0:00
0:00
من سورة النساء
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١)
قوله جلّ شأنه: وَبَثَّ مِنْهُما معناه: نشر، وفرّق منهما على سبيل التناسل والتوالد. وقوله: تَسائَلُونَ بِهِ معناه: يسأل بعضكم بعضا به، مثل: أسألك بالله، وأنشدك الله، والمفاعلة على ظاهرها، أو بمعنى تسألون كثيرا. الرقيب: الحفيظ المطلع العالم.
يأمر الله المكلّفين جميعا بامتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، مما يتعلّق بحقوقه، وحقوق عباده، ويتناول ذلك بعمومه ما سيذكر في السورة بعد من صلة الأرحام، ورعاية حال الأيتام والعدل في النكاح والميراث، إلى غير ذلك.
ولقد أكّد الله الأمر بالتقوى بما يحمل المخاطبين على الامتثال، فذكر اسمه بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين، ووصف نفسه بأنه خالقهم، وأنّ مبدأ خلقهم نفس واحدة، وأنه خلق منها زوجها، ونشر من الزوجين رجالا كثيرا ونساء، كلّ ذلك بما يؤيد الأمر، ويؤكّد إيجاب الامتثال، فإنّ الاستعمال جار على أن الوصف الذي علّق به الحكم علة موجبة له، وداعية إليه، ولا شك أنّ ما ذكر يدلّ على القدرة القاهرة، والنعمة الجسيمة، والمنة العظيمة، والقدرة توجب التقوى حذرا من العقاب، والنعمة تدعو إليها طلبا للمزيد، ووفاء بالشكر الواجب.
وفي الامتنان بخلقنا من نفس واحدة ما يوجب الحرص على امتثال الأوامر الآتية، فإنه جلّ شأنه ذكر عقيب الأمر بالتقوى الأمر بالإحسان إلى اليتامى والنساء والضعفاء، وكون الناس بأسرهم مخلوقين من نفس واحدة له أثر في هذا المعنى بليغ، ذلك لأنّ الأقارب لا بد أن يكون بينهم نوع مواصلة ومخالطة توجب مزيد المحبة، ألا ترى أن الإنسان يفرح بمدح أقاربه وأسلافه، ويحزن بذمهم والطعن فيهم،
وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إنما فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها، وينصبني ما أنصبها» «١»
(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٦٥٦)، كتاب المناقب، باب فضل فاطمة حديث رقم (٣٨٦٩).
وإذا كان الأمر كذلك فلا جرم إن كان ذكر هذا المعنى سببا في زيادة الشفقة والحنوّ على اليتامى والنساء وذوي الأرحام.
والمراد من النفس الواحدة آدم عليه السلام، والذي عليه الجماعة من الفقهاء والمحدثين أنه ليس سوى آدم واحد، وهو أبو البشر، والمراد من الزوج حوّاء، وقد خلقت من ضلع آدم عليه السلام، وأنكر أبو مسلم خلقها من الضلع، لأنه سبحانه وتعالى قادر على خلقها من التراب، فأي فائدة في خلقها من الضلع، وزعم أنّ معنى مِنْها من جنسها، على حد قوله تعالى: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً [الشورى: ١١] وهو باطل، إذ لو كان الأمر كما قال. لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة، وهو خلاف النص.
وهو أيضا خلاف ما نطقت به الأخبار الصحيحة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم،
روى الشيخان: «استوصوا بالنساء خيرا، فإنهنّ خلقن من ضلع، وإنّ أعوج شيء من الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنّساء خيرا» «١»
وقدرة الله على خلق حواء من تراب لا تمنع عن خلقها من غيره. فقد خلق الناس بعضهم من بعض، مع القدرة على خلقهم كآدم من تراب، ولعلّ الفائدة في خلق حواء من ضلع آدم- سوى الحكمة التي خفيت علينا- إظهار أنه سبحانه قادر على أن يخلق حيا من حي، لا على سبيل التوالد، كما أنه قادر على أن يخلق حيا من جماد كذلك، والله أعلم.
ثم أكد الله الأمر بالتقوى، وكرّره بقوله جل شأنه: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ وفي تعليق الحكم بما في حيز الصلة إشارة إلى نوع آخر من موجبات الامتثال، فإنّ قول الرجل لصاحبه أسألك بالله على سبيل الاستعطاف يقتضي الاتقاء والحذر من مخالفة أوامره ونواهيه.
قرأ غير حمزة من السبعة وَالْأَرْحامَ بالنصب، والمعنى على هذه القراءة، واتقوا الله تعالى واتقوا الأرحام وصلوها ولا تقطعوها، فإن قطعها مما يجب أن يتّقى.
وقرأ حمزة وَالْأَرْحامَ بالجر، وخرّجت في المشهور على العطف على الضمير المجرور، والعطف على الضمير المجرور دون إعادة الجارّ أجازه جماعة من النحاة وأنشد سيبويه في ذلك:
فاليوم قد بتّ تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيام من عجب
(١) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ١٧٨)، ٦٧- كتاب النكاح، ٨١- باب الوصاة بالنساء حديث رقم (٥١٨٦)، ومسلم في الصحيح (٢/ ١٠٩١)، ١٧- كتاب الرضاع، ١٨- باب الوصية بالنساء حديث رقم (٦٥/ ١٤٦٨). [..... ]
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً في موضع التعليل للأمر ووجوب الامتثال يؤخذ من هذه الآية جواز المسألة بالله تعالى،
وقد روى الليث عن مجاهد عن ابن عمر قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من سأل بالله فأعطوه وإن شئتم فدعوه».
ويؤخذ منها أيضا تعظيم حقّ الرّحم، وتأكيد النهي عن قطعها، إذ قرن الله الأرحام باسمه سبحانه، وقال في موضع آخر: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) [محمد: ٢٢] فقرن قطع الرحم إلى الفساد في الأرض،
وأخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله تعالى خلق الخلق حتّى إذا فرغ منهم، قامت الرّحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أنّ أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك» «١».
وتدل الآية أيضا على تقدير التساؤل بالأرحام، لا سيما على قراءة حمزة:
واعترض على ذلك ابن عطية، وزعم أن الحديث الصحيح يردّه،
فقد أخرج الشيخان عنه صلّى الله عليه وسلّم: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» «٢»
وأنت تعلم أنّ قول الرجل لصاحبه: أسألك بالرحم أن تفعل كذا، ليس الغرض منه سوى الاستعطاف والتأكيد، فهو إذا ليس بيمين، فلا يكون من متعلّق النهي الذي تضمّنه الأمر «فليحلف بالله» في شيء.
قال الله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٢) هذا شروع في تفصيل ما تجب تقوى الله فيه، والخطاب للأوصياء، ما دام المال بأيديهم، واليتامى في حجورهم، واليتيم من الإنسان من مات أبوه، من اليتم وهو الانفراد، والاشتقاق يقتضي صحة إطلاقه على الصغار والكبار، لكنّ الشرع والعرف خصصاه بالصغار،
روى علي كرم الله وجهه وجابر بن عبد الله عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لا يتم بعد احتلام» «٣».
لا خلاف بين أهل العلم في أنّ اليتيم لا يعطى ماله قبل البلوغ، لكنّ ظاهر قوله
(١) رواه البخاري في الصحيح (٧/ ٩٦)، ٧٨- كتاب الأدب، ١٣- باب من وصل وصله الله حديث رقم (٥٩٨٧)، ومسلم في الصحيح (٤/ ١٩٨١)، ٤٥- كتاب البر، ٦- باب صلة الرحم حديث رقم (١٦/ ٢٥٥٤).
(٢) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ٢١٦)، ٥٢- كتاب الشهادات، ٢٦- باب كيف يستحلف حديث رقم (٢٦٧٩)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٢٦٧)، ٢٧- كتاب الأيمان، ١- باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى حديث رقم (٣/ ١٦٤٦).
(٣) رواه أبو داود في السنن (٣/ ٣٧)، كتاب الوصايا، باب ما جاء متى ينقطع اليتم حديث رقم (٢٨٧٣).
تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ يوجب إعطاءهم أموالهم قبل البلوغ، فكان ذلك مشكلا، وللعلماء فيه محملان:
الأول: أن يجعل إيتاء الأموال مجازا عن تركها سالمة من غير أن يتعرّض لها بسوء، فالإيتاء مستعمل في لازم معناه، وتبقى كلمة الْيَتامى على حقيقتها، كما هو المتبادر منها شرعا وعرفا.
والمحمل الثاني: أن يكون الإيتاء مستعملا في حقيقته بمعنى الإعطاء بالفعل، وتكون كلمة الْيَتامى مجازا باعتبار ما كان، وأوثر التعبير عن الكبار باليتامى لقرب العهد بالصّغر، وللإشارة إلى وجوب المسارعة والمبادرة بدفع أموالهم إليهم، حتى كأنّ اسم اليتم باق غير زائل، وهذا المعنى يسمى في الأصول بإشارة النص.
ولكل من المحملين ما يؤيده:
فحجة الأول: قوله تعالى بعد آيات وَابْتَلُوا الْيَتامى إلخ فإنه كالدليل على الآية الأولى في الحث على حفظ أموال اليتامى، لتدفع إليهم عند بلوغهم ورشدهم، وأنّ الآية الثانية في الحث على الدفع الحقيقي عند حصول البلوغ والرشد، ولو كان الإيتاء في الآية الأولى باقيا على حقيقته لكان مؤدى الآيتين كالشيء الواحد.
وحجة المحمل الثاني: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أن رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه، فخاصمه إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم. فنزلت وَآتُوا الْيَتامى إلخ فإن ذلك يدلّ على أن المراد بالإيتاء الإعطاء بالفعل، ولا سيما أنه قد روى الثعلبي «١» والواحدي عن مقاتل والكلبي «٢» أن العمّ لما سمعها قال: أطعنا الله ورسوله، نعوذ بالله من الحوب الكبير «٣».
وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ تبدّل الشيء بالشيء، واستبدله، إذا أخذ الأوّل بدل الثاني، بعد أن كان حاصلا له، أو على شرف الحصول، ويتعدّيان أبدا إلى الزائل بالباء، وإلى بدله بأنفسهما كما هنا، ومنه قوله تعالى: وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ [البقرة: ١٠٨] وقوله: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ [البقرة: ٦١].
وأما التبديل أو الإبدال فهو التغيير مطلقا، وقد يتعدّى إلى مفعول واحد، فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ [البقرة: ١٨١] وإلى مفعولين بنفسه فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [الفرقان: ٧٠]
(١) أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أبو إسحاق المفسر توفي (٤٢٧) من أهل نيسابور له اشتغال بالتاريخ، انظر الأعلام للزركلي (١/ ٢١٢).
(٢) محمد بن السائب بن بشر الكلبي توفي (١٤٦) نسابة، عالم بالتفسير، من أهل الكوفة، انظر الأعلام للزركلي (٦/ ١٣٣).
(٣) معالم التنزيل للبغوي المعروف بتفسير البغوي (١/ ٣٩٦).
فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ [الكهف: ٨١] وإلى أحد المفعولين بنفسه والثاني بالباء سواء في ذلك الزائل وبدله، وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ [سبأ: ١٦].
وقال طفيل الغنوي لما أسلم:
وبدل طالعي نحسي بسعدي
والمراد بالخبيث والطيب: الحرام والحلال، أي لا تتركوا مالكم الحلال، وتأكلوا الحرام من أموالهم، أو لا تتركوا العمل الحلال، وهو حفظ أموالهم، وتركبوا الحرام، وهو أكل أموالهم، والعمل على اختزالها، وأيا ما كان الأمر فالتعبير عن الحرام والحلال بالخبيث والطيب للتنفير من أكل أموال اليتامى، والترغيب في حفظها وإنمائها.
وقد قال بعض المفسرين: المراد بالخبيث والطيب الرديء والجيّد، وإلى ذلك ذهب النخعي، والزهري، وابن المسيب، والسدي: فقد أخرج ابن جرير «١» عنه أنه قال: كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم، ويجعل مكانها الشاة المهزولة ويقول: شاة بشاة، ويأخذ الدرهم الجيد، ويضع مكانه الزائف، ويقول: درهم بدرهم. وتخصيص هذه المعاملة بالنهي لخروجها مخرج العادة، لا لإباحة ما عداها، فلا مفهوم لعدم توفّر شرطه عند القائل به.
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ والمراد من الأكل مطلق الانتفاع، وعبّر عنه بالأكل لأنه أغلب أحواله.
والمعنى: ولا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم، أي لا تسوّوا بينهما، وتنفقوهما معا، وهذا حلال وذاك حرام، وورد النهي على هذا الأسلوب يدل على تقبيح فعلهم، والتشنيع عليهم، حيث كانوا يأكلون أموال اليتامى مع الغنى عنها.
وإذا لا يلزم القائل بمفهوم المخالفة جواز أكل أموالهم وحدها، وظاهر النهي عدم جواز أكل شيء من أموال اليتامى، وقد خص من ذلك مقدار أجر المثل إذا كان الوصيّ فقيرا، لقوله تعالى: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [النساء: ٦] وسيأتي الكلام فيه.
والضمير في قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً للأكل المفهوم من قوله جل شأنه:
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ، وقيل: للتبدل، وقيل: لهما، ويكون حينئذ منزّلا منزلة اسم الإشارة، والحوب: الإثم، وفي تنوينه ووصفه بأنه كبير تهويل لأمره المنهيّ عنه، والتنصيص على أنه من كبائر الذنوب العظيمة.
(١) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (٤/ ١٥٣).
واحتجّ الجصاص «١» بقوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ على وجوب دفع المال إلى اليتيم إذا بلغ خمسا وعشرين سنة، قال: لم يشترط في هذه الآية إيناس الرشد في دفع المال إليهم، وظاهره يقتضي وجوب دفعه إليهم بعد البلوغ، سواء آنسنا منهم الرشد، أو لم نأنس، إلا أنه قد شرطه في قوله تعالى: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [النساء: ٦] فكان ذلك مستعملا عند أبي حنيفة ما بين بلوغ الحلم وبين خمس وعشرين سنة، فإذا بلغها، ولم يأنس منه رشد، وجب دفع المال إليه، لقوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ فيستعمله بعد خمس وعشرين سنة على مقتضاه وظاهره، وفيما قبل ذلك لا يدفعه إلا مع إيناس الرشد، لاتّفاق أهل العلم على أنّ إيناس الرشد قبل بلوغ هذه السن شرط وجوب دفع المال إليه، يعني ولا إجماع على هذا الشرط بعد بلوغ هذه السن، ثم قال: وهذا وجه سائغ من قبل أنّ فيه استعمال كلّ واحدة من الآيتين على فائدتها، ومقتضى ظاهرها، ولو اعتبرنا إيناس الرشد على سائر الأحوال لكان فيه إسقاط حكم الآية الأخرى رأسا، ومعلوم أنّه متى أمكننا استعمال الآيتين على فائدتهما لم يجز الاقتصار بهما على إحداهما وإسقاط فائدة الأخرى.
وأنت تعلم أنّ هذا الاستدلال متوقف على أنّ المراد بالإيتاء الإعطاء والدفع بالفعل، وأنّ المراد باليتامى اليتامى باعتبار ما كان، وهو أحد احتمالين في الآية على ما سبق، ونحن نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية الاحتمال الثاني، وهو أنّ الإيتاء مستعمل في الحفظ والصيانة، واليتامى باق على حقيقته، وحينئذ يكون في هذا التأويل إعمال كلّ من الآيتين على فائدتها، ولو سلمنا قصر الآية على الاحتمال الأول، فالتعارض بينها وبين قوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى إلخ وقوله جل شأنه: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ تعارض الخاصّ مع العام، لأنّ الآية الأولى توجب دفع المال إلى اليتامى كلهم، والآيتان بعدها تحرّمان دفع المال إليهم إذا كانوا سفهاء، ولا شكّ أنّ الخاص مقدّم على العامّ، وسيأتي الكلام في وجه اختيار هذه السن عند قوله تعالى:
فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [النساء: ٦].
قال الله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا (٣) المراد من الخوف العلم، عبّر عنه بذلك إيذانا بكون المعلوم مخوفا محذورا، والإقساط: الإنصاف والعدل، أقسط أزال القسوط: وهو الظلم والحيف، ويقال:
أقسط: أي صار ذا قسط، والقسط العدل.
(١) أحكام القرآن للإمام أبي بكر الجصاص (٢/ ٤٩).
كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [النساء: ١٣٥] ما طاب: ما مالت إليه نفوسكم واستطابته.
وفي قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ تأويلات منها: ما رواه البخاريّ ومسلم والنسائي والبيهقي في «سننه» وغيرهم عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة رضي الله عنها، عن هذه الآية فقالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليّها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصّداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنّ «١».
وفي بعض الروايات «٢» هذه الزيادة: قالت عائشة رضي الله عنها: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ [النساء: ١٢٧] قالت: وقوله تعالى: وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ المراد منه هذه الآية: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ.
والمعنى على هذه الرواية: وإن علمتم ألا تعدلوا في نكاح اليتامى اللاتي تلونهنّ، فانكحوا ما مالت إليه نفوسكم من النساء غيرهنّ.
والمقصود في الحقيقة النهي عن نكاح اليتامى عند خوف عدم العدل، إلا أنه أوثر التعبير عنه بالأمر بنكاح الأجنبيات كراهة النهي الصريح عن نكاح اليتيمات، ولما فيه من مزيد اللطف في صرف المخاطبين عن نكاح اليتامى حال العلم بعدم العدل، فكأنه قيل: وإن خفتم ألا تقسطوا في نكاح اليتامى فلا تنكحوهن، ولكم في غيرهن من النساء متسع، فانكحوا ما طاب لكم.
ومنها أنه لما نزلت آية وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ تحرّج الأولياء من ولايتهم، مع أنّهم كانوا لا يتحرّجون من ترك العدل في حقوق النساء، حيث إن تحت الرجل عشر منهن لا يعدل بينهن فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم، فخافوا أيضا ترك العدل بين النساء، وقلّلوا عدد المنكوحات منهن، لأنّ من تحرّج من ذنب وهو مرتكب مثله فهو غير متحرج.
(١) رواه البخاري في الصحيح (٥/ ٢٠٩)، ٦٥- كتاب تفسير القرآن، ١- باب (إن خفتم) حديث رقم (٤٥٧٤)، ومسلم في الصحيح (٤/ ٢٣١٣)، ٥٤- كتاب التفسير حديث رقم (٦/ ٣٠١٨).
(٢) انظر تخريج الحديث السابق نفسه.
وقيل: كانوا لا يتحرّجون من الزنى، وهم يتحرّجون من ولاية اليتامى، فقيل:
إن خفتم الحوب في حق اليتامى فخافوا الزنى فانكحوا ما طاب إلخ.
والآية على تأويل عائشة تشهد لمن قال: إنّ لغير الأب والجد أن يزوّج الصغيرة أو يتزوجها، لأنها- على هذا التأويل- نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في مالها وجمالها، ولا يقسط لها في الصداق.
وأقرب وليّ تكون اليتيمة في حجره ويجوز له تزوجها هو ابن العم، فقد تضمّنت الآية جواز أن يتزوّج ابن العم اليتيمة التي في حجره، وإذا جاز له أن يتزوجها، فإمّا أن يلي هو النكاح بنفسه، وإمّا أن يزوجه إياها أخوها مثلا، وأيا ما كان الأمر فلغير الأب والجد أن يزوّج الصغيرة.
ومن قال من الأئمة: لا يزوّج الصغيرة إلا الأب أو الجد، يحمل الآية على أحد التأويلين الآخرين، أو يحمل اليتامى على الكبار منهنّ، ويكون التعبير عنهنّ باليتامى باعتبار ما كان، لقرب عهدهن باليتم.
والأمر في قوله تعالى: فَانْكِحُوا للإباحة، مثل قوله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا [البقرة: ٦٠] وقيل: للوجوب، أي وجوب الاقتصار على العدد المأخوذ من قوله تعالى: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ لا وجوب أصل النكاح، وتمسك الظاهرية بهذه الآية في وجوب أصل النكاح، وهم محجوجون بقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا إلى قوله تعالى: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ [النساء: ٢٥] فحكم تعالى بأنّ ترك النكاح في هذه الصورة خير من فعله، فدلّ ذلك على أنه ليس بمندوب فضلا عن أنه واجب.
وقوله تعالى: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ حال من فاعل طابَ أو من مرجعه، أو بدل منه، والكلمات الثلاث من ألفاظ العدد، وتدلّ واحدة منها على المكرّر من نوعها، ف مَثْنى تدل على اثنين اثنين، وثُلاثَ تدل على ثلاثة ثلاثة، ورُباعَ تدل على أربعة أربعة. والمراد منها هنا الإذن لكل من يريد الجمع أن ينكح ما شاء من العدد المذكور متفقين فيه ومختلفين.
ولو أفردت كان المعنى تجويز الجمع بين هذه الأعداد دون التوزيع، ولو ذكرت (بأو) لذهب تجويز الاختلاف في العدد، وفي هذه الآية دلالة على جواز تعدد الزوجات إلى أربع، وعلى أنه لا يجوز التزوّج بأكثر من أربعة مجتمعات، لأنّ هذا العدد قد ذكر في مقام التوسعة على المخاطبين كما علمت، فلو كان وراء هذا العدد مباح لا قتضى المقام ذكره.
وقد أجمع فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز الزيادة على الأربع، ولا يقدح في هذا الإجماع ما ذهب إليه بعض المبتدعة من جواز التزوّج بأي عدد، فإنّ الإجماع قد
وقع، وانقضى عصر المجمعين قبل ظهور هؤلاء الشّذاذ المخالفين.
وتمسّك الإمام مالك بظاهر هذه الآية في مشروعية نكاح الأربع للأحرار والعبيد، فالعبيد داخلون في الخطاب بقوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ إلخ. فيجوز لهم أن ينكحوا أربعا كالأحرار، ولا يتوقف نكاحهم على الإذن، لأنهم يملكون الطلاق، فيملكون النكاح.
وذهب الحنفية والشافعية إلى أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين، لما روى الليث عن الحكم قال: أجمع أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين، قالوا: والخطاب في قوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ لا يتناول العبيد، لأنه إنما يتناول إنسانا متى طابت له امرأة قدر على نكاحها، والعبد ليس كذلك، لأنه لا يجوز نكاحه إلا بإذن مولاه،
لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أيّما عبد تزوّج بغير إذن مولاه فهو عاهر» «١»
، ولأن في تنفيذ نكاحه تعييبا له، فلا يملكه دون إذن المولى.
وأيضا قوله تعالى بعد: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ لا يمكن أن يدخل فيه العبيد، لعدم الملك، فحيث لم يدخلوا في هذا الخطاب لم يدخلوا في الخطاب الأول، لأن هذه الخطابات وردت متتالية على نسق واحد، فبعيد أن يدخل في الخطاب السابق ما لا يدخل في اللاحق.
وكذلك لا يمكن دخولهم في قوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [النساء: ٤] والعبد لا يأكل ما طابت عنه نفس امرأته من المهر، بل يكون لسيده فيكون الآكل السيّد لا العبد.
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا المراد بالعدل هنا العدل بين الزوجات المتعددات، كما صرّح بذلك في قوله تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ [النساء: ١٢٩] كأن الله تعالى لما وسّع عليهم بقوله: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ أنبأهم أنه قد يلزم من الاتساع خوف الميل، فالواجب حينئذ أن يحترزوا بالتقليل، فيقتصروا على الواحدة، والمعنى: فإن خفتم ألا تعدلوا بين النساء المتعددات في عصمتكم، كما خفتموه في حق اليتامى، فاختاروا أو فالزموا واحدة، أو أي عدد شئتم من السراري من غير حصر، لقلّة تبعتهنّ، وخفّة مؤونتهنّ، وعدم وجوب القسم فيهنّ.
وعلى هذا التأويل: يكون المراد من اختيار الإماء اختيارهن بطريق التسرّي، لا
(١) رواه أبو داود في السنن (٢/ ١٩٠)، كتاب النكاح حديث رقم (٢٠٧٨)، والترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٤١٩)، كتاب النكاح حديث رقم (١١١١).
بطريق النكاح، ويشهد له أن الظاهر اتحاد المخاطبين في المعطوف والمعطوف عليه في قوله تعالى: فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وعليه يكون الذي خيّر بين الحرة الواحدة والعدد من الإماء هو مالك الإماء لا غير، ولو كان التخيير واقعا بين أن يتزوج حرّة واحدة، أو يتزوج من شاء من الإماء اللاتي يملكهنّ لاقتضى ذلك ورود النكاح على ملك اليمين.
وقد قالوا: لا يجوز أن يتزوّج المولى أمته، ولا المولاة عبدها، لأنّ للزوجية لوازم تنافي لوازم ملك اليمين، ألا ترى أنّ من لوازم الزوجية حقّ الإخدام على الزوج لزوجته، ومن لوازم الملك حق الاستخدام عليها لسيدها ولمن شاء، ومعلوم أن الإخدام والاستخدام لا يجتمعان- وأنه متى تنافت اللوازم تنافت الملزومات، فلا يجتمع ملك اليمين والزوجية، والآية هنا جارية في الخطاب على خلاف ما جرت عليه الآية الآتية، وهي قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [النساء: ٢٥] فإن المأمورين بالنكاح هنا غير المخاطبين بملك اليمين.
وذلك ظاهر بشهادة قوله: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ وقوله بعد: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ [النساء: ٢٥] وسيأتي عما قريب إيضاح ذلك إن شاء الله.
وقد حاول الجصاص «١» الاستدلال بقوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ على جواز التزوّج بالأمة مع وجود الطول إلى الحرة، وسلك بالآية طريقا لم يرتضه جمهور المفسرين.
وذلك أنه يرى أنّ قوله تعالى: أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ معطوف على كلمة النِّساءِ في قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ وبذلك يكون التخيير واقعا بين أربع حرائر وأربع إماء: بعقد النكاح، فيوجب ذلك تخييره بين تزوج الحرة والأمة، وهذا بعيد كل البعد كما ترى.
ويرى أيضا عدم اتحاد المخاطبين في قوله تعالى: فَانْكِحُوا وقوله تعالى: فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ قال: لما أضاف ملك اليمين إلى الجماعة كان المراد نكاح ملك يمين الغير، كقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا إلخ، وقد علمت ما فيه آنفا.
ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا الإشارة إلى اختيار الواحدة والتسرّي.
أَدْنى معناه أقرب. والعول في الأصل الميل المحسوس، يقال: عال الميزان عولا إذا مال، ثم نقل إلى الميل المعنوي، وهو الجور، يقال عال الحاكم إذا جار، والمراد هنا الميل المحظور المقابل للعدل، المعنى أن ما ذكر من اختيار الواحدة
(١) أحكام القرآن للإمام أبي بكر الجصاص (٢/ ١٥٧).
والتسرّي أقرب بالنسبة إلى ما عداهما من ألا يميلوا ميلا محظورا، فإنّ من اختار واحدة فقد انتفى عنه الميل والجور رأسا، ومن تسرّى فقد انتفى عنه خطر الجور والميل، أما من اختار عددا من الحرائر فالميل المحظور متوقّع منه لا محالة.
وقد حكي عن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه فسر أَلَّا تَعُولُوا بألا تكثر عيالكم، وخطّأه في ذلك الجصاص تبعا للمبرّد «١»، وزعما أنه لا يقال: عال بمعنى كثرت عياله، وإنما يقال: أعال يعيل، ولكنّ صاحب «الكشاف» «٢»، قال: نقل الكسائي عن فصحاء العرب: عال يعول إذا كثرت عياله، وممن نقله الأصمعي «٣» والأزهري «٤»، وهذا التفسير نقله ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم، وهو من جلة التابعين، وقراءة طاووس ألا تعيلوا مؤيدة له، فلا وجه لتشنيع من شنّع على الإمام جاهلا باللغات والآثار اهـ.
قال الله تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (٤) المراد بالإيتاء: ما يعمّ المناولة والالتزام.
و (الصّدقات) :جمع صدقة بفتح الصاد وضم الدال، وهي كالصداق بمعنى المهر.
والنّحلة: العطية من غير عوض، ومن ذلك النّحلة بمعنى الديانة، لأنها عطية من الله تعالى، وكذلك النحل لما يعطي من العسل، والناحل المهزول، كأنه أعطى لحمه حالا بعد حال بلا عوض، والمنحول من الشّعر المنسوب لغير قائله، ومن فسّر النّحلة هنا بالفريضة نظر إلى أنّ هذه العطية مفروضة من الله محتومة، كما قال تعالى بعد آيات المواريث فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ [النساء: ١١].
ذهب ابن عباس إلى أن الخطاب في قوله تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ للأزواج، وكان الرجل يتزوّج بلا مهر، يقول: أرثك وترثينني، فتقول: نعم، فأمروا أن يسرعوا إلى إيتاء المهور، وقيل: الخطاب للأولياء: أخرج ابن حميد وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوج أيّما، أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك ونزلت: وَآتُوا النِّساءَ الآية «٥».
(١) محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي، إمام العربية والأدب في بغداد توفي سنة (٢٨٦) انظر الأعلام للزركلي (٧/ ١٤٤).
(٢) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل للإمام الزمخشري (١/ ٤٦٩). [..... ]
(٣) عبد الملك بن قريب بن علي توفي سنة (٢١٦ هـ) في البصرة، أحد أئمة اللغة والشعر، انظر الأعلام للزركلي (٤/ ١٦٢).
(٤) محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي أحد أئمة اللغة والأدب توفي (٣٧٠) في خراسان، انظر الأعلام للزركلي (٥/ ٣١١).
(٥) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (٢/ ١١٩).
والضمير المجرور بمن في قوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً عائد على الصّدقات، وذكر لإجرائه مجرى الإشارة، وكثيرا ما يشار بالمفرد إلى المتعدد، كأنه قيل: طبن لكم عن شيء من ذلك المذكور، وهو الصدقات، كما قال رؤبة:
فيها خطوط من سواد وبلق كأنّه في الجلد توليع البهق
أراد: كأنّ ذلك، وليس المراد من قوله تعالى: فَكُلُوهُ خصوص الأكل، إنما المراد حلّ التصرف فيه، وخصّ الأكل بالذكر، لأنه معظم وجوه التصرفات المالية، وتقدّم نظيره في قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ [النساء: ٢] والهنيء والمريء صفتان من هنؤ الطعام يهنؤ هناءة، فهو هنيء، ومرؤ يمرؤ مراء، فهو مريء.
قيل: معناهما واحد، وهو خفة الطعام على المعدة، وانحداره عنها بلا ضرر.
وقيل: الهنيء الذي يلذه الآكل، والمريء ما تحمد عاقبته، وقيل: ما ينساغ في مجراه، وهو المريء كأمير، وهو رأس المعدة اللاصق بالحلقوم، سمّي بذلك لمرور الطعام فيه أي انسياغه.
دلت هذه الآية على أمور منها، أن الفروج لا تستباح إلا بصداق ملزم، سواء سمّي ذلك في العقد أو لم يسمّ.
وأن الصداق ليس في مقابلة الانتفاع بالبضع، لأنّ الله تعالى جعل منافع النكاح:
من قضاء الشهوة، والتوالد، مشتركة بين الزوجين، ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزوجة المهر، فكان ذلك عطية من الله ابتداء.
وأنه يجوز للزوجة أن تعطي زوجها مهرها، أو جزءا منه، سواء أكان مقبوضا معينا، أم كان في الذمة، فشمل ذلك الهبة والإبراء، وأنه ينبغي للأزواج الاحتياط فيما أعطت نساؤهم، حيث بني الشرط على طيب النفس، فقال: فَإِنْ طِبْنَ ولم يقل: فإن وهبن إعلاما بأنّ المراعى في ذلك هو تجافيها عن المعطى طيّبة به نفسها، من غير أن يكون السبب فيه شراسة خلق الزوج، أو سوء معاشرته.
وأنه يحلّ للزوج أخذ ما وهب زوجته بالشرط السابق من غير أن يكون عليه تبعة في الدنيا والآخرة.
واحتج الجصاص بقوله تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً على إيجاب المهر كاملا للمخلو بها خلوة صحيحة، ولو طلّقت قبل المساس، وأنت تعلم أنّ هذه الآية عامة في كل النساء بسواء المخلوّ بها وغيرها، إلّا أنّ قوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ [البقرة: ٢٣٧] يدل على أنه لا يجب للمخلوّ بها إلا نصف المهر، وهذه الآية خاصّة، ولا شك أن الخاصّ مقدم على العام، فالخلوة الصحيحة لا تقرّر المهر كلّه.
قال الله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٥) أصل السفه: الخفة والحركة. يقال تسفّهت الريح الشجر إذا أمالته، والمراد به هنا خفّة الأحلام، واضطراب الآراء، ومن معاني القيام الانتصاب على القدمين، والاعتدال، وما يعاش به، وهذا الأخير هو المناسب هنا.
واختلف المفسّرون في تعيين المخاطبين بقوله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ كما اختلفوا في المراد من السفهاء على أقوال أشهرها: أن المخاطبين هم أولياء اليتامى، والسفهاء هم اليتامى مطلقا، أو المبذرون بالفعل، والأموال أموالهم، لا أموال الأولياء، وعليه يكون ذكر هذه الآية الكريمة رجوعا لبيان شيء من الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى، وتفصيلا لما أجمل فيما سبق، ويكون ذكر الأحكام المتعلقة بنكاح الأجنبيات ومهورهنّ وهبتهنّ استطرادا، وإنما أضيفت الأموال إلى ضمير الأولياء المخاطبين مع أنها أموال اليتامى للمبالغة في حملهم على المحافظة عليها، بتنزيل أموال اليتامى منزلة أموال الأولياء، لما بين الولي واليتيم من الاتحاد في الجنس والنسب، ونظيره قوله تعالى: فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [النور: ٦١] وقوله: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٢٩] فإنّ المراد لا يقتل بعضكم بعضا، إلّا أنّه عبّر عن نوعهم بأنفسهم مبالغة في الزجر عن القتل، حتى كأنّ قتلهم قتل أنفسهم، وعلى هذا القياس قوله تعالى: الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً إذ عبّر عن جعل الأموال مناطا لمعاش اليتامى بجعلها مناطا لمعاش الأولياء، وإلى تفسير الآية بما ذكرنا ذهب عكرمة وابن جبير وكثير من متأخري المفسرين.
وروي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم أنّ الخطاب لكلّ عاقل من الناس جميعا، وأنّ المراد من السفهاء النساء والصبيان، والمقصود النهي عن إيتاء المال لمن لا رشد له من هؤلاء، وعليه تكون إضافة الأموال إلى ضمير المخاطبين على حقيقتها.
وقيل: المراد من السفهاء النساء خاصة، سواء أكنّ أزواجا أم أمهات أم بنات.
وقيل: إنّ السفهاء عامّ في كلّ من ليس له عقل يفي بحفظ المال وحسن التصرف فيه، ويدخل فيه الصبيّ والمجنون والمحجور عليه للتبذير.
وعلى أي تأويل ترى في قوله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً دلالة على النهي عن تضييع المال، ووجوب حفظه وتدبيره، وحسن القيام عليه، حيث قد جعله تعالى سببا في إصلاح المعاش وانتظام الأمور، وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن.
وقال بعضهم: لأن أترك مالا يحاسبني الله عليه خير من أن أحتاج إلى الناس.
وقال قيس بن سعد: اللهم ارزقني حمدا ومجدا فإنّه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال.
وقيل لأبي الزناد: لم تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟ فقال: هي إن أدنتني منها فقد صانتني عنها، وفي منثور الحكم: من استغنى فقد كرم على أهله، وكانوا يقولون: اتّجروا واكتسبوا، فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم فيه كان أول ما يأكل دينه.
وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ أي اجعلوا أموالكم مكانا لرزقهم وكسوتهم بأن تتّجروا فيها حتى تكون نفقتهم من الربح لا من صلب المال، لئلا يأكله الإنفاق، وهذا ما يقتضيه جعل الأموال نفسها ظرفا للرزق والكسوة، ولو قيل (منها) لكان الإنفاق من نفس المال.
وفي الآية دلالة على وجوب الحجر على المبذّرين من وجهين:
أحدهما: منعهم من أموالهم:
والثاني: إجازة تصرفنا عليهم في الإنفاق عليهم من أموالهم، وشراء أقواتهم وكسوتهم.
وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً كل ما سكنت إليه النفس لحسنه شرعا أو عقلا من قول أو عمل فهو معروف، وكل ما أنكرته النفس لقبحه شرعا أو عقلا فهو منكر، فالمراد بالقول المعروف هنا الكلام الذي تطيب به نفوسهم، كأن يقول الولي لليتيم: مالك عندي، وأنا أمين عليه، فإذا بلغت ورشدت أعطيتك مالك.
وعن مجاهد وابن جريج أنهما فسرا القول المعروف بعدة جميلة في البر والصلة، وقال القفال: إن كان صبيا فالولي يعرفه أنّ المال ماله. وهو خازن له، وأنه إذا كبر ردّ إليه ماله، وإن كان سفيها وعظه ونصحه، وحثّه على الطاعة، ونهاه عن التبذير والإسراف، وعرّفه أنّ عاقبة الإتلاف فقر واحتياج.
قال الله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٦)
الابتلاء: الاختبار.
المراد ببلوغ النكاح هنا وبلوغ الحلم المذكور في قوله تعالى: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ [النور: ٥٩] الوصول إلى حد البلوغ، وهو حد التكليف، والتزام الأحكام، وذلك إما أن يكون بالاحتلام أو الحيض أو بالسن كما هو معروف في كتب الفقه.
وأصل الإيناس النظر إلى ما يؤنس به من بعد مع وضع اليد على العين، وقيل:
أصله الإبصار مطلقا، وقيل: الإحساس، وعلى كل فالمراد به هنا التبيّن: أي علم الرشد بيّنا، والرشد الاهتداء إلى وجوه الخير، والمراد به هنا الاهتداء إلى حفظ الأموال فقط، أو مع صلاح الدين، وإذا متمحضة للظرفية أو شرطية وجوابها الجملة الشرطية بعدها.
لمّا أمر الله بإيتاء أموالهم على الإطلاق بقوله: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ شرع في تعيين وقت تسليمهم أموالهم، وبيان شرط ذلك الدفع، فأمر الأولياء باختبار اليتامى في عقولهم وأحوالهم حتّى إذا علموا منهم بعد البلوغ أنّ لهم فهما وعقلا وقدرة في معرفة المصالح والمفاسد دفعوا إليهم أموالهم.
واتفق الإمامان أبو حنيفة والشافعي على أنّ هذا الاختبار يكون قبل البلوغ وتشهد لهما الغاية، وقال الإمام مالك: إنه بعد البلوغ.
وفرّع أبو حنيفة على ذلك أنّ تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة، لأنّ ذلك الاختبار إنما يحصل إذا أذن له الولي في البيع والشراء مثلا، وذلك يقتضي صحة التصرف، وقال الشافعي: الاختبار لا يقتضي الإذن في التصرف، ولا يتوقف عليه، بل يكون الاختبار دون التصرف، على حسب ما يليق بحال الصبي، فابن التاجر مثلا يختبر في البيع والشراء إلى حيث يتوقف الأمر على العقد، وحينئذ يعقد الولي إن أراد، وعلى هذا القياس.
وأنت خبير بأنّه لو جاز إذن الصبي في التصرف بالفعل لجاز دفع المال إليه وهو صبي، لأنّ المعنى الذي من أجله منع عنه ماله هو بعينه يقتضي عدم صحة تصرفه.
وأيضا تصرف الصبي في ماله يتوقف على دفعه إليه، ودفعه إليه موقوف على شرطين: بلوغه، ثم رشده.
وظاهر قوله تعالى: حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ أنه لا تدفع أموالهم إليهم، ولو بلغوا، ما لم يؤنس منهم الرشد، وهو مذهب الشافعي، وقول الصاحبين «١»، وبه قال مجاهد، فقد أخرج ابن المنذر وغيره عنه أنه قال: لا يدفع إلى اليتيم ماله وإن شمط، ما لم يؤنس منه رشد، ونسب هذا القول للشعبي.
وقال الإمام أبو حنيفة: إذا بلغ خمسا وعشرين سنة دفع إليه ماله، وإن لم يؤنس منه
(١) وهما: يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي، البغدادي، وهو أول من نشر مذهب أبي حنيفة، كان من حفاظ الحديث توفي سنة (١٨٢) انظر الأعلام للزركلي (٨/ ١٩٣)، ومحمد بن الحسن بن فرقد، أبو عبد الله ولد بواسط ونشأ بالكوفة، مات في الري سنة (١٨٩ هـ) انظر الأعلام للزركلي (٦/ ٨٠).
رشد، وتقدم احتجاجه على ذلك عند الكلام على قوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ.
ونزيد على ما تقدّم أن الجصاص وصاحب «الكافي» قالا في الاحتجاج لمذهب الإمام: إنّ الشرط (رشد) نكرة، فإذا صار الشرط في حكم الوجود بوجه وجب جزاؤه، وأوّل أحوال البلوغ قد يقارنه السفه باعتبار أثر الصبا، وإذا امتدّ الزمان وظهرت الخبرة والتجربة لم يبق أثر الصبا، وحدث ضرب من الرشد لا محالة.
وأنت تعلم أنّه إذا كان ضرب من الرشد كافيا كان الدفع حينئذ عن إيناس الرشد- وهو مذهب الشافعي والصاحبين- فلا يصحّ أن يقال: إنّ مذهب الإمام وجوب دفع المال إلى اليتيم بعد الخمس والعشرين سنة، سواء أونس منه رشد أم لا، بل يكون الخلاف بين الإمام وغيره في تعيين الرشد الذي اعتبر شرطا للدفع في الآية ماذا هو؟
وذلك أمر آخر وراء ما نقل عن الإمام في هذه المسألة: على أنه إن أريد بهذا الضرب من الرشد الرشد في مصلحة المال، فكونه لا بد أن يحصل في سن خمس وعشرين سنة في حيز المنع، وإن أريد ضرب من الرشد كيفما كان فهو يكاد يكون مصادمة للآية، لأنها كالصريحة في اشتراط الرشد في ضبط الأموال ورعايتها، ألا ترى أن الابتلاء المأمور به في أول الآية هو ابتلاؤهم فيما يتعلق بحفظ المال ورعايته، وقد قال الله تعالى بعد ذلك الأمر: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إلخ فيجب أن يكون المراد فإن آنستم منهم رشدا في رعاية مصالح المال، لا ضربا من الرشد كيفما كان، وإلا تفكك النّظم، وضاع انسجام الكلام.
ومخالف الإمام يقوّي الاستدلال بالآية على مذهبه بالقياس الجلي، وذلك أن الصبيّ إنما منع منه ماله لفقدان العقل الهادي إلى حفظ المال وكيفية الانتفاع به، فإذا كان هذا المعنى قائما بالشيخ والشاب كانا في حكم الصبي، فوجب أن يمنع دفع المال إليهما ما لم يؤنس منهما الرشد.
قال صاحب «روح المعاني» «١» من الحنفية: ولقوة كلام المخالف في هذه المسألة شنّع ابن حزم- ودأبه التشنيع على الأئمة- على أبي حنيفة رضي الله عنه، مع أنّ من تدبر ما ذهب إليه الإمام علم أن نظره في ذلك دقيق، لأن اليتيم إذا بلغ مبلغ الرجال، واعتبر إيمانه وكفره، وسلّم الله إليه نفسه يتصرف فيها حسب اختياره، كان منع ماله عنه أشبه شيء بالظلم، وهذا وإن اقتضى دفع المال إليه بعد البلوغ فورا، إلا أنّنا أخّرنا الدفع إلى هذه المدة للتأديب، ورجاء الرشد والكف عن السفه، وما فيه من تبذير المال وفساده.
وسنّ البلوغ ثمانية عشر سنة زيد عليها سبع سنوات، لأنها مدة معتبرة شرعا في
(١) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للإمام الألوسي (٤/ ٣٠٧).
تغيير الأحوال، إذ الطفل يميّز بعدها، ويؤمر بالصلاة كما في الحديث «١»، وبانضمامها إلى سن البلوغ يكمل لبّه، ويبلغ أشدّه، ألا ترى أنه قد يصير جدا صحيحا في هذه السن، فإذا بلغ هذه السن، ولم يتأدب: انقطع عنه الرجاء غالبا.
وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ.
الإسراف: مجاوزة الحدّ المباح إلى ما لم يبح.
والبدار: المسارعة، والمفاعلة بمعنى أصل الفعل، أو على أنها بأن يبادر الولي أخذ مال اليتيم، واليتيم يبادر نزعه.
كبر: يكبر كعلم يعلم، يستعمل في السن، وكبر يكبر كعظم يعظم في القدر والشرف.
واستعف عن الشيء كف عنه، وتركه، وهو أبلغ من عف، كأنه طلب زيادة العفة.
المعنى: أن الله ينهى الأولياء والأوصياء أن يأكلوا أموال اليتامى مسرفين ومبادرين كبرهم، ويرشدهم إلى أنّ من كان منهم ذا مال فليكفّ نفسه عن مال اليتيم، ولينتفع بما آتاه الله، ومن كان منهم فقيرا فليأكل من مال اليتيم بقدر حاجته الضرورية، من سد الجوعة، وستر العورة.
