0:00
0:00

كفرت لقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً. وكان بعض الصالحين له تلامذة وكان يخص واحدا منهم بإقباله عليه اكثر مما يقبل على غيره فقالوا له فى ذلك فقال أبين لكم فدفع لكل واحد من تلامذته طائرا وقال له اذبحه بحيث لا يراك أحد ودفع الى هذا ايضا فمضوا ورجع كل واحد منهم وقد ذبح طيره وجاء هذا بالطير حيا فقال له هلا ذبحته فقال أمرتني ان اذبحه بحيث لا يراه أحد ولم أجد موضعا لا يراه أحد فقال لهذا اخصه باقبالى عليه
جهان مرآت حسن شاهد ماست فشاهد وجهه فى كل ذرات
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ اليتامى جمع يتيم وهو من الناس المنفرد عن الأب بموته ومن سائر الحيوانات عن الام وحق هذا الاسم ان يقع على الصغير والكبير لبقاء معنى الانفراد عن الأب الا انه غلب استعماله فى الصغير لاستغناء الكبير بنفسه عن الكافل فكأنه خرج عن معنى اليتم وهو الانفراد والمراد بايتاء أموالهم قطع المخاطبين اطماعهم الفارغة عنها وكف اكفهم الخاطفة عن اختزالها وتركها على حالها غير متعرض لها بسوء حتى تأتيهم وتصل إليهم سالمة لا الإعطاء بالفعل فانه مشروط بالبلوغ وإيناس الرشد وانما عبر عما ذكر بالايتاء مجازا للايذان بانه ينبغى ان يكون مرادهم بذلك إيصالها إليهم لا مجرد ترك التعرض لها والمعنى ايها الأولياء والأوصياء احفظوا اموال اليتامى ولا تتعرضوا لها بسوء وسلموها إليهم وقت استحقاقهم تسليمها إليهم وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ تبدل الشيء بالشيء واستبداله به أخذ الاول بدل الثاني بعد ان كان حاصلا له او فى شرف الحصول اى لا تستبدلوا الحلال المكتسب بالحرام المغتصب يعنى لا تستبدلوا مال اليتامى وهو حرام بالحلال وهو ما لكم وما أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبعوث فى الأرض فتأكلوه مكانه وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ المراد من الاكل التصرف لان أكل مال اليتيم كما يحرم فكذا سائر التصرفات المهلكة لتلك الأموال محرمة والدليل عليه ان فى المال ما لا يصح ان يؤكل وانما ذكر الاكل لانه معظم ما يقع لاجله التصرف والى بمعنى مع قال تعالى مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ اى مع الله والأصح ان المعنى لا تأكلوها مضمومة الى أموالكم ولا تسووا بينهما وهذا حلال وذاك حرام وقد خص من ذلك مقدار اجر المثل عند كون الولي فقيرا وإذا أكل مال اليتيم وله مال كان ذلك أقبح ولذا ورد النهى عن أكله مع مال نفسه بعد ان قال ولا تتبدلوا إلخ إِنَّهُ اى الاكل المفهوم من النهى كانَ حُوباً كَبِيراً اى ذنبا عظيما عند الله فاجتنبوه- روى- ان رجلا من بنى غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه فترافعا الى النبي عليه السلام فنزلت هذه الآية فلما سمع العم قال اطعنا الله واطعنا الرسول نعوذ بالله من الحوب الكبير فدفع اليه ماله فقال النبي ﷺ (من يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فانه يحل داره) يعنى جنته فلما قبض الفتى ماله أنفقه فى سبيل الله فقال عليه السلام (ثبت الاجر وبقي الوزر) فقالوا كيف بقي الوزر فقال (ثبت الاجر للغلام وبقي الوزر على والده) :قال الشيخ السعدي قدس سره
قال تعالى وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ تزكية من آفة الحرص والحسد والدناءة والخسة والطمع وتحلية بالامانة والديانة وسلامة الصدر وقال وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ تزكية من الجوز والحيف والظلم وتحلية بالعدل والانصاف فان اجتماع هذه الرذائل إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً اى حجابا عظيما. فعلى العاقل ان يزكى نفسه من الأخلاق الرديئة ولا يطمع فى حق أحد جل او قل بل يكون سخيا باذلا ماله على الأرامل والأيتام ويراعى حقوقهم بقدر الإمكان. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال ست موبقات ليس لهن توبة. أكل مال اليتيم. وقذف المحصنة. والفرار من الزحف. والسحر. والشرك بالله. وقتل نبى من الأنبياء. ويقال طوبى للبيت الذي فيه يتيم. وويل للبيت الذي فيه يتيم يعنى ويل لاهل البيت الذين لم يعرفوا حق اليتيم وطوبى لهم إذا عرفوا حقه
از زر وسيم راحتى برسان خويشتن هم تمتعى بر گير
چونكه اين خانه از تو خواهد ماند خشتى از سيم وخشتى از زر گير
يكى خار پاى يتيمى بكند بجواب اندرش ديد صدر خجند
كه ميگفت ودر روضها مى چميد كزان خار بر من چهـ گلها دميد
- وروى- ان رجلا جاء الى النبي ﷺ فقال عندى يتيم مم أضر به قال (مما تضرب ولدك) يعنى لا بأس ان تضربه للتأديب ضربا غير مبرح مثل ما يضرب الوالد ولده- وروى- عن الفضيل ابن عياض انه قال رب لطمة انفع لليتيم من أكلة خبيص. قال الفقيه فى تنبيه الغافلين ان كان هذا يقدر ان يؤدبه بغير ضرب ينبغى له ان يفعل ذلك ولا يضربه فان ضرب اليتيم امر شديد قال رسول الله ﷺ (ان اليتيم إذا ضرب اهتز عرش الرحمن لبكائه فيقول الله يا ملائكتى من ابكى الذي غيبت أباه فى التراب وهو اعلم به قال تقول الملائكة ربنا لا علم لنا قال فانى أشهدكم ان من أرضاه ارضه من عندى يوم القيامة)
چوبينى يتيمى سر افكند پيش مده بوسه بر روى فرزند خويش
يتيم ار بگريد كه بارش برد وگر خشم گيرد كه نازش خرد
ألا تا نگريد كه عرش عظيم بلرزد همى چون بگريد يتيم
اگر سايه خود برفت از سرش تو در سايه خويشتن پرورش
قال الله تعالى لداود النبي عليه السلام [كن لليتيم كالاب الرحيم واعلم انك كما تزرع كذلك تحصد].
واعلم ان المرأة الصالحة لزوجها كالملك المتوّج بالذهب كلما رآها قرت عينه والمرأة السوء لبعلها كالحمل الثقيل على الشيخ الكبير
كرا خانه آباد وهمخوابه دوست خدا را برحمت نظر سوى اوست
دلارام باشد زن نيك خواه وليك از زن بد خدايا پناه
تهى پاى رفتن به از كفش تنگ بلاي سفر به كه در خانه جنگ
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى الاقساط العدل والمراد بالخوف العلم عبر عنه بذلك إيذانا بكون المعلوم مخوفا محذورا لا معناه الحقيقي لان الذي علق به الجواب هو العلم بوقوع الجور المخوف لا الخوف منه والا لم يكن الأمر شاملا لمن يصبر على الجور ولا يخافه وسبب النزول انهم كانوا يتزوجون من يحل لهم من اليتامى اللاتي يلونهن لكن لا لرغبة فيهن بل فى مالهن
ويسيئون فى الصحبة والمعاشرة ويتربصون بهن ان يمتن فيرثوهن وقيل هى اليتيمة تكون فى حجر وليها فيرغب فى مالها وجمالها ويريد ان ينكحها بأدنى من سنة نسائها فنهوا ان ينكحو هن الا ان يقسطوا لهن فى إكمال الصداق وأمروا ان ينكحوا من سواهن من النساء والمعنى وان خفتم ان لا تعدلوا فى حق اليتامى إذا تزوجتم بهن بإساءة العشرة او بنقص الصداق فَانْكِحُوا ما موصولة او موصوفة او ثرت على من ذهابا بها الى الوصف اى نكاحا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ اى غير اليتامى بشهادة قرينة المقام اى فانكحوا من استطابتها نفوسكم من الاجنبيات مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ حال من فاعل طاب اى فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين وثلاثا وثلاثا وأربعا وأربعا حسبما تريدون على معنى ان لكل واحد منهم ان يختار أي عدد شاء من الاعداد المذكورة لا ان بعضها لبعض منهم وبعضها لبعض آخر فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا اى فيما بينهن ولو فى اقل الاعداد المذكورة كما خفتموه فى حق اليتامى او كما لم تعدلوا فيما فوق هذه الاعداد فَواحِدَةً فالزموا او فاختاروا واحدة وذروا الجمع بالكلية أَوْ ما ولم يقل من إيذانا بقصور رتبة الإماء عن رتبة العقلاء مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ اى من السراري بالغة ما بلغت من مراتب العدد وهو عطف على واحدة على ان اللزوم والاختيار فيه بطريق التسرى لا بطريق النكاح كما فيما عطف عليه لاستلزامه ورود ملك النكاح على ملك اليمين بموجب اتحاد المخاطبين فى الموضعين وانما سوى فى السهولة واليسر بين الحرة الواحدة وبين السراري من غير حصر فى عدد لقلة تبعيتهن وخفة مؤنهن وعدم وجوب القسم فيهن ذلِكَ اشارة الى اختيار الواحدة أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا العول الميل من قولهم عال الميزان عولا إذا مال وعال فى الحكم جار والمراد هاهنا الميل المحظور المقابل للعدل اى ما ذكر من اختيار الواحدة والتسرى اقرب بالنسبة الى ما عداهما من ان لا يميلوا ميلا محظورا لانتفائه رأسا بانتفاء محله فى الاول وانتفاء حظره فى الثاني بخلاف اختيار العدد فى المهائر فان الميل المحظور متوقع فيه لتحقق المحل والحظر وَآتُوا النِّساءَ اى اللاتي امر بنكاحهن صَدُقاتِهِنَّ جمع صدقة وهى المهر نِحْلَةً فريضة من الله لانها مما فرضه الله فى النحلة اى الملة والشريعة والديانة فانتصابها على الحالية من الصدقات اى أعطوهن مهورهن حال كونها فريضة من الله او تدينا فانتصابها على انه مفعول له اى أعطوهن ديانة وشرعة او هبة وعطية من الله وتفضلا منه عليهن فانتصابها على الحالية منها ايضا او عطية من جهة الأزواج من نحله إذا أعطاه إياه ووهبه له عن طيبة من نفسه نحلة ونحلا والتعير عن إيتاء المهور بالنحلة مع كونها واجبة على الأزواج لافادة معنى الإيتاء عن كمال الرضى وطيب الخاطر وانتصابها على المصدرية لان الإيتاء والنحلة بمعنى الإعطاء كأنه قيل وانحلوا النساء صدقاتهن نحلة اى أعطوهن مهورهن عن طيبة أنفسكم فالخطاب للازواج وقيل للاولياء لانهم كانوا يأخذون مهور بناتهم وكانوا يقولون هنيئالك النافجة لمن يولد له بنت يعنون تأخذ مهرها فتنفج به مالك اى تعظم فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ الضمير للصدقات وتذكيره لإجرائه مجرى ذلك فانه قد يشار به الى المتعدد واللام متعلقة بالفعل
وكذا عن لكن بتضمينه معنى التجافي والتجاوز ومن متعلقة بمحذوف وقع صفة لشىء اى كائن من الصداق وفيه بعث لهن الى تقليل الموهوب نَفْساً تمييز والتوحيد لما ان المقصود بيان الجنس اى وهبن لكم شيأ من الصداق متجافيا عن نفوس هن طيبات غير خبيثات بما يضطرهن الى البذل من شكاية أخلاقكم وسوء معاشرتكم فَكُلُوهُ اى فخذوا ذلك الشيء الذي طابت به نفوسهن وتصرفوا فيه تملكا وتخصيص الاكل بالذكر لانه معظم وجوه التصرفات المالية هَنِيئاً مَرِيئاً صفتان من هنأ الطعام ومرأ إذا كان سائغا لا تنغيص فيه ونصبهما على انهما صفتان للمصدر اى أكلا هنيئا مريئا وهذه عبارة عن التحليل والمبالغة فى الإباحة وازالة التبعة- روى- ان ناسا كانوا يتأثمون ان يقبل أحدهم من زوجته شيأ مما ساقه إليها فنزلت. وفى الآية دليل على وجوب الاحتياط حيث بنى الشرط على طيب النفس ولذا قيل يجوز الرجوع بما وهبن ان خدعن من الأزواج وبيان لجواز معروفها وترغيب فى حسن المعاشرة بينهما فان خير الناس خيرهم لاهله
وانفعهم لعياله وفى الحديث (جهاد المرأة حسن التبعل) وكانت المرأة على عهد النبي عليه السلام تستقبل زوجها إذا دخل وتقول مرحبا بسيدى وسيد اهل بيتي وتقصد الى أخذ ردائه فتأخذه من عنقه وتعمد الى نعله فتخلعه فان رأته حزينا قالت ما يحزنك ان كان حزنك لآخرتك فزاد الله فيها وان كان لدنياك فكفاك الله فقال النبي ﷺ (يا فلان أقرئها منى السلام وأخبرها ان لها نصف اجر الشهيد) وعلامة الزوجة الصالحة عند اهل الحقيقة ان يكون حسنها مخافة الله وغناها القناعة وحليها العفة اى التكفف عن الشرور والمفاسد وعبادتها بعد الفرائض حسن الخدمة للزوج وهمتها الاستعداد للموت
اگر پارسا باشد وخوش سخن نگه در نكويى وزشتى مكن
زن خوب وخوش طبع كنجست ومار رها كن زن زشت ناسازكار
يعنى لا تلتفت الى امرأة ليس لها حسن ولا موافقة لك بحسن الخلق- روى- ان الإسكندر كان يوما عنده جمع من ندمائه فقال واحد منهم ان الله تعالى اعطى لك مملكة كثيرة وشوكة وافرة فاكثر من النساء حتى يكثر أولادك ويبقوا بعدك قال الإسكندر أولاد الرجال ليست ما ذكرت بل هى العادات الحسنة والسير المرضية والأخلاق الكريمة وليس مما يليق بالرجل الشجيع ان تغلب عليه النساء بعد ان غلب هو على اهالى الدنيا ونعم ما قيل يغلبن الكرام ويغلبهن اللئام
چونيست پيش پدر اين قدر يقين كه پسر ز خيل بي خردانست يا خردمندان
بسست سيرت نيكو حكيم را فرزند زبون زن چهـ شود بر اميد فرزندان
قال الشيخ السعدي قدس سره فى البستان
چهـ نغز آمد اين يك سخن زان دو تن كه سرگشته بودند از دست زن
يكى گفت كس را زن بد مباد دگر گفت زن در جهان خود مباد
زن تو كن اى دوست هر نوبهار كه تقويم پارين نيايد بكار
قال رسول الله ﷺ (ثلاثة من أمتي يكونون فى جهنم كعمر الدنيا سبع مرات. أولهم
متسمنون مهزولون. والثاني كاسون عارون. والثالث عالمون جاهلون) قيل من هؤلاء يا رسول الله قال (اما المتسمنون المهزولون فالنساء متسمنات باللحم مهزولات فى امور الدين واما الكاسون العارون فهن النساء كاسيات من الثياب عاريات من الحياء واما العالمون الجاهلون فهم اهل الدنيا التاجرون الكاسبون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) فهؤلاء عالمون فى امور الدنيا جاهلون فى امور الآخرة لا يبالون من اين يجمعون المال وهم لا يشبعون من الحلال ولا يبالون من الحرام نعوذ بالله وَلا تُؤْتُوا ايها الأولياء السُّفَهاءَ اى المبذرين من الرجال والنساء والصبيان واليتامى أَمْوالَكُمُ أضاف الأموال الى الأولياء تنزيلا لاختصاصها بأصحابها منزلة اختصاصها بالأولياء فكان أموالهم عين أموالهم لما بينهم وبينهم من الاتحاد الجنسي والنسبي مبالغة فى حملهم على المحافظة عليها وقد أيد ذلك حيث عبر عن جعلها مناطا لمعاش أصحابها بجعلها مناطا لمعاش الأولياء بقوله الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً اى جعلها الله شيأ تقومون به وتنتعشون فلو ضيعتموه لضعتم ولما كان المال سببا للقيام والاستقلال سماه بالقيام إطلاقا لاسم المسبب على السبب على سبيل المبالغة فكأنها من فرط قيامهم بها واحتياجهم إليها نفس قيامهم وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ الرزق من الله العطية من غير حد ومن العباد اجراء موقت محدود اى أطعموهم منها ولم يقل منها لئلا يكون ذلك امرا بان يجعلوا بعض أموالهم رزقا لهم بل أمرهم ان يجعلوا أموالهم مكانا لرزقهم بان يتجروا فيها ويثمروا فيجعلوا أرزاقهم من الأرباح لا من اصول الأموال وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً كلاما لينا تطيب به نفوسهم. قال القفال القول المعروف هو انه ان كان المولى عليه صبيا فالولى يعرفه ان المال ماله وهو خازن له وانه إذا زال صباه فانه يرد المال اليه وان كان المولى عليه سفيها وعظه ونصحه وحثه على الصلاة ورغبه فى ترك التبذير والإسراف وعرفه ان عاقبة التبذير الفقر والاحتياج الى الخلق الى ما يشبه هذا النوع من الكلام وإذا كان رشيدا فطلب ماله ومنعه الولي يأثم. وفى الآية تنبيه على عظم خطر المال وعظم نفعه.
قال السلف المال سلاح المؤمن هيئ للفقر الذي يهلك دينه وكانوا يقولون اتجروا واكتسبوا فانكم فى زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه وربما راو أرجلا فى جنازة فقالوا له اذهب الى دكانك. قال الامام وقد رغب الله فى حفظ المال فى آية المداينة حيث امر بالكتاب والشهادات والرهن والعقل ايضا يؤيد ذلك لان الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بتحصيل الدنيا والآخرة ولا يكون فارغ البال الا بواسطة المال لانه به يتمكن من جلب المنافع ودفع المضار
شب پراكنده خسبد آنكه بديد... نبود وجه بامدادانش
مور كرد آورد بتابستان... تا فراغت بود زمستانش
فمن أراد الدنيا بهذا الغرض كانت الدنيا فى حقه من أعظم الأسباب المعينة على اكتساب سعادة الآخرة اما من أرادها لنفسها وعينها كانت من أعظم المعوقات عن كسب سعادة الآخرة
فاذا قامت القيامة ففى أي دار أكون انا فضحك النبي ﷺ وقال (إذا حفظت عينيك عن اثنين عن النظر الى المحرمات والنظر الى الحلق بعين الاحتقار وحفظت قلبك عن اثنين عن الغل والحسد وحفظت لسانك عن اثنين عن الكذب والغيبة تكون معى فى الجنة)
تفسير سورة النساء
وهى مائة وخمس اوست او سبع وسبعون آية
بسم الله الرحمن الرحيم يا أَيُّهَا النَّاسُ خطاب عام يتناول الموجودين فى زمان الخطاب ومن بعدهم دون المنقرضين بدليل انهم ما كانوا متعبدين بشر عنا فلو كان عاما لجميع بنى آدم لزم ان يتعبدوا بشر عنا وهو محال اتَّقُوا رَبَّكُمُ فى حفظ ما بينكم من الحقوق وما يجب وصله ومراعاته ولا تضيعوه ولا تقطعوا ما أمرتم بوصله الَّذِي خَلَقَكُمْ اى قدر خلقكم حالا بعد حال على اختلاف صوركم وألوانكم مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ اى من اصل واحد وهو نفس آدم أبيكم وعقب الاتقاء بمنة الخلق كيلا يتقى الا الخالق وبين اتحاد الأب فان فى قطع التزاحم حضا على التراحم وَخَلَقَ مِنْها اى من تلك النفس يعنى من بعضها زَوْجَها امكم حواء بالمد من ضلع من أضلاعه اليسرى- روى- ان الله تعالى لما خلق آدم عليه السلام واسكنه الجنة القى عليه النوم فبينما هو بين النائم واليقظان خلق حواء من قصيراه فلما انتبه وجدها عنده فمال إليها وألفها لأنها كانت مخلوقة من جزء من اجزائه وأخرت حواء فى الذكر وان كانت مقدمة فى الخلق لان الواو لا ترتيب فيها وَبَثَّ اى فرق ونشر مِنْهُما من تلك النفس وزوجها المخلوقة بطريق التوالد والتناسل رِجالًا كَثِيراً تذكيره للحمل على الجمع والعدد وَنِساءً اى بنين وبنات كثيرة. واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها إذ الحكمة تقتضى ان يكون اكثر. وترتيب الأمر بالتقوى على هذه القصة لان المراد به تمهيد للامر بالتقوى فيما يتصل بحقوق اهل منزله وبنى جنسه على ما دلت عليه الآيات التي بعدها فكأنه قيل اتقوا ربكم الذي وصل بينكم حيث جعلكم صنوانا متفرعة من ارومة واحدة فيما يجب لبعضكم على بعض من حقوق المواصلة التي بينكم فحافظوا عليها ولا تغفلوا عنها وَاتَّقُوا اللَّهَ اى لا تقطعوا فى الدين والنسب اغصانا تتشعب من جرثومة واحدة الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ فيما بينكم حيث يقول بعضكم لبعض اسألك بالله وَالْأَرْحامَ اى يسأل بعضكم بعضا بالله فيقول بالله وبالرحم وانا شدك الله والرحم افعل كذا على سبيل الاستعطاف وجرت عادة العرب على ان أحدهم إذا استعطف غيره يقرن الرحم فى السؤال والمناشدة بالله ويستعطف به. فقوله والأرحام بالنصب عطف على محل الجار والمجرور كقولك مررت بزيد وعمرا أو على الله اى اتقوا الله واتقوا الأرحام فصلوها ولا تقطعوها وقد نبه سبحانه إذ قرن الأرحام باسمه على ان صلتها بمكان منه وعنه ﷺ (الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعنى قطعه الله) وقال ﷺ (ما من عمل حسنة اسرع
ثوابا من صلة الرحم وما من عمل سيئة اسرع عقوبة من البغي) فينبغى للعباد مراعاة الحقوق لان الكل أخ لاب وأم هما آدم وحواء سيما المؤمنين لان فيهم قرابة الايمان والدين وكذا الحال فى قرابة الطين إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً الرقيب هو المراقب الذي يحفظ عليك جميع افعالك اى حافظا مطلعا على جميع ما يصدر عنكم من الافعال والأقوال وعلى ما فى ضمائركم من النيات مريدا لمجازاتكم بذلك فبين الله تعالى انه يعلم السر وأخفى وانه إذا كان كذلك فيجب ان يكون المرء حذرا خائفا فيما يأتى ويذر. واعلم ان التقوى هى العمدة وهى سبب الكرامة العظمى فى الدنيا والعقبى- حكى- انه كان بالبصرة رجل معروف بالمسكى لانه كان يفوح منه رائحة المسك فسئل عنه فقال كنت من احسن الناس وجها وكان لى حياء فقيل لأبى لو أجلسته فى السوق لا نبسط مع الناس فاجلسنى فى حانوت بزاز فجازت عجوز وطلبت متاعا فاخرجت لها ما طلبت فقالت لو توجهت معى لثمنه فمضيت معها حتى أدخلتني فى قصر عظيم فيه قبة عظيمة فاذا فيها جارية على سرير عليه فرش مذهبة فجذبتنى الى صدرها فقلت الله الله فقالت لا بأس فقلت انى حازق فدخلت الخلاء وتغوطت ومسحت به وجهى وبدني فقيل انه مجنون فخلصت ورأيت الليلة رجلا قال لى اين أنت من يوسف بن يعقوب ثم قال أتعرفني قلت لا قال انا جبريل ثم مسح بيده على وجهى وبدني فمن ذلك الوقت يفوح المسك على من رائحة جبريل عليه السلام وذلك ببركة التقوى. والتقوى فى عرف الشرع وقاية النفس عما يضرها فى الآخرة وهى على مراتب. الاولى التوقي
عن العذاب المخلد بالتبري من الشرك وعليه قوله تعالى وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى. والثانية التجنب عن كل اثم وهو المتعارف باسم التقوى وهو المعنى بقوله تعالى وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا. والثالثة التنزه عن جميع ما يشغله وهو التقوى الحقيقي المطلوب بقوله تعالى اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ومن هذا القبيل ما حكى عن ذى النون المصري انه لما جاء اليه بعض الوزراء وطلب الهمة واظهر الخشية من السلطان قال له لو خشيت انا من الله كما تخشى أنت من السلطان لكنت من جملة الصديقين
گر نبودى اميد راحت ورنج پاى درويش بر فلك بودى
ور وزير از خدا بترسيدى همچنان كز ملك ملك بودى
فينبغى للسالك ان يتقى ربه ويراقب الله فى جميع أحواله كما قال تعالى إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً والمراقبة علم العبد باطلاع الرب سبحانه عليه فاستدامته لهذا العلم مراقبة لربه وهذا اصل كل خير ولا يكاد يصل الى هذه الرتبة الا بعد فراغه من المحاسبة فاذا حاسب نفسه على ما سلف وأصلح حاله فى الوقت ولازم طريق الحق واحسن ما بينه وبين الله من مراعاة القلب وحفظه مع الله الأنفاس وراقب الله سبحانه فى عموم أحواله فيعلم انه عليه رقيب ومن قلبه قريب يعلم أحواله ويرى أفعاله ويسمع أقواله ومن تغافل عن هذه الجملة فهو بمعزل عن بداية الوصلة فكيف عن حقائق القربة. قال سليمان بن على لحميد الطويل عظنى قال لئن كنت عصيت الله خاليا وظنت انه يراك فقد اجترأت على امر عظيم ولئن كنت تظن انه لا يراك فقد
فخير المال ما كان متاع البلاغ ولا ينبغى للمرء ان يسرف فى المال الذي يبلغه الى الآخرة والجنة والقربة
چودخلت نيست خرج آهسته تر كن كه ملاحان همى گويند سرودى
اگر باران بكوهستان نبارد بسالى دجله گردد خشك رودى
درخت اندر خزانها بر فشاند زمستان لاجرم بى برگ ماند
والاشارة ان الله تعالى جعله المال قياما لمصالح دين العباد ودنياهم فالعاقل منهم من يجعله قياما لمصالح دينه ما امكنه ولمصالح دنياه بقدر حاجته الضرورية اليه والسفيه من جعله لمصالح دنياه ما امكنه والمنهي عنه ان تؤتوا اليه أموالكم كائنا من كان ومن جملة السفهاء النفس التي هى أعدى عدوك وكل ما أنفقه الرجل على نفسه بهواها ففيه مفاسد دينه ودنياه الا المستثنى منه كما أشار تعالى بقوله وَارْزُقُوهُمْ فِيها يعنى ما يسد به جوع النفس وَاكْسُوهُمْ يعنى ما يستر عورتها فان ما زاد على هذا يكون إسرافا فى حق النفس والإسراف منهى عنه وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً فالقول المعروف مع النفس ان يقول أكلت رزق الله ونعمه فادى شكر نعمته بامتثال أوامره ونواهيه واذيبى طعامك بذكر الله كما قال عليه السلام (أذيبوا طعامكم بالصلاة والذكر) واقل ذلك ان يصلى ركعتين او يسبح مائة تسبيحة او يقرأ جزأ من القرآن عقيب كل أكلة وسببه انه إذا نام على الطعام من غير اذابته بالذكر والصلاة بعد أكله يقسو قلبه ونعوذ بالله من قسوة القلب ففى الاذابة رفع القسوة وأداء الشكر. واعلم ان فى قوله تعالى وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ إلخ اشارة اخرى وهى ان اموال العلوم وكنوز المعارف لا تؤتى لغير أهلها من العوام ولا تذكر كما حكى ان بعض الكبار ذكر بعض الكرامات لولى فنقل ذلك بعض السامعين فى مجلس آخر وأنكره رجل فلما رجع الى الأصل قال لا يباع الإبل فى سوق الدجاج
دريغست بأسفله گفت از علوم كه ضايع شود تخم در شوره بوم
وَابْتَلُوا الْيَتامى اى واختبروا ايها الأولياء والأوصياء من ليس من اليتامى بين السفه قبل البلوغ بتتبع أحوالهم فى صلاح الدين والاهتداء الى ضبط المال وحسن التصرف فيه وجربوهم بما يليق بحالهم فان كانوا من اهل التجارة فبان تعطوهم من المال ما يتصرفون فيه بيعا وابتياعا وان كانوا ممن له ضياع واهل وخدم فبان تعطوا منه ما يصرفونه الى نفقة عبيدهم وخدمهم واجرائهم وسائر مصارفهم حتى يتبين لكم كيفية أحوالهم حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ بان يحتلموا لانهم يصلحون عنده للنكاح فَإِنْ آنَسْتُمْ اى شاهدتم وتبينتم مِنْهُمْ رُشْداً صلاحا فى دينهم واهتداء الى وجوه التصرفات من غير عجز وتبذير فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ من غير تأخير عن حد البلوغ. وظاهر الآية الكريمة ان من بلغ غير رشيد اما بالتبذير او بالعجز لا يدفع اليه ماله ابدا وبه أخذ ابو يوسف ومحمد. وقال ابو حنيفة ينتظر الى خمس وعشرين سنة لان البلوغ بالسن ثمانى عشرة فاذا ازدادت عليها بسبع سنين وهى مدة معتبرة فى تغيير احوال الإنسان لما قال عليه السلام (مروهم بالصلاة لسبع) دفع اليه ماله او نس منه رشد او لم يونس وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً بغير حق حال اى مسرفين
وليس فيه اباحة القليل وتحريم الإسراف بل هو بيان انه إسراف وَبِداراً اى مبادرين ومسارعين الى إنفاقها مخافة أَنْ يَكْبَرُوا فتفرطون فى إنفاقها وتقولون ننفق كما نشتهى قبل ان تكبر اليتامى رشدا فينتزعوها من أيدينا ويلزمنا تسليمها إليهم وَمَنْ كانَ غَنِيًّا من الأولياء والأوصياء فَلْيَسْتَعْفِفْ فليتنزه عن أكلها وليمتنع وليقنع بما آتاه الله من الغنى والرزق إشفاقا على اليتيم وابقاء على ماله واستعفف ابلغ من عف كأنه يطلب زيادة العفة وَمَنْ كانَ من الأولياء والأوصياء فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ
اى بما عرف فى الشرع بقدر حاجته الضرورية واجرة سعيه وخدمته وفيه ما يدل على ان للوصى حقا لقيامه عليها فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ بعد ما راعيتم الشرائط المذكورة فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ بانهم تسلموها وقبضوها وبرئت منها ذممكم لما ان ذلك ابلغ من التهمة وانفى للخصومة وادخل فى الامانة وبراءة الساحة وان لم يكن واجبا عند أصحابنا فان الوصي مصدق فى الدفع مع اليمين وقال مالك والشافعي لا يصدق فى دعواه الا بالبينة وَكَفى بِاللَّهِ الباء صلة حَسِيباً محاسبا وحافظ الأعمال خلقه فلا تخالفوا ما أمرتم به ولا تجاوزوا ما حدّ لكم واعلموا ان اللائق للعاقل ان يحترز عن حق الغير خصوصا اليتيم فانه يجره الى نار الجحيم فأكل حقه من الكبائر ومن ابتلى بحق من حقوق العباد فعليه بالاستحلال
قبل الانتقال الى دار السؤال قال رسول الله ﷺ (من كانت عنده مظلمة لاخيه او شىء فليتحلله منه اليوم من قبل ان لا يكون دينار ولا درهم ان كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمة وان لم يكن له حسنات أخذ من سيآت صاحبه فحمل عليه ومن اجتمعت عليه مظالم وقد تاب عنها وعسر عليه استحلال ارباب المظالم فليكثر من حسناته ليوم القصاص وليسرّ ببعض الحسنات بينه وبين الله بكمال الإخلاص حيث لا يطلع عليه الا الله فعساه يقربه ذلك الى الله فينال به لطفه الذي ادخره لارباب الايمان فى دفع مظالم العباد عنهم بإرضائه إياهم).
قال العلماء إذا زنى بامرأة ولها زوج فما لم يجعل ذلك الرجل فى حل لا يغفر له لان خصمه الآدمي فاذا تاب وجعله فى حل فان يغفر له ويكتفى بحل منه ولا يذكر الزنى ولكن يقول كل حق لك على فاجعلنى فى حل منه ومن كل خصومة بينى وبينك وهذا صلح بالمعلوم على المجهول وذلك جائز كرامة لهذه الامة لان الأمم السالفة ما لم يذكروا الذنب لا يغفر لهم وكذا غصب اموال عباد الله وأكلها وضربهم وشتمهم وقتلهم كلها من الحقوق التي يلزم فيها إرضاء الخصماء والتوبة والمبادرة الى الأعمال الصالحة والافعال الحسنة فاذا لم يتب العبد من أمثال هذه ولم يرض خصماءه كان خاسرا خاليا عن العمل عند العرض الأكبر
نماند ستمكار بد روزگار بماند برو لعنت پايدار
چنان زى كه ذكرت بتحسين كند چومردى نه بر گور نفرين كنند
نبايد برسم بد آيين نهاد كه گويند لعنت بر ان كين نهاد
فينبغى للظالم ان يتوب من الظلم ويتحلل من المظلوم فى الدنيا فاذا لم يقدر عليه ينبغى ان يستغفر له ويدعو له فان يرجى ان يحلله بذلك. وعن فضيل بن عياض رحمه الله انه قال قراءة آية من
لهم قولا معروفا فى التشويق وارشاد الطريق والحث على الطلب والتوجه الى الحق والاعراض عن الدنيا وتقرير هو انها على الله وخسارة أهلها وعزة اهل الله فى الدارين وكمال سعادتهم فى المنزلين فاذا وقفت على هذا فاجتهد حتى لا تحرم من ميراثه الحقيقة ونصيب المعرفة ونعم ما قيل
ميراث پدر خواهى تو علم پدر آموز كين مال پدر خرج تو آن كرد بده روز
رزقنا الله وإياكم ثمرات الأحوال وبلغنا الى تصفية الباطن وإصلاح البال وَلْيَخْشَ الَّذِينَ صفتهم وحالهم انهم لَوْ تَرَكُوا اى لو شارفوا ان يتركوا مِنْ خَلْفِهِمْ اى بعد موتهم ذُرِّيَّةً ضِعافاً أولادا عجزة لأغنى لهم وذلك عند احتضارهم خافُوا عَلَيْهِمْ اى الضياع بعدهم لذهاب كافلهم وكاسبهم والفقر والتكفف والمراد بالذين هم الأوصياء أمروا ان يخشوا الله فيخافوا على من فى حجورهم من اليتامى وليشفقوا عليهم خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافا وشفقتهم عليهم وان يقدروا ذلك فى أنفسهم ويصوروه حتى لا يجسروا على خلاف الشفقة والرحمة فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ فى زرارى غيرهم وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً اى وليقولوا لليتامى مثل ما يقولون لأولادهم بالشفقة وحسن الأدب والترهيب ويدعوهم بيا بنى ويا ولدي ولا يؤذوهم إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً ظالمين او على وجه الظلم من اولياء السوء وقضاته وانما قيد به لانه إذا أكل منه بالمعروف عند الحاجة او بما قدر له به القاضي بقدر عمله فيه لم يعاقب عليه إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ اى ملئ بطونهم يقال أكل فى بطنه إذا ملأه وأسرف وفى معاه إذا اقتصد فيه ناراً اى ما يجر الى النار ويؤدى إليها فكأنه نار فى الحقيقة وَسَيَصْلَوْنَ اى سيدخلون يوم البعث سَعِيراً اى نارا مسعرة او هائلة مبهمة الوصف- روى- ان آكل مال اليتيم يبعث يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وانفه واذنيه وعينيه ويعرف الناس انه كان يأكل مال اليتيم فى الدنيا- وروى- انه لما نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس فاحترزوا عن مخالطة اليتامى بالكلية فصعب الأمر على اليتامى فنزل قوله تعالى وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فى الدين الآية وفى الحديث قال النبي عليه السلام (رأيت ليلة اسرى بي قوما لهم مشافر كمشافر الإبل إحداهما قالصة على منخريه والاخرى على بطنه وخزنة جهنم يلقمونه جمر جهنم وصخرها فقلت يا جبريل من هؤلاء قال الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما)
كسى كز صرصر ظلمش دمادم چراغ عيش مظلومان بميرد
نمى ترسد ازين كايزد تعالى اگر چهـ دير گيرد سخت گيرد
وقد امر الله تعالى ان لا يؤذى اليتيم ويقال له القول السديد فكيف يكون حال من آذاه وغيره من المؤمنين وأكل أموالهم بالغصب والظلم- روى- ان لجهنم جبابا يعنى مواضع كساحل البحر فيها حيات كالبخاتى وعقارب كالبغال الدلم فاذا استغاث اهل جهنم ان يخفف عنهم قيل لهم اخرجوا الى الساحل فيخرجون فتأخذ الحيات شفاههم ووجوههم ما شاء الله فيكشطن فيستغيثون فرارا منها الى النار فيسلط عليهم الجرب فيحك أحدهم جلده حتى
يبدو العظم فيقال يا فلان هل يؤذيك هذا فيقول نعم فيقال ذلك بما كنت تؤذى المؤمنين. فعلى المرء ان يجتنب عن الإيذاء وإيصال الألم الى الخلق فان الدعاء السوء من المظلومين يقبل البتة فى حق الظالم والمؤذى
خرابى كند مرد شمشير زن... نچندانكه دود دل طفل وزن
رياست بدست كسانى خطاست... كه از دست شان دستها بر خداست
مكافات موذى بمالش مكن... كه بيخش بر آورد بايد ز بن
سر گرگ بايد هم أول بريد... نه چون گوسفندان مردم دريد
قال رسول الله ﷺ (تقبلوا لى ستا أتقبل لكم الجنة إذا حدثتم فلا تكذبوا وإذا وعدتم فلا تخلفوا وإذا ائتمنتم فلا تخونوا وغضوا أبصاركم واحفظوا فروجكم وكفوا ايديكم عن الحرم وادخلوا الجنة) - وروى- عن ابن المبارك انه قال ترك فلس من حرام أفضل من مائة الف فلس يتصدق بها عنه. وعنه انه كان بالشام يكتب الحديث فانكسر قلمه فاستعار قلما فلما فرغ من الكتابة نسى فجعل القلم فى مقلمته فلما رجع الى مرو رأى القلم وعرفه فتجهز للخروج الى الشام قال رسول الله ﷺ (لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا وصمتم حتى تكونوا كالأوتار فما ينفعكم الا بالورع). قال ابراهيم بن أدهم رحمه الله الزهد ثلاثة اصناف. زهد فرض. وزهد فضل وزهد سلامة. فزهد الفرض هو الزهد فى الحرام. وزهد الفضل هو الزهد فى الحلال. وزهد السلامة هو الزهد فى الشبهات. وكان حسان بن ابى سنان لا ينام مضطجعا ولا يأكل سمينا ولا يشرب باردا ستين سنة فرؤى فى المنام بعد مامات فقيل له ما فعل الله بك فقال خيرا غير انى محبوس عن الجنة بابرة استعرتها فلم أردها. ومر عيسى عليه السلام بمقبرة فنادى رجلا منهم فاحياه الله تعالى فقال من أنت فقال كنت حمالا أثقل للناس فنقلت يوما لانسان حطبا فكسرت منه خلالا تخللت به فانا مطالب به منذمت
خوف دارى اگر ز قهر خدا... نروى راه حرام دنيا
يُوصِيكُمُ اللَّهُ اى يأمركم ويعهد إليكم فِي أَوْلادِكُمْ أولاد كل واحد منكم اى فى شأن ميراثهم وهو إجمال تفصيله لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ والمعنى منهم فحذف للعلم به اى يعد كل ذكر بأنثيين حيث اجتمع الصنفان فيضعف نصيبه فَإِنْ كُنَّ اى الأولاد والتأنيث باعتبار الخبر وهو قوله تعالى نِساءً اى خلصا ليس معهن ذكر فَوْقَ اثْنَتَيْنِ خبر ثان فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ اى المتوفى المدلول عليه بقرينة المقام وحكم البنتين كحكم ما فوقهما وَإِنْ كانَتْ اى المولودة واحِدَةً اى امرأة واحدة ليس معها أخ ولا اخت فَلَهَا النِّصْفُ مما ترك وَلِأَبَوَيْهِ اى لأبوى الميت لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ كائنا ذلك السدس مِمَّا تَرَكَ المتوفى إِنْ كانَ لَهُ اى للميت وَلَدٌ او ولد ابن ذكرا كان او أنثى واحدا او متعددا غير ان الأب فى صورة الأنوثة بعد ما أخذ فرضه المذكور يأخذ ما بقي من ذوى الفروض بالعصوبة فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ ولا ولد ابن وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فحسب فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ مما ترك والباقي للأب هذا إذا لم يكن
معهما أحد الزوجين اما إذا كان معهما أحد الزوجين فلأمه ثلث ما بقي من فرض أحدهما لا ثلث الكل كما قاله ابن عباس رضى الله عنهما فانه يفضى الى تفضيل الأم على الأب مع كونه أقوى منها فى الإرث بدليل أضعافه عليها عند انفرادهما عن أحد الزوجين وكونه صاحب فرض وعصبة وذلك خلاف وضع الشرع فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ اى عدد من الاخوة من غير اعتبار التثليث سواء كانت من جهة الأبوين او من جهة أحدهما وسواء كانوا ذكورا او إناثا او مختلطين وسواء كان لهم ميراث او محجوبين بالأب فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ واما السدس الذي حجبوها عنه فهو للأب عند وجوده ولهم عند عدمه وعليه الجمهور مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ متعلق بما تقدمه من قسمة المواريث كلها اى هذه الأنصباء للورثة من بعد ما كان من وصية يُوصِي بِها الميت وفائدة الوصف الترغيب فى الوصية والندب إليها أَوْ دَيْنٍ عطف على وصية الا انه غير مقيد بما قيدت به من الوصف بل هو مطلق يتناول ما ثبت بالبينة او الإقرار فى الصحة وانما قال بأو التي للاباحة دون الواو للدلالة على انهما متساويان فى الوجوب مقدمان على القسمة مجموعين ومنفردين وقدم الوصية على الدين وهى متأخرة فى الحكم لانها مشبهة بالميراث شاقة على الورثة مندوب إليها الجميع والدين انما يكون على الندور آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً الخطاب للورثة اى أصولكم وفروعكم الذين يتوفون لا تدرون أيهم انفع لكم أمن يوصى ببعض ماله فيعرضكم لثواب الآخرة بتنفيذ وصيته أم من لا يوصى بشىء فيوفر عليكم عرض الدنيا يعنى الاول انفع ان كنتم تحكمون نظرا الى ظاهر الحال بانفعية الثاني وذلك لان ثواب الآخرة لتحقق وصوله الى صاحبه ودوام تمتعه به مع
غاية قصر مدة ما بينهما من الحياة الدنيا اقرب واحضر وعرض الدنيا لسرعة نفاده وفنائه ابعد وأقصى فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ اى فرض الله ذلك الميراث فرضا إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بالخلق ومصالحهم حَكِيماً فى كل ما قضى وقدر ودبر. واعلم ان فى هذه الآية تنبيها على ان العبد ينبغى ان يجانب الميل الى جانبى الافراط والتفريط برأيه وعمله بل يستمسك بالعروة الوثقى التي هى العدالة فى الأمور كلها وهو الميزان السوي فيما بين الضعيف والقوى وذلك لا يوجد الا بمراعاة امر الله تعالى والمحافظة على الاحكام المقضية الصادرة من العليم بعواقب الأمور الحكيم الذي يضع كل شىء فى مرتبته فعليكم بالعدل الذي هو اقرب للتقوى والتجانب عن الجور بين العباد فى جميع الأمور خصوصا فيما بين الأقارب فان لهم مزيد فضل على الأجانب ولمكانة صلة الرحم عند الله قرن الأرحام باسمه الكريم فى قوله تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ فحافظوا على مراعاة حقوق أصولكم وفروعكم وآتوا كل ذى حق حقه فمن حقوق الوالدين على الولد ترك التأفيف والبر والتكلم بقول لطيف. وفى الخبر يسأل الولد عن الصلاة ثم عن حق الوالدين وتسأل المرأة عن الصلاة ثم عن حق زوجها ويسأل العبد عن الصلاة ثم عن حق المولى ثم ان الحق الوالدة أعظم من الوالد لكونها اكثر زحمة ورحمة- روى- ان رجلا قال يا رسول الله ان أمي هرمت عندى فاطعمها بيدي وأسقيها بيدي واوضيها واحملها على عاتقى فهل جازيت حقها قال (لا ولا واحدا من مائة) قال ولم يا رسول الله قال (لانها خدمتك
فى وقت ضعفك مريدة حياتك وأنت تخدمها مريدا مماتها ولكنك أحسنت والله يثيبك على القليل كثيرا) وجاء رجل الى النبي عليه السلام ليستشيره فى الغزو فقال (ألك والدة) قال نعم قال عليه السلام (فالزمها فان الجنة تحت رجليها) ذكره فى الاحياء قيل فيه ونعم ما قيل
جنت كه سراى مادرانست... زير قدمات مادرانست
روزى بكن اى خداى ما را... چيزى كه رضاى مادرانست
ويطيع الوالدين فيما أبيح فى دين الإسلام وان كانا مشركين ويهجرهما ان امراه بشرك او معصية قال تعالى وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما
چون نبود خويش را ديانت وتقوى... قطع رحم بهتر از مودت قربى
قال بعضهم كل ما لا يؤمن من الهلاك مع الجهل فطلب علمه فرض عين سواء كان من الأمور الاعتقادية كمعرفة الصانع وصفاته وصدق النبي عليه السلام فى أقواله وأفعاله او من الأعمال الحسنة المتعلقة بالظاهر كالصلاة والصوم وغيرهما او بالباطن كحسن النية والإخلاص والتوكل وغيرها او من السيئة المتعلقة بالظاهر كشرب الخمر وأكل الربا والنظر الى اجنبية بشهوة او بالباطن كالكبر والعجب والحسد وسائر الأخلاق الرديئة للنفس فان معرفة هذه الأمور فرض عين يجب على المكلف طلبها وان لم يأذن له أبواه واما ما سواها من العلوم فقيل لا يجوز له الخروج لطلبه الا بإذنهما. وفى فتاوى قاضى خان رجل طلب العلم وخرج بغير اذن والديه فلا بأس به ولم يكن عقوقا قيل هذا إذا كان ملتحيا فاذا كان امرد صبيح الوجه فلأبويه ان يمنعاه. واما حق الولد على الوالد فكالتسمية باسم حسن كأسماء الأنبياء والمضاف الى اسمه تعالى لان الإنسان يدعى فى الآخرة باسمه واسم أبيه قال عليه السلام (انكم تدعون يوم القيام باسمائكم واسماء آبائكم فاحسنوا أسماءكم) ولذا قيل يستحب تغيير الأسماء القبيحة المكروهة فان النبي ﷺ سمى المسمى بالعاصي مطيعا. وجاء رجل اسمه المضطجع فسماه المنبعث. ومن حقه عليه الختان وهو سنة. واختلفوا فى وقته قيل لا يختن حتى يبلغ لانه للطهارة ولا طهارة عليه حتى يبلغ وقيل إذا بلغ عشرا وقيل تسعا والاولى تأخير الختان الى ان يثغر الولد ويظهر سنه لما فيه من مخالفة اليهود لانهم يختنون فى اليوم السابع من الولادة. ومن حقه ان يرزقه بالحلال الطيب وان يعلمه علم الدين ويربيه بآداب السلف الصالحين: قال الشيخ سعدى قدس سره فى حق الأولاد
بخردى درش زجر وتعليم كن... به نيك وبدش وعده وبيم كن
بياموز پرورده را دست رنج... وگر دست دارى چوقارون گنج
بپايان رسد كيسه سيم وزر... نگردد تهى كيسه پيشه ور
- وروى- انس رضى الله عنه عن النبي عليه السلام قال يعق عنه فى اليوم السابع ويسمى ويماط عنه الأذى فاذا بلغ ست سنين ادب وإذا بلغ سبع سنين عزل فراشه وإذا بلغ عشر سنين ضرب على الصلاة وإذا بلغ ست عشرة زوجه أبوه ثم أخذ بيده وقال قد ادبتك وعلمتك وأنكحتك أعوذ بالله من فتنتك فى الدنيا وعذابك فى الآخرة. والحاصل انه ينبغى ان لا يعتمد الإنسان على رأى نفسه بل يكل امره الى الله فانه اعلم وارحم. والاشارة فى الآيات ان المشايخ للمريدين
كتاب الله والعمل بها أحب الى من ختم القرآن الف الف مرة وإدخال السرور على المؤمن وقضاء حاجته أحب الى من عبادة العمر كله وترك الدنيا ورفضها أحب الى من التعبد بعبادة اهل السموات والأرض وترك دانق من حرام أحب الى من مائتى حجة من المال الحلال. وقال ابو القاسم الحكيم ثلاثة أشياء تنزع الايمان من العبد. أولها ترك الشكر على الإسلام. والثاني ترك الخوف على ذهاب الإسلام. والثالث الظلم على اهل الإسلام وعن ابى ميسرة قال اتى بسوط الى رجل فى قبره بعد ما دفن يعنى جاءه منكر ونكير فقالا له انا ضارباك مائة سوط فقال الميت انا كنت كذا وكذا يتشفع حتى حطا عنه عشرا ثم لم يزل بهما حتى صارت الى ضربة واحدة فقالا له انا ضارباك ضربة واحدة فضرباه ضربة واحدة التهب القبر نارا فقال لم ضربتمانى قالا مررت برجل مظلوم فاستغاث بك فلم تغثه فهذا حال الذي لم يغث المظلوم فكيف يكون حال الظالم. واعلم ان الكبار يكفون أنفسهم عن المشتبهات فضلا عن الحرام فان اللقمة الطيبة لها اثر عظيم فى اجابة الدعاء ولذا قال الشيخ نجم الدين الكبرى قدس سره أول شرائط اجابة الدعاء إصلاح الباطن بلقمة الحلال وآخر شرائطها الإخلاص وحضور القلب يعنى التوجه الاحدى إذ القلب الحاضر فى الحضرة شفيع له قال تعالى فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فحركة الإنسان باللسان وصياحه من غير حضور القلب ولولة الواقف على الباب وصوت الحارس على السطح فعلى العاقل ان يحترز عن الحرام والمشتبهات كى يستجاب دعاؤه فى الخلوات لِلرِّجالِ نَصِيبٌ- روى- ان أوس بن صامت الأنصاري رضى الله عنه خلف زوجته أم كحة وثلاث بنات فزوى ابنا عمه سويد وعرفطة ميراثه عنهن على سنة الجاهلية فانهم ما كانوا يورثون النساء والأطفال ويقولون انما يرث من يحارب ويذب عن الحوزة فجاءت أم كحة الى رسول الله ﷺ فى مسجد الفضيخ فشكت اليه فقال (ارجعي حتى انظر ما يحدث الله) فنزلت هذه الآية فبعث إليهما لا تفرقا من مال أوس شيأ فان الله قد جعل لهن نصيبا ولم يبين حتى يبين فنزل يوصيكم الله إلخ فأعطى أم كحة الثمن والبنات الثلثين والباقي لا بنى العم والمعنى لذكور أولاد الميت حظ كائن مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ من ذوى القرابة للميت والمراد المتوارثون منهم دون المحجوبين عن الإرث وهم الأبوان والزوجان والابن والبنت وَلِلنِّساءِ اى لجماعة الإناث نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ مما الاخيرة باعادة الجار بدل وإليها يعود الضمير المجرور وهذا البدل مراد فى الجملة الاولى ايضا محذوف للتعويل على المذكور وفائدته دفع توهم اختصاص بعض الأموال ببعض الورثة كالخيل وآلات الحرب للرجال وتحقيق ان لكل من الفريقين حقا من كل ما جل ودق نَصِيباً مَفْرُوضاً نصب على الاختصاص اى اعنى نصيبا مقطوعا مفروضا واجبا لهم وفيه دليل على ان الوارث لو اعرض عن نصيبه لم يسقط حقه وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ اى قسمة التركة والميراث أُولُوا الْقُرْبى للميت ممن لا يرث منه وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ من الأجانب فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ اى أعطوهم شيأ من المال المقسوم المدلول عليه بالقسمة او مما ترك الوالدان والأقربون وهو امر ندب كلف به البالغون
من الورثة تطييبا لقلوب الطوائف المذكورة وتصدقا عليهم وكان المؤمنون يفعلون ذلك إذا اجتمعت الورثة وحضرهم هؤلاء فرضخوا لهم بشىء من ورثة المتاع فحثهم الله على ذلك تأديبا من غير ان يكون فريضة فلو كان فريضة لضرب له حد ومقدار كما لغيره من الحقوق وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً وهو ان يدعوا لهم ويقولو أخذوا بارك الله عليكم ويستقلوا ما أعطوهم ويعتذروا من ذلك ولا يمنوا عليهم وكل ما سكنت اليه النفس وأحبته لحسنه شرعا او عقلا من قول او عمل فهو معروف وما أنكرته لقبحه شرعا او عقلا فهو منكر وفى الحديث (كل معروف صدقة) وفى المثل اصنع المعروف والقه فى الماء فان لم يعرفه السمك يعرفه من سمك السماء.
