فيها حكم من الأحكام وإنما هي حكم ومواعظ وتمجيد وثناء على الله تعالى... وأرسلناك كما أرسلنا رسلا غير هؤلاء قد قصصناهم عليك من قبل في سورة الأنعام وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ [سورة الأنعام آية ٨٤] الآيات وأجمع السور لقصصهم سورة هود والشعراء.
وهنا أرسلنا رسلا لم نقصصهم عليك لأن أممهم مجهولة غير معروفة وليس في ذكرهم كبير فائدة وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [هود ١٢٠].
وكلم الله موسى تكليما، وخص موسى بهذه الكرامة على سبيل التأكيد لأن قومه هم المقصودون بالحديث، وقد كلم الله موسى تكليما خاصا ممتازا عن غيره، أما كيف كان؟ وهل كان مشافهة أم لا. فالله أعلم بذلك كله، على أن وقوفنا على أسرار الأثير واستخدامه، ونقل الحديث بالراديو والتليفزيون جعل الاعتراضات القديمة شيئا بسيطا لا يعبأ به، فالله الذي أقدر بعض المخلوقات على الوصول إلى هذا قادر جدا على خلق أشياء ليس لها مقياس معروف ولا حد مألوف.
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ [سورة الشورى آية ٥١] والظاهر أن تكليم موسى- عليه السلام- كان من النوع الثاني.
والخلاصة: أنا أوحينا إليك يا محمد كما أوحينا إلى فلان وفلان من الأنبياء وآتيناك كتابا كما آتينا بعضهم كتابا، وأرسلناك للناس كافة رسولا كما أرسلنا لهم رسلا، فما لهؤلاء القوم يفرقون بين نبي ونبي؟! ويؤمنون ببعض ويكفرون ببعض.
أرسلنا أولئك الرسل الذين قصصنا عليك بعضا منهم، مبشرين من يؤمن بالله ورسله واليوم الآخر بالثواب الأبدى: جنة المأوى خالدين فيها أبدا، ومنذرين من يكفر بالله ورسله واليوم الآخر بالعقاب الصارم نارا وقودها الناس والحجارة، أرسلنا رسلنا لئلا يكون للناس على الله حجة وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى [سورة طه آية ١٣٤].
وحجتهم أنهم يقولون: لولا أرسلت إلينا رسلا تبين لنا الشريعة وتعلمنا ما لم نكن نعلم! إذ القوة البشرية مهما تكن تعجز عن إدراك كل جزئيات الخير والشر، على أن عامة الناس لا يفرقون بين الضار والنافع مع احتياج الكل إلى قادة يقودونهم إلى الصراط المستقيم صراط الله العزيز الحميد: ومن الذي كان يأتى بأخبار الغيب من حساب وجزاء، وثواب وعقاب؟؟... وما أتى به الرسل موافق لسنن الفطر السليمة، ملائم للطبائع الزكية، ومع ذلك يترتب عليه ثواب عظيم وعقاب أليم.
وكان الله عزيزا لا يغلبه متعنت ولا مكابر، حكيما في كل صنع صنعه وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [سورة الإسراء آية ١٥].
وهؤلاء اليهود قد أنكروا نبوة النبي صلّى الله عليه وسلّم ولم يشهدوا برسالته وهي أوضح من الشمس فسألوه كتابا من السماء.
إنهم لا يشهدون بذلك ولكن الله يشهد بالقرآن وكفى به شاهدا، فالله أنزله عليك بعلمه الخاص لا يعلمه سواه، ولقد صدق الله في وصفه ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ «١» تحدى به الكل فعجزوا قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً «٢» وهو القرآن الكامل في كل شيء المشتمل على قوانين وشرائع تكفل لمن يتبعها حياة سعيدة وعزة ورخاء!! وانظر إلى قوله: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ تجد القرآن لا يمكن أن يصدر عن علم بشر، وخاصة إذا كان يعيش في البيئة العربية قبل الإسلام، ولعل هذا هو محط الشهادة.
