0:00
0:00

سورة النساء
الجمهور على أن هذه السورة مدنية إلا قوله تعالى :
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾
. وقال النحاس :مكية. وقال النقاش :نزلت عند الهجرة منمكة إلى المدينة انتهى. ولا خلاف أنّ فيها ما نزل بالمدينة. وفي البخاري :آخر آية نزلت
﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَالَةِ ﴾
ومناسبة هذه السورة لما قبلها أنه تعالى لما ذكر أحوال المشركين والمنافقين وأهل الكتاب والمؤمنين أولي الألباب، ونبه تعالى بقوله :
﴿ أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ ﴾ على المجازاة. و أخبر أنَّ بعضهم من بعض في أصل التوالد، نبه تعالى في أول هذه السورة على إيجاد الأصل، وتفرَّع العالم الإنساني منه ليحث على التوافق والتواد والتعاطف وعدمالاختلاف، ولينبه بذلك على أنّ أصل الجنس الإنساني كان عابداً لله مفرده بالتوحيد والتقوى، طائعاً له، فكذلك ينبغي أن تكونفروعه التي نشأت منه. فنادى تعالى :دعاء عامًّا للناس، وأمرهم بالتقوى التي هي ملاك الأمر، وجعل سبباً للتقوى تذكاره تعالىإياهم بأنه أوجدهم وأنشأهم من نفس واحدة. ومن كان قادراً على مثل هذا الإيجاد الغريب الصنع وإعدام هذه الأشكال والنفعوالضر فهو جدير بأنْ يتقي. ونبه بقوله :من نفس واحدة، على ما هو مركوز في الطباع من ميل بعض الأجناسإلى بعض، وألف له دون غيره، ليتألف بذلك عباده على تقواه. والظاهر في الناس :العموم، لأن الألف واللام فيه تفيده، وللأمر بالتقوى وللعلة، إذ ليسا مخصوصين بل هما عامان. وقيل :المراد بالناس أهل مكة، كان صاحب هذا القول ينظر إلىقوله :
﴿ تَسَاءلُونَ بِهِ وَالاْرْحَامَ ﴾
لأن العرب هم الذين يتساءلون بذلك. يقول :أنشدك بالله وبالرحم. وقيل :المراد المؤمنون نظراً إلىقوله :
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾
وقوله : «المسلم أخو المسلم» والأغلب أنه إذا كان الخطاب والنداء بيا أيها الناس وكان للكفرةفقط، أو لهم مع غيرهم أعقب بدلائل الوحدانية والربوبية، لأنهم غير عارفين بالله، فنبهوا على الفكر في ذلك لأن يعرفوا نحو : ﴿ يأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾

ومناسبة هذه السورة لما قبلها أنه تعالى لما ذكر أحوال المشركين والمنافقين وأهل الكتاب والمؤمنين أولي الألباب، ونبه تعالى بقوله :
﴿ أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ ﴾ على المجازاة. و أخبر أنَّ بعضهم من بعض في أصل التوالد، نبه تعالى في أول هذه السورة على إيجاد الأصل، وتفرَّع العالم الإنساني منه ليحث على التوافق والتواد والتعاطف وعدمالاختلاف، ولينبه بذلك على أنّ أصل الجنس الإنساني كان عابداً لله مفرده بالتوحيد والتقوى، طائعاً له، فكذلك ينبغي أن تكونفروعه التي نشأت منه. فنادى تعالى :دعاء عامًّا للناس، وأمرهم بالتقوى التي هي ملاك الأمر، وجعل سبباً للتقوى تذكاره تعالىإياهم بأنه أوجدهم وأنشأهم من نفس واحدة. ومن كان قادراً على مثل هذا الإيجاد الغريب الصنع وإعدام هذه الأشكال والنفعوالضر فهو جدير بأنْ يتقي. ونبه بقوله :من نفس واحدة، على ما هو مركوز في الطباع من ميل بعض الأجناسإلى بعض، وألف له دون غيره، ليتألف بذلك عباده على تقواه. والظاهر في الناس :العموم، لأن الألف واللام فيه تفيده، وللأمر بالتقوى وللعلة، إذ ليسا مخصوصين بل هما عامان. وقيل :المراد بالناس أهل مكة، كان صاحب هذا القول ينظر إلىقوله :
﴿ تَسَاءلُونَ بِهِ وَالاْرْحَامَ ﴾
لأن العرب هم الذين يتساءلون بذلك. يقول :أنشدك بالله وبالرحم. وقيل :المراد المؤمنون نظراً إلىقوله :
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾
وقوله : «المسلم أخو المسلم» والأغلب أنه إذا كان الخطاب والنداء بيا أيها الناس وكان للكفرةفقط، أو لهم مع غيرهم أعقب بدلائل الوحدانية والربوبية، لأنهم غير عارفين بالله، فنبهوا على الفكر في ذلك لأن يعرفوا نحو : ﴿ يأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾
الرقيب :فعيل للمبالغة من رقب يرقب رقباً ورقوباً ورقباناً، أحد النظر إلى أمر ليتحققه على ما هو عليه.
ويقترن به الحفظ ومنه قيل للذي يرقب خروج السهم :رقيب.
وقال أبو داود :
كمقاعد الرقباء للض *** ضرباء أيديهم نواهد
والرقيب :السهم الثالث من السبعة التي لها أنصباء.
والرقيب :ضرب من الحيات، والمرقب :المكان العالي المشرف الذي يقف عليه الرقيب.
والارتقاب :الانتظار.
﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ﴾ الجمهور على أن هذه السورة مدنية إلا قوله تعالى : ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾.
وقال النحاس :مكية.
وقال النقاش :نزلت عند الهجرة من مكة إلى المدينة انتهى.
ولا خلاف أنّ فيها ما نزل بالمدينة.
وفي البخاري :آخر آية نزلت ﴿ يستفتونك، قل الله يفتيكم في الكلالة ﴾ ومناسبة هذه السورة لما قبلها أنه تعالى لما ذكر أحوال المشركين والمنافقين وأهل الكتاب والمؤمنين أولي الألباب، ونبه تعالى بقوله : ﴿ أني لا أضيع عمل عامل منكم ﴾ على المجازاة.
وأخبر أنَّ بعضهم من بعض في أصل التوالد، نبه تعالى في أول هذه السورة على إيجاد الأصل، وتفرَّع العالم الإنساني منه ليحث على التوافق والتواد والتعاطف وعدم الاختلاف، ولينبه بذلك على أنّ أصل الجنس الإنساني كان عابداً لله مفرده بالتوحيد والتقوى، طائعاً له، فكذلك ينبغي أن تكون فروعه التي نشأت منه.
فنادى تعالى :دعاء عامًّا للناس، وأمرهم بالتقوى التي هي ملاك الأمر، وجعل سبباً للتقوى تذكاره تعالى إياهم بأنه أوجدهم وأنشأهم من نفس واحدة.
ومن كان قادراً على مثل هذا الإيجاد الغريب الصنع وإعدام هذه الأشكال والنفع والضر فهو جدير بأنْ يتقي.
ونبه بقوله :من نفس واحدة، على ما هو مركوز في الطباع من ميل بعض الأجناس إلى بعض، وألف له دون غيره، ليتألف بذلك عباده على تقواه.
والظاهر في الناس :العموم، لأن الألف واللام فيه تفيده، وللأمر بالتقوى وللعلة، إذ ليسا مخصوصين بل هما عامان.
وقيل :المراد بالناس أهل مكة، كان صاحب هذا القول ينظر إلى قوله : ﴿ تساءلون به والأرحام ﴾ لأن العرب هم الذين يتساءلون بذلك.
يقول :أنشدك بالله وبالرحم.
وقيل :المراد المؤمنون نظراً إلى قوله :
﴿ إنما المؤمنون إخوة ﴾ وقوله : « المسلم أخو المسلم » والأغلب أنه إذا كان الخطاب والنداء بيا أيها الناس وكان للكفرة فقط، أو لهم مع غيرهم أعقب بدلائل الوحدانية والربوبية، لأنهم غير عارفين بالله، فنبهوا على الفكر في ذلك لأن يعرفوا نحو : ﴿ يا أيها الناس إن وعد الله حق ﴾ ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم ﴾ وإذا كان الخطاب للمؤمنين أعقب بذكر النعم لمعرفتهم بالربوبية.
قيل :وجعل هذا المطلع مطلعاً السورتين :إحداهما :هذه وهي الرابعة من النصف الأول.
والثانية :سورة الحج، وهي الرابعة من النصف الثاني.
وعلل هنا الأمر بالتقوى بما يدل على معرفة المبدأ، وهناك بما يدل على معرفة المعاد.
وبدأ بالمبدأ بأنه الأول، وهو ظاهر الأمر بالتقوى أنها تقوى عامّة فيما يتقي من موجب العقاب، ولذلك فسر باجتناب ما جاء فيه الوعيد.
وقيل :يجوز أن يكون أراد بالتقوى تقوى خاصة، وهو أن يتقوه فيما يتصل بحفظ الحقوق بينهم، فلا يقطعوا ما يجب عليهم وصله.
فقيل :اتقوا ربكم الذي وصل بينكم بأن جعلكم صنواناً مفرعة من أرومة واحدة فيما يجب لبعضكم على بعض ولبعض، فحافظوا عليه ولا تغفلوا عنه.
وهذا المعنى مطابق لمعاني السورة.
وقال ابن عباس :المراد بالتقوى الطاعة.
وقال مقاتل :الخشية.
وقيل :اجتناب الكبائر والصغائر.
والمراد بقوله :من نفس واحدة آدم.
وقرأ الجمهور :واحدة بالتاء على تأنيث لفظ النفس.
وقرأ ابن أبي عبلة :واحد على مراعاة المعنى، إذ المراد به آدم، أو على أن النفس تذكر وتؤنث، فجاءت قراءته على تذكير النفس.
ومعنى الخلق هنا :الاختراع بطريق التفريع، والرجوع إلى أصل واحد كما قال الشاعر :
إلى عرق الثرى وشجت عروقي *** وهذا الموت يسلبني شبابي
قال :في ري الظمآن، ودلت الإضافة على جواز إضافة الشيء إلى الأصل الذي يرجع إليه، وأن يعد ذلك الراجع إلى التوالد والتعاقب والتتابع.
وعلى أنّا لسنا فيه كما زعم بعض الدهرية، وإلا لقال :أخرجكم من نفس واحدة، فأضاف خلقنا إلى آدم، وإن لم نكن من نفسه بل كنا من نطفة واحدة حصلت بمن اتصل به من أولاده، ولكنه الأصل انتهى.
وقال الأصم :لا يدل العقل على أنَّ الخلق مخلوقين من نفس واحدة، بل السمع.
ولما كان صلى الله عليه وسلم أميّاً ما قرأ كتاباً، كان معنى خلقكم دليلاً على التوحيد، ومن نفس واحدة دليلاً على النبوّة انتهى.
وفي قوله :من نفس واحدة إشارة إلى ترك المفاخرة والكبر، لتعريفه إياهم بأنهم من أصل واحد ودلالة على المعاد، لأن القادر على إخراج أشخاص مختلفين من شخص واحد فقدرته على إحيائهم بطريق الأولى.
وزوجها :هي حواء.
وظاهر منها ابتداء خلق حوّاء من نفسه، وأنه هو أصلها الذي اخترعت وأنشئت منه، وبه قال :ابن عباس، ومجاهد، والسدّي.
وقتادة قالوا إن الله تعالى خلق آدم وحشاً في الجنة وحده، ثم نام فانتزع الله تعالى أحد أضلاعه القصرى من شماله.
وقيل :من يمينه، فحلق منها حواء.
قال ابن عطية :ويعضد هذا القول الحديث الصحيح في قوله عليه السلام : « إن المرأة خلقت من ضلع أعوج، فإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها » انتهى.
ويحتمل أن يكون ذلك على جهة التمثيل لاضطراب أخلاقهن، وكونهن لا يثبتن على حالة واحدة، أي :صعبات المراس، فهي كالضلع العوجاء كما جاء خلق الإنسان من عجل.
ويؤيد هذا التأويل قوله :إن المرأة، فأتى بالجنس ولم يقل :إن حوّاء.
وقيل :هو على حذف مضاف، التقدير :وخلق من جنسها زوجها قاله :ابن بحر وأبو مسلم لقوله : ﴿ من أنفسكم أزواجاً ﴾ ﴿ ورسولاً منهم ﴾ قال القاضي :الأول أقوى، إذ لو كانت حواء مخلوقة ابتداء لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة.
ويمكن أن يجاب عنه بأن كلمة من لابتداء الغاية، فلما كان ابتداء الخلق وقع بآدم، صح أن يقال خلقكم من نفس واحدة.
ولما كان قادراً على خلق آدم من التراب كان قادراً على خلق حواء أيضاً كذلك.
وقيل :لا حذف، والضمير في منها، ليس عائداً على نفس، بل هو عائد على الطينة التي فصلت عن طينة آدم.
وخلقت منها حواء أي :أنها خلقت مما خلق منه آدم.
وظاهر قول ابن عباس ومن تقدم :أنها خلقت وآدم في الجنة، وبه قال :ابن مسعود.
وقيل :قبل دخوله الجنة وبه قال :كعب الأحبار ووهب، وابن إسحاق.
وجاءت الواو في عطف هذه الصلة على أحد محاملها، من أنَّ خلق حواء كان قبل خلق الناس.
إذ الواو لا تدل على ترتيب زماني كما تقرر في علم العربية، وإنما تقدم ذكر الصلة المتعلقة بخلق الناس، وإن كان مدلولها واقعاً بعد خلق حواء، لأجل أنهم المنادون المأمورون بتقوى ربهم.
فكان ذكر ما تعلق بهم أولاً آكد، ونظيره : ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ﴾ ومعلوم أنّ خلقهم تأخر عن خلق من قبلهم.
ولكنهم لما كانوا هم المأمورين بالعبادة والمنادين لأجلها، اعتنى بذكر التنبيه على إنشائهم أولاً، ثم ذكر إنشاء من كان قبلهم.
وقد تكلف الزمخشري في إقرار ما عطف بالواو متأخراً عن ما عطف عليه، فقدر معطوفاً عليه محذوفاً متقدماً على المعطوف في الزمان، فقال :يعطف على محذوف كأنه قيل :من نفس واحدة أنشأها أو ابتدأها وخلق منها زوجها، وإنما حذف لدلالة المعنى عليه.
والمعنى :شعبكم من نفس واحدة هذه صفتها، وهي أنه أنشأها من تراب وخلق منها زوجها حوّاء من ضلع من أضلاعها.
ولا حاجة إلى تكلف هذا الوجه مع مساغ الوجه الذي ذكرناه على ما اقتضته العربية.
وقد ذكر ذلك الوجه الزمخشري فقال :يعطف على خلقكم.
ويكون الخطاب في :يا أيها الناس الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والمعنى :خلقكم من نفس آدم، لأنهم من جملة الجنس المفرع منه، وخلق منها أمكم حوّاء انتهى.
ويجوز أن يكون قوله :وخلق منها زوجها معطوفاً على اسم الفاعل الذي هو واحدة التقدير من نفس وحدت، أي انفردت.
وخلق منها زوجها، فيكون نظير ﴿ صافات ويقبضن ﴾ وتقول العرب :وحد يحد وحدا ووحدة، بمعنى انفرد.
ومن غريب التفسير أنه عنى بالنفس الروح المذكورة فيما قيل أنه قال عليه الصلاة والسلام : « إن الله خلق الأرواح قبل الأجسام بكذا وكذا سنة » وعنى بزوجها البدن، وعنى بالخلق التركيب.
وإلى نحوه أشار بقوله تعالى : ﴿ ومن كل شيئين خلقنا زوجين ﴾ وقوله : ﴿ سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ﴾ ولا يصح ذلك في النبات إلا على معنى التركيب.
وبدأ بذكر الزوجين والأزواج في الأشياء على أنها لا تنفك من تركيب، والواحد في الحقيقة ليس إلا الله تعالى انتهى.
وهذا مخالف لكلام المتقدمين، قال بعضهم :ونبه بقوله :وخلق منها زوجها على نقصها وكمالها، لكونها بعضه.
وبث منهما أي من تلك النفس، وزوجها أي :نشر وفرق في الوجود.
ويقال :أبث الله الخلق رباعياً، وبث ثلاثياً، وهو الوارد في القرآن رجالاً كثيراً ونساء.
قيل :نكر لما في التنكير من الشيوع ولم يكتف بالشيوع حتى صرح بالكثرة وقدم الرجال لفضلهم على النساء، وخص رجالاً بذكر الوصف بالكثرة، فقيل :حذف وصف الثاني لدلالة وصف الأول عليه، والتقدير :ونساء كثيرة.
وقيل :لا يقدر الوصف وإن كان المعنى فيه صحيحاً، لأنّه نبه بخصوصية الرجال بوصف الكثرة، على أن اللائق بحالهم الاشتهار والخروج والبروز، واللائق بحال النساء الخمول والاختفاء.
وفي تنويع ما خلق من آدم وحوّاء إلى رجال ونساء دليل على انتفاء الخنثى، إذ حصر ما خلق في هذين النوعين، فإنْ وجد ما ظاهره الإشكال فلا بد من صيرورته إلى هذين النوعين.
وقرئ :وخالق منها زوجها، وبات على اسم الفاعل وهو :خبر مبتدأ محذوف تقديره وهو خالق.
﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ﴾ كرر الأمر بالتقوى تأكيداً للأول.
وقيل :لاختلاف التعليل وذكر أولاً :الرب الذي يدل على الإحسان والتربية، وثانياً :الله الذي يدل على القهر والهيبة.
بنى أولاً على الترغيب، وثانياً على الترهيب.
كقوله : ﴿ يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ﴾ و ﴿ ويدعوننا رغباً ورهباً ﴾ كأنه قال :إنه ربك أحسن إليك فاتق مخالفته، فإن لم تتقه لذلك فاتقه لأنه شديد العقاب.
وقرأ الجمهور من السبعة :تساءلون.
وقرأ الكوفيون :بتخفيف السين، وأصله تتساءلون.
قال ابن عطية :وذلك لأنهم حذفوا التاء الثانية تخفيفاً، وهذه تاء تتفاعلون تدغم في لغة وتحذف في أخرى لاجتماع حروف متقاربة.
قال أبو علي :وإذا اجتمعت المتقاربة خففت بالحذف والإدغام والإبدال، كما قالوا :طست فابدلوا من السين الواحدة تاء، إذ الأصل طس.
قال العجاج :
لو عرضت لأسقفي قس *** أشعث في هيكله مندس
حن إليها كحنين الطس *** انتهى.
أما قول ابن عطية :حذفوا التاء الثانية فهذا مذهب أهل البصرة.
وذهب هشام ب
الحوب :الإثم.
يقال :حاب يحوب حوباً وحوباً وحاباً وحؤوباً وحيابه.
قال :المخبل السعدي.
فلا يدخلني الدهر قبرك حوب *** فإنك تلقاه عليك حسيب
وقال آخر :
وإن تهاجرين تكففاه *** غرايته لقد خطيا وحابا
وقيل :الحوب بفتح الحاء المصدر وبضمها الاسم، وتحوَّب الرجل ألقى الحوب عن نفسه كتحنث وتأثم وتحرج.
وفلان يتحوب من كذا يتوقع.
وأصل الحوب :الزجر للإبل، فسمى الإثم حوباً لأنه يزجر عنه، وبه الحوبة الحاجة، ومنه في الدعاء إليك أرفع حوبتي.
ويقال :ألحق الله به الحوبة أي المسكنة والحاجة.
﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ قال مقاتل والكلبي :نزلت في رجل من غطفان كان عنده مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ طلب المال فمنعه.
ومناسبتها لما قبلها أنه لما وصل الأرحام أتبع بالأيتام، لأنهم صاروا بحيث لا كافل لهم، ففارق حالهم حال مَن له رحم ماسه.
وظاهره الأمر بإعطاء اليتامى أموالهم.
واليتم في بني آدم :فقد الأب، وهو جمع يشمل الذكور والإناث.
وينقطع هذا الاسم شرعاً بالبلوغ، فلا بد من مجاز، ما في اليتامى لإطلاقه على البالغين اعتباراً وتسمية بما كانوا عليه شرعاً قبل البلوغ من اسم اليتم، فيكون الأولياء قد أمروا بأن لا تؤخر الأموال عن حد البلوغ، ولا يمطلوا إن أونس منهم الرشد.
وأمّا أن يكون المجاز في أوتوا، ويكون معنى إيتاؤهم الأموال :الإنفاق عليهم منها شيئاً فشيئاً، وأن لا يطمع فيها الأولياء والأوصياء، ويكفوا عنها أيديهم الخاطئة.
وعلى كلا المعنيين الخطاب لمن له وضع اليد على مال اليتيم شرعاً.
وقال ابن زيد :الخطاب لمن كانت عادته من العرب أن لا يرث الصغير من الأولاد مع الكبير، فقيل لهم :ورثوهم أموالهم، ولا تتركوا أيها الكبار حظوظكم حلالاً طيباً حراماً خبيثاً، فيجيء فعلكم ذلك تبدلاً.
وقيل :كان الولي يربح على يتيمه فتستنفد تلك الأرباح مال اليتيم، فنهوا عن ذلك.
واحتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على السفيه لا يحجر عليه بلوغه خمساً وعشرين سنة.
قال :لأن وآتوا اليتامى مطلق يتناول سفيهاً وغيره، أونس منه الرشد أو لا، ترك العمل به قبل السن المذكور بالإنفاق على أن إيناس الرشد قبل بلوغ هذا السن شرط في وجوب دفع المال إليه، وهذا الإجماع لم يوجد بعد هذا السن، فوجب إجراء الأمر بعد هذا السن على حكم ظاهره.
وأجيب بأنّ هذه الآية عامة وخصصت بقوله :وابتلوا اليتامى ولا تؤتوا السفهاء، ولا شك أن الخاص مقدم على العام ﴿ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ قال ابن المسيب والنخعي والزهري والضحاك والسدي :كان بعضهم يبدل الشاة السمينة من مال اليتيم بالهزيلة من ماله، والدرهم الطيب بالزيف من ماله.
وقال مجاهد وأبو صالح :المعنى ولا تتعجلوا أكل الخبيث من أموالهم، وتدعوا انتظار الرزق الحلال من عند الله.
وقيل :المعنى ولا تأكلوا أموالهم خبيثاً وتدعوا أموالكم طيباً.
وقيل :المعنى لا تأخذوا مال اليتيم وهو خبيث ليؤخذ منكم المال الذي لكم وهو طيب.
وقيل :لا تأكلوا أموالهم في الدنيا فتكون هي نار تأكلونها وتتركون الموعود لكم في الآخرة بسبب إبقاء الخبائث والمحرمات، وقيل :لا تستبدلوا الأمر الخبيث وهو :اختزال أموال اليتامى بالأمر الطيب وهو :حفظها والتورع منها.
وتفعل هنا بمعنى استفعل كتعجل، وتأخر بمعنى استعجل واستأخر.
وظاهره أن الخبيث والطيب وصفان في الإجرام المتبدلة والمتبدل به، فإما أن يكون ذلك باعتبار اللغة فيكونان بمعنى الكريه المتناول واللذيذ، وإما أن يكون باعتبار الشرع فيكونان بمعنى الحرام والحلال.
أما أن يكونا وصفين لاختزال الأموال وحفظها ففيه بعد ظاهر، وإن كان له تعلق ما بقوله :وآتوا اليتامى أموالهم.
وقرأ ابن محيصن :ولا تبدلوا بإدغام التاء الأولى في الثانية.
﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ لما نهوا عن استبدال الخبيث من أموالهم بالطيب من أموال اليتامى، ارتقى في النهي إلى ما هو أفظع من الاستبدال وهو :أكل أموال اليتامى فنهوا عنه.
ومعنى إلى أموالكم :قيل مع أموالكم، وقيل :إلى في موضع الحال التقدير :مضمومة إلى أموالكم.
وقيل :تتعلق بتأكلوا على معنى التضمين أي :ولا تضموا أموالهم في الأكل إلى موالكم.
وحكمة :إلى أموالكم، وإن كانوا منهيين عن أكل أموال اليتامى بغير حق، أنه تنبيه على غنى الأولياء.
كأنه قيل :ولا تأكلوا أموالهم مع كونكم ذوي مال أي :مع غناكم، لأنه قد أذن للولي إذا كان فقيراً أن يأكل بالمعروف.
وهذا نص على النهي عن الأكل، وفي حكمه التمول على جميع وجوهه.
وقال مجاهد :الآية ناهية عن الخلط في الإنفاق، فإن العرب كانت تخلط نفقتها بنفقة أيتامها فنهوا عن ذلك، ثم نسخ منه النهي بقوله تعالى : ﴿ وإن تخالطوهم فإخوانكم ﴾ وقال الحسن قريباً من هذا.
قال :تأول الناس من هذه الآية النهي عن الخلط، فاجتنبوه من قبل أنفسهم، فخفف عنهم في آية البقرة.
وحسَّن هذا القول الزمخشري بقوله :وحقيقته ولا تضموها إليها في الإنفاق حتى لا تفرقوا بين أموالكم وأموالهم قلة مبالاة بما لا يحل لكم، وتسوية بينه وبين الحلال.
قال :( فإن قلت ) قد حرم عليهم أكل مال اليتامى وحده ومع أموالهم، فلم ورد النهي عن أكله معها ؟ ( قلت ) :لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله من مال حلال، وهم على ذلك يطمعون فيها، كان القبح أبلغ والذم أحق.
ولأنهم كانوا يفعلون ذلك فنعى عليهم فعلهم وسمع بهم ليكون أزجر لهم انتهى كلامه.
وملخصه أن قوله :إلى أموالكم ليس قيداً للاحتراز، إنما جيء به لتقبيح فعلهم، ولأن يكون نهياً عن الواقع، فيكون نظير قوله :
﴿ أضعافاً مضاعفة ﴾ وإن كان الربا على سائر أحواله منهياً عنه.
وما قدمناه نحن يكون ذلك قيداً للاحتراز، فإنه إذا كان الولي فقيراً جاز أن يأكل بالمعروف، فيكون النهي منسحباً على أكل مال اليتيم لمن كان غنياً كقوله : ﴿ ومن كان غنياً فليستعفف ﴾.
﴿ إنه كان حوباً كبيراً ﴾ قرأ الجمهور بضم الحاء، والحسن بفتحها وهي لغة بني تميم وغيرهم، وبعض القراء :إنه كان حاباً كبيراً، وكلها مصادر.
قال ابن عباس والحسن وغيرهما :الحوب الإثم.
وقيل :الظلم.
وقيل :الوحشة.
والضمير في إنه عائد على الأكل.
وقيل :على التبدل.
وعوده على الأكل أقرب لقربه منه، ويجوز أن يعود عليهما.
كأنه قيل :إن ذلك كما قال :
فيها خطوط من سواد وبلق *** كأنه في الجلد توليع البهق
أي كان ذلك
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات من ضروب البيان والفصاحة.
الطباق في :واحدة وزوجها، وفي غنياً وفقيراً، وفي :قل أو كثر.
والتكرار في :اتقوا، وفي :خلق، وفي :خفتم، وأن لا تقسطوا، وأن لا تعدلوا من جهة المعنى، وفي اليتامى، وفي النساء، وفي فادفعوا إليهم أموالهم، فإذا دفعتم إليهم أموالهم، وفي نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، وفي قوله :وليخش، وخافوا من جهة المعنى على قول من جعلهما مترادفين، وإطلاق اسم المسبب على السبب في :ولا تأكلوا وشبهه لأن الأخذ سبب للأكل.
وتسمية الشيء باسم ما كان عليه في :وآتوا اليتامى، سماهم يتامى بعد البلوغ.
والتأكيد بالاتباع في :هنيئاً مريئاً وتسمية الشيء باسم ما يؤول اليه في :نصيب مما ترك، وفي ناراً على قول من زعم أنها حقيقة.
والتجنيس المماثل في :فادفعوا فإذا دفعتم، والمغاير في :وقولوا لهم قولاً.
والزيادة للزيادة في المعنى في :فليستعفف.
وإطلاق كل على بعض في :الأقربون، إذ المراد أرباب الفرائض.
وإقامة الظرف المكاني مقام الزماني في :من خلفهم، أي من بعد وفاتهم.
والاختصاص في :بطونهم، خصها دون غيرها لأنها محل للمأكولات.
والتعريض في :في بطونهم، عرض بذكر البطون لحسنهم وسقوط هممهم والعرب تذم بذلك قال :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وتأكيد الحقيقة بما يرفع احتمال المجاز بقوله :في بطونهم.
رفع المجاز العارض في قوله : ﴿ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً ﴾ وهذا على قول من حمله على الحقيقة، ومن حمله على المجاز فيكون عنده من ترشيح المجاز، ونظير كونه رافعاً للمجاز قوله : ﴿ يطير بجناحيه ﴾ وقوله : ﴿ يكتبون الكتاب بأيديهم ﴾ والحذف في عدة مواضع.

مثنى وثلاث ورباع :معدولة عن اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة.
ولا يراد بالمعدول عنه التوكيد، إنما يراد بذلك تكرار العدد إلى غاية المعدود.
كقوله :ونفروا بعيراً بعيراً، وفصلت الحساب لك باباً باباً، ويتحتم منع صرفها لهذا العدل.
والوصف على مذهب سيبويه والخليل وأبي عمرو، وأجاز الفرّاء أن تصرف، ومنع الصرف عنده أولى.
وعلة المنع عنده العدل والتعريف بنية الألف واللام، وامتنع عنده إضافتها لأنها في نية الألف واللام.
وامتنع ظهور الألف واللام لأنها في نية الإضافة، وقد ذكرنا الردّ عليه في كتاب التكميل من تأليفنا.
وقال الزمخشري :إنما منعت الصرف لما فيها من العدلين :عدلها عن صيغتها، وعدلها عن تكريرها.
وهي نكرات تعرفن بلام التعريف يقال :فلان ينكح المثنى والثلاث والرباع انتهى كلامه.
وما ذهب إليه من امتناع الصرف لما فيها من العدلين :عدلها عن صيغتها، وعدلها عن تكرّرها، لا أعلم أحداً ذهب إلى ذلك، بل المذاهب في علة منع الصرف المنقولة أربعة :أحدها :ما نقلناه عن سيبويه.
والثاني :ما نقلناه عن الفراء.
والثالث :ما نقل عن الزجاج وهو لأنها معدولة عن اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، وأنه عدل عن التأنيث.
والرابع :ما نقله أبو الحسن عن بعض النحويين أن العلة المانعة من الصرف هي تكرار العدل فيه، لأنه عدل عن لفظ اثنين وعدل عن معناه.
وذلك أنه لا يستعمل في موضع تستعمل فيه الأعداد غير المعدولة تقول :جاءني اثنان وثلاثة، ولا يجوز :جاءني مثنى وثلاث حتى يتقدّم قبله جمع، لأن هذا الباب جعل بياناً لترتيب الفعل.
فإذا قال :جاءني القوم مثنى، أفاد أن ترتيب مجيئهم وقع اثنين اثنين.
فأما الاعداد غير المعدولة فإنما الغرض منها الإخبار عن مقدار المعدودون غيره.
فقد بان بما ذكرنا اختلافهما في المعنى، فلذلك جاز أن تقوم العلة مقام العلتين لإيجابهما حكمين مختلفين انتهى ما قرر به هذا المذهب.
وقد ردّ الناس على الزجاج قوله :أنه عدل عن التأنيث بما يوقف عليه في كتب النحو، والزمخشري لم يسلك شيئاً من هذه العلل المنقولة، فإن كان تقدّمه سلف ممن قال ذلك فيكون قد تبعه، وإلا فيكون مما انفرد بمقالته.
وأما قوله :يعرفن بلام التعريف، يقال :فلان ينكح المثنى والثلاث والرباع، فهو معترض من وجهين :أحدهما :زعمه أنها تعرف بلام التعريف، وهذا لم يذهب إليه أحد، بل لم يستعمل في لسان العرب إلا نكرات.
والثاني :أنه مثل بها، وقد وليت العوامل في قوله :فلان ينكح المثنى، ولا يلي العوامل، إنما يتقدّمها ما يلي العوامل، ولا تقع إلا خبراً كما جاء : « صلاة الليل مثنى » أو حالاً نحو : ﴿ ما طاب لكم من النساء مثنى ﴾ أو صفه نحو : ﴿ أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع ﴾ وقوله :
ذئاب يبغى الناس مثنى وموحدا *** وقد تجيء مضافة قليلاً نحو، قول الآخر :
بمثنى الزقاق المترعات وبالجزر *** وقد ذكر بعضهم أنها تلي العوامل على قلة، وقد يستدل له بقول الشاعر :
ضربت خماس ضربة عبشمي *** أدار سداس أن لا يستقيما
ومن أحكام هذا المعدول أنه لا يؤنث، فلا تقول :مثناة، ولا ثلاثة، ولا رباعة، بل يجري بغير تاء على المذكر والمؤنث.
عال :يعول عولاً وعيالة، مال.
وميزان فلان عائل.
وعال الحاكم في حكمه جار، وقال أبو طالب في النبي صلى الله عليه وسلم :
له شاهد من نفسه غير عائل *** وحكى ابن الأعرابي :أن العرب تقول :عال الرجل يعول كثر عياله.
ويقال :عال يعيل افتقر وصار عالة.
وعال الرجل عياله يعولهم ما نهم ومنه : « ابدأ بنفسك ثم بمن تعول » والعول في الفريضة مجاوزته لحد السهام المسماة.
وجماع القول في عال :أنها تكون لازمة ومتعدية.
فاللازمة بمعنى :مال، وجار، وكثر عياله، وتفاقم، وهذا مضارعه يعول.
وعال الرجل افتقر، وعال في الأرض ذهب فيها، وهذا مضارعه يعيل.
والمتعدية بمعنى أثقل، ومان من المؤنة.
وغلب منه أعيل صبري وأعجز.
وإذا كان بمعنى أعجز فهو من ذوات الياء، تقول :عالني الشيء يعيلني عيلاً ومعيلاً أعجزني، وباقي المتعدّي من ذوات الواو.
﴿ وإن خفتم أَلاَّ تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ﴾ ثبت في صحيح مسلم عن عائشة أنها قالت :« نزلت في أولياء اليتامى الذين يعبجهم جمال ولياتهم فيريدون أن يبخسوهم في المهر لمكان ولا يتهم عليهن.
قيل لهم :أقسطوا في مهورهن، فمن خاف أن لا يقسط فليتزوج ما طاب له من الاجنبيات اللواتي يماكسن في حقوقهن.
وقاله أيضاً ربيعة.
وقال عكرمة :نزلت في قريش يتزوج منهم الرجل العشرة وأكثر وأقل، فإذا ضاق ماله مال على مال يتيمه فيتزوج منه، فقيل له :إن خفتم عجز أموالكم حتى تجوروا في اليتامى فاقتصروا.
وقال ابن عباس، وابن جبير، وقتادة، والسدي :كانت العرب تتحرج في أموال اليتامى ولا تتحرج في العدل بين النساء، يتزوجون العشرة فأكثر، فنزلت في ذلك أي :كما تخافون أن لا تقسطوا في اليتامى فكذلك فتحرجوا في النساء، وانكحوا على هذا الحد الذي يبعد الجور عنه.
وقال مجاهد :إنما الآية تحذير من الزنا وزجر عنه، كما تتحرجون في مال اليتامى فكذلك تحرجوا من الزنا، وانكحوا على ما حد لكم.
وعلى هذه الأقوال غير الأول لا يختص اليتامى بإناث ولا ذكور، وعلى ما روي عن عائشة يكون مختصاً بالإناث كأنه قيل في يتامى النساء.
والظاهر من هذه الأقوال أن يكون التقدير :وإن خفتم أن لا تقسطوا في نكاح يتامى النساء فانكحوا ما طاب لكم من غيرهن، لما أمروا بأن يؤتوا اليتامى أموالهم، ونهوا عن الاستبدال المذكور، وعن أكل أموال اليتامى، كان في ذلك مزيد اعتناء باليتامى واحتراز من ظلمهم كما قال تعالى : ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً ﴾ فخوطب أولياء يتامى النساء أو الناس بقوله :وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى أي :في نكاح يتامى النساء، فانكحوا غيرهن، وعلى هذا الذي اخترناه من أن المعنى في نكاح اليتامى.
فاليتامى إن كان أريد به اليتم الشرعي فينطلق على الصغيرات اللاتي لم يبلغن.
وقد استدل بذلك أبو حنيفة على جواز نكاح اليتيمة قبل البلوغ وقال :أما بعد البلوغ فليست يتيمة، بدليل أنها لو أرادت أن تحط عن صداق مثلها جاز لها.
خلافاً لمالك والشافعي والجمهور إذ قالوا :لا يجوز وإن كان المراد اليتم اللغوي، فيندرج فيه البالغات، والبالغة يجوز تزويجها بدون مهر المثل إذا رضيت، فأي معنى للعدول إلى نكاح غيرها ؟ والجواب :أن العدول إنما كان لأن الوليّ يستضعفها ويستولي على مالها وهي لا تقدر على مقاومته، وإذا كان المراد باليتامى هنا البالغات فلا حجة لأبي حنيفة في الآية على جواز تزويج الصغيرة التي لم تبلغ.
ومعنى :خفتم حذرتم، وهو على موضوعه في اللغة من أن الخوف هو الحذر.
وقال أبو عبيدة :معنى خفتم هنا أيقنتم، وخاف تكون بمعنى أيقن، ودليله قول الشاعر :
فقلت لهم خافوا بألفي مدحج *** وما قاله لا يصح، لا يثبت من كلام العرب خاف بمعنى أيقن، وإنما خاف من أفعال التوقع، وقد يميل فيه الظن إلى أحد الجائزين.
وقد روى ذلك البيت :فقلت لهم :ظنوا بألفي مدحج.
هذه الرواية أشهر من خافوا.
قال الراغب :الخوف يقال فيما فيه رجاء مّا، ولهذا لا يقال :خفت أن لا أقدر على بلوغ السماء، أو نسف الجبال انتهى.
ومعنى أن لا تقسطوا أي :أن لا تعدلوا.
أي :وإن خفتم الجور وأقسط :بمعنى عدل.
وقرأ النخعي وابن وثاب تقسطوا بفتح التاء من قسط، والمشهور في قسط أنه بمعنى جار.
وقال الزجاج :ويقال قسط بمعنى أقسط أي عدل.
فإن حملت هذه القراءة على مشهور اللغة كانت لا زائدة، أي :وإن خفتم أن تقسطوا أي :إن تجوروا، لأن المعنى لا يتم إلا باعتقاد زيادتها.
وإن حملت على أن تقسطوا بمعنى تقسطوا، كانت للنفي كما في تقسطوا.
وقرأ ابن أبي عبلة من طاب.
وقرأ الجمهور :ما طاب.
فقيل :ما بمعنى من، وهذا مذهب من يجوز وقوع ما على آحاد العقلاء، وهو مذهب مرجوح.
وقيل :عبر بما عن النساء، لأن إناث العقلاء لنقصان عقولهن يجرين مجرى غير العقلاء.
وقيل :ما واقعة على النوع، أي :فانكحوا النوع الذي طاب لكم من النساء، وهذا قول أصحابنا أنّ ما تقع على أنواع من يعقل.
وقال أبو العباس :ما لتعميم الجنس على المبالغة، وكان هذا القول هو القول الذي قبله.
وقيل :ما مصدرية، والمصدر مقدّر باسم الفاعل.
والمعنى :فانحوا النكاح الذي طاب لكم.
وقيل :ما نكرة موصوفة، أي :فانكحوا جنساً أو عدداً يطيب لكم.
وقيل :ما ظرفية مصدرية، أي :مدة طيب النكاح لكم.
والظاهر أنّ ما مفعولة بقوله :فانكحوا، وأنّ من النساء معناه :من البالغات.
ومن فيه إما لبيان الجنس للإبهام الذي في ما على مذهب من يثبت لها هذا المعنى، وإمّا للتبعيض وتتعلق بمحذوف أي :كائناً من النساء، ويكون في موضع الحال.
وأما إذا كانت ما مصدرية أو ظرفية، فمفعول فانكحوا هو من النساء، كما تقول :أكلتُ من الرغيف، والتقدير فيه :شيئاً من الرغيف.
ولا يجوز أن يكون مفعول فانكحوا مثنى، لأن هذا المعدول من العدد لا يلي العوامل كما تقرر في المفردات.
وقرأ ابن أبي إسحاق والجحدري والأعمش طاب بالإمالة.
وفي مصحف أبي طيب بالياء، وهو دليل الإمالة.
وظاهر فانكحوا الوجوب، وبه قال أهل الظاهر مستدلين بهذا الأمر وبغيره.
وقال غيرهم :هو ندب لقوم، وإباحة لآخرين بحسب قرائن المرء، والنكاح في الجملة مندوب إليه.
ومعنى ما طاب :أي ما حل، لأن المحرمات من النساء كثير قاله :الحسن وابن جبير وأبو مالك.
وقيل :ما استطابته النفس ومال إليه القلب.
قالوا :ولا يتناول قوله فانكحوا العبيد.
ولما كان قوله :ما طاب لكم من النساء عامّاً في الأعداد كلها، خص ذلك بقوله :مثنى وثلاث ورباع.
فظاهر هذا التخصيص تقسيم المنكوحات إلى أنَّ لنا أن أن نتزوج اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، ولا يجوز لنا أن نتزوج خمسة خمسة، ولا ما بعد ذلك من الاعداد.
وذلك كما تقول :أقسم الدراهم بين الزيدين درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، فمعنى ذلك أن تقع القسمة على هذا التفصيل دون غيره.
فلا يجوز لنا أن نعطي أحداً من المقسوم عليهم خمسة خمسة، ولا يسوغ دخول أو هنا مكان الواو، لأنه كان يصير المعنى أنهم لا ينكحون كلهم إلا على أحد أنواع العدد المذكور، وليس لهم أن يجعلوا بعضه على تثنية وبعضه على تثليث وبعضه على تربيع، لأن أو لأحد الشيئين أو الأشياء.
والواو تدل على مطلق الجمع، فيأخذ الناكحون من أرادوا نكاحها على طريق الجميع إن شاؤوا مختلفين في تلك الأعداد، وإن شاؤوا متفقين فيها محظوراً عليهم ما زاد.
وذهب بعض الشيعة :إلى أنه يجوز النكاح بلا عدد، كما يجوز التسري بلا عدد.
وليست الآية تدل على توقيت في العدد، بل تدل على الإباحة كقولك :تناول ما أحببت واحداً واثنين وثلاثاً.
وذكر بعض مقتضى العموم جاء على طريق التبيين، ولا يقتضي الاقتصار عليه.
وذهب بعضهم إلى أ
الصدقة على وزن سمرة المهر، وقد تسكن الدال، وضمها وفتح الصاد لغة أهل الحجاز.
ويقال :صدقة بوزن غرفة.
وتضم داله فيقال :صدقة وأصدقها أمهرها.
النحلة :العطية عن طيب نفس.
والنحلة الشرعة، ونحلة الإسلام خير النحل.
وفلان ينحل بكذا أي يدين به.
هنيئاً مريئاً :صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ، إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه.
ويقال :هنا يهنا بغير همز، وهنأني الطعام ومرّأني، فإذا لم تذكر هنأني قلت :أمرأني رباعياً، واستعمل مع هنأني ثلاثياً للاتباع.
قال سيبويه :هنيئاً مريئاً صفتان نصبوهما نصب المصادر المدعو بها بالفعل غير المستعمل إظهاره المختزل، للدلالة التي في الكلام عليه كأنهم قالوا :ثبت ذلك هنيئاً مريئاً انتهى.
وقال كثير :
هنيئاً مريئاً غير داء مخامر *** لعزة من أعراضنا ما استحلت
قيل :واشتقاق الهنيء من هناء البعير، وهو الدواء الذي يطلى به من الجرب، ويوضع في عقره.
ومنه قوله :
متبذل تبدو محاسنه *** يضع الهناء مواضع النقب
والمريء ما يساغ في الحلق، ومنه قيل لمجرى الطعام في الحلقوم إلى فم المعدة :المريء.
﴿ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ﴾ الظاهر :أن الخطاب للأزواج، لأن الخطاب قبله لهم، قاله :ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، وابن جريج.
قيل :كان الرجل يتزوج بلا مهر يقول :أرثك وترثيني فتقول :نعم.
فأمروا أن يسرعوا إعطاء المهور.
وقيل :الخطاب لأولياء النساء، وكانت عادة بعض العرب أن يأكل ولي المرأة مهرها، فرفع الله ذلك بالإسلام.
قاله :أبو صالح، واختاره :الفراء وابن قتيبة.
وقيل :المراد بالآية ترك ما كان يفعله المتشاغرون من تزويج امرأة بأخرى، وأمروا بضرب المهور قاله :حضرمي، والأمر بإيتاء النساء صدقاتهن نحلة يتناول هذه الصور كلها.
والصدقات المهور.
قال ابن عباس وابن جريج وابن زيد وقتادة :نحلة فريضة.
وقيل :عطية تمليك قاله الكلبي والفراء.
وقيل :شرعة وديناً قاله :ابن الأعرابي.
قال الراغب :والنحلة أخص من الهبة، إذ كل هبة نحلة ولا ينعكس، وسمي الصداق نحلة من حيث لا يجب في مقابلته أكثر من تمتع دون عوض مالي.
ومن قال :النحلة الفريضة نظر إلى حكم الآية، لا إلى موضوع اللفظ والاشتقاق، والآية اقتضت إتيانهن الصداق انتهى.
ودل هذا الأمر على التحرج من التعرض لمهور النساء كما دل الأمر في : ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾، وأنهما متساويان في التحريم.
ولما أذن في نكاح الأربع أمر الأزواج والأولياء باجتناب ما كانوا عليه من سنن الجاهلية.
وقرأ الجمهور صدقاتهن جمع صدقة، على وزن سمرة.
وقرأ قتادة وغيره :بإسكان الدال وضم الصاد.
وقرأ مجاهد وموسى بن الزبير وابن أبي عبلة وفياض بن غزوان وغيرهم :بضمها.
وقرأ النخعي وابن وثاب :صدقتهن بضمها والافراد، وانتصب نحلة على أنه مصدر على غير الصدر، لأن معنى :وآتوا انحلوا فالنصب فيها بآتوا.
وقيل :بانحلوهن مضمرة.
وقيل :مصدر في موضع الحال، إما عن الفاعلين أي ناحلين، وإما من المفعول الأول أو الثاني أي :منحولات.
وقيل :انتصب على إضمار فعل بمعنى شرع، أي :أنحل الله ذلك نحلة، أي شرعه شرعة وديناً.
وقيل :إذا كان بمعنى شرعة فيجوز انتصابه على أنه مفعول من أجله، أو حال من الصدقات.
وفي قوله :وآتوا النساء صدقاتهن دلالة على وجوب الصداق للمرأة، وهو مجمع عليه إلا ما روي عن بعض أهل العراق :أن السيد إذا زوج عبده بأمته لا يجب فيه صداق، وليس في الآية تعرض لمقدار الصداق، ولا لشيء من أحكامه.
وقد تكلم بعض المفسرين في ذلك هنا، ومحل الكلام في ذلك هو كتب الفقه.
﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ الخطاب فيه الخلاف :أهو للأزواج ؟ أو للأولياء ؟ وهو مبني على الخلاف في :وآتوا النساء.
وقال حضرمي :سبب نزولها أن قوماً تحرجوا أن يرجع إليهم شيء ما دفعوا إلى الزوجات، والضمير في :منه، عائد على الصداق قاله :عكرمة.
إذ لو وقع مكان صدقاتهن لكان جائزاً وصار شبيهاً بقولهم :هو أحسن الفتيان وأجمله لصلاحية، هو أحسن فتى.
قال الزمخشري :ويجوز أن يكون تذكير الضمير لينصرف إلى الصداق الواحد، فيكون متناولاً بعضه.
فلو أنث لتناول ظاهرة هبة الصداق كله، لأن بعض الصدقات واحد منها فصاعداً انتهى.
وأقول :حسن تذكير الضمير، لأن معنى :فإن طبن، فإن طابت كل واحدة، فلذلك قال منه أي :من صداقها، وهو نظير : ﴿ واعتدت لهن متكأ ﴾ أي لكل واحدة، ولذلك أفرد متكأ.
وقيل :يعود على صدقاتهن مسلوكاً به مسلك اسم الإشارة، كأنه قيل عن شيء من ذلك.
واسم الإشارة وإن كان مفرداً قد يشار به إلى مجموع كقوله : ﴿ قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ﴾ وقد تقدّمت عليه أشياء كثيرة.
وقيل :لرؤبة كيف قلت :كأنه في الجلد توليع البهق، وقد تقدم، فيها خطوط من سواد وبلق.
فقال :أردت كان ذاك.
وقيل :يعود على المال، وهو غير مذكور، ولكن يدل عليه صدقاتهن.
وقيل :يعود على الإيتاء وهو المصدر الدال عليه :وآتوا، قاله الراغب، وذكره ابن عطية.
ويتعلق المجروران بقوله :طبن، ومنه في موضع الصفة لشيء، فيتعلق بمحذوف، وظاهر من التبعيض.
وفيه إشارة إلى أن ما تهبه يكون بعضاً من الصداق، ولذلك ذهب الليث بن سعد إلى أنه لا يجوز تبرعها له إلا باليسير.
وقال ابن عطية :ومن تتضمن الجنس هاهنا.
وكذلك يجوز أن تهب المهر كله، ولو وقعت على التبعيض لما جاز ذلك.
وانتصب نفساً على التمييز، وهو من التمييز المنقول من الفاعل.
وإذا جاء التمييز بعد جمع وكان منتصباً عن تمام الجملة، فإما أن يكون موافقاً لما قبله في المعنى، أو مخالفاً فإن كان موافقاً طابقه في الجمعية نحو :كرم الزيدون رجالاً، كما يطابق لو كان خبراً، وإن كان مخالفاً، فإما أن يكون مفرداً لمدلول أو مختلفه، إن كان مفرداً لمدلول لزم إفراد اللفظ الدال كقولك في أبناء رجل واحد :كرم بنو فلان أصلاً وأباً.
وكقولك :زكاة الأتقياء، وجاد الأذكياء وعياً.
وذلك إذا لم تقصد بالمصدر اختلاف الأنواع لاختلاف محاله.
وإن كان مختلف المدلول، فإما أن يلبس أفراده لو أفرد، أو لا يلبس.
فإن ألبس وجبت المطابقة نحو :كرم الزيدون آباء، أي :كرم آباء الزيدين.
ولو قلت :كرم الزيدون أباً، لأوهم أن أباهم واحد موصوف بالكرم.
وإن لم يلبس جاز الإفراد والجمع.
والإفراد أولى، كقوله :فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً إذ معلوم أن لكل نفساً، وإنهن لسن مشتركات في نفس واحدة.
وقرّ الزيدون عيناً، ويجوز أنفساً وأعيناً.
وحسن الإفراد أيضاً في الآية ما ذكرناه قبل من محسن تذكير الضمير وإفراده، وهو أن المعنى :فإن طابت كل واحدة عن شيء منه نفساً.
وقال بعض البصريين :أراد بالنفس الهوى.
والهوى مصدر، والمصادر لا تثنى ولا تجمع.
وجواب الشرط :فكلوه، وهو أمر إباحة.
والمعنى :فانتفعوا به.
وعبر بالأكل لأنه معظم الانتفاع.
وهنيئاً مريئاً أي :شافياً سائغاً.
وقال أبو حمزة :هنيئاً لا إثم فيه، مريئاً لأداء فيه.
وقيل :هنيئاً لذيذاً، مريئاً محمود العاقبة.
وقيل :هنيئاً مريئاً أي ما لا تنغيص فيه.
وقيل :ما ساغ في مجراه ولا غص به من تحساه.
وقيل :هنيئاً مريئاً أي :حلالاً طيباً.
وقرأ الحسن والزهري :هنياً مرياً دون همزة، أبدلوا الهمزة التي هي لام الكلمة ياء، وأدغموا فيها ياء المدّ.
وانتصاب هنيئاً على أنه نعت لمصدر محذوف، أي :فكلوه أكلاً هنيئاً، أو على أنه حال من ضمير المفعول، هكذا أعربه الزمخشري وغيره.
وهو قول مخالف لقول أئمة العربية، لأنه عند سيبويه وغيره :منصوب بإضمار فعل لا يجوز إظهاره.
وقد ذكرنا في المفردات نص سيبويه على ذلك.
فعلى ما قاله أئمة العربية يكون هنيئاً مريئاً من جملة أخرى غير قوله :فكلوه هنيئاً مريئاً، ولا تعلق له به من حيث الإعراب، بل من حيث المعنى.
وجماع القول في هنيئاً :أنها حال قائمة مقام الفعل الناصب لها.
فإذا قيل :إن فلاناً أصاب خيراً فقلت هنيئاً له، ذلك فالأصل ثبت له ذلك هنيئاً فحذف ثبت، وأقيم هنيئاً مقامه.
واختلفوا إذ ذاك فيما يرتفع به ذلك.
فذهب السيرافي إلى أنه مرفوع بذلك الفعل المختزل الذي هو ثبت، وهنيئاً حال من ذلك، وفي هنيئاً ضمير يعود على ذلك.
وإذا قلت :هنيئاً ولم تقل له ذلك، بل اقتصرت على قولك :هنيئاً، ففيه ضمير مستتر يعود على ذي الحال، وهو ضمير الفاعل الذي استتر في ثبت المحذوفة.
وذهب الفارسي إلى أن ذلك إذا قلت :هنيئاً له، ذلك مرفوع بهنيئاً القائم مقام الفعل المحذوف، لأنه صار عوضاً منه، فعمل عمله.
كما أنك إذا قلت :زيد في الدار، رفع المجرور الضمير الذي كان مرفوعاً بمستقر، لأنه عوض منه.
ولا يكون في هنيئاً ضمير، لأنه قد رفع الظاهر الذي هو اسم الإشارة.
وإذا قلت :هنيئاً ففيه ضمير فاعل بها، وهو الضمير فاعلاً لثبت، ويكون هنيئاً قد قام مقام الفعل المختزل مفرعاً من الفعل.
وإذا قلت :هنيئاً مريئاً، فاختلفوا في نصب مريء.
فذهب بعضهم :إلى أنه صفة لقولك هنيئاً، وممن ذهب إلى ذلك الحوفي.
وذهب الفارسي :إلى أن انتصابه انتصاب قولك هنيئاً، فالتقدير عنده :ثبت مريئاً، ولا يجوز عنده أن يكون صفة لهنيئاً، من جهة أنَّ هنيئاً لما كان عوضاً من الفعل صار حكمه حكم الفعل الذي ناب منابه، والفعل لا يوصف، فكذلك لا يوصف هو.
وقد ألمّ الزمخشري بشيء مما قاله النحاة في هنيئاً لكنه حرفه فقال بعد أن قدّم أن انتصابه على أنه وصف للمصدر، أو حال من الضمير في فكلوه أي :كلوه وهو هنيء مريء.
قال :وقد يوقف على فكلوه، ويبتدأ هنيئاً مريئاً على الدعاء، وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدر، كأنه قيل :هنئاً مرئاً انتهى.
وتحريفه أنه جعلهما أقيما مقام المصدر، فانتصابهما على هذا انتصاب المصدر، ولذلك قال :كأنه قيل هنأ مرأ، فصار كقولك :سقياً ورعياً، أي :هناءة ومراءة.
والنحاة يجعلون انتصاب هنيئاً على الحال، وانتصاب مريئاً على ما ذكرناه من الخلاف.
إما على الحال، وإما على الوصف.
ويدل على فساد ما حرفه الزمخشري وصحة قول النحاة ارتفاع الأسماء الظاهرة بعد هنيئاً مريئاً، ولو كانا ينتصبان انتصاب المصادر.
والمراد بها :الدعاء.
أجاز ذلك فيها تقول :سقياً لك ورعياً، ولا يجوز سقياً الله لك، ولا رعياً الله لك، وإن كان ذلك جائزاً في فعله فتقول :سقاك الله ورعاك.
والدليل على جواز رفع الأسماء الظاهرة بعدها قول الشاعر :
هنيئاً مريئاً غير داء مخامر *** لعزة من أعراضنا ما استحلت
فما :مرفوع بما تقدّم من هنيء أو مريء.
أو بثبت المحذوفة على اختلاف السيرافي وأبي عليّ على طريق الأعمال.
وجاز الأعمال في هذه المسألة وإن لم يكن بينهما رابط عطف، لكون مريئاً لا يستعمل إلا تابعاً لهنيئاً، فصارا كأنهما مرتبطان لذلك.
ولو كان ذلك في الفعل لم يجز لو قلت :قام خرج زيد، لم يصح أن يكون من الأعمال إلا على نية حرف العطف.
وذهب بعضهم :إلى أنّ مريئاً يستعمل وحده غير تابع لهنيئاً، ولا يحفظ ذلك من
﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً ﴾ قال ابن مسعود والحسن والضحاك والسدي وغيرهم :نزلت في ولد الرجل الصغار وامرأته.
وقال ابن جبير :في المحجورين.
وقال مجاهد :في النساء خاصة.
وقال أبو موسى الأشعري والطبري وغيرهما :نزلت في كل من اقتضى الصفة التي شرط الله من السفه كائناً من كان.
ويضعف قول مجاهد أنها في النساء، كونها جمع سفيهة، والعرب إنما تجمع فعيلة على فعائل أو فعيلات قاله :ابن عطية.
ونقلوا أنّ العرب جمعت سفيهة على سفهاء، فهذا اللفظ قد قالته العرب للمؤنث، فلا يضعف قول مجاهد.
وإن كان جمع فعيلة الصفة للمؤنث نادراً لكنه قد نقل في هذا اللفظ خصوصاً.
وتخصيص ابن عطية جمع فعيلة بفعائل أو فعيلات ليس بجيد، لأنه يطرد فيه فعال كظريفة وظراف، وكريمة وكرام، ويوافق في ذلك المذكر.
وإطلاقه فعيلة دون أن يخصها بأن لا يكون بمعنى مفعولة نحو :قتيلة، ليس بجيد، لأن فعيلة لا تجمع على فعائل.
وقيل :عنى بالسفهاء الوارثين الذين يعلم من حالهم أنهم يتسفهون في استعمال ما تناله أيديهم، فنهى عن جمع المال الذي ترثه السفهاء.
والسفهاء :هم المبذرون الأموال بالإنفاق فيما لا ينبغي، ولا يد لهم بإصلاحها وتثميرها والتصرّف فيها.
والظاهر في قوله :أموالكم أن المال مضاف إلى المخاطبين بقوله :ولا تؤتوا.
قال أبو موسى الأشعري وابن عباس والحسن وقتادة :نهى أن يدفع إلى السفيه شيء من مال غيره، وإذا وقع النهي عن هذا فإن لا يؤتى شيئاً من مال نفسه أولى وأحرى بالنهي، وعلى هذا القول :وهو أن يكون الخطاب لأرباب الأموال.
قيل :يكون في ذلك دلالة على أن الوصية للمرأة جائزة، وهو قول عامة أهل العلم.
وأوصى عمر إلى حفصة.
وروي عن عطاء :أنها لا تكون وصياً.
قال :ولو فعل حولت إلى رجل من قومه.
قيل :ويندرج تحتها الجاهل بأحكام البيع.
وروي عن عمر أنه قال : « من لم يتفقه في الدين فلا يتجر في أسواقنا، والكفار ».
وكره العلماء أن يوكلَ المسلم ذمياً بالبيع والشراء، أو يدفع إليه يضاربه.
وقال ابن جبير :يريد أموال السفهاء، وإضافها إلى المخاطبين تغبيطاً بالأموال، أي :هي لهم إذا احتاجوها كأموالكم التي تقي أغراضكم وتصونكم وتعظم أقداركم.
ومن مثل هذا : ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ وما جرى مجراه.
وهذا القول ذكره الزمخشري أولاً قال :والخطاب للأولياء، وأضاف الأموال إليهم لأنها من جنس ما يقيم به الناس معائشهم.
كما قال :ولا تقتلوا أنفسكم، ﴿ فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ﴾، والدليل على أنه خطاب للأولياء في أموال اليتامى قوله : ﴿ وارزقوهم فيها واكسوهم ﴾.
وقرأ الحسن والنخعي :اللاتي.
وقرأ الجمهور :التي.
قال ابن عطية :والأموال جمع لا يعقل، فالأصوب فيه قراءة الجماعة انتهى.
واللاتي جمع في المعنى للتي، فكان قياسه أن لا يوصف به الإماء وصف مفرده بالتي، والمذكر لا يوصف بالتي سواء كان عاقلاً أو غير عاقل، فكان قياس جمعه أن لا يوصف بجمع التي الذي هو اللاتي.
والوصف بالتي يجري مجرى الوصف بغيره من الصفات التي تلحقها التاء للمؤنث.
فإذا كان لنا جمع لا يعقل فيجوز أن يجري الوصف عليه كجريانه على الواحدة المؤنثة، ويجوز أن يجري الوصف عليه كجريانه على جمع المؤنثات فتقول :عندي جذوع منكسرة، كما تقول :امرأة طويلة، وجذوع منكسرات.
كما تقول :نساء صالحات جرى الوصف في ذلك مجرى الفعل.
والأولى في الكلام معاملته معاملة ما جرى على الواحدة، هذا إذا كان جمع ما لا يعقل للكثرة.
فإذا كان جمع قلة، فالأولى عكس هذا الحكم :فأجذاع منكسرات أولى من أجذاع منكسرة، وهذا فيما وجد له الجمعان :جمع القلة، وجمع الكثرة.
أمّا ما لا يجمع إلا على أحدهما، فينبغي أن يكون حكمه على حسب ما تطلقه عليه من القلة والكثرة.
وإذا تقرر هذا أنتج أنَّ التي أولى من اللاتي، لأنه تابع لجمع لا يعقل.
ولم يجمع مال على غيره، ولا يراد به القلة لجريان الوصف به مجرى الوصف بالصفة التي تلحقها التاء للمؤنث، فلذلك كانت قراءة الجماعة أصوب.
وقال الفراء :تقول العرب في النساء :اللاتي، أكثر مما تقول التي.
وفي الأموال تقول التي أكثر مما تقول اللاتي، وكلاهما في كليهما جائز.
وقرئ شاذاً للواتي، وهو أيضاً في المعنى جمع التي.
ومعنى قياماً تقومون بها وتنتعشون بها، ولو ضيعتموها لتلفت أحوالكم.
قال الضحاك :جعلها الله قياماً لأنه يقام بها الحج والجهاد وإكمال البر، وبها فكاك الرقاب من رق ومن النار، وكان السلف تقول :المال سلاح المؤمن، ولأن أترك ما يحاسبني الله عليه خير من أن أحتاج إلى الناس.
وعن سفيان الثوري وكانت له بضاعة يقلبها :لولاها لتمندل أي :بنو العباس.
وكانوا يقولون :اتجروا فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل كل دينه.
وقرأ نافع وابن عامر :قيماً، وجمهور السبعة :قياماً، وعبد الله بن عمر :قواماً بكسر القاف، والحسن وعيسى بن عمر :قواماً بفتحها.
ورويت عن أبي عمرو.
وقرئ شاذاً :قوماً.
فأما فيما فمقدر كالقيام، والقيام قاله :الكسائي والفراء والأخفش، وليس مقصوراً من قيام.
وقيل :هو مقصور منه.
قالوا :وحذفت الألف كما حذفت في خيم وأصله خيام، أو جمع قيمة كديم جمع قاله :البصريون غير الأخفش.
ورده أبو علي :بأنه وصف به في قوله : ﴿ ديناً قيماً ﴾ والقيم لا يوصف به، وإنما هو مصدر بمعنى القيام الذي يراد به الثبات والدوام.
ورد هذا بأنه لو كان مصدراً لما أعلّ كما لم يعلوا حولاً وعوضاً، لأنه على غير مثال الفعل، لا سيما الثلاثية المجردة.
وأجيب :بأنه اتبع فعله في الإعلال فأعل، لأنه مصدر بمعنى القيام، فكما أعل القيام أعل هو.
وحكى الأخفش :قيماً وقوماً، قال :والقياس تصحيح الواو، وإنما اعتلت على وجه الشذوذ كقولهم :تيره، وقول بني ضبة :طيال في جمع طويل، وقول الجميع :جياد في جمع جواد.
وإذا أعلوا ديماً لاعتلال ديمة، فإن إعلال المصدر لاعتلال فعله أولى.
ألا ترى إلى صحة الجمع مع اعتلال مفرده في معيشة ومعائش، ومقامة ومقاوم، ولم يصححوا مصدراً أعلوا فعله.
وقيل :يحتمل هنا أن يكون جمع قيمة، وإن كان لا يحتمله ديناً قيماً.
وأما قيام فظاهر فيه المصدر، وأما قوام فقيل :مصدر قاوم.
وقيل :هو اسم غير مصدر، وهو ما يقام به كقولك :هو ملاك الأمر لما يملك به.
وأما قوام فخطأ عند أبي حاتم.
وقال :القوام امتداد القامة، وجوزه الكسائي.
وقال :هو في معنى القوام، يعني أنه مصدر.
وقيل :اسم للمصدر.
وقيل :القوام القامة، والمعنى :التي جعلها الله سبب بقاء قاماتكم.
﴿ وارزقوهم فيها واكسوهم ﴾ أي :اطعموهم واجعلوا لهم نصيباً.
قيل :معناه فيمن يلزم الرجل نفقته من زوجته وبنيه الصغار.
قال ابن عباس :لا تعمد إلى هلاك الشيء الذي جعله الله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنيك ثم تنظر إلى ما في أيديهم، وأمسك ذلك وأصلحه، وكن أنت تنفق عليهم في رزقهم وكسوتهم ومؤونتهم.
وقيل :في المحجورين، وهو خلاف مرتب على الخلاف في المخاطبين بقوله :وآتوا من هم.
والمعنى على هذا القول :اجعلوها مكاناً لرزقهم بأن تتجروا فيها وتربحوا، حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال، فلا يأكلها الإنفاق.
قيل :وقال فيها :ولم يقل منها تنبيهاً على ما قاله عليه السلام : « ابتغوا في أموال اليتامى التجارة لا تأكلها الزكاة » والمستحب أن يكون الإنفاق عليهم من فضلاتها المكتسبة.
وقيل في :بمعنى من، أي منها.
﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ المعروف :ما تألفه النفوس وتأنس إليه ويقتضيه الشرع، فإن كان المراد بالسفهاء المحجورين، فمن المعروف وعدهم الوعد الحسن بأنكم إذا رشدتم سلمنا إليكم أموالكم قاله :ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، ومقاتل، وابن جريج.
وقال عطاء :إذا ربحت أعطيتك، وإذا غنمت في غزاتي، جعلت لك حظاً.
وإن كان المراد النساء والبنين الأصاغر والسفهاء الأجانب، فتدعو لهم :بارك الله فيكم، وحاطكم، وشبهه قاله :ابن زيد.
وقال الضحاك :الرد الجميل.
ولما أمرالله تعالى أولاً بإيتاء اليتامى بقوله : ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ وأمر ثانياً بإيتاء أموال النساء بقوله : ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن ﴾ وكان ذلك عاماً من غير تخصيص بين في هذه الآية.
إنَّ ذلك الإيتاء إنما هو لغير السفيه، وخص ذلك العموم، وقيد الإطلاق الذي في الأمر بالإيتاء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات من ضروب البيان والفصاحة.
الطباق في :واحدة وزوجها، وفي غنياً وفقيراً، وفي :قل أو كثر.
والتكرار في :اتقوا، وفي :خلق، وفي :خفتم، وأن لا تقسطوا، وأن لا تعدلوا من جهة المعنى، وفي اليتامى، وفي النساء، وفي فادفعوا إليهم أموالهم، فإذا دفعتم إليهم أموالهم، وفي نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، وفي قوله :وليخش، وخافوا من جهة المعنى على قول من جعلهما مترادفين، وإطلاق اسم المسبب على السبب في :ولا تأكلوا وشبهه لأن الأخذ سبب للأكل.
وتسمية الشيء باسم ما كان عليه في :وآتوا اليتامى، سماهم يتامى بعد البلوغ.
والتأكيد بالاتباع في :هنيئاً مريئاً وتسمية الشيء باسم ما يؤول اليه في :نصيب مما ترك، وفي ناراً على قول من زعم أنها حقيقة.
والتجنيس المماثل في :فادفعوا فإذا دفعتم، والمغاير في :وقولوا لهم قولاً.
والزيادة للزيادة في المعنى في :فليستعفف.
وإطلاق كل على بعض في :الأقربون، إذ المراد أرباب الفرائض.
وإقامة الظرف المكاني مقام الزماني في :من خلفهم، أي من بعد وفاتهم.
والاختصاص في :بطونهم، خصها دون غيرها لأنها محل للمأكولات.
والتعريض في :في بطونهم، عرض بذكر البطون لحسنهم وسقوط هممهم والعرب تذم بذلك قال :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وتأكيد الحقيقة بما يرفع احتمال المجاز بقوله :في بطونهم.
رفع المجاز العارض في قوله : ﴿ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً ﴾ وهذا على قول من حمله على الحقيقة، ومن حمله على المجاز فيكون عنده من ترشيح المجاز، ونظير كونه رافعاً للمجاز قوله : ﴿ يطير بجناحيه ﴾ وقوله : ﴿ يكتبون الكتاب بأيديهم ﴾ والحذف في عدة مواضع.

آنس كذا أحس به وشعر.
قال :
آنست شاة وأفزعها القناص *** عصراً وقددنا الامساء
وقال الفراء :وجد.
وقال الزجاج :علم.
وقال عطاء :أبصر.
وقال ابن عباس :عرف.
وهي أقوال متقاربة.
﴿ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ قيل :توفي رفاعة وترك ابنه ثابتاً صغيراً فسأل :إنَّ ابن أخي في حجري، فما يحل لي من ماله، ومتى أدفع إليه ماله ؟ فنزلت.
وقيل :توفي أوس بن ثابت، ويقال :أوس بن سويد عن زوجته أم كجه وثلاث بنات وابني عم سويد.
وقيل :قتادة وعرفجة فأخذا ماله ولم يعطيا المرأة ولا البنات شيئاً.
وقيل :المانع ارثهن هو عم بنيها واسمه :ثعلبة.
وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا البنات ولا الابن الصغير الذكر، فشكتهما أم كجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهما، فقال :لا يا رسول الله، ولدها لا يركب فرساً، ولا يحمل كلا، ولا ينكى عدواً فقال : « انصرفوا حتى أنظر ما يحدث الله » فنزلت.
وابتلاء اليتامى اختبارهم في عقولهم قاله :ابن عباس والسدي، ومقاتل، وسفيان.
أو في عقولهم ودينهم وحفظهم لأموالهم وحسن تصرفهم فيها.
ذكره :الثعلبي.
وكيفية اختبار الصغير أن يدفع إليه نزر يسيرمن المال يتصرف فيه، والوصي يراعى حاله فيه لئلا يتلفه.
واختبار الصغيرة أن يرد إليها أمر البيت والنظر في الاستغزال دفعاً وأجرة واستيفاء.
واختلاف كل منهما بحال ما يليق به وبما يعانيه من الأشغال والصنائع، فإذا أنس منه الرشد بعد البلوغ والاختبار دفع إليه ماله، وأشهد عليه هذا ظاهر الآية، وهو يعقب الدفع.
والإشهاد الإيناس المشروط.
وقال ابن سيرين :لا يدفع إليه بعد الإيناس والاختبار المذكورين حتى تمضي عليه سنة وتداولة الفصول الأربع، ولم تتعرض الآية لسن البلوغ، ولا بماذا يكون.
وتكلم فيها هنا بعض المفسرين.
والكلام في البلوغ مذكور في كتب الفقه.
وظاهر الآية أنه إن لم يؤنس منه رشد بقي محجوراً عليه دائماً، ولا يدفع إليه المال، وبه قال الجمهور.
وقال النخعي وأبو حنيفة :ينتظر به خمس وعشرون سنة، ويدفع إليه ماله أونس منه الرشد أو لم يؤنس.
وظاهر الآية يدل على استبداد الوصي بالدفع والاستقلال به.
وقالت طائفة :يفتقر إلى أن يدفعه إلى السلطان ويثبت عنده رشده، أو يكون ممن يأمنه الحاكم.
وظاهر عموم اليتامى اندراج البنات في هذا الحكم، فيكون حكمهن حكم البنين في ذلك.
فقيل :يعتبر رشدها، وإن لم تتزوج بالبلوغ.
وقيل :المدة بعد الدخول خمسة أعوام.
وقيل :سنة.
وقيل :سبعة في ذات الأب، وعام واحد في اليتيمة التي لا وصي لها.
وحتى هنا غاية للابتلاء، ودخلت على الشرط وهو :إذاً، وجوابه :فإن آنستم، وجوابه وجواب إن آنستم :فادفعوا.
وإيناس الرشد مترتب على بلوغ النكاح، فيلزم أن يكون بعده.
وحتى إذا دخلت على الشرط لا تكون عاملة، بل هي التي تقع بعدها الجمل كقوله :
وحتى الجياد ما يقدن بأرسان *** وقوله :
وحتى ماء دجلة أشكل *** على أن في هذه المسألة خلافاً ذهب الزّجاج وابن درستويه إلى أن الجملة في موضع جر، وذهب الجمهور إلى أنها غير عاملة البتة.
وفي قوله :بلغوا النكاح تقدير محذوف وهو :بلغوا حد النكاح أو وقته.
وقال ابن عباس :معنى آنستم عرفتم.
وقال عطاء :رأيتم.
وقال الفراء :وجدتم.
وقال الزجاج :علمتم.
وهذه الأقوال متقاربة.
وقرأ ابن مسعود :فإن أحستم، يريد أحسستم.
فحذف عين الكلمة، وهذا الحذف شذوذ لم يرد إلا في ألفاظ يسيرة.
وحكى غير سيبويه :أنها لغة سليم، وأنها تطرد في عين كل فعل مضاعف اتصل بتاء الضمير أو نونه.
وقرأ ابن مسعود وأبو عبد الرحمن وأبو السمال وعيسى الثقفي :رَشَداً بفتحتين.
وقرئ شاذاً :رُشُداً بضمتين، ونكر رشداً لأن معناه نوع من الرشد، وطرف ومخيلة من مخيلته، ولا ينتظر به تمام الرشد.
قال ابن عطية ومالك :يرى الشرطين :البلوغ والرشد، وحيئنذ يدفع المال.
وأبو حنيفة :يرى أن يدفع المال بالشرط الواحد ما لم يحفظ له سفه، كما أبيحت التسرية بالشرط الواحد.
وكتاب الله قد قيدها بعدم الطول، وخوف العنت.
والتمثيل عندي في دفع المال بتوالي الشرطين غير صحيح، وذلك أنّ البلوغ لم تسقه الآية سبباً في الشرط، ولكنها حالة الغالب على بني آدم أن تلتئم عقولهم فيها، فهو الوقت الذي لا يعتبر شرط الرشد إلا فيه.
فقال :إذا بلغ ذلك الوقت فلينظر إلى الشرط وهو :الرشد حينئذ.
وفصاحة الكلام تدل على ذلك لأن التوقيت بالبلوغ جاء بإذا، والمشروط جاء بإن التي هي قاعدة حروف الشرط.
وإذا ليست بحرف شرط لحصول ما بعدها، وأجاز سيبويه أن يجازى بها في الشعر.
وقال :فعلوا ذلك مضطرين، وإنما جوزي بها لأنها تحتاج إلى جواب، ولأنها يليها الفعل مظهراً أو مضمراً.
واحتج الخليل على منع شرطيتها بحصول ما بعدها.
ألا ترى أنك تقول :أجيئك إذا احمرّ البسر، ولا تقول :إن احمرّ البسر انتهى كلامه.
ودل كلامه على أنّ إذا ظرف مجرّد من معنى الشرط، وهذا مخالف لكلام النحويين.
بل النحويون كالمجمعين على أنّ إذا ظرف لما يستقبل فيه معنى الشرط غالباً، وإن صرح أحد منهم بأنها ليست أداة شرط فإنما يعني أنها لا تجزم كأدوات الشرط، لا نفي كونها تأتي للشرط.
وكيف تقول ذلك، والغالب عليها أنها تكون شرطاً ؟ ولم تتعرّض الآية إلى حكم من أونس منه الرشد بعد البلوغ، ودفع إليه ماله، ثم عاد إلى السفه، أيعود الحجر عليه أم لا ؟ وفيه قولان :قال مالك :يعود.
وقال أبو حنيفة :لا يعود، والقولان عن الشافعي.
﴿ ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ﴾ تقدم أنه يعبر بالأكل عن الأخذ، لأن الأكل أعظم وجوه الانتفاع بالمأخوذ.
وهذه الجملة مستقلة.
نهاهم تعالى عن أكل أموال اليتامى وإتلافها بسوء التصرف، وليست معطوفة على جواب الشرط، لأنه وشرطه مترتبان على بلوغ النكاح.
وهو معارض لقوله :وبداراً أن يكبروا، فيلزم منه مشقة على ما ترتب عليه، وذلك ممتنع.
وبهذا الذي قرّرناه يتضح خطأ من جعل ولا تأكلوها عطفاً على فادفعوا، وليس تقييد النهي بأكل أموال اليتامى في هاتين الحالتين مما يبيح الأكل بدونهما، فيكون من باب دليل الخطاب.
والإسراف :الإفراط في الإنفاق، والسرف الخطأ في مواضع الإنفاق.
قال :
أعطوا هنيدة تجدوها ثمانية *** ما في عطائهم منّ ولا سرف
أي :ليس يخطئون مواضع العطاء.
قال ابن عباس وغيره :ومبادرة كبرهم أن الوصي يستغنم مال محجوره فيأكل ويقول :أبادر كبره لئلا يرشد ويأخذ ماله.
وانتصب إسرافاً وبداراً على أنهما مصدران في موضع الحال، أي :مسرفين ومبادرين.
والبدار مصدر بادر، وهو من باب المفاعلة التي تكون بين اثنين.
لأن اليتيم مبادر إلى الكبر، والولي مبادر إلى أخذ ماله، فكأنهما مستبقان.
ويجوز أن يكون من واحد، وأجيز أن ينتصبا على المفعول من أجله، أي :لإسرافكم ومبادرتكم.
وإن يكبروا مفعول بالمصدر، أي :كبركم كقوله : « أو إطعام يتيماً » وفي إعمال المصدر المنوّن خلاف.
وقيل :التقدير مخافة أن يكبروا، فيكون أن يكبروا مفعولاً من أجله، ومفعول بداراً محذوف.
﴿ ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ ظاهر هذه الجملة يدل على أنه تقسيم لحال الوصي على اليتيم، فأمره تعالى بالاستعفاف عن ماله إن كان غنياً، واقتناعه بما رزقه الله تعالى من الغنى، وأباح له الأكل بالمعروف من مال اليتيم إن كان فقيراً، بحيث يأخذ قوتاً محتاطاً في تقديره.
وظاهر هذه الإباحة أنه لا تبعة عليه، ولا يترتب في ذمته ما أخذ مما يسدّ جوعته بما لا يكون رفيعاً من الثياب، ولا يقضي إذا أيسر قاله :ابراهيم، وعطاء، والحسن، وقتادة، وعلى هذا القول الفقهاء.
وقال عمر، وابن عباس، وعبيدة، والشعبي، ومجاهد، وأبو العالية، وابن جبير :يقضي إذا أيسر، ولا يستلف أكثر من حاجته.
وبه قال الأوزاعي.
وقال ابن عباس أيضاً وأبو العالية، والحسن، والشعبي :إنما يأكل بالمعروف إذا شرب من اللبن، وأكل من التمر، بما يهنأ الجرباء ويليط الحوض، ويجد التمر وما أشبهه.
فأما أعيان الأموال وأصولها فليس للولي أخذها.
وقالت طائفة :المعروف أن يكون له أجر بقدر عمله وخدمته، وهذه رواية عن الإمام أحمد.
وفصل الحسن بن حي فقال :إن كان وصي أب فله الأكل بالمعروف، أو وصي حاكم فلا سبيل له إلى المال بوجه، وأجرته على بيت المال.
وفصل أبو حنيفة وصاحباه فقالوا :إن كان وصي اليتيم مقيماً فلا يجوز له أن يأخذ من ماله شيئاً، وإن كان مسافراً فله أن يأخذ ما يحتاج إليه، ولا يقتني شيئاً.
وفصل الشعبي فقال :إن كان مضطراً بحال من يجوز له أكل الميتة أكل بقدر حاجته وردّ إذا وجد، وإلاّ فلا يأكل لا سفراً ولا حضراً.
وقال مجاهد :هذه الإباحة منسوخة بقوله : ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ﴾.
وقال أبو يوسف :لعلها منسوخة بقوله : ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ فليس له أن يأخذ قرضاً ولا غيره.
وقال ابن عباس والنخعي أيضاً :هذا الأمر ليس متعلقاً بمال اليتيم، والمعنى :أنّ الغني يستعفف بغناه، وأما الفقير فيأكل بالمعروف من مال نفسه، ويقوم على نفسه بماله حتى لا يحتاج إلى مال يتيمه.
واختار هذا القول من الشافعية الكيا الطبري.
وقيل :إن كان مال اليتيم كثيراً يحتاج إلى قيام كثير عليه بحيث يشغل الولي عن مصالح نفسه ومهماته فرض له في مال اليتيم أجر عمله، وإن كان لا يشغله فلا يأكل منه شيئاً، غير أنه يستحب له شرب قليل اللبن، وأكل قليل الطعام والسمن، غير مضربه ولا مستكثر منه على ما جرت به العادة والمسامحة.
وقالت طائفة منهم ربيعة ويحيى بن سعيد :هذا تقسيم لحال اليتيم، لا لحال الوصي.
والمعنى :من كان منهم غنياً فليعف بماله، ومن كان منهم فقيراً فليقتر عليه بالمعروف والاقتصاد.
ويكون من خطاب العين، ويراد به الغير.
خوطب اليتامى بالاستعفاف والأكل بالمعروف، والمراد الأولياء.
لأن اليتامى ليسوا من أهل الخطاب، فكأنه قال للأولياء والأوصياء :إن كان اليتيم غنياً فانفقوا عليه نفقة متعفف مقتصد لئلا يذهب ماله بالتوسع في نفقته، وإن كان فقيراً فلينفق عليه بقدر ماله لئلا يذهب فيبقى كلا مضعفاً.
فهذه أقوال ملخصها :هل تقسيم في الولي أو الصبي قولان :فإذا كان في الولي فهل الأمر متوجه إلى مال نفسه، أو مال الصبي ؟ قولان.
وإذا كان متوجهاً إلى مال الصبي، هل ذلك منسوخ أم لا ؟ قولان.
وإذا لم يكن منسوخاً، فهل يكون تفصيلاً بالنسبة إلى الأكل أو المأكول ؟ قولان.
فإذا كان بالنسبة إلى الأكل، فهل يختص بولي الأب، أو بالمسافر، أو بالمضطر، أو بالمشتغل بذلك عن مهمات نفسه ؟ أقوال.
وإذا كان بالنسبة للمأكول، فهل يختص بالتافه أم يتعدّى إلى غيره ؟ قولان.
وإذا تعدّى إلى غيره، فهل يكون أجرة أم لا ؟ قولان.
وإذا لم يكن أجرة فأخذ، فهل يترتب ديناً في ذمته يجب قضاؤه إذا أيسر أم لا ؟ قولان.
ودلائل هذه الأقوال مذكورة
﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قلّ منه أو كثر نصيباً مفروضاً ﴾ قيل :سبب نزولها هو خبر أم كجه وقد تقدم، قاله :عكرمة وقتادة وابن زيد.
قال المروزي :كان اليونان يعطون جميع المال للبنات، لأن الرّجل لا يعجز عن الكسب، والمرأة تعجز.
وكانت العرب لا يعطون البنات، فردَّ الله على الفريقين.
والمعنيّ :بالرجال الذكور، وبالنساء الإناث كقوله : ﴿ وبثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساء ﴾.
وأبهم في قوله :نصيب، ومما ترك في موضع الصفة لنصيب.
وقيل :يتعلق بلفظ نصيب فهو من تمامه.
والوالدان :يعني والدي الرجال والنساء، وهما أبواهم، وسمي الأب والداً، لأن الولد منه، ومن الوالدة.
وللاشتراك جاء الفرق بينهما بالتاء كقوله : ﴿ لا تضار والدة بولدها ﴾ وجمع بالألف والتاء قياساً كقوله : ﴿ والوالدات ﴾ قال ابن عطية :كما قال الشاعر :
بحيث يعتشّ الغراب البائض لأن البيض من الأنثى والذكر انتهى.
ولا يتعين أن يراد بالغراب هنا الذكر، لأن لفظ الغراب ينطلق على الذكر والأنثى، وليس مما فرق بينه وبين مؤنثه بالتاء.
فهو كالّرعوب ينطلق على الذكر والأنثى، ولا يرجح كونه ذكراً وصفه بالبائض، وهو وصف مذكر لاحتمال أن يكون ذكر حملاً على اللفظ، إذ لم تظهر فيه علامة تأنيث كما أنث المذكر حملاً على لفظ التأنيث في قوله :وعنترة الفلحاء.
وفي قوله :أبوك خليفة ولدته أخرى.
والأقربون :هم المتوارثون من ذوي القرابات.
وقد أبهم في لفظ الأقربون كما أبهم في النصيب، وعين الوارث والمقدار في الآيات بعدها.
وقوله :مما قلّ منه، هو بدل من قوله :مما ترك الأخير، أعيد معه حرف الجر، والضمير في منه عائد على ما من قوله :مما ترك الأخير.
واكتفى بذكره في هذه الجملة، وهو مراد في الجملة الأولى، ولم يضطرّ إلى ذكره لأن البدل جاء على سبيل التوكيد، إذ ليس فيه إلا توضيح أنه أريد بقوله :مما ترك العموم في المتروك.
وهذا البدل فيه ذكر توعى المتروك من القلة أو الكثرة.
وقال أبو البقاء :مما قلّ يجوز أن يكون حالاً من الضمير المحذوف في ترك، أي :مما تركه مستقراً مما قلّ.
ومعنى نصيباً مفروضاً :أي حظاً مقطوعاً به لا بد لهم من أن يحوزوه.
وقال الزجاج ومكي :نصيباً منصوب على الحال، المعنى :لهؤلاء أنصباء على ما ذكرنا هنا في حال الفرض.
وقال الفراء :نصب لأنه أخرجه مخرج المصدر، ولذلك وحده كقولك له :عليّ كذا حقاً لازماً، ونحوه : ﴿ فريضة من الله ﴾ ولو كان اسماً صحيحاً لم ينصب، لا تقول :لك عليّ حق درهماً انتهى.
وقال الزمخشري قريباً من هذا القول قال :ويجوز أن ينتصب انتصاب المصدر المؤكد لقوله :فريضة من الله، كأنه قسمة مفروضة.
وقال ابن عطية نحواً من كلام الزجاج قال :إنما هو اسم نصب كما ينصب المصدر في موضع الحال تقديره :فرضاً.
ولذلك جاز نصبه كما تقول له :عليّ كذا وكذا حقاً واجباً، ولولا معنى المصدر الذي فيه ما جاز في الاسم الذي ليس بمصدر هذا النصب، ولكنّ حقه الرفع انتهى كلامه.
وهو مركب من كلام الزجاج والفراء، وهما متباينان لأن الانتصاب على الحال مباين للانتصاب على المصدر المؤكد مخالف له.
وقال الزمخشري :ونصيباً مفروضاً نصب على الاختصاص بمعنى أعني :نصيباً مفروضاً مقطوعاً واجباً انتهى.
فإن عني بالاختصاص ما اصطلح عليه النحويون فهو مردود بكونه نكرة، والمنصوب على الاختصاص نصوا على أنه لا يكون نكرة.
وقيل :انتصب نصب المصدر الصريح، لأنه مصدر أي نصيبه نصيباً.
وقيل :حال من النكرة، لأنها قد وصفت.
وقيل :بفعل محذوف تقديره :جعلته أو، أوجبت لهم نصيباً.
وقيل :حال من الفاعل في قلّ أو كثر.
واستدلّ بظاهر هذه الآية على وجوب القسمة في الحقوق المتميزة إذا أمكنت وطلب ذلك كل واحد من الشريكين بلا خلاف.
واختلفوا في قسمة المتروك على الفرائض، إذا كانت القسمة بغيره على حاله كالحمام والرحا والبثر والدار التي تبطل منافعها بافتراق السهام.
فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة :تقسم.
وقال ابن أبي ليلى وأبو ثور :لا تقسم.
قال ابن المنذر :وهو أصح القولين.
واستدل بها أيضاً على وجوب توريث الأخ للميت مع البنت، فإذا أخذت النصف أخذ الباقي.
واختلف في ابني عم أحدهما أخ لأم، فقال عليّ وزيد :للأخ من الأم السدس، وما بقي بينهما نصفان، وهو قول فقهاء الأمصار.
وقال عمر وعبد الله وشريح والحسن :المال للأخ من الأم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات من ضروب البيان والفصاحة.
الطباق في :واحدة وزوجها، وفي غنياً وفقيراً، وفي :قل أو كثر.
والتكرار في :اتقوا، وفي :خلق، وفي :خفتم، وأن لا تقسطوا، وأن لا تعدلوا من جهة المعنى، وفي اليتامى، وفي النساء، وفي فادفعوا إليهم أموالهم، فإذا دفعتم إليهم أموالهم، وفي نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، وفي قوله :وليخش، وخافوا من جهة المعنى على قول من جعلهما مترادفين، وإطلاق اسم المسبب على السبب في :ولا تأكلوا وشبهه لأن الأخذ سبب للأكل.
وتسمية الشيء باسم ما كان عليه في :وآتوا اليتامى، سماهم يتامى بعد البلوغ.
والتأكيد بالاتباع في :هنيئاً مريئاً وتسمية الشيء باسم ما يؤول اليه في :نصيب مما ترك، وفي ناراً على قول من زعم أنها حقيقة.
والتجنيس المماثل في :فادفعوا فإذا دفعتم، والمغاير في :وقولوا لهم قولاً.
والزيادة للزيادة في المعنى في :فليستعفف.
وإطلاق كل على بعض في :الأقربون، إذ المراد أرباب الفرائض.
وإقامة الظرف المكاني مقام الزماني في :من خلفهم، أي من بعد وفاتهم.
والاختصاص في :بطونهم، خصها دون غيرها لأنها محل للمأكولات.
والتعريض في :في بطونهم، عرض بذكر البطون لحسنهم وسقوط هممهم والعرب تذم بذلك قال :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وتأكيد الحقيقة بما يرفع احتمال المجاز بقوله :في بطونهم.
رفع المجاز العارض في قوله : ﴿ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً ﴾ وهذا على قول من حمله على الحقيقة، ومن حمله على المجاز فيكون عنده من ترشيح المجاز، ونظير كونه رافعاً للمجاز قوله : ﴿ يطير بجناحيه ﴾ وقوله : ﴿ يكتبون الكتاب بأيديهم ﴾ والحذف في عدة مواضع.

