0:00
0:00

المجلد الثالث

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
وبعد :فإن خير ما اشتغل به العقلاء، هو خدمة كتاب الله –تعالى-، الذي أنزله –سبحانه- على قلب محمد –صلى الله عليه وسلم- لكي يخرج الناس من الظلمات إلى النور.
ولقد عني المسلمون منذ فجر الإسلام عناية كبرى بشأن القرآن الكريم. وقد شملت هذه العناية جميع نواحيه، وأحاطت بكل ما يتصل به، وكان لها آثارها المباركة النافعة التي استفاد منها كل مظهر من مظاهر النشاط الفكري والعملي عرفه الناس في حياتهم الروحية والمادية.
وكان من أبرز مظاهر هذه العناية بشأن القرآن الكريم، الاشتغال بتفسيره وتأويله على قدر الطاقة البشرية.
ولقد سبق لي أن كتبت تفسيراً وسيطا لسور :الفاتحة، والبقرة، وآل عمران.
ويسعدني أن أتبع ذلك بتفسير لسورة النساء، حاولت فيه أن أكتب عما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة من هدايات جامعة، وتشريعات حكيمة وتوجيهات رشيدة، وآداب سامية، من شأنها أن توصل المتمسكين بها إلى طريق السعادة في دنياهم وآخرتهم.
وقبل أن أبدأ في تفسير آيات هذه السورة الكريمة بالتفصيل والتحليل. رأيت من الخير أن أسوق بين يديها تعريفاً بها، يتناول زمان نزولها، وعدد آياتها، وسبب تسميتها بهذا الاسم، ومناسبتها لما قبلها، والمقاصد الإجمالية التي اشتملت عليها.
والله نسأل أن يوفقنا لخدمة كتابه، وأن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، ونافعا لعباده، إنه أكرم مسئول وأعظم مأمول.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
محمد سيد طنطاوي
شيخ الأزهر
تمهيد بين يدي السورة
١- سورة النساء هي الرابعة في ترتيب المصحف. فقد سبقتها سورة الفاتحة، والبقرة، وآل عمران.
ويبلغ عدد آياتها خمسا وسبعين ومائة آية عند علماء الحجاز والبصريين، ويرى الكوفيون أن عدد آياتها ست وسبعون ومائة آية، لأنهم عدوا قوله –تعالى- [ أن تضلوا السبيل ] آية.
ويرى الشاميون أن عدد آياتها سبع وسبعون ومائة آية، لأنهم عدوا قوله –تعالى- [ وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذاباً أليما ] آية.
كما أنهم وافقوا الكوفيين في أن قوله –تعالى- [ أن تضلوا السبيل ] آية.
أما علماء الحجاز والبصريين فيرون أن ما ذكره الكوفيون والشاميون إنما هو جزء من آية وليس آية كاملة.
٢- وسورة النساء من السور المدنية. وكان نزولها بعد سورة الممتحنة ويؤيد أنها مدنية ما رواه البخاري عن عائشة –رضي الله عنها- قالت : " ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
ومن المتفق عليه عند العلماء أن دخوله صلى الله عليه وسلم على عائشة كان بعد الهجرة. وروى العوفي عن ابن عباس أنه قال :نزلت سورة النساء بالمدينة. وكذا روى ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت.
قال الألوسي : " وزعم بعض الناس أنها مكية. مستندا إلى أن قوله –تعالى- : [ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها... ] نزلت بمكة في شأن مفتاح الكعبة. وتعقبه السيوطي بأن ذلك مستند واه، لأنه لا يلزم من نزول آية أوآيات بمكة، من سورة طويلة، نزل معظمها بالمدينة، أن تكون مكية. خصوصا أن الأرجح أن ما نزل بعد الهجرة فهو مدني. ومن راجع أسباب نزولها عرف الرد عليه " ( ١ ).
والحق، أن الذي يقرأ سورة النساء من أولها إلى آخرها بتدبر وإمعان، يرى في أسلوبها وموضوعاتها سمات القرآن المدني. فهي زاخرة بالحديث عن الأحكام الشرعية :من عبادات ومعاملات وحدود. وعن علاقة المسلمين ببعضهم وبغيرهم. وعن أحوال أهل الكتاب والمنافقين، وعن الجهاد في سبيل الله. إلى غير ذلك من الموضوعات التي يكثر ورودها في القرآن المدني.
ومن هنا قال القرطبي : " ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها " ( ٢ ).
٣- وسورة النساء سميت بهذا الاسم ؛ لأن ما نزل منها في أحكام النساء أكثر مما نزل في غيرها.
وكثيراً ما يطلق عليها اسم " سورة النساء الكبرى " تمييزا لها عن سورة أخرى عرضت لبعض شئون النساء وهي " سورة الطلاق " التي كثيرا ما يطلق عليها اسم " سورة النساء الصغرى ".
٤- ومن وجوه المناسبة بين هذه السورة وبين سورة آل عمران التي قبلها :أن سورة آل عمران اختتمت بالأمر بالتقوى في قوله –تعالى- : [ يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ] وسورة النساء افتتحت بالأمر بالتقوى. قال –تعالى- : [ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ].
قال الآلوسي : " وذلك من آكد وجوه المناسبات في ترتيب السور. وهو نوع من أنواع البديع يسمى في الشعر :تشابه الأطراف. وقوم يسمونه بالتسبيغ. وذلك كقول ليلى الأخيلية :
إذا نزل الحجاج أرضا مريضة تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها غلام إذا هز القناة رواها
رواها فأرواها بشرب سجالها دماء رجال حيث نال حشاها( ٣ ).
ومنها أن في سورة آل عمران تفصيلا لغزوة أحد. وفي سورة النساء حديث موجز عنها في قوله –تعالى- : [ فمالكم في المنافقين فئتين والله أرسكهم بما كسبوا ].
وكما في قوله –تعالى- : [ ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ].
ومنها :أن في كلتا السورتين محاجة لأهل الكتاب، وبيانا لأحوال المنافقين، وتفصيلا لأحكام القتال.
ومن أمعن نظره –كما يقول الألوسي- وجد كثيرا مما ذكر في هذه السورة مفصلا لما ذكر فيما قبلها. فحينئذ يظهر مزيد الارتباط وغاية الاحتباك ".
٥- ومن الآثار التي وردت في فضل سورة النساء، ما رواه قتادة عن ابن عباس أنه قال :ثماني آيات نزلت في سورة النساء خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت.
أولهن : [ يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم ].
والثانية : [ والله يريد أن يتوب عليكم. ويريد اللذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما ].
والثالثة : [ يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ].
والرابعة : [ إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ].
والخامسة : [ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيائتكم ].
والسادسة : [ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ].
والسابعة : [ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله ].
والثامنة : [ ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيما ]( ٤ ).
وكأن ابن عباس –رضي الله عنهما- قد نظر إلى ما تدل عليه هذه الآيات الكريمة من فضل الله على عباده. ورحمة بهم، وفتح لباب التوبة والمغفرة في وجوههم، وإلا فإن القرآن كله بكل سوره وآياته خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت.
٦- هذا، وسورة النساء تعتبر أطول سورة مدنية بعد سورة البقرة، وإنك لتقرؤها بتدبر وتفهم فتراها قد اشتملت على مقاصد عالية، وآداب سامية. وتوجيهات حكيمة، وتشريعات جليلة.
تراها تنظم المجتمع الإسلامي تنظيمة دقيقاً قويما، يؤدي اتباعه إلى سعادة المجتمع واستقراره داخليا وخارجيا.
فأنت تراها في مطلعها تحض الناس على تقوى الله والخشية منه، وتبين الارتباط الإنساني الجامع الذي تلتقي عنده البشرية جميعاً.
قال –تعالى- [ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيراً ونساء ].
وإذا كان الناس جميعا ينتهون إلى أصل واحد، فإن هذا الاتحاد يقتضي منهم أن يكونوا متراحمين متعاطفين، ومن أبرز مظاهر التراحم، الأخذ بيد الضعفاء ومعاونتهم في كل ما يحتاجون إليه.
لذا نجد السورة الكريمة بعد أن تفتتح بأمرالناس بتقوى الله، تتبع ذلك بالأمر بالإحسان إلى اليتامى –الذين هم أوضح الضعفاء مظهرا- في خمس آيات في الربع الأول منها.
وهذه الآيات هي قوله –تعالى- : [ وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ].
وقوله –تعالى- : [ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ].
وقوله –تعالى- : [ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ].
وقوله –تعالى- : [ وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه ].
وقوله –تعالى- : [ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا ].
ولم تكتف السورة الكريمة في أوائلها بالحض على الإحسان إلى اليتامى، بل حضت –أيضا- على الإحسان إلى النساء، وإعطائهن حقوقهن كاملة.
ثم تراها بعد ذلك في الربع الثاني منها تتحدث عن التوزيع المالي للأسرة عندما يموت واحد منها، وتضع لهذا التوزيع أحكم الأسس وأعدلها وأضبطها وتبين أن هذا التوزيع حد من حدود الله التي يجب التزامها وعدم مخالفتها.
قال –تعالى- : [ تلك حدود الله، ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم، ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ].
ثم تحدثت السورة الكريمة عن حكم النسوة اللاتي يأتين الفاحشة، وعن التوبة التي يقبلها الله –تعالى-، والتوبة التي لا يقبلها. ووجهت نداء إلى المؤمنين نهتهم فيه عن أخذ شيء من حقوق النساء، وأمرتهم بحسن معاشرتهن، كما نهتهم عن نكاح أنواع معينة منهن، لأن نكاحهن يتنافى مع شريعة الإسلام وآدابه.
قال –تعالى- : [ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف، إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ].
ثم تراها في الربع الثالث منها تتحدث عن المحصنات من النساء وعن حقوقهن، وبينت للناس أن الله –تعالى- ما شرع هذه الأحكام القويمة إلا لمصلحتهم ومنفعتهم.
استمع إلى السورة الكريمة وهي تحكي هذا المعنى فتقول : [ يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم. والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما. يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ].
ثم صرحت السورة الكريمة بأن للرجال القوامة على النساء، وذكرت ضروب التأديب التي يملكها الرجل على زوجته، وكلها من غير قسوة ولا شذوذ ولا طغيان، ودعت أهل الخير إلى الإصلاح بين الزوجين إذا ما نشب بينهما نزاع أو شقاق.
قال –تعالى- : [ وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما، إن الله كان عليما خبيرا ].
وبعد أن فصلت السورة الكريمة الحديث عما يجب أن تكون عليه العلاقة بين الزوجين، وبين أفراد الأسرة، انتقلت في الربع الرابع منها إلى بيان العلاقة بين العبد وخالقه، وأنها يجب أن تقوم على إخلاص العبادة له –سبحانه- كما يجب على المسلم أن يجعل علاقته مع والديه ومع أقاربه ومع اليتامى والمساكين. وغيرهم، قائمة على الإحسان وعلى التعاطف والتراحم.
ثم توعدت السورة الكريمة من يشرك بالله، ويخالف أوامره بالعذاب الأليم. وبينت أن الكافرين سيندمون أشد الندم على كفرهم يوم القيامة ولكن ندمهم لن ينفعهم، لأنه جاء بعد فوات الأوان.
قال –تعالى- [ يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول، لو تسوى
١ - تفسير الألوسي ج٤ ص١٧٨ طبعة منير الدمشقي..
٢ - تفسير القرطبي ج٥ ص١. طبعة دار الكتب المصرية سنة ١٣٥٦هـ سنة ١٩٣٧م..
٣ - تفسير الألوسي ج٤ ص١٧٨..
٤ - تفسير ابن كثير ج١ ص٤٤٨، طبعة عيسى الحلبي..

افتتحت السورة الكريمة بهذا النداء الشامل لجميع المكلفين من وقت نزولها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وذلك لأن لفظ الناس لا يختص بقبيل دون قبيل، ولا بقوم دون قوم، وقد دخلته الألف واللام المفيدة للاستغراق ؛ ولأن ما في مضمون هذا النداء من إنذار وتبشير وأمر بمراقبة الله وخشيته، يتناول جميع المكلفين لا أهل مكة وحدهم كما ذكره بعضهم ؛ لأن تخصيص قوله - تعالى - ﴿ ياأيها الناس ﴾ بأهل مكة تخصيص بغير مخصص.
والمراد بالنفس الواحدة هنا :آدم - عليه السلام -. وقد جاء الوصف وهو واحدة بالتأنيث باعتبار لفظ النفس فإنها مؤنثة.
ومن فى قوله ﴿ مِنْهَا ﴾ للتبعيض. والضمير المؤنث " ها " يعود إلى النفس الواحدة.
والمراد بقوله - تعالى - : ﴿ زَوْجَهَا ﴾ حواء ؛ فإنها أخرجت من آدم كما يقتضيه ظاهر قوله - تعالى - ﴿ مِنْهَا ﴾.
قال الفخر الرازى ما ملخصه : " المراد من هذا الزوج هو حواء. وفى كون حواء مخلوقة من آدم قولان :
الأول :وهو الذي عليه الأكثرون :أنه لما خلق الله - تعالى - آدم ألقى عليه النوم، ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه، فلما استيقظ رآها ومال إليها وألفها، لأنها كانت مخلوقة من جزء من أجزائه. واحتجوا عليه بقول النبى صلى الله عليه وسلم : " إن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها "
والقول الثانى :وهو اختيار أبى مسلم الأصفهانى :أن المراد من قوله ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ أى من جنسها. وهو كقوله - تعالى - ﴿ والله جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ وكقوله ﴿ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ وقوله ﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ قال القاضى :والقول الأول أقوى، لكى يصح قوله : ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾، إذ لو كانت حواء مخلوقة ابتداء لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة.
وقد تضمن هذا النداء لجميع المكلفين تنبيهم إلى أمرين :
أولهما :وحدة الاعتقاد بأن ربهم جميعا واحد لا شريك له. فهو الذى خلقهم وهو الذى رزقهم، وهو الذى يميتهم وهو الذى يحييهم، وهو الذى أوجد أبيضهم وأسودهم، وعربيهم وأعجميهم.
وثانيهما :وحدة النوع والتكوين، إذ الناس جميعاً على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وأجناسهم قد انحدروا عن أصل واحد وهو آدم - عليه السلام -.
فيجب أن يشعر الجميع بفضل الله عليهم. وأن يخلصوا له العبادة والطاعة، وأن يتعاونوا على البر والتقوى لا على الإِثم والعدوان، وأن يوقنوا بأنه لا فضل لجنس على جنس، ولا للون على لون إلا بمقدار حسن صلتهم بربهم وما لكهم ومدبر أمورهم.
والمعنى :يا أيها الناس اتقوا ربكم بأن تطيعوه فلا تعصوه، وبأن تشكروه فلا تكفروه، فهو وحده الذى أوجدكم من نفس واحدة هى نفس أبيكم آدم، وذلك من أظهر الأدلة على كمال قدرته - سبحانه، ومن أقوى الدواعى إلى اتقاء موجبات نقمته، ومن أشد المقتضيات التى تحملكم على التاطف والتراحم والتعاون فيما بينكم، إذ أنتم جميعا قد أوجدكم - سبحانه - من نفس واحدة.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : " فإن قلت :الذى يقتضيه سداد نظم الكلام وجزالته، أن يجاء عقيب الأمر بالتقوى بما يوجبها أو يدعو إليها ويحث عليها فكيف كان خلقه إياهم من نفس واحدة على التفصيل الذى ذكره موجبا للتقوى وداعيا إليها ؟
قلت :لأن ذلك مما يدل على القدرة العظيمة. ومن قدر على نحوه كان قادرا على كل شىء، ولأنه يدل على النعمة السابغة عليهم، فحقهم أن يتقوه فى كفرانها والتفريط فيما يلزمهم من القيام بشكرها. أو أراد بالتقوى تقوى خاصة، وهى أن يتقوه فيما يتصل بحفظ الحقوق بينهم، فلا يقطعوا ما يجب عليهم وصله فقيل :اتقوا ربكم الذى وصل بينكم ؛ حيث جعلكم صنوانا مفرعة من أرومة واحدة فيما يجب على بعضكم لبعض، فحافظوا عليه ولا تغفلوا عنه وهذا المعنى مطابق لمعانى السورة ".
وقوله : ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ معطوف على قوله ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾. أو معطوفة على محذوف والتقدير :خلقكم من نفس واحدة ابتدأها وخلق منها زوجها.
ثم بين - سبحانه - ما ترتب على هذا الازدواج من تناسل فقال : ﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً ﴾.
والبث معناه :النشر والتفريق. يقال :بث الخيل فى الغارة، أى فرقها ونشرها. ويقال :يثثت البسط إذا نشرتها. قال - تعالى - ﴿ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ﴾ أى منشورة.
والمعنى :ونشر وفرق من تلك النفس الواحدة وزوجها على وجه التوالد والتناسل، رجالا كثيرا ونساء كثيرة.
والتعبير بالبث يفيد أن هؤلاء الذين توالدوا وتناسلوا عن تلك النفس وزوجها، قد تكاثروا وانتشروا فى أقطار الأرض على اختلاف ألوانهم ولغاتهم، وأن من الواجب عليهم مهما تباعدت ديارهم، واختلفت ألسنتهم وأشكالهم أن يدركوا أنهم جميعا ينتمون إلى أصل واحد، وهذا يقتضى تراحمهم وتعاطفهم فيما بينهم. وقوله ﴿ كَثِيراً ﴾ صفة لقوله ﴿ رِجَالاً ﴾ وهو صفة مؤكدة لما إفاده التنكير من معنى الكثرة. وجاء الوصف بصيغة الإِفراد، لأن ﴿ كَثِيراً ﴾ وإن كان مفردا لفظا إلا أنه دال على معنى الجمع. واستغنى عن وصف النساء بالكثرة، اكتفاء بوصف الرجال بذلك، ولأن الفعل ﴿ وَبَثَّ ﴾ يقضى الكثرة والانتشار.
وقال الفخر الرازى :خصص وصف الكثرة بالرجال دون النساء، لأن شهرة الرجال أتم، فكانت كثرتهم أظهر، فلا جرم خصوا بوصف الكثرة. وهذا كالتنبيه على أن اللائق بحال الرجال الاشتهار والخروج البروز. واللائق بحال النساء الاختفاء والخمول ".
وقوله : ﴿ واتقوا الله الذي تَسَآءَلُونَ بِهِ والأرحام ﴾ تكرير للأمر بالتقوى لتربية المهابة فى النفس وتذكير ببعض آخر من الأمور الموجبة لخشية الله وامتثال أوامره.
وقوله ﴿ تَسَآءَلُونَ ﴾ أصلها تتساءلون فطرحت إحدى التاءين تخفيفا. وهى قراءة عصام وحمزة الكسائى.
وقرأ الباقون " تساءلون " بالتشديد بإدغام تاء التفاعل فى السينه لتقاربهما فى الهمس. والأرحام :جمع رحم وهى القرابة. مشتقة من الرحمة، لأن ذوى القرابة من شأنهم أن يتراحموا ويعطف بعضهم على بعض.
وكلمة ﴿ والأرحام ﴾ قرأها الجمهور بالنصب عطفا على اسم الله تعالى.
والمعنى ؛ واتقوا الله الذى يسأل بعضكم بعضا به، بأن يقول له على سبيل الاستعطاف :أسألك بالله أن تفعل كذا، أو أن تترك كذا. واتقوا الأرحام أن تقطعوها فلا تصلوها بالبر والإِحسان، فإن قطيعتها وعدم صلتها مما يجب أن يتقى ويبعد عنه، وإنما الذى يجب أن يفعل هو صلتها وبرها.
وقرأها حمزة بالجر عطفا على الضمير المجرور فى ( به ). أى :اتقوا الله الذى تساءلون به وبالأرحام بأن يقول بعضكم لبعض مستعطفا أسألك بالله وبالرحم أن تفعل كذا.
وقد كان من عادة العرب أن يقرنوا الأرحام بالله تعالى - فى المناشدة والسؤال فيقولون :اسألك بالله وبالرحم.
ولم يرتض كثير من النحويين هذه القراءة من حمزة، وقالوا :إنها تخالف القواعد النحوية التى تقول :إن عطف الاسم الظاهر على الضمير المجرور المتصل بدون إعادة الجار لا يصح، لأن الضمير المجرور المتصل بمنزلة الحرف، والحرف لا يصح عطف الاسم الظاهر عليه، ولأن الضمير المجرور كبعض الكلمة لشدة اتصاله بها، وكما أنه لا يجوز أن يعطف على بعض الكلمة فكذلك لا يجوز أن يعطف عليه. إلى غير ذلك مما قالوه فى تضعيف هذه القراءة. وقد دافع كثير من المفسرين عن هذه القراءة التى قرأها حمزة. وأنكروا على النحويين تشنيعهم عليه.
ومما قاله القرطبى فى دفاعه عن صحة هذه القراءة :ومثل هذا الكلام - أى من النحويين - مردود عند أئمة الدين، لأن القراءات التى قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبى صلى الله عليه وسلم تواترا يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شىء عن النبى صلى الله عليه وسلم فمن رد ذلك فقد رد على النبى صلى الله عليه وسلم واسقبح ما قرأ به.
وهذا مقام محذور، ولا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو، فإن العربية تتلقى من النبى صلى الله عليه وسلم ولا يشك أحد فى فصاحته.
ثم قال :والكوفى يجيز عطف الظاهر على الضمير المجرور ولا يمنع منه، ومنه قولهم :
فاذهب فما بك والأيام من عجب
ومما قاله الفخر الرازى فى ذلك :واعلم أن هذه الوجوه - أى التى احتج بها النحويون في تضعيف قراءة حمزة - ليست وجوها قوية فى رفع الروايات الواردة فى اللغات ؛ وذلك لأن حمزة أحد القراء السبعة، ولم يأت بهذه القراءة من عند نفسه، بل رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يوجب القطع بصحة هذه اللغة، والقياس يتضاءل عند سماع لا سيما بمثل هذه الأقيسة التى هى أوهن من بيت العنكبوت.
وأيضا فلهذه القراءة وجهان :
أحدهما :أنها على تقدير تكرير الجار. كأنه قيل :تساءلون به وبالأرحام.
وثانيهما :أنه ورد ذلك فى الشعر ومنه :
نعلق فى مثل السوارى سيوفنا... وما بينها والكعب غوط نفائف
ثم قال :والعجب من هؤلاء النحاة أنهم يستحسنون إثبات هذه اللغة بمثل هذه الأبيات المجهولة، ولا يستحسنوا إثباتها بقراءة حمزة ومجاهد، مع أنهما كانا من أكابر علماء السلف فى علم القرآن ".
هذا، وهناك قراءة بالرفع. قال الآلوسى :وقرأ ابن زيد ﴿ والأرحام ﴾ بالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر. أى والأرحام كذلك أى مما يتقى لقرينه ﴿ واتقوا ﴾. أو مما يتساءل به لقرينة ﴿ تَسَآءَلُونَ ﴾.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يحمل العقلاء على المبالغة فى تقوى الله، وفى صلة الرحم فقال - تعالى : ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾. أى حافظا يحصى عليكم كل شىء. من رقبه إذا حفظه.
أو مطلعا على جميع أحوالكم وأعمالكم، ومنه المرقب للمكان العالى الذى يشرف منه الرقيب ليطلع على ما دونه.
وقد أكد - سبحانه - رقابته على خلقه، واطلاعه على جميع أحوالهم بأوثق المؤكدات. فقد أكد - سبحانه - الجملة الكريمة بإن، وبتكرار لفظ الجلالة التى يبعث فى النفوس كل معانى الخشية والعبودية له، وبالتعبير بكان الدالة على الدوام والاستمرار، وبذكر الفوقية التى يدل عليها لفظ ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ إذ هو يفيد معنى الاطلاع الدائم مع السيطرة والقهر، وبالإِتيان بصيغة المبالغة وهى قوله : ﴿ رَقِيباً ﴾ أى شديد المراقبة لجميع أقوالكم وأعمالكم فهو يراها ويعلمها وسيحاسبكم عليها يوم القيامة
وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة :وجوب مراقبته - سبحانه - وخشيته وإخلاص العبادة له، لأنه هو الذى أوجدهم من نفس واحدة، وهو الذى أوجد من هذه النفس الموحدة زوجها، وهو الذى أوجد منها عن طريق التناسل الذكور والإِناث الذين يملؤون أقطار الأرض على اختلاف صفاتهم وألوانهم ولغاتهم، وهو الذى لا تخفى عليه خافية من أحوالهم، بل هو مطلع عليهم وسيحاسبهم على أعمالهم يوم الدين، ومن كان كذلك فمن حقه أن يتقى ويخضى ويطاع ولا يعصى.
كما أخذوا منها جواز المسألة بالله - تعالى - لأنه - سبحانه - قد أقرهم على هذا التساؤل ؛ لكونهم يعتقدون عظمته وقدرته.
وقد ورد فى هذا الباب أحاديث متعددة منها ما أخرجه الإِمام أحمد وأبو داود والنسائى وابن حبان عن ابن عمر قال :قال رسول الله صلى الله ع
ثم شرع - سبحانه - فى تفصيل موارد الاتقاء ومظانه، فابتدأ بأحق الناس بالرحمة والمودة، وهم اليتامى فقال - تعالى - : ﴿ وَآتُواْ... أَلاَّ تَعُولُواْ ﴾
وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ( ٢ ) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ( ٣ )
والأمر فى قوله ﴿ وَآتُواْ ﴾ يتناول كل من له ولاية أو وصاية أو صله باليتيم، كما يتناول الجماعة الإِسلامية بصفة عامة، لكى تتكاتف وتتعاون على تمكين اليتيم من وصول حقه إليه بدون بخس أو مماطلة.
و ﴿ اليتامى ﴾ جمع يتيم وهو الصغير الذى مات أبوه، مأخوذ من اليتم بمعنى الانفراد. ومنه الدرة اليتيمية.
قال صاحب الكشاف وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء معنى الانفراد عن الآباء، إلا أنه قد غلب ان يسموا به قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال، فإذا استغنوا بأنفسهم عن كافل وقائم عليهم، وانتصبوا كفاة يكفلون غيرهم ويقومون عليهم، زال عنهم هذا الاسم. وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم :يتيم أبى طالب ؛ إما على القياس، وإما حكاية للحال التى كان عليها صغيرا في حجر عمه. وأما قوله صلى الله عليه وسلم " لا يتم بعد الحلم " فهو تعليم شريعة لا لغة. أى أنه إذا احتلم لم تجر عليه أحكام الصغار ".
والمراد باليتامى هنا الصغار، والمراد بإيتائهم أموالهم حفظها لهم وعدم الطمع فى شىء منها لا من قبل الورثة ولا من قبل الأوصياء ولا من قبل غيرهم وعلى هذا المعنى يكون لفظ الإِيتاء قد أول بلازم معناه وهو الحفظ والرعاية لمال اليتامى، لا تسليم المال إليهم لأنه من المعروف شرعا ألا يسلم المال إليهم إلا بعد البلوغ، إذ هم فى حال الصغر لا يصلحون للتصرف.
ويكون هذا التعبير من باب الكناية بإطلاق اللازم - وهو الإِيتاء، وإرادة الملزوم وهو الحفظ، أو من باب المجاز بالمآل إذ الحفظ يؤول إلى الإِيتاء.
ويرى بعضهم أن المراد باليتامى هنا الكبار الذين أونس منهم الرشد وأن المراد بالإِيتاء دفع أموالهم إليهم على سبيل الحقيقة.
ويكون التعبير عنهم باليتامى - مع أنهم كبار - باعتبار ان اسم اليتيم يتناول لغة كل من فقد أباه، أو باعتبار قرب عهدهم بالصغر، أو باعتبار ما كان أى الذين كانوا يتامى. قالوا :وفى التعبير عنهم باليتامى مع أنهم كبار، إشارة إلى وجوب المسارعة فى تسليم أموالهم إليهم متى أونس منهم الرشد، حتى لكأن اسم اليتيم ما زال باقيا عليهم، غير منفصل عنهم :
ويبدو لنا أن الرأى الأول أولى، لأن الأمر بدفع أموال اليتامى إليهم. بعد بلوغهم قد جاء صريحا فى قوله - تعالى - بعد ذلك : ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾ فكان حمل الآية التى معنا على أن المراد باليتامى :الصغار، وبإيتاء أموالهم حفظها لهم، أولى وأقرب إلى المنطق، لأنه على الرأى الأول يكون الأمر وما يذكر به تأسيسات أحكام، وعلى الرأى الثانى يكون ما فى الآية الثانية مؤكدا لما فى الآية التى معنا.
والتأسيس أولى من التأكيد.
ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك فى الآية التى معنا ﴿ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ ﴾ - إنما هو تحذير للأوصياء والأولياء من الطمع فى مال اليتيم أو إضاعته ما دام المال فى أيديهم واليتيم فى حجرهم، وهذا يؤيد هذا الرأى الأول القائل بن المراد باليتامى :الصغار، وبإيتاء أموالهم :حفظها ورعايتها حتى تسلم إليهم عند بلوغهم كاملة غير منقوصة.
وقوله ﴿ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب ﴾ معناه :لا تجعلوا ردىء المال لهم بدل الجيد، بأن تأخذوا لأنفسكم كرائم الأموال ونفائسها، وتتركوا لهم الخسيس منها.
قال القرطبى :وكانوا فى الجاهلية لعدم الدين لا يتحرجون عن أموال اليتامى فكانوا يأخذون الطيب من أموال اليتامى ويبدلونه بالردىء من أموالهم ويقولون اسم باسم، ورأس برأس، فنهاهم الله عن ذلك. وهذا قول سعيد بن المسيب والزهرى والسدى والضحاك وهو ظاهر الآية، إذ التبديل جعل شىء بدل شىء ".
ويرى صاحب الكشاف أن المراد بالخبث :الحرام، وبالطيب :الحلال فقد قالوا : ﴿ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب ﴾ أى :ولا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم وما ابيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث فى الأرض فتأكلوه مكانه، أو لا تستبدلوا الأمر الخبث وهو اختزال أموال اليتامى بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها ".
وقوله - تعالى - ﴿ وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ ﴾ نهى آخر عن الاعتداء على أموال اليتامى عن طريق خلط أموال اليتامى بأموال الأوصياء، و المراد من الأكل :مطلق الانتفاع والتصرف وخص الأكل بالذكر، لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف.
والمعنى :ولا تضموا أيها الأوصياء أموال اليتامى إلى أموالكم في الإِنفاق فتأكلوها مع أموالكم، وتسووا بينهما فى الانتفاع، لأن أموالكم احل الله لكم أكلها، أما أموال اليامى فقد جرم الله عليكم أكلها.
فالآية الكريمة صريحة فى النهى عن خلط مال اليتيم القاصر بمال الوصى عليه بقصد أكله، لأن هذا لون من ألوان الاستيلاء المحرم على أموال اليتامى، كما أنها تتضمن النهى عن خلط مال اليتيم بمال الوصى عليه ولو لم يقصد أكله، لأن هذا الخلط قد يؤدى إلى ضياعه وعدم تميزه فقد يموت الوصى فلا يعرف مال اليتيم من ماله، فيؤدى الأمر إلى أكله وإن لم يكن مقصودا، ولذا قال الفقهاء :إذا مات الوصى على اليتيم مجهلاً مال اليتيم اعتبر مستهلكا له.
والخلاصة أن الآية الكريمة تحرم على الأولياء والأوصياء وغيرهم أن تصرفوا في أموال اليتامى أى تصرف يؤدى إلى الإِضرار بها، بل عليهم أن يحفظوها لهم حتى يدفعوها إليهم سالمة عند البلوغ.
هذا، وليس قيد " إلى أموالكم " محط النهى، بل النهى واقع على أكل أموال اليتامى مطلقا، سواء أكان للآكل مال يضم إليه مال اليتيم أم لم يكن.
ولكن لما كان الغالب وجود أموال للأوصياء، وأنهم يريدون من أكل أموال اليتامى التكثير أو توفير أموالهم، جىء بهذا القيد رعاية لهذا الغالب، وليكون ذمهم على جشعهم وضعف دينهم أشد وأشنع حيث أكلوا حقوق اليتامى مع أنهم فى غنى عنها بما رزهم الله من أموال.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله :فإن قلت :قد حرم عليهم أكل مال اليتامى وحده ومع أموالهم فلم ورد النهى عن أكله معها ؟ قلت :لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله من مال حلال - وهم مع ذلك يطمعون فيها - كان القبح أبلغ والذم أحق، ولأنهم كانوا يفعلون ذلك فنعى عليهم فعلهم وسمع بهم ليكون أزجر لهم ".
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً ﴾.
والحوب :اسم مصدر من حاب يحوب حوبا :إذا اكتسب إثما. يقال :فلان يتحوب أى يتأثم. والحوباء :النفس المرتكبة للإِثم. ويقال فى الدعاء :اللهم اغفر حوبتى، أى إثمى، وأصله الزجر للإبل، فسمى الإِثم حوبا لأنه يزجر عنه وبه.
والضمير فى قوله ﴿ إِنَّهُ ﴾ يعود إلى أكل مال اليتيم بأى طريق محرم.
والمعنى :إن أكل مال اليتيم بأى طريقة من الطرق المحرمة كان إثما كبيراً، وذنبا عظيما، لأن هذا الأكل اعتداء على نفس ضعيفة فقدت من يعولها ومن يدافع عنها، ومن اعتدى على نفس ضعيفة، وضيع حقها، وخان الأمانة كان مرتكبا لذنب عظيم يؤدى به إلى العقوبة والعذاب الأليم.
والجملة بمنزلة التعليل للنهى عن أكل مال اليتيم، وعن الطمع بدون وجه حق فيها.
ثم شرع - سبحانه - فى نهيهم عن منكر آخر كانوا يباشرونه فقال - تعالى.
﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ﴾.
وقوله ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ ﴾ شرط، وجوابه قوله ﴿ فانكحوا ﴾.
والمراد من الخوف :العلم، وعبر عنه بذلك للأشعار بكون المعلوم مخوفا محذورا. ويقوم الظن الغالب مقام العلم.
وقوله ﴿ تُقْسِطُواْ ﴾ من الإِقساط وهو العدل. يقال :أقسط الرجل إذا عدل. قال - تعالى - : ﴿ وأقسطوا إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين ﴾ ويقال :قسط الرجل إذا جار وظلم صاحبه. قال - تعالى - ﴿ وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً ﴾ والمراد " باليتامى :يتامى النساء. قال الزمخشرى :ويقال للاناث اليتامى كما يقال للذكور وهو جمع يتيمة.
ومعنى ﴿ مَا طَابَ لَكُمْ ﴾ ما مالت إليه نفوسكم واستطابته من النساء اللائى أحل الله لكم نكاحهن.
هذا، وللعلماء أقوال فى تفسير هذه الآية الكريمة منها :ما رواه البخارى ومسلم وأبو داود والنسائى وغيرهم عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة - رضى الله عنها - عن هذه الآية فقال :يا ابن أختى هى اليتيمة تكون فى حجر وليها تشركه فى ماله ويعحبه مالها وجمالها.
فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقسط فى صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره.
قال عروة :قالت عائشة :وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية، فأنزل الله - تعالى - ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النسآء قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يَتَامَى النسآء اللاتي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ قالت عائشة :وقوله الله - تعالى - ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال. قالت :فنهوا عن أن ينكحوا من رغبوا فى مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال ".
وعلى هذه الرواية التى ساقها أئمة المحدثين عن عائشة فى المراد من الآية الكريمة يكون المعنى :وإن علمتم أيها الأولياء على النساء اليتامى أنكم لن تعدلوا فيهن إذا تزوجتم بهن - بأن تسيئوا إليهن فى العشرة، أو بأن تمتنعوا عن إعطائهن الصداق المناسب لهن - إذا علمتم ذلك فانكحوا غيرهن من النساء الحلائل اللائى تميل إليهن نفوسكم ولا تظلموا هؤلاء اليامى بنكاحهن دون أن تعطوهون حقوقهن ؛ فإن الله - تعالى - قد وسع عليكم فى نكاح عيرهن.
فالمقصود من الآية الكريمة على هذا المعنى :نهى الأولياء عن نكاح النساء اليتامى اللائى يلونهن عند خوف عدم العدل فيهن، إلا أنه أوثر التعبير عن ذلك بالأمر بنكاح النساء الأجنبيات، كراهة للنهى الصريح عن نكاح اليتيمات، وتلطفا فى صرف المخاطبين عن نكاح التيامى حال العلم بعدم العدل فيهن.
فكأنه - سبحانه - يقول :إن علمتم أيها الأولياء الجور والظلم فى نكاح اليتامى اللائى فى ولايتكم فلا تنكحوهن، وانكحوا غيرهن مما طالب لكم من النساء.
وعلى هذا القول الذى أورده المحدثون عن عائشة - رضى الله عنهما - سار كثير من المفسرين في الآية الكريمة. وبعضهم اقتصر عليه ولم يذكر سواه.
قال بعض العلماء :وكلامها هذا أحسن تفسير لهذه الآية. وهى وإن لم تسند ما قالته إلى رسول الله، إلا أن سياق كلامها يؤذن بأنه عن توقيف ؛ ولذلك أخرجه البخارى فى باب تفسير سورة النساء بسياق الأحاديث المرفوعة، اعتدادا بأنها ما قالت ذلك إلا عن معاينة حال النزول.
لا سيما وقد قالت :ثم إن الناس استفتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ وعليه يكون إيجاز لفظ الآية اعتدادا بما فهمه الناس مما يعلمون من أحوالهم، وتكون قد جمعت إلى جانب حفظ حقوق اليتامى فى أموالهم الموروثة، حفظ حقوفهم فى الأموال التى يستحقها النساء اليتامى كمهور لهن عند الزوج بهن.. "
أما الرأى الثانى فيرى أصحابه أن الآية مسوقة للنهى عن نكاح ما فوق الأربع خوفا على أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم.
وقد حكى هذا القول الإِمام ابن جرير فقال :وقال آخرون بل معنى ذلك :النهى عن نكاح ما فوق الأربع، حذرا على أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم وذلك أن قريشا كان الرجل منهم يتزوج العشر من النساء والأكثر والأقل، فإذا صار معدما مال على مال اليتيمة التى فى حجره فأنفقه، أو تزوج به، فنهوا عن ذلك. وقيل لهم :إن أنتم خفتم على أموال أيتاكم أن تنفقوها فلا تعدلوا فيها من أجل حاجتكم إليها لما يلزمكم من مؤن نسائكم، - إن خفتم ذلك. فلا تجاوزوا فيما تنكحون من عدد النساء على أربع. وإن خفتم أيضاً من الأربع ألا تعدلوا فى أموالهم - أى أموال اليتامى -، فاقتصروا على الواحدة أو على ما ملكت أيمانكم - أى إن كان زواجكم بالأربع يؤدى إلى الجور فى أموال اليتامى فاقتصروا على الزواج بامرأة واحدة - ".
وقد انتصر ابن جرير لهذا القول وعده أرجح الأقوال، فقال ما ملخصه وإنما قلنا :إن ذلك أولى بتأويل الآية ؛ لأن الله - تعالى - افتتح الآية التى قبلها بالنهى عن أكل أموال اليتامى بغير حقها. ثم أعلمهم - هنا - المخلص من الجور فى أموال اليتامى فقال :انكحوا إن أمنتم الجور فى النساء على أنفسكم ما أبحت لكم منهن وحللته :مثنى وثلاث ورباع. فإن خفتم أيضاً الجور على أنفسكم فى أمر الواحدة فلا تنكحوها، ولكن تسروا من المماليك، فإنكم أحرى ألا تجوروا عليهن، لأنهن أملاككم وأموال، ولا يلزمكم لهن من الحقوق كالذى يلزمكم للحرائر، فيكون ذلك اقرب لكم إلى السلام من الإِثم والجور ".
وينسب هذا الرأى إلى ابن عباس وسعيد بن جبير، والسدى، وقتادة، وعكرمة.
وقال مجاهد :إن الآية الكريمة مسوقة للنهى عن الزنا. وقد حكى هذا الرأى صاحب الكشاف فقال :كانوا لا يتحرجون من الزنا. ويتحرجون من ولاية اليامى. فقيل لهم :إن خفتم الجور في حق اليتامى، فخافوا الزنا، فانكحوا ما حل من النساء، ولا تحوموا حول المحرمات ".
هذه أشهر الأقوال فى معنى الآية الكريمة، ويبدو لنا أن أرجحها أولها، لأنه هو الظاهر من معنى الآية، ولأن الغالب أن السيدة عائشة - رضى الله عنها - ما فسرت الآية بهذا التفسير الذى قالته لابن أختلها إلا عن توقيف ومعاينة لحال النزول، ولأن الملازمة بين الشرط والجزاء فى الآية على هذا الوجه تكون ظاهرة. إذ التقدير وإن خفتم أيها الأولياء الجور والظلم فى نكاح اليتامى اللاتى فى ولايتكم فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من النساء.
أما على القول الثانى فمحل الملازمة بين الشرط والجزاء إنما هو فيما تفرع عن الجزاء وهو قوله ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾.
وعلى قول مجاهد تضعف الملازمة بين الشرط والجزاء.
هذا، والأمر فى قوله ﴿ فانكحوا ﴾ - على التفسير الأول - للإِباحة كما فى قوله - تعالى - ﴿ وكُلُواْ واشربوا... ﴾ خلافا للظاهرية الذين يرون أنه للوجوب. و ﴿ مَا ﴾ فى قوله - تعالى - ﴿ مَا طَابَ لَكُمْ ﴾ موصولة أو موصوفة. وما بعدها صلتها أو صفتها. وأوثرت على ﴿ مِّنَ ﴾ لأنها أريد بها الصفة وهو الطيب من النساء بدون تحديد لذات معينة، ولو قال ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ ﴾ لتبادر إلى الذهن أن المراد نسوة طيبات معروفات بينهم.
وقوله - تعالى - ﴿ مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ﴾ حال من فاعل ﴿ طَابَ ﴾ المستتر أو من مرجعه - وهو ﴿ مَا ﴾ -، أو بدل منه.
وهذه الكلمات الثلاث من ألفاظ العدد. وتدل كل واحدة منها على المكرر من نوعها. فمثنى تدل على اثنين اثنين. وثلاث تدل على ثلاثة ثلاثة. ورباع تدل على أربعة أربعة.
والمراد منها هنا :الإِذن لكل من يريد الجمع أن ينكح ما شاء من العدد المذكور متفقين فيه ومختلفين.
والمعنى :فانكحوا ما طالب لكم من النساء معدودات هذا العدد :ثنتين ثنتين. وثلاثا ثلاثا. وأربعا أربعا. حسبما تريدون وتستطيعون.
قال صاحب الكشاف :فإن قلت :الذى أطلق للنكاح فى الجمع أن يجمع بين ثنتين أو ثلاث أو أربع. فما معنى التكرير فى مثنى وثلاث ورباع.
قلت :الخطاب للجميع. فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذى أطلق له. كما تقول للجماعة :اقتسموا هذا المال - وهو ألف درهم - :درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة. وأربعة أربعة. ولو أفردت لم يكن له معنى.
فإن قلت :فلم جاء العطف بالواو دون أو ؟
قلت :كما جاء بالواو فى المثال الذى حذوته لك. ولو ذهبت تقول :اقتسموا هذا المال درهمين درهمين أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة ؛ علمت أنه لا يسوغ لهم أن يقتسموه إلا على أحد أنواع هذه القسمة. وليس لهم أن يجمعوا بينها. فيجعوا بعض القسم على تثنية، وبعضا على تثليث، وبعضا على تربيع، وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذى دلت عليه الواو.
وتحريره :أن الواو دلت على إطلاق أن يأخذ الناكحون من أرادوا نكاحهن من النساء على طريق الجمع :إن شاؤوا مختلفين فى تلك الأعداد، وإن شاؤوا متفقين فيها، محظوراً عليهم ما وراء ذلك ".
ثم بين - سببحاه - لعباده ما ينبغى عليهم فعله فى حال توقعهم عدم العدل بين الزوجات فقال - تعالى ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾.
فالمراد بالعدل عنا :العدل بين الزوجات المتعددات.
أى :فإن علمتم أنكم لا تعدلون بين الأكثر من الزوجة الواحدة فى القسم والنفقة وحقوق الزوجية بحسب طاقتكم، كما علمتم فى حق اليتامى أنكم لا تعدلون - إذا علمتم ذلك فالزموا زوجة واحدة، أو أى عدد شئتم من السرارى بالغة ما بلغت.
فكأنه - سبحانه - لما وسع عليهم بأن أباح لهم الزواج بالمثنى والثلاث والرباع من النساء، أتبأهم بأنه قد يلزم من هذه التوسعة خوف الميل وعدم العدل. فمن الواجب عليهم حينئذ أن يحترزوا بالتقليل من عدد النساء فيقتصروا على الزوجة الواحدة.
ومفهومه :إباحة الزيادة على الواحدة إذا أمن الجور بين الزوجات المتعدات.
وقوله ﴿ فَوَاحِدَةً ﴾ منصوب بفعل مضمر والتقدير :فالزموا واحدة أو فاختاروا واحدة فإن الأمر كله يدور مع العدل، فأينما وجدتم العدل فعليكم به.
وقرىء بالرفع أى فحسبكم واحدة. ﴿ أَوْ ﴾ للتسوية أى سوى - سبحانه - فى السهولة واليسر بين نكاح الحرة الواحدة وبين السرارى من غير تقييد بعدد، لقلة تبعتهن، ولخفة مؤنتهن، وعدم وجوب القسم فيهن.
وقوله ﴿ ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ ﴾ جملة مستأنفة بمنزلة التعليل مما قبلها.
واسم الإِشارة " ذلك " يعود إلى اختيار الواحدة أو التسرى.
وقوله ﴿ أدنى ﴾ هنا بمعى أقرب. وهو قرب مجازى. أى أحق وأعون أن لا تعولوا.
وقوله ﴿ تَعُولُواْ ﴾ مأخوذ من العول وهو فى الأصل الميل المحسوس.
يقال. عال الميزان عولا إذا مال. ثم نقل إلى الميل المعنوى وهو الجور والظلم ؛ ومنه عال الحاكم إذا جار، والمراد هنا الميل المحظور المقابل للعدل.
والمعنى :أن ما ذكر من اختيار الزوجة الواحدة والتسرى، أقرب بالنسبة إلى ما عداهما إلى العدل وإلى عدم الميل المحظور، لأن من اختار زوجة واحدة فقد انتفى عنه الميل والجور رأسا لانتفاء
ثم أمر الله تعالى الرجال أن يعطوا النساء مهورهن كاملة عن رضا وسماحة نفس، وألا يطمعوا فى شيء مما أعطاه الله لهن فقال - تعالى - : ﴿ وَآتُواْ النسآء... ﴾.
وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ( ٤ )
وقوله ﴿ صَدُقَاتِهِنَّ ﴾ جمع صدقة - بضم الدال - وهى ما يعطى للزوجة من المهر. وقوله ﴿ نِحْلَةً ﴾ أى عطية واجبة وفريضة لازمة. إذ النحلة فى الأصل :العطية على سبيل التبرع. يقال :نحله كذا نحلة ونحلا، إذا أعطاه إياه عن طيب نفس بلا مقابلة عوض.
والمعنى :وأعطوا النساء مهورهن عطية عن طيب نفس منكم، لأن هذه المهور قد فرضها الله لهن، فلا يجوز أن يطمع فيها طامع، أويغتالها مغتال، والخطاب للأزواج. قالوا :لأن الرجل كان يتزوج المرأة بلا مهر ويقول لها :أرثك وترثيننى ؟ فتقول :نعم. فأمروا أن يسرعوا إلى إعطاء المهور.
وقيل :الخطاب لأولياء النساء، وذلك لأن العرب فى الجاهلية كانت لا عطى النساء من مهورهن شيئا، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت :هنيئا لك النافجة. أى هنيئا لك هذه البنت التى تأخذ مهرها إبلا فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك أى تزيده وتكثره.
وقد رجح ابن جرير كون الخطاب للأزواج فقال : " وذلك لأن الله - تعالى - ابتدأ ذكر هذه الآية بخطاب الناكحين للنساء، ونهاهم عن ظلمهن. ولا دلالة فى الآية على أن الخطاب قد صرف عنهم إلى غيرهم. فإذا كان ذلك كذلك ؛ فمعلوم أن الذين قيل لهم : ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ﴾ هم الذين قيل لهم : ﴿ وَآتُواْ النسآء صَدُقَاتِهِنَّ ﴾ وأن معناه :وآتوا من نكحتم من النساء صدقاتهم نحلة، لأنه قال فى الأول : ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء ﴾ ولم يقل " فأنحكوا " حتى يكون قوله : ﴿ وَآتُواْ النسآء صَدُقَاتِهِنَّ ﴾ مصروفا إلى أنه معنى به أولياء النساء دون أزواجهن. وهذا أمر من الله لأزواج النساء المسمى لهن الصداق أن يؤتوهن صدقاتهن والذي نراه أن الخطاب فى الآية الكريمة يتناول كل من له علاقة بالنساء من الأزواج أو الأولياء وغيرهم من الاحكام الذين اليهم المرجع في رد الحقوق إلى ذويها، والضرب على أيدى المعتدين والطامعين فى حقوق النساء، وذلك لأن الخطاب من أول السورة موجبة إلى الأولياء والأزواج فناسب أن يكون الخطاب هنا شاملا لكليهما فإن أعطوهن عن رضا كان حسنا وإلا أجبرهم الحكام على ذلك.
وقوله : ﴿ نِحْلَةً ﴾ منصوب على الحالية من قوله ﴿ صَدُقَاتِهِنَّ ﴾ أي :منحولة معطاة عن طيب نفس. أو منصوب على الحالية من المخاطبين. أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبى النفوس بالإعطاء.
وفي التعبير عن إيتاء المهور بالنحلة مع كونها واجبة الأداء. لإفادة معنى الإيتاء عن كمال الرضا وطيب الخاطر دون أن يكون لهذه النحلة مقابل.
وقوله - تعالى - ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ بيان للحكم فيما إذا تنازل النساء عن شيء مما أعطوا عن طيب خاطر منهن أى عليكم أيها الرجال أن تدفعوا للنساء مهورهن مناولة أو التزاما.
فإن حدث وتنازل لكم النساء عن شئ من هذه المهور بسماحة ورضا نفس، فكلوه أكلا سائغا، حميد المغبة، حلال الطعمة، خاليا من شائبة الحرام والشبهات :
والضمير المجرور في قوله ﴿ مِّنْهُ ﴾ يعود إلى الصدقات أي المهور.
وجئ به مفرداً مذكرا، لجريانه مجرى اسم الاشارة كأنه قيل :فإن طابت أنفسهن لكم عن شئ من ذلك المذكور وهو الصدقات فكلوه.
قال صاحب الكشاف :وفي الآية دليل على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط حيث بنى الشطر على طيب النفس فقيل :فإن طبن ولم يقل فإن وهبن أو سمحن، إعلاما بأن المراعى هو تجافى نفسها عن الموهوب عن طيب خاطر.
والمعنى :فإن وهبن لكم شيئا من الصداق، وتجافت عنه نفوسهن طيبات لا لحياء عرض لهن منكم أو من غيركم، ولا لاضطرارهن إلى الذل من شكاسة أخلاقكم، وسوء معاشرتكم فكلوه هنيئا مريئا.
وقوله ﴿ نَفْساً ﴾ منصوب على التمييز من الضمير وهو نون النسوة في قوله ﴿ طِبْنَ ﴾.. وهو محول عن الفاعل والأصل فان طابت أنفسهن عن شئ منه فكلوه.
وجئ به مفرداً لأن الغرض بيان الجنس والواحد يدل عليه كقولك :عندى عشرون درهما. والمراد بالأكل في قوله ﴿ فَكُلُوهُ ﴾ مطلق التصرف والانتفاع.
وإنما خص الأكل بالذكر، لأنه معظم وجوده التصرفات المالية.
وقوله ﴿ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ حالان من الضمير المنصوب في قوله ﴿ فَكُلُوهُ ﴾ أو منصوبان على أنهما نعت لمصدر محذوف. أي فكلوه أكلا هنيئا مريئا. وهما صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ. يقال :هنؤ الطعام وهنئ هناءة. إذا كان سائغا لاتنغيص فيه. وقيل الهنئ ما أناك بلا مشقة ولا تبعة.
ويقال مرأ الطعام - بتثليث الراء - مراءة فهو مرئ، إذا كان حميد المغبة والمراد المبالغة في تحليل ما يأتيهم من نسائهم عن طيب خاطر منهن، فقد كانوا يتأنمون من أخذ شئ من مهور نسائهم، فقال الله - تعالى - لهم :إن طابت نفوسهن بالتنازل عن شئ من مهورهن لكم فكلوه هنيئا مريئا، لأنه حلال خالص من الشوائب.
هذا، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة :أنه لا بد في النكاح من صداق يعطى للمرأة سواء أسمى ذلك في العقد أم لم يسم. قال القرطبي :وهو مجمع عليه ولا خلاف عليه.
ومنها :أن هذا الصداق ملك لها، ومن حقها أن تتصرف فيه بما شاءت. ولم تفصل الآية بين أن تقبضه أولا. ولذا قال بعض الفقهاء. لها أن تبيع مهرها قبل أن تقبضه لأنه ملك بلا عوض وقال آخرون :ليس لها أن تبيعه حتى تقبضه لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض.
ومنها أنه يجوز للمرأة أن تعطى زوجها - برضها واختيارها - مهرها أو جزاءاً منه سواء أكان مقبوضا معينا أم كان في الذمة.
فشمل ذلك الهبة والإبراء. وأنه ليس من حقها الرجوع فيما أعطت لأنها قد طابت نفسها بذلك. وهذا رأى جمهور العلماء. ويرى بعض العلماء أن من حقها الرجوع فيما أعطت.
قال الفخر الرازى :قال بعض العلماء :إن وهبت ثم طلبت بعد الهبة علم أنها لم تطب عنه نفسا. وعن الشعبى :أن أمرأة جاءت مع زوجها الى شريح القاضى فى عطية أعطتها إياه. وهي تطلب الرجوع. فقال شريحك رد عليها عطيتها. فقال الرجل :أليس قد قال الله - تعالى - : ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ ﴾ ؟ فقال شريح :لو طابت نفسها لما رجعت فيه.
وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كتب إلى قضائه. أن النساء يعطين رغبة ورهبة. فأيما امرأة اعطت ثم ارادت أن ترجع فذلك لها.
ثم نهى - سبحانه - عن إيتاء الأموال للسفهاء، لدفع توهم إيجاب أن يؤتى كل مال لمالكه ولو كان سفيها فقال تعالى : ﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ السفهآء... ﴾.
وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ( ٥ )
والسفهاء جمع سفيه. والسفه - كما يقول الراغب - :خفة في البدن، ومنه قيل :زمام سفيه أى كثير الأضطراب، وثوب سفيه ردئ النسج، واستعمل في خفة النفس لنقصان العقل، ويكون في الأمور الدنيوية والأخروية، قال - تعالى - في السفه الدنيوي : ﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ السفهآء أَمْوَالَكُمُ ﴾ وقال في السفه الأخروي ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى الله شَطَطاً ﴾ والمراد من السفهاء هنا :ضعفاء العقول والأفكار الذين لا يحسنون التصرف.
والمراد من قوله ﴿ قِيَاماً ﴾ ما به القيام والتعيش. يقال فلان قيام أهله :أي يقيم شأنهم ويصلهم. وهو المفعول الثاني لجعل. أما المفعول الأول لجعل فمحذوف ويرجع إلى ضمير الأموال.
وقرأ نافع وابن عامر ﴿ التي جَعَلَ الله لَكُمْ قيماً ﴾ على أنه مصدر مثل الحول والعوض.
وقرأ ابن عمر ﴿ قواما ﴾ - بكسر القاف وبواو وألف -
قال الآلوسي :وفيه وجهان :
الأول :أنه مصدر قاومت قواما مثل لاوذت لواذا فصحت الواو في المصدر كما صحت في الفعل.
والثاني :أنه اسم لما يقوم به الأمر وليس بمصدر.
هذا، وقد اختلف المفسرون في تعيين المخاطبين بقوله - تعالى - ﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ السفهآء أَمْوَالَكُمُ ﴾ كما اختلفوا في المراد من السفهاء على أقوال أشهرها :
أن المخاطبين بهذه الآية هم أولياء اليتامى، وأن المراد من السفهاء هم اليتامى الذين لم يحسنوا التصرف في أموالهم لصغرهم أو لضعف عقولهم، واضطراب أفكارهم. وأن المراد بالأموال فى قوله ﴿ أَمْوَالَكُمُ ﴾ هي أموال هؤلاء اليتامى لا أموال الأولياء.
فيكون المقصود من الاية الكريمة نهى الأولياء عن إيتاء السفهاء من اليتامى أموالهم التي جعلها الله مناط تعيشهم، خشية إساءة التصرف فيها لخفة أحلامهم.
وإنما أضيفت الأموال في الآية الكريمة إلى ضمير المخاطبين وهم الأولياء، مع أن هذه الأموال في الحقيقة لليتامى :
للتنبيه إلى أن أموال اليتامى كأنها عين أموالهم، مبالغة في حملهم على وجوب حفظها وصيانتها من أى إتلاف أو إضرار بها.
قال الفخر الرازى ما ملخصه :والدليل على أن الخطاب في الآية الكريمة للأولياء قوله - تعالى - بعد ذلك ﴿ وارزقوهم فِيهَا واكسوهم ﴾ وأيضا فعلى هذا القول يحسن تعليق هذه الآية بما قبلها فكأنه - تعالى - يقول إنى وإن كنت أمرتكم بإيتاء اليتامى أموالهم. فإنما قلت ذلك إذا كانوا عاقلين بالغين متمكنين من حفظ أموالهم، فأما إذا كانوا غير بالغين أو غير عقلاء، أو إن كانوا بالغين عقلاء إلا أنهم كانوا سفهاء مسرفين، فلا تدفعوا إليهم أموالهم وأمسكوها لأجلهم إلى أن يزول عنهم السفه. والمقصود من كل ذلك الاحتياط في حفظ أموال الضعفاء والعاجزين.
وقيل :إن الخطاب في الآية الكريمة للأباء، والمراد من السفهاء الأولاد الذين لا يستقلون بحفظ المال وإصلاحه، بل إذا أعطى لهم أفسدوه وأتلفوه.
وعلى هذا الرأى تكون إضافة الأموال الى المخاطبين على سبيل الحقيقة.
ويكون المعنى :لا تؤتوا أيها الأباء أموالكم لأولادكم السفهاء ؛ لأن فى إعطائكم إياهم لهم إفسادا لهم مع أن فيها قوام حياتكم وصلاح أحوالكم.
والذى نراه أن الخطاب في الآية الكريمة لجميع المكلفين حاكمين ومحكومين ليأخذ كل من يصلح لهذا الحكم حظه من الامتثال. وأن المراد بالسفهاء كل من لا يحسن المحافظة على ماله لصغره، أو لضعف عقله، أو لسوء تصرفاته سواءً أكان من اليتامى أم من غيرهم ؛ لأن التعميم في الخطاب وفي الألفاظ - عند عدم وجود المخصص - أولى، لأنه أوفر معنى، وأوسع تشريعا.
وفي إضافة الأموال إلى جميع المخاطبين المكلفين من المسلمين إشارة بديعة إلى أن المال المتداول بينهم هو حق لمالكية المختصين به في ظاهر الأمر، ولكنه عند التأمل تلوح فيه حقوق الأمة جمعاء ؛ لأن وضعه في المواضع التي أمر الله بها منفعة للأمة كلها، وفي وضعه في المواضع التي نهى الله عنها مضمرة بالأمة كلها، وتعاليم الإسلام التي تجعل المسلمين جميعا أمة واحدة متكافلة متراحمة تعتبر مصلحة كل فرد من أفرادها عين مصلحة الآخرين.
وبعد أن نهى - سبحانه - عن إيتاء المال للسفهاء، أمر بثلاثة أشياء، أولها وثانيها قوله - تعالى - ﴿ وارزقوهم فِيهَا واكسوهم ﴾.
أي اجعلوا هذه الأموال مكانا لرزقهم وكسوتهم، بأن تتجروا فيها حتى تكون نفقاتهم من الأرباح لا من أصل لئلا يفنيه الإِنفاق منه.
وإنما قال : ﴿ وارزقوهم فِيهَا ﴾ ولم يقل " منها " ؛ لئلا يكون ذلك أمراً بأن يجعلوا بعض أموالهم رزقا لهم، بل أمرهم أن يجعلوا أموالهم مكانا لرزقهم بأن يتجروا فيها ويستثمروها فيجعلوا أرزاقهم من الأرباح لا من أصول الأموال.
أما الأمر الثالث فهو قوله - تعالى - : ﴿ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾.
والقول المعروف هو كل ما تسكن إليه النفس لموافقته للشرع والعقول السليمة، كأن يكلموهم كلاما لينا تطيب به نفوسهم، وكأن يعدوهم عدة حسنة بأن يقولوا لهم :إذا صلحتم ورشدتم سلمنا أموالكم. وكأن ينصحوهم بما يصلحهم ويبعدهم عن السفه وسوء التصرف.
وفى أمره - سبحانه - للمخاطبين بأن يقولوا لهؤلاء السفهاء قولا معروفا، بعد أمره لهم برزقهم وكسوتهم، إشعار بأن من الواجب عليهم أن يقدموا إليهم الرزق والكسوة مصحوبين بوجه طلق، وبقول جميل بعيد عن المن والأذى، فقد جرت عادة من تحت يده المال أن يستثقل إخراجه لمن سأله إياه.
هذا، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة :وجوب المحافظة على الأموال وعدمت تضييعها.
قال صاحب الكشاف :وكان السلف يقولون :المال سلاح المؤمن. ولأن أترك مالا يحاسبنى الله عليه، خير من أن أحتاج إلى الناس. وعن سفيان - وكانت له بضاعة يقبلها - :لولاها لتمندل بى بنو العباس - أي لولاها لأتخذوني كالمنديل يسخروننى لمصالحهم - وقيل لأبى الزناد :لم تحب الدراهم وهى تدنيك من الدنيا ؟ فقال :لئن أدنتنى من الدنيا فقد صانتنى عنها.
وكانوا يقولون :اتجروا واكتسبوا فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه. وربما رأوا رجلا في جنازة، فقالوا له :اذهب إلى دكانك.
وقال بعض العلماء :ولنقف عند قوله - تعالى - ﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ السفهآء أَمْوَالَكُمُ التي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيَاماً ﴾ لنعلم ما يوحى به من تكافل الأمة ومسئولية بعضها عن بعض. ومن أن المال الذى في يد بعض الأفراد " قوام للجميع " ينتفعون به في المشروعات العامة، ويفرجون به أزماتهم وضائقاتهم الخاصة عن طريق الزكاة، وعن طريق التعاون وتبادل المنافع. وهذا هو الوضع المال في نظر الشريعة الإِسلامية، فليس لأحد أن يقول :مالى مالى. هو مالى وحدى لا ينتفع به سواى، ليس أحد أن يقول هذا أو ذاك. فالمال مال الجميع، والمال مال الله، ينتفع به الجميع عن الطريق الذى شعره الله في سد الحاجات ودفع الملمات. وهو ملك لصاحبه يتصرف فيه لا كما يشاء ويهوى بل كما رسم الله وبين في كتابه، حتى إذا ما أخل بذلك فأسرف وبذر أو ضن وقتر حجر عليه.
كذلك من الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة :وجوب الحجر على السفهاء، لأن الله - تعالى - قد أمر بذلك. ووجوب إقامة الوصى والولى والكفيل على الأيتام الصغار ومن فى حكمهم ممن لا يحسنون التصرف.
ثم بين - سبحانه - الوقت الذى يتم فيه تسليم أموال اليتامى إليهم، وكيف تجب حياطتهم والعناية بهم وبأموالهم فقال - تعالى - : ﴿ وابتلوا اليتامى... ﴾.
وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ( ٦ )
وقوله - تعالى - ﴿ وابتلوا ﴾ من الابتلاء بمعنى الاختبار والامتحان.
والخطاب للأولياء والأوصياء وكل من له صلة باليتامى.
والمراد ببلوغ النكاح هنا :بلوغ الحكم المذكور في قوله - تعالى - : ﴿ وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم فَلْيَسْتَأْذِنُواْ ﴾ وقوله ﴿ آنَسْتُمْ ﴾ أى تبينتم وشاهدتم وأحسستم.
قال القرطبي : ﴿ آنَسْتُمْ ﴾ أى أبصرتم ورأيتم ومنه قوله - تعالى - : ﴿ فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً ﴾ أى أبصر ورأى. وتقول العرب :اذهب فاستأنس هل ترى أحدا. معناه :تبصر. وقيل :آنست وأحسست ووجدت بمعنى واحد.
والمعنى :عليكم أيها الأولياء والأوصياء أن تختبروا اليتامى، وذلك بتتبع أحوالهم في الاهتداء إلى ضبط الأمور، وحسن التصرف في الأموال وبتمرينهم على ما يليق بأحوالهم حتى لا يجيء وقت بلوغهم إلا وقد صاروا فى قدرتهم أن يصرفوا أموالهم تصريفاً حسناً. فإن شاهدتم وأحسستم منهم ﴿ رُشْداً ﴾ أى صلاحا في عقولهم، وحفظا لأموالهم، فادفعوها إليهم من غير تأخير أو مماطلة.
و ﴿ حتى ﴾ هنا لغاية، وهى داخلة على الجملة، فهى تبين نهاية الصغر، والجملة التي دخلت عليها ظرفية فى معنى الشرط.
قال صاحب الكشاف :فإن قلت :كيف نظم الكلام ؟ قلت :ما بعد ﴿ حتى ﴾ إلى قوله : ﴿ فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾ جعل غاية للابتلاء، وهى ﴿ حتى ﴾ التى تقع بعدها الجمل. والجملة الواقعة بعدها جملة شرطية، لأن إذا متضمنة معنى الشرط. وفعل الشرط ﴿ بَلَغُواْ النِّكَاحَ ﴾ وقوله ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾ جملة من شرط وجزاء واقعة جواباً للشرط الأول الذى هو إذا بلغوا النكاح. فكأنه قيل :وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم، فاستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم.
فإن قلت :فما معنى تنكير الرشد ؟ قلت :معناه نوعا من الرشد وهو الرشد في التصرف والتجارة. أو طرفا من الرشد ومخيلة من مخايلة حتى لا ينتظر به تمام الرشد.
ثم نهى - سبحانه - والأوصياء وغيرهم من الطمع فى شئ من مال اليتامى فقال - تعالى - :
﴿ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ ﴾.
أى :ادفعوا أيها الأولياء والأوصياء إلى اليتامى أموالهم من غير تأخير عن حد البلوغ، ولا تأكلوها مسرفين فى الأكل ومبادرين بالأخذ خشية أن يكبروا، بأن تفرطوا فى إنفاقها وتقولوا :ننفقها كما تريد قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا.
والإِسراف فى الأصل - كما يقول الآلوسى - تجاوز الحد المباح إلى ما لم يبح. وربما كان ذلك في الإفراط وربما كان في التقصير. غير أنه إذا كان فى الإفراط منه يقال :أسرف يسرف إسرافاً. وإذا كان في التقصير يقال :سرف يسرف سرفا.
وقوله ﴿ وَبِدَاراً ﴾ مفاعلة من البدر وهو العجلة الى الشئ والمسارعة إليه. وهما - أى قوله ﴿ إِسْرَافاً وَبِدَاراً ﴾ منصوبان على الحال من الفاعل فى قوله ﴿ تَأْكُلُوهَآ ﴾ أى :ولا تأكلوها مسرفين ومبادرين كبرهم.
أو منصوبان على أنهما مفعول لأجله، أى ولا تأكلوها لإِسرافكم ومبادرتكم كبرهم.
والمراد من هذه الجملة الكريمة بيان أشنع الأحوال التى تقع من الأوصياء أو الأولياء وهى أن يأكلوا أموال اليتامى بإسراف وتعجل مخافة أن يبلغ الأيتام رشدهم، فتؤخذ من أولئك الأوصياء تلك الأموال لترد :إلى أصحابها وهم اليتامى بعد أن يبلغوا سن الرشد.
ثم بين - سبحانه - ما ينبغى على الوصى إن كان غنيا وما ينبغى له إن كان فقيراً فقال :
﴿ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف ﴾.
والاستعفاف عن الشئ تركه. يقال :عف الرجل عن الشئ واستعف إذا أمسك عنه. والعفة :الامتناع عما لا يحل.
أى :ومن كان من الأولياء أو الأوصياء على أموال اليتامى غنيا فليستعفف أي فليتنزه عن أكل مال اليتيم، وليقنع بما أعطاه الله من رزق وفير إشفاقا على مال اليتيم. ومن كان فقيراً من هؤلاء الأوصياء فليأكل بالمعروف. بأن يأخذ من مال اليتيم على قدر حاجته الضرورية وأجر سعيه وخدمته له. فقد روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :إنى فقير ليس لى شئ ولى يتيم. قال فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل. أي غير مسرف في الأخذ، ولا مبادر أى متعجل، ولا جامع منه ما يتجاوز حاجتك. "
ثم بين - سبحانه - ما ينبغى على الأوصياء عند انتهاء وصايتهم على اليتامى وعند دفع أموالهم إليهم فقال : ﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وكفى بالله حَسِيباً ﴾. أى :فإذا أردتم أيها الأولياء أن تدفعوا إلى التيامى أموالهم التى تحت أيديكم بعد البلوغ والرشد، فاشهدوا عليهم عند الدفع بأنهم قبضوها وبرئت عنها ذممكم، لأن هذا الإِشهاد أبعد عن التهمة، وأنفى للخصومة، وأدخل في الأمانة وبراءة الساحة.
وقوله - تعالى - ﴿ وكفى بالله حَسِيباً ﴾ أى كفى بالله محاسبا لكم على أعمالكم وشاهدا عليكم فى أقوالكم وأفعالكم، ومجازيا إياكم بما تستحقون من خير أو شر، لأنه - سبحانه - لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. وإنكم إن أفلتم من حساب الناس في الدنيا فلن تفلتوا من حساب الله الذى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فعليكم أن تتحروا الحلال في كل تصرفاتكم. ففى هذا التذييل وعيد شديد لكل جاحد لحق غيره، ولكل معتد على اموال الناس وحقوقهم، ولا سيما اليتامى الذين فقدوا الناصر والمعين.
هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة جملة من الأحكام منها :
١- أن على الأوصياء أن يختبروا اليتامى بتتبع أحوالهم فى الاهتداء إلى ضبط الأموال وحسن التصرف فيها، وأن يمرنوهم على ذلك بحسب ما يليق بأحوالهم.
ويرى جمهور العلماء أن هذا الاختبار يكون قبل البلوغ. ويرى بعضهم أن هذا الاختبار يكون بعد البلوغ.
وقد قال القرطبى فى بيان كيفية هذا الاختبار ما ملخصه :لا بأس فى أن يدفع الولى إلى اليتيم شيئا من ماله يبيح له التصرف فيه، فإن نماه وحسن النظر فيه فقد وقع الاختبار، ووجب على الوصى تسليم جميع ماله إليه - أى بعد بلوغه - وإن أساء النظر وجب عليه إمساك المال عنه..
وقال جماعة من الفقهاء :الصغير لا يخلو من أن يكون غلاما او جارية، فإن كان غلاما رد النظر إليه في نفقة الدار شهرا، وأعطاه شيئا نزرا ليتصرف فيه ؛ ليعرف كيف تدبيره وتصرفه، وهو مع ذلك يراعيه لئلا يتلفه، فإذا رآه متوخيا الإصلاح سلم إليه مال عند البلوغ وأشد عليه.
وإن كان جارية رد إليها ما يرد إلى ربة البيت من تدبير بيتها والنظر فيه فإن رآها رشيدة سلم إليها مالها وأشد عليها وإلا بقيا تحت الحجر.
وقد بنى الإِمام أو بحنيفة على هذا الاخبار أن تصرفات الصبى العاقل المميز بإذن المولى صحيحة، لأن ذلك الاختبار إنما يحصل إذا أذن له الولى في البيع والشراء - مثلا - وهذا يقتضى صحة تصرفاته.
ويرى الإِمام الشافعى أن الاختبار لا يقتضى الإِذن فى التصرف ولا يتوقف عليه، بل يكون الاختبار بدون التصرف على حسب ما يليق بحال الصبى فابن التاجر - مثلا - يختبر فى البيع والشراء إلى حيث يتوقف الأمر على العقد وحينئذ يعقد الولى إن أراد.
٢- كذلك أخذ العلماء من هذه الآية أن الأوصياء لا يدفعون أموال اليتامى إليهم إلا بتحقيق أمرين :
أحدهما :بلوغ النكاح.
والثانى :إيناس الرشد.
والمراد ببلوغ النكاح بلوغ وقته وهو التزوج، وهو كناية عن الخروج من حالة الصبا للذكر والأنثى، بأن توجد المظاهر التى تدل على الرجولة في الغلام، والتى تدل على مبلغ بلوغ النساء فى الفتاة، وذلك يكون بالاحتلام أو بالحيض بالنسبة للفتاة أو بلوغ سن معينة قدرها بعضهم بخمس عشرة سنة بالنسبة للذكر والأنثى على السواء.
وقدرها أبو حنيفة بسبع عشرة سنة بالنسبة للفتاة، وبثمانى عشرة سنة بالنسبة للفتى. ومن بلاغة القرآن الكريم أنه عبر عن حالة البلوغ بقوله : ﴿ حتى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ ﴾ لأن هذا الوقت يختلف باختلاف البلاد في الحرارة والبرودة، وباختلاف أمزجة أهل البلد الواحد فى القوة والضعف، والصحة والمرض.
والمراد بإيناس الرشد :أن يتبين الأولياء من اليتامى الصلاح في العقل والخلق والتصرف فى الأموال.
ويرى جمهور العلماء أن اليتيم لا يدفع إليه ماله مهما بلغت سنة ما لم يؤنس منهم الرشد لأن الله - تعالى - يقول :
﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ السفهآء أَمْوَالَكُمُ التي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيَاماً ﴾ ويقول : ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾ ومعنى ذلك أنه إذا لم يؤنس منهم الرشد لا تدفع إليهم أموالهم، بل يستمرون تحت ولاية الأولياء عليهم لأنهم ما زالوا سفهاء لم يتبين رشدهم.
وقد خالف الإِمام أبو حنيفة جمهور الفقهاء فقال. لا يدفع إلى اليتيم ماله إذا بلغ ولم يؤنس منه الرشد حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة، فإذا بلغها عاقلا ولو غير رشيد فليس لأحد عليه سبيل، ويجب أن يدفع الوصى إليه ماله ولو كان فاسقا أو مبذرا.
قالوا :وإنما اختبار أبو حنيفة هذه السن لأن مدة بلوغ الذكر عنده ثمانى عشر سنة، فإذا زيد عليها سبع سنين - وهى مدة معتبرة في تغير أحوال الإِنسان - فعند ذلك يدفع إليه ماله أونس منه الرشد أو لم يؤنس، لأن اسم الرشد واقع على العقل في الجملة، والله - تعالى - شرط رشدا منكرا ولم يشترط سائر ضروب الرشد، فاقتضى ظاهر الآية أنه لما حصل العقل فقد حصل ما هو الشرط المذكور في هذه الآية.
٣- كذلك أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة الوصى على اليتيم إذا كان غنيا فعليه أن يتحرى العفاف. وألا يأخذ شيئا من مال اليتيم، لأن أخذه مع غناه يتنافى مع العفاف الذى يجب أن يتحلى به الأوصياء، ويعتبر من باب الطمع في مال اليتيم.
أما إذا كان الوصى فقيراً فقد أذن الله له أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف أي بالقدر الذى تقتضيه حاجته الضرورية، ولا يستنكره الشرع ولا العقل.
وقد بسط الإِمام الرازى القول فى هذه المسألة فقال ما ملخصه :العلماء فى أن الوصى هل له أن ينتفع بمال اليتيم أولا ؟
فمنهم من يرى أن للوصى أن يأخذ من مال اليتيم بقدر أجر عمله ؛ لأن قوله - تعالى - ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً ﴾ مشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة. ولأن قوله - تعالى - ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً ﴾ يدل على أن مال اليت
ثم شرع - سبحانه - فى بيان أحكام المواريث بعد أن بين الأحكام التى تتعلق بأموال اليتامى فساق - قاعدة عامة لأصل التوريث فى الإسلام هى أن الرجال لا يختصون بالميراث، بل للنساء معهم حظ مقسوم، ونصيب مفروض، سواء أكان الشئ الموروث قليلا أم كثيرا فقال تعالى : ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ... ﴾.
لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ( ٧ )
قال القرطبى ما ملخصه :نزلت هذه الآية فى أوس بن ثابت الأنصارى. توفى وترك امرأة يقال لها :أم كُجّة وثلاث بنات له منها ؛ فقام رجلان هما أبنا عم الميت ووصياه يقال لهما :سويد وعرفجة ؛ فأخذا ماله ولم يعطيا أمرأته وبناته شيئا. وكانوا فى الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا ويقولون :لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل، وطاعن بالرمح، وضارب بالسيف، وحاز الغنيمة. فذكرت أم كجة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فدعاهما فقالا :يا رسول الله، ولدها لا يركب فرسا، ولا يحمل كلا، ولا ينكأ عدوا. فقال صلى الله عليه وسلم : " انصرفا حتى أنظر ما يحدث الله لى فيهن، فأنزل الله هذه الآية.
ثم قال :قال علماؤنا :فى هذه الآية فوائد ثلاث :
إحداها :بيان علة الميراث وهى القرابة.
الثانية :عموم القرابة كيفما تصرفت من قريب أو بعيد.
الثالثة :إجمال النصيب المفروض. وذلك مبين فى آية المواريث ؛ فكأن هذه الآية توطئة للحكم، وإبطال لذلك الرأى الفاسد حتى وقع البيان الشافى ".
هذا، ومن العلماء من أبقى هذه الآية الكريمة على ظاهرها، فجعل المراد من الرجال :الذكور البالغين. والمراد من الوالدين :الأب والأم بلا واسطة المراد من الأقربين :الأقارب الأموات الذين يرثهم أقاربهم المستحقون لذلك والمراد من النساء الإِناث البالغات.