وجملة: وَلا تَأْكُلُوها إلخ، معطوفة على جملة وَابْتَلُوا الْيَتامى ولا يصح عطفها على جواب الشرط قبلها، لفساد المعنى، لأنّ جواب الشرط وهو فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ يكون بعد البلوغ، والأكل إسرافا وبدارا أن يكبروا يكون قبل البلوغ، والنهي عن الأكل- الذي هو أساس الانتفاع، وتكثر الحاجة إليه- يدلّ على أن غيره من سائر الانتفاعات منهيّ عنه بطريق الأولى.
وقد استدلّ الجصاص بقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا على أنه لا يجوز للولي إمساك مال اليتيم بعد ما يصير في حد الكبر، قال: ولولا ذلك لما كان لذكر الكبر هاهنا معنى، إذ كان الولي عليه هو المستحق لماله قبل الكبر وبعده، فهذا يدلّ على أنه إذا صار في حد الكبر استحق دفع المال إليه.
وجعل أبو حنيفة حد الكبر في ذلك خمسا وعشرين سنة، لأنّ مثله يكون جدا، ومحال أن يكون جدا ولا يكون في حد الكبار.
ويقول الشافعية: إنّ المراد من قوله: أَنْ يَكْبَرُوا أن يبلغوا راشدين، عملا بقوله تعالى: حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وعبّر عن ذلك بالكبر لأنّ الغالب أنّ من بلغ حدّ الرجال كان رشيدا.
(١) رواه أبو داود في السنن (١/ ١٩٧)، كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الفلاح حديث رقم (٤٩٤)، والترمذي في الجامع الصحيح (٢/ ٢٥٩)، كتاب الصلاة، باب ما جاء متى يؤمر الصبي حديث رقم (٤٠٧).
وظاهر قوله تعالى: وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ يدل على الإذن للوصيّ الفقير في أن ينتفع من مال اليتيم بمقدار الحاجة، ويشهد لذلك قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً فإنّه مشعر بأنّ له أن يأكل بقدر الحاجة، وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [النساء: ١٠]، إنه يدل على أن مال اليتيم قد يؤكل ظلما وغير ظلم، والأكل الذي لا يعد ظلما هو الأكل بالمعروف وما أخرجه أحمد وأبو داود والنّسائي وابن ماجه من
حديث ابن عمرو أن رجلا سأل النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: ليس لي مال، وإني وليّ يتيم، أفآكل من ماله؟ فقال «كل من مال يتيمك غير مسرف، ولا متأثّل مالا، ومن غير أن تقي مالك بماله» «١»
فإنّه يدلّ على أن مال اليتيم قد يؤكل ظلما وغير ظلم، والأكل الذي لا يعدّ ظلما هو الأكل بالمعروف، وإلى هذا الظاهر ذهب عطاء وقتادة، وهو إحدى الروايات عن ابن عباس، فقد أخرج ابن المنذر والطبراني عنه أنه قال: يأكل الفقير إذا ولي مال اليتيم بقدر قيامه على ماله، ومنفعته له، ما لم يسرف أو يبذّر «٢».
بقي النظر في هذا الذي يأخذه الولي من مال اليتيم، أيعدّ أجرة أم لا؟ حكى صاحب «روح المعاني» «٣» أنّ مذهب الحنفية أنه ليس بأجرة، ومن ذهب إلى أنه أجرة لم يفرّق بين الغني والفقير كما هو القياس في كل عمل يقابل بأجر، لا فرق فيه بين العامل الغني والعامل الفقير، وحينئذ يكون الأمر في قوله تعالى: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ محمولا على الندب، كما هو اللائق بمحاسن العادات، ولا تزال في مجال الاجتهاد والنظر هذه الأجرة أهي مقدرة بكفاية الولي أم هي أجرة المثل؟ مقتضى القواعد الفقهية أنها تكون مقدرة بأجر المثل، سواء أكفت الولي أم لا.
وذهب جماعة من العلماء إلى أنه ليس للوليّ أن ينتفع من مال اليتيم بشيء، وافترق هؤلاء في تأويل قوله تعالى: وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ إلى طائفتين:
الأولى تقول: إن له أن يأخذ من مال اليتيم قرضا بقدر ما يحتاج إليه، ثم إذا أيسر قضاه، وهذا قول سعيد بن جبير، ومجاهد، وأبي العالية «٤»، وأكثر الروايات عن ابن عباس.
(١) أحمد في المسند (٢/ ١٨٦)، وأبو داود في السنن (٣/ ٣٦)، كتاب الوصايا باب ما جاء في ما لولي اليتيم حديث رقم (٢٨٧٢)، والنسائي في السنن (٥- ٦/ ٥٦٧)، كتاب الوصايا، باب ما للوصي من مال اليتيم حديث رقم (٣٦٧٨) وابن ماجه في السنن (٢/ ٩٠٧)، كتاب الوصايا حديث رقم (٢٧١٨).
(٢) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (٢/ ١٢٢).
(٣) روح المعاني للإمام الألوسي (٤/ ٢٠٨).
(٤) رفيع بن مهران الرياحي البصري، الإمام المقرئ، الحافظ المفسر توفي سنة (٩٣ هـ) انظر سير أعلام النبلاء للذهبي (٥/ ٢٠٧) ترجمة (٤٥٢).
والطائفة الثانية: ذهبت إلى أن ذلك حق اليتيم، ينفق عليه من ماله بحسب حاله، وحكي ذلك عن يحيى بن سعيد، ويميل إليه كلام الجصاص، وهو كما ترى تأويل بعيد كل البعد، لا ينتظم مع قوله تعالى: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ.
ومن هذه الطائفة من ادّعى نسخ هذه الآية بقوله تعالى بعدها: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً فقد أخرج أبو داود وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ نسختها إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إلخ.
فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً من معاني الحسيب الكافي والمحاسب، وكلاهما محتمل هنا.
يأمر الله تعالى الأولياء والأوصياء أن يشهدوا على اليتامى حين يدفعون إليهم أموالهم، بعد رعاية الشرطين السابقين: البلوغ، ثم الرشد، لأنّ ذلك الإشهاد أبعد عن التهمة، وأنفى للخصومة، وأدخل في الأمانة.
واختلف العلماء في أنّ الوصي إذا ادّعى بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع إليه ماله هل يصدّق؟ وكذلك إذا قال: أنفقت عليه في صغره، هل هو مصدّق؟
فقال الإمامان مالك والشافعي: لا يصدق، وقال الإمام أبو حنيفة وأصحابه:
يصدّق.
واحتج مالك والشافعي بهذه الآية، فإنّ قوله تعالى: فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ أمر، وظاهر الأمر الوجوب، وليس معنى الوجوب هنا أنه يأثم إذا لم يشهد، بل المراد أنّ الإشهاد لا بد منه في براءة ذمته ظاهرا، حتى إذا دفع المال ولم يشهد، ثم طالبه اليتيم، فالقول قول اليتيم بيمينه.
وقال الحنفية: إنّ الأمر للندب، وصرفه عن الوجوب أن الوصي أمين، والأمين إذا ادّعى الردّ على من ائتمنه صدّق، وقالوا إن قوله تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً يشهد لهم في عدم لزوم البينة، فإنّ معناه أنه لا شاهد أفضل من الله تعالى فيما بينكم وبينهم، روي ذلك عن سعيد بن جبير.
واختار جمهور المفسّرين أن المعنى وكفى بالله محاسبا لكم، فلا تخالفوا ما أمرتم به، ولا تتجاوزوا ما حدّ لكم. ولا يخفى موقع المحاسب هنا، وما فيه من الإشارة إلى أن الوصي سيحاسب على ما في يده من مال اليتيم، ثم يجزى على عمله الجزاء الأوفى.
قال الله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (٧).
هذا شروع في بيان أحكام المواريث بعد بيان الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى التي آلت إليهم بالميراث.
كان من عادتهم في الجاهلية ألا يورّثوا النساء ولا الصغار، يقولون: إنما يرث من يحارب ويحمي الحوزة ويجوز الغنيمة. وللرد عليهم نزلت هذه الآية، قال ابن جبير وغيره «١».
وروي أنّ أوس بن ثابت مات، وخلّف بنتين وابنا صغيرا وزوجة، فجاء ابنا عمه، فزويا ميراثه عن أولاده وزوجه، على سنتهم في الجاهلية، فقالت امرأته لهما:
تزوّجا البنتين، وكانت بهما دمامة، فأبيا، فأتت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فشكت إليه، فقال:
ارجعي حتى أنظر ما يحدث الله، فنزلت: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ الآية، فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى ابني العم أن لا يفرّقا من مال أوس شيئا، فإنّه قد أنزل عليّ فيه شيء، أخبرت أنّ للذكر والأنثى نصيبا، ثم نزل: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء: ١١] إلى قوله:
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ [النساء: ١٢] فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالميراث، فأعطى المرأة الثمن، وقسم ما بقي بين الأولاد، للذكر مثل حظ الأنثيين، ولم يعط ابني العم شيئا «٢».
وفي بعض طرقه أن الميت خلّف زوجه وبنتين وابني عم، فأعطى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الزوجة الثمن، والبنتين الثلثين، وابني العم الباقي.
وللعلماء في تفسير هذه الآية أقوال:
فمن الناس من أبقاها على ظاهرها، فجعل المراد من الرجال الذكور البالغين، ومن الوالدين الأب والأم بلا واسطة، ومن النساء الإناث البالغات. يكون المعنى حينئذ:
للذكور البالغين نصيب مما ترك آباؤهم وأمهاتهم وأقاربهم، كإخوتهم وأخواتهم، وأعمامهم وعماتهم، وللإناث البالغات كذلك نصيب مما ترك آباؤهن إلخ.
ويكون الله تعالى قد بيّن في هذه الآية أن الإرث غير مختصّ بالرجال كما هو عادتهم في الجاهلية، بل هو أمر مشترك بين الرجال والنساء، ولا مانع من الاقتصار في الآية على هذا القدر جريا على سنة الله في التشريع الإسلامي من التدرج في الأحكام، إذ كان من عادة القوم توريث الكبار من الرجال دون الصغار والنساء كما علمت، فأراد الله سبحانه أن ينقلهم عن تلك العادة قليلا على التدريج، لأنّ الانتقال من العادة شاقّ ثقيل على الطبع، فإذا كان دفعة عظم وقعه، وصعب على النفوس تلقيه بالقبول، وإذا كان على التدريج سهل أمره، وخفّ على
(١) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (٢/ ١٢٣).
(٢) المرجع نفسه (٢/ ١٢٢).
النفوس تعاطيه، فلهذا المعنى ذكر الله تعالى هذا المجمل أولا ثم أردفه بالتفصيل.
وفي اختيار هذا الأسلوب التفصيلي- مع أنه كان يكفي أن يقال: للرجال والنساء نصيب إلخ- اعتناء بشأن النساء، وإيذان بأصالتهن في استحقاق الإرث، ومبالغة في إبطال حكم الجاهلية، بإلغاء ما كانوا يعتبرونه من الأوصاف الخاصة بالرجال سببا مضموما إلى القرابة في استحقاق الميراث، فالله قد أهدر وصف الرجولة في ميراث الإنسان من والديه وأقاربه، وجعل سبب هذا التوارث القرابة فحسب، والرجال والنساء سواء في ذلك، فكما يكون للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، يكون للنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون.
ومن العلماء من عمّم في الرجال والنساء، فجعل المراد من الرجال الذكور مطلقا، سواء أكانوا كبارا أم صغارا، والمراد من النساء الإناث كذلك، ويكون المراد التسوية بين الذكور والإناث في أنّ لكل منهما حقا فيما ترك الوالدان والأقربون، ومنهم من حمل الرجال على الصغار من الذكور، وحمل النساء على الصغار من الإناث كذلك، وعلل هذا الاقتصار بأن فيه اعتناء بشأن اليتامى، وردّا صريحا على طريقة الجاهلية في التوريث.
وعلى كل حال فظاهر الآية يشهد للحنفية القائلين بتوريث ذوي الأرحام، لأنّ العمات والخالات وأولاد البنات من الأقربين، فوجب دخولهم تحت قوله سبحانه:
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ إلخ فثبت كونهم مستحقين لأصل النصيب بهذه الآية، وأما المقدار فمستفاد من دلائل أخر كما هو الحال في غيرهم.
وحاول الإمام الرازي «١» الردّ على الحنفية، فادعى أنّ المراد من الأقربين الوالدان والأولاد، وحينئذ لا يدخل فيهم ذوو الأرحام، وعليه يكون عطف الأقربين على الوالدين من عطف العام على الخاص، وهو تأويل ظاهر التكلف.
وقوله تعالى: مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ بدل من (ما) الثانية، بإعادة العامل، ويقدّر مثل هذا في الجملة الأولى، والفائدة منه التنصيص على أن التوريث يكون في التركات الضئيلة، كما يكون في التركات العظيمة، وفيه أيضا دفع توهم اختصاص بعض الأموال ببعض الورثة، وبذلك تنقطع طماعية الكبار من الورثة في أن يختصوا بمثل السيف والخاتم والمصحف واللباس البدني.
وكلمة نَصِيباً مَفْرُوضاً مصدر مؤكد بتأويله بمعنى العطاء، أو حال، وأصل الفرض الحز في الشيء، ويسمّى الحز في سية القوس فرضا، ثم توسّع فيه، فاستعمل بمعنى القطع والتقدير، وما أوجبه الله تعالى، وأولى المعاني هنا في كلمة مَفْرُوضاً أنها بمعنى مقدّرا.
(١) في كتابه: مفاتيح الغيب والمعروف أيضا بالتفسير الكبير (٩/ ١٩٥).
قال الله تعالى: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٨) المراد بالقسمة: التركة بين الورثة، وأولوا القربى: من لا يرثون، لكونهم محجوبين، أو لكونهم من ذوي الأرحام.
يأمر الله بإعطاء من حضر القسمة من هؤلاء ما يجبر خاطرهم، وتطيب به نفوسهم، وقد اختلف العلماء في هذه الآية، أهي محكمة أم منسوخة؟ فذهب ابن المسيّب والضحاك وابن عباس في رواية عطاء عنه إلى أنها منسوخة بآية المواريث يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إلخ.
وذهب ابن عباس في رواية عكرمة عنه وجمهور المفسرين إلى أنها محكمة، ثم اختلفوا في ذلك الإعطاء، أهو واجب أم مندوب؟ فمن ذهب إلى الوجوب تمسّك بظاهر الأمر، وأوجب على الوارث الكبير وعلى ولي الصغير أن يرضخا لمن حضر القسمة شيئا من المال بقدر ما تطيب به نفسه.
ومنهم من قال: على الوارث الكبير الدفع، وعلى ولي الصغير القول المعروف بأن يعتذر إليهم، ويعرّفهم أن أصحاب المال صغار لا يقدّرون ما عليهم من الحق، وإن يكبروا فسيعرفون حقهم.
وذهب فقهاء الأمصار إلى أنّ هذا الإعطاء مندوب طولب به الكبار من الورثة، وحجتهم في ذلك أنه لو كان لهؤلاء حقّ معيّن لبينه الله تعالى، كما بيّن سائر الحقوق، وحيث لم يبيّن، علمنا أنه غير واجب، وأيضا لو كان واجبا لتوفّرت الدواعي على نقله، لشدة حرص الفقراء والمساكين، ولو كان ذلك لنقل إلينا على سبيل التواتر، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه ليس بواجب.
والضمير المجرور في قوله تعالى: فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ يرجع إلى ما ترك الوالدان والأقربون، أو إلى القسمة بمعنى المقسوم باعتبار معناها، لا باعتبار لفظها، كما في قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ [يوسف: ٧٦].
والقول المعروف مفسّر كما تقدم بالعدّة الجميلة، وبألا يتبع العطية بالمن والأذى بالقول، وبأن يعتذر لمن لا يعطيه شيئا.
قال الله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً (٩) أخرج ابن جرير «١» عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في الآية: يعني بذلك
(١) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (٤/ ١٨٣). [..... ]
الرجل يموت وله أولاد صغار ضعاف، يخاف عليهم العيلة والضيعة، ويخاف بعده ألا يحسن إليهم من يليهم. يقول: فإن ولي مثل ذريته ضعافا يتامى فليحسن إليهم، ولا يأكل أموالهم إسرافا وبدارا أن يكبروا، والآية على هذا أمر للأوصياء أن يخشوا ربهم، ويتقوه في اليتامى، الذين يلونهم، فيعاملونهم بمثل ما يحبون أن تعامل به ذريتهم الضعاف بعد وفاتهم، والمقصود حثّ الأولياء، وبعثهم على حفظ أموال اليتامى بتنبيههم على حال أنفسهم وذرياتهم من بعدهم ليتصوروها، ويعرفوا مكان العبرة فيها. ولا شكّ أن ذلك من أقوى البواعث والدواعي في هذا المقصود.
والآية على هذا المعنى مرتبطة بما قبلها، لأنّ قوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ إلخ في معنى الأمر للورثة، أي أعطوهم حقهم، وليحفظ الأوصياء ما أعطوه، ويخافوا عليهم كما يخافون على أولادهم.
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس أيضا أنه قال في الآية: يعني الرجل يحضره الموت، فيقال: تصدّق من مالك، وأعتق، وأعط منه في سبيل الله، فنهوا أن يأمروا بذلك، يعني أنّ من حضر منكم مريضا عند الموت، فلا يأمره أن ينفق من ماله في العتق، أو في الصدقة أو في سبيل الله، ولكن يأمره أن يبيّن ماله وما عليه من مال، ويوصي من ماله لذوي قرابته الذين لا يرثون، يوصي لهم بالخمس أو الربع. يقول: أليس أحدكم إذا مات وله ولد ضعاف، أي صغار، لا يرضى أن يتركهم بغير مال، فيكونوا عيالا على الناس، فلا ينبغي لكم أن تأمروا بما لا ترضون به لأنفسكم ولأولادكم، ولكن قولوا الحق من ذلك، وعلى هذه الرواية تكون الآية أمرا لمن حضر المريض من العوّاد عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم، أو يخشوا أولاد المريض، ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم، فلا يأمروه بما يضر ورثته.
ولم تخرج الآية بهذا التأويل عن أنها واردة في حفظ مال اليتيم والتوصية به، وعلى هذا يكون أول الكلام للأوصياء، وما بعده للورثة، وهذه الآية للأجانب، أمروا ألا يتركوا المريض يضرهم، وألا يأمروه بما يضرهم، فالآية مرتبطة بما قبلها أتمّ الارتباط.
وعلى كلا القولين ترى المقصود من الأمر ألا يؤذوا اليتامى، ولا يضيّعوا حقوقهم، حتّى لا يعاقبهم الله في ذريتهم من بعدهم، فيسلّط عليهم من يؤذيهم، ويضيّع حقوقهم، وفي ذلك تهديد لهم بأنهم إن فعلوه أضاع الله أولادهم، ورمز إلى أنهم إن راعوا الأمر حفظ الله ذريتهم من بعدهم.
والقول السديد في قوله تعالى: وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً الصواب العدل الموافق للشرع بأن يقول الولي لليتيم ما يقول لولده من القول الجميل الهادي إلى محاسن الآداب، وسنّي الخصال، ويقول عائد المريض ما يذكّره التوبة والنطق الشهادتين وحسن الظن بالله، وما يصده عن الإسراف في الوصية وتضييع الورثة.
قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠) يقال: صلي النار كرضي يصلاها، إذا قاسى حرّها، سواء بالقرب منها أو بالدخول فيها، والمراد هنا سيدخلون سعيرا.
والسعير: فعيل، بمعنى مفعول، من سعّرت النار إذا أوقدتها وألهبتها.
والآية مسوقة لتأكيد الأوامر والنواهي فيما سبق وتقريرها. وفي تقييد الأكل بحالة الظّلم دلالة على أن مال اليتيم قد يؤكل على وجه الاستحقاق، كالأجرة والقرض مثلا، فلا يكون ذلك ظلما، ولا الآكل ظالما.
وذكر البطون مع أن الأكل لا يكون إلا فيها:
إما لأنه قد شاع في استعمالهم أن يقولوا: أكل فلان في بطنه، يريدون ملء بطنه، فكأنه قيل: إنما يأكلون ملء بطونهم نارا، حتى يبشموا بها.
وإما للتأكيد والمبالغة كما في قوله تعالى: يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران: ١٦٧] والقول لا يكون إلا بالفم، وقوله: وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦] والقلوب لا تكون إلا في الصدور، وقوله: وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الأنعام: ٣٨] والطير لا يطير إلا بجناحين، فقد قالوا: إنّ الغرض من ذلك كله التأكيد والمبالغة، وفيه على كل حال تبشيع لأكل مال اليتيم في حالة الظلم، وتنفير منه.
اختلف المفسرون في كلمة ناراً أهي باقية على معناها، أم مجاز بمعنى ما يفضي إلى النار؟ ذهب إلى الأول عبيد الله بن أبي جعفر، فقد روي عنه أنه قال: من أكل مال اليتيم، فإنه يؤخذ بمشفره يوم القيامة فيملأ فمه جمرا، ويقال له: كل ما أكلته في الدنيا، ثم يدخل السّعير الكبرى.
وأخرج ابن جرير «١» وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال: حدّثني النبي صلّى الله عليه وسلّم عن ليلة أسري به، قال: «نظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكّل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخرا من نار، فيقذف في أفواههم حتّى يخرج من أسافلهم، ولهم خوار وصراخ، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال:
الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما»
.
والجمهور من المفسرين على أنّ كلمة ناراً مجاز مرسل من ذكر المسبب وإرادة السبب، وحجتهم في ذلك قوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً الإشارة فيه إلى أكل واحد، فكان حمله على التوسع أولى.
(١) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (٤/ ٢٨٤).
وظاهر الآية أنّ هذا الحكم عامّ لكل من يأكل مال اليتيم، سواء كان مؤمنا أم كافرا، لكنّ ابن جرير «١» أخرج عن زيد بن أسلم أنه قال: هذه الآية لأهل الشرك حين كانوا لا يوّرثون اليتامى، ويأكلون أموالهم، ولا يخفى أنّه إن أراد أنّ حكم الآية خاصّ بأهل الشرك فهو غير مسلم، وإن أراد أنها نزلت فيهم فلا بأس، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وفي بعض الأخبار أنه لما نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس واحترزوا من مخالطة اليتامى حتى شقّ ذلك على اليتامى أنفسهم، فأنزل الله تعالى: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ «٢» [البقرة: ٢٢٠].
وزعم بعض الجهال أن قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى إلخ منسوخ بقوله تعالى: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وهو قول باطل، لأنّ الآية التي معنا في النهي عن الظلم، وهذا لا يصير منسوخا بحال، بل المقصود أنّ مخالطة اليتامى، إن كانت على سبيل الظلم فهو من أعظم أبواب الإثم، كما في الآية التي معنا، وإن كانت على سبيل التربية والإحسان فهو من أعظم أبواب البرّ كما في قوله تعالى: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ.
خاتمة
علم الله أنّ اليتامى قد فقدوا بموت آبائهم من يعولهم، ويقوم بكفالتهم، وأنهم لصغرهم عاجزين عن القيام بمصالحهم، فكان من رحمته جلّ شأنه بهم، وكمال عنايته بأمرهم: أن أنزل فيهم تسع آيات تتلى متتابعات من أول سورة النساء إلى آخر الآية السابقة، قرّر فيها جميعا الأمر بحفظ مال اليتيم ورعايته، وأكّد فيها النهي عن أكل ماله، وتضييع حقه، كما أنه أنزل فيهم آيات متفرقات، كلها تدل على العناية بهم، وتحث على حفظ مالهم، وحسن القيام بشؤونهم: فمنها قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[الأنعام: ١٥٢] وقوله تعالى: وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ [النساء: ١٢٧] وقوله جلّ شأنه فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) [الضحى: ٩] وقوله سبحانه:
فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [البقرة: ٢٢٠] وكذلك ورد التنويه بشأن من أحسن في كفالتهم
بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أنا وكافل اليتيم كهاتين، وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى» «٣».
(١) المرجع نفسه (٤/ ١٨٤).
(٢) رواه أبو داود في السنن (٣/ ٣٦)، كتاب الوصايا، باب المخالطة حديث رقم (٢٨٧١).
(٣) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ٢١٨)، ٦٨- كتاب الطلاق، ٢٥- باب اللعان حديث رقم (٥٣٠٤)، والترمذي في الجامع الصحيح (٤/ ٢٨٣)، كتاب البر باب ما جاء في رحمة اليتيم حديث رقم (١٩١٨).
فما أدلّ هذا على سعة رحمة الله بالضعفاء وعظيم فضله عليهم!
آيات المواريث
قال الله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١١) قد ذكرنا لك فيما تقدم بعض الروايات في أسباب نزول آيات المواريث، ونذكر لك رواية أخرى فنقول:
أخرج ابن جرير «١» في سبب نزول آيات المواريث عن السدي يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ أنه قال: كان أهل الجاهلية لا يورّثون الجواري ولا الصغار من الغلمان، لا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر، وترك امرأة يقال لها: أم كجّة، وترك خمس أخوات، فجاءت الورثة يأخذون ماله، فشكت أم كجّة ذلك إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ثم قال فى أم كجّة: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ.
من ذلك يعلم الباحث أنّ الشريعة الإسلامية جاءت والعرب تظلم النساء، ولا تعطيهن من ميراث أزواجهن وآبائهن شيئا، بدعوى أنهنّ لا يقاتلن العدوّ، ولا يحزن الغنيمة، فقرّرت الشريعة بهذه الآية لهن حقا في الميراث، وكبر ذلك على العرب، فكانوا يودّون أن ينسخ ذلك الحكم، أو ينسى، لما أنه كان يخالف ما ألفوه، فقد روى ابن جرير «٢» عن ابن عباس قال: إنه لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد، الذكر والأنثى والأبوين، كرهها الناس أو بعضهم، وقالوا: تعطى المرأة الربع والثمن، وتعطى الابنة النصف، ويعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم، ولا يجوز الغنيمة، اسكتوا عن هذا الحديث لعلّ رسول الله ينساه، أو نقول له فيغيره، فقال بعضهم: يا رسول الله أنعطي الجارية نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفرس، ولا تقاتل القوم، ونعطي الصبيّ الميراث، وليس يغني شيئا؟ وكانوا
(١) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (٤/ ١٨٥).
(٢) المرجع نفسه (٤/ ١٨٥).
يفعلون ذلك في الجاهلية لا يعطون الميراث إلا من قاتل، ويعطونه الأكبر فالأكبر.
هذا شأن الإسلام مع المرأة أخذ بضبعيها، وأناف بها على اليفاع. ورّثها بعد أن لم تكن ترث، وجعل لها نصيبا مفروضا على كره من الرجال، ولكن نبتت نابتة في هذا الزمان يقولون: إن الإسلام بخس المرأة حقها في الميراث، وجعلها على النصف من حظ الرجل، ويريدون تسوية المرأة بالرجل في الميراث.
ومن نظر وجد أنّ الشريعة عاملت المرأة بالرأفة، فهي حين أعطتها نصف حظ الرجل جعلت نفقتها ونفقة خدمها وأولادها على الرجل، وحين أعطت الرجل ضعف المرأة كلّفت الرجل بالنفقة على زوجته وأولادها، فنصيب الرجل يشركه فيه الكثير، ونصيبها لها خاصة، فأيّ برّ بالمرأة أعظم من هذا البر، وأيّ رفق بها أكثر من هذا الرفق، هذا إلى ما منحتها إياه من حق الميراث، وقد كانت محرومة هذا الحق.
ميراث الأولاد
يقول الله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ أي يعهد إليكم في ميراث أولادكم، وهذا إجمال بيانه ما بعده لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ إلخ أي إذا مات الميت، وترك أولادا ذكورا وإناثا، فللذكر مثل حظ الأنثيين، فيكون حظّ الذّكر ضعف حظّ المرأة فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ أي وإن كان المتروكات نساء فوق اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ يقول الله:
فإن ترك النساء ليس معهن ذكور، فإن كن ثلاثا فأكثر فلهن الثلثان، وإن كانت واحدة، أي وإن كانت المتروكة واحدة فلها النصف.
وقد ذكر الله حكم البنت إذا لم يكن معها أخ ذكر، وحكم البنات إذا انفردن أيضا، ولم يذكر الله حكم البنتين إذا انفردتا عن أخ ذكر، وقد اختلف العلماء في حكمهما، فألحقهما ابن عباس بالبنت الواحدة، وأعطاهما النصف، ووجهه أنّ الله تعالى قال: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ فجعل الثلثين للنساء إذا كن فوق اثنتين، فلا نعطيهما إذا كانتا اثنتين.
وقال الجمهور: البنتان لاحقتان بالبنات، فلهما الثلثان كما لهن الثلثان، وهذا أولى لأمور:
أولها: قياس البنتين على الأختين، وقد قال الله فيهما: فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ، والبنات أقرب للميت من الأختين، فإذا كان للأختين الثلثان فأولى أن يكونا للبنتين.
ثانيهما: أن البنت تأخذ مع أخيها الثلث، فأولى أن تأخذه مع أختها، ويكون لهما الثلثان.
ثالثها: أنه
روي عن ابن مسعود في «الصحيح» «١» عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قضى في بنت وبنت ابن وأخت: بالسدس لبنت الابن، والنصف للبنت تكملة الثلثين، فجعل لبنت الابن مع البنت الثلثين، فبالأحرى يكون للبنتين الثلثان.
وقد يجوز أن يكون معنى قوله: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فإن كنّ نساء اثنتين فما فوق، كقوله: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ [الأنفال: ١٢] أي اضربوا الأعناق فما فوقها.
وقد تحصّل أنّ الله ذكر للأولاد في الميراث ثلاث أحوال:
١- أن يترك الميت أولادا ذكورا وإناثا، فهم يرثون المال، للذكر ضعف الأنثى.
٢- أن يترك الميت بنتين فما فوق، وليس معهما أخ ذكر، فلهما أو لهن الثلثان.
٣- أن يترك الميت بنتا واحدة، وليس معها أخ ذكر، فلها النصف.
وقد ذكرت السنّة حالة أخرى، وهي: أن يترك الميت بنتا، وبنت ابن، فللبنت النصف، ولبنت الابن السدس.
وقال العلماء: إن أولاد الابن وأولادهم يقومون مقام الأولاد إذا عدموا، وإنّ الطبقة العليا تحجب الطبقة السفلى، فإن كان الولد الأعلى ذكرا سقط الأسفل، وإن كان الولد الأعلى أنثى أخذت الأنثى حقها، وبقي الباقي لولد الولد، إن كان ذكرا، وإن كان ولد الولد أنثى أعطيت العليا النصف، وأعطيت السفلى السدس، تكملة الثلثين، لأنا نقدرهما بنتين متفاوتتين في الرتبة، فاشتركتا في الثلثين بحكم البنتية، وتفاوتتا في القسمة بتفاوت الدرجة، وبهذه الحكمة جاءت السنة.
وإن كان الولد الأعلى بنتين أخذتا الثلثين، فإن كان الولد الأسفل أنثى لم يكن لها شيء إلا أن يكون بإزائها أو أسفل منها ذكر، فإنّها تأخذ معه ما بقي، للذكر مثل حظ الأنثيين.
ميراث الأبوين
وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ.
يقول: ولكل واحد من أبوي الميت السدس إن كان له ولد، ذكرا أو أنثى، واحدا كان أو جماعة، فإن لم يكن ولد ذكر ولا أنثى، وورثه أبواه، فلأمه الثلث.
فإن كان له إخوة، فلأمه السدس، فإخوة الميت ينقصون الأمّ من الثلث إلى
(١) رواه البخاري في الصحيح (٨/ ٧)، ٨٥- كتاب الفرائض، ٨- باب ميراث ابنة ابن مع ابنة حديث رقم (٦٧٣٦).
السدس، وإذا شرط الله في حجبها من الثلث إلى السدس الجماعة من الأخوة علم أنّ الأخ الواحد لا يحجبها عن الثلث، فلها معه الثلث.
أما الأخوان فقد اختلف فيهما العلماء، أيكونان كالأخوة فهما يحجبان الأم من الثلث إلى السدس، أم يكونان كالأخ الواحد فلا يحجبانها! بالأول قال جمهور الصحابة والعلماء المجتهدين، وبالثاني قال ابن عباس، وحجته أنّ الله قال: إِخْوَةٌ والجمع خلاف التثنية، فمن يحجب من الإخوة الجمع لا الاثنان.
وقد أخرج ابن جرير «١» عن ابن عباس أنه دخل على عثمان رضي الله عنهم فقال: لم صار الأخوان يردّان الأم إلى السدس، وإنما قال الله: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ والأخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة؟ فقال عثمان رضي الله عنه: هل أستطيع نقض أمر كان قبلي، وتوارثه الناس، ومضى في الأمصار؟
وحجة الجمهور أن الإخوة تفيد معنى الجمعية المطلقة بغير كمية، والأخوان جمع واحد إلى واحد، وضمّ له، وقد ورد في اللغة إطلاق الجمع على الاثنين، قال الله تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التحريم: ٤] وقال: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) [ص: ٢١] ثم قال: خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ [ص: ٢٢] وهذا سائغ إذا قام الدليل، والدليل أنهم لما رأوا الشارع جعل الأختين كالثلاث في الميراث، والبنتين كالثلاث، جعل الأخوين كالثلاثة في الحجب، ولا فرق في الإخوة بين أن يكونوا ذكورا أو إناثا، أو ذكورا وإناثا، والذكر من الأخوة كالأنثى في هذا الباب.
وقد علمنا مما تقدم أن للأم الثلث، ولا يحجبها عنه إلى السدس إلا الفرع الوارث، أو اثنان فصاعدا من الإخوة أو الأخوات.
وأن للأب السدس مع الفرع الوارث، فإن كان الفرع الوارث بنتا أخذت النصف، وورث الأب بالفرض والتعصيب.
مسألة العمريتين
١- ماتت امرأة وتركت زوجا وأبوين. لو ذهبنا نورّث الأم على حسب ما مضى كان لها الثلث، ومعلوم أنّ للزوج النصف، فيكون الباقي- وهو السدس- للأب، وحينئذ تأخذ الأم- وهي أنثى- ضعف الأب، وهو ذكر. وهذا لم يعهد في الفرائض، فإنه إذا اجتمع ذكر أو أنثى في طبقة كالابن والبنت، والجد والجدة والأب والأم، والأخ والأخت فإما أن يأخذ الذكر ضعف ما تأخذ الأنثى، أو يساويها، وإما أن تأخذ الأنثى ضعف الذكر، فهذا خلاف قاعدة الفرائض.
(١) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (٤/ ١٨٨).
وقد وقعت هذه المسألة للصحابة، فقال فيها عمر وعثمان وابن مسعود وزيد بن ثابت وجمهور الصحابة: إن للأم ثلث ما بقي بعد فرض الزوج، وهو السدس، وللأب الثلث.
وقد خالف فيها ابن عباس، فقال: للأم ثلث المال، وناظر فيها زيد بن ثابت، وقال: أين في كتاب الله ثلث ما بقي؟ فقال زيد: وليس في كتاب الله إعطاؤها الثلث كله مع الزوجين، وقد أشار زيد إلى جواب المسألة، وهو أنّ الله أعطاها الثلث إن لم يكن ولد، وورثه الأبوان فقط، لأنه قال: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فلو كانت تستحقّ الثلث مطلقا ولو مع وارث آخر لكان قوله: وَوَرِثَهُ أَبَواهُ عديم الفائدة، فعلم أنها تستحقّ الثلث إذا لم يكن معهما وارث.
بقيت حالة وهي ألا يكون ولد ولم ينفرد الأبوان بالميراث، وذلك لا يكون إلا مع الزوج والزوجة، فإما أن تعطى الثلث كاملا، وهو خلاف معهود الفرائض، وإما أن تعطى السّدس، والله لم يجعلها لها فرضا إلا في موضعين، مع الولد، ومع الأخوة، وإذا امتنع هذا وهذا، كان الباقي بعد فرض الزوجين هو المال الذي يستحقه الأبوان، ولا يشاركهما فيه مشارك، فهو بمنزلة المال كله إذا لم يكن زوج ولا زوجة، فإذا تقاسماه أثلاثا كان الواجب أن يتقاسما الباقي بعد فرض الزوجين كذلك.
٢- مات رجل، وترك زوجة وأبوين، هذه ثانية العمريتين، وفيها أيضا تأخذ الأم ثلث الباقي في بعد فرض الزوجة، والكلام فيها مثل الكلام في سابقتها سواء بسواء.
فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ قال الزمخشري «١» :
متعلق بما تقدم من قسمة المواريث كلها، لا بما يليه وحده، كأنه قيل: قسمة هذه الأنصبة من بعد وصية يوصى بها.
وقد روي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن الدين مقدّم على الوصية،
روى ابن جرير «٢» عن علي رضي الله عنه أنكم تقرءون هذه الآية مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قضى بالدين قبل الوصية، فليس لأحد من الورثة، ولا من الموصّى لهم حقّ في التركة إلا بعد قضاء الدين، ولو استغرق الدّين التركة فليس لأحد شيء.
وهذا الدّين الذي قدّم على الوصية والميراث تقدّم عليه مؤونة تجهيز الميت، فكما أنه لا سبيل للغرماء إلى قوته وكسوته في حياته، كذلك لا سبيل لهم إلى مؤونة تجهيزه في وفاته.
وإنما قدّم الدين على الوصية والميراث، لأن ذمته مرتهنة به، وأداء الدين أولى
(١) في تفسيره الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (١/ ٤٨٣).
(٢) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٤/ ١٩٠).
من فعل الخير الذي يتقرّب به، والوصية إنما تقدّم على الميراث في بعض المال، وهو الثلث، وإنما كان كذلك لأنه لو منع من الوصية البتة لفاته باب من الخير عظيم. ولو سلّط عليه جميعه لربما أخرجه كله بالوصية، ولم يبق لورثته شيء، فجعل الله له عند موته أن يوصي بالثلث فقط، ليجمع بين خيره وخير ورثته.
وإنما قدّم الله الوصية على الدين في الذكر، مع أنه مقدّم عليها، وأولى منها، ولا وصية إلّا بعد وفاء الدين، لأنّ الدين معلوم قوته، قدّم أو لم يقدّم، فأراد أن يقوّي من شأن الوصية، فقدمها في الذكر.
على أن أَوْ لا تقتضي الترتيب، وأَوْ هاهنا للإباحة، كما في قولك:
جالس الحسن أو ابن سيرين. والمعنى: من بعد أحدهما، ومن بعدهما إذا اجتمعا.
آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً يقول الله تعالى: هؤلاء الذين أوصاكم الله فيهم، وحدّ أنصباءهم، هم آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فحد أنصباءهم ولم يكل ذلك إليكم، لأنكم لا تدرون أيّهم أقرب لكم نفعا.
فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ نصب المصدر المؤكد، أي فرض الله ذلك فريضة.
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً يعلم بما يصلح خلقه، وهو ذو حكمة في تدبيره، وفيما قسّم من ميراث بعضكم من بعض، وفيما يقضي بينكم من الأحكام، فسلموا قسمته في المواريث، وسلّموا ما قضى به من إعطاء النساء والضعفاء- وقد كنتم تحرمونهم- لأنّه قضاء من لا تخفى عليه مواضع المصلحة.
ميراث الأزواج والزوجات
قال الله تعالى: وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ الورثة المذكورون في قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إلى قوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ. أقسام ثلاثة، لأنّ الوارث إما أن يكون متصلا بالميت بواسطة، أو بغير واسطة. فالأول هو الكلالة، والثاني إما أن يكون السبب النسب أو الزوجية، فتلك أقسام ثلاثة، وأعلى هذه الأقسام وأشرفها ما كان الاتصال فيه حاصلا ابتداء من جهة النسب، وذلك هو الأولاد والوالدان، فالله تعالى قدم حكم هذا القسم لذلك، ثم عقّبه بالقسم الثاني، وهو ما كان الاتصال فيه حاصلا ابتداء من جهة الزوجية، وهذا القسم متأخر في الشرف عن القسم الأول، لأنّ القسم الأول أصلي، والثاني طارئ، ويلي ذلك القسم
الثالث وهو الكلالة، لأن الاتصال فيه ليس ابتداء، بل بواسطة، ولأن القسمين الأولين لا يعرض لهما السقوط بحال، بخلاف القسم الثالث، فإنه قد يعرض له السقوط بالكلية.
وقد جعل الله للزّوج النصف من زوجته إن لم يكن لها ولد، وجعل له الربع منها إن كان لها ولد، سواء أكان ذلك الولد منه أم من غيره، وسواء في ذلك الذكر والأنثى، والواحد والمتعدد، والمباشر وولد الولد.
وجعل ميراث الزوجة من زوجها الربع إن لم يكن للزوج ولد، وجعل لها الثمن إن كان له ولد على التعميم السابق، فإن تعددت زوجات الميت اشتركن في الربع، أو في الثمن.
وهذا كله من بعد الوصية والدّين كما تقدم.
ميراث الكلالة
قال الله تعالى: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ.
اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في الكلالة. فذهب أبو بكر إلى أنّها من عدا الوالد والولد، أخرج ابن جرير «١» عن الشعبي، قال: قال أبو بكر رضي الله عنه: إني رأيت في الكلالة رأيا، فإن كان صوابا فمن الله وحده لا شريك له، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله منه بريء. إن الكلالة ما خلا الوالد والولد.
وذهب عمر إلى أنها من عدا الولد، وروي أنّ عمر رجع عن ذلك بعد أن طعن، وقال: كنت أرى أن الكلالة من لا ولد له، وأنا أستحيي أن أخالف أبا بكر، الكلالة من عدا الوالد والولد.
وروي عنه أيضا التوقف، وكان يقول: ثلاثة لأن يكون بيّنها الرسول صلّى الله عليه وسلّم لنا أحب إليّ من الدنيا وما فيها: الكلالة، والخلافة، والربا، ويظهر أنّ حجة عمر رضى الله عنه أن الله ذكر الكلالة في آخر السورة فقال: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ [النساء: ١٧٦] والظاهر أن قوله: لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ تفسير للكلالة، والراجح قول أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ويدلّ على ذلك اشتقاق الكلمة فإنّ مادة (كلّ) تدل على الضعف، يقال: كلّ الرجل يكلّ كلالا وكلالة إذا أعيا، وذهبت قوته، ثم استعاروا هذا اللفظ للقرابة، لا من جهة الولادة أي القرابة الضعيفة، وقد علمت أنّ القرابة بالولادة قوية، فلا يطلق عليها كلالة، ويدل على ذلك أنّ الله حكم بتوريث
(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٤/ ١٩٢).
الأخوة والأخوات إذا ورث كلالة، ولا شكّ أنّ الإخوة والأخوات لا يرثون عند وجود الأب، فوجب ألا يكون الوالد من الكلالة.
الكلالة ترد وصفا للميت، ويراد بها من لا يرثه والد ولا ولد، وقد ترد وصفا للوارث، ويراد بها من عدا الوالد. فمن الأوّل قول الشاعر «١» :
ورثتم قناة المجد لا عن كلالة عن ابني مناف عبد شمس وهاشم ومن الثاني ما في حديث جابر قال: مرضت مرضا أشفيت منه على الموت، فأتاني النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقلت: يا رسول الله إني رجل لا يرثني إلا كلالة، وأراد به أنه ليس له والد ولا ولد «٢».
والظاهر أنها في الآية وصف للميت، لأنّها حال من نائب فاعل يورث، وهو ضمير الميت، ثم إذا كانت مصدرا قدّر مضافا، أي ذا كلالة، وإن كانت صفة كالهجاجة والفقاقة للأحمق لم يحتج الأمر إلى مضاف.
والمراد بالأخوة هنا الأخوة للأم، دون الأخوة الأشقاء، ودون الإخوة للأب، بدليل قراءة سعد بن أبي وقاص (وله أخ أو أخت من أم) «٣» ويدل عليه أيضا غير هذه القراءة أن الله ذكر ميراث الإخوة مرتين هاهنا، ومرة في آخر هذه السورة، فجعل هاهنا للواحد السدس، وللأكثر الثلث شركة، وجعل في آخر السورة للأخت الواحدة النصف، وللاثنتين الثلثين، وللذكر المال، فوجب أن يكون الإخوة لأب وأم أو لأب، فتعيّن أن يكون المراد هنا الإخوة لأم، ويرجحه أنّ الفرض هنا الثلث أو السدس، وهو فرض الأم، فناسب أن يكون فرض الإخوة الذين يدلون بها، وهم الإخوة لأم.
وقد تبين أنّ الإخوة لأم لهم حالتان:
١- أخ لأمّ منفرد، أو أخت لأم منفردة، وله أو لها السدس.
٢- أن يتعدد الأخ لأم أو الأخت لأم وفي هذه الحالة يكونون شركاء في الثلث، يقسّم بينهما بالسوية، لأنثاهم مثل ذكرهم، لأن مطلق التشريك يدلّ عليه.
ويمنع الإخوة لأمّ من الميراث الوالد والولد، لأنّ الله جعل لهما ذلك النصيب إذا كان الميت يورث كلالة، وقد ذكرنا أنّها من يرثه غير الوالد والولد.
وهنا بحث لفظي، وهو أن الله تعالى قال: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ ثم قال: وَلَهُ أَخٌ فكنّى عن الرجل، ولم يكنّ عن المرأة، وهذا في العطف
(١) الفرزدق، انظر البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (٣/ ١٩٧).
(٢) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (٤/ ١٩٣).