﴿ وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ قيل :نزلت في أرباب الأموال يقسمونها عندما يحضر الموت في وصية، وجهات يختارونها، ويحضرهم من القرابات محجوب عن الإرث، فيوصون للأجانب ويتركون المحجوبين فيحرمون الإرث والوصية قاله :ابن عباس وابن المسيب وابن زيد وأبو جعفر.
وقيل :نزلت في أرباب الفرائض يحضرهم أيضاً محجوب، فأمروا أن يرضخوا لهم مما أعطاهم الله.
روي عن ابن عباس وابن المسيب :أنها منسوخة، وبه قال :عكرمة والضحاك قالوا :كانت قسمة جعلها الله ثلاثة أصناف، ثم نسخ ذلك بآية الميراث، وأعطى كل ذي حظ حظه، وجعل الوصية للذين يحرمون ولا يرثون.
وقيل :هي محكمة أمر الله من استحق إرثاً، وحضر القسمة قريب أو يتيم أو مسكين لا يرث، أن لا يحرموا إن كان المال كثيراً، وأن يعتذر إليهم إن كان قليلاً، وأمر به أبو موسى الأشعري.
وقال الحسن والنخعي :كان المؤمنون يفعلون ذلك يقسمون لهم من العين الورق والفضة، فإذا قسموا الأرضين والرقيق قالوا لهم قولاً معروفاً :بورك فيكم.
وفعله عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر وتلا هذه الآية.
وإذا كان الوارث صغيراً لا يتصرف، هل يفعل ذلك الولي أولا ؟ قولان.
والظاهر من سياق هذه الآية عقيب ما قبلها أنها في الوارثين لا في المحتضرين الموصين، والذي يظهر من القسمة أنها مصدر بمعنى القسم قال تعالى : ﴿ تلك إذاً قسمة ضيزى ﴾
وقيل :المراد بالقسمة المقسوم.
وقيل :القسمة الاسم من الاقتسام لا من القسم، كالخيرة من الاختيار.
ولا يكاد الفصحاء يقولون قسمت بينهم قسمة، وروى ذلك الكسائي.
وقسمتك ما أخذته من الاقسام، والجمع قسم.
وقال الخليل :القسم الحظ والنصيب من الجزء، ويقال :قاسمت فلاناً المال وتقاسمناه واقتسمناه، والقسم الذي يقاسمك.
وظاهر قوله :فارزقوهم، الوجوب.
وبه قال جماعة منهم :مجاهد، وعطاء، والزهري.
وقال ابن عباس، وابن جبير، والحسن :هو ندب.
وفي قوله :فارزقوهم إضافة الرزق إلى غير الله تعالى، كما قال : ﴿ والله خير الرازقين ﴾ وقيل :كان ذلك في الورثة واجباً فنسخته آية الميراث، والضمير في :منه عائد على المال المقسوم، ودل عليه القسمة، لأن القسمة وهي المصدر تدل على متعلقها وهو المال.
وقيل :يعود إلى ما من قوله :ما ترك الوالدان والأقربون.
ومن قال :القسمة المقسوم، أعاد الضمير إلى القسمة على معنى التذكير، إذ المراد المقسوم.
وقدّم اليتامى على المساكين لأنّ ضعفهم أكثر، وحاجتهم أشد، فوضع الصدقات فيهم أفضل وأعظم للأجر.
والظاهر أنهم يرزقون من عين المال المقسوم، ورأى عبيدة وابن سيرين :أن الرزق في هذه الآية أن يصنع لهم طعام يأكلونه، وفعلاً ذلك وذبحا شاة من التركة، وقسم عند عبيدة مال ليتيم فاشترى منه شاة وذبحها، وقال عبيدة :لولا هذه لكانت من مالي.
وقوله :منه يدل على التبعيض، ولا تقدير فيه بالإجماع، وهذا مما يدل على الندب.
إذ لو كان لهؤلاء حق معين لبين الله قدر ذلك الحق، كما بين في سائر الحقوق.
وعلى هذا فقهاء الأمصار إذا كان الورثة كبار، وإن كانوا صغاراً فليس إلا القول المعروف.
والضمير في قوله :وقولوا لهم، عائد على ما عاد عليه الضمير في :فارزقوهم، وهم :أولو القربى واليتامى والمساكين.
وقال ابن جرير :الآية محكمة في الوصية، والضمير في فارزقوهم عائد على أولي القربى الموصي لهم، وفي لهم عائد على اليتامى والمساكين.
أمر أن يقال لهم قول معروف.
وقيل أيضاً بتفريق الضمير، ويكون المراد من أولي القربى الذين يرثون، والمراد من اليتامى والمساكين الذين لا يرثون.
فقوله :فارزقوهم راجع إلى أولي القربى.
وقوله :لهم، راجع إلى اليتامى والمساكين.
وما قيل من تفريق الضمير تحكم لا دليل عليه.
والمقول المعروف فسره هنا ابن جبير أن يقول لهم :هذا المال لقوم غيب أو ليتامى صغار، وليس لكم فيه حق.
وقيل :الدعاء لهم بالرزق والغنى.
وقيل :هو القول الدال على استقلال ما أرضخوهم به، وروي عن ابن جبير.
وقيل :العدة الحسنة بأن يقال :هؤلاء أيتام صغار، فإذا بلغوا أمرناهم أن يعرفوا حقكم قاله، عطاء بن يسار، عن ابن جبير.
وقيل :المعروف ما يؤنس به من دعاء وغيره.
وظاهر الكلام أن الأصناف الثلاثة يجمع لهم بين الرزق والقول المعروف.
وقيل :إما أن يعطوا وإما أن يقال لهم قول معروف.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات من ضروب البيان والفصاحة.
الطباق في :واحدة وزوجها، وفي غنياً وفقيراً، وفي :قل أو كثر.
والتكرار في :اتقوا، وفي :خلق، وفي :خفتم، وأن لا تقسطوا، وأن لا تعدلوا من جهة المعنى، وفي اليتامى، وفي النساء، وفي فادفعوا إليهم أموالهم، فإذا دفعتم إليهم أموالهم، وفي نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، وفي قوله :وليخش، وخافوا من جهة المعنى على قول من جعلهما مترادفين، وإطلاق اسم المسبب على السبب في :ولا تأكلوا وشبهه لأن الأخذ سبب للأكل.
وتسمية الشيء باسم ما كان عليه في :وآتوا اليتامى، سماهم يتامى بعد البلوغ.
والتأكيد بالاتباع في :هنيئاً مريئاً وتسمية الشيء باسم ما يؤول اليه في :نصيب مما ترك، وفي ناراً على قول من زعم أنها حقيقة.
والتجنيس المماثل في :فادفعوا فإذا دفعتم، والمغاير في :وقولوا لهم قولاً.
والزيادة للزيادة في المعنى في :فليستعفف.
وإطلاق كل على بعض في :الأقربون، إذ المراد أرباب الفرائض.
وإقامة الظرف المكاني مقام الزماني في :من خلفهم، أي من بعد وفاتهم.
والاختصاص في :بطونهم، خصها دون غيرها لأنها محل للمأكولات.
والتعريض في :في بطونهم، عرض بذكر البطون لحسنهم وسقوط هممهم والعرب تذم بذلك قال :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وتأكيد الحقيقة بما يرفع احتمال المجاز بقوله :في بطونهم.
رفع المجاز العارض في قوله : ﴿ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً ﴾ وهذا على قول من حمله على الحقيقة، ومن حمله على المجاز فيكون عنده من ترشيح المجاز، ونظير كونه رافعاً للمجاز قوله : ﴿ يطير بجناحيه ﴾ وقوله : ﴿ يكتبون الكتاب بأيديهم ﴾ والحذف في عدة مواضع.

السديد من القول هو الموافق للحق منه.
أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتدّ ساعده رماني
المعنى :لما وافق الأغراض التي يرمي إليها.
﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً ﴾ ظاهر هذه الجملة أنه أمر بخشية الله واتقائه.
والقول السديد من ينظر في حال ذرية ضعاف لتنبيهه على ذلك بكونه هو يترك ذرية ضعافاً، فيدخل في ذلك ولاة الأيتام، وبه فسر ابن عباس.
والذي ينهى المحتضر عن الوصية لذوي القربى، ومن يستحق ويحسن له الإمساك على قرابته وأولاده.
وبه فسر مقسم وحضرمي، والذي يأمر المحتضر بالوصية لفلان وفلان ويذكره بأن يقدم لنفسه، وقصده إيذاء ورثته بذلك.
وبه فسر ابن عباس أيضاً وقتادة والسدي وابن جبير والضحاك ومجاهد.
وقالت فرقة :المراد جميع الناس أمروا باتقاء الله في الأيتام وأولاد الناس، وإن لم يكونوا في حجرهم.
وأن يسددو لهم القول كما يحبون أن يفعل بأولادهم.
قال الزمخشري :ويجوز أن يتصل بما قبله، وأن يكون آمراً للورثة بالشفقة على الذين يحضرون القسمة من ضعفاء أقاربهم واليتامى والمساكين، وأن يتصور أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضائعين محتاجين، هل كانوا يخافون عليهم الحرمان والخشية ؟ انتهى كلامه.
وهو ممكن أن يكون مراداً.
قال القاضي :الأليق بما تقدم وما تأخر أن يكون من الآيات الواردة في الأيتام، فجعل تعالى آخر ما دعاهم به إلى حفظ مال اليتيم أن ينبههم على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها، ولا شك أن هذا من أقوى البواعث في هذا المقصود على الاحتياط فيه.
وقرأ الزهري والحسن وأبو حيوة وعيسى بن عمر :بكسر لام الأمر في :وليخش، وفي :فليتقوا، وليقولوا.
وقرأ الجمهور :بالإسكان.
ومفعول وليخش محذوف، ويحتمل أن يكون اسم الجلالة أي الله، ويحتمل أن يكون هذا الحذف على طريق الأعمال، أعمل فليتقوا.
وحذف معمول الأول، إذ هو منصوب يجوز أن يحذف اقتصاراً، فكان حذفه اختصاراً أجوز، ويصير نحو قولك :أكرمت فبررت زيداً.
وصلة الذين الجملة من لو وجوابها.
قال ابن عطية :تقديره لو تركوا لخانوا.
ويجوز حذف اللام في جواب لو تقول :لو قام زيد لقام عمرو، ولو قام زيد قام عمرو، انتهى كلامه.
وقال الزمخشري :معناه وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافاً وذلك عند احتضارهم، خافوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم وكاسبهم كما قال القائل :
لقد زاد الحياة إليّ حبا بناتي إنهنّ من الضعاف
أحاذر أن يرثن البؤس بعدي وأن يشربن رنقاً بعد صاف
انتهى كلامه.
وقال غيرهما :لو تركوا، لو يمتنع بها الشيء لامتناع غيره، وخافوا جواب لو انتهى.
فظاهر هذه النصوص أنّ لو هنا التي تكون تعليقاً في الماضي، وهي التي يعبر عنها سيبويه :بأنها حرف لما كان يقع لوقوع غيره.
ويعبر غيره عنها بأنها حرف يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره.
وذهب صاحب التسهيل :إلى أنَّ لو هنا شرطية بمعنى أن فتقلب الماضي إلى معنى الاستقبال، والتقدير :وليخش الذين إن تركوا من خلفهم.
قال :ولو وقع بعد لو هذه مضارع لكان مستقبل المعنى كما يكون بعد أن قال الشاعر :
لا يلفك الراجيك إلا مظهراً خلق الكريم ولو تكون عديما
وكان قائل هذا توهم أنه لما أمروا بالخشية، والأمر مستقبل، ومتعلق الأمر هو موصول، لم يصلح أن تكون الصلة ماضية على تقدير دالة على العدم الذي ينافي امتثال الأمر.
وحسن مكان لو لفظ أن فقال :إنها تعليق في المستقبل، وأنها بمعنى إن.
وكأن الزمخشري عرض له هذا التوهم، فلذلك قال :معناه وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا، فلم تدخل لو على مستقبل، بل أدخلت على شارفوا الذي هو ماض أسند للموصول حالة الأمر.
وهذا الذي توهموه لا يلزم في الصلة إلا إن كانت الصلة ماضية في المعنى، واقعة بالفعل.
إذ معنى :لو تركوا من خلفهم، أي ماتوا فتركوا من خلفهم، فلو كان كذلك للزم التأويل في لو أن تكون بمعنى :أن إذ لا يجامع الأمر بإيقاع فعل من مات بالفعل.
أما إذا كان ماضياً على تقدير يصح أن يقع صلة، وأن يكون العامل في الموصول الفعل المستقبل نحو قولك :ليزرنا الذي لو مات أمس بكيناه.
وأصل لو أن تكون تعليقاً في الماضي، ولا يذهب إلى أنه يكون في المستقبل بمعنى :إن، إلا إذ دلّ على ذلك قرينة كالبيت المتقدّم.
لأن جواب لو فيه محذوف مستقبل لاستقبال ما دل عليه وهو قوله :لا يلفك.
وكذلك قوله :
قوم إذا حاربوا شدّة مآزرهم دون النساء ولو بانت بإطهار
لدخول ما بعدها في حيز إذا، وإذا للمستقبل.
ولو قال قائل :لو قام زيد قام عمر، ولتبادر إلى الذهن أنه تعليق في الماضي دون المستقبل.
ومن خلفهم متعلق بتركوا.
وأجاز أبو البقاء أن يكون في موضع الحال من ذرية.
وقرأ الجمهور ضعافاً جمع ضعيف، كظريف وظراف.
وأمال فتحة العين حمزة، وجمعه على فعال قياس.
وقرأ ابن محيصن :ضعفاً بضمتين، وتنوين الفاء.
وقرأت عائشة والسلمي والزهري وأبو حيوة وابن محيصن أيضاً :ضعفاء بضم الضاد والمد، كظريف وظرفاء، وهو أيضاً قياس.
وقرئ ضعافى وضعافى بالإمالة، نحو سكارى وسكارى.
وأمال حمزة خافوا للكسرة التي تعرض له في نحو :خفت.
وانظر إلى حسن ترتيب هذه الأوامر حيث بدأ أولاً بالخشية التي محلها القلب وهي الاحتراز من الشيء بمقتضى العلم، وهي الحاملة على التقوى، ثم أمر بالتقوى ثانياً وهي متسببة عن الخشية، إذ هي جعل المرء نفسه في وقاية مما يخشاه.
ثم أمر بالقول السديد، وهو ما يظهر من الفعل الناشىء عن التقوى الناشئة عن الخشية.
ولا يراد تخصيص القول السديد فقط، بل المعنى على الفعل والقول السديدين.
وإنما اقتصر على القول السديد لسهولة ذلك على الإنسان، كأنه قيل :أقل ما يسلك هو القول السديد.
قال مجاهد :يقولون للذين يفرقون المال زد فلاناً وأعط فلاناً.
وقيل :هو الأمر بإخراج الثلث فقط.
وقيل :هو تلقين المحتضر الشهادة.
وقيل :الصدق في الشهادة.
وقيل :الموافق للحق.
وقيل :للعدل.
وقيل :للقصد.
وكلها متقاربة.
والسداد :الاستواء في القول والفعل.
وأصل السد إزالة الاختلال.
والسديد يقال في معنى الفاعل، وفي معنى المفعول.
ورجل سديد متردد بين المعنيين، فإنه يسدّد من قبل متبوعه، ويسدّد لتابعه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات من ضروب البيان والفصاحة.
الطباق في :واحدة وزوجها، وفي غنياً وفقيراً، وفي :قل أو كثر.
والتكرار في :اتقوا، وفي :خلق، وفي :خفتم، وأن لا تقسطوا، وأن لا تعدلوا من جهة المعنى، وفي اليتامى، وفي النساء، وفي فادفعوا إليهم أموالهم، فإذا دفعتم إليهم أموالهم، وفي نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، وفي قوله :وليخش، وخافوا من جهة المعنى على قول من جعلهما مترادفين، وإطلاق اسم المسبب على السبب في :ولا تأكلوا وشبهه لأن الأخذ سبب للأكل.
وتسمية الشيء باسم ما كان عليه في :وآتوا اليتامى، سماهم يتامى بعد البلوغ.
والتأكيد بالاتباع في :هنيئاً مريئاً وتسمية الشيء باسم ما يؤول اليه في :نصيب مما ترك، وفي ناراً على قول من زعم أنها حقيقة.
والتجنيس المماثل في :فادفعوا فإذا دفعتم، والمغاير في :وقولوا لهم قولاً.
والزيادة للزيادة في المعنى في :فليستعفف.
وإطلاق كل على بعض في :الأقربون، إذ المراد أرباب الفرائض.
وإقامة الظرف المكاني مقام الزماني في :من خلفهم، أي من بعد وفاتهم.
والاختصاص في :بطونهم، خصها دون غيرها لأنها محل للمأكولات.
والتعريض في :في بطونهم، عرض بذكر البطون لحسنهم وسقوط هممهم والعرب تذم بذلك قال :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وتأكيد الحقيقة بما يرفع احتمال المجاز بقوله :في بطونهم.
رفع المجاز العارض في قوله : ﴿ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً ﴾ وهذا على قول من حمله على الحقيقة، ومن حمله على المجاز فيكون عنده من ترشيح المجاز، ونظير كونه رافعاً للمجاز قوله : ﴿ يطير بجناحيه ﴾ وقوله : ﴿ يكتبون الكتاب بأيديهم ﴾ والحذف في عدة مواضع.

صلى بالنار تسخن بها، وصليته أدنيته منها.
التسعير :الجمر المشتعل من سعرت النار أوقدتها، ومنه مسعر حرب.
﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً ﴾ نزلت في المشركين كانوا يأكلون أموال اليتامى ولا يورثونهم ولا النساء، قاله :ابن زيد.
وقيل :في حنظلة بن الشمردل، ولي يتيماً فأكل ماله.
وقيل :في زيد بن زيد الغطفاني ولي مال ابن أخيه فأكله، قاله :مقاتل.
وقال الأكثرون :نزلت في الأوصياء الذين يأكلون من أموال اليتامى ما لم يبح لهم، وهي تتناول كل أكل بظلم لم يكن وصياً وانتصاب ظلماً على أنه مصدر في موضع الحال أو مفعول من أجله، وخبران هي الجملة من قوله :إنما يأكلون.
وفي ذلك دليل على جواز وقوع الجملة المصدرة بأن خبراً، لأن وفي ذلك خلاف.
وحسن ذلك هنا تباعدهما يكون اسم إنّ موصولاً، فطال الكلام بذكر صلته.
وفي بطونهم :معناه ملء بطونهم يقال :أكل في بطنه، وفي بعض بطنه.
كما قال :
كلوا في بعض بطنكم تعفوا فإن زمانكم زمن خميص
والظاهر :تعلق في بطونهم بيأكلون، وقاله الحوفي.
وقال أبو البقاء :هو في موضع الحال من قوله :ناراً.
ونبّه بقوله :في بطونهم على نقصهم، ووصفهم بالشره في الأكل، والتهافت في نيل الحرام بسبب البطن.
وأين يكون هؤلاء من قول الشاعر ؟ !
تراه خميص البطن والزاد حاضر *** وقول الشنفري :
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
وظاهر قوله :ناراً أنهم يأكلون ناراً حقيقة.
وفي حديث أبي سعيد عن ليلة الإسراء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « رأيت قوماً لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صحراً من نار يخرج من أسافلهم، فقلت :يا جبريل من هؤلاء ؟ قال :هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً وبأكلهم النار حقيقة » قالت طائفة :وقيل :هو مجاز، لما كان أكل مال اليتيم يجر إلى النار والتعذيب، بها عبر عن ذلك بالأكل في البطن، ونبه على الحامل على أخذ المال وهو البطن الذي هو أخس الأشياء التي ينتفع بالمال لأجلها، إذ مآل ما يوضع فيه إلى الاضمحلال والذهاب في أقرب زمان.
ولذلك قال : « ما ملأ الإنسان وعاء شراً من بطنه »
وقرأ الجمهور :وسيصلون مبنياً للفاعل من الثلاثي.
وقرأ ابن عامر وأبو بكر :بضم الياء وفتح اللام مبنياً للمفعول من الثلاثي.
وابن أبي عبلة :بضم الياء وفتح الصاد واللام مشدّدة مبنياً للمفعول.
والصلا من :التسخن بقرب النار، والإحراق إتلاف الشيء بالنار.
وعبر بالصلا بالنار عن العذاب الدائم بها، إذ النار لا تذهب ذواتهم بالكلية، بل كما قال : ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ﴾ وهذا وعيد عظيم على هذه المعصية.
وجاء يأكلون بالمضارع دون سين الاستقبال، وسيصلون بالسين، فإن كان الأكل للنار حقيقة فهو مستقبل، واستغنى عن تقييده بالسين بعطف المستقبل عليه.
وإن كان مجازاً فليس بمستقبل، إذ المعنى :يأكلون ما يجر إلى النار ويكون سبباً إلى العذاب بها.
ولما كان لفظ نار مطلقاً في قوله :إنما يأكلون في بطونهم ناراً، قيد في قوله سعيراً، إذ هو الجمر المتقد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات من ضروب البيان والفصاحة.
الطباق في :واحدة وزوجها، وفي غنياً وفقيراً، وفي :قل أو كثر.
والتكرار في :اتقوا، وفي :خلق، وفي :خفتم، وأن لا تقسطوا، وأن لا تعدلوا من جهة المعنى، وفي اليتامى، وفي النساء، وفي فادفعوا إليهم أموالهم، فإذا دفعتم إليهم أموالهم، وفي نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، وفي قوله :وليخش، وخافوا من جهة المعنى على قول من جعلهما مترادفين، وإطلاق اسم المسبب على السبب في :ولا تأكلوا وشبهه لأن الأخذ سبب للأكل.
وتسمية الشيء باسم ما كان عليه في :وآتوا اليتامى، سماهم يتامى بعد البلوغ.
والتأكيد بالاتباع في :هنيئاً مريئاً وتسمية الشيء باسم ما يؤول اليه في :نصيب مما ترك، وفي ناراً على قول من زعم أنها حقيقة.
والتجنيس المماثل في :فادفعوا فإذا دفعتم، والمغاير في :وقولوا لهم قولاً.
والزيادة للزيادة في المعنى في :فليستعفف.
وإطلاق كل على بعض في :الأقربون، إذ المراد أرباب الفرائض.
وإقامة الظرف المكاني مقام الزماني في :من خلفهم، أي من بعد وفاتهم.
والاختصاص في :بطونهم، خصها دون غيرها لأنها محل للمأكولات.
والتعريض في :في بطونهم، عرض بذكر البطون لحسنهم وسقوط هممهم والعرب تذم بذلك قال :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وتأكيد الحقيقة بما يرفع احتمال المجاز بقوله :في بطونهم.
رفع المجاز العارض في قوله : ﴿ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً ﴾ وهذا على قول من حمله على الحقيقة، ومن حمله على المجاز فيكون عنده من ترشيح المجاز، ونظير كونه رافعاً للمجاز قوله : ﴿ يطير بجناحيه ﴾ وقوله : ﴿ يكتبون الكتاب بأيديهم ﴾ والحذف في عدة مواضع.

﴿ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ لما أبهم في قوله : ﴿ نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ في المقدار والأقربين، بيّن في هذه الآية المقادير ومن يرث من الأقربين، وبدأ بالأولاد وإرثهم من والديهم، كما بدأ في قوله :للرّجال نصيب مما ترك الوالدان بهم.
وفي قوله :يوصيكم الله في أولادكم إجمال أيضاً بينه بعد.
وبدأ بقوله :للذكر، وتبين ما له دلالة على فضله.
وكان تقديم الذكر أدل على فضله من ذكر بيان نقص الأنثى عنه، ولأنهم كانوا يورثون الذكور دون الإناث، فكفاهم إن ضوعف لهم نصيب الإناث فلا يحرمن إذ هن يدلين بما يدلون به من الولدية.
وقد اختلف القول في سبب النزول، ومضمن أكثر تلك الأقاويل :أنهم كانوا لا يورّثون البنات كما تقدم، فنزلت تبييناً لذلك ولغيره.
وقيل :نزلت في جابر إذ مرض، فعاده الرسول فقال :كيف أصنع في مالي ؟ وقيل :كان الإرث للولد والوصية للوالدين، فنسخ بهذه الآيات.
قيل :معنى يوصيكم يأمركم.
كقوله : ﴿ ذلكم وصاكم به ﴾ وعدل إلى لفظ الإيصاء لأنه أبلغ وأدل على الاهتمام، وطلب حصوله سرعة، وقيل :يعهد إليكم كقوله : ﴿ ما وصى به نوحاً ﴾ وقيل :يبين لكم في أولادكم مقادير ما أثبت لهم من الحق مطلقاً بقوله ﴿ للرّجال وأولوا الأرحام ﴾ وقيل :يفرض لكم.
وهذه أقوال متقاربة.
والخطاب في :يوصيكم، للمؤمنين، وفي أولادكم :هو على حذف مضاف.
أي :في أولاد موتاكم، لأنه لا يجوز أن يخاطب الحي بقسمة الميراث في أولاده ويفرض عليه ذلك، وإن كان المعنى بيوصيكم يبين جاز أن يخاطب الحي، ولا يحتاج إلى حذف مضاف.
والأولاد يشمل الذكور والإناث، إلا أنه خص من هذا العموم من قام به مانع الإرث، فأما الرّق فمانع بالإجماع، وأما الكفر فكذلك، إلا ما ذهب إليه معاذ من :أن المسلم يرث الكافر.
وأما القتل فإن قتل أباه لم يرث، وكذا إذا قتل جده وأخاه أو عمه، لا يرث من الدية، هذا مذهب ابن المسيب، وعطاء، ومجاهد، والزهري، والأوزاعي، ومالك، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر.
وقال أبو حنيفة وسفيان وأصحاب الرأي والشافعي وأحمد :لا يرث من المال، ولا من الدية شيئاً.
واستثنى النخعي من عموم أولادكم الأسير، فقال :لا يرث.
وقال الجمهور :إذا علمت حياته يرث، فإن جهلت فحكمه حكم المفقود.
واستثنى من العموم الميراث من النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الجنين فإن خرج ميتاً لم يرث، وإن خرج حياً فقال القاسم، وابن سيرين، وقتادة، والشعبي، والزهري، ومالك، والشافعي :يستهل صارخاً، ولو عطس أو تحرك أو صاح أو رضع أو كان فيه نفس.
وقال الأوزاعي وسفيان والشافعي :إذا عرفت حياته بشيء من هذه، وإن لم يستهل فحكمه حكم الحي في الإرث.
وأما الجنين في بطن أمه فلا خلاف في أنه يرث، وإنما الخلاف في قسمة المال الذي له فيه سهم.
وذلك مذكور في كتب الفقه.
وأما الخنثى فداخل في عموم أولادكم، ولا خلاف في توريثه، والخلاف فيما يرث وفيما يعرف به أنه خنثى، وذلك مذكور في كتب الفقه.
وأما المفقود فقال أبو حنيفة :لا يرث في حال فقده من أحد شيئاً.
وقال الشافعي :يوقف نصيبه حتى يتحقق موته، وهو ظاهر قول مالك :وأما المجنون والمعتوه والسفيه فيرثون إجماعاً، والولد حقيقة في ولد الصلب ويستعمل في ولد الابن، والظاهر أنه مجاز.
إذ لو كان حقيقة بطريق الاشتراك أو التواطىء لشارك ولد الصلب مطلقاً، والحكم أنه لا يرث إلا عند عدم ولد الصلب، أو عند وجود من لا يأخذ جميع الميراث منهم.
وهذا البحث جار في الأب والجد والأم والجدة، والأظهر أنه ليس على سبيل الحقيقة لاتفاق الصحابة على أنَّ الجد ليس له حكم مذكور في القرآن، ولو كان اسم الأب يتناوله حقيقة لما صح هذا الاتفاق.
ولو أوصى لولد فلان فعند الشافعي لا يدخل ولد الولد، وعند مالك يدخل، وعند أبي حنيفة يدخل إن لم يكن لفلان ولد صلب.
وللذكر :إما أن يقدّر محذوف أي :للذكر منهم، أو تنوب الألف واللام عن الضمير على رأي من يرى ذلك التقدير لذكرهم.
ومثل :صفة لمبتدأ محذوف تقديره حظ مثل.
قال الفراء :ولم يعمل يوصيكم في مثل إجراء له مجرى القبول في حكاية الجمل، فالجملة في موضع نصب بيوصيكم.
وقال الكسائي :ارتفع مثل على حذف أن تقديره :أنّ للذكر.
وبه قرأ ابن أبي عبلة وأريد بقوله :للذكر مثل حظ الأنثيين حالة اجتماع الذكر والأنثيين فله سهمان، كما أن لهما سهمين.
وأما إذا انفرد الابن فيأخذ المال أو البنتان، فسيأتي حكم ذلك.
ولم تتعر الآية للنص على هاتين المسألتين.
وقال أبو مسلم الأصبهاني :نصيب الذكر هنا هو الثلثان، فوجب أن يكون نصيب الانثيين.
وقال أبو بكر الرازي :إذا كان نصيبها مع الذكر الثلث، فلا أن يكون نصيبها مع أنثى الثلث أولى، لأن الذكر أقوى من الأنثى.
وقيل :حظ الأنثيين أزيد من حظ الأنثى، وإلا لزم حظ الذكر مثل حظ الأنثى، وهو خلاف النص، فوجب أن يكون حظهما الثلثين، لأنه لا قائل بالفرق.
فهذه وجوه ثلاثة مستنبطة من الآية تدل على أن فرض البنتين الثلثان.
ووجه رابع من القياس الجلي وهو أنه لم يذكر هنا حكم الثنتين، وذكر حكم الواحدة وما فوق الثنتين.
وفي آخر السورة ذكر حكم الأخت الواحدة، وحكم الأختين، ولم يذكر حكم الأخوات، فصارت الآيتان مجملتين من وجه، مبينتين من وجه.
فنقول :لما كان نصيب الأختين الثلثين، كانت البنتان أولى بذلك لأنهما أقرب إلى الميت.
ولما كان نصيب البنات الكثيرة لا يزاد على الثلثين، وجب أن لا يزاد نصيب الأخوات على ذلك، لأن البنت لما كانت أشدّ اتصالاً بالميت امتنع جعل الأضعف زائداً على الأقوى.
وقال الماتريدي :في الآية دليل على أن المال كله للذكر إذا لم يكن معه أنثى، لأنه جعل للذكر مثل ما للأنثيين.
وقد جعل للأنثى النصف إذا لم يكن معها ذكر بقوله : ﴿ وإن كانت واحدة فلها النصف ﴾ فدل على أن للذكر حالة الانفراد مثلي ذلك ومثلاً النصف، هو الكل انتهى.
وقرأ الحسن وابن أبي عبلة :يوصيكم بالتشديد.
وقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة والأعرج :ثلثاً والثلث والربع والسدس والثمن بإسكان الوسط، والجمهور بالضم، وهي لغة الحجاز وبني أسد، قاله :النحاس من الثلث إلى العشر.
وقال الزجاج هي لغة واحدة، والسكون تخفيف، وتقدير الآية :يوصيكم الله في شأن أولادكم الوارثين للذكر منهم حظ مثل حظ الأنثيين حالة اجتماعهم مما ترك الموروثون أن انفرد بالإرث، فإن كان معهما ذو فرض كان ما يبقى من المال لهما، والفروض هي المذكورة في القرآن وهي ستة :النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس.
﴿ فإن كنَّ نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ﴾ ظاهر هذا التقسيم أنّ ما زاد على الثنتين من الأولاد يرثن الثلثين مما ترك موروثهما، وظاهر السياق انحصار الوارث فيهن.
ولما كان لفظ الأولاد يشمل الذكور والإناث، وقصد هنا بيان حكم الإناث، أخلص الضمير للتأنيث.
إذ الإناث أحد قسمي ما ينطلق عليه الأولاد، فعاد الضمير على أحد القسمين، وكأن قوله تعالى : ﴿ في أولادكم ﴾ في قوة قوله : ﴿ في أولادكم ﴾ الذكور والإناث.
وإذا كان الضمير قد عاد على جمع التكسير العاقل المذكر بالنون في نحو قوله :ورب الشياطين ومن أضللن كما يعود على الإناث كقوله : ﴿ والوالدات يرضعن ﴾ فلأن يعود على جمع التكسير العاقل الجامع للمذكر والمؤنث، باعتبار أحد القسمين الذي هو المؤنث أولى، واسم كان الضمير العائد على أحد قسمي الأولاد، والخبر نساء بصفته الذي هو فوق اثنتين، لأنه لا تستقل فائدة الأخبار بقوله :نساء وحده، وهي صفة للتأكيد ترفع أن يراد بالجمع قبلهما طريق المجاز، إذ قد يطلق الجمع ويراد به التثنية.
وأجاز الزمخشري أن يكون نساء خبراً ثانياً، لكان، وليس بشيء، لأن الخبر لا بد أن تستقل به فائدة الإسناد.
ولو سكت على قوله فإن كن نساء لكان نظير، أن كان الزيدون رجالاً، وهذا ليس بكلام.
وقال بعض البصريين :التقدير وإن كان المتروكات نساء فوق اثنتين.
وقدره الزمخشري :البنات أو المولودات.
وقال الزمخشري :( فإن قلت ) :هل يصح أن يكون الضميران في كن وكانت مبهمين، ويكون نساء وواحدة تفسيراً لهما على أن كان تامّة ؟ ( قلت ) :لا أبعد ذلك انتهى.
ونعني بالإبهام أنهما لا يعودان على مفسر متقدّم، بل يكون مفسرهما هو المنصوب بعدهما، وهذا الذي لم يبعده الزمخمشري هو بعيد، أو ممنوع ألبتة.
لأن كان ليست من الأفعال التي يكون فاعلها مضمراً يفسره ما بعده، بل هو مختص من الأفعال بنعم وبئس وما حمل عليهما، وفي باب التنازع على ما قرر في النحو.
ومعنى فوق اثنتين :أكثر من اثنتين بالغات ما بلغن من العدد، فليس لهن إلا الثلثان.
ومن زعم أن معنى قوله :نساء فوق اثنتين، اثنتان فما فوقهما، وأنّ قوة الكلام تقتضي ذلك كابن عطية، أو أنّ فوق زائدة مستدلاً بأن فوق قد زيدت في قوله : ﴿ فاضربوا فوق الأعناق ﴾ فلا يحتاج في ردّ ما زعم إلى حجة لوضوح فساده.
وذكروا أنّ حكم الثنتين في الميراث الثلثان كالبنات.
قالوا :ولم يخالف في ذلك إلا ابن عباس، فإنه يرى لهما النصف إذا انفردا كحالهما إذا اجتمعا مع الذكر، وما احتجوا به تقدّم ذكره.
وورد في الحديث في قصة أوس بن ثابت : « أنه صلى الله عليه وسلم أعطى البنتين الثلثين » وبنات الابن أو الأخوات الأشقاء أو لأب كبنات الصلب في الثلثين إذا انفردن عن من يحجبهن.
﴿ وإن كانت واحدة فلها النصف ﴾ قرأ الجمهور واحدة بالنصب على أنه خبر كان، أي :وإن كانت هي أي البنت فذة ليس معها أخرى.
وقرأ نافع واحدة بالرفع على إن كان تامة وواحدة الفاعل.
وقرأ السلمي :النصف بضم النون، وهي قراءة عليّ وزيد في جميع القرآن.
وتقدّم الخلاف في ضم النون وكسرها في ﴿ فنصف ما فرضتم ﴾ في البقرة.
وبنت الابن إذا لم تكن بنت صلب، والأخت الشقيقة أو لأب، والزوج إذا لم يكن للزوجة ولد، ولا ولد ابن كبنت الصلب لكل منهم النصف.
﴿ ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ﴾ لما ذكر الفروع ومقدار ما يرثون أخذ في ذكر الأصول ومقدار ما يرثون، فذكر أنّ الميت يرث منه أبواه كل واحد السدس إن كان للميت ولد، وأبواه هما :أبوه وأمه.
وغلب لفظ الأب في التثنية كما قيل :القمران، فغلب القمر لتذكيره على الشمس، وهي تثنية لا تقاس.
وشمل قوله :وله ولد الذكر والأنثى، والواحد والجماعة.
وظاهر الآية أن فرض الأب السدس إذا كان للميت ولد أي ولد كان، وباقي المال للولد ذكراً كان أو أنثى.
والحكم عند الجمهور أنه لو كان الولد أنثى أخذ السدس فرضاً، والباقي تعصيباً.
وتعلقت الروافض بظاهر لفظ ولد فقالوا :السدس لكل واحد من أبويه، والباقي للبنت أو الابن، إذ الولد يقع على :الذكر، والأنثى، والجد، وبنات الابن مع البنت، والأخوات لأب مع أخت لأب وأم، والواحدة من ولد الأم، والجدات كالأب مع البنت في السدس.
وقال مالك :لا ترث جدة أبي الأب.
وقال ابن سيرين :لا ترث أم الأم.
والضمير في لأبويه عائد على ما عاد عليه الضمير في
﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ﴾ لما ذكر تعالى ميراث الفروع من الأصول، وميراث الأصول من الفروع، أخذ في ذكر ميراث المتصلين بالسبب لا بالنسب وهو للزوجية هنا، ولم يذكر في القرآن التوارث بسبب الولاء.
والتوارث المستقر في الشرع هو بالنسب، والسبب الشامل للزوجية والولاء.
وكان في صدر الإسلام يتوارث بالموالاة والخلف والهجرة، فنسخ ذلك.
وقدّم ذكر ميراث سبب الزوجية على ذكر الكلالة وإن كان بالنسب، لتواشج ما بين الزوجين واتصالهما، واستغناء كل منهما بعشرة صاحبه دون عشرة الكلاله، وبدىء بخطاب الرجال لما لهم من الدرجات على النساء.
ولما كان الذكر من الأولاد حظه مع الأنثى مثل حظ الأنثيين، جعل في سبب التزوج الذكر له مثلاً حظ الأنثى.
ومعنى :كان لهن ولد أي :منكم أيها الوارثون، أو من غيركم.
والولد :هنا ظاهره أنه من ولدته لبطنها ذكراً كان أو أنثى واحداً كان أو أكثر، وحكم بين الذكور منها وإن سفلوا حكم الولد للبطن، في أن فرض الزوج منها الربع مع وجوده بإجماع.
﴿ ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين ﴾ الولد هنا كالولد في تلك الآية.
والربع والثمن يشترك فيه الزوجات إن وجدن، وتنفرد به الواحدة.
وظاهر الآية :أنهما يعطيان فرضهما المذكور في الآيتين من غير عول، وإلى ذلك ذهب ابن عباس.
وذهب الجمهور إلى أنّ العول يلحق فرض الزوج والزوجة، كما يلحق سائر الفرائض المسماة.
﴿ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس ﴾ الكلالة :خلو الميت عن الوالد والوالدة قاله :أبو بكر، وعمر، وعلي، وسليم بن عبيد، وقتادة، والحكم، وابن زيد، والسبيعي.
وقالت طائفة :هي الخلوّ من الولد فقط.
وروي عن أبي بكر وعمر ثم رجعا عنه إلى القول الأوّل.
وروي أيضاً عن ابن عباس، وذلك مستقر من قوله في الإخوة مع الوالدين :إنهم يحطون الأم ويأخذون ما يحطونه.
ويلزم على قوله :إذ ورثهم بأن الفريضة كلالة أن يعطيهم الثلث بالنص.
وقالت طائفة منهم :الحكم بن عيينة، هي الخلو من الولد.
قال ابن عطية :وهذا إن القولان ضعيفان، لأنّ من بقي والده أو ولده فهو موروث بنسب لا بتكلل.
وأجمعت الأمة الآن على أنَّ الإخوة لا يرثون مع ابن ولا أب، وعلى هذا مضت الأعصار والأمصار انتهى.
واختلف في اشتقاقها.
فقيل :من الكلال وهو الإعياء، فكأنه يصير الميراث إلى الوارث من بعد إعياء.
قال الأعشى :
فيا ليت لا أرثي لها من كلالة *** ولا من وجى حتى نلاقي محمدا
وقال الزمخشري :والكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال، وهو ذهاب القوة من الإعياء.
فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد والوالد، لأنها بالإضافة إلى قرابتها كالة ضعيفة. انتهى.
وقيل :هي مشتقة من تكلله النسب أحاط به.
وإذا لم يترك والداً ولا ولداً فقد انقطع طرفاه، وهما عمودا نسبه، وبقي موروثه لمن يتكلله نسبه أي :يحيط به من نواحيه كالإكليل.
ومنه روض مكلل بالزهر.
وقال الفرزدق :
ورثتم قناة المجد لا عن كلالة *** عن ابني مناف عبد شمس وهاشم
وقال الأخفش :الكلالة من لا يرثه أب ولا أم.
والذي عليه الجمهور أنَّ الكلالة الميت الذي لا ولد له ولا مولود، وهو قول جمهور أهل اللغة صاحب العين، وأبي منصور اللغوي، وابن عرفة، وابن الأنباري، والعتبي، وأبي عبيدة.
وغلط أبو عبيدة في ذكر الأخ مع الأب والولد.
وقطرب في قوله :الكلالة اسم لمن عدا الأبوين والأخ، وسمى ما عدا الأب والولد كلالة، لأنه بذهاب طرفيه تكلله الورثة وطافوا به من جوانبه.
ويرجح هذا القول نزول الآية في جابر ولم يكن له يوم نزولها ابن ولا أب، لأنّ أباه قتل يوم أحد فصارت قصة جابر بياناً لمراد الآية.
وأما الكلالة في الآية فقال عطاء :هو المال.
وقالت طائفة :الكلالة الورثة، وهو قول الراغب قال :الكلالة اسم لكل وارث.
قال الشاعر :
والمرء يجمع للغنى *** وللكلالة ما يسيم
وقال عمر وابن عباس :الكلالة الميت الموروث.
وقالت طائفة :الورثة بجملتها كلهم كلالة.
وقرأ الجمهور :يورث بفتح الراء مبنياً للمفعول، من أورث مبنياً للمفعول.
وقرأ الحسن :بكسرها مبنياً للفاعل من أورث أيضاً.
وقرأ أبو رجاء والحسن والأعمش :بكسر الراء وتشديدها.
من ورّث.
فأما على قراءة الجمهور ومعنى الكلالة أنه الميت أو الوارث، فانتصاب الكلالة على الحال من الضمير المستكن في يورث.
وإذا وقع على الوارث احتيج إلى تقدير :ذا كلالة، لأن الكلالة إذ ذاك ليست نفس الضمير في يورث.
وإن كان معنى الكلالة القرابة، فانتصابها على أنها مفعول من أجله أي :يورث لأجل الكلالة.
وأما على قراءة الحسن وأبي رجاء، فإن كانت الكلالة هي الميت فانتصابها على الحال، والمفعولان محذوفان، التقدير :يورث وارثه ماله في حال كونه كلالة.
وإن كان المعنى بها الوارث فانتصاب الكلالة على المفعول به بيورث، ويكون المفعول الثاني محذوفاً تقديره :يورث كلالة ماله أو القرابة، فعلى المفعول من أجله والمفعولان محذوفان أيضاً، ويجوز في كان أن تكون ناقصة، فيكون يورث في موضع نصب على الخبر.
وتامة فتكون في موضع رفع على الصفة.
ويجوز إذا كانت ناقصة والكلالة بمعنى الميت، أن يكون يورث صفة، وينتصب كلالة على خبر كان، أو بمعنى الوارث.
فيجوز ذلك على حذف مضاف أي :وإن كان رجل موروث ذا كلالة.
وقال عطاء :الكلالة المال، فينتصب كلالة على أنه مفعول ثان، سواء بني الفعل للفاعل أو للمفعول.
وقال ابن زيد :الكلالة الوراثة، وينتصب على الحال أو على النعت لمصدر محذوف تقديره :وراثة كلاله.
وقد كثر الاختلاف في الكلالة، وملخص ما قيل فيها :أنها الوارث، أو الميت الموروث، أو المال الموروث، أو الوراثة، أو القرابة.
وظاهر قوله :يورث أي :يورث منه، فيكون هو الموروث لا الوارث.
ويوضحه قراءة من كسر الراء.
وقال الزمخشري :( فإن قلت ) :فإن جعلت يورث على البناء للمفعول من أورث فما وجهه ؟ ( قلت ) :الرجل حينئذ هو الوارث لا الموروث.
( فإن قلت ) :فالضمير في قوله :فلكل واحد منهما إلى من يرجع حينئذ ؟ ( قلت ) :إلى الرجل وإلى أخيه وأخته، وعلى الأول إليهما ( فإن قلت ) :إذا رجع الضمير إليهما أفاد استواءهما في حيازة السدس من غير مفاضلة الذكر والأنثى، فهل تبقى هذه الفائدة قائمة في هذا الوجه ؟ [ قلت ] :نعم، لأنك إذا قلت :السدس له، أو لواحدٍ من الأخ أو الأخت على التخيير، فقد سويت بين الذكر والأنثى انتهى كلامه.
وملخص ما قال :أن يكون المعنى :إن كان أحد اللذين يورثهما غيرهما من رجل أو امرأة له أحد هذين من أخ أو أخت، فلكل واحد منهما السدس.
وعطف وامرأة على رجل، وحذف منها ما قيد به الرجل لدلالة المعنى، والتقدير :أو امرأة تورث كلالة.
وإن كان مجرد العطف لا يقتضي تقييد المعطوف بقيد المعطوف عليه.
والضمير في :وله، عائد على الرجل نظير : ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ في كونه عاد على المعطوف عليه.
وإن كان يجوز أن يعاد الضمير على المعطوف تقول :زيد أو هند قامت، نقل ذلك الأخفش والفراء.
وقد تقدم لنا ذكر هذا الحكم.
وزاد الفراء وجهاً ثالثاً وهو :أن يسند الضمير إليهما.
قال الفراء :عادة العرب إذا رددت بين اسمين بأو، وأن تعيد الضمير إليهما جميعاً، وإلى أحدهما أيهما شئت.
تقول :مَن كان له أخ أو أخت فليصله.
وإن شئت فليصلها انتهى.
وعلى هذا الوجه ظاهر قوله : ﴿ إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما ﴾ وقد تأوله من منع الوجه.
وأصل أخت إخوة على وزن شررة، كما أن بنتاً أصله بنية على أحد القولين في ابن، أهو المحذوف منه واو أو ياء ؟ قيل :فلما حذفت لام الكلمة وتاء التأنيث، وألحقوا الكلمة بقفل وجذع بزيادة التاء آخرهما قال الفراء :ضم أول أخت ليدل على أن المحذوف واو، وكسر أول بنت ليدل على أن المحذوف ياء انتهى.
ودلت هذه التاء التي للإلحاق على ما دلت عليه تاء التأنيث من التأنيث.
وظاهر قوله :وله أخ أو أخت الإطلاق، إذ الإخوة تكون بين الأحفاد والأعيان وأولاد العلات، وأجمعوا على أنّ المراد في هذه الآية الإخوة للأم.
ويوضح ذلك قراءة أبيّ وله أخ أو أخت من الأم.
وقراءة سعد بن أبي وقاص :وله أخ أو أخت من أم، واختلاف الحكمين هنا، وفي آخر السورة يدل على اختلاف المحكوم له، إذ هنا الإبنان أو الإخوة يشتركون في الثلث فقط ذكوراً أو إناثاً بالسوية بينهم.
وهناك يحوزون المال للذكر مثل حظ الأنثيين، والبنتان لهما الثلثان، والضمير في منهما الظاهر أنه يعود على أخ أو أخت.
وعلى ما جوزه الزمخشري يعود على أحد رجل وامرأة واحد أخ وأخت، ولو ماتت عن زوج وأم وأشقاء فله النصف ولهما السدس، ولهم الباقي أولاً فلهم الثلث.
أو أخوين لأم أشقاء فهذه الحمادية.
فهل يشترك الجميع في الثلث، أم ينفرد به الأخوان لأم ؟ قولان، قال بالتشريك عمر في آخر قضائه، وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو حنيفة وأصحابه.
وقال بالانفراد :علي وأبو موسى، وأبي، وابن عباس.
﴿ فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ﴾ الإشارة بذلك إلى أخ أو أخت، أي أكثر من واحد.
لأنّ المحكوم عليه بأن له السدس هو كل واحد من الأخ والأخت فهو واحد، ولم يحكم على الاثنين بأن لهما جميعاً السدس، فتصح الأكثرية فيما أشير إليه وهو ذلك، بل المعنى هنا بأكثر يعني :فإن كان من يرث زائداً على ذلك أي :على الواحد، لأنه لا يصح أن يقول هذا أكثر من واحد إلا بهذا المعنى، لتنافي معنى كثير وواحد، إذ الواحد لا كثرة فيه.
وفي قوله :فإن كانوا، وفهم شركاء غلب ضمير المذكر، ولذلك جاء بالواو وبلفظ، فهم هذا كله على ما قررت فيه الأحكام.
وظاهر الآية :أنه إذا ترك أخاً أو أختاً، أي أحد هذين، فلكل واحد منهما السدس أو أكثر اشتركوا في الثلث، أما إذا ترك اثنين من أخ أو أخت، فلا يدل على ذلك ظاهر الآية.
﴿ من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار وصية من الله ﴾ الضمير في يوصي عائد على رجل، كما عاد عليه في :وله أخ.
ويقوي عود الضمير عليه أنه هو الموروث لا الوارث، لأن الذي يوصي أو يكون عليه الدين هو الموروث لا الوارث.
ومن فسر قوله : ﴿ وإن كان رجل ﴾ أنه هو الوارث لا الموروث، جعل الفاعل في يوصي عائداً على ما دل عليه المعنى من الوارث.
كما دل المعنى على الفاعل في قوله : ﴿ فلهن ثلثا ما ترك ﴾ لأنه علم أن الموصي والتارك لا يكون إلا الموروث، لا الوارث.
والمراد :غير مضار، ورثته بوصيته أو دينه.
ووجوه المضارة كثيرة :كان يوصي بأكثر من الثلث، أو لوارثه، أو بالثلث، أو يحابى به، أو يهبه، أو يصرفه إلى وجوه القرب من عتق وشبهه فراراً عن وارث محتاج، أو يقر بدين ليس عليه.
ومشهور مذهب مالك أنه ما دام في الثلث لا بعد مضاراً، وينبغي اعتبار هذا القيد وهو انتفاء الضرر فيما تقدم من ذكر قوله : ﴿ من بعد وصية يوصي بها ﴾ { وتوصون ويوصين
﴿ تلك حدود الله ﴾ قيل :الإشارة بتلك إلى القسمة المتقدّمة في المواريث.
والأولى أن تكون إشارة إلى الأحكام السابقة في أحوال اليتامى والزوجات والوصايا والمواريث، وجعل هذه الشرائع حدوداً، لأنها مؤقتة للمكلفين لا يجوز لهم أن يتعدوها إلى غيرها.
وقال ابن عباس :حدود الله طاعته.
وقال السدّي :شروطه.
وقيل :فرائضه.
وقيل :سننه.
وهذه أقوال متقاربة.
﴿ ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ﴾ لما أشار تعالى إلى حدوده التي حدَّها قسَّم الناس إلى عامل بها مطيع، وإلى غير عامل بها عاص.
وبدأ بالمطبع لأن الغالب على من كان مؤمناً بالله تعالى الطاعة، إذ السورة مفتتحة بخطاب الناس عامّة، ثم أردف بخطاب من يتصف بالإيمان إلى آخر المواريث، ولأن قسم الخير ينبغي أن يبتدأ به وأن يعتني بتقديمه.
وحمل أولاً على لفظ من في قوله :يطع، ويدخله، فأفرد ثم حمل على المعنى في قوله :خالدين.
وانتصاب خالدين على الحال المقدرة، والعامل فيه يدخله، وصاحب الحال هو ضمير المفعول في يدخله.
قال ابن عطية :وجمع خالدين على معنى من بعد أن تقدم الإفراد مراعاة للفظ من، وعكس هذا لا يجوز انتهى.
وما ذكر أنه لا يجوز من تقدم الحمل على المعنى ثم على اللفظ جائز عند النحويين، وفي مراعاة الحملين تفصيل وخلاف مذكور في كتب النحو المطولة.
وقال الزمخشري :وانتصب خالدين وخالداً على الحال.
( فإن قلت ) :هل يجوز أن يكونا صفتين لجنات وناراً ؟ ( قلت ) :لا، لأنهما جريا على غير من هما له، فلا بد من الضمير وهو قولك :خالدين هم فيها، وخالداً هو :فيها انتهى.
وما ذكره ليس مجمعاً عليه، بل فرع على مذهب البصريين.
وأما عند الكوفيين فيجوز ذلك، ولا يحتاج إلى إبراز الضمير إذا لم يلبس على تفصيل لهم في ذلك ذكر في النحو.
وقد جوز ذلك في الآية الزجاج والتبريزي أخذ بمذهب الكوفيين.
وقرأ نافع وابن عامر :ندخله هنا، وفي :ندخله ناراً بنون العظمة.
وقرأ الباقون :بالياء عائداً على الله تعالى.
قال الراغب :ووصف الفوز بالعظم اعتبار يفوز الدّنيا الموصوف بقوله : ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ والصغير والقليل في وصفهما متقاربان.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات من أصناف البديع :التفصيل في :الوارث والأنصباء بعد الإبهام في قوله :للرجال نصيب الآية.
والعدول من صيغة :يأمركم الله إلى يوصيكم، لما في الوصية من التأكيد والحرص على اتباعها.
والطباق في :للذكر مثل حظ الأنثيين، وفي :من يطع ومن يعص، وإعادة الضمير إلى غير مذكور لقوة الدلالة على ذلك في قوله :مما ترك أي :ترك الموروث.
والتكرار في :لفظ كان، وفي فريضة من الله، أن الله، وفي :ولداً، وأبواه، وفي :من يعد وصية يوصي بها أو دين، وفي :وصية من الله إن الله، وفي :حدود الله، وفي :الله ورسوله.
وتلوين الخطاب في :من قرأ ندخله بالنون.
والحذف في مواضع.

﴿ ومن يعص الله ورسوله ويتعدّ حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين ﴾ لما ذكر ثواب مراعي الحدود ذكر عقاب من يتعداها، وغلظ في قسم المعاصي، ولم يكتف بالعصيان بل أكد ذلك بقوله :ويتعدّ حدوده، وناسب الختم بالعذاب المهين، لأن العاصي المتعدّي للحدود برز في صورة من اغتر وتجاسر على معصية الله.
وقد تقل المبالاة بالشدائد ما لم ينضم إليها الهوان، ولهذا قالوا :المنية ولا الدنية.
قيل :وأفرد خالداً هنا، وجمع في خالدين فيها، لأنّ أهل الطاعة أهل الشفاعة، وإذا شفع في غير دخلها، والعاصي لا يدخل النار به غيره، فبقي وحيداً انتهى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات من أصناف البديع :التفصيل في :الوارث والأنصباء بعد الإبهام في قوله :للرجال نصيب الآية.
والعدول من صيغة :يأمركم الله إلى يوصيكم، لما في الوصية من التأكيد والحرص على اتباعها.
والطباق في :للذكر مثل حظ الأنثيين، وفي :من يطع ومن يعص، وإعادة الضمير إلى غير مذكور لقوة الدلالة على ذلك في قوله :مما ترك أي :ترك الموروث.
والتكرار في :لفظ كان، وفي فريضة من الله، أن الله، وفي :ولداً، وأبواه، وفي :من يعد وصية يوصي بها أو دين، وفي :وصية من الله إن الله، وفي :حدود الله، وفي :الله ورسوله.
وتلوين الخطاب في :من قرأ ندخله بالنون.
والحذف في مواضع.

﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ﴾ قال مجاهد واختاره أبو مسلم بن بحر الأصبهاني :هذه الآية نزلت في النساء.
والمراد بالفاحشة هنا :المساحقة، جعل حدّهن الحبس إلى أن يمتن أو يتزوجن.
قال :ونزلت ﴿ واللذان يأتيانها منكم ﴾ في أهل اللواط.
والتي في النور :في ﴿ الزانية والزاني ﴾ وخالف جمهور المفسرين.
وبناه أبو مسلم على أصل له :وهو يرى أنه ليس في القرآن ناسخ ولا منسوخ.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما أمر بالإحسان إلى النساء فذكر إيتاء صدقاتهن وتوريثهن، وقد كن لا يورثن في الجاهلية، ذكر التغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشة، وفي الحقيقة هو إحسان إليهن، إذ هو نظر في أمر آخرتهن، ولئلا يتوهم أنّ من الإحسان إليهن أن لا تقام عليهن الحدود فيصير ذلك سبباً لوقوعهن في أنواع المفاسد.
ولأنه تعالى لمّا ذكر حدوده وأشار بتلك إلى جميع ما وقع من أول السورة إلى موضع الإشارة، فكان في مبدأ السورة التحصن بالتزويج، وإباحة ما أباح من نكاح أربع لمن أباح ذلك، استطرد بعد ذلك إلى حكم من خالف ما أمر الله به من النكاح من الزواني، وأفردهن بالذكر أولاً، لأنهن على ما قيل أدخل في باب الشهوة من الرجال، ثم ذكرهن ثانياً مع الرجال الزانين في قوله : ﴿ واللذان يأتيانها منكم ﴾ فصار ذكر النساء الزواني مرّتين :مرة بالإفراد، ومرّة بالشمول.
واللاتي جمع من حيث المعنى للتي، ولها جموع كثيرة أغربها :اللاآت، وإعرابها إعراب الهندات.
ومعنى يأتين الفاحشة :يجئن ويغشين.
والفاحشة هنا الزنا بإجماع من المفسرين، إلا ما نقل عن مجاهد وتبعه أبو مسلم في أن المراد به المساحقة، ويأتي الكلام معه في ذلك، وأطلق على الزنا اسم الفاحشة لزيادتها في القبح على كثير من القبائح.
قيل :فإن قيل :القتل والكفر أكبر من الزنا، قيل :القوى المدبرة للبدن ثلاث :الناطقة وفسادها بالكفر والبدعة وشبههما، والغضبية وفسادها بالقتل والغضب وشبههما، وشهوانية وفسادها بالزنا واللواط والسحر وهي :أخس هذه القوى، ففسادها أخس أنواع الفساد، فلهذا خص هذا العمل بالفاحشة.
وحجة أبي مسلم في أن الفاحشة هي السحاق قوله : ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ﴾ وفي الرجال : ﴿ واللذان ﴾ ومنكم وظاهره التخصيص، وبأن ذلك لا يكون فيه نسخ، وبأنه لا يلزم فيه التكرار.
ولأن تفسير السبيل بالرجم أو الجلد والتغريب عند القائلين بأنها نزلت في الزنا، يكون عليهن لا لهن، وعلى قولنا :يكون السبيل تيسر الشهوة لهن بطريق النكاح.
وردوا على أبي مسلم بأن ما قاله لم يقله أحد من المفسرين، فكان باطلاً.
وأجاب :بأنه قاله مجاهد، فلم يكن إجماعاً وتفسير السبيل بالحديث الثابت : ﴿ قد جعل الله لهن سبيلاً ﴾
« الثيب ترجم والبكر تجلد » فدل على أن ذلك في الزناة.
وأجاب بأنه يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد، وأنه غير جائز.
وبأن الصحابة اختلفوا في أحكام اللوطية ولم يتمسك أحد منهم بقوله :واللذان يأتيانها منكم، فدل على أنها ليست فيهم.
وأجاب بأن مطلوب الصحابة :هل يقام الحد على اللوطي وليس فيها دلالة على ذلك لا بالنفي ولا بالإثبات ؟ فلهذا لم يرجعوا إليه. انتهى.
ما احتج به أبو مسلم، وما ردّ به عليه، وما أجاب به.
والذي يقتضيه ظاهر اللفظ هو قول مجاهد وغيره :أن اللاتي مختص بالنساء، وهو عام أحصنت أو لم تحصن.
وإن واللذان مختص بالذكور، وهو عام في المحصن وغير المحصن.
فعقوبة النساء الحبس، وعقوبة الرجال الأذى.
ويكون هاتان الآيتان وآية النور قد استوفت أصناف الزناة، ويؤيد هذا الظاهر قوله :من نسائكم وقوله :منكم، لا يقال :إن السحاق واللواط لم يكونا معروفين في العرب ولا في الجاهلية، لأن ذلك كان موجوداً فيهم، لكنه كان قليلاً.
ومن ذلك قول طرفة بن العبد :
ملك النهار وأنت الليل مومسة ماء الرجال على فخذيك كالقرس
وقال الراجز :
يا عجباً لساحقات الورس الجاعلات المكس فوق المكس
وقرأ عبد الله :واللاتي يأتين بالفاحشة، وقوله :من نسائكم اختلف، هل المراد الزوجات أو الحرائر أو المؤمنات أو الثيبات دون الأبكار ؟ لأن لفظ النساء مختص في العرف بالثيب، أقوال.
الأول :قاله قتادة والسدي وغيرهما.
قال ابن عطية :قوله من نسائكم إضافة في معنى الإسلام، لأن الكافرة قد تكون من نساء المسلمين ينسب ولا يلحقها هذا الحكم انتهى.
وظاهر استعمال النساء مضافة للمؤمنين في الزوجات كقوله تعالى : ﴿ للذين يؤلون من نسائهم ﴾ ﴿ والذين يظاهرون من نسائهم ﴾ وكون المراد الزوجات وأن الآية فيهم، هو قول أكثر المفسرين.
وأمر تعالى باستشهاد أربعة تغليظاً على المدعي، وستراً لهذه المعصية.
وقيل :يترتب على كل واحد شاهدان.
وقوله :عليهن، أي على إتيانهن الفاحشة.
والظاهر أنه يختص بالذكور المؤمنين لقوله :أربعة منكم، وأنه يجوز الاستشهاد لمعاينة الزنا.
وإن تعمد النظر إلى الفرج لا يقدح في العدالة إذا كان ذلك لأجل الزنا.
وإعراب اللاتي مبتدأ، وخبره فاستشهدوا.
وجاز دخول الفاء في الخبر، وإن كان لا يجوز زيد فاضربه على الابتداء والخبر، لأن المبتدأ موصول بفعل مستحق به الخبر، وهو مستوف شروط ما تدخل الفاء في خبره، فأجرى الموصول لذلك مجرى اسم الشرط.
وإذ قد أجرى مجراه بدخول الفاء فلا يجوز أن ينتصب بإضمار فعل يفسره فاستشهدوا، فيكون من باب الاشتغال، لأن فاستشهدوا لا يصح أن يعمل فيه لجريانه مجرى اسم الشرط، فلا يصح أن يفسر هكذا.
قال بعضهم :وأجاز قوم النصب بفعل محذوف تقديره :اقصدوا اللاتي.
وقيل :خير اللاتي محذوف تقديره :فيما يتلى عليكم حكم اللاتي يأتين، كقول سيبويه في قوله :
﴿ والسارق والسارقة ﴾ وفي قوله : ﴿ الزانية والزاني ﴾ وعلى ذلك جملة سيبويه.
ويتعلق من نسائكم بمحذوف، لأنه في موضع الحال من الفاعل في :يأتين، تقديره :كائنات من نسائكم.
ومنكم يحتمل أن يتعلق بقوله :فاستشهدوا، أو بمحذوف فيكون صفة لأربعة، أي :كائنين منكم.
﴿ فإن شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ أي :فإن شهد أربعة منكم عليهن.
والمخاطب بهذا الأمر :أهم الأزواج أمروا بذلك إذا بدت من الزوجة فاحشة الزنا، ولا تقربوهن عقوبة لهن وكانت من جنس جريمتهن ؟ أم الأولياء إذا بدت ممن لهم عليهن ولاية ونظر يحبسن حتى يمتن ؟ أو أولوا الأمر من الولاة والقضاة إذ هم الذين يقيمون الحدود وينهون عن الفواحش ؟ أقوال ثلاثة.
والظاهر أن الإمساك في البيوت إلى الغاية المذكورة كان على سبيل الحدِّ لهن، وأنَّ حدهن كان ذلك حتى نسخ، وهو الصحيح، قاله :ابن عباس، والحسن.
والحبس في البيت آلم وأوجع من الضرب والإهانة، لا سيما إذا انضاف إلى ذلك أخذ المهر على ما ذكره السدي، لأن ألم الحبس مستمر، وألم الضرب يذهب.
قال ابن زيد :منعن من النكاح حتى يمتن عقوبة لهن حين طلبن النكاح من غير وجهه.
وقال قوم :ليس بحدٍ بل هو إمساك لهن بعد أن يحدهنّ الإمام صيانة لهن أن يقعن في مثل ما جرى لهن بسبب الخروج من البيوت، وعلى هذا لا يكون الإمساك حداً.
وإذا كان يتوفى بمعنى يميت، فيكون التقدير حتى يتوفاهن ملك الموت.
وقد صرح بهذا المضاف المحذوف، وهنا في قوله :قل يتوفاكم ملك الموت.
وإن كان المعنى بالتوفي الأخذ، فلا يحتاج إلى حذف مضاف، إذ يصير التقدير :حتى يأخذهن الموت.
والسبيل الذي جعله الله لهن مبني على الاختلاف المراد بالآية.
فقيل :هو النكاح المحصن لهن المغنى عن السفاح، وهذا على تأويل أن الخطاب للأولياء أو للأمراء أو القضاة، دون الأزواج.
وقيل :السبيل هو ما استقر عليه حكم الزنا من الحد، وهو « البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب » رمي بالحجارة.
وثبت تفسير السبيل بهذا من حديث عبادة بن الصامت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، فوجب المصير إليه.
وحديث عبادة ليس بناسخ لهذه الآية، ولا لأنه الجلد، بل هو مبين لمجمل في هذه الآية إذ غيا إمساكهن في البيوت إلى أن يجعل لهن سبيلاً، وهو مخصص لعموم آية الجلد.
وعلى هذا لا يصح طعن أبي بكر الرازي على الشافعي في قوله :إن السنة لا تنسخ القرآن، بدعواه أنَّ آية الحبس منسوخة، بحديث عبادة، وحديث عبادة منسوخ بآية الجلد، فيلزم من ذلك نسخ القرآن بالسنة، والسنة بالقرآن، خلاف قول الشافعي، بل البيان والتخصيص أولى من ادعاء نسخ ثلاث مرات على ما ذهب إليه أصحاب أبي حنيفة، إذ زعموا أن آية الحبس منسوخة بالحديث، وأن الحديث منسوخ بآية الجلد، وآية الجلد منسوخة بآية الرجم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات أنواعاً من البيان والبديع.
منها :التجوّز بإطلاق اسم الكل على البعض في قوله :يأتين الفاحشة، لأن أل تستغرق كل فاحشة وليس المراد بل بعضها، وإنما أطلق على البعض اسم الكل تعظيماً لقبحه وفحشه، فإن كان العرف في الفاحشة الزنا، فليس من هذا الباب إذ تكون الألف واللام للعهد.
والتجوّز بالمراد من المطلق بعض مدلوله في قوله :فآذوهما إذ فسر بالتعيير أو الضرب بالنعال، أو الجمع بينهما، وبقوله :سبيلاً والمراد الحد، أو رجم المحصن.
وبقوله :فأعرضوا عنهما أي اتركوهما.
وإسناد الفعل إلى غير فاعله في قوله :حتى يتوفاهنّ الموت، وفي قوله :حتى إذا حضر أحدهم الموت.
والتجنيس المغاير في :إن تابا إن الله كان توّاباً، وفي :أرضعنكم ومن الرضاعة، وفي :محصنات فإذا أحصنّ.
والتجنيس المماثل في :فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا، وفي :ولا تنكحوا ما نكح.
والتكرار في :اسم الله في مواضع، وفي :إنما التوبة وليست التوبة، وفي :زوج مكان زوج، وفي :أمّهاتكم وأمّهاتكم اللاتي، وفي :إلا ما قد سلف، وفي :المؤمنات في قوله :المحصنات المؤمنات، وفي :فتياتكم المؤمنات، وفي :فريضة ومن بعد الفريضة، وفي :المحصنات من النساء والمحصنات، ونصف ما على المحصنات، وفي :بعضكم من بعض، وفي :يريد في أربعة مواضع، وفي :يتوب وأن يتوب، وفي :إطلاق المستقبل على الماضي، في :واللاتي يأتين الفاحشة وفي :واللذان يأتيانها منكم، وفي :يعملون السوء وفي :ثم يتوبون، وفي :يريد وفي :ليبين، لأن إرادة الله وبيانه قديمان، إذ تبيانه في كتبه المنزلة والإرادة والكلام من صفات ذاته وهي قديمة.
والإشارة والإيماء في قوله ؛ كرهاً، فإن تحريم الإرث كرهاً يومىء إلى جوازه طوعاً، وقد صرح بذلك في قوله :فإن طبن، وفي قوله :ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ، فله أن يعضلها على غير هذه الصفة لمصلحة لها تتعلق بها، أو بمالها، وفي :إنه كان فاحشة أومأ إلى نكاح الأبناء في الجاهلية نساء الآباء، وفي :أحل لكم ما وراء ذلكم إشارة إلى ما تقدم في المحرمات، ذلك لمن خشي العنت إشارة إلى تزويج الإماء.
والمبالغة في تفخيم الأمر وتأكيده في قوله :وآتيتم إحداهنّ قنطاراً عظم الأمر حتى ينتهي عنه.
والاستعارة في قوله :وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً، استعار الأخذ للوثوق بالميثاق والتمسك به، والميثاق معنى لا يتهيأ فيه الأخذ حقيقة، وفي :كتاب الله عليكم أي فرض الله، استعار للفرض لفظ الكتاب لثبوته وتقريره، فدل بالأمر المحسوس على المعنى المعقول.
وفي :محصنين، استعار لفظ الإحصان وهو الامتناع في المكان الحصين للامتناع بالعقاب، واستعار لكثرة الزنا السفح وهو صب الماء في الأنهار والعيون بتدفق وسرعة، وكذلك :فآتوهن أجورهن استعار لفظ الأجور للمهور، والأجر هو ما يدل على عمل، فجعل تمكين المرأة من الانتفاع بها كأنه عمل تعمله.
وفي قوله :طولاً استعارة للمهر يتوصل به للغرض، والطول وهو الفضل يتوصل به إلى معالي الأمور.
وفي قوله :يتبعون الشهوات استعار الاتباع والميل اللذين هما حقيقة في الإجرام لموافقة هوى النفس المؤدي إلى الخروج عن الحق.
وفي قوله :أن يخفف، والتخفيف أصله من خفة الوزن وثقل الجرم، وتخفيف التكاليف رفع مشاقها من النفس، وذلك من المعاني.
وتسمية الشيء بما يؤول إليه في قوله :أن ترثوا النساء كرهاً، سمي تزويج النساء أو منعهن للأزواج إرثاً، لأن ذلك سبب الإرث في الجاهلية.
وفي قوله :وخلق الإنسان ضعيفاً جعله ضعيفاً باسم ما يؤول إليه، أو باسم أصله.
والطباق المعنوي في قوله :وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً، وقد فسر الخير الكثير بما هو محبوب.
وفي قوله :والمحصنات من النساء، أي حرام عليكم ثم قال :وأحل لكم.
والذي يظهر أنه من الطباق اللفظي، لأن صدر الآية حرمت عليكم أمهاتكم، ثم نسق المحرمات، ثم قال :وأحل لكم، فهذا هو الطباق.
وفي قوله :محصنين غير مسافحين، والمحصن الذي يمنع فرجه، والمسافح الذي يبذله.
والاحتراس في قوله :اللاتي دخلتم بهن احترز من اللاتي لم يدخل بهن، وفي وربائبكم اللاتي في حجوركم احترس من اللاتي ليست في الحجور.
وفي قوله :والمحصنات من النساء إذا المحصنات قد يراد بها الأنفس المحصنات، فيدخل تحتها الرجال، فاحترز بقوله :من النساء.
والاعتراض بقوله :والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض.
والحذف في مواضع لا يتم المعنى إلا بها.

﴿ واللذان يأتيانها منكم فآذوهما ﴾ تقدم قول مجاهد واختيار أبي مسلم أنها في اللواطة، ويؤيده ظاهر التثنية.
وظاهر منكم إذ ذلك في الحقيقة هو للذكور، والجمهور على أنها في الزناة الذكور والإناث.
واللذان أريد به الزاني والزانية، وغلب المذكر على المؤنث، وترتب الأذى على إتيان الفاحشة وهو مقيد بالشهادة على إتيانها.
وبين ذلك في الآية السابقة وهو :شهادة أربعة.
والأمر بالأذى يدل على مطلق الأذى بقول أو فعل أو بهما.
فقال ابن عباس :هو النيل باللسان واليد، وضرب النعال وما أشبهه.
وقال قتادة والسدي :هو التعبير والتوبيخ.
وقال قوم :بالفعل دون القول.
وقالت فرقة :هو السب والجفا دون تعيير.
وقيل :الأذى المأمور به هو الجمع بين الحدين :الجلد والرجم، وهو قول علي، وفعله في الهمدانية :جلدها ثم رجمها.
وظاهر قوله :واللذان يأتيانها العموم.
وقال قتادة والسدي وابن زيد وغيرهم :هي في الرجل والمرأة البكرين، وأما الأولى ففي النساء المزوجات، ويدخل معهن في ذلك من أحصن من الرجال بالمعنى.
ورجح هذا القول الطبري.
وأجمعوا على أن هاتين الآيتين منسوختان بآية الجلد، إلا في تفسير على الأذى فلا نسخ، وإلا في قول من قال :إن الأذى بالتعيير مع الجلد باق فلا نسخ عنده، إذ لا تعارض، بل يجمعان على شخص واحد.
وإذا حملت الآيتان على الزنا تكون الأولى قد دلت على حبس الزواني، والثانية على إيذائها وإيذائه، فيكون الإيذاء مشتركاً بينهما، والحبس مختص بالمرأة فيجمع عليها الحبس والإيذاء، هذا ظاهر اللفظ.
وقيل :جعلت عقوبة المرأة الحبس لتنقطع مادة هذه المعصية، وعقوبة الرجل الإيذاء، ولم يجعل الحبس لاحتياجه إلى البروز والاكتساب.
وأما على قول قتادة والسدي :من أن الأولى في الثيب والثانية في البكر من الرجال والنساء، فقد اختلف متعلق العقوبتين، فليس الإيذاء مشتركاً.
وذهب الحسن إلى أن هذه الآية قبل الآية المتقدمة، ثم نزل ﴿ فأمسكوهن في البيوت ﴾ يعني إن لم يتبن وأصررن فامسكوهن إلى إيضاح حالهن، وهذا قول يوجب فساد الترتيب، فهو بعيد.
وعلى هذه الأقوال يظهر للتكرار فوائد.
وعلى قول قتادة والسدي :لا تكرار، وكذلك لا تكرار على قول :مجاهد وأبي مسلم.
وإعراب واللذان كإعراب واللاتي.
وقرأ الجمهور :واللذان بتخفيف المنون.
وقرأ ابن كثير :بالتشديد.
وذكر المفسرون علة حذف الياء، وعلة تشديد النون، وموضوع ذلك علم النحو.
وقرأ عبد الله :والذين يفعلونه منكم، وهي قراءة مخالفة لسواد مصحف الإمام، ومتدافعة مع ما بعدها.
إذ هذا جمع، وضمير جمع وما بعدهما ضمير تثنية، لكنه يتكلف له تأويل :بأن الذين جمع تحته صنفا الذكور والإناث، فعاد الضمير بعده مثنى باعتبار الصنفين، كما عاد الضمير مجموعاً على المثنى باعتبار أن المثنى تحتهما أفراد كثيرة هي في معنى الجمع في قوله :
﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ ﴿ هذان خصمان اختصموا ﴾ والأولى اعتقاد قراءة عبد الله أنها على جهة التفسير، وأن المراد بالتثنية العموم في الزناة.
وقرئ واللذأن بالهمزة وتشديد النون، وتوجيه هذه القراءة أنه لما شدد النون التقى ساكنان، ففر القارىء من التقائهما إلى إبدال الألف همزة تشبيهاً لها بألف فاعل المدغم عينه في لامه، كما قرئ : ﴿ ولا الضألين ﴾ ﴿ ولا جأن ﴾ وقد تقدم لنا الكلام في ذلك مشبعاً في قوله :ولا الضالين في الفاتحة.
﴿ فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ﴾ أي :إن تابا عن الفاحشة وأصلحا عملهما فاتركوا أذاهما.
والمعنى :أعرضوا عن أذاهما.
وقيل :الأمر بكف الأذى عنهما منسوخ بآية الجلد.
قال ابن عطية :وفي قوة اللفظ غض من الزناة وإن تابوا، لأنّ تركهم إنما هو إعراض.
ألا ترى إلى قوله تعالى : ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ وليس هذا الإعراض في الآيتين أمراً بهجرةٍ، ولكنها متاركة معرض، وفي ذلك احتقار لهم بسبب المعصية المتقدمة.
انتهى كلامه.
﴿ إن الله كان تواباً رحيماً ﴾ أي رجاعاً بعباده عن معصيته إلى طاعته، رحيماً لهم بترك أذاهم إذا تابوا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات أنواعاً من البيان والبديع.
منها :التجوّز بإطلاق اسم الكل على البعض في قوله :يأتين الفاحشة، لأن أل تستغرق كل فاحشة وليس المراد بل بعضها، وإنما أطلق على البعض اسم الكل تعظيماً لقبحه وفحشه، فإن كان العرف في الفاحشة الزنا، فليس من هذا الباب إذ تكون الألف واللام للعهد.
والتجوّز بالمراد من المطلق بعض مدلوله في قوله :فآذوهما إذ فسر بالتعيير أو الضرب بالنعال، أو الجمع بينهما، وبقوله :سبيلاً والمراد الحد، أو رجم المحصن.
وبقوله :فأعرضوا عنهما أي اتركوهما.
وإسناد الفعل إلى غير فاعله في قوله :حتى يتوفاهنّ الموت، وفي قوله :حتى إذا حضر أحدهم الموت.
والتجنيس المغاير في :إن تابا إن الله كان توّاباً، وفي :أرضعنكم ومن الرضاعة، وفي :محصنات فإذا أحصنّ.
والتجنيس المماثل في :فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا، وفي :ولا تنكحوا ما نكح.
والتكرار في :اسم الله في مواضع، وفي :إنما التوبة وليست التوبة، وفي :زوج مكان زوج، وفي :أمّهاتكم وأمّهاتكم اللاتي، وفي :إلا ما قد سلف، وفي :المؤمنات في قوله :المحصنات المؤمنات، وفي :فتياتكم المؤمنات، وفي :فريضة ومن بعد الفريضة، وفي :المحصنات من النساء والمحصنات، ونصف ما على المحصنات، وفي :بعضكم من بعض، وفي :يريد في أربعة مواضع، وفي :يتوب وأن يتوب، وفي :إطلاق المستقبل على الماضي، في :واللاتي يأتين الفاحشة وفي :واللذان يأتيانها منكم، وفي :يعملون السوء وفي :ثم يتوبون، وفي :يريد وفي :ليبين، لأن إرادة الله وبيانه قديمان، إذ تبيانه في كتبه المنزلة والإرادة والكلام من صفات ذاته وهي قديمة.
والإشارة والإيماء في قوله ؛ كرهاً، فإن تحريم الإرث كرهاً يومىء إلى جوازه طوعاً، وقد صرح بذلك في قوله :فإن طبن، وفي قوله :ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ، فله أن يعضلها على غير هذه الصفة لمصلحة لها تتعلق بها، أو بمالها، وفي :إنه كان فاحشة أومأ إلى نكاح الأبناء في الجاهلية نساء الآباء، وفي :أحل لكم ما وراء ذلكم إشارة إلى ما تقدم في المحرمات، ذلك لمن خشي العنت إشارة إلى تزويج الإماء.
والمبالغة في تفخيم الأمر وتأكيده في قوله :وآتيتم إحداهنّ قنطاراً عظم الأمر حتى ينتهي عنه.
والاستعارة في قوله :وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً، استعار الأخذ للوثوق بالميثاق والتمسك به، والميثاق معنى لا يتهيأ فيه الأخذ حقيقة، وفي :كتاب الله عليكم أي فرض الله، استعار للفرض لفظ الكتاب لثبوته وتقريره، فدل بالأمر المحسوس على المعنى المعقول.
وفي :محصنين، استعار لفظ الإحصان وهو الامتناع في المكان الحصين للامتناع بالعقاب، واستعار لكثرة الزنا السفح وهو صب الماء في الأنهار والعيون بتدفق وسرعة، وكذلك :فآتوهن أجورهن استعار لفظ الأجور للمهور، والأجر هو ما يدل على عمل، فجعل تمكين المرأة من الانتفاع بها كأنه عمل تعمله.
وفي قوله :طولاً استعارة للمهر يتوصل به للغرض، والطول وهو الفضل يتوصل به إلى معالي الأمور.
وفي قوله :يتبعون الشهوات استعار الاتباع والميل اللذين هما حقيقة في الإجرام لموافقة هوى النفس المؤدي إلى الخروج عن الحق.
وفي قوله :أن يخفف، والتخفيف أصله من خفة الوزن وثقل الجرم، وتخفيف التكاليف رفع مشاقها من النفس، وذلك من المعاني.
وتسمية الشيء بما يؤول إليه في قوله :أن ترثوا النساء كرهاً، سمي تزويج النساء أو منعهن للأزواج إرثاً، لأن ذلك سبب الإرث في الجاهلية.
وفي قوله :وخلق الإنسان ضعيفاً جعله ضعيفاً باسم ما يؤول إليه، أو باسم أصله.
والطباق المعنوي في قوله :وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً، وقد فسر الخير الكثير بما هو محبوب.
وفي قوله :والمحصنات من النساء، أي حرام عليكم ثم قال :وأحل لكم.
والذي يظهر أنه من الطباق اللفظي، لأن صدر الآية حرمت عليكم أمهاتكم، ثم نسق المحرمات، ثم قال :وأحل لكم، فهذا هو الطباق.
وفي قوله :محصنين غير مسافحين، والمحصن الذي يمنع فرجه، والمسافح الذي يبذله.
والاحتراس في قوله :اللاتي دخلتم بهن احترز من اللاتي لم يدخل بهن، وفي وربائبكم اللاتي في حجوركم احترس من اللاتي ليست في الحجور.
وفي قوله :والمحصنات من النساء إذا المحصنات قد يراد بها الأنفس المحصنات، فيدخل تحتها الرجال، فاحترز بقوله :من النساء.
والاعتراض بقوله :والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض.
والحذف في مواضع لا يتم المعنى إلا بها.

﴿ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيماً ﴾ تقدم الكلام في إنما وفي دلالتها على الحصر، أهو من حيث الوضع، أو الاستعمال ؟ أم دلالة لها عليه ؟ وتقدم الكلام في التوبة وشروطها، فأغنى ذلك عن إعادته.
وقوله :إنما التوبة على الله هو على حذف مضاف من المبتدأ والخبر، والتقدير :إنما قبول التوبة مترتب على فضل الله، فتكون على باقية على بابها.
وقال الزمخشري :يعني إنما القبول والغفران واجب على الله تعالى لهؤلاء انتهى.
وهذا الذي قاله هو على طريق المعتزلة، والذي نعتقده أن الله لا يجب عليه تعالى شيء من جهة العقل، فأما ما ظاهره الوجوب من جهة السمع على نفسه كتخليد الكفار وقبول الإيمان من الكافر بشرطه فذلك واقع قطعاً، وأما قبول التوبة فلا يجب على الله عقلاً وأما من جهة السمع فتظافرت ظواهر الآي والسنة على قبول الله التوبة، وأفادت القطع بذلك.
وقد ذهب أبو المعالي الجويني وغيره :إلى أن هذه الظواهر إنما تفيد غلبة الظن لا القطع بقبول التوبة، والتوبة فرض بإجماع الأمة، وتصح وإن نقضها في ثاني حال بمعاودة الذنب ومن ذنب، وإن أقام على ذنب غيره خلافاً للمعتزلة ومن نحا نحوهم ممن ينتمي إلى السنة، إذ ذهبوا إلى أنه لا يكون تائباً من أقام على ذنب.
وقيل :على بمعنى عند.
وقال الحسن :بمعنى من، والسوء يعم الكفر والمعاصي غيره سمي بذلك لأنه تسوء عاقبته.
وموضع بجهالة حال، أي :جاهلين ذوي سفه وقلة تحصيل، إذ ارتكاب السوء، لا يكون إلا عن غلبة الهوى للعقل، والعقل يدعو إلى الطاعة، والهوى والشهوة يدعوان إلى المخالفة، فكل عاص جاهل بهذا التفسير.
ولا تكون الجهالة هنا التعمد، كما ذهب إليه الضحاك.
وروي عن مجاهد لإجماع المسلمين :على أنَّ من تعمد الذنب وتاب، تاب الله عليه.
وأجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل معصية هي بجهالة عمداً كانت أو جهلاً.
وقال الكلبي :بجهالة أي لا يجهل كونها معصية، ولكن لا يعلم كنه العقوبة.
وقال عكرمة :أمور الدّنيا كلها جهالة، يعني ما اختص بها وخرج عن طاعته الله.
وقال الزجاج :جهالته من حيث آثر اللذة الفانية على اللذة الباقية، والحظ العاجل على الآجل.
وقيل :الجهالة الإصرار على المعصية، ولذلك عقبه بقوله :ثم يتوبون من قريب.
وقيل :معناه فعله غير مصرّ عليه، فأشبه الجاهل الذي لا يتعمد الشيء.
وقال الترمذي :جهل الفعل الوقوع فيه من غير قصد، فيكون المراد منه العفو عن الخطأ، ويحتمل قصد الفعل والجهل بموقعه أي :أنه حرام، أو في الحرمة :أي :قدر هي فيرتكبه مع الجهالة بحاله، لا قصد الاستخفاف به والتهاون به.
والعمل بالجهالة قد يكون عن غلبة شهوة، فيعمل لغرض اقتضاء الشهوة على طمع أنه سيتوب من بعد ويصير صالحاً، وقد يكون على طمع المغفرة والاتكال على رحمته وكرمه.
وقد تكون الجهالة جهالة عقوبة عليه.
ومعنى من قريب :أي من زمان قريب.
والقرب هنا بالنسبة إلى زمان المعصية، وهي بقية مدة حياته إلى أن يغرغر، أو بالنسبة إلى زمان مفارقة الرّوح.
فإذا كانت توبته تقبل في هذا الوقت فقبولها قبله أجدر، وقد بين غاية منع قبول التوبة في الآية بعدها بحضور الموت.
وقيل :قبل أن يحيط السوء بحسناته، أي قبل أن تكثر سيئاته وتزيد على حسناته، فيبقى كأنه بلا حسنات.
وقيل :قبل أن تتراكم ظلمات قلبه بكثرة ذنوبه، ويؤديه ذلك إلى الكفر المحيط.
وقال عكرمة والضحاك ومحمد بن قيس وأبو مجلز وابن زيد وغيرهم :قبل المعاينة للملائكة والسوق.
وقال ابن عباس والسدي :قبل المرض والموت.
فذكر ابن عباس أحسن أوقات التوبة، وذكر من قبله آخر وقتها.
وقال ابن عباس أيضاً :قبل أن ينزل به سلطان الموت، وروى أبو أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم : « أن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر » وعن الحسن أن إبليس قال حين أهبط إلى الأرض :وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام روحه في جسده، فقال :وعزتي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر.
قيل :وسميت هذه المدة قريبة لأن الأجل آتِ، وكل ما هو آت قريب.
وتنبيهاً على أن مدة عمر الإنسان وإن طالت فهي قليلة قريبة، ولأنّ الإنسان يتوقع كل لحظة نزول الموت به، وما هذه حاله فإنه يوصف بالقرب.
وارتفاع التوبة على الابتداء، والخبر هو على الله، وللذين متعلق بما يتعلق به على الله، والتقدير :إنما التوبة مستقرة على فضل الله وإحسانه للذين.
وقال أبو البقاء :في هذا الوجه يكون للذين يعملون السوء حالاً من الضمير في قوله :على الله، والعامل فيها الظرف، والاستقرار أي ثابتة للذين انتهى.
ولا يحتاج إلى هذا التكلف.
وأجاز أبو البقاء أن يكون الخبر للذين، ويتعلق على الله بمحذوف، ويكون حالاً من محذوف أيضاً والتقدير :إنما التوبة إذا كانت، أو إذ كانت على الله.
فإذا وإذ ظرفان العامل فيهما للذين، لأن الظرف يعمل فيه المعنى وإن تقدم عليه.
وكان تامة، وصاحب الحال ضمير الفاعل لكان.
قال :ولا يجوز أن يكون على الله حالاً يعمل فيها للذين، لأنه عامل معنوي، والحال لا يتقدم على المعنوي.
ونظير هذه المسألة قولهم :هذا بسراً أطيب منه رطباً انتهى.
وهو وجه متكلف في الإعراب، غير متضح في المعنى، وبجهالة في موضع الحال أي :مصحوبين بجهالة.
ويجوز عندي أن تكون باء السبب أي الحامل لهم على عمل السوء هو الجهالة، إذ لو كانوا عالمين بما يترتب على المعصية متذكرين له حالة إتيان المعصية ما عملوها كقوله « لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن » لأن العقل حينئذ يكون مغلوباً أو مسلوباً.
ومن في قوله :من قريب، تتعلق بيتوبون، وفيها وجهان :أحدهما :أنها للتبعيض، أي بعض زمان قريب، ففي أي جزء من أجزاء هذا الزمان أتى بالتوبة فهو تائب من قريب.
والثاني :أن تكون لابتداء الغاية، أي يبتدىء التوبة من زمان قريب من المعصية لئلا يقع في الإصرار.
ومفهوم ابتداء الغاية :أنه لو تاب من زمان بعيد فإنه يخرج عن من خصّ بكرامة ختم قبول التوبة على الله المذكورة في الآية بعلى، في قوله :على الله.
وقوله :يتوب الله عليهم، ويكون من جملة الموعودين بكلمة عسى في قوله :فأولئك ﴿ عسى الله أن يتوب عليهم ﴾
ودخول من الابتدائية على الزمان لا يجيزه البصريون، وحذف الموصوف هنا وهو زمان، وقامت الصفة التي هي قريب مقامه، ليس مقيساً.
لأن هذه الصفة وهي القريب ليست من الصفات التي يجوز حذفها بقياس، لأنها ليست مما استعملت استعمال الأسماء، فلم يلفظ بموصوفها كالأبطح، والأبرق، ولا مختصة بجنس الموصوف نحو :مررت بمهندس، ولا تقدم ذكر موصوفها نحو :اسقني ماء ولو بارداً، وما لم يكن كذلك مما كان الوصف فيه اسماً وحذف فيه الموصوف وأقيمت صفته مقامه فليس بقياس.
﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾، لما ذكر تعالى أنَّ قبول التوبة على الله لمن ذكر أنه تعالى هو يتعطف عليهم ويرحمهم، ولذلك اختلف متعلقاً التوبة باختلاف المجرور.
لأن الأول على الله، والثاني عليهم، ففسر كل بما يناسبه.
ولما ضمَّن يتوب معنى ما يعدى بعلى عداه بعلى، كأنه قال :يعطف عليهم.
وفي على الأولى روعي فيها المضاف المحذوف وهو قبول.
قال الزمخشري :( فإن قلت ) :ما فائدة قوله فأولئك يتوب الله عليهم بعد قوله :إنما التوبة على الله لهم ؟ ( قلت ) :قوله :إنما التوبة على الله إعلام بوجوبها عليه، كما يجب على العبد بعض الطاعات.
وقوله :فأولئك يتوب الله عليهم، عدة بأنه يفي بما وجب عليه، وإعلام بأن الغفران كائن لا محالة، كما بعد العبد الوفاء بالواجب.
انتهى كلامه.
وهو مشير إلى طريق الاعتزال في قولهم :إنَّ الله يجب عليه، وتقدم ذكر مذهبهم في ذلك.
وقال محمد بن عمر الرازي ما ملخصه :إن قوله :إنما التوبة على الله إعلام بأنه يجب قبولها لزوم إحسان لا استحقاق، ويتوب عليهم إخبار بأنه سيفعل ذلك.
أو يكون الأولى بمعنى الهداية إلى التوبة والإرشاد، ويتوب عليهم بمعنى يقبل توبتهم.
وكان الله عليماً حكيماً.
أي عليماً بمن يطيع ويعصى، حكيماً أي :يضع الأشياء مواضعها، فيقبل توبة من أناب إليه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات أنواعاً من البيان والبديع.
منها :التجوّز بإطلاق اسم الكل على البعض في قوله :يأتين الفاحشة، لأن أل تستغرق كل فاحشة وليس المراد بل بعضها، وإنما أطلق على البعض اسم الكل تعظيماً لقبحه وفحشه، فإن كان العرف في الفاحشة الزنا، فليس من هذا الباب إذ تكون الألف واللام للعهد.
والتجوّز بالمراد من المطلق بعض مدلوله في قوله :فآذوهما إذ فسر بالتعيير أو الضرب بالنعال، أو الجمع بينهما، وبقوله :سبيلاً والمراد الحد، أو رجم المحصن.
وبقوله :فأعرضوا عنهما أي اتركوهما.
وإسناد الفعل إلى غير فاعله في قوله :حتى يتوفاهنّ الموت، وفي قوله :حتى إذا حضر أحدهم الموت.
والتجنيس المغاير في :إن تابا إن الله كان توّاباً، وفي :أرضعنكم ومن الرضاعة، وفي :محصنات فإذا أحصنّ.
والتجنيس المماثل في :فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا، وفي :ولا تنكحوا ما نكح.
والتكرار في :اسم الله في مواضع، وفي :إنما التوبة وليست التوبة، وفي :زوج مكان زوج، وفي :أمّهاتكم وأمّهاتكم اللاتي، وفي :إلا ما قد سلف، وفي :المؤمنات في قوله :المحصنات المؤمنات، وفي :فتياتكم المؤمنات، وفي :فريضة ومن بعد الفريضة، وفي :المحصنات من النساء والمحصنات، ونصف ما على المحصنات، وفي :بعضكم من بعض، وفي :يريد في أربعة مواضع، وفي :يتوب وأن يتوب، وفي :إطلاق المستقبل على الماضي، في :واللاتي يأتين الفاحشة وفي :واللذان يأتيانها منكم، وفي :يعملون السوء وفي :ثم يتوبون، وفي :يريد وفي :ليبين، لأن إرادة الله وبيانه قديمان، إذ تبيانه في كتبه المنزلة والإرادة والكلام من صفات ذاته وهي قديمة.
والإشارة والإيماء في قوله ؛ كرهاً، فإن تحريم الإرث كرهاً يومىء إلى جوازه طوعاً، وقد صرح بذلك في قوله :فإن طبن، وفي قوله :ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ، فله أن يعضلها على غير هذه الصفة لمصلحة لها تتعلق بها، أو بمالها، وفي :إنه كان فاحشة أومأ إلى نكاح الأبناء في الجاهلية نساء الآباء، وفي :أحل لكم ما وراء ذلكم إشارة إلى ما تقدم في المحرمات، ذلك لمن خشي العنت إشارة إلى تزويج الإماء.
والمبالغة في تفخيم الأمر وتأكيده في قوله :وآتيتم إحداهنّ قنطاراً عظم الأمر حتى ينتهي عنه.
والاستعارة في قوله :وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً، استعار الأخذ للوثوق بالميثاق والتمسك به، والميثاق معنى لا يتهيأ فيه الأخذ حقيقة، وفي :كتاب الله عليكم أي فرض الله، استعار للفرض لفظ الكتاب لثبوته وتقريره، فدل بالأمر المحسوس على المعنى المعقول.
وفي :محصنين، استعار لفظ الإحصان وهو الامتناع في المكان الحصين للامتناع بالعقاب، واستعار لكثرة الزنا السفح وهو صب الماء في الأنهار والعيون بتدفق وسرعة، وكذلك :فآتوهن أجورهن استعار لفظ الأجور للمهور، والأجر هو ما يدل على عمل، فجعل تمكين المرأة من الانتفاع بها كأنه عمل تعمله.
وفي قوله :طولاً استعارة للمهر يتوصل به للغرض، والطول وهو الفضل يتوصل به إلى معالي الأمور.
وفي قوله :يتبعون الشهوات استعار الاتباع والميل اللذين هما حقيقة في الإجرام لموافقة هوى النفس المؤدي إلى الخروج عن الحق.
وفي قوله :أن يخفف، والتخفيف أصله من خفة الوزن وثقل الجرم، وتخفيف التكاليف رفع مشاقها من النفس، وذلك من المعاني.
وتسمية الشيء بما يؤول إليه في قوله :أن ترثوا النساء كرهاً، سمي تزويج النساء أو منعهن للأزواج إرثاً، لأن ذلك سبب الإرث في الجاهلية.
وفي قوله :وخلق الإنسان ضعيفاً جعله ضعيفاً باسم ما يؤول إليه، أو باسم أصله.
والطباق المعنوي في قوله :وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً، وقد فسر الخير الكثير بما هو محبوب.
وفي قوله :والمحصنات من النساء، أي حرام عليكم ثم قال :وأحل لكم.
والذي يظهر أنه من الطباق اللفظي، لأن صدر الآية حرمت عليكم أمهاتكم، ثم نسق المحرمات، ثم قال :وأحل لكم، فهذا هو الطباق.
وفي قوله :محصنين غير مسافحين، والمحصن الذي يمنع فرجه، والمسافح الذي يبذله.
والاحتراس في قوله :اللاتي دخلتم بهن احترز من اللاتي لم يدخل بهن، وفي وربائبكم اللاتي في حجوركم احترس من اللاتي ليست في الحجور.
وفي قوله :والمحصنات من النساء إذا المحصنات قد يراد بها الأنفس المحصنات، فيدخل تحتها الرجال، فاحترز بقوله :من النساء.
والاعتراض بقوله :والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض.
والحذف في مواضع لا يتم المعنى إلا بها.

﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار ﴾ نفى تعالى أن يكون التوبة للعاصي الصائر في حيز اليأس من الحياة، ولا للذي وافى على الكفر.
فالأول :كفرعون إذ لم ينفعه إيمانه وهو في غمرة الماء والغرق، وكالذين قال تعالى فيهم : ﴿ فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ﴾ وحضور الموت أول أحوال الآخرة، فكما أن من مات على الكفر لا تقبل منه التوبة في الآخرة، فكذلك هذا الذي حضره الموت.
قال الزمخشري :سوى بين الذين سوفوا توبتهم إلى حضرة الموت، وبين الذين ماتوا على الكفر أنه لا توبة لهم، لأن حضرة الموت أول أحوال الآخرة.
فكما أنَّ الميت على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين، فكذلك المسوف إلى حضرة الموت، لمجاوزة كل واحد منهما.
أو أنَّ التكليف والاختيار انتهى كلامه.
وهو على طريق الاعتزال.
زعمت المعتزلة أن العلم بالله في دار التكليف يجوز أن يكون نظرياً، فإذا صار العلم بالله ضرورياً سقط التكليف.
وأهلُ الآخرة لأجل مشاهدتهم أهوالها يعرفون الله بالضرورة، فلذلك سقط التكليف.
وكذلك الحالة التي يحصل عندها العلم بالله على سبيل الاضطرار.
والذي قاله المحققون :إن القرب من الموت لا يمنع من قبول التوبة، لأن جماعة من بني إسرائيل أماتهم الله، ثم أحياهم وكلفهم، فدل على أنّ مشاهدة الموت لا تخل بالتكليف، ولأن الشدائد التي تلقاها عند قرب الموت ليست أكثر مما تلقاها بالقولنج والطلق وغيرهما، وليس شيء من هذه يمنع من بقاء التكليف، فكذلك تلك.
ولأنّه عند القرب يصير مضطراً فيكون ذلك سبباً للقبول، ولكنه تعالى يفعل ما يشاء.
وعد بقبول التوبة في بعض الأوقات، وبعدله أخبر عن عدم قبولها في وقت آخر، وله أن يجعل المقبول مردوداً، والمردود مقبولاً، ﴿ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ﴾ وقد رد على المعتزلة في دعواهم سقوط التكليف بالعلم بالله إذا صار ضرورة، وفي دعواهم أنّ مشاهدة أحوال الآخرة يوجب العلم بالله على سبيل الاضطرار.
وقال الربيع :نزلت وليست التوبة في المسلمين، ثم نسخها : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لم يشاء ﴾ فحتم أن لا يغفر للكافرين، وأرجى المؤمنين إلى مشيئته.
وطعن على ابن زيد :بأن الآية خبر، والأخبار لا تنسخ.
وأجيب :بأنها تضمنت تقرير حكم شرعي، فيجوز نسخ ذلك الحكم، ولا يحتاج إلى ادعاء نسخ، لأن هذه الآية لم تتضمن أنَّ من لا توبة له مقبولة من المؤمنين لا يغفر له، فيحتاج أن ينسخ بقوله :ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
وظاهر قوله :ولا الذين يموتون وهم كفار أن هؤلاء مغايرون لقوله :الذين يعملون السيئات، لأنّ أصل المتعاطفين أن يكونا غيرين، وللتأكيد بلا المشعرة بانتفاء الحكم عن كل واحد تقول :هذا ليس لزيد وعمرو بل لأحدهما، وليس هذا لزيد ولا لعمرو، فينتفي عن كل واحد منهما، ولا يجوز أن تقول :بل لأحدهما، وليس هذا لزيد ولا لعمرو، فينتفي عن كل واحد منهما، ولا يجوز أن تقول :بل لأحدهما.
وإذا تقرر هذا اتضح ضعف قول الزمخشري في قوله :( فإن قلت ) :من المراد بالذين يعملون السيئات، أهم الفساق من أهل القبلة، أم الكفار ؟ ( قلت ) :فيه وجهان :أحدهما :أن يراد به الكفار لظاهر قوله :وهم كفار، وأن يراد الفساق لأن الكلام إنما وقع في الزانيين، والإعراض عنهما إن تابا وأصلحا، ويكون قوله :وهم كفار وارداً على سبيل التغليظ كقوله : ﴿ ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ﴾ وقوله : « فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً »، من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر، لأنّ من كان مصدقاً ومات وهو لا يحدث نفسه بالتوبة حاله قريبة من حال الكافر، لأنه لا يجتري على ذلك إلا قلب مصمت انتهى لامه.
وهو في غاية الاضطراب، لأنه قبل ذلك حمل الآية على أنها دالة على قسمين :أحدهما :الذين سوفوا التوبة إلى حضور الموت، والثاني :الذين ماتوا على الكفر.
وفي هذا الجواب حمل الآية على أنها أريد بها أحد القسمين.
أما الكفار فقط وهم الذين وصفوا عنده بأنهم يعملون السيئات ويموتون على الكفر، وعلل هذا الوجه بقوله :لظاهر قوله :وهم كفار، فجعل هذه الحالة دالة على أنه أريد بالذين يعملون السيئات هم الكفار، وأما الفساق من المؤمنين فيكون قوله :وهم كفار لا يراد به الكفر حقيقة، ولا أنهم يوافون على الكفر حقيقة، وإنما جاء ذلك على سبيل التغليظ عنده :فقد خالف تفسيره في هذا الجواب صدر تفسيره الآية، أولاً وكل ذلك انتصار لمذهبه حتى يرتب العذاب :إما للكافر، وإما للفاسق، فخرج بذلك عن قوانين النحو، والحمل على الظاهر.
لأن قوله :وهم كفار، ليس ظاهره إلا أنه قيد في قوله :ولا الذين يموتون، وظاهره الموافاة على الكفر حقيقة.
وكما أنه شرط في انتفاء قبول توبة الذين يعملون السيئات إيقاعها في حال حضور الموت، كذلك شرط في ذلك كفرهم حالة الموت، وظاهر العطف التغاير والزمخشري كما قيل في المثل :حبك الشيء يعمي ويصم.
وجاء يعملون بصيغة المضارع لا بصيغة الماضي إشعاراً بأنهم مصرون على عمل السيئات إلى أن يحضرهم الموت.
وظاهر قوله :قال إني تبت الآن، وهو توبتهم عند معاينة الموت فلم تقبل تفسيره، فلا تقبل توبتهم لأنها توبة دفع.
وقيل :قوله تبت الآن توبة شريطية فلم تقبل، لأنه لم يقطع بها.
وقوله :وليست التوبة ظاهرة النفي لوجودها، والمعنى على نفي القبول أي :أن توبتهم وإن وجدت فليست بمقبولة.
وظاهر قوله :ولا الذين يموتون وهم كفار، وقوع الموت حقيقة.
فالمعنى :أنهم لو تابوا في الآخرة لم تقبل توبتهم، لأنه لا يمكن ذلك في الدنيا، لأنهم ماتوا ملتبسين بالكفر.
قيل :ويحتمل أن يراد بقوله :يموتون، يقربون من الموت كما في قوله : ﴿ حضر أحدهم الموت ﴾ أي علاماته.
فكما أنّ التوبة عن المعصية لا تقبل عند القرب من الموت، كذلك الإيمان لا يقبل عند القرب من الموت.
﴿ أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً ﴾ يحتمل أن تكون الإشارة إلى الصنفين، ويكونان قد شركا في إعداد العذاب لهما، وإن كان عذاب أحدهما منقطعاً والآخر خالداً.
ويكون ذلك وعيداً للعاصي الذي لم يتب إلا عند معاينة الموت حيث شرّك بينه وبين الذي وافى على الكفر، ويحتمل أن يكون أولئك إشارة إلى الصنف الأخير إذ هو أقرب مذكور.
واسم الإشارة يجري مجرى الضمير، فيشار به إلى أقرب مذكور، كما يعود الضمير على أقرب مذكور، ويكون إعداد العذاب مرتباً على الموافاة على الكفر، إذ الكفر هو مقطع الرجاء من عفو الله تعالى.
وظاهر الإعداد أنّ النار مخلوقة وسبق الكلام على ذلك.
وقال الزمخشري :أولئك أعتدنا لهم في الوعيد، نظير قوله : ﴿ أولئك يتوب الله عليهم ﴾ في الوعد ليتبين أن الأمرين كائنان لا محالة انتهى.
وتلطف الزمخشري في دسه الاعتزال هنا، وذلك أنه كان قد قرر أول كلامه بأنّ من نفى عنهم التوبة صنفان، ثم ذكر هذا عقيبه، وفهم منه أن الوعيد في حق هذين الصنفين، كائن لا محالة، كما أن الوعد للذين تقبل توبتهم من الصنف المذكور، قبل هذه الآية واقع لا محالة، فدل على أنّ العصاة الذين لا توبة لهم وعيدهم كائن مع وعيد الكفار، وهذا هو مذهب المعتزلة.
ومع احتمال أن يكون أولئك إشارة إلى الذين يوافون على الكفر، ويرجح ذلك بأن فعل الكافر أقبح من فعل الفاسق، لا يتعين أن يكون الوعيد مقطوعاً به للفاسق.
وعلى تقدير أن يكون الوعيد للفاسق الذي لا توبة له، فلا يلزم وقوع ما دل عليه، إذ يجوز العقاب ويجوز العفو.
وفائدة وروده حصول التخويف للفاسق.
وكل وعيد للفساق الذين ماتوا على الإسلام فهو مقيد بقوله تعالى : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ وهذه هي الآية المحكمة التي يرجع إليها.
وذهب أبو العالية الرياحي وسفيان الثوري :إلى أن قوله : ﴿ للذين يعملون السيئات ﴾ في حق المنافقين، واختاره المروزي.
قال :فرق بالعطف، ودل على أنَّ المراد بالأول المنافقون.
كما فرق بينهم في قوله : ﴿ فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا ﴾ لأن المنافق كان مخالفاً للكافر بظاهره في الدنيا.
والذي يظهر أنها في عصاة المؤمنين الذين يتوبون حال اليأس من الحياة، لأن المنافقين مندرجون في قوله : ﴿ ولا الذين يموتون وهم كفار ﴾ فهم قسم من الكفار لا قسيم لهم.
وقيل :إنما التوبة على الله في الصغائر، وليست التوبة للذين يعملون السيئات في الكبائر، ولا الذين يموتون وهم كفار في الكفر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات أنواعاً من البيان والبديع.
منها :التجوّز بإطلاق اسم الكل على البعض في قوله :يأتين الفاحشة، لأن أل تستغرق كل فاحشة وليس المراد بل بعضها، وإنما أطلق على البعض اسم الكل تعظيماً لقبحه وفحشه، فإن كان العرف في الفاحشة الزنا، فليس من هذا الباب إذ تكون الألف واللام للعهد.
والتجوّز بالمراد من المطلق بعض مدلوله في قوله :فآذوهما إذ فسر بالتعيير أو الضرب بالنعال، أو الجمع بينهما، وبقوله :سبيلاً والمراد الحد، أو رجم المحصن.
وبقوله :فأعرضوا عنهما أي اتركوهما.
وإسناد الفعل إلى غير فاعله في قوله :حتى يتوفاهنّ الموت، وفي قوله :حتى إذا حضر أحدهم الموت.
والتجنيس المغاير في :إن تابا إن الله كان توّاباً، وفي :أرضعنكم ومن الرضاعة، وفي :محصنات فإذا أحصنّ.
والتجنيس المماثل في :فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا، وفي :ولا تنكحوا ما نكح.
والتكرار في :اسم الله في مواضع، وفي :إنما التوبة وليست التوبة، وفي :زوج مكان زوج، وفي :أمّهاتكم وأمّهاتكم اللاتي، وفي :إلا ما قد سلف، وفي :المؤمنات في قوله :المحصنات المؤمنات، وفي :فتياتكم المؤمنات، وفي :فريضة ومن بعد الفريضة، وفي :المحصنات من النساء والمحصنات، ونصف ما على المحصنات، وفي :بعضكم من بعض، وفي :يريد في أربعة مواضع، وفي :يتوب وأن يتوب، وفي :إطلاق المستقبل على الماضي، في :واللاتي يأتين الفاحشة وفي :واللذان يأتيانها منكم، وفي :يعملون السوء وفي :ثم يتوبون، وفي :يريد وفي :ليبين، لأن إرادة الله وبيانه قديمان، إذ تبيانه في كتبه المنزلة والإرادة والكلام من صفات ذاته وهي قديمة.
والإشارة والإيماء في قوله ؛ كرهاً، فإن تحريم الإرث كرهاً يومىء إلى جوازه طوعاً، وقد صرح بذلك في قوله :فإن طبن، وفي قوله :ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ، فله أن يعضلها على غير هذه الصفة لمصلحة لها تتعلق بها، أو بمالها، وفي :إنه كان فاحشة أومأ إلى نكاح الأبناء في الجاهلية نساء الآباء، وفي :أحل لكم ما وراء ذلكم إشارة إلى ما تقدم في المحرمات، ذلك لمن خشي العنت إشارة إلى تزويج الإماء.
والمبالغة في تفخيم الأمر وتأكيده في قوله :وآتيتم إحداهنّ قنطاراً عظم الأمر حتى ينتهي عنه.
والاستعارة في قوله :وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً، استعار الأخذ للوثوق بالميثاق والتمسك به، والميثاق معنى لا يتهيأ فيه الأخذ حقيقة، وفي :كتاب الله عليكم أي فرض الله، استعار للفرض لفظ الكتاب لثبوته وتقريره، فدل بالأمر المحسوس على المعنى المعقول.
وفي :محصنين، استعار لفظ الإحصان وهو الامتناع في المكان الحصين للامتناع بالعقاب، واستعار لكثرة الزنا السفح وهو صب الماء في الأنهار والعيون بتدفق وسرعة، وكذلك :فآتوهن أجورهن استعار لفظ الأجور للمهور، والأجر هو ما يدل على عمل، فجعل تمكين المرأة من الانتفاع بها كأنه عمل تعمله.
وفي قوله :طولاً استعارة للمهر يتوصل به للغرض، والطول وهو الفضل يتوصل به إلى معالي الأمور.
وفي قوله :يتبعون الشهوات استعار الاتباع والميل اللذين هما حقيقة في الإجرام لموافقة هوى النفس المؤدي إلى الخروج عن الحق.
وفي قوله :أن يخفف، والتخفيف أصله من خفة الوزن وثقل الجرم، وتخفيف التكاليف رفع مشاقها من النفس، وذلك من المعاني.
وتسمية الشيء بما يؤول إليه في قوله :أن ترثوا النساء كرهاً، سمي تزويج النساء أو منعهن للأزواج إرثاً، لأن ذلك سبب الإرث في الجاهلية.
وفي قوله :وخلق الإنسان ضعيفاً جعله ضعيفاً باسم ما يؤول إليه، أو باسم أصله.
والطباق المعنوي في قوله :وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً، وقد فسر الخير الكثير بما هو محبوب.
وفي قوله :والمحصنات من النساء، أي حرام عليكم ثم قال :وأحل لكم.
والذي يظهر أنه من الطباق اللفظي، لأن صدر الآية حرمت عليكم أمهاتكم، ثم نسق المحرمات، ثم قال :وأحل لكم، فهذا هو الطباق.
وفي قوله :محصنين غير مسافحين، والمحصن الذي يمنع فرجه، والمسافح الذي يبذله.
والاحتراس في قوله :اللاتي دخلتم بهن احترز من اللاتي لم يدخل بهن، وفي وربائبكم اللاتي في حجوركم احترس من اللاتي ليست في الحجور.
وفي قوله :والمحصنات من النساء إذا المحصنات قد يراد بها الأنفس المحصنات، فيدخل تحتها الرجال، فاحترز بقوله :من النساء.
والاعتراض بقوله :والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض.
والحذف في مواضع لا يتم المعنى إلا بها.

العشرة :الصحبة والمخالطة.
يقال :عاشروا، وتعاشروا، واعتشروا.
وكان ذلك من أعشار الجذور، لأنها مقاسمة ومخالطة.
﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ قال ابن عباس، وعكرمة، والحسن، وأبو مجلز :كان أولياء الميت أحق بامرأته من أهلها، إن شاؤوا تزوجها أحدهم، أو زوجوها غيرهم، أو منعوها.
وكان ابنه من غيرها يتزوجها، وكان ذلك في الأنصار لازماً، وفي قريش مباحاً.
وقال مجاهد :كان الابن الأكبر أحق بامرأة أبيه، إذا لم يكن ولدها.
وقال السدي :إن سبق الولي فوضع ثوبه عليها كان أحق بها، أو سبقته إلى أهلها كانت أحق بنفسها، فأذهب الله ذلك بهذه الآية.
والخطاب على هذا للأولياء نهوا أن يرثوا النساء المخلفات عن الموتى كما يورث المال.
والمراد نفي الوراثة في حال الطوع والكراهة، لا جوازها في حال الطوع استدلالاً بالآية، فخرج هذا الكره مخرج الغالب، لأن غالب أحوالهن أن يكنّ مجبورات على ذلك إذ كان أولياؤه أحق بها من أولياء نفسها.
وقيل :هو إمساكهن دون تزويج حتى يمتن فيرثون أموالهن، أو في حجرة يتيمة لها مال فيكره أن يزوجها غيره محافظة على مالها، فيتزوجها كرهاً لأجله.
أو تحته عجوز ذات مال، ويتوق إلى شابة فيمسك العجوز لمالها، ولا يقربها حتى تفتدي منه بمالها، أو تموت فيرث مالها.
والخطاب للأزواج، وعلى هذا القول وما قبله يكون الموروث مالهن، لا هن.
وانتصب كرهاً على أنه مصدر في موضع الحال من النساء، فيقدر باسم فاعل أي :كارهات، أو باسم مفعول أي :مكرهات.
وقرأ الحرميان وأبو عمرو :وبفتح الكاف، حيث وقع وحمزة والكسائي بضمها، وعاصم وابن عامر بفتحها في هذه السورة وفي التوبة، وبضمها في الأحقاف وفي المؤمنين، وهما لغتان :كالصمت والصمت قاله :الكسائي والأخفش وأبو علي.
وقال الفراء :الفتح بمعنى الإكراه، والضم من فعلك تفعله كارهاً له من غير مكره كالأشياء التي فيها مشقة وتعب، وقاله :أبو عمرو بن العلاء وابن قتيبة أيضاً.
وتقدّم الكلام عليه في قوله : ﴿ وهو كره لكم ﴾ في البقرة.
وقرئ :لا تحل لكم بالتاء على تقدير لا تحل لكم الوراثة، كقراءة من قرأ : ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا ﴾ أي إلا مقالتهم، وانتصاب النساء على أنه مفعول به إمّا لكونهن هن أنفسهن الموروثات، وإما على حذف مضاف أي :أموال النساء.
﴿ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ أي لا تحبسوهن ولا تضيقوا عليهن.
وظاهر هذا الخطاب أنه للأزواج لقوله :ببعض ما آتيتموهن، لأن الزوج هو الذي أعطاها الصداق.
وكان يكره صحبة زوجته ولها عليه مهر، فيحبسها ويضربها حتى تفتدي منه قاله :ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي.
أو ينكح الشريفة فلا توافقه، فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه، ويشهد على ذلك، فإذا خطبت وأرضته أذن لها، وإلا عضلها قاله :ابن زيد.
أو كانت عادتهم منع المطلقة من الزوج ثلاثاً فنهوا عن ذلك.
وقيل :هو خطاب للأولياء كما بين في قوله : ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ ويحتمل أن يكون الخطاب للأولياء والأزواج في قوله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فلقوا في هذا الخطاب، ثم أفرد كل في النهي بما يناسبه، فخوطب الأولياء بقوله :لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً، وخوطب الأزواج بقوله :ولا تعضلوهن، فعاد كل خطاب إلى من يناسبه.
وتقدّم تفسير العضل في البقرة في قوله : ﴿ فلا تعضلوهن ﴾ والباء في ببعض ما آتيتموهن للتعدية، أي :لتذهبوا بعض ما آتيتموهن.
ويحتمل أن تكون الباء للمصاحبة أي :لتذهبوا مصحوبين ببعض ما آتيتموهن.
﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ هذا استثناء متصل، ولا حاجة إلى دعوى الانقطاع فيه كما ذهب إليه بعضهم.
وهو استثناء من ظرف زمان عام، أو من علة.
كأنه قيل :ولا تعضلوهن في وقت من الأوقات إلا وقت أن يأتين.
أو لا تعضلوهن لعلة من العلل إلا لأن يأتين.
والظاهر أن الخطاب بقوله :ولا تعضلوهن للأزواج إذ ليس للولي حبسها حتى يذهب بمالها إجماعاً من الأمة، وإنما ذلك للزوج على ما تبين.
والفاحشة هنا الزنا قاله :أبو قلابة والحسن.
قال الحسن :إذا زنت البكر جلدت مائة ونفيت سنة، وردت إلى زوجها ما أخذت منه.
وقال أبو قلابة :إذا زنت امرأة الرجل فلا بأس أن يضارّها ويشق عليها حتى تفتدي منه.
وقال السدي :إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن.
وقال عطاء :كان هذا الحكم ثم نسخ بالحدود.
وقال ابن سيرين وأبو قلابة :لا يحل الخلع حتى يوجد رجل على بطنها.
وقال قتادة :لا يحل له أن يحبسها ضراراً حتى تفتدي منه، يعني :وإن زنت.
وقال ابن عباس وعائشة والضحاك وغيرهم :الفاحشة هنا النشوز، فإذا نشزت حل له أن يأخذ مالها، وهذا مذهب مالك وقال قوم :الفاحشة البذأ باللسان وسوء العشرة قولاً وفعلاً وهذا في معنى النشوز.
والمعنى :إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن، فيجوز أخذ مالهن على سبيل الخلع.
ويدل على هذا المعنى قراءة أبي :إلا أن يفحشن عليكم، وقراءة ابن مسعود :إلا أن يفحشن وعاشروهن، وهما قراءتان مخالفتان لمصحف الإمام، وكذا ذكر الداني عن ابن عباس وعكرمة.
والذي ينبغي أن يحمل عليه أن ذلك على سبيل التفسير والإيضاح، لا على أن ذلك قرآن.
ورأى بعضهم أن لا يتجاوز ما أعطاها ركوناً لقوله : ﴿ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ وقال مالك :للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملكه.
وظاهر الاستثناء يقتضي إباحة العضل له ليذهب ببعض ما أعطاها لأكله، ولا ما لم يعطها من ماله إذا أتت بالفاحشة المبينة.
وقرأ ابن كثير وأبو بكر :مبينة هنا، وفي الأحزاب، والطلاق بفتح الياء، أي أي يبينها من يدعيها ويوضحها.
وقرأ الباقون :بالكسر أي :بينة في نفسها ظاهرة.
وهي اسم فاعل من بين، وهو فعل لازم بمعنى بان أي ظهر، وظاهر قوله :ولا تعضلوهن، أن لا نهى، فالفعل مجزوم بها، والواو عاطفة جملة طلبية على جملة خبرية.
فإن قلنا :شرط عطف الجمل المناسبة، فالمناسبة أن تلك الخبرية تضمنت معنى النهي كأنه قال :لا ترثوا النساء كرهاً فإنه غير حلال لكم ولا تعضلوهن.
وإن قلنا :لا يشترط في العطف المناسبة وهو مذهب سيبويه، فظاهر.
وقال ابن عطية :ويحتمل أن يكون تعضلوهن نصباً عطفاً على ترثوا، فتكون الواو مشركة عاطفة فعلاً على فعل.
وقرأ ابن مسعود :ولا أن تعضلوهن، فهذه القراء تقوي احتمال النصب، وأن العضل مما لا يحلّ بالنصّ.
وعلى تأويل الجزم هي نهي معوض لطلب القرائن في التحريم أو الكراهة، واحتمال النصب أقوى انتهى ما ذكره من تجويز هذا الوجه، وهو لا يجوز.
وذلك أنك إذا عطفت فعلاً منفياً بلا على مثبت وكانا منصوبين، فإنّ الناصب لا يقدر إلا بعد حرف العطف، لا بعد لا.
فإذا قلت :أريد أن أتوب ولا أدخل النار، فالتقدير :أريد أن أتوب وأن لا أدخل النار، لأن الفعل يطلب الأول على سبيل الثبوت، والثاني على سبيل النفي.
فالمعنى :أريد التوبة وانتفاء دخولي النار.
فلو كان الفعل المتسلط على المتعاطفين منفياً، فكذلك ولو قدّرت هذا التقدير في الآية لم يصح لو قلت :لا يحل لكم أن لا تعضلوهن لم يصح، إلا أن تجعل لا زائدة لا نافية، وهو خلاف الظاهر.
وأما أن تقدر أن بعد لا النافية فلا يصح.
وإذا قدرت أنّ بعد لا كان من باب عطف المصدر المقدر على المصدر المقدر، لا من باب عطف الفعل على الفعل، فالتبس على ابن عطية العطفان، وظن أنه بصلاحية تقدير أن بعد لا يكون من عطف الفعل على الفعل، وفرق بين قولك :لا أريد أن يقوم وأن لا يخرج، وقولك :لا أريد أن يقوم ولا أن يخرج، ففي الأول :نفي إرادة وجود قيامه وإرادة انتفاء خروجه، فقد أراد خروجه.
وفي الثانية نفي إرادة وجود قيامه، ووجود خروجه، فلا يريد لا القيام ولا الخروج.
وهذا في فهمه بعض غموض على من لم يتمرن في علم العربية.
﴿ وعاشروهن بالمعروف ﴾ هذا أمر بحسن المعاشرة، والظاهر أنه أمر للأزواج، لأن التلبس بالمعاشرة غالباً إنما هو للأزواج، وكانوا يسيئون معاشرة النساء، وبالمعروف هو النصفة في المبيت والنفقة، والإجمال في القول.
ويقال :المرأة تسمن من أذنها.
﴿ فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ﴾ أدب تعالى عباده بهذا.
والمعنى :أنه لا تحملكم الكراهة على سوء المعاشرة، فإن كراهة الأنفس للشيء لا تدل على انتفاء الخير منه، كما قال تعالى : ﴿ وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ﴾ ولعل ما كرهت النفس يكون أصلح في الدين وأحمد في العاقبة، وما أحبته يكون بضد ذلك.
ولما كانت عسى فعلاً جامداً دخلت عليه فاء الجواب، وعسى هنا تامّة، فلا تحتاج إلى اسم وخبر.
والضمير في فيه عائد على شيء أي :ويجعل الله في ذلك الشيء المكروه.
( وقيل ) :عائد على الكره وهو المصدر المفهوم من الفعل.
( وقيل ) :عائد على الصبر.
وفسر ابن عباس والسدي :الخير بالولد الصالح، وهو على سبيل التمثيل لا الحصر.
وانظر إلى فصاحة فعسى أن تكرهوا شيئاً، حيث علّق الكراهة بلفظ شيء الشامل شمول البدل، ولم يعلق الكراهة بضميرهن، فكان يكون فعسى أن تكرهوهن.
وسياق الآية يدل على أن المعنى الحث على إمساكهن وعلى صحبتهن، وإن كره الإنسان منهن شيئاً من أخلاقهن.
ولذلك جاء بعده :وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج.
( وقيل ) :معنى الآية :ويجعل الله في فراقكم لهنّ خيراً كثيراً لكم ولهن، كقوله : ﴿ وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته ﴾ قاله الأصم :وهذا القول بعيد من سياق الآية، ومما يدل عليه ما قبلها وما بعدها.
وقلّ أن ترى متعاشرين يرضى كل واحد منهما جميع خلق الآخر، ويقال :ما تعاشر إثنان إلا وأحدهما يتغاضى عن الآخر.
وفي صحيح مسلم : « لا يفزك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر » وأنشدوا في هذا المعنى :
ومن لا يغمض عينه عن صديقه وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
ومن يتتبع جاهداً كل عثرة يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات أنواعاً من البيان والبديع.
منها :التجوّز بإطلاق اسم الكل على البعض في قوله :يأتين الفاحشة، لأن أل تستغرق كل فاحشة وليس المراد بل بعضها، وإنما أطلق على البعض اسم الكل تعظيماً لقبحه وفحشه، فإن كان العرف في الفاحشة الزنا، فليس من هذا الباب إذ تكون الألف واللام للعهد.
والتجوّز بالمراد من المطلق بعض مدلوله في قوله :فآذوهما إذ فسر بالتعيير أو الضرب بالنعال، أو الجمع بينهما، وبقوله :سبيلاً والمراد الحد، أو رجم المحصن.
وبقوله :فأعرضوا عنهما أي اتركوهما.
وإسناد الفعل إلى غير فاعله في قوله :حتى يتوفاهنّ الموت، وفي قوله :حتى إذا حضر أحدهم الموت.
والتجنيس المغاير في :إن تابا إن الله كان توّاباً، وفي :أرضعنكم ومن الرضاعة، وفي :محصنات فإذا أحصنّ.
والتجنيس المماثل في :فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا، وفي :ولا تنكحوا ما نكح.
والتكرار في :اسم الله في مواضع، وفي :إنما التوبة وليست التوبة، وفي :زوج مكان زوج، وفي :أمّهاتكم وأمّهاتكم اللاتي، وفي :إلا ما قد سلف، وفي :المؤمنات في قوله :المحصنات المؤمنات، وفي :فتياتكم المؤمنات، وفي :فريضة ومن بعد الفريضة، وفي :المحصنات من النساء والمحصنات، ونصف ما على المحصنات، وفي :بعضكم من بعض، وفي :يريد في أربعة مواضع، وفي :يتوب وأن يتوب، وفي :إطلاق المستقبل على الماضي، في :واللاتي يأتين الفاحشة وفي :واللذان يأتيانها منكم، وفي :يعملون السوء وفي :ثم يتوبون، وفي :يريد وفي :ليبين، لأن إرادة الله وبيانه قديمان، إذ تبيانه في كتبه المنزلة والإرادة والكلام من صفات ذاته وهي قديمة.
والإشارة والإيماء في قوله ؛ كرهاً، فإن تحريم الإرث كرهاً يومىء إلى جوازه طوعاً، وقد صرح بذلك في قوله :فإن طبن، وفي قوله :ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ، فله أن يعضلها على غير هذه الصفة لمصلحة لها تتعلق بها، أو بمالها، وفي :إنه كان فاحشة أومأ إلى نكاح الأبناء في الجاهلية نساء الآباء، وفي :أحل لكم ما وراء ذلكم إشارة إلى ما تقدم في المحرمات، ذلك لمن خشي العنت إشارة إلى تزويج الإماء.
والمبالغة في تفخيم الأمر وتأكيده في قوله :وآتيتم إحداهنّ قنطاراً عظم الأمر حتى ينتهي عنه.
والاستعارة في قوله :وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً، استعار الأخذ للوثوق بالميثاق والتمسك به، والميثاق معنى لا يتهيأ فيه الأخذ حقيقة، وفي :كتاب الله عليكم أي فرض الله، استعار للفرض لفظ الكتاب لثبوته وتقريره، فدل بالأمر المحسوس على المعنى المعقول.
وفي :محصنين، استعار لفظ الإحصان وهو الامتناع في المكان الحصين للامتناع بالعقاب، واستعار لكثرة الزنا السفح وهو صب الماء في الأنهار والعيون بتدفق وسرعة، وكذلك :فآتوهن أجورهن استعار لفظ الأجور للمهور، والأجر هو ما يدل على عمل، فجعل تمكين المرأة من الانتفاع بها كأنه عمل تعمله.
وفي قوله :طولاً استعارة للمهر يتوصل به للغرض، والطول وهو الفضل يتوصل به إلى معالي الأمور.
وفي قوله :يتبعون الشهوات استعار الاتباع والميل اللذين هما حقيقة في الإجرام لموافقة هوى النفس المؤدي إلى الخروج عن الحق.
وفي قوله :أن يخفف، والتخفيف أصله من خفة الوزن وثقل الجرم، وتخفيف التكاليف رفع مشاقها من النفس، وذلك من المعاني.
وتسمية الشيء بما يؤول إليه في قوله :أن ترثوا النساء كرهاً، سمي تزويج النساء أو منعهن للأزواج إرثاً، لأن ذلك سبب الإرث في الجاهلية.
وفي قوله :وخلق الإنسان ضعيفاً جعله ضعيفاً باسم ما يؤول إليه، أو باسم أصله.
والطباق المعنوي في قوله :وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً، وقد فسر الخير الكثير بما هو محبوب.
وفي قوله :والمحصنات من النساء، أي حرام عليكم ثم قال :وأحل لكم.
والذي يظهر أنه من الطباق اللفظي، لأن صدر الآية حرمت عليكم أمهاتكم، ثم نسق المحرمات، ثم قال :وأحل لكم، فهذا هو الطباق.
وفي قوله :محصنين غير مسافحين، والمحصن الذي يمنع فرجه، والمسافح الذي يبذله.
والاحتراس في قوله :اللاتي دخلتم بهن احترز من اللاتي لم يدخل بهن، وفي وربائبكم اللاتي في حجوركم احترس من اللاتي ليست في الحجور.
وفي قوله :والمحصنات من النساء إذا المحصنات قد يراد بها الأنفس المحصنات، فيدخل تحتها الرجال، فاحترز بقوله :من النساء.
والاعتراض بقوله :والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض.
والحذف في مواضع لا يتم المعنى إلا بها.

﴿ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً ﴾ لمّا أذن في مضارتهن إذا أتين بفاحشة ليذهب ببعض ما أعطاها، بنى تحريم ذلك في غير حال الفاحشة، وأقام الإرادة مقام الفعل.
فكأنه قال :وإن استبدلتم.
أو حذف معطوف أي :واستبدلتم.
وظاهر قوله :وآتيتم أن الواو للحال، أي :وقد آتيتم.
وقيل :هو معطوف على فعل الشرط وليس بظاهر.
والاستبدال وضع الشيء مكان الشيء والمعنى :أنه إذا كان الفراق من اختياركم فلا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً.
واستدل بقوله :وآتيتم إحداهن قنطاراً على جواز المغالاة في الصدقات، وقد استدلت بذلك المرأة التي خاطبت عمر حين خطب وقال : « ألا تغالوا في مهور نسائكم ».
وقال قوم :لا تدل على المغالاة، لأنه تمثيل على جهة المبالغة في الكثرة كأنه :قيل وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد، وهذا شبيه بقوله صلى الله عليه وسلم : « من بنى مسجداً لله ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة » ومعلوم أن مسجداً لا يكون كمفحص قطاة، وإنما هو تمثيل للمبالغة في الصغر.
وقد قال صلى الله عليه وسلم لمن أمهز مأتين وجاء يستعين في مهره وغضب صلى الله عليه وسلم : « كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة » وقال محمد بن عمر الرازي :لا دلالة فيها على المغالاة لأن قوله :وآتيتم لا يدل على جواز إيتاء القنطار، ولا يلزم من جعل الشيء شرطاً لشيء آخر كون ذلك الشرط في نفسه جائز الوقوع كقوله : « من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين » انتهى.
ولما كان قوله :وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج، خطاباً لجماعة كان متعلق الاستبدال أزواجاً مكان أزواج، واكتفى بالمفرد عن الجمع لدلالة جمع المستبدلين، إذ لا يوهم اشتراط المخاطبين في زوج واحدة مكان زوج واحدة، ولا إرادة معنى الجماع عاد الضمير في قوله :إحداهن جمعاً والتي نهى أن نأخذ منها هي المستبدل مكانها، إلا المستبدلة.
إذ تلك هي التي أعطاها المال، لا التي أراد استحداثها بدليل قوله : ﴿ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ وقال :وآتيتم إحداهن قنطاراً ليدل على أن قوله :وآتيتم المراد منه، وأتى كل واحد منكم إحداهن، أي إحدى الأزواج قنطاراً، ولم يقل :وآتيتموهن قنطاراً، لئلا يتوهم أن الجميع المخاطبين أتوا الأزواج قنطاراً.
والمراد :آتى كل واحد زوجته قنطاراً.
فدل لفظ إحداهن على أن الضمير في :آتيتم، المراد منه كل واحد واحد، كما دل لفظ :وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج على أن المراد استبدال أزواج مكان أزواج، فأريد بالمفرد هنا الجمع لدلالة :وإن أردتم.
وأريد بقوله :وآتيتم كل واحد واحد لدلالة إحداهن، وهي مفردة على ذلك.
وهذا من لطيف البلاغة، ولا يدل على هذا المعنى بأوجز من هذا ولا أفصح.
وتقدّم الكلام في قنطار في أول آل عمران والضمير في منه عائد على قنطار.
وقرأ ابن محيصن :بوصل ألف إحداهن، كما قرئ :أنها لإحدى الكبر بوصل الألف، حذفت على جهة التحقيق كما قال :
وتسمع من تحت العجاج لها ازملا *** وقال :
إن لم أقاتل فألبسوني برقعا *** وظاهر قوله :فلا تأخذوا منه شيئاً تحريم أخذ شيء مما آتاها إذا كان استبدل مكانها بإرادته.
قالوا :وهذا مقيد بقوله : ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه ﴾ قالوا :وانعقد عليه الإجماع.
ويجري هذا المجرى المختلعة لأنها طابت نفسها أن تدفع للزوج ما افتدت به.
وقال بكر بن عبد الله المزني :لا تأخذ من المختلعة شيئاً لقوله :فلا تأخذوا منه شيئاً وآية البقرة منسوخة بهذا، وتقدّم الكلام في ذلك في سورة البقرة.
وظاهر قوله :وآتيتم إحداهن قنطاراً، والنهي بعده يدل على عموم ما آتاها، سواء كان مهراً أو غيره.
أفضى بعضكم إلى بعض لأن هذا لا يقتضي أن يكون الذي آتاها مهراً فقط، بل المعنى :أنه قد صار بينهما من الاختلاط والامتزاج ما لا يناسب أن يأخذ شيئاً مما آتاها، سواء كان مهراً أو غيره.
وقال أبو بكر الرازي :لا يمتنع أن يكون أول الخطاب عموماً في جميع ما تضمنه الاسم، ويكون المعطوف عليه بحكم خاص فيه، ولا يوجب ذلك خصوص اللفظ الأوّل انتهى كلامه.
وهو منه تسليم أن المراد بقوله :وكيف تأخذونه، أي المهر.
وبينا أنه لا يلزم ذلك.
قال أبو بكر الرازي :وفي الآية دليل على أن من أسلف امرأته نفقتها لمدة ثم ماتت قبل انقضاء المدة، لا يرجع في ميراثها بشيء مما أعطاها لعموم اللفظ لأنه جائز، أن يريد أن يتزوج أخرى بعد موتها مستبدلاً بها مكان الأولى.
وظاهر الأمر قد تناول هذه الحالة انتهى.
وليس بظاهرٍ لأنّ الاستبدال يقتضي وجود البدل والمبدل منه، أما إذا كان قد عدم فلا يصح ذلك، لأن المستبدل يترك هذا ويأخذ آخر بدلاً منه، فإذا كان معدوماً فكيف يتركه ويأخذ بدله آخر ؟ وظاهر الآية يدل على تحريم أخذ شيء مما أعطاها إن أراد الاستبدال، وآخر الآية يدل بتعليله بالإفضاء على العموم، في حالة الاستبدال وغيرها.
ومفهوم الشرط غير مراد، وإنما خص بالذكر لأنها حالة قد يتوهم فيها أنه لمكان الاستبدال وقيام غيرها مقامها، له أن يأخذ مهرها ويعطيه الثانية، وهي أولى به من المفارقة.
فبيّن الله أنه لا يأخذ منها شيئاً.
وإذا كانت هذه التي استبدل مكانها لم يبح له أحد شيء مما آتاها، مع سقوط حقه عن بضعها، فأحرى أن لا يباح له ذلك مع بقاء حقه واستباحة بضعها، وكونه أبلغ في الانتفاع بها منها بنفسه.
وقرأ أبو السمال وأبو جعفر :شيا بفتح الياء وتنوينها، حذف الهمزة وألقى حركتها على الياء.
﴿ أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً ﴾ أصل البهتان :الكذب الذي يواجه به الإنسان صاحبه على جهة المكابرة فيبهت المكذوب عليه.
أي :يتحير ثم سمى كل باطل يتحير من بطلانه بهتاناً.
وهذا الاستفهام على سبيل الإنكار، أي :أتفعلون هذا مع ظهور قبحه ؟ وسمي بهتاناً لأنهم كانوا إذا أرادوا تطليق امرأة رموها بفاحشة حتى تخاف وتفتدي منه مهرها، فجاءت الآية على الأمر الغالب.
وقيل :سمي بهتاناً لأنه كان فرض لها المهر، واسترداده يدل على أنه يقول :لم أفرضه، وهذا بهتان.
وانتصب بهتاناً وإثماً على أنهما مصدران في موضع الحال من الفاعل، التقدير :باهتين وآثمين.
أو من المفعول التقدير :مبهتاً محيراً لشنعته وقبح الأحدوثة، أو مفعولين من أجلهما أي :أتأخذونه لبهتانكم وإثمكم ؟ قال ذلك الزمخشري قال :وإن لم يكن غرضاً كقولك :قعد عن القتال جبناً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات أنواعاً من البيان والبديع.
منها :التجوّز بإطلاق اسم الكل على البعض في قوله :يأتين الفاحشة، لأن أل تستغرق كل فاحشة وليس المراد بل بعضها، وإنما أطلق على البعض اسم الكل تعظيماً لقبحه وفحشه، فإن كان العرف في الفاحشة الزنا، فليس من هذا الباب إذ تكون الألف واللام للعهد.
والتجوّز بالمراد من المطلق بعض مدلوله في قوله :فآذوهما إذ فسر بالتعيير أو الضرب بالنعال، أو الجمع بينهما، وبقوله :سبيلاً والمراد الحد، أو رجم المحصن.
وبقوله :فأعرضوا عنهما أي اتركوهما.
وإسناد الفعل إلى غير فاعله في قوله :حتى يتوفاهنّ الموت، وفي قوله :حتى إذا حضر أحدهم الموت.
والتجنيس المغاير في :إن تابا إن الله كان توّاباً، وفي :أرضعنكم ومن الرضاعة، وفي :محصنات فإذا أحصنّ.
والتجنيس المماثل في :فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا، وفي :ولا تنكحوا ما نكح.
والتكرار في :اسم الله في مواضع، وفي :إنما التوبة وليست التوبة، وفي :زوج مكان زوج، وفي :أمّهاتكم وأمّهاتكم اللاتي، وفي :إلا ما قد سلف، وفي :المؤمنات في قوله :المحصنات المؤمنات، وفي :فتياتكم المؤمنات، وفي :فريضة ومن بعد الفريضة، وفي :المحصنات من النساء والمحصنات، ونصف ما على المحصنات، وفي :بعضكم من بعض، وفي :يريد في أربعة مواضع، وفي :يتوب وأن يتوب، وفي :إطلاق المستقبل على الماضي، في :واللاتي يأتين الفاحشة وفي :واللذان يأتيانها منكم، وفي :يعملون السوء وفي :ثم يتوبون، وفي :يريد وفي :ليبين، لأن إرادة الله وبيانه قديمان، إذ تبيانه في كتبه المنزلة والإرادة والكلام من صفات ذاته وهي قديمة.
والإشارة والإيماء في قوله ؛ كرهاً، فإن تحريم الإرث كرهاً يومىء إلى جوازه طوعاً، وقد صرح بذلك في قوله :فإن طبن، وفي قوله :ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ، فله أن يعضلها على غير هذه الصفة لمصلحة لها تتعلق بها، أو بمالها، وفي :إنه كان فاحشة أومأ إلى نكاح الأبناء في الجاهلية نساء الآباء، وفي :أحل لكم ما وراء ذلكم إشارة إلى ما تقدم في المحرمات، ذلك لمن خشي العنت إشارة إلى تزويج الإماء.
والمبالغة في تفخيم الأمر وتأكيده في قوله :وآتيتم إحداهنّ قنطاراً عظم الأمر حتى ينتهي عنه.
والاستعارة في قوله :وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً، استعار الأخذ للوثوق بالميثاق والتمسك به، والميثاق معنى لا يتهيأ فيه الأخذ حقيقة، وفي :كتاب الله عليكم أي فرض الله، استعار للفرض لفظ الكتاب لثبوته وتقريره، فدل بالأمر المحسوس على المعنى المعقول.
وفي :محصنين، استعار لفظ الإحصان وهو الامتناع في المكان الحصين للامتناع بالعقاب، واستعار لكثرة الزنا السفح وهو صب الماء في الأنهار والعيون بتدفق وسرعة، وكذلك :فآتوهن أجورهن استعار لفظ الأجور للمهور، والأجر هو ما يدل على عمل، فجعل تمكين المرأة من الانتفاع بها كأنه عمل تعمله.
وفي قوله :طولاً استعارة للمهر يتوصل به للغرض، والطول وهو الفضل يتوصل به إلى معالي الأمور.
وفي قوله :يتبعون الشهوات استعار الاتباع والميل اللذين هما حقيقة في الإجرام لموافقة هوى النفس المؤدي إلى الخروج عن الحق.
وفي قوله :أن يخفف، والتخفيف أصله من خفة الوزن وثقل الجرم، وتخفيف التكاليف رفع مشاقها من النفس، وذلك من المعاني.
وتسمية الشيء بما يؤول إليه في قوله :أن ترثوا النساء كرهاً، سمي تزويج النساء أو منعهن للأزواج إرثاً، لأن ذلك سبب الإرث في الجاهلية.
وفي قوله :وخلق الإنسان ضعيفاً جعله ضعيفاً باسم ما يؤول إليه، أو باسم أصله.
والطباق المعنوي في قوله :وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً، وقد فسر الخير الكثير بما هو محبوب.
وفي قوله :والمحصنات من النساء، أي حرام عليكم ثم قال :وأحل لكم.
والذي يظهر أنه من الطباق اللفظي، لأن صدر الآية حرمت عليكم أمهاتكم، ثم نسق المحرمات، ثم قال :وأحل لكم، فهذا هو الطباق.
وفي قوله :محصنين غير مسافحين، والمحصن الذي يمنع فرجه، والمسافح الذي يبذله.
والاحتراس في قوله :اللاتي دخلتم بهن احترز من اللاتي لم يدخل بهن، وفي وربائبكم اللاتي في حجوركم احترس من اللاتي ليست في الحجور.
وفي قوله :والمحصنات من النساء إذا المحصنات قد يراد بها الأنفس المحصنات، فيدخل تحتها الرجال، فاحترز بقوله :من النساء.
والاعتراض بقوله :والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض.
والحذف في مواضع لا يتم المعنى إلا بها.

الإفضاء إلى الشيء :الوصول إلى فضاء منه، أي سعة غير محصورة.
وفي مثل الناس فوضى فضى أي :مختلطون، يباشر بعضهم بعضاً.
ويقال :فضاً يفضو فضاًء إذا اتسع، فألف أفضى منقلبة عن ياء أصلها واو.
﴿ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ وهذا استفهام إنكار أيضاً، أنكر أولاً الأخذ، ونبه على امتناع الأخذ بكونه بهتاناً وإثماً.
وأنكر ثانياً حاله الأخذ، وأنها ليست مما يمكن أن يجامع حال الإفضاء، لأن الإفضاء وهو المباشرة والدنوّ الذي ما بعده دنو، يقتضي أن لا يؤخذ معه شيء مما أعطاه الزوج، ثم عطف على الإفضاء أخذ النساء الميثاق الغليظ من الأزواج.
والإفضاء :الجماع قاله، ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والسدي.
وقال عمر، وعلي، وناس من الصحابة، والكلبي، والفراء :هي الخلوة والميثاق، هو قوله تعالى : ﴿ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ قاله :ابن عباس، والحسن، والضحاك، وابن سيرين، والسدي، وقتادة.
قال قتادة :وكان يقال للناكح في صدر الإسلام :عليكم لتمسكنَّ بمعروف، أو لتسرحنَّ بإحسان.
وقال مجاهد وابن زيد :الميثاق كلمة الله التي استحللتم بها فروجهن، وهي قول الرجل :نكحت وملكت النكاح ونحوه.
وقال عكرمة :هو قوله صلى الله عليه وسلم : « استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله » وقال قوم :الميثاق الولد، إذ به تتأكد أسباب الحرمة وتقوى دواعي الألفة.
وقيل :ما شرط في العقد من أنّ على كل واحد منهما تقوى الله، وحسن الصحبة والمعاشرة بالمعروف، وما جرى مجرى ذلك.
وقال الزمخشري :الميثاق الغليظ حق الصحبة والمضاجعة، كأنه قيل :وأخذن به منكم ميثاقاً غليظاً، أي بإفضاء بعضكم إلى بعض.
ووصفه بالغلظ لقوته وعظمه، فقد قالوا :صحبة عشرين يوماً قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج ؟ انتهى كلامه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات أنواعاً من البيان والبديع.
منها :التجوّز بإطلاق اسم الكل على البعض في قوله :يأتين الفاحشة، لأن أل تستغرق كل فاحشة وليس المراد بل بعضها، وإنما أطلق على البعض اسم الكل تعظيماً لقبحه وفحشه، فإن كان العرف في الفاحشة الزنا، فليس من هذا الباب إذ تكون الألف واللام للعهد.
والتجوّز بالمراد من المطلق بعض مدلوله في قوله :فآذوهما إذ فسر بالتعيير أو الضرب بالنعال، أو الجمع بينهما، وبقوله :سبيلاً والمراد الحد، أو رجم المحصن.
وبقوله :فأعرضوا عنهما أي اتركوهما.
وإسناد الفعل إلى غير فاعله في قوله :حتى يتوفاهنّ الموت، وفي قوله :حتى إذا حضر أحدهم الموت.
والتجنيس المغاير في :إن تابا إن الله كان توّاباً، وفي :أرضعنكم ومن الرضاعة، وفي :محصنات فإذا أحصنّ.
والتجنيس المماثل في :فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا، وفي :ولا تنكحوا ما نكح.
والتكرار في :اسم الله في مواضع، وفي :إنما التوبة وليست التوبة، وفي :زوج مكان زوج، وفي :أمّهاتكم وأمّهاتكم اللاتي، وفي :إلا ما قد سلف، وفي :المؤمنات في قوله :المحصنات المؤمنات، وفي :فتياتكم المؤمنات، وفي :فريضة ومن بعد الفريضة، وفي :المحصنات من النساء والمحصنات، ونصف ما على المحصنات، وفي :بعضكم من بعض، وفي :يريد في أربعة مواضع، وفي :يتوب وأن يتوب، وفي :إطلاق المستقبل على الماضي، في :واللاتي يأتين الفاحشة وفي :واللذان يأتيانها منكم، وفي :يعملون السوء وفي :ثم يتوبون، وفي :يريد وفي :ليبين، لأن إرادة الله وبيانه قديمان، إذ تبيانه في كتبه المنزلة والإرادة والكلام من صفات ذاته وهي قديمة.
والإشارة والإيماء في قوله ؛ كرهاً، فإن تحريم الإرث كرهاً يومىء إلى جوازه طوعاً، وقد صرح بذلك في قوله :فإن طبن، وفي قوله :ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ، فله أن يعضلها على غير هذه الصفة لمصلحة لها تتعلق بها، أو بمالها، وفي :إنه كان فاحشة أومأ إلى نكاح الأبناء في الجاهلية نساء الآباء، وفي :أحل لكم ما وراء ذلكم إشارة إلى ما تقدم في المحرمات، ذلك لمن خشي العنت إشارة إلى تزويج الإماء.
والمبالغة في تفخيم الأمر وتأكيده في قوله :وآتيتم إحداهنّ قنطاراً عظم الأمر حتى ينتهي عنه.
والاستعارة في قوله :وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً، استعار الأخذ للوثوق بالميثاق والتمسك به، والميثاق معنى لا يتهيأ فيه الأخذ حقيقة، وفي :كتاب الله عليكم أي فرض الله، استعار للفرض لفظ الكتاب لثبوته وتقريره، فدل بالأمر المحسوس على المعنى المعقول.
وفي :محصنين، استعار لفظ الإحصان وهو الامتناع في المكان الحصين للامتناع بالعقاب، واستعار لكثرة الزنا السفح وهو صب الماء في الأنهار والعيون بتدفق وسرعة، وكذلك :فآتوهن أجورهن استعار لفظ الأجور للمهور، والأجر هو ما يدل على عمل، فجعل تمكين المرأة من الانتفاع بها كأنه عمل تعمله.
وفي قوله :طولاً استعارة للمهر يتوصل به للغرض، والطول وهو الفضل يتوصل به إلى معالي الأمور.
وفي قوله :يتبعون الشهوات استعار الاتباع والميل اللذين هما حقيقة في الإجرام لموافقة هوى النفس المؤدي إلى الخروج عن الحق.
وفي قوله :أن يخفف، والتخفيف أصله من خفة الوزن وثقل الجرم، وتخفيف التكاليف رفع مشاقها من النفس، وذلك من المعاني.
وتسمية الشيء بما يؤول إليه في قوله :أن ترثوا النساء كرهاً، سمي تزويج النساء أو منعهن للأزواج إرثاً، لأن ذلك سبب الإرث في الجاهلية.
وفي قوله :وخلق الإنسان ضعيفاً جعله ضعيفاً باسم ما يؤول إليه، أو باسم أصله.
والطباق المعنوي في قوله :وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً، وقد فسر الخير الكثير بما هو محبوب.
وفي قوله :والمحصنات من النساء، أي حرام عليكم ثم قال :وأحل لكم.
والذي يظهر أنه من الطباق اللفظي، لأن صدر الآية حرمت عليكم أمهاتكم، ثم نسق المحرمات، ثم قال :وأحل لكم، فهذا هو الطباق.
وفي قوله :محصنين غير مسافحين، والمحصن الذي يمنع فرجه، والمسافح الذي يبذله.
والاحتراس في قوله :اللاتي دخلتم بهن احترز من اللاتي لم يدخل بهن، وفي وربائبكم اللاتي في حجوركم احترس من اللاتي ليست في الحجور.
وفي قوله :والمحصنات من النساء إذا المحصنات قد يراد بها الأنفس المحصنات، فيدخل تحتها الرجال، فاحترز بقوله :من النساء.
والاعتراض بقوله :والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض.
والحذف في مواضع لا يتم المعنى إلا بها.

المقت :البغض المقرون باستحقار حصل بسبب أمر قبيح ارتكبه صاحبه.
﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف ﴾ تقدم ذكر شيء من سبب نزول هذه الآية في قوله : ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ وقد ذكروا قصصاً مضمونها :أنّ من العرب مَن كان يتزوج امرأة أبيه، وسموا جماعة تزوجوا زوجات آبائهم بعد موت آبائهم، فأنزل الله تحريم ذلك.
وتقدّم الخلاف في النكاح :أهو حقيقة في الوطء، أم في العقد، أم مشترك ؟ قالوا :ولم يأت النكاح بمعنى العقد إلا في ﴿ فانكحوهن بإذن أهلهن ﴾ وهذا الحصر منقوض بقوله : ﴿ إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ واختلف في ما من قوله :ما نكح.
فالمتبادر إلى الذهن أنها مفعوله، وأنها واقعة على النوع كهي في قوله تعالى : ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ أي :ولا تنكحوا النوع الذي نكح آباؤكم.
وقد تقرر في علم العربية أنّ ما تقع على أنواع من يعقل، وهذا على مذهب من يمنع وقوعها على آحاد من يعقل.
أمّا مَن يجيز ذلك فإنه يتضح حمل ما في الآية عليه، وقد زعم أنه مذهب سيبويه.
وعلى هذا المفهوم من إطلاق ما على منكوحات الآباء تلقت الصحابة الآية واستدلوا بها على تحريم نكاح الأبناء حلائل الآباء.
قال ابن عباس :كان أهل الجاهلية يحرمون ما يحرم إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين فنزلت هذه الآية في ذلك.
وقال ابن عباس :كل امرأة تزوجها أبوك دخل بها أو لم يدخل، فهي عليك حرام.
وقال قوم :ما مصدرية.
والتقدير :ولا تنكحوا نكاح آبائكم أي :مثل نكاح آبائكم الفاسد، أو الحرام الذي كانوا يتعاطونه في الجاهلية كالشغار وغيره، كما تقول :ضربت ضرب الأمير أي :مثل ضرب الأمير.
ويبين كونه حراماً أو فاسداً قوله : ﴿ إنه كان فاحشة ﴾ واختار هذا القول محمد بن جرير قال :ولو كان معناه ولا تنكحوا النساء اللاتي نكح آباؤكم، لوجب أن يكون موضع ما من.
وحمل ابن عباس وعكرمة وقتادة وعطاء النكاح هنا على الوطء، لأنهم كانوا يرثون نكاح نسائهم.
وقال ابن زيد في جماعة :المراد به العقد الصحيح، لا ما كان منهم بالزنا انتهى.
والاستثناء في قوله :إلا ما قد سلف منقطع، إذ لا يجامع الاستقبال الماضي، والمعنى :أنه لما حرم عليهم أن ينكحوا ما نكح آباؤهم، دلّ على أن متعاطي ذلك بعد التحريم آثم، وتطرق الوهم إلى ما صدر منهم قبل النهي ما حكمه.
فقيل :إلا ما قد سلف أي :لكن ما قد سلف، فلم يكن يتعلق به النهي فلا إثم فيه.
ولما حمل ابن زيد النكاح على العقد الصحيح، حمل قوله :إلا ما قد سلف، على ما كان يتعاطاه بعضهم من الزنا، فقال :إلا ما قد سلف من الآباء في الجاهلية من الزنا بالنساء، فذلك جائز لكم زواجهم في الإسلام، إنه كان فاحشة ومقتاً وكأنه قيل :ولا تعقدوا على من عقد عليه آباؤكم إلا ما قد سلف من زناهم، فإنه يجوز لكم أن تتزوجوهم، ويكون على هذا استثناء منقطعاً.
وقيل عن ابن زيد :إن معنى الآية النهي أن يطأ الرجل امرأة وطئها أبوه إلا ما قد سلف من الأب في الجاهلية من الزنا بالمرأة، فإنه يجوز للابن تزوجها، فعلى هذا يكون إلا ما قد سلف استثناء متصلاً، إذ ما قد سلف مندرج تحت قوله :ما نكح، إذ المراد :ما وطىء آباؤكم.
وما وطىء يشمل الموطوءة بزنا وغيره، والتقدير :ما وطىء آباؤكم إلا التي تقدم هو أي :وطؤها بزنا من آبائكم فانكحوهن.
ومن جعل ما في قوله :ما نكح مصدرية كما قررناه، قال :المعنى إلا ما تقدم منكم من تلك العقود الفاسدة فمباح لكم الإقامة عليه في الإسلام، إذ كان مما تقرر الإسلام عليه.
وقال الزمخشري :( فإن قلت ) :كيف استثنى ما قد سلف من ما نكح آباؤكم ؟ ( قلت ) :كما استثنى غير أن سيوفهم من قوله :ولا عيب فيهم.
يعني :إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه، فلا يحل لكم غيره، وذلك غير ممكن.
والغرض المبالغة في تحريمه وسد الطريق إلى إباحته، كما يعلق بالمحال في التأبيد في نحو قولهم :حتى يبيض القار، وحتى يلج الجمل في سم الخياط.
انتهى كلامه.
وقال الأخفش المعنى :فإنكم تعذبون به إلا ما قد سلف، فقد وضعه الله عنكم.
وقيل :في الآية تقديم وتأخير، تقديره :ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً إلا ما قد سلف، وهذا جهل بعلم النحو، وعلم المعاني.
أما من حيث علم النحو فما كان في حيز أن لا يتقدم عليها، وكذلك المستثنى لا يتقدم على الجملة التي هو من متعلقاتها بالاتصال أو الانقطاع، وإن كان في هذا خلاف ولا يلتفت إليه.
وأما من حيث المعنى فإنه أخبر أنه فاحشة ومقت في الزمان الماضي، فلا يصح أن يستثنى منه الماضي، إذ يصير المعنى هو فاحشة في الزمان الماضي، إلا ما وقع منه في الزمان الماضي فليس بفاحشة، وهذا معنى لا يمكن أن يقع في القرآن، ولا في كلام عربي لتهافته.
والذي يظهر من الآية أن كل امرأة نكحها أبو الرجل بعقد أو ملك فإنه يحرم عليه أن ينكحها بعقد أو ملك، لأن النكاح ينطلق على الموطوءة بعقد أو ملك، لأنه ليس إلا نكاح أو سفاح، والسفاح هو الزنا، والنكاح هو المباح، وأشار إلى تحريم ذلك بقوله :
﴿ إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً ﴾ أي أن نكاح الأبناء نساء آبائهم هو فاحشة أي :بالغة في القبح.
ومقت :أي يمقت الله فاعله، قاله أبو سليمان الدمشقي.
أو تمقته العرب أي :مبغض محتقر عندهم، وكان ناس من ذوي المروءات في الجاهلية يمقتونه.
قال أبو عبيدة وغيره :كانت العرب تسمي الولد الذي يجىء من زوج الوالد المقتي، نسبة إلى المقت.
ومن فسر الا ما قد سلف بالزنا جعل الضمير في أنه عائد عليه أي :انَّ ما قد سلف من زنا الآباء كان فاحشة، وكان يستعمل كثيراً بمعنى لم يزل، فالمعنى :أنَّ ذلك لم يزل فاحشة، بل هو متصف بالفحش في الماضي والحال والمستقبل، فالفحش وصف لازم له.
وقال المبرد :هي زائدة.
ورد عليه بوجود الخبر، إذ الزائدة لا خبر لها.
وينبغي أن يتأول كلامه على أنَّ كان لا يراد بها تقييد الخبر بالزمن الماضي فقط، فجعلها زائدة بهذا الاعتبار.
وساء سبيلاً هذه مبالغة في الذم، كما يبالغ ببئس.
فان كان فيها ضمير يعود على ما عاد عليه ضمير إنّه، فانها لا تجري عليها أحكام بئس.
وإنْ كان الضمير فيها مبهماً كما يزعم أهل البصرة فتفسيره سبيلاً، ويكون المخصوص بالذم اذ ذاك محذوفاً التقدير :وبئس سبيلاً سبيل هذا النكاح، كما جاء بئس الشراب أي :ذلك الماء الذي كالمهل.
وبالغ في ذم هذه السبيل، إذ هي سبيل موصلة إلى عذاب الله.
وقال البراء بن عازب :لقيت خالي ومعه الراية فقلت :أين تريد ؟ قال :أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده ان أضرب عنقه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات أنواعاً من البيان والبديع.
منها :التجوّز بإطلاق اسم الكل على البعض في قوله :يأتين الفاحشة، لأن أل تستغرق كل فاحشة وليس المراد بل بعضها، وإنما أطلق على البعض اسم الكل تعظيماً لقبحه وفحشه، فإن كان العرف في الفاحشة الزنا، فليس من هذا الباب إذ تكون الألف واللام للعهد.
والتجوّز بالمراد من المطلق بعض مدلوله في قوله :فآذوهما إذ فسر بالتعيير أو الضرب بالنعال، أو الجمع بينهما، وبقوله :سبيلاً والمراد الحد، أو رجم المحصن.
وبقوله :فأعرضوا عنهما أي اتركوهما.
وإسناد الفعل إلى غير فاعله في قوله :حتى يتوفاهنّ الموت، وفي قوله :حتى إذا حضر أحدهم الموت.
والتجنيس المغاير في :إن تابا إن الله كان توّاباً، وفي :أرضعنكم ومن الرضاعة، وفي :محصنات فإذا أحصنّ.
والتجنيس المماثل في :فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا، وفي :ولا تنكحوا ما نكح.
والتكرار في :اسم الله في مواضع، وفي :إنما التوبة وليست التوبة، وفي :زوج مكان زوج، وفي :أمّهاتكم وأمّهاتكم اللاتي، وفي :إلا ما قد سلف، وفي :المؤمنات في قوله :المحصنات المؤمنات، وفي :فتياتكم المؤمنات، وفي :فريضة ومن بعد الفريضة، وفي :المحصنات من النساء والمحصنات، ونصف ما على المحصنات، وفي :بعضكم من بعض، وفي :يريد في أربعة مواضع، وفي :يتوب وأن يتوب، وفي :إطلاق المستقبل على الماضي، في :واللاتي يأتين الفاحشة وفي :واللذان يأتيانها منكم، وفي :يعملون السوء وفي :ثم يتوبون، وفي :يريد وفي :ليبين، لأن إرادة الله وبيانه قديمان، إذ تبيانه في كتبه المنزلة والإرادة والكلام من صفات ذاته وهي قديمة.
والإشارة والإيماء في قوله ؛ كرهاً، فإن تحريم الإرث كرهاً يومىء إلى جوازه طوعاً، وقد صرح بذلك في قوله :فإن طبن، وفي قوله :ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ، فله أن يعضلها على غير هذه الصفة لمصلحة لها تتعلق بها، أو بمالها، وفي :إنه كان فاحشة أومأ إلى نكاح الأبناء في الجاهلية نساء الآباء، وفي :أحل لكم ما وراء ذلكم إشارة إلى ما تقدم في المحرمات، ذلك لمن خشي العنت إشارة إلى تزويج الإماء.
والمبالغة في تفخيم الأمر وتأكيده في قوله :وآتيتم إحداهنّ قنطاراً عظم الأمر حتى ينتهي عنه.
والاستعارة في قوله :وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً، استعار الأخذ للوثوق بالميثاق والتمسك به، والميثاق معنى لا يتهيأ فيه الأخذ حقيقة، وفي :كتاب الله عليكم أي فرض الله، استعار للفرض لفظ الكتاب لثبوته وتقريره، فدل بالأمر المحسوس على المعنى المعقول.
وفي :محصنين، استعار لفظ الإحصان وهو الامتناع في المكان الحصين للامتناع بالعقاب، واستعار لكثرة الزنا السفح وهو صب الماء في الأنهار والعيون بتدفق وسرعة، وكذلك :فآتوهن أجورهن استعار لفظ الأجور للمهور، والأجر هو ما يدل على عمل، فجعل تمكين المرأة من الانتفاع بها كأنه عمل تعمله.
وفي قوله :طولاً استعارة للمهر يتوصل به للغرض، والطول وهو الفضل يتوصل به إلى معالي الأمور.
وفي قوله :يتبعون الشهوات استعار الاتباع والميل اللذين هما حقيقة في الإجرام لموافقة هوى النفس المؤدي إلى الخروج عن الحق.
وفي قوله :أن يخفف، والتخفيف أصله من خفة الوزن وثقل الجرم، وتخفيف التكاليف رفع مشاقها من النفس، وذلك من المعاني.
وتسمية الشيء بما يؤول إليه في قوله :أن ترثوا النساء كرهاً، سمي تزويج النساء أو منعهن للأزواج إرثاً، لأن ذلك سبب الإرث في الجاهلية.
وفي قوله :وخلق الإنسان ضعيفاً جعله ضعيفاً باسم ما يؤول إليه، أو باسم أصله.
والطباق المعنوي في قوله :وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً، وقد فسر الخير الكثير بما هو محبوب.
وفي قوله :والمحصنات من النساء، أي حرام عليكم ثم قال :وأحل لكم.
والذي يظهر أنه من الطباق اللفظي، لأن صدر الآية حرمت عليكم أمهاتكم، ثم نسق المحرمات، ثم قال :وأحل لكم، فهذا هو الطباق.
وفي قوله :محصنين غير مسافحين، والمحصن الذي يمنع فرجه، والمسافح الذي يبذله.
والاحتراس في قوله :اللاتي دخلتم بهن احترز من اللاتي لم يدخل بهن، وفي وربائبكم اللاتي في حجوركم احترس من اللاتي ليست في الحجور.
وفي قوله :والمحصنات من النساء إذا المحصنات قد يراد بها الأنفس المحصنات، فيدخل تحتها الرجال، فاحترز بقوله :من النساء.
والاعتراض بقوله :والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض.
والحذف في مواضع لا يتم المعنى إلا بها.

العمة :أخت الأب.
الخالة :أخت الأم، وألفها منقلبة عن واو، دليل ذلك قولهم :أخوال في جمع الخال، ورجل مخول كريم الأخوال.
الربيبة :بنت زوج الرجل من غيره.
الحَجر بفتح الحاء وكسرها :مقدّم ثوب الإنسان وما بين يديه منه في حال اللبس، ثم استعملت اللفظة في السير والحفظ، لأن اللابس إنما يحفظ طفلاً، وما أشبهه في ذلك الموضع من الثوب، وجمعه حجور.
الحليلة :الزوجة، والحليل الزوج قال :
أغشى فتاة الحي عند حليلها *** وإذا غزا في الجيش لا أغشاها
سميت حليلة لأنها تحل مع الزوج حيث حل، فهي فعيلة بمعنى فاعلة.
وذهب الزجاج وغيره إلى أنها من لفظ الحلال، فهي حليلة بمعنى محللة.
وقيل :كل واحد منهما يحل إزار صاحبه.
الصلب :الظهر، وصلب صلابة قوي واشتدّ.
وذكر الفراء في كتاب لغات القرآن له :أن الصلب وهو الظهر، على وزن قفل هو لغة أهل الحجاز ويقول فيه تميم وأسد :الصلب بفتح الصاد واللام.
قال :وأنشدني بعضهم :
وصلب مثل العنان المؤدم *** قال وأنشدني بعض بني أسد
إذا أقوم أتشكي صلبي *** ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ﴾ لما تقدم تحريم نكاح امرأة الأب على ابنه وليست أمه، كان تحريم أمه أولى بالتحريم.
وليس هذا من المجمل، بل هذا مما حذف منه المضاف الدلالة المعنى عليه.
لأنه إذا قيل :حرم عليك الخمر، إنما يفهم منه شربها.
وحرمت عليك الميتة أي :أكلها.
وهذا من هذا القبيل، فالمعنى :نكاح أمهاتكم.
ولأنه قد تقدم ما يدل عليه وهو قوله : ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ﴾.
وقال محمد بن عمر الرازي :فيها عندي بحث من وجوه :أحدها :أنَّ بناء الفعل للمفعول لا تصريح فيه بأن المحرّم هو الله.
وثانيها :أنّ حرمت لا يدل على التأبيد، إذ يمكن تقسيمه إلى المؤبد والمؤقت.
وثالثها :أنّ عليكم خطاب مشافهة، فيختصّ بالحاضرين.
ورابعها :أنّ حرمت ماض، فلا يتناول الحال والمستقبل.
وخامسها :أنه يقتضي أنه يحرم على كل أحد جميع أمهاتهم.
وسادسها :أنَّ حرمت يشعر ظاهره بسبق الحل، إذ لو كان حراماً لما قيل :حرمت.
وثبت بهذه الوجوه أنّ ظاهر الآية وحده غير كاف في إثبات المطلوب انتهى ملخصاً.
وهذه البحوث التي ذكرها لا تختص بهذا الموضع ولا طائل فيها، إذ من البواعث على حذف الفاعل العلم به، ومعلوم أنّ المحرّم هو الله تعالى.
ألا ترى إلى آخر الآية وهو قوله : ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفوراً رحيماً ﴾ وقال بعد : ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ على قراءة من بناه للفاعل.
ومتى جاء التحريم من الله فلا يفهم منه إلا التأبيد، فإن كان له حالة إباحة نصّ عليها كقوله : ﴿ فمن اضطر غير باغٍ ولا عاد ﴾
وأما أنه صيغة ماض فيخصه فالأفعال التي جاءت يستفاد منها الأحكام الشرعية، وإن كانت بصيغة الماضي فإنها لا تخصه، فإنها نظير أقسمت لأضربن زيداً لا يراد بها أنه صدر منه إقسام في زمان ماض.
فإن كان الحكم ثابتاً قبل ورود الفعل ففائدته تقرير ذلك الحكم الثابت، وإن لم كن ثابتاً ففائدته إنشاء ذلك الحكم وتجديده.
وأمّا أن الظاهر أنه يحرم على كلّ أحد جميع أمهاتهم فليس بظاهر، ولا مفهوم من اللفظ.
لأنّ عليكم أمهاتكم عام يقابله عام، ومدلول العموم أن تقابل كل واحد بكلّ واحد واحد.
أما أن يأخذ ذلك على طريق الجمعية فلا، لأنها ليست دلالة العام.
فإنما المفهوم :حرم على كل واحد واحد منكم كلّ واحدة، واحدة من أم نفسه.
والمعنى :حرم على هذا أمه.
وعلى هذا أمّه والأمّ المحرّمة شرعاً هي كل امرأة رجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك، أو من جهة أمك.
ولفظ الأم حقيقة في التي ولدتك نفسه.
ودلالة لفظ الأم على الجدّة إن كان بالتواطىء أو بالاشتراك، وجاز حمله على المشتركين، كان حقيقة، وتناولها النص.
وإن كان بالمجاز وجاز حمله على الحقيقة والمجاز، فكذلك وإلا فيستفاد تحريم الجدّات من الإجماع أو من نصّ آخر.
وحرمة الأمهات والبنات كانت من زمان آدم عليه السلام إلى زماننا هذا، وذكروا أنّ سبب هذا التحريم :أنّ الوطء إذلال وامتهان، فصينت الأمهات عنه، إذ إنعام الأم على الولد أعظم وجوه الأنعام.
والبنت المحرّمة كل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو درجات بإناث أو ذكور، وبنت البنت هل تسمى بنتاً حقيقة، أو مجازاً الكلام فيها كالكلام في الجدة، وقد كان في العرب من تزوج ابنته وهو حاجب بن زرارة تمجس، ذكر ذلك :النضر بن شميل في كتاب المثالب.
﴿ وأخواتكم ﴾ الأخت المحرمة كل من جمعك وإياها صلب أو بطن.
﴿ وعماتكم وخالاتكم ﴾ العمة :أخت الأب، والخالة :أخت الأم.
وخص تحريم العمات والخالات دون أولادهن.
وتحرم عمة الأب وخالته وعمة الأم وخالتها، وعمة العمة.
وأم خالة العمة فإن كانت العمة أخت أب لأم، أو لأب وأم، فلا تحل خالة العمة لأنها أخت الجدة.
وإن كانت العمة إنما هي أخت أب لأب فقط، فخالتها أجنبية من بني أخيها تحلّ للرجال، ويجمع بينها وبين النساء.
وأما عمة الخالة فإن كانت الخالة أخت أم لأب فلا تحل عمة الخالة، لأنها أخت جد.
وإن كانت الخالة أخت أم لأم فقط فعمتها أجنبية من بني أختها.
﴿ وبنات الأخ وبنات الأخت ﴾ تحرم بناتهما وإن سفلن.
وأفرد الأخ والأخت ولم يأت جمعاً، لأنه أضيف إليه الجمع، فكان لفظ الإفراد أخف، وأريد به الجنس المنتظم في الدلالة الواحدة وغيره.
فهؤلاء سبع من النسب تحريمهن مؤبد.
وأما اللواتي صرن محرمات بسبب طارىء فذكرهن في القرآن سبعاً وهن في قوله تعالى :
﴿ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ﴾ وسمى المرضعات أمهات لأجل الحرمة، كما سمى أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين.
ولما سمى المرضعة أماً والمرضعة مع الراضع أختاً، نبّه بذلك على إجراء الرضاع مجرى النسب.
وذلك لأنه حرم بسبب النسب سبع :اثنتان هما المنتسبتان بطريق الولادة وهما :الأم والبنت.
وخمس بطريق الأخوة وهن :الأخت، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت.
ولما ذكر الرضاع ذكر من كل قسم من هذين القسمين صورة تنبيهاً على الباقي، فذكر من قسم قرابة الأولاد الأمهات، ومن قسم قرابة الإخوة والأخوات، ونبه بهذين المثالين على أنّ الحال في باب الرضاع كالحال في باب النسب.
ثم إنه صلى الله عليه وسلم أكد هذا بصريح قوله : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » فصار صريح الحديث مطابقاً لما أشارت إليه الآية.
فزوج المرضعة أبوه، وأبواه جداه، وأخته عمته.
وكل ولد ولد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده فهم إخوته وأخواته لأبيه، وأم المرضعة جدته، وأختها خالته.
وكل من ولد لها من هذا الزوج فهم إخوته وأخوانه لأبيه وأمه.
وأما ولدها من غيره فهم إخوته وأخواته لأمه.
وقالوا :تحريم الرضاع كتحريم النسب إلا في مسألتين :إحداهما أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج أخت ابنه من النسب، ويجوز له أن يتزوج أخت ابنه من الرضاع.
لأن المعنى في النسب وطؤه أمها، وهذا المعنى غير موجود في الرضاع.
والثانية :لا يجوز أن يتزوج أم أخيه من النسب، ويجوز في الرضاع.
لأن المانع في النسب وطء الأب إياها، وهذا المعنى غير موجود في الرضاع، وظاهر الكلام إطلاق الرضاع.
ولم تتعرض الآية إلى سن الراضع، ولا عدد الرضعات.
ولا للبن الفحل، ولا لإرضاع الرجل لبن نفسه للصبي، أو إيجاره به، أو تسعيطه بحيث يصل إلى الجوف.
وفي هذا كله خلاف مذكور في كتب الفقه.
وقرأ الجمهور :اللاتي أرضعنكم.
وقرأ عبد الله :اللاي بالياء.
وقرأ ابن هرمز :التي.
وقرأ أبو حيوة :من الرضاعة بكسر الراء.
﴿ وأمهات نسائكم ﴾ الجمهور على أنها على العموم.
فسواء عقد عليها ولم يدخل، أم دخل بها.
وروي عن علي ومجاهد وغيرهما :أنه إذا طلقها قبل الدخول، فله أن يتزوج أمها.
وأنها في ذلك بمنزلة الربيبة.
﴿ وربائبكم اللاتي في حجوركم ﴾ ظاهره أنه يشترط في تحريمها أن تكون في حجره، وإلى هذا ذهب علي، وبه أخذ داود وأهل الظاهر.
فلو لم تكن في حجره وفارق أمها بعد الدخول جاز له أن يتزوجها.
قالوا :حرم الله الربيبة بشرطين :أحدهما :أن تكون في حجر الزوج.
الثاني :الدخول بالأم.
فإذا فقد أحد الشرطين لم يوجد التحريم.
واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم :
« لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها ابنة أخي من الرضاعة » فشرط الحجر.
وقال الطحاوي وغيره :إضافتهن إلى الحجور حملاً على أغلب ما يكون الربائب، وهي محرمة وإن لم تكن في الحجر.
وقال الزمخشري :( فإن قلت ) :ما فائدة قوله :في حجوركم ؟ ( قلت ) فائدته التعليل للتحريم، وأنهن لاحتضانكم لهن، أو لكونهن بصدد احتضانكم.
وفي حكم التقلب في حجوركم إذا دخلتم بأمهاتهن، وتمكن حكم الزواج بدخولكم جرت أولادهن مجرى أولادكم، كأنكم في العقد على بناتهن عاقدون على بناتكم انتهى.
وفيه بعض اختصار.
﴿ من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ﴾ ظاهر هذا أنه متعلق بقوله :وربائبكم فقط.
واللاتي :صفة لنسائكم المجرور بمن، ولا جائز أن يكون اللاتي وصفاً لنسائكم من قوله :وأمهات نسائكم، ونسائكم المجرور بمن، لأن العامل في المنعوتين قد اختلف :هذا مجرور بمن، وذاك مجرور بالإضافة.
ولا جائز أن يكون من نسائكم متعلقاً بمحذوف ينتظم أمهات نسائكم وربائبكم، لاختلاف مدلول حرف الجر إذ ذاك، لأنه بالنسبة إلى قوله :وأمهات نسائكم يكون من نسائكم لبيان النساء، وتمييز المدخول بها من غير المدخول بهن.
وبالنسبة إلى قوله :وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، يكون من نسائكم لبيان ابتداء الغاية كما تقول :هذا ابني من فلانة.
قال الزمخشري :إلا أنّ أعلقه بالنساء والربائب، وأجعل من للاتصال كقوله تعالى : ﴿ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ﴾، فإني لست منك ولست مني، ما أنا من دد ولا الدد مني.
وأمهات النساء متصلات بالنساء، لأنهن أمهاتهن.
كما أن الربائب متصلات بأمهاتهن، لأنهن بناتهن انتهى.
ولا نعلم أحداً ذهب إلى أنَّ من معاني من الاتصال.
وأما ما شبه به من الآية والشعر والحديث، فمتأول :وإذا جعلنا من نسائكم متعلقاً بالنساء، والربائب كما زعم الزمخشري.
فلا بد من صلاحيته لكل من النساء والربائب.
فأما تركيبه مع لربائب ففي غاية الفصاحة والحسن، وهو نظم الآية.
وأما تركيبه مع قوله :وأمهات نسائكم، فإنه يصير :وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فهذا تركيب لا يمكن أن يقع في القرآن، ولا في كلام فصيح، لعدم الاحتياج في إفادة هذا المعنى إلى قوله :من نسائكم.
والدخول هنا كناية عن الجماع لقولهم :بني عليها، وضرب عليها الحجاب.
والباء :للتعدية، والمعنى :اللاتي أدخلتموهن الستر قاله :ابن عباس، وطاوس، وابن دينار.
فلو طلقها بعد البناء وقبل الجماع، جاز أن يتزوج ابنتها.
وقال عطاء، ومالك، وأبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والليث :إذا مسها بشهوة حرمت عليه أمها وابنتها، وحرمت على الأب والابن، وهو أحد قولي الشافعي.
واختلفوا في النظر إليها بشهوة، فقال
المحصنة :المرأة العفيفة.
يقال :أحصنت فهي محصن، وحصنت فهي حصان عفت عن الرّيبة ومنعت نفسها منها.
وقال شمر :يقال امرأة حصان، وحاصن.
قال :
وحاصن من حاصنات ملس من الأذى ومن فراق الوقس
ومصدر حصنت حصن.
قال سيبويه :وقال أبو عبيدة والكسائي :حصانة.
ويقال في اسم الفاعل من أحصن وأسهب وأبعج، مفعل بفتح عين الكلمة، وهو شذوذ نقله ثعلب عن ابن الأعرابي.
وأصل الإحصان المنع، ومنه قيل للدرع وللمدينة :حصينة والحصن وفرس حصان.
المسافحة والسفاح :الزنا، وأصله من السفح وهو الصب، يسفح كل من الزانيين نطفته.
﴿ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ الإحصان :التزوج، أو الحرية، أو الإسلام، أو العفة.
وعلى هذه المعاني تصرفت هذه اللفظة في القرآن، ويفسر كل مكان بما يناسبه منها.
وروى أبو سعيد أن الآية نزلت بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشاً إلى أوطاس، فلقوا عدوّاً وأصابوا سبياً لهن أزواج من المشركين، فتأثم المسلمون من غشيانهن، فنزلت.
فالمحصنات هنا المزوجات.
والمستثنى هو السبايا، فإذا وقعت في سهمه من لها زوج فهي حلال له، وإلى هذا ذهب :أبو سعيد، وابن عباس، وأبو قلابة، ومكحول، والزهري، وابن زيد، وهذا كما قال الفرزدق :
وذات حليل أنكحتها رماحنا حلال لمن يبنى بها لم تطلق
وقيل :المحصنات المزوجات، والمستثنى هن الإماء، فتحرم المزوجات إلا ما ملك منهن بشراء، أو هبة، أو صدقة، أو إرث.
فإن مالكها أحق ببضعها من الزوج، وبيعها، وهبتها، والصدقة بها وارثها طلاق لها.
وإلى هذا ذهب عبد الله، وأبي جابر، وابن عباس أيضاً، وسعيد، والحسن.
وذهب عمرو بن عباس أيضاً، وأبو العالية، وعبيدة، وطاووس، وابن جبير، وعطاء :إلى أن المحصنات هن العفائف، وأريد به كل النساء حرام، والشرائع كلها تقتضي ذلك.
والمستثنى معناه :إلا ما ملكت أيمانكم بنكاح أو بملك، فيدخل ذلك كله تحت ملك اليمين.
وبهذا التأويل يكون المعنى تحريم الزنا.
وروي عن عمر في المحصنات أنهن الحرائر ؟ فعلى هذا يكون قوله :إلا ما ملكت أيمانكم أي بنكاح إن كان الاستثناء متصلاً، وإن كان أريد به الإماء كان منقطعاً.
قيل :والذي يقتضيه لفظ الإحصان أن تعلق بالقدر المشترك بين معانية الأربعة، وإن اختلفت جهات الإحصان، ويحمل قوله :إلا ما ملكت أيمانكم على ظاهر استعماله في القرآن وفي السنة.
وعرف العلماء من أن المراد به الإماء، ويعود الاستثناء إلى ما صح أن يعود عليه من جهات الإحصان.
وكل ما صح ملكها ملك يمين حلت لمالكها من مسبية أو مملوكة مزوجة.
ولم يختلف القراء السبعة في فتح الصاد من قوله :والمحصنات من النساء، واختلفوا في سوى هذا فقرأ الكسائي :بكسر الصاد، سواء كان معرفاً بالألف واللام، أم نكرة.
وقرأ باقيهم وعلقمة :بالفتح، كهذا المتفق عليه.
وقرأ يزيد بن قطيب :والمحصنات بضم الصاد اتباعاً لضمة الميم، كما قالوا :منتن، ولم يعتدّوا بالحاجز لأنه ساكن، فهو حاجز غير حصين.
وقال مكي :فائدة قوله :من النساء، أنّ المحصنات تقع على الأنفس فقوله : ﴿ والذين يرمون المحصنات ﴾ لو أريد به النساء خاصة، لما حدّ مَن قذف رجلاً بنص القرآن، وأجمعوا على أن حده بهذا النص.
﴿ كتاب الله عليكم ﴾ انتصب بإضمار فعل وهو فعل مؤكد لمضمون الجملة السابقة من قوله :حرمت عليكم.
وكأنه قيل :كتب الله عليكم تحريم ذلك كتاباً.
ومن جعل ذلك متعلقاً بقوله : ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ﴾ كما ذهب إليه عبيدة السلماني، فقد أبعد وما ذهب إليه الكسائي من أنه يجوز تقديم المفعول في باب الإعراب الظروف والمجرورات مستدلاً بهذه الآية، إذ تقدير ذلك عنده :عليكم كتاب الله أي :الزموا كتاب الله.
لا يتم دليله لاحتماله أن يكون مصدراً مؤكداً كما ذكرناه.
ويؤكد هذا التأويل قراءة أبي حيوة ومحمد بن السميفع اليماني :كتب الله عليكم، جعله فعلاً ماضياً رافعاً ما بعده، أي :كتب الله عليكم تحريم ذلك.
وروي عن ابن السميفع أيضاً أنه قرأ :كتب الله عليكم جمعاً ورفعاً أي :هذه كتب الله عليكم أي :فرائضه ولازماته.
﴿ وأحل لكم وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين ﴾ لما نص على المحرمات في النكاح أخبر تعالى أنه أحل ما سوى من ذكر، وظاهر ذلك العموم.
وبهذا الظاهر استدلت الخوارج ومن وافقهم من الشيعة على جواز نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها، والجمع بينهما.
وقد أطال الاستدلال في ذلك أبو جفعر الطاوسي أحد علماء الشيعة الاثني عشرية في كتابه في التفسير، وملخص ما قال :أنه لا يعارض القرآن بخبر آحاد.
وهو ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : « لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها » بل إذا ورد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض على القرآن، فإن وافقه قبل، وإلا ردّ.
وما ذهبوا إليه ليس بصحيح، لأن الحديث لم يعارض القرآن، غاية ما فيه تخصيص عموم، ومعظم العمومات التي جاءت في القرآن لا بد فيها من التخصيصات، وليس الحديث خبر آحاد بل هو مستفيض، روي عن جماعة من الصحابة رواه :عليّ، وابن عباس، وجابر، وابن عمر، وأبو موسى، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وعائشة.
حتى ذكر بعض العلماء أنه متوتر موجب للعلم والعمل.
وذكر ابن عطية :إجماع الأمة على تحريم الجمع، وكأنه لم يعتد بخلاف من ذكر لشذوذه، ولا يعدّ هذا التخصيص نسخاً للعموم خلافاً لبعضهم.
وقد خصص بعضهم هذا العموم بالأقارب من غير ذوات المحارم كأنه قيل :وأحلّ لكم ما وراء ذلكم من أقاربكم، فهي حلال لكم تزويجهن، وإلى هذا ذهب عطاء والسدي، وخصة قتادة بالإماء :أي :وأحل لكم ما وراء ذلكم من الإماء.
وأبعد عبيدة والسدي في ردّ ذلك إلى مثنى وثلاث ورباع والمعنى :وأحلّ لكم ما دون الخمس أن تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح.
وقال السدي أيضاً في قوله :ما وراء ذلكم يعني النكاح فيما دون الفرج.
والظاهر العموم إلا ما خصته السنة المستفيضة من تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، فيندرج تحت هذا العموم الجمع بين المرأة وبنت عمها، وبينها وبين بنت عمتها، وبينها وبين بنت خالها، أو بنت خالتها.
وقد روي المنع من ذلك عن :إسحاق بن طلحة، وعكرمة، وقتادة، وعطاء.
وقد نكح حسن بن حسين بن عليّ في ليلة واحدة بنت محمد بن عليّ، وبنت عمر بن عليّ، فجمع بين ابنتي عمّ.
وقد كره مالك هذا، وليس بحرام عنده.
قال ابن المنذر :لا أعلم أحداً، أبطل هذا النكاح وهما داخلتان في جملة ما أبيح بالنكاح، غير خارجتين منه بكتاب ولا سنة، ولا إجماع، وكذلك الجمع بين ابنتي عمة وابنتي خالة انتهى.
واندرج تحت هذا العموم أيضاً أنه لو زنا بامرأة لم يحرم عليه نكاحها لأجل زناه بها، وكذلك لا تحرم عليه امرأته إذا زنا بأمها أو بابنتها.
ولو زنا بامرأة ثم أراد نكاح أمها أو ابنتها لم يحرما عليه بذلك، وعلى هذا أكثر أهل العلم.
وروي عن عمران بن حصين والشعبي، وعطاء، والحسن، وسفيان، وأحمد، وإسحاق، أنهما يحرمان عليه، وبه قال :أبو حنيفة.
ويندرج أيضاً تحت هذا العموم :أنه لو عبت رجل برجل لم تحرم عليه أمّه ولا ابنته، وبه قال :مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابه قالوا :لا يحرم النكاح العبث بالرجال.
وقال الثوري، وعبيد الله بن الحسن :هو مثل وطء المرأة سواء في تحريم الأم والبنت، فمن حرم بهذا من النساء حرم من الرجال.
وقال الأوزاعي في غلامين :يعبث أحدهما بالآخر فتولد للمفعول به جارية قال :لا يتزوجها الفاعل.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص :وأحل مبنياً للمفعول، وهو معطوف على قوله : ﴿ حرمت عليكم ﴾ وقرأ باقي السبعة :وأحل مبنياً للفاعل، والفاعل ضمير يعود على الله تعالى، وهو أيضاً معطوف على قوله :حرمت.
ولا فرق في العطف بين أن يكون الفعل مبنياً للفاعل، أو للمفعول.
ولا يشترط المناسبة ولا يختار، وإن اختلف الفاعل المحذوف لقيام المفعول مقامه، والفاعل الذي أسند إليه الفعل المبني للفاعل، فكيف إذا اتحد كهذا، لأنه معلوم أن الفاعل المحذوف في حرمت :هو الله تعالى، وهو الفاعل المضمر في :أحلّ المبني للفاعل.
وقال الزمخشري :( فإن قلت ) :علام عطف قوله :وأحل لكم ؟ ( قلت ) :على الفعل المضمر الذي نصب كتاب الله :أي كتب الله عليكم تحريم ذلك، وأحل لكم ما وراء ذلكم.
ويدل عليه قراءة اليماني :كتب الله عليكم، وأحل لكم.
ثم قال :ومن قرأ ﴿ وأحل لكم ﴾ على البناء للمفعول، فقد عطفه على :حرّمت عليكم انتهى كلامه.
ففرق في العطف بين القراءتين، وما اختاره من التفرقة غير مختار.
لأن انتصاب كتاب الله عليكم إنما هو انتصاب المصدر المؤكد لمضمون الجملة السابقة من قوله :حرمت، فالعامل فيه وهو كتب، إنما هو تأكيد لقوله :حرمت، فلم يؤت بهذه الجملة على سبيل التأسيس للحكم، إنما التأسيس حاصل بقوله :حرمت، وهذه جيء بها على سبيل التأكيد لتلك الجملة المؤسسة وما كان سبيله هكذا فلا يناسب أن يعطف عليه الجملة المؤسسة للحكم، إنما يناسب أن يعطف على جملة مؤسسة مثلها، لا سيما والجملتان متقابلتان :إذ إحداهما للتحريم، والأخرى للتحليل، فناسب أن يعطف هذه على هذه.
وقد أجاز الزمخشري ذلك في قراءة من قرأ :وأحل مبنياً للمفعول، فكذلك يجوز فيه مبنياً للفاعل، ومفعول أحلّ هو :ما وراء ذلكم.
قال ابن عطية :والوراء في هذه الآية ما يعتبر أمره بعد اعتبار المحرّمات، فهو وراء أولئك بهذا الوجه.
وقال الفراء :ما وراء ذلكم أي :ما سوى ذلكم.
وقال الزجاج :ما دون ذلكم، أي :ما بعد هذه الأشياء التي حرمت.
وهذه التفاسير بعضها يقرب من بعض.
وموضع أن تبتغوا نصب على أنه بدل اشتمال من ما وراء ذلكم، ويشمل الابتغاء بالمال النكاح والشراء.
وقيل :الابتغاء بالمال هو على وجه النكاح.
وقال الزمخشري :أن تبتغوا مفعول له، بمعنى :بين لكم ما يحل مما يحرم، إرادة أن يكون ابتغاؤكم بأموالكم التي جعل الله لكم قياماً في حال كونكم محصنين غير مسافحين لئلا تضيعوا أموالكم وتفقروا أنفسكم فيما لا يحل لكم، فتخسروا دنياكم ودينكم، ولا مفسدة أعظم مما يجمع بين الخسرانين انتهى كلامه.
وانظر إلى جعجعة هذه الألفاظ وكثرتها، وتحميل لفظ القرآن ما لا يدل عليه، وتفسير الواضح الجلي باللفظ المعقد، ودس مذهب الاعتزال في غضون هذه الألفاظ الطويلة دساً خفياً إذ فسر قوله :وأحل لكم بمعنى بين لكم ما يحل.
وجعل قوله :أن تبتغوا على حذف مضافين :أي إرادة أن يكون ابتغاؤكم، أي :إرادة كون ابتغائكم بأموالكم.
وفسر الأموال بعد بالمهور، وما يخرج في المناكح، فتضمن تفسيره :أنه تعالى بين لكم ما يحل لإرادته كون ابتغائكم بالمهور، فاختصت إرادته بالحلال الذي هو النكاح دون السفاح.
وظاهر الآية غير هذا الذي فهمه الزمخشري.
إذ الظاهر أنه تعالى أحلّ لنا ابتغاء ما سوى المحرمات السابق ذكرها بأموالنا حالة الإحصان، لا حالة السفاح.
وعلى هذا الظاهر لا يجوز أ
الخدن والخدين :الصاحب.
الطول :الفضل، يقال منه :طال عليه يطول طولاً فضل عليه.
وقال الليث والزجاج :الطول القدرة. انتهى.
ويقال له :عليه طول أي زيادة وفضل، وقد طاله طولاً فهو طائل.
قال الشاعر :
لقد زادني حباً لنفسي أنني بغيض إلى كل امرىء غير طائل
ومنه الطول في الجسم لأنه زيادة فيه، كما أن القصر قصور فيه ونقصان.
الفتاة الحديثة السن والفتاء الحداثة.
قال :فقد ذهب المروءة والفتاء.
وقال ابن منصور الجواليقي :المتفتية والفتاة المراهقة، والفتى الرفيق، ومنه : ﴿ وإذ قال موسى لفتاه ﴾ والفتى :العبد.
ومنه : « لا يقل أحدكم عبدي ولا أمتي ولكن ليقل فتاي وفتاتي »
﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ﴾ الطول :السعة في المال قاله :ابن عباس، ومجاهد، وابن جبير، والسدي، وابن زيد، ومالك في المدونة.
وقال ابن مسعود، وجابر، وعطاء، والشعبي، والنخعي، وربيعة :الطول هنا الجلد والصبر لمن أحب أمة وهويها حتى صار لا يستطيع أن يتزوج غيرها فله أن يتزوجها، وإن كان يجد سعة في المال لنكاح حرة.
والمحصنات هنا الحرائر، يدل على ذلك التقسيم بينهن وبين الإماء.
وقالت فرقة :معناه العفائف، وهو ضعيف.
واختلفوا في جواز نكاح الأمة لواجد طول الحرة.
وظاهر الآية يدل على أنّ من لم يستطع ما يتزوج به الحرة المؤمنة وخاف العنت، فيجوز له أن يتزوج الأمة المؤمنة، ويكون هذا تخصيصاً لعموم قوله : ﴿ وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ﴾
فيكون تخصيصاً في الناكح بشرط أن لا يجد طول الحرة ويخاف العنت، وتخصيصاً في إمائكم بقوله :من فتيانكم المؤمنات، وتخصيص جواز نكاح الإماء بالمؤمنات لغير واجد طول الحرة، هو مذهب أهل الحجاز.
فلا يجوز له نكاح الأمة الكتابية، وبه قال :الأوزاعي، والليث، ومالك، والشافعي.
وذهب العراقيون أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والحسن بن زياد والثوري ومن التابعين الحسن ومجاهد إلى جواز ذلك.
ونكاح الأمة المؤمنة أفضل، فحملوه على الفضل لا على الوجوب.
واستدلوا على أنّ الإيمان ليس بشرط بكونه وصف به الحرائر في قوله :أن ينكح المحصنات المؤمنات، وليس بشرط فيهن اتفاقاً، لكنه أفضل.
وقال ابن عباس :وسع الله على هذه الأمة بنكاح الأمة، واليهودية، والنصرانية.
وقد اختلف السلف في ذلك اختلافاً كثيراً :روي عن ابن عباس، وجابر، وابن جبير، والشعبي، ومكحول :لا يتزوج الأمة إلا من لا يجد طولاً للحرة، وهذا هو ظاهر القرآن.
وروي عن مسروق، والشعبي :أن نكاحها بمنزلة الميتة والدم ولحم الخنزير، يعني :أنه يباح عند الضرورة.
وروي عن علي، وأبي جعفر، ومجاهد، وابن المسيب، وابراهيم، والحسن، والزهري :أن له نكاحها، وإن كان موسراً.
وروي عن عطاء، وجابر بن زيد :أنه يتزوجها إن خشي أن يزني بها، ولو كان تحته حرة.
قال عطاء :يتزوج الأمة على الحرة.
وقال ابن مسعود :لا يتزوجها عليها إلا المملوك.
وقال عمر، وعلي، وابن المسيب، ومكحول في آخرين :لا يتزوجها عليها.
وهذا الذي يقتضيه النظر، لأن القرآن دل على أنه لا ينكح الأمة إلا مَن لا يجد طولاً للحرة.
فإذا كانت تحته حرة، فبالأولى أن لا يجوز له نكاح الأمة، لأن وجدان الطول للحرة إنما هو سبب لتحصيلها، فإذا كانت حاصلة كان أولى بالمنع.
وقال ابراهيم :يتزوج الأمة على الحرة إن كان له من الأمة ولد.
وقال ابن المسيب :لا ينكحها عليها إلا أن تشاء الحرة، ويقسم للحرة يومين، وللأمة يوماً وظاهر قوله :فمما ملكت أيمانكم، جواز نكاح عادم طول الحرة المؤمنة أربعاً من الإماء إن شاء.
وروي عن ابن عباس :أنه لا يتزوج من الإماء أكثر من واحدة، وإذا لم يكن شرطاً في الأمة الإيمان فظاهر قوله :فمما ملكت أيمانكم من فتيانكم، أنه لو كانت الكتابية مولاها كافر لم يجز نكاحها، لأنه خاطب بقوله :فمما ملكت أيمانكم من فتيانكم المؤمنات، فاختص بفتيات المؤمنين، وروي عن أبي يوسف :جواز ذلك على كراهة.
وإذا لم يكن الإيمان شرطاً في نكاح الأمة، فالظاهر جواز نكاح الأمة الكافرة مطلقاً، سواء كانت كتابية، أو مجوسية، أو وثنية، أم غير ذلك من أنواع الكفار.
وأجمعوا على تحريم نكاح الأمة الكافرة غير الكتابية :كالمجوسية، والوثنية، وغيرهما.
وأما وطء المجوسية بملك اليمين فأجازه :طاوس، وعطاء، ومجاهد، وعمرو بن دينار.
ودلت على هذا القول ظواهر القرآن في عموم :ما ملكت أيمانكم، وعموم ﴿ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ قالوا :وهذا قول شاذ مهجور، لم يلتفت إليه أحد من فقهاء الأمصار.
وقالوا :لا يحل له أن يطأها حتى تسلم.
وقالوا :إنما كان نكاح الأمة منحطاً عن نكاح الحرة لما فيه من اتباع الولد لأمه في الرق، ولثبوت حق سيدها فيها، وفي استخدامها، ولتبذلها بالولوج والخروج، وفي ذلك نقصان نكاحها ومهانته إذ رضي بهذا كله، والعزة من صفات المؤمنين.
ومن مبتدأ، وظاهره أنه شرط.
والفاء في :فمما ملكت فاء الجواب، ومن تتعلق بمحذوف تقديره :فلينكح من ما ملكت.
ويجوز أن يكون مَن موصولة، ويكون العامل المحذوف الذي يتعلق به قوله :مما ملكت جملة في موضع الخبر.
ومسوغات دخول الفاء في خبر المبتدأ موجودة هنا.
والظاهر أنَّ مفعول يستطع هو طولاً، وأن ينكح على هذا أجازوا، فيه أن يكون أصله بحرف جر، فمنهم من قدره بإلى، ومنهم من قدره باللام أي :طولاً إلى أن ينكح، أو لأن ينكح، ثم حذف حرف الجر، فإذا قدر إلى، كان المعنى :ومَن لم يستطع منكم وصلة إلى أن ينكح.
وإذا قدر باللام، كان في موضع الصفة التقدير :طولاً أي :مهراً كائناً لنكاح المحصنات.
وقيل :اللام المقدرة لام المفعول له أي :طولاً لأجل نكاح المحصنات، وأجازوا أن يكون :أن ينكح في موضع نصب على المفعول به، وناصبة طول.
إذ جعلوه مصدر طلت الشيء أي نلته، قالوا :ومنه قول الفرزدق :
إن الفرزدق صخرة عادية طالت فليس تنالها الأوعالا
أي طالت الأوعال أي :ويكون التقدير ومَن لم يستطع منكم أن ينال نكاح المحصنات.
ويكون قد أعمل المصدر المنون في المفعول به كقوله :
بضرب بالسيوف رؤوس قوم أزلنا هامهن عن المقيل
وهذا على مذهب البصريين إذ أجازوا إعمال المصدر المنون.
وإلى أنَّ طولاً مفعول ليستطيع، وإن ينكح في موضع مفعول بقوله :طولاً، إذ هو مصدر.
ذهب أبو علي في التذكرة، وأجازوا أيضاً أن يكون أن ينكح بدلاً من طول، قالوا :بدل الشيء من الشيء، وهما لشيء واحد، لأن الطول هو القدرة والنكاح قدرة.
وأجازوا أن يكون مفعول يستطع قوله :أن ينكح.
وفي نصب قوله :طولاً وجهان :أحدهما :أن يكون مفعولاً من أجله على حذف مضاف، أي :ومن لم يستطع منكم لعدم طول نكاح المحصنات.
والثاني :قاله :ابن عطية.
قال :ويصح أن يكون طولاً نصب على المصدر، والعامل فيه الاستطاعة، لأنها بمعنى يتقارب.
وأن ينكح على هذا مفعول بالاستطاعة، أو بالمصدر انتهى كلامه.
وكأنه يعني أنَّ الطول هو استطاعة، فيكون التقدير :ومن لم يستطع منكم استطاعة أن ينكح.
وما من قوله :فمما ملكت، موصولة اسمية أي :فلينكح من النوع الذي ملكته أيمانكم.
ومن فتياتكم :في موضع الحال من الضمير المحذوف في ما ملكت، العائد على ما.
ومفعول الفعل المحذوف الذي هو فلينكح محذوف، التقدير :فلينكح أمة مما ملكت أيمانكم.
ومِن للتبعيض، نحو :أكلت من الرغيف.
وقيل :مِن في من ما زائدة، ومفعول ذلك الفعل هو ما من قوله :ما ملكت أيمانكم.
وقيل :مفعوله فتياتكم على زيادة من.
وقيل :مفعوله المؤمنات، والتقدير :فلينكح مما ملكت أيمانكم من فتياتكم الفتيات المؤمنات.
والأظهر أن المؤمنات صفة لفتياتكم.
وقيل :ما مصدرية التقدير، من ملك إيمانكم.
وعلى هذا يتعلق من فتياتكم بقوله :ملكت.
ومن أغرب ما سطروه في كتب التفسير ونقلوه عن قول الطبري :أنّ فاعل ذلك الفعل المحذوف هو قوله : ﴿ بعضكم من بعض ﴾ وفي الكلام تقديم وتأخير.
والتقدير :وَمَنْ لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فلينكح بعضهم من بعض الفتيات، وهذا قول ينزه حمل كتاب الله عليه، لأنه قول جمع الجهل بعلم النحو وعلم المعاني، وتفكيك نظم القرآن عن أسلوبه الفصيح، فلا ينبغي أن يسطر ولا يلتفت إليه.
ومنكم :خطاب للناكحين، وفي :أيمانكم من فتياتكم خطاب للمالكين، وليس المعنى أن الرجل ينكح فتاة نفسه، وهذا التوسع في اللغة كثير.
﴿ والله أعلم بإيمانكم ﴾ لما خاطب المؤمنين بالحكم الذي ذكره من تجويز نكاح عادم طول الحرة المؤمنة للأمة المؤمنة، نبّه على أنّ الإيمان هو وصف باطن، وأنّ المطلع عليه هو الله.
فالمعنى :أنه لا يشترط في إيمان الفتيات أن يكونوا عالمين بذلك العلم اليقين، لأن ذلك إنما هو لله تعالى، فيكفي من الإيمان منهن إظهاره.
فمن كانت مظهرة للإيمان فنكاحها صحيح، وربما كانت خرساء، أو قريبة عهد بسباء وأظهرت الإيمان، فيكتفي بذلك منها.
والخطاب في بإيمانكم للمؤمنين ذكورهم وإناثهم، حرهم ورقهم، وانتظم الإيمان في هذا الخطاب، ولم يفردن بذلك فلم يأت والله أعلم بإيمانهن، لئلا يخرج غيرهن عن هذا الخطاب.
والمقصود :عموم الخطاب، إذ كلهم محكوم عليه بذلك.
وكم أمة تفوق حرة في الإيمان وفعل الخير، وامرأة تفوق رجلاً في ذلك، وفي ذلك تأنيس لنكاح الإماء، وأن المؤمن لا يعتبر الأفضل الإيمان، لا فضل الأحساب والأنساب ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾، « لا فضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي إلا بالتقوى »
﴿ بعضكم من بعض ﴾ هذه جملة من مبتدأ وخبر، وقد تقدم قول الطبري في أن ارتفاع بعضكم على الفاعلية بالفعل المحذوف، ومعنى هذه الجملة الابتدائية :التأنيس أيضاً بنكاح الإماء، وأن الأحرار والأرقاء كلهم متواصلون متناسبون يرجعون إلى أصل واحد، وقد اشتركوا في الإيمان، فليس بضائر نكاح الإماء.
وفيه توطئة العرب، إذ كانت في الجاهلية تستهجن ولد الأمة، وكانوا يسمونه الهجين، فلما جاء الشرع أزال ذلك.
وما أحسن ما روي عن عليّ من قوله :
الناس من جهة التمثيل أكفاء أبوهم آدم والأم حواء
﴿ فانكحوهن بإذن أهلهن ﴾ هذا أمر إباحة، والمعنى :بولاية ملاكهن.
والمراد بالنكاح هنا :العقد، ولذلك ذكر إيتاء الأجر بعده أي المهر.
وسمي ملاك الإماء أهلاً لهن، لأنهم كالأهل، إذ رجوع الأمة إلى سيدها في كثير من الأحكام.
وقد قال صلى الله عليه وسلم : « لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد ».
وقال صلى الله عليه وسلم : « موالي القوم منهم ».
وقيل :هو على حذف مضاف بإذن أهل ولايتهن، وأهل ولاية نكاحهن هم الملاك.
ومقتضى هذا الخطاب أنّ الأدب شرط في صحة النكاح، فلو تزوجت بغير إذن السيد لم يصح النكاح، ولو أجازه السيد بخلاف العبد.
فإنه لو تزوج بغير إذن سيده فإن مذهب الحسن وعطاء، وابن المسيب، وشريح، والشعبي، ومالك، وأبي حنيفة :أنّ
﴿ يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم ﴾ مفعول يتوب محذوف وتقديره :يريد الله هذا هو مذهب سيبويه فيما نقل ابن عطية، أي :تحليل ما حلل، وتحريم ما حرم، وتشريع ما تقدّم ذكره.
والمعنى :يريد الله تكليف ما كلف به عباده مما ذكر لأجل التبيين لهم بهدايتهم، فمتعلق الإرادة غير التبيين وما عطف عليه، هذا مذهب البصريين.
ولا يجوز عندهم أن يكون متعلق الإرادة التبيين، لأنه يؤدي إلى تعدي الفعل إلى مفعوله المتأخر بوساطة اللام، وإلى إضمار أنّ بعد لام ليست لام الجحود، ولا لام كي، وكلاهما لا يجوز عندهم.
ومذهب الكوفيين :أنّ متعلق الإرادة هو التبيين، واللام هي الناصبة بنفسها لا أن مضمرة بعدها.
وقال بعض البصريين :إذا جا مثل هذا قدر الفعل الذي قبل اللام بالمصدر فالتقدير :إرادة الله لما يريد ليبين، وكذلك أريد لا ينسى ذكرها، أي :إرادتي لا ينسى ذكرها.
وكذلك قوله تعالى : ﴿ وأمرنا لنسلم لرب العالمين ﴾ أي :أمرنا بما أمرنا لنسلم انتهى.
وهذا القول نسبه ابن عيسى لسيبويه والبصريين، وهذا يبحث في علم النحو.
وقال الزمخشري :أصله يريد الله أن يبين لكم، فزيدت اللام مؤكدة لإرادة التبيين، كما زيدت في لا أبا لك لتأكيد إضافة الأب، والمعنى :يريد الله أن يبين لكم ما خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم انتهى كلامه وهو خارج عن أقوال البصريين والكوفيين.
وأما كونه خارجاً عن أقوال البصريين فلأنه جعل اللام مؤكدة مقوية لتعدي يريد، والمفعول متأخر، وأضمر أن بعد هذه اللام.
وأما كونه خارجاً عن قول الكوفيين فإنهم يجعلون النصب باللام، لا بأن، وهو جعل النصب بأن مضمرة بعد اللام.
وذهب بعض النحويين إلى أن اللام في قوله :ليبين لكم، لام العاقبة، قال :كما في قوله : ﴿ ليكون لهم عدواً وحزناً ﴾ ولم يذكر مفعول يبين.
قال عطاء :يبين لكم ما يقربكم.
وقال الكلبي :يبين لكم أن الصبر عن نكاح الإماء خير.
وقيل :ما فصل من المحرمات والمحللات.
وقيل :شرائع دينكم، ومصالح أموركم.
وقيل :طريق من قبلكم إلى الجنة.
ويجوز عندي أن يكون من باب الإعمال، فيكون مفعول ليبين ضميراً محذوفاً يفسره مفعول ويهديكم، نحو :ضربت وأهنت زيداً، التقدير :ليبينها لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم، أي ليبين لكم سنن الذين من قبلكم.
والسنن :جمع سنة، وهي الطريقة.
واختلفوا في قوله :سنن الذين من قبلكم، هل ذلك على ظاهره من الهداية لسننهم ؟ أو على التشبيه ؟ أي :سنناً مثل سنن الذين الذين من قبلكم.
فمن قال بالأول أراد أنّ السنن هي ما حرم علينا وعليهم بالنسب والرضاع والمصاهرة.
وقيل :المراد بالسنن ما عنى في قوله تعالى : ﴿ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ وقيل :المراد بها ما ذكره في قوله تعالى : ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً ﴾ وقيل :طرق من قبلكم إلى الجنة.
وقيل :مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين، والطرق التي سلكوها في دينهم لتقتدوا بهم، وهذا قريب مما قبله.
وعلى هذا الأقوال فيكون الذين من قبلكم المراد به الأنبياء وأهل الخير.
وقيل :المراد بقوله سنن طرق أهل الخير والرشد والغي، ومن كان قبلكم من أهل الحق والباطل، لتجتنبوا الباطل، وتتبعوا الحق.
والذين قالوا :إنّ ذلك على التشبيه قالوا :إن المعنى أنّ طرق الأمم السابقة في هدايتها كان بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وبيان الأحكام، وكذلك جعل طريقكم أنتم.
فأراد أن يرشدكم إلى شرائع دينكم وأحكام ملتكم بالبيان والتفصيل، كما أرشد الذين من قبلكم من المؤمنين.
وقيل :الهداية في أحد أمرين :أما أنا خوطبنا في كل قصة نهياً أو أمراً كما خوطبوا هم أيضاً في قصصهم، وشرع لنا كما شرع لهم، فهدايتنا سننهم في الإرشاد، وإن اختلفت أحكامنا وأحكامهم.
والأمر الثاني :أنّ هدايتنا سننهم في أنّ سمعنا وأطعنا كما سمعوا وأطاعوا، فوقع التماثل من هذه الجهة.
والمراد بالهداية هنا الإرشاد والتوضيح، ولا يتوجه غير ذلك بقرينة السنن، والذين من قبلناهم المؤمنون من كل شريعة.
وقال صاحب ري الظمآن وهو أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي :قوله تعالى :يريد الله ليبين لكم، أي :يريد أن يبين، أو يريد إنزال الآيات ليبين لكم.
وقوله تعالى :ويهديكم، قال المفسرون :معناهما واحد، والتكرار لأجل التأكيد، وهذا ضعيف.
والحق أنَّ المراد من الأول تبيين التكاليف، ثم قال :ويهديكم.
وفيه قولان :أحدهما :أن هذا دليل على أن كل ما بين تحريمه لنا وتحليله من النساء في الآيات المتقدمة، فقد كان الحكم كذلك أيضاً في جميع الشرائع، وإن كانت مختلفة في نفسها، متفقة في باب المصالح انتهى.
وتقدم معنى هذه الأقوال التي ذكرها.
وقوله :أي يريد أن يبين، موافق لقول الزمخشري.
﴿ ويتوب عليكم ﴾ أي يردكم من عصيانه إلى طاعته، ويوفقكم لها.
﴿ والله عليم حكيم ﴾ عليم بأحوالكم وبما تقدم من الشرائع والمصالح، حكيم يصيب بالأشياء مواضعها بحسب الحكمة والإتقان.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات أنواعاً من البيان والبديع.
منها :التجوّز بإطلاق اسم الكل على البعض في قوله :يأتين الفاحشة، لأن أل تستغرق كل فاحشة وليس المراد بل بعضها، وإنما أطلق على البعض اسم الكل تعظيماً لقبحه وفحشه، فإن كان العرف في الفاحشة الزنا، فليس من هذا الباب إذ تكون الألف واللام للعهد.
والتجوّز بالمراد من المطلق بعض مدلوله في قوله :فآذوهما إذ فسر بالتعيير أو الضرب بالنعال، أو الجمع بينهما، وبقوله :سبيلاً والمراد الحد، أو رجم المحصن.
وبقوله :فأعرضوا عنهما أي اتركوهما.
وإسناد الفعل إلى غير فاعله في قوله :حتى يتوفاهنّ الموت، وفي قوله :حتى إذا حضر أحدهم الموت.
والتجنيس المغاير في :إن تابا إن الله كان توّاباً، وفي :أرضعنكم ومن الرضاعة، وفي :محصنات فإذا أحصنّ.
والتجنيس المماثل في :فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا، وفي :ولا تنكحوا ما نكح.
والتكرار في :اسم الله في مواضع، وفي :إنما التوبة وليست التوبة، وفي :زوج مكان زوج، وفي :أمّهاتكم وأمّهاتكم اللاتي، وفي :إلا ما قد سلف، وفي :المؤمنات في قوله :المحصنات المؤمنات، وفي :فتياتكم المؤمنات، وفي :فريضة ومن بعد الفريضة، وفي :المحصنات من النساء والمحصنات، ونصف ما على المحصنات، وفي :بعضكم من بعض، وفي :يريد في أربعة مواضع، وفي :يتوب وأن يتوب، وفي :إطلاق المستقبل على الماضي، في :واللاتي يأتين الفاحشة وفي :واللذان يأتيانها منكم، وفي :يعملون السوء وفي :ثم يتوبون، وفي :يريد وفي :ليبين، لأن إرادة الله وبيانه قديمان، إذ تبيانه في كتبه المنزلة والإرادة والكلام من صفات ذاته وهي قديمة.
والإشارة والإيماء في قوله ؛ كرهاً، فإن تحريم الإرث كرهاً يومىء إلى جوازه طوعاً، وقد صرح بذلك في قوله :فإن طبن، وفي قوله :ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ، فله أن يعضلها على غير هذه الصفة لمصلحة لها تتعلق بها، أو بمالها، وفي :إنه كان فاحشة أومأ إلى نكاح الأبناء في الجاهلية نساء الآباء، وفي :أحل لكم ما وراء ذلكم إشارة إلى ما تقدم في المحرمات، ذلك لمن خشي العنت إشارة إلى تزويج الإماء.
والمبالغة في تفخيم الأمر وتأكيده في قوله :وآتيتم إحداهنّ قنطاراً عظم الأمر حتى ينتهي عنه.
والاستعارة في قوله :وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً، استعار الأخذ للوثوق بالميثاق والتمسك به، والميثاق معنى لا يتهيأ فيه الأخذ حقيقة، وفي :كتاب الله عليكم أي فرض الله، استعار للفرض لفظ الكتاب لثبوته وتقريره، فدل بالأمر المحسوس على المعنى المعقول.
وفي :محصنين، استعار لفظ الإحصان وهو الامتناع في المكان الحصين للامتناع بالعقاب، واستعار لكثرة الزنا السفح وهو صب الماء في الأنهار والعيون بتدفق وسرعة، وكذلك :فآتوهن أجورهن استعار لفظ الأجور للمهور، والأجر هو ما يدل على عمل، فجعل تمكين المرأة من الانتفاع بها كأنه عمل تعمله.
وفي قوله :طولاً استعارة للمهر يتوصل به للغرض، والطول وهو الفضل يتوصل به إلى معالي الأمور.
وفي قوله :يتبعون الشهوات استعار الاتباع والميل اللذين هما حقيقة في الإجرام لموافقة هوى النفس المؤدي إلى الخروج عن الحق.
وفي قوله :أن يخفف، والتخفيف أصله من خفة الوزن وثقل الجرم، وتخفيف التكاليف رفع مشاقها من النفس، وذلك من المعاني.
وتسمية الشيء بما يؤول إليه في قوله :أن ترثوا النساء كرهاً، سمي تزويج النساء أو منعهن للأزواج إرثاً، لأن ذلك سبب الإرث في الجاهلية.
وفي قوله :وخلق الإنسان ضعيفاً جعله ضعيفاً باسم ما يؤول إليه، أو باسم أصله.
والطباق المعنوي في قوله :وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً، وقد فسر الخير الكثير بما هو محبوب.
وفي قوله :والمحصنات من النساء، أي حرام عليكم ثم قال :وأحل لكم.
والذي يظهر أنه من الطباق اللفظي، لأن صدر الآية حرمت عليكم أمهاتكم، ثم نسق المحرمات، ثم قال :وأحل لكم، فهذا هو الطباق.
وفي قوله :محصنين غير مسافحين، والمحصن الذي يمنع فرجه، والمسافح الذي يبذله.
والاحتراس في قوله :اللاتي دخلتم بهن احترز من اللاتي لم يدخل بهن، وفي وربائبكم اللاتي في حجوركم احترس من اللاتي ليست في الحجور.
وفي قوله :والمحصنات من النساء إذا المحصنات قد يراد بها الأنفس المحصنات، فيدخل تحتها الرجال، فاحترز بقوله :من النساء.
والاعتراض بقوله :والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض.
والحذف في مواضع لا يتم المعنى إلا بها.

الميل :العدول عن طريق الاستواء.
﴿ والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً ﴾ تعلق الإرادة أولاً بالتوبة على سبيل العلية على ما اخترناه من الأقوال، لأن قوله :ويتوب عليكم، معطوف على العلة، فهو علة.
ونعلقها هنا على سبيل المفعولية، فقد اختلف التعلقان فلا تكرار.
وكما أراد سبب التوبة فقد أراد التوبة عليهم، إذ قد يصح إرادة السبب دون الفعل.
ومن ذهب إلى أنّ متعلق الإرادة في الموضعين واحد كان قوله :والله يريد أن يتوب عليكم تكراراً لقوله :ويتوب عليكم، لأن قوله :ويتوب عليكم، معطوف على مفعول، فهو مفعول به.
قال ابن عطية :وتكرار إرادة الله للتوبة على عباده تقوية للإخبار الأول، وليس المقصد في الآية إلا الإخبار عن إرادة الذين يتبعون الشهوات، فقدمت إرادة الله توطئة مظهرة لفساد متبعي الشهوات.
انتهى كلامه.
فاختار مذهب الكوفيين في أن جعلوا قوله :ليبين، في معنى أن يبين، فيكون مفعولاً ليريد، وعطف عليه :ويتوب، فهو مفعول مثله، ولذلك قال :وتكرار إرادة الله التوبة على عباده إلى آخر كلامه.
وكان قد حكى قول الكوفيين وقال :وهذا ضعيف، فرجع أخيراً إلى ما ضعفه، وكان قد قدم أنَّ مذهب سيبويه :أنَّ مفعول :يريد، محذوف، والتقدير :يريد الله هذا التبيين.
والشهوات جمع شهوة، وهي ما يغلب على النفس محبته وهواه.
ولما كانت التكاليف الشرعية فيها قمع النفس وردها عن مشتهياتها، كان اتباع شهواتها سبباً لكل مذمّة، وعبر عن الكافر والفاسق بمتبع الشهوات كما قال تعالى : ﴿ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً ﴾ واتباع الشهوة في كل حال مذموم، لأن ذلك ائتمار لها من حيث ما دعته الشهوة إليه.
أما إذا كان الاتباع من حيث العقل أو الشرع فذلك هو اتباع لهما لا للشهوة.
ومتبعو الشهوات هنا هم الزناة قاله :مجاهد.
أو اليهود والنصارى قاله :السدي.
أو اليهود خاصة لأنهم أرادوا أن يتبعهم المسلمون في نكاح الأخوات من الأب، أو المجوس كانوا يحلون نكاح الأخوات من الأب، ونكاح بنات الأخ، وبنات الأخت، فلما حرّمهنّ الله قالوا :فإنكم تحلون بنت الخالة والعمة، والعمة عليكم حرام، فانكحوا بنات الأخ والأخت، أو متبعو كل شهوة قاله :ابن زيد، ورجحه الطبري.
وظاهره العموم والميل، وإن كان مطلقاً فالمراد هنا الميل عن الحق، وهو الجور والخروج عن قصد السبيل.
ولذلك قابل إرادة الله بإرادة متبعي الشهوات، وشتان ما بين الإرادتين.
وأكد فعل الميل بالمصدر على سبيل المبالغة، لم يكتف حتى وصفه بالعظم.
وذلك أن الميول قد تختلف، فقد يترك الإنسان فعل الخير لعارض شغل أو لكسل أو لفسق يستلذ به، أو لضلالة بأن يسبق له سوء اعتقاد.
ويتفاوت رتب معالجة هذه الأشياء، فبعضها أسهل من بعض، فوصف مثل هؤلاء بالعظم، إذ هو أبعد الميول معالجة وهو الكفر.
كما قال تعالى : ﴿ ودوا لو تكفرون ﴾ ﴿ ويريدون أن تضلوا السبيل ﴾
وقرأ الجمهور :أن تميلوا بتاء الخطاب.
وقرئ :بالياء على الغيبة.
فالضمير في يميلوا يعود على الذين يتبعون الشهوات.
وقرأ الجمهور :ميلاً بسكون الياء.
وقرأ الحسن :بفتحها، وجاءت الجملة الأولى اسمية، والثانية فعلية لإظهار تأكيد الجملة الأولى، لأنها أدل على الثبوت.
ولتكرير اسم الله تعالى فيها على طريق الإظهار والإضمار.
وأما الجملة الثانية فجاءت فعلية مشعرة بالتجدد، لأن أرادتهم تتجدد في كل وقت.
والواو في قوله :ويريد للعطف على ما قررناه.
وأجاز الراغب أن تكون الواو للحال لا للعطف، قال :تنبيهاً على أنه يريد التوبة عليكم في حال ما تريدون أن تميلوا، فخالف بين الإخبارين في تقديم المخبر عنه في الجملة الأولى، وتأخيره في الجملة الثانية، ليبين أنَّ الثاني ليس على العطف انتهى.
وهذا ليس بجيد، لأنّ إرادته تعالى التوبة علينا ليست مقيدة بإرادة غيره الميل، ولأنّ المضارع باشرته الواو، وذلك لا يجوز، وقد جاء منه شيء نادر يؤوّل على إضمار مبتدأ قبله، لا ينبغي أن يحمل القرآن عليه، لا سيما إذا كان للكلام محمل صحيح فصيح، فحمله على النادر تعسف لا يجوز.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات أنواعاً من البيان والبديع.
منها :التجوّز بإطلاق اسم الكل على البعض في قوله :يأتين الفاحشة، لأن أل تستغرق كل فاحشة وليس المراد بل بعضها، وإنما أطلق على البعض اسم الكل تعظيماً لقبحه وفحشه، فإن كان العرف في الفاحشة الزنا، فليس من هذا الباب إذ تكون الألف واللام للعهد.
والتجوّز بالمراد من المطلق بعض مدلوله في قوله :فآذوهما إذ فسر بالتعيير أو الضرب بالنعال، أو الجمع بينهما، وبقوله :سبيلاً والمراد الحد، أو رجم المحصن.
وبقوله :فأعرضوا عنهما أي اتركوهما.
وإسناد الفعل إلى غير فاعله في قوله :حتى يتوفاهنّ الموت، وفي قوله :حتى إذا حضر أحدهم الموت.
والتجنيس المغاير في :إن تابا إن الله كان توّاباً، وفي :أرضعنكم ومن الرضاعة، وفي :محصنات فإذا أحصنّ.
والتجنيس المماثل في :فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا، وفي :ولا تنكحوا ما نكح.
والتكرار في :اسم الله في مواضع، وفي :إنما التوبة وليست التوبة، وفي :زوج مكان زوج، وفي :أمّهاتكم وأمّهاتكم اللاتي، وفي :إلا ما قد سلف، وفي :المؤمنات في قوله :المحصنات المؤمنات، وفي :فتياتكم المؤمنات، وفي :فريضة ومن بعد الفريضة، وفي :المحصنات من النساء والمحصنات، ونصف ما على المحصنات، وفي :بعضكم من بعض، وفي :يريد في أربعة مواضع، وفي :يتوب وأن يتوب، وفي :إطلاق المستقبل على الماضي، في :واللاتي يأتين الفاحشة وفي :واللذان يأتيانها منكم، وفي :يعملون السوء وفي :ثم يتوبون، وفي :يريد وفي :ليبين، لأن إرادة الله وبيانه قديمان، إذ تبيانه في كتبه المنزلة والإرادة والكلام من صفات ذاته وهي قديمة.
والإشارة والإيماء في قوله ؛ كرهاً، فإن تحريم الإرث كرهاً يومىء إلى جوازه طوعاً، وقد صرح بذلك في قوله :فإن طبن، وفي قوله :ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ، فله أن يعضلها على غير هذه الصفة لمصلحة لها تتعلق بها، أو بمالها، وفي :إنه كان فاحشة أومأ إلى نكاح الأبناء في الجاهلية نساء الآباء، وفي :أحل لكم ما وراء ذلكم إشارة إلى ما تقدم في المحرمات، ذلك لمن خشي العنت إشارة إلى تزويج الإماء.
والمبالغة في تفخيم الأمر وتأكيده في قوله :وآتيتم إحداهنّ قنطاراً عظم الأمر حتى ينتهي عنه.
والاستعارة في قوله :وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً، استعار الأخذ للوثوق بالميثاق والتمسك به، والميثاق معنى لا يتهيأ فيه الأخذ حقيقة، وفي :كتاب الله عليكم أي فرض الله، استعار للفرض لفظ الكتاب لثبوته وتقريره، فدل بالأمر المحسوس على المعنى المعقول.
وفي :محصنين، استعار لفظ الإحصان وهو الامتناع في المكان الحصين للامتناع بالعقاب، واستعار لكثرة الزنا السفح وهو صب الماء في الأنهار والعيون بتدفق وسرعة، وكذلك :فآتوهن أجورهن استعار لفظ الأجور للمهور، والأجر هو ما يدل على عمل، فجعل تمكين المرأة من الانتفاع بها كأنه عمل تعمله.
وفي قوله :طولاً استعارة للمهر يتوصل به للغرض، والطول وهو الفضل يتوصل به إلى معالي الأمور.
وفي قوله :يتبعون الشهوات استعار الاتباع والميل اللذين هما حقيقة في الإجرام لموافقة هوى النفس المؤدي إلى الخروج عن الحق.
وفي قوله :أن يخفف، والتخفيف أصله من خفة الوزن وثقل الجرم، وتخفيف التكاليف رفع مشاقها من النفس، وذلك من المعاني.
وتسمية الشيء بما يؤول إليه في قوله :أن ترثوا النساء كرهاً، سمي تزويج النساء أو منعهن للأزواج إرثاً، لأن ذلك سبب الإرث في الجاهلية.
وفي قوله :وخلق الإنسان ضعيفاً جعله ضعيفاً باسم ما يؤول إليه، أو باسم أصله.
والطباق المعنوي في قوله :وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً، وقد فسر الخير الكثير بما هو محبوب.
وفي قوله :والمحصنات من النساء، أي حرام عليكم ثم قال :وأحل لكم.
والذي يظهر أنه من الطباق اللفظي، لأن صدر الآية حرمت عليكم أمهاتكم، ثم نسق المحرمات، ثم قال :وأحل لكم، فهذا هو الطباق.
وفي قوله :محصنين غير مسافحين، والمحصن الذي يمنع فرجه، والمسافح الذي يبذله.
والاحتراس في قوله :اللاتي دخلتم بهن احترز من اللاتي لم يدخل بهن، وفي وربائبكم اللاتي في حجوركم احترس من اللاتي ليست في الحجور.
وفي قوله :والمحصنات من النساء إذا المحصنات قد يراد بها الأنفس المحصنات، فيدخل تحتها الرجال، فاحترز بقوله :من النساء.
والاعتراض بقوله :والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض.
والحذف في مواضع لا يتم المعنى إلا بها.

﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾ لم يذكر متعلق التخفيف، وفي ذلك أقوال :أحدها أن يكون في إباحة نكاح الأمة وغيره من الرخص.
الثاني في تكليف النظر وإزالة الحيرة فيما بين لكم مما يجوز لكم من النكاح وما لا يجوز.
الثالث :في وضع الاصر المكتوب على من قبلنا، وبمجيء هذه الملة الحنيفية سهلة سمحة.
الرابع :بإيصالكم إلى ثواب ما كلفكم من تحمل التكاليف.
الخامس :أن يخفف عنكم إثم ما ترتكبون من المآثم لجهلكم.
وأعربوا هذه الجملة حالاً من قوله :والله يريد أن يتوب عليكم، والعامل في الحال يريد، التقدير :والله يريد أن يتوب عليكم مريداً أن يخفف عنكم، وهذا الإعراب ضعيف، لأنه قد فصل بين العامل والحال بجملة معطوفة على الجملة التي في ضمنها العامل، وهي جملة أجنبية من العامل والحال، فلا ينبغي أن تجوز إلا بسماع من العرب.
ولأنه رفع الفعل الواقع حالاً الاسم الظاهر، وينبغي أن يرفع ضميره لا ظاهره، فصار نظير :زيد يخرج يضرب زيد عمراً.
والذي سمع من ذلك إنما هو في الجملة الابتدائية، أو في شيء من نواسخها.
أما في جملة الحال فلا أعرف ذلك.
وجواز ذلك فيما ورد إنما هو فصيح حيث يراد التفخيم والتعظيم، فيكون الربط في الجملة الواقعة خبراً بالظاهر.
أما جملة الحال أو الصفة فيحتاج الربط بالظاهر فيها إلى سماع من العرب، والأحسن أن تكون الجملة مستأنفة، فلا موضع لها من الإعراب.
أخبر بها تعالى عن إرادته التخفيف عنا، كما جاء ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾
﴿ وخلق الإنسان ضعيفاً ﴾ قال مجاهد وطاووس وابن زيد :الإخبار عن ضعف الإنسان إنما هو في باب النساء، أي لما علمنا ضعفكم عن النساء خففنا عنكم بإباحة الإماء.
قال طاووس :ليس يكون الإنسان أضعف منه في أمر النساء.
وقال ابن المسيب :ما أيس الشيطان من بني آدم قط إلا أتاهم من النساء، فقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عيني وأنا أعشق بالأخرى، وأن أخوف ما أخاف عليّ فتنة النساء.
قال الزمخشري :ضعيفاً لا يصبر عن الشهوات، وعلى مشاق الطاعات.
قال ابن عطية :ثم بعد هذا المقصد أي :تخفيف الله بإباحة الإماء، يخرج الآية مخرج التفضل، لأنها تتناول كل ما خفف الله عن عباده وجعله الدين يسراً، ويقع الإخبار عن ضعف الإنسان عاماً حسبما هو في نفسه ضعيف يستميله هواه في الأغلب.
قال الراغب :ووصف الإنسان بأنه خلق ضعيفاً، إنما هو باعتباره بالملأ الأعلى نحو : ﴿ أأنتم أشد خلقاً أم السماء ﴾ أو باعتباره بنفسه دون ما يعتريه من فيض الله ومعونته، أو اعتباراً بكثرة حاجاته وافتقار بعضهم إلى بعض، أو اعتباراً بمبدئه ومنتهاه كما قال تعالى : ﴿ الله الذي خلقكم من ضعف ﴾ فأما إذا اعتبر بعقله وما أعطاه من القوة التي يتمكن بها من خلافة الله في أرضه ويبلغ بها في الآخرة إلى جواره تعالى، فهو أقوى ما في هذا العالم.
ولهذا قال تعالى : ﴿ وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً ﴾ وقال الحسن :ضعيفاً لأنه خلق من ماء مهين.
قال الله تعالى :الذي خلقكم من ضعف.
وقرأ ابن عباس ومجاهد :وخلق الإنسان مبنياً للفاعل مسنداً إلى ضمير اسم الله، وانتصاب ضعيفاً على الحال.
وقيل :انتصب على التمييز.
لأنه يجوز أن يقدر بمن، وهذا ليس بشيء.
وقيل :انتصب على إسقاط حرف الجر، والتقدير :من شيء ضعيف، أي من طين، أو من نطفة وعلقة ومضغة.
ولما حذف الموصوف والجار انتصبت الصفة بالفعل نفسه.
قال ابن عطية :ويصح أن يكون خلق بمعنى جعل، فيكسبها ذلك قوّة التعدي إلى مفعولين، فيكون قوله :ضعيفاً مفعولاً ثانياً انتهى.
وهذا هو الذي ذكره من أنّ خلق يتعدى إلى اثنين بجعلها بمعنى جعل، لا أعلم أحداً من النحويين ذهب إلى ذلك، بل الذي ذكر الناس أنّ من أقسام جعل أن يكونن بمعنى خلق، فيتعدّى إلى مفعول واحد، كقوله تعالى : ﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ أما العكس فلم يذهب إلى ذلك أحد فيما علمناه، والمتأخرون الذين تتبعوا هذه الأفعال لم يذكروا ذلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات أنواعاً من البيان والبديع.
منها :التجوّز بإطلاق اسم الكل على البعض في قوله :يأتين الفاحشة، لأن أل تستغرق كل فاحشة وليس المراد بل بعضها، وإنما أطلق على البعض اسم الكل تعظيماً لقبحه وفحشه، فإن كان العرف في الفاحشة الزنا، فليس من هذا الباب إذ تكون الألف واللام للعهد.
والتجوّز بالمراد من المطلق بعض مدلوله في قوله :فآذوهما إذ فسر بالتعيير أو الضرب بالنعال، أو الجمع بينهما، وبقوله :سبيلاً والمراد الحد، أو رجم المحصن.
وبقوله :فأعرضوا عنهما أي اتركوهما.
وإسناد الفعل إلى غير فاعله في قوله :حتى يتوفاهنّ الموت، وفي قوله :حتى إذا حضر أحدهم الموت.
والتجنيس المغاير في :إن تابا إن الله كان توّاباً، وفي :أرضعنكم ومن الرضاعة، وفي :محصنات فإذا أحصنّ.
والتجنيس المماثل في :فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا، وفي :ولا تنكحوا ما نكح.
والتكرار في :اسم الله في مواضع، وفي :إنما التوبة وليست التوبة، وفي :زوج مكان زوج، وفي :أمّهاتكم وأمّهاتكم اللاتي، وفي :إلا ما قد سلف، وفي :المؤمنات في قوله :المحصنات المؤمنات، وفي :فتياتكم المؤمنات، وفي :فريضة ومن بعد الفريضة، وفي :المحصنات من النساء والمحصنات، ونصف ما على المحصنات، وفي :بعضكم من بعض، وفي :يريد في أربعة مواضع، وفي :يتوب وأن يتوب، وفي :إطلاق المستقبل على الماضي، في :واللاتي يأتين الفاحشة وفي :واللذان يأتيانها منكم، وفي :يعملون السوء وفي :ثم يتوبون، وفي :يريد وفي :ليبين، لأن إرادة الله وبيانه قديمان، إذ تبيانه في كتبه المنزلة والإرادة والكلام من صفات ذاته وهي قديمة.
والإشارة والإيماء في قوله ؛ كرهاً، فإن تحريم الإرث كرهاً يومىء إلى جوازه طوعاً، وقد صرح بذلك في قوله :فإن طبن، وفي قوله :ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ، فله أن يعضلها على غير هذه الصفة لمصلحة لها تتعلق بها، أو بمالها، وفي :إنه كان فاحشة أومأ إلى نكاح الأبناء في الجاهلية نساء الآباء، وفي :أحل لكم ما وراء ذلكم إشارة إلى ما تقدم في المحرمات، ذلك لمن خشي العنت إشارة إلى تزويج الإماء.
والمبالغة في تفخيم الأمر وتأكيده في قوله :وآتيتم إحداهنّ قنطاراً عظم الأمر حتى ينتهي عنه.
والاستعارة في قوله :وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً، استعار الأخذ للوثوق بالميثاق والتمسك به، والميثاق معنى لا يتهيأ فيه الأخذ حقيقة، وفي :كتاب الله عليكم أي فرض الله، استعار للفرض لفظ الكتاب لثبوته وتقريره، فدل بالأمر المحسوس على المعنى المعقول.
وفي :محصنين، استعار لفظ الإحصان وهو الامتناع في المكان الحصين للامتناع بالعقاب، واستعار لكثرة الزنا السفح وهو صب الماء في الأنهار والعيون بتدفق وسرعة، وكذلك :فآتوهن أجورهن استعار لفظ الأجور للمهور، والأجر هو ما يدل على عمل، فجعل تمكين المرأة من الانتفاع بها كأنه عمل تعمله.
وفي قوله :طولاً استعارة للمهر يتوصل به للغرض، والطول وهو الفضل يتوصل به إلى معالي الأمور.
وفي قوله :يتبعون الشهوات استعار الاتباع والميل اللذين هما حقيقة في الإجرام لموافقة هوى النفس المؤدي إلى الخروج عن الحق.
وفي قوله :أن يخفف، والتخفيف أصله من خفة الوزن وثقل الجرم، وتخفيف التكاليف رفع مشاقها من النفس، وذلك من المعاني.
وتسمية الشيء بما يؤول إليه في قوله :أن ترثوا النساء كرهاً، سمي تزويج النساء أو منعهن للأزواج إرثاً، لأن ذلك سبب الإرث في الجاهلية.
وفي قوله :وخلق الإنسان ضعيفاً جعله ضعيفاً باسم ما يؤول إليه، أو باسم أصله.
والطباق المعنوي في قوله :وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً، وقد فسر الخير الكثير بما هو محبوب.
وفي قوله :والمحصنات من النساء، أي حرام عليكم ثم قال :وأحل لكم.
والذي يظهر أنه من الطباق اللفظي، لأن صدر الآية حرمت عليكم أمهاتكم، ثم نسق المحرمات، ثم قال :وأحل لكم، فهذا هو الطباق.
وفي قوله :محصنين غير مسافحين، والمحصن الذي يمنع فرجه، والمسافح الذي يبذله.
والاحتراس في قوله :اللاتي دخلتم بهن احترز من اللاتي لم يدخل بهن، وفي وربائبكم اللاتي في حجوركم احترس من اللاتي ليست في الحجور.
وفي قوله :والمحصنات من النساء إذا المحصنات قد يراد بها الأنفس المحصنات، فيدخل تحتها الرجال، فاحترز بقوله :من النساء.
والاعتراض بقوله :والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض.
والحذف في مواضع لا يتم المعنى إلا بها.

﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ تقدم شرح نظير هذه الجملة في قوله : ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا ﴾ ومناسبة هذه الآية لما قبلها :أنه تعالى لما بين كيفية التصرف في النفوس بالنكاح، بيّن كيفية التصرف في الأموال الموصلة إلى النكاح، وإلى ملك اليمين، وأن المهور والأثمان المبذولة في ذلك لا تكون مما ملكت بالباطل، والباطل هو كل طريق لم تبحه الشريعة، فيدخل فيه :السرقة، والخيانة، والغصب، والقمار، وعقود الربا، وأثمان البياعات الفاسدة، فيدخل فيه بيع العربان وهو :أن يأخذ منك السلعة ويكري الدابة ويعطي درهماً مثلاً عرباناً، فإن اشترى، أو ركب، فالدرهم من ثمن السلعة أو الكراء، وإلا فهو للبائع.
فهذا لا يصح ولا يجوز عند جماهير الفقهاء، لأنه من باب أكل المال بالباطل.
وأجاز قوم منهم :ابن سيرين، ومجاهد، ونافع بن عبيد، وزيد بن أسلم :بيع العربان على ما وصفناه، والحجج في كتب الفقه.
وقد اختلف السلف في تفسير قوله :بالباطل.
فقال ابن عباس والحسن :هو أن يأكله بغير عوض.
وعلى هذا التفسير قال ابن عباس :هي منسوخة، إذ يجوز أكل المال بغير عوض إذا كان هبة أو صدقة أو تمليكاً أو إرثاً، أو نحو ذلك مما أباحت الشريعة أخذه بغير عوض.
وقال السدي :هو أن يأكل بالربا والقمار والبخس والظلم، وغير ذلك مما لم يبح الله تعالى أكل المال به.
وعلى هذا تكون الآية محكمة وهو قول ابن مسعود والجمهور.
وقال بعضهم :الآية مجملة، لأن معنى قوله :بالباطل، بطريق غير مشروع.
ولمّا لم تكن هذه الطريق المشروعة مذكورة هنا على التفصيل، صارت الآية مجملة.
وإضافة الأموال إلى المخاطبين معناه :أموال بعضكم.
كما قال تعالى : ﴿ فمن ما ملكت أيمانكم ﴾ وقوله : ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ وقيل :يشمل قوله :أموالكم، مال الغير ومال نفسه.
فنهى أن يأكل مال غيره إلا بطريق مشروع، ونهى أن يأكل مال نفسه بالباطل، وهو :إنفاقه في معاصي الله تعالى.
وعبر هنا عن أخذ المال بالأكل، لأن الأكل من أغلب مقاصده وألزمها.
﴿ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ﴾ هذا استثناء منقطع لوجهين :أحدهما :أن التجارة لم تندرج في الأموال المأكولة بالباطل فتستثنى منها سواء أفسرت قوله بالباطل بغير عوض كما قال :ابن عباس، أم بغير طريق شرعي كما قاله غيره.
والثاني :أن الاستثناء إنما وقع على الكون، والكون معنى من المعاني ليس مالاً من الأموال.
ومن ذهب إلى أنه استثناء متصل فغير مصيب لما ذكرناه.
وهذا الاستثناء المنقطع لا يدل على الحصر في أنه لا يجوز أكل المال إلا بالتجارة فقط، بل ذكر نوع غالب من أكل المال به وهو :التجارة، إذ أسباب الرزق أكثرها متعلق بها.
وفي قوله :عن تراض دلالة على أنّ ما كان على طريق التجارة فشرطه التراضي، وهو من اثنين :الباذل للثمن، والبائع للعين.
ولم يذكر في الآية غير التراضي، فعلى هذا ظاهر الآية يدل على أنه لو باع ما يساوي مائة بدرهم جاز إذا تراضيا على ذلك، وسواء أعلم مقدار ما يساوي أم لم يعلم.
وقالت فرقة :إذا لم يعلم قدر الغبن وتجاوز الثلث، ردّ البيع.
وظاهرها يدل على أنه إذا تعاقد بالكلام أنه تراض منهما ولا خيار لهما، وإن لم يتفرقا.
وبه قال :أبو حنيفة، ومالك، وروى نحوه عن عمر.
وقال الثوري، والليث، وعبيد الله بن الحسن، والشافعي :إذا عقدا فهما على الخيار ما لم يتفرّقا، واستثنوا صوراً لا يشترط فيها التفرق، واختلفوا في التفرق.
فقيل :بأن يتوارى كل منهما عن صاحبه.
وقال الليث :بقيام كل منهما من المجلس.
وكل من أوجب الخيار يقول :إذا خيره في المجلس فاختار، فقد وجب البيع.
وروى خيار المجلس عن عمر أيضاً.
وأطال المفسرون بذكر الاحتجاج لكل من هذه المذاهب، وموضوع ذلك كتب الفقه.
والتجارة اسم يقع على عقود المعاوضات المقصود منها طلب الأرباح.
وأن تكون في موضع نصب أي :لكن كون تجارة عن تراض غير منهي عنه.
وقرأ الكوفيون :تجارة بالنصب، على أن تكون ناقصة على تقدير مضمر فيها يعود على الأموال، أو يفسره التجارة، والتقدير :إلا أن تكون الأموال تجارة، أو يكون التقدير :إلا أن تكون التجارة تجارة عن تراض منكم.
كما قال :إذا كان يوماً ذا كوكب أشنعا.
أي إذا كان هواي اليوم يوماً ذا كوكب.
واختار قراءة الكوفيين أبو عبيد، وقرأ باقي السبعة :تجارة بالرفع، على أنّ كان تامة.
وقال مكي بن أبي طالب :الأكثر في كلام العرب أن قولهم إلا أن تكون في الاستثناء بغير ضمير فيها على معنى يحدث أو يقع، وهذا مخالف لاختيار أبي عبيد.
وقال ابن عطية :تمام كان يترجح عند بعض لأنها صلة، فهي محطوطة عن درجتها إذا كانت سليمة من صلة وغيرها، وهذا ترجيح ليس بالقوي، ولكنه حسن انتهى ما ذكره.
ويحتاج هذا الكلام إلى فكر، ولعله نقص من النسخة شيء يتضح به هذا المعنى الذي أراده.
وعن تراض :صفة للتجارة أي :تجارة صادرة عن تراض.
﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ ظاهره النهي عن قتل الإنسان نفسه كما يفعله بعض الجهلة بقصد منه، أو بحملها على غرر يموت بسببه، كما يصنع بعض الفتاك بالملوك، فإنهم يقتلون الملك ويقتلون بلا شك.
وقد احتج عمرو بن العاص بهذه الآية حين امتنع من الاغتسال بالماء البارد، وأقر رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجاجه.
وقيل :يحتمل أن يكون المعنى :لا تفعلوا ما تستحقون به القتل من القتل والردّة والزنا بعد الإحصان.
قال ابن عطية :وأجمع المتأوّلون أنّ القصد النهي عن أن يقتل بعض الناس بعضاً.
وقال الزمخشري عن الحسن :إن المعنى لا تقتلوا إخوانكم انتهى.
وعلى هذا المعنى أضاف القتل إلى أنفسهم لأنهم كنفس واحدة، أو من جنس واحد، أو من جوهر واحد.
ولأنه إذا قتل قتلَ على سبيل القصاص، وكأنه هو الذي قتل نفسه.
وما ذكره ابن عطية من إجماع المتأوّلين ذكر غيره فيه الخلاف.
قال ما ملخصه :يحتمل أن يراد حقيقة القتل، فيحتمل أن يكون المعنى :لا يقتل بعضكم بعضاً.
ويحتمل أن يكون المعنى :لا يقتل أحد نفسه لضر نزل به، أو ظلم أصابه، أو جرح أخرجه عن حد الاستقامة.
ويحتمل أن يراد مجاز القتل أي :يأكل المال بالباطل، أو بطلب المال والانهماك فيه، أو يحمل نفسه على الغرر المؤدي إلى الهلاك، أو يفعل هذه المعاص والاستمرار عليها.
فيكون القتل عبر به عن الهلاك مجازاً كما جاء :شاهد قتل ثلاثاً نفسه، والمشهود له، والمشهود عليه أي :أهلك.
وقرأ علي والحسن :ولا تقتلوا بالتشديد.
﴿ إن الله كان بكم رحيماً ﴾ حيث نهاكم عن إتلاف النفوس، وعن أكل الحرام، وبين لكم جهة الحل التي ينبغي أن يكون قوام الأنفس.
وحياتها بما يكتسب منها، لأنّ طيب الكسب ينبني عليه صلاح العبادات وقبولها.
ألا ترى إلى ما ورد مَن حجّ بمال حرام أنه إذا قال :لبيك قال الله له :لا لبيك ولا سعديك، وحجك مردود عليك.
وألا ترى إلى الداعي ربه ومطعمه حرام وملبسه حرام كيف جاء أنّى يستجاب له ؟ وكان النهي عن أكل المال بالباطل متقدماً على النهي عن قتل أنفسهم، لأنه أكثر وقوعاً، وأفشى في الناس من القتل، لا سيما إن كان المراد ظاهر الآية من أنه نهى أن يقتل الإنسان نفسه، فإن هذه الحالة نادرة.
وقيل :رحيماً حيث لم يكلفكم قتل أنفسكم حين التوبة كما كلف بني إسرائيل قتلهم أنفسهم، وجعل ذلك توبة لهم وتمحيصاً لخطاياهم.
﴿ ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً ﴾ الإشارة بذلك إلى ما وقع النهي عنه في هذه الجملة من أكل المال بالباطل، وقتل الأنفس.
لأن النهي عنهما جاء متسقاً مسروداً، ثم ورد الوعيد حسب النهي.
وذهب إلى هذا القول جماعة.
وتقييد أكل المال بالباطل بالاعتداء والظلم على هذا القول ليس المعنى أن يقع على جهة لا يكون اعتداء وظلماً، بل هو من الأوصاف التي لا يقع الفعل إلا عليه.
وقيل :إنما قال :عدواناً وظلماً ليخرج منه السهو والغلط، وما كان طريقه الاجتهاد في الأحكام.
وأما تقييد قتل الأنفس على تفسير قتل بعضنا بعضاً بقوله :عدواناً وظلماً، فإنما ذلك لأنّ القتل يقع كذلك، ويقع خطأ واقتصاصاً.
وقيل الإشارة بذلك إلى أقرب مذكور وهو :قتل الأنفس، وهو قول عطاء، واختيار الزمخشري.
قال :ذلك إشارة إلى القتل أي :ومن يقدم على قتل الأنفس عدواناً وظلماً لا خطأ ولا اقتصاصاً انتهى.
ويكون نظير قوله : ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم ﴾ وذهب الطبري :إلى أنّ ذلك إشارة إلى ما سبق من النهي الذي لم يقترن به وعيد وهو من قوله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن ﴾ إلى هذا النهي الذي هو ولا تقتلوا أنفسكم، فأما ما قبل ذلك من النهي فقد اقترن به الوعيد.
وما ذهب إليه الطبري بعيد جداً لأن كل جملة قد استقلت بنفسها، ولا يظهر لها تعلق بما بعدها إلا تعلق المناسبة، ولا تعلق اضطرار المعنى.
وأبعد من قول الطبري ما ذهب إليه جماعة من أن ذلك إشارة إلى كل ما نهى عنه من القضايا، من أول السورة إلى النهي الذي أعقبه قوله :ومن يفعل ذلك.
وجوز الماتريدي أن يكون ذلك إشارة إلى أكل المال بالباطل، قال :وذلك يرجع إلى ما سبق من أكل المال بالباطل، أو قتل النفس بغير حق، أو إليهما جميعاً انتهى.
فعلى هذا القول يكون في المشار إليه بذلك خمسة أقوال.
وانتصاب عدواناً وظلماً على المفعول من أجله، وجوزوا أن يكونا مصدرين في موضع الحال، أي :معتدين وظالمين.
وقرئ عدواناً بالكسر.
وقرأ الجمهور :نصليه بضم النون.
وقرأ النخعي والأعمش :بفتحها من صلاة، ومنه شاة مصلية.
وقرئ أيضاً :نصليه مشدداً.
وقرئ :يصليه بالياء، والظاهر أن الفاعل هو ضمير يعود على الله أي :فسوف يصليه هو أي :الله تعالى.
وأجاز الزمخشري أن يعود الضمير على ذلك قال :لكونه سبباً للمصلي، وفيه بعد.
ومدلول ناراً مطلق، والمراد والله أعلم تقييدها بوصف الشدّة، أو ما يناسب هذا الجرم العظيم من أكل المال بالباطل وقتل الأنفس.
﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ ذلك إشارة إلى إصلائه النار، ويسره عليه تعالى سهولته، لأن حجته بالغة وحكمه لا معقب له.
وقال الزمخشري :لأن الحكمة تدعو إليه، ولا صارف عنه من ظلم أو نحوه، وفيه دسيسة الاعتزال.
﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً ﴾ مناسبة هذه الآية ظاهره، لأنه تعالى لمّا ذكر الوعيد على فعل بعض الكبائر، ذكر الوعد على اجتناب الكبائر.
والظاهر أنّ الذنوب تنقسم إلى كبائر وسيئات، وهي التي عبر عنها أكثر العلماء بالصغائر.
وقد اختلفوا في ذلك، فذهب الجمهور إلى انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر، فمن الصغائر النظرة واللمسة والقبلة ونحو ذلك مما يقع عليه اسم التحريم، وتكفر الصغائر باجتناب الكبائر.
وذهب جماعة من الأصوليين منهم الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني، وأبو المعالي، وأبو نصر عبد الرحيم القشيري :إلى أن الذنوب كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال :الزنا صغيرة بالنسبة إلى الكفر، والقبلة المحرّمة صغيرة بالنسبة إلى الزنا، ولا ذنب يغفر باجتناب ذنب آخر، بل كل ذنب كبيرة وصاحبه ومرتكبه في المشيئة غير الكفر.
وحملوا قوله تعالى :كبائر ما تنهون عنه على أنواع الشرك والكفر قالوا :ويؤيده قراءة كبير على التوحيد، وقوله صلى الله عليه وسلم : « » من اقتطع حق امرىء مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة « فقال له رجل :يا رسول الله وإن كان يسيراً ؟ قال :» وإن كان قضيباً من أراك « » فقد جاء الوعيد على اليسير، كما جا على الكثير.
وروي عن ابن عباس مثل قول هؤلاء قال :كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة.
والذين ذهبوا إلى انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر، وأن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر على ما اقتضاه ظاهر الآية وعضده الحديث الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم من قوله : « ما من امرىء مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يأت كبيرة وذلك الدهر كله » وفي صحيح مسلم : « الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر »
واختلفوا في الكبائر فقال ابن مسعود :هي ثلاث، القنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله.
وروي عنه أيضاً أنها أربع :فزاد الإشراك بالله.
وقال علي :هي سبع :الإشراك بالله، وقتل النفس، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار يوم الزحف، والتعرّب بعد الهجرة.
وقال عبيد بن عمير :الكبائر سبع كقول عليّ في كل واحدة منها آية في كتاب الله، وجعل الآية في التعرب : ﴿ إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ﴾ الآية وفي البخاري : « اتقوا السبع الموبقات » فذكر هذه إلا التعرب، فجاء بدله السحر.
وقد ذهب قوم إلى أن هذه الكبائر هي هذه السبع التي ثبتت في البخاري.
وقال ابن عمر :فذكر هذه إلا السحر، وزاد الإلحاد في المسجد الحرام.
والذي يستسخر بالوالدين من العقوق.
وقال ابن مسعود أيضاً والنخعي :هي جميع ما نهى عنه من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية منها، وهي : ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ وقال ابن عباس أيضاً فيما روي عنه :هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع.
وقال ابن عباس أيضاً :الكبائر كل ما ورد عليه وعيد بنار، أو عذاب، أو لعنة، أو ما أشبه ذلك.
وإلى نحو من هذا ذهب أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الفارسي القرطبي، قال :قد أطلت التفتيش عن هذا منذ سنين فصحّ لي أن كلّ ما توعد الله عليه بالنار فهو من الكبائر، ووجدناه عليه السلام قد أدخل في الكبائر بنص لفظه أشياء غير التي ذكر في الحديث يعني الذي في البخاري فمنها، قول الزور، وعقوق الوالدين، والكذب عليه صلى الله عليه وسلم، وتعريض المرء أبويه للسبّ بأن يسبّ آباء الناس، وذكر عليه السلام الوعيد الشديد بالنار على الكبر، وعلى كفر نعمة المحسن في الحق، وعلى النياحة في المآتم، وحلق الشعر فيها، وخرق الجيوب، والنميمة، وترك التحفظ من البول، وقطيعة الرحم، وعلى الخمر، وعلى تعذيب الحيوان بغير الذكاة لأكل ما يحل أكله منها أو ما أبيح أكله منها، وعلى لسان الإزار على سبيل التجوه، وعلى المنان بما يفعل من الخير، وعلى المنفق سلعته بالحلف الكاذب، وعلى المانع فضل مائه من الشارب، وعلى الغلول، وعلى متابعة الأئمة للدنيا فإن أعطوا منها وفي لهم وإن لم يعطوا منها لم يوف لهم، وعلى المقطتع بيمينه حق امرىء مسلم، وعلى الإمام الغاش لرعيته، ومن ادعى إلى غير أبيه، وعلى العبد الآبق، وعلى من غل، ومن ادعى ما ليس له، وعلى لاعن من لا يستحق اللعن، وعلى بغض الأنصار، وعلى تارك الصلاة، وعلى تارك الزكاة، وعلى بغض عليّ رضي الله عنه، ووجدنا الوعيد الشديد في نص القرآن قد جاء على الزناة، وعلى المفسدين في الأرض بالحرابة، فصح بهذا قول ابن عباس انتهى كلامه.
يعني قوله هي :إلى السبعين أقرب منها إلى السبع.
وروي عن ابن عباس أنه قال :هي إلى سبعمائة أقرب، لأنه لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار.
وقد اختلف القائلون بأنه يكفر الصغائر باجتناب الكبائر، هل التكفير قطعي ؟ أو غالب ظن ؟ فجماعة من الفقهاء وأهل الحديث ذهبوا إلى أنه قطعيّ كما دلت عليه الآية والأحاديث، والأصوليون قالوا :هو على غلبة الظن، وقالوا :لو كان ذلك قطعياً لكانت الصغائر في حكم المباح يقطع بأن لا تبعة فيه، ووصف مدخلاً بقوله :كريماً ومعنى كرمه :فضيلته، ونفى العيوب عنه كما تقول :ثوب كريم، وفلان كريم المحتد.
ومعنى تكفير السيئات إزالة ما يستحق عليها من العقوبات، وجعلها كأن لم تكن، وذلك مرتب على اجتناب الكبائر.
وقرأ ابن عباس وابن جبير :إن تجتنبوا كبير على الافراد، وقد ذكرنا من احتج به على أنه أريد الكفر.
وأمّا من لم يقل ذلك فهو عنده جنس.
وقرأ المفضل عن عاصم :يكفر ويدخلكم بالياء على الغيبة.
وقرأ ابن عباس :من سيئاتكم بزيادة من.
وقرأ نافع :مدخلاً هنا، وفي الحج بفتح الميم، ورويت عن أبي بكر.
وقرأ باقي السبعة بضمها وانتصاب المضموم الميم إمّا على المصدر أي :إدخالاً، والمدخل فيه محذوف أي :ويدخلكم الجنة إدخالاً كريماً.
وإمّا على أنه مكان الدخول، فيجيء الخلاف الذي في دخل، أهي متعدية لهذه الأماكن على سبيل التعدية للمفعول به ؟ أم على سبيل الظرف ؟ فإذا دخلت همزة النقل فالخلاف.
وأما انتصاب المفتوح الميم فيحتمل أن يكون مصدر الدخل المطاوع لأدخل، التقدير :ويدخلكم فتدخلون دخولاً كريماً، وحذف فتدخلون لدلالة المطاوع عليه، ولدلالة مصدره أيضاً.
ويحتمل أن يراد به المكان، فينتصب إذ ذاك إما بيدخلكم، وإما بدخلتم المحذوفة على الخلاف، أهو مفعول به أو ظرف.
﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ قال قتادة والسدي :لما نزل ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ قال الرجال :إنا لنرجو أن نفضل على النساء في الحسنات كالميراث.
وقال النساء :إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال كالميراث.
وقال عكرمة :قال النساء :وددنا أنّ الله جعل لنا الغزو فنصيب من الأجر مثل ما يصيب الرجال.
وزاد مجاهد :أن ذلك عن أم سلمة.
وأنها قالت :وإنما لنا نصف الميراث فنزلت.
وروي عنها أنها قالت :ليتنا كنا رجالاً فنزلت.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها :أنه تعالى لما نهى عن أكل المال بالباطل، وعن قتل الأنفس، وكان ما نهى عنه مدعاة إلى التبسط في الدنيا والعلو فيها وتحصيل حطامها، نهاهم عن تمني ما فضل الله به بعضهم على بعض، إذ التمني لذلك سبب مؤثر في تحصيل الدنيا وشوق النفس إليها بكل طريق، فلم يكتف بالنهي عن تحصيل المال بالباطل وقتل الأنفس، حتى نهى عن السبب المحرّض على ذلك، وكانت المبادرة إلى النهي عن المسبب آكد لفظاعته ومشقته فبدىء به، ثم أتبع بالنهي عن السبب حسماً لمادة المسبب، وليوافق العمل القلبي العمل الخارجي فيستوي الباطن والظاهر في الامتناع عن الأفعال القبيحة.
وظاهر الآية يدل على النهي أن يتمنى الإنسان لنفسه ما فضل به عليه غيره، بل عليه أن يرضى بما قسم الله له.
وتمني ذلك هو أن يكون له مثل ما لذلك المفضل.
وقال ابن عباس وعطاء :هو أن يتمنى مال غيره.
وقال الزمخشري :نهوا عن الحسد، وعن تمني ما فضل الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال، لأن ذلك التفضيل قسمة من الله تعالى صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد، وبما يصلح للمقسوم له من بسط في الرزق أو قبض انتهى.
وهو كلام حسن.
وظاهر النهي إنما يتناول ما فضل الله به بعضهم على بعض.
أما تمني أشياء من أحوال صالحة له في الدنيا وأعمال يرجو بها الثواب في الآخرة فهو حسن لم يدخل في الآية.
وقد جاء في الحديث : « وددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيى ثم أقتل » وفي آخر الآية : ﴿ واسألوا الله من فضله ﴾ فدل على جواز ذلك.
وإذا كان مطلق تمني ما فضل الله به بعضهم على بعض منهياً عنه، فإن يكون ذلك بقيد.
زوال نعمة من فضل عليه عنه بجهة الأحرى.
والأولى إذ هو الحسد المنهى عنه في الشرع، والمستعاذ بالله منه في نص القرآن.
وقد اختلفوا إذا تمنى حصول مثل نعمة المفضل عليه له من غير أن تذهب عن المفضل، فظاهر الآية المنع، وبه قال المحققون، لأن تلك النعمة ربما كانت مفسدة في حقه في الدين، ومضرة عليه في الدنيا، فلا يجوز أن يقول :اللهم أعطني.
داراً مثل دار فلان، ولا زوجاً مثل زوجه، بل يسأل الله ما شاء من غير تعرض لمن فضل عليه.
وقد أجازه بعض الناس.
﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ﴾ قال ابن عباس وقتادة :معناه من الميراث، لأن العرب كانت لا تورث النساء.
وضعف هذا القول لأن لفظ الاكتساب ينبو عنه، لأن الاكتساب يدل على الاعتمال والتطلب للمكسوب، وهذا لا يكون في الإرث، لأنه مال يأخذه الوارث عفواً بغير اكتساب فيه، وتفسير قتادة هذا متركب على ما قاله في سبب نزول الآية.
وقيل :يعبر بالكسب عن الإصابة، كما روي أنّ بعض العرب أصاب كنزاً فقال له ابنه :بالله يا أبه أعطني من كسبك نصيباً، أي مما أصبت.
ومنه قول خديجة رضي الله عنها :وتكسب المعدوم.
قالوا :ومنه قول الشاعر :
فإن أكسبوني نزر مال فإنني كسبتهم حمداً يدوم مع الدهر
وقالت فرقة :المعنى أن الله تعالى جعل لكل من الصنفين مكاسب تختص به، فلا يتمنى أحد منها ما جعل للآخر.
فجعل للرجال الجهاد والإنفاق في المعيشة، وحمل التكاليف الشاقة كالأحكام والإمارة والحسبة وغير ذلك.
وجعل للنساء الحمل ومشقته، وحسن التبعل، وحفظ غيب الزوج، وخدمة البيوت.
وقيل :المعنى مما اكتسب من نعيم الدنيا، فينبغي أن يرضى بما قسم الله له.
وهذه الأقوال الثلاثة هي بالنسبة لأحوال الدنيا.
وقالت فرقة :المعنى نصيب من الأجر والحسنات.
وقال الزمخشري :جعل ما قسم لكل من الرجال والنساء على حسب ما عرف الله من حاله الموجبة للبسط والقبض كسباً له انتهى.
وفي قوله :عرف الله نظر، فإنه لا يقال في الله عارف، نص الأئمة على ذلك، لأن المعرفة في اللغة تستدعي قبلها جهلاً بالمعروف، وذلك بخلاف العلم، فإنه لا يستدعي جهلاً قبله.
وتسمية ما قسم الله كسباً له فيه نظر أيضاً، فإنّ الاكتساب يقتضي الاعتمال والتطلب كما قلناه، إلا إن قلنا أنَّ أكثر ما قسم له يستدعي اكتساباً من الشخص، فأطلق الاكتساب على جميع ما قسم له تغليباً للأكثر.
وفي تعليق النصيب بالاكتساب حض على العمل، وتنبيه على كسب الخير.
﴿ واسألوا الله من فضله ﴾ أي من زيادة إحسانه ونعمه.
لما نهاهم عن تمني ما فضل به بعضهم، أمرهم بأن يعتمدوا في المزيد عليه تبارك وتعالى.
وظاهر قوله :من فضله، العموم فيما يتعلق بأحوال الدنيا وأحوال الآخرة، لأن ظاهر قوله : ﴿ ولا تتمنوا ﴾ ما فضل العموم أيضاً، وهو قول الجمهور.
وقال ابن جبير وليث بن أبي سليم :هذا في العبادات والدين وأعمال البر، وليس في فضل الدنيا.
وفي قوله :من فضله، دلالة على عدم تعيين المطلوب، لكن يطلب من فضل الله ما يكون سبباً لإصلاح دينه ودنياه على سبيل الإطلاق، كما قال تعالى : ﴿ ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ﴾
وقرأ ابن كثير والكسائي :وسلوا بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على السين، وذلك إذا كان أمراً للمخاطب، وقبل السين واو أو فاء نحو : ﴿ فسل الذين يقرؤن ﴾ و ﴿ فاسألوا أهل الذكر ﴾ وقرأ باقي السبعة بالهمز.
قال ابن عطية :إلا في قوله : ﴿ واسألوا ما أنفقتم ﴾ فإنهم أجمعوا على الهمز فيه انتهى.
وهذا الذي ذكره ابن عطية وهم، بل نصوص المقرئين في كتبهم على أن واسألوا ما أنفقتم من جملة المختلف فيه.
بيَّن ابن كثير والكسائي، وبين الجماعة، ونص على ذلك بلفظه ابن شيطا في كتاب التذكار، ولعل الوهم وقع له في ذلك من قول ابن مجاهد في كتاب السبعة له، ولم يختلفوا في قوله : ﴿ وليسألوا ما أنفقوا ﴾ أنه مهموز لأنه لغائب انتهى.
وروى الكسائي عن اسماعيل بن جعفر عن أبي جعفر وشيبة :أنهما لم يهمزا وسل ولا فسل، مثل قراءة الكسائي، وحذف الهمزة في سل لغة الحجاز، وإثباتها لغة لبعض تميم.
وروى اليزيدي عن أبي عمرو :أن لغة قريش سل.
فإذا أدخلوا الواو والفاء همزوا، وسأل يقتضي مفعولين، والثاني لقوله :واسألوا الله هو قوله :من فضله.
كما تقول :أطعمت زيداً من اللحم، وكسوته من الحرير، والتقدير :شيئاً من فضله، وشيئاً من اللحم، وشيئاً من الحرير.
وقال بعض النحويين :من زائدة، والتقدير :وسلوا الله فضله، وهذا لا يجوز إلا على مذهب الأخفش.
وقال ابن عطية :ويحسن عندي أن يقدر المفعول أمانيكم إذ ما تقدم يحسن هذا المعنى.
﴿ إن الله كان بكلّ شيء عليماً ﴾ أي علمه محيط بجميع الأشياء فهو عالم بما فضل به بعضكم على بعض وما يصلح لكلّ منكم من توسيع أو تقتير فإياكم والاعتراض بتمن أو غيره وهو عالم أيضاً بسؤالكم من فضله فيستجيب دعاءكم
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: قيل :وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبلاغة والبديع.
التكرار وهو في :نصيب مما اكتسبوا، ونصيب مما اكتسبن.
والجلالة :في واسئلوا الله، إن الله، وحكماً من أهله، وحكماً من أهلها، وبعضكم على بعض، والجار ذي القربى، والجار الجنب، والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.
وقوله :لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وقريناً وساء قريناً.
والجلالة في :مما رزقهم الله، وكان الله.
والتجنيس المغاير في :حافظات للغيب بما حفظ الله، وفي :يبخلون وبالبخل.
ونسق الصفات من غير حرف في :قانتات حافظات.
والنسق بالحروف على طريق ذكر الأوكد فالأوكد في :وبالوالدين إحساناً وما بعده.
والطباق المعنوي في :نشوزهنّ فإن أطعنكم، وفي :شقاق بينهما ويوفق الله.
والاختصاص في قوله :من أهله ومن أهلها، وفي قوله :عاقدت أيمانكم.
والإبهام في قوله :به شيئاً وإحساناً، وما ملكت فشيوع شيئاً وإحساناً وما واضح.
والتعريض في :مختالاً فخوراً.
أعرض بذلك إلى ذم الكبر المؤدّي للبعد عن الأقارب الفقراء واحتقارهم واحتقار من ذكر معهم.
والتأكيد بإضافة الملك إلى اليمين في :وما ملكت أيمانكم.
والتمثيل :في ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً.
والحذف في عدّة مواضع.

﴿ ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ﴾ لمّا نهى عن التمني المذكور، وأمر بسؤال الله من فضله، أخبر تعالى بشيء من أحوال الميراث، وأنّ في شرعه ذلك مصلحة عظيمة من تحصيل مال للوارث لم يسع فيه، ولم يتعنّ بطلبه، فرب ساع لقاعد.
وكلّ لا تستعمل إلا مضافة، إما الظاهر، وإما لمقدر، واختلفوا في تعيين المقدّر هنا، فقيل :المحذوف إنسان، وقيل :المحذوف مال.
والمولى :لفظ مشترك بين معان كثيرة، منها :الوارث وهو الذي يحسن أن يفسر به هنا، لأنه يصلح لتقدير إنسان وتقدير مال، وبذلك فسر ابن عباس وقتادة والسدي وغيرهم :أن الموالي العصبة والورثة، فإذا فرّعنا على أنّ المعنى :ولكلّ إنسان، احتمل وجوهاً :
أحدها :أن يكون لكلّ متعلقاً بجعلنا، والضمير في ترك عائد على كل المضاف لإنسان، والتقدير :وجعل لكل إنسان وارثاً مما ترك، فيتعلق مما بما في معنى موالي من معنى الفعل، أو بمضمر يفسره المعنى، التقدير :يرثون مما ترك، وتكون الجملة قد تمت عند قوله :مما ترك، ويرتفع الوالدان على إضمار كأنه قيل :ومن الوارث ؟ فقيل :هم الوالدان والأقربون ورّاثاً، والكلام جملتان.
والوجه الثاني :أن يكون التقدير وجعلنا لكل إنسان موالي، أي ورّاثاً.
ثم أضمر فعل أي :يرث الموالي مما ترك الوالدان، فيكون الفاعل بترك الوالدان.
وكأنه لما أبهم في قوله :وجعلنا لكل إنسان موالي، بيَّن أن ذلك الإنسان الذي جعل له ورثة هو الوالدان والأقربون، فأولئك الورّاث يرثون مما ترك والداهم وأقربوهم، ويكون الوالدان والأقربون موروثين.
وعلى هذين الوجهين لا يكون في :جعلنا، مضمر محذوف، ويكون مفعول جعلناه لفظ موالي.
والكلام جملتان.
الوجه الثالث :أن يكون التقدير :ولكل قوم جعلناهم موالي أي :ورّاثاً نصيب مما ترك والداهم وأقربوهم، فيكون جعلنا صفة لكلٍّ، والضمير من الجملة الواقعة صفة محذوف، وهو مفعول جعلنا.
وموالي منصوب على الحال، وفاعل ترك الوالدان.
والكلام منعقد من مبتدأ وخبر، فيتعلق لكل بمحذوف، إذ هو خبر المبتدأ المحذوف القائم مقامه صفته وهو الجار والمجرور، إذ قدر نصيب مما ترك.
والكلام إذ ذاك جملة واحدة كما تقول :لكل من خلقه الله إنساناً من رزق الله، أي حظ من رزقه الله.
وإذا فرعنا على أن المعنى :ولكل مال، فقالوا :التقدير ولكل مال مما تركه الوالدان والأقربون، جعلنا موالي أي ورّاثاً يلونه ويحرزونه.
وعلى هذا التقدير يكون مما ترك في موضع الصفة لكل، والوالدان والأقربون فاعل بترك ويكونون موروثين، ولكل متعلق بجعلنا.
إلا أن في هذا التقدير الفصل بين الصفة والموصوف بالجملة المتعلقة بالفعل الذي فيها المجرور وهو نظير قولك :بكل رجل مررت تميمي، وفي جواز ذلك نظر.
واختلفوا في المراد بالمعاقدة هنا.
فقال ابن عباس، وابن جبير، والحسن، وقتادة وغيرهم :هي الحلف.
فإنّ العرب كانت تتوار بالحلف، فقرر ذلك بهذه الآية ثم نسخ بقوله : ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ﴾ وعنه أيضاً هي :الحلف، والنصيب هو المؤازرة في الحق والنصر، والوفاء بالكلف، لا الميراث.
وقال ابن عباس أيضاً :هي المؤاخاة، كانوا يتوارثون بها حتى نسخ.
وعنه كان المهاجرون يرثون الأنصار دون ذوي رحمهم حتى نسخ بما تقدم، وبقي اثنان :النصيب من النصر والمعونة، ومن المال على جهة الندب في الوصية.
وقال ابن المسيب :هي التبني والنصيب الذي أمرنا بإتيانه، هو الوصية لا الميراث، ومعنى عاقدت أيمانكم في هذا القول :عاقدتهم أيمانكم وما سحتموهم.
وقيل :كانوا يتوارثون بالتبني لقوم يموتون قبل الوصية ووجوبها، فأمر الموصي أن يؤديها إلى ورثة الموصى له.
وقيل :المعاقدة هنا الزواج، والنكاح يسمى عقداً، فذكر الوالدين والأقربين، وذكر معهم الزوج والزوجة.
وقيل :المعاقدة هنا الولاء.
وقيل :هي حلف أبي بكر الصديق أن لا يورث عبد الرحمن شيئاً، فلما أسلم أمره الله أن يؤتيه نصيبه من المال، قال أبو روق :وفيهما نزلت.
فتلخص من هذه الأقوال في المعاقدة أهي الحلف أن لا يورث الحالف ؟ أم المؤاخاة ؟ أم التبني ؟ أم الوصية المشروحة ؟ أم الزواج ؟ أم الموالاة ؟ سبعة أقوال.
قال ابن عطية :ولفظة المعاقدة والإيمان ترجح أنّ المراد الأحلاف، لأنّ ما ذكر من غير الأحلاف ليس في جميعه معاقدة ولا أيمان انتهى.
وكيفية الحلف في الجاهلية :كان الرجل يعاقد الرجل فيقول :دمي دمك، وهدمي هدمك، وناري نارك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك.
فيكون للحليف التسدس من ميراث الحليف، فنسخ الله ذلك.
وعلى الأقوال السابقة جاء الخلاف في قوله : ﴿ والذين عاقدت أيمانكم ﴾ أهو منسوخ أم لا ؟ وقد استدل بها على ميراث مولى الموالاة وبه قال :أبو يوسف، وأبو حنيفة، وزفر، ومحمد، قالوا :من أسلم على يد رجل ووالاه وعاقده ثم مات ولا وارث له غيره، فميراثه له.
وروى نحوه عن يحيى بن سعيد، وربيعة، وابن المسيب، والزهري، وابراهيم، والحسن، وعمر، وابن مسعود.
وقال مالك، وابن شبرمة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي :ميراثه للمسلمين.
وقد أطال الكلام في هذه المسألة أبو بكر الرازي ناصراً مذهب أبي حنيفة.
وقرأ الكوفيون :عقدت بتخفيف القاف من غير ألف، وشدّد القاف حمزة من رواية عليّ بن كبشة، والباقون عاقدت بألف، وجوزوا في إعراب الذين وجوهاً.
أحدها :أن يكون مبتدأ والخبر فآتوهم.
والثاني :أن يكون منصوباً من باب الاشتغال نحو :زيداً فاضربه.
الثالث :أن يكون مرفوعاً معطوفاً على الوالدان والأقربون، والضمير في فآتوهم عائد على موالي إذا كان الوالدان ومن عطف عليه موروثين، وإن كانوا وارثين فيجوز أن يعود على موالي، ويجوز أن يعود على الوالدين والمعطوف عليه.
الرابع :أن يكون منصوباً معطوفاً على موالي قاله :أبو البقاء، وقال :أي وجعلنا الذين عاقدت ورّاثاً، وكان ذلك ونسخ انتهى.
ولا يمكن أن يكون على هذا التقدير الذي قدّره أن يكون معطوفاً على موالي لفساد العطف، إذ يصير التقدير :ولكل إنسان، أو :لكل شيء من المال جعلنا ورّاثاً.
والذين عاقدت أيمانكم، فإن كان من عطف الجمل وحذف المفعول الثاني لدلالة المعنى عليه أمكن ذلك، أي جعلنا ورّاثاً لكل شيء من المال، أي :لكل إنسان، وجعلنا الذين عاقدت أيمانكم ورّاثاً.
وهو بعد ذلك توجيه متكلف، ومفعول عاقدت ضمير محذوف أي :عاقدتهم أيمانكم، وكذلك في قراءة عقدت هو محذوف تقديره :عقدت حلفهم، أو عهدهم أيمانكم.
وإسناد المعاقدة أو العقد للإيمان سواء أريد بها القسم، أم الجارحة، مجاز بل فاعل ذلك هو الشخص.
﴿ إن الله كان على كل شيء شهيداً ﴾ لما ذكر تعالى تشريع التوريث، وأمر بإيتاء النصيب، أخبر تعالى أنه مطلع على كل شيء فهو المجازى به، وفي ذلك تهديد للعاصي، ووعد للمطيع، وتنبيه على أنه شهيد على المعاقدة بينكم.
والصلة فأوفوا بالعهد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: قيل :وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبلاغة والبديع.
التكرار وهو في :نصيب مما اكتسبوا، ونصيب مما اكتسبن.
والجلالة :في واسئلوا الله، إن الله، وحكماً من أهله، وحكماً من أهلها، وبعضكم على بعض، والجار ذي القربى، والجار الجنب، والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.
وقوله :لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وقريناً وساء قريناً.
والجلالة في :مما رزقهم الله، وكان الله.
والتجنيس المغاير في :حافظات للغيب بما حفظ الله، وفي :يبخلون وبالبخل.
ونسق الصفات من غير حرف في :قانتات حافظات.
والنسق بالحروف على طريق ذكر الأوكد فالأوكد في :وبالوالدين إحساناً وما بعده.
والطباق المعنوي في :نشوزهنّ فإن أطعنكم، وفي :شقاق بينهما ويوفق الله.
والاختصاص في قوله :من أهله ومن أهلها، وفي قوله :عاقدت أيمانكم.
والإبهام في قوله :به شيئاً وإحساناً، وما ملكت فشيوع شيئاً وإحساناً وما واضح.
والتعريض في :مختالاً فخوراً.
أعرض بذلك إلى ذم الكبر المؤدّي للبعد عن الأقارب الفقراء واحتقارهم واحتقار من ذكر معهم.
والتأكيد بإضافة الملك إلى اليمين في :وما ملكت أيمانكم.
والتمثيل :في ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً.
والحذف في عدّة مواضع.

﴿ الرّجال قوّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ﴾ قيل :سبب نزول هذه الآية أنَّ امرأة لطمها زوجها فاستعدت، فقضى لها بالقصاص، فنزلت.
فقال صلى الله عليه وسلم : « أردت أمراً وأراد الله غيره » قاله :الحسن، وقتادة، وابن جريج، والسدي وغيرهم.
فذكر التبريزي والزمخشري وابن عطية :أنها حبيبة بنت زيد بن أبي زهير زوج الربيِّع بن عمر، وأحد النقباء من الأنصار.
وطولوا القصة وفي آخرها :فرفع القصاص بين الرجل والمرأة، وقال الكلبي :هي حبيبة بنت محمد بن سلمة زوج سعيد بن الربيع.
وقال أبو روق :هي جميلة بنت عبد الله بن أبي أوفى زوج ثابت بن قيس بن شماس.
وقيل :نزل معها : ﴿ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ﴾ وفي سبب من عين المرأة أن زوجها لطمها بسبب نشوزها.
وقيل :سبب النزول قول أم سلمة المتقدم :لما تمنى النساء درجة الرجال عرفن وجه الفضيلة قيل :المراد بالرجال هنا من فيهم صدامة وحزم، لا مطلق من له لحية.
فكم من ذي لحية لا يكون له نفع ولا ضر ولا حرم، ولذلك يقال :رجل بين الرجولية والرجولة.
ولذلك ادعى بعض المفسرين أنَّ في الكلام حذفا تقديره :الرجال قوامون على النساء إن كانوا رجالاً.
وأنشد :
أكل امرىء تحسبن امرأ ونار توقد بالليل ناراً
والذي يظهر أنَّ هذا إخبار عن الجنس لم يتعرض فيه إلى اعتبار أفراده، كأنه قيل :هذا الجنس قوام على هذا الجنس.
وقال ابن عباس :قوّامون مسلطون على تأديب النساء في الحق.
ويشهد لهذا القول طاعتهن لهم في طاعة الله.
وقوام :صفة مبالغة، ويقال :قيام وقيم، وهو الذي يقوم بالأمر ويحفظه.
وفي الحديث : « أنت قيّام السموات والأرض ومن فيهن » والباء في بما للسبب، وما مصدرية أي :بتفضيل الله.
ومن جعلها بمعنى الذي فقد أبعد، إذ لا ضمير في الجملة وتقديره محذوفاً لا مسوّغ لحذفه، فلا يجوز.
والضمير في بعضهم عائد على الرجال والنساء.
وذكر تغليباً للمذكر على المؤنث، والمراد بالبعض الأول الرجال، وبالثاني النساء.
والمعنى :أنهم قوّامون عليهن بسبب تفضيل الله الرجال على النساء، هكذا قرروا هذا المعنى.
قالوا :وعدل عن الضميرين فلم يأت بما فضل الله عليهن لما في ذكر بعض من الإبهام الذي لا يقتضي عموم الضمير، فرب أنثى فضلت ذكراً.
وفي هذا دليل على أن الولاية تستحق بالفضل لا بالتغلب والاستطالة، وذكروا أشياء مما فضل به الرجال على النساء على سبيل التمثيل.
فقال الربيع :الجمعة والجماعة.
وقال الحسن :النفقة عليهن.
وينبو عنه قوله :وبما أنفقوا.
وقيل :التصرف والتجارات.
وقيل :الغزو، وكمال الدين، والعقل.
وقيل :العقل والرأي، وحل الأربع، وملك النكاح، والطلاق، والرجعة، وكمال العبادات، وفضيلة الشهادات، والتعصيب، وزيادة السهم في الميراث، والديات، والصلاحية للنبوة، والخلافة، والإمامة، والخطابة، والجهاد، والرمي، والآذان، والاعتكاف، والحمالة، والقسامة، وانتساب الأولاد، واللحى، وكشف الوجوه، والعمائم التي هي تيجان العرب، والولاية، والتزويج، والاستدعاء إلى الفراش، والكتابة في الغالب، وعدد الزوجات، والوطء بملك اليمين.
وبما أنفقوا من أموالهم :معناه عليهن، وما :مصدرية، أو بمعنى الذي، والعائد محذوف فيه مسوّغ الحذف.
قيل :المعنى بما أخرجوا بسبب النكاح من مهورهن، ومن النفقات عليهن المستمرة.
وروى معاذ :أنه صلى الله عليه وسلم قال : « لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لبعلها » قال القرطبي :فهم الجمهور من قوله :وبما أنفقوا من أموالهم، أنه متى عجز عن نفقتها لم يكن قواماً عليها، وإذا لم يكن قواماً عليها كان لها فسخ العقد لزوال المعقود الذي شرع لأجله النكاح.
وفيه دلالة واضحة من هذا الوجه على ثبوت فسخ النكاح عند الإعسار بالنفقة والكسوة، وهو مذهب مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة :لا يفسخ لقوله : ﴿ وإن كان ذو عسرة فنظِرة إلى ميسرة ﴾
﴿ فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ﴾ قال ابن عباس :الصالحات المحسنات لأزواجهنّ، لأنهن إذا أحسن لأزواجهن فقد صلح حالهن معهم.
وقال ابن المبارك :المعاملات بالخير.
وقيل :اللائي أصلحن الله لأزواجهن قال تعالى : ﴿ وأصلحنا له زوجه ﴾ وقيل :اللواتي أصلحن أقوالهن وأفعالهن.
وقيل :الصلاة الدين هنا.
وهذه الأقوال متقاربة.
والقانتات :المطيعات لأزواجهن، أو لله تعالى في حفظ أزواجهن، وامتثال أمرهم، أو لله تعالى في كل أحوالهن، أو قائمات بما عليهن للأزواج، أو المصليات، أقوال آخرها للزجاج.
حافظات للغيب :قال عطاء وقتادة :يحفظن ما غاب عن الأزواج، وما يجب لهن من صيانة أنفسهن لهن، ولا يتحدثن بما كان بينهم وبينهن.
وقال ابن عطية :الغيب، كل ما غاب عن علم زوجها مما استتر عنه، وذلك يعم حال غيبة الزوج، وحال حضوره.
وقال الزمخشري :الغيب خلاف الشهادة، أي حافظات لمواجب الغيب إذا كان الأزواج غير شاهدين لهن، حفظن ما يجب عليهن حفظه في حال الغيبة من الزوج والبيوت والأموال انتهى.
والألف واللام في الغيب تغني عن الضمير، والاستغناء بها كثير كقوله : ﴿ واشتعل الرأس شيباً ﴾ أي رأسي.
وقال ذو الرّمة :
لمياء في شفتيها حوّة لعس وفي اللثات وفي أنيابها شنب
تريد :وفي لثاتها.
وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرّتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها »، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية.
وقرأ الجمهور :برفع الجلالة، فالظاهر أن تكون ما مصدرية، والتقدير :بحفظ الله إياهن.
قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد.
ويحتمل هذا الحفظ وجوهاً أي :يحفظ، أي :بتوفيقه إياهن لحفظ الغيب، أو لحفظه إياهن حين أوصى بهن الأزواج في كتابه وأمر رسوله، فقال : « استوصوا بالنساء خيراً » أو بحفظهن حين وعدهن الثواب العظيم على حفظ الغيب، وأوعدهن العذاب الشديد على الخيانة.
وجوزوا أن تكون ما بمعنى الذي، والعائد على ما محذوف، والتقدير :بما حفظه الله لهن من مهور أزواجهن، والنفقة عليهن، قاله الزجاج.
وقال ابن عطية :ويكون المعنى إما حفظ الله ورعايته التي لا يتم أمر دونها، وإما أوامره ونواهيه للنساء، وكأنها حفظه، فمعناه :أن النساء يحفظن بإزاء ذلك وبقدره.
وأجاز أبو البقاء أن تكون ما نكرة موصوفة.
وقرأ أبو جعفر بن القعقاع :بنصب الجلالة فالظاهر أنَّ ما بمعنى الذي، وفي حفظ ضمير يعود على ما مرفوع أي :بالطاعة والبر الذي حفظ الله في امتثال أمره.
وقيل :التقدير بالأمر الذي حفظ حق الله وأمانته، وهو التعفف والتحصن والشفقة على الرجال والنصيحة لهم.
وقدره ابن جني :بما حفظ دين الله، أو أمر الله.
وحذف المضاف متعين تقديره :لأن الذات المقدسة لا ينسب إليها أنها يحفظها أحد.
وقيل :ما مصدرية، وفي حفظ ضمير مرفوع تقديره :بما حفظن الله، وهو عائد على الصالحات.
قيل :وحذف ذلك الضمير، وفي حذفه قبح لا يجوز إلا في الشعر كما قال :فإن الحوادث أودى بها.
يريد :أو دين بها.
والمعنى :يحفظن الله في أمره حين امتثلنه.
والأحسن في هذا أن لا يقال أنه حذف الضمير، بل يقال :إنه عاد الضمير عليهن مفرداً، كأنه لوحظ الجنس، وكأن الصالحات في معنى من صلح، وهذا كله توجيه شذوذ أدّى إليه قول من قال في هذه القراءة :إنّ ما مصدرية.
ولا حاجة إلى هذا القول، بل ينزه القرآن عنه.
وفي قراءة عبد الله ومصحفه :فالصوالح قوانت حوافظ للغيب بما حفظ الله، فأصلحوا إليهن.
وينبغي حملها على التفسير لأنها مخالفة لسواد الإمام، وفيها زيادة.
وقد صح عنه بالنقل الذي لا شك فيه أنه قرأ :وأقرأ على رسم السواد، فلذلك ينبغي أن تحمل هذه القراءة على التفسير.
قال ابن جني :والتكسير أشبه بالمعنى، إذ هو يعطي الكثرة وهي المقصودة هنا.
ومعنى قوله :فأصلحوا إليهن أي أحسنوا ضمن أصلحوا معنى أحسنوا، ولذلك عداه بإلى.
روى في الحديث : « يستغفر للمرأة المطيعة لزوجها الطير في الهواء، والحيتان في البحر، والملائكة في السماء، والسباع في البراري » « قالت أم سلمة :قلت :يا رسول الله نساء الدنيا أفضل أم الحور ؟ فقال :نساء الدنيا أفضل من الحور.
قلت :يا رسول الله بم ؟ قال :بصلاتهن، وصيامهن، وعبادتهن، وطاعة أزواجهن.
» ﴿ واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ﴾ لما ذكر تعالى صالحات الأزواج وأنهن من المطيعات الحافظات للغيب، ذكر مقابلهن وهن العاصيات للأزواج.
والخوف هنا قيل :معناه اليقين، ذهب في ذلك إلى أنّ الأوامر التي بعد ذلك إنما يوجبها وقوع النشوز لا توقعه، واحتج في جواز وقوع الخوف موقع اليقين بقول أبي محجن الثقفي رضي الله عنه :
ولا تدفنني بالفلاة فإنني أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
وقيل الخوف علي بابه من بعض الظن.
قال :
أتاني كلام من نصيب بقوله وما خفت ياسلام أنك عاتبي
أي :وما ظننت.
وفي الحديث : « أمرت بالسواك حتى خفت لأدردن » وقيل :الخوف على بابه من ضد الأمن، فالمعنى :يحذرون ويتوقعون، لأن الوعظ وما بعده إنما هو في دوام ما ظهر من مبادىء ما يتخوف.
والنشوز :أن تتعوج المرأة ويرتفع خلقها وتستعلي على زوجها، ويقال :نسور بالسين والراء المهملتين، ويقال :نصور، ويقال :نشوص.
وامرأة ناشر وناشص.
قال الأعشي :
تجللها شيخ عشاء فأصبحت مضاعية تأتي الكواهن ناشصا
قال ابن عباس :نشوزهنّ عصيانهنّ.
وقال عطاء :نشوزها أن لا تتعطر، وتمنعه من نفسه، وتتغير عن أشياء كانت تتصنع للزوج بها.
وقال أبو منصور :نشوزها كراهيتها للزوج.
وقيل :امتناعها من المقام معه في بيته، وإقامتها في مكان لا يريد الإقامة فيه.
وقيل :منعها نفسها من الاستمتاع بها إذا طلبها لذلك.
وهذه الأقوال كلها متقاربة.
ووعظهن :تذكيرهن آمر الله بطاعة الزوج، وتعريفهن أنّ الله أباح ضربهن عند عصيانهن، وعقاب الله لهن على العصيان قاله :ابن عباس.
وقال مجاهد :يقول لها :اتقي الله، وارجعي إلى فراشك.
وقيل :يقول لها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها » وقال : « لا تمنعه نفسها ولو كانت على قتب » وقال : « أيما امرأة باتت هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح » وزاد آخرون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم العبد الآبق وامرأة بات عليها زوجها ساخطاً وإمام قوم هم له كارهون »
وهجرهن في المضاجع :تركهن لكراهة في المراقد.
والمضجع المكان الذي يضطجع فيه على جنب.
وأصل الاضطجاع الاستلقاء، يقال :ضجيع ضجوعاً واضطجع استلقى للنوم، وأضجعته أملته إلى الأرض، وكل شيء أملته من إناء وغيره فقد أضجعته.
قال ابن عباس وابن جبير :معناه لا تجامعوهن.
وقال الضحاك والسدي :اتركوا كلامهن، وولوهن ظهوركم في الفراش.
وقال مجاهد :فارقوهن في الفرش
﴿ وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها ﴾ الخلاف في الخوف هنا مثله في :واللاتي تخافون.
ولما كان حال المرأة مع زوجها إمّا الطواعية، وإمّا النشوز.
وكان النشوز إمّا تعقبه الطواعية، وإمّا النشوز المستمر، فإن أعقبته الطواعية فتعود كالطائعة أولاً.
وإن استمر النشوز واشتدّ، بعث الحكمان.
والشقاق :المشاقة.
والأصل شقاقاً بينهما، فاتسع وأضيف.
والمعنى على الظرف كما تقول :يعجبني سير الليلة المقمرة.
أو يكون استعمل اسماً وزال معنى الظرف، أو أجرى البين هنا مجرى حالهما وعشرتهما وصحبتهما.
والخطاب في :وإن خفتم، وفي فابعثوا، للحكام، ومن يتولى الفصل بين الناس.
وقيل :للأولياء لأنهم الذين يلون أمر الناس في العقود والفسوخ، ولهم نصب الحكمين.
وقيل :خطاب للمؤمنين.
وأبعد من ذهب إلى أنه خطاب للأزواج، إذ لو كان خطاباً للأزواج لقال :وإن خافا شقاق بينهما فليبعثا، أو لقال :فإن خفتم شقاق بينكم، لكنه انتقال من خطاب الأزواج إلى خطاب من له الحكم والفصل بين الناس، وإلى أنه خطاب للأزواج ذهب الحسن والسدي.
والضمير في بينهما عائد على الزوجين، ولم يجرد ذكرهما، لكن جرى ما يدل عليهما من ذكر الرجال والنساء.
والحكم :هو من يصلح للحكومة بين الناس والإصلاح.
ولم تتعرّض الآية لماذا يحكمان فيه، وإنما كان من الأهل، لأنه أعرف بباطن الحال، وتسكن إليه النفس، ويطلع كل منهما حكمه على ما في ضميره من حب وبغض وإرادة صحبة وفرقة.
قال جماعة من العلماء :لا بد أن يكونا عارفين بأحوال الزوجين، عدلين، حسني السياسة والنظر في حصول المصلحة، عالمين بحكم الله في الواقعة التي حكما فيها.
فإن لم يكن من أهلهما من يصلح لذلك أرسل من غيرهما عدلين عالمين، وذلك إذا أشكل أمرهما ورغباً فيمن يفصل بينهما.
وقال بعض العلماء :إنما هذا الشرط في الحكمين اللذين يبعثهما الحاكم.
وأما الحكمان اللذان يبعثهما الزوجان فلا يشترط فيهما إلا أن يكونا بالغين عاقلين مسلمين، من أهل العفاف والستر، يغلب على الظن نصحهما.
واختلفوا في المقدار الذي ينظر فيه الحكمان، فذهب الجمهور إلى أنهما ينظران في كل شيء، ويحملان على الظالم، ويمضيان ما رأيا من بقاء أو فراق، وبه قال :مالك، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور.
وهو مروي عن :علي، وعثمان، وابن عباس، والشعبي، والنخعي، ومجاهد، وأبي سلمة، وطاووس.
قال مالك :إذا رأيا التفريق فرقا، سواء أوافق مذهب قاضي البلد أو خالفه، وكلاه أم لا، والفراق في ذلك طلاق بائن، وقالت طائفة :لا ينظر الحكمان إلا فيما وكلهما به الزوجان وصرّحا بتقديمهما عليه، فالحكمان وكيلان :أحدهما للزوج، والآخر للزوجة، ولا تقع الفرقة إلا برضا الزوجين، وهو مذهب أبي حنيفة، وعن الشافعي القولان.
وقال الحسن وغيره :ينظر الحكمان في الإصلاح وفي الأخذ والإعطاء، إلا في الفرقة فإنّها ليست إليهما.
وأما ما يقول الحكمان، فقال جماعة :يقول حكم الزوج له أخبرني ما في خاطرك، فإن قال :لا حاجة لي فيها، خذ لي ما استطعت وفرق بيننا، علم أن النشوز من قبله.
وإن قال :أهواها ورضها من مالي بما شئت ولا تفرق بيننا، علم أنه ليس بناشز ويقول الحكم من جهتها لها كذلك، فإذا ظهر لهما أن النشوز من جهته وعظاه، وزجراه، ونهياه.
﴿ إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما ﴾ الضمير في يريدا عائد على الحكمين قاله :ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما.
وفي بينهما عائد على الزوجين، أي :قصدا إصلاح ذات البين، وصحت نيتهما، ونصحا لوجه الله، وفق الله بين الزوجين وألف بينهما، وألقى في نفوسهما المودة.
وقيل :الضميران معاً عائدان على الحكمين أي :إن قصدا إصلاح ذات البين، وفق الله بينهما فيجتمعان على كلمة واحدة، ويتساعدان في طلب الوفاق حتى يحصل الغرض.
وقيل :الضميران عائدان على الزوجين أي :إن يرد الزوجان إصلاحاً بينهما، وزوال شقاق، يزل الله ذلك ويؤلف بينهما.
وقيل :يكون في يريدا عائداً على الزوجين، وفي بينهما عائداً على الحكمين :أي :إن يرد الزوجان إصلاحاً وفق الله بين الحكمين فاجتمعا على كلمة واحدة، وأصلحا، ونصحا.
وظاهر الآية أنه لا بد من إرسال الحكمين وبه قال الجمهور.
وروي عن مالك :أنه يجري إرسال واحد، ولم تتعرض الآية لعدالة الحكمين، فلو كانا غير عدلين فقال عبد الملك :حكمهما منقوض.
وقال ابن العربي :الصحيح نفوذه.
وأجمع أهل الحل والعقد :على أن الحكمين يجوز تحكيمهما.
وذهبت الخوارج :إلى أن التحكيم ليس بجائز، ولو فرّق الحكمان بين الزوجين خلعا برضا الزوجين.
فهل يصح من غير أمر سلطان ؟ ذهب الحسن وابن سيرين :إلى أنه لا يجوز الصلح إلا عند السلطان.
وذهب عمر وعثمان وابن عمر وجماعة من الصحابة والتابعين :إلى أنه يصح من غير أمر السلطان منهم :مالك، وأبو حنيفة، وأصحابه، والشافعي.
﴿ إن الله كان عليماً حكيماً ﴾ يعلم ما يقصد الحكمان، وكيف يوفقا بين المختلفين، ويخبر خفايا ما ينطقان به في أمر الزوجين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: قيل :وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبلاغة والبديع.
التكرار وهو في :نصيب مما اكتسبوا، ونصيب مما اكتسبن.
والجلالة :في واسئلوا الله، إن الله، وحكماً من أهله، وحكماً من أهلها، وبعضكم على بعض، والجار ذي القربى، والجار الجنب، والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.
وقوله :لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وقريناً وساء قريناً.
والجلالة في :مما رزقهم الله، وكان الله.
والتجنيس المغاير في :حافظات للغيب بما حفظ الله، وفي :يبخلون وبالبخل.
ونسق الصفات من غير حرف في :قانتات حافظات.
والنسق بالحروف على طريق ذكر الأوكد فالأوكد في :وبالوالدين إحساناً وما بعده.
والطباق المعنوي في :نشوزهنّ فإن أطعنكم، وفي :شقاق بينهما ويوفق الله.
والاختصاص في قوله :من أهله ومن أهلها، وفي قوله :عاقدت أيمانكم.
والإبهام في قوله :به شيئاً وإحساناً، وما ملكت فشيوع شيئاً وإحساناً وما واضح.
والتعريض في :مختالاً فخوراً.
أعرض بذلك إلى ذم الكبر المؤدّي للبعد عن الأقارب الفقراء واحتقارهم واحتقار من ذكر معهم.
والتأكيد بإضافة الملك إلى اليمين في :وما ملكت أيمانكم.
والتمثيل :في ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً.
والحذف في عدّة مواضع.

الجار :القريب المسكن منك، وألفه منقلبة عن واو لقولهم :جاورت، ويجمع على جيران وجيرة.
والجنب :البعيد.
والجنابة البعد قال :
فلا تحرمني نائلاً عن جنابة فإني امرؤ وسط القباب غريب
وهو من الاجتناب، وهو أن يترك الرجل جانباً.
وقال تعالى : ﴿ واجنبني ﴾ أي بعدني، وهو وصف على فعل كناقة سرح.
المختال :المتكبر، وهو اسم فاعل من اختال، وألفه منقلبة عن ياء لقولهم :الخيلاء والمخيلة.
ويقال :خال الرجل يخول خولاً إذا تكبر وأعجب بنفسه، فتكون هذه مادة أخرى، لأن تلك مركبة من خيل خ ي ل، وهذه مادة من خ و ل.
الفخور :فعول من فخر، والفخر عد المناقب على سبيل الشغوف والتطاول.
﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين ﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها :أنه تعالى لما ذكر أنّ الرجال قوامون على النساء بتفضيل الله إياهم عليهن، وبإنفاق أموالهم، ودل بمفهوم اللقب أنه لا يكون قواماً على غيرهن، أوضح أنه مع كونه قواماً على النساء هو أيضاً مأمور بالإحسان إلى الوالدين، وإلى من عطفه على الوالدين.
فجاءت حثاً على الإحسان، واستطراداً لمكارم الأخلاق.
وأن المؤمن لا يكتفي من التكاليف الإحسانية بما يتعلق بزوجته فقط، بل عليه غيرها من بر الوالدين وغيرهم.
وافتتح التوصل إلى ذلك بالأمر بإفراد الله تعالى بالعبادة، إذ هي مبدأ الخير الذي تترتب الأعمال الصالحة عليه.
ونظير : ﴿ وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً ﴾ وتقدم شرح قوله : ﴿ وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين ﴾ إلا أن هنا وبذي، وهناك وذي، وإعادة الباء تدل على التوكيد والمبالغة، فبولغ في هذه الآية لأنها في حق هذه الأمة، ولم يبالغ في حق تلك، لأنها في حق بني إسرائيل.
والاعتناء بهذه الأمة أكثر من الاعتناء بغيرها، إذ هي خير أمة أخرجت للناس.
وقرأ ابن أبي عبلة :وبالوالدين إحسان بالرفع، وهومبتدأ و خبر فيه ما في المنصوب من معنى الأمر، وإن كان جملة خبرية نحو قوله :
فصبر جميل فكلانا مبتلي *** ﴿ والجار ذي القربى ﴾ قال ابن عباس :ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، وابن زيد، ومقاتل في آخرين :هو الجار القريب النسب، والجار الجنب هو الجار الأجنبي، الذي لا قرابة بينك وبينه.
وقال بلعاء بن قيس :
لا يجتوينا مجاور أبدا ذو رحم أو مجاور جنب
وقال نوف الشامي :هو الجار المسلم.
﴿ والجار الجنب ﴾ هو :الجار اليهودي، والنصراني.
فهي عنده قرابة الإسلام، وأجنبية الكفر.
وقالت فرقة، هو الجار القريب المسكن منك، والجنب هو البعيد المسكن منك.
كأنه انتزع من الحديث الذي فيه :إن لي جارين فإلى أهيما أهدي ؟ قال : « إلى أقربهما منك باباً » وقال ميمون بن مهران :والجار ذي القربى أريد به الجار القريب.
قال ابن عطية :وهذا خطأ في اللسان، لأنه جمع على تأويله بين الألف واللام والإضافة، وكان وجه الكلام :وجار ذي القربى انتهى.
ويمكن تصحيح قول ميمون على أن لا يكون جمعاً بين الألف واللام والإضافة على ما زعم ابن عطية بأن يكون قوله :ذي القربى بدلاً من قوله :والجار، على حذف مضاف التقدير :والجار جار ذي القربى، فحذف جار لدلالة الجار عليه، وقد حذفوا البدل في مثل هذا.
قال الشاعر :
رحم الله أعظما دفنوها بسجستان طلحة الطلحات
يريد :أعظم طلحة الطلحات.
ومن كلام العرب :لو يعلمون العلم الكبيرة سنة، يريدون :علم الكبيرة سنة.
والجنب :هو البعيد، سمي بذلك لبعده عن القرابة.
وقال :فلا تحرمني نائلاً عن جنابة.
والمجاورة مساكنة الرجل الرجل في محلة، أو مدينة، أو كينونة أربعين داراً من كل جانب، أو يعتبر بسماع الأذان، أو بسماع الإقامة، أقوال أربعة ثانيها :قول الأوزاعي.
وروى في ذلك حديثاً أنه عليه الصلاة والسلام « أمر مناديه ينادي :» ألا إنَّ أربعين داراً جوار، ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه « والمجاورة مراتب، بعضها ألصق من بعض، أقربها الزوجة.
قال الأعشى :
أجارتنا بيني فإنك طالقة *** وقرئ :والجار ذا القربى.
قال الزمخشري :نصباً على الاختصاص كما قرئ ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ﴾ تنبيهاً على عظم حقه لإدلائه بحقي الجوار والقربى انتهى، وقرأ عاصم في رواية المفضل عنه :والجار الجنُب بفتح الجيم وسكون النون، ومعناه البعيد.
وسئل أعرابي عن الجار الجنْب فقال :هو الذي يجيء فيحل حيث تقع عينك عليه.
﴿ والصاحب بالجنب ﴾ قال ابن عباس، وابن جبير، وقتادة، ومجاهد، والضحاك :هو الرفيق في السفر.
وقال علي وابن مسعود والنخعي، وابن أبي ليلى :الزوجة.
وقال ابن زيد :هو من يعتريك ويلمّ بك لتنفعه.
وقال الزمخشري :هو الذي صحبك بأن حصل بجنبك إما رفيقاً في سفر، وإما جاراً ملاصقاً، وإما شريكاً في تعلم علم أو حرفة، وإما قاعداً إلى جنبك في مجلس أو مسجداً، أو غير ذلك من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه، فعليك أن تراعي ذلك الحق ولا تنساه، وتجعله ذريعة للإحسان.
وقال مجاهد أيضاً :هو الذي يصحبك سفراً وحضراً.
وقيل :الرفيق الصالح.
﴿ وابن السبيل ﴾ تقدّم شرحه.
﴿ وما ملكت أيمانكم ﴾ قيل :ما وقعت على العاقل باعتبار النوع كقوله تعالى : ﴿ فانكحوا ما طاب لكم ﴾ وقيل :لأنها أعم من من، فتشمل الحيوانات على إطلاقها من عبيد وغيرهم، والحيوانات غير الارقاء أكثر في يد الإنسان من الارقاء، فغلب جانب الكثرة، فأمر الله تعالى بالإحسان إلى كل مملوك من آدمي وحيوان غيره.
وقد ورد غير ما حديث في الوصية بالارقاء خيراً في صحيح مسلم وغيره.
ومن غريب التفسير ما نقل عن سهل التستري قال :الجار ذو القربى هو القلب، والجار الجنب النفس، والصاحب بالجنب العقل الذي يجهر على اقتداء السنة والشرائع، وابن السبيل الجوارح المطيعة.
﴿ إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً ﴾ نفى تعالى محبته عمن اتصف بهاتين الصفتين :الاختيال وهو التكبر، والفخر هو عد المناقب على سبيل التطاول بها والتعاظم على الناس.
لأنّ من اتصف بهاتين الصفتين حملتاه على الإخلال بمن ذكر في الآية ممن يكون لهم حاجة إليه.
وقال أبو رجاء الهروي :لا تجد سيىء الملكة إلا وجدته مختالاً فخوراً، ولا عاقاً إلا وجدته جباراً شقياً.
قال الزمخشري :والمختال التياه الجهول الذي يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه، فلا يحتفى بهم، ولا يلتفت إليهم.
وقال غيره :ذكر تعالى الاختيال لأن المختال يأنف من ذوي قرابته إذا كانوا فقراء، ومن جيرانه إذا كانوا ضعفاء، ومن الأيتام لاستضعافهم ومن المساكين لاحتقارهم، ومن ابن السبيل لبعده عن أهله وماله، ومن مماليكه لأسرهم في يده انتهى.
وتظافرت هذه النقول على أن ذكر هاتين الصفتين في آخر الآية إنما جاء تنبيهاً على أنّ من اتصف بالخيلاء والفخر يأنف من الإحسان للأصناف المذكورين، وأن الحامل له على ذلك اتصافه بتينك الصفتين.
والذي يظهر لي أنّ مساقهما غير هذا المساق الذي ذكروه، وذلك أنه تعالى لما أمر بالإحسان للأصناف المذكورة والتحفي بهم وإكرامهم، كان في العادة أن ينشأ عن من اتصف بمكارم الأخلاق أن يجد في نفسه زهواً وخيلاء، وافتخاراً بما صدر منه من الإحسان.
وكثيراً ما افتخرت العرب بذلك وتعاظمت في نثرها ونظمها به، فأراد تعالى أن ينبه على التحلي بصفة التواضع، وأن لا يرى لنفسه شفوفاً على من أحسن إليه، وأن لا يفخر عليه كما قال تعالى : ﴿ لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ فنفى تعالى محبته عن المتحلي بهذين الوصفين.
وكان المعنى أنهم أمروا بعبادة الله تعالى، وبالإحسان إلى الوالدين.
ومن ذكر معهما :ونهوا عن الخيلاء والفخر، فكأنه قيل :ولا تختالوا وتفخروا على من أحسنتم إليه، إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً.
إلا أنّ ما ذكرناه لا يتم إلا على أن يكون الذين يبخلون مبتدأ مقتطعاً مما قبله، أما إن كان متصلاً بما قبله فيأتي المعنى الذي ذكره المفسرون، ويأتي إعراب الذين يبخلون، وبه يتضح المعنى الذي ذكروه، والمعنى الذي ذكرناه إن شاء الله تعالى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: قيل :وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبلاغة والبديع.
التكرار وهو في :نصيب مما اكتسبوا، ونصيب مما اكتسبن.
والجلالة :في واسئلوا الله، إن الله، وحكماً من أهله، وحكماً من أهلها، وبعضكم على بعض، والجار ذي القربى، والجار الجنب، والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.
وقوله :لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وقريناً وساء قريناً.
والجلالة في :مما رزقهم الله، وكان الله.
والتجنيس المغاير في :حافظات للغيب بما حفظ الله، وفي :يبخلون وبالبخل.
ونسق الصفات من غير حرف في :قانتات حافظات.
والنسق بالحروف على طريق ذكر الأوكد فالأوكد في :وبالوالدين إحساناً وما بعده.
والطباق المعنوي في :نشوزهنّ فإن أطعنكم، وفي :شقاق بينهما ويوفق الله.
والاختصاص في قوله :من أهله ومن أهلها، وفي قوله :عاقدت أيمانكم.
والإبهام في قوله :به شيئاً وإحساناً، وما ملكت فشيوع شيئاً وإحساناً وما واضح.
والتعريض في :مختالاً فخوراً.
أعرض بذلك إلى ذم الكبر المؤدّي للبعد عن الأقارب الفقراء واحتقارهم واحتقار من ذكر معهم.
والتأكيد بإضافة الملك إلى اليمين في :وما ملكت أيمانكم.
والتمثيل :في ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً.
والحذف في عدّة مواضع.

﴿ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً ﴾ نزلت هذه الآية في قوم كفار.
روى عن ابن عباس، ومجاهد، وابن زيد، وحضرمي :أنها نزلت في أحبار اليهود بخلوا بالإعلام بأمر محمد صلى الله عليه وسلم، وكتموا ما عندهم من العلم في ذلك، وأمروا بالبخل على جهتين :أمروا أتباعهم بجحود أمر محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا للأنصار :لم تنفقون على المهاجرين فتفتقرون ؟ وقيل :نزلت في المنافقين.
وقيل :في مشركي مكة.
وعلى اختلاف سبب النزول اختلف أقوال المفسرين من المعنى بالذين يبخلون.
وقيل :هي عامّة في كل من يبخل ويأمر بالبخل من اليهود وغيرهم.
والبخل في كلام العرب :منع السائل شيئاً مما في يد المسؤول من المال، وعنده فضل.
قال طاووس :البخل أن يبخل الإنسان بما في يده، والشح أن يشح على ما في أيدي الناس.
والبخل في الشريعة، هو منع الواجب.
وقال الراغب :لم يرد البخل بالمال، بل بجميع ما فيه نفع للغير انتهى.
ولما أمر تعالى بالإحسان إلى الوالدين ومن ذكر معهما من المحتاجين على سبيل ابتداع أمر الله، بيّن أنّ من لا يفعل ذلك قسمان.
أحدهما :البخيل الذي لا يقدم على إنفاق المال ألبتة حتى أفرط في ذلك وأمر بالبخل.
والثاني :الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس، لا لغرض أمر الله وامتثاله وطاعته.
وذمّ تعالى القسمين بأن أعقب القسم الأول :وأعتدنا للكافرين، وأعقب الثاني بقوله : ﴿ ومن يكن الشيطان له قريناً ﴾.
والبخل أنواع :بخل بالمال، وبخل بالعلم، وبخل بالطعام، وبخل بالسلام، وبخل بالكلام، وبخل على الأقارب دون الأجانب، وبخل بالجاه، وكلها نقائص ورذائل مذمومة عقلاً وشرعاً وقد جاءت أحاديث في مدح السماحة وذم البخل منها : « خصلتان لا يجتمعان في مؤمن :البخل وسوء الخلق » وظاهر قوله بالبخل أنه متعلق بقوله :ويأمرون، كما تقول :أمرت زيداً بالصبر، فالبخل مأمور به.
وقيل :متعلق الأمر محذوف، والباء في بالبخل حالية، والمعنى :ويأمرون الناس بشكرهم مع التباسهم بالبخل، فيكون نحو ما أشار إليه الشاعر بقوله :
أجمعت أمرين ضاع الحزم بينهما تيه الملوك وأفعال المماليك
وقرأ الجمهور :بالبخل بضم الباء وسكون الخاء.
وعيسى بن عمر والحسن :بضمهما.
وحمزة الكسائي :بفتحهما، وابن الزبير وقتادة وجماعة.
بفتح الباء، وسكون الخاء.
وهي كلها لغات.
قال الفرّاء :البخل مثقلة لأسد، والبخل خفيفة لتميم، والبخل لأهل الحجاز.
ويخففون أيضاً فتصير لغتهم ولغة تميم واحدة، وبعض بكر بن وائل بقولون البخل قال جرير :
تريدين أن ترضي وأنت بخيلة ومن ذا الذي يرضي الأخلاء بالبخل
وأنشدني المفضل :
وأوفاهم أوان بخل *** وينشد هذا البيت بفتحتين وضمتين :
وإن امرأ لا يرتجى الخير عنده لذو بخل كل على من يصاحب
واختلفوا في إعراب الذين يبخلون، فقيل :هو في موضع نصب بدل من قوله :من كان.
وقيل :من قوله مختالاً فخوراً.
أفرد اسم كان، والخبر على لفظ من، وجمع الذين حملا على المعنى.
وقيل :انتصب على الذم.
ويجوز عندي أن يكون صفة لمن، ولم يذكروا هذا الوجه.
وقيل :هو في موضع رفع على إضمار مبتدأ محذوف، أي :هم الذين.
وقال أبو البقاء :يجوز أن يكون بدلاً من الضمير في فخوراً، وهو قلق.
فهذه ستة أوجه يكون فيها الذين يبخلون متعلقاً بما قبله، ويكون الباخلون منفياً عنهم محبة الله تعالى، وتكون الآية إذن في المؤمنين، والمعنى :أحسنوا أيها المؤمنون إلى مَن سمى الله، فإن الله لا يحب من فيه الخلال المانعة من الإحسان إليهم وهي :الخيلاء، والفخر، والبخل، والأمر به، وكتمان ما أعطاهم الله من الرزق والمال.
وقيل :الذين يبخلون في موضع رفع على الابتداء، واختلفوا في الخبر :أهو محذوف ؟ أم ملفوظ به ؟ فقيل :هو ملفوظ به وهو قوله : ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ ويكون الرابط محذوفاً تقديره :مثقال ذرة لهم، أو لا يظلمهم مثقال ذرة.
وإلى هذا ذهب الزجاج، وهو بعيد متكلف لكثرة الفواصل بين المبتدأ والخبر، ولأن الخبر لا ينتظم مع المبتدأ معناه :انتظاماً واضحاً لأنّ سياق المبتدأ وما عطف عليه ظاهراً من قوله :والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، لا يناسب أن يخبر عنه بقوله :إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً، بل مساق أنّ الله لا يظلم أن يكون استئناف كلام إخباراً عن عدله وعن فضله تعالى وتقدس.
وقيل :هو محذوف فقدره الزمخشري :الذين يبخلون ويفعلون ويصنعون أحقاء بكل ملامة.
وقدره ابن عطية :معذبون أو مجازون ونحوه.
وقدره أبو البقاء :أولئك قرناؤهم الشيطان، وقدره أيضاً :مبغضون.
ويحتمل أن يكون التقدير :كافرون ﴿ وأعتدنا للكافرين ﴾ فإن كان ما قبل الخبر مما يقتضي كفراً حقيقة كتفسيرهم البخل بأنه بخل بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبإظهار نبوّته.
والأمر بالبخل لأتباعهم أي :بكتمان ذلك، وكتمهم ما تضمنته التوراة من نبوّته وشريعته، كان قوله :وأعتدنا للكافرين، حقيقة فإن كان ما قبل الخبر كفر نعمة كتفسيرهم :أنها في المؤمنين، كان قوله :وأعتدنا للكافرين كفر نعمة ولكل من هذه التقادير مناسب من الآية، والآية على هذه التقادير.
وقول الزجاج :في الكفار، ويبين ذلك سبب النزول المتقدم.
وتقدم تفسير البخل والأمر به، والكتمان على هذا الوجه في سبب النزول.
وأعتدنا للكافرين :أي أعددنا وهيأنا.
والعتيد :الحاضر المهيأ والمهين الذي فيه خزي وذل، وهو أنكى وأشد على المعذب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: قيل :وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبلاغة والبديع.
التكرار وهو في :نصيب مما اكتسبوا، ونصيب مما اكتسبن.
والجلالة :في واسئلوا الله، إن الله، وحكماً من أهله، وحكماً من أهلها، وبعضكم على بعض، والجار ذي القربى، والجار الجنب، والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.
وقوله :لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وقريناً وساء قريناً.
والجلالة في :مما رزقهم الله، وكان الله.
والتجنيس المغاير في :حافظات للغيب بما حفظ الله، وفي :يبخلون وبالبخل.
ونسق الصفات من غير حرف في :قانتات حافظات.
والنسق بالحروف على طريق ذكر الأوكد فالأوكد في :وبالوالدين إحساناً وما بعده.
والطباق المعنوي في :نشوزهنّ فإن أطعنكم، وفي :شقاق بينهما ويوفق الله.
والاختصاص في قوله :من أهله ومن أهلها، وفي قوله :عاقدت أيمانكم.
والإبهام في قوله :به شيئاً وإحساناً، وما ملكت فشيوع شيئاً وإحساناً وما واضح.
والتعريض في :مختالاً فخوراً.
أعرض بذلك إلى ذم الكبر المؤدّي للبعد عن الأقارب الفقراء واحتقارهم واحتقار من ذكر معهم.
والتأكيد بإضافة الملك إلى اليمين في :وما ملكت أيمانكم.
والتمثيل :في ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً.
والحذف في عدّة مواضع.

القرين :فعيل بمعنى مفاعل، من قارنه إذا لازمه وخالطه، ومنه سميت الزوجة قرينة.
ومنه قيل لما يلزمن الإبل والبقر :قرينان، وللحبل الذي يشدان به قرن قال الشاعر :
وابن اللبون إذا ما لز في قرن لم يستطع صوله البزل القناعيس
وقال :
كمدخل رأسه لم يدنه أحد من القرينين حتى لزه القرن
﴿ والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ﴾ تقدم تفسير مثل هذه الآية في قوله : ﴿ كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾، وهنا :ولا باليوم الآخر.
وهناك :واليوم الآخر.
قال السدّي، والزجاج وأبو سليمان الدّمشقي والجمهور :هم المنافقون نزلت فيهم، وإنفاقهم هو إعطاؤهم الزكاة، وإخراجهم المال في السفر للغزو رئاء ودفعاً عن أنفسهم، لا إيماناً ولا حباً في الدّين.
وقال ابن عباس :ومقاتل، ومجاهد :نزلت في اليهود.
وضعفه الطبري من حيث أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر.
ووجه ابن عطية هذا القول بأنهم لم يؤمنوا على ما ينبغي جعل إيمانهم كلا إيمان من حيث لا ينفعهم.
وقيل :هم مشركو مكة، لأنهم كانوا ينكرون البعث.
وإنفاق اليهود هو ما أعانوا به قريشاً في غزوة أحد وغزوة الخندق، وإنفاق مشركي مكة هو ما كان في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم وطلبهم الانتصار.
وفي إعراب والذين ينفقون وجوه :أحدها :أنه مبتدأ محذوف الخبر، ويقدر :معذبون، أو قرينهم الشيطان، ويكون العطف من عطف الجمل.
والثاني :أن يكون معطوفاً على الكافرين، فيكون مجروراً قاله :الطبري.
والثالث :أن يكون معطوفاً على الذين يبخلون، فيكون إعرابه كإعراب الذين يبخلون.
والعطف في هذين الوجهين من عطف المفردات.
ورئاء مصدر راء، أو انتصابه على أنه مفعول من أجله، وفيه شروطه فلا ينبغي أن يعدل عنه.
وقيل :هو مصدر في موضع الحال قاله :ابن عطية، ولم يذكر غيره.
وظاهر قوله :ولا يؤمنون أنه عطف على صلة الذين، فيكون صلة.
ولا يضر الفصل بين أبعاض الصلة بمعمول للصلة، إذ انتصاب رئاء على وجهيه بينفقون.
وجوّزوا أن يكون :ولا يؤمنون في موضع الحال، فتكون الواو واو الحال أي :غير مؤمنين، والعامل فيها ينفقون أيضاً.
وحكى المهدوي :أنه يجوز انتصاب رئاء على الحال من نفس الموصول لا من الضمير في ينفقون، فعلى هذا لا يجوز أن يكون :ولا يؤمنون معطوفاً على الصلة، ولا حالاً من ضمير ينفقون، لما يلزم من الفصل بين أبعاض الصلة، أو بين معمول الصلة بأجنبي وهو رئاء المنصوب على الحال من نفس الموصول، بل يكون قوله :ولا يؤمنون مستأنف.
وهذا وجه متكلف.
وتعلق رئاء بقوله :ينفقون واضح، إما على المفعول له، أو الحال، فلا ينبغي أن يعدل عنه.
وتكرار لا وحرف الجر في قوله :ولا باليوم الآخر مفيد لانتفاء كل واحد من الإيمان بالله، ومن الإيمان باليوم الآخر.
لأنك إذا قلت :لا أضرب زيداً وعمراً، احتمل أن لا تجمع بين ضربيهما.
ولذلك يجوز أن تقول بعد ذلك :بل أحدهما.
واحتمل نفي الضرب عن كل واحد منهما علي سبيل الجمع، وعلى سبيل الإفراد.
فإذا قلت :لا أضرب زيداً ولا عمراً، تعين هذا الاحتمال الثاني الذي كان دون تكرار.
﴿ ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً ﴾ لما ذكر تعالى من اتصف بالبخل والأمر به، وكتمان فضل الله تعالى، والإنفاق رئاء، وانتفاء إيمانه بالله وباليوم الآخر، ذكر أن هذه من نتائج مقارنة الشيطان ومخالطته وملازمته للمتصف بذلك، لأنها شر محض، إذ جمعت بين سوء الاعتقاد الصادر عنه الإنفاق رئاء، وسائر تلك الأوصاف المذمومة.
ولذلك قدم تلك الأوصاف وذكر ما صدرت عنه وهو انتفاء الإيمان بالموجد، وبدار الجزاء.
ثم ذكر أنّ ذلك من مقارنة الشيطان.
والقرين هنا فعيل بمعنى مفاعل، كالجليس والخليط أي :المجالس والمخالط.
والشيطان هنا جنس لا يراد به إبليس وحده وهو كقوله : ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين ﴾ وله متعلق بقريناً أي :قريناً له.
والفاء جواب الشرط، وساء هنا هي التي بمعنى بئس للمبالغة في الذم، وفاعلها على مذهب البصريين ضمير عام، وقريناً تمييز لذلك الضمير.
والمخصوص بالذمّ محذوف وهو العائد على الشيطان الذي هو قرين، ولا يجوز أن يكون ساء هنا هي المتعدية ومفعولها محذوف وقريناً حال، لأنها إذ ذاك تكون فعلاً متصرفاً فلا تدخله الفاء، أو تدخله مصحوبة بقد.
وقد جوّزوا انتصاب قريناً على الحال، أو على القطع، وهو ضعيف.
وبولغ في ذمّ هذا القرين لحمله على تلك الأوصاف الذميمة.
قال الزمخشري وغيره :ويجوز أن يكون وعيداً لهم بأن الشيطان يقرن بهم في النار انتهى.
فتكون المقارنة إذ ذاك في الآخرة يقرن به في النار فيتلاعنان ويتباغضان كما قال : ﴿ مقرنين في الأصفاد ﴾ ﴿ وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين ﴾ وقال الجمهور :هذه المقارنة هي في الدنيا كقوله : ﴿ وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ﴾ ﴿ ونقيض له شيطاناً فهو له قرين ﴾ ﴿ وقال قرينه ربنا ما أطغيته ﴾ قال ابن عطية :وقرن الطبري هذه الآية بقوله تعالى : ﴿ بئس للظالمين بدلاً ﴾ وذلك مردود، لأنّ بدلاً حال، وفي هذا نظر.
والذي قاله الطبري صحيح، وبدلاً تمييز لا حال، وهو مفسر للضمير المستكن في بئس على مذهب البصريين، والمخصوص بالذم محذوف تقديره :هم أي الشيطان وذريته.
وإنما ذهب إلى إعراب المنصوب بعد نعم وبئس حالاً الكوفيون على اختلاف بينهم مقرر في علم النحو.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: قيل :وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبلاغة والبديع.
التكرار وهو في :نصيب مما اكتسبوا، ونصيب مما اكتسبن.
والجلالة :في واسئلوا الله، إن الله، وحكماً من أهله، وحكماً من أهلها، وبعضكم على بعض، والجار ذي القربى، والجار الجنب، والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.
وقوله :لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وقريناً وساء قريناً.
والجلالة في :مما رزقهم الله، وكان الله.
والتجنيس المغاير في :حافظات للغيب بما حفظ الله، وفي :يبخلون وبالبخل.
ونسق الصفات من غير حرف في :قانتات حافظات.
والنسق بالحروف على طريق ذكر الأوكد فالأوكد في :وبالوالدين إحساناً وما بعده.
والطباق المعنوي في :نشوزهنّ فإن أطعنكم، وفي :شقاق بينهما ويوفق الله.
والاختصاص في قوله :من أهله ومن أهلها، وفي قوله :عاقدت أيمانكم.
والإبهام في قوله :به شيئاً وإحساناً، وما ملكت فشيوع شيئاً وإحساناً وما واضح.
والتعريض في :مختالاً فخوراً.
أعرض بذلك إلى ذم الكبر المؤدّي للبعد عن الأقارب الفقراء واحتقارهم واحتقار من ذكر معهم.
والتأكيد بإضافة الملك إلى اليمين في :وما ملكت أيمانكم.
والتمثيل :في ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً.
والحذف في عدّة مواضع.

﴿ وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله ﴾ ظاهر هذا الكلام أنه ملتحم لحمة واحدة، والمراد بذلك :ذمّهم وتوبيخهم وتجهيلهم بمكان سعادتهم، وإلا فكل الفلاح والمنفعة في اتصافهم بما ذكر تعالى.
فعلى هذا الظاهر يحتمل أن يكون الكلام جمليتن، وتكون لو على بابها من كونها حرفاً لما كان سيقع لوقوع غيره، والتقدير :وماذا عليهم في الإيمان بالله واليوم الآخر والإنفاق في سبيل الله لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله لحصلت لهم السعادة.
ويحتمل أن يكون جملة واحدة، وذلك على مذهب من يثبت أن لو تكون مصدرية في معنى :أن كأنه قيل :وماذا عليهم أن آمنوا، أي في الإيمان بالله، ولا جواب لها إذ ذاك، فيكون كقوله :
وماذا عليه أن ذكرت أوانسا كغزلان رمل في محاريب أقيال
قالوا :ويجوز أن يكون قوله :وماذا عليهم، مستقلاً لا تعلق له بما بعده، بل ما بعده مستأنف.
أي :وماذا عليهم يوم القيامة من الوبال والنكال باتصافهم بالبخل وتلك الأوصاف المذمومة، ثم استأنف وقال :لو آمنوا، وحذف جواب لو.
وقال ابن عطية :وجواب لو في قوله :ماذا، فهو جواب مقدم انتهى.
فإن أراد ظاهر هذا الكلام فليس موافقاً لكلام النحويين، لأن الاستفهام لا يقع جواب لو، ولأن قولهم :أكرمتك لو قام زيد، إن ثبت أنه من كلام العرب حمل على أكرمتك دال على الجواب، لا جواب كما قالوا في قولهم :أنت ظالم إن فعلت.
وإن أراد تفسير المعنى فيمكن ما قاله.
وماذا :يحتمل أن تكون كلها استفهاماً، والخبر في عليهم.
ويحتمل أن يكون ما هو الاستفهام، وذا بمعنى الذي وهو الخبر، وعليهم صلة ذا.
وإذا كان لو آمنوا بالله واليوم الآخر من متعلقات قوله :وماذا عليهم، كان في ذلك تفجع عليهم واحتياط وشفقة، وقد تعلقت المعتزلة بذلك.
قال أبو بكر الرازي :تدل على بطلان مذهب الجهمية أهل الجبر، لأنهم لو لم يكونوا مستطيعين للإيمان بالله والإنفاق لما أجاز أن يقال ذلك فيهم، لأنّ عَذرهم واضح وهو أنّهم غير متمكنين مما دعوا إليه، ولا قادرين، كما لا يقال للأعمى :ماذا عليه لو أبصر، ولا يقال للمريض ماذا عليه لو كان صحيحاً.
وفي ذلك أوضح دليل على أنّ الله قد قطع عذرهم في فعل ما كلفهم من الإيمان وسائر الطاعات، وأنهم متمكنون من فعلها انتهى كلامه.
وهو قول المعتزلة والمذاهب في هذا أربعة كما تقرر :الجبرية، والقدرية، والمعتزلة، وأهل السنة.
قال ابن عطية :والانفصال عن شبهة المعتزلة أنّ المطلوب إنما هو تكسبهم واجتهادهم وإقبالهم على الإيمان، وأما الاختراع فالله المنفرد به انتهى.
ولما وصفهم تعالى بتلك الأوصاف المذمومة كان فيه الترقي من وصف قبيح إلى أقبح منه، فبدأ أولاً بالبخل، ثم بالأمر به، ثم بكتمان فضل الله، ثم بالإنفاق رياء، ثم بالكفر بالله وباليوم الآخر.
ولما وبخهم وتلطف في استدعائهم بدأ بالإيمان بالله واليوم الآخر، إذ بذلك تحصل السعادة الأبدية، ثم عطف عليه الإنفاق أي :في سبيل الله، إذ به يحصل نفي تلك الأوصاف القبيحة من البخل، والأمر به وكتمان فضل الله والإنفاق رئاء الناس.
﴿ وكان الله بهم عليماً ﴾ خبر يتضمن وعيداً وتنبيهاً على سوء بواطنهم، وأنه تعالى مطلع على ما أخفوه في أنفسهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: قيل :وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبلاغة والبديع.
التكرار وهو في :نصيب مما اكتسبوا، ونصيب مما اكتسبن.
والجلالة :في واسئلوا الله، إن الله، وحكماً من أهله، وحكماً من أهلها، وبعضكم على بعض، والجار ذي القربى، والجار الجنب، والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.
وقوله :لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وقريناً وساء قريناً.
والجلالة في :مما رزقهم الله، وكان الله.
والتجنيس المغاير في :حافظات للغيب بما حفظ الله، وفي :يبخلون وبالبخل.
ونسق الصفات من غير حرف في :قانتات حافظات.
والنسق بالحروف على طريق ذكر الأوكد فالأوكد في :وبالوالدين إحساناً وما بعده.
والطباق المعنوي في :نشوزهنّ فإن أطعنكم، وفي :شقاق بينهما ويوفق الله.
والاختصاص في قوله :من أهله ومن أهلها، وفي قوله :عاقدت أيمانكم.
والإبهام في قوله :به شيئاً وإحساناً، وما ملكت فشيوع شيئاً وإحساناً وما واضح.
والتعريض في :مختالاً فخوراً.
أعرض بذلك إلى ذم الكبر المؤدّي للبعد عن الأقارب الفقراء واحتقارهم واحتقار من ذكر معهم.
والتأكيد بإضافة الملك إلى اليمين في :وما ملكت أيمانكم.
والتمثيل :في ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً.
والحذف في عدّة مواضع.

المثقال :مفعال من الثقل، ومثقال كل شيء وزنه، ولا تظنّ أنه الدينار لا غير.
الذرة :النملة الصغيرة وقيل :أصغر ما تكون إذا مر عليها حول، وقيل في وصفها.
الحمراء.
قيل :إذا مر عليها حول صغرت وجرت.
قال :
من القاصرات الطرف لو دب محول من الذر فوق الاتب منها لاثرا
وقال حسان :
لو يدب الحولى من ولد الذر ر عليها لأندبتها الكلوم
وقيل عن ابن عباس :الذرة رأس النملة.
وقيل عنه :أدخل يده في التراب ورفعها ثم نفخ فيه، وقال :كل واحدة من هؤلاء ذرة.
وقيل :كل جزء الهباء في الكوة ذرة.
وقيل :الذرة هي الخردلة.
﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرّة ﴾ نزلت في المهاجرين الأوّلين.
وقيل :في الخصوم.
وقيل :في عامة المؤمنين.
ومناسبة هذه لما قبلها واضحة لأنه تعالى لما أمر بعبادته تعالى وبالإحسان للوالدين ومن ذكر معهم، ثم أعقب ذلك بذم البخل والأوصاف المذكورة معه، ثم وبخ من لم يؤمن، ولم ينفق في طاعة الله، فكان هذا كله توطئة لذكر الجزاء على الحسنات والسيئات فأخبر تعالى بصفة عدله، وأنه عزّ وجل لا يظلم أدنى شيء، ثم أخبر بصفة الإحسان فقال :
﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً ﴾ وضرب مثلاً لأحقر الأشياء وزن ذرة، وذلك مبالغة عظيمة في الانتفاء عن الظلم البتة.
وظاهر قوله :مثقال ذرّة، أن الذرّة لها وزن.
وقيل :الذرّة لا وزن لها، وأنه امتحن ذلك فلم يكن لها وزن.
وإذا كان تعالى لا يظلم مثقال ذرّة فلأن لا يظلم فوق ذلك أبلغ، ولما كانت الذرة أصغر الموجودات ضرب بها المثل في القلة.
وقرأ ابن مسعود :مثقال نملة، ولعل ذلك على سبيل الشرح للذرة.
قال الزمخشري :وفيه دليل على أنه لو نقص من أجره أدنى شيء وأصغره، أو زاد في العقاب، لكان ظلماً.
وأنه لا يفعله لاستحالته في الحكمة، لا لاستحالته في القدرة انتهى.
وهي نزعة اعتزالية.
وثبت في صحيح مسلم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسناته ما عمل بها في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها » ويظلم يتعدّى لواحد، وهو محذوف وتقديره :لا يظلم أحداً مثقال ذرة.
وينتصب مثقال على أنه نعت لمصدر محذوف أي :ظلماً وزن ذرّة، كما تقول :لا أظلم قليلاً ولا كثيراً.
وقيل :ضمنت معنى ما يتعدّى لاثنين، فانتصب مثقال على أنه مفعول ثان، والأول محذوف التقدير :لا ينقص، أو لا يغضب، أو لا يبخس أحداً مثقال ذرة من الخير أو الشر، ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً ﴾.
حذفت النون من تلك لكثرة الاستعمال، وكان القياس إثبات الواو، لأن الواو إنما حذفت لالتقاء الساكنين.
فكان ينبغي أنه إذا حذفت ترجع الواو، ولأن الموجب لحذفها قد زال.
ولجواز حذفها شرط على مذهب سيبويه وهو :أن تلاقي ساكنان، فإن لاقته نحو :لم يكن ابنك قائماً، ولم يكن الرجل ذاهباً، لم يجز حذفها.
وأجازه يونس، وشرط جواز هذا الحذف دخول جازم على مضارع معرب مرفوع بالضمة، فلو كان مبنياً على نون التوكيد، أو نون الإناث، أو مرفوعاً بالنون، لم يجز حذفها.
وقرأ الجمهور :حسنة بالنصب، فتكون ناقصة، واسمها مستتر فيها عائد على مثقال.
وأنث الفعل لعوده على مضاف إلى مؤنث، أو على مراعاة المعنى، لأن مثقال معناه زنة أي :وإن تك زنة ذرّة.
وقرأ الحسن والحرميان :حسنة بالرفع على أن تك تامة، التقدير :وإن تقع أو توجد حسنة.
وقرأ الإبنان :يضعفها مشدّدة من غير ألف.
قال أبو علي :المعنى فيهما واحد، وهما لغتان.
ويدل على هذا قراءة من قرأ ﴿ يضعف لها العذاب ضعفين ﴾ و ﴿ فيضعف له أضعافاً كثيرة ﴾ وقال أبو عبيدة في كتاب المجاز والطبري :ضاعف يقتضي مراراً كثيرة، وضعف يقتضي مرتين، وكلام العرب يقتضي عكس هذا.
لأنّ المضاعفة تقتضي زيادة المثل، فإذا شدّدت اقتضت البنية التكثير فوق مرتين إلى أقصى ما يزيد من العدد، وقد تقدم لنا الكلام في هذا.
وقال الزمخشري :يضاعف ثوابها لاستحقاقها ضده الثواب في كل وقت من الأوقات المستقبلة غير المتناهية.
وورد تضعيف الحسنة لعشر أمثالها في كتاب الله، وتضعيف النفقة إلى سبعمائة، ووردت أحاديث التضعيف ألفاً وألف ألف، ولا تضاد في ذلك، إذ المراد الكثرة لا التحديد.
وإن أريد التحديد فلا تضاد أيضاً، لأن الموعود بذلك جميع المؤمنين، ويختلف باختلاف الأعمال.
وظاهر قوله :إن الله لا يظلم مثقال ذرة الآية أنها عامة في كل أحد، وتخصيص ذلك بالمهاجرين غير ظاهر من لدنه أي :من عنده على سبيل التفضل.
قال الزمخشري :سماه أجراً لأنه تابع للأجر لا يثبت إلا بثباته.
انتهى قال ابن مسعود وابن جبير وابن زيد الأجر :هنا الجنة.
وقيل :لا حد له ولا عد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبلاغة والبديع.
قالوا :التجوز بإطلاق الشيء على ما يقاربه في المعنى في قوله :إن الله لا يظلم، أطلق الظلم على انتقاص الأجر من حيث أن نقصه عن الموعود به قريب في المعنى من الظلم.
والتنبيه بما هو أدنى على ما هو أعلى في قوله :مثقال ذرة.
والإبهام في قوله :يضاعفها، إذ لم يبين فيه المضاعفة في الأجر.
والسؤال عن المعلوم لتوبيخ السامع، أو تقريره لنفسه في :فكيف إذا جئنا.
والعدول من بناء إلى بناء لمعنى في :بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً.
والتجنيس المماثل في :وجئنا وفي :وجئنا وفي :بشهيد وشهيداً.
والتجنيس المغاير :في واسمع غير مسمع.
والتجوز بإطلاق المحل على الحال فيه في :من الغائط.
والكناية في :أو لامستم النساء.
والتقديم والتأخير في :إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا إلى قوله :فتيمموا.
والاستفهام المراد به التعجب في :ألم تر.
والاستعارة في :يشترون الضلالة.
والطباق في :هذا أي بالهدى، والطباق الظاهر في :وعصينا وأطعنا.
والتكرار في :وكفى بالله ولياً، وكفى بالله، وفي سمعنا وسمعنا.
والحذف في عدة مواضع.

﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ﴾ هو نبيهم يشهد عليهم بما فعلوا كما قال تعالى : ﴿ وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم ﴾ والأمة هنا من بعث إليهم النبي من مؤمن به وكافر.
لمّا أعلم تعالى بعدله وإيتاء فضله أتبع ذلك بأن نبه على الحالة التي يحضرونها للجزاء ويشهد عليهم فيها.
وكيف في موضع رفع إن كان المحذوف مبتدأ التقدير :فكيف حال هؤلاء السابق ذكرهم، أو كيف صنعهم.
وهذا المبتدأ هو العامل في إذا، أو في موضع نصب إن كان المحذوف فعلاً أي :فكيف يصنعون، أو كيف يكونون.
والفعل أيضاً هو العامل في إذا.
ونقل ابن عطية عن مكيّ :أن العامل في كيف جئنا.
قال :وهو خطأ، والاستفهام هنا للتوبيخ، والتقريع، والإشارة بهؤلاء إلى أمة الرسول.
وقال مقاتل :إلى الكفار.
وقيل :إلى اليهود والنصارى.
وقيل :إلى كفار قريش.
وقيل :إلى المكذبين وشهادته بالتبليغ لأمته قاله :ابن مسعود، وابن جريج، والسدي، ومقاتل.
أو بإيمانهم قاله أبو العالية، أو بأعمالهم قاله :مجاهد وقتادة.
والظاهر أن الشهادة تكون على المشهود عليهم.
وقيل :على بمعنى اللام، أي :وجئنا بك لهؤلاء، وهذا فيه بعد.
وقال الزجاجي :يشهد لهم وعليهم، وحذف المشهود عليهم في قوله :إذا جئنا من كل أمة بشهيد لجريان ذكره في الجار والمجرور فاختصر، والتقدير :من كل أمة بشهيد على أمته.
وظاهر المقابلة يقتضي أن تكون الشهادة عليهم لا لهم، ولا يكون عليهم إلا والمشهود عليهم كانوا منكرين مكذبين بما شهد عليهم به.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم :كان إذا قرأ هذه الآية فاضت عيناه، وكذلك حين قرأ عليه ابن مسعود ذرفت عيناه وبكاؤه والله أعلم هو إشفاق على أمته ورحمة لهم من هول ذلك اليوم.
وظاهر قوله :وجئنا بك، أنه معطوف على قوله :جئنا من كل أمة.
وقيل :حال على تقدير قد أي وقد جئنا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبلاغة والبديع.
قالوا :التجوز بإطلاق الشيء على ما يقاربه في المعنى في قوله :إن الله لا يظلم، أطلق الظلم على انتقاص الأجر من حيث أن نقصه عن الموعود به قريب في المعنى من الظلم.
والتنبيه بما هو أدنى على ما هو أعلى في قوله :مثقال ذرة.
والإبهام في قوله :يضاعفها، إذ لم يبين فيه المضاعفة في الأجر.
والسؤال عن المعلوم لتوبيخ السامع، أو تقريره لنفسه في :فكيف إذا جئنا.
والعدول من بناء إلى بناء لمعنى في :بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً.
والتجنيس المماثل في :وجئنا وفي :وجئنا وفي :بشهيد وشهيداً.
والتجنيس المغاير :في واسمع غير مسمع.
والتجوز بإطلاق المحل على الحال فيه في :من الغائط.
والكناية في :أو لامستم النساء.
والتقديم والتأخير في :إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا إلى قوله :فتيمموا.
والاستفهام المراد به التعجب في :ألم تر.
والاستعارة في :يشترون الضلالة.
والطباق في :هذا أي بالهدى، والطباق الظاهر في :وعصينا وأطعنا.
والتكرار في :وكفى بالله ولياً، وكفى بالله، وفي سمعنا وسمعنا.
والحذف في عدة مواضع.

﴿ يومئذ يودّ الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ﴾ التنوين في يومئذ هو تنوين العوض، حذفت الجملة السابقة وعوض منها هذا التنوين، والتقدير :يوم إذ جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً يودّ الذين كفروا وعصوا الرسول أي :كفروا بالله وعصوا رسوله.
والرسول :هنا اسم جنس، ويحتمل أن يكون التنوين عوضاً من الجملة الأخيرة، ويكون الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم.
وأبرز ظاهراً، ولم يأت وعصوك لما في ذكر الرسول من الشرف والتنويه بالرسالة التي هي أشرف ما تحملها الإنسان من الله تعالى، إذ هي سبب السعادة الدنيوية والأخروية، والعامل في :يوم يودّ.
ومعنى يودّ :يتمنى.
وظاهر وعصوا أنه معطوف على كفروا.
وقيل :هو على إضمار موصول آخر أي :والذين عصوا فهما فرقتان.
وقيل :الواو واو الحال أي :كفروا وقد عصوا الرسول.
وقال الحوفي :يجوز أن يكون يوم مبنياً مع إذ، لأنّ الظرف إذا أضيف إلى غير متمكن جاز بناؤه معه.
وإذ في هذا الموضع اسم ليست بظرف، لأن الظروف إذا أضيف إليها خرجت إلى معنى الاسمية من أجل تخصيص المضاف إليها، كما تخصص الأسماء، ومع استحقاقها الجرّ، والجرّ ليس من علامات الظروف انتهى، وهو كلام جيد.
وقرأ الجمهور :وعصوا الرسول بضم الواو.
وقرأ يحيى بن يعمر وأبو السمال :وعصوا الرسول بكسر الواو على أصل التقاء الساكنين.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم :تسوى بضم التاء وتخفيف السين مبنياً للمفعول، وهو مضارع سوى.
وقرأ نافع، وابن عامر :بفتح التاء وتشديد السين، وأصله تتسوى، فأدغمت التاء في السين، وهو مضارع تسوى.
وقرأ حمزة والكسائي :تسوّى بفتح التاء وتخفيف السين، وذلك على حذف التاء، إذ أصله تتسوى وهو مضارع تسوى.
فعلى قراءة من قرأ تتسوى وتسوّى فتكون الأرض فاعلة.
قال أبو عبيدة وجماعة :معناه لو تنشق الأرض ويكونون فيها، وتتسوي هي في نفسها عليهم.
والباء بمعنى على.
وقالت فرقة :معناه لو تسوّى هي معهم في أن يكونوا تراباً كالبهائم، فجاء اللفظ على أن الأرض هي المسوية معهم، والمعنى :إنما هو أنهم يستوون مع الأرض.
ففي اللفظ قلب يخرج على قولهم :أدخلت القلنسوة في رأسي.
وعلى قراءة من قرأ :تسوى مبنياً للمفعول، فالمعنى أن الله يفعل ذلك على حسب المعنيين السابقين.
وقيل :المعنى لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى، ومعنى هذا القول هو معنى القول الأول.
وقيل :المعنى لو تعدل بهم الأرض أي :يؤخذ منهم ما عليها فدية.
والعامل في يومئذ يود، ومفعول يود محذوف تقديره :تسوية الأرض بهم، ودلّ عليه قوله :لو تسوى بهم الأرض.
ولو حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وجوابه محذوف تقديره :لسروا بذلك، وحذف لدلالة يودّ عليه.
ومن أجاز في لو أن تكون مصدرية مثل أن جوز ذلك هنا، وكانت إذ ذاك لا جواب لها، بل تكون في موضع مفعول يود.
﴿ ولا يكتمون الله حديثاً ﴾ روي عن ابن عباس أن معنى هذه :ودوا إذ فضحتحهم جوارحهم أنهم لم يكتموا الله شركهم.
وروي عنه أيضاً :أنهم لما شهدت عليهم جوارحهم لم يكتموا الله شيئاً.
وقال الحسن :القيامة مواقف، ففي موطن يعرفون سوء أعمالهم ويسألون أن يردوا إلى الدنيا، وفي موطن يكتمون ويقولون :والله ربنا ما كنا مشركين.
وقال الفراء والزجاج :هو كلام مستأنف لا يتعلق بقوله :لو تسوى بهم الأرض، والمعنى :لا يقدرون على كتمان الحديث لأنه ظاهر عند الله.
وقيل :ودوا لو سويت بهم الأرض، وأنهم لم يكتموا الله حديثاً.
وقيل :لم يعتقدوا أنهم مشركون، وإنما اعتقدوا أن عبادة الأصنام طاعة، ذكر هذين القولين :ابن الأنباري.
قال القاضي :أخبروا بما توهموا، وكانوا يظنون أنهم ليسوا بمشركين، وذلك لا يخرجهم أنهم قد كذبوا.
وإذا كانت الجملة مندرجة تحت يود فقال الجمهور :هو قولهم والله ربنا ما كنا مشركين، ما كنا نعمل من سوء، وهذا يتعلق بالآخرة.
وقال عطاء :أمر الرسول ونعته وبعثه، وهذا متعلق بالدنيا انتهى.
ما لخص من كتاب التحرير والتحبير.
وقال ابن عطية ما ملخصه :استأنف الكلام وأخبر أنهم لا يكتمون حديثاً لنطق جوارحهم بذلك كله حتى يقول بعضهم :والله ربنا ما كنا مشركين، فيقول الله تعالى :كذبتم، ثم تنطق جوارحهم فلا تكتم حديثاً، وهذا قول ابن عباس.
وقالت طائفة مثله :إلا أنها قالت :استأنف ليخبر أنّ الكتم لا ينفع وإن كتموا لعلم الله جميع أسرارهم، فالمعنى :ليس ذلك المقام الهائل مقاماً ينفع فيه الكتم.
والفرق بين هذا والأول، أن الأول يقتضي أنّ الكتم لا يقع بوجه، والآخر يقتضي أنّ الكتم لا ينفع وقع أو لم يقع، كما تقول :هذا مجلس لا يقال فيه باطل، وأنت تريد أنه لا ينفع فيه ولا يستمع إليه.
وقالت طائفة :الكلام كله متصل، والمعنى :ويودون أنهم لا يكتمون الله حديثاً.
وودّهم ذلك إنما هو ندم على كذبهم حين قالوا :والله ربنا ما كنا مشركين.
وقالت طائفة :هي مواطن وفرق انتهى.
وقال الزمخشري :لا يقدرون على كتمانه، لأن جوارحهم تشهد عليهم.
وقيل :الواو وللحال يودون أن يدفنوا تحت الأرض، وأنهم لا يكتمون الله حديثاً، ولا يكذبون في قولهم :والله ربنا ما كنا مشركين.
لأنهم إذا قالوا ذلك وجحدوا شركهم، ختم الله على أفواههم عند ذلك وتكلمت أيديهم وأرجلهم بتكذيبهم، والشهادة عليهم بالشرك.
فلشدة الأمر عليهم يتمنون أن تسوى بهم الأرض انتهى.
والذي يتلخص في هذه الجملة أن الواو في قوله :ولا يكتمون إما أن تكون للحال، أو للعطف فإن كانت للحال كان المعنى :أنهم يوم القيامة يودون إن كانوا ماتوا وسويت بهم الأرض، غير كاتمين الله حديثاً، فهي حال من بهم، والعامل فيها تسوى.
وهذه الحال على جعل لو مصدرية بمعنى أن، ويصح أيضاً الحال على جعل لو حرفاً لما سيقع لوقوع غيره، أي :لو تسوى بهم الأرض غير كاتمين الله حديثاً لكان بغيتهم وطلبتهم.
ويجوز أن يكون حالاً من الذين كفروا، والعامل يود على تقدير أن تكون لو مصدرية أي :يوم القيامة يود الذين كفروا إن كانوا سويت بهم الأرض غير كاتمين، وتكون هذه الحال قيداً في الودادة.
أي تقع الودادة منهم لما ذكر في حال انتفاء الكتمان، وهي حالة إقرارهم بما كانوا عليه في الدّنيا من الكفر والتكذيب، ويكون إقرارهم في موطن دون موطن، إذ قد ورد أنهم يكتمون، ويبعد أن يكون حالاً على هذا الوجه.
ولو حرف لما كان سيقع لوقوع غيره للفصل بين الحال، وعاملها بالجملة.
وإن كانت الواو في :ولا يكتمون، للعطف فيحتمل أن يكون من عطف المفردات، ومن عطف الجمل.
فإن كانت من عطف المفردات كان ذلك معطوفاً على مفعول يود أي :يودّون تسوية الأرض بهم وانتفاء الكتمان.
ويحتمل أن يكون انتفاء الكتمان في الدنيا، ويحتمل أن يكون في الآخرة، وهو قولهم :والله ربنا ما كنا مشركين.
ويبعد جدًّا أن يكون عطف على مفعول يود المحذوف، ولو حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.
وإن كانت من عطف الجمل فيحتمل أن يكون معطوفاً على يود، أي :يودّون كذا ولا يكتمون الله حديثاً، فأخبر تعالى عنهم بخبرين الودادة وانتفاء الكتمان، ويكون انتفاء الكتمان في بعض مواقف القيامة.
ويحتمل أن يكون مفعول يود محذوفاً كما قرّرناه، ولو حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وجوابها محذوف كما تقدّم.
والجملة من قوله :ولا يكتمون معطوفة على لو ومقتضيتها، ويكون تعالى قد أخبر بثلاث جمل :جملة الودادة، والجملة التعليقية من لو وجوابها، وجملة انتفاء الكتمان.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبلاغة والبديع.
قالوا :التجوز بإطلاق الشيء على ما يقاربه في المعنى في قوله :إن الله لا يظلم، أطلق الظلم على انتقاص الأجر من حيث أن نقصه عن الموعود به قريب في المعنى من الظلم.
والتنبيه بما هو أدنى على ما هو أعلى في قوله :مثقال ذرة.
والإبهام في قوله :يضاعفها، إذ لم يبين فيه المضاعفة في الأجر.
والسؤال عن المعلوم لتوبيخ السامع، أو تقريره لنفسه في :فكيف إذا جئنا.
والعدول من بناء إلى بناء لمعنى في :بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً.
والتجنيس المماثل في :وجئنا وفي :وجئنا وفي :بشهيد وشهيداً.
والتجنيس المغاير :في واسمع غير مسمع.
والتجوز بإطلاق المحل على الحال فيه في :من الغائط.
والكناية في :أو لامستم النساء.
والتقديم والتأخير في :إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا إلى قوله :فتيمموا.
والاستفهام المراد به التعجب في :ألم تر.
والاستعارة في :يشترون الضلالة.
والطباق في :هذا أي بالهدى، والطباق الظاهر في :وعصينا وأطعنا.
والتكرار في :وكفى بالله ولياً، وكفى بالله، وفي سمعنا وسمعنا.
والحذف في عدة مواضع.

السكر :انسداد طريق التمييز بشرب ما يسكر من قولهم :سكرت عين البازي، إذا خالها النوم.
ومنه :سكر النهر إذا اسندت مجاريه وسكرته أنا.
والسكر :أيضاً بضم السين السد.
قال :
فما زلنا على الشرب *** نداوي السكر بالسكر
والسكر :بالفتح ما أسكر، أي منع من التمييز.
الغائط :ما انخفض من الأرض، وجمعه غيطان.
ويقال :عيط وغوط.
وزعم ابن جني :أن غيطاً فعيل، إذ أصله عنده غيط مثل هين وسيد إذا أخففتهما.
والصحيح :أنه فعل.
كما أنّ غوطاً فعل، لأن العرب قالت :غاط يغوط ويغيط، فأتت به مرة في ذوات الياء، ومرة في ذوات الواو.
وجمعوا غوطاً على أغواط ويقال :تغوّط إذا أحدث وغاط في الأرض يغيط ويغوط غاب فيها حتى لا يظهر إلا لمن وقف عليه.
وكان الرجل إذا أراد التبرز ارتاد غائطاً من الأرض يستتر فيه عن أعين الناس، ثم قيل :للحدث.
نفسه غائطاً، كما قيل :سال الميزان وجري النهر.
﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ﴾ روي أن جماعة من الصحابة شربوا الخمر قبل التحريم، وحانت صلاة، فتقدّم أحدهم فقرأ :قل يا أيها الكافرون فخلط فيها فنزلت.
وقيل :نزلت بسبب قول ثانياً :اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، وكانوا يتحامونها أوقات الصلوات، فإذا صلوا العشاء شربوها، فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر، إلى أن سأل عمر ثالثاً فنزل تحريمها مطلقاً.
وهذه الآية محكمة عند الجمهور.
وذهب ابن عباس إلى أنها منسوخة بآية المائدة.
وأعجب من هذا قول عكرمة :أن قوله لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى منسوخ بقوله : ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ﴾ الآية أي أبيح لهم أن يؤخروا الصلاة حتى يزول السكر، ثم نسخ ذلك فأمروا بالصلاة على كل حال، ثم نسخ شرب الخمر بقوله : ﴿ فاجتنبوه ﴾ ولم ينزل الله هذه الآية في إباحة الخمر فلا تكون منسوخة، ولا أباح بعد إنزالها مجامعة الصلاة مع السكر.
ووجه قول ابن عباس :أنّ مفهوم الخطاب يدل على جواز السكر، وإنما حرم قربان الصلاة في تلك الحال، فنسخ ما فهم من جواز الشرب والسكر بتحريم الخمر.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها هي :أنه لما أمر تعالى بعبادة الله والإخلاص فيها، وأمر ببرّ الوالدين ومكارم الأخلاق، وذم البخل واستطرد منه إلى شيء من أحوال القيامة، وكان قد وقع من بعض المسلمين تخليط في الصلاة التي هي رأس العبادة بسبب شرب الخمر، ناسب أن تخلص الصلاة من شوائب الكدر التي يوقعها على غير وجهها، فأمر تعالى بإتيانها على وجهها دون ما يفسدها، ليجمع لهم بين إخلاص عبادة الحق ومكارم الأخلاق التي بينهم، وبين الخلق والخطاب بقوله :يا أيها الذين آمنوا للصاحين، لأن السكران إذا عدم التمييز لسكره ليس بمخاطب، لكنه مخاطب إذا صحا بامتثال ما يجب عليه، وبتكفيره ما أضاع في وقت سكره من الأحكام التي تقرّر تكليفه إياها قبل السكر، وليس في هذا تكليف ما لا يطاق على ما ذهب إليه بعض الناس.
وبالغ تعالى في النهي عن أن يصلّي المؤمن وهو سكران بقوله : ﴿ لا تقربوا الصلاة ﴾ لأن النهي عن قربان الصلاة أبلغ من قوله :لا تصلوا وأنتم سكارى ومنه : ﴿ ولا تقربوا الزنا ﴾ ﴿ ولا تقربوا الفواحش ﴾ ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم ﴾ والمعنى :لا تغشوا الصلاة.
وقيل :هو على حذف مضاف أي :لا تقربوا مواضع الصلاة لقوله :ولا جنباً إلا عابري سبيل على أحد التأويلين في عابري سبيل، وسيأتي إن شاء الله.
ومواضع الصلاة هي المساجد لقوله صلى الله عليه وسلم : « جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم »
والجمهور على أن المراد :وأنتم سكارى من الخمر.
وقال الضحاك :المراد السكر من النوم، لقوله صلى الله عليه وسلم : « إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإنه لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه » وقال عبيدة السلماني :المراد بقوله وأنتم سكارى إذا كنتم حاقنين، لقوله عليه السلام : « لا يصلين أحدكم وهو حاقن » وفي رواية : « وهو ضام فخذيه » واستضعف قول الضحاك وعبيدة واستبعد.
وقال القرطبي :قولهما صحيح المعنى، لأن المطلوب من المصلي الإقبال على عبادة الله تعالى بقلبه وقالبه، بصرف الأسباب التي تشوّش عليه وتقل خشوعه من :نوم، وحقنة، وجوع، وغيره مما يشغل البال.
وظاهر الآية يدل على النهي عن قربان الصلاة في حالة السكر.
وقيل :المراد النهي عن السكر، لأن الصلاة قد فرضت عليهم وأوقات السكر ليست محفوظة عندهم ولا بمقدرة، لأن السكر قد يقع تارة بالقليل وتارة بالكثير، وإذا لم يتحرر وقت ذلك عندهم تركوا الشرب احتياطاً لأداء ما فرض عليهم من الصلوات.
وأيضاً فالسكر يختلف باختلاف أمزجة الشاربين، فمنهم من سكره الكثير، ومنهم من سكره القليل.
وقرأ الجمهور :سكارى بضم السين.
واختلفوا :أهو جمع تكسير ؟ أم اسم جمع ؟ ومذهب سيبويه أنه جمع تكسير.
قال سيبويه في حد تكسير الصفات :وقد يكسرون بعض هذا على فعالى، وذلك قول بعضهم :سكارى وعجالى.
قال الزمخشري :وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر، والاستدلال بالمشاهد المحسوس، حتى يتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه، فيحكم اعتقاده والتيقن.
والمشبه بالعروة الإيمان، قاله :مجاهد.
أو :الإسلام قاله السدّي أو :لا إله إلا الله، قاله ابن عباس، وابن جبير، والضحاك، أو :القرآن، قاله السدّي أيضاً، أو :السنة، أو :التوفيق.
أو :العهد الوثيق.
أو :السبب الموصل إلى رضا الله وهذه أقوال متقاربه.
﴿ لا انفصام لها ﴾ لا انكسار لها ولا انقطاع، قال الفراء :الانفصام والانقصام هما لغتان، وبالفاء أفصح، وفرق بعضهم بينهما، فقال :الفصم انكسار بغير بينونة، والقصم انكسار ببينونة.
وهذه الجملة في موضع نصب على الحال من العروة، وقيل :من الضمير المستكن في الوثقى، ويجوز أن يكون خبراً مستأنفاً من الله عن العروة، و :لها، في موضع الخبر، فتتعلق بمحذوف أي :كائن لها.
﴿ والله سميع عليم ﴾ أتى بهذين الوصفين لأن الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده الجنان، فناسب هذا ذكر هذين الوصفين لأن الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، وقيل :سميع لدعائك يا محمد، عليم بحرصك واجتهادك.
﴿ ألله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ﴾ الولي، هنا الناصر والمعين أو المحب أو متولى أمورهم، ومعنى :آمنوا، أرادوا أن يؤمنوا، والظلمات :هنا الكفر، والنور الإيمان، قاله قتادة، والضحاك، والربيع.
قيل :وجمعت الظلمات لاختلاف الضلالات، ووحد النور لأن الإيمان واحد.
والإخراج هنا إن كان حقيقة فيكون مختصاً بمن كان كافراً ثم آمن، وإن كان مجازاً فهو مجاز عن منع الله إياهم من دخولهم في الظلمات.
قال الحسن :معنى يخرجهم يمنعهم، وإن لم يدخلوا، والمعنى أنه لو خلا عن توفيق الله لوقع في الظلمات، فصار توفيقه سبباً لدفع تلك الظلمة، قالوا :ومثل هذه الاستعارة شائع سائغ في كلامهم، كما قال طفيل الغنوي :
فإن تكنِ الأيام أحسنَّ مرة ***
إليّ فقد عادت لهنّ ذنوب
قال الواقدي :كل شيء في القرآن من الظلمات والنور فإنه أراد به الكفر والإيمان غير التي في الأنعام، وهو : ﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ فإنه أراد به الليل والنهار.
وقال الواسطي :يخرجهم من ظلمات نفوسهم إلى آدابها :كالرضا والصدق والتوكل والمعرفة والمحبة.
وقال أبو عثمان :يخرجهم من ظلمات الوحشة والفرقة إلى نور الوصلة والإلفة.
وقال الزمخشري :آمنوا أرادوا أن يؤمنوا، تلطف بهم حتى يخرجهم بلطفه وتأييده من الكفر إلى الإيمان، أو :الله ولي المؤمنين يخرجهم من الشبه في الدين إن وقعت لهم، بما يهديهم ويوفقهم لها من حلها، حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين.
وحكى عن مالك نحوه.
قيل :وفي الآية دلالة على أن الشرب كان مباحاً في أول الإسلام حتى ينتهي بصاحبه إلى السكر.
وقال القفال :يحتمل أنه كان أبيح لهم من الشراب ما يحرك الطبع إلى السخاء والشجاعة والحمية، وأما ما يزيل العقل حتى يصير صاحبه في حالة الجنون والإغماء فما أبيح قصده، بل لو أنفق من غير قصد كان مرفوعاً عن صاحبه.
﴿ ولا جنباً ﴾ هذه حالة معطوفة على قوله :وأنتم سكارى.
إذ هي جملة حالية، والجملة الاسمية أبلغ لتكرار الضمير، فالتقييد بها أبلغ في الانتفاء منها من التقييد بالمفرد الذي هو :ولا جنباً.
ودخول لا دالٌ على مراعاة كل قيد منهما بانفراده.
وإذا كان النهي عن إيقاع الصلاة مصاحبة لكل حال منهما بانفراده، فالنهي عن إيقاعها بهما مجتمعين، وأدخل في الحظر.
والجنب :هو غير الصحابة :لا غسل إلا على من أنزل، وبه قال الأعمش وداود.
وهي مسألة تذكر أدلتها في علم الفقه.
والجنب من الجنابة وهي البعد، كأنه جانب الطهر، أو من الجنب كأنه ضاجع ومس بجنبه.
قال الزمخشري :الجنب يستوي فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب انتهى.
والذي ذكره هو المشهور في اللغة والفصيح، وبه جاء القرآن.
وقد جمعوه جمع سلامة بالواو وإلنون قالوا :قوم جنبون، وجمع تكسير قالوا :قوم أجناب.
وأما تثنيته فقالوا :جنبان.
﴿ إلا عابري سبيل ﴾ العبور :الخطور والجواز، ومنه ناقة عير الهواجر وعبر أسفار قال :
عيرانه سرح اليدين شمله *** عبر الهواجر كالهجف الخاضب
وعابر السبيل هو المارّ في المسجد من غير لبث فيه، وهو مذهب الشافعي قال :يمرّ فيه ولا يقعد فيه.
وقال الليث :لا يمرّ فيه إلا إن كان بابه إلى المسجد.
وقال أحمد وإسحاق :إذا توضأ الجنب فلا بأس به أن يقعد في المسجد.
وقال الزمخشري :من فسر الصلاة بالمسجد قال :معناه لا تقربوا المسجد جنباً إلا مجتازين فيه، إذا كان الطريق فيه إلى الماء، أو كان الماء فيه، أو احتلمتم فيه.
وقيل :إنّ رجالاً من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد فتصيبهم الجنابة ولا يجدون ممرّاً إلا في المسجد، فرخص لهم.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم :« لم يأذن لأحد أن يجلس في المسجد أن يمرّ فيه وهو جنب، إلا لعلي.
لأنه بيته كان في المسجد » وقال عليّ وابن عباس أيضاً وابن جبير ومجاهد والحكم وغيرهم :عابر السبيل المسافر، فلا يصح لأحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال، إلا المسافر فإنه يتيمم وهو مذهب أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، وزفر، قالوا :لا يدخل المسجد إلا الطاهر سواء أراد القعود فيه أم الاجتياز، وهو قول :مالك والثوري وجماعة.
ورجح هذا القول بأن قوله :لا تقربوا الصلاة يبقى على ظاهره، وحقيقته بخلاف تأويل مواضع الصلاة فإنه مجاز، ولا يعدل إليه إلا بعد تعذر حمل الكلام على حقيقته.
وليس في المسجد قول مشروط يمنع من دخوله لتعذره عليه عند السكر، وفي الصلاة قراءة مشروطة يمنع لأجل تعذر إقامتها من فعل الصلاة.
وسمي المسافر عابر سبيل لأنه على الطريق، كما سمي ابن السبيل.
وأفاد الكلام معنيين :أحدهما :جواز التيمم للجنب إذا لم يجد الماء والصلاة به.
والثاني :أن التيمم لا يرفع الجنابة، لأنه سماه جنباً مع كونه متيمماً.
وعلى هذا المعنى فسر الزمخشري الآية أ
﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ قال قتادة :نزلت في اليهود.
وفي رواية عن ابن عباس :في رفاعة بن زيد بن التابوت.
وقيل :في غيره من اليهود.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر شيئاً من أحوال الآخرة، وأن الكفار إذ ذاك يودون لو تسوّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً، وجاءت هذه الآية بعد ذلك كالاعتراض بين ذكر أحوال الكفار في الآخرة، وذكر أحوالهم في الدنيا وما هم عليه من معاداة المؤمنين، وكيف يعاملون رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يأتي شهيداً عليهم وعلى غيرهم.
ولما كان اليهود أشد إنكاراً للحق، وأبعد من قبول الخير.
وكان قد تقدّم أيضاً الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون، وهم أشد الناس تحلياً بهذين الوصفين، أخذ يذكرهم بخصوصيتهم.
وتقدم تفسير ألم تر إلى الذين في قوله تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ﴾ فأغنى عن إعادته.
والنصيب :الحظ.
ومن الكتاب :يحتمل أن يتعلق بأوتوا، ويحتمل أن يكون في موضع الصفة لنصيباً.
وظاهر لفظ الذين أوتوا، يشمل اليهود والنصارى، ويكون الكتاب عبارة عن التوراة والإنجيل.
وقيل :الكتاب هنا التوراة، والنصيب قيل :بعض علم التوراة، لا العمل بما فيها.
وقيل :علم ما هو حجة عليهم منه فحسب.
وقيل :كفرهم به.
وقيل :علم نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم.
﴿ يشترون الضلالة ﴾ المعنى :يشترون الضلالة بالهدى، كما قال : ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ﴾
قال ابن عباس :استبدلوا الضلالة بالإيمان.
وقال مقاتل :استبدلوا التكذيب بالنبي بعد ظهوره بإيمانهم به قبل ظهوره واستنصارهم به انتهى.
ودل لفظ الاشتراء على إيثار الضلالة على الهدى، فصار ذلك بغياً شديداً عليهم، وتوبيخاً فاضحاً لهم، حيث هم عندهم حظ من علم التوراة والإنجيل، ومع ذلك آثروا الكفر على الإيمان.
وكتابهم طافح بوجوب اتباع النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل.
وقيل :اشتراء الضلالة هنا هو ما كانوا يبذلون من أموالهم لأحبارهم على تثبيت دينهم قاله :الزجاج.
﴿ ويريدون أن تضلوا السبيل ﴾ أي :لم يكفهم أن ضلوا في أنفسهم حتى تعلقت آمالهم بضلالكم أنتم أيها المؤمنون عن سبيل الحق، لأنهم لما علموا أنهم قد خرجوا من الحق إلى الباطل كرهوا أن يكون المؤمنون مختصين باتباع الحق، فأرادوا أن يضلوا كما ضلوا هم كما قال تعالى : ﴿ ودُّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ﴾ وقرأ النخعي :وتريدون بالتاء باثنتين من فوق، قيل :معناه وتريدون أيها المؤمنون أن تضلوا السبيل أي :تدعون الصواب في اجتنابهم، وتحسبونهم غير أعداء الله.
وقرئ :أن يضلوا بالياء وفتح الضاد وكسرها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبلاغة والبديع.
قالوا :التجوز بإطلاق الشيء على ما يقاربه في المعنى في قوله :إن الله لا يظلم، أطلق الظلم على انتقاص الأجر من حيث أن نقصه عن الموعود به قريب في المعنى من الظلم.
والتنبيه بما هو أدنى على ما هو أعلى في قوله :مثقال ذرة.
والإبهام في قوله :يضاعفها، إذ لم يبين فيه المضاعفة في الأجر.
والسؤال عن المعلوم لتوبيخ السامع، أو تقريره لنفسه في :فكيف إذا جئنا.
والعدول من بناء إلى بناء لمعنى في :بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً.
والتجنيس المماثل في :وجئنا وفي :وجئنا وفي :بشهيد وشهيداً.
والتجنيس المغاير :في واسمع غير مسمع.
والتجوز بإطلاق المحل على الحال فيه في :من الغائط.
والكناية في :أو لامستم النساء.
والتقديم والتأخير في :إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا إلى قوله :فتيمموا.
والاستفهام المراد به التعجب في :ألم تر.
والاستعارة في :يشترون الضلالة.
والطباق في :هذا أي بالهدى، والطباق الظاهر في :وعصينا وأطعنا.
والتكرار في :وكفى بالله ولياً، وكفى بالله، وفي سمعنا وسمعنا.
والحذف في عدة مواضع.

﴿ والله أعلم بأعدائكم ﴾ فيه تنبيه على الوصف المنافي لوداد الخير للمؤمنين وهي العداوة.
وفيه إشارة إلى التحذير منهم، وتوبيخ على الاستنامة إليهم والركون، والمعنى :أنه تعالى قد أخبر بعداوتهم للمؤمنين، فيجب حذرهم كما قال تعالى : ﴿ هم العدو فاحذرهم ﴾ واعلم على بابها من التفضيل، أي :أعلم بأعدائكم منكم.
وقيل :بمعنى عليم، أي عليم بأعدائكم.
﴿ وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً ﴾ ومن كان الله وليه ونصيره فلا يبالي بالأعداء، فثقوا بولايته ونصرته دونهم أو لا تبالوا بهم، فإنه ينصركم عليهم، ويكفيكم مكرهم.
وقيل :المعنى ولياً لرسوله، نصيراً لدينه.
والباء في بالله زائدة ويجوز حذفها كما قال :سحيم :
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا *** وزيادتها في فاعل كفى وفاعل يكفي مطردة كما قال تعالى : ﴿ أو لم يكف بربك إنه على كل شيء شهيد ﴾ وقال الزجاج :دخلت الباء في الفاعل، لأن معنى الكلام الأمر أي :اكتفوا بالله.
وكلام الزجاج مشعر أن الباء ليست بزائدة، ولا يصح ما قال من المعنى، لأن الأمر يقتضي أن يكون فاعله هم المخاطبون، ويكون بالله متعلقاً به.
وكون الباء دخلت في الفاعل يقتضي أن يكون الفاعل هو الله لا المخاطبون، فتناقض قوله.
وقال ابن السراج :معناه كفى الاكتفاء بالله، وهذا أيضاً يدل على أن الباء ليست زائدة إذ تتعلق بالاكتفاء، فالاكتفاء هو الفاعل لكفى.
وهذا أيضاً لا يصح لأنّ فيه حذف المصدر وهو موصول، وإبقاء معموله وهو لا يجوز إلا في الشعر نحو قوله :
هل تذكرنّ إلى الدّيرين هجرتكم ومسحكم صلبكم رحمان قربانا
التقدير :وقولكم يا رحمن قرباناً.
وقال ابن عطية :بالله في موضع رفع بتقدير زيادة الخافض، وفائدة زيادته تبيين معنى الأمر في صورة الخبر، أي :اكتفوا بالله، فالباء تدل على المراد من ذلك.
وهذا الذي قاله ابن عطية ملفق بعضه من كلام الزجاج، وهو أفسد من قول الزجاج، لأنه زاد على تناقض اختلاف الفاعل تناقض اختلاف معنى الحرف، إذ بالنسبة لكون الله فاعلاً هو زائد، وبالنسبة إلى أن معناه اكتفوا بالله هو غير زائد.
وقال ابن عيسى :إنما دخلت الباء في كفى بالله لأنه كان يتصل الفاعل وبدخول الباء اتصل اتصال المضاف واتصال الفاعل، لأن الكفارية منه ليست كالكفاية من غيره، فضوعف لفظها لمضاعفة معناها، وهو كلام يحتاج إلى تأويل.
وقد تقدم الكلام على كفى بالله في قوله : ﴿ فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيباً ﴾ لكن تكرر هنا لما تضمن من مزيد :نقول :ورد بعضها.
وانتصاب ولياً ونصيراً قيل :على الحال.
وقيل :على التمييز، وهو أجود لجواز دخول من.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبلاغة والبديع.
قالوا :التجوز بإطلاق الشيء على ما يقاربه في المعنى في قوله :إن الله لا يظلم، أطلق الظلم على انتقاص الأجر من حيث أن نقصه عن الموعود به قريب في المعنى من الظلم.
والتنبيه بما هو أدنى على ما هو أعلى في قوله :مثقال ذرة.
والإبهام في قوله :يضاعفها، إذ لم يبين فيه المضاعفة في الأجر.
والسؤال عن المعلوم لتوبيخ السامع، أو تقريره لنفسه في :فكيف إذا جئنا.
والعدول من بناء إلى بناء لمعنى في :بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً.
والتجنيس المماثل في :وجئنا وفي :وجئنا وفي :بشهيد وشهيداً.
والتجنيس المغاير :في واسمع غير مسمع.
والتجوز بإطلاق المحل على الحال فيه في :من الغائط.
والكناية في :أو لامستم النساء.
والتقديم والتأخير في :إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا إلى قوله :فتيمموا.
والاستفهام المراد به التعجب في :ألم تر.
والاستعارة في :يشترون الضلالة.
والطباق في :هذا أي بالهدى، والطباق الظاهر في :وعصينا وأطعنا.
والتكرار في :وكفى بالله ولياً، وكفى بالله، وفي سمعنا وسمعنا.
والحذف في عدة مواضع.

﴿ من الذين هادوا يحرّفون الكلم عن مواضعه ﴾ ظاهره الانقطاع في الإعراب عن ما قبله، فيكون على حذف موصوف هو مبتدأ، ومن الذين خبره، والتقدير :من الذين خبره، والتقدير :من الذين هادوا قوم يحرّفون الكلم، وهذا مذهب سيبويه، وأبي عليّ، وحذف الموصوف بعد من جائز وإن كانت الصفة فعلاً كقولهم :منا ظعن، ومنا أقام أي :منا نفر ظعن، ومنا نفر أقام.
وقال الشاعر :
وما الدهر إلا تارتان فمنهما أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
يريد :فمنهما تارة أموت فيها.
وخرّجه الفرّاء على إضمار من الموصولة أي :من الذين هادوا من يحرفون الكلم، وهذا عند البصريين لا يجوز.
وتأولوا ما جاء مما يشبه هذا على أنه من حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، قال الفرّاء :ومثله قول ذي الرّمة :
فظلوا ومنهم دمعه سابق لها وآخر يثني دمعة العين باليد
وهذا لا يتعين أن يكون المحذوف موصولاً، بل يترجح أن يكون موصوفاً لعطف النكرة عليه وهو آخر، إذ يكون التقدير :فظلوا ومنهم عاشق دمعه سابق لها.
وقيل :هو على إضمار مبتدأ التقدير :هم من الذين هادوا، ويحرفون حال من ضمير هادوا، ومن الذين هادوا متعلق بما قبله، فقيل :بنصيراً أي نصيراً من الذين هادوا، وعداه بمن كما عداه في : ﴿ ونصرناه من القوم ﴾ و ﴿ فمن ينصرنا من بأس الله ﴾ أي ومنعناه وفمن يمنعنا.
وقيل :من الذين هادوا بيان لقوله :بأعدائكم، وما بينهما اعتراض.
وقيل :حال من الفاعل في يريدون قاله أبو البقاء.
قال :ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير في أوتوا لأن شيئاً واحداً لا يكون له أكثر من حال واحدة، إلا أن يعطف بعض الأحوال على بعض، ولا يكون حالاً من الذين لهذا المعنى انتهى.
وما ذكره من أن ذا الحال إذا لم يكن متعدداً لا يقتضي أكثر من حال واحدة، مسئلة خلاف فمن النحويين من أجاز ذلك.
وقيل :من الذين هادوا بيان ﴿ للذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ لأنهم يهود ونصارى، وقوله : ﴿ والله أعلم بأعدائكم ﴾ ﴿ وكفى بالله ولياً ﴾ ﴿ وكفى بالله نصيراً ﴾ جمل توسطت بين البيان والمبين على سبيل الاعتراض قاله الزمخشري، وبدأ به.
ويضعفه أن هذه جمل ثلاث، وإذا كان الفارسي قد منع أن يعترض بجملتين، فأحرى أن يمنع أن يعترض بثلاث.
يحرفون الكلم أي :كلم التوراة، وهو قول الجمهور.
أو كلم القرآن وهو قول طائفة، أو كلم الرسول صلى الله عليه وسلم وهو قول ابن عباس.
قال :كان اليهود يأتون النبي صلى الله عليه وسلم ويسألونه عن الأمر فيخبرهم، ويرى أنهم يأخذون بقوله، فإذا انصرفوا من عنده حرفوا الكلام.
وكذا قال مكي :إنه كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
فتحريف كلم التوراة بتغيير اللفظ، وهو الأقل لتحريفهم أسمر ربعة في صفته عليه السلام بآدم طوال مكانه، وتحريفهم الرجم بالحديد له، وبتغيير التأويل، وهو الأكثر قاله الطبري.
وكانوا يتأوّلون التوراة بغير التأويل الذي تقتضيه معاني ألفاظها الأمور يختارونها ويتوصلون بها إلى أموال سفلتهم، وأن التحريف في كلم القرآن أو كلم الرسول فلا يكون إلا في التأويل.
وقرئ :يحرّفون الكلم بكسر الكاف وسكون اللام، جمع كلمة تخفيف كلمة.
وقرأ النخعي وأبو رجاء :يحرفون الكلام، وجاء هنا عن مواضعه.
وفي المائدة جاء : ﴿ عَن مواضعه ﴾ وجاء ﴿ من بعد مواضعه ﴾
قال الزمخشري :أما عن مواضعه فعلى ما فسرنا من إزالته عن مواضعه التي أوجبت حكمة الله وضعه فيها بما اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه.
وأما من بعد مواضعه :فالمعنى أنه كانت له مواضع هو قمن بأن يكون فيها، فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقاره، والمعنيان متقاربان انتهى.
والذي يظهر أنهما سياقان، فحيث وصفوا بشدة التمرد والطغيان، وإظهار العداوة، واشترائهم الضلالة، ونقض الميثاق، جاء يحرفون الكلم عن مواضعه.
ألا ترى إلى قوله : ﴿ ويقولون سمعنا وعصينا ﴾ وقوله : ﴿ فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ فكأنهم لم يتركوا الكلم من التحريف عن ما يراد بها، ولم تستقر في مواضعها، فيكون التحريف بعد استقرارها، بل بادروا إلى تحريفها بأول وهلة.
وحيث وصفوا ببعض لين وترديد وتحكيم للرسول في بعض الأمر، جاء من بعد مواضعه.
ألا ترى إلى قوله : ﴿ يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ﴾ وقوله بعد : ﴿ فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ﴾ فكأنهم لم يبادروا بالتحريف، بل عرض لهم التحريف بعد استقرار الكلم في مواضعها.
وقد يقال :أنهما شيئان، لكنه حذف هنا.
وفي أول المائدة :من بعد مواضعه، لأن قوله :عن مواضعه يدل على استقرار مواضع له، وحذف في ثاني المائدة عن مواضعه.
لأن التحريف من بعد مواضعه يدل على أنه تحريف عن مواضعه، فالأصل يحرفون الكلم من بعد مواضعه.
فحذف هنا البعدية، وهناك حذف عنها.
كل ذلك توسع في العبارة، وكانت البداءة هنا بقوله :عن مواضعه، لأنه أخضر.
وفيه تنصيص باللفظ على عن، وعلى المواضع، وإشارة إلى البعدية.
﴿ ويقولون سمعنا وعصينا ﴾ أي :سمعنا قولك، وعصينا أمرك، أو سمعناه جهراً، وعصيناه سراً قولان.
والظاهر أنهم شافهوا بالجملتين النبي صلى الله عليه وسلم مبالغة منهم في عتوهم في الكفر، وجرياً على عادتهم مع الأنبياء.
ألا ترى إلى قوله : ﴿ خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا ﴾
﴿ واسمع غير مسمع ﴾ هذا الكلام غير موجه، ويحتمل وجوهاً.
والظاهر أنهم أرادوا به الوجه المكروه لسياق ما قبله من قوله :سمعنا وعصينا، فيكون معناه :اسمع لا سمعت.
دعوا عليه بالموت أو بالصمم، وأرادوا ذلك في الباطن، وأرادوا في الظاهر تعظيمه بذلك.
إذ يحتمل أن يكون المعنى :واسمع غير مأمور وغير صالح أن تسمع مأموراً بذلك.
وقال الزمخشري :أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه ومعناه :غير مسمع جواباً يوافقك، فكأنك لم تسمع شيئاً انتهى، وقاله ابن عباس.
قال الزمخشري :أو اسمع غير مسمع كلاماً ترضاه، فسمعك عنه ناب.
ويجوز على هذا أن يكون غير مسمع مفعول اسمع، أي :اسمع كلاماً غير مسمع إياك، لأنّ أذنك لا تعيه نبوّا عنه.
ويحتمل المدح أي :اسمع غير مسمع مكروهاً من قولك :أسمع فلان فلاناً إذا سبه.
قال ابن عطية :ومن قال :غير مسمع غير مقبول منك، فإنه لا يساعده التصريف، وقد حكاه الطبري عن الحسن ومجاهد انتهى.
ووجه أن التصريف لا يساعد عليه هو أن العرب لا تقول أسمعتك بمعنى قبلت منك، وإنما تقول :سمعت منك بمعنى قبلت، فيعبرون عن القبول بالسماع على جهة المجاز، لا بالأسماع.
ولو أريد ما قاله الحسن ومجاهد لكان اللفظ :واسمع غير مسموع منك.
﴿ وراعنا لياً بألسنتهم وطعناً في الدين ﴾ تقدم تفسير راعنا في قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا ليّاً بألسنتهم ﴾ أي فتلاً بها.
وتحريفاً عن الحق إلى الباطل حيث يضعون راعنا مكان انظرنا، وغير مسمع مكان لا أسمعت مكروهاً.
أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقاً.
وانتصاب غير مسمع على الحال من المضمر في اسمع، وتقدم إعراب الزمخشري إياه مفعولاً في أحد التقادير، وانتصاب لياً وطعناً على المفعول من أجله.
وقيل :هما مصدران في موضع الحال أي :لاوين وطاعنين.
ومعنى :وطعناً في الدين، أي باللسان.
وطعنهم فيه إنكار نبوّته، وتغيير نعته، أو عيب أحكام شريعته، أو تجهيله.
وقولهم :لو كان نبياً لدرى أنا نسبه، أو استخفافهم واعتراضهم وتشكيكهم اتباعه أقوال أربعة.
قال ابن عطية :وهذا الليّ باللسان إلى خلاف ما في القلب موجود حتى الآن في بني إسرائيل، ويحفظ منه في عصرنا أمثلة، إلا أنه لا يليق ذكرها بهذا الكتاب انتهى.
وهو يحكي عن يهود الأندلس، وقد شاهدناهم وشاهدنا يهود ديار مصر على هذه الطريقة، وكأنهم يربون أولادهم الصغار على ذلك، ويحفظونهم ما يخاطبون به المسلمين مما ظاهره التوقير ويريدون به التحقير.
قال الزمخشري :( فإن قلت ) :كيف جاؤوا بالقول المحتمل ذي الوجهين، بعدما صرحوا وقالوا سمعنا وعصينا ؟ ( قلت ) :جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان، ولا يواجهونه بالسب ودعاء السوء، ويحتمل أن يقولوه فيما بينهم، ويجوز أن لا ينطقوا بذلك، ولكنهم لما لم يؤمنوا به جعلوا كأنهم نطقوا به.
﴿ ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيراً لهم وأقوم ﴾ أي :لو تبدّلوا بالعصيان الطاعة، ومن الطاعة الإيمان بك، واقتصروا على لفظ اسمع، وتبدلوا براعنا قولهم :وانظرنا، فعدلوا عن الألفاظ الدالة على عدم الانقياد، والموهمة إلى ما أمروا به، لكان أي :ذلك القول، خيراً لهم عند الله وأعدل أي :أقوم وأصوب.
قال عكرمة ومجاهد وغيرهما :أنظرنا أي انتظرنا بمعنى أفهمنا وتمهل علينا حتى نفهم عنك ونعي قولك، كما قال الحطيئة :
وقد نظرتكم أثناء صادرة للخمس طال بها مسحى وابساسي
وقالت فرقة :معناه انظر إلينا، وكأنه استدعاء اهتبال وتحف منهم.
ومنه قول ابن قيس الرقيات :
ظاهرات الجمال والحسن ينظرن كما تنظر الأراك الظباء *** وقرأ أبي :وأنظرنا من الإنظار وهو الإمهال.
قال الزمخشري :المعنى ولو ثبت قولهم سمعنا وأطعنا لكان قولهم ذلك خيراً لهم وأقوم وأعدل وأسد انتهى.
فسبك من أنهم قالوا مصدراً مرتفعاً بثبت على الفاعلية، وهذا مذهب المبرد خلافاً لسيبويه.
إذ يرى سيبويه أنّ أن بعد لو مع ما عملت فيه مقدر باسم مبتدأ، وهل الخبر محذوف، أم لا يحتاج إلى تقدير خبر لجريان المسند والمسند إليه في صلة أن ؟ قولان أصحهما هذا.
فالزمخشري وافق مذهب المبرد، وهو مذهب مرجوح في علم النحو.
﴿ ولكنْ لعنهم الله بكفرهم ﴾ أي :أبعدهم الله عن الهدى بسبب كفرهم السابق.
وقال الزمخشري :أي خذلهم بسبب كفرهم وأبعدهم عن ألطافه انتهى.
وهذا على طريقة الاعتزالي.
﴿ فلا يؤمنون إلا قليلاً ﴾ استثناء من ضمير المفعول في لعنهم أي :إلا قليلاً لم يلعنهم فآمنوا، أو استثناء من الفاعل في :فلا يؤمنون، أي :إلا قليلاً فآمنوا كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، وغيرهما.
أو هو راجع إلى المصدر المفهوم من قوله :فلا يؤمنون أي :إلا إيماناً قليلاً قلله إذ آمنوا بالتوحيد، وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبشرائعه.
وقال الزمخشري :إلا إيماناً قليلاً أي :ضعيفاً ركيكاً لا يعبأ به، وهو إيمانهم بمن خلقهم مع كفرهم بغيره.
وأراد بالقلة العدم كقوله :قليل التشكي للهموم تصيبه.
أي عديم التشكي.
وقال ابن عطية :من عبر بالقلة عن الإيمان قال :هي عبارة عن عدمه ما حكى سيبويه من قولهم :أرض قلما تنبت كذا، وهي لا تنبته جملة.
وهذا الذي ذكره الزمخشري وابن عطية من أن التقليل يراد به العدم هو صحيح في نفسه، لكن ليس هذا التركيب الاستثنائي من تراكيبه.
فإذا قلت :لا أقوم إلا قليلاً، لم يوضع هذا لانتقاء القيام ألبتة، بل هذا يدل على انتفاء القيام منك إلا قليلاً فيوجد منك.
وإذا قلت :قلما يقوم أحد إلا زيد، وأقل رجل يقول ذلك احتمل هذا، أن يراد به التقليل المقابل للتكثي
طمس :متعد ولازم.
تقول :طمس المطر الأعلام أي محا آثارها، وطمست الأعلام درست، وطمس الطريق درس وعفت أعلامه قاله :أبو زيد.
ومن المتعدّي : ﴿ وإذا النجوم طمست ﴾ أي استؤصلت.
وقال ابن عرفة في قوله :اطمس على أموالهم أي أذهبها كلية، وأعمى مطموس أي :مسدود العينين.
وقال كعب :
من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت عرضتها طامس الأعلام مجهول
والطمس والطسم والطلس والدرس كلها متقاربة في المعنى.
فقيل :هو الخيط الذي في شق نواة التمرة.
وقيل :ما خرج من الوسخ من بين كفيك وأصبعيك إذا فتلتهما.
﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم ﴾ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبار اليهود منهم عبد الله بن صوريا إلى الإسلام وقال لهم : « إنكم لتعلمون أن الذي جئت به حق » فقالوا :ما نعرف ذلك، فنزلت.
قاله ابن عباس.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه تعالى لما رجاهم بقوله : ﴿ ولو أنهم قالوا ﴾ الآية.
خاطب من يرجى إيمانه منهم بالأمر بالإيمان، وقرن بالوعيد البالغ على تركه ليكون أدعى لهم إلى الإيمان والتصديق به، ثم أزال خوفهم من سوء الكبائر السابقة بقوله : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ الآية.
وأعلمهم أن تزكيتهم أنفسهم بما لم يزكهم به الله لا ينفع.
والذين أوتوا الكتاب هنا اليهود، والكتاب التوراة قاله :الجمهور، أو اليهود والنصارى قاله :الماوردي وابن عطية.
والكتاب التوراة والإنجيل، وبما نزلنا هو القرآن بلا خلاف، ولما معكم من شرع وملة لا لما معهم من مبدل ومغير من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدباها.
قرأ الجمهور :نطمس بكسر الميم.
وقرأ أبو رجاء :بضمها.
وهما لغتان، والظاهر أن يراد بالوجوه مدلولها الحقيقي، وأما طمسها فقال ابن عباس وعطية العوفي :هو أن تزال العينان خاصة منها وترد في القفا، فيكون ذلك رداً على الدبر ويمشي القهقرى.
وعلى هذا يكون ذلك على حذف مضاف أي :من قبل أن نطمس عيون وجوه، ولا يراد بذلك مطلق وجوه، بل المعنى وجوهكم.
وقالت طائفة :طمس الوجوه أن يعفى آثار الحواس منها فترجع كسائر الأعضاء في الخلو من آثار الحواس منها، والرد على الإدبار هو بالمعنى أي :خلوه من الحواس.
دثر الوجه لكونه عابراً بها، وحسن هذا القول الزمخشري وجوزه وأوضحه، فقال :إن نطمس وجوهاً أي نمحو تخطيط صورها من عين وحاجب وأنف وفم، فنردها على أدبارها، فنجعلها على هيئة أدبارها وهي الإقفاء مطموسة مثلها.
والفاء للتسبيب، وإن جعلتها للتعقيب على أنهم توعدوا بالعقابين أحدهما عقيب الآخر ردها على أدبارها بعد طمسها، فالمعنى :أن نطمس وجوهاً فننكسها الوجوه إلى خلف، والإقفاء إلى قدام انتهى.
والطمس بمعنى المحو الذي ذكره مروي عن ابن عباس، واختاره القتبي.
وقال قتادة والضحاك :معناه نعمي أعينها.
وذكر الوجوه وأراد العيون، لأن الطمس من نعوت العين.
قال تعالى : ﴿ فطمسنا أعينهم ﴾ ويروى هذا أيضاً عن ابن عباس.
وقال الفراء :طمس الوجوه جعلها منابت للشعر كوجوه القردة.
وقيل :ردها إلى صورة بشيعة كوجوه الخنازير والقردة.
وقال مجاهد والسدّي والحسن.
ذلك تجوز، والمراد وجوه الهدى والرشد، وطمسها حتم الإضلال والصد عنها، والرد على الإدبار التصيير إلى الكفر.
وقال ابن زيد :الوجوه هي أوطانهم وسكناهم في بلادهم التي خرجوا إليها، وطمسها إخراجهم منها.
والرد على الإدبار رجوعهم إلى الشام من حيث أتوا أولاً.
وحسّن الزمخشري هذا القول، فقال :ووجه آخر وهو أن يراد بالطمس القلب والتغيير، كما طمس أموال القبط فقلبها حجارة، وبالوجوه رؤوسهم ووجهاؤهم أي :من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم، وتكسوها صغارهم وأدبارهم، أو نردهم إلى حيث جاؤا منه.
وهي أذرعات الشام، يريد إجلاء بني النضير انتهى.
﴿ أو نلعنهم ﴾ هو معطوف على قوله :أن نطمس.
وظاهر اللعنة هو المتعارف كما في قوله : ﴿ من لعنه الله وغضب عليه ﴾ وقال الحسن :معناه نمسخهم كما مسخنا أصحاب السبت.
وقال ابن عطية :هم أصحاب ايلة الذين اعتدوا في السبت بالصيد، وكانت لعنتهم إن مسخوا خنازير وقردة.
وقيل :معناه نهيمهم في التيه حتى يموت أكثرهم.
وظاهر قوله :من قبل أن نطمس أو نلعن، أنَّ ذلك يكون في الدنيا.
ولذلك روي أنَّ عبد الله بن سلام لما سمع هذه الآية جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله ويده على وجهه فأسلم وقال :يا رسول الله ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يحول وجهي في قفاي.
وقال مالك :كان إسلام كعب الأحبار أنه مر برجل من الليل وهو يقرأ هذه الآية، فوضع كفه على وجهه ورجع القهقرى إلى بيته فأسلم مكانه، وقال :والله لقد خفت أن لا أبلغ بيتي حتى يطمس وجهي.
وقيل :الطمس المسخ لليهود قبل يوم القيامة ولا بد.
وقيل :المراد أنه يحل بهم في القيامة، فيكون ذلك أنكى لهم لفضيحتهم بين الأوّلين والآخرين، ويكون ذلك أول ما عجل لهم من العذاب.
وهذا إذا حمل طمس الوجوه على الحقيقة، وإمّا إن أريد بذلك تغيير أحوال وجهائهم أو وجوه الهدى والرشد، فقد وقع ذلك.
وإن كان الطمس غير ذلك فقد حصل اللعن، فإ نهم ملعونون بكل لسان.
وتعليق الإيمان بقبلية أحد أمرين لا يلزم منه وقوعهما، بل متى وقع أحدهما صح التعليق، ولا يلزم من ذلك تعيين أحدهما.
وقيل :الوعيد مشروط بالإيمان، وقد آمن منهم ناس.
ومن قبل :متعلق بآمنوا، وعلى أدبارها متعلق بفنردها.
وقال أبو البقاء :على أدبارها حال من ضمير الوجوه، والضمير المنصوب في نلعنهم.
قيل :عائد على الوجوه إن أريد به الوجهاء، أو عائد على أصحاب الوجوه، لأن المعنى :من قبل أن نطمس وجوه قوم، أو على الذين أوتوا الكتاب على طريق الالتفات، وهذا عندي أحسن.
ومحسن هذا الالتفات هو أنه تعالى لما ناداهم كان ذلك تشريفاً لهم، وهز السماع ما يلقيه إليهم، ثم ألقى إليهم الأمر بالإيمان بما نزل، ثم ذكر أنّ الذي نزل هو مصدق لما معهم من كتاب، فكان ذلك أدعى إلى الإيمان، ثم ذكر هذا الوعيد البالغ فحذف المضاف إليه من قوله :من قبل أن نطمس وجوهاً والمعنى :وجوهكم، ثم عطف عليه قوله :أو نلعنهم، فأتى بضمير الغيبة، لأن الخطاب حين كان الوعيد بطمس الوجوه وباللعنة ليس لهم ليبقى التأنيس والهم والاستدعاء إلى الإيمان غير مشوب بمفاجأة الخطاب الذي يوحش السامع ويروع القلب ويصير أدعى إلى عدم القبول، وهذا من جليل المخاطبة.
وبديع المحاورة.
﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ الأمر هنا واحد الأمور، واكتفى به لأنه دال على الجنس، وهو عبارة عن المخلوقات :كالعذاب، واللعنة، والمغفرة.
وقيل :المراد به المأمور، مصدر وقع موقع المفعول، والمعنى :الذي أراده أوجده.
وقيل :معناه أنَّ كل أمر أخر تكوينه فهو كائن لا محالة والمعنى :أنه تعالى لا يتعذر عليه شيء يريد أن يفعله.
وقال :وكان إخباراً عن جريان عادة الله في تهديده الأمم السالفة، وأنَّ ذلك واقع لا محالة، فاحترزوا وكونوا على حذر من هذا الوعيد.
ولذلك قال الزمخشري :ولا بد أن يقع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا يعني :الطمس واللعنة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة أنواعاً من الفصاحة والبيان والبديع.
الاستفهام الذي يراد به التعجب في :ألم تر في الموضعين.
والخطاب العام ويراد به الخاص في :يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا وهو دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ابن صوريا وكعباً وغيرهما من الأحبار إلى الإيمان حسب ما في سبب النزول.
والاستعارة في قوله :من قبل أن نطمس وجوهاً، في قول من قال :هو الصرف عن الحق، وفي :ليذوقوا العذاب، أطلق اسم الذوق الذي هو مختص بحاسة اللسان وسقف الحلق على وصول الألم للقلب.
والطباق في :فنردّها على أدبارها، والوجه ضد القفا، وفي للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا، وفي :إن الذين كفروا والذين آمنوا، وفي :من آمن ومن صدّ، وهذا طباق معنوي.
والاستطراد في :أو نلعنهم كما لعن أصحاب السبت.
والتكرار في :يغفر، وفي :لفظ الجلالة، وفي :لفظ الناس، وفي :آتينا وآتيناهم، وفي :فمنهم ومنهم، وفي :جلودهم وجلوداً، وفي :سندخلهم وندخلهم.
والتجنيس المماثل في :نلعنهم كما لعنا وفي :لا يغفر ويغفر، وفي :لعنهم الله ومن يلعن الله، وفي :لا يؤتون ما آتاهم آتينا وآتيناهم وفي :يؤمنون بالجبت وآمنوا أهدى.
والتعجب :بلفظ الأمر في قوله :انظر كيف يفترون.
وتلوين الخطاب في :يفترون أقام المضارع مقام الماضي إعلاماً أنهم مستمرون على ذلك.
والاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع في :أم لهم نصيب وفي :أم يحسدون.
والإشارة في :أولئك الذين.
والتقسيم في :فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه.
والتعريض في :فإذن لا يؤتون الناس نقيراً عرض بشدة بخلهم.
وإطلاق الجمع على الواحد في :أم يحسدون الناس إذا فسر بالرسول، وإقامة المنكر مقام المعرف لملاحظة الشيوع.
والكثرة في :سوف نصليهم ناراً.
والاختصاص في :عزيزاً حكيماً.
والحذف في :مواضع.

﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ قال ابن الكلبي :نزلت في وحشي وأصحابه، وكان جعل له على قتل حمزة رضي الله عنه أن يعتق، فلم يوف له، فقدم مكة وندم على الذي صنعه هو وأصحابه، فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم :إنا قد ندمنا على ما صنعنا، وليس يمنعنا عن الإسلام إلا أنا سمعناك تقول بمكة : ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ الآيات وقد دعونا مع الله إلهاً آخر، وقتلنا النفس التي حرم الله، وزنينا، فلولا هذه الآيات لاتبعناك، فنزلت : ﴿ إلا من تاب وآمن وعمل ﴾ الآيات، فبعث بها إليهم فكتبوا :إنَّ هذا شرط شديد نخاف أن لا نعمل عملاً صالحاً، فنزلت إن الله لا يغفر أن يشرك به الآية، فبعث بها إليهم، فبعثوا إنا نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته، فنزلت : ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ﴾ الآيات فبعث بها إليهم، فدخلوا في الإسلام، فقبل منهم ثم قال لوحشي :
« أخبرني كيف قتلت حمزة ؟ » فلما أخبره قال : « ويحك غيِّب عني وجهك » فلحق وحشي بالشام إلى أن مات.
وأجمع المسلمون على تخليد من مات كافراً في النار، وعلى تخليد من مات مؤمناً لم يذنب قط في الجنة.
فأما تائب مات على توبته فالجمهور :على أنه لاحق بالمؤمن الذي لم يذنب، وطريقة بعض المتكلمين أنه في المشيئة.
وأما مذنب مات قبل توبته فالخوارج تقول :هو مخلد في النار سواء كان صاحب كبيرة أم صاحب صغيرة.
والمرجئة تقول :هو في الجنة بإيمانه ولا تضره سيئاته.
والمعتزلة تقول :إن كان صاحب كبيرة خلد في النار.
وأما أهل السنة فيقولون :هو في المشيئة، فإن شاء غفر له وأدخله الجنة من أول وهلة، وإن شاء عذبه وأخرجه من النار وأدخله الجنة بعد مخلداً فيها.
وسبب هذا الاختلاف تعارض عمومات آيات الوعيد وآيات الوعد، فالخوارج جعلوا آيات الوعيد عامة في العصاة كافرين ومؤمنين غير تائبين.
وآيات الوعد مخصوصة في المؤمن الذي لم يذنب قط، أو المذنب التائب.
والمرجئة جعلوا آيات الوعيد مخصوصة في الكفار، وآيات الوعد مخصوصة في المؤمن تقيهم وعاصيهم.
وأهل السنة خصصوا آيات الوعيد بالكفرة، وبمن سبق في علمه أنه يعذبه من المؤمنين العصاة، وخصصوا آيات الوعد بالمؤمن الذي لم يذنب، وبالتائب، وبمن سبق في علمه العفو عنه من المؤمنين العصاة.
والمعتزلة خصصوا آيات الوعد بالمؤمن الذي لم يذنب، وبالتائب.
وآيات الوعيد بالكافر وذي الكبيرة الذي لم يتب.
وهذه الآية هي الحاكمة بالنص في موضع النزاع، وهي جلت الشك، وردّت على هذه الطوائف الثلاث.
فقوله تعالى : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾، والمعنى :أنَّ من مات مشركاً لا يغفر له، هو أصل مجمع عليه من الطوائف الأربع.
وقوله :ويغفر ما دون ذلك، راد على الخوارج وعلى المعتزلة، لأن ما دون ذلك عام تدخل فيه الكبائر والصغائر.
وقوله :لمن يشاء رادّ على المرجئة، إذ مدلوله أنَّ غفران ما دون الشرك إنما هو لقوم دون قوم على ما شاء تعالى، بخلاف ما زعموه بأن كل مؤمن مغفور له.
وأدلة هؤلاء الطوائف مذكورة في علم أصول الدين.
وقد رامت المعتزلة والمرجئة ردّ هذه الآية إلى مقالاتهما بتأويلات لا تصح، وهي منافية لما دلت عليه الآية.
قال الزمخشري :( فإن قلت ) :قد ثبت أن الله عزّ وعلا يغفر الشرك لمن تاب منه، وأنه لا يغفر ما دون الشرك من الكبائر إلا بالتوبة، فما وجه قوله :إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ؟ ( قلت ) :الوجه أن يكون الفعل المنفي والمثبت جميعاً موجهين إلى قوله :لمن يشاء كأنه قيل :إنّ الله لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك.
على أن المراد بالأول مَن لم يتب، وبالثاني مَن تاب.
ونظيره قولك :إنّ الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يستأهله انتهى كلامه.
فتأول الآية على مذهبه.
وقوله :قد ثبت أن الله عز وعلا يغفر الشرك لمن تاب عنه، هذا مجمع عليه.
وقوله :وإنه لا يغفر ما دون الشرك من الكبائر إلا بالتوبة.
فنقول له :وأين ثبت هذا ؟ وإنما يستدلون بعمومات تحتمل التخصيص، كاستدلالهم بقوله : ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً ﴾ الآية، وقد خصصها ابن عباس بالمستحل ذلك وهو كافر.
وقوله :قال :فجزاؤه إن جازاه الله.
وقال :الخلود يراد به المكث الطويل لا الديمومة لا إلى نهاية، وكلام العرب شاهد بذلك.
وقوله :إن الوجه أن يكون الفعل المنفي والمثبت جميعاً موجهين إلى قوله :لمن يشاء، إن عنى أنّ الجار يتعلق بالفعلين، فلا يصح ذلك.
وإن عنى أن يقيد الأول بالمشيئة كما قيد الثاني فهو تأويل.
والذي يفهم من كلامه أنّ الضمير الفاعل في قوله :يشاء عائد على مِنْ، لا على الله.
لأن المعنى عنده :أنّ الله لا يغفر الشرك لمن يشاء أن لا يغفر له بكونه مات على الشرك غير تائب منه، ويغفر ما دون الشرك من الكبائر لمن يشاء أن يغفر له بكونه تاب منها.
والذي يدل عليه ظاهر الكلام أنه لا قيد في الفعل الأول بالمشيئة، وإن كانت جميع الكائنات متوقفاً وجودها على مشيئته على مذهبنا.
وأنّ الفاعل في يشاء هو عائد على الله تعالى، لا على من، والمعنى :ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء أن يغفر له.
وفي قوله تعالى :لمن يشاء، ترجئة عظيمة بكون من مات على ذنب غير الشرك لانقطع عليه بالعذاب، وإن مات مصرّاً.
قال عبد الله بن عمر :كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات الرجل على كبيرة شهدنا له أنه من أهل النار، حتى نزلت هذه الآية، فأمسكنا عن الشهادات.
وفي حديث عبادة بن الصامت في آخره « ومن أصاب شيئاً من ذلك أي من المعاصي التي تقدّم ذكرها فستره عليه، فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه » أخرجه مسلم.
ويروى عن علي وغيره من الصحابة :ما في القرآن آية أحب إلينا من هذه الآية.
وفي هذه الآية دليل على أن اليهودي يسمى مشركاً في عرف الشرع، وإلا كان مغايراً للمشرك، فوجب أن يكون مغفوراً له.
ولأن اتصال هذه الآية بما قبلها إنما كان لأنها تتضمن تهديد اليهود، فاليهود داخلة تحت اسم الشرك.
فأما قوله : ﴿ إن الذين آمنوا والذين هادوا ﴾ ثم قال : ﴿ والذين أشركوا ﴾ وقوله : ﴿ ما يودّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين ﴾ ﴿ ولم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ﴾ فالمغايرة وقعت بحسب المفهوم اللغوي، والاتحاد بحسب المفهوم الشرعي.
وقد قال الزجاج :كل كافر مشرك، لأنه إذا كفر مثلاً بنبي زعم أنّ هذه الآيات التي أتى بها ليست من عند الله، فيجعل ما لا يكون إلا لله لغير الله، فيصير مشركاً بهذا المعنى.
فعلى هذا يكون التقدير :إنّ الله لا يغفر كفر من كفر به، أو بنبي من أنبيائه.
والمراد :إذ ألقى الله بذلك، لأن الإيمان يزيل عنه إطلاق الوصف بما تقدمه من الكفر بإجماع، ولقوله عليه السلام : « الإسلام يجبّ ما قبله »
﴿ ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً ﴾ أي اختلق وافتعل ما لا يمكن.
« وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم ؟ قال :» أن تجعل الله نداً وقد خلقك «
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة أنواعاً من الفصاحة والبيان والبديع.
الاستفهام الذي يراد به التعجب في :ألم تر في الموضعين.
والخطاب العام ويراد به الخاص في :يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا وهو دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ابن صوريا وكعباً وغيرهما من الأحبار إلى الإيمان حسب ما في سبب النزول.
والاستعارة في قوله :من قبل أن نطمس وجوهاً، في قول من قال :هو الصرف عن الحق، وفي :ليذوقوا العذاب، أطلق اسم الذوق الذي هو مختص بحاسة اللسان وسقف الحلق على وصول الألم للقلب.
والطباق في :فنردّها على أدبارها، والوجه ضد القفا، وفي للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا، وفي :إن الذين كفروا والذين آمنوا، وفي :من آمن ومن صدّ، وهذا طباق معنوي.
والاستطراد في :أو نلعنهم كما لعن أصحاب السبت.
والتكرار في :يغفر، وفي :لفظ الجلالة، وفي :لفظ الناس، وفي :آتينا وآتيناهم، وفي :فمنهم ومنهم، وفي :جلودهم وجلوداً، وفي :سندخلهم وندخلهم.
والتجنيس المماثل في :نلعنهم كما لعنا وفي :لا يغفر ويغفر، وفي :لعنهم الله ومن يلعن الله، وفي :لا يؤتون ما آتاهم آتينا وآتيناهم وفي :يؤمنون بالجبت وآمنوا أهدى.
والتعجب :بلفظ الأمر في قوله :انظر كيف يفترون.
وتلوين الخطاب في :يفترون أقام المضارع مقام الماضي إعلاماً أنهم مستمرون على ذلك.
والاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع في :أم لهم نصيب وفي :أم يحسدون.
والإشارة في :أولئك الذين.
والتقسيم في :فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه.
والتعريض في :فإذن لا يؤتون الناس نقيراً عرض بشدة بخلهم.
وإطلاق الجمع على الواحد في :أم يحسدون الناس إذا فسر بالرسول، وإقامة المنكر مقام المعرف لملاحظة الشيوع.
والكثرة في :سوف نصليهم ناراً.
والاختصاص في :عزيزاً حكيماً.
والحذف في :مواضع.

الفتيل :فعيل بمعنى مفعول. ﴿ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ﴾ قال الجمهور :هم اليهود.
وقال الحسن وابن زيد :هم النصارى.
قال ابن مسعود :يزكي بعضهم بعضاً لتقبل عليهم الملوك وسفلتهم، ويواصلوهم بالرشا.
وقال عطية عن ابن عباس :قالوا آباؤنا الذين ماتوا يزكوننا عند الله ويشفعون لنا.
وقال الضحاك والسدي في آخرين :أتى مرحب بن زيد وبحري بن عمرو وجماعة من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعهم أطفالهم فقالوا :هل على هؤلاء من ذنب ؟ فقال :لا.
فقالوا :نحن كهم ما أذنبنا بالليل يكفر عنا بالنهار، وما أذنبنا بالنهار يكفر عنا بالليل فنزلت.
وقيل :هو قولهم :نحن أبناء الله وأحباؤه.
وعلى القول بأنهم اليهود والنصارى فتزكيتهم أنفسهم.
قال عكرمة، ومجاهد، وأبو مالك :كانوا يقدمون الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم فيصلون بهم ويقولون :ليست لهم ذنوب، فإذا صلى بنا المغفور له غفر لنا.
وقال قتادة والحسن :هو قولهم :نحن أبناء الله وأحباؤه ﴿ لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ﴾ ﴿ كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا ﴾ وفي الآية دلالة على الغض ممن يزكي نفسه بلسانه ويصفها بزيادة الطاعة والتقوى والزلفى عند الله.
وقوله صلى الله عليه وسلم :» والله إني لأمين في السماء، أمين في الأرض « حين قال له المنافقون :إعدل في القسمة، أكذاب لهم إذ وصفوه بخلاف ما وصفه به ربه، وشتان من شهد الله له بالتزكية، ومن شهد لنفسه أو شهد له من لا يعلم.
قاله الزمخشري وفيه بعض تلخيص.
قال الراغب ما ملخصه :التزكية ضربان :بالفعل، وهو أن يتحرى فعل ما يظهره وبالقول، وهو الإخبار عنه بذلك ومدحه به.
وحظر أن يزكي الإنسان نفسه، بل أن يزكي غيره، إلا على وجه مخصوص.
فالتزكية إخبار بما ينطوي عليه الإنسان، ولا يعلم ذلك إلا الله تعالى.
﴿ بل الله يزكي من يشاء ﴾ :بل إضراب عن تزكيتهم أنفسهم، إذ ليسوا أهلاً لذلك.
واعلم أنّ المزكي هو الله تعالى، وأنه تعالى هو المعتد بتزكيته، إذ هو العالم ببواطن الأشياء والمطلع على خفياتها.
ومعنى يزكي من يشاء أي :من يشاء تزكيته بأن جعله طاهراً مطهراً، فذلك هو الذي يصفه الله تعالى بأنه مزكي.
﴿ ولا يظلمون فتيلاً ﴾ إشارة إلى أقلّ شيء كقوله : ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ فإذا كان تعالى لا يظلم مقدار فتيل، فكيف يظلم ما هو أكبر منه ؟ وجوزوا أن يعود الضمير في :ولا يظلمون، إلى الذين يزكون أنفسهم، وأن يعود إلى من على المعنى، إذ لو عاد على اللفظ لكان :ولا يظلم وهو أظهر، لأنه أقرب مذكور، ولقطع بل ما بعدها عن ما قبلها.
وقيل :يعود على المذكورين من زكى نفسه، ومن يزكيه الله.
ولم يذكر ابن عطية غير هذا القول.
وقال الزمخشري :ولا يظلمون أي، الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم حق جزائهم، أو من يشاء يثابون ولا ينقصون من ثوابهم ونحوه، فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى انتهى.
وقرأ الجمهور :ألم تر بفتح الراء.
وقرأ السلمي :بسكونها إجراء للوصل مجرى الوقف.
وقيل :هي لغة قوم لا يكتفون بالجزم بحذف لام الفعل، بل يسكنون بعده عين الفعل.
وقرأ الجمهور :ولا يظلمون بالياء.
وقرأت طائفة :ولا تظلمون بتاء الخطاب، وانتصاب فتيلاً.
قال ابن عطية :على أنه مفعول ثان، ويعني على تضمين تظلمون معنى ما يتعدى لاثنين، والمعنى :مقدار فتيل، وهو كناية عن أحقر شيء، وإلى أنه الخيط الذي في شق النواة ذهب ابن عباس وعطاء ومجاهد، وإلى أنه ما يخرج من بين الأصابع أو الكفين بالفتل ذهب ابن عباس أيضاً.
وأبو مالك والسدي، وإلى أنه نفس الشق ذهب الحسن.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة أنواعاً من الفصاحة والبيان والبديع.
الاستفهام الذي يراد به التعجب في :ألم تر في الموضعين.
والخطاب العام ويراد به الخاص في :يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا وهو دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ابن صوريا وكعباً وغيرهما من الأحبار إلى الإيمان حسب ما في سبب النزول.
والاستعارة في قوله :من قبل أن نطمس وجوهاً، في قول من قال :هو الصرف عن الحق، وفي :ليذوقوا العذاب، أطلق اسم الذوق الذي هو مختص بحاسة اللسان وسقف الحلق على وصول الألم للقلب.
والطباق في :فنردّها على أدبارها، والوجه ضد القفا، وفي للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا، وفي :إن الذين كفروا والذين آمنوا، وفي :من آمن ومن صدّ، وهذا طباق معنوي.
والاستطراد في :أو نلعنهم كما لعن أصحاب السبت.
والتكرار في :يغفر، وفي :لفظ الجلالة، وفي :لفظ الناس، وفي :آتينا وآتيناهم، وفي :فمنهم ومنهم، وفي :جلودهم وجلوداً، وفي :سندخلهم وندخلهم.
والتجنيس المماثل في :نلعنهم كما لعنا وفي :لا يغفر ويغفر، وفي :لعنهم الله ومن يلعن الله، وفي :لا يؤتون ما آتاهم آتينا وآتيناهم وفي :يؤمنون بالجبت وآمنوا أهدى.
والتعجب :بلفظ الأمر في قوله :انظر كيف يفترون.
وتلوين الخطاب في :يفترون أقام المضارع مقام الماضي إعلاماً أنهم مستمرون على ذلك.
والاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع في :أم لهم نصيب وفي :أم يحسدون.
والإشارة في :أولئك الذين.
والتقسيم في :فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه.
والتعريض في :فإذن لا يؤتون الناس نقيراً عرض بشدة بخلهم.
وإطلاق الجمع على الواحد في :أم يحسدون الناس إذا فسر بالرسول، وإقامة المنكر مقام المعرف لملاحظة الشيوع.
والكثرة في :سوف نصليهم ناراً.
والاختصاص في :عزيزاً حكيماً.
والحذف في :مواضع.

﴿ انظر كيف يفترون على الله الكذب ﴾ هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.
ولمّا خاطبه أولاً بقوله : ﴿ ألم تر ﴾ أي ألا تعجب لهؤلاء الذين يزكون أنفسهم ؟ خاطبه ثانياً بالنظر في كيفية افترائهم الكذب على الله، وأتى بصيغة يفترون الدالة على الملابسة والديمومة، ولم يخص الكذب في تزكيتهم أنفسهم، بل عمم في ذلك وفي غيره.
وأي ذنب أعظم ممن يفتري على الله الكذب ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ فمن أظلم ممن كذب على الله.
وكيف :سؤال عن حال، وانتصابه على الحال، والعامل فيه يفترون، والجملة في موضع نصب بانظر، لأن انظر معلقة.
وقال ابن عطية :وكيف يصح أن يكون في موضع نصب بيفترون ؟ ويصح أن يكون في موضع رفع بالابتداء، والخبر في قوله :يفترون انتهى.
أما قوله :يصح أن يكون في موضع نصب بيفترون فصحيح على ما قررناه، وأما قوله ويصح أن يكون في موضع رفع بالابتداء، والخبر في قوله يفترون، فهذا لم يذهب إليه أحد، لأنّ كيف ليست من الأسماء التي يجوز الابتداء بها، وإنما قوله :كيف يفترون على الله الكذب في التركيب نظير كيف يضرب زيد عمراً، ولو كانت مما يجوز الابتداء بها ما جاز أن يكون مبتدأ في هذا التركيب، لأنه ذكر أنّ الخبر هي الجملة من قوله :يفترون، وليس فيها رابط يربط هذه الجملة بالمبتدأ، وليست الجملة نفس المبتدأ في المعنى، فلا يحتاج إلى رابط.
فهذا الذي قال فيه :ويصح، هو فاسد على كل تقدير.
﴿ وكفى به إثماً مبيناً ﴾ تقدّم الكلام في نظير وكفى به.
والضمير في به، عائد على الافتراء، وهو الذي أنكر عليهم.
وقيل :على الكذب.
وقال الزمخشري :وكفى بزعمهم لأنه قال : ﴿ كيف يفترون على الله الكذب ﴾ في زعمهم أنهم عند الله أزكياء، وكفى بزعمهم هذا اثماً مبيناً من بين سائر آثامهم انتهى.
فجعل افتراءهم الكذب مخصوصاً بالتزكية، وذكرنا نحن أنَّه في هذا وفي غيره، وانتصاب إثماً على التمييز، ومعنى مبيناً أي :بيناً واضحاً لكل أحد.
وقال ابن عطية :وكفى به خبر في ضمنه تعجب وتعجيب من الأمر، ولذلك دخلت الباء لتدل على معنى الأمر بالتعجب أن يكتفي لهم بهذا الكذب إثماً، ولا يطلب لهم غيره، إذ هو موبق ومهلك انتهى.
وفي ما ذكر من أن الباء دخلت لتدل على معنى الأمر بالتعجب نظر، وقد أمعنا الكلام في قوله.
﴿ وكفى بالله ولياً ﴾ فيطالع هناك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة أنواعاً من الفصاحة والبيان والبديع.
الاستفهام الذي يراد به التعجب في :ألم تر في الموضعين.
والخطاب العام ويراد به الخاص في :يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا وهو دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ابن صوريا وكعباً وغيرهما من الأحبار إلى الإيمان حسب ما في سبب النزول.
والاستعارة في قوله :من قبل أن نطمس وجوهاً، في قول من قال :هو الصرف عن الحق، وفي :ليذوقوا العذاب، أطلق اسم الذوق الذي هو مختص بحاسة اللسان وسقف الحلق على وصول الألم للقلب.
والطباق في :فنردّها على أدبارها، والوجه ضد القفا، وفي للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا، وفي :إن الذين كفروا والذين آمنوا، وفي :من آمن ومن صدّ، وهذا طباق معنوي.
والاستطراد في :أو نلعنهم كما لعن أصحاب السبت.
والتكرار في :يغفر، وفي :لفظ الجلالة، وفي :لفظ الناس، وفي :آتينا وآتيناهم، وفي :فمنهم ومنهم، وفي :جلودهم وجلوداً، وفي :سندخلهم وندخلهم.
والتجنيس المماثل في :نلعنهم كما لعنا وفي :لا يغفر ويغفر، وفي :لعنهم الله ومن يلعن الله، وفي :لا يؤتون ما آتاهم آتينا وآتيناهم وفي :يؤمنون بالجبت وآمنوا أهدى.
والتعجب :بلفظ الأمر في قوله :انظر كيف يفترون.
وتلوين الخطاب في :يفترون أقام المضارع مقام الماضي إعلاماً أنهم مستمرون على ذلك.
والاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع في :أم لهم نصيب وفي :أم يحسدون.
والإشارة في :أولئك الذين.
والتقسيم في :فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه.
والتعريض في :فإذن لا يؤتون الناس نقيراً عرض بشدة بخلهم.
وإطلاق الجمع على الواحد في :أم يحسدون الناس إذا فسر بالرسول، وإقامة المنكر مقام المعرف لملاحظة الشيوع.
والكثرة في :سوف نصليهم ناراً.
والاختصاص في :عزيزاً حكيماً.
والحذف في :مواضع.

الجبت :اسم لصنم ثم صار مستعملاً لكل باطل، ولذلك اختلفت فيه أقاويل المفسرين على ما سيأتي.
وقال قطرب :الجبت الجبس، وهو الذي لا خير عنده، قلبت السين تاء.
قيل :وإنما قال هذا لأن الجبت مهمل.
﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴾ أجمعوا أنَّها في اليهود.
وسبب نزولها أنَّ كعب بن الأشرف وحيى بن أخطب وجماعة معهما وردوا مكة يحالفون قريشاً على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا :أنتم أهل كتاب، وأنتم أقرب إلى محمد منكم إلينا فلاناً من مكركم فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم، ففعلوا.
وقال أبو سفيان :أنحن أهدى سبيلاً أم محمد ؟ فقال كعب :ماذا يقول محمد ؟ قالوا :يأمر بعبادة الله وحده، وينهى عن الشرك.
قال :وما دينكم ؟ قالوا :نحن ولاة البيت نسقي الحاج، ونقري الضيف، ونفك العانى، وذكروا أفعالهم.
فقال :أنتم أهدى سبيلاً.
وفي بعض ألفاظ هذا السبب خلاف قاله ابن عباس.
وقال عكرمة، خرج كعب في سبعين راكباً من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد، والكتاب هنا التوراة على قول الجمهور، ويحتمل أن يكون التوراة والإنجيل.
والجبت والطاغوت صنمان كانا لقريش قاله :عكرمة وغيره.
أو الجبت هنا حيي، والطاغوت كعب، قاله :ابن عباس أيضاً.
أو الجبت السحر، والطاغوت الشيطان، قاله :مجاهد، والشعبي وروى عن عمر والجبت الساحر، والطاغوت الشيطان قاله :زيد بن أسلم.
أو الجبت الساحر، والطاغوت الكاهن، قاله :رفيع وابن جبير.
أو الجبت الكاهن، والطاغوت الشيطان، قاله :ابن جبير أيضاً.
أو الجبت الكاهن، والطاغوت الساحر، قاله :ابن سيرين.
أو الجبت الشيطان، والطاغوت الكاهن قاله :قتادة.
أو الجبت كعب، والطاغوت الشيطان كان في صورة انسان، أو الجبت الأصنام وكل ما عبد من دون الله، والطاغوت الشيطان قاله :الزمخشري.
أو الجبت والطاغوت كل معبود من دون الله من حجر، أو صورة، أو شيطان قاله :الزجاج، وابن قتيبة.
وأورد بعض المفسرين الخلاف مفرقاً فقال :الجبت السحر قاله :عمر، ومجاهد، والشعبي.
أو الأصنام رواه عطية عن ابن عباس، وبه قال الضحاك، والفراء، أو كعب بن الأشرف.
رواه الضحاك، عن ابن عباس.
وليث، عن مجاهد.
أو الكاهن روى عن ابن عباس، وبه قال :مكحول، وابن سيرين.
أو الشيطان قاله :ابن جبير في رواية، وقتادة والسدي أو الساحر قاله :أبو العالية وابن زيد.
وروى أبو بشر عن ابن جبير قال :الجبت الساحر بلسان الحبشة، وأما الطاغوت فالشيطان قاله :عمر، ومجاهد في رواية الشعبي وابن زيد.
أو المترجمون بين يدى الأصنام رواه العوفي عن ابن عباس، أو كعب، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال :الضحاك، والفرّاء.
أو الكاهن قاله عكرمة أو الساحر، روي عن ابن عباس، وابن سيرين، ومكحول، أو كل ما عبد من دون الله قاله :مالك.
وقال قوم :الجبت والطاغوت مترادفان على معنى واحد، والجمهور وأقوال المفسرين على خلاف ذلك، وأنهما اثنان.
وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام على المغيبات جبتاً لكون علم الغيب يختص بالله تعالى.
خرج أبو داود في سننه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « الطرق والطيرة والعيافة من الجبت » الطرق الزجر، والعيافة الخط.
فان الجبت والطاغوت الأصنام أو ما عبد من دون الله، فالإيمان بهما التصديق بأنهما آلهة يشركونهما في العبادة مع الله، وان كان حيياً، وكعباً، أو جماعة من اليهود، أو الساحر، أو الكاهن، أو الشيطان، فالإيمان بهم عبارة عن طاعتهم وموافقتهم على ما هم عليه، ويكون من باب اطلاق ثمرة الإيمان وهي الطاعة على الإيمان.
﴿ ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً ﴾ الضمير في يقولون عائد على الذين أوتوا.
وفي سبب النزول ان كعباً هو قائل هذه المقالة، والجملة من يؤمنون حال، ويقولون معطوف على يؤمنون فهي حال.
ويحتمل أنْ يكون استئناف أخبار تبين التعجب منهم كأنه قال :ألا تعجب إلى حال الذين أوتوا نصيباً، فكأنه قيل :وما حالهم وهم قد أوتوا نصيباً من كتاب الله ؟ فقال :يؤمنون بكذا، يقولون كذا.
أي :أن أحوالهم متنافية.
فكونهم أوتوا نصيباً من الكتاب يقتضي لهم أن لا يقعوا فيما وقعوا فيه، ولكن الحامل لهم على ذلك هو الحسد.
واللام في للذين كفروا للتبليغ متعلقة بيقولون.
والذين كفروا هم قريش، والإشارة بهؤلاء إليهم، والذين آمنوا هم النبي وأمته.
والظاهر أنهم أطلقوا أفعل التفضيل ولم يلحظوا معنى التشريك فيه، أو قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء لكفرهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة أنواعاً من الفصاحة والبيان والبديع.
الاستفهام الذي يراد به التعجب في :ألم تر في الموضعين.
والخطاب العام ويراد به الخاص في :يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا وهو دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ابن صوريا وكعباً وغيرهما من الأحبار إلى الإيمان حسب ما في سبب النزول.
والاستعارة في قوله :من قبل أن نطمس وجوهاً، في قول من قال :هو الصرف عن الحق، وفي :ليذوقوا العذاب، أطلق اسم الذوق الذي هو مختص بحاسة اللسان وسقف الحلق على وصول الألم للقلب.
والطباق في :فنردّها على أدبارها، والوجه ضد القفا، وفي للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا، وفي :إن الذين كفروا والذين آمنوا، وفي :من آمن ومن صدّ، وهذا طباق معنوي.
والاستطراد في :أو نلعنهم كما لعن أصحاب السبت.
والتكرار في :يغفر، وفي :لفظ الجلالة، وفي :لفظ الناس، وفي :آتينا وآتيناهم، وفي :فمنهم ومنهم، وفي :جلودهم وجلوداً، وفي :سندخلهم وندخلهم.
والتجنيس المماثل في :نلعنهم كما لعنا وفي :لا يغفر ويغفر، وفي :لعنهم الله ومن يلعن الله، وفي :لا يؤتون ما آتاهم آتينا وآتيناهم وفي :يؤمنون بالجبت وآمنوا أهدى.
والتعجب :بلفظ الأمر في قوله :انظر كيف يفترون.
وتلوين الخطاب في :يفترون أقام المضارع مقام الماضي إعلاماً أنهم مستمرون على ذلك.
والاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع في :أم لهم نصيب وفي :أم يحسدون.
والإشارة في :أولئك الذين.
والتقسيم في :فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه.
والتعريض في :فإذن لا يؤتون الناس نقيراً عرض بشدة بخلهم.
وإطلاق الجمع على الواحد في :أم يحسدون الناس إذا فسر بالرسول، وإقامة المنكر مقام المعرف لملاحظة الشيوع.
والكثرة في :سوف نصليهم ناراً.
والاختصاص في :عزيزاً حكيماً.
والحذف في :مواضع.

﴿ أولئك الذين لعنهم الله ﴾ اشارة إلى مَنْ آمن بالجبت والطاغوت وقال تلك المقالة، أبعدهم الله تعالى ومقتهم.
﴿ ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً ﴾ أي من ينصره ويمنعه من آثار اللعنة وهو العذاب العظيم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة أنواعاً من الفصاحة والبيان والبديع.
الاستفهام الذي يراد به التعجب في :ألم تر في الموضعين.
والخطاب العام ويراد به الخاص في :يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا وهو دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ابن صوريا وكعباً وغيرهما من الأحبار إلى الإيمان حسب ما في سبب النزول.
والاستعارة في قوله :من قبل أن نطمس وجوهاً، في قول من قال :هو الصرف عن الحق، وفي :ليذوقوا العذاب، أطلق اسم الذوق الذي هو مختص بحاسة اللسان وسقف الحلق على وصول الألم للقلب.
والطباق في :فنردّها على أدبارها، والوجه ضد القفا، وفي للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا، وفي :إن الذين كفروا والذين آمنوا، وفي :من آمن ومن صدّ، وهذا طباق معنوي.
والاستطراد في :أو نلعنهم كما لعن أصحاب السبت.
والتكرار في :يغفر، وفي :لفظ الجلالة، وفي :لفظ الناس، وفي :آتينا وآتيناهم، وفي :فمنهم ومنهم، وفي :جلودهم وجلوداً، وفي :سندخلهم وندخلهم.
والتجنيس المماثل في :نلعنهم كما لعنا وفي :لا يغفر ويغفر، وفي :لعنهم الله ومن يلعن الله، وفي :لا يؤتون ما آتاهم آتينا وآتيناهم وفي :يؤمنون بالجبت وآمنوا أهدى.
والتعجب :بلفظ الأمر في قوله :انظر كيف يفترون.
وتلوين الخطاب في :يفترون أقام المضارع مقام الماضي إعلاماً أنهم مستمرون على ذلك.
والاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع في :أم لهم نصيب وفي :أم يحسدون.
والإشارة في :أولئك الذين.
والتقسيم في :فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه.
والتعريض في :فإذن لا يؤتون الناس نقيراً عرض بشدة بخلهم.
وإطلاق الجمع على الواحد في :أم يحسدون الناس إذا فسر بالرسول، وإقامة المنكر مقام المعرف لملاحظة الشيوع.
والكثرة في :سوف نصليهم ناراً.
والاختصاص في :عزيزاً حكيماً.
والحذف في :مواضع.

النقير :النقطة التي على ظهر النواة منها تنبت النخلة قاله :ابن عباس.
وقال الضحاك :هو البياض الذي في وسطها. ﴿ أم لهم نصيب من الملك ﴾ أم هنا منقطعة التقدير :بل ألهم نصيب من الملك انتقل من الكلام إلى كلام تام، واستفهم على الانكار أن يكون لهم نصيب من الملك.
وحكى ابن قتيبة أنَّ أم يستفهم بها ابتداء.
وقال بعض المفسرين.
أم هنا بمعنى بل، وفسروا على سبيل الاخبار أنهم ملوك أهل الدنيا وعتو وتنعم لا يبغون غير ذلك، فهم بخلاء حريصون على أن لا يكون ظهور لغيرهم.
والمعنى على القول الأوّل :ألهم نصيب من الملك ؟ فلو كان لهم نصيب من الملك لبخلوا به.
والملك ملك أهل الدنيا، وهو الظاهر.
أو ملك الله لقوله : ﴿ قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذاً لأمسكتم خشية الانفاق ﴾ وقيل :المال، لأنه به ينال الملك وهو أساسه.
وقيل :استحقاق الطاعة.
وقيل :النبوة.
وقيل :صدق الفراسة ذكره الماوردي.
والأفصح إلغاء اذن بعد حرف العطف الواو والفاء، وعليه أكثر القرّاء.
وقرأ عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس :لا يؤنوا بحذف النون على إعمال اذن.
والناس هنا العرب، أو المؤمنون، أو النبي، أو من اليهود وغيرهم أقوال.
والنقير :النقطة في ظهر النواة رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعطاء، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، والسدى، ومقاتل، والفراء، وابن قتيبة في آخرين.
وقيل :القشر يكون في وسط النواة، رواه التميمي عن ابن عباس.
أو الخيط في وسط النواة، روى عن مجاهد، أو نقر الرجل الشيء بطرف إبهامه رواه أبو العالية عن ابن عباس.
أو حبة النواة التي في وسطها رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد.
وقال الأزهري :الفتيل والنقير، والقطمير، يضرب مثلاً للشيء التافه الحقير، وخصت الأشياء الحقيرة بقوله : « فتيلاً » في قوله : ﴿ ولا يظلمون فتيلا ﴾ وهنا بقوله نقيراً الوفاق النظير من الفواصل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة أنواعاً من الفصاحة والبيان والبديع.
الاستفهام الذي يراد به التعجب في :ألم تر في الموضعين.
والخطاب العام ويراد به الخاص في :يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا وهو دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ابن صوريا وكعباً وغيرهما من الأحبار إلى الإيمان حسب ما في سبب النزول.
والاستعارة في قوله :من قبل أن نطمس وجوهاً، في قول من قال :هو الصرف عن الحق، وفي :ليذوقوا العذاب، أطلق اسم الذوق الذي هو مختص بحاسة اللسان وسقف الحلق على وصول الألم للقلب.
والطباق في :فنردّها على أدبارها، والوجه ضد القفا، وفي للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا، وفي :إن الذين كفروا والذين آمنوا، وفي :من آمن ومن صدّ، وهذا طباق معنوي.
والاستطراد في :أو نلعنهم كما لعن أصحاب السبت.
والتكرار في :يغفر، وفي :لفظ الجلالة، وفي :لفظ الناس، وفي :آتينا وآتيناهم، وفي :فمنهم ومنهم، وفي :جلودهم وجلوداً، وفي :سندخلهم وندخلهم.
والتجنيس المماثل في :نلعنهم كما لعنا وفي :لا يغفر ويغفر، وفي :لعنهم الله ومن يلعن الله، وفي :لا يؤتون ما آتاهم آتينا وآتيناهم وفي :يؤمنون بالجبت وآمنوا أهدى.
والتعجب :بلفظ الأمر في قوله :انظر كيف يفترون.
وتلوين الخطاب في :يفترون أقام المضارع مقام الماضي إعلاماً أنهم مستمرون على ذلك.
والاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع في :أم لهم نصيب وفي :أم يحسدون.
والإشارة في :أولئك الذين.
والتقسيم في :فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه.
والتعريض في :فإذن لا يؤتون الناس نقيراً عرض بشدة بخلهم.
وإطلاق الجمع على الواحد في :أم يحسدون الناس إذا فسر بالرسول، وإقامة المنكر مقام المعرف لملاحظة الشيوع.
والكثرة في :سوف نصليهم ناراً.
والاختصاص في :عزيزاً حكيماً.
والحذف في :مواضع.

﴿ أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ﴾ أم أيضاً منقطعة فتقدّر ببل.
والهمزة فبل :للانتقال من كلام إلى كلام، والهمزة للاستفهام الذي يصحبه الانكار.
أنكر عليهم أولاً البخل، ثم ثانياً الحسد.
فالبخل منع وصول خير من الإنسان إلى غيره، والحسد تمنّي زوال ما أعطى الله الانسان من الخير وايتاؤه له.
نعى الله تعالى عليهم تحليهم بهاتين الخصلتين الذميمتين، ولمّا كان الحسد شر الخصلتين ترقى إلى ذكره بعد ذكر البخل.
والناس هنا النبي صلى الله عليه وسلم، والفضل النبوة، قاله :ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والسدي، والضحاك، ومقاتل.
وقال ابن عباس، والسدي أيضاً :والفضل ما أبيح له من النساء.
وسبب نزول الآية عندهم أنّ اليهود قالت لكفار العرب :انظروا إلى هذا الذي يقول أنه بعث بالتواضع، وأنه لا يملأ بطنه طعاماً، ليس همه إلا في النساء ونحو هذا، فنزلت.
والمعنى :لم تخصونه بالحسد، ولا تحسدون آل إبراهيم يعني :سليمان وداود في أنهما أعطيا النبوة والكتاب، وأعطيا مع ذلك ملكاً عظيماً في أمر النساء، وهو ما روي أنه كان لسليمان سبعمائة امرأة وثلاثمائة سرية، ولداود مائة امرأة.
فالملك في هذه القول إباحة النساء، كأنه المقصود أولاً بالذكر.
وقال قتادة :الناس هنا العرب حسدتها بنو إسرائيل ان كان الرسول منها، والفضل هنا الرسول.
والمعنى :لم يحسدون العرب على هذا النبي وقد أوتي أسلافهم أنبياء.
وكتبا كالتوراة والزبور، وحكمة وهي الفهم في الدين ما لم ينص عليه الكتاب ؟ وروى عن ابن عباس أنه قال :نحن الناس يريد قريشاً.
﴿ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً ﴾ أي ملك سليمان قاله :ابن عباس.
وقال مجاهد :هو النبوّة.
وقال همام بن الحرث وأبو مسلمة وابن زيد هو التأييد بالملائكة.
وقيل :الناس هنا الرسول، وأبو بكر، وعمر.
والكتاب :التوراة والإنجيل أو هما، والزبور أقوال، والحكمة النبوّة قاله :السدي ومقاتل.
أو الفقه في الدين قاله أبو سليمان الدمشقي.
وقيل :الملك العظيم هو الجمع بين سياسة الدنيا وشرع الدين ذكره الماوردي.
وقال الزمخشري :أم يحسدونهم على ما آتاهم الله من فضله النصرة والغلبة وازدياد العز والتقدم كل يوم، فقد آتينا الزام لهم بما عرفوه من ايتاء الله الكتاب والحكمة آل إبراهيم الذين أسلاف محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه ليس ببدع أن يؤتيه الله مثل ما أوتي أسلافه.
وعن ابن عباس :الملك في آل إبراهيم ملك يوسف، وداود، وسليمان، انتهى كلامه.
وهو كلام حسن.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة أنواعاً من الفصاحة والبيان والبديع.
الاستفهام الذي يراد به التعجب في :ألم تر في الموضعين.
والخطاب العام ويراد به الخاص في :يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا وهو دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ابن صوريا وكعباً وغيرهما من الأحبار إلى الإيمان حسب ما في سبب النزول.
والاستعارة في قوله :من قبل أن نطمس وجوهاً، في قول من قال :هو الصرف عن الحق، وفي :ليذوقوا العذاب، أطلق اسم الذوق الذي هو مختص بحاسة اللسان وسقف الحلق على وصول الألم للقلب.
والطباق في :فنردّها على أدبارها، والوجه ضد القفا، وفي للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا، وفي :إن الذين كفروا والذين آمنوا، وفي :من آمن ومن صدّ، وهذا طباق معنوي.
والاستطراد في :أو نلعنهم كما لعن أصحاب السبت.
والتكرار في :يغفر، وفي :لفظ الجلالة، وفي :لفظ الناس، وفي :آتينا وآتيناهم، وفي :فمنهم ومنهم، وفي :جلودهم وجلوداً، وفي :سندخلهم وندخلهم.
والتجنيس المماثل في :نلعنهم كما لعنا وفي :لا يغفر ويغفر، وفي :لعنهم الله ومن يلعن الله، وفي :لا يؤتون ما آتاهم آتينا وآتيناهم وفي :يؤمنون بالجبت وآمنوا أهدى.
والتعجب :بلفظ الأمر في قوله :انظر كيف يفترون.
وتلوين الخطاب في :يفترون أقام المضارع مقام الماضي إعلاماً أنهم مستمرون على ذلك.
والاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع في :أم لهم نصيب وفي :أم يحسدون.
والإشارة في :أولئك الذين.
والتقسيم في :فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه.
والتعريض في :فإذن لا يؤتون الناس نقيراً عرض بشدة بخلهم.
وإطلاق الجمع على الواحد في :أم يحسدون الناس إذا فسر بالرسول، وإقامة المنكر مقام المعرف لملاحظة الشيوع.
والكثرة في :سوف نصليهم ناراً.
والاختصاص في :عزيزاً حكيماً.
والحذف في :مواضع.

﴿ فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه ﴾ أي :من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم، ومنهم من كفر كقوله : ﴿ فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون ﴾ قاله السدي :أو فمن آل إبراهيم من آمن بالكتاب، أو فمن اليهود المخاطبين بقوله : ﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا ﴾ من آمن به أي بالقرآن، وهو المأمور بالإيمان به في قوله :بما نزلنا قاله مجاهد، ومقاتل، والفراء، والجمهور ولذلك ارتفع الطمس ولم يقع.
أو فمن اليهود من آمن بالفضل الذي أوتيه الرسول صلى الله عليه وسلم أو العرب على ما تقدّم.
أو فمن اليهود من آمن به، أي بما ذكر من حديث آل إبراهيم.
أو فمن اليهود من آمن برسول الله، ومنهم مَنْ أنكر نبوّته.
والظاهر أنه تعالى لما أنكر على اليهود حسدهم الناس على فضل الله الذي آتاهم، أتى بما بعده على سبيل الاستطراد والنظر والاستدلال عليهم بأنه لا ينبغي لكم أن تحسدوا فقد جاز أسلافكم من الشرف ما ينبغي أن لا تحسدوا أحداً.
وتضمنت هذه الآية تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم في كونهم يحسدونه ولا يتبعونه، فذكر أنَّهم أيضاً مع أسلافهم وأنبيائهم انقسموا إلى مؤمن وكافر، هذا وهم أسلافهم فكيف بنبي ليس هو منهم ؟.
وقرأ ابن مسعود وابن عباس، وابن جبير، وعكرمة، وابن يعمر، والجحدري :ومن صد عنه برفع الصاد مبنياً للمفعول.
وقرأ أبي وأبو الحوراء وأبو رجاء والحوقي، بكسر الصاد مبنياً للمفعول.
والمضاعف المدغم الثلاثي يجوز فيه إذا بني للمفعول ما جاز في باع إذا بني للمفعول، فتقول :حب زيد بالضم، وحب بالكسر.
ويجوز الاشمام.
والصد ليس مقابلاً للإيمان إلا من حيث المعنى، وكان المعنى والله أعلم :فمنهم من آمن به واتبعه، ومنهم من كذب به وصد عنه.
﴿ وكفى بجهنم سعيراً ﴾ أي احتراقاً والتهاباً أي لمن صدّ عنه.
وسعيراً يميز وهو شدة توقد النار.
والتقدير :وكفى بسعير جهنم سعيراً، وهو كناية عن شدة العذاب والعقوبة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة أنواعاً من الفصاحة والبيان والبديع.
الاستفهام الذي يراد به التعجب في :ألم تر في الموضعين.
والخطاب العام ويراد به الخاص في :يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا وهو دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ابن صوريا وكعباً وغيرهما من الأحبار إلى الإيمان حسب ما في سبب النزول.
والاستعارة في قوله :من قبل أن نطمس وجوهاً، في قول من قال :هو الصرف عن الحق، وفي :ليذوقوا العذاب، أطلق اسم الذوق الذي هو مختص بحاسة اللسان وسقف الحلق على وصول الألم للقلب.
والطباق في :فنردّها على أدبارها، والوجه ضد القفا، وفي للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا، وفي :إن الذين كفروا والذين آمنوا، وفي :من آمن ومن صدّ، وهذا طباق معنوي.
والاستطراد في :أو نلعنهم كما لعن أصحاب السبت.
والتكرار في :يغفر، وفي :لفظ الجلالة، وفي :لفظ الناس، وفي :آتينا وآتيناهم، وفي :فمنهم ومنهم، وفي :جلودهم وجلوداً، وفي :سندخلهم وندخلهم.
والتجنيس المماثل في :نلعنهم كما لعنا وفي :لا يغفر ويغفر، وفي :لعنهم الله ومن يلعن الله، وفي :لا يؤتون ما آتاهم آتينا وآتيناهم وفي :يؤمنون بالجبت وآمنوا أهدى.
والتعجب :بلفظ الأمر في قوله :انظر كيف يفترون.
وتلوين الخطاب في :يفترون أقام المضارع مقام الماضي إعلاماً أنهم مستمرون على ذلك.
والاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع في :أم لهم نصيب وفي :أم يحسدون.
والإشارة في :أولئك الذين.
والتقسيم في :فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه.
والتعريض في :فإذن لا يؤتون الناس نقيراً عرض بشدة بخلهم.
وإطلاق الجمع على الواحد في :أم يحسدون الناس إذا فسر بالرسول، وإقامة المنكر مقام المعرف لملاحظة الشيوع.
والكثرة في :سوف نصليهم ناراً.
والاختصاص في :عزيزاً حكيماً.
والحذف في :مواضع.

النضج :أخذ الشيء في التهري وتفرق أجزائه، ومنه نضج اللحم، ونضج الثمرة.
يقال :نضج الشيء ينضج نضجاً ونضاجاً.
الجلد معروف.
﴿ إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً ﴾ لما ذكر قوله :ومنهم من صد عنه، وكفى بجهنم سعيراً أتبع ذلك بما أعد الله للكافرين بآياته، ثم بعد يتبع بما أعد للمؤمنين، وصار نظير وتسود وجوه، ﴿ فأما الذين اسودت وجوههم ﴾ وقرأ الجمهور نصليهم من أصلى.
وقرأ حميد :نصليهم من صليت.
وقرأ سلام ويعقوب :نصليهم بضم الهاء.
﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ﴾ انتصاب على كل الظرف لأنه مضاف إلى ما المصدرية الظرفية، والعامل فيه بدلناهم، وهي جملة فيها معنى الشرط، وهي في موضع الحال، والعامل فيها نصليهم.
والتبديل على معنيين :تبديل في الصفات مع بقاء العين، وتبديل في الذوات بأن تذهب العين وتجيء مكانها عين أخرى، يقال :هذا بدل هذا.
والظاهر في الآية هذا المعنى الثاني.
وأنه إذا نضج ذلك الجلد وتهرى وتلاشى جيء بجلد آخر مكانه، ولهذا قال :جلوداً غيرها.
قال السدي :إن الجلود تخلق من اللحم، فإذا أحرق جلد بدله الله من لحم الكافر جلداً آخر.
وقيل :هي بعينها تعاد بعد إحراقها، كما تعاد الأجساد بعد البلى في القبور، فيكون ذلك عائداً إلى الصفة، لا إلى الذات.
وقال الفضيل :يجعل النضيج غير نضيج.
وقيل :تبدل كل يوم سبع مرات.
وقال الحسن :سبعين.
وأبعد من ذهب إلى أن الجلود هي سرابيل من قطران تخالط جلودهم مخالطة لا يمكن إزالتها.
فيبدل الله تلك السرابيل كل يوم مائة مرة.
أو كما قيل :مائة ألف مرة.
وسميت جلوداً لملابستها الجلود.
وأبعد أيضاً من ذهب إلى أن هذا استعاره عن الدوام، كلما انتهى فقد ابتدأ من أوله، يعني :كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك أعطيناهم قوة جديدة من الحياة، بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا، فيكون المقصود بيان دوام العذاب وعدم انقطاعه.
وقال ابن عباس :يلبسهم الله جلوداً بيضاء كأنها قراطيس.
وقال عبد العزيز بن يحيى :يلبس أهل النار جلوداً تؤلمهم ولا تؤلم هي.
﴿ ليذوقوا العذاب ﴾ أي ذلك التبديل كلما نضجت الجلود، هو ليذوقوا ألم العذاب.
وأتيَ بلفظ الذوق المشعر بالإحساس الأول وهو آلم، فجعل كلما وقع التبديل كان لذوق العذاب بخلاف من تمرن على العذاب.
وقال الزمخشري :ليذوقوا العذاب ليدوم لهم دونه ولا ينقطع، كقولك للعزيز :أعزك الله أي أدامك على عزك، وزادك فيه.
﴿ إن الله كان عزيزاً حكيماً ﴾ أي عزيزاً لا يغالب، حكيماً يضع الأشياء مواضعها.
وقال الزمخشري :عزيز لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين، حكيماً لا يعذب إلا بعدل من يستحقه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة أنواعاً من الفصاحة والبيان والبديع.
الاستفهام الذي يراد به التعجب في :ألم تر في الموضعين.
والخطاب العام ويراد به الخاص في :يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا وهو دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ابن صوريا وكعباً وغيرهما من الأحبار إلى الإيمان حسب ما في سبب النزول.
والاستعارة في قوله :من قبل أن نطمس وجوهاً، في قول من قال :هو الصرف عن الحق، وفي :ليذوقوا العذاب، أطلق اسم الذوق الذي هو مختص بحاسة اللسان وسقف الحلق على وصول الألم للقلب.
والطباق في :فنردّها على أدبارها، والوجه ضد القفا، وفي للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا، وفي :إن الذين كفروا والذين آمنوا، وفي :من آمن ومن صدّ، وهذا طباق معنوي.
والاستطراد في :أو نلعنهم كما لعن أصحاب السبت.
والتكرار في :يغفر، وفي :لفظ الجلالة، وفي :لفظ الناس، وفي :آتينا وآتيناهم، وفي :فمنهم ومنهم، وفي :جلودهم وجلوداً، وفي :سندخلهم وندخلهم.
والتجنيس المماثل في :نلعنهم كما لعنا وفي :لا يغفر ويغفر، وفي :لعنهم الله ومن يلعن الله، وفي :لا يؤتون ما آتاهم آتينا وآتيناهم وفي :يؤمنون بالجبت وآمنوا أهدى.
والتعجب :بلفظ الأمر في قوله :انظر كيف يفترون.
وتلوين الخطاب في :يفترون أقام المضارع مقام الماضي إعلاماً أنهم مستمرون على ذلك.
والاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع في :أم لهم نصيب وفي :أم يحسدون.
والإشارة في :أولئك الذين.
والتقسيم في :فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه.
والتعريض في :فإذن لا يؤتون الناس نقيراً عرض بشدة بخلهم.
وإطلاق الجمع على الواحد في :أم يحسدون الناس إذا فسر بالرسول، وإقامة المنكر مقام المعرف لملاحظة الشيوع.
والكثرة في :سوف نصليهم ناراً.
والاختصاص في :عزيزاً حكيماً.
والحذف في :مواضع.

﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيه أبداً ﴾ لما ذكر تعالى وعيد الكفار أعقب بوعد المؤمنين، وجاءت جملة الكفار مؤكدة بأن على سبيل تحقيق الوعيد المؤكد، ولم يحتج إلى ذلك في جملة المؤمنين، وأتى فيها بالسين المشعرة بقصر مدة التنفيس على سبيل تقريب الخير من المؤمن وتبشيره به.
﴿ لهم فيها أزواج مطهرة ﴾ تقدم تفسير مثل هذا.
﴿ وندخلهم ظلاً ظليلاً ﴾ قال ابن عطية :أي يقي من الحر والبرد.
ويصح أن يريد أنه ظل لا ينتقل، كما يفعل ظل الدنيا فأكده بقوله :ظليلاً لذلك ويصح أن يصفه بظليل لامتداده، فقد قال عليه السلام : « إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر في ظلها مائة سنة ما يقطعها » انتهى كلامه.
وقال أبو مسلم الظليل :هو القوي المتمكن.
قال :ونعت الشيء بمثل ما اشتق من لفظه يكون مبالغة كقولهم :ليل أليل، وداهية دهياء.
وقال أبو عبد الله الرازي :وإنما قال ظل ظليلاً لأن بلاد العرب في غاية الحرارة، فكان الظل عندهم من أعظم أسباب الراحة، ولهذا المعنى جعل كناية عن الراحة ووصفه بالظليل مبالغة في الراحة.
وقال الزمخشري :ظليل صفة مشتقة من لفظ الظل لتأكيد معناه، كما يقال :ليل أليل، ويوم أيوم، وما أشبه ذلك وهو ما كان فينانا لا جوب فيه، ودائماً لا تنسخه الشمس.
وسجسجاً لا حرّ فيه ولا برد، وليس ذلك إلا ظل الجنة رزقنا الله بتوفيقه ما يزلف إليه التقيؤ تحت ذلك الظل.
وفي قراءة عبد الله :سيدخلهم بالياء انتهى.
وقال الحسن :قد يكون ظل ليس بظليل يدخله الحر والشمس، فلذلك وصف ظل الجنة بأنه ظليل.
وعن الحسن :ظل أهل الجنة يقي الحر والسموم، وظل أهل النار من يحموم لا بارد ولا كريم.
ويقال :إنّ أوقات الجنة كلها سواء اعتدال، لا حر فيها ولا برد.
وقرأ النخعي وابن وثاب :سيدخلهم بالياء، وكذا ويدخلهم ظلاً، فمن قرأ بالنون وهم الجمهور فلاحظ قوله في وعيد الكفار : ﴿ سوف نصليهم ﴾ ومن قرأ بالياء لاحظ قوله : ﴿ إن الله كان عزيزاً حكيماً ﴾ فأجراه على الغيبة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة أنواعاً من الفصاحة والبيان والبديع.
الاستفهام الذي يراد به التعجب في :ألم تر في الموضعين.
والخطاب العام ويراد به الخاص في :يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا وهو دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ابن صوريا وكعباً وغيرهما من الأحبار إلى الإيمان حسب ما في سبب النزول.
والاستعارة في قوله :من قبل أن نطمس وجوهاً، في قول من قال :هو الصرف عن الحق، وفي :ليذوقوا العذاب، أطلق اسم الذوق الذي هو مختص بحاسة اللسان وسقف الحلق على وصول الألم للقلب.
والطباق في :فنردّها على أدبارها، والوجه ضد القفا، وفي للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا، وفي :إن الذين كفروا والذين آمنوا، وفي :من آمن ومن صدّ، وهذا طباق معنوي.
والاستطراد في :أو نلعنهم كما لعن أصحاب السبت.
والتكرار في :يغفر، وفي :لفظ الجلالة، وفي :لفظ الناس، وفي :آتينا وآتيناهم، وفي :فمنهم ومنهم، وفي :جلودهم وجلوداً، وفي :سندخلهم وندخلهم.
والتجنيس المماثل في :نلعنهم كما لعنا وفي :لا يغفر ويغفر، وفي :لعنهم الله ومن يلعن الله، وفي :لا يؤتون ما آتاهم آتينا وآتيناهم وفي :يؤمنون بالجبت وآمنوا أهدى.
والتعجب :بلفظ الأمر في قوله :انظر كيف يفترون.
وتلوين الخطاب في :يفترون أقام المضارع مقام الماضي إعلاماً أنهم مستمرون على ذلك.
والاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع في :أم لهم نصيب وفي :أم يحسدون.
والإشارة في :أولئك الذين.
والتقسيم في :فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه.
والتعريض في :فإذن لا يؤتون الناس نقيراً عرض بشدة بخلهم.
وإطلاق الجمع على الواحد في :أم يحسدون الناس إذا فسر بالرسول، وإقامة المنكر مقام المعرف لملاحظة الشيوع.
والكثرة في :سوف نصليهم ناراً.
والاختصاص في :عزيزاً حكيماً.
والحذف في :مواضع.

﴿ إن الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾ سبب نزولها فيما رواه أبو صالح عن ابن عباس، وقاله :مجاهد والزهري وابن جريج ومقاتل ما ذكروا في قصة مطولة مضمونها :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ مفتاح الكعبة من سادنيها عثمان بن طلحة، وابن عمه شيبة بن عثمان بعد تأب من عثمان ولم يكن أسلم، فسأل العباس الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجمع له بين السقاية والسدانة، فنزلت.
فرد المفتاح إليهما وأسلم عثمان.
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : « خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا يأخذها منكم إلا ظالم » وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وقاله :زيد بن أسلم، ومكحول، واختاره أبو سليمان الدمشقي :نزلت في الأمراء أن يؤدوا الأمانة فيما ائتمنهم الله من أمر رعيته.
وقيل :نزلت عامة، وهو مروي عن :أبي، وابن عباس، والحسن، وقتادة.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه تعالى لما ذكر وعد المؤمنين، وذكر عمل الصالحات، نبه على هذين العملين الشريفين اللذين من اتصف بهما كان أحرى أن يتصف بغيرهما من الأعمال الصالحة، فأحدهما ما يختص به الإنسان فيما بينه وبين غيره وهو أداء الأمانة التي عرضت على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها، والثاني ما يكون بين اثنين من الفصل بينهما بالحكم العدل الخالي عن الهوى، وهو من الأعمال العظيمة التي أمر الله بها رسله وأنبياءه والمؤمنين.
ولما كان الترتيب الصحيح أنْ يبدأ الإنسان بنفسه في جلب المنافع ودفع المضار، ثم يشتغل بحال غيره، أمر بأداء الأمانة أولاً ثم بعده بالأمر بالحكم بالحق.
والظاهر في :يأمركم أنّ الخطاب عام لكل أحد في كل أمانة.
وقال ابن جريج :خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في شأن مفتاح الكعبة.
وقال علي، وابن أسلم، وشهر، وابن زيد :خطاب لولاة المسلمين خاصة، فهو للنبي صلى الله عليه وسلم وأمرائه، ثم يتناول مَن بعدهم.
وقال ابن عباس :في الولاة أن يعظوا النساء في النشوز ونحوه، ويردوهنّ إلى الأزواج.
وقيل :خطاب لليهود أمروا برد ما عندهم من الأمانة، من نعتِ الرسول أنْ يظهروه لأهله، إذ الخطاب معهم قبل هذه الآية.
ونقل التبريزي :أنها خطاب لأمراء السرايا بحفظ الغنائم ووضعها في أهلها.
وقيل :ذلك عام فيما كلفه العبد من العبادات.
والأظهر ما قدمناه من أنّ الخطاب عام يتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال، ورد الظلامات، وعدل الحكومات.
ومنه دونهم من الناس في الودائع، والعواري، والشهادات، والرجل يحكم في نازلة.
قال ابن عباس :لم يرخص الله لموسر ولا معسر أنْ يمسك الأمانة.
وقرئ :أن تؤدّوا الأمانة على التوحيد، وأن تحكموا، ظاهره :أن يكون معطوفاً على أن تؤدّوا، وفصل بين حرف العطف والمعطوف بإذا.
وقد ذهب إلى ذلك بعض أصحابنا وجعله كقوله : ﴿ ربنا آتنا في الدنيا وفي الآخرة حسنة ﴾ ﴿ وجعلنا من بين أيديهم سدّاً ومن خلفهم سدّاً ﴾ ﴿ سبع سموات ومن الأرض مثلهن ﴾ ففصل في هذه الآية بين الواو والمعطوف بالمجرور.
وأبو عليّ يخص هذا بالشعر، وليس بصواب.
فإن كان المعطوف مجروراً أعيد الجار نحو :امرر بزيد وغداً بعمرو.
ولكنَّ قوله :وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا، ليس من هذه الآيات، لأن حرف الجر يتعلق في هذه الآيات بالعامل في المعطوف، والظرف هنا ظاهره أنه منصوب بأن تحكموا، ولا يمكن ذلك لأن الفعل في صلة، ولا يمكن أن ينتصب بالناصب لأنْ تحكموا لأنّ الأمر ليس واقعاً وقت الحكم.
وقد خرجه على هذا بعضهم.
والذي يظهر أنّ إذاً معمولة لأنْ تحكموا مقدرة، وأنْ تحكموا المذكورة مفسرة لتلك المقدرة، هذا إذا فرغنا على قول الجمهور.
وأما إذا قلنا بمذهب الفرّاء فإذا منصوبة بأن تحكموا هذه الملفوظ بها، لأنه يجيز :يعجبني العسل أن يشرب، فتقدم معمول صلة أنْ عليها.
﴿ إن الله نعماً يعظكم به ﴾ أصله :نعم ما، وما معرفة تامة على مذهب سيبويه والكسائي.
كأنه قال :نعم الشيء يعظكم به، أي شيء يعظكم به.
ويعظكم صفة لشيء، وشيء هو المخصوص بالمدح وموصولة على مذهب الفارسي في أحد قوليه.
والمخصوص محذوف التقدير :نعم الذي يعظكم به تأدية الأمانة والحكم بالعدل، ونكرة في موضع نصب على التمييز و يعظكم صفة له على مذهب الفارسي في أحد قوليه، والمخصوص محذوف تقديره كتقدير ما قبله.
وقد تأولت ما هنا على كل هذه الأقوال، وتحقيق ذلك في علم النحو.
وقال ابن عطية :وما المردفة على نعم إنما هي مهيئة لاتصال الفعل بها كما هي في ربما، ومما في قوله :وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يحرك شفتيه وكقول الشاعر :
وإنا لمما نضرب الكبشر ضربة على رأسه تلقى اللسان من الفم
ونحوه.
وفي هذا هي بمنزلة ربما، وهي لها مخالفة في المعنى :لأنّ ربما معناها التقليل، ومما معناها التكثير.
ومع أن ما موطئه، فهي بمعنى الذي.
وما وطأت إلا وهي اسم، ولكنّ القصد إنما هو لما يليها من المعنى الذي في الفعل انتهى كلامه.
وهو كلام متهافت، لأنه من حيث جعلها موطئة مهيئة لا تكون اسماً، ومن حيث جعلها بمعنى الذي لا تكون مهيئة موطئة فتدافعا.
وقرأ الجمهور :نعماً بكسر العين اتباعاً لحركة العين.
وقرأ بعض القراء :نعماً بفتح النون على الأصل، إذ الأصل نعم على وزن شهد.
ونسب إلى أبي عمرو سكون العين، فيكون جمعاً بين ساكنين.
﴿ إن الله كان سميعاً ﴾ أي لأقوالكم الصادرة منكم في الأحكام.
﴿ بصيراً ﴾ بردّ الأمانات إلى أهلها.
﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ﴾ قيل :نزلت في أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكروا قصةً طويلة مضمونها :أنَّ عماراً أجار رجلاً قد أسلم، وفر أصحابه حين أنذروا بالسرة فهربوا، وأقام الرجل وإنّ أميرها خالداً أخذ الرجل وماله، فأخبره عمار بإسلامه وإجارته إياه فقال خالد :وأنت تجيز ؟ فاستبا وارتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير على أمير.
ومناسبتها لما قبلها أنه لما أمر الولاة أن يحكموا بالعدل أمر الرعية بطاعتهم، قال عطاء :أطيعوا الله في فريضته، والرسول في سنته.
وقال ابن زيد :في أوامره ونواهيه، والرسول ما دام حياً، وسنته بعد وفاته.
وقيل :فيما شرع، والرسول فيما شرح.
وقال ابن عباس، وأبو هريرة، والسدي، وابن زيد :أولو الأمر هم الأمراء.
وقال مجاهد :أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقال التبريزي :المهاجرون والأنصار.
وقيل :الصحابة والتابعون.
وقيل :الخلفاء الأربع.
وقال عكرمة :أبو بكر وعمر.
وقال جابر، والحسن، وعطاء، وأبو العالية، ومجاهد أيضاً :العلماء، واختاره مالك.
وقال ميمون، ومقاتل، والكلبي، أمراء السرايا، أو الأئمة من أهل البيت قاله :الشيعة.
أو عليّ وحده قالوه أيضاً.
والظاهر أنه كل مَن ولي أمر شيء ولاية صحيحة.
قالوا :حتى المرأة يجب عليها طاعة زوجها، والعبد مع سيده، والولد مع والديه، واليتيم مع وصية فيما يرضى الله وله فيه مصلحة.
وقال الزمخشري :والمراد، بأولي الأمر منكم، أمراء الحق، لأن أمراء الجور الله ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على الله ورسوله.
وكان أول الخلفاء يقول :أطيعوني ما عدلت فيكم، فإن خالفت فلا طاعة لي عليكم.
وعن أبي حازم :أن مسلمة بن عبد الملك قال له :ألستم أمرتم بطاعتنا في قوله وأولي الأمر منكم ؟ قال :أليس قد نزعت منكم إذ خالفتم الحق بقوله : ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾.
وقيل :هم أمراء السرايا.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم : « من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع أميري فقد أطاعني، ومن يعص أميري فقد عصاني » وقيل :هم العلماء الدّينون الذين يعلمون الناس الدّين، يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر انتهى.
وقال سهل التستري :أطيعوا السلطان في سبعة :ضرب الدنانير، والدراهم، والمكاييل، والأوزان، والأحكام، والحج، والجمعة، والعيدين، والجهاد.
وإذا نهى السلطان العالم أن يفتى فليس له أن يفتي، فإنْ أفتى فهو عاص وإنْ كان أميراً جائراً.
قيل :ويحمل قول سهل على أنه يترك الفتيا إذا خاف منه على نفسه.
وقال ابن خويز منداد :وأما طاعة السلطان فتجب فيما كان فيه طاعة، ولا تجب فيما كان فيه معصية.
قال :ولذلك قلنا :أن أمراء زماننا لا تجوز طاعتهم، ولا معاونتهم، ولا تعظيمهم، ويجب الغزو معهم متى غزوا، والحكم من قبلهم، وتولية الإمامة والحسبة، وإقامة ذلك على وجه الشريعة.
فإن صلوا بنا وكانوا فسقة من جهة المعاصي جازت الصلاة معهم، وإن كانوا مبتدعة لم تجز الصلاة معهم إلا أنْ يخافوا فتصلى معهم تقية، وتعاد الصلاة فيما بعد. انتهى.
واستدل بعض أهل العلم على إبطال قول من قال :بإمام معصوم بقوله :وأولي الأمر منكم.
فإنّ الأمراء والفقهاء يجوز عليهم الغلط والسهو، وقد أمرنا بطاعتهم.
ومَن شرط الإمام العصمة فلا يجوز ذلك عليه، ولا يجوز أن يكون المراد الإمام لأنه قال في نسق الخطاب :فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول، فلو كان هناك إمام مفروض الطاعة لكان الرد إليه واجباً، وكان هو يقطع التنازع، فلما أمر برد المتنازع فيه إلى الكتاب والسنة دون الإمام، دلّ على بطلان الإمامة.
وتأويلهم :أنّ أولى الأمر عليّ رضي الله عنه فاسد، لأنّ أولي الأمر جمع، وعليّ واحد.
وكان الناس مأمورين بطاعة أولي الأمر في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعليّ لم يكن إماماً في حياته، فثبت أنهم كانوا أمراء، وعلى المولى عليهم طاعتهم ما لم يأمروا بمعصية.
فكذلك بعد موتهم في لزوم اتباعهم طاعتهم ما لم تكن معصية.
وقال أبو عبد الله الرازي :وأولي الأمر منكم إشارة إلى الإجماع، والدليل عليه أنه أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر بطاعته على الجزم والقطع لا بد أن يكون معصوماً عن الخطأ، وإلاّ لكان بتقدير إقدامه على الخطأ مأموراً باتباعه، والخطأ منهى عنه، فيؤدّي إلى اجتماع الأمر والنهي في فعل واحد باعتبار واحد، وأنه محال.
وليس أحد معصوماً بعد الرسول إلا جمع الأمة أهل العقد والحلّ، وموجب ذلك أنّ إجماع الأمة حجة.
﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ قال مجاهد، وقتادة، والسدي، والأعمش، وميمون بن مهران :فردوه إلى كتاب الله، وسؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، وإلى سنته بعد وفاته.
وقال قوم منهم الأصم :معناه قولوا :الله ورسوله أعلم.
وقال الزمخشري :فإن اختلفتم أنتم وأولوا الأمر في شيء من أمور الذين فردوه ارجعوا فيه إلى الكتاب والسنة انتهى.
وقد استدل نفاة القياس ومثبتوه بقوله :فردوه إلى الله ورسوله، وهي مسألة يبحث فيها في أصول الفقه.
﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ شرط وجوابه محذوف، أي :فردوه إلى الله والرسول.
وهو شرط يراد به الحض على اتباع الحق، لأنه ناداهم أولاً بيا أيها الذين آمنوا، فصار نصير :إن كنت ابني فأطعني.
وفيه إشعار بوعيد من لم يرد إلى الله والرسول.
﴿ ذلك خير وأحسن تأويلاً ﴾ ذلك الرد إلى الكتاب والسنة، أو إلى أن تقولوا :الله ورسوله أعلم.
وقال قتادة، والسدي، وابن زيد :أحسن عاقبة.
وقال مجاهد :أحسن جزاء.
وقيل :أحسن تأويلاً من تأويلكم أنتم.
وقالت فرقة :المعنى :أن الله ورسوله أحسن نظراً وتأويلاً منكم إذا انفردتم بتأويلكم.
الزعم :قول يقترن به الاعتقاد الظني.
وهو بضم الزاي وفتحها وكسرها.
قال الشاعر وهو أبو ذؤيب الهذلي :
فإن تزعميني كنت أجهل فيكم فإني شريت الحلم بعدك بالجهل
وقال ابن دريد :أكثر ما يقع على الباطل.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « مطية الرجل زعموا » وقال الأعشى :
ونبئت قيساً ولم أبله كما زعموا خير أهل اليمن
فقال الممدوح وما هو إلا الزعم وحرمه.
وإذا قال سيبويه :زعم الخليل، فإنما يستعملها فيما انفرد الخليل به، وكان أقوى.
وذكر صاحب العين :أنَّ الأحسن في زعم أنْ توقع على أنْ قال، قال.
وقد توقع في الشعر على الاسم.
وأنشد بيت أبي ذؤيب هذا وقول الآخر :
زعمتني شيخاً ولست بشيخ إنما الشيخ من يدب دبيبا
ويقال :زعم بمعنى كفل، وبمعنى رأس، فيتعدى إلى مفعول واحد مرة، وبحرف جر أخرى.
ويقال :زعمت الشاة أي سمنت، وبمعنى هزلت، ولا يتعدى.
﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً ﴾ ذكر في سبب نزولها قصص طويل ملخصه :أنّ أبا بردة الأسلمي كان كاهناً يقضي بين اليهود، فتنافر إليه نفر من أسلم، أو أنّ قيساً الأنصاري أحد مَن يدعي الإسلام ورجلاً من اليهود تداعيا إلى الكاهن وتركا الرسول صلى الله عليه وسلم بعدما دعا اليهودي إلى الرسول، والأنصاري يأبى إلا الكاهن.
أو أنّ منافقاً ويهودياً اختصما، فاختار اليهودي الرسول صلى الله عليه وسلم، واختار المنافق كعب بن الأشرف، فأبى اليهودي، وتحاكما إلى الرسول، فقضى لليهودي، فخرجا ولزمه المنافق، وقال :ننطلق إلى عمر، فانطلقا إليه فقال اليهودي :قد تحاكمنا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه، فأقرّ المنافق بذلك عند عمر، فقتله عمر وقال :هكذا أقضي فيمن لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة لأنه تعالى لما أمر المؤمنين بطاعة الله ورسوله وأولي الأمر، ذكر أنه يعجب بعد ورود هذا الأمر من حال مَن يدَّعي الإيمان ويريد أن يتحاكم إلى الطاغوت ويترك الرسول.
وظاهر الآية يقتضي أن تكون نزلت في المنافقين، لأنه قال :يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، فلو كانت في يهود أو في مؤمن ويهودي كان ذلك بعيداً من لفظ الآية، إلا إنْ حمل على التوزيع، فيجعل بما أنزل إليك في منافق، وما أنزل من قبلك في يهودي، وشملوا في ضمير يزعمون فيمكن.
وقال السدي :نزلت في المنافقين من قريظة والنضير، تفاخروا بسبب تكافؤ دمائهم، إذ كانت النضير في الجاهلية تدي من قتلت وتستقيه إذا قتلت قريظة منهم، فأبت قريظة لما جاء الإسلام، وطلبوا المنافرة، فدعا المؤمنون منهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودعا المنافقون إلى بردة الكاهن، فنزلت.
وقال الحسن :احتكم المنافقون بالقداح التي يضرب بها عند الأوثان فنزلت.
أو لسبب اختلافهم في أسباب النزول اختلفوا في الطاغوت.
فقيل :كعب بن الأشرف.
وقيل :الأوثان.
وقيل :ما عبد من دون الله.
وقيل :الكهان.
﴿ وقد أمروا أن يكفروا به ﴾ جملة حالية من قوله :يريدون، ويريدون حال، فهي حال متداخل.
وأعاد الضمير هنا مذكراً، وأعاده مؤنثاً في قوله :اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها.
وقرأ بها هنا عباس بن الفضل على التأنيث، وأعاد الضمير كضمير جمع العقلاء في قوله : ﴿ أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم ﴾
﴿ ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً ﴾ ضلالاً ليس جارياً على يضلهم، فيحتمل أن يكون جعل مكان إضلال، ويحتمل أن يكون مصدر المطاوع يضلهم، أي :فيضلون ضلالاً بعيداً.
وقرأ الجمهور :بما أنزل إليك وما أنزل مبنياً للمفعول فيهما.
وقرئ :مبنياً للفاعل فيهما.
﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً ﴾ قرأ الحسن :تعالوا بضم اللام.
قال أبو الفتح :وجهها أنَّ لام الفعل من تعاليت حذفت تخفيفاً، وضمت اللام التي هي عين الفعل لوقوع واو الجمع بعدها.
ولظهر الزمخشري حذف لام الكلمة هنا بحذفها في قولهم :ما باليت به بالة، وأصله :بالية كعافية.
وكمذهب الكسائي في آية، أن أصلها أيلة فحذفت اللام.
قال :ومنه قول أهل مكة :تعالي بكسر اللام للمرأة.
وفي شعر الحمداني :
تعالي أقاسمك الهموم تعالي *** والوجه :فتح اللام انتهى.
وقول الزمخشري :قول أهل مكة تعالي يحتمل أن تكون عربية قديمة، ويحتمل أن يكون ذلك مما غيرته عن وجهه العربي فلا يكون عربياً.
وأما قوله في شعر الحمداني فقد صرّح بعضهم بأنه أبو فراس، وطالعت ديوانه جمع الحسين بن خالويه فلم أجد ذلك فيه.
وبنو حمدان كثيرون، وفيهم عدة من الشعراء، وعلى تقدير ثبوت ذلك في شعرهم لا حجة فيه، لأنه لا يستشهد بكلام المولدين.
والظاهر من قوله :رأيت المنافقين أنها من رؤية العين، صدوا مجاهرة وتصريحاً، ويحتمل أن يكون من رؤية القلب أي :علمت.
ويكون صدهم مكراً وتخابثاً ومسارقة حتى لا يعلم ذلك منه إلا بالتأويل عليه.
وصدوداً :مصدر لصد، وهو هنا متعد بحرف الجر، وقد يتعدى بنفسه نحو : ﴿ فصدهم عن السبيل ﴾ وقياس صدّ في المصدر فعل نحو :صده صدّاً.
وحكى ابن عطية :أن صدوداً هنا ليس مصدراً، والمصدر عنده صد.
التوفيق :مصدر وفق، والوفاق والوفق ضد المخالفة. ﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً ﴾ قال الزجاج :كيف في موضع نصب تقديره :كيف تراهم، أو في موضع رفع أي :فكيف صنيعهم والمصيبة.
قال الزجاج :قتل عمر الذي ردّ حكم الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقيل :كل مصيبة تصيب المنافقين في الدنيا والآخرة، ثم عاد الكلام إلى ما سبق يخبر عن فعلهم فقال :ثم جاؤك يحلفون بالله.
وقيل :هي هدم مسجد الضرار، وفيه نزلت الآية، حلفوا دفاعاً عن أنفسهم ما أردنا ببناء المسجد إلا طاعة وموافقة الكتاب.
وقيل :ترك الاستعانة بهم وما يلحقهم من الذل من قوله :فقل إن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً، والذي قدّمت أيديهم ردهم حكم الرسول أو معاصيهم المتقدّمة أو نفاقهم واستهزاؤهم ثلاثة أقوال.
وقيل في قوله :إلا إحساناً وتوفيقاً أي :ما أردنا بطلب دم صاحبنا الذي قتله عمر إلا إحساناً إلينا، وما يوافق الحق في أمرنا.
وقيل :ما أردنا بالرفع إلى عمر إلا إحساناً إلى صاحبنا بحكومة العدل، وتوفيقاً بينه وبين خصمه.
وقيل :جاؤوا يعتذرون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من محاكمتهم إلى غيره ما أردنا في عدولنا عنك إلا إحساناً بالتقريب في الحكم، وتوفيقاً بين الخصوم، دون الحمل على الحق.
وفي قوله :فكيف إذا أصابتهم مصيبة، وعيد لهم على فعلهم، وأنهم سيندمون عليه عند حلول بأس الله تعالى حين لا ينفعهم الندم، ولا يغني عنهم الاعتذار.
﴿ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً ﴾ أي :يعلم ما في قلوبهم من النفاق.
والمعنى :يعلمه فيجازيهم عليه، أو يجازيهم على ما أسرّوه من الكفر، وأظهروه من الحلف الكاذب.
وعبر بالعلم عن المجازاة.
فأعرض عنهم :أي عن معاتبتهم وشغل البال بهم، وقبول إيمانهم وأعذارهم.
وقيل :المعنى بالإعراض معاملتهم بالرفق والإناة، ففي ذلك تأديب لهم، وهو عتابهم.
ولا يراد بالإعراض الهجر والقطيعة، فإنّ قوله :وعظهم يمنع من ذلك.
وعظهم :أي خوفهم بعذاب الله وازجرهم، وأنكر عليهم أن يعودوا لمثل ما فعلوا.
والقول البليغ هو الزجر والردع.
قال الحسن :هو التوعد بالقتل إن استداموا حالة النفاق.
ويتعلق قوله :في أنفسهم بقوله :قل على أحد معنيين، أي :قل لهم خالياً بهم لا يكون معهم أحد من غيرهم مساراً لأنّ النصح إذا كان في السرّ كان أنجح، وكان بصدد أن يقبل سريعاً.
ومعنى بليغاً :أي مؤثراً فيهم.
أو قلْ لهم في معنى أنفسهم النجسة المنطوية على النفاق قولاً يبلغ منهم ما يزجرهم عن العود إلى ما فعلوا.
وقال الزمخشري :( فإن قلت ) :ثم تعلق قوله :في أنفسهم ؟ ( قلت ) :بقوله :بليغاً أي :قلْ لهم قولاً بليغاً في أنفسهم، مؤثراً في قلوبهم يغتمون به اغتماماً، ويستشعرون منه الخوف استشعاراً، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إنْ نجم منهم النفاق، وأطلع قرنه، وأخبرهن أنَّ ما في نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند الله، وأنه لا فرق بينكم وبين المشركين.
وما هذه المكافة إلا لإظهاركم الإيمان، وإسراركم الكفر وإضماره، فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيت انتهى كلامه.
وتعليقه في أنفسهم بقوله :بليغاً لا يجوز على مذهب البصريين، لأن معمول الصفة لا يتقدّم عندهم على الموصوف.
لو قلت :هذا رجل ضارب زيداً لم يجز أن تقول :هذا زيداً رجل ضارب، لأن حق المعمول ألا يحل إلا في موضع يحل فيه العامل، ومعلوم أن النعت لا يتقدّم على المنعوت، لأنه تابع، والتابع في ذلك بمذهب الكوفيين.
وأما ما ذكره الزمخشري بعد ذلك من الكلام المسهب فهو من نوع الخطابة، وتحميل لفظ القرآن ما لا يحتمله، وتقويل الله تعالى ما لم يقله، وتلك عادته في تفسيره وهو تكثير الألفاظ.
ونسبة أشياء إلى الله تعالى لم يقلها الله تعالى، ولا دل عليها اللفظ دلالة واضحة، والتفسير في الحقيقة إنما هو شرح اللفظ المستغلق عند السامع مما هو واضح عنده مما يرادفه أو يقاربه، أو له دلالة عليه بإحدى طرق الدلالات.
وحكي عن مجاهد أن قوله :في أنفسهم متعلق بقوله :مصيبة، وهو مؤخر بمعنى التقديم، وهذا ينزه مجاهد أن يقوله، فإنه في غاية الفساد.
﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ﴾ نبه تعالى على جلالة الرسل، وأنّ العالم يلزمهم طاعتهم، والرسول منهم تجب طاعته.
ولام ليطاع لام كي، وهو استثناء مفرّغ من المفعول من أجله أي :وما أرسلنا من رسول بشيء من الأشياء إلا لأجل الطاعة.
وبإذن الله أي بأمره، قاله :ابن عباس.
أو بعلمه وتوفيقه وإرشاده.
وحقيقة الإذن التمكين مع العلم بقدر ما مكن فيه.
والظاهر أن بإذن الله متعلق بقوله :ليطاع.
وقيل :بأرسلنا أي :وما أرسلنا بأمر الله أي :بشريعته، ودينه وعبادته من رسول إلا ليطاع.
قال ابن عطية :وعلى التعليقين فالكلام عام اللفظ، خاص المعنى، لأنّا نقطع أنَّ الله تبارك وتعالى قد أراد من بعض خلقه أن لا يطيعوه، ولذلك خرجت طائفة معنى الإذن إلى العلم، وطائفة خرجته إلى الإرشاد لقوم دون قوم، وهو تخريج حسن.
لأن الله إذا علم من أحد أنه يؤمن وفقه لذلك، فكأنه أذن له انتهى.
ولا يلزم ما ذكره من أن الكلام عام اللفظ خاص المعنى، لأن قوله :ليطاع مبني للمفعول الذي لم يسم فاعله، ولا يلزم من الفاعل المحذوف أن يكون عاماً، فيكون التقدير :ليطيعه العالم، بل المحذوف ينبعي أن يكون خاصاً ليوافق الموجود، فيكون أصله :إلا ليطيعه من أردنا طاعته.
وقال عبد الله الرازي :والآية دالة على أنه لا رسول إلا ومعه شريعة ليكون مطاعاً في تلك الشريعة، ومتبوعاً فيها، إذ لو كان لا يدعو إلا إلى شرع مَن قبله لم يكن هو في الحقيقة مطاعاً، بل المطاع هو الرسول المتقدم الذي هو الواضع لتلك الشريعة، والله تعالى حكم على كل رسول بأنه مطاع انتهى.
ولا يعجبني قوله :الواضع لتلك الشريعة، والأحسن أن يقال :الذي جاء بتلك الشريعة من عند الله.
﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً ﴾ ظلموا أنفسهم بسخطهم لقضائك أو بتحاكمهم إلى الطاغوت، أو بجميع ما صدر عنهم من المعاصي.
جاؤوك فاستغفروا الله بالإخلاص، واعتذروا إليك.
واستغفر لهم الرسول أي :شفع لهم الرسول في غفران ذنوبهم.
والعامل في إذ جاؤوك، والتفت في قوله :واستغفر لهم الرسول، ولم يجىء على ضمير الخطاب في جاؤوك تفخيماً لشأن الرسول، وتعظيماً لاستغفاره، وتنبيهاً على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله تعالى بمكان، وعلى أنَّ هذا الوصف الشريف وهو إرسال الله إياه موجب لطاعته، وعلى أنه مندرج في عموم قوله : ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ﴾ ومعنى وجدوا :علموا، أي :بإخباره أنه قبل توبتهم ورحمهم.
وقال أبو عبد الله الرازي ما ملخصه :فائدة ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم بأنهم بتحاكمهم إلى الطاغوت خالفوا حكم الله، وأساءوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فوجب عليهم أن يعتذروا ويطلبوا من الرسول الاستغفار، أو لمّا لم يرضوا بحكم الرسول ظهر منهم التمرد، فإذا تابوا وجب أن يظهر منهم ما يزيد التمرد بأن يذهبوا إلى الرسول ويطلبوا منه الاستغفار، أو إذا تابوا بالتوبة أتوا بها على وجه من الخلل، فإذا انضم إليها استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم صارت مستحقة.
والآية تدل على قبول توبة التائب لأنه قال بعدها : ﴿ لوجدوا الله ﴾ وهذا لا ينطبق على ذلك الكلام إلا إذا كان المراد من قوله : ﴿ تواباً رحيماً ﴾ قبول توبته انتهى.
وروي عن علي كرم الله وجهه أنه قال :قدم علينا أعرابي بعدما دفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أيام فرمى بنفسه على قبره وحثا من ترابه على رأسه ثم قال :
يا خير من دفنت في الترب أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم قال :قد قلت :يا رسول الله فسمعنا قولك، ووعيت عن الله فوعينا عنك، وكان فيما أنزل الله عليك ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك الآية، وقد ظلمت نفسي وجئت أستغفر الله ذنبي، فاستغفر لي من ربي، فنودي من القبر أنه قد غفر لك.
شجر الأمر :التبس، يشجر شجوراً وشجراً، وشاجر الرجل غيره في الأمر نازعه فيه، وتشاجروا.
وخشبات الهودج يقال لها شجار لتداخل بعضها ببعض.
ورمح شاجر، والشجير الذي امتزجت مودته بمودّة غيره، وهو من الشجر شبه بالتفاف الأغصان.
وقد تقدّم ذكر هذه المادّة في البقرة وأعيدت لمزيد الفائدة.
﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ﴾ قال مجاهد وغيره :نزلت فيمن أراد التحاكم إلى الطاغوت.
ورجحه الطبري لأنه أشبه بنسف الآيات.
وقيل :في شأن الرجل الذي خاصم الزبير في السقي بماء الحرة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال :
« اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك » فغضب وقال : « إن كان ابن عمتك، فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم واستوعب للزبير حقه فقال :احبس يا زبير الماء حتى يبلغ الجدر، ثم أرسل الماء » والرجل هو من الأنصار بدري.
وقيل :هو حاطب بن أبي بلتعة.
وقيل :نزلت نافية لإيمان الرجل الذي قتله عمر، لكونه رد حكم النبي صلى الله عليه وسلم، ومقيمة عذر عمر في قتله، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم : « ما كنت أظن أنّ عمر يجترىء على قتل رجل مؤمن » وأقسم بإضافة الرب إلى كاف الخطاب تعظيماً للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو التفات راجع إلى قوله : ﴿ جاؤوك ﴾ ولا في قوله :فلا.
قال الطبري :هي رد على ما تقدم تقديره :فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، ثم استأنف القسم بقوله :وربك لا يؤمنون.
وقال غيره :قدم لا على القسم اهتماماً بالنفي، ثم كررها بعد توكيداً للتهم بالنفي، وكان يصح إسقاط لا الثانية، ويبقى أكثر الاهتمام بتقديم الأولى، وكان يصح إسقاط الأولى ويبقى معنى النفي، ويذهب معنى الاهتمام.
وقيل :الثانية زائدة، والقسم معترض بين حرف النفي والمنفي.
وقال الزمخشري :لا مزيدة لتأكيد معنى القسم، كما زيدت في لئلا يعلم لتأكيد وجوب العلم.
ولا يؤمنون جواب القسم.
( فإن قلت ) :هلا زعمت أنها زيدت لتظاهر لا في.
لا يؤمنون.
( قلت ) :يأبى ذلك استواء النفي والإثبات فيه، وذلك قوله : ﴿ فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم ﴾ انتهى كلامه.
ومثل الآية قول الشاعر :
ولا والله لا يلقى لما بي ولا للما بهم أبداً دواء
وحتى هنا غاية، أي :ينتفي عنهم الإيمان إلى هذه الغاية، فإذا وجد ما بعد الغاية كانوا مؤمنين.
وفيما شجر بينهم عام في كل أمر وقع بينهم فيه نزاع وتجاذب.
ومعنى يحكموك، يجعلوك حكماً.
وفي الكلام حذف التقدير :فتقضي بينهم.
﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ﴾ أي ضيقاً من حكمك.
وقال مجاهد :شكا لأن الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له البيان.
وقال الضحاك :إثماً أي :سبب إثم.
والمعنى :لا يخطر ببالهم ما يأثمون به من عدم الرضا.
وقيل :هماً وحزناً، ويسلموا أي ينقادوا ويذعنوا لقضائك، لا يعارضون فيه بشيء قاله :ابن عباس والجمهور.
وقيل :معناه ويسلموا ما تنازعوا فيه لحكمك، ذكره الماوردي، وأكد الفعل بالمصدر على سبيل صدور التسليم حقيقة، وحسَّنه كونه فاصلة.
وقرأ أبو السمال :فيما شجر بسكون الجيم، وكأنه فرَّ من توالي الحركات، وليس بقوي لخفة الفتحة بخلاف الضمة والكسرة، فإن السكون بدلهما مطرد على لغة تميم.
﴿ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ﴾ قالت اليهود لما لم يرض المنافق بحكم الرسول :ما رأينا أسخف من هؤلاء لا يؤمنون بمحمد ويتبعونه، ويطؤن عقبه، ثم لا يرضون بحكمه، ونحن قد أمرنا بقتل أنفسنا ففعلنا، وبلغ القتل فينا سبعين ألفاً.
فقال ثابت بن قيس :لو كتب ذلك علينا لفعلنا فنزلت.
وروي هذا السبب بألفاظ متغايرة والمعنى قريب.
ومعنى الآية :أنه تعالى لو فرض عليهم أنْ يقتلوا أنفسهم، إمّا أن يقتل نفسه بيده، أو يقتل بعضهم بعضاً، أو أن يخرجوا من ديارهم كما فرض ذلك على بني إسرائيل حين استتيبوا من عبادة العجل لم يطع منهم إلا القليل، وهذا فيه توبيخ عظيم حيث لا يمتثل أمر الله إلا القليل.
وقال السبيعي :لما نزلت قال رجل :لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا.
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « إنّ من أمتي رجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي » قال ابن وهب :الرجل القائل ذلك هو أبو بكر.
وروي عنه أنه قال :لو كتب علينا ذلك لبدأت بنفسي وأهل بيتي.
وذكر النقاش :أنه عمر.
وذكر أبو الليث السمرقندي :أن القائل منهم عمار، وابن مسعود، وثابت بن قيس.
والضمير في عليهم قيل :يعود على المنافقين، أي :ما فعله إلا قليل منهم رياء وسمعة، وحينئذ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم.
وقيل :يعود على الناس مؤمنهم ومنافقهم.
وكسر النون مِن أن، وضم الواو من أو، أبو عمرو.
وكسرهما حمزة وعاصم، وضمهما باقي السبعة.
وأن هنا يحتمل أن تكون تفسيرية، وأن تكون مصدرية على ما قرروا أنَّ أنْ توصل بفعل الأمر.
وفي الآية دليل على صعوبة الخروج من الديار، إذ قرنه الله تعالى بقتل الأنفس، وقد خرج الصحابة المهاجرون من ديارهم وفارقوا أهاليهم حين أمرهم الله تعالى بالهجرة، وارتفع قليل، على البدل من الواو في فعلوه على مذهب البصريين، وعلى العطف على الضمير على قول الكوفيين، وبالرفع قرأ الجمهور.
وقرأ أبيّ، وابن أي إسحاق، وابن عامر، وعيسى بن عمر :إلا قليلاً بالنصب، ونص النحويون على أن الاختيار في مثل هذا التركيب اتباع ما بعد إلا لما قبلها في الإعراب على طريقة البدل أو العطف، باعتبار المذهبين اللذين ذكرناهما.
وقال الزمخشري :وقرئ إلا قليلاً بالنصب على أصل الاستثناء، أو على إلا فعلاً قليلاً انتهى.
إلا ما النصب على أصل الاستثناء فهو الذي وجه الناس عليه هذه القراءة.
وأما قوله :على إلا فعلا قليلاً فهو ضعيف لمخالفة مفهوم التأويل قراءة الرفع، ولقوله منهم فإنه تعلق على هذا التركيب :لو قلت ما ضربوا زيداً إلا ضرباً قليلاً منهم لم يحسن أن يكون منهم لا فائدة في ذكره.
وضمير النصب في فعلوه عائد على أحد المصدرين المفهومين من قوله :أن اقتلوا أو اخرجوا.
وقال أبو عبد الله الرازي :الكناية في قوله ما فعلوه عائد على القتل والخروج معاً، وذلك لأن الفعل جنس واحد، وإن اختلفت صورته انتهى.
وهو كلام غير نحوي.
﴿ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً ﴾ الضمير في :ولو أنهم مختص بالمنافقين، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاماً وآخرها خاصاً.
قال الزمخشري :ما يوعظون به من اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته، والانقياد لما يراه ويحكم به، لأنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، لكان خيراً لهم في عاجلهم وآجلهم، وأشد تثبيتاً لإيمانهم، وأبعد من الاضطراب فيه.
وقال ابن عطية :ولو أن هؤلاء المنافقين اتعظوا وأنابوا لكان خيراً لهم، وتثبيتاً معناه يقيناً وتصديقاً انتهى.
وكلاهما شرح ما يوعظون به بخلاف ما يدل عليه الظاهر.
لأنّ الذي يوعظ به ليس هو اتباع الرسول وطاعته، وليس مدلول ما يوعظون به اتعظوا وأنابوا، وقيل :الوعظ هنا بمعنى الأمر أي :ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به فانتهوا عما نهوا عنه.
وقال في ري الظمآن :ما يوعظون به أي :ما يوصون ويؤمرون به من الإخلاص والتسليم.
وقال الراغب :أخبر أنهم لو قبلوا الموعظة لكان خيراً لهم.
وقال أبو عبد الله الرازي :المراد أنهم لو فعلوا ما كلفوا به وأمروا، وسمي هذا التكليف والأمر وعظاً، لأن تكاليف الله تعالى مقرونة بالوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، والثواب والعقاب، وما كان كذلك فإنه يسمى وعظاً.
وقال الماتريدي :وقيل ما يوعظون به من الأمر من القرآن.
وهذه كلها تفاسير تخالف الظاهر، لأن الوعظ هو التذكار بما يحل بمن خالف أمر الله تعالى من العقاب، فلموعظ به هي الجمل الدالة على ذلك، ولا يمكن حمله على هذا الظاهر، لأنهم لم يؤمروا بأنْ يفعلوا الموعظ به، وإنما عرض لهم شرح ذلك بما خالف الظاهر، لأنهم علقوا به بقوله :ما يوعظون، على طريقة ما يفهم من قولك :وعظتك بكذا، فتكون الباء قد دخلت على الشيء الموعظ به وهي الجملة الدالة على الوعظ.
أما إذا كان المعنى على أنّ الباء للسببية فيحمل إذ ذاك اللفظ على الظاهر، ويصح المعنى، ويكون التقدير :ولو أنهم فعلوا الشيء الذي يوعظون بسببه أي :بسبب تركه.
ودلّ على حذف تركه قوله :ولو أنهم فعلوا.
ويبقى لفظ يوعظون على ظاهره، ولا يحتاج إلى ما تأولوه.
لكان خيراً لهم :أي يحصل لهم خير الدارين، فلا يكون أفعل التفضيل.
ويحتمل أن يكونه أي :لكان أنفع لهم من غيره :وأشد تثبيتاً، لأنه حق، فهو أبقى وأثبت.
أو لأنّ الطاعة تدعو إلى أمثالها، أو لأنّ الإنسان يطلب أولاً تحصيل الخير، فإذا حصله طلب بقاءه.
فقوله :لكان خيراً لهم إشارة إلى الحالة الأولى.
وقوله :وأشد تثبيتاً إشارة إلى الحالة الثانية.
قاله :أبو عبد الله الرازي.
﴿ وإذاً لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً ولهديناهم صراطاً مستقيماً ﴾ قال الزمخشري :وإذا جواب لسؤال مقدر كأنه قيل :وماذا يكون لهم أيضاً بعد التثبيت ؟ فقيل :وإذا لو ثبتوا لآتيناهم.
لأنّ إذا جواب وجزاء انتهى.
وظاهر قول الزمخشري :لأن إذا جواب وجزاء يفهم منه أنها تكون للمعنيين في حال واحد على كل حال، وهذه مسألة خلاف.
ذهب الفارسي إلى أنها قد تكون جواباً فقط في موضع، وجواباً وجزاء في موضع نفي، مثل :إذن أظنك صادقاً لمن قال :أزورك، هي جواب خاصة.
وفي مثل :إذن أكرمك لمن قال :أزورك، هي جواب وجزاء.
وذهب الأستاذ أبو عليّ إلى أنها تتقدر بالجواب والجزاء في كل موضع وقوفاً مع ظاهر كلام سيبويه.
والصحيح قول الفارسي، وهي مسألة يبحث عنها في علم النحو.
والأجر كناية عن الثواب على الطاعة، ووصفه بالعظم باعتبار الكثرة، أو باعتبار الشرف.
والصراط المستقيم هو الإيمان المؤدّي إلى الجنة قاله :ابن عطية.
وقيل :هو الطريق إلى الجنة.
وقيل :الأعمال الصالحة.
ولما فسر ابن عطية الصراط المستقيم بالإيمان قال :وجاء ترتيب هذه الآية كذا.
ومعلوم أنَّ الهداية قبل إعطاء الأجر، لأن المقصد إنما هو تعديد ما كان الله ينعم به عليهم دون ترتيب، فالمعنى :وكهديناهم قبل حتى يكونوا ممن يؤتى الأجر انتهى.
وأمّا إذا فسرت الهداية إلى الصراط هنا بأنه طريق الجنة، أو الأعمال الصالحة، فإنه يظهر الترتيب.
﴿ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين ﴾ قال الكلبي :نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه فقال : « يا ثوبان ما غير لونك ؟ » فقال :يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك، واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك ثم ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك هناك، لأني أعرف أنك ترفع مع النبيين، وإنِّي وإن كنت أدخل الجنة كنت في منزل أدنى من منزلك، وإنْ لم أدخل الجنة فذلك حين لا أراك أبداً.
انتهى قول الكلبي.
وحكي مثل قول ثوبان عن جماعة من الصحابة منهم :عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري، وهو الذي أري الأذان قال :يا رسول الله، إذا مت ومتنا، كنتَ في عليين فلا نراك ولا نجتمع بك، وذكر حزنه على ذلك، فنزلت.
وحكى مكي عن عبد الله هذا أنه لما مات النبي صلى الله عليه وسلم قال :اللهم اعمني حتى لا أرى شيئاً بعده، فعمي.
والمعنى في مع النبيين :إنه معهم في دار واحدة، وكل من فيها رزق الرضا بحاله، وهم بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر، وإنْ بعد مكانه.
وقيل :المعية هنا كونهم يرفعون إلى منازل الأنبياء متى شاؤوا تكرمة لهم، ثم يعودون إلى منازلهم.
وقيل :إنّ الأنبياء والصدّيقين والشهداء ينحدرون إلى من أسفل منهم ليتذاكروا نعمة الله، ذكره المهدوي في تفسيره الكبير.
قال أبو عبد الله الرازي :هذه الآية تنبيه على أمرين من أحوال المعاد :الأول :إشراق الأرواح بأنوار المعرفة.
والثاني :كونهم مع النبيين.
وليس المراد بهذه المعية في الدرجة، فإنّ ذلك ممتنع، بل معناه :إن الأرواح الناقصة إذا استكملت علائقها مع الأرواح الكاملة في الدنيا بقيت بعد المفارقة تلك العلائق، فينعكس الشعاع من بعضها على بعض، فتصير أنوارها في غاية القوة، فهذا ما خطر لي انتهى كلامه.
وهو شبيه بما قالته الفلاسفة في الأرواح إذا فارقت الأجساد.
وأهل الإسلام يأبون هذه الألفاظ ومدلولاتها، ولكن من غلب عليه شيء وحبه جرى في كلامه.
وقوله :مع الذين أنعم الله عليهم، تفسير لقوله : ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ وهم من ذكر في هذه الآية.
والظاهر أن قوله :من النبيين، تفسير للذين أنعم الله عليهم.
فكأنه قيل :من يطع الله ورسوله منكم ألحقه الله بالذين تقدمهم ممن أنعم عليهم.
قال الراغب :ممن أنعم عليهم من الفرق الأربع في المنزلة والثواب :النبي بالنبي، والصديق بالصديق، والشهيد بالشهيد، والصالح بالصالح.
وأجاز الراغب أن يتعلق من النبيين بقوله :ومن يطع الله والرسول.
أي :من النبيين ومن بعدهم، ويكون قوله :فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم إشارة إلى الملأ الأعلى.
ثم قال : ﴿ وحسن أولئك رفيقاً ﴾ ويبين ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم حين الموت « اللهم ألحقني بالرفيق الأعلى » وهذا ظاهر انتهى.
وهذا الوجه الذي هو عنده ظاهر فاسد من جهة المعنى، ومن جهة النحو.
أما من جهة المعنى فإنّ الرسول هنا هو محمد صلى الله عليه وسلم، أخبر الله تعالى أنْ من يطيعه ويطيع رسوله فهو مع من ذكر، ولو كان من النبيين معلقاً بقوله :ومن يطع الله والرسول، لكان قوله :من النبيين تفسيراً لمن في قوله :ومن يطع.
فيلزم أن يكون في زمان الرسول أو بعده أنبياء يطيعونه، وهذا غير ممكن، لأنه قد أخبر تعالى أنّ محمداً هو خاتم النبيين.
وقال هو صلى الله عليه وسلم : « لا نبي بعدي » وأما من جهة النحو فما قبل فاء الجزاء لا يعمل فيما بعدها، لو قلت :إنْ تقم هند فعمرو ذاهب ضاحكة، لم يجز.
واختلفوا في الأوصاف الثلاثة التي بعد النبيين.
فقال بعضهم :كلها أوصاف لموصوف واحد، وهي صفات متداخلة، فإنه لا يمتنع في الشخص الواحد أنْ يكون صديقاً وشهيداً وصالحاً.
وقيل :المراد بكل وصف صنف من الناس.
فأما الصديق فهو فعيل للمبالغة كشريب.
فقيل :هو الكثير الصدق، وقيل :هو الكثير الصدقة.
وللمفسرين في تفسيره وجوه :الأول :أنّ كل من صدق بكل الذي لا يتخالجه فيه شك فهو صديق لقوله تعالى : ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ﴾ الثاني :أفاضل أصحاب الرسول.
الثالث :السابق إلى تصديق الرسول.
فصار في ذلك قدوة لسائر الناس.
وأما الشهيد :فهو المقتول في سبيل الله، المخصوص بفضل الميتة.
وفرق الشرع حكمهم في ترك الغسل والصلاة، لأنهم أكرم من أن يشفع فيهم.
وقد تقدم الكلام في كونهم سموا شهداء، ولكن لفظ الشهداء في الآية يعم أنواع الشهداء الذين ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو عبد الله الرازي :لا يجوز أن تكون الشهادة مفسرة بكون الإنسان مقتول الكافر، بل نقول :الشهيد فعيل بمعنى فاعل، وهو الذي يشهد لدين الله تارة بالحجة بالبيان، وتارة بالسيف والسنان.
فالشهداء هم القائمون بالقسط، وهم الذين ذكرهم الله في قوله : ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ والصالح :هو الذي يكون صالحاً في اعتقاده وعمله.
وجاء هذا التركيب على هذا القول على حسب التنزل من الأعلى إلى الأدنى، إلى أدنى منه.
وفي هذا الترغيب للمؤمنين في طاعة الله وطاعة رسوله، حيث وعدوا بمرافقة أقرب عباد الله إلى الله، وأرفعهم درجات عنده.
وقال الراغب :قسم الله المؤمنين في هذه الآية أربعة أقسام، وجعل لهم أربعة منازل بعضها دون بعض، وحث كافة الناس أنْ يتأخروا عن منزل واحد منهم :الأول :الأنبياء الذين تمدهم قوة الإلهية، ومثلهم كمن يرى الشيء عياناً من قريب.
ولذلك قال تعالى : ﴿ أفتمارونه على ما يرى ﴾ الثاني :الصديقون وهم الذين يزاحمون الأنبياء في المعرفة، ومثلهم كمن يرى الشيء عياناً من بعيد وإياه عني أمير المؤمنين حين قيل له :هل رأيت الله ؟ فقال :ما كنت لأعبد شيئاً لم أره ثم قال :« لم تره العيون بشواهد الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان.
الثالث :الشهداء وهم الذين يعرفون الشيء بالبراهين.
ومثلهم كمن يرى الشيء في المرآة من مكان قريب، كحال حارثة حيث قال :كأني أنظر إلى عرش ربي، وإياه قصد النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال :» اعبد الله كأنك تراه « الرابع :الصالحون، وهم الذين يعرفون الشيء باتباعات وتقليدات الراسخين في العلم، ومثلهم كمن يرى الشيء من بعيد في مرآة.
وإياه قصد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله :» اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك « انتهى كلامه.
وهو شبيه بكلام المتصوفة.
وقال عكرمة :النبيون محمد صلى الله عليه وسلم، والصديقون أبو بكر، والشهداء عمر وعثمان وعلي، والصالحون صالحو أمّة محمد صلى الله عليه وسلم انتهى.
وينبغي أن يكون ذلك على طريق التمثيل، وأما على طريق الحصر فلا، ولا يفهم من قوله :ومن يطع الله والرسول ظاهر اللفظ من الاكتفاء بالطاعة الواحدة، إذ اللفظ الدال على الصفة يكفي في العمل في جانب الثبوت حصول ذلك المسمى مرة واحدة لدخول المنافقين فيه، لأنهم قد يأتون بالطاعة الواحدة، بل يحمل على غير الظاهر بأن تحمل الطاعة على فعل جميع المأمورات، وترك جميع المنهيات.
﴿ وحسن أولئك رفيقاً ﴾ أولئك :إشارة إلى النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
لم يكتف بالمعية حتى جعلهم رفقاء لهم، فالمطيع لله ولرسوله يوافقونه ويصحبونه، والرفيق الصاحب، سمي بذلك للارتفاق به.
وعلى هذا يجوز أن ينتصب رفيقاً على الحال من أولئك، أو على التمييز.
وإذا انتصب على التمييز فيحتمل أن لا يكون منقولاً، فيجوز دخول من عليه، ويكون هو المميز.
وجاء مفرداً إمّا لأن الرفيق مثل الخليط والصديق، يكون للمفرد والمثنى والمجموع بلفظ واحد.
وأمّا لإطلاق المفرد في باب التمييز اكتفاء ويراد به الجمع، ويحسن ذلك هنا كونه فاصلة، ويحتمل أن يكون منقولاً من الفاعل، فلا يكون هو المميز والتقدير :وحسن رفيق أولئك، فلا تدخل عليه مَن ويجوز أن يكون أولئك إشارة إلى مَن يطع الله والرسول، وجمع على معنى من ويجوز في انتصاب رفيقاً إلا وجه السابقة.
وقرأ الجمهور :وحسُن بضم السين، وهي الأصل، ولغة الحجاز.
وقرأ أبو السمال :وحسْن بسكون السين وهي لغة تميم.
ويجوز :وحُسْن بسكون السين وضم الحاء على تقدير نقل حركة السين إليها، وهي لغة بعض بني قيس.
قال الزمخشري :وحسن أولئك رفيقاً فيه معنى التعجب، كأنه قيل :وما أحسن أولئك رفيقاً.
ولاستقلاله بمعنى التعجب وقرئ :وحسْن بسكون السين.
يقول المتعجب.
وحسْنُ الوجه وجهك بالفتح والضم مع التسكين انتهى كلامه.
وهو تخليط، وتركيب مذهب على مذهب.
فنقول :اختلفوا في فعل المراد به المدح والذم، فذهب الفارسي وأكثر النحويين إلى جواز إلحاقه بباب نعم وبئس فقط، فلا يكون فاعلاً إلا بما يكون فاعلاً لهما.
وذهب الأخفش والمبرد إلى جواز إلحاقه بباب نعم وبئس، فيجعل فاعلها كفاعلهما، وذلك إذا لم يدخله معنى التعجب.
وإلى جواز إلحاقه بفعل التعجب فلا يجري مجرى نعم وبئس في الفاعل، ولا في بقية أحكامهما، بل يكون فاعله ما يكون مفعولاً لفعل التعجب، فيقول :لضربت يدك ولضربت اليد.
والكلام على هذين المذهبين تصحيحاً وإبطالاً مذكور في علم النحو.
والزمخشري لم يتبع واحداً من هذين المذهبين، بل خلط وركب، فأخذ التعجب من مذهب الأخفش، وأخذ التمثيل بقوله :وحسن الوجه وجهك، وحسن الوجه وجهك من مذهب الفارسي.
وأما قوله :ولاستقلاله بمعنى التعجب، قرئ :وحسْن بسكون السين، وذكر أن المتعجب يقول :وحسن وحسن، فهذا ليس بشيء، لأن الفرّاء ذكر أن تلك لغات للعرب، فلا يكون التسكين، ولا هو والنقل لأجل التعجب.
﴿ ذلك الفضل من الله ﴾ الظاهر أن الإشارة إلى كينونة المطيع من النبيين، ومن عطف عليهم، لأنه هو المحكوم به في قوله : ﴿ فأولئك مع الذين ﴾ وكأنه على تقدير سؤال أي :وما الموجب لهم استواؤهم مع النبيين في الآخرة، مع أن الفرق بينهم في الدنيا بيِّن ؟ فذكر أنَّ ذلك بفضله، لا بوجوب عليه.
ومع استوائهم معهم في الجنة فهم متباينون في المنازل.
وقيل :الإشارة إلى الثواب في قوله أجراً عظيماً.
وقيل :إلى الطاعة.
وقيل :إلى المرافقة.
وقال الزمخشري :إنّ ما أعطى المطيعون من الأجر العظيم ومرافقة المنعم عليهم من الله، لأنه تفضل به عليهم تبعاً لثوابهم، وذلك مبتدأ والفضل خبره، ومِن الله حال، ويجوز أن يكونَ الفضل صفةً، والخبر من الله، ويجوز أن يكونا خبرين على مذهب من يجيز ذلك.
﴿ وكفى بالله عليماً ﴾ لما ذكر الطاعة وذكر جزاء من يطيع أتى بصفة العلم التي تتضمن الجزاء أي :وكفى به مجازياً لمن أطاع.
قال ابن عطية :فيه معنى أن تقول :فشملوا فعل الله وتفضله من الاعتراض عليه، واكتفوا بعلمه في ذلك وغيره، ولذلك دخلت الباء على اسم الله تعالى لتدل على الأمر الذي في قوله :وكفى، انتهى.
وقد بينا فساد قولَ مَن يدّعي أنَّ قولك :كفى بزيد معناه اكتف بزيد عند الكلام على قوله : ﴿ وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً ﴾ وقال الزمخشري :وكفى بالله عليماً، بجزاء من أطاعه.
أو أراد فصل المنعم عليهم، ومزيتهم من الله لأنهم اكتسبوه بتمكينه وتوفيقه، وكفى بالله عليماً بعباده، فهو يوفقهم على حسب أحوالهم انتهى.
وهي ألفاظ المعتزلة.
نفر الرجل ينفر نفيراً، خرج مجداً بكسر الفاء في المضارع وضمها، وأصله الفزع، يقال :نفر إليه إذا فزع إليه، أي طلب إزالة الفزع.
والنفير النافور، والنفر الجماعة.
ونفرت الدابة تفرُ بضم الفاء نفوراً أي هربت باستعجال.
الثبة :الجماعة الإثنان والثلاثة في كلام العرب قاله :الماتريدي.
وقيل :هي فوق العشرة من الرجال، وزنها فعلة.
ولامها قيل :واو، وقيل :ياء، مشتقة من تثبيت على الرجل إذا أثنيت عليه، كأنك جمعت محاسنه.
ومن قال :إن لامها واو، جعلها من ثبا يثبو مثل حلا يحلو.
وتجمع بالألف والتاء وبالواو والنون فتضم في هذا الجمع تاؤها، أو تكسر وثبة الحوض وسطه الذي يثوب الماء إليه، المحذوف منه عينه، لأنه من ثاب يثوب، وتصغيره ثويبة كما تقول في سه سييهة، وتصغير تلك ثبية.
﴿ يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً ﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه تعالى لما ذكر طاعته وطاعة رسوله، وكان من أهم الطاعات إحياء دين الله، أمر بالقيام بإحياء دينه، وإعلاء دعوته، وأمرهم أن لا يقتحموا على عدوهم على جهالة فقال :خذوا حذركم.
فعلمهم مباشرة الحروب.
ولما تقدم ذكر المنافقين، ذكر في هذه الآية تحذير المؤمنين من قبول مقالاتهم وتثبيطهم عن الجهاد، فنادى أولاً باسم الإيمان على عادته تعالى إذا أراد أن يأمر المؤمنين أو ينهاهم، والحذر والحذر بمعنى واحد.
قالوا :ولم يسمع في هذا التركيب الأخذ حذرك لأخذ حذرك.
ومعنى خذ حذرك :أي استعد بأنواع ما يستعد به للقاء من تلقاه، فيدخل فيه أخذ السلاح وغيره.
ويقال :أخذ حذره إذا احترز من المخوف، كأنه جعل الحذر آلته التي يتقي بها ويعتصم، والمعنى :احترزوا من العدو.
ثم أمر تعالى بالخروج إلى الجهاد جماعة جماعة، وسرية بعد سرية، أو كتيبة واحدة مجتمعة.
وقرأ الجمهور :فانفِروا بكسر الفاء فبهما.
وقرأ الأعمش :بضمها فيهما، وانتصاب ثبات وجميعاً على الحال، ولم يقرأ ثبات فيما علمناه إلا بكسر التاء.
وقال الفراء :العرب تخفض هذه التاء في النصب وتنصبها.
أنشدني بعضهم :
فلما جلاها بالأيام تحيزت ثباتاً عليها ذلها واكتئابها
ينشد بكسر التاء وفتحها انتهى.
وأوفى أو انفروا للتخيير.
وقال ابن عباس :هذه الآية نسختها.
﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ قيل :وإنما عنى بذلك التخصيص إذ ليس يلزم النفر جماعتهم.
البطء التثبط عن الشيء.
يقال :أبطأ وبطؤ مثل أسرع وسرع مقابله، وبطآن اسم فعل بمعنى بطؤ.
﴿ وإن منكم لمن ليبطئنّ ﴾ الخطاب لعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن جريج وابن زيد في آخرين :لمن ليبطئن هم المنافقون، وجعلوا من المؤمنين باعتبار الجنس، أو النسب، أو الانتماء إلى الإيمان ظاهراً.
وقال الكلبي :نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه.
وقيل :هم ضعفة المؤمنين.
ويبعد هذا القول قوله :عند مصيبة المؤمنين ﴿ قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً ﴾ وقوله : ﴿ كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ﴾ ومثل هذا لا يصدر عن مؤمن، إنما يصدر عن منافق.
واللام في ليبطئن لام قسم محذوف التقدير :للذي والله ليبطئن.
والجملتان من القسم وجوابه صلة لمن، والعائد الضمير المستكن في ليبطئن.
قالوا :وفي هذه الآية رد على من زعم من قدماء النحاة أنه لا يجوز وصل الموصول بالقسم وجوابه إذا كانت جملة القسم قد عريت من ضمير، فلا يجوز جاءني الذي أقسم بالله لقد قام أبوه، ولا حجة فيها لأنّ جملة القسم محذوفة، فاحتمل أن يكون فيها ضمير يعود على الموصول، واحتمل أنْ لا يكون.
وما كان يحتمل وجهين لا حجة فيه على تعيين أحدهما، ومثل هذه الآية قوله تعالى : ﴿ وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم ﴾ في قراءة من نصب كلا وخفف ميم لما أي :وأن كلا للذي ليوفينهم على أحسن التخاريج.
وقال ابن عطية :اللام في ليبطئن لام قسم عند الجمهور.
وقيل :هي لام تأكيد بعد تأكيد انتهى.
وهذا القول الثاني خطأ.
وقرأ الجمهور :ليبطئن، بالتشديد.
وقرأ مجاهد :ليبطئن بالتخفيف.
والقراءتان يحتمل أن يكون الفعل فيهما لازماً، لأنهم يقولون :أبطأ وبطأ في معنى بطؤ، ويحتمل أن يكون متعدياً بالهمزة أو التضعيف من بطؤ، فعل اللزوم المعنى أنه يتثاقل ويثبط عن الخروج للجهاد، وعلى التعدّي يكون قد ثبط غيره وأشار له بالقعود، وعلى التعدي أكثر المفسرين.
﴿ فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله عليّّ إذ لم أكن معهم شهيداً ﴾ المصيبة :الهزيمة.
سميت بذلك لما يلحق الإنسان من العتب بتولية الإدبار وعدم الثبات.
ومن العرب من يختار الموت على الهزيمة وقد قال الشاعر :
إن كنت صادقة كما حدثتني فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل عنهم ونجا برأس طمره ولجام
عيره بالانهزام وبالفرار عن الأحبة.
وقال آخر في المدح على الثبات في الحرب والقتل فيه :
وقد كان فوت الموت سهلاً فرده إليه الحفاظ المرء والخلق الوعر
فأثبت في مستنقع الموت رجله وقال لها من تحت أخمصك الحشر
وقيل :المصيبة القتل في سبيل الله، سموا ذلك مصيبة على اعتقادهم الفاسد، أو على أن الموت كله مصيبة كما سماه الله تعالى.
وقيل :المصيبة الهزيمة والقتل.
والشهيد هنا الحاضر معهم في معترك الحرب، أو المقتول في سبيل الله، يقوله المنافق استهزاء، لأنه لا يعتقد حقيقة المشهادة في سبيل الله.
الفضل هنا :الظفر بالعدو والغنيمة.
وقرأ الجمهور :ليقولن بفتح اللام.
وقرأ الحسن :ليقولن بضم اللام، أضمر فيه ضمير الجمع على معنى من.
وقرأ ابن كثير وحفص.
كأنْ لم تكن بتاء التأنيث، والباقون بالياء.
وقرأ الحسن ويزيد النحوي :فأفوزُ برفع الزاي عطفاً على كنت، فتكون الكينونة معهم والفوز بالقسمة داخلين في التمني، أو على الاستئناف أي فأنا أفوز.
وقرأ الجمهور :بنصب الزاي، وهو جواب التمني، ومذهبُ جمهور البصريين :أنّ النصب بإضمار أن بعد الفاء، وهي حرف عطف عطفت المصدر المنسبك من أن المضمرة والفعل المنصوب بها على مصدر متوهم.
ومذهب الكوفيين :أنه انتصب بالخلاف، ومذهب الجرمي :أنه انتصب بالفاء نفسها، ويا عند قوم للنداء، والمنادي محذوف تقديره :يا قوم ليتني.
وذهب أبو علي :إلى أن يا للتنبيه، وليس في الكلام منادى محذوف، وهو الصحيح.
وكأنْ هنا مخففة من الثقيلة، وإذا وليتها الجملة الفعلية فتكون مبدوءة بقد، نحو قوله :
لا يهولنك اصطلاؤك للحر ب فمحذورها كان قد ألما
أو بلم كقوله : « كان لم يكن » « كأن لم تغن بالأمس » ووجدت في شعر عمار الكلبي ابتداءها في قوله :
بددت منها الليالي شملهم فكأن لما يكونوا قبل ثم
وينبغي التوقف في جواز ذلك حتى يسمع من لسان العرب.
وقال ابن عطية :وكأنْ مضمنة معنى التشبيه، ولكنها ليست كالثقيلة في الحاجة إلى الاسم والخبر، وإنما تجيء بعدها الجمل انتهى.
وهذا الذي ذكره غير محرر، ولا على إطلاقه.
أما إذا خفقت ووليها ما كان يليها وهي ثقيلة، فالأكثر والأفصح أن ترتفع تلك الجملة على الابتداء والخبر، ويكون اسم كان ضمير شأن محذوفاً، وتكون تلك الجملة في موضع رفع خبر كان.
وإذا لم ينو ضمير الشأن جاز لها أن تنصب الاسم إذا كان مظهراً، وترفع الخبر هذا ظاهر كلام سيبويه.
ولا يخص ذلك بالشعر، فنقول :كأن زيداً قائم.
قال سيبويه :وحدثنا من يوثق به أنه سمع من العرب من يقول :إن عمر المنطلق وأهل المدينة يقرؤون :وأن كلا لما يخففون وينصبون كما قال :كأن ثدييه حقان، وذلك لأن الحرف بمنزلة الفعل، فلما حذف من نفسه شيء لم يغير عمله، كما لم يغير عمل لم يك، ولم أبل حين حذف انتهى.
فظاهر تشبيه سيبويه أن عمر المنطلق بقوله :كأن ثدييه حقان جواز ذلك في الكلام، وأنه لا يختص بالشعر.
وقد نقل صاحب رؤوس المسائل :أن كأنْ إذا خفقت لا يجوز إعمالها عند الكوفيين، وأن البصريين أجازوا ذلك.
فعلى مذهب الكوفيين قد يتمشى قول ابن عطية في أنَّ كانْ المخففة ليست كالثقيلة في الحاجة إلى الاسم والخبر، وأما على مذهب البصريين فلا، لأنها عندهم لا بد لها من اسم وخبر.
والجملة من قوله :كأنْ لم يكن بينكم وبينه مودة اختلف المفسرون فيها ونحن نسرد كلام من وقفنا على كلامه فيها.
فنقول :قال الزمخشري :اعتراض بين الفعل الذي هو ليقولن، وبين مفعوله وهو يا ليتني، والمعنى :كأنْ لم يتقدم له معكم مودة، لأنّ المنافقين كانوا يوادون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر، وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن.
والظاهر أنه تهكم، لأنهم كانوا أعدى عدوّ للمؤمنين وأشدهم حسداً لهم، فكيف يوصفون بالمودة إلا على وجه العكس تهكماً بحالهم ؟ وقال ابن عطية :المنافق يعاطي المؤمنين المودة، ويعاهد على التزام كلف الإسلام، ثم يتخلف نفاقاً وشكاً وكفراً بالله ورسوله، ثم يتمنى عندما يكشف الغيب الظفر للمؤمنين.
فعلى هذا يجيء قوله تعالى :كأن لم تكن بينكم وبينه مودة، التفاتة بليغة واعتراضاً بين القائل والمقول بلفظ يظهر زيادة في قبح فعلهم.
وقال الزجاج :هذه الجملة اعتراض، أخبر تعالى بذلك لأنهم كانوا يوادون المؤمنين.
وقال أيضاً، وتبعه الماتريدي هذا على التقديم والتأخير تقديره :فإنْ أصابتكم مصيبة قال :قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً، كأنْ لم تكن بينكم وبينه مودة، ولئن أصابكم فضل من الله.
قال الراغب :وذلك مستقبح، فإنه لا يفصل بين الجملة وبعض ما يتعلق بجملة أخرى.
وقال أيضاً :وتبعه أبو البقاء :موضع الجملة نصب على الحال كما تقول :مررت بزيد وكان لم يكن بينك وبينه معرفة، فضلاً عن مودة.
وقال أبو علي الفارسي :هذه الجملة من قول المنافقين الذين أقعدوهم عن الجهاد وخرجوا هم، كأن لم تكن بينكم وبينه أي :وبين النبي صلى الله عليه وسلم مودة فيخرجكم معهم لتأخذوا من الغنيمة، ليبغضوا بذلك الرسول إليهم.
وتبع أبو علي في ذلك مقاتلاً.
قال مقاتل :معناه كأنه ليس من أهل ملتكم ولا مودة بينكم، يريد :أنّ المبطىء قال لمن تخلف عن الغزو من المنافقين وضعفة المؤمنين، ومن تخلف بإذن كأن لم تكن بينكم وبين محمد مودة فيخرجكم إلى الجهاد، فتفوزون بما فاز.
وقال أبو عبد الله الرازي :هو اعتراض في غاية الحسن، لأن من أحب إنساناً فرح عند فرحه، وحزن عند حزنه، فإذا قلب القضية فذلك إظهار للعداوة.
فنقول :حكى تعالى عن المنافق سروره وقت نكبة المسلمين، ثم أراد أن يحكي حزنه عند دولة المسلمين بسبب أنه فاتته الغنيمة، فقبل أن يذكر الكلام بتمامه ألقى قوله :كأن لم يكن بينكم وبينه، والمراد التعجب.
كأنه يقول تعالى :انظروا إلى ما يقوله هذا المنافق، كأنْ لم يكن بينكم وبينه مودة أيها المؤمنون ولا مخالطة أصلاً، فهذا هو المراد من الكلام.
وقال قتادة وابن جريج :قول المنافق :يا ليتني كنت معهم على معنى الحسد منه للمؤمنين في نيل رغبته.
وتلخص من هذه الأقوال أن هذه الجملة :إمّا أن يكون لها موضع من الإعراب نصب على الحال من الضمير المستكن في ليقولن، أو نصب على المفعول بيقولن على الحكاية، فيكون من جملة المقول، وجملة المقول هو مجموع الجملتين :جملة التشبيه، وجملة التمني.
وضمير الخطاب للمتخلفين عن الجهاد، وضمير الغيبة في وبينه للرسول.
وعلى الوجه الأول ضمير الخطاب للمؤمنين، وضمير الغيبة للقائل.
وإمّا أن لا يكون لها موضع من الإعراب لكونها اعتراضاً في الأصل بين جملة الشرط وجملة القسم وأخرت، والنية بها التوسط بين الجملتين.
أو لكونها اعتراضاً بين :ليقولن ومعموله الذي هو جملة التمني، ولبس اعتراضاً يتعلق بمضمون هذه الجملة المتأخرة، بل يتعلق بمضمون الجملتين، والضمير الذي للخطاب هو للمؤمنين، وفي بينه للقائل.
واعترض به بين أثناء الحملة الأخيرة، ولم يتأخر بعدها وإنْ كان من حيث المعنى متأخراً إذ معناه متعلق بمضمون الجملتين، لأن معمول القول النية به التقديم، لكنه حسن تأخيره كونه وقع فاصلة.
ولو تأخرت جملة الاعتراض لم يحسن لكونها ليست فاصلة، والتقدير :ليقولن يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً كأنْ لم يكن بينكم وبينه مودة، إذ صدر منه قوله وقت المصيبة :قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً.
وقوله :وقت الغنيمة يا ليتني كنت معهم، وهذا قول من لم تسبق منه مودة لكم.
وفي الآيتين تنبيه على أنهم لا يعدّون من المنح إلا أغراض الدنيا، يفرحون بما ينالون منها، ولا من المحن إلا مصائبها فيتألمون لما يصيبهم منها كقوله تعالى : ﴿ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه ﴾ الآية.
وتضمنت هذه الجملة أنواعاً من الفصاحة والبديع :دخول حرف الشرط على ما ليس بشرط في الحقيقة في قوله :إن كنتم تؤمنون.
والإشارة في ذلك :خير أولئك الذين يعلم الله، فأولئك مع الذين، وحسن أولئك رفيقاً، ذلك الفضل من الله.
والاستفهام المراد به التعجب في :ألم تر إلى الذين يزعمون.
والتجنيس المغاير في :أن يضلهم ضلالاً، وفي :أصابتهم مصيبة، وفي :وقل لهم في أنفسهم قولاً، وفي :يصدّون عنك صدوداً، وفي :ويسلموا تسليماً، وفي :فإنْ أصابتكم مصيبة، وفي :فأفوز فوزاً عظيماً.
والاستعارة في :فإن تنازعتم، أصل المنازعة الجذب باليد، ثم استعير للتنازع في الكلام.
وفي :ضلالاً بعيداً استعار البعد المختص بالأزمنة والأمكنة للمعاني المختصة بالقلوب لدوام القلوب عليها، وفي :فيما شجر بينهم استعار ما اشتبك وتضايق من الشجر للمنازعة التي يدخل بها بعض الكلام في بعض استعارة المحسوس للمعقول وفي :أنفسهم حرجاً أطلق اسم الحرج الذي هو من وصف الشجر إذا تضايق على الأمر الذي يشق على النفس للمناسبة التي بينهما وهو من الضيق والتتميم، وهو أن يتبع الكلام كلمة تزيد المعنى تمكناً وبياناً للمعنى المراد وهو في قوله قولاً بليغاً أي :يبلغ إلى قلوبهم ألمه أو بالغاً في زجرهم.
وزيادة الحرف لزيادة المعنى في :من رسول أتت للاستغراق إذ لو لم تدخل لا وهم الواحد.
والتكرار في :استغفر واستغفروا أنفسهم، وفي أنفسهم واسم الله في مواضع.
والالتفات في :واستغفر لهم الرسول.
والتوكيد بالمصدر في :ويسلموا تسليماً.
والتقسيم البليغ في قوله :من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
وإسناد الفعل إلى ما لا يصح وقوعه منه حقيقة في :أصابتكم مصيبة، وأصابكم فضل.
وجعل الشيء من الشيء وليس منه لمناسبة في قوله :وإن منكم لمن ليبطئن.
والاعتراض على قول الجمهور في قوله :كأن لم يكن بينكم وبينه مودّة.
والحذف في مواضع.
﴿ فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ قيل :نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن أحد.
ويشرون بمعنى يشترون.
والمعنى :أخلصوا الإيمان بالله ورسوله، ثم جاهدوا في سبيل الله.
وقيل :نزلت في المؤمنين المتخلفين، ويشرون بمعنى يبيعون ويؤثرون الآجلة على العاجلة، ويستبدلونها بها أمر الله تعالى بالجهاد من تخلف من ضعفة المؤمنين.
﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً ﴾ ثم وعد من قاتل في سبيل الله بالأجر العظيم، سواء استشهد، أو غلب.
واكتفى في الحالتين بالغاية، لأن غاية المغلوب في القتال أن يقتل، وغاية الذي يقتل أن يغلب ويغنم، فأشرف الحالتين ما بدء به من ذكر الاستشهاد في سبيل الله، ويليها أنْ يقتل أعداء الله، ودون ذلك الظفر بالغنيمة، ودون ذلك أن يغزو فلا يصيب ولا يصاب.
ولفظ الجهاد في سبيل الله يشمل هذه الأحوال، والأجر العظيم فسر بالجنة.
والذي يظهر أنه مزيد ثواب من الله تعالى مثل كونهم أحياء عند ربهم يرزقون، لأن الجنة موعود دخولها بالإيمان.
وكان الذي فسره بالجنة ينظر إلى قوله تعالى : ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ﴾ الآية.
وقرأ الجمهور :فليقاتل بسكون لام الأمر.
وقرأت فرقة :بكسرها على الأصل.
وقرأ الجمهور :فيُقتل مبنياً للمفعول.
وقرأ محارب بن دثار :فيقتل على بناء الفعل للفاعل.
وأدغم يغلب في الفاء أبو عمرو والكسائي وهشام وخلاد بخلاف عنه، وأظهرها باقي السبعة.
وقرأ الجمهور :نؤتيه بالنون.
وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف :يؤتيه بالياء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات من البيان والبديع :الاستعارة في :يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، وفي :فسوف نؤتيه أجراً عظيماً لما يناله من النعيم في الآخرة، وفي :سبيل الله، وفي :سبيل الطاغوت، استعار الطريق للاتباع وللمخالفة وفي :كفوا أيديكم أطلق كف اليد الذي هو مختص بالإجرام على الإمساك عن القتال.
والاستفهام الذي معناه الاستبطاء والاستبعاد في :وما لكم لا تقاتلون.
والاستفهام الذي معناه التعجب في :ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا.
والتجوز بفي التي للوعاء عن دخولهم في :الجهاد.
والالتفات في :فسوف نؤتيه في قراءة النون.
والتكرار في :سبيل الله، وفي :واجعل لنا من لدنك، وفي :يقاتلون، وفي :الشيطان، وفي :وإن تصبهم، وفي :ما أصابك وفي :اسم الله.
والطباق اللفظي في :الذين آمنوا والذين كفروا.
والمعنوي في :سبيل الله طاعة وفي سبيل الطاغوت معصية.
والاختصاص في :إن كيد الشيطان كان ضعيفاً، وفي :والآخرة خير لمن اتقى.
والتجوز بإسناد الفعل إلى غير فاعله في :يدرككم الموت، وفي :إن تصبهم، وفي :ما أصابك.
والتشبيه في :كخشية.
وإيقاع أفعل التفضيل حيث لا مشاركة في :خير لمن اتقى.
والتجنيس المغاير في :يخشون وكخشية.
والحذف في مواضع.

﴿ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً ﴾ هذا الاستفهام فيه حثّ وتحريض على الجهاد في سبيل الله، وعلى تخليص المستضعفين.
والظاهر أنّ قوله :لا تقاتلون في موضع الحال، وجوزوا أن يكون التقدير :وما لكم في أنْ لا تقاتلوا، فلما حذف حرف الجر، وحذف أنْ، ارتفع الفعل، والمستضعفين هو مطعوف على اسم الله أي :وفي سبيل المستضعفين.
وقال المبرد والزجاج :هو معطوف على سبيل الله أي :في سبيل الله، وفي خلاص المستضعفين.
وقرأ ابن شهاب :في سبيل الله المستضعفين بغير واو عطف.
فإما أن يخرج على إضمار حرف العطف، وإما على البدل من سبيل الله أي :في سبيل الله سبيل المستضعفين لأنه سبيل الله تعالى.
وأجاز الزمخشري أن يكون :والمستضعفين منصوباً على الاختصاص يعني :واختص من سبيل الله خلاص المستضعفين، لأن سبيل الله عام في كل خير، وخلاص المستضعفين من المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخير وأخصه انتهى كلامه.
ولا حاجة إلى تكلف نصبه على الاختصاص، إذ هو خلاف الظاهر.
ويعني بالمستضعفين من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال قريش وأذاهم، إذ كانوا لا يستطيعون خروجاً، ولا تطيب لهم على الأذى إقامة.
ومن المستضعفين :عبد الله بن عباس وأمه، وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنجاة للمستضعفين من المؤمنين وسمى منهم :الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة.
وقوله :من الرجال والنساء والولدان تبيين للمستضعفين.
والظاهر أنّ الولدان المراد به الصبيان، وهو جمع وليد.
قيل :وقد يكون جمع ولد، كورل وورلان.
ونبه على الولدان تسجيلاً بإفراط ظلم من ظلمهم، وهم غير مكلفين ليتأذى بذلك آباؤهم، ولأنهم كانوا يشركون آباءهم في الدعاء طلباً لرحمة الله تعالى، وتخليصهم من أذى الكفار.
وهم أقرب إلى الإجابة حيث لم تكن لهم ذنوب كما فعل قوم يونس، وكما هي السنة في خروج الصبيان في الاستسقاء.
وقيل المراد بقوله من الرجال والنساء الأحرار، وبالولدان العبيد لأنه يطلق على العبد وليد، وعلى الأمة وليدة وغلب المذكر على المؤنث إذ درج المؤنث في الجمع و ﴿ الذين يقولون ربنا أخرجنا ﴾ ليس لهم من القوة والمنعة من الظلم إلا بالدعاء والاستنصار بالله تعالى، والقرية هنا مكة بإجماع.
وتكلموا في جريان الظالم وهو مذكر على القرية وهو مؤنث، وهذا من واضح النحو.
وقال الزمخشري :لو أنث فقيل :الظالمة، أو جمع فقيل :الظالمين، وأجاب عن ذلك وهذا لم يقرأ به، فيحتاج إلى الكلام فيه.
ولو تعرضنا لما يجوز في العربية في تراكيب القرآن لطال ذلك وخرجنا به عن طريقة التفسير.
ووصف أهلها بالظلم إمّا لإشراكهم، وإمّا لما حصل منهم من شدة الوطأة على المؤمنين وإذلالهم.
قال ابن عطية :والآية تتناول المؤمنين والأسرى، وحواضر الشرك إلى يوم القيامة انتهى.
ولما دعوا ربهم أجاب كثيراً منهم في الخروج، فهاجر بعضهم إلى المدينة، وفر بعضهم إلى الحبشة، وبقي بعضهم إلى الفتح.
والجمهور على أنّ الله تعالى استجاب دعاءهم، فجعل لهم من لدنه خير وليّ وناصر وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فتولاهم أحسن التولي، ونصرهم أقوى النصر.
ولما خرج من مكة ولى عليهم عتاب بن أسيد وعمره أحد وعشرون سنة، فرأوا منه الولاية والنصر كما سألوا.
قال ابن عباس :كان ينصف الضعيف من القوي، حتى كانوا أعز بها من الظلمة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات من البيان والبديع :الاستعارة في :يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، وفي :فسوف نؤتيه أجراً عظيماً لما يناله من النعيم في الآخرة، وفي :سبيل الله، وفي :سبيل الطاغوت، استعار الطريق للاتباع وللمخالفة وفي :كفوا أيديكم أطلق كف اليد الذي هو مختص بالإجرام على الإمساك عن القتال.
والاستفهام الذي معناه الاستبطاء والاستبعاد في :وما لكم لا تقاتلون.
والاستفهام الذي معناه التعجب في :ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا.
والتجوز بفي التي للوعاء عن دخولهم في :الجهاد.
والالتفات في :فسوف نؤتيه في قراءة النون.
والتكرار في :سبيل الله، وفي :واجعل لنا من لدنك، وفي :يقاتلون، وفي :الشيطان، وفي :وإن تصبهم، وفي :ما أصابك وفي :اسم الله.
والطباق اللفظي في :الذين آمنوا والذين كفروا.
والمعنوي في :سبيل الله طاعة وفي سبيل الطاغوت معصية.
والاختصاص في :إن كيد الشيطان كان ضعيفاً، وفي :والآخرة خير لمن اتقى.
والتجوز بإسناد الفعل إلى غير فاعله في :يدرككم الموت، وفي :إن تصبهم، وفي :ما أصابك.
والتشبيه في :كخشية.
وإيقاع أفعل التفضيل حيث لا مشاركة في :خير لمن اتقى.
والتجنيس المغاير في :يخشون وكخشية.
والحذف في مواضع.

﴿ الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً ﴾ لما أمر تعالى المؤمنين أولاً بالنفر إلى الجهاد، ثم ثانياً بقوله : ﴿ فليقاتل في سبيل الله ﴾ ثم ثالثاً على طريق الحث والحض بقوله : ﴿ وما لكم لا تقاتلون ﴾ أخبر في هذه الآية بالتقسيم أن المؤمن هو الذي يقاتل في سبيل الله، وأن الكافر هو الذي يقاتل في سبيل الطاغوت، ليبين للمؤمنين فرق ما بينهم وبين الكفار، ويقويهم بذلك ويشجعهم ويحرضهم.
وإنّ مَن قاتل في سبيل الله هو الذي يغلب، لأن الله هو وليه وناصره.
ومن قاتل في سبيل الله الطاغوت فهو المخذول المغلوب.
والطاغوت هنا الشيطان لقوله :فقاتلوا أولياء الشيطان.
وهنا محذوف، التقدير :فقاتلوا أولياء الشيطان فإنكم تغلبونهم لقوتكم بالله، ثم علل هذا المحذوف وهو غلبتكم إياهم بأنّ كيد الشيطان ضعيف، فلا يقاوم نصر الله وتأييده، وشتان بين عزم يرجع إلى إيمان بالله وبما وعد على الجهاد، وعزم يرجع إلى غرور وأماني كاذبة.
ودخلت كان في قوله :كان ضعيفاً إشعاراً بأنّ هذا الوصف سابق لكيد الشيطان، وأنه لم يزل ضعيفاً.
وقيل :هي بمعنى صار أي :صار ضعيفاً بالإسلام.
وقول من زعم :أنها زائدة، ليس بشيء.
وقال الحسن :أخبرهم أنهم سيظهرون عليهم، فلذلك كان ضعيفاً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات من البيان والبديع :الاستعارة في :يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، وفي :فسوف نؤتيه أجراً عظيماً لما يناله من النعيم في الآخرة، وفي :سبيل الله، وفي :سبيل الطاغوت، استعار الطريق للاتباع وللمخالفة وفي :كفوا أيديكم أطلق كف اليد الذي هو مختص بالإجرام على الإمساك عن القتال.
والاستفهام الذي معناه الاستبطاء والاستبعاد في :وما لكم لا تقاتلون.
والاستفهام الذي معناه التعجب في :ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا.
والتجوز بفي التي للوعاء عن دخولهم في :الجهاد.
والالتفات في :فسوف نؤتيه في قراءة النون.
والتكرار في :سبيل الله، وفي :واجعل لنا من لدنك، وفي :يقاتلون، وفي :الشيطان، وفي :وإن تصبهم، وفي :ما أصابك وفي :اسم الله.
والطباق اللفظي في :الذين آمنوا والذين كفروا.
والمعنوي في :سبيل الله طاعة وفي سبيل الطاغوت معصية.
والاختصاص في :إن كيد الشيطان كان ضعيفاً، وفي :والآخرة خير لمن اتقى.
والتجوز بإسناد الفعل إلى غير فاعله في :يدرككم الموت، وفي :إن تصبهم، وفي :ما أصابك.
والتشبيه في :كخشية.
وإيقاع أفعل التفضيل حيث لا مشاركة في :خير لمن اتقى.
والتجنيس المغاير في :يخشون وكخشية.
والحذف في مواضع.

﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ﴾ خرّج النسائي في سننه عن ابن عباس :أن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا :يا نبيّ الله كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة.
فقال :إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم، فلما حوله الله تعالى إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله هذه الآية.
ونحو هذا روي عن قتادة والسدي ومقاتل.
وروي عن ابن عباس أيضاً :نزلت واصفة أحوال قوم كانوا في الزمن المتقدم.
قال أبو سليمان الدمشقي :كأنه يومىء إلى قصة الذين قالوا : ﴿ ابعث لنا مليكاً ﴾ وقال مجاهد :نزلت في اليهود.
وقال الحسن :في المؤمنين لقوله :يخشون الناس، أي :مشركي مكة.
والخشية هي ما طبع عليه البشر من المخافة، لا على المخالفة.
ونحو ما قال الحسن.
قال الزمخشري :قال كعّ فريق منهم لا شكاً في الدين ولا رغبة عنه، ولكن نفوراً عن الأخطار بالأرواح، وخوفاً من الموت.
وقال قوم :كان كثير من العرب استحسنوا الدخول في الدين على فرائضه التي قبل القتال من الصلاة والزكاة ونحوها، والموادعة، فلما نزل القتال شق ذلك عليهم وجزعوا له، فنزلت.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة لأنه تعالى لما أمر بالقتال حين طلبوه وجب امتثال أمر الله، فلما كعَّ عنه بعضهم قال تعالى :ألا تعجب يا محمد من ناس طلبوا القتال فأمروا بالموادعة، فلما كتب عليهم فرق فريق وجزع.
ومعنى كفوا أيديكم :أي عن القتال، يدل عليه :فلما كتب عليهم القتال.
وقال أبو عبد الله الرازي :لا يقال كفوا إلا للراغبين فيه، وهم المؤمنون.
وقيل :يريد المنافقين.
وإنما قال :كفوا لأنهم كانوا يظهرون الرغبة فيه انتهى.
وقال أيضاً :ودلت الآية على أن إيجاب الصلاة والزكاة كان مقدماً على إيجاب الجهاد، وهذا الترتيب هو المطابق لما في العقول، لأن الصلاة عبارة عن التعظيم لأمر الله، والزكاة عبارة عن الشفقة على خلق الله.
ولا شك أنهما متقدمان على الجهاد.
والفريق إمّا منافقون، وإما مؤمنون، أو ناس في الزمان المتقدم، أو أسلموا قبل فرض القتال حسب اختلاف سبب النزول.
والناس هنا أهل مكة قاله الجمهور، أو كفار أهل الكتاب ومشركو العرب.
ولمّا حرف وجوب لوجوب على مذهب سيبويه، وظرف زمان بمعنى حين على مذهب أبي علي.
وإذا كانت حرفاً وهو الصحيح فجوابه إذا الفجائية، وإذا كانت ظرفاً فيحتاج إلى عامل فيها فيعسر، لأنه لا يمكن أن يعمل ما بعد إذا الفجائية فيما قبلها، ولا يمكن أن يعمل في لما الفعل الذي يليها، لأنّ لمّا هي مضافة إلى الجملة بعدها.
فقال بعضهم :العامل في لمّا معنى يخشون، كأنه قيل :جزعوا.
قال :وجزعوا هو العامل في إذا بتقدير الاستقبال.
وهذه الآية مشكلة لأن فيها ظرفين أحدهما :لما مضى، والآخر :لما يستقبل انتهى.
والذي نختاره مذهب سيبويه في لمّا، وأنها حرف.
ونختار أنّ إذا الفجائية ظرف مكان يصح أن يجعل خبراً للاسم المرفوع بعده على الابتداء، ويصح أن يجعل معمولاً للخبر.
فإذا قلت :لما جاء زيد إذا عمرو قائم، يجوز نصب قائم على الحال.
وإذا حرف يصح رفعه على الخبر، وهو عامل في إذا.
وهنا يجوز أن يكون إذا معمولاً ليخشون، ويخشون خبر فريق.
ويجوز أن يكون خبراً، ويخشون حال من فريق، ومنهم على الوجهين صفة لفريق.
ومن زعم أنَّ إذا هنا ظرف زمان لما يستقبل فقوله فاسد، لأنه إن كان العامل فيها ما قبلها استحال، لأن كتب ماض، وإذا للمستقبل.
وإن تسومح فجعلت إذا بمعنى إذْ صار التقدير :فلما كتب عليهم القتال في وقت خشية فريق منهم، وهذا يفتقر إلى جواب لما، ولا جواب لها.
وإن كان العامل فيها ما بعدها، احتاجت إلى جواب هو العامل فيها، ولا جواب لها.
والقول في إذا الفجائية :أهي ظرف زمان ؟ أم ظرف مكان ؟ أم حرف مذكور في علم النحو ؟ والكاف في كخشية الله في موضع نصب.
قيل :على أنه نعت لمصدر محذوف أي :خشية كخشية الله.
وعلى ما تقرر من مذهب سيبويه أنها على الحال من ضمير الخشية المحذوف، أي :يخشونها الناس أي :يخشون الخشية الناس مشبهة خشية الله.
وقال الزمخشري :( فإن قلت ) :ما محل كخشية الله من الإعراب ؟ ( قلت ) :محلها النصب على الحال من الضمير في يخشون، أي :يخشون الناس مثل أهل خشية الله أي :مشبهين لأهل خشية الله.
أو أشد خشية، يعني :أو أشد خشية من أهل خشية الله.
وأشد معطوف على الحال.
( فإن قلت ) :لم عدلت عن الظاهر وهو كونه صفة للمصدر ولم تقدره :يخشون خشية الله، بمعنى مثل ما يخشى الله ؟ ( قلت ) :أبى ذلك قوله :أو أشد خشية، لأنه وما عطف عليه في حكم واحد.
ولو قلت :يخشون الناس أشدّ خشية لم يكن إلا حالاً عن ضمير الفريق، ولم ينتصب انتصاب المصدر، لأنك لا تقول :خشي فلان أشد خشية، فتنصب خشية وأنت تريد المصدر، إنما تقول :أشد خشية فتجرها، وإذا نصبتها لم يكن أشد خشية إلا عبارة عن الفاعل حالاً منه، اللهم إلا أنْ تجعل الخشية خاشية على حد قولهم :جد جده، فتزعم أن معناه يخشون الناس خشية مثل خشية أشدّ خشية من خشية الله.
ويجوز على هذا أن يكون محل أشدّ مجروراً عطفاً على خشية الله، يريد :كخشية الله أو كخشية أشدّ خشية منها انتهى كلامه.
وقد يصح نصب خشية، ولا يكون تمييزاً فيلزم من ذلك ما التزمه الزمخشري، بل يكون خشية معطوفاً على محل الكاف، وأشدّ منصوباً على الحال لأنه كان نعت نكرة تقدم عليها فانتصب على الحال والتقدير :يخشون الناس مثل خشية الله أو خشية أشد منها.
وقد ذكرنا هذا التخريج في قوله تعالى : ﴿ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ﴾ وأوضحناه هناك.
وخشية الله مصدر مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف أي :كخشيتهم الله.
وأو على بابها من الشك في حق المخاطب، وقيل :للإبهام على المخاطب.
وقيل :للتخيير.
وقيل :بمعنى الواو.
وقيل :بمعنى بل.
وتقدّم نظير هذه الأقوال في قوله : ﴿ أو أشد قسوة ﴾ ولو قيل أنها للتنويه، لكان قولاً يعني :أنّ منهم من يخشى الناس كخشية الله، ومنهم من يخشاهم خشية تزيد على خشيتهم الله.
﴿ وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب ﴾ الظاهر أن القائلين هذا :هم منافقون، لأن الله تعالى إذا أمر بشيء لا يسأل عن علته من هو خالص الإيمان، ولهذا جاء السياق بعده : ﴿ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ﴾ وهذا لا يصدر إلا من منافق.
ولولا للتحضيض بمعنى هلاّ وهي كثيرة في القرآن.
والأجل القريب هنا هو موتهم على فرشهم كذا قاله المفسرون.
وذكر في حرف ابن مسعود :لولا أخرتنا إلى أجل قريب فنموت حتف أنفنا ولا نقتل، فتسر بذلك الأعداء.
ومن قال :إنه من قول المؤمنين، فيكونون قد طلبوا التأخير في كتب القتال إلى وقت ظهور الإسلام وكثرته، وهو بعيد.
لأن لفظ لم رد في صدر أمر الله، وعدم استسلامهم له مع قولهم :وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك.
وقال الزمخشري :لولا أخرتنا إلى أجل قريب استزادة في مدّة الكف، واستمهال إلى وقت آخر كقوله : ﴿ لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصَّدق ﴾ وقال الراغب :وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال، يجوز أن يكون تفوهوا به، ويجوز أن يكون اعتقدوه وقالوا في أنفسهم، فحكى تعالى ذلك عنهم تنبيهاً على أنهم لما استصعبوا ذلك دل استصعابهم على أنهم غير واثقين بأحوالهم.
﴿ قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ﴾ تقدم الكلام على كون متاع الدنيا قليلاً في قوله : ﴿ متاع قليل ﴾ وإنما قل :لأنه فان، ونعيم الآخرة مؤبد، فهو خير لمن اتقى الله وامتثل أمره في ما أحب، وفي ما كان شاقاً من قتال وغيره.
وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير :ولا يظلمون بالياء، وباقي السبعة بالتاء على الخطاب، وهو التفات أي :لا تنقصون من أجور أعمالكم ومشاق التكاليف أدنى شيء، فلا ترغبوا عن الأجر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات من البيان والبديع :الاستعارة في :يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، وفي :فسوف نؤتيه أجراً عظيماً لما يناله من النعيم في الآخرة، وفي :سبيل الله، وفي :سبيل الطاغوت، استعار الطريق للاتباع وللمخالفة وفي :كفوا أيديكم أطلق كف اليد الذي هو مختص بالإجرام على الإمساك عن القتال.
والاستفهام الذي معناه الاستبطاء والاستبعاد في :وما لكم لا تقاتلون.
والاستفهام الذي معناه التعجب في :ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا.
والتجوز بفي التي للوعاء عن دخولهم في :الجهاد.
والالتفات في :فسوف نؤتيه في قراءة النون.
والتكرار في :سبيل الله، وفي :واجعل لنا من لدنك، وفي :يقاتلون، وفي :الشيطان، وفي :وإن تصبهم، وفي :ما أصابك وفي :اسم الله.
والطباق اللفظي في :الذين آمنوا والذين كفروا.
والمعنوي في :سبيل الله طاعة وفي سبيل الطاغوت معصية.
والاختصاص في :إن كيد الشيطان كان ضعيفاً، وفي :والآخرة خير لمن اتقى.
والتجوز بإسناد الفعل إلى غير فاعله في :يدرككم الموت، وفي :إن تصبهم، وفي :ما أصابك.
والتشبيه في :كخشية.
وإيقاع أفعل التفضيل حيث لا مشاركة في :خير لمن اتقى.
والتجنيس المغاير في :يخشون وكخشية.
والحذف في مواضع.

إدراك الشيء الوصول إليه ونيله.
البرج :الحصن.
وقيل :القصر.
والبروج :منازل القمر، وكلها من برج إذا ظهر، ومنه التبرج وهو إظهار المرأة محاسنها، والبرج في العين اتساعها.
المشيد :المصنوع بالشيد وهو الجص.
يقال :شاد وشيد كرر العين للمبالغة، ككسرت العود مرة وكسرته في مواضع، وخرقت الثوب وخرقته إذا كان الخرق منه في مواضع.
فعلى هذا يقال :شاد الجدار.
ومنه قال والشاعر :
شاده مرمراً وجلله كلساً فللطير في ذراه وكور
والمشيد :المطول المرفوع يقال :شيد وأشاد البناء رفعه وطوّله، ومنه أشاد الرجل ذكر الرجل إذا رفعه.
الفقه :الفهم.
يقال :فقهت الحديث إذا فهمته، وفقه الرجل صار فقيهاً.
﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ﴾ أي :هذا التأخر الذي سألوه لا فائدة فيه، لأنه لا منجي من الموت سواء أكان بقتل أم بغيره، فلا فائدة في خور الطبع وحب الحياة.
وتحتمل هذه الجملة أن يكون ذلك تحت معمول قل، ويحتمل أن يكون إخباراً من الله مستأنفاً بأنه لا ينجو من الموت أحد.
والبروج هنا القصور في الأرض، قاله :مجاهد، وابن جريج، والجمهور.
أو القصور من حديد، روي عن ابن عباس.
أو قصور في سماء الدنيا مبنية قاله :السدّي.
أو الحصون والآكام والقلاع قاله :ابن عباس.
أو البيوت التي تكون فوق الحصون قاله :بعضهم.
أو بروج السماء التي هي منازل القمر قاله :الربيع أنس، والثوري، وحكاه ابن القاسم عن مالك.
وقال :ألا ترى إلى قوله : ﴿ والسماء ذات البروج ﴾ وجعل فيها بروجاً ﴿ ولقد جعلنا في السماء بروجاً ﴾ وقال زهير :
ومن هاب أسباب المنية يلقها ولو رام أسباب السماء بسلم
مشيدة مطولة قاله :أبو مالك، ومقاتل، وابن قتيبة، والزجاج.
أو مطلية بالشيد قاله :أبو سليمان الدمشقي.
أو حصينة قاله :ابن عباس، وقتادة.
ومن قال :أنها بروج في السماء فلأنها بيض شبهها بالمبيض بالشيد، ولهذا قال الذي هي قصور بيض في السماء مبنية.
والجزم في يدرككم على جواب الشرط، وأينما تدل على العموم، وكأنه قيل :في أي مكان تكونون فيه أدرككم الموت.
ولو هنا بمعنى إن، وجاءت لدفع توهم النجاة من الموت بتقدير :إن لو كانوا في بروج مشيدة، ولإظهار استقصاء العموم في أينما.
وقرأ طلحة بن سليمان :يدرككم برفع الكافين، وخرجه أبو الفتح :على حذف فاء الجواب أي :فيدرككم الموت وهي قراءة ضعيفة.
قال الزمخشري :ويجوز أن يقال :حمل على ما يقع موقع أينما تكونوا، وهو :أينما كنتم كما حمل ولا ناعب على ما يقع موقع ليسوا مصلحين، وهو ليسوا بمصلحين.
فرفع كما رفع زهير يقول :لا غائب ما لي ولا حرم.
وهو قول نحوي سيبويهي انتهى.
ويعني :أنه جعل يدرككم ارتفع لكون أينما تكونوا في معنى أينما كنتم، بتوهم أنه نطق به.
وذلك أنه متى كان فعل الشرط ماضياً في اللفظ فإنه يجوز في المضارع بعده وجهان :أحدهما :الجزم على الجواب.
والثاني :الرفع.
وفي توجيه الرفع خلاف، الأصح أنّه ليس الجواب، بل ذلك على التقديم والتأخير، والجواب محذوف.
وإذا حذف الجواب فلا بد أن يكون فعل الشرط ماضي اللفظ، فتخريج هذه القراءة على هذا يأباه كون فعل الشرط مضارعاً.
وحمله على ولا ناعب ليس بجيد، لأن ولا ناعب عطف على التوهم، والعطف على لتوهم لا ينقاس.
وقال الزمخشري أيضاً ويجوز أن يتصل بقوله : ﴿ ولا تظلمون فتيلاً ﴾ أي :لا تنقصون شيئاً مما كتب من آجالكم أينما تكونوا في ملاحم حروب أو غيرها.
ثم ابتدأ بقوله :يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة، والوقف على هذا الوجه أينما تكونوا انتهى كلامه.
وهذا تخريج ليس بمستقيم، لا من حيث المعنى، ولا من حيث الصناعة النحوية.
أما من حيث المعنى فإنه لا يناسب أن يكون متصلاً بقوله :ولا تظلمون فتيلاً، لأن ظاهر انتفاء الظلم إنما هو في الآخرة لقوله : ﴿ قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ﴾ وأما من حيث الصناعة النحوية فإنه على ظاهر كلامه يدل على أنَّ أينما تكونوا متعلق بقوله :ولا تظلمون، ما فسره من قوله أي :لا تنقصون شيئماً مما كتب من آجالكم أينما تكونوا في ملاحم الحرب أو غيرها، وهذا لا يجوز، لأن أينما اسم شرط، فالعامل فيه إنما هو فعل الشرط بعده.
ولأن اسم الشرط لا يتقدم عليه عامله، فلا يمكن أن يعمل فيه، ولا تظلمون.
بل إذا جاء نحو :اضرب زيداً متى جاء، لا يجوز أن يكون الناصب لمتى اضرب.
فإن قال :يقدّر له جواب محذوف يدل عليه ما قبله وهو :ولا تظلمون، كما يقدر في اضرب زيداً :متى جاء، فالتقدير :أينما تكونوا فلا تظلمون فتيلاً أي :فلا ينقص شيء من آجالكم وحذفه لدلالة ما قبله عليه.
قيل له :لا يحذف الجواب إلا إذا كان فعل الشرط بصيغة الماضي، وفعل الشرط هنا مضارع.
تقول العرب :أنت ظالم إن فعلت، ولا تقل أنت ظالم إن تفعل.
وقرأ نعيم بن ميسرة :مشيدة بكسر الياء وصفاً لها بفعل فاعلها مجازاً، كما قال :قصيدة شاعرة، وإنما الشاعر ناظمها.
﴿ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ﴾ قال ابن عباس :الضمير للمنافقين واليهود، وقال الحسن :للمنافقين، وقال السدي :لليهود.
والظاهر أنه للمنافقين لأن مثل هذا لا يصدر من مؤمن، واليهود لم يكونوا في طاعة الإسلام حتى يكتب عليهم القتال.
وروي عن ابن عباس :أن الحسنة هنا هي السلامة والأمن، والسيئة الأمراض والخوف.
وعنه أيضاً :الحسنة الخصب والرخاء، والسيئة الجدب والغلاء.
وعنه أيضاً :الحسنة السراء، والسيئة الضراء.
وقال الحسن وابن زيد :الحسنة النعمة والفتح والغنيمة يوم بدر، والسيئة البلية والشدة والقتل يوم أحد.
وقيل :الحسنة الغنى، والسيئة الفقر.
والمعنى :أن هؤلاء المنافقين إذا أصابتهم حسنة نسبوها إلى الله تعالى، وأنها ليست باتباع الرسول، ولا الإيمان به، وإنّ تصبهم سيئة أضافوها إلى الرسول وقالوا :هي بسببه، كما جاء في قوم موسى : ﴿ وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ﴾ وفي قوم صالح : ﴿ قالوا اطيرنا بك وبمن معك ﴾ وروى جماعة من المفسرين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة قال اليهود والمنافقون :ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا مذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه.
﴿ قل كل من عند الله ﴾ أمر الله نبيه أن يخبرهم أنَّ كلاً من الحسنة والسيئة إنما هو من عند الله، لا خالق ولا مخترع سواه، فليس الأمر كما زعمتم، فالله تعالى وحده هو النافع الضار، وعن إرادته تصدر جميع الكائنات.
﴿ فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ﴾ هذا استفهام معناه التعجب من هذه المقالة، وكيف ينسب ما هو من عند الله لغير الله ؟ أي أن هؤلاء كانوا ينبغي لهم أن يكونوا ممن يتفهم الأشياء، ويتوقفون عما يريدون أن يقولوا حتى يعرضوه على عقولهم.
وبالغ تعالى في قلة فهمهم وتعلقهم، حتى نفى مقاربة الفقه، ونفى المقاربة أبلغ من نفي الفعل.
وهذا النوع من الاستفهام يتضمن إنكار ما استفهم عن علته، وأنه ينبغي أن يوجد مقابله.
فإذا قيل :ما لك قائماً، فهو إنكار للقيام، ومتضمن أن يوجد مقابله.
وإذا قيل :ما لك لا تقوم، فهو إنكار لترك القيام، ومتضمن أن يوجد مقابله.
قيل في قوله :حديثاً، أي القرآن لو تدبروه لبصرهم في الدين، وأورثهم اليقين.
وقال ابن بحر :لامهم على ترك التفقه فيما أعلمهم به وأدبهم في كتابه.
ووقف أبو عمرو والكسائي على قوله :فما، ووقف الباقون على اللام في قوله :فمال، اتباعاً للخط.
ولا ينبغي تعمد ذلك، لأن الوقف على فما فيه قطع عن الخبر، وعلى اللام فيه قطع عن المجرور دون حرف الجر، وإنما يكون ذلك لضرورة انقطاع النفس.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات من البيان والبديع :الاستعارة في :يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، وفي :فسوف نؤتيه أجراً عظيماً لما يناله من النعيم في الآخرة، وفي :سبيل الله، وفي :سبيل الطاغوت، استعار الطريق للاتباع وللمخالفة وفي :كفوا أيديكم أطلق كف اليد الذي هو مختص بالإجرام على الإمساك عن القتال.
والاستفهام الذي معناه الاستبطاء والاستبعاد في :وما لكم لا تقاتلون.
والاستفهام الذي معناه التعجب في :ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا.
والتجوز بفي التي للوعاء عن دخولهم في :الجهاد.
والالتفات في :فسوف نؤتيه في قراءة النون.
والتكرار في :سبيل الله، وفي :واجعل لنا من لدنك، وفي :يقاتلون، وفي :الشيطان، وفي :وإن تصبهم، وفي :ما أصابك وفي :اسم الله.
والطباق اللفظي في :الذين آمنوا والذين كفروا.
والمعنوي في :سبيل الله طاعة وفي سبيل الطاغوت معصية.
والاختصاص في :إن كيد الشيطان كان ضعيفاً، وفي :والآخرة خير لمن اتقى.
والتجوز بإسناد الفعل إلى غير فاعله في :يدرككم الموت، وفي :إن تصبهم، وفي :ما أصابك.
والتشبيه في :كخشية.
وإيقاع أفعل التفضيل حيث لا مشاركة في :خير لمن اتقى.
والتجنيس المغاير في :يخشون وكخشية.
والحذف في مواضع.

﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ﴾ الخطاب عام كأنه قيل :ما أصابك يا إنسان.
وقيل :للرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد غيره.
وقال ابن بحر :هو خطاب للفريق في قوله : ﴿ إذا فريق منهم ﴾ قال :ولما كان لفظ الفريق مفرداً، صح أن يخبر عنه بلفظ الواحد تارة، وبلفظ الجمع تارة.
وعليه قوله :
تفرق أهلاً نابثين فمنهم فريق أقام واستقل فريق
هذا مقتضى اللفظ.
وأما المعنى بالناس خاصتهم وعامتهم مراد بقوله :ما أصابك من حسنة.
وقال ابن عباس، وقتادة، والحسن، وابن زيد، والربيع، وأبو صالح :معنى الآية أنه أخبر تعالى على سبيل الاستئناف والقطع أنَّ الحسنة منه بفضله، والسيئة من الإنسان بذنوبه، ومن الله بالخلق والاختراع.
وفي مصحف ابن مسعود :فمن نفسك، وإنما قضيتها عليك، وقرأ بها ابن عباس.
وحكى أبو عمرو :أنها في مصحف ابن مسعود، وأنا كتبتها.
وروي أن ابن مسعود وأبياً قرآ :وأنا قدرتها عليك.
ويؤيد هذا التأويل أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم معناها : « أن ما يصيب الإنسان من المصائب فإنما هو عقوبة ذنوبه » وقالت طائفة :معنى الآية هو على قول محذوف تقديره :فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ؟ يقولون :ما أصابك من حسنة الآية.
والابتداء بقوله : ﴿ وأرسلناك ﴾ والوقف على قوله :فمن نفسك.
وقالت طائفة :ما أصابك من حسنة فمن الله، هو استئناف إخبار من الله أنَّ الحسنة منه وبفضله.
ثم قال :وما أصابك من سيئة فمن نفسك، على وجه الإنكار والتقدير :وألف الاستفهام محذوفة من الكلام كقوله : ﴿ وتلك نعمة تمنها عليّ ﴾ أي :وتلك نعمة.
وكذا ﴿ بازغاً قال :هذا ربي ﴾ على أحد الأقوال، والعرب تحذف ألف الاستفهام قال أبو خراش :
رموني وقالوا يا خويلد لم ترع فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
أي :أهم هم.
وحكى هذا الوجه عن ابن الأنباري.
وروى الضحاك عن ابن عباس أن الحسنة هنا ما أصاب المسلمين من الظفر والغنيمة يوم بدر، والسيئة ما نكبوا به يوم أحد.
وعن عائشة رضي الله عنها : « ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب، حتى الشوكة يشاكها، حتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر ».
وقال تعالى : ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ونعفوا عن كثير ﴾
وقد تجاذبت القدرية وأهل السنة الدلالة من هذه الآيات على مذاهبهم، فتعلقت القدرية بالثانية وقالوا :ينبغي أن لا ينسب فعل السيئة إلى الله بوجه، وجعلوا الحسنة والسيئة في الأولى بمعنى الخصب والجدب والغنى والفقر.
وتعلق أهل السنة بالأولى وقالوا : ﴿ قل كل من عند الله ﴾ عام يدل على أن الأفعال الظاهرة من العباد هي من الله تعالى، وتأولوا الثانية وهي :مسألة يبحث عنها في أصول الدين.
وقال القرطبي :هذه الآيات لا يتعلق بها إلا الجهال من الفريقين، لأنّهم بنوا ذلك على أنّ السيئة هي المعصية، وليست كذلك.
والقدرية قالوا :ما أصابك من حسنة أي :من طاعة فمن الله، وليس هذا اعتقادهم، لأن اعتقادهم الذي بنوا عليه مذاهبهم :أنّ الحسنة فعل المحسن، والسيئة فعل المسيء.
وأيضاً فلو كان لهم فيه حجة لكان يقول :ما أصبت من حسنة وما أصبت من سيئة، لأنه الفاعل للحسنة والسيئة جميعاً، فلا تضاف إليه إلا بفعله لهما لا بفعل غيره، نص على هذا الإمام أبو الحسن شيث بن ابراهيم بن محمد بن حيدرة في كتابه المسمى بحزّ العلاصم في إفحام المخاصم.
وقال الراغب :إذا تؤمّل مورد الكلام وسبب النزول فلا تعلق لأحد الفريقين بالآية على وجه يثلج صدراً أو يزيل شكاً، إذ نزلت في قوم أسلموا ذريعة إلى غنى وخصب ينالونه، وظفر يحصلونه، فكان أحدهم إذا نابتة نائبة، أو فاته محبوب، أو ناله مكروه، أضاف سببه إلى الرسول متطيراً به.
والحسنة هنا والسيئة كهما في : ﴿ وبلوناهم بالحسنات والسيئات ﴾ وفي ﴿ فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ﴾ انتهى.
وقد طعن بعض الملاحدة فقال :هذا تناقض، لأنه قال :قل كل من عند الله وقال عقيبه :ما أصابك من حسنة الآية.
وقال الراغب :وهذا ظاهر الوهي، لأن الحسنة والسيئة من الألفاظ المشتركة كالحيوان الذي يقع على الإنسان والفرس والحمار.
ومن الأسماء المختلفة كالعين.
فلو أنّ قائلاً قال :الحيوان المتكلم والحيوان غير المتكلم، وأراد بالأول الإنسان، وبالثاني الفرس أو الحمار، لم يكن متناقضاً.
وكذلك إذا قال :العين في الوجه، والعين ليس في الوجه، وأراد بالأولى الجارحة، وبالثانية عين الميزان أو السحاب.
وكذلك الآية أريد بهما في الأولى غير ما أريد في الثانية كما بيناه انتهى.
والذي اصطلح عليه الراغب بالمشتركة وبالمختلفة ليس اصطلاح الناس اليوم، لأن المشترك هو عندهم كالعين، والمختلفة هي المتباينة.
والراغب جعل الحيوان من الأسماء المشتركة وهو موضوع للقدر المشترك، وجعل العين من الأسماء المختلفة وهو في الاصطلاح اليوم من المشترك.
قال بعض أهل العلم :والفرق بين من عند الله، ومن الله :أنَّ من عند الله أعم.
يقال :فيما كان برضاه وبسخطه، وفيما يحصل، وقد أمر به ونهى عنه، ولا يقال :هو من الله إلا فيما كان برضاه وبأمره، وبهذا النظر قال عمر :إنْ أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن الشيطان انتهى.
وعنى بالنفس هنا المذكورة في قوله : ﴿ إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ وقرأت عائشة رضي الله عنها :فمن نفسك بفتح الميم ورفع السين، فمن استفهام معناه الإنكار أي :فمن نفسك حتى ينسب إليها فعل المعنى ما للنفس في الشيء فعل.
﴿ وأرسلناك للناس رسولاً ﴾ أخبر تعالى أنه قد أزاح عللهم بإرساله، فلا حجة لهم لقوله : ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾ وللناس عام عربهم وعجمهم، وانتصب رسولاً على الحال المؤكدة.
وجوّز أن يكون مصدراً بمعنى إرسالاً، وهو ضعيف.
﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ أي مطلعاً على ما يصدر منك ومنهم، أو شهيداً على رسالتك.
ولا ينبغي لمن كان الله شاهده إلا أن يطاع ويتبع، لأنه جاء بالحق والصدق، وشهد الله له بذلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات من البيان والبديع :الاستعارة في :يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، وفي :فسوف نؤتيه أجراً عظيماً لما يناله من النعيم في الآخرة، وفي :سبيل الله، وفي :سبيل الطاغوت، استعار الطريق للاتباع وللمخالفة وفي :كفوا أيديكم أطلق كف اليد الذي هو مختص بالإجرام على الإمساك عن القتال.
والاستفهام الذي معناه الاستبطاء والاستبعاد في :وما لكم لا تقاتلون.
والاستفهام الذي معناه التعجب في :ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا.
والتجوز بفي التي للوعاء عن دخولهم في :الجهاد.
والالتفات في :فسوف نؤتيه في قراءة النون.
والتكرار في :سبيل الله، وفي :واجعل لنا من لدنك، وفي :يقاتلون، وفي :الشيطان، وفي :وإن تصبهم، وفي :ما أصابك وفي :اسم الله.
والطباق اللفظي في :الذين آمنوا والذين كفروا.
والمعنوي في :سبيل الله طاعة وفي سبيل الطاغوت معصية.
والاختصاص في :إن كيد الشيطان كان ضعيفاً، وفي :والآخرة خير لمن اتقى.
والتجوز بإسناد الفعل إلى غير فاعله في :يدرككم الموت، وفي :إن تصبهم، وفي :ما أصابك.
والتشبيه في :كخشية.
وإيقاع أفعل التفضيل حيث لا مشاركة في :خير لمن اتقى.
والتجنيس المغاير في :يخشون وكخشية.
والحذف في مواضع.

﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً ﴾ قال صلى الله عليه وسلم :
« من أحبني فقد أحب الله » فاعترضت اليهود فقالوا :هذا محمد يأمر بعبادة الله، وهو في هذا القول مدع للربوبية فنزلت.
وفي رواية :قال المنافقون لقد قارب الشرك.
وفي رواية :قالوا ما يريد هذا الرجل إلا أن يتخذ رباً كما اتخذت النصارى عيسى.
وتعلق الطاعتين لأنّه لا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا ينهى إلا عن ما نهى الله عنه، فكانت طاعته في ذلك طاعة الله.
ومن تولى بنفاق أو أمر فما أرسلناك هذا التفات، إذ لو جرى على الرسول لكان فما أرسله.
والحافظ هنا المحاسب على الأعمال، أو الحافظ للأعمال، أو الحافظ من المعاصي، أو الحافظ عن التولي، أو المسلط من الحفاظ أقوال.
وتتضمن هذه الآية الإعراض عمن تولى، والترك رفقاً من الله، وهي قبل نزول القتال.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات من البيان والبديع أنواعاً الالتفات في قوله :فما أرسلناك.
والتكرار في :من يطع فقد أطاع، وفي :بيت ويبيتون، وفي :اسم الله في مواضع، وفي :أشد، وفي :من يشفع شفاعة.
والتجنيس المماثل في :يطع وأطاع، وفي :بيت ويبيتون، وفي :حييتم فحيوا.
والمغاير في :وتوكل ووكيلاً، وفي :من يشفع شفاعة، وفي :وإذا حييتم بتحية.
والاستفهام المراد به الإنكار في :أفلا يتدبرون.
والطباق في :من الأمن أو الخوف، وفي :شفاعة حسنة وشفاعة سيئة.
والتوجيه في :غير الذي تقول.
والاحتجاج النظري ويسمى المذهب الكلامي في :ولو كان من عند غير الله.
وخطاب العين والمراد به الغير في :فقاتل.
والاستعارة في :في سبيل الله، وفي :أن يكف بأس.
وافعل في :غير المفاضلة في أشد.
وإطلاق كل على بعض في :بأس الذين كفروا واللفظ مطلق والمراد بدر الصغرى.
والحذف في عدة مواضع تقتضيها الدلالة.

التبييت قال الأصمعي وأبو عبيدة وأبو العباس :كل أمر قضي بليل، قيل :قد بيت.
وقال الزجاج :كل أمر مكر فيه أو خيض بليل فقد بيت.
وقال الشاعر :
أتوني فلم أرض ما بيتوا وكانوا أتوني بأمر نكر
وقال الأخفش :العرب تقول للشيء إذا قدر :بيت.
وقال أبو رزين :بيت ألف.
وقيل :هيىء وزور.
وقيل :قصد، ومنه قول الشاعر :
لما تبيتنا أخا تميم أعطى عطاء اللحز اللئيم
أي :قصدنا.
وقيل :التبييت التبديل بلغة طيىء، قال شاعرهم :
وتبييت قولي عند المليك*** قاتلك الله عبداً كفوراً
﴿ ويقولون طاعة ﴾ نزلت في المنافقين باتفاق.
أي :أمرتهم بشيء قالوا طاعة، أي :أمرنا طاعة، أو منا طاعة.
قال الزمخشري :ويجوز النصب بمعنى أطعناك طاعة، وهذا من قول المرتسم سمعاً وطاعة، وسمع وطاعة، ونحوه قول سيبويه.
وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال له :كيف أصبحت ؟ فيقول :حمداً لله وثناء عليه، كأنه قال :أمري وشأني حمد الله.
ولو نصب حمد الله وثناء عليه كان على الفعل، والرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها انتهى.
ولا حاجة لذكر ما لم يقرأ به ولا لتوجيهه ولا لتنظيره بغيره، خصوصاً في كتابه الذي وضعه على الاختصار لا على التطويل.
﴿ فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول ﴾ أي إذا خرجوا من عندك رووا وسووا أي :طائفة منهم غير الذي تقوله لك يا محمد من إظهار الطاعة، وهم في الباطن كاذبون عاصون، فعلى هذا الضمير في تقول عائد على الطائفة، وهو قول ابن عباس.
وقيل :يعود على الرسول أي :غير الذي تقوله وترسم به يا محمد، وهو الخلاف والعصيان المشتمل عليه بواطنهم.
ويؤيد هذا التأويل قراءة عبد الله بيت مبيت منهم يا محمد.
وقرأ يحيى بن يعمر يقول :بالياء، فيحتمل أن يكون الضمير للرسول، ويكون التفاتاً إذ خرج من ضمير الخطاب في من عندك، إلى ضمير الغيبة.
ويحتمل أن يعود على الطائفة، لأنها في معنى القوم أو الفريق، وخص طائفته بالتبيين لأنه لم يكونوا ليجتمعوا كلهم في دار واحدة، أو لأنه إخبار عن من علم الله أنه يبقى على كفره ونفاقه.
وأدغم حمزة وأبو عمرو بيت طائفة، وأظهر الباقون.
﴿ والله يكتب ما يبيتون ﴾ أي :يكتبه في صحائف أعمالهم حسبما تكتبه الحفظة ليجازوا به.
وقال الزجاج :يكتبه في كتابه إليك، أي :ينزله في القرآن ويعلم به ويطلع على سرهم.
وقيل :يكتب يعلم عبر بالكتابة عن العلم، لأنه من ثمراتها.
﴿ فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً ﴾ هذا مؤكد لقوله : ﴿ ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً ﴾ أي لا تحدث نفسك بالانتقام منهم.
وليس المعنى فاعرض عن دعوتهم إلى الإيمان وعن وعظهم.
وقال الضحاك :معنى أعرض عنهم لا تخبر بأسمائهم فيجاهروك بالعداوة بعد المجاملة في القول، ثم أمره بإدامة التوكل عليه، هو ينتقم لك منهم، وهذا أيضاً قبل نزول القتال.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات من البيان والبديع أنواعاً الالتفات في قوله :فما أرسلناك.
والتكرار في :من يطع فقد أطاع، وفي :بيت ويبيتون، وفي :اسم الله في مواضع، وفي :أشد، وفي :من يشفع شفاعة.
والتجنيس المماثل في :يطع وأطاع، وفي :بيت ويبيتون، وفي :حييتم فحيوا.
والمغاير في :وتوكل ووكيلاً، وفي :من يشفع شفاعة، وفي :وإذا حييتم بتحية.
والاستفهام المراد به الإنكار في :أفلا يتدبرون.
والطباق في :من الأمن أو الخوف، وفي :شفاعة حسنة وشفاعة سيئة.
والتوجيه في :غير الذي تقول.
والاحتجاج النظري ويسمى المذهب الكلامي في :ولو كان من عند غير الله.
وخطاب العين والمراد به الغير في :فقاتل.
والاستعارة في :في سبيل الله، وفي :أن يكف بأس.
وافعل في :غير المفاضلة في أشد.
وإطلاق كل على بعض في :بأس الذين كفروا واللفظ مطلق والمراد بدر الصغرى.
والحذف في عدة مواضع تقتضيها الدلالة.

التدبر :تأمل الأمر والنظر في إدباره وما يؤول إليه في عاقبته، ثم استعمل في كل تأمل.
والدبر :المال الكثير، سمي بذلك لأنه يبقى للإعقاب وللإدبار قاله :الزجاج وغيره.
﴿ أفلا يتدبرون القرآن ﴾ قرأ الجمهور :يتدبرون بياء وتاء بعدها على الأصل.
وقرأ ابن محيصن :بإدغام التاء في الدال، وهذا استفهام معناه الإنكار أي :فلا يتأملون ما نزل عليك من الوحي ولا يعرضون عنه، فإنه في تدبره يظهر برهانه ويسطع نوره ولا يظهر ذلك لمن أعرض عنه ولم يتأمله.
﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ﴾ الظاهر أن المضمر في فيه عائد على القرآن، وهذا في علم البيان الاحتجاج النظري، وقوم يسمونه المذهب الكلامي.
ووجه هذا الدليل أنه ليس من متكلم كلاماً طويلاً إلا وجد في كلامه اختلاف كثير، إما في الوصف واللفظ، وإما في المعنى بتناقض أخبار، أو الوقوع على خلاف المخبر به، أو اشتماله على ما لا يلتئم، أو كونه يمكن معارضته.
والقرآن العظيم ليس فيه شيء من ذلك، لأنه كلام المحيط بكل شيء مناسب بلاغة معجزة فائتة لقوى البلغاء، وتظافر صدق أخبار، وصحة معان، فلا يقدر عليه إلا العالم بما لا يعلمه أحد سواه.
قال ابن عطية :فإن عرضت لأحد شبهة وظن اختلافاً فالواجب أن يتهم نظره، ويسأل من هو أعلم منه.
وما ذهب إليه بعض الزنادقة المعاندين من أنّ فيه أحكاماً مختلفة وألفاظاً غير مؤتلفة فقد أبطل مقالتهم علماء الإسلام، وما جاء في القرآن من اختلاف في تفسير وتأويل وقراءة وناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه وعام وخاص ومطلق ومقيد فليس هو المقصود في الآية، بل هذه من علوم القرآن الدالة على اتساع معانيه، وأحكام مبانيه.
وذهب الزجاج إلى أنَّ الضمير في فيه عائد على ما يخبره به الله تعالى مما يبيتون ويسرون، والمعنى :أنّك تخبرهم به على حد ما يقع، وذلك دليل على أنه من عند الله غيب من الغيوب.
وفي ذكر تدبر القرآن ردّ على من قال من الرافضة :إن القرآن لا يفهم معناه إلا بتفسير الرسول صلى الله عليه وسلم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات من البيان والبديع أنواعاً الالتفات في قوله :فما أرسلناك.
والتكرار في :من يطع فقد أطاع، وفي :بيت ويبيتون، وفي :اسم الله في مواضع، وفي :أشد، وفي :من يشفع شفاعة.
والتجنيس المماثل في :يطع وأطاع، وفي :بيت ويبيتون، وفي :حييتم فحيوا.
والمغاير في :وتوكل ووكيلاً، وفي :من يشفع شفاعة، وفي :وإذا حييتم بتحية.
والاستفهام المراد به الإنكار في :أفلا يتدبرون.
والطباق في :من الأمن أو الخوف، وفي :شفاعة حسنة وشفاعة سيئة.
والتوجيه في :غير الذي تقول.
والاحتجاج النظري ويسمى المذهب الكلامي في :ولو كان من عند غير الله.
وخطاب العين والمراد به الغير في :فقاتل.
والاستعارة في :في سبيل الله، وفي :أن يكف بأس.
وافعل في :غير المفاضلة في أشد.
وإطلاق كل على بعض في :بأس الذين كفروا واللفظ مطلق والمراد بدر الصغرى.
والحذف في عدة مواضع تقتضيها الدلالة.

الإذاعةُ :إظهار الشيء وإفشاؤه يقال :ذاع، يذيع، وأذاع، ويتعدى بنفسه وبالباء، فيكون إذ ذاك أذاع في معنى الفعل المجرّد.
قال أبو الأسود :
أذاعوا به في الناس حتى كأنه بعلياء نار أوقدت بثقوب
الاستنباط :الاستخراج، والنبط الماء يخرج من البئر أول ما تحفر، والانباط والاستنباط إخراجه.
وقال الشاعر :
نعم صادقاً والفاعل القائل الذي إذا قال قولاً انبط الماء في الثرى
وقال ابن الأعرابي :يقال للرّجل إذا كان بعيد العز والمنعة ما يجد عدوه له :نبطاً.
قال كعب :
قريب تراه لا ينال عدوّه له نبطاً آبى الهوان قطوب
والنبط الذين يستخرجون المياه والنبات من الأرض.
وقال الفراء :نبط مثل استنبط، ونبط الماء ينبُط بضم الباء وفتحها.
﴿ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ﴾ روى مسلم من حديث ابن عباس عن عمر :« أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اعتزل نساءه، فدخل عمر المسجد فسمع الناس يقولون :طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فسأله :أطلقت نساءك ؟ قال :لا.
فخرج فنادى :ألا إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطلق نساءه، فنزلت «.
وكان هو الذي استنبط الأمر، وروى أبو صالح عن ابن عباس :أن الرسول كان إذا بعث سرية من السرايا فغلبت، أو غلبت، تحدثوا بذلك وأفشوه ولم يصبروا حتى يكون هو المحدث به، فنزلت.
والضمير في :جاءهم على المنافقين، قاله ابن عباس والجمهور.
أو على ناس من ضعفة المؤمنين قاله :الحسن والزجاج.
ولم يذكر الزمخشري غيره أو عليهما نقله ابن عطية، أو على اليهود قاله بعضهم.
والأمر من الأمن أو الخوف فوز السرية بالظفر والغنيمة، أو الخيبة والنكبة، فيبادرون بإفشائه قبل أن يخبر الرسول بذلك.
أو ما كان ينزل من الوحي بالوعظ بالظفر، أو بتخفيف من جهة الكفار، كان يسر النبي عليه السلام ذلك إليهم فيفشونه، وكان في ذلك مضرّة على المسلمين، أو ما يعزم عليه النبي من الوداعة والأمان لقوم، والخوف الخبر يأتي أنّ قوماً يجمعون للنبي صلى الله عليه وسلم فيخاف المسلمون منهم قاله :الزجاج، والماوردي، وأبو سليمان الدمشقي.
وقال ابن عطية :المعنى أنّ المنافقين كانوا يشرئبون إلى سماع ما يسوء النبي صلى الله عليه وسلم في سراياه، فإذا طرأت لهم شبهة أمن للمسلمين، أو فتح عليهم، حقروها وصغروا شأنها انتهى.
والضمير في به عائد على الأمر، قيل :ويجوز أن يعود على الأمن أو الخوف، ووحد الضمير لأن، أو تقتضي أحدهما.
﴿ ولو ردوه إلى الرسول وإلى أُولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ أي :ولو ردُّوا الأمر الذي بلغهم إلى الرسول وأولي الأمر وهم :الخلفاء الأربعة ومن يجري على سننهم، قاله :ابن عباس، أو أبو بكر، وعمر خاصة، قاله :عكرمة.
أو أمراء السرايا قاله :السدي، ومقاتل، وابن زيد.
أو العلماء من الصحابة قاله :الحسن، وقتادة، وابن جريج.
والمعنى :لو أمسكوا عن الخوض فيما بلغهم، واستقصوا الأمر من الرسول وأولي الأمر، لعلم حقيقة ذلك الأمر الوارد من له بحث ونظر وتجربة، فأخبروهم بحقيقة ذلك، وأنّ الأمر ليس جارياً على أول خبر يطرأ.
قال الزمخشري :هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم تكن فيهم خبرة بالأحوال والاستبطان للأمور، كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمن وسلامة أو خوفٍ وخللٍ أذاعوا به، وكانت إذاعتهم مفسدة.
ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله، وإلى أولي الأمر منهم وهم :كبار الصحابة البصراء بالأمور، أو الذين كانوا يؤمرون منهم لعلمه، لعلم تدبير ما أخبروا به الذين يستنبطونه أي :الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها.
وقيل :كانوا يقفون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعار، فيذيعونه فينشر، فيبلغ الأعداء فتعود إذاعتهم مفسدة، ولو ردوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أولي الأمر وفوضوه إليهم، وكانوا كأن لم يسمعوا لعلمه الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه، وما يأتون ويدرون فيه.
وقيل :كانوا يسمعون من أفواه المنافقين شيئاً من الخبر عن السرايا مظنوناً غير معلوم الصحة فيذيعونه، فيعود ذلك وبالأعلى المؤمنين.
ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر، وقالوا :نسكت حتى نسمعه منهم، ونعلم هل هو مما يذاع أو لا يذاع ؟ لعلمه الذين يستنبطونه منهم لعلم صحته، وهل هو مما يذيع هؤلاء المذيعون وهم الذين يستنبطونه من الرسول وأولي الأمر أي :يتلقونه منهم ويستخرجون علمه من جهتهم انتهى كلامه.
وهذه كلها تأويلات حسنة، وأجراها على نسق الكلام هذا التأويل الأخير وهو :أنّ المعنى إذا طرأ خبر بأمن المسلمين أو خوف، فينبغي أن لايشاع، وأن يردّ إلى الرسول وأولي الأمر، فإنهم يخبرون عن حقيقة الأمر فيعلمه من يسألهم، ويستخرج ذلك من جهتهم، لأنّ ما أخبر به الرسول وأولوا الأمر إذ هم مخبرون عنه حق لا شك فيه.
وقال أبو بكر الرازي :في هذه الآية دلالة على وجوب القول بالقياس واجتهاد الرأي في أحكام الحوادث، لأنه أمر بردّ الحوادث إلى الرسول في حياته إذ كانوا بحضرته، وإلى العلماء بعد وفاته والغيبة عن حضرته، والمنصوص عليه لا يحتاج إلى استنباطه، فثبت بذلك أنَّ من الأحكام ما هو مودع في النص قد كلف الوصول إلى علمه بالاستدلال والاستنباط.
وطوَّل الرازي في هذه المسألة اعتراضاً وانفصالاً واستقرأ من الآية أحكاماً.
قال :ويدل على بطلان قول القائل بالإمامة :لأنه لو كان كل شيء من الأحكام منصوصاً عليه يعرفه الإمام لزال موضع الاستنباط، وسقط الرد إلى أولي الأمر، بل كان الواجب الرّد إلى الإمام الذي يعرف صحة ذلك من باطله من جهة النص.
وقال الشيخ جمال الدين أبو عبد الله محمد بن سليمان بن النقيب وهو جامع كتاب التحرير والتحبير لأقوال أئمة التفسير ما نصه في ذلك الكتاب :وقد لاح لي في هذه الآية أنّ في الكلام حذفاً وتقديماً وتأخيراً وأنَّ هذا الكلام متعلق بالذي قبله مردود إليه، ويكون التقدير :أفلا يتدبرون القرآن، ولو تدبروه لعلموا أنه من كلام الله، والمشكل عليهم من متشابهه لو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين يستنبطونه منهم يعني :لعلم معنى ذلك المتشابه الذين يستنبطونه منهم من أهل العلم بالكتاب إلا قليلاً، وهو ما ستأثر الله به من علم كتابه ومكنون خطابه.
ثم قال :وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، والذي حسن لهم ذلك وزينه الشيطان، ثم التفت إلى المؤمنين فقال : ﴿ ولولا فضل الله عليكم ﴾ الآية وقد أشار إلى شيء من هذا أبو طالب المكي في كتابه المعروف بقوت القلوب، وقال :إن قوله : ﴿ إلا قليلاً ﴾ متصل بقوله ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ وعلى هذا يكون الاستنباط استخراجاً من معنى اللفظ المتشابه بنوع من النظرة والاجتهاد والتفكر انتهى كلامه.
وهو كما ترى تركيب ونظم غير تركيب القرآن ونظمه، وكثيراً ما يذكر هذا الرجل في القرآن تقديماً وتأخيراً، وأغرب من ذلك أنه يجعله من أنواع علم البيان، وأصحابنا وحذاق النحويين يجعلونه من باب ضرائر الأشعار، وشتان ما بين القولين.
وقرأ أبو السمال :لعلمه بسكون اللام.
قال ابن عطية :وذلك مثل شجر بينهم انتهى.
وليس مثله لأنّ تسكين علم قياس مطرد في لغة تميم، وشجر ليس قياساً مطرداً، إنما هو على سبيل الشذوذ.
وتسكين علم مثل التسكين في قوله :
فإن تبله يضجر كما ضجر بازل من الادم دبرت صفحتاه وغاربه
﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً ﴾ هذا خطاب للمؤمنين باتفاق من المتأولين قاله :ابن عطية.
قال :والمعنى لولا هداية الله لكم وإرشاده لبقيتم على كفركم وهو اتباع الشيطان.
وقيل :الفضل الرسول.
وقيل :الإسلام.
وقيل :القرآن.
وقيل :في الرحمة أنها الوحي.
وقيل :اللطف.
وقيل :النعمة.
وقيل :التوفيق.
والظاهر أنّ الاستثناء هو من فاعل اتبعتم.
قال الضحاك :هدى الكل منهم للإيمان، فمنهم من تمكن فيه حتى لم يخطر له قط خاطر شك، ولا عنت له شبهة ارتياب، وذلك هو القليل، وسائر من أسلم من العرب لم يخل من الخواطر، فلولا فضل الله بتجريد الهداية لهم لضلوا واتبعوا الشيطان، ويكون الفضل معيناً أي :رسالة محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، لأن الكل إنما هدي بفضل الله على الإطلاق.
وقال قوم :إلا قليلاً إشارة إلى من كان قبل الإسلام غير متبع للشيطان على ملة إبراهيم، أدركوا بعقولهم معرفة الله ووحدوه قبل أن يبعث الرسول، كزيد بن عمرو بن نفيل أدرك فساد ما عليه اليهود والنصارى والعرب، فوحد الله وآمن به، فعلى هذا يكون استثناء منقطعاً إذ ليس مندرجاً في المخاطبين بقوله :لاتبعتم.
وقال قوم :الاستثناء إنما هو من الاتباع، فقدره الزمخشري :إلا اتباعاً قليلاً، فجعله مستثنى من المصدر الدال عليه الفعل وهو لاتبعتم.
وقال ابن عطية :في تقدير أن يكون استثناء من الاتباع قال :أي لاتبعتم الشيطان كلكم إلا قليلاً من الأمور كنتم لا تتبعونه فيها، ففسره في الاستثناء بالمتبع فيه، فيكون استثناء من المتبع فيه المحذوف لا من الاتباع، ويكون استثناء مفرّعاً، والتقدير :لاتبعتم الشيطان في كل شيء إلا قليلاً من الأشياء فلا تتبعونه فيه.
فإن كان ابن عطية شرح من حيث المعنى فهو صحيح، لأنه يلزم من الاستثناء الاتباع القليل أن يكون المتبع فيه قليلاً، وإن كان شرح من حيث الصناعة النحوية فليس بجيد، لأن قوله :إلا اتباعاً قليلاً، لا يرادف إلا قليلاً من الأمور كنتم لا تتبعونه فيها.
وقال قوم :قوله إلا قليلاً عبارة عن العدم، يريد :لاتبعتم الشيطان كلكم.
قال ابن عطية :وهذا قول قلق، وليس يشبه ما حكى سيبويه من قولهم :أرض قلما تنبت كذا، بمعنى لا تنبته.
لأن اقتران القلة بالاستثناء يقتضي حصولها، ولكن ذكره الطبري انتهى.
وهذا الذي ذكره ابن عطية صحيح، ولكن قد جوزه هو في قوله : ﴿ ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً ﴾ ولم يقلق عنده هناك ولا رده، وقد رددناه عليه هناك فيطالع ثمة.
وقيل :إلا قليلاً مستثنى من قوله :أذاعوا به، والتقدير :أذاعوا به إلا قليلاً، قاله :ابن عباس وابن زيد، واختاره :الكسائي، والفراء، وأبو عبيد، وابن حرب، وجماعة من النحويين، ورجحه الطبري.
وقيل :مستثنى من قوله :لعلمه الذين يستنبطونه منهم، قاله :الحسن، وقتادة، واختاره ابن عيينة.
وقال مكي :ولولا فضل الله عليكم أي :رحمته ونعمته إذ عافاكم مما ابتلى به هؤلاء المنافقين الذين وصفهم بالتبييت، والخلاف لاتبعتم الشيطان هو خطاب للذين قال لهم : ﴿ خذوا حذركم فانفروا ثبات ﴾ وقيل :الخطاب عام، والقليل المستثنى هم أمة الرسول، لأنهم قليل بالنسبة إلى الكفار.
وفي الحديث الصحيح : « ما أنتم إلا كالرقمة البيضاء في الثور الأسود »
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات من البيان والبديع أنواعاً الالتفات في قوله :فما أرسلناك.
والتكرار في :من يطع فقد أطاع، وفي :بيت ويبيتون، وفي :اسم الله في مواضع، وفي :أشد، وفي :من يشفع شفاعة.
والتجنيس المماثل في :يطع وأطاع، وفي :بيت ويبيتون، وفي :حييتم فحيوا.
والمغاير في :وتوكل ووكيلاً، وفي :من يشفع شفاعة، وفي :وإذا حييتم بتحية.
والاستفهام المراد به الإنكار في :أفلا يتدبرون.
والطباق في :من الأمن أو الخوف، وفي :شفاعة حسنة وشفاعة سيئة.
والتوجيه في :غير الذي تقول.
والاحتجاج النظري ويسمى المذهب الكلامي في :ولو كان من عند غير الله.
وخطاب العين والمراد به الغير في :فقاتل.
والاستعارة في :في سبيل الله، وفي :أن يكف بأس.
وافعل في :غير المفاضلة في أشد.
وإطلاق كل على بعض في :بأس الذين كفروا واللفظ مطلق والمراد بدر الصغرى.
والحذف في عدة مواضع تقتضيها الدلالة.

التحريض :الحث.
التنكيل :الأخذ بأنواع العذاب وترديده على المعذب، وكأنه مأخوذ من النكل وهو :القيد.
﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين ﴾ قيل :نزلت في بدر الصغرى.
دعا الناس إلى الخروج، وكان أبو سفيان وعادَ رسول الله صلى الله عليه وسلم اللقاء فيها، فكره بعض الناس أن يخرجوا فنزلت.
فخرج وما معه إلا سبعون لم يلو على أحد، ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده.
ومناسبة هذه الآية هي :أنه لما ذكر في الآيات قبلها تثبيطهم عن القتال، واستطرد من ذلك إلى أنَّ الموت يدرك كل أحد ولو اعتصم بأعظم معتصم، فلا فائدة في الهرب من القتال، وأتبع ذلك بما أتبع من سوء خطاب المنافقين للرسول عليه السلام، وفعلهم معه من إظهار الطاعة بالقول وخلافها بالفعل، وبكتهم في عدم تأملهم ما جاء به الرسول من القرآن الذي فيه كتب عليهم القتال، عاد إلى أمر القتال.
وهكذا عادة كلام العرب تكون في شيء ثم تستطرد من ذلك إلى شيء آخر له به مناسبة وتعلق، ثم تعود إلى ذلك الأول.
والفاء هنا عاطفة جملة كلام على جملة كلام يليه، ومن زعم أنّ وجه العطف بالفاء هو أن يكون متصلاً بقوله : ﴿ وما لكم لا تقاتلون ﴾ أو بقوله : ﴿ فسوف يؤتيه أجراً عظيماً ﴾ وهو محمول على المعنى على تقدير شرط أي :إن أردت الفوز فقاتل.
أو معطوفة على قوله : ﴿ فقاتلوا أولياء الشيطان ﴾ فقد أبعد.
وظاهر الأمر أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وحده، ويؤكده :لا تكلف إلا نفسك.
وحمله الزمخشري على تقدير شرط، قال :أي إن أفردوك وتركوك وحدك لا تكلف إلا نفسك وحدها أن تقدمها للجهاد، فإنّ الله هو ناصرك لا الجنود، فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الألوف انتهى.
وسبقه إليه الزجاج قال :أمره بالجهاد وإن قاتل وحده، لأنه ضمن له النصرة.
وقال ابن عطية :لم نجد قط في خبر أنّ القتال فرض على النبي دون الأمة مرة ما، فالمعنى والله أعلم أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في اللفظ، وهو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه :أي :أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له فقاتل في سبيل الله، ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يستشعر، أن يجاهد ولو وحده، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : « لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي » وقول أبي بكر وقت الردة :ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي.
ومعنى لا تكلف إلا نفسك :أي :لا تكلف في القتال إلا نفسك، فقاتل ولو وحدك.
وقيل :المعنى إلا طاقتك ووسعك.
والنفس يعبر بها عن القوّة يقال :سقطت نفسه أي قوته.
وقرأ الجمهور :لا تكلف خبراً مبنياً للمفعول، قالوا :والجملة في موضع الحال، ويجوز أن يكون إخباراً من الله لنبيه، لا حالاً شرع له فيها أنه لا يكلف أمر غيره من المؤمنين، إنما يكلف أمر نفسه فقط.
وقرئ :لا نكلف بالنون وكسر اللام، ويحتمل وجهي الإعراب :الحال والاستئناف.
وقرأ عبد الله بن عمر :لا تكلف بالتاء وفتح اللام، والجزم على جواب الأمر.
وأمره تعالى بحث المؤمنين على القتال، وتحريك هممهم إلى الشهادة.
﴿ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ﴾ قال عكرمة وغيره :عسى من الله واجبه، ومن البشر متوقعة مرجوّة.
والذين كفروا :هم كفار قريش، وقد كف الله تعالى بأسهم، وبدا لأبي سفيان ترك القتال.
وقال :هذا عام مجدب، وما كان معهم إلا السويق، ولا يلقون إلا في عام مخصب فرجع بهم.
وقيل :كف البأس يكون عند نزول عيسى ابن مريم عليه السلام.
وقيل :ذلك يوم الحديبية.
وقيل :هي فيمن ضربت عليهم الجزية.
والجمهور على ما قدمناه من أنّ ذلك كان عند خروجهم إلى بدر الصغرى.
والظاهر في هذا أنه لا يتقيد كف بأس الذين كفروا بما ذكروا، والتخصيص بشيء يحتاج إلى دليل.
﴿ والله أشدّ بأساً وأشدّ تنكيلاً ﴾ هذا تقوية لقلوب المؤمنين، وأنّ بأس الله أشدّ من بأس الكفار.
وقد رجى كف بأسهم، ثم ذكر ما أعد لهم من النكال، وأن الله تعالى هو أشد عقوبة.
فذكر قوّته وقدرته عليهم، وما يؤول إليه أمرهم من التعذيب.
قال الحسن وقتادة :وأشد تنكيلاً أي عقوبة فاصحة، والأظهر أن أفعل التفضيل هنا على بابها.
وقيل :هو من باب العسل أحلى من الخل، لأن بأسهم بالنسبة إلى بأسه تعالى ليس بشيء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات من البيان والبديع أنواعاً الالتفات في قوله :فما أرسلناك.
والتكرار في :من يطع فقد أطاع، وفي :بيت ويبيتون، وفي :اسم الله في مواضع، وفي :أشد، وفي :من يشفع شفاعة.
والتجنيس المماثل في :يطع وأطاع، وفي :بيت ويبيتون، وفي :حييتم فحيوا.
والمغاير في :وتوكل ووكيلاً، وفي :من يشفع شفاعة، وفي :وإذا حييتم بتحية.
والاستفهام المراد به الإنكار في :أفلا يتدبرون.
والطباق في :من الأمن أو الخوف، وفي :شفاعة حسنة وشفاعة سيئة.
والتوجيه في :غير الذي تقول.
والاحتجاج النظري ويسمى المذهب الكلامي في :ولو كان من عند غير الله.
وخطاب العين والمراد به الغير في :فقاتل.
والاستعارة في :في سبيل الله، وفي :أن يكف بأس.
وافعل في :غير المفاضلة في أشد.
وإطلاق كل على بعض في :بأس الذين كفروا واللفظ مطلق والمراد بدر الصغرى.
والحذف في عدة مواضع تقتضيها الدلالة.

الكفل :النصيب، والنصيب في الخير أكثر استعمالاً.
والكفل في الشر أكثر منه في الخير.
المقيت :المقتدر.
قال الزبير بن عبد المطلب :
وذي ضغن كففت النفس عنه وكان على إساءته مقيتاً
أي مقتدراً.
وقال السموءل :
ليت شعري واشعرت إذا ما قربوها منشورة ودعيت
أتى الفصل ثم عليّ إذا حو سبت أني على الحساب مقيت
وقال أبو عبيدة :المقيت الحاضر.
وقال ابن فارس :المقيت المقتدر، والمقيت :الحافظ والشاهد.
وقال النحاس :هو مشتق من القوت، والقوت مقدار ما يحفظ به الإنسان من التلف.
﴿ من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها ﴾ قال قوم :من يكن شفيعاً لوتر أصحابك يا محمد في الجهاد فيسعفهم في جهاد عدوّهم يكن له نصيب من الجهاد أو من يشفع وتر الإسلام بالمعونة للمسلمين، فتلك حسنة، وله نصيب منها.
وحملهم على هذا التأويل ما تقدم من ذكر القتال والأمر به، وقال قريباً منه الطبري.
وقال مجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم :هي في حوائج الناس، فمن يشفع لنفع فله نصيب، ومن يشفع لضر فله كفل.
وقال الزمخشري :الشفاعة الحسنة هي التي روعي فيها حق مسلم، ودفع عنه بها شر، أو جلب إليه خير وابتغى بها وجه الله، ولم يؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز لا في حد من حدود الله، ولا حق من الحقوق.
والسيئة ما كان بخلاف ذلك انتهى.
وهذا بسط ما قاله الحسن، قال :الشفاعة الحسنة هي في البر والطاعة، والسيئة في المعاصي.
وقيل :الشفاعة الحسنة هي الدعوة للمسلم لأنها في معنى الشفاعة إلى الله تعالى.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم : « من دعا لأخيه بظهر الغيب استجيب له، وقال له الملك :ولك مثل ذلك النصيب » ولدعوة على المسلم بضد ذلك.
وقال ابن السائب ومقاتل :الشفاعة الحسنة هنا الصلح بين الاثنين، والسيئة الإفساد بينهما والسعي بالنميمة.
وقيل :الشفاعة الحسنة أن يشفع إلى الكافر حتى يوضح له من الحجج لعله يسلم، والسيئة أن يشفع إلى المسلم عسى يرتد أو ينافق.
والظاهر أنّ من للسبب أي :نصيب من الخير بسببها، وكفل من الشر بسببها.
وتقدم في المفردات أن الكفل النصيب.
وسمي المجازي.
وقال أبان بن تغلب :الكفل المثل.
وقال الحسن وقتادة :هو الوزر والإثم، وغاير في النصيب فذكره بلفظ الكفل في الشفاعة السيئة، لأنه أكثر ما يستعمل في الشر، وإن كان قد استعمل في الخير لقوله : ﴿ يؤتكم كفلين من رحمته ﴾ قالوا :وهو مستعار من كفل البعير، وهو كساء يدار على سنامه ليركب عليه، وسمي كفلاً لأنه لم يعم الظهر، بل نصيباً منه.
﴿ وكان الله على كل شيء مقيتاً ﴾ أي :مقتدراً قاله السدّي وابن زيد والكسائي.
وقال ابن عباس ومجاهد :حفيظاً وشهيداً.
وقال عبد الله بن كثير :واصباً قيماً بالأمور.
وقيل :المحيط.
وقيل :الحسيب.
وقيل :المجازي.
وقيل :المواظب للشيء الدائم عليه.
قال ابن كثير :وهو قول ابن عباس أيضاً.
وهذه أقوال متقاربة لاستلزام بعضها معنى بعض.
وقال الطبري في قوله :إني على الحساب مقيت، إنه من غير هذه المعاني المتقدّمة، وإنه بمعنى موقوت.
وهذا يضعفه أن يكون بناء اسم الفاعل بمعنى بناء اسم المفعول.
وقال غيره :معناه مقتدر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات من البيان والبديع أنواعاً الالتفات في قوله :فما أرسلناك.
والتكرار في :من يطع فقد أطاع، وفي :بيت ويبيتون، وفي :اسم الله في مواضع، وفي :أشد، وفي :من يشفع شفاعة.
والتجنيس المماثل في :يطع وأطاع، وفي :بيت ويبيتون، وفي :حييتم فحيوا.
والمغاير في :وتوكل ووكيلاً، وفي :من يشفع شفاعة، وفي :وإذا حييتم بتحية.
والاستفهام المراد به الإنكار في :أفلا يتدبرون.
والطباق في :من الأمن أو الخوف، وفي :شفاعة حسنة وشفاعة سيئة.
والتوجيه في :غير الذي تقول.
والاحتجاج النظري ويسمى المذهب الكلامي في :ولو كان من عند غير الله.
وخطاب العين والمراد به الغير في :فقاتل.
والاستعارة في :في سبيل الله، وفي :أن يكف بأس.
وافعل في :غير المفاضلة في أشد.
وإطلاق كل على بعض في :بأس الذين كفروا واللفظ مطلق والمراد بدر الصغرى.
والحذف في عدة مواضع تقتضيها الدلالة.

التحية قال عبد الله بن إدريس :هي الملك وأنشد :
أوّم بها أبا قابوس حتى أنيخ على تحيته بجندي
وقال الأزهري :التحية بمعنى الملك، وبمعنى البقاء، ثم صارت بمعنى السلامة. انتهى.
ووزنها تفعلة، وليس الإدغام في هذا الوزن واجباً على مذهب المازني، بل يجوز الإظهار كما قالوا :أعيية بالإظهار، وأعية بالإدغام في جمع عيي.
وذهب الجمهور إلى أنه يجب الإدغام في تحية، والكلام على المذهبين مذكور في كتب النحو.
﴿ وإذا حييتم بتحية فيحوا بأحسن منها أو ردّوها ﴾ الظاهر أن التحية هنا السلام، وأنّ المسلم عليه مخير بين أن يرد أحسن منها، أو أن يردها يعني مثلها، فأو هنا للتخيير.
وقال ابن عباس، والحسن، وقتادة، وابن زيد :بأحسن منها إذا كان مسلماً، أو ردوها إذا كان يسلم عليك كافر فاردد، وإن كان مجوسياً فتكون أو هنا للتنويع.
والذي يظهر أنّ الكافر لا يرد عليه مثل تحيته، لأن المشروع في الرد عليهم أن يقال لهم :وعليكم، ولا يزادوا على ذلك، فيكون قوله :وإذا حييتم معناه :وإذا حياكم المسلمون، وإلى هذا ذهب.
عطاء.
وعن الحسن :ويجوز أن يقال للكافر :وعليك السلام، ولا يقل :ورحمة الله، فإنها استغفار، وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلم عليه :وعليك السلام ورحمة الله فقيل له، فقال :أليس في رحمة الله يعيش ؟ وكأن من قال بهذا أخذ بعموم وإذا حييتم، لكن ذلك مخالف للنص النبوي من قوله : « فقولوا وعليكم » وكيفية رد الأحسن أنه إذا قال :سلام عليك، فيقول :عليك السلام ورحمة الله.
فإذا قال :سلام عليك ورحمة الله قال :عليك السلام ورحمة الله وبركاته.
فإذا قال المسلم هذا بكماله رد عليه مثله.
وروي عن عمر، وابن عباس، وغيرهما :أن غاية السلام إلى البركة.
وفي الآية دليل على أنّ الرد واجب لأجل الأمر، ولا يدل على وجوب البداءة، بل هي سنة مؤكدة، هذا مذهب أكثر العلماء.
والجمهور على أنْ لا يبدأ أهل الكتاب بالسلام، وشذ قوم فأباحوا ذلك.
وقد طول الزمخشري وغيره بذكر فروع كثيرة في السلام، وموضوعها علم الفقه.
وذهب مجاهد :إلى تخصيص هذه التحية بالجهاد، فقال :إذا حييتم في سفركم بتحية الإسلام ﴿ فلا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً ﴾ فإن أحكام الإسلام تجري عليهم.
وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك :أن هذه الآية في تشميت العاطس، والرد على المشمت.
وضعف ابن عطية وغيره من أصحاب مالك هذا القول.
قال ابن عطية :لأنه ليس في الكلام على ذلك دلالة.
أما أنّ الرد على المشمت مما يدخل بالقياس في معنى رد التحية، وهذا هو منحى مالك إن صح ذلك، انتهى.
وذهب قوم إلى أنّ المراد بالتحية هنا الهداية واللطف، وقال :حق من أعطى شيئاً من ذلك أن يعطى مثله أو أحسن منه.
قال ابن خويز منداد :يجوز أن تحمل هذه الآية على الهبة إذا كانت للثواب، وقد شحن بعض الناس تأليفه هنا بفروع من أحكام القتال والسلام، وتشميت العاطس، والهدايا، وموضوعها علم الفقه وذكروا أيضاً في ما يدخل في التحية مقارناً للسلام، واللقاء والمصافحة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بها وفعلها مع السلام والمعانقة، وأول من سنها ابراهيم عليه السلام، والقبلة.
وعن الحسن في قوله تعالى : ﴿ رحماء بينهم ﴾ قال :كان الرجل يلقى أخاه فما يفارقه حتى يلزمه ويقبله.
وعن عليّ قبلة الولد رحمة، وقبلة المرأة شهوة، وقبلة الوالدين برّ، وقبلة الأخ دين، وقبلة الإمام العادل طاعة، وقبلة العالم إجلال الله تعالى.
قال القشيري :في الآية تعليم لهم حسن العشرة وآداب الصحبة، وأنَّ من حملك فضلاً صار ذلك في ذمتك قرضاً، فإنْ زدت على فعله وإلا فلا تنقص عن مثله.
﴿ إن الله كان على كل شيء حسيباً ﴾ أي :حاسباً من الحساب، أو محسباً من الاحساب، وهو الكفاية.
فإما فعيل للمبالغة، وإما بمعنى مفعل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات من البيان والبديع أنواعاً الالتفات في قوله :فما أرسلناك.
والتكرار في :من يطع فقد أطاع، وفي :بيت ويبيتون، وفي :اسم الله في مواضع، وفي :أشد، وفي :من يشفع شفاعة.
والتجنيس المماثل في :يطع وأطاع، وفي :بيت ويبيتون، وفي :حييتم فحيوا.
والمغاير في :وتوكل ووكيلاً، وفي :من يشفع شفاعة، وفي :وإذا حييتم بتحية.
والاستفهام المراد به الإنكار في :أفلا يتدبرون.
والطباق في :من الأمن أو الخوف، وفي :شفاعة حسنة وشفاعة سيئة.
والتوجيه في :غير الذي تقول.
والاحتجاج النظري ويسمى المذهب الكلامي في :ولو كان من عند غير الله.
وخطاب العين والمراد به الغير في :فقاتل.
والاستعارة في :في سبيل الله، وفي :أن يكف بأس.
وافعل في :غير المفاضلة في أشد.
وإطلاق كل على بعض في :بأس الذين كفروا واللفظ مطلق والمراد بدر الصغرى.
والحذف في عدة مواضع تقتضيها الدلالة.

﴿ الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ﴾ قال مقاتل :نزلت فيمن شك في البعث، فاقسم الله ليبعثنه.
ومناسبتها لما قبلها ظاهرة وهي :أنه تعالى لما ذكر أن الله كان على كل شيء حسيباً، تلاه بالاعلام بوحدانية الله تعالى والحشر والبعث من القبور للحساب.
ويحتمل أن يكون لا إله إلا هو خبر عن الله، ويحتمل أن يكون جملة اعتراض، والخبر الجملة المقسم عليها، وحذف هنا القسم للعلم به.
وإلى إما على بابها ومعناها :من الغاية، ويكون الجمع في القبور، أو يضمن معنى :ليجمعنكم معنى :ليحشرنكم، فيعدى بإلى.
قيل :أو تكون إلى بمعنى في، كما أولوه في قول النابغة :
فلا تتركني بالوعيد كأنني إلى الناس مطلى به القار أجرب
أي :في الناس.
وقيل :إلى بمعنى مع.
والقيامة والقيام بمعنى واحد، كالطلابة والطلاب.
قيل :ودخلت الهاء للمبالغة لشدة ما يقع فيه من الهول، وسمي بذلك إما لقيامهم من القبور، أو لقيامهم للحساب.
قال تعالى : ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴾ ولما كان الحشر جائزاً بالعقل، واجباً بالسمع، أكده بالقسم قبله وبالجملة بعده من قوله :لا ريب فيه.
واحتمل الضمير في فيه أن يعود إلى اليوم، وهو الظاهر.
وأن يعود على المصدر المفهوم من قوله تعالى :ليجمعنكم.
وتقدم تفسير لا ريب فيه في أول البقرة.
﴿ ومن أصدق من الله حديثاً ﴾.
هذا استفهام معناه النفي، التقدير :لا أحد أصدق من الله حديثاً.
وفسر الحديث بالخبر أو بالوعد قولان، والأظهر هنا الخبر.
قال ابن عطية :وذلك أنّ دخول الكذب في حديث البشر إنما علته الخوف أو الرجاء أو سوء السجية، وهذه منفية في حق الله تعالى، والصدق في حقيقته أن يكون ما يجري على لسان المخبر موافقاً لما في قلبه، والأمر المخير عنه في وجوده انتهى.
وقال الماتريدي :أي إنكم تقبلون حديث بعضكم من بعض مع احتمال صدقه وكذبه، فإنْ تقبلوا حديث من يستحيل عليه الكذب في كل ما أخبركم به من طريق الأولى.
وطوّل الزمخشري هنا إشعاراً بمذهبه فقال :لا يجوز عليه الكذب، وذلك أنَّ الكذب مستقل بصارف عن الإقدام عليه وهو قبحه الذي هو كونه كذباً وإخباراً عن الشيء بخلاف ما هو عليه، فمن كذب لم يكذب إلا لأنه محتاج إلى أن يكذب، ليجرّ منفعة، أو يدفع مضرة، أو هو غني عنه، إلا أنه يجهل غناه، أو هو جاهل بقبحه، أو هو سفيه لا يفرق بين الصدق والكذب في أخباره، ولا يبالي بأيهما نطق، وربما كان الكذب أحلى على حنكه من الصدق.
وعن بعض السفهاء :أنه عوتب على الكذب فقال :لو غرغرت لهراتك به، ما فارقته.
وقيل لكذاب :هل صدقت قط ؟ فقال :لولا أني صادق في قولي لا، لقلتها.
فكان الحكيم الغني الذي لا تجوز عليه الحاجات، العالم بكل معلوم، منزهاً عنه كما هو منزه عن سائر القبائح انتهى.
وكلامه تكثير لا يليق بكتابه، فإنه مختصر في التفسير.
وقرأ حمزة والكسائي :أصدق بإشمام الصاد زاياً، وكذا فيما كان مثله من صاد ساكنة بعدها دال، نحو :يصدقون وتصدية.
وأما إبدالها زاياً محضة في ذلك فهي لغة كلب.
وأنشدوا :
يزيد الله في خيراته حامي الذمار عند مصدوقاته
يريد :عند مصدوقاته.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات من البلاغة والبيان والبديع أنواعاً.
التتميم في :ومن أصدق من الله حديثاً.
والاستفهام بمعنى الإنكار في :فما لكم في المنافقين، وفي :أتريدون أن تهدوا.
والطباق في :أن تهدوا من أضل الله.
والتجنيس المماثل في :لو تكفرون كما كفروا، وفي :بينكم وبينهم، وفي :أن يقاتلوكم أو يقاتلوا، وفي :أن يأمنوكم ويأمنوا، وفي :خطأ وخطأ.
والاستعارة في :بينكم وبينهم، وفي :حصرت صدورهم، وفي :فإن اعتزلوكم وألقوا إليكم السلم، وفي :سبيلاً وكلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم الآية.
والاعتراض في :ولو شاء الله لسلطهم.
والتكرار في مواضع.
والتقسيم في :ومن قتل إلى آخره.
والحذف في مواضع.

الإركاس :الرد والرجع.
قيل :من آخره على أوله، والركس :الرجيع.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في « الروثة هذا ركس » وقال أمية بن أبي الصلت :
فأركسوا في حميم النار أنهم كانوا عصاة وقالوا الإفك والزورا
وحكى الكسائي والنضر بن شميل :ركس وأركس بمعنى واحد أي :رجعهم.
ويقال :ركَّس مشدّداً بمعنى أركس، وارتكس هو أي ارتجع.
وقيل :أركسه أوبقه قال :
بشؤمك أركستني في الخنا وأرميتني بضروب العنا
وقيل :أضلهم.
وقال الشاعر :
وأركستني عن طريق الهدى وصيرتني مثلاً للعدا
وقيل :نكسه.
قاله الزجاج قال :
ركسوا في فتنة مظلمة كسواد الليل يتلوها فتن
﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ ذكروا في سبب نزولها أقوالاً طولوا بها وملخصها :أنّهم قوم أسلموا فاستوبئوا المدينة فخرجوا، فقيل لهم :أما لكم في الرسول أسوة ؟ أو ناس رجعوا من أحد لِما خرج الرسول، وهذا في الصحيحين من قول زيد بن ثابت.
أو ناس بمكة تكلموا بالإسلام وهم يعينون الكفار، فخرجوا من مكة.
قال الحسن، ومجاهد :خرجوا الحاجة لهم، فقال قوم من المسلمين، اخرجوا إليهم فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عدوكم.
وقال قوم :كيف نقتلهم وقد تكلموا بالإسلام ؟ رواه ابن عطية عن ابن عباس.
أو قوم قدموا المدينة وأظهروا الإسلام ثم رجعوا إلى مكة فأظهروا الشرك، أو قوم أعلنوا الإيمان بمكة وامتنعوا من الهجرة قاله :الضحاك.
أو العرنيون الذين أغاروا على السرح وقتلوا يساراً، أو المنافقون الذين تكلموا في حديث الإفك.
وما كان من هذه الأقوال يتضمن أنهم كانوا بالمدينة، يردّه قوله : ﴿ حتى يهاجروا في سبيل الله ﴾ إلا إنْ حملت المهاجرة على هجرة ما نهى الله عنه، والمعنى :أنه تعالى أنكر عليهم اختلافهم في نفاق من ظهر منه النفاق أي :من ظهر منه النفاق قطع بنفاقه، ولو لم يكونوا بادياً نفاقهم، لما أطلق عليه اسم النفاق.
وفي المنافقين متعلق بما تعلق به لكم، وهو كائن أي :أيّ شيء كائن لكم في شأن المنافقين.
أو بمعنى فئتين أي :فرقتين في أمر المنافقين.
وانتصب فئتين على الحال عند البصريين من ضمير الخطاب في لكم، والعامل فيها العامل في لكم.
وذهب الكوفيون إلى أنه منصوب على إضمار كان أي :كنتم فئتين.
ويجيزون مالك الشاتم أي :كنت الشاتم، وهذا عند البصريين لا يجوز، لأنه عندهم حال، والحال لا يجوز تعريفها.
﴿ والله أركسهم بما كسبوا ﴾ أي :رجّعهم وردّهم في كفرهم قاله :ابن عباس، واختار الفراء والزجاج :أوبقهم.
روى عن ابن عباس :أو أضلهم، قاله السدي.
أو أهلكهم قاله قتادة، أو نكسهم قاله الزجاج.
وكلها متقاربة.
ومن عبر به عن الإهلاك فإنه أخذ بلازم الإركاس.
ومعنى بما كسبوا أي :بما أجراه الله عليهم من المخالفة، وذلك الاركاس هو بخلق الله واختراعه، وينسب للعبد كسباً.
وقال الزمخشري :والله أرسكهم أي :ردّهم في حكم المشركين كما كانوا بما كسبوا من ارتدادهم، ولحوقهم بالمشركين، واحتيالهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أو أركسهم في الكفر بأنْ خذلهم حتى ارتكسوا فيه لما علم من مرض قلوبهم انتهى.
وهو جار على عقيدته الاعتزالية، فلا ينسب الاركاس إلى الله حقيقة، بل يؤوّله على معنى الخذلان وترك اللطف، أو على الحكم بكونهم من المشركين.
إذ هم فاعلو الكفر ومخترعوه، لا الله تعالى الله عن قولهم.
وقرأ عبد الله :ركسهم ثلاثياً.
وقرئ :ركسهم ركسوا فيها بالتشديد، قال الراغب :الركس والنكس الرذل، والركس أبلغ من النكس، لأن النكس ما جعل أسفله أعلاه، والركس أصله ما رجع رجيعاً بعد أن كان طعاماً فهو كالرجس وصف أعمالهم به، كما قال : ﴿ إنما المشركون نجس ﴾ وأركسه أبلغ من ركسه، كما أنَّ أسقاه بلغ من سقاه انتهى.
وهذه الجملة في موضع الحال، أنكر تعالى عليهم اختلافهم في هؤلاء المنافقين في حال أنّ الله تعالى قد ردهم في الكفر، ومن يرده الله إلى الكفر لا يختلف في كفره.
﴿ أتريدون أن تهدوا من أضلّ الله ﴾ هذا استفهام إنكار أي :من أراد الله ضلاله، لا يريد أحد هدايته لئلا تقع إرادته مخالفة لإرادة الله تعالى، ومَن قضى الله عليه بالضلال لا يمكن إرشاده، ومن أضل الله اندرج فيه المركسون وغيرهم.
ممن أضله الله فكأنه قيل :أتريدون أن تهدوا هؤلاء المنافقين ؟ ومن أضله الله تعالى من غيرهم واندراجهم في عموم من بعد قوله :والله أركسهم، هو على سبيل التوكيد، إذ ذكروا أولاً على سبيل الخصوص، وثانياً على سبيل اندراجهم في العموم.
وقال الزمخشري :أتريدون أن تجعلوا من جملة المهتدين ؟ من أضله الله من جعله من الضلال وحكم عليه بذلك، أو خذله حتى ضل انتهى.
وهو على طريقته الاعتزالية من أنه لا ينسب الإضلال إلى الله على سبيل الحقيقة.
﴿ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً ﴾ أي :فلن تجد لهدايته سبيلاً.
والمعنى :لخلق الهداية في قلبه، وهذا هو المنفى.
والهداية بمعنى الإرشاد والتبيين، هي للرسل.
وخرج من خطابهم إلى خطاب الرسول على سبيل التوكيد في حق المختلفين، لأنه إذا لم يكن له ذلك، فالأحرى أن لا يكون ذلك لهم.
وقيل :من يحرمه الثواب والجنة لا يجد له أحد طريقاً إليهما.
وقيل :من يهلكه الله فليس لأحد طريق إلى نجاته من الهلاك.
وقيل :ومن يضلل الله فلن تجد له مخرجاً وحجة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات من البلاغة والبيان والبديع أنواعاً.
التتميم في :ومن أصدق من الله حديثاً.
والاستفهام بمعنى الإنكار في :فما لكم في المنافقين، وفي :أتريدون أن تهدوا.
والطباق في :أن تهدوا من أضل الله.
والتجنيس المماثل في :لو تكفرون كما كفروا، وفي :بينكم وبينهم، وفي :أن يقاتلوكم أو يقاتلوا، وفي :أن يأمنوكم ويأمنوا، وفي :خطأ وخطأ.
والاستعارة في :بينكم وبينهم، وفي :حصرت صدورهم، وفي :فإن اعتزلوكم وألقوا إليكم السلم، وفي :سبيلاً وكلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم الآية.
والاعتراض في :ولو شاء الله لسلطهم.
والتكرار في مواضع.
والتقسيم في :ومن قتل إلى آخره.
والحذف في مواضع.

﴿ ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ﴾ مَن أثبت أن لو تكون مصدرية قدره :ودُّوا كفركم كما كفروا.
ومَن جعل لو حرفاً لما كان سيقع لوقوع غيره، جعل مفعول ودُّوا محذوفاً، وجواب لو محذوفاً، والتقدير :ودُّوا كفركم لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء، لسرُّوا بذلك.
وسبب ودّهم ذلك إمّا حسداً لما ظهر من علوّ الإسلام كما قال في نظيرتها : ﴿ حسداً من عند أنفسهم ﴾ وإمّا إيثاراً لهم أن يكونوا عباد أصنام لكونهم يرون المؤمنين على غير شيء، وهذا كشف من الله تعالى لخبيث معتقدهم، وتحذير للمؤمنين منهم.
وفتكونون معطوف على قوله :تكفرون.
قال الزمخشري :ولو نصب على جواب التمني لجاز، والمعنى :ودُّوا كفركم وكونكم معهم شرعاً واحداً فيما هم عليه من الضلال واتباع دين الآباء انتهى.
وكون التمني بلفظ الفعل، ويكون له جواب فيه نظر.
وإنما المنقول أنَّ الفعل ينتصب في جواب التمني إذا كان بالحرف نحو :ليت، ولو وإلا، إذا أشربتا معنى التمني، أما إذا كان بالفعل فيحتاج إلى سماع من العرب.
بل لو جاء لم تتحقق فيه الجوابية، لأن ودّ التي تدل على التمني إنما متعلقها المصادر لا الذوات، فإذا نصب الفعل بعد الفاء لم يتعين أن تكون فاء جواب، لاحتمال أن يكون من باب عطف المصدر المقدر على المصدر الملفوظ به، فيكون من باب :للبس عباءة وتقرّ عيني.
﴿ فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله ﴾ لما نص على كفرهم، وأنَّهم تمنوا أن تكونوا مثلهم بانت عداوتهم لاختلاف الدّينين، فهي تعالى أن يوالي منهم أحد وإن آمنوا، حتى يظاهروا بالهجرة الصحيحة لأجل الإيمان، لا لأجل حظ الدّنيا، وإنما غياباً بالهجرة فقط لأنها تتضمن الإيمان.
وفي هذه الآية دليل على وجوب الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ولم يزل حكمها كذلك إلى أن فتحت مكة، فنسخ بقوله صلى الله عليه وسلم : « لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا ».
وخالف الحسن البصري فقال بوجوبها، وإن حكمها لم ينسخ، وهو باق فتحرم الإقامة بعد الإسلام في دار الشرك.
وإجماع أهل المذاهب على خلافه.
قال القاضي أبو يعلى وغيره :من هو قادر على الهجرة ولا يقدر على إظهار دينه فهي تجب عليه لقوله تعالى : ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾ ومن كان قادراً على إظهار دينه استحبت له، ومن لا يقدر على إظهار دينه ولا على الحركة كالشيخ الفاني والزمِنْ، لا يستحب له.
﴿ فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً ﴾ أي.
فإن تولوا عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة فحكمهم حكم الكفار يقتلون حيث وجدوا في حل وحرم، وجانبوهم مجانبة كلية، ولو بذلوا لكم الولاية والنصرة فلا تقبلوا منهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات من البلاغة والبيان والبديع أنواعاً.
التتميم في :ومن أصدق من الله حديثاً.
والاستفهام بمعنى الإنكار في :فما لكم في المنافقين، وفي :أتريدون أن تهدوا.
والطباق في :أن تهدوا من أضل الله.
والتجنيس المماثل في :لو تكفرون كما كفروا، وفي :بينكم وبينهم، وفي :أن يقاتلوكم أو يقاتلوا، وفي :أن يأمنوكم ويأمنوا، وفي :خطأ وخطأ.
والاستعارة في :بينكم وبينهم، وفي :حصرت صدورهم، وفي :فإن اعتزلوكم وألقوا إليكم السلم، وفي :سبيلاً وكلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم الآية.
والاعتراض في :ولو شاء الله لسلطهم.
والتكرار في مواضع.
والتقسيم في :ومن قتل إلى آخره.
والحذف في مواضع.

﴿ إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاؤكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ﴾ هذا استثناء من قوله :فخذوهم واقتلوهم، والوصول هنا :البلوغ إلى قوم.
وقيل :معناه ينتسبون قاله أبو عبيدة.
وأنشد الأعشى :
إذا اتصلت قالت لبكر بن وائل وبكر سبتها والأنوف رواغم
وقال النحاس :هذا غلط عظيم، لأنه ذهب إلى أنه تعالى حظر أن يقاتلَ أحدُ بينه وبين المسلمين نسب والمشركون قد كان بينهم وبين المسلمين السابقين أنساب.
يعني :وقد قاتل الرسول ومن معه من انتسب إليهم بالنسب الحقيقي، فضلاً عن الانتساب.
قال النحاس :وأشد من هذا الجهل قول من قال :إنه كان ثم نسخ، لأن أهل التأويل مجمعون على أنّ الناسخ له براءة، وإنما نزلت بعد الفتح، وبعد أن انقطعت الحروب، ووافقه على ذلك الطبري.
وقال القرطبي :حمل بعض أهل العلم معنى ينتسبون على الأمان، أو أن ينتسب إلى أهل الأمان، لا على معنى النسب الذي هو القرابة انتهى.
قال عكرمة :إلى قوم هم قوم هلال بن عويمر الأسلمي، وادع الرسول على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن لجأ إليهم فله مثل ما لهلال.
وروي عن ابن عباس :أنهم بنو بكر بن زيد مناة.
والجمهور على أنّهم خزاعة وذو خزاعة.
وقال مقاتل :خزاعة وبنو مدلج.
وقال ابن عطية :كان هذا الحكم في أول الإسلام قبل أن يستحكم أمر الطاعة من الناس، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هادن من العرب قبائل كرهط هلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك بني جعشم، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف، فقضت هذه الآية أنه من وصل من المشركين الذين لا عهد بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم إلى هؤلاء أهل العهد، ودخل في عدادهم، وفعل فعلهم من الموادعة، وفعل فعلهم من الموادعة، فلا سبيل عليه.
قال عكرمة والسدي وابن زيد :ثمّ لما تقوى الإسلام وكثر ناصره نسخت هذه الآية والتي بعدها بما في سورة براءة انتهى.
وقيل :هم خزاعة وخزيمة بن عبد مناف.
والذين حصرت صدورهم هم، بنو مدلج، اتصلوا بقريش.
وبه وعن ابن عباس :إنهم قوم من الكفار اعتزلوا المسلمين يوم فتح مكة، فلم يكونوا مع الكافرين، ولا مع المسلمين، ثم نسخ ذلك بآية القتال.
وأصل الاستثناء أن يكون متصلاً، وظاهر الآية وهذه الأقوال التي تقدّمت :أنه استثناء متصل.
والمعنى :إلا الكفار الذين يصلون إلى قوم معاندين، أو يصلون إلى قوم جاؤوكم غير مقاتلين ولا مقاتلي قومهم.
إن كان جاؤوكم عطفاً على موضع صفة قوم، وكلا العطفين جوز الزمخشري وابن عطية، إلا أنهما اختارا العطف على الصلة.
قال ابن عطية بعد أن ذكر العطف على الصلة قال :ويحتمل أن يكون على قوله :بينكم وبينهم ميثاق، والمعنى في العطفين مختلف انتهى.
واختلافه أنّ المستثنى إمّا أن يكونا صنفين واصلاً إلى معاهد، وجائياً كافاً عن القتال.
أو صنفاً واحداً يختلف باختلاف من وصل إليه من معاهد أو كاف.
قال ابن عطية :وهذا أيضاً حكم، كان قبل أن يستحكم أمر الإسلام، فكان المشرك إذا جاء إلى دار الإسلام مسالماً كارهاً لقتال قومه مع المسلمين ولقتال المسلمين مع قومه، لا سبيل عليه.
وهذه نسخت أيضاً بما في براءة انتهى.
وقال الزمخشري :الوجه العطف على الصلة لقوله : ﴿ فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم ﴾ الآية بعد قوله :فخذوهم واقتلوهم، فقرر أنّ كفهم عن القتال أحد سببي استحقاقهم لنفي التعرض لهم، وترك الإيقاع بهم.
( فإن قلت ) :كل واحد من الاتصالين له تأثير في صحة الاستثناء، واستحقاق ترك التعرّض الاتصال بالمعاهدين والاتصال بالكافين، فهلا جوزت أن يكون العطف على صفة قومٍ، ويكونَ قوله :فإن اعتزلوكم تقريراً لحكم اتصالهم بالكافين، واختلاطهم فيهم، وجريهم على سننهم ؟ ( قلت ) :هو جائز، ولكنَّ الأول أظهر وأجرى على أسلوب الكلام انتهى.
وإنما كان أظهروا وأجرى على أسلوب الكلام لأنّ المستثنى محدث عنه محكوم له بخلاف حكم المستثنى منه.
وإذا عطفت على الصلة كان محدثاً عنه، وإذا عطفت على الصفة لم يكن محدثاً عنه، إنما يكون ذلك تقييداً في قوم الذين هم قيد في الصلة المحدث عن صاحبها، ومتى دار الأمر بين أن تكون النسبة إسنادية في المعنى، وبين أن تكون تقييدية، كان حملُها على الإسنادية أولى للاستثقال الحاصل بها، دون التقييدية هذا من جهة الصناعة النحوية.
وأما من حيث ما يترتب على كل واحد من العطفين من المعنى، فإنه يكون تركهم القتال سبباً لترك التعرّض لهم، وهو سبب قريب، وذلك على العطف على الصلة، ووصولهم إلى من يترك القتال سبب لترك التعرض لهم، وهو سبب بعيد، وذلك على العطف على الصفة.
ومراعاة السبب القريب أولى من مراعاة البعيد.
وعلى أن الاستثناء متصل من مفعول :فخذوهم واقتلوهم، والمعنى :أنه تعالى أوجب قتل الكافر إلا إذا كان معاهداً أو داخلاً في حكم المعاهد، أو تاركاً للقتال، فإنه لا يجوز قتلهم.
وقول الجمهور :إن المستثنين كفار.
وقال أبو مسلم :إنه تعالى لما أوجبَ الهجرة على كل من أسلم، استثنى مَن له عذر فقال : ﴿ إِلا الذين يصلون ﴾ وهم قوم من المؤمنين قصدوا الرسول بالهجرة والنصرة، إلا أنهم كان في طريقهم من الكفار ما لم يجدوا طريقاً إليه خوفاً من أولئك الكفار، فصاروا إلى قوم بين المسلمين وبينهم عهد، وأقاموا عندهم إلى أن يمكنهم الخلاص، واستثنى بعد ذلك من صار إلى الرسول وإلى الصحابة، لأنه يخاف الله فيه، ولا يقاتل الكفار أيضاً لأنهم أقاربه، أو لأنه بقي أزواجه وأولاده بينهم فيخاف لو قاتلهم أن يقتلوا أولاده وأصحابه.
فهذان الفريقان من المسلمين لا يحل قتالهم، وإن كان لم توجد منهم الهجرة، ولا مقاتلة الكفار انتهى.
واختاره الراغب.
وعلى قول أبي مسلم :يكون استثناء منقطعاً، لأن المؤمنين لم يدخلوا تحت قوله : ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾.
وقال