والمعنى على هذا الرأى :للذكور البالغين نصيب أى حظ مما ترك آباؤهم وأمهاتهم وأقاربهم كإخوتهم وأخواتهم وأعمالهم وعماتهم وللاناث البالغات كذلك نصيب مما ترك آباؤهن وأمهاتهن وأقاربهن... ألخ.
وبهذا تكون الآية الكريمة قد اقتصرت على بيان أن الإِرث غير مختص بالرجال كما كان الجاهليون يفعلون، بل هو أمر مشترك بين الرجال والنساء، ثم جاءت آيات المواريث بعد ذلك فبينت نصيب كل وارث.
قال الإِمام الرازى :ذكر الله - تعالى - فى هذه الآية هذا القدر، وهو أن الإِرث مشترك بين الرجال والنساء - ثم ذكر التفصيل بعد ذلك - فى آيات المواريث -، لأنه - سبحانه - أراد أن ينقلهم عن العادة شاق ثقيل على الطبع. فإذا كان فجعلة عظم وقعه على القلب، وإذا كان على التدريج سهل. فهلذا المعنى ذكر الله - تعالى - هذا المجمل أولا ثم أردفه بالتفصيل ومن العلماء من يرى أن المراد بالرجال الصغار من الذكور ومن النساء الصغار من الإِناث، وعلل مراده هذا بأن فيه عناية بشأن اليتامى، وفيه رد صريح على ما تعوده أهل الجاهلية من توريث الكبار من الرجال دون الصغار سواء أكانوا ذكورا أم إناثا. ومنهم من عمهم فى الرجال والنساء فجعل المراد من الرجال الذكور مطلقا سواء أكانوا كبارا أم صغارا.
وجعل المراد من النساء الإِناث مطلقا سواء كان كباراً أم صغاراً.
ويكون المعنى :للذكور نصيب مما تركه الوالدان والأقربون من متاع، وللإِناث كذلك نصيب مما تركه الوالدان والأقربون.
وعليه يكون المقصود من الآية الكريمة التسوية بين الذكور والإِناث فى أن لكل منهما حقا فيما ترك الوالدان والأقربون.
ويبدو لنا أن هذا الرأى الثالث أولى، لأنه أعم من غيره، وأشمل فى الرد على ما كان يفعله أهل الجاهلية من عدم توريثهم للنساء مطلقا ولا للصغار وإن كانوا ذكوراً، ولأنه يشمل سبب نزول الآية نصا، فقد ذكرنا فى سبب النزول أنها نزلت فى شأن بنات أوس بن ثابت وزوجته.
وقد أكد - سبحانه - حق النساء في الميراث بأن اختار هذا الأسلوب التفصيلى فقال : ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ ﴾ مع أنه كان يكفى أن يقول :للرجال والنساء نصيب، مما ترك الوالدان والأقربون، وذلك للإِيذان بأصالتهن فى استحقاق الارث، وللإِشعار بأنه حق مستقل عن حق الرجال، وأن هذا الحق قد ثبت لهن استقلالا بالقرابة كما ثبت للرجال، حتى لا يتوهم أحد أن حقهن تابع لحقهم بأى نوع من أنواع التبعية.
ثم أكد - سبحانه هذا الحق مرة أخرى بقوله ﴿ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ﴾ أى أن حق النساء ثبات فيما تكره المتوفى من مال لسواء أكان هذا المتروك قليلاً أم كثيراً، لأن الذكور والإِناث يتساويان فى أن لكل منهما حقا فيما ترك الوالدان والأقربون حتى ولو كان هذا المتروك شيئاً قليلا.
فقوله ﴿ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ﴾ عطف بيان من قوله ﴿ مِّمَّا تَرَكَ الوالدان ﴾ لقصد التعميم والتنصيص على أن حق النساء متعلق بكل جزء من المال الذى تركه الوالدان والأقربون ثم أكد - سبحانه - حق النساء فى الميراث مرة ثالثة بقوله ﴿ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ لأن قوله ﴿ نَصِيباً ﴾ منصوب على الاختصاص والاختصاص يفيد العناية.
أى أن لكل من الرجال والنساء نصيبا فيما تركه الوالدان والأقربون، وهذا النصيب قد فرضه الله - تعالى - فلا سبيل إلى التهاون فيه، بل لا بد من إعطائه لمن يستحقه كاملا غير منقوص ؛ لأن الله هو الذى شرعه، ومن خالف شرع الله كان أهلا للعقوبة منه - سبحانه -.
قال صاحب الكشاف :وقوله : ﴿ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ نصب على الاختصاص بمعنى :أعنى نصيبا مفروضا مقطوعا واجبا لا بد لهم من أن يجوزوه ولا يستأثر به بعضهم دون بعض، ويجوز أن ينتصب انتصاب المصدر المؤكد كقوله : ﴿ فَرِيضَةً مِّنَ الله ﴾ كأنه قيل :قسمة مفروضة.
هذا، وقد استدل الأحناف بهذه الآية على توريث ذوى الأرحام ؛ لأن العمات والخالات وأولاد البنات ونحوهن من الأقربين، فوجب دخولهم تحت قوله تعالى : ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ ﴾ الآية. وثبت كونهم مستحقين لأصل النصيب بهذه الآية، وأما المقدار فمستفاد من آيات أخرى كما هو الشأن فى غيرهم.
أما المخالفون للأحناف فيما ذهبوا إليه فيرون أن المراد من الأقربين الوالدان والأولاد ونحوهم وحينئذ لا يدخل فيهم ذوو الأرحام. وعلى رأى هؤلاء المخالفين يكون عطف الأقربين على الوالدين من باب عطف العام على الخاص.
كذلك استدل الأحناف بهذه الآية على أن الوارث لو أعرض عن نصيبه - قبل استحقاقه - لم يسقط حقه.
ثم أمر الله تعالى عباده بالتعاطف والتراحم، ولا سيما عند تقسيم الميراث، وإعطاء كل ذى حق حقه فقال تعالى : ﴿ وَإِذَا حَضَرَ القسمة... ﴾.
وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ( ٨ )
والمراد بالقسمة :التركة التى تقسم بين الورثة.
والمراد بذوى القربى هنا - عند جمهور المفسرين - :الأقارب الذين لا ميراث لهم فى التركة.
والمراد باليتامى والمساكين، الأجنب الذين لا قرابة بينهم وبين الورثة.
والمعنى :وإذا حضر قسمة التركة ذوو القربى ممن لا نصيب لهم فى الميراث، واليتامى الذين فقدوا العائل والنصير، والمساكين الذين أسكنتهم الحاجة وأذلتهم وصاروا فى حاجة إلى العون والمساعدة ﴿ فارزقوهم مِّنْهُ ﴾ أى فأعطوهم من الميراث الذى تقتسمونه شيئا يعينهم على سد حاجتهم، وتفريج ضائقتهم ﴿ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ أى قولوا لهم قولا جميلا يرضاه الشرع، ويستحسنه العقل، بأن تقولوا لهم - مثلا - :خذوا هذا الشئ بارك الله لكم فيه، أو بأن تعتذروا لمن لم تعطوه شيئا. والآية الكريمة معطوفة على الآية السابقة عليها وهى قوله - تعالى - ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون ﴾ الخ.
وليس المراد من حضور ذوى القربى واليتامى والمساكين أن يكونوا مشاهدين للقسمة، جالسين مع الورثة، لأن قسمة الأموال لا تكون عادة فى حضرة هؤلاء الضعفاء، وإنما المراد من حضورهم العلم بهم من جانب الذين يقتسمون التركة، والدراية بأحوالهم، وأنهم فى حاجة إلى العون والمساعدة.
وقدم ذوى القربى على اليتامى والمساكين، لأنهم أولى بالصدقة لقرابتهم، ولأن إعطاءهم بجانب أنه صدقة، فهو صلة للرحم التى أمر الله تعالى بصلتها. وقدم اليتامى على المساكين ؛ لأن ضعف اليتامى أكثر، وحاجتهم أشد.
والضمير المجرور فى قوله ﴿ فارزقوهم مِّنْهُ ﴾ يعود إلى ما ترك الوالدان والأقربون. أو إلى القسمة بمعنى المقسوم باعتبار معناها لا باعتبار لفظها. أى ارزقوهم من هذا الميراث أو المال المقسوم.
والأمر فى قوله : ﴿ فارزقوهم ﴾ يرى بعض العلماء أنه للوجوب، لأنه هو المستفاد من ظاهر الأمر، وعليه فمن الواجب على الوارث الكبير وعلى ولى الصغير أن يعطيا لذوى القربى واليتامى والمساكين شيئا من المال تطيب به نفوسهم.
ومن أصحاب هذا الرأى من قال :إن من الواجب على الوارث الكبير أن يعطى هؤلاء المحتاجين شيئا من المال المقسوم. أما إذا كان الورثة صغارا فعلى الولى أن يعتذر لهؤلاء المحتاجين، بأن يقول لهم :إنى لا أملك هذا المال المقسوم، لأنه لهؤلاء الصغار وعندما يكبرون فسيعرفون لكم حقكم وهذا هو القول المعروف.
ويرى كثير من العلماء أن هذا الأمر بالإِعطاء للندب لا للوجوب، وأن هذا الندب إنما يحصل إذا كان الورثة كبارا، أما إذا كانوا صغارا فليس على أوليائهم إلا القول المعروف.
ومن حجج هؤلاء القائلين بأن هذا الأمر للندب والاستحباب :أنه لو كان لأولئك المحتاجين من ذوى القربى واليتامى والمساكين حق معين لبينه الله - تعالى - كما بين سائر الحقوق، وحيث لم يبين علمنا أنه غير واجب.
وأيضا لو كان واجبا لتوفرت الدواعى على نقله ؛ لشدة حرص الفقراء والمساكين على تقديره، ولو كان الأمر كذلك لثبت نقله إلينا، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه غير واجب.
وقد رجح القرطبى كون الأمر للندب لا للوجوب فقال :والصحيح أن هذا على الندب ؛ لأنه لو كان فرضا لكان استحقاقاً فى التركة ومشاركة فى الميراث، لأحد الجهتين معلوم، وللآخر مجهول. وذلك مناقض للحكمة، وسبب للتنازع والتقاطع.
ثم قال :وذهبت فرقة إلى أن المخاطب والمراد فى الآية المحتضرون الذين يقسمون أموالهم بالوصية لا الورثة. فإذا أراد المريض أن يفرض ماله بالوصايا وحضره من لا يرث ينبغى له ألا يحرمه، وهذا - والله أعلم - يتنزل حيث كانت الوصية واجبة، ولم تنزل آية الميراث. والصحيح الأول - وهو أن الآية فى قسمة التركة وأن المخاطبين بها هم المقتسمون للتركة - وعليه المعول.
هذا، ومن العلماء من قال :إن هذه الآية قد نسخت بآية المواريث التى بعدها وهى قوله تعالى : ﴿ يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ ﴾ الخ.
وقد حكى هذا القول - أيضا - ورد عليه الإِمام القرطبى فقال ما ملخصه :بين الله - تعالى - فى هذه الآية أن من لم يستحق شيئا وحضر القسمة وكان من الأقارب أو اليتامى والفقراء الذين لا يرثون أن يكرموا ولا يحرموا إن كان المال كثيراً ؛ والاعتذار إليهم إن كان عقارا أو قليلا لا يقبل الرضخ - أى العطاء القليل - فالآية على هذا القول محكمة. قاله ابن عباس. وامتثل ذلك جماعة من التابعين :عروة بن الزبير وغيره. وأمر به أبو موسى الأشعرى.
وروى عن ابن عباس انها منسوخة قوله تعالى : ﴿ يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ ﴾ وممن قال إنها منسوخة :أبو مالك وعكرمة والضحاك.
والأول أصح ؛ فإنها مبينة استحقاق الورثة لنصيبهم، واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له ممن حضرهم.
وفى البخارى عن ابن عباس أنه قال فى هذه الآية :هى محكمة وليست بمنسوخة.
وفى رواية قال :إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نسخت، لا والله ما نسخت، ولكنها مما تهاون به الناس.
وقال عبد الرزاق أخبرنا بان جريج أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قسم ميراث أبيه عبد الرحمن، وعائشة حية. فلم يدع فى الدار مسكينا ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه وتلا هذه الآية : ﴿ وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى ﴾.. الخ.
والخلاصة، أن الذى تطمئن إليه النفس هو قول من قال :إن الآية محكمة ولسيت بمنسوخة، لأنه أثر عن بعض الصحابة والتابعين أنهم كانوا يفعلون ذلك ويأمرون به. ولأن الروايات القائلة بأنها منسوخة روايات مضطربة، بخلاف الروايات القائلة بأنها محكمة فهى ثابتة فى صحيح البخارى ؛ ولأن الآية الكريمة لا تتعارض مع آية المواريث لأنها إنما تأمر بما يؤدى إلى التعاطف والتراحم بين الناس، وهذا أمر لا ينسخ، بل هو ثابت فى كل زمان ومكان.
ونرى كذلك أن الأمر فى قوله ﴿ فارزقوهم مِّنْهُ ﴾ على سبيل الندب والاستحباب، لا على سبيل الفرض والإِيجاب - كما سبق أن بينا -.
ثم أمر الله - تعالى - عباده بتقواه، وبالتمسك بالأقوال السديدة فقال تعالى : ﴿ وَلْيَخْشَ الذين... ﴾.
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ( ٩ )
وللمفسرين فى تفسير هذه الآية الكريمة أقوال :
أولها :أن الآية الكريمة أمر للأوصياء بأن يخشوا الله تعالى ويتقوه فى أمر اليتامى، فيفعلوا بهم مثل ما يحبون أن يفعل بذريتهم الضعاف بعد وفاتهم.
فقد أخرج بان جرير عن ابن عباس أنه قال فى قوله تعالى : ﴿ وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ ﴾... الخ.
يعنى بذلك الرجال يموت وله أولاد صغار ضعاف يخاف عليهم العيلة والضيعة، ويخاف بعده ألا يحسن إليهم من يليهم يقول :فإن ولى مثل ذريته ضعافا يتامى، فليحسن إليهم ولا يأكل أموالهم إسرافا وبدارا خشية أن يكبروا..
قال الآلوسي :والآية الكريمة على هذا الوجه تكون مرتبطة بما قبلها، لأن قوله تعالى : ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون ﴾ الخ. فى معنى الأمر للورثة. أى أعطوهم حقهم دفعا لأمر الجاهلية، وليحفظ الأوصياء ما أعطوه ويخافوا عليهم كما يخافون على أولادهم.
وعلى هذا الوجه يكون المقصود من الآية الكريمة حض الأوصياء على المحافظة على أموال اليتامى بأبلغ تعبير، لأنه سبحانه قد نبههم بحال أنفسهم وذرياتهم من بعدهم ليتصوروها ويعرفوا مكان العبرة فيها، ولا شك أن ذلك من أقوى الدواعى والبواعث فى هذا المقصود ؛ لأنه سبحانه كأنه يقول لهم :افعلوا باليتامى الفعل الذى تحبون أن يفعل مع ذرياتكم الضعاف من بعدكم، فجعل - سبحانه - من شعورهم بالحنان على ذرياتهم باعثا لهم على الحنان على أيتامهم.
هذا، ومن المفسرين الذين استحسنوا هذا القول الإِمام ابن كثير، فقد قال بعد أن حكى هذا القول :وهو قول حسن يتأيد بما بعده من التهديد فى أكل أموال اليتامى ظلما.
أما القول الثاني :فيرى أصحابه أن الآية الكريمة أمر لمن حضر المريض من العواد عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم ؛ فيوصوا المريض فى أولاده خيراً ويشفقوا عليهم كما يشفقون على أولادهم.
وقد وضح هذا القول الإِمام الرازي فقال :إن هذا خطاب مع الذين يجلسون عند المريض فيقولون له :إن ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئا، فأوص بمالك لفلان وفلان. ولا يزالون يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن لا يبقى من ماله للورثة شئ أصلا. فقيل لهم :كما أنكم تكرهون بقاء أولادكم فى الضعف والجوع من غير مال، فاخشوا الله ولا تحملا المريض على أن يحرم أولاده الضعفاء من ماله.
وحاصل الكلام أنك لا ترضى مثل هذا الفعل لنفسك، فلا ترضه لأخيك المسلم. فعن أنس قال :قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ".
وقد رجح هذا الوجه الإِمام ابن جرير فقال :وأولى التأويلات بالآية قول من قال :تأويل ذلك :وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم العيلة لو كانوا فرقوا أموالهم فى حياتهم، أوقسموها وصية منهم لأولى قرابتهم، وأهل اليتيم والمسكنة ؛ فأبقوا أموالهم لولدهم خشية العيلة عليهم من بعدهم، فليأمروا من حضروه - وهو يوصى لذوى قرابته وفى اليتامى والمساكين وفى غير ذلك - بما له بالعدل، وليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا، وهو ان يعرفوه ما أباحه الله له من الوصية، وما اختاره المؤمنون من أهل الإِيمان بالله وبكتابه وسنته.
والقول الثالث :يرى أصحابه أن الخطاب فى الآية للموصين، وأن الآية تأمرهم بأن يشفقوا على ورثتهم، فلا يسرفوا فى الوصية لغيرهم ؛ لأن الإِسراف فى ذلك يؤدى إلى ترك الورثة فقراء. ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبى وقاص : " إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ".
والذى نراه أن الأمر بالخشية من الله يتناول تجميع الأصناف المتقدمة :من الأوصياء، وعواد المريض، والموصين وغيرهم من هو أهل لهذا الخطاب ؛ لأن هؤلاء جميعا داخلون تحت الأمر بالخشية من الله - تعالى -، وبالقول السديد الذى يحبه سبحانه ويرضاه.
وقوله تعالى ﴿ وَلْيَخْشَ ﴾ فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ومفعوله محذوف لتذهب نفس السامع فى تقديره كل مذهب، فينظر كل سامع بحسب الاهم عنده مما يخشى أن يصيب ذريته.
والجملة الشرطية وهى قوله تعالى ﴿ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ صلة للموصول وهو قوله ﴿ الذين ﴾ وجملة ﴿ خَافُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ جواب ﴿ لَوْ ﴾.
قال صاحب الكشاف :فإن قلت :ما معنى وقوع ﴿ لَوْ تَرَكُواْ ﴾ وجوابه صلة للذين ؟.
قلت :معناه :وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا من خلفهم ذرية ضعافا - وذلك عند احتضارهم - خافوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم وكاسبهم.
قال صاحب الانتصاف :وإنما لجأ الزمخشري إلى تقدير ﴿ تَرَكُواْ ﴾ بقوله شارفوا أن يتركوا ؛ لأن جوابه قوله ﴿ خَافُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ والخوف عليهم إنما يكون قبل تركهم إياهم. وذلك فى دار الدنيا. فقد دل على أن المراد بالترك الإِشراف عليه ضرورة، وإلا لزم وقوع الجواب قبل الشرط وهو باطل. ونظيره ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ أى. شارفن بلوغ الأجل.
ثم قال :ولهذا المجاز فى التعبير عن المشارفة على الترك بالترك سر بديع. وهو التخويف بالحالة التي لا يبقى معها مطمع فى الحياة، ولا فى الذنب عن الذرية الضعاف. وهى الحالة التى وإن كانت من الدنيا، إلا أنها لقربها من الآخرة، ولصوقها بالمفارقة، صارت من حيزها، ومعبرا عنها بما يعبر به عن الحالة الكائنة بعد المفارقة من الترك.
وقوله ﴿ ضِعَافاً ﴾ صفة لذرة. وفى وصف الذرية بذلك بعث على الترحم وحض على امتثال ما أمر الله به.
والفاء فى قوله ﴿ فَلْيَتَّقُواّ الله وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ لترتيب ما بعدها على ما قبلها.
فقد رتب الأمر بالتقوى على الأمر بالخشية وإن كانا أمرين متقاربين لأن الأمر الأول لما عضد بالحجة - وهى الخوف على ذريتهم - اعتبر كالحاصل فصح التفريع عليه.
والمعنى :فليتقوا الله فى كل شأن من شئونهم وفى أموال اليتامى فلا يعتدوا عليها. وليقولا لغيرهم قولا عادلا قويما مصيبا للحق وبعيدا عن الباطل.
قال الآلوسى وقوله ﴿ وَلْيَقُولُواْ ﴾ أى لليتامى أو للمريض أو لحاضرى القسمة، أو ليقولوا فى الوصية ﴿ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ فيقول الوصى لليتيم ما يقول لولده من القول الجميل الهادى له إلى حسن الآداب ومحاسن الأفعال. ويقول عائد المريض للمريض :ما يذكره بالتوبة وحسن الظن بالله، وما يصده عن الإِسراف فى الوصية وتضييع الورثة. ويقول الوارث لحاضر القسمة :ما يزيل وحشته أو يزيد مسرته. ويقول الموصى فى إيصائه :مالا يؤدى إلى تجاوز الثلث.
ثم قال، والسديد :المصيب العدل الموافق للشرع. يقال :سد قوله يسد - بالكسر - إذا صار سديدا والسداد - بالفتح - الاستقامة والصواب. وأما السداد - بالكسر - فهو ما يسد به الشئ.
قال بعض العلماء :وفى الآية الكريمة ما يبعث الناس كلهم على أن يغضبوا للحق من الظلم، وأن يأخذوا على أيدى أولياء السوء، وأن يحرسوا أموال اليتامى، ويبلغوا حقوق الضعفاء إليه، لأنهم إن أضاعوا ذلك يوشك أن يلحق أبناءهم وأموالهم مثل ذلك. وأن يأكل قويهم ضعيفهم ؛ فإن اعتياد السوء ينسى الناس شناعته، ويكسب النفوس ضراوة على عمله.
ثم توعد سبحانه الذين يعتدون على حقوق اليتامى بأشد أنواع الوعيد فقال تعالى : ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ... ﴾.
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ( ١٠ )
قوله : ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً ﴾ استئناف مسوق لتقرير ما فصل من الأوامر والنواهى السابقة التى تتعلق بحقوق اليتامى.
قال الفخر الرازى :أعلم أنه - تعالى - أكد الوعد فى أكل مال اليتيم ظلما، وقد كثر الوعيد فى هذه الآيات مرة بعد أخرى على من يفعل ذلك كقوله ﴿ وَآتُواْ اليتامى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب ﴾ وكقوله : ﴿ وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً ﴾ ثم ذكر بعدها هذه الآية مفردة فى وعيد من يأكل أموالهم، وذلك كله رحمة من الله تعالى باليتامى ؛ لأنهم لكمال ضعفهم وعجزهم استحقوا من الله مزيد العناية والكرامة. وما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته وكثرة عفوه وفضله ؛ لأن اليتامى لما بلغوا فى الضعف إلى الغاية القصوى، بلغت عناية الله بهم إلى الغاية القصوى.
وقوله ﴿ ظُلْماً ﴾ أى يأكلونها على وجه الظلم سواء أكان الآكل من الورثة أو من أولياء السوء من غيرهم.
وقال سبحانه ﴿ ظُلْماً ﴾ لكمال التشنيع على الآكلين ؛ لأنهم يظلمون اليتامى الضعفاء الذين ليس فى قدرتهم الدفاع عن أنفسهم.
أو أنه سبحانه قيد الأكل بحالة الظلم، للدلالة على أن مال اليتيم قد يؤكل ولكن لا على وجه الظلم بل على وجه الاستحقاق كما فى حالة أخذ الولى الفقير أجرته من مال اليتيم أو الاستقراض منه فإن ذلك لا يكن ظلما ولا يسمى الآكل ظالما. قال تعالى : ﴿ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف ﴾ وقوله ﴿ ظُلْماً ﴾ حال من الضمير فى ﴿ يَأْكُلُونَ ﴾ أى يأكلونها ظالمين. أو مفعول لأجله. أى يأكلونها لأجل الظلم.
قال القرطبى :روى أن هذه الآية نزلت فى رجل من غطفان يقال له :مرثد بن زيد، ولى مال ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله ؛ فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية. ولهذا قال الجمهور :إن المراد الأوصياء الذين يأكلون ما لم يبح لهم من مال اليتيم.
وقوله : ﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ﴾ بيان لسوء مصيرهم، وتصوير لأضرار الأكل عليهم.
وللمفسرين فى تفسير قوله - تعالى - ﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾ اتجاهان.
أولهما :أن الآية على ظاهرها، وأن الآكلين للمال اليتامى ظلما سيأكلون النار يوم القيامة حقيقة.
وقد استدل أصحاب هذا الاتجاه على صحة ما ذهبوا إليه بآثار منها ما رواه ابن حبان فى صحيحه وابن مردويه وابن أبى حاتم " عن أبى برزة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم نارا. قيل يا رسول الله من هم ؟ قال صلى الله عليه وسلم :ألم تر أن الله قال : ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً ﴾ " الآية.
وروى ابن أبى حاتم عن أبى سعيد الخدرى قال :
" قلنا يا رسول الله ما رأيت ليلة أسرى بك ؟ قال :انطلق بى إلى خلق من خلق الله كثير. رجال كل رجل منهم له مشفر كمشفر البعير، وهم موكل بهم رجال يفكون لحاء أحدهم، ثم يجاء بصخرة من نار فتقذف فى أفواههم حتى تخرج من أسفلهم ولهم جؤار وصراخ. قلت :يا جبريل من هؤلاء ؟ قال :هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ".
ثانيهما :يرى أصحابه أن الكلام على المجاز لا على الحقيقة وأن المراد إنما يأكلون فى بطونهم المال الحرام الذى يفضى بهم إلى النار.
وعليه فكلمة ﴿ نَاراً ﴾ مجاز مرسل من باب ذكر المسبب وإرادة السبب.
والمراد بالأكل فى قوله ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ ﴾ مطلق الأخذ على سبيل الظلم والتعدى.
وإنما ذكر الأكل وأراد به مطلق الإِتلاف على سبيل الظلم ؛ لأن الأكل عن طريقه تكون معظم تصرفات الإِنسان، ولأن عامة مال اليتامى فى ذلك الوقت هو الأنعام التى تؤكل لحومها وتشرب ألبانها فخرج الكمال على عادتهم، ولأن فى ذكر الأكل تشنيعا على الآكل لمال اليتيم ظلما، إذ هو أبشع الأحوال التى يتناول مال اليتيم فيها ؛ ولأن فى ذكر الأكل مناسبة للجزاء المذكور فى قوله ﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾ حيث يكون الجزاء من جنس العمل.
قال ﴿ فِي بُطُونِهِمْ ﴾ مع أن الأكل لا يكون إلا فى البطن، إما لأنه قد شاع فى استعمالهم أن يقولوا :أكل فلان فى بطنه يريدون ملء بطنه فكأنه قيل :إنما يأكلون ملء بطونهم نارا حتى يبشموا بها. ومثله ﴿ قَدْ بَدَتِ البغضآء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ أى شرقوا بها وقالوها بملء أفواههم، ويكون المراد بذكر البطون تصوير الأكل للسامع حتى تتأكد عنده بشاعة هذا الجرم بمزيد تصوير.
وإما أن يكون المراد بذكر البطون التأكيد والمبالغة كما فى قوله تعالى ﴿ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ﴾ والطيران لا يكون إلا بالجناح. والغرض من كل ذلك التأكيد والمبالغة.
وقوله تعالى ﴿ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ﴾ تأكيد لسوء عاقبتهم يوم القيامة.
و ﴿ يصلون ﴾ مضارع صلى كرضى إذا قاسى حر النار بشدة.
وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ﴿ وَسَيَصْلَوْنَ ﴾ بضم ياء المضارعة والباقون بفتحها.
والسعير :هو النار المستعرة. يقال :سعرت النار أسرعها سعرا فهى مسعورة إذا أوقدتها وألهبتها.
وإنما قال ﴿ سَعِيراً ﴾ بالتنكير لأن المراد نار من النيران مبهمة لا يعرف غاية شدتها إلا الله تعالى :أى ؛ وسيدخلون نارا هائلة لا يعلم مقدار شدتها إلا الله عز وجل.
أخرج أبو داود والنسائى والحاكم وغيرهم أنه لما نزلت هذه الآية انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه. فجعل يفضل له الشئ من طعامه، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد فاشتد عليهم ذلك. فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾ الآية. فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم.
قال الفخر الرازى :ومن الجهال من قال :صارت هذه الآية منسوخة بتلك. وهو بعيد، لأن هذه الآية فى المنع من الظلم. وهذا لا يصير منسوخا. بل المقصود أن مخالطة أموال اليتامى إن كانت على سبيل الظلم فهى من أعظم أبواب الإِثم كما فى هذه الآية. وإن كانت على سبيل التربية والإِحسان فهى من أعظم أبواب البر كما فى قوله.. تعالى - ﴿ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾ وبعد :فهذه عشر آيات من سورة النساء، تقرؤها فتراها تكرر الأمر صراحة برعاية اليتيم وبالمحافظة على ماله فى خمس آيات منها.
فأنت تراها فى الآية الثانية تأمر الأولياء والأوصياء وغيرهم بالمحافظة على أموال اليتامى، وأن يسلموها إليهم عند بلوغهم كاملة غير منقوصة، وتحذرهم من الاحتيال على أكل هذه الأموال عن طريق الخلط فتقول :
﴿ وَآتُواْ اليتامى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً ﴾ وتراها فى الآية الثالثة تبيح لأولياء النساء اليتامى أن يتزوجوا بغيرهن إذا لم يأمنوا على أنفسهم العدل فى أموال اليتيمات، وحسن معاشرتهن، وتسليمهن حقوقهن كاملة إذا تزوجوهن فتقول :
﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ﴾ الآية. وتراها فى الآية السادسة تأمر الأولياء بأن يختبروا تصرفات اليتامى وأن يسلموا إليهم أموالهم عند بلوغهم وإيناس الرشد منهم فتقول :
﴿ وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ ﴾ الآية.
وتراها فى الآية الثامنة تأمر المتقاسمين للتركة أن يجعلوا شيئا منها للمحتاجين من الأقارب واليتامى والمساكين فتقول :
﴿ وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم مِّنْهُ ﴾ الآية.
ثم تراها فى الآية العاشرة تتوعد الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما بأشد ألوان الوعيد فتقول : ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ﴾.
وقد أمر القرآن أتباعه فى كثير من آياته بالعطف على اليتيم، وبحسن معاملته، وبالمحافظة على حقوقه، ومن ذلك قوله - تعالى - : ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ العهد كَانَ مَسْؤُولاً ﴾ وقوله - تعالى - ممتنا على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فأغنى فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ ﴾ وقوله - تعالى - ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾ وعندما نقرأ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم نراه فى كثير منها يأمرنا برعاية اليتيم، وبالعطف عليه، وبإكرامه وعدم قهره وإذلاله، ويبشر الذين يكرمون اليتيم بأفضل البشارات، فقد روى البخارى وغيرهم عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
" أنا وكافل اليتيم فى الجنة هكذا. وقال باصبعيه السبابة والوسطى " - أى :وأشار وفرج بين إصبعيه السبابة والوسطى -.
وإنما اعتنى الإِسلام برعاية اليتيم لصغره وعجزه عن القيام بمصالحه، ولأن عدم رعايته سيؤدى إلى شيوع الفاحشة فى الأمة ؛ ذلك لأن اليتيم إنسان فقد العائل والنصير منذ صغره، فإذا نشأ فى بيئة ترعاه وتكرمه وتعوضه عما فقده من عطف أبيه، شب محبا لمن حوله وللمجتمع الذى يعيش فيه. وإذا نشأ فى بيئته تقهره وتذله وتظلمه نظر إلى من حوله وإلى المجتمع كله نظرة العدو إلى عدوه، وصار من الذين يفسدون فى الأرض ولا يصلحون ؛ لأنه سيقول لنفسه :إذا كان الناس لم يحسنوا إلى فلماذا أحسن إليهم ؟ وإذا كانوا قد حرمونى حقى الذى منحه الله لى، فلماذا أعطيهم شيئا من خيرى وبرى ؟
لهذه الأسباب وغيرها أمر الإِسلام أتباعه برعاية اليتيم وإكرامه وصيانة حقوقه من أى اعتداء أو ظلم.
وبعد أن بين - ما يجب على الرجال نحو النساء من إعطائهن حقوقهن، وما يجب على الجميع نحو اليتامى من إكرامهم والمحافظة على أموالهم.... بعد أن بين - سبحانه - ذلك، شرع فى بيان حقوق أكثر الوارثين، بعد أن أجملها فى قوله - تعالى - ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون ﴾ فقال - تعالى : ﴿ يُوصِيكُمُ الله.... عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾.
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ( ١١ ) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ( ١٢ ) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( ١٣ ) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ( ١٤ )
قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لقوله - تعالى - ﴿ يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ ﴾ الآية :
" هذه الآية الكريمة والتي بعدها والآية التى هى خاتمة هذه السورة هن آيات علم الفرائض. وهو مستنبط من هذه الآيات الثلاث، ومن الأحاديث الواردة فى ذلك مما هو كالتفسير لذلك. وقد ورد الترغيب فى تعلم الفرائض فقد روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " العلم ثلاث وما سوى ذلك فهو فضل :آية محكمة - أى غير منسوخة - أو سنة قائمة - أى ثابتة - أو فريضه عادلة - أى عادلة فى فسمتها بين أصحابها - ".
وعن أبى هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تعلموا الفرائض وعلموه الناس ؛ فإنه نصف العلم. وهو أول شئ ينسى.. وهو أول شئ ينزع من أمتى ".
ثم قال ابن كثير :وقال البخارى عن تفسير هذه الآية :عن جابر بن عبد الله قال :عادنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر فى بنى سلمة ماشيين فوجدنى النبى صلى الله عليه وسلم لا أعقل شيئا. فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش على فأفقت. فقلت :يا رسول الله ما تأمرنى أن أصنع فى مالى ؟ فنزلت ﴿ يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ ﴾ الآية.
وفى حديث آخر رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه عن جابر قال : " جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :يا رسول الله ! ! هاتان ابنتا سعد بن الربيع. قتل أبوهما معك يوم احد شهيدا. وان عمها أخذ مالها فلم يدع لهما مالا. ولا تنكحان إلا ولهما مقال. فقال صلى الله عليه وسلم : " يقضى الله فى ذلك " فنزلت آية الميراث. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمها فقال صلى الله عليه وسلم :أعط ابنتى سعد الثلثين، وأمهما الثمني، وما بقى فهو لك ".
ثم قال ابن كثير :والظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسببه الآية الأخيرة من هذه السورة كما سيأتى، فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات ولم يكن له بنات، وإنما كان يورث كلالة. والحديث الثانى عن جبار أشبه بنزول هذه الآية. هذا، وقوله - تعالى - ﴿ يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين ﴾ بيان لما إذا مات الميت وترك أولادا من الذكور والإِناث.
وقوله ﴿ يُوصِيكُمُ ﴾ من الوصية، وهى - كما يقول الراغب - :التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ من قولهم :أرض واصية أى متصلة البنات ويقال :أوصاه ووصاه.
.. ويقال :تواصى القوم إذا أوصى بعضهم بعضا... والمراد بقوله ﴿ يُوصِيكُمُ ﴾ :أى يأمركم أمرا مؤكدا.
والأولاد :جمع ولد - بوزن فعل مثل أسد - والولد :اسم للمولود ذكرا كان أو أنثى والحظ :النصيب المقدر.
والمعنى :يعهد الله إليكم ويأمركم أمرا مؤكدا فى شأن ميراث أولادكم من بعد موتتكم أن يكون نصيب الذكر منهم فى الميراث نصيب الأنثيين.
وصدر - سبحانه - هذه الأحكام بقوله ﴿ يُوصِيكُمُ ﴾ اهتماما بشأنها، وإيذانا بوجوب سرعة الامتثال لمضمونها، إذ الوصيية من الله - تعالى - إيجاب مؤكد، بدليل قوله - تعالى - ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ ﴾ أى أوجب عليكم الانقياد لهذا الحكم إيجاباً مؤكداً.
وحرف ﴿ في ﴾ هنا للظرفية المجازية، ومجروها محذوف قام المضاف إليه مقامه، لأن ذوات الأولاد لا تصلح ظرفا للوصية، والتقدير :يوصيكم الله فى توريث أولادكم أو فى شأنهم.
وبدأ - سبحانه - ببيان ميراث الأولاد، لأنهم أقرب الناس إلى الإِنسان، ولأن تعلق الإِنسان بأولاده أشد من تعلقه بأى إنسان آخر.
وقوله ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين ﴾ جملة مستأنفة لا محل لها من الإِعراب لأنها فى موضع التفصيل والبيان لجملة ﴿ يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ ﴾.
وقد جعل - سبحانه - نصيب الذكر ضعف نصيب الأنثى، لأن التكليفات المالية على الأنثى تقل كثيراً عن التكليفات المالية على الذكر، إذ الرجل مكلف بالنفقة على نفسه وعلى أولاده وعلى زوجته وعلى كل من يعولهم بينما المرأة نصيبها من الميراث لها خاصة لا يشاركها فيه مشارك.
وبهذا يتبين أن الإِسلام قد أكرم المرأة غاية الإِكرام حيث أعطاها هذا النصيب الخاص بها من الميراث بعد أن كانت فى الجاهلية لا ترث شيئاً.
ولم يقل - سبحانه - للذكر ضعف نصيب الأنثى، لأن الضعف قد يصدق على المثلين فصاعدا، فلا يكون نصا.
ولم يقل للأنثيين مثل حظ الذكر ولا للأنثى نصف حظ الذكر، لأن المقصود تقديم الذكر لبيان فضله ومزيته على الأنثى.
وعبر بالذكر والأنثى دون الرجال والنساء، للتنصيص على استواء الكبار والصغار من الفريقين فى الاستحقاق من غير دخل للبلوغ والكبر فى ذلك أصلا، كما هو زعم أهل الجاهلية حيث كانوا لا يورثون الأطفال ولا النساء.
وبعد أن بين - سبحانه - كيفية قسمة التركة إذا كان الورثة أولادا ذكورا وإناثا، عقب ذلك ببيان كيفية تقسيم التركبة إذا كان الورثة من الأولاد الإِناث فقط فقال - تعالى - :فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك.
قال الآلوسى :الضمير للأولاد مطلقا، ولزوم تغليب الإِناث على الذكور لا يضر، لأن ذلك مما صرحوا بجوازه مراعاة للخبر ومشاكلة له. ويجوز أن يعود إلى المولودات أو البنات اللاتى فى ضمن مطلق الأولاد.. والمراد من الفوقية زيادة العدد لا الفوقية الحقيقية.
والمعنى :فإن كانت المولودات أو البنات نساء خلصا زائدات على اثنتين بالغات ما بلغن فلهن ثلثا ما ترك المتوفى.
وهذه الجملة الكريمة قد بينت بالقول الصريح نصيب الأكثر من البنتين وهو الثلثان إلا أنها لم تبين نصيب البنتين بالقول الصريح.
وقد روى عن ابن عباس أنه قال :الثلثان فرض الثلاث من البنات فصاعدا وأما فرض البنتين فهو النصف. ودليله صريح منطوق الآية، فقد اشترطت أن أخذ ثلثى التركة للنساء يكون إذا كن فوق اثنتين أى ثلاثا فصاعدا، وذلك ينفى حصول الثلثين للبنتين.
وقال جمهور العلماء :البنتان لاحقتان بالبنات، فلهما الثلثان إذا انفردتا عن البنين كما أن البنات لهن الثلثان كذلك.
وقد بسط الفخر الرازى أدلة الجمهور على أن للبنتين الثلثين كالبنات فقال ما ملخصه :
وأما سائر الأمة فقد أجمعوا على أن فرض البنتين الثلثان. قالوا :وإنما عرفنا ذلك بوجوه :
أولها :من قوله - تعالى - ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين ﴾ وذلك لأن من مات وترك غبنا وبنتا فههنا يجب أن يكون نصيب الابن الثلثين لقوله - تعالى - ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين ﴾، فإذا كان نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين. ونصيب الذكر ههنا هو الثلثان، وجب لا محالة أن يكون نصيب الابنتين الثلثين.
الثانى :إذا مات وترك إبنا وبنتا فههنا يكون نصيب البنت الثلث بدليل ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين ﴾ فإذا كان نصيب البنت مع الولد الذكر هو الثلث فبأن يكون نصيبها مع ولد آخر أنثى هو الثلث أولى، لأن الذكر أقوى من الأنثى وإذا كان للبنت الثلث مع أختها وللأخرى كذلك فقد صار لهما الثلثان.
الثالث :أن قوله - تعالى - ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين ﴾ يفيد أن حظ الأنثيين أزيد من حظ الأنثى الواحدة، وإلا لزم أن يكون حظ الذكر مثل حظ الأنثى الواحدة وذلك خلاف النص. وإذا ثبت أن حظ الأنثيين أزيد من حظ الواحدة فتقول :وجب أن يكون ذلك هو الثلثان، لأنه لا قائل بالفرق.
والرابع :أنا ذكرنا فى سبب نزول الآية أنه صلى الله عليه وسلم أعطى بنتى سعد بن الربيع الثلثين، وذلك يدل على ما قلناه.
الخامس :أنه - سبحانه - ذكر فى هذه الآية حكم الواحدة من البنات وحكم الثلاث فما فوقهن ولم يذكر حكم الثنتين وذكر فى شرح ميراث الأخوات - فى آخر السورة ﴿ إِن امرؤ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ.... فَإِن كَانَتَا اثنتين.... مِمَّا تَرَكَ ﴾ فهنا ذكر ميراث الأخت الواحدة والأختين دون الأخوات، فصارت كل واحدة من هاتين الآيتين مجملة من وجه ومبينة من وجه فنقول :لما كان نصيب الأختين الثلثين كانت البنتان أولى بذلك، لأنهما أقرب إلى الميت من الأختين.
والوجوه الثلاثة الأول مستنبطة من الآية. والرابع مأخوذ من السنة.
والخامس من القياس الجلى.
هذا وقد صح عن ابن عباس أنه رجع إلى قول الجمهور فانعقد الإِجماع على أن للبنتين الثلثين.
ثم بين - سبحانه - الحكم فيما إذا ترك الشخص بنتا واحدة فقال : ﴿ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النصف ﴾.
أى وإن كانت المولودة أنثى واحدة ليس معها أخ ولا أخت فلها النصف أى نصف ما تركه المتوفى.
وإلى هنا تكرن الآية قد ذكرت ثلاث حالات للأولاد فى الميراث :
الأولى :أن يترك الميت ذكوراً وإناثاً. وفى هذه الحالة يكون الميراث بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
الثانية :أن يترك الميت بنتين فأكثر وليس معهما أخ ذكر :وفى ه
وبعد أن بين - سبحانه - ميراث الأولاد والأبوين شرع فى بيان ميراث الأزواج فقال - تعالى - ﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الربع مِمَّا تَرَكْنَ ﴾.
أى :ولكم أيها الرجال نصف ما ترك أزواجكم من المال إن لم يكن لهؤلاء الزوجات الموروثات ولد ذكرا كان أو أنثى، واحدا كان أو متعددا، منكم كان أو من غيركم فإن كان لهن ولد فلكم أيها الازواج الربع مما تركن من المال.
وبهذا نرى أن للزوج فى الميراث حالتين :حالة يأخذ فيها نصف ما تركته زوجته المتوفاة من مال إن لم تترك خلفها ولدا من بطنها أو من صلب نبيها أو بنيها... إلخ، فإن تركت ولدا على التفصيل السابق كان لزوجها ربع ما تركت من مال وتلك هى الحالة الثانية للزوج، ويكون الباقى فى الصورتين لبقية الورثة.
وقوله ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ﴾ متعلق بكلتا الصورتين.
أى لكم ذلك أيها الرجال من بعد استخراج وصيتهن وقضاء ما عليهن من ديون.
ثم بين - سبحانه - نصيب الزوجة فقال ﴿ وَلَهُنَّ الربع مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثمن مِمَّا تَرَكْتُم ﴾.
أى أن للزوجات ربع المال الذى تركه أزواجهن إذا لم يكن لهؤلاء الأزواج الأموال ولد من ظهورهم أو من ظهور بنيهم أو بنى بنيهم.. إلخ فإن ترك الأزواج من خلقهم ولدا فللزوجات ثمن المال الذى تركه أزواجهن ويكون المال الباقى فى الصورتين لبقية الورثة.
ونرى من هذا أن الزوجة على النصف فى التقدير من الزوج، وهو قاعدة عامة فى قسمة الميراث بالنسبة للذكر والأنثى، ولم يستثن إلا الإخوة لأم، والأبوين فى بعض الأحوال.
وقوله ﴿ مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ﴾ متعلق بما قبله.
أى لكن ذلك أيتها الزوجات من بعد استخراج وصيتهم وقضاء ما عليهم من ديون.
ثم بين - سبحانه، ميراث الإِخوة والأخوات لأم فقال - تعالى - : ﴿ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امرأة وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السدس فَإِن كانوا أَكْثَرَ مِن ذلك فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي الثلث ﴾.
والكلالة ؛ هم القرابة من غير الأصول والفروع.
قال صاحب الكشاف :فإن قلت ما الكلالة ؟ قلت :ينطلق على واحد من ثلاثة :على من لم يخلف ولدا ولا والدا وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين وعلى القرابة من غير جهة الولد والوالد، ومنه قولهم ما ورث المجد عن كلالة. كما تقول :ما صمت عن عى، وما كف عن جبن.
والكلالة فى الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوة من الإعياء، قال الأعشى :
فآليت لا أرثى لها من كلالة... فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد والوالد لأنها بالإِضافة إلى قرابتها كالّة ضعيفة. عن أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - أنه سئل عن الكلالة فقال :الكلالة :من لا ولد له ولا والد.
والظاهر أن كلمة " كلالة هنا وصف للميت الموروث، لأنها حال من نائب فاعل قوله : ﴿ يُورَثُ ﴾ وهو ضمير الميت الموروث. والتقدير. وإن كان رجل موروثا حال كونه كلالة. أى ؛ لم يترك ولدا ولا والدا. ويرى بعضهم أن كلمة هنا :وصف للوارث الذى ليس بولد ولا والد للميت. لأن هؤلاء الوارثين يتكللون الميت من جوانبه، وليسوا فى عمود نسبه، كالإِكليل يحيط بالرأس، ووسط الرأس منه خال. من تكلله الشئ إذا أحاط به. فسمى هؤلاء الأقارب الذين ليسوا من أصول الميت أو من فروعه كلالة، لأنهم أطافوا به من جوانبه لا من عمود نسبه. وعلى هذا الرأى يكون المعنى وإن كان رجل يورث حال كونه ذا وارث هو كلالة. أى أن وارثه ليس بولد ولا والد له.
والمراد بالإِخوة والأخوات هنا :الإِخوة والاخوات لأم، بدليل قراءة سعد بن أبى وقاص : " وله أخ أو أخت من أم ". ويلد عليه - أيضا - أن الله - تعالى - ذكر ميراث الإِخوة مرتين :هنا مرة، ومرة أخرى فى آخر آية من هذه السورة وهى قوله : ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة ﴾ وقد جعل - سبحانه - فى الآية التى معنا للواحد السدس وللأكثر الثلث شركة، وجعل فى الآية التى فى آخر السورة للأخت الواحد النصف. وللأثنتين الثلثين، فوجب أن يكون الإِخوة هنا وهناك مختلفين دفعا للتعارض. ولأنه لما كان الإِخوة لأب وأم أو لأب فحسب أقرب من الإِخوة لأم، وقد أعطى - سبحانه - الأخت والأختين والإِخوة فى آخر السورة نصيبا أوفر، فقد وجب حمل الإِخوة فى آخر السورة على الأشقاء أو الإِخوة لأب. كما وجب حمل الإِخوة والأخوات هنا على الإِخوة لأم.
والمعنى : ﴿ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً ﴾ أى :يورث من غير أصوله أو فروعه ﴿ أَو امرأة ﴾ أى :تورث كذلك من غير أصولها أو فروعها.
والضمير فى قوله ﴿ وَلَهُ ﴾ يعود لذلك الشخص الميت المفهوم من المقام. أو لواحد منهما - أى الرجل والمرأة - والتذكير للتغليب. أو يعود للرجل واكتفى بحكمه عن حكم المرأة لدلالة العطف على تشاركهما فى هذا الحكم.
وقوله : ﴿ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ﴾ أى :من الأم فقط ﴿ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ﴾ أى :الأخ والأخت ﴿ السدس ﴾ مما ترك ذلك المتوفى من غير تفصيل للذكر على الأنثى. لأنهما يتساويان فى الإِدلاء إلى الميت بمحض الانوثة. ﴿ فَإِن كانوا ﴾ أى :الإِخوة والأخوات لأم، أكثر من واحد فهم شركاء فى الثلث، يقتسمونه فيما بينهم بالسوية بين ذكورهم وإناثهم، والباقى من المال الموروث يقسم بين أصحاب الفروض والعصبات من الورثة.
وبذلك نرى أن الإِخوة والأخوات من الأم لهم حالتان :
إحداهما :أن يأخذ الواحد أو الواحدة السدس إذا انفردا.
والثانية :أن يتعدد الأخ لأم وفى هذه الحالة يكون نصيبهم الثلث يشتركون فيه بالسوية فلا فرق بين الذكر والأنثى.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ الله والله عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾.
أى :هذه القسمة التى قسمها الله - تعالى - لكم بالنسبة للإِخوة للأم إنما تتم بعد تنفيذ وصية الميت وقضاء ما عليه من ديون، من غير ضرار الورثة بوصيته أو دينه. وفى قوله ﴿ يوصى ﴾ قراءتان سبعيتان :
إحداهما بالبناء للمفعول أى ﴿ يوصى ﴾ - بفتح الصاد - فيكون قوله ﴿ غَيْرَ مُضَآرٍّ ﴾ حال من فاعل فعل مضمر يدل عليه المذكور. أى من بعد وصية يوصى بها أو دين حالة كون الموصى به أو الدين غير مضار، أى غير متسبب فى ضرر الورثة.
والقراءة الثانية بالبناء للفاعل أى ﴿ يوصى ﴾ - بكسر الصاد - فيكون قوله ﴿ غَيْرَ مُضَآرٍّ ﴾ حال من فاعل الفعل المذكور وهو ضمير ﴿ يوصى ﴾.
أى :يوصى بما ذكر من الوصية والدين حال كونه " غير مضار " أى غير مدخل الضرر على الورثة. وبهذا نرى أن مرتبة الورثة فى التقسيم تأتى بعد سداد الديون وبعد تنفيذ الوصايا ولذا ذكر سبحانه هذين الأمرين أربع مرات فى هاتين الآيتين تأكيدا لحق الدائنين والموصى لهم وتبرئة لذمة المتوفى فقد قال بعد ببان ميراث الأولاد والأبوين ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ﴾ وقال بعد بيان ميراث الزوج ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ﴾ وقال بعد ميراث الزوجة : ﴿ مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ﴾ وقال بعد بيان ميراث الإِخوة والأخوات لأم : ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ ﴾.
وقد قدم - سبحانه - الوصية على الدين فى اللفظ مع أنها مؤخرة عن الدين فى السداد، وذلك للتشديد فى تنفيذها، إذ هى مظنه الإِهمال، أو مظنة الإِخفاء، ولأنها مال يعطى بغير عوض فكان إخراجها شاقا على النفس.
فكان من الاسلوب البليغ الحكيم العناية بتنفيذها، وكان من مظاهر هذه العناية تقديمها فى الذكر.
وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال :فإن قلت :لم قدمت الوصية على الدين والدين مقدم عليها فى الشريعة ؟ قالت :لما كانت الوصية مشبهة للميراث فى كونها مأخوذة من غير عوض، كان إخراجها مما يشق على الورثة ويتعاظمهم ولا تطيب أنفسهم بها، فكان أداؤها مظنة للتفريط، بخلاف الدين فإن نفوسهم مطمئنة إلى أدائه، فلذلك قدمت على الدين بعثا على وجوبها والمسارعة إلى إخراجها مع الدين.
فإن قلت :ما معنى ﴿ أَوْ ﴾ ؟ قلت معناها الإِباحة، وأنه إذا كان أحدهما أو كلاهما، قدم على قسمة الميراث كقولك :جالس الحسن أو ابن سيرين. فأو هنا جئ بها للتسوية بينهما فى الوجوب.
وقوله - تعالى - ﴿ غَيْرَ مُضَآرٍّ ﴾ يفيد النهى للموروث عن إلحاق الضرر بورثته عن طريق الوصية أو بسب الديون.
والضرر بالورثة عن طريق الوصية يتأتى بأن يوصى الموروث بأكثر من الثلث، أو به فأقل مع قصده الإِضرار بالورثة فقد روى النسائى فى سننه عن ابن عباس أنه قال :الضرار فى الوصية من الكبائر. وقال قتادة :كره الله الضرار فى الحياة وعند الممات ونهى عنه.
والضرر بالورثة بسبب الدين يتأتى بأن يقر بدين لشخص ليس له عليه دين دفعا للميراث عن الورثة، أو يقر بأن الدين الذى كان له على غيره قد استوفاه ووصل إليه، مع أنه لم يحصل شئ من ذلك.
وقد ذكر - سبحانه - هذه الجملة وهى قوله ﴿ غَيْرَ مُضَآرٍّ ﴾ بعد حديثه عن ميراث الإِخوة والأخوات من الأم، تأكيدا لحقوقهم، وتحريضا على أدائها، لأن حقوقهم مظنة الضياع والإِهمال. ولا يزال الناس إلى الآن يكادون يهملون نصيب الإِخوة لأم.
وقوله ﴿ وَصِيَّةً مِّنَ الله ﴾ نصبت كلمة ﴿ وَصِيَّةً ﴾ فيه على أنها مصدر مؤكد أى :يوصيكم الله بذلك وصية. والتنوين فيها للتفخيم والتعظيم. والجار والمجرور وهو ﴿ مِّنَ الله ﴾ متعلق بمحذوف وقع صفة لوصية :أى وصية كائنة من الله فمن خالفها كان مستحقا لعقابه.
وقوله ﴿ والله عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ تذييل قصد به تربية المهابة فى القلوب من خالقها العليم بأحوالها. أى والله عليم بما تسرون وما تعلنون، وبما يصلح أحوالكم وبمن يستحق الميراث ومن لا يستحقه وبمن يطيع أوامره ومن يخالفها حليم لا يعجل بالعقوبة على من عصاه، فهو - سبحانه - يمهل ولا يهمل. فعليكم أن تستجيبوا لأحكامه، حتى كونوا أهلا لمثوبته ورضاه.
ثم أكد - سبحانه - وجوب الانقياد لأحكامه، وبشر المطيعين بحسن الثواب. وأنذر العصاة بسوء العقاب فقال : ﴿ تِلْكَ حُدُودُ الله وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا وذلك الفوز العظيم ﴾.
واسم الإِشارة ﴿ تِلْكَ ﴾ يعود إلى الأحكام المذكورة فى شأن المواريث وغيرها. والمعنى :تلك الأحكام التى ذكرها - سبحانه - عن المواريث وغيرها ﴿ حُدُودُ الله ﴾ أى شرائعه وتكاليفه التى شرعها لعباده.
والحدود جمع حد. وحد الشئ طرفه الذى يمتاز به عن غيره. ومنه حدود البيت أى أطرافه التى تميزه عن بقية البيوت.
والمراد بحدود الله هنا الشرائع التى شرعها - سبحانه - لعباده بحيث لا يجوز لهم تجاوزها ومخالفتها.
وقد أطلق - سبحانه - على هذه الشرائع كلمة الحدود على سبيل المجاز لشبهها بها من حيث إن المكلف لا يجوز له أن يتجاوزها إلى غيرها.
ثم قال - تعالى - ﴿ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ أى فيما أمر به من الأحكام، وفيما شرعه من شرائع تتعلق بالمواريث وغيرها.
﴿ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ أى تجرى من تحت أشجارها ومساكنها الأنهار ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ أى باقين فيها لا يموتون ولا يفنون ولا يخرجون منها وقوله ﴿ وذلك الفوز العظيم ﴾ أى وذلك المذكور من دخول الجنة الخالدة الباقية بمن فيها هو الفوز العظيم، والفلاح الذى ليس بعده فلاح.
ثم قال - تعالى - ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ أى فيما أمر به من أوامر وفيما نهى عنه من منهيات ﴿ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ ﴾ التى تتعلق بالمواريث وغيرها بأن يتجاوزها ويخالف حكم الله فيها.
﴿ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا ﴾ أى. يدخله نارا هائلة عظيمة خالدا فيها خلودا أبديا إن كان من أهلا لكفر والضلال. وخالدا فيها لمدة لا يعلمها إلا الله إن كان من عصاة المؤمنين.
وقال هنا ﴿ خَالِداً فِيهَا ﴾ بالإِفراد، وقال فى شأن المؤمنين ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ بالجمع، للإِيذان بأن أهل الطاعة جديرون بالشفاعة. فإذا شفع أحدهم لغيره وقبل الله شفاعته. دخل ذلك الغير معه فى رضوان الله.
أما أهل الكفر والمعاصى فليسوا أهلا للشفاعة، بل يبقون فرادى، تحيط بهم الذلة والمهانة من كل جانب.
أو للاشعار بأن الخلود فى دار الثواب يكون على هيئة الاجتماع الذى هو أجلب للأنس والبهجة.
وبأن الخلود فى دار العقاب يكون على هيئة الانفراد الذى هو أشد فى استجلاب الوحشة والهم.
وقوله ﴿ وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ أى لهذا العاصى لله ولرسوله، والمتعدى للحدود التى رسمها الله، عذاب عظيم من شأنه أن يخزى من ينزل به ويذله ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾ وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد وضحت أحكام المواريث بأبلغ بيان، وأحكم تشريع، وبشرت المستحببين لشرع الله يجزيل الثواب، وأنذرت المعرضين عن ذلك بسوء المصير. هذا، ومن الأحكام والفوائد التى يمكن أن نستخلصها من هذه الآيات ما يأتى :
أولا :أن ترتيب الورثة قد جاء فى الآيتين الكريمتين على أحسن وجه، وأتم بيان، وأبلغ أسلوب وذلك لأن الوارث - كما يقول الإِمام الرازى - إما أن يكون متصلا بالميت بغير واسطة أو بواسطة.
فإن اتصل به بغير واسطة فسبب الاتصال إما أن يكون هو النسب أو الزوجية، فحصل هنا أقسام ثلاثة :
أولها :أشرفها وأعلاها الاتصال الحاصل ابتداء من جهة النسب، وذلك هو قرابة الولاد ويدخل فيها الأولاد والوالدان، فالله - تعالى - قدم حكم هذا القسم.
وثانيها :الاتصال الحاصل ابتداء من جهة الزوجية. وهذا القسم متأخر فى الشرف عن القسم الأول ! لأن الأول ذاتى وهذا الثاني عرض، والذاتى أشرف من العرض.
وثالثها :الاتصال الحاصل بواسطة الغير وهو المسمى بالكلالة. وهو متأخر فى الشرف عن القسمين الأولين، لأنهما لا يعرض لهم السقوط بالكلية وأما الكلالة فقد يعرض لهم السقوط بالكلية، ولأنهم يتصلان بالميت بغير واسطة بخلاف الكلالة.
فما أحسن هذا الترتيب، وما أشد انطباقه على قوانين المعقولات.
ثانيا :أن الآيتين الكريمتين قد بينتا الوارثين والوارثات ونصيب كل وارث بالأوصاف التى جعلها الله - تعالى - سببا فى استحقاق الإِرث كالبنوة والأبوة والزوجية والأخوة. وقد ألغتا بالنسبة إلى اصل الاستحقاق الذكورة والأنوثة والصغر والكبر وجعلنا للكل حقا معينا فى الميراث. وبهذا أبطلتا ما كان عليه الجاهليون من جعل الإِرث بالنسب مقصورا على الرجال دون النساء والأطفال، وكانوا يقولون : " لا يرث إلا من طاعن بالرماح، وذاد عن الحوزة، وحاز الغنيمة ".
ثالثا :أن قوله - تعالى - : ﴿ يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ ﴾ إلخ يعم أولاد المسلمين والكافرين والأحرار والأرقاء والقاتلين عمدا وغير القاتلين إلا أن السنة النبوية الشريفة قد خصصت بعض هذا العموم، حيث أخرجت الكافر من هذا العموم لحديث :
" لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم " وعلى هذا سار جمهور العلماء فلم يورثوا مسلما من كافر ولا كافرا من مسلم.
وذهب بعضهم إلى أن الكفار لا يرث المسلم ولكن المسلم يرث الكافر.
كذلك نصف العلماء على أن الحر والعبد لا يتوارثان ؛ لأن العبد لا يملك، وعلى أن القاتل عمدا لا يرث من قتله معاملة بنفيس مقصوده.
رابعا :أن نصيب الأولاد إذا كافوا ذكورا وإناثا يكون بعد أن يأخذ الأبوان والأجداد والجدات وأحد الزوجين أنصبتهم.
وأن الأولاد يطلقون على فروع الشخص من صلبه. أى أبنائه وأبناء أبنائه، وبنات أبنائه.
وأن أبناء الشخص وبناته يقدمن على أبناء أبنائه وبنات أبنائه. أى أن الطبقة الأولى تستوفى حقها فى الميراث قبل من يليها.
وأن الأبناء والأبوين والزوجين لا يسقطون من أصل الاستحقاق للميراث بحال، إلا أنهم قد يؤثر عليهم وجود غيرهم فى المقدار المستحق.
وأنه متى أجتمع فى المستحقين للميراث ذكور وإناث من درجة واحدة، أخذ الذكر مثل حظ الأنثيين إلا ما سبق لنا استثناؤه.
خامسا :لا يجوز للمورث أن يسئ إلى ورثته لا عن طريق الوصية ولا عن طريق الدين ولا عن أى طريق آخر. لأن الله - تعالى - قد نهى عن المضارة فقال : ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ الله ﴾.
وإن بدء الآيتين الكريمتين بقوله : ﴿ يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ ﴾.
وختم أولاهما :بقوله : ﴿ فَرِيضَةً مِّنَ الله ﴾ وختم ثانيتهما بقوله ﴿ وَصِيَّةً مِّنَ الله ﴾ هذا البد والختام لجديران بأن يغرسا الخشية من الله فى قلوب المؤمنين الذين يخافون مقام ربهم، وينهون أنفسهم عن السير فى طريق الهوى والشيطان.
سادساً :أنه يجب تقديم حقوق الميت على تقسيم التركة، فقد كرر الله - تعالى - قوله : ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ﴾ كما سبق أن بينا.
قال القرطبى :ولا ميراث إلا بعد أداء الدين والوصية ؛ فإذا مات المتوفى أخرج من تركته الحقوق المعينات، ثم ما يلزم من تكفينه وتقبيره، ثم الديون على مراتبها، ثم يخرج من الثلث الوصايا، وما كان فى معناها على مراتبها أيضا. ويكون الباقى ميراثا بين الورثة.
وجملتهم سبعة عشر. عشرة من الرجال وهم :الابن وابن الابن وإن سفل والاب وأب الأب وهو الجد وإن علا. والأخ وابن الأخ. والعم وأبن العم. والزوج ومولى النعمة. ويرث من النساء سبع وهن :البنت وبنت الابن وإن سفلت، والأم والجدة وإن علت. والأخت والزوجة. ومولاة النعمة وهى المعتقة.
وبعد أن أمر - سبحانه - بالإحسان إلى النساء. وبمعاشرتهن معاشرة كريمة، وبين حقوقهن فى الميراث، أتبع ذلك ببيان حكمه - سبحانه - فى الرجال والنساء إذا ما ارتكبوا فاحشة الزنا فقال - تعالى - : ﴿ واللاتي يَأْتِينَ..... تَوَّاباً رَّحِيماً ﴾.
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ( ١٥ ) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا ( ١٦ )
وقوله : ﴿ واللاتي ﴾ جمع التى. وهى تستعمل فى جمع من يعقل. أما إذا أريد جمع ما لا يعقل من المؤنث فإنه يقال :التى تقول :أكرمت النسوة اللاتى حضرن. وتقول :نزعت الأثواب التى كنت ألبسها. وهذا هو الرأى المختار.
وبعضهم يسوى بينهم فيقول فى الجمع المؤنث لغير العاقل :اللاتى.
وقوله ﴿ يَأْتِينَ ﴾ من الإِتيان ويطلق فى الأصل على المجئ إلى شئ. والمراد به هنا الفعل. أى واللاتى يفعلن ﴿ الفاحشة مِن نِّسَآئِكُمْ ﴾.
والفاحشة :هي الفعلة القبيحة. وهى مصدر كالعافية. يقال فحش الرجل يفحش فحشا.
وأفحش :إذا جاء بالقبح من القول أو الفعل.
والمراد بها هنا :الزنا.
وقوله : ﴿ مِن نِّسَآئِكُمْ ﴾ متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل ﴿ يَأْتِينَ ﴾ أى :يأتين الفاحشة حال كونهن من نسائكم.
والمراد بالنساء فى قوله ﴿ مِن نِّسَآئِكُمْ ﴾ :النساء اللاتى قد أحصن بالزواج سواء أكن مازلن فى عصمة أزواجهن أم لا. وهذا رأى جمهور الفقهاء. وبعضهم يرى أن المراد بالنساء هنا مطلق النساء سواء أكن متزوجات أم أبكاراً.
والمعنى :أن الله - تعالى - يبين لعباده بعض الأحكام المتعلقة بالنساء فيقول :
أخبركم - أيها المؤمنون - بأن اللاتى يأتين فاحشة الزنا من نسائكم، بأن فعلن هذه الفاحشة المنكرة وهن متزوجات أو سبق لهن الزواج.
﴿ فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ ﴾ أى :فاطلبوا أن يشهد عليهن بأنهن أتين هذه الفاحشة المنكرة أربعة منكم أى من الرجال المسلمين الأحرار.
وقوله : ﴿ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت حتى يَتَوَفَّاهُنَّ الموت ﴾ أى فإن شهد هؤلاء الأربعة بأن هؤلاء النسوة قد أتين هذه الفاحشة، فعليكم فى هذه الحالة أن تحبسوا هؤلاء النسوة فى البيوت ولا تمكنوهن من الخروج عقوبة لهن، وصيانة لهن عن تكرار الوقوع فى هذه الفاحشة المنكرة، وليستمر الأمر على ذلك ﴿ حتى يَتَوَفَّاهُنَّ الموت ﴾ أى حتى يقبض أرواحهن الموت. أو حتى يتوفاهن ملك الموت.
وقوله : ﴿ أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ أى :أو يجعل الله لهن مخرجا من هذا الإِمساك فى البيوت، بأن يشرع لهن حكما آخر.
وقوله : ﴿ واللاتي ﴾ فى محل رفع مبتدأ. وجملة ﴿ فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ ﴾ خبره.
وجاز دخول الفاء الزائدة فى الخبر. لأن المبتدأ أشبه الشرط فى كونه موصولا عاما صلته فعل مستقبل.
وعبر - سبحانه - عن ارتكاب فاحشة الزنا بقوله : ﴿ يَأْتِينَ ﴾ لمزيد التقبيح والتشنيع على فاعلها :لأن مرتكبها كأنه ذهب إليها عن قصد حتى وصل إليها وباشرها.
واشترط - سبحانه - شهادة أربعة من الرجال المسلمين الأحرار ؛ لأن الرمى بالزنا من أفحش ما ترمى به المرأة والرجل، فكان من رحمة الله وعدله أن شدد فى إثبات هذه الفاحشة أبلغ ما يكون التشديد، فقرر عدم ثبوت هذه الجريمة إلا بشهادة أربعة من الرجال بحيث لا تقبل فى ذلك شهادة النساء.
قال الزهرى :مضت السنة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده أن لا تقبل شهادة النساء فى الحدود.
وقرر أن تكون الشهادة بالمعاينة لا بالسماع، ولذا قال ﴿ فَإِن شَهِدُواْ ﴾ أى إن ذكروا أنهم عاينوا ارتكاب هذه الجريمة من مرتكبيها. وشهدوا على ما عاينوه وأبصروه ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت ﴾.
وحتى فى قوله. ﴿ حتى يَتَوَفَّاهُنَّ الموت ﴾ بمعنى إلى. والفعل بعدها منصوب بإضمار أن وهى متعلقة بقوله ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ ﴾ غاية له.
والمراد بالتوفى أصل معناه أى الاستيفاء وهو القبض تقول :توفيت مالى الذى على فلان واستوفيته إذا قبضته. وإسناده إلى الموت باعتبار تشبيهه بشخص يفعل ذلك. والكلام على حذف مضاف أى :حتى يقبض أرواحهن الموت. أو حتى يتوفاهن ملائكة الموت.
و " أو " فى قوله ﴿ أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾، للعطف، فقد عطفت قوله ﴿ يَجْعَلَ ﴾ على قوله : ﴿ يَتَوَفَّاهُنَّ ﴾ فيكون الجعل غاية لإمساكهن أيضا.
فيكون المعنى. أمسكوهن فى البيوت إلى أن يتوفاهن الموت، أو إلى أن يجعل الله لهن سبيلا أى مخرجا من هذه العقوبة.
وقد جعل الله - تعالى - هذا المخرج بما شرعه بعد ذلك من حدود بأن جعل عقوبة الزانى البكر :الجلد. وجعل عقوبة الزانى الثيب :الرجم وقد رجم النبى - صلى الله عليه وسلم - ماعز بن مالك الأسلمى، ورجم الغامدية، وكانا محصنين.
قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه :كان الحكم فى ابتداء الإِسلام أن المرأة إذا ثبت زناها بالبينة العادلة حبست فى بيت فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت، ولهذا قال - تعالى - : ﴿ واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة مِن نِّسَآئِكُمْ ﴾ الآية. فالسبيل الذى جعله الله هو الناسخ لذلك - أى لإمساكهن فى البيوت حتى يتوفاهن الموت -.
قال ابن عباس :كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سروة النور فنسخه بالجلد أو الرجم.
وكذلك روى عن عكرمة وسعيد بن جبير والحسن وعطاء وقتادة وزيد بن أسلم والضحاك أنها منسوخة. وهو أمر متفق عليه.
روى الإِمام أحمد عن عبادة بن الصامت قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحى أثر عليه وكرب لذلك وتغير وجهه فأنزل الله عليه ذات يوم فلما سرى عنه قال :خذوا عنى خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب. والبكر بالبكر. الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة. والبكر جلد مائة ونفى سنة ".
وقد رواه مسلم وأصحاب السننن من طرق عبادة بن الصامت.
هذا وما ذكره ابن كثير من أن هذا الحكم كان فى ابتداء الإِسلام، ثم نسخ بما جاء فى سورة النور وبما جاء فى حديث عبادة بن الصامت، هو مذهب جمهور العلماء.
وقال صاحب الكشاف :ويجوز أن تكون غير منسوخة بأن يترك ذكر الحد لكونه معلوما بالكتاب والسنة، ويوصى بإمساكهن فى البيوت بعد أن يحددن صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال.
﴿ أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ هو النكاح الذى يستغنين به عن السفاح وقيل السبيل :الحد، لأنه لم يكن مشروعا فى ذلك الوقت.
وقال أبو سليمان الخطابى :هذه الآية ليست منسوخة، لأن قوله ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت ﴾ ألخ، يدل على أن إمساكهن فى البيوت ممتد إلى غاية أن يجعل الله لهن سبيلا، وذلك السبيل كان مجملا، فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم خذوا عنى ألخ، صار هذا الحديث بيانا لتلك الآية لا ناسخا لها.
ثم بين - سبحانه - حكما آخر فقال : ﴿ واللذان يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا ﴾.
أى واللذان يأتيان فاحشة الزنا من رجالكم ونسائكم فآذوهما بالشتم والتوبيخ والزجر الشديد ليندما على ما فعلا وليرتدع سواهما بهما.
وقد اختلف العلماء فى المراد بقوله ﴿ واللذان ﴾.
فمنهم من قال المراد بهما الرجل والمرأة البكران اللذان لم يحصنا.
ومنهم من قال المراد بهما الرجلان يفعلان اللواط.
ومنهم من قال المراد بهما الرجل والمرأة لا فرق بين بكر وثيب.
والمختار عند كثير من العلماء هو الرأى الأول، قالوا :لأن الله - تعالى - ذكر فى هاتين الآيتين حكمين :
أحدهما :الحبس في البيوت.
والثاني :الإِيذاء، ولا شك أن من حكم عليه بالأول خلاف من حكم عليه بالثاني، والشرع يخفف فى البكر ويشدد على الثيب، ولذلك لما نسخ هذا الحكم جعل للثيب الرجم وللبكر الجلد، فجعلنا الحكم الشديد وهو الحبس على الثيب، والحكم الأخف وهو الإِيذاء على البكر.
قالوا :وقد نسخ حكم هذه الآية بآية النور، حيث جعل حكم الزانيين اللذين لم يحصنا جلد مائة.
فقد أخرجه ابن جرير عن الحسن البصرى وعكرمة قالا فى قوله - تعالى - ﴿ واللذان يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا ﴾ الآية، نسخ ذلك بآية الجلد وهى قوله - تعالى - فى سورة النور : ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ الآية.
ومن العلماء من قال بأن هذه الآية غير منسوخة بآية النور، فإن العقوبة ذكرت هنا مجملة غير واضحة المقدار لأنا مجرد الإِيذاء، وذكرت بعد ذلك مفصلة بينة المقدار فى سورة النور. أى أن ما ذكر هنا من قبيل المجمل، وما ذكر فى سورة النور من قبيل المفصل، وأنه لا نسخ بين الآيتين.
هذا، ولأبى مسلم الأصفهاني رأى آخر فى تفسير هاتين الآيتين، فهو يرى أن المراد باللاتى فى قوله ﴿ واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة مِن نِّسَآئِكُمْ ﴾ النساء السحاقات اللاتى يستمتع بعضهن ببعض وحدهن الحبس، والمراد بقوله ﴿ واللذان يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ ﴾ اللائطون من الرجال وحدهم الإِيذاء وأما حكم الزناة فسيأتى فى سورة النور.
قال الآلوسى :وقد زيف هذا القول بأنه لم يقل به أحد، وبأن الصحابة قد اختلفوا فى حكم اللوطى ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية، وعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على الحكم دليل على أن الآية ليست فى ذلك.
وأيضا جعل الحبس فى البيت عقوبة السحاق لا معنى له. لأنه مما لا يتوقف على الخروج كالزنا. فلو كان المراد السحاقات لكانت العقوبة لهن عدم اختلاط بعضهن ببعض لا الحبس والمنع من الخروج. وحيث جعل هو عقوبة دل ذلك على أن المراد باللاتى يأتين الفاحشة الزانيات...
والذى نراه أن هذا الحكم المذكور فى الآيتين منسوخ، بعضه بالكتاب وبعضه بالسنة.
أما الكتاب فهو قوله - تعالى - فى سورة النور ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ الآية.
وأما السنة فحديث عباده بن الصامت الذى سبق ذكره.
وإنما قلنا ذلك لأن ظاهر الآيتين يدل على أن ما ذكر فيهما من الحبس والإِيذاء بعد نزول آية سورة النور. بل الثابت عنه أنه كان يجلد البكر من الرجال والنساء، ويرجم المحصن منهما، ولم يضم إلى إحدى هاتين العقوبتين حبسا أو إيذاء، فثبت أن هذا الحكم المذكور فى الآيتين قد نسخ.
ثم بين - سبحانه - الحكم فيما إذا أقلع الزانى والزانية عن جريمتهما فقال : ﴿ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ إِنَّ الله كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً ﴾.
أى فإن تابا فعلا من الفاحشة، وأصلحا أعمالهما ﴿ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ ﴾ أى فاصفحوا عنهما وكفوا عن أذاهما ﴿ إِنَّ الله كَانَ تَوَّاباً ﴾ أى مبالغا فى قبول التوبة ممن تاب توبة صادقة نصوحا ﴿ رَّحِيماً ﴾ أى واسع الرحمة بعباده الذين لا يصرون على معصية بل يتوبون إليه منها توبة صادقة.
وبعد أن وصف - سبحانه - ذاته بأنه هو التواب الرحيم عقب ذلك ببيان من تقبل منهم التوب، ومن لا تقبل منهم فقال : ﴿ إِنَّمَا التوبة..... عَذَاباً أَلِيماً ﴾.
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ( ١٧ ) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ( ١٨ )
والتوبة :هى الرجوع إلى الله - تعالى - وإلى تعاليم دينه بعد التقصير فيه مع الندم على هذا التقصير والعزم على عدم العودة إليه.
والمراد بها قبولها من العبد. فهى مصدر تاب عليه إذا قبل توبته.
والمراد من الجهالة فى قوله ﴿ يَعْمَلُونَ السواء بِجَهَالَةٍ ﴾ :الجهل والسفه بارتكاب مالا يليق بالعاقل، لا عدم العلم، لأن من لا يعلم لا يحتاج إلى التوبة.
قال مجاهد :كل من عصى الله عمداً أو خطأ فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته.
وقال قتادة :اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شئ عسى الله به فهو جهالة عما كان أو غيره.
قال - تعالى - حكاية عن يوسف - عليه السلام - : ﴿ رَبِّ السجن أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يدعونني إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الجاهلين ﴾ وقال حكاية عن موسى - عليه السلام - ﴿ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين ﴾ وقال - سبحانه - مخاطبا نوحا - عليه السلام - ﴿ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين ﴾ ووجه تسمية العاصى جاهلا - وإن عصى عن علم - أنه لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما عصى ربه، فلما لم يستعمل هذا العلم صار كأنه لا علم له، فسمى العاصى جاهلا لذلك، سواء ارتكب المعصية مع العلم بكونها معصية أم لا.
والمعنى :إنما قبول التوبة كائن أو مستقر على الله - تعالى - لعباده الذين يعملون السوء، ويقعون فى المعاصى بجهالة أى يعملون السوء جاهلين سفهاء، لأن ارتكاب القبيح مما يدعو إليه السفه والشهوة، لا مما تدعو إليه الحكمة والعقل.
وصدر - سبحانه - الآية الكريمة بإنما الدالة على الحصر، للإِشعار بأن هؤلاء الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب، هم الذين يقبل الله توبتهم، ويقيل عثرتهم.