(٣) رواه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٧٨). [..... ]
بأو جائز، ويجوز في مثل هذا الكلام أن تكنّي عن المرأة أو تكنّي عنهما معا، قال الفراء «١» :إذا جاء حرفان في معنى بأو جاز إسناد التفسير إلى أيهما أريد، ويجوز إسناده إليهما أيضا، تقول: من كان له أخ أو أخت فليصله، يذهب إلى الأخ، أو فليصلها يذهب إلى الأخت ولو قلت: فليصلهما جاز أيضا.
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ.
يقول الله: هذه القسمة للإخوة للأم من بعد وصية يوصي بها الميت، أو دين وهو غير مضار الورثة بوصيته أو دينه، والمضارة بالوصية أن يوصي بأكثر من الثلث، أو به فأقل، قاصدا ضرار الورثة دون وجه الله، والمضارّة في الدين أن يقرّ بدين لمن ليس له عليه دين، وعن قتادة كره الله الضرار في الحياة وعند الممات ونهى عنه.
وتفيد الآية أن الوصية والدين اللذين قصد بهما الضرار لا يجب تنفيذهما، لأنه شرط في إخراجهما قبل التوريث عدم المضارة.
وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ مصدر مؤكد، ناصبه يوصيكم، أي يوصيكم بذلك وصية، أي يعهد إليكم به عهدا وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ يقول: والله ذو علم بمصالح عباده وبمضارهم، وبمن يستحق الميراث ومن لا يستحق، وبمقدار ما يستحقه المستحق حَلِيمٌ لا يعجّل بالعقوبة على من عصاه فظلم عباده، وأعطى الميراث لأهل الجلد والقوة، وحرم الضعفاء من النساء والصغار، فهو معاقبهم، ولكنه يحلم عليهم، فلا يعاجلهم بالعقوبة، فلا يظنوا أنهم سيفلتون فلا يعاقبون.
قال الله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) حدّ كل شيء ما فصل بينه وبين غيره، ومنه حدود الدار، وحدود الأرضين، لفصلها بين ما حد بها وبين غيره.
فالمعنى: هذه القسمة التي قسمها لكم ربكم، والأنصباء التي جعلها لأحيائكم من أموال موتاكم فصول ما بين طاعته ومعصيته، فالكلام على حذف مضاف، أي حدود طاعته، وإنما ترك لعلمه من الكلام. ومن يطع الله ورسوله بالتزام ما حدّ من المواريث يدخله جنات تجري من تحت أشجارها وزرعها الأنهار، باقين فيها، لا يموتون ولا يفنون، ودخول الجنة الباقية هو الفوز العظيم.
(١) انظر كتابه في معاني القرآن (١/ ٢٥٧).
قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤) يقول الله: ومن يعص الله ورسوله ويتعدّ حدود ما حدّ من المواريث يدخله نارا باقيا فيها، لا يموت ولا يفنى، وله عذاب مذل، مخز من عذبّ به، وهذا يحمل على الذين تعدّوا حدوده مكذبين بصلاحها.
وهنا مسائل لا بد من ذكرها لتعلقها بآيات المواريث:
١- قال الله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إلخ، وهذا يعمّ أولاد المسلمين والكافرين، والأحرار والأرقاء، والقاتلين عمدا وغير القاتلين، وكذلك يقال فيما بعده، ولكن السنة خصصت البعض من هذا العموم، فأخرجت الكافر،
فقد ورد في «الصحيح» «١» عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم».
وورد أيضا قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يتوارث أهل ملتين» «٢»
، وقد أخذ الجمهور بظاهر هذين الحديثين، فلم يورّثوا مسلما من كافر، ولا كافرا من مسلم.
وذهب بعضهم إلى أنّ الكافر لا يرث المسلم ولكنّ المسلم يرث الكافر، قال الشعبي: قضى معاوية بذلك، وكتب به إلى زياد «٣»، فأرسل ذلك زياد إلى شريح القاضي وأمره به، وكان شريح قبل ذلك يقضي بعدم التوريث، فلما أمره زياد بذلك كان يقضي به، ويقول: هكذا قضى أمير المؤمنين، وحجتهم ما
روي أن معاذا كان باليمن، فذكروا له أن يهوديا مات وترك أخا مسلما، فقال: سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول:
«الإسلام يزيد ولا ينقص، وورّثه» «٤»
فكأنه خصّص الحديثين الأولين بهذا الحديث الأخير، ثم خصص بهما الآية.
وأنت تعلم أن
حديث «الإسلام يزيد ولا ينقص»
ليس نصا في إرث المسلم من الكافر، فلا يخصّص به، وكما أن الكافر لا يرث المسلم لا يحجبه، وقال ابن مسعود: يحجب، وهذا ليس بظاهر، لأنّ الشريعة جعلته في باب الإرث كالعدم، فكذلك في باب الحجب، لأنه أحد حكمي الميراث، وكما أن الكافر لم يدخل في
(١) رواه البخاري في الصحيح (٨/ ١٤)، ٨٥- كتاب الفرائض، ٢٦- باب لا يرث المسلم الكافر حديث رقم (٦٧٦٤)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٢٣٣)، ٢٣- كتاب الفرائض حديث رقم (١/ ١٦١٤).
(٢) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٤/ ٣٧٠)، كتاب الفرائض، باب لا يتوارث حديث رقم (٢١٠٨)، وأبو داود في السنن (٣/ ٥٣)، كتاب الفرائض باب هل يرث المسلم الكافر حديث رقم (٢٩١١)، وابن ماجه في السنن (٢/ ٩١٢)، كتاب الفرائض باب ميراث أهل الإسلام حديث رقم (٢٧٣١).
(٣) أي زياد بن أبيه.
(٤) رواه أبو داود في السنن (٢/ ٥٣)، كتاب الفرائض، باب هل يرث المسلم الكافر حديث رقم (٢٩١٢) وأحمد في المسند (٥/ ٢٣٦).
قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ كذلك لم يدخل في قوله: إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ.
وقد رأوا أيضا أنّ الحرّ والعبد لا يتوارثان، لأن العبد لا يملك، وأن القاتل عمدا لا يرث من قتله، معاملة له بنقيض مقصوده.
٢- قد يترك الميت أصحاب فروض لا تستغرق فروضهم الميراث، ومعهم عاصب، كأن يترك بنتين وعمّا، فللبنتين الثلثان، ويبقى الثلث، ولم يبيّن في آيات المواريث لمن يكون الباقي، وقد بيّنت السنة حكم ذلك.
فقد ورد في «الصحيح» «١» أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت فلأولى رجل ذكر»
ولأجل ذلك قدم الأقرب في العصبة على الأبعد، كالأخ الشقيق يقدم على الأخ لأب، وابن الأخ الشقيق يقدم على ابن الأخ لأب، ويقدم الأخ للأب على ابن الأخ الشقيق.
٣- قد يحدث أن يجتمع أصحاب فروض لا تستغرق فروضهم الميراث، وليس معهم عاصب، وقد اختلف العلماء في الباقي بعد أنصباء ذوي الفروض، فقال بعضهم: يردّ على ذوي الفروض بقدر حقوقهم.
وقال بعضهم: لا يرد عليهم، بل هو لبيت مال المسلمين، وعلى القول الأول عامة الصحابة. وبالثاني قال زيد بن ثابت، وبه أخذ عروة والزهري والشافعي، لكنّ المحققين من الشافعية قالوا: إذا لم ينتظم بيت المال يردّ على ذوي الفروض بنسبة فروضهم، وإلا كان لبيت المال.
والقائلون بالرد اختلفوا فيمن يردّ عليه، فالأكثرون على أنه يردّ على جميع ذوي الفروض إلا الزوجين، وهو مذهب الحنفية والشافعية.
وألحق ابن عباس بالزوجين الجدة في المنع، وقال عثمان رضي الله عنه: يرد على ذوي الفروض جميعا حتى الزوجين.
احتج من أبى الردّ بأن الله تعالى قدّر نصيب أصحاب الفرائض بالنص الظاهر، فلا يجوز أن يزاد عليه، لأن الزيادة تعدّ لحدود الله في الميراث، وقد قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤).
وبأنّ الفاضل عن فروضهم مال لا مستحق له فيكون لبيت المال، كما إذا لم يترك وارثا أصلا، اعتبارا للبعض بالكل.
واحتج القائلون بالرد بقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [الأحزاب: ٦]
(١) رواه البخاري في الصحيح (٨/ ٦)، ٨٥- كتاب الفرائض، ٥- باب ميراث الولد حديث رقم (٦٧٣٢)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٢٣٣)، ٢٣- كتاب الفرائض، ١- باب ألحقوا الفرائض بأهلها حديث رقم (٢/ ١٦١٥).
أي بعضهم أولى بميراث بعض بسبب الرحم، فهذه الآية دلّت على استحقاقهم جميع الميراث بصلة الرحم، وآية المواريث أوجبت استحقاق جزء معلوم من المال لكل واحد منهم، فوجب العمل بالآيتين، بأن يجعل لكل واحد فرضه بتلك الآية، ثم يجعل ما بقي مستحقا لهم للرحم بهذه الآية، ولهذا لا يرد على الزوجين بوصف الزوجية، لانعدام الرحم في حقهما، إذا لم يكونا من ذوي الأرحام.
٤- قد يجتمع ذوو فروض مقدّرة في كتاب الله، فإذا ذهبنا نعطيهم فروضهم المقدّرة ضاقت التركة عن أنصبائهم، كزوج، وأخت شقيقة، وأم، فلو أخذت الأخت النصف، والزوج النصف، والأمّ الثلث، استغرق النصفان التركة، ولم يبق فيها ثلث، ولم تحدث مسألة كهذه في عهده صلّى الله عليه وسلّم، وإنما أول ما حدثت في عهد عمر رضي الله عنه.
وقد اختلف رأيه ورأي ابن عباس، فكان رأي عمر العول، وهو أول من حكم بالعول في الإسلام، وذلك أنّه قسّم التركة على سهامهم، فأدخل النقص عليهم جميعا، تشبيها بالغرماء إذا ضاق المال عن ديونهم، فإنهم يتحاصّون بقدر ديونهم، وذهب ابن عباس إلى أنه يقدّم ما قدم الله، ويؤخّر ما أخر، وهذا الأثر الذي سنتلوه عليك يشرح لك المسألة.
ذكر «شارح السراجية» «١» أن أول من حكم بالعول عمر، فإنه وقعت في عهده صورة ضاق مخرجها عن فروضها، فشاور الصحابة فيها، فأشار العباس بالعول، وقال: أعيلوا الفرائض، فتابعوه على ذلك، ولم ينكره أحد إلا ابنه بعد موته، فقيل له: هلا أنكرته زمن عمر، فقال: هبته، وكان مهيبا.
وسأله رجل كيف تصنع بالفريضة العائلة؟ فقال أدخل الضرر على من هو أسوأ حالا، وهن البنات والأخوات، فإنهنّ ينقلن من فرض مقدّر إلى فرض غير مقدّر، فقال رجل: ما تغنيك فتواك شيئا، فإنّ ميراثك يقسّم بين ورثتك على غير رأيك فغضب وقال: هلا تجتمعون حتى نبتهل، فنجعل لعنة الله على الكاذبين، إنّ الذي أحصى رمل عالج عددا لم يجعل في مال نصفين وثلثا.
ونحن نرى أن هنا أصلين يمكن أن تقاس هذه المسألة على كل منهما:
الأصل الأول: إن التركة يقدم فيها الأهم ك (التجهيز) على المهم ك (الدين) ويقدم الدين على الوصية، فكذلك هذه المسألة، وإلى هذا ذهب ابن عباس.
(١) علي بن محمد بن علي المعروف بالشريف الجرجاني فيلسوف من كبار العلماء بالعربية، انظر الأعلام للزركلي (٥/ ٧).
الأصل الثاني: الغرماء، إذا ضاق المال عن ديونهم فإنهم يتحاصّون على قدر مالهم، فيمكن أن تشبه هذه المسألة بها، وإليه ذهب عمر والصحابة ونرى أنه أعدل.
قال الله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) اللاتي: جمع التي، وهي تستعمل في جمع من يعقل، أما إذا أريد جمع ما لا يعقل من المؤنث فإنه يقال التي، فتقول: النسوة اللاتي خرجن، والأثواب التي لبست، وبعضهم يسوّي بينهما، فيقول في الجمع المؤنث لمن يعقل: التي، والأول هو المختار.
والفاحشة: الفعلة القبيحة، وهي مصدر عند أهل اللغة، كالعافية، يقال: فحش الرجل يفحش فحشا وفاحشة، وأفحش إذا جاء بالقبيح من القول أو الفعل، واتفقوا على أنّ المراد بها هنا الزنى، والإتيان الفعل والمباشرة، يقال: أتى الفاحشة وأتى بها بمعنى.
يقول الله: والنساء اللاتي يزنين من نسائكم، فأشهدوا على زناهنّ أربعة من رجالكم، فإن شهدوا بذلك، فاحبسوهن في البيوت حتى يتوفاهنّ ملك الموت، أو يجعل الله لهن مخرجا مما أتين به.
وقد كان ذلك في أول الأمر، ثم جعل الله لهن سبيلا: الجلد والرجم.
أخرج ابن جرير «١» عن ابن عباس قوله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ إلى قوله تعالى أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا فكانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت ثم أنزل الله تبارك وتعالى بعد ذلك: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور: ٢] فإن كانا محصنين رجما، فهذا سبيلهما الذي جعل الله لهما.
وأخرج «٢» أيضا عن عبادة بن الصامت قال: قال نبي الله صلّى الله عليه وسلّم: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب تجلد مائة وترجم بالحجارة. والبكر جلد مائة ونفي سنة».
وقد ذهبت العلماء إلى أنّ السبيل الذي جعل للثيب هو الرجم دون الجلد، لصحة الخبر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه رجم ولم يجلد، فاستدلوا بما صح من فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم «٣» على قوله: وهو خبر عبادة بن الصامت.
(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٤/ ١٩٨).
(٢) المرجع نفسه (٤/ ١٩٨).
(٣) انظر حديث بريدة في صحيح مسلم (٣/ ٣٢١)، ٢٩- كتاب الحدود، ٥- باب من اعترف على نفسه بالزنى حديث رقم (٢٢/ ١٦٩٥).
قال الله تعالى: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (١٦) يقول الله: الرجل والمرأة اللذان يأتيان الفاحشة منكم فآذوهما بالقول، وعيّروهما، ووبخوهما على ما أتيا من الفاحشة، وإن تابا وأصلحا فاتركوا إيذاءهما، إن الله كان توابا على عباده، رحيما بهم، وقد اختلف في المراد باللذين يأتيان الفاحشة على أقوال:
١- أنهما الرجل والمرأة البكران، وهو قول السدي وابن زيد.
٢- أنهما الرجلان الزانيان، وهو قول مجاهد.
٣- أنهما الرجل والمرأة لا فرق بين بكر وثيب، وهو قول عطاء.
والمختار أنهما الرجل والمرأة البكران، أما أنه لم يرد الرجلين فلأنه قال:
واللذان، والعرب تعبّر في مثل هذا إما بالمفرد، وإما بالجمع، ولا تعبر بالتثنية إلا إذا كان الفعل لا يكون إلا من اثنين، كالزنى. وأرادت أن تبين حكم الفاعل والمفعول.
وأما أنهما بكران دون الثيبين فلأن الله ذكر حكمين: أحدهما: الحبس في البيوت، والثاني: الإيذاء، ولا شك أن من حكم عليه بالأول خلاف من حكم عليه بالثاني، والشرع يخفف في البكر، ويشدد على الثيّب، ولذلك لما نسخ هذا الحكم، جعل للثيب الرجم، وللبكر الجلد، فجعلنا الحكم الشديد وهو الحبس على الثيب، والحكم الأخف وهو الإيذاء على البكر.
وقد نسخ حكم هذه الآية بآية النور، فجعل حكم الزانيين البكرين جلد مائة.
أخرج ابن جرير «١» عن الحسن البصري وعكرمة قالا: في قوله تعالى: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما الآية نسخ ذلك بآية الجلد فقال: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ.
وأخرج أيضا «٢» عن ابن عباس قوله: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فأنزل الله بعد هذا: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ فإن كانا محصنين رجما في سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وقد علمت من القول المختار أنّ الله ذكر في آيتي النساء حكم الزانيات الثيّبات، وحكم الزاني والزانية البكرين، ولم يذكر حكم الزاني الثيب، ولعلّه تركه لعلمه بالقياس على المرأة الثيب، هذا تفسير السلف في الآيتين.
(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٤/ ٢٠٢).
(٢) المرجع نفسه (٤/ ٢٠٢).
ولأبي مسلم الأصفهاني تفسير آخر بناه على مذهبه من عدم نسخ شيء من القرآن، وهو أنّ المراد باللاتي يأتين الفاحشة السحاقات، وباللذين يأتيانها اللوطيان، أما حكم الزنى فبيّن في سورة النور، ويرى أنّ هذا أولى لوجوه:
أولا: أنه يبقي كلّ آية على حكمها، فلا ينسخ منها شيء.
وثانيا: أنّ الآية الأولى خاصة بالنساء، والثانية خاصة بالذكور، فيعلم أنه أراد فاحشة تكون من النساء في الأولى وهي السحاق، وفاحشة تكون من الذكور في الثانية وهي اللواط، ولو أراد الزنى لذكر حكم الزاني والزانية في آية واحدة، كما في سورة النور.
وثالثا: أنه على هذا التفسير لا يكون في الآيتين تكرار، أما على القول الآخر فتكون الآيتان في الزنى فيفضي إلى تكرار الشيء في الموضع الواحد مرتين، وقد علمت مما تلوناه عليك من تفسير السلف أنه لا قائل بهذا القول من السلف، وأنه لا تكرار، إذا الحكم الأول في الثيب، والحكم الثاني في البكر.
وقد زعم الرازي أنّ مجاهدا من السلف قد قال بهذا القول، ولعله قد ظن أن مجاهدا يريد من الرواية التي تقدمت في الرجلين اللواط، وقد نظرنا فوجدنا أنه يريد الزانيين، بدليل أنه رأى أن آية النور نسختها.
قال الله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧) لما ذكر الله في الآية السابقة أنّ توبة اللذين أتيا الفاحشة تفيدهما، ناسب أن يبيّن بعد شروط التوبة ووقتها فقال: إِنَّمَا التَّوْبَةُ... إلخ.
يعني ليس قبول التوبة على الله لأحد من خلقه إلا لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ، وظاهر الآية أنّ من عمل السوء عالما به لا تقبل توبته، وهذا مخالف لما علم من الشريعة، ومن مثل قوله: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: ٥٣].
وإن من عمل السوء عن جهل مؤاخذ، وفي حاجة إلى التوبة، مع أنّه لم يذنب ولمكان هذا ذهب العلماء إلى تأويل الجهالة مذاهب شتى، أقربها أنّ كلّ من عصى الله سمّي جاهلا، وسمّي فعله جهالة، قال الله حكاية عن يوسف: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ [يوسف: ٣٣] وقال: قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [البقرة: ٦٧] وقال: فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [هود: ٤٦].
ووجه تسمية العاصي جاهلا- وإن عصى عن علم- أنه لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما عصى ربّه فلما لم يستعمل هذا العلم صار كأنّه لا علم له،
فسمي العاصي جاهلا لذلك، سواء أتى ذلك مع العلم بكونها معصية، أم مع الجهل بذلك، وإلى ذلك ذهب كثير من السلف.
أخرج ابن جرير «١» عن قتادة قوله: لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ قال: اجتمع أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فرأوا أنّ كل شيء عصي به فهو جهالة، عمدا كان أو غيره.
وأخرج «٢» أيضا عن مجاهد قال: كل من عمل بمعصية الله فذاك منه بجهل حتى يرجع عنه.
وذهب الفخر الرازي إلى أنّ الجهالة على معناها، وأنّ الآية عرضت لمن يجب قبول توبته وجوب تفضل، وذلك ليس إلا لمن عمل السوء عن جهالة، أما من فعل السوء عن علم فليس يجب قبول توبته على الله، والتزم أن بعض من يعملون السوء عن جهل مذنبون كاليهودي الذي لا يعلم بطلان مذهبه.
وإنما أوخذ لأنه متمكن من أن يعلم، وهذا فرق بينه وبين الناسي، قوله: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ معنى القرب فيه يعلم من مقابله، وهو قوله: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ. فكل ما كان قبل حضور الموت فهو قريب، وحضور الموت هو وصولهم إلى حالة يغلبون فيها على عقولهم، ويشتغلون بكرب الحشرجة.
ومِنْ فيه للتبعيض، والمعنى: ثم يتوبون بعد وقت قريب، وسمّى ما بين وجود المعصية وبين حضور الموت زمنا قريبا ففي أي جزء من هذا أوقع توبته فهو تائب من قريب، وإلا فهو تائب من بعيد.
فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفائدة هذه بعد قوله: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ أن يبيّن أن ما أوجبه على نفسه سيفي به، فهذا وعد منه تعالى بذلك.
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بضعف الإنسان أمام الشهوة والغضب حَكِيماً في قبول توبة ذلك الضعيف.
قال الله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٨) أخبر الله أنه لا توبة للذين يعملون السيئات، حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ، وهذا المعنى قد نطقت به آيات عدة.
قال تعالى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا [غافر: ٨٥] وقال حكاية عن
(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٤/ ٢٠٢).
(٢) المرجع نفسه (٤/ ٢٠٣). [..... ]
فرعون لما أدركه الغرق: آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) [يونس: ٩٠، ٩١] وقال: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها (١٠٠) [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠].
وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ عطف على الذين يعملون السيئات، وهذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أن المراد بهم الذين قرب موتهم، فيكون بيّن بهذا أن الإيمان لا يقبل من الكافر عند حضور الموت.
والثاني: أن يكون المراد أنّ الكفار إذا ماتوا على الكفر لا تقبل توبتهم.
أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً، أَعْتَدْنا: أعددنا وهيأنا، والإشارة بأولئك إلى الفريقين.
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩) كانت المرأة قبل الإسلام مهضومة الحقّ، يعتدى عليها بأنواع من الاعتداء، فكان ذلك من أنعم الشريعة الإسلامية على المرأة:
النعمة الأولى: كان الرجل في الجاهلية إذا مات وجاء ابنه أو بعض ورثته وألقى ثوبه على امرأته: كان أحقّ بها من نفسها، فإن شاء تزوجها، ولم يدفع لها مهرا، وإن شاء زوّجها من أحبّ، وأخذ مهرها، فكانوا يرثونها كما يرثون المال، كأنّهم يظنونها ملكا لمورّثهم بما أصدقها من صداق، فأنزل الله هذه الآية ناهيا عن تلك العادة الذميمة فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً فبين بذلك أنها ليست متاعا يورث.
روى ابن جرير «١» عن ابن عباس في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته، إن شاء بعضهم تزوّجها، وإن شاؤوا زوّجوها، وإن شاؤوا لم يزوّجوها، وهم أحقّ بها من أهلها، فنزلت هذه الآية.
وأخرج «٢» أيضا عن السدي قال: أما قوله: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً فإن
(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٤/ ٢٠٧).
(٢) المرجع نفسه (٤/ ٢٠٨).
الرجل في الجاهلية كان يموت أبوه أو أخوه أو ابنه، فإذا مات وترك امرأته، فإن سبق وارث الميت فألقى عليها ثوبه، فهو أحقّ بها أن ينكحها بمهر صاحبه، أو ينكحها فيأخذ مهرها، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها فهم أحقّ بنفسها.
وعلى ذلك يكون المعنى: لا يحل لكم أن ترثوا آباءكم وأقاربكم نكاح نسائهم وهن لذلك كارهات.
وأخرج ابن جرير «١» عن الزهري في قوله: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً قال: نزلت في ناس من الأنصار كانوا إذا مات الرجل منهم فأملك الناس لامرأته وليّه، فيمسكها حتى تموت فيرثها، فنزلت فيهم.
على هذا يكون المعنى: لا يحل لكم إذا مات أولياؤكم أن تمسكوا نساءهم حتى يمتن فترثوهن.
والظاهر الأول، لأن مآل الثاني بيان أنهم ليسوا من ورثتها، وذلك معلوم من آيات الميراث، فإنها بيّنت من ترث، بخلاف حمله على المعنى الأول، فإنه يؤدي معنى جديدا.
وقرئ كرها وكرها بالفتح والضم ومعناهما واحد، وقيل: الكره بالضم المشقة وبالفتح الإكراه.
النعمة الثانية من نعم الشريعة الإسلامية على النساء: كانوا إذا تزوج أحدهم امرأة وكرهها حبسها وعضلها، حتى تفتدي منه، فنهوا عن ذلك إلا أن تأتي بفاحشة مبينة، فيجوز حبسها، والفاحشة قيل: هي الزنى، وقيل النشوز، والأولى أن تعم كل ذلك.
وأخرج ابن جرير «٢» عن ابن عباس قوله: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ يقول: لا تقهروهن لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ يعني: الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر، فيضربها لتفتدي.
وقال آخرون: إنّ الذين نهوا عن العضل هم أولياء الميت الذين يرثون وقال آخرون: إنهم أولياء المرأة، وهذا ليس بظاهر، لأنّ أولياءها لم يؤتوها شيئا، والله يقول: لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن.
وقوله: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ يحتمل أن يكون مجزوما على النهي، ويحتمل أن يكون معطوفا على تَرِثُوا.
(١) المرجع نفسه (٤/ ٢٠٩).
(٢) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٢/ ٢١٠).
والعضل: الحبس والتضييق، وقرئ مبيّنة بالكسر والفتح فأما الكسر فقد أسند البيان إليها على المجاز. وأما الفتح فعلى معنى أنه بينها غيرها.
النعمة الثالثة: كان الرجال يسيئون عشرة النساء، فيغلظون لهنّ القول، ويضارّوهن، فقال الله تعالى: وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ قال الزجاج: هو النّصفة بالميت والنفقة، والإجمال في القول.
ولو عمل المسلمون بهذا الأمر لسعدت الأسر وشملتها السعادة، لأنّ أسباب شقاء الأسر ترجع إلى سوء العشرة، وافتئات الرجل على المرأة في حقوقها، كأن يخادن عليها، أو يهجرها إلى الخانات والرفقة، ويغلظ لها في القول، فيفسد ما بينهما، وتسوء أخلاق أولادهما من طول النزاع وسوء الأسوة.
عن ابن عمر أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «يا أيها الناس إنّ النساء عندكم عوان، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن حقّ، ولهن عليكم حقّ، ومن حقّكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا، ولا يعصينكم في معروف، وإذا فعلن ذلك فلهنّ رزقهنّ وكسوتهن بالمعروف» «١».
فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فلا تفارقوهن للكراهة وحدها فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً كأن يعطفكم عليهن، فيجعل منهنّ لكم زوجات رضيات، أو يرزقكم منهنّ بأولاد صالحين، فالضمير فيه يرجع إلى شَيْئاً.
قال الله تعالى: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١) النعمة الرابعة: كان من ظلم الرجال للنساء أن الرجل إذا أراد طلاق امرأته استردّ ما دفعه من مهر، وربما توسّل إلى ذلك برميها بالفاحشة، أو تهديدها بذلك، فنهى الله عن ذلك في هاتين الآيتين، وجعله بهتانا وإثما مبينا، وأنكر عليهم أخذه، ووبّخهم على ذلك بعد أن أفضوا إليهن، وأخذن منهم ميثاقا غليظا.
وقد أخذ من هذه الآية جواز الإغلاء في المهور، لأنّ الله قال: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً ومنع أن يأخذوا منه شيئا، والقنطار: المال الكثير الوزن، وإن كان النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه كانوا يقلّلونه.
وقد روي عن عمر أنه قال- وهو على المنبر- ألا لا تغالوا في صدقات النساء،
(١) رواه الطبري في تفسيره جامع البيان (٤/ ٢١٢).
فإنّها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله، لكان أولاكم بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا من بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر يعطينا الله وتحرمنا أنت، أليس الله سبحانه يقول: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً؟ فقال عمر: امرأة أصابت وأمير أخطأ «١».
وقد احتج أبوبكر الرازي «٢» بهذه الآية على أنّ الخلوة الصحيحة تقرّر المهر قال: وذلك لأنّ الله تعالى منع الزوج أن يأخذ منها شيئا من المهر، وهذا المنع مطلق، ترك العمل به قبل الخلوة، فوجب أن يبقى معمولا به بعد الخلوة. قال: ولا يجوز أن يقال: إنه مخصوص بقوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ [البقرة: ٢٣٧].
وذلك أنّ الصحابة اختلفوا في تفسير المسيس فقال عمر وعلي المراد من المسيس الخلوة، وقال عبد الله: هو الجماع، وإذا صار مختلفا فيه امتنع جعله مخصّصا لعموم هذه الآية.
وهذه المسألة خلافية، فقد ذهب الحنفية إلى أن المهر يتقرّر بالخلوة، وذهب الشافعية إلى أنّه يتقرّر بالجماع لا بالخلوة، ولمالك في ذلك ثلاث روايات:
إحداهن: يتقرر المهر بالخلوة.
وثانيتهن: لا يتقرّر المهر إلا بالوطء.
وثالثتهن: يتقرر بالخلوة في بيت الإهداء، والأصح: تقرّره بالخلوة مطلقا، وقد علمت حجة القائلين بتقريره بالخلوة.
وقد رأى القائلون بأنّه لا يتقرر بالخلوة أنّ هذه الآية مختصة بما بعد الجماع، بدليل قوله: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وإفضاء بعضهم إلى بعض هو الجماع، لأدلة ستذكر بعد.
وأفضى: من الفضاء الذي هو السعة، يقال فضا يفضو فضوا وفضاء: إذا اتسع.
قال الليث: أفضى فلان إلى فلان أي وصل إليه، وأصله أنه صار في فرجته وفضائه.
وقد اختلف في المراد بإفضاء بعضهم إلى بعض، فذهب الحنفية وآخرون إلى أنه الخلوة الصحيحة.
وذهب الشافعية إلى أنه كناية عن الجماع، وهو قول ابن عباس ومجاهد، وقد استدل الشافعية لمذهبهم أنّ الله ذكر هذا في معرض التعجب فقال:
(١) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (٢/ ١٣٣).
(٢) في كتاب أحكام القرآن (٢/ ١١٠).
وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ والتعجب إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سببا قويا في حصول الألفة والمحبة، وهو الجماع. وقد ذكر الفخر الرازي وجوها عدة أخرى وأطال فيها «١».
ونحن نرى أن هذه الآية لم تنزل في تقرر الصداق وعدمه، فنزلت فيه آية:
وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ [البقرة: ٢٣٧] فجعل التنصيف بالطلاق قبل المسيس، فينبغي أن يعلم ما المراد بالمسيس أهو الخلوة أم الدخول وقد تقدم ذلك في سورة البقرة.
أما قوله تعالى: أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً فهذا إنكار وتوبيخ للأزواج على ذلك الغصب. والبهتان في اللغة: الكذب الذي يواجه الإنسان به صاحبه على جهة المكابرة. وأصله من بهت الرجل إذا تحيّر، فالبهتان كذب يحير الإنسان لعظمه، وكان مقتضى الظاهر ألا يؤتى بوصف البهتان هنا لعدم ظهور الكذب فيه، بل كان يوصف بالظلم مثلا، ولذلك اختلف العلماء في هذه اللفظة، وتقرير مناسبتها، فقال بعضهم:
إنه أطلق على كل باطل يتحيّر من بطلانه بهتان.
وقيل: إنه إذا طلقها وأخذ منها ما آتاها- مع أن الله لم يبح ذلك إلا في حالة إتيانها بالفاحشة- أشعر ذلك أنها قد أتت بفاحشة، فكان أخذ المال طعنا فيها من وجه، وظلما لها من وجه آخر، وقيل: المراد أنه رمى امرأته بتهمة ليتوصل إلى أخذ المهر، ووصف الإثم بأنه مبين، لأنه مبين أمر صاحبه أنه ظالم.
وأما قوله: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١) فهو إنكار، والميثاق الغليظ الذي أخذته قال مجاهد وقتادة وغيرهما: هو قوله: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا [النساء: ٢٢] وهذا وإن كان ميثاقا من الله فإنه ينسب إليهن، لأنهن السبب.
وقيل: هو كلمة النكاح، وهي قوله: نكحت،
وقد ثبت عن جابر بن عبد الله عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «اتقوا الله في النساء، فإنّكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله» «٢».
وقيل: هو الصحبة والعشرة.
ووصفه بالغلظة لقوته وعظمته. وقد قالوا: صحبة عشرين يوما قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟
(١) في تفسيره: مفاتيح الغيب والمعروف أيضا بالتفسير الكبير (١٠/ ١٥).
(٢) رواه البخاري في الصحيح حديث رقم (١٥٥٧) ومسلم في الصحيح (٢/ ٨٨٩)، كتاب الحج حديث رقم (١٢١٨).
ما يحرم من النساء
قال الله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا (٢٢) كانوا في الجاهلية يخلفون آباءهم على نسائهم، فنهاهم الله عن ذلك، وعفا لهم عما قد سلف قبل التحريم، فلا يؤاخذهم، ووصفه بأنه فاحشة، لأن امرأة الأب تشبه الأم، وبأنه مقت، والمقت بغض مقرون باستحقار، ووصف به العقد لأنّه سبب إلى المقت، وكانت العرب تسمي هذا النكاح المقت، وتسمي ولد الرجل من امرأة أبيه مقيتا.
وقال: وَساءَ سَبِيلًا وهو معطوف على الخبر، بتقدير مقولا فيه، لأنه إنشاء.
أخرج ابن جرير «١» عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يحرّمون ما يحرم إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فأنزل الله: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ.
والاستثناء في قوله: إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ استثناء منقطع، والمعنى: لكن ما قد سلف فلا تثريب عليكم فيه، كقوله: لا تلق فلانا إلا ما لقيت، أو هو استثناء متصل مما يستلزمه النهي، ويستوجبه مباشرة المنهي عنه، كأنه قيل: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء، فإنه معاقب عليه إلا ما قد سلف.
وقيل: إن إِلَّا هنا بمعنى (بعد) كقوله: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى [الدخان: ٥٦] أي بعد الموتة الأولى.
وكانَ هنا قيل: إنها زائدة، وقيل: ليست زائدة ولكنها منسلخة عن خصوص الماضي، كقوله: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [النساء: ٩٦].
وقد علمت مما تقدّم أن ما هنا عبارة عن النساء، فقد وقعت على العاقل، وقيل: إنها مصدرية، والمعنى: ولا تنكحوا نكاحا مثل ما نكح آباؤكم من أنكحة الجاهلية الفاسدة.
وقد اختلف العلماء فيمن زنى بها الأب أتحرم على ولده كما حرمت عليه زوجته، أم لا تحرم، فيكون الوطء الحرام غير ناشر للحرمة كالوطء الحلال، وكذلك اختلفوا في الزنى بأم الزوجة أو بنتها: أيحرّم الزوجية أم لا يحرمها، وإلى الأول ذهب أبو حنيفة والصاحبان والثوري والأوزاعي وقتادة والحسن، وإلى الثاني ذهب الشافعي والليث والزهري وربيعة.
(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٤/ ٢١٢).
واختلفت الرواية عن مالك، ففي «الموطأ» عنه مثل قول الشافعي، وروى عنه ابن القاسم مثل أبي حنيفة، وقال سحنون «١» :أصحاب مالك يخالفون ابن القاسم فيها ويذهبون إلى ما في «الموطأ».
وسبب الخلاف الاشتراك في اسم النكاح، فهو يطلق على الوطء، وعلى العقد، فمن قال: إنّ المراد به في الآية الوطء حرّم من وطئت ولو بزنى، ومن قال: المراد به العقد لم يحرّم بالزنى.
ونحن سنشرح المسألة بعض الشرح فنقول:
نقل الجصاص «٢» عن أبي عمر غلام ثعلب قال: الذي حصّلناه عن ثعلب عن الكوفيين والمبرّد عن البصريين أنّ النكاح في أصل اللغة هو اسم للجمع بين الشيئين، تقول العرب: أنكحنا الفرا فسنرى، هو مثل ضربوه للأمر، يتشاورون فيه، ويجتمعون عليه، ثم ينظر عماذا يصدرون فيه، معناه جمعنا بين الحمار وأتانه، وسمّى الوطء نكاحا، لأنّه جمع بين الرجل والمرأة، وأطلق على العقد نكاح، لأنّه سبب له.
وليس يختلف أنه قد أطلق في القرآن ولسان العرب على الوطء مرة، وعلى العقد أخرى، فمن إطلاقه على الوطء، قوله: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة: ٢٣٠] الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً [النور: ٣] إذ لو كان العقد للزم الكذب.
وقوله: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ [النساء: ٦]
وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ناكح اليد ملعون»
وقول الأعشى:
ومنكوحة غير ممهورة... وأخرى يقال له فادها
يقصد المسبية الموطوءة بغير مهر ولا عقد.
وقول الآخر:
ومن أيّم قد أنكحتها رماحنا... وأخرى على عمّ وخال تلهّف
ومن إطلاقه على العقد قوله تعالى: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [الأحزاب: ٤٩] وقوله: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [النور: ٣٢] وقوله:
فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ [النساء: ٣]
وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «النكاح من سنّتي» «٣»
أي العقد،
وقوله:
(١) عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي الملقب بسحنون قاض فقيه ولد في القيروان، انظر الأعلام للزركلي (٤/ ٥).
(٢) في كتابه أحكام القرآن (٢/ ١١٢).
(٣) رواه ابن ماجه في السنن (١/ ٥٩٢)، كتاب النكاح، باب ما جاء في فضل النكاح حديث رقم (١٨٤٦).
«أنا من نكاح ولست من سفاح»
وإنما الخلاف فيما هو الراجح، أهو الوطء أم العقد؟
أن يكون المراد بالنكاح في الآية الوطء، قالوا: لأنه فيه حقيقة، وفي العقد مجاز، والحمل على الحقيقة أولى، حتى يقوم الدليل على الحمل على المجاز، وإذا كان المراد به الوطء فلا فرق بين الوطء الحلال والوطء الحرام.
قالوا: ويدلّ عليه من جهة النظر أنّ الوطء آكد في إيجاب التحريم من العقد، لأنّا لم نجد وطأ مباحا إلا وهو موجب للتحريم، كالوطء بملك اليمين، ونكاح الشبهة، وقد وجدنا عقدا صحيحا لا يوجب التحريم، وهو العقد على الأم لا يوجب تحريم البنت، ولو وطئها حرمت، فعلمنا أنّ وجود الوطء، لأنّ التحريم لم يخرجه من أن يكون وطأ صحيحا.
وللشافعية أن يقولوا النكاح، وإن كان مجازا في العقد: ولكنه اشتهر فيه حتى صار حقيقة، كالعقيقة، كانت اسما لشعر المولود، ثم أطلقت على الشاة التي تذبح عند حلقه مجازا، واشتهر ذلك، حتى صارت حقيقة فيها، تفهم منها عند الإطلاق.
وقد عبّر الله بجانب هذه المحرمات بما يفيد الزوجية كقوله: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ.
ويدلّ لهم من جهة النظر أنّ الله جعلها محرما بالمصاهرة تكريما لها، كما جعلها محرما من النسب تكريما للنسب، فكيف يجعل هذه الحرم للزنى وهو فاحشة ومقت، وإنما جعل زوجة الأب محرما، وكذلك زوجة الابن وأم الزوجة وبنتها لشدة الاختلاط بين الأصهار، فجعلن محارم، لتنقطع طماعية المرء منهن، فيقل الفساد، لأنّ الطمع داعية الفساد، وبذلك تسهل الخلطة على الأصهار، ويأمنون مغبتها، وهذا المعنى ليس موجودا في الزنى، وهذا الذي ذكرناه يفهم من كلام الشافعي في «الأم» فقد قال:
فإن زنى بامرأة أبيه وابنه أو أم امرأته فقد عصى الله، ولا تحرم عليه امرأته، ولا على أبيه، ولا على ابنه امرأته، لو زنى بواحدة منهما، لأن الله عزّ وجلّ إنما حرّم بحرمة الحلال تعزيزا لحلاله، وزيادة في نعمته بما أباح منه، بأن أثبت به الحرمة التي لم تكن قبله، وأوجب بها الحقوق، والحرام خلاف الحلال.
والظاهر ما ذهب إليه الشافعية والقول الراجح عند المالكية عن عدم التحريم بالزنى للعلة التي ذكرت، ويكون مقيسا على النسب، فكما أن النسب لا يثبت بالزنى، كذلك التحريم لا يثبت بالزنى.
قال الله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ
وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣)
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ أي حرّم نكاحهن، وحذف لدلالة الكلام عليه، كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها، ومن تحريم الميتة تحريم أكلها، ولأنّ قوله:
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ يدل عليه.
أخرج ابن جرير «١» عن ابن عباس قال: يحرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع، ثم قرأ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ إلى قوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ.
وأخرج «٢» أيضا عنه قال: حرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع، ثم قرأ:
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ حتى بلغ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ قال: والسابعة: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ.
السبع اللاتي حرّمن من النسب
١- الأم: وهي كل امرأة لها عليك ولادة، ويرتفع نسبك إليها بالبنوه، سواء أكانت منك على عمود الأب أو على عمود الأم، فتحرم عليك أمك وجداتك وإن علون من جهة الأب، أو من جهة الأم.
٢- البنت: وهي كل امرأة لك عليها ولادة سواء أكانت بنتا مباشرة أو بواسطة، فتشمل البنات، وبنات الأولاد وإن سفلن.
٣- الأخت: وهي كل امرأة شاركتك في أصليك أبيك وأمك، أو في أحدهما، ولا تحرم أخت أختك إذا لم تكن أختا لك، كأن تكون لك أخت من أبيك لها أخت لأمها من رجل آخر.
٤- العمة: كل امرأة شاركت أباك ما علا في أصليه أو في أحدهما.
٥- الخالة: كل امرأة شاركت أمك مهما علت في أصليها أو في أحدهما.
٦- بنت الأخ: كل امرأة لأخيك عليها ولادة.
٧- بنت الأخت: كل امرأة لأختك عليها ولادة.
فإن قيل: تحريم الجدّات وبنات الأولاد، هل أخذ من الآية أم من دليل آخر؟
(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٤/ ٢٢٠). [..... ]
(٢) المرجع نفسه (٤/ ٢٢٠).
قلنا: إن الأم إذا كانت حقيقة في الأم المباشرة مجازا في الأم غير المباشرة فتحريم الأم من الآية، والجدات من الإجماع.
وقال بعضهم: إنّ إطلاق الأم على الأم المباشرة والجدة من باب المشترك المعنوي، وعلى ذلك يكون تحريم الجدات من الآية، وكذا القول فيما ماثله.
وقد اختلف في البنت من الزنى أهي داخلة في قوله: وَبَناتُكُمْ فتكون حراما، ولها حرمة البنت الشرعية، أم ليست داخلة، فلا تكون حراما، وليس لها حرمة البنت الشرعية؟
بالأول قال أبو حنيفة، وبالثاني قال الشافعي.
ولعل أبا حنيفة نظر إلى الحقيقة، وأنها مختلقة من مائه، وبضعة منه فحرمها عليه.
أما الشافعي فنظر إلى أن الشارع لم يعطها حكم البنتية، فلم يورّثها منه، ولم يبح الخلوة بها، ولم يجعل له عليها ولاية، وليس له أن يستلحقها،
وقال صلّى الله عليه وسلّم: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» «١».
والوجه ما ذهب إليه أبو حنيفة من الحرمة قياسا على ولد الزنى، فإنّه تحرم عليه أمه، وليس بينهما إلا أنه متخلق منها، وبضعة منها، فكذلك بنت الزنى مع أبيها، ونفي بعض لوازم البنت عنها للعقوبة لا يقتضي نفي البقية، وجواز نكاحها.
السبع المحرمات بغير النسب
١- الأم من الرضاع: وهي كل امرأة أرضعتك، وكذلك كل امرأة انتسبت إلى تلك المرضعة بالأمومة، إما من جهة النسب، أو من جهة الرضاع.
٢- الأخت من الرضاع: وهي ثلاث:
أخت لأبيك وأمك، وهي المرأة التي رضعت من أمك بلبن أبيك.
أخت لأبيك، وهي المرأة التي أرضعتها امرأة أبيك رضاعا بلبنه.
أخت لأمك، وهي المرأة التي أرضعتها أمك بلبن غير لبن أبيك.
ولم يذكر من المحرّم بالرضاع في القرآن سوى الأمهات والأخوات، والأم أصل، والأخت فرع، فنبه بذلك على جميع الأصول والفروع.
(١) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ٦)، ٣٤- كتاب البيوع، ٣- باب تفسير المشبهات حديث رقم (٢٠٥٣)، ومسلم في الصحيح (٢/ ١٠٨٠)، ١٧- كتاب الرضاع، ١٠- باب الولد للفراش حديث رقم (٣٦/ ١٤٥٧).
وأيضا لما سمى المرضعة أما، والمرضعة أختا، فقد نبه بذلك على أنه أجرى الرضاع مجرى النسب، وقد جاءت السنّة مؤكدة بصريح العبارة لهذا المفهوم،
فقد ثبت أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» «١».
وثبت في «الصحاح» «٢» عن علي أنه قال: قلت يا رسول الله مالك تنوّق في قريش وتدعنا؟
قال: «وعندكم شيء» ؟
قلت: نعم، ابنة حمزة فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنها لا تحلّ لي إنّها ابنة أخي من الرضاعة» وذلك لأنّ ثويبة أرضعت حمزة والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
وظاهر قوله: وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ يقتضي أنّ مطلق الرضاع محرّم، وبذلك قال مالك وأبو حنيفة.