فكأن القرآن بهذا يشهد للنبي بصدقه، ولسان حاله: صدق محمد في كل ما يبلغه عن ربه، والملائكة ومنهم جبريل يشهدون لك بالرسالة فثبتت شهادة الله تعالى بما أنزله عليك من القرآن إذ لا يستطيع أحد أن يأتى بمثله ولو اجتمع الإنس والجن، ولا يعقل أن يكون من وضعك فأنت النبي الذي نشأ في بيئة جاهلة.
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ «٣».
(١) سورة البقرة الآية ٢.
(٢) سورة الإسراء الآية ٨٨.
(٣) سورة الأنعام الآية ١٩.
جزاء الكافرين [سورة النساء (٤) :الآيات ١٦٧ الى ١٧٠]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (١٦٨) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (١٦٩) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧٠)
المعنى:
بعد أن دلت الآيات على نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم وأنه لا حجة للكفار المعاندين، وأن الله شهيد له بما أنزله عليه بعلمه من آيات القرآن، أخذ ينذر الكفار ويهددهم بالعذاب الشديد، وينذرهم سوء العاقبة وبئس المصير، إن الذين كفروا بالله ورسوله وصدوا عن سبيل الله بأعمالهم التي يقلدهم فيها غيرهم. قد ضلوا وأضلوا ضلالا بعيدا عن الصواب جدا. إن الذين كفروا وظلموا أنفسهم وغيرهم باتباعهم الشيطان وبعدهم عن هدى الرحمن، لم يكن من شأن الله وصفته أن يغفر لهم، فالله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ولم يكن ليهديهم ويوفقهم إلى طريق أبدا إلا طريق جهنم وبئس المصير، فهم قد ملأوا النفس والقلب من ظلام الكفر والضلال حتى لم يعد فيه متسع للنور والهداية، هؤلاء لهم جهنم خالدين فيها خلودا أبديا الله أعلم به يتناسب مع ما قدموا من أعمال، وما جبلوا عليه من خصال، وكان ذلك على الله سهلا ويسيرا.
يا أيها الناس: وقد جاءكم الرسول الكامل والمعهود عند أهل الكتاب، جاءكم
بالقرآن والحق والخير والهدى والعلاج، فآمنوا يكن الإيمان خيرا لكم، آمنوا واقصدوا خيرا لكم وإن تكفروا فاعلموا أن الله معذبكم ومجازيكم على كفركم فليس هناك عذر لمعتذر وليس وراء الموت إلا الجنة أو النار، وليس يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض، ولا يجهل شيئا فيهما، وهو الغنى عن عبادتكم، وما ذلك كله إلا أن لله ما في السموات والأرض ملكا وخلقا وعبيدا وتصريفا وحكما، سبحانه وتعالى العليم بخلقه الحكيم في صنعه.
المسيح ابن مريم في نظر القرآن [سورة النساء (٤) :الآيات ١٧١ الى ١٧٣]
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧٣)
المفردات:
لا تَغْلُوا الغلو: مجاوزة الحد من جهة التفريط أو الإفراط. وَكَلِمَتُهُ المراد أنه حدث بكلمة (كن) التكوينية لا بمادة أخرى كغيره من الناس. وَرُوحٌ وجد بنفخ من روح الله وهو جبريل. سْتَنْكِفَ
الاستنكاف: الامتناع عن الشيء أنفة وكبرا. الاستكبار: أن يجعل الإنسان نفسه كبيرة غرورا منه وإعجابا بها.
المناسبة:
بعد أن حاج اليهود وألزمهم كلمة التقوى والطريقة المثلى، أردف ذلك بمحاجة النصارى، وألزمهم جميعا الرأى الوسط في عيسى ابن مريم.