تو نيكى كن بآب انداز اى شاه اگر ماهى نداند داند الله
- حكى- ان حية أتت رجلا صالحا فقالت أجرني من عدوى أجارك الله ففتح لها رداءه فقالت يرانى فيه فان أردت المعروف فافتح فاك حتى ادخل فيه فقال أخشى ان تهلكينى قالت لا والله والله وسكان سمواته وارضه شاهدة على ذلك ففتح فاه فدخلت ثم عارضه رجل فى ذلك فانكر فلما اندفع خوفها قالت يا أحمق اختر لنفسك كبدك او فؤادك فقال اين العهد واليمين قالت ما رأيت أحمق منك إذ نسيت العداوة التي بينى وبين أبيك آدم وما الذي حملك على اصطناع المعروف مع غير اهله فقال مهلينى حتى آتى تحت هذا الجبل ثم توجه الى الله فظهر رجل حسن الوجه طيب الرائحة وأعطاه ورقة خضراء وامره بالمضغ ففعل فلم يلبث إلا خرج قطع الحية من الأسفل فخلصه الله تعالى من شرها ثم سأل من أنت فقال انا المعروف وموضعى فى السماء الرابعة وأنت لما دعوت الله ضجت الملائكة فى السموات السبع الى الله فانطلقت الى الجنة وأخذت من شجرة طوبى ورقة بامر الله فاصنع المعروف فانه لا يضيع عند الله وان ضيعه المصطنع اليه
نكوكارى از مردم نيك رأى يكى را بده مى نويسد خداى
ومما يكتب من الصدقة الكلمة الطيبة والشفاعة الحسنة والمعونة فى الحاجة وعيادة المريض وتشييع الجنازة وتطييب قلب مسلم وغير ذلك. واعلم ان الرجال فى الحقيقة أقوياء الطلبة والسلاك فلهم نصيب بقدر صدقهم فى الطلب ورجوليتهم فى الاجتهاد مما ترك المشايخ والاخوان فى الله والأعوان على الطلب وتركتهم بركنهم وسيرتهم فى الدين وأنوار هممهم العلية ومواهب ولا يتهم السنية والنساء ضعفاء القوم فلهم ايضا نصيب مفروض اى قدر معلوم على وفق صدق التجائهم اليه وجدهم فى الطلب وحسن استعدادهم لقبول فيض الولاية وهذا حال المجتهدين الذين هم ورثة المشايخ كما انهم ورثة الأنبياء فاما المنتمون الى ولايتهم بالارادة وحسن الظن والمقتبسون من أنوارهم والمقتفون على آثارهم والمشبهون بزيهم والمتبركون بهم على تفاوت درجاتهم فهم بمثابة اولى القربى واليتامى والمساكين إذا حضروا القسمة عند محافل صحبتهم ومجامع سماعهم ومجالس ذكرهم فانها مقاسم خيراتهم وبركاتهم فارزقوهم منه اى من مواهب ولا يتهم وآثار هدايتهم واعطاف عن آيتهم والطاف رعايتهم وقولوا
بمثابة الآباء للاولاد فان الشيخ فى قومه كالنبى فى أمته على ما قاله عليه السلام وقال ﷺ (انا لكم كالوالد لولده) ففى قوله يُوصِيكُمُ اللَّهُ الآية اشارة الى وصايات المشايخ والمريدين ووراثتهم فى قرابة الدين لقوله تعالى أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ فكما ان الوراثة الدنيوية بوجهين بالسبب والنسب فكذلك الوراثة الدينية بهما. اما السبب فهو الارادة ولبس خرقتهم والتبرك بزيهم والتشبه بهم. واما النسب فهو الصحبة معهم بالتسليم لتصرفات ولايتهم ظاهرا وباطنا بصدق النية وصفاء الطوية مستسلما لاحكام التسليك والتربية ليتوالد السالك بالنشأة الثانية فان الولادة تنقسم على النشأة الاولى وهى ولادة جسمانية بان يتولد المرء من رحم الام الى عالم الشهادة وهو الملك والنشأة الثانية وهى ولادة روحانية بان يتولد السالك من رحم القلب الى عالم الغيب وهو الملكوت كما حكى النبي عليه السلام عن عيسى عليه السلام انه قال [لن يلج ملكوت السموات والأرض من لم يولد مرتين] فالشيخ هو الأب الروحاني والمريدون المتولدون من صلب ولايته هم الأولاد الروحانيون وهم فيما بينهم أولوا الأرحام بعضهم اولى ببعض فى كتاب الله كقوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ وقال عليه السلام (الأنبياء اخوة من علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد) ولهذا قال عليه السلام (كل حسب ونسب ينقطع إلا حسبي ونسبى) لان نسبه كان بالدين كما سئل من النبي ﷺ من آلك يا رسول الله قال (آلى كل مؤمن تقى) وانما يتوارث اهل الدين على قدر تعلقاتهم السببية والنسبية والذكورة والأنوثة والاجتهاد وحسن الاستعداد وانما مواريثهم العلوم الدينية واللدنية كما قال ﷺ (العلماء ورثة الأنبياء وان الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وانما ورثوا العلم فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر) :قال مولانا جلال الدين الرومي قدس سره
چون گزيدى پير نازك دل مباش سست وريزيده چوآب وگل مباش «١»
چون گرفتى پير هين تسليم شو همچوموسى زير حكم خضر رو
گر تو سنگ وصخره ومرمر شوى چون بصاحب دل رسى گوهر شوى «٢»
نار خندان باغ را خندان كند صحبت مردانت از مردان كند
وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ من المال إذا متن وبقيتم بعدهن إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ اى ولد وارث من بطنها او من صلب بنيها او بنى بنيها وان سفل ذكرا كان او أنثى واحدا كان او متعددا منكم او من غيركم والباقي لورثتهن من ذوى الفروض والعصبات او غيرهم او لبيت المال ان لم يكن لهن وارث آخر أصلا فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ على نحو ما فصل فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ اى تركت أزواجكم من المال والباقي لباقى الورثة مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ متعلق بكلتا الصورتين الا بما يليه وحده يُوصِينَ بِها أَوْ من بعد قضاء دَيْنٍ سواء كان ثبوته بالبينة او بالإقرار وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ ان متم وبقين بعدكم إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ ذكر او أنثى منهن او من غير هن او ولد ابن والباقي لبقية وراثتكم من اصحاب الفروض والعصبات او ذوى الأرحام او لبيت المال ان لم يكن لكم وارث آخر أصلا فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ على التفصيل المذكور فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ من المال والباقي
(١) در اواخر دفتر يكم در بيان وصيت كردن رسول خدا ﷺ مر على را إلخ
(٢) در أوائل دفتر يكم در بيان منازعت كردن امرا با يكديكر
مولاك نأتك الدنيا راغمة والآخرة راغبة. ومن كلامه من ادعى ثلاثا بغير ثلاث فهو كذاب من ادعى حب الجنة من غير انفاق ماله فهو كذاب. ومن ادعى محبة الله من غير ورع عن محارم الله فهو كذاب. ومن ادعى محبة النبي عليه السلام من غير محبة الفقراء فهو كذاب وكلما ازداد العبد فى عبادة الله وطاعته ازداد قربا منه وبعدا من كيد الشيطان. قال السرى سألت معروف الكرخي عن الطائعين لله بأى شىء قدروا على الطاعة قال بخروج الدنيا من قلوبهم ولو كانت فى قلوبهم ما صحت لهم سجدة: قال جلال الدين الرومي قدس سره
بند بگسل باش آزاد اى پسر چند باشى بند سيم وبند زر «١»
هر كه از ديدار برخوردار شد اين جهان در چشم او مردار شد «٢»
ذكر حق كن بانگ غولانرا بسوز چشم نرگس را ازين كركس بدوز «٣»
ومن أكرمه الله بمعرفة عظمته اضطر الى كمال طاعته- حكى- ان شابا من بنى إسرائيل رفض دنياه واعتزل الناس وجعل يتعبد فى بعض النواحي فخرج اليه رجلان من مشايخ قومه ليرداه الى منزله فقالا له يا من أخذت بامر شديد لا صبر عليه فقال لهما الشاب قيامى بين يدى الله أشد من هذا فقالا ان كل اقربائك مشتاق إليك فعبادتك فيهم أفضل فقال الشاب ان الله تعالى إذا رضى عنى يرضى كل قريب وبعيد فقالا له أنت شاب لا تعلم وانا جربنا هذا الأمر وانا نخاف العجب فقال لهما الشاب من عرف نفسه لم يضره العجب فنظر أحدهما الى صاحبه فقال له قم فان هذا الشاب وجدريح الجنة ولا يقبل قولنا. وعن وهب بن منبه كان داود عليه السلام جعل نوبة عليه وعلى اهله وأولاده ولا تمر ساعة من الليل الا وهو يصلى ويذكر ففى سره تحرك قلبه بالنظر الى طاعته وكان بين يديه نهر فانطق الله ضفدعا فقال والذي أكرمك بالنبوة انه منذ خلقنى الله تعالى وانا قائم على رجل ما استرحت مع انى لا أرجو الثواب ولا أخاف العقاب فما عجبك فيه يا داود فعلم ان المحسن هو الذي يعلم انه مسيئ ولا يعجب بطاعته فلا بد للمؤمن من العمل الصالح ومن الصون عما يبطله من رؤيته وسائر الأمراض الفاسدة ولذلك كان الكبار يختارون الوحدة. قال الامام جعفر الصادق وكذا سفيان الثوري هذا زمان السكوت وملازمة البيوت فقيل لسفيان إذا لازمنا بيوتنا فمن اين يحصل لنا الرزق قال اتقوا الله فان الله يرزق المتقين من غير كسب كما قال تعالى وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ: قال جلال الدين الرومي
بر دل خود كم نه انديشه معاش عيش كم نايد تو بر درگاه باش «٤»
وَاللَّاتِي جمع التي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ الإتيان الفعل والمباشرة والفاحشة الفعلة القبيحة أريد بها الزنى لزيادة قبحه على كثير من القبائح اى اللاتي يفعلن الزنى كائنات مِنْ نِسائِكُمْ اى من زوجاتكم فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ اى فاطلبوا ان يشهد عليهن بإتيانها اربعة من رجال المؤمنين واحرارهم فَإِنْ شَهِدُوا عليهن بذلك فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ فاحبسوهن فيها واجعلوها سجنا عليهن حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ اى يأخذهن الموت ويستوفى ارواحهن. وفيه تهويل للموت وإبراز له فى صورة من يتولى قبض الأرواح او
(١) در ديباچهـ دفتر يكم
(٢) در أوائل دفتر دوم در بيان فروختن صوفيان بهيمه صوفى مسافر را از جهت سفره وسماع
(٣) در أوائل دفتر دوم در بيان تمثيل بر حقيقت واطلاع بر كشف آن
(٤) در أوائل دفتر دوم در بيان حلوا خريدن شيخ احمد خضرويه إلخ
يتوفاهن ملائكة الموت أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا اى طريقا يخرجن به من الحبس بان تنكح فانه مغن عن السفاح اى الزنى وَالَّذانِ تثنية الذي يَأْتِيانِها اى الفاحشة مِنْكُمْ هما الزاني والزانية بطريق التغليب. قال السدى أريد بهما البكران منهما كما ينبئ عنه كون عقوبتهما أخف من الحبس المخلد وبذلك يندفع التكرار فَآذُوهُما فوبخوهما وذموهما وقولوا لهما أما استحييتما أما خفتما الله وذلك بعد الثبوت فَإِنْ تابا عما فعلا من الفاحشة بسبب ما لقيا من زواجر الاذية وقوارع التوبيخ وَأَصْلَحا اى لعملهما وغير الحال فَأَعْرِضُوا عَنْهُما بقطع الاذية والتوبيخ فان التوبة والإصلاح مما يمنع استحقاق الذم والعقاب إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً مبالغا فى قبول التوبة رَحِيماً واسع الرحمة. واعلم ان الرجل إذا زنى بامرأة وهما محصنان فحدهما الرجم لا غير وان كانا غير محصنين فحدهما الجلد لا غير وان كان أحدهما محصنا والآخر غير محصن فعلى المحصن منهما الرجم وعلى الآخر الجلد والمحصن هو ان يكون عاقلا بالغا مسلما حرا دخل بامرأة بالغة عاقلة حرة مسلمة بنكاح صحيح فالرجم كان مشروعا فى التوراة ثم نسخ بآية الإيذاء من القرآن ثم صار الإيذاء منسوحا بآية الحبس وآية الإيذاء وان كانت متأخرة فى الترتيب والنظم الا انها سابقة على الاولى نزولا ثم صار الحبس منسوخا بحديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة) ثم نسخ هذا كله بآية الجلد الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وصار الحد هو الحلد فى كل زان وزانية ثم صار هذا منسوخا بالرجم فى حق المحصن بحديث ما عز رضى الله عنه وبقي غير المحصن فى حكم الجلد وهو الترتيب فى الآيات والأحاديث وعليه استقر الحكم عندنا كذا فى تفسير التيسير. فالواجب على كل مسلم ان يتوب من الزنى وينهى الناس عن ذلك فان كل موضع ظهر فيه الزنى ابتلاهم الله بالطاعون ويزيد فقرهم. قال ابن مسعود رضى الله عنه سألت رسول الله ﷺ أي ذنب أعظم عند الله قال (ان تجعل لله ندا وهو خلقك) قلت ثم أي قال (ان تقتل ولدك خشية ان يأكل معك) قلت ثم أي قال (ان تزنى بحليلة جارك) وأشد الزنى ما هو مصر عليه وهو الرجل الذي يطلق امرأته وهو يقيم معها بالحرام ولا يقر عند الناس مخافة ان يفتضح فكيف لا يخاف فضيحة الآخرة يوم تبلى السرائر يعنى تظهر الاسرار فاحذر فضيحة ذلك اليوم واجتنب الزنى ولا تصر عليه فانه لا طاقة لك مع عذاب الله وتب الى الله فان الله كان يقبل التوبة عن عباده ان الله كان توابا رحيما: قال مولانا جلال الدين الرومي قدس سره
مركب توبه عجائب مركبست بر فلك تازد بيك لحظه ز پست «١»
چون بر آرند از پشيمانى انين عرش لرزد از انين المذنبين «٢»
عمر اگر بگذشت بيخش اين دم است آب توبه اش ده اگر او بي نمست «٣»
بيخ عمرت را بده آب حيات تا درخت عمر گردد بإثبات
جمله ماضيها ازين نيكو شوند زهر پارينه ازين گردد چوقند
(١) در أوائل دفتر ششم در بيان حكايت آن صياد كه خود را در گياه پيچيده بود إلخ
(٢) در اواخر دفتر ششم در بيان استمداد عارف او سرچشمه حيات أبدى إلخ
(٣) در اواسط دفتر پنجم در بيان رسيدن زن بخانه وجدا شدن زاهد از كنيزك
والاشارة فى تحقيق الآيتين ان وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ هى النفوس الامارة بالسوء والفاحشة ما حرمته الشريعة من اعمال الظاهر وحرمته الطريقة من احوال الباطن وهى الركون الى غير الله قال عليه السلام (سعد غيور وانا أغير منه والله أغير منا ولهذا حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن) فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ على النفوس بإتيان الفاحشة أَرْبَعَةً مِنْكُمْ اى من خواص العناصر الاربعة التي أنتم منها مركبون وهى التراب ومن خواصه الخسة والركاكة والذلة والطمع والمهانة واللؤم. والماء ومن خواصه اللين والعجز والكسل والأنوثة والشره فى المأكل وفى المشرب والهواء ومن خواصه الحرص والحسد والبخل والحقد والعداوة والشهوة والزينة. والنار ومن خواصها التبختر والتكبر والفخر والصلف والحدة وسوء الخلق وغير ذلك مما يتعلق بالأخلاق الذميمة ورأسها حب الدنيا والرياسة واستيفاء لذاتها وشهواتها فَإِنْ شَهِدُوا اى ظهر بعض هذه الصفات من النفوس فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ فاحبسوهن فى سجن المنع عن التمتعات الدنيوية فان الدنيا سجن المؤمن وأغلقوا عليهن أبواب الحواس الخمس حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ اى تموت النفس إذا انقطع عنها حظوظها دون حقوقها والى هذا أشار بقوله عليه السلام (موتوا قبل ان تموتوا) أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا بانفتاح روزنة القلوب الى عالم الغيوب فتهب منها الطاف الحق وجذبات الالوهية التي جذبة منها توازى عمل الثقلين وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ اى النفس والقالب يأتيان الفواحش فى ظاهر الافعال والأعمال وباطن الأحوال والأخلاق فَآذُوهُما ظاهرا بالحدود وباطنا بترك الحظوظ وكثرة الرياضات والمجاهدات فَإِنْ تابا ظاهرا وباطنا وَأَصْلَحا لذلك فَأَعْرِضُوا عَنْهُما باللطف بعد العنف وباليسر بعد العسر فان مع العسر يسرا إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً لمن تاب رَحِيماً لمن أصلح من تفسير نجم الدين الرازي الكبرى إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ اى ان قبول التوبة كالمحتوم على الله بمقتضى وعده من تاب عليه إذا قبل توبته لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ اى المعصية صغيرة كانت او كبيرة. فقوله انما التوبة على الله مبتدأ وخبره ما بعده بِجَهالَةٍ اى يعملون ملتبسين بها اى جاهلين سفهاء فان ارتكاب الذنب مما يدعو اليه الجهل ولذلك قيل من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع من جهالته. وفى التيسير ليست هذه جهالة عدم العلم لانه ذنب لان ذلك عذر لكنها التغافل والتجاهل وترك التفكر فى العاقبة كفعل من يجهله ولا يعلمه ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ اى من زمان قريب وهو ما قبل حضور الموت اى قبل ان يغر غروا وسماه قريبا لان أمد الحياة الدنيا قريب قال تعالى قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ فعمر الدنيا قليل قريب الانقضاء فما ظنك بعمر فرد ومن تبعيضية اى يتوبون بعض زمان قريب كأنه سمى ما بين وجود المعصية وبين حضور الموت زمانا قريبا ففى أي جزء تاب من اجزاء هذا الزمان فهو تائب فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ اى يقبل توبتهم وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بخلقه يعلم إخلاصهم فى التوبة حَكِيماً فى صنعه والحكيم لا يعاقب التائب. فعلى المؤمن ان يتدارك الزلة بالتوبة والاستغفار ويسارع فى الرجوع الى الملك الغفار- روى- ان جبريل عليه السلام أتاه عند موته فقال يا محمد
الرب يقرئك السلام ويقول من تاب قبل موته بجمعة قبلت توبته قال ﷺ (الجمعة كثيرة) فذهب ثم رجع وقال قال الله تعالى من تاب قبل موته بساعة قبلت توبته فقال (الساعة كثيرة) فذهب ثم رجع وقال ان الله يقرئك السلام ويقول ان كان هذا كثيرا فلو بلغ روحه الخلق ولم يمكنه الاعتذار بلسانه واستحيى منى وندم بقلبه غفرت له ولا أبالي قال ﷺ (ان الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر) اى لم يبلغ روحه الحلقوم وعند ذلك يعاين ما يصير اليه من رحمة او هوان ولا ينفع حينئذ توبة ولا ايمان قال تعالى فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا فالتوبة مبسوطة للعبد يعاين قابض الأرواح وذلك عند غرغرته بالروح وانما يغرغر به إذا قطع الوتين فشخص من الصدر الى الحلقوم فعندها المعاينة وعندها حضور الموت فيجب على الإنسان ان يتوب قبل المعاينة والغرغرة وهو معنى قوله تعالى ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ وانما صحت منه التوبة فى هذا الوقت لان
الرجاء باق ويصح الندم والعزم على ترك الفعل: قال السعدي قدس سره
طريق بدست آر وصلحى بجوى شفيعى برانگيز وعذرى بگوى
كه يك لحظه صورت نبندد امان چو پيمانه پر شد بدور وزمان
والتوبة فرض على المؤمنين ولها شروط اربعة. الندم بالقلب. وترك المعصية فى الحال. والعزم على ان لا يعود الى مثلها. وان يكون ذلك حياء من الله تعالى وخوفا منه لا من غيره قال الحسن البصري استغفارنا يحتاج الى استغفار. قال القرطبي فى تذكرته هذا يقوله فى زمانه فكيف فى زماننا هذا الذي يرى فيه الإنسان مكبا على الظلم حريصا عليه لا يقلع والسبحة فى يده زاعما انه يستغفر من ذنبه وذلك استهزاء منه واستخفاف ومن اظلم ممن اتخذ آيات الله هزؤا فيلزم حقيقة الندم- روى- ان الملائكة تعرج الى السماء بسيآت العبد فاذا عرضوها على اللوح المحفوظ يجدون مكانها حسنات فيخرون على وجوههم ويقولون ربنا انك تعلم انا ما كتبنا عليه الا ما عمل فيقول الله تعالى صدقتم ولكن عبدى ندم على خطيئته واستشفع الىّ بدمعه فغفرت ذنبه وجدت عليه بالكرم وانا أكرم الأكرمين: قال مولانا جلال الدين قدس سره
از پى هر گريه آخر خنده ايست مرد آخر بين مبارك بنده ايست «١»
هر كجا آب روان سبزه بود هر كجا أشك روان رحمت شود
تا نگريد ابركى خندد چمن تا نگريد طفل كى جوشد لبن «٢»
قال احمد بن عبد الله المقدسي سألت ابراهيم بن أدهم عن بده حاله فقال نظرت من شباك قصرى فرأيت فقيرا بفناء القصر قد أكل الخبز بالماء والملح ثم نام فدعوته وقلت له قد شبعت وتهيأت للنوم قال نعم فتبت الى الله ولبست الليلة مسوحا وقلنسوة من صوف وخرجت حافيا الى مكة واعلم ان الله إذا أراد بعبد خيرا اصطفاه لنفسه وجعل فى قلبه سراجا يفرق بين الحق الباطل ويبصر عيوب نفسه حتى يترك الدنيا وحطامها ويلقى عليها زمامها: قال جلال الدين رومى قدس سره
(١) در أوائل دفتر يكم در بيان كثر ماندن دهان آن شخص گستاخ كه إلخ
(٢) در أوائل دفتر پنجم در بيان سبب رجوع آن كافر وديدن پيغمبر را در شستن
للباقين مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ اى بعد إخراج الوصية وقضاء الدين هذا كله إذا لم يمنع مانع من الموانع الاربعة كقتل واختلاف دين ورق واختلاف دار وَإِنْ كانَ رَجُلٌ اى ذكر ميت يُورَثُ اى يورث منه من ورث لا من أورث صفة رجل كَلالَةً خبر كان اى من لا ولد له ولا والد وهى فى الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو الاعياء فى التكلم ونقصان القوة فيه فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد والوالد لضعفها بالنسبة الى القرابة من جهتهما أَوِ امْرَأَةٌ عطف على رجل مقيد بما قيد به اى ان كان الميت أنثى يورث منها كلالة وَلَهُ اى وللميت الموروث منه سواء كان رجلا او امرأة أَخٌ أَوْ أُخْتٌ كلاهما من الام بالإجماع لان حكم غيرهما سيبين فى آخر السورة فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا اى اى من الأخ والاخت من الام السُّدُسُ من غير تفضيل للذكر على الأنثى لان الأدلاء الى الميت بمحض الأنوثة فَإِنْ كانُوا اى أولاد الام أَكْثَرَ فى الوجود مِنْ ذلِكَ اى من الأخ او الاخت المنفردين بواحد او اكثر فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ يقتسمونه بالسوية لا يزيد نصيب ذكرهم على أنثاهم والباقي لبقية الورثة من اصحاب الفروض والعصبات مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ قوله غير مضار نصب حالا من فاعل يوصى المقدر المدلول عليه بقوله يوصى على البناء للمفعول اى يوصى الميت بما ذكر من الوصية والدين حال كونه غير مدخل الضرر على الورثة بما زاد على الثلث او تكون الوصية لقصد الإضرار بهم وبان يقر فى المرض بدين كاذبا وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ اى يوصيكم الله وصية بها لا يجوز تغيرها قال عليه السلام (من قطع ميراثا فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة) وَاللَّهُ عَلِيمٌ بالمضار وغيره حَلِيمٌ لا يعاجل بالعقوبة فلا يغتر بالامهال تِلْكَ اى الاحكام التي تقدمت فى امر اليتامى والوصايا والمواريث حُدُودُ اللَّهِ شرائعه التي هى كالحدود المحدودة التي لا يجوز مجاوزتها وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فى جميع الأوامر والنواهي التي من جملتها ما فصل هاهنا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها صيغة الجمع اى خالدين بالنظر الى جمعية من بحسب المعنى وَذلِكَ اى هذا الثواب الْفَوْزُ الْعَظِيمُ اى النجاة الوافرة يوم القيامة والظفر الذي لا ظفر وراءه وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ولو فى بعض الأوامر والنواهي وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ شرائعه المحدودة فى جميع الاحكام يُدْخِلْهُ ناراً اى عظيمة هائلة لا يقادر قدرها خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ اى وله غير عذاب الحريق الجسماني عذاب آخر لا يعرف كنهه وهو العذاب الروحاني كما يؤذن به وصفه والجملة حالية وأفرد خالدا فى اهل النار وجمع فى اهل الجنة لان الانفراد وحشة وعذابا للنفس وذلك انسب بحال اهل النار. اعلم ان الاطاعة سبب لنيل المطالب الدنيوية والاخروية ويرشدك على شرف الاطاعة ان كلب اصحاب الكهف لما تبعهم فى طاعة الله وعد له دخول الجنة
با بدان يار گشت همسر لوط... خاندان نبوتش گم شد
سگ اصحاب كهف روزى چند... پى مردم گرفت ومردم شد
فاذا كان من اتبع المطيعين كذلك فما ظنك بالمطيعين. قال حاتم الأصم قدس سره الزم خدمة
ملك بر هم زن تو ادهم وار زود تا بيابى همچواو ملك خلود
اين جهان خود حبس جانهاى شماست هين رويد آن سو كه صحراى شماست
قال العطار قدس سره
نقاب از روى چون خورشيد بردار اگر هستى ز روى خود خبر دار
ز كوه قاف جسمانى گذر كن بدار الملك روحانى سفر كن
مشو مغرور اين ملك مزور نه عزت ماند ونه مال ونه زر
اگر رنگت فرو شويند ز رخسار خريدارت بنامش كس ببازار
عصمنا الله وإياكم من الركون الى الدنيا وموت القلب بالإصرار على الهوى فى الصبح والمساء وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ اى الذنوب حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ اى وقع فى سكرات الموت وشاهد ملك الموت سوى علاماته فان التوبة تقبل فيها قالَ عند النزع ومشاهدة ما فيه إِنِّي تُبْتُ الْآنَ من ذنوبى يعنى لا يقبل التوبة منه ثمة لانها حالة الاضطرار دون حالة الاختيار وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ عطف على الذين يعملون السيئات اى ليست التوبة للذين ماتوا وَهُمْ كُفَّارٌ مصرون على كفرهم إذا تابوا عند قرب الموت او عند معاينة العذاب فى الآخرة أُولئِكَ اى الفريقان أَعْتَدْنا أصله أعددنا أبدلت الدال الاولى تاء لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً اى هيأنا لهم عذابا وجيعا دائما. اعلم ان الله تعالى سوى بين من سوف التوبة وآخرها الى حضور الموت من الفسقة وبين من مات على الكفر فى نفى التوبة للمبالغة فى عدم الاعتداد بها فى تلك الحالة كأنه قال توبة هؤلاء وعدم توبة هؤلاء سواء فى انه لا توبة لهم لان حضرة الموت أول احوال الآخرة فكما ان الميت على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين فكذلك المسوف الى حضرة الموت لعدم محلها وتلك التسوية لكيلا يهمل المذنب فى امر التوبة ولا يتأهل العاقل فى المسارعة الى طلب المغفرة: قال جلال الدين رومى قدس سره
كرسيه كردى تو نامه عمر خويش توبه كن زانها كه كردستى تو پيش «١»
توبه آرند وخدا توبه پذير امر او گيرند واو نعم الأمير «٢»
وإذا هب من الله رياح العناية تجد العبد يسرع الى التوبة ويمد نفسه الى أسبابها ويتأثر بشىء يسير فيتوب عن قبح معاملته. قال ابو سليمان الداراني اختلفت الى مجلس قاص فأثر فى قلبى كلامه فلما قمت لم يبق فى قلبى شىء فعدت ثانيا فبقى اثر كلامه فى قلبى حتى رجعت الى منزلى وكسرت آلة المخالفات ولزمت الطريق فحكى هذه الحكاية ليحيى بن معاذ فقال عصفور اصطاد كركيا أراد بالعصفور ذلك القاص وبالكركي أبا سليمان
مرد بايد گيرد اندر گوش ور نوشته اسد پند بر ديوار
قال تعالى وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فمسارعة المذنب بالتوبة وترك الإصرار والرجوع الى باب الملك الغفار ومسارعة المطيع بالاجتناب عن السيئات وزيادة الخيرات والحسنات قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (صاحب اليمين أمين على صاحب الشمال فاذا عمل العبد حسنة يكتب له صاحب اليمين عشرا)
(١) در اواسط دفتر پنجم در بيان رسيدن زن بخانه وجدا شدن زاهد از كنيزك در أوائل دفتر يكم در بيان خسارت وزير إلخ در أوائل دفتر چهارم در بيان سلب هجرت ابراهيم بن أدهم إلخ
(٢) در اواسط دفتر ششم در بيان استمداد عارف از سرچشمه حيات أبدى إلخ
المشئوم فيقول الآخر نعم ويقول الثالث كذلك فخفت ان اسألهم الى ان مرّبى آخرهم فقلت له من هذا المشئوم قال أنت قال فقلت ولم قال كنا نرفع عملك مع اعمال المجاهدين فى سبيل الله فمنذ جمعة أمرنا ان نضع عملك مع الخالقين فلا ندرى ما أحدثت فقال لاخوانه زوجونى فلم يكن يفارقه زوجتان او ثلاث وكثرة النساء ليست من الدنيا لان الزهاد والعباد كانوا يتزوجون ثلاثا وأربعا قال ﷺ (حبب الى من دنياكم ثلاث النساء والطيب وقرة عينى فى الصلاة). قال بعض ارباب الأحوال كنت بمجلس بعض القصّاص فقال ما سلم أحد من الهوى ولا فلان وسمى بمن لا يليق ذكره فى هذا المقام لعظم الشأن فقلت اتق الله فقال ألم يقل (حبب الى) فقلت ويحك انما قال حبب ولم يقل أحببت قال ثم خرجت بالهم فرأيت النبي عليه السلام فقال لا تهتم فقد قتلناه قال فخرج ذلك القاص الى بعض القرى فقتله بعض قطاع الطريق. فقال بعض العلماء إكثاره عليه السلام فى امر النكاح بفعل بواطن الشريعة.
قال الحكيم الترمذي فى نوادر الأصول الأنبياء زيدوا فى القوة بفضل نبوتهم وذلك ان النور إذا امتلأت منه الصدور ففاض فى العروق التذت النفس والعروق فاثار الشهوة وقواها واما الطيب فانه يزكى الفؤاد ويقوى القلب واصل الطيب انما خرج من الجنة بهبوط آدم منها بورقة تستر بها فتركت عليه. واما الصلاة فهى مناجاة الله كما قال عليه السلام (المصلى يناجى ربه) فاذا عرفت حقيقة الحال فاياك والإنكار فان كل عمل عند الأخيار له سر من الاسرار ولكن عقول العوام لا تحيط به وان عاشوا الف عام: قال مولانا جلال الدين قدس سره
از محقق تا مقلد فرقهاست كين چوداودست وآن ديگر صداست «١»
كار درويشى وراى فهم تست سوى درويشان بمنكر سست سست «٢»
وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ اى تزوج امرأة ترغبون فيها مَكانَ زَوْجٍ ترغبون عنها بان تطلقوها وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ اى احدى الزوجات فالمراد بالزوج هو الجنس قِنْطاراً اى مالا كثيرا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ اى ذلك القنطار شَيْئاً يسيرا فضلا عن الكثير أَتَأْخُذُونَهُ اى شيأ منه بُهْتاناً باهتين او مفعول له اى للبهتان والظلم العظيم فان أحدهم كان إذا تزوج امرأة فاعجبه غيرها وأراد ان يتزوجها بهت التي تحته بفاحشة حتى يلجئها الى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه الى تزويج الجديدة فنهوا عن ذلك. والبهتان فى اللغة الكذب الذي يواجه الإنسان به صاحبه على جهة المكابرة وأصله من بهت الرجل إذا تحير فالبهتان الكذب الذي يبهت المكذوب عليه ويدهشه وقد يستعمل فى الفعل الباطن ولذلك فسر هاهنا بالظلم وَإِثْماً مُبِيناً اى آثمين عيانا او للذنب الظاهر وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ اى لأى وجه ومعنى تفعلون هذا وَقَدْ والحال انه قد أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ قد جرى بينكم وبينهن احوال منافية له من الخلوة وتقرر المهر وثبوت حق خدمتهن لكم وغير ذلك وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً عطف على ما قبله داخل فى حكمه اى أخذن منكم عهدا وثيقا وهو حق الصحبة والممازجة والمعاشرة او ما أوثق الله عليكم فى شأنهن بقوله تعالى فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ او ما أشار اليه النبي عليه السلام بقوله (أخذتموهن بامانة
(١) در اواسط دفتر يكم در بيان نصيحت كردن مرد زن خود را إلخ [..... ]
(٢) در أوائل دفتر دوم در بيان تمامى قصه زنده شدن استخوان بدعاى عيسى عليه السلام
الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله). اعلم ان هذه المعاملات من تضييق النساء ومنعهن من الأزواج وأخذ ما فى أيديهن ظلما بعد ما أخذن ميثاقا غليظا فى رعاية حقوقهن كلها وأمثالها ليست من امارة الايمان ونتائجه وثمراته لان المؤمن أخ المؤمن لا يظلمه ولا يشتمه قال عليه السلام (المؤمن للمؤمن كالبينات يشد بعضه بعضا) وقال (الدين النصيحة) وقد صرح بنفي الايمان عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه قال ﷺ (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير)
هر آنكه تخم بدى كشت و چشم نيكى داشت دماغ بيهده پخت وخيال باطل بست
ز گوش پنبه برون آر وداد خلق بده اگر تو مى ندهى داد روز دادى هست
فعلى المرء ان ينصف فى جميع أحواله للاجانب خصوصا الأقارب والأزواج فان تحرى العدل لهم من الواجبات. واعلم ان الآية لا دلالة فيها على جواز المغالاة فى المهر لان قوله تعالى وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً لا يدل على جواز إيتاء القنطار كما ان قوله لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا لا يدل على حصول الالهة. والحاصل انه لا يلزم من جعل الشيء شرطا لشىء آخر كون ذلك الشرط فى نفسه جائز الوقوع كذا قال الامام فى تفسيره ويؤيد ما قيل فى مرشد المتأهلين ان المرأة التي يراد نكاحها يراعى فيها خفة المهور قال ﷺ (خير نسائكم أحسنهن وجوها واخفهن مهورا) وتزوج رسول الله ﷺ نساءه على عشرة دراهم وأثاث البيت وكان رحى وجرة ووسادة من أديم حشوها ليف وفى الخبر (من بركة المرأة سرعة تزوجها وسرعة رحمها الى الولادة ويسر مهرها) ولا بد للرجل ان يوفيها صداقها كملا او ينوى ذلك فمن نوى ان يذهب بصداقها جاء يوم القيامة زانيا كما ان من استدان دينا وهو ينوى ان لا يقضيه يصير سارقا ولا يماطل مهرها الا ان يكون فقيرا او تؤجله المرأة طوعا ويعلمها احكام الطهارة والحيض والصلاة وغير ذلك بقدر ما تؤدى به الواجب ويلقنها اعتقاد اهل السنة ويردها عن اعتقاد اهل البدعة وان لم يعلم فليسأل ولينقل إليها جواب المفتى وان لم يسأل فلا بد لها من الخروج للسؤال ومتى علمها الفرائض فليس لها الخروج الى تعلم او مجلس ذكر الا برضاه فمهما أهمل المرء حكما من احكام الدين ولم يؤدبها ولم يعلمها او منعها عن التعلم شاركها فى الإثم وفى الحديث (أشد الناس عذابا يوم القيامة من أجهل اهله) قال عليه السلام (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ ذكر مادون من لانه أريد به الصفة. وقوله من النساء بيان لما نكح واسم الآباء ينتظم الأجداد مجازا كان اهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهوا عن ذلك اى لا تنكحوا التي نكحها آباؤكم إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ استثناء مما نكح مفيد للمبالغة فى التحريم بإخراج الكلام مخرج التعليق بالمحال اى لا تنكحوا حلائل آبائكم الا من ماتت منهن والمقصود سد طريق الإباحة بالكلية ونظيره قوله تعالى حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ إِنَّهُ اى نكاحهن كانَ فاحِشَةً اى فعلة قبيحة ومعصية شديدة عند الله ما رخص فيه لأمة من الأمم وَمَقْتاً ممقوتا
عند ذوى المروءات والمقت أشد البغض وَساءَ سَبِيلًا نصب على التمييز اى بئس السبيل سبيل من يراه ويفعله فانه يؤدى صاحبه الى النار. قيل مراتب القبح ثلاث. القبح العقلي واليه أشير بقوله إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً. والقبح الشرعي واليه أشير بقوله مَقْتاً. والقبح العادي واليه الاشارة بقوله وَساءَ سَبِيلًا ومتى اجتمعت فيه هذه المراتب فقد بلغ أقصى مراتب القبح. والاشارة فى الآية ان الآباء هى العلويات والأمهات هى السفليات وبازدواجهما خلق الله تعالى المتولدات منهما فيما بينهما ففى قوله تعالى وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ اشارة الى نهى التعلق والتصرف فى السفليات التي هى الأمهات المتصرفة فيها آباؤكم العلوية إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ من التدبير الإلهي فى ازدواج الأرواح والأشباح فالحاجات الضرورية للانسان مسيسة به إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا يعنى التصرف فى السفليات والتعلق به او الركون إليها مما يلوث الجوهر الروحاني بلوث الصفات الحيوانية ويجعله سفلى الطبع بعيدا عن الحضرة محبا للدنيا ناسيا للعرب ممقوتا للحق وساء سبيلا الى الهداية بالضلالة: قال حافظ
غلام همت آنم كه زير چرخ كبود ز هر چهـ رنگ تعلق پذيرد آزاد است
قال مولانا الجامى
اى كه در شرع خداوندان حال ميكنى از سنت وفرضم سؤال
سنت آمد دل ز دنيا تافتن فرض راه قرب مولا يافتن
قال رسول الله ﷺ (ان اقرب الناس مجلسا الى الله يوم القيامة من طال حزنه وجوعه فى الدنيا افترش الناس الفراش وافترش الأرض فالراغب من رغبت فى مثل ما رغبوا والخاسر من خالفهم أكلوا الشعير ولبسوا الخرق وخرجوا من الدنيا سالمين) :قال مولانا جلال الدين
هر كه محجوبست او خود كودكيست مرد آن باشد كه بيرون از شكيست «١»
اى خنك آنكه جهادى ميكند بر بدن زجرى ودادى ميكند «٢»
اى بسا كارا كه أول صعب كشت بعد از ان بگشاده شد سختى گذشت «٣»
اندرين ره مى تراش ومى خراش تا دمى آخر دمى فارغ مباش «٤»
قال ابو على الدقاق رحمه الله من زين ظاهره بالمجاهدة حسن الله سريرته بالمشاهدة قال الله تعالى وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا. واعلم ان من لم يكن فى بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من هذه الطريقة شمة. قال ابو الحسن الوراق كان أجل أحكامنا فى مبادى أمرنا فى مسجد ابى عثمان الإيثار حتى يفتح علينا وان لا نبيت على معلوم ومن استقبلنا بمكروه لا ننتقم لا نفسنا بل نعتذر اليه ونتواضع له وإذا وقع فى قلوبنا حقارة لأحد فمنا فى خدمته والإحسان اليه حتى يزول. قال ابو حفص ما اسرع هلاك من لا يعرف عيبه فان المعاصي بريد الكفر.
عيب رندان مكن اى زاهد پاكيزه سرشت كه گناه دگران بر تو نخواهند نوشت
(١) در اواخر دفتر پنجم در بيان حكايت جوجى كه چادر پوشيده در بيان زنان إلخ
(٢) در اواسط دفتر دوم در بيان كه دشوارى عذاب آخرت وسختى
(٣) در اواسط دفتر سوم در بيان باز جواب كفتن انبيا عليهم السلام جبريانرا
(٤) در اواسط دفتر يكم در بيان رجوع بحكايت خواجه تاجر إلخ
من اگر نيكم وگر بد تو برو خود را باش هر كسى آن درود عاقبت كار كه كشت
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ اى نكاحهن لان المفهوم فى العرف من حرمة كل شىء ما هو الغرض المقصود منه فيفهم من تحريم النساء تحريم نكاحهن كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها ومن تحريم لحم الخنزير تحريم أكله. والأمهات تعم الجدات وان غلون من الأب والام او من قبل أحدهما وَبَناتُكُمْ الصلبية وبنات الأولاد وان سفلن وَأَخَواتُكُمْ من قبل الأب والام او من قبل أحدهما فيتضمن الأخوات من الجهات الثلاث. واعلم ان حرمة الأمهات والبنات كانت ثابتة من زمن آدم عليه السلام الى هذا الزمان ولم يثبت حل نكاحهن فى شىء من الأديان الالهية بل ان زرادشت رسول المجوس قال بحله الا ان اكثر المسلمين اتفقوا على انه كان كذابا اما نكاح الأخوات فقد نقل ان ذلك كان مباحا فى زمن آدم عليه السلام وانما حكم الله بإباحة ذلك على سبيل الضرورة. وذكر العلماء ان السبب لهذا التحريم ان الوطء إذلال واهانة فان الإنسان يستحيى من ذكره ولا يقدم عليه الا فى الموضع الخالي واكثر انواع الشتم لا يكون الا بذكره وإذا كان الأمر كذلك وجب صون الأمهات عنه لان انعام الام على الولد أعظم وجوه الانعام فوجب صونها عن هذا الاذلال والبنت جزؤ من الإنسان وبعض منه فيجب صونها عن هذا الاذلال لان المباشرة معها تجرى مجرى الاذلال وكذا القول فى البقية ذكره الامام فى تفسيره وَعَمَّاتُكُمْ العمة كل أنثى ولدها من ولد والدك قريبا او بعيدا وَخالاتُكُمْ الخالة كل أنثى ولدها من ولد والدتك قريبا او بعيدا يعنى العمات تعم أخوات الآباء والأجداد وكذا الخالات تعم أخوات الأمهات والجدات سواء كن من قبل الأب والام او من قبل أحدهما وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ من كل جهة ونوافلهما وان بعدت. واعلم ان الله تعالى نص على تحريم اربعة عشر صنفا من النسوان سبع منهن من جهة النسب وهن هذه المذكورات وسبع اخرى من جهة السبب والى تعدادها شرع فقال وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ اى حرم نكاح الأمهات والأخوات كلتاهما من الرضاعة كما حرمتا من النسب نزل الله الرضاعة منزلة النسب حتى سمى المرضعة اما للرضيع والمراضعة أختا وكذلك زوج المرضعة أبوه وأبواه جداه وأخته عمته وكل ولد ولد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده فهم اخوته وأخواته لأبيه وأم المرضعة جدته وأختها خالته وكل من ولد لها من هذا الزوج فهم اخوته وأخواته لأبيه وامه ومن ولد لها من غيره فهم اخوته وأخواته لأمه ومنه قوله ﷺ (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) وهو حكم كلى جار على عمومه واما أم أخيه لأب واخت ابنه لأم وأم أم ابنه وأم عمه وأم خاله لأب فليست حرمتهن من جهة النسب حتى تحل بعمومه ضرورة حلهن فى صور الرضاع بل من جهة المصاهرة ألا يرى ان الاولى موطوءة أبيه والثانية بنت موطوءته والثالثة أم موطوءته والرابعة موطوءة جده الصحيح والخامسة موطوءة جده الفاسدة وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ المراد بالنساء المنكوحات على الإطلاق سواء كن مدخولا بهن أم لا وعليه
جمهور العلماء وقد روى عن النبي عليه السلام انه قال فى رجل تزوج امرأة ثم طلقها قبل الدخول بها (انه لا بأس بان يتزوج ابنتها ولا يحل له ان يتزوج أمها) ويلحق بهن الموطوءات بوجه من الوجوه المعدودات فيما سبق آنفا والممسوسات ونظائرهن وأمهات تعم المرضعات كما تعم الجدات وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ اى حرم نكاح الربائب جمع ربيبة والربيب ولد المرأة من آخر سمى به لانه يربه كما يرب ولده فى غالب الأمر فعيل بمعنى مفعول والتاء للنقل الى الاسمية. قال الامام والحجور جمع حجر وفيه لغتان قال ابن السكيت حجر الإنسان وحجره بالفتح والكسر هو ما يجمع على فخذيه من ثوبه والمراد بقوله فى حجوركم اى فى تربيتكم يقال فلان فى حجر فلان إذا كان فى تربيته والسبب فى هذه الاستعارة ان كل من ربى طفلا أجلسه فى حجره فصار الحجر عبارة عن التربية كما يقال فلان فى حضانة فلان وأصله من الحضن الذي هو
الإبط ثم ان كون التربية فى حجر الرابّ ليس بشرط للحرمة عند جمهور العلماء والوصف فى الآية خرج على الأغلب لانهن كن لا يتزوجن غالبا إذا كانت لهن أولاد كبار ويتزوجن مع الأولاد الصغار ليستعن بالأزواج على تربية الأولاد فخرج الكلام مخرج الغالب لا على الاشتراط كما فى قوله تعالى وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ والمباشرة فى غير المساجد حالة الاعتكاف حرام ايضا مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ اى كائنة تلك الربائب من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فمن متعلقة بمحذوف وقع حالا من ربائبكم ومعنى الدخول بهن ادخالهن الستر والباء للتعدية وهى كناية عن الجماع كقولهم بنى عليها وضرب عليها الحجاب وفى حكم الدخول اللمس ونظائره فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا اى فيما قبل دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أصلا فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ اى فى نكاح الربائب إذا فارقتموهن اى أمهاتهن او متنّ وهو تصريح بما أشعر به ما قبله وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ اى وحرم عليكم زوجات أبنائكم سميت الزوجة حليلة لحلها للزوج او لحلولها فى محله وقيل لحل كل منهما إزار صاحبه وفى حكمهن من نياتهم ومن يجرى مجراهن من الممسوسات ونظائرهن الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ لاخراج الأدعياء دون أبناء الأولاد والأبناء من الرضاع فانهم وان سفلوا فى حكم الأبناء الصلبية فالمبتنى إذا فارق امرأته يجوز للمتبنى نكاحها وقد تزوج النبي عليه السلام زينب ابنة جحش الاسدية بنت عمته امينة ابنة عبد المطلب حين فارقها زيد حارثة وكان قد تبناه وادعاه ابنا فعيره المشركون بذلك لان المتبنى فى ذلك الوقت كان بمنزلة الابن فانزل الله تعالى ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وقوله تعالى وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ اى وحرم عليكم الجمع بين الأختين فى النكاح لا فى ملك اليمين واما جمعهما فى الوطء بملك اليمين فيلحق به بطريق الدلالة لا تحادهما فى المدار إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ استثناء منقطع اى لكن ما قد مضى لا تؤاخذون به إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً لمن فعل ذلك فى الجاهلية رَحِيماً لمن تاب من ذنوبه وأطاع لامر ربه فى الإسلام- تمت الجزء الرابع-
نكوكارى از مردم نيك رأى يكى را بده مى نويسد خداى
(وإذا عمل سيئة وأراد صاحب الشمال ان يكتب قال صاحب اليمين امسك فيمسك ست ساعات او سبع ساعات فان استغفر فيها لم يكتب عليه وان لم يستغفر كتب سيئة واحدة) فالواجب على كل مسلم ان يتوب الى الله حين يصبح وحين يمسى ولا يؤخرها. قال ابو بكر الواسطي قدس سره التأنى فى كل شىء حسن الا فى ثلاث خصال عند وقت الصلاة وعند دفن الميت والتوبة عند المعصية وكان فى الأمم الماضية إذا أذنبوا حرم عليهم حلال وإذا أذنب واحد منهم ذنبا وجد على بابه او على جبهته مكتوبا ان فلان ابن فلان قد أذنب كذا وتوبته كذا فسهل الله الأمر على هذه الامة فقال وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
- روى- ان الله لما لعن إبليس سأله النظرة فانظره اى أمهله الى قيام الساعة فقال انظر ماذا ترى فقال وعزتك لا اخرج من صدر عبدك حتى تخرج نفسه فقال الرب وعزتى وجلالى لا أحجب التوبة عن عبدى حتى تخرج نفسه فانظر الى رحمة الله ورأفته على عباده انه سماهم مؤمنين بعد ما أذنبوا فقال وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ وأحبهم بعد التوبة فقال وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ: قال الحافظ قدس سره
بمهلتى كه سپهرت دهد ز راه مرو ترا كه گفت كه اين زال ترك دستان گفت
فينبغى ان لا يغتر الإنسان بشىء من الأشياء فى حال من الأحوال فانه وان كان يمهل ولكن لا يهمل فان الموت يجيئ البتة إذا فنى العمر وامتلأ الإناء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً مصدر فى موضع الحال من النساء كان الرجل إذا مات قريبه يلقى ثوبه على امرأته او على خبائها ويقول ارث امرأته كما ارث ماله فيصير بذلك أحق بها من كل أحد ثم ان شاء تزوجها بصداقها الاول وان شاء زوجها غيره وأخذ صداقها ولم يعطها منه شيأ وان شاء عضلها اى حبسها وضيق عليها لتفتدى بما ورثت من زوجها وان ذهبت المرأة الى أهلها قبل إلقاء الثوب فهى أحق بنفسها فنهوا عن ذلك وقيل لهم لا يحل لكم ان تأخذوهن بطريق الإرث على زعمكم كما تحاز المواريث وهن كارهات لذلك وَلا تَعْضُلُوهُنَّ عطف على ترثوا ولا لتأكيد النفي والخطاب للازواج. والعضل الحبس والتضييق وداء عضال ممتنع عسر العلاج وكان الرجل إذا تزوج امرأة ولم تكن من حاجته حبسها مع سوء العشرة والقهر وضيق عليها لتفتدى منه بمالها وتخلع فقيل لهم ولا تعضلوهن اى لا تضيقوا عليهن لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ اى من الصداق بان يدفعن إليكم بعضه اضطرارا فتأخذوه منهن إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ من بين بمعنى تبين اى القبح من النشوز وشكاسة الخلق وإيذاء الزوج واهله بالبذاء اى الفحش والسلاطة اى حدة اللسان او الفاحشة الزنى وهو استثناء من أعم الأحوال او أعم الأوقات او أعم العلل ولا يحل لكم عضلهن فى حال من الأحوال او فى وقت من الأوقات او لعلة من العلل الا فى حال إتيانهن بفاحشة او الا فى وقت إتيانهن بها او الا لاتيانهن بها فان السبب حينئذ يكون من جهتهن وأنتم معذورون فى طلب الخلع وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ خطاب للذين يسيئون العشرة معهن. والمعروف ما لا ينكره
الشرع والمروءة والمراد هاهنا النصفة فى المبيت والنفقة والإجمال فى القول ونحو ذلك فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ وسئمتم صحبتهن بمقتضى الطبيعة من غير ان يكون من قبلهن ما يوجب ذلك من الأمور المذكورة فلا تفارقوهن بمجرد كراهة النفس واصبروا على معاشرتهن فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً والمراد بالخير الكثير هاهنا الولد الصالح او المحبة والألفة والصلاح فى الدين وهو علة للجزاء أقيمت مقامه للايذان بقوة استلزامها إياه كأنه قيل فان كرهتموهن فاصبروا عليهن مع الكراهة فلعل لكم فيما تكرهونه خيرا كثيرا ليس فيما تحبونه. وعسى تامة رافعة لما بعدها مستغنية عن تقدير الخبر اى فقد قربت كراهتك شيأ وجعل الله فيه خيرا كثيرا فان النفس ربما تكره ما هو أصلح فى الدين واحمد عاقبة وادنى الى الخير وتحب ما هو بخلافه فليكن نظركم الى ما فيه خير وصلاح دون ما تهوى أنفسكم
. اعلم ان معاشرتهن بالمعروف والصبر عليهن فيما لا يخالف رضى الله تعالى وإلا فالرد من مواضع الغيرة واجب فان الغيرة من اخلاق الله واخلاق الأنبياء والأولياء قال عليه السلام (أتعجبون من غيرة سعد وانا أغير منه والله أغير منى ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن) اى ما كان من اعمال الظاهر وهو ظاهر واحوال الباطن وهو الركون الى غير الله والطريق المنبئ عن الغيرة ان لا يدخل عليها الرجال ولا تخرج هى الى الأسواق دون الحمام قال الامام قاضى خان دخول الحمام مشروع للرجال والنساء خلافا لما قاله البعض- روى- ان رسول الله ﷺ دخل الحمام وتنوّر وخالد بن وليد دخل حمام حمص لكن انما يباح إذا لم يكن فيه انسان يكشف العورة انتهى والناس فى زماننا لا يمتنعون عن كشف العورة أعاليهم وأسافلهم فالمتقى يجتنب عن الدخول فى الحمام من غير عذر والحاصل ان المرأة إذا برئت من مواقع الخلل واتصفت بالعفة فعلى الزوج ان يعاشرها بالمعروف ويصبر على سائر أوضاعها وسوء خلقها بخلاف ما إذا كانت غير ذلك: قال الشيخ السعدي
چومستور باشد زن خوبروى بديدار او در بهشت است شوى
اگر پارسا باشد وخوش سخن نگه در نكويى وزشتى مكن
چوزن راه بازار گيرد بزن وگرنه تو در خانه بنشين چوزن
ز بيگانگان چشم زن كور باد چوبيرون شد از خانه در كور باد
شكوهى نماند دران خاندان كه بانگ خروش آيد از ماكيان
گريز از كفش در دهان نهنگ كه مردن به از زندگانى به ننگ
ثم اعلم ان معاملة النساء أصعب من معاملة الرجال لا نهن ارق دينا وأضعف عقلا وأضيق خلقا فحسن معاشرتهن والصبر عليهن مما يحسن الأخلاق فلا جرم يعد الصابر من المجاهدين فى سبيل الله وكان عليه السلام يحسن المعاشرة مع أزواجه المطهرة- روى- ان بعض المتعبدين كان يحسن القيام على زوجته الى ان ماتت وعرض عليه التزوج فامتنع وقال الوحدة أروح لقلبى قال فرأيت فى المنام بعد جمعة من وفاتها كأن أبواب السماء قد فتحت وكأن رجالا ينزلون ويسيرون فى الهواء يتبع بعضهم بعضا وكلما نظر الى واحد منهم يقول لمن وراءه هذا هو
الجزء الخامس من الاجزاء الثلاثين وَالْمُحْصَناتُ هن ذوات الأزواج احصنهن التزوج او الأزواج او الأولياء اى عفهن عن الوقوع فى الحرام. وقد ورد الإحصان فى القرآن بإزاء اربعة معان. الاول التزوج كما فى هذه الآية. والثاني العفة كما فى قوله مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ. والثالث الحرية كما فى قوله وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ. والرابع الإسلام كما فى قوله فَإِذا أُحْصِنَّ قيل فى تفسيره اى اسلمن وهى معطوفة على المحرمات السابقة اى وحرم عليكم ذوات الأزواج كائنات مِنَ النِّساءِ وفائدته تأكيد عمومها لا دفع توهم شمولها للرجال بناء على كونها صفة للانفس كما توهم إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يريد ما ملكت ايمانكم من اللاتي سبين ولهن الأزواج فى دار الكفر فهن حلال لغزاة المسلمين ان كن محصنات قال نجم الدين الكبرى قدس سره ان الله تعالى حرم المحصنات من النساء على الرجال عفة للحضانة وصحة للنسب ونزاهة لعرض الرجال عن خسة الاشتراك فى الفراش علوا للهمة فان الله يحب معالى الأمور ويبغض سفسافها وقال إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعنى ملكتم بالقوة والغلبة على أزواجهن من الكفار واقتطاعهن من حيز الاشتراك وإفساد نسب الأولاد وتخليطه ولهذا أوجب الشرع فيها الاستبراء بحيضة كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ مصدر مؤكد اى كتب الله عليكم تحريم هؤلاء كتابا وفرضه فرضا وَأُحِلَّ لَكُمْ عطف على حرمت عليكم وتوسيط قوله كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بينهما للمبالغة فى الحمل على المحافظة على المحرمات المذكورة ما وَراءَ ذلِكُمْ اشارة الى ما ذكر من المحرمات المعدودة اى أحل لكم نكاح ما سواهن انفرادا وجمعا وخص منه بالسنة ما فى معنى المذكورات كسائر محرمات الرضاع والجمع بين المرأة وعمتها وخالتها أَنْ تَبْتَغُوا متعلق بالفعلين المذكورين اى حرمت وأحل على انه مفعول له لكن لا باعتبار بيانهما وإظهارهما اى بين لكم تحريم المحرمات المعدودة وإحلال ما سواهن ارادة ان تبتغوا النساء اى تطلبوهن بِأَمْوالِكُمْ بصرفها الى مهورهن او أثمانهن مُحْصِنِينَ حال من فاعل تبتغون والإحصان العفة وتحصين النفس عن الوقوع فيما يوجب اللوم والعقاب غَيْرَ مُسافِحِينَ حال ثانية منه والسفاح الزنى والفجور من السفح الذي هو صب المنى سمى به لانه الغرض منه ومفعول الفعلين محذوف اى محصنين فروجكم غير مسافحين الزواني وهى فى الحقيقة حال مؤكدة لان المحصن غير مسافح البتة والمعنى لا تضيعوا أموالكم فى الزنى لئلا يذهب دينكم ودنياكم ولكن تزوجوا بالنساء فهو خير لكم وذكر الأموال يدل على ان غير المال لا يصلح مهرا وان القليل لا يكفى مهرا فان الدرهم ونحوه لا يسمى مالا ثم هو عندنا لا يكون اقل من عشرة دراهم قال ﷺ (لا مهر اقل من عشرة) فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ
اى فالذى انتفعتم به من النساء بالنكاح الصحيح من جماع او خلوة صحيحة او غير ذلك فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مهورهن فان المهر فى مقابلة الاستمتاع فَرِيضَةً حال من الأجور بمعنى مفروضة وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ اى فى ان تراضيتم بعد النكاح على زيادة المهر من جانب الزوج او على الحط من المهر من جانب الزوجة وان تهب لزوجها جميع مهرها مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ اى بعد المفروضة للزوجة إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بمصالح العباد حَكِيماً فيما شرع لهم من الاحكام ولذلك شرع لكم هذه الاحكام اللائقة بحالكم. اعلم ان المحرم عندنا من حرم نكاحه على التأبيد بنسب او مصاهرة او رضاع ولو بوطء حرام فخرج بالأول ولد العمومة والخئولة وبالثاني اخت الزوجة وعمتها وخالتها وشمل أم المزني بها وبنتها وأبا الزاني وابنه وأحكامه تحريم النكاح وجواز النظر والخلوة والمسافرة الا المحرم من الرضاع فان الخلوة بها مكروهة وكذا بالصهرة الشابة وحرمة النكاح على التأبيد لا مشاركة للمحرم فيها فان الملاعنة تحل إذا كذب نفسه او خرج من اهلية الشهادة والمجوسية تحل بالإسلام او بتهودها او تنصرها والمطلقة ثلاثا بدخول الثاني وانقضاء عدته ومنكوحة الغير بطلاقها وانقضاء عدتها ومعتدة الغير بانقضائها وكذا لا مشاركة للمحرم فى جواز النظر والخلوة والسفر واما عبدها فكالأجنبى على المعتمد لكن الزوج يشارك المحرم فى هذه الثلاثة والنساء الثقات لا يقمن مقام المحرم والزوج فى السفر. ويختص المحرم النسيب باحكام. منها عتقه على قريبه لو ملكه ولا يختص بالأصل
والفرع. ومنها وجوب نفقة الفقير العاجز على قريبه الغنى فلا بد من كونه رحما من جهة القرابة فابن العم والأخ من الرضاع لا يعتق ولا تجب نفقته ويغسل المحرم قريبه. ومنها انه لا يجوز التفريق بين الصغير ومحرم ببيع او هبة الا فى عشر مسائل. ومنها ان المحرمية مانعة من الرجوع فى الهبة. وتختص الأصول والفروع من بين سائر المحارم باحكام. منها انه لا يقطع أحدهما بسرقة مال الآخر. ومنها لا يقضى ولا يشهد أحدهما للآخر. ومنها تحريم موطوءة كل منهما على الآخر ولو بزنى. ومنها تحريم منكوحة كل منهما على الآخر بمجرد العقد. ومنها لا يدخلون فى الوصية للاقارب. وتختص الأصول باحكام. منها لا يجوز له قتل أصله الحربي الا دفعا عن نفسه وان خاف رجوعه ضيق عليه والجأه ليقتله غيره وله قتل فرعه الحربي كمحرمه. ومنها لا يقتل الأصل بفرعه ويقتل الفرع بأصله.
ومنها لا يحد الأصل بقذف فرعه ويحد الفرع بقذف أصله. ومنها لا تجوز مسافرة الفرع الا بإذن أصله دون عكسه. ومنها لو ادعى الأصل ولد جارية ابنه ثبت نسبه والجد اب الأب كالاب عند عدمه بخلاف الفرع إذا ادعى ولد جارية أصله لم يصح الا بتصديق الأصل. ومنها لا يجوز الجهاد الا بإذنهم بخلاف الأصول لا يتوقف جهادهم على اذن الفروع. ومنها لا تجوز المسافرة الا بإذنهم ان كان الطريق مخوفا وإلا فإن لم يكن ملتحيا فكذلك والا فلا. ومنها إذا دعا أحد أبويه فى الصلاة وجبت اجابته الا ان يكون عالما بكونه فيها ولم أر حكم الأجداد والجدات وينبغى الإلحاق- ومنها كراهة حجه بدون اذن من كرهه من أبويه ان احتاج الى خدمته. ومنها جواز تأديب الأصل فرعه والظاهر عدم الاختصاص بالأب فالأم والأجداد والجدات
باختلاف احوال الناس فهو واجب بالنسبة الى صاحب التوقان ومستحب بالنسبة الى من كان فى حد الاعتدال ومكروه بالنسبة الى من عجز عن الوقاع والانفاق. قال فى الشرعة وشرحها ويختار للتزوج المرأة ذات الدين فان المرأة الصالحة خير متاع الدنيا فان بها يحصل تفريغ القلب عن تدبير المنزل والتكلف بشغل الطبخ والكنس والفرش وتنظيف الأوانى وتهيئة اسباب المعيشة فان الإنسان لو لم يكن له شهوة الوقاع لتعسر عليه العيش فى منزله وحده إذ لو تكفل بجميع أشغال المنزل لضاعت اكثر أوقاته ولم يتفرغ للعلم والعمل فالمرأة الصالحة المصلحة للمنزل معنية على الدين بهذا الطريق واختلال هذه الأسباب شواغل ومشوشات للقلب ومنغصات للعيش ولذلك قال ابو سليمان الدراني الزوجة الصالحة ليست من الدنيا فانها تفرّغك للآخرة: قال الشيخ السعدي قدس سره
زن خوب فرمان بر پارسا كند مرد درويش را پادشاه
سفر عيد باشد بران كتخداى كه يارى زشتش بود در سراى
ثم ان بعضهم اختاروا البكر وقالوا انها تكون لك فاما الثيب فان لم يكن لها ولد فنصفها لك وان كان لها ولد فكلها لغيرك تأكل رزقك وتحب غيرك والحاصل ان اختيار نكاح المملوكات رخصة والصبر عنه عزيمة ولا ريب ان العزيمة اولى لانه بالصبر يترقى العبد الى الدرجات العلى وفى الخبر (يؤتى باشكر اهل الأرض فيجزيه الله تعالى جزاء الشاكرين ويؤتى باصبر اهل الأرض فيقال له أترضى ان نجزيك جزاء الشاكرين فيقول نعم يا رب فيقول الله كلا أنعمت عليك فشكرت وابتليتك فصبرت لأضعفن لك الاجر عليه فيعطى أضعاف جزاء الشاكرين) وقد يجمع العبد فضيلتى الصبر والشكر بان يصبر على مقتضى النفس زمانا ثم بعد النيل والفوز يشكر على نعمه الجزيلة حققنا الله وإياكم بحقائق الصبر والشكر
نعمت حق شمار وشكر گذار نعمتش را اگر چهـ نيست شمار
شكر باشد كليد گنج مزيد گنج خواهى منه ز دست كليد
وقيل فى حق الصبر
چون بمانى بسته در بند حرج صبر كن كه الصبر مفتاح الفرج
صبر كن حافظ بسختى روز شب عاقبت روزى بيابى كام را
ثم ان رحمته لعباده أوسع من ان تذكر ولذلك قال وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ومن جملة رحمته بيان طرائق من سلف وتقدم من اهل الرشاد ليسلكوا مناهجهم وينالوا الى المراد وقال عليه السلام (يا كريم العفو) فقال جبريل أتدري ما معنى كريم العفو هو ان يعفو عن السيئات برحمته ثم يبدلها بحسنات بكرمه: قال جلال الدين الرومي قدس سره
توبه آرند وخدا توبه پذير امر او گيرند او نعم الأمير «١»
سيآتت را مبدل كرد حق تا همه طاعت شود آن ما سبق «٢»
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ اللام مزيدة لتأكيد معنى الاستقبال اللازم للارادة ومفعول يبين محذوف اى يريد الله ان يبين لكم ما هو مخفى عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم او ما
(١) در اواخر دفتر ششم در بيان استمداد عارف اثر سرچشمه حيات أبدى ومستغنى شدن إلخ
(٢) در اواسط دفتر پنجم در بيان رسيدن زن بخانه وجدا شدن زاهد از كنيزك
تعبدكم به من الحلال والحرام وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ اى يدلكم على مناهج من تقدمكم من الأنبياء والصالحين لتقتدوا بهم وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ يرجع بكم عن معصيته الى طاعته بالتوفيق للتوبة مما كنتم عليه من الخلاف وليس الخطاب لجميع المكلفين حتى يتخلف مراده عن إرادته فيمن لم يتب منهم بل لطائفة معينة حصلت لهم هذه التوبة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بكم حَكِيمٌ فيما يريده لكم وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ بيان لكمال منفعة اراده الله تعالى وكمال مضرة ما يريد الفجرة بخلاف الاول فانه بيان إرادته تعالى لتوبته عليهم فلا تكرار وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ يعنى الفجرة فان اتباع الشهوات الائتمار لها واما المتعاطى لما سوغه الشرغ من المشتهيات دون غيره فهو متبع له لا لها. وقيل المجوس حيث كانوا يحلون الأخوات من الأب وبنات الأخ وبنات الاخت فلما حرمهن الله تعالى قالوا فانكم تحلون بنت الخالة وبنت العمة مع ان العمة والخالة عليكم حرام فانكحوا بنات الأخ والاخت فنزلت أَنْ تَمِيلُوا عن القصد والحق بموافقتهم على اتباع الشهوات واستحلال المحرمات وتكونوا زناة مثلهم مَيْلًا عَظِيماً اى بالنسبة الى ميل من اقترف خطيئة على ندرة بلا استحلال يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ما فى عهدتكم من مشاق التكاليف فلذلك شرع لكم الشرعة الحنيفية السمحة السهلة ورخص لكم فى المضايق كاحلال نكاح الامة وغيره من الرخص وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً عاجزا عن مخالفة هواه غير قادر على مقابلة دواعيه وقواه حيث لا يصبر عن اتباع الشهوات ولا يستخدم قواه فى مشاق الطاعات. قال الكلبي اى لا يصبر عن النساء. قال سعيد بن المسيب ما ايس الشيطان من ابن آدم الا أتاه من قبل النساء وقد اتى علىّ ثمانون سنة وذهبت احدى عينى وانا اعشو بالأخرى وان أخوف ما أخاف على نفسى فتنة النساء. وقال ابو هريرة رضى الله عنه اللهم انى أعوذ بك من ان ازنى واسرق فقيل له كبر سنك وأنت صاحب رسول الله ﷺ أتخاف على نفسك من الزنى والسرقة قال كيف آمن على نفسى وإبليس حى: قال الحافظ
چهـ جاى من كه بلغزد سپهر شعبده باز ازين حيل كه در انبانه بهانه تست
والاشارة فى تحقيق الآيات ان الله تعالى أنعم على هذه الامة بارادة اربعة أشياء. أولها التبيين وهو ان يبين لهم صراط المستقيم الى الله. وثانيا الهداية وهو ان يهديهم الى الصراط المستقيم بالعيان بعد البيان. وثالثها التوبة عليهم وهى ان يرجع بهم الى حضرته على صراط الله. ورابعها التخفيف عنهم وهو ان يوصلهم الى حضرته بالمعونة ويخفف عنهم المئونة.