وعبر - سبحانه - بلفظ على فقال : ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ للدلالة على تحقق الثبوت، حتى لكأن قبول التوبة من هؤلاء الذين ﴿ يَعْمَلُونَ السواء بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾ من الواجبات عليه، لأنه - سبحانه - قد وعد بقبول التوبة ؛ وإذا وعد بشئ أنجزه، إذ الخلف ليس من صفاته - تعالى - بل هو محال فى حقه - عز وجل -.
ولفظ ﴿ التوبة ﴾ مبتدأ. وقوله ﴿ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السواء بِجَهَالَةٍ ﴾ متعلق بمحذوف خبر. وقوله ﴿ عَلَى الله ﴾ متعلق بمحذوف صفة للتوبة.
أى :إنما التوبة الكائنة على الله للذين يعملون السوء بجهالة...
وقوله ﴿ بِجَهَالَةٍ ﴾ متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾ أى :يعملون السوء جاهلين سفهاء. أو متعلق بقوله ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾ فتكون الباء للسببية أى :يعملون السوء بسبب الجهالة.
وقوله ﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾ أى ثم يتوبون فى زمن قريب من وقت عمل السوء، ولا يسترسلون فى الشر استرسالا ويستمرئونه ويتعودون عليه بدون مبالاة بإرتكابه.
ولا شك أنه متى جدد الإنسان توبته الصادقة فى أعقاب ارتكاب للمعصية كان ذلك أرجى لقبولها عند الله - تعالى - وهذا ما يفيده ظاهر الآية. ومنهم من فسر قوله ﴿ مِن قَرِيبٍ ﴾ بما قبل حضور الموت. وإلى هذا المعنى ذهب صاحب الكشاف فقال :قوله : ﴿ مِن قَرِيبٍ ﴾ أى :من زمان قريب. والزمان القريب :ما قبل حضرة الموت ألا ترى إلى قوله ﴿ حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآن ﴾. فبين أن وقت الاحتضار هو الوقت الذى لا تقبل فيه التوبة، فبقى ما وراء ذلك فى حكم القريب. وعن ابن عباس :قبل أن ينزل به سلطان الموت. وعن الضحاك :كل توبة قبل الموت فهى قريب. وفى الحديث الشريف : " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " - أى ما لم تتردد الروح فى الحلق.
والذى نراه أن ما ذكره صاحب الكشاف وغيره من أن قوله ﴿ مِن قَرِيبٍ ﴾ معناه :من قبل حضور الموت، لا يتعارض مع الرأى القائل بأن قوله ﴿ مِن قَرِيبٍ ﴾ معناه :تم يتوبون فى وقت قريب من وقت عمل السوء، لأن ما ذكره صاحب الكشاف وغيره بيان للوقت الذى تجوز التوبة فيه ولا تنفع بعده، أما الرأى الثانى فهو بيان للزمن الذى يكون أرجى قبولا لها عند الله.
والعاقل من الناس هو الذى يبادر بالتوبة الصادقة عقب المعصية بلا تراخ، لأنه لا يدرى متى يفاجئه الموت، ولأن تأخبرها يؤدى إلى قسوة القلب، وضعف النفس، واستسلامها للأهواء والشهوات.
وقوله : ﴿ فأولئك يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ﴾ بيان للوعد الحسن الذى وعد الله به عبادة الذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من قريب.
أى :فأولئك المتصفون بما ذكر، يقبل الله توبتهم، ويأخذ بيدهم إلى الهداية والتوفيق، ويطهر نفوسهم من أرجاس الذنوب، وكان الله عليما بأحوال عباده وبما هم عليه من ضعف، حكيما يضع الأمور فى مواضعها حسبما تقتضيه مشيئته ورحمته بهم.
وقوله ﴿ فأولئك ﴾ مبتدأ. وقوله ﴿ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ ﴾ خبره.
وأشار إليهم بلفظ ﴿ أولئك ﴾ للإِيذان بسمو مرتبتهم، وعلو مكانتهم، وللتنبيه على استحضارهم باعتبار أوصافهم المتقدمة الدالة على خوفه من خالقهم عز وجل - وقوله ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ﴾ جملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها.
ثم بين - سبحانه - من لا تقبل توبتهم بعد بيانه لمن تقبل توبتهم فقال : ﴿ وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآن وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾.
أى :وليست التوبة مقبولة عند الله بالنسبة للذين يعملون السيئات، ويقترفون المعاصى، ويستمرون على ذلك ﴿ حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت ﴾.
بأن شاهد الأحوال التى لا يمكن معها الرجوع إلى الدنيا، وانقطع منه حبل الرجاء فى الحياة ﴿ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآن ﴾ أى قال فى هذا الوقت الذى الفائدة من التوبة فيه :إنى تبت الآن.
وقوله : ﴿ وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ أى وليست التوبة مقبولة أيضا من الذين يموتون وهم على غير دين الإِسلام.
فالآية الكريمة قد نفت قبول التوبة من فريقين من الناس.
أولهما :الذين يرتكبون السيئات صغيرها وكبيرها، ويستمرون على ذلك بدون توبة أو ندم حتى إذا حضرهم الموت، ورأوا أهواله، قال قائلهم :إنى تبت الآن وقد كرر القرآن هذا المعنى فى كثير من آياته، ومن ذلك قوله - تعالى - : ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا ﴾ وقوله - تعالى - حكاية عن فرعون ﴿ حتى إِذَآ أَدْرَكَهُ الغرق قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ المسلمين آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ المفسدين فاليوم نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ﴾ وعدم قبول توبة هؤلاء فى هذا الوقت سببه أنهم نطقوا بها فى حالة الاضطرار لا فى حالة الاختيار، ولأنهم نطقوا بها فى غير وقت التكليف.
وثانيهما :الذين يموتون وهم على غير دين الإِسلام، فقد أخرج الامام أحمد عن أبى ذر الغفارى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن يقبل توبة عبده ما لم يقع الحجاب. قيل :وما الحجاب ؟ قال أن تموت النفس وهى مشركة ".
وكثير من العلماء يرى أن المراد بالفريق الثانى :الكفار، لأن العطف يقتضى المغيرة.
ومنهم من يرى أن الفريق الأول شامل للكفار ولعصاة المؤمنين فيكون عطف قوله ﴿ وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ من باب عطف الخاص على العام لإفادة التأكيد.
و ﴿ حتى ﴾ فى قوله ﴿ حتى إِذَا حَضَرَ ﴾ حرف ابتداء.. والجملة الشرطية بعدها غاية لما قبلها. أي ليست التوبة لقوم يعملون السيئات ويستمرون على ذلك فإذا حضر أحدهم الموت قال كيت وكيت.
وقوله ﴿ وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ معطوف على الموصول قبله. أى ليس قبول التوبة هؤلاء الذين يعملون السيئات... ولا لهؤلاء الذين يموتون وهم كفار.
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبتهم فقال - تعالى - : ﴿ أولئك أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ أى أولئك الذين تابوا فى غير وقت قبول التوبة هيأنا لهم عذابا مؤلما موجعا بسبب ارتكاسهم فى المعاصى ؛ وابتعادهم عن الصراط المستقيم الذى يرضاه - سبحانه - لعباده.
ثم وجه القرآن نداء عاما إلى المؤمنين نهاهم فيه عما كان شائعا فى الجاهلية من ظلم للنساء ؛ وإهدار لكرامتهن، وأمرهم بحسن معاشرتهن، وبعدم أخذ شئ من حقوقهن فقال - تعالى - : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين..... مِّيثَاقاً غَلِيظاً ﴾.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ( ١٩ ) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ( ٢٠ ) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ( ٢١ )
قال القرطبى عند تفسيره للآية الأولى :اختلفت الروايات وأقوال المفسرين فى سبب نزولها ؛ فروى البخارى عن ابن عباس قال :كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً ﴾.
وقال الزهرى وأبو مجلز :كان من دعاتهم إذا مات الرجل يلقى ابنه من غيرها أو أقرب عصبة ثوبه على المرأة فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذى أصدقها الميت. وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا، وإن شاء عضلها لتفتدى منه بما ورثته من الميت أو تموت فيرثها. فأنزل الله هذه الآية : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً ﴾. الآية.
وقيل :كان يكون عند الرجل عجوز ونفسه تتوق إلى الشابة فيكره فراق العجوز لمالها فيمسكها ولا يقربها حتى تفتدى منه بمالها أو تموت فيرث مالها فنزلت هذه الآية.
ثم قال القرطبى :والمقصود من الآية إذهاب ما كانوا عليه فى جاهليتهم، وألا تجعل النساء كالمال يورثن عن الرجال كما يورث المال..
وهناك روايات أخرى فى سبب نزول هذه الآية هذه الآية ساقها ابن جرير وابن كثير وغيرهما، وهى قريبة فى معناها، مما أورده القرطبى، لذا اكتفينا بما ساقه القرطبى.
وكلمة ﴿ كَرْهاً ﴾ قرأها حمزة والكسائى بضم الكاف. وقرأها الباقون بفتحها قال الكسائى :وهما لغتان بمعنى واحد. وقال الفراء :الكره - بفتح الكاف - بمعنى الإِكراه. وبالضم بمعنى المشقة. فما أكره عليه الإِنسان فهو كره - بالفتح - وما كان من جهة نفسه فهو كره - بالضم -.
والمعنى :يأيها الذين آمنوا وصدقوا بالحق الذى جاءهم من عند الله، لا يحل لكم أن تأخذوا نساء موتاكم بطريق الإِرث وهو كارهات لذلك أو مكرهات عليه، لأن هذا الفعل من أفعال الجاهلية التي حرمها الإِسلام لما فيها من ظلم للمرأة وإهانة لكرامتا.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : " كانوا يبلون النساء بضروب من البلايا، ويظلموهن بأنواع من الظلم، فزجروا عن ذلك. فقيل : ﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً ﴾ أى :أن تأخذوهن على سبيل الإرث كما تحاز المواريث وهن كارهات لذلك أو مكروهات.
وقد وجه - سبحانه - النداء إلى المؤمنين فقال : ﴿ أَيُّهَا الذين آمَنُواْ ﴾ ليعم الخطاب جميع الأمة، فيأخذ لك مكلف فيها بحظه منه سواء أكان هذا المكلف من أولياء المرأة أم من الأزواج أم من الحكام من غيرهم. وفى مخاطبتهم بصفة الإِيمان تحريك لحرارة العقيدة فى قلوبهم، وتحريض لهم على الاستجابة إلى ما يقتضيه الإِيمان من طاعة لشريعة الله - تعالى -.
وصيغة ﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ ﴾ صيغة تحريم صريح ؛ لأن الحل هو الإِباحة فى لسان العرب ولسان الشريعة. فنفيه يراجف معنى التحريم.
وليس النهى فى قوله : ﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً ﴾ منصبا على إرث أموالهن كما هو المعتاد، وإنما النهى منصب على إرث المراة ذاتها كما كانوا يفعلون فى الجاهلية ؛ إذ كانوا يجعلون ذات المرأة كالمال فيرثونها من قريبهم كما يرثون ماله.
وقوله ﴿ كَرْهاً ﴾ مصدر منصوب على أنه حال من النساء. أى حال كونهن كارهات لذلك أو مكروهات عليه.
والتقييد بالكره لا يدل على الجواز عند عدمه، لأن تخصيص الشئ بالذكر لا يدل على نفى ما عداه، كما فى قوله - تعالى - : ﴿ وَلاَ تقتلوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ﴾ وقوله : ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ُلِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ نهى آخر عن بعض الأعمال السيئة التى كان أهل الجاهلية يعاملون بها المرأة. وهو معطوف على قوله : ﴿ أَن تَرِثُواْ... ﴾. وأعيد حرف " لا " للتوكيد.
أى :لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها، ولا يحل لكم أن تعضلوهن.
وأصل العضل :التضييق والحبس والمنع. يقال :عضلت الناقة بولدها، إذا نشب فى بطنها وتعسر عليه الخروج. وهو :أعضل به الأمر، إذا اشتد وتعسر.
والمراد به هنا :منع المرأة من الزواج والتضييق عليها فى ذلك، سواء أكان هذا المنع والتضييق من الزوج أم من غيره.
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال :قوله - تعالى - : ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾.
يقول :ولا تقهروهن لتذهبوا ببعض ما آيتموهن، يعنى الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيؤذيها لتفتدى - أى :لتفتدى نفسها منه بأن تترك له مالها عليه من مهر أو مال -.
وقيل :كان أولياء الميت يمنعون زوجته من التزوج بمن شاءت، ويتركونها على ذلك حتى تدفع لهم ما أخذت من ميراث الميت، أو حتى تموت فيرثوها.
والمعنى :لا يحل لكم - أيها المؤمنون - أن ترثوا النساء كرها، ولا أن تمنعوهن من الزواج ﴿ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ من الصداق أو غيره، بأن يدفعن إليكم بعضه اضطراراً فتأخذوه منهن، فإن هذا الفعل يبغضه الله - تعالى -.
ويبدو لنا من سياق الآية أن النهى عن عضل المرأة هنا - وإن كان يتناول جميع المكلفين -، إلا أن المعنى به الأزواج ابتداء، لأنهم - فى الغالب - هم الذين كانوا يفعلون ذلك.
ولذا قال ابن جرير - بعد أن ذكر الأقوال فى المعنى بالخطاب فى قوله : ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾.
وأولى الأقوال التى ذكرناها بالصحة فى تأويل قوله : ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ قول من قال : " نهى الله زوج المرأة عن التضييق عليها، والإِضرار بها، وهو لصحبتها كاره ولفراقها محب، لتفتدى منه ببعض ما آتاها من الصداق ".
وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة، لأنه لا سبيل لأحد إلى عضل المرأة إلا لأحد رجلين :إما لزوجها بالتضييق عليها.. ليأخذ منها ما آتاها... أو لوليها الذى إليه إنكاحها. ولما كان الولى معلوما أنه ليس ممن آتاها شيئا. كان معلوما أن الذى عنى الله - تعالى - بنهييه عن عضلها هو زوجها الذى له السبيل إلى عضلها ضرارا لتفتدى منه.
والاستثناء فى قوله ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ متصل من أعم العلل والأسباب، أى لا تعضلوهن لعلة من العلل أو لسبب من الأسباب إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. لسوء أخلاقهن، وكاشفة عن أحوالهن. كالزنا والنشوز، وسوء الخلق، وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء وفحش القول ونحوه، فلكم العذر فى هذه الأحوال فى طلب الخلع منهن، وأخذ ما أتيتموهن من المهر لوجود السبب من جهتهن لا من جهتكم.
والأصل فى هذا الحكم قوله - تعالى - ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا ﴾ ويرى بعضهم أن الاستثناء هنا منقطع فيكون المعنى :ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن لكن إن يأتين بفاحشة مبينة يحل لكم أخذ المهر الذى آتيتموهن إياه أو أخذ بعضه.
ثم أمر الله - تعالى - الرجال - وخصوصا الأزواج - بحسن معاشرة النساء فقال : ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف ﴾.
والمعاشرة :مفاعلة من العشرة وهى المخالطة والمصاحبة.
أى :وصاحبوهن وعاملوهن بالمعروف، أى بما حض عليه الشرع وارتضاه العقل من الأفعال الحميدة، والأقوال الحسنة.
قال ابن كثير :قوله - تعالى - ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف ﴾ أى :طيبوا أقوالاكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم. كما تحب ذلك منها، فافعل أنت مثله. كما قال - تعالى - ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ بالمعروف ﴾ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى " وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويضاحك نساءه. حتى أنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين - رضى الله عنها - يتودد إليها بذلك. قالت :سابقنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته. وذلك قبل أن أحمل اللحم. ثم سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقنى. فقال :هذه بتلك. وكان صلى الله عليه وسلم يجمع نساءه كل ليلة فى بيت التي يبيت عندها فيأكل معهن العشاء فى بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها. وكان ينام مع المرأة من نسائه فى شعار واحد. يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإِزار.
وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام.
يؤانس بذلك صلى الله عليه وسلم. وقد قال - تعالى - ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ هذا، وللإِمام الغزالى كلام حسن فى كتابه الإِحياء عند حديثه عن آداب معاشرة النساء، فقد قال ما ملخصه :ومن آداب المعاشرة حسن الخلق معهن، واحتمال الأذى منهن، ترحما عليهن، لقصور عقلهن. قال - تعالى - : ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف ﴾ وقال فى تعظيم حقهن : ﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً ﴾.
ثم قال :واعلم أنه حسن الخلق معها كف الأذى عنها، بل احتمال الأذى منها، والحلم عن طيشها وغضبها، اقتداء برسولا لله صلى الله عليه وسلم. فقد كانت أزواجه تراجعنه الكلام. ومن آداب المعاشرة - أيضا - أن يزيد على احتمال الأذى منها بالمداعبة والمزح والملاعبة، فهى التى تطيب قلوب النساء. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح معهن وينزل إلى درجات عقولهن فى الأعمال.
وقال عمر - رضى الله عنه - ينبغى للرجل أن يكون فى أهله مثل الصبى. فإذا التمسوا ما معنده وجدوه رجلا.
وكان ابن عباس - رضى الله عنه - يقول : " إنى - لأتزين لامرأتى كما تتزين لى ".
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان أنه لا يصح للرجال أن يسترسلوا فى كراهية النساء إن عرضت لهم أسباب الكراهية، بل عليهم أن يغلبوا النظر إلى المحاسن، ويتغاضوا عن المكاره فقال :- تعالى - : ﴿ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾.
أى :فإن كرهتم صحبتهن وإمساكهن فلا
وبعد أن بين - سبحانه - أنه يجوز لرجل أن يأخذ من المرأة بعض ما أعطاها من صداق إذا أتت بفاحشة مبينة.. عقب ذلك ببيان الحكم فيما إذا كان الفراق من جانب الزوج دون أن تكون المرأة قد أتت بفاحشة فقال - تعالى - ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً ﴾ والاستبدال :طلب البدل، بأن يطلق الرجل امرأة ويتزوج بأخرى.
والقنطار :أصله من قنطرت الشئ إذا رفعته. ومنه القنطرة، لأنها بناء مرتفع مشيد. والمراد به هنا المال الكثيرة الذى هو أقصى ما يتصور من مهر يدفعه الرجل للمرأة.
والمعنى :وإن أردتم أيها الأزواج ﴿ استبدال زَوْجٍ ﴾ أى تزوج امرأة ترغبون فيها " مكان زوج " أى مكان امرأة لا ترغبون فيها، بل ترغبون فى طلاقها ﴿ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً ﴾ أى أعطى أحدكم إحدى الزوجات التى تريدون طلاقها مالا كثيراً على سبيل الصداق لها ﴿ فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً ﴾ أى فلا نأخذوا من المال الكثير الذى أعطيتموه لهن شيئا أياً كان هذا الشئ، لأن فراقهن كان بسبب من جانبكم لا من جانبهن.
وعبر - سبحانه - ب ﴿ إِنْ ﴾ التى تفيد الشك فى وقوع الفعل ؛ للتنبيه على ان الإِرادة قد تكون غير سليمة، وغير مبنية قوية، فعلى الزوج أن يتريث ويتثبت ويحسن التدبر فى عواقب الأمور.
والمراد بالزوج فى قوله ﴿ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ ﴾ الجنس الذى يصدق على جميع الأزواج.
والمراد من الإِيتاء فى قوله ﴿ وَآتَيْتُمْ ﴾ الالتزام والضمان. أى :التزمتم وضمنتم أن تؤتوا إحداهن هذا المال الكثير.
والجملة حالية بتقدير قد. أي :وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وحال أنكم قد آتيتم التى تريدون أن تطلقوها قنطاراً فلا تأخذونها منه شيئا.
والاستفهام فى قوله ﴿ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ﴾ للإِنكار والتوبيخ، والبهتان :هو الكذب الذى يدهش ويحير لفظاعته. ويطلق على كل أمر كاذب يتحير العقل فى إدراك سببه أو لا يعرف مبررا لوقوعه، كمن يعتدى على الناس ويتقول عليهم الأقاويل، مع أنه ليست هناك عداوة سابقة بينه وبينهم.
قال صاحب الكشاف :والبهتان :أن تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به وهو برئ منه ولأنه يبهت عند ذلك. أى يتحير.
والإِثم :هو الذنب العظيم الذى يبعد صاحبه عن رضا الله - تعالى - ﴿ والمبين ﴾ هو الشئ الواضح الذى يعلن عن نفسه بدون لبس أو خفاء.
وقوله ﴿ بُهْتَاناً وَإِثْماً ﴾ مصدران منصوبان على الحالية بتأويل الوصف، أى :أتأخذون ما تريدون أخذه منهن باهتين، أى فاعلين فعلا تتحير العقول فى سببه، وآثمين بفعله إثما واضحا لا لبس فيه ولا خفاء ؟ !
ويصح أن يكون المصدران مفعولين لأجله، ويكون ذلك أشد فى التوبيخ والإِنكار، إذ يكون المعنى عليه :أتأخذونه لأجل البهتان والإِثم المبين الذى يؤدى إلى غضب الله عليكم ؟ ! إن إيمانكم يمنعكم من إرتكاب هذا الفعل الشنيع فى قبحه.
قالوا :كان الرجل فى الجاهلية إذا أراد التزوج بأمرأة أخرى، بهت التى تحته - أى رماها بالفاحشة التى هى بريئة منها - حتى يلجئها إلى أن تطلب طلاقها منه فى نظير أن تترك له ما لها عليه من صداق أو غيره، فنهوا عن ذلك.
ثم كرر - سبحانه - توبيخه لمن يحاول أخذ شئ من صداق زوجته التى خاطلته فى حياته مدة طويلة فقال : ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً ﴾.
وأصل أفضى - كما يقول الفخر الرازى - من الفضاء الذى هو السعة يقال :فضا يفضو فضوا وفضاء إذا اتسع. ويقال :افضى فلان إلى فلان أى :وصل إليه وأصله أنه صار فى فرجته وفضائه.
المراد بالإِفضاء هنا :الوصول والمخالطة :لأن الوصول إلى الشئ قطع للفضاء الذى يبين المتواصلين.
والاستفهام فى قوله ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ ﴾ للتعجب من حال من يأخذ شيئا مما أعطاه لزوجته بعد إنكار ذات الأخذ.
والمراد بالميثاق الغليظ فى قوله ﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً ﴾ هو ما أخذه الله للنساء على الرجال من حسن المعاشرة أو المفارقة بإحسان كما فى قوله - تعالى - : ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾ وليس أخذ شئ مما أعطاه الرجال للنساء من التسريح بإحسان، بل يكون من التسريح الذى صاحبه الظلم والإِساءة.
والمراد بالميثاق الغليظ الذى أخذ :كلمة النكاح المعقود على الصداق، والتى بها تستحل فروج النساء، ففى صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال فى خطبة حجة الوداع : " استوصوا بالنساء خيراً فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ".
والمعنى :بأى وجه من الوجوه تستحلون يا معشر الرجال ان تأخذوا شيئا من الصداق الذى أعطيتموه لنسائكم عند مفارقتهن ؛ والحال أنكم قد اختلط بعضكم ببعض، وصار كل واحد منكم لباسا لصاحبه، وأخذن منكم عهدا وثيقا مؤكدا تأكيد ؛ لا يحل لكم أن تنقضوه أو تخالفوه ! ! ؟
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد منع الرجال من أخذ شئ من الصداق الذى أعطوه لنسائهم لسببين :
أحدهما :الإفضاء وخلوص كل زوج لنفس صاحبه حتى صارا كأنهما نفس واحدة.
وثانيهما :الميثاق الغليظ الذى أخذ على الرجال بأن يعاملوا النساء معاملة كريمة.
والضمير فى قوله ﴿ وَأَخَذْنَ ﴾ للنساء.
والآخذ فى الحقيقة إنما هو الله - تعالى - إلا أنه سبحانه - نسبه إليهن للمبالغة فى المحافظة على حقوقهن، حتى جعلن كأنهن الآخذات له.
قال بعضهم :وهذا الإِسناد مجاز عقلى، لأن الآخذ للعهد هو الله. أى :وقد أخذ الله عليكم العهد لأجلهن وبسبيهن. فهو مجاز عقلى من الإِسناد إلى السبب.
ووصف - سبحانه - الميثاق بالغلظة لقوته وشدته. فقد قالوا :صحبة عشرين يوما قرابة. فكيف بما جرى بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج ؟ !
هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات الكريمة ما يأتى :
١- تكريم الإِسلام للمرأة، فقد كانت فى الجاهلية مهضومة الحق، يعتدى عليها بأنواع من الاعتداء، فرفعها الله - تعالى - بما شرعه من تعاليم إسلامية من تلك الهوة التى كانت فيها، وقرر لها حقوقها، ونهى عن الاعتداء عليها.
ومن مظاهر ذلك أنه حرم أن تكون موروثة كما يورث المال. وكذلك حرم عضلها وأخذ شئ من صداقها إلا إذا أتت بفاحشة مبينة. وأمر الرجال بأن يعاشروا النساء بالمعروف، وأن يصبروا على أخطائهن رحمة بهن.
٢- جواز الإِصداق بالمال الكثير :لأن الله - تعالى - قال : ﴿ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً ﴾. والقنطار :المال الكثير الذى هو أقصى ما يتصور من مهور.
قال القرطبى ما ملخصه :قوله - تعالى - ﴿ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً ﴾ دليل على جواز المغالاة فى المهور، لأن الله - تعالى - لا يمثل إلا بمباح.
وخطب عمر - رضى الله عنه - فقال :ألا لا تغالوا فى صدقات النساء، فإنها لو كانت مكرمة فى الدنيا أو تقوى عند الله، لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا من بناته فوق اثنتى عشرة أوقية. فقامت إليه امرأة فقال :يا عمر. يعطينا الله وتحرمنا ! ! أليس الله تعالى - يقول : ﴿ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً ﴾ ؟ فقال عمر :أصابت امرأة وأخطأ عمر..
وفى رواية أنه أطرق ثم قال :امرأة أصابت ورجل أخطأ وترك الإِنكار.
ثم قال القرطبى :وقال قوم :لا تعطى الآية جواز المغالاة فى المهور، لأن التمثيل بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة :كأنه قال :وآتيتم هذا القدر العظيم الذى لا يؤتيه أحد..
ولقد " قال النبى صلى الله عليه وسلم لإِبن أبى حدرد - وقد جاءه يستعين فى مهره فسأله عنه فقال :مائتين، فغضب صلى الله عليه وسلم :وقال : " كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة " " أى من ذلك المكان الذى به حجارة نخرة سود - فاستقرأ بعض الناس من هذا منع المغالاة فى المهور.
والذى نراه أن الآية الكريمة وإن كانت تفيد جواز الإِصداق بالمال الجزيل، إلا ان الأفضل عدم المغالاة فى ذلك، مع مراعاة أحوال الناس من حيث الغنى والفقر وغيرهما.
ولقد ورد ما يفيد الندب إلى التيسير فى المهور. فقد أخرج أبو داود والحاكم من حديث عقبة بن عامر قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خير الصداق أيسره ".
٣- أن الرجل إذا أراد فراق امرأته. فلا يحل له أن يأخذ منها شيئا ما دام الفراق بسببه ومن جانبه :كما أنه لا ينبغى له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاه إياها إذا كان الفراق بسببها ومن جانبها.
٤- اتفق العلماء على أن المهر يستقر بالوطء. واختلفوا فى استقراره بالخلوة المجردة. قال القرطبى والصحيح استقراره بالخلوة مطلقا. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. قالوا :إذا خلا بها خلوة صحيحة يجب كمال المهر والعدة. دخل بها أو يدخل بها. لما رواه الدارقطنى عن ثوبان قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من كشف خمار امرأة ونظر إليها وجب الصداق " وقال مالك :إذا طال مكثه معها السنة ونحوها. واتفقا على ألا مسيس. وطلبت المهر كله كان لها.
وبعد أن نهى - سبحانه - عن ظلم المرأة فى حال الزوجية. وعن ظلمها بعد وفاة زوجها. وعن ظلمها فى حالة فراقها. وأمر بمعاشرتها بالمعروف بعد كل ذلك بين - سبحانه - من لا يحل الزواج بهن من النساء ومن يحل الزواج بهن حتى تبقى للأسرة قوتها ومودتها فقال - تعالى- { وَلاَ تَنكِحُواْ.... عَلِيماً حَكِيماً
وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا ( ٢٢ ) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ( ٢٣ ) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ( ٢٤ )
أورد المفسرون روايات فى سبب نزول قوله - تعالى - ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء ﴾ الآية.
ومن هذه الروايات ما رواه ابن أبى حاتم - بسنده - " عن رجل من الأنصار قال :لما توفى أبو قيس - يعنى ابن الأسلت - وكان من صالحى الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأته فقال :إنما أعدك ولدا لى وأنت من صالحى قومك، ولكنى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأمره.
فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت :يا رسول الله إن أبا قيس توفى. فقال : " خيرا ". ثم قالت إن ابنه قيسا خطبنى وهو من صالحى قومه، وإنما كنت أعده ولدا لى فماذا ترى ؟ فقال لها : " ارجعي إلى بيتك " فنزلت : ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾.
وقال القرطبى :قوله - تعالى - : ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء ﴾ يقال :كان الناس يتزوجون امرأة الأب برضاها بعد نزول قوله - تعالى - : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً ﴾ حتى نزلت هذه الآية ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ ﴾ فصار حراما فى الأحوال كلها، لأن النكاح يقع على الجماع والتزوج، فإن كان الأب تزوج امرأة وطئها يغير نكاح حرمت على ابنه.
ثم قال :وقد كان فى العرب قبائل قد اعتادت أن يخلف ابن الرجل على امرأة أبيه. وكانت هذه السيرة فى الأنصار لازمة، وكانت فى قريش مباحة على التراضى، فنهى الله المؤمنين عما كان عليه آباؤهم من هذه السيرة.
وقوله ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ ﴾ الخ. معطوف على قوله : ﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً ﴾ و ﴿ مَا ﴾ فى قوله ﴿ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ ﴾ موصول اسمى مراد به الجنس. أى لا تنكحوا التى نكح آباؤكم. وقوله ﴿ مِّنَ النسآء ﴾ بيان ل ﴿ مَا ﴾ الموصولة.
ويرى بعضهم أن " ما " هنا مصدرية فيكون المعنى. ولا تنحوا نكاحا مثل نكاح آبائكم الفاسد الذى كانوا يفعلونه فى الجاهلية.
قال الآلوسى. وإنما خص هذا النكاح بالنهى، ولم ينظم فى سلك نكاح المحرمات الآتية " ومبالغة فى الزجر عنه. حيث كان ذلك ديدنا لهم فى الجاهلية ".
فالآية الكريمة تحرم على الأبناء أن يتزوجوا من النساء اللائى كن أزواجا لآبائهم. وكلمة ﴿ آبَاؤُكُمْ ﴾ فى قوله ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ ﴾ تشمل كل الأصول من الرجال. أي :تشمل الأجداد جميعا سواء أكانوا من جهة الأب أو من جهة الأم والاستثناء فى قوله ﴿ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ استثناء منقطع.
والمعنى :لا تنكحوا أيها المؤمنون ما نكح آباؤكم من النساء. لأنه من أفعال الجاهلية القبيحة، لكن ما قد سلف ومضى منه قبل نزول هذه الآية فلا تؤاخذون عليه، فمن كان متزوجا من امرأة كانت زوجة لأبيه من النسب أو من الرضاع، فإنها تصير حراما عليه من وقت نزول هذه الآية الكريمة، ويجب عليه أن يفارقها أما ما مضى من هذا النكاح القبيح فلا تثريب عليكم فيه، وتثبت به أحكام النكاح من النسب وغيره من الأحكام.
ويرى بعضهم أن الاستثناء هنا متصل مما يستلزمه النهى، ويستوجبه مباشرة المنهى عنه من العقاب. فكأنه قيل :ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء فإنه قبيح ومعاقب عليه من الله - تعالى -، إلا ما قد سلف ومضى، فإنه معفو عنه.
وقد وجه صاحب الكشاف الاستثناء بوجه آخر فقال :فإن قلت :كيف استثنى ما قد سلف مما نكح آباؤهم ؟ قلت :كما استثنى " غير أن سيوفهم " من قول الشاعر :
" ولا عيب فيهم " غير أن سيوفهم... بهن قلول من قراع الكتائب
يعنى :إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه، فإنه لا يحل لكم غيره، وذلك غير ممكن والغرض المبالغة فى تحريمه، وسد الطريق إلى إباحته كما يعلق بالمحال فى التأييد نحو قولهم :حتى يبيض الفأر. وحتى يلج الجمل فى سم الخياط.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان أن هذا النوع من النكاح فى نهاية السوء والقبح فقال : ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً ﴾.
أى :إن هذا النوع من النكاح كان أمراً زائدا فى القبح شرعا وخلقاً، لأنه يشبه نكاح الأمهات، ويتنافى مع ما للآباء من وقار واحترام، وما يجب من حسن الصحبة وكان " مقتا " والمقت مصدر بمعنى البغض والكراهية.
أى :إن هذا النوع من النكاح كان خصلة بالغة الحد فى القبح والفحش، وكان ممقوتا مبغوضا عند الله، وعند ذوى المروءات والعقول السليمة من الناس.
قال صاحب الكشاف :كانوا ينكحون روابهم - أى زوجات آبائهم جمع رابة وهى امرأة الأب - وكان ناس منهم من ذوى مروءاتهم يمقتونه - لفظاعته وبشاعته - ويسمونه نكاح المقت. وكان المولود عليه يقال له المقتى - أى المبغوض - ومن ثم قيل ﴿ وَمَقْتاً ﴾ كأنه قيل :هو فاحشة فى دين الله بالغة فى القبح. قبيح ممقوت فى المروءة. ولا مزيد على ما يجمع القبحين.
وقوله : ﴿ وَسَآءَ سَبِيلاً ﴾ أى بئس طريقا طريق ذلك النكاح، إذ فيه هتك حرمة الأب. وتقطيع للرحم التى أمر الله بوصلها.
وقوله " وساء " هنا بمعنى بئس، وفيه ضمير يفسره ما بعده. والمخصوص بالذم محذوف تقديره ذلك ؛ أى ساء سبيلا سبيل ذلك النكاح.
قال الفخر الرازى :أعلم أنه - سبحانه - قد وصف هذا النكاح بأمور ثلاثة :
أولها :أنه فاحشة لأن زوجة الأب تشبه الأم فمباشرتها من افحش الفواحش.
وثانيها :المقت :وهو عبارة عن بغض مقرون باستحقار.
وثالثها :قوله ﴿ وَسَآءَ سَبِيلاً ﴾.
واعلم أن مراتب القبح ثلاثة :القبح فى العقول وفى الشرائع وفى العادات.
فقوله - تعالى - ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً ﴾ إشارة الى القبح العقلى. وقوله ﴿ وَمَقْتاً ﴾ إشارة إلى القبح الشرعى. وقوله ﴿ وَسَآءَ سَبِيلاً ﴾ إشارة إلى القبح فى العرف والعادة. ومتى اجتمعت فيه هذه الوجوه فقد بلغ الغاية فى القبح.
وقال الإِمام ابن كثير، فمن تعاطى هذا النكاح بعد ذلك - أى استباح تعاطيه - فقد ارتد عن دينه فيقتل ويصير ماله فيئا لبيت المال. لما رواه الإِمام أحمد وأهل السنن من طرق عن البراء بن عازب أنه بعثه رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم - إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده، فأمره أن يقتله ويأخذ ماله.
وفى رواية عن البراء قال، مرّ بى عمى الحارث بن عمير ومعه لواء قد عقده له النبى صلى الله عليه وسلم فقلت له، أى عم، أين بعثك النبى صلى الله عليه وسلم فقال، بعثنى إلى رجل تزوج امرأة أبيه فأمرنى أن أضرب عنقه.
ثم بين - سبحانه - بعض من يحرم نكاحن من الأقارب فقال تعالى : ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأخ وَبَنَاتُ الأخت ﴾ وليس المراد بقوله ﴿ حُرِّمَتْ ﴾ تحريم ذاتهن، لأن الحرمة لا تتعلق بالذوات وإنما تتعلق بأفعال المكلفين. فالكلام على حذف مضاف أى حرم عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم.. الخ وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله، معنى ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾ تحريم نكاحن لقوله. ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء ﴾ ولأن تحريم نكاحن هو الذى يفهم من تحريمهن، كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها. ومن تحريم لحم الخنزير تحريم أكله.
وقد ذكر - سبحانه - فى هذه الحملة الكريمة أربع طوائف من الأقارب يحرم نكاحهن.
أما الطائفة الأولى :طائفة الأمهات من النسب. أى حرم الله عليكم نكاح أمهاتكم من النسب، ويعم هذا التحريم أيضا الجدات سواء أكن من جهة الأب أم من جهة الأم، لأنه إذا كان يحرم نكاح العمة أو الخالة فمن الأولى أن يكون نكاح الجدة محرما، إذ الأم هى طريق الوصول فى القرابة إلى هؤلاء. وقد أجمع المسلمون على تحريم نكاح الجدات.
والطائفة الثانية :هى طائفة الفروع من النساء، وقد عبر القرآن عن ذلك بقوله ﴿ وَبَنَاتُكُمْ ﴾ بالعطف على أمهاتكم.
أى حرم الله عليكم نكاح أمهاتكم ونكاح بناتكم.
والبنت هى كل امرأة لك عليها ولادة سواء أكانت بنتا مباشرة أم بواسطة فتشمل حرمة النكاح البنات وبنات الأبناء وبنات البنات وإن نزلن.
وقد انعقد الإِجمال على تحريم الفروع من النساء مهما تكن طبقتهن.
والطائفة الثالثة :هى طائفة فروع الأبوين. وقد عبر القرآن عن ذلك بقوله ﴿ وَأَخَوَاتُكُمْ ﴾ ثم بقوله، ﴿ وَبَنَاتُ الأخ وَبَنَاتُ الأخت ﴾ بالعطف على ﴿ وَأُمَّهَاتُكُمُ ﴾.
أى وحرم الله عليكم نكاح أخواتكم سواء أكن شقيقات أم غير شقيقات وحرم عليكم أيضا نكاح بنات إخوانكم وبنات أخواتكم من أى وجه يكن.
والطائفة الرابعة :هى طائفة العمات والخالات. وقد ثبت تحريم نكاحهن بقوله - تعالى - ﴿ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ ﴾ بالعطف على ﴿ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾.
أى حرم الله عليكم نكاح عماتكم وخالاتكم كما حرم عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم.
والعمة :هى كل امرأة شاركت أباك مهما علا فى أصليه أو فى أحدهما.
والخالة :هى كل امرأة شاركت أمك مهما علت فى أصليها أو فى أحدهما.
وإذن فالعمات والخالات يشملن عمات الأب والأم، وخالات الأب والأم، وعمات الجد والجدة، وخالات الجد والجدة، لأن هؤلاء يطلق عليهن عرفا اسم العمة والخالة.
تلك هى الطوائف الأربع اللاتى يحرم نكاحهن من الأقارب، وإن هذا التحريم يتناسب مع الفطرة التى فطر الله الناس عليها، ويتفق مع العقول السليمة التى تحب مكارم الأخلاق، وذلك لأن شريعة الإِسلام قد نوهت بمنزلة القرابة القريبة للإِنسان، وأضفت عليها الكثيرة من ألوان الوقار والاحترام ؛ والزواج وما يصاحبه من شهوات ومداعبات ورضا واختلاف يتنافى مع ما أسبغه الله - تعالى - على هذه القوابة القريبة من وقار ومن عواطف شريفه.
ولأن التجارب العلمية قد أثبتت أن التلاقح بين سلائل متباعدة الأصول غالبا ما ينتج نسلا قويا، أما التلاقح بين السلائل المتحدة فى أصولها القريبة فإنه غالبا ما ينتج نسلا ضعيفا.
ثم بين - سبحانه - النساء اللائي يحرم الزواج بهن لأسباب أخرى سوى القرابة فقال - تعالى - ﴿ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرضاعة ﴾.
أى :وحرم الله - عليكم نكاح أمهاتكم اللاتى أرضعنكم، وحرم عليكم - أيضا نكاح أخواتكم من الرضاعة.
والأم من الرضاع :هى كل امرأة أرضعتك ؛ وكذلك كل امرأة انتسبت إلى تلك المرضعة بالأمومة من جهة النسب أو من جهة الرضاع.
والأخت من الرضاع :هى التى التقيت انت وهى على ثدى واحد.
قال القرطبى :وهى الأخت لأب وأم. وهى التى أرضعتها أمك بلبان أبيك، سواء أرضعتها معك أو رضعت قبلك أو بعدك والأخت من الأب دون الأم، وهى التى أرضعتها زوجة أبيك. والأخت من الأم دون الأب وهى التى أرضعتها أمك بلبان رجل آخر.
هذا، وظاهر قوله - تعالى - ﴿ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرضاعة ﴾ يقتضى أن مطلق الرضاع محرم للنكاح. وبذلك قال المالكية والأحناف :
ويرى الشافعية والحنابلة أن الرضاع المحرم هو الذى يبلغ خمس رضعات. واستدلوا بما رواه مسلم وغيره عن عائشة - رضى الله عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تحرم المصة ولا المصتان " وفى رواية عنها انه قال :
" لا تحرم الرضعة والرضعتان، والمصة والمصتان ".
كذلك ظاهر هذه الجملة الكريمة يقتضى أن الرضاع يحرم النكاح ولو فى سن الكبر، إلا أن جمهور العلماء يرون أن الرضاع المحرم هو ما كان قبل بلوغ الحولين أما ما كان بعد بلوغ الحولين فلا يحرم ولا يكون الرضيع ابنا من الرضاعة وذلك لقوله - تعالى - ﴿ والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة ﴾ وأخرج الترمذى عن أم سلمة قالت :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام ".
قال ابن كثير عند تفسيره لقوله - تعالى - ﴿ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرضاعة ﴾.
أى :كما يحرم عليك نكاح أمك التى ولدتك كذلك يحرم عليك نكاح أمك التى أرضعتك.
ولهذا ثبت فى الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة " وفى لفظ المسلم : " يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب ".
ومن الحكم التى ذكرها العلماء من وراء تحريم النكاح بسبب الرضاعة :أن المولود يتكون جسمه من جسم المرأة التى أرضعته فيكون جزءاً منها، كما أنه جزء من أمه التى حملته. وإذا كانت هذه قد غذته بدمها وهو فى بطنها فإن تلك قد غذته بلبانها وهو فى حجرها، فكان من التكريم لهذه الأم من الرضاع أن تعامل معاملة الحقيقة، وأن يعامل كل من التقيا على ثدى امرأة واحدة معاملة الإِخوة من حيث التكريم وحرمة النكاح بينهم.
هذا، ومن أراد المزيد من المعرفة لأحكام الرضاع فليرجع الى كتب الفقه.
ثم ذكر - سبحانه - نوعا ثالثا من المحرمات لغير سبب القرابة فقال : ﴿ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ ﴾.
أى :وكذلك حرم الله عليكم نكاح أمهات زوجاتكم سواء أكن أمهات مباشرات أم جدات، لأن كلمة الأم تشمل الجدات، ولإِجماع الفقهاء على ذلك.
قال الآلوسى :والمراد بالنساء المعقود عليهن وعلى الإِطلاق، سواء أكن مدخولا بهن أم لا. وهو مجمع عليه عند الأئمة الأربعة، لكن يشترط أن يكون النكاح صحيحا. أما إذا كان فاسدا فلا تحرم الأم إلا إذا وطئ ابنتها. فقد أخرج البيهقى فى سننه وغيره من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالابنة أو لم يدخل. وإذا تزوج الأم ولم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج الإِبنة ".
ثم بين - سبحانه - نوعا رابعا من المحرمات لغير سبب القرابة فقال تعالى - ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾.
وقوله ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ ﴾ جمع ربيبة. وهى بنت أمرأة الرجل من غيره. وسميت بذلك لأن الزوج فى أغلب الأحوال يربها أى يربيها فى حجره ويعطف عليها.
والحجور :جمع حجر - بالفتح والكسر مع سكون الجيم - وهو ما يحويه مجتمع الرجلين للجالس المتربع. والمراد به هنا معنى مجازى وهو الحضانة والكفالة والعطف. يقال :فلان فى حجر فلان أى فى كنفه ومنعته ورعايته.
ومقتضى ظاهر الجملة الكريمة أن الربيبة لا يحرم نكاحها على زوج أمها إلا بشرطين :
أولهما :كونها فى حجره.
وثانيهما :أن يكون الزوج قد دخل بأمها.
أما عن الشرط الأول فلم يأخذ به جمهور العلماء، وقالوا :إن هذا الشرط خرج مخرج الغالب والعادة، إذ الغالب كون البنت مع الأم عند الزوج، لا أنه شرط فى التحريم فهم يرون أن نكاح الربيبة حرام على زوج أمها سواء أكانت فى حجره أم لم تكن قالوا :وفائدة هذا القيد تقوية علة الحرمة أو أنه ذكر للتشنيع عليهم، إذ أن نكاحها محرم عليهم فى جميع الصور إلا أنه يكون أشد قبحا فى حالة وجودها فى حجره هذا رأى عامة الصحابة والفقهاء.
ولكنه هناك رواية عن مالك بن أوس عن على بن أبى طالب أنه قال :الربيبة لا يحرم نكاحها على زوج الأم إلا إذا كانت فى حجره أخذا بظاهر الآية الكريمة. وقد أخذ بذلك داود الظاهرى وأشياعه.
وأصحاب الرأى الأول لم يعثدوا بهذه الرواية المروية عن على - رضى الله عنه - وأما عن الشرط الثانى - وهو أن يكون الزوج قد دخل بأم الربيبة - فقد أخذ به العلماء إلا أنهم اختلفوا فى معنى الدخول فقال بعضهم :معناه الوطء والجماع. وقال بعضهم :معناه التمتع كاللمس والقبلة، فلو حصل منه مع الأم ما يشبه ذلك حرم عليه نكاح ابنتها من غيره.
قال القرطبى ما ملخصه :اتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أمها إذا دخل بالأم، وإن لم تكن الربيبة فى حجره. وشذ بعض المتقدمين وأهل الظاهر فقالوا :لا تحرم عليه الربيبة إلا أن تكون فى حجر المتزوج بأمها. ثم قال وقوله - تعالى - ﴿ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ يعنى الأمهات ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ يعنى فى نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن عنكم.
وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها حل له نكاح ابنتها. واختلفوا فى معنى الدخول بالأمهات الذى يقع به التحريم للربائب. فروى عن ابن عباس أنه قال :الدخول :الجماع. واتفق مالك والثورى وأبو حنيفة على أنه إذا مسها بشهوة حرمت عليه أمها وابنتها وحرمت على الأب والإبن، وهو أحد قولى الشافعى...
والحكمة فى تحريم الربائب على أزواج أمهاتهن أنهن حينئذ يشبهن البنات الصلبيات بالنسبة لهؤلاء الأزواج، بسبب ما يجدنه منهم من رعاية وتربية فى العادة، ولأنه لو أبيح للرجل أن يتزوج ببنت امرأته التى دخل بها، لأدى ذلك إلى تقطيع الأرحام بين الأمر وابنتها.
ولأدى ذلك أيضا إلى الانصراف عن رعاية هؤلاء الربائب خشية الرغبة فى الزواج بواحدة منهن.
ثم بين - سبحانه - نوعا خامسا من المحارم فقال. تعالى - : ﴿ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أَصْلاَبِكُمْ ﴾.
والحلائل :جمع حليلة وهى الزوجة. وسميت بذلك لحلها للزوج وحل الزوج لها، فكلاهما حلال لصاحبه. ويقال للزوج حليل.
أى :وحرم الله - تعالى - عليكم نكاح زوجات أبنائكم الذين هم من أصلابكم. أى :من ظهوركم.
وقال - سبحانه - ﴿ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ ﴾ بدون تقييد بالدخول. للاشارة إلى أن حليلة الابن تحرم على الأب بمجرد عقد الابن عليها.
قال القرطبى :أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء، وما عقد عليه الأبناء على الآباء سواء أكان م
ثم بين - سبحانه - نوعا سابعا من المحرمات فقال : ﴿ والمحصنات مِنَ النسآء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ ﴾.
وقوله ﴿ والمحصنات ﴾ من الإِحصان وهو فى اللغة بمعنى المنع. يقال :هذه درع حصينة، أى مانعة صاحبها من الجراحة. ويقال :هذا موضع حصين، أى مانع من يريده بسوء. ويقال امرأة حصينة أى مانعة نفسها من كل فاحشة بسبب عفتها أو حريتها أو زواجها.
قال الراغب :ويقال حصان للمرأة العفيفة ولذات الحرمة. قال - تعالى - : ﴿ وَمَرْيَمَ ابنت عِمْرَانَ التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ﴾ وقال - تعالى - ﴿ فَإِذَآ أُحْصِنَّ ﴾ أى تزوجن. وأحصن زوجن والحصان فى الجملة :المرأة المحسنة إما بعفتها أو بتزوجها أو يمانع من شرفها وحريتها. والمراد بالمحصنات هنا :ذوات الأزواج من النساء.
وقوله ﴿ والمحصنات مِنَ النسآء ﴾ معطوف على قوله ﴿ وَأُمَّهَاتُكُمُ ﴾ فى قوله - تعالى - :فى آية المحرمات السابقة ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾ إلخ.
والمعنى :وكما حرم عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم إلخ، فقد حرم عليكم - أيضا - نكاح ذوات الأزواج من النساء قبل مفارقة أزواجهن لهن، لكى لا تختلط المياه فتضيع الأنساب.
وقوله ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ ﴾ استثناء من تحريم نكاح ذوات الأزواج.
والمراد به :النساء المسبيات اللاتى أصابهن السبى ولهن أزواج فى دار الحرب، فانه يحل لمالكهن وطؤهن بعد الاستبراء، لارتفاع النكاح بينهن وبين أزواجهن بمجرد السبى. و بسبيهن وحدهن دون أزواجهن.
أى :وحرم الله - تعالى - عليكم نكاح ذوات الأزواج من النساء، إلا ما ملكتموهن بسبى فسباؤكم لهن هادم لنكاحهن السابق فى دار الكفر، ومبيح لكم نكاحهن بعد استبرائهن.
قال القرطبى ما ملخصه :فالمراد بالمحصنات هاهنا ذوات الأزواج. أى هن محرمات إلا ما ملكت اليمين بالسبى من أرض الحرب، فإن تلك حلال للذى تقع فى سهمه وإن كان لها زوج، وهو قول الشافعى فى أن السباء يقطع العصمة. وقاله ابن وهب وابن عبد الحكم وروياه عن مالك، وقال به أشهب يدل عليه ما رواه مسلم فى صحيح عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشا يوم حنين إلى أوطاس فلقوا العدو فقاتلوهم وظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا. فكان ناس من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم وقد تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين. فأنزل الله - عز وجل - فى ذلك ﴿ والمحصنات مِنَ النسآء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ ﴾ أى فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن، وهذا نص صحيح صريح فى أن الآية نزلت بسبب تحرج أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم عن وطء المسبيات ذوات الأزواج فأنزل الله فى جوابهم ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ ﴾. وبه قال مالك وابو حنيفة وأصحابه والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وهو الصحيح - إن شاء الله تعالى -.
وقيل إن المراد بالمحصنات هنا :ذوات الأزواج - كما تقدم -، ولما ملكت أيمانكم :مطلق ملك اليمين. فكل من انتقل إليه ملك أمة ببيع أو هبة أو سباء أو غير ذلك وكانت متزوجة كان ذلك الانتقال مقتضيا لطلاقها وحلها لمن انتلقت إليه.
وهذا القول ضعيف، لأن عائشة - رضى الله عنها - اشترت بريرة وأعتقتها وكانت ذات زوج، ثم خيرها النبى صلى الله عليه وسلم بين فسخ نكاحها من زوجها وبين بقائها على هذا النكاح، فدل ذلك على أن بيع الأمة ليس هادما للعصمة، لأنه لو كان هادما لها ما خير النبى صلى الله عليه وسلم بريرة.
أخرج البخارى عن عائشة - " رضى الله عنها - قالت :اشتريت بريرة. فاشترط أهلها ولاءها. فذكرت ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فقال : " أتقيها فإن الولاء لمن أعطى الورق ".
قالت :فأعتقتها. قال :فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فخيرها فى زوجها، فقالت :لو أعطانى كذا وكذا مابت عنده. فاختارت نفسها ".
وقوله - تعالى - ﴿ كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ ﴾ ساقه - سبحانه - لتأكيده تحريم نكاح الأنواع التى سبق ذكرها.
وقوله ﴿ كِتَابَ ﴾ مصدر كتب، وهو مصدر مؤكد بعامله أى :كتب الله عليكم تحريم هذه الأنواع التى سبق ذكرها وفرضه فرضا، فليس لكم أن تفعلوا شيئا مما حرمه الله عليكم، وإنما الواجب عليكم أن تقفوا عند حدوده وشرعه.
وقيل :إن قوله ﴿ كِتَابَ ﴾ منصوب على الإِغراء. أى :الزموا كتابا لله الذى هو حجة عليكم إلى يوم القيامة ولا تخالفوا شيئا من أوامره أو نواهيه.
وعليه فيكون المراد بالكتاب هنا القرآن الكريم الذى شرع الله فيه ما شرع من الأحكام.
وإلى هنا تكون هذه الآيات الثلاث قد بينت خمسة عشر نوعا من الأنكحة المحرمة.
أما الآية الأولى وهى قوله - تعالى : ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ ﴾ الخ فقد بينت نوعا واحدا.
وأما الآية الثانية وهى قوله - تعالى - : ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾ الخ فقد بينت ثلاثة عشر نوعا.
وأما الآية الثانية وهى قوله - تعالى - : ﴿ والمحصنات مِنَ النسآء ﴾. الخ فقد بينت نوعا واحدا.
قال الفخر الرازى عند تفسيره لقوله - تعالى ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾... الآية :اعلم أنه - تعالى - نص على تحريم أربعة عشر صنفا من النساء :سبعة منهن من جهة النسب وهن :الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخلات وبنات الأخ وبنات الأخت.
وسبعة أخرى لا من جهة النسب وهن :الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة، وأمهات النساء والربائب بنات النساء بشرط أن يكون قد دخل بالنساء، وأزواج الأبناء والآباء إلا أن أزواج الأبناء مذكورة ها هنا، وأزواج الآباء مذكورة فى الآية المتقدمة، - وهى قوله ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء ﴾ والجمع بين الاختين.
هذا، وبعد أن بين - سبحانه - المحرمات من النساء، عقب ذلك بإيراد جملة كريمة بين فيها ما يحل نكاحه من النساء فقال - تعالى - : ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ﴾.
و ﴿ مَّا ﴾ هنا المراد بها عموم النساء.
وكلمة ﴿ وَرَاءَ ﴾ هنا بمعنى غير أو دون كما فى قول بعضهم :( وليس وراء الله للمرء مذهب ).
واسم الإِشارة ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ ﴾ يعود إلى ما تقدم من المحرمات.
والجملة الكريمة معطوفة على قوله ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾ الخ.
ومن قرأ ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ ﴾ ببناء الفعل للفاعل جعلها معطوفة على كتب المقدر فى قوله ﴿ كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ... ﴾.
والمعنى :حرمت عليكم هؤلاء المذكورات، وأحل لكم نكاح ما سواهن من النساء.
قال القرطبى :قوله - تعالى ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ﴾ قرأ حمزة والكسائى وعاصم فى رواية حفص ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ ﴾ ردا على ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ وقرأ الباقون بالفتح ردا على قوله - تعالى - ﴿ كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ ﴾.
وهذا يقتضى ألا يحرم من النساء إلا من ذكر، وليس كذلك ؛ فإن الله - تعالى - قدر حرم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم من لم يذكر فى الآية فيضم إليها. قال - تعالى - : ﴿ وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا ﴾ روى مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها " وقد قيل :إن تحريم الجمع بين المرأة وعمتها - أو خالتها - فى معنى الجمع بين الأختين ؛ أو لأن الخالة فى معنى الوالدة والعمة فى معنى الوالد والصحيح الأول :لأن الكتاب والسنة كالشئ الواحد فكأنه قال : " أحللت لكم ما وراء من ذكرنا فى الكتاب وما وراء ما أكملت به البيان على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ".
ثم رفع - سبحانه - من شأن المرأة وكرمها بأن جعل إيتاءها المهر شرطا لاستحلال نكاحها إعزازا لها فقال - تعالى - ﴿ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ﴾.
وقوله : ﴿ تَبْتَغُواْ ﴾ من الابتغاء بمعنى الطلب الشديد.
وقوله : ﴿ مُّحْصِنِينَ ﴾ من الإِحصان وهو هنا بمعنى العفة وتحصين النفس ومنعها عن الوقوع فيما يغضب الله - تعالى -.
وقوله : ﴿ مُسَافِحِينَ ﴾ من السفاح بمعنى الزنا والمسافح :هو الزانى. ولفظ السفاح مأخوذ من السفح وهو صب الماء وسيلانه. به الزنا ؛ لأن الزانى لا غرض له إلا صب النطفة فقط دون نظر إلى الأهداف الشريفة التى شرعها الله وراء النكاح.
وقوله ﴿ أَن تَبْتَغُواْ ﴾ فى محل نصب بنزع الخافض على أنه مفعول له لما دل عليه الكلام و ﴿ مُّحْصِنِينَ ﴾ و ﴿ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ﴾ حالان من فاعل ﴿ تَبْتَغُواْ ﴾.
والمعنى :بين لكم - سبحانه - ما حرم عليكم من النساء، وأحل لكم ما وراء ذلكم، من أجل أن تطلبوا الزواج من النساء اللائى أحلهن الله لكم أشد الطلب، عن طريق ما تقدمونه لهن من أموالكم كمهور، وبذلك تكونون قد أحصنتم أنفسكم ومنعتموها عن السفاح والفجور والزنا.
قال بعضهم :وكان أهل الجاهلية إذا خطب الرجل منهم قال :انكحينى. فإذا أراد الزنا قال :بعض الشفعية :لا حجة فى ذلك، لأن تخصيص المال كونه الأغلب المتعارف، فيجوز النكاح على ما ليس بمال. ويؤيد ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل رجلا خطب الواهبة نفسها للنبى صلى الله عليه وسلم ماذا معك من القرآن ؟ قال :معى سورة كذا وكذا وعددهن. قال :تقرؤهن على ظهر قلبك ؟ قال :نعم قال :اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن ".
ووجه التأييد أنه لو كان فى الآية حجة لما خالفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجيب بأن كون القرآن معه لا يوجب كونه بدلا، والتعليم ليس له ذكر فى الخبر، فيجوز أن يكون مراده صلى الله عليه وسلم :زوجتك تعظيما للقرآن ولأجل ما معك منه.
ثم قال - تعالى - : ﴿ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾.
والاستمتاع :طلب المتعة والتلذذ بما فيه منفعة ولذة.
والمراد بقوله ﴿ أُجُورَهُنَّ ﴾ أى مهورهن لأنها فى مقابلة الاستمتاع فسميت أجراً.
و ﴿ مَا ﴾ فى قوله ﴿ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ ﴾ واقعة على الاستمتاع والعائد فى الخبر محذوف أى فآتوهن أجورهن عليه.
والمعنى :فما انتفعتم وتلذذتم به من النساء عن طريق النكاح الصحيح فآتوهن أجورهن عليه.
ويصح أن يكون ﴿ مَا ﴾ واقعة على النساء باعتبار الجنس أو الوصف. وأعاد الضمير عليها مفرداً فى قوله ﴿ بِهِ ﴾ باعتبار لفظها، وأعاده عليها جمعا فى قوله ﴿ مِنْهُنَّ ﴾ باعتبار معناها.
ومن فى قوله ﴿ مِنْهُنَّ ﴾ للتبعيض أو للبيان. والجار والمجرور فى موضع النصب على الحال من ضمير ﴿ بِهِ ﴾ :
والمعنى :فأى فرد أو الفرد الذى تمتعتم به حال كونه من جنس النساء أو بعضهن فأعطوهن أجورهن على ذلك. والمراد من الأجور :المهور. وسمى المهر أجراً ؛ لأنه بدل عن المنفعة لا عن العين.
وقوله ﴿ فَرِيضَةً ﴾ مصدر مؤكد لفعل محذوف أى :فرض الله عليكم ذلك فريضة. أو حال من الأجور بمعنى مفروضة. أى :فآتوهن أجورهن حالة كونها مفروضة عليكم.
ثم بين - سبحانه - أنه لا حرج فى أن يتنازل أحد الزوجين لصاحبه عن حقه أو عن جزء منه ما دام ذلك حاصلا بالتراضى فقال - : ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ﴾.
وبعد أن بين - سبحانه - المحرمات من النساء، وبين من يحل نكاحه منهن، عقب ذلك ببيان ما ينبغى أن يفعله من لا يستطيع نكاح المحصنات المؤمنات فقال - تعالى - ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ.... ﴾.
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( ٢٥ )
قوله ﴿ طَوْلاً ﴾ أى سعة وقدرة وغنى فى المال.
قال صاحب الكشاف :الطول :الفضل. يقال :لفلان على فلان طول أى :زيادة وفضل. وقد طاله طولا فهو طائل. قال الشاعر :
لقد زادنى حبا لنفسى أننى... بغيض إلى كل امرئ غير طائل
ومنه قولهم :ما خلا منه بطائل. أى بشئ يعتد به مما له فضل وخطر. ومنه الطول فى الجسم لأنه زيادة فيه.
والمراد بالمحصنات هنا الحرائر بدليل مقابلتهن بالمملوكات، وعبر عنهن بذلك، لأن حريتهن أحصنتهن عن النقص الذى فى الإِماء.
والمراد بقوله ﴿ مِّن فَتَيَاتِكُمُ ﴾ أى من إمائكم وأرقائكم.
والمعنى :ومن لم يستطع منكم يا معشر المؤمنين الأحرار أن يحصل زيادة فى المال تمكنه من أن ينكح الحرائر المؤمنات، فله فى هذه الحالة أن ينكح بعض الإِماء المؤمنات اللائى هن مملوكات لغيركم.
و ﴿ مَن ﴾ فى قوله ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ ﴾ شرطية، وجوابها قوله، فمما ملكت أيمانكم، ويصح أن تكون موصولة ويكون قوله ﴿ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم ﴾ هو الخبر.
وقوله ﴿ مِنكُمْ ﴾ حال من الضمير فى ﴿ يَسْتَطِعْ ﴾ وقوله ﴿ طَوْلاً ﴾ مفعول به ليستطع. هذا، والآية تفيد بمضمونها أنه لا يحل الزواج من الإِماء إلا إذا كان المسلم الحر ليس فى قدرته أن يتزوج امرأة حرة.
ولذا قال بعضهم :إن الله - تعالى - شرط فى نكاح الإِماء شرائط ثلاثة :اثنان منها فى الناكح، والثالث فى المنكوحة.
أما اللذان فى الناكح فأحدهما أن يكون غير واجد لما يتزوج به الحرة المؤمنة من الصداق.
والثاني هو المذكور فى آخر الآية وهو قوله : ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العنت مِنْكُمْ ﴾.
وأما الشرط الثالث المعتبر فى المنكوحة فهو أن تكون الأمة مؤمنة لا كافرة.. وقد خالف الإِمام أبو حنيفة هذا الشرط الثالث فأباح للمسلم الزواج من الأمة الكتابية إن لم يكن عنده زوجة حرة فإن كان متزوجا بحرة فإنه لا يجوز له أن يتزوج أمة مطلقا لا مسلمة ولا كتابية، وإن عقد عليها كان عقده باطلا وقد بنى حكمه هذا على أساس تفسيره للطول بأنه الزواج بحرة.
أما المالكية والشافعية فقد قالوا :الطول :السعة والقدرة على المهر والنفقة فمن عجز عن مهر الحرة ونفقتها وهو قادر على الزواج من أمة فإنه يجوز له الزواج بها ولو كانت عنده زوجة حرة.
وفى التعبير عن الإِماء بقوله ﴿ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ المؤمنات ﴾ تكريم لهؤلاء الأرقاء، وإعزاز لإِنسانيتهن، وتعليم للمسلمين أن يلتزموا الأدب فى مخاطبتهم لأرقائهم ولذا ورد فى الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يقولن أحدكم عبدى وأمتى، ولكن ليقل فتاى وفتاتى ".
وقوله - تعالى - ﴿ والله أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ ﴾ جملة معترضة سيقت بين إباحة النكاح من الاماء المؤمنات وبين صورة العقد عليهن تأنيسا للقلوب، وإزالة للنفرة عن ناكح الاماء ببيان أن مناط التفاخر إنما هو الايمان لا التباهى بالأحساب والأنساب.
والمعنى :أنه - تعالى - أعلم منكم بمراتب إيمانكم الذى هو مناط التفضيل وأنتم وفتياتكم من أصل واحد فلا ينبغى أن يستعلى حر على عبد، ولا حرة على أمة، فرب إنسان غير حر أفضل عند الله بسبب إيمانه وعمله الصالح من إنسان حر.
فالمقصود من هذه الجملة الكريمة إزالة ما كانت تستهجنه العرب من الزواج بالاماء، ونهيهم عما كان متداولا بينهم من احتقارهم لولد الأمة وتسميتهم إياه بالهجين - أى الذى أبوه عربى وأمه أمة.
وإلى هذا أشار صاحب الكشاف بقوله :فإن قلت :فما معنى قوله ﴿ والله أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ ﴾ ؟ قلت :معناه :أن الله أعلم بتفاضل ما بينكم وبين أرقائكم فى الايمان ورجحانه ونقصانه فيهم وفيكم. وربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرة والمرأة أرجح فى الايمان من الرجل. وحق المؤمنين أن لا يعيروا إلا فضل الإيمان لا فضل الأحساب والأنساب. وهذا تأنيس بنكاح الاماء وترك الاستنكاف منه. وقوله ﴿ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ ﴾ أى :أنتم وأرقاؤكم متناسبون متواصلون لاشتراككم فى الايمان لا يفضل حر عبدا إلا برجحان فيه.
ثم بين - سبحانه - كيفية الزواج بهن فقال : ﴿ فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بالمعروف مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ﴾ والمراد بأهلهن :مواليهن الذين يملكونهن :عبر عن المالكين لهن بالأهل، حملا للناس على الأدب فى التعبير، ولأنه يجب أن تكون العلاقة بين العبد ومالكه علاقة أهل لا علاقة استعلاء.
والمراد بالأجور هنا :المهور التى تدفع لهن فى مقابل نكاحهن.
والمراد بالمحصنات هنا :العفائف البيدات عن الفاحشة والريبة. والمرأة المسافحة هى التى تؤاجر نفسها لكل رجل أرادها. والتى تتخذ الخدن هى التى تتخذ لها صاحبا معينا. وكان أهل الجاهلية يفصلون بين القسمين فيستقبحون الزنا العلنى ويستحلون السرى، فجاءت شريعة الإِسلام بتحريم القسمين. قال - تعالى ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ وقال - تعالى ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ وقوله ﴿ فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾ مترتب ومتفرع على ما قبله من أحكام.
والمعنى :إذا عرفتم حكم الله فى شأن فتياتكم المؤمنات فانكحوهن بعد أن يأذن لكم فى ذلك مواليهن ويرضون عن هذا النكاح، وأدوا إليهن مهورهن بالقدر المتعارف عليه شرعا وعادة عن طيب نفس منكم، وبدون مطل أو بخس. فإنه لا يصح أن تتخذوا من كون المنكوحة أمة سبيلا لغمط حقها، وتصغير شأنها.
وقد اتفق العلماء على أن نكاح الأمة بغير إذن سيدها غير جائز، عملا بظاهر هذه الآية الكريمة، فان قوله - تعالى - : ﴿ فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾ يقتضى كون الإِذن شرطا فى جواز النكاح، ولأن منافع الأمَّة لسيدها وهى ملك له فلا يجوز نكاحها إلا بإذنه.
قال القرطبى :قوله - تعالى - ﴿ فانكحوهن ﴾ أى بولاية أرباهن المالكين وإذنهم. وكذلك العبد لا ينكح إلا بإذن سيده، لأن العبد مملوك لا أمر له، وبدنه كله مستغرق، لكن الفرق بينما أن العبد إذا تزوج بغير إذن سيده فإن أجازه السيد جاز، هذا المذهب مالك واصحاب الرأى، والأمة إذا تزوجت بغير إذن أهلها فسخ ولم يجز ولو بإجازة السيد.
وقوله ﴿ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ صريح فى وجوب دفع مهر فى مقابل نكاح الأمة ولكن من الذى يستلم هذا المهر ؟
يرى كثير من العلماء أن الذى يتسلم المهر هو السيد المالك للأمة. لأن المهر قد وجب عوضا عن منافع بضع المملوكة للسيد، وهو الذى أباحها للزوج فوجب أن يكون هو المستحق لستلم المهر ؛ ولأن العبد وما ملكت يداه لسيده أى آتوا أهلهن أجورهن فالكلام على حذف مضاف.
ويرى الإِمام مالك أن الآية على ظاهرها، وأن المهر إنما يدفع للأمة لأنها أحق به من سيدها، وأنه ليس للسيد أن يأخذ من أمته ويدعها بلا جهاز فالعقد يتولاه السيد أما المهر فيعطى للأمة لتتولى إعداد نفسها للزواج منه.
وقوله ﴿ مُحْصَنَاتٍ ﴾ حال من المفعول فى قوله ﴿ فانكحوهن ﴾ أى :فانحكوهن حال كونهن عفائف عن الفاحشة.
وقوله ﴿ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ ﴾ تأكيد له أى غير مجاهرات بالزنا.
وقوله ﴿ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ﴾ تأكيد آخر لبعدهن عن الريبة. والأخدان جمع خدن وهو الصاحب والصديق.
والمراد به هنا :من تتخذه المرأة صاحبا لها لارتكاب الفاحشة معه سراً.
وقد وصف الله - تعالى - الزوجات الإِماء بذلك، لتحريضهن على التمسك بأهداب الفضيلة والشرف، إذ الرق مظنة الانزلاق والوقوع فى الفاحشة لما يصاحبه من هوان وضعف، ولا شئ كالهوان يفتح الباب أمام الرذيلة والفاحشة ومن هنا قالت هند بنت عتبة - باستغراب واستنكار - لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أخذ العهد عليها وعلى المؤمنات بقوله ﴿ وَلاَ يَزْنِينَ ﴾ قالت يا رسول الله :أو تزنى الحرة ؟ ! !
ثم بين - سبحانه - عقوبة الإِماء إذا ما ارتكبن الفاحشة فقال - تعالى - ﴿ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب ﴾.
ومعنى الإِحصان هنا :الزواج. والمراد بالفاحشة :الزنا. والمراد بالعذاب :الحد الشرعى أى :فإذا أحسن أى بالتزويج، فإن أتين بفاحشة الزنا وثبت ذلك عليهن، ففى هذه الحالة حدهن نصف حد الحرائر من النساء.
أى أن الأمة إذا زنت فحدها أنت تجدل خمسين جدلة ولا رجم عليها لأنه لا يتنصف فلا يكون مرادا هنا.
وظاهر الجملة الكريمة يفيد أن الأمة لا تحد إذا زنت متى كانت غير متزوجة وقد أخذ بهذا الظاهر بعض العلماء. ولكن جمهور العلماء يرون أن الأمة يقام عليها الحد إذا زنت سواء أكانت متزوجة أم غير متزوجه.
فالآية الكريمة صرحت بأن الأمة إذا ارتكبت الفحشاء تكون عقوبتها نصف عقوبة الحرة، لأن الجريمة يضعف أثرها بضعف مرتكبها، ويقوى أثرها بقوة مرتكبها، فكان من العدل أن يعاقب الأرقاء لضعفهم بنصف عقوبة الأحرار الأقوياء.
فأين هذا السمو والرحمة والدالة فى التشريع من مظالم القوانين الوضعية ففى القانون الرومانى كان العبد إذا زنى بحرة قتل، وإذا زنى الشريف حكم عليه بغرامة. ولقد حذر النبى صلى الله عليه وسلم من ذلك بقوله : " إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا :إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد... ".
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العنت مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾.
واسم الإِشارة " ذلك " يعود إلى نكاح الإِماء.
والعنت :المشقة الشديدة التى يخشى معها التلف أو الوقوع فى الفاحشة التى نها الله - تعالى - عنها. ولذا قال بعضهم المراد به هنا :الزنا.
أى :ذلك الذى شرعناه لكم من إباحة الزواج بالإِماء عند الضرورة يكون بالنسبة لمن خشى على نفسه العزبة التى قد تفضى به إلى الوقوع فى الفاحشة والآثام. ﴿ وَأَن تَصْبِرُواْ ﴾ على تحمل المشقة متعففين عن نكاحهن حتى يرزقكم الله الزواج بالحرة، فصبركم هذا خير لكم من نكاح الإِسماء وإن رخص لكم فيه.
وقوله ﴿ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ أى واسع المغفرة كثيرها، فيغفر لمن لم يصبر
وبعد أن بين - سبحانه - فيما سبق من آيات كثيراً من الأوامر والنواهى والمحرمات والمباحات.. عقب ذلك ببيان جانب من مظهر فضله على عباده ورحمته بهم فقال - تعالى - : ﴿ يُرِيدُ الله.... ضَعِيفاً ﴾.
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ٢٦ ) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ( ٢٧ ) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ( ٢٨ )
قوله - تعالى - : ﴿ يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ استئناف مقرر لما سبق من الأحكام، وقد ساقه - سبحانه - لإِيناس قلوب المؤمنين حتى يمتثلوا عن اقتناع وتسليم لما شرعه الله لهم من أحكام.
قال الآلوسى :ومثل هذا التركيب - قوله ﴿ يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾. وقع فى كلام العرب قديما وخرجه النحاة على مذاهب :
فقيل مفعول ﴿ يُرِيدُ ﴾ محذوف أى :يريد الله تحليل ما أحل وتحريم ما حرم ونحوه. واللام للتعليل... نسب هذا إلى سيبويه وجمهور البصريين.
فتعلق الإِرادة غير التبيين، وإنما فعلوه لئلا يتعدى الفعل إلى مفعوله المتأخر عنه باللام وهو ممتنع أو ضعيف.
وذهب بعض البصريين إلى أن الفعل مؤول بالمصدر من غير سابك، كما قيل به فى قولهم : " تسمع بالمعيدى خير من أن تراه " أى إرادتى كائنة للتبين. وفيه تكلف.
وذهب الكوفيون إلى أن اللام هى الناصبة للفعل من غير إضمار أن، وهى وما بعدها مفعول للفعل المقدم أى :يريد الله البيان لكم.
والمعنى :يريد الله - تعالى - بما شرع لكم من أحكام، وبما ذكر من محرمات ومباحات أن يبين لكم ما فيه خيركم وصلاحكم وسعادتكم، وأن يميز لكم بين الحلال والحرام والحسن والقبيح.
وقوله : ﴿ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ ﴾ معطوف على ما قبله.
والسنن :جمع سنة وهى الطريقة وفى أكثر استعمالها تكون للطريقة المثلى الهادية إلى الحق.
أى :ويهديكم مناهد وطرائق من تقدمكم من الأنبياء والصالحين، لتقتفوا آثارهم وتسلكوا سبيلهم.
وليس المراد أن جميع ما شرعه من حلال أو من حرام كان مشروعا بعينه للأمم السابقة. بل المراد أن الله كما قد شرع للأمم السابقة من الأحكام ما هم فى حاجة إليه وما اقتضته مصالحهم، فكذلك قد شرع لنا ما نحن فى حاجة إليه وما يحقق مصالحنا، فإن الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة فى ذاتها إلا أنها متفقة فى باب المصالح.
وقوله : ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ معطوف على ما قبله.
والتوبة معناها :ترك الذنب مع الندم عليه والعزم على عدم العود، وذلك مستحيل فى حقه - سبحانه - لذا قالوا :المراد بها هنا المغفرة لتسببها عنها. أو المراد بها قبول التوبة.
أى :ويقبل توبتكم متى رجعتم إليه بصدق وإخلاص، فقد تكفل - سبحانه - لعباده أن يغفر لهم خطاياهم متى تابوا إليه توبة صادقة نصوحا وفى التعبير عن قبول التوبة بقوله ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ إشارة إلى ما يتضمنه معنى قبول التوبة من ستر للذنوب، ومنع لكشفها، فهى غطاء على المعاصى يمنعها من الظهور حتى يذهب تأثيرها فى النفس :
فالآية الكريمة تحريض على التوبة، لأن الوعد بقبولها متى كانت صادقة يغرى الناس.
بطرق بابها وبالإِكثار منها..
وقوله : ﴿ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ أى والله - تعالى - ذو علم شامل لجميع الأشياء، فيعلم أن ما شرع لكم من أحكام مناسب لكم، وما سلكه المهتدون من الأمم قبلكم، ومتى تكون توبة أحدكم صادقة ومتى لا تكون كذلك ﴿ حَكِيمٌ ﴾ يضع الأمور فى مواضعها. فيبين لمن يشاء، ويهدى من يشاء، ويتوب على من يشاء.
فأنت ترى أن هذه الآية قد بينت جانبا من مظاهر فضل الله ورحمته بعباده، حيث كشفت للناس أن الله - تعالى - يريد بإنزاله لهذا القرآن أن يبين لهم التكاليف التى كلفهم بها ليعرفوا الخير من الشر، وأن يرشدهم إلى سبل من تقدمهم من أهل الحق، وأن يغفر لهم ذنوبهم متى أخلصوا له التوبة.
ثم أخبر - سبحانه - عما يريده لعباده من خير وصلاح وما يريده لهم الفاسقون من شر وفساد فقال - تعالى - : ﴿ والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الذين يَتَّبِعُونَ الشهوات أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً ﴾.
أى :والله - تعالى - يريد منكم أن تفعلوا ما يجعلكم أهلا لمغفرته ورضوانه وما يفضى بكم إلى قبول توبتكم، وارتفاع منزلتكم عنده، بينما يريد الذين يتبعون الشهوات من أهل الكفر والفسوق والعصيان أن تبتعدوا عن الحق والخير ابتعادا عظيما. والميل :أصله الانحراف من الوسط إلى جانب من الجوانب :ولما كان الاعتدال عبارة عن العدل والتوسط، أطلق الميل على الجور والابتعاد عن الحق ووصف الميل بالعظم للإِشعار بأن الذين يتبعون الشهوات لا يكتفون من غيرهم بالميل اليسير عن الحق، وإنما يريدون منهن انحرافا مطلقا عن الطريق المستقيم الذى أمر الله بسلوكه والسير فيه.
وهؤلاء الذين وصفهم الله بما وصف موجودون فى كل زمان، وتراهم دائما يحملون لواء الرذيلة والفجور تارة باسم المدينة. وقد حذر الله - تعالى - عباده منهم حتى يتأثرون بهم، وحتى يقاوموهم ويكشفوا عن زيفهم وضلالهم ﴿ ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون ﴾
ثم بين - سبحانه - لونا آخر من ألوان رحمته ورأفته بعباده فقال : ﴿ يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً ﴾.
أى :يريد الله بما شرعه لكم من أحكام، وبما كلفكم به من تكاليف هى فى قدرتكم واستطاعتكم أن يخفف عنكم فى شرائعه وأوامره ونواهيه، لكى تزدادوا له فى الطاعة والاستجابة والشكر.
﴿ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً ﴾ أى لا يصبر على مشاق الطاعات، فكان من رحمة الله - تعالى - به أن خفف عنه فى التكاليف.
وهذا السير والتخفيف فى التكاليف من أبرز مميزات الشريعة الإِسلامية، وقد بين القرآن الكريم ذلك فى كثير من آياته، ومن ذلك قوله - تعالى - : ﴿ يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر ﴾ وقوله - تعالى - ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ ﴾ وقوله - تعالى -
﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزكاة والذين هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل يَأْمُرُهُم بالمعروف وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المنكر وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبآئث وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأغلال التي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ ولقد كان من هدى النبى صلى الله عليه وسلم التخفيف والتيسير، ففى الحديث الشريف : " إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ".
وكان من وصاياه لمعاذ بن جبل وأبى موسى الأشعرى عندما أرسلهما إلى اليمن " يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا ".
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد بينت لنا الوانا من مظاهر فضل الله على عباده ورحمته بهم، لكى يزدادوا له شكرا وطاعة وخضوعا.
ثم وجه القرآن نداء إلى المؤمنين بين لهم فيه بعض المحرمات المتعلقة بالأنفس والأموال، بعد أن بين لهم قبل ذلك المحرمات من النساء والمحللات منهم ومظاهر فضله - سبحانه - بعباده ورحمته بهم فقال - تعالى - : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين... كَرِيماً ﴾.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ( ٢٩ ) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ( ٣٠ ) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ( ٣١ )
المراد بالأكل فى قوله ﴿ لاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ ﴾ مطلق الأخذ الذى يشمل سائر التصرفات التى نهى الله عنها.
وخص الأكل بالذكر ؛ لأن المقصود الأعظم من الأموال هو التصرف فيها بالأكل.
والباطل :اسم لكل تصرف لا يبيحه الشرع كالربا والقمار والرشوة والغضب والسرقة والخيانة والظلم إلى غير ذلك من التصرفات المحرمة.
والمعنى. يأيها المؤمنون لا يحل لكم أن يأكل بعضكم مال غيره بطريقة باطلة لا يقرها الشرع، ولا يرتضيها الدين، كما أنه لا يحل لكم أن تتصرفوا فى الأموال التى تملكونها تصرفا منهيا عنه بأن تنفقوها فى وجوه المعاصى التى نهى الله عنها ؛ فإن ذلك يتنافى مع طبيعة هذا الدين الذى آمنتم به.
وناداهم - سبحانه - بصفة الإِيمان، لتحريك حرارة العقيدة فى قلوبهم وإغرائهم بالاستجابة لما أمروا به أو نهو عنه.
وفى قوله ﴿ أَمْوَالَكُمْ ﴾ إشارة إلى أن هذه الأموال هى نعمة من الله لنا، وأن على الأمة جميعها أن تصون هذه الأموال عن التصرفات الباطة التى لا تبيحها شريعة الله.
وفى قوله ﴿ بَيْنَكُمْ ﴾ إشارة إلى أن تبادل الأموال بين الأفراد والجماعات يجب أن يكون على أساس من الحق والعدل ولا يكون بالباطل أو بالظلم.
والاستثناء فى قوله ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ ﴾ استثناء منقطع لأن التجارة ليست من جنس الأموال المأكولة بالباطل.
والمعنى :لا يحل لكم - أيها المؤمنون - أن تتصرفوا فى أموالكم بالطرق المحرمة، لكن يباح لكم أن تتصرفوا فيها بالتجارة الناشئة عن تراض فيما بينكم ؛ لأنه لا يحل لمسلم أن يقتطع مال أخيه المسلم إلا عن طيب نفس منه.
والتجارة :اسم يقع على عقود المعارضات التى يقصد بها طلب الربح. وخصت بالذكر من بين سائر أسباب الملك ؛ لكونها أغلب وقوعا ولأن أسباب الرزق أكثرها متعلق بها.
أخرج الأصبهانى عن معاذ بن جبل قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يمدحوا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا ".
وكلمة ﴿ تِجَارَةً ﴾ قرأها عاصم وحمزة والكسائى بالنصب على أنها خبر لكان الناقصة، واسم كان ضمير يعود عل الأموال أى إلا أن تكون الأموال المتداولة بينكم تجارة صادرة عن تراض منكم. وقرأها الباقون بالرفع على أنها فاعل لكان التامة أى :إلا أن تقع تجارة بينكم عن تراض منكم.
وقوله ﴿ عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ ﴾ صفة لقوله ﴿ تِجَارَةً ﴾ ولفظ ﴿ عَن ﴾ للمجاوزة أى :إلا أن تكون تجارة صادرة عن تراض كائن منكم.
والتراضى :هو الرضا من الجانبين بما بدل عليه من لفظ أو عرف، وهو أساس العقود بصفة عامة، وأساس المبادلات المالية بصفة خاصة، فلا بيع ولا شراء ولا إجارة ولا شركة ولا غيرها من عقود التجارة ما لم يتحقق الرضا.
قال بعضهم :وحقيقة التراضى لا يعلمها إلى الله - تعالى - والمراد هنا أمارته. كالإِيجاب والقبول وكالتعاطى عند القائل به. وقد قال - تعالى - ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ ﴾ فدل ذلك على أن مجرد التراضى هو المناط. ولا بد من الدلالة عليه بلفظ أو إشارة أو كتابة، بأى لفظ وقع وعلى أى صفة كان، وبأى إشارة مفيدة حصل.
وقال الآلوسى :والمراد بالتراضى مراضاة المتبايعين بما تعاقدوا عليه فى حال المبايعة وقت الإِيجاب والقبول عندنا. وعند المالكية والشافعية حالة الافتراق عن مجلس العقد وقيل التراضى :التخيير بعد البيع...
هذا، وظاهر قوله - تعالى - ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ ﴾ يفيد إباحة جميع أنواع التجارات ما دام قد حصل التراضى بين المتعاقدين، ولكن هذا الظاهر غير مراد ؛ لأن الشارع قد حرم المتاجرة فى أشياء معينة حتى ولو تم التراضى بين المتعاقدين بين المتعاقدين فيها، وذلك مثل المتاجرة فى الخمر والميتة ولحم الخنزير، ومثل بيع الغرر والعبد الآبق ونحو ذلك مما نهى عنه الشارع من العقود والمعاملات.
وقوله ﴿ وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ معطوف على ما قبله.
وللعلماء فى تأويله اتجاهات :فمنهم من يرى أن معناه :ولا يقتل بعضكم بعضا، فإن قتل بعضكم لبعض قتل لأنفسكم. والتعبير عن قتل بعضهم لبعض بقتل أنفسهم للمبالغة فى الزجر عن هذا الفعل، وبتصويره بصورة مالا يكاد يفعله عاقل.
وإلى هذا المعنى اتجه الفخر الرازى فقد قال :اتفقوا على أن هذا نهى عن أن يقتل بعضهم بعضا. وإنما قال : ﴿ أَنْفُسَكُمْ ﴾ لقوله صلى الله عليه وسلم " المؤمنون كنفس واحدة " ولأن العرب يقولون :
قتلنا ورب الكعبة إذا قتل بعضهم ؛ لأن قتل بعضهم يجرى مجرى قتلهم.
ومنهم من يرى أن معناه النهى عن قتل الإِنسان لنفسه. ومن ذلك ما أخرجه الشيخان عن أبى هريرة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :من تردى من جبل فقتل نفسه فهو فى نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبداً. ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه فى يده يتحساه فى نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبداً. ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته فى يده يجأ - أى يطعن - بها فى بطنه فى نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبداً ".
وروى مسلم عن جابر بن سمرة قال :أتى النبى صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقص - أى سهام عراض واحدها مشقص - فلم يصل عليه.
ومنهم من يرى أن معناه :لا تقتلوا أنفسكم بأكل بعضكم أموال بعض وبارتكابكم للمعاصى التى نهى الله عنها، فإن ذلك يؤدى إلى إفساد أمركم، وذهاب ريحكم، وتمزق وحدتكم، ولا قتل للأمم والجماعات أشد من فساد أمرها، وذهاب ريحها.
وقد ذهب إلى هذا المعنى الإِمام ابن كثير فقد قال :وقوله : ﴿ وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ أى بارتكاب محارم الله - وتعاطى معاصيه، وأكل أموالكم بينكم بالباطل.
والذى نراه أن الجملة الكريمة تتناول كل هذه الاتجاهات، فهى تنهى المسلم عن أن يقتل نفسه، كما أنها تنهاه عن أن يقتل غيره، وهى أيضا تنهاه عن ارتكاب المعاصى التى تؤدى إلى هلاكه.
وقدم - سبحانه - النهى عن أكل الأموال بالباطل على النهى عن قتل الأنفس مع أن الثانى أخطر، للإِشعار بالتدريج فى النهى من الشديد إلى الأشد ولأن وقوعهم فى أكل الأموال بالباطل كان أكثر منهم وأسهل عليهم من وقوعهم فى القتل.
وقد ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ﴿ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾ لبيان أن ما نهى الله عنه من محرمات، وما أباحه من مباحات، إنما هو من باب الرحمة بالناس، وعدم المشقة عليهم. فالله - تعالى- رءوف بعباده ومن مظاهر ذلك أنه لم يكلفهم إلا بما هو فى قدرتهم واستطاعتهم.
وهذه الآية الكريمة أصل عظيم فى حرمة الأموال والأنفس. ولقد أكد النبى صلى الله عليه وسلم هذا المعنى فى خطبته فى حجة الوداع حيث قال : " إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، فى شهركم هذا، فى بلدكم هذا ".
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من يفعل ما نهى الله عنه فقال : ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً ﴾.
واسم الإِشارة فى قوله ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك ﴾ يعود إلى المذكور من أكل الأموال بالباطل ومن القتل. وقيل الإِشارة إلى القتل لأنه أقرب مذكور.
والعدوان :مجاوزة الحد المشروع عن قصد وتعمد.
والظم :وضع الشى فى غير موضعه.
والمعنى :أن من يفعل ذلك المحرم حال كونه ذا عدوان وظلم عاقبه الله على ذلك عقابا شديدا فى الآخرة، بإدخاله نارا هائلة محرقة، وكان عقابه بهذا العذاب الهائل الشديد يسيرا على الله، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شئ.
وجمع - سبحانه - بين العدوان والظلم ليشمل العذاب كل أحوال الارتكاب لمحارم الله، وليخرج ما كان غير مقصود من الجرائم، كمن يتلف مال غيره بدون قصد، وكمن يقتل غيره بدون تعمد، فإنه يكون ظالما وعليه دفع عوض معين للمستحق لذلك، إلا أنه لا يكون مستحقا لهذا العذاب الشديد الذى توعد الله به من يرتكب هذه الجنايات عن عدوان وظلم.
وبعد هذا الوعيد الشديد لكل معتد وظالم، فتح القرآن الكريم باب الرحمة للناس حتى لا يقنطوا من رحمة الله فقال - تعالى - ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً ﴾.
﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً ﴾.
واجتناب الشئ معناه :المباعدة عنه وتركه جانبا بحيث تكون أنت فى جانب وهو فى جانب آخر ولا تلاقى بينكما.
وكبائر الذنوب :ما عظم منها، وعظمت العقوبة عليه. كالشرك، وقتل النفس بغير حق، وأكل مال اليتيم ونحو ذلك من المحرمات.
والسيئات :جمع سيئة وهى الفعلة القبيحة، وسميت بذلك ؛ لأنها تسوء صاحبها عاجلا أو آجلا.
والمراد بالسيئات هنا :صغائر الذنوب بدليل مقابلتها بالكبائر.
والمعنى :إن تتركوا - يا معشر المؤمنين - كبائر الذنوب التى نهاكم الشرع عن اقترافها، ﴿ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ أى نسترها عليكم، ونمحها عنكم حتى تصير بمنزلة ما لم يعمل فضلا من الله عليكم، ورحمة بكم.
﴿ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً ﴾ أى وندخلكم فى الآخرة مدخلا حسنا وهو الجنة التى وعد الله بها عباده الصالحين. فهى مكان طيب يجد من يحل فيه الكثير من كرم الله ورضاه.
والمدخل - بضم الميم - كما قرأه الجمهور مصدر بمعنى الإِدخال ومفعول ندخلكم محذوف أى نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم إدخالا كريما.
ويصح أن يكون اسم مكان منصوبا على الظرفية عند سيبويه، وعلى المفعولية عند الأخفش.
وقرأ نافع ﴿ مَّدْخَلاً ﴾ - بفتح الميم - على أنه اسم مكان للدخول، ويجوز أن يكون مصدرا ميما. أى ندخلكم مكانا كريما أو ندخلكم دخولا كريما.
هذا، وقد استدل العلماء بهذه الآية على أن صغائر الذنوب يغفرها الله - تعالى - لعباده رحمة منه وكرما متى اجتنبوا كبائر الذنوب، وصدقوا فى توبتهم إليه.
كما استدلوا بها على أن الذنوب منها الكبائر ومنها الصغائر ؛ لأن هذه الآية قد فصلت بين كبائر الذنوب وبين ما يكفر باجتنابها وهو صغار الذنوب المعبر عنها بقوله - تعالى - : ﴿ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾. ولأن الله - تعالى - يقول فى موضع آخر ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض لِيَجْزِيَ الذين أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ الذين أَحْسَنُواْ بالحسنى الذين يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثم والفواحش إِلاَّ اللمم إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ المغفرة ﴾ قال الآلوسى ما ملخصه :واختلفوا فى حد الكبيرة على أقوال منها :أنها كل معصية أوجبت الحد. ومنها :أنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين وبضعف ديانته.
وقال الواحدى :الصحيح أن الكبيرة ليس لها حد يعرفها العباد به، وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها. ولكن الله - تعالى - أخفى ذلك عن العباد ليجتهدوا فى اجتناب المنهى عنه رجاء أن تجنب الكبائر. ونظير ذلك إخفاء الصلاة الوسطى، وليلة القدر. وساعة الإِجابة.
وذهب جماعة إلى ضبطها بالعد من غير ضبط بحد. فعن ابن عباس وغيره أنها ما ذكره الله - تعالى - من أول هذه السورة إلى هنا. وقيل هى سبع بدليل ما جاء فى الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :
" اجتنبوا السبع الموبقات قالوا :وما هو يا رسول الله ؟ قال :الشرك بالله - تعالى - والسحر، وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق، وأكل ما اليتيم، وأكل الربا، والتولى يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ".
فإن قيل :جاء فى روايات أخرى أن من الكبائر " اليمين الغموس " و " قول الزور " و " عقوق الوالدين " ؟ قلنا فى الجواب :إن ذلك محمول على أنه - صلى الله عليه وسلم - ذكر ما ذكر منها قصدا لبيان المحتاج منها وقت الذكر وليس لحصره الكبائر فيه - فإن النص على هذه السيع بأنهن كبائر لا ينفى ما عداهن.
والذى نراه أن الذنوب منها الكبائر ومنها الصغائر، وأن الصغائر يغفرها الله لعاده متى اجتنبوا الكبائر وأخلصوا دينهم لله، وأن الكبائر هى ما حذر الشرع من ارتكابها تحذيرا شديدا، وتوعد مرتكبها بسوء المصير، كالإشراك بالله، وقتل النفس بغير حق وغير ذلك من الفواحش التى يؤدى ارتكابها إلى إفساد شأن الأفراد والجماعات والتى ورد النهى عنها فى كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. وأن الصغائر، هى الذنوب اليسيرة التى يتركبها الشخص من غير إصرار عليها ولا استهانة بها أو مداومة عليها، بل يعقبها بالتوبة الصادقة والعمل الصالح وصدق الله إذ يقول : ﴿ وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ الليل إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ذلك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ ﴾ ولقد فتح الله - تعالى - لعباده باب التوبة من الذنوب صغيرها وكبيرها حتى لا ييأسوا من رحمته فقال - سبحانه - : ﴿ والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ العذاب يَوْمَ القيامة وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾
ثم نهى - سبحانه - عن التحاسد وعن تمنى ما فضل الله به بعض الناس على بعض من المال ونحوه مما يجرى فيه التنافس، وبين - سبحانه - أنه قد جعل لكم إنسان حقا معينا فيما تركه الوالدان والأقربون فقال - تعالى - : ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ... شَهِيداً ﴾.
وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ( ٣٢ ) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآَتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ( ٣٣ )
روى المفسرون فى سبب نزول الآية الأولى روايات منها ما رواه الإِمام أحمد والترمذى عن مجاهد قال :قالت أم سلمة :يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو، ولنا نصف الميراث فأنزل الله - تعالى - ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ ﴾.
وقال قتادة :كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان، فلما ورثوا وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين تمنى النساء أن لو جعل أنصباؤهن كأنصباء الرجال. وقال الرجال :إنا لنرجوا أن نفضل على النساء بحسناتنا فى الآخرة كما فضلنا عليهن فى الميراث فنزلت ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ ﴾.
والتمنى المنهى عنه هنا :هو الذى يتضمن معنى الطمع فيما فى يد الغير، والحسد له على ما أعطاه الله من مال أو جاه أو غير ذلك مما يجرى فيه التنافس بين الناس وذلك لأن التمنى بهذه الصورة يؤدى إلى شقاء النفس، وفساد الخلق والدين، ولأنه أشبه ما يكون بالاعتراض على قسمة الخالق العليم الخبير بأحوال خلقه وبشئون عباده.
ولا يدخل فى التمنى المنهى عنه ما يسميه العلماء بالغبطة، وهى أن يتمنى الرجل أن يكون له مثل ما عند غيره من خير دون أن ينقص شئ مما عند ذلك الغير.
قال صاحب الكشاف :قوله ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ ﴾ نهوا عن التحاسد وعن تمنى ما فضل الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال، لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد، وبما يصلح المقسوم له من بسط فى الرزق أو قبض ﴿ وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض ﴾ فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم الله به، علماً بأن ما قسم له هو مصلحته، ولو كان خلافه لكان مفسدة له، ولا يحسد أخاه على حظه.
وقوله - تعالى - ﴿ بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتسبوا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتسبن ﴾ تعليل للنهى السابق. أى لكل من فريقى الرجال والنساء حظ مقدر مما اكتسبوه من أعمال، ونصيب معين فيما ورثوه أو أصابوه من أموال، وإذا كان الأمر كذلك فلا يليق بعاقل أن يتمنى خلاف ما قسم الله له من رزق، بل عليه أن يرضى بما قسم الله له. فالله - تعالى - هو الذى قدر أرزاق الرجال والنساء على حسب ما تقتضيه حكمته وعلمه، وهو الذى كلف كل فريق منهم بواجبات وأعمال تليق باستعداده وتكوينه.
وقوله ﴿ واسألوا الله مِن فَضْلِهِ ﴾ عطف على النهى. فكأنه قيل :لا تتمنوا ولا تتطلعوا إلى ما فى أيدى غيركم، ولا تحسدوه على ما رزقه الله، بل اجعلوا تجاهكم إلى الله وحده، والتمسوا منه ما تشاءوه من نعمه الجليلة، ومن حظوظ الدنيا والآخرة، فهو القائل
﴿ مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ العزيز الحكيم ﴾ وحذف المفعول من الجملة الكريمة لإِفادة العموم. أى :واسألوا الله ما شئتم من إحسانه الزائد، وإنعامه المتكاثر حتى تطمئن نفوسكم، ويبتعد عنها الطمع والقلق والألم.
قال ابن كثير :قوله ﴿ واسألوا الله مِن فَضْلِهِ ﴾ أى لا تتمنوا ما فضلنا به بعضكم على بعض ؛ فإن التمنى لا يجدى شيئاً، ولكن سلونى من فضلى أعطكم فإنى كريم وهاب. روى أبو نعيم وابن مردويه عن ابن عباس قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل، وإن أحب عباد الله إلى الله للذى يحب الفرج ".
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ﴿ إِنَّ الله كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾ أى إن الله - تعالى - كان وما زال عليما بكل شئ من شئون هذا الكون، وقد وزع - سبحانه - أرزاقه ومواهبه على عباده بمقتضى علمه وحكمته، فجعل فيهم الغنى والفقير، فيحتاج بعضهم إلى بعض، وليتبادلوا المنافع التى لا غنى لهم عنها، وكلف كل فريق منهم بما يتناسب مع تكونيه واستعداده ﴿ صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾
ثم قال - تعالى ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون ﴾.
والمضاف إلى كل هنا محذوف عوض عنه التنوين. والتقدير ولكل إنسان أو لكل قوم أو لكل من مات، أو لكل من الرجال والنساء.
والموالى :جمع مولى. لفظ مشترك بين معان، فيقال للسيد المعتق لعبده مولى، لأنه ولى نعمته فى عتقه له. ويقال للعبد العتيق مولى لاتصال ولاية مولاه فى إنعامه عليه كما يقال لكل من الحليف والنصير والقريب مولى. ويقال لعصبة الشخص موالى.
قال الفخر الرازى :والمراد بالموالى هنا العصبة. ويؤكد ذلك ما رواه أبو صالح عن أبى هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنا أولى بالمؤمنين. من مات وترك مالا فماله للموالى العصبة. ومن ترك كلا فأنا وليه " وقال - عليه الصلاة والسلام - " اقسموا هذا المال فما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر ".
هذا، وللمفسرين فى تأويل هذه الآية الكريمة أقوال متعددة منها أن المعنى :
١- ولكل واحد من الرجال والنساء جعلنا ورثة عصبة، يرثون مما تركه الوالدان والأقربون من المال.
٢- أو المعنى :ولكل من مات من الرجال والنساء جعلنا مالى أى ورثة يقتسمون تركته عن طريق الإِرث، ولا حق للحليف فيها لأنه ليس من عصبة هذا الميت.
٣- أو المعنى :ولكل مال مما تركه الوالدان والأقربون جعلنا موالى أى ورثة يلونه ويجوزونه بعد أن يأخذ أصحاب الفروض نصيبهم.
وعلى هذه الوجوه يكون الوالدان والأقربون هم الذين يرثهم غيرهم من مواليهم أى عصبتهم.
٤- قال الفخر الرازى :ويمكن أن تفسر الآية بحيث يكون الوالدان والأقربون هم الورثة، فيكون المعنى :
ولكل واحد جعلنا ورثة فى تركته. ثم كأنه قيل :ومن هؤلاء الورثة ؟ فقيل. هم الوالدان والأقربون. وعلى هذا الوجه لا بد من الوقف عند قوله ﴿ مِمَّا تَرَكَ ﴾ :
هذا وتفسير الآية الكريمة بحيث يكون الوالدان والأقربون هم الذين يرثهم غيرهم من عصبتهم هو الأولى، لأنه هو الظاهر فى معنى الآية، وعليه سار جمهور المفسرين، فقد قال ابن جرير : " فالموالى ها هنا :الورثة. ويعنى بقوله ﴿ مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون ﴾ مما تركه والداه وأقرباؤه من الميراث. فتأويل الكلام، ولكل منكم أيها الناس جعلنا عصبة يرثون مما ترك والداه وأقرباؤه من ميراثهم.
وقال صاحب الكشاف :قوله ﴿ مِمَّا تَرَكَ ﴾ تبين لكل. أى :ولكل شئ مما ترك الوالدان والأقربون من المال جعلنا موالى أى ورثة يلونه ويحرزونه، أو ولكل قوم جعلناهم موالى نصيب مما ترك الوالدان والأقربون. على أن ﴿ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ﴾ صفة لكل، والضمير الراجع إلى كل محذوف، والكلام مبتدأ أو خبر. كما تقول :لكل من خلقه الله إنسانا من رزق الله. أى حظ من رزق الله.
وقال القرطبى :بين الله - تعالى - أن لكل إنسان ورثة وموالى، فلينتفع كل واحد بما قسم الله له من الميراث ولا يتمن مال غيره.
وقوله ﴿ والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ جملة من مبتدأ وخبر. وجئ بالفاء فى الخبر وهو قوله ﴿ فَآتُوهُمْ ﴾ لتضمن المبتدأ معنى الشرط.
وقوله ﴿ عَقَدَتْ ﴾ من العقد وهو الشد والربط والتوكيد والتغليظ، ومنه قولهم :عقد العهد يعقده، أى :شدة وأكده.
والأيمان :جمع يمين والمراد به هنا أيديهم اليمنى، وإسناد العقد إليها على سبيل المجاز، لأنهم كانوا عندما يؤثقون عقدا يضع كل واحد منهم يده فى يد الآخر، ليكون ذلك علامة على انبرام العقد وتأكيده. ومن هنا قيل للعقود الصفقات لأن كل عاقد يصفق بيمنه على يميمن الآخر.
ويصح أن يكون المراد بالأيمان هنا الأقسام التى كانوا يقسمونها ويحلفونها عند التعاقد على شئ يهمهم أمره.
وقد قرأ عصام وحمزة والكسائى ﴿ عقدت أيمانكم ﴾ وقرأ الياقون ﴿ عاقدت أيمانكم ﴾ وعلى كلتا القراءتين فالمفعول محذوف أى والذين عقدت حلفهم أيمانكم أو عاقدتهم أيمانكم.
وللعلماه فى المرد بقوله ﴿ والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ أقوال منها :
١- أن المراد بهم الحلفاء وهم موالى الموالاة وكان لهم نصيب من الميراث ثم نسخ، وقد ورد فى ذلك آثار منها ما أخرجه ابن جرير وغيره من قتادة قال :قوله تعالى - : ﴿ والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ كان الرجل يعاقد الرجل فى الجاهلية فيقول :دمى دمك، وهدمى هدمك.. أى مهدومى مهدومك وترثنى وأرثك، وتلطب بى وأطلب بك، فجعل له السدس من جميع المال في الإِسلام، ثم يقسم أهل الميراث ميراثهم.
فنسخ ذلك بعد فى سورة الأنفال فقال الله - تعالى - ﴿ وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله ﴾ ٢- ويرى بعضهم أن المراد بهم الأدعياء وهم الأبناء بالتبنى، وكانوا يتوارثون بسبب ذلك، ثم نسخه بآية سورة الأنفال السابقة.
٣- ويرى فريق ثالث أن المراد بهم إخوان المؤاخاة، فقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يؤاخى بين الرجلين من أصحابه وكانت تلك المؤاخاة سببا فى التوارث ثم نسخ ذلك بآية الآنفال السابقة.
٤- وقال أبو مسلم الأصفهانى :المراد بهم الأزواج، إذ النكاح يسمى عقدا.
والذى نراه أولى هو القول الأول لكثرة الآثار التى تؤيده، ولأنه هو الذى رجحه جمهور المفسرين، وعليه يكون المعنى :والذين عقدت حلفهم أيمانكم وهو الذين تحالفتم معهم على التناصير وغيره ﴿ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ أى فأعطوهم نصيبهم من الميراث وفاء بالعقود والعهود.
قال ابن جرير عند تفسيره لهذه الآية الكريمة. وأولى الأقوال بالصواب فى تأويل قوله - تعالى - ﴿ والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ قول من قال :والذين عقدت أيمانكم على المحالفة، وهم الحلفاء، وذلك أنه معلوم عند جميع أهل العلم بأيام العرب وأخبارها :أن عقد الحلف بينها كان يكون بالأيمان والعهود والمواثيق على نحو ما قد ذكرنا من الروايات فى ذلك.
وقال ابن كثير :وقوله ﴿ والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ أى والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم فآتوهم نصيبهم من الميراث كما وعدتموهم فى الأيمان المغلظة، إن الله شاهد بينكم فى تلك العقود والمعاهدات. وقد كان هذا فى ابتداء الإِسلام ثم نسخ بعد ذلك، وأمروا أن يوفوا من عاقدوا ولا ينشئوا بعد نزول هذه الآية معاقدة.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله ﴿ إِنَّ الله كَانَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ﴾ أى إن الله - تعالى - كان وما زال عالما بجميع الأشياء، ومطلعا على جبلها وخفيها، وسيجازى الذين يتمسكون بشريعته بما يستحقون من ثواب. وسيجازى الذين يتمسكون بشريعته بما يستحقون من ثواب. وسيجازى الذين ينحرفون عنها بما يستحقون من عقاب.
فالجملة الكريمة تذييل قصد به الوعد لمن أطاع الله والوعيد لمن عصاه.
ثم بين - سبحانه حقوق الرجال وحقوق النساء، وما يجب لكل فريق نحو الآخر، ودعا أهل الخير إلى محاولة الإِصلاح بين الزوجين إذا مادب الخلاف بينهما فقال - تعالى - : ﴿ الرجال... خَبِيراً ﴾.
الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ( ٣٤ ) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ( ٣٥ )
روى المفسرون روايات فى سبب نزول قوله - تعالى - ﴿ الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النسآء ﴾ الآية.
ومن هذه الروايات ما ذكره القرطبى من أنها " نزلت فى سعد بن الربيع نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن خارجة بن أبى زهير فلطمها ؛ فقال أبوها :يا رسول الله، أفرشته كريمتى فلطمها. فقال صلى الله عليه وسلم " لتقتص من زوجها ". فانصرفت مع أبيها لتقتص منه. فقال - عليه الصلاة والسلام - " ارجعوا هذا جبريل أتانى " فأنزل الله هذه الآية.
وقوله ﴿ قَوَّامُونَ ﴾ جمع قوام على وزن فعال للمبالغة من القيام على الشئ وحفظه. يقال :قال فلان على الشئ وهو قائم عليه وقوام عليه، إذا كان يرعاه ويحفظه ويتولاه. ويقال :هذا قيم المرأة وقوامها للذى يقوم بأمرها ويهتم بحفظها وإصلاحها ورعاية شئونها. أي :الرجال يقومون على شئون النساء بالحفظ والرعاية والنفقة والتأديب وغير ذلك مما تقتضيه مصلحتهن.
ثم ذكر - سبحانه - سببين لهذه القوامة.
أولهما :وهبى وقد بينه بقوله : ﴿ بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ﴾.
أى أن حكمة الله اقتضت أن يكون الرجال قوامين على النساء بسبب ما فضل الله به الرجال على النساء من قوة فى الجسم، وزيادة فى العلم، وقدرة على تحمل أعباء الحياة وتكاليفها وما يستتبع من دفاع عنهن إذا ما تعرضن لسوء.
قال الفخر الرازى :واعلم أن فضل الرجال على النساء حاصل من وجوه كثيرة :بعضها صفات حقيقية وبعضها أحكام شرعية. أما الصفات الحقيقة فاعلم أن الفضائل الحقيقية يرجع حاصلها إلى أمرين. إلى العلم وإلى القدرة.
ولا شك أن عقول الرجال وعلومهم أكثر. ولا شك أن قدرتهم على الأعمال الشاقة أكمل، فلهذين السببين حصلت الفضيلة للرجال على النساء فى العقل والحزم والقوة. وإن منهم الأنبياء والعلماء، وفيهم الإِمامة الكبرى والصغرى والجهاد، والأذان، والخطبة، والولاية فى النكاح. فكل ذلك يدل على فضل الرجال على النساء.
والمراد بالتفضيل فى قوله ﴿ بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ﴾ تفضيل الجنس على الجنس لا تفضيل الآحاد على الآحاد. فقد يوجد من النساء من هى أقوى عقلا وأكثر معرفة من بعض الرجال.
والباء للسببية، وما مصدرية، والبعض الأول المقصود به الرجال والبعض الثانى المقصود به النساء. والضمير المضاف إليه البعض الأول يقع على مجموع الفريقين على سبيل التغليب.
وقال - سبحانه - ﴿ بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ﴾ ولم يقل - مثلا - :بما فضلهم الله عليهن، للإِشعار بأن الرجال من النساء والنساء من الرجال كما قال فى آية أخرى ﴿ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ﴾ وللإِشارة إلى أن هذا التفضيل هو لصالح الفريقين، فعلى كل فريق منهم أن يتفرغ لأداء المهمة التى كلفه الله بها بإخلاص وطاعة حتى يسعد الفريقان.
وأما السبب الثاني :فهو كسبى وقد بينه - سبحانه - بقوله : ﴿ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾.
أى أن الله - تعالى - جعل الرجال قوامين على النساء بسبب ما فضل الله به الرجال على النساء من علم وقدرة. وبسبب ما ألزم به الرجال من إنفاق على النساء ومن تقديم المهور لهن عند الزواج بهن، ومن القيام برعايتهن وصيانتهن.
قال الآلوسى :واستدل بالآية على أن للزوج تأديب زوجته ومنعها من الخروج. وأن عليها طاعته إلا فى معصية الله - تعالى -. وفى الخبر " لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها " واستدل بها أيضا من أجاز فسخ النكاح عند الإعسار عن النفقة والكسوة. وهو مذهب مالك والشافعى، لأنه إذا خرج عن كونه قواما عليها فقد خرج عن الغرض المقصود بالنكاح. وعندنا لا فسخ لقوله - تعالى : ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ ﴾. واستدل بها أيضا من جعل للزوج الحجر على زوجته فى نفسها وما لها فلا تتصرف فيه إلا بإذنه، لأنه - سبحانه - جعل الرجل قواما بصيغة المبالغة. وهو الناظر على الشئ الحافظ له.
ثم شرع - سبحانه - فى تفصيل أحوال النساء. وفى بيان كيفية القيام عليهن بحسب اختلاف أحوالهن، فقسمهن إلى قسمين :
فقال فى شأن القسم الأول : ﴿ فالصالحات قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ الله ﴾.
أى :فالصالحات من النساء من صفاتهن أنهن ﴿ قَانِتَاتٌ ﴾ أى مطيعات لله - تعالى ولأزواجهن عن طيب نفس واطمئنان قلب، ومن صفاتهن كذلك أنهن ﴿ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ الله ﴾.
قال صاحب الكشاف :الغيب خلاف الشهادة. أى حافظات لمواجب الغيب. إذا كان الأزواج غير شاهدين لهن، حفظن ما يجب عليهن حفظه فى حال الغيبة من الفروج والأموال والبيوت. وعن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال. " خير النساء أمرأة إن نظرت إليها سرتك، وأن أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك فى مالها ونفسها "، ثم تلا الآية الكريمة.
و " ما " فى قوله ﴿ بِمَا حَفِظَ الله ﴾ يحتمل أن تكون مصدرية فيكون المعنى :أن هؤلاء النساء الصالحات المطيعات من صفاتهن أنهن يحفظن فى غيبة أزواجهن ما يجب حفظه بسبب حفظ الله لهن ورعايته إياهن بالتوفيق للعلم الذى يحبه ويرضاه.
ويحتمل أن تكون موصولة فيكون المعنى :أنهن حافظات لغيبة أزواجهن فى النفس والعرض والمال وكل ما يجب حفظه بسبب الأمر الذى حفظه الله لهن على أزواجهن حيث كلف الأزواج بالانفاق عليهن وبالإِحسان إليهن، فعليهن أن يحفظن حقوق أزاوجهن فى مقابلة الذى حفظه الله لهن من حقوق على أزواجهن.
فالجملة الكريمة تمدح النساء الصالحات المطيعات الحافظات لأسرار أزواجهن ولكل ما يجب حفظه من عرض أو مال أو غير ذلك مما تقتضيه الحياة الزوجية.
هذا هو القسم الأول من النساء، أما القسم الثانى فقد قال - سبحانه - فى شأنه : ﴿ واللاتي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهجروهن فِي المضاجع واضربوهن ﴾ والمراد بقوله ﴿ نُشُوزَهُنَّ ﴾ عصيانهن وخروجهن عما توجيه الحياة الزوجية من طاعة الزوجة لزوجها. يقال :نشزت الزوجة نشوزا أى :عصت زوجها وامتنعت عليه. وأصل النشوز مأخوذ من النشز بمعنى الارتفاع فى وسط الأرض السهلة المنبسطة ويكون شاذا فيها. فشبهت المرأة المتعالية على طاعة زوجها بالمرتفع من الأرض.
والمعنى :هذا شأن النساء الصالحات القانتات الحافظات للغيب بسبب حفظ الله لهن، أما النساء اللاتى تخافون ﴿ نُشُوزَهُنَّ ﴾ أى عصيانهن لكم، وترفعهن عن مطاوعتكم، وسوء عشرتهن ﴿ فَعِظُوهُنَّ ﴾ بالقول الذى يؤثر فى النفس، ويوجههن نحو الخير والفضيلة، بأن تذكروهن بحسن عاقبة الطاعة للزوج. وسوء عاقبة النشوز والمعصية، وبأن تسوقوا لهن من تعاليم الإِسلام وآدابه وتوجيهاته ما من شأنه أن يشفى الصدور، ويهدى النفوس إلى الخير.
قال ابن كثير :وقوله - تعالى - : ﴿ واللاتي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ أى النساء تخافون أن ينشزن على أزواجهن فعظوهن. والنشوز هو الارتفاع فالمرأة الناشز هى المرتفعة على زوجها التاركة لأمره، المعرضة عنه المبغضة له، فمتى ظهر له منها أمارات النشوز فليعظها وليخوفها عقاب الله، فإن الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته، وحرم عليها معصيته لماله عليها من الفضل، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها ".
وقوله ﴿ واهجروهن فِي المضاجع ﴾ أى وعليكم إذا لم تنفع الموعظة والنصيحة معهن أن تتركوهن منفردات فى أماكن نومهن.
فالمضاجع جمع مضجع - وهو مكان النوم والاضطجاع.
قال القرطبى :والهجر فى المضجع هو أن يضاجعها - أى ينام معها فى فراش واحد - ويوليها ظهره ولا يجامعها. وقال مجاهد : ﴿ واهجروهن فِي المضاجع ﴾ أى تجنبوا مضاجعهن أى - اهجروا أماكن نومهن بأن تناموا بعيدا عنهن -.
روى أبو داود بسند " عن معاوية بن حيدة القشيرى أنه قال :يا رسول الله :ما حق زوجة أحدنا عليه ؟ قال :أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه. ولا تقبح. ولا تهجر إلا فى البيت ".
وقوله ﴿ واضربوهن ﴾ معطوف على ما قبله. أى إن لم ينفع ما فعلتم من العظة والهجران فاضربوهن ضربا غير مبرح - أى غير شديد ولا مشين - فقد ثبت فى صحيح مسلم عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال فى حجة الوداع : " واتقوا الله فى النساء فانهن عوان عندكم - أى أسيرات عندكم - ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا كرهونه. فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح ".
وقد فسر العلماء الضرب غير المبرح بأنه الذى لا يكسر عظما، ولا يشين جارحة، وأن يتقى الوجه فإنه مجمع المحاسن ولا يلجأ إليه إلا عند فشل العلاجين السابقين.
وقد قال - سبحانه - ﴿ واللاتي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ ولم يقل :واللائى ينشزن، للإِشعار بأن يبدأ الزوج بعلاج عيوب زوجته عندما تظهر أمارات هذه العيوب وعلاماتها وأن لا يتركها حتى تشترى وتشتد، بل عليه عندما يخشى النشوز أن يعالجة قبل أن يقع، وأن يكون علاجه بطريقة حكيمة من شأنها أن تقنع وتفيد.
وبعضهم فسر الخوف، بالعلم أى واللاتى تعلمون نشوزهن فعظوهن... إلخ.
وبعضهم قدر مضافا فى الكلام أى :واللاتى تخافون دوام نشوزهن، فعظوهن واهجروهن فى المضاجع.. الخ.
وجمهور العلماء على أن من الواجب على الزوج أن يسلك فى معالجته لزوجته تلك الأنوار الثلاثة على الترتيب بأن يبدأ بالوعظ ثم بالهجر ثم بالضرب، لأن الله - تعالى - قد أمر بذلك، ولأنه قد رتب هذه العقوبات بتلك الطريقة الحكيمة التى تبدأ بالعقوبة الخفيفة ثم تتدرج إلى العقوبة الشديدة ثم إلى الأكثر شدة.
قال الفخر الرازى :وبالجملة فالتخفيف مراعى فى هذا الباب على أبلغ الوجوه. والذى يدل عليه اللفظ أنه - تعالى - ابتدأ بالوعظ. ثم ترقى منه إلى الضرب. وذلك تنبيه يجرى مجرى التصريح فى أنه متى حصل الغرض بالطريق الأخف، وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإِقدام على الطريق الأشق. وهذه طريقة من قال :حكم هذه الآية مشروع على الترتيب.
وقال بعض أصحابنا : " تحرير المذهب أن له عند خوف النشوز أن يعظها، وهل له أن يهجرها ؟ فيه احتمال. وله عند إيداء النشوز من يعظها أو يهجرها، أو يضربها.
ثم بين - سبحانه - ما يجب على الرجال نحو النساء إذا ما أطعنهم وتركن النشوز والعصيان
ثم بين - سبحانه - ما يجب عمله إذا ما نشب خلاف بين الزوجين فقال - تعالى - : ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فابعثوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَآ إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ﴾.
والمراد بالخوف هنا العلم. والخطاب لولاة الأمور وصلحاء الأمة. وقيل لأهل الزوجين.
والمراد بالشقاق ما يحصل بين الزوجين من خلاف ومعاداة. وسمى الخلاف شقاقاً لأن المخالف يفعل ما يشق على صاحبه، أو لأن كل واحد من الزوجين صار فى شق وجانب غير الذى فيه صاحبه.
وقوله ﴿ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ أصله شقاقا بينهما. فأضيف الشقاق إلى الظرف إما على إجرائه مجرى لمفعول فيه إتساعا. كقوله - تعالى - ﴿ بَلْ مَكْرُ الليل والنهار ﴾ وأصله بل مكر فى الليل والنهار.
وإما على إجرائه مجرى الفاعل بجعل البين مشاقا والليل والنهار ماكرين. كما فى قولك :نهارك صائم.
والمعنى :وإن علمتم أيها المؤمنون أن هناك خلافا بين الزوجين قد يتسبب عنه النفور الشديد، وانقطاع حبال الحياة الزوجية بينهما، ففى هذه الحالة عليكم أن تبعثوا ﴿ حَكَماً ﴾ أى رجلا صالحا عاقلا أهلا للإِصلاح ومنع الظالم من الظلم ﴿ مِّنْ أَهْلِهِ ﴾ أى من أهل الزوج وأقاربه ﴿ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ ﴾ أى من أقارب الزوجة بحيث يكون على صفة الأول :لأن الأقارب فى الغالب أعرف ببواطن الأحوال، وأطلب للإِصلاح، وتسكن إليهم النفس أكثر من غيرهم.
وعلى الحكمين فى هذه الحالة أن يستكشفا حقيقة الخلاف، وان يعرفا هل الإِصلاح بين الزوجين ممكن أو أن الفراق خير لهما ؟.
وظاهر الأمر فى قوله ﴿ فابعثوا ﴾ أنه للوجوب، لأنه من باب رفع المظالم ورفع المظالم من الأمور الواجبة على الحكام.
وظاهر وصف الحكمين بان يكون أحدهما من أهل الزوج والثانى من أهل الزوجة. أن ذلك شرط على سبيل الوجوب، إلا أن كثيرا من العلماء حمله على الاستحباب، وقالا :إذا بعث القاضى بحكمين من الأجانب جاز ذلك، لأن فائدة بعث الحكمين استطاع حقيقة الحال بين الزوجين، وهذا أمر يستطيعه الأقارب وغير الأقارب إلا أنه يستحب الأقارب فيه لأنهم أعرف بأحوال الزوجين، وأشد طلباً للإِصلاح، وأبعد عن الظنة والريبة، وأقرب إلى أن تسكن إليهم النفس.
والضمير فى قوله - تعالى - ﴿ إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً ﴾ يجوز أن يعود للحكمين ويجوز أن يكون للزوجين. وكذلك الضمير فى قوله ﴿ يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَآ ﴾ يحتمل أن يكون للحكمين وأن يكون للزوجين.
والأولى جعل الضمير الأول للحكمين والثانى للزوجين فيكون المعنى :إن يريدا أى الحكمان إصلاحا بنية صحيح وعزيمة صادقة، يوفق الله بين الزوجين بإلقاء الألفة والمودة فى نفسيهما، وانتزاع أسباب الخلاف من قلبيهما.
هذا، وقد اختلف العلماء فيما يتولاه الحكمان، أيتوليان الجمع والتفريق بين الزوجين بدون. إذنهما أم ليس لهما تنفيذ أمر يتعلق بالزوجين إلا بعد استئذانهما ؟.
يرى بعضهم أن للحكمين أن يلزما الزوجين بما يريانه بدون إذنهما، لأن الله - تعالى - سماهما حكمين، والحكم هو الذى بحسم الخلاف بما تقتضيه المصلحة سواء أرضى المحكوم عليه أم لم يرض ؛ ولأن القاضى هو الذى كلفهما بهذه المهمة فلما أن يتصرفا بما يريانه خيراً بدون إذن الزوجين ؛ ولأن عليا - رضى الله عنه - عندما بعث الحكمين لحسم الخلاف الذى نشب بين أخيه عقيل وبين زوجته قال لهما :أتدريان ما عليكما ؟ إن عليكما إن رأيتم أن تجمعا جمعتما وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما...
وإلى هذا الرأى اتجه ابن عباس والشعبى ومالك وأحمد بن حنبل وغيرهم.
ويرى الحسن وأبو حنيفة وغيرهما أنه ليس للحكمين أن يفرقا بين الزوجين إلا رضاهما لأنهما وكيلان للزوجين، ولأن الآية الكريمة قد بينت أن عملها هو الإصلاح فإن عجزا عنه فقد انتهت مهمتهما، ولأن الطلاق من الزوج وحده، ولا يتولاه غيره إلا بالنيابة عنه.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ﴾ أى :إنه - سبحانه - عليهم بظواهر الأمور وبواطنها. خبير بأحوال النفوس وطرق علاجها، ولا يخفى عليه شئ من تصرفات الناس وأعمالهم، وسيحاسبهم عليها.
فالجملة الكريمة تذييل المقصود منه الوعيد للحكمين إذا ما سلكوا طريقا يخالف الحق والعدل.
وبهذا نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد بينتا جانبا هاما مما يجب للرجال على النساء، ومما يجب للنساء على الرجال، فقد مدحت أولاهما النساء الصالحات المطيعات الحافظات لحق أزواجهن، ورسمت العلاج الناجع الذى يجب على الرجال أن يستعملوه إذا ما حدث نشوز من زوجاتهم، وحذرت الرجال من البغى على النساء إذا ما تركن النشوز وعدن إلى الطاعة والاستقامة ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ﴾. ثم طلبت الآية الثانية من ولاة الأمور وصلحاء الأمة أن يتدخلوا بين الزوجين إذا ما نشب خلاف بينهما، وأن يكون هذا التدخل عن طريق حكمين عدلين عاقلين يتوليان الإِصلاح بينهما، ويقضيان بما فيه مصلحة الزوجين، وقد وعد - سبحانه - بالتوفيق بين الزوجين متى صلحت النيات، وصفت النفوس، ومالت القلوب نحو التسامح والتعاطف قال - تعالى - ﴿ إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَآ إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ﴾.
وبهذا التشريع الحكيم تسعد الأمم والأسر، وتنال ما تصبوا إليه من رقى واستقرار
وبعد هذا البيان الحكيم الذى ساقته السورة الكريمة فيما يتعلق بأحكام الأسرة ووسائل استقرارها، وعلاج ما يكون بين الزوجين من أسباب النزاع..
بعد هذا البيان الحكيم عن ذلك أخذت السورة الكريمة فى دعوة الناس إلى عبادة الله وحده، وإلى التحلى بمكارم الأخلاق، ونهتهم عن الإِشراك بالله - تعالى -، وعن الغرور والبخل والرياء، وغير ذلك من الأعمال التى ترضى الشيطان وتغضب الرحمن فقال - تعالى - : ﴿ واعبدوا الله... حَدِيثاً ﴾.
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ( ٣٦ ) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ( ٣٧ ) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا ( ٣٨ ) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ( ٣٩ ) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ( ٤٠ ) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ( ٤١ ) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ( ٤٢ )
قال القرطبى ما ملخصه :أجمع العلماء على أن هذه الآية - وهى قوله - تعالى - ﴿ واعبدوا الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ - من المحكم المتفق عليه - ليس منها شئ منسوخ. وكذلك هى فى جميع الكتب. ولو لم يكن كذلك لعرف ذلك من جهة العقل وإن لم ينزل به الكتاب. والعبودية هى التذلل والافتقار لمن له الحكم والاختيار. فالآية أصل فى خلوص الأعمال لله وتصفيتها من شوائب الرياء وغيره. وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال الله - تعالى - أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملا أشرك فيه معى غيرى تركته وشركه ".
والمعنى :عليكم أيها الناس أن تخلصوا لله - تعالى - العبادة والخضوع، وأن تتجهوا إليه وحده فى كل شئونكم بدون أن تتخذا معه أى شريك لا فى عقيدتكم ولا فى عبادتكم ولا فى أقوالكم ولا فى أعمالكم، كما قال - تعالى - ﴿ وَمَآ أمروا إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين حُنَفَآءَ ﴾ وهذه العبادة الخالصة لله - تعالى - هى حقه - سبحانه - علينا، فهو الذى خلقنا وهو الذى رزقنا وهو المتفضل علينا فى جميع الحالات.
روى البخارى " عن معاذ بن جبل قال :كنت ردف النبى - صلى الله عليه وسلم - على حمار يقال له عفيرة. فقال :يا معاذ هل تدرى ما حق الله على عباده وما حق العباد على الله ؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال :فان حق الله على العبادة ان يبعدوه ولا يشركوا به شيئا. وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا. فقلت :يا رسول الله ! أفلا أبشر به الناس ؟ قال :لا تبشرهم فيتكلوا ".
وقد صدر سبحانه - تلك الوصايا الحكيمة التى اشتملت عليها الآية الكريمة بالأمر بعبادته والنهى عن أن نشرك به شيئا، لأن إخلاص العبادة له أساس الدين، ومداره الأعظم الذى بدونه لا يقبل الله من العبد عملاما، ولأن فى ذلك إيماء إلى ارتفاع شأن تلك الوصايا التى سيقت بعد ذلك، إذ قرنا بالعبادة والتوحيد يكسبها عظمة وجلالا.
وعطف النهى عن الشرك على الأمر بالعبادة لله - تعالى - من باب عطف الخاص على العام، لأن الإِشراك ضد التوحيد فيفهم من النهى عن الإِشراك الأمر بالتوحيد.
ثم أوصى - سبحانه - بالإِحسان إلى الوالدين فقال : ﴿ وبالوالدين إِحْسَاناً ﴾.
أى :عليكم أن تخلصوا لله العبادة ولا تشركوا معه شيئا، وعليكم كذلك أن تحسنوا إلى الوالدين بأن تطيعوهما وتكرموهما وتستجيبوا لمطالبهما التى يرضاها الله، والتى فى استطاعتكم أداؤها.
وقد جاء الأمر بالإِحسان إلى الوالدين عقب الأمر بتوحيد الله، لأن أحق الناس بالاحترام والطاعة بعد الله - عز وجل - هما الوالدان ؛ لأنهما هما السبب المباشر فى وجود الإِنسان.
ومن الآيات التى قرنت الأمر بالإِحسان إلى الوالدين بالأمر بطاعة الله قوله - تعالى - : ﴿ وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبالوالدين إِحْسَاناً ﴾ وقوله - تعالى - : ﴿ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وبالوالدين إِحْسَاناً ﴾ وقوله - تعالى - : ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بني إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله وبالوالدين إِحْسَاناً ﴾ ومن الأحاديث التى أمرت بالإِحسان إلى الوالدين ونهت عن الإِساءة إليهما ما رواه الترمذى عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " رضا الله فى رضا الوالدين وسخط الله فى سخط الوالدين ".
وروى أبو داود والبيهقى عن رجل من بنى سلمة أنه جاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال : " يا رسول الله هل بقى على من بر أبوى شئ أبرهما به بعد موتهما ؟ قال :نعم. الصلاة عليهما. والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التى لا توصل إلا بهما ".
وقد جاءت هذه الجملة وهى قوله تعالى ﴿ وبالوالدين إِحْسَاناً ﴾ فى صورة الخبر إلا أن المراد بها الأمر بالإِحسان إليهما، ففى الكلام محذوف والتقدير :وأحسنوا بالوالدين إحسانا. فقوله وبالوالدين متعلق بالفعل المقدر.
ثم أمر - سبحانه - بالإِحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين فقال :وبذى القربى واليتامى والمساكين.
أى وأحسنوا كذلك إلى أقاربكم الذين جمعت بينكم وبينهم رابطة القرابة والنسب، وإلى اليتامى الذين فقدوا الأب الحانى بأن تعطفوا عليهم، وترحموا ضعفهم، وتحسنوا تربيتهم ورعايتهم. وإلى المساكين الذين هم فى حاجة إلى العون والمساعدة لفقرهم وضعفهم وعدم وجود ما يقوم بكفايتهم.
وقد وردت آيات كثيرة فى القرآن الكريم تدعو المسلمين إلى الإِحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين، ومن ذلك قوله - تعالى - ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بني إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله وبالوالدين إِحْسَاناً وَذِي القربى واليتامى والمساكين ﴾ وقوله - تعالى - ﴿ وَآتِ ذَا القربى حَقَّهُ والمسكين وابن السبيل وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ﴾ ومن الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى ما رواه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من سره أن يبسط له فى رزقه وأن ينسأ له فى أثره فليصل رحمه "، وروى الشيخان أيضا عن سهل بن سعد عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أنا وكافل اليتيم فى الجنة كهذا وقال بإصبعيه السبابة والوسطى - أى أشار وفرج بين السبابة والوسطى ".
وروى البخارى غيره عن صفوان بن سليم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الساعى على الأرملة والمسكين كالمجاهد فى سبيل الله، أو كالذى يصم النهار ويقوم الليل ".
ثم أمر - سبحانه - بالإِحسان إلى طائفة أخرى من الناس فقال - تعالى - : ﴿ والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾.
والجار ذو القربى :هو الجار الذى قرب جواره. أو هو الذى له مع الجوار قرب واتصال بنسب أو دين، فإن له مع حق الجوار حق القرابة.
والجار الجنب :هو الجار الذى بعد جواره عن جوارك من الجنابة ضد القرابة. يقال :اجتنب فلان فلانا إذا بعد عنه. وقيل هو الجار الذى لا قرابة فى النسب بينه وبين جاره، ويقابله الجار ذو القربى.
وقد ساق ابن كثير عند تفسيره لهذه الجملة أكثر من عشرة أحاديث تتعلق بالإِحسان إلى الجار ومنها ما رواه الشيخان عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما زال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ".
وروى الترمذى عن عبد الله بن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه. وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره ".
والصاحب بالجنب :هو الرفيق فى كل أمر حسن :كتعليم أو تجارة أو سفر أو غير ذلك.
قال صاحب الكشاف : " والصاحب بالجنب :هو الذى صحبك بأن حصل بجنبك إما رفيقا فى سفر، وإما جارا ملاصقا، وإما شريكا فى تعلم علم أو حرفة، وإما قاعدا إلى جنبك فى مجلس أو مسجد أو غير ذلك فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإِحسان. وقيل :الصاحب بالجنب المرأة.
وابن السبيل :هو المسافر الذى انقطع عن بدله، ونفد ما فى يده من مال يوصله إلى مبتغاه.
والسبيل :الطريق فنسب المسافر إليه لمروره عليه وملابسته له.
ومن الإِحسان إليه. إيواؤه وإطعامه ومساعدته بما يوصله إلى موطنه.
والمراد بقوله ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ العبيد الأرقاء الذين ملكت رقابهم، فصاروا ضعاف الحيلة لامتلاك غيرهم لهم.
وقد أوصى النبى صلى الله عليه وسلم بالإِحسان إليهم فى كثير من الأحاديث ومن ذلك ما رواه أبو داود وابن ماجه عن على بن أبى طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " جعل يوصى أمته فى مرض موته فيقول :الصلاة الصلاة. اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم ".
وروى الإِمام أحمد والنسائى عن المقدام بن معد يكرب قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة. وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة. وما أطعمت زوجك فهو لك صدقة. وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة ".
وروى الشيخان عن أبى ذر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " هم إخوانكم خولكم. جعلكم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبكم. فإن كلفتموهم فأعينوهم ".
وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد أمرت الناس بإخلاص العبادة لله - تعالى -، كما أمرتهم بالإِحسان إلى آبائهم وإلى أقاربهم وإلى البائسين والمحتاجين وغيرهم ممن هم فى حاجة إلى مدّ يد العون والمساعدة.
وبتنفيذ هذه الوصايا السامية تسعد الإِنسانية، وتنال ما تصبوا إليه من رقى واستقرار. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ﴿ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ﴾.
والمختال :هو المتكبر المعجب بنفسه :سمى بذلك لأنه يتخيل لنفسه من السجايا والصفات والأفعال ما ليس فيه. فيستغلى على الناس ولا يلتفت إليهم.
والفخور :هو الشديد الفخر بما يقول أو يفعل، المكثر من ذكر مزاياه ومناقبه، والمحب لأن يحمد بما لم يفعل.
أى :إن الله لا يحب من كان متكبراً معجبا بنفسه، ومن كان كثير الفخر بما يقول أو يفعل لأن من هذه صفاته برعاية حقوق الناس بل إن غروره ليجعله يستنكف عن الاتصال بهم وإن فخره ليحمله على التطاول عليهم.
والجملة الكريمة علة لكلام محذوف والتقدير :لا تفتخروا ولا تختالوا فإن الله لا يحب من كان متصفا بهذه الصفات القبيحة.
وقوله ﴿ الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل ﴾ يدل من قوله ﴿ مُخْتَالاً فَخُوراً ﴾ أى :أن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ولا يحب الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل.
ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر والتقدير :الذى يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله مبغضون من الله أو أحقاء لكل ما ينزل بهم من عذاب. وحذف لتذهب نفس السامع فيه كل مذهب. ودل على هذا الخبر المحذوف قوله : ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً ﴾.
ويجوز أن يكون منصوبا أو مرفوعا على الذم. إلى غير ذلك مما ذكروه فى وجوه إعراب هذه الآية الكريمة.
والمعنى :أن الله - تعالى - لا يجب هؤلاء المختالين والفخورين، ولا يجب كذلك الذين لا يكتفون بالبخل بأموالهم عن إنفاق شئ منها فى وجوه الخير مع أن بخلهم هذا مفسدة عظيمة. بل يأمرون غيرهم بأن يكونوا بخلاء مثلهم، وأن يسلكوا مسلكهم الذميم.
قال صاحب الكشاف :أى يبخلوا بذات أيدهم وبما فى أيدى غيرهم. فيأمرونهم بأن يبخلوا به مقتا للسخاء ممن وجد منه السخاء. وفى أمثال العرب أبخل من الضنين بنائل غيره. ثم قال :ولقد رأيناه ممن بلى بداء البخل، من إذن طرق سمعه أن أحداً جاد على أحد، شخص به، أى قلق وضجر، وحل حبوته واضطرب ودارت عيناه فى رأسه. كأنما نهب رحله، وكسرت خزائنه ضجراً من ذلك وحسرة على وجوده.
وقوله : ﴿ وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ ﴾ بيان لرذيلة أخرى من رذائلهم الكثيرة أى :أنهم يبخلون بما فى أيديهم ويأمرون غيرهم بذلك، ويكتمون ويخفون نعم الله التى أعطاها لهم فلا يظهورها سواء أكانت هذه النعم نعما مالية أم علمية أم غير ذلك من نعم الله عليهم.
وقوله - تعالى - ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ بيان للمصير السئ الذى سيصيرون إليه بسبب أفعالهم القبيحة.
أى :وهيأنا لهؤلاء الجاحدين لنعم الله الكافرين بوحيه عذاباً يهينهم ويذلهم وينسيهم ما كانوا فيه من فخر وخيلاء وغرور.
قال الآلوسى ما ملخصه :ووضع - سبحانه - المظهر موضع المضمر ؛ للإِشعار بأن من هذا شأنه فهو كافر لنعم الله، ومن كان كافراً لنعمه فله عذاب يهينه كما أهان النعم بالبخل والإِخفاء.
وسبب نزول هذه الآية أن جماعة من اليهود كانوا يأتون رجالا من الأنصار فيقولون لهم :لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر فى ذهابها، ولا تسارعوا فى النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون. فأنزل الله قوله - تعالى - ﴿ الذين يَبْخَلُونَ ﴾ إلى قوله : ﴿ وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً ﴾.
وقيل :نزلت فى الذين كتموا صفة النبى صلى الله عليه وسلم وبخلوا بحق الله عليهم وهم أعداء الله - تعالى - أهل الكتاب.
وقوله - تعالى ﴿ والذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَآءَ الناس وَلاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر ﴾ معطوف على ﴿ الذين يَبْخَلُونَ ﴾.
وإنما شاركوهم فى الذم وسوء العاقبة لأن البخل بإظهار نعم الله فى مواضع الخير وكتمانها، يستوى مع الإِنفاق الذى لا يقصد به وجه الله فى القبح واستجلاب العقاب، إذ أن الذى ينفق ماله على سبيل الرياء والسمعة لا يتوخى به مواقع الحاجة، فقد يعطى الغنى ويمنع الفقير، وقد يبذل الكثير من المال ولكن فى المفاسد والشرور والمظاهر الكاذبة.
والمعنى :والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس أى قاصدين بإنفاقهم الرياء والسمعة لا وجه الله - تعالى - ولا يؤمنون بالله الذى له الخلق والأمر، ولا باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب... هؤلاء الذين يفعلون ذلك ببغضهم الله - تعالى -، ويجازيهم بما يستحقون من عذاب أليم.
روى مسلم عن أبى هريرة قال : " سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول :قال الله - تبارك وتعالى - :أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملا اشرك معى فيه غيرى تركته وشركه ".
وقوله ﴿ وَمَن يَكُنِ الشيطان لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً ﴾ جملة معترضة لبيان أن صحبتهم للشيطان ومطاوعتهم له هى التى دفعتهم إلى البخل وإلى الرياء وإلى عدم الإِيمان بالحق الذى آمن به العقلاء من الناس.
والمراد بالشيطان هنا :كل ما يغرى الإِنسان بالشر ويدفعه إليه من الانس أو الجن. والقرين :هو المصاحب والملازم للإِنسان. فهو فعيل بمعنى مفاعل، كخليط بمعنى المخالط. وساء هنا :بمعنى بئس. وقرينا تمييز مفسر للضمير المستكين فى ساء.
والمخصوص بالذم محذوف وهو الشيطان الذى يدفع الإِنسان إلى الشرور الآثام.
والمعنى ومن يكن الشيطان مقارنا ومصاحبا له فبئس المصاحب وبئس المقارن الشيطان لأنه يدعوه إلى المعاصى التى تفضى به إلى النار.
وفى الآية الكريمة إشارة إلى أن قرناء السوء يفسدون الأخلاق :لأن عدوى الأخلاق تسرى بالمجاورة، كما تسرى عدوى الأمراض البدنية.
والمقصود من الجملة الكريمة نهى الناس عن طاعة شياطين الإِنس والجن الذين يحرضون على ارتكاب الفواحش والقبائح، ويزينون لأتباعهم الشرور والآثام.
ثم وبخ - سبحانه - هؤلاء الذين يؤثرون رضا الناس على رضا الله، والذين كفروا بالحق بعد إذ جاءهم فقال - : ﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بالله واليوم الآخر وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ الله ﴾.
والمعنى :وأى ضرر على هؤلاء الكافرين البخلاء المرائين لو أنهم آمنا بالله - تعالى - حق الإِيمان، وآمنوا باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، وأنفقوا مما رزقهم الله من فضله ابتغاء وجهه ؟.
إنه لا ضرر مطلقا من إيمانهم وإنفاقهم واستجابتهم للحق، بل إن الخير كل الخير فى اتباع ذلك، والشر كل الشر فيما هم عليه من كفر وبخل ورياء.
فالجملة الكريمة توبيخ لهم على سلوكهم الطريق المعوج وتركهم للطريق المستقيم.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله :قوله ﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ ﴾. وأى تبعة عليهم فى الإِيمان والإِنفاق فى سبيل الله. والمراد الذم والتوبيخ. وإلا فكل منفعة ومفلحة فى ذلك :وهذا كما يقال للمنتقم :ما ضرك لو عفوت وللعاق :ما كان يرزؤك لو كنت بارا. وقد علم أنه لا مضرة ولا مرزأة فى العفو والبر. ولكنه ذم وتجهيل وتوبيخ بمكان المنفعة.
وقوله ﴿ وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً ﴾ تذييل قصد به تهديهم على إيثارهم طريق الغى على طريق الرشد.
أى :وكان الله بهم عليما علماً بشمل بواطنهم وظواهرهم، وسيجازيهم على ما أسروه وما أعلنوه بالعقاب الذى يستحقونه.
ثم بين - سبحانه - أنه منزه عن الظلم بعد أن أقام الحجة على الظالمين، ودعاهم إلى سلوك طريق الخير، فقال ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ﴾.
والمثقال :مفعال من الثقل. ويطلق على الشئ القليل الذى يحتمل الوزن.
والذرة :تطلق على النملة، وعلى الغبار الذى يتطاير من التراب عند النفخ.
وهذا أحقر ما يقدر به الشئ، فعلم انتفاء ما هو أكثر منه بالأولى.
والمراد :أن الله - تعالى - لا ينقص أحدا من ثواب عمله شيئا مهما ضؤل هذا الشئ وحقر، فخرج الكلام على أصغر شئ يعرفه الناس. كما قال - تعالى - ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾ وكما فى قوله - تعالى - ﴿ وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وكفى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾
ومفعول يظلم محذوف والتقدير :لا يظلم أحدا مثقال ذرة.
وقوله ﴿ مِثْقَالَ ﴾ منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف أى لا يظلم أحد ظلما وزن ذرة. كما تقول :لا أظلم قليلا ولا كثيرا.
وقوله ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ﴾ بيان لسعة جوده - سبحانه - وعظيم رحمته وعفوه.
وقد قرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر ﴿ حَسَنَةً ﴾ - بالضم - على أن ﴿ تَكُ ﴾ مضارع كان التامة أى وإن توجد أو تحصل حسنة يضاعفها.
وقرأ الباقون ﴿ حَسَنَةً ﴾ - بالنصب - على أنها خبر لقوله ﴿ تَكُ ﴾ المشتقة من كان النقاصة. وأصل ﴿ تَكُ ﴾ تكن فحذفت النون من آخر الفعل من غير قياس تشبيها لها بحروف العلة، وتخفيفا لكثرة الاستعمال.
والضمير المستتر فى الفعل " تلك " يعود إلى المثقال. وجئ به مؤنثا مراعاة للفظ ذرة الذى أضيف إليه لفظ مثقال ؛ لأن لفظ مثقال مبهم لا يميزه إلا لفظ ذرة فكان كالمستغنى عنه.
وقيل :إنما جئ به مؤنثا حملا على المعنى، لأنه بمعنى :وإن تك زنة ذرة حسنة يضاعفها.
وقيل :إنما جئ به كذلك لأن المضاف قد يكتسب التأنيث من المضاف إليه إذا كان جزأه كما فى نحو قولهم :كما شرقت صدر القناة من الدم..
والمعنى :إن الله - تعالى - بفضله وجوده لا يظلم الناس شيئا، ولا ينقصهم أى نقص من ثواب أعمالهم بل يجازيهم بها ويثيبهم عليها ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا ﴾ أى وإن تك الفعلة الحسنة بالغة فى القلة مثقال ذرة يضاعف ثوابها بكرمه وجوده أضعافا كثيرة. وفوق ذلك فإنه - سبحانه - يعطى من يشاء إعطاءه عطاء عظيما من عنده ولا يعلم مقدار هذا العطاء إلا هو - سبحانه.
وفى إضافة هذا العطاء العظيم إلى ذاته - تعالى - فى قوله ﴿ مِن لَّدُنْهُ ﴾ تشريف له، وتهويل من شأنه.
وسماه أجرا لكونه جزاء على العمل الصالح الذى عمله عباده المؤمنون الصادقون. هذا، وقد أورد الإِمام ابن كثير جملة من الأحاديث فى معنى هذه الآية ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أبى سعيد الخدرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حديث الشفاعة الطويل وفيه :فيقول الله - تعالى - لملائكته ! ارجعوا. فمن وجدتم فى قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه من النار، فيخرجون خلقا كثيرا. ثم يقول أبو سعيد :اقرؤا إن شئتم قوله - تعالى - ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾.
وروى أبو دواد الطيالسى فى مسنده عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الله لا يظلم المؤمن حسنة. يثاب عليها الرزق فى الدنيا. ويجزى بها فى الآخرة. وأما الكافر فيطعم بها فى الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم يكن له حسنة ".
ثم نبه - سبحانه - هؤلاء الكافرين إلى ما سيكونون عليه من حال سيئة يوم القيامة إذا استمروا فى كفرهم فقال : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً ﴾.
قال الفخر الرازى :وجه النظم هو أنه - تعالى - بين أن فى الآخرة لا يجرى على أحد ظلم، وأنه - تعالى - بجازى المحسن على إحسانه ويزيده على قدر حقه. فبين فى هذه الآية - وهو قوله - تعالى - ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ أن ذلك يجرى بشهادة الرسل الذين جعلهم الله الحجة على الخلق لتكون الحجة على المسئ أبلغ. والتبكيت له أعظم. وحسرته أشد. ويكون سرور من قبل من الرسول وأظهر الطاعة أعظم. ويكون هذا وعيداً للكفار الذين قال الله فيهم ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ ووعداً للمطيعين الذين قال فيهم ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا ﴾.
والفاء فى قوله " فكيف " للإِفصاح عن شرط مقدر نشأ من الكلام السابق وكيف فى محل رفع خبر لمبتدأ محذوف.
والتقدير :إذا أيقنت بما أخبرناك به أيها الرسول الكريم أو أيها السامع من أن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيما فكيف سيكون حال هؤلاء الكفرة إذا ما جئنا من كل أمة من الأمم السابقة بشهيد يشهد عليهم بما ارتكبوه من سوء الصنيع وقبح الأعمال، وهذا الشهيد هو نبيهم الذى أرسله الله لهدياتهم، وجئنا بك يا محمد شهيداً على هؤلاء الذين بعثك الله لإِخراجهم من الظلمات إلى النور فكذبوك واستحبوا العمى على الهدى.
لا شك أن حالهم سيكون أسوأ حال، ومصيرهم سيكون أقبح مصير، بسبب كفرهم وبخلهم وريائهم واتباعهم للهوى والشيطان.
ومن العلماء من يرى أن المراد بقوله - تعالى - ﴿ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً ﴾ أى جئنا بك يا محمد شهيداً على هؤلاء الأنبياء بأنهم قد بلغوا رسالة الله ولم يقصروا فى نصيحة أقوامهم.
والذى نراه أولى هو أن شهادة النبى صلى الله عليه وسلم تشمل كل ذلك أى تشمل شهادته على قومه بأنه قد بلغهم رسالة الله، وشهادته للأنبياء السابقين بأنهم نصحوا لأقوامهم وبلغوا رسالة ربهم، لأن النبى صلى الله عليه وسلم قد أعطاه الله تعالى - من المنزلة العالية ما لم يعط أحدا سواه.
روى الشيخان وغيرهما " عن عبد الله بن مسعود قال :قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم :اقرأ على شيئا من القرآن. فقلت يا رسول الله أأقرأ عليك وعليك أنزل قال :نعم. إنى أحب أن اسمعه من غيرى. فقرأت عليه سورة النساء :حتى أتيت إلى هذه الآية : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ الآية فقال :حسبك الآن فإذا عيناه تذرفان ".
وقوله تعالى - ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول ﴾ استئناف مبين لحالهم التى أشير إلى شدتها وفظاعتها بقوله ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً ﴾.
والتنوين فى قوله ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ عوض عن الجملتين السابقتين أى مجئ الشهيد على كل أمة، ومجئ الرسول شهيدا على قومه.
أى :يوم أن يشهد الرسل على أقوامهم بأنهم قد بلغوهم رسالة الله، ويوم أن تشهد أنت يا محمد على من كذبك من قومك بأنك قد أمرتهم بعبادة الله وحده يومئذ وهو يوم القيامة، يتمنى ويحب الذين كفروا وعصوا الرسول الذى جاء لهدايتهم ﴿ لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض ﴾ أى يودون لو انشقت الأرض فبلعتهم لما يرون من هول الموقف ولما سيحل بهم من الخزى والفضيحة والعذاب. أو يودون لو يدفنون فيها فتسوى عليهم كما تسوى على الموتى ويبقون على هذه الحال فى باطنها بدون بعث أو نشور، حتى ما أُعد لهم من عقاب بسبب سوء أعمالهم.
والمقصود أنهم لشدة خوفهم وفزعهم يتمنون أن لو أفتم الأرض فى باطنها بحيث لا يظهر شئ منهم عليها فى أى وقت من الأوقات.
وجملة ﴿ لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض ﴾ مفعول ﴿ يَوَدُّ ﴾ على أن لو مصدرية. أى :يودون أن يدفنوا وتسوى الأرض متلبسة بهم حتى لكأنهم جزء منها.
وقوله ﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً ﴾ معطوف على ﴿ يَوَدُّ ﴾ أى أنهم يومئذ يودون لوتسوى بهم الأرض، ويعترفون لله تعالى بجميع ما فعلوه، لأنهم لو كتموا شيئا بألسنتهم لشهدت عليهم بقية جوارحهم.
ويصح أن تكون الواو فى قوله ﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ ﴾ للحال. أى :أنهم يومئذ يودون لوتسوى بهم الأرض والحال أنهم مع ذلك لا يكتمون عن الله - تعالى - حديثا من أحوالهم فى الدنيا لأنهم لا يستطيعون هذا الكتمان.
والمقصود أنهم مع شدة هلعهم وجزعهم لن يستطيعوا أن يفلتوا من عقاب الله، ولن يستطيعوا أن يكتموا شيئا مما ارتكبوه من جرائم.
أخرج ابن جرير عن الضحاك أن نافع بن الأزرق - وكان ممن يسألون عن متشابه القرآن - أنى إلى ابن عباس فقال :يا ابن عباس :قال الله - تعالى - ﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً ﴾ وقوله ﴿ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ - كيف الجمع بينهما - ؟ فقال له ابن عباس. إنى أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت :ألقى على ابن عباس متشابه القرآن. فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله - تعالى - يجمع الناس يوم القيامة فى بقيع واحد. فيقول المشركون :إن الله لا يقبل من أحد شيئا إلا ممن وحده. فيقولون :تعالوا نجحد فيسألهم فيقولون :والله ربنا ما كنا مشركين.
قال :فيختم على أفواههم ويستنطق جوارحهم فنشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين. فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سويت بهم ولا يكتمون الله حديثا.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أمرت بإخلاص العبادة لله - تعالى - وحده كما أمرت بالإِحسان إلى الوالدين والأقربين، واليتامى والمساكين ؛ وإلى الجار القريب والبعيد، وإلى الصاحب والمسافر والمملوك، ونهت عن البخل والرياء وجحود الحق واتباع الشيطان. وبينت أن الله - تعالى - لا يظلم أحداً مثقال ذرة وأنه - سبحانه - يضاعف ثواب الحسنات، ويعطى المحسن من ألوان الخير مالا يعلمه إلا هو - سبحانه - ونبهت الكافرين إلى سوء مصيرهم حتى يثوبوا إلى رشدهم ويسيروا فى الطريق القويم من قبل أن يأتى يوم تنكشف فيه الحقائق وينالون فيه ما يستحقون من عقاب دون أن ينفعهم الندم أو التمنى.
ثم وجه - سبحانه - بعد ذلك نداء إلى المؤمنين بين لهم فيه بعض الأحكام التى تتعلق بالصلاة وأرشدهم إلى ما يجب عليهم عند أدائها من تظهير بدنى وروحى حتى يكونوا أهلا لرضا الله وحسن قبوله، فقال - تعالى - : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ ﴾.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ( ٤٣ )
روى المفسرون فى سبب نزول الآية الكريمة روايات منها ما رواه أبو داود والنسائى عن على بن أبى طالب أنه كان هو وعبد الرحمن بن عوف ورجل آخر، قد شربوا الخمر. فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ :قل يا أيها الكافرون. فخلط فيها. فنزلت : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى ﴾.
وروى الترمذى وابن أبى حاتم عن على بن أبى طالب قال :صنع لنا بعد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر. فأخذت الخمر منا. وحضرت الصلاة. فقدموا فلانا. قال :فقرأ : " قل يأيها الكافرون. أعبد ما تعبدون. ونحن نعبد ما تعبدون " فأنزل الله الآية.
قال ابن كثير :وقد كان هذا النهى قبل تحريم الخمر. كما دل عليه الحديث الذى ذكرناه فى سورة البقرة عند قوله - تعالى - ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر ﴾ الآية فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلاهما على عمر. فقال :اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا. فلما نزلت هذه الآية تلاها عليه فقال :اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا. فكانوا لا يشربون الخمر فى أوقات الصلاة - وفى رواية لأبى داود :فكان منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قامت الصلاة ينادى :لا يقربن الصلاة سكران - حتى نزل قوله - تعالى - فى سورة المائدة : ﴿ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه ﴾ إلى قوله : ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾ فقال عمر :انتهينا انتهينا.
والمراد بالصلاة عند كثير من العلماء :الهيئة المخصوصة من قراءة وقيام ركوع وسجود.
والمراد بقربها :القيام إليها والتلبس بها، إلا أنه - سبحانه - نهى عن القرب منها مبالغة فى النهى عن غشيانها وهم بحالة تتنافى مع جلالها والخشوع فيها.
وقوله ﴿ سكارى ﴾ جمع سكران.
وأصل السكر فى اللغة السد. ومنه قولهم سكرت الطريق أى سددته. ومنه قوله - تعالى - حكاية عن الكافرين ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ أى :انسدت فصارت لا ينفذ إليها النور، ولا ندرك الأشياء على حقيقتها.
والمراد بالسكر هنا الحالة التى تحصل لشارب الخمر والتى يفقد معها وعيه، ويسد ما بين المرء وعقله.
والجنب :من أصابته الجناية بسبب جماع أو احتلام أو غيرهما. وهذا اللفظ يستوى فيه - على الصحيح - الواحد، والمثنى، والجمع، والمذكر والمؤنث لجريانه مجرى المصدر، واشتقاقه من المجانبة بمعنى المباعدة.
وعابر السبيل :مجتاز الطريق وهو المسافر. أو من يعبر الطريق من جانب إلى جانب.
يقال :عبرت هذا الطريق فأنا أعبره عبرا وعبورا. ومنه قيل :عبر فلان النهر إذا قطعه وجازه.
والمعنى :يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن تؤدوا الصلاة وأنتم فى حالة السكر.
حتى تكونوا بحيث تعلمون ما تقولونه قبل أدائها، ولا فى حال الجنابة حتى تغتسلوا ؛ إلا أن تكونوا مسافرين ولم تجدوا ماء فتيمموا لكى تؤدوها.
ومن العلماء من يرى أن المراد بالصلاة هنا :مواضعها وهى المساجد. فالكلام مجاز مرسل بتقدير مضاف فهو من باب ذكر الحال وإرادة المحل.
والمعنى عليه :لا تقربوا مواضع الصلاة وهى المساجد وأنتم سكارى، ولا تقربوها وأنتم جنب حتى تغتسلوا إلا أن تكونوا تريدون اجتيازها من باب إلى آخر من غير مكث فيها إنه يجوز لكم ذلك.
روى ابن جرير عن الليث قال :حدثنا يزيد بن أبى حبيب عن قول الله - تعالى - : ﴿ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾ أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم فى المسجد تصيبهم نابة ولا ماء عندهم فيريدون الماء. ولا يجدون ممرا إلا فى المسجد. فأنزل الله - تعالى - ﴿ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾.
وقال بعض العلماء :وبالجملة فالحال الأولى أعنى قوله ﴿ وَأَنْتُمْ سكارى ﴾ تقوى بقاء الصلاة على معناها الحقيقى، من دون تقدير مضاف :وقوله : ﴿ إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾ يقوى تقدير المضاف. أى :لا تقربوا موضع الصلاة.
ويمكن أن يقال :إن بعض قيود النهى - وهو قوله : ﴿ وَأَنْتُمْ سكارى ﴾ يدل على أن المراد بالصلاة معناها الحقيقى.
وبعض قيود النهى - وهو قوله :إلا عابرى سبيل - يدل على أن المراد مواضع الصلاة.
ولا مانع من اعتبار كل واحد منهما مع قيده الدال عليه. ويكون ذلك بمنزلة نهيين مقيد كل واحد منهما بقيد. وهما :لا تقربوا الصلاة التى هى ذات الأذكار والأركان وأنتم سكارى. ولا تقربوا مواضع الصلاة حال كونكم جنبا إلا حال عبوركم المسجد من جانب إلى جانب. وغاية ما يقال فى هذا إنه من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز.
وفى ندائهم بصفة الإيمان، تحريك لحرارة العقيدة فى قلوبهم، وتوجيه لنفوسهم إلى ما يستدعيه الإِيمان من طاعة واستجابة لله رب العالمين.
وقوله ﴿ وَأَنْتُمْ سكارى ﴾ جملة حالية. أى لا تقربوها فى حال السكر، لأن ذلك يتنافى مع الإِيمان السليم، ومع ما تستحقه الصلاة من خشوع واستحضار للقلب. وإنما الذى يقتضيه إيمانكم وحياؤكم من الله أن تدخلوا فى الصلاة وأنتم بكامل وعيكم، واستحضاركم لما يستلزمها من خشوع وأدب.
ولا شك أن هذا كان قبل أن ينزل التحريم القطاع لشرب الخمر فى جمع الأوقات كما سبق أن أشرنا.
وقوله ﴿ حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ﴾ غاية للنهى وإيماء إلى علته.
وحتى هنا حرف جر بمعنى إلى، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة. وما فى قوله ﴿ مَا تَقُولُونَ ﴾ موصولة بمعنى الذى أو نكرة موصوفة والعائد محذوف أى تقولونه.
أى :حتى تعلموا ما تقولونه علما يقينيا لا غلط معه ولا تخليط، بأن تعقلوا ما اشتملت عليه الصلاة من تكبير وقراءة وتسبيح ودعاء وغير ذلك مما تقتضيه الصلاة.
قال الآلوسى :وقد روى أنهم كانوا بعدما أنزلت الآية لا يشربون الخمر فى أوقات الصلاة، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون.
وقوله ﴿ وَلاَ جُنُباً ﴾ معطوف على قوله ﴿ وَأَنْتُمْ سكارى ﴾ إذ الجملة فى موضع النصب على الحال. والاستثناء فى قوله ﴿ إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾ مفرغ من أعم الأحوال.
وقوله ﴿ حتى تَغْتَسِلُواْ ﴾ بيان لغاية المنع بالنسبة للجنب.
والاغتسال :تعميم الجسد كله بالماء. وهو بعد الجنابة طهارة حسية وتنشيط للبدن بعد أن أصابه بعض التعب بسبب الأفعال التى أدت إلى الجنابة. وهو كذلك طهارة نفسية، لأنه يبعث فى الإِنسان حسن الاستعداد لذكر الله ولأداء الصلاة بعد أن استحكمت الشهوة وسيطرت على صاحبها لفترة من الوقت. فبالاغتسال بعد قضاء الشهوة يتجدد للبدن نشاطه، وللروح صفاؤها وحسن استعدادها لطاعة الله.
ثم شرع - سبحانه - فى بيان الأعذار التى تبيح التيمم عند العجز عن الماء فقال : ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً ﴾ والمراد بالمرض فى قوله - تعالى - : ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى ﴾ :المرض الذى يمنع من استعمال الماء مطلقا، كأن يكون استعمال الماء يزيد المرض شدة، أو يبطئ البرء، فإن الله - تعالى - قد أباح للمريض فى هذه الأحوال وأمثالها أن يتيمم بدل الوضوء أو الغسل. كما أباح له - أيضا - أن يتيمم عند فقد الماء أو ما فى حكم ذلك.
وقوله : ﴿ أَوْ على سَفَرٍ ﴾ فى محل نصب عطفا على خبر كان وهو قوله : ﴿ مرضى ﴾.
أى :وكذلك أباح الله لكم التيمم عند السفر إذا لم تجدوا ماء، أو كان معكم من الماء ما أنتم فى حاجة شديدة إليه، أو كان هناك ما يمنع من استعمال الماء.
وقوله ﴿ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط ﴾ معطوف على قوله : ﴿ كُنْتُمْ ﴾.
والغائظ من الغيظ. وهو المكان المنخفض من الأرض. وهو هنا كناية عن الحدث لأن العادة جرت على أن من بريد الحدث يذهب إلى ذلك المكان المنخفض ليتوارى عن أعين الناس.
وفى إسناد المجئ إلى واحد مبهم من المخاطبين، سمو فى الخطاب، حيث تحاشى - سبحانه - التصريح بنسبتهم إلى ما يستحيا من ذكره أو ما بستهجن التصريح به.
أى وكذلك أباح الله لكم التيمم إن كنتم محدثين ولم تجدوا ماء تتطهرون به من الحدث أو تجدونه ولكن هناك ما يمنعكم من استعماله.
والمراد بالملامسة فى قوله ﴿ أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء ﴾ الجماع عند بعض الفقهاء قال الآلوسى ما ملخصه :قوله - تعالى - ﴿ أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء ﴾ يريد - سبحانه - :أو جامعتم النساء.
إلا أنه كنى بالملامسة عن الجماع، لأنه ما يستهجن التصريح به أو يستحيى منه. وإليه ذهب ابن عباس والحسن وغيرهما.
وعن ابن مسعود أن المراد بالملامسة ما دون الجماع. أى ما سستم بشرتهن ببشرتكم. وبه استدل الشافعى على أن اللمس بنقض الوضوء.
وقال مالك :إن كان اللمس بشهوة نقض وإلا فلا...
وذهب أبو حنيقة إلا أنه لا ينتقض الوضوء بالمس ولو بشهوة... والفاء فى قوله ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً ﴾ عطفت ما بعدها على الشرط السابق وهو قوله ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى ﴾. والضمير فى قوله ﴿ تَجِدُواْ ﴾ يعود لكل من تقدم من مريض ومسافر ومتغوط وملامس. وفيه تغليب للخطاب على الغيبة. وذلك أنه تقدم ضمير الغيبة فى قوله ﴿ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط ﴾ بينما تقدم ضمير المخاطب فى قوله ﴿ كُنْتُمْ ﴾ ﴿ لاَمَسْتُمُ ﴾.
والمراد بعدم الوجدان هنا ما هو أعم من الوجود الحسى. أى أن قوله ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً ﴾ كناية عن عدم التمكن من استعماله وإن وجد حسا، إذ أن الشئ المتعذر استعماله كالمعدوم.
وقوله ﴿ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً ﴾ جواب الشرط وهو قوله : ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ ﴾.
والمعنى :وإن كنتم أيها المؤمنون فى حالة مرض أو على سفر أو كنتم محدثين أو لامستم النساء فلم تجدوا فى تلك الأحوال ما تستعملونه لطهارتكم، أو وجدتم ماء ولكن منعكم مانع من استعماله، فعليكم أن تتيمموا صعيدا طيبا، بدلا من الماء، فان الله - تعالى - ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ ﴾ ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله : ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً ﴾ يعود إلى الجمع ما عدا المرضى، لأن المرضى يباح لهم التيمم مع وجود الماء إذا تضرروا من استعماله.
وعلى هذا الرأى يكون المراد بعدم الوجدان. عدم الوجدان الحسى.
والتيمم لغة :القص
وكأن السورة الكريمة بعد أن نظمت المجتمع الإِسلامي هذا التنظيم الداخلى السليم، أخذت فى تحذير المؤمنين من عدوهم الخارجى، وأطلعتهم على ما يضمره لهم أهل الكتاب من كراهية وبغضاء.
استمع إلى السورة الكريمة وهى تحكى كى ذلك فتقول : ﴿ أَلَمْ تَرَ.... بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ﴾.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ( ٤٤ ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا ( ٤٥ ) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ( ٤٦ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آَمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ( ٤٧ ) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ( ٤٨ ) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ( ٤٩ ) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا ( ٥٠ ) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا ( ٥١ ) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ( ٥٢ ) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا ( ٥٣ ) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ( ٥٤ ) فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ( ٥٥ )
قال الآلوسى :قوله - تعالى - ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ هذه الكلمة قد تذكر لمن تقدم علمه فتكون للتعجب والتقدير والتذكير لمن علم بما يأتى كالأحبار وأهل التواريخ، وقد تذكر لمن لا يكون كذلك فتكون لتعريفه وتعجيبه. وقد اشتهرت فى ذلك حتى أجريت مجرى المثل فى هذا الياب. بأن شبه حال من لم ير الشئ بحال من رآه فى أنه لا ينبغى أن يخفى عليه وأنه ينبغى أن يتعجب منه ثم أجرى الكلام معه كما يجرى مع من رأى قصدا إلى المبالغة فى شهرته وعراقته فى التعجب - والرؤية إما بمعنى الإِبصار - أى ألم تنظر إليهم، وإما بمعنى الإِدراك القلبى متضمنا معنى الوصول والانتهاء - أى ألم ينته علمك إليهم.
والمراد ب ﴿ الذين ﴾ أحبار اليهود. والمراد بالذى أوتوه ما بين لهم فى الكتاب من العلوم والأحكام التى من جملتها ما علموه من نعوت النبى صلى الله عليه وسلم ومن حقية دين الإِسلام بالاتباع.
والمرد بالكتاب :التوراة التى أنزلها الله - تعالى - على موسى عليه السلام - ليكون هداية لبنى إسرائيل، فحرفوها تركوا العمل بها.
والمراد بالسبيل :الطريق المستقيم وهو طريق الإِسلام فأل فيه للعهد.
والمعنى :ألم ينته علمك إلى حال هؤلاء الأحبار من اليهود الذين أعطوا حظا ومقدارا من علم التوراة ؟ إن كنت لم تعلم أحوالهم أو لم تنظر إليهم فهاك خبرهم وتلك هى حقيقتهم، إنهم يشترون الضلالة وهو البقاء على اليهودية بعد وضوح الآيات لهم الدالة على صحة دين الإِسلام، وهم لا يكتفون بتلبسهم بالضلال الذى أشربته نفوسهم، بل يرديون لكم يا معشر المسلمين أن تتكروا دين الإِسلام الذى هو السبيل الحق، وأن تتبعوه فى ضلالهم وكفرهم.
فالمقصود من الآية الكريمة تعجيب المؤمنين من سوء أحوال أولئك الأحبار، وتحذير لهم من موالاتهم أو من الاستماع إلى أكاذيبهم وشبهاتهم.
والخطاب لكل من يصلح له من المؤمنين. وتوجيهه إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - هنا مع توجيهه بعد ذلك إلى الكل - فى قوله ﴿ أَن تَضِلُّواْ ﴾ - للإِيذان بكما لشهرة شناعة حال أولئك اليهود، وأنها بلغت من الظهور إلى حيث يتعجب منها كل من يراها أو يعلمها.
وقد وصفهم - سبحانه - بأنهم أوتوا نصيباً من الكتاب، ولم يؤتوا الكتاب كله، لأنهم نسوا حظا كبيراً مما ذكروا به، ولم يبق عندهم من علم الكتاب إلا القليل، وهذا القليل لم يعملوا به بل حرفوه وبدلوه وأخضعوا تفسيره لأهوائهم وشهواتهم.
وقوله ﴿ يَشْتَرُونَ الضلالة وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السبيل ﴾ هو موطن التعجب من شأنهم لأنهم لا يطلبون الضلالة بفتور أو تريث وإنما يطلبونها بشراهة ونهم ويدفعون فيها أغلى الأثمان وهو الهدى، ولا يكتفون بذلك بل يبتغون من المؤمنين أن يكونوا مثلهم فى الضلال.
وقريب من معنى هذه الآية قوله تعالى - ﴿ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً ﴾ وذكر سبحانه - الشئ الذى اشتروه وهو الضلالة، وطوى ذكر المتروك وهو الهدى، للايذان بغاية ظهوره. وللاشعار بأنهم قوم يطلبون الضلالة فى ذاتها. وأن البعد عن الحق والهدى مطلب من مطالبهم يدفعون فيه الثمن عن رغبة، وذلك لأنهم قوم مردوا على الضلالة فغدوا لا يستمرئون سواها، ولا يركنون إلا إليها. وإن قوما هذا شأنهم لجديرون بالابتعاد عنهم، والتحقير من أمرهم. لأنك - كما يقول الفخر الرازى - لا ترى حالة أسوأ ولا أقبح ممن جمع بين هذهين الأمرين :أعنى الضلال والإِضلال.
قال الآلوسى :وقوله : ﴿ يَشْتَرُونَ الضلالة ﴾.. الخ استئناف مبين لمناط التشنيع ومدار التعجب المفهومين من صدر الكلام، مبنى على سؤال نشأ منه كأنه قيل :ماذا يصنعون حتى ينظر إليهم ؟ فقيل يختارون الضلالة على الهدى أو يستبدلوها بعد تمكنهم منه.... وذهب أبو البقاء إلى أن جملة ﴿ يَشْتَرُونَ ﴾ حالة مقدرة من ضمير ﴿ أُوتُواْ ﴾ أو حال من ﴿ الذين ﴾.
وقوله ﴿ والله أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ﴾ جملة معترضة للتأكيد والتحذير.
أى :والله - تعالى - أعلم أعدائكم منكم - أيها المؤمنون - وقد أخبركم بأحوالهم وبما يبيتون لكم من شرور فاحذروهم ولا تلتفتوا إلى أقوالهم وأعدوا العدة لتأديبهم دفاعا عن دينكم وعقيدتكم.
وقوله ﴿ وكفى بالله وَلِيّاً وكفى بالله نَصِيراً ﴾ تذييل قصد به غرس الطمأنينة فى نفوس المؤمنين بأن العاقبة لهم.
أى : ﴿ وكفى بالله وَلِيّاً ﴾ يتولى أموركم، ويصلح بالكم، ﴿ وكفى بالله نَصِيراً ﴾ يدفع عنكم مكرهم وشرورهم ؛ وما دام الأمر كذلك فاكتفوا بولايته ونصرته. واعتصموا بحبله، وأطيعوا أمره، ولا تكونوا فى ضيق من مكر أعدائكم فإن الله ناصركم عليهم بفضله وإحسانه.
وقوله ﴿ وكفى ﴾ فعل ماض. ولفظ الجلالة فاعل والباء مزيدة فيه لتأكيد الكافية. ووليا ونصيرا منصوبان على التمييز. وقيل على الحال.
وكرر - سبحانه - الفعل كفى لإِلقاء الطمأنينة فى قلوب المؤمنين، لأن التكرار فى مثل هذا المقام يكون أكثر تأثيرا فى القلب، وأشد مبالغة فيما سيق الكلام من أجله.
فكأنه - سبحانه - يقول لهم :اكتفوا بولاية الله ونصرته، وكفاكم الله الولاية والنصرة والمعونة. ومن كان الله كافيه نصره على عدوه فاطمئنوا ولا تخافوا.
ثم ذكر - سبحانه - ألوانا من الأقوال والأعمال القبيحة التى كان اليهود يقولونها ويفعلونها للإِساءة إلى النبى صلى الله عليه وسلم وإلى المسلمين فقال : ﴿ مِّنَ الذين هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾. وتحريف الشئ إمالته وتغييره. ومنه قولهم :طاعون يحرف القلوب، أى يميلها ويجعلها على حرف، أى جانب وطرف. وأصله من الحرف يقال :حرف الشئ عن وجهه، صرفه عنه.
والجملة الكريمة بيان للوصول وهو قوله - تعالى - ﴿ الذين أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الكتاب ﴾.
ويجوز أن يكون قوله ﴿ مِّنَ الذين هَادُواْ ﴾ خبر لمبتدأ محذوف. وقوله ﴿ يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ صفة له.
أى من الذين هادوا قوم أو فريق من صفاتهم أنهم يحرفون الكلم من مواضعه أى يميلونه عن مواضعه، ويجعلون مكانه غيره، ويفسرونه تفسيرا سقيما بعيدا عن الحق والصواب.
قال الفخر الرازى :فى كيفية التحريف وجوه :
أحدها :أهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظ آخر. مثل تحريفهم اسم " ربعة " عن موضعه فى التوراة بوضعهم " آدم طويل "، وكتحريفهم الرجم بوضعهم الجلد بدله.
الثانى :أن المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة، والتأويلات الفاسدة، وصرف اللفظ من معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه من الحيل اللفظية، كما يفعله أهل البدعة فى زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذاهبهم. وهذا هو الأصح.
الثالث :أنهم كانوا يدخلون على النبى صلى الله عليه وسلم ويسألونه عن أمر فيخبرهم ليأخذوا به فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه.
والذى نراه أولى أن تحريف هؤلاء اليهود لكلم عن مواضعه يتناول كل ذلك، لأنهم لم يترككوا وسيلة من وسائل التحريف الباطل إلا فعلوها، أملا منهم فى صرف الناس عن الدعوة الإِسلامية، ولكن الله - تعالى - خيب آمالهم.
قال الزمخشرى :فإن قلت :كيف قيل ههنا ﴿ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ وفى المائدة ﴿ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ﴾ قلت : " أما عن مواضعه " فعلى ما فسرنا من إزالته عن مواضعه التى أوجبت حكمة الله وضعه فيها، بما اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه.
وأما ﴿ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ﴾ فالمعنى أنه كان له مواضع فمن بأن يكون فيها. فحين حرفوه تركوه كالغريب الذى لا موضع له بعد مواضعه ومقاره. والمعنيان متقاربان.
ثم حكى - سبحانه - لونا ثانياً من ضلالتهم فقال : ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ أى. ويقولون للنبى صلى الله عليه وسلم إذا ما أمرهم بشئ :سمعنا قولك وعصينا أمرك فنحن مع فهمنا لما تقول لا نطيعك لأننا متمسكون باليهودية.
ثم حكى - سبحانه - لونا ثالثا من مكرهم فقال : ﴿ واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها وداخلة تحت القول السابق.
أى :ويقولون ذلك فى أثناء مخاطبتهم للنبى صلى الله عليه وسلم وهو كلام ذو وجهين وجه محتمل للشر. بأن يحمل على معنى " اسمع " حال كونك غير مسمع كلاما ترضاه. ووجه محتمل للخير. بأن يحمل على معنى اسمع منا غير مسمع كلاما تكرهه.
فأنت تراهم - لعنهم الله - أنهم كانوا يخاطبون النبى صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام المحتمل للشر والخير موهمين غيرهم أنهم يريدون الخير، مع أنهم لا يريدون إلى الشر، بسبب ما طفحت به نفوسهم من حسد للنبى صلى الله عليه وسلم وللمسلمين.
ثم حكى - سبحانه - لونا رابعا من خبثهم فقال : ﴿ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدين ﴾ وهو كلام معطوف على ما قبله وداخل تحت القول السابق.
وكلمة ﴿ وَرَاعِنَا ﴾ كلمة ذات وجهين - أيضاً - فهى للخير بحملها على معنى ارقبنا وأمهلنا أو انتظرنا نكلمك. ومحتملة للشر بحملها على شبه كلمة عبرانية كانوا يتسابون بها. أو على السب بالرعونة أى الحمق.
قال الراغب :قوله :- تعالى - ﴿ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدين ﴾ كان ذلك قولا يقولونه للنبى صلى الله عليه وسلم على سبيل التهكم يقصدون به رميه بالرعونة، ويوهمون أنهم يقولون :راعنا أى :أحفظنا. من قولهم :رعن الرجل يرعن رعنا فهو رعن. أى أحمق.
وأصل كلمة ﴿ لَيّاً ﴾ لوياً لأنه من لويت، فأدغمت الواو فى الياء لسبقها بالسكون. واللى :الانحراف والالتفات والانعطاف.
والمراد أنهم كانوا يلوون ألسنتهم بالكلمة أو بالكلام ليكون اللفظ فى السمع مشبها لفظا آخر هم يردونه لأنه يدل على معنى ذميم.
أى أنهم كانوا يقولون للنبى صلى الله عليه وسلم على سبيل التهكم والاستهزاء ﴿ وَرَاعِنَا ﴾ ويقصدون بهذا القول الإِساءة إليه صلى الله عليه وسلم وينطقون بهذه الكلمة وما يشابهها نطقاً ملتويا منحرفا ليصرفوها عن جانب احتمالها للخير إلى جانب للشر. ولذا فقد نهى الله - تعالى - المؤمنين عن مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم بمثل هذه الألفاظ.
قال ابن كثير :عند تفسيره لقوله - تعالى - ﴿ يَاأَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظرنا ﴾ نهى الله عباده المؤمنين عن أن يتشبهوا بالكافرين فى مقالهم وفعالهم. وذلك أن اليهود كانوا يعلنون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنفيص - عليهم لعائن الله - :فإذا أرادوا أن يقولوا اسمع لنا :يقولون راعنا، ويورون بالرعونة :وكذلك جاءت الأحاديث بالإِخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلموا إنما يقولون. السام عليكم. والسام هو الموت. ولهذا أمرنا أن نرد عليهم بوعليكم. وإنما يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا. والغرض أن الله - تعالى - نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا.
وقوله ﴿ وَطَعْناً فِي الدين ﴾ أى يقولون ذلك من أجل القدح فى الدين ؛ والاستهزاء بتعاليمه، وبنبيه صلى الله عليه وسلم. ثم بين - سبحانه - ما كان بحب عليهم أن يقولوه لو كانوا يعقلون فقال :تعالى - ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا واسمع وانظرنا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ ﴾.
أى :ولو أنهم قالوا عند سماعهم لما يدعوهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم من حق وخير، ﴿ سَمِعْنَا ﴾ قولك سماع قبول وإستجابة، وأطعنا أمرك بدل قولهم سمعنا وعصينا.
ولو أنهم قالوا عند مخاطبتهم له صلى الله عليه وسلم ﴿ واسمع ﴾ إجابتنا لدعوه الحق ﴿ وانظرنا ﴾ حتى نفهم عنك ما تريده منا بدل قولهم ﴿ وَعَصَيْنَا واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ ﴾ لو أنهم فعلوا ذلك لكان قولهم هذا خيراً لهم وأعدل من اقوالهم السابقة الباطلة التى حكاها القرآن عنهم.
ولكنهم لسوء طباعهم لم يفعلوا ذلك فحقت عليهم اللعنة فى الدنيا والآخرة وقد صرح القرآن بذلك فقال : ﴿ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾. أى :ولكنهم لم يقولوا ما هو خير لهم وأقوم بل قالوا ما هو شر وباطل، فاستحقوا اللعنة من الله بسبب كفرهم وسوء أفعالهم :
ولفظ ﴿ قَلِيلاً ﴾ فى قوله ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ منصوب على الاستثناء من قوله ﴿ لَّعَنَهُمُ ﴾ أى :ولكن لعنهم الله إلا فريقا منهم آمنوا فلم يعلنوا :أو منصوب على الوصفية لمصدر محذوف أى :ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا أى ضعيفا ركيكا لا يعبأ به، ولا يغنى عنهم من عذاب الله شيئا ؛ لأنه إيمان غير صحيح بسبب تفريقهم بين رسل الله فى التصديق والطاعة. قال - تعالى - ﴿ إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً أولئك هُمُ الكافرون حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً ﴾
ثم وجه - سبحانه - نداء إلى اليهود أمرهم فيه باتباع طريق الحق، وأنذرهم بسوء المصير إذا لم يستمعوا إلى هذا النداء فقال - تعالى - : ﴿ يَا أَيُّهَآ الذين أُوتُواْ الكتاب آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا على أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ السبت وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً ﴾.
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : " كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود :اتقوا الله وأسلموا. فوالله إنكم لتعلمون أن الذى جئتكم به الحق. فقالوا :ما نعرف ذلك يا محمد، وجحدوا ما عرفوا وأصروا على الكفر. فأنزل الله فيهم : ﴿ يَا أَيُّهَآ الذين أُوتُواْ الكتاب آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ " الآية.
وفى ندائهم بقولهم ﴿ يَا أَيُّهَآ الذين أُوتُواْ الكتاب آمِنُواْ ﴾ تحريض لهم على الإِيمان، لأن اعطاءهم علم الكتاب من شأنه أن يحملهم على المسارعة إلى تلبية دعوة النبى صلى الله عليه وسلم وألا تأخذهم العصبية الدينية كما أخذت أهل مكة العصبية الجاهلية، ولأن هذا الإِيمان الذى يدعون إليه هو التصديق بما أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن، إذ هو يطابق - فى جوهره - ما أنزله سبحانه - على الأنبياء السابقين الذين يزعم أهل الكتاب أنهم يؤمنون بهم. إذاً فوحدة المنزل توجب عليهم أن يؤمنوا بجميع ما أنزله الله.
ووصفهم هنا بأنهم أوتوا الكتاب، مع أنه وصفهم قبل ذلك بأنهم أوتوا نصيبا من الكتاب، لأن وصفهم هنا بذلك المقصود منه حضهم على الإِيمان وترغيبهم فيه ؛ واثارة هممهم للانقياد لتعاليم كتابهم الذى بشرهم بمبعث النبى صلى الله عليه وسلم وأمرهم بالإِيمان به.
أما وصفهم فيما سبق بأنهم أوتوا نصيبا من الكتاب فالمقصود منه التعجيب من أحوالهم، والتهوين من شأنهم.
والمعنى :يا معشر اليهود الذين آتاهم الله التوراة لتكون هداية لهم، آمنوا ايمانا حقا ﴿ بِمَا نَزَّلْنَا ﴾ من قرآن على محمد صلى الله عليه وسلم فإن هذا القرآن قد نزل ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ وموافقا للتوراة التى بين أيديكم فى الدعوة إلى وحداتيه الله - تعالى - وإلى مكارم الأخلاق، وفى النهى عن الفواحش والمعاصى، ومؤيدا لها فيما ذكرته من صفات تتعلق بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن آيات تدعو إلى تصديقه والإِيمان به.
وعبر عن القرآن بقوله : ﴿ بِمَا نَزَّلْنَا ﴾ ؛ لأن فى هذا التعبير تذكير بعظم شأن القرآن وأنه منزل بأمر الله وحفظه.
وعبر عن التوراة بقوله ﴿ لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ لأن فى هذا التعبير تسجيلا عليهم بأن التوراة كتاب مستصحب عندهم وقريب من أيديهم، وشهادته بصدق النبى صلى الله عليه وسلم ظاهرة جلية، فإذا ما تركوا شهادته مع وضوحها ومع استصحابهم له كان مثلهم ﴿ كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾ ثم أنذرهم - سبحانه - بعد ذلك بسوء العاقبة إذا ما أعرضوا عن الإِيمان بدعوة الإِسلام فقال - تعالى - ﴿ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا على أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ السبت وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً ﴾.
والطمس إزالة الأثر بالمحو. قال الله - تعالى - ﴿ فَإِذَا النجوم طُمِسَتْ ﴾ أى :زالت ومحيت. ويقال :طمست الريح الأثر إذا محته وأزلته. وللمفسرين فى المراد من معنى الطمس هنا اتجاهان :
أما الاتجاه الأول فيرى أصحابه حمل اللفظ على حقيقته بمعنى إزالة ما فى الوجه من أعضاء ومحو أثرها.
فيكون المعنى : ﴿ يَا أَيُّهَآ الذين أُوتُواْ الكتاب آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ أى نمحو تخطيط صورها من عين وأنف وفم وحاجب ﴿ فَنَرُدَّهَا على أَدْبَارِهَآ ﴾ أى فنجعلها على هيئة أدبارها وهى الأفقاء بحيث تكون الوجوه مطموسة مثل الأقفاء. وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس وقتادة وغيرهما.
قال الإِمام الرازى :وهذا المعنى إنما جعله الله عقوبة لما فيه من التشويه فى الخلقة والمثلة والفضيحة ؛ لأن عند ذلك يعظ الغم والحسرة..
ومن المفسرين الذين رجحوا حمل اللفظ على حقيقته الإِمام ابن جرير لقد قال : " وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب " قول من قال :معنى قوله ﴿ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ من قبل أن نطمس أبصارها، ونمحو آثارها، فنسويها كالأقفاء. فنردها على أدبارها، فنجعل أبصارها فى أدبارها، يعنى بذلك :فنجعل الوجوه فى أدبار الوجوه. فيكون معناه :فنحول الوجوه أقفاء، والأقفاء، وجوها، فيمشوا القهقرى، كما قال ابن عباس ومن قال بذلك.
وأصحاب هذا الاتجاه منهم من يرى أن هذه العقوبة تكون فى آخر الزمان ومنهم من يرى هذه العقوبة تكون فى الآخرة.
ومنهم من قال بأن هذه العقوبة مقيدة بعدم إيمان أحد منهم، وقد آمن بعضهم كعبد الله بن سلام وغيره.
وأما الاتجاه الثانى فيرى أصحابه حمل اللفظ على مجازه، بمعنى أن المراد بالطمس الطمس المعنوى.
فيكون المعنى :آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن تقسوا قلوبكم، ونطبع عليها بسبب تمسكها بالضلال، وتماديها فى العناد.
قال ابن كثير مؤيدا هذا الاتجاه :هذا مثل ضربه الله لهم فى صرفهم عن الحق وردهم، إلى الباطل، ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سبيل الضلال يهرعون ويمشون القهقرى على أدبارهم. وهذا كما قال بعضهم فى قوله - تعالى - ﴿ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ﴾ أى هذا مثل سوء ضربه الله لهم فى ضلالهم ومنعهم عن الهدى.
قال مجاهد :من قبل أن نطمس وجوها أى عن صراط الحق :فنردها على أدبارها أى فى الضلال. وقال السدى :معناه :فنعميها عن الحق ونرجعها كفارا....
وقال الفخرى الرازى - بعد أن بين معنى الآية على القول الأول - :أما القول الثانى :فهو أن المراد من طمس الوجوه مجازه ثم ذكروا فيه وجوها.
الأول :قال الحسن :نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها أى على ضلالتها والمقصود بيان إلقائها فى أنواع الخذلان وظلمات الضلالات.
الثاني :يحتمل أن يكون المراد بالطمس القلب والتغيير. وبالوجوه :رؤساؤهم ووجهاؤهم.
والمعنى :من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلب منهم الإِقبال والوجاهة ونكسوهم الصغار والإِدبار والمذلة.
الثالث :قال عبد الرحمن بن زيد :هذا الوعيد قد لحق اليهود ومضى. وتأول ذلك فى إجلاء قريظة والنضير إلى الشام، فرد الله وجوههم على أدبارهم حين عادوا إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام. فيكون المراد بطمس الوجوه على هذا الرأى :إزالة آثارهم عن بلاد العرب ومحو أحوالهم عنها.
وقد مال الفخرى الرازى إلى القول الثانى ووصفه بأنه لا إشكال معه البتة..
وقال بعض العلماء :إن الذى يبدو لنا من ظاهر النص وهو قوله - تعالى - ﴿ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا على أَدْبَارِهَآ ﴾ :أنه يراد به سحقهم فى القتال، وحملهم على أن يولوا الأدبار، فتكون وجوههم غير بادية بصورها، بعد أن كانوا مقبلين بها، فأزالها السيف والخوف، وجعل صورتها مختفية، وأقفيتهم هى البادية الواضحة، فكأن صورة الوجوه قد زالت وحلت محلها صورة الأدبار.
وعلى ذلك يكون المعنى :إنكم استرسلتم فى غيكم وضلالكم. ومع ذلك نطالبكم بالهداية والإِيمان قبل أن ينزل بكم غضب الله - تعالى - فى الدنيا وذلك بتسليط المؤمنين بالحق عليكم، فيذيقون بأس القتال فتفرون، وتختفى وجوهكم...
هذه بعض الوجوه التى قالها من يرى أن المراد بالطمس الطمس المعنوى وأن اللفظ محمول على المجاز، ولعل هذا الاتجاه أقرب إلى الصواب لسلامته من الاعتراضات والإِشكالات التى أوردها بعض المفسرين - كالرازى والآلوسى - عند تفسيرهما للآية الكريمة.
وقوله ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ السبت ﴾ بيان لعقوبة أخرى سوى العقوبة السابقة. واللعن :هو الطرد من رحمة الله - تعالى -.
فالآية دعوة لليهود إلى الإِيمان بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من قبل أن يطبع الله - تعالى - على قلوبهم ويذهب بنورها فلا تتجه إلى الحق ولا تميل إليه. أو من قبل أن يلعنهم ويطردهم من رحمته ويجعلهم عبرة للمعتبرين.
وأصحاب السبت هم قوم من اليهود حرم الله عليهم الصيد فى يوم السبت، فتحايلوا على استحلال ما حرمه الله بحيل قبيحة، فأنزل الله عليهم عذابه، ومسخهم قردة..
وقد ذكر الله قصتهم بشئ من التفصيل فى سورة الأعراف.
وكلمة " أو " فى الآية الكريمة لمنع الخلو. فجوز أن يعاقب الله طائفة منهم بعقوبة من هاتين العقوبتين، ويعاقب طائفة أخرى منهم بالعقوبة الثاينة إن هم استمروا فى ضلالهم وطغيانهم.
والضمير المنصوب فى قوله " نلعنهم " يعود لأصحاب الوجوه. أو للذين أوتوا الكتاب على طريقة الالتفات.
وقوله ﴿ وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً ﴾ أى كان وما زال جميع ما أمر الله به وقضاه ونافذا لا محالة ؛ لأنه - سبحانه - لا يعجزه شئ فى الأرض ولا فى السماء :
والجملة الكريمة تذييل قصد به تهديد هؤلاء الضالين المعاندين حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويدخلوا فى صفوف المؤمنين.
وقوله ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾. استئناف مسوق لتقرير ما قبله من الوعيد، ولتأكيد وجوب امتثال الأمر بالإِيمان، لأنه لا مغفرة إذا انتفى الإِيمان.
والمراد بالشرك هنا :مطلق الكفر ؛ فيدخل فيه كفر اليهود دخولا أوليا.
والمعنى :إن الله لا يغفر لكم مات على كفره، ويغفر ما دون الكفر من الذنوب والمعاصى لمن يشاء أن يغفر له إذا ما من غير توبة. فمن مات من المسلمين بدون توبة من الذنوب التى اقترفها فأمره مفوض إلى الله، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه ثم أدخله الجنة.
وقوله ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً ﴾ استئناف مشعر بتعليل عدم غفران الشرك، وزيادة فى تشنيع حال المشرك.
أى. ومن يشرك بالله فى عبادته غيره من خلقه، فقد ارتكب من الآثام ما لا يتعلق به المغفرة، لأنه بهذا الإِشراك قد افترى الكذب العظيم على الله، واقترف الإِفك المبين، فعل أعظم ذنب فى الوجود :قال القرطبى :قوله - تعالى - : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ روى " أن النبى صلى الله عليه وسلم تلا ﴿ قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً ﴾ فقال له رجل :يا رسول الله والشرك ! ! فنزل : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ "
الآية. وهذا من المحكم المتفق عليه الذى لا اختلاف فيه بين الأمة.
وقوله ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ من المتشابه الذى قد تكلم العلماء فيه.
فقال ابن جرير الطبرى :قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة فهو فى مشيئة الله إن شاء عفا عنه ذنبه، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شركا بالله - تعالى -.
وقد أورد ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية الكريمة ثلاثة عشر حديثا تتعلق بها.
ومن هذه الأحاديث ما رواه الحافظ أبو يعلى فى مسنده عن جابر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " لا تزال المغفرة على العبد ما لم يقع فى الحجاب قيل يا نبى الله وما الحجاب ؟ قال :الإِشراك بالله. ثم قرأ : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ " الآية.
وروى ابن أبى حاتم وابن جرير عن ابن عمر قال :كنا معشر أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم لا نشك فى قاتل النفس، وآكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم، حتى نزلت هذه الآية : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ وفى رواية لابن أبى حاتم :فلما سمعناها كففنا عن الشهادة وأرجينا الأمور إلى الله - تعالى -.
وقال الآلوسى :ثم إن هذه الآية كما يرد بها على المعتزلة - الذين يسوون بين الإِشراك بالله وبين ارتكاب الكبيرة بدون توبة - يرد بها أيضا - على الخوارج الذين زعموا أن كل ذنب شرك وأن صاحبه مخلد فى النار. وذكر الجلال أن فيها ردا أيضا على المرجئة القائلين :إن أصحاب الكبائر من المسلمين لا يعذبون.
وأخرج ابن الضريس وابن عدى بسند صحيح عن ابن عمر قال : " كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم قوله - تعالى - ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ وقال : " إنى ادخرت دعوتى وشفاعتى أهل الكبائر من أمتى فأمسكنا عن كثير مما كان فى أنفسنا ثم نطقنا ورجونا " وقد استبشر الصحابة بهذه الآية حتى قال على بن أبى طالب :أحب آية إلى فى القرآن ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾.
ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من قبائح اليهود فقال : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ الله يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وكفى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً ﴾.
روى المفسرون فى سبب نزول هاتين الآيتين " أن رجالا من اليهود أتوا النبى صلى الله عليه وسلم بأطفالهم فقالوا :يا محمد هل على هؤلاء ذنب ؟ فقال :لا. فقالوا :والله ما نحن إلا كهيئتهم. ما علمناه بالنهار كفر عنا بالليل، وما عملنا بالليل كفر عنا بالنهار ".
ولقد حكى القرآن عن اليهود أنهم قالوا ﴿ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ﴾ وحكى عنهم أنهم كانوا ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ﴾ وحكى عنهم وعن النصارى أنهم قالوا : ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ والاستفهام فى قوله - تعالى - ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ للتعجب من أحوالهم، والتهوين من شأنهم حيث بالغوا فى مدح أنفسهم مع أنهم كاذبون فى ذلك.
وقوله ﴿ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ من التزكية بمعنى التطهير والتنزيه عن القبيح. والمراد بهذا التعبير هنا :أنهم يصفون أنفسهم بالأفعال الحسنة، ويمدحونها مدحا كثيرا، مع أنهم لا يستحقون إلا الذم بسبب سوء أقوالهم وأفعالهم.
والمعنى :ألم ينته علمك يا محمد إلى حال هؤلاء اليهود الذين يمدحون أنفسهم ويثنون عليها مختالين متفاخرين مع ما هم عليه من الكفر وسوء الأخلاق ؟ إن كنت لم تعلم أحوالهم أو لم تنظر إليهم فها نحن نكشف لك عن خباياهم لتتعجب من سوء أعمالهم وليتعجب منهم كل عاقل.
وقوله ﴿ بَلِ الله يُزَكِّي مَن يَشَآءُ ﴾ إبطال لمعتقدهم بإثبات ضده، وهو أن التزكية شهادة من الله ولا ينفع أحدا أن يزكى نفسه، وإعلام منه - سبحانه - بأن تزكيته هى التى يعتد بها لا تزكية غيره، فإنه هو العالم بما ينطوى عليه الإِنسان من حسن وقبح، وخير وشر.
وقوله ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ بيان لكمال عدله - سبحانه - وأنه لا يظلم أحدا من خلقه لا قليلا ولا كثيرا.
والفتيل :هو الخيط الذى يكون فى شق النواة. وكثيرا ما يضرب به المثل فى القلة والحقارة. أى أن هؤلاء الذين يزكون أنفسهم بغير حق يعاقبون على هذا الكذب بما يستحقون من عقاب عادل لا ظلم معه ؛ لأنه - سبحانه - لا يظلم أحدا من عباده شيئا بل يجازى كل إنسان بما هو أهل له من خير أو شر.
ثم أكد - سبحانه - التعجب من أحوالهم فقال : ﴿ انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾.
أى :انظر أيها العاقل كيف يفترى هؤلاء اليهود على الله الكذب فى تزكيتهم لأنفسهم مع كفرهم وعنادهم وارتكابهم الأفعال القبيحة التى تجعلهم أهلا لكل مذمة وسوء عاقبة.
وقد جعل - سبحانه - افتراءهم الكذب لشدة تحقق وقوعه، كأنه أمر مرئى يراه الناس بأعينهم، ويشاهدونه بأبصارهم.
وقوله ﴿ وكفى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً ﴾ أى :وكفى بافترائهم الكذب على الله إثما ظاهرا بينا يستحقون يسيبه أشد العقوبات، وأغلظ الإِهانات.
قال القرطى ما ملخصه :قوله - تعالى - ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ يقتضى الغض من المزكى لنفسه بلسانه، والإِعلان بأن الزاكى المزكى من حسنت أفعاله، وزكاه الله - تعالى -، فلا عبرة بتزكية الإِنسان نفسه، وإنما العبرة بتزكية الله له.
وأما تزكية الغير ومدحه له ففى البخارى من حديث أبى بكرة أن رجلا ذكر عند النبى صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرا فقال النبى صلى الله عليه وسلم : " ويحك قطعت عنق صاحبك - يقوله مراراً - إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك، وحسبه الله ولا يزكى على الله أحداً " فنهى صلى الله عليه وسلم أن يفطر فى مدح الرجل بما ليس فيه.. فيحمله ذلك على تضييع العمل وترك الازدياد من الفضل ؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " ويحك قطعت عنق صاحبك ".
ومدح الرجل بما فيه من الفعل الحسن والأمر المحمود ليكون منه ترغيبا له فى أمثاله، وتحريضا للناس على الاقتداء به فى أشباهه ليس مدحا مذموماً.
وقد مدح النبى صلى الله عليه وسلم فى الشعر والخطب والمخاطبة. ومدح صلى الله عليه وسلم أصحابه فقال : " إنكم لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع ".
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك لونا آخر من رذائلهم وقبائحهم التى تدعو إلى مزيد من التعجيب من أحوالهم. والتحقير فى شأنهم فقال - تعالى - : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الكتاب يُؤْمِنُونَ بالجبت والطاغوت وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاءِ أهدى مِنَ الذين آمَنُواْ سَبِيلاً ﴾.
روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها :ما جاء عن ابن عباس أن حيى بن أخطب وكعب بن الأشرف خرجا إلى مكة فى جمع من اليهود ليخالفوا قريشا على حرب النبى صلى الله عليه وسلم. فنزل كعب على أبى سفيان فأحسن مثواه. ونزلت اليهود فى دور قريش. فقال أهل مكة لليهود :إنكم أهل كتاب ومحمد صلى الله عليه وسلم صاحب كتاب فلا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم. فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين وآمنوا بهما ففعلوا. ثم قال كعب :يا أهل مكة ليجئ منا ثلاثون ومنكم ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب البيت على قتال محمد صلى الله عليه وسلم ففعلوا ذلك. فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب :إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميون لا نعلم فأينا أهدى طريقا وأقرب إلى الحق نحن أم محمد ؟ قال كعب :اعرضوا على دينكم.
فقال أبو سفيان :نحن ننحر للحجيج الكرماء، ونسقيهم اللبن، ونقرى الضيف، ونفك العانى، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد صلى الله عليه وسلم فارق دين أبائه وقطع الرحم وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد الحديث.
فقال كعب :أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد صلى الله عليه وسلم فأنزل الله الآية.
والجنب فى الأصل :اسم صنم ثم استعمل فى كل معبود سوى الله - تعالى -.
والطاغوت :يطلق على كل باطل وعلى كل ما عبد من دون الله، أو كل من دعا إلى ضلالة. أى :يصدقون بأنهما آلهة ويشركونهما فى العبادة مع الله - تعالى -. أو يطيعونهما فى الباطل.
قال ابن جرير :والصواب من القول فى تأويل ﴿ يُؤْمِنُونَ بالجبت والطاغوت ﴾ أن يقال :يصدقون بمعبودين من دون الله، ويتخذونها إلهين، وذلك أن الجبت والطاغوت اسمان لكل معظم بعبادة من دون الله أو طاعة أو خضوع له، كائنا ما كان ذلك المعظم من حجر أو إنسان أو شيطان.
وقوله ﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ بيان لما نقطوا به من زور وبهتان. أى :ويقولون ارضاء للذين كفروا وهم مشركو مكة. هؤلاء فى شركهم وعبادتهم للجبت والطاغوت، ﴿ أهدى مِنَ الذين آمَنُواْ سَبِيلاً ﴾ أى أقوم طريقا، وأحسن دينا من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم.
واللام فى قوله ﴿ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ لام العلة. أى :يقولون لأجل الذين كفروا..
والإِشارة بقوله ﴿ هَؤُلاءِ أهدى ﴾ إلى الذين كفروا.
وإيراد النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعنوان الإِيمان، ليس من قبل القائلين، بل من جهة الله تعالى، تعريفا لهم بالوصف الجميل، وتحقيرا لمن رجح عليهم المتصفين بأقبح الصفات.
ثم بين - سبحانه - مصيرهم السئ بسبب انحرافهم عن الحق فقال - تعالى - ﴿ أولئك الذين لَعَنَهُمُ الله ﴾.
أى :أولئك الذين استحوذ عليهم الشيطان، فأيدوا المشركين بالقول والعمل وسجدوا لأصنامهم، وزكوا أفعالهم... أولئك الذين هذه صفاتهم ﴿ لَعَنَهُمُ الله ﴾ أى :أبعدهم عن رحمته وطردهم وأخزاهم بسبب كذبهم فى حقدهم وإيثارهم عبادة الشيطان على طاعة الرحمن.
﴿ وَمَن يَلْعَنِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ﴾ أى ومن يلعنه الله ويبعده عن رحمته فلن تجد له ناصرا ينصره، أو شفيعا يشفع له.
واسم الإِشارة ﴿ أولئك ﴾ مبتدأ. والموصول وصلته خبر. والجملة مستأنفة لبيان حالهم. وإظهار سوء مآلهم.
والإِتيان باسم الإِشارة هنا فى نهاية البلاغة، لأن من بلغ وصف حاله هذا المبلغ صار جديراً بأن يشار إليه بكل ازدراء واحتقار.
وفى قوله ﴿ وَمَن يَلْعَنِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ﴾ بيان لحرمانهم ثمرة استنصارهم بمشركى قريش، وإيماء إلى وعد المؤمنين بأنهم المنصورون، لأنهم هم المقربون عند الله، ومن يقربه الله فلن تجد له خاذلا.
هذا، وتحالف أولئك اليهود مع المشركين، وتفضيلهم إياهم على المؤمنين - كما حكته الآية الكريمة - قد شهد بقبحه واحد من اليهود هو الدكتور إسرائيل ولفنسون. فقد قال فى كتابه " تاريخ اليهود فى جزيرة العرب " معلقا على هذه القصة :
وكان من واجب هؤلاء اليهود ألا يتورطوا فى هذا الخطأ الفاحش، وألا يصرحوا أمام زعماء قريش بأن عبادة الأصنام أفضل من التوحيد الإِسلامى ولو أدى بهم الأمر إلى عدم إجابة مطلبهم، لأن بنى إسرائيل الذين كانوا لمدة قرون حاملى راية التوحيد فى العالم بين الأمم الوثنية باسم الأباء الأقدمين، والذين نكبوا بنكبات لا تحصى من تقتيل واضطهاد بسبب إيمانهم بإله واحد فى عصور شتى من الأدوار التاريخية.
كان من واجبهم أن يضحوا بحياتهم وكل عزيز عليهم فى سبيل أن يخذلوا المشركين، هذا فضلا عن أنهم بالتجائهم إلى عبدة الأوثان، إنما كانوا يحاربون أنفسهم، ويناقضون تعاليم التوراة التى توصيهم بالنفور من عبدة الأصنام، والوقوف منهم موقف الخصومة.
ثم انتقل - سبحانه - من توبيخهم على تزكيتهم لأنفسهم بالباطل وعلى تفضيلهم عبادة الأوثان على عبادة الرحمن. إلى توبيخهم على البخل والأثرة فقال - تعالى - : ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الملك فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ الناس نَقِيراً ﴾.
و ﴿ أَمْ ﴾ هنا منقطعة بمعنى بل فهى للاضراب والانتقال، والهمزة للاستفهام الإِنكارى أى :لإِنكار أن يكون لهم نصيب من الملك، وإبطال زعمهم من أن الملك يعود إليهم فى آخر الزمان. والفاء فى قوله ﴿ فَإِذاً ﴾ للسببية الجزائية لشرط محذوف.
والنقير :النكتة التى تكون فى ظهر النواة ويضرب به المثل فى القلة والحقارة.
والمعنى :إن هؤلاء اليهود ليس لهم نصيب من الملك ألبتة. لأنهم لا يستحقونه، ولأنهم لو أتوا نصيبا منه على سبيل الفرض فإنهم لشدة حرصهم وبخلهم وأثرتهم لا يعطون أحدا غيرهم منه أقل القليل. وقد كنى عن أقل القليل هذا بالنقير.
فأنت ترى أن الآية الكريمة ترد على ما يزعمه اليهود من أن الملك لهم، وأنهم لا يليق بهم أن يتبعوا غيرهم، وتصفهم بأنهم أبخل الناس وأبعدهم عن العدل والقسط ومن كان هذه صفاته، فقد اقتضت حكمة الله أن يحرمه نعمة الملك والسلطان.
ثم انتقل - سبحانه - من تبكيتهم على البخل وغيره مما سبق إلى تقريعهم على رذيلة الحسد التى استولت عليهم فأضلتهم وجعلتهم يتألمون لما يصيب الناس من خير ويتمنون زواله فقال - تعالى : ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ الناس على مَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ ﴾.
و ﴿ أَمْ ﴾ هنا منقطعة أيضا كسابقتها، والاستفهام المقدر بعدها لإِنكار الواقع وهو حسدهم لغيرهم.
والمراد من الناس :النبى صلى الله عليه وسلم أو هو والمؤمنون معه. وقيل المقصود من الناس :العرب عامة.
قال الفخر الرازى :والمراد من الناس - عند الأكثرين - أنه محمد صلى الله عليه وسلم. وإنما جاز أن يقع عليه لفظ الجمع وهو واحد ؛ لأنه اجتمع عنده من خصال الخير ما لا يحصل إلا متفرقا فى الجمع العظيم أو المراد بهم :الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين ؛ لأن لفظ الناس جمع فحمله على الجمع أولى من حمله على المفرد. وحسن لفظ إطلاق الناس عليهم لأنهم القائمون بالعبودية الحق لله - تعالى - فكأنهم كل الناس.
والمراد بالفضل فى قوله ﴿ على مَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ ﴾ النبوة والهدى والإِيمان.
والمعنى :إن هؤلاء اليهود ليسوا بخلاء فقط بل إن فيهم من الصفات ما هم أقبح من البخل وهو الحسد فقد حسدوا النبى صلى الله عليه وسلم لأن الله منحه النبوة وهو رجل عرب ليس منهم، وحدسوا أتباعه لأنهم آمنوا به وصدقوه والتفوا من حوله يؤازرونه ويفتدونه بأرواحهم وأموالهم.
وقوله ﴿ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الكتاب والحكمة وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً ﴾ توبيخ لهم على حسدهم، وإلزام لهم بما هو مسلم عندهم.
والمعنى :إنكم بحسدكم للنبى صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله من فضله، تكونون قد ظللتم وسرتم فى طريق الشيطان، لأنكم لو كنتم عقلاء لما فعلتم لك، إذ أنتم تعلمون علم اليقين أن الله - تعالى - قد أعطى ﴿ آلَ إِبْرَاهِيمَ ﴾ أى :قرابته القريبة من ذريته كإسماعيل - وهو جد العرب - وإسحاق ويعقوب وغيرهم.. أعطاهم ﴿ الكتاب ﴾ أى :جنس الكتب السماوية فيشمل ذلك التوارة والإِنجيل والزبور وغيرها. وأعطاهم ﴿ والحكمة ﴾ أى العلم النافع مع العمل به. وأعطاهم ﴿ مُّلْكاً عَظِيماً ﴾ أى سلطانا واسعا وبسطه فى الأرض.
ومع ذلك فأنتم لم تحسدوا هؤلاء على ما أعطاهم الله من كتاب وحكمة وملك عظيم، فلماذا تحسدون محمدا صلى الله عليه وسلم على ما أتاه الله من فضله مع أنه من نسل إبراهيم - عليه السلام - ؟.
فالجملة الكريمة توبيخ لهم على أنانيتهم وحسدهم، وإلزام لهم بما يعرفونه من واقع كتبهم، وكشف للناس عن أن أحقادهم مرجعها إلى انطماس بصيرتهم، وخبث نفوسهم.
ثم بين - سبحانه - عاقبة كل من المحسن والمسئ فقال : ﴿ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ وكفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ﴾.
أى :فمن جنس هؤلاء الحاسدين وآبائهم من آمن وصدق بما أعطاه الله لآل إبراهيم من كتاب وحكمه، ومنهم من كفر به وأعرض عنه وسعى فى صد الناس عنه. فالضمير فى ﴿ بِهِ ﴾ و ﴿ عَنْهُ ﴾ يعود إلى ما أوتى آل إبراهيم.
ويرى بعضهم أن الضمير يعود إلى إبراهيم - عليه السلام. فيكون المعنى :
فمن آل إبراهيم من آمن بإبراهيم ومن أعرض عنه ولم يتبع تعاليمه.
وفى هذه الآية الكريمة تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم عما لقيه من اليهود من أذى.
فكأنه - سبحانه - يقول له :إن هؤلاء الحاسدين لك قد اختلفوا على من هم منهم، وأنت يا محمد لست منهم، فكيف تنتظر منهم أن يسالموك أو يتبعوك ؟
وقوله ﴿ وكفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ﴾ بيان لما أعده - سبحانه - للكافرين من عذاب.
أى :وكفى بجهنم نارا مسعرة أى :موقدة إيقادا شديداً يعذبون بها على كفرهم وعنادهم وصدودهم عن الحق. يقال :سعر النار - كمنع - وسعرها وأسعرها أى :أوقدها.
وكفى فعل ماض.
وقوله ﴿ بِجَهَنَّمَ ﴾ فاعله على زيادة الباء فيه. وقوله ﴿ سَعِيراً ﴾ تمييز أو حال.
وبهذا نرى أن هذه الآيات الكريمة من قوله - تعالى - ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الكتاب ﴾ إلى قوله : ﴿ وكفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ﴾ قد وبخت اليهود على بيعهم دينهم بدنياهم، وتحريفهم الكلم عن مواضعه واستهزائهم بدعوة الحق، وتزكيتهم لأنفسهم بالباطل، وافترائهم على الله الكذب، وتفضيلهم عبادة الأوثان على عبادة الله، وعلى بخلهم وحسدهم للنبى صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله من فضله.
وقد توعدتهم على هذه الصفات الذميمة، والمسالك الخبيثة بأشد أنواع العذاب، وحذرت المؤمنين من شرورهم ومفاسدهم.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء عاقبة كل كافر، وحسن عاقبة كل مؤمن، فقال : ﴿ إِنَّ الذين.... ظَلِيلاً ﴾.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ( ٥٦ ) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ( ٥٧ )
والمراد بالذين كفروا هنا :كل كافر سواء أكان من بنى إسرائيل أم من غيرهم.
وقوله : ﴿ نُصْلِيهِمْ ﴾ من الإِصلاء وهو إيقاد النار. والمراد هنا إدخالهم فيها وقوله : ﴿ نَضِجَتْ ﴾ من النضج وهو بلوغ نهاية الشئ. يقال :نضج الثمر واللحم ينضج نضجاً إذا أدرك وبلغ نهايته. والمراد هنا :احتراق الجلود احتراقا تاما.
والمعنى : ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ الدالة على أن الله وحده هو المستحق للعبادة والخضوع ﴿ سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً ﴾ أى :سوف ندخلهم نارا هائلة عظيمة وسوف هنا - كما قال سيبويه - للتهديد وتأكيد العذاب المقبل ولو مع التراخى العذاب مع تأكيده يجعل النفس فى فزع دائم، وخوف مستمر حتى يقع.
وقوله ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا ﴾ بيان لشدة العذاب ودوامه أى :كلما احترقت جلودهم وتلاشت أعطيناهم بدل الجلود المحترقة جلودا غير متحرقة مغايرة للمحترفة.
فالتدبيل على هذا حقيقى مادى. بمعنى أن يخلق الله - تعالى - مكان الجلود المحترقة جلودا أخرى جديدة مغايرة للمحترقة.
ويرى بعضهم أن الجملة الكريمة كناية عن دوام العذاب لهم. وقد ذكر هذا الرأى الفخر الرازى فقال :ويمكن أن يقال :هذا استعارة عن الدوام وعدم الانقطاع. كما يقال لمن يراد وصفه بالدوام :كلما انتهى فقد ابتدأ. وكلما وصل إلى آخره فقد أبتدأ من أوله. فكذا قوله ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا ﴾.
يعنى :كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك، أعطيناهم قوة جديدة من الحياة. فيكون المقصود ببيان دام العذاب وعدم انقطاعه.
والذى نراه أن حمل التبديل على حقيقته أولى، لأنه ليس لنا أن نعدل فى كلام الله عن الحقيقة إلى المجاز، إلا عند الضرورة. وهنا لا ضرورة لذلك، لأن تبديل الجلود داخل تحت قدرة الله - تعالى - ولأن هذا المعنى الذى ذكره الإِمام الرازى يتأتى مع حمل اللفظ على حقيقته إذ كلمة " لك " تدل على دوام العذاب وعدم انقطاعه، ولأن كثيرا من السلف قد فسروا الآية على الوجه الأول، فقد روى عن ابن عمر أنه قال :تلا رجل عند عمر هذه الآية قال :فقال عمر :أعدها على. فأعادها. فقال معاذ بن جبل :عندى تفسيرها :تبدل جلودها فى كل ساعة مائة مرة. فقال عمر :هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله ﴿ لِيَذُوقُواْ العذاب ﴾ جملة تعليلية لقوله ﴿ بَدَّلْنَاهُمْ ﴾ أى بدلناهم جلودا غيرها ليقاسوا شدة العذاب، وليحسوا به فى كل مرة كما يحس الذائق للشئ الذى يذوقه.
وقوله ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ تذييل قصد به تأكيد التهديد والوعيد الذى اشتملت عليه الآية الكريمة.
أى :أن الله - تعالى كان وما زال عزيزا لا يغلبه غالب، ولا يمنع عقابه مانع ( حكيما ) فى تدبيره وتقديره وتعذيب من يعذبه وإثابة من يثيبه.
وقوله ﴿ والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ بيان لحسن الثواب الذى وعد الله به عباده المؤمنين فى مقابلة بيان العقاب الذى أعده للكافرين.
وتلك عادة القرآن فى تربية النفوس. إنه يسوق عاقبة الكافرين ثم يتبعها بحسن عاقبة المؤمنين أو العكس، ليحمل العقلاء على الابتعاد عن طريق الكفر والعصيان، وليغريهم بالسير فى طريق الطاعة والإِيمان.
أى :والذين آمنوا إيماناً حقاً، وعملوا فى دنياهم الأعمال الطيبات الصالحات ﴿ سَنُدْخِلُهُمْ ﴾ يوم القيامة ﴿ جَنَّاتٍ تَجْرِي ﴾ من تحت شجرها وقصورها ﴿ الأنهار خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ﴾ أى :أكرمناهم إكراما عظيما بأن جعلناهم مقيمين فى الجنة لا يموتون ولا يخرجون منها ﴿ لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ أى لهم فيها نساء بريئات ومنزهات من جميع الأدناس الحسية والمعنوية.
وقوله : ﴿ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً ﴾ أى :ظلا وارفا جميلا لا يصيب صاحبه حر ولا سموم.
والظل :أثر لما يحجب الشمس وحرارتها. والظليل :صفة مشتقة من الظل للتأكيد على حد قولهم :ليل أليل أى ظلا بلغ الغاية فى جنسه.
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال : ﴿ ظَلِيلاً ﴾ صفة مشتقة من لفظ الظل لتأكيد معناه. كما يقال :ليل أليل. ويوم أيوم وما أشبه ذلك. وهو ما كان فيئا - أى طويلا ممتدا - لا حوب فيه - أى لا خرق ولا قطع فيه - ودائما لا تنسخه الشمس. وسجسجا - أى متوسطا - لا حر فيه ولا برد. وليس ذلك إلا ظل الجنة. رزقا الله بتوفيقه لما يزلف إليه التفيؤ تحت ذلك الظل.
وبعد هذا الحديث الجامع عن أحوال أهل الكتاب من اليهود، وجه القرآن جملة من الأوامر الحكيمة إلى المؤمنين. فقال - تعالى - : ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ.... تَأْوِيلاً ﴾
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ( ٥٨ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ( ٥٩ )
قال ابن كثير - عند تفسيره للآية الأولى - :ذكر كثير من المفسرين " أن هذه الآية نزلت فى شأن عثمان بن طلحة بن أبى طلحة. وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبى طلحة الذى صارت الحجابة فى نسله إلى اليوم. وسبب نزولها فيه :حين أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة منه يوم الفتح ثم رده عليه.
ثم قال :قال محمد بن إسحاق :حدثنى محمد بن جعفر عن عبيد الله بن أبى ثور عن صفية بنت شيبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بمكة واطمأن الناس، خرج حتى أتى إلى البيت فطاف به سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن فى يده. فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ مفتاح الكعبة منه ففتحت له فدخلها.
ثم قام على باب الكعبة فقال :لا إله إلا الله وحده لا شريك له. صدق وعده. ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمى هاتين :إلا سدانة البيت وسقاية الحاج.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :أين عثمان بن طلحة ؟ فدعى له. فقال :هاك متفاحك يا عثمان ! ! اليوم يوم بر ووفاء ".
هذا ونزول الآية الكريمة فى هذا السبب الخاص لا يمنع عمومها إذا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
والأمانات :جمع أمانة وهى مصدر سمى به المفعول. فهى بمعنى ما يؤتمن الإِنسان عليه.
والمعنى :إن الله تعالى - يأمركم - أيها المؤمنون - أن تؤدوا ما ائتمنتم عليه من الحقوق سواء أكانت هذه الحقوق لله - تعالى - أم للعباد. وسواء كانت فعلية أم قولية أم اعتقادية.
وقد أسند - سبحانه - الأمر إليه تأكيده، اهتماما بالمأمور به، وحضا للناس على أداء ما يؤتمنون عليه من علم ومال، ودائع، وأسرار، وغير ذلك مما يقع فى دائرة الائتمان، وتنبغى المحافظة عليه.
ومعنى أدائها إلى أهلها :توصيلها إلى أصحابها كما هى من غير بخس أو تطفيف أو تحريف أو غير ذلك مما يتنافى مع أدائها بالطريقة التى ترضى الله - تعالى.
ومن الآيات القرآنية التى نوهت بشأن الأمانة وأمرت بأدائها وحفظها قوله - تعالى - : ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان ﴾ وقوله - تعالى - ﴿ والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ أولئك فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ ﴾ وأما الأحاديث فمنها ما رواه الترمذى والنسائى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم ".
وروى الترمذى وأبو داود عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخمن من خانك ".
وقوله : ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس أَن تَحْكُمُواْ بالعدل ﴾ أمر بإيصال الحقوق المتعلقة بذمم الغير إلى أصحابها إثر الأمر بإيصال الحقوق المتعلقة بذممهم.
وقوله ﴿ حَكَمْتُمْ ﴾ من الحكم ومعناه الفصل بين المتنازعين، وإظهار الحق لصاحبه.
وقوله ﴿ بالعدل ﴾ أى بالحق الذى أوجبه الله عليكم. وأصل العدل :التسوية. يقال :عدل كذا بكذا أى سواه به.
قال الجمل وقوله : ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ ﴾ إذا معمول لمقدر على مذهب البصريين من أن ما بعد أن المصدرية لا يعمل فيما قبلها والتقدير :وأن تحكموا بالعدل إذا حكمتم بين الناس. أو معمول للمذكور على مذهب الكوفيين من إجازة عمل ما بعد أن فيما قبلها.
والمعنى :كما أمركم الله - تعالى - أيها المؤمنون بأداء الأمانات إلى أهلها، فإنه يأمركم - أيضا - إذا حكمتم بين الناس أن تجعلوا حكمكم قائما على الحق والعدل، فإن الله - تعالى - ما أقام ملكه إلا عليهما، ولأن الأحكام إذا صاحبها الجور والظلم أدت إلى شقاء الأفراد والجماعات.
قال بعض العلماء :يرى بعضهم :أن الخطاب فى هذا النصف موجه إلى الذين يحكمون، وهم الحكام من ولاة وقضاة وغيرهم ممن يلون الحاكم. ولا مانع عندنا من أن يكون الخطاب موجها إلى الأمة كلها، لأن الأمة العزيزة التى تتولى أمور نفسها من غير تحكم من ملك أو طاغ قاهر، هى محكومة ومحكمة. فهى التى تختار حاكمها وهى فى هذا محكمة، مطلوب منها العدل، فلا تختار لهوى أو لعطاء أو لمصلحة شخصية أيا كان نوعها. وهى محكمة فى حاكمها فلا تقول فيه إلا حقا، ولا تطالبه إلا بما هو حق لا جور فيه، ولا تشتط فى نقده، ولا تسكن عن نصيحته، فإن النبى صلى الله عليه وسلم يقول : " الدين النصيحة :لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ".
وحديث القرآن عن وجوب إقامة العدل ودفع الظلم حديث مستفيض. قال تعالى - : ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان ﴾ وقال - تعالى - ﴿ ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض فاحكم بَيْنَ الناس بالحق وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى ﴾ وقال - تعالى - ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا وَلَوْ كَانَ ذَا قربى ﴾ وقال - تعالى - ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ على أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى ﴾ وأما حديث السنة النبوة عن ذلك فهو أيضا مستفيض. ومن الأحاديث التى ورت فى هذا المعنى ما رواه الإِمام مسلم فى صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن المقسطين عند الله على منابر من نور من يمين الرحمن. وكلتا يديه يمين. الذين يعدلون فى حكمهم وأهليهم وما ولوا ".
وقوله ﴿ إِنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكُمْ ﴾ جملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها، متضمنة لمزيد اللطف بالمخاطبين، وحسن استدعائهم إلى الامتثال لما أمروا به.
وقوله ﴿ نِعِمَّا ﴾ أصله ﴿ نعم ما ﴾ فركبت نعم ما بعد طرح حركة الميم الأولى وتنزيلها منزلة الكلمة الواحدة ثم أدغمت الميمان وحركت العين الساكنة بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين.
و ﴿ ما ﴾ إما منصوبة موصوفة بقوله ﴿ يَعِظُكُمْ ﴾ فكأنه قيل :نعم شيئا يعظكم به. وإما مرفوعة موصولة فكأنه قيل :نعم الشئ الذى يعظكم به.
والمخصوص بالمدح محذوف وهو أجاء الأمانة إلى أهلها والحكم بين الناس بالعدل.
والوعظ :التذكير بالخير، والتحذير من الشر، بأسلوب يرق له القلب.
والمعنى :إن الله - تعالى - قد أمركم - يا معشر المؤمنين - بأداء الأمانة، وبالحكم بالعدل، ولنعماهما شيئا جليلا يذكركم به، ويدعوكم إليه.
وقوله - تعالى - ﴿ إِنَّ الله كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾ وعد للطائعين ووعيد للعاصين.
أى :إن الله - تعالى - كان سميعا لأقوالكم فى الأحكام وفى غيرها. ﴿ بَصِيراً ﴾ بكل أحوالكم وتصرفاتك. وسيجازيكم بما تفعلونه من خير أو شر.
وبعد أن أمر - سبحانه بأداء الأمانة وبالحكم بالعدل عقب ذلك بأمر المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله وولاة أمورهم فقال - تعالى - : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ ﴾.
وطاعة الله وطاعة رسوله متلازمتان. قال - تعالى - : ﴿ مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ﴾ ومعنى طاعتهما :التزام أوامرهما، واجتناب نواهيهما.
والمراد بأولى الأمر - على الراجح - الحكام. وطاعتهم إنما تكون فى غير معصية الله، فإذا أمروا بأولى الأمر - على الراجح - الحكام. وطاعتهم إنما تكون فى غير معصية الله، فإذا أمروا بما يتنافى مع تعاليم الدين فلا سمع لهم على الأمة ولا طاعة.
وإنما أمرنا الله - تعالى - بطاعتهم فى غير معصية، لأنهم هم المنفذون لتعاليم الشريعة، وهم الذين بيدهم مقاليد الأمة التى يقومون على رعاية مصالحها، ولأن عدم طاعتهم يؤدى إلى اضطراب أحواله الأمة وفسادها.
قال صاحب الكشاف :والمراد ب ﴿ وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ ﴾ :أمراء الحق، لأن - أمراء الجور - الله ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على الله ورسوله بوجوب الطاعة لهم. وإنما يجمع بين الله ورسوله والأمراء الموافقين لهما فى إيثار العدل واختيار الحق والأمر بهما. والنهى عن أضدادهما كالخلفاء والراشدين ومن تبعهم بإحسان. وكان الخلفاء يقولون :أطيعونى ما عدلت فيكم. فان خالفت فلا طاعة لى عليكم، وعن أبى حازم أن مسلمة بن عبد الملك قال له :ألستم أمرتم بطاعتنا فى قوله ﴿ وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ ﴾ فقال له :أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله : ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾.
وقيل هم العلماء الدينيون الذين يعلمون الناس ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر.
وأعاد - سبحانه - الفعل ﴿ أَطِيعُواْ ﴾ مع الرسول فقال : ﴿ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ ولم يعده مع أولى الأمر، للإِشارة إلى استقلال الرسول صلى الله عليه وسلم بالطاعة حتى ولو كان ما يأمر به ليس منصوصا عليه فى القرآن، لأنه لا ينطق عن الهوى، وللإِيذان بأن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم أعلى من طاعة أولى الأمر.
وقوله ﴿ مِنْكُمْ ﴾ فى محل نصب على الحال من أولى الأمر أى :أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر حالة كونهم كائنين منكم أى من دينكم وملتكم.
وفى ذلك إشارة إلى أنه لا طاعة لمن يتحكمون فى شئون المسلمين ممن ليسوا على ملتهم.
وقوله : ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر ﴾ بيان لما يجب على المؤمنين أن يفعلوه إذا ما حدث بينهم اختلاف فى أمر من الأمور الدينية. والمراد بالتنازع هنا :الاختلاف والجدال مأخوذ من النزع بمعنى الجذب. فكأن كل واحد من المختلفين بجذب من غيره الحجة لدليله...
ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم " ما لى أنازع القرآن " أى ينازعنى غيرى ويجاذبنى فى القراءة. وذلك أن بعض المأمومين جهر خلفه فنازعه قراءة فشغله، فنهاه عن الجهر بالقراءة فى الصلاة خلفه.
والمعنى :فان تنازعتم واختلفتم أيها المؤمنون أنتم وألوا الأمر منكم فى أمر من أمور الدين ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ أى فردوا ذلك الحكم أو الأمر الذى اختلفتم فيه إلى كتاب الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن تسألوه عنه فى حياته، وترجعوا إلى سنته بعد مماته.
قال القرطبى :قوله ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ﴾ أى تجادلتم واختلفتم فى شئ من أمور دينكم ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ أى ردوا ذلك الحكم إلى كتاب الله أو إلى رسوله بالسؤال فى حياته، أو بالنظر فى سنته بعد وفاته. وهذا قول مجاهد والأعمش وقتادة. وهو الصحيح.
ومن لم ير هذا اختل إيمانه، لقوله - تعالى ﴿ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر ﴾.
وفى قوله ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ دليل على أن سنته صلى الله عليه وسلم يعمل بها ويمتثل ما فيها.
قال صلى الله عليه وسلم " ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم. فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم " أخرجه مسلم.
وروى أبو داود عن أبى رافع عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمرى مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول :لا ندرى ما وجدناه فى كتاب الله اتبعناه ".
وعن العرباض بن سارية أنه حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس وهو يقول :
" أيحسب أحدكم متكئا على أريكته قد يظن أن الله لم يحرم شيئا إلا ما فى هذا القرآن ألا وإنى والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن اشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر ".
وقوله ﴿ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر ﴾ شرط جوابه محذوف عند جمهور البصريين اكتفاء بدلالة المذكور عليه.
أى :إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر حق الإِيمان فارجعوا فيما تنازعتم فيه من أمور دينية إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
والجملة الكريمة تحريض للمؤمنين على الامثال لتعاليم الإِسلام وآدابه، لأن الإِيمان الحق يقتضى ذلك.
واسم الاشارة فى قوله : ﴿ ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ يعود إلى الرد إلى الكتاب والسنة وقوله ﴿ تَأْوِيلاً ﴾ من آل هذا الأمر إلى كذا أى رجع إليه، فيكون المعنى :ذلك الذى أمرتكم به من رد ما اختلفتم فيه إلى الكتاب والسنة خير لكم وأحمد مغبة، وأجمل عاقبة.
ويجوز أن يكون قوله ﴿ تَأْوِيلاً ﴾ معنى التفسير والتوضيح فيكون المعنى :
ذلك أى الرد إلى الكتاب والسنة خير لكم وأحسن تأويلا وتفسيراً من تأويلكم أنتم إياه، من غير رد إلى اصل من الكتاب والسنة. والأول أنسب لسياق الآية الكريمة.
قال ابن كثير :قوله ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ ﴾. الآية هذا أمر من الله - تعالى - بأن كل شئ تنازع فيه الناس من أصول الدين وفروعه، أن يردوا التنازع فى ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال - تعالى - : ﴿ وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله ﴾ فما حكم به القرآن والسنة وشهد له بالصحة فهو الحق. ماذا بعد الحق إلا الضلال. ولهذا قال - تعالى - : ﴿ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر ﴾. أى :ردوا الخصومات إلى كتاب الله وسنة رسوله فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. فدل على أن من لم يتحاكم فى محل النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما فى ذلك، فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر.
وقال بعض العلماء :قد يؤخذ من الآية التى معنا أن أدلة الأحكام الشرعية أربعة. وهى :الكتاب والسنة والإِجماع والقياس.. لأن الأحكام إما منصوبة فى الكتاب أو السنة وذلك قوله : ﴿ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾. وإما مجمع عليها من أولى الأمر بعد استنادهم إلى دليل علموه. وذلك قوله ﴿ وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ ﴾ وإما غير منصوصة ولا مجمع عليها. وهذه سبيلها الاجتهاد والرد إلى الله والرسول وذلك هو القياس.
فما اثبته الفقهاء والأصوليون غير هذه الأربعة كالاستحسان الذى يراه الأحناف دليلا.
وإثبات الأحكام الشرعية تمشيا مع المصلاح المرسلة الذى يقول به المالكية، والاستصحاب الذى يقول به الشافعية، كل ذلك إن كان غير هذه الأربعة فمردود بظاهر هذه الآية، وإن كان راجعا إليها فقد ثبت أن الأدلة أربعة.
ثم انتقل القرآن بعد ذلك إلى الحديث عن المنافقين فكشف عن أحوالهم الذميمة، وطابعهم القبيحة، ونفوسهم المريضة، وحذر المؤمنين من مكرهم وكذبهم، بعد أن حذرهم قبل ذلك من مكر اليهود وأمرهم بالاعتصام بطاعة الله ورسوله. استمع إلى القرآن الكريم وهو يكشف النقاب عن حال هؤلاء المنافقين فيقول : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى.... صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً ﴾.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ( ٦٠ ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ( ٦١ ) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ( ٦٢ ) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ( ٦٣ ) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ( ٦٤ ) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ( ٦٥ ) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ( ٦٦ ) وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا ( ٦٧ ) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ( ٦٨ )
روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُونَ ﴾... إلخ روايات متقاربة فى معناها ومن ذلك ما أخرجه الثعلبى وابن أبى حاتم من طرق عن ابن عباس أن رجلا من المنافقين يقال له بشر خاصم يهوديا، فدعاه اليهودى إلى التحاكم إلى النبى صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافق إلى التحاكم إلى كعب بن الأشرف :ثم إنهما احتكما إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودى، فلم يرض المنافق. وقال :تعالى نتحاكم إلى عمر بن الخطاب.
فقال اليهودى لعمر :قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه. فقال عمر للمنافق :أكذلك ؟ قال :نعم. قال عمر :مكانكما حتى أخرج إليكما. فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد - أى مات -. ثم قال :هكذا أقضى لمن لم يرض بقضاء الله - تعالى - وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت.
والاستفهام فى قوله ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ للتعجيب من حال أولئك المنافقين، وإنكار ما هم عليه من خلق. ذميم وإعراض عن حكم الله ورسوله إلى حكم غيرهما.
وقوله ﴿ يَزْعُمُونَ ﴾ من الزعم ويستعمل غالبا فى القول الذى لا تحقق معه، كما يستعمل - أيضا - فى الكذب ومنه قوله - تعالى - : ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً فَقَالُواْ هذا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ ﴾ أى بكذبهم.
وقد يطلق الزعم على القول الحق.
قال الآلوسى :وقد أكثر سيبويه فى " الكتاب " من قوله :زعم الخليل كذا - فى أشياء يرتضيها.
والمراد بالزعم هنا الكذب لأن الآية الكريمة فى المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون.
والمعنى :ألم ينته علمك يا محمد إلى حال هؤلاء المنافقين الذين يزعمون كذبا وزورا أنهم آمنوا بما أنزل إليك من ربك من قرآن كريم، ومن شريعة عادلة، ويزعمون كذلك أنهم أمنوا بما أنزل على الرسل من قبلك من كتب سماوية ؟ إن كنت لم تعلم حالهم أو لم تنظر إليهم فهاك خبرهم لتحذرهم ولتحذر أمتك من شرورهم.
فالمقصود من الاستفهام التعجيب من حال هؤلاء المنافقين، وحض النبى صلى الله عليه وسلم وأمته على معرفة مسالكهم الخبيثة، حتى يأخذوا حذرهم منهم.
وفى وصفهم بادعاء الإِيمان بما أنزل على الرسول وبما أنزل على الرسل من قبله تأكيد للتعجيب من أحولاهم، وتشديد للتوبيخ والتقبيح من سلوكهم ؛ ببيان كمال المباينة بين دعواهم المقتضية حتما للتحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وبين ما صدر عنهم من هرولة إلى التحاكم إلى غيره.
وقوله : ﴿ يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت ﴾ بيان لموطن التعجب من أحوالهم الغريبة، وصفاتهم السيئة.
والمراد بالطاغوت هنا :ما سوى شريعة الإِسلام من أحاكم باطلة بعيدة عن الحق يأخذها المنافقون عمن يعظمونهم وقيل المراد به :كعب بن الأشرف ؛ لأنه هو الذى أراد المنافقون التحاكم إليه، وقد سماه الله بذلك لكثرة طغيانه وعداوته للرسول صلى الله عليه وسلم.
والمعنى :أن هؤلاء المنافقين يزعمون الإِيمان بما أنزل إليك - يا محمد - وبما أنزل من قبلك، ومع هذا فهم يريدون - عن محبة واقتناع - التحاكم إلى الطاغوت أى إلى من يعظمونه، ويصدرون عن قوله، ويرضون بحكمه من دون حكم الله.
وقوله ﴿ وَقَدْ أمروا أَن يَكْفُرُواْ بِهِ ﴾ جملة حالية من ضمير يريدون.
أى :يريدون التحاكم إلى الطاغوت والحال أن الله - تعالى - قد أمرهم بالكفر به، وبالانقياد للأحكام التى يحكم بها النبى صلى الله عليه وسلم.
وقوله ﴿ وَيُرِيدُ الشيطان أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً ﴾ معطوف على قوله ﴿ يُرِيدُونَ ﴾ وداخل فى حكم التعجيب، لأن اتباعهم لمن يريد إضلالهم، وإعراضهم عمن يريد هدايتهم أمر يدعو إلى العجب الشديد.
والمراد بالضلال البعيد :الكفر والبعد عن الحق والهدى.
ووصفه بالبعد للمبالغة فى شناعة ضلالهم، بتنزيله على سبيل المجاز منزلة جنس ذى مسافة كان هذا الفرد منه بالغا غاية المسافة.
قال ابن كثير :هذه الآية إنكار من الله - تعالى - على من يدعى الإِيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء السابقين. وهو مع ذلك، يريد أن يتحاكم فى فصل الخصومات إلى غير كتاب الله، وسنة رسوله.
كما ذكر فى سبب نزول هذه الآية أنها فى رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما. فجعل اليهودى يقول :بينى وبينك محمد. وذاك يقول :بينى وبينك كعب ابن الأشرف. وقيل :فى جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإِسلام أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك. والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لكل من عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل. وهو المراد بالطاغوت هنا.
ثم صور - سبحانه - إعراضهم عن الحق، ونفورهم عن شريعة الله - تعالى - فقال : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إلى مَآ أَنزَلَ الله وَإِلَى الرسول رَأَيْتَ المنافقين يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً ﴾.
أى :وإذا قيل لهؤلاء المنافقين أقبلوا على حكم الله وحكم رسوله، فإن الخير كل الخير فيما شرعه الله وقضاه، إذا ما قيل لهم ذلك ﴿ رَأَيْتَ المنافقين ﴾ الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، رأيتم لسوء نواياهم، ولؤم طواياهم ﴿ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً ﴾ أى يعرضون عنك - يا محمد - إعراضا شديدا.
وقوله ﴿ تَعَالَوْاْ إلى مَآ أَنزَلَ الله وَإِلَى الرسول ﴾ إغراء لهم بتقبل الحق، وحض لهم على الامتثال لشريعة الله ؛ لأنها هى الشريعة التى فيها سعادتهم، ولكنهم لمرض قلوبهم ينفرون من الحكم المنزل من السماء إلى حكم الطاغوت الباطل.
وقال - سبحانك - ﴿ رَأَيْتَ المنافقين ﴾ ولم يقل رأيتهم بالإِضمار ؛ لتسجيل النفاق عليهم، وذمهم به، وللإِشعار بعلة الحكم اى :رأيتهم لنفاقهم يصدون عنك صدودا.
وقوله ﴿ صُدُوداً ﴾ مصدر مؤكد بفعله أى :يعرضون عنك إعراضا تاما بحيث لا يريدون أن يسمعوا منك شيئاً، لأن حكمك لا يناسب أهواءهم.
فذكر المصدر هنا للتأكيد والمبالغة فكأنه قيل :صدودا أى صدود.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت علامة جلية من علامات المنافقين حتى يأخذ المؤمنون حذرهم منهم، وهى أنهم إذا ما دعوا إلى حكم الله الذى يزعمون أنهم آمنوا به، أعرضوا عن هذا الحاكم إعراضا شديدا، وظهر بذلك كذبهم ونفاقهم.
ثم يعرض القرآن بعد ذلك مظهرا آخر من مظاهر نفاقهم عند الشدائد والمحن فيقول : ﴿ فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بالله إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً ﴾.
والفاء فى قوله ﴿ فَكَيْفَ ﴾ للتفريع. و " كيف " فى محل رفع خبر لمبتدأ محذوف.
والمعنى :فكيف يكون حالهم إذا نزلت بهم النوازل، وأصابتهم المصائب بسبب تركهم حكم الله، واتباعهم حكم الطغيان ﴿ ثُمَّ جَآءُوكَ ﴾ معتذرين عما حدث منهم من قبائح، والحال أنهم ﴿ يَحْلِفُونَ بالله ﴾ كذبا وزورا ﴿ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً ﴾ أى ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك - يا محمد - إلا إحسانا إلى المتخاصمين، وتوفيقا بينهم حتى لا يتسع الخلاف بينهم، ولم نرد بذلك عدم الرضا بحكمك، فلا تؤاخذنا بما فعلنا.
والاستفهام بكيف هنا للتهويل. أى أن حالهم عندما تصيبهم المصائب بسبب أفعالهم الخبيثة، ويأتون للرسول صلى الله عليه وسلم معتذرين، ستكون حالا بائسة شنيعة مخزية :لأنهم لا يجدون وجها مقبولا للدفاع عما ارتكبوه من قبائح.
والباء فى ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ للسببية. والمراد بما قدمت أيديهم ما اجترحوه من سيئات من أشدها تحكمهم إلى الطاغوت. وعبر عن ذلك بقوله : ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ :لأن الأيدى مظهر من مظاهر الإِنسان.
والتعبير ب " ثم " فى هذا المقام للإِشعار بالتباين الشديد بين إعراضهم وصدودهم إذا ما قال لهم قائل :تعالوا إلى حكم الله... وبين إقبالهم بعد ذلك معتذرين ومقسمين بالأيمان الكاذبة أنهم ما أرادوا بما فعلوا إلا الإِحسان والتوفيق.
وإن ما قاله هؤلاء المنافقون من أعذار بعد أن أصابتهم المصائب. وانكشف أمرهم بين المؤمنين، وصاروا محل الازدراء والنبذ لتحاكمهم إلى الطاغوت. ما قاله هؤلاء - كما حكاه القرآن الكريم - ليشبه ما يقوله منافقو اليوم عندما يتهربون من التحاكم إلى شريعة الله إلى التحاكم إلى غيرها من شرائع الناس. فأنت تراهم إذا ما أحيط بهم، وعجزوا عن الدفاع عن أنفسهم، اعتذروا بأنهم ما تركوا الحاكم بشريعة الله إلى غيرها لا بقصد الإِحسان إلى المتنازعين، والتوفيق بين مختلف الطوائف فى المجتمع حتى لا يغضب من ليسوا مسلمين.
ولا شك أن هذه الأعذار لن تغنى عنهم من عذاب الله شيئا، لأنه لا عذر لمن يهجر شريعة الله، ويهرع إلى التحاكم إلى غيرها.
ثم بين - سبحانه - أنه ليس غافلا عن أعمال أولئك المنافقين، وأرشد نبيه صلى الله عليه وسلم إلى وسائل معالجتهم فقال - تعالى - : ﴿ أولئك الذين يَعْلَمُ الله مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ﴾.
أى :أولئك الذين نافقوا، وأخفوا حقيقة نواياهم السيئة، وتركوا حكم الله إلى حكم الطاغوت... ﴿ أولئك الذين يَعْلَمُ الله مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ من النفاق والميل إلى الكفر، وإن أظهروا إسلامهم.
وقوله ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾... الخ بيان لطرق معالجتهم.
أى :فلا تلتفت إليهم، وغض الطرف عن مسالكهم الخبيثة، ولا تقبل عليهم، لكى يشعروا باستنكارك لأعمالهم.
وقوله ﴿ وَعِظْهُمْ ﴾ :الوعظ هو التذكير بفعل الخير وترك الشر بأسلوب يرقق القلوب، ويشتمل على الترغيب والترهيب.
أى :ذكرهم بما فى أعمالهم القبيحة من سوء العاقبة لهم، وبما فى تركها من خير جزيل يعود عليهم فى دنياهم وآخرتهم، وأخبرهم بأن تحاكمهم إلى غير شريعة الله سيكون فيه هلاكهم.
وقوله ﴿ وَقُل لَّهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ﴾ أى قل لهم بعد ذلك قولا يبلغ أعماق نفوسهم لقوته وشدة تأثيره. بأن تورد لهم ما تريد أن تخاطبهم به بطريقة تجعلهم يقبلون على قولك.
وفى هذه الجملة الكريمة ما فيها من التعبير البليغ المؤثر، حتى لكأنما القول الذى يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم لهم :يودع مباشرة فى الأنفس، ويستقر رأسا فى القلوب.
وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال :فإن قلت :بم تعلق قوله : ﴿ في أَنْفُسِهِمْ ﴾ قلت :بقوله ﴿ بَلِيغاً ﴾ أى :قبل لهم قولا بليغا فى أنفسهم مؤثرا فى قلوبهم يغتمون به اغتماما، ويستشعرون منه الخوف استشعارا، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجم منهم النفاق، واطلع قرنه، وأخبرهم أن ما فى نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند الله، وانه لا فرق بينكم وبين المشركين. وما هذه المكانة إلا لإِظهاركم الإِيمان وإِسراركم الكفر وإضماره. فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف.
أو يتعلق بقوله ﴿ وَقُل لَّهُمْ ﴾. أى :قل لهم فى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا. وإن الله يعلم ما فى قلوبكم. لا يخفى عليه. فلا يغنى عنكم إبطانه.
فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق. وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، وشرا من ذلك وأغلظ، أو قل لهم فى أنفسهم خاليا بهم، ليس معهم غيرهم. قولا بليغاً يبلغ منهم، ويؤثر فيهم.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد أرشدت النبى صلى الله عليه وسلم إلى استعمال ثلاثة طرق لصرف المنافقين عن أفعالهم القبيحة.
وهذه الطرق هى الإِعراض عنهم، ووعظم بما يرغبهم فى الخير ويرهبهم من الشر، ومخاطبتهم بالقول البليغ المؤثر الذى يحرك نفوسهم تحريكا قويا، ويجعلهم يقبلون وهذه الطرق هى أسمى ألوان الدعوة إلى الله. وأنجع الأساليب فى جلب الناس إلى ما يأخذ بيدهم إلى الخير والفلاح.
ثم بين - سبحانه - أنه ما أرسل رسله إلا ليطاعوا لا ليخالفوا، وأرشد المخالفين إلى ما يجب عليهم فعله للتكفير عن مخالفتهم فقال تعالى :
﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظلموا أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فاستغفروا الله واستغفر لَهُمُ الرسول لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً رَّحِيماً ﴾.
و ﴿ مِن ﴾ فى قوله ﴿ مِن رَّسُولٍ ﴾ زائدة للتأكيد والتعيمم، واللام فى قوله ﴿ لِيُطَاعَ ﴾ للتعليل، والاستثناء مفرغ من المفعول لأجله.
أى :وما أرسلنا رسولا من الرسل لشئ من الأشياء إلا ليطاع فيما أمر ونهى وحكم، لا ليطلب ذلك من غيره. فطاعته فرض على من أرسل إليهم. وإنكار فرضيتها كفر.
لأن طاعة الرسول طاعة الله، ومعصيته معصية لله. قال - تعالى - : ﴿ مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ﴾ وقوله ﴿ بِإِذْنِ الله ﴾ أى :بسبب إذنه - سبحانه - فى طاعة رسوله. لأن هو الذى أمر بهذه الطاعة لرسله.
ويجوز أن يراد بقوله ﴿ بِإِذْنِ الله ﴾ أى بتوفيقه - سبحانه - إلى هذه الطاعة من يشاء توفيقه إليها من عباده.
وقوله ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظلموا أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ ﴾... الخ بيان لما كان يجب عليهم ان يفعلوه بعد وقوعهم فى الخطأ.
أى ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم بسبب تحاكمهم إلى الطاغوت، وبخروجهم عن تعاليم الإِسلام، لو انهم بسبب ذلك وغيره ﴿ جَآءُوكَ ﴾ تائبين توبة صادقة من هذا النفاق ؛ ﴿ فاستغفروا الله ﴾ مما اجترحوه من ذنوب وسيئات ﴿ واستغفر لَهُمُ الرسول ﴾.
أى. دعوا الله - تعالى - بأن يقبل توبتهم، ويغفر ذنوبهم. لو انهم فعلوا ذلك ﴿ لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً ﴾ أى كثير القبول للتوبة من التائبين ﴿ رَّحِيماً ﴾ أى كثير التفضيل على عباده بالرحمة والمغفرة.
قال الفخر الرازى :لقائل ان يقول :أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح، كانت توبتهم مقبولة ؟ فما الفائدة فى ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم ؟
قلنا :الجواب عنه من وجوه :
الأول :أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله.
وكان أيضا إساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره. فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم.
الثاني :أن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول، ظهر منهم ذلك التمرد. فاذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد، وما ذاك إلا بأن يذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه الاستغفار.
الثالث :لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل، فاذا انضم إليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول.
ثم قال :وإنما قال - سبحانه - ﴿ واستغفر لَهُمُ الرسول ﴾. ولم يقل واستغفرت لهم :إجلالا للرسول صلى الله عليه وسلم. وأنهم إذا جاءوا من خصه الله برسالته، وأكرمه بوحيه، وجعله سفيرا بينه وبين خلقه، ومن كان كذلك فإن الله لا يرد شفاعته، فكانت الفائدة فى العدول عن لفظ الخطاب إلى لفظ المغايبة.
فالآية الكريمة قد فتحت باب التوبة أمام العصاة والمذنبين، وسمت بمكانة الرسول صلى الله عليه وسلم عند ربه سموا عظيما.
ورحم الله ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية :وقوله : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظلموا أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ ﴾. الآية. يرشد - تعالى - العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم ؛ ولهذا قال : ﴿ لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً رَّحِيماً ﴾.
وقد جاء عن الإِمام العتبى أنه قال :كنت جالسا عند قبر النبى صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابى فقال :السلام عليك يا رسول الله ! ! سمعت الله يقول : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظلموا أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ ﴾. الآية :وقد جئتك مستغفرا لذنبى، مستشفعا بك عند ربى. ثم أنشأ يقول :
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه... فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسى الفداء لقبر أنت ساكنه... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
قال العتبى :ثم انصرف الأعرابى، فرأيت النبى صلى الله عليه وسلم فى النوم فقال " يا عتبى الحق الأعرابى فبشره أن الله قد غفر له ".
ثم بين - سبحانه - أن كل من يدعى الإِيمان لا يكون إيمانه صادقا إلا إذا تقبل حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إذعان واقتناع فقال : ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ﴾.
والفاء فى قوله ﴿ فَلاَ ﴾ للإِفصاح عن شرط مقدر.
و ﴿ لاَ ﴾ يرى الزمخشرى أنها زائدة لتقوية الكلام وتأكيد معنى القسم، فهى كقوله - تعالى - : ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ويرى ان جرير أنها ليست زائدة، وإنما هى رد على ما تقدم ذكره من تحاكمهم إلى الطاغوت وتركهم حكم شريعة الإِسلام فقد قال :
" يعنى - جل ثناؤه - بقوله فلا :أى فليس الأمر كما يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إليك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك إذا دعوا إليك يا محمد. ثم استأنف القسم - جل ذكره - فقال :وربك يا محمد لا يؤمنون أى :لا يصدقون بى وبك حتى يحكموك فيما شجر بينهم.
وقوله ﴿ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ أى فيما اختلف بينهم من الأمور والتبس.
يقال :شجر بينهم الأمر يشجر شجرا وشجورا إذا تنازعوا فيه.
واصله التداخل والاختلاط. ومنه شجر الكلام، إذ دخل بعضه فى بضع واختلط. ومنه الشجر :لتداخل أغصانه.
وقيل للمنازعة تشاجر، لأن المتنازعين تختلف أقوالهم، وتتعارض دعاويهم، ويختلط بعضهم ببعض.
وقوله ﴿ حَرَجاً ﴾ أى ضيقا وشكا، وأصل الحرج مجتمع الشئ، ويقال للشجر الملتف الذى لا يكاد يوصل إليه حرج. ثم أطلق على ضيق الصدر لكراهته لشئ معين.
والمعنى :إذا ثبت ما أخبرناك به يا محمد قبل ذلك، فإن هؤلاء المنافقين وحق ربك " لا يؤمنون " إيمانا حقا يقبله الله - تعالى - ﴿ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ أى :حتى يجعلوك حاكما بينهم، ويلجأوا إليك فيما اختلفوا فيه من أمور، والتبس عليهم منها. ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ في أَنْفُسِهِمْ ﴾ بعد ذلك ﴿ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ ﴾ أى ضيقا وشكا فى قضائك بينهم ﴿ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ﴾ أى :ويخضعوا لحكمك خضوعا تام إلا إباء مع ولا ارتياب.
وفى إضافة الاسم الجليل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فى قوله - سبحانك - ﴿ وَرَبِّكَ ﴾ تكريم للنبى صلى الله عليه وسلم وتشريف له، وتنويه بمكانته.
وقوله ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ هو جواب القسم.
وقوله ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ ﴾ معطوف على مقدر ينساق إليه الكلام. اى :حتى يحكموك فيما شجر بينهم فتحكم بينهم ثم لا يجدوا.
وقوله ﴿ تَسْلِيماً ﴾ تأكيد للفعل. بمنزلة تكريره. أى تسليما تاما بظاهرهم وباطنهم من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة فقد روى الحافظ أبو نعيم والطبرانى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " والذى نفسى بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ".
هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما رواه البخارى عن الزهرى " عن عروة قال :خاصم الزبير رجلا من الأنصار فى شراج الحرة - أى فى مسيل مياه -.
فقال النبى صلى الله عليه وسلم :اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فقال الأنصارى :يا رسول الله ! ! أن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال :اسق يا زبير. ثم أحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر " - والجدر هو ما يدار بالنخل من تراب كالجدار -. ثم أرسل الماء إلى جارك.
قال الزبير :فما أحسب هذه الآية إلا نزلت فى ذلك ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾.
وهذا السبب الخاص فى نزول الآية الكريمة لا يمنع عمومها فى وجوب التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته، وإلى الشريعة التى أتى بها بعد وفاته، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يرى جمهور العلماء.
ويبدو أن ما ذكرناه سابقا من تحاكم بعض المنافقين إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء فى البخارى من تخاصم الزبير مع الرجل الأنصارى يبدو أن هذه الحوادث قد حدثت فى زمن متقارب فنزلت الآيات لبيان وجوب التحاكم إلى شريعة الله دون سواها.
والمتأمل فى الآية الكريمة يراها قد بينت أن المؤمن لا يكون إيمانه تاما إلا إذا توفرت فيه صفات ثلاث :
أولها :أن يتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته، وإلى شريعته بعد وفاته.
وثانيها :أن يتقبل حكم الشريعة الإِسلامية التى جاء بها النبى صلى الله عليه وسلم برضا وطيب خاطر، وأن يوقن إيقانا تاما بأن ما يقضى به هو الحق والعدل. قال - تعالى - : ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ ﴾.
وثالثها :أن يذعن لأحكام شريعة الله إذعانا تاما فى مظهره وحسه. قال - تعالى - ﴿ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ﴾. أى يخضوا خضوعا تاما.
فقوله - تعالى - ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ ﴾ يمثل الانقياد الباطنى والنفسى.
وقوله - تعالى - ﴿ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ﴾ يمثل الانقياد الظاهرى والحسى.
وهكذا نرى الآية الكريمة تحذر المؤمنين من التحاكم إلى غير شريعة الله بأسلوب يبعث فى النفوس الوجل والخشية، ويحملهم على الإِذعان لأحكام الله - تعالى -.
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على الناس، ورحمته بهم. فقال - تعالى - : ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقتلوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخرجوا مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾.
والمراد بقوله ﴿ كَتَبْنَا ﴾ :فرضنا وأوجبنا.
والمراد ( بقتل النفس ) تعريضا للهلاك من غير أمل فى النجاة، وقيل :المراد به تعريضها للقتل عن طريق الجهاد.
والمراد بالخروج من الديار :الهجرة فى سبيل الله، والخروج من الأوطان إلى أماكن فيها إستجابة لأمر الله.
قال الفخر الرازى :الضمير فى قوله ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ فيه قولان :
الأول :وهو قول ابن عباس ومجاهد - أنه عائد إلى المنافقين، وذلك لأنه - تعالى - كتب على بنى إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم. فقال - تعالى - :ولو أنا كتبنا القتل والخروج عن الوطن عن هؤلاء المنافقين ما فعله إلا قليل منهم رياء وسمعة، وحينئذ يصعب الأمر عليهم، وينكشف كفرهم، فإذا مل نفعل ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة، فليتركوا النفاق، وليقبلوا الإِيمان على سبيل الإِخلاص. وهذا القول اختيار أبى بكر الأصم والقفال.
الثانى :أن المراد لو كتب الله على الناس ما ذكر لم يفعله إلا قليل منهم، فلما لم يفعل - سبحانه - ذلك رحمة بعباده، بل اكتفى بتكليفهم بالأمور السهلة، فعليهم أن يقبلوا عليها بإخلاص حتى ينالوا خير الدارين.
وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق.
وأما الضمير فى قوله ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ ﴾ فهو مختص بالمنافقين، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا.
وعلى هذا التقدير يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين.
وعلى كلا التقديرين :فإن الآية الكريمة تدل على أن الله - تعالى - لم يكلف هذه الأمة إلا بما تستطيعه، لأنه - سبحانه - لو كلف الناس جميعا بالتكاليف الشاقة، لما استطاع أن يقوم بها إلا عدد قليل منهم، وهذا الدين لم يجئ لهذا العدد القليل من الناس وإنما جاء للناس جميعا.
والمراد :أننا لم نكتب على الناس قتل أنفسهم أو خروجهم من ديارهم لأننا لو فعلنا ذلك لما استطاعه إلا عدد قليل منهم. وإنما الذى كتبناه عليهم هو طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والخضوع لحكمه فى الظاهر والباطن والاستجابة لتوجيهاته فى السر والعلن.
فالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر فضل الله على هذه الأمة، ورحمته بها، وتحريض الناس على الامتثال لشريعة الله - تعالى -.
والضمير فى قوله ﴿ مَّا فَعَلُوهُ ﴾ للمكتوب عليهم الشامل للقتل والخروج من الديار. لدلالة قوله ﴿ كَتَبْنَا ﴾ عليه.
وقوله " قليل " مرفوع على أنه بدل من الواو فى قوله ﴿ فَعَلُوهُ ﴾ والتقدير :ما فعله أحد إلا قليل منهم. وقرأه ابن عامر بالنصب على الاستثناء. والأول أولى، لأنه استثناء من كلام تام غير موجب فيترجح الرفع.
قال ابن كثير :لما نزلت ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ ﴾... الآية.. قال رجل :لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذى عافانا. فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال : " إن من أمتى رجالا، الإِيمان أثبت فى قلوبهم من الرواسى ".
وعن عامر بن عبد الله بن الزبير أن هذه الآية لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم " - أى :لو فرض ذلك لكان عبد الله بن مسعود من الذين يفعلونه.
" وعن شريح بن عبيد قال :لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، أشار بيده إلى عبد الله بن رواحة فقال : " لو أن الله كتب ذلك، لكان هذا من أولئك القليل " ".
وقوله : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ بيان للنتائج الطيبة التى تترتب على امتثالهم لأمر الله.
أى :ولو ثبت أن هؤلاء الذين أمرناهم بطاعتنا ﴿ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ ﴾ أى :ما أمرناهم به من اتباع لرسولنا صلى الله عليه وسلم وانقياد لحكمه، لأنه الصادق المصدوق الذى لا ينطق عن الهوى..
لو ثبت أنهم فلعوا ذلك لكان ما فعلوه ﴿ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ فى دنياهم وآخرتهم. ولكان ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ لهم على الحق والصواب، وأمنع لهم من الضلال.
ثم بين - سبحانه - ما لهم بعد ذلك من أجر عظيم فقال : ﴿ وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّآ أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً ﴾.
أى :وإذا لو ثبتوا على طاعتنا لأعطيناهم من عندنا ثوابا عظيما لا يعرف مقداره إلا الله - تعالى - ولتقلبناهم وأرشدناهم إلى سلوك الطريق المستقيم وهو طريق الإِسلام الذى باتباعه يسعدون فى دنياهم وآخرتهم.
قال صاحب الكشاف :وقوله " وإذا " جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل :وماذا يكون لهم أيضا بعد التثبيت ؟ فقيل :وإذا لو ثبتوا ﴿ لآتَيْنَاهُمْ ﴾ لأن إذا جواب وجزاء.
وقد فخم - سبحانه - هذا العطاء بعدة أمور منها :أنه ذكر - سبحانه - نفسه بصيغة العظمة ﴿ لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّآ ﴾ ﴿ وَلَهَدَيْنَاهُمْ ﴾ والمعطى الكريم إذا ذكر نفسه باللفظ الدال على العظمة عند الوعد بالعطية، دل ذلك على عظمة تلك العطية.
ومنها :أن قوله ﴿ مِّن لَّدُنَّآ ﴾ يدل على التخصيص أى :لآتيناهم من عندنا وحدنا لا من عند غيرنا. وهذا التخصيص يدل على المبالغة والتشريف، لأنه عطاء من واهب النعم وممن له الخلق والأمر كما فى قوله - تعالى - ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً ﴾ ومنها :أنه - سبحانه - وصف هذا الأجر المعطى بالعظمة بعد أن جاء به منكرا، وهذا الأسلوب يدل على أن هذا العطاء غير محدود بحدود، وأنه قد بلغ أقصى ما يتصوره العقل من جلال فى كمه وفى كيفه. ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ والله ذُو الفضل العظيم ﴾ هذا، وبذلك ترى أن الآيات الكريمة - من قوله - تعالى - ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾. إلى هنا - قد بينت ما عليه المنافقون من فسوق وعصيان، وحكت معاذيرهم الكاذبة، وصورت نفورهم من حكم الله تصويرا بليغا، وكشفت عن أوالهم ورذائلهم بأسلوب يدعو العقلاء إلى احتقارهم وهجرهم، وأرشدت إلى أنجع الوسائل لعلاجهم ؛ وفتحت لهم باب التوبة حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويطهروا نفوسهم من السوء والفحشاء، ووضحت جانبا من مظاهر اليسر والتخفيف التى تفضل بها - سبحانه - على الأمة الإِسلامية، ووعدت الذين يستجيبون لله ولرسوله بالثواب الجزيل، وتوعدت الذين يتركون حكم الله إلى حكم غيره بالعذاب الأليم، ووصفتهم بعدم الإِيمان.
وقد أفاض بعض المفسرين عند تفسيره لهذه الآيات فى بيان سوء حال من يتحاكم إلى غير شريعة الله، وساقوا أمثلة متعددة لشدة تمسك السلف الصلاح بهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن ذلك قول الفخر الرازى :قال القاضى :يجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر. وعدم الرضا بحكم محمد صلى الله عليه وسلم كفر ويدل عليه وجوه :
الأول :أنه - تعالى - قال ﴿ يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت وَقَدْ أمروا أَن يَكْفُرُواْ بِهِ ﴾. فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانا به.
ولا شك أن الإِيمان بالطاغوت كفر بالله. كما ان الكفر بالطاغوت إيمان بالله.
الثانى :قوله تعالى - : ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾.. إلى قوله ﴿ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ﴾. وهذا نصف فى تكفير من لم يرض بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم.
الثالث :قوله - تعالى - ﴿ فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة.
وفى هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو خارج عن الإِسلام. سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد. وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة إليه من الحكم بارتداد ما نعى الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم.
وقال الشيخ جمال الدين القاسمى :قال ولى الله التبريزى. روى الإِمام مسلم - بسنده - عن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم :فقال بلال :والله لمنعنهن. فقال عبد الله :أقول :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتقول أنت :لنمنعهن "
وفى رواية سالم عن أبيه قال :فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا ما سمعته سبه مثله قط. وقال :أخبرك عن رسول الله، وتقول :والله لمنعهن.
وفى رواية للإِمام أحمد أنه ما كلمه حتى مات.
فأنت ترى أن ابن عمر - رضى الله عنه - لشدة تمسكه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غضب لله ورسوله. وهجر فلذة كبده، لتلك الزلة.
وقال الإِمام الشافعى :أخبرنا أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابى قال :حدثنى ابن أبى ذئب عن المقبرى عن أبى شريح الكعبى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح : " من قتل له قتيل فهو بخير النظرين. إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود " قال أبو حنيفة :فقلت لابن أبى ذئب. أتأخذ بهذا يا أبا الحارث ؟ فضرب صدرى وصاح على صياحا كثيرا ونال منى وقال :أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول أتأخذ به ؟ نعم. آخذ به. وذلك الفرض على وعلى من سمعه. إن الله - تعالى - قد اختار محمدا صلى الله عليه وسلم من الناس فهداهم به وعلى يديه. واختار لهم ما اختار له وعلى لسانه. فعلى الخلق أن يتبعوه لا مخرج لمسلم. وما سكت حتى تمنيت أن يسكت.
وقال الإِمام ابن القيم :والذى ندين الله به، ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه، أن الفرض علينا وعلى الأمة بحديث وترك لك ما خالفه.
ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان. لا رواية ولا غيره. إذ من الممكن أن يسنى الراوى الحديث ولا يحضره وقت الفتيا. أولا يتفطن لدلالته على تلك المسألة. أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا. أو يقوم فى ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا فى نفس الأمر. أو يقلد غيره فى فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه..
فالله - تعالى - علق سعادة الدارين بمتابعته صلى الله عليه وسلم وجعل شقاوة الدارين فى مخالفته.
وهكذا نرى أن السلف الصالح كانوا يتمسكون بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشد التمسك، ويهجرون كل من خالفها، ولم يقيد نفسه بها.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٧: ثم بين - سبحانه - ما لهم بعد ذلك من أجر عظيم فقال : ﴿ وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّآ أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً ﴾.
أى :وإذا لو ثبتوا على طاعتنا لأعطيناهم من عندنا ثوابا عظيما لا يعرف مقداره إلا الله - تعالى - ولتقلبناهم وأرشدناهم إلى سلوك الطريق المستقيم وهو طريق الإِسلام الذى باتباعه يسعدون فى دنياهم وآخرتهم.
قال صاحب الكشاف :وقوله " وإذا " جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل :وماذا يكون لهم أيضا بعد التثبيت ؟ فقيل :وإذا لو ثبتوا ﴿ لآتَيْنَاهُمْ ﴾ لأن إذا جواب وجزاء.
وقد فخم - سبحانه - هذا العطاء بعدة أمور منها :أنه ذكر - سبحانه - نفسه بصيغة العظمة ﴿ لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّآ ﴾ ﴿ وَلَهَدَيْنَاهُمْ ﴾ والمعطى الكريم إذا ذكر نفسه باللفظ الدال على العظمة عند الوعد بالعطية، دل ذلك على عظمة تلك العطية.
ومنها :أن قوله ﴿ مِّن لَّدُنَّآ ﴾ يدل على التخصيص أى :لآتيناهم من عندنا وحدنا لا من عند غيرنا. وهذا التخصيص يدل على المبالغة والتشريف، لأنه عطاء من واهب النعم وممن له الخلق والأمر كما فى قوله - تعالى - ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً ﴾ ومنها :أنه - سبحانه - وصف هذا الأجر المعطى بالعظمة بعد أن جاء به منكرا، وهذا الأسلوب يدل على أن هذا العطاء غير محدود بحدود، وأنه قد بلغ أقصى ما يتصوره العقل من جلال فى كمه وفى كيفه. ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ والله ذُو الفضل العظيم ﴾ هذا، وبذلك ترى أن الآيات الكريمة - من قوله - تعالى - ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾. إلى هنا - قد بينت ما عليه المنافقون من فسوق وعصيان، وحكت معاذيرهم الكاذبة، وصورت نفورهم من حكم الله تصويرا بليغا، وكشفت عن أوالهم ورذائلهم بأسلوب يدعو العقلاء إلى احتقارهم وهجرهم، وأرشدت إلى أنجع الوسائل لعلاجهم ؛ وفتحت لهم باب التوبة حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويطهروا نفوسهم من السوء والفحشاء، ووضحت جانبا من مظاهر اليسر والتخفيف التى تفضل بها - سبحانه - على الأمة الإِسلامية، ووعدت الذين يستجيبون لله ولرسوله بالثواب الجزيل، وتوعدت الذين يتركون حكم الله إلى حكم غيره بالعذاب الأليم، ووصفتهم بعدم الإِيمان.
وقد أفاض بعض المفسرين عند تفسيره لهذه الآيات فى بيان سوء حال من يتحاكم إلى غير شريعة الله، وساقوا أمثلة متعددة لشدة تمسك السلف الصلاح بهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن ذلك قول الفخر الرازى :قال القاضى :يجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر. وعدم الرضا بحكم محمد صلى الله عليه وسلم كفر ويدل عليه وجوه :
الأول :أنه - تعالى - قال ﴿ يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت وَقَدْ أمروا أَن يَكْفُرُواْ بِهِ ﴾. فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانا به.
ولا شك أن الإِيمان بالطاغوت كفر بالله. كما ان الكفر بالطاغوت إيمان بالله.
الثانى :قوله تعالى - : ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾.. إلى قوله ﴿ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ﴾. وهذا نصف فى تكفير من لم يرض بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم.
الثالث :قوله - تعالى - ﴿ فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة.
وفى هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو خارج عن الإِسلام. سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد. وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة إليه من الحكم بارتداد ما نعى الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم.
وقال الشيخ جمال الدين القاسمى :قال ولى الله التبريزى. روى الإِمام مسلم - بسنده - عن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم :فقال بلال :والله لمنعنهن. فقال عبد الله :أقول :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتقول أنت :لنمنعهن "
وفى رواية سالم عن أبيه قال :فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا ما سمعته سبه مثله قط. وقال :أخبرك عن رسول الله، وتقول :والله لمنعهن.
وفى رواية للإِمام أحمد أنه ما كلمه حتى مات.
فأنت ترى أن ابن عمر - رضى الله عنه - لشدة تمسكه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غضب لله ورسوله. وهجر فلذة كبده، لتلك الزلة.
وقال الإِمام الشافعى :أخبرنا أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابى قال :حدثنى ابن أبى ذئب عن المقبرى عن أبى شريح الكعبى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح :" من قتل له قتيل فهو بخير النظرين. إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود " قال أبو حنيفة :فقلت لابن أبى ذئب. أتأخذ بهذا يا أبا الحارث ؟ فضرب صدرى وصاح على صياحا كثيرا ونال منى وقال :أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول أتأخذ به ؟ نعم. آخذ به. وذلك الفرض على وعلى من سمعه. إن الله - تعالى - قد اختار محمدا صلى الله عليه وسلم من الناس فهداهم به وعلى يديه. واختار لهم ما اختار له وعلى لسانه. فعلى الخلق أن يتبعوه لا مخرج لمسلم. وما سكت حتى تمنيت أن يسكت.
وقال الإِمام ابن القيم :والذى ندين الله به، ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه، أن الفرض علينا وعلى الأمة بحديث وترك لك ما خالفه.
ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان. لا رواية ولا غيره. إذ من الممكن أن يسنى الراوى الحديث ولا يحضره وقت الفتيا. أولا يتفطن لدلالته على تلك المسألة. أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا. أو يقوم فى ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا فى نفس الأمر. أو يقلد غيره فى فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه..
فالله - تعالى - علق سعادة الدارين بمتابعته صلى الله عليه وسلم وجعل شقاوة الدارين فى مخالفته.
وهكذا نرى أن السلف الصالح كانوا يتمسكون بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشد التمسك، ويهجرون كل من خالفها، ولم يقيد نفسه بها.

ثم بين - سبحانه بعد ذلك الثواب العظيم الذى أعده للطائعين من عباده فقال : ﴿ وَمَن يُطِعِ... عَلِيماً ﴾.
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ( ٦٩ ) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ( ٧٠ )
روى المفسرون فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها ما أخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير قال : " جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محزون. فقال له النبى صلى الله عليه وسلم :يا فلان مالى أراك محزونا ؟ فقال الرجل :يا نبى الله شئ فكرت فيه. فقال ما هو ؟ قال :نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك. وغدا ترفع مع النبين فلا نصل إليك. فلم يرد النبى صلى الله عليه وسلم شيئا. فأتاه جبريل بهذه الآية. ﴿ وَمَن يُطِعِ الله والرسول ﴾ ". الخ.
قال :فبعث إليه النبى صلى الله عليه وسلم فبشره.
والمعنى : ﴿ وَمَن يُطِعِ الله ﴾ بالانقياد لأمره ونهيه، ويطع ﴿ والرسول ﴾ فى كل ما جاء به من ربه " فأولئك " المطيعون ﴿ مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم ﴾ بالنعم التى تقصر العبارات عن تفصيلها وبيانها.
وقوله : ﴿ مِّنَ النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين ﴾ بيان للمنعم عليهم الذين سيكون المطيع فى صحبتهم ورفقتهم.
أى :فأولئك المتصفون بتمام الطاعة لله - تعالى - ولرسوله صلى الله عليه وسلم، يكونون يوم القيامة فى صحبة الأنبياء الذين أرسلهم مبشرين ومنذرين ؛ فبلغوا رسالته ونالوا منه - سبحانه - أشرف المنازل.
وبدأ - سبحانه - بالنبيين لعلو درجاتهم، وسمو منزلتهم على من عداهم من البشر.
وقوله ﴿ والصديقين ﴾ جمع صديق وهم الذين صدقوا بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم تصديقا لا يخالجه شك، ولا تحوم حوله ريبة، وصدقوا فى دفاعهم عن عقيدتهم تمسكهم بها، وسارعوا إلى ما يرضى الله بدون تردد أو تباطؤ.
وقوله ﴿ والشهدآء ﴾ جمع شهيد. وهم الذين استشهدوا فى سبيل الله، ومن أجل إعلاء دينه وشريعته.
وقوله ﴿ والصالحين ﴾ جمع صالح. وهم الذين صلحت نفوسهم، واستقامت قلوبهم وأدوا ما يجب عليهم نحو خالقهم ونحو أنفسهم ونحو غيرهم.
هؤلاء هم الأخيار الأطهار الذين يكون المطيعون لله ولرسوله فى رفقتهم وصحبتهم. قال الفخر الرازى : " وليس المراد بكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النببين والصديقين.. كون الكل فى درجة واحدة، لأن هذا يقتضى التسوية فى الدرجة بين الفاضل والمفضول. وأنه لا يجوز. بل المراد كونهم فى الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر، وإن بعد المكان، لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا :وإذا أرادوا الزيارة والتلاقى قدروا عليه. فهذا هو المراد من هذه المعية.
ثم قال :وقد دلت الآية على أنه لا مرتبة بعد النبوة فى الفضل والعلم إلا هذا الوصف. وهو كون الإِنسان صديقا ولذا أينما ذكر فى القرآن الصديق والنبى لم يجعل بينهما واسطة كما قال - تعالى - فى صفة إدريس
﴿ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً ﴾ وقوله - تعالى ﴿ وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً ﴾ تذييل مقرر لما قبله مؤكد للترغيب فى العمل الصالح الذى يوصل المسلم إلى صحبة هؤلاء الكرام.
وقوله ﴿ وَحَسُنَ ﴾ فعل مراد به المدح ملحق بنعم. ومضمن معنى التعجب من حسنهم.
واسم الإِشارة ﴿ أولئك ﴾ يعود إلى كل صنف من هذه الأصناف الأربعة وهم النبيون ومن بعدهم.
والرفيق :هو المصاحب الذى يلازمك فى عمل أو سفر أو غيرهما. وسمى رفيقا لأنك ترافقه ويرافقك ويستعين كل واحد منكما بصاحبه فى قضاء شئونه. وهو مشتق من الرفق بمعنى لين الجانب، ولطف المعاشرة.
ولم يجمع، لأن صيغة فعيل يستوى فيها الواحد وغيره.
والمعنى وحسن كلو احد من أولئك الأخيار - وهم الأنبياء ومن بعدهم - رفيقا ومصاحبا فى الجنة لأن رفقة كل واحد منهم تشرح الصدور، وتبهج النفوس.
والمخصوص بالمدح محذوف أى :كل واحد من المذكورين رفيقا أو وحسن المذكورون أو الممدحون رفيقا، لأن حسن لها حكم نعم.
وقوله ﴿ أولئك ﴾ فاعل حسن. ورفيقا تمييز.
قال صاحب الكشاف وقوله ﴿ وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً ﴾ فيه معنى التعجب كأنه قيل :وما أحسن أولئك رفيقا. ولاستقلاله بمعنى التعجب قرئ وحسن بسكون السين.
واسم الإِشارة ﴿ ذلك ﴾ فى قوله ﴿ ذلك الفضل مِنَ الله ﴾ يعود إلى ما ثبت للمطيعين من أجر جزيل، ومزيد هداية، وحسن رفقة. وهو مبتدأ. وقوله ﴿ الفضل ﴾ صفته، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبره. أى :ذلك الفضل العظيم كائن من الله - تعالى - لامن غيره.
وقوله ﴿ وكفى بالله عَلِيماً ﴾ تذييل قصد به الإِشارة إلى أن أولئك الأخيار. الذين قدموا أحسن الأعمال، واستحقوا أفضل الجزاء، وإن لم يعلمهم الناس فإن الله - تعالى - يعلمهم، وقد كافأهم بما يستحقون.
أى :كفى به - سبحانه - عليما بمن يستحق فضله وعطاءه وبمن لا يستحق، فهو - سبحانه - ما دام يعلم أحوال عباده وسيحاسبهم على أعمالهم، فجدير بالعاقل أن يرغب فى الطاعة وأن ينفر من المعصية.
هذا، وقد وردت أحاديث كثيرة تشير إلى أن المؤمنين الصادقين سيكونون يوم القيامة مع أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
ومن هذه الأحاديث ما أخرجه الإِمام مسلم فى صحيح " عن ربيعة بن كعب الأسلمى أنه قال. كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لى. ( سل ). فقلت أسألك مرافقتك فى الجنة. فقال أو غير ذلك ؟ قلت :هو ذاك. قال :فأعنى على نفسك بكثرة السجود ".
ومنها ما رواه الإِمام عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قرأ ألف آية فى سبيل الله، كتب يوم القيامة مع النبين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ".
ومنها ما رواه الترمذى عن أبى سعيد الخدرى قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء ".
قال ابن كثير :وأعظم من هذا كله بشارة، ما ثبت فى الصحيح والمساند وغيرهما من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يجب القوم ولما يلحق بهم ؟ فقال " المرء مع من أحب " ".
قال أنس :فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث.
وبذلك نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد بشرتا المطيعين لله ولرسوله بأحسن البشارات، وأرفع الدرجات.
ثم وجهت السورة الكريمة نداء إلى المؤمنين أمرتهم فيه بالاستعداد للجهاد فى سبيل الله من أجل إعلاء كلمته، بعد أن أمرتهم قبل ذلك بطاعته وبطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى - : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين... فَوْزاً عَظِيماً ﴾.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ( ٧١ ) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا ( ٧٢ ) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ( ٧٣ )
قال القرطبى :قوله - تعالى - ﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ هذا خطاب للمؤمنين المخلصين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأمر لهم بجهاد الكفار والخروج فى سبيل الله، وحماية الشرع.
ووجه النظم والاتصال بما قبله أنه لما ذكر طاعة الله وطاعة رسوله أمر أهل الطاعة بالقيام بإحياء دينه وإعلاء دعوته. وأمرهم ألا يقتحموا على عدوهم حتى يتحسسوا إلى ما عندهم، ويعلموا كيف يردون عليهم، فذلك أثبت لهم فقال " خذوا حذركم " فعلمهم مباشرة الحروب. ولا ينافى هذا التوكل بل هو عين التوكل..
والحِذْر والحذَر واحد كالإِثر والأثر. يقال :أخذ فلان حذره، إذا تيقظ واحترز ما يخشاه ويخافه. فكأنه جعل الحذر آلته التى بقى بها نفسه ويعصم بها روحه. فالكلام على سبيل الكناية والتخيل. بتشبيه الحذر بالسلاح وآلة الوقاية.
والمعنى :استعدوا - أيها المؤمنون - لأعدائكم، وكونوا على يقظة منهم، وكونوا متأهبين للقائهم دائماً بالإِيمان القوى، وبالسلاح الذى يفل سلاحهم.
هذا، وللأستاذ الإِمام محمد عبده كلام حسن فى هذا المعنى، فقد قال - رحمه الله - ما ملخصه : " الحذر :الاحتراس والاستعداد لاتقاء شر العدو، وذلك بأن نعرف حال العدو ومبلغ استعداده وقوته ومعرفة أرضه وبلاده وفى أمثال العرب ( قتلت أرض جاهلها ). ويدخل فى الحذر والاستعداد معرفة الأسلحة وكيفية استعمالها فكل ذلك وغيره يدخل تحت الأمر بأخذ الحذر.
وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه عارفين بأرض عدوهم، وكان للنبى صلى الله عليه وسلم جواسيس يأتونه بأخبار مكة، ولما أخبروه بنقض قريش للعهد استعد لفتحها، وقال أبو بكر لخالد يوم حرب اليمامة ( حاربهم بمثل ما يحاربونك به :السيف بالسيف، والرمح بالرمح ). وهذه كلمة جليلة فالقول وعمل النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كل ذلك دال على أن الاستعداد يختلف باختلاف حال العدو وقوته.
فأنت ترى أن هذه الجملة الكريمة ﴿ خُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ دعوة للمؤمنين فى كل زمان ومكان إلى حسن الاستعداد لمجابهة أعدائهم بشتى الأساليب وبمختلف الوسائل التى تجعل الأمة الإِسلامية يرهبها أعداؤها سواء أكانوا فى داخلها أم فى خارجها.
وقوله ﴿ فانفروا ثُبَاتٍ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ تفريع على أخذ الحذر ؛ لأنهم إذا أخذوا حذرهم، عرفوا كيف يتخيرون أسلوب القتال المناسب لحال أعدائهم وقوله ﴿ فانفروا ﴾ من النفر وهو الخروج إلى عمل من الأعمال بسرعة. ومنه قوله - تعالى - ﴿ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رجعوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ والمراد بقوله ﴿ فانفروا ﴾ هنا :أى اخرجوا إلى قتال أعدائكم بهمة ونشاط.
ويقال :نفر القوم ينفرون نفرا ونفيرا إذا نهضوا لقتال عدوهم.
واستنفر الإِمام الناس إذا حضهم على جهاد أعدائهم ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " وإذا استنفرتم فانفروا " والنفير. اسم للقوم الذين ينفرون.
وقوله ﴿ ثُبَاتٍ ﴾ جمع ثبة وهى الجماعة والعصبة من الفرسان. مأخوذة من ثبا يثبوا أى اجتمع.
والمعنى. عليكم - أيها المؤمنون - أن تكونوا دائما على استعداد للقاء أعدائكم، ولا تغفلوا عن كيدهم. فإذا ما حان الوقت لقتالهم فاخرجوا إليهم مسرعين جماعة فى إثر جماعة ؛ أو فاخرجوا إليهم مجتمعين فى جيش واحد، فإن قتالكم لأعداكم أحيانا يتطلب خروجكم فرقة بعد فرقة، وأحيانا يتطلب خروجكم مجتمعين، فاسلكوا فى قتالكم لأعدائكم الطريقة المناسبة لدحرهم والتغلب عليهم.
وقوله ﴿ ثُبَاتٍ ﴾ منصوب على الحال من الضمير فى قوله ﴿ انفروا ﴾ وكذلك قوله ﴿ جَمِيعاً ﴾ أى انفروا متفرقين أو انفروا مجتمعين أى، ليكن نفوركم على حسب ما تقتضيه طبيعة المعركة.
قال الآلولسى :قوله ﴿ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ أى مجتمعين جماعة واحدة. ويسمى الجيش إذا اجتمع ولم ينتشر كتيبة. وللقطعة المنتخبة المقتطعة منه سرية وهى من خمسة أنفس إلى ثلثمائة أو أربعمائة. وما زاد على السرية فمنسر - كمجلس ومنبر - إلى الثمانمائة. فإن زاد يقال له جيش إلى أربعة آلاف.
فإن زاد يسمى جحفلا. فإن يسمى خميسا وهو الجيش العظيم. وما افترق من السرية يسمى بعثا. والآية وإن نزلت فى الحرب لكن فيها إشارة إلى الحق على المبادرة إلى الخيرات كلها كيفما أمكن قبل الفوات.
ثم كشف - سبحانه - عن فساد المنافقين وضعاف الإِيمان فقال : ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ ﴾ أى :ليتأخرن وليتثاقلن عن الجهاد. من " بطأ " - بالتشديد - بمعنى أبطأ فهو فعل لازم. وقد يستعمل أبطأ وبطأ - بالتشديد - متعديين، وعليه يكون المفعول هنا محذوف أى :ليبطئن غيره ويثبطه عن الخروج للجهاد فى سبيل الله.
وقد جمع المنافقون وضعاف الإِيمان بين الأمرين :فقد كانوا يتخلفون عن الجهاد فى سبيل الله وينتحلون المعاذير الكاذبة لتخلفهم، ولا يكتفون بذلك بل يحاولون منع غيرهم عن الخروج للجهاد.
والتعبير بقوله ﴿ لَّيُبَطِّئَنَّ ﴾ تعبير فى أسمى درجات البلاغة والروعة، لأنه يصور الحركة النفسية للمنافقين وضعاف الإِيمان وهم يشدون أنفسهم شدا، ويقدمون رجلا ويؤخرون أخرى عندما يدعوهم داعى الجهاد إلى الخروج من أجل إعلاء كلمة الله.
وقد اشتملت الجملة الكريمة على جملة مؤكدات، للاشعار بأن هؤلاء المنافقين لا يتركون فرصة تمردون أن يبثوا سمومهم بنشاط وإصرار، وأنهم حريصون كل الحرص على توهين عزائم المجاهدين، وحملهم على أن يكونوا مع القاعدين كما هو شأن المنافقين.
والمراد بقوله ﴿ مِنْكُمْ ﴾ أى من جنسكم وممن يعيشون معكم ويساكنونكم، ويرتبطون معكم برباط القرابة، ويتظاهرون بالإِسلام، فلقد كان المنافقون فى المدينة تربطهم روابط متعددة بالمؤمنين الصادقين، كما هو معروف فى التاريخ الإِسلامى.
فمثلا عبد الله بن أبى بن سلول - زعيم المنافين - كان أحد أبنائه من المؤمنين الصادقين.
وقد وجه القرآن الخطاب إلى المؤمنين لكى يكشف لهم عن المنافقين المندسين فى صفوفهم لكى يحذروهم.
قال صاحب الكشاف :واللام فى قوله ﴿ لَمَن ﴾ للابتداء بمنزلتها فى قوله ﴿ إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وفى ﴿ لَّيُبَطِّئَنَّ ﴾ جواب قسم محذوف تقديره :وإن منكم لمن أقسم باللَّه ليبطئن وجوابه صلة من والضمير الراجع منها يعود إلى ما استكن فى ﴿ لَّيُبَطِّئَنَّ ﴾. والخطاب لعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله ﴿ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً ﴾ بيان لما انطوت عليه نفوس المنافقين من فساد، وما نطقت به ألسنتهم من سوء.
أى :وإن من المتظاهرين بأنهم منكم - يا معشر المؤمنين - لمن يتثاقلون عن التقال ويعملون على أن يكون غيرهم مثلهم، ﴿ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ ﴾ يا معشر المؤمنين ﴿ مُّصِيبَةٌ ﴾ كهزيمة وقتية، أو استشهاد جماعة منكم ﴿ قَالَ ﴾ هذا المنافق على سبيل الفرح والتشفى ﴿ قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَيَّ ﴾ أى :قد أكرمنى الله بالقعود ﴿ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً ﴾ أى حاضرا فى المعركة، لأنى لو كنت حاضرا معهم لأصابنى ما أصابهم من القتل أو الجراح أو الآلام.
فالآية الكريمة تحكى عن المنافقين أنهم يعتبرون قعودهم عن الجهاد نعمة، وإذا ما أصاب المؤمنين مصيبة عند قتالهم لأعدائهم.
أما إذا كانت الدولة للمؤمنين، وظفروا بالغنائم، فهنا يتمنى المنافقون أن لو كانوا معم لينالوا بعض هذه الغنائم، واستمع إلى القرآن وهو يحكى عنهم ذلك فيقول : ﴿ وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ياليتني كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾.
أى : ﴿ وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ ﴾ يا معشر المؤمنين ﴿ فَضْلٌ مِنَ الله ﴾ كفتح وغنيمة ونصر وظفر ﴿ لَيَقُولَنَّ ﴾ هذا المنافق على سبيل الندامة والحسرة والتهالك على حطام الدنيا، حالة كونه ﴿ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ ليقولن : ﴿ ياليتني كُنتُ مَعَهُمْ ﴾ عندما خرجوا للجهاد ﴿ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾ بأن أحصل كما حصلوا على الغنائم الكثيرة.
وهذا - كما يقول ابن جرير - خبر من الله - تعالى - ذكره عن هؤلاء المنافقين، أن شهودهم الحرب مع المسلمين - إن شهدوها - إنما هو لطلب الغنيمة وإن تخالفوا عنها فللشك الذى فى قلوبهم، وأنهم لا يرجون لحضورها ثوابا، ولا يخافون بالتخلف عنها من الله عقابا.
وفى نسبة الفضل إلى الله فى قوله ﴿ وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله ﴾ دون إصابة المصيبة تعليم لحسن الأدب مع الله - تعالى - وإن كان سبحانه - هو الخالق لكل شئ، فهو الذى يمنح الفضل لمن يشاء وهو الذى يمنعه عمن يشاء.
وقوله ﴿ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ جملة معترضة بين فعل القول الذى هو ﴿ لَيَقُولَنَّ ﴾ وبين المقول الذى هو ﴿ ياليتني كُنتُ مَعَهُمْ ﴾.
وقد جئ بها على سبيل التهكم والسخرية والتعجب من حال المنافقين، لأنهم كان فى إمكانهم أن يخرجوا مع المؤمنين للقتال، وأن ينالوا نصيبهم من الغنائم التى حصل عليها المؤمنون، ولكنهم لم يخرجوا لسوء نواياهم، فلما أظهروا التحسر لعدم الخروج بعد أن رأوا الغنائم فى أيدى المؤمنين كان تحسرهم فى غير موضعه ؛ لأن الذى يتحسر على فوات شئ عادة هو من لا علم له به أو بأسبابه، أما المنافقون فبسبب مخالطتهم وصحبتهم للمؤمنين كانوا على علم بقتال المؤمنين لأعدائهم، وكان فى إمكانهم أن يخرجوا معهم.
فكأن الله تعالى يقول للمؤمنين :انظروا وتعجبوا من شأن هؤلاء المنافقين إنهم عندما أصابتكم مصيبة فرحوا، وعندما انتصرتم وأصبتم الغنائم تحسروا وتمنوا أن لو كانوا معكم حتى لكأنهم لا علم لهم بالقتال الذى دار بينكم وبين أعدائكم، وحتى لكأنهم لا مخالطة ولا صحبة بينكم وبينهم مع أن علمهم بالقتال حاصل، ومخالطتهم لكم حاصلة فلم يتحسرون ؟ إن قولهم : ﴿ ياليتني كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾ ليدعوا إلى التعجب من أحوالهم، والتحقير لسلوكهم، والدعوة عليهم بأن يزدادوا حسرة على حسرتهم.
وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد أمرت المؤمنين بحسن الاستعداد للقاء أعدائهم فى كل وقت، وكشفت لهم عن رذائل المنافقين الذين إذا أصابت المؤمنين مصيبة فرحوا لها، وإذا أصابهم فضل من الله تحسروا وحزنوا، وفى هذا الكشف فضيحة للمنافقين، وتحذير للمؤمنين من شرورهم.
وبعد هذا التوبيخ الشديد للمتثاقلين عن الجهاد، أخذ القرآن الكريم فى استنهاض الهمم والعزائم للجهاد فى سبيل الله فقال - تعالى - : ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ... كَانَ ضَعِيفاً ﴾.
فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ( ٧٤ ) وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ( ٧٥ ) الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ( ٧٦ )
والفاء فى قوله ﴿ فَلْيُقَاتِلْ ﴾ للإِفصاح عن جواب شرط مقدر. أى إن أبطأ هؤلاء المنافقون والذين فى قلوبهم مرض وتأخروا عن الجهاد والقتال، فليقاتل المؤمنون الصادقون الذين ﴿ يَشْرُونَ ﴾ أى يبيعون الحياة الدنيا بكل متعها وشهواتها من أجل الحصول على رضا الله - تعالى - فى الآخرة.
وقوله ﴿ فِي سَبِيلِ الله ﴾ تنبيه إلى أن هذا النوع من القتال هو المعتد به عند الله - تعالى -، لأن المؤمن الصادق لا يقاتل من أجل فخر أو مغنم أو اغتصاب حق غيره، وإنما يقاتل من أجل أن تكون كلمة الله هى العليا وكلمة الذين كفروا هى السفلى.
وقوله ﴿ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ بيان للثواب العظيم الذى أعده الله - تعالى - للمجاهدين.
أى :ومن يقاتل فى سبيل الله ومن أجل علاء دينه، فيستشهد، أو يكون له النصر على عدوه، فسوف نؤتيه أجرا عظيما لا يعلم مقداره إلا الله تعالى... وإنما اقتصر - سبحانه على بيان حالتين بالنسبة للمقاتل وهى حالة الاستشهاد وحالة الغلبة على العدو، للإِشعار بأن المجاهد الصادق لا يبغى من جهاده إلا هاتين الحالتين، فهو قد وطن نفسه حالة جهاده على الاستشهاد أو على الاتصال على أعداء الله، ومتى وطن نفسه على ذلك فى قتاله، وأخلص فى جهاده.
وقدم - سبحانه - القتل على الغلب ؛ للإِيذان بأن حرص المجاهد المخلص على الاستشهاد فى سبيل الله، أشد من حرصه على الغلب والنصر.
والتعبير بسوف فى قوله ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ لتأكيد الحصول على الأجر العظيم فى المستقبل.
والجملة جواب الشرط وهو قوله ﴿ وَمَن يُقَاتِلْ ﴾ وقوله ﴿ فَيُقْتَلْ ﴾ تفريع على فعل الشرط.
ونكر - سبحانه - الأجر ووصفه بالعظم، للإِشعار بأنه أجر لا يحده تعيين، ولا يبينه تعريف، ولا يعلم مقداره إلا الله - تعالى -.
ثم حرض - سبحانه - المؤمنين على القتال بأبلغ أسلوب فقال : ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله والمستضعفين مِنَ الرجال والنسآء والولدان ﴾.
فالخطاب للمؤمنين المأمورين بالقتال على طريقة الالتفات، مبالغة فى التحريض عليه، وتأكيدا لوجوبه. و ﴿ مَا ﴾ اسم استفهام مبتدأ، والجار والمجرور وهو ﴿ لَكُمْ ﴾ خبره.
وجملة ﴿ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله ﴾ فى محل نصب على الحال، والعامل فى هذه الحال الاستقرار المقدر أو الظرف لضمنه معنى الفعل.
والمراد بالاستفهام تحريضهم على الجهاد، والإِنكار عليهم فى تركه مع توفر دواعيه، والمعنى :أى شئ جعلكم غير مقاتلين ؟ إن عدم قتالكم لأعدائكم يتنافى مع إيمانكم، أما الذى يتناسب مع إيمانكم وطاعتكم لله فهو أن تقاتلوا من أجل إعلاء كلمة الله، ومن أجل المستضعفين من الرجال والنساء والوالدان.
فالآية الكريمة تحريض على الجهاد بأبلغ وجه، ونفى للاعتذار عنه.
والمراد بالمستضعفين :الضعفاء من الناس وهم المسلمون الذين بقوا فى مكة بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، لعدم قدرتهم على الهجرة أو لمنع المشركين إياهم من الخروج.
وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يدعو لهم فيقول : " اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام وعياش بن أبى ربيعة والمستضعفين من المؤمنين ".
وقوله ﴿ والمستضعفين ﴾ معطوف على قوله ﴿ فِي سَبِيلِ الله ﴾ أى :قاتلوا فى سبيل الله وفى سبيل المستضعفين حتى تخلصوهم من ظلم المشركين لهم.
وخصصهم بالذكر مع أن القتال فى سبيل الله يشملهم، لمزيد العناية بشأنهم، وللتحريض على القتال بحكم الشرف والمروءة بعد التحريض عليه بحكم الدين والتقرب إلى الله - تعالى -، لأن مروءة الإِنسان الكريم تحمله على نصرة الضعيف، ومنع الاعتداء عليه.
وقوله ﴿ مِنَ الرجال والنسآء والولدان ﴾، بيان لهؤلاء المستضعفين.
أى :قاتلوا - أيها المؤمنين - من أجل إعلاء كلمة الله ونشره دينه، ومن أجل نصرة المستضعفين من الرجال الذين صدهم المشركون عن الهجرة، ومن النساء اللائى لا يملكن حولا ولا قوة. ومن الولدان الصغار الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم.
وفى النص على هؤلاء المستضعفين وخصوصا النساء والولدان، أقوى تحريض على الجهاد، وأعظم وسيلة لإِثارة الحماس والنخوة من أجل القتال، لأنهم إذا تركوا هؤلاء المستضعفين أذلاء فى أيدى المشركين، فانهم سيعيرون بهم، وهذا ما يأباه كل شريف كريم.
ثم حكى - سبحانه - ما كان يقوله المستضعفين من الرجال والنساء والوالدان الذين يضرعون إلى الله قائلين :يا ربنا اخرجنا من هذه القرية التى ظلمنا أهلها بسبب شركهم وكفرهم ﴿ واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً ﴾.
أى وسخر لنا من عندك حافظا يحفظ علينا ديننا ﴿ واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً ﴾. أى :وسخر لنا من عندك كذلك ناصرا يدفع أذى أعدائنا، فأنت الذى لا يذل من استجار به، ولا يضعف من كنت نصيره ووليه.
والمراد بالقرية الظالم أهلها :مكة. وقد وصف أهلها بأنهم ظالمون، ولم توصف هى بأنها ظالمة كما وصف غيرها من القرى كما فى قوله - تعالى - ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ﴾ وذلك من باب التكريم لمكة، إذ هى حرم الله الآمن ؛ ولا يوصف حرم الله الأمن بالظلم ولو على سبيل المجاز.
وقوله ﴿ الظالم أَهْلُهَا ﴾ صفة للقرية، وأهلها مرفوع به على الفاعلية، وأل فى الظالم موصولة بمعنى التى أى التى ظلم أهلها. فقوله ﴿ الظالم ﴾ جار على القرية لفظا، وهو لما بعدها معنى نحو :مررت برجل حسن غلامه.
وفى هذا النداء الذى تضرع به أولئك المستضعفون إلى خالقهم أسمى ألوان الأدب والإِخلاص فهم يلتمسون منه - سبحانه - أن يخرجهم من بطش الظالمين وحكمهم، وأن يجلعهم تابعين للقوم الذين يحبهم، وهم المؤمنون، وأن يهئ لهم النصر على أعدائهم وأعدائه.
ولقد استجاب الله - تعالى - لهم دعاءهم، حيث يسر لبعضهم الخروج إلى المدينة، ورزق المؤمنين فتحا قريبا، وإلى ذلك أشار صاحب الكشاف بقوله : " والمستضعفون هم الذين أسلموا بمكة وصدهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم مستذلين.... وكانوا يعدون الله بالخلاص ويستنصرونه، فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة، وبقى بعضهم إلى الفتح حتى جعل الله لهم من لدنه خير ولى وناصر وهو محمد صلى الله عليه وسلم فتولاهم أحسن التولى، ونصرهم أقوى النصر.
فإن قلت :لم يذكر الولدان :قلت :تسجيلا بإفراط ظلمهم، حيث بلغ أذاهم الوالدان غير الكلفين، إرغاما لآبائهم وأمهاتهم، ومبغضة لهم، ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم فى دعائهم استزالا لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا، كما وردت السنة بإخراجهم فى الاستسقاء.
ثم ساق - سبحانه - لونا آخر من تحريضهم على الجهاد وهو تحديد الهدف يقاتل من أجله كل فريق فقال : ﴿ الذين آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله والذين كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطاغوت فقاتلوا أَوْلِيَاءَ الشيطان إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً ﴾ اى أنتم - أيها المؤمنون - إذا قاتلتم فإنما تقاتلون وغياتكم إعلاء كلمة الله، ونصرة الحق الذى جاء به رسولكم محمد صلى الله عليه وسلم. أما أعداؤكم الكافرون فإنهم يقاتلون من أجل طاعة الشيطان الذى يأمرهم بكل بغى وطغيان، وإذا كان هذا حالكم وحالهم فعليكم - أيها المؤمنون - أن تقاتلوا أولياء الشيطان بكل قوة وصدق عزيمة ﴿ إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً ﴾ أى. إن كيد الشيطان وتدبيره كان ضعيفا، لأن الشيطان ينصر أولياءه، والله - تعالى - ينصر أولياءه، ولا شك أن نصرة الله - تعالى لأوليائه أقوى وأشد من نصرة الشيطان لأوليائه.
فقوله - تعالى - ﴿ الذين آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله ﴾ كلام مستأنف سيق لتشجيع المؤمنين وترغيبهم فى الجهاد ببيان الغاية والهدف الذى يعمل من أجله كل فريق، وببيان أن المؤمنين ستكون عاقبتهم النصر والفظر لأن الله وليهم وناصرهم.
والفاء فى قوله ﴿ فقاتلوا ﴾ للتفريع، أى إذا كانت تلك غايتكم أيها المؤمنون وتلك هى غاية أعدائكم ؛ فقاتلوهم بدون خوف أو وجل منهم لأن الله معكم بنصره وتأييده أماهم فالشيطان معهم بضعفه وفجوره.
والمراد بكيد الشيطان تدبيره ووسوسته لأتباعه بالاعتداء على المؤمنين وتأليب الناس عليهم.
قال الفخر الرازى :الكيد :السعى فى فساد الحال على جهة الاحتيال عليه، يقال :كاده يكيده إذا سعى فى إيقاع الضرر على جهة الحيلة عليه. وفائدة إدخال ﴿ كَانَ ﴾ فى قوله ﴿ ضَعِيفاً ﴾ للتأكيد لضعف كيده، يعنى أنه منذ كان، كان موصوفا بالضعف والذلة.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الثلاث قد شجعت المؤمنين على القتال بأبلغ أسلوب، وأشرف دافع، وأنبل غاية، فقد أمرتهم بالقتال إذا كانوا حقا من المؤمنين، الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، وبشرتهم برضا الله وحسن ثوابه سواء أقتلوا أم غلبوا واستنكرت عليهم أن يتثاقلوا عن القتال مع أن كل دواعى الدين والشرف والمروءة تدعوهم إليه، وبينت لهم أنه إذا كان الكافرون الذين الغاية من قتالهم نصرة الحق أن ينفروا خفاها وثقالا للجهاد فى سبيل الله، ثم بشرتهم فى النهاية بأن العاقبة لهم، لأن الكافرين يستندون إلى كيد الشيطان الضعيف الباطل، أما المؤمنون فيأوون إلى جناب الله الذى لا يخذل من اعتصم به، ولا يخيب من التجأ إليه.
وبعد هذا التحريض الشديد من الله - تعالى - للمؤمنين على القتال فى سبيله، حكى - سبحانه - على سبيل التعجيب حال طائفة من ضعاف الإِيمان، كانوا قبل أن يفرض القتال عليهم يظهرون التشوق إليه. وبعد أن فرض عليهم جبنوا عنه، وقد وبخهم الله - تعالى -على هذا المسلك الذميم، فقال - سبحانه - : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى.... عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ( ٧٧ ) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ( ٧٨ ) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ( ٧٩ ) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ( ٨٠ )
والإِستفهام فى قوله - تعالى - ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ للتعجيب من حال أولئك الذين كانوا يظهرون التشوق إلى القتال فلما فرض عليهم جبنوا عنه.
وقوله ﴿ كفوا أَيْدِيَكُمْ ﴾ من الكف بمعنى الامتناع أى :امتنعوا عن مباشرة القتال إلى أن تؤمروا به.
والمعنى :ألم ينته علمك يا محمد أو ألم تنظر بعين الدهشة والغرابة إلى حال أولئك الذين كانوا يظهرون شدة الحماسة للقتال، فقيل لهم ﴿ كفوا أَيْدِيَكُمْ ﴾ أى :عن القتال لأنكم لم تؤمروا به بعد ﴿ وَأَقِيمُواْ الصلاة ﴾ فإن الصلاة تخلص النفس من أدران المآثم، وتجعلها تتجه إلى الله وحده ﴿ وَآتُواْ الزكاة ﴾ فإن الزكاة تظهر النفوس من الشح والبخل، وتربط بين الناس برباط المحبة والتعاون.
ثم بين - سبحانه - حالهم بعد أن فرض عليهم القتال فقال : ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾.
أى :فحين فرض عليهم القتال وأمروا بمباشرته بعد أن صارت للمسلمين دولة بالمدينة، حين حدث ذلك، إذا فريق منهم - وهم الذين قل إيمانهم، وضعف يقينهم، وارتابت قلوبهم - ﴿ يَخْشَوْنَ الناس ﴾ أى يخافونهم خوفا شديدا ﴿ كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ أى :يخافون من الكفار أن يقتلوهم كما يخافون من الله أن ينزل بهم بأسه، أو أشد من ذلك.
فالمراد بالناس فى قوله ﴿ يَخْشَوْنَ الناس ﴾ أولئك الأعداء الذين كتب الله على المؤمنين قتالهم.
وعبر عن هؤلاء الأعداء بقوله ﴿ الناس ﴾ زيادة فى توبيخ أولئك الذين خافوا منهم هذا الخوف الشديد، لأنهم لو كانوا مؤمنين حقا، لاستقبلوا ما فرضه الله عليهم بالسمع والطاعة، ولما خافوا هذا الخوف الشديد من أناس مثلهم.
وقوله ﴿ كَخَشْيَةِ الله ﴾ مفعول مطلق، أي يخشونهم خشية كخشية الله.
وهو بيان لشدة خورهم وهلعهم، ولفساد تفكيرهم، حيث جعلوا خشيتهم للناس فى مقابل خشيتهم لله، الذى يجب أن تكون خشيته - سبحانه - فوق كل خشية.
وقوله ﴿ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ معطوف على ما قبله. وأشد حال من خشية لأن نعت النكرة إذا تقدم عليها أعرب حالا.
وفى هذه الجملة الكريمة زيادة فى توبيخهم وذمهم ؛ وترق فى توضيح حالتهم القبيحة، لأنه إذا كان من المقرر أنه لا يجوز للعاقل ان يجعل خشيته للناس كخشيته لله، فمن باب أولى لا يجوز له أن يجعل خشيته للناس أشد من خشيته لله - تعالى -.
قال الفخر الرازى ما ملخصه :فإن قيل :ظاهر ﴿ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ يوهم الشك. وذلك على علام الغيوب محال. أجيب بأن ﴿ أَوْ ﴾ بمعنى بل. أو هى للتنويع. على معنى أن خشية بعضهم كخشية الله وخشية بعضهم أشد منها أو هى للإِبهام على السامع. على معنى أنهم على إحدى الصفتين من المساواة والشدة.
وهو قريب مما فى قوله - تعالى - : ﴿ وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ﴾ يعنى أن من يبصرهم يقول :أنهم مائة ألف أو يزيدون.
ثم حكى - سبحانه - ما قاله أولئك الضعفاء عندما فرض عليهم القتال فقال : ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال لولا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾.
أى :أن هؤلاء الضعفاء لم يكتفوا بما اعتراهم من فزع وجزع عندما كتب عليهم القتال وإنما أضافوا إلى ذلك أنهم قالوا على سبيل الضجر والألم :يا ربنا لم كتبت علينا القتال فى هذا الوقت ﴿ لولا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ أى :هلا عافيتنا وتركتنا حتى نموت موتة لا قتال معها عند حضور آجالنا، دون أن نتعرض لهذا التكليف الثقيل المخيف.
وهكذا يصور القرآن تخبط هؤلاء الضعفاء أكمل تصوير. إنهم قبل أن يفرض القتال يظهرون التحمس له، والتشوق لخوض معا معه، فإذا ما فرض عليهم القتال فزعوا وارتعدوا وقالوا ما قالوا من ضلال بضيق وهلع.
ويبدو أن هذه طبيعة أكثر المتهورين فى كل وقت، إنهم قبل أن يجد الجد أشد الناس حماسة للقاء الأعداء، فإذا ماجد الجد ووقعت الواقعة كانوا أول الفارين، وأول الناكصين على أعقابهم.
وذلك لأن الشجعان العقلاء لا يتمنون لقاء الأعداء، ولا ينشئون القتال إنشاء، وإنما يقدرون الأمور حق قدرها، ويضعون الأشياء فى مواضعها، فإذا ما اقتضت الضرورة خوض معركة من المعارك ثبتوا ثبات الأبطال.
أما المندفعون بدون إيمان يدفعهم، أو عقل يرشدهم، فإنهم لعدم تقديرهم للأمور يكونون فى ساعة الشدة أول الناس جزعا ونكولا وانهيارا.
ولكن من هؤلاء الذين تحدثت عنهم الآية الكريمة ووصفتهم بأنهم حين كتب عليهم القتال ﴿ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال لولا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ ؟ ! !
إن الذى يراجع أقوال المفسرين يرى أن بعضهم يميل إلى أن الآية الكريمة فى شأن المؤمنين، ويرى أن بعضهم يرجع أنها فى شأن المنافقين، وقد لخص الإِمام الرازى هذه الأقوال تلخيصا حسنا فقال :
" هذه الآية صفة للمؤمنين أو المنافقين ؟ فيه قولان :
الأول :أن الآية نزلت فى المؤمنين. قال الكلبى :نزلت فى عبد الرحمن بن عوف، والمقداد، وقدامة بن مظعون، وسعد بن أبى وقاص. كانوا مع النبى صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجروا إلى المدينة، ويلقون من المشركين أذى شديدا، فيشكون ذلك إلى النبى صلى الله عليه وسلم ويقولون :ائذن لنا فى قتالهم ويقول لهم الرسول صلى الله عليه وسلم كفوا أيديكم فإنى لم أومر بقتالهم، واشتغلوا بإقامة دينكم من الصلاة والزكاة، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كرهه بعضهم فأنزل الله هذه الآية.
ثم قال :واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن الذين يحتاج الرسول أن يقول لهم :كفوا عن القتال هم الراغبون فى القتال ؛ والراغبون فى القتال هم المؤمنون، فدل هذا على أن الآية فى حق المؤمنين.
. وأن كراهتهم للقتال إنما هى بمقتضى الجبلة البشرية... وقولهم ﴿ لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال ﴾ محمول على التمنى فى التخفيف للتكليف لا على وجه الإِنكار لإِيجاب الله تعالى.
ثم قال :والقول الثانى :أن الآية نازلة فى حق المنافقين. واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن الآية مشتملة على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين، لأن الله وصفهم بأنهم ﴿ يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ ومعلوم أن هذا الوصف لا يليق إلا بالمنافقين، لأن المؤمن لا يجوز أن يكون خوفه من الناس أزيد من خوفه من الله - تعالى - ولأنه - سبحانه - حكى عنهم أنهم قالوا :ربنا لما كتبت علينا القتال، والاعتراض على الله ليس إلا من صفة الكفار أو المنافقين، ولأن الله قال للرسول : ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدنيا قَلِيلٌ والآخرة خَيْرٌ لِّمَنِ اتقى ﴾ وهذا الكلام يذكر مع من كانت رغبته فى الدنيا أكثر من رغبته فى الآخرة، وذلك من صفات المنافقين ثم قال :والأولى حمل الآية على المنافقين لأنه - سبحانه - ذكر بعد هذه الآية قوله : ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِ الله وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ ﴾ ولا شك أن هذا من كلام المنافقين، فإذا كانت هذه الآية معطوفة على الآية التى نحن فى تفسيرها ثم المعطوف فى المنافقين، وجب أن يكون المعطوف عليهم فيهم أيضا.
ونحن نوافق الإِمام الرازى فيما ذهب إليه من حمل الآية الكريمة على أنها فى المنافقين هو الأولى للأسباب التى ذكرها.
ونضيف إلى ما ذكره الإِمام الرازى أن المتأمل فى سياق الآيات السابقة واللاحقة يراها واضحة فى شأن النافقين، ومن هم على شاكلتهم من ضعاف الايمان، الذين أدى بهم ضعف نفوسهم، وحبهم للدنيا إلى كراهة القتال، والخوف من تكاليفه....
فأنت إذا قرأت الآيات التى قبيل هذه الآية تراها تتحدث عن إرادة تحاكمهم إلى الطاغوت مع زعمهم الايمان بما أنزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وبما أنزل على الرسل من قبله. وتراها تتحدث عن تباطئهم عن القتال وفرحهم لنجاتهم من مخاطره.
ثم إذا قرأت الآيات التى ستأتى بعد هذه الآية تراها تتحدث عن نسبتهم الحسنة إلى الله، ونسبتهم السيئة إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وعن إذاعتهم لأسرار المؤمنين.. ألخ، فثبت أن الآية الكريمة تتحدث عن صفات المنافقين، وعمن هم قريبو الشبه بهم من ضعاف الايمان الذين أخلدوا إلى الراحة. وأثروا القعود فى بيوتهم على القتال من أجل إعلاء كلمة الله، ودفع الظلم عن المظلومين.
ونضيف أيضا أن القول الأول - الذى ذكره الإِمام الرازى وهو أن الآية نزلت فى المؤمنين - غير صحيح لأسباب من أهمها :
١- أن الرواية التى ذكرها الامام الرازى نقلا عن الكلبى وهى أن الآية نزلت فى عبد الرحمن بن عوف والمقداد وقدامة بن مظعون.
. الخ الرواية يبدو عليها الضعف، لأنها لم ترد فى كتب الحديث الموثوق بها، ولأن الكبلى نفسه قد عرف عنه عدم التثبت فى النقل. ولقد علق الإِمام الشيخ محمد عبده على هذه الرواية بقوله : " إننى أجزم ببطلان هذه الرواية مهما كان سندها، لأننى أبرئ السابقين الأولين كسعد وعبد الرحمن مما رموا به. وهذه الآية متصلة بما قبلها، فإن الله - تعالى - أمر بأخذ الحذر والإِستعداد للقتال، والنفر له، وذكر حال المطبئين لضعف قلوبهم. وبعد هجرة النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أمر الإسلام أتباعه بالسلم وتهذيب النفوس بالعبادة والكف عن الاعتداء والقتال.. إلى أن اشتدت الحاجة إليه ففرضه الله عليهم فكرهه الضعفاء منهم.
٢- أن المؤمنين لم يعهد عنهم ما ذكرت الآية من خوف من القتال، ومن تمن لعدم حضوره، وإنما المعهود عنهم أنهم كانوا يبادرون إليه كلما اقتضت الضرورة ويتسابقون لخوض ساحته دفاعا عن دينهم، وانتصارا ممن بغى عليهم.
ولقد قال المقداد بن عمرو للرسول صلى الله عليه سولم. فى غزوة بدر يا رسول الله، إمض لما أمرك الله فنحن معك. والله لا ن
ثم بين - سبحانه - أنه لا مفر لهم من الموت، وأنهم مهما فروا منه فإنه سيلقاهم آجلا أو عاجلا فقال - تعالى - : ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾.
والبروج :مع برج وهو الحصن المنيع الذى هو نهاية ما يصل إليه البشر فى التحصن والمنعة. وأصل البروج من التبرج بمعنى الظهور. يقال :تبرجت المرأة، إذا أظهرت محاسنها. والمراد بها الحصون والقلاع الشاهقة المنيعة.
والمشيدة :أى المحكة البناء، والعظيمة الارتفاع من شاد القصر إذا رفعه، والمعنى :إنكم أيها الخائفون من القتال إن ظننتم أن هذا الخوف منه أو القعود عنه سينجيكم من الموت، فأنتم بهذا الظن مخطئون، لأن الموت حيثما سيدرككم، ولو كنتم فى أقوى الحصون، وأمنعها وأحكمها بناء، وما دام الأمر كذلك فليكن موتكم وأنتم مقبلون بدل أن تموتوا وأنتم مدبرون.
والجملة الكريمة لا محل لها من الإِعراب، لأنها مسوقة على سبيل الاستئناف لتبكيت هؤلاء الكارهين للقتال، وتحريض غيرهم من المؤمنين على الإِقدام عليه من أجل نصرة الحق.
ويحتمل أنها فى محل نصب، فتكون داخلة فى حيز القول المأمور به الرسول صلى الله عليه وسلم أى :قل لهم يا محمد متاع الدنيا قليل. وقل لهم ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت ﴾.
وأين :اسم شرط جازم ظرف مكان يجزم فعلين، و " ما " زائدة للتأكيد، وتكونوا فعل الشرط ويدرككم جوابه.
والتعبير بقوله ﴿ يُدْرِككُّمُ ﴾ للإِشعار بأن الموت كأنه كائن حى يطلب الإِنسان ويتبعه حيثما كان، وفى أى وقت كان، فهو طالب لابد أن يدرك ما يطلبه ولا بد أن يصل إليه هما تحصن منه، أو هرب من لقائه.
وجواب ( لو ) محذوف اعتماداً على دلالة ما قبله عليه أى :ولو كنتم فى بروج مشيدة لأدرككم الموت.
وقريب فى المعنى من هذه الآية قوله - تعالى - ﴿ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ الموت أَوِ القتل ﴾ وقوله - تعالى - ﴿ قُلْ إِنَّ الموت الذي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ ﴾ فالجملة الكريمة صريحة فى بيان أن الموت أمر لا مفر منه، ولا مهرب عنه سواء أقاتل الإِنسان أم لم يقاتل. وما أحسن قول زهير بن أبى سلمى :
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه... ولو رام أسباب السماء بسلم
ثم حكى - سبحانه - ما كان يتفوه به المنافقون وإخوانهم فى الكفر من باطل وزور فقال - تعالى : ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِ الله وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله ﴾.
أى :إن هؤلاء المنافقين وأشباههم، من ضعاف الإِيمان وإخوانهم فى الكفر بلغ بهم الفجور أنهم إذا أصابتهم حال حسنة من نعمة أو رخاء أو خصب أو غنيمة أو ظفر قالوا هذه الحال من عند الله، وإذا أصابتهم حال سيئة من جدب أو مصيبة أو هزيمة قالوا هذه الحال من عندك يا محمد بسبب شؤمك وسوء قيادتك - وحاشاه من ذلك صلى الله عليه وسلم -.
وهذا القول منهم قريب من قول قوم فرعون لموسى - عليه السلام - كما حكاه القرآن عنهم فى قوله : ﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الحسنة قَالُواْ لَنَا هذه وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ ﴾ قال القرطبى :نزلت هذه الآية فى اليهود والمنافقين، وذلك أنهم لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة عليهم قالوا :ما زلنا نعرف النقص فى ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه. قال ابن عباس :ومعنى ﴿ مِنْ عِندِكَ ﴾ أى :بسوء تدبيرك. وقيل ﴿ مِنْ عِندِكَ ﴾ أى بشؤمك الذى لحقنا، قالوه على جهة التطير.
وقوله ﴿ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله ﴾ أمر من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يرد على مزاعمهم الباطلة. أى قل لهم يا محمد كل واحدة من النعمة والمصيبة هى من جهة الله - تعالى خلقا وإيجاداً من غير أن يكون لى مدخل فى وقوع شئ منها بوجه من الوجوه كما تزعمون :
وقوله ﴿ فَمَالِ هؤلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ﴾ جملة معترضة مسوقة لتعييرهم بالجهل والغباوة، والفاء فى قوله ﴿ فَمَالِ ﴾ لترتيب ما عدها على ما قبلها والمعنى. وإذا كان الأمر كذلك وهو أن كل شئ من عند الله، فمال هؤلاء القوم من المنافقين وإخوانهم فى الكفر وضعف الإِيمان لا يكادون - لانطماس بصيرتهم - يفقهون ما يلقى عليهم من مواعظ، ولا يفهمون معنى ما يسمعون وما يقولون، إذ لو فقهوا شيئا مما يوعظون به لعلموا أن الله هو القابض الباسط، وأنه المعطى المانع.
قال - تعالى - ﴿ مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ العزيز الحكيم ﴾
وقوله - تعالى - ﴿ مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ الخطاب فيه للنبى صلى الله عليه وسلم والمراد كل مكلف من أمته.
والمراد بالحسنة ما يسر له الإِنسان ويفرح به، والمراد بالسيئة ما يسوءه ويحزنه.
والمعنى : ﴿ مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ ﴾ أى من نعمة وأمور حسنة تفرح بها ﴿ فَمِنَ الله ﴾ أى فبتوفيقه لك وتفضله عليك، وإرشادك إلى الوسائل التى أوصلتك إلى ما يسرك. ﴿ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ ﴾ أى من مصيبة أو غيرها مما يحزن ﴿ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ أى :فمن نفسك بسبب وقوعها فيما نهى الله عنه، وتركها للأسباب الموصلة إلى النجاح، كما قال - تعالى : ﴿ وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ وروى الترمذى عن أبى موسى الأشعرى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " لا يصيب عبداً نكتة فما فوقها أو دونها إلا بذنب. وما يعفو الله عنه أكثر " قال وقرأ : ﴿ وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾.
وروى ابن عساكر عن البراء - رضى الله عنه - عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيدكم. وما يعفو الله أكثر ".
وعلى هذا يكون قوله - تعالى - ﴿ مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ ﴾.. إلخ من كلام الله - تعالى - والخطاب فيه للنبى صلى الله عليه وسلم والمراد به كل مكلف - كما سبق أن أشرنا - وقد ساقه - سبحانه - على سبيل الاستئناف ردا على مزاعم المنافقين ومن هم على شاكلتهم فى الكفر وضعف الإِيمان.
وقيل إن هذه الآية حكاية من الله - تعالى - لأقوال المنافقين السابقة، فكأنهم لم يكتفوا بأن ينسبوا للرسول صلى الله عليه وسلم أنه السبب فيما أصابهم من جدب وهزيمة. بل أضافوا إلى ذلك قولهم له :إن ما أصابك من حسنة فمن الله ولا فضل لك فيما نلت من نصر أو غنيمة، وما أصابك من سيئة أى هزيمة أو مصيبة فمن سوء صنعك وتصرفك.
ومقصدهم من ذلك - قبحهم الله - تجريد النبى صلى الله عليه وسلم من كل فضل، وإلقاء اللوم عليه فى كل ما يصبهم من مصائب.
وقد أشار القرطبى إلى هذين القولين بقوله :قوله - تعالى - ﴿ مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ الخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم والمراد أمته. أى ما أصابكم يا معشر الناس من خصب واتساع رزق فمن تفضل الله عليكم، وما أصابكم من جدب وضيق رزق فمن أنفسكم أى من أجل ذنوبكم وقع ذلك بكم.
وقيل :فى الكلام حذف تقديره :يقولون. وعليه يكون الكلام متصلا، والمعنى : ﴿ فَمَالِ هؤلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ﴾ حتى يقولوا ﴿ مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾.
وقال الجمل :فإن قلت :كيف وجه الجمع بين قوله - تعالى : ﴿ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله ﴾ وبين قوله ﴿ مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ فأضاف السيئة إلى فعل العبد فى هذه الآية - بينما أضاف الكل إلى الله فى الآية السابقة - ؟
قلت :أما إضافة الأشياء كلها إلى الله فى الآية السابقة فى قوله ﴿ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله ﴾ فعلى الحقيقة، لأن الله هو خالقها وموجدها. وأما إضافة السيئة إلى فعل العبد فى قوله ﴿ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ فعلى سبيل المجاز. والتقدير :وما أصابك من سيئة فمن أجلها وبسبب اقترافها الذنوب. وهذا لا ينافى أن خلقها من الله - كما سبق.
وقال بعض العلماء :والتوفيق بين قوله - تعالى - ﴿ مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ ﴾ وبين قوله قبل ذلك : ﴿ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله ﴾ هو أن قوله ﴿ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله ﴾ كان موضوعه الكلام فى تقدير الله. فهم إن انتصر المؤمنون لا ينسبون للنبى صلى الله عليه وسلم أى فضل، بل يجردونه من الفضل ويقولون هو من عند الله. وما قصدوا التفويض والإِيمان بالقدر، بل قصدوا الغض من مقام النبوة. فإن كان هناك خير نسبوه إلى الله وإن كان ما يسوء نسبوه إلى النبى صلى الله عليه وسلم إيذاء وتمردا. فالله تعالى - قال لهم : ﴿ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله ﴾، أى كل ذلك بتقدير الله وإرادته.
أما قوله ﴿ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ فموضوعه اتخاذ الأسباب. ومعناه :أن من أخذ بالأسباب وتوكل على الله فالله - تعالى - يعطيه النتائج ومن لا يتخذ الأسباب، أو يخالف المنهاج السليم الموصل إلى الثمرة، فإنه سيناله ما يسوؤه، وبسب منه.
فالأول :لبيان القدر.
والثاني :لبيان العمل.
هذا، وقوله - تعالى - ﴿ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وكفى بالله شَهِيداً ﴾ بيان لجلال منصبه وعلو مكانته صلى الله عليه وسلم عند ربه - عز وجل - بعد بيان بطلان زعمهم الباطل فى حقه عليه الصلاة والسلام.
أى :وأرسلناك - يا محمد - بأمرنا وبشريعتنا لتليغ الناس ما أمرناك بتبليغه، ولتخرجهم من ظلمات الجهالة والكفر إلى نور التوحيد والإِيمان ﴿ وكفى بالله شَهِيداً ﴾ على صحة رسالتك، وعلى صدقك فيما تبلغه عنه، وإذا ثبت ذلك فالخير فى طاعتك والشر والشؤم فى مخالفتك.
والمراد بالناس جميعهم. أى :وأرسلناك لجميع الناس كما قال - تعالى - ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ وقوله ﴿ رَسُولاً ﴾ حال مؤكدة لعاملها وهو أرسلناك.
وقوله ﴿ وكفى بالله شَهِيداً ﴾ تثبيت وتقوية لقلب النبى صلى الله عليه وسلم.
أى :امض فى طريقك ولا تلتفت إلى أقوالهم، وكفى بالله عليك وعليهم شهيدا، فإنه - سبحانه - لا يخفى عليه أمرك وأمرهم.
ثم بين - سبحانه - أن طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم إنما هى طاعة له فقال : ﴿ مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ﴾.
اى :من يستجب لما يدعوه إليه محمد صلى الله عليه وسلم ويذعن لتعاليمه، فإنه بذلك يكون مطيعا لله، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ لأمر الله ونهيه.
وقوله ﴿ وَمَن تولى فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾ بيان لوظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم.
أى :من أطاعك يا محمد فقد أطاع الله، ومن أعرض عن طاعتك وعصى أمك، فعلى نفسه يكون جانيا، لأننا ما أرسلناك على الناس حافظا ورقيبا لأعمالهم، وإنما أرسلناك مبلغا ومنذرا.
وجواب الشرط فى قوله ﴿ وَمَن تولى ﴾ محذوف. أى ومن تولى فأعرض عنه فإنا ما أرسلناك عليهم حفيظا.
قال الآلوسى :وقوله - تعالى - ﴿ مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ﴾ بيان لإِحكام رسالته إثر بيان تحققها. وإنما كان الأمر كذلك لأن الآمر والناهى فى الحقيقة هو الحق - سبحانه - والرسول إنما هو مبلغ للأمر والنهى فليست الطاعة له بالذات إنما هى لمن بلغ عنه. وفى بعض الآثار أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول : " من أحبنى فقد أحب الله، ومن أطاعنى فقد أطاع الله " فقال المنافقون :ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل ؟ لقد قارف الشرك، وهو نهى أن يبعد غير الله. ما يريد إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى - عليه السلام - فنزلت.
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانبا آخر من صفات المنافقين ومن على شاكلتهم من ضعاف الإِيمان حتى يحذرهم المؤمنون الصادقون فقال - تعالى - : ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ.... إِلاَّ قَلِيلاً ﴾.
وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ( ٨١ ) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ( ٨٢ ) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ( ٨٣ )
والضمير فى قوله ﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ للمنافقين ومن يلفون لفهم.
أى :أن هؤلاء المنافقين إذا أمرتم يا محمد بأمروهم عندك يقولون طاعة أى أمرنا وشأننا طاعة. يقولون ذلك بألسنتهم أما قلوبهم فهى تخالف ألسنتهم.
وقوله ﴿ طَاعَةٌ ﴾ خبر لمبتدأ محذوف وجوبا أى :أمرنا طاعة. ويجوز النصب على معنى :أطعناك طاعة. كما يقول المأمور لمن أمره :سمعاً وطاعة، وسمع وطاعة.
قال صاحب الكشاف :ونحوه قول سيبويه :سمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال له :كيف أصبحت ؟ فيقول :حمد الله وثناء عليه، كأنه قال :أمرى وشأنى حمد الله. ولو نصب " حمد الله " كان على الفعل. والرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها.
ثم حكى - سبحانه - ما يكون عليه أمر هؤلاء المنافقين بعد خروجهم من عند الرسول صلى الله عليه وسلم فقال : ﴿ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الذي تَقُولُ ﴾.
وقوله ﴿ بَيَّتَ ﴾ من التبييت واشتقاقه - كما يقول الفخر الرازى - من البيتوتة، لأن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس الإِنسان فى بيته بالليل، فهناك تكون الخواطر أخلى، والشواغل أقل. لا جرم سمى الفكر المستقصى مبيتا. أو من بيت الشعر، لأن العرب إذا أرادوا قرض الشعر بالغوا فى التفكر فيه..
والمراد :زوَّر وموَّه ودَّبر.
والمعنى :أن هؤلاء المنافقين إذا كانوا عندك - يا محمد - وأمرتهم بأمر قالوا :طاعة، فإذا ما خرجوا من عندك وفارقوك دبر وأضمر طائفة منهم وهم رؤساؤهم ﴿ غَيْرَ الذي تَقُولُ ﴾ أى خلاف ما قلت للتلك الطائفة أو قالت لك من ضمان الطاعة. فهم أمامك يظهرون الطاعة المطلقة، ومن خلفك يدبرون ويضمرون ما يناقض هذه الطاعة ويخالفها.
والتعبير عن الخروج بالبروز للإِشارة إلى تفاوت ما بين أحوالهم، وتناقض مظهرهم مع خبيئتهم.
وإسناد هذا التبييت إلى طائفة منهم، لبيان أنهم هم المتصدون له بالذات، أما الباقون فتابعون لهم فى ذلك، لا أنهم ثابتون على الطاعة.
وقوله ﴿ والله يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ﴾ أى يثبته فى صحائف أعمالهم. ويفضحهم بسبب سوء أعمالهم فى الدنيا، ثم يجازيهم على هذا النفاق بما يستحقون فى الآخرة، فالجملة الكريمة تهديد لهم على سوء صنيعهم، لعلهم يكفون عن هذا النفاق، وتطمين للنبى صلى الله عليه وسلم بأنه - سبحانه - سيطلعه على مكرهم السئ لكى يتقى شرهم، ولذا فقد أمره - سبحانه - بعدم الالتفات إليهم، وبالتوكل عليه - تعالى - وحده فقال :
﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وكفى بالله وَكِيلاً ﴾. أى :إذا كان هذا هو شأنهم يا محمد. فلا تكثرت بهم، ولا تلتفت إليهم، وسر فى طريقك متوكلا على الله، ومتعمدا على رعايته وحفظه، وكفى بالله وكيى وكفيلا لمن توكل عليه، واتبع أمره ونهيه.
فانت ترى أن الاية الكريمة قد كشفت عن جانب من صفات المنافقين وأحوالهم، ثم هددتهم على جرائمهم، ورسمت للنبى صلى الله عليه وسلم الخطة الحكيمة لعلاجهم واتقاء شرهم.
ثم أنكر - سبحانه - على هؤلاء المنافقين وأشباههم عدم تدبرهم للقرآن وحضهم على تأمل حكمه وأحكامه وهدايته فقال : ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً ﴾.
وقوله ﴿ يَتَدَبَّرُونَ ﴾ من التدبير، وتدبر الأمر - كما يقول الزمخشرى - تأمله والنظر فى أدباره وما يئول اليه فى عاقبته ومنتهاه، ثم استعمل فى كل تأمل فمعنى تدبر القرآن :تأمل معانيه وتبصر ما فيه.
والاستفهام لإِنكار عدم تدبرهم، والتعجيب من استمرارهم فى جهلهم ونفاقهم مع توفر الأسباب التى توصلهم إلى الهداية وعلى رأسها تدبر القرآن وتفهم معانيه.
والفاء للعطف على مقدر. أى :أيعرضون عن القرآن فلا يتأملون فيه.
والمعنى :إن هؤلاء المنافقين والذين فى قلوبهم مرض قد خيب الله سعيهم، وكشف خباياهم، ورأوا بأعينهم سوء عاقبة الكافرين وحسن عاقبة المؤمنين، فهلا دفعهم ذلك إلى الإِيمان وإلى تدبر القرآن وما اشتمل عليه من هدايات وإرشادات وأخبار صادقة، وأحكام حكيمة.. تشهد بأنه من عند الله - تعالى -، ولو كان هذا القرآن من عند غير الله أى من إنشاء البشر لوجدوا فى أخباره وفى نظمه وفى أسلوبه وفى معانيه اختلافا كثيرا فضلا عن الاختلاف القليل، ولكن القرآن لأنه من عند الله وحده قد تنزه عن كل ذلك وخلا من كل اختلاف سواء أكان كثيراً أم قليلا.
فالمراد بالاختلاف :تباين النظم، وتناقض الحقائق، وتعارض الأخبار وتضارب المعانى، وغير ذلك مما خلا منه القرآن الكريم لأنه يتنافى مع بلاغته وصدقه.
وفى ذلك يقول صاحب الكشاف :قوله ﴿ لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً ﴾ أى :لكان الكثير منه مختلفا متناقضا قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه فكان بعضه بالغا حد الإِعجاز. وبعضه قاصرا عنه تمكن معارضته، وبعضه إخبارا يغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخبارا مخالفا للمخبر عنه، وبعضه دالا على معنى صحيح عند علماء المعانى، وبعضه دالا على معنى فاسد غير ملتئم.
فلما تجاوب كله بلاغة معجزة فائقة لقوى البلغاء، وتناصر معان، وصدق أخبار دل على أنه ليس إلا من عند قادر على ما لم يقدر عليه غيره، عالم بما لا يعلمه أحد سواه.
فالآية الكريمة تدعو الناس فى كل زمان ومكان إلى تدبر القرآن الكريم وتأمل أحكامه، والانقياد لما اشتمل عليه من توجيهات وإرشادات وأوامر ونواه، ليسعدوا فى دنياهم وآخرتهم.
ثم حكى القرآن بعد ذلك مسلكا آخر من المسالك الذميمة التى عرفت عن المنافقين وضعفاء النفوس فقال - تعالى - ﴿ وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمن أَوِ الخوف أَذَاعُواْ بِهِ ﴾.
والمراد بالأمر هنا :الخبر الذى يكون له أثر إذا أشيع وأذيع.
وقوله ﴿ أَذَاعُواْ بِهِ ﴾ أى نشروه وأشاعوه. يقال :أذاع الخبر وأذاع به أفشاه وأعلنه.
والمعنى :أن هؤلاء الذين فى قلوبهم مرض إذا سمعوا شيئا من الآخبار التى تتعلق بأمن المسلمين أو خوفهم أذاعواها وأظهروها قبل أن يقفوا على حقيقتها.
قال الآلوسى :والكلام مسوق لبيان جناية أخرى من جنايات المنافقين، أو لبيان جناية الضعفاء أثر بيان جناية المنافقين، وذلك أنهم كانوا إذا غزت سرية من المسلمين قالوا عنها :أصاب المسلمون من عدوهم كذا. وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا من غير أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم هو الذى يخبرهم به. وقيل :كان الضعفاء يسمعون من أفواه المنافقين شيئا من الخبر عن السرايا مظنون غير معلوم الصحة فيذيعونه قبل أن يحققوه فيعود ذلك وبالا على المؤمنين.
ثم بين - سبحانه - ما كان يجب عليهم فعله فقال - : ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾.
والمراد بأولى الأمر :كبار الصحابة البصراء بالأمور. وقيل المراد بهم :الولاة وأمراء السرايا.
ويستبطونه أى يستخرجونه. والاستنباط - كما يقول القرطبى - مأخوذ من استنبطت الماء إذا استخرجته. والنبط :الماء المستنبط أول ما يخرج من ماء البئر أول ما تحفر. وسمى النبط نبطا لأنهم يستخرجون ما فى الأرض.
والمعنى :أن هؤلاء المنافقين وضعاف الإِيمان كان من شأنهم وحالهم أنهم إذا سمعوا شيئا من الأمور فيه أمن أو خوف يتعلق بالمؤمنين أشاعوه وأظهروه بدون تحقق أو تثبت، بقصد بليلة الأفكار، واضطراب حال المؤمنين، ولو أن هؤلاء المنافقين ومن يستمعون إليهم ردوا ذلك الخبر الذى جاءهم والذى أشاعوا بدون تثبت، لو أنهم ردوه الى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى كبار الصحابة البصراء فى الأمور : ﴿ لَعَلِمَهُ ﴾ أى لعلم حقيقة ذلك الخبر ﴿ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ ﴾ أى :الذين يستخرجونه ويستعملونه ويتطلبونه وهم المنافقون المذيعون للأخبار ﴿ مِنْهُمْ ﴾ أى :من الرسول وأولى الأمر.
أى :لو أن أولئك المنافقين وأشباههم الذين يستخرجون الأخبار ويذيعونها بغير تثبت سكتوا عن إذاعتها وردوا الأمر فى شأنها إلى الرسول وإلى كبار أصحابه، لو أنهم فعلوا ذلك لعلموا من جهة الرسول وجهة كبار أصحابه حقيقة تلك الأخبار، وما يجب عليهم نحوها من كتمان أو إذاعة.
وعلى هذا يكون الضمير فى قوله ﴿ مِنْهُمْ ﴾ فى الموضعين يعود إلى الرسول وإلى أولى الأمر.
ويكون المراد بالذين يستنبطونه :المنافقون وضعاف الإِيمان الذين يذيعون الأخبار ويكون فى الكلام إظهار فى مقام الإِضمار ؛ حيث قال :سبحانه - ﴿ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ ولم يقل لعلموه منهم، وذلك لزيادة تقرير الغرض المسوق له الكلام، وللمبالغة فى ذمهم على بجثهم وراء الأخبار الخفية الهامة واستنباطها وتطلبها ثم إذاعتها بقصد الإِضرار بمصلحة المسلمين.
وقد ذكر الفخر الرازى فى المراد بالذين يستنطبونه وجها آخر فقال :
وفى قوله ﴿ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ قولان :
الأول :أنهم أولئك المنافقون المذيعون.
والتقدير :لو أن هؤلاء المنافقين المذيعين للأخبار ردوا أمر الأمن والخوف إلى الرسول وإلى أولى الأمر، وطلبوا معرفة الحال فيه من جهتهم، لعلمه الذين يستنطبونه وهم هؤلاء المنافقون المذيعون ﴿ مِنْهُمْ ﴾ أى من جانب الرسول ومن جانب أولى الأمر.
والقول الثانى :أنهم طائفة من أولى الأمر. والتقدير :ولو أن المنافقين ردوا إلى الرسول وإلى أولى الأمر لكان علمه حاصلا عند من يستنبط هذه الوقائع من أولى الأمر، وذلك لأن أولى الأمر فريقان :بعضهم من يكون مستنبطا، وبعضهم من لا يكون كذلك. فقوله ﴿ مِنْهُمْ ﴾ يعنى لعلمه الذين يستنبطون المخفيات من طوائف أولى الأمر.
فإن قيل :إذا كان الذين أمرهم الله برد هذه الاخبار إلى الرسول وإلى المؤمنين هم المنافقون فكيف جعل أولى الأمر منهم فى قوله ﴿ وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ ﴾ ؟ قلنا :إنما جعل أولى الأمر منهم على حسب الظاهر. لأن المنافقين يظهرون من أنفسهم أنهم يؤمنون. ونظيره قوله - تعالى - : ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ ﴾ ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان فضله على عباده فقال ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان إِلاَّ قَلِيلاً ﴾.
أى :ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم - أيها المؤمنون - بتوفيقه إياكم إلى الخير والطاعة، لوقعتم فى إغواء الشيطان كما وقع هؤلاء المنافقون وأشباههم، إلا عددا قليلا منكم وهم الذين أخلصوا دينهم لله واعتصموا به فصاروا لا سبيل للشيطان عليهم كما قال - تعالى - ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ هذا. ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب عدم إذاعة الأخبار - خصوصها فى حالات الحرب - إلا بعد التأكد من صحتها ومن عدم إضرارها بمصلحة المسلمين.
وفى ذلك يقول الإِمام ابن كثير :قوله - تعالى - ﴿ وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمن أَوِ الخوف أَذَاعُواْ بِهِ ﴾ إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة. وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع ".
وفى الصحيحين عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قيل وقال. أى :الذى يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت ولا تدبر ولا تبين.
وفى الصحيح " من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ".
وفى سنن أبى داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بئس مطية الرجل زعموا ".
وقد عدد الفخر الرازى المضار التى تعود على الأمة بسبب إذاعة الأخبار بدون تثبت فقال :وكان سبب الضرر من إذاعة هذه الأخبار من وجوه :
الأول :أن مثل هذه الإِرجافات لا تنفك عن الكذب الكثير.
الثاني :أنه إذا كان ذلك الخبر فى جانب الأمن زادوا فيه زيادات كثيرة. فإذا لم توجد فيه تلك الزيادات، أورث ذلك شبهة للضعفاء فى صدق الرسول صلى الله عليه وسلم لأن المنافقين كانوا يروون هذه الإِرجافات عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
وإن كان ذلك فى جانب الخوف تشوش الأمر بسببه على ضعفاء المسلمين، ووقعوا عنده فى الحيرة والاضطراب، فكانت تلك الإِرجافات سببا للتفنة من هذا الوجه.
الثالث :أن الإِرجاف سبب لتوفير الدواعى على البحث الشديد والاستقصاء التام. وذلك سبب لظهورا لأسرار. وذلك ما لا يوافق المصحلة.
الرابع :أن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين والكفار. فكل ما كان أمنا لأحد الفريقين كان خوفا للفريق الثانى. فإن قوع خبر الأمن للمسلمين وحصول العسكر وآلات الحرب لهم. أرجف المنافقون بذلك، فوصل الخبر إلى الكفار فأخذوا فى التحصن من المسلمين. وإن وقع خبر الخوف للمسلمين بالغوا فى ذلك وزادوا فيه. فظهر من ذلك أن ذلك الإِرجاف كان منشأ للفتن والآفات من كل الوجوه. ولما كان الأمر كذلك ذم الله - تعالى - تلك الإِذاعة وذلك التشهير ومنعهم منه.
وقال الشيخ محمد المنير - الذى عاصر الحروب الصليبية - معلقا على هذه الآية :( فى هذه الآية تأديب لمن يحدث بكل ما يسمع وكفى به كذبا ؛ وخصوصا عن مثل السرايا والمناصبين الأعداء العداوة، والمقيمن فى نحر العدو. وما أعظم المفسدة فى لهج العامة بكل ما يسمعون من أخبارهم خيرا أو غيره. ولقد جربنا ذلك فى زماننا هذا منذ طرق العدو المخذول البلاد - طهرها الله منه وصانها من رجسه ونجسه، وعجل للمسلمين الفتح وأنزل عليهم السكينة والنصر ).
والخلاصة، أن إذاعة الأخبار بدون تثبت - خصوصا فى أوقات الحروب تؤدى إلى أعظم المفاسد والشرور، لأنها إن كانت تتعلق بالأمن فإنها قد تحدث لونا من التراخى وعدم أخذ الحذر، وإن كانت تتعلق بالخوف فإنها قد تحدث بلبلة واضطرابا فى الصفوف.
والمجتمع الذى يكثر فيه العقلاء الفطناء هو الذى تقل فيه إذاعة الأخبار إلا من مصادرها الأصلية، وهو الذى يرجع أفراده فى معرفة الحقائق إلى العلماء المتخصصين.
وهكذا نرى الآية الكريمة تغرس فى نفوس المؤمنين أسمى ألوان الإِخلاص لدينهم ودولتهم وقيادتهم، فهى فى مطلعها تنكر عليهم إذاعة الاخبار بدون تحقق من صدقها ومن فائدتها، وفى وسطها تأمرهم بأن يرجعوا إلى حقائق دينهم وإلى الحكام العادلين، والعلماء المخصلين الذين يعرفون الأمور على وجهها ليسألوهم عما يريدون معرفته، وفى آخرها تذكرهم بفضل الله عليهم ورحمته بهم حتى يداوموا على طاعته، ويشكروه على نعمه.
وبعد هذا الحديث الحكيم عن أحوال المنافقين وضعفاء الإِيمان، وعن تباطئهم عن الجهاد وإشاعتهم للأخبار بدو تثبت، بعد كل ذلك أمر الله - تعالى - نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يستمر فى قتاله للمشركين، وأن يحرض أصحابه على ذلك، كما أرشد - سبحانه - المؤمنين إلى طائفة من مكارم الأخلاق التى تقوى رابطتهم فقال - تعالى - : ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ.... مِنَ الله حَدِيثاً ﴾.
فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا ( ٨٤ ) مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ( ٨٥ ) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ( ٨٦ ) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ( ٨٧ )
والفاء فى قوله ﴿ فَقَاتِلْ ﴾ للإِفصاح عن جواب شرط مقدر. أى :إذا كان الأمر كما حكى - سبحانه - عن المنافقين وكيدهم... فقاتل أنت يا محمد من أجل إعلاء كلمة الله ولا تلتفت إلى أفعالهم وأقوالهم.
وقوله ﴿ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ أى :قاتل - يا محمد - فى سبيل إعلاء كلمة الله، والله - تعالى - لا يكلفك إلا فعل نفسك، فتقدم للجهاد ولا تلتفت إلى تباطؤ المتباطئين، أو تخذيل المخذلين، فإن الله هو ناصرك لا الجنود، فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الألوف.
وجملة ﴿ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ فى محل نصب على الحال من فاعل فقاتل :أى :فقاتل حال كونك غير مكلف إلا نفسك وحدها.
قال صاحب الكشاف :قيل :دعا النبى صلى الله عليه وسلم الناس فى بدر الصغرى إلى الخروج، وكان أبو سفيان قد واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم اللقاء فيها. فكره بعضهم أن يخرجوا فنزلت فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا سبعون لم يعولوا على أحد. ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده، وقرئ ﴿ لاَ تُكَلَّفُ ﴾ بالجزم على النهى. ولا نكلف :بالنون وكسر اللام.
أى :لا نكلف نحن نفسك وحدها.
وقوله ﴿ وَحَرِّضِ المؤمنين ﴾ أى :حثهم على القتال ورغبهم فيه، حتى ينفروا معك خفافا وثقالا من أجل نصرة الحق والدفاع عن المظلومين.
ولقد استجاب النبى صلى الله عليه وسلم لهذه الأوامر، وأعد نفسه لقتال أعدائه، ورغب أتباعه فى ذلك، ولذا قال صلى الله عليه وسلم عندما أذن الله له فى القتال " والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتى " أى :حتى أموت.
ولقد اقتدى به أبو بكر الصديق فى حروب الردة فقال :والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعونى عناقا كانوا يؤدونها لرسول الله صلى الله علي وسلم لقاتلتهم على منعها. ولو خالفتنى يمينى لجاهدتهم بشمالى.
ولقد استفاضت أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم فى ترغيب أمته فى الجهاد، ومن ذلك قوله لأصحابه يوم بدر وهو يسوى الصفوف :قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض.
قال الفخر الرازى :دلت الآية الكريمة على أنه صلى الله عليه وسلم كان أشجع الخلق وأعرفهم بكيفية القتال، لأنه - تعالى - ما كان يأمره إلا وهو صلى الله عليه وسلم موصوف بهذه الصفات. ولقد اقتدى به أبو بكر - رضى الله عنه - حيث حاول الخروج وحده لقتال ما نعى الزكاة، ومن علم أن الأمر كله بيد الله، وأنه لا يحصل أمر من الأمور إلا بقضاء الله سهل عليه ذلك. ودلت الآية على أنه صلى الله عليه وسلم لو لم يساعده على القتال لم يجز له التخلف عن الجهاد.
وقوله : ﴿ عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ والله أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ﴾ بشارة للمؤمنين، ووعد منه - سبحانه - بحسن عاقبتهم وسوء عاقبة الكافرين. و ﴿ عَسَى ﴾ حرف ترج. وهو هنا يفيد التحقق واليقين، لأنه صادر عن الله - تعالى -، الذى لا يخلف وعده. وفى التعبير بها تعليم للمؤمنين الأدب فى القول حتى لا يجزمون بأم يتعلق بالمستقبل، بل يسددون ويقاربون ويباشرون الأسباب ثم بعد ذلك يتركون النتائج لله - تعالى - والمعنى :قاتل يا محمد فى سبيل الله وحرض المؤمنين على ذك، عسى الله - تعالى - ﴿ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ ﴾ أى يمنع قتالهم وصولتهم وطغيانهم ﴿ والله أَشَدُّ بَأْساً ﴾ أى أشد صولة وأعظم سلطانا، وأقدر بأسا على ما يريده ﴿ وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ﴾ أى أشد عقوبة وتعذيبا.
والتنكيل :مصدر من قول القائل نكلت بفلان فأنا أنك به تنكيلا إذا أوجعته عقوبة، وجعلته عبرة لغيره. وأصله التعذيب بالنكل وهو القيد، ثم استعمل فى كل تعذيب بلغ الغاية فى الشدة والألم.
وأفعل التفضيل ﴿ وَأَشَدُّ ﴾ ليس على بابه، لأن بأس المشركين لا قيمة له بجانب بأس الله - تعالى - وقوته ونفاذ أمره. وعذابهم لغيرهم من الضعفاء لا وزن له بجانب عذابه - سبحانه - للظالمين، لأن عذابهم لغيرهم سينتهى مهما طال، أما عذابه - سبحانه - فلا يمكن التخلص منه ولأن عذابهم لغيرهم سينتهى مهما طال، أما عذابه - سبحانه - للكافرين الظالمين فهو باق دائم لا ينتهى ولا يزول.
والمقصود من هذا التذييل تهديد الكافرين بسوء المصير وتشجيع المؤمنين على قتالهم، وبشارتهم النصر عليهم.
قال القرطبى :قوله - تعالى - ﴿ عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ ﴾ إطماع، والإِطماع من الله - تعالى - واجب لأن إطماع الكريم إيجاب..
فإن قال قائل :نحن نرى الكفار فى بأس وشدة، وقلتم :إن عسى بمعنى اليقين فأين ذلك الوعد ؟ قيل له :قد وجد على الاستمرار والدوام. فمتى وجد ولو لحظة مثلا فقد صدق الوعد ؛ فقد كف الله بأس المشركين فى بدر الصغرى. وفى الحديبية وفى غزوة الأحزاب حيث ألقى الله - تعالى - فى قلوب الأحزاب الرعب فانصرفوا دون أن ينالوا خيرا ﴿ وَكَفَى الله المؤمنين القتال ﴾ فهذا كله بأس قد كفه الله عن المؤمنين.
ثم رغب - سبحانه المؤمنين فى الخير، وحذرهم من التوسط فى الشر، فقال : ﴿ مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا ﴾.
والشفاعة :هى التوسط بالقول فى وصول إنسان إلى منفعة دنيوية أو أخروية، أو إلى إنقاذه من مضرة. وهى مأخوذة من الشفع وهو الزوج فى العدد ضد الوتر. فكأن المشفوع له كان وترا فجعله الشفيع شفعا.
والنصيب :الحظ من كل شئ. والكفل :الضعف والنصيب والحظ.
قال الجمل :واستعمال الكفل فى الشر أكثر من استعمال الصيب فيه وإن كان كل منهما قد يستعمل فى الخير كما قال - تعالى - ﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ﴾ ولقلة استعمال النصيب فى الشر وكثرة استعمال الكفيل فيه غاير بينهما فى الآية الكريمة حيث أتى بالكفل مع السيئة وبالنصيب مع الحسنة.
والمعنى :من يشفع شفاعة حسنة، أى يتوسط فى أمر يترتب عليه خير ﴿ يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا ﴾ أى :يكن له ثواب هذه الشفاعة الحسنة. ﴿ وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً ﴾ وهى ما كانت فى غير طريق الخير ﴿ يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا ﴾ أى :يكن له نصيب من وزرها وإثمها، لأن سعى فى الفساد ولم يسع فى الخير.
وإطلاق الشفاعة على السعى فى الشر من باب المشاكلة، لأن الشافعة لا تطلق إلا على الوساط فى الخير.
والآية الكريمة وإن كانت واردة على سبيل التعميم فى بيان جزاء كل شفاعة حسنة أو كل شفاعة سيئة، إلا أن المقصود بها قصدا أوليا ترغيب المؤمنين فى أن يعاون بعضهم بعضا على الجهاد فى سبيل الله، وفى انضمام بعضهم إلى بعض من أجل نصرة الحق، وتهديد المنافقين الذين كان يشفع بعضهم لبعض لكى يأذن لهم النبى صلى الله عليه وسلم فى التخلف عن الجهاد. وقد رجح هذا الاتجاه الإِمام ابن جرير فقال ما ملخصه :
يعنى - سبحانه - بقوله ﴿ مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا ﴾ من يصر يا محمد شفعا لوتر أصحابك، فيشفعهم فى جهاد عدوهم وقتالهم فى سبيل الله، وهو الشفاعة الحسنة لم يكن له نصيب منها، أى يكن له من شفاعته تلك نصيب، وهو الحظ من ثواب الله وجزيل كرامته. ومن يشفع وتر أهل الكفر بالله على المؤمنين به، فيقاتلهم وذلك هو الشفاعة السيئة يكن له كفل منها. يعن بالكفل :النصيب والحظ من الوزر والإِثم، وهو مأخوذ من كفل البعير والمركب، وهو الكساء أو الشئ يهيأ عليه شبيه بالسرج على الدابة. يقال :جاء فلان مكتفلا :إذا جاء على مركب قد وطئ له.. وقد قيل :إن الآية عنى بها شفاعة الناس بعضهم لبعض. وغير مستنكر أن تكون الآية نزلت فيما ذكر، ثم عم بذلك كل شافع بخير أو شر.
وإنما اخترنا ما قلنا من القول فى ذلك ؛ لأنه فى سياق الآية التى أمر الله نبيه فيها بحض المؤمنين على القتال. فكان ذلك بالوعد لمن أجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والوعيد لمن أبى إجابته أشبه منه من الحث على شفاعة الناس بعضهم لبعض التى لم يجر لها ذكر قبل. ولا لها ذكر بعد.
وقوله ﴿ وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً ﴾ تذييل قصد به تعريف الناس أنه - سبحانه - سيجازى كل إنسان بعمله، حتى يكثروا من فعل الخير ويقلعوا عن فعل الشر.
ومقيتا :أى مقتدرا. من أقات على الشئ اقتدر عليه. ومنه قول الزبير ابن عبد المطلب :
وذى ضغن كففت النفس عنه... وكنت على مساءته مقيتاً
أى :وكنت على رد إساءته مقتدراً.
أو مقيتا :معناها حفيظا من القوت وهو ما يمسك الرق من الرزق وتحفظ به الحياة :والمعنى :وكان الله تعالى - وما زال على كل شئ مقتدرا لا يعجزه شئ، وحفيظا على أحوال الناس لا يغيب عنه شئ من ذلك، وسيجازيهم بما يستحقون من ثواب أو عقاب.
هذا وقد وردت أحاديث متعددة فى الحض على الشفاعة الحسنة، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان عن ابى موسى الأشعرى قال : " " كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال : " اشفعوا تؤجروا ويقضى الله على لسانه نبيه ما أحب " ".
قال صاحب الكشاف :والشفاعة الحسنة هى التى روعى بها حق مسلم، ودفع بها عنه شر أو جلب إليه خير، وابتغى بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت فى أمر جائز، ولا فى حد من حدود الله ولا فى حق من الحقوق - يعنى الواجبة عليه - والسيئة ما كانت بخلاف ذلك. وعن مسروق :أنه شفع شفاعته. فأهدى إليه المشفوع له جارية. فغضب وردها. وقال :لو علمت ما فى قلبك ما تكلمت فى حاجتك. ولا أتكلم فيما بقى منها.
وبعد أن أمر الله - تعالى - عباده بالشفاعة الحسنة ونهاهم عن الشفاعة السيئة، أتبع ذلك بتعليمهم ادب اللقاء والمقابلة حتى تزيد المودة والمحبة بينهم فقال - تعالى - : ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ﴾.
والتحية :تفعلة من حييت ؛ والأصل تحيية مثل ترضية وتسمية فأدغموا الياء فى الياء. قال الراغب :أصل التحية من الحياة، بأن يقال حياك الله، أى :جعل لك حياة، وذلك إخبار ثم جعل دعاء تحية. يقال :حيا فلان فلانا تحية إذا قال له ذلك.
وكان من عادة العرب إذا لقى بعضهم بعضا أن يقولوا على سبيل المودة :حياك الله فلما جاء الإِسلام أبدل ذلك بالسلام والأمان بأن يقول المسلم لأخيه المسلم :السلام عليكم وأضيف إليها الدعاء برحمة الله وبركاته.
قال ابن كثير :قوله - تعالى - ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ﴾ أى :إذا سلم عليكم المسلم فردوا عليه بأفضل مما سلم، أوردوا عليه بمثل ما سلم. فالزيادة مندوبة والمماثلة مفروضة. فعن سلمان الفارسى قال : " جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال :السلام عليكم يا رسول الله. فقال " وعليك السلام ورحمة الله " ثم جاء آخر فقال :السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. ثم جاء ثالث فقال :السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته فقال له :( وعليك ) فقال له الرجل :يا رسول الله، بأبى أنت وأمى أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما أكثر مما رددت على. فقال ( إنك لم تترك لنا شيئا ) قال الله - تعالى - : ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ﴾ فرددناها عليك "
وفى الحديث دلالة على أنه لا زيادة فى السلام على هذه الصفة :السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إذ لو شرع أكثر من ذلك لزاده رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأنت ترى أن الآية الكريمة تدعو المؤمنين إلى أن يردوا التحية على من يحيونهم وأن يفشوا هذه التحية بينهم، لأن إفشاءها يؤدى إلى توثيق علاقات المحبة والمودة بين المسلمين.
وقد ورد فى الحض على إفشاء السلام أحاديث كثيرة منها ما رواه مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا. ألا أدلكم على شئ إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم ".
وقوله ﴿ إِنَّ الله كَانَ على كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ﴾ تذييل قصد به بعث الناس على امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه.
أى :إن الله - تعالى - كان وما زال مهيمنا على عباده، بصيراً بكل أقوالهم وأعمالهم، لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء، وسيحاسب الناس يوم القيامة على أفعالهم، وسيجازيهم عليها بما يستحقون ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾ وإذا كان الأمر كذلك فالعاقل هو الذى يفعل ما أمره الله - تعالى - بفعله، ويجتنب ما أمره الله - تعالى - باجتنابه.
وهذا وقد تكلم العلماء هنا كلاما طويلا فى كيفية السلام وفى فضله، وفى بعض أحكامه المأثورة، فارجع إلى كلامهم إن شئت.
ثم بين - سبحانه - أن مصير العبادة جميعاً إليه يوم القيامة فقال - تعالى - ﴿ الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾.
أى :الله الواحد الأحد الفرد الصمد والذى لا معبود بحق سواه، كتب على نفسه أنه ليبعثنكم من قبوركم وليحشرنكم إلى الحساب فى يوم القيامة الذى لا شك فى حصوله ووقوعه. فالجملة الكريمة قررت أن العبادة الحق إنما هى لله رب العالمين، كما قررت أن يوم الحساب آت لا شك فيه مهما أنكره الملحدون، ومارى فيه الممارون.
ولفظ الجلالة مبتدأ، وجملة ﴿ لا إله إِلاَّ هُوَ ﴾ خبر. وقوله ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴾ جواب قسم محذوف. أى والله ليحشرنكم من قبوركم للحساب يوم القيامة.
والجملة القسمية إما مستأنفة لا محل لها من الإِعراب، أو هى خبر ثان للمبتدأ أو هى الخبر وجملة لا إله إلا له معترضة.
وقوله ﴿ لاَ رَيْبَ ﴾ فى محل نصب على الحال من يوم إذ الضمير فى قوله ( فيه ) يعود إلى اليوم. ويجوز أن يكون فى محل نصب على أنه نعت لمصدر محذوف دل عليه ليجمعنكم أى :ليجمعنكم جمعا لا ريب فيه.
والاستفهام فى قوله - تعالى - ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً ﴾ للإِنكار والنفى أى :لا يوجد فى هذا الوجود من هو أصدق من الله - تعالى فى حديثه وخبره ووعده ووعيده، وذلك لأن الكذب قبيح، والله - تعالى - منزه عن كل قبيح. ولأن الكاذب إنما يكذب لجر منفعة، أو لدفع مضرة، أو لجهله بقبح الكذب.. والله - تعالى - غنى عن كل شئ، وقدير على كل شئ وخالق لكل شئ، ومن كان كذلك لا يصدر عنه كذب وإنما يصدر عنه كل حق وصدق وعدل.
ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن أحوال المنافقين، وبينت حكم الله - تعالى - فيهم، ورسمت للمؤمنين طريق معاملتهم لغيرهم فقال تعالى : ﴿ فَمَا لَكُمْ... سُلْطَاناً مُّبِيناً ﴾.
فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ( ٨٨ ) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ( ٨٩ ) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا ( ٩٠ ) سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا ( ٩١ )
أورد المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ ﴾ روايات أهمها روايتان :
أولهما :أن هذه الآية نزلت فى شأن المنافقين الذين تخلفوا عن الاشتراك مع المؤمنين فى غزوة أحد. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد ومعه المسلمون. وفى الطريق رجع عبد الله بن ابى بن سلول بثلث الناس وقالوا ﴿ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ ﴾ فاختلف أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم فى شأن هؤلاء المنافقين. فقال بعضهم :نقتلهم فقد كفروا.
وقال آخرون :لم يكفروا. فأنزل الله - تعالى - الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنها طيبة وإنها تنفى الخبث كما ينفى الكير خبث الحديد ".
أما الرواية الثاينة :فيؤخذ منها أنها نزلت فى قوم كانوا يظهرون الإِسلام بمكة إلا أنهم كانوا يظاهرون المشركين. فقد أخرج ابن جريرعن ابن عباس أن قوما كانوا بمكة قد تكلوا بالإِسلام وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم. فقالوا :إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس. وإن المؤمنين لما اخبروا أنهم قد خرجوا من مكة، قالت فئة من المؤمنين :اركبوا إلى هؤلاء الخبثاء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عدوكم. وقالت فئة أخرى من المؤمنين :سبحان الله :- أو كما قالوا - أتقتلون قوما قد تكلنوا بمثل ما تكلمت به ؟ أمن أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم تستحل دماؤهم وأموالهم ؟ فكانوا كذلك فئتين والرسول صلى الله عليه وسلم عندهم لا ينهى واحداً من الفريقين عن شئ، فنزلت : ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ ﴾.
وهناك روايات أخرى قريبة من هذه الرواية فى معناها قد ذكرها المفسرون.
ويبدو لنا أن الرواية الثانية هى الأقرب إلى سياق الآيات وإلى الواقع التاريخى، لأنه من الثابت تاريخيا أن منافقى المدينة لم يرد أمر بقتالهم، وإنما استعمل معهم الرسول صلى الله عليه وسلم وسائل أخرى أدت إلى نبذهم وهوان أمرهم، لأن قوله - تعالى - بعد ذلك ﴿ فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حتى يُهَاجِرُواْ ﴾ يؤيد أنه ليس المقصود بالمنافقين هنا منافقى المدينة، وإنما المقصود بهم جماعة أخرى من المنافقين كانوا خارج المدينة، إذ لا هجرة من المدينة إلى غيرها وإنما الهجرة تكون من غيرها إليها، لأنها دار الإِسلام، ولم يكن فتح مكة قد تم عند نزول هذه الآية.
وقد رجح الإِمام ابن جرير سبب النزول الذى حكته الرواية الثانية فقال ما ملخصه :وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب قول من قال :نزلت هذه الآية فى اختلاف أصحاب رسول الله فى قوم كانوا قد ارتدوا عن الإِسلام بعد إسلامهم من أهل مكة. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لأن قوله - تعالى - بعد ذلك ﴿ فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حتى يُهَاجِرُواْ ﴾ أوضح دليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة، لأن الهجرة كانت على عهد الله إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر.
فأما من كان من المدنية فى دار الهجرة مقيما من المنافقين وأهل الشرك فلم يكن عليه فرض هجرة.
والفاء فى قوله ﴿ فَمَا لَكُمْ ﴾ للتفريع على ما تقدم من أخبار المنافقين وأحوالهم أو هى للافصاح و " ما " مبتدأ و " لكم " خبره.
قال الجمل :وقوله ﴿ فِي المنافقين ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها :أنه متعلق بما تعلق به الخبر وهو " لكم " أى :أى شئ كان لكم أو مستقر لكم فى أمر المنافقين.
والثانى :أنه متعلق بمعنى فئتين، فإنه فى قوة :ما لكم تفترقون فى أمر المنافقين فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
والثالث :أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من فئتين، لأنه فى الأصل صفة لها تقديره :فئتين مفترقين فى المنافقين وصفة النكرة إذا تقدمت عليها انتصبت حالا. وقوله " فئتين " حال من ضمير " لكم " المجرور والعامل فيه الاستقرار أو الظرف لنيابته عنه...
والاستفهام لإِنكار خلافهم فى شأن المنافقين ولوم المؤمنين الذين أحسنوا الظن بالمنافقين مع أن أحوال هؤلاء المنافقين تدعو إلى سوء الظن بهم.
والمعنى :لقد سقت لكم - أيها المؤمنون - من أحوال المنافقين ما يكشف عن خبثهم ومكرهم، وبينت لكم من صفاتهم ما يدعو إلى الحذر منهم وسوء الظن بهم، وإذا كان هذا هو حالهم فما الذى سوغ لكم أن تختلفوا فى شأنهم إلى فئتين ؟ فئة تحسن الظن بهم وتدافع عنهم، وفئة أخرى صادقة الفراسة، سليمة الحكم لأنها عندما رأت الشر قد استحوذ على المنافقين أعرضت عنهم، واحتقرتهم، وأخذت حذرها منهم، وحكمت عليهم بالحكم الذى رضيه الله - تعالى -.
والآن - أيها المؤمنون - بعد أن ظهر الحق، وانكشف حال أولئك المنافقين، عليكم أن تتركوا الخلاف فى شأنهم، وأن تتفقوا جميعا على أنهم قوم بعيدون عن الحق والإِيمان. ومنغمسون فى الضلال والبطلان.
وقوله ﴿ والله أَرْكَسَهُمْ بِمَا كسبوا ﴾ حال من المنافقين مفيد لتأكيد الإِنكار السابق أى :لم تختلفوا - أيها المؤمنون - فى شأن المنافقين هذا الاختلاف والحال أن الله - تعالى - قد ردهم إلى الكفر بعد الإِيمان بسب أقولاهم الأثيمة، وأعمالهم القبيحة.
وقوله ﴿ أَرْكَسَهُمْ ﴾ من الركس وهو رد أول الشئ على آخره. يقال :ركس الشئ يركسه ركسا إذا قلبه على رأسه. والركس والنكس بمعنى واحد.
والاستفهام فى قوله ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله ﴾ للإِنكار على من أحسن الظن بأولئك المنافقين.
أى :أتريدون أيها المؤمنون الذين أحسنتم الظن بهؤلاء المنافقين أن تعدوهم من جملة المهتدين، مع أن الله - تعالى - قد خلق فيهم الضلال، لأنهم قد استحبوا العمى على الهدى، وآثروا الغى على الرشد.
وقوله ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾ أى :ومن يكتب الله عليه الضلالة، فلن تجد أحداً يهديه ويرشده، لأن فضاء الله لا يتبدل، وقدره لا يتخلف.
وقوله - تعالى - ﴿ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً ﴾ كلام مستأنف مسوق لبيان غلوهم وتماديهم فى الكفر وتصديقهم لإِضلال غيرهم إثر بيان كفرهم وضلالهم فى أنفسهم.
أى :أن هؤلاء المنافقين الذين يحسن الظن بهم بعضكم - أيها المؤمنون - لا يكتفون بكفرهم فى أنفسهم بل هم يتمنون ويودون كفركم مثلهم بحيث تكونون أنتم وهم متساوين فى الكفر والنفاق، وإذا كان هذا هو حالهم فكيف تطمعون فى إيمانهم ؟ وكيف تحسنون الظن بهم ؟
و ﴿ لَوْ ﴾ فى قوله ﴿ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾ مصدرية. أى تمنوا كفركم. وقوله ﴿ كَمَا كَفَرُواْ ﴾ نعت لمصدر محذوف :أى تمنوا أن تكفروا كفراً مثل كفرهم.
وقوله ﴿ فَتَكُونُونَ سَوَآءً ﴾ معطوف على قوله ﴿ لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾ ومفرع عليه. أى :ودوا لو تكفرون فتكونون مستوين معهم فى الضلال والكفر والنفاق.
وما أبلغ التعبير فى جانب محاولة المؤمنين بالإِرادة فى قوله ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله ﴾ وفى جانب محاولة المنافقين بالود ؛ لأن الإِرادة ينشأ عنها الفعل. فالمؤمنون يستقربون حصول الإِيمان من المنافقين، لأن الإِيمان قريب من فطرة الناس وعقولهم. والمنافقون يعلمون أن المؤمنين لا يرتدون عن دينهم، ويرونهم متمسكين به غاية التمسك، فلم يكن طلبهم تكفير المؤمنين إلا كلون من التمنى الذى لا أمل فى تحققه، فعبر عنه بالود المجرد، أى ودوا ذلك ولكنه ود بعيد التحقق.
وقوله ﴿ فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حتى يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ نهى من الله - تعالى - للمؤمنين من موالاة المنافقين حتى يصدر منهم ما يدل على إقلاعهم عن النفاق والضلال.
والفاء فى قوله : ﴿ فَلاَ تَتَّخِذُواْ ﴾ للإِفصاح عن شرط مقدر. والتقدير إذا كان هذا هو شأن المنافقين فلا يصح لكم - أيها المؤمنون - أن تتخذوا منهم أولياء أو نصراء أو أصدقاء حتى تتحقوا من إسلامهم بأن يهاجروا من أجل إعلاء كلمة الله من دار الكفر التى يقيمون فيها ويناصرون أهلها إلى دار الإِيمان التى تقيمون فيها، وينضمون إليكم لنصرة الحق، ودفع الظلم.
قال الفخر الرازى ما ملخصه :( دلت الآية على أنه لا يجوز موالاة المشركين والمنافقين والمشتهرين بالزندقة لأن أعز الأشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو الدين، لأنه هو الأمر الذى به يتقرب إلى الله، ويتوسل به إلى السعادة..... وإذا كان الأمر كذلك، امتنع طلب المحبة والولاية فى الموضع الذى يكون أعظم موجبات العداوة حاصلا فيه ودلت على إيجاب الهجرة بعد الإِسلام - أى فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يسلموا ويهاجروا - وأنهم إن أسلموا لم يكن بيننا وبينهم موالاة إلا بعد الهجرة.
ونظيره قوله - تعالى - ﴿ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ ﴾ واعلم أن هذا التكليف إنما كان لازما حال ما كانت الهجرة مفروضة ففى الحديث الشريف : " أنا برئ من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين. وأنا برئ من كل مسلم مع مشرك " فكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة. ثم نسخ فرض الهجرة بما رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم فتح مكة " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية " وروى عن الحسن أن حكم الآية ثابت فى كل من اقام فى دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الإِسلام قائما.
وقوله : ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ بيان لحكم الله - تعالى - فى هؤلاء المنافقين إذا ما استمروا فى غيهم وضلالهم.
والمعنى :فإن أعرض هؤلاء المنافقون عن الهجرة فى سبيل الله - تعالى - فلا تعتبروا إسلامهم، بل خذوهم فى الأسر، وضيقوا عليهم ( واقتلوهم حيث وجدتموهم ) لأنهم أعداء لكم ﴿ فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ ﴾ فى هذه الحالة ﴿ وَلِيّاً ﴾ توادونه وتصادقونه ﴿ وَلاَ نَصِيراً ﴾ تنتصرون به على أعدائكم، لأن ولاية هؤلاء المنافقين محادة لله ولرسوله، والتناصر بهم يؤدى إلى الخذلان كما قال - تعالى - ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ فالجملة الكريمة تأمر المؤمنين بقتل المنافقين الذين ظهر الكفر منهم وتناههم عن اتخاذهم أولياء أو أصدقاء وعن الاستنصار بهم
وقوله : ﴿ إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ ﴾ استثناء من الضمير المنصوب فى قوله ﴿ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم ﴾.
وقوله ﴿ يَصِلُونَ ﴾ بمعنى يتلجئون ويتصلون. الميثاق العهد الموثق.
والمعنى :أن الله - تعالى - يأمركم - أيها المؤمنون - أن تأخذوا أولئك المنافقين الذين أظهروا كفرهم وتمنوا أن تكونوا مثلهم، وامتنعوا عن الهجرة إلى دياركم، وينهاكم عن موالاتهم وعن الاستعانة بهم، لكنه - سبحانه - قد استثنى من هؤلاء الذين أمركم بأخذهم وقتلهم أناسا التجأوا واستندوا إلى قوم بينكم وبينهم عهد أمان، لأنهم بهذا الالتجاء قد صار حكمهم كحكم من لجأوا إليهم من حيث الأمان وعدم الاعتداء.
وقد ذكر العلماء أقوالا فى المراد من القوم الذين كان بينهم وبين المسلمين عهد أمان، فقيل :هم الأسلميون، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقت خروجه إلى مكة قد وادع هلال بن عويمر الأسلمى على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذى لهلال. وقيل هم بنو بكر بن زيد. وقيل هم خزاعة.
وقوله : ﴿ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ ﴾ عطف على صلة الذين وهو قوله ﴿ يَصِلُونَ ﴾.
ومعنى حصرت :ضاقت وانقبضت ومنه الحصر فى القول وهو ضيق الكلام على المتكلم. ويقال حصر صدره يحصر أى ضاق.
أى :خذوا واقتلوا - أيها المؤمنون - المنافقين الذين أعلنوا كفرهم، ولا تأخذوا ولا تقتلوا الذين التجأوا إلى قوم بينكم وبينهم عهد أمان، ولا تأخذوا ولا تقتلوا كذلك الذين جاءوا إليكم وقد ضاقت نفوسهم، وانقبضت صدورهم عن قتالكم لأنكم مسلمون كما أنهم قد ضاقت نفوسهم عن قتال قومهم لأنهم منهم، أو لأنهم يخشون قتالهم خوفا على أموالهم أو على ذريتهم أو ذوى أرحامهم.
فأنت ترى أن الاستثناء فى قوله ﴿ إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ ﴾ قد أخرج من الأخذ والقتل فريقين من الناس :
الفريق الأول :هو الذى ترك المحاربين من الأعداء، والتجأ إلى القوم الذين بينهم وبين المسلمين عهد أمان، فإنه بهذا الالتجاء قد صار حكمه كحكم من التجأ إليهم فى الأمان.
والفريق الثانى :هو الذى جاء إلى المؤمنين، مسالما وترك قومه، إلا أنه فى الوقت نفسه يكره أن يقاتل المسلمين لحبه لهم. ويكره أن يقاتل قومه لأنهم قومه وعشيرته وأهله أو لأنه لو قاتلهم للحقه الضرر فى ماله أو ذريته.
وقوله : ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ فى موضع نصب على الحال بتقدير قد كما يرى بعضهم. وبعضهم لا يرى حاجة لتقديرها، لأنه قد جاء الفعل الماضى حالا بغيرها كثيراً.
وقيل هو صفة لموصوف محذوف هو حال من فاعل ﴿ جاءوا ﴾ أى :جاءوكم حالة كونهم حصرت صدورهم.
وقوله : ﴿ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ ﴾ مجرور بحرف جر مقدر أى :حصرت صدورهم عن أن يقاتلولكم أو يقاتلوا قومهم. أو هو فى محل نصب على مفعول لألأجله. أى حصرت صدورهم كراهة قتالكم أو قتال قومهم.
والمراد بالفريق الثانى بنو مدلج فقد أخرج ابن أبى حاتم " عن الحسن أن سراقة بن مالك المدلجى حدثهم فقال :لما ظهر النبى صلى الله عليه وسلم على أهل بدر وأسلم من حولهم، قال :بلغنى أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومى بنى مدلج. فأتيته فقلت :أنشدك النعمة. بلغنى أنك تريد أن تبعث إلى قومى. وأنا أريد أن توادعهم. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد خالد فقال :اذهب معه فافعل ما يريد " فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن أسلمت قريش أسملوا معهم، فأنزل الله الآية.
وقوله ﴿ وَلَوْ شَآءَ الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ﴾ بيان لمظهر من مظاهر فضل الله ورعايته للمؤمنين.
أى :ولو شاء الله لسلط جميع المشركين عليكم بأن قوى قلوبهم، وجرأهم عليكم، وجعلهم يبرزون لقتالكم صفا واحدا، ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك، بل ألقى الرعب فى صفوف أعدائكم، وجعل منهم من يسالمكم ويأتى إليكم موادعا.
قال صاحب الكشاف :فإن قتل :كيف يجوز أن يسلط الله الكفرة على المؤمنين ؟ قلت :ما كانت مكافتهم إلا لقذف الرعب فى قلوبهم. ولو شاء لمصلحة يراها من ابتلاء ونحوه لم يقذفه. فكانوا متسلطين مقاتلين غير مكافين فذلك معنى التسليط.
وقال القرطبى :قوله - تعالى - ﴿ وَلَوْ شَآءَ الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ تسليط الله المشركين على المؤمنين هو بأن يقدرهم على ذلك، ويقويهم إما عقوبة ونقمة عند إذاعة المنكر وظهور المعاصى. وإما ابتلاء واختبارا كما قال - تعالى - ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ ﴾ وإما تمحيصا للذنوب كما قال - تعالى - ﴿ وَلِيُمَحِّصَ الله الذين آمَنُواْ ﴾ ولله أن يفعل ما يشاء ويسلط من يشاء على من يشاء إذا شاء.
ووجه النظم والاتصال بما قبل. أى :اقتلوا المنافقين الذين اختلفتم فيهم إلا أن يهاجروا وإلا أن يتصلوا بمن بينكم وبينهم ميثاق فيدخلون فيما دخلوا فيه فلهم حكمهم، وإلا الذين جاءكم قد حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم فدخلوا فيكم فلا تقتلوهم.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾.
أى :أن هؤلاء الذين استثناهم الله - تعالى - - من الأخذ والقتل، اقبلوا مسالمتهم إن اعتزلوا قتالكم فلم يتعرضوا لكم بسوء، وكفوا عن قتالهم إذا ألقوا إليكم السلم، أى :إذا انقادوا للصلح والأمان ورضوا به. وهم متى فعلوا ذلك ﴿ فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾ أى :فما اذن الله لكم فى أخذهم وقتلهم بأى طريق من الطرق التى توصل إلى العدوان عليهم.
وعبر بقوله ﴿ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم ﴾ بدل السلام، للاشارة إلى معنى التسليم لا مجرد الأمن والسلام، لأن السلم يفيد معنى التسليم، فهم ألقوا إليكم قيادهم واستسلموا لأمركم، ودخلوا فى طاعتكم.
وفى نفى أن يكون هناك سبيل عليهم، مبالغة فى عدم التعرض لهم بسوء لأنه إذا نفى الوصول إليهم انتفى الاعتداء عليهم من باب أولى.
هذا، ويرى جمهور المفسرين أن الأحكام التى اشتملت عليها هذه الآية الكريمة منسوخة بآية سورة التوبة وهى قوله - تعالى - ﴿ فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ واحصروهم واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ قال الجمل :معاهدة المشركين وموادعتهم فى هذه الآية بآية السيف - وهى قوله " فإذا انسلخ الأشهر الحرم. الآية " لأن الله - تعالى - لما أعز الإِسلام وأهله أمر أن لا يقبل من مشركى العرب إلا الإِسلام أو القتال ".
ثم بين - سبحانه - صنفا آخر غير هؤلاء المسالمين، وهم قوم من المنافقين المخادعين، الذين لا يضمرون للمؤمنين إلا شرا، ولا يمدون أيديهم إلى أهل الحق إلا بالسوء فقال - تعالى - : ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا ردوا إِلَى الفتنة أُرْكِسُواْ فِيِهَا ﴾.
أى :ستجدون - أيها المؤمنون - قوما من المنافقين آخرين غير الذين وصفتهم لكم، ﴿ يُرِيدُونَ ﴾ بإظهارهم للإِسلام ﴿ أَن يَأْمَنُوكُمْ ﴾ على أنفسهم، ويريدون بإظهارهم للكفر ﴿ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ ﴾ من الأذى، ومن صفات هؤلاء المخادعين أنهم ﴿ كُلَّ مَا ردوا إِلَى الفتنة أُرْكِسُواْ فِيِهَا ﴾ أى :كلما دعوا إلى الردة وإلى العصبية البغيضة وقعوا فيها أشنع وقوع، وزجعوا إليها منكوسين على رءوسهم.
قال ابن جرير :عن مجاهد قال :هم ناس كانوا يأتون النبى صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون فى الأوثان. يبتغون بذلك أن يأمنا ههنا وههنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا.
ثم بين - سبحانه - ما يجب على المؤمنين نحو هؤلاء المنافقين المخادعين فقال : ﴿ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ويلقوا إِلَيْكُمُ السلم ويكفوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وأولئكم جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً ﴾.
أى :أن هؤلاء المنافقين إن لم يعتزلوا قتالكم والتعرض لكم بسوء، ويلقوا إليكم الأمان والانقياد، ويمتنعوا عن العدوان عليكم، إن لم يفعلوا ذلك فخذوهم أسرى، واقتلوهم حيث ﴿ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ أى :وجدتموهم وظفرتم بهم. يقال ثقفت الرجل فى الحرب اثقفه، إذا أدركته وظفرت به وقوله ﴿ وأولئكم جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً ﴾ أى أولئك الذين وصفتهم لكم جعل الله لكم حجة واضحة فى أخذهم وقتلهم، بسبب ظهور عداوتهم، وانكشاف غدرهم، وتذبذبهم بين الإِسلام والكفر تبعا لشهوات نفوسهم المريضة.
هذا، والمتأمل فى هذه الآيات الأربعة الكريمة يراها قد رسمت للمؤمنين كيف تكون علاقتهم بغيرهم من المنافقين والمشركين.
فهى تأمرهم - أولا - بأن يقفوا من المنافقين الذين أركسهم الله بما كسبوا صفا واحدا ورأيا واحدا، فلا يدافعون عنهم ولا يحسنون الظن بهم، ولا يولونهم ولا يستعينون بهم، حتى يهاجروا فى سبيل الله، فإن امتنعوا عن الهجرة حل أخذهم وقتلهم.
وتأمرهم - ثانياً - بأن يسالموا - إلى حين - قوما التجأوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وأمان، وأن يسالموا كذلك أولئك الذين يأتون إليهم وهم يكرهون قتالهم أو قتال قومهم، وأظهروا الانقياد والاستسلام للمؤمنين.
وتأمرهم - ثالثا - بأن يأخذوا ويقتلوا أولئك المتلاعبين بالعقيدة والدين ولذين بلغ بهم الغدر والخداع أنهم إذا قدموا المدينة أظهروا الإِسلام، فإذا ما عادوا إلى مكة أو إلى قومهم أظهروا الكفر، وكانوا مع قومهم ضد المسلمين.
وإنها لتوجيهات حكيمة تبصر المؤمنين بما يجب عليهم نحو غيرهم من الناس الذين يخالفونهم فى عقيدتهم.
وبعد هذا الحديث الحكيم الذى بين الله - تعالى - فيه أحوال المنافقين، وصفاتهم الذميمة، وموقف المؤمنين ممن يخالفونهم فى العقيدة، بعد كل ذلك أخذت السورة الكريمة فى بيان حكم القتل الخطأ، وحكم القتل العمد فقال - تعالى - : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ... عَذَاباً عَظِيماً ﴾.
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ( ٩٢ ) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ( ٩٣ )
روى المفسرون روايات فى سبب نزول قوله - تعالى - ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً ﴾.. الآية ومن أشهر هذه الروايات ما جاء عن مجاهد وغيره أنها نزلت فى عياش بن أبى ربيعة، وذلك أنه قتل رجلا كان يعذبه لكى يترك الإِسلام، فأضمر عياش قتل ذلك الرجل. ثم أسلم هذا الرجل دون أن يعلم عياش بإسلامه. فلما لقيه فى يوم من الأيمان ظن عياش أن الرجل ما زال مشركا فقتله. فلما علم بإسلامه أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال :يا رسول الله، قتلته ولم أشعر بإسلامه فأنزل الله الآية.
والآية الكريمة وإن كانت قد نزلت فى حادثة معينة إلا أن حكمها يتناول كل من قتل غيره خطأ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
والنفى فى قوله - تعالى - ﴿ وَمَا كَانَ ﴾ ليس لنفى الوقوع، لأنه لو كان كذلك ما وقع قتل على سبيل الخطأ أبداً، وإنما النفى بمعنى النهى وعدم الجواز.
وقد أشار القرطبى إلى ذلك بقوله :قوله - تعالى - ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً ﴾ هذه آية من أمهات الأحكام. والمعنى ما ينبغى لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ، فقوله : ﴿ وَمَا كَانَ ﴾ ليس على النفى وإنما هو على التحريم والنهى كقوله : ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله ﴾ ولو كانت على النفى لما وجد مؤمن قتل مؤمنا قط، لأن ما نفاه الله فلا يجوز وجوده فهو كقوله - تعالى - ﴿ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا ﴾ فلا يقدر العباد أن ينبتوا شجرها أبدا. ثم استثنى استثناء منقطعاً ليس من الأول وهو الذى يكون فيه " إلا " لمعنى لكن. والتقدير :ما كان له أن يقتله البتة لكن إن قتله خطأ فعليه كذا.
والخطأ :اسم من أخطأ خطأ وإخطاء إذا لم يصنع عن تعمد، فالخطأ الاسم يقوم مقام الإِخطاء. ويقال لمن أراد شيئاً ففعل غيره :أخطأ. ولمن فعل غير الصواب :أخطأ.
وقال صاحب الكشاف :فإن قلت. بم انتصب خطأ ؟ قلت :بأنه مفعول له. أى ما ينبغى له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده. ويجوز أن يكون حالا بمعنى :لا يقتله فى حال من الأحوال إلا فى حال الخطأ. وأن يكون صفة للمصدر أى :إلا قتلا خطأ. والمعنى، أن من شأن المؤمن أن ينتفى عنه وجود قتل المؤمن ابتداء البته، إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد، بأن يرمى كافرا فيصيب مسلما. أو يرمى شخصاً على أنه كافر فإذا هو مسلم.
ثم بين - سبحانه - حكم القتل الخطأ فقال : ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ ﴾.
قوله ﴿ فَتَحْرِيرُ ﴾، التحرير :الإِعتاق وهو تفعيل من الحرية. أى جعل الرقبة حرة. وهو مبتدأ محذوف الخبر أى :فعليه تحرير رقبة مؤمنة.
وقوله : ﴿ وَدِيَةٌ ﴾ الدية ما يعطى عوضا من دم القتيل إلى وليه. وهى مأخوذة من الودى كالعدة من الوعد. يقال :ودى القاتل القتيل يديه دية إذا أعطى وليه المال الذى هو بدل النفس. وسمى المال دية تسمية بالمصدر.
والمعنى :أن المؤمن لا يسوغ له ولا يليق به أن يقتل أخاه المؤمن، لأن ذلك محرما تحريماً قاطعاً، لكن إن وقع منه القتل له فى سبيل الخطأ فإن دم القتيل لا يذهب هدرا، بل على من قتل أخاه المؤمن خطأ ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ أى :إعتاق نفس مؤمنة :وعليه كذلك ﴿ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ﴾ أى :مؤداة إلى ورثة القتيل عوضاً لهم عما فاتهم من قتيلهم. وقوله ﴿ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ ﴾ أى إلا أن يتصدق أهل القتيل بهذه الدية على القاتل، بأن يتنازلوا عنها له على سبيل العفو والصفح.
وعبر - سبحانه - عن العتق بالتحرير فى قوله ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ للاشعار بأن الحرية للعبيد مقصد من مقاصد الإِسلام، وأن شريعته قد أوجبت على أتباعها أن يعتقوا الأرقاء إذا ما وقعوا فى بعض الأخطاء حتى يتحرر أكبر عدد من الرقاب.
والتعبير عن النفس بالرقبة من باب التعبير عن الكل بالجزء. وكان التعبير بذلك للاشارة إلى أن الرق غل معنوى فى الرقاب، وأن المؤمن الصادق فى إيمانه هو الذى يبذل قصارى جهده فى فك الرقاب من قيدها.
وقيد الرقبة المحررة بأن تكون مؤمنة لتخرج الكافرة، إذ الإِسلام يحرص على تحرير الأرقاء المؤمنين دون الكافرين.
قال ابن كثير :وجمهور الفقهاء على أن الرقبة المؤمنة تجزئ سواء أكانت صغيرة أم كبيرة فقد أخرج الإِمام أحمد " عن رجل من الأنصار أنه جاء بأمة سوداء فقال :يا رسول الله، إن على عتق رقبة مؤمنة. فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقها. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ قالت :نعم. قال :أتشهدين أنى رسول الله ؟ قالت :نعم قال :أتؤمنين بالبعث بعد الموت ؟ قالت :نعم. قال :أعقتها ".
ويرى بعضهم أنه لا تجزئ إلا الرقبة المؤمنة التى صلت وعقلت الإِيمان، أما الصغيرة فإنها لا تجزئ.
وقوله ﴿ وَدِيَةٌ ﴾ معطوف على " فتحرير " وقوله ﴿ مُّسَلَّمَةٌ ﴾ صفة لدية. وقوله ﴿ إلى أَهْلِهِ ﴾ متعلقة بمسلمة.
قال القرطبى ما ملخصه :لوم يعين الله فى كتابه ما يعطى فى الدية، وإنما فى الآية إيجاب الدية مطلقا، وليس فيها إيجابها على العاقلة أو على القاتل، وإنما أخذ ذلك من السنة.
والعاقلة :قرابات الرجل من جهة أبيه وهم عصبته..
وثد ثبتت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الدية مائة من الإِبل.
ووداها صلى الله عليه وسلم فى عبد الله بن سهل المقتول بخبير فكان ذلك بيانا على لسان النبى صلى الله عليه وسلم لمجمل الكتاب واختلفوا فيما يجب على غير أهل الإِبل، فقالت طائفة :على أهل الذهب ألف دينار. وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم.
وقد ثبتت الأخبار عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة. وأجمع أهل العلم على القول به.
ففى الصحيحين عن أبى هريرة قال :اقتتلت امرأتان من هذيل. فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها، وما فى بطنها. فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها غرة :عبد وأمة. وقضى بدية المرأة على عاقلتها.
قالوا :وإنما كانت دية القتل الخطأ على العاقلة، لأن القاتل لو دفعها لأوشكت أن تأتى على جميع ماله، وليكون ذلك دليلا على تضافر الأسرة وتعاونها. وإذا كان القاتل فقيرا وأسرته فقيرة، فإن دية المقتول تكون على بيت مال المسلمين، حتى لا يهدر دم القتيل.
قال القاسمى :تجب الدية على كل عاقلة القاتل. وهم عصبته غير الأصول والفروع. لأنه لما عفى عن القاتل فلا وجه للأخذ منه. وأصوله وفورعه أجزاؤه فالأخذ منهم أخذ منه. ولا وجه لإِهدار دم المؤمن. فيؤخذ من عاقلته الذين يرثونه بأقوى الجهات وهى العصبية، لأن الغرم بالغنم. فإن لم يكن له عاقلة أو كانوا فقراء فعلى بيت المال.
والتعبير عن أداء الدين بقوله ﴿ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ﴾ يومئ إلى وجوب حسن الأداء بأن تسلم هذه الدية إلى أسرة القتيل بكل سماحة ولطف جبرا لخاطرها عما أصابها.
والمراد بقوله ﴿ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ ﴾ أى :إلا أن يتبرع بها أولياء المقتول على سبيل العفو والصفح.
وعبر عن ذلك بقوله ﴿ يَصَّدَّقُواْ ﴾ للإِشارة إلى أن تبرعهم هذا مرغوب فيه وأنه بمنزلة الصدقة التى لهم ثوابها الجزيل عند الله - تعالى - لا سيما إذا كان أولياء القاتل وعصبته يشق عليهم أداؤها فيتركها أولياء القتيل رأفة بأولياء القاتل وشفقة عليهم، وفى الحديث الشريف " كل معروف صدقة ".
ثم بين - سبحانه - حكم القتل الخطأ لمؤمن ينتمى إلى الأعداء فقال ﴿ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾.
أى :فإن كان المقتول خطأ ﴿ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ ﴾ أى محاربين لكم، ﴿ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ أى وكان المقتول مؤمنا ولم يعلم به القاتل، لكونه بين أظهر قومه الكفار ولم يفارقهم، أو أتاهم بعد أن فارقهم لأمر من الأمور، فعلى القاتل فى هذه الحالة ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ كفارة عن هذا القتل الخطأ، وليس عليه دية، لأن أولياء القتيل من الكفار ولا توارث بين المؤمن والكفار، ولأن دفع الدية إليهم يؤدى إلى تقويتهم علينا ومن غير المعقول أن ندفع لأعدائنا ما يتقوون به علينا.
روى الحاكم وغيره عن ابن عباس قال :كان الرجل يأتى النبى صلى الله عليه وسلم ثم يرجع إلى قومه وهم مشركون. فيصيبه المسلمون فى سرية أو غزوة. فيعتق الذى يصيبه رقبة.
ثم بين - سبحانه - حكم القتل الخطأ إذا كان المقتول من قوم بينهم وبين المسلمين عهد وميثاق فقال - تعالى - : ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾.
أى :وإن كان المقتول خطأ ﴿ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ ﴾ أى :من قوم بينكم وبينهم - أيها المؤمنون - عهد من هدنة أو أمان وهم على دنيهم وأنتم على دينكم، فعلى القاتل فى هذه الحالة دية تدفعها عاقلته إلى أهل القتيل، لأن حكمهم كحكم المسلمين، وعليه كذلك ﴿ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ لتكون كفارة له عند الله، وقدم الدية هنا على تحرير الرقبة على العكس مما جاء فى صدر الآية، للإِشعار بوجوب المسارعة إلى تسليم الدية حتى لا يتردد القاتل فى دفعها إلى غير المسلمين الذين بينهم وبين المسلمين عهد يمنع عدم الاعتداء.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد جعل الحكم فى قتل المعاهد كالحكم فى قتل المسلم من الدية وتحرير الرقبة، وبعضهم يرى أن المراد بالمقتول خطأ هنا المسلم الذى هو فى قوم معاهدين وأن الدية لا تدفع لهؤلاء القوم فيكون معنى الآية :وإن كان أى المقتول المؤمن ﴿ مِن قَوْمٍ ﴾ كفار بينكم وبينهم ميثاق، فعلى قاتله دية ﴿ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ﴾ من أهل الإِسلام إن وجدوا، ولا تدفع إلى ذوى قرابته من الكفار وإن كانوا معاهدين، اذ لا يرث الكافر المؤمن.
ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب، لأنه لو كان المراد بالمقتول خطأ هنا القتيل المسلم لكان مكررا ولما كان هناك معنى لإِفراده أذ حكمه يكون داخلا فى قوله - تعالى - فى صدر الآية ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ﴾. فلما أفرده - سبحا
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء عاقبة من يقتل مؤمناً متعمداً فقال : ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ﴾.
أى : ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً ﴾ قتله ﴿ فَجَزَآؤُهُ ﴾ الذى يستحقه بسبب هذه الجناية الكبيرة ﴿ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا ﴾ أى باقيا فيها مدة طويلة لا يعلم مقدارها إلا الله ﴿ وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ ﴾ بسبب ما ارتكبه من منكر ﴿ وَلَعَنَهُ ﴾ أى طرده من رحمته ﴿ وَأَعَدَّ لَهُ ﴾ من وراء ذلك كله ﴿ عَذَاباً عَظِيماً ﴾ يوم القيامة.
هذا وقد ساق المفسرون جملة من الآيات والأحاديث التى تهدد مرتكب هذه الكبيرة بالعذاب الشديد ؛ واختلفوا فى حكمها هل هى هى منسوخة أولا ؟ وهل للقاتل عمداً توبة أولا ؟ وقد أفاض الإِيمام ابن كثير فى بيان كل ذلك فقال ما ملخصه :
" هذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم والذى هو مقرون بالشرك بالله فى غير ما آية. قال - تعالى - ﴿ والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ﴾ والأحاديث فى تحريم القتل كثيرة جدا. فمن ذلك ما ثبت فى الصحيحين عن ابن مسعود قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة فى الدماء " وروى أبو داود عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يزال المؤمن معتقا - أى خفيف الظهر، سريع السير - ما لم يصب دما حراما. فإذا أصاب دما حراما بلح " أى :أعيا وانقطع.
وفى حديث آخر : " لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم ".
ثم قال :وقد كان ابن عباس يرى أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمدا.
وقال البخارى :حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا المغيرة بن النعمان قال :
سمعت ابن جبير قال :اختلف فيها أهل الكوفة. فرحلت فيها إلى ابن عباس فسألته عنها. فقال :نزلة هذه الآية. ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً ﴾ هى آخر ما نزل وما نسخها شئ.
وروى ابن جرير أيضا عن سعيد بن جبير قال. سألت ابن عباس عن قوله - تعالى - ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً ﴾. فقال :إن الرجل إذا عرف الإِسلام، وشرائع الإِسلام، ثم قتل مؤمنا متعمداً فجزاؤه جهنم ؛ ولا توبة له.
ثم قال :والذى عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها. أن القتل له توبة فيما بينه وبين الله - تعالى - فإن تاب وأناب وخشع وخضع وعمل عملا صالحا بدل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن ظلامته.
قال الله - تعالى - ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ فهذه الآية عامة فى جميع الذنوب ما عدا الشرك. وهى مذكورة فى هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها لتقوية الرجاء.
والمراد بالخلود هنا المكث الطويل. وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخرج من النار من كان فى قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان.
وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذه فمراد قائله الزجر والتوبة لا أنه لا يعتقد بطلان توبته.
والآية الكريمة ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾. الصواب فى معناها :أن جزاءه جهنم. فقد يجازى بذلك وقد يجازى بغيره. وقد لا يجازى بل يعفى عنه. فإن قتل عمدا مستحلا بغير حق ولا تأويل فهو كافر مرتد. يخلد فى جهنم بالإِجماع. وإن كان غير مستحل بل معتقدا تحريمه فهو فاسق عاص. مرتكب كبيرة جزاؤه جهنم خالدا فيها. ولكن تفضل - سبحانه - فأخبر أنه لا يخلد فيها من مات موحداً فلا يخلد هذا. وقد يعفى عنه ولا يدخل النار أصلا. وقد لا يعفى عنه بل يعذب كسائر العصاة الموحدين. ثم يخرج معهم إلى الجنة ولا يخلد فى النار. فهذا هو الصواب فى معنى الآية.
وبهذا نرى أن الآية الكريمة تنهى المؤمن نهيا قاطعا عن أن يمد يده بالسوء لقتل نفس حرم الله قتلها إلا بالحقن وتتوعد لاذى يفعل ذلك بغضب الله عليه وطرده من رحمته، وإلحاق العذاب العظيم به يوم القيامة.
وبعد هذا التحذير الشديد من قتل النفس بغير حق، وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن القتل بدون تبين أو تثبت من أجل التوصل إلى عرض من أعراض الدنيا الفانية، فقال - تعالى - : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين... ﴾.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ( ٩٤ )
روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات متعددة إلا أنها متقاربة فى المعنى. وقد حكى معظمها الإِمام القرطبى فقال ما ملخصه :
هذه الآية نزلت فى قوم من المسلمين مروا فى سفرهم برجل معه جمل وغنيمة يبيعها فسلم على القوم وقال :لا إله إلا الله محمد رسول الله، فحمل عليه أحدهم فقتله - ظنا منه أن المقتول نطق بالشهادتين ليأمن القتل - فلما ذكر ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم شق عليه ونزلت الآية فحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته إلى أهله ورد عليه غنيماته.
وقد قيل :إن القاتل محلم بن جثامة والمقتول عامر بن الأضبط. وقيل :إن القاتل أسامة بن زيد والمقتول مرداس بن نهيك من بنى مرة من أهل فدك.
وفى سنن ابن ماجه " عن عمران بن حصين قال :بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا من المسلمين إلى المشركين فقاتلوهم قتالا شديدا فمنح المشركون المسلمين أكتافهم. فحمل رجل من المسلمين على رجل من المشركين بالرمح. فلما غشيه قال :أشد أن لا إله إلا الله إنى مسلم. فطعنه فقتله.
فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :يا رسول الله هلكت. قال : " وما الذى صنعت " مرة أو مرتين. فأخبره بالذى صنع. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فهلا شققت عن بطنه فعلمت ما فى قلبه " ؟ فقال : " يا رسول الله لو شققت بطنه أكنت أعلم ما فى قلبه ؟ قال :لا فلا أنت قبلت ما تكلم به ولا أنت تعلم ما فى قلبه " ".
ثم قال القرطبى :ولعل هذه الأحوال جرت فى زمان متقارب فنزلت الآية فى الجميع.
والضرب فى الأرض :السير فيها. تقول العرب :ضربت فى الأرض إذا سرت لتجارة أو غزة أو غيره. وكأن السير فى الأرض سمى بذلك ؛ لأنه يضرب الأرض برجليه فى سيره. والمراد بالضرب فى الأرض هنا :السفر والسير فيها من أجل الجهاد فى سبيل الله.
وقوله ﴿ فَتَبَيَّنُواْ ﴾ معناه :فتثبتوا وتأكدوا وتأملوا فيما تأتون وتذرون. وقرأ حمزة " فثبتوا ".
قال القرطبى :والسلم والسلم والسلام بمعنى واحد. قال البخارى. وقرئ بها كلهاز واختار أبو عبيد " السلام ". وخالفه أهل النظر فقالوا ؛ السلم هنا أشبه ؛ لأنه بمعنى الانقياد والاستسلام. كما قال - تعالى - ﴿ فَأَلْقَوُاْ السلم مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سواء ﴾ والمعنى :يأيها الذين آمنوا وصدقوا بالحق، إذا خرجتم من بيوتكم وسرتم فى الأرض من أجل الجهاد فى سبيل الله وإعلاء كلمته ﴿ فَتَبَيَّنُواْ ﴾ أى فاطلبوا بيان الأمر فى كل ما تأتون وما تذرون، واحذروا أن تضعوا سيوفكم فى غير موضعها.
فإن الأصل فى الدماء الحرمة والصيانة وعدم الاعتداء عليها، وقد حرم الله - تعالى - قتل النفس إلا بالحق.
والتبين والتثبت فى القتل واجب حضراً وسفرا. وإنما خص السفر بالذكر لأن الحادثة التى نزلت فيها الآية وقعت فى السفر.
وقوله ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ ألقى إِلَيْكُمُ السلام لَسْتَ مُؤْمِناً ﴾ أى :تأكدوا - أيها المؤمنون - وتثبتوا فى كل أحكامكم وأفعالكم، ولا تقولوا لمن أظهر الانقياد لدعوتكم ودينكم فنطق بالشهادتين أو حياكم بتحية الإِسلام. لا تقولوا له لست مؤمنا حقا وإنما قلت ما قلت بلسانك فقط لتأمن القتل. بل الواجب عليكم أن تقبلوا منه ما أظهره وعاملوه بموجبه ؛ فإن علم السرائر والبواطن إنما هو لله - تعالى - وحده.
وجملة ﴿ لَسْتَ مُؤْمِناً ﴾ مقول لقوله ﴿ لاَ تَقُولُواْ ﴾ :أى لا تنفوا عنه الإِيمان وهو يظهره أمامكم وفى هذا من الفقه - كما يقول القرطبى - باب عظيم، وهو أن الأحكام تناط بالمظان والظواهر لا على القطع واطلاع السرائر.
ولقد كان عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - ينهى عن قتل من أعلن الاستسلام ويحذر من يقتله بأنه سيقتله به، وقد أرسل بذلك إلى قواد جويشه لأن الذين يقتلون من يطلب الأمان طمعا فى ماله لا يكون جهاده خالصا لله، ولا تكون أعمال محل رضا الله - تعالى - ولذا قال - سبحانه - :
﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياة الدنيا فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾. والابتغاء :الطلب الشديد والرغبة الملحة.
وعرض الحياة الدنيا :جميع متاعها وأموالها. وسمى متاع الدنيا عرضا، لأنه مهما كثر فهو زائل غير دام، وعارض غير باق.
قال الراغب :والعرض - بفتح الراء والعين - مالا يكون له ثبات. ومنه استعار المتكلمون العرض لما لا ثابت له إلا بالجوهر. وقيل :الدنيا عرض حاضر تنبيها على أنه لا ثابت لها، والمغانم :جمع مغنم ويطلق على ما يؤخذ من مال العدو، من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول.
والمعنى :تثبتوا - أيها - فى كل أقوالكم وأعمالكم، ولا تتعجلوا فى أحكامكم، ولا تقولوا لمن حياكم بتحية الإِسلام أو نطق بالشهادتين لست مؤمنا، وإنما فعلت ذلك تقية ؛ ثم تقتلونه. مبتغين من وراء قتله متاع الدنيا الزائل، وعرضها الفانى، إن هذا المسلك يتنافى مع الإِيمان الصادق والجهاد الخالص. ومن كان منكم يريد متاع الدنيا فليطلبه من الله وحده - فإن خزائنه لا تنفد، وعطاءه لا يحد - ولا يطلبه عن طريق الاعتداء على من أظهر الإِسلام أو التمس منكم الأمان.
وقوله ﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياة الدنيا ﴾ حال من فاعل ﴿ لاَ تَقُولُواْ ﴾ لكن لا على أن يكون النهى راجعا للقيد فقط كما فى قولك :لا تطلب العلم تبتغى به الجاه والتفاخر، بل على أنه راجع إليهما جميعا.
أى :لا تقولوا له ذلك ولا تبتلغوا العرض الفانى.
فالمقصود بهذه الجملة الكريمة توبيخهم على حرصهم على متاع الدنيا بطريقة لا تناسب مع الإِيمان الكامل، ومع الهدف الذى خرجوا من أجله :وهو إعلاء كلمة الله تعالى - وضم أكبر عدد من الناس إلى دعوة الحق التى جاء بها النبى صلى الله عليه وسلم.
وقوله ﴿ فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ تعليل للنهى عن ابتغاء عرض الحياة الدنيا بهذا الأسلوب فكأنه قال :لا تعودوا إلى ما فعلتموه من قتل من ألقى إليكم السلام طلبا لما له، فإن الله - تعالى - عنده مغانم كثيرة، وفى مقدوره أن يغنيكم من فضله ؛ فالجأوا إلى جنابه وحده، وخصوه بالسؤال، وأخصلوا له العمل.
وقوله ﴿ كذلك كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ ﴾ تعليل للنهى عما قالوه وما فعلوه.
أى :أنتم - أيها المؤمنون - كنتم من قبل مثل ذلك الذى ألقى إليكم السلام، فقد كنتم فى أول إسلامكم ولا يظهر منكم للناس غير ما ظهر منه لكم من النطق بالشهادتين وتبادل تحية الإِسلام، فمن الله عليكم بأن قبل منكم تلك المرتبة وعصم بها دماءكم وأموالكم ولم يأمر بالتفحص عن سرائركم.
وإلى هذا المعنى اتجه صاحب الكشاف فقد قال :قوله ﴿ كذلك كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ ﴾ أول ما دخلتم فى الإِسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة فحصنت من دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاععلى مواطأة قلوبكم لألسنتكم بالاستقامة والاشتهار بالإِيمان فعليكم أن تفعلوا بالداخلين فى الإِسلام كما فعل لكم، وأن تعتبروا ظاهر الإِسلام فى المكانة، ولا تقولوا إن تهليل هذا لاتقاء القتل لا لصدق النية، فتجعلوه سبيلا إلى استباحة دمه وماله وقد حرمها الله.
فاسم الإِشارة راجع إلى ﴿ مِّن ﴾ فى قوله : ﴿ لِمَنْ ألقى إِلَيْكُمُ السلام ﴾.
ويجوز أن يكون اسم الإِشارة راجعا إلى الحالة التى كانوا عليها فى ابتداء إسلامهم. أى كحال هذا الذى يسر إيمانه ويخفيه عن قومه كنتم من قبل.
وقد جرح هذا المعنى ابن جرير فقال ما ملخصه :قوله ﴿ كذلك كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ ﴾ أى كذلك كنتم تخفون إيمانكم فى وقومكم من المشركين، وأنتم مقيمون بين أظهرهم، كما كان هذا الذى قتلتموه مقيما بين أظهر قومه من المشركين مستخفيا بدينه منهم ﴿ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ ﴾ أى :فرفع منكم ما كنتم فيه من الخوف من أعدائكم بإظهار دينه وإعزاز أهله، حتى أمكنكم إظهار ما كنتم تستخفون به من توحيده وعبادته..
والذى يبدو لنا أن الاية الكريمة تتسع لهذين التفسيرين، إلا أن التفسير الأول الذى جرى عليه صاحب الكشاف أشمل وأنسب لسياق الآية ؛ لأن المقصد الرئيس الذى تدعو إليه الآية الكريمة هو نهى المؤمنين عن سوء الظن بمن أظهر الإِسلام وعن الاعتداء عليه. وأمرهم بان يعاملوا الناس بظاهرهم أما بواطنهم فأمرها إلى الله وحده.
والفاء فى قوله ﴿ فَتَبَيَّنُواْ ﴾ فصيحة. أى :إذا كان الأمر كذلك فتبينوا نعمة الله عليكم وداوموا على شكرها، وقيسوا أحوال غيركم بما سبق من أحوالكم، واقبلوا ظواهر الناس بدون فحص عن بواطنهم، ولا تصدروا أحكامكم عليهم إلا بعد التثبت والتأكد من صحتها ولا تشهروا سيوفكم فى وجوههم إلا بعد التأكد من كفرهم وعدوانهم.
وقوله : ﴿ إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ تذييل قصد به تحذيرهم من مخالفة أمره.
أى :إن الله مطلع على دقيق الأمور وجليلها، خبير بما تسره نفوسكم وما تعلنه، لا يخفى عليه شئ من ظواهركم وبواطنكم، وسيحاسبكم على كل ذلك، وسيجازيكم بما تستحقون من خير أو شر.
هذا وقد أخذ العلماء من هذه الآية أن الكافر إذا نطق بالشهادتين حرم قتله ؛ لأنه قد اعتصم بعصام الإِسلام المانع من إهدار دمع وماله وأهله.
كما أخذوا منها وجوب التثبت فى الأحكام وفى الأقوال. وأخذ الناس بظواهرهم حتى يثبت خلاف ذلك.
قال الفخر الرازى :اعلم أن المقصود من هذه الآية المبالغة فى تحريم قتل المؤمنين. وأمر المجاهدين بالتثبت فيه، لئلا يسفكوا دما حراما بتأويل ضعيف.
وقال بعض العلماء :وقد دلت الآية على حكمة عظيمة فى حفظ الجامعة الدينية، وهى بث الثقة والأمان بين أفراد الأمة وطرح ما من شأنه إدخال الشك لأنه إذا فتح هذا الباب عسر سده، وكما يتهم المتهم غيره فللغير أن يتهم من اتهمه. وبذلك ترتفع الثقة، ويسهل على ضعفاء الإِيمان المروق، إذ قد أصبحت التهمة تظل الصادق والمنافق. وانظر معاملة النبى صلى الله عليه وسلم المنافقين معاملة المسلمين.
على أن هذا الدين سريع السريان فى القلوب فيكتفى أهله بدخول الداخلين فيه من غير مناقشة. إذ لا يلبثون أن يألفوه وتخالط بشاشته قلوبهم. فهم يقتحمونه على شك وتردد فيصير إيمانا راسخا. ومما يعين على ذلك ثقة السابقين فيه باللاحقين
ومن أجل ذلك أعاد الله الأمر فقال ﴿ فَتَبَيَّنُواْ ﴾ تأكيدا لقوله ﴿ فَتَبَيَّنُواْ ﴾ المذكور قبله..
وبعد أن أمر - سبحانه - المؤمنين بأن يعاملوا الناس على حسب ظواهرهم ونهاهم عند جهادهم عن التعجل فى القتل. أتبع ذلك ببيان فضل المجاهدين المخلصين فقال - تعالى - ﴿ لاَّ يَسْتَوِي.... غَفُوراً رَّحِيماً ﴾.
لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ( ٩٥ ) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ( ٩٦ )
قال الآلوسى :قوله - تعالى - ﴿ لاَّ يَسْتَوِي القاعدون ﴾. شروع فى الحث على الجهاد ليأنفوا عن تركه، وليرغبوا عما يوجب خللا فيه. والمراد بالقاعدين :الذين أذن لهم فى القعود عن الجهاد اكتفاء بغيرهم. وروى البخارى عن ابن عباس :هم القاعدون عن بدر وهو الظاهر الموافق للتاريخ على ما قيل. وقال أبو حمزة :إنهم المتخلفون عن تبوك. وروى أن الآية نزلت فى كعب بن مالك من بنى سلمة ومرارة بن الربيع من بنى عمرو بن عوف. وهلال بن أمية من بنى واقف حين تخلفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم فى تلك الغزوة.
وقوله ﴿ غَيْرُ أُوْلِي الضرر ﴾ جملة معترضة جئ بها لبيان أنهم غير مقصودين بعدم المساواة مع المجاهدين فى الأجر.
والضرر :مصد ضرِر مثل مرض. وهذه الزنة تجئ - غالبا - فى العاهات ونحوها، مثل عمى وحصر وعرج ورِمد.
والمراد بقوله ﴿ غَيْرُ أُوْلِي الضرر ﴾ أى :غير أصحاب العلل والأمراض التى تحول بينهم وبين الجهاد فى سبيل الله من عمى أو عرج أو ضعف أو غير ذلك من الأعذار.
وقد روى المفسريون فى سبب نزول قوله - تعالى - ﴿ غَيْرُ أُوْلِي الضرر ﴾ روايات منها ما أخرجه البخارى عن البراء قال :لما نزلت ﴿ لاَّ يَسْتَوِي القاعدون مِنَ المؤمنين ﴾. دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا فكتبها جاء ابن أم مكتوب فشكا ضرارته. فأنزل الله : ﴿ غَيْرُ أُوْلِي الضرر ﴾.
وقال القرطبى :روى الأئمة - واللفظ لأبى داود عن زيد بن ثابت قال :كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة فوقعت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذى فما وجدت ثقل شئ أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سرى عنه فقال : " أكتب " فكتبت فى كتف - أى فى عظم عريض كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم - ﴿ لاَّ يَسْتَوِي القاعدون مِنَ المؤمنين غَيْرُ أُوْلِي الضرر والمجاهدون فِي سَبِيلِ الله ﴾.... الآية.
فقام ابن أم مكتوم - وكان رجلا أعمى - لما سمع فضيلة المجاهدين فقال :يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين ؟ فلما قضى كلامه غشيت رسول الله السكينة فوقعت فخذه على خفذى. ووجدت من ثقلها فى المرة الثاينة كما وجدت فى المرة الأولى ثم سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :اقرأ يا زيد. فقرأت : ﴿ لا يستوى الأقاعدون من المؤمنين ﴾. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ غَيْرُ أُوْلِي الضرر ﴾ الاية كلها.
قال زيد :فأنزلها الله وحدها فألحقتها. والذى نفسى بيده لكأنى أنظر إلى ملحقها عند صدع فى كتف.
والمعنى :لا يستوى عند الله - تعالى - الذين قعدوا عن الجهاد لإِعلاء كلمة الحق دون أن يكون عندهم من الأعذار ما يمنعهم من ذلك، لا يستوى هؤلاء مع الذين جاهدوا فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. أما الذين قعدوا عن الجهاد لأعذار تمنعهم عن مباشرته، فإن نيتهم الصادقة سترفع منزلتهم عند الله - تعالى -، وستجعلهم فى مصاف المجاهدين بأموالهم وأنفسهم أو قريبين منهم.
ويشهد لذلك ما رواه البخارى وأبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - وهو يسر إلى تبوك : " إن بالمدينة أقواما ما سرتم من سير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه. قالوا :يا رسول الله، وهم بالمدينة قال :نعم حبسهم العذر ".
قال ابن كثير :وفى هذا المعنى قال الشاعر :
يا راحلين إلى البيت العتيق لقد... سرتم جسوماً وسرنا نحن أرواحا
إنا أقمنا على عذر وعن قدر... ومن أقام على عذر كمن راحا
وقوله : ﴿ لاَّ يَسْتَوِي ﴾ نفى لاستواء المجاهدين والقاعدين، والمقصود بهذا النفى التعريض بالمفضول لتفريطه وزهده فى الخير، وحض على الاقتداء بمن هو أفضل منه، إذ من المعروف أن القاعد عن الجهاد لا يساوى المجاهد فى الفضل والثواب. فتعين أن يكون المراد بهذا التعبير التعريض بالقاعدين ليتأسوا بالمجاهدين، وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله :
فإن قلت :معلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان فما فائدة نفى الاستواء ؟ قلت :معناه الإِذكار بما بينهما من التفاوت العظيم، والبون البعيد، ليأنف القاعد ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته. فيهتز للجهاد ويرغب فيه، وفى ارتفاع طبقته، ونحوه : ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أريد به التحريك من الجهل إلى التعلم. ولينهض الشخص بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم.
وقوله ﴿ مِنَ المؤمنين ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من القاعدين.
وفائدة قوله : ﴿ مِنَ المؤمنين ﴾ الإِيذان من أول الأمر بأن قعودهم عن الجهاد لم يمنعهم عن الوصف بالإِيمان، لأن قعودهم عن الجهاد لم يكن عن نفاق أو عن ضعف فى دينهم، وإنما كان عن تراخ أو اشتغال ببعض الأمور الدنيوية.
قال الجمل وقوله : ﴿ غَيْرُ أُوْلِي الضرر ﴾ :قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم ﴿ غَيْرُ ﴾ بالرفع :وقرأ الباقون بالنصب. وقرأ الأعمش بالجر.
فالرفع على وجهين :
أظهرما أنه على البدل من ﴿ القاعدون ﴾. وإنما كان هذا أظهر لأن الكلام نفى والبدل معه أرجح.
والثاني :أنه رفع على أنه صفة لقوله ﴿ القاعدون ﴾ لأنهم لما لم يكونوا أناساً بأعيانهم بل أريد بهم الجنس أشبهوا النكرة فوصفوا بها.
وأما النصب فعلى :الاستثناء من ﴿ القاعدون ﴾ وهو الأظهر، لأنه المحدث عنه. وأما الجر فعلى أنه صفة للمؤمنين.
وقوله : ﴿ فَضَّلَ الله المجاهدين بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القاعدين دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى ﴾ بيان لمزية المجاهدين على غيرهم.
والمراد بالقاعدين هنا - الذين قعدوا عن الجهاد لسبب مانع من مباشرته أى :فضل الله - تعالى - المجاهدين بأموالهم وأنفسهم من أجل إعزاز دينه، فضلهم درجة على القاعدين بأعذار، لأن المجاهدين قد عرضوا أنفسهم للمخاطر والأهوال، وبذلوا أرواحهم وأمولهم فى سبيل إعلاء كلمة الله.
والدرجة هنا مستعارة للعلو المعنوى أى أن المراد بها هو الفضل، ووفرة الأجر وزيادة الثواب. والتنوين فيها للتعظيم.
قال ابن جرير :فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين من أولى الضرر درجة واحدة، يعنى فضيلة واحدة. وذلك بفضل جهادهم بأنفسهم فأما فيما سوى ذلك فهما مستويان.
وقوله ﴿ وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى ﴾ جملة معترضة جئ بها تاركا لما عسى أن يوهمه تفضيل أحد الفريقين على الآخر من حرمان المفضول.
أى :وكل واحد من فريقى المجاهدين والقاعدين من أهل الضرر وعده الله المثوبة الحسنى وهى الجنة لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم، وإنما التفاوت فى زيادة العمل المتقضى لمزيد الثواب.
وقوله ﴿ كُلاًّ ﴾ مفعول أول لما يعقبه قدم عليه لإِفادة القصر تأكيدا للوعد وتنوينه عوض عن المضاف إليه. وقوله ﴿ الحسنى ﴾ مفعول ثان.
ثم بين - سبحانه - أنه قد فضل المجاهدين على القاعدين بغير عذر بدرجات عظيمة فقال ﴿ وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين أَجْراً عَظِيماً ﴾.
أى :وفضل الله - تعالى - المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين دون أن يكون هناك عذر يمنعهم عن الجهاد، فضل الله المجاهدين على هؤلاء القاعدين بالأجر العظيم والثواب الجزيل، والمنزلة الرفيعة.
وقوله ﴿ أَجْراً عَظِيماً ﴾ منصوب على النيابة عن المفعول المطلق المبين للنوع، لأن الأجر هو ذلك التفضيل. أو على نزع الخافض أى فضلهم بأجر عظيم. أو على أنه مفعول ثان بتضمين فضل معنى أعطى أى أعطاهم أجرا تفضلا منه.
ثم فصل - سبحانه - هذا الأجر العظيم فقال ﴿ دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾.
أى فضل الله - تعالى - المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين عن الجهاد بغير عذر بالأجر العظيم ؛ الذى يرفعهم عند الله - تعالى - درجات عالية ويقربهم من مقامات قدسه، ويغفر لهم ما فرط منهم، ويتغمدهم بسابغ رحمته وكان الله كثير الغفران لأوليائه واسع الرحمة بأهل طاعته.
وقوله ﴿ دَرَجَاتٍ مِّنْهُ ﴾ بدل أو عطف بيان من قوله ﴿ أَجْراً عَظِيماً ﴾. وقوله ﴿ مِّنْهُ ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لدرجات.
ونكرت الدرجات للإِشعار بأنها درجات عظيمة لا يحدها الحصر، ولا يعينها المقدار، بل هى شرف عظيم لا يناله إلا المقربون الأبرار.
هذا، وما جرينا عليه من أن المجاهدين يمتازون عن القاعدين بعذر بدرجة، ويمتازون عن القاعدين بغير عذر بدرجات هو رأى كثير من المفسرين، وقد عبر عنه صاحب الكشاف بقوله :فإن قلت :قد ذكر الله - تعالى - مفضلين درجة ومفضلين درجات فمن هم ؟ قلت :أما المفضلون درجة واحدة فهم الذين فضلوا على القاعدين الأضراء.
وأما المفضلون درجات فالذين فضلوا على القاعدين الذين أذن لهم فى التخلف اكتفاء بغيرهم، لأن الغزو فرض كفاية.
ومن المفسرين من يرى أن الذين فضل الله عليهم المجاهدين بدرجة وبدرجات هم صنف واحد، وهم الذين قعدوا عن الجهاد بدون عذر. أما الذين قعدوا بعذر فهم متساوون فى الأجر مع المجاهدين.
وعلى هذا الرأى سار الآلوسى فى تفسيره فقد قال ما ملخصه : ﴿ فَضَّلَ الله المجاهدين ﴾ فى سبيله ﴿ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القاعدين ﴾ من المؤمنين غير أولى الضرر ﴿ دَرَجَةً ﴾ لا يقادر قدرها. ﴿ وَكُلاًّ ﴾ أى :كل واحد من الفريقين المجاهدين والقاعدين ﴿ وَعَدَ الله الحسنى ﴾. وقوله ﴿ وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين ﴾ عطف على ما قبله ﴿ أَجْراً عَظِيماً ﴾.
ثم قال :ولعل تكرير التفضيل بطريق العطف المنبئ عن المغايرة. وتقييده تارة بدرجة وتارة بدرجات مع اتحاد المفضل والمفضل عليه. إما لتنزيل الاختلاف العنوانى بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات منزلة الاختلاف الذاتى تمهيداً لسلوك طريق الإِبهام ثم التفسير.... وإما للاختلاف بالذات بين التفضيلين والدرجة والدرجات.
وقد حكى الإِمام القرطبى هذين الوجهين فقال :قوله - تعالى - ﴿ فَضَّلَ الله المجاهدين بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القاعدين دَرَجَةً ﴾ وقد قال بعد هذا : ﴿ دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ﴾ فقال قوم :التفضيل بالدرجة ثم بالدرجات إنما هو مبالغى وبيان وتأكيد.
وقيل :فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولى الضرر بدرجة واجدة. وفضل الله المجاهدين على القاعدين من غير عذر درجات.
والذى نراه أولى من هذين القولين من قال بأن الله - تعالى - فضل المجاهدين على القاعدين بعذر بدرجة، وفضل المجاهدين على القاعدين بغير عذر بدرجات، وذلك لأن هذا التفسير هو المأثور عن ابن عباس وغيره من الصحابة. فقد قال ابن عباس فى قوله - تعالى - ﴿ فَضَّلَ الله المجاهدين بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القاعدين دَرَجَةً ﴾ أراد بالقاعدين هنا أولى الضرر ولأن القاعدين بعذر وإن كانوا لهم من حسن النية ما يرفع منزلتهم إلا أن المجاهدين الذين باشروا الجهاد وعرضوا أنفسهم لأخطار القتال يفوقونهم منزلة وأجراً.
وهذا ما يقتضيه منطق العقول البشرية، أما عطاء الله بعد ذلك لكل فريق فمرجعه إليه وحده على حسب ما تقتضيه حكمته وسعة رحمته.
هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة أن الجهاد من أفضل الأعمال وأن المجاهدين لهم عند الله - تعالى - منازل عالية. ومن الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى ما أخرجه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن فى الجنة مائة درجة أعدها للمجاهدين فى سبيله. بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. فإذا سألتم الله فاسألوه الفردون فإنه أوسط الجنة ومنه تتفجر أنهار الجنة ".
وبعد أن رفع - سبحانه - من شأن المجاهدين، وبين حال القاعدين عن الجهاد بعذر أو بغير عذر، أتبع ذلك ببيان حال القاعدين فى دار الكفر بدون هجرة إلى دار الإِسلام، ووعد المهاجرين فى سبيل الله بحسن العاقبة فقال - تعالى - : ﴿ إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ... غَفُوراً رَّحِيماً ﴾.
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ( ٩٧ ) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ( ٩٨ ) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ( ٩٩ ) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ( ١٠٠ )
روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - ﴿ إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ ﴾ روايات منها ما أخرجه البخارى عن ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسوله صلى الله عليه وسلم يأتى السهم فيرمى به فيصب أحدهم فيقتله. أو يضرب فيقتل. فأنزل الله : ﴿ إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ ﴾... الآية. ومنها ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال :كان قوم من أهل مكة أسلموا. وكانوا يخفون الإِسلام. فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر. فأصيب بعضهم. فقال المسلمون :هؤلاء كانوا مسلمين فأكرهوا فاستفغروا لهم فنزلت الآية.
قال ابن كثير - بعد ذكره لهذه الروايات -. هذه الآية الكريمة عامة فى كل من أقام بين ظهرانى المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنا من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه، مرتكب حراما بالإِجماع وبنص هذه الآية.
وقوله : ﴿ تَوَفَّاهُمُ ﴾ يحتمل أن يكون فعلا ماضيا، وتركت علامة التأنيث للفصل، ولأن الفاعل ليس مؤنثاً تأنيثاً حقيقياً. ويحتمل أن يكون فعلا مضارعا وأصله " تتوفاهم " فحذفت إحدى التاءين تخفيفاً. وهو من توفى الشئ إذا أخذه وافيا تام.
والمراد من التوفى :قبض أرواحهم وإماتتهم. وقيل المراد به :حشرهم إلى جهنم.
والمراد من الملائكة :ملك الموت وأعوانه الذين يتلون قبض الأرواح بإذن الله وأمره.
وظلم النفس معناه :أن يفعل الإِنسان فعلا يؤدى إلى مضرته وسوء عاقبته سواء أكان هذا الفعل كفراً أم معصية.
وإنما كان ظالما لنفسه لأنه قال قولا أو فعل فعلا ليس من شأن العقلاء أن يقولوه أو يفعلوه لو خامة عقباه.
والمعنى :إن الذين تقبض الملائكة أوراحهم وتميتهم حال كونهم قد ظلموا أنفسهم بسبب رضاهم بالذل والهوان، وإقامتهم فى أرض لم يستطيعوا أن يباشروا تعاليم دينهم فيها، وعدم هجرتهم إلى الأرض التى يقيم فيها إخوانهم فى العقيدة مع قدرتهم على الهجرة..
إن الذين تتوفاهم الملائكة وهم بهذه الحال، تسألهم الملائكة سؤال تقريع وتوبيخ عند قبض أرواحهم أو يوم القيامة فتقول لهم : " فيم كنتم " أى :فى أى حال كنتم ؟ أكنتم فى عزة أم فى ذلة ؟ وكيف رضيتم البقاء مع الكافرين الذين أذلوا وسخروا من دينكم ؟ أو المعنى :فى أى شئ كنتم من أمور دينكم ؟
﴿ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض ﴾ أى :قال الذين ظلموا أنفسهم للملائكة :كنا فى الدنيا يستضعفنا أهل الشرك فى أرضنا وبلادنا، وصيرونا أذلاء لا نملك من أمرنا شيئاً. وهو اعتذار قبيح يدل على هوان المعتذرين به وضعف نفوسهم، ولذلك لم تقبل منهم الملائكة هذا العذر، بل ردت عليهم بما حكاه الله - تعالى - فى قوله : ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ﴾ ؟
فالاستفهام لإِنكار عذرهم، وعدم الاعتداد به.
أى أن الملائكة تقول لهم - كما يقول الآلوسى - :إن عذرهم عن ذلك التقصير بحلولكم بين أهل تلك الأرض أبرد من الزمهرير، إذ يمكنكم حل عقدة هذا الأمر الذى أخل بدينكم بالرحيل إلى قطر آخر من الأرض تقدرون فيه على إقامة أمور الدين كما فعل من هاجر إلى الحبشة وإلى المدينة. أو إن تعللكم عن الخروج مع أعداء الله - تعالى - بأنكم مقهورون غير مقبول، لأنكم متمكنون من المهاجرة ومن الخروج من تحت أيديهم.
وقوله ﴿ ظالمي أَنْفُسِهِمْ ﴾ جملة حالية من ضمير المفعول فى قوله : ﴿ تَوَفَّاهُمُ ﴾ أى :تتوفاهم الملائكة فى حال ظلمهم لأنفسهم. والإِضافة فيه لفظية فلا تفيده تعريفا. والأصل ظالمين أنفسهم فحذفت النون تخفيفا.
قال الجمل ما ملخصه :وخبر إن فى قوله ﴿ إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ ﴾. محذوف تقديره :إن الذين توفاهم الملائكة هلكوا. ويكون قوله : ﴿ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ مبينا لتلك الجملة المحذوفة. أو يكون الخبر قوله ﴿ فأولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ ودخلت الفاء فى الخبر تشبيها للموصول باسم الشرط..
وقوله ﴿ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض ﴾ جملة مستأنفة جواباً عن سؤال مقدر فكأنه قيل :فماذا قال أولئك الذين ظلموا أنفسهم للملائكة ؟ فكان الجواب :كنا مستضعفين فى الأرض. قال صاحب الكشاف :فإن قلت :كيف صح وقوع قوله ﴿ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض ﴾ جواباً عن قولهم :فيهم كنتم وكان حق الجواب :كنا فى كذا أو لم نكن فى شئ ؟ قلت معنى " فيم كنتم " التوبيخ بأنهم لم يكونوا فى شئ من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا. فقالوا :كنا مستضعفين اعتذارا مما وبخوا به، واعتلالا بالاستضعاف، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا فى شئ. فبكتتهم الملائكة بقولهم : ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ﴾، أرادوا :إنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التى تمنعون فيها من إظهار دينكم.
وهذا دليل على أن الرجل إذا كان فى بدل لا يتمكن فيه من إقامة دينه كما يجب لبعض الأسباب - والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر - أو علم أنه فى غير بلده أقوم بحق الله وأدوم للعبادة حقت عليه المهاجرة.
ويبدو أن الإِمام الزمخشرى كان عند تفسيره لهذه الآية قد هاجر من موطنه للإِقامة بجوار بيت الله الحرام، فقد قال خلاف تفسيره لها " اللهم إن كنت تعلم أن هجرتى إليك لم تكن إلا للفرار بدينى فاجعلها سببا فى خاتمة الخير، ودرك المرجو من فضلك، والمبتغى من رحمت. وصل جوارى لك بعكوفى عند بيتك بجوارك فى دار كرامتك يا واسع المغفرة.
وقال القرطبى :يفيد هذا السؤال والجواب أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم فى تركهم الهجرة، وإلا فلو ماتوا كافرين لم يقل لهم شئ من هذا.
وإنما أضرب عن ذكرهم فى الصحابة لشدة ما واقعوه.
وقوله ﴿ فأولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً ﴾ بيان لسوء عاقبة هؤلاء الذين آثروا العيش فى أرض الكفر مع الذل على الهجرة إلى أرض الإِسلام.
أى :فأولئك الذين ماتوا ظالمين لأنفسهم ﴿ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ أى :مسكنهم الذى يأوون إليه فى الآخرة جهنم، وهى مصيرهم الذى سيصيرون إليه ﴿ وَسَآءَتْ مَصِيراً ﴾ أى :وساءت جهنم لأهلها الذين صراوا إليها مصيرا ومسكنا ومأوى، لأنهم سيذوقون فيها العذاب الأليم.
وجئ باسم الإِشارة ﴿ فأولئك ﴾ للاشعار بأنهم جديرون بالحكم الوارد بعده للصفات التى وصفوا بها قبله، فهم كانوا قادرين على الهجرة لكنهم لم يهاجروا لضعف نفوسهم وحرصهم على أموالهم ومصالحهم.
والمخصوص بالذم فى قوله ﴿ وَسَآءَتْ مَصِيراً ﴾ محذوف. أى :جهنم.
ثم استثنى - سبحانه - من هذا المصير السئ لمن ظلموا أنفسهم ثلاثة أصناف من الناس فقال : ﴿ إِلاَّ المستضعفين مِنَ الرجال والنسآء والولدان ﴾.
﴿ إِلاَّ المستضعفين مِنَ الرجال والنسآء والولدان ﴾.
أى :أن هذا المصير السئ والعذاب المهين هو للذين ظلموا أنفسهم بترك الهجرة إلى المسلمين مع قدرتهم عليها، لكن هناك طوائف من الناس خارجون من هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ومن هذا المصير الأليم، وهم أولئك الرجال الذين عجزوا حقا عن الهجرة لضعفهم أو مرضهم أو شيخوختهم... أو النساء اللائى لا يستطعن الخروج وحدهن خشية من الاعتداء عليهن أو الوالدان الذين لم يبلغوا الحلم بعد، أو بلغوا بلوغا قريبا لكنهم لا يستطيعون الهجرة بمفردهم لقلة ذات يدهم أو لغير ذلك من الأعذار الصحيحة.
وقوله ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ﴾ جملة مستأنفة موضحة لمعنى الاستضعاف.
حتى لا يتوهم متوهم أن استضعاف هؤلاء كالاستضعاف الذى تذرع به أولئك الذين ظلموا أنفسهم عندما قالوا - كما حكى القرآن عنهم - ﴿ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض ﴾. ويصح أن تكون حالا من المستضعفين.
أى :ليس مندرجا مع الذين ظلموا أنفسهم فاستحقوا المصير السئ أولئك الضعفاء من الرجال والنساء والولدان ؛ لأنهم ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ﴾ فى الخروج ؛ إذ لا قوة لهم على الخروج ولا نفقة معهم توصلهم مبتغاهم ﴿ وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ﴾ أى :ولا يعرفون الطريق التى توصلهم إلى دار هجرتهم.
قال القرطبى :والحيلة :لفظ عام لأنواع أسباب التخلص. والسبيل :سبيل المدينة. فيما ذكر مجاهد والسدى وغيرهما والصواب أنه عام فى جميع السبل.
والاستثناء فى قوله ﴿ إِلاَّ المستضعفين ﴾ منقطع - على الصحيح - لأن هؤلاء الذين قعدوا عن الجرة لعجزهم، خارجون من أولئك الذين ظلموا أنفسهم بقعودهم عن الهجرة مع قدرتهم على ذلك.
وفى ذكر الوالدان مبالغة فى أمر الهجرة حتى لكأنها لو استطاعها غير المكلفين لقاموا بها، وإشعار بأن على أوليائهم أن يهاجروا بهم معهم متى تمكنوا من ذلك.
وقوله ﴿ فأولئك عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾. بيان لحكم هؤلاء المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا.
أى :أن هؤلاء الذين قعدوا عن الهجرة لأعذار حالت بينهم وبينها ﴿ عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾ أى :يتجاوز عنهم بفضله ورحمته بسبب عدم استطاعتهم للهجرة.
قال الجمل :وعسى ولعل فى كلام الله واجبتان، وإن كانتا رجاء وطمعا فى كلام المخلوقين، لأن المخلوق هو الذى تعرض له الشكوك والظنون. والبارى منزه عن ذلك، وإذا أطمع - سبحانه - عبده وصله.
وقال الآلوسى :وفى قوله ﴿ عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾ إيذان بأن ترك الهجرة أمر خطير حتى ان المضطر الذى تحقق عدم وجوبها عليه ينبغى له أن يعد تركها ذنبا، ولا يأمن. ويترصد الفرصة ويعلق قلبه بها.
وقوله ﴿ وَكَانَ الله عَفُوّاً غَفُوراً ﴾ تذييل مقرر لما قبله بأتم وجه أى وكان الله - تعالى -. وما زال كثير العفو عن عباده فيما يقعون فيه من تقصير، كثير المغفرة لمن تاب إليه وأناب.
ثم رغب - سبحانه - فى الهجرة من أجل أعلاء دينه بأسمى ألوان الترغيب فقال : ﴿ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأرض مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً ﴾.
وقوله : ﴿ مُرَاغَماً ﴾ اسم مكان أى يجد فى الأرض متحولا ومهاجرا.
قال القرطبى ما ملخصه :اختلف فى تأويل المراغم فقال مجاهد :المراغم :المتزحزح. وقال ابن عباس :المراغم :المتحول والمذهب. وقال ابن زيد :المراغم :المهاجر.
وهذه الأقوال متفقة المعانى وهو اسم الموضع الذى يراغم فيه. وهو مشتق من الرغام أى التراب ورغم أنف فلان أى لصق بالتراب. وراغمت فلانا هجرته وعاديته.
وهذا كله تفسير المعنى. فأما الخاص باللفظة هو أن المرغم موضع المراغمة كما ذكرناه وهو أن يرغم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده.
فكأن كفار قريش أرغموا أنوف المحبوسين بمكة، فلو هاجر منهم لأرغم أنوف قريش لحصوله فى منعة منهم، فتلك المنعة هى موضع المراغمة.
والمعنى :ومن يهاجر تاركا دار إقامته من أجل إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه، يجد فى الأرض أماكن كثيرة يأمن فيها مكر أعدائه وظلمهم، ويجد فيها من الخير والنعمة والسعة فى الرزق ما يكون سببا لرغم أنف أعدائه الذين فارقهم كراهة لصحبتهم القبيحة، ومعاملتهم السيئة.
قال الفخر الرازى :وذلك لأن من فارق بلده وذهب إلى بلده أجنبية، فإذا استقام أمره فى تلك البلدة الأجنبية، ووصل ذلك الخبر إلى أهل بدلته خجلوا من سوء معاملتهم له ورغمت أنوفهم - أى أصابهم الذل - بسبب ذلك.
فكأنه قيل. يأيها الإِنسان إنك كنت تكره الهجرة عن وطنك خوفا من أن تقع فى المشقة والمحنة والسفر، فلا تخف فإن الله - تعالى - سيعطيك من النعم الجليلة، والمراتب العظيمة، فى دار هجرتك ما يصير سببا لرغم أنوف أعدائك، ويكون سببا لسعة عيشك.
وإنما قدم - سبحانه - ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش ؛ لأن ابتهاج الإِنسان الذى يهاجر عن أهله وبلده بسبب شدة ظلمهم له بدولته من حيث إنها تصير سببا لرغم أنوف الأعداء.
أشد من ابتهاجه بتلك الدولة من حيث إنها صارت سببا لسعة العيش عليه.
وقوله ﴿ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله ﴾ تنويه عظيم بشأن الهجرة من أجل إعلاء كلمة الله، حيث جعل - سبحانه - ثوابها حاصلا حتى ولو لم يصل المهاجر إلى مقصده.
أى :ومن يخرج من بيته تاركا أهله ووطنه، فارا بيدنه إلى المكان الذى تعلو فيه كلمة الله وكلمة رسوله، قاصدا بذلك نصرة الحق وأهله، من يفعل ذلك ﴿ يُدْرِكْهُ الموت ﴾ وهو فى طريقه قبل أن يصل إلى مكان هجرته ﴿ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله ﴾ أى :فقد ثبت ووجب له الأجر عند الله - تعالى - تفضلا منه - سبحانه - وكرما ﴿ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ فيغفر لهذا المهاجر ما فرط منه من تقصير، ويرحمه برحمته الواسعة.
وقوله ﴿ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ﴾ بالجزم عطفا على فعل الشرط وهو ﴿ وَمَن يَخْرُجْ ﴾. وجوابه قوله : ﴿ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله ﴾.
قال الآلوسى :وقرئ ﴿ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ﴾ بالرفع. خرج ابن جنى على أنه فعل مضارع مرفوع والموت فاعله. والجملة خبر لمبتدأ محذوف أى :ثم هو يدركه الموت.
وفى التعبير بقوله ﴿ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله ﴾ بعث للطمأنينة فى قلوب المهاجرين، وحفز لهم على الهجرة من أجل إعلاء كلمة الله ؛ لأنهم إذاوصلوا إلى دار هجرتهم فقد راغموا أنف أعدائهم ورزقهم الله بالخير من فضله، وإن ماتوا قبل أن يصلوا أعطاهم - سبحانه ثواب المهاجرين كاملا ببركة حسن نياتهم، وكافأهم على ذلك أجرا جزيلا لا يعلم مقداره إلا هو.
وقد وردت روايات فى سبب نزول هذه الآية الكريمة منها ما أخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير أنها نزلت فى جندب بن ضمرة وكان قد بلغه وهو بمكة قوله - تعالى - : ﴿ إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ الملائكة ظالمي أَنْفُسِهِمْ ﴾.. الآية فقال لبنيه :أحملونى فإنى لست من المستضعفين، وإنى لأهتدى إلى الطريق، وإنى لا أبيت الليلة بمكة. فحملوه على سرير متوجها إلى المدينة - وكان شيخا كبيرا، فمات بالتنعيم - وهو موضع قرب مكة - ولما أدركه الموت أخذ يصفق يمينه على شماله ويقول :اللهم هذه لك. وهذه لرسولك صلى الله عليه وسلم أبايعك على ما بايع عليه رسلوك - ثم مات - ولما بلغ خبر موته الصحابة قالوا :ليته مات بالمدينة فنزلت الآية.
هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى :
١- وجوب الهجرة من دار لا يستطيع المسلم فيها أن يؤدى شعائر دينه.
قال القرطبى :فى هذه الآيات دليل على هجران الأرض التى يعمل فيها بالمعاصى. وقال سعيد بن جبير :إذا عمل بالمعاصى فى أرض فاخرج منها. وتلا ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ﴾. وقال مالك :هذه الآيات دالة على أنه ليس لأحد المقام فى أرض يسب فيها السلف ويعمل فيها بغير الحق.
وقال الشيخ القاسمى ما ملخصه :قال الحافظ بن حجر فى " الفتح " :الهجرة الترك. والهجرة إلى الشئ الانتقال إليه عن غيره. وفى الشرع :ترك ما نهى الله عنه.
وقد وقعت فى الإِسلام على وجهين :
الأول :الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن. كما فى هجرتى الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة.
الثاني :الهجرة من دار الكفر إلى دار الإِيمان. وذلك بعد أن استقر النبى صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين. وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالمدينة إلى أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص وبقى عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقيا.
ثم قال الشيخ القاسمى :وقد أفصح ابن عمر بالمراد فيما أخرجه الإِسماعيلى بلفظ :انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار. أى :ما دام فى الدنيا دار كفر، فالهجرة واجبة منها على من أسلم وخشى أن يفتن فى دينه.
وروى الإِمام أحمد وأبو عن معاوية قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة. ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها ".
٢- أن من خرج للهجرة فى سبيل الله ومات فى الطريق أعطاه الله - تعالى - أجر المهاجرين ببركة نيته الصادقة، ويدل على ذلك ما جاء فى الصحيحين عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ".
وقال صاحب الكشاف :كل هجرة لغرض دينى - من طلب علم أو حج أو جهاد أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة وزهدا فى الدنيا أو ابتغاء رزق طيب - فهى هجرة إلى الله ورسوله. وإن أدركه الموت فى طريقه فأجره واقع على الله.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد وبخت الذين رضوا أن يقيموا مع الكافرين فى ذلة وهوان مع قدرتهم على الهجرة، وتوعدتهم على ضعف إيمانهم، بسوء المصير، وحرضت المؤمنين فى كل زمان ومكان على الهجرة فى سبيل الله بأسمى ألوان التحريض وأشدها، ووعدت المهاجر من أجل إعلاء كلمة الحق بالخير الوفير، والأجر الجزيل. ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ والله ذُو الفضل العظيم ﴾
وبعد أن حض - سبحانه - عباده على الهجرة فى سبيله أتبع ذلك ببيان جانب من مظاهر رحمته فى التيسير عليهم فيما شرعه لهم من عبادات، حيث أباح لهم قصر الصلاة فى حالة السفر، وعرفهم كيف يؤدونها فى حالة الجهاد والخوف من مباغتة العدو لهم فقال - تعالى - : ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ... عَذَاباً مُّهِيناً ﴾.
وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا ( ١٠١ ) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ( ١٠٢ )
قوله ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرض ﴾ أى :إذا سافرتم، وأطلق الضرب فى الأرض على السفر ؛ لأن المسافر يضرب برجله وبراحلته على الأرض.
والمراد من الأرض :ما يشمل البر والبحر :أى إذا سافرتم - أيها المؤمنون - فى أى مكان يسافر فيه من بر أو بحر ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ﴾ أى :حرج أو إثم فى ﴿ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة ﴾ أى فى أن تنقصوا منها ما خففه الله عنكم رحمة بكم.
وقوله ﴿ تَقْصُرُواْ ﴾ من القصر وهو ضد المد. يقال قصرت الشئ أى جعلته قصيرا بحذف بعض أجزائه أو أوصافه.
ومن فى قوله ﴿ مِنَ الصلاة ﴾ يجوز أن يكون زائدة للتأكيد فيكون لفظ الصلاة مفعولا به لتقصروا. ويجوز أن تكون للتبعيض فيكون المفعول محذوفا. والجار والمجرور فى مضوع الصفة. أى :فليس عليكم جناح فى أن تقصروا شيئا من الصلاة.
وقوله ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كفروا ﴾ جملة شرطية وجوابها محذوف دل عليه ما قبله.
والمراد بالفتنة هنا :إنزال الأذى بالمؤمنين.
أى :إن خفتم أن يتعرض لكم المشركون بما تكرهونه من القتال أو غيره حين سفركم فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة.
وقوله ﴿ إِنَّ الكافرين كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً ﴾ تعليل لتأكيد أخ الحذر من الكفر دائما، لأن عداوتهم للؤمنين ظارهة، وكراهتهم لهم شديدة.
أى :إن الكافرين كانوا وما زالوا بالنسبة لكم - أيها المؤمنون - يظهورن العداوة، وما تخفيه صدروهم لكم من أحقاد وكراهية أشد وأكبر.
وقد أكد - سبحانه - هذه العداوة بإن الدالة على التوكيد، وبكان المفيدة للدوام والاستمرار، وبوصف هذه العداوة بالسفور والظهور، لكى يحترس المسلمون منهم أشد الاحتراس.
هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى :
١- أن قصر الصلاة فى السفسر سنة. ومنهم من يرى أن المصلى مخير فيه كما يخير فى الكفارات. ومنهم من يرى أنه فرض.
قال القرطبى ما ملخصه :واختلف العلماء فى حكم القصر فى السفر ؛ فروى عن جماعة أنه فرض وهو قول عمر بن عبد العزيز والكوفيين. واحتجوا بحديث عائشة " فرضت الصلاة ركعتين ركعتين " ولا حجة فيه لمخالفتها له ؛ فإنها كانت تتم فى السفر وذلك يوهنه..
وحكى ابن الجهم أن أشهب روى عن مالك أن القصر فرض. ومشهور مذهبه وجل أصحابه، وأكثر العلماء من السلف والخلف أن القصر سنة. وهو الصحيح.
ومذهب عامة البغداديين من المالكين أن الفرض التخيير. ثم اختلفوا فى أيهما أفضل، فقال بعضهم :القصر أفضل.. وقيل :الإِتمام أفضل.
أما بالنسبة لمسافة السفر التى يجوز معها قصر الصلاة للعماء فيها أقوال منها :أن السفر الذى يسوغ القصر هو ما كان مسيرة ثلاثة أيام بلياليها بالسير المعتاد.
وهذا رأى الأحناف. ومن حججهم قوله صلى الله عليه وسلم : " يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام بلياليها " وأيضا ورد أن النبى صلى الله عليه وسلم منع المرأة من السفر فوق ثلاث إلا مع زوج أو محرم، فدل هذا على أن ما دون الثلاث لا يعد سفرا، بل هو فى حكم الإِقامة، حيث جعل الثلاث فاصلا بين الخروج بدون محرم وعدمه. وأيضا فقد جرى عرف العرب أن الرجل كان لا يعتبر مسافرا إلا بسير نحو ثلاثة أيام.
أما المالكية والشافعية وأكثر الأئمة فيرون أن السفر الذى تقصر فيه الصلاة هو ما كان مسيرة يوم وليلة وقيل يوم فقط، وذلك لما رواه ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " يا أهل مكة لا تقصروا فى أدنى من أربعة برد. من مكة إلى عسفان "، وقد قدرت هذه المسافة بمسيرة يوم وليلة أو يوم فقط.
ويرى داود الظاهرى وأتباعه أن القصر فى كل ما يسمى سفرا، سواء أكان قصيرا أم طويلا ؛ لأن المدار عندهم فى تحقيق القصر على تحقيق شرطه وهو الضرب فى الأرض، ولأن كلمة الضرب فى الأرض قد جاءت على إطلاقها من غير تقييد بمدة معلومة ولا مسافة محدودة.
وقد رد جمهور العلماء عليهم بردود منها :أن الضرب فى الأرض حقيقته الانتقال من كان إلى مكان. وظاهر أن مجرد الانتقال من مكان إلى آخر لا يكون سببا فى الرخصة، فلا بد أن يكون السفر المرخص فيه بالقصر سفرا مخصوصا، وقد بينت السنة النبوية الشريعة مقداره على خلاف فى الروايات.
هذا، وقد حكى القرطبى أقوال بعض العلماء فى نقد أولئك الذين يأخذون الأمور بظاهرها بدون فهم سليم فقال :
قال ابن العربى :وقد تلاعب قوم بالدين فقالوا :إن من خرج من البلد إلى ظاهره أكل وقصر وقائل هذا أعجمى لا يعرف السفر عند العرب، أو مستخف بالدين. ولولا أن العلماء ذكروه لما رضيت أن ألمحه بمؤخر عينى، ولا أفكر فيه بفضول قلبى. ولم يذكر حد السفر الذى يقع به القصر لا فى القرآن ولا فى السنة. وإنما كان كذلك، لأنها كانت لفظة عربية مستقر علمها عند العرب الذين خاطبهم الله بالقرآن ؛ فنحن نعلم قطعا أن من برز عن الدور لبعض الأمور أنه لا يكون مسافرا لا لغة ولا شرعا. وإن من مشى مسافرا ثلاثة أيام فإنه يكون مسافرا قطعا. كما أننا نحكم على من مشى يوما وليلة أنه كان مسافرا، لحديث " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذى محرم منها " وهذا هو الصحيح لأنه وسط بين الحالين. وعليه عول مالك. ولكنه لم يجد هذا الحديث متفقا عليه، فقد روى مرة " يوما وليلة " ومرة " ثلاثة أيام ".
ثم قال القرطبى :واختلفوا فى نوع السفر الذى تقصر فيه الصلاة. فأجمع الناس على الجهاد والحج والعمرة وما ضارعها من صلة رحم.. واختلفوا فيما سوى ذلك. فالجمهور على جواز القصر فى السفر المباح كالتجارة وغيرها. وعلى أنه لا قصر فى سفر المصعية كالباغى وقاطع الطريق وما فى معناهما.
ثم قال :واختلف العلماء فى مدة الإِقامة التى إذا نواها المسافر أتم. فقال مالك والشافعى والليث بن سعد :إذا نوى الإِقامة أربعة أيام أتم.
وقال أبو حنيفة وأصحابه :إذا نوى الإِقامة خمس عشرة ليلة أتم، وإن كان أقل من ذلك قصر.
٢- ذهب جمهور العلماء إلى أن الآية الكريمة المقصود منها تشريع صلاة السفر، وأن المراد بالقصر فى قوله ﴿ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة ﴾ هو القصر فى الكمية أى فى عدد الركعات، بأن يصلى المسافر الصلاة الرباعية ركعتين، وأن حكمها للمسافر فى حال الأمن كحكمها فى حال الخوف لتظاهر السنن على مشروعيتها مطلقا.
وقد وضح هذه المسألة الإمام ابن كثير توضيحا حسنا فقال ما ملخصه :وقوله - تعالى - ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كفروا ﴾ الشرط فيه خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية. إذ كانت أسفارهم بعد الهجرة فى مبدئها مخوفة. بل كانوا لا ينهضون إلا إلى غزو عام، أو سرية خاصة، وسائر الأحياء حرب للإِسلام وأهله. والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له. كقوله - تعالى - ﴿ وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البغآء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ﴾ وقوله - تعالى - ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ ﴾ ومما يشهد بأن للمسافر أن يقصر سواء أكان آمنا أم خائفا ما رواه الترمذى والنسائى عن ابن عباس. أن النبى صلى الله عليه وسلم :خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا الهل رب العالمين فصلى ركعتين.
وروى البخارى عن حارثة بن وهب الخزاعى قال :صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن ما كان بمنى ركعتين.
وروى البخارى عن أنس قال :خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة. فكان يصلى ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة.
وروى مسلم وأحمد وأهل السنن " عن يعلى بن أمية قال :سألت عمر بن الخطاب. قلت له :قوله - تعالى - : ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كفروا ﴾. وقد أمن الناس. فقال لى عمر :عجبت مما عجبت منه. فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " ".
وروى أبو بكر بن أبى شيبة عن أبى حنظلة الحذاء قال :سألت ابن عمر عن صلاة السفر ؟ فقال :ركعتان، فقلت له :أين قوله، ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كفروا ﴾ ونحن آمنون ؟ فقال :سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأنت ترى من هذه النصوص أنها تدل على أن الآية الكريمة مسوق فى تشريع صلاة السفر سواء أكان المسافر آمنا أم خائفا، وأن قوله - تعالى - ﴿ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة ﴾ المراد من القصر هنا قصر عدد الركعات من أربع إلى اثنين كما كان يفعل النبى صلى الله عليه وسلم فى أسفاره، وأن القصر للصلاة فى السفر بالنظر لما كنت عليه فى الحضر.
قالوا :ومما يدل على أن لفظ القصر كان مخصوصا فى عرفهم بنقص عدد الركعات، ما رواه البخارى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " انصرف من اثنتين - أى صلى الصلاة الربعاية ركعتين عن سهو - فقال له ذواليدين :أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله " ؟... هذا ؛ ويرى بعض العلماء أن هذه الآية نزلت فى صلاة الخوف، وأن المصود بالقصر هنا هو قصر الكيفية لا الكمية - أى تخفيف ما اشتملت عليه من قراءة وتسبيح وغير ذلك - لأنهم يرون أن كمية صلاة المسافر ركعتان فهى تام غير قصر.
قال ابن كثير ما ملخصه :ومن العلماء من قال :إن المراد من القصر ها هنا إنما هو قصر الكيفية لا الكمية وهو قول مجاهد والضحاك والسدى واعتقدوا بما رواه الإِمام مالك عن عائشة أنها قالت فرضت الصلاة بكعتين فى السفر والحضر، فأقرت صلاة السفر، وزيد فى صلاة الحضر.
قالوا :فإذا كان أصل الصلاة فى السفر حتى اثنتين فيكف يكون المراد بالقصر هنا قصر الكمية. لأن ما هو الأصل لا يقال فيه ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة ﴾. وروى الإِمام أحمد والنسائى وابن ماجه عن عمر - رضى الله عنه - قال :صلاة السفر ركعتان ؛ وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمع
ثم شرع - سبحانه - فى بيان صفة صلاة الخوف فى جماعة فقال - تعالى - ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ وليأخذوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ﴾.
والمعنى :وإذا كنت يا محمد فى أصحابك وشهدت معهم القتال ﴿ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة ﴾ أى :فأردت أن تقيم لهم الصلاة فى جماعة لتزدادوا أجراً ورعاية من الله وأنتم تقاتلون أعداءه، فعليك فى هذه الحالة أن تقسم أصحابك إلى قسمين، ثم بعد ذلك ﴿ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ ﴾ أى فلتقم جماعة من أصحابك معك فى الصلاة، أما الطائفة الأخرى فلتكن بإزاء العدو ليحرسوكم منهم.
والضمير فى قوله ﴿ وليأخذوا أَسْلِحَتَهُمْ ﴾ يعود إلى الرجال الذين معه فى الصلاة.. أى :ولتأخذ الطائفة القائمة معك فى الصلاة أسلحتها معها وهى فى الصلاة حتى تكون عليى أهبة القتال دائما.
وقوله ﴿ فَإِذَا سَجَدُواْ ﴾ أى :الرجال القائمون معك فى الصلاة سجدوا فى الركعة الأولى وأتموا الركعة ﴿ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ ﴾ أى :فلينصرفوا بعد ذلك من صلاتهم ليكونوا فى مقابلة العدو للحراسة. فالضمير فى الكل يعود إلى المصلين معه.
وقيل المعنى :فإذا سجد الرجال الذين قاموا معك للصلاة، فليكن الرجال الآخرون الذين ليسوا فى الصلاة من ورائكم لحماية ظهوركم، ولمنع نزول الأذى بكم من أعدائكم. وعليه فيكون الضمير فى قوله ﴿ فَلْيَكُونُواْ ﴾ يعود إلى الطائفة الثانية التى ليست فى الصلاة.
وقوله : ﴿ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ﴾ بيان لما يجب أن تفعله الطائفة الأخرى التى لم تدخل فى الصلاة بعد. أى :فإذا ما انصرفت الطائفة الأولى للحراسة فلتأت الطائفة التى كانت قبل ذلك فى الحراسة والتى لم تصل بعد ﴿ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ ﴾ الركعة الأوفى وأنت يا محمد فى الركعة الثانية. وعليهم أيضا أن يكونوا كمن سبقهم حاملين لأسلحتهم التى لا تشغلهم عن الصلاة كالسيف والحنجر وما يشبه ذلك، حتى إذا ما باغتكم المشركون بالهجوم كنتم دائما على استعداد لمواجهتهم، وكنتم دائما على يقظة من مكرهم.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد أمر المؤمنين بالمحافظة على الصلاة حتى فى حالة الحرب، وأمرهم فى الوقت ذاته بأن يكونوا يقظين آخذين حذرهم وأسلحتهم من مباغتة أعدائهم لهم حتى لا يتوهم أولئك الأعداء أن الصلاة ستشغل المؤمنين عن الدفاع عن أنفسهم.
وقوله ﴿ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ﴾ استعمل لفظ الأخذ فيه الحقيقة والمجاز. لأن أخذ الحذر كناية عن شدة اليقظة ودوام الترقب. وأخذ الأسلحة حقيقة فى حملها للدفاع بها عن النفس.
وقدم - سبحانه - الأمر بأخذ الحذر على أخذ الأسلحة ؛ لأن أخذ الأسلحة نوع من الحذر، ولأن الحذر عند انتقال الصفوف وتحركها واجب حتى لا يباغتهم الأعداء وهم يتحولون من مكان إلى مكان، وهذا أشبه بتغيير الخطط وقت القتال، وهو أمر له خطورته فوجب أن تشتد يقظة المسلمين حينئذ.
وإلى هذا المعنى أشار بعضهم بقوله :فإن قلت لما ذكر فى أول الآية الأسلحة فقط، وذكر هنا الحذر والأسلحة ؟ قلت :لأن العدو قلما يتنبه للمسلمين فى أول الصلاة بل يظنون كونهم قائمبن فى المحاربة والمقاتلة. فإذا قاموا إلى الركعة الثانية ظهر للكفار أن المسلمين فى الصلاة، فحينئذ ينتهزون الفرصة فى الإِقدام على المسلمين فلا جرم أن الله - تعالى - أمرهم فى هذا الموضع بزيادة الحذر من الكفار مع أخذ الأسلحة.
وقوله - تعالى - ﴿ وَدَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً ﴾ بيان لما من أجله أمروا بأخذ الحذر والسلام. والخطاب لجميع المؤمنين.
وقوله ﴿ وَدَّ ﴾ من الود وهو محبة الشئ وتمنى حصوله.
والأسلحة :جمع سلاح. وهو اسم جنس لآلات الحرب التى يستعلمها الناس فى حروبهم وقتالهم.
والأمتعة. جمع متاع. وهو كل ما ينتفع به من عروض وأثاث. والمراد به هنا :ما يكون مع المحاربين من أشياء لا غنى لهم عنها كبعض ملابسهم وأطعمتهم ومعداتهم.
و ﴿ لَوْ ﴾ فى قوله ﴿ لَوْ تَغْفُلُونَ ﴾ مصدرية. وقوله ﴿ مَّيْلَةً ﴾ منصوب على المفعول المطلق لبيان العدد.
والمعنى :كونوا دائماً - أيها المؤمنون - فى أقصى درجات التنبه والتيقظ والحذر، فإن أعداءكم الكافرين يودون ويحبون غفلتكم وعدم انتباهكم عن أسلحتكم وأمتعتكم التى تستعملونها فى قتالكم لهم، وفى هذه الحالة يحملون عليكم حملة واحدة قوية شديدة ليقتلوا منكم من يستطعيون قتله. فعليكم - أيها المؤمنون - أن تجمعوا بين الصلاة والجهاد جمعا مناسبا حكيما بحيث لا يشغلكم أحد الأمرين عن الآخر أو عن حسن الاستعداد لمجابهة أعدئاكم الذين يتربصون بكم الدوائر.
فالآية الكريمة من مطلعها إلى هنا تراها تأمر بشدة وتكرار بأخذ الحذر وحمل السلاح لمجابهة أى مباغتة من المشركين. ومع هذا فقد رخص الله - تعالى - للمؤمنين بوضع السلاح فى أحوال معينة دون أن يرخص لهم فى أخذ الحذر فقال - تعالى - ؛ ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مرضى أَن تضعوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾.
أى :ولا حرج ولا إثم عليكم - أيها المؤمنون - فى أن تضعوا أسلحتكم فى أغمادها فلا تحملوها ﴿ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ ﴾ يثقل معه حمل السلاح ﴿ أَوْ كُنتُمْ مرضى ﴾ بحيث يشق عليكم حملها، ومع كل هذا فلا بد من أخذ الحذر من أعدائكم ؛ بأن تكونوا على يقظة تامة من مكرهم، وعلى أحسن استعداد لدحرهم إذا ما باغتوكم بالهجوم.
وقوله ﴿ إِنَّ الله أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ تذييل قصد به تشجيع المؤمنين على مقاتلة أعدائهم وأخذ الحذر منهم.
أى :إن الله - تعالى - أعد لأعدائكم الكافرين عذابا مذلا لهم فى الدنيا والآخرة. أما فى الدنيا فبنصركم عليهم وإذهاب صولتهم ودولتهم، كما قال - تعالى - ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ﴾ وأما فى الآخرة فالبعذاب الذى يهينهم ويذلهم ولا يستطعيون منه نجاة أو مهربا. وإذا كان الأمر كذلك فباشروا - أيها المؤمنون - الأسباب التى توصلكم إلى النصر عليهم.
هذا، ومن الأحكام والآداب التى التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى :
١- قال الآلوسى :تعلق بظاهر قوله - تعالى - ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ ﴾. من خص صلاة الخوف بحضرته صلى الله عليه وسلم كالحسن بن زيد ونسب ذلك أيضا لأبى يوسف، ونقله عنه الجصاص فى كتاب الأحكام، وعامة الفقهاء على خلافه فإن الأئمة بعده صلى الله عليه وسلم نوابه، وقوام بما كان يقوم به فيتناولهم حكم الخطاب الوارد له عليه الصلاة والسلام كما فى قوله ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ وقد أخرجه أبو داود والنسائى وابن حبان وغيرهم عن ثعلبة بن زهدم. قال :كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقال :أيكم صلى مع رسول الله صلاة الخوف ؟ فقال حذيفة :أنا. ثم وصف له ذلك فصلوا كما وص، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكره أحد منهم. وهم الذين لا تأخذهم فى الله لومة لائم، وهذا يحل محل الإِجماع.
٢- أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة مشروعية صلاة الخوف وصفتها وأنه يطلب فيها حمل الصلاح إلا لعذر. وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه الإِمام أحم