المعنى:
يا أهل الكتاب لا تكونوا مغالين في الدين ومجاوزين الحدود فيه، فلا تكفروا بعيسى وتبهتوا أمه، وتحقروه وتهينوه كما فعلت اليهود، ولا تعظموه وتقدسوه حتى تجعلوه إلها أو ابن الإله كما فعلت النصارى، ولا تقولوا على الله إلا القول الحق الثابت بالنقل المتواتر، الذي يستحيل معه الكذب، أو المؤيد بالحجج الدامغة، أما القول بالحلول واتخاذ الصاحبة والولد فكذب وبهتان وخرافة ووثنية وموسى وعيسى والأنبياء جميعا برآء منها.
إنما المسيح عيسى ابن مريم البتول الطاهرة الصديقة النقية التي أنبتها الله نباتا حسنا، وكفلها زكريا الرجل الصالح والتي برأها القرآن الكريم.
إنما المسيح عيسى رسول الله إلى بنى إسرائيل، أمرهم بالمعروف، ونهاهم عن المنكر، وأمرهم بعبادة الله وحده، ونهاهم عن الكفر به والشرك والتثليث وزهدهم في الدنيا، وحثهم على التقوى، وبشرهم بخاتم النبيين والمرسلين وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ... [سورة الصف آية ٦].
إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وهو مكون بكلمة (كن) التكوينية إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران ٤٧] نعم كل مولود له سبب ظاهر وهو اتصال الجنسين، وله سبب حقيقى وهو إرادة الله المعبر عنها بكلمة (كن) فلما انتفى مع عيسى السبب الأول بالبرهان ثبت أن عيسى خلق بالسبب الثاني وهو كلمة (كن) أوصلها الله مريم بواسطة جبريل إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ [سورة آل عمران آية ٤٥].
وهو مؤيد بروح كائنة منه- سبحانه وتعالى- لا بعضا منه كما فهم المسيحيون، وإلا لكان كل شيء بعضا من الله بدليل قوله: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ [الجاثية ١٣] وكونه مؤيدا بروح منه يؤيده قوله: وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [البقرة ٨٧ و ٢٥٣] وقيل: المعنى: أن عيسى خلق بنفخ من الله وهو جبريل، ويوضحه قوله تعالى: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا [الأنبياء ٩١] فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا
[سورة مريم آية ١٧].
وقال بعضهم: المعنى: أن المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم ورحمة منه ويقويه قوله تعالى: وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا [سورة مريم آية ٢١]، وما لنا نعجب من خلق عيسى بلا أب؟ حتى تنكب المسيحيون طريق الحق وانغمسوا في الشرك والتثليث هذا!! فهذا آدم خلق بلا أب وأم إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ [سورة آل عمران آية ٥٩] وهذه حواء خلقت من آدم فقط!! وبماذا نرد أصول الحيوانات جميعا!! وكما يقولون: هل البيضة أصل أم الفرخة؟ أيا كان فمن الذي أوجد الأصل الأول من الفرخة أو البيضة؟ هو الله: بلا تناسل وبدون تزاوج معروف.
ومن الغريب أن بعض النصارى يفهمون قوله تعالى: رُوحٌ مِنْهُ أن عيسى ابن الله أو جزء الإله أو ثالث ثلاثة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والذي أوقع المسيحيين في هذا هو التشابه في التوراة والإنجيل، وما وصل إليهم عن طريق الوثنيين من اليونان والرومان والمصريين القدامى والبراهمة.
فالديانة المسيحية الصحيحة مبنية على أساس التوحيد البريء لله سبحانه ذاتا وصفة وفعلا، ولكن الكنيسة أدخلت هذه الوثنيات والعقائد الزائفة في عقول أبنائها لأمر في نفوس القوم، ولما رأوا القرآن يعارضهم في ذلك كذبوه وأنكروا، وهو الذي برأ مريم من قول اليهود!! ووضع عيسى الموضع اللائق ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ [سورة مريم آية ٣٤] وفي أقوال الأحرار من المسيحيين ما يؤيد هذا وهي موجودة في كتاب الشيخ رشيد رضا (تفسير الشيخ محمد عبده) الجزء السادس من تفسير هذه الآية. وفي كتاب (إظهار الحق).
وإذا كان الأمر كذلك فآمنوا بالله الواحد الأحد، الفرد الصمد، لم يلد، ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد... وآمنوا برسله جميعا لا فرق بين نبي ونبي، ولا تقولوا الآلهة ثلاثة (الأب والابن وروح القدس) أو الله ثلاثة أقانيم كل منها عين الآخر وكل منها إله كامل ومجموعها إله واحد.
فإن هذا إشراك بالله وترك للتوحيد الذي هو ملة أبيكم إبراهيم وهذا كلام ينافي العقل الراجح والفكر السليم إذ كيف يكون واحدا وثلاثة وكيف يحل الإله في بعض خلقه؟ وكيف يتحدد، وهل طبيعة الإله كطبيعة البشر؟ أظن لا!! بل طبيعة البشر تتنافى مع طبيعة الملك فهذا لا يأكل ولا يشرب، وعيسى وأمه يأكلان ويشربان! وما ميزة عيسى على غيره من الأنبياء؟ أرسل مؤيدا بالمعجزات وكانت كغيرها لم تجر على سنن الطبيعة بل بقدرة الله وقوته كما نص القرآن الكريم، وموسى الكليم، ومحمد كذلك. فكيف تقولون: عيسى إله؟ - انتهوا خيرا لكم، وقولوا قولا حسنا يكن خيرا لكم، وأجدى من هذا العبث والوثنية والعصبية الحمقاء.
إنما الله إله واحد، لا إله إلا هو، سبحانه وتعالى عما يشركون! سبحان أن يكون له ولد فليس المسيح ابنه إذ الولد يقتضى اتصالا جنسيا بالأم، وحاجة إليه، وإلى أمه، حتى يبرز إلى الوجود أفيليق هذا! لا: يا قوم! الله له ما في السموات وما في الأرض، ملكا وخلقا وعبيدا وتصريفا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً. لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [سورة مريم آية ٩٣- ٩٥].
لا فرق في ذلك بين الملائكة والنبيين والناس أجمعين! وهل الإله في حاجة للولد؟
ليقيم اسمه، ويحفظ ذكره، ويرثه بعد موته، وهل هو في حاجة إلى الولد ليعينه؟ كلا فالله قوى قادر، مالك الملكوت، حي دائم باق بعد فناء خلقه، صاحب الأمر والتصريف، وكفى بالله وكيلا!؟
وهذا عيسى نفسه يقول في إنجيل يوحنا: (وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته) فهذا نص صريح في أن المسيح رسول الله فقط، وفي الإنجيل أيضا: (من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الله الذي أرسلنى لن يتكبر المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة الذين هم أعظم من المسيح خلقا وقوة، فهم أعلم بذات الله ومكانته).
ومن يستنكف عن عبادة الله وحده ويتكبر ويدعى الإشراك أو التثليث فسيحشرهم إليه جميعا ويجازيهم على كل ذلك.
فأما المؤمنون بالله وحده والعاملون الصالحات فيوفيهم أجورهم كاملة، ويزيدهم من فضله فهو واسع الفضل كثير الخير.
وأما الذين استنكفوا وتكبروا فهم المعذبون عذابا أليما في الدنيا والآخرة ولا يجدون لهم من دون الله وليّا ولا نصيرا يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ
الدعوة العامة [سورة النساء (٤) :الآيات ١٧٤ الى ١٧٥]
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (١٧٥)
المناسبة:
بعد أن حاج القرآن النصارى فأفحمهم. ومن قبل حاج اليهود فألزمهم، وناقش المنافقين وكشف سترهم، وظهرت نبوءة محمد صلّى الله عليه وسلّم ظهور الشمس في رابعة النهار، نادى الناس جميعا ودعاهم إلى اتباعه.
المعنى:
أيها الناس: قد جاءكم برهان واضح، ونور ساطع، يبين لكم حقيقة الإيمان بالله، وهو رسول من أنفسكم، عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم، ذلك البرهان هو محمد صلّى الله عليه وسلّم النبي العربي الأمى، الذي نشأ في الجاهلية. لم يجلس إلى معلم، ولم يؤدبه مؤدب، ولم يتعلم في جامعة ولم يتخرج في معهد. ولم يعد إعدادا لتحمل أكبر رسالة في الوجود من إنسان!! كان في شبابه الأمين الصادق، وعند رجولته الكاملة كان الداعية إلى الله بأقوى أسلوب، وأوضح بيان، وقد كان المثل الأعلى في عمله، وعلمه، ورسالته، وسياسته وقيادته، وزعامته، فحقا أدبه ربه فأحسن تأديبه، نعم كان برهانا على صدق رسالته اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [سورة الأنعام آية ١٢٤].
وأنزل الله إليكم مع هذا البرهان، نورا مبينا هو القرآن الكريم، ظهر في الوجود، بعد ما عميت القلوب، وغشيت الأبصار من الوثنية المشركة، واليهودية الكاذبة، والمسيحية الضالة، ظهر في الكون فأنار الوجود، وأضاء القلوب، وأحيا النفوس.
وأوضح الطريق لعبادة الله حق العبادة، وكان محكم التنزيل، كاملا في السياسة والاقتصاد، والاجتماع والعمران والعلوم الكونية والإلهية والسياسة الحربية للأمم، فحقا هو حبل الله المتين وهو النور المبين وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [سورة الشعراء آية ١٩٢- ١٩٥].. فمن تأمل هذا البرهان القوى، وذلك النور السماوي، ظهر له أن محمدا صلّى الله عليه وسلّم برهان من الله وحجة على أحقية هذا الدين، وأن كتابه القرآن أنزله الله بعلمه وشهد له بصدقه.
فأما الذين آمنوا به واتبعوا نوره واعتصموا بحبله فسيدخلهم ربهم في رحمته وفضله في الدنيا والآخرة ويهديهم إلى صراطه المستقيم، فمن يعمل بالقرآن وحكمه كانت له العزة في الدنيا والكرامة، وفي الآخرة الجنة والرضوان والسلامة.
حق الإخوة في الميراث [سورة النساء (٤) :آية ١٧٦]
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)
المفردات:
الْكَلالَةِ تقدم تفسيرها. هَلَكَ: مات.
سبب النزول:
روى أحمد والشيخان عن جابر بن عبد الله قال: دخل علىّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ ثم صب فعقلت فقلت: إنه لا يرثني إلا كلالة فكيف الميراث؟ فنزلت آية المواريث
، يريد هذه الآية.
وقال الخطابي: أنزل الله في الكلالة آيتين إحداهما في الشتاء وهي التي في أول السورة وفيها إجمال، ثم أنزل الأخرى في الصيف وفيها كمال البيان وقيل: إنها من آخر الآيات نزولا.
المعنى:
يطلبون منك الفتيا أيها الرسول فيمن يورث كلالة جابر بن عبد الله الذي ليس له ولد وارث ولا والد، وله إخوة من أب وأم. وإن هؤلاء لم يفرض لهم شيء. وإن الذي تقدم أول السورة في الأخ لأم ونصيبه السدس، فإن زاد فالثلث فقط كنصيب أمه.
إن امرؤ مات، وليس له ولد ولا والد وله أخت لأب أو شقيقة (لأب وأم) فلها نصف ما ترك.
وهو يرثها إن لم يكن لها ولد ذكر أو أنثى على الصحيح.
فإن كان يرث بالأخوة أختين فلهما الثلثان مما ترك أخوهما، وكذا إن كن أكثر من اثنتين كأخوات جابر فقد كن تسعا، وفي رواية: سبعا، فلهن الثلثان والباقي لمن يوجد من العصبة على ما هو مفصل في أبواب الميراث.
وإن كان الإخوة رجالا ونساء فللذكر مثل الأنثيين في حظهما وهو الثلثان.
يبين الله لكم هذه الأحكام لتعرفوها وتعملوها بها فلا تضلوا أبدا، والله بكل شيء عليم، فعليكم التمسك بهذه الأحكام إذ هي مصدر الخير والبركة لكم..
السورة التالية
Icon