وهذا مما اختص به نبينا عليه السلام وأمته لوجهين. أحدهما ان الله اخبر عن ذهاب ابراهيم عليه السلام الى حضرته باجتهاده وهو المئونة بقوله إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ واخبر عن موسى عليه السلام بمجيئه وهو ايضا المئونة وقال وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا واخبر عن حال نبينا عليه السلام بقوله سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا وهو المعونة فخفف عنه المئونة واخبر عن حال هذه الامة بقوله سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ وهو ايضا بالمعونة وهى جذبات العناية. والوجه الثاني ان النبي
عليه السلام وأمته مخصوصون بالوصول والوصال مخفف عنهم كلفة الفراق والانقطاع فاما النبي عليه السلام فقد خص بالوصول الى مقام قاب قوسين او ادنى وبالوصال بقوله ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى وانقطع سائر الأنبياء عليهم السلام فى السموات السبع كما رأى ليلة المعراج آدم فى سماء الدنيا الى ان رأى ابراهيم عليه السلام فى السماء السابعة فعبر عنهم جميعا الى كمال القرب والوصول. واما الامة فقال فى حقهم (من تقرب الىّ شبرا تقربت اليه ذراعا) فهذا هو حقيقة الوصول والوصال ولكن الفرق بين النبي والولي فى ذلك ان النبي مستقل بنفسه فى السير الى الله والوصول ويكون حظه من كل مقام بحسب استعداده الكامل والولي لا يمكنه السير الا فى متابعة النبي وتسليكه فى سبيل الله قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ويكون حظه من المقامات بحسب استعداده فينبغى ان يسارع العبد الى تكميل المراتب والدرجات برعاية السنة وحسن المتابعة لسيد الكائنات. قال جنيد البغدادي قدس سره مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة. قال على كرم الله وجهه الطرق كلها مسدودة على الخلق الا من اقتفى اثر رسول الله صلى الله عليه وسلم
كرت بايد كه بينى روى ايمان... رخ از آيينه امرش مكردان
ز شرعش سر مپيچ از هيچ رويى... كه همچون شانه ميكردى بمويى
قال الشيخ السعدي قدس سره
خلاف پيمبر كسى ره كزيد... كه هركز بمنزل نخواهد رسيد
محالست سعدى كه راه صفا... توان رفت جز بربي مصطفا
ثم فى قوله تعالى وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً اشارة الى ان الإنسان لا يصبر عن الله لحظة لضعفه مهما يكون على الفطرة الانسانية فطرة الله التي فطر الناس عليها فانه يحبهم ويحبونه وهو ممدوح بهذا الضعف فان من عداه يصبرون عن الله لعدم اضطرارهم فى المحبة والإنسان مخصوص بالمحبة. واعلم ان هذا الضعف سبب لكمال الإنسان وسعادته وسبب لنقصانه وشقاوته لانه يتغير لضعفه من حال الى حال ومن صفة الى اخرى فيكون ساعة بصفة بهيمة يأكل ويشرب ويجامع ويكون ساعة اخرى بصفة ملك يسبح بحمد ربه ويقدس له ويفعل ما يؤمر ولا يعصى فيما نهاه عنه وهذه التغيرات من نتائج ضعفه وليس هذا الاستعداد لغيره حتى الملك لا يقدر ان يتصف بصفات البهيمة والبهيمة لا تقدر ان تتصف بصفة الملك لعدم ضعف الانسانية وانما خص الإنسان بهذا الضعف لاستكماله بالتخلق بأخلاق الله واتصافه بصفات الله كما جاء فى الحديث الرباني (انا ملك حى لا أموت ابدا عبدى أطعني أجعلك ملكا حيا لا يموت ابدا) فعند هذا الكمال يكون خير البرية وعند اتصافه بالصفات البهيمية يصير شر البرية
كى شوى انسان كامل... اى دل ناقص عقل
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا اى لا تأخذوا وعبر عن الاخذ بالأكل لان المقصود الأعظم من الأموال الاكل فكما ان الاكل محرم فكذلك سائر وجوه التصرفات أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ اى بوجه
كذلك. ومنها تبعية الفرع للاصل فى الإسلام. ومنها لا يحبسون بدين الفرع والأجداد والجدات كذلك واختصت الأصول الذكور بوجوب الإعفاف. واختص الأب والجد لأب باحكام. منها ولاية المال فلا ولاية للام فى مال الصغير الا الحفظ وشراء ما لا بد منه للصغير. ومنها تولى طرفى العقد فلو باع الأب ماله من ابنه او اشترى وليس فيه غبن فاحش انعقد بكلام واحد. ومنها عدم خيار البلوغ فى تجويز الأب والجد فقط واما ولاية الانكاح فلا تختص بهما فتثبت لكل ولى سواء كان عصبة او من ذوى الأرحام. وكذا الصلاة فى الجنازة لا تختص بهما. وفى الملتقط من النكاح لو ضرب المعلم الولد بإذن الأب فهلك لم يغرم الا ان يصربه ضربا لا يضرب مثله ولو ضرب بإذن الأم غرم الدية إذا هلك والجد كالأب عند فقده الا فى ثنتى عشرة مسألة [فائدة] يترتب على النسب اثنا عشر حكما توريث المال والولاء وعدم صحة الوصية عند المزاحمة ويلحق بها الإقرار بالدين فى مرض موته وتحمل الدية وولاية التزويج وولاية غسل الميت والصلاة عليه وولاية المال وولاية الحضانة وطلب الحد وسقوط القصاص هذا كله من الأشباه والنظائر نقلته هاهنا الفوائده الكثيرة وملاءمته المحل على ما لا يخفى وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ من لم يستطع اى من لم يجد كما يقول الرجل لا أستطيع ان أحج اى لا أجد ما أحج به. ومنكم حال من فاعل يستطيع اى حال كونه منكم. والطول القدرة وانتصابه على انه مفعول يستطيع وان ينكح فى موضع النصب على انه مفعول القدرة والمراد بالمحصنات الحرائر بدليل مقابلتهن بالمملوكات فان حريتهن احصنتهن عن ذل الرق والابتذال وغيرهما من صفات القصور والنقصان والمعنى ومن لم يجد طول حرة اى ما يتزوج به الحرة المسلمة فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فلينكح امرأة او امة من النوع الذي ملكته ايمانكم مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ حال من الضمير المقدر فى ملكت الراجع الى ما اى من إمائكم المسلمات. والفتاة أصلها الشابة والفتاء بالمد الشباب والفتى الشاب والامة تسمى فتاة والعبد يسمى فتى وان كانا كبيرين فى السن لانهما لا يوقران للرق توقير الكبار ويعاملان معاملة الصغار وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ تأنيس بنكاح الإماء وازالة الاستنكاف منه اى اعلم بتفاضل ما بينكم وبين ارقائكم فى الايمان فربما كان ايمان الامة أرجح من الايمان الحرة وايمان المرأة من ايمان الرجل. فلا ينبغى للمؤمن ان يطلب الفضل والرجحان الا باعتبار الايمان والإسلام لا بالاحساب والأنساب بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أنتم وارقاؤكم متناسبون نسبكم من آدم ودينكم الإسلام كما قيل
الناس من جهة التمثال اكفاء ابو همو آدم والام حواء
فبينكم وبين ارقائكم المواخاة الايمانية والجنسية الدينية لا يفضل حر عبدا الا برجحان فى الايمان وقدم فى الدين فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ اى وإذ قد وقفتم على جلية الأمر فانكحوهن بإذن مواليهن ولا تترفعوا عنهن وفى اشتراط اذن الموالي دون مباشرتهم للعقد اشعار بجواز مباشرتهن له وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ اى أدوا إليهن مهورهن بغير مطل وضرار والجاء الى الافتداء واللز اى المضايقة والإلحاح مُحْصَناتٍ حال من مفعول فانكحوهن اى حال كونهن عفائف عن الزنى غَيْرَ مُسافِحاتٍ حال مؤكدة اى غير مجاهرات به
والمسافح الزاني من السفح وهو صب المنى لان غرضه مجرد صب الماء وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ جمع خدن وهو الصديق سرا والجمع للقابلة بالانقسام على معنى ان لا يكون لواحدة منهن خدن لا على معنى ان لا يكون لها اخدان اى غير مجاهرات بالزنى ولا مسرات له وكان زناهن فى الجاهلية من وجهين السفاح وهو بالأجر من الراغبين فيها والمخادنة وهى مع صديق لها على الخصوص وكان الاول يقع اعلانا والثاني سرا وكانوا لا يحكمون على ذات الحد بكونها زانية ولذا أفرد الله كل واحد من هذين القسمين بالذكر ونص على حرمتهما معا فَإِذا أُحْصِنَّ اى بالتزويج فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ اى فعلن فاحشة وهى الزنى فَعَلَيْهِنَّ فثابت عليهن شرعا نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ اى الحرائر الابكار مِنَ الْعَذابِ من الحد الذي هو جلد مائة فنصفه خمسون كما هو كذلك قبل الإحصان فالمراد بيان عدم تفاوت حدهن بالاحصان كتفاوت حد الحرائر
ولا رجم عليهن لان الرجم لا يتنصف وجعلوا حد العبد مقيسا على الامة والجامع بينهما الرق والإحصان عبارة عن بلوغ مع عقل وحرية ودخول فى نكاح صحيح واسلام خلافا للشافعى فى الإسلام ذلِكَ اى نكاح المملوكات عند عدم الطول لمن خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ اى خاف الزنى وهو فى الأصل انكسار العظم بعد الجبر فاستعير لكل مشقة وضرر أعظم من موافقة الاسم بأفحش القبائح وانما سمى الزنى به لانه سبب المشقة بالحد فى الدنيا والعقوبة فى العقبى وَأَنْ تَصْبِرُوا اى عن نكاحهن متعففين كافين أنفسكم عما تشتهيه من المعاصي خَيْرٌ لَكُمْ من نكاحهن وان سبقت كلمة الرخصة فيه لما فيه من تعريض الولد للرق ولان حق المولى فيها فلا تخلص للزوج خلوص الحرائر ولان المولى يقدر على استخدامها كيف ما يريد فى السفر والحضر وعلى بيعها للحاضر والبادي. وفيه من اختلال حال الزوج وأولاده ما لا مزيد عليه ولانها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة وذلك كله ذل ومهانة سارية الى الناكح والعزة هى اللائقة بالمؤمنين ولان مهرها لمولاها فلا تقدر على التمتع به ولا على هبته للزوج فلا ينتظم امر المنزل وقد قال ﷺ (الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت) وَاللَّهُ غَفُورٌ لمن لم يصبر رَحِيمٌ بالرخصة والتوسعة فنكاح الامة عند الطول والقدرة على نكاح الحرة لا يحل عند الشافعي وعند الحنفية يحل ما لم يكن عنده امرأة حرة ومحصله ان الشافعي أخذ بظاهر الآية وقال لا يجوز نكاح الامة الا بثلاثة شرائط اثنان فى الناكح عدم طول الحرة وخشية العنت والثالث فى المنكوحة وهى ان تكون امة مؤمنة لا كافرة كتابية وعند ابى حنيفة شىء من ذلك ليس بشرط فهو حمل عدم استطاعة الطول على عدم ملك فراش الحرة بان لا يكون تحته حرة فحينئذ يجوز نكاح الامة وحمل النكاح على الوطء وحمل قوله مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ على الأفضل اى نكاح الامة المؤمنة أفضل من نكاح الكتابية فجعله على الندب واستدل عليه بوصف الحرائر مع كونه ليس بشرط. قال فى التيسر واما قوله مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ ففيه اباحة المؤمنات وليس فيه تحريم الكتابيات فالغنى والفقير سواء فى جواز نكاح الامة سواء كانت مؤمنة او يهودية او نصرانية. اعلم ان النكاح من سنن المرسلين وشرعة المخلصين الا ان الحال يختلف فيه
غير شرعى كالغصب والسرقة والخيانة والقمار وعقود الربا والرشوة واليمين الكاذبة وشهادة الزور والعقود الفاسدة ونحوها إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ استثناء منقطع وعن متعلقة بمحذوف وقع صفة لتجارة اى الا ان تكون التجارة تجارة عن تراض او الا ان تكون الأموال اموال تجارة وتلحق بها اسباب الملك المشروعة كالهبة والصدقة والإرث والعقود الجائزة لخروجها عن الباطل وانما خص التجارة بالذكر لكونها اغلب اسباب المكاسب وقوعا وأوفقها لذوى المروءات والمراد بالتراضي مراضاة المتابعين بما تعاقدا عليه فى حال المبايعة وقت الإيجاب والقبول عندنا وعند الشافعي حالة الافتراق عن مجلس العقد وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ بالبخع كما يفعله جهلة الهند او بإلقاء النفس الى الهلكة. ويؤيده ما روى ان عمرا بن العاص رضى الله عنه تأوله فى التيمم لخوف البرد فلم ينكر عليه النبي ﷺ او بارتكاب المعاصي المؤدية الى هلاكها فى الدنيا والآخرة او باقتراف ما يذللها ويرديها فانه القتل الحقيقي للنفس وقيل المراد بالنفس من كان من جنسهم من المؤمنين فان كلهم كنفس واحدة إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً اى امر بما امر ونهى عما نهى لفرط رحمته عليكم معناه ان كان بكم يا امة محمد رحيما حيث امر بنى إسرائيل بقتل الأنفس ونهاكم عنه وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اى القتل او إياه وسائر المحرمات المذكورة فيما قبل عُدْواناً وَظُلْماً افراطا فى التجاوز عن الحد واتيانا بمالا يستحقه وقيل أريد بالعدوان التعدي على الغير وبالظلم الظلم على النفس لتعريضها للعقاب ومحلهما النصب على الحالية اى متعديا وظالما فَسَوْفَ نُصْلِيهِ اى ندخله ناراً اى نارا مخصوصة هائلة شديدة العذاب وَكانَ ذلِكَ اى اصلاء النار عَلَى اللَّهِ يَسِيراً لتحقق الداعي وعدم الصارف. قال الامام واعلم ان الممكنات بالنسبة الى قدرة الله على السوية وحينئذ يمتنع ان يقال ان بعض الافعال أيسر عليه من بعض بل هذا الخطاب نزل على القول المتعارف بيننا او يكون معناه المبالغة فى التهديد وهو ان أحدا لا يقدر على الهرب منه ولا على الامتناع عليه. فعلى العاقل ان يتجنب عن الوقوع فى المهالك ويبالغ فى حفظ الحقوق وقد جمع الله فى التوصية بين حفظ النفس وحفظ المال لانه شقيقها من حيث انه سبب لقوامها وتحصيل كمالاتها واستيفاء فضائلها ولذلك قيل
توانكرانرا وقفست وبذل ومهانى زكاة وفطره واعتاق وهدى وقربانى
تو كى بدولت ايشان رسى كه نتوانى جز اين دو ركعت وآن هم بصد پريشانى
فان وفقت للمال فاشكر له والا فلا تتعب نفسك ولا تقتلها كما يفعله بعض من يفتقر بعد الغنى لغاية ألمه واضطرابه من الفقر قال رسول الله ﷺ (من قتل نفسه بشىء فى الدنيا عذب به يوم القيامة) وقال ﷺ (كان فيمن قبلكم جرح برجل ارابه فجزع منه فاخرج سكينا فجزبها يده فمارقأ الدم حتى مات فقال الله تعالى بارزني عبدى بنفسه فحرمت عليه الجنة) كذا فى تفسير البغوي. وكذلك حكم من قتل نفسه لفقر او لغير ذلك من الأسباب.
واعلم ان أكل المال بالباطل مما يفسد دين الرجل ودنياه بل يضر بنفسه ويكون سببا لهلاكه فان بعض الأعمال يظهر اثره فى الدنيا- روى- ان رجلا ظالما غصب سمكة من فقير فطبخها
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ فلا بد للسالك ان يجتهد فى سلوكه ويتخلص من رق الغير كى يصل الى المراد والعاشق الصادق لا يكون فى عبودية غير معشوقه ولا يتسلى عن الدنيا والآخرة إلا بوصاله فليس له مطلب سواه
عاشق كه ز هجر دوست دادى خواهد يا بر در وصلش ايستادى خواهد
نا كس ترا زو كس نبود در عالم كز دوست بجز دوست مرادى خواهد
وهذا مقام شريف ومطلب عزيز أوصلنا الله تعالى وإياكم وَلا تَتَمَنَّوْا التمني عبارة عن ارادة ما يعلم او يظن انه لا يكون ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ اى عليكم ان لا تتمنوا ما أعطاه الله بعضكم من الأمور الدنيوية كالجاه والمال وغير ذلك مما يجرى فيه التنافس دونكم فان ذلك قسمة من الله تعالى صادرة عن تدبير لائق بأحوال العباد مترتب على الإحاطة بجلائل شؤونهم ودقائقها. فعلى كل أحد من المفضل عليهم ان يرضى بما قسم له ولا يتمنى حظ المفضل ولا يحسده عليه لما انه معارضة لحكمة القدر فالانصباء كالاشكال وكما ان اختلاف الاشكال مقتضى حكمة الهية لم يطلع على سرها أحد فكذلك الاقسام. وقيل لما جعل الله تعالى فى الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين قالت النساء نحن أحوج ان يكون لنا سهمان وللرجال سهم واحد لانا ضعفاء وهم أقوياء واقدر على طلب المعاش منا فنزلت وهذا هو الأنسب بتعليل النهى بقوله تعالى لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ فانه صريح فى جريان التمني بين فريقى الرجال والنساء والمعنى لكل من الفريقين فى الميراث نصيب معين المقدار مما أصابه بحسب استعداده وقد عبر عنه بالاكتساب على طريقة الاستعارة التبعية المبنية على تشبيه اقتضاء حاله لنصيبه باكتسابه إياه تأكيدا لاستحقاق كل منهما لنصيبه وتقوية لاختصاصه به بحيث لا يتخطاه الى غيره فان ذلك مما يوجب الانتهاء عن التمني المذكور وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ اى لا تتمنوا ما يختص بغيركم من نصيبه المكتسب له واسألوا الله تعالى ما تريدون من خزائن نعمه التي لا نفادلها فانه يعطيكموه إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً فهو يعلم ما يستحقه كل انسان ففضله عن علم وحكمة وتبيان وفى الحديث (لن يزال الناس بخير ما تباينوا) اى تفاوتوا (فاذا تساووا هلكوا) وذلك لاختلال النظام المرتبط بذلك. وقد يقال معناه انه لا يغتم لتفاوت الناس فى المراتب والصنائع بان يكون مثلا بعضهم أميرا وبعضهم سلطانا وبعضهم وزيرا وبعضهم رئيسا وبعضهم اهل الصنائع لتوقف النظام عليه. واعلم ان مراتب السعادات اما نفسانية كالذكاء التام والحدس الكامل والمعارف الزائدة على معارف الغير بالكمية والكيفية وكالعفة والشجاعة وغير ذلك واما بدنية كالصحة والجمال والعمر الطويل فى ذلك مع اللذة والبهجة واما خارجية ككثرة الأولاد الصلحاء وكثرة العشائر وكثرة الأصدقاء والأعوان والرياسة التامة ونفاذ القول وكونه محبوبا لقلوب الناس حسن الذكر فيهم فهى مجامع السعادات والإنسان إذا شاهد انواع الفضائل حاصلة لانسان ووجد نفسه خاليا عن جملتها او عن أكثرها فحينئذ يتألم قلبه ويتشوش خاطره ثم يعرض هاهنا حالتان إحداهما ان يتمنى زوال تلك السعادات عن ذلك الإنسان والاخرى ان لا يتمنى ذلك بل يتمنى حصول مثلها له والاول هو الحسد المذموم لان المقصود
الاول لمدبر العالم وخالقه الإحسان الى عبيده والجود إليهم وافاضة انواع الكرم عليهم فمن تمنى زوال ذلك فكأنه اعترض على الله فيما هو المقصود بالقصد الاول من خلق العالم وإيجاد المكلفين وايضا ربما اعتقد فى نفسه انه أحق بتلك النعم من ذلك الإنسان فيكون هذا اعتراضا على الله وقدحا فى حكمته وكل ذلك مما يلقيه فى الكفر وظلمات البدعة ويزيل عن قلبه نور الايمان وكما ان الحسد سبب الفساد فى الدين فكذلك هو سبب الفساد فى الدنيا فانه يقطع المودة والمحبة والموالاة وينقلب كل ذلك الى أضدادها فلهذا السبب نهى الله عباده عنه بقوله وَلا تَتَمَنَّوْا الآية فلا بد لكل عاقل من الرضى بقضاء الله تعالى. - حكى- الرسول ﷺ عن رب العزة انه قال (من استسلم لقضائى وصبر على بلائي وشكر لنعمائى كتبته صديقا وبعثته يوم القيامة مع الصديقين ومن لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر لنعمائى فليطلب ربا سواى)
حاشا كه من از جور وجفاى تو بنالم بيداد لطفيان همه لطفست وكرامت
فهذا هو الكلام فيما إذا تمنى زوال تلك النعمة عن ذلك الإنسان. ومما يؤكد ذلك ما روى ابن سيرين عن ابى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ (لا يخطب الرجل على خطبة أخيه
ولا يسوم على سوم أخيه ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتقوم مقامها فان الله هو رازقها) والمقصود من كل ذلك المبالغة فى المنع من الحسد اما إذا لم يتمن ذلك بل تمنى حصول مثلها له فمن الناس من جوز ذلك الا ان المحققين قالوا هذا ايضا لا يجوز لان تلك النعمة ربما كانت مفسدة فى حقه فى الدين ومضرة عليه فى الدنيا فلهذا السبب قال المحققون انه لا يجوز للانسان ان يقول اللهم أعطني دارا مثل دار فلان وزوجة مثل زوجة فلان بل ينبغى ان يقول اللهم أعطني ما يكون صلاحا فى دينى ودنياى ومعادى ومعاشى وإذا تأمل الإنسان كثيرا لم يجد احسن مما ذكره الله فى القرآن تعليما لعباده وهو قوله رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً.
وعن الحسن لا يتمنى أحد المال فلعل هلاكه فى ذلك المال كما فى حق ثعلبة وهذا هو المراد من قوله وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ. قال الشيخ كمال الدين القاشاني وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ من الكمالات المترتبة بحسب استعداد الاولية فان كل استعداد يقتضى بهويته فى الأزل كمالا وسعادة تناسبه وتختص به وحصول ذلك الكمال الخاص لغيره محال ولذلك ذكر طلبه بلفظ التمني الذي هو طلب ما يمتنع حصوله للطالب لامتناع سببه لِلرِّجالِ اى الافراد الواصلين نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا بنور استعدادهم الأصلي وَلِلنِّساءِ اى الناقصين القاصرين عن الوصول نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ بقدر استعدادهم وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ اى اطلبوا منه افاضة كمال يقتضيه استعدادكم بالتزكية والتصفية حتى لا يحول بينكم وبينه فتحتجبوا وتعذبوا بنيران الحرمان منه إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ مما يخفى عليكم كامنا فى استعدادكم بالقوة عَلِيماً فيجيبكم بما يليق بكم كما قال تعالى وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ اى بلسان الاستعداد الذي ما دعاه أحد به الا أجاب كما قال تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ انتهى وعلى هذا التأويل يكون قوله وَلا تَتَمَنَّوْا نهيا ومنعا عن طلب المحال الذي فوق الاستعداد الأزلي ويكون قوله وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ امرا وحثا على طلب الممكن
الذي هو قدر استعدادكم كى لا تضيع فضيلة الانسانية فان بعض المقدورات قد يكون معلقا على الكسب. فينبغى ان لا يتكاسل العبد فى العبادات وكسب الفضائل لينال الكمالات الكامنة فى خزانة الاستعداد ويسأل الله تعالى دائما من فضله فانه مجيب الدعوات وولى الهداية والرشاد فمن طلب شيأ وجدّ وجد ومن قرع بابا ولجّ ولج: قال مولانا جلال الدين قدس سره
چون در معنى زنى بازت كنند پرّ فكرت زن كه شهبازت كنند «١»
چون طلب كردى بجد آيد نظر جد خطا نكند چنين آمد خبر «٢»
چون ز چاهى ميكنى هر روز خاك عاقبت اندر رسى در آب پاك «٣»
گفت پيغمبر كه چون كوبى درى عاقبت زان در برون آيد سرى
در طلب زن دائما تو هر دو دست كه طلب در راه نيكو رهبرست «٤»
وَلِكُلٍّ اى لكل تركة ومال جَعَلْنا مَوالِيَ جمع مولى اى ورثة متفاوتة فى الدرجة يلونها ويحرزون منها أنصباءهم بحسب استحقاقهم المنوط بما بينهم وبين المورث مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ بيان لكل مع الفصل بالمعامل وهو جعلنا لان لكل مفعول ثان له قدم عليه لتأكيد الشمول ودفع توهم تعلق الجعل بالبعض دون البعض. والموالي هم اصحاب الفرائض والعصبات وغيرهما من الوارث ويجوز ان يكون المعنى ولكل قوم جعلناهم موالى اى وراثا نصيب معين مغاير لنصيب قوم آخرين مما ترك الوالدان والأقربون على ان جعلنا موالى صفة لكل والضمير الراجع اليه محذوف والكلام مبتدأ وخبر على طريقة قولك لكل من خلقه الله إنسانا نصيب من رزق اى حظ منه وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ هم موالى الموالاة كان الحليف يورث السدس من مال حليفه فنسخ بقوله تعالى وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ وعند ابى حنيفة إذا اسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على ان يرثه ويعقل عنه صح وعليه عقله وله إرثه ان لم يكن له وارث أصلا فهو مؤخر عن ذوى الأرحام واسناد العقد الى الايمان لان المعتاد المماسكة بها عند العقد والمعنى عقدت ايمانكم عهودهم حذف العهود وأقيم المضاف اليه مقامه ثم حذف وهو مبتدأ متضمن لمعنى الشرط ولذلك صدر الخبر اعنى قوله تعالى فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ بالفاء اى حظهم من الميراث إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الأشياء التي من جملتها الإيتاء والمنع شَهِيداً اى شاهدا ففيه ترغيب فى الإعطاء وتهديد على منع نصيبهم. قال بعضهم المراد من الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ الحلفاء والمراد بقوله فَآتُوهُمْ النصرة والنصيحة والمصافاة فى العشرة والمخالصة فى المخالصة. فعلى كل أحد ان ينصر أخاه المؤمن ويخالطه على وجه الخلوص والنصيحة لا على النفاق والعداوة قال ﷺ (مثل المؤمنين فى توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)
بنى آدم اعضاى يكديكرند كه در آفرينش ز يك جوهرند
چوعضوى بدرد آورد روزكار دكر عضوها را نماند قرار
تو كز محنت ديكران بي غمى نشايد كه نامت نهند آدمي
(١) در دفتر اواسط يكم در بيان قبول كردن خليفه هديه را إلخ
(٢) در أوائل دفتر دوم در بيان انكار فلسفى در آيه أصبح مائكم غورا
(٣) در اواخر دفتر سوم در بيان كه من طلب شيأ وجدّ وجد صدق رسول إلخ
(٤) در أوائل دفتر سوم در بيان حكايت مارگيرى كه اژدهاى افسرده را مرده پنداشت إلخ
فالواجب ان يجب المرء للناس ما يجب لنفسه من الخير وينصح لهم فى ظاهر الأمر فان النصيحة عماد الدين ويزيل ما يوجب التأذى عن ظاهرهم وأعمالهم بالموعظة والزجر اى المنع عما لا يليق ويعاملهم بالرحمة والشفقة ولا يذكر أحدا بما يكره فان ملكا وكل بالعبد يرد عليه ما يقول لصاحبه ولا يستبشر بمكروه أحد كائنا من كان
مكن شادمانى بمرك كسى كه دهرت نماند پس از وى بسى
ويتودد الى الناس بالإحسان الى برهم وفاجرهم والى من هو اهل الإحسان والى سن ليس باهل له ويتحمل الأذى منهم وبه يظهر جوهر الإنسان
تحمل چوزهرت نمايد نخست ولى شهد كردد چودر طبع رست
ويجعل من شتمه او جفاه او آذاه إيذاء فى حل منه ولا يطمع فى السلامة من اذاهم فانه محال فان الله لم يقطع لسان الخلق عن نفسه فكيف يسلم مخلوق من مخلوق- روى- ان موسى عليه السلام قال الهى اسألك ان لا يقال لى ما ليس فى فاوحى الله اليه ما فعلت ذلك لنفسى فكيف افعل لك ويقوم بحاجات الناس ومهماتهم ففى الحديث (من سعى فى حاجة لأخيه المسلم لله وله فيها صلاح فكأنما خدم الله ألف سنة وييسر على المعسر تيسيرا ويفرج عن الغموم فان الله تعالى فى عون العبد ما دام العبد فى عون أخيه المسلم) وفى الحديث (ان من موجبات المغفرة إدخال السرور على قلب أخيك المسلم). قال الشيخ نجم الدين الكبرى فى قوله تعالى وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ يعنى الذين جرى بينكم وبينهم عقد الاخوة فى الله بان أخذتم بايمانكم ايمانهم بالارادة وصدق الالتجاء وتابوا على ايديكم فَآتُوهُمْ بالنصح وحسن التربية والاهتمام بهم والقيام بمصالحهم على شرائط الشيخوخة والتسليك بهم نَصِيبَهُمْ الذي أودع الله تعالى لهم عندكم بعلمه وحكمته إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الودائع أينما أودعه ولمن أودعه شَهِيداً يشهد عليهم يوم القيامة ان يخونوا فى إعطاء ودائهم بالخيانة ويسألكم عنها ويشهد لكم بالامانة ويجازيكم عليها خير الجزاء انتهى فالكاملون لا يخونون فى الأمانات بل يسلمون الودائع الى الأرباب بحسب الاستعدادات ولا يفشون السر الى من ليس له اهلية فى هذا الباب والا يلزم الخيانة فى اسرار رب الأرباب: قال مولانا جلال الدين الرومي قدس سره
عارفانكه جام حق نوشيده اند رازها دانسته و پوشيده اند «١»
هر كرا اسرار كار آموختند مهر كردند ودهانش دوختند «٢»
بر لبش قفلست ودر دل رازها لب خموش ودل پر از آوازها
كوش آن كس نوشد اسرار جلال كو چوسوسن صد زبان افتاد ولال
تا نكوئى سر سلطانرا بكس تا نريزى قند را پيش مكس
در خور دريا نشد جز مرغ آب فهم كن والله اعلم بالصواب «٣»
الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ قائمون بالأمر بالمصالح والنهى عن الفضائح قيام الولاة على الرعية مسلطون على تأديبهن وعلل ذلك بامرين وهبى وكسبى فقال بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ الضمير البارز لكلا الفريقين تغليبا اى بسبب تفضيله الرجال على النساء بالحزم
(١) در اواسط دفتر پنجم در بيان توبه نصوح كه چنانكه شير از پستان بيرون آيد إلخ
(٢) در ديباچهـ دفتر سوم
(٣) در اواسط دفتر سوم در بيان دعا كردن موسى عليه السلام جهة سلامة ايمان آنشخص [..... ]
والعزم والقوة والفتوة والمير والرمي والحماسة والسماحة والتشمير لخطة الخطبة وكتبة الكتابة وغيرها من المخايل المخيلة فى استدعاء الزيادة والشمائل الشاملة لجوامع السعادة وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ اى وبسبب انفاقهم من أموالهم فى نكاحهن كالمهر والنفقة وهذا ادل على وجوب نفقات الزوجات على الأزواج- روى- ان سعد بن الربيع أحد نقباء الأنصار رضى الله عنهم نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن ابى زهير فلطمها فانطلق بها أبوها الى رسول الله ﷺ وشكا فقال عليه السلام (لنقتصن منه) فنزلت فقال ﷺ (أردنا امرا وأراد الله امرا والذي أراد الله خير) ورفع القصاص فلا قصاص فى اللطمة ونحوها والحكم فى النفس وما دونها مذكور فى الفروع فَالصَّالِحاتُ منهن قانِتاتٌ مطيعات لله تعالى قائمات بحقوق الأزواج حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ اى لمواجب الغيب اى لما يجب عليهن حفظه فى حال غيبة الأزواج من الفروج والأموال والبيوت. وعن النبي ﷺ (خير النساء امرأة ان نظرت إليها سرتك وان أمرتها اطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك فى مالها ونفسها) ولا الآية واضافة المال إليها للاشعار بان ماله فى حق التصرف فى حكم مالها بِما حَفِظَ اللَّهُ ما مصدرية اى بحفظه تعالى اياهن اى بالأمر بحفظ الغيب والحث عليه بالوعد والوعيد والتوفيق له. او موصولة اى بالذي حفظ الله لهن عليهم من المهر والنفقة والقيام بحفظهن والذب عنهن وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ خطاب للازواج وارشاد لهم الى طريق القيام عليهن والخوف خالة تحصل فى القلب عند حدوث امر مكروه او عند الظن او العلم بحدوثه وقد يراد به أحدهما اى تظنون عصيانهن وترفعهن عن مطاوعتكم فَعِظُوهُنَّ فانصحوهن بالترغيب والترهيب. قال الامام ابو منصور العظة كلام يلين القلوب القاسية ويرغب الطبائع النافرة وهى بتذكير العواقب وَاهْجُرُوهُنَّ بعد ذلك ان لم ينفع الوعظ والنصيحة والهجر الترك عن قلى فِي الْمَضاجِعِ اى فى المراقد فلا تدخلوهن تحت اللحف ولا تباشروهن جمع مضجع وهو موضع وضع الجنب للنوم وَاضْرِبُوهُنَّ ان لم ينجع ما فعلتم من العظة والهجران غير مبرح ولا شائن ولا كاسر ولا خادش فالامور الثلاثة مترتبة ينبغى ان يدرج فيها فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ بذلك كما هو الظاهر لانه منتهى ما يعد زاجرا فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا بالتوبيخ والاذية اى فازيلوا عنهن التعرض واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن فان التائب من الذنب كمن لاذنب له إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا اى أعلى عليكم قدرة منكم عليهن كَبِيراً اى أعظم حكما عليكم منكم عليهن فاحذروا واعفوا عنهن إذا رجعن لانكم تعصونه على علو شأنه وكبرياء سلطانه ثم تتوبون فيتوب عليكم فانتم أحق بالعفو عمن جنى عليكم إذا رجع. قال فى الشرعة وشرحها إذا وقف واطلع من زوجته على فجور اى فسق او كذب او ميل الى الباطل فانه يطلقها الا ان لا يصبر عنها فيمسكها- روى- انه جاء رجل الى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله لى امرأة لا تردّ يد لامس قال (طلقها) قال أحبها قال (أمسكها) خوفا عليه بانه ان طلقها اتبعها وفسد هو ايضا معها فرأى ما فى دوام نكاحه
من دفع الفساد عنه مع ضيق قلبه اولى فلا بد للرجال من تحمل المكاره الا انه لا ينبغى للمرء ان يكون ديوثا كما قال بعض العارفين
كريز از كفش در دهان نهنك كه مردن به از زندكانى به ننك
وكان بعض العلماء يقول التحمل على أذى واحد من المرأة احتمال فى الحقيقة من عشرين أذى منها مثلا فيه نجاة الولد من اللطمة ونجاة القدر من الكسر ونجاة العجل من الضرب ونجاة الهرة من الزجر اى المنع من أكل فضول الخوان وسقاطه والثوب من الحرق والضيف من الرحيل قال رسول الله ﷺ (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) وقال ايضا (أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة) وقال ايضا (لا تؤذى امرأة زوجها فى الدنيا الا قالت زوجه من الحور العين لا تؤذيه قاتلك الله فانما هو عندك دخيل يوشك ان يفارقك إلينا) قال النبي عليه السلام مخاطبا لعائشة رضى الله عنها (أيما امرأة تؤذى زوجها بلسانها الا جعل الله لسانها يوم القيامة سبعين ذراعا ثم عقد
خلف عنقها. يا عائشة وأيما امرأة تصلى لربها وتدعو لنفسها ثم تدعو لزوجها الا ضرب بصلاتها وجهها حتى تدعو لزوجها ثم تدعو لنفسها. يا عائشة وأيما امرأة جزعت على ميتها فوق ثلاثة ايام أحبط الله عملها. يا عائشة وأيما امرأة ناحت على ميتها الا جعل الله لسانها سبعين ذراعا وجرت الى النار مع من تبعها. يا عائشة أيما امرأة أصابتها مصيبة فلطمت وجهها ومزقت ثيابها الا كانت مع امرأة لوط ونوح فى النار وكانت آيسة من كل خير وكل شفاعة شافع يوم القيامة يا عائشة وأيما امرأة زارت المقابر الا لعنها الله تعالى ولعنها كل رطب ويابس حتى ترجع فاذا رجعت الى منزلها كانت فى غضب الله ومقته الى الغد من ساعته فان ماتت من وقتها كانت من اهل النار. يا عائشة اجتهدي ثم اجتهدي فانكن صواحبات يوسف وفاتنات داود ومخرجات آدم من الجنة وعاصيات نوح ولوط. يا عائشة ما زال جبريل يوصينى فى امر النساء حتى ظننت انه سيحرم طلاقهن. يا عائشة انا خصم كل امرأة يطلقها زوجها) ثم قال (يا عائشة وما من امرأة تحبل من زوجها حين تحبل إلا ولها مثل اجرا الصائم بالنهار والقائم بالليل الغازي فى سبيل الله. يا عائشة ما من امرأة أتاها الطلق الا ولها بكل طلقة عتق نسمة وبكل رضعة عتق رقبة. يا عائشة أيما امرأة خففت عن زوجها من مهرها الا كان لها من العمل حجة مبرورة وعمرة متقبلة وغفر لها ذنوبها كلها حديثها وقديمها سرها وعلانيتها عمدها وخطأها أولها وآخرها. يا عائشة المرأة إذا كان لها زوج فصبرت على أذى زوجها فهى كالمتشحطة فى دمها فى سبيل الله وكانت من القانتات الذاكرات المسلمات المؤمنات التائبات) كذا فى روضة العلماء وفيه تطويل قد اختصرته وحذفت بعضه. والاشارة فى الآية ان الله تعالى جعل الرجال قوامين على النساء لان وجودهن تبع لوجودهم وهم الأصول وهن الفروع فكما ان الشجرة فرع الثمرة بانها خلقت منها فكذلك النساء خلقن من ضلوعهم فكما كان قيام حواء قبل خلقها وهى ضلع بآدم عليه السلام وهو قوام عليها فكذلك الرجال على النساء بمصالح امور دينهن ودنياهن قال تعالى قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً واختص الرجال باستعدادية
فلما أراد أكلها عضت يده فاشار اليه الطبيب بالقطع فلم يزل يقطع من كل مفصل حتى وصل الى الإبط فجاء الى ظل شجرة فاخذت عيناه فقيل له لا تتخلص من هذا الا بإرضاء صاحبها المظلوم فلما أرضاه سكن وجعه ثم انه تاب واقلع عما فعل فرد الله اليه يده فاوحى الله تعالى الى موسى عليه السلام [وعزتى لولا انه ارضى المظلوم لعذبته طول حياته]. قال العلماء حرمة مال المسلم كحرمة دمه قال عليه السلام (كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) وقال عليه السلام (لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيبة نفس منه) فالظلم حرام شرعا وعقلا:
قال الجامى قدس سره
هزار كونه خصومت كنى بخلق جهان ز بس كه در هوس سيم وآرزوى زرى
تراست دوست زر وسيم خصم صاحب آن كه گيرى از كفش آنرا بظلم وحيله كرى
نه مقتضاى خرد باشد ونتيجه عقل كه دوست را بگذارى وخصم را ببرى
فعلى السالك ان يجتنب عن الحرام ويأكل من الحلال الطيب ولبعض الكبار دقة عظيمة واهتمام تام فى هذا الباب- حكى- ان بعض الملوك أرسل الى الشيخ ركن الدين علاء الدولة غزالا وقال انها حلال فقال الشيخ كنت بمشهد طوس فجاء الى بعض الأمراء بارنب قال كل منها فانى رميتها بيدي فقلت الأرنب حرام على قول الامام جعفر الصادق رضى الله عنه.
قال فى حياة الحيوان يحل أكل الأرنب عند العلماء كافة الا ما حكى عن عبد الله بن عمرو بن العاص وابن ابى ليلى انهما كرها أكلها ثم انه جاء يوم بغزال فقال كل منها فانى رميتها بسهم عملته بيدي على فرس ورثتها عن ابى فقلت خطر ببالي ان واحدا من الأمراء جاء الى مولانا الجمال باوزتين وقال كل منهما فانى قد أخذتهما ببازى فقال مولانا ليس الكلام فى الاوزتين وانما الكلام فى قوت البازي من دجاجة أية عجوز أكل حتى قوى للاصطياد فالغزال التي رميتها على فرسك وان كانت من الصيد لكن قوت الفرس من شعير أي مظلوم حصل فلم يأكل منها- حكى- ان خياطا قال لبعض الكبار هل أكون معينا للظلمة بخياطة ثيابهم فقال ليس الكلام فيك وانما الكلام فى الحداد الذي يعمل الابرة. والحاصل ان لا بد من الاهتمام فى طلب الحلال وان كان فى زماننا هذا نادرا والوصول اليه عزيزا: قال الجامى قدس سره
خواهى كه شوى حلال روزى همخانه مكن عيال بسيار
دانى كه درين سراچهـ تنك حاصل نشود حلال بسيار
رزقنا الله وإياكم من فضله انه الجواد إِنْ تَجْتَنِبُوا الاجتناب التباعد ومنه الأجنبي كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ كبائر الذنوب التي نهاكم الله ورسوله عنها نُكَفِّرْ عَنْكُمْ التكفير اماطة المستحق من العقاب بثواب أزيد او بتوبة والإحباط نقيضه وهو اماطة الثواب المستحق بعقاب أزيد او بندم على الطاعة والمعنى نغفر لكم سَيِّئاتِكُمْ صغائركم ونمحها عنكم وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا بضم الميم اسم مكان هو الجنة كَرِيماً اى حسنا مرضيا او مصدر ميمى اى ادخالا مع كرامة. قال المفسرون الصلاة الى الصلاة والجمعة الى الجمعة ورمضان الى رمضان مكفرات لما بينهن من الصغائر إذا اجتنب الكبائر. واختلف
فى الكبائر والأقرب ان الكبيرة كل ذنب رتب الشارع عليه الحد او صرح بالوعيد فيه. قال انس بن مالك رضى الله عنه انكم تعملون اليوم أعمالا هى فى أعينكم أدق من الشعر كنانعدها على رسول الله ﷺ من الكبائر. وقال القشيري الكبائر على لسان اهل الاشارة الشرك الخفي ومن جملة ذلك ملاحظة الخلق واستجلاب قلوبهم والتودد إليهم والإغماض عن حق الله بعينهم. واعلم ان اجتناب الكبائر يوجب تكفير الصغائر وعند انتفاء الصغائر والكبائر يمكن الدخول فى المدخول الكريم وهو حضرة أكرم الأكرمين قال عليه السلام (ان الله طيب لا يقبل الا الطيب). وجملة الكبائر مندرجة فى ثلاثة أشياء أحدها اتباع الهوى والهوى ميلان النفس الى ما يستلذبه من الشهوات فقد يقع الإنسان به فى جملة من الكبائر مثلا البدعة والضلالة والارتداد والشبهة وطلب الشهوات واللذات والتنعمات وحظوظ النفس بترك الصلاة والطاعات كلها وعقوق الوالدين وقطع الرحم وقذف المحصنات وأمثال ذلك ولهذا قال تعالى وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وقال عليه السلام (ما عبد اله ابغض على الله من الهوى)
غبار هوا چشم عقلت بدوخت سموم هوس كشت عمرت بسوخت
بكن سرمه غفلت از چشم پاك كه فردا شوى سرمه در چشم خاك
وثانيها حب الدنيا فانه مطية كثير من الكبائر مثل القتل والظلم والغصب والنهب والسرقة والربا وأكل مال اليتيم ومنع الزكاة وشهادة الزور وكتمانها واليمين الغموس والحيف فى الوصية وغيرها واستحلال الحرام ونقض العهد وأمثاله ولهذا قال تعالى وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ وقال عليه السلام (حب الدنيا رأس كل خطيئة) وعنه ﷺ (أتاني جبريل وقال ان الله تعالى قال وعزتى وجلالى انه ليس من الكبائر كبيرة هى أعظم عندى من حب الدنيا)
عاقلان ميل بسويت نكند اى دنيا هم اميد كرم ولطف تو جاهل دارد
هر كه خواهد بكند از تو مرادى حاصل حاصل آنست كه انديشه باطل دارد
وثالثها رؤية الغير فان منها ينشأ الشرك والنفاق والرياء وأمثاله ولهذا قال تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وقال عليه السلام (اليسير من الرياء شرك).
وقال بعض المشايخ وجودك ذنب لا يقاس به ذنب آخر فمن تخلص من ذنب وجوده فلا يرى غير الله فلا ينتشئ منه الشرك ولا حب الدنيا وتخلص من الهوى فيتحقق له الوصول واللقاء قال تعالى فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً لعمرى ان هذا لهو المدخل الكريم والفوز العظيم والنعيم المقيم. فعلى العاقل ان يتخلص من الأغيار ويشاهد فى المجالى أنوار الواحد القهار
گرچهـ زندانست بر صاحب دلان هر كجا بويى ز وصل يار نيست
هيچ زندان عاشق محتاج را تنك تر از صحبت اغيار نيست
ولذا قيل الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر وما سوى الحق اغيار. قال ابراهيم عليه السلام
الكمالية للخلافة والنبوة فكان وجودهم الأصل ووجودهن تبعا لوجودهم للتوالد والتناسل قال عليه السلام (كمل من الرجال كثير وما كمل من النساء الا آسية بنت مزاحم امرأة فرعون ومريم بنت عمران وفضل عائشة على سائر النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) ومع هذا ما بلغ كمالهن الى حد يصلحن للخلافة او النبوة وانما كان كمالهن بالنسبة الى النسوة لا الى الرجال لانهن بالنسبة إليهم ناقصات عقل ودين حتى قال فى عائشة رضى الله عنها مع فضلها على سائر النساء (خذوا ثلثى دينكم عن هذه الحميراء) فهذا بالنسبة الى الرجال نقصان حيث لم يقل خذوا كمال دينكم ولكن بالنسبة الى النساء كمال لانه على قاعدة قوله تعالى لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يكون حظ النساء من الدين الثلث فكماله كان الثلثين بمثابة الذكور بمثل حظ الأنثيين: قال الفقير جامع هذه المجالس النفيسة
مرد بايد تا كه اقدامى كند در طريقت غيرت نامى كند
چون نه كامل ز مردى دم مزن چون نه دلبر مكو از حسن تن
زن كه كامل شد ز مردان دست برد مرد ناقص چون زن ناقص بمرد
وَإِنْ خِفْتُمْ اى علمتم او ظننتم ايها الحكام شِقاقَ بَيْنِهِما اى خلافا بين المرأة وزوجها ولا تدرون من قبل أيهما يقع النشوز والشقاق المخالفة اما لان كلا منهما يريد ما يشق على الآخر واما لان كلا منهما فى شق غير شق الآخر. قال ابن عباس رضى الله عنهما والجزم بوجود الشقاق لا ينافى بعث الحكمين لانه لرجاء إزالته لا لتعرف ودوده بالفعل فَابْعَثُوا اى الى الزوجين لاصلاح ذات البين حَكَماً رجلا عادلا صالحا للحكومة والإصلاح مِنْ أَهْلِهِ من اهل الزوج وَحَكَماً آخر على صفة الاول مِنْ أَهْلِها اى اهل الزوجة فان الأقارب اعرف ببواطن أحوالهم واطلب للصلاح بينهم وانصح لهم واسكن لنفوسهم لان نفوس الزوجين تسكن إليهما وتبرز ما فى ضمائرهما من حب أحدهما الآخر وبغضه إِنْ يُرِيدا اى الزوج والزوجة إِصْلاحاً لهما اى ما بينهما من الشقاق يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما يوقع بين الزوجين الموافقة والالفة بحسن سعى الحكمين ويلقى فى نفوسهما المودة والرأفة. وفيه تنبيه على ان من أصلح نيته فيما يتحراه وفقه الله لما ابتغاه إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً بالظواهر والبواطن فيعلم كيف يرفع الشاق ويوقع الوفاق. وفى الآية حث على إصلاح ذات البين قال رسول الله ﷺ (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة) قالوا بلى قال (إصلاح ذات البين) وقال ﷺ (ألا انما الدين النصيحة) قالها ثلاثا قالوا لمن يا رسول الله قال (لله ولرسوله ولكتابه ولائمة المؤمنين ولعامتهم) فالنصيحة لله تعالى ان تؤمن بالله ولا تشرك به شيأ وتعمل بما امر الله تعالى به وتنتهى عما نهى عنه وتدعو الناس الى ذلك وتدلهم عليه واما النصيحة لرسوله ان تعمل بسنته وتدعو الناس إليها. واما النصيحة لكتابه ان تؤمن به وتتلوه وتعمل بما فيه وتدعو الناس اليه. واما النصيحة للائمة ان لا تخرج عليهم بالسيف
فاذا حصل المقصود ووصل العابد الى المعبود فحينئذ يصح منه بالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين الآية لان الإحسان صفات الله تعالى لقوله تعالى الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ والاساءة من صفات الإنسان لقوله إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ فالعبد لا يصدر منه الإحسان الا ان يكون متخلقا بأخلاق نفسه كما قال تعالى ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وفيه اشارة اخزى وهى ان شرط العبودية الإقبال على الله بالكلية والاعراض عما سواه ولا يصدر منه الإحسان الا إذا اتصف بأخلاق الله حتى يخرج من عهدة العبودية بالوصول الى حضرة الربوبية فتفنى عنك به وتبقى به للوالدين وغيرهما محسنا لاحسانه بلا شرك ولا رياء فان الشرك والرياء من بقاء النفس ولهذا قال عقيب الآية إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً لان الاختيال والفخر من أوصاف النفس والله تعالى لا يحب النفس ولا أوصافها لان النفس لا تحب الله ولا المحبة من أوصافها فانها تحب الدنيا وزخارفها وما يوافق مقتضاها قال ﷺ (الشرك أخفى فى ابن آدم من دبيب النملة على الصخرة الصماء فى الليلة الظلماء) ومن خدم مخلوقا خوفا من مضرته او طمعا فى منفعته فقد أشرك عملا
كه داند چودر بند حق نيستى اگر بى وضو در نماز ايستى
بروى ريا خرقه سهلست دوخت كرش با خدا در توانى فروخت
اگر جز بحق ميرود جاده ات در آتش فشانند سجاده ات
قال تعالى وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً يعنى الأعمال التي عملوها لغير وجه الله أبطلنا ثوابها وجعلناها كالهباء المنثور وهو الغبار الذي يرى فى شعاع الشمس وجاء رجل الى النبي عليه السلام فقال يا رسول الله انى أتصدق بالصدقة فالتمس بها وجه الله تعالى وأحب ان يقال لى فيه خير فنزل قوله تعالى فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ يعنى من خاف المقام بين يدى الله تعالى ويريد ثوابه فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً رزقنا الله وإياكم الإخلاص الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بما منحوا به وهو مبتدأ خبره محذوف اى أحقاء بكل ملامة وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ به اى بما منحوا به عطف على ما قبله وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ اى من المال والغنى وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً وضع الظاهر موضع المضمر اشعار بان من هذا شأنه فهو كافر بنعمة الله ومن كان كافرا بنعمة الله فله عذاب يهينه كما أهان النعمة بالبخل والإخفاء. والآية نزلت فى طائفة من اليهود كانوا يقولون للانصار بطريق النصيحة لا تنفقوا أموالكم فانا نخشى عليكم الفقر وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ اى للفخار وليقال ما أسخاهم وما أجودهم لا لابتغاء وجه الله وهو عطف على الذين يبخلون ورئاء الناس مفعوله وانما شاركهم فى الذم والوعيد لان البخل والسرف الذي هو الانفاق فيما لا ينبغى من حيث انه طرفا تفريط وافراط سواء فى القبح واستتباع الذم واللوم وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ليحوزوا بالإنفاق مراضيه وثوابه وهم مشركوا مكة المنفقون أموالهم فى عداوة رسول الله ﷺ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً
اى بئس الصاحب والمقارن الشيطان وأعوانه حيث حملوهم على تلك القبائح وزينوها لهم وَماذا عَلَيْهِمْ اى على من ذكر من الطوائف لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ابتغاء لوجه الله لان ذكر الايمان بالله واليوم الآخر يقتضى ان يكون الانفاق لابتغاء وجهه تعالى وطلب ثوابه البتة اى وما الذي عليهم فى الايمان بالله تعالى والانفاق فى سبيله وهو توبيخ لهم على الجهل بمكان المنفعة والاعتقاد فى الشيء بخلاف ما هو عليه وتحريض على التفكر لطلب الجواب لعله يؤدى بهم الى العلم بما فيه من الفوائد الجليلة وتنبيه على ان المدعو الى امر لاضرر فيه ينبغى ان يجيب اليه احتياطا فكيف إذا كان فيه منافع لا تحصى وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ وبأحوالهم المحققة عَلِيماً فهو وعيد لهم بالعقاب فقد اخبر الله تعالى بدناءة همة الأشقياء وقصور نظرهم وانهم يقنعون بقليل من الدنيا الدنية ويحرمون من كثير من المقامات الاخروية السنية ولا ينفقونه فى طلب الحق ورضاه بل ينفقونه فيما لا ينبغى
هر كه مقصودش از كرم آنست كه بر آرد بعالم آوازه
باشد از مصر فضل وجود وكرم خانه او برون ز دروازه
قال بعض الحكماء مثل من يعمل الطاعات للرياء والسمعة كمثل رجل حرج الى السوق وملأ كبسه حصى فيقول الناس ما املأ كيس هذا الرجل ولا منفعة له سوى مقالة الناس ولو أراد ان يشترى به شيأ لا يعطى له شىء كذلك الذي عمل للرياء والسمعة. قال حامد اللفاف إذا أراد الله هلاك امرئ عاقبه بثلاثة أشياء. أولها يرزقه العلم ويمنعه عن عمل العلماء.
والثاني يرزقه صحبة الصالحين ويمنعه عن معرفة حقوقهم. والثالث يفتح عليه باب الطاعة ويمنعه الإخلاص وانما يكون ذلك المذكور لخبث نيته وسوء سريرته لان النية لو كانت صحيحة لرزقه الله منفعة العلم ومعرفة حقوقهم واخلاص العمل
عبادت بإخلاص نيت نكوست وگر نه چهـ آيد ز بي مغز پوست
چهـ زنار مغ در ميانت چهـ دلق كه در پوشى از بهر پندار خلق
فعلى الفتى ان يتخلص من الرياء فى إنفاقه وفى كل اعماله ويكون سخيا لا شحيحا فان شكر المال إنفاقه فى سبيل الله: قال الشيخ العطار قدس سره
توانكر كه ندارد پاس درويش ز دست غيرتش بر جان رسدنيش
: ويناسبه ما قال الحافظ
كنج قارون كه فرو ميرود از فكر هنوز خوانده باشى كه هم از غيرت درويشانست
وإذا كان بخيلا ومع هذا امر الناس بالبخل يكون ذلك وزرا على وزر. قال صاحب الكشاف ولقد رأينا ممن بلى بلاء البخل من إذا طرق سمعه ان أحدا جاد على أحد شخص بصره وحل حبوته واضطرب وزاغت عيناه فى رأسه كأنما نهب رحله وكسرت خزائنه ضجرا من ذلك وحشرة على وجوده انتهى وهذا مشاهد فى كل زمان لا يعطون ويمنعون من يعطى ان قدروا. والحاصل انهم يجتهدون فى منع من قصد خيرا كبناء القناطر والجسور وحفر الآبار وسائر الخيرات
وتدعولهم بالعدل والانصاف وتدل الناس عليه. واما النصيحة للعامة فهو ان تحب لهم ما تحب لنفسك وان تصلح بينهم ولا تهجرهم وتدعولهم بالصلاح. ولا شك ان المصلحين هم خيار الناس بخلاف المفسدين فانهم شرار الخلق إذ هم يسعون فى الأرض بالفساد والتفريق وإيقاظ الفتنة دون إزالتها وقدورد (الفتنة نائمة لعن الله من ايقظها)
از آن همنشين تا توانى كريز كه مر فتنه خفته را كفت خيز
ومن المفسدين من يوصل كلام أحد الى أحد فيه ما يسوؤه ويحزنه فالعاقل لا يصيخ الى مثل هذا القائل
بدى در قفا عيب من كرد وخفت بتر زو قرينى كه آورد وكفت
يكى تيرى افكنده ودر ره فتاد وجودم نيازرد ورنجم نداد
تو بر داشتى وآمدى سوى من همى در سپوزى به پهلوى من
والاشارة فى الآية انه إذا وقع الخلاف بين الشيخ الواصل والمريد المتكاسل فَابْعَثُوا متواسطين أحدهما من المشايخ المعتبرين والثاني من معتبرى السالكين لينظرا الى مقالهما ويتحققا أحوالهما إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً بينهما بما رأيا فيه صلاحهما يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما بالارادة وحسن التربية إِنَّ اللَّهَ كانَ فى الأزل عَلِيماً باحوالهما خَبِيراً بمآلهما فقدر لكل واحد منهما بما عليهما وبما لهما كذا فى تأويلات الشيخ العارف نجم الدين الكبرى قدس سره وقد عرف منه ان التهاجر والمخالفة تقع بين الكاملين كما بين عوام المؤمنين ولا يمنع اختلافهم الصوري اتفاقهم المعنوي وقد اقتضت الحكمة الالهية ذلك فلمثل هذا سر لا يعرفه عقول العامة: قال مولانا جلال الدين فى بيان اتحاد الأولياء والكاملين
چون ازيشان مجتمع بينى دو يار هم يكى باشند وهم شش صد هزار «١»
بر مثال موجها اعدادشان در عدد آورده باشد پادشان
تفرقه در روح حيوانى بود نفس واحد روح انسانى بود
مؤمنان معدود ليك ايمان يكى جسم شان معدود ليكن جان يكى «٢»
والحاصل ان اهل الحق كلهم نفس واحدة والتفرقة بحسب البشرية والتخالف سبب لا ينافى توافقهم فى المعنى من كل وجه وجهة وَاعْبُدُوا اللَّهَ العبادة عبارة عن كل فعل وترك يؤتى به بمجرد امر الله تعالى بذلك وهذا يدخل فيه جميع اعمال القلوب وجميع اعمال الجوارح وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً من الأشياء صنما او غيره او شيأ من الإشراك جليا وهو الكفر او خفيا وهو الرياء وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً اى وأحسنوا إليهما إحسانا. فالباء بمعنى الى كما فى قوله وَقَدْ أَحْسَنَ بِي وبدأ بهما لان حقهما أعظم حقوق البشر فالاحسان إليهما بان يقوم بخدمتهما ولا يرفع صوته عليهما ولا يخشن فى الكلام معهما ويسعى فى تحصيل مطالبهما والانفاق عليهما بقدر القدرة وَبِذِي الْقُرْبى وبصاحب القرابة من أخ او عم او خال او نحو ذلك بصلة الرحم والمرحمة ان استغنوا والوصية وحسن الانفاق ان افتقروا وَالْيَتامى بانفاق ما هو أصلح لهم او بالقيام على أموالهم ان كان وصيا وَالْمَساكِينِ
(١) در أوائل دفتر دوم در بيان مشورت كردن خداى تعالى با فرشتگان در إيجاد خلق
(٢) در أوائل دفتر چهارم در بيان شرح انما المؤمنون اخوة إلخ
بالمبار والصدقات واطعام الطعام او بالرد الجميل وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى اى الذي قرب جواره او الذي له مع الجوار اتصال بنسب او دين قال عليه السلام (والذي نفسى بيده لا يؤدى حق الجار الا من رحم الله وقليل ما هم أتدرون ما حق الجار ان افتقر أغنيته وان استقرض أقرضته وان أصابه خير هنأته وان أصابه شر عزيته وان مرض عدته وان مات شعيت جنازته) وَالْجارِ الْجُنُبِ اى البعيد او الذي لا قرابة له. وعنه عليه السلام (الجيران ثلاثة فجار له ثلاثة حقوق حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام وجار له حقان حق الجوار وحق الإسلام وجار له حق واحد هو حق الجوار وهو الجار من اهل الكتاب) وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ اى الرفيق فى امر حسن كتعلم وتصرف وصناعة وسفر فانه صحبك وحصل بجانبك ومنهم من قعد بجنبك فى مسجد او مجلس او غير ذلك من ادنى صحبة التأمت بينك وبينه فعليك ان ترعى ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة الى الإحسان وَابْنِ السَّبِيلِ هو المسافر الذي سافر عن بلده وماله والإحسان بان تؤويه وتزوده او هو الضيف الذي ينزل عليك وحقه ثلاثة ايام ومازاد على ذلك فهو صدقة ولا يحل له ان يقيم عنده حتى يخرجه وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من العبيد والإماء والإحسان إليهم بان يؤدبهم ولا يكلفهم ما لا طاقة لهم ولا يكثر العمل لهم طول النهار ولا يؤذيهم بالكلام الخشن بل يعاشرهم معاشرة حسنة ويعطيهم من الطعام والكسوة ما يحتاجون اليه. قال بعضهم كل حيوان فهو مملوك والإحسان اليه بما يليق به طاعة عظيمة إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا اى متكبرا يأنف من أقاربه وجيرانه وأصحابه ولا يلتفت إليهم فَخُوراً بما لا يليق يتفاخر عليهم ولا يقوم بالحقوق ويقال فخورا فى نعم الله لا يشكر قال الله تعالى لموسى عليه السلام [يا موسى انى انا الله لا اله الا انا فاعبدنى وحدي لا شريك لى فمن لم يرض بقضائي ولم يشكر على نعمائى ولم يصبر على بلائي ولم يقنع بعطائى فليعبد ربا سواى. يا موسى لولا من يسجد لى ما أنزلت من السماء قطرة ولا أنبت فى الأرض شجرة ولولا من يعبدنى مخلصا لما أمهلت من يجحدنى طرفة عين ولولا من يشكر نعمتى لحبست القطر فى الجو. يا موسى لولا التائبون لخسفت بالمذنبين ولولا الصالحون لا هلكت الصالحين]. واعلم ان العبادة ان تعبد الله وخده بطريق أوامره ونواهيه ولا تعبد معه شيأ من الدنيا والعقبى فانك لو عبدت الله خوفا من شىء او طمعا فى شىء فقد عبدت ذلك الشيء والعبودية طلب المولى بالمولى بترك الدنيا والعقبى والتسليم عند جريان القضاء شاكرا صابرا فى النعم والبلوى فلا بد من التوحيد الصرف وترك الشرك حتى يوصله الله الى مبتغاه: قال بعض العارفين
وذلك لكمال دناءتهم وقصور نظرهم وعدم شكرهم واللئيم لا يفعل الا ما يناسب طبعه
نقد هستى محو كن در «لا اله» تا به بينى دار ملك پادشاه
غير حق هر ذره كان مقصود تست تيغ «لا» بركش كه آن معبود تست
«لا» كه عرش وفرش را بر مى درد از فنا سوى بقاره ميبرد
«لا» ترا از تو رهايى ميدهد با خدايت آشنايى ميدهد
چون تو خود را از ميان برداشتى قصر ايمانرا درى افراشتى
چومنعم كند سفله را روزكار نهد بر دل تنك درويش بار
چوبام بلندش بود خود پرست كند بول وخاشاك بر بام پست.
قال بشير بن الحارث النظر الى البخيل يقسى القلب فلا بد من مجانبة مجالسته وصحبته
چونكه باشد مجاورت لازم همجوار كريم بايد بود
كر كنى با كسى مشاوره آن مشاور حكيم بايد بود
ففى السخاء بركات فى الدين والدنيا والآخرة. قيل ان مجوسيا تصدق بمائة دينار فرأى الشبلي ذلك فقال ما تنفعك هذه الصدقة فبكى المجوسي ونظر الى السماء فاذا رقعة وقعت عليه مكتوب فيها بخط اخضر
مكافأة السماحة دار خلد وأمن من مخافة يوم بؤس
وما نار بمحرقة جوادا ولو كان الجواد من المجوس
يعنى ان الله تعالى يوفق السخي للايمان ان كان كافرا ولزيادة الطاعة والإخلاص فيها ان كان مؤمنا فيترقى الى الدرجات العلى ويليق بمشاهدة ربه الأعلى إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ لا ينقص من الاجر ولا يزيد فى العقاب شيأ مقدار ذرة وهى النملة الصغيرة الحمراء التي لا تكاد ترى من صغرها او الصغير جدا من اجزاء التراب او ما يظهر من اجزاء الهباء المنبث الذي تراه فى البيت من ضوء الشمس وهو الأنسب بمقام المبالغة وهذا نفى للظلم لانه إذا نفى القليل نفى الكثير لان القليل داخل فى الكثير وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً اى وان يك مثقال الذرة حسنة انث الضمير لتأنيث الخبر او لاضافة المثقال الى مؤنث وحذف النون من غير قياس تشبيها بحروف العلة وتخفيفا لكثرة الاستعمال يُضاعِفْها اى يضاعف ثوابها لان تضاعف نفس الحسنة بان يجعل الصلاة الواحدة صلاتين مما لا يعقل وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ ويعط صاحبها من عنده على سبيل التفضيل زائدا على ما وعد فى مقابلة العمل أَجْراً عَظِيماً عطاء جزيلا وانما سماه اجرا لكونه تابعا للاجر مزيدا عليه. قال فى التيسير وما وصفه الله بالعظم فمن يعرف مقداره مع انه سمى الدنيا وما فيها قليلا وسمى هذا الفضل عظيما- روى- انه يؤتى يوم القيامة بالعبد وينادى مناد على رؤوس الأولين والآخرين هذا فلان ابن فلان من كان له عليه حق فليأت الى حقه ثم يقال له أعط هؤلاء حقوقهم فيقول يا رب من اين وقد ذهبت الدنيا فيقول الله لملائكته انظروا فى اعماله الصالحة فاعطوهم منها فان بقي مثقال ذرة من حسنة ضعفها الله تعالى لعبده وادخله الجنة بفضله ورحمته والظاهر ان ذلك التضعيف يكون من جنس اللذات الموعود بها فى الجنة واما هذا الاجر العظيم الذي يؤتيه من لدنه فهو اللذة الحاصلة عند الرؤية وعند الاستغراق فى المحبة والمعرفة وانما خص هذا النوع بقوله من لدنه لان هذا النوع من الغبطة والسعادة والكمال لا ينال بالأعمال الجسدية بل انما ينال بما يودع الله فى جوهر النفس المقدسية من الاشراق والصفاء والنور وبالجملة فذلك التضعيف اشارة الى السعادات الجسمانية وهذا الاجر العظيم اشارة الى السعادات
على أمته وقد ورد فى الحديث (ان الله يتجلى لعباده فى صورة معتقدهم فيعرفه كل واحد من اهل الملل والمذاهب ثم يتحول عن تلك الصورة فيبرز فى صورة اخرى فلا يعرفه الا الموحدون الواصلون الى حضرة الاحدية من كل باب) وكما ان لكل امة شهيدا فلكل اهل مذهب شهيد ولكل أحد شهيد يكشف عن حال مشهوده. واما المحمديون فهم شهداء على الأمم ونبيهم شهيد عليهم لكونهم من الأمم ولكون نبيهم حبيبا مؤتى بجوامع الكلم متمما لمكارم الأخلاق فلا جرم يعرفون الله عند التحول فى جميع الصور إذا تابعوا نبيهم حق المتابعة ونبيهم يشهدهم ويعرف أحوالهم انتهى بعبارته جعلنا الله وإياكم من الكاملين الواصلين الى حق اليقين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ- روى- ان عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما وشرابا فدعا نفرا من أفاضل الصحابة رضى الله عنهم حين كانت الخمر مباحة فأكلوا وشربوا فلما ثملوا وجاء وقت صلاة المغرب قدموا أحدهم ليصلى بهم فقرأ قل يا ايها الكافرون اعبد ما تعبدون وأنتم عابدون ما اعبد الى آخرها بطرح اللاآت فنزلت فكانوا لا يشربون فى اوقات الصلاة فاذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون الا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون ثم نزل تحريمها وتوجيه النهى الى قربان الصلاة مع ان المراد هو النهى عن إقامتها للمبالغة فى ذلك. قال فى التيسير ثم النهى ليس عن عين الصلاة فانها عبادة فلا ينهى عنها بل هو نهى اكتساب السكر الذي يعجز به عن الصلاة على الوجه. قال الامام ابو منصور رحمه الله وكذلك قول رسول الله ﷺ (لا صلاة للعبد الآبق ولا للمرأة الناشزة) ليس فيه النهى عن الصلاة لكن النهى عن الإباق والنشوز وهذا لان الإباق والنشوز والسكر ليست بالتي تعمل فى إسقاط الفرض فالمعنى لا تقيموها حالة السكر حتى تعلموا قبل الشروع ما تقولون إذ بتلك التجربة يظهر انهم يعلمون ما سيقرؤنه فى الصلاة والسكر اسم لحالة تعرض بين المرء وعقله واكثر ما يكون من الشراب وقد يكون من العشق والنوم والغضب والخوف لكنه حقيقة فى الاول فيحمل عليه هنا. والسكارى جمع سكران كالكسالى جمع كسلان واجمعوا على انه لا يجوز بيع السكران وشراؤه ويؤاخذ بالاستهلاكات والقتل والحدود وصح طلاقه وعتاقه عقوبة له عندنا خلافا للشافعى وَلا جُنُباً عطف على قوله وأنتم سكارى فانه فى حيز النصب كأنه قيل لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنبا. والجنب من أصابته الجنابة يستوى فيه المؤنث والمذكر والواحد والجمع لجريانه مجرى المصدر واصل الجنابة البعد والجنب مبعد عن القراءة والصلاة وموضعها إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ استثناء مفرغ من أعم الأحوال محله النصب على انه حال من ضمير لا تقربوا باعتبار تقيده بالحال الثانية دون الاولى والعامل فيه النهى اى لا تقربوا الصلاة جنبا فى حال من الأحوال الا حال كونكم مسافرين فتعذرون بالسفر فتصلون بالتيمم حَتَّى تَغْتَسِلُوا غاية للنهى عن قربان الصلاة حالة الجنابة. وفى الآية الكريمة اشارة الى ان المصلى حقه ان يتحرز عما يلهيه ويشغل قلبه وان يزكى نفسه عما يدنسها ولا يكتفى بأدنى مراتب التزكية عند إمكان أعاليها وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى جمع مريض. والمرض على ثلاثة اقسام. أحدها ان يكون بحيث لو استعمل الماء لمات كما فى الجدري الشديد والقروح العظيمة
وثانيها ان لا يموت باستعمال الماء ولكنه يجد الآلام العظيمة ويشتد مرضه او يمتد. وثالثها ان لا يخاف الموت ولا الآلام الشديدة لكنه يخاف بقاء شين او عيب فى البدن فالفقهاء جوزوا التيمم فى القسمين الأولين وما جوزوه فى القسم الثالث أَوْ عَلى سَفَرٍ عطف على مرضى اى او كنتم على سفر ما طال او قصر وإيراده مع سبق ذكره بطريق الاستثناء لبناء الحكم الشرعي عليه وبيان كيفيته وتعليق التيمم بالمرض والسفر مع أتم الحكم كذلك فى كل موضع تحقق العجز حتى قال ابو حنيفة يجوز التيمم للجنابة فى المصر إذا عدم الماء الحار لان العجز عن استعمال الماء يقع فيها غالبا أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ وهو المكان المنخفض المطمئن والمجيء منه كناية عن الحدث لان المعتاد ان من يريده يذهب اليه ليوارى شخصه عن أعين الناس أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ اى جامعتموهن يعنى إذا أصابكم المرض
او السفر او الحدث او الجنابة فَلَمْ تَجِدُوا ماءً اى لم تقدروا على استعماله لعدمه او لبعده او لفقد آلة الوصول اليه من الدلو والرشاء او المانع عنه من حية او سبع او عدو فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فاقصدوا شيأ من وجه الأرض طاهرا. قال الزجاج الصعيد وجه الأرض ترابا او غيره وان كان صخرا لا تراب عليه لو ضرب المتيمم يده عليه ومسح لكان ذلك طهوره وهو مذهب ابى حنيفة رحمه الله فامسحوا بوجوهكم وايديكم الى المرفقين لما روى انه ﷺ تيمم ومسح يديه الى مرفقيه ولانه بدل من الوضوء فيتقدر بقدره والباء زائدة اى فامسحوا وجوهكم وايديكم منه اى من الصعيد إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً تعليل للترخيص والتيسير وتقرير لهما فان من عادته المستمرة ان يعفو عن الخطائين ويغفر للمذنبين لا بد من ان يكون ميسرا لا معسرا. والاشارة ان الصلاة معراج المؤمن وميقات مناجاته والمصلى هو الذي يناجى ربه يعنى يا مدعى الايمان لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى اى لا تجدوا القربة فى الصلاة وأنتم سكارى من الغفلات وتتبع الشهوات لان كل ما أوجب للقلب الذهول عن الله فهو ملتحق بالسكر ومن اجله جعل السكر على اقسام فسكر من الخمر وسكر من الغفلة لا ستيلاء حب الدنيا وأصعب السكر سكرك من نفسك فان من سكر من الخمر فقضاؤه الحرقة ومن سكر من نفسه ففى الوقت على الحقيقة له القطيعة والفرقة
اى أسير ننك نام خويشتن بسته خود را بدام خويشتن
ور نكنجى با خود اندر كوى او كم شو از خود تا بيابى كوى او
تا تو نزديك خودى زين حرف دور غائبى يابى اگر خواهى حصور
تا تو از غفلت چوباده مست شدى لا جرم از طور وصلت پست شدى
حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ولماذا تقولون كما تقولون الله اكبر لتكبيرة الإحرام عند رفع اليدين ومعناه الله أعظم وأجل من كل شىء فان كنت تعلم عند التقول به فينبغى ان لا يكون فى تلك الحالة فى قلبك عظمة شىء آخر وامارة ذلك ان لا تجد ذكر شىء فى قلبك مع ذكره تعالى ولا محبة شىء مع محبته ولا طلب شىء مع طلبه فانه تبارك وتعالى واحد لا يقبل الشركة فى جميع صفاته والا كنت كاذبا فى قولك الله اكبر بالنسبة الى حالك وكنت كالسكران لا تجد القربة من صلاتك لان القربة مشروطة بشرط السجود كما خوطب به وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ والسجود ان تنزل من مركب
الروحانية. ورد فى الخبر الصحيح (ان الله تعالى يقول لملائكته حين دخل اهل الجنة الجنة أطعموا أوليائي فيؤتى بألوان الاطعمة فيجدون لكل نعمة لذة غير ما يجدون للاخرى فاذا فرغوا من الطعام يقول الله تعالى اسقوا عبادى فيؤتى باشربة فيجدون لكل شربة لذة بخلاف الاخرى فاذا فرغوا يقول الله تعالى انا ربكم قد صدقتكم وعدي فاسألونى أعطكم قالوا ربنا نسألك رضوانك مرتين او ثلاثا فيقول رضيت عنكم ولدىّ المزيد فاليوم أكرمكم بكرامة أعظم من ذلك كله فيكشف الحجاب فينظرون اليه ما شاء الله فيخرون اليه سجدا فيكونون فى السجود ما شاء الله تعالى ثم يقول لهم ارفعوا رؤسكم ليس هذا موضع عبادة فينسون كل نعمة كانوا فيها ويكون النظر اليه أحب إليهم من جميع النعم)
جان بيجمال جانان ميل جهان ندارد وآنكس كه اين ندارد حقا كه آن ندارت
(فيهب ريح من تحت العرش على تل من مسك أذفر فينشر المسك على رؤسهم ونواصى خيولهم فاذا رجعوا الى أهليهم يرون أزواجهم فى الحسن والبهاء أفضل مما تركوهن ويقول لهم أزواجهم قد رجعتم احسن مما كنتم) ومطمح نظر العارف الجنة المعنوية. قال ابو يزيد البسطامي حلاوة المعرفة الالهية خير من جنة الفردوس وأعلى عليين لو فتحوا لى الجنات الثمان وأعطوني الدنيا والآخرة لم يقابل أنيني وقت السحر طال انسى بالله. وقال مالك بن دينار خرج الناس من الدنيا ولم يذوقوا أطيب الأشياء قيل وما هو قال معرفة الله تعالى: قال جلال الدين قدس سره
اى خنك انرا كه ذات خود شناخت اندر أمن سرمدى قصرى بساخت «١»
پس چوآهن كر چهـ تيره هيكلى صيقلى كن صيقلى كن صيقلى «٢»
دفع كن از مغز از بينى ز كام تا كه ريح الله در آيد از مشام «٣»
هيچ مكذار از تب وصفرا اثر تا بيابى در جهان طعم شكر
اوصانا الله وإياكم الى معرفته وأدخلنا الجنة برحمته فَكَيْفَ محلها النصب بفعل محذوف على التشبيه بالحال او الظرف اى فكيف يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى وغيرهم إِذا جِئْنا يوم القيامة مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ من الأمم بِشَهِيدٍ يشهد عليهم بما كانوا عليه من فساد العقائد وقبائح الافعال وهو نبيهم وَجِئْنا بِكَ أحضرناك يا محمد عَلى هؤُلاءِ اشارة الى الشهداء المدلول عليهم بما ذكر من قوله بشهيد شَهِيداً تشهد على صدقهم لعلمك بعقائدهم لاستجماع شرعك لمجامع قواعدهم او اشارة الى المكذبين المستفهم عن حالهم تشهد عليهم بالكفر والعصيان كما يشهد سائر الأنبياء على أممهم يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ بيان لحالهم التي أشير الى شدتها وفظاعتها بقوله تعالى فَكَيْفَ إلخ وعصيان الرسول محمول على المعاصي المغايرة للكفر فلا يلزم عطف الشيء على نفسه اى يتمنى الذين جمعوا بين الكفر وعصيان الرسول والمراد الذين كفروا والذين عصوا الرسول لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ لو بمعنى ان المصدرية والجملة مفعول يود اى يودون ان يدفنوا فتسوى بهم الأرض كالموتى فتسوية الأرض بهم كناية عن دفنهم او يودون انهم لم يبعثوا ولم يخلقوا وكأنهم والأرض سواء. قال بعض
(١) در اواخر دفتر پنجم در بيان حكايت جوجى كه چادر پوسيده در ميان زنان إلخ
(٢) در اواسط دفتر چهارم در بيان آنكه تن هر يك از آدمي همچون آهن نيكو إلخ
(٣) در اواسط دفتر دوم در بيان حكايت آن مرد ابله كه مغرور بود بر نملق خرس
الأفاضل الباء للملابسة اى تسوى الأرض ملتبسة بهم ولا حاجة الى الحمل على القلب لقلة الفرق بين تسويتهم بالأرض والتراب وتسويتها بهم وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً عطف على يود اى ولا يقدرون على كتمانه لان جوارحهم تشهد عليهم او الواو للحال اى يودون ان يدفنوا فى الأرض وهم لا يكتمون منه تعالى حديثا ولا يكذبونه بقولهم والله ربنا ما كنا مشركين إذ روى انهم إذا قالوا ذلك ختم الله على أفواههم فتشهد عليهم جوارحهم فيشتد الأمر عليهم فيتمنون ان تسوى بهم الأرض قال رسول الله ﷺ (يدعى نوح يوم القيامة فيقول لبيك وسعديك فيقول هل بلغت فيقول نعم فيقال لأمته هل بلغكم فتقول ما جاءنا من نذير فيقول من يشهد لك فيقول محمد وأمته فيشهدون انه قد بلغ ويكون الرسول عليكم شهيدا ثم يدعى غيره من الأنبياء عليهم السلام ثم ينادى كل انسان باسمه واحدا واحدا وتعرض أعمالهم على رب العزة قليلها وكثيرها حسنها وقبيحها). وذكر ابو حامد فى كتاب كشف علوم الآخرة ان هذا يكون بعد ما يحكم الله تعالى بين البهائم ويقتص للجماء من القرناء ويفصل بين الوحوش والطير ثم يقول لهم كونوا ترابا فتسوى بهم الأرض فحينئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ويتمنى الكافر فيقول يا ليتنى كنت ترابا). واعلم انه يعرض على النبي عليه السلام اعمال أمته غدوة وعشية فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم وتعرض على الله يوم الخميس ويوم الاثنين وعلى الأنبياء والآباء والأمهات يوم الجمعة فتفكر يا أخي وان كنت شاهدا عدلا بانك مشهود عليك فى كل أحوالك من فعلك ومقالك وأعظم الشهود لديك المطلع عليك الذي لا يخفى عليه خائنة عين ولا يغيب عنه زمان ولا اين فاعمل عمل من يعلم انه راجع اليه وقادم عليه يجازى على الصغير والكبير والقليل والكثير
در خير بازست وطاعت وليك نه هر كس تواناست بر فعل نيك
همه برك بودن همه ساختى بتدبير رفتن نپرداختى
فلا تضيع أيامك فان أيامك رأس مالك وانك ما دمت قابضا على رأس مالك فانك قادر على طلب الربح لان بضاعة الآخرة كاسدة فى يومك هذا فاجتهد حتى تجمع بضاعة الآخرة فى وقت الكساد فانما يجيئ يوم تصير هذه البضاعة عزيزة فاكثر منها فى يوم الكساد ليوم العزة فانك لا تقدر على طلبها فى ذلك اليوم- روى- ان الموتى يتمنون ان يؤذن لهم بان يصلوا ركعتين او يؤذن لهم ان يقولوا مرة واحدة لا اله الا الله او يؤذن لهم فى تسبيحة واحدة فلا يؤذن لهم ويتعجبون من الاحياء انهم يضيعون ايامهم فى الغفلة
مهلكه عمر به بيهوده بگذرد حافظ بكوش وحاصل عمر عزيز را درياب
قال القاشاني فى قوله تعالى فَكَيْفَ إِذا جِئْنا الشهيد والشاهد ما يحضر كل أحد مما بلغه من الدرجة وهو الغالب عليه فهو يكشف عن حاله وعمله وسعيه ومبلغ جهده مقاما كان او صفة من صفات الحق او رأيا فلكل امة شهيد بحسب ما دعاهم اليه نبيهم وعرفه إليهم ولم يبعث الا بحسب ما يقتضيه استعداد أمته فما دعاهم الا الى ما يطلب استعدادهم مما وصل اليه النبي من مقامه فى المعرفة فلا يعرف أحد باطن أمرهم وما هم عليه من أحوالهم كنبيهم ولذلك جعل كل نبى شهيدا
أوصاف وجودك لتحمل على رفرف جوده الى قاب قوسين أوصاف وجوده لشهود جماله وجلاله وهذا هو سر التشهد بعد السجود ثم قال وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ يعنى كما لا تجدون القربة وأنتم سكارى من الغفلات ايضا لا تجدونها مع جنابة استحقاق البعد وهى ملابسة الدنيا الدنية الا على طريق العبور بقدم ظاهر الشرع فى سبيل الأوامر والنواهي كعبور طريق الاعتداد بالمطعم والمشرب لسد الرمق وحفظ القوة والاكتساء لدفع الحر والبرد وستر العورة والمباشرة لحفظ النسل حَتَّى تَغْتَسِلُوا بماء القربة والانابة وصدق الطلب وحسن الارادة وخلوص النية من جنابة ملابسة الدنيا وشهواتها وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى بانحراف مزاج القلب فى طلب الحق أَوْ عَلى سَفَرٍ التردد بين طلب الدنيا وطلب العقبى والمولى أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ من غائط تتبع الهوى أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ اى لابستم الاشغال الدنيوية فاجنبتم وتباعدتم عن الله بعد ما كنتم مجاورى حظائر القدس ووقعتم فى رياض الانس فَلَمْ تَجِدُوا ماءً صدق الانابة والرجوع الى الحق بالاعراض والانقطاع عن الخلق فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً وهو تراب أقدام الرجال الطيبين من سوء الأخلاق والأعمال فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ تراب أقدامهم وتمسكوا وَأَيْدِيكُمْ أذيال كرمهم مستسلمين بصدق الارادة لاحكامهم إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا يعفو عنكم التعصب وعدم الانقطاع اليه بالكلية ولعله يعفو عنكم التلوث بالدنيا الدنية بهذه الخصلة مرضية غَفُوراً لكم آثار الشقوة من غبار الشهوة فانهم يسعد بهم لانهم قوم لا يشقى بهم جليسهم
كليد كنج سعادت قبول اهل دلست مباد كس كه درين نكته شك وريب كند
شبان وادئ ايمن كهى رسد بمراد كه چند سال بجان خدمت شعيب كند
أَلَمْ تَرَ الخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية من المؤمنين والرؤية بصرية لشهرة شنائع الموصوفين حتى انتظمت فى سلك الأمور المشاهدة إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً حظا كائنا مِنَ الْكِتابِ من علم الكتاب وهو التوراة والمراد بهم أحبار اليهود اى ألم تنظر إليهم فانهم أحقاء بان تشاهدهم وتتعجب من أحوالهم. نزلت فى حبرين من أحبار اليهود كانا يأتيان رئيس المنافقين عبد الله بن ابى ورهطه يثبطانهم عن الإسلام يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ كأنه قيل ماذا يصنعون حتى ينظر إليهم فقيل يأخذون الضلالة ويتركون ما أوتوه من الهداية وَيُرِيدُونَ اى لا يكتفون بضلالة أنفسهم بل يريدون بما فعلوا من كتمان نعوته ﷺ أَنْ تَضِلُّوا أنتم ايضا ايها المؤمنون السَّبِيلَ المستقيم الموصل الى الحق وانما أرادوا ذلك ليكون الناس كلهم على دينهم فتكون لهم الرياسة على الكل وأخذ المرافق من الكل وَاللَّهُ أَعْلَمُ اى منكم بِأَعْدائِكُمْ جميعا ومن جملتهم هؤلاء وقد أخبركم بعداوتهم لكم وما يريدون لكم لتكونوا على حذر منهم ومن مخالطتهم او هو اعلم بحالهم ومآل أمرهم وَكَفى بِاللَّهِ الباء مزيدة وَلِيًّا متكفلا فى جميع أموركم ومصالحكم او محبا لكم وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً فى كل المواطن فثقوا به واكتفوا بولايته ونصرته ولا تتولوا غيره او لا تبالوا بهم وبما يسومونكم من السوء فانه تعالى معين يكفيكم مكرهم وشرهم ففيه وعد
بالله. قال الشيخ ابو الحسن رضى الله عنه العلوم كالدنانير والدراهم ان شاء نفعك بها وان شاء اضرك معها والعلم ان قارنته الخشية فلك اجره وثوابه وحصول النفع به والا فعليك وزره وعقابه وقيام الحجة به وعلامة خشية الله ترك الدنيا والخلق ومحاربة النفس والشيطان: قال الشيخ السعدي قدس سره
دعوى كنى كه بر ترم از ديكران بعلم چون كبر كردى از همه دونان فرو ترى
شاخ درخت علم ندانم بجز عمل تا علم با عمل نكنى شاخ بي برى
علم آدميتست وجوانمردى وادب ور نه بدى بصورت انسان برابرى
ترك هواست كشتئ درياى معرفت عارف بذات شو نه بدين قلندرى
هر علم را كه كار نه بندى چهـ فائده چشم از براى آن بود آخر كه بنگرى
يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ اى التوراة آمِنُوا بِما نَزَّلْنا من القرآن حال كونه مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ من التوراة ومعنى تصديقه إياها نزوله حسبما نعت لهم فيها او كونه موافقا لها فى القصص والمواعيد والدعوة الى التوحيد والعدل بين الناس والنهى عن المعاصي والفواحش واما ما يتراءى من مخالفته لها فى جزئيات الاحكام بسبب تفاوت الأمم بالاعصار فليست بمخالفة فى الحقيقة بل هى عين الموافقة من حيث ان كلامنهما حق بالاضافة الى عصره متضمن للحكمة التي عليها يدور فلك التشريع حتى لو تأخر نزول المتقدم لنزل على وفق المتأخر ولو تقدم نزول المتأخر لوافق المتقدم قطعا ولذلك قال ﷺ (لو كان موسى حيا لما وسعه الا اتباعى) مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً الطمس محو الآثار وازالة الاعلام اى آمنوا من قبل ان نمحو تخطيط صورها ونزيل آثارها من عين وحاجب وانف وفم فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها فنجعلنا على هيئة إدبارها وهى الاقفاء مطموسة مثلها وهذا معنى قول ابن عباس رضى الله عنهما نجعلها كخف البعير وحافر الدابة فتكون الفاء للتسبيب اى بان نردها على أدبارها او ننكسها بعد الطمس فنردها الى موضع الاقفاء والاقفاء الى موضعها على انهم توعدوا بعقابين أحدهما عقيب الآخر طمسها ثم ردها على أدبارها أَوْ نَلْعَنَهُمْ او نخزى اصحاب الوجوه بالمسخ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ مسخناهم قردة وخنازير ووقوع الوعيد مشروط بالايمان ومعلق به وجودا وعدما بمعنى ان وجد منهم الايمان لم يقع والا وقع وقد وجد الايمان منهم حيث آمن ناس منهم فلم يقع الوعيد وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ اى عذابه مَفْعُولًا كائنا لا محالة وهذا وعيد شديد لهم يعنى أنتم تعلمون انه كان تهديد الله فى الأمم السالفة واقعا لا محالة فكونوا على حذر من هذا الوعيد وارجعوا عن الكفر الى الايمان والإقرار بالتوبة والاستغفار. اعلم ان المسخ قد وقع فى هذه الامة ايضا.
ومنه ما روى عن ابى علقمة انه قال كنت فى قافلة عظيمة فامرنا رجلا نرتحل بامره وننزل بامره فنزلنا منزلا وهو يشتم أبا بكر وعمر فقلنا له فى ذلك فلم يجب إلينا بشىء فلما أصبحنا واوقرنا وأصلحنا الراحلة لم يناد مناديه فجئناه ننظر ما حاله وما يصنع فاذا هو متربع وقد غطى رجليه بكساء له فكشفنا عنهما فاذا هو قد صار رجلاه كرجلى الخنازير فهيأنا راحلته وحملناه
إليها فوثب من راحلته وقام برجليه وصاح ثلاث مرات صيحة الخنازير واختلط بالخنازير وصار خنزيرا حتى لا يعرفه منا أحد كذا فى روضة العلماء- وروى- ان واحدا من رواة الأحاديث تحول رأسه رأس حمار لانكار وقوع مضمون حديث صحيح ورد فى حق المقتدى بالإمام الرافع رأسه قبله او واضعه وحاصل الحديث ان من رفع رأسه قبل الامام او وضعه كيف لا يخاف من ان يصير رأسه رأس حمار فوقع فيما وقع وهذا هو مسخ الصورة ومسخ المعنى أشد وأصعب منه فان أعمى الصورة مثلا يمكن ان يكون فى الآخرة بصيرا ولكن من كان فى هذه أعمى يعنى بالقلب فهو فى الآخرة أعمى وأضل سبيلا وفضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة. فعلى السالك ان يجتهد حتى لا يرد وجهه الناطق الى الله تعالى على الدنيا واتباع الهوى ولا يمسخ صفاته الانسانية بالسبعية والشيطانية: قال الشيخ السعدي
با تو ترسم نشود شاهد روحانى دوست كالتماس تو بجز عالم جسمانى نيست
سعى كن تا ز مقام حيوان در كذرى كاهنست آينه مادامكه نورانى نيست
خفتكانرا چهـ خبر زمزمه مرغ سحر حيوانرا خبر از عالم انسانى نيست
قال الامام فى تفسير الآية وتحقيق القول فيها ان الإنسان فى مبدأ خلقته الف هذا العالم المحسوس ثم انه عند الفكر والعبودية كأنه يسافر من عالم المحسوسات الى عالم المعقولات فقدامه عالم المعقولات ووراء عالم المحسوسات فالمخذول هو الذي يرد من قدامه الى خلفه كما قال تعالى فى وصفهم ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ انتهى فنعوذ بالله من الحور بعد الكور ومن الشر بعد الخير.
عن عبد الله بن احمد المؤذن قال كنت أطوف حول البيت وإذا انا برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول اللهم أخرجني من الدنيا مسلما لا يزيد على ذلك شيأ فقلت له لم لا تزيد على هذا الدعاء فقال لو علمت قصتى كنت تعذرنى فقلت وما قصتك قال كان لى اخوان وكان الأكبر منهما مؤذنا اذن أربعين سنة احتسابا فلما حضره الموت دعا بالمصحف فظننا ان يتبرك به فاخذه بيده واشهد على نفسه من حضرانه بريئ مما فيه ثم تحول الى دين النصرانية فمات نصرانيا فلما دفن اذن الآخر ثلاثين سنة فلما حضره الموت فعل كما فعل الآخر فمات على النصرانية وانى أخاف على نفسى ان أصير مثلهما فادعو الله تعالى ان يحفظ على دينى فقلت ما كان ديدنهما فقال كانا يتتبعان عورات النساء وينظران الى المردان فهذا من آثار الرد واللعن والمسخ فنسأل الله تعالى ان يوفقنا لتزكية النفس وإصلاحها ويختم عاقبتنا بالخير
خدايا بحب بنى فاطمه كه بر قول ايمان كنم خاتمه
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ اى لا يغفر الكفر ممن اتصف به بلا توبة وايمان لان الحكمة التشريعة مقتضية لسد باب الكفر وجواز مغفرته بلا ايمان مما يؤدى الى فتحه ولان ظلمات الكفر والمعاصي انما يسترها نور الايمان فمن لم يكن له ايمان لم يغفر له شىء من الكفر والمعاصي وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ اى ويغفر ما دون الشرك فى القبح من المعاصي صغيرة كانت او كبيرة تفضلا من لدنه وإحسانا من غير توبة عنها لكن لا لكل أحد بل لِمَنْ يَشاءُ ان يغفر له ممن اتصف به فقط اى لا بما فوقه. قال شيخنا السيد الثاني سمى جامع القرآن وهم المؤمنون
الذين اتقوا من الإشراك بالله تعالى فيغفر لهم ما دون الإشراك من الصغائر والكبائر لعدم اشراكهم به ولا يغفر للمشركين ما دون الإشراك ايضا لاشراكهم به فكما ان اشراكهم لا يغفر فكذلك ما دون اشراكهم لا يغفر بخلاف المؤمنين فانه تعالى كما وقاهم من عذاب الإشراك بحفظهم عنه كذلك وقاهم من عذاب ما دونه بمغفرته لهم وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً اى من افترى واختلق مرتكبا اثما لا يقادر قدره ويستحقر دونه جميع الآثام فلا تتعلق به المغفرة قطعا. وهذه الآية من أجل الآيات التي كانت خيرا لهذه الامة مما طلعت عليه الشمس وما غربت وأعظمها لانها تؤذن بان مادون الشرك من الذنب مغفور بحسب المشيئة والوعد المعلق بالمشيئة من الكريم محقق الإنجاز خصوصا لعباده الموحدين المخلصين من المحمديين كما قال لهم إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً- روى- ان وحشيا قاتل حمزة عم النبي عليه السلام كتب الى رسول الله ﷺ انى أريد ان اسلم ولكن يمنعنى من الإسلام آية فى القرآن نزلت عليك وهو قوله تعالى وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وانى قد فعلت هذه الأشياء الثلاثة فهل لى من توبة فنزلت هذه الآية إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ فكتب ان فى الآية شرطا وهو العمل الصالح فلا أدرى انا اقدر على العمل الصالح أم لا فنزل قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فكتب بذلك الى وحشي فكتب اليه ان فى الآية شرطا فلا أدرى أيشاء ان يغفر لى أم لا فنزل قوله تعالى قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً فكتب الى وحشي فلم يجد الشرط فقدم المدينة واسلم قال رسول الله ﷺ (من مات ولم يشرك بالله شيأ دخل الجنة) ورأى ابو العباس شريح فى مرض موته كأن القيامة قد قامت وإذا الجبار سبحانه وتعالى يقول اين العلماء فجاؤا فقال ماذا عملتم فيما علمتم فقلنا يا رب قصرنا واسأنا فاعاد السؤال فكأنه لم يرض به وأراد جوابا آخر فقلت اما انا فليس فى صحيفتى شرك وقد وعدت ان تغفر ما دونه فقال الله تعالى اذهبوا فقد غفرت لكم ومات شريح بعده بثلاث ليال وهذا من حسن الظن بالله تعالى
كنونت كه چشمست اشكى ببار زبان در دهانست عذرى بيار
كنون بايدت عذر تقصير كفت نه چون نفس ناطق ز كفتن بخفت
غنيمت شمار اين كرامى نفس كه بي مرغ قيمت ندارد قفس
واعلم ان للشرك مراتب وللمغفرة مراتب. فمراتب الشرك ثلاث الجلى والخفي والأخفى.
وكذلك مراتب المغفرة. فالشرك الجلى بالأعيان وهو للعوام وذلك بان يعبد شىء من دون الله تعالى كالاصنام والكواكب وغيرها فلا يغفر الا بالتوحيد وهو اظهار العبودية فى اثبات الربوبية مصدقا بالسر والعلانية. والشرك الخفي بالأوصاف وهو للخواص وذلك شوب العبودية بالالتفات الى غير الربوبية فى العبادة كالدنيا والهوى وما سوى المولى فلا يغفر الا بالوحدانية وهى افراد الواحد للواحد بالواحد. والشرك الأخفى وهو للاخص وذلك رؤية الأغيار والانانية فلا يغفر الا بالوحدة وهى فناء الناسوتية فى بقاء اللاهوية ليبقى بالهوية
ووعيد. والاشارة ان من رزق شيأ من علم الكتاب ظاهرا ولم يرزق أسراره وحقائقه وهم علماء السوء المداهنون فى دين الله حرصا على الدنيا وطمعا فى المال والجاه وحبا للرياسة والقبول يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وهى المداهنة واتباع الهوى فيبيعون الدين بالدنيا وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ يا معشر العلماء الأتقياء وورثة الأنبياء وطلاب الحق من بين الخلق عن سبيل الحق بما يحسدونكم وينكرون عليكم ويلومونكم ويؤذونكم بطريق النصح واظهار المحبة وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ فلا تقبلوا نصيحتهم فيما يقطعون عليكم طريق الحق ويردونكم عنه ويصدونكم عن الله بالتحريض على طلب غير الله ورعاية حق غير الله وأطيعوا امر الله تعالى فيما أمركم به.
واعلم انك لا ترى حالا أسوأ ولا أقبح ممن جمع بين هذين الامرين اعنى الضلال والإضلال واكثر ما يكونان فى العلماء يطمعون فيما فى أيدي الخلق فيداهنون فيضلون فسبب زوال المداهنة قطع الطمع- روى- عن بعض المشايخ انه كان له سنور وكان يأخذ من قصاب فى جواره كل يوم شيأ من الغدد لسنوره فرأى على القصاب منكرا فدخل واخرج السنور او لاثم جاء واحتسب على القصاب فقال له القصاب لا أعطيك بعد اليوم لسنورك شيأ فقال ما احتسب عليك الا بعد إخراج السنور وقطع الطمع منك فهو كما قال فمن طمع فى ان تكون قلوب الناس عليه طيبة لم يتيسر له الحسبة. فعلى العاقل ان يزكى نفسه عن الأخلاق الرديئة ويطهرها من الخصال الذميمة
چون طهارت نبود كعبه وبتخانه يكيست نبود خير در آن خانه كه عصمت نبود
مِنَ الَّذِينَ هادُوا خبر مبتدأ محذوف اى من الذين هادوا قوم يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ الكلم اسم جنس ولذا ذكر الضمير فى مواضع وجمع المواضع لتكرره فى التوراة فى مواضع بحسب الجنس اى يزيلون لانهم لما غيروه ووضعوا مكانه غيره فقد أزالوه عن مواضعه التي وضعه الله فيها وأمالوه عنها. والتحريف نوعان. أحدهما صرف الكلام الى غير المراد بضرب من التأويل الباطل كما يفعل اهل البدعة فى زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذاهبهم. والثاني تبديل الكلمة بأخرى وكانوا يفعلون ذلك نحو تحريفهم فى نعت النبي ﷺ أسمر ربعة عن موضعه فى التوراة بوضعهم آدم طوال مكانه ونحو تحريفهم الرجم بوضعهم الحد بدله وَيَقُولُونَ فى كل امر مخالف لاهوائهم الفاسدة سواء كان بمحضر النبي عليه السلام أم لا بلسان المقال والحال سَمِعْنا قولك وَعَصَيْنا أمرك عنادا وتحقيقا للمخالفة وَاسْمَعْ اى قولنا غَيْرَ مُسْمَعٍ حال من المخاطب وهو كلام ذو وجهين. أحدهما المدح بان يحمل على معنى اسمع غير مسمع مكروها. والثاني الذم بان يحمل على معنى اسمع حال كونك غير مسمع كلاما أصلا بصمم او موت اى مدعوا عليك بلا سمعت لانه لو أجيبت دعوتهم عليه لم يسمع فكان أصم غير مسمع فكأنهم قالوا ذلك تمنيا لاجابة دعوتهم عليه كانوا يخاطبون به النبي عليه السلام مظهرين له ارادة المعنى الاول وهم مضمرون فى أنفسهم المعنى الأخير مطمئنون به وَراعِنا كلمة ذات جهتين ايضا. محتملة للخير بحملها على معنى ارقبنا وانتظرنا واصرف سمعك الى كلامنا نكلمك. وللشر بحملها على السب بالرعونة اى الحمق
او باجرائها مجرى شبهها من كلمة عبرانية او سريانية كانوا يتسابون بها وهى راعنا كانوا يخاطبون به النبي ﷺ ينوون الشتيمة والاهانة ويظهرون التوقير والاحترام. فان قلت كيف جاؤا بالقول المحتمل ذى الوجهين بعد ما صرحوا وقالوا سمعنا وعصينا. قلت جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان ولا يواجهونه بالسب ودعاء السوء حشمة منه عليه السلام وخوفا من بطش المؤمنين لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ انتصابه على العلية اى يقولون ذلك للفتل بها ولصرف الكلام عن نهجه الى نسبة السب حيث وضعوا غير مسمع موضع لا استمعت مكروها واجروا راعنا المشابهة لراعينا مجرى انظرنا او فتلابها وضما لما يظهرون من الدعاء والتوقير الى ما يضمرون من السب والتحقير وَطَعْناً فِي الدِّينِ اى قدحا فيه بالاستهزاء والسخرية وَلَوْ أَنَّهُمْ عند ما سمعوا شيأ من أوامر الله ونواهيه قالُوا بلسان المقال او بلسان الحال مكان قولهم سمعنا وعصينا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وبدل قولهم واسمع غير مسمع وَاسْمَعْ ولا يلحقون به غير مسمع وبدل قولهم راعنا وَانْظُرْنا ولم يدسوا تحت كلامهم شرا وفسادا اى لو ثبت انهم قالوا هذا مكان ما قالوا من الأقوال لَكانَ قولهم ذلك خَيْراً لَهُمْ مما قالوا وَأَقْوَمَ اى اعدل واسد فى نفسه وأصوب من القيم اى المستقيم قالوا لما لم يكن فى الذي اختاروه خير أصلا لم جعل هذا خيرا من ذلك وجوابه انه كذلك على زعمهم فخوطبوا على ذلك وهو كقوله آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ اى ولكن قالوا ذلك واستمروا على كفرهم فخذلهم الله وابعدهم عن الهدى بسبب كفرهم ذلك فَلا يُؤْمِنُونَ بعد ذلك إِلَّا قَلِيلًا استثناء من ضمير المفعول فى لعنهم اى ولكن لعنهم الله الا فريقا قليلا فانه تعالى لم يلعنهم فلم ينسد عليه باب الايمان وقد آمن بعد ذلك
فريق من الأحبار كعبد الله بن سلام وكعب واضرابهما وهو استثناء من ضمير لا يؤمنون اى لا يؤمنون الا ايمانا قليلا وهو ايمانهم بموسى وكفرهم بمحمد عليهما السلام. والاشارة ان العلماء السوء من هذه الامة يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ بالفعال لا بالمقال كما كان اهل الكتاب يحرفونه بالمقال وَيَقُولُونَ سَمِعْنا بالمقال فيما امر الله به من ترك الدنيا وزينتها واتباع الهوى ومن إيثار الآخرة على الاولى والانقطاع عن الخلق فى طلب المولى وَعَصَيْنا بالفعال إذ لا يشمون روائح هذه المعاملات ولا يدورون حول هذه المقامات وينكرون على اهل هذه الكرامات ويستهزؤن بانواع المقالات فلا يؤمنون بالقلوب السليمة الا قليلا منهم بان يكفروا بهوى نفوسهم ويؤمنوا بالايمان الحقيقي الذي هو من نتائج الارادة والصدق فى طلب الحق والإخلاص فى العمل لله وترك الدنيا وزخارفها بل بذل الوجود فى طلب المعبود: قال العطار قدس سره
مشو مغرور اين نطق مزور بنادانى مكن خود را تو سرور
اگر علم همه عالم بخوانى چوبي عشقى ازو حروفى ندانى
قال رسول الله ﷺ (من تعلم علما لا يبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلمه الا ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة) اى ريحها. قال الشيخ الشاذلى العلم النافع هو الذي يستعان به على طاعة الله ويلزمك المخافة من الله والوقوف على حدود الله وهو علم المعرفة
دون الأنانية فان الله لا يغفر بمراتب المغفرة ان يشرك به بمراتب الشرك ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء اى لمن يشاء المغفرة فيستغفر الله تعالى من مراتب الشرك فيغفر له بمراتب المغفرة ومن يشرك بالله بمراتب الشرك فقد افترى اثما عظيما اى جعل بينه وبين الله حجابا من اثبات وجود الأشياء وانانيته وهى أعظم الحجب كما قيل وجودك ذنب لا يقاس به ذنب
نيستى جولانكه اهل دلست شاهراه عاشقان كاملست
چون وجودت محو كردى از ميان نور وحدت چشم دل را شد عيان
شرك رهزن باشد اى دل در طريق ذكر توحيد خدا را كن رفيق
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ خطاب للنبى عليه السلام على وجه التعجيب اى ألم تنظر الى اليهود الذين يطهرون نفوسهم من الذنوب وألسنتهم ولم يزكوها حقيقة بقولهم نحن أبناء الله واحباؤه وبقولهم نحن كالاولاد الصغار فهل عليهم ذنب اى انظر إليهم وتعجب من حالهم وادعائهم انهم أزكياء عند الله مع ما هم عليه من الكفر والإثم العظيم واللفظ عام يشتمل كل من زكى نفسه ووصفها بزيادة التقوى والطاعة والزلفى عند الله ففيه تحذير من إعجاب المرء بعمله بَلِ اللَّهُ يعنى هم لا يزكونها فى الحقيقة لكذبهم وبطلان اعتقادهم بل الله يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ تزكيته ممن يستأهلها من المرتضين من عباده المؤمنين فانه العالم بما ينطوى عليه الإنسان من حسن وقبيح وقد وصفهم بما هم متصفون به من القبائح وَلا يُظْلَمُونَ اى يعاقبون بتلك الفعلة القبيحة ولا يظلمون فى ذلك العقاب فَتِيلًا اى ادنى ظلم وأصغره وهو الخيط الذي فى شق النواة يضرب به المثل فى القلة والحقارة والظلم فى حق المعاقب الزيادة على حقه وفى حق المثاب النقصان منه انْظُرْ كَيْفَ اى فى أي حال او على أي حال يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ فى زعمهم انهم أبناء الله وأزكياء عنده والتصريح بالكذب مع ان الافتراء لا يكون الا كذبا للمبالغة فى تقبيح حالهم وَكَفى بِهِ بافترائهم هذا من حيث هو افتراء عليه تعالى مع قطع النظر عن مقارنته لتزكية أنفسهم وسائر آثامهم العظام إِثْماً مُبِيناً ظاهرا بينا كونه اثما والمعنى كفى بذلك وحده فى كونهم أشد اثما من كل كفار اثيم ولو لم يكن لهم من الذنوب الا هذا الافتراء لكان اثما عظيما ونصب اثما مبينا على التمييز. قال الامام ابو منصور رحمه الله قول الرجل انا مؤمن ليس بتزكية النفس بل اخبار عن شىء أكرم به وانما التزكية ان يرى نفسه تقيا صالحا ويمدح به. قال السرى قدس سره من تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله تعالى. فيجب على العبد المؤمن ان يمتنع عن مدح نفسه ألا يرى الى قوله عليه السلام (انا سيد ولد آدم) كيف عقبه بقوله (ولا فخر) اى لست أقول هذا تفاخرا كما يقصده الناس بالثناء على أنفسهم لان افتخاره عليه السلام كان بالله وتقربه من الله لا بكونه مقدما على أولاد آدم كما ان المقبول عند الملك قبولا عظيما انما يكون بقبوله إياه وبه يفرح لا بتقديمه على بعض رعاياه
وأنتم اقرب الى محمد منكم إلينا فلا نأمن مكركم فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم ففعلوا فهذا ايمانهم بالجبت والطاغوت لانهم سجدوا للاصنام وأطاعوا إبليس فيما فعلوا وقال ابو سفيان لكعب انك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم فأينا اهدى طريقا نحن أم محمد فقال ماذا يقول محمد قال يأمر بعبادة الله تعالى وحده وينهى عن الشرك قال وما دينكم قالوا نحن ولاة البيت نسقى الحاج ونقرى الضيف ونفك العاني وذكروا أفعالهم قال أنتم اهدى سبيلا وذلك قوله تعالى وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا اى لاجلهم وفى حقهم هؤُلاءِ اشارة الى الذين كفروا أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا اى أقوم دينا وارشد طريقة أُولئِكَ اشارة الى القائلين الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ اى ابعدهم عن رحمته وطردهم وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ اى يعبده عن رحمته تعالى فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً يدفع عنه العذاب دنيويا كان او أخرويا لا بشفاعة ولا بغيرها. وفيه تنصيص على حرمانهم مما طلبوا من قريش أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ أم منقطعة ومعنى الهمزة انكار ان يكون لهم نصيب من الملك وجحد لما زعمت اليهود من ان ملك الدنيا سيصير إليهم فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً اى لو كان لهم نصيب من الملك فاذن لا يؤتون أحدا مقدار نقير وهو النقرة فى ظهر النواة يضرب به المثل فى القلة والحقارة وهذا هو البيان الكاشف عن كل حالهم فانهم إذا بخلوا بالنقير وهم ملوك فما ظنك بهم إذا كانوا أذلاء متفاقدين أَمْ يَحْسُدُونَ منقطعة ايضا النَّاسَ بل أيحسدون رسول الله ﷺ وأصحابه عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعنى النبوة والكتاب وازدياد العز والنصر يوما فيوما فَقَدْ آتَيْنا يعنى ان حسدهم المذكور فى غاية القبح والبطلان فانا قد آتينا من قبل هذا آلَ إِبْراهِيمَ الذين هم أسلاف محمد ﷺ وأبناء أعمامه الْكِتابَ المنزل من السماء وَالْحِكْمَةَ اى النبوة والعلم وَآتَيْناهُمْ مع ذلك مُلْكاً عَظِيماً لا يقادر قدره فكيف يستبعدون نبوته ﷺ ويحسدونه على ايتائها قال ابن عباس رضى الله عنهما الملك فى آل ابراهيم ملك يوسف وداود وسليمان عليهم السلام فَمِنْهُمْ من اليهود مَنْ آمَنَ بِهِ بمحمد عليه السلام وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ اى اعرض عنه ولم يؤمن به وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً نارا مسعورة اى موقدة يعذبون بها اى ان لم يعجلوا بالعقوبة فقد كفاهم ما أعد لهم من سعير جهنم. واعلم ان الله تعالى وصف اليهود فى الآية المتقدمة بالجهل الشديد وهو اعتقادهم ان عبادة الأوثان أفضل من عبادة الله تعالى ثم وصفهم بالبخل والحسد. فالبخل هو ان لا يدفع الى أحد شيأ مما آتاه الله من النعمة. والحسد هو ان يتمنى ان لا يعطى الله غيره شيأ من النعم فالبخل والحسد يشتركان فى من يريد منع النعمة عن الغير. فاما البخيل فيمنع نعمة نفسه عن غيره. واما الحاسد فيريد ان يمنع نعمة الله عن عباده فهما شر الرذائل وسببهما الجهل. اما البخل فلأن بذل المال سبب لطهارة النفس ولحصول سعادة الآخرة وحبس المال سبب لحصول مال الدنيا فى يده فالبخل يدعوك الى الدنيا ويمنعك عن الآخرة والجود يدعوك الى الآخرة ويمنعك عن الدنيا ولا شك ان ترجيح الدنيا على الآخرة لا يكون إلا من محض الجهل. واما الحسد
اگر مردى از مردئ خود مكوى نه هر شهسوارى بدر برد كوى
كنهكار انديشناك از خدا بسى بهتر از عابد خود نما
اگر مشك خالص ندارى مكوى وكر هست خود فاش كردد ببوى
ونعم ما قيل
جوز خالى در ميان جوزها مى نمايد خويشتن را از صدا
والاشارة فى الآيتين ان الذين يزكون أنفسهم من اهل العلوم الظاهرة بالعلم ويباهون به العلماء ويمارون به السفهاء لا تزكى أنفسهم بمجرد تعلم العلم بل تزيد صفاتهم المذمومة مثل المباهاة والمماراة والمجادلة والمفاخرة والكبر والعجب والحسد والرياء وحب الجاه والرياسة وطلب الاستيلاء والغلبة على الاقران والأمثال بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ التزكية ويتهيأ لها بتسليم النفس الى ارباب التزكية وهم العلماء الراسخون والمشايخ المحققون كما يسلم الجلد الى الدباغ ليجعله أديما فمن يسلم نفسه للتزكية الى المزكى ويصبر على تصرفاته كالميت فى يد الغسال ويصغ الى إشاراته ولا يعترض على معاملاته ويقاس شدائد اعمال التزكية فقد أفلح بما تزكى والمزكى هو النبي عليه السلام فى ايام حياته كما قال تعالى هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ الآية وبعدهم العلماء الذين أخذوا التزكية ممن أخذوا منه قرنا بعد قرن من الصحابة والذين اتبعوهم بإحسان الى يومنا هذا ولعمرى انهم فى هذا الزمان أعز من الكبريت الأحمر: قال الشيخ الحسيني
در طريقت رهبر دانا كزين زانكه ره دورست ورهزن در كمين
رهبرى بايد بمعنى سر بلند از شريعت وز طريقت بهره مند
اصل وفرع وجزء وكل آموخته شمع از نور علم افروخته
ظاهرش از علم كسبى با خدا باطنش ميراث دار مصطفا
هر كه از دست عنايت بر كرفت روز أول دامن رهبر كرفت
هر كه در زندان خود رأيى فتاد بند او را سالها نتوان كشاد
اى سليم القلب دشوارست كار تا نپندارى كه پندارست كار
فعلى السالك ان يتمسك بذيل المرشد ويتشبث به الى الوقوف على علم التوحيد ثم الفناء عن نفسه لان مجرد العرفان غير منج مالم يحصل التحقق بحقيقة الحال ولذا قال عليه السلام (شر الناس من قامت عليه القيامة وهو حى) اى وقف على علم التوحيد ونفسه لم تمت بالفناء حتى يحيى بالله فانه حينئذ زنديق قائل بالاباحة فى الأشياء عصمنا الله وإياكم من المعاصي والفحشاء أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ الى اليهود الذين أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ حظا من علم التوراة اى انظر يا محمد وتعجب من حالهم فكأنه قيل ماذا يفعلون حتى ينظر إليهم فقيل يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ فى الأصل اسم صنم فاستعمل فى كل ما عبد من دون الله وَالطَّاغُوتِ الشيطان ويطلق لكل باطل من معبود او غيره- روى- ان حيى بن اخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا الى مكة فى سبعين راكبا من اليهود ليخالفوا قريشا على محاربة رسول الله ﷺ وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه عليه السلام فقالوا أنتم اهل كتاب
فلأن الالهية عبارة عن إيصال النعم والإحسان الى العبيد فمن كره ذلك فكأنه أراد عزل الإله عن الالهية وذلك محض الجهل ثم ان الحسد لا يحصل الا عند الفضيلة فكلما كانت فضيلة الإنسان أتم وأكمل كان حسد الحاسدين عليه أعظم: قال السعدي قدس سره
شور بختان بآرزو خواهد مقبلانرا زوال نعمت وجاه
گر نبيند بروز شبپره چشم چشمه آفتاب را چهـ كناه
راست خواهى هزار چشم چنان كور بهتر كه آفتاب سياه
ولا يسود الحسود والبخيل فى جميع الزمان ألا ترى ان الله تعالى جعل بخل اليهود كالمانع من حصول الملك لهم فهما لا يجتمعان وذلك لان الانقياد للغير امر مكروه لذاته والإنسان لا يتحمل المكروه الا إذا وجد فى مقابلته امرا مطلوبا مرغوبا فيه وجهات الحاجات محيطة بالناس فاذا صدر من انسان احسان الى غيره صارت رغبة المحسن اليه فى ذلك المال سببا لصيروته منقادا مطيعا له فلهذا قيل بالبر يستعبد الحر فاما إذا لم يوجد هذا بقيت النفرة الطبيعية عن الانقياد للغير خالصا من المعارض فلا يحصل الانقياد البتة: قال السعدي
خورش ده بگنجشك وكبك وحمام كه يك روزت افتنده يابى بدام
زر از بهر خوردن بود اى پسر ز بهر نهادن چهـ سنك و چهـ زر
وقد شبه بعض الحكماء ابن آدم فى حرصه على الجمع ووخامة عاقبته بدود القز الذي يكاد ينسج على نفسه بجهله حتى لا يكون له مخلص فيقتل نفسه ويصير القز لغيره فاللائق بشأن المؤمن القناعة بما رزقه الودود وترك الحرص والبذل من الموجود. وقيل لما عرج النبي عليه السلام اطلع على النار فرأى حظيرة فيها رجل لا تمسه النار فقال عليه السلام (ما بال هذا الرجل فى هذه الحظيرة لا تمسه النار) فقال جبريل عليه السلام هذا حاتم طى صرف الله عنه عذاب جهنم بسخائه وجوده فالجود صارف عن المرء عذاب الدنيا والعقبى وباعث لوصول الملك فى الاولى والاخرى. ثم ان الملك على ثلاثة اقسام. ملك على الظواهر فقط وهذا هو ملك الملوك. وملك على البواطن فقط فهذا هو ملك العلماء. وملك على الظواهر والبواطن معا وهذا هو ملك الأنبياء عليهم السلام فاذا كان الجود من لوازم الملك وجب فى الأنبياء ان يكونوا فى غاية الجود والكرم والرحمة والشفقة ليصير كل واحد من هذه الأخلاق سببا لانقياد الخلق لهم وامتثالهم لأوامرهم وكمال هذه الصفات كان حاصلا لمحمد عليه السلام إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا القرآن وسائر المعجزات سَوْفَ كلمة تذكر للتهديد والوعيد يقال سوف افعل وتذكر للوعد ايضا فتفيد التأكيد نُصْلِيهِمْ ناراً ندخلهم نارا عظيمة هائلة كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ اى احترقت بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها غير يذكر ويراد به الضد تقول الليل غير النهار وايضا يقال للمثل المتبدل تقول للماء الحار إذا برد هذا غيره وهو المراد هنا اى أعطيناهم مكان كل جلد محترق عند احتراقه جلدا جديدا مغايرا للمحترق صورة وان كان عينه مادة. والحاصل انه يعاد ذلك الجلد بعينه على صورة اخرى كقولك صغت من خاتمى خاتما غيره فالخاتم الثاني هو الاول
وانما الصياغة اختلفت. فان قلت الجلود العاصية إذا احترقت فلو خلق الله تعالى مكانها جلودا اخرى وعذبها كان ذلك تعذيبا لمن لم يعص وهو غير جائز. قلت العذاب للجلدة الحساسة وهى التي عصت لا للجلد مطلقا والذات واحدة فالعذاب لم يصل الا الى العاصي لِيَذُوقُوا الْعَذابَ اى ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز أعزك الله اى ادامك على عزك وزادك فيه. قال الحسن تأكلهم النار فى كل يوم سبعين مرة كلما أكلتهم قيل لهم عودوا فيعودون كما كانوا- وروى- مرفوعا ان جلد الكافر أربعون ذراعا وضرسه مثل أحد وشفته العليا تضرب سرته وبين لحمه وجلده ديدان كحمر الوحش تركض بين جلده ولحمه وحيات كأعناق البخت وعقارب كالبغال وهذا ليس بزيادة تحلق وتعذب من غير معصية لكن إذا زيد ذلك ثقلة على العبد ويكون نفس الثقل عقوبة عليه كسائر عقوبات جهنم من السلاسل والاغلال والعقارب والحيات. فان قلت انما يقال فلان ذاق العذاب إذا أدرك شيأ قليلا منه والله تعالى قد وصف انهم كانوا فى أشد العذاب فكيف يحسن ان يذكر بعد ذلك انهم ذاقوا العذاب. قلت المقصود من ذكر الذوق الاخبار بان احساسهم بالعذاب فى كل مرة كاحساس الذائق بالمذوق من حيث انه لا يدخله نقصان ولا زوال بسبب ذلك الاحتراق ودوام الملابسة ولعل السر فى تبديل الجلود مع قدرته تعالى على بقاء ادراك العذاب وذوقه بحاله مع الاحتراق او مع ابقاء أبدانهم على حالها مصونة عن الاحتراق ان النفس ربما تتوهم زوال الإدراك بالاحتراق إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً لا يمتنع عليه شىء مما يريده بالمجرمين حَكِيماً يعاقب من يعاقب على حكمته. اعلم ان هذا العذاب والتبديل الذي فى الآخرة كان حاصلا له فى الدنيا ولكن لم يكن يذوقه كالنائم يجرح نفسه بحديدة فى يده فتكون الجراحة حاصلة له فى الدنيا ولكن لم يذق ألمها حتى ينتبه فالناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا. فعلى العبد ان يعمل على وفق الشرع وخلاف النفس والهوى حتى يجعل الله تعالى باكسير الشرع نحاس الصفات الظلمانية النفسانية فضة الصفات النورانية الروحانية فاذا تخلص فى الدنيا من شوب المعصية بإصلاح النفس والجريان على وفق الشرع لم يحتج فى الآخرة الى التهذيب والتنقيح بالنار- روى- ان اصحاب الكبائر من موحدى الأمم كلها الذين ماتوا على كبائرهم غير تائبين ولا نادمين منهم من دخل النار فى الباب الاول فى جهنم حتى لا تزرق أعينهم ولا تسود وجوههم ولا
يقرنون مع الشياطين ولا يغلون بالسلاسل ولا يجرعون الحميم ولا يلبسون القطران فى النار حرم الله تعالى أجسادهم ووجوههم على النار من أجل السجود فمنهم من تأخذه النار الى قدميه ومنهم من تأخذه الى ركبتيه ومنهم من تأخذه الى عنقه قدر ذنوبهم وأعمالهم ثم ان منهم من يمكث فيها شهرا ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج منها وأطولهم فيها مكثا كقدر الدنيا منذ خلقت الى يوم تفنى. وكان ابن السماك يقول فيما يعاتب نفسه يا نفس تقولين قول الزاهدين وتعملين عمل المنافقين وفى الجنة تطمعين ان تدخلين هيهات هيهات ان للجنة قوما آخرين ولها اعمال غير ما تعملين ويحك أخذت بزىّ كسرى وقيصر والفراعنة وتريدين ان ترافقى
فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز) قال رسول الله ﷺ (اهل الجنة شباب جعد جرد مرد ليس لهم شعر الا فى الرأس والحاجبين وأشفار العينين) يعنى ليس لهم شعر عانة ولا شعر من الإبط (على طول آدم عليه السلام ستون ذراعا وعلى مولد عيسى عليه السلام ثلاث وثلاثون سنة بيض الألوان خضر الثياب يوضع لأحدهم مائدة بين يديه فيقبل الطائر فيقول يا ولى الله اما انى قد شربت من عين السلسبيل ورعيت من رياض الجنة تحت العرش وأكلت من ثمار كذا فاطعم منى فيطعم فيكون أحد جانبيه مطبوخا والآخر مشويا فيأكل منهما ما شاء الله وعليه سبعون حلة ليس فيها حلة على لون آخر). قال الفقيه ابو الليث من أراد ان ينال هذه الكرامة فعليه ان يداوم على خمسة أشياء. الاول ان يمنع نفسه من جميع المعاصي
ونهى النفس بفرمود الله بايدت ترك هواى ترك كناه
والثاني ان يرضى باليسير من الدنيا لان ثمن الجنة ترك الدنيا
اين زن زانيه شوى كش دنيا را گر على وار طلاقش ندهم نامردم
والثالث ان يكون حريصا على الطاعات فيتعلق بكل طاعة فلعل تلك الطاعة تكون سبب المغفرة ودخول الجنة
عمل بايد اندر طريقت نه دم كه سودى ندارد دم بي قدم
والرابع ان يحب الصالحين واهل الخير ويخالطهم ويجالسهم
نخست موعظه پير مجلس اين حرفست كه از مصاحب ناجنس احتراز كنيد
فلزم ان يكون مصاحب الإنسان اهل خير لان الصحبة مؤثرة وان واحدا من الصلحاء إذا غفر الله له يشفع لاخوانه وأصحابه
اميدست از آنان كه طاعت كنند كه بي طاعتانرا شفاعت كنند
والخامس ان يكثر الدعاء ويسأل الله تعالى ان يرزقه الجنة وان يجعل خاتمته فى الخير
غنيمت شمارند مردان دعا كه جوشن بود پيش تير بلا
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها نزلت فى عثمان بن عبد الدار الحجبي وكان سادن الكعبة وذلك ان رسول الله ﷺ حين دخل مكة يوم الفتح اغلق عثمان باب الكعبة وصعد السطح وابى ان يدفع المفتاح اليه وقال لو علمت انه رسول الله لم امنعه فلوى على بن ابى طالب كرم الله وجهه يده واخذه منه وفتح ودخل رسول الله ﷺ وصلى ركعتين فلما خرج سأله العباس ان يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة فنزلت فامر عليا ان يرده الى عثمان ويعتذر اليه فقال عثمان لعلى أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق فقال لقد انزل الله تعالى فى شأنك قرآنا وقرأ عليه فقال عثمان اشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله فهبط جبريل فاخبر رسول الله ﷺ ان السدانة فى أولاد عثمان ابدا ثم ان عثمان هاجر ودفع المفتاح الى ابنه شيبة فهو فى ولده الى اليوم وَإِذا حَكَمْتُمْ اى ويأمركم إذا قضيتم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ والانصاف والتسوية
إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ اى نعم شيأ ينصحكم به تأدية الامانة والحكم بالعدل فما نكرة بمعنى شىء ويعظكم به صفته والمخصوص بالمدح محذوف إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً لما بقوله الخزنة بَصِيراً بما تعمله الأمناء اى اعملوا بأمر الله ووعظه فانه اعلم بالمسموعات والمبصرات يجازيكم على ما يصدر منكم. اعلم ان الامانة عبارة عما إذا وجب لغيرك عليك حق فاديت ذلك الحق اليه. والحكم بالحق عبارة عما إذا وجب للانسان على غيره حق فامرت من وجب عليه ذلك الحق بان يدفع الى من له ذلك الحق ولما كان الترتيب الصحيح ان يبذل الإنسان نفسه فى جلب المنافع ودفع المضار ثم يشتغل بحال غيره لا جرم انه تعالى ذكر الأمر بالامانة اولا ثم بعده ذكر الأمر بالحكم بالحق ونزول هذه الآية عند القصة المذكورة لا يوجب كونها مخصوصة بهذه القصة بل يدخل فيه جميع انواع الأمانات. فاعلم ان معاملة الإنسان اما ان تكون مع ربه او مع سائر العباد او مع نفسه ولا بد من رعاية الامانة فى جميع هذه الاقسام الثلاثة. اما رعاية الامانة مع الرب فهى فعل المأمورات وترك المنهيات وهذا بحر لا ساحل له قال ابن مسعود الامانة فى كل شىء لازمة فى الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم وغير ذلك. مثلا ان امانة اللسان ان لا يستعمله فى الكذب والغيبة
والنميمة والكفر والبدعة والفحش وغيرها. وامانة العينين ان لا يستعملها فى النظر الى الحرام. وامانة السمع ان لا يستعمله فى سماع الملاهي والمناهي واستماع الفحش والأكاذيب وغيرها وكذا القول فى جميع الأعضاء: قال السعدي قدس سره
زبان از بهر شكر وسپاش بغيبت نكرداندش حق شناس
كذركاه قرآن و پندست كوش به بهتان وباطل شنيدن مكوش
دو چشم از پى صنع بارى نكوست نه عيب برادر بود گير دوست
واما القسم الثاني وهو رعاية الامانة مع سائر الخلق فيدخل فيه رد الودائع ويدخل فيه ترك التطفيف فى الكيل والوزن ويدخل فيه ان لا يفشى على الناس عيوبهم ويدخل فيه عدل الأمراء مع رعيتهم وعد العلماء مع العوام بان يرشدوهم الى اعتقادات واعمال تنفعهم فى دنياهم وأخراهم ويدخل فيه امانة الزوجة للزوج فى حفظ فرجها وفى ان لا تلحق بالزوج ولدا تولد من غيره وفى اخبارها عن انقضاء عدتها. واما القسم الثالث وهو امانة الإنسان مع نفسه وهو ان لا يفعل الا ما هو الانفع والأصلح له فى الدين والدنيا وان لا يقدم بسبب الشهوة والغضب على ما يضره فى الآخرة ولهذا قال ﷺ (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) قال عليه السلام (لا ايمان لمن لا امانة له ولا دين لمن لا عهد له) فعلى العبد المؤمن ان يؤدى الأمانات كلها ما استطاع ويتعظ بمواعظ الحق فى كل زمان فان الوعظ نافع جدا
امروز قدر پند عزيزان شناختم يا رب روان ناصح ما از تو شاد باد
قاله الحافظ: وقال فى موضع
ثم ان من كان حاكما وجب عليه ان يحكم بالعدل ويؤدى الأمانات الى أهلها. قال الحسن ان الله أخذ على الحكام ثلاثا ان لا يتبعوا الهوى وان يخشوه ولا يخشوه الناس وان لا يشتروا بآياته ثمنا قليلا قال ﷺ (ينادى مناد يوم القيامة اين الظلمة واين أعوان الظلمة فيجمعون كلهم حتى من برى لهم قلما او لاق لهم دواة فيجمعون ويلقون فى النار) :
قال السعدي قدس سره
پند حكيم محض صوابست ومحض خير فروخنده بخت آنكه بسمع رضا شنيد
جهان نماند وآثار معدلت ماند بخير كوش وصلاح وبعدل كوش وكرم
كه ملك ودولت ضحاك مردمان آزار نماند وتا بقيامت برو بماند رقم
قال عليه السلام (من دل سلطانا على الجور كان مع هامان وكان هو والسلطان من أشد اهل النار عذابا) فمقتضى الايمان هو العدل والسببية للصلاح ونظام العالم واجراء الشرع والاحتراز عن الرشوة فان من أخذها لا يسامح فى الشرع. وغضب الإسكندر يوما على بعض شعرائه فاقضاه وفرق ماله فى أصحابه فقيل له فى ذلك فقال اما اقضائى له فلجرمه واما تفريقى ماله فى أصحابه فلئلا يشفعوا فيه فانظر كيف كان أخذ المال سببا لعدم الشفاعة لانهم لو استشفعوا فى حقه فشفعوا لزم الاسترداد فلما طعموا تركوا الشفاعة
از تو كر انصاف آيد در وجود به كه عمرى در ركوع ودر سجود
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وهم أمراء الحق وولاة العدل كالخلفاء الراشدين ومن يقتدى بهم من المهتدين واما أمراء الجور فبمعزل من استحقاق العطف على الله والرسول فى وجوب الطاعة فانهم اللصوص المتغلبة لاخذهم اموال الناس بالقهر والغلبة وانما أفرد بالذكر طاعة الله ثم جمع طاعة الرسول مع طاعة اولى الأمر حيث قال تعالى أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ولم يقل وأطيعوا اولى الأمر منكم تعليما للادب وهو ان لا يجمعوا فى الذكر بين اسمه سبحانه وبين اسم غيره واما إذا آل الأمر الى المخلوقين فيجوز فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ اصل النزع الجذب لان المتنازعين يجذب كل واحد منهما الى غير جهة صاحبه اى ان اختلفتم أنتم وأولوا الأمر منكم فى امر من امور الدين فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ فارجعوا فيه الى كتاب الله وَالرَّسُولِ اى الى سنته صلى الله عليه وسلم. وتعلق اصحاب الظواهر بظاهر هذه الآية فى ان الاجتهاد والقياس لا يجوز لان الله تعالى امر بالرجوع الى الكتاب والسنة ولا يوجد فى كل حادثة نص ظاهر فعلم انه امر بالنظر فى مودوعاته والعمل على مدلولاته ومقتضياته ولكن الآية فى الحقيقة دليل على حجة القياس كيف لا ورد المختلف فيه الى المنصوص عليه انما يكون بالتمثيل والبناء عليه وهو المعنى بالقياس ويؤيده الأمر به بعد الأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ فانه يدل على ان الاحكام ثلاثة ثابت بالكتاب وثابت بالسنة وثابت بالرد إليهما بالقياس إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فان الايمان بهما يوجب ذلك اما الايمان بالله فظاهر واما الايمان باليوم الآخر فلما فيه من العقاب على المخالفة ذلِكَ اى الرد الى الكتاب والسنة خَيْرٌ لكم
من التنازع وأصلح وَأَحْسَنُ فى نفسه تَأْوِيلًا اى عاقبة ومآلا. ودلت الآية على ان طاعة الأمراء واجبة إذا وافقوا الحق فاذا خالفوه فلا طاعة لهم قال ﷺ (لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق) وقال ﷺ (من عامل الناس فلم يظلمهم ومن حدثهم فلم يكذبهم ومن وعدهم فلم يخلفهم فهو من كملت مروءته وظهرت عدالته ووجبت اخوته) ولا بد للامراء من خوف الله وخشيته بإجراء الشرائع والاحكام واتباع سنن النبي عليه السلام حتى يملأ الله قلوب الناظرين إليهم رعبا وهيبة فحينئذ لا يحتاجون الى محافظة الصورة والهيئة الظاهرة- روى- ان كلب الروم أرسل الى عمر رضى الله عنه هدايا من الثياب والجبة فلما دخل الرسول الى المدينة قال اين دار الخليفة وبناؤه فقيل ليس له دار عظيم كما توهمت انما له بيت صغير فدلوه عليه فاتاه فوجد له بيتا صغيرا حقيرا قد اسود بابه لطول الزمان فطلبه فلم يصادفه وقيل انه خرج الى السوق لحاجته وحوائج المسلمين اى للاحتساب فخرج الرسول الى طلبه فوجده نائما تحت ظل حائط قد توسد بالدرة فلما رآه قال عدلت فامنت فنمت حيث شئت وامراؤنا ظلموا فاحتاجوا الى الحصون والجيوش: قال السعدي قدس سره
پادشاهى كه طرح ظلم افكند پاى ديوار ملك خويش بكند
نكند جور پيشه سلطانى كه نيايد ز گرگ چوبانى
ومن كلام أردشير الدين أساس الملك والعدل حارسه فما لم يكن له أس فمهدوم وما لم يكن له حارس فضائع- وروى- اى أنوشيروان كان له عامل على ناحية فكتب اليه يعلمه بجودة الريع ويستأذنه فى الزيادة على الرسوم فامسك عن اجابته فعاوده العامل فى ذلك فكتب اليه قد كان فى ترك إجابتك ما حسبتك تنزجر به عن تكليف ما لم تؤمر به فاذن قد أبيت الا تماديا فى سوء الأدب فاقطع احدى أذنيك واكفف عما ليس من شأنك فقطع العامل اذنه وسكت عن ذلك الأمر وبالجملة فالظلم عار وجزاؤه نار والاجتناب منه واجب على كل عاقل وإذا كان نية المؤمن العدل فليجانب اهل الظلم وليجتنب عن اطاعتهم فان الاطاعة لاهل الحق لا لغيرهم قال عليه السلام (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصانى فقد عصى الله ومن يطع الأمير العادل فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصانى). واعلم ان الولاة انما يكونون على حسب اعمال الرعايا وأحوالهم صلاحا وفسادا- روى- انه قيل للحجاج بن يوسف لم لا تعدل مثل عمر وأنت قد أدركت خلافته أفلم تر عدله وصلاحه فقال فى جوابهم تباذروا اى كونوا كأبى ذر فى الزهد والتقوى أتعمر لكم اى أعاملكم معاملة عمر فى العدل والانصاف وفى الحديث (كما تكونون يولى عليكم أحدكم) يعنى ان تكونوا صالحين فيجعل وليكم رجلا صالحا وان تكونوا طالحين فيجعل وليكم رجلا طالحا- وروى- ان موسى عليه السلام ناجى ربه فقال يا رب ما علامة رضاك من سخطك فاوحى اليه [إذا استعملت على الناس خيارهم فهو علامة رضايى وإذا استعملت شرارهم فهو علامة سخطى]. ثم اعلم بان المراد باولى الأمر فى الحقيقة المشايخ الواصلون ومن بيده امر التربية فان اولى امر المريد شيخه فى التربية فينبغى للمريد فى كل وارد حق يدق باب قلبه او اشارة او الهام او واقعة تنبئ عن اعمال او احوال فى حقه ان يضرب على محك نظر شيخه فما يرى فيه الشيخ من المصالح ويشير اليه او يحكم عليه يكون
رسول الله ﷺ فى دار الجلال فاعرض نفسك على كتاب الله فيما وصف أولياءه وأعداءه فانظر من أي الصنفين أنت
برادر ز كار بدان شرم دار كه در روى نيكان شوى شرمسار
نريزد خدا آب روى كسى كه ريزد كناه آب چشمش بسى
وذكر عن يزيد بن مرثد انه كان لا تنقطع دموع عينيه ساعة ولا يزال باكيا فسئل عن ذلك فقال لو ان الله تعالى او عدنى بانى لو أذنبت لحبسنى فى الحمام ابدا لكان حقيقا علىّ ان لا تنقطع دموعى فكيف وقد أوعدني ان يحبسنى فى نار أوقد عليها ثلاثة آلاف سنة أوقد عليها الف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها الف سنة حتى ابيضت ثم أوقد عليها الف سنة حتى اسودت فهى سوداء كالليل المظلم. قال ابو هريرة رضى الله عنه لا تغبطن فاجرا بنعمته فان وراءه طالبا حثيثا وهى جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا: قال الحافظ قدس سره
قلندران حقيقت به نيم جو نخرند قباى اطلس آنكس كه از هنر عاريست
قال رسول الله ﷺ (من كانت همته الآخرة جمع الله شمله وجعل غناه فى قلبه وأتته الدنيا وهى راغمة ومن كانت همته الدنيا فرق الله عليه امره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا الا ما كتب الله له) :قال السعدي قدس سره
آنكس از دزد بپرسد كه متاعى دارد عارفان جمع نكردند و پريشانى نيست
هر كرا خيمه بصحراى قناعت زده اند گر جهان لرزه بگيرد غم ويرانى نيست
وَالَّذِينَ آمَنُوا بالله وبمحمد والقرآن وسائر الآيات والمعجزات وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ التي امر الله بها سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً اى مقيمين فيها لا يخرجون منها ولا يموتون لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ اى مما نساء الدنيا عليه من الأحوال المستقذرة البدنية والأدناس الطبيعية كالحيض والنفاس والحقد والحسد وغير ذلك وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا فينانا لا جوب فيه ودائما لا تنسخه الشمس اى لا تزيله وسجسجا وهو من الزمان ما لا حر فيه ولا برد ومن المكان مالا سهولة فيه ولا حزونة. والظليل صفة مشتقة من لفظ الظل لتأكيد معناه كما يقال ليل أليل ويوم أيوم وما أشبه ذلك.
فان قلت إذا لم يكن فى الجنة شمس تؤذى بحرها فما فائدة وصفها بالظل الظليل وايضا يرى فى الدنيا ان المواضع التي يدوم الظل فيها ولا يصل نور الشمس إليها يكون هواؤها عفنا فاسدا مؤذيا فما معنى وصف هواء الجنة بذلك. قلت ان بلاد العرب كانت فى غاية الحرارة فكان الظل عندهم من أعظم اسباب الراحة وهذا المعنى جعلوه كناية عن الراحة قال عليه السلام (السلطان ظل الله فى الأرض) فاذا كان الظل عبارة عن الراحة كان الظل الظليل كناية عن المبالغة العظيمة فى الراحة. قال الامام فى تفسيره هذا ما يميل اليه خاطرى قال رسول الله ﷺ (ان فى الجنة شجرة يسير الراكب فى ظلها مائة سنة ما يقطعها اقرأوا ان شئتم وظل ممدود وفى الجنة مالا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر اقرأوا ان شئتم فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين فموضع سوط من الجنة خير من الدنيا وما فيها اقرأوا ان شئتم
منقادا لاوامره ونواهيه لانه أولوا امره. واما الشيخ فاولوا امره الكتاب والسنة فينبغى له ان ما سنح له من الغيب بوارد الحق من الكشوف والشواهد والاسرار والحقائق يضرب على محك الكتاب والسنة فما صدقاه ويحكمان عليه فيقبله والا فلا لان الطريقة مقيدة بالكتاب والسنة كذا ذكره الشيخ الكامل نجم الدين الكبرى فى تأويلاته أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ اى يدعون والمراد بالزعم هنا الكذب لان الآية نزلت فى المنافقين أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ اى بالقرآن وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ اى بالتوراة وغيرها من الكتب المنزلة وكأنه قيل ماذا يفعلون فقيل يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ عن ابن عباس ان منافقا خاصم يهوديا فدعاه اليهودي الى النبي عليه السلام لانه كان يقضى بالحق ولا يلتفت الى الرشوة ودعاه المنافق الى كعب بن الأشرف لانه كان شديد الرغبة الى الرشوة واليهودي كان محقا والمنافق كان مبطلا ثم أصر اليهودي على قوله فاحتكما الى رسول الله ﷺ فحكم لليهودى فلم يرض المنافق وقال نتحاكم الى عمر فقال اليهودي لعمر قضى لى رسول الله فلم يرض بقضائه وخاصم إليك فقال عمر للمنافق أكذلك فقال نعم فقال مكانكما حتى اخرج اليكما فدخل فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى مات وقال هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله فنزلت فهبط جبرائيل عليه السلام وقال ان عمر فرق بين الحق والباطل فسمى الفاروق فالطاغوت كعب بن الأشرف سمى به لا فراطه فى الطغيان وعداوة الرسول وفى معناه ومن يحكم بالباطل ويؤثر لاجله وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ اى والحال انهم قد أمروا ان يتبرأ ومن الطاغوت وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ اى كعب بن الأشرف او حقيقة الشيطان عطف على يريدون أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً اى اضلالا بعيدا لا غاية له فلا يهتدون وَإِذا قِيلَ لَهُمْ اى للمنافقين تَعالَوْا اى جيئوا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ اى الى ما امره فى كتابه وَإِلَى الرَّسُولِ والى ما امره رسوله رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ اظهار المنافقين فى مقام الإضمار للتسجيل عليهم بالنفاق وذمهم به والاشعار بعلة الحكم والرؤية بصرية يَصُدُّونَ عَنْكَ حال من المنافقين صُدُوداً اى يعرضون عنك إعراضا وأي اعراض فَكَيْفَ يكون حالهم وكيف يصنعون يعنى انهم يعجزون عند ذلك فلا يصدرون امرا ولا يوردونه إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ اى وقت إصابة المصيبة إياهم بافتضاحهم بظهور نفاقهم بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ بسبب ما عملوا من الجنايات التي من جملتها التحاكم الى الطاغوت وعدم الرضى بحكم الرسول ثُمَّ جاؤُكَ للاعتذار عما صنعوا من القبائح وهو عطف على أصابتهم يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ حال من فاعل جاؤك إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً اى ما أردنا بتحاكمنا الى غيرك الا الفصل بالوجه الحسن والتوفيق بين الخصمين ولم نرد مخالفة لك ولا سخطا لحكمك فلا تؤاخذنا بما فعلنا وهذا وعيد لهم على ما فعلوا وانهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم ولا يغنى عنهم الاعتذار أُولئِكَ اى المنافقون الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ من النفاق فلا يغنى عنهم الكتمان والحلف الكاذب من العقاب فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ اى لا تقبل اعتذارهم ولا تفرج عنهم بدعائك وَعِظْهُمْ اى ازجرهم عن النفاق والكيد وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ اى فى حق أنفسهم الخبيثة وقلوبهم
واليوم الآخر وما صرف إلا عن الدنيا والحظوظ العاجلة فبقدر ما أعرضت عنها وأقبلت على الله وصرفت الأوقات لاعمال الآخرة فقد سلكت سبيله الذي سلكه وبقدر ذلك اتبعته وبقدر ما اتبعته صرت من أمته ولو انصفنا لعلمنا اننا من حين نمسى الى حين نصبح لا نسعى الا فى الحظوظ العاجلة ولا نتحرك الا لاجل الدنيا الفانية ثم نطمع فى ان نكون غدا من أمته واتباعه- روى- عن رسول الله ﷺ انه قال (ليأتى على الناس زمان تخلق سنتى فيه وتتجدد فيه البدعة فمن اتبع سنتى يومئذ صار غريبا وبقي وحيدا ومن اتبع بدع الناس وجد خمسين صاحبا او اكثر) فقال الصحابة يا رسول الله عليك السلام هل بعدنا أحد أفضل منا قال (بلى) قالوا أفيرونك يا رسول الله قال (لا) قالوا فكيف يكونون فيها قال (كالملح فى الماء تذوب قلوبهم كما يذوب الملح فى الماء) قالوا فكيف يعيشون فى ذلك الزمان قال (كالدود فى الخل) قالوا فكيف يحفظون دينهم يا رسول الله قال (كالفحم فى اليد ان وضعته طفئ وان أمسكته او عصرته احرق اليد) وعن ابى بحيج العرباض بن سارية رضى الله عنه قال وعظنا رسول الله موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودّع فاوصنا قال (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وان تأمّر عليكم عبد وانه من يعيش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهتدين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فان كل بدعة ضلالة) فعلى المؤمن ان يتبع سنة الرسول ويجتنب عن كل ما هو بدعة وضلالة ويصلح ظاهره بالشريعة وباطنه بالطريقة حتى ينال شفاعته ﷺ يوم القيامة ويتخلص من عذاب النار ويدخل الجنة مع الأبرار. فالمؤمن فى الآخرة فى الجنات كشجرة مثمرة لا تنفك عن البستان. والمنافق فى الدركات كشجرة غير مثمرة تقلع من البستان وتوقد بها النار: قال الفردوسى
درختى كه شيرين بود بار او نكردد كسى كرد إزار او
وكر زانك شيرين نباشد برش ز پاى اندر آرند نا كه سرش
بماند بباغ آن ودر آتش اين تو خواهى چنان باش وخواهى چنين
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ اى أوجبنا او فرضنا على هؤلاء المنافقين أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ كما أوجبناه على بنى إسرائيل حين طلبوا التوبة من ذنوبهم ما فَعَلُوهُ اى المكتوب المدلول عليه بكتبنا إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ الأناس قليل منهم وهم المخلصون وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ من متابعة الرسول وطاعته والمشي تحت رايته والانقياط لما يراه ويحكم به ظاهرا وباطنا وسميت أوامر الله ونواهيه مواعظ لاقترانها بالوعد والوعيد والترغيب والترهيب لَكانَ اى فعلهم ذلك خَيْراً لَهُمْ اى احمد عاقبة فى الدارين وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً لهم على الايمان وابعد من الاضطراب فيه وَإِذاً كأنه قيل وماذا يكون لهم بعد التثبيت فقيل وإذا لو ثبتوا لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا من عندنا أَجْراً عَظِيماً ثوابا كثيرا فى الآخرة لا ينقطع وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً يصلون بسلوكه الى عالم القدس ويفتح لهم أبواب الغيب قال ﷺ (من عمل بما علم ورثه الله علم
ما لم يعلم). واعلم ان قتل النفس فى الحقيقة قمع هواها التي هى حياتها وإفناء صفاتها والخروج من الديار خروج من المقامات التي سكنت القلوب بها وألفتها من الصبر والتوكل والرضى والتسليم وأمثالها لكونها حاجبة عن التوحيد والفناء فى الذات كما قال الحسين بن منصور لابراهيم بن أدهم حين سأله عن حاله واجابه بقوله أدور فى الصحارى وأطوف فى البراري بحيث لاماء ولا شجر ولا روض ولا مطر هل حالى حال التوكل اولا فقال إذا فنيت عمرك فى عمران باطنك فاين الفناء فى التوحيد
جان عارف دوست را طالب شده نور حق با هستيش غالب شده
پرتو ذات از حجاب كبريا كرده او را غره بحر فنا
وعن ابراهيم بن أدهم قال دخلت جبل لبنان فاذا انا بشاب قائم وهو يقول يا من شوقى اليه وقلبى محب له ونفسى له خادم وكلى فناء فى إرادتك ومشيئتك فانت ولا غيرك متى تنجينى من هذه العذرة قلت رحمك الله ما علامة حب الله قال اشتهاء لقائه قلت فما علامة المشتاق قال لاله قرار ولا سكون فى ليل ولا نهار من شوقه الى ربه قلت فما علامة الفاني قال لا يعرف الصديق من العدو ولا الحلو من المر من فنائه عن رسمه ونفسه وجسمه قلت فما علامة الخادم قال انه يرفع قلبه وجوارحه وطمعه من ثواب الله: قال الحافظ قدس سره
تو بندگى چوكدايان بشرط مزد مكن كه دوست خود روش بنده پرورى داند
قال رسول الله ﷺ (لا يكونن أحدكم كالعبد السوء ان خاف عمل ولا كالاجير السوء ان لم يعط لم يعمل) وبالجملة انه لا بد للسالك من اقامة وظائف العبادات والأوراد فان الله أودع أنوار الملكوت فى اصناف الطاعات فان من فاته صنف او أعوزه من الموافقات جنس فقد من النور بمقدار ذلك وليس للوصول سبيل ولا الى الفناء دليل غير العبودية وترك ما سوى الحق
بشب حلاج را ديدند در خواب بريده سر بكف بر جام جلاب
بدو كفتند چونى سر بريده بگو تا چيست اين جام كزيده
چنين گفت او كه سلطان نكونام بدست سر بريده ميدهد جام
كسى اين جام معنى ميكند نوش كه كرد أول سر خود را فراموش
كما قيل من لم يركب الأهوال لم ينل الأموال فيا ايها العبد الذي لا يفعل ما يوعظ به ولا يخاف من ربه كيف تركت ما هو خير لك وأعرضت عما ينفعك فليس لك الآن الا التوبة عما يوقعك فى المعاصي والمنهيات والرجوع الى الله بالطاعات والعبادات والفناء عن الذات بالاصغاء الى المرشد الرشيد الواصل الى سر التفريد وقبول امره وعظته وتسليم النفس الى تربيته ودوام المراقبة فى الطريق ومن الله التوفيق وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ والمراد بالطاعة هو الانقياد التام والامتثال الكامل بجميع الأوامر والنواهي- روى- ان ثوبان مولى رسول الله أتاه يوما وقد تغير وجهه ونحل جسمه فسأله عن حاله فقال ما بي من وجع غير انى إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة على لقائك ثم ذكرت الآخرة فخفت ان لا أراك هناك لانى
المطوية على الشرور التي يعلمها الله تعالى او فى أنفسهم خاليا بهم ليس معهم غيرهم مسارا بالنصيحة لانها فى السر أنجع قَوْلًا بَلِيغاً مؤثرا واصلا الى كنه المراد مطابقا لما سيق له المقصود والقول البليغ بان يقول ان الله يعلم سركم وما فى قلوبكم فلا يغنى عنكم اخفاؤه فاصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم من رذيلة الكفر وداووها من مرض النفاق والا انزل الله بكم ما انزل بالمجاهرين بالشرك وشرا من ذلك واغلظ عسى ان تنجع فيهم الموعظة وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ اى وما أرسلنا رسولا من الرسل لشىء من الأشياء الا ليطاع بسبب اذنه تعالى فى طاعته وامره المبعوث إليهم بان يطيعوه ويتبعوه لانه مؤد عنه تعالى وطاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وعرضوها للعذاب بترك طاعتك والتحاكم الى غيرك جاؤُكَ تائبين من النفاق فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ بالتوبة والإخلاص وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ بان يسأل الله ان يغفر لهم عند توبتهم. فان قلت لو تابوا على وجه صحيح لقبلت توبتهم فما الفائدة فى ضم استغفار الرسول الى استغفارهم. قلت التحاكم الى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله وكان ايضا اساءة الى الرسول عليه السلام وادخالا للغم الى قلبه عليه السلام ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الغير لَوَجَدُوا اللَّهَ لصادفوه حال كونه تعالى تَوَّاباً مبالغا فى قبول التوبة رَحِيماً مبالغا فى التفضيل عليهم بالرحمة بدل من توابا فَلا اى ليس الأمر كما يزعمون انهم آمنوا وهم يخالفون حكمك ثم استأنف القسم فقال وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ اى يجعلونك حكما يا محمد ويترافعوا إليك فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ اى فيما اختلف بينهم من الأمور واختلط ومنه الشجر لتداخل أغصانه ثُمَّ لا يَجِدُوا عطف على مقدر ينساق اليه الكلام اى فتقضى بينهم ثم لا يجدوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً ضيقا مِمَّا قَضَيْتَ اى مما قضيت به يعنى يرضون بقضائك ولا تضيق صدورهم من حكمك وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً وينقادوا لك انقيادا بظاهرهم وباطنهم. وفى هذه الآيات دلائل على ان من رد شيأ من أوامر الله وأوامر الرسول ﷺ فهو خارج عن الإسلام سواء رده من جهة الشك او من جهة التمرد وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة اليه من الحكم بارتداد مانعى الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم فاتباع الرسول عليه السلام فرض عين فى الفرائض العينية وفرض كفاية فى الفروض على سبيل الكفاية وواجب فى الواجبات وسنة فى السنن وهكذا ومخالفته تزيل نعمة الإسلام
خلاف پيمبر كسى ره كزيد كه هركز بمنزل نخواهد رسيد
فالنبى ﷺ هو الدليل فى طريق الحق ومخالفة الدليل ضلالة: قال الحافظ
بكوى عشق منه بي دليل راه قدم كه من بخويش نمودم صد اهتمام ونشد
قال رسول الله ﷺ (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تابعا لما جئت به) وقال عليه السلام (من ضيع سنتى) اى جعلها ضائعة بعدم اتباعها (حرمت عليه شفاعتى) وقال ﷺ (من حفظ سنتى أكرمه الله تعالى بأربع خصال.
المحبة فى قلوب البررة. والهيبة فى قلوب الفجرة. والسعة فى الرزق. والثقة فى الدين) فانما أمته من اتبعه ولا يتبعه إلا من اعرض عن الدنيا فانه عليه السلام ما دعا الا الى الله تعالى
عرفت انك ترفع مع النبيين وان ادخلت الجنة كنت فى منزل دون منزلتك وان لم ادخل فذاك حين لا أراك ابدا فنزلت فقال ﷺ (والذي نفسى بيده لا يؤمن عبد حتى أكون أحب اليه من نفسه وأبويه واهله وولده والناس أجمعين) فَأُولئِكَ اشارة الى المطيعين مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ اى أتم الله عليهم النعمة وهذا ترغيب للمؤمنين فى الطاعة حيث وعدوا مرافقة اقرب عباد الى الله وأرفعهم درجات عنده مِنَ النَّبِيِّينَ بيان للمنعم عليهم وهم الفائزون بكمال العلم والعمل المتجاوزون حد الكمال الى درجة التكميل وَالصِّدِّيقِينَ المبالغين فى الصدق والإخلاص فى الأقوال والافعال الذين صعدت نفوسهم تارة بمراقى النظر فى الحجج والآيات واخرى بمعارج التصفية والرياضات الى اوج العرفان حتى اطلعوا على الأشياء وأخبروا عنها على ما هى عليها وَالشُّهَداءِ الذين ادى بهم الحرص على الطاعة والجد فى اظهار الحق حتى بذلوا مهجهم فى إعلاء كلمة الله وَالصَّالِحِينَ الذين صرفوا أعمارهم فى طاعته وأموالهم فى مرضاته وليس المراد بالمعية الاتحاد فى الدرجة لان التساوي بين الفاضل والمفضول لا يجوز ولا مطلق الاشتراك فى دخول الجنة بل كونهم فيها بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وزيارته متى أراد وان بعد ما بينهما من المسافة وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً فى معنى التعجب كأنه قيل وما احسن أولئك رفيقا اى النبيين ومن بعدهم ورفيقا تمييز وافراده لما انه كالصديق والخليط والرسول يستوى فيه الواحد والمتعدد والرفيق الصاحب مأخوذ من الرفق وهو لين الجانب واللطافة فى المعاشرة قولا وفعلا ذلِكَ الْفَضْلُ مبتدأ والفضل صفته وهو اشارة الى ما للمطيعين من عظيم الاجر ومزيد الهداية ومرافقة هؤلاء المنعم عليهم مِنَ اللَّهِ خبره اى لا من غيره وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً بجزاء من أطاعه وبمقادير الفضل واستحقاق اهله. وهذه الآية عامة فى جميع المكلفين إذ خصوص السبب لا يقدح فى عموم اللفظ فكل من أطاع الله وأطاع الرسول فقد فاز بالدرجات والمراتب الشريفة عند الله تعالى- روى- عن بعض الصالحين انه قال أخذتني ذات ليلة سنة فنمت فرأيت فى منامى كأن القيامة قد قامت وكأن الناس يحاسبون فقوم يمضى بهم الى الجنة وقوم يمضى بهم الى النار قال فاتيت الجنة فناديت يا اهل الجنة بماذا نلتم سكنى الجنان فى محل الرضوان فقالوا لى بطاعة الرحمان ومخالفة الشيطان ثم أتيت باب النار فناديت يا اهل النار بماذا نلتم النار قالوا بطاعة الشيطان ومخالفة الرحمان
كجا سر بر آريم ازين عار وننك كه با او بصلحيم وبا حق بجنگ
نظر دوست تا در كند سوى تو چودر روى دشمن بود روى تو
قال رسول الله ﷺ (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من ابى) قيل ومن ابى قال (من أطاعني دخل الجنة ومن عصانى فقد ابى) فعلى المرء ان يتبع الرسول ويتبع اولياء الله فان الأنبياء لهم وحي الهى والأولياء لهم الهام ربانى والاتباع لهم لا يخلو عن الاتباع للرسول قال عليه السلام (المرء مع من أحب) فان أحب الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين كان معهم فى الجنة. وفى الآية تنبيه على انه ينبغى للعبد ان لا يتأخر من مرتبة الصلاح بل يسعى فى تكميل الصلاح ثم يترقى الى مرتبة الشهادة ثم الى الصديقة وليس بين النبوة وبين الصديقية
واسطة رزقنا الله وإياكم الفوز بهذا النعيم قال رسول الله ﷺ (لا يزال العبد يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا ولا يزال يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا) واقل الصدق استواء السر والعلانية والصادق من صدق فى أقواله والصديق من صدق فى جميع أقواله وأفعاله وأحواله. وكان جعفر الخواص يقول الصادق لا تراه الا فى فرض يؤديه او فضل يعمل فيه وثمرات الصدق كثيرة فمن بركاته فى الدنيا انه حكى عن ابى عمر الزجاجي انه قال ماتت أمي فورثت دارا فبعتها بخمسين دينارا وخرجت الى الحج فلما بلغت بابل استقبلني واحد من القافلة وقال أي شىء معك فقلت من نفسى الصدق خير ثم قلت خمسون دينارا فقال ناولنيها فناولته الصرة فحلها فاذا هى خمسون وقال لى خذها فلقد أخذني صدقك ثم نزل عن الدابة وقال اركبها فقلت لا أريد فقال لا وألح فركبتها فقال وانا على اثرك فلما كان العام القابل لحق بي ولا زمنى حتى مات: قال الحافظ قدس سره
بصدق كوش كه خورشيد زايد از نفست كه از دروغ سيه روى كشت صبح نخست
يعنى ان الصبح الكاذب تعقبه الظلمة والصبح الصادق يعقبه النور فمن صدق فقد بهر منه النور يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ اى تيقظوا واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم يقال أخذ حذره إذا تيقظ واحترز من المخوف كأنه جعل الحذر آلته التي يقى بها نفسه ويعصم بها روحه فَانْفِرُوا فاخرجوا الى جهاد العدو ثُباتٍ جماعات متفرقة سرية بعد سرية الى جهات شتى وذلك إذا لم يخرج النبي عليه السلام. جمع ثبة وهى جماعة من الرجال فوق العشرة ومحلها النصب على الحالية أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً مجتمعين كوكبة واحدة ولا تتخاذلوا فتلقوا بانفسكم الى التهلكة وذلك إذا خرج النبي عليه السلام وَإِنَّ مِنْكُمْ خطاب لعسكر رسول الله ﷺ كلهم المؤمنين والمنافقين لَمَنْ الذي اقسم بالله لَيُبَطِّئَنَّ ليتأخرن عن الغزو ويتخلفن تثاقلا من بطأ لازم بمعنى ابطأ او ليبطئن غيره ويثبطه عن الجهاد وكان هذا ديدن المنافق عبد الله بن ابى وهو الذي يثبط الناس يوم أحد والاول انسب لما بعده وهو قوله تعالى حكاية يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ وبالجملة المراد بالمبطئين المنافقون من العسكر لانهم كانوا يغزون نفاقا فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ نالتكم نكبة من الأعداء كقتل وهزيمة قالَ اى المبطئ فرحا بصنعه وحامدا لربه قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ اى بالقعود والتخلف عن القتال إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً اى حاضرا فى المعركة فيصيبنى ما أصابهم وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ كائن مِنَ اللَّهِ كفتح وغنيمة لَيَقُولَنَّ ندامة على تثبيطه وقعوده وتهالكا على حطام الدنيا وتحسرا على فواته كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ اعتراض وسط بين الفعل ومفعوله الذي هو يا قوم لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فى تلك الغزوة فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً اى آخذ حظا وافرا من الغنيمة وانما وسعه بينهما لئلا يفهم من مطلع كلامه ان تمنيه معية المؤمنين لنصرتهم ومظاهرتهم حسبما يقتضيه ما فى البين من المودة بل هو للحرص على المال كما ينطق به آخره وليس اثبات المودة فى البين بطريق التحقيق بل بطريق التهكم فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ اى يبيعونها بها ويأخذون الآخرة بدلها
وهم المؤمنون فالفاء جواب شرط مقدر اى ان بطأ هؤلاء عن القتال فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم فى طلب الذين يشترونها ويختارونها على الآخرة وهم المبطئون فالفاء للتعقيب اى ليتركوا ما كانوا عليه من التثبيط والنفاق والقعود عن القتال فى سبيل الله وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً لا يقادر قدره وعدله الاجر العظيم غلب او غلب ترغيبا فى القتال او تكذيبا لقولهم قد أنعم الله على إذ لم أكن معهم شهيدا وانما قال فيقتل او يغلب تنبيها على ان المجاهد ينبغى ان يثبت فى المعركة حتى يعز نفسه بالشهادة او الدين بالظفر والغلبة ولا يخطر بباله القسم الثالث أصلا وان لا يكون قصده بالذات الى القتل بل الى إعلاء الحق وإعزاز الدين قال رسول الله ﷺ (تكفل الله لمن جاهد فى سبيله لا يخرجه إلا جهاد فى سبيله وتصديق كلمته ان يدخله الجنة او يرجعه الى مسكنه
الذي خرج منه) مع ما نال من اجر وغنيمة قال رسول الله ﷺ (جاهدوا المشركين باموالكم وأنفسكم وألسنتكم) وذلك بان تدعوا عليهم بالخذلان والهزيمة وللمسلمين بالنصر والغنيمة وتحرضوا القادرين على الغزو وفى الحديث (من جهز غازيا فى سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا فى سبيل الله بخير فقد غزا) اى كان خلفا لاهل بيته فى اقامة حوائجهم
وتتميم مصالحهم وفضائل الجهاد لا تكاد تضبط فعلى المؤمن ان يكون فى طاعة ربه بأى وجه
كان من الوجوه التعبدية فان الآية الاولى وهى قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ الآية وان نزلت فى الحرب لكن يقتضى اطلاق لفظها وجوب المبادرة الى الحيرات كلها كيفما أمكن قبل الفوات
مكن عمر ضايع بافسوس وحيف كه فرصت عزيزست والوقت سيف
قال رسول الله ﷺ (بادروا بالأعمال قبل ان تجيئ فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسى كافرا او يمسى مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا) وعن الزبير بن عدى قال اتينا انس بن مالك فشكونا اليه ما نلقى من الحجاج فقال اصبروا فانه لا يأتى زمان الا والذي بعده أشد منه شرا حتى تتقوا ربكم سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم:
قال الحافظ قدس سره
روزى اگر غمى رسدت تنگ دل مباش روشگر كن مباد كه از بد بتر شود
واعلم ان العدة والسلاح فى جهاد النفس والشيطان يعنى آلة قتالهما ذكر الله وبه يتخلص الإنسان من كونه أسير الهوى النفساني قال رسول الله ﷺ (لا يقعد قوم يذكرون الله الا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده) وعن ابى واقد الحارث بن عوف رضى الله عنه ان رسول الله ﷺ بينما هو جالس فى المسجد والناس معه إذا قبل ثلاثة نفر فاقبل اثنان الى رسول الله ﷺ وذهب واحد فوقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاما أحدهما فرأى فرجة فى الحلقة فجلس فيها. واما الآخر فجلس خلفهم. واما الثالث فادبر ذاهبا فلما فرغ
رسول الله ﷺ قال (ألا أخبركم عن النفر الثلاثة اما أحدهم فاوى الى الله فآواه الله واما الآخر فاستحيى فاستحيى الله منه واما الآخر فاعرض فاعرض الله عنه)
بذكرش هر چهـ بينى در خروشست دلى داند درين معنى كه كوشست
نه بلبل بر گلش تسبيح خوانيست كه هر خارى بتوحيدش زبانيست
وَما لَكُمْ اى أي شىء حصل لكم من العلل ايها المؤمنون حال كونكم لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اى تاركين القتال يعنى لا عذر لكم فى ترك المقاتلة وهذا استفهام بمعنى التوبيخ ولا يقال ذلك الا عند سبق التفريط وَالْمُسْتَضْعَفِينَ عطف على السبيل بحذف المضاف لا على اسم الله وان كان اقرب لان خلاص المستضعفين سبيل الله لا سبيلهم والمعنى فى سبيل الله وفى خلاص الذين استضعفهم الكفار بالتعذيب والاسر وهم الذين اسلموا بمكة وصدهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم مستذلين مستضعفين يلقون منهم الأذى الشديد وانما خصهم بالذكر مع ان سبيل الله عام فى كل خير لان تخليص ضعفة المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخير واخصه مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ بيان للمستضعفين والولدان الصبيان جمع ولد وانما ذكرهم معهم تسجيلا بافراط ظلمهم حيث بلغ إذا هم الولدان غير المكلفين إرغاما لآبائهم وأمهاتهم ومبغضة لهم لمكانهم ولان المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم فى دعائهم استنزالا لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا كما فعل قوم يونس وكما وردت السنة بإخراجهم فى الاستسقاء ودلت الآية على ان استنقاذ الأسارى من المسلمين من أيدي الكفار واجب بما قدروا عليه من القتال وإعطاء المال الَّذِينَ صفة للمستضعفين يَقُولُونَ يعنى لا حيلة لهؤلاء المستضعفين ولا ملجأ الا الله فيقولون داعين رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ مكة الظَّالِمِ أَهْلُها بالشرك الذي هو ظلم عظيم وباذية المسلمين وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا اى ول علينا واليا من المؤمنين يوالينا ويقوم بمصالحنا يحفظ علينا ديننا وشرعنا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً ينصرنا على أعدائنا ولقد استجاب الله دعاءهم حيث يسر لبعضهم الخروج الى المدينة قبل الفتح وجعل لمن بقي منهم الى الفتح خير ولى وأعز ناصر ففتح مكة على يدى نبيه ﷺ فتولاهم أي تولية ونصرهم أي نصرة ثم استعمل عليهم عتاب بن أسيد فجعل يضعف قدر الضعيف للحق ويعز العزيز بالحق فرأوا منه الولاية والنصرة كما أرادوا حتى صاروا أعز أهلها الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اى المؤمنون انما يقاتلون فى دين الله الحق الموصل لهم الى الله عز وجل فى إعلاء كلمته فهو وليهم وناصرهم لا محالة وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ اى فيما يوصلهم الى الشيطان فلا ناصر لهم سواه فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ كأنه قيل إذا كان الأمر كذلك فقاتلوا يا اولياء الله اولياء الشيطان إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ الكيد السعى فى فساد الحال على جهة الاحتيال كانَ ضَعِيفاً اى ان كيده للمؤمنين بالاضافة الى كيد الله بالكافرين ضعيف لا يؤبه به فلا تخافوا أولياءه فان اعتمادهم على أضعف شىء وأوهنه وهذا كما يقال للحق دولة وللباطل جولة قالوا إدخال كان فى أمثال هذه المواقع لتأكيد بيان انه منذ كان كان كذلك
فالمعنى ان كيد الشيطان منذ كان كان موصوفا بالضعف قال الامام فى تفسيره إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً لان الله ينصر أولياءه والشيطان ينصر أوليائه ولا شك ان نصرة الشيطان لاوليائه أضعف من نصرة الله لاوليائه ألا ترى ان اهل الخير والدين يبقى ذكرهم الجميل على وجه الدهر وان كانوا حال حياتهم فى غاية الفقر والذلة. واما الملوك والجبابرة فاذا ماتوا انقرضوا ولا يبقى فى الدنيا رسمهم ولا طللهم. قيل النار حفت بالشهوات وان فى كل نفس شيطانا يوسوس إليها وملكا يلهمها الخير فلا يزال الشيطان يزين ويخدع ولا يزال الملك يمنعها ويلهمها الخير فايهما كانت النفس معه كان هو الغالب. قيل ان كيد الشيطان والنفس بمثابة الكلب ان قاومته مزق الإهاب وقطع الثياب وان رجعت الى ربه صرفه عنك برفق فالله تعالى جعل الشيطان عدوا للعباد ليوحشهم به اليه وحرك عليهم النفس ليدوم إقبالهم عليه فكلما تسلطا عليهم رجعوا اليه بالافتقار
وقاموا بين يديه على نعت اللجأ والاضطرار قال احمد بن سهل اعداؤك اربعة. الدنيا
وسلاحها لقاء الخلق وسجنها العزلة. والشيطان وسلاحه الشبع وسجنه الجوع. والنفس وسلاحها النوم وسجنها السهر. والهوى وسلاحه الكلام وسجنه الصمت واعلم ان كيد الشيطان ضعيف فى الحقيقة فان الله ناصر لاوليائه كل حين ويظهر ذلك الامداد فى نفوسهم بسبب تزكيتهم النفس وتخلية القلب عن الشواغل
الدنيوية وامتلاء أسرارهم بنور التوحيد فان الشيطان ظلمانى يهرب من النورانى لا محالة- روى- ان عمر بن الخطاب رضى الله عنه استأذن يوما على النبي عليه السلام وعنده نساء من قريش يسألنه عالية أصواتهن على صوته فلما دخل ابتدرن الحجاب فجعل ﷺ يضحك فقال ما اضحكك يا رسول الله بابى أنت وأمي فقال ﷺ (عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندى فلما سمعن صوتك بادرن الحجاب) فقال عمر أنت أحق ان يهبن يا رسول الله ثم اقبل عليهن فقال اى عدوات انفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ فقلن أنت أفظ واغلظ من رسول الله فقال عليه السلام (يا ابن الخطاب فو الذي نفسى بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك) - وروى- عن وهب بن منبه انه قال كان عابد فى بنى إسرائيل أراد الشيطان ان يضله فلم يستطع من أي جهة اراده من الشهوة والغضب وغير ذلك فاراده من قبل الخوف وجعل يدلى الصخرة من الجبل فاذا بلغه ذكر الله تباعد عنه ثم تمثل بالحية وهو يصلى فجعل يلتوى على رجليه وجسده حتى يبلغ رأسه وكان إذا أراد السجود التوى فى موضع رأسه فجعل ينحيه بيده حتى يتمكن من السجود فلما فرغ من صلاته وذهب جاء اليه الشيطان فقال له فعلت لك كذا وكذا فلم أستطع منك على شىء فاريد ان أصادقك اى ان أكون صديقا لك فانى لا أريد ضلالتك بعد اليوم فقال العابد مالى حاجة فى مصادقتك فقال الشيطان ألا تسألنى بأى شىء أضل به بنى آدم قال نعم قال بالشح والحدة والسكر فان الإنسان إذا كان شحيحا قللنا ماله فى عينه فيمنعه من حقوقه ويرغب فى اموال الناس
كريمانرا بدست اندر درم نيست خداوندان نعمت را كرم نيست
وقيل فى بعض الاشعار
فهو دليل على وجود القبول لان الجزاء على ذلك مقصور قال ابراهيم بن أدهم لو يعلم الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف وقال بعضهم ليس شىء من البر الا ودونه عقبة يحتاج الى الصبر فيها فمن صبر على شدتها افضى الى الراحة والسهولة وانما هى مجاهدة النفس ثم مخالفة الهوى ثم المكابدة فى ترك الدنيا ثم اللذة والتنعم وانما يطيع العبد ربه على قدر منزلته منه فمن سره ان يعوف منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله فى قلبه وقيل لبعضهم هل تعرف الله فغضب وقال ترانى اعبد من لا اعرف فقال له السائل او تعصى من تعرف: قال السعدي قدس سره
عمرى كه ميرود بهمه حال سعى كن تا در رضاى خالق بيچون بسر برى
وقال ايضا
پير بودى وره ندانستى تو نه پيرى كه طفل كتابى
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ المقدر بالأجل او العذاب وفى لفظ الإدراك اشعار بانهم فى الهرب منه وهو مجد فى طلبهم وهو كلام مبتدأ لا محل له من الاعراب وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
اى وان كنتم فى قصور عالية الى السماء محكمة بالشيد وهو الجص لا يصعد إليها بنوا آدم قال مجاهد فى هذه الآية كان فيمن قبلكم امرأة وكان لها أجير فولدت جارية فقالت لا جيرها اقتبس لنا نارا فخرج فوجد بالباب رجلا فقال له الرجل ما ولدت هذه المرأة قال جارية قال اما هذه الجارية لا تموت حتى تزنى بمائة ويتزوجها أجيرها ويكون موتها بالعنكبوت فقال الأجير فى نفسه فانا أريد هذه بعد ان تفجر بمائة لا قتلنها فاخذ شفرة فدخل فشق بطن الصغيرة وخرج على وجهه وركب البحر وخيط بطن الصبية فعولجت وبرئت وشبت فكانت تزنى فاتت ساحلا من ساحل البحر فاقامت عليه تزنى ولبث الرجل ما شاء الله ثم قدم ذلك الساحل ومعه مال كثير فقال لامرأة من اهل الساحل اطلعى لى امرأة من أجمل النساء أتزوجها فقالت هاهنا امرأة من أجمل النساء ولكنها تفجر فقال ائتيني بها فاتتها فقالت قد قدم رجل له مال كثير وقال لى كذا وكذا فقالت انى تركت الفجور ولكن ان أراد ان يتزوجنى تزوجته قال فتزوجها فوقعت منه موقعا فبينما هو يوما عندها إذا خبرها بامره فقالت انا تلك الجارية وارته الشق فى بطنها وقد كنت افجر فما أدرى بمائة او اقل او اكثر فقال زوجها فى نفسه ان الرجل الذي كان خارج الباب قال يكون موتها بالعنكبوت ثم أخبرها بذلك قال فبنى لها برجا فى الصحراء وشيده فبينما هى يوما فى ذلك البرج إذا عنكبوت فى السقف فقالت هذا يقتلنى لا قتلنه إذ لا يقتله أحد غيرى فحركته فسقط فاتته فوضعت إبهام رجلها عليه فشدخته فساح سمه بين ظفرها واللحم فاسودت رجلها فماتت وفى ذلك نزلت هذه الآية أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وأجمعت الامة على ان الموت ليس له سن معلوم ولا أجل معلوم ولا مرض معلوم وذلك ليكون المرء على اهبة من ذلك مستعدا لذلك قال عليه السلام (أكثروا ذكر هاذم اللذات) يعنى الموت وهو كلام مختصر وجيز قد جمع التذكرة وابلغ فى الموعظة فان من ذكر الموت حقيقة ذكره نغض عليه اللذة الحاضرة ومنعه من تمنيها فى المستقبل وزهده فيما كان منها يؤمل ولكن النفوس
الراكدة والقلوب الغافلة تحتاج الى تطويل الوعاظ وتزويق الألفاظ والا ففى قوله عليه السلام (أكثروا ذكر هاذم اللذات) مع قوله تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ما يكفى السامع ويشغل الناظر فيه: قال الحافظ قدس سره
سپهر پر شده پرويز نست خون افشان كه ريزه اش سر كسرى وتاج پرويزست
قال السعدي قدس سره
جهان اى پسر ملك جاويد نيست ز دنيا وفادارى اميد نيست
نه بر باد رفتى سحرگاه وشام سرير سليمان عليه السلام
بآخر نديدى كه بر باد رفت خنك آنكه با دانش ودار رفت
والاشارة فى الآية ان يا اهل البطالة فى زى الطلبة الذين غلب عليكم الهوى وجب إليكم الدنيا فاقعدكم عن طلب المولى ثم رضيتم بالحياة الدنيا واطمأننتم بها أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ اضطرارا ان لم تموتوا قبل ان تموتوا اختيارا وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ اى أجساد مجسمة قوية أمزجتها أوصلنا الله وإياكم الى حقيقة الفناء والبقاء آمين وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ اى نعمة كخصب يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ نسبوها الى الله وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بلية كقحط يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ أضافوها إليك يا محمد وقالوا ان هى الا بشؤمك كما قالت اليهود منذ دخل محمد المدينة نقضت ثمارها وغلت أسعارها قُلْ كُلٌّ من الحسنة والسيئة مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يبسط ويقبض حسب إرادته فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ اى أي شىء حصل لليهود والمنافقين من العلل حال كونهم لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً اى لا يقربون من فهم حديث عن الله تعالى كالبهائم ولو فهموا لعلموا ان الكل من عند الله والفقه هو الفهم ثم اختص من جهة العرف بعلم الفتوى ما أَصابَكَ يا انسان مِنْ حَسَنَةٍ من خير ونعمة فَمِنَ اللَّهِ تفضلا منه فان كل ما يفعله الإنسان من الطاعة لا يكافئ نعمة الوجود فكيف يقتضى غيره ولذلك قال عليه السلام (ما أحد يدخل الجنة الا برحمة الله) قيل ولا أنت قال (ولا انا الا ان يتغمدنى الله برحمته) وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ من بلية وشىء تكرهه فَمِنْ نَفْسِكَ لانها السبب فيها لاستجلابها المعاصي وهو لا ينافى قوله كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فان الكل منه إيجادا وإيصالا غير ان الحسنة احسان وامتنان والسيئة مجازاة وانتقام كما قالت عائشة رضى الله عنها ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها وحتى انقطاع شسع نعله الا بذنب وما يغفر الله اكثر واعلم ان للاعمال اربع مراتب. منها مرتبتان لله تعالى وليس للعبد فيهما مدخل وهما التقدير والخلق. ومنها مرتبتان للعبد هما الكسب والفعل فان الله تعالى منزه عن الكسب وفعل السيئة وانهما يتعلقان بالعبد ولكن العبد وكسبه مخلوق خلقه الله تعالى كما قال وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ فهذا تحقيق قوله قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ اى خلقا وتقديرا لا كسبا وفعلا فافهم واعتقد فانه مذهب اهل الحق وارباب الحقيقة كذا فى التأويلات النجمية قال الضحاك ما حفظ الرجل القرآن ثم نسيه الا بذنب ثم قرأ وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
قال فنسيان القرآن من أعظم المصائب وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا اى رسولا للناس جميعا لست برسول للعرب وحدهم بل أنت رسول العرب والعجم كقوله تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ فرسولا حال قصد بها تعميم الرسالة والجار متعلق بها قدم عليها للاختصاص وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً على رسالتك بنصب المعجزات وفى التأويلات النجمية يشير بقوله تعالى وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا اى الناس الذين قد نسوا الله ونسوا ما شاهدوا منه وما عاهدوا عليه الله وأرسلناك إليهم لتبلغهم كلامنا وتذكرهم أيامنا وتجدد لهم عهودنا وترغبهم فى شهودنا وتدعوهم إلينا وتهديهم الى صراطنا وتكون لهم سراجا منيرا يهتدون بهداك ويتبعون خطاك الى ان توصلهم الى الدرجات العلى وتنزلهم فى المقصد الأعلى وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً اى شاهدا لاحبائه وأوليائه لئلا يكتفوا براحة دون لقائه انتهى: قال الحافظ قدس سره
يوسف عزيزم رفت اى برادر آن ز چمن كز غمش عجب ديدم حال پير كنعان
وفى الآية تعليم الأدب ورؤية التأثير من الله تعالى- روى- ان أبا بكر رضى الله عنه ابتلى بوجع السن سبع سنين فاعلمه جبريل رسول الله ﷺ وسأل عليه السلام عن حاله فقال (لم لم تذكر يا أبا بكر) فقال كيف أشكو مما جاء من الحبيب فلا بد من التخلق بالأخلاق الحسنة لان الكل من عند الله وانما أرسل الله رسوله لاخراج الناس من الظلمات الى النور فاذا تأدبوا بالآداب النبوية وصلوا الى الحقيقة المحمدية: قال الشيخ العطار
دعوتش فرمود بهر خاص وعام نعمت خود را برو كرده تمام
مبعث او سر نكونئ بتان امت او بهترين امتان
بر ميان دو كتف خورشيدوار داشته مهر نبوت آشكار
وكان خاتم النبوة بين كتفيه ﷺ اشارة الى عصمته من وسوسة الشيطان لان الخناس يجيئ من بين الكتفين فيدخل خرطومه قبل قلب الإنسان فيوسوس اليه فاذا ذكر الله خنس وراءه وكان حول خاتم النبوة شعرات مائلة الى الحضرة مكتوب عليه [محمد نبى أمين] وقيل غير ذلك والتوفيق بين الروايات بتعدد الخطوط وتنوعها بحسب الحالات والتجليات او بالنسبة الى انظار الناظرين. ثم انه قد اتفق اهل العلم على افضلية شهر رمضان لانه انزل فيه القرآن ثم شهر ربيع الاول لانه مولد حبيب الرحمن. واما أفضل الليالى فقيل ليلة القدر لنزول القرآن فيها وقيل ليلة المولد المحمدي لو لاه ما انزل القرآن ولا تعينت ليلة القدر فعلى الامة تعظيم شهر المولد وليلته كى ينالوا منه شفاعته ويصلوا الى جواره مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ لانه فى الحقيقة مبلغ والآمر هو الله تعالى- روى- انه عليه السلام قال (من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله) فقال المنافقون لقد قارف الشرك وهو ينهى عنه ما يريد الا ان نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى فنزلت وَمَنْ تَوَلَّى اى اعرض عن طاعته فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها انما عليك البلاغ وعلينا الحساب. قوله حفيظا حال من كاف أرسلناك
وعليهم متعلق بحفيظا وَيَقُولُونَ إذا امرتهم بأمر طاعَةٌ اى أمرنا وشأننا طاعة فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ اى خرجوا بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ اى زورت خلاف ما قلت لها يا محمد فالضمير للخطاب او ما قالت لك من ضمان الطاعة فالضمير للغيبة واشتقاق البيت من البيتوتة ولما كان غالب الافكار التي يستقصى فيها الإنسان واقعا فى الليل إذ هناك يكون الخاطر أصفى والشواغل اقل سمى الفكر المستقصى مبيتا وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ يثبته فى صحائف أعمالهم للمجازاة فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ قلل المبالاة بهم وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فى الأمور كلها سيما فى شأنهم وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا يكفيك معرتهم وينتقم لك منهم إذا قوى امر الإسلام وعز أنصاره. والوكيل هو العالم بما يفوض اليه من التدبير أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ يتأملون فى معانيه ويتبصرون ما فيه واصل التدبير النظر فى ادبار الشيء وما يؤول اليه فى عاقبته ومنتهاه ثم استعمل فى كل تأمل وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ اى ولو كان من كلام البشر كما زعم الكفار لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً من تناقض المعنى وتفاوت النظم وكان بعضه فصيحا وبعضه ركيكا وبعضه يصعب معارضته وبعضه يسهل ومطابقة بعض اخبار المستقبلة للواقع دون بعض وموافقة العقل لبعض أحكامه دون بعض على ما دل عليه الاستقراء لنقصان القوة البشرية. وهل يجوز ان يقال بعض كلام الله ابلغ من بعض. قال الامام السيوطي فى الإتقان جوزه قوم لقصور نظرهم فينبغى ان يعلم ان معنى قول القائل هذا الكلام ابلغ من هذا الكلام ان هذا فى موضعه له حسن ولطف وبلاغة وذاك فى موضعه له حسن ولطف وهذا الحسن فى موضعه أكمل وابلغ من ذلك فى موضعه فلا ينبغى ان يقال ان قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ابلغ من تَبَّتْ بل ينبغى ان يقال تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ دعاء عليه بالخسران فهل توجد عبارة للدعاء بالخسران احسن من هذه وكذلك فى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ لا توجد عبارة تدل على وحدانيته ابلغ منها فالعالم إذا انظر الى تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ فى باب الدعاء بالخسران ونظر الى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فى باب التوحيد لا يمكنه ان يقول أحدهما ابلغ من الآخر. وقال بعض المحققين كلام الله فى الله أفضل من كلامه فى غيره ف قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أفضل من تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ لان فيه فضيلة الذكر وهو كلام الله وفضيلة المذكور وهو اسم ذاته وتوحيده وصفاته الايجابية والسلبية وسورة تبت فيها فضيلة الذكر فقط وهو كلام الله تعالى. قال الغزالي فى جوهر القرآن ومن توقف فى تفضيل الآيات أول قوله عليه السلام (أفضل سورة وأعظم سورة) بانه أراد فى الاجر والثواب لا ان بعض القرآن أفضل من بعض فالكل فى فضل الكلام واحد والتفاوت فى الاجر لا فى كلام الله تعالى من حيث هو كلام الله القديم القائم بذاته تعالى انتهى. يقول الفقير جامع هذه المجالس النفيسة قولهم ان هذه الآية فى غاية الفصاحة كما قال القاضي عند قوله تعالى وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ الآية يشعر بجواز القول التفاوت فى طبقات الفصاحة كما عليه علماء البلاغة ومن هنا: قال من قال
در بيان ودر فصاحت كى بود يكسان سخن گر چهـ گوينده بود چون جاحظ و چون أصمعي
در كلام ايزد بيچون كه وحي منزلست كى بود تبت يدا مانند يا ارض ابلعي
قال العلماء القرآن يدل على صدقه عليه السلام من ثلاثة أوجه. أحدها اطراد ألفاظه فى الفصاحة. وثانيها اشتماله على الاخبار عن الغيوب. والثالث سلامته من الاختلاف وسبب سلامته منه على ما ذهب اليه اكثر المتكلمين ان القرآن كتاب كبير مشتمل على انواع كثيرة من العلوم فلو كان ذلك من عند غير الله لوقع فيه انواع من الكلمات المتناقضة لان الكتاب الكبير الطويل لا ينفك عن ذلك ولما لم يوجد فيه ذلك علمنا انه ليس من عند غير الله وانما هو وحي اوحى اليه عليه السلام من عند الله بوساطة جبرائيل فمن أطاعه فيه فقد أطاع الله والاطاعة سبب لنيل المطالب الدنيوية والاخروية ويرشدك على شرف الاطاعة ان كلب اصحاب الكهف لما تبعهم فى طاعة الله وعدله دخول الجنة: كما قال السعدي
سگ اصحاب كهف روزى چند پى مردم گرفت ومردم شد
فاذا كان من تبع المطيعين كذلك فما ظنك
بالمطيعين وكما ان من صلى ولم يؤد الزكاة لم تقبل منه الصلاة ومن شكر الله فى نعمائه ولم يشكر الوالدين لا يقبل منه فكذلك من أطاع الله ولم يطع الرسول لا يقبل منه. والاشارة ان الرسول ﷺ كان لوصفه بالفناء فانيا فى الله باقيا بالله قائما مع الله فكان خليفة الله على الحقيقة فيما يعامل الخلق حتى قال وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وكان الله خليفته فيما يعامله الخلق حتى قال إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ولهذا كان يقول ﷺ (الله خليفتى على أمتي) وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً فانك لست لك حافظا فكيف لهم فانهم تولوا عنى لا عنك فانما على حسابهم لا عليك وفى قوله تعالى وَيَقُولُونَ طاعَةٌ اشارة الى احوال اكثر مريدى هذا الزمان إذا كانوا حاضرين فى الصحبة ينعكس تلألؤ أشعة أنوار الولاية فى مرآة قلوبهم فيزدادون ايمانا مع ايمانهم وارادة مع إرادتهم فيصغون بآذانهم الواعية الى الحكم والمواعظ الحسنة ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ويقولون السمع والطاعة فيما يسمعون ويخاطبون به فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ وهب لهم رياح الهوى وشهوة الحرص وتمايلت قلوبهم عن مجازات القرار على الولاية وعاد المشئوم الى طبعه بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ اى يغير عليهم ما يغيرون على أنفسهم لان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ فاصفح عنهم واصبر معهم وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ لعل الله يصلح بالهم ولا يجعل التغيير وبالهم ويحسن عاقبتهم ومآلهم وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا للمتوكلين عليه والملتجئين اليه ثم اخبر عن الدواء كما اخبر عن الداء بقوله أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ والاشارة ان العباد لو كانوا يتدبرون القرآن ويتفكرون فى آثار معجزاته وأنوار هداياته ونظم آياته وكمال فصاحته وجمال بلاغته وجزالة ألفاظه ورزانة معانيه ومتانة مبانيه وفى أسراره وحقائقه ودقة إشاراته ولطائفه وانواع معالجاته لامراض القلوب من إصابة ضرر الذنوب لوجدوا فيه لكل داء دواء ولكل مرض شفاء ولكل عين قرة ولكل وجه غرة ولرأوا كأسه موصوفا بالصفاء محفوظا من القذى بحرا لا تنقضى عجائبه وبرا لا تنتفى غرائبه روحا لا تباغض فيه ولا خلاف وجثة لا تناقض فيها ولا اختلاف
باشد چوابر بي مطر وبحر بي گهر... آنرا كه با جمال نكو جود بار نيست
وإذا كان الرجل حديدا ادرناه بيننا كما يدير الصبيان الاكرة ولو كان يحيى الموتى لم نبال به
اگر آيد ز دوستى گنهى... بگناهى نشايد آزردن
ور زبانرا بعذر بگشايد... بايدت خشم را فرو خوردن
زانكه نزديك عاقلان بترست... عفو ناكردن از گنه كردن
واما إذا سكر قدناه الى كل شىء كما تقاد العنز بإذنها
مى مزيل عقل شد اى نا خلف... تا بچندى ميخورى در روزگار
آدمي را عقل بايد در بدن... ور نه جان در كالبد دارد حمار
فعلى العاقل ان يجاهد فى سبيل الله فان المجاهدة على حقيقتها تقوى الروح الضعيف الذي استضعفه النفس بالاستيلاء عليه ويتضرع الى الله بالصدق والثبات حتى يخرج من قرية البدن الظالم أهلها وهو النفس الامارة بالسوء ويتشرف بولاية الله تعالى فى مقام الروح رزقنا الله وإياكم فتح باب الفتوح آمين يا ميسر كل عسير أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ- روى- ان ناسا أتوا النبي ﷺ بمكة قبل ان يهاجر الى المدينة وشكوا اليه ما يلقون من أذى المشركين قالوا كنا فى عز فى حالة الجاهلية والآن صرنا اذلة فلو أذنت لنا قتلنا هؤلاء المشركين على فرشهم فقال ﷺ (كفوا ايديكم) اى أمسكوا (عن القتال) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ واشتغلوا بما أمرتم به فانى لم أومر بقتالهم وكانوا فى مدة إقامتهم بمكة مستمرين على تلك الحالة فلما هاجروا مع رسول الله ﷺ الى المدينة وأمروا بالقتال فى وقت بدر كرهه بعضهم وشق ذلك عليه لكن لا شكا فى الدين ولا رغبة عنه بل نفورا من الاخطار بالأرواح وخوفا من الموت بموجب الجبلة البشرية لان حب الحياة والنفرة من القتل من لوازم الطباع وذلك قوله تعالى فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ اى فرض عليهم الجهاد إِذا فَرِيقٌ إذا للمفاجأة وفريق مبتدأ مِنْهُمْ صفة يَخْشَوْنَ النَّاسَ خبره والجملة جواب لما اى فاجأ فريق منهم ان يخشوا الكفار أن يقتلوهم كَخَشْيَةِ اللَّهِ مصدر مضاف الى المفعول محله النصب على انه حال من فاعل يخشون اى يخشونهم متشبهين باهل خشية الله تعالى أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً عطف عليه بمعنى او أشد خشية من اهل خشية الله وكلمة او للتنويع على معنى ان خشية بعضهم كخشية الله او خشية بعضهم أشد منها وَقالُوا عطف على جواب لما اى فلما كتب عليهم القتال فاجأ فريق منهم خشية الناس وقالوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ فى هذا الوقت لا على وجه الاعتراض على حكمه تعالى والإنكار لا يجابه بل على طريقة تمنى التخفيف لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ اى هلا أمهلتنا وتركتنا الى الموت حتى نموت بآجالنا على الفراش وهذا استزادة فى مدة الكف واستمهال الى وقت آخر حذرا من الموت وحبا للحياة قُلْ اى تزهيدا لهم فيما يؤملونه بالقعود من المتاع الفاني وترغيبا فيما ينالونه بالقتال من النعيم الباقي مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ اى ما يتمتع وينتفع به فى الدنيا سريع النقض وشيك الانصرام وان
أخرتم الى ذلك الاجل ولو استشهدتم فى القتال صرتم احياء فتتصل الحياة الفانية بالحياة الباقية وَالْآخِرَةُ اى ثوابها الذي من جملته الثواب المنوط بالقتال خَيْرٌ لكم من ذلك المتاع القليل لكثرته وعدم انقطاعه وصفائه عن الكدورات وانما قيل لِمَنِ اتَّقى حثالهم على اتقاء العصيان والإخلاص بمواجب التكليف وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا عطف على مقدر اى تجزون ولا تنقصون ادنى شىء من أجور أعمالكم التي من جملتها مسعاتكم فى شأن القتال فلا ترغبوا عنه اعلم ان الآخرة خير من الدنيا لان نعم الدنيا قليلة ونعم الآخرة كثيرة ونعم الدنيا منقطعة ونعم الآخرة مؤبدة ونعم الدنيا مشوبة بالهموم والغموم والمكاره ونعم الآخرة صافية عن الكدورات ونعم الدنيا مشكوكة فان أعظم الناس تنعما لا يعرف انه كيف تكون عاقبته فى اليوم الثاني ونعم الآخرة يقينية فعلى العاقل ان يختار ما هو خير من كل وجه وهو الآخرة على ما هو شر من كل جهة وهو الدنيا: قال السعدي فى بعض قصائده
عمارت با سراى ديگر انداز كه دنيا را اساسى نيست محكم
فريدون را سرآمد پادشاهى سليمانرا برفت از دست خاتم
وفادارى مجوى از دهر خونخوار محالست انگبين در كام أرقم
مثال عمر سر بر كرده شمعيست كه كوته باز مى باشد دمادم
ويا برفى گدازان بر سر كوه كزو هر لحظه جزئى ميشود كم
- روى- ان رجلا اشترى دارا فقال لعلى رضى الله عنه اكتب القبالة فكتب [بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد فقد اشترى مغرور من مغرور دارا دخل فيها فى سكة الغافلين لا بقاء لصاحبها فيها الحد الاول ينتهى الى الموت والثاني الى القبر والثالث الى الحشر والرابع الى الجنة او الى النار والسلام] فقرأ على الرجل فرد الدار وتصدق بالدنانير كلها وتزهد فى الدنيا فهذا هو حال العارفين حقيقة الحال قال القشيري رحمه الله مكنك من الدنيا ثم قللها فلم يعدها لك شيأ ثم لو تصدقت منها بشق تمرة استكثر منك وهذا غاية الكرم وشرط المحبة وهو استقلال الكثير من نفسه واستكثار القليل من حبيبه وإذا كان قيمة الدنيا قليلة فاخس من الخسيس من رضى بالخسيس بدلا من النفس وقال ان الله تعالى اختطف المؤمن من الكون بالتدريج فقال اولا قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ فاختطفهم من الدنيا بالعقبى ثم استلبهم عن الكونين بقوله وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى فلا بد للسالك ان يترقى الى أعلى المنازل ويسعى من غير فتور وكلال: قال مولانا جلال الدين قدس سره
اى برادر بي نهايت در كهيست هر كجا كه مى رسى بالله مايست
وثمرة المجاهدة لا تضيع البتة بل تجزى كل نفس بما عملت قال بعض المشايخ انما جعل الدار الآخرة محلا لجزاء عباده المؤمنين لان هذه الدار لا تسع ما يريد ان يعطيهم ظاهرا وباطنا وكل ما فى الجنة لا يوافق ما فى الدنيا الا من حيث التسمية ولانه تعالى أجل أقدارهم عن ان يجازيهم فى دار لا بقاء لها قال تعالى وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى ثم الجزاء فى تلك الدار له علامة فى هذه الدار وهى انه من وجد ثمرة عمله عاجلا وهى الحلاوة فيه والتوفيق لغيره والشكر عليه
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ولم يجدوا فيه نقيرا ولا قطميرا انتخبته من التأويلات النجمية: وفى المثنوى
چون تو در قرآن حق بگريختى با روان انبيا آميختى
هست قرآن حالهاى انبيا ماهيان بحر پاك كبريا
ور بخوانى ونه قرآن پذير انبيا وأوليا را ديده گير
وَإِذا جاءَهُمْ اى بلغ ضعفة المسلمين أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ اى خبر من السرايا الذين بعثهم رسول الله ﷺ من ظفر وغنيمة او نكبة وهزيمة أَذاعُوا بِهِ اى أفشوا ذلك الخبر وأظهروه لعدم خبرتهم بالأحوال واستنباطهم للامور وكانت إذا عتهم مفسدة يقال أذاع السرور أذاع به والباء مزيدة وَلَوْ رَدُّوهُ اى ذلك الخبر إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ بترك التعرض له وجعله بمنزلة غير المسموع وتفويض امره الى رأى الرسول ﷺ ورأى كبار أصحابه كالخلفاء الاربعة او رأى أمراء السرايا فكبار الصحابة أولوا امر على معنى انهم البصراء بالأمور وان لم يكن لهم امر على الناس والأمراء أولوا امر على الناس مع كونهم بصراء بالأمور لَعَلِمَهُ اى لعلم تدبير ما أخبروا به على أي وجه يذكرونه الَّذِينَ اى الرسول وأولوا الأمر الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ اى يستخرجون تدبيره بتجاربهم وانظارهم الصحيحة ومعرفتهم بامور الحرب ومكايدها. واصل الاستنباط إخراج النبط وهو الماء يخرج من البئر أول ما تحفر يقال انبط الحفار إذا بلغ الماء وسمى القوم الذين ينزلون بالبطائح بين العراقين نبطا لاستناطهم الماء من الأرض وقيل كانوا يقفون من رسول الله ﷺ واولى الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء او على خوف واستشعار فيذيعونه فينشر فيبلغ الأعداء فتعود اذاعتهم مفسدة ولوردوه الى الرسول والى اولى الأمر منهم وفوضوه إليهم وكانوا كأن لم يسمعوا لعلمه الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون منه فالمراد بالمستنبطين منهم على كلا الوجهين الرسول وأولوا الأمر. ومن فى قوله يستنبطونه منهم اما تبعيضية واما بيانية تجريدية. وفى الآية نهى عن افشاء السر قيل لبعض الأدباء كيف حفظك للسر قال انا قبره ومن هذا قيل صدور الأبرار قبور الاسرار وفى المثنوى
ور بگوئى با يكى دو الوداع كل سر جاوز الاثنين شاع «١»
نكته كان جست تا كه از زبان همچوتيرى دان كه جست آن از كمان «٢»
وا نگردد از ره آن تير اى پسر بند بايد كرد سيلى را ز سر
وفى الآية اشارة الى ارباب السلوك إذا فتح لهم باب من الانس او الهيبة او الحضور او الغيبة من آثار صفات الجمال والجلال اشاعوه الى الأغيار ولو كان رجوعهم فى حل هذه المشكلات الى سنن الرسول ﷺ والى سير اولى الأمر منهم وهم المشايخ البالغون الواصلون ومن كان له شيخ كامل فهو ولى امره لعلمه الذين يستنبطونه منهم وهم ارباب الكشوف بحقائق الأشياء فهم الغواصون فى بحار أوصاف البشرية المستخرجون من أصداف
(١) در أوائل دفتر يكم در بيان منع كردن خرگوش راز را از نخجيران
(٢) در اواسط دفتر يكم در بيان بازگفتن بازرگان با طوطى آنچهـ در هندوستان ديده
من جميع الأنبياء والمرسلين وان يكون فانى النفس والذي يدل عليه ان الأنبياء يوم القيامة يقولون لبقاء نفوسهم نفسى نفسى ويقول النبي عليه السلام لفناء نفسه أمتي أمتي فافهم جدا ثم قال وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ على القتال يعنى فى الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ظاهرا وباطنا فالظاهر الكفار والباطن النفس وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا فى استيلاء سطوات صفات قهره عند تجلى صفة جلاله للنفس من بأس الكافر عليها انتهى: وفى المثنوى
اندرين ره مى تراش ومى خراش تا دم آخر دمى فارغ مباش «١»
اى شهان كشتيم ما خصمى برون ماند خصمى زوان بتر در اندرون «٢»
كشتن اين كار عقل وهوش نيست شير باطن سخره خرگوش نيست
سهل شيرى دانكه صفها بشكند شير آنست آنكه خود را بشكند
مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وهو ثواب الشفاعة والتسبب الى الخير الواقع بها والشفاعة الحسنة هى التي روعى بها حق مسلم ودفع بها عنه شر او جلب اليه خير وابتغى بها وجه الله تعالى ولم تؤخذ عليها رشوة وكانت فى امر جائز لا فى حد من حدود الله ولا فى حق من الحقوق وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً وهى ما كانت بخلاف الحسنة يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها اى نصيب من وزرها مساولها فى المقدار من غير ان ينقص منه شىء. وعن مسروق انه شفع شفاعة فاهدى اليه المشفوع له جارية فغضب وردها وقال لو علمت ما فى قلبك لما تكلمت فى حاجتك لا أتكلم فيما بقي منها. ومن بلاغات الزمخشري شيآن شينان فى الإسلام الشفاعة فى الحدود والرشوة فى الاحكام والحدود عقوبة مقدرة يجب على الامام إقامتها حقا لله تعالى لئلا يتضرر العباد فالتعزير ليس بحد إذ ليس له قدر معين فان أكثره تسعة وثلاثون سوطا واقله ثلاثة وكذا القصاص لا يسمى حدا لانه حق العبد وهو ولى القصاص ولهذا سقط بالعفو والاعتياض فحد الزنى لغير المحصن مائة جلدة وللعبد نصفها وحد شرب الخمر ثمانون سوطا للحر وأربعون للعبد مفرقا على بدنه كما فى حد الزنى وحد القذف كحد الشرب فمن قذف محصنا او محصنة بصريح الزنى حد بطلب المقذوف المحصن لان فيه حق العبد من حيث دفع العار عنه وكذا طلب المسروق منه شرط القطع فى السرقة فهذه حدود لا يجرى فيها الشفاعة إذ الحق علم القاضي بالواقعة ولهذا قال فى ترجمة وصايا الفتوحات المكية [ونزديك حاكم در حدود الله شفاعت مكن از ابن عباس رضى الله عنهما درخواست كردند در باب دزدى شفاعت كند ابن عباس رضى الله عنهما گفت هر كه شفاعت كند وهر كه قبول كند هر دو در لعنت اندر اگر پيش از آنكه بحاكم معلوم نشود ميگفتيد مى شد] انتهى ولما كانت الشفاعة فى القصاص غير الشفاعة فى الحدود قال ﷺ (ما من صدقة أفضل من صدقة اللسان) قيل وكيف ذلك قال (الشفاعة يحقن بها الدم ويجر بها المنفعة الى آخر ويدفع بها المكروه عن آخر) ذكره الامام الغزالي رحمه الله. وافصح الحديث عن ان الشفاعة هى التوسط بالقول فى وصول شخص الى منفعة من المنافع الدنيوية او الاخروية وخلاصه من مضرة ما كذلك وإذا كانت
(١) در اواسط دفتر يكم در بيان رجوع بحكايت خواجه تاجر إلخ
(٢) در اواسط دفتر يكم در بيان تفسير من جهاد الأصغر الى جهاد الأكبر
فى امر غير مشروع لا تكون صدقة بل سيئة. وذكر فى ترجمة الوصايا ايضا [چون براى كسى شفاعت كنى وكار او ساخته شود زنهار هديه او قبول مكن كه رسول الله ﷺ اثرا جمله ربا نهاده است شيخ اكبر قدس سره الأطهر فرمود كه در بعض بلاد عرب يكى از اعيان مرا بخانه خود دعوت كرد وترتيبى كرده بود وكرامتى مهيا داشته چون طعام إحضار كردند او را بسلطان بلند حاجتى بود از من طلب شفاعت كرد وسخن من نزد سلطان در غايت قبول بود شيخ فرمود كه او را گفتم نعم وبرخاستم وطعام نخوردم وهدايا قبول نكردم وحاجت او پيش سلطان گزاردم واملاك وى بوى بازگشت ومرا هنوز حديث نبوى وقوف نبود ولكن مروءت من چنين تقاضا كرد واستنكاف كردم كه كسى را بمن حاجتى باشد واز وى بمن نفعى عائد شود ودر حقيقت آن عنايت وعصمت حق بود] انتهى. وبالجملة ينبغى للمؤمن ان يشفع للجانى الى المجنىّ عليه بل ومن حقوق الإسلام ان يشفع لكل من له حاجة من المسلمين الى من له عنده منزلة ويسعى فى قضاء حاجته بما يقدر عليه: قال السعدي قدس سره
گر از حق نه توفيق خيرى رسد كى از بنده خيرى بغيري رسد
اميد است از آنانكه طاعت كنند كه بي طاعتانرا شفاعت كنند
ومن الشفاعة الحسنة الدعاء للمسلم فانه شفاعة الى الله تعالى وعن النبي عليه السلام (من دعا لاخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك ولك مثل ذلك) وهذا بيان لمقدار النصيب الموعود والدعوة على المسلم بضد ذلك وانما يستجاب الدعاء بظهر الغيب لعبده عن شائبة الطمع والرياء بخلاف دعاء الحاضر للحاضر لانه قلما يسلم من ذلك فالغائب لا يدعو للغائب الا لله خالصا فيكون مقبولا والصلاة على النبي ﷺ فى الصلاة وغيرها دعاء من العبد المصلى لمحمد ﷺ عن ظهر الغيب فشرع ذلك رسول الله وامر الله به فى قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ليعود هذا الخير من الملك على المصلى ولهذا جوز الحنفية قراءة الفاتحة لروحه المطهر عليه السلام ومنعها الشافعية لان الدعاء بالترحم يوهم التقصير ولذا لا يقال عند ذكر الأنبياء رحمة الله عليهم بل عليهم السلام والجواب ان نفع القراءة يعود على القارئ فأى ضرر فى ذلك وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً اى مقتدرا مجازيا بالحسنة والسيئة من اقات على الشيء إذا اقتدر عليه او شهيدا حفيظا. قال الامام الغزالي فى شرح الأسماء الحسنى معنى المقيت خالق الأقوات وموصلها الى الأبدان وهى الاطعمة والى القلوب وهى المعرفة فيكون بمعنى الرازق الا انه أخص منه إذ الرزق يتناول القوت وغير القوت والقوت ما يكتفى به فى قوام البدن او يكون معناه المستولى على الشيء القادر عليه والاستيلاء يتم بالقدرة والعلم وعليه يدل قوله تعالى وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً اى مطلعا قادرا فيكون معناه راجعا الى العلم والقدرة فوصفه بالمقيت أتم من وصفه بالقادر وحده وبالعالم وحده لانه دال على اجتماع المعنيين وبذلك يخرج هذا الاسم من الترادف. والاشارة فى الآية مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً لا يصال نوع من الخيرات الى الغير يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها فانها من
خصوصيتها ان يكون له نصيب منها اى له نصيب من هذه الحسنة فمن تلك الخصوصية قد يشفع شفاعة حسنة وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ اى فى جبلته كِفْلٌ مِنْها يعنى من تلك السيئة التي هى إيصال نوع من الشر فيها قد يشفع شفاعة سيئة كما قال تعالى وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً وَكانَ اللَّهُ فى الأزل عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً شهيدا فى إيجاد المحسن والمسيئ مقتدرا عليما حفيظا يعطيهما استعداد شفاعة حسنة وسيئة لا يقدران اليوم على تبديل استعدادهما لقابلية الخير والشر فافهم جدا: قال الحافظ قدس سره
نقش مستورى ومستى نه بدست من وتست آنچهـ استاد ازل گفت بكن آن كردم
وقال السعدي قدس سره
گرت صورت حال بد يا نكوست نگاريده دست تقدير اوست
وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ التحية مصدر من حيى كالتسمية من سمى أصلها تحيية كتفعلة واصل الأصل تحييى بثلاث يا آت فحذفت الاخيرة وعوض عنها تاء التأنيث وأدغمت الاولى فى الثانية بعد نقل حركتها الى الحاء واصل التحية الدعاء بالحياة وطولها ثم استعملت فى كل دعاء لان الدعاء بالخير لا يخلو شىء منه عن الدعاء بنفس الحياة او بما هو السبب المؤدى الى قوتها وكمالها او بما هو الغاية المطلوبة منها وكانت العرب إذ القى بعضهم بعضا يقول حياك الله اى جعل الله لك حياة وأطال حياتك ويقول بعضهم عش الف سنة. ثم استعملها الشرع فى السلام وهى تحية الإسلام قال تعالى فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قيل تحية النصارى وضع اليد على الفم وتحية اليهود الاشارة بالأصابع وتحية المجوس الانحناء. وفى السلام مزية على تحية العرب وهى حياك الله لما انه دعاء بالسلامة من الآفات الدينية والدنيوية فانه إذا قال الإنسان لغيره السلام عليك فقد دعا فى حقه بالسلامة منها ويتضمن الوعد بسلامة ذلك الغير وامانه منه كأنه قال أنت سليم منى فاجعلنى سليما منك والسلامة مستلزمة لطول الحياة وليس فى الدعاء بطول الحياة ذلك ولان السلام من أسمائه تعالى فالبداية بذكره مما لا ريب فى فضله ومزيته ومعنى الآية إذا سلم عليكم من جهة المؤمنين فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها اى بتحية احسن منها بان تقولوا وعليكم السلام ورحمة الله ان اقتصر المسلم على الاول وبان تزيدوا وبركاته ان جمعهما المسلم وهو ان يقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته منتهى الأمر فى السلام لكونه مستجمعا لجميع فنون المطالب التي هى السلامة من المضار ونيل المنافع ودوامها ونمائها ولهذا اقتصر على هذا القدر فى التشهد- روى- عنه عليه السلام انه قال (من قال السلام عليكم كتب له عشر حسنات ومن قال السلام عليكم ورحمة الله كتب له عشرون حسنة ومن قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب له ثلاثون حسنة) والمبتدئ بالسلام ان شاء يقول السلام عليكم وان شاء يقول سلام عليكم لان كل واحد من التعريف والتنكير وارد فى ألفاظ القرآن قال الله تعالى وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى. وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى لكن التنكير اكثر والكل جائز. واما التحليل من الصلاة فلا بد فيه من الالف واللام
بالاتفاق ومعنى الجمع فى السلام عليكم الخطاب الى الرجل والملكين الحافظين معه فانهما يردان السلام ومن سلم عليه الملك فقد سلم من عذاب الله تعالى أَوْ رُدُّوها اى ردوا مثلها وأجيبوا به لان رد عينها محال فحذف المضاف نحو وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ. قال فى الكشاف رد السلام ورجعه جوابه بمثله لان المجيب يرد قول المسلم ويكرر- وروى- ان رجلا قال لرسول الله ﷺ السلام عليك فقال (وعليك السلام ورحمة الله) وقال الآخر السلام عليك ورحمة الله فقال (وعليك السلام ورحمة الله وبركاته) وقال الآخر السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقال (وعليك) فقال الرجل نقصتنى فأين ما قال الله وتلا الآية اى أين رد الأحسن المذكور فى الآية فقال عليه السلام (انك لم تترك لى فضلا فرددت عليك مثله) فيكون قوله عليه السلام وعليك اى وعليك السلام ورحمة الله وبركاته من قبيل رد المثل وجواب التسليم واجب وانما التخيير بين الزيادة وتركها. قال ابو يوسف من قال لآخر اقرئ فلانا منى
السلام وجب عليه ان يفعل وإذا ورد سلام فى كتاب فجوابه واجب بالكتاب للآية إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً الحسيب بمعنى المحاسب على العمل كالجليس بمعنى المجالس اى انه تعالى كان على كل شىء من أعمالكم سيما رد السلام بمثله او بأحسن منه محاسبا مجازيا فحافظوا على مراعاة التحية حسبما أمرتم به. فالجمهور على ان الآية فى السلام فالسنة ان يسلم الراكب على الماشي وراكب الفرس على راكب الحمار والصغير على الكبير والقليل على الكثير ويسلم على الصبيان وهو أفضل من تركه. قال فى البستان وبه نأخذ ويسلم على اهل بيته حين يدخله فان دخل بيتا ليس فيه أحد فليقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فان الملائكة ترد عليه السلام ويسلم على القوم حين يدخل عليهم وحين يفارقهم ايضا فمن فعل ذلك شاركهم فى كل خير عملوه بعده. قال القرطبي ولا يسلم على النساء الشابات الأجانب خوف الفتنة من مكالمتهن بنزغة شيطان او خائنة عين. واما السلام على المحارم والعجائز فحسن ويسلم على اهل الإسلام من عرف منهم ومن لم يعرف. ولا يسلم على لاعب النرد والشطرنج والمغني والقاعد لحاجته ومطير الحمام والعاري فى الحمام وغيره. قال ابن الشيخ فى حواشيه ومن دخل الحمام ورأى الناس متزرين يسلم عليهم وان لم يكونوا متزرين لا يسلم عليهم لانه لا يسلم على المشتغل بمعصية انتهى لكن قال الام الغزالي فى الاحياء لا يسلم عند الدخول اى فى الحمام وان سلم عليه لم يجب بلفظ السلام بل يسكت ان أجاب غيره وان أحب ان يجيب قال عافاك الله ولا بأس ان يفتتح الداخل ويقول عافاك الله لابتداء الكلام انتهى ولا يرد فى الخطبة وتلاوة القرآن جهرا ورواية الحديث وعند دراسة العلم والاذان والاقامة وكذا لا يرد القاضي إذا سلم عليه الخصمان وكذا لا يسلم القاضي على الخصوم إذا جلس للحكم لتبقى الهيبة وتكثر الحشمة وبهذا جرى الرسم بان الولاة والأمراء لا بأس بان لا يسلموا إذا دخلوا فالمحتسب لا يسلم على اهل السوق فى طوافه للحسبة ليبقى على الهيبة. وقال بعضهم لا يسع القاضي والوالي والأمير ترك السلام إذا دخلوا لانه سنة فلا يسعهم ترك السنة بسبب تقلد العمل وكذا المتصدق إذا سلم عليه السائل او ان سؤاله لا يرد وكذا من له ورد من القرآن والدعوات فسلم عليه أحد فى حال ورده لا يرد وكذا
إذا جلس فى المسجد للتسبيح او للقراءة او لانتظار الصلاة وإذا دخل الزائر فى المسجد فسلم عليه أحد من الداخلين فى المسجد يجوز وإذا لم يكن فى المسجد أحد إلا من يصلى ينبغى ان يقول الداخل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ولا يسلم فانه تكليف جواب فى غير محله حتى لا يرده قبل الفراغ وبعده وهو الصحيح. ولا يبادر بالسلام على الذمي الا لضرورة او حاجة له عنده ولا بأس بالدعاء للكافر والذمي بما يصلحه فى دنياه. قال ابن الملك الدعاء لاهل الكتاب بمقابلة إحسانهم غير ممنوع لما روى ان يهوديا حلب للنبى عليه السلام لقحة فقال عليه السلام (اللهم جمله) فبقى سواد شعره الى قريب من سبعين سنة. قال النووي الصواب ان ابتداء اهل الكتاب بالسلام حرام لانه إعزاز ولا يجوز إعزاز الكفار. وقال الطيبي المختار ان المبتدع لا يبدأ بالسلام ولو سلم على من لا يعرفه فظهر ذميا او مبدعا يقول استرجعت سلامى تحقيرا له. واما الاكل مع الكافر فان كان مرة او مرتين لتأليف قلبه على الإسلام فلا بأس فانه ﷺ أكل مع كافر مرة فحملناه على انه كان لتأليف قلبه على الإسلام ولكن تكره المداومة عليه كما فى نصاب الاحتساب. وفيه ايضا هل يحتسب على المسلم إذا شارك ذميا الجواب نعم اما فى المفاوضة فلأنها غير جائزة بين المسلم والذمي فكان الاحتساب عليه لدفع التصرف الفاسد. واما فى العنان فلأنها مكروهة بين المسلم والذمي من شرح الطحاوي فكان الاحتساب لدفع المكروه وإذا سلم الذمي فقل عليك بلا واو وهو الرواية من الثقات او عليك مثله. قال فى الكشف ولا يقال لاهل الذمة وعليكم بالواو لانها للجمع وقال عليه السلام (إذا سلم عليكم أحد من اليهود فانما يقول السلام عليكم فقل عليك) اى عليك
مثله- روى- انه عليه السلام أتاه ناس من اليهود فقالوا السام عليكم يا أبا القاسم فقال (عليكم) فقالت عائشة بل عليكم السام والزام فقال عليه السلام (يا عائشة ان الله لا يحب الفحش والتفحش) قالت فقلت اما سمعت ما قالوا قال (أو ليس قد رددت عليهم فيستجاب لى فيهم ولا يستجاب لهم فى) والسنة الجهر فى السلام لقوله عليه السلام (أفشوا السلام) وعن ابى حنيفة رحمة الله عليه لا يجهر بالرد يعنى الجهر الكثير- وحكى- ان سياحا دخل على عالم فسلم عليه فرد عليه السلام وخافت ثم دخل عليه غنى فسلم فرد عليه الجواب وجهر فصاح السياح وقال رحمك الله ما تقول فى السلام أعلى نوعين أم على ثلاثة انواع فقال لا بل على نوع واحد فقال أيد الله الفقيه ارى السلام هاهنا على نوعين فتحير الفقيه وخجل فى نفسه فقال أيد الله الفقيه اسألك مسألة ما تقول فيمن حلف لا يدخل الدار التي بنيت بغير سنة فدخل دارك هذه أيحنث أم لا فسكت الفقيه فلم يجبه فقال تلاميذ الفقيه للسياح اخرج فانك شغلتنا فقال ايها الشبان ما مثله ومثلكم الا كمثل ضال ضل طريقه فجعل يسترشد من ضال مثله أرشده أم لا فهذا أستاذكم ضل طريق الآخرة وأنتم جئتم تطلبون منه ان يرشدكم فأنى يرشدكم ثم خرج كذا فى روضة العلماء: قال الصائب
ز بى دردان علاج درد خود جستن بان ماند كه خار از پابرون آرد كسى با نيش عقربها
الى هنا كلام الاحياء فاذا بلغ المقابر ومر بها قال وعليكم السلام اهل الديار من المسلمين والمؤمنين رحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين منا أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع وانا ان شاء الله بكم
لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية وفى الحديث (ما من عبد يمر بقبر رجل كان يعرفه فى الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام) قال ابن السيد على فى شرح الشرعة ولعل المراد انه يرد السلام بلسان الحال لا بلسان المقال يؤيده ما ورد فى بعض الاخبار من انهم يتأسفون على انقطاع الأعمال عنهم حتى يتحسرون على رد السلام وثوابه انتهى. قال الامام السيوطي رحمه الله الأحاديث والآثار تدل على ان الزائر متى جاء علم به المزور وسمع كلامه وآنس به ورد عليه وهذا عام فى حق الشهداء وغيرهم وانه لا توقيت فى ذلك وهو الأصح لان رسول الله ﷺ شرع لامته ان يسلموا على اهل القبور سلام من يخاطبون من يسمع ويعقل. قال ارباب الحقيقة للروح اتصال بالبدن بحيث يصلى فى قبره ويرد على المسلم عليه وهو فى الرفيق الأعلى ومقره فى عليين ولا تنافى بين الامرين فان شأن الأرواح غير شأن الأبدان وانما يأتى الغلط هنا من قياس الغائب على الشاهد فيعتقد ان الروح مما يعهد من الأجسام التي إذا شغلت مكانا لم يكن ان تكون فى غيره. وقد مثل بعضهم بالشمس فى السماء وشعاعها فى الأرض كالروح المحمدي يرد على من يصلى عليه عند قبره دائما مع القطع بان روحه فى أعلى عليين وهو لا ينفك عن قبره كما قال عليه السلام (ما من مسلم يسلم على إلا رد الله علىّ روحى حتى أرد عليه السلام). فان قلت هل يلزم تعدد الحياة من تلك وكيف يكون ذلك. قلت يؤخذ من هذا الحديث ان النبي ﷺ حى على الدوام فى البرزخ الدنيوي لانه محال عادة ان يخلو الوجود كله من واحد يسلم على النبي عليه السلام فى ليل او نهار فقوله ﷺ (رد الله على روحى) اى أبقى الحق فى شعور حياتى الحسى فى البرزخ وادراك حواسى من السمع والنطق فلا ينفك الحس والشعور الكلى عن الروح المحمدي الكلى ليس له غيبة عن الحواس والأكوان لانه روح العالم الكلى وسره الساري: قال العطار قدس سره فى نعت النبي المختار
خواجه كز هر چهـ گويم بيش بود در همه چيزى همه در پيش بود
وصف او در گفت چون آيد مرا چون عرق از شرم خون آيد مرا
او فصيح عالم ومن لال او كى توانم داد شرح حال او
وصف او كى لائق اين ناكسست واصف او خالق عالم بسست
انبيا از وصف تو حيران شده سرشناسان نيز سرگردان شده
والاشارة فى الآية وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ من الخير والشر فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها اما الخير فبخير احسن منه واما الشر فبحلم وعفو او مكافاة بالخير أَوْ رُدُّوها يعنى كافئوا المحسن بمثل إحسانه والمسيئ بمثل إساءته يدل عليه قوله تعالى وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها وقال وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وقد ورد عن النبي عليه السلام عن جبريل عن الله تعالى فى تفسير قوله خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ وقال النبي عليه السلام (تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتعطى من حرمك) إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من العفو والإحسان حَسِيباً محاسبا فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره كذا فى التأويلات النجمية اللَّهُ مبتدأ وخبره قوله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ اى لا اله فى الأرض ولا فى السماء غيره
لَيَجْمَعَنَّكُمْ جواب قسم محذوف اى والله ليحشرنكم من قبوركم إِلى حساب يَوْمِ الْقِيامَةِ والقيامة بمعنى القيام والتاء للمبالغة لشدة ما يقع فيه من الهول لا رَيْبَ فِيهِ حال من اليوم اى حال كون ذلك اليوم لا شك فيه انه كائن لا محالة او صفة مصدر محذوف اى جمعا لا ريب فيه فضمير فيه يرجع الى الجمع وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً انكار لان يكون أحد اكثر صدقا منه فانه لا يتطرق الكذب الى خبره بوجه لانه نقص وهو على الله محال دون غيره وفى الحديث (كذبنى ابن آدم) اى نسبنى الى الكذب (ولم يكن له ذلك) يعنى لم يكن التكذيب لائقا به بل كان خطأ (وشتمنى) الشتم وصف الغير بما فيه نقص وإزراء (ولم يكن له ذلك فاما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدنى كما بدأنى) يعنى لن يحيينى الله تعالى بعد موتى (وليس أول الخلق باهون على من إعادته) بل إعادته أسهل لوجود اصل البنية وهذا مذكور على طريق التمثيل لان الاعادة بالنسبة الى قوانا أيسر من الإنشاء واما بالنسبة الى قدرة الله تعالى فلا سهولة له فى شىء ولا صعوبة (واما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا) وانما صار هذا شتما لان التولد هو انفصال الجزء من الكل بحيث ينمو وهذا انما يكون فى المركب وكل مركب محتاج (وانا الأحد) اى المنفرد بصفات الكمال من البقاء والتنزه وغيرهما (الصمد) بمعنى المصمود يعنى المقصود اليه فى كل الحوائج (الذي لم يلد) هذا نفى للتشبيه والمجانسة (ولم يولد) هذا وصف بالقدم والاولية (ولم يكن له كفوا أحد) هذا تقرير لما قبله كذا فى شرح المشارق لابن الملك. واعلم ان القيامة ثلاث. الصغرى وهى موت كل أحد قال النبي عليه السلام (من مات فقد قامت قيامته) والوسطى وهى موت جميع الخلائق بالنفخة الاولى. والكبرى وهى حشر الأجساد والسوق الى المحشر للجزاء بالنفخة الثانية: وفى المثنوى
سازد اسرافيل روزى ناله را جان دهد پوسيده صد ساله را
هين كه اسرافيل وقتند أوليا مرده را زيشان حياتست ونما «١»
وانما تحصل الحياة الباقية بعد الفناء عن النفس وأوصافها وطريقه ذكر الله تعالى بالإخلاص فاذا تجلى معنى لفظ الجلالة الذي هو الاسم الأعظم يضمحل العالم والوجود ويحصل الاستغراق فى بحر التوحيد فاذا استغرق فيه يغيب عنه ما سوى الله تعالى كما ان الإنسان إذا استغرق فى الماء لا يرى الغير أصلا. قال الشيخ ابو يزيد البسطامي ومن قال الله وقلبه غافل عن الله فخصمه الله- وحكى- ان بعض الصلحاء دخل ليلة بقبوليجة فى بلدة بروسة فرأى انه قد وضع سرير على الحوض وعليه بنت سلطان الجن ومعها جماعة كثيرة من هذه الطائفة فسألهم عن اصل ماء قبوليجة فارسلت ببعض جماعتها الى أصله فرأى انه ماء بارد فقال كيف يكون هذا أصله وهو حار فقالوا جماعتنا يذكرون فى رأس هذا الماء فى كل أسبوع الاسم الله والاسم هو فبحرارته يسخن الماء فتأثير الذكر غير منكر خصوصا من لسان ارباب التزكية والتصفية: وفى المثنوى
ذكر حق كن بانگ غولانرا بسوز چشم نرگس را ازين كركس بدوز «٢»
والاشارة فى الآية اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يعنى كان الله فى الأزل لا اله اى لم يكن معه أحد يوجد الخلق من العدم الا هو لَيَجْمَعَنَّكُمْ فى العدم مرة اخرى إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ فيفرقكم فيها
(١) در اواسط دفتر يكم در بيان دستان پير جنگى كه در عهد عمر رضى الله عنه براى خداى در گورستان چنگ ميزد
(٢) در أوائل دفتر دوم در بيان تمثيل بر حقيقت سخن واطلاع بر كشف آن
فريق فى الجنة وفريق فى السعير وفريق فى مقعد صدق عند مليك مقتدر لا رَيْبَ فِيهِ اى لا شك فى الرجوع الى هذه المنازل والمقامات وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ليحدثكم بمصالح دينكم ودنياكم ومفاسد اخراكم وأولاكم ويهديكم الى الهدى وينجيكم من الردى كذا فى التأويلات النجمية فَما لَكُمْ ايها المؤمنون والمراد بعضهم. قوله ما مبتدأ ولكم خبره والاستفهام للانكار والنفي فِي الْمُنافِقِينَ متعلق بما تعلق به الخبر اى أي شىء كائن لكم فيهم اى فى أمرهم وشأنهم فِئَتَيْنِ اى فرقتين وهو حال من الضمير المجرور فى لكم والمراد انكار ان يكون للمخاطبين شىء مصحح لاختلافهم فى امر المنافقين وبيان وجوب بت القول بكفرهم واجرائهم مجرى المجاهرين بالكفر فى جميع الاحكام وذلك ان ناسا من المنافقين استأذنوا رسول الله ﷺ فى الخروج الى البدر لاجتواء المدينة فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة حتى لحقوا بالمشركين بمكة فاختلف المسلمون فيهم فقال بعضهم هم كفار وقال بعضهم هم مسلمون فانزل الله تعالى الآية وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ حال من المنافقين اى والحال انه تعالى ردهم الى الكفر وأحكامه من الذل والصغار والسبي والقتل. والإركاس الرد والرجع يقال ركست الشيء وأركسته لغتان إذا رددته وقلبت آخره على اوله بِما كَسَبُوا اى بسبب ما كسبوا من الارتداد واللحوق بالمشركين والاحتيال على رسول الله ﷺ أَتُرِيدُونَ ايها المخلصون القائلون بايمانهم أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ اى تجعلوه من المهتدين ففيه توبيخ لهم على زعمهم ذلك واشعار بانه يؤدى الى المحال الذي هو هداية من أضل الله تعالى وذلك لان الحكم بايمانهم وادعاء اهتدائهم وهم بمعزل من ذلك سعى فى هدايتهم وارادة لها وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ اى ومن يخلق فيه الضلال كائنا من كان فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا من السبل فضلا عن ان تهديه اليه وتوجيه الخطاب الى كل واحد من المخاطبين للاشعار بشمول عدم الوجدان للكل على طريق التفصيل والجملة حال من فاعل تريدون او تهدوا والرابط هو الواو وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ بيان لغلوهم وتماديهم فى الكفر وتصديهم لاضلال غيرهم اثر بيان كفرهم وضلالهم فى أنفسهم وكلمة لو مصدرية فلا جواب لها اى تمنوا عن تكفروا كَما كَفَرُوا نصب على انه نعت لمصدر محذوف اى كفرا مثل كفرهم فما مصدرية فَتَكُونُونَ سَواءً عطف على تكفرون والتقدير ودوا كفركم وكونكم مستوين معهم فى الضلال. وفيه اشارة الى ان من ود الكفر لغيره كان ذلك من امارات الكفر فى باطنه وان كان يظهر الإسلام لانه يريد تسوية الاعتقاد فيما بينهما وهذا من خاصية الإنسان يحب ان يكون كل الناس على مذهبه واعتقاده ودينه وقال ﷺ (الرضى بالكفر كفر) فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ اى إذا كان حالهم ما ذكر من ودادة كفركم فلا توالوهم حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اى حتى يؤمنوا ويحققوا ايمانهم بهجرة كائنة لله تعالى ورسوله عليه السلام لا لغرض من اغراض الدنيا وسبيل الله ما امر بسلوكه فَإِنْ تَوَلَّوْا اى عن الايمان المظاهر بالهجرة الصحيحة المستقيمة فَخُذُوهُمْ إذا قدرتم عليهم وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ من الحل والحرم فان
العلوم درر حقائق المعرفة وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بإرسال الرسول وإنزال الكتاب لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ بالكفر والضلال إِلَّا قَلِيلًا اى الا قليلا منكم فان من خصه الله بعقل راجح وقلب غير متكدر بالانهماك فى اتباع الشهوات يهتدى الى الحق والصواب ولا يتبع الشيطان ولا يكفر بالله وان فرض عدم إنزال القرآن وبعثة سيدنا محمد ﷺ كزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وغيرهما ممن كان على دين المسيح قبل بعثته. وقال الشيخ نجم الدين قدس سره فى تأويلاته لعل الاستثناء راجع الى الصديق رضى الله عنه فانه كان قبل مبعث النبي عليه السلام يوافقه فى طلب الحق قالت عائشة رضى الله عنها لم اعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم الا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفى النهار بكرة وعشيا- وروى- عن النبي عليه السلام كنت وابو بكر كفرسى رهان سبقته فتبعنى ولو سبقنى لتبعته وفى الحقيقة كان النبي عليه السلام فضل الله ورحمته يدل عليه قوله تعالى هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا الى قوله ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وقوله تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ فلولا وجود النبي عليه السلام وبعثته لبقوا فى تيه الضلالة تائهين كما قال تعالى وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعنى قبل بعثته وكانوا قد اتبعوا الشيطان الى شفا حفرة من النار وكان عليه السلام فضلا ورحمة عليهم فانقذهم منها كما قال تعالى وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها: قال الشيخ العطار قدس سره
خويشتن را خواجه عرصات گفت انما انا رحمة مهدات گفت
: وقال حضرة الهدايى قدس سره
سرمايه سعادت عالم محمد است مقصود ازين طينت آدم محمد است
در صورت آدم آمد اگر چهـ مقدما در معنى پيشوا ومقدم محمد است
گر چهـ هدايى رسالت مكرم است محبوب حق محمد وخاتم محمد است
قال بعض الحكماء ان الله تعالى خلق محمدا ﷺ فجعل رأسه من البركة وعينيه من الحياء واذنيه من العبرة ولسانه من الذكر وشفتيه من التسبيح ووجهه من الرضى وصدره من الإخلاص وقلبه من الرحمة وفؤاده من الشفقة وكفيه من السخاوة وشعره من نبات الجنة وريقه من عسل الجنة فلما أكمله بهذه الصفة أرسله الى هذه الامة فقال هذا هديتى إليكم فاعرفوا قدر هديتى وعظموه كذا فى زهرة الرياض. وقيل فى وجه عدم ارتحال جسده الشريف النظيف من الدنيا مع ان عيسى عليه السلام قد عرج الى السماء بجسده انه انما بقي جسمه الطاهر هنا لاصلاح عالم الأجساد وانتظامه فانه مظهر الذات وطلسم الكائنات فجميع الانتظام بوجوده الشريف كذا فى الواقعات المحمودية نقلا عن حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس الله سره آمين آمين يا رب العالمين فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الفاء جزائية والجملة جواب لشرط مقدر اى ان تثبط المنافقون وقصر الآخرون وتركوك وحدك فقاتل أنت يا محمد وحدك فى الطريق الموصل الى رضى الله وهو الجهاد ولا تبال بما فعلوا لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ مفعول
ثان للفعل المخاطب المجهول اى إلا فعل نفسك لا يضرك لمخالفتهم وتقاعدهم فتقدم الى الجهاد وان لم يساعدك أحد فان الله ناصرك لا الجنود. والتكلف اسم لما يفعل بمشقة او بتصنع فالمحمود منه ما فعل بمشقة حتى الف ففعل بمحبة كالعبادات والمذموم منه ما يتعاطى تصنعا ورياء وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ على القتال اى رغبهم فيه بذكر الثواب والعقاب او بوعد النصرة والغنيمة وما عليك فى شأنهم الا التحريض فحسب لا التعنيف بهم- روى- ان رسول الله ﷺ وأعد أبا سفيان بعد حرب أحد موسم بدر الصغرى فى ذى القعدة وهى سوق من المدينة على ثمانية أميال ويقال لها حمراء الأسد ايضا فلما بلغ الميعاد دعا الناس الى الخروج فكرهه بعضهم فانزل الله هذه الآية فخرج ﷺ فى سبعين راكبا فكفاهم الله القتال كما قال عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ اى يمنع بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا البأس فى الأصل المكروه ثم وضع موضع الحرب والقتال قال تعالى لا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا وعسى من الله واجب لانه فى اللغة الاطماع والكريم إذا أطمع أنجز وقد فعل حيث القى فى قلوب الكفرة الرعب حتى رجعوا من مر الظهران- ويروى- ان رسول الله ﷺ وافى بجيشه بدرا وقام بها ثمانى ليال وكان معهم تجارات فباعوها وأصابوا خيرا كثيرا وقد مر فى سورة آل عمران وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً اى من قريش وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا اى تعذيبا وعقوبة ينكل من يشاهدها عن مباشرة ما يؤدى إليها ويجوز ان يكونا جميعا فى الدنيا وان يكون أحدهما فى الدنيا والآخر فى العقبى. ثم له ثلاثة أوجه. أحدها ان معناه ان عذاب الله تعالى أشد من جميع ما ينالكم بقتالهم لان مكروههم ينقطع ثم تصيرون الى الجنة وما يصل الى الكفار والمنافقين من عذاب الله يدوم ولا ينقطع. والثاني لما كان عذاب الله أشد فهو اولى ان يخاف ولا يجرى فى امره بالقتال منكم خلاف وهذا وعيد. والثالث لما كان عذاب الله أشد فهو يدفعهم عنكم ويكفيكم أمرهم وهذا وعد وانما جبن المتقاعدون لشدة بأس الكفار وصولتهم ولكن الله قاهر فوق عباده وقوة اليقين رأس مال الدين والموت تحفة المؤمن الكامل خصوصا إذا كان فى طريق الجهاد والدنيا سريعة الزوال ولا تبقى على كل حال وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه كثيرا ما ينشد هذه الأبيات
لا شىء مما نرى تبقى بشاشته يبقى الا له ويردى المال والولد
لم تغن عن هرمز يوما خزائنه والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجرى الرياح له والانس والجن فيما بينها ترد
اين الملوك التي كانت لعزتها من كل أوب إليها وافد يفد
حوض هنالك مورود بلا كذب لا بد من ورده يوما كما وردوا
وفى التأويلات النجمية فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ المعنى فجاهد فى طلب الحق نفسك فان فى طلب الحق لا تكلف نفسا اخرى الا نفسك وفيه معنى آخر لا تكلف نفس اخرى بالجهاد لاجل نفسك لان حجابك من نفسك لا من نفس اخرى فدع نفسك وتعال فانك صاحب يوم لا تملك نفس لنفس شيأ وذلك لانه ﷺ اختص بهذا المقام
حكمهم حكم سائر المشركين اسرا وقتلا وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً اى جانبوهم مجانبة كلية ولا تقبلوا منهم ولاية ولا نصرة ابدا. والاشارة فى الآية الى ارباب الطلب السائرين الى الله تعالى فانهم نهوا عن اتخاذ اهل الدنيا أحباء وعن مخالطتهم حتى يهاجروا عماهم فيه من الحرص والشهوة وحب الدنيا ويوافقوهم فى طلب الحق وأمروا بان يعظوهم بالوعظ البليغ ويقتلوهم اى أنفسهم وصفاتها الغالبة كلما رأوهم إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ استثناء من قوله فخذوهم واقتلوهم اى الا الذين يتصلون وينتهون الى قوم عاهدوكم ولم يحاربوكم وهم الا سلميون فانه عليه السلام وادع وقت خروجه الى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على ان لا يعينه ولا يعين عليه وعلى ان من وصل الى هلال ولجأ اليه فله من الجوار مثل الذي لهلال أَوْ جاؤُكُمْ عطف على الصلة اى والذين جاؤكم كافين عن قتالكم وقتال قومهم استثنى من المأمور بأخذهم وقتلهم فريقان أحدهما من ترك المحاربين ولحق بالمعاهدين والآخر من اتى المؤمنين وكف عن قتال الفريقين حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ حال بإضمار قد اى وقد ضاقت صدورهم فان الحصر بفتحتين الضيق والانقباض أَنْ يُقاتِلُوكُمْ اى ضاقت عن ان يقاتلوكم مع قومهم أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ معكم والمراد بالجائين الذين حصرت صدورهم عن المقاتلة بنوا مدلج وهم كانوا عاهدوا ان لا يقاتلوا المسلمين وعاهدوا قريشا ان لا يقاتلوهم فضاقت صدورهم عن قتالكم للعهد الذي بينكم ولانه تعالى قذف الرعب فى قلوبهم وضاقت صدورهم عن قتال قومهم لكونهم على دينهم نهى الله تعالى عن قتل هؤلاء المرتدين إذا اتصلوا باهل عهد للمؤمنين لان من انضم الى قوم ذوى عهد فله حكمهم فى حقن الدم وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ اى بنى مدلج عَلَيْكُمْ بان قوى قلوبهم وبسط صدورهم وأزال الرعب عنهم. قال فى الكشاف فان قلت كيف يجوز ان يسلط الله الكفرة على المؤمنين قلت ما كانت مكافتهم الا لقذف الله الرعب فى قلوبهم ولو شاء لمصلحة يراها من ابتلاء ونحوه لم يقذفه فكانوا متسلطين مقاتلين غير مكافين فذلك معنى التسليط فَلَقاتَلُوكُمْ عقيب ذلك ولم يكفوا عنكم واللام جواب لو على التكرير فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ اى فان لم يتعرضوا لكم مع ما علمتم من تمكنهم من ذلك بمشيئة الله تعالى وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ اى الانقياد والاستسلام فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا اى طريقا بالاسرار او بالقتل فان مكافتهم عن قتالكم وان لم يقاتلوا قومهم ايضا والقاءهم إليكم السلم وان لم يعاهدوكم كافية فى استحقاقهم لعدم تعرضكم لهم. قال بعضهم الآية منسوخة بآية القتال والسيف وهى قوله تعالى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ وقال آخرون انها غير منسوخة وقال إذا حملنا الآية على المعاهدين فكيف يمكن ان يقال انها منسوخة. قال الحدادي فى تفسيره لا يجوز مهادنة الكفار وترك أحد منهم على الكفر من غير جزية إذا كان بالمسلمين قوة على القتال واما إذا عجزوا عن مقاومتهم وخافوا على أنفسهم وذراريهم جاز لهم مهادنة العدو من غير جزية يؤدونها إليهم لان حظر الموادعة كان بسبب القوة فاذا زال السبب زال الحظر سَتَجِدُونَ قوما آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ اى يظهرون لكم الصلح
يريدون ان يأمنوا منكم بكلمة التوحيد يظهرونها لكم وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ اى من قومهم بالكفر فى السر وهم قوم من اسد وغطفان إذا أتوا المدينة اسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين فاذا رجعوا الى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم ليأمنوا قومهم كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ دعوا من جهة قومهم الى قتال المسلمين أُرْكِسُوا فِيها عادوا إليها وقلبوا فيها أقبح قلب واشنعه وكانوا فيها شرا من كل عدو شرير فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ بالكف عن التعرض لكم بوجه ما وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ اى لم يلقوا إليكم الصلح والعهد بل نبذوه إليكم وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ اى لم يكفوها عن قتالكم فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ اى تمكنتم منهم وَأُولئِكُمْ الموصوفون بما عد من الصفات القبيحة جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً اى حجة واضحة فى التعرض لهم بالقتل والسبي لظهور عداوتهم وانكشاف حالهم فى الكفر وغدرهم واضرارهم باهل الإسلام. والاشارة فى الآية الاولى ان الاختلاف واقع بين الامة فى ان خذلان المنافقين هل هو امر من عند أنفسهم او امر من عند الله وقضائه وقدره فبين الله بقوله فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ اى
صرتم فرقتين فرقة يقولون الخذلان فى النفاق منهم وفرقة يقولون من الله وقضائه وقدره وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا يعنى ان الله اركسهم بقدره وردهم بقضائه الى الخذلان بالنفاق ولكن بواسطة كسبهم ما ينبت النفاق فى قلوبهم ليهلك من هلك عن بينة ولهذا مثال وهو ان القدر كتقدير النقاش الصورة فى ذهنه والقضاء كرسمه تلك الصورة لتلميذه بالأسرب ووضع التلميذ الاصباغ عليها متبعا لرسم الأستاذ كالكسب والاختيار فالتلميذ فى اختياره لا يخرج عن رسم الأستاذ وكذلك العبد فى اختياره لا يمكنه الخروج عن القضاء والقدر ولكنه متردد بينهما ومما يؤكد هذا المثال والتأويل قوله تعالى قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وقال وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وذلك مثل ما ينسب الفعل الى السبب الأقرب تارة والى السبب الا بعد اخرى فالاقرب كقولهم قطع السيف يد فلان والا بعد كقولهم قطع الأمير يد فلان ونظيره قوله تعالى قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ وفى موضع اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها قال ابن نباتة
إذا ما الآله قضى امره فانت لما قد قضاه السبب
فعلى هذه القضية من زعم ان لا عمل للعبد أصلا فقد عاند وجحد ومن زعم انه مستبد بالعمل فقد أشرك فاختيار العبد بين الجبر والقدر لان أول الفعل وآخره الى الله فالعبد بين طرفى الاضطرار مضطر الى الاختيار فافهم جدا كذا فى التأويلات النجمية. واعلم ان الجبرية ذهبت الى انه لا فعل للعبد أصلا ولا اختيار وحركته بمنزلة حركة الجمادات والقدرية الى ان العبد خالق لفعله ولا يرون الكفر والمعاصي بتقدير الله تعالى ومذهب اهل السنة والجماعة الجبر المتوسط وهو اثبات الكسب للعبد واثبات الخلق لله تعالى واما مشاهدة الآثار فى الافعال من لله تعالى كما عليه اهل المكاشفة فذلك ليس من قبيل الجبر: قال فى المثنوى
عنهما فاجابوا على ما هو فطلب منهم ان يخرجوه من البيت فلما خرج رأى ميتا وجاء اليه وتكلم له فلم يتكلم فسأل عنه فقالوا هو ميت لا يتكلم وقال وانا أكون كذلك قالوا كل نفس ذائقة الموت فتركهم وذهب الى الصحراء فذهبوا معه فاذا خمسة فوارس جاؤا اليه ومعهم فرس ليس عليه أحد فاركبوه وأخذوه وغابوا وليس كل قلب يصلح لمعرفة الرب كما ان كل بدن لا يصلح لخدمته ولهذا قال تعالى وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً اى بمن يصلح للجذبة والخدمة. قال الصائب
در سر هر خام طينت نشئه منصور نيست... هر سفالى را صداى كاسه فغفور نيست
وهذا لا يكون بالدعوى فان المحك يميز الجيد والزيوف وعالم الحقيقة لا يسعه القيل والقال ألا يرى ان من كان سلطانا أعظم لا يرفع صوته بالتكلم لانه فى عالم المحو وكان امر سليمان عليه السلام لآصف بن برخيا بإتيان عرش بلقيس مع انه فى مرتبة النبوة لذلك اى لما انه كان فى عالم الاستغراق فلم يرد التنزل وقوله عليه السلام (لى مع الله وقت لا يسعنى فيه ملك مقرب ولا نبى مرسل) اشارة الى تلك المرتبة اللهم اجعلنا من الواصلين الى جناب قدسك والمتنعمين فى محاضر قولك وانسك وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً حال كون ذلك القاتل مُتَعَمِّداً فى قتله اى قاصدا غير مخطئ- روى- ان مقيس بن صبابة الكناني كان قد اسلم هو واخوه هشام فوجد أخاه قتيلا فى بنى النجار فأتى رسول الله عليه السلام وذكر له القصة فارسل عليه السلام معه الزبير بن عياض الفهري وكان من اصحاب بدر الى بنى النجار يأمرهم بتسليم القاتل الى مقيس ليقتص منه ان علموه وبأداء الدية ان لم يعلموه فقالوا سمعا وطاعة لله تعالى ولرسوله عليه السلام ما نعلم له قاتلا ولكنا نؤدى ديته فاتوه بمائة من الإبل فانصرفا راجعين الى المدينة حتى إذا كانا ببعض الطريق اتى الشيطان مقيسا فوسوس اليه فقال أتقبل دية أخيك فتكون مسبة عليك اى عارا اقتل هذا الفهري الذي معك فتكون نفس مكان نفس وتبقى الدية فصلة فرماه بصخرة فشدخ رأسه فقتله ثم ركب بعيرا من الإبل وساق بقيتها الى مكة كافرا وهو يقول
قتلت به فهرا وحملت عقله... سراة بنى النجار اصحاب قارع
وأدركت ثارى واضطجعت موسدا... وكنت الى الأوثان أول راجع
فنزلت الآية وهو الذي استثناه رسول الله ﷺ يوم الفتح ممن آمنه فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة: ونعم ما قيل
هر كه كند بخود كند... گر همه نيك وبد كند
فَجَزاؤُهُ الذي يستحقه بجنايته جَهَنَّمُ وقوله تعالى خالِداً فِيها حال مقدرة من فاعل فعل مقدر يقتضيه مقام الكلام كأنه قيل فجزاؤه ان يدخل جهنم خالدا فيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ عطف على مقدر تدل عليه الشرطية دلالة واضحة كأنه قيل بطريق الاستئناف تقريرا وتأكيدا لمضمونها حكم الله بان جزاءه ذلك وغضب عليه اى انتقم منه وَلَعَنَهُ اى أبعده عن الرحمة بجعل جزائه ما ذكر وَأَعَدَّ لَهُ فى جهنم عَذاباً عَظِيماً لا يقادر قدره. واعلم ان العبرة بعموم اللفظ دون خصوص السبب والكلام فى كفر من استحل دم المؤمن وخلوده فى النار حقيقة فاما المؤمن إذا قتل مؤمنا متعمدا غير مستحل لقتله
فلا يكفر بذلك ولا يخرج من الايمان فان أقيد ممن قتله كذلك كان كفارة له وان كان تائبا من ذلك ولم يكن مقادا كانت التوبة ايضا كفارة له لان الكفر أعظم من هذا القتل فاذا قبلت توبة الكافر فتوبة هذا القاتل اولى بالقبول وان مات بلا توبة ولا قود فامره الى الله تعالى ان شاء غفر له وارضى خصمه وان شاء عذبه على فعله تم يخرجه بعد ذلك الى الجنة التي وعده بايمانه لان الله تعالى لا يخلف الميعاد فالمراد بالخلود فى حقه المكث الطويل لا الدوام مع ان هذا اخبار منه تعالى بان جزاءه ذلك لابانه يجزيه بذلك كيف لا وقد قال الله عز وجل وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ولو كان هذا اخبارا بانه تعالى يجزى كل سيئة مثلها لعارضه قوله تعالى وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ وقد يقول الإنسان لمن يزجره عن امر ان فعلته فجزاؤك القتل والضرب ثم ان لم يجازه بذلك لم يكن ذلك منه كذبا فهذا التشديد والتغليظ الذي هو سنة الله تعالى لا يتعلق بالقاتل الثائب ولا بمن قتل عمدا بحق كما فى القصاص بل يتعلق بمن لم يتب وبمن قتل ظلما وعدوانا وفى الحديث (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم) وفيه (لو ان رجلا قتل بالمشرق وآخر رضى بالمغرب لاشترك فى دمه) وفيه (من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله تعالى) وفيه (ان هذا الإنسان بنيان الله ملعون من هدم بنيانه) وقد روى ان داود عليه السلام أراد بنيان بيت المقدس فبناه مرارا فكلما فرغ منه تهدم فشكا الى الله تعالى فاوحى الله اليه ان بيتي هذا لا يقوم على يدى من سفك الدماء فقال داود يا رب ألم يك ذلك القتل فى سبيلك قال بلى ولكنهم أليسوا من عبادى فقال يا رب فاجعل بنيانه على يدى من فاوحى الله اليه ان اومر ابنك سليمان يبنيه والغرض من هذه الحكاية مراعاة هذه النشأة الانسانية وان إقامتها اولى من هدمها ألا ترى الى اعداء الدين انه قد فرض الله فى حقهم الجزية والصلح ابقاء عليهم. وعن ابى هريرة رضى الله عنه ان رسول الله ﷺ قال (أتدرون من المفلس) قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع قال (ان المفلس من أمتي من يأتى يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام ويأتى قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فان فنيت حسناته قبل انقضاء ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح فى النار) وفى الحديث (أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة وأول ما يقضى بين الناس فى الدماء ثم يحاسب العبد ويقضى عليه فى حق زكاته وغيرها هل منعها او أداها) الى غير ذلك من الأحوال الجزئية. ثم اعلم ان المقتول إذا اقتص منه الولي فذلك جزاؤه فى الدنيا وفيما بين القاتل والمقتول الاحكام باقية فى الآخرة لان الولي وان قتله فانما أخذ حق نفسه للتشفى ودرء الغيظ فاما المقتول فلم يكن له فى القصاص منفعة كذا فى تفسير الحدادي ولا كفارة فى القتل العمد لقوله عليه السلام (خمس من الكبائر لا كفارة فيهن الإشراك بالله
وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وقتل النفس عمدا واليمين الغموس) والولي مخير بين ثلاث فى القتل العمد القصاص والدية والعفو وذلك لان فى شرع موسى عليه السلام القصاص وهو القتل فقط وفى دين عيسى عليه السلام العقل او العفو فحسب وفى ملتنا للتشفى القصاص وللترفه الدية وللتكرم العفو وهو أفضل: قال السعدي قدس سره
بدى را بدى سهل باشد جزا اگر مردى احسن الى من اسا
والاشارة فى الآية ان القلب مؤمن فى اصل الفطرة والنفس كافرة فى اصل الخلقة وبينهما عداوة جبلية وقتال أصلي وتضاد كلى فان فى حياة القلب موت النفس وفى حياة النفس موت القلب فلما كانت نفوس الكفار حية كانت قلوبهم ميتة فسماهم الله الموتى ولما كانت نفس الصديق ميتة وقلبه حيا قال النبي عليه السلام (من أراد ان ينظر الى ميت يمشى على وجه الأرض فلينظر الى الصديق) فالاشارة فى قوله وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً الى القلب والنفس يعنى النفس الكافرة إذا قتلت قلبا مؤمنا متعمدة للعداوة الاصلية باستيلاء صفاتها البهيمية والسبعية والشيطانية على القلب الروحاني وغلبة هواها عليه حتى يموت القلب بسمها القاتل فَجَزاؤُهُ اى جزاء النفس جَهَنَّمُ وهى سفل عالم الطبيعة خالِداً فِيها لان خروج النفس عن سفل الطبيعة انما كان بحبل الشريعة والتمسك بحبل الشريعة انما كان من خصائص القلب المؤمن كقوله تعالى ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فالايمان والعمل الصالح من شان القلب وصنيعه فاذا مات القلب وانقطع عمله تخلد النفس فى جهنم سفل عالم الطبيعة ابدا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ بان يبعدها ويطردها عن الحضرة والقربة ويحرمها من إيصال الخير والرحمة إليها بخطاب ارجعي الى ربك وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً هجرانا عن حضرة العلى العظيم وحرمانا من جنات النعيم كذا فى التأويلات النجمية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا نزلت الآية فى شان مرداس بن نهيك من اهل فدك وكان اسلم ولم يسلم من قومه غيره وكان عليه السلام بعث سرية الى قومه كان عليها غالب بن فضالة الليثي فلما وصلت السرية إليهم هربوا وبقي مرداس ثقة بإسلامه فلما وصلوا فدك كبروا وكبر مرداس معهم وكان فى سفح جبل ومعه غنمه فنزل إليهم وقال لا اله الا الله محمد رسول الله السلام عليكم فقتله اسامة بن زيد وساق غنمه فاخبروا رسول الله ﷺ بذلك فوجد وجدا شديدا وقال (قتلتموه ارادة ما معه وهو يقول لا اله الا الله) فقال اسامة انه قال بلسانه دون قلبه وفى رواية انما قالها خوفا من السلاح فقال عليه السلام (هلا شققت عن قلبه فنظرت أصادق هو أم كاذب) ثم قرأ الآية على اسامة فقال يا رسول الله استغفر لى فقال (فكيف بلا اله الا الله قال اسامة فما زال ﷺ يعيدها حتى وددت ان لم أكن أسلمت الا يومئذ ثم استغفر لى وامر برد الأغنام وتحرير رقبة مؤمنة والمعنى ايها المؤمنون إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اى سافرتم وذهبتم للغزو من قول العرب ضربت فى الأرض إذا سرت لتجارة او غزو او نحوهما فَتَبَيَّنُوا التفعل بمعنى الاستفعال الدال على الطلب اى اطلبوا بيان الأمر فى كل ما تأتون وما تذرون ولا تعجلوا فيه بغير تدبر وروبة وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ اى لمن حياكم بتحية الإسلام لَسْتَ مُؤْمِناً وانما أظهرت ما أظهرت متعوذا بل اقبلوا منه ما أظهره وعاملوه بموجبه تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا حال من فاعل لا تقولوا منبئ عما يحملهم على العجلة وترك التأنى لكن لا على ان يكون النهى راجعا الى القيد فقط كما فى قولك لا تطلب العلم تبتغى به الجاه بل إليهما جميعا اى لا تقولوا له ذلك حال كونكم طالبين لماله الذي هو حطام سريع النفاد وعرض الدنيا ما يتمتع به فيها
من المال نقدا كان او غيره قليلا كان او كثيرا يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر وتسميته عرضا تنبيه على انه سريع الفناء قريب الانقضاء فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ
تغنيكم عن قتل أمثاله لماله وهو تنبيه على ان ثواب الله تعالى موصوف بالدوام والبقاء كَذلِكَ اى مثل ذلك الذي القى إليكم السلام كُنْتُمْ أنتم ايضا مِنْ قَبْلُ اى فى مبادى إسلامكم لا يظهر منكم للناس غير ما ظهر منه لكم من تحية الإسلام ونحوها فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بان قبل منكم تلك المرتبة وعصم بها دماءكم وأموالكم ولم يأمر بالتفحص عن سرائركم. الفاء للعطف على كنتم فَتَبَيَّنُوا الفاء فصيحة اى إذا كان الأمر كذلك فاطلبوا بيان هذا الأمر البين وقيسوا حاله بحالكم وافعلوا به ما فعل بكم فى أوائل أموركم من قبول ظاهر الحال من غير وثوق
على تواطئ الظاهر والباطن إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ من الأعمال الظاهرة والخفية وبكيفياتها خَبِيراً فيجازيكم بحسبها ان خيرا فخير وان شرا فشر فلا تتهافتوا فى القتل واحتاطوا فيه. قال الامام الغزالي رحمه الله الخبير هو الذي لا تعزب عنه الاخبار الباطنة ولا يجرى فى الملك والملكوت شىء ولا تتحرك ذرة ولا تسكن ولا تضطرب نفس ولا تطمئن الا ويكون عنده خبر وهو بمعنى العليم لكن العلم إذا أضيف الى الخفايا الباطنة سمى خبرة ويسمى صاحبه خبيرا وحظ العبد من ذلك ان يكون خبيرا بما يجرى فى عالمه وعالمه قلبه وبدنه والخفايا التي يتصف القلب بها من الغش والخيانة والطواف حول العاجلة وإضمار الشر واظهار الخير والبخل بإظهار الإخلاص والإفلاس عنه ولا يعرفها الا ذو خبرة بالغة قد خبر نفسه ومارسها وعرف مكرها وتلبيسها وخدعها فحاربها وتشمر لمعاداتها وأخذ الحذر منها فذلك من العباد جدير بان يسمى خبيرا انتهى كلام الامام: قال السعدي
نمى تازد اين نفس سركش چنان كه عقلش تواند گرفتن عنان
كه با نفس وشيطان برآيد بزور مصاف پلنگان نبايد ز مور
ودلت الآية على ان المجتهد قد يخطئ كما اخطأ اسامة وان خطاءه قد كان مغتفرا حيث لم يقتص منه وعلى ان الذكر اللساني معتبر كما ان ايمان المقلد صحيح لكن ينبغى للمؤمن ان يترقى من الذكر اللساني الى الذكر القلبي ثم الى الذكر الروحي ويحصل له التعين والمعرفة ويخلص من ظلمة الجهل ويتنور بنور المعرفة لان الإنسان يموت كما يعيش. عن ابن عباس ان جبريل عليه السلام جاء الى النبي عليه السلام فقال يا محمد ان ربك يقرئك السلام وهو يقول مالى أراك مغموما حزينا قال عليه السلام (يا جبريل طال تفكرى فى أمتي يوم القيامة) قال أفي امر اهل الكفر أم اهل الإسلام فقال (يا جبريل فى امر اهل لا اله الا الله محمد رسول الله) فاخذ بيده حتى اقامه الى مقبرة بنى سلمة ثم ضرب بجناحه الايمن على قبر ميت قال قم بإذن الله فقام الرجل مبيض الوجه وهو يقول لا اله الا الله محمد رسول الله فقال جبريل عد الى مكانك فعاد كما كان ثم ضرب بجناحه الأيسر فقال قم بإذن الله فخرج رجل مسود الوجه ارزق العينين وهو يقول وا حسرتاه وا ندامتاه فقال له جبريل عد الى مكانك فعاد كما كان ثم قال يا محمد على هذا يبعثون يوم القيامة وعند ذلك قال رسول الله ﷺ (تموتون كما تعيشون وتبعثون
كما تموتون) هر كسى آن درود عاقبت كار كه كشت. والاشارة فى الآية الى البالغين الواصلين بالسير الى الله ان يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ووفقوا لمجرد الايمان بالغيب إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعنى سرتم بقدم السلوك فى طلب الحق حتى صار الايمان إيقانا والإيقان إحسانا والإحسان عيانا والعيان غيبا وصار الغيب شهادة والشهادة شهودا والشهود شاهدا والشاهد مشهودا وبهما اقسم الله بقوله وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ فافهم جدا وهذا مقام الشيخوخية فَتَبَيَّنُوا عن حال المريدين وتثبتوا فى الرد والقبول وفى قوله وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً اشارة الى ارباب الطلب فى البدء والارادة اى إذا تمسك أحد بذيل ارادتكم والقى إليكم السلام بالانقياد والاستسلام لكم فلا تقولوا ألست مؤمنا اى صادقا مصدقا فى التسليم لاحكام الصحبة وقبول التصرف فى المال والنفس على شرط الطريقة ولا تردوه ولا تنفروه بمثل هذه التشديدات وقولوا له كما امر الله موسى وهارون عليهما السلام فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً فما أنتم أعز من الأنبياء ولا المريد المبتدئ أذل من فرعون ولا يهولنكم امر رزقه فتجتنبون منه طلبا للتخفيف والى هذا المعنى أشار بقوله تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فلا تهتموا لاجل الرزق فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ اى كذلك كنتم ضعفاء فى الصدق والطلب محتاجين الى الصحبة والتربية بدواء الارادة فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بصحبة المشايخ وقبولهم إياكم والإقبال على تربيتكم وإيصال رزقكم إليكم وشفقتهم وعطفهم عليكم فَتَبَيَّنُوا ان تردوا صادقا اهتماما لرزقه او تقبلوا كاذبا حرصا على تكثير المريدين إِنَّ اللَّهَ كانَ فى الأزل بِما تَعْمَلُونَ اليوم من الرد والقبول والاحتياج الى الرزق الذي تهتمون له خَبِيراً بتقدير امور قدرها فى الأزل وفرغ منها كما قال عليه السلام (ان الله فرغ من الخلق والرزق والاجل) وقال (الضيف إذا نزل نزل برزقه وإذا ارتحل ارتحل بذنوب مضيفه) كذا فى التأويلات النجمية لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ عن الجهاد مِنَ الْمُؤْمِنِينَ حال من القاعدين اى كائنين من المؤمنين وفائدتها الإيذان من أول الأمر بعدم إخلال وصف القعود بايمانهم والاشعار بعلة استحقاقهم كما سيأتى من الحسنى غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ بالرفع صفة للقاعدون. فان قلت كلمة غير لا تتعرف بالاضافة فكيف جاز كونها صفة للمعرفة. قلت اللام فى القاعدون للعهد الذهني فهو جار مجرى النكرة حيث لم يقصد به قوم بأعيانهم والأظهر انه بدل من القاعدون. والضرر المرض والعاهة من عمى او عرج او شلل او زمانة او نحوها وفى معناه العجز عن الاهبة. عن زيد بن ثابت رضى الله عنه انه قال كنت الى جنب رسول الله ﷺ فغشيته السكينة فوقعت فخذه على فخذى حتى خشيت ان ترضها اى تكسرها ثم سرى عنه وازيل ما عرض له من شدة الوحى فقال (اكتب فكتبت لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون) فقال ابن أم مكتوم وكان أعمى يا رسول الله وكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين فغشيته السكينة كذلك ثم سرى عنه فقال (اكتب لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر) قال زيد أنزلها الله وحدها فالحقتها فالمراد
گر بپرانيم تير آن نى ز ماست ما كمان وتير اندازش خداست
اين نه جبر اين معنئ جباريست ذكر جبارى براى زاريست
زارئ ما شد دليل اضطرار خجلت ما شد دليل اختيار
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ اى وما صح له ولالاق بحاله أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً بغير حق فان الايمان زاجر عن ذلك إِلَّا خَطَأً اى ليس من شأنه ذلك فى حال من الأحوال الا حال الخطأ فانه ربما يقع لعدم دخول الاحتراز عنه بالكلية تحت الطاقة البشرية فالمؤمن مجبول على ان يكون محلا لان يعرض له الخطأ كثيرا والخطأ ما لا يقارنه القصد الى الفعل او الى الشخص او لا يقصد به زهوق الروح غالبا او لا يقصد به محظور كرمى مسلم فى صف الكفار مع الجهل بإسلامه- روى- ان عياش بن ابى ربيعة وكان أخا ابى جهل لامه اسلم وهاجر الى المدينة خوفا من اهله وذلك قبل هجرة النبي عليه السلام فاقسمت امه لا تأكل ولا تشرب ولا يؤويها سقف حتى يرجع فخرج ابو جهل ومعه الحارث بن زيد بن ابى انيسة فاتياه وهو فى أطم اى جبل ففتل منه ابو جهل فى الذروة والغارب وقال أليس محمد يحثك على صلة الرحم انصرف وبرّ أمك ولك علينا ان لا نكرهك على شىء ولا نحول بينك وبين دينك حتى نزل وذهب معهما فلما بعدا من المدينة شدا يديه الى خلف بحبل وجلده كل واحد منهما مائة جلدة فقال للحارث هذا أخي فمن أنت يا حارث لله على ان وجدتك خاليا ان أقتلك وقدما به على امه فحلفت لا يحل وثاقه حتى يرجع عن دينه ففعل بلسانه مطمئنا قلبه على الايمان ثم هاجر بعد ذلك واسلم الحارث وهاجر فلقيه عياش لظهر قبا فانحنى عليه فقتله ثم اخبر بإسلامه فاتى رسول الله ﷺ فقال قتلته ولم أشعر بإسلامه فنزلت وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً صغيرا كان او كبيرا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ اى فعليه اعتاق نسمة عبر عن النسمة بالرقبة كما يعبر عنها بالرأس مُؤْمِنَةٍ محكوم بإسلامها سواء تحققت فيها فروع الايمان وثمراته بان صلت وصامت او لم يتحقق فدخل فيها الصغير والكبير والذكر والأنثى وهذا التحرير هو الكفارة وهى حق الله تعالى الواجب على من قتل مؤمنا مواظبا على عبادة الله تعالى والرقيق لا يمكنه المواظبة على عبادة الله تعالى فاذا اعتقه فقد اقامه مقام ذلك المقتول فى المواظبة على العبادات وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ اى مؤداة الى ورثته يقتسمونها كسائر المواريث بعد قضاء الدين منها وتنفيذ الوصية وإذا لم يبق وارث فهى لبيت المال لا المسلمين يقومون مقام الورثة كما قال ﷺ (انا وارث من لا وارث له) إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا اى يتصدق اهله عليه سمى العفو عنها صدقة حثا عليه وتنبيها على فضله وفى الحديث (كل معروف صدقة) وهو متعلق بعليه المقدر عند قوله وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ او بمسلمة اى تجب الدية ويسلمها الى اهله الا وقت تصدقهم عليه لان الدية حق الورثة فيملكون إسقاطها بخلاف التحرير فانه حق الله تعالى فلا يسقط بعفو الأولياء وإسقاطهم. واعلم ان الدية مصدر من ودى القاتل المقتول إذا اعطى وليه المال الذي هو بدل النفس وذلك المال يسمى الدية تسمية بالمصدر والتاء فى آخرها عوض عن الواو المحذوفة فى الاول كما فى العدة وهى اى الدية فى الخطأ من الذهب الف دينار ومن الفضة عشرة آلاف درهم وهى على العاقلة فى الخطأ
وهم الاخوة وبنوا الاخوة والأعمام وبنوا الأعمام يسلمونها الى اولياء المقتول ويكون القاتل كواحد من العاقلة يعنى يعطى مقدار ما أعطاه واحد منهم لانه هو الفاعل فلا معنى لاخراجه ومؤاخذة غيره وسميت الدية عقلا لانها تعقل الدماء اى تمسكه من ان يسفك الدم لان الإنسان يلاحظ وجود الدية بالقتل فيجتنب عن سفك الدم فان لم تكن له عاقلة كانت الدية فى بيت المال فى ثلاث سنين فان لم يكن ففى ماله فَإِنْ كانَ اى المقتول مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ كفار محاربين وَهُوَ مُؤْمِنٌ ولم يعلم به القاتل لكونه بين اظهر قومه بان اسلم فيما بينهم ولم يفارقهم بالهجرة الى دار الإسلام او بان اسلم بعد ما فارقهم لمهم من المهمات فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ اى فعلى قاتله الكفارة دون الدية إذ لا وراثة بينه وبين اهله لكونهم كفارا ولانهم محاربون وَإِنْ كانَ اى المقتول المؤمن مِنْ قَوْمٍ كفرة بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ اى عهد موقت او مؤبد فَدِيَةٌ اى
فعلى قاتله دية مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ من اهل الإسلام ان وجدوا وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ كما هو حكم سائر المسلمين فَمَنْ لَمْ يَجِدْ اى رقبة لتحريرها بان لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها وهو ما يصلح ان يكون ثمنا للرقبة فاضلا عن نفقته ونفقة عياله وسائر حوائجه الضرورية من المسكن وغيره فَصِيامُ اى فعليه صيام شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ وإيجاب التتابع يدل على ان المكفر بالصوم لو أفطر يوما فى خلال شهرين او نوى صوما آخر فعليه الاستئناف الا ان يكون الفطر بحيض او نفاس او نحوهما مما لا يمكن الاحتراز عنه فانه لا يقطع التتابع والإطعام غير مشروع فى هذه الكفارة بدليل الفاء الدالة على ان المذكور كل الواجب واثبات البدل بالرأى لا يجوز فلا بد من النص تَوْبَةً كائنة مِنَ اللَّهِ ونصبه على المفعول له اى شرع لكم ذلك توبة اى قبولا لها من تاب الله عليه إذا قبل توبته. فان قيل قتل الخطأ لا يكون معصية فما معنى التوبة. قلت ان فيه نوعا من التقصير لان الظاهر انه لو بالغ فى احتياط لما صدر عنه ذلك. فقوله توبة من الله تنبيه على انه كان مقصرا فى ترك الاحتياط وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بحاله اى بانه لم يقصد القتل ولم يتعمد فيه حَكِيماً فيما امر فى شأنه. والاشارة فى قوله تعالى فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ ان تربية النفس وتزكيتها ببذل المال وترك الدنيا مقدم على تربيتها بالجوع والعطش وسائر المجاهدات فان حب الدنيا رأس كل خطيئة وهى عقبة لا يقتحمها الا الفحول من الرجال كقوله تعالى فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ الآية. وان أول قدم السالك ان يخرج من الدنيا وما فيها. وثانيه ان يخرج من النفس وصفاتها كما قال (دع نفسك وتعال) والإمساك عن المشارب كلها من الدنيا والآخرة على الدوام انما هو بجذبة من الله تعالى وإعطائه القابلية لذلك: كما قيل
داد حق را قابليت شرط نيست بلكه شرط قابليت داد حق
- حكى- ان أولاد هارون الرشيد كانوا زهادا لا يرغبون فى الدنيا والسلطنة فلما ولد له ولد قيل له ادخله فى بيت من زجاج يعيش فيه مع التنعم والترنم والأغاني حتى يليق للسلطنة ففعل فلما كبر كان يوما يأكل اللحم فوقع عظم من يده فانكسر الزجاج فرأى السماء والعرض فسأل
بالقاعدين هم الأصحاء الذين اذن لهم فى القعود عن الجهاد اكتفاء بغيرهم لان الغزو فرض كفاية قال ابن عباس رضى الله عنهما هم القاعدون عن بدر والخارجون إليها وهو الظاهر الموافق لتاريخ النزول وَالْمُجاهِدُونَ عطف على القاعدون فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ اى لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الجهاد من غير علة فى الاجر والثواب. فان قلت معلوم ان القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان فما فائدة نفى الاستواء. قلت فائدته تذكير ما بينهما من التفاوت العظيم ليرغب القاعد فى الجهاد رفعا لرتبته وانفة عن انحطاط منزلته فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ جملة موضحة لما نفى الاستواء فيه فان انتفاء الاستواء بينهما يحتمل ان يكون بزيادة درجة أحدهما على درجة الآخر وبنقصانها فبين الله تعالى بهذه الجملة ان انتفاء استوائهما انما هو بانه تعالى فضل المجاهدين كأنه قيل مالهم لا يستوون فاجيب بذلك عَلَى الْقاعِدِينَ غير اولى الضرر لكون الجملة بيانا للجملة الاولى المتضمنة لهذا الوصف دَرَجَةً تنوينها للتفخيم كما سيأتى ونصبها بنزع الخافض اى بدرجة او على المصدرية لانه لتضمنه معنى التفضيل ووقوعه موقع المرة من التفضيل كان بمنزلة ان يقال فضلهم تفضيلة واحدة ونظيره قولك ضربه سوطا بمعنى ضربه ضربة وَكُلًّا من القاعدين والمجاهدين وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى اى المثوبة الحسنى وهى الجنة لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم وانما التفاوت فى زيادة العمل المقتضى لمزيد الثواب. قوله كلا مفعول أول لوعد والحسنى مفعوله الثاني وتقديم الاول على الفعل لافادة القصر تأكيدا للوعد اى كلا منهما وعد الله الحسنى لا أحدهما فقط والجملة اعتراض جيئ بها تداركا لما عسى يوهمه تفضيل أحد الفريقين على الآخر من حرمان المفضول. قال الفقهاء وهذا يدل على ان الجهاد فرض كفاية وليس مفروضا على كل أحد بعينه لانه تعالى وعد القاعدين عنه الحسنى كما وعد المجاهدين ولو كان الجهاد واجبا على كل أحد على التعيين لما كان القاعد أهلا لوعد الله تعالى إياه بالحسنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ عطف على قوله فضل الله أَجْراً عَظِيماً نصب على المصدر لان فضل بمعنى آجر اى آجرهم اجرا عظيما وإيثاره على ما هو مصدر من فعله للاشعار بكون ذلك التفضيل اجرا لاعمالهم او مفعول ثان لفضل لتضمنه معنى الإعطاء اى وأعطاهم زيادة على القاعدين اجرا عظيما. وقيل نصب بنزع الخافض اى فضلهم بأجر عظيم دَرَجاتٍ بدل من اجرا بدل الكل مبين لكمية التفضيل مِنْهُ صفة لدرجات دالة على فخامتها وجلالة قدرها اى درجات كائنة منه تعالى وهى سبعون درجة ما بين كل درجتين عدو الفرس الجواد المضمر سبعين خريفا او سبعمائة درجة وفى الحديث (ان فى الجنة مائة درجة أعدها الله تعالى للمجاهدين فى سبيله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض) ويجوز ان يكون انتصاب درجات على المصدرية كما فى قولك ضربه أسواطا اى ضربات كأنه قيل فضلهم تفضيلات وَمَغْفِرَةً بدل من اجرا بدل البعض لان بعض الاجر ليس من باب المغفرة أي مغفرة لما يفرط منهم من الذنوب التي لا يكفرها سائر الحسنات التي لا يأتى بها القاعدون ايضا حتى تعد من خصائصهم وَرَحْمَةً بدل الكل من اجرا
مثل درجات ويجوز ان يكون انتصابهما بإضمار فعلهما اى غفر لهم مغفرة ورحمهم رحمة هذا ولعل تكرير التفضيل بطريق العطف المنبئ عن المغايرة وتقييده تارة بدرجة واخرى بدرجات مع اتحاد المفضل والمفضل عليه حسبما يقتضيه الكلام ويستدعيه حسن الانتظام اما لتنزيل الاختلاف العنواني بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات منزلة الاختلاف الذاتي تمهيدا لسلوك طريقة الإيهام ثم التفسير روما لمزيد التحقيق والتقرير كما فى قوله تعالى وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ كأنه قيل فضل الله المجاهدين على القاعدين درجة لا يقادر قدرها ولا يفهم كنهها وحيث كان تحقق هذا العنوان البعيد بينهما موهما لحرمان القاعدين قيل وكلا وعد الله الحسنى ثم أريد تفسير ما أفاده التنكير بطريق الإبهام بحيث يقطع احتمال كونه للوحدة فقيل ما قيل ولله در شأن التنزيل واما للاختلاف بالذات بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات على ان المراد بالتفضيل الاول ماخولهم الله تعالى عاجلا فى الدنيا من الغنيمة والظفر والذكر الجميل الحقيق بكونه درجة واحدة وبالتفضيل الثاني ما أنعم به فى الآخرة من الدرجات العالية الفائتة للحصر كما ينبئ عنه تقديم الاول وتأخير الثاني
وتوسيط الوعد بالجنة بينهما كأنه قيل فضلهم عليهم فى الدنيا درجة واحدة وفى الآخرة درجات لا تحصى وقد وسط بينهما فى الذكر ما هو متوسط بينهما فى الوجود اعنى الوعد بالجنة توضيحا لحالهما ومسارعة الى تسلية المفضول والله سبحانه اعلم. وقيل المجاهدون الأولون من جاهد الكفار والآخرون من جاهد نفسه وعليه قوله عليه السلام (رجعنا من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر) وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لذنوب من جاهد فى سبيله رَحِيماً يدخله الجنة برحمته وهو تذييل مقرر لما وعد من المغفرة والرحمة. قال القشيري رحمه الله ان الله سبحانه جمع أولياءه فى الكرامات لكنه غاير بينهم فى الدرجات فمن غنى وغيره اغنى منه ومن كبير وغيره اكبر منه هذه الكواكب متيرة لكن القمر فوقها وإذا طلعت الشمس بهرت اى غلبت جميعها بنورها انتهى فالجنة مشتركة بين الواصلين البالغين والطالبين المنقطعين بعذر وعوام المؤمنين القاعدين عن الطلب بلا عذر لكن الطائفة الاولى فى واد والأخريان فى واد آخر لا يستوون عند الله تعالى: قال المولى الجامى قدس سره
اى كمند بدن چوطفل صغير مانده در دست خواب غفلت أسير
پيش از آن كت أجل كند بيدار گر نمردى ز خواب سر بردار
انما السائرون كل رواح يحمدون السرى لدى الإصباح
ودلت الآية على ان اولى الضرر مساوون للمجاهدين فى الاجر والثواب- روى- عنه عليه السلام انه لما رجع من غزوة تبوك ودنا من المدينة قال (ان فى المدينة لأقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد الا كانوا معكم فيه) قالوا يا رسول الله وهم بالمدينة قال (نعم وهم بالمدينة حبسهم حابس العذر) وهم الذين صحت نياتهم وتعلقت قلوبهم بالجهاد وانما منعهم عن الجهاد الضرر
للمتوفين تقريرا لهم بتقصيرهم فى اظهار إسلامهم واقامة أحكامه من الصلاة ونحوها وتوبيخا لهم بذلك فِيمَ كُنْتُمْ اى فى أي شىء كنتم من امور دينكم كأنه قيل فماذا قالوا فى الجواب فقيل قالُوا متجانفين عن الإقرار الصريح بما هم فيه من التقصير متعللين بما يوجبه على زعمهم كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ اى فى ارض مكة عاجزين عن القيام بمواجب الدين فيما بين أهلها قالُوا ابطالا لتعللهم وتبكيتا لهم أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها الى قطر آخر منها تقدرون فيه على اقامة امور الدين كما فعله من هاجر الى المدينة والى الحبشة وقيل كانت الطائفة المذكورة قد خرجوا مع المشركين الى بدر فقتلوا فيها فضربت الملائكة وجوههم وادبارهم وقالوا لهم ما قالوا فيكون ذلك منهم تقريعا وتوبيخا لهم بما كانوا فيه من مساعدة الكفرة بانتظامهم فى عسكرهم ويكون جوابهم بالاستضعاف تعللا بانهم كانوا مقهورين تحت أيديهم وانهم أخرجوهم اى الى بدر كارهين فرد عليهم بانهم كانوا بسبيل من الخلاص من قهرهم متمكنين من المهاجرة فَأُولئِكَ الذين حكيت أحوالهم الفظيعة مَأْواهُمْ اى فى الآخرة جَهَنَّمُ كما ان مأواهم فى الدنيا دار الكفر لتركهم الواجب ومساعدتهم الكفار وكون جهنم مأواهم نتيجة لما قبله وهو الجملة الدالة على ان لا عذر لهم فى ذلك أصلا فعطف عليه عطف جملة على اخرى وَساءَتْ مَصِيراً مصيرهم جهنم إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الاستثناء منقطع فان المتوفين ظالمين أنفسهم اما مرتدون او عصاة بتركهم الهجرة مع القدرة عليها وهؤلاء المستضعفون اى المستذلون المقهورون تحت أيدي الكفار ليسوا بقادرين عليها فلم يدخلوا فيهم فكان الاستثناء منقطعا والجار والمجرور حال من المستضعفين اى كائنين منهم. فان قلت المستثنى المنقطع وان لم يكن داخلا فى المستثنى منه لكن لا بد ان يتوهم دخوله فى حكم المستثنى منه ومن المعلوم ان لا يتوهم دخول الأطفال فى الحكم السابق وهو كون مأواهم جهنم فكيف ذكر فى عداد المستثنى قلت للمبالغة فى التحذير من ترك الهجرة وإيهام انها لو استطاعها غير المكلفين لوجبت عليهم والاشعار بانه لا محيص لهم عنها البتة تجب عليهم إذا بلغوا حتى كأنها واجبة عليهم قبل البلوغ لو استطاعوا وان قوامهم يجب عليهم ان يهاجروا بهم متى أمكنت لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا صفة للمستضعفين إذ لا توقيت فيه فيكون فى حكم المنكر واستطاعة الحيلة وجدان اسباب الهجرة وما تتوقف عليه واهتداء السبيل معرفة طريق الموضع المهاجر اليه بنفسه او بدليل فَأُولئِكَ اشارة الى المستضعفين الموصوفين بما ذكر من صفات العجز عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ذكر بكلمة الاطماع ولفظ العفو إيذانا بان ترك الهجرة امر خطير حتى ان المضطر من حقه ان لا يأمن ويترصد الفرصة ويعلق بها قلبه وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً معنى كونه عفوا صفحه واعراضه عن العقوبة ومعنى كونه غفورا ستر القبائح والذنوب فى الدنيا والآخرة فهو كامل العفو تام الغفران: قال السعدي قدس سره
وفى الآية الكريمة ارشاد الى وجوب المهاجرة من موضع لا يتمكن الرجل فيه من اقامة امور دينه بأى سبب كان. وعن النبي ﷺ (من فر بدينه من ارض الى ارض وان كان شبرا من الأرض استوجبت له الجنة وكان رفيق أبيه ابراهيم ونبيه محمد عليه السلام) قال الحدادي فى تفسيره فى قوله تعالى أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها دليل انه لا عذر لاحد فى المقام على المعصية فى بلده لاجل المال والولد والأهل بل ينبغى ان يفارق وطنه ان لم يمكنه اظهار الحق فيه ولهذا روى عن سعد بن جبير انه قال إذا عمل بالمعاصي بأرض فاخرج منها
پس پرده بيند عملهاى بد هم او پرده پوشد ببالاى خود
سعديا حب وطن گرچهـ حديث است صحيح نتوان مرد بسختى كه من اينجا ز آدم
والاشارة فى الآية ان المؤمن عام وخاص وخاص الخاص كقوله فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وهو العام وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وهو الخاص وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ وهو خاص الخاص إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ هم العوام الذين ظلموا أنفسهم بتدسيتها من غير تزكيتها عن أخلاقها الذميمة وتحليتها بالأخلاق الحميدة ليفلحوا فحابوا وخسروا كما قال تعالى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ اى قالت الملائكة حين قبضوا أرواحهم فى أي غفلة كنتم تضيعون اعماركم وتبطلون استعدادكم الفطري وفى أي واد من او دية الهوى تهيمون وفى أي روضة من رياض الدنيا كنتم تؤثرون الفاني على الباقي وتنسون الطهور والساقي وإخوانكم يجاهدون فى سبيل الله باموالهم وأنفسهم ويهاجرون عن الأوطان ويفارقون الاخوان والأخدان قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ اى عاجزين فى استيلاء النفس الامارة وغلبة الهوى مأسورى الشيطان فى حبس البشرية قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ اى ارض القلب واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فتحرجوا من مضيق ارض البشرية فتسلكوا فى فسحة عالم الروحانية بل تطيروا فى هواء الهوية فَأُولئِكَ يعنى ظالمى أنفسهم مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ البعد عن مقامات القرب وَساءَتْ مَصِيراً جهنم البعد لتاركى القرب والمتقاعدين عن جهاد النفس إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الذي صفتهم لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً فى الخروج عن الدنيا لكثرة العيال وضعف الحال ولا على قهر النفس وغلبة الهوى ولا على قمع الشيطان فى طلب الهدى وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا الى صاحب ولاية يتمسكون بعروته الوثقى ويعتصمون بحبل إرادته فى طلب المولى فيخرجهم من ظلمات ارض البشرية الى نور سماء الربوبية على أقدام العبودية وهم المقتصدون المشتاقون ولكنهم بحجب الانانية محجوبون ومن شهود جمال الحق محرومون فعذرهم بكرمه ووعدهم رحمته وقال فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ السكون عن الله والركون الى غير الله وَكانَ اللَّهُ فى الأزل عَفُوًّا ولعفوه أمكنهم التقصير فى العبودية غَفُوراً ولغفرانه امهلهم فى إعطاء حق الربوبية كذا فى التأويلات النجمية وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ترغيب فى المهاجرة وتأنيس لها وسبيل الله ما امر بسلوكه يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً اى متحولا يتحول اليه ومهاجرا وانما عبر عنه بذلك تأكيدا للترغيب لما فيه من الاشعار
بكون ذلك المتحول بحيث يصل المهاجر بما فيه من الخير والنعمة الى ما يكون سببا لرغم انف قومه الذين هاجرهم. والرغم الذل والهوان وأصله لصوق الانف بالرغام وهو التراب يقال ارغم الله انفه اى ألصقه بالرغام ولما كان الانف من جملة الأعضاء فى غاية العزة والتراب فى غاية الذلة جعل قولهم رغم انفه كناية عن الذلة وَسَعَةً فى الرزق واظهار الدين وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً اى مفارقا قومه واهله وولده إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ اى الى طاعة الله وطاعة رسوله ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ اى قبل ان يصل الى المقصد وان كان ذلك خارج بابه كما ينبئ عنه إيثار الخروج من بيته على المهاجرة فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ الوقوع والوجوب متقاربان والمعنى ثبت اجره عند الله ثبوت الأمر الواجب وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً مبالغا فى المغفرة فيغفر له ما فرط منه من الذنوب التي من جملتها القعود عن الهجرة الى وقت الخروج رَحِيماً مبالغا فى الرحمة فيرحمه بإكمال ثواب هجرته- روى- ان رسول الله ﷺ لما بعث بالآيات المحذرة عن ترك الهجرة الى مسلمى مكة. قال جندب بن ضمرة من بنى الليث لبنيه وكان شيخا كبيرا لا يستطيع ان يركب الراحلة
احملوني فانى لست من المستضعفين وانى لأهتدى الطريق ولى من المال ما يبلغنى المدينة وابعد منها والله لا أبيت الليلة بمكة فحملوه على سرير متوجها الى المدينة فلما بلغ التنعيم وهو موضع قريب من مكة اشرف على الموت فاخذ يصفق بيمينه على شماله ثم قال اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك عليه رسولك فمات حميدا فلما بلغ خبره اصحاب رسول الله ﷺ قالوا لو توفى بالمدينة لكان أتم اجرا وقال المشركون وهم يضحكون ما أدرك هذا ما طلب فانزل الله هذه الآية فمن هذا قالوا المؤمن إذا قصد طاعة ثم أعجزه العذر عن إتمامها كتب الله له ثواب تمام تلك الطاعة. وفى الكشاف قالوا كل هجرة لغرض دينى من طلب علم او حج او جهاد او فرار الى بلد يزداد فيه طاعة او قناعة وزهدا فى الدنيا او ابتغاء رزق طيب فهى هجرة الى الله ورسوله وان أدركه الموت فى طريقه فاجره واقع على الله انتهى. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره من مات قبل الكمال فمراده يجيئ اليه كما ان من مات فى طريق الكعبة يكتب له اجر حجين. يقول الفقير سمى الذبيح المتخلص بحقي سمعت مرة شيخى العارف العلامة أبقاه الله بالسلامة وهو يقول عند تفسير هذه الآية ان الطالب الصادق إذا سافر من ارض بشريته الى مقام القلب فمات قبل ان يصل الى مراده فله نصيب من اجر البالغين الى ذلك المقام لصدق طلبه وعدم انقطاعه عن الطريق الى حد الموت بل الله يكمله فى عالم البرزخ بوساطة روح من ارواحه او بوساطة فيضه. ومثل هذا جاء فى حق بعض السلاك وله نظير فى الشريعة كما روى عن الحسن البصري رحمه الله انه قال بلغني ان المؤمن إذا مات ولم يحفظ القرآن امر حفظته ان يعلموه القرآن فى قبره حتى يبعثه الله تعالى يوم القيامة مع اهله فاذا كان طالب القرآن الرسمى بالغا الى مراده وانّ فى البرزخ لحرصه على التحصيل فليس ببدع ان يكون طالب القرآن الحقيقي وأصلا الى مرامه فى عالم المثال المقيد لشغفه على التكميل. أقول واما ما قال الشيخ الكبير صدر الدين القنوى قدس سره فى الفلك الآخر من الفلوك من المتفق شرعا وعقلا وكشفا ان كل كمال لم يحصل للانسان
فى هذه النشأة وهذه الدار فانه لا يحصل له بعد الموت فى الدار الآخرة انتهى فلعله فى حق اهل الحجاب الذين قعدوا عن الطلب رأسا لا فى حق اهل الحجاب الذين سلكوا فماتوا قبل الوصول الى مكاشفة الافعال ومشاهدة الصفات ومعاينة الذات. قال المولى الجامى فى شرح الكلمة الشعيبية من الفصوص الحكمية فما يدل على عدم الترقي بعد الموت من قوله تعالى وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى الآية انما هو بالنسبة الى معرفة الحق لا لمن لا معرفة له أصلا فانه إذا انكشف الغطاء ارتفع العمى بالنسبة الى الدار الآخرة ونعيمها وجحيمها والأحوال التي فيها واما قوله عليه السلام (إذا مات ابن آدم انقطع عمله) فهو يدل على ان الأشياء التي يتوقف حصولها على الأعمال لا تحصل وما لا يتوقف عليها بل يحصل بفضل الله ورحمته فقد يحصل وذلك من مراتب التجافي انتهى كلامه. فعلى السالك ان لا ينقطع عن الطريق ويرجو من الله التوفيق كى يصل الى منزل التحقيق: قال الحافظ الشيرازي
كاروان رفت تو در راه كمين گاه بخواب وه كه بس بيخبر از غلغل چندين جرسى
بال بگشاى صفير از شجر طوبى زن حيف باشد چوتو مرغى كه أسير قفسى
تا چومجمر نفسى دامن جانان گيرم جان نهاديم بر آتش ز پى خوش نفسى
چند پويد بهواي تو بهر سو حافظ يسر الله طريقا بك يا ملتمسى
وفى التأويلات النجمية ان الاشارة فى الآية من غاية ضعف الإنسان وحياته الحيوانية واستهواء الشيطان يكون الخوف غالبا على الطالب الصادق فى بدء طلبه فكما أراد أن يسافر عن الأوطان ويهاجر عن الاخوان طالبا فوائد اشارة سافروا لتصحوا وتغنموا لا زالة مرض القلب ونيل صحة الدين والفوز بغنيمة صحبة شيخ كامل مكمل وطبيب حاذق مشفق ليعالج مرض قلبه ويبلغه كعبة طلبه فتسول له النفس اعداد الرزق وعدم الصبر ويعده الشيطان بالفقر فقال تعالى على قضية وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اى طلب الله يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً اى بلادا أطيب من بلاده وإخوانا فى الدين احسن من إخوانه وَسَعَةً فى الرزق. وفيه اشارة اخرى وهى ومن يهاجر عن بلد البشرية فى طلب حضرة الربوبية يجد فى ارض الانسانية مراغما كثيرا اى متحولا ومنازل مثل القلب والروح والسر وسعة اى وسعة فى تلك العوالم الوسيعة او سعة من رحمة الله كما اخبر الله تعالى على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام عن تلك الوسعة والسعة بقوله (لا يسعنى ارضى ولا سمائى وانما يسعنى قلب عبدى المؤمن) فافهم يا كثير الفهم قصير النظر قليل العبر ثم قال دفعا للهواجس النفسانية والوساوس الشيطانية فى التخويف بالموت والإيعاد بالفوت وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ الى بيت بشريته بترك الدنيا وقمع الهوى وقهر النفس بهجران صفاتها وتبديل أخلاقها مُهاجِراً الى الله طالباله فى مبايعة رسوله ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ قبل وصوله فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ يعنى فقد أوجب الله تعالى على ذمة كرمه بفضله ورحمته ان يبلغه الى أقصى مقاصده وأعلى مراتبه فى الوصول بناء على صدق نيته وخلوص طويته إذا كان المانع من اجله ونية المؤمن خير من عمله وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لذنب بقية انانية وجوده رَحِيماً عليه بتجلى صفة جوده ليبلغ
العبد الى كمال مقصوده بمنه وكرمه وسعة جوده انتهى كلام التأويلات وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ شروع فى بيان كيفية الصلاة عند الضرورات من السفر ولقاء العدو والمطر والمرض اى إذا سافرتم أي مسافرة كانت للهجرة او للجهاد او لغيرهما فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ اى حرج ومأثم فى أَنْ تَقْصُرُوا شيأ مِنَ الصَّلاةِ فهو صفة لمحذوف والقصر خلاف المد يقال قصرت الشيء اى جعلته قصيرا بحذف بعض اجرائه او أوصافه فمتعلق القصر حقيقة انما هو ذلك الشيء لا بعضه فانه متعلق الحذف دون القصر وعلى هذا فقوله من الصلاة ينبغى ان يكون مفعولا لتقصروا على زيادة من حسبما رآه الأخفش واما على تقدير ان تكون تبعيضية ويكون المفعول محذوفا كما هو رأى سيبويه اى شيأ من الصلاة فينبغى ان يصار الى وصف الجزء بصفة الكل والمراد قصر الرباعيات بالتنصيف فانها تصلى فى السفر ركعتين فالقصر انما يدخل فى صلاة الظهر والعصر والعشاء دون المغرب والفجر وادنى مدة السفر الذي يجوز فيه القصر عند ابى حنيفة رحمه الله مسيرة ثلاثة ايام ولياليها الأيام للمشى والليالى للاستراحة بسير الإبل ومشى الاقدام بالاقتصاد ولا اعتبار بإبطاء الضارب اى المسافر السائر واسراعه فلو سار مسيرة ثلاثة ايام ولياليهن فى يوم قصر ولو سار مسيرة يوم فى ثلاثة ايام لم يقصر ثم تلك المسيرة ستة برد جمع بريد كل بريد اربعة فراسخ وكل فرسخ ثلاثة أميال باميال هاشم جد رسول الله ﷺ وهو الذي قدر أميال البادية كل ميل اثنا عشر الف قدم وهى اربعة آلاف خطوة فان كل ثلاثة أقدام خطوة. وظاهر الآية الكريمة التخيير بين القصر والإتمام وان الإتمام أفضل لكن عندنا يجب القصر لا محالة خلا ان بعض مشايخنا سماه عزيمة وبعضهم رخصة إسقاط بحيث لا مساغ للاتمام لا رخصة توفية إذ لا معنى للتخيير بين الأخف والأثقل قال رسول الله ﷺ (صدقة تصدق الله بها عليكم) وهو يدل على عدم جواز الا كمال لان التصدق بما لا يحتمل التمليك إسقاط محض لا يحتمل الرد فليس لنا الا التدين بما شرع الله والعمل بما حكم. قال فى الأشباه القصر للمسافر عندنا رخصة إسقاط بمعنى العزيمة بمعنى ان الإتمام لم يبق مشروعا حتى اثم به وفسدت لو أتم ومن لم يقعد على رأس الركعتين فسدت صلاته لاتصال النافلة بها قبل كمال أركانها وان قعد فى آخر الركعة الثانية قدر التشهد اجزأته الأخريان نافلة ويصير مسيئا بتأخير السلام. قال فى تفسير الحدادي المسافر إذا صلى الظهر أربعا ولم يقعد فى الثانية قدر التشهد فسدت صلاته كمصلى الفجر أربعا انتهى فان قلت فما تصنع بقوله فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا فلم ورد ذلك بنفي الجناح. قلت لما انهم الفوا الإتمام فكانوا مظنة ان يخطر ببالهم ان عليهم نقصانا فى القصر فصرح بنفي الجناح عنهم لتطيب به نفوسهم ويطمئنوا اليه كما فى قوله تعالى فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما مع ان ذلك الطواف واجب عندنا ركن عند الشافعي ثم ان العاصي كالمطيع فى رخصة السفر حتى ان الآبق وقاطع الطريق يقصران لان المقيم العاصي يمسح يوما وليلة كالمقيم المطيع فكذا المسافر ولان السفر ليس بمعصية فلا يعتبر غرض العاصي إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه اى ان خفتم
هر كسى از همت والاى خويش سود برد درخور كالاى خويش
قال عليه السلام (إذا مرض العبد قال الله تعالى اكتبوا لعبدى ما كان يعمله فى الصحة الى ان يبرأ) وقال المفسرون فى قوله تعالى ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ان من صار هر ما كتب الله له اجر عمله قبل هرمه غير منقوص. وقالوا فى تفسير قوله عليه السلام (نية المؤمن خير من عمله) ان المؤمن ينوى الايمان والعمل الصالح لو عاش ابدا فيحصل له ثواب تلك النية ابدا قالوا هذه المساواة مشروطة بشريطة اخرى سوى الضرر قد ذكرت فى قوله تعالى فى اواخر سورة التوبة لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ والنصيحة لهما طاعة لهما والطاعة لهما فى السر والعلن وتوليهما فى السراء والضراء والحب فيهما والبغض فيهما كما يفعل الموالي الناصح بصاحبه كذا فى تفسير الإرشاد. واعلم ان الجهاد من أفاضل المكاسب وامائل الحرف فلا ينبغى للعاقل ان يترك الجهاد او التحدث به فان من مات ولم يغزو لم يحدث به نفسه فقد مات ميتة جاهلية ومعنى التحدث طلبه الغزو واخطاره بالبال. قال بعض الكبار السبق بالهمم لا بالقدم وفى الحديث (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ) ومعناه ان من أنعم الله عليه بهاتين النعمتين وهما صحة الجسد بالعافية التي هى كالتاج على رؤس الأصحاء لا يراه الا السقيم والفراغ من شواغل الدنيا وعلقها فمن حصل له هاتان النعمتان واشتغل عن القيام بواجب حق الله تعالى فهذا هو الذي غبن بضياع حظه ونصيبه من طاعة الله وبذل النفس فى الخدمة وتحصيل ما ينفعه لآخرته من انواع الطاعات والقربات اللهم اجعلنا من المنتفعين بحياتهم والمتوجهين إليك فى مرضهم وصحتهم ولا تقطعنا عنك ولو لحظة عين ولا تشغلنا عن الوصل بالبين انك أنت الغفور الرحيم إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ يحتمل ان يكون ماضيا فيكون اخبارا عن احوال قوم معينين انقرضوا ومضوا وان يكون مضارعا قد حذف منه احدى التاءين وأصله تتوفاهم وعلى هذا تكون الآية عامة فى حق كل من كان بهذه الصفة والظاهر ان لفظ المضارع هاهنا على حكاية الحال الماضية والقصد الى استحضار صورتها بشهادة كون خبر ان فعلا ماضيا وهو قالوا والمراد بتوفى الملائكة إياهم قبض أرواحهم عند الموت والملك الذي فوض اليه هذا العمل هو ملك الموت وله أعوان من الملائكة واسناد التوفى الى لله تعالى فى قوله اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ وفى قوله قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ مبنى على ان خالق الموت هو الله تعالى ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فى حال ظلمهم أنفسهم بترك الهجرة واختيار مجاورة الكفرة الموجبة للاخلال بامور الدين فانها نزلت فى ناس من مكة قد اسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة فانه تعالى لم يكن يقبل الإسلام بعد هجرة النبي ﷺ الى المدينة الا بالهجرة إليها ثم نسخ ذلك بعد فتح مكة بقوله عليه السلام (لا هجرة بعد الفتح) قال الله تعالى فيمن آمن وترك الهجرة الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وهو حال من ضمير توفاهم فانه وان كان مضافا الى المعرفة وحق الحال ان يكون نكرة الا ان أصله ظالمين أنفسهم فتكون الاضافة لفظية قالُوا اى الملائكة
ان يتعرضوا لكم بما تكرهون من القتال وغيره فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلاة والقصر ثابت بهذا النص فى حال الخوف خاصة واما فى حال الامن فبالسنة. قال المولى ابو السعود فى تفسيره وهو شرط معتبر فى شرعية ما يذكر بعده من صلاة الخوف المؤداة بالجماعة واما فى حق مطلق القصر فلا اعتبار له اتفاقا لتظاهر السنن على مشروعيته. ثم قال بعد كلام بل نقول ان الآية الكريمة مجملة فى حق مقدار القصر وكيفيته وفى حق ما يتعلق به من الصلاة وفى مقدار مدة القصر الذي نيط به القصر فكل ما ورد عنه ﷺ من القصر فى حال الأمن وتخصيصه بالرباعيان على وجه التنصيف وبالضرب فى المدة المعينة بيان لا جمال الكتاب انتهى. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال سافر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بين مكة والمدينة لا يخاف الا الله فصلى ركعتين كذا فى الوسيط إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً اى ظاهر العداوة وكمال عداوتهم من موجبات التعرض لكم بقتال او غيره وَإِذا كُنْتَ يا محمد فِيهِمْ اى مع المؤمنين الخائفين فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ اى إذا أردت ان تقيم بهم الصلاة. قال ابن عباس لما رأى المشركون رسول الله ﷺ وأصحابه قاموا الى صلاة الظهر وهو يؤمهم وذلك فى غزوة ذات الرقاع ندموا على تركهم الاقدام على قتالهم فقال بعضهم دعوهم فان لهم بعدها صلاة هى أحب إليهم من آبائهم وأولادهم وأموالهم يريدون صلاة العصر فان رأيتموهم قاموا إليها فشدوا عليهم فاقتلوهم فنزل جبرائيل عليه السلام بهؤلاء الآيات بين الصلاتين فعلمه كيفية أداء صلاة الخوف واطلعه الله على قصدهم ومكرهم ذهب الجمهور الى ان صلاة الخوف ثابتة مشروعة بعده ﷺ فى حق كل الامة غايته انه تعالى علم رسول الله ﷺ كيفية أداء الصلاة حال الخوف لتقتدى به الامة فيتناولهم الخطاب الوارد له عليه السلام. قال فى الكشاف ان الائمة نواب عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى كل عصر قوام بما كان يقوم به فكان الخطاب له متناولا لكل امام يكون حاضرا بجماعة فى حال الخوف عليه ان يؤمهم كما أم رسول الله ﷺ الجماعات التي كان يحضرها ألا يرى ان قوله تعالى خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ لم يوجب كونه عليه السلام مخصوصا بها دون غيره من الائمة بعده فكذا صلاة الخوف فاندفع قول من قال صلاة الخوف مخصوصة بحضرة الرسول عليه السلام حيث شرط كونه بينهم فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ بعد ان جعلتهم طائفتين ولتقف الطائفة الاخرى بإزاء العدو ليحرسوكم منهم وَلْيَأْخُذُوا اى الطائفة القائمة معك وهم المصلون أَسْلِحَتَهُمْ اى لا يضعوها ولا يلقوها وانما عبر عن ذلك بالأخذ للايذان بالاعتناء باستصحابها كأنهم يأخذونها ابتداء فَإِذا سَجَدُوا اى القائمون معك وأتموا الركعة فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ اى فلينصرفوا الى مقابلة العدو للحراسة وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا بعد وهى الطائفة الواقفة تجاه العدو للحراسة فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ الركعة الباقية ولم يبين فى الآية الكريمة حال الركعة الباقية لكل من الطائفتين وقد بين ذلك بالسنة حيث روى عن ابن عمر وابن مسعود ان النبي عليه السلام حين صلى صلاة الخوف صلى بالطائفة الاولى ركعة وبالطائفة
الاخرى ركعة كما فى الآية ثم جاءت الطائفة الاولى وذهبت هذه الى العدو حتى قضت الاولى الركعة الاخرى بلا قراءة وسلموا ثم جاءت الطائفة الاخرى وقضوا الركعة الاولى بقراءة حتى صار لكل طائفة ركعتان هذا إذا كان مسافرا او فى الفجر لان الركعة الواحدة شطر صلاته واما إذا كان مقيما او فى المغرب فيصلى بالطائفة الاولى الركعتين لانهما الشطر. وفى الكافي لو اخطأ الامام فصلى بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين اى فى المغرب فسدت صلاة الطائفتين. وتفصيل كيفية الصلاة عند الخوف من عدو او سبع كفى مؤونته باب الصلاة الخوف فى الفروع فارجع اليه وَلْيَأْخُذُوا اى هذه الطائفة حِذْرَهُمْ وهو التحذر والتيقظ وَأَسْلِحَتَهُمْ.
ان قلت الحذر من قبيل المعاني فكيف يتعلق الاخذ الذي لا يتعلق الا بما هو من قبيل الأعيان كالسلاح. قلت انه من قبيل الاستعارة بالكناية فانه شبه الحذر بآلة يستعملها الغازي وجعل تعلق الاخذ به دليلا على هذا التشبيه المضمر فى النفس فيكون استعارة تخييلية ولا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز من حيث ان اسناد الاخذ الى الاسلحة حقيقة والى الحذر مجاز وذلك لان الاخذ على حقيقته وانما المجاز إيقاعه فافهم ولعل زيادة الأمر بالحذر فى هذه المرة كونها مظنة لوقوف الكفرة على كون الطائفة القائمة مع النبي عليه السلام فى شغل شاغل واما قبلها فربما يظنونهم قائمين للحرب وتكليف كل من الطائفتين بأخذ الحذر والاسلحة لما ان الاشتغال بالصلاة مظنة لالقاء السلاح والاعراض عن ذكرها ومئنة لهجوم العدو كما ينطق به ما بعد الآية. قال الامام الواحدي فى قوله تعالى وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ رخصة للخائف فى الصلاة لان يجعل بعض فكره فى غير الصلاة وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً الخطاب للفريقين بطريق الالتفات اى تمنوا ان ينالوا منكم غرة وينتهزوا فرصة فيشدوا عليكم شدة واحدة والمراد بالامتعة ما يتمتع به فى الحرب لا مطلقا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ رخصة لهم فى وضع الاسلحة ان ثقل عليهم حملها بسبب ما يبلهم من مطر او يضعفهم من مرض وهذا يؤيد ان الأمر بالأخذ للوجوب دون الاستحباب. وقال الفقهاء حمل السلاح فى صلاة الخوف مستحب لان الحمل ليس من اعمال الصلاة والأمر فى قوله تعالى وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ محمول على الندب وَخُذُوا حِذْرَكُمْ أمرهم مع ذلك بأخذ الحذر اى بالتيقظ والاحتياط لئلا يهجم عليهم العدو غيلة. قال ابن عباس رضى الله عنهما غزا رسول الله ﷺ محاربا ببني انمار فهزمهم الله تعالى فنزل النبي عليه الصلاة والسلام والمسلمون ولا يرون من العدو أحدا فوضعوا أسلحتهم وخرج رسول الله يمشى لحاجة له وقد وضع سلاحه حتى قطع الوادي والسماء ترش فحال الوادي بينه عليه السلام وبين أصحابه فجلس فى اصل شجرة فبصر به غورث بن الحارث المحاربي فانحدر من الجبل ومعه السيف وقال لاصحابه قتلنى الله ان لم اقتل محمدا فلم يشعر رسول الله الا وهو قائم على رأسه وقد سل سيفه من غمده فقال يا محمد من يعصمك منى الآن فقال عليه السلام (الله عز وجل) ثم قال (اللهم اكفنى غورث ابن الحارث بما شئت) ثم أهوى بالسيف الى رسول الله ليضربه فانكب على وجهه من زلخة
من عذابها. مشرك بالله. وعاق لوالديه. والزاني بحليلة جاره. ورجل سلم أخاه الى سلطان جائر. ورجل او امرأة سمع المؤذن يؤذن ولم يجب من غير عذر) يعنى أخرها عن وقتها بغير عذر كذا فى روضة العلماء وفى الحديث (ما افترض الله على خلقه بعد التوحيد شيأ أحب اليه من الصلاة ولو كان شىء أحب اليه من الصلاة تعبد به ملائكته فمنهم راكع وساجد وقائم وقاعد) وكان آخر ما اوحى به الى النبي عليه السلام الصلاة وما ملكت ايمانكم. واعلم ان لله عبادا قد منحهم ديمومية الصلاة فهم فى صلاتهم دائمون من الأزل الى الابد وليس هذا يدرك بالعقول القاصرة ولا يعقلها الا العالمون بالله تعالى. وفى التأويلات النجمية إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً يعنى واجبا فى جميع الأوقات حين فرضت بقوله فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ اى اديموها رخص فيها بخمس صلوات فى خمسة اوقات لضرورة ضعف الانسانية كما كان الصلاة الخمس خمسين صلاة حين فرضت ليلة المعراج فجعلها بشفاعة النبي عليه السلام خمسا وهذا لعوام الخلق والا اثبت دوام الصلاة للخواص بقوله الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ: وفى المثنوى
پنج وقت آمد نماز رهنمون عاشقانش فى صلاة دائمون
نيست ز رغبا وظيفه ماهيان زانكه بي دريا ندارد انس وجان
هيچ كس با خويش زرغبا نمود هيچ كس با خود بنوبت يار بود
در دل عاشق بجز معشوق نيست در ميان شان فارق وفاروق نيست
وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ نزلت فى بدر الصغرى وهى موضع سوق لبنى كنانة كانوا يجتمعون فيها كل عام ثمانية ايام- روى- ان أبا سفيان قال عند انصرافه من أحد يا محمد موعدنا موسم بدر لقابل ان شئت فقال ﷺ (ان شاء الله تعالى) فلما كان القابل القى الله الرعب فى قلبه فندم على ما قال فبعث نعيم بن مسعود ليخوف المؤمنين من الخروج الى بدر فلما أتى نعيم المدينة وجد المؤمنين يتجهزون للخروج فقال لهم ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ففتر المؤمنين فقال عليه السلام (لأخرجن ولو لم يخرج معى أحد) فانزل الله هذه الآية إرشادا لمن طرأ عليهم الوهن فى ابتغاء القوم اى طلب ابى سفيان وقوله. والمعنى لا تفتروا ولا تضعفوا فى طلب الكفار بالقتال اى لا يورثنكم ما أصابكم يوم أحد من القتل والجراحات فتورا وضعفا إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ من الجراح فَإِنَّهُمْ اى القوم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ اى ان كان لكم صارف عن الحرب وهو انكم تألمون من الجراح فلهم مثل ذلك من الصارف ولكم اسباب داعية الى الحرب ليست لهم كما أشار إليها بقوله وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ من الثواب والنصر ما لا يَرْجُونَ والحاصل ليس ما تقاسونه من الآلام مختصا بكم بل هو مشترك بينكم وبينهم ثم انهم يصبرون على ذلك فما لكم لا تصبرون مع انكم اولى به منهم حيث ترجون من الله من اظهار دينكم على سائر الأديان ومن الثواب فى الآخرة ما لا يخطر ببالهم قطعا وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً مبالغا فى العلم فيعلم أعمالكم وضمائركم حَكِيماً فيما يأمر وينهى فجدّدوا فى الامتثال بذلك فان فيه عواقب حميدة وفى امره بابتغاء القوم بالقتال لهمة بالغة كاملة ومصلحة تامة شاملة فاطلبوهم بالقتال فان الله يعذبهم فى الدنيا بايديكم وفى الآخرة بايدى الزبانية فهل ينتظرون إلا سنة الله فى الكافرين
الأولين وهو إنزال العذاب بهم حين كذبوا أنبياءهم فلن تجد لسنة الله تبديلا بجعل التعذيب غير تعذيب وغير التعذيب تعذيبا ولن تجد لسنة الله تحويلا بنقل التعذيب عنهم الى غيرهم والحاصل انه لا يبدل نفس السنة ولا يحول محل السنة إذ لقد حق القول عليهم ولا يتبدل القول لديه. وفى الآية الكريمة حث على الشجاعة والتجلد واظهار الغلظة كما قال تعالى وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً: قيل
هست نرمى آفت جان سمور وز درشتى ميبرد جان خارپشت
قال سلمان الفارسي رضى الله عنه إذا اضطرب قلب المؤمن عند محاربة الكافر تتحدر ذنوبه كتحدر أوراق الشجرة بهبوب النسيم. وقال عطية بن قيس إذا خرجت غازيا فان خطر ببالي كثرة العدد والعدد رجعت عن السفر خوفا من الغرور وان خطر قلتهما قلت لا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم: ومن كلمات بهرام [هر آنكه سر تاج دارد. بايد كه دل از سر بردارد]
هر آنكه پاى نهد در نكار خانه ملك يقين كه مال وسر وهر چهـ هست دربازد
ومن كلمات السعدي قدس سره
در قژاكند مرد بايد بود بر مخنث سلاح جنگ چهـ سود
يقول الفقير سمعت من حضرة شيخى وسندى الذي هو بمنزلة روحى من جسدى انه قال السلطان والوزير بالنسبة الى العساكر الاسلامية كالقلب بالنسبة الى الأعضاء والجوارح الانسانية فاذا ثبت ثبتوا كما ان القلب إذا صلح صلح الجسد كله فان كان اقبال الامام بعشر مراتب كان اقبال قومه بمرتبة واحدة وان كان بمائة مرتبة كان إقبالهم بعشر مراتب وهكذا واما إدباره فعكسه فان كان بمرتبة كان ادبار القوم بعشر مراتب وان كان بعشر مراتب كان ادبارهم بمائة مرتبة وهكذا وليس الدخول بدار من باب تفرج البلدان والخروج الى المسير والتنعم فلا بد لكل مجاهد ان يجتهد فى خدمة الدين ويتوكل على الله ويعقد على وعده ويصبر على البلاء حتى يبلغ الكتاب اجله وان اتى الباب فلا يستعجل الأمناء ولا يهن ولا يحزن بمكث الفتح المطلوب بل ينتظر الى فرج الله بالنصر والفتح عن قريب فان انكسار القلوب مفتاح أبواب الغيوب ومدار انفتاح انواع الفتوح. والاشارة فى الآية وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ اى فى طلب النفس وصفاتها والجهاد معها إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فى الجهاد معها وتتعبون بالرياضات والمجاهدات وملازمة الطاعات والعبادات ومداومة الذكر ومراقبة القلب فى طلب الحق والقبول والوصول الى المقامات العلية فَإِنَّهُمْ يعنى النفس والبدن فى طلب الشهوات الدنيوية واللذات الحيوانية والمرادات الجسمانية يَأْلَمُونَ ويتعبون فى طلبها كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ العواطف الازلية والعوارف الابدية ما لا يَرْجُونَ النفوس الردية من هممها الدنية التي لا تتجاوز من قصورها عن المقاصد الدنيوية وَكانَ اللَّهُ فى الأزل عَلِيماً باستعداد كل طائفة من اصناف الخلق حَكِيماً فيما حكم لكل واحد منهم من المقاصد والمشارب قد علم كل أناس مشربهم وكل حزب بمالديهم فرحون إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ اى القرآن انزالا بِالْحَقِّ- روى- ان رجلا من الأنصار يقال له طعمة بن أبيرق من بنى ظفر سرق درعا من جاره قتادة
ابن النعمان فى جراب دقيق فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه فخبأها عند زيد بن السمين اليهودي فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد وحلف ما أخذها وماله بها علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى الى منزل اليهودي فاخذوها فقال دفعها الى طعمة وشهد له ناس من اليهود على ذلك فقالت بنوا ظفر انطلقوا بنا الى رسول الله ﷺ فسألوه ان يجادل اليهودي ليدفع فضيحة البهتان عن صاحبهم طعمة وقالوا له عليه السلام ان يعاقب اليهودي ويقطع يده بناء على شهادة قوم طعمة على براءته وعلى ان اليهودي هو السارق ولم يظهر له عليه السلام ما يوجب القدح فى شهادتهم بناء على كون كل واحد من الشاهد والمشهود له من المسلمين ظاهرا فلذلك مال طبعه الى نصرة الخائن والذب عنه الا انه لم يحكم بذلك بل توقف وانتظر الوحى فنزلت الآية ناهية عنه ومنبهة على ان طعمة وشهوده كاذبون وان اليهودي بريئ من ذلك الجرم لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ اى بما عرفك واوحى به إليك. فاراك ليس من الرؤية البصرية ولا من التي بمعنى العلم والا لاستدعى ثلاثة مفاعيل بل هو منقول من رأيت بمعنى الاعتقاد والمعرفة وسميت المعرفة المذكورة رؤية لكونها جارية مجرى الرؤية فى القوة والظهور والخلوص من وجوه الريب وَلا تَكُنْ اى فاحكم به ولا تكن لِلْخائِنِينَ اى لاجلهم والذب عنهم وهم طعمة ومن يعينه فانه روى ان قومه علموا ان تلك السرقة عمل طعمة بناء على انه سارق فى الجاهلية لكنهم بيتوا طول ليلهم واتفقوا على ان يشهدوا بالسرقة على اليهودي دفعا عن طعمة عقوبة السرقة فلذلك وصفهم الله جميعا بالخيانة او المراد بالخائنين هو وكل من يتسير بسيرته خَصِيماً اى مخاصما للبراء اى لا تخاصم اليهودي لا جلهم وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ مما هممت به تعويلا على شهادتهم. قال ابن الشيخ ولما صدر عنه عليه السلام الهم بذلك الحكم الذي لو وقع لكان خطأ فى نفسه امر الله تعالى إياه عليه السلام بان يستغفر لهذا العذر وان كان معذورا فيه عند الله بناء على ان حسنات الأبرار سيآت المقربين إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً مبالغا فى المغفرة والرحمة لمن يستغفره وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ
الاختيان والخيانة بمعنى اى يخونونها بالمعصية وانما قال يختانون أنفسهم وان كانوا ما خانوا أنفسهم لان مضرة خيانتهم راجعة إليهم كما يقال فيمن ظلم غيره ما ظلم الا نفسه كذا فى تفسير الحدادي والمراد بالموصول اما طعمة وأمثاله واما هو ومن عاونه وشهد ببراءته من قومه فانهم شركاء له فى الإثم والخيانة إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُ
عدم المحبة كناية عن البغض والسخط مَنْ كانَ خَوَّاناً
مفرطا فى الخيانة مصرا عليها أَثِيماً
منهمكا فيها اطلق على طعمة لفظ المبالغة الدال على تكرر الفعل منه مع ان الصادر منه خيانة واحدة واثم واحد لكون طبعه الخبيث مائلا الى تكثير كل واحد من الفعلين. وقد روى انه هرب الى مكة وارثد ونقب حائطا بها ليسرق متاع اهله فسقط الحائط عليه فقتله قيل إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم ان لها أخوات. وعن عمر رضى الله عنه انه امر بقطع يد سارق فجاءت امه تبكى وتقول هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه فقال كذبت ان الله لا يؤاخذ عبده فى أول مرة يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ
يستترون منهم حياء وخوفا من ضررهم وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ
اى لا يستحيون منه سبحانه وهو أحق بان يستحيى
زلخها بين كتفيه فندر سيفه فقام رسول الله فاخذه ثم قال (يا غورث من يمنعك منى) قال لا أحد قال عليه السلام (تشهد ان لا اله الا الله وان محمدا عبده ورسوله وأعطيك سيفك) قال لا ولكن اشهد ان لا أقاتلك ابدا ولا أعين عليك عدوا فاعطاه سيفه فقال غورث والله لانت خير منى فقال عليه السلام (انا أحق بذلك منك) فرجع غورث الى أصحابه فقص عليهم قصته فآمن بعضهم قال وسكن الوادي فرجع رسول الله الى أصحابه وأخبرهم بالخبر إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً تعليل للامر بأخذ الحذر اى أعد لهم عذابا مهينا بان يخذلهم وينصركم عليهم فاهتموا بأموركم ولا تهملوا فى مباشرة الأسباب كى يحل بهم عذابه بايديكم فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ صلاة الخوف اى اديتموها على الوجه المبين وفرغتم منها فظهر منه ان القضاء يستعمل فيما فعل فى وقته ومنه قوله تعالى فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ حال كونكم قِياماً اى قائمين وَقُعُوداً اى قاعدين وَعَلى جُنُوبِكُمْ اى مضطجعين اى فداوموا على ذكر الله تعالى وحافظوا على مراقبته ومناجاته ودعائه فى جميع الأحوال حتى فى حال المسابقة والقتال كما فى قوله تعالى إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ سكنت قلوبكم من الخوف وأمنتم بعد ما تضع الحرب أوزارها فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ اى الصلاة التي دخل وقتها حينئذ اى أدوها بتعديل أركانها ومراعاة شرائعها. ومن حمل الذكر على ما يعم الذكر باللسان والصلاة من الحنفية فله ان يقول فى تفسير الآية فداوموا على ذكر الله فى جميع الأحوال وإذا أردتم أداء الصلاة فصلوها قائمين حال الصحة والقدرة على القيام وقاعدين حال المرض والعجز عن القيام ومضطجعين على الجنوب حال العجز عن القعود إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً اى فرضا موقتا. قال مجاهد وقته تعالى عليهم فلا بد من إقامتها فى حالة الخوف ايضا على الوجه المشروع وقيل مفروضا مقدرا فى الحضر اربع ركعات وفى السفر ركعتين فلا بد ان تؤدى فى كل وقت حسبما قدر فيه. قال فى شرح الحكم العطائية ولما علم الله تعالى ما فى العباد من وجود الشره المؤدى الى الملل القاطع عن بلوغ العمل جعل الطاعات فى الأوقات إذ جعل فى اليوم خمسا وفى السنة شهرا وفى المائتين خمسا وفى العمر زورة رحمة بهم وتيسيرا للعبودية عليهم ولو لم يقيد الطاعات بأعيان الأوقات لمنعهم عنها وجود التسويف فاذا يترك معاملته تعاميا وبطرا وبطالة واتباعا للهوى وانما وسع الوقت كى تبقى حصة الاختيار وهذا سر الوقت وكان الواجب على الامة ليلة المعراج خمسين صلاة فخفف الله عنهم وجازاهم بكل وقت عشرا فاجر خمسين فى خمسة اوقات قالوا وجه كون يوم القيامة على الكافر خمسين الف سنة لانه لما ضيع الخمسين عوقب بكل صلاة الف سنة كما أقروا على أنفسهم بقولهم لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وفى الحديث (من ترك صلاة حتى مضى وقتها ثم قضى عذب فى النار حقبا) والحقب ثمانون سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم الف سنة مما تعدون يعنى ترك الصلاة الى وقت القضاء اثم لو عاقب الله به يكون جزاءه هكذا ولكن الله يتكرم بان لا يجازى به إذا تاب عنه كذا فى مشكاة الأنوار وفى الحديث (خمسة لا تطفأ نيرانهم ولا تموت ديدانهم ولا يخفف عنهم
منه ويخاف من عقابه وَهُوَ مَعَهُمْ
عالم بهم وبأحوالهم فلا طريق الى الاستخفاء منه سوى ترك ما يستقبحه ويؤاخذ عليه إِذْ
ظرف منصوب بالعامل فى الظرف الواقع خبرا وهو معهم يُبَيِّتُونَ
يدبرون ويزورون ما لا يَرْضى
الله مِنَ الْقَوْلِ
من رمى البريء والحلف الكاذب وشهادة الزور فان طعمة قال ارمى اليهودي بانه سارق الدرع واحلف انى لم اسرقها فتقبل يمينى لانى على دينهم ولا تقبل يمين اليهودي وقال قوم طعمة من الأنصار نشهد زورا لندفع شين السرقة وعقوبتها عمن هو واحد منا وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ
من الأعمال الظاهرة والخافية مُحِيطاً
لا يفوت عنه شىء ها أَنْتُمْ
مبتدأ هؤُلاءِ
خبره والهاء فى أول كل منهما للتنبيه والجملة التي بعد هذه الجملة مبينة لوقوع أولاء خبرا كما تقول لبعض الأسخياء أنت حاتم تجود بما لك وتؤثر على نفسك والخطاب مع قوم من المؤمنين كانوا يذبون عن طعمة وعن قومه بسبب انهم كانوا فى الظاهر من المسلمين جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
المجادلة أشد المخاصمة والمعنى هبوا انكم خاصمتم عن طعمة وعن قومه فى الدنيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
فمن يخاصم عنهم فى الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
حافظا وحاميا من بأس الله وانتقامه.
وفى التأويلات النجمية وكيلا يتكلم بوكالتهم يوم لا تملك نفس لنفس شيأ والأمر يومئذ لله قال السعدي قدس سره
دران روز كز فعل پرسند وقول أولوا العزم را تن بلرزد ز هول
بجايى كه دهشت خورد انبيا تو عذر گنه را چهـ دارى بيا
فعلى العبد ان يتوب قبل الموت من كل معصية توبة نصوحا ويتدارك ما فرط من تقصيره فى فرائض الله ويرد المظالم الى أهلها حبة حبة ويستحل كل من تعرض له بلسانه شتما او قذفا او استهزاء او غيبة ويده ضربا وسوء ظنه بقلبه ويطيب قلوبهم حتى يموت ولم يبق عليه فريضة ولا مظلمة فما أشد فرحك اليوم بتمضمضك باعراض الناس وتناولك أموالهم وما أشد حسرتك فى ذلك اليوم إذا وقف بك على بساط العدل وشوفهت بخطاب السيئات وأنت مفلس فقير عاجز مهين لا تقدر على ان ترد حقا او تظهر عذرا فكيف بك يا مسكين فى يوم ترى فيه صحيفتك خالية عن حسنات طال فيها تعبك فتقول أين حسناتى فيقال نقلت الى صحيفة خصمائك فتوهن نفسك يا أخي إذا تطايرت الكتب ونصبت الموازين وقد نوديت باسمك على رؤس الخلائق أين فلان ابن فلان هلم الى العرض على الله وقد وكلت الملائكة بأخذك فقربتك الى الله لا يمنعها اشتباه الأسماء باسمك إذا عرفت انك المراد بالدعاء إذا فزع النداء قلبك فعلمت انك المطلوب فارتعدت فرائضك واضطربت جوارحك وتغير لونك وطار قلبك تخطى بك الصفوف الى ربك للعرض عليه والوقوف بين يديه وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم وأنت فى أيديهم وقد طار قلبك واشتد رعبك لعلمك اين يراد بك قال رسول الله ﷺ (يؤمر بنفر من الناس يوم القيامة الى الجنة حتى إذا دنوا منها واستنشقوا رائحتها ونظروا الى قصورها والى ما أعد الله تعالى لاهلها ثم نودوا ان اصرفوهم
فقيل أفرأيت ان كان فى أخي ما أقول قال (ان كان فيه ما تقول فقد اغتبته وان لم يكن فيه فقد بهته). وفى التأويلات النجمية فَقَدِ احْتَمَلَ
صاحب النفس بُهْتاناً
ابهت القلوب عن العبودية والطاعة وَإِثْماً مُبِيناً
بما أثمت به نفسه من المعاصي واثم بها قلبه فيكون بمنزلة من جعل اللب وهو القلب جلدا وهو النفس وهذا من اكبر الشقاوة فلا ينقطع عنه العذاب إذا صار كل وجوده جلودا فيكون من جملة الذين قال الله تعالى فيهم سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لانهم بدلوا الألباب بالجلود هاهنا انتهى. واعلم ان الاستغفار فرار العبد من الخلق الى الخالق ومن الانانية الى الهوية الذاتية وذلك عند صدق الطلب ومن طلبه وجده كما قال (ألا من طلبنى وجدنى) قال موسى عليه السلام أين أجدك يا ربى قال (يا موسى إذا قصدت الىّ فقد وصلت الىّ) فلا بد من الاستغفار مطلقا: ويقال، سلطان بلا عدل كنهر بلا ماء. وعالم بلا عمل كبيت بلا سقف.
وغنى بلا سخاوة كسحاب بلا مطر. وشاب بلا توبة كشجر بلا ثمر. وفقير بلا صبر كقنديل بلا ضوء. وامرأة بلا حياء كطعام بلا ملح. وتهذيب الأخلاق قبل الموت من سنن الأخيار والعمل الصالح قرين الرجل كما ان السوء كذلك
ناگهان بانگ در سراى افتاد كه فلانرا محل وعده رسيد
دوستان آمدند تا لب گور قدمى چند وباز پس كرديد
وين كز ودسترس نميد آرى مال وملك وقباله برده كليد
وين كه پيوسته با تو خواهد بود عمل تست ونفس پاك و پليد
نيك درياب وبد مكن زنهار كه بد ونيك باز خواهى ديد
- حكى- ان الشيخ وفا المدفون بقسطنطنية فى حريم جامعه الشريف اهدى اليه ثمانون الف درهم من قبل السلطان بايزيد الثاني ليعقد عقد النكاح لبعض بناته فقال لا افعل ولو أعطيت الدنيا وما فيها قيل ولم قال لان لى اورادا الى الضحى لا انفك عنها ساعة وأنام من الضحى الى الظهر لا اترك منه ساعة واما بعد الظهر فانتم لا ترضونه لان النهار يكون فى الانتقاص وهكذا يكون طالب الحق فى ليله ونهاره فان الدنيا فانية فالحى الباقي هو الله تعالى فلا بد من طلبه وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ
بالعصمة لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ
اى من بنى ظفروهم الذابون عن طعمة أَنْ يُضِلُّوكَ
اى بان يضلوك عن القضاء بالحق بتلبيسهم عليك مع علمهم بان الجاني هو صاحبهم وليس القصد فيه الى نفى همهم بل الى نفى تأثيره وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ
لان وباله عليهم وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ
محل الجار والمجرور النصب على المصدرية اى وما يضرونك شيأ من الضرر لان الله عاصمك وما خطر ببالك كان اعتمادا منك على ظاهر الأمر لا ميلا فى الحكم وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ
اى القرآن وَالْحِكْمَةَ
اى ما فى القرآن من الاحكام وعرفك الحلال والحرام وَعَلَّمَكَ
بالوحى من الغيب وخفيات الأمور ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
ذلك الى وقت التعليم وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
إذ لا فضل أعظم من النبوة العامة والرياسة
التامة ومن ذلك الفضل العظيم عصمته وتعليمه ما لم يعلم. قال الحدادي فى تفسيره وفى هذه الآيات دلالة انه لا يجوز لاحد ان يخاصم لغيره فى اثبات حق او نفيه وهو غير عالم بحقيقة امره وانه لا يجوز للحاكم الميل الى أحد الخصمين وان كان أحدهما مسلما والآخر كافرا وان وجود السرقة فى يدى انسان لا يوجب الحكم بها عليه انتهى. واعلم ان هذه الآية جامعة لفضائل كثيرة. منها بيان ان وبال الشر يعود على صاحبه كما ان منفعة الخير تعود على فاعله: قال الصائب
أول بظالمان اثر ظلم ميرسد پيش از هدف هميشه كمان ناله ميكند
- حكى- ان الله تعالى ايبس يد رجل بذبح عجل بقرة بين يدى امه ثم ردها برد فرخ سقط من وكره الى امه يقال ثلاثة لا يفلحون بائع البشر وقاطع الشجر وذابح البقر- وحكى- ان امرأة وضعت لقمة فى فم سائل ثم ذهبت الى مزرعة فوضعت ولدها فى موضع فاخذه الذئب فقالت يا رب ولدي فاخذ آت عنق الذئب واستخرج ولدها من غير أذى ثم قال هذه اللقمة لتلك اللقمة التي وضعتها فى فم السائل فكل يرى اثر صنعه فى الدنيا ايضا. ومنها ان العلم والحكمة من أعظم الفضائل والمراد العلم النافع المقرب الى الله تعالى أعاذنا الله مما لم ينفع منه على ما قال عليه الصلاة والسلام فى دعائه (وأعوذ بك من علم لا ينفع) فان العلم النافع لا ينقطع مدده فى الآخرة ايضا على ما روى مسلم عن ابى هريرة رضى الله عنه إذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له. ومنها ان لا يرى العبد الفضائل والخيرات من نفسه بل من فضل الله ورحمته وليس للعبد ان يزكى نفسه فان الأنفس ليست بمحل التزكية فمن استحسن من نفسه شيأ فقط أسقط من باطنه أنوار اليقين والكامل لا يرى لنفسه قدرا فكيف لعمله وكل ما يعمله العبد من بدايته الى نهايته لا يقابل لنعمة الوجود- حكى- عن شاه شعاع الكرماني انه كان جالسا فى مسجد فقام فقير وسأل الناس فلم يعطوه شيأ فقال الكرماني من يشترى حج خمسين سنة بمن من الخبر. فيعطى هذا الفقير وكان هناك فقيه فقال ايها الشيخ قد استحففت بالشريعة فقال الكرماني لا ارى لنفسى قيمة فكيف ارى لعملى وليس المراد التعطيل عن العمل بل يعملون جميع الحسنات ولا يرون لها قدرا بل يرون التوفيق لها من فضل الله تعالى: قال السعدي قدس سره
كراز حق توفيق خيرى رسد كه از بنده خيرى بغيري رسد
چورويى بخدمت نهى بر زمين خدا را ثنا گوى وخود را مبين
والاشارة فى الآية ان فضل الله موهبة من مواهب الحق يؤتيه من يشاء وليس لأحد فيه مدخل بالكسب والاستجلاب وبذلك يهدى العبد للايمان ويوفقه للعمل الصالح والعظيم فى قوله وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
هو الله تعالى اى ان الله العظيم هو فضل الله عليك ورحمته كما انك فضل الله ورحمته على العالمين ولهذا قال (لولاك لما خلقت الافلاك) ومن فضل الله عليه انه لم يضله شىء من الروحانيات والجسمانيات عن طريق الوصول اللهم احفظنا من الموانع فى طريق الوصول إليك آفاقية او انفسية والحقنا بفضلك بالنفوس القدسية
عنها لا نصيب لهم فيها فيرجعون بحسرة وندامة ما رجع الأولون والآخرون بمثلها فيقولون يا ربنا لو ادخلتنا النار قبل ان ترينا ما أريتنا من ثواب ما اعددت لأوليائك فيقول الله تعالى ذاك أردت بكم كنتم إذا خلوتم بي بارزتمونى بالعظائم فاذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين ترون الناس خلاف ما ينطوى عليه قلوبكم هبتم الناس ولم تهابونى اجللتم الناس ولم تجلونى تركتم للناس ولم تتركو الى) يعنى لاجل الناس (فاليوم اذيقكم اليم عقابى مع ما حرمتكم) يعنى من جزيل ثوابى قال تعالى يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
كذا فى تنبيه الغافلين فاذا عرفت هذا فاجتهد فى ان لا تكون من الذين لا يستخفون من الله واجعل خيانتك امانة واثمك طاعة وظلمك عدلا وتزويرك صدقا محضا واستغفر الله فان الاستغفار دواء الأوزار وبه ينفتح باب الملكوت الى الله الملك الغفار وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً
عملا قبيحا متعديا يسوء به غيره ويخزيه كما فعل طعمة بقتادة واليهودي أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ
بما يختص به كالحلف الكاذب وقيل السوء مادون الشرك والظلم الشرك لان الشرك ظلم عظيم. وقيل هما الصغيرة والكبيرة ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ
بالتوبة الصادقة وشرطت التوبة لان الاستغفار لا يكون توبة بالإجماع ما لم يقل معه تبت واسأت ولا أعود اليه ابدا فاغفرلى يا رب كما فى تفسير الحدادي يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً
لذنوبه كائنة ما كانت رَحِيماً
متفضلا عليه وفيه مزيد ترغيب لطعمة وقومه فى التوبة والاستغفار لما ان مشاهدة التائب لآثار المغفرة والرحمة نعمة زائدة.
وعن على رضى الله عنه قال حدثنى ابو بكر وصدق ابو بكر رضى الله عنه قال (ما من عبد يذنب ذنبا ثم يتوضأ ويصلى ركعتين ويستغفر الله الا غفر الله له وتلا هذه الآية ومن يعمل سوأ إلخ)
اى كه بى حد گناه كردستى مى نترسى از آن فعال شنيع
توبه كن تا رضاى حق يابى كه به از توبه نيست هيچ شفيع
وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً
من الآثام فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ
بحيث لا يتعدى ضرره ووباله الى غيره فليحترز عن تعريضها للعقاب والعذاب عاجلا وآجلا. وفى التأويلات النجمية فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ
فان رين الإثم يظهر فى الحال فى صفاء مرآة قلبه يعميه عن رؤية الحق ويصمه عن سماع الحق كما قال تعالى كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
فهو عالم بفعله حكيم فى مجازاته وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً
صغيرة او مالا عمد فيه من الذنوب أَوْ إِثْماً
كبيرة او ما كان عن عمد ثُمَّ يَرْمِ بِهِ
اى يقذف بأحد المذكورين ويسب به بَرِيئاً
اى مما رماه به ليحمله عقوبة العاجلة كما فعل طعمة بزيد اليهودي فَقَدِ احْتَمَلَ
اى بما فعل من تحميل جريرته على البرى بُهْتاناً
لا يقادر قدره وَإِثْماً مُبِيناً
اى بينا فاحشا لانه بكسب الاسم آثم وبرمى البريء باهت فهو جامع بين الامرين وسمى رمى البريء بهتانا لكون البريء متحيرا عند سماعه لعظمه فى الكذب يقال بهت الرجل بالكسر إذا دهش وتحير ويقال بهته بهتانا إذا قال عنه مالم يقله او نسب اليه ما لم يفعله- روى- عنه عليه السلام انه قال (الغيبة ذكرك أخاك بما يكره)
لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ اى فى كثير من تناجى الناس وهو فى اللغة سر بين اثنين وذهب الزجاج الى ان النجوى ما تفرد به الجماعة او الاثنان سرا كان او ظاهرا. قال مجاهد هذه الاية عامة فى حق جميع الناس غير مختصة بقوم طعمة وان نزلت فى تناجى قوم السارق لتخليصه إِلَّا مَنْ أَمَرَ اى الا فى نجوى من امر على انه مجرور بدل من كثير كما تقول لا خير فى قيامهم الا قيام زيد بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ المعروف كل ما يستحسنه الشرع ولا ينكره العقل فينتظم اصناف الجميل وفنون اعمال البر وقد فسر هنا بالقرض واغاثة الملهوف وصدقة التطوع على ان المراد بالصدقة الصدقة الواجبة قال ﷺ (كل معروف صدقة) وأول اهل الجنة دخولا اهل المعروف وصنائع المعروف تقى مصارع السوء
تو نيكى كن بآب انداز اى شاه اگر ماهى نداند داند الله
وفى الحديث (عمل ابن آدم كله عليه لا له الا ما كان من امر بمعروف او نهى عن منكر او ذكر الله) أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ عند وقوع المشاقة والمعاداة بينهم من غير انه يجاوز فى ذلك حدود الشرع الشريف وفى الحديث (ألا أخبركم بأفضل درجة من الصلاة والصدقة) قالوا بلى يا رسول الله قال (إصلاح ذات البين) وفساد ذات البين هى الحالقة فلا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين. وعن ابى أيوب الأنصاري ان رسول الله ﷺ قال له (ألا ادلك على صدقة خير لك من حمر النعم) قال بلى يا رسول الله قال (تصلح بين الناس إذا تفاسدوا وتقرب بينهم إذا تباعدوا) قالوا ولعل السر فى افراد هذه الاقسام الثلاثة بالذكر ان عمل الخير المتعدى الى الناس اما لايصال المنفعة او لدفع المضرة والمنفعة.
اما جسمانية كاعطاء المال واليه الاشارة بقوله عز وجل إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ. واما روحانية واليه الاشارة بقوله أَوْ مَعْرُوفٍ. واما دفع الضرر فقد أشير اليه بقوله أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اشارة الى الأمور المذكورة اعنى الصدقة والمعروف والإصلاح فانه يشاربه الى متعدد وانما بنى الكلام على الأمر حيث قال اولا الا من امر فهو كلام فى حق الآمر بالفعل ورتب الجزاء على الفعل حيث قال ومن يفعل فهو كلام فى حق الفاعل وكان المناسب للاول ان يبين حكم الآمر ويقول ومن يأمر بذلك ليدل على انه لما دخل الآمر فى زمرة الخيرين كان الفاعل ادخل فيهم وان العمدة والغرض هو الفعل واعتبار الأمر من حيث انه وصلة اليه. ففيه تحريض الآمر بالأمور المذكورة على فعلها ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ اى طلب رضى الله تعالى علة للفعل والتقييد به لان الأعمال بالنيات وان من فعل خيرا رياء وسمعة لم يستحق به غير الحرمان: قال السعدي
گرت بيخ اخلاص در بوم نيست ازين در كسى چون تو محروم نيست
ز عمرو اى پسر چشم اجرت مدار چودر خانه زيد باشى بكار
فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً يقصر عنه الوصف ويستحقر دونه مافات من اعراض الدنيا وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ يخالفه من الشق فان كلا من المتخالفين فى شق غير شق الآخر مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى ظهر له الحق بالوقوف على المعجزات الدالة على نبوته
فى قوله بَعِيداً ان الذهاب عن الجنة على مراتب أبعدها الشرك بالله تعالى انتهى. فالشرك أقبح الرذائل كما ان التوحيد احسن الحسنات. والسيئات على وجوه كاكل الحرام وشرب الخمر والغيبة ونحوها لكن أسوأ الكل الشرك بالله ولذلك لا يغفر وهو جلى وخفى حفظنا الله منهما. وكذا الحسنات على وجوه ويجمعها العمل الصالح وهو ما أريد به وجه الله واحسن الكل التوحيد لانه أساس جميع الحسنات وقامع السيئات ولذلك لا يوزن قال عليه السلام (كل حسنة يعملها ابن آدم توزن يوم القيامة الا شهادة ان لا اله الا الله فانها لا توضع فى ميزانه) لانها لو وضعت فى ميزان من قالها صادقا ووضعت السموات والأرضون السبع وما فيهن كان لا اله الا الله أرجح من ذلك ثم ان الله تعالى بين كون ضلالهم ضلالا بعيدا فقال إِنْ بمعنى ما النافية يَدْعُونَ اى المشركون وهو بمعنى يعبدون لان من عبد شيأ فانه يدعوه عند احتياجه اليه مِنْ دُونِهِ الضمير راجع الى الله تعالى إِلَّا إِناثاً جمع أنثى والمراد الأوثان وسميت أصنامهم إناثا لانهم كانوا يصورونها بصورة الإناث ويلبسونها انواع الحلل التي تتزين بها النساء ويسمونها غالبا بأسماء المؤنثات نحو اللات والعزى ومناة والشيء قد يسمى أنثى لتأنيث اسمه او لانها كانت جمادات لا أرواح فيها والجماد يدعى أنثى تشبيها له بها من حيثانه منفعل غير فاعل ولعله تعالى ذكره بهذا الاسم تنبيها على انهم يعبدون ما يسمونه إناثا لانه ينفعل ولا يفعل ومن حق المعبود ان يكون فاعلا غير منفعل ليكون دليلا على تناهى جهلهم وفرط حماقتهم وقيل المراد الملائكة فان من المشركين من يعبد الملائكة ويقول الملائكة بنات الله تعالى قال الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى مع اعترافهم بان إناث كل شىء اخسه وأرذله وَإِنْ يَدْعُونَ اى وما يعبدون بعبادة الأصنام إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً لانه الذي أمرهم بعبادتها وأغراهم عليها وكان طاعته فى ذلك عبادة له.
قيل كان فى كل واحد من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة والكهنة يكلمهم. وقال الزجاج المراد بالشيطان هاهنا إبليس بشهادة قوله تعالى بعد هذه الآية لَأَتَّخِذَنَّ وهو قول إبليس ولا يبعد ان الذي يتراءى للسدنة هو إبليس والمريد هو الذي لا يعلق بخير. فقيل من مرد اى تجرد للشر وتعرى من الخير يقال شجرة مرداء اى لاورق عليها وغلام امرد إذا لم يكن على وجهه شعر لَعَنَهُ اللَّهُ صفة ثانية للشيطان اى أبعده من رحمته الى عقابه بالحكم له بالخلود فى جهنم ويسقط بهذا قول من قال كيف يصح ان يقال لعنه الله وهو فى الدنيا لا يخلو من نعمة تصل اليه من الله تعالى فى كل حال لانه لا يعتد بتلك النعمة مع الحكم له بالخلود فى النار وَقالَ عطف عليه اى شيطانا مريدا جامعا بين لعنة الله وهذا القول الشنيع الصادر عنه عند اللعن الدال على فرط عداوته للناس فان الواو الواقعة بين الصفات انما تفيد مجرد الجمعية لَأَتَّخِذَنَّ هذه اللام واللامات الآتية كلها للقسم مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً اى مقطوعا واجبا قدّر لى وفرض وهو اى النصيب المفروض لابليس كل من أطاعه فيما زين له من المعاصي.
قال الحسن من كل الف تسعمائة وتسعة وتسعون كما فى حديث المشارق (يقول الله تعالى) اى
فى يوم الموقف (يا آدم فيقول لبيك وسعديك والخير فى يديك فيقول اخرج بعث النار) يعنى ميز أهلها والبعث بمعنى المبعوث (قال وما بعث النار) ما هنا بمعنى كم العددية ولذا أجيب عنها بالعدد (قال) اى الله تعالى (من كل الف تسعمائة وتسعة وتسعون قال النبي عليه السلام فذلك التقاول حين بشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها) كنايتان عن شدة اهوال يوم القيامة (وترى الناس سكارى) اى من الخوف (وما هم بسكارى) اى من الخمر (ولكن عذاب الله شديد قال) اى الراوي واشتد ذلك عليهم فقالوا يا رسول الله أينا ذلك الرجل الباقي من الالف فقال (ابشروا فان من يأجوج ومأجوج الفا ومنكم رجلا) والخطاب للصحابة وغيرهم من المؤمنين ثم قال (والذي نفسى بيده انى لأرجو ان تكونوا ربع اهل الجنة) قال الراوي فحمدنا الله وكبرنا ثم قال (والذي نفسى بيده انى لارجو ان تكونوا ثلث اهل الجنة) فحمدنا الله وكبرنا ثم قال (والذي نفسى بيده انى لارجو ان تكونوا شطر اهل الجنه) وترقى عليه السلام فى حديث آخر من النصف الى الثلثين وقال (ان اهل الجنة مائة وعشرون صنفا وهذه الامة منها ثمانون ان مثلكم فى الأمم) اى الكفرة (كمثل الشعرة البيضاء فى جلد الثور الأسود) فلا يستبعد دخول كل المؤمنين الجنة. فان قيل كيف علم إبليس انه يتخذ من عباد الله نصيبا. قيل فيه اجوبة. منها ان الله تعالى لما خاطبه بقوله لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ علم إبليس انه ينال من ذرية آدم ما يتمناه. ومنها انه لما وسوس لآدم فنال منه طمع فى ذريته. ومنها ان إبليس لما عاين الجنة والنار علم ان لها سكانا من الناس وَلَأُضِلَّنَّهُمْ عن الحق وإضلاله وسواس ودعاء الى الباطل ولو كان اليه شىء من الضلالة سوى الدعاء إليها لأضل جميع الخلق ولكنه لما قال عليه السلام فى حقه (خلق إبليس مزينا وليس اليه من الضلالة شىء) يعنى انه يزين للناس الباطل وركوب الشهوات ولا يخلق لهم الضلالة وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ الأماني الباطلة بان يخيل للانسان ادراك ما يتمناه من المال وطول العمر. وقيل يمنى الإنسان اى يوهمه انه لا جنة ولا نار ولا بعث ولا عقاب ولا حساب. وقيل بان يوهمه انه ينال فى الآخرة حظا وافرا من فضل الله ورحمته وَلَآمُرَنَّهُمْ بالبتك اى القطع والشق فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ اى فليقطعنها بموجب امرى ويشقنها من غير تلعثم فى ذلك ولا تأخير يقال بتكه اى قطعه ونقل الى بناء التفعيل اى التبتيك للتكثير. واجمع المفسرون على ان المراد به هاهنا قطع آذان البحائر والسوائب والانعام الإبل والبقر والغنم اى لا حملنهم على ان يقطعوا آذان هذه الأشياء ويحرموها على أنفسهم بجعلها للاصنام وتسميتها بحيرة وسائبة ووصيلة وحاميا وكان اهل الجاهلية إذا أنتجت ناقة أحدهم خمسة ابطن وكان آخرها ذكرا بحروا اذنها وامتنعوا من ركوبها وحلبها وذبحها ولا تطرد عن ماء ولا تمنع عن مرعى وإذا لقيها المعيى لم يركبها وقيل كانوا يفعلون ذلك بها إذا ولدت سبعة ابطن والسائبة المخلاة تذهب حيث شاءت وكان الرجل منهم يقول ان شفيت فناقتى سائبة او يقول ان قدم غائبى من السفر أو إن وصلت الى وطنى او ان ولدت امرأتى ذكرا او نحو ذلك فناقتى سائبة فكانت كالبحيرة وكذا من كثر ماله يسيب واحدة منها تكرّ ما وكانت لا ينتفع بشىء منها ولا تمنع عن ماء ومرعى الى ان تموت فيشترك
فى أكلها الرجال والنساء. والوصيلة هى من الغنم إذا ولدت سبعة ابطن فان كان الولد السابع ذكرا ذبحوه لآلتهم وكان لحمه للرجال دون النساء وان كان أنثى كانوا يستعملونها وكانت بمنزلة سائر الغنم وان كان ذكرا وأنثى قالوا ان الاخت وصلت أخاها فلا يذبحون أخاها من أجلها وجرى مجرى السائبة وكانت المنفعة للرجال دون النساء فهى فعيلة بمعنى فاعلة والحامى هو البعير الذي ولد ولد ولده وقيل هو الفحل من الإبل إذا ركب ولد ولده قالوا له انه قد حمى ظهره فيهمل ولا يركب ولا يمنع عن الماء والمرعى وإذا مات يأكله الرجال والنساء وَلَآمُرَنَّهُمْ بالتغيير فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ عن
نهجه صورة وصفة. ويندرج فيه امور.
منها فقئ عين الحامى وكانت العرب إذا بلغت ابل أحدهم الفا عوّروا عين فحلها والحامى الفحل الذي طال مكثه عندهم. ومنها خصاء العبيد وعموم اللفظ يمنع الخصاء مطلقا لكن الفقهاء رخصوا فى خصاء البهائم لمكان الحاجة ومنعوه فى بنى آدم وعند ابى حنيفة يكره شراء الحصيان واستخدامهم لان الرغبة فيهم تدعو الى خصائهم. قال فى نصاب الاحتساب قرأت فى بعض الكتب ان معاوية دخل على النساء ومعه خصى مجبوب فنفرت منه امرأة فقال معاوية انما هو بمنزلة امرأة فقال أترى ان المثلة فيه قد أحلت ما حرم الله من النظر فتعجب من فطنتها وفقهها. ومنها الوشم وهو ان يغرز الجلد بابرة ثم يخشى بكحل او بنيلنج وهو دخان الشحم يعالج به الوشم حتى يخضر. قال بعض اصحاب الشافعي وجبت إزالته ان أمكن بالعلاج والا فبالجرح ان لم يخف فوت عضو. ومنها الوشر وهو ان تحدد المرأة اسنانها وترققها تشبها بالشواب. ومنها التنمص وهو نتف شعور الوجه يقال تنمصت المرأة إذا تزينت بنتف شعر وجهها وحاجبها والنامصة المرأة التي تزين النساء بالمنمص والمنمص والمنماص المنقاش وقد لعن النبي عليه السلام النامصة والمتنمصة والواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والواشرة والمستوشرة. والواصلة هى التي تصل شعر غيرها بنفسها. والمستوصلة هى التي تأمر غيرها بان توصل ذلك الى شعرها. قال ابن الملك الواصلة هى التي تصل الشعر بشعر آخر زورا.
والمستوصلة هى التي تطلبه والرجل والمرأة سواء فى ذلك هذا إذا كان المتصل شعر الآدمي لكرامته فلا يباح الانتفاع بشىء من اجزائه اما غيره فلا بأس بوصله. فيجوز اتخاذ النساء القراميل من الوبر. وقيل فيه تفصيل ان لم يكن لها زوج فهو حرام ايضا وان كان فان فعلته بإذن الزوج او السيد يجوز والا فلا ثم انها ان فعلت ذلك بصغيرة تأثم فاعلته ولا تأثم المفعولة لانها غير مكلفة. ويدخل فى التنمص نتف شعر العانة فان السنة خلق العانة ونتف الإبط.
ومنها السحق وهو لكونه عبارة عن تشبه الأنثى بالذكور من قبيل تغيير خلق الله عن وجهه صفة وفى الحديث المرفوع (سحاق النساء زنى بينهن) وكذا التخنث لما فيه من تشبه الذكر بالأنثى وهو اظهار اللين فى الأعضاء والتكسر فى اللسان. ومنها اللواطة لما فيها من اقامة ما خلق لدفع الفضلات مقام موضع الحراثة والنظر الى صبيح الوجه بالشهوة حرام ومجالسته حرام لانه عورة من القرن الى القدم وجاء فى بعض الروايات (ان مع كل امرأة شيطانين ومع كل غلام ثمانية عشر شيطانا). ومنها عبادة الشمس والقمر والكواكب والحجارة
وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ اى غير ما هم مستمرون عليه من اعتقاد وعمل وهو الدين القيم نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى اى نجعله واليا لما تولاه من الضلال ونخذله بان نخلى بينه وبين ما اختار وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ اى ندخله فيها وَساءَتْ مَصِيراً اى جهنم- روى- ان طعمة عاند حكم الله وخالف رسول الله خوفا من فضاحة قطع اليد فهرب الى مكة واتبع دين أهلها ومات كافرا فعلى العاقل ان لا يخالف الجماعة وهم المؤمنون فان الشاة الخارجة عن القطيع يأكلها الذئب وسبيل المؤمنين هو السبيل الحق الموصل الى الجنة والقربة والوصلة واللقاء. والاشارة انه لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ اى الذين يتناجون من النفس والشيطان والهوى لانهم شرار ولا فيما يتناجون به لانهم يأمرون بالسوء والفحشاء والمنكر ثم استثنى وقال إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ اى الا فيمن امر بهذه الخيرات فان فيه الخير وهو الله تعالى فانه يأمر بالخيرات بالوحى عموما او يأمر بالخاطر الرحمانى والإلهام الرباني خواص عباده فالخاطر يكون بواسطة الملك وبغير الواسطة كما قال عليه السلام (ان للملك لمة وان للشيطان لمة فلمة الملك إيعاد بالخير ولمة الشيطان إيعاد بالشر) والإلهام ما يكون من الله تعالى بغير الواسطة وهو على ضربين. ضرب منه مالا شعور به للعبد انه من الله. وضرب منه ما يكون باشارة صريحة يعلم العبد انه آت من الله تعالى لتعليم نور الإلهام وتعريفه لا يحتاج الى معرفة آخر انه من الله تعالى وهذا يكون للولى وغير الولي كما قال بعض المشايخ حدثنى قلبى عن ربى وقال عليه السلام (ان الحق لينطق على لسان عمر) وقال (كادت فراسته ان تسبق الوحى) ثم قال وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ
اى ومن يفعل بما ألهمه الله طلبا لمرضاته فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ذكر بفاء التعقيب قوله فسوف يعنى عقيب الفعل نؤتيه اجرا وهو جذبة العناية التي تجذبه عنه وتوصله الى العظيم ثم قال وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ اى يخالف الإلهام الرباني الذي هو رسول الحق اليه مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى بتعريف الإلهام ونوره وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ الموقنين بالإلهام بان يتبع الهوى وتسويل النفس وسبيل الشيطان نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى اى نكله بالخذلان الى ما تولى وَنُصْلِهِ بسلاسل معاملاته التي تولى بها الى جَهَنَّمَ سفليات الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية وَساءَتْ مَصِيراً اى ما صار اليه من عبادة الهوى واتباع النفس والشيطان واشراكهم بالله فى المطاوعة كذا فى التأويلات النجمية إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ يقال جاء شيخ الى رسول الله ﷺ وقال انى شيخ منهمك فى الذنوب الا انى لم أشرك بالله شيأ منذ عرفته وآمنت به ولم اتخذ من دونه وليا ولم أوقع المعاصي جراءة وما توقعت طرفة عين انى أعجز الله هربا وانى لنادم تائب فما ترى حالتى عند الله فنزلت هذه الآية. فالشرك غير مغفور الا بالتوبة عنه وما سواه مغفور سواء حصلت التوبة او لم تحصل لكن لا لكل أحد بل لمن يشاء الله مغفرته وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً عن الحق فان الشرك أعظم انواع الضلالة وأبعدها عن الصواب والاستقامة.
قال الحدادي اى فقد ذهب عن الصواب والهدى ذهابا بعيدا وحرم الخير كله. والفائدة
فان عبادتها وان لم تكن تغييرا لصورها لكنها تغيير لصفتها فان شيأ منها لم يخلق لان يعبد من دون الله وانما خلق لينتفع به العباد على الوجه الذي خلق لاجله وكذا الكفر بالله وعصيانه فانه ايضا تغيير خلق الله من وجهه صفة فانه تعالى فطر الخلق على استعداد التحلي بحلية الايمان والطاعة ومن كفر بالله وعصاه فقد أبطل ذلك الاستعداد وغير فطرة الله صفة ويؤيده قوله عليه السلام (كل مولود يولد على فطرة الإسلام فابواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) وكذا استعمال الجوارح فى غير ما خلقت لاجله تغيير لها عن وجهها صفة.
والجمل الأربع وهى لأتخذن ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم كل واحدة منها مقول للشيطان فلا يخلو اما ان يقولها بلسان جسمه او بلسان فعله وحاله وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ بايثار ما يدعو اليه على ما امره الله به ومجاوزته عن طاعة الله تعالى الى طاعته فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً لانه ضيع رأس ماله بالكلية وبدل مكانه من الجنة بمكانه من النار يَعِدُهُمْ ما لا ينجزه من طول العمر والعافية ونيل لذائذ الدنيا من الجاه والمال وقضاء شهوات النفس وَيُمَنِّيهِمْ مالا ينالون نحو ان لا بعث ولا حساب ولا جزاء او نيل المثوبات الاخروية من غير عمل وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً وهو اظهار النفع فيما فيه الضرر وهذا الوعد اما بإلقاء الخواطر الفاسدة او بألسنة أوليائه. وغرورا اما مفعول ثان للوعد او مفعول لاجله اى ما يعدهم لشىء الا لان يغرهم. واعلم ان العمدة فى إغواء الشيطان ان يزين زخارف الدنيا ويلقى الأماني فى قلب الإنسان مثل ان يلقى فى قلبه انه سيطول عمره وينال من الدنيا أمله ومقصوده ويستولى على أعدائه ويحصل له ما تيسر لارباب المناصب والأموال وكل ذلك غرور لانه ربما لا يطول عمره وان طال فربما لا ينال أمله ومطلوبه وان طال عمره ووجد مطلوبه على احسن الوجوه فلا بد ان يفارقه بالموت فيقع فى أعظم انواع الغم والحسرة فان تعلق القلب بالمحبوب كلما كان أشد وأقوى كانت مفارقته أعظم تأثيرا فى حصول الغم والحسرة ولذلك قيل
الفت مكير همچوالف هيچ با كسى تا بشنوى الم نشوى وقت انقطاع.
فنبه سبحانه وتعالى على ان الشيطان انما يعد ويمنى لاجل ان يغر الإنسان ويخدعه ويفوت عنه أعز المطالب وانفع المآرب. فالعاقل من لا يتبع وسواس الشيطان ويبتغى رضى الرحمن بالتمسك بكتابه العظيم وسنن رسوله الكريم والعمل بهما ليفوز فوزا عظيما وكفى بذلك نصيحة أُولئِكَ اشارة الى اولياء الشيطان وهو مبتدأ مَأْواهُمْ اى مستقرهم وهو مبتدأ ثان جَهَنَّمُ خبر للثانى والجملة خبر للاول وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً اى معدلا ومهربا من حاص يحيص إذا عدل وعنها متعلق بمحذوف وقع حالا من محيصا اى كائنا عنها ولا يجوز ان يتعلق بيجدون لانه لا يتعدى بعن ولا بقوله محيصا لانه اما اسم مكان وهو لا يعمل مطلقا واما مصدر ومعمول المصدر لا يتقدم عليه. والاشارة ان الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم السعداء وخلق النار وخلق لها أهلا وهم الأشقياء وخلق الشيطان مزينا وداعيا وآمرا بالهوى فمن يرى حقيقة الإضلال ومشيئته من إبليس فهو إبليس وقد قال تعالى يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
ما قارنه عمل والا فهو امنية والامنية منية اى موت إذ هي موجبة لتعطيل فوائد الحياة: قال السعدي
قيامت كه بازار نيهو نهند منازل باعمال نيكو نهند
بضاعت بچندان كه آرى برى اگر مفلسى شرمسارى برى
كسى را كه حسن عمل بيشتر بدرگاه حق منزلت پيشتر
ثم انه تعالى أكد حكم الجملة الماضية وقال مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً عملا قبيحا يُجْزَ بِهِ عاجلا او آجلا لما روى انه لما نزلت قال ابو بكر رضى الله عنه فمن ينجو مع هذا يا رسول الله فقال عليه السلام (اما تحزن اما تمرض اما يصيبك اللأواء) قال بلى يا رسول الله قال (هو ذلك) قال ابو هريرة رضى الله عنه لما نزل قوله تعالى مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ بكينا وحزنا وقلنا يا رسول الله ما أبقت هذه الآية من شىء قال (اما والذي نفسى بيده لكما أنزلت ولكن يسروا وقاربوا وسددوا) اى اقصدوا السداد اى الصواب (ولا تفرطوا فتجهدوا أنفسكم فى العبادة لئلا يفضى ذلك بكم الى الملال فتتركوا العمل) كذا فى المقاصد الحسنة وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً اى ولا يجد لنفسه إذا جاوز موالاة الله ونصرته من يواليه وينصره فى دفع العذاب عنه وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ من للتبعيض اى بعضها وشيأ منها فان كل واحد لا يتمكن من كلها وليس مكلفا بها وانما يعمل منها ما هو تكليفه وفى وسعه وكم من مكلف لا حج عليه ولا جهاد ولا زكاة وتسقط عنه الصلاة فى بعض الأحوال مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى فى موضع الحال من المستكن فى يعمل ومن للبيان وَهُوَ مُؤْمِنٌ حال شرط اقتران العمل بها فى استدعاء الثواب المذكور لانه لا اعتداد بالعمل بدون الايمان فيه فَأُولئِكَ المؤمنون العاملون يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً اى لا ينقصون مما استحقوه من جزاء أعمالهم مقدار النقير وهى النقرة اى الحفرة التي فى ظهر النواة ومنها تنبت النخلة وهو علم فى القلة والحقارة وإذا لم ينقص ثواب المطيع فبالحرى ان لا يزاد عقاب العاصي لان المجازى ارحم الراحمين وفى الحديث (ان الله وعد على الطاعة عشر حسنات وعلى المعصية الواحدة عقوبة واحدة فمن جوزى بالسيئة نقصت واحدة من عشر وبقيت له تسع حسنات فويل لمن غلبت آحاده أعشاره) اى سيآته على حسناته. قال النيسابورى حكمة تضعيف الحسنات لئلا يفلس العبد إذا اجتمع الخصماء فى طاعته فيدفع إليهم واحدة ويبقى له تسع فمظالم العباد توفى من التضعيفات لا من اصل حسناته لان التضعيف فضل من الله تعالى واصل الحسنة الواحدة عدل منه واحدة بواحدة. وقد ذكر الامام البيهقي فى كتاب البعث فقال ان التضعيفات فضل من الله تعالى لا تتعلق بها العباد كما لا تتعلق بالصوم بل يدخرها الحق للعبد فضلا منه سبحانه فاذا دخل الجنة أثابه بها: قال السعدي قدس سره
واعلم ان جميع الأعمال الصالحة يزيد فى نور الايمان فعليك بالطاعات والحسنات والوصول الى المعارف الالهية فان العلم بالله أفضل الأعمال ولذلك لما قيل يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال (العلم بالله) فقيل الأعمال نريد قال (العلم بالله) فقيل نسأل عن العمل وتجيب عن العلم فقال (ان قليل العمل ينفع مع العلم وان كثير العمل لا ينفع مع الجهل) وذلك انما يحصل بتصفية الباطن مع صيقل التوحيد وانواع الاذكار ولا يعقلها الا العالمون. والاشارة لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ يعنى بامانى عوام الخلق الذين يذنبون ولا يتوبون ويطمعون ان يغفر الله لهم والله تعالى يقول وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ يعنى العلماء السوء الذين يغرون الخلق بالرجاء المذموم ويقطعون عليهم طريق الطلب والجد والاجتهاد مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ فى الحال بإظهار الرين على مرآة قلبه بعد الذنب كما قال عليه السلام (إذا أذنب عبد ذنبا نكت فى قلبه نكتة سوداء فان تاب ورجع منه صقل) وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا يخرجه من ظلمات المعصية الى نور الطاعة بالتوبة وَلا نَصِيراً سوى الله ينصره بالظفر على النفس الامارة فيزكيها عن صفاتها وعلى الشيطان فيدفع شره وكيده وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ اى الخالصات مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى يشير بالذكر الى القلب وبالأنثى الى النفس وَهُوَ مُؤْمِنٌ مخلص فى تلك الأعمال فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ المعنى ان القلب إذا عمل بما وجب عليه من التوجه الى العالم العلوي والاعراض عن العالم السفلى وغض البصر عن سوى الحق يستوجب دخول جنة القربة والوصلة والنفس إذا عملت بما وجب عليها من الانتهاء عن هواها وترك حظوظها وأداء حقوق الله تعالى فى العبودية واطمأنت بها تستحق الرجوع الى ربها والدخول فى جنة عالم الأرواح كما قال تعالى يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً فيما قدر لهم الله من الأعمال الصالحات ولا من الدرجات والقربات فليس من تمنى نعمته من غير ان يتعنى فى خدمته كمن تعنى فى خدمته من غير ان يتمنى نعمته وان بينهما بونا بعيدا من أعلى مراتب القرب الى أسفل سافلين البعد كذا فى التأويلات النجمية وَمَنْ استفهام إنكاري أَحْسَنُ دِيناً الدين والملة متحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار فان الشريعة من حيث انها يطاع لها دين ومن حيث انها تملى وتكتب ملة والإملال بمعنى الاملاء مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ اى جعل نفسه وذاته سالمة خالصة لله تعالى بان لم يجعل لا حد حقا فيها لامن جهة الخالقية والمالكية ولا من جهة العبودية والتعظيم. وقوله دينا نصب على التمييز من احسن منقول من المبتدأ والتقدير ومن دينه احسن من دين من اسلم إلخ فالتفضيل فى الحقيقة جاربين الدينين لا بين صاحبيهما وَهُوَ مُحْسِنٌ الجملة حال من فاعل اسلم اى والحال انه آت بالحسنات تارك للسيآت وقد فسره النبي عليه السلام بقوله (ان تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك) والإحسان حقيقة الايمان. واعلم ان دين الإسلام مبنى على أمرين الاعتقاد والعمل فالله سبحانه أشار الى الاول بقوله أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ والى الثاني بقوله وَهُوَ مُحْسِنٌ اى فى الانقياد لربه بان يكون آتيا بجميع ما كلفه به على وجه الإجلال والخشوع وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ الموافقة لذين الإسلام المتفق على
صحتها وقبولها بين الأديان كلها بخلاف ملة موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء عليهم السلام حَنِيفاً حال من فاعل اتبع اى مائلا عن الأديان الزائغة ثم؟؟؟ ان الله تعالى رغب فى اتباع ملته فقال وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا اى اصطفاه وخصصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله والخلة من الخلال فانه ودّ تخلل النفس وخالطها وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ كأنه قيل لم خص الله تعالى ابراهيم عليه السلام بالخلة وله عباد مكرمون فاجاب بان جميع ما فى السموات وما فى الأرض من الموجودات له تعالى خلقا وملكا يختار منها ما يشاء ومن يشاء وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً احاطة علم وقدرة فكل واحد من علمه وقدرته محيط بجميع ما يكون داخلا فيهما وما يكون خارجا عنهما ومغايرا لهما مما لا نهاية له من الصدورات الخارجة عن هذه السموات والأرضين- روى- ان ابراهيم عليه السلام بعث الى خليل له بمصر فى ازمة أصابت الناس يمتار منه فقال خليله لو كان ابراهيم يريد لنفسه لفعلت ولكن يريد للاضياف وقد أصابنا ما أصاب الناس فاجتاز غلمانه ببطحاء لينة فملأوا منها الغرائر حياء من الناس فلما أخبروا ابراهيم ساءه الخبر فغلبته عيناه فنام فقامت سارة الى غرارة منها فاخرجت حوارى واختبزت فاستيقظ ابراهيم فاشتم رائحة الخبز فقال من اين هذا لكم فقالت من خليلك المصري فقال بل من عند خليلى الله عز وجل فسماه الله خليلا. وفى الخبر تعجب الملائكة من كثرة ماله وخدمه وكان له خمسة آلاف قطيع من الغنم وعليها كلاب المواشي باطواق الذهب فتمثل له ملك فى صورة البشر وهو ينظر أغنامه فى البيداء فقال الملك سبوح قدوس ربنا ورب الملائكة والروح فقال ابراهيم عليه السلام كرر ذكر ربى ولك نصف ما ترى من أموالي فكرر الملك فنادى ثانيا كرر تسبيح ربى ولك جميع ما ترى من مالى فتعجب الملائكة فقالوا جدير ان يتخذك الله خليلا فعلى هذا انما سمى الخليل خليلا على لسان الملائكة. قال القاضي فى الشفاء الخلة هنا أقوى من النبوة لان النبوة قد يكون فيها العداوة كما قال تعالى إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ ولا يصح ان تكون عداوة مع خلة ومن شرط الخلة استسلام العبد فى عموم أحواله لله بالله وان لا يدخر شيأ مع الله لا من ماله وجسده ولا من نفسه ولا من روحه وخلده ولا من اهله وولده وهكذا كان حال ابراهيم عليه السلام
نكو كارى از مردم نيك رأى يكى را بده مى نويسد خداى
جوانا ره طاعت امروز گير كه فردا جوانى نيايد ز پير
ره خير بازست وطاعت وليك نه هر كس تواناست بر فعل نيك
همه برگ بودن همى ساختى بتدبير رفتن نپرداختى
جانكه نه قربانئ جانان بود جيفه تن بهتر از ان جان بود
هر كه نه شد كشته بشمشير دوست لاشه مردار به از جان اوست
ومن شرط المحبة فناء المحب فى المحبة وبقاؤه فى المحبوب حتى لم تبق المحبة من المحب الا الحبيب وهذا حال محمد صلى الله عليه وسلم. قيل لمجنون بنى عامر ما اسمك قال ليلى. قال شيخى وسندى ومن هو بمنزلة روحى فى جسدى فى كتاب اللائحات البرقيات ان الخلة والمحبة الالهية الاحدية تجلت لنبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بحقيقتها ولابراهيم عليه السلام بصورتها ولغيرهما بخصوصياتها الجزئيات بحسب قابلياتهم ونبينا عليه السلام فى مقام الخلة والمحبة بمنزلة المرتبة الاحدية الذاتية وابراهيم عليه الصلاة والسلام بمنزلة المرتبة الواحدية
والنصيب المفروض من العباد هم طائفة خلقهم الله تعالى اهل النار كقوله تعالى وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وهم اتباع الشيطان هاهنا وقد لعن الله الشيطان وأبعده عن الحضرة إذ كان سبب ضلