0:00
0:00
الصحة أولى، لأن مثلها كاملة لا تجابه رسول الله بمثل هذا الكلام، كما أن حضرة الرسول لا يعنف أحدا بعد إسلامه، فهذا وإن كان واقعا إلا أنه لا يدل على أن هذه الآية نزلت هناك، وإنما بايعهن بمقتضى هذه البيعة التي بايع عليها النساء في المدينة لأن الله تعالى لم ينزل بكل حادثة آية، فيكرر نزول الآيات بتكرار الحوادث بل آية واحدة لحوادث شتى وتطبيقها على ما يحدث بعد نزولها بتلاوتها من قبل النبي لا يعني أنها نزلت ثانيا وسبق أن بينا في سورة الفاتحة ج ١ عدم صحة نزول آية أو سورة مرتين، قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» من اليهود وغيرهم «قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ» وحرموا من ثوابها لتكذيبهم محمدا صلّى الله عليه وسلم مع علمهم بأنه مرسل من الله حقا لهم ولغيرهم «كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ» (١٣) الذين ماتوا على كفرهم من أن يرجعوا إليهم وأن يبعثوا ثانيا لأنهم ينكرون البعث، وقد ختم الله هذه السورة بالمعنى الذي بدأها به تشديدا للكفّ عن موالاة الكافرين والمنافقين لأنها تعود على المسلمين بالضرر، ولا يوجد سورة مختومة بما ختمت هذه السورة في القرآن كله هذا، والله أعلم، واستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأزواجه وذرياته أجمعين ومن تبعهم إلى يوم الدين آمين.
تفسير سورة النساء عدد ٦ و ٩٢ و ٤
نزلت بالمدينة بعد سورة الممتحنة، وهي مئة وست وأربعون آية، وثلاثة آلاف وخمس وأربعون كلمة، وسنة عشر الف وثلاثون حرفا، لا يوجد مثلها في عدد الآي، وقدمنا في سورة الممتحنة السور المبدوءة بلفظ يا أيها.

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

قال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ» نفس آدم عليه السلام «وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها» حواء عليها السلام من ضلع من أضلاعه سئل جراح لم خلقت المرأة من ضلع الرجل؟ فقال إنما أخذت من جانبه لتكون مساوية له، ومن تحت ذراعيه
ليحميها، ومن أقرب مكان لقلبه ليحبها ويحترمها، ولم تخلق من رأسه لئلا تتسلط عليه ولا من قدميه لئلا يدوسها عند الغضب. قال تعالى «وَبَثَّ مِنْهُما» ما تفرع عنهما بطريق الولادة «رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً» أكثر، وإنما لم يصفهن بالكثرة مع أنهن أكثر من الرجال إشارة إلى الاختفاء المقتضى لهن، وتنبيها على أن الرجال أكمل منهن وأتم وأفضل، وعلى القاعدة بجواز الحذف من الثاني لدلالة الأول وبالعكس ومثله كثير «وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ» بين بعضكم كقولك أسألك بالله أن تفعل كذا وأحلف عليك بالله وأستشفع إليك بالله أن تعفو عن كذا وأرجوك بالله وأستجيرك بالله من أن تقول كذا وما أشبه ذلك، «وَالْأَرْحامَ» اتقوا الله فيهم أيها الناس صلوهم لا تفطعوهم وقربوهم لا تبعدوهم، هذا على قراءة النصب، وعلى قراءة الجر يكون المعنى واتقوا الله الذي تساءلون به وبالرحم كما تقول ناشدتك الله والرحم، وسألتك بالله وبالرحم، وكان الناس يعتادون هذا تنبيها لشدة المحافظة على الأرحام ودوام الاعتناء بهم. روى البخاري ومسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله. ورويا عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: من سرّه أن يبسط له في رزقه وينسا له في اثره فليصل رحمه. ورويا عن جبير بن مطعم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: لا يدخل الجنة قاطع رحم.
«إِنَّ اللَّهَ كانَ» ولمل يزل «عَلَيْكُمْ رَقِيباً» ١ لا يغيب عنه شيء من أموركم الباطنة والظاهرة قبل أن تقع منكم، فجدير بكم أن تنقوه أيها الناس وتحذروا مخالفته. قال تعالى «وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ» بأعيانها وما تولد منها ونمى عنها عند ما تستأنسون منهم الرشد وإمكان قيامهم بها كما سيأتي في الآية ٥.
نزلت هذه الآية في أولياء الأيتام إذ كانوا زمن الجاهلية يبدلون أحسن أموالهم بأقبح ما عندهم، ولهذا قال تعالى «وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ» أي مال اليتيم وسمي خبيثا مع أنه طيب لأن تناوله حرام ولا أخبث من الحرام «بِالطَّيِّبِ» بمالكم الحلال لأنه مهما كان قبيحا ودنيئا أو خبيثا فهو طيب لأنه حلال ولا أطيب من الحلال «وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ» المحرمة عليكم وتضموها «إِلى أَمْوالِكُمْ»
فتنفقوا منها جميعا، لأنه لا يجوز الإنفاق من مال اليتيم وفي حال خلطها مع أموالكم عدم مبالاة في حفظها ومدعاة للإنفاق منها على أنفسكم دونهم، إذ يجب على ولي اليتيم أن يفرق بين أمواله وأموال يتيمه وأن ينفق على نفسه وغيره من ماله فقط، وعلى اليتامى من أموالهم إنفاقا بالمعروف إذا لم تسمح نفسه بالإنفاق عليهم من ماله وعدهم من جملة عياله «إِنَّهُ» الأكل من مال اليتيم أو تبديله بأحسن منه «كانَ» عند الله ولا يزال «حُوباً كَبِيراً» (٢) إثما عظيما عقابه عظيما عند الله.
مطلب في أخلاق الجاهلية وفوائد السلطان للبلاد والعباد. وأكل مال اليتيم:
كان رجل من غطفان معه مال كثير لابن أخيه، فلما بلغ منعه عمه منه، فترافعا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فتلا عليهما هذه الآية فقالا أطعنا الله والرسول ونعوذ بالله من الحوب الكبير، ودفع إلى اليتيم ماله. هكذا كانت طاعة العرب الذين يسمونهم بعض الناس في خطبهم أجلافا، وما كانوا بأجلاف وإنما هم شم الأنوف، وقد هذبهم الإسلام فألانهم، وإلا فإن الخصال التي كانت عندهم من المروءة والشهامة والكرم ومكارم الآداب والأخلاق والعفو والصفح والعطف، لم تتحل بها أمة من الأمم الراقية لا قبل ولا بعد، وإنما يتأسى بهم من يفعل فعلهم، نعم كانت عندهم عصبية بعضهم لبعض وكان بينهم ظلم وفحش وجور وغلظة وقساوة من مقتضيات عاداتهم الجاهلية التي طبعوا عليها من مئات السنين، وقد محاها الإسلام وحرمها وأبدلها بأضدادها، ورب شيء محمود بالجاهلية مذموم في الإسلام، كما يكون ممدوحا في الشرع ومذموما بالطب وبالعكس، راجع ص ١٧ من حاشية الباجوري على ابن قاسم في كتاب الطهارة، وقد بقي آثار من أعمالهم الجاهلية في البوادي ووصلت إلى القرى، وقد توجد الآن عند بعض الأرياف فإنهم لا يورثون اليتيم ولا المرأة بل يرثونها، وذلك لقلة علمهم وعدم وجود العلماء عندهم وكثرة طمعهم، والقصور كله على الحكومة التي أهملتهم وتركتهم على ما هم عليه، وإلا لو أرسلت إليهم النصاح والمرشدين والمعلمين لما بقي لهذه العوائد من أثر، اللهم بصرهم لينفعوا عبادك وينشروا القسط في بلادك، لأن زمام الأمور بيد السلطان، وانه ليزع به أكثر مما يزع بالقرآن، فهو القطب الذي عليه مدار الدنيا، وقوام
الحدود، ونظام الحقوق، وهو حمى الله، وظله الممدود على عباده وبلاده، به يمتنع صريخهم، وينتصر مظلومهم، ويقمع ظالمهم، ويأمن خائفهم. على أن غير العرب في ذلك الزمن كان أكثر وحشية منهم وأشد ظلما وأعظم تكبرا، وحتى الآن توجد فيهم هذه الخصال وأشنع وأقبح وأفظع، كما يذكرونه في جرائدهم.
قال تعالى «وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى» الذين هم تحت تربيتكم إذا أردتم الزواج بهن «فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ» غيرهن وزوجوهن لغيركم وتزوجوا من شئتم من غيرهن «مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ» أي اثنتين اثنتين أو ثلاثا ثلاثا أو أربعا أربعا فحسب، أما الزيادة على الأربع فحرام عليكم، وليس لكم أن تقتدوا بحضرة الرسول فيما هو من خصائصه، وهذا هو الحكم الشرعي. ولا دليل في هذه الآية على التسع بزعم جواز ضم الأعداد الثلاثة أي جمعها لأنها تكون عشرا لا تسعا بضم الواحدة التي قبل الاثنتين، لأنها مبدأ العدد، ولأن الخطاب للجميع، وسبب التكرار ليصيب كل ناكح يريد الجمع الذي أراده من العدد الذي أطلق له، كما إذا قلت لجماعة اقتسموا هذه الألف درهمين درهمين، أو عشرة عشرة، أو مئة مئة، فإن الواحد يناله أحد هذه الأعداد لا مجموعها، تدبر، يدل على هذا ما أخرجه أبو داود عن الحارث بن قيس قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة فذكرت ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال اختر أربعا (أي واترك الباقي). وما أخرجه الترمذي عن ابن عمر أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه فأمره رسول الله أن يختار منهن أربعا فقط. ومن هنا تعلم أن ما عليه بعض الإمامية ومن حذا حذوهم من تجويز الجمع بين التسعة لا يتفق وصريح الآية المؤيدة بهذه الأحاديث الصحيحة، ومخالف للإجماع، راجع أول سورة فاطر في ج ١. «فَإِنْ خِفْتُمْ» أيها الراغبون في زواج أكثر من واحدة «أَلَّا تَعْدِلُوا» بينهن «فَواحِدَةً» فقط فتقتصرون عليها «أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ» من الجواري إذ لا يجب العدل بينهن «ذلِكَ» الاقتصار على الواحدة مع تحقق عدم العدل بين الأكثر أقرب و «أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا» (٣) تميلوا عن الحق الذي أوجبه الله عليكم من القسمة
بين الأزواج فتجوروا على بعضهن، من عال يعول بمعنى مال يميل، وبمعنى جاوز يجاوز، ومنه عول الفرائض إذا جاوزت المسألة سهامها تسمى عولية، وعليه يكون المعنى الاكتفاء بالواحدة أقرب من أن لا تجاوزوا ما فرضه الله لكم.
وقال الشافعي وهو حجة في اللغة كغيرها: من عال صار ذا عيال أي أن لا تكثر عيالكم فتعجزوا عن القيام بهم، وقد خطأه أبو بكر الرازي باعتبار أن سياق الآية يبعد المعنى المراد من العيال وسباقها كذلك، إلا أنه قد لا يؤخذ بقوله لأنه لا وقوف له على كلام العرب مثله، على أنه يجوز استعمال كلمة في معنيين ومعان أيضا بما يناسبها، وهذا مما يؤسفني لأنه قد فتح بابا لبعض الحمقى فصاروا يعترضون على أسلافهم الكاملين من حيث لم يفهموا أقوالهم وليسوا بأهل لنزالهم، فقال سامحه الله إدا كان من كثرة العيال فيقال عال يعيل لا عال يعول، ولا يعلم أن العرب تقول عال الرجل عياله يعولهم، كما يقال مان ويمونهم إذا أنفق عليهم، وقد روى الأزهري عن الكسائي قال: عال الرجل إذا اقتصر، وأعال إذا كثر عياله. وروى الأزهري أيضا في كتاب تهذيب اللغة عن عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم في قوله (ألا تعولوا) أي لا تكثر عيالكم، وعليه فيكون هو المخطئ لا الشافعي ولكنه استعجل ولم يتثبت. قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره بعد أن فند قول المخطئ: الطعن لا يصدر إلا عن كثرة الغباوة وقلة المعرفة، وذلك لأن اللغة العربية واسعة ولكلماتها معان كثيرة وان مجيئها لمعنى لا يعني أنها لا تكون لمعنى آخر، وإن من وقف على روحها وطاف على معناها وتفقأ في الإحاطة بمبانيها قد لا يخطىء أحدا لأنه يرى لكل وجهته، ولو أنه قال تكون بمعنى كذا وبمعنى كذا والأول أولى لمناسبة ما قبلها وما بعدها لكان خيرا له من أن يخطىء من هو أعلم منه، عفا الله عنه ووفقه لما به الصواب. هذا وسبب نزول هذه الآية ما رواه البخاري ومسلم عن عروة أنه سأل عائشة عن قوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ) الآية قالت يا ابن أخي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها (أي وهي ممن تحل له) فيرغب في جمالها أو مالها ويريد أن ينقص من صداقها، فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق وأمروا بنكاح من سواهن (أي إذا لم يعدلوا في صداقهن
مثل أمثالهن) قالت عائشة فاستفتى الناس رسول الله بعد ذلك، فانزل (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ) الآية ١٢٧ الآتية، وسيأتي تمام البحث في تفسيرها إن شاء الله تعالى القائل «وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً» عطية وهبة عن طيب نفس ورغبة جنان «فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً» فوهبة لكم بلا تكليف منكم «فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً» (٤) هذا خطاب لأولياء النساء اليتامى وغيرهم، بالنظر لإطلاقها، أي أن الله يأمركم أيها الناس أن تعطوا النساء مهورهن كلها ولا تأخذوا منه شيئا إلا إذا سمحن لكم بشيء منه عن طيب نفس بعد أن يتسلمنه فلا مانع من أن تأخذوه، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا زوجوا المرأة لمن معهم في العشيرة لم يعطوها من مهرها شيئا بل يأخذونه كله إلا ما يمنحونها به من ركوبة أو لباس، وإذا زوجوها غريبا عنهم حملوها على بعير إليه وأكرموها بلباس لا يعطونها غيره، فنهاهم الله عن ذلك، وهذه العادة القبيحة لها بقية أيضا حتى الآن في عرب الأرياف والبادية، وكذلك عند الأكراد والجراكسة، وأيضا الشغار لا زال جاريا بينهم إلا أنهم يعطونها ركوبة ولباسا سواء كانت لقريب أو لغريب لا على الخيار في القريب كما هو في الجاهلية الأولى. الحكم الشرعي:
وجوب إعطاء تمام المهر للزوجة في الشغار وغيره، إذ يجب إعطاء البديلة مهر مثلبا على من يبدلها، وقد نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن الشغار بما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن الشغار في العقد، وما روياه عن عقبة بن عامر قال: قال صلّى الله عليه وسلم أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم من الفروج. وذلك لأنهم لا يراعون حقوق البلديات بل يأكلون مهورهن، والأنكى من هذا أنه إذا لم تمتزج إحداهن مع زوجها فتركته أجبرت الأخرى على ترك زوجها أيضا من قبل وليها بصورة لا يرضاها الشرع ولا المروءة، وهذا مما نفت في روع حضرة الرسول ﷺ حتى نهى عن المبادلة بالحديثين المارّين وغيرهما. واعلم أن ماجرينا عليه من كون الخطاب للأولياء أولى مما مشى عليه الغير بجعله للأزواج، لأن الخطاب فيما قبلها للناكحين مع أن ذكر الناكحين جاء استطرادا في بحث اليتامى الذي حذر الله أولياءهم من أكل أموالهم، فجعل الخطاب إليهم أيضا بتحذيرهم من أكل المهور
أولى وأنسب بالمقام، وأليق للسياق، وأحسن بالسباق، ولأن العادة المطّردة أن الأولياء هم الذين يأكلون صداق بناتهم الأزواج، تدبر. ثم خاطب أولياء اليتامى أيضا بقوله عز قوله.
مطلب في الوصايا وأموال الأيتام وحفظها وتنميتها ورخصة الأكل منها للمحتاج:
«وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ» وهذا عام في أموال اليتامى وغيرهم وإن السياق يعرفه إليهم، لأن العبرة لعموم اللفظ، أي لا تعطوا أموالكم مداينة أو تجارة أو أمانة أو شركة أو بأي وجه كان سواء كان المال لكم خاصة أو للأيتام الكائن تحت حفظكم وتنميتكم إلى السفهاء الذين لا يؤمل منهم الأداء ولا حسن التدبير فيها لعدم قدرتهم على إصلاحها بأنفسهم، والصغير وغير المجرب والمبذر وضعيف العقل والملكات كلهم في حكم السفيه، فلا يجوز إعطاء المال لهم بالوجوه الأربعة المذكورة آنفا أو غيرها لمظنة التفريط فيه وإتلافه وأكله، وإنما يدخل في هذه مال اليتيم بالإضافة لوليه لأنه تحت يده وبتصرف فيه بحق الولاية عليه، فكما أنه لا يجوز أن يسلم ماله للسفيه لا يجوز أن يسلم مال يتيمه إليه بل من باب أولى أن يحافظ عليه أكثر من ماله لأنه من قبيل الأمانة، وكونه لليتيم، وقد علمت ما ذكر الله عن الأمانة في سورة الأحزاب، وما سيأتي في الآية ١٠ بحق أموال اليتامى، ولهذا لا يجوز تسليم مال اليتيم لليتيم إلا إذا تحقق لديه رشده وقدرته على تنميته والمحافظة عليه والانتفاع به بالمعروف، لأن لفظ السفيه يدخل في عمومه اليتيم وغيره، وسواء كان كبيرا أو صغيرا لأن حكمه حكم المجنون والمعتوه والرقيق والمديون المستغرق والمكاري المفلس، فهؤلاء كلهم ومن كان على شاكلتهم لا يجوز إعطاؤهم المال، لأنه لا يؤمل استيفاؤه منهم ولا الإصلاح فيما يأخذونه، ولهذا نهى الشارع عن معاملة هؤلاء الأصناف، لأن المال كما يجب حفظه يجب صرفه في مصارفه، ومن هنا منعت المادة ١٥٧ فما بعدها من المجلة الجليلة معاملة هؤلاء، ثم بين جل بيانه قيمة الأموال بقوله «الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً» فيها لأبدانكم ومعاشكم ومكانتكم أنتم ومن تمونونه، لأنه قوام الناس وملاك أمرهم. ومما يدل
على أن الخطاب في الأصل في هذه الآيات المتقدمة لأولياء الأيتام، وأن المال المذكور مالهم قوله جل قوله «وَارْزُقُوهُمْ فِيها» بأن تتجروا فيها وتنفقوا عليهم من أرباحها لامن أصلها، لأنها إذا لم تزد تنقص وتخلص وتأكلها الزكاة فيصبحون فقراء عالة عليكم وكلا على الناس، وقد جاء بالخبر اتجروا بأموال اليتامى لا تأكلها الزكاة «وَاكْسُوهُمْ» أيضا من نمائها بحسب أمثالهم «وَقُولُوا لَهُمْ» أيها الأولياء الكاملون عند ما يريدون منكم زيادة على المعتاد من النفقة واللباس «قَوْلًا مَعْرُوفاً» (٥) بأن هذا المال لكم وربحه لكم فإذا كبرتم وكنتم صالحين راشدين سلمناكم إياه، فتتصرفون فيه كيفما شئتم وأردتم من طرق التجارة ومن النفقة والكسوة وغيرها، لأنا مكلفون بالاقتصاد بها، وأن لا نتفق عليكم إلا بقدر الكفاية وبنسبة أمثالكم لتسكن أنفسهم ويرغبوا بأن يكونوا أهلا لاستلامها، وهكذا من الكلام الطيب والقول الحسن والأعمال المرغبة شرعا وعقلا لأن الفعل الجميل والكلام اللين يؤثر في القلب فيسبب إزالة السفه عنهم، ولهذا يقول الله تعالى «وَابْتَلُوا الْيَتامى» البالغين الكبار، وسماهم يتامى باعتبار ما كانوا عليه من قبل، أي اختبروهم وامتحنوهم قبل أن تسلموهم أموالهم، ولا تغتروا بكبرهم وشقشة ألسنتهم وأدبهم أمامكم، فإنهم قد يكونون على خلافه مع غيركم. وقد ذكرنا قبلا اليتيم الذي مات أبوه، ومعناه المنفرد، ومنه الدرة اليتيمة، والعجي من ماتت أمه، واللطيم من فقد أبويه «حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ» وزال عنهم اسم اليتيم وصاروا أهلا للزواج بأن أكملوا الثامنة عشرة من عمرهم «فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً» بالاختبار الذي أجريتموه وتحققتم رزانة عقولهم وقدرتهم على إصلاح أموالهم وأمانتهم عليها «فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ» ليتصرفوا فيها بأنفسهم لأنكم أديتم ما عليكم نحوهم وقمتم بواجبكم في أموالهم، أما إذا لم يتحقق لكم رشدهم ولا صلاحيتهم للانتفاع بأموالهم فلا تعطوهم إياها، والأولى بالولي أن يدفع لليتيم أولا بعض ماله ويأمره بالاتّجار به، فإن تبين له صلاحه ولياقته واقتصاده ووضع ما يصرفه موضعه المقبول أعطاه بقية ماله لأنه راشد يتمكن من التصرف به، وإن رأى العكس فهو سفيه لا يسلمه شيئا، ثم يختبره بالدين فإن رآه مجتنبا الفواحش
والمعاصي من كل ما يسقط العدالة الشرعية فهو صالح لتسلّم ماله، وإلا فلا، والاختبار الفعلي كهذا أوثق من الاختبار القولي والنظري، وإذا سلم الولي أو الوصي اليتيم شيئا قبل الاختبار والتحقيق عن حاله فيكون ضامنا
كما هو موضح بكتب الفقه والمجلة الجليلة. الحكم الشرعي عدم جواز دفع المال إلى السفيه مطلقا بقطع النظر عن عمره وعلمه وعقله وجواز دفعه إلى من يثبت رشده وسن الرشد من واحد وعشرين سنة إلى خمس وعشرين، وسن بلوغ البنت سبع عشرة سنة على رأي أبي حنيفة وعليه العمل في المحكمة الشرعية، أو يحتلمان لقوله تعالى (وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ) الآية ٦٠ من سورة النور الآتية، وهذان الشرطان للنساء والرجال ويختص النساء بشرطين آخرين الحيض والحبل، وهذا هو المفتى به، وقالوا إن المرأة حكمها حكم السفيه لنقصان عقلها وقلة تدبيرها، فلا يسلم إليها مال ابنها وزوجها وغيرهما، وهذا على الغالب لأن منهن من هي أدرى من بعض الرجال وأوفر عقلا وأحسن تدبيرا «وَلا تَأْكُلُوها» أيها الأولياء فتسرفوا فيها «إِسْرافاً» بغير حق «وَ» لا تبادروا في إنفاقها «بِداراً» قبل «أَنْ يَكْبَرُوا» فتفرطوا بها وتستعجلوا بإنفاقها عليهم. واعلم أن كلمة إسرافا وبدارا لم تكرر في القرآن ثم أشار إلى تحذير الأولياء من أكل مال اليتيم بقوله «وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ» عن قربان مال اليتيم، فلا يأكل ولا يأخذ منه شيئا ما لقاء الاشتغال بتنميته وحفظه، بل يحتسب ذلك ويطلب أجره من الله الذي لا يضيع عمل عامل. «وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ» من مال اليتيم بقدر أجر مثله فيما لو كان نصب فيما عليه بالأجرة، أو أنه اشتغل بمال اليتيم فلا يأخذ من ربحه إلا بقدر أمثاله «بِالْمَعْرُوفِ» الذي هو جار عادة بين الناس ومتعارف بينهم كالربع من الربح أو الثلث على الكثير، روى أبو داود عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي صلّى الله عليه وسلم فقال إني فقير وليس لي شيء ولي يتيم، فقال كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متاثل. المتأثل الذي ينفق على أهله ونفسه ويكسوهم أفضل وأحسن من أمثاله. الحكم الشرعي جواز أخذ الولي من مال اليتيم إذا كان محتاجا على سبيل القرض دون فائدة ما بقدر كفايته
فقط، على أنه إذا كان ممن تجب عليه نفقته وكان غير كسوب فله أن يطلب فرض نفقة له في مال اليتيم الغني الذي هو تحت وصايته على أن يرجع اليتيم عليه بما أخذه أو النفقة عند يساره، وإذا لم يوسر فلا قضاء عليه، على أن تكون النفقة نفقة، فإذا تجاوزها فهو آثم وعليه قضاء المتجاوز فقط «فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ» بعد ما تحققتم صلاحهم على الوجه المار ذكره «فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ» وهذا الأمر على طريقة الندب لإزالة التهمة، وإلا فحكم الولي حكم الأمين يصدق بقوله على براءة ذمته، وجاز إقامة البينة تحاشيا عن الحلف. ومما يدل على أن الأمر هنا للندب قوله تعالى «وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً» (٦) على ما ادعى به من الإنفاق على اليتيم من ماله حال صغره وعلى ما ربح به وعلى ما أكل من ربحه إذا كان اشتغل به أو من نفس المال إذا كان عاجزا فقيرا ممن تلزمه نفقته، وطنه بقدر الحاجة مثل نفقة الفقراء، ويكتفي بيمينه بان أكله لم يكن لطمع فيه وإنه لم يبذر ولم يسرف في جميع ذلك وإنه قد حافظ عليه بقدر الاستطاعة، وعلى هذا العمل الآن وإلى آخر الدوران إن شاء الله إذا قيض لهذه الأمة من يحكم بشرعه هذا، ولو لم يصدق الولي أو الوصي بقوله فقط لما قبل أحد أن يكون وصيا على يتيم أو قيما على سفيه أو غائب أو مجنون أو شبهه، قال تعالى «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ» مقدر في علم الفرائض وأما أصوله فستأتي بعد «وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ» أيضا مبين أصله في الكتاب، وفرعه في السنة واجتهاد الفقهاء المجمع عليه «مِمَّا قَلَّ مِنْهُ» من المال المتروك «أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً» (٧) لكل منهم كما سيأتي بعد. قالوا كان توفي أوس بن ثابت الأنصاري فترك زوجته أم كهّة وثلاث بنات، فأخذ أبناء عمه سويد وعرفجه ماله ولم يعطياها ولا بناتها شيئا لأنهم كانوا لا يورثون النساء، وهذه أيضا باقية من بقايا الجاهلية حتى الآن لدى عرب الأرياف والبوادي وبعض الأعاجم على اختلاف مللهم ونحلهم، فشكت أمرها إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فاستدعاهما فقالا إن ولدها لا يركبن فرسا ولا يحملن كلّا ولا
ينكبن عدوا، وإن العادة المتعارفة عندنا عدم توريث مثلهم وانحصار الإرث فيمن يقاتل ويجوز الغنيمة
ويحمي الحوزة، فأنزل الله هذه الآية، وإذ لم يبين فيها ما هو نصيب كل منهم أوعز إليهما أن لا يفرطا بشيء من المال حتى ينزل الله مقدار النصيب المار ذكره أول هذه الآية. أما ما جاء بقوله صلّى الله عليه وسلم ساووا بين أولادكم بالعطية فلو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء، الا فاستوصوا بالنساء خيرا، فهو بعد نزول مقدار لنصيب الفرائض. قال تعالى «وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ» للميراث «أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ» الذين لا حظّ لهم في الإرث «فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ» أيها الوارثون وجودوا عليهم بما تسمح به نفوسكم إذا كان المال لكم وحدكم وأنتم كبار وإلّا فإن كان فيمن يستحق الإرث صغير أو سفيه أو غائب فليس لكم أن تعطوا منه شيئا إلا محسوبا على نصيبكم «وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً» (٨) عند ما تعطونهم ولا تعنفوهم على حضورهم ولا تمنوا عليهم بما تعطونه لهم واعتذروا من القليل إن لم تسمح نفسكم بأكثر منه وإذا كان الميراث للصغار أو الغائبين أو السفهاء فاعتذروا إليهم بعدم جواز إعطائهم شيئا منه لأنهم لا حق لهم بالتصرف به ولا دليل لقول من قال إن هذه الآية منسوخة بآية الميراث الآتية، لأن الأمر على طريق الندب لا الوجوب ولأنهم غير وارثين، لأن قريب الوارث أو الوصي على القاصرين أو اليتيم على الغائبين والسفهاء لا يكون وارثا دائما إذ قد يكون غير وارث «وَلْيَخْشَ الَّذِينَ» يحرضون المريض على الإيصاء بماله أو الإعطاء منه حالة المرض أو التصدق بأكثر من الثلث أو بالثلث على قول كما مرت الإشارة إليه في الآية ١٨٢ من سورة البقرة، ويحبذون له ذلك فيسببون فاقة أولاده من بعده، وليحذر أيضا الأوصياء الذين لا يحافظون على أموال القاصرين، وليعلموا أنه كما أنهم «لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ» وراءهم، وقد لمحت الآية ٢٦٧ من سورة البقرة إلى هذا المعنى أي خلفوا «ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ» من حيث لا يرضونه لأنفسهم، فلا يجوز أن يرضوه لغيرهم، قال صلّى الله عليه وسلم لا يكمل ايمان أحدكم حتى يحب لأخيه ما يجب لنفسه «فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ» أمثال هؤلاء وليتباعدوا عما نهوا عنه، فلا يحملوا المريض على ما يئول لفقر أولاده، بل يأمرونه بالنظر لحالة ولده ويمنعونه من الوصية والصدقة والعطية بالثلث فما فوق، وإن كان ولا بد
فيما دون الثلث، لأن حضرة الرسول قال والثلث كثير راجع الآية ١٨٢ من البقرة «وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً» (٩) عدلا صوابا لا يحيف المريض به في الوصية ولا يمنعونه عنها بتاتا فيحرمون الفقراء والأقارب من فضله إن كان له مال كثير كما ألمعنا إليه في الآيتين المذكورتين من سورة البقرة، بل يحبذون له الإيصاء للأقربين الفقراء غير الوارثين والعلماء الصالحين والأيتام والأرامل المحتاجين، ليجد ثوابه عند ربه وليستفيد من ماله في الآخرة كما استفاد منه في الدنيا. قال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً» بغير حق فهو ظلم ولهذا هددهم الله بقوله «إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً» (١٠) نزلت هذه الآية في مرشد بن زيد الغطفاني إذ أكل مال ابن أخيه القاصر. وإنما سماه الله نارا لأنه يفضي لدخولها وهي عامة في كل من يأكل مال اليتيم أو يتصرف به بغير حق فينقصة أو يتلفه. ألا فليحذر الأولياء والأوصياء والقضاة ومدير والأيتام وغيرهم من أن يتسببوا لنقص مال اليتيم فيدخلوا في حكم هذه الآية، أجارنا الله تعالى ووقانا وحفظنا وحمانا.
قال تعالى مبينا أيضا الوارثين جل بيانه «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» بصورة مطّردة في العصبات «فَإِنْ كُنَّ» الوارثات كلهن «نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ» للمورث يقسم بينهن بالسوية والباقي للعصبة فإذا لم يكن هناك عصبة يأخذن الباقي بطريق الردّ على السوية أيضا «وَإِنْ كانَتْ» الوارثة أنثى «واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ» فرضا والباقي ردا عند عدم العصبة وإلا فهو لعصبة الميت «وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ» إن كانا أحياء، وهذا «إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ» فإذا لم يكن له ولد فالمال كله لهما «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ» فقط «فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ» والباقي للأب «فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ» والباقي للأب، أما إذا لم يكن له أبو لا جد فيأخذون خمسة أسداس المال يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وتأخذ الأم السدس فقط وذلك كله «مِنْ بَعْدِ» أداء «وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها» من قبل الميت «أَوْ دَيْنٍ» كان عليه ثابت في ذمته، لأن الميت يتعلق بميراثه أربعة حقوق، تجهيزه
وتكفينه ودفنه وإيفاء ديونه وتنفيذ وصاياه، فيبدأ أولا بتجهيزه، ثم إيفاء ديونه ثم تنفيذ وصاياه، وما بقي يقسم بين الورثة حسبما أمر الله، ولا تعترضوا أيها الناس على زيادة النصيب ونقصه فهو الموافق لمصلحتكم إذا أجلتم النظر وتدبرتم العاقبة.
هذا من جهة ومن أخرى فالأمر أمر الله ولا معقب لأمره «آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ» في حق الإرث لهم أنصباء معلومة مقدرة عند الله، وأنتم «لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً» لتخصوه بزيادة ولا أكثر ضرا لتحرموه من الميراث فكم من أنثى أحسن من ذكور، وكم من بعيد خير من قريب، ولكن الله يعلم ذلك وقضت كلمته أن يكون تقسيمه الإرث على ذلك وكان هذا «فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ» لا محل للاعتراض عليها «إِنَّ اللَّهَ كانَ» ولم يزل «عَلِيماً حَكِيماً» (١١) فيما فرض وحكم وقسم «وَلَكُمْ» أيها الأزواج «نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ» هذا «إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ» والولد هنا يشمل الذكر والأنثى والواحد والمتعدّد، فإن كان واحدا ذكرا أخذ المال كله من فرض الأب والأم فرضا إذا كانا حيين لأنهما أصحاب فروض لا ينقطعون بعد بحال من الأحوال ولا يحرمون بتاتا من الإرث، بل قد يحجبان حجب نقصان في بعض الأحوال المعلومة في كتب الفرائض، ولنا رسالة مسماة أصح القول في الردّ والعول فيها كفاية لمن يراجعها، وإن كان اثنان فأكثر اقتسموه بينهم على السواء. وإن كانت أنثى أخذت النصف فرضا والباقي ردا، إذا لم يكن هناك عصبة كما تقدم، وإن كن أكثر أخذن الثلثين والباقي للعصبة، وإن كانوا ذكورا وإناثا اقتسموه بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين «وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً» أي لا ولد له ولا والد ولا حفيد ولا جد. والوارث الذي ليس بولد ولا والد يسمى كلالة «أَوِ امْرَأَةٌ» تورث كلالة «وَلَهُ» لهذا الميت رجل كان أو امرأة «أَخٌ أَوْ أُخْتٌ» لأم «فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ
فَإِنْ كانُوا»
الإخوة لأم «أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ» ثلاثة فما فوق «فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ» ذكورهم وإناثهم على السواء لأن الشركة تقتضي التسوية وما يفضل يعطى للعصبة المبين تفصيلهم ومقدار إرثهم في علم الفرائض، وهذا أيضا يعطى لهم «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها» من قبل الميت ذكرا كان أو أنثى «أَوْ دَيْنٍ» وقد كررت هذه الجملة أربع مرات بحسب اختلاف الموصيين، ولهذا لا يعد تكرارا إذ لا بدّ منها لئلا يتوهم عدم القيام بالوصية أو الدين في بعض الأحوال فيظن أن حكمها غير جار في الآية المتروكة منها، مع أن إيفاء الوصية وأداء الدين مقدم على الإرث في كل الأحوال، ويجب على الموصي أن يكون بوصية «غَيْرَ مُضَارٍّ» بورثته بان يوصي بأكثر من الثلث أو يخصص وارثا بغير ما يخص به الآخر زيادة على فرضه أو يحرم وارثا، وذلك بأن يقسم تركته حال مرضه عليهم، لأن هذا كله من الإضرار المنهي عنه شرعا الموجبة للعقوق وحنق بعض الورثة على بعض، لأن الأمر بهذا التقسيم وعدم الإضرار كله صادر «وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ» لعباده ليتقيدوا فيها ويعملوا بأحكامها وليحافظوها «وَاللَّهُ عَلِيمٌ» بنياتكم فيحذركم من أن تتضارّوا وخاصة في آخر رمق من حياتكم لأنكم أحوج ما تكونون إلى الوفاق فيه بأن تتركوا ورثتكم منآلفين وأنتم بوقت ترجون فيه الدعاء والرضاء ورجاء فضل الله فتعملوا ما يغضبه وتقعوا بالإثم الذي أوله مخالفة الله وآخره الخلاف بين ورثتكم بما يعود عليكم بالسبّ والشتم، ونتيجته عذاب الله في الآخرة والله «حَلِيمٌ» (١٢) لا يعجل عقابه وإلا لأنزل البلاء حالا بمن يخالف وصاياه.
تشير هذه الآية إلى استدراك ما هفا به المريض قبل موته ليرجع عما فعله من الحيف بذلك لئلا يستحق وعيد الله، ولعله ينال وعده، ولذلك يسن لمن يعود المريض وقد علم بما وقع منه من المخالفة في الوصية أو غيرها أن يرشده إلى ما به رضاء الله ورضاء خلقه، ويحذّره عاقبة الأمر، راجع ما بيناه في الآية ١٨٢ من البقرة «تِلْكَ» الأحكام المذكورة في الإرث والوصايا واليتامى هي «حُدُودُ اللَّهِ» التي يجب عليكم الوقوف عندها فلا تعتدوها أيها الناس، وأطيعوا الله فيما يأمركم وينهاكم وأبقوا ورثتكم متآخين، وارجوا دعاءهم لكم بالخير، «وَمَنْ يُطِعِ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ»
(١٣) ولا أعظم فوزا من الخلود في الجنة أبدا فتحصلوا على رضاء الله أيها الناس، وإياكم أن تعصوه «وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ» التي بينها في الإرث وغيره «يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ» (١٤) لا تطيقه قواه مع الخزي والعار. هذا، وإن حضرة الرسول ينتظر أمر الله في بيان نصيب كل من ورثة أوس بن ثابت المار ذكره في الآية ٧ وكان سعد بن الربيع استشهد بأحد وترك بنين وامرأتين وأمّا، وكانت زوجته راجعت حضرة الرسول أيضا بأن عما أخذ مالها ولم يدع لها شيئا، وكان قال لها ليقض الله في ذلك كما رواه البخاري ومسلم عن جابر، فأنزل الله هذه الآيات المبينة ما سألتا عنه فاستدعاهما وأعطى كلا منهم نصيبه حسبما أمر الله. أما من ليس له فرض في كتاب الله فيدخل في قوله صلّى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري عن ابن عباس ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأدنى رجل ذكر. وهذا ما يسمونه تعصيبا في علم الفرائض الواجب وتعلمه وجوبا كفائيا، لأنه من أعظم العلوم قدرا وأشرفها ذخرا وأفضلها ذكرا لأن الله تعالى تولى بيان تقسيمها بنفسه جلت ذاته وعظمته، أخرج بن ماجة والدارقطني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنه (أي علم الفرائض) نصف العلم وهو أول علم ينسى، وهو أول شيء ينزع من أمتي. وكان من برع في هذا العلم زمن الرسول زيد بن ثابت، وبعده ابن مسعود وقال صلّى الله عليه وسلم مخاطبا أصحابه رضوان الله عليهم أفرضكم زيد. وكان سئل أبو موسى عن بنت وبنت ابن وأخت فأفتى بالنصف للبنت والنصف للأخت وأمر السائل ان يسأل ابن مسعود، فسأله فأعطى للبنت النصف ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين وللأخت ما بقي، فعرضوه على أبي موسى فقال لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم تنويها بفضله ومن هنا أخذت قاعدة اجعلوا الأخوات مع البنات عصبة، هذا وبعد أن بين الله تعالى لزوم الإحسان إلى النساء وإمساكهن بالجميل أو تسريحن بإحسان فيما تقدم من الآيات في سورة البقرة في الآية ٢٤١ فما قبلها وفي أوائل هذه
السورة ضم إلى ذلك لزوم التغليظ عليهن ليجتنين ما يدنس كرامتهن وليحافظن على شرفهن، فهو من جملة الإحسان إليهن بحسب العاقبة.
مطلب حد الزنى واللواطة. وأصول التشريع. والمراد بالنسخ. وإيمان اليأس والتوبة:
فقال جل قوله «وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ» سواء كن زوجات أو غيرهن على الإطلاق «فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ» أيها المؤمنون كلهم رجال لا من غيركم ولا من النساء، لأن هذا من الأمور الهامة فلا يؤتمن أبدا عليها غيركم بخلاف بعض الحقوق التي تجوز فيها الشهادة من غيركم بما فيهم النساء، كما سنبينه في الآية ١١٠ من سورة المائدة الآتية، وقد مرّ لها بحث في الآية ٢٨١ من سورة البقرة فراجعه «فَإِنْ شَهِدُوا» شهادة لا غبار عليها أربعتهم أمام الإمام والقاضي بأنهن فعلن الفاحشة عيانا «فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ» إحبسوهن فيها جزاء لإقدامهن على تلك الفعلة القبيحة حالا لئلا يكررنه وان تبقوهن محبوسات «حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ» فتخلصوا منهن «أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» (١٥) طريقا آخر فينزل فيهن حكما آخر قبل أن يمتن، وهذا كان موجودا في الجاهلية وفي بداية الإسلام واستمر حتى أنزل الله بيان السبيل الذي ذكره هنا في سورة النور الآتية، وهذا يعد من المجمل الذي يحتاج إلى البيان فلا تعد هذه الآية منسوخة كما قاله بعض المفسرين بالحديث الذي رواه مسلم عن عبادة بن الصامت من أنه كان نبي الله إذا أنزل عليه حكم كرب لذلك، وتريد وجهه، فأنزل الله عليه ذات يوم، فبقي كذلك، فلما سرّى عنه قال خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهنّ سبيلا البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مئة والرّجم. فإن هذا هو السبيل المجمل الذي بينه صلّى الله عليه وسلم في هذا الحديث فصار بيانا للآية، لا ناسخا، لأن الحديث لا ينسخ القرآن كما بيناه في تفسير الآيتين ١٠٧ و ١٨٠ من سورة البقرة المارة فراجعها، وسيأتي زيادة تفصيل في تفسير أول آية من سورة النور المذكورة إن شاء الله تعالى. ويعلم من هذا أن أمر الله بالإحسان إلى النساء لا يكون سببا لترك إقامة الحد عليهن، لأنه يسبب إيقاعهن ت (٣٤)
بالمفاسد، فكان إقامة الحد عليهن حكما قاطعا لذلك، روى البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة قال سعد بن عبادة لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال أتعجبون من غيرة سعد، والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن غيرة الله حرم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين، ولا أحد أحب إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد الجنة- لفظ البخاري- ولمسلم: ولا شخص أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلك بعث المرسلين مبشرين ومنذرين. قال تعالى «وَالَّذانِ» أي الفريقان، المحصنون وغير المحصنين وقيل إنهما اللائط والملوط به ولا شك أن اللواطة أفحش من الزنا لخروج الآتي والمأتى فيه عن مقتضى الحد الإلهي، وانحطاطهما عن رتبة الكمال الإنساني مما يخالف المروءة ويسقط العدالة. وهذان الناقصان اللذان «يَأْتِيانِها مِنْكُمْ» أيها الرجال «فَآذُوهُما» أيها الحكام وحقروهما وعيّروهما وأنبوهما أيها الناس على فعل هذه الفاحشة الشنيعة ولا تقيسونها على النساء فتحبسونها، لأن الحبس يمنعهما عن القيام بمعاشهما ومن تلزمهما نفقته لذلك جعل الله عقوبتهما الأذى أي الضرب بالنعال والتقريع والتوبيخ، أما النساء فلا صالح لهن بالخروج، لذلك جعل جزائهن الحبس إلى أن يتوبا «فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما» بسبب خضوعهما وإنابتهما بعد ذلك الضرب والتأنيب «إِنَّ اللَّهَ كانَ» ولا يزال «تَوَّاباً» على من يتوب وينيب إليه «رَحِيماً» (١٦) بمن يرجع إليه حكيما فيما يشرع لعباده، وهذا أيضا كان أول الإسلام واستمر إلى أن نزلت آية الحد أول سورة النور الآتية، لأن الله تعالى جعل تشريعه لهذه الأمة تدريجا، والتدريج هو الأصل الثالث من أسس التشريع التي اعتبرها الفقهاء من أصول الدين التي أشرنا إليها في بحث التدريج للأحكام في المقدمة فراجعه، ولهذا سوغ الأخذ بالرخصة كقصر الصلاة وفطر الصائم واليتيم وإباحة المحرّم عند الضرورة بقدر الحاجة والنطق بكلمة الكفر عند خوف القتل مع اطمئنان القلب وجواز شرب الخمر بالإكراه وما أشبه ذلك كما نبهنا عنه في الآية ١٠٧ من سورة النحل في ج ٢. والأصل الثاني تقليل التكاليف، وهو
نتيجة لازمة لعدم الحرج، لأن كثرتها إحراج على الأمة، وإنما كان التشريع تدريجيا ليتم كمال دينه الذي ارتضاه شيئا فشيئا، لأنه لو تعبدهم بكل ما أمرهم ونهاهم دفعة واحدة لصعب الأمر عليهم وشق الانقياد
إليه والامتثال له، ولما تلقاه بالقبول إلا القليل منهم، فإذا تأملت هذا جزمت بأن ما أنزل آخرا غير مبطل لما نزل أولا بالمعنى المراد في النسخ، ولظهر لك سرّا هذا من أنهم لما سألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن الخمر والميسر المستحكمين فيهم والذين كانا دأبهم ليل نهار وديدنهم صباح مساء كالشاي والقهوة في زماننا أجابهم بما لم يصرح فيه على الكف عنهما بتاتا كما مر تفصيله في المقدمة. ولتمام بحثه صلة في سورة المائدة الآتية إن شاء الله، فعلى هذا الأصل وأصل الإجمال بعد التفصيل الذي نحن بصدده تعلم أن لا نسخ في كتاب الله بالمعنى الذي يريده علماء الناسخ والمنسوخ، لأنك لو تدبّرت الآيات المكية لوجدتها كلها مجملة وقل ما هو مفصّل فيها، لأن جلها مما يحمي العقيدة، ولو تأملت الآيات المدنيات لوجدت غالبها مفصلا مبينا لذلك المجمل، ولا سيما ما هو خاص بالمعاملات المدنية وهذا من خصائص ومميزات المدني عن المكي التي ذكرناها في بحث خاص في المقدمة أيضا فراجعها. قال تعالى «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ» أي مقبولة لديه بمحض الفضل لا الوجوب «لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ» إذ لا يعصي الإله إلا الجاهل السفيه لعدم استعمالهما معه من العقل المميّز الخير من الشر والعلم المبني عن عقاب الله على المعصية وثوابه على الطاعة «ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ» على أثر الإقلاع من فعله فيتبعه الندم حالا والاستغفار منه والإنابة إلى الله «فَأُولئِكَ» الذين هذا شأنهم النادمين على فعل السيء الراجعين إلى الله «يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» إذا تابوا قبل حضور الموت ومعاينة أسبابه، لأن عمر الإنسان كله قليل قريب من الموت، أخرج الترمذي عن عمر بن الخطاب أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر. أي حتى يتردد الماء في حلقه فلا يستطيع إساغته من سكرات الموت «وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً» بما يقع من الندم من عباده فيمهلهم ليتوبوا فيقبل توبتهم المدون في علمه الأزلي قبولها «حَكِيماً» (١٧) بعدم تعجيل العذاب لأمثالهم لعلمه برجوعهم إليه ونظير هذه الآية الآية ١١٩ من سورة النحل في ج ٢. روى
البغوي بسنده عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: إن الشيطان قال وعزتك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب وعزتي وجلالي وارتفاعي في مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروني. قال تعالى مبينا القسم الأول من الذين لا توبة لهم بقوله عز قوله «وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ» وصار ينزع بروحه لأنه وقت يأس وانقطاع الأمل من الحياة، وفي هذه الحالة لا ينفع الايمان وإلا لقبل إيمان فرعون، وإن الذي لا تقبل توبته هو الذي لا تخطر بباله إلا في آخر رمق من حياته عند إشرافه على الموت ومعاينة أسبابه «قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ» عند بلوغه تلك الحالة التي تحقق عدم الحياة بعدها. قال تعالى (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا) الآية الاخيرة من سورة المؤمن في ج ٢ وإلا لما بقي كافر على وجه الأرض راجع الآية ١٥٨ من الانعام في ج ٢ تجد ما يتعلق في هذا البحث بصورة مفصلة ثم بين القسم الثاني فقال (وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) إذ لم يبق أمامهم بعد الموت إلا الآخرة ولا تقبل التوبة فيها لأنها ليست بدار تكليف وإلا لما دخل النّار كافر «أُولئِكَ» الذين أهملوا أنفسهم ولم يتوبوا في حالة تقبل فيها توبتهم قد خسروا الدنيا و «أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً» (١٨) في الآخرة والمراد بالسيئات هنا الشرك الجامع لكل سوء. قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) الآية الآتية وهي مكررة هنا، فقد أطلق تعالى فيها عدم المغفرة للمشركين ووعد بغفران ما دون الشرك، فيكون المؤمن الذي أهمل توبته عما اقترف من المعاصي باقيا تحت المشيئة، قال في الجوهرة:
ومن يمت ولم يتب من ذنبه... فأمره مفوض لربه
قال سعيد بن جبير نزلت الآية الاولى في المؤمنين وصدر الثانية في المنافقين وآخرها في الكافرين ومن أراد أن يشمل هذه الآية للمؤمنين قال إنها منسوخة بآية (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) الآية المارة آنفا، ونحن نتحاشى ذلك والمعنى يأباه، والتنزيل ينافيه، ونقول ما قاله سعيد ابن جبير الذي قال فيه الحجاج بعد موته على ما قيل إنه رئي بالمنام فقال إن الله قتله بقتل كل قتيل قتلة قتلة وبسعيد بن جبير سبعين
قتلة، وذلك لأنه رحمه الله أعلم أهل زمانه، وعليه فلا نسخ في الآية بل هي محكمة باق حكمها إلى الأبد حسبما قال.
مطلب حرمة عد النساء ميراثا وحومة استرداد المهر منهن والأمر بحسن معاشرتهن. والرجوع للحق فضيلة:
قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً» بأن تتزوجوهن من غير رغبة بهن أو بغير رغبتهن بكم بداعي أنكم قد ورثتموهن وهن ليس بميراث «وَلا تَعْضُلُوهُنَّ» تمنعوهن من الزواج لمن يرغبن بهم ويرغب فيهن «لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» ظاهرة «وَعاشِرُوهُنَّ» إذا تزوجتموهن برضائهن وكن ممن يحل لكم الزواج بهن «بِالْمَعْرُوفِ» كما يطلب منهن ذلك أيضا فضلا عن الطاعة والإخبات «فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ» وآثرتم فراقهن على البقاء في عصمتكم وكرهتموهن قبل أن تبنوا بهن فالأجدر بكم أن تبقوهن عندكم «فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً» في حال من الأحوال «وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً» (١٩) بأن يبدل تلك الكراهية محبة أو اتركوهن فقد يكون في تركهن الخير لكم، ولكن سياق الآية يرمي إلى الحث على عدم الفراق حال الكراهة كما ذكرناه، قال صلّى الله عليه وسلم أبغض الحلال إلى الله الطلاق. إذ قد يرزق الله منها ولدا صالحا فيكون فيه الخير وإذا أمسكها على سوء خلقها فيكون له الثواب الجزيل عند الله في الآخرة ويستحق الثناء من الناس في الدنيا. كان أهل المدينة أوائل الإسلام على عاداتهم الجاهلية إذا مات الرجل منهم ورث زوجته قريبه، فإن شاء تزوجها بغير صداق على صداقها الأول الذي أخذته من قريبه المتوفى، وإن شاء منعها من الزواج حتى تفدي نفسها بإعادة الصداق الذي أخذته قبلا أو تموت فيرثها، وهذه العادة الجاهلية لها بقية الآن في أعراب البادية وبعض القرى، وإن كانت القرابة عصبية كبنت العم فلها بقية أيضا في عرب الأرياف، فأنزل الله هذه الآية مبينا فيها عدم حل إرث النساء وعدم جواز منعهن من الزواج إذ لم يكنّ مالا حتى يصرن ميراثا، ولأن ما قبضته من المهر الأول لا حق لاحد به. أما جواز حبسها في حالة الزنى من قبل
وليها كما مر في الآية آنفا بعد ثبوت زناها الدال عليه قوله (بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) فهذا الوصف دليل على ثبوت ما عزي إليها بالشهود الأربعة المبينة في تلك الآية أيضا فجائز اتباعا لأمر الله، وكذلك زواجهن لمن أردته منهم أو من غيرهم على ما جاء في الآية المارة جائز أيضا، وإنما أمرهم بحسن معاشرتهن إذ قد يكن كارهات له، أو هو كارها لهن، ولهذا أمّل الله الصابر منهما على الكراهة بالخير، وهو إما أن يكون في الدنيا وإما في الآخرة كما قدمناه. قال تعالى «وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ» وأنفت أنفسكم أيها الرجال البقاء مع زوجاتكم وأردتم طلاقهن وقد صرفتم عليهن مبلغا عظيما «وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً» من ذهب أو فضة مهرا «فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً» أبدا لأن الكراهة من قبلكم وقد قضيتم وطركم منهن فلا يحل لكم استعادة شيء منه أبدا «أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً» أي أتحبون أن تأخذونه أخذا باطلا في الدنيا «وَإِثْماً مُبِيناً» (٢٠) ظاهرا تعذبون عليه في الآخرة لأنكم أخذتموه بغير حق فهو حرام عليكم قطعا
«وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ» جملة عجبية أي بأي وجه تفعلون هذا ولماذا وقد أديتموه لها مهرا عن طيب نفس حينما كنتم راغبين زواجها، فلا يليق بكم أيها العقلاء استرداد ما أعطيتموهن بعد أن قضيتم وطركم منهن، لأن الصداق من نوع الهبة والعائد بهبته كالكلب العائد قيئه وهل يجوز لكم أن تقدموا على ذلك «وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ» وهذه الجملة كناية عن الاتصال والجماع «وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً» (٢١) عهدا وثيقا وهو قول العاقد زوجتكها على ما قال الله تعالى (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) والعقد هو الكلمة التي يستحل بها زواج النساء والدخول بهن بدلالة قوله صلّى الله عليه وسلم اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله. وقوله صلّى الله عليه وسلم استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان في أيديكم، الحديث. جمع عانية أي أسيرة، ولهذا جاء في الخبر عنه صلّى الله عليه وسلم النكاح رق فلينظر أحدكم أين يضع عتيقته. أي آنيته، راجع الآية ٤٩ من سورة الأحزاب المارة.
وقال صلّى الله عليه وسلم زوج بنتك إلى كريم فإن أحبها أكرمها وإن أبغضها لم يظلمها ولذلك وصى رسول الله فيهن وصايا مترادفة، وبما أن الله تعالى أخذ العهد للرجال على النساء
من أجل النساء قال في هذه الآية (وَأَخَذْنَ) أي كأنهن اللائي قد أخذن هذا الميثاق على الرجال، ألا فليتق الله الرجال وليتمسكوا بأوامر الله تعالى ووصايا رسوله صلّى الله عليه وسلم في حق النساء. وفي هذه الآية دليل على جواز كثرة المهر، روي أن عمر بن الخطاب قال يوما على المنبر: لا تغالوا في مهور النساء، فقالت امرأة يعطينا الله وتمنعنا أنت! وتلت عليه هذه الآية، فقال: امرأة أصابت وأمير أخطأ، وأنّب نفسه رضي الله عنه، فقال كل الناس أفقه منك يا عمر. انظروا رحمكم الله لقوله هذا وهو أفقه وأعلم الناس إذ ذاك وهو أميرهم وسيدهم وخليفة الله في أرضه، ثم قال رضي الله عنه كنت نهيتكم عن زيادة مهور النساء فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب فليعط. وهذا الرجوع يعد فضيلة لسيدنا عمر رضي الله عنه لا طعنا كما قال بعض الشيعة من أنه وحاشاه جهل هذه القضية، لأن الجهل مناف للإمامة، على أن الآية ليست نصا في غلاء المهور، وليست مانعة من قلتها، وإلا لما قال صلّى الله عليه وسلم: خيرهن أقلهن مهرا. وقد وقع لعلي كرم الله وجهه أنه سئل عن مسألة فقال فيها، فقال له السائل ليس هكذا ولكن كذا وكذا، فقال أصبت وأخطأنا وفوق كل ذي علم عليم. وقد وقع لداود عليه السلام ما قص الله لنا عنه راجع الآية ٧٨ من سورة الأنبياء في ج ٢، بل تعد فضيلة عظيمة له رضي الله عنه ولكن لا علاج لداء البغض والعناد، ومن يضلل الله فما له من هاد.
وغاية ما في هذه الآية النهي عن أخذ المهر من المرأة التي يريد الرجل طلاقها كراهة فيها، وجاءت كلمة القنطار على طريق المبالغة والزجر ليس إلا، وما قيل إن هذه منسوخة بالآية ٢٢٩ من البقرة المارة قيل لا صحة له، بل هي محكمة والحكم الذي فيها هو الأخذ بغير طيب نفس، وهناك الكراهة من الزوجة، لذلك أجاز أخذ الفداء فيها بخلاف هذه، وتلك مقدمة والمقدم لا ينسخ المؤخر البتة، وكذلك لا وجه لقول القائل إن هذه الآية ناسخة لآية البقرة لما ذكرنا من أن الأخذ هناك بمقابلة فداء نفسها بسبب كراهتها زوجها وهو عن طيب نفس منها لأنها هي المقصرة، ومنا على العكس، لأن القصور كله منه، ويريد هذا القائل منع الخلع مطلقا وينسى قوله صلّى الله عليه وسلم لحبيبة بنت سهل الأنصاري الذي أوردنا ذكره في الآية المذكورة من
البقرة، فراجعها. واعلم أن هذه الآية دليل على أن الخلوة الصحيحة في المرأة المعقود عليها توجب تمام المهر.
مطلب في المحرمات من النساء وفي نكاح الحرة والأمة ونكاح التبعة والتفاضل بين الناس:
قال تعالى «وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ» ووقع قبل نزول هذه الآية، لأن التشريع الجديد لا يشمل ما قبله، ولأن النهي لا يتناول إلا ما بعده، ومن هنا أخذت قاعدة القوانين الحكومية بأنها لا تطبق على ما قبلها ولا يعمل بها إلا من تاريخ نشرها ما لم ينص بها على خلاف ذلك كما جاء بالربى راجع الآية ١٧٩ من البقرة والآية ١٣٢ من آل عمران تعلم أن الأمر فيها شامل لما قبل، أي لكل ربا لم يستوف، ثم بين جل شأنه العلة بقوله «إِنَّهُ» أي أخذ زوجة الأب «كانَ فاحِشَةً» قبيحة مستعملة زمن الجاهلية الذين لا يفرقون بين الحلال والحرام ويفعلون ما تستحسنه عقولهم، وقد أكد الله تعالى التحذير عن الإقدام على زواج زوجة الأب بعد هذا النهي بتسميتها فاحشة لأنها بمنزلة الأم ونكاح الأم حرام قطعا، فكما أن زوجة الابن محرمة على الأب فزوجة الأب محرمة على الابن على القطع «وَ» كان ذلك «مَقْتاً» أيضا يوجب غضب الله وبغضه وغاية في الخزي عند الله «وَساءَ سَبِيلًا» (٢٢) ذلك السبيل المؤدي إلى مقت الله. لما كانت النساء في الجاهلية إرثا وان من يرثهن كان مخيرا بين زواجهن وتزويجهن، أراد قيس الأنصاري أن يتزوج زوجة أبيه فقالت له إني اتخذتك ولدا وأنت رجل صالح، دعني آتي الرسول. فجاءته فاستأمرته، فأنزل الله هذه الآية. والمراد بالنكاح هنا مجرد العقد، قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره ج ٣ ص ٦٣٥ اتفقوا على أن حرمة التزويج بحليلة الأب تحصل بنفس العقد، كما أن التزويج بحليلة الابن تحصل بنفس العقد. وجاء في الدر المختار وحاشيته لابن عابدين ج ٢ ص ٤٧٠ في فصل المحرمات ما يؤيد هذا، فلا محل للقول باشتراط الدخول، تأمل. وكانت العرب تسمي هذا النكاح نكاح المقت والولد الذي يحصل منه مقيتا، ومن هذا النكاح حصل الأشعث بن قيس وأبو معيط بن
عمرو بن أمية. روى البغوي بسنده عن البراء بن عازب، قال: مرّ بي خالي ومعه لواء، فقلت أين تذهب؟ قال بعثني الرسول ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه آتيه برأسه. وهذا بعد نزول هذه الآية، لأن مخالفة أمر الله كفر توجب القتل، ولأن هذا الذي أقدم على زواج امرأة أبيه بعد نهي الله لم يبال بالنهي، وفعل ما فعل مستحلا جريا على عادة الجاهلية التي نسخها الله، ومن استحل محرما لا شبهة فيه كهذا حل قتله. ثم بين تعالى المحرمات بقوله «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ» وأمها وأم أمها إلى النهاية «وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ» الشقيقات أو لأب أو لأم وبناتهن وبنات بناتهن إلى الأبد ولو كانت البنت من الزنى، أي بأن زنى في بكر وأمسكها حتى ولدت، فإنها محرمة عليه، خلافا للشافعي ولا يتصور كونها من الزنى إلا بالإمساك كما ذكرنا، وبعدمه لا يتحقق كونها ابنته أو أخته «وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ» فقط، لأن بناتهن يجوز زواجهن كبنت العم والخال «وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ» وبناتهن كلهن وبنات بناتهن إلى النهاية وهذه سبع محرمات بسبب النسب، ويليها مثلها بسبب السبب وهن «وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ» وكذلك بناتهن وبنات بناتهن إلى النهاية «وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ» بنات زوجاتكم، وسميت ربيبات لأن الزوج يربيهن. وهذا النهي خاص في «اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ» فقط «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ» بزواجهن إذا طلفتم أمهاتهن قبل الدخول، روى عمرو بن متعب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال أيما رجل ينكح امرأة فلا يحل له نكاح ابنتها، وإن لم يكن دخل بها فلينكح ابنتها، وأيما رجل نكح امرأة فلا يحل له أن ينكح أمها دخل أو لم يدخل «وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ» لا زوجات من تربونهم من أولاد الناس، فتلك حلال لكم، راجع الآيتين ٤ و ٣٧ من سورة الأحزاب المارة، ممنوع عليكم ذلك «وَ» ممنوع عليكم أيضا «أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ» قبل نزول هذا التحريم «إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً» (٢٣) بكم لا يؤاخذكم على ما مضى منكم من نكاح الأختين معا وزوجة الأب قبل النهي، كما لا يؤاخذكم على
أي عمل كان منكم قبل نهيكم عنه. روى البخاري عن ابن عباس، قال:
حرم من النسب سبع ومن الظهر سبع، ثم قرأ هذه الآية. وقد أجرى الله تعالى الرضاع في التحريم مجرى النسب أي كل ما كان محرما في النسب محرما في الرضاع. يدل على هذا ما روي عن عائشة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة- أخرجاه في الصحيحين- وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم في بنت حمزة إنها لا تحل إليّ يحرم من الرضاع ما يحرم بالنسب، وإنها ابنة أخي من الرضاع. فكل من حرمت بسبب النسب حرم نظيرها بسبب الرضاعة وتحرم حليلة الابن نسبا أو رضاعا بمجرد العقد، وكذلك حلائل أبنائهما، لأن لفظ الحل فيها يطلق حقيقة عليه بخلاف النكاح فهو حقيقة بالوطء مجاز في العقد، وإذا صحت الحقيقة فلا محل للمجاز تدبر. الحكم الشرعي هو ما ذكره الله ولا فرق بين الإخوة أن تكون من النسب أو من الرضاع لما تقدم لك من الأحاديث، وكذلك لا يجوز الجمع بين المملوكتين إذا كانتا أختين، وقد سئل علي كرم الله وجهه عن ذلك فأفتى بالتحريم، وكفى به قدوة. وقال هو وعثمان رضي الله عنهما أحلتهما آية (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) وحرمتهما آية (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) ومال علي إلى التحريم لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلم ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام. وآية (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) مخصوصة في غير الجمع بين الأختين الكائن في هذه الآية، لذلك فإن ما مال إليه عثمان رضى الله عنه من التحليل يكون خاصا بغير الأختين، وعليه فكما يجوز للرجل النظر إلى محارمه نسبا والخلوة بهن والسفر معهن يجوز له ذلك مع محارمه في الرضاع، إلا أنهم لا يتوارثون ولا تجب على أحد منهم نفقة الآخر، ويشترط أن يكون الرضاع خلال مدته، فإذا وقع بعد السنتين من عمر الرضيع فلا يعتبر رضاعا محرما، أخرج الترمذي عن أم سلمة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام. وأخرج مالك في الموطأ عن ابن مسعود أنه قال: لا رضاع إلا ما كان في الحولين. وأخرجه أبو داود أيضا، وإذا أطلق الرضاع حمل على كامله، وهو ظاهر القرآن لأنه لم يبين عدد الرضعات فتكفي الرضعة الواحدة أي ما تسمى رضعة لا المصة والمصتين لأنها
لا تسمى رضعة بالمعنى المراد، والسنة تفسر القرآن، روي عن عائشة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لا تحرم المصة والمصتان أخرجه مسلم. وروى مسلم عن أم الفضل أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان. وفي رواية أن رجلا من بني عامر بن صعصعة قال يا نبي الله هل تحرم الرضعة، قال لا. هذا ولا يجوز للرجل أن يجمع بين امرأة وعمّتها أو خالتها، والقاعدة في هذا أن كل امرأتين بينهما قرابة أو لبن لو كان ذلك بينك وبين المرأة لم يجز لك نكاحها لم يجز لك الجمع بينهما. روى ابو هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها- أخرجاه في الصحيحين- فكل امرأتين لو فرض إحداهما ذكرا والأخرى أنثى لا يجوز الزواج بينهما لا يجوز جمعهما تدبر، وذلك أن ابن الزوج لا يجوز أن يتزوج عمته ولا ابن الاخت خالته، وكذلك العكس، فلا العم يأخذ بنت أخيه، ولا الخال بنت أخته، وهذا هو معنى عدم الجمع بين المرأة وخالتها أو عمتها، وكذلك لا يجوز الجمع بين العمتين والخالتين من نسب آخر، فإن ثبت الحل على أحد الجانبين جاز الجمع كالمرأة وامرأة ابنها من زوج آخر، لأن المرأة لو فرضت ذكرا حرم عليه التزوج بامرأة أبيه، ولو فرضت امرأة الابن ذكرا جاز له التزوج بالمرأة لأنه أجنبي عنها، كما يجوز الجمع بين ابنتي العمين والعمتين، والخالين والخالتين، ويجوز الجمع بين امرأة وبنت زوج كان لها من قبل لأن أحدهما لو كان ذكرا جاز له أن يتزوج الأخرى، فلم يكن التحريم من الجهتين. قال تعالى «وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ» أي وحرم عليكم النساء المتزوجات فكل متزوجة محصنة، لأن أصل الإحصان لغة المنع، والحصان المرأة العفيفة، ويطلق هذا اللفظ على ذات
الزوج والحرة والعفيفة والمسلمة، وهذه السابعة من النساء المحرمات بالسبب وهو الزواج فكل متزوجة لا يحل نكاحها حتى تطلق وتنقضي عدتها «إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ» من النساء المسبيّات الذين أزواجهم بدار الحرب، لأن السبي يرتفع به النكاح، والإماء المبيعات لوقوع الفرقة بالبيع فالزموا أيها المؤمنون «كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ» فيما أحل لكم وحرم عليكم به لا تخالفوه فتهلكوا «وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ» المبين لكم تحريمه في الكتاب وما حرمته السنة من الجمع بين
العمة والخالة كما تقدم لنبوت منعه بنهي الرسول عنه في الحديث الصحيح. قال تعالى (ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) الآية ٨ من سورة الحشر الآتية وكذلك لا يجوز زواج العبدة على الحرة، وزواج الأمة للقادر على زواج الحرة كما سيأتي. وأحل لكم «أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ» نكاح الحرائر بالصداق والعقد، والسراري بالشراء قليلا كان ثمنهن أو كثيرا لإطلاق لفظ أموالكم من غير تقدير ولا قيد ولا تخصيص «مُحْصِنِينَ» أنفسكم بالزواج «غَيْرَ مُسافِحِينَ» وسمي الزنى سفاحا لأن الزاني لا غرض له إلا صب الماء أي سفحه في فرج المرأة.
قال تعالى «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ» المستمتعات «أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ» من زيادة في المهر والأجل أو نقص فيهما أو زيادة في أحدهما ونقص في الآخر أو بالعكس «إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً» بالأشياء قبل خلقها وبحاجة البشر قبل علمهم بها ولم يزل كذلك «حَكِيماً» (٢٤) فيما أباحه لكم فلا يدخل في حكمه خلل ولا زلل. واعلم أن نكاح المتعة هو عقد رجل زواجه على امرأة برضاها على قدر معلوم من الصداق وأجل معروف مبرم مثلا من يوم كذا إلى كذا وعلى درهم فما فوق، خالية من زوج وعدة وحيض ونفاس، فإذا انقضى الأجل بانت بلا طلاق، لأن انقضاء الأجل بحقها بمثابة طلاقها لأنه عقد عليه. وليس لها أن أن تستمتع بغيره إلا بعد أن تستبرئ رحمها بحيضة واحدة على الأقل، ولا توارث بينهما ولا نفقة لها ولا متعة، لأن العقد جرى على شيء معلوم. وفي هذه الأمور السبعة خالفت النكاح لانه لا يكون موقتا ولا تبين إلا بالطلاق البائن، ولا تحل بعده إلا بعد ثلاثة قروء ولها عليه النفقة إذا تركها، والمتعة إذا طلقها، وترث منه إذا مات، وعليها عدة الوفاة. وكانت المتعة في بداية الإسلام ثم حرمها رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالحديث الذي رواه مسلم عن مسبرة بن سعد الجهني قال إنه كان مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، والله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كانت عنده منهن فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا. وروى البخاري ومسلم عن علي كرم الله وجهه
قال: نهى رسول الله عن متعة النساء، يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الأهلية الإنسية. هذا وقد قال من يرى نسخ القرآن بالسنة قال إن هذه الآية منسوخة في هذين الحديثين الصحيحين، ومن قال أن السنة لا تنسخ القرآن وهو الصحيح قال إنها منسوخة بقوله تعالى (فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ) الآية ٧ من سورة المؤمنين ج ٢، وقد يوجّه هذا القول لو كانت هذه الآية متقدمة في النزول على آية المؤمنين لأن المؤخر ينسخ المقدم أي يرفع حكمه لا تلاوته، ولكنها مقدمة عليها والمقدم لا ينسخ المؤخر قولا واحدا، وكذلك نظيرتها آية المعارج ٣١ في ج ٢ مقدمة على هذه الآية بالنزول وهما مكيتان وهذه مدنية والمكي لا أحكام فيه ما عدا التوحيد والبعث والرسالة، وقد ذكرنا غير مرة أن السنة لا تنسخ القرآن راجع الآية ١٠٧ من البقرة المارة، ولهذا كان ابن عباس رضي الله عنه يرخص بالمتعة ويقول إن الآية محكمة ولم يزل يفتي بها إلى زمن ابن الزبير ولم يثبت أنه انتهى عن الإفتاء بجوازها حينما نهاه علي كرم الله وجهه وقال له إنك رجل تائه، أخرج ابن الزبير عن عروة أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قامه بمكة حين خلف عليها بعد وفاة علي كرم الله وجهه والحسين رضي الله عنه، فقال: إن أناسا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة يعرض برجل يعني ابن عباس كما قال النووي، فناداه فقال إنك لجلف جاف، فلعمري لقد كانت المتعة تفعل في عهد إمام المتقين يريد رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال ابن الزبير فجرّب نفسك فو الله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك. وقال بعضهم إن ابن عباس إنما أباح المتعة، حالة الاضطرار وخوف العنت في الأسفار، فقد روي عن ابن جبير قال قلت لابن عباس لقد سارت بفتياك الركبان، وقال فيها الشعراء قال وما قالوا؟
قلت قالوا:
قد قلت للشيخ لما طال مجلسه يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس
هل لك في رخصة الأطراف آنسة تكون مثواك حتى مصدر الناس
فقال سبحان الله ما بهذا أفتيت، وما هي إلا كالميتة والدم ولحم الخنزير ولا تحل إلّا لمضطر، ولولا هذه الأحاديث والأخبار لأمكن تفسير الآية بغير معنى المتعة
المذكورة، لما جاء في تفسير ابن عباس (فما استنفعتم) وفي النسفي فما نكحتموه منهن، وفي البيضاوي فما تمتعتم به من المنكوحات، وفي الخازن ما تلذذتم به من الجماع، وكل هذه الألفاظ تفسيرية لقوله تعالى (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ) فلا مانع إذا بتفسيرها بتزوجتم أو نكحتم، ولا مانع من تفسير أجورهن بمهورهن، فيرتفع معنى الاستمتاع الذي يريده الغير، وعليه يمكن أن يقال فما استمتعتم به منهن أي فيما نكحتموهن وجامعتموهن من النساء فآتوهن أجورهن أي مهورهن، لأن المهر أجر البضع، وقد عبر عنه في مواضع كثيرة بمعنى المهر في القرآن العظيم كما مر أول هذه السورة، وفي الآية ١١ من سورة الممتحنة، والآية ٥٠ من سورة الأحزاب المارتين، وكما سيأتي بعد في الآية ٦ من المائدة و ٢٥ منها، فإنه عبّر فيهن عن المهر بالأجر وهو الأحسن والأليق والأرجح. أو يقال إن هذه الآية عبارة عن إخبار الله تعالى بما أمر به رسول أمته ما هو موافق لأزله لأنه لا ينطق عن هوى وليست من قبيل الأمر حتى تتضارب فيها الآراء ويصار إلى القول بنسخها او عدمه، ومن المعلوم أن الأخبار لا يدخلها النسخ، فأحسن القول بالمتعة إنها ثبتت بالسنة ونسخت بها لا أنها ثبتت بالقرآن ونسخته بالسنة، تدبر قوله تعالى (فَرِيضَةً) أي كجملة المهور المفروضة ومعنى (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ) أي في الحط من المهر أو زيادته أو هبته بعد العقد وقبله لأن هذا كله جائز شرعا إذا اتفق عليه الطرفان. قال تعالى «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا» سعة وسمى الغنى طولا لأنه ينال به المراد غالبا «أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ» لعدم قدرته على ما يحتاج لهن من مهور زائدة ونفقات طائلة «فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ» اي ليأخذ من الجواري والإماء المعبّر عنهن بقوله عز قوله «مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ» المملوكات لأنهن لا يحتجن إلى كثير كلفة من مهر ونفقة، ولان معاشرتهن لا تحتاج إلى ما تتطلب له معاشرة الحرائر، كما أن معاشهن يسير بالنسبة لهن وربما يقنعن بما يكفيهن. وفي هذه الآية دليل على أن الزواج بالأمة متوقف على شرطين: عدم القدرة على مهر الحرة وكفايتها وخوف العنت على نفسه، كما سيأتي ذكره بعد. «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ» أي بتفاضله
وفي هذه الجملة تأنيس بنكاح الإماء وإزالة الاستنكاف منه واعلام بعدم أرجحية الإيمان فيما بين الناس أحرارهم وإمائهم من حيث الظاهر، ولربما كان إيمان الإماء أقوى من الحرائر وبالعكس، وإيمان المرأة أرجح من إيمان الرجل وبالعكس.
وتشير إلى أن التفضيل عند الله باعتبار الإيمان لا بالنسب والحسب. وفي قوله تعالى «بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ» تنبيه إلى التساوي بالنسب القديم لأن العبيد والأحرار أصلهم من آدم وحواء على السواء قال:
الناس بحسب التمثال أكفاء أبوهم آدم والأم حواء
فمناط التفاخر أيها الناس بالإيمان، وملاك الفضل بالتقوى، وقوام الأعمال بالأدب، وجماع الحشمة بالكرم، وإذا كان كذلك فلا تأنفوا أيها الفقراء من نكاح الإماء ولا تشمخوا عليهن بحريتكم، ولا تلتفتوا إلى أقوال الجاهلين الذين ينتقدون ذلك ويسمون ابن الأمة الهجين، ومعناه في الأصل اللئيم ومن أبوه خير من أمه، ويطلق على العربي المولود من الجارية، وعلى كل حال فالإحصان بالجارية فيه قمع الشهوة التي ربما توقعه فيما لا يرضي الله، فهو خير له أن يصون دينه ونفسه. «فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ» أسيادهن، فلا ينعقد النكاح بين الامة وزوجها إلا بإذن مولاها كبيرة كانت أو صغيرة لورود النص، أخرج ابو داود والترمذي من حديث جابر عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر، ولا يقاس على الطلاق لأنه إزالة عيب عن نفسه فيملكه، بخلاف النكاح، أما الحرّة فقد وقع اختلاف بين العلماء في حق الكبيرة فقط هل تحتاج لإذن وليها أم لا، أما الصغيرة فلا بد من إذنه، والعمل الآن على اعتبار الإذن كبيرة كانت أو صغيرة إلا إذا كان بقصد الفصل فلا، لأن للولي حق الامتناع عن الموافقة إذا تزوجت بدون مهر المثل أو بغير كفء، أما إذا كان بمهر المثل وكان الزوج كفؤا فليس له منعها، وعند ذلك تزوج نفسها وافق أم أبى، ولا نص في القرآن على لزوم الإذن من الولي في زواج الحرة، وإن إدخالها في حكم هذه الآية تغافل أو تسامح لأن البحث منحصر في الإماء لا علاقة له في الحرائر، راجع الآية ٤٩ من سورة الأحزاب المارة «وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» مهورهن مما أنفقتم عليه «بِالْمَعْرُوفِ»
من غير مطل ولا نقص عن المسمى ولا تبديل نوعه وعن طيب نفس ورضى واختيار ولسيدها قبض مهرها وأخذه، لأن العبد وما ملكت يداه لسيده، والمهر من ملك يدها، وهؤلاء الإماء ينبغي أن يكنّ عفيفات كما وصفهن الله بقوله «مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ» زانيات مجاهرات «وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ» أصحاب لشهوتهن يمتعن بهم خاصة لأن المسافحة المسبلة نفسها لكل أحد، والخدن التي تختص بواحد يزني بها فقط، وكانت الجاهلية تحرم نكاح الأولى وتجيز الثانية، فأخبرهما الله بان نكاح كل منهما حرام، وهاتان الخصلتان القبيحتان من آثار الجاهلية لها بقية كثيرة حتى الآن، ولا حول ولا قوة إلا بالله «فَإِذا أُحْصِنَّ» بالتزويج «فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ» أي زنين «فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ» الحرات إذا زنين «مِنَ الْعَذابِ» الذي يترتب عليهن، وهكذا التي لم تحصن، لأن التزويج ليس بشرط لإجراء الخدّ، والمراد منه التنبيه على أن المملوك ولو كان محصنا فلا يرجم، وهذا هو الطريق الذي وعد الله به في الآية ١٥ المارة والذي سنوضحه في سورة التحريم الآتية إن شاء الله، ويفهم من هذه الآية أن الأمة إذا زنت قبل التزويج فلا حدّ عليها، وأنها بعده لا ترجم لان الحد لا ينصف، وقد استدل من أوجب الحد على الأمة بالزنى قبل التزويج بما روى عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليحدها الحد ولا يثرب عليها أي لا يعيرها ثم إن زنت فليحدها الحد ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر- أخرجاه في الصحيحين- لأنها اعتادته ولم يبق أمل بتوبتها توبة نصوحا منه، وعليها الحد كلما عادت. وعليه فيصرف معنى الآية على عدم رجمهن إذا زنين، ويراد بالعذاب الحد، وإنها تستحق نصف الجلد المترتب على الحرة البكر لا الحد الذي يترتب على الحرة الثيب، لأنه الرجم، وهو لا ينصف كما مر، وما قبل إن الإحصان هنا يراد به الإسلام ينافيه السباق، والسياق، لهذا فإن من استدل بحدها على تفسير الإحصان بالإسلام، فقد بعد عن المرام «ذلِكَ» نكاح الإماء لعدم الطول مطلوب «لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ» أي الزنى على نفسه «مِنْكُمْ» أيها المؤمنون «وَأَنْ تَصْبِرُوا»
عن زواجهن وتقدروا على قمع شهوتكم فهو «خَيْرٌ لَكُمْ» كي لا يكون ابنكم رقيقا لأن الولد يتبع أمه في الرق والحرية، وأباه في الدين، قال:
يتبع الفرع بانتساب أباه والأم في الرق والحرّية
والزكاة الأخف والدين الا على والذي اشتد في جزاء ودية
وأحسن الأصلين ذبحا ورجسا ونكاحا والأكل والأضحية
هذا وإن الغيور لا يقدر أن يتحمل الإماء لأنهن مبتذلات مهانات غير حافظات لأنفسهن على الغالب، لذلك يأبى زواجهن ذو المروءة وأصحاب الشهامة، وإذا كانت نفس الأبي تأبى فليصبر على نفسه لوقت الاستطاعة على نكاح الحرّة.
إذا لم تستطع أمرا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
وقال الآخر في ذلك:
إذا لم يكن في منزل المرء حرة تدبره ضاعت مصالح داره
وقال الآخر:
ومن لم تكن في بيته قهرمانية فذلك بيت لا أبا لك ضائع
لذلك فإن التعفف عنهن أولى والتباعد عن ضمهن أحرى «وَاللَّهُ غَفُورٌ» لمن لم يصبر عن نكاحهن إذا تزوجهن خشية العنت «رَحِيمٌ» (٢٥) بإباحة ما تشتد إليه حاجة عباده ترمي هذه الجملة للتنفير عن نكاح الإماء بحيث كأنه ذنب. قال تعالى «يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ» ما خفي عنكم من مصالحكم وما هو الأحسن، والأفضل لكم مما يرفع به شأنكم ويكف الألسنة عنكم «وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ» مناهج وشرائع وطرق «الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» من الأمم المؤمنة ومثالية الأمم الكافرة لتأخذوا بالأحسن وتجتنبوا الاسوء «وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ» فيما أصبتموه من الحرام قبل نهيكم عنه ويحذركم من اقترافه بعد التحريم «وَاللَّهُ عَلِيمٌ» بما يصلح لكم وما تحتاجون إليه في الدنيا وتنتفعون بثوابه في الآخرة «حَكِيمٌ» (٢٦) فيما شرعه وأباحه لكم وحرمه عليكم «وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ» كرره تأكيدا وزيادة في التحذير والتشويق «وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ» وهم الفجرة الذين لا يملكون إرادتهم لضعف إيمانهم وقلة اكتراثهم بأمر دينهم «أَنْ
تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً»
(٢٧) عما أحل الله لكم إلى ما حرم عليكم لتهلكوا وتندموا وتخسروا الدنيا والآخرة «يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ» تكاليفه التي أثقلت كواهل من قبلكم ولم يشدد عليكم كما شدد عليهم لأنكم أقرب للطاعة منهم، وأرأف على غيركم منهم. وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً» (٢٨) لا يتحمل المشاق قليل الصبر لا يقهر قواه، ضعيف العزم لقاء هواه، نحيف البنية لا يستطيع مقاومة الشدة، الشوكة تفعده والحمى تميته، عديم التأني عجولا لما يريد.
مطلب أكل المال بالباطل وجواز البيع بالتراضي ومن يقتل نفسه وكبائر الذنوب وصغائرها وما يتعلق بهذا:
هذا وبعد أن بين الله تعالى ما يجب أن ينتهي عنه في النفس شرع في بيان ما يجب أن يجتنب في المال والنشب فقال جل قوله «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ» كالربا والقمار والغضب والسرقة والخيانة، وأن تعدوا ما يحصل من ذلك ربحا وهو محرم عليكم تعاطيه وربحه، وهكذا كل ربح حصل من عقد فاسد أو باطل «إِلَّا أَنْ تَكُونَ» الأرباح التي تأكلونها «تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ» فيحل لكم أكلها وهذا الاستثناء منقطع لأن أرباح التجارة ليست من جنس الباطل. وفي الآية دليل على جواز البيع بالتعاطي وجواز البيع الموقوف إذا أجيز لوجود التراضي وعلى نفي خيار المجلس، لأن إباحة الأكل من غير تقييد، وقدمنا ما يتعلق بهذا في الآية ١٨٨ من سورة البقرة فراجعه «وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» أيها المؤمنون كما يفعله بعض الجهلة قليلو اليقين بالله عند ضيق ذات يدهم أو حدوث أمر يعجزهم تدبيره أو مفاجأة بمعيبة أخرى أو غير ذلك، فإنّ قتل النفس أشد من قتل الغير إثما عند الله، لأن من يقتل غيره يوشك أن يتوب ويؤدي ديته أو تعفي عنه ورثته فلا يبقى عليه إلا حق الله وهو مبني على المسامحة، والله أكرم مرجوّ أن يعفو عنه بعد أن عفا عنه عبده والله سبحانه أكرم منه، أما قتل النفس فلا يتيسر فيه شيء من ذلك روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تحسى سما فقتل
نفسه فسمّه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا.
ورويا عن جندب عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال كان برجل جراح فقتل نفسه، فقال الله تبارك وتعالى، بدرني عبدي بنفسه، وفي رواية استعجل عليّ عبدي حرمت عليه الجنة، ولهذا قال كثير من الأئمة لا يصلى عليه، وقال ابو حنيفة يصلى عليه لأنه مؤمن مذنب وهو أحوج من غيره للدعاء، والأول الذي مشى عليه غيره أولى لما سبق في معنى الحديثين المارين وما سيأتي بعد هذا، ومن قتل غيره فقد تسبب لقتل نفسه لأنه قد يحكم عليه بالقصاص، ومن أكل المال بالباطل فقد أهلك نفسه لما فيه من الوعيد الشديد، فكأنه قتلها أيضا، وقد بينا ما يتعلق في هذا في الآية ١٧٩ من سورة البقرة المارة «إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً» (٢٩) يا أمة محمد ولم يزل كذلك، لأنه ينهاكم عن كل ما يضركم ويأمركم بكل ما ينفعكم دنيا وأخرى، ومن رحمته أن جعل توبتكم الندم وتوبة غيركم القتل «وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً» تجاوزا على الله «وَظُلْماً» لنفسه قصدا لا خطأ ولحق ما، فيأكل المال بالباطل الذي مر ذكره في الآية ١٨٩ من البقرة ويقتل نفسه جزعا «فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً» في الآخرة «وَكانَ ذلِكَ» الإحراق فيها «عَلَى اللَّهِ يَسِيراً» (٣٠) هيّنا سهلا لأن تنفيذ أوامره جارية بين الكاف والنون ولا أيسر من لفظ كن.
الحكم الشرعي: قتل النفس من الكبائر، وقاتل نفسه عاص فاسق لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، لأن الله تعالى جعل عقابه الخلود في النار ولما جاء في تيسير الوصول عن جابر بن مرة أن رسول صلّى الله عليه وسلم أخبر برجل قتل نفسه فقال لا أصلي عليه وللحديثين المارين المصرحين بخلوده في النار والخلود من خصائص الكافرين، هذا هو الصحيح. وقيل إنه يغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين مع القول بفسقه وعصيانه، وأمره إلى الله. أما قاتل نفسه خطأ فلا خلاف في جواز غسله والصلاة عليه وكذلك في شبه العمد. وليعلم ان تشديد العقاب على قاتل نفسه عمدا لأنه ناشيء حقدا عن عدم ثقته بالله ووثوقه بوعده ولأنه لا يقين له بالله، ولهذا البحث صلة في الآية الثانية من سورة الطلاق الآتية فراجعها
قال تعالى «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ» من كل ذنب عظيم قبحه وكبرت عقوبته واستوجب الحد في الدنيا والعذاب بالآخرة وهو ما ختمه الله بنار أو عذاب أو غضب أو لعنة وعد قتل النفس في الموبقات على ما رواه الشيخان من قوله صلّى الله عليه وسلم اجتنبوا السبع الموبقات (المهلكات) الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرمها الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات، فإذا اجتنبتم هذه وما شاكلها أيها الناس «نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ» الصغار وهي مالم يكن على فاعلها حد في الدنيا ولم تستوجب العذاب بالآخرة ما لم تفترن بإحدى العقوبات الأربع المارة، لأن الحسنات تكفرها وقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفّارات لما بينهن- أخرجه مسلم-. وقد تكون الكبائر والصغائر بنسبة مرتكبها على حد حسنات الأبرار وسيئات المقربين، وفي هذا المعنى يقول القائل:
لا يحقر الرجل الرفيع دقيقة في النهي فيها للوضيع معاذر
فكبائر الرجل الصغير صغائر وصغائر الرجل الكبير كبائر
وهذا من حيث المعنى على حد قول الآخر:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكريم المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم
أما عند العارفين في الكبائر ما ذكرها ابن الفارض بقوله:
ولو خطرت لي في سواك إرادة على خاطري سهوا حكمت بردتي
وقدمنا ما يتعلق في هذا البحث في الآية ٣٨ من سورة الشورى في ج ٢ ما به كفاية فراجعها وما ترشدك إليه من المواضع «وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً» (٣١) في دار كرامته التي لا أكرم منها. قال تعالى «وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ» من مال أو جاه أو زوجة أو ولد لأن ذلك قسمة من الله خص بها من شاء من عباده صادرة عن حكمته وتدبيره وعلمه بأحوال الناس، وهذا تأديب أدب الله به عباده وتهذيب لأخلاقهم وتبرئة لهم من داء
الحسد الذي هو مهضمة للجسد في الدنيا مهلكة له في الآخرة. فعلى الإنسان أن يرضى بما قسم له ربه ويقنع بما عنده فالقناعة كنز لا يفنى. واعلم أن التمني على قسمين حرام وهي تمني زوال نعمة الغير عنه وضمها له، وهذا هو الحسد بعينه وفيه اعتراض على الله تعالى، وفيه يقول القائل:
وأظلم خلق الله من مات حاسدا لمن بات في نعمائه يتقلّب
وقول الآخر:
ألا قل لمن بات لي حاسدا أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في فعله لأنك لم ترض لي ما وهب
وقول الآخر:
كل العداوات قد ترجى إزالتها إلا عداوة من عاداك في حسد
وجائز وهو أن يتمنى لنفسه مثل الذي عند غيره من الخير مع بقائه له، وهذه الآية عامة في كل تمن مشروع، وإن كانت نزلت بصدد آية المواريث بتخصيص الرجل ضعفي المرأة من الميراث، لأن العبرة لعموم اللفظ، ولما قال الرجال إنا لنرجو أن يكون أجرنا على الضعف من أجر النساء كالميراث، وقالت النساء إنا لنرجو أن يكون وزرنا على النصف من وزر الرجال كالميراث، نزل قوله تعالى «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا» أجرا ووزرا «وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ» أجرا ووزرا بحسب الأعمال لا بحسب الإرث «وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ» أن يمنّ عليكم كما من على غيركم ولا تتمنوا ما أعطاه لغيركم، وفيها تنبيه على استحباب الدعاء وطلب الفضل المطلق من الله، لأنه جل شأنه لم يأمر بالمسألة إلا ليعظم الأجر ويعطي ما هو الأصلح بعده من غير أن يعين شيئا. وفيها إشارة إلى أن لا علاقة للمال بالأعمال، ولا العقيدة بالرزق، فقد يرزق الحقير ويحرم الخطير، ويرزق الشقي ويحرم التقي ويرزق الضعيف ويحرم القوي لا يسأل عما يفعل «إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً» (٣٢) ولم يزل كذلك كما كان من قبل وإنه بمقتضى علمه يعطي كل سائل ما يصلحه. «وَلِكُلٍّ» من مال أو تركة «جَعَلْنا مَوالِيَ» وارثين يلون أشياء «مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ
وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ»
من عقود الموالاة وهي مشروعة والوراثة بها ثابتة عند عامة الصحابة رضوان الله عليهم، ومعناها هو أنه إذا أسلم رجل وامرأة لا وارث لهما وليس بعربي ولا معتق فيقول أحدهما للآخر واليتك على أن تعقلني إذا حييت وترثني إذا متّ، ويقول الآخر قبلت، فينعقد هذا الولاء بينهما ويرث الأعلى من الأسفل، وكان لهذه المعاقدة أصل في الجاهلية على النصرة والزيادة والنصيحة، ولهذا قال تعالى «فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ» الذي عاقدتموهم عليه لأن الله أمر بإيفاء العقود كلها الموافقة لشريعته التي سنها لعباده، والآية محكمة، ومن قال إنها نسخت بآية (وَأُولُوا الْأَرْحامِ) الاخيرة من سورة الأنفال المارة فقد أخطأ المرمى، لأن آية الأنفال نزلت قبل هذه، والمقدم لا ينسخ المؤخر «إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً» (٣٣) سواء استشهدتم أحدا عليها أو لم وكفى بالله شهيدا، ومن جملة الأشياء المعاقدة، فيجب الوفاء بها كسائر العهود.
مطلب تفضيل الرجل على المرأة. وعدم مقاصصتهن لرجالهن. وأمر تأديبهن منوط برجالهن أيضا:
وقال تعالى «الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ» بما خصهم الله تعالى من الكمال فجعلهم قيّمين عليهن لزيادة عقلهم وحسن تدبيرهم وهذا من معجزات القرآن العظيم لأنه قبل ترقي علم الجراحة والتشريح لم يكن أحد يعلم أن دماغ الرجل يزيد على دماغ المرأة ١٢٠ غراما، وهذا من جملة مكنونات القرآن الناطق بقوله تعالى (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) الآية ٣٩ من سورة الانعام ج ٢ ثم بين بعض سبب هذا القيام بقوله «بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ» أي الرجال «عَلى بَعْضٍ» أي النساء في العقل الثابت حسا والدّين لما يعتريهن من النقص في الحيض والنفاس بصلاتهن وصيامهن وفي الولاية كالقضاء والإمارة والولاية على القاصرين أصلا وعلى النكاح وفي الشهادة، لأنهن على النصف من الرجال، وفي الإرث كذلك وعدم كونهن عصبة بأنفسهن بل مع الغير إلا المعتقة، وفي الجهاد لأنهن لا يباشرنه أصالة، وحضور الجمعة والجماعات والشورى والإمامة والنسب لأن أولادهن ينسبون لآبائهم، وفي النكاح والطلاق والرجعة والعزم والحزم والقوة والتكبير وغير ذلك
«وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ» يكون لهم الفضل عليهن أيضا من المهر قبل العقد والنفقة بعده، فلهذه الأسباب علوا على النساء وسلطوا عليهن أيضا عند الاقتضاء لتأديبهن والأخذ على أيديهن والقيام بمحافظتهن. قالوا كان سعد بن الربيع من النقباء فلطم امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهيد بسبب نشوزها، فأخذها أبوها إلى الرسول وقال له افرشته كريمتي فلطمها، فقال صلّى الله عليه وسلم لتقتصنّ منه، فانصرفت لتقتصّ منه، فقال صلّى الله عليه وسلم ارجعوا، هذا جبريل أتاني فأنزل الله هذه الآية فقال صلّى الله عليه وسلم أردنا أمرا وأراد الله أمرا، والذي أراد خير، ودفع القصاص بمثل هذا. أخرج ابو داود عن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته- وهذا على تقدير عذر له- وأخرج الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال لو كنت آمرا أحدا أن بسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها. مبالغة في لزوم طاعتها له، لأن من جعله الله قائما على شيء فقد أمره عليه «فَالصَّالِحاتُ» منهن «قانِتاتٌ» مخبتات مطيعات لأزواجهن «حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ» من كل ما يجب حفظه في غيبة أزواجهن من إبداء زينتهن للأجانب ومخالطتهن لهم فلا يلحقنه عارا ما من حفظ بيته وماله فلا يدخلن عليه أحدا، ولا يبذرن مما فيه، ولا يعطين أحدا منه دون علمه، لأنهن راعيات في بيوت أزواجهن، وكل راع مسئول عن رعيته عند الله تعالى، فإذا أعطت المرأة شيئا من بيت زوجها بغير رضاه يعد سرقة وتعاقب عليه شرعا، وقد أخذ عليهن العهد أن لا يسرقن كما مرّ في الآية ١٢ من الممتحنة، ولا يفشين سرّه، لأنه أمانة، فتعد خائنة بافشائه لأنها أمينة عليه، وذلك «بِما حَفِظَ اللَّهُ» لهن على الرجال من القيام بحقهن والذب عنهن. أخرج النسائي عن أبي هريرة قال قيل يا رسول الله أي النساء خير؟
قال التي تسرّه إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره. ومن وصايا الحكماء كن فوق المرأة بالسن والمال والحب، ولتكن فوقك بالصبر والجمال والأدب، وإلا احتقرتك واحتقرتها. قال تعالى «وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ» شرودهن عن طاعتكم «فَعِظُوهُنَّ» بما يلين جانبهن ويرقق قلوبهن وخوفوهن الله، فإن لم يرجعن فاستعملوا معهن الطريقة الأخرى وهي
«وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ» فإن لم ينجح بهن فاجنحوا إلى الطريقة الثالثة وهي «وَاضْرِبُوهُنَّ» ضرب تأديب غير مبرح ولا مشين، روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن زمعة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، وإنما أمر الرسول بهذا لأن النساء ضعاف بنية ضعاف قلب يرعبن قبل الخوف، والضرب في الآية مطلق فيحمل على المعتاد، لذلك ينبغي للرجل أن يجتنب الضرب المبرح المؤثر في الجسد، والمواقع التي يحتمل معها حصول ما يعيب المرأة من كسر أو عور أو طرش، ولا يضرب الوجه لشرفه، وإذا كان ضرب الحيوان. على وجهه ممنوعا فكيف بالإنسان؟ قال صلّى الله عليه وسلم يعاقب ضارب الحيوان بوجهه الحديث وقال صلّى الله عليه وسلم استوصوا بالنساء خيرا فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا. وأخرج ابو داود عن حكيم بن معاوية عن أبيه قال قلت يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت. هذا وحقه عليها الامتثال وحفظ نفسها وبيتها، وأن تعمل كل ما يرضيه، وتجتنب كل ما يسخطه، ولا تدخل أحدا على بيته من أقاربها أو جيرانها إلا برضاه وإذنه، ولا تجلس أحدا على فراشه أيا كان وتنظف أولاده، وتنظم بيته، وتطيعه في كل شيء إلا فيما حرم الله. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح.
وأخرج الترمذي عن طلق بن علي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال إذا دعا الرجل امرأته إلى حاجة فلتأته وإن كانت على التنور. وله عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم أيما امرأة ماتت وزوجها راض عنها دخلت الجنة وله عن معاذ أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين لا تؤذيه قاتلك الله، وإنما هو دخيل عندك يوشك أن يفارقك إلينا «فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ» فيما تأمرونهنّ وتنهونهن بعد هذا «فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا» آخر تحتجون به عليهن ولا تغترّوا بقيامكم عليهن «إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً» (٣٤) عليكم
وعليهن وعلى الخلق أجمع، فراقبوه فيهن وخافوا انتقامه من أن يسلط عليكم من هو أكبر منكم. تشير هذه الجملة إلى مراعاة حقوق النساء إذا كن طائعات لأزواجهن لأن الله تعالى يقول إن هؤلاء النساء وإن كن ضعافا لا يقدرن على دفع الظلم عن أنفسهن من رجالهن المتعالين عليهن المتكبرين، فإن الله المتعال على كل عال، الكبير على كل كبير، قادر على أن ينتصف لهن ممن يظلمهن فاحذروه أيها الناس ولا تعتدوا عليهن، وراعوهن، فإن الله عظيم جبار منتقم قال تعالى «وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما» أي الزوجين بأن انشق كل منهما على الآخر ولم يطلق الزوج زوجته لأمر ما بعد أن جرب الطرق الثلاث المارة معها وأتى الأمر إلى أن يفصل بينهما فعليكما أيها الأولياء لهما أو وجهاء قومهما إن لم يكن لهما أولياء أو الحكام إذا دعت الحاجة لمراجعتهم «فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها» لحل الخلاف بينهما إصلاحا أو تفريقا، وعليكم أيها المتصدرون لحل المشكلات وفصل المخالفات بين الناس إذا التجأ إليكم الزوجان أو أحدهما أن تزودوا الحكمين بالنصائح وعدم التزام جهة غير الحق، ووصوهما بإخلاص النية معهما لأنهما «إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً» بين الزوجين وما ودع إليهما من أمرهما ولم يتحيّزا إلى أحدهما ولم يسيئا نيتهما وكان قصدهما الإصلاح ورائدهما التوفيق بالحق بينهما «يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما» أي الزوجين على يدهما، لأن الله تعالى يبارك في وساطتهما ويوقع بحسن سعيهما الألفة بينهما على الاجتماع والإمساك بالمعروف، أو يطيبا خاطر كل منهما على الفراق بإحسان، ويغني الله كلا من سعته «إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً» بما في قلوب الزوجين والحكمين «خَبِيراً» (٣٥) بالمعتدي منهم. ترمي هذه الجملة إلى تهديد كل من الزوجين إذا كان قصدهما الحيف، وكل من الحكمين إذا مالا لجهة دون جهة، أو كل منهما التزم صاحبه على بطله. وتشير إلى أنه تعالى لا يوفق الحكمين إذا لم يحسنا نيتهما على الوجه المار ذكره إلى إنجاز مهمّتهما، ولا الزوجين على الخلاص بعضهم من بعض بالمعروف والاجتماع بإحسان، وإنه تعالى سيجازي كلا منهم على صنيعه إن خيرا فخير وإن شرا فشر، والأولى أن يكون الحكمان أبويهما أو جدّيهما أو أخويهما، لأنهما أدرى بما هو بينهما وأكثر شفقة عليهما وأعلم بحقيقة
مصالحهما، ولا يقال إنه لا يجوز أن يكون الحكم من أقارب المحكم كما صرحت به المجلة الجليلة، لأن هذا حكم خاص بهذه القضايا المتعلقة بين الزوجين وذلك حكم عام في بقية القضايا الحقوقية وغيرها، والخاص مقدم على العام.
روى الشافعي سنده عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه جاءه رجل وامرأة مع كل واحد منهما فئام من الناس، فقال علام شأن هذين؟ قالوا وقع بينهما شقاق، قال فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، ثم قال للحكمين تدريان ما عليكما إن رأيتما أن يجتمعا جمعتما وإن رأيتما أن يفترقا فرّقتما؟ فقالت المرأة رضيت بما في كتاب الله عليّ فيه ولي، وقال الرجل أما الفرقة فلا، قال كذبت، والله حتى تقرّ مثل ما أقرّت به. الحكم الشرعي هو ما ذكره الله تعالى، إلا أنه إذا لم يوجد من أقارب الطرفين من يصلح للتحكيم ولم يتفقا على أحد ممن يعتمدان عليهما فينتخب القاضي رجلين من ذري العلم والصلاح والوجاهة والأمانة، ولا يلتفت إلى عدم رضائهما، لقوله- عليه الرضاء- للزوج كذبت كما مر آنفا. وعليه فإذا لم يفوض الطرفان أو أحدهما إلى الحكم بالإصلاح أو التفريق فيفوض إليهما القاضي ذلك، وأن يحكما بما هو الموافق لرأيهما رضيا أم أبيا، وعلى الحكمين أن يتقيا الله بذلك، ويراقبا وقوفهما غدا بين يدي الله تعالى.
مطلب أجمع آية في القرآن لمصارف الصدقة. وحق القرابة والجوار وشبههما وذم البخل:
«وَاعْبُدُوا اللَّهَ» وحده أيها الناس «وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» من خلقه ولا تزيغوا عن أمره، فهو الذي شرع هذا الشرع، وهو السميع البصير بأقوالكم وأعمالكم، وهو الأحق بالعبادة ممن لا يبصر ولا يسمع ولا يفقه «وَبِالْوالِدَيْنِ» أيها الناس أحسنوا «إِحْساناً» كثيرا أداء لحقهما «وَبِذِي الْقُرْبى» أحسنوا أيضا لأنهم رحمكم وأحق بإحسانكم من غيرهم «وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ» ايضا أشركوهم بإحسانكم لحاجتهم إليه «وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى» منك ومن بيتك، فإن قريبك له حق الجوار وحق القرابة عليك وحق الإسلام، وإن لم يكن مسلما فحق الجوار والقرابة فقط وهو جدير بأن تحسن إليه أكثر من غيره «وَالْجارِ
الْجُنُبِ»
الذي بعيد جواره عنك من جوانب دارك والأجنبي عنك، وقيل هو الملاصق لدارك، ولا يتجه هذا إلا إذا خص الأول بالقريب وإلا فلا «وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ» زوجتك، لأنها مصاحبة لك لاصقة بجنبك، والقصير أي الغريب الذي ينزل بجوارك ليأمن بظلك من الناس «وَابْنِ السَّبِيلِ» المسافر الذي انقطع عن أهله لنفاد نفقته، أو الذي لم يبق لديه ما يوصله لأهله «وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ» من العبيد والحيوانات فهذه كلها محتاجة إلى إحسان الذين خولهم الله تعالى نعمه فعليهم أن يحسنوا إليهم مما من الله عليهم، ولا يتكبروا بما يعطونهم إياه «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا» متكبرا متجبرا على الناس «فَخُوراً» (٣٦) بنفسه وبما أوتي من فضل الله على خلقه لا ينظر إلى أقاربه وجيرانه ولا يقوم بحقوق المحتاجين من الفقراء والمساكين واليتامى والأرامل وأبناء السبيل ويأنف عن مخالطتهم، ويرى نفسه خيرا منهم. روى مسلم عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول رغم أنفه رغم أنفه رغم أنفه، قيل من يا رسول الله؟ قال من أدرك والديه او أحدهما ثم لم يدخل الجنة. اي بسبب رضاهما.
وروى البخاري ومسلم عن انس قال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول من سره ان يبسط له في رزقه وينسأ له في اثره (اجله) فليصل رحمه. وروى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد قال قال صلّى الله عليه وسلم انا وكافل اليتيم في الجنة هكذا- وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما- ورويا عن ابي هريرة قال الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله. ورويا عن ابن عمر قال قال صلّى الله عليه وسلم ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه. ورويا عنه انه صلّى الله عليه وسلم قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت. واخرج ابو داود عن علي كرم الله وجهه انه قال كان آخر كلام رسول الله صلّى الله عليه وسلم الصلاة الصلاة، وانقوا الله فيما ملكت أيمانكم. وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرّ ثوبه خيلاء. وفي رواية ابي هريرة إلى من جرّ إزاره بطرا. وقال صلّى الله عليه وسلم اتقوا الله في النساء اتقوا الله في النساء، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم، اتقوا الله فيما ملكت ايمانكم، اتقوا الله في المرأة الأرملة، والصبي اليتيم
وفي ذكر الله في هذه الآية الأصناف الثمانية الذين هم أولى بالإحسان وأمر المحسنين أن يحسنوا إليهم دلالة على أنها أجمع آية في القرآن في هذا المعنى، وسيأتي نظيرها في سورة التوبة الآية ٦٢ الآتيه الواردة في مصارف صدقة الفرض، ثم أعقبها بذم البخل والبخلاء الذي هو أقبح خصلة في الناس وخاصة في الأغنياء لأنها عار عليهم في الدنيا وعذاب في الآخرة فقال جل قوله «الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» فيخفونه ولا ينفقونه في وجوه البر، ولا يتصدقون بفضله إلى الأصناف المذكورة، فهؤلاء كافرون بنعم الله جاحدوها «وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ» أمثالهم «عَذاباً مُهِيناً» (٣٧) لهم ومشينا بهم ومخزيا لأنهم بخلوا وأمروا غيرهم بالبخل لشدة تعلقهم به وأخفوا ما عندهم حتى انهم ليقولون لمن يطلب من إحسانهم ما عندنا شيء قال ابن عباس نزلت هذه الآية في كروم بن زيد وحيي بن اخطب ورفاعة بن زيد بن التابوت وأسامة بن حبيب ونافع بن ابي نافع ويحيى بن عمر كانوا يخالطون أناسا من الأنصار ويقولون لهم لا تنفقوا على الناس أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون. وهي عامة محكمة شاملة لكل من هذه صفته إلى يوم القيامة، وهؤلاء داخلون في قوله تعالى (الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ) الآية ٢٦٩ من البقرة المارة «وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ» فخرا وسمعة لنشر الصيت وعلو الجاه ورفع القدر «وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ» فهؤلاء هم المنافقون الذين هم قرناء الشياطين. وقد أنزلت فيهم «وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً» (٣٨) قرينه وبئس الخليل خليله «وَماذا عَلَيْهِمْ» أي مشقة تصيبهم وأي تبعة تلحق بهم «لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ» لعيال الله وعباده «وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً» (٣٩) بأنهم لا ينفقون ولكن ليظهر ذلك لخلقه وهم لو عقلوا أن لا وبال عليهم بالإيمان ولا نقص عليهم بالإنفاق ولكن أبت نفوسهم الخبيثة ذلك لأنها منطوية على البخل وسوء الظن بالله «إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ» النملة الصغيرة، وما يرى
في الهباء هو الذر، وهذا بالنسبة لما تستحضره العرب وتضرب به المثل في القلة وإلا فإنه تعالى لا ينقص أحدا شيئا، والذرة مركبة من أشياء كثيرة وقابلة للقسمة «وَإِنْ تَكُ» تلك الذرة «حَسَنَةً يُضاعِفْها» لصاحبها «وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً» (٤٠) وما يصفه الله بالعظم، فلا يعرف مقداره إلا هو، وفي هذه الآية ابطال قول المعتزلة في تخليد مرتكب الكبيرة، مع أن له حسنات كثيرة. روى مسلم عن أنس بن مالك في هذه الآية قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيعطى بحسنات قد عمل بها
في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها. راجع الآيات من ٢٦١ إلى ٢٧٤ من سورة البقرة ففيها جميع ما يتعلق بالمنفق والمنفق عليه والنفقة.
قال تعالى «فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ» يشهد عليهم بما وقع منهم وعليهم «وَجِئْنا بِكَ» يا سيد الرسل «عَلى هؤُلاءِ» الذين بلّغتهم وأرشدتهم ونصحتهم وتليت عليهم آياتي «شَهِيداً» (٤١) على من أجاب دعوتك وصدق ما جئت به ومن جحدها ولم يلتفت لتذكيرك بها روى البخاري، ومسلم عن ابن مسعود قال قال صلّى الله عليه وسلم اقرأ علي القرآن فقلت يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال إني أحب أن أسمعه من غيري، فقال فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية، قال حسبك الآن فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان. قال تعالى «يَوْمَئِذٍ» يوم يجاء بالرسل لتشهد على أممهم في ذلك المشهد العظيم، ويفرح المؤمنون المصدقون بما شهدوا به عليهم من الانقياد لأوامر الله والانتهاء عن نواهيه «يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ» في الدنيا ولم يمتثلوا أوامره التي بلغهم إياها فيتمنوا المرة بعد المرة «لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ» فيغوصون فيها كالموتى أو تخسف فتنطبق عليهم خوفا وخجلا من سوء أعمالهم التي يظهرها الله لهم ويسألهم عنها فيعترفون بها كلها «وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً» (٤٢) فلا يقدرون أن يخفوا شيئا فعلوه في الدنيا لأنهم إن سكتوا أو جحدوا نطقت بها جوارحهم، فتعترف كل جارحة بما وقع منها وزمانه ومكانه وسببه.
مطلب أن الخمر الثالثة ونزول آية التحويم والأصول المتممة في النطق، وعدم اعتبار ردة السكران وطلاقه:
قالوا لما صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما ودعا نفرا من الأصحاب فأكلوا وقدم لهم الخمر فشربوا لأنها لم تحرم بعد على القطع، ثم قدموا أحدهم يصلي بهم المغرب فقرأ (أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ) بدل لا أعبد ما تعبدون، أنزل الله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً» باحتلام أو غيره. والجنب لفظ يستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع «إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ» مسافرين عادمي الماء عبّر عن التيمم بالمسافر لأن غالب حاله عدم الماء في البادية «حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى» وتحقق لكم مضرة الماء بتجربة أو اخبار حاذق ملم «أَوْ» كنتم «عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ» هو المحل المنخفض يذهب إليه لقضاء الحاجة فيه كي لا يرى، وكنّى به عن الحدث «أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ» جامعتموهن، وكنّى بالملامسة عن الجماع تحاشيا عن ذكره وتعليما للناس أن يتأدبوا بآداب القرآن فلا ينطقوا بكلام مستهجن تمجه النفس ويأباه الطبع السليم من كل ما ينافي الأدب، ولا سيما ما يتعلق بالنساء فيكنّون في كل ما يتحاشى عن ذكره ويتعالى الأديب عن التصريح به ويتباعد الأريب عنه، فإذا وقعتم أيها الناس في هذه الحالة ولم تجدوا ما تنطهرون به «فَلَمْ تَجِدُوا ماءً» تغتسلون به أو لم تقدروا على استعماله أو لم تستطيعوا وصوله لخوف من حيوان أو قاطع طريق أو من يترصد لقبضكم وحبسكم أو لم يكن عندكم آلة تنضحون بها الماء «فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً» هو وجه الأرض مطلقا ترابا أو غيره «طَيِّباً» طاهرا، وإذا أردتم التيمم به «فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا» يصفح عن عباده وييسر لهم برخصه «غَفُوراً» (٤٣) للخطأ والتقصير. اعلم أن صدر هذه الآية هو الآية الثالثة النازلة في الخمر الممهدة لتحريمه على القطع كما أشرنا إليه في الآيتين ٢٢٠ من البقرة المارة و ٦٧ من سورة النحل في ج ٢ وليس فيهما تصريح المنع، والمنع في هذه مقيد في الصلاة فقط ولذلك لم ينته عن الخمر بعد نزولها إلا ذوو النفوس
الزكية العارفون مغزى هذا النهي الوارد فيها، وبقي مكبا عليها من لم يتصف بتلك الصفة الطاهرة أو من لم تكن عنده ملكة كافية لإدراك ذلك النهي المقيد في حال الصلاة، فلم تكن رادعة على الجزم كما أن آية البقرة قد بنيت على دفع المضرة وهي سلب العقل والمال وجلب المنفعة وهي المال واللذة وهو من الاوليات التي هي أول أقسام اليقينيات التي هي نتيجة البرهان، كقولك الواحد نصف الاثنين، والكل أعظم من الجزء، والراحة خير من التعب. والثاني مشاهدات كقولك النار محرقة والسماء فوقنا، والأرض تحتنا، والماء مزيل الظمأ. والثالث مجربات كقولك شرب المسهل مطلق، وتعاطي الدواء نافع، والاكل مزيل للجوع، والشرب مزيل للعطش. والرابع حدسيات أي ظنيات كنور القمر مستفاد من الشمس، وبعد وقرب السيارات بعضها من بعض ومن الأرض، وعدد النجوم وحجمها، وحصول المد والجزر يتغيّر وقته باختلاف طلوع القمر، والخامس متواترات كثبوت نبوة الأنبياء، وإرسالهم من قبل الله، وإنزال الكتب عليهم لهداية البشر. وعلى هذا فإن كون دفع المضرة مقدم على جلب المنفعة مما لا يتردد فيه عاقل، وقد وضعت قاعدة من قواعد المجلة الشريفة بصورة درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، إلا أن هذه الآية لم تكن زاجرة على الجزم من تعاطي الخمر أيضا ولهذا بقي القسم الأعظم يتعاطاها في غير الصلاة لأن النفوس جبلت على الميل للشهوات والجنوح للذات لأنها شريرة بالطبع ما لم تهذب وتصلح وتمني وتؤمل، وسنأتي على القول الفصل في هذا البحث عند تفسير الآية الرابعة الحاسمة في هذا الشأن عدد ٩٠ من المائدة الآتية إن شاء الله تعالى. وتشير هذه الآية إلى أن ردة السكران غير معتبرة، لأن قراءة (أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ) من غير السكران إذا كانت مقصودة كفر، وإن الله خاطبهم بصيغة الإيمان فلم يحكم بكفرهم، ولم يفرق حضرة الرسول بين هذا القارئ وزوجته ولم يأمره بتجديد الإيمان، مما يدل على عدم اعتبار ما وقع منه، ولهذا قال أكثر الأئمة بعدم وقوع طلاق السكران، وكذلك طلاق المكره وعليه العمل الآن رحمة بالنساء. وإن من قال بوقوعه أراد زجرا له لئلا يتداول ولم ينظر إلى ما يلحق زوجته من الحيف، لذلك فإن القول بعدم اعتباره أولى، فقياس
عدم إيقاع الطلاق
على عدم تكفيره وتسميته مؤمنا قياس مستقيم موافق لأصوله.
هذا، وقد أجمعت الأمة على أن من أجرى على لسانه كلمة الكفر خطأ لا يحكم بكفره كالمكره الذي مر بحثه في الآية ١٠٦ من سورة النحل في ج ٢، وفي قوله تعالى (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) إشارة إلى أن المتيمم إذا وجد الماء وجب عليه الاغتسال به، وإن التيمم قائم مقام الماء عند عدم القدرة عليه طالت المدة أو قصرت.
وسبب نزول آية التيمم ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت خرجنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم في بعض أسفارنا حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله صلّى الله عليه وسلم على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله واضع رأسه على فخذي قد نام فقال حسبت رسول الله والناس ليسوا على ماء وليس معهم ماء. قالت عائشة فعاتبني ابو بكر وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن يده في خاصرتي فلا يمنعني التحرك إلا مكان رسول الله على فخذي، فنام رسول الله حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم فتيمموا، فقال أسيد بن حضير وهو أحد النقباء ما هي أول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت عائشة فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته.
- أخرجاه في الصحيحين- وذلك في غزوة الربيع، وهذه على ما جاء في السيرة النبوية وقعت في السنة الخامسة من الهجرة الشريفة، وعليه فتكون هذه الآية مقدمة على سورتها بالنزول لأنها وقعت على أثر انتهاء غزوة بني قريظة الكائنة بعد غزوة الخندق المسماة بالأحزاب، ووضعت هنا بإشارة من حضرة الرسول واخبار من الأمين جبريل عليهما الصلاة والسلام كسائر الآيات المتقدمة على سورها. ولهذا البحث صلة في الآية ٩ من سورة المنافقين الآتية وأول فريضة صليت بالتيمم هذه، وهو عبارة عن ضربتين على تراب طاهر واحدة للوجه وواحدة لليدين، وينقضه ما ينقض الوضوء ووجود الماء. قال تعالى «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ» حظا وافرا من التوراة وهم أحبار اليهود وصاروا «يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ» بالهدى بعد ظهوره لهم «وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ» يا أيها المؤمنون لتكونوا مثلهم فتميلون عن الحق الذي أنتم عليه وتنخرطون في سلكهم
لأنهم لم يكتفوا بضلالهم بل طمعوا بإضلال غيرهم، فاحذروهم فهم أعداؤكم «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ» منكم وقد أخبركم بهم وبما ينوونه لكم من الشر، فلا تلتفتوا إليهم واعتصموا بدينكم «وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً» (٤٥) نزلت هذه الآية في حبرين من أحبار اليهود كانا يأتيان رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول ورهطه يثبطانهم عن الإسلام، وقد بينهم الله بقوله «مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ» في التوراة التي أوجبت حكمة الله وصنعه فيها بما اقتضت شهواتهم من إبدال الكلام لغيره وإزالة معنى بمعنى آخر ليميلوا بالناس عن الإسلام ويضلوهم عن اتباع الدين الحق «وَيَقُولُونَ» للرسول عند ما يحذرهم سوء صنيعهم هذا «سَمِعْنا» قولك ظاهرا «وَعَصَيْنا» أمرك سرا ومنهم من يجهر به عنادا وعتوا ويقولون «وَاسْمَعْ» قولنا أيها الرسول «غَيْرَ مُسْمَعٍ» ما تكره، وهذه الكلمة تحتمل المدح كما أولناها، وتحتمل الذم (أني أسمع لا سمعت) ولا شك أن اليهود قاتلهم الله إذا تكلموا بكلام ذي وجهين كهذا مع المؤمنين فإنهم يريدون أسوأه لا أحسنه وشره لا خيره، قبحهم الله وأخزاهم، بدليل قولهم بعدها «وَراعِنا» أنظرنا يا رسول الله، لأن معناها هو هذا، ولها معنى آخر وهو الرعونة وهم لا بد يريدون هذا لا ذاك، مع أن الأنبياء لا يخاطبون إلا بالإجلال والتوقير والتعظيم، وهم دائما يقتلون الحق ويقلبونه إلى الباطل، راجع الآية ١٠٤ من البقرة المارة، وقولهم هذا يكون «لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ» وذلك أن منهم رفاعة بن زيد ومالك بن رخشم كانا إذا تكلم حضرة الرسول لويا ألسنتهما وعاباه «وَ» كان فعلهم هذا «طَعْناً فِي الدِّينِ» الحق أو بصاحبه سيد الخلق ومعنى الأرعن الأهوج في منطقه والأحمق المتسرع والهوج طول في حمق وتسرع في طيش والمسترخي هو المتقاعس ويقولون لو كان بيننا لعرف معنى أقوالنا وإننا نعمه لا يدري، فأطلع الله نبيه على خبث ضمائرهم وفضحهم بقوله «وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا» بدل وعصينا «وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا» بدل غير مسمع وراعنا «لَكانَ خَيْراً لَهُمْ» عند الله «وَأَقْوَمَ» وأعدل لكلامهم عند الناس «وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ»
بك يا سيد الرسل وجحودهم كتابك «فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا» (٤٦) إيمانا لا يعبا به مثل اعترافهم بأن الله خلقهم ورزقهم وإقرارهم بالبعث ونبوة موسى، ولكن هذا كله ليس بشيء فإذا لم يؤمنوا بجميع الأنبياء والكتب كافة لا يقبل منهم.
واعلم أن هذا النطق باللفظ الذي له معنيان وإرادة الأسوأ من جملة طبايعهم التي جبلوا عليها.
مطلب طبايع اليهود أخزاهم الله واسلام عبد الله بن سلام وأصحابه وغفران ما دون الشرك وعلقة اليهود:
ولهم طبايع مذمومة كثيرة، منها التناقض بالأقوال والأفعال المشار إليه بالآيتين ٨٤ و ٨٥ والعظمة والكبرياء المنوه بهما في الآية ٨٧ والحقد والحسد المذكورين في الآيتين ٧٨ و ٩٠، والعناد واللجاج في الآيتين ٩٨ و ٩٩، والكذب على النفس والإفراط في حب الحياة في الآيتين ٩٤ و ٩٦ وخصومتهم بالباطل لكل من يدعي الحق والمكابرة في الحق في الآيتين ٩٨ و ٩٩ أيضا، ونقض العهد ونبذ الدين في الآيتين ١٠٠ و ١٠١، والميل إلى الطرق غير المشروعة في سبيل غرضهم وميلهم إلى السحر في الآية ١٠٢ من سورة البقرة، ولهم طبايع أخرى كثيرة ذميمة قبحهم الله وأخزاهم، هذا. ولما قال صلّى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن حوريا وكعب بن الأشرف يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا فو الله إنكم تعلمون أن الذي جئتكم به حق وصدق، قالوا: ما نعرف ذلك وأصروا على جحودهم أنزل الله «يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ» لأن القرآن مصدق للتوراة «مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً» نمحو تخطيط صورها من عين وأنف وحاجب وفم «فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها» أي على هيئة قفاها مطموسة لا شيء فيها أو نديرها فنجعل الوجه إلى خلف والقفا إلى قدام «أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ» أي نمسخهم كما مسخناهم قردة وخنازير، ويرمي هذا الالتفات من الخطاب إلى الغيبة إلى التهديد العظيم وإيقاع الوعيد بهم «وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا» (٤٧) البتة لا يحول دونه حائل ولا يرده راد. ولما كان حضرة الرسول يعلن ما ينزل إليه من القرآن حال نزوله سمع في هذه الآية عبد الله بن
سلام وكان قافلا من الشام فجاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلم حال وصوله المدينة قبل أن يأتي أهله وأسلم، وقال يا رسول الله ما كنت أرى أن أصل إلى أهلي قبل أن يطمس الله وجهي إلى قفاي، لأني سوّفت بالإيمان، ولذلك بادرت إليك وحسن إسلامه رضي الله عنه، وكان إسلامه على الصورة المبينة في الآية ١٠ من سورة الأحقاف في ج ٢ وأسلم معه جماعة من أتباعه وغيرهم بعد نزول هذه الآية العظيمة، وكل ما قيل بأنه أسلم قبل نزول هذه الآية لا صحة له كما أوضحناه هناك فراجعه. واعلم أن صدر هذه الآية لم يكرر في القرآن كله. قال تعالى «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ» بلا توبة فلا يغفر للمشرك وهو مشرك فإذا تاب غفر لهو يغفر للمذنب وهو مذنب لقوله تعالى «وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ» الكبائر وغيرها فإذا مات مرتكبها بلا توبة فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه. أما من مات على الشرك فهو مخلد في النار، روى مسلم عن جابر قال جاء أعرابي إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما الموجبتان؟ قال من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك به دخل النار. وحمل الآية على التائب باطل لأن الكفر مغفور بالتوبة. قال تعالى (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ) الآية ٣٨ من الأنفال المارة. فما دون الكفر لأن يغفر بالتوبة من باب أولى، وقد سبقت الآية في بيان التفرقة بينهما، قالوا لما نزل قوله تعالى (قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ) الآية ٥٢ فما بعدها من سورة الزمر ج ٢ في المدينة وكان نزل قبلها في المدينة الآيات ٦٨ فما بعدها من سورة الفرقان في ج ١ وبعدهما نزلت هذه الآية المفسرة التي نحن بصددها، وبعدها آيات سورة الزمر المذكورة، قال رجل يا رسول الله والشرك؟ فسكت ثم قام إليه مرتين أو ثلاثا، فنزل قوله تعالى «وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً» (٤٨) وإنما سماه الله افتراء لأنه لم يخلقه ولم يكن في علمه أن له شريكا في ملكه، وكان في علمه أن من خلقه من يفتري هذا ويختلقه بهتانا وزورا قال تعالى (وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ) الآية ١٠١ من سورة الأنعام ج ٢ فصارت نسبة الشريك إليه تعالى بهتا وافتراء عليه، فأجابه حضرة الرسول أن الشرك لا يغفر لتلك العلّة
قال تعالى «أَلَمْ تَرَ» كلمة تعجب «إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ» يا سيد الرسل وهي دنسة بالكفر والإنكار والجحود، وهذا تعجب من حالهم وعجّب رسوله من أطوارهم، وهذه نزلت في أناس من اليهود أتوا بأطفالهم إلى حضرة الرسول وقالوا له
هل على هؤلاء من ذنب؟ قال لا، قالوا ما نحن إلا كهيئتهم ما عملناه بالنهار يكفر عنا باليل، وما عملناه بالليل يكفر عنا بالنهار، أي بسبب ما يقدمونه من العبادة والخيرات بزعمهم، وهذا هو معنى تزكيتهم أنفسهم، وقد قالوا بعد هذا (نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) كما سيأتي في الآية ١٧ من المائدة الآتية، وقالوا قبل «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى» الآية ١١٢ من البقرة فرد الله عليهم بقوله «بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ» فلا عبرة بتزكية المرء نفسه «وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا» (٤٩) من نوابهم بسبب قولهم هذا لأنه ناشيء عن ظنهم ليس إلا والفتيل هو الخيط الذي في بطن النواة ويضرب به المثل بالقلّة والحقارة كالنقير الذي هو بظهرها والقطمير غشاؤها الرقيق الملتف عليها فيا سيد الرسل «انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ» هؤلاء اليهود «عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ» بعدّ أنفسهم كأطفالهم غير المؤاخذين بما فعلوا لفقد سن التمييز مع إصرارهم على جحودهم القرآن الذي جئتهم به الذي لا أعظم من الكفر به إلا الشرك «وَكَفى بِهِ» بكذبهم هذا «إِثْماً مُبِيناً» (٥٠) ظاهرا لا يحتاج إلى الإثبات،
ثم ذكر الله جل ذكره شيئا من سيئاتهم الاخر وعجب رسوله منها فقال «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ» هو كل ما عبد من دون الله من الأوثان إنسانا كان أو حيوانا أو جمادا «وَالطَّاغُوتِ» الشيطان اسم مبالغة الطاغية «وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا» من أهل مكة «هؤُلاءِ» يعنون المشركين أنفسهم «أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا» (٥١) طريقا وهو قول كذب محض ليشطوهم على دينهم ويمنعوهم من الإسلام «أُولئِكَ الَّذِينَ» يقولون هذا القول «لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً» (٥٢) وهذه قصة أخرى من سيئات اليهود التي عملوها سابقا فيما بينهم يخبر الله تعالى رسوله بها وهي أن حيي بن أحطب وكعب بن الأشرف ذهبوا إلى مكة بعد واقعة أحسد في سبعين رجلا
من أصحابهم ليحالفوا قريشا على حرب رسول الله صلّى الله عليه وسلم التي أخزاهم الله به وشقت شملهم كما مر في الآية ٢٤ فما بعدها من سورة الأحزاب ونقضوا عهدهم معه، فقالت لهم قريش إنا لا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم، فإن أردتم أن تسجدوا لهذين الصنمين فنختبر صدقكم فسجدوا، قالوا اسم الصنمين جبتا وطاغوت، فذلك قوله تعالى (يُؤْمِنُونَ) إلخ فتعاهدوا عند البيت على قتاله صلّى الله عليه وسلم، ثم قال أبو سفيان لكعب كيف أنتم يا أهل الكتاب نحن أميون لا نعلم أن محمدا أهدى أم نحن؟
قال اعرض عليّ دينك، فقال نحن ننحر للحجيج الكرماء الناقة كثيرة اللحم مرتفعة السنام ونسقيهم الماء ونقري الضيف ونفك العاني ونصل الرحم ونعمر البيت ونطوف به ونحن أهل الحرم ومحمد من علمت، فقال أنتم أهدى سبيلا مما عليه محمد، فأنزل الله هذه الآية. ويفهم من هذا أن هذه الآية نزلت بعد حادثة أحد وقبل الأحزاب فتكون متقدمة في النزول على ما قبلها كآية اليتيم المارة آنفا، ولا مانع، لأن الآيات التي نزلت بالحوادث أو بغيرها قد تتقدم على سورها وقد تتأخر كما ذكرناه غير مرة، وإن كلا منها توضع بمحلها كما هي الآن في المصاحف وفاقا لما هو عند الله بأمر من حضرة الرسول وإشارة من جبريل الأمين عليهما الصلاة والسلام، راجع الآية ٤٤ المارة ومن جملة سيئاتهم أنهم قالوا نحن أحق بالملك والنبوة من العرب القرشيين فكيف نتبعهم، فأنزل الله تنديدا بهم «أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ» فيما سبق حتى يدعون الأولوية به «فَإِذاً» أي لو كان لهم حظ فيه «لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً» (٥٣) منه راجع الآية ٤٩ المارة آنفا تعلم أن النقير يضرب مثلا لكل تافة «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ» أي محمدا وأصحابه «عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» من النصر والغلبة والتقدم والملك والنبوة والكتاب، وليس هذا ببدع «فَقَدْ آتَيْنا» قبلهم «آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ» مثل داود وسليمان ويوسف «وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً» (٥٤) في الدنيا لم نؤته محمدا ولا غيره راجع وصفه في الآية ٩ من سورة سبأ ج ٢ والآية ١٥ فما بعدها من سورة النمل ج ١ والآية ٧٧ من سورة الأنبياء فما بعد في ج ٢ وما بعدها فلماذا لا يحسدونهم وقد جمعوا بين الملك والنبوة والكتاب وخصوا بأشياء لم تكن
لأحد قبلهم ولا تكون لأحد بعدهم؟ وهؤلاء اليهود «فَمِنْهُمْ» أناس منّ الله عليهم بالإيمان المعنيون بقوله تعالى «مَنْ آمَنَ بِهِ» كعبد الله بن سلام وأصحابه وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ» كهؤلاء الموجودين عندك الذين شأنهم الكذب والحسد والنفاق ومن بعدهم ممّن كان على شاكلتهم «وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً» (٥٥) لمن لا يؤمن بالله ورسله وكتبه، وإن اليهود كما أنهم يطعنون بحضرة الرسول يطعنون أيضا بأصحابه كما مر في الآية ١٠٥ وفي كتابه في الآية ١٠٨ وفي مستقبل الإسلام في الآية ١٧ وفي الكعبة واستقبالها في الآية ١١٥ وفي الدعوة الإسلامية في الآية ١١٨ من البقرة المارة. وهناك لهم سيئات أخرى كثيرة مرت وستمر، قاتلهم الله ما ألعنهم. قال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا» من جميع الخلق «سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها» بالصفة وإلا فهي عين الأولى كما إذا صنعت خاتمك على غير هيئته الأولى فهو هو.
غير أن الصياغة تبدلت فبدلت صفته وذلك لأن الجوارح تعظم فيظن رائيها أنها غيرها فلا يصح القول بأن تكون جلودا غير جلودهم لمنافاته لقوله تعالى «لِيَذُوقُوا الْعَذابَ» وأن الله غير الجلد الذي اكتسب الإثم واستحق العذاب على صفة أخرى لا أنه بدل نفسه بغيره إذ تأبى حكمة الله أن يعذب شيئا بجرم غيره لقوله جل قوله (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى). وهذه الآية مكررة في القرآن كثيرا.
ومما يدل على هذا ما رواه البخاري عن أبي هريرة يرفعه قال ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع. وما رواه مسلم عنه قال قال صلّى الله عليه وسلم ضرس الكافر أو قال نايه مثل أحد وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام. وغير مستحيل على الله تعالى أن يضاعف أجسادهم ليضاعف عذابهم، ولا غرو أن الجريح قد يرم جرحه حتى يصير العضو المجروح مثله مرارا بسبب جرح بسيط فكيف بما يصيبهم من كيّ النار الدال عليها قوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً» لا يمتنع عليه شيء يكبر ما يشاء ويصغر ما يشاء «حَكِيماً» (٥٦) بما يفعل لا اعتراض عليه «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ» من الأقذار الدنيوية مما يعتري نساءها من
حيض ونفاس واستحاضة وغيرها «وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا» (٥٧) دائما صفة موضحة مؤكدة كقولك ليل أليل ويوم أيوم وأحمر قان وأصفر ناصع وأبيض خالص وأسود خالص وأخضر أدهم وشبهها. قال تعالى «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها» حين طلبها بلا توان «وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ» فإنه يأمركم أيها الحكام والمحكمين «أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ» قريبا كان المحكوم أو بعيدا مؤمنا أو كافرا عدوا أو صديقا «إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ» فتعم الشيء الذي يأمركم به ربكم ويرشدكم إليه من أداء الأمانة والعدل في الأحكام لأنهما ملاك الدنيا والآخرة «إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً» (٥٨) ولم يزل كذلك.
مطلب توصية الله الحكام بالعدل ومحافظة الأمانة والأحاديث الواردة فيها وتواصي الاصحاب في ذلك:
وهذا خطاب عام على الإطلاق لكل أحد وخاص بالأمراء والحكام يرمي إلى حثّ ولاة الأمور أن يقوموا برعاية الرعية ويحملهم على إحقاق الحق بمقتضى الشرع وأن لا يولوا المناصب غير أهلها لأنها أمانة بأيديهم، ولأن تولية الأمور لغير أهلها ظلم وهو من علامات الساعة كما جاء في الحديث الصحيح إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظروا الساعة. وقوله صلّى الله عليه وسلم إذا ضيعت الأمانة فانتظروا الساعة. قال سيدنا علي كرم الله وجهه على الوالي أن يتعهد أموره ويتفقد أعوانه حتى لا يخفى عليه إحسان المحسن ولا إساءة المسيء ثم لا يترك أحدهما بغير جزاء فإن ترك ذلك تهاون المحسن واجترأ المسيء وضاع العمل. وقال عمر بن الخطاب من ولي أمور العباد ينبغي له أن يتطلع على صغير أمورهم وكبيرها فإنه مسئول عنها، ومن غفل خسر الدنيا والآخرة. وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم من استعمل رجلا من عصابة وفيهم من هو أرضى منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين. وعن أبي بكر رضي الله عنه وعن أصحاب رسول الله أجمعين قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم من ولي من أمر المسلمين شيئا فأمّر عليهم أحدا محاباة (أي لأجل قرابة أو أمر آخر) فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله جهنم، ألا فليتق الله من وسد الأمر
لغير أهله، وليراقب مغبة هذه الأحاديث، ومن وصايا سيدنا عمر إلى معاوية إذا تقدم لك الخصمان فعليك بالبينة العادلة أو اليمين القاطعة وادناء الضعيف حتى يشتد قلبه وينبسط لسانه، وتعاهد الغريب فإنك إن لم تتعاهده سقط حقه ورجع إلى أهله، وإنما ضبع حقه من لم يرفق به، وآسي بين الناس في لحظك وطرفك، وعليك بالصلح ما لم يتبين لك فصل القضاء. وجاء في الحديث الذي رواه ثوبان لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له، وأخرجه البغوي عن أنس- وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلم أربع إذا كن فيك فلا عليك فيما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة وصدق حديث وحسن خليقة وعفة طعمة. وأخرج عن ميمون بن مهران ثلاث تؤدى إلى البر والفاجر الرحم توصل برة كانت أو فاجرة، والأمانة تؤدى إلى البر والفاجر، والعهد يوفى به للبر والفاجر. وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صام وصلّى وزعم أنه مسلم: من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان. واختلف في سبب نزول هذه الآية في رواية ابن عباس وابن مسعود والبراء بن عازب وأبي جعفر وأبي عبد الله أنها عامة كما جرينا عليه وعليه أكثر المفسرين وعن زيد بن اسلم واختاره الجبائي أنها خاصة بولاة الأمور على الوجه الذي ذكرناه فيهم، والآية تدل بسياقها على كلا الأمرين، ولا يمنع عمومها في جميع الأمانات خصوص سببها في الأمراء، وما رواه البغوي من أنها نزلت في عثمان بن طلحة وهي رواية عن ابن عباس، وانه أسلم يوم الفتح فيه نظر، لأن عثمان هذا على ما قاله أبو عمرو بن عبد البر وابن منده وابن الأثير أنه هاجر إلى المدينة بعد هدنة الحديبية سنة ثمان مع خالد بن الوليد، ولقيهما عمرو بن العاص مقبلا من عند النجاشي فرافقهما وهاجر معهما، فلما رآهم النبي صلّى الله عليه وسلم قال لأصحابه رمتكم مكة بأفلاذ كبدها، يعني أنهم وجوه قومهم من أهلها فأسلموا. نعم إن عثمان المذكور جاء بالمفتاح يوم الفتح وسلمه لحضرة الرسول وطلب العباس إن يضمه إليه مع السقاية، قالوا وكان حضرة الرسول قبل الهجرة أراد أن يدخل البيت، فطلب المفتاح من عثمان هذا فلم يعطه إياه، ولم يفتح له الباب، فقال صلّى الله عليه وسلم إني رسول الله قال له
لو علمت انك رسوله لما منعنك، فقال له سيأتي يوم إن شاء الله أنزعه منك، فلما كان الفتح وأتى عثمان بالمفتاح وطلبه العباس ظن أنه لا يعيده إليه لما سبق منه فنزل جبريل وأمره برده إليه عن أمر ربه وتلا هذه الآية فرده إليه وقال
خذها يا بني طلحة (يعني سدانة البيت) خالدة مخلدة لا ينزعها منكم إلا ظالم، ثم إنه أعطاه بعد إلى أخيه شيبة وهي حتى الآن في ذريته فإذا كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم تلا هذه الآية بعد الفتح عند ذلك بمناسبة رد المفتاح إلى السادن القديم فلا يعني أنها نزلت في هذا الشأن، لأن هذه السورة نزلت قبل الفتح بسنتين ولا يجوز أن يقال إن هذا لعلة من الإخبار بالغيب، لأن هذه من الأقوال الواقعية لا المخبر بوقوعها وليست من الأقوال حتى تكرر والله أعلم. ومما يؤيد نزول هذه الآية فيما ذكرنا قوله تعالى بسياقها «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» من جنسكم وقومكم أيها المؤمنون فإن هذه فرع عن قوله (وَإِذا حَكَمْتُمْ) الآية، ويؤكده قوله عز وجل «فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ» من أمر دينكم ودنياكم «فَرُدُّوهُ» ارجعوا به في طلب حله «إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ما دام حيا وإلى كتاب الله وسنة رسوله بعد وفاته «إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» فافعلوا ما تؤمرون به «ذلِكَ» الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله «خَيْرٌ» لكم من الاستبداد بالرأي واتباع هوى أنفسكم فيه «وَ» تأويل الرسول له «أَحْسَنُ» من تأويلكم، لأنه لا ينطق عن الهوى بل يتبع الوحي المنزل عليه فيه من ربه وما يلهمه الله مما يلقيه في روعه، لذلك كان تأويله «تَأْوِيلًا» (٥٩) خيرا من تأويلكم وأحمد عاقبة روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني. وروى البخاري عن أنس بن مالك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم حدود الله. إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ولهذا البحث صلة في الآية ١٥٩ من سورة الأنعام في ج ٢، فراجعها. والآية عامة في كل أمير وما قاله عكرمة أراد بها أبا بكر وعمر للحديث المروي عن حذيفة. قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم إني لا أدري ما يقال فيكم فاقتدوا بالذين بعدي أبي بكر
وعمر. أخرجه الترمذي وما قاله ميمون بن مهران أن المراد بهم أمراء السرايا والبعوث أو أنهم عموم الأصحاب لما روي عن عمر قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم أخرجه رزين في كتابه ولما روي عن البغوي بسنده عن الحسن عن أنس قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم مثل أصحابي في أمتي كالملح في الطعام لا يصلح الطعام إلا بالملح. وقال الحسن ذهب ملحنا فكيف نصلح؟ وقال غيره:
يا علماء السوء يا ملح البلد ما يصلح الملح إذا الملح فسد
وكذلك ما روى البخاري عن ابن عباس بأنها نزلت في عبد الله بن حذافة ابن قيس وما قاله السدي بأنها في خالد بن الوليد حين بعثه الرسول على سرية فيها عمار بن يسر فلما قربوا من القوم هربوا، وجاء رجل إلى عمار قد أسلم فأمنه عمار، فرجع الرجل فجاء خالد فأخذ ماله، فقال إني قد أمنته وقد أسلم قال خالد تجير علي وأنا الأمير؟ فتنازعا وقدما إلى رسول الله، فأجاز أمان عمّار ونهاه أن يجبر الثانية على أميره. فهذه الأقوال إن صحت لا تخصص هذه الآية بمن وردت فيهم لأنهم من جملة الأمراء المأمور بإطاعتهم فيدخلون بحكم عمومها دخولا أوليا وغيرهم من بعدهم لذلك ما ذهبنا إليه هو الأولى وقد مشى على هذا الطبري والجبائي وزيد بن اسلم وكثير من المفسرين غيرهم لذلك فإنها مطلقة باقية على إطلاقها.
في مطلب معنى زعم قصة بشر واليهودي والزبير والأنصاري وامتثال أوامر الرسول:
قال تعالى «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ» من الكتب وهذا تعجب ثالث يعجب الله به رسوله مما جبل عليه اليهود من الطبائع السيئة، ولفظ زعم يأتي بمعنى الحق والباطل والكذب والصدق بحسب مناسبة المقام، وأكثر ما يستعمل بالشك، وجاء في الحديث زعمه جبريل، وفي حديث خمام بن ثعلبة زعم رسولك، وقال سيبويه زعم الخليل لشيء يرتضيه، وفي شرح مسلم أن زعمه في كل هذا بمعنى قال والمراد هنا مجرّد ادعاء، أي أنهم يدعون إيمانهم بتلك الكتب والحال أنهم لم يؤمنوا بها حقيقة لأنهم «يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ» فلو كان إيمانهم صحيحا لما طلبوا المحاكمة إلى المنافق المعبر عنه في الطاغوت فكيف يرضونه حكما «وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا
بِهِ»
ولكنهم يريدون الركون إلى الضلال إذ لم تؤثر فيهم الآيات الرامية إلى الهدى «وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً» (٦٠) عن الحق مستمرا دائما فوق ضلالهم فلو أمروا بالجنوح عنه لما فعلوا
«وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا» تحاكموا «إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ» ليحكم بينكم بكتاب الله فهو أعدل وأحق للحق «رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ» يا سيد الرسل «صُدُوداً» (٦١) وأيّ صدود صدود مع أنفة عما تدعوهم إليه. قال ابن عباس رضي الله عنهما نزلت في رجل من المنافقين يقال له بشر كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي ننطلق إلى محمد، وقال المنافق ننطلق إلى كعب بن الأشرف، وهذا هو الذي سماه الله بالطاغوت، فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا عند رسول الله، فلما رأى المنافق ذلك، أتى معه إلى الرسول، فقضى عليه، فلما خرجا قال المنافق انطلق بنا إلى عمر، فذهب معه، فقال لعمر اختصمت معه إلى الرسول فقضى لي عليه فلم يرض فقال عمر للمنافق أن كذلك؟ قال نعم، فأصلت سيفه وضرب المنافق حتى برد، وقال هكذا أقضي بمن لم يرض بقضاء الله، فنزلت هذه الآية، وقال جبريل لمحمد إن عمر فرق بين الحق والباطل، ومن ذلك اليوم سمي الفاروق، قال تعالى «فَكَيْفَ» يكون حال هؤلاء المنافقين «إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ» مثل قتل بشر هذا «بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ» وهو أولا اختيار بتحكيم كعب على تحكيمك وثانيا عدم رضائه بحكمك «ثُمَّ جاؤُكَ» أهل القتيل المذكور «يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا» ما أردنا بطلب إعادة المحاكمة عند غيرك «إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً» (٦٢) ليطمئن المحكوم عليه بأن قضاءك هو الحق ولنوفق بينهما عليه لا عدم رضى بحكمك «أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ» من النفاق والكذب «فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ» يا أكمل الرسل باللسان وازجرهم عن النفاق والكذب وخوفهم من طلب المحاكمة إلى الطاغوت وعذاب الآخرة المترتب عليه ولا تعاقبهم «وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً» يؤثر في قلوبهم مملئه التخويف والتهديد «وَ» اعلم يا سيد الرسل أنا «ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ» فيما يأمر وينهى ويحكم «وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا
أَنْفُسَهُمْ»
بطلب المحاكمة إلى الطاغوت «جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ» مما أقدموا عليه «وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ» لأنه يقبل عذر من اعتذر إليه والله لا يرد شفاعته «لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً» عليهم «رَحِيماً» (٦٤) بهم ومن هنا والآيتين ٣٨ من المائدة الآتية و ٥٧ من الإسراء المارة في ج ١ أخذ جواز التوسل بحضرة الرسول، راجع تفسير الآيتين المذكورتين. وتشير إلى أن الاعتراف بالذنب أمام حضرة الرسول واستغفاره له قد يؤدي لعفو الله عنه، وعليه فإن المذنب إذا اعترف أمام العالم الذي هو نائب عن حضرة الرسول وتاب توبة نصوحا ودعى له بقبولها قد يؤدي لذلك والله أعلم. «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ» حقا ولا يسمون مؤمنين «حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ» رغبة فيك وحبا في سماع كلامك وشوقا بحكمك «ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً» ضيقا وحنقا وعدم رضى «مِمَّا قَضَيْتَ» به عليهم بل يتلقونه بطيب نفس ويعلمون أنه الحق الواجب اتباعه «وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً» (٦٥) مطلقا وينقادوا له انقيادا رضائيا لا شك ولا تردد فيه ظاهرا وباطنا ولا تخيير فيه أبدا راجع الآية ٢٦ من سورة الأحزاب المارة، روى البخاري ومسلم عن عروة ابن الزبير عن أبيه أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحمه (الشراج سيل الماء النازل من الجبل إلى السهل والحمة الأرض الحمراء المتلبسة بالحجارة السوداء) التي يسقون بها النخيل فقال الأنصاري سرح الماء يمر فأبى عليه فاختصما إلى رسول الله فقال صلّى الله عليه وسلم للزبير اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك فغضب الأنصاري ثم قال يا رسول الله إن كان ابن عمتك (أي قضيت له لهذه القرابة لا بحق رأيته قاتله الله) فتلون وجه النبي صلّى الله عليه وسلم ثم قال للزبير اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، فقال الزبير والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك، زاد البخاري فاستوعى رسول الله حينئذ للزبير حقه وكان قبل ذلك قد أشار على الزبير أن يتسامح مع الأنصاري سعة له فلما احتفظ الأنصاري أي استوعى أي استوفى للزبير حقه (وذلك إن من كانت أرضه في فم الوادي فهو أولى بتمام السقي) وروى البغوي أنهما لما خرجا مرا على المقداد فقال لمن قضى، لمن كان القضاء قال الأنصاري لابن عمته ولوى شدقه
ففطن له يهودي كان مع المقداد فقال قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم وايم الله لقد أذنبنا ذنبا مرة في حياة موسى يريد سلفهم
فدعا موسى إلى التوبة منه فقال اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين الفا في طاعة ربنا حتى رضي عنا، فلما سمعه ثابت بن قيس بن شماس قال أما والله إن الله يعلم مني الصدق، ولو أمرني محمد أن أقتل نفسي لفعلت. هذا وإن ما جاء في الحديث وإن كان يدل على حادثة الزبير وخصمه إلا أنه لا يدل على نزول الآية فيها والآية متصلة بما قبلها وتابعة للسبب الأول، والله تعالى أعلم، لأن الزبير لم يقطع بقوله إنها نزلت في حادثة الأنصاري بل قال احسب بأنها نزلت في ذلك تدبر. قال تعالى «وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ» هؤلاء المنافقين «أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» لتقبل توبتكم كما فرضنا على بني إسرائيل قبل «أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ» كما أمرناهم بالخروج من مصر مع نبيهم «ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ» رياء وسمعة لأن المنافقين ظاهرهم غير باطنهم، وإن ثابتا المشار إليه من القليل، وقيل لما نزلت هذه الآية، قال عمر وعمار وابن مسعود من أصحاب رسول الله والله لو أمرنا لفعلنا والحمد لله الذي عافانا، فبلغ هذا رسول الله فقال إن من أمّتي لرجالا الإيمان في قلوبهم أثبت من الجبال الرواسي، وهؤلاء أيضا من القليل، اللهم اجعلنا منهم واحشرنا معهم. «وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ» وانقادوا لحكم الرسول «لَكانَ خَيْراً لَهُمْ» في الدارين «وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً» (٦٦) لإيمانهم وأقرب للتودد لرسولهم «وَإِذاً» لو فعلوا ذلك اتباعا لأمرنا ونزولا لحكمنا الذي نطق به رسولنا «لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً» (٦٧) على انقيادهم ورضاهم بحكم الرسول «وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً» (٦٨) لا يزالون متمسكين به حتى يوصلهم الجنة، كان صلّى الله عليه وسلم رأى مولاه ثوبان متغيرا فقال ما غير لونك؟ وكان شديد الحياء شديد الحب لرسول الله قليل الصبر عنه، فقال يا رسول الله ما بي مرض إلا أني أستوحش إذا لم أرك وأخاف أن لا أراك في الآخرة لعلو مقامك، فأنزل الله «وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ
رَفِيقاً»
(٦٩) أي ما أحسن رفقة هؤلاء الكرام «ذلِكَ» الثواب المترتب على طاعة الله ورسوله هو «الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً» (٧٠) بمن يستحق ذلك الفضل العظيم. روى البخاري ومسلم عن أنس أن رجلا سأل النبي صلّى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال متى الساعة؟ قال وما أعددت لها قال لا شيء إلا إني أحب الله ورسوله، فقال أنت مع من أحببت. قال أنس فأنا أحب النبي وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبّي إياهم وإن لم أعمل بعملهم. ورويا عن أبي هريرة قال قال صلّى الله عليه وسلم لن يدخل أحدكم عمله الجنة قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل.
قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ» من عدوكم فاستصحبوا سلاحكم وكونوا متهيئين. ولا يقال هنا الحذر لا يغني عن القدر لأنه محتوم كائن لا محالة، لأن الكل بقضاء الله وقدره، والأمر بالحذر والتقيّد هو من قضاه الله وقدره ولا سيما في الحرب، فإنه يطلب فيه ما لا يطلب في غيره ويجوز فيه ما لا يجوز بغيره «فَانْفِرُوا» أخرجو لعدوكم «ثُباتٍ» سرايا متفرقين واحدة تلو الأخرى «أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً» (٧١) مع نبيكم أو أميره إلى جهاد عدوكم حال كونكم يقظين مدججين بسلاحكم «وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ» يتثاقلون ويتأخرون عن الرسول أو أميره، وأراد بهؤلاء المنافقين وإنما قال منكم لاجتماعهم معهم في الجنسية والنسب وإظهار كلمة الإسلام «فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ» من قتل أو هزيمة أو أسر أو سبي «قالَ» رئيسهم ابن سلول وكلهم يقول قوله لأنهم يتبعونه في حركاته وسكناته «قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ» بعدم الخروج «إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً» (٧٢) في الواقعة التي أصيبوا فيها ولو كنت لأصبت بما أصابهم «وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ» من فتح أو غنيمة «لَيَقُولَنَّ» ذلك المنافق واضرابه «كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ» أيها المؤمنون «وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ» ولا معرفة فكأنه ليس من أهل دينكم ولا من جنسكم وتراه يقول بأعلى صوته «يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً»
(٧٣) مما غنموه في تلك الغزوة فيا سيد الرسل قل لهم «فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ» لا الذين يبيعون
الآخرة بالدنيا ويكون قصدهم من الجهاد الغنيمة فقط «وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ» ويبقى حيا «فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ» بالحالتين «أَجْراً عَظِيماً» (٧٤) غنيمة وسعادة أو ثوابا وشهادة. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال صلّى الله عليه وسلم تضمن الله لمن خرج في سبيل الله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة، وإذا كان كذلك «وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» أيها المؤمنون وقد تكفل الله لكم بذلك وتستنقذوا المؤمنين إخوانكم المعذبين في مكة «وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ» وتخلصونهم من أيدي المشركين وبراثن أعداء الدين حيث منعوهم من الهجرة إلى المدينة وحالوا دون التحاقهم بإخوانهم وأهليهم فيها ولا يزالون يعذبونهم بقصد ردهم عن دينهم ولا قوة لهم يمتنعون بها منهم وهم «الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ» مكة وهي وطنهم الأصلي لشدة ما يقاسونه فيها من أهلها من العذاب بدلالة قوله تعالى حكاية عنهم «الظَّالِمِ أَهْلُها» أنفسهم بالشرك والتعدي على الغير «وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ» يا إلهنا وسيدنا «وَلِيًّا» ينقذنا من ظلمهم «وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً» (٧٥) ينصرنا عليهم، فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة ورد صلّى الله عليه وسلم أبا جندل على الصورة المارة في الآية ١١ من الممتحنة، ورجعوا إلى المدينة، وبقي بعضهم إلى الفتح استجابة لدعائهم، إذ تولى أمرهم خير ولي وجعل ناصرهم خير ناصر، وخلصهم أحسن خلاص، وذلك لما وقع صلح الحديبية.
مطلب ما فعله ابو نصير وفتح خيبر وتبوك وما وقع فيهما من المعجزات وظهور خير صلح الحديبية الذي لم يرض به الأصحاب.
وجاء ابو نصير عتبة ابن أسد مسلما إلى المدينة وطلبه المشركون بمقتضى المعاهدة المذكورة، فرده صلّى الله عليه وسلم مع الرجلين اللذين جاءا بطلبه، وقال له قد أعطينا القوم ما علمت من الشروط في المعاهدة، ولا يصلح في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك وللمستضعفين مثلك فرجا ومخرجا فلما ذهب معهما ووصلا ذا الحليفة قتل أحدهما وفر
الآخر ورجع أبو نصير إلى المدينة وقال يا رسول الله رددتني إليهم بمقتضى عهدك لهم، وأنجاني الله حيث قتلت أحد الذين أخذاني وفر الآخر، فقال صلّى الله عليه وسلم ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد. فعرف مغزى قوله صلّى الله عليه وسلم وخرج من المدينة وذهب إلى سيف البحر أي شاطئه وبلغ المسلمين المحبوسين في مكة قول الرسول لأبي نصير وعرفوا مرماه أيضا، فخرجت عصابة منهم إليه وأنفلت أبو جندل المذكور ولحق بهم أيضا حتى بلغوا سبعين رجلا وصاروا يقطعون الطريق على قريش لا يتركون عيرا إلا نهوها ولا يظفرون بأحد من المشركين إلا سلبوه وقتلوه فأرسلت قريش تناشد رسول الله والرحم بأن يرسل إليهم ويأخذهم إلى المدينة ومن أتاه على شاكلتهم فهو آمن، فأرسل إليهم وقدموا المدينة جميعهم وهذا أول خير من معاهدة الحديبة التي أثبتناها في الآية المذكورة آنفا من سورة الممتحنة المارة، ثم وقعت غزوة خيبر في المحرم سنة السابعة من الهجرة وخيبر مدينة ذات حصون ومزراع على ثمانية برد من المدينة لجهة الشام وقد خرج إليها صلّى الله عليه وسلم وأصحابه فصبحهم صباحا فخرجوا، وإذا القوم، فقالوا محمد والخميس أي الجيش، وإنما سمي خميسا لأنه يحتوي على خمسة أصناف المقدمة والمؤخرة والميمنة والمشأمة والقلب، وهكذا ترتب الحملات في الغزو والجهاد، فقال صلّى الله عليه وسلم الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، فبرز ملكهم مرعب وبرز إليه عامر، فاختلفت بينهما ضربتان فأصاب عامر نفسه، ثم أخذ الراية أبو بكر وقاتل قتالا شديدا، ثم أخذها عمر وكذلك قاتل أشد من صاحبه ولم يقع أحد من الطرفين ولم يؤخذ بثأر عامر رحمه الله، فقال صلّى الله عليه وسلم لأعطين الراية غدا رجا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله وينفتح على يديه، فأعطاها عليا كرم الله وجهه وبرز له مرعب المذكور وهو يرتجز.
قد علمت خيبر اني مرعب شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلتهب فأجابه علي كرم الله وجهه:
أنا الذي سمتني أمي حيدره كليث غابات كريه المنظرة
أو فيكم بالصاع كيل السندره ثم ضرب مرعبا فقتله، وكان الفتح على يديه. وهذه من معجزاته صلّى الله عليه وسلم وإخباره بالغيب، ثم برز أخوه مرحب فخرج إليه الزبير بن العوام فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب أيقتل ابني يا رسول الله؟ قال بل ابنك يقتله إن شاء الله وكان كذلك، وهذه معجزة أخرى أخبر بها صلّى الله عليه وسلم أيضا، ولم يزالوا يفتحون الحصون ويقتلون من يقابلهم حتى فتحوها كلها وأخذوا الأموال واستاقوا السبي الذي من جملته صفية بنت حيي سيد قريظة اصطفاها لنفسه صلّى الله عليه وسلم فأعتقها وتزوجها، وقسم الأموال والسبي لمن حضر الحديبية. وحديث فتح خيبر هذا رواه سهل بن سعد وأنس بن مالك وسلمة بن الأكوع وأبو هريرة، وأخرجه البخاري ومسلم عنهم بزيادة على ما ذكرنا. أما الحوادث التي وقعت فيها غير المعجزتين المارتين فمنها ما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال أصابتنا مجاعة ليالي خيبر، فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها، فلما علت بها القدور نادى منادي رسول الله أن أكفئوا القدور ولا تأكلوا من لحوم الحمر شيئا، قالوا إنما نهى عنها لأنها لم تخمس، وقال آخرون نهى عنها البتة. وروى البخاري عن عائشة قالت لما فتحت خيبر قلت الآن نشبع من التمر. ورويا عن أنس أن امرأة يهودية أتت رسول الله بشاة مسمومة فجيء بها إلى رسول الله وقد أخبره السيد جبريل بذلك، فسألها عن سبب ذلك، فقالت أردت لأقتلك، فقال ما كان الله ليسلطك على ذلك، أو قال علي، قالوا أنقتلها يا رسول الله؟ قال لا، فما زلت أعرفها في لهوات محمد صلّى الله عليه وسلم أي أحاديثه المؤنسة المعجب بها. قالت عائشة كان صلّى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلته بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم. والمرأة هي زينب بنت الحارث زوجة سلام بن مشكم اليهودية. قالوا لما جيء بها قالت للنبي صلّى الله عليه وسلم إن كنت ملكا استرحنا منك، وإن كنت نبيا فلا يضرك فعفا عنها. قالوا وكان بشر بن البراء بن معرور أكل لقمة منها فمات في ساعته. وأخرج أبو داود عن عبد الله بن سلمان أن
رجلّا من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم قال لما فتحنا خيبر أخرجوا غنائمهم من المتاع والسبي فجعل الناس يبتاعون غنائمهم، فجاء رجل فقال يا رسول الله لقد ربحت اليوم ربحا ما ربحه أحد من أهل هذا الوادي، قال ويحك وما ربحت؟ قال ما زلت أبيع وأبتاع حتى ريحت ثلاثمائة أوقية، فقال صلّى الله عليه وسلم ألا أنبئك بخير ربح؟ قال وما هو يا رسول الله؟ قال ركعتان بعد الصلاة أطلقها صلّى الله عليه وسلم فتشمل كل الصلوات المفروضة أي النفل الذي بعدها، ولو كانت قبل الصلاة كنت أظنها صلاة الصبح لقوله فيها إنها خير من الدنيا وما فيها. قالوا ثم طلبت اليهود أن يقرهم في أرضهم على نصف التمر وأن يكفوهم العمل ولهم النصف الآخر، فقال صلّى الله عليه وسلم لا بأس، وقبل منهم وتركهم في بلدهم على ذلك، وقال لهم نترككم ما شئنا، فبقوا على هذا حتى أجلاهم عمر رضي الله عنه في امارته إلى تيماء وأريحا ولما سمعت أهل فدك بما وقع في خيبر طلبت من الرسول أن يحقن دماءهم وأن يسيرهم ويخلو له الأموال ففعل بهم وأن يصالحهم على مثل ما فعل بخيبر، ففعل أي أجاب صلّى الله عليه وسلم طلب الفريقين الذي أراد الجلاء والذي أراد البقاء على ما طلب، فكانت غنائم خيبر للمسلمين الذين حضروا الحديبية وغنائم فدك لرسول الله خاصة لأنه لم يجلب عليها بخيل ولا ركاب، وقد أشار الله إلى هذه الحادثة في سورة الفتح الآتية في قوله عز قوله (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ) الآية ١٩، وقد أسف المنافقون على ما فاتهم من هذه النعمة كما قص الله تعالى عنهم في الآيات المتقدمة، وهذا الخير الثاني الذي وقع بعد صلح الحديبية والثالث هو ما فعله ابو نصير وقومه المشار
إليهم آنفا قال تعالى «الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ابتغاء مرضات الله وإعلاء لكلمته ونصرة لدينه ومعونة لإخوانهم المضطهدين في مكة تحت ضغط الكفرة فيها، فهؤلاء إن قتلوا فهم شهداء وإن بقوا فهم سعداء «وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ» الشيطان من الجن والمتشيطنين من الإنس «فَقاتِلُوا» أيها المؤمنون «أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ» ولا تخشوا كيدهم «إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً» (٧٦) لأنه بغي وغرور لا يئول إلى نتيجة حسنة ويوهن وينمحق بمقابلة القتال في سبيل الله نصرة لدينه. قالوا
كان جماعة من المستضعفين كعبد الرحمن بن عوف الزهري والمقداد بن الأسود الكندي وقدامة بن مظعون الجمحي وسعد بن أبي وقاص، يقولون يا رسول الله ائذن لنا في قتال المشركين لأنهم آذونا، فقال لهم كفوا عن القتال لأني لم أومر به، وثابروا على دينكم، فأنزل الله «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ» بعد أن هاجروا من مكة إلى المدينة وأمروا به «إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ» أي أهل مكة الذين كانوا يطلبون الإذن بقتالهم «كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً» من الله «وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ» الآن هلا «لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ» يريدون الموت لأنه مهما طال أجله فهو قريب، وهذا سؤال منهم عن وجه الحكمة في فرض القتال عليهم، لا اعتراض على حكم الله، بدليل أنهم لم يوبخوا عليه بل أجيبوا بقوله عز قوله «قُلْ» يا سيد الرسل لهؤلاء وزهدهم فيما يطلبون من البقاء بالدنيا وما يؤملون بالقعود عن القتال، وطلب التأخير إلى الأجل، ورغبهم فيما يتالون بالقتال من النعم، لأن ما يريدونه هو «مَتاعُ الدُّنْيا» وهو عند الله «قَلِيلٌ» تافه سريع الزوال لا قيمة له «وَالْآخِرَةُ» التي نريدها لهم ذات النعيم الدائم والخير الجزيل والأجر الكبير فهي «خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى» السوء في هذه الدنيا الفانية الزهيدة، فميلوا إليها لتوفوا ثوابكم كاملا «وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا» (٧٧) من أعمالكم الصالحة فيها بل تضاعف لكم. ولما كان المنافقون لا يزالون يرددون قولهم في قتلى أحد لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا كما مر في الآية ١٥٧ من آل عمران، أنزل الله جل شأنه ردا عليهم «أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ» لا خلاص لكم منه إذا حل أجلكم وإذا كان الأمر كذلك فالقتل في سبيل الله أفضل من الموت على الفراش. قال علي كرم الله وجهه أن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، فمن تركه ألبسه الله ثوب الذل، وشمله البلاء وقيل فيه:
إن موتا في ساعة الحرب خير لك من عيش ذلة وخضوع
مت هماما كما حييت هماما وأحي في ذكرك المجد الرفيع
وإذا كان الموت لا بد مدرككم «وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ» وحصون محصنة وقلاع عالية مطلية بالشيد وهو الجصّ. وقال بعض المفسرين أجساد قوية مستدلا بقول القائل:
فمن يك ذا عظم صليب رجابه ليكسر عود الدهر فالله كاسره
وهو هنا ليس بشيء، وقال الحصكفي ملغزا في نعش الميت:
أتعرف شيئا في السماء نظيره إذا سار صاح الناس حيث يسير
فتلقاه مركوبا وتلقاه راكبا وكل أمير يعتليه أسير
يحضّ على التقوى ويكره قربه وتنفر منه النفس وهو نذير
ولم يتزر عن رغبة في زيارة ولكن على رغم المزور يزور
«وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ» من خصب وصحة ورفاه «يَقُولُوا» المنافقون «هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ» من جدب ومرض وغلاء «يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ» يعنون محمدا صلّى الله عليه وسلم، وهذا كقول قوم موسى عليه السلام (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ) الآية ١٣٠ من الأعراف في ج ١، وكقول قوم صالح لصالح عليه السلام (اطّيّرنا بك وبمن معك) الآية ٤٧ من سورة النمل وكما قال أهل انطاكية سئل عيسى عليه السلام (إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ) الآية ١٩ من سورة يس ج ١ أيضا.
مطلب في قوله تعالى كل من عند الله، وكيفية حال المنافقين مع حضرة الرسول، وان كلام الله لا يضاهيه كلام خلقه محمد فمن سواه صلّى الله عليه وسلم:
وذلك أن اليهود والمنافقين لعنوا وأخزوا تشاءموا من حضرة الرسول وهو منبع الخير وأهل الفلاح، فقالوا منذ دخل المدينة نقصت ثمارها وغلت أسعارها، فرد الله عليهم بقوله «قُلْ» يا سيد الرسل لهؤلاء الزائغين «كُلٌّ» من الخير والشر «مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» لأنه خالقهما وموجدهما. وإنما أضاف السيئة للعبد لأنها من كسبه عن رغبة واختيار فلحقته بذنبه عقوبة له. ومن الأدب أن لا ينسب السوء إلى الله ولو كان في الحقيقة هو منه، قال- كما حكاه القرآن الكريم- (وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ
يَشْفِينِ»
الآية ٧١ من سورة الشعراء ج ١ فقد أضاف المرض لنفسه تأدبا مع الله مع أنه لا يشك أنه من الله لأن الله يوقعه في العبد عقوبة إسرافه في الأكل والشرب وعدم وقايته من الحر والبرد، إذ لا سبب للمرض ظاهرا غير هذين، وما يطرأ عليه من الكسر والجروح، ونسب الشفاء لله، وهكذا يجب على كل عاقل أن ينسب ما يصيبه من شرّ مهما كان لنفسه، وما يصيبه من خير لربه، ولهذا يقول الله تعالى «فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ» أعميت قلوبكم حتى صاروا «لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً» (٧٨) فيعلمون أن موقع الخير والشر في العبد هو الله وحده، ويقولون «ما أَصابَكَ» أيها الإنسان على العموم ويجوز أن يكون المخاطب سيد المخاطبين والمراد به غيره كما مر غير مرة «مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ» مكافأة لما قدمت من خير وتقوى ومجاملة «وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ» عقابا لما اقترفته من شر وفسق وفظاظة، وقد جاءت الآية الأولى على الغيبة، وهذه على الخطاب بطريق التلوين والالتفات وهو من محسنات البديع في الكلام إيذانا بمزيد الاعتناء بفهم المراد من قوله عز وجل، واهتماما يردّ اعتقاد أهل الباطل وزعمهم الفاسد وإشعارا بان ذلك مبني على كلمة دقيقة حريّة بان يتولى بيانها علام الغيوب، واعلم أنه لا تعلق للقدرية في هذه الآية إذ ليس المراد من الحسنة حسنة الكسب من الطاعات، ولا السيئة المكتسبة من المعاصي، بل المراد كل ما يصيب الإنسان من النعم والنقم، وهذا ليس من فعل الإنسان لأنه لا يقال في الطاعة والمعصية أصابني، بل أصبتها، ويقال في النعم والنقم أصابني بدليل عدم ذكر الثواب والعقاب، وهي كقوله تعالى (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ) الآية ١٣١ من الأعراف ج ١، ولهذا قدرنا كلمه يقولون قبل قوله تعالى ما أصابك حتى لا يتناقض مع قوله (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) في الآية المتقدمة، لأن السيئة وإن كانت من عمل صاحبها فهي بتقدير الله تعالى، إذ شاء لما تركه يفعلها، فأصبح الكل من الله، ألا إن الخير برضاه، والشر بقضاه، تأمل. «وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا» يا حبيبي لتبشرهم وتنذرهم «وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً» (٧٩) على إرسالك للناس كافة لا للعرب فقط كما تقوله اليهود وغيرهم ممن حذا حذوهم «مَنْ يُطِعِ
الرَّسُولَ»
محمدا أيها الناس «فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى» عن طاعتك «فَما أَرْسَلْناكَ» يا صفوة الخلق «عَلَيْهِمْ» أي منكري رسالتك «حَفِيظاً» (٨٠) تمنعهم من أن يقولوا ما يشاؤن ولا رقيبا على أعمالهم فتحاسبهم عليها ولا مسيطرا فتعاقبهم من أجلها، لأن هذا كله لله وحده
«وَيَقُولُونَ» هؤلاء المنافقون أأمرنا يا محمد فشأننا «طاعَةٌ» لك لأننا آمنا بك وصدقناك، ففضحهم الله بقوله اعلاما لرسوله «فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ» إلى شأنهم «بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ» أي تلك الطائفة التي قالت طاعة أو غير الذي عهدته إليهم والتبيّت كل أمر يفعل بالليل أي يرتب فيه، فيقال هذا أمر دبر بليل، أو بيت أو قضى به فيه، أي أنهم قد دبّروا ليلا غير الأمر الذي أعطوكه نهارا. وقيل إن بيت هنا بمعنى غيّر وبدّل الأمر الذي عهدته إليهم، وإنما خص طائفة من المنافقين إعلاما بأن منهم من يرجع عن نفاقه ويتوب إلى الله «وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ» ويخبرك به يا سيد الرسل لنذكرهم به كي ينتهوا عن مثله «فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ» الآن، ولا تحدث نفسك بالانتقام منهم، ولا تغتر بإسلامهم أبدا، ولا تعتمد على أحد منهم «وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا» (٨١) عليهم يخبرك بأسرارهم. قال تعالى تعجيبا لنا من أمرهم بعد أن عجب رسوله المرة الخامسة «أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ» فيقهمون معانيه ويتفكرون في مغازيه، فيفقهون المراد منه، ويعون ما يرمي إليهم، وفي هذا ردّ على الروافض القائلين إن القرآن لا يفهم معناه إلا بتفسير من الرسول والإمام المعصوم لأنه لو كان كذلك لما وبخ الله هؤلاء على عدم فهمهم ما يشير إليه، ولأحالهم على رسوله وأولي العلم ونظير هذه الآية الآية ٢٥ من سورة محمد الآتية. واعلم أن هذا التدبر الوارد في صدر هذه الآية بكون من ثلاثة أوجه: الأول في فصاحته التي عجز عنها الخلائق أجمع بأن يأنوا بمثلها، الثاني إخباره عن الغيوب الصادرة من المنافقين وغيرهم إذ أطلع الله نبيه عليها وفضحهم فيما يخفون فضلا عن اخباره عن الأولين والآخرين مما لا يعلمه إلا الله، الثالث سلامته من الاختلاف والتناقض وهو المراد من قوله جل قوله «وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ» من جن أو أنس أو ملك
أو كلهم بالاشتراك «لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» (٨٢) وتفاوتا جزيلا وتناقضا عظيما من حيث الشرك والتوحيد والتحليل والتحريم والبيان والفصاحة والبلاغة لعظمه وتكرر آياته ولكنه من عند الله، لذلك لا يرى فيه شيئا من ذلك البتة فضلا عن أنه بالعا الغاية من حيث المبنى والمعنى، ولهذا احتج فيه على صحة نبوة محمد صلّى الله عليه وسلم والإخبار بالغيوب لسلامته من الاختلاف والتناقض، وإن كلام الغير مهما كان فلم يكن على وتيرة واحدة بالفصاحة والبلاغة وتصديق بعضه لبعض، لأن منه ما هو فائق حد الاعجاز باللفظ، ومنه ما هو قاصر عنه، ومن حيث المعاني فبعضه إخبار يوافق المخبر عنه، وبعضه إخبار مخالف للمخبر عنه، وقسم منه دال على معنى صحيح عند علماء المعاني، وقسم منه دال على معنى فاسد غير ملتئم. أما ما قاله بعض الملحدين من وجود الاختلاف في القرآن العظيم محتجا في قوله تعالى (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) الآية ٢٤ من سورة القيمة في ج ١، وقوله تعالى (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ) الآية ١٠٤ من سورة الأنعام ج ٢ وقوله تعالى (ثُعْبانٌ) في الآية ١٠٧ من سورة الأعراف مع قوله (جَانٌّ) في الآية ١١ من سورة النحل ج ١ وفي قوله (لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) في الآية ٩٣ من سورة الحجر ج ٢ مع قوله (لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ» في الآية ٤٠ من سورة الرحمن الآتية. فما هو لفظا ومعنى يراه الجاهل مخالفا وهو في الأصل واحد كما بينا ذلك كلا في محله، فليرجع إليه في تفسير تلك الآيات ليعلم أن الاختلاف من مفترياته والتناقض من عاداته، والتباين من فهمه السقيم، وما قوله إلا بهت محض ناشيء عن خلل في عقله، وعمه في بصيرته، راجع الآية ٧ من آل عمران المارة. هذا ومن هذا القبيل الذي تقوّل به المنقولون الذين أذهب الله مفكّرتهم وطمس على قلوبهم ما قاله الكفرة قديما ومن حذا حذوهم بعد إن هذا القرآن من كلام محمد صلّى الله عليه وسلم! ومن أين لمحمد أن يأتي بمثله وقد تحدى الله الخلق أجمع على الإتيان بسورة من مثله؟ لأن ظاهر كلامه وباطنه لا يضاهي قول البشر من كل وجه، ولا كلام محمد على ما هو عليه من الفصاحة والبلاغة يشبه كلام ربه.
قال تعالى «وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ» من خبر السرايا المبعوثة من قبل
حضرة الرسول كفتح وغنيمة وسلامة كتموه، لأنه لم يرق لهم التحدث به لما في قلوبهم من الغلّ والحقد والحسد «أَوِ الْخَوْفِ» من خبر خذلان السرايا وقتلهم أو هزيمتهم «أَذاعُوا بِهِ» أفشوه علنا حالا وأشاعوه بين الناس بقصد المفسدة وتثبط الناس وتفنيد ما يدبره القائد الأعظم لأمور جيشه. وظاهر الآية أنهم يذيعون الخير والشر، وعليه يكون المعنى أنهم يقصدون بإذاعة الخير كالنصر والغنيمة تهيج الناس ضد أصحاب الرسول بما يتقولونه من أنهم فعلوا بأقاربكم وجماعاتكم من القتل والسبي والجلاء ما فعلوا ليفزعوا لهم على أصحاب رسول الله وإن كان شرا من هزيمة أو قتل فإنهم يقصدون بإذاعته إلقاء الرعب والأراجيف في قلوب أقارب الغزاة وتعلقاتهم ليوقعوا اللوم على حضرة الرسول بإرسالهم، فعابهم الله قاتلهم الله على ذلك وكلهم عيب «وَلَوْ رَدُّوهُ» أي الخبر المتعلق بالسرايا على علاته «إِلَى الرَّسُولِ» الذي هو وحده له الحق بكتمانه وإذاعته «وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ» من كبراء الأصحاب البصراء بالأمور الخبراء بعواقبها «لَعَلِمَهُ» أي علم التدبير فيما أخبروا به «الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» يستخرجون بذكائهم وحدة فطنتهم وتجاربهم وخبرتهم بأمور الحرب ومكايدها ما يجب أن يدبروه، لأن الأعداء بالمرصاد لهكذا أخبار فيتدار كون ما أخبروا به، وكان عليهم إذا سئوا أو أخبروا بما يتعلق في هذا الشأن ألّا يجيبوا عنه سلبا ولا إيجابا، بل عليهم بأن يفوضوا أمر الجواب إلى الرسول ووزرائه، ويجعلوا أنفسهم كأن لم يسمعوا بشيء، إذ قد لا يوافق إفشاء خبر الإنتصار أحيانا لما يخاف من نجدة الأعداء والتطويق، كما لا يوافق بيان خبر الخذلان بتاتا لما فيه من كسر القوة المعنوية. ويجب دائما التقيد بالأمرين واستعمال المعاريض في الكلام والثوري وإعطاء الجواب على خلاف السؤال من حيث المعنى، وغير ذلك مما يعرفه المحنكون للأمور الخائضون غمارها، لأن الحرب لها أبواب وعلوم غير العلوم الأخرى، والسّبط هو الماء الذي يخرج من البئر أول حفره واستنباطه استخراجه، فاستعير لما يستخرجه الرجل بفضل جودة ذهنه من المعاني والتدابير فيما يعضل عليه. وفي هذه الآية دليل على جواز القياس لأن من العلم ما يدرك بالنصّ وهو الكتاب والسنة، ومنه ما يدرك بالاستنباط وهو القياس
وعلى الأول يكون في الآية الحذف من الأول بدلالة الثاني أي وجود المحذوف فيه وهو كلمة (أَذاعُوا بِهِ) وهذا الخوف من محسنات البديع في الكلام، وقد يكون على العكس كما في الآية ٣٠ من آل عمران المارة، وشاهد الأول قوله:
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف
وقوله:
رماني بأمر كنت منه ووالدي بريا ومن أجل الهوى رماني
وشاهد الآخر قوله:
ومن يك أمسى بالمدينة رحله فإنّي وقيار بها لغريب
«وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ» ببعثه هذا الرسول إليكم وإنزال هذا القرآن عليكم بواسطته ولطفه بكم، وتوفيقه وهدايته لكم أيها الناس «لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا» (٨٣) ممن أوتي عقلا سليما وتؤدة كاملة.
مطلب أمر حضرة الرسول بالقتال والآية المبشرة إلى واقعة أحد وبدر الصغرى والشفاعة والرجاء ومشروعية السلام ورده:
قال تعالى «فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» يا رسولي «لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ» والله ناصرك ومؤيدك ولو كنت وحدك «وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ» على القتال معك جهادا في سبيلي، ولا تقسرهم وتعنفهم عليه فمن شاء فليقاتل معك من تلقاء نفسه، ومن شاء فليتخلّف حتى يكون رائدهم عن طيب قلب وخلوص نية ورغبة في نصرة دين الله وإعلاء كلمته وخذلان أعدائه. وهذه الآية تشير إلى ما ذكرناه في الآية ١٧٣ من آل عمران المارة من أن أبا سفيان عند انصرافه من وقعة أحد واعد النبي صلّى الله عليه وسلم موسم بدر الصغرى كما أوضحناه هناك. وسبب كراهة بعض أصحاب الرسول الخروج معه إلى بدر الصغرى هو ما ألقاه في قلوبهم رسول أبي سفيان نعيم بن مسعود الأشجعي من الأراجيف التي ذكرناها هناك، ولذلك قال صلّى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لأخرجنّ لهم ولو وحدي. فتبعه الشجاع وتخلف الجبان وعادوا رابحين دون أن يقع قتال لتخلف أبي سفيان وقومه عن الميعاد، وقد أشار الله لهذه الحادثة في هذه الآية الكريمة بقوله جل قوله «عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ
بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا»
بأن يدفع بطشهم وشدتهم، وقد فعل حيث ألقى في قلوبهم الرعب، ورجعوا من الطريق «وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً» منهم وأعظم صولة وأكبر جولة «وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا» (٨٤) عذابا وعقوبة من غيره. قال تعالى «مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها» حظ وافر له منها في الدنيا من ثناء الناس عليه وضرب المثل به، وفي الآخرة الثواب العظيم والأمر الجسيم عند الله «وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها» نصيب مضاعف وهو مذمة الناس عليها في الدنيا، وضرب المثل بسوء فعله، وفي الآخرة عقاب الله وعذابه. وهذه الآية لها ارتباط بما قبلها بان يكون صدرها عائد لحضرة الرسول من أجل تحريض قومه على الجهاد، لأن له فيه حظا وافرا لما فيه من سعادة قومه ورضاء الله وعجزها لرسول أبي سفيان لما في كلماته التي فاه بها بين أصحاب الرسول المبينة في الآية المذكورة من آل عمران من الوزر العظيم له عند الله والغضب من حضرة الرسول وأصحابه في الدنيا. وهي عامة المعنى لتصدرها بمن الدالة على العموم «وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً» (٨٥) مقتدرا من أقات على الشيء إذا اقتدر عليه، قال الشاعر:
وذي ضغن كففت الشر عنه وكنت على إساءته مقيتا
أي مقتدرا. وإن الله القادر على كل شيء المكافي على كل شيء سيجازي شفيع الخير خيرا وأجرا وشفيع الشر وزرا وشرا. روى البخاري ومسلم عن أبي موسى قال كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم جالسا فجاء رجل ليسأل فأقبل علينا بوجهه وقال اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء. ومن هنا شرع الرجاء بالحق وفيما كل ما لا يوجب ضرر الغير، وإن الرجل يحاسب على جاهه كما يحاسب على ماله، وكما أن البخل بالمال مذموم فالبخل بالجاه مذموم بل البخل بالجاه ادعى للمذمتة من البخل بالمال، قال في هذا القائل:
ولا شك أن الشفاعة تكون بالأمور المعقدة ولمن لا يؤبه بهم أكثر من غيرهم أجرا عند الله تعالى. وعلى كل فعلى العاقل أن يستعين بعد الله تعالى على قضاء حاجته بخيار الناس لأنهم يقدرونها قدرها ولله در القائل:
لعمرك ان البخل بالمال شنعة وبخلك بين الناس بالجاه أشنع
فأحسن إذا أوتيت جاها فإنه سحابة صيف عن قليل تقشع
وكن شافعا ما كنت في الدهر قادرا فخير زمان المرء ما فيه يشفع
لله درّ النائبات فإنها صدأ اللئام وصيقل الأحرار
وقد قال صلّى الله عليه وسلم أبلغوا حاجة من لا يستطيع ابلاغها، فمن أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه على الصراط يوم القيامة، والمراد بالسلطان كل من يقدر على قضاء الحاجة من موظفي الدولة مهما كانت رتبته ولا سيما إذا كان المحتاج من أهل العلم فيجب إكرامه بقضاء حاجته أكثر من غيره لئلا تجهل الرعية حقه، وإذا أكرم العالم صفا ذهنه فزاد النفع به. وعلى من وجد مظلوما أن يأخذ بيده ويقضي حاجته ما استطاع عسى الله أن يقضي حوائجه في الآخرة على أن يكون الاعتماد بقضاء الحاجة على الله مهما كان الوسيط كبيرا، قال:
واشدد يديك بحبل الله معتصما فإنه الركن إن خانتك أركان
من يتق الله يحمد في عواقبه ويكفه شرّ من عزّوا ومن هانوا
من استعان بغير الله في طلب فإن ناصره عجز وخذلان
قال تعالى: «وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا» أيها الناس من حياكم «بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها» بنفسها بلا زيادة ولا يكون لكم فضل عليه لأنها بمقابلة تحيته والفضل للبادئ لأنه لو لم يبدأكم بالتحية فليس عليه غير العتاب، أما الذي لا يردها بتاتا فإنه يأثم لأن البدء بالتحية سنة والرد واجب. ومن يردّ بأقل مما بدىء به يأثم أيضا لمخالفته نص الآية، تدبر واعمل بما يرضي الله. «إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً» (٨٦) فلأن يحاسب العبد على هذا من باب أولى. واعلم أن التحية ما يحيي بها الرجل صاحبه وقد بدل الإسلام ألفاظ تحايا الجاهلية كحياك الله وبياك وأنعم صباحا ومساء، وأطال الله بقاك، بالسلام الذي هو تحية الإسلام وأهل الجنة كما المعنا إليه في الآية ١٩٩ من آل عمران المارة لأن طول الحياة بلا سلام من الآفات مذمومة وإنعام الصباح والمساء بلا أمان منغصة، فلرب حياة الموت خير منها وفيه قال:
ألا موت يباع فأشتريه فهذا العيش مما لا خير فيه
ألا رحم المهيمن نفس حر تصدق بالممات على أخيه
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لما خلق الله آدم قال اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك به فإنها تحيتك وتحية ذرّيتك فقال السلام عليكم. فقالوا عليك السلام ورحمة الله فزادوه ورحمة الله، وإنما بدلت تحايا الجاهلية المعتادة عندهم بالسلام لأن معناه السلامة والأمان فهو أتم وأحسن وأكمل من ذلك كله، فإذا قال لك أخوك السلام عليك ورحمة الله فزد أنت وبركاته ليكون ردك أحسن من سلامه، وإذا حياك بالصيغة كلها فردها بمثلها روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلا سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلم أي الإسلام خير؟ قال تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف. وروى مسلم عن أبي هريرة قال قال صلّى الله عليه وسلم لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم. وأخرج ابن ماجه عن أبي أمامة قال أمرنا نبينا صلّى الله عليه وسلم أن نفشي السلام.
وأخرج الترمذي عن عبد الله بن سلام قال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلّوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام. هذا ويستحب أن يقول السلام عليكم سواء كان المسلم عليه واحدا أو جماعة، وأن يزيد المجيب فيقول وعليكم السلام ورحمة الله، ويرفع كل منهما صوته بحيث يسمع صاحبه، ولا يزيد على وبركاته شيئا، لأن كمال صيغة السلام تنتهي بها، وأن لا يؤخر الردّ، بل يجيبه فورا. وسنة السلام وواجبه على الكفاية إذا قام بها واحد سقط عن الآخرين وإلّا عوتبوا جميعا وأثموا. وكذلك تشميت العاطس سنة كفاية إذا سمع قوله الحمد لله وإلا فليس على السّامع تشميته. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال يسلّم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير وفي رواية والصغير على الكبير، والمار على القاعد. وهذه آداب السلام، ومنها ما روي عن أبي أمامة الباهلي قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم أولى الناس لله عز وجل من بدأهم بالسّلام- أخرجه أبو داود- وما رواه أنس أنه مر على صبيان
فسلم عليهم، قال وكان صلّى الله عليه وسلم يفعله- أخرجاه في الصحيحين- ويجوز السلام على النساء إذا لم يخش المسلم فتنة أو تهمة، لما روي عن أسماء بنت يزيد قالت مرّ علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلم في نسوة فسلم علينا- أخرجه أبو داود- والمرأة الشابة الأجنبية لها أن لا ترد السلام على من سلّم عليها لأنه لا يستحق الردّ لما ذكرنا من خشية الفتنة أو التهمة، هذا إذا كانت وحدها أما إذا كانت في جماعة من النساء فلا بأس بالرد كما لابأس بالسلام لنفي الريبة والشك، أما العجوز ففي الحالتين تردّ السلام، والنساء يسلمن بعضهن على بعض فرادى وجماعات على الترتيب الجاري بين الرجال، ولا يسلّم على قارئ ونائم ومتوضئ وخطيب ومن يسمع الخطبة ومن يصغي لتلاوة القرآن ومن يطالع الفقه أو يدرسه والقاضي إذا كان على كرسيّه والمصلي والمؤذن ومقيم الصلاة احتراما لما يفعلون لأنه يؤدي إلى قطع ما هم فيه، ولذلك إذا لم يردّوا السلام فلا اثم عليهم، ولا يسلم على لاعب النرد والشطرنج وسائر الملاهي الممنوعة شرعا وكل متلبّس بمعصية أو قائم بشيء مكروه كالمغني والراقصة وملاعب الحمام ومن يدقّ بالعود والربابة وشبهها، ولا يسلم على كاشف عورته لأن السلام عليه يقتضي النظر إليه وهو حرام فضلا عن أنه فاسق والفساق على اختلافهم لا يسلم عليهم إذا علم فسقهم إهانة لهم، ولا يسلم على من يأكل ويشرب لئلا يسبب له الغصة، ولا على جالس لحاجته، ومن هو في الحمام ومن هو مشهور بالبدع والظلم، وإن لم يطلع عليهم هو انا بهم، ويسلم على النصارى واليهود ويرد عليهم إذا سلموا عليه، روي عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم مرّ على مجلس فيه أخلاط من المسلمين واليهود فسلم عليهم، ولما جاء في الحديث الصحيح لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وأن لنا بعضنا على بعض السلام، ولهم كذلك ويبدأ الأعمى بالسلام مطلقا لأنه معذور، ولهذا قال صلّى الله عليه وسلم ترك السلام على الأعمى خيانة، أي في حقه الإسلامي. قال تعالى «اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً» (٨٧) هذا استفهام بمعنى النفي، أي لا أحد أصدق من الله، وقد أقسم جل قسمه في هذه الآية لمنكري البعث أنه جامعهم في ذلك اليوم الذي يجحدونه، ألا فليحذروا من
الإصرار على إنكاره وليبادروا للتوبة والاستغفار قبل حلوله، قال تعالى «فَما لَكُمْ» أيها الناس المؤمنون اختلفتم «فِي الْمُنافِقِينَ» وتفرقت كلمتكم في كفرهم بعد أن أعلنوا نفاقهم حتى صرتم من أجلهم «فِئَتَيْنِ» نزلت هذه الآية في أناس من قريش قدموا المدينة وأسلموا، ثم ندموا على إسلامهم فخرجوا من المدينة كهيئة المتنزهين، فلما بعدوا عنها كتبوا إلى رسول الله إنا على الذي فارقناك عليه من الإيمان، ولكنا اجترينا المدينة أي كرهناها واشتقنا إلى أرضنا، ثم أنهم خرجوا في تجارة إلى الشام
فبلغ ذلك المسلمين فقال بعضهم نخرج إليهم ونقتلهم، وقال بعضهم كيف نقتلهم وقد أسلموا وكان رسول الله ساكنا يسمع كلامهم ولا ينهي أحدا منهم، فبين الله لهم حالتهم، أي لم صرتم فريقين في القول بكفرهم «وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ» ردّهم إلى حكم الكفار لاختيارهم دار الكفر على دار الإيمان وصحة الكفرة وتكثير سوادهم على صحبة الرسول وأصحابه، ولذلك غصّهم بالكفر وهذا هو معنى الإركاس «بِما كَسَبُوا» بسبب إظهارهم الارتداد بين قومهم سرا وعلنا واتصافهم بالإسلام ظاهرا مع إبطان الكفر، لأن من يبطن الكفر ويظهر الإسلام أشد ضررا على المسلمين من معاني الكفر، لأنه كفر وغش وخداع وإنما أولنا اركس بمعنى ردّ بناء على ما رواه الضحاك عن ابن عباس، واستدل عليه بقول أمية بن الصلت:
فاركسوا في جحيم النار انهموا كانوا عصاة وقالوا الإفك والزورا
وأخرج ابن جرير عن السّدي انها بمعنى أضل، واستدل عليها بقول الراجز:
واركستني عن طريق الهدى وصيّرتني مثلا للعدى
وقيل بمعنى نكس والموافق لمعنى الآية والبيت الأول انها بمعنى أغطس. قال تعالى «أَتُرِيدُونَ» أيها المؤمنون القائلون بإيمانهم «أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ» قال لا تقدرون على هدايته أبدا «وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا» (٨٨) لهدايته البتة، وهذه الآية مكررة كثيرا في القرآن في المكي والمدني معنى ولفظا ثم زادهم الله بيانا بحالهم فقال «وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً» مثلهم في الكفر. ثم حذرهم منهم بقوله «فَلا تَتَّخِذُوا
مِنْهُمْ أَوْلِياءَ»
فتميلوا إليهم وتدافعوا عنهم «حَتَّى يُهاجِرُوا» من دار الكفرة مرة ثانية هجرة صحيحة «فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ولأجله خاصّة لا لغرض أو عوض ويؤمنوا إيمانا حقيقيا «فَإِنْ تَوَلَّوْا» على ما هم عليه واستمروا على اعراضهم فلم يهاجروا ثانيا حال كونهم نادمين على ما وقع منهم مستغفرين من فعلهم ذلك تائبين توبة نصوحا.
مطلب من يقتل ومن لا يقتل ومن يلزمة الكفارة للقتل ومن لا وما هو يلزم القاتل وأنواع القتل:
وإلا فإن بقوا مصرين على بقاء إيثار دار الكفر ولم يهاجروا ويجددوا إيمانهم «فَخُذُوهُمْ» إذا ظفرتم بهم قبل إعلان إيمانهم عن صدق «وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» في الحل أو الحرم أو الأشهر الحرم «وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً» (٨٩) على أعدائكم وإن بذلوا لكم ولايتهم ونصرتهم فلا تصدقوهم فهم أعداء لا يعتمد عليهم. ثم استثنى طائفين من القتل بين الأولى بقوله «إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ» وينتهون «إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ» بأن عاهدوكم عليهم ولم يحاربوكم بعد هذا العهد وهم بنو أسلم لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلم حينما خرج من مكة وادع هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه وعلى أن من وصل إليه من قومه أو غيرهم ولجأ إليه فلهم الجوار مثل ما لهلال. وما قيل انهم بنو بكر أو خزيمة فالمعنى واحد، لأن الآية عامة ومن كان داخلا في العهد، وهؤلاء من أولئك، فإذا لحق هؤلاء بهم وصاروا معهم فقد عصموا دماءهم تبعا لمن لجأوا إليهم، وهذه غاية في المحافظة على العهد ونهاية في احترام المعاهدين. والطائفة الثانية هي المذكورة في قوله تعالى «أَوْ» الذين «جاؤُكُمْ» على كفرهم لاجئين لبلدكم «حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ» وضاقت مذاهبهم كافين عن «أَنْ يُقاتِلُوكُمْ» مع قومهم «أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ» معكم فهؤلاء لا سبيل لكم على قتالهم لأنهم دخلاء «وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ» ولكنه القى في قلوبهم الرعب وضيق صدورهم وبلادهم عليهم حتى لجأوا إليكم وهذا من جملة أفضاله عليكم ونصرته لكم
«فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ» ولم يتعرضوا لكم ولم يعاونوا قومهم بالفعل ولا بالقوة ولم يكونوا عونا لهم عليكم «وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ» فاستسلموا لكم بكليتهم ولم تشكوا بهم «فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا» (٩٠) إلى القتال، لأن حكمهم حكم المعاهدين، وعلى هذا فالآية محكمة لا سبيل للقول بنسخها. ومن قال إنها نزلت في المتخلفين عن واقعة أحد فلا يتجه قوله لأن قوله تعالى حتى يهاجروا ينافي ذلك ومن قال إنها نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول في حديث الإفك فلا يصح أيضا لأن حادثة الإفك لم تقع بعد، ولم تنزل عنها سورة النور المشار إليها، لذلك فإن ما ذهبنا إليه أولى بالسياق وأنسب للسياق، وتأمّل
قال تعالى «سَتَجِدُونَ آخَرِينَ» من هذا القبيل قالوا لهم جماعة من أسد وغطفان وعبد الدار كانوا أتوا المدينة وأسلموا رياء، وعاهدوا المسلمين ليأمنوا على أنفسهم حتى إذا رجعوا إلى قومهم عادوا لكفرهم ونكثوا عهدهم وكانوا يظهرون بين قومهم كلمة الكفر ويسرونها بين المؤمنين، فنضحهم الله بقوله «يُرِيدُونَ» هؤلاء الخبثاء «أَنْ يَأْمَنُوكُمْ» أيها المؤمنون بإيمانهم الكاذب كي لا تتعرضوا لهم «وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ» بإعلان الكفر ليفهموهم أنهم باقين على كفرهم مثلهم، فيخدع الفريقان على السواء، وصاروا يؤمنون قومهم بأنهم معهم، وان اتصالهم بالمؤمنين خداعا، ويقولون المؤمنين كذلك بأنهم معهم ومواصلتهم للكافرين خداعا «كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ» بدعوة قومهم لقتال المسلمين «أُرْكِسُوا فِيها» رجعوا إليها وكانوا أشد عداوة للمسلمين من غيرهم فعليكم أن تخطروهم بعدهم البقاء بين أظهركم وتأمروهم بالخروج من بلدكم لئلا يكون ما توقعونه بهم غدرا «فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ» بعد إنذارهم ولم يسيروا إلى بلدهم «وَ» لم «يُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ» بان يطلبوا منكم الصلح ولم ينقادوا لما نكلفونهم «وَ» لم «يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ» عن قتالكم بمظاهرة قومهم وبأنفسهم «فَخُذُوهُمْ» أسرى «وَاقْتُلُوهُمْ» إن لم يستسلموا إليكم «حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ» وأدركتموهم وظفرتم بهم وتمكنتم من قتلهم إذا هربوا قبل الاستسلام «وَأُولئِكُمْ» المخادعون المنافقون «جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً» بسبب انكشاف حالهم
وظهور طويتهم بالإصرار على العداء. قال تعالى «وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً» من غير قصاص البتة، إذ لا يصح ولا يجوز له ذلك بوجه من الوجوه أبدا «إِلَّا خَطَأً» بأن ضرب حيوانا أو حربيا فأصاب إنسانا غير مقصود، وهذا الاستثناء منقطع، أي لكن إذا وقع القتل خطأ على هذه الصورة فيلتزم القاتل بما قال تعالى «وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً» محضا غير مقصود، كأن انطلقت من يده عفوا أو ضرب حيوانا فأصابه من غير أن يعلم أن هناك إنسانا «فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ» عليه كفارة لفعله عند الله «وَدِيَةٌ» لازمة عليه أيضا «مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ» الأقربين الأحق بإرثه «إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا» أي ورثة القتيل على القاتل بأن يعفوا عنهم ويتركوا الدية فلا يطلبوها منه، وهذا إذا كان المقتول مؤمنا وأهله مؤمنين «فَإِنْ كانَ» المقتول «مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ» كافرين «وَهُوَ مُؤْمِنٌ» لا ورثة له «فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ» على القاتل فقط ولا تلزمه الدية إذ لا توارث بين المؤمن والكافر، ولم يتعلق بقتله إلا حق الله تعالى، فعليه حقان حق الله وحق الورثة المؤمنين الذين يجب تطييب خاطرهم بإعطاء الدية «وَإِنْ كانَ» المقتول كافرا ولكنه «مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ» أي معاهدة «فَدِيَةٌ» مخففة تلزم بها أنت أيها القاتل وعائلتك تؤديها مقسّطة على ثلاث سنين وتكون خلالها «مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ» الأدنين المستحقين لميراثه «وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ» كفارة عليه تجاه حق الله والدية حرمة للعهد الذي بينكم، لأن المعاهدين لهم ما لنا وعليهم ما علينا ما داموا مؤمنين بالعهد قائمين بالشروط التي التزموها وإلا فلا، هذا ولما كانت أحكام الله تعالى بينة بعدم الحرج فقد خفضه بقوله «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ» رقبة يعتقها أو لم يقدر على شرائها «فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» كفارة من عتق الرقبة ويكون هذا الصيام «تَوْبَةً» له مقبولة «مِنَ اللَّهِ» عما وقع منه، لأن توبة الله عليه متوقفة على عتق الرقبة، وعند الاعياء عنها يقوم الصيام مقامها، فإن لم يفعل أحد هذين لا تقبل توبته «وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً» بما يشرعه لعباده فيما يكون من صالحهم «حَكِيماً» (٩٢) بأفعاله كلها. واعلم أن حكم هذه الآية عام في كل ت (٣٨)
ما يقع من القتل على الصورة المذكورة. وسبب نزولها هو أن عياش بن أبي ربيعة المخزومي كان أسلم في مكة سرا وهرب إلى المدينة، فقالت أمه لا بنيها أخويه لأمه، الحارث وأبي جهل: والله لا يظلّني سقف ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى تأتياني به، فذهبا إليه وذكرا له ذلك، وجزع أمه عليه، وعاهداه على أن لا يكرهوه على شيء من الكفر والردة عن الإسلام، وبعد أن توثق من حلفهما له ذهب معهما أداء لحق أمه، فلما أوصلاه مكة أوثقاه ثم جلده كل واحد مائة جلدة، فحلف لئن تمكن من الحارث ليقتلنه، فقالت أمه لا أحلّ وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به، وتركته بالشمس، إلى أن أعطاها ما أرادت، ثم أسلم وهاجر، فلقي الحارث وحده فقتله، فقال له الناس ويحك إنه أسلم لأن ذلك كان بعد قتل أبي جهل، فذهب إلى الرسول وأخبره
، فأنزل الله هذه الآية.
وقيل نزلت في الرجل الذي قتله أبو الدرداء بعد أن نطق بالشهادتين. وهذا الحكم في القتل خطأ. أما في شبه العمد وهو أن يضرب إنسانا بما لا يقتل عادة فيموت أو يدفعه بما لا يظن فيه الموت فيموت كوكز موسى عليه السلام القبطي، راجع الآية ١٥ من سورة القصص في ج ١، فيلزمه الدية مغلظة تستوفى من عائلته خلال ثلاث سنين أيضا، وتلزم الكفارة وهي عتق رقبة، أو عند العجز صيام شهرين كما مرّ. أما في قتل العمد فلا دية ولا كفارة، إذ لا يطهر القاتل المتعمد إلا القصاص، لأن قتل العمد شبه الاستحلال لا يطهر القاتل منه إلا بتسليم نفسه للقتل إظهارا للتوبة النصوح الصادقة أو العفو من قبل ورثة القتيل أو بعضهم، لأن القتل لا يتجزأ، وترجح جهة العفو على غيره، فإذا عفا عنه بعض الورثة سقط القصاص عنه وتلزمه الدية المغلظة أيضا لورثته وهي مئة من الإبل أو قيمتها ألف دينار ذهبا، أو اثنا عشر الف درهم فضة، أو مئتا بقرة، والفا شاة، وكيفية تغليظها أن تكون ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة، في بطونها أولادها. وتخفيفها أن تكون عشرين بنت مخاض، ومثلها بنات لبون، ومثلها حقاق، ومثلها جذاع، ومثلها أبناء لبون. ودية المرأة على النصف في كل ذلك. هذا هو الحكم الشرعي الخطأ وشبه العمد أو العمد، أما الاستحلال
للقتيل فقد ذكره الله بقوله «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً» قاصدا لقتله لكونه مؤمنا استحلالا لقتله «فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً» (٩٣) وهذا التشديد في عقابه دليل استحلاله القتل لأنه بذلك القصد كفر، ولو لم يكن المراد منه ما ذكر لما رتب الله عليه هذا العقاب الشديد، لأن القاتل مؤمن عاص متروك أمره لمشيئة الله تعالى غير داخل في التخليد، قال صاحب الشيبانية.
ولا يبقى في نار الجحيم موحد... وإن قتل النفس الحرام تعمدا
وهذه الآية عامة أيضا وإن كان نزولها على ما قيل في مقيس بن جنابة الكناني الذي راجع حضرة الرسول بأنه وجد أخاه هشاما مقتولا في بني النجار، فأرسل صلّى الله عليه وسلم معه رجلا من بنى فهد إليهم ليسلموه قاتل أخيه وإنهم إذا لم يعرفوه يعطونه الدية فقالوا والله لا نعلم له قاتلا وأعطوه الدية. وهذا هو الحكم الشرعي الآن، فإن من وجد قتيلا في قرية أو محلة ولم يعرف قاتله فإنه يحلف خمسين رجلا منهم يقول كل واحد والله ما قتلته ولا أعلم له قاتلا، ثم يعطون الدية لورثته. وبعد الفراغ منهم وسوس له الشيطان وقتل رفيقه الفهري وذهب مرتدا إلى مكة. وهذه الآية محكمة لأنها نزلت بعد آية الفرقان بستة أشهر، وآية الفرقان هي إحدى الآيات من ٦٨ إلى المشار إليها عند قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) الآية ٤٨ المارة إذ نزلت بالمدينة. هذا وما قيل أن توبة المتعمد غير المستحل غير مقبولة غير سديد لأنها تقبل من المشرك فلأن تقبل من القاتل سواء كان مستحلا متعمدا أو متعمدا فقط أولى، لأن ذلك كله دون الشرك، والمؤمن العاصي إذا مات ولم يتب فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه. قال في الجوهرة:
ومن يمت ولم يتب من ذنبه... فأمره مفوض لربه
واعلم أنه إذا اجتمع قوم على قتل رجل كلهم قد ضربه ضربة قاتلة فإنهم يقتلون به كلهم، لما روي أن سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلا فقضى عمر رضي الله عنه بالقصاص عليهم كلهم، وقال لو تمالا عليه أهل صنعاء لقتلتهم به، راجع مبسوط الرضى ج ٢٦، ولهذا البحث صلة في الآية ٣١ من سورة المائدة الآتية. قال تعالى
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ» سافرتم «فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا» المؤمن من الكافر لا تتهوكوا فتتعجلوا فتقتلوا المؤمن على ظن أنه كافر «وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ» بصيغة تحية الإسلام أو بادركم بالإسلام «لَسْتَ مُؤْمِناً» وتقتلونه بذلك «تَبْتَغُونَ» بقتله «عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا» لتسلبوا ماله وتعدوه غنيمة، كلا لا تفعلوا هذا أبدا «فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ» حلالا لا شبهة فيها يمنحكم، إياها تغنيكم عن، هذه التي ملؤها الإثم «كَذلِكَ» كما كان هذا كافرا وأسلم «كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ» إسلامكم كفارا مثله فسبقته لكم العناية «فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ» بالإسلام قبلهم فافعلوا بمن يريد الدخول بالإسلام كما فعل بكم عن طرق الحث والترغيب فيه والصبر على التمنع عنه ليسلم. ثم أكد عليهم ثانيا بقوله «فَتَبَيَّنُوا» وهذا تأنيب وتنقيد لما وقع منهم.
وتقريع وتبكيت لعملهم «إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً» (٩٤) لا حاجة بأن تخبروا رسولكم به، لأن الله تعالى يخبره بحقيقة حالكم، وهو يجازيكم على فعلكم بحسب نياتكم. وفي هذه الجملة تهديد لهم وتحذير لمن يعمل عملهم أي إياكم أيها المؤمنون والتهافت على القتيل طلبا للغنيمة فإنه يؤدي بكم إلى الهلاك وعليكم بالاحتراز والاحتياط، قالوا كان مرداس بن بهنك من أهل فدك من بني مرّة بن عوف أسلم وحده فسمع قومه بسرية لرسول الله تريدهم فهربوا وتركوه، فلما جاءت السرية تكبر نزل إليهم مكبرا قائلا لا إله إلا الله محمد رسول الله فضربه أسامة بن زيد فقتله واستاق غنمه، فلما جاءوا إلى الرسول قال أقتلتموه إرادة ما معه؟ فنزلت هذه الآية قبل وصولهم. وهذه من معجزاته صلّى الله عليه وسلم إذ أخبره الله بما فعلوا قبل أن يصلوا إليه، وكان صلّى الله عليه وسلم وجد وجدا شديدا، فقال أسامة، ما قالها يا رسول الله إلا خوفا من السلاح، قال أشققت قلبه؟ فقال أسامة استغفر لي يا رسول الله، فقال كيف أنت بلا إله إلا الله كررها ثلاثا؟ قال أسامة وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ، أي ما وقع منه مكرا مع جملة الذنوب، لأن الإسلام يجب ما قبله، وطلب من حضرة الرسول أن يستغفر له وأمره أن يعتق رقبة. قال تعالى «لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ» عن الجهاد والغزو «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ» بالرفع
صفة للقاعدين وبالنصب على الاستثناء وبالجر صفة للمؤمنين «أُولِي الضَّرَرِ» المرضى والعميان والعرجان وجميع ذوي العاهات المخلة بالقوى والجوارح. «وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ» بل بينهما بون شاسع ظاهر، وإنما ذكره الله مع العلم به توبيخا وتبكيتا للقاعدين، وتحريكا لهم وتحريضا على الجهاد والغزو «فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً» عظيمة لا يقدر قدرها إلا الله والمراد بالقاعدين في هذه الآية الذين هم ظهر للاسلام الغائبين بقيامهم على ذراريهم وأموالهم ونسائهم لا المتخلفين نفاقا ولا القاعدين كسلا وجبنا، لأن هؤلاء لا فضل لهم حتى يفضل الله عليهم غيرهم، بل منافقون عاصون آثمون خاسرون، ولهذا قال تعالى بحق أولئك المتخلفين على أهالي الغزاة وأموالهم «وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى» الجنة، ولكنهم درجات متفاوتون، أما القاعدون خوفا وجبنا أو كلّا فبعيدة عنهم هذه الحسنى، إلا أن يتغمدهم الله برحمته، وأما القاعدون نفاقا أو عدوانا فموعدهم النار في الآخرة، والهوان في الدنيا. ثم أكد الله تعالى فضل أولئك بقوله «وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ» بأموالهم وأنفسهم فقط «عَلَى الْقاعِدِينَ» في مواطن المجاهدين لحفظ أموالهم وذراريهم أو القاعدين الذين أنفقوا أموالهم على المجاهدين أو جهزوا الغزاة بما قدروا عليه القاعدين كسلا أو جبنا أو نفاقا كما مر، لهذا جعل الله لهم «أَجْراً عَظِيماً» (٩٥) لا يعلم كنهه إلا الله العظيم. ثم فسر هذا الأجر بقوله «دَرَجاتٍ» جليلات بدليل إضافتها إليه جل شأنه لأنها «مِنْهُ وَمَغْفِرَةً» لذنوبهم «وَرَحْمَةً» تطهرهم «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» (٩٦) لأن هؤلاء من قبيل المرابطين، وقد أشرنا إلى ما يتعلق بالرباط والجهاد في الآية ١٩٥ من سورة البقرة، أما المجاهدون بأموالهم فقط فلهم أجر عظيم عند الله أيضا، ولكن دون المجاهدين بأنفسهم ودون المرابطين أيضا لذلك بينا آنفا أن تفضيل المجاهدين بأنفسهم فقط أو بأنفسهم وأموالهم على هؤلاء المرابطين، لأن المجاهدين بأموالهم فقط ليسوا مثلهم بالفضل فضلا عن أنهم يفضلون عليهم. واعلم أنه لا يوجد في القرآن إلا ثلاث آيات مبدوءة بحرف الدال هذه الآية ١٠ من سورة يونس والآية ١٦٠ من سورة الأنعام في ج ٢، وذكرنا
أيضا ما يتعلق في بحث الجهاد والرباط في الآية ٦٠ من الأنفال والآية ١٧٦ من آل عمران المارتين وبينا أن الجهاد فرض عين إذا دخل العدو دار قوم من المؤمنين أو بلدا من بلادهم، على جميع أهل البلد والبلدان المجاورة لها، وإذا لم يكفوا فيجب على كل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وإلا فهو على الكفاية روى مسلم عن جابر قال كنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم في غزاة فقال رسول الله إن بالمدينة رجالا ما سرتم سيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم المرض. وروى البخاري عن أنس قال رجعنا من غزوة مع النبي فقال: إن أقواما خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا حبسهم العذر. أي معنا بقلوبهم ولولا أعذارهم
لخرجوا لأنهم سمعوا ما أنزل الله بفضل الجهاد وحزنوا لعدم اشتراكهم فيه ولولا أن الله استثناهم لخاطروا بأنفسهم رغبة بما أعد الله لمجاهدين، لأن المرضى والعجزى ساقط عنهم الجهاد، والله تعالى أكرم من أن يحرمهم أجره، وهؤلاء غير المتخلفين لمناظرة عيال الغزاة والذين هم ظهر للمجاهدين المار ذكرهم قال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ» بالقعود بين الكفرة وترك الهجرة من بلادهم وهم أناس تكلموا بكلمة الإسلام وبقوا في مكة ولم يهاجروا لأن من أسلم ولم يهاجر لا يتم إسلامه، وبقي الأمر كذلك إلى فتح مكة، وفيهم نزلت هذه الآية، وهؤلاء تسألهم الملائكة عند موتهم كما ذكر الله بقوله «قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ» أمع المسلمين أم المشركين استفهام توبيخ وتقريع «قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ» أطلق لفظ الأرض على مكة لشرفها «قالُوا» لهم الملائكة أيضا «أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها» وتتركوا أرض المشركين، فسكتوا وعجزوا عن الجواب إذ لا عذر لهم بذلك لأن من لم يستطع أن يخرج علنا يهرب هربا، ومن لم يستطع أن يأخذ أهله يتركهم ويختار الله عليهم «فَأُولئِكَ» الذين هذا شأنهم وماتوا على ما هم عليه يكون «مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً» (٩٧) هي لأن بقاءهم مع الكفر عون لهم وتكثير لسوادهم وخذلان للاسلام، ولأن إسلامهم كان مقتصرا على الكلام فقط بينهم وبين أنفسهم، ولا يعرفون من أركانه شيئا، ولا يقدرون أن ينبسوا بشيء منه بين المشركين، وربما خاضوا معهم بالكفر
وقدمنا ما يتعلق بالهجرة في الآية ٥٩ من سورة العنكبوت ج ٢ فراجعها ففيها كفاية.
ثم استثنى الله تعالى العاجزين حقيقة بقوله «إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ» الذين «لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً» في الخروج لفقرهم وعجزهم «وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا» (٩٨) إليه بسبب ضعفهم وصغرهم «فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ» وعسى من الله تعالى إطماع وترج، وإذا أطمع الله عبده ورجّاه أوصله وأعطاه وهو أكرم من أن يخيب عباده كيف وهو القائل أنا عند ظن عبدي بي «وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً» (٩٩) لا يضيق عفوه ولا ينقص فضله ولا يقل ستره عن أمثالهم. قال ابن عباس كنت أنا وأمي من المستضعفين روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال لما رفع رسول الله صلّى الله عليه وسلم رأسه من الركعة الثانية، قال اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كني يوسف. ثم رغب الله في الهجرة بقوله «وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» فارا بدينه من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام ليتمكن من القيام بما فرضه الله عليه واجتناب ما نهى عنه، كما أمر وأراد «يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً» طريقا يسلكه على رغم أنف من يهاجر عنهم ومتحولا يتحول إليه ومحلا ينزل به في المحل الذي يهاجر إليه غير أرضهم ومتجولا رحبا «كَثِيراً وَسَعَةً» في الرزق والمحل «وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ» قبل بلوغ مهاجره «فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ» بمقتضى فضله ووعده «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً..» (١٠٠) بهم يستر ما مضى منهم ويدخلهم في سعة رحمته. قال ابن عباس لما نزلت الآية الأولى وشاعت في مكة. قال شيخ من بني ليث اسمه جندح بن حمزة، والله ما أنا ممن استثنى الله ولي من المال ما يبلغني المدينة، والله لا أبيت بمكة وكان مريضا فأخرجوه على سرير، فلما وصل التنعيم أدركه الموت فصفق بيمينه على شماله، وقال اللهم هذه لرسولك أبايعك على ما بايعك رسولك. ثم مات، فقال المشركون ما أدرك ما طلب، وقال المؤمنون لو وافي المدينة لتم أجره، فأنزل الله هذه الآية الدالة على أن المهاجر له إحدى
الحسنين: إما أن يرغم أنف أعدائه ويذلهم بسبب مفارقته لهم واتصاله بالخير والسعة، وإما أن يدركه الموت فيصل إلى السعادة الحقيقية والنعيم الدائم. وقدمنا في الآية ٥٦ من سورة العنكبوت في ج ٢ ما يتعلق بهذا الحديث فراجعه.
مطلب في قصر الصلاة وكيفيتها وهل مقيدة بالخوف أم لا ومدتها، وقصة سرقة طعيمة بن أبيرق وجواز الكذب أحيانا:
قال تعالى «وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ» من أربع إلى اثنتين «إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا» بأن يغتالوكم وأنتم فيها «إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا» ولم يزالوا «لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً» (١٠١) فتحذروا منهم ثم بين كيفية صلاة الخوف فقال جل قوله «وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ» يا سيد الرسل «فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ» فاقسمهم إلى طائفتين وأمرهم «فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ» تقتدي بك في صلاتها «وَلْيَأْخُذُوا» أي الطائفة الأخرى التي أمرتها أن لا تصلي معك أولا «أَسْلِحَتَهُمْ» ليحرسوكم «فَإِذا سَجَدُوا» أي الطائفة التي اقتدت بك «فَلْيَكُونُوا» أي الطائفة الحارسة تجاه العدو وليراقبوهم لئلا يغدروا بكم «مِنْ وَرائِكُمْ» لأنكم لا ترونهم حال إحرامكم بالصلاة، وليبقوا هكذا في حراستكم حتى إذا أكملت الطائفة المصلية معك ركعة تأخرت وراءها ووقفت بإزاء العدو مكان الطائفة الحارسة وأكملت صلاتها وحدها، ويبقى الرسول أو الإمام بعده واقفا في محله، وبعد إكمالها صلاتها تقدمت الطائفة التي لم تصل فتأتم بالإمام، وهذا معنى قوله تعالى «وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا» بعد «فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ» أيضا لأنها كانت تحرس المصلين الأولين «وَلْيَأْخُذُوا» هؤلاء المصلون «حِذْرَهُمْ» بأن يكونوا يقظين لئلا يباغتهم العدو، وعليهم أن يرتدوا ما لديهم من درع وغيره من كل ما يتحرز به «وَأَسْلِحَتَهُمْ» أيضا ليكونوا متهيئين عند مبادرة العدو لهم، ويبقى الإمام جالسا إلى أن تأتي هذه الطائفة الأخيرة بالركعة الثانية بالنسبة للامام، وهي أولى بحقهم، أو تتم صلاتها، ثم يسلّم الإمام فتكون الطائفة الأولى أدركت أول صلاة الإمام والأخرى مسبوقة بركعة،
وإنما كان كذلك لأن الإمام كان رسول الله ولا يفرط أحد بأن يحرم من الاقتداء به، أما الآن فيمكنهم أن يصلوا كل طائفة بإمام على حدة، ولكن يا حسرتاه أين الصلاة الآن، فإنهم يستصحبون في حروبهم الفتيات والخمور ويعملون الفواحش ويريدون النصر من الله وهيهات ذلك لمن عصاه وبارزه بالمناهي وأعرض عن الطاعة وركن إلى الملاهي، ولا يخجلون فيقولون لم لا ينصرنا الله وقد وعدنا النصر؟. نعم إن الله تعالى وعد المؤمنين النصر، ولكن هات المؤمنين وخذ نصر الله المبين، والله لا يخلف الميعاد، ولكن نحن الناكثون المنافقون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإنما أمرهم الله بأخذ حذرهم لأن الكفرة بالمرصاد لهم، وقد «وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ» فتتركونها باشتغالكم بالصلاة أو غيرها «فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ» في هذه الفرصة التي يتربّصونها «مَيْلَةً واحِدَةً» ويحملون عليكم حملة رجل واحد فيقتلونكم على غرة ويأخذون ما لديكم من سلاح ومتاع هذا «وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ» في الصلاة وغيرها على أن تكونوا يقظين «وَخُذُوا حِذْرَكُمْ» في هذه الحالة أيضا لئلا يبغتكم العدو المتربص لكم ولم تتمكنوا من تناول أسلحتكم إذا تركتموها «إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً» (١٠٢) لهم، لأنهم لا يراعون حقه ولا يتقيدون بأمره ونهيه «فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ» أي في كل حال كما مر في الآية ١٩٧ من آل عمران فإن كثرة ذكر الله توقع السكينة في القلب وتزيل الخوف والرعب «فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ» وأمنتم من هجوم عدوكم وعرفتم بما بثثتم من العيون والجواسيس إنه لا يمكنه الوصول إليكم في صلاتكم «فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ» كاملة وصلوها جميعا جماعة «إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ» ولا تزال «عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً» (١٠٣) محدودا بأوقات معلومة لا يصح تقديمها، ولا ينبغي تأخيرها عنها ولا يجوز إهمالها حتى يخرج وقتها لأنها تكون قضاء، قال تعالى «وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ» بأن تتقاعوا عن طلبهم بل تعرضوا لهم واطلبوهم ولا تحجموا عنهم وتحتجوا
«إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ» مما أصابكم أو يصيبكم من الجراح والقتل والأسر «فَإِنَّهُمْ» أعداؤكم «يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ» أنتم لأنهم بشر مثلكم «وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ» أيها المؤمنون من الثواب والسعادة في الآخرة والشفاء والخير في الدنيا «ما لا يَرْجُونَ، شيئا من ذلك، وقد يكون لهم الشفاء في الدنيا، أما العذاب في الآخرة فهو محتم لهم، وهذه الميزة العظيمة لكم دونهم فضلا عن أن الله وعدكم العز في الدنيا والسعادة في الآخرة وأوعدهم الهوان في الدنيا والعذاب في الآخرة «وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً» (١٠٤) فيما يفعل ويقدّر.
يفيد صدر هذه الآية أن القصر مشروط بوجود الخوف، وأن عدم الشرط يوجب عدم المشروط، إلا أن الآية سكتت عن حال الأمن، وقد ثبت القصر فيها بخبر الواحد وإثبات الرخصة بخبر الواحد في حال الأمن إثبات لحكم سكت عنه القرآن ولا مانع من الأخذ بذلك، وإنما بمتنع الأخذ بالأخبار إذا خالفت صراحة ما دل عليه القرآن ويكون التقييد بالخوف على الغالب فضلا عن أن صلاة الخوف هي غير صلاة الأمن كما علمت مما بين الله لنا أخرج مسلم عن أبي يعلى بن أمية قال قلت لعمر بن الخطاب ليس عليكم جناح الآن فقد أمن الناس، فقال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله عن ذلك فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته.
أي بما أن الله تعالى تصدق عليكم بالقصر في الخوف فاقبلوا صدقة بالأمن أيضا، لأنه لم ينه عنه فيه، وأخرج النسائي عن عبد الله بن خالد بن أسيد أنه قال لابن عمر كيف تقصرون الصلاة وإنما قال تعالى (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ) الآية؟ فقال ابن عمر يا ابن أخي إن رسول الله أتانا ونحن في ضلالة فعلّمنا، فكان مما علمنا أن أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر، وأخرج الترمذي والنسائي عن ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا الله رب العالمين، فصلّى ركعتين، ولنا فيه أسوة. هذا وإن الصلاة في السفر مقصورة أفضل لما روي عن عائشة قالت فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين ثم أتمها في الحضر وأقرّت صلاة السفر على الفريضة الأولى. وفي رواية فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيدت في صلاة الحضر أخرجاه في الصحيحين.
وقيد الشافعي رخصة القصر بالسفر في غير معصية ولم ير أبو حنيفة هذا القيد لعدم النخصيص. وعليه فلا فرق بين أن يكون السفر لطاعة أو غيرها لإطلاق النص فإن مدة السفر المجمع عليها ثلاث مراحل كل مرحلة ست ساعات بمشي الأقدام والإبل، وإذا امتطى ما يوصله هذه المسافة بأن يقطعها بساعة واحدة فله أن يقصر أيضا لأن الرخصة مطلقة والمطلق على إطلاقه. قال ابن عباس كنا مع رسول الله بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلينا الظهر، فقال المشركون لقد أصبنا غرة، وفي رواية غفلة، ولو حملنا عليهم وهم في الصلاة، وقال ابن عباس ندم المشركون أن لا أكبوا على الرسول وأصحابه وهم في صلاة الظهر، وقالوا إن لهم صلاة بعدها أحب لهم منها ومن آبائهم وأمهاتهم يعني العصر، فإذا قاموا إليها شدّوا عليهم فاقتلوهم، فنزل جبريل بصلاة الخوف. وحكم هذه الصلاة ثابت لأمة محمد صلّى الله عليه وسلم وللقائد أن يصلي بالجيش كصلاته صلّى الله عليه وسلم لقوله تعالى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) الآية ٣٢ من آل عمران المارة، ولقوله صلّى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي فلا وجه لقول من قال بعدم جوازها بعد الرسول مع أن قوله تعالى وقول رسوله مطلق عام لم يقيد ولم يخصص به ولا بزمنه، وقد ثبت أن عليا كرم الله وجهه صلاها بأصحابه ليلة الهرير، وكذلك أبو موسى الأشعري، وصلاها حذيفة بن اليمان بأصحابه بصهرستان، ولم يعترض عليهم أو يخالفهم أحد من الأصحاب، ولأن غالب ما خوطب به الرسول تخاطب به أمته لأنهم داخلون في الخطاب إلا ما خص به، ولا نص هنا على التخصيص، ولها صور في كتب الفقه فلتراجع.
قال تعالى: «إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً» (١٠٥) عنهم ومدافعا لهم، إذ لا يليق بجنابك ذلك بل عليك بملازمة المحق ومناصرة الحق لكل أحد قريبا كان أو بعيدا، مسلما كان أو كتابيا أو معاهدا ولو كان مشركا، إذ يجب على من تولى الحكم عدم التفرقه بجهة إحقاق الحق تدبر. والداعي لهذا هو أنه كان طعيمة بن أبيرق من بني ظفر بن الحارث سرق درعا من جاره قتادة بن النعمان في جواب فيه دقيق فجعل يتناثر من خرق فيه حتى انتهى إلى داره، فخبأها عند
زيد السهمي اليهودي فالتمسها صاحبها عند طعيمة، فحلف ما أخذها وما له بها من علم، فاتبعوا أثر الدقيق إلى بيت اليهودي فوجدوها عنده، فقال دفعها إلى طعيمة وشهد له جماعة من اليهود، فجاء بنو ظفر وسألوا الرسول أن يجادل عن طعيمة لأنها لم توجد عنده. فهم الرسول بمعاقبة اليهودي لوجودها عنده، فأنزل الله هذه الآية الدالة على أن الرسول ما كان يحكم إلا بالوحي الذي ينزل عليه من الله، لذلك قالوا ليس للقاضي أن يحكم بما يرى ولا يقول قضيت بما أراني الله ولا بما يعلم. قال تعالى «وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ» مما هممت به من المجادلة عن طعيمة ومعاقبة اليهودي «إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً» (١٠٦) بعباده، واعلم أنه لا تمسك في هذه الآية لمن يجيز وقوع الذنب من الأنبياء، لأن الرسول لم يفعل شيئا قط، وإنما هم لما رأى من السبب الظاهري وهو اتباع الأثر من دار المسروق إلى داره ووجود المال المسروق عنده، ولما قامت بينة اليهودي توقف عن الحكم لعدم الاعتماد عليهم فيما يؤول لبعضهم، ولما انزل الله له الحكم عمل به وأنفذه، أما ما تفيده هذه الآية من معنى المعاتبة لحضرة الرسول فهو بالنسبة لعلو شرفه وارتفاع درجته وكبير مقامه وعظيم منصبه وجليل مرتبته وكمال معرفته بالله مما يقع منه على وجه التأويل أو السهو مما قد بعد ذنبا من مثله، على حد حسنات الأبرار سيئات المقربين، لأنه لا يعد ذنبا من غيره لو فعله. قال تعالى «وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ»
كهذا السارق والمساعدين له لأن من يقدم على ذنب أو يذب عن المذنب مع علمه بما أذنب فهو خائن «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً»
(١٠٧) وصفه بالإثم، لأنه سرق وأودع المسروق عند غيره وخلف على براءته من فعل السرقة. وهذه الآية عامة لا يخصصها سبب نزولها، لأنها جاءت بلفظ مطلق. ولما سمع طعيمة ما أنزل فيه لحق بمكة مرتدا وعدا على الحجاج بن علاط فنقب بيته فسقط عليه حجر من الحائط وأخرجوه من مكة، فلقي ركبا وقال لهم أنا ابن سبيل منقطع، فحملوه حتى إذا جن الليل سرقهم وهرب، فأدركوه ورموه بالحجارة حتى مات. ثم إن أقاربه صاروا يستترون حياء من النبي والناس، فأنزل الله «يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ
اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ»
في سرهم وعلانيتهم بخلاف الناس «إِذْ يُبَيِّتُونَ»
فيما بينهم قبل نزول الآية في تخليص طعيمة «ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ»
الذي كانوا يدبّرونه لأجل خلاصه وإلصاق الجريمة باليهودي، ويقولون أن الرسول يسمع منا لأنه صاحبنا وذاك يهودي لا يأمن له «وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً»
(١٠٨) لا يخفى عليه شيء، وقد أطلع رسوله على حقيقة الأمر، وهو الذي لا تأخذه في الحق لومة لائم «ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ»
يا قوم طعيمة «جادَلْتُمْ عَنْهُمْ»
عن طعيمة وذويه والخطاب لعشيرته «فِي الْحَياةِ الدُّنْيا»
وهي فانية بما فيها فقولوا لي «فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ»
إذا أخذوا بذنوبهم من قبل ملائكة الله ونطقت عليهم جوارحهم بما فعلت وأخرست الألسن حينذاك «أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا»
(١٠٩) يحاجج ويناضل ويدافع عنهم أمام الله لأن محاماتكم له تنقطع في الدنيا، ثم رغب الله تعالى المسيئين بالتوبة والندم ليأملوا عفو الله عنهم، فقال جل قوله «وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ»
بشيء من المعاصي ويوقعها فيها «ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ»
مما وقع منه «يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً»
(١١٠) لأن التوبة مقبولة لديه عن الذنوب كلها ما دامت الروح بالبدن فيما عدا حالتي اليأس والبأس
قال تعالى «وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ»
ويكون وبال إثمه عليها خاصة «وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً»
بمن يكسب الإثم مهما أخفاه عن الناس أو ألحقه بغيره «حَكِيماً»
(١١١) بما يخبر به نبيه ليرتدع الناس وينزجروا عن الكذب والبهت وليعلموا أنه تعالى قادر على إخبار نبيّه بكل ما يقع في الكون «وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً»
مثل طعيمه المذكور «ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً»
كاليهودي الذي أئتمن المال المسروق من حيث لا يعلم أنه مسروق «فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً»
(١١٢) لا خفاء عليه، إذ لا يجوز تهمة الكتابي أو الكافر بشيء لم يقترفه، ولا تجوز الشفاعة لمثل هذا ألا فليتنبه الناس عما من شأنه الإضرار بالغير وتهمتهم بما لم يقع منهم، فإنه موجب لعذاب الله «وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ»
يا سيد الرسل «وَرَحْمَتُهُ»
لك وتقديره بعصمتك من الذنب لما أطلعك على شيء من هذه القضية و «لَهَمَّتْ
طائِفَةٌ مِنْهُمْ»
من عشيرة طعيمة «أَنْ يُضِلُّوكَ»
عن القضاء بالحق الذي أمرك الله به بما تقدموا لك من القول ببراءة رفيقهم وإلصاق الجرم باليهودي ولكن الله حافظك من الضلال في الدنيا وكل ما يؤدي إليه. أما الذين يريدون إضلالك فأخيّبهم لأنهم لا يقدرون على شيء لا أريده «وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ»
لأن وبال اضلالهم عليهم «وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ»
لأنك إذا عملت شيئا عملته عن حسن نية حسبما يظهر لك «وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ»
لتحكم بين الناس بمقتضاها حسب ظاهر الحال، وقال بعض المفسرين إن الحكمة هنا بمعنى ما يتكلم به الرسول وتسمّى بالسنة، وهكذا أوّلوا أكثر ما جاء في القرآن من لفظ الحكمة بالسنة، إلا أن قوله تعالى بعد هذه الكلمة «وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ»
من خفايا الأمور وضمائر القلوب ينافي المعنى الذي ذكروه لأن السنة هي من جملة ما علمه الله غير القرآن، وهو لا ينطق عن هوى، وهي من حيث اللفظ مرادفة لكلمة فلسفة اليونانية، تأمل «وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً»
(١١٣) في تعليمه وإخباره إياك وإنعامه عليك. قال تعالى «لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ» أي مما يسر به قوم طعيمة، والنجوى الإسرار في تدبير الأمر، ويكون غالبا في الشر «إِلَّا» نجوى «مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ» والاستثناء منقطع وإلا بمعنى لكن، لأن المستثنى من غير جنس المستثنى منه «وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ» التصدق والأمر بالمعروف والإصلاح بين الناس «ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ» لا لغرض ولا رياء أو سمعة «فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً» (١١٤) جزاء عمله يتعجب من كثرته وحسنه. روى البخاري عن سهل بن سعد أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال اذهبوا بنا نصلح بينهم. وروى البخاري ومسلم عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قالت سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول ليس الكذاب الذي يصلح بين اثنين أو قال بين الناس، فيقول خيرا وينهي خيرا. وفي رواية قالت ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث يعني الحرب والإصلاح وحديث الرجل لزوجته وحديث المرأة لزوجها،. أي أن الكذب يجوز في هذه الأمور لأنه لمصلحة ماسة كما
ذكرنا في الآية ٢٥ من سورة الأحزاب والآية ١٧٢ من آل عمران المارتين قال تعالى «وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى» فيخالفه ويعاديه ويروغ عنه لئلا يجري عليه الحد، وذلك إن طعيمة إنما هرب خوفا من قطع يده فأماته الله شرّ ميتة كما مر آنفا «وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ» بإظهار الارتداد والشقاق وترك طريق المؤمنين ولم يسلم نفسه ويخضع للحد الشرعي ويطهر نفسه مما اقترفه «نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى» من طريق الضلال في هذه الدنيا «وَنُصْلِهِ» في الآخرة «جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً» (١١٥) بسبب ارتداده عن الإسلام وعدم انقياده لأحكامه.
مطلب غفران مادون الشرك وتوبة الشيخ على يد رسول الله:
يستدل من هذه الآية على أن إجماع المؤمنين حجة لا يجوز مخالفتها، لأن من لا يتبع سبيل المؤمنين فقد فارق الجماعة وصار هدفا لما هدد الله به في هذه الآية «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ» ونظيرتها في الآية ٤٨ المارة وكررت بمناسبة قصة طعيمة المذكور لسابق علم الله بأنه يموت كافرا، والمغفرة في هذه الآية ونظيرتها عامة لا يخرجها عن عمومها قيد المشيئة ولا يصرفه إلى التائب فقط، إذ يجوز أن يغفر لغير التائب أيضا لأنه لا يسأل عما يفعل كما بيناه هناك، فهي على حد قوله تعالى (يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ) الآية ١٩ من سورة الشورى ج ٢ وقوله تعالى (يَخْلُقُ ما يَشاءُ) الآية ١٧ من المائدة (يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ) الآية ٤٠ من المائدة (يَفْعَلُ ما يَشاءُ) الآية ١٩ من المائدة الآتية، وهي مكررة ست مرات في القرآن، والآية ٤٠ من آل عمران وهي مكررة أيضا بزيادة لفظ الجلالة والكل مزروق برزقه ومخلوق بخلقه ومفعول بفعله. قال علي كرم الله وجهه ما في القرآن آية أحب إلي من هذه «وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً» (١١٦) إذا مات على شركه والضلال البعيد يقابله عذاب غليظ. قال ابن عباس: جاء شيخ من الأعراب فقال يا نبي الله إني منهمك بالذنوب غير أني لم أشرك بالله منذ عرفته، وآمنت به ولم أتخذ من دونه وليا، ولم أواقع المعاصي جرأة على الله، وما توهمت طرفة عين
أني أعجز الله هربا، وإني لقادم تائب مستغفر فما حالي عند الله؟ فأنزل الله هذه الآية. ولا ينافي هذا ما نحن بصدده إذ لا مانع من تعدد الأسباب، لأن الآية الواحدة قد تنزل لأسباب كثيرة، وقد يذكرها حضرة الرسول لمناسبة حادثة تنطبق عليها، وهذا لا يعني أنها نزلت ثانيا كما قاله بعض المفسرين، راجع تفسير الفاتحة تعلم أنه لا يوجد في القرآن سورة أو آية نزلت مرتين، وكان صلّى الله عليه وسلم- كما جرت على ذلك أصحابه وأتباعه حتى الآن- عند وقوع قضايا كهذه يتلو الآية المناسبة بالمقام المطابقة له، فيظنها من يسمعها منه أو يحضر الحادثة أنها نزلت في تلك وليس كذلك، ولهذا ترى المفسرين يعددون أسبابا كثيرة للنزول ولا يقطعون بواحد منها، والأجدر أن يكون سبب النزول للحادثة والواقعة فقط، ثم تكون جوابا لغيرها مما يماثلها، وقد توخيت في هذا الباب أقصى ما بالوسع، كما بذلت غاية الجهد في باب الناسخ والمنسوخ، والله الموفق ومنه الهداية وعليه الاعتماد وإليه المرجع ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا الشيخ المار ذكره كان لسان حاله يقول نظر الله إليه:
وما كانت ذنوبي عن عناد ولكن بالشقا حكم القضاء
قال تعالى: «إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ» أي الإله العظيم أي ما يعبدون غيره، لأن كل من عبد شيئا فقد دعاه لحاجته. والمراد بهم أهل مكة الذين رجع إلى دينهم طعيمة المذكور «إِلَّا إِناثاً» كاللات والعزى ومناة «وَإِنْ يَدْعُونَ» أي وما يدعون «إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً» (١١٧) خارجا عن الطاعة قد أغواهم على عبادة الأوثان. والمارد والمريد هو المتمرد العاتي الخارج عن الطاعة ويعبدون ويدعون بمعنى واحد، راجع الآية ٥٠ من سورة مريم في ج ١ «لَعَنَهُ اللَّهُ» أي ذلك الملعون «وَقالَ» عدا تحريض الناس على الضلال «لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ» يا إله الكل «نَصِيباً مَفْرُوضاً» (١١٨) معلوما وأقسم الخبيث أيضا فقال «وَلَأُضِلَّنَّهُمْ» عن طريق الهدى الذي أمرتهم باتباعه وأرسلت لهم الرسل لإرشادهم إليه «وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ» الأماني الباطلة بطول العمر وكثرة المال والأولاد والآمال الفارغة والتسويف بالتوبة «وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ» يقطعن
«آذانَ الْأَنْعامِ» ففعلوها ولا زال الناس يقطعون الآذان ويبترون الأذناب ويسوفون ويؤملون ويتمنون ما لا يكون اتباعا لإغواء الملعون الذي برّ بقسمه راجع الآية ٢٠ من سورة سبأ ج ٢، ولم تكرر هذه اللفظة في القرآن كله «وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ» من حيث الصورة الظاهرة كالخصاء والوشم، أو الصفة كنتف الشعر ويسمى التنميص، والوشم وهو تحديد الأسنان وتدقيقها، ووصل الشعر وصبغه وكيه، والتخنث كحلق الشارب واللحية تشبها بالنساء، ودهن الوجه بما يغير لون بشرته بالكلية، وكل هذه العادات القبيحة سارية بازدياد لكل ما فيه تبديل الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وقال (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) الآية ٣ من سورة الروم ج ٢، وهي مكررة في الأنعام وغيرها أي أن هؤلاء المتبعين لوساوس الشيطان مهما عملوا من التغير للخلقة الأصلية لا يقدرون على تغييرها حقيقة، وإنما عملهم ذلك عبارة عن تبدلات ظاهرية موقتة بالصورة والصفة والهيئة فقط، لا تزيد على شهر ثم ترجع على حالتها الأولى، ثم يحددون ذلك دواليك، وذلك لأنهم اتخذوا الشيطان قدوة لهم فيما يزين لهم ويموه عليهم «وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا» فيصغي لوساوسه ويطيعه «مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً» (١١٩) في الدنيا والآخرة «يَعِدُهُمْ» الخبيث كذبا «وَيُمَنِّيهِمْ» بدسائسه ما لا ينالونه، وهذا كل أمانيه باطلة لأنها عبارة عن وعود خلابة لعقولهم «وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً» (١٢٠) في الدنيا، لأنه لا يقدر على إنجاز ما وعدهم فيها
«أُولئِكَ» المتخذون الشيطان وليا لهم، يكون «مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً» (١٢١) مفرا ولا معدلا. ولما ذكر الله تعالى وعيد الكافرين ناسب أن يعقبه بوعد المؤمنين فقال «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا» (١٢٢) لا أحد البنة وهو الآمر بالصدق الذي أرسل رسوله بالصدق. وأنزل كتابه بالصدق وأمر عباده بالصدق فياويل الكاذبين. واعلم أن هؤلاء الذين وعدهم الله بالجنة وأولئك الذين أوعدهم بالنار «لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ» أي ما تقدرونه بالكذب أيها المشركون
الظانون أن الأصنام تشفع لكم وأن الملائكة تقيكم من عذاب الله تعالى، «وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ» الزاعمين أنهم لا يعذبون إلا أياما معدودات، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن الجنة لا يدخلها غيرهم كذبا، لأن أعمالهم سيئة لا تؤهلهم لدخولها، قبيحة تبعدهم عنها، وإن رسلنا موسى وعيسى سيتبرءون من أعمالهم لمخالفتهم تعاليمها ووصاياهم وما ركبوه من أعمال سيئة. وقال تعالى «مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ» بحسبه «وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً» (١٢٣) وهذه الآية عامة وإن كانت واردة بمعرض من ذكر فيدخل في عمومها كل من يقترف السوء ويموت مصرا عليه، وكذلك قوله تعالى «وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ» عام أيضا يشمل كل عامل خيرا إذا مات عليه فاختاروا أيها الناس أي الأمرين تريدون ولما سمع أهل الكتاب ظاهر الآية الأولى قالوا نحن وأنتم سواء، لأن غير المؤمن لا ينفعه عمله الصالح في الآخرة بل يكافيه عليه بالدنيا، فأنزل الله هذه الآية بإثبات لفظ المؤمن «فَأُولئِكَ» فاعلو الصلاح وهم مؤمنون «يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ» بما أسلفوه من العمل الصالح وبفضل الله «وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً» (١٢٤) فلا ينقص ثوابهم بقدر النقرة التي بظهر النواة ولا أقل منها، وهذه الكلمة تجيء مجيء ضرب المثل بعدم النقص بتاتا قال تعالى «وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ» وهذا أحد الأمرين المبني.
عليهما الإسلام وهما الاعتقاد المذكور في صدر الآية والعمل المشار إليه بقوله في عجزها «وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً» وذلك لأن شريعته داخلة في شريعة محمد صلّى الله عليه وسلم «وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا» (١٢٥) صفيا، كما اتخذ محمدا حبيبا. روى مسلم عن أنس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا خير البرية، فقال ﷺ ذلك ابراهيم خليل الله. وهذا تواضعا منه صلّى الله عليه وسلم وهضما لنفسه، وإلا فهو لا شك خير البرية على الإطلاق «وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً» (١٢٦) فكل شيء تحت قبضته. وإنما قال محيطا لأنه جل شأنه لما دعا عباده في الآيات المتقدمة إلى طاعته بين لهم في هذه سعة ملكه ترغيبا لخلقه.
مطلب ارث النساء والقسم من الزوجات وجواز الفداء والعداء والظلم والعدل:
قال تعالى «وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ» هذا عود على بدء لأنه عليه السلام سئل عن أحكام كثيرة تتعلق بالنساء منها ما بين أول السورة ومنها ما بين هنا وفي سورة الممتحنة والبقرة المارتين، ومنها ما سيبين آخر هذه السورة وفي سورة المجادلة والطلاق والنور الآتيات، التي ما بعدها بيان. فيا سيد الرسل «قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ» أي يبين لكم حكمه فيهن. والإفتاء إظهار المشكل على السائل «وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ» الذي أنزله إليكم فيفتيكم به. أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جبير قال كانوا لا يورثون إلا الرجل البالغ لأن الصغار والنساء لا يغزون ولا يفتحون، ولما نزلت آية المواريث عدد ٧ المتقدمة شق عليهم حكمها ورجوا أن ينزل عليهم حكما آخر من السماء بما يريدون، فأنزل الله هذه الآية جوابا لهم. وإن ما تلي عليهم كله ثابت في كتاب الله ويفتيهم بأن يعملوا بمقتضاه، وآثر ذكر المضارع على الماضي فلم يقل ما تلاه للايذان بدوام التلاوة واستمرارها والعمل بها إلى الأبد أي ويفتيكم أيها الناس عدا ما أفتاكم به أولا «فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ» في كتاب الله من الإرث «وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ» دون صداق «وَ» يفتيكم أيضا في «الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ» الصغار الذين لا تورثونهم أن تورثوهم كما مر «وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ» بأن تعطوا كلا حقه من صداق وارث حسبما بيناه لكم سابقا لأن هذه الأحكام المتلوة عليكم قد أفتيناكم بها على ما هو ثابت في علمنا الأزلي ومدون في اللوح المحفوظ الذي لا يبدل ولا يغير على كر الأيام والعصور. وفي هذا الخطاب حث قوي للأولياء والأوصياء وولاة الأمور على أن يستوفى للنساء القاصرين حقوقهم كاملة كما أمر الله، وأن ينصفوهم فيما فرض لهم الله بالعدل «وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ» في حقوقهم حسبما أمرتم به «فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً» (١٢٧) قبل أن تفعلوه وهو مجازيكم عليه خيرا.
والآية مطلقة في كل أعمال الخير ويندرج فيها ما يتعلق بهؤلاء اندراجا أوليا.
قال تعالى «وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً» عنها
وصار لا يكلمها ولا يؤانسها ولا ينظر إليها لكبر سنها أو لبشاعة خلقها أو دمامة خلقها أو بذاءة لسانها وكراهة لونها أو لقصور منها كذكر زوجها الأول أو لما طبعت عليه من السوء أو لطلاقة لسانها أو لكراهتها أقاربه أو لقصور منه بأن طمح لغيرها أو كلفها بأن تأتي له من مال أهلها أو ميراثها أو غير ذلك «فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً» هما أو أولياؤهما أو الحاكم عفوا دون شيء ما ويتراجعا لحالتهما الأولى قبل النزاع، وإن لم يمكن فيتخالصا دون شيء، أو بأن ترد له شيئا من المهر إن كان القصور منها ولم تسمح نفسه بتركه لها ويطلقها أو تجعله في حل من القسم وتبقى عنده، وهو أولى من الفراق لأنه لا مذمة فيه ولا ندم، والفراق بيدهما متى ما أراده فعلاه إذا لم تنم المودة بينهما ولهذا قال تعالى «وَالصُّلْحُ خَيْرٌ» لأنه يكون عن طيب نفس كان سعد بن الربيع ويقال له واقع بن خديج تزوج عمرة بنت محمد بن مسلمة وتسمى خولة فلما كبرت تزوج عليها شابة آثرها عليها فشكت أمرها إلى الرسول فنزلت هذه الآية وكذلك كان رجل له امرأة كبيرة ولها أولاد قالت لزوجها لا تطلقني واقسم لي كل شهر إن شئت وأنفق على أولادي فقال هذا أحب إلي إن كان جائزا، فأتيا رسول الله وذكرا له ذلك، فتلا عليهما هذه الآية. وأمثالهما كثير ولا سيما في بداية الإسلام. روى البخاري ومسلم عن عائشة أن هذه الآية نزلت في ذلك.
وإنما يجوز للزوج في هذه الصورة أخذ شيء من الزوجة عند خوف النشوز منه، أما إذا تحقق صدوره منه فقط، دون أي قصور منها، فلا يجوز له أخذ شيء منها أبدا، راجع الآيتين ٣٤/ ٣٥ المارتين. وعلى هذا العمل الآن وحتى قيام الساعة لا تبديل لحكم الله البتة. قال تعالى «وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ» لازمته بحيث لا تنفك عنه ولا يغيب عنها فالمرأة لا تكاد تسمح نفسها بإعطاء شيء من المهر وترك حقها من القسم، والرجل لا تسمح نفسه أن يطلقها بلا شيء ولا يرغب بإعطائها حقها كاملا من القسم، والنفس مطبوعة على ما تحب، وكل يود ما تميل له نفسه.
لذلك حث الله تعالى على مخالفة النفس ومتابعة الشرع، فقال جل قوله «وَإِنْ تُحْسِنُوا» أيها الأزواج فيما بينكم وتتلاءموا بالحسنى «وَتَتَّقُوا» ربكم أيها
الأزواج فترجعوا عن النشوز والإعراض فإنهن أمانة الله عندكم، وقد أمركم بحفظ الأمانة، ووصاكم رسوله بالنساء بعد وصية الله فيهن، راجع الآيتين ٣٢/ ٣٣ المارتين ولهذا فإياكم أن تجوروا عليهن بعد أن ضيعن شبابهن عندكم، وإلا فاتركوهن ولا تأخذوا منهن شيئا، وراقبوا الله وتفكروا في قوله، (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ) الآية ٢٠ المارة «فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً» (١٢٨) لا يخفى عليه ما في نياتكم، كما هو عالم بأقوالكم وأفعالكم.
واعلموا أنه مجازيكم على ذلك، فاتقوا الله وأنصفوا. ولما أشار تعالى في الآية الثالثة المارة إلى الاكتفاء بالواحدة عند عدم تيقن العدل قال هنا جل قوله «وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ» في الحب والنظر وميل القلب «وَلَوْ حَرَصْتُمْ» كل الحرص، لأن ذلك ليس بوسعكم، وإذا كان الأمر كذلك «فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ» الى التي تحبونها وتجوروا كل الجور على الأخرى في القسم والنفقة والسكنى والنظر فهذا مما هو منهي عنه، لأنكم بعملكم هذا تتركونها «فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ» لا هي ذات زوج يعاملها معاملة الأزواج ولا هي أيم تبتغي الزواج فتتزوج «وَإِنْ تُصْلِحُوا» أنفسكم فتعطوها نصيبها من القسم والنفقة والسكنى كضرتها «وَتَتَّقُوا» الله فيها فتمنعوا أنفسكم من الجور وتنفقوا فيما بينكم «فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً» لما يقع منكم من الميل القلبي «رَحِيماً» (١٢٩) بكم لا يجازيكم على ما لا قدرة لكم عليه مما هو خارج عن وسعكم، تؤذن هذه الآية بلزوم الاقتصار على الواحدة إذا لم يأمن من نفسه العدل، وإذا ابتلي بالجمع ولم يتمكن بأي صورة كانت من بقائها معه، فليتبع قوله تعالى «وَإِنْ يَتَفَرَّقا» على إحسان اتباعا لقوله تعالى فهو خير، لأن الله تعالى قد «يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ» وجوده وفضله فيعوض الزوجة زوجا خيرا لها من زوجها ويعوض الزوج زوجة خيرا له من مطلقته أو يقضي بينه وبين زوجته ما هو خير من بقاء ضرتها معها «وَكانَ اللَّهُ واسِعاً» خيره عميا برّه عليهما «حَكِيماً» (١٣٠) فيما يقيضه بين عباده هذا. وقد وعد الله تعالى الغنى على الفراق في هذه الآية، كما وعد الغني على الزواج في الآية ٣٢ من سورة النور الآتية. وهذا من لطفه
تعالى وجبره لخواطر عباده وله الحمد. أخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل فيقول اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك يعني القلب لأنه تحت قبضة الله تعالى لا طاقة للعبد في تقلبه. وأخرج الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط. وعن أبي داود من كانت له امرأتان فمال إلى أحدهما جاء يوم القيامة وشقه مائل وليعلم أن القسم شرط في البينونة والنفقة والكسوة والسكنى، لا في الجماع ولا في محبة القلب والميل الودي وله إذا تزوج جديدة بكرا على قديمة أن يخصها بسبعة أيام، وإن ثيبا بثلاثة مع لياليها، وله إذا سافر سفرا طويلا أو قصيرا أن يأخذ إحداهن معه بالقرعة ولا يقضي للأخرى هذه المدة، وفي غيرها يجب عليه القضاء، وإذا انتقل نقلة دائمة وجب عليه استصحاب نسائه كافة. قالت عائشة رضي الله عنها وعن أبيها كان صلّى الله عليه وسلم إذا أراد السفر أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه- أخرجه البخاري بزيادة- وليعلم أن الله تعالى استثنى رسوله من القسم بين النساء كما مر في الآية ٥١ من سورة الأحزاب مع بيان السبب في ذلك فراجعها
«وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ» لما ذكر الله تعالى إغناء كل من الزوجين عند الفراق أشار إلى ما يوجب الرغبة إليه، لأن من ملك هذه الهياكل العظيمة هو جدير بالجود على من يسأله من فضله مما فيهما. قال تعالى «وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ» أيها الناس من لدن آدم عليه السلام إلى زمنكم «وَإِيَّاكُمْ» نوصّي يا أهل القرآن «أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ» بالنساء وغيرهن، لأن الأمر بالتقوى شريعة قديمة باقية إلى الأبد، وكررت الوصية فيها لمنى غير الأول أي اقبلوا وصية «وَإِنْ تَكْفُرُوا» بما جاءكم عن ربكم فهو غني عنكم ولا يعبا بكم ولا ينظر إليكم، وإن تؤمنوا وتعلموا بأنه هو الغني فاطلبوا منه ما تشاءون فهو يعطيكم وإن تجحدوا هذه الوصية «فَإِنَّ لِلَّهِ» الذي هو غني عن خلقه «ما فِي السَّماواتِ» من ملائكة وكواكب «وَما فِي الْأَرْضِ» من مخلوقات يتقون الله ويطيعونه أكثر منكم «وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا» عن جميع خلقه علويه وسفليه، غير محتاج لطاعتهم
لأنهم تحت قهره «حَمِيداً» (١٣١) لنفسه وإن لم يحمده أحد «وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا» (١٣٢) على خلقه شهيدا على أعمالهم، وكررت أيضا لاختصاصها بمعنى آخر أي فتوكلوا عليه لا على غيره.
وفي هاتين الآيتين من التهديد والوعيد ما لا يخفى، وقد أكدهما بقوله «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ» كلكم إذا لم ترجعوا عن غيكم «وَيَأْتِ بِآخَرِينَ» أطوع منكم إليه بان ينشأهم كما أنشأكم من لا شيء «وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ» إذهابكم وخلق غيركم «قَدِيراً» (١٣٣) لا يعجزه شيء من ذلك، وفي هذه الآية تهديد عظيم، ألا فلينتبه وليحذر من لم يتق الله ويخش بطشه وانتقامه، فإنه بالغ القدرة يفعل ما يشاء. قال تعالى «مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا» جزاء عمله فيها منكم أيها الناس ويصرف نظره عن نعيم الآخرة الباقي إلى نعمها الفانية، «فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ» فاطلبوها معا لا تتقصروا على ثواب الدنيا فقط وهو قادر على إعطائكم ثوابهما معا» إذا طلبتموهما «وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً» لأقوالكم «بَصِيراً» (١٣٤) بنياتكم لا يخفى عليه شيء من أموركم. كان المنافقون إذا ذهبوا للجهاد يقصدون الغنيمة فقط لأنهم لا يصدقون بالآخرة كالمشركين الذين لا يعترفون بالبعث، فأنزل الله فيهم هذه الآية. قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ» مجتهدين في إقامة العدل بين الناس على اختلاف طبقاتهم «شُهَداءَ لِلَّهِ» مخلصين لوجهه ابتغاء مرضاته «وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ» تلك الشهادة فكما يجب عليكم أداؤها بالحق للغير يجب أداؤها على أنفسكم بأن تقروا بالحق فيما لكم وعليكم «أَوِ» كانت الشهادة على «الْوالِدَيْنِ» لكم «وَالْأَقْرَبِينَ» منكم. واحذروا أن تحابوهم بسبب القرابة، فالله أحق أن تهابوه بأدائها، وإياكم أن تفرقوا بين المشهود عليه «إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً» قويا أو ضعيفا فما عليكم إلا أن تشهدوا بالواقع بقطع النظر عن حالهما وشأنهما، خطيرا كان أو حقيرا، عدوا أو صديقا «فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما» منكم واحذروا أن تكتموا شيئا وتقولوا زورا اتباعا لهواكم أو رضاء للشهود له أو عدم مبالاة بالمشهود عليه، راجع الآية ١٠٧ المارة، ولهذا يقول الله تعالى لكم «فَلا
تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا»
عن الحق في أداء الشهادة «وَإِنْ تَلْوُوا» بألسنتكم فتحرفوها إلى غير الحق فلا تؤدوها على وجهها اتباعا لهوى أنفسكم «أَوْ تُعْرِضُوا» عن إقامة الشهادة فتكتموها خوفا من أعدائكم أو مراعاة لأصدقائكم أو تهتموا للغني ولا تبالوا بالفقير «فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً» (١٣٥) فيعاقبكم على ذلك. قالوا كان اختصم إلى حضرة الرسول فقير وغني، فأصغى إلى الفقير لأنه عادة لا يظلم الغني، فأنزل الله هذه الآية بعلمه فيها أن لا فرق بين الغني والفقير والكبير والصغير بإقامة العدل، وإن الظلم قد يصدر من الفقير والضعيف كما يكون من الغني والقوي، وقد يكون الفقير هو المعتدي ويتذرع بفقره لدى الناس ويتظلم لدى الحكام ليستعين بهم على ظلمه. قال المتنبي:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عقة فلعلة لا يظلم
وما قاله الآخر:
ظلم القوي للضعيف جاري في الأرض والهواء والبحار
فهو على طريق التغليب على أن فقر الأخلاق أشد من فقر المال وأتعس. قال:
وما فقر الدراهم حال ذل ولكن فقر أخلاق الرجال
فلا تحزن على يسر تقضى وقم واندب على كرم الخلال
فإن العسر يتلوه يسار وليس لخسة الأخلاق تال
قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» هذا خطاب عام لكافة المؤمنين من المشركين وأهل الكتاب والذين آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم «آمَنُوا» إيمانا عاما شاملا وأديموا إيمانكم «بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» لأن من لم يؤمن بالرسول لا يقبل إيمانه بالله، وبالعكس أيضا، واستمروا على الإيمان، وأخلصوا فيه قلبا ولسانا «وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ» آمنوا به أيضا «وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ» كتابكم آمنوا به وآل فيه للجنس أي كل كتاب من الكتب المنزلة قبلا من الله تعالى على الرسل السالفة من لدن آدم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام، لأن من لا يؤمن بأحدها لا يقبل إيمانه بالآخر، ومن كفر بأحدها فقد كفر بها كلها، فاثبتوا على هذا الإيمان الكامل الشامل «وَمَنْ يَكْفُرْ
بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ»
أو بأحد منهم ومنها «وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» من يكفر به ويجحده «فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً» (١٣٦) واستحق عذابا شديدا كما أسلم عبد الله بن سلام كما مر في الآية ٤٧ جاء أسد وأسيد ابنا كعب وثعلبة بن قيس وسلام ابن أخت عبد الله بن سلام ومسلمة بن أخيه ويامين بن يامين وقالوا يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ونكفر بما عدا ذلك من الكتب والرسل، فقال صلّى الله عليه وسلم بل آمنوا بالله ورسوله محمد والقرآن وبكل كتاب قبله وكل رسول أرسل، فأنزل الله هذه الآية. قال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا» بموسى «ثُمَّ كَفَرُوا» بعده «ثُمَّ آمَنُوا» بعزير وداود «ثُمَّ كَفَرُوا» بيحيى وعيسى «ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً» بمحمد صلوات الله عليهم وسلامه وماتوا على كفرهم «لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا» (١٣٧) ينجون به من العذاب، راجع نظيرة هذه الآية الآتية ٩٠ من آل عمران المارة وقد نزلت هذه الآية تبكيتا لليهود الموجودين زمن الرسول باعتبار عد ما صدر من أسلافهم كأنه صادر عنهم، وفي المنافقين الذين يؤمنون ويرتدّون عن الإيمان المرة بعد الأخرى.
مطلب في التهكم والكتاب والنهي عن مجالسة الغواة وأفعال المنافقين وأقوال اليهود الباطلة:
قال تعالى «بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ» يا سيد الرسل «بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً» (١٣٨) وهذا على طريق التهكم بهم مأخوذ من البشارة وهي كلمة تتغير عند سماعها بشرة الوجه سارة كانت أو ضارة، إلا أن استعمالها الشائع بالخير فقط، ولا يوجد في القرآن آية مبدوءة بمثل هذه الكلمة غير هذه. ثم وصفهم الله بقوله «الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ» ويركنون إليهم، فسلهم يا سيد الرسل «أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ» بذلك الاتخاذ كلا لا عزة لهم به بل ذلة لهم ومهانة، وإذا كانوا يريدون العزة الحقيقية «فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً» (١٣٩) وهو يعطيها أولياءه ويخص أصفياءه بها فيتخذون الله وليا وهو يعزهم «وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ» في هذا القرآن في الآية ٦٨ فما بعدها من سورة الأنعام ج ٢،
ولهذا صحت الإشارة إليها لانها متقدمة في النزول على هذه كما ألمعنا إليه هناك، وإلا لما صحت الإشارة إليها، تدبر. وهذا من جملة الأسباب الداعية لترتيب هذا التفسير على حسب النزول، وقد يطلق على كل سورة من القرآن لفظ كتاب كما تقدم أول سورة هود في ج ٢، وكرر لفظ الكتاب كثيرا في القرآن العظيم وخاصة أوائل السور المبدوءة بالحروف المقطعة وهو لفظ محبوب لكل كتاب، وفيه قال:
نعم الأنيس إذا خلوت كتاب تلهو به إن فاتك الأحباب
لا مفشيا سرا إذا استودعته وتنال فيه حكمة وصواب
فالسعيد الذي يتخذه رفيقا ليله ونهاره حضره وسفره ويغتني عن أصحاب السوء ومجالس اللهو المؤديين لسوء العاقبة وقبح السمعة، إذ قل أن تجد صديقا صادقا ومجلسا سارا. ثم بين هذا المنزل المشار إليه في قوله عزّ قوله «أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ» إذا قعدتم معهم حينما يخوضون بآيات الله، لأنكم تعدون راضين بهم وبما يخوضون فيه، وإلا لما جلستم معهم إذ الراضي بالشيء كفاعله فتصيروا منافقين اخوان الكافرين ويكون لكم ما لهم عند الله «إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً» (١٤٠) لاجتماعهم على الكفر أنزل الله هذه الآية في النهي عن مجالسة المنافقين في المدينة، كما أنزل آيات الأنعام المذكورة في النهي عن مجالسة الكافرين في مكة، والغاية واحدة، ولذلك جاءت مؤكدة لها ومعطوفة عليها في المعنى. وتدل هذه الآية على أن من رضي بالكفر فهو كافر، ومن رضي بمنكر كان كمن فعله فينبغي للعاقل أن يبتعد عن أهل الأهواء والغواة، لأن مخالطتهم لا تخلو عن الإثم. وقد بينا ما يتعلق في هذا البحث هناك فراجعه.
ثم وصف الله المنافقين بوصف آخر فقال «الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ» الحوادث والدوائر لشدة حقدهم عليكم وحسدهم لكم «فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ» نصر وظفر وغنيمة «مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ» في الغزو فأعطونا نصيبنا، إذ لا هم لهم إلا الدنيا، فهم مهمو كون بها أبدا «وَإِنْ كانَ
لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ»
من الظفر «قالُوا» لأوليائهم الكافرين «أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ» أي نستول عليكم ونغلبكم ونتمكن من قتلكم وأمركم ولم نفعل «وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» فلم نتركهم يصلون إليكم ولو أردنا لأعناهم عليكم فغلبوكم ولهذا أعطونا مما أصبتم منهم لقاء عملنا هذا «فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ» أيها المؤمنون الصابرون على مخالطتهم المتحملون أذاهم من أجلنا ويا أيها المنافقون المذبذبون المظهرون غير ما تبطنون لا بد أن الله يحكم بينكم وبين المؤمنين، كما يحكم بينكم وبين الكافرين «يَوْمَ الْقِيامَةِ». واعلم أن الله تعالى لم يجهلهم ويؤخر عذابهم إكراما لهم بل لزيادة عذابهم، وإلا فهو قادر على تعجيل عذابهم في الدنيا «وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» (١٤١) في الدنيا لأن حجنهم غالبة وكذلك في الآخرة، لأن الله هو الحكم بينهم. أما تسليطهم الآن على بعض المؤمنين من حيث الغلبة الفعلية فهو لعدم تمسك المؤمنين بكتابهم وتعاليم نبيهم، فلم يكونوا مؤمنين حقا كما أراد الله منهم، ولو كانوا لما سلطهم عليهم، ومن أصدق من الله قيلا. فإصابة المؤمنين وخذلانهم من أنفسهم ومن انصرافهم عن دينهم، وإلا لكانت الغلبة الفعلية لهم بنصّ الله، ومن أصدق من الله حديثا، راجع الآيات ١٧١ فما بعدها من سورة الصافات ج ٢ وما ترشدك إليه. قال تعالى «إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ»
بإظهار الإيمان وإبطان الكفر مخاتلة ومغاششة وإغرارا «وَهُوَ خادِعُهُمْ»
فاعل بهم ما يفعل المخادع بالمخادع فيمتعهم بالدنيا وليكثر عليهم من نعيمها الزائل ومن مالها الذي عاقبته العذاب أو من الأولاد الذين عاقبتهم الوبال إذا ماتوا على كفرهم ونفاقهم، وبعد لهم الدرك الأسفل من النار يوم القيامة «وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى»
دون رغبة لأنهم لا يرجون بفعلها ثوابا ولا على تركها يخشون عقابا «يُراؤُنَ النَّاسَ»
بفعلها «وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا»
(١٤٢) عند رؤيتهم المؤمنين فقط «مُذَبْذَبِينَ» متحيرين مترددين. ولم تكرر هذه الكلمة بالقرآن أبدا «بَيْنَ ذلِكَ» الإيمان والكفر «لا إِلى هؤُلاءِ» المؤمنين ينتمون انتماء صحيحا «وَلا إِلى هؤُلاءِ» الكفار يندرجون اندراجا كليا، وهذا شأن الضّال
«وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا» (١٤٣) إلى الهدى روى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال مثل المنافق كمثل الشاة العائرة (المتحيرة المترددة) بين الغنمين تعير (تذهب) يمينا وشمالا لا تدري لأيها تتبع إلى هذه مرة وإلى هذه مرة. قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ» باتخاذكم هذا «أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً» (١٤٤) في تعذيبكم، فتكون عليكم الحجة، فستوجبوا النار، لأن مخالطة المنافقين أشد ضررا من مخالطة الكافرين، راجع الآية ١١٣ من آل عمران المارة ولهذا قال تعالى «إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» أي في قعرها الأسفل الأعمق «وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً» (١٤٥) من ذلك العذاب الأليم «إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا» عملهم «وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ» وحده «وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ» نقوه من السمعة والرّياء طلبا لوجه الله خاصة وابتغاء لمرضاته «فَأُولئِكَ» يكونون في الدنيا والآخرة «مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً» (١٤٦) لا أعظم منه في جنة عظيمة «ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً» (١٤٧) يشكر الشاكر وإيمان المخلص. وهذا استفهام تقريري أي أي شيء يفعل الله بتعذيبكم؟. أيتشفى به من غيظ أم يدرك به ثارا، أم يستجلب به نفعا أم يتوقع به خيرا كما هو شأن الخلق؟ كلا ثم كلا، لأنه الغني المطلق المتعال عن أمثال ذلك. وإنما هو أمر يقتضيه مرض كفركم ونفاقكم، فإذا احتميتم عن النفاق ونقيتم نفوسكم بشرية الإيمان والشكر وطهرتم أجسامكم بصبغة الإسلام والصبر، سلمتم ونجيتم، وإلا فلا محيص لكم عن الهلاك. قال تعالى «لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ» القبيح ولا الإسرار به «إِلَّا مَنْ ظُلِمَ» فله أن يجهر بمثل السوء الذي وقع عليه لقوله تعالى (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) الآية ٤٧ من سورة الشورى المارة في ج ٢ «وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً» لشكوى المظلوم «عَلِيماً» (١٤٨) بظلم
الظالم فيا أيها الناس «إِنْ تُبْدُوا خَيْراً» مكان الجهر بالسوء «أَوْ تُخْفُوهُ» فلم تجهروا به «أَوْ تَعْفُوا
عَنْ سُوءٍ»
المسيء لكم «فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا» لإساءة عباده ولم يزل كذلك «قَدِيراً» (١٤٩) على الانتقام ممن لا يتحلى بالصفات الممدوحة منكم حالا، ولكنه يمهلكم فلا يعجل عقوبتكم لعلكم ترجعون وتتوبون، بخلاف خلقه فإنهم سريعو الانتقام إذا قدروا عليه، ولهذا قال صلّى الله عليه وسلم تخلّقوا بأخلاق الله فاعفوا ممن أساء إليكم وتشبهوا بأخلاق بارئكم، واعلموا أن الله تعالت قدرته مطلع على أعمالكم ونياتكم، ولم يهمل شيئا ولم يعزب عن علمه شيء فراقبوه واخشوا سطوته. واعلموا أن عدم المحبة هنا كناية عن عدم سخطه، ولذلك صح الاستثناء المتصل أي فإنه غير مسخوط عنده تعالى، لا إنه يحب جهر المظلوم بالسوء على ظالمه، لأنه تعالى دائما يحب العفو ويرغب فيه، إلا أنه أجاز شكوى المظلوم وإظهار أمر الظالم ليتباعد الناس عنه ويعرفوه. قال مقاتل قال رجل من أبي بكر بحضرة الرسول فسكت عنه مرارا ثم رد عليه، فقام صلّى الله عليه وسلم فقال أبو بكر يا رسول الله شتمني فلم تقل له شيئا حتى إذا رددت عليه قمت! قال كان ملك يجيب عنك فلما رددت عليه ذهب وجاء الشيطان، فنزلت هذه الآية. وقيل نزلت فيمن لا يحسن ضيافة الضيف فيخرج فيقول أساء ضيافتي. قال العلماء لا يجوز إظهار أحوال الناس المستورة لأن ذلك بسبب الوقوع للناس بالغيبة وللشخص بالريبة لكن المظلوم يجوز له إظهار مظلمته فيقول سرق أو غصب أو نحو ذلك، وإن شتم جاز له الرد بلا زيادة لقوله تعالى (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) الآية ١٩٥ من البقرة المارة وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال قال صلّى الله عليه وسلم المستعبّان ما قالا فعلى الأول. وفي رواية فعلى البادي منهما حتى يتعدى المظلوم. وقد أسهبنا البحث في هذا الشأن في الآية ٤٣ من سورة الشورى في ج ٢ والآيتين ١٩١/ ١٩٣ من سورة البقرة المارة فراجعها. قال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ» فيقولون إن الإيمان بالله غير الإيمان بالرسل، والحال أنه لا يصح الإيمان بأحدهما دون الآخر «وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ» الكتب والرسل كاليهود والنصارى «وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ» الكتب والرسل، مع أن الكافر بواحد منهما كافر بالجميع، ولا ينفع التصديق بواحد دون الآخر كما نوهنا به في
الآية ١٣٧ المارة «وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا» (١٥٠) مذهبا يدينون به بين الكفر والإيمان والحال لا واسطة بينهما تتخذ طريقا بدأت به البتة كما أنه لا درجة ولا مرتبة بين الجنة والنار كما نوهنا به في الآية ٤٥ فما بعدها من سورة الأعراف في ج ١
«أُولئِكَ» الذين هذه صفتهم «هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا» المستحقون العذاب الأليم، ولذلك فإنا هيأنا «وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً» (١٥١) نزلت هذه في اليهود لأنهم كفروا بعيسى ومحمد والإنجيل والقرآن وآمنوا بموسى والتوراة، وفي النصارى لأنهم آمنوا بعيسى والإنجيل وكفروا بمحمد والقرآن. قال تعالى «وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ» في الإيمان والتصديق، وكذلك بكتبه فآمنوا بها كلها «أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ» كاملة يوم القيامة «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً» لما سبق منهم من الخطايا «رَحِيماً» (١٥٢) بهم يعفو عنهم. ثم طفق جل شأنه يعدد من مساوئ اليهود وجرأتهم على الله فقال جل قوله «يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ» وذلك أن كعب بن الأشرف وفنخاص بن عازوراء قالا يا محمد إن كنت نبيا فأتنا بكتاب جملة واحدة كما جاءنا موسى بالتوراة. وهذا سؤال تعنت، لأن الله لا ينزل الآيات على اقتراح المقترحين، ثم شرع يبين ما وقع منهم قبل من القبائح فقال يا سيد الرسل لا ترد عليهم «فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً» عيانا بعد أن أنزلنا عليهم الكتاب جملة واحدة وأسمعناهم كلامنا كما مر في الآية ٥٤ من البقرة وتجاه جرأتهم هذه أمتناهم «فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ» أنفسهم وتحكمهم على نبيهم ثم أحييناهم إكراما لنبيهم ولم يتعظوا ولم ينتهوا ومالوا عن دينه الحق «ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ» إلها وعبدوه من دوننا «مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ» على صدق رسولهم «فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ» ولم نعاقبهم عليه تفضلا منا بعد توبتهم، وكانوا استحقوا بذلك عذاب الاستئصال «وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً» (١٥٣) على من خالفه وأجبنا دعوته راجع الآية ١٥٣ من الأعراف في ج ١. قال تعالى «وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ» لئلا ينقضوه
«وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً» مطأطئين رؤوسكم عند دخول باب إيليا، فدخلوه زحفا على أستاههم «وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ» أي لا تتعدوا وتتجاوزوا حدود الله فيه، فحفروا حياضا أدخلوا فيها السمك وسدوها عليها وتركوها فيها ليوم الأحد، فأخذوها راجع الآية ١٦٣ من الأعراف في ج ١ أيضا لتقف على حيلتهم هذه على الله وتعديهم حدوده «وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً» (١٥٤) مؤكدا في ذلك فنقضوه، ونكثوا عهد الله في ذلك كما فعلوا من قبل، وبعد، ولذلك عوقبوا بما قصه الله تعالى بقوله «فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ» الذي أوقعنا عليهم العذاب لسببه «وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ» محجوبة عما تدعونا إليه فرد الله عليهم بأنها ليست غلفا «بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ» أي الطبع الذي هددوا به هو السبب لعدم فهمهم مراد الله وانقيادهم لأمر رسوله «فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا» (١٥٥) ببعض التوراة وبعض أوامر نبيهم، ولو أنهم آمنوا بكل ذلك لآمنوا بعيسى والإنجيل ولآمنوا بمحمد والقرآن، لأن هذا مما هم مأمورون به في كتابهم وتعاليم نبيهم، ولكنهم لم يعملوا بهما فأعمى الله قلوبهم عن سلوك الصواب. ترشدنا هذه الآيات للوفاء بالعهد والأخذ بما جاء من عند الله وما أمر به الرسل وعلى حرمة التضليل واتخاذ الحيل لتحليل ما حرم الله وعلى الأخذ بالقرآن وأقوال الرسل وزجر النفس عن اتباع الهوى والإقلاع عن المعاصي والتوبة إلى الله وعدم الرجوع إلى ما نهى عنه. وهذا هو الحكم الشرعي في ذلك «وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً» (١٥٦) وهذا من جملة ما طبع على قلوبهم أيضا لأنهم أنكروا قدرة الله بخلقه من غير أب ورموا أمه الطاهرة بما لا يليق رماهم الله في طينة الخيال، وجحدوا المعجزات التي ظهرت عند ولادته وبعدها مما يدل على براءتها. وخلقه كخلق آدم «وَقَوْلِهِمْ» قاتلهم الله «إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ» بهت عظيم وكذب محض وزور مفترى.
مطلب عدم تيقن اليهود بان عيسى هو المصلوب، وآية الربا الرابعة، وعدد الأنبياء والرسل وفرق النصارى ونص الأقانيم الثلاث:
واعلم أن كلمة رسول الله هي من كلام الله تعالى لا من كلامهم لأنهم لا يعتقدون رسالة وقد صدقهم النصارى على فعل القتل فأكذبهم الله بقوله «وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ» بالمنافق يهودا الأسخريوطي الذي دلهم عليه لقاء ثلاثين درهما، وكان عليه السلام أخبر أصحابه بذلك بحضوره كما مر في الآية ١٥٤ من آل عمران المارة وما كان الله ليسلط هؤلاء الأنذال على صفيه عيسى «وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ» وهم اليهود الذين قبضوا على شبيهه وصلبوه «لَفِي شَكٍّ مِنْهُ» بأنه عيسى لأنه كان عند القبض عليه يصيح ويقول أنا لست المعلم يعني عيسى لأنهم كانوا يسمونه معلما، وعند الصلب كان يتضجر ويتويل ويقول أنا الذي دللتكم عليه، وكانوا يعهدون في عيسى الحزم والعزم وعدم التذلل، ولأنه حينما وضعوه على المصلبة صار يصيح (إلي إلي لم شبقنى) أي إلهي إلهي لم شنقتني؟
كما هو ثابت بالأناجيل الأربعة التي بيد النصارى الآن راجع الاصحاح ٤٧ من إنجيل متى و ١٥ من إنجيل مرقس، وجاء في بعضها بلفظ الى الى، وبعضها بلفظ إلهي إلهي، بما أوقع الشك في قلوبهم إنه ليس بعيسى لأنهم تحققوا فيه العزم والعزة والصّبر والشهامة، ولا يزال بصيح وهم يلكمونه ويبصقون عليه حتى قضى نحبه جزاء خيانته لعنه الله، وإنما شكوا فيه لأنهم يقولون لو كان عيسى لما تصور منه وقوع هذا الضجر كيف وهو من أولي العزم الذين يسلمون لأمر الله تسليما مطلقا ومما يؤيد عدم صدور ذلك منه قول النصارى بأنه أسلم نفسه ليكفر خطايا أمته ومن يسلم نفسه لذلك القصد باختياره لا يقع منه مثل هذا الكلام «ما لَهُمْ بِهِ» هؤلاء المختلفون بعيسى «مِنْ عِلْمٍ» حقيقي إن هو «إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ» لأن الصورة صورته عنا لا خلاف فيها والكلام غير كلامه، لأنه كثيرا ما جادلوه وهددوه فلم يروا منه إلا صلابة في المدافعة، ولم يأنسوا منه هذا الانخذال والانكسار والتذلل، ولهذا فانهم حينما قتلوه ما كانوا معتقدين أنه هو، ولهذا قال تعالى «وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً» (١٥٧) لما رابهم من تخضعه بالكلام وتمسكنه لهم
فصلبوه حالة كونهم غير موقنين بأنه عيسى للأسباب المارة، ولأن الحواريين فقدوا صاحبهم ولم يجدوه معهم، ولذلك ترى بعض الأناجيل تسكت عن ذكر يهوذا، وبعضها تقول انه عرف خطيئته فصلب نفسه، والصحيح ما جاء في إنجيل برنابا لأنه موافق لما في القرآن مع القطع بأنه لم يصلب بل رفع إلى السماء وصلب يهوذا الذي ألقي عليه شبهه. ولما صلب المنافق يهوذا التي أشارت الأناجيل الأربعة وإنجيل برنابا إلى نفاقه وخيانته ودلالة اليهود عليه، قال تعالى ما فعلوا شيئا بعيسى «بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ» فلم تقبضه اليهود ولم تصلبه «وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً» غالبا قويا قادرا على تخليص عيسى ورفعه إليه رفعا حقيقيا لا رفع مكانة كما يقول الأحمديون، بل رفع مكان، وهذا الرفع قد يكون بكلمة كن، وبواسطة ملك أو بوضع معراج، تدبر وصدق وآمن، والله قادر على ذلك وعلى إسلام عدوه لأعدائه كي يصلبوه فداء له «حَكِيماً» (١٥٨) بما صنع في ذلك وقد أوضحنا هذا البحث في الآية ٤٣ من سورة آل عمران المارة. قال تعالى «وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ» الموجودين عند نزوله من السماء المنوه به في الآية ٦٠ من سورة الزخرف في ج ٢ فراجعها «إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ» إذ تكون إذ ذاك الأديان كلها دينا واحدا، أي من أهل الكتاب فقط، لأن أهل الأرض لا يتفقون على دين واحد لقوله تعالى (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ) الآية ١١٨ من سورة هود في ج ٢ «وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ» السيد عيسى عليه السلام «عَلَيْهِمْ» أي أهل الكتابين «شَهِيداً» (١٥٩) بما وقع منهم عليه وبما نسبوه إليه من كونه إلها أو ابن الإله أو ثالث ثلاثة أو هو جوهر واحد إلخ كما سيأتي. قال تعالى «فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ» وهي المذكورة في الآية ١٤٥ من سورة الأنعام في ج ٢ «وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً» (١٦٠) من الناس إذ منعوهم عن الإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلم وبكتابه العظيم
«وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ» من قبل نبيهم وهذه الآية الرابعة بشأن الربا لا حكم فيها، إلا أنها تفيد الإخبار بقبح أعمال اليهود التي من جملتها تعاطي الربا، وقد أوضحنا ما يتعلق فيه في الآية ١٧٥ من آل عمران فراجعها.
ت (٤٠)
«وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ» ظلما بغير حق، وبهذه الأسباب الأربعة شددنا عقوبتهم لكفرهم بتعاليم رسولهم وكتابهم «وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً» (١٦١) وإنما قال تعالى منهم لعلمه أن منهم من يؤمن بعد. قال تعالى «لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ» المتوغلون في حقائقة، كعبد الله بن سلام وأصحابه «وَالْمُؤْمِنُونَ» بالله ورسله «يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ» يا سيد الرسل «وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ» يصدقون به ويؤمنون إيمانا كاملا به «وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ» قرىء بالنصب على الاختصاص أو المدح وبالرفع عطف على المؤمنين «وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ» بالرفع عطفا على المؤمنين أيضا «وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ» المتصفون بهذه الصفات «سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً» في الآخرة لا تقدر قدره عقولهم، لأنه فوق ما يتصورون مكافأة لإيمانهم هذا بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. قال تعالى «إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ» الاثني عشر أولاد يعقوب عليه السلام، ونظير هذه الآية الآية ١١٢ من سورة الشورى في ج ٢، ولم يذكر الله تعالى موسى عليه السلام، لأنه أعطي التوراة جملة واحدة والذين ذكرهم من الأنبياء لم تنزل عليهم كتبهم دفعة واحدة كمحمد صلّى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين، ولذلك ذكرهم في معرض سؤالهم السابق «وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً» (١٦٣) «وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ» نزول هذه السورة «وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ» بعد وهم كثيرون. سأل أبو ذر رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن الأنبياء، فقال مئة الف وأربعة وعشرون الفا، قال كم الرسل منهم؟ قال ثلاثمائة وثلاثة عشر أولهم آدم وآخرهم محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، منهم العرب الأقدمون أربعة هود وصالح وشعيب وإسماعيل، إذ تعلم العربية من جرهم، وقد أرسل إليهم وخاتمهم محمد صلّى الله عليه وسلم، وقد بينا ما يتعلق بهذا في الآية ٨٤ من سورة الأنعام ج ٢ «وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً» (١٦٤) وجعلناهم كلهم أنبياء لأنفسهم وجعلنا منهم «رُسُلًا
مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ»
فلا يقولون ما جاءنا من رسول يا ربنا يرشدنا. ولولا أرسلت إلينا رسولا يأمرنا وينهانا لأطعناه، وقد تكرر قولهم هذا في القرآن عند كل مناسبة، فكان إرسالهم قطعا لمعذرتهم هذه «وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً» (١٦٥) بإرسال الرسل وإنزال الكتب لقطع حجج الخلق. ولما قال مسكين بن عدي بن زيد ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى فكيف تدعي يا محمد إنزال القرآن عليك من قبل الله أنزل الله هذه الآية وأعقبها بقوله «لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ» يا سيد الرسل من القرآن، لأنه «أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ» لك على ذلك «وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً» (١٦٦) عن خلقه أجمعين. ونظير هذه الآية الآية ٩٢ من سورة الأنعام المارة في ج ٢ من حيث المعنى ونظير الآية قبلها الآية ٦٥ من سورة المؤمن ونظير الآية قبلها الآية ٢، من سورة الأنعام من حيث تعداد الرسل في ج ٢ أيضا قال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» بإلقاء الشبهات للناس حتى منعوهم عن الإيمان «قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً» (١٦٧) عن طريق الهدى إلى غياهب الجهل وزادوا على ضلالهم إضلال غيرهم، ونظير هذه الآية الآية ٨٧. من سورة النحل في ج ٢ «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا» غيرهم بسوقهم إلى الكفر «لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ» ولا يهيء لهم بابا إلى المغفرة، لأنّهم عضدوا الكفر بالظلم، ولهذا قال تعالى «وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً» (١٦٨) إلى النجاة «إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ» المؤدي بهم إلى عذابها «خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً» (١٦٩) سهلا لا صارف لهم عنه، وهذا تحقير لأمرهم، وبيان بأنه تعالى لا يعبأ بهم ولا يبالي، ثم خاطب تعالى العقلاء كافة بصورة عامة تشمل المؤمنين وأهل الكتابين والمنافقين والكافرين أجمع بقوله جل قوله «يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ» محمد صلّى الله عليه وسلم لأنه المعهود الموجه إليه هذا الخطاب والمقصود به هو دون غيره مجيبا متلبسا «بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا» به وانقادوا لأمره وصدقوه بما جاءكم يكون «خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا» به وتجحدوه وتنكروا ما جاءكم به من
البينات «فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» ملكا
وعبيدا وفيهما من غيركم من يؤمن به ويصدق ما جاء به وهو غني عنكم «وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً» بمن يهديه ويؤمن به ويصدق رسوله «حَكِيماً» (١٧٠) بمن يضله ويعميه عن رؤية الحق وسلوك سبيله
ولما قالت طائفتا اليعقوبية والملكاتية من النصارى أن عيسى هو الله وقالت النسطورية هو ابن الله، وقالت المرقوسية ثالث ثلاثة، وقالت فرقة أخرى هو جوهر واحد عبارة عن ثلاثة أقانيم الآب والابن وروح القدس. واعلم أن الأقنوم كلمة رومية معناها هو أن الإله في زعمهم مركب من ثلاثة أصول، ويريدون باقنوم الأب الذات، وأقنوم الابن عيسى، وأقنوم روح القدس الحياة الحالة فيه وإن له عليه السلام طبعتين ناسوتية من قبيل أمه نسبة للناس ولا هويته من قبل أبيه نسبة للإله، تعالى الله عن ذلك، والذي دسّ هذا في دين النصارى رجل يهودي اسمه بولص تنصّر وألف الإنجيل ونسبه كله إلى سيدنا عيسى بقصد إضلال النصارى عن دينهم الحق قبل البعثة المحمدية. ولهذا البحث صلة ضافية في الآية ٧٢ من سورة المائدة والآية ٣١ من سورة التوبة الآتيتين فراجعهما تجد فيهما ما ينشرح صدرك إن شاء الله، فأنزل الله ردا لهذه الأقوال الواهية قوله «يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ» وتتجاوزوا حده فتدخلوا فيه ما ليس منه، وبالعكس فتحطوه عن منزلته وتنقصوا قدره بنسبة ما ليس منه إليه افتراء على الله وبهتا على رسوله، واحذروا أن تتبعوا أهواء أنفسكم فيه «وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ» الذي أنزله إليكم وهو «إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ» ليس بإله ولا بابن للاله ولا ثالث ثلاثة ولا أقنوما «وَكَلِمَتُهُ» التي هي لفظ كن بشرا من مريم بغير أب ولا واسطة، وهذه الكلمة هي التي «أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ» بواسطة أمينه جبريل عليه السلام «وَرُوحٌ مِنْهُ» كسائر الأرواح المخلوقة بخلقه، وإنما أضافه لنفسه الكريم تكريما له وتشريفا لشأنه كما يقال بيت الله وناقة الله، لأن الله خلق جميع الأرواح وجعلها في صلب آدم وأمسك روح عيسى عنده ثم أرسلها عند إرادته خلقه وابرازه هاديا لعباده مع جبريل فنفخها في جيب درع مريم العذراء الطاهرة الزكية، فحملت به وولدته
كما تلد النساء بشرا سويا كريما شريفا زكيا، كما مر في الآية ١٦ فما بعدها من سورة مريم في ج ١ والآية ٤٦ فما بعدها من آل عمران المارة، وروحه روح طاهرة مقدسة عالية، روى البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان له من العمل. ثم دعا خلقه لما به فلاحهم ونجاحهم فأمرهم بقوله «فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ» كلهم ولا تفرقوا بين أحد منهم «وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ» كما يقوله بعض النصارى «انْتَهُوا» أيها النصارى كلكم نهيا قطعيا بتا عن هذه المقالة يكون «خَيْراً لَكُمْ» لأنها كلمة كفر وشرك منزه عنها جلال الله «إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ» فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكافئه أحد، ليس بأقانيم ثلاثة ولا حلّت ذاته في أحد من خلقه، تعالت ذاته وتقدست وتنزهت عن ذلك «سُبْحانَهُ» وهو المبرأ من «أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ» أو يكون والدا لأحد «لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ» يتصرف فيهما ومن فيهما كيف يشاء، ومن كان كذلك لا يعقل أن تكون له زوجة أو يكون له ولد أو معاون أو شريك، فهو المنفرد في ملكه وخلقه الوكيل عليهم وحده «وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا» (١٧١) في تدبير خلقه وملكه ويحتاج إليه كل خلقه ناميه وجامده، وهو غني عنهم. واعلموا أيها الناس أنهَ نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ»
بل يتشرف بعبوديته كسائر إخوانه الأنبياء. نزلت هذه الآية حينما قالت النصارى يا محمد إنك تعيب صاحبنا فنقول عبد الله وهو يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص ويمشي على الماء وله خوارق يعجز عنها البشر! يريدون أن من كان من خلق الله وقد شرفه بتلك المعجزات وخصه بتلك الكرامات عار عليه اسم العبودية. كلا أيها النصارى ليست بعار، وإنما هي شرف له، وهو نفسه لا يأنف منها ولا يتعظم على ربه لا هو ولا غيره، َ لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ»
مثل جبريل واسرافيل وميكائيل وعزرائيل وحملة العرش والكروبيين وغيرهم، فكلهم يتشرفون بصفة العبودية له جل
جلاله. هذا ولا دليل في هذه الآية لمن يقول
بتفضيل الملائكة على البشر أجمع، لأن الله تعالى ترقى بكلامه العظيم البالغ من جنس البشر إلى جنس الملائكة، ولم يقل هذا رفعا لمقام الملائكة على البشر، بل هو ردّ على من يقول إن الملائكة بنات الله، أو أنهم آلهة، كما ردّ على النصارى قولهم أن المسيح بن الله، وهو رد أيضا على النصارى لأنهم يقولون بتفضيل الملائكة والمراد في هذه الآية هو أنه كما أن المسيح عبد الله فالملائكة عبيده أيضا، ويتشرفون بنسبة عبوديتهم لعزتهَ مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ»
يا ويله من يوم الحساب يوم يبعثهمَ سَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً»
(١٧٢) ويجازيهم في ذلك اليوم الذي لا يملكون لأنفسهم فيه نفعا، ويعذبهم بالحسرة والغم عند ما يرون ما يناله عباده المطيعون الخاضعون. وفي هذه الآية من التهديد والوعيد ما لا يخفى، ألا فليحذر المخالفون. قال تعالى «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ» زيادة لا يقدر قدرها غيره «وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا» عن عبادته «فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً» لا تطيقه أجسادهم ولا تتصوره عقولهم ولا يخطر كنهه على بالهم ولا يقيهم منه شيء بدا «وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً» (١٧٣) يتولاهم أو يدفع عنهم شيئا من عقابهم. قال تعالى «يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ» هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ليبرهن على وحدانيتنا وإبطال الشرك والتثليث ونفي الولد والصاحبة بآيات مبينات تشرح قلب المؤمن بالتصديق وتبهر المنكر بالإعجاز بما أعطيناه من المعجزات الباهرات، ولهذا سماه الله برهانا لأن البرهان دليل على إقامة الحق وإبطال الباطل وهو كذلك، لأن الله جعله حجة قاطعة لإعذار جميع الخلق «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ» أيها الناس مع ذلك البرهان الجليل «نُوراً مُبِيناً» (١٧٤) قرآنا ظاهرا تبينت فيه الأحكام كما تتبين الأشياء بالنور، وقد سماه نورا لأن المتحير يستضيء به فيزيل حيرته، ولأنه سبب لوقوع نور الإيمان بالقلب الذي هو أعظم الأنوار وأكرم مضغة في الجسد وهو منبع الهداية ومعدن الرشد. قال تعالى «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ» عن كل خلقه فعبدوه وحده «فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ
مِنْهُ وَفَضْلٍ»
لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر شيء عظيم من رب عظيم «وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً» (١٧٥) يسددهم إلى سلوك منهج النعم عليهم ويرشدهم لدينه الذي ارتضاه لهم. قال تعالى «يَسْتَفْتُونَكَ» يا سيد الرسل في نوع آخر في الميراث، وهنا حذف المستفتى عنه اغتناء بالجواب المنبئ عنه المبين بقوله عز قوله يا سيد الرسل «قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ» تقدم معناها في الآية ١١ المارة وقد بينها الله بقوله «إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ» ولا والد ولا حفيد ولا جد «وَلَهُ أُخْتٌ» من أبيه أو شقيقته «فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ» فرضا والنصف الآخر يكون لها ردا عند أبي حنيفة لعدم وجود عصبة لها، وهو كذلك عند عامة أهل العراق، وعند الشافعي يكون لبيت المال، وإذا كان معها بنت كان النصف الآخر للبنت فرضا والنصف العائد لها تأخذه بطريق التعصيب، لأن الأخوات يكنّ مع البنات عصبة، ويسمى هذا التعصب عصبة بغيره، أما الإخوة فهم عصبة بأنفسهم «وَهُوَ» أي الهالك لو هلكت أخته قبله «يَرِثُها» فيأخذ كل مالها «إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ» والأخ الشقيق أو الأب سواء، أما الأخ لأم فقد تقدم حكمه في الآية ١٢ المارة وهو بأنه يأخذ السدس إذا كان واحدا، والثلث إذا كانوا أكثر ذكورهم وأناثهم سواء فيه. أما الأخ الشقيق أو لأب فإنه يأخذ كل المال في مثل هذه المسألة، أما الأخ أو الإخوة لأم فما يفضل عن سهامهم يعود لبيت المال إذا لم يكن للميت عصبة أو أرحام غيرهم، وإن كان للهالكة ولد فإنه يأخذ جميع المال وحده في مسألة كهذه، وكذلك إذا كان لها أب فقط فيأخذ المال كله. «فَإِنْ كانَتَا» الأخوات «اثْنَتَيْنِ» فأكثر وكانتا لأب أو لأبوين «فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ» أخوهما والباقي لعصبته إذا كان هناك عصبة من عم أو ابنه أو ابن أخ، وإلّا فيأخذان الباقي بطريق الردّ «وَإِنْ كانُوا» أي الوارثون «إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ» من الميراث حظ «مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» كما تقدم في الآية ١٠ المارة «يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ» أيها الناس هذه الأحكام لتعملوا بها خشية «أَنْ تَضِلُّوا» طريق الصواب ومخافة أن تزيغوا
عن هذه الأحكام فتكونوا
ضلالا لا تعرفون حقكم من حق غيركم فتأكلوه حراما أو تضيعوه حلالا. فتعلموا هذا وأتقنوه واعملوا به «وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (١٧٦) واتقوا الله ويعلمكم واسترشدوه واجعلوا سركم كعلانيتكم، فإن علمه محيط بكم لا يخفى عليه شيء من أمركم روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله قال مرضت فأتاني رسول الله ﷺ وأبو بكر يعودانني ماشيين فأغمي عليّ فتوضأ النبي ﷺ ثم صبّ علي من وضوئه.
فأفقت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت يا رسول الله كيف أصنع في مالي كيف أقضي في مالي؟ فلم يرد علي شيئا حتى نزلت هذه الآية. وفي رواية قلت يا رسول الله إنما يرثني كلالة، فنزلت. وفي رواية الترمذي كان لي تسع أخوات فنزلت.
ولأبي ذرّ قال اشتكيت وعندي سبع أخوات فدخل النبي صلّى الله عليه وسلم فنفخ في وجهي فأفقت، فقلت يا رسول الله ألا أوصي لأخواتي بالثلثين؟ قال أحسن، قلت بالشطر؟
قال أحسن: ثم خرج وتركني، فقال يا جابر لا أراك ميتا من وجعك هذا، وإن الله قد أنزل فبين الذي لأخواتك، فجعل لهن الثلثين. وقد مر أن الوصية بالثلث كثير راجع الآية ١٨ المارة والآية ١٨٢ من سورة البقرة المارة. قال فكان جابر يقول في أنزلت هذه الآية وهنا معجزة لحضرة الرسول، لأن جابر المذكور لم يمت في مرضه ذلك كما أخبره ﷺ وهو في حالة غلب على ظنّه الوفاة فيها، ولذلك سأل حضرة الرسول عما يوصي به لأخواته. هذا والله أعلم، واستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأتباعه أجمعين، صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الدين.
السورة التالية
Icon