وذهب الشافعي إلى أنه لا تحرّم إلا خمس رضعات، واستدل بما
رواه مسلم «٣» وغيره أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تحرّم المصة ولا المصتان» «٤» «لا تحرّم الإملاجة ولا الإملاجتان» «٥»
وبما رواه مالك وغيره عن عائشة قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات، فنسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهنّ مما يقرأ من القرآن.
وهذا الحديث الأخير لا يصحّ الاستدلال به، لاتفاق الجميع أنه لا يجوز نسخ تلاوة شيء من القرآن بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولا إسقاط شيء منه، وهذا الحديث يفيد أنه سقط شيء من القرآن بعد وفاته.
وأما الحديث الأول، فكان مقتضى مذهب الشافعي أن يحرّم بما زاد على الرضعتين، لأنه يقول بالمفهوم.
وقد رأى الحنفية أنه لا يجوز تخصيص آية التحريم هذه بخبر الواحد، لأنها محكمة، ظاهرة المعنى، بينة المراد، لم يثبت خصوصها بالاتفاق، وما كان هذا وصفه، فغير جائز تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس.
(١) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ٢٠١)، ٥٢- الشهادات، ٧- باب الشهادة على الأنساب حديث رقم (٢٦٤٥).
(٢) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١٠٧١)، ١٧- كتاب الرضاع، ٣- باب تحريم ابنة الأخ من الرضاعة حديث رقم (١١/ ١٤٤٦).
(٣) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١٠٧٣)، ١٧- كتاب الرضاع، باب في المصة والمصتان حديث رقم (١٧/ ١٤٥٠).
(٤) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١٠٧٤)، ١٧- كتاب الرضاع، ٥- باب في المصة والمصتان حديث رقم (١٨/ ١٤٥١).
(٥) رواه مالك في الموطأ كتاب الرضاع، باب ما جاء في الرضاعة حديث رقم (١٧).
وقد أخرج أبو بكر الرازي «١» عن طاووس عن ابن عباس أنه سئل عن الرضاع فقلت: إن الناس يقولون: لا تحرّم الرضعة ولا الرضعتان، قال: قد كان ذاك، أما اليوم فالرضعة الواحدة تحرم.
فقد عرف ابن عباس خبر العدد في الرضاع، وأنه منسوخ بالتحريم بالرضعة الواحدة.
اختلف العلماء في لبن الفحل أيحرّم أم لا يحرّم؟ وصورته: أن يتزوج رجل امرأتين، فتلدا منه، وترضع إحداهما صبية، والأخرى غلاما، فمن ذهب إلى أن لبن الفحل يحرّم حرّم الصبية على الغلام، لأنهما أخوان من الرضاع لأب، وهذا هو المتصوّر، لما
ثبت في البخاري «٢» عن عائشة أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن على عائشة بعد أن نزل الحجاب، فقالت عائشة: والله لا آذن لأفلح حتى أسأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإن أبا القعيس ليس هو الذي أرضعني، إنما أرضعتني المرأة، قالت عائشة: فلما دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قلت: يا رسول الله! إن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليّ فأبيت أن آذن له حتى أستأذنك، فقال: «إنه عمك فليلج عليك»
وهو مذهب أكثر الأئمة.
يقتضي قوله تعالى: وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ أنّ الرضاع يحرّم ولو في سن الكبر، إلا أن قوله تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ [البقرة: ٢٣٣] بيّن زمن الرضاعة، فذهب العلماء إلى أنّ من أرضع خارج الحولين لا يكون ابنا من الرضاعة، وأكد هذا ما
روي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء من الثدي، وكان قبل الفطام» رواه الترمذي والنسائي «٣».
وقد رأت عائشة أنّ رضاع الكبير محرّم،
للحديث الصحيح «٤» عنها قالت: جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالت: يا رسول الله إنا كنا نرى سالما ولدا، وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد، ويراني فضلا، وقد أنزل الله سبحانه وتعالى فيهم ما علمت، فكيف ترى يا رسول الله فيهم؟
فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: أرضعيه خمس رضعات يحرم بها، فكانت تراه ابنا من الرضاعة، فبذلك كانت عائشة تأخذ.
(١) في كتابه أحكام القرآن (٢/ ١٢٥).
(٢) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ١٥٣)، ٦٧- كتاب النكاح، ٢٣- باب لبن الفحل حديث رقم (٥١٠٣).
(٣) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٤٥٨)، كتاب الرضاع، باب ما ذكر أن الرضاع حديث رقم (١١٥٢).
(٤) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١٠٧٦)، ١٧- كتاب الرضاع، ٧- باب رضاعة الكبير حديث رقم (٢٦/ ١٤٥٣).
وأباه سائر أزواج النبي صلّى الله عليه وسلّم وقلن: والله ما نرى ذلك إلا رخصة من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لسهلة.
٣- أمهات نسائكم: وهنّ أمهات الزوجات.
٤- ربائبكم: اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن:
والرائب جمع ربيبة، فعيلة بمعنى مفعولة، من قولك ربّها يربّها، إذا تولّى أمرها، وهي بنت الزوجة من غيرك، وسميت بذلك لأنّ زوج أمها في الغالب يتولّى أمرها. ومقتضى ظاهر التلاوة أن الربيبة لا تحرم على زوج أمها إلا بشرطين:
أولهما: كونها في حجره.
ثانيهما: أن يكون دخل بأمها.
أما الأول: فلم يشترطه جمهرة العلماء، قالوا: إنه خرج مخرج الغالب، لا أنه قيد في التحريم.
والربيبة حرام على زوج أمها سواء أكانت في حجره أو لم تكن في حجره.
وروى مالك بن أوس عن علي أنها لا تحرم حتى تكون في حجره،
أخذا بظاهر القرآن.
ولكنّ سائر الصحابة وعامة الفقهاء على القول الأول.
وأما الثاني فهو متفق عليه، إلا أنهم اختلفوا في الدخول فقال الطبري والشافعي:
إنه الجماع، وقال مالك وأبو حنيفة: هو التمتع من اللمس والقبلة، وقال عطاء وعبد الملك بن مروان: هو النظر إليها بشهوة.
وقد اختلف العلماء في الدخول: أهو شرط في تحريم أمهات النساء، كما هو شرط في الربيبة، أم ليس شرطا فيهن؟
فروي عن علي، وجابر، وابن الزبير، وزيد بن ثابت، ومجاهد، أنه شرط فيهن، فلا تحرم أمّ الزوجة بالعقد، بل بالدخول بها.
قال سائر العلماء: إنه ليس شرطا فيهن.
وسبب الخلاف اختلافهم في قوله: اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أهو وصف لنسائكم من قوله: مِنْ نِسائِكُمُ فقط أم هو وصف لها ولنسائكم من قوله: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ.
وقد احتجّ الأولون بأنه لو كان لهما للزم أن يكون وصفا لمعمولي عاملين مختلفين، لأنّ إحداهما العامل فيها الإضافة، والأخرى العامل فيها حرف الجر، وذلك منعه البصريون كالعطف على معمولي عاملين مختلفين، وهذا الاستدلال لا يصح، لأنّ هذا أجازه الكوفيون.
والأولى أن يقال: إنه يحتمل أن يكون ذلك شرطا في تحريم الربيبة فقط، وأن يكون شرطا في تحريم أمهات النساء أيضا، ولا تحلّ الفروج بالاحتمال، فالاحتياط يقضي أن يجعل شرطا في الربيبة فقط.
٥- حلائل أبنائكم الذين من أصلابكم:
الحلائل جمع حليلة، فعيلة بمعنى مفعلة أي محلة.
حرم الله على الأب زوجة ابنه، كما حرم على الابن زوجة أبيه وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ.
وقد أرسلها الله فلم يقيدها بالدخول، فيعلم أنها تحرم على الأب بمجرد عقد الابن عليها، وقيد الله الأبناء بالذين من أصلابكم ليخرج الابن الدعيّ، فهذا تحل حليلته لمن تبناه، وذلك فائدة التقييد.
وقد كانت العرب تحرّم زوجة الابن بالتبني على من تبنّاه، فأحلّها الإسلام، وتزوّج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم زينب بنت جحش زوج زيد بن حارثة الذي تبناه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، تزوجها بعد أن طلقها زيد، فقالت العرب: تزوّج محمد امرأة ابنه، فنزل: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ [الأحزاب: ٣٧] وقوله: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ [الأحزاب: ٥] ونزل في ذلك أيضا:
وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ.
فإن قيل: إنّ هذا القيد يخرج الابن من الرضاع كما يخرج الابن بالتبني.
قيل: إن الابن بالرضاع حرمت حليلته
بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب».
وقد رأى الفخر الرازي أنّ اسم الحليلة كما يشمل الزوجة يشمل الأمة، لأنها أيضا تحلّ، فقوله: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ يفيد حرمة أمة الابن أيضا.
وذهب الحنفية إلى أن اسم الحليلة خصّ عرفا بالزوجة، فلا تكون داخلة في الآية، ولا تحرم على الأب بمجرد ملك الابن إياها، بل بالوطء.
٦- وأن تجمعوا بين الأختين:
حرّم الله أن يجمع الرجل بين الأختين في النكاح، وقوله: وَأَنْ تَجْمَعُوا...
في تأويل مصدر معطوف على أُمَّهاتُكُمْ.
وقد رأى علي في بعض الروايات عنه أنه يحرم الجمع بينهما بملك اليمين أو إحداهما بنكاح والأخرى بملك اليمين، وحجته أن الله حرم الجمع بين الأختين، وهذا يشمل الجمع بينهما بملك اليمين.
وذهب الفقهاء إلى جواز الجمع بينهما بملك اليمين، أو بزواج من إحداهما وملك الأخرى، ولا يجوز له إلا وطء إحداهما، فإذا وطئها حرمت عليه الأخرى، وحجتهم أنّ الجمع المذكور هنا هو الجمع في النكاح.
ذهب مالك والشافعي إلى أنه إذا طلّق الأخت طلاقا بائنا حلّت له أختها، ولو لم تخرج من عدتها، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا تحلّ له أختها حتى تخرج الأولى من عدتها.
ودليل الأولين أنّ الله قد حرم الجمع، ولا جمع إذا أبان الأولى، لأنها بإبانتها انتفت الزوجية، بدليل أنه لا يصح له وطؤها، وإذا وطئها حدّ.
ودليل أبي حنيفة أن الأولى محبوسة عليه للعدة، والثانية محبوسة عليه أيضا بالزوجية، فقد جمع بينهما في الحبس.
والظاهر ما ذهب إليه الإمامان مالك والشافعي، لأنّ الله حرّم الجمع في الزوجية، ولا زوجية للبائن.
وقوله: إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ يقال فيه ما قلناه في مثلها قريبا.
إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ولذلك لم يؤاخذهم بما كان منهم من الجمع بين الأختين فيما سلف في الجاهلية، وحكمة تحريم من حرّمن وأبّد تحريمهنّ. إما من النسب، فإنّه لما اقتضت طبيعة الوجود تكوين الأسرة، وكانت الأسرة محتاجة إلى الخلطة والمعاشرة، فلو أبيح من ذكرنا من المحارم، لتطلعت إليهنّ نفوس محارمهنّ، وكان فيهنّ طمع، والخلطة تسهل السبيل، فيكثر الوقوع في الفاحشة، والطبائع جبلت على الغيرة، فيغار الرجل من ابنه على أمه وأخته، ووقوع الفاحشة يدعو للمنازعات والمخاصمات والشغب وحدوث القتل، وحجز بعض المحارم عن بعض فيه مشقة وغير متيسر، فأبّد الله تحريم الزواج بالمحرمات من النسب ليسد باب الطمع، وإذا سدّ باب الطمع انتفت خواطر السوء، فلا يقع الفسوق الداعي إلى النزاع والخصام.
ولمثل هذه العلة حرّمت المحرمات من الصهر، فإنّ المرأة تحتاج أمّها وبنتها أن تزورها في بيت الزواج، لو لم يجعلا محارم لتطلعت إليهنّ نفس الزوج وكان ما يترتب على ذلك من المفاسد.
وأيضا الضرورة داعية إلى أن يتزوج الأباعد من الأباعد، لأنّه ليس لكل امرأة قريب ذكر يتزوج بها، فلو لم تكن هذه الحرمة مؤبدة لشغلت الخطيب الوساوس أن يكون أبوها أو أخوها هتك عفتها، ولهذه الحرمة المؤبدة يتزوج الرجل امرأة وهو مطمئن إلى عفافها، وآمن من أن يكون أبوها أو أخوها أو من هو شديد الخلطة بها من أبناء إخوتها سلب عفتها.
وإنما حرّم الجمع بين الأختين لأنّ الضرائر يكون بينهن من الكراهة والبغضاء ما هو معلوم، فلم يشأ الله أن يعرّض أرحام الأختين للقطيعة بتجويز كونهما ضرتين، يتغايران ويتباغضان، وكذلك القول في المرأة والخالة، والمرأة والعمة، وكذلك كل امرأتين لو جعلت إحداهما ذكرا حرّمت على الأخرى.
تحريم ذوات الأزواج
قال الله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤) المحصنات عطف على أُمَّهاتُكُمْ فهنّ من المحرمات.
مادة (ح ص ن) تدلّ على المنع، ومنه الحصن، لأنه يمنع من فيه، ويقال: أحصن الرجل إذا تزوّج، وأحصن إذا أسلم، وأحصن إذا صار حرّا، وأحصن إذا عف، وفي جميع ذلك معنى المنع، فالرجل إذا تزوّج منع نفسه من الزنى، وإذا أسلم منع نفسه من القتل، وإذا عتق فقد منع نفسه من الاستيلاء، والعفيف يمنع نفسه من الفحش.
فمن وروده بمعنى تزوج
قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أحصنت؟» يعني تزوجت.
قال: نعم.
وقال صلّى الله عليه وسلّم: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم من أحصن منهم ومن لم يحصن» «١».
ومن وروده بمعنى أسلم قوله: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ ومن وروده بمعنى الحرية قوله تعالى: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ.
ومن وروده بمعنى العفاف قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ [النور: ٤].
والمراد بالمحصنات في الآية المتزوجات، فهي تحرّم ذوات الأزواج، واستثنى المملوكات، وقد استشكل هذا الاستثناء، فإنّ ذوات الأزواج إذا كنّ من إمائه محرمات على مالكيهن، ولأجل هذا اختلف في تأويل الآية: فذهب بعضهم إلى أن ذلك في بيع الأمة، فهو يقول: حرّمت عليكم ذوات الأزواج إلا ما طرأ على ملكهن ببيع، فيحللن، وذلك لأنّ بيع الأمة طلاقها، فمن باع أمة متزوجه كان ذلك البيع طلاقا
(١) رواه أبو داود كتاب السنن (٤/ ١٥٧)، باب إقامة الحد على المريض حديث رقم (٤٤٧٣) وأحمد في المسند (١/ ٩٥).
لها، وهذا ليس براجح، لأنّ الزواج كما جامع الملك السابق يجامع الملك الطارئ،
وقد ورد أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خيّر بريرة لما بيعت «١»
، ولو كان بيعها طلاقها لما خيّرها.
وقيل- وهو المختار- إنّ ذلك في حق المسبيات إذا كنّ ذوات أزواج، فهو يقول: وحرّم عليكم ذوات الأزواج إلا ما ملكتموهن بسبي، فسباؤكم إياهنّ هادم لنكاحهن.
ويؤيد هذا ما ذكر في سبب نزول الآية.
روى مسلم في «صحيحه» «٢» عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث جيشا إلى أوطاس، فلقوا عدوا، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، وكأنّ ناسا من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تحرّجوا من غشيانهن من أجل أزواجهنّ من المشركين، فأنزل الله عزّ وجلّ في ذلك: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
أي فهنّ حلال لكم إذا انقضت عدتهن.
فتضمّن هذا الحكم إباحة وطء المسبية بالملك، وإن كان لها زوج من الكفار.
وقيل: إنّ المراد بالمحصنات الحرائر، وقوله: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إلا ما ملكتموهنّ بعقد زواج صحيح، وهذا ليس بظاهر، لأنّ الله قال: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [المؤمنون: ٥، ٦] فجعل ما ملكت أيمانهم مقابلا للأزواج، والقرآن يفسّر بعضه بعضا.
(كتب الله عليكم) مصدر مؤكّد أي: كتب الله ذلك- وهو تحريمه ما حرّم عليكم- كتابا، وفرضه فرضا.
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً.
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ عطف على قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ومن قرأها بالبناء للفاعل عطفها على كتب المقدر.
محصنين: أعفّاء.
(١) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ٢١٠)، ٦٨- كتاب الطلاق، ١٤- باب لا يكون بيع الأمة طلاقا حديث رقم (٥٢٧٩)، ومسلم في الصحيح (٢/ ١١٤١)، ٢٠- كتاب العتق، ٢- باب إنّما الولاء حديث رقم (٦/ ١٥٠٤).
(٢) رواه البخاري في الصحيح (٢/ ١٠٧٩)، ١٧- كتاب الرضاع، ٩- باب جواز وطء المسبية، حديث رقم (٣٣/ ١٤٥٦). [..... ]
مسافحين: زناة، من السفاح وهو الزنى، مأخوذ من السفح، وهو صب الماء، لأنّ الزاني لا غرض له من فعلته إلا ذلك.
أَنْ تَبْتَغُوا مفعول لأجله، أي: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ إرادة أَنْ تَبْتَغُوا السناء بِأَمْوالِكُمْ حالة كونكم أعفّاء غير زناة، فلا تضيّعوا أمولكم في الزنى، فتذهب أموالكم، وتفتقروا، ويجوز أن يكون قوله: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ بدلا من قوله: ما وَراءَ ذلِكُمْ، واسم الإشارة في قوله: ذلِكُمْ يرجع إلى المحرّمات المذكورة قبل، وقد اعترض على ذلك بأنّ هذا يقتضي أنّ المحرمات هي من ذكرن، وأنّ من عداهن حلال، مع أنه قد ثبت حرمة نساء غير من ذكرن، وذلك كالمبتوتة، وما زاد على الرابعة، والملاعنة، والجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها.
أما الجمع بين المرأة وعمتها فقد فهم تحريمه من قوله: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بطريق القياس، لأنّ العلة في تحريم الجمع هي القرابة القريبة، فكلّ من بينهما قرابة قريبة حرم الجمع بينهما، فجاز أن يقال: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أي من ذكرن أي إما بطريق النص، أو بطريق القياس.
ومن يجوّز تخصيص القرآن بخبر الواحد المشهور يقول: إنّ آية الحلّ خصّصت
بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا المرأة على خالتها» «١».
وأما البقية: غير الملاعنة فقد خصّصت آيات تحريمهن آية وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ.
وأما الملاعنة فقد خصّص الآية
قوله صلّى الله عليه وسلّم فيها: «المتلاعنان إذا تفرّقا لا يجتمعان قبل موته».
فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً (ما) واقعة على الاستمتاع، والعائد في الخبر محذوف، أي فآتوهن أجورهن عليه. كقوله: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) [الشورى: ٤٣] أي منه، ويجوز أن تكون واقعة على النساء، وأعاد الضمير في (به) عليها باعتبار اللفظ، وفي مِنْهُنَّ باعتبار المعنى، وقوله: فَرِيضَةً معمول لفرض محذوف، والمراد بالأجور المهور، لأنها في مقابلة الاستمتاع، فسميت أجرا.
وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ من حطّ لكله أو بعضه، أو زيادة عليه.
(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١٠٢٨)، كتاب النكاح، ٤- باب تحريم المرأة وعمتها وخالتها حديث رقم (٣٣/ ١٤٠٨).
أمر بإيتاء الأزواج مهورهن، وأجاز الحط بعد الاتفاق برضا الزوجين وعلى ذلك تكون الآية نزلت في النكاح المتعارف.
وقيل: نزلت في المتعة، وهي أن يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم إلى أجل معين، وكان الرجل ينكح امرأة وقتا معلوما ليلة، أو ليلتين، أو أسبوعا بثبوت أو غير ثبوت، ويقضي منها وطرا، ثم يتركها.
واتفق العلماء على أنها كانت جائزة، ثم اختلفوا، فذهب الجمهور إلى أنها نسخت، وذهب ابن عباس إلى أنها لم تنسخ، وهناك رواية عنه أنها نسخت، وروي أنه رجع عن القول بها قبل موته.
والراجح أنّ الآية ليست في المتعة، لأنّ الله ذكر المحرّمات في النكاح المتعارف، ثم ذكر أنه أحلّ ما وراء ذلكم، أي في هذا النكاح نفسه.
والراجح أنّ حكم المتعة الثابت بالسنة قد نسخ، لما أخرج مالك «١» عن علي أنّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية.
وروى الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه قال: غدوت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإذا هو قائم بين الركن والمقام مسندا ظهره إلى الكعبة، يقول: «يا أيها الناس إني أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء، ألا وإنّ الله قد حرّمها عليكم إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهنّ شيء فليخلّ سبيلها، لا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا» «٢».
وروي عن عمر: لا أوتى برجل تزوّج امرأة إلى أجل إلّا رجمتهما بالحجارة.
ويدل على تحريم المتعة قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ والمستمتع بها ليست ملك يمين بالاتفاق، وليست زوجة لانتفاء خصائص الزوجية عنها، لأنها لا ترثه، ولا يلحق به ولدها.
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بمصالح عباده حَكِيماً فيما شرع لكم من الأحكام، ولذلك شرع لكم هذه الأحكام اللائقة بحالكم.
قال الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)
(١) رواه مالك في الموطأ، كتاب النكاح، باب المتعة حديث رقم (٥٤٢).
(٢) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١٠٢٥)، ١٦- كتاب النكاح، ٣- باب نكاح المتعة، حديث رقم (٢١/ ١٤٠٦).
وقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا إلى قوله: مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ.
أصل الطّول الفضل والزيادة، والمراد به هنا الزيادة في المال والسّعة.
والمراد بالمحصنات: الحرائر، بدليل مقابلتهن بالمملوكات.
لما بيّن الله من لا يحل من النساء ومن يحل منهن، بيّن لنا فيمن يحل أنه متى يحل؟ وعلى أي وجه يحل؟ فقال: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا إلخ يقول: ومن لم يستطع منكم زيادة في المال، وسعة يبلغ بها نكاح الحرّة: فلينكح أمة من الإماء المؤمنات، وإذا ضممت إلى هذا القدر قوله تعالى: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ كان ظاهر الآية يدلّ على أنّ الله شرط في نكاح الإماء شرائط ثلاثة:
الأول: ألا يجد الناكح مالا يتزوّج به حرّة.
والثاني: أن يخشى العنت، وسيأتي بيانه.
والثالث: أن تكون الأمة التي يريد نكاحها مؤمنة، لا كافرة.
وإنما ضيّق الله في نكاح الإماء باشتراط هذه الشروط لما في نكاحهم من أضرار، أهمّها تعريض الولد للرق، لأن الولد يتبع الأمّ في الرق والحرية، فإذا كانت الأم رقيقة علقت بالولد رقيقا، وذلك يوجب النقص في حقّ الوالد وولده- وسنذكر بعض الأضرار عند قوله تعالى: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ- وبهذا الظاهر تمسك الشافعيّ رضي الله عنه، وهو أيضا قول ابن عباس وجابر وسعيد بن جبير ومكحول وآخرين.
وروي أنّ مسروقا والشعبيّ قالا: نكاح الأمة بمنزلة الميتة والدم ولحم الخنزير، لا يحل إلا للمضطر.
وروي عن علي وأبي جعفر ومجاهد وسعيد بن المسيّب وآخرين أنهم قالوا:
ينكح الأمة وإن كان موسرا.
وذهب الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه إلى جواز نكاح الأمة لمن ليس تحته حرّة، سواء أكان واجدا طول حرة أم لا، وسواء أخشي العنت أم لا، وسواء أكانت الأمة مسلمة أم لا، واحتج الحنفية على ذلك بالعمومات الكثيرة، كقوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [النساء: ٣] وقوله: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ [النور: ٣٢] وقوله: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ وقوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة: ٥]، وجميع ذلك يتناول الإماء الكتابيات، ولم يشترط فيه عدم الطول، ولا خوف العنت، فلا يخرج منه شيء إلا بما يوجب
التخصيص، ولم تنتهض هذه الآية التي معنا حجة مخصّصة! أما أولا: فلأنّها ما دلت على ما ذهب إليه المخالف إلا بمفهوم الشرط، ومفهوم الصفة، وهما ليسا بحجة عند الإمام رضي الله عنه.
وأما ثانيا: فعلى تقدير الحجّيّة يكون مقتضى المفهومين عدم الإباحة إذا اختلّ الشرط أو عدمت الصفة، وعدم الإباحة أعمّ من ثبوت الحرمة أو الكرامة، ولا دلالة للأعم على ما خص بخصوصه، فيجوز ثبوت الكراهة عند فقدان الشرط، كما يجوز ثبوت الحرمة سواء بسواء، والكراهة أقلّ في مخالفة العمومات، فتعيّنت، فقلنا بها.
وقالوا في قوله تعالى: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ: إنه ليس بشرط، وإنما هو إرشاد للإصلاح، لعموم مقتضى الآيات.
وأجاب الشافعية: بأن هذه العمومات لا تعارض الآية التي معنا إلا معارضة العامّ للخاص، والخاص مقدّم على العام، وبأن الحنفية خصصوا عموم هذه الآيات فيما إذا كان تحته حرة، فقالوا: لا يجوز له نكاح الأمة، وإنما خصّصت لصون الولد عن الإرقاق، وهذا المعنى قائم في محل النزاع، فيجب أن يعطى حكمه، وهو عدم الجواز، وبأن صون الولد عن الإرقاق يمنع من نكاح الأمة، ولكن الآية أباحته لضرورة من خشي العنت، وفقد الطّول إلى الحرة، وشرطت أن تكون الأمة مسلمة، ففيما عدا ذلك يرجع إلى الأصل وهو المنع من النكاح.
روي عن أبي يوسف رحمه الله أنه تأوّل قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا على عدم وجود الحرة في عصمته، وأن وجود الطول هو كون الحرة تحته، وعليه يكون المراد بالنكاح في قوله: أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الوطء، ويكون التقدير: ومن لم يستطع منكم وطء الحرة. إلخ. والذي لا يستطيع وطء الحرة هو من لا يكون تحته حرة، فيكون منطوق الآية مساويا لقولنا: ومن ليس تحته حرة فلينكح أمة، وبذلك تنقلب الآية حجة للحنفية.
قال الفخر الرازي: وجوابه أن أكثر المفسرين فسروا الطول بالغنى، وعدم الغنى تأثيره في عدم القدرة على العقد، لا في عدم القدرة على الوطء. اه.
نزيد على ذلك تأويل أبي يوسف رحمه الله مع مخالفته رأي الجمهور من المفسرين لم ينه الإشكال بتمامه، إذ لا يزال الوصف في قوله تعالى: مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ محل خلاف، وكذلك قوله: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ لا يزال أيضا محل خلاف. ألهما مفهوم يعمل به أم ليس لهما مفهوم؟ ويعود الكلام من أوله، وتعود الشبهة جذعة:
وللحنفية دليل خاص بجواز نكاح الأمة الكتابية، وهو قياسها على الحرة والمملوكة الكتابيتين.
وأجاب الشافعي بأنه إذا تزوّج الحرة الكتابية، أو وطئ مملوكته الكتابية، فهناك نقص واحد، أما إذا تزوّج الأمة الكتابية فهناك نقصان الرق والكفر، فظهر الفرق.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ معناه اعملوا على الظاهر في الإيمان، فإنكم مكلفون بظواهر الأمور، والله يتولى السرائر، فالإيمان الظاهر كاف في صحة نكاح الأمة، ولا يشترط فيه العلم بالإيمان علما يقينيا، إذ لا سبيل لكم إليه.
بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فيه تأويلان:
الأول: أنكم وفتياتكم من جنس واحد، وكلكم أولاد آدم، فلا تستنكفوا أن تنكحوا الإماء عند الضرورة.
والثاني: أنكم مشتركون في الإيمان، والإيمان أعظم الفضائل، فالتفاوت فيما وراءه لا ينبغي الالتفات إليه. إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات: ١٣] وهذا التأويل يقوّي قول الشافعي إن الإيمان شرط في نكاح الأمة، وعلى كلا التأويلين الجملة معترضة لتأنيس قلوبهم، وإزالة النفرة عن نكاح الإماء، وكانوا في الجاهلية يفتخرون بالأنساب، ويضعون من شأن الابن الهجين، فأعلمهم الله بهذه الكلمة أنّه لا فضل لأحد على أحد إلا بالدّين، وأنه لا ينبغي التخلّق بأخلاق الجاهلية الأولى.
فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ أعيد فيه الأمر- مع فهمه مما قبله- لزيادة الترغيب في نكاح الإماء، والمراد بالإذن هنا الرضا، وبالأهل أهل المولى.
اتفق العلماء على أنّ نكاح الأمة بغير إذن سيدها غير جائز، عملا بظاهر هذه الآية، فإنّ قوله تعالى: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ يقتضي كون الإذن شرطا في جواز النكاح، وإن لم يكن النكاح واجبا
كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم» «١»
فالسلم ليس بواجب، لكنّه إذا اختار أن يسلم فعليه استيفاء هذه الشرائط.
وكذلك اتفقوا على أنّ نكاح العبد بغير إذن سيده غير جائز إلا قولا حكيناه فيما سبق عن الإمام مالك، ونفى بعض علماء المالكية نسبة هذا القول إلى الإمام رضي الله عنه.
وقد روينا لك
حديث جابر: «أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر»
وقلنا:
إن في تنفيذ نكاح الرقيق تعييبا له، فلا يملكه إلا بإذن مولاه.
والمراد بعدم جواز نكاح الرقيق بغير إذن مولاه عند الشافعي أنه نكاح باطل غير صحيح، ويشهد له ظاهر الآية والحديث.
(١) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ٥٩)، ٣٥- كتاب السلم، ٢- باب السلم في وزن معلوم حديث رقم (٢٢٤٠)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٢٢٦)، ٢٢- كتاب المساقاة، ٢٥- باب السلم حديث رقم (١٢٧/ ١٦٠٤).
والمراد بعدم الجواز عند الحنفية عدم النفاذ، لا عدم الصحة، بل هو موقوف كعقد الفضولي، وإلى هذا ذهب مالك، وهو رواية عن أحمد كما قال صاحب «روح المعاني» «١».
وادّعى بعض الحنفية أنّ الآية تدلّ على أنّ للإماء أن يباشرن العقد بأنفسهن، لأنّه اعتبر فيها إذن الموالي لا عقدهم، وهو غير سديد لوجهين:
أمّا أولا: فلأنّ الآية دلت على أن رضا المولى لا بد منه، فأما أنه كاف في النكاح فليس في الآية دليل عليه، لأن عدم الاعتبار لا يوجب اعتبار العدم، فلعل العاقد يكون هو المولى أو الوكيل، فلا يلزم جواز مباشرتهن العقد بأنفسهن.
وأما ثانيا: فلأنّه وإن يكن المراد من الأهل الموالي، لكن الفقهاء حملوا ذلك على من له ولاية للتزويج، وذلك إما المولى إن كان رجلا، أو ولي مولاه إن كان مولاه امرأة.
ولو سلّم أن المراد بالأهل الموالي لا غير فهو عام يتناول الذكور والإناث، والدلائل الدالة على أن المرأة لا تنكح نفسها خاصة، والخاص مقدّم على العام.
وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ أكثر المفسرين على أن المراد بالأجور المهور، وعلى هذا التأويل تكون الآية دالّة على وجوب مهر الأمة إذا نكحها، سواء أسمي المهر في العقد أم لم يسمّ، ويكون قوله: بِالْمَعْرُوفِ مرادا منه مهر المثل، أو إيصال المهر إليها على العادة عند المطالبة من غير مطل ولا تأخير.
والآية على ظاهرها تؤيّد ما حكاه بعض العلماء عن الإمام مالك أن مهر الأمة لها. وهذا يوجب كون الأمة مالكة، مع أنه لا ملك للقن، فلعله أراد أنها مالكة لمهرها يدا، كالعبد المأذون له في التجارة، لأن الإذن في نكاحها إذن لها في أن تضع يدها على المهر، فيجب التسليم إليها كما هو ظاهر الآية.
وأكثر الأئمة على أنّ المهر للسيّد، لأنّه وجب عوضا عن منافع البضع المملوكة للسيد: وهو الذي أباحها للزوج بعقد النكاح، فوجب أن يكون هو المستحق لبدلها، ولأنه لا ملك للقن، لقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ [النحل: ٧٥] وهذا ينفي كون المملوك مالكا لشيء أصلا.
ولقوله صلّى الله عليه وسلّم: «العبد وما في يده لمولاه».
وأجاب الجمهور عن ظاهر الآية بأن المراد: وآتوهن مهورهن بإذن أهلهن، وهذا القيد مقدّر في الكلام، لتقدم ذكره، أو أنّ المراد وآتوا: أهلهن مهورهن، وإنما
(١) روح المعاني (٥/ ١٠).
أضاف إيتاء المهور إليهن لتأكيد إيجاب المهر، والتنبيه على أنه حقّهن من جهة أنه ثمن بضعهن، وإنما تأخذه الموالي بجهة ملك اليمين.
واختار بعض العلماء أنّ المراد من أجورهن النفقة عليهن، فكأنّه تعالى بيّن أن كونها أمة لا يقدح في وجوب نفقتها وكفايتها إذا سلمت إليه كالحرة، وحصلت التخلية من المولى بينه وبينها، ويكون قوله: بِالْمَعْرُوفِ هنا معناه آتوهن نفقتهن بالمعتاد المتعارف فيما بينكم، كقوله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: ٢٣٣] وعلى هذا التأويل لا يكون في الآية دلالة على ما حكي عن الإمام مالك أن المهر للأمة لا لسيدها.
مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ.
المحصنات هنا العفائف.
والمرأة المسافحة هي التي تؤاجر نفسها مع أي رجل أرادها. والتي تتخذ الخدن هي التي تتخذ صاحبا معينا.
وكان أهل الجاهلية يفصلون بين القسمين، وما كانوا يحكمون على ذات الخدن بأنها زانية، فلما كان هذا الفرق معتبرا عندهم، أفرد الله كل واحد من هذين القسمين بالذكر، ونصّ على حرمتهما معا، ونظير ذلك قوله تعالى: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [الأعراف: ٣٣] وقوله: وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [الأنعام: ١٥١].
وهذه الكلمات واقعة حالا من مفعول فَانْكِحُوهُنَّ أو وَآتُوهُنَّ وظاهر ذلك يمنع من نكاح الأمة الزانية، لكنه
روي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سئل عن نكاح الزانية فقال: «أوله سفاح وآخره نكاح»
لذلك، ولأنّ الحرام لا يحرّم الحلال حمل العلماء هذه الآية على الندب والاستحباب.
وسيأتي حكم نكاح الزانية عند قوله تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً [النور: ٣].
فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ، يقول الله: فإذا أحصنّ بالتزوج فإن زنين فحدّهنّ نصف حدّ الحرائر، وظاهر هذا أنّ الأمة لا تحدّ إذا زنت ما لم تتزوّج، وحكي هذا الظاهر مذهبا لمجاهد وطاووس. قال الزهري: المزوّجة محدودة في القرآن، وغيرها بالسنة،
روى الشيخان «١» عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أن النبي صلّى الله عليه وسلّم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال:
«إن زنت اجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير».
(١) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ٣٦)، ٣٤- كتاب البيوع، ٦٦- باب بيع العبد حديث رقم (٢١٥٣، ٢١٥٤)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٣٢٨)، ٢٩- كتاب الحدود، ٦- باب رجم اليهود حديث رقم (٣٠/ ١٧٠٣).
فهذا الحديث الشريف دلّ على أنّ قوله: فَإِذا أُحْصِنَّ لم يجر مجرى الشرط، بل جيء به لدفع فتوهم أنّ التزويج يزيد في حدّهن، فلا مفهوم له.
ومعلوم أنّ حدّ الحرائر الثيبات الرجم، وهو لا يتنصّف، فلا يكون مرادا هنا، وحدّ الحرائر الأبكار جلد مئة، ونصفه خمسون جلدة، فهو حد الأمة مطلقا كما علمت.
ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ الإشارة إلى نكاح الإماء، وأصل العنت انكسار العظم بعد الجبر، ثم توسّع فيه، فاستعمل في كل جهد ومشقة، والمراد به هنا الزنا، وقد علمت أنّ خشية الزنى شرط آخر في جواز نكاح الإماء عند الشافعي رضي الله عنه، وأن أبا حنيفة رضي الله عنه لا يجعل ذلك شرطا، وإنما هو إرشاد للأصلح.
وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ يقول الله تعالى: وصبركم عن نكاح الإماء خير لكم من نكاحهن، وإن رخص لكم فيه بشروطه السابقة: ذلك لما فيه من إضرار بعد تعريض الولد للرق، فإنهنّ ممتهنات مبتذلات خرّاجات ولاجات، وذلك ذلّ ومهانة لا يكاد يتحملها غيور، ولأنّ حق الموالي فيهن أقوى من حق الزوجية، فقد يستخدمونهن أكثر الأوقات، ولا يسلمونهن لأزواجهن إلا قليلا، وقد يسافرون بهن، أو يبيعونهن لحاضر أو باد، وفي ذلك مشقة عظيمة على الأزواج لا سيما إذا كان لهم منهنّ أولاد.
وفي مسند الديلمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الحرائر صلاح البيت، والإماء هلاك البيت».
وأخرج عبد الرزاق عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «إذا نكح العبد الحرة فقد أعتق نصفه، وإذا نكح الأمة فقد أرقّ نصفه» وعن ابن عباس أنه قال: ما تزحف ناكح الأمة عن الزنى إلا قليلا، وعن أبي هريرة وابن جبير مثله.
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي: والله واسع المغفرة، كثيرها، فيغفر لمن لم يصبر عن نكاحهن، وفي ذلك تنفير عنه حتى كأنه ذنب، وهو واسع الرحمة كثيرها، فلذلك رخص لكم في نكاحهن.
قال الله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٨) مثل هذا التركيب يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وقع في كلام العرب قديما، ومعلوم أنّه يمتنع أو يضعف دخول اللام على المفعول المتأخر عن فعله المتعدي، وقد خرّجه النحاة على مذاهب، فمذهب سيبويه وجمهور البصريين أن مفعول يُرِيدُ محذوف، واللام للتعليل. والتقدير: يريد الله تحليل ما أحل، وتحريم ما حرم، ليبين لكم.
وذهب بعض البصريين إلى أنّ الفعل مؤوّل بمصدر من غير سابك، على حد «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» والتقدير: إرادة الله كائنة للتبيين.
وذهب الكوفيون إلى أنّ اللام ناصبة للفعل، وأنها تقوم مقام أن في فعل الإرادة والأمر، فيقال: أردت أن تذهب، وأردت لتذهب، وأمرتك أن تقوم، وأمرتك لتقوم، وعليه قوله تعالى: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ [الصف: ٨] يعني يريدون أن يطفئوا، ومثله وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [الأنعام: ٧١] أي أمرنا أن نسلم.
والمعنى: يريد الله بإنزال هذه الآيات أن يبيّن لكم التكاليف، ويميّز فيها الحلال من الحرام والحسن من القبيح.
وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي يهديكم مناهج من تقدّمكم من الأنبياء الصالحين، لتقفوا أثرهم، وتهتدوا بهداهم، وليس المراد أنّ جميع ما شرع لنا من الحلال كان مشروعا بعينه للأمم السابقين كذلك، بل المراد أنّ الله كما قد شرع للأمم السابقين من الأحكام ما بهم حاجة إليه، وما اقتضته مصالحهم، كذلك شرع لنا ما بنا الحاجة إليه، وما تدعو إليه مصالحنا، فإنّ الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة في أنفسها إلا أنها متفقة في باب المصالح.
وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ التوبة ترك الذنب، مع الندم والعزم على عدم العود، وذلك مما يستحيل إسناده إلى الله تعالى، فلا بد من تأويل فيه، فإما أن يراد من التوبة المغفرة مجازا لتسببها عنها، وذلك مراد من قال: معنى وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ يقبل توبتكم، وإما أن يراد من التوبة الإرشاد إلى ما يمنع عن المعاصي أو الإرشاد إلى ما يكفّرها.
واختار المحققون من العلماء أن الخطاب ليس عاما لجميع المكلفين، بل لطائفة معيّنة قد تاب الله عليهم في نكاح الأمهات والبنات، وسائر المنهيات المذكورة في هذه الآيات، وحصلت لهم هذه التوبة بالفعل.
والذي دعاهم إلى تخصيص هذا الخطاب أنه لو كان عاما لعارضه تخلف المراد عن الإرادة، وهي علّة تامة، فلا يدفع هذا التعارض إلى تخصيص الخطاب.
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يعني والله ذو علم شامل لجميع الأشياء، فيعلم ما شرع لكم من الأحكام، وما سلكه المهتدون من الأمم قبلكم، وما ينفع عباده المؤمنين وما يضرهم، وهو حكيم يراعي في جميع أفعاله الحكمة والمصلحة، فيبيّن لمن يشاء، ويهدي من يشاء، ويتوب على من يشاء.
قال الله تعالى: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً (٢٧) الجملة الأولى مؤكّدة لقوله تعالى: وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ والمراد بالذين يتبعون
الشهوات الفسقة المنهمكون في المعاصي. وقيل: هم اليهود والنصارى، وقيل: هم المجوس كانوا يحلّون الأخوات وبنات الإخوة والأخوات، فلما حرّمهنّ الله تعالى قالوا: إنكم تحلون بنت الخالة والعمة، مع أنّ الخالة والعمة عليكم حرام، فانكحوا أيضا بنات الأخ والأخت، فكانوا يريدون أن يضل المؤمنون فنزلت هذه الآية.
والميل العظيم هو الانحراف عن الحق إلى الباطل، ولا شكّ أنه عظيم بالنسبة إلى ميل من اقترف خطيئة على ندرة، واعترف بأنّها خطيئة، ولم يستحلّها.
يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ في جميع التكاليف إحسانا منه إليكم، ونظيره قوله تعالى: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف: ١٥٧] وقوله:
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥] وقوله: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨]
وقوله عليه الصلاة والسلام: «جئتكم بالحنيفية السمحة» «١»
وذلك لأنه وإن حرّم علينا ما ذكر تحريمه من النساء، فقد أباح لنا غيرهن من سائر النساء، تارة بالنكاح، وتارة بملك اليمين، وكذلك جميع المحرمات، قد أباح لنا من جنسها أضعاف ما حظر، فجعل لنا مندوحة عن الحرام بما أباح من الحلال.
وهذه الآيات يحتجّ بها في المصير إلى التخفيف فيما اختلف فيه الفقهاء، وسوّغوا فيه الاجتهاد، ومن شمائله صلّى الله عليه وسلّم أنه ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما «٢».
وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً يستميله هواه وشهوته، ويستشيطه خوفه وحزنه، فهو عاجز عن مخالفة الهوى، وتحمّل مشاق الطاعة، فلذلك خفّف الله عنه في التكاليف، ورخّص له في كثير من الأحكام.
وروي عن ابن عباس «٣» أنه قال: ثماني آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ.
(١) رواه أحمد في المسند (٥/ ٢٦٦) و (٦/ ١١٦).
(٢) رواه البخاري في الصحيح (٤/ ٢٠١)، ٦١- كتاب المناقب، ٢٣- باب صفة النبي صلّى الله عليه وسلّم حديث رقم (٣٥٦٠)، ومسلم في الصحيح (٤/ ١٨١٣)، ٤٣- كتاب الفضائل، ٢٠- باب مباعدته صلّى الله عليه وسلّم للآثام حديث رقم (٧٧/ ٢٣٢٧).
(٣) رواه البخاري في الصحيح كتاب المناقب، باب صفة النبي صلّى الله عليه وسلّم حديث رقم (٣٥٦٠).
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠) ينهى الله كل أحد من المؤمنين عن أكل مال غيره بالباطل، وعن أكل مال نفسه بالباطل، لأنّ قوله تعالى: أَمْوالَكُمْ يقع على مال نفسه ومال غيره، وأكل مال نفسه بالباطل إنفاقه في المعاصي، وأكل مال غيره بالباطل فيه وجهان:
أحدهما: ما قاله السدي: وهو أن يأكل بالربا والقمار والبخس والظلم. فالباطل ما يخالف الشرع.
وثانيهما: ما قاله ابن عباس والحسن وهو أن يأكل بغير عوض، فالباطل كل ما يؤخذ بغير عوض.
وقد تضمن الأكل بالباطل أكل أبدال العقود الفاسدة، كبيع ما لا يملك، وكمن اشترى شيئا من المأكول فوجده فاسدا لا ينتفع به، كالجوز والبيض والبطيخ، فيكون أكل ثمنه أكل مال بالباطل. وكذلك ثمن كل ما لا قيمة له ولا ينتفع به كالقردة والخنازير والذباب والزنابير والميتة والخمر، وكذلك أجرة النائحة وآلة اللهو.
هذا يدلّ على أنّ من باع بيعا فاسدا وأخذ ثمنه أنه منهي عن أكل ثمنه، وعليه رده.
وقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً الاستثناء فيه منقطع.
وقرأ الكوفيون بنصب تجارة، وعليها يكون اسم تَكُونَ عائدا على الأموال، أي: إلا أنّ تكون الأموال المتداولة بينكم تجارة صادرة عن تراض منكم.
وقرأ الباقون برفع تجارة، وحاصل المعنى: لا تقصدوا أكل الأموال بالباطل، لكن اقصدوا كون الأموال تجارة عن تراض، أو لكن اقصدوا وقوع تجارة عن تراض.
والتجارة اسم يقع على عقود المعاوضات، المقصود بها طلب الأرباح، وخصّها بالذكر من بين سائر أسباب الملك لكونها أغلب وقوعا، وأوفق لذي المروءات.
أخرج الأصبهاني عن معاذ بن جبل: قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ أطيب الكسب كسب التجار: الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا».
وقد دلّ ظاهر قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ على إباحة جميع أنواع التجارات ما حصل التراضي بين المتعاقدين، إلا أنه قد خص منها أشياء بنصّ الكتاب، وأشياء بسنة الرسول صلّى الله عليه وسلّم: فالخمر والميتة ولحم الخنزير
وسائر المحرمات في الكتاب لا يجوز الاتجار فيها، لأنّ إطلاق لفظ التحريم يقتضي أنّ سائر وجوه الانتفاع محرّمة، ولأنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جعل النهي عن الشحوم نهيا عن أكل ثمنها،
ففي الحديث: «لعن الله اليهود حرّم عليهم الشحوم فباعوها، فأكلوا ثمنها» «١».
ونهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن بيع المنابذة، والملامسة «٢»، وبيع الحصاة وبيع الغرر، «٣» وبيع العبد الآبق «٤»، وبيع ما لم يقبض «٥»، وبيع ما ليس عند الإنسان «٦»، ونحوها من البيوعات المجهولة والمعقودة على غرر. كل ذلك ونحوه مخصوص من ظاهر قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ.
وظاهر الآية يشهد للحنفية والمالكية ومن نفى خيار المجلس، لأنّ الآية تقتضي حلّ التصرف في المبيع بوقوع البيع عن تراض، سواء تفرّق المتبايعان أم لم يتفرقا، فإنّ الذي يسمى تجارة في عقد البيع إنما هو الإيجاب والقبول. وليس التفرّق والاجتماع من التجارة في شيء.
والقائلون بخيار المجلس ومنهم الشافعي والثوري والليث وغيرهم يقولون: إن الآية مخصوصة بما رواه البخاري «٧» وغيره من
قوله صلّى الله عليه وسلّم: «البيّعان كلّ واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار»
كما خصصت بأحاديث النهي عن البيوع الباطلة، فيما تقدم.
(١) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ٥٧)، ٣٤- كتاب البيوع، ١١٢- باب بيع الميتة حديث رقم (٢٢٣٦) (بلفظ مختلف) ومسلم في الصحيح (٣/ ١٢٠٧)، ٢٢- كتاب المساقاة، ١٣- باب تحريم الخمر والميتة حديث رقم (٧١/ ١٥٨١) (بلفظ مختلف).
(٢) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ٣٤)، ٣٤- كتاب البيوع، ٦٣- باب بيع المنابذة حديث رقم (٢١٤٦)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١١٥١)، ٢١- كتاب البيوع، ١- باب إبطال بيع الملامسة حديث رقم (١/ ١٥١١).
(٣) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١١٥٣)، ٢١- كتاب البيوع، ٢- باب بطلان بيع الحصاة حديث رقم (١٥١٣).
(٤) رواه ابن ماجه (٢/ ٧٤٠)، كتاب التجارات، باب النهي عن شراء ما في بطون الأنعام حديث رقم (٢١٩٦).
(٥) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١١٥٩)، ٢١- كتاب البيوع، ٨- باب بطلان بيع المبيع قبل القبض حديث رقم (٢٩/ ١٥٢٥). [..... ]
(٦) رواه ابن ماجه في السنن (٢/ ٧٣٧)، كتاب التجارات، باب النهي عن بيع ما ليس عندك حديث رقم (٢١٨٧).
(٧) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ٢٤)، ٣٤- كتاب البيوع، ٤٤- باب البيعان بالخيار حديث رقم (٢١١١)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١١٦٣)، ٢١- كتاب البيوع، ١٠- باب ثبوت خيار المجلس حديث رقم (٤٣/ ١٥٣١).
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ لما كان المال شقيق الروح من حيث إنه سبب قوامها، وبه صلاحها، حسن الجمع بين التوصية بحفظ المال، والتوصية بحفظ النفس.
وظاهر قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ النهي عن أن يقتل المؤمن نفسه، وعلى هذا الظاهر اقتصر البلخي فقال: المراد النهي عن قتل الإنسان نفسه في حال غضب أو ضجر.
ونظير ذلك
قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجّأ بها في بطنه في نار جهنم» «١».
ولكن جمهور المفسرين على أن المعنى: لا يقتل بعضكم بعضا، وإنما قال:
أَنْفُسَكُمْ مبالغة في الزجر،
وقد ورد في الحديث: «المؤمنون كالنفس الواحدة» «٢»
ولأنّ العرب يقولون: قتلنا ورب الكعبة إذا قتل بعضهم، لأن قتل بعضهم يجري مجرى قتلهم.
وأنكر بعض الناس قول البلخي، وقال: إن المؤمن مع إيمانه لا يجوز أن ينهى عن قتل نفسه، لأنه ملجأ إلى ألا يقتل نفسه، وذلك لأنّ الصارف عنه في الدنيا قائم، وهو الألم الشديد والذم العظيم، والصارف عنه أيضا في الآخرة قائم، وهو استحقاق العذاب الشديد.
وإذا كان الصارف خالصا امتنع منه أن يقتل نفسه، وإذا كان كذلك لم يكن للنهي عنه فائدة.
وهذا غير سديد، لأنّ قتل النفس ما لم ينه عنه لا يعلم أنه يوجب العذاب الأليم في الآخرة، وربما تخيّل الإنسان أن نفسه ملكه، فإذا بخع نفسه فلا عقوبة عليه، إذ هو لم يعتد على غيره.
وكم من مؤمن بالله واليوم الآخر يلحقه من الغم والأذية ما يظنّ معه أن القتل عليه أسهل، وإذا كان كذلك كان في النهي عن قتل الإنسان نفسه فائدة أي فائدة، لا سيما في عصرنا الحاضر، حيث ضعف إيمان الناس، وغلب عليهم حبّ الدنيا، واستهوتهم الشهوات، وسرت إليهم عدوى الانتحار، فترى الواحد منهم يفضّل أن يقتل نفسه لدريهمات خسرها في تجارته، أو لخلاف بينه وبين زوجته، أو لضيق ذات
(١) رواه البخاري في الصحيح (٧/ ٤١)، ٧٦- كتاب الطب، ٥٦- باب شرب السم حديث رقم (٥٧٧٨)، ومسلم في الصحيح (١/ ١٠٣)، ١٥- كتاب الإيمان، ٤٧- باب غلظ تحريم الإنسان نفسه حديث رقم (١٧٥/ ١٠٩).
(٢) رواه مسلم في الصحيح (٤/ ٢٠٠)، ٤٥- كتاب الصلة، ١٧- باب تراحم المؤمنين حديث رقم (٦٧/ ٢٥٨٦) (بلفظ مختلف).
يده أو لأنّ فلانا رفض خطبته أو ما أشبه ذلك من توافه الأمور.
ولا مانع من أن تكون الآية نهيا عن قتل أنفسهم، وعن قتل بعضهم بعضا، وعما يؤدي إلى ذلك: كتناول المخدرات، واستعمال السموم الضارة بالجسم، والمجازفة فيما يخشى منه الهلاك.
أخرج الإمام أحمد وأبو داود «١» عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال: لما بعثني النبي صلّى الله عليه وسلّم عام ذات السلاسل احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذكر ذلك له، فقال: «يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب» ؟
قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ الآية فتيممت، ثم صليت، فضحك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولم يقل شيئا.
ففهم عمرو رضي الله عنه أنّ الآية تتناول بعمومها مثل حالته، وأقره النبي صلّى الله عليه وسلّم على ذلك.
وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً تعليل للنهي، أي إنما ينهاكم عن أكل الحرام وإهلاك الأنفس، لأنه لم يزل بكم رحيما.
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠).
المشار إليه أقرب مذكور، وهو قتل النفس. روي ذلك عن عطاء، وقيل: هو وما قبله.
وقيل: مجموع ما تقدم من المحرّمات من قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً [النساء: ١٩] إلى هنا، وقيل: من أول السورة إلى هنا.
والعدوان: الإفراط في مجاوزة الحد، وأصل الظلم النقص والجور ومجاوزة الحد، فقيل: المراد بالظلم هنا قصد التعدي على حدود الله، وهو كفر.
وقيل المراد: بالعدوان والظلم معنى واحد، ودفع التكرار بأن المراد بالعدوان التعدي على الغير، وبالظلم ظلم النفس بتعريضها للعقاب.
والمعنى: أن من يفعل ذلك المحرم حال كونه ذا عدوان وظلم عاقبه الله على ذلك في الآخرة بإدخاله نارا شديدة الإحراق، وإدخاله النار أمر هيّن على الله، لا يمنعه منه مانع.
(١) رواه أبو داود في السنن (١/ ١٤٠)، كتاب الطهارة، باب إذا خاف الجنب حديث رقم (٣٣٤)، وأحمد في المسند (٤/ ٢٠٣).
قال الله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً (٣١) واجتناب الشيء تركه والابتعاد عنه، كأنه ترك جانبه وناحيته.
والتكفير الغفر والمحو.
والمراد بالسيئات: الصغائر لوقوعها في مقابلة الكبائر.
والمدخل الكريم: الجنة.
واختلف العلماء في الذنوب أهي متفاوتة، فيها كبائر وفيها صغائر، أم لا؟
فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّ كل شيء عصي الله به فهو كبيرة. وهذا القول ضعيف، لأن هذه الآية قد فصلت بين الكبائر وما يكفّر باجتناب الكبائر. فلو كانت الذنوب بأسرها كبائر لم يصح هذا الفصل.
والجمهور على أن الذنوب متفاوتة منقسمة إلى كبائر وصغائر، قال العلامة ابن حجر الهيتمي: إنه لا خلاف بين الفريقين في المعنى، وإنما الخلاف في التسمية والإطلاق، لإجماع الكل على أنّ من المعاصي ما يقدح في العدالة، ومنها ما لا يقدح فيها، وإنما الأولون فروا من التسمية، فكرهوا تسمية معصية الله تعالى صغيرة نظرا إلى عظمة الله تعالى، وشدة عقابه، وإجلاله عن تسمية معصيته صغيرة، لأنها إلى باهر عظمته كبيرة أيّ كبيرة، ولم ينظر الجمهور إلى ذلك، لأنه معلوم، بل قسّموها إلى قسمين كما تقتضيه صرائح الآيات والأخبار، ولا سيما هذه الآية اه.
والقائلون بانقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر فريقان:
فريق يقول: الكبيرة تتميز عن الصغيرة في نفسها وذاتها.
وفريق يقول: هذا الامتياز إنما يكون بحسب حال فاعليها، فربّ ذنب يكون صغيرة بالنسبة لشخص وكبيرة بالنسبة لآخر، ولذلك قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
والذين ذهبوا إلى أنّ الكبيرة تمتاز في نفسها عن الصغيرة اختلفوا في ضبط الكبيرة اختلافا شديدا، فمنهم من ضبطها بالعد، ومنهم من ضبطها بالحد.
فقيل في عدها عن ابن عباس في إحدى الروايات: إنّها ما ذكره الله من أول هذه السورة إلى هنا، وقيل: هي سبع كما
في «الصحيحين» «١»
«اجتنبوا السبع الموبقات».
«الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم،
(١) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ٢٥٦)، كتاب الوصايا، ٢- باب قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً حديث رقم (٢٧٦٦)، ومسلم في الصحيح (١/ ٩٢)، ١- كتاب الإيمان، ٣٨- باب بيان الكبائر حديث رقم (١٤٥/ ٨٩).
وأكل الربا، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات».
وقيل تسع، وقيل عشر، وقيل أكثر، فقد روى عبد الرزاق عن ابن عباس أيضا أنه قيل له: هل الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب، وروى ابن جبير أنه قال:
إلى السبعمائة أقرب.
والذين ضبطوا الكبيرة بالحد ذكروا لها عدّة تعاريف، فمنهم من قال: هي كل معصية أوجبت الحد، وقيل: هي كل ذنب قرن بالوعيد الشديد في الكتاب أو السنة.
وقيل: هي كل معصية أوجبت الحد أو قرنت بالوعيد الشديد. وقيل: هي كل ما نص الكتاب على تحريمه بلفظ التحريم، إلى غير ذلك من الأقوال الكثيرة.
قال الواحدي: الصحيح أن الكبيرة ليس لها حدّ يعرفها العباد به، وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها، ولكنّ الله تعالى أخفى ذلك عن العباد ليجتهدوا في اجتناب المنهيّ عنه رجاء أن تجتنب الكبائر، ونظير ذلك إخفاء ليلة القدر والصلاة الوسطى وساعة الإجابة اه.
يريد أنّ الله تعالى لو بيّن لنا أنّ الكبائر ليست إلا كذا وكذا عدا أو حدا، وانضم إلى ذلك ما عرفناه من هذه الآية أنه متى احترزنا عن الكبائر صارت صغائرنا مكفّرة، لكانت الآية إغراء لنا بالإقدام على الصغائر، والإغراب بالقبيح لا يليق. ولكن يجوز أن يبيّن في بعض الذنوب أنه كبيرة ولا يكون في ذلك إغراء إذ لم يبيّن جميع الكبائر لا عدّا ولا حدّا.
وبعد فقد استشكلت الآية مع ما رواه مسلم «١» من
قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الصلوات الخمس مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»
ووجه الإشكال أنّ الصلوات إذا كفّرت لم يبق ما يكفره غيرها، فلم يتحقق مضمون الآية، وأن اجتناب الكبائر إذا كفّر لم يبق ما تكفره الصلوات، فلم يتحقق مضمون الحديث.
وأجيب عنه بأجوبة أصحها أن الآية والحديث بمعنى واحد، فمضمون الحديث أنّ من اجتنب ترك الصلاة، واجتنب الكبائر كفّرت سيئاته الصغائر، وهذا هو معنى الآية، فيكون الحديث بيانا وتنبيها على أنّ ترك الصلاة من الكبائر فتدبّر.
قال الله تعالى: وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٣٢) التمني: طلب ما يعلم أو يظن أنه لا يكون.
ينهى الله المؤمنين عن فعل من أفعال القلوب، وهو الحسد، ليطهّر باطنهم. بعد
(١) رواه في الصحيح (١/ ٢٠٩)، ٢- كتاب الطهارة، ٥- باب الصلوات الخمس حديث رقم (١٦/ ٢٣٣).
أن نهاهم عن أكل الأموال بالباطل، وقتل النفس، وذلك من أفعال الجوارح ليطهّر ظاهرهم.
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية وجوها أشهرها ما روي عن مجاهد أنّ أم سلمة قالت: يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو، ولهم من الميراث ضعفنا، فليتنا كنا رجالا فنزلت الآية «١».
روي عن ابن عباس في معنى الآية: لا يقل أحدكم ليت ما أعطي فلان من المال والنعمة والمرأة الحسناء كان عندي، فإنّ ذلك يكون حسدا، ولكن ليقل: اللهم أعطني مثله.
وعلى هذا التأويل تكون الآية على ظاهرها، ويكون معناها، ولا تتمنوا ما ميّز الله به بعضكم من المال والجاه، وكل ما يجري فيه التنافس، فإنّ هذا التفضيل قسمة صادرة من حكيم خبير نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [الزخرف: ٣٢] وعلى من كان حظه من الدنيا قليلا أن يرضى بما قسم الله له، ولا يحسد غيره، لأنّ الحسد أشبه شيء بالاعتراض على من أتقن كل شيء وأحكمه.
وقدّر بعضهم في الكلام مضافا ينساق إليه الذهن، ويقتضيه المقام فقال: المعنى ولا تتمنوا مثل ما فضل الله به بعضكم على بعض، لأنّ المقام ليس مقام طلب زوال النعمة عن الغير، بل إنما هو طلب نعمة خاصّة أن تكون له، وأما أن تزول عن غيره أو لا تزول فليس من القصد في شيء.
وعلى هذا التأويل يكون تمني مثل ما للغير منهيا عنه، لأنه قد يكون ذريعة إلى الحسد، ولأنّ تلك النعمة التي تمناها بخصوصها ربما كانت مفسدة له في دينه، ومضرة عليه في دنياه، فلا يجوز أن يقول: اللهم أعطني دارا مثل دار فلان، ولا ولدا مثل ولده، بل ينبغي أن يقول: اللهم أعطني ما يكون صلاحا لي في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي، ولا يتعرّض لمن فضل عليه.
ويؤيد تأويل ابن عباس في الآية ما
روي عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لا يتمنّ أحد مال أخيه، ولكن ليقل اللهم ارزقني، اللهم أعطني مثله».
وقوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ تعليل للنهي السابق، أي لكل من فريقي الرجال والنساء حظّ مقدّر في الأزل من نعيم الدنيا في التجارات والزراعات، وغير ذلك من المكاسب، فلا يتمنّ أحد خلاف ما قسم له.
وقوله تعالى: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ. حذف منه مفعوله لإفادة العموم، أي:
(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٢٢١)، كتاب التفسير حديث رقم (٣٠٢٢).
واسألوا ما شئتم من إحسانه الزائد، وإنعامه المتكاثر، فإنه سبحانه يعطيكموه إن شاء.
وعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «سلوا الله من فضله، فإنّ الله يحب أن يسأل، وإنّ من أفضل العبادة انتظار الفرج» «١».
وقال سفيان بن عيينة: لم يأمر سبحانه بالمسألة إلا ليعطي.
إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ولذلك فضل بعض الناس على بعض حسب استعدادهم وتفاوت درجاتهم.
قال الله تعالى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٣٣)
شرح المفردات
التنوين في كلمة كُلِّ عوض عن مضاف إليه مفرد، سيأتي بيانه.
والموالي جمع مولى، لفظ مشترك بين معان، فيقال للسيد المعتق: مولى، لأنه ولي النعمة في عتقه، ويسمّى مولى النعمة، ويقال للعبد المعتق: مولى، ويقال للحليف: مولى، ويقال للناصر: مولى، ويقال للعصبة، موالي، وهذا الأخير هو الأليق بهذه الآية الكريمة، ويؤيده ما
روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «أنا أولى الناس بالمؤمنين، من مات وترك مالا فماله للموالي العصبة، ومن ترك كلا أو ضياعا فأنا وليه» «٢».
والأيمان جمع يمين، ومعناه هنا اليد اليمنى، وإسناد العقد إلى الأيمان مجاز، لأنه كان من عادتهم أن يأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد.
واختلف المفسرون في تأويل قوله تعالى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ فذكروا لذلك أوجها نجملها لك فيما يلي:
١- ولكلّ إنسان موروث جعلنا وارثا من المال الذي ترك، وهنا تمّ الكلام ويكون قوله تعالى: الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ جوابا عن سؤال مقدّر نشأ من الجملة السابقة، كأنه قيل: ومن الوارث؟ فقيل: الوالدان والأقربون، أو قيل: ومن هذا الإنسان الموروث؟ فقيل: الوالدان والأقربون، فالوالدان والأقربون إما أن يكونوا الوارثين أو المورثين، وعلى كل فالكلام جملتان.
(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٥٢٨)، كتاب الدعوات باب في انتظار الفرج، حديث رقم (٣٥٧١).
(٢) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ١١٦)، ٤٣- كتاب الاستقراض، ١١- باب الصلاة على من ترك دينا حديث رقم (٢٣٩٩)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٢٣٨)، ٢٣- كتاب الفرائض، ٤- باب من ترك مالا، حديث رقم (١٤/ ١٦١٩).
٢- ولكل إنسان وارث ممن تركهم الوالدان والأقربون جعلنا موروثين، فالجار والمجرور في قوله: مِمَّا تَرَكَ متعلق بمحذوف صفة للمضاف إليه، و (ما) بمعنى من، والكلام جملة واحدة.
٣- ولكل قوم جعلناهم وارثا نصيب مما ترك والداهم وأقربوهم، فيكون في الكلام مبتدأ محذوف، ويكون قوله: مِمَّا تَرَكَ صفة ذلك المبتدأ، وقوله: لِكُلٍّ خبره، والكلام جملة واحدة.
٤- ولكل مال من الأموال التي تركها الوالدان والأقربون جعلنا ورثة يلونه ويحوزونه، وعليه يكون لِكُلٍّ متعلقا بجعلنا، مِمَّا تَرَكَ صفة المضاف إليه، والكلام جملة واحدة أيضا.
وأما قوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ فالراجح فيه أنه جملة مستقلة عن سابقتها، مؤلّفة من مبتدأ وخبر، وزيدت الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط.
وقد اختلف المفسرون في تأويل هذه الجملة على وجوه نذكرها فيما يلي:
١- أنّ المراد بالذين عقدت أيمانكم الحلفاء، وهم موالي الموالاة، وكان لهم نصيب من الميراث، ثم نسخ.
أخرج ابن جرير «١» وغيره عن قتادة قال: كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول هدمي هدمك، ودمي دمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، فجعل له السدس من جميع المال، ثم يقسّم أهل الميراث ميراثهم، ثم نسخ ذلك بعد في سورة الأنفال بقوله سبحانه: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [الأنفال: ٨] وروي مثل ذلك عن ابن عباس وغيره.
٢- أن المراد بهم الأدعياء، وهم الأبناء بالتبني، وكانوا يتوارثون بذلك السبب، ثم نسخ بآية الأنفال.
٣- أن المراد بهم إخوان المؤاخاة، وقد كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يؤاخي بين الرجلين من أصحابه، وكانت تلك المؤاخاة سببا في التوارث، ثم نسخ ذلك بما تلونا «٢».
٤- يرى أبو مسلم الأصفهاني أن المراد بهم الأزواج، والنكاح يسمى عقدا.
٥- يرى الجبائي أنّ المراد بهم الموالي، وأنّ قوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ
(١) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (٥/ ٣٤).
(٢) رواه البخاري في الصحيح (٥/ ٢١١)، ٦٥- كتاب التفسير، ٧- باب وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ حديث رقم (٤٥٨٠).
معطوف على الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ويختار الوجه الرابع في تأويل قوله تعالى:
وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ إلخ أي ولكل شيء مما تركه الوالدان والأقربون، والذين عقدت أيمانكم موالي، أي وارثا، فآتوا الموالي نصيبهم، ولا تدفعوا المال إلى الحليف، بل إلى المولى الوارث.
٦- أنّ المراد بهم الحلفاء، يؤتون نصيبهم من النصرة والنصح وحسن العشرة.
أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس، فآتوهم نصيبهم من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصي لهم، وروي عن مجاهد مثله.
٧- يرى الأصم أن المراد بهم الحلفاء، يؤتون من التركة على سبيل التحفة والهدية بالشيء القليل، كما أمر تعالى لمن حضر القسمة أي أن يعطى شيئا.
وبعد فقد اختلف فقهاء الأمصار في توريث موالي الموالاة، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: من أسلم على يدي رجل ووالاه وعاقده ثم مات ولا وارث له غيره فميراثه له.
وقال مالك وابن شبرمة والثوري والأوزاعي والشافعي: ميراثه للمسلمين.
احتج الحنفية بهذه الآية وبالحديث، أما وجه الدلالة في الآية فهو أنّ قوله تعالى:
وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ يقتضي ظاهره نصيبا ثابتا لهم، والنصرة والنصيحة والوصية ليست بنصيب ثابت، فتأويل الآية على النصيب الثابت المسمى في عقد المحالفة أولى وأشبه بمفهوم الخطاب من تأويل الآخرين، فقد عقلنا من ذلك أنّ لمولى الموالاة نصيبا من الميراث، وقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ لم ينسخ هذا الحكم، إنما حدث وارث آخر هو أولى من مولى الموالاة، كحدوث ابن لمن له أخ، لم يخرج الأخ عن أن يكون من أهل الميراث إلا أن الابن أولى منه، وكذلك أولوا الأرحام أولى من الحليف، فإذا لم يكن رحم ولا عصبة فالميراث لمن حالفه وجعله له.
وأما
الحديث فهو ما روي عن تميم الداري أنه قال: يا رسول الله ما السنة في الرجل يسلم على يدي الرجل من المسلمين؟ قال: «هو أولى الناس بمحياه ومماته» «١» فقوله: «هو أولى الناس بمماته»
يقتضي أن يكون أولاهم بميراثه، إذ ليس بعد الموت بينهما ولاية إلا في الميراث.
وقال المالكية والشافعية: لا دلالة في الآية على أنّ الحليف يرث، لأن دلالتها على ذلك موقوفة على ثلاثة أمور.
(١) رواه أبو داود في السنن (٣/ ٤٨)، كتاب الفرائض، باب في الرجل يسلم على يدي الرجل حديث رقم (٢٩٠٢).
أن يكون المراد بالذين عقدت أيمانكم الحلفاء.
وأن يكون المراد بالنصيب النصيب في الميراث.
وأن تكون الآية محكمة غير منسوخة.
وقد علمت اختلاف المفسرين من السلف في تأويل الآية، وأن الذين أوّلوا الموصول بالحلفاء قالوا بنسخ الحكم، أو حمل النصيب على غير الميراث، على أنّ الآية في بعض وجوه التأويل تدل على عدم توريثهم، كما تقدم قريبا عن الجبائي.
وحديث تميم الداري ليس نصا في الميراث، فإنّه يحتمل أنه أولى بمعونته وحفظه في محياه ومماته، ومعونته وحفظه بعد موته يكونان بحفظ أولاده ورعاية مصالحهم ومعونتهم، ومع ذلك فهو معارض بما
رواه جبير بن مطعم عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة» «١»
فهذا الحديث يقتضي بطلان حلف الإسلام، ومنع التوارث به، فإذا كان الحديثان متعارضين والآية محتملة لعدة وجوه فالأشبه الرجوع بها إلى ما قاله أئمة التفسير من الصحابة والتابعين مثل ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم، فإنّهم أعرف منا بالناسخ والمنسوخ، وقد قالوا: إنها منسوخة بآية الأنفال، وظاهر قول ابن عباس: «وقد ذهب الميراث» أن الحليف كان له على حليفه النصرة والنصيحة، وكان له نصيب في تركته، فلما نزلت آية الأنفال نسخت نصيبه من الميراث وبقي ما كان له من النصرة والمشورة.
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً أي أنه سبحانه لم يزل عالما بجميع الأشياء، مطلعا على جليها وخفيها، فيعلم من آتى الوارثين حقهم ومن منعهم، وسيجازي كلّا من المؤتي والمانع على حسب ما عمل، فهي في هذه الحالة وعد للطائعين ووعيد للعاصين.
قال الله تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤) قوّام: صيغة مبالغة من القيام على الأمر بمعنى حفظه ورعايته، فالرجل قوّام على امرأته، كما يقوم الوالي على رعيته بالأمر والنهي والحفظ والصيانة.
والقنوت: دوام الطاعة.
(١) رواه مسلم في الصحيح (٤/ ١٩٦١)، ٤٤- كتاب فضائل الصحابة، ٥٠- باب مؤاخاة النبي صلّى الله عليه وسلّم حديث رقم (٢٠٦/ ٢٥٣٠). [..... ]
وأصل النشز بسكون الشين وفتحها المكان المرتفع، فالنشوز الترفع الحسي، ثم توسّع فيه، فاستعمل في الترفع مطلقا، والمراد بالنشوز هنا العصيان والترفع عن المطاوعة.
والعظة: النصيحة والزجر.
المضاجع: مواضع الاضطجاع.
وروى مقاتل أن سعد بن الربيع نشزت عليه امرأته، فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: أفرشته كريمتي فلطمها! فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: لتقتص من زوجها، فانصرفت مع أبيها لتقتص منه، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ارجعوا، هذا جبريل أتاني وأنزل الله هذه الآية، وتلاها النبي صلّى الله عليه وسلّم.
جعل الله للرجال حقّ القيام على النساء بالتأديب والتدبير والحفظ والصيانة، وعلّل ذلك بسببين:
أولهما: ما فضل الله به الرجل على المرأة في العقل والرأي والعزم والقوة، ولذلك خصّ الرجال بالرسالة، والنبوة، والإمامة الكبرى والصغرى، وإقامة الشعائر:
كالأذان، والإقامة، والخطبة، والجمعة، والجهاد، وجعل لهم الاستبداد بالفراق والرجعة وإليهم الانتساب، وأباح لهم تعدد الأزواج، وخصهم بالشهادة في أمهات القضايا، وزيادة النصيب في الميراث، والتعصيب، إلى غير ذلك.
وثانيهما: ما ألزمه الله إياه من المهر والسكنى والنفقة.
وقد دلت الآية على أمور:
١- تفضيل الرجل على المرأة في المنزلة والشرف.
٢- أنّ للزوج تأديب زوجته ومنعها من الخروج.
٣- أن له حق الحجر على زوجته في مالها، فلا تتصرف فيه إلا بإذنه، لأن الله جعله قوّاما عليها بصيغة المبالغة، والقوّام الناظر على الشيء، الحافظ له، والمالكية يقولون بهذا المبدأ على تفصيل فيه، محلّه كتب الفروع.
٤- وجوب النفقة على الزوج لزوجته.
٥- أنّ على الزوجة طاعة زوجها إلا في معصية الله،
وفي الخبر: «لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» «١».
٦- أنّ لها حق المطالبة بفسخ النكاح عند إعسار الزوج بالنفقة أو الكسوة، لأنه
(١) رواه ابن ماجه في السنن (١/ ٥٩٥)، كتاب النكاح، باب حق الزوج حديث رقم (١٨٥٢).
إذا خرج عن كونه قواما عليها، فقد خرج عن الغرض المقصود بالنكاح، وهذا مذهب المالكية والشافعية.
أما الحنفية فيقولون: ليس لها حق الفسخ لقوله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [البقرة: ٢٨٠].
فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ هذا شروع في تفصيل أحوال النساء، وكيفية القيام عليهن، بحسب اختلاف أحوالهن، وقد قسّمهن الله قسمين:
طائعات، وناشزات.
فالمرأة القانتة التي تطيع ربها، وتطيع زوجها، وتحفظه في نفسها وعفتها، وفي ماله وولده في حال غيبته- وهي في حضوره أحفظ- مثل هذه يقال لها امرأة صالحة وكفى.
وأما المرأة الناشز فطريق القيام عليها بالتأديب والتقويم هو ما قال الله تعالى:
وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ إلخ.
وظاهر قوله تعالى: فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ إلخ أنه خبر، وبعض العلماء يقول المراد به الأمر بالطاعة، فالمعنى: لتطع المرأة زوجها، ولتحفظه في نفسها وفي ماله، حتى تكون امرأة صالحة للحياة الزوجية، تستحق جميع حقوق الزوجة الصالحة.
ويؤيد ذلك قوله تعالى: بِما حَفِظَ اللَّهُ فإنّ معناه، أنّ عليهن أن يطعن أزواجهن، ويحفظنهم، في مقابلة ما حفظه الله لهن من حقوق قبل الأزواج من مهر ونفقة ومعاشرة بالمعروف، فهو جار مجرى قولهم: هذا بذاك، أي هذا في مقابلة ذاك، وعليه تكون (ما) اسم موصول.
وقيل: معنى بِما حَفِظَ اللَّهُ إن السبب في طاعتهن وحفظهن أزواجهن هو حفظ الله لهن، وعصمته إياهن، ولولا أنّ الله حفظهن وعصمهن ما حفظن أزواجهن، وعليه تكون (ما) مصدرية.
وقد أخرج البيهقي وابن جرير وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها، ثم قرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ إلى قوله تعالى:
حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ.
وفي «الصحيح» «١»
«نساء قريش خير نساء ركبن الإبل، أحناه على ولد، وأرعاه على زوج في ذات يده».
(١) رواه مسلم في الصحيح (٤/ ١٩٥٨)، ٤٤- كتاب فضائل الصحابة، ٤٩- باب من فضائل نساء قريش، حديث رقم (٢٠٠/ ٢٥٢٧).
وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ.
هذا هو القسم الثاني من قسمي النساء اللاتي جعل الله للرجال حق القيام عليهن، كما سبق، وهو خطاب للأزواج، وإرشاد لهم إلى طريق القيام عليهن.
وأصل الخوف فزع القلب عند الشعور بحدوث أمر مكروه في المستقبل، وقد يتوسع فيه، فيستعمل بمعنى العلم، لأنّ خوف الشيء إنما يكون للعلم بموقعه، وقد علمت أنّ النشوز هو العصيان، وظاهر الآية ترتب العقوبات المذكورة على خوف النشوز، وإن لم يقع النشوز بالفعل، وهو بعيد، لذلك أوّل العلماء هذه الآية عدة تأويلات، فمنهم من فسّر الخوف بالعلم، ومنهم من قدر مضافا: تخافون دوام نشوزهن، أو أقصى مراتب نشوزهن.
ومنهم من قدر معطوفا محذوفا: تخافون نشوزهن ونشزن.
ومنهم من أبقى الخوف على أصله، وجعل جزاءه الوعظ فقط، تخافون نشوزهن بظهور أماراته، كخشونة بعد لين، وتعبيس بعد طلاقة، وإدبار بعد إقبال، ومتى ظهرت هذه الأمارات كان للزوج أن يعظها فقط، ويخوّفها عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة، فإن لم تمتثل كان ذلك نشوزا محققا، وله فيه الوعظ والهجران والضرب.
والمراد بالوعظ أن يقول لها مثلا: اتقي الله! فإنّ لي عليك حقا، وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي فرض عليك ونحو ذلك.
واختلفوا في معنى الهجران في المضاجع، فقيل: إنه كناية عن ترك جماعهن، وقيل: المراد تركهنّ منفردات في حجرهنّ ومحل مبيتهن، فيكون في ذلك ترك جماعهن وترك مكالمتهن، ولا يزيد في هجر الكلام عن ثلاثة أيام.
وفسر العلماء الضرب المباح بأنه الضرب غير المبرح،
أخرج الجصاص «١» عن جابر بن عبد الله عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه خطب بعرفات في بطن الوادي فقال: «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، وأن لكم عليهنّ ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهنّ عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف».
وأخرج ابن جرير «٢» نحوه، وروى ابن جريج عن عطاء قال: الضرب غير المبرح بالسواك ونحوه، ومثله عن ابن عباس، وقال سعيد عن قتادة: ضربا غير شائن «٣».
(١) أخرجه الإمام أبو بكر الجصاص في كتابه أحكام القرآن (٢/ ١٨٩).
(٢) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٥/ ٤٤).
(٣) المرجع نفسه (٥/ ٤٤).
وقال العلماء: ينبغي ألا يوالي الضرب في محل واحد، وأن يتقي الوجه فإنه مجمع المحاسن، ولا يضربها بسوط ولا بعصا، وأن يراعي التخفيف في هذا التأديب على أبلغ الوجوه.
ومع أنّ الضرب مباح فقد اتفق العلماء على أنّ تركه أفضل.
أخرج ابن سعد والبيهقي عن أم كلثوم بنت الصديق رضي الله عنه قالت: كان الرجال نهوا عن ضرب النساء، ثم شكوهنّ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فخلى بينهم وبين ضربهن، ثم قال: «ولن يضرب خياركم» «١».
وروي نحوه عن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وفيه: «ولا تجدون أولئكم خياركم» «٢»
ومعناه أن الذين يضربون أزواجهم ليسوا خيرا ممن لم يضربوا، فدل الحديث على أن الأولى ترك الضرب.
واختلف العلماء في هذه العقوبات أهي مشروعة على الترتيب أم لا؟ ومنشأ الخلاف اختلافهم في فهم الآية، فمن رأى عدم الترتيب يقول: الواو لا تقتضيه، والفاء في قوله: فَعِظُوهُنَّ لا دلالة لها على أكثر من ترتيب المجموع على النشوز، فله أن يقتصر على إحدى العقوبات أيا كانت، وله أن يجمع من غير ترتيب بينها.
ومن ذهب إلى وجوب الترتيب يرى أن ظاهر اللفظ وإن دلّ على مطلق الجمع، فإنّ فحوى الآية تدل على الترتيب، إذ الواو داخلة على جزاءات مختلفة متفاوتة واردة على سبيل التدرج من الضعيف إلى القوي إلى الأقوى، فإنّه تعالى ابتدأ بالوعظ، ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع، ثم ترقى منه إلى الضرب، وذلك جار مجرى التصريح بأنه مهما حصل الغرض بالطريق الأخف وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشد.
وروي عن علي رضي الله عنه ما يؤيد ذلك فإنه قال: يعظها بلسانه، فإن انتهت فلا سبيل له عليها، فإن أبت هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين.
فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا.
تبغوا: تطلبوا، أي: فإن رجعن إلى طاعتكم بعد هذا التأديب فلا تطلبوا سبيلا وطريقا إلى التعدّي عليهن. أو: فلا تظلموهن بطريق من طرق التعذيب والتأديب.
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً قيل: المقصود منه تهديد الأزواج على ظلم النساء، والمعنى أنه تعالى قاهر كبير قادر ينتصف لهن، ويستوفي حقهن، فلا ينبغي أن تغتروا بكونكم أعلى يدا منهن، وأكبر درجة.
(١) و (٢) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (٢/ ١٥٥).
وقيل: المقصود منه حثّ الأزواج، وبعثهم على قبول توبة النساء، والمعنى:
أنه تعالى مع علوه وكبريائه لا يؤاخذ العاصي إذا تاب، بل يغفر له، فإذا تابت المرأة عن نشوزها فأنتم أولى بأن تقبلوا توبتها، وتتركوا معاقبتها.
قال الله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥) المراد بالخوف هنا: العلم.
والشقاق: الخلاف والعداوة، وأصله من الشق، وهو الجانب، لأنّ كلّا من المتخالفين يكون في شق غير شق الآخر.
و (بين) من الظروف المكانية غير المتصرفة، وإضافة الشقاق إليها توسّع، والأصل شقاقا بينهما، فللملابسة بين الظرف والمظروف نزّل الظرف منزلة الفاعل أو المفعول، وشبه بأحدهما ثم عومل معاملته في الإضافة إليه، فقيل شِقاقَ بَيْنِهِما.
وقيل: الإضافة بمعنى (في) والضمير في (بينهما) للزوجين لدلالة النشوز- وهو عصيان المرأة زوجها- عليهما.
والخطاب هنا للحكام، فإنه تعالى لما ذكر نشوز المرأة، وأنّ للزوج أن يعظها، ويهجرها في المضجع، ويضربها، بيّن أنه لم يبق بعد الضرب إلا المحاكمة إلى من ينصف المظلوم من الظالم منهما، ويتوجه حكمه عليهما.
وظاهر الأمر في قوله تعالى: فَابْعَثُوا أنه للوجوب، وبه قال الشافعي، لأنه من باب رفع الظلامات، وهو من الفروض العامة والمتأكدة على القاضي.
وظاهر وصف الحكمين بأن أحدهما يكون من أهله، والثاني يكون من أهلها أن ذلك شرط على سبيل الوجوب، لكنّ العلماء حملوه على وجه الاستحباب، وقالوا:
إذا بعث القاضي حكمين من الأجانب جاز، وذلك لأنّ فائدة بعث الحكمين استطلاع حقيقة الحال بين الزوجين، وإجراء الصلح بينهما، والشهادة على الظالم منهما، وهذا الغرض يؤديه الأجنبي كما يؤديه القريب، إلا أن الأقارب أعرف بحال الزوجين من الأجانب، وأشدّ طلبا للإصلاح، وأبعد عن الظنّة بالميل إلى أحد الزوجين، وأقرب إلى أن تسكن إليهم النفس، فيطلعوا على ما في ضمير كلّ من حب وبغض، وإرادة صحبة أو فرقة، لذلك كان الأولى والأوفق أن يكون أحد الحكمين من أهل الزوج والثاني من أهل الزوجة.
واختلف العلماء فيما يليه الحكمان: أيليان الجمع والتفريق دون إذن الزوجين، أم ليس لهما تنفيذ أمر يلزم الزوجين دون إذن منهما؟
فذهب علي وابن عباس والشعبي ومالك إلى أن لهما أن يلزما الزوجين دون إذنهما ما يريان فيه المصلحة، مثل أن يطلق الرجل، أو تفتدي المرأة بشيء من مالها.
فهما عندهم حاكمان موليان من قبل الإمام.
وقال الحسن وأبو حنيفة وأصحابه: ليس للحكمين أن يفرّقا إلا برضا الزوجين، فهما عندهم وكيلان للزوجين.
وللشافعي في المسألة قولان.
وليس في الآية ما يرجح أحد الرأيين على الآخر، بل فيها ما يشهد لكلّ من الرأيين:
فالشهادة للرأي الأول أنّ الله تعالى سمّى كلا منهما حكما، والحكم هو الحاكم، وإذا جعلهما الله حاكمين فقد مكّنهما من الحكم.
والشهادة للرأي الثاني أنه تعالى لم يضف إليهما إلا الإصلاح، وهذا يقتضي أن يكون ما وراء الإصلاح غير مفوّض إليهما، ولما كانت الآية محتملة للرأيين، ولم يصحّ في المسألة شيء عنه صلّى الله عليه وسلّم كانت المسألة اجتهادية، وكلام أحد المجتهدين لا يقوم حجة على الآخر، فالترجيح للرأي والقياس، والذي يظهر لنا أنّ القياس يقتضي ترجيح الرأي الثاني، لأنه لا خلاف أنّ الزوج لو أقر قبل التحكيم بالإساءة إليها لم يجبرها الحاكم على الطلاق، وأنّ الزوجة لو أقرت كذلك قبل التحكيم بالنشوز لم يجبرها الحاكم على الافتداء، فإذا كان ذلك حكمهما قبل بعث الحكمين، فكذلك يكون الحكم بعد بعثهما، لا يجوز إيقاع الطلاق من غير رضا الزوج وتوكيله، ولا إخراج المال عن ملكها من غير رضاها.
والضمير في قوله تعالى: إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يجوز أن يكون للحكمين، ويجوز أن يكون للزوجين، وكذلك الضمير في قوله تعالى يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما والأوفق جعل الضمير الأول للحكمين، والثاني للزوجين، أي إن يقصد الحكمان إصلاح ذات البين بنية صحيحة، مع إخلاص النصيحة لوجه الله تعالى، إن يقصدا ذلك يوفق الله بين الزوجين بالألفة والمحبة، ويلقي في نفسيهما الموافقة وحسن العشرة.
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً المراد منه الوعيد للزوجين وللحكمين في سلوك ما يخالف طريق الحق، فإنه سبحانه عليم بظواهر الأمور وبواطنها، فيعلم ما يريده كلّ واحد منهم، وسيجازيهم على حسب ما علم.
قال الله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً (٣٦) لما أرشد الله كلا من الزوجين إلى المعاملة الحسنة، وندب الحكّام إلى إزالة ما
بينهما من الخصومة، أرشد الناس جميعا إلى طائفة من خلال الخير، وبيّن لهم أنواعا من الأخلاق الحسنة التي تعلمهم كيف يعامل بعضهم بعضا، وقد ذكر من ذلك في هذه الآية ثلاثة عشر نوعا ما بين مأمور به ومنهي عنه:
١- أمرنا أن نعبده، والعبادة: المبالغة في الخضوع، ويكون ذلك بفعل ما أمر الله به لمجرد أنه أمر به، وترك ما نهى عنه لمجرد أنه نهى عنه، سواء في ذلك أعمال القلوب- ومنها التوحيد- وأعمال الجوارح.
٢- ونهانا أن نشرك به شيئا: والإشراك ضد التوحيد، فيفهم من النهي عن الإشراك الأمر بالتوحيد، فالعطف من قبيل عطف الخاص على العام، وقدم في هذه التكاليف ما يتعلّق بحقه تعالى لأمرين:
الأول: أنّ هذا الذي تعلق بحقه تعالى وهو العبادة والإخلاص فيها أساس الدين، ومداره الأعظم، ومن دونه لا يقبل الله من العبد عملا ما.
والثاني: أن في ذلك إيماء إلى ارتفاع شأن الأمور الآتية وإن كانت متعلقة بحقوق العباد، لأن قرنها بالعبادة والتوحيد يكسبها رفعة شأن وعظم قدر عند الله.
٣- وأمرنا بالإحسان إلى الوالدين: وقد قرن الله تعالى إلزام برّ الوالدين بعبادته وتوحيده في مواضع من القرآن منها هذه الآية، ومنها قوله تعالى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [الإسراء: ٢٣] وقوله جلّ شأنه: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان: ١٤] وكفى بهذا دلالة على تعظيم حقهما، ووجوب برهما، والإحسان إليهما.
وقد ورد في وجوب بر الوالدين آيات كثيرة، وأحاديث مشهورة، وبر الوالدين طاعتهما في معروف، والقيام بخدمتهما، والسعي في تحصيل مطالبهما، والبعد عن كل ما يؤذيهما.
٤- وإلى ذي القربى: وهو صلة الرحم، على نحو ما ذكر في أول السورة وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ والإحسان إلى الأقارب يكون بمودتهم ومواساتهم.
٥- وإلى اليتامى: كما وصّى في أول السورة وفي غيرها، قال ابن عباس:
يرفق بهم يربيهم، وإن كان وصيا فليبالغ في حفظ أموالهم.
٦- وإلى المساكين: والإحسان إلى المسكين إما بالتصدق عليه، وإما برده ردا جميلا، كما قال تعالى: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) [الضحى: ١٠].
٧- وإلى الجار ذي القربى: وهو الذي قرب جواره، أو من له مع الجوار قرب واتصال بنسب أو دين.
٨- وإلى الجار الجنب: وهو الذي بعد جواره، أو من ليس له مع الجوار قرابة.
أخرج البخاري «١» في «الأدب المفرد» عن عبد الله بن عمرو أنه ذبحت له شاة، فجعل يقول لغلامه: أهديت لجارنا اليهودي، أهديت لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه».
وأخرج الشيخان «٢» أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره».
وتحديد الجوار موكول إلى العرف، والإحسان إلى الجار يكون من وجوه: منها مواساته إن كان فقيرا، ومنها حسن العشرة، وكف الأذى عنه، والمحاماة دونه ممن يحاول ظلمه، وقد عد بعض العلماء من حق الجوار الشفعة لمن بيعت دار إلى جنبه.
٩- وإلى الصاحب بالجنب: وهو الرفيق في كل أمر حسن كالتعلم والسفر والصناعة، وكمن جلس بجنبك في مسجد، أو مجلس، وغير ذلك.
وعن علي كرم الله وجهه: الصاحب بالجنب المرأة.
١٠- وإلى ابن السبيل: وهو المنقطع عن ماله، أو الضعيف، ومعنى ابن السبيل صاحب الطريق، كما يقال لطير الماء ابن ماء، فالمسافر للزومه الطريق سمّي ابن السبيل، والضيف كالمجتاز غير المقيم، فسمّي ابن السبيل تشبيها بالمسافر.
١١- وإلى ما ملكت أيماننا: قال قتادة: هم العبيد والإماء، أخرج أحمد والبيهقي عن أنس قال: «كانت عامة وصية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين حضره الموت الصلاة، وما ملكت أيمانكم، حتى جعل يغرغر بها في صدره، وما يفيض بها لسانه» «٣».
وقال بعض العلماء: كلّ حيوان فهو مملوك، والإحسان إلى الكل بما يليق به طاعة عظيمة.
١٢- ونهانا عن الاختيال: فإنّ قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً معناه: أنه يكره المختال الفخور، أي أنه يعاقبه على خيلائه وفخره، والمختال: ذو الخيلاء والكبر، قال الزجاج: إنما ذكر الاختيال هاهنا لأن المختال
(١) انظر الأدب المفرد للإمام البخاري، صفحة (٥٠)، باب يبدأ بالجار حديث رقم (١٠٥)، وأبو داود في السنن (٤/ ٣٧٧)، كتاب الأدب، باب في حق الجوار حديث رقم (٥١٥٢) والترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٢٩٤) في كتاب البر، باب ما جاء في حق الجوار حديث رقم (١٩٤٣).
(٢) رواه البخاري (٧/ ١٠٤)، ٧٨- كتاب الأدب، ٣١- باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر حديث رقم (٦٠١٨)، ومسلم في الصحيح (١/ ٦٨)، ١- كتاب الإيمان، ١٩- باب الحث على إكرام الجار حديث رقم (٧٧/ ٤٨).
(٣) رواه أحمد في المسند (٣/ ١١٧)، وابن ماجه في السنن (٢/ ٩٠٠)، كتاب الوصايا، باب هل أوصى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حديث رقم (٢٦٩٧).
أنف من أقاربه إذا كانوا فقراء، ومن جيرانه إذا كانوا ضعفاء، فلا يحسن عشرتهم.
١٣- ونهانا عن الفخر: والفخور هو الذي يعدّد مناقبه على الناس تطاولا وتعاظما.
أخرج الطبراني عن ثابت بن قيس بن شماس قال: كنت عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقرأ هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ إلخ، فذكر الكبر، وعظّمه، فبكى ثابت. فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما يبكيك» ؟ فقال: يا رسول الله إني لأحبّ الجمال حتى إنه ليعجبني أن يحسن شراك نعلي.
قال: «فأنت من أهل الجنة، إنه ليس بالكبر أن تحسن راحلتك ورحلك، ولكن الكبر من سفه الحقّ، وغمط الناس» «١».
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣)
اختلف في سبب نزول الآية، فأخرج أبو داود والترمذي وحسّنه والنسائي والحاكم وصححه، عن علي كرم الله وجهه قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه طعاما، فدعانا، وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموني، فقرأت: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) [الكافرون: ١] أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون فنزلت «٢».
وفي رواية ابن جرير «٣» وابن المنذر عن علي كرم الله وجهه أن إمام القوم يومئذ هو عبد الرحمن بن عوف، وكانت الصلاة صلاة المغرب، كان ذلك لما كانت الخمر مباحة.
وقد فهم الصحابة من النهي في أول الأمر أن الممنوع هو قربان الصلاة في حال السّكر، فكانوا لا يتناولون مسكرا حتى إذا صلّوا العشاء شربوا، فقال عمر رضي الله عنه: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت آية المائدة فتركوا الشراب كله.
وقيل: إنّ سبب النزول هو ما رواه ابن جريج عن إبراهيم النخعي قال: نال أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جراحة، ففشت فيهم، ثم ابتلوا بالجنابة، فشكوا ذلك إلى
(١) انظر الدر المنثور في التفسير المأثور للسيوطي (٢/ ١٦٢).
(٢) رواه أبو داود في السنن (٣/ ٣٢٣)، كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر حديث رقم (٣٦٧١)، والترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٢٢٢)، كتاب التفسير حديث رقم (٣٠٢٦).
(٣) جامع البيان المشهور بتفسير الطبري في تفسيره رواه ابن جرير (٥/ ٦١).
النبي صلّى الله عليه وسلّم فنزلت، والجمهور على أنها نزلت في غزوة المريسيع حين عرّس «١» النبي صلّى الله عليه وسلّم ليلة، فسقطت عن عائشة قلادة كانت لأسماء، فبعث رجلين في طلبها، فنزلوا ينتظرونهما، فأصبحوا وليس معهم ماء، فأغلظ أبو بكر على عائشة وقال: حبست رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمسلمين على غير ماء فنزلت «٢».
فلما صلوا بالتيمم جاء أسيد بن الحضير إلى مضرب عائشة، فجعل يقول: ما هي بأوّل بركتكم يا آل أبي بكر، وفي رواية: يرحمك الله يا عائشة، ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله فيه للمسلمين فرجا، وهذا يدلّ على أن سبب النزول كان في فقد الماء في السفر.
والسكر المذكور في الآية هو السكر من الشراب، بدليل ما ورد في سبب النزول، وبدهي أن النهي موجه إلى جماعة المؤمنين أن يقربوا الصلاة، وهم على هذا الحال، فإنها قد تجرهم إلى ما يضرهم في دينهم من حيث لا يشعرون، ولقد أثّر فيهم النهي أثره، فكانوا يمتنعون من الشراب إلى ما بعد صلاة العشاء، ولا معنى لا دعاء نسخ الآية، إذ المؤمنون ما زالوا منهيين أن يقربوا الصلاة وهم سكارى. ولم تؤثر آية المائدة في هذا النهي شيئا حتى يقال: إنها نسخته.
وقد اختلف العلماء في معنى الصلاة في قوله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى فذهب جماعة إلى أن المراد منها موضعها وهو المسجد، وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود والحسن، وإليه ذهب الشافعي رضي الله عنه، والكلام إذا على حذف مضاف، وهو مجاز شائع، وقد عهد استعمال هذا اللفظ في هذا المعنى في القرآن، كما في قوله تعالى: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ [الحج: ٤٠] فقد فسرها ابن عباس بأنها كنائس اليهود.
ويؤيد حمل الصلاة على هذا المعنى أن الله تعالى يقول: لا تَقْرَبُوا والقرب والبعد أولى به أن يكون في المحسات، فحملناه على المسجد، ولأنّا لو حملناه على الصلاة لم يصح الاستثناء في قوله: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حتى لو حملنا عابر السبيل على المسافر، لأنّ هذا الحكم حينئذ ليس خاصا بالمسافر، لأنّ كل من عجز عن استعمال الماء، سواء لفقده، أو عدم القدرة على استعماله كذلك، وأيضا فإنّ ظاهر النهي يدلّ على أنّ عابر السبيل ليس له أن يقرب الصلاة جنبا إلا بعد اغتسال، وهو إذا لم يجد الماء يقرب الصلاة كغيره بالتيمم.
وأيضا فقد ذكر الله في الآية حكم المسافر في قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ
(١) التعريس: النزول آخر الليل، انظر لسان العرب (٦/ ١٣٦).
(٢) رواه ابن جرير في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٥/ ٦٨- ٦٩). [..... ]
إلخ. فيكون ذلك تكرارا، فمن أجل ذلك حملنا لفظ الصلاة على المسجد.
وذهب الأكثرون إلى أن الصلاة باقية على حقيقتها، والمعنى: لا تصلوا وأنتم سكارى، ولا أنتم جنب، إلا في حال كونكم مسافرين حتى تغتسلوا، ويكون ذكر هذا الحكم قبل قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى تشويقا إلى بيان الحكم عند فقد الماء، فكأنه قيل:
فإن لم تقدروا على استعمال الماء فإني مبيّن حكم ذلك بقولي: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى إلى آخره.
ويقرب لهؤلاء ما ذهبوا إليه أن الله يقول: حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ فإنّه يدل على أنّ المراد لا تقربوا نفس الصلاة، إذ المسجد ليس فيه قول مشروع يمنع السكر منه، أما الصلاة ففيها أقوال مشروعة يمنع السكر منها، وهي القراءة والدعاء والذكر، فكان حملها على ما يقتضيه ظاهر اللفظ أولى.
وقد ترتب على هذا خلافهم في حكم اجتياز المسجد للجنب، فمن ذهب إلى أن المراد من الصلاة موضعها، وهو المسجد، أخذ من الاستثناء أن الجنب ممنوع من المسجد إلا في حال العبور، فإنه يجوز له أن يعبر دون أن يمكث.
وأما على القول الثاني فيكون معنى الآية لا تقربوا الصلاة في حال السكر، ولا في حال الجنابة حتى تغتسلوا، إلا إذا كنتم مسافرين، وحكم ذلك سأقصه عليكم، أما حرمة دخول المسجد للجنب فيستدل عليها بمثل ما
روت عائشة رضي الله عنها قالت جاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: «وجّهوا هذه البيوت عن المسجد، ثم دخل ولم يصنع القوم شيئا رجاء أن تنزل لهم رخصة، فخرج إليهم بعد وقال: وجّهوا هذه البيوت فإني لا أحلّ المسجد لجنب ولا حائض» «١»
وغير هذا من الأدلة.
بقي أنّ بعض المفسرين يريد أن يأخذ من قوله: حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وجوب القراءة في الصلاة، لأن الآية تنهى عن قرب الصلاة في حال السكر حتى يعلم المصلّي ما يقول: فلا بد أن يكون الذي يقول شيئا يمنع منه السكر، ولا شيء سوى القراءة.
ولكنا إذا عرفنا أنّ الصلاة مناجاة ووقوف بين يدي مالك يوم الدين، العزيز القهار، كان معنى النهي لا تصلحوا حتى تكونوا على درجة من العلم والفهم تمكّنكم وتؤهّلكم للوقوف بين يدي ملك الملوك، وليس بنا حاجة لأن نلتمس دليلا على وجوب القراءة في الصلاة، لأن ذلك أمر متفق عليه، وأدلته كثيرة.
(١) رواه أبو داود في السنن (١/ ٩٧)، كتاب الطهارة، باب في الجنب حديث رقم (٢٣٢)، ورواه ابن ماجه في السنن (١/ ٢١٢)، كتاب الطهارة، باب ما جاء في اجتناب الحائض حديث رقم (٦٤٥).
والجنب: اسم يستوي في الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، وأصل الجنابة البعد، ويقال للذي يجب عليه الغسل من حدث الجنابة: جنب، لأنّ جنابته تبعده عن الصلاة وعن المسجد وقراءة القرآن حتى يتطّهر.
وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً.
ذكرت هذه الآية والآية التي في المائدة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: ٦] الآية للتيمم أسبابا أربعة: المرض، والسفر، والمجيء من الغائط، وملامسة النساء، ورتبت عليها تيمم الصعيد الطيّب عند عدم وجود الماء فهما بظاهرهما تفيدان أنّ كلا من هذه الأسباب بمجرده يبيح التيمم عند عدم الماء.
فالسفر عند عدم الماء مبيح للتيمم، والمرض أيا كان نوعه مبيح للتيمم عند عدم الماء، وكذلك ملامسة النساء، والمجيء من الغائط، وقد جاء بيان السنة العملية كذلك موافقا لما يفيده النظم الكريم، حيث أجاز التيمم عند فقد الماء حقيقة لكل هؤلاء، غير أنّه زاد أن المريض إذا كان مرضه يمنعه من استعمال الماء جاز له التيمم، كما روي في حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه تيمم مع وجود الماء لخوف البرد فأجازه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولم ينكر، وقد اتفقوا على جوازه.
بقي أنه ما الفائدة إذا في ذكر السفر والمرض في جملة الأسباب ما دام المسافر والمريض والمقيم والصحيح سواء، لا يباح لهم التيمم إلا عند فقد الماء؟
قال المفسرون في هذا: أما المسافر فلما كان غالب حاله عدم وجود الماء جاء ذكره كأنه فاقد الماء وأما المريض فإنّ تعليق الحكم به مشعر بأن مرضه له مدخل في السببية، ولذلك ترى ابن عباس رضي الله عنهما وجماعة من التابعين يقولون في قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أنه المجدور، ومن يضره الماء، وذلك أنّ المريض الذي لا يضره الماء لا معنى للترخيص له في التيمم، فذكر ليدل على أن مرضه حينئذ يقوم مقام عدم وجود الماء حقيقة، فلم يبق حينئذ إلا الجنب وما في معناه، والجائي من الغائط وما في معناه من غير المسافرين والمرضى، فهو إنما يباح لهم التيمم إذا فقدوا الماء.
وعلى هذا يكون قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا راجعا إلى الأخيرين فقط، وهما المجيء من الغائط، وملامسة النساء، وتكون أسباب التيمم المذكورة في الآية ثلاثة على الحقيقة: المرض، والسفر، وفقد الماء في حال الإقامة والصحة.
غير أنّ عطف هذه الأسباب بعضها على بعض بأو يقتضي أنها متقابلة، ومن قضية تقابلها أن يكون المسافر غير المريض، وكل منهما غير الجائي من الغائط
والملامس، وذلك يقتضي أنّ السفر مبيح للتيمم، ولو من غير حدث، وكذلك المرض، مع أن التيمم لا يطلب إلا من المحدث.
وأجاب عن ذلك بعض العلماء بأن السبب في عدم ذكر الحدث مع المرض والسفر أنّ الكلام في الجنابة في السفر، حيث قال: وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا فحال الجنابة معهما ملحوظ، حيث هذا بيان للحكم إذا لم يتيسر الغسل من الجنابة لفقد الماء، وأما الحدث الأصغر فيهما فيعلم حكمه من حكم الجنابة لدلالة النص.
ومن العلماء من اختار في تأويل الآية رأيا آخر: فذهب إلى أنّ أَوْ في قوله:
أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ بمعنى الواو، ويكون المعنى عليه: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ويكون ذلك في معنى قولك: إن كنتم مرضى أو مسافرين محدثين حدثا أصغر أو أكبر، وفقدتم الماء حقيقة أو حكما، بأن لم تقدروا على استعماله مع وجوده، فتيمموا صعيدا طيبا.
وقد جاءت أَوْ بمعنى الواو كثيرا كما في قوله تعالى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) [الصافات: ١٤٧] فإن معناه ويزيدون، وكقوله: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما [النساء: ١٣٥] معناه إن يكن غنيا وفقيرا فالله أولى بهما.
ونقل صاحب «روح المعاني» «١» عن بعضهم أن في الآية تقديما وتأخيرا والتقدير: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، ولا جنبا ولا جائيا أحد منكم من الغائط أو لامسا، يعني ولا محدثين، ثم قيل: وإن كنتم مرضى أو على سفر: فتيمموا وفيه الفصل بين الشرط والجزاء والمعطوف عليه من غير نكتة.
وأقرب هذه التأويلات هو ما حملنا عليه الآية في أول الأمر، وما ورد عليه- من أن ذلك يقتضي أن السفر بنفسه سبب، وكذا المرض ولو من غير حدث- يندفع متى روعي الكلام في أمر الطهارة من الأحداث، وأنها الغسل، انظر إلى قوله تعالى: وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا فأمر الحدث أمر مقرّر مفروغ منه، إنما الكلام في الأعذار المبيحة للتيمم، ولا سبب في الحقيقة إلا فقد الماء، وفقد الماء له مظاهر، فمن مظاهره السفر، وعدم الماء فيه غالب، وإن وجد فأغلب أمره أن يكون محتاجا إليه، ومن مظاهره المرض، وجعل المرض من أسباب التيمم مشعر بأن ذلك إنما يكون في مرض لا يمكن معه استعمال الماء، والمظهر الحقيقي لفقد الماء أن يكون خاليا من هذه الأعذار، ثم لا تجد الماء وأنت محدث حدثا أصغر أو أكبر.
على هذا الوجه يصح أن تفهم الآية، ولا شيء في فهمها حينئذ من التكلف،
(١) انظر روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للإمام الألوسي (٥/ ٤٢).
ويليه أن تكون أَوْ في قوله: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ بمعنى الواو، والمعنى عليه قد عرفته.
ولنرجع إلى تفسير مفردات الآية:
وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى تفصيل لما أجمل في قوله تعالى: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا فإن المعنى أنه لا يحل لكم القرب من الصلاة وأنتم جنب إلا بأن تكونوا عابري سبيل، وإلا أن تغتسلوا، ولما كان الغسل قد لا يمكن، شرع في بيان الطهارة الواجبة حينئذ، والأعذار التي تبيحها.
وفسر بعضهم قوله تعالى: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ بمعنى إلا معذورين بعذر شرعي، وقد تقدم أن المراد بالمرض ما يمنع من استعمال الماء مطلقا، سواء كان لتعذر الوصول إليه أم لتعذر استعماله.
وقد أخرج ابن جريج عن ابن مسعود أنه قال: المريض الذي رخص له في التيمم الكسير والجريح، فإذا أصابته الجنابة لا يحل جراحته إلا جراحة لا يخشى عليها.
أَوْ عَلى سَفَرٍ أو مسافرين، والسفر الطويل هنا كالقصير، فإنّك عرفت أن ذكر السفر هنا لا دلالة له على شيء، إذ المدار على فقد الماء، وإنما ذكر لأن فقد الماء معه غالب.
وبذكر المسافر هنا يستدلّ من ذهب إلى أنّ المراد بالصلاة المسجد، وقد تقدم، وهو ظاهر، ومن ذهب إلى أن المراد الصلاة بحقيقتها الشرعية يقول: إنه إنما ذكر هنا مع فهمه مما تقدم لبناء الحكم الشرعي عليه، وبيان أن المريض مثله ومساو له في ذلك.
أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ الغائط هو المكان المطمئن من الأرض، والمجيء منه كناية عن الحدث، لأنّ العادة كانت أنّ من يريد قضاء الحاجة يذهب إليه ليواري شخصه عن أعين الناس.
أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ اختلف السلف رضوان الله عليهم أجمعين في المراد من الملامسة هنا، فقال علي وابن عباس وأبو موسى والحسن وعبيدة والشعبي: هي كناية عن الجماع، وكانوا لا يوجبون الوضوء ولا التيمم لمن مس امرأة.
وقال عمر وابن مسعود: المراد من الملامسة المسّ باليد، وكانا يوجبان على من مس امرأة الوضوء.
وقد اختلف فقهاء الأمصار في ذلك أيضا فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر والثوري والأوزاعي: لا وضوء على من مسّ امرأة، سواء أكان المس بشهوة، أو بغير شهوة.
وقال مالك: إن مسها بشهوة تلذّذا فعليه الوضوء، وكذا إن مسته بشهوة تلذذا.
وقال الحسن بن صالح: إن قبل بشهوة فعليه الوضوء، وإن كان بغير شهوة فلا وضوء عليه.
وقال الشافعي: إذا مس جسدها فعليه الوضوء، سواء أكان المس لشهوة أو لغير شهوة.
استدل القائلون بأنّ المسّ ليس بحدث بما
روي عن عائشة من طرق مختلفة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يقبل نساءه ثم يصلي ولا يتوضأ «١». وكان يقبلهن وهو صائم
. ومن ذلك
حديث عائشة أنها طلبت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ليلة. قالت: فوقعت يدي على أخمص قدمه وهو ساجد، يقول: «أعوذ بعفوك من عقوبتك وبرضاك من سخطك» «٢»
فثبت بذلك أن المس ليس بحدث.
ثم إن ظاهر مادة المفاعلة فيما يكون فيه الفعل من الجانبين مقصودا، وذلك في الجماع دون اللمس باليد، وأيضا فإنّ اللمس وإن كان حقيقة في اللمس باليد، إلا أنه قد عهد في القرآن إطلاقه كناية عن الجماع، كما في قوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [البقرة: ٢٣٧] بل هذا اللفظ قد اشتهر في هذا المعنى، تسمعهم يقولون في المرأة البغي، لا تردّ يد لا مس «٣»، يريدون أنها ليست عفيفة.
وأيضا فالظاهر أن المراد في هذه الآية من الملامسة أو اللمس في القراءة الأخرى الجماع، لأجل أن تكون شاملة للحدثين الأصغر في قوله: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ والأكبر في قوله: أَوْ لامَسْتُمُ أما إذا أريد منه اللمس باليد مثلا، فإنه يكون قليل الفائدة، إذ المجيء من الغائط واللمس حينئذ من واد واحد.
وأما من يرى أن الملامسة هي لمس البدن فهو يقول: إنّ اللمس حقيقة في المس باليد، والملامسة مفاعلة، وهو في الجماع مجاز أو كناية، ولا يعدل عن الحقيقة إلى غيرها إلا عند تعذر الحقيقة.
والواقع أنّ اللمس حقيقة في المس باليد كما في قوله:
لمست بكفي كفّه أبتغي الغنى ولكنه قد تعورف عند إضافته إلى النساء في معنى الجماع، ويكاد يكون ظاهرا
(١) رواه أبو داود في السنن (١/ ٧٨)، كتاب الطهارة، باب الوضوء حديث رقم (١٧٨) والترمذي في الجامع الصحيح (١/ ١٣٣)، كتاب الطهارة باب ما جاء في ترك الوضوء حديث رقم (٨٦)، والنسائي في السنن (١- ٢/ ١١٢)، كتاب الطهارة باب ترك الوضوء حديث رقم (١٧٠).
(٢) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٣٥٢)، ٤- كتاب الصلاة، ٤٢- باب ما يقال في الركوع والسجود حديث رقم (٢٢٢/ ٤٨٦).
(٣) رواه النسائي في السنن كتاب النكاح، باب تزويج الزانية حديث رقم (٣٢٢٩).
فيه، كما أن الوطء حقيقته المشي بالقدم، فإذا أضيف إلى النساء لم يفهم منه غير الجماع.
وروى ابن جرير «١» عن سعيد بن جبير قال: ذكروا اللمس، فقال ناس من الموالي ليس الجماع، وقال ناس من العرب: اللمس الجماع، قال: فأتيت ابن عباس، فقلت: إن ناسا من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس، فقالت الموالي:
ليس بالجماع، وقالت العرب: الجماع! فقال: من أي فريق كنت؟
فقال: كنت من الموالي، قال: غلب فريق الموالي إن المسّ واللمس والمباشرة الجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء. وفي رواية، ولكنّ الله يكني ويعفّ.
وقد اختار ابن جرير «٢» أن الملامسة في الجماع، وإليك نصّ عبارته، قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى الله بقوله: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ الجماع دون غيره من معاني اللمس، لصحة
الخبر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه قبل بعض نسائه ثم صلّى ولم يتوضأ «٣»
، وساق في ذلك أخبارا كثيرة بنحو ما قلناه آنفا.
فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً.
أي إذا أصابكم ما تقدّم من موجبات الطهارة، فطلبتم الماء لتتطهروا به فلم تجدوه، بأن عدمتموه، أو وجدتموه ولكن بثمن لا تقدرون على دفعه، أو وجدتموه ولكنكم تحتاجون إليه، ولا تقدرون على استعماله فتيمموا: أي اقصدوا صعيدا طيبا.
وقد اختلف العلماء في المراد بالصعيد ما هو؟ فقال بعضهم: هو الأرض الملساء التي لا نبات فيها ولا غراس، وقال بعضهم: إنه الأرض المستوية، وقال بعضهم: بل الصعيد التراب، وقال آخرون: هو وجه الأرض، وقال بعضهم: هو الأرض ذات التراب والغبار.
ومعنى الطيب: الحلال الطاهر.
ومعنى الآية: وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لا مستم النساء فأردتم أن تصلّوا، ففقدتم الماء، فاعمدوا إلى الأرض الطاهرة، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم.
وظاهر الآية يفيد أنّ وجود ماء أي ماء لا يصح معه التيمم، إذ قد رتبت الآية الأمر بالتيمم على نفي وجود ماء.
وذلك يقتضي أنه لو وجد ماء، وكان في حاجة شديدة إليه، أو لا يقدر على
(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٥/ ٦٥).
(٢) المرجع نفسه (٥/ ٦٧).
(٣) سبق تخريجه.
استعماله أنه لا يتيمم، ولكن لما قاله الله تعالى: ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ [المائدة: ٦] وقال: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥] فهم منه أن الغرض من شرع التيمم هو التيسير على الناس، والتيسير على الناس لا يكون بإلزامهم أن يفقدوا ما معهم من الماء في الطهارة ليقعوا في العطب من جرّاء العطش أو الجوع.
وكذلك فهم من ترتيب التيمم على عدم الماء أن المراد ماء يكفي للطهارة، وأما ما لا يكفي لها فوجوده غير معتدّ به.
وقد اختلف فقهاء الأمصار في جواز التيمم بالحجر وما ماثله من كل ما كان من الأرض، فجوّزه أبو حنيفة، واشترط أبو يوسف أن يكون المتيمم به ترابا أو رملا وقال مالك: يتيمّم بالحصا والجبل: وحكي عن أصحابه عنه أنه أجاز التيمم بالزرنيخ والنّورة ونحوهما، وروى أشهب عنه أنه يجيز التيمم بالثلج.
وقال الشافعي رضي الله عنه: إنما التيمم من التراب.
ومنشأ الخلاف في فهم الطيّب، فمن حمله على الطاهر قال: المراد كلّ ما كان من جنس الأرض، بشرط الطهارة.
وقد أطلق الطيب وأريد به الحلال الطاهر، كما في قوله تعالى: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ [البقرة: ٥٧].
ومن فهم أنه ينبت قال: إنّ المراد الأرض الصالحة للإنبات، وهي ذات التراب، وقد أطلق الطيب وأريد منه ذلك كما في قوله: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [الأعراف: ٥٨]، للأولين أن يقولوا: إنّ هذا الإطلاق غير مراد هنا، لأنّ المراد بالطيّب في قوله: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ البلد الذي ليست أرضه سبخة، ونحن مجمعون على جواز التيمم بتراب الأرض السبخة، فعلمنا أنّ الطيّب بهذا المعنى غير مراد هنا.
وهذا وظاهر قوله تعالى في سورة المائدة: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة: ٦] يدلّ على أنّ المراد بالصعيد: شيء يصل أثر منه إلى الوجه واليدين عند المسح.
وهل المسّ على الحجر الأملس يصل منه شيء إلى الوجه واليدين؟
فنحن نرى أنّ الظاهر قول من قال: بأن المراد بالصعيد تراب الأرض، والسنة تؤيّد هذا،
فقد روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم من طرق صحيحة «١»، جعلت لي الأرض مسجدا، وتربتها طهورا
وروي و «ترابها طهورا»
نعم
قد ورد في هذا المعنى «جعلت لي
(١) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٣٧١)، ٥- كتاب المساجد حديث رقم (٤/ ٥٢٢).
الأرض مسجدا وطهورا» «١»
ولكنّ هذا يجب أن يحمل على ما جاء في الروايتين الأخريين جمعا بين الروايات.
فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً.
هذا بيان لكيفية التيمم، وقد اختلف فيها فقهاء الأمصار، فذهب الحنفية والمالكية والشافعية والثوري والليث إلى أن التيمم ضربتان، ضربة للوجه يمسحه بها، وضربة لليدين يمسحهما بها إلى المرفقين، وهو مرويّ عن جابر وابن عمر.
وقال الأوزاعي: تجزئ ضربة واحدة للوجه والكوعين.
وقال الزهري: ويمسح يديه إلى الإبط.
وقال ابن أبي ليلى والحسن بن صالح: يتيمم بضربتين، يمسح بكل واحدة منهما وجهه وذراعيه ومرفقيه، وقد نقل أبو جعفر الطحاوي فيما رواه الجصاص عنه أنّ هذا الرأي لم يعرف عن غيرهما.
وقد جاء في السنة ما يؤيد ما ذهب إليه الجمهور،
فقد روي عن ابن عمر «٢» وابن عباس «٣» عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في صفة التيمم أنه ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين.
وقد يقال: إنّ ظاهر قوله: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ يقتضي مسح البعض كما دلّ على ذلك قوله في الوضوء: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [المائدة: ٦] إذ الباء تقتضي التبعيض، إلا أن الفقهاء قد اتفقوا على أنه لا يجوز له الاقتصار على القليل، وأن عليه مسح الكثير، بل ذكر الكرخي من الحنفية أنه إن ترك شيئا قليلا أو كثيرا لم يجزئه، وقد جاءت الباء في قوله تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٢٩] ولا يجوز الاقتصار في الطواف على بعض البيت فما هنا من هذا القبيل.
هذا وقد عرض المفسرون هنا إلى أنّ التيمم هل يكفي لصلوات متعددة ما دام فاقدا للماء أم لا؟
ونحن نرى أنّ الآية التي نحن بصدد تفسيرها لا يستفاد منها شيء من هذا لا نفيا ولا إثباتا، وإنما ذلك يستفاد من أدلة أخرى تطلب في كتب الفقه.
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً يعفو عما كان منكم من قيامكم للصلاة وأنتم سكارى، ويستر ذنوبكم، فلا تعودوا لمثلها فيعود عليكم إثمه وعذابه.
(١) المرجع نفسه (٥/ ٥٢٣).
(٢) رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١٤).
(٣) المرجع نفسه (١/ ١١٣).
قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨)
الأمانة مصدر سمّي به المفعول وهو ما يؤتمن عليه.
روي في سبب نزول هذه الآية أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان بن طلحة بن عبد الدار باب الكعبة، وكان سادنها. وصعد إلى السطح، وأبى أن يدفع المفتاح إليه، وقال: لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه، فلوى علي بن أبي طالب يده، وأخذ منه المفتاح، وفتح، ودخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وصلّى ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح، ويجمع له السقاية والسدانة فنزلت هذه الآية، فأمر النبيّ عليا أن يرده إلى عثمان، ويعتذر إليه، فقال عثمان لعلي: أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق! فقال: لقد أنزل الله في شأنك قرآنا، وقرأ عليه الآية، فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله، فهبط جبريل عليه السلام وأخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم أنّ السدانة في أولاد عثمان أبدا «١».
نزلت الآية على هذا السبب الخاص، وليس ذلك بمخرج اللفظ عن عمومه، فهو عام يتناول كل ما يؤتمن عليه الإنسان، سواء أكان ذلك في حق نفسه أم في حق غيره من العباد، أم في حق ربه، فكلّ ذلك يجب رعاية الأمانة فيه، فرعاية الأمانة فيما هو من حقوق الله أن تمتثل أوامره. وتجتنب نواهيه، قال ابن مسعود رضي الله عنه:
الأمانة في كل شيء لازمة، في الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم.
وقال ابن عمر رضي الله عنه: خلق الله فرج الإنسان وقال: هذا أمانة خبأتها عندك، فاحفظها إلا بحقها.
وأما رعاية الأمانة في حقّ النفس، فهو ألا يقدم الإنسان إلا على ما ينفعه في الدنيا والآخرة، وفي هذا
يقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «كلكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته» «٢».
وأما رعاية الأمانة في حقّ الغير فهو رد الودائع والعارية، وعدم غش الناس في كل ما يتصل بالمعاملة، من بيع وشراء، وجهاد ونصيحة، وألا يفشي عيوب الناس، وينشر الفاحشة.
(١) ذكره البغوي في تفسيره معالم التنزيل المشهور بتفسير البغوي ط ٣، بيروت، دار المعرفة ١٩٩٢ (١/ ٤٤٣- ٤٤٤).
(٢) رواه البخاري في الصحيح (١/ ٢٤٢)، ١١- كتاب الجمعة، ١١- باب الجمعة حديث رقم (٨٩٣)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٤٥٩)، ٣٣- كتاب الإمارة، ٥- باب فضيلة الإمام حديث رقم (٢٠/ ١٨٢٩). [..... ]
وقد اعتنى القرآن بشأن الأمانة، وبيّن خطرها وعظيم قدرها في مواضع كثيرة، فقال: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ [الأحزاب: ٧٢] وقال: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) [المؤمنون: ٨] وقال:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ [الأنفال: ٢٧]
وقال عليه الصلاة والسلام: «لا إيمان لمن لا أمانة له» «١»
وقال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان».
قد رأيت أنّ الأمانات عامة واجبة الأداء، لا فرق بين واحدة منها وواحدة، ولا بدّ من دفعها إلى أهلها عند طلبهم إياها، وأما حكم الأمانة في حال الهلاك، وأنها مضمونة أو غير مضمونة، أو بعضها مضمون وبعضها الآخر غير مضمون، فنحن لا نعرض له، لأنّا نراه لا يتصل بالآية، ومردّه إلى أدلته في كتب الفقه.
وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ.
إقامة العدل بين الناس أمر تقتضيه طبيعة العمران، وتشهد به بداية العقول، ولا بد للمجتمع الإنساني منه، حتّى يأمن الضعيف سطوة القوي، ويستتبّ الأمن والنظام بين النّاس.
ومن أجل هذا تجد الشرائع السماوية تنادي بوجوب إقامة العدل، قال تعالى في كتابه الحكيم: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ وقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [النحل: ٩٠] وقال: وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى
[الأنعام: ١٥٢] وقال: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [المائدة: ٨] وقال: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ [ص: ٢٦].
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه أنس عنه: «لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقت، وإذا حكمت عدلت. وإذا استرحمت رحمت».
وقد ذمّ الله الظلم والظالمين في آيات كثيرة قال: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ [الصافات: ٢٢] وقال: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم: ٤٢] وقال في عاقبة الظلم: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا [النمل: ٥٢] ومن الظلم الحكم بغير ما أنزل الله.
وقوله تعالى: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ مشعر بأنّه لا بدّ للناسي أن يوجد فيهم من يحكم بينهم. وقد دلت الأدلة على أنّ الحكم لإمام المسلمين، يقضي بين الناس بما يراه موافقا للشرع فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٦٥) [النساء: ٦٥].
(١) رواه أحمد في المسند (٣/ ١٣٥).
إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ أي نعم شيء يعظكم، أو نعم الذي يعظكم به، والمخصوص بالمدح محذوف، يرجع إلى المأمور به من أداء الأمانات، والحكم بين الناس بالعدل.
إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً يبصر ما يكون منكم من أداء الأمانات وخيانتها فيحاسبكم عليه، ويسمع ما يكون من حكمكم بين الناس فيجازيكم به.
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)
لمّا أمر الله الولاة بأن يسيروا في حكمهم بين الناس على مقتضى العدل، وكان العدل لا يتحقّق إلا أن يلتزمه الناس، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ إلخ وقد اختلف المفسّرون في المراد بأولي الأمر، فذهب بعضهم إلى أنهم أمراء المسلمين، فيدخل فيهم الخلفاء الراشدون، والملوك والسلاطين، والقضاة وغيرهم، وذهب بعضهم: إلى أنّهم أمراء السرايا، وقال آخرون: إنّهم العلماء الذين يفتون في الأحكام الشرعية، ويعلمون الناس دينهم.
وذهب الروافض إلى أنهم الأئمة المعصومون، بل لقد غلت طائفة منهم وزعمت أن المراد من أولي الأمر علي بن أبي طالب وحده.
ونحن نرى أنه ليس ما يمنع أن يكون الجميع مرادا عدا ما ذهب إليه الخوارج، فالخلفاء واجبو الطاعة، وأمراء السرايا واجبو الطاعة، والعلماء واجبو الطاعة، كل ذلك واجب، ما لم يكن إلمام بمعصية، وإلا فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ويرى الفخر الرازي أنّ المراد من أولي الأمر أهل الحل والعقد، ويريد من ذلك أن يستدل بالآية على حجية الإجماع، وهو يدعم رأيه هذا بأنّ الله ذكر ثلاثة، واجبة طاعتهم: الله، ورسوله، وأولو الأمر، والله ورسوله مقطوع بعصمتهم، فوجب أن يكون أولوا الأمر كذلك، ولا نجد من أولي الأمر على ما ذكره المفسرون من هو واجب العصمة إلا أهل الحل والعقد عند اجتماعهم على أمر من الأمور،
«لن تجتمع أمتي على ضلالة»
فينبغي أن يكون المراد من أولي الأمر أهل الحل والعقد، ويكون ذلك دليلا على حجية الإجماع.
وقد ذكر الله الأمر بطاعة الله والأمر بطاعة الرسول وأولي الأمر، ثم أمر برد ما يتنازع فيه إلى الله والرسول، جعل ذلك محقّقا للإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، ووصفه بأنه خير وأحسن مآلا، وذلك يقتضي أن يكون الردّ إلى الله والرسول غير طاعة الله والرسول، وإلا كان ذلك تكرارا محضا، إذ يؤول الكلام إلى أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر، فإن تنازعتم في شيء فأطيعوا الله والرسول وذلك لغو ينزّه القرآن عن
مثله إذ لو اقتصر على قوله: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ لفهم الأمر بالطاعة في كل الأحوال.
وأيضا فإنّه كيف يتأتّى النزاع في أمر علم حكم الله ورسوله نصا فيه؟ إن ذلك يكون خروجا عما يقضي به الأمر بالطاعة، ومن أجل ذلك قيل: إنه يجب أن يكون الأمر بطاعة الله ورسوله فيما ثبت نصا عنهما أنه حكم الله في كتابه أو سنة رسوله، فأما ما لم ينصّ فيهما على حكمه فهذا الذي يصحّ أن يتنازع الناس في حكمه، لأنهم لا يجدون نصّا يلزمهم طاعته، وبما أنه لا يمكن أن يحوي الكتاب ولا أن تحوي السنة نصوص الأحكام في أشخاص المسائل، إذ أشخاص المسائل لا تتناهى. فجاز أن تكون حوادث لا نجد لها حكما في كتاب ولا سنة، فهذه هي التي قال الله لنا فيها:
فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ أي فارجعوا فيه إلى ما في الكتاب والسنة من أحكام- حيث يكون الحكم قد ورد من أجل حكمة ناط الشارع بها الحكم، ورتّبه عليها، وحيث تجدون هذه الحكمة فيما جدّ لديكم من الحوادث- تعلموا أنّ هذا الحكم الذي في الكتاب أو السنة مرتبا على هذه العلة هو حكم الله في كتابه أو سنة رسوله فيما جدّ من الحوادث.
وهذا هو القياس الذي فهمه معاذ رضي الله عنه حين بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى اليمن، وأقرّه الرسول عليه، حيث
روي أنه قال: «كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟».
قال: «أقضي بكتاب الله».
قال: «فإن لم يكن في كتاب الله؟».
قال: «أقضي بسنة نبي الله».
قال: «فإن لم يكن في كتاب الله وسنة رسول الله؟».
قال: «أجتهد رأيي لا آلو».
قال: فضرب على صدره وقال: «الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله إلى ما يرضي رسول الله» «١».
وإذا جرينا على ما رآه الفخر الرازي من تفسير أولي الأمر: بأهل الحل والعقد تكون الآية دالّة على حجية الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
وفي قوله: فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ما يشعر بكون المتنازع فيه مما لا نص فيه، وإلا كان واجب الطاعة، غير محل للنزاع كما قدمنا.
(١) رواه أبو داود في السنن (١/ ٢٩٥)، كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي حديث رقم (٣٥٩٢)، والترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٦١٦)، كتاب الأحكام، باب القاضي حديث رقم (١٣٢٧)، وأحمد في المسند (٥/ ٢٣٠).
وقد يقال: كيف قال: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وطاعة رسوله هي طاعة الله مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ؟ [النساء: ٨٠].
قيل: ذلك إيماء إلى الكتاب والسنة، فالكتاب إلى الله، والسنة إلى الرسول، وإن كان الكلّ من عند الله.
فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ التنازع: الاختلاف مأخوذ من النزع، الذي هو الجذب، لأنّ كلا من المتنازعين يجذب الحجة من صاحبه.
إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وعيد من الله لكل من حاد عن طاعة الله ورسوله، والردّ إليهما عند الاختلاف، وهو في معنى قوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء: ٦٥].
ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا، اسم الإشارة يرجع إلى ما أمروا به من طاعة الله ورسوله، والردّ إليهما عند المنازعة.
والتأويل: المآل والعاقبة.
قد يؤخذ من الآية التي معنا أنّ أدلة الأحكام الشرعية أربعة لا غير، وهي:
الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وإنّ غيرها لا يصحّ التعويل عليه في إثبات الأحكام، ولا الردّ إليه عند النزاع، لأنّ الأحكام إما منصوصة في كتاب أو سنة، وذلك قوله: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وإما مجمع عليها من أولي الأمر بعد استنادهم إلى دليل علموه، وذلك قوله: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وإما غير منصوص ولا مجمع عليها، وهذه سبيلها الاجتهاد، والرد إلى الله والرسول وذلك هو القياس، فما أثبته الفقهاء والأصوليون غير هذه الأربعة كالاستحسان الذي يراه الحنفية دليلا، وإثبات الأحكام الشرعية تمشيا مع المصالح المرسلة الذي يقول به المالكية، والاستصحاب الذي يقول به الشافعية كلّ ذلك إن كان غير الأربعة فمردود بظاهر هذه الآية، وإن كان راجعا إليها، فقد ثبت أنّ الأدلة أربعة.
قال الله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٩٢)
تحرير رقبة: التحرير عبارة عن جعل العبد حرا، والحرّ في الأصل الخالص، وإنما سمي به من ليس رقيقا لأنّه خالص مما يكدر إنسانيته.
الدية: قال الواحدي: الدية من الودي كالشية من الوشي، والأصل ودية، فحذفت الواو، يقال ودى فلان فلانا أدى ديته إلى وليه، ثم إنّ الشرع خصّص هذا اللفظ بما يؤدّى في بدل النفس دون ما يؤدّى في بدل المتلفات، ودون ما يؤدّى في بدل الأطراف.
وقوله: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً.
معناه: وما كان جائزا لمؤمن قتل مؤمن إلا خطأ، والاستثناء فيه قيل: إنه منقطع بمعنى لكن، كقوله: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً [النساء: ٢٩] وقيل: إنه متصل، وهو مستثنى مما يستلزمه وقوع المنهي عنه من الإثم، كأنّه قيل: لا يقتل المؤمن المؤمن فإنه إثم، إلا الخطأ فلا إثم عليه.
وقيل: إنّ في الكلام تقديما وتأخيرا، والأصل: وما كان مؤمن ليقتل مؤمنا إلا خطأ، كقوله: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ [مريم: ٣٥] وقوله: ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها [النمل: ٦٠].
وإنما حملت هاتان الآيتان على خلاف الظاهر، لأنّ الله لا يحرم عليه شيء، وإنما ينفى عنه ما لا يليق به، ولأنّ الله لم يحرّم عليهم أن ينبتوا شجرها، وإنما ينفي عنهم إمكان أن ينبتوا شجرها، والذي حدا بالقائلين إنه استثناء منقطع إلى القول به أنه لو كان متصلا، وما قبله نفي لجواز القتل، لكان مقتضيا أنّ القتل خطأ جائز.
وانتصاب خطأ إما على أنه مفعول لأجله، أي ما كان له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ، أو على أنّه صفة لمصدر محذوف، أي قتلا خطأ، أو على أنه حال بتأويله بمخطئ.
ثم لما ذكر الله قتل الخطأ بيّن حكمه فقال: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ أي فعليه تحرير رقبة، ودية مسلمة إلى أهله، إلا أن يصدقوا بالدية، أي إلا أن يعفوا، وسمي العفو صدقة، لأنه معروف،
وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كلّ معروف صدقة» «١».
وسبب نزول هذه الآية ما كان من عيّاش بن أبي ربيعة، أخرج ابن جرير «٢» عن السدي وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً قال: نزلت في عيّاش بن أبي ربيعة المخزومي، وكان أخا لأبي جهل بن هشام لأمه، وإنه أسلم وهاجر في المهاجرين الأولين قبل قدوم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فطلبه أبو جهل والحارث بن هشام، ومعهما رجل
(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٦٩٧)، ١٢- كتاب الزكاة، ١٦- باب بيان أن اسم الصدقة حديث رقم (٥٢/ ١٠٠٥).
(٢) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٥/ ١٢٩).
من بني عامر بن لؤي، فأتوه بالمدينة، وكان عياش أحبّ إخوته إلى أمه، فكلّموه وقالوا: إنّ أمك قد حلفت ألا يظلّها بيت حتى تراك، وهي مضطجعة في الشمس، فإنها لتنظر إليك، ثم أرجع وأعطوه موثقا من الله لا يحجزونه حتى يرجع إلى المدينة، فأعطاه بعض أصحابه بعيرا له نجيبا، وقال: إن خفت منهم شيئا فاقعد على النجيب، فلما أخرجوه من المدينة أخذوه فأوثقوه، وجلده العامري، فحلف ليقتلن العامريّ، فلم يزل محبوسا بمكة حتى خرج يوم الفتح، فاستقبله العامري، وقد أسلم، ولا يعلم عياش بإسلامه، فضربه فقتله، فأنزل الله وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً يقول: وهو لا يعلم أنه مؤمن وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فيتركوا الدية.
قد أوجب الله القصاص في القتل في آية البقرة كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [البقرة: ١٧٨] وأوجب الدية والكفارة في القتل الخطأ في الآية التي معنا، فيعلم أن الذي وجب فيه القصاص هو القتل العمد، لا ما يشمل الخطأ، وقد رأى مالك في بعض الروايات عنه أنّ القتل إما عمد وإما خطأ، ولا ثالث لهما، لأنّه إما أن يقصد القتل فيكون عمدا، أو لا يقصده فيكون خطأ، ولا واسطة، والكتاب يساعده.
أما سائر فقهاء الأمصار فقد أثبتوا واسطة بين العمد والخطأ، وهو شبه العمد، وإلى ذلك ذهب عمر وعلي وعثمان وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري والمغيرة، ولا مخالف لهم من الصحابة، وحجتهم في إثباته أن النيات مغيّبة عنا، لا اطلاع لنا عليها، وإنما الحكم بما ظهر، فمن قصد ضرب آخر بآلة تقتل غالبا حكمنا بأنه عامد، لأنّ الغالب أنّ من يضرب بآلة تقتل يكون قصده القتل، ومن قصد ضرب رجل بآلة لا تقتل غالبا كان مترددا بين العمد والخطأ، فأطلقنا عليه شبه العمد، وهذا بالنسبة إلينا لا بالنسبة إلى الواقع ونفس الأمر، إذ هو في الواقع إما عمد وإما خطأ، وقد أشبه العمد من جهة قصد الضرب، وقد أشبه الخطأ من جهة أنّ الآلة لا تقتل غالبا.
وقد استدلوا أيضا بما
روي أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ألا إنّ قتل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا والحجر ديته مغلظة مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها
، وهو حديث مضطرب عند أهل الحديث «١»، ذكر أبو عمر بن عبد البر «٢» أنه لا يثبت من جهة الإسناد. ومالك رحمه الله يرى أنّ ما يسمى شبه عمد هو عمد يجب
(١) رواه أبو داود في السنن (٤/ ١٩٩)، كتاب الديات، باب الدية حديث رقم (٤٥٨٨)، والنسائي في السنن (٧- ٨/ ٤٠٩)، كتاب القسامة باب كم دية شبه العمد حديث رقم (٤٨٠٥)، وابن ماجه في السنن (٢/ ٨٧٧)، كتاب الديات باب شبه العمد حديث رقم (٢٦٢٧).
(٢) هو عبد الله بن محمد بن عبد البر القرطبي صاحب كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والمسانيد.
فيه القصاص، وقد روي عنه أيضا أنه يثبت شبه العمد، والذين أثبتوا شبه العمد اختلفوا فيما هو عمد وما هو شبه عمد على أقوال كثيرة، أشهرها ثلاثة:
١- قال أبو حنيفة: العمد ما كان بالحديد، وكل ما عدا الحديد من القضيب أو النار وما يشبه ذلك فهو شبه العمد.
٢- قال أبو يوسف ومحمد: شبه العمد ما لا يقتل مثله.
٣- قال الشافعي: شبه العمد ما كان عمدا في الضرب خطأ في القتل، أي ما كان ضربا لم يقصد به القتل، فتولّد عنه القتل، والخطأ بما كان خطأ فيهما جميعا، والعمد ما كان عمدا فيهما جميعا.
وما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله من جعل كلّ قتل بغير الحديد شبه عمد ضعيف، فإنّ من ضرب رأس إنسان بنحو حجر رحى فقتله، وادعى أنه ليس عامدا كان مكابرا، والمصلحة تقتضي بالقصاص في مثله، لأنّ الله شرع القصاص صونا للأرواح عن الإهدار، ولو كان القتل بالمثقّل لا قصاص فيه لارتكبه الناس، فشفوا نفوسهم بقتل أعدائهم، ونجوا من القصاص.
والفقهاء يعتمدون في إثبات العمد وشبهه والخطأ على الآلة التي بها القتل وأشياء أخرى ذكرت في الفروع، وكان مقتضى النظر أن يبحث في ظروف القتل، وما أحاط به من ملابسات، وفي قرائن الأحوال لنعلم نية القاتل: أهو عامد أم مخطئ، إلا أنهم رأوا أنّ نية القاتل لا اطلاع لنا عليها، فاكتفوا بالنظر في الآلة التي كان بها القتل، ونحن نوافق على أنّ نية القاتل لا اطلاع لنا عليها.
لكن ينبغي أن ننظر نظرا أوسع في جميع الملابسات المحيطة لنعلم نيته، ولعلّه لو قيل بذلك لم يكن بعيدا من الشريعة.
وقد أوجب الله في القتل الخطأ أمرين: عتق رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله، فأما الرقبة المؤمنة فقد قال ابن عباس والحسن والشعبي فيها: لا تجزئ الرقبة إلا إذا صامت وصلّت. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: يجزئ الصبيّ إذا كان أحد أبويه مسلما.
حجة الأولين أن الله شرط الإيمان فلا بد من تحققه، والصبيّ لم يتحقق منه.
وحجة الآخرين: أنّ الله قال وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً فيدخل فيه الصبيّ، فكذلك يدخل في قوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ والرقبة قد ذكروا أنها على القاتل، فأما الدية فهي على العاقلة، وقد وردت أحاديث كثيرة تدلّ على أنّ الدية على العاقلة «١»، والعاقلة قال الحجازيون: هم قرابته من جهة أبيه، وهم عصبته.
(١) رواه ابن ماجه في السنن (٢/ ٨٧٩)، كتاب الديات، باب الدية على العاقلة حديث رقم (٢٦٣٣).
وقال الحنفية: العاقلة هم أهل ديوانه.
وحجة الحجازيين أنه تعاقل الناس في زمن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وفي زمن أبي بكر، ولم يكن هناك ديوان، وإنما كان الديوان في زمن عمر بن الخطاب، فإن قيل: كيف يجني الجاني وتؤخذ عاقلته بجريرته فيحملون الدية، والله يقول: وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: ١٦٤]
وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه، ولا بجريرة أخيه»
وقال لأبي رمثة وابنه: «إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه» «١».
قلنا: إنّ هذا ليس من باب تحميل الرجل وزر غيره، لأنّ الدية على القاتل ابتداء.
وتحميل العاقلة إياها من باب المعاونة، وكما تعاونه العاقلة فتدي عنه، يعاونها هو فيدي عنها، وكما تتعاون القبيلة في النّصرة، فتدفع بنفسها العدوّ المغير، تتعاون بمالها، فيدي بعضها عن بعض، وقد كان تحمّل العاقلة الدية معروفا عند العرب، وكانوا يعدّونه من مكارم الأخلاق، والنبي صلّى الله عليه وسلّم بعث ليتمّم مكارم الأخلاق، والمعاونة والتناصر وتحمّل المغارم مما يقوّي الألفة، ويزيد في المحبة، وقد ورد من الأحاديث ما يدلّ على أنّ العاقلة تحمل الدية.
وروى المغيرة أنّ امرأة ضربت بطن امرأة أخرى فألقت جنينا ميتا فقضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على عاقلة الضاربة بالغرّة، فقام حمل بن مالك فقال: كيف ندي من لا شرب ولا أكل، ولا صاح ولا استهل، ومثل ذلك بطل.
فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «هذا من سجع الجاهلية» «٢».
وقد ورد أنّ عمر رضي الله عنه قضى على عليّ بأن يعقل عن موالي صفية بنت عبد المطلب حين جنى مولاها، وعليّ كان ابن أخي صفية، وقضى للزبير بميراثها «٣».
وقد ذهب أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج إلى أن الدية على القاتل لا على العاقلة، اعتمادا على ما ذكرناه من العمومات، وعلى أنّ قوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ يقتضي أنّ من يجب عليه هو القاتل، والذي يناسب أن يكون كذلك في الدية، وقد علمت أنّ الآثار مجمعة على أنّ الدية على العاقلة.
(١) رواه أبو داود في السنن (٤/ ١٦٥)، كتاب الديات، باب النفس حديث رقم (٤٤٩٥)، والنسائي في السنن (٧- ٨/ ٤٢٣)، كتاب القسامة باب هل يؤخذ أحد بجريرة أحد حديث رقم (٤٨٤٧)، والترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٢٥٥)، كتاب التفسير حديث رقم (٣٠٨٧).
(٢) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٣١١)، ٢٨- كتاب القسامة، ١١- باب دية الجنين حديث رقم (٣٧/ ١٦٨٢) واللفظ عنده «أسجع كسجع الأعراب».
(٣) انظر تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير للرافعي، كتاب الديات، (٤/ ١٠٣).
بقي أن يقال: إذا اختلف النظام الاجتماعي عما كان عليه في زمن العرب، وفقدت عصبية القبيلة بعضهم لبعض، وصار كل امرئ معتمدا على نفسه دون قبيلته، كما في النظام الحاضر، يكون الأوفق الأخذ برأي الأصم والخوارج أم برأي الجمهور؟
هذا محل اجتهاد، والحكمة في إيجاب الله الدية أن القاتل قد فوّت على أهل القتيل منفعتهم به، ولم يتعمّد قتله حتى يكون القصاص، فأوجب الله الدية مالا يدفع لورثة المقتول عوضا عما فاتهم من منافعه، وتطييبا لخواطرهم، فلا تتطلع نفوسهم للانتقام.
ومقدار دية الخطأ مختلف فيها فأما على أهل الإبل فمائة، منها- وهي مخمّسة- عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون ذكرا، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، عند مالك والشافعي.
وكذلك عند أبي حنيفة إلا أنه يجعل ابن اللبون ابن مخاض، وهي تؤجّل، تؤخذ نجوما على ثلاث سنين، وأما دية شبه العمد فهي مثلثة: منها أربعون خلفة، وثلاثون حقة، وثلاثون جذعة.
ومالك لا يقول بشبه العمد إلا في قتل الوالد لولده.
وأما دية العمد فما اصطلح عليه عند أبي حنيفة ومالك على المشهور من قوله.
وأما عند الشافعي فكدية شبه العمد، وأما على أهل الذهب فألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم عند مالك، وعند العراقيين على أهل الورق عشرة آلاف درهم.
قال الشافعي بمصر: لا تؤخذ من أهل الذهب ولا من أهل الورق إلا قيمة الإبل بالغة ما بلغت، وقوله بالعراق مثل قول مالك.
ويدل للشافعي في قوله الأول ما روي «١» عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: كانت الديات على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمانمائة دينار وثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين.
قال: فكان ذلك حتى استخلف عمر، فقام خطيبا فقال: إن الإبل قد غلت، ففرضها عمر على أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وترك دية أهل الذمة لم يرفع فيها شيئا.
وقد روى أهل السنن الأربعة «٢» عنه صلّى الله عليه وسلّم: «إن دية المعاهد نصف دية المسلم»
ولفظ
(١) رواه أبو داود في السنن (٤/ ١٨٣)، كتاب الديات، باب الدية كم هي؟ حديث رقم (٤٥٤٢).
(٢) رواه أبو داود في السنن (٤/ ١٩٧)، كتاب الديات، باب دية الذمي حديث رقم (٤٥٨٣)، والترمذي في الجامع الصحيح (٤/ ١٨)، كتاب الديات حديث رقم (١٤١٣).
ابن ماجه «١» :قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى.
واختلف الفقهاء في ذلك، فقال مالك: ديتهم نصف دية المسلمين في الخطأ والعمد، وقال الشافعي: ثلثها في الخطأ والعمد، وقال أبو حنيفة: بل كدية المسلم في الخطأ والعمد، وحجة مالك حديث عمرو بن شعيب، وحجة الشافعي أنّ عمر جعل ديته أربعة آلاف، وهي ثلث دية المسلم، وراعى أبو حنيفة أصله وهو جريان القصاص بين المسلم والذمي، فكما سوّى بينهما في القصاص سوّى بينهما في الدية.
والدية تأخذها ورثة المقتول، وهي كميراث يقضى منها الدين، وتنفّذ منها الوصية، وتقسّم على الورثة.
روي أن امرأة جاءت تطلب نصيبها من دية الزوج فقال عمر: لا أعلم لك شيئا، إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه، فشهد بعض الصحابة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمره أن يورّث الزوجة من دية زوجها فقضى عمر بذلك.
فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أوجب الله في المؤمن الساكن بدار الحرب إذا قتله مؤمن تحرير رقبة مؤمنة، دون الدية، وإنما حملنا الآية على ذلك، ولم تحملها على المؤمن الذي يتّصل نسبه بقوم عدو، وهو ساكن ببلاد الإسلام، لانعقاد الإجماع على وجوب الدية فيه.
وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ جعل الله في قتل المعاهد ما جعله في قتل المسلم من الدية وتحرير الرقبة.
وحمل بعضهم الآية على المسلم الذي هو في قوم معاهدين، وليس بظاهر، لأنّه يكون تكرارا، إذ حكمه داخل في قوله: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً.
ولا معنى لإفراده، لأنه لم يخالف حكمه بخلاف المؤمن الذي هو في قوم عدو، فإنه أفرده، لأنّ حكمه يخالف الأول.
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً يقول الله: فمن لم يملك رقبة، ولا ما يتوصل به إليها فعليه صيام شهرين متتابعين توبة من الله، أي قبولا ورحمة منه من تاب الله عليه إذا قبل توبته، والعامل فيه محذوف. إما (شرع) أو (نقلكم) من العتق عند العجز إلى الصوم.
وفي التعبير بالتوبة إشارة إلى أنّ القاتل ملوم، وأنه كان ينبغي له أن يتحرّى، وقد أوجب الله في صيامه الشهرين التتابع، فلو أفطر يوما وجب الاستئناف، إلا أن يكون الفطر بحيض أو نفاس أو مرض يمتنع معه الصوم.
(١) رواه ابن ماجه في السنن (٢/ ٨٨٣)، كتاب الديات باب دية الكافر حديث رقم (٢٦٤٤).
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً فقد علم أنّ القاتل خطأ لم يتعمّد، فلذلك لم يؤاخذه، وعلم أنه فوّت على ورثة المقتول مصلحتهم بقتله، ففرض الدية تعويضا لهم، وهذا غاية في الحكمة والمصلحة.
قال الله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (٩٣) يقول الله تعالى: ومن يقتل مؤمنا عامدا فجزاؤه على قتله عذاب جهنّم باقيا فيها، وغضب الله عليه لما ارتكبه من هذا الجرم الفظيع، وأخزاه وأعدّ له عذابا عظيما.
بعد أن ذكر الله حكم من قتل المسلم خطأ، ذكر هنا حكم من قتله عامدا، واقتصر على ذكر عقوبته في الأخرى، لأنّه ذكر عقوبته في الدنيا وهي القصاص في قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [البقرة: ١٧٨].
وقد استدلّ المعتزلة بهذه الآية على القطع بعذاب الفسّاق، وخلودهم في النار، إن لم يتوبوا، وقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة شتّى. منها أنّ هذه الآية نزلت في كافر قتل مسلما، ويرد عليه أنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأيضا قد ثبت في الأصول أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب له يدلّ على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، وبذلك علمنا من قوله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: ٣٨] إن السرقة علة القطع.
ومنها أنّ هذا وعيد بأنه سيفعل ذلك في المستقبل، والخلف في الوعيد كرم، وهذا مردود، لأنّ الوعيد قسم من الخبر، فإذا جوّز على الله الخلف فيه، فقد جوّز عليه الكذب، وهو باطل.
ومنها أن هذه الآية دلّت على أن جزاء القاتل هو ما ذكر، وليس فيها ما يدلّ على أنه سيوصل هذا الجزاء إليه، وهذا مثل ما يقول السيد لعبده، جزاؤك أن أفعل بك كذا وكذا، ولكن لا أفعله. وهذا ضعيف أيضا، لأنّ الله ذكر في هذه الآية أنّ جزاءه ما ذكر، وذكر في آيات أخرى أنه سيوصل جزاء عاملي السوء إليهم، قال: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النساء: ١٢٣] وقال: وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) [الزلزلة: ٨].
واختار الرازي في الجواب أنّ هذه الآية قد خصّصت في موضعين:
أحدهما: القتل العمد، إذا لم يكن عدوانا، كقتل القصاص.
والثاني: القتل الذي تاب عنه القتل وإذا دخلها التخصيص في هاتين المسألتين فنحن نخصّص هذا العموم فيما إذا حصل العفو بدليل قوله تعالى: وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤٨].
وقد ذهب ابن عباس إلى أنّ المؤمن إذا قتل مؤمنا متعمدا لا تقبل له توبة.
أخرج ابن جرير «١» عن سالم قال: كنت جالسا مع ابن عباس، فسأله رجل فقال:
أرأيت رجلا قتل مؤمنا متعمدا أين منزله؟
قال: جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، وأعدّ له عذابا عظيما.
قال: أفرأيت إن هو تاب، وآمن، وعمل صالحا، ثم اهتدى.
قال: وأنّى له الهدى ثكلته أمّه والذي نفسي بيده
لسمعته يقول- يعني النبي صلّى الله عليه وسلّم-: «يجيء يوم القيامة معلّقا رأسه بإحدى يديه، إما بيمينه أو بشماله، آخذا صاحبه بيده الأخرى تشخب أوداجه حيال عرش الرحمن، يقول: يا ربّ سل عبدك هذا علام قتلني» «٢»
فما جاء نبيّ بعد نبيكم، ولا نزل كتاب بعد كتابكم.
وقال جمهور العلماء: إنّ توبة القاتل تقبل، ويدل له أن الكفر أعظم من هذا القتل، والتوبة عن الكفر تقبل، فالتوبة عن القتل أولى بالقبول.
وأيضا آيات الفرقان تدل على قبول توبته، وهي قوله: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (٦٩) إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً [الفرقان: ٦٨- ٧٠].
وأيا ما كان الأمر، فالآية تعدّ قتل المؤمن من الكبائر، وتهدّد القاتل بأنواع من التهديد والعقاب.
وقد ورد في الأحاديث من التغليظ في قتل المسلم ما هو قريب مما في الآية:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم» «٣».
وقال أيضا: «لو أنّ رجلا قتل بالمشرق، وآخر رضي بالمغرب لأشرك في دمه».
وقال أيضا: «إن هذا الإنسان بنيان الله، ملعون من هدم بنيانه».
وقال أيضا: «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله» «٤».
(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٥/ ١٣٨). [..... ]
(٢) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٢٢٤)، كتاب التفسير حديث رقم (٣٠٢٩)، والنسائي في السنن (٧- ٨/ ٩٥) في تحريم الدم حديث رقم (٣٩٩٩)، وابن ماجه في السنن (٢/ ٨٧٤)، كتاب الديات حديث رقم (٢٦٢١).
(٣) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٤/ ١٠)، كتاب الديات، باب ما جاء في تشديد قتل المؤمن حديث رقم (١٣٩٥)، والنسائي في السنن (٧- ٨/ ٩٣) حديث رقم (٣٩٨٧).
(٤) رواه ابن ماجه في السنن (٢/ ٨٧٤)، كتاب الديات باب التغليظ في قتل مسلم ظلما حديث رقم (٢٦٢٠).
فعلى من ينشد الحيطة لنفسه في آخرته، ألا يقتل مسلما، ولا يعين على قتل مسلم بشهادة باطلة ونحوها.
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٩٤) ضَرَبْتُمْ له معان منها السفر، وكأنه سمي به، لأنّ المسافر يضرب دابّته بعصاه ليصرفها كما يريد، ثم سمي به كلّ مسافر، أو لأنه يضرب برجليه الأرض في سيره.
فَتَبَيَّنُوا وقرئ فتثبتوا وهما من التفعل بمعنى الاستفعال، أي اطلبوا بيان الأمر وثباته، ولا تتعجلوا فيه من غير روية.
السَّلامَ وقرئ السلم وهما الاستسلام، وقيل الإسلام، وقيل التسليم أي تحية أهل السلام.
معنى الآية: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله إذا سرتم سيرا لله تعالى في جهاد الكفار، ورأيتم من تشكّون أهو سلم لكم أم حرب، فاطلبوا بيان أمره، ولا تعجّلوا بقتله، ولا تقولوا لمن استسلم لكم لست مؤمنا، أو لمن أظهر إليكم الإسلام لست مؤمنا، تبتغون متاع الحياة الدنيا، فإنّ عند الله مغانم كثيرة من رزقه ونعمته، فالتمسوها بطاعته، فهي خير لكم.
كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ أي كهذا الذي كان مستخفيا بالإسلام من قومه- ولما وجدكم أظهر لكم دينه- كنتم من قبل مستخفين بدينكم من كفار قريش، فمنّ الله عليكم بإعزاز دينه، وتقوية شوكة الإسلام، فأظهرتم دينكم، فتبينوا أمر من أشكل عليكم أمره إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ومنه تعجيلكم بقتل من لم يتبيّن لكم شأنه ابتغاء عرض الدنيا الزائل وحطامها الفاني.
وقال الزمخشري «١» :كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ أول ما دخلتم في الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة، فحصنت دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بالاستقامة، والاشتهار بالإيمان، وإن صرتم أعلاما فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم، وأن تعتبروا ظاهر الإسلام في المكانة، ولا تقولوا: إن تهليل هذا لاتقاء القتل لا لصدق النية، فتجعلوه سلّما إلى استباحة دمه وماله، وقد حرمهما الله.
(١) تفسيره في الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (١/ ٥٥٣).
سبب نزول هذه الآية: قد اختلف فيه، ونحن نقتصر هنا
على رواية واحدة «١» :قيل: إنّ مرداس بن نهيك رجل من أهل فدك أسلم، ولم يسلم من قومه غيره، فغزتهم سرية لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان عليها غالب بن فضالة الليثي، فهربوا، وبقي مرداس لثقته بإسلامه، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل، وصعد، فلما تلاحقوا وكبّروا، كبر ونزل، وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد، واستاق غنمه، فأخبروا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فوجد وجدا شديدا، وقال: «قتلتموه إرادة ما معه» ثم قرأ الآية على أسامة، فقال: يا رسول الله استغفر لي، فقال: «فكيف بلا إله إلا الله» قال أسامة: فما زال يعيدها حتى وددت أن لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ثم استغفر لي، وقال: أعتق رقبة.
ويؤخذ مما تقدم أنّ الكافر إذا قال: لا إله إلا الله، حرم قتله، لأنّه قد اعتصم بعصام الإسلام المانع من دمه وماله وأهله.
وقد قال الفقهاء: إذا قتله في هذه الحالة قتل به، وإنما لم يقتل أسامة لأنّه كان في صدر الإسلام، وتأوّل أنه قالها متعوّذا، وأنّ العاصم قولها مطمئنا.
وقد ورد الحديث الصحيح «٢» مبينا أنّ قول لا إله إلا الله عاصم كيفما كان،
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله».
قال الله تعالى: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (١٠١)
الضرب في الأرض: السير فيها- قال الله تعالى: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ [المزمل: ٢٠].
وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا [النساء: ٩٤].
القصر: من الشيء الحدّ منه وجعله أنقص مما كان، وهو بهذا المعنى في الصلاة يحتمل النقص من عددها، ويحتمل النقص من صفتها وهيئتها، فالأول أن تصير الرباعية ثنتين، والثاني التخفيف في هيئتها كأن تكون ذات ركوع وسجود، يمتنع المشيء فيها، فتصير ذات إيماء يباح الانتقال فيها، وكأن يصلي المأموم خلف الإمام الصلاة كاملة فيقتصر على جزء منها مع الإمام، ثم ينتظر حتى يجيء مأموم آخر فيصلي مع الإمام ما بقي من صلاة الإمام ثم ينصرف، ويتم كل من المأمومين صلاته
(١) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (٥/ ١٤١).
(٢) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٥٢)، ١- كتاب الإيمان، ٨- باب الأمر بقتال الناس حديث رقم (٣٣/ ٢١).
منفردا، كلّ ذلك حطّ من الصلاة، ونقص لها، وتخفيف على فاعلها.
وقد اختلف العلماء في المراد بالقصر هنا، أهو القصر في عدد ركعات الصلاة أم هو القصر من هيئتها، والقائلون بأنّ القصر نقص عدد الركعات اختلفوا في المراد من الصلاة أهي صلاة المسافر أم هي الصلاة في حال الخوف من العدو، فعلى الأول يكون القصر للصلاة في السفر بالنظر لما كانت عليه في الحضر.
وذهب ابن عباس وجابر بن عبد الله إلى الثاني، قال ابن عباس: فرض الله صلاة الحضر أربعا وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة على لسان نبيكم، وهذا القول ليس بظاهر، لأنّ القرآن صريح في أن كيفية صلاة الخوف أن يقسم القوم أنفسهم طائفتين، يصلّي الإمام بطائفة منهما شيئا من الصلاة، ثم تأتي طائفة أخرى لم يصلّوا فيصلون مع الإمام، ونحن متفقون على أنّ المأموم عليه أن يؤدي مثل ما يؤدي الإمام، فما معنى قولهم: إن صلاة الخوف ركعة؟ إن أرادوا أنها ركعة بجماعة مع الإمام بالنظر لكل من الطائفتين فهو مسلم، ولا يثبت لهم ما قالوا من أنّ صلاة الخوف ركعة، وإن قالوا: إن كل طائفة ليس عليها إلا الذي صلت مع الإمام، فهو مخالف لما حكينا من الاتفاق على أن المأموم عليه أن يفعل مثل ما فعل الإمام، وقد دلّت كلّ الأخبار التي رويت في صلاة النبي صلّى الله عليه وسلّم لصلاة الخوف أنها ركعتان، يصلّي بكل طائفة ركعة، وعلى هذا يجب أن يحمل قول ابن عباس وجابر رضي الله تعالى عنهما أن صلاة الخوف ركعة، أنها ركعة لكل طائفة مع الإمام، وتقضي كل منهما ركعة دون الاقتصار على ركعة واحدة.
وقد استدلّ القائلون بأنّ القصر قصر عدد الركعات بما
روي عن يعلى بن أمية أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب: كيف تقصر وقد أمّنا، وقد قال الله: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فقال عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: «صدقة تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» «١».
وهذا يدلّ على أنّ المراد بالقصر في الآية القصر في عدد الركعات، لأنّ السائل فهم أنّ ذلك لا يكون إلا في الخوف، وقد فعل في الأمن
فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «هو صدقة»
فدلّ على أنّ القصر الذي في الآية من جنس القصر الذي يكون في الأمن، وذلك نقص في الركعات دون الصفة، وأيضا فإنّ القصر أن تقتصر من الشيء على بعضه، والقصر في الصفة تغيير، لا إتيان بالبعض، لأنه جعل الإيماء بدل الركوع
(١) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٤٧٨)، ٦- كتاب المسافرين، ١- باب صلاة المسافرين حديث رقم (٤/ ٦٨٦).
والسجود مثلا. وأيضا: فإنّ (من) في قوله: مِنَ الصَّلاةِ للتبعيض، وذلك في الاقتصار على بعض الركعات أظهر.
وأما دليل الذين قالوا: إنّ المراد بقصر الصلاة في الآية قصر الصفة والهيئة دون نقصان أعداد الركعات فهو أنّ الآية في صلاة السفر. أليس الله يقول: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ وقد روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر قال: «صلاة السفر ركعتان، وصلاة الفطر والأضحى ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيكم عليه الصلاة والسلام» «١» فقد أخبر أنّ صلاة السفر سواء أكانت صلاة أمن أم خوف تمام غير قصر.
فإذا معنى القصر في الآية قصر الصفة لا قصر عدد الركعات، وهم يحملون قول عمر: «عجبت مما عجبت منه» على أنه لعله كان قد ظن في بادئ الأمر أنّ القصر في صلاة الخوف قصر عدد الركعات، فلما سمع
من النبي صلّى الله عليه وسلّم: «صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر»
علم أن القصر في الآية إنما هو في الصفة.
وقد اختلف الفقهاء في أنّ فرض المسافر في الظهر والعصر والعشاء أهو ثنتان، أم هو مخيّر بين القصر والإتمام، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: فرض المسافر ركعتان إلا في المغرب، فإنها ثلاث: فإن صلّى المسافر أربعا ولم يقعد على رأس الركعتين فسدت صلاته، وإن قعد بعدهما مقدار التشهد تمت صلاته مع الكراهية، لتركه السلام، بمنزلة من صلّى الفجر أربعا بتسليمة، وقال حماد بن سليمان: إذا صلّى أربعا أعاد.
وقال مالك: إذا صلّى المسافر أربعا أعاد ما دام في الوقت، فإذا مضى الوقت فلا إعادة عليه.
وقال الشافعي رضي الله عنه: القصر رخصة، فإن شاء قصر وإن شاء أتمّ. احتجّ الشافعي رحمه الله بأن ظاهر الآية نفي الجناح عنهم في القصر، وهذا اللفظ مشعر بأنّه رفع عنهم لزوم الإتمام من غير إلزام لهم بالقصر. وأيضا فقد روي عن عائشة أنها قالت: «قصر رسول الله وأتمّ».
وكان عثمان رضي الله عنه يتم ويقصر ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وأيضا فقد جرى الشرع في رخص السفر على التخيير كالصوم والفطر فالقصر كذلك.
واحتجّ الحنفية بما روي عن عمر أنه قال: صلاة السفر تمام غير قصر على لسان نبيكم، وبأن النبي صلّى الله عليه وسلّم التزم القصر في أسفاره كلها
فقد روي عن ابن عباس رضي الله
(١) رواه النسائي في السنن (٣- ٤/ ٢٠٣)، كتاب صلاة العيدين، باب عدد صلاة العيدين حديث رقم (١٥٦٥)، وأحمد في المسند (١/ ٣٧).
عنهما قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا خرج مسافرا صلّى ركعتين حتى يرجع «١».
وروي عن عمران بن حصين حججت مع النبي صلّى الله عليه وسلّم فكان يصلي ركعتين حتى يرجع إلى المدينة، وقال لأهل مكة: «صلوا أربعا فإنّا قوم سفر» «٢».
وقال ابن عمر: صحبت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في السفر، فلم يزد على ركعتين،
وصحبت أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم في السفر، فلم يزيدوا على ركعتين، حتى قبضهم الله «٣»، وقد قال الله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١] وقال: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: ١٥٨]
وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» «٤»
وقد كانت صلاته في السفر ركعتين فوجب اتباعه، وذلك لأننا متفقون على أن لفظ الصلاة في القرآن مجمل يلتحق به البيان، والبيان فعل الرّسول أو قوله، وهذا فعله، وهذا قوله.
وأيضا لو كان مراد الله التخيير بين القصر والإتمام لبيّن ذلك كما بينه في الصوم، وأما ما ورد عن عثمان فقد اعتذر عنه بأنه قد تأهّل، فإنّه حين أتم بمنى أنكر عليه الصحابة، قال: إنما أتممت لأني تأهلت بهذا البلد،
وقد سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من تأهّل ببلد فهو من أهله» «٥».
وقد قالت عائشة فيما روي عنها: أول ما فرضت الصلاة وأتمّ فيحمله الحنفية على قصر الفعل، وإتمام الحكم جمعا بين الروايات. وأما ظاهر قوله: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فهم يتأوّلون القصر على قصر الصفة.
وقد ذكر صاحب «الكشاف» «٦» وجها آخر في قوله: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فقال: إنهم لما ألفوا الإتمام فربما خطر ببالهم أنهم نقصوا في قصر الصلاة، فنفي الجناح من أجل ذلك.
وظاهر تعليق القصر على الضرب في الأرض يدلّ على القصر في مطلق السفر، سواء في ذلك السفر للحج والجهاد والتجارة وغيرها، وأيضا قوله: «صلاة السفر ركعتان» يدل على ذلك.
(١) رواه الجصاص في أحكام القرآن (٢/ ٢٥٤).
(٢) المرجع نفسه (٢/ ٢٥٤).
(٣) رواه الجصاص في أحكام القرآن (٢/ ٢٥٤).
(٤) رواه البخاري في الصحيح (١/ ١٧٥)، ١٠- كتاب الأذان، ١٨- باب الأذان للمسافر حديث رقم (٦٣١).
(٥) رواه أحمد في المسند (١/ ٦٢).
(٦) الإمام الزمخشري في كتابه الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (١/ ٥٥٨). [..... ]
وقد روي عن عبد الله بن مسعود قال: «لا تقصر إلا في حج أو جهاد».
وعن عطاء قال: لا أرى أن يقصر الصلاة إلا من كان في سبيل الله.
لكن هذا مخالف لظاهر الآية، ولا تمسك لهم بما روي أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يقصر إلا في حج أو جهاد، فإنما ذلك لأنّه لم يسافر إلا في حج أو جهاد.
وقد تمسك داود الظاهري بهذا الظاهر، وقال: إن قليل السفر وكثيره سواء في جواز القصر، فالمدار في تحقيق القصر عندهم على تحقق شرطه، وهو الضرب في الأرض.
وأما الجمهور فقد قالوا: إنّ الضرب في الأرض حقيقته الانتقال من مكان إلى مكان. وظاهر أنّ مجرد الانتقال من مكان إلى مكان لا يكون سببا في الرخصة، فلا بدّ أن يكون الضرب المرخّص ضربا مخصوصا، ولما كان ذلك لا يعرف إلا ببيان السنة لمقدار الانتقال المرخّص، ولم يرد في بيان السنة ترخيص في القصر في أقل من سفر يوم، وذلك أنه حصل في المسألة روايات:
١- روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: يقصر في يوم تامّ، وبه قال الزهري والأوزاعي.
٢- قال ابن عباس: إذا زاد على يوم وليلة قصر.
٣- قال أنس بن مالك: المعتبر خمسة فراسخ.
٤- قال الحسن: مسيرة ليلتين.
٥- قال الشعبيّ والنخعيّ وسعيد بن جبير: من الكوفة إلى المدائن، وهي مسيرة ثلاثة أيام، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وعنهم: يومان وأكثر الثالث.
٦- قال مالك والشافعي: أربعة برد، كل بريد أربعة فراسخ.
فهذه الأقوال على ما بينها من الاختلاف تدلّ على إجماعهم على أنّ السفر المرخّص مقدّر بقدر مخصوص هو الذي فيه الاختلاف.
وقد عول الحنفية في مذهبهم على
قوله عليه الصلاة والسلام: «يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام «١»، وعلى ما ورد في منع المرأة من السفر فوق ثلاث إلا مع زوج أو محرم»
فدلّ هذا على أنّ ما دون الثلاث ليس سفرا، بل هو في حكم الإقامة، حيث جعل الثلاث فاصلا بين الخروج دون محرم وعدمه.
وأما الشافعية فإنهم عوّلوا في مذهبهم على ما
روي عن مجاهد وعطاء عن ابن
(١) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٢٣٢)، ٢- كتاب الطهارة، ٢٤- باب التوقيت في المسح حديث رقم (٨٥/ ٢٧٦).
عباس أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد، من مكة إلى عسفان».
وقد تقدم الكلام على أدلة الحنفية والشافعية في الصوم، إنما الذي يعنينا الآن هو ما ذهب إليه الظاهرية، فنحن نقول لهم: إن الآية مجملة، وقد أجمع السلف على أن السفر مقدّر، وقد بينت السنة أنه مقدر على خلاف في الروايات مرجعه إلى الترجيح، فهو عند الترجيح يثبت أحد الأقوال في التقدير، وهو خلاف ما يدّعون.
وقد زعم الظاهرية أيضا أنّ القصر في السفر إنما يكون عند الخوف تمسكا بالشرط في قوله: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إذ هو يفيد أن القصر إنما يحصل عند الخوف، فما لم يكن خوف لم يكن قصر، ولكنّا نقول: إنّ الآية لا تدل على أكثر من أنه عند الخوف يصح القصر، أما في حال عدم الخوف فهل يصح أم لا؟ ذلك ما لم تعرض له الآية، بل هي ساكتة عنه، وهذا السكوت عنه قد بينته السنة، وفائدة التقييد بالخوف في الآية بيان حال السفر الذي كانوا عليه وقتئذ إذ غالب أسفارهم إنما كان في حرب العدو، على أنّ لنا أن نقول إنّ القصر الذي في الآية هو قصر صفة في إحدى صلوات السفر، وهي الصّلاة في حال الخوف.
ثم ماذا يقول الظاهرية في قوله: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا هل يقولون: السفر المرخّص إنما يكون في حال الخوف من الكفار فقط وأما من العدو مطلقا فلا، ما نظنهم يقولون بالتزامه، إذ المعقول أن الذي يصلح أن يكون علة هو خوف الفتنة مطلقا، وحيث كان الأمر كذلك فهم محجوجون بما احتجوا به.
إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي إن خفتم أن يتخذ أعداؤكم اشتغالكم بالصلاة وطولها فرصة لتغلّبهم عليكم فتفتنون وتغلبون. فلا تمكنوهم من هذا، بل اقصروا من الصلاة، ويصحّ أن يكون المراد إن خفتم أن يفتنكم الكافرون في حال الركوع والسجود حيث لا ترون حركاتهم فصلوا راجلين أو راكبين آمنين.
والفتنة: الشدة والمحنة والبلية.
إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً فهم يتربّصون بكم الدوائر ليوقعوا بكم، وتتمّ لهم الغلبة عليكم، وقد سهلت لكم الطريق في قتالهم، فلا تدعوا لهم فرصة لينفذوا منها إلى غرضهم، ولو كانت تلك الفرصة هي الصلاة التي لا تترك بحال، فقد جعلت لكم أن تقصروا منها.
قال الله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ
مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٠٢)
هذا شروع في بيان كيفية صلاة الخوف.
وقبل الكلام على معنى الآية نقول: قد ذهب الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة في إحدى الروايات عنه والحسن بن زياد إلى أنّ ما اشتملت عليه الآية من الأحكام كان خاصا بوجود النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الجيش أخذا من ظاهر قوله: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ ثم هو يقول: إن هذا الحكم في حال وجود النبي صلّى الله عليه وسلّم كان معقول المعنى، مراعاة لوجوب التسوية بين أفراد الجيش في إحراز فضيلة الصلاة مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ولذلك اغتفر لهم في الصلاة ما لم يغتفر في غيرها من الصلوات، من إباحة المشي، والسير مع الإمام، ثم مفارقته قبل تمام الصلاة معه، وحمل السلاح إلى غير ذلك. وأما بعد زمن النبيّ فلا داعي إلى أعمال من شأنها أن تفسد الصلاة في غير ضرورة، إذ من الممكن أن تتعدد الأئمة في الجيش، فيصلّي بكل فرقة إمام في أوقات مختلفة، مع بقاء العدة والحذر من العدو، وبعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يفضل إمام إماما، وفي الإمكان اختيار أئمة على سواء، فالضرورة التي كانت في إحراز فضل الصلاة مع الرسول صلّى الله عليه وسلّم قد زالت، فلا حاجة إلى صلاة الخوف بكيفية من كيفياتها التي وردت وذهب إليها الفقهاء.
ولكنّ جمهور الفقهاء على خلاف هذا، وأن صلاة الخوف لا تزال مشروعة، وهم مختلفون فيما بينهم على الكيفية التي تصلّى بها صلاة الخوف، وقد تقرّر عندهم أن خطاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خطاب لأمته: فلا مستمسك لأبي يوسف بالخطاب.
وأما الشرط (إذا) فهو لا يدل على أكثر من ترتب وجود قسمة المصلين طائفتين على وجوده فيهم، ولكن لا دلالة على أنه إذا عدم الوجود فيهم انعدمت هذه القسمة.
بعد هذا نقول: إنه ورد أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد صلّى صلاة الخوف على هيئات مختلفة، في مواضع مختلفة، وقد يكون صلاها في كلّ مرة على هيئة تخالف ما صلاها عليه في المرات الأخرى، وقد اتخذ الفقهاء من هذه الروايات على هذه الأوضاع المختلفة أدلة على مذاهبهم المختلفة وقد يكون في مخالفة النبي صلّى الله عليه وسلّم بين الأوضاع وفي الأماكن المختلفة: ما يصح أن يكون دليلا على أن الأمر فيها متروك لإمام الجيش، يصلّي بالناس حسبما تقضي المصلحة الحربية، وقد قال هذا أو ما يقرب من هذا كلّ من أبي بكر الرازي وابن جرير الطبري «١».
(١) رواه أبو بكر الرازي في كتابه أحكام القرآن (٢/ ٢٥٨)، وابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٥/ ١٦٥).
ولنذكر أقوال الفقهاء في كيفية صلاة الخوف مع ما يوافق كلّ قول منها من الروايات التي رويت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيها بحسب الاستطاعة فنقول:
١- ذهب أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله إلى أن كيفية صلاة الخوف أن يقسم الإمام القوم طائفتين، تقوم طائفة مع الإمام، وطائفة إزاء العدو، فيصلّي بهم ركعة وسجدتين، ثم ينصرفون إلى مقام أصحابهم، ثم تأتي الطائفة الأخرى التي بإزاء العدو، فيصلّي بهم الإمام ركعة وسجدتين، ويسلّم هو، وينصرفون إلى أصحابهم، ثم تأتي الطائفة التي بإزاء العدو، وتقضي ركعة بغير قراءة وتتشهد، وتسلم، وتذهب إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى فيقضون ركعة بقراءة.
فقد جاء في السنة ما يدل على أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم صلاها على هذا الوجه.
روى الزهري عن سالم عن أبيه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صلّى بإحدى الطائفتين ركعة: والطائفة الأخرى مواجهة للعدو، ثم انصرفوا، وقاموا في مقام أولئك. وجاء أولئك، فصلّى بهم ركعة أخرى، ثم سلّم، ثم قام هؤلاء فقضوا ركعتهم، وهؤلاء فقضوا ركعتهم «١».
وروي مثله عن نافع وابن عمر وابن عباس.
٢- وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: إذا كان العدو بينهم وبين القبلة جعل الناس طائفتين، فيكبر ويكبرون جميعا، ويركع ويركعون جميعا معه، ويسجد الإمام والصف الأول، ويقوم الصف الآخر في وجه العدو، فإذا قاموا من السجود سجد الصف الآخر، فإذا فرغوا من سجودهم قاموا وتقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، فيصلّي بهم الإمام الركعة الأخرى كذلك.
وإذا كان العدو في دبر القبلة قام الإمام ومعه صفّ مستقبل القبلة، والصف الآخر يستقبل العدوّ، فيكبر ويكبرون جميعا، ويركع ويركعون جميعا، ثم يسجد الصف الذي مع الإمام سجدتين، ثم ينقلبون فيكونون مستقبلي العدو، ثم يجيء الآخرون، فيسجدون، ويصلّي بهم الإمام الركعة الثانية، فيركعون جميعا، ويسجد الصف الذي معه، ثم ينقلبون إلى وجه العدو، ويجيء الآخرون، فيسجدون معه، ويفرغون، ثم يسلم الإمام وهم جميعا.
وعن أبي يوسف رحمه الله روايتان غير التي ذكرناها في مفتتح الكلام إحداهما يوافق فيها أبا حنيفة، والأخرى يوافق فيها ابن أبي ليلى إذا كان العدو في القبلة، ويوافق فيها أبا حنيفة إذا كان العدو دبر القبلة.
(١) رواه البخاري في الصحيح (٥/ ٦٤)، ٦٤- كتاب المغازي، ٣٢- باب غزوة ذات الرقاع حديث رقم (٤١٣٣)، ومسلم في الصحيح (١/ ٥٧٤)، ٦- كتاب صلاة المسافرين ٥٧- باب صلاة الخوف حديث رقم (٣٠٥/ ٨٣٩).
وقد روي في السنة ما يوافق قول ابن أبي ليلى.
روى عكرمة عن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غزاة فلقي المشركين بعسفان، فلما صلّى الظهر فرأوه يركع ويسجد هو وأصحابه، قال بعضهم لبعض يومئذ: كان فرصة لكم، لو أغرتم عليه ما علموا بكم حتى تواقعوهم، قال قائل منهم: فإنّ لهم صلاة أخرى أحبّ إليهم من أهلهم وأموالهم، فاستعدوا حتى تغيروا عليهم فيها، فأنزل الله عزّ وجلّ: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ الآية، وأعلمه ما ائتمر به المشركون. فلما صلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم العصر، وكانوا قبالته في القبلة، فجعل المسلمين خلفه صفين، فكبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فكبروا جميعا، ثم ركع وركعوا معه جميعا، فلما سجد سجد معه الصف الذين يلونه، وقام الصف الذين خلفهم مقبلين على العدو، فلما فرغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من سجوده، وقام، سجد الصف الثاني، ثم قاموا وتأخر الذين يلون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتقدم الآخرون، فكانوا يلون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلما ركع ركعوا معه جميعا، ثم رفع فرفعوا معه، ثم سجد فسجد معه الذين يلونه، وقام الصف الثاني مقبلين على العدو، فلما فرغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من سجوده، وقعد الذين يلونه، سجد الصف المؤخّر، ثم قعدوا فتشهدوا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جميعا فلما سلّم سلّم عليهم جميعا، فلما نظر إليهم المشركون يسجد بعضهم ويقوم بعض ينظر إليهم قالوا: قد أخبروا بما أردنا.
٣- وقال مالك رضي الله عنه: يتقدم الإمام بطائفة، وطائفة بإزاء العدوّ، فيصلّي بالتي معه ركعة وسجدتين، ويقوم قائما، وتتمّ الطائفة التي معه لأنفسها ركعة أخرى، ثم يتشهدون، ويسلّمون، ثم يذهبون إلى مكان الطائفة التي لم تصلّ، فيقومون مكانهم، وتأتي الطائفة الأخرى، فيصلّي بهم ركعة وسجدتين، ثم يتشهدون، ويسلّم، ويقومون، فيتمّون لأنفسهم الركعة التي بقيت.
٤- وقال الشافعي رضي الله عنه مثل قول مالك إلا أنه قال: لا يسلّم الإمام حتى تتمّ الطائفة الثانية لأنفسها، ثم يسلّم معهم، قال ابن القاسم: وكان مالك يقول بهذا لحديث رومان، ثم رجع عنه إلى حديث القاسم، وفيه أنّ الإمام يسلّم، ثم تقوم الطائفة الثانية فيقضون.
أما حديث رومان الذي أشرنا إليه فهو ما روى يزيد عن رومان عن صالح بن خوّات مرسلا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم «١»، وذكر فيه أنّ الطائفة الأولى صلت الركعة الثانية قبل أن يصليها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
(١) رواه البخاري في الصحيح (٥/ ٦٢)، ٦٤- كتاب المغازي، ٣٢- باب غزوة ذات الرقاع حديث رقم (٤١٢٩)، ومسلم في الصحيح (١/ ٥٧٥)، ٦- كتاب صلاة المسافرين، ٥٧- باب صلاة الخوف حديث رقم (٣١٠/ ٨٤٢).
وأما
حديث القاسم فهو ما روى ابنه عنه عن صالح بن خوّات عن سهل بن أبي حثمة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صلّى بهم صلاة الخوف فصفّ صفّا خلفه، وصف مصافّ العدو، فصلّى بهم ركعة، ثم ذهب هؤلاء، وجاء أولئك فصلّى بهم ركعة، ثم قاموا فقضوا ركعة ركعة، وقد كان ذلك في غزوة ذات الرقاع.
وقد رويت روايات أخرى بغير هذه الأوضاع لا نطيل بذكرها. فأنت ترى الروايات عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم مختلفة، ولعلّ السبب في الاختلاف ما أشرنا إليه سابقا.
والآية التي نحن بصددها يمكن إرجاعها إلى هذه الروايات على تفاوت بينها، وسترى شيئا من ذلك.
وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ أي إذا كنت أيها النبيّ مع المؤمنين في غزواتهم وخوفهم، فأقمت لهم الصلاة، فاجعلهم طائفتين، تقوم طائفة منهم معك في الصلاة، وظاهر هذا يخالف مذهب ابن أبي ليلى، لأنّ نص الآية مشعر بأنّ قيام طائفة منهم معه يكون حال قيامه هو في الصلاة، بأن تفتتح الصلاة بعد افتتاحه، ومن مقتضى قوله: فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ أنّ الطائفة الأخرى لا تقوم معه، وابن أبي ليلى يقول: يكبرون جميعا، ويركعون جميعا، ثم تنفرد طائفة منهم بالسجود معه.
وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فاعل الأخذ إما المصلون، وإما غيرهم، فإن كان ضمير الفاعل للمصلين فإنّ المراد من السلاح المأخوذ حينئذ ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر، والأمر بأخذ ذلك حينئذ للاحتياط ودفع الطوارئ، وأما إن كان ضمير الفاعل لغير المصلين، فالأمر بالأخذ لأنهم الذين يكونون في قبالة العدو.
فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ أي إذا سجد المصلون مع الإمام فليكن غير المصلين من ورائهم، يدفعون عنهم العدوّ إذا أراد الإيقاع بهم، وربما تعلّق بهذا ابن أبي ليلى حيث ترتّب الأمر بالكون من ورائهم على السجود، فدلّ ذلك على أنه قبل السجود لا يطلب منهم أن يكونوا من ورائهم، وما ذلك إلا لأنهم مشتركون معهم في الصلاة، ولكننا نقول: إن ذلك غير لازم، إذ كثيرا ما تسمّى الصلاة سجودا، أو نقول: خصّ الأمر بالكون من ورائهم بحال السجود تنبيها على وجوب اليقظة والاحتراس في هذه الحال، لأنّها التي يظنّ العدوّ فيها انشغالهم بالصلاة، وربما كانت مباغتة لهم فيها.
وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ هذا ظاهر أيضا في أنّ الطائفة الثانية لم تكن مع الأولى، بدليل أنه أمرها بالإتيان، وعلى مذهب ابن أبي ليلى لا يكون إتيان، بل تأخّر من التي سجدت مع الإمام أولا، وليس في هذا اللفظ دليل على أنّ الطائفة الأولى تقضي في مكانها قبل مبارحته، أو على أنها تذهب قبالة العدو قبل
القضاء، ولا على أنّ الطائفة الثانية تقضي في مكانها، بل اللفظ صالح للجميع، وليس فيه دليل أيضا على أنّ الإمام يسلّم بمجرد انتهائه من الركعة الثانية، ولا أنه ينتظر حتى تفرغ الثانية من قضاء ما فاتها.
وإنما يطلب ذلك من السنة، وأنت تعلم أنّ السنة قد جاءت بالجميع.
وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ هذا أمر للجميع بعد انتهاء الصلاة، وضم هذا الأمر بأخذ الحذر وهو التيقظ إلى الأمر بأخذ السلاح فقط عقب الركعة الأولى، لأنّ العدو في أول الصلاة لا يقوى عنده باعث المباغتة، لأنهم كانوا قياما في أولها، وإنما يقوى عنده ذلك في آخرها حين يتكرر منهم السجود، فمن أجل ذلك أمر في الأول بأخذ الأسلحة فقط، وهنا بأخذها وأخذ الحذر.
وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً.
أي أنّ أعداءكم يتربّصون بكم الدوائر، ويتحيّنون لقتالكم الفرصة، ويودون لو تمكنوا منكم، فتغفلون عن عدتكم وما تقاتلونهم به، فتكون حربهم إياكم وغلبتهم عليكم سهلة ميسورة، ولن يمنعكم منهم إلا الحذر والرباط وإعداد العدة، فاحذروهم، وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة.
وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ أي أنّه لا يمنعكم من عدوكم إلا الاستعداد له، فإن تعذّر عليكم حمل الميرة والسلاح للمطر أو المرض أو غير ذلك من الأعذار، فليس عليكم إثم في أن تضعوا أسلحتكم التي حالت الضرورة بينكم وبين حملها، ولكن يجب أن تكونوا على حذر وتيقظ من مباغتة العدو ومفاجأته، فبثوا له العيون والأرصاد، واتخذوا من فنون الدفاع في الحرب وأساليبه ما لا يجعل عدوكم على علم بما أنتم عليه من ضرورة حتى لا يفاجئكم، فتتم الهزيمة عليكم.
إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً إنما عقّب الله تعالى الأمر بأخذ الحذر والسلاح بهذا الوعيد، لأنّ الأمر قد يتوهّم منه أنّ العدو شديد، وذلك قد يعقب وهما في النفوس، فإزالة لهذا الوهم قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً إذا كان ذلك خبرا منه تعالى بأنه مهينهم وخاذلهم وغير ناصرهم البتة، ليعلم المؤمنون أنّ الأمر بالحذر منهم، إنما هو لما جرت به سنة الله من إتباع المسببات الأسباب حتى لا يتهاونوا ويتركوا الأسباب جانبا.
وقد اختلف الفقهاء في كيفية صلاة الخوف في المغرب، فقال الحنفية ومالك والحسن بن صالح والأوزاعي والشافعية: يصلّي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالطائفة الثانية ركعة، غير أن المالكية والشافعية يقولون: إنّ الإمام ينتظر قائما حتى تتمّ الطائفة
الأولى لنفسها، وتجيء الثانية على ما بينهما من خلاف في سلام الإمام.
واختلفوا أيضا في الصلاة حال اشتباك القتال أتجوز أم لا؟ فقال الحنفية: لا صلاة حال اشتباك القتال، فإن قاتل فيها فسدت صلاته. وقال مالك: يصلي بالإيماء إذا لم يقدر على الركوع والسجود. وقال الشافعي: لا بأس أن يضرب الضربة، ويطعن الطعنة، فإن تابع الضرب والطعن فسدت صلاته، والأدلة تلتمس في غير الآية.
قال الله تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (١٠٣) يقول الله تعالى: فإذا فرغتم أيها المؤمنون من صلاتكم التي بينا لكم كيفيتها، فاذكروا الله قياما وقعودا ومضطجعين على جنوبكم، واذكروه معظمين خاشعين، سائليه النصر والظفر، فإنه الذي بيده النصر، وهو القادر على كل شيء، ومثل هذا في المعنى قوله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً.
وقد طلب الله تعالى من عباده أن يذكروه دائما، والذكر أداة الفلاح، إذ هو وسيلة الخشية، ومتى وجدت الخشية وجدت الطاعة، واجتنبت المعصية، وذلك هو الفوز والسعادة.
روى ابن جرير «١» عن ابن عباس في قوله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً أنه كان يقول: لا يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها جزاء معلوما، ثم عذر أهلها في حال غير الذكر، فإنّ الله لم يجعل له حدا ينتهي إليه. ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله، فقال: فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال.
وقيل: إنّ معنى الآية: إن أردتم أداء الصلاة، واشتد الخوف إذا اشتبكتم في القتال، فصلوا كيفما كان. وهذا يوافق ما ذهب إليه الشافعيّ، رضي الله عنه من وجوب الصلاة حال المحاربة، وعدم جواز تأخيرها عن الوقت، وأنت ترى أنّ ذلك بعيد من لفظ قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ.
فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ أي أقمتم، وهو مقابل لقوله: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ سميت الإقامة طمأنينة لما فيها من السكون والاستقرار، ويصح أن يكون المراد فإذا أمنتم وزال عنكم الخوف الذي ترتب عليه قصر صفة الصلاة وهيئتها.
فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أدوها على وجهها الذي كانت عليه قبل هذا، وأتموها، وعدّلوا أركانها، وراعوا شروطها، وحافظوا على حدودها.
(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٥/ ١٦٦).
وقيل: إنّ معنى ذلك فإذا اطمأننتم، وأمنتم في الجملة: فاقضوا ما صليتم في تلك الأحوال التي هي حال القلق والانزعاج، ونسب ذلك إلى الإمام الشافعي قال صاحب «روح المعاني» :وليست هذه النسبة صحيحة.
إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً فرضا محدودا بأوقات لا تجوز مجاوزتها، بل لا بد من أدائها في أوقاتها سفرا وحضرا، وقيل: المعنى كانت عليهم أمرا مفروضا مقدّرا في الحضر بأربع ركعات، وفي السفر بركعتين، فلا بدّ أن تؤدّى في كلّ وقت حسبما قدّر فيه، وقد ورد القرآن هكذا في توقيتها مجملا، ومرجع البيان فيه إلى السنة، فما ذكرت السنة أنه وقت وحد للصلاة وجب اتباعه.
قال الله تعالى: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٠٤) بعد أن بيّن الله تعالى ما يجب أن يكون عليه المؤمنون في قتال عدوهم من أخذ الحذر أثناء الصلاة عاد إلى بعث المؤمنين على نحو آخر من المذهب الكلامي، وسوق الدعوى يحدوها الدليل.
وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ لا تضعفوا في قتالهم، ولا تتواكلوا، ولا يمنعكم منه ما يظن أن يصيبكم في قتال أعدائكم من ألم القتل والجرح، فإنّ ذلك أمر مشترك من شأنه أن يقع بكم، ويقع بأعدائكم ما دام لم ينثن أعداؤكم عن قتالكم، فما بالكم تخافونه دونهم.
وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ بل إنّ أعداءكم إذا جاز لهم أن يخافوا فهم حقيقون بأن يخافوا، فإنّهم لا حجة لهم في الإقدام على أمر هو مظنة هلاكهم، فإنّهم على الباطل، والباطل مهما مدّ الله له في الأجل فهو في النهاية مدفوع. بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه، ولم يعدهم الله بالنصر كما وعدكم، ولا ثمرة تعود عليهم من قتالهم هذا، فإنهم وإن تمّت لهم الغلبة أمامهم جهنم مفتحة الأبواب، عميقة الغور، أعدت للكافرين المعاندين لكم، وقد وعدكم نصره، وضمن لكم الجنة، وأنتم الفائزون في الحالين، وأنتم بما تعبدون الله وتوحدونه لا تشركون به شيئا، تطمعون في نصره ورحمته، وهم بما يعبدون من الأصنام، وما هم عليه من العناد: ليس عندهم مثل هذا الطمع، أليس يكفي هذا وحده باعثا لكم على القتال دونهم؟
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً لا يكلفكم شيئا إلا ما فيه صلاحكم في دينكم ودنياكم على مقتضى علمه وحكمته.
قال الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٦)
روي في أسباب نزول الآية أخبار كثيرة، كلها متفقة على أنها نزلت في شأن رجل يقال له طعمة بن أبيرق، على خلاف فيما وقع منه، قال الفخر الرازي: إنّ طعمة سرق درعا، فلما طلبت الدرع منه رمى واحدا من اليهود بسرقتها، ولما اشتدت الخصومة بين قومه وبين قوم اليهودي جاء قوم طعمة إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، وطلبوا منه أن يعينهم على مقصودهم، وأن يلحق الخيانة باليهودي، فهمّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم بذلك فنزلت الآية «١»
. وقيل: إنّ واحدا وضع عند طعمة درعا على سبيل الوديعة، ولم يكن هناك شاهد، فلما طلبها منه جحدها، وقيل: إنّ المودع لما طلب الوديعة زعم طعمة أن اليهودي سرق الدرع.
وقد قال العلماء: إنّ ذلك يدل على أن طعمة وقومه كانوا منافقين، وإلا لما طلبوا من الرسول صلّى الله عليه وسلّم أن يلحق السرقة باليهودي على سبيل التخرص والبهتان، انظر إلى قوله تعالى في الآيات التي بعد هذه وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ.
وقد روي أن طعمة هرب بعد الحادثة إلى مكة وارتد، وسقط عليه حائط كان يثقبه للسرقة فمات.
لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ أي بما أعلمك الله في كتابه، وأنزله إليك بوحيه، ويصح أن يكون المراد بما جعله الله رأيا لك، إما من طريق الوحي، أو الاجتهاد، وليس يلزم من تأويل الآية على العلم بطلان القياس، لأنّك قد عرفت أنّ القياس راجع إلى الكتاب والسنة، والعلم به عمل بأمر الله، وقد اختلف العلماء في أن النبي صلّى الله عليه وسلّم له أن يجتهد، أو ليس له ذلك، والمسألة لها موضع غير هذا في الأصول يجمع أدلة الطرفين.
غير أن الذي يلزم التنبيه إليه أن الذي يقول: إنه يجوز له الاجتهاد يقول: إنه يجوز عليه الخطأ، لكنّه لا يقرّ على الخطأ، ويستشهد بمثل الحادثة التي نحن بصددها، فإنه قد بيّن له الحكم، وبمثل ما حدث في أسارى بدر.
وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً الخائنون هو طعمة وقومه ومن يعنيه أمره منهم، واللام للتعليل، أي لا تكن لأجل الخائنين مخاصما لما يستعدونك عليه، وقيل: إنّ اللام بمعنى عن أي لا تكن مخاصما ومدافعا عنهم ضد البراءة وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ مما
(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٢٢٨)، كتاب التفسير حديث رقم (٣٠٣٦)، وابن جرير (٥/ ١٧٠).
هممت به في أمر طعمة وبراءته التي لم تتثبّت في شأنها، والأمر بالاستغفار في هذا وما ماثله لا يقدح في عصمة الأنبياء، لأنه لم يكن منه إلا الهم، والهم لا يوصف بأنه ذنب فضلا عن المعصية، بل إنّ ذلك من قبيل إن حسنات الأبرار سيئات المقربين، وما أمره بالاستغفار إلا لزيادة الثواب، وإرشاده وإرشاد أمته إلى وجوب التثبت في القضاء، وقيل: إن المراد استغفر لأولئك الذين زعموا عندك براءة الخائن.
إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً يغفر لمن استغفره، ويرحم من استرحمه.
قال الله تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (١٢٧)
الاستفتاء: طلب الإفتاء، والإفتاء: إظهار المشكل من الأحكام وتبينه، كأنّ المفتي لما بيّن المشكل قد قوّاه وصيّره فتيا.
سبب النزول:
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت المواريث في سورة النساء شقّ ذلك على الناس وقالوا: أيرث الصغير الذي لا يعمل في المال ولا يقوم فيه، والمرأة التي هي كذلك، فيرثان كما يرث الرجل الذي يعمل في المال؟ فرجوا أن يأتي في ذلك حدث من السماء، فانتظروا، فلما رأوا أنه لا يأتي حدث، قالوا: لئن تمّ هذا إنه لواجب ما عنه بد. ثم قالوا: سلوا، فسألوا النبي صلّى الله عليه وسلّم فأنزلت هذه الآية «١». وروي مثل ذلك عن ابن عباس ومجاهد.
وعن عائشة أنها نزلت في توفية الصداق لهن. وكانت اليتيمة تكون عند الرجل، فإذا كانت جميلة، ولها مال، تزوّج بها وأكل مالها، وإذا كانت دميمة منعها من الأزواج حتى تموت فيرثها. فأنزل الله هذه الآية «٢».
معلوم أنّ الصحابة لم يطلبوا الإفتاء عن ذوات النساء، وإنما طلبوا الإفتاء عن حال من أحوالهن، وشيء يتعلّق بهن، فلا بد من تقدير محذوف في الكلام، فبعض المفسرين قدّر ذلك المحذوف أمرا خاصا، وجعل سبب النزول قرينة على تعيين ذلك المحذوف المسئول عنه، فقال: المراد يستفتونك في ميراثهن، أو في توفية صداقهن، أو في نكاحهن.
واختار بعضهم التعميم في المسئول عنه، لأنّ سبب النزول لا يخصّص، ولأنّ تقدير العام أتمّ فائدة وأشمل، فقال: المراد يستفتونك فيما يجب لهن وعليهن مطلقا، وقد كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يسأل عن أحكام كثيرة تتعلّق بالنساء.
(١) و (٢) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للإمام السيوطي (٢/ ٢٣١).
وكذلك اختلفوا في المراد بما كتب لهنّ في قول الله تعالى: اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ فقيل: ما فرض لهن من الميراث، وقيل: من الصداق، وقيل: من النكاح، وقيل: ما يعم ذلك كله وغيره.
وقوله تعالى: وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ قد ذهب فيه المعربون مذاهب شتى، وأولى وجوه الإعراب أن تكون (ما) اسم موصول مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير: والذي يتلى عليكم في القرآن كذلك، أي يفتيكم فيهن أيضا. وذلك المتلو في الكتاب هو قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى [النساء: ٣] إلخ.
وحاصل المعنى: أنهم كانوا يسألون عن أحوال كثيرة من أحوال النساء، فما كان منها غير مبيّن الحكم قبل نزول هذه الآية ذكر أن الله يفتيهم فيه. وما كان منها مبيّن الحكم في الآيات المتقدمة أحالهم فيه إلى تلك الآيات المتقدمة وذكر أنها تفتيهم فيما عنه يسألون.
وقد جعل دلالة الكتاب على الأحكام إفتاء من الكتاب، ألا ترى أنه يقال في المجاز المشهور إن كتاب الله بيّن لنا هذا الحكم، وكما جاز هذا جاز أيضا أن يقال:
كتاب الله أفتى بكذا.
وقوله تعالى: فِي يَتامَى النِّساءِ صلة يُتْلى أي يتلى عليكم في شأنهن.
والإضافة في يتامى النساء من إضافة الصفة للموصوف عند الكوفيين، والبصريون يمنعون ذلك، ويجعلون الإضافة هنا على معنى (من) أو (اللام) أي في اليتامى من النساء، أو في أولادهن اليتامى.
وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ أي في أن تنكحوهن، أو عن أن تنكحوهن، فقد ورد في أخبار كثيرة أن أولياء اليتامى كانوا يرغبون فيهنّ إن كن جميلات، ويأكلون ما لهنّ وإلا كانوا يعضلونهن طمعا في ميراثهن.
وحذف الجار هنا لا يعدّ لبسا، بل إجمال، فكل من الحرفين مراد على سبيل البدل.
واحتج بعض الحنفية بقوله تعالى: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ على أنه يجوز لغير الأب والجد تزويج الصغيرة، لأنّ الله ذكر الرغبة في نكاحها، فاقتضى جوازه.
والشافعية يقولون: إنّ الله ذكر في هذه الآية ما كانت تفعله الجاهلية على طريق الذم، فلا دلالة فيها على ذلك. على أنه لا يلزم من الرغبة في نكاحهن فعله في حال الصغر.
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ عطف على يتامى النساء، وكانوا- كما علمت- لا يورثونهم كما لا يورثون النساء.
وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ أي قل الله يفتيكم إلخ ويأمركم أن تقوموا لليتامى بالقسط. أو هو معطوف على (يتامى النساء) والتقدير وما يتلى عليكم في يتامى النساء، وفي المستضعفين من الولدان، وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط.
وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً أي وما تفعلوه من خير يتعلّق بهؤلاء المذكورين أو بغيرهم فإنّ الله يجازيكم عليه ولا يضيع عنده منه شيء.
قال الله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٢٨) هذا من الأحكام التي أخبر الله تعالى أنه يفتيهم بها في النساء مما لم يتقدم ذكره.
والخوف هنا مستعمل في حقيقته، إلا أنّه لا يكون إلا بعد ظهور الأمارات تدل عليه. مثل أن يقول الرجل لامرأته: إنك قد كبرت، وإني أريد أن أتزوج شابّة جميلة.
والأصل في البعل أنه السيد، وسمّي الزوج بعلا لكونه كالسيد لزوجته.
والنشوز- وتقدم معناه- يكون وصفا للمرأة لما تقدم ويكون وصفا للرجل كما هنا، والمراد به هنا ترفّع الرجل بنفسه عن المرأة، وتجافيه عنها: بأن يمنعها نفسه ومودته.
والإعراض الانصراف عنها بوجهه أو ببعض منافعه التي كانت لها منه. مثل أن يقلل محادثتها، أو مؤانستها لطعن في سن، أو دمامة، أو شين في خلق أو ملال.
والإعراض أخف من النشوز.
أخرج الترمذي وحسّنه عن ابن عباس قال: خشيت سودة رضي الله عنها أن يطلّقها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالت: يا رسول الله لا تطلقني، واجعل يومي لعائشة، ففعل، ونزلت هذه الآية «١».
وأخرج الشافعي عن ابن المسيب أن ابنة محمد بن مسلمة كانت تحت رافع بن خديج، فكره منها أمرا إما كبرا أو غيره، فأراد طلاقها، فقالت: لا تطلقني واقسم لي ما بدا لك، فاصطلحا على صلح، فجرت السنة بذلك، ونزل القرآن «٢».
وروي عن عائشة أنّها نزلت في المرأة تكون عند الرجل، فتطول صحبتها، فيريد أن يطلّقها، فتقول: أمسكني وتزوج بغيري، وأنت في حل من النفقة والقسم «٣».
(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٢٣٢)، كتاب التفسير حديث رقم (٣٠٤٠).
(٢) انظر الدر المنثور السيوطي في التفسير بالمأثور للسيوطي (١/ ٢٣٢).
(٣) رواه ابن ماجه في السنن (١/ ٦٣٤)، كتاب النكاح، باب المرأة حديث رقم (١٩٧٤).
يقول الله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً والمقصود إن خافت امرأة من زوجها تجافيا أو انصرافا عنها فلا إثم عليهما في أن يجريا بينهما صلحا، بأن تترك المرأة له يومها كما فعلت سودة رضي الله عنها مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أو تضع عنه بعض ما يجب لها من نفقة أو كسوة، أو تهب له شيئا من مهرها، أو تعطيه مالا لتستعطفه وتستديم المقام معه.
وفي قوله تعالى: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما دفع لما يتوهم من أن ما يأخذه الزوج كالرشوة فلا يحل.
وجملة وَالصُّلْحُ خَيْرٌ معترضة، أي والصلح بين الزوجين أكثر خيرا من الفرقة وسوء العشرة، على معنى أنه إن يكن في الفرقة أو سوء العشرة خير فالصلح خير من ذلك. أو والصلح خير من الخيور وليس بشر.
وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ اعتراض ثان، وفائدة الاعتراض الأوّل الترغيب في المصالحة. وفائدة الاعتراض الثاني تمهيد العذر في المماكسة والمشاحّة.
وحضر: متعد لواحد، والهمزة تعديه إلى مفعول ثان كما هنا. فالمفعول الأول نائب الفاعل، والثاني كلمة الشحّ، ويجوز العكس. والشح: البخل مع الحرص، والمراد وأحضر الله الأنفس الشحّ أي جبل الله النفوس على الشح، فلا تكاد المرأة تسمح بحقها، ولا يكاد الرجل يجود بالإنفاق وحسن المعاشرة على التي لا يريدها.
وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً هذا خطاب للأزواج بطريق الالتفات، قصد به استمالتهم وترغيبهم في حسن المعاملة، والصبر على ما يكرهون، أي وإن تحسنوا معاشرة النساء، وتتقوا النشوز، والإعراض مهما تضافرت أسبابهما، فإنّ الله يجازيكم على ذلك أحسن الجزاء، ويثيبكم عليه خير المثوبة.
يؤخذ من هذه الآية أن الرجل إذا قضى وطرا من امرأته، وكرهتها نفسه، أو عجز عن حقوقها، فله أن يطلقها، وله أن يخيّرها إن شاءت أقامت عنده ولا حق لها في القسم والوطء والنفقة، أو في بعض ذلك بحسب ما يصطلحان عليه، فإذا رضيت بذلك لزم وليس لها المطالبة بشيء مضى من ذلك على الرضا.
وهل لها في المستقبل الرجوع في ذلك الصلح؟
من العلماء من قال: إنّ حقها في القسم والنفقة يتجدد، فلها الرجوع في ذلك متى شاءت.
وقال آخرون: إنّ هذا الصلح خرج مخرج المعاوضة، وقد سمّاه الله صلحا، فيلزم كما يلزم ما تصالح عليه الناس من الحقوق والأموال، فليس لها حق الرجوع فيه
بأيّ حال، ولو مكّنت من ذلك لم يكن صلحا، بل يكون من أكبر أسباب المعاداة والشريعة منزهة عن ذلك.
وهنا أبحاث:
الأول: رب قائل يقول إذا كان نشوز الرجل يحلّ له أن يأخذ من مال امرأته شيئا، أفلا يتخذ بعض الأزواج النشوز- بل التهديد به- وسيلة لأخذ مال المرأة، وانتقاصها حقها، وهلا يعدّ أخذ المال بهذه الوسيلة أخذا بسيف الإكراه، وأكلا لأموال الناس بالباطل.
ونحن نقول: إذا كان الرجل يرغب في زوجته حقيقة، ويود بقاءها في عصمته، ولكنه تظاهر بالنشوز والإعراض اجتلابا لمالها، واستدرارا لخيرها، كان ذلك حراما، وكان أخذ المال بهذه الوسيلة أكلا لأموال الناس بالباطل، وقد حرّم الله أكل أموال الناس بالباطل، وحرّم مشاقة الرجل زوجته لغرض أخذ شيء من مالها، كما قال:
وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ [النساء: ١٩] إلى أمثال ذلك.
ليس في مثل هذا النشوز والإعراض المصطنعين نزلت الآية، إنما الآية في رجل يرغب حقيقة في فراق زوجته لسبب ما، وقد جعل الله للرجل حق الطلاق، واستبدال زوج مكان زوج وأحلّ في هذه الآية الصلح بين الزوجين إذا كانا على ما وصفنا، رجل يريد الفراق لسبب من الأسباب، وامرأة تريد المقام معه، وإذا تراضيا على شيء من حق المرأة تنزل عنه في مقابلة أن ينزل الرجل عن شيء من حقه وهو الطلاق، لم يكن ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، على أنّ الله تعالى أرشد الرجل إلى ترك النشوز مهما تكاثرت أسبابه، ووعده على ذلك الأجر والمثوبة، في قوله: وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً.
الثاني: قال الله تعالى في نشوز المرأة وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء: ٣٤] وقال في نشوز الرجل: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً فجعل لنشوز المرأة عقوبة من زوجها يعظها ويهجرها في المضجع ويضربها. ولم يجعل لنشوز الرجل عقوبة من زوجته، بل جعل له ترضية وتلطفا. فما معنى ذلك؟
الجواب عن ذلك من وجوه:
١- قد علمت أنّ الله جعل الرجال قوامين على النساء، فالرجل راعي المرأة ورئيسها المهيمن عليها، ومن قضية ذلك ألا يكون للمرؤوس معاقبة رئيسه، وإلا انقلب الأمر، وضاعت هيمنة الرئيس.
٢- أنّ الله فضل الرجال على النساء في العقل والدين، ومن قضية ذلك ألا
يكون نشوز من الرجل إلا لسبب قاهر، ولكن المرأة لنقصان عقلها ودينها يكثر منها النشوز لأقل شيء، وتتوهمه سببا، فلا جرم جعل الله لنشوزهن عقوبة حتى يرتدعن، ويحسنّ حالهن. وأنّ في مساق الآيتين ما يرشد إلى أنّ النشوز في النساء كثير، وفي الرجال قليل، ففي نشوز المرأة عبر باسم الموصول المجموع إشارة إلى أنّ النشوز محقق في جماعتهن. وفي نشوز الرجل عبر بإن التي للشك، وبصيغة الإفراد، وجعل الناشز بعلا وسيدا مهما كان. كل ذلك يشير إلى أنّ النشوز في الرجال غير محقق، وأنه مبنيّ على الفرض والتقدير، وأنه إذا فرض وقوعه فإنما يكون من واحد لا من جماعة، وأن ذلك الواحد على كل حال سيد زوجته.
٣- أنّ نشوز الرجل أمارة من أمارات الكراهة وإرادة الفرقة، وإذا كان الله قد جعل له حق الفرقة ولم يجعل للمرأة عليه سبيلا إذا هو أراد فرقتها، فأولى ألا يجعل لها عليه سبيلا إذا بدت منه أمارات هذه الفرقة.
الثالث: قال الجصّاص «١» في قوله تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ إنّه جائز أن يكون عموما في جواز الصلح في سائر الأشياء إلا ما خصّه الدليل، وذلك يدلّ على جواز الصلح عن إنكار، والصلح من المجهول، ونازعه في ذلك الفخر الرازي فقال: إنّ الصلح في الآية مفرد دخل عليه حرف التعريف، والمفرد الذي دخل عليه حرف التعريف مختلف في إفادته العموم، ولو سلّم أنّه يفيد العموم، فإنما ذلك إذا لم يكن هناك معهود سابق، أما إذا كان هناك معهودا سابقا كما في الآية، فالأصح أنّ حمله على المعهود السابق أولى من حمله على العموم، وذلك لأنا إنما حملناه على العموم والاستغراق ضرورة أنّا لو لم نقل ذلك لصار مجملا، ويخرج عن الإفادة، وإذا حصل هناك معهود سابق اندفع هذا المحذور، فوجب حمله عليه، وبذلك يندفع استدلال الجصّاص، ويكون المعنى: والصلح المعهود- وهو الصلح بين الزوجين- خير.
وأنت تعلم أنّ الجصاص لم يجزم بأن اللفظ عام، بل قال: إنه يجوز أن يكون عاما، كما يجوز أن يكون خاصّا بالصلح بين الزوجين، على أنّ وقوع الجملة اعتراضا، وجريانها مجرى الأمثال مما يرجح كون اللفظ عاما، فتدبر ذلك.
قال الله تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً (١٣٠) يخبر الله هنا بأنّ العدل بين النساء غير مستطاع، وفي آية سابقة قال:
(١) انظر أحكام القرآن للإمام أبي بكر الجصاص (٢/ ٢٨٣).
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [النساء: ٣] فشرط في جواز الجمع بين النساء الوثوق من العدل بينهن. والعدل غير مستطاع، فكأن الجمع بين النساء غير جائز، لأنه مشروط بشرط قد أخبر الله أنه لا يتحقق ولن يكون، من أجل ذلك ترى أئمة التفسير من السلف الصالح كابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد وأبي عبيدة وغيرهم يقولون:
إن العدل الذي أخبر الله عنه أنه غير مستطاع هو التسوية بين الزوجات في الحب القلبي، وميل الطباع، ومعلوم أنّ ذلك غير مقدور.
وأما العدل الذي جعل شرطا في جواز الجمع بينهن فهو التسوية بينهن فيما يقدر عليه المكلف ويملكه، مثل التسوية بينهن في القسم والنفقة والكسوة والسكنى وما يتبع ذلك من كل ما يملك ويقدر عليه.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي مليكة أنّ الآية نزلت في عائشة رضي الله عنها، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يحبها أكثر من غيرها.
وروى الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقسم بين نسائه، فيعدل، ثم يقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» «١»
وعنى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: بما لا يملكه هو، ويملكه الله: المحبة وميل القلب غير الاختياري.
ومعنى الآية إنكم لن تقدروا على التسوية بين النساء في الحب وميل الطباع، فالتفاوت بينهن في الود والمحبة حاصل ولا محالة، وليس في استطاعتكم جلبه ولا دفعه، فالله قد عفا لكم عنه، ولستم مكلفين به ولا منهيين عنه، ولكن ذلك التفاوت في الحب له نتائج تظهر في الأقوال والأفعال التي تملكونها، وتقدرون عليها، ويصح تعلق الأحكام بها، فأنتم منهيون عن إظهار التفاوت في القول والفعل المقدورين لكم.
وقال بعض العلماء: حقيقة العدل بين النساء التسوية بينهن في كل شيء، بحيث لا يقع ميل ما إلى جانب في شأن من الشؤون، كالقسم والنفقة والتعهد والنظر والإقبال والممالحة والمفاكهة والمؤانسة وغيرها ما لا يكاد يحصر. والعدل بهذا المعنى غير مقدور للمكلف البتة. ولو حرص على إقامته وبالغ فيه، والعجز عن حقيقة العدل لا يمنع عن تكليفكم أيها الأزواج بما دونها من المراتب التي تستطيعونها، فإنّ الميسور لا يسقط بالمعسور، وما لا يدرك كله لا يترك كله.
فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فلا تجوروا على المرغوب عنها كلّ الجور،
(١) رواه أبو داود في السنن (٢/ ٢٠٩)، كتاب النكاح باب القسم بين النساء حديث رقم (٢١٣٤)، والترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٤٤٦)، كتاب النكاح حديث رقم (١١٤٠)، وابن ماجه في السنن (١/ ٦٣٣)، كتاب النكاح، باب القسمة بين النساء حديث رقم (١٩٧١)، وأحمد في المسند (٦/ ١٤٤).
فتمنعوها حقها من غير رضا منها، واعدلوا ما استطعتم، فإنّ عدم العدل بينهن يوقد نار الغيرة والحقد في نفوسهن، ويغريهن بالشر والفساد. وفي ذلك من المفاسد ما يربو على مصلحة تعدد الزوجات في نظر الشارع الحكيم.
وفي قوله تعالى: فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ ضرب من التوبيخ للأزواج، أي لا ينبغي ولا يليق بكم أن تجوروا على الضرائر، فتدعوها كالمعلقة لا هي ذات بعل ولا مطلقة، فإما أن تعدلوا بينهن، وإلا فالفرقة أولى، كما قال تعالى: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ [البقرة: ٢٢٩].
أخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من كان له امرأتان فمال مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقّيه ساقط» «١»
وكان السلف الصالح يستحبون أن يسووا بين الضرائر حتى في الطيب، يتطيّب لهذه كما يتطيب لهذه. وعن ابن سيرين في الذي له امرأتان يكره أن يتوضأ في بيت إحداهما دون الأخرى.
وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً أي وإن تصلحوا ما كنتم تفسدون من أمورهن فيما مضى بميلكم إلى إحداهن، وتتداركوه بالتوبة، وتتقوا بالجور فيما يستقبل، فإنّ الله يغفر لكم ما مضى من الحيف، ويتفضل عليكم برحمته وإحسانه.
ظاهر هذه الآية يوجب التسوية في القسم بين الحرة والأمة. وهو قول أهل الظاهر، ورواية عن مالك رضي الله عنه، لكنّ جمهور الأئمة على أنّ الأمة المزوّجة على النصف من الحرة في القسم محتجين على ذلك بأن الإمام عليا رضي الله عنه قضى بذلك، ولا يعرف له في الصحابة مخالف مع انتشار هذا القضاء وظهوره، وموافقته للقياس، فإنّ الله سبحانه وتعالى لم يسوّ بين الحرة والأمة لا في الطلاق ولا في العدة ولا في الحد ولا في الملك ولا في الميراث ولا في الحج ولا في مدة الكون عند الزوج ليلا ونهارا، ولا في أصل النكاح، بل جعل نكاحها بمنزلة الضرورة، فاقتضى ذلك ألا يسوّي بينها وبين الحرة في القسم.
ومن هذه الآية يعلم أنه لا تجب التسوية بين النساء في المحبة، فإنها لا تملك، وكانت عائشة رضي الله عنها- كما علمت- أحبّ نسائه إليه صلّى الله عليه وسلّم، وأخذ من هذا أنّه لا تجب التسوية بينهن في الوطء، لأنّه موقوف على المحبة والميل، وهي بيد مقلّب القلوب.
(١) رواه أبو داود في السنن (٢/ ٢٠٩)، كتاب النكاح حديث رقم (٢١٣٣)، والترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٤٤٧)، كتاب النكاح حديث رقم (١١٤١)، والنسائي في السنن (٧- ٨/ ٧٤)، كتاب في عشرة النساء حديث رقم (٣٩٥٢)، وابن ماجه في السنن (١/ ٦٣٣)، كتاب النكاح حديث رقم (١٩٦٩).
وفصّل بعض العلماء في ذلك فقال: إن تركه لعدم الداعي إليه فهو معذور، وإن تركه مع الداعي إليه، ولكن داعيه إلى الضرر أقوى، فهذا مما يدخل تحت قدرته وملكه، فإن أدّى الواجب عليه منه لم يبق لها حق، ولم يلزمه التسوية وإن ترك الواجب منه فلها المطالبة به.
وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ بعد أن رغّب الله في الصلح بين الزوجين وحثّ عليه ذكر في هذه الآية جواز الفرقة إذا لم يكن منها بد، وسلّى كلا من الزوجين، ووعد كل واحد منهما بأنه سيغنيه عن الآخر إذا قصد الفرقة تخوّفا من ترك حقوق الله التي أوجبها.
وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً. أي وكان الله ولا يزال غنيا كافيا للخلق، حكيما متقنا في أفعاله وأحكامه.
قال الله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)
أخرج ابن أبي حاتم أنّ هذه الآية نزلت في جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
وأخرج الشيخان عن جابر أنه قال دخل عليّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ، ثم صبّ عليّ فعقلت فقلت يا رسول الله: إنه لا يرثني إلا كلالة فكيف الميراث، فنزلت آية الفرائض «١»
وهذه الآية آخر آيات الأحكام نزولا.
وروي أنّ أبا بكر رضي الله عنه قال في خطبة له: ألا إن الآية التي أنزلها الله في سورة النساء في الفرائض [١٢]، فأولها في الولد والوالد، وثانيها في الزوج والزوجة، والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء [١٧٦] أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم. أو من الأب، والآية التي ختم بها سورة الأنفال [٧٥] أنزلها في أولي الأرحام، وقد أجمع العلماء على أنّ هذه الآية في ميراث الإخوة والأخوات من الأب والأم، أو من الأب. وأما الإخوة والأخوات لأم ففيهم نزلت الآية السابقة في صدر السورة وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً إلخ وتقدّم لك بيان ذلك مستوفى.
واختلف العلماء في المراد بالولد في قوله تعالى: لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وقوله تعالى:
(١) رواه البخاري في الصحيح (٥/ ٢١٠)، ٦٥- كتاب تفسير القرآن، ٤- باب يُوصِيكُمُ اللَّهُ حديث رقم (٤٥٧٧)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٢٣٤)، ٣٢- كتاب الفرائض، ٢- باب ميراث الكلالة حديث رقم (٥/ ١٦١٦). [..... ]
إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فقال بعضهم: إن المراد به الذكر، لأنّه المتبادر، ولأنّه لو أريد به ما يشتمل الذكر والأنثى لكان مقتضى مفهومه أن الأخت لا ترث النصف مع وجود البنت، مع أنها ترثه معها عند جميع العلماء غير ابن عباس، ولكان مقتضاه أيضا أنّ الأخ لا يرث أخته مع وجود بنتها، والعلماء متفقون على أنه يرث الباقي بعد فرض البنت وهو النصف.
والمختار الذي عليه المحققون أن الولد هنا عامّ في الذكر والأنثى، لأنّ الكلام في الكلالة وهو من ليس له ولد أصلا، لا ذكر ولا أنثى، وليس له والد أيضا، إلا أنه اقتصر على ذكر الولد ثقة بظهور الأمر. ولأنّ الولد مشترك معنويّ وقع نكرة في سياق النفي، فيعم الابن والبنت، وما ورد على المفهوم ليس بقادح.
أما أولا: فلأن الأخت لا يكون لها فرض النصف مع وجود الولد مطلقا، أما مع الابن فلأنّه يحجبها. وأما مع البنت فلأنها تصيرها عصبة، فلا يتعين لها فرض، نعم يكون نصيبها مع بنت واحدة النصف بحكم العصوبة لا الفرضية، فلا حاجة إلى تخصيص الولد بالابن لا منطوقا ولا مفهوما.
وأما ثانيا: فلأن الأخ لا يرث أخته مع وجود بنتها. لأنّ المتبادر من قوله تعالى: وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ أنه يرث جميع تركتها عند عدم الولد، ومفهومه أنّه عند وجود الولد لا يرث جميع تركتها، أما مع الابن فلأنه يحجبه، وأما مع البنت فلأنه يرث الباقي بعد فرضها، فصحّ أن الأخ لا يرث أخته مع وجود بنتها، تدبّر ذلك فإنّه دقيق.
وبعد فإنّ الآية قدّرت في ميراث الإخوة والأخوات من الميت الكلالة صورا أربعا:
الأولى: أن يموت امرؤ وترثه أخت واحدة، فلها النصف بالفرض، والباقي للعصبة إن كانوا، وإلا فلها بالرد.
وكما ترث الأخت الواحدة من أخيها النصف، كذلك ترثه من أختها، لأنّ مقدار الميراث لا يختلف باختلاف الميت ذكورة وأنوثة، وإنما يختلف باختلاف الوارث.
الثانية: أن يكون الأمر بالعكس تموت امرأة ويرثها أخ واحد فله جميع التركة، وكما يرث الأخ الواحد جميع تركة أخته كذلك يرث جميع تركة أخيه.
الثالثة: أن يكون الميت أخا أو أختا وورثه أختاه، فلهما الثلثان.
الرابعة: أن يكون الميت أخا أو أختا، والورثة عدد من الإخوة والأخوات، فللذكر مثل حظ الأنثيين.
وظاهر الآية في هذه الصورة الرابعة عدم التفرقة بين الإخوة الأشقاء والإخوة لأب
في أنهم يشتركون في التركة إذا اجتمعوا، لكنّ السنّة خصصت هذا العموم، فقدمت الأشقاء على الإخوة لأب، فإذا اجتمع الصنفان حجب الإخوة الأشقاء الإخوة لأب.
بقي من الصور المحتملة في الميراث بالأخوة:
١- أن يكون للميت الكلالة عدد من الإخوة الذكور، فالحكم أنهم يحوزون جميع التركة، لأنّ الواحد منهم إذا انفرد حاز التركة كلها، فأولى إذا اجتمعوا أن يحوزوها.
٢- أن يكون للميت الكلالة أكثر من أختين، فالحكم أنهن يأخذن الثلثين بالفرض، لأنّ أكثر من بنتين لا يزدن عن الثلثين، فأولى ألا يزيد الأكثر من أختين عن الثلثين، وقد تقدم ذلك.
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا مفعول يبيّن محذوف، والمصدر المنسبك مفعول لأجله بتقدير مضاف، أي: يبين الله لكم الحلال والحرام، وجميع الأحكام كراهة أن تضلوا.
ويجوز أن يكون المصدر هو مفعول (يبيّن) أي يبين الله لكم ضلالكم، لتجتنبوه، فإن الشر يعرف ليتقى، والخير يعرف ليؤتى.
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ من الأشياء التي من جملتها أحوالكم وما يصلح لكم منها وما لا يصلح.
عَلِيمٌ ذو علم شامل محيط، فيبيّن لكم ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم.
السورة التالية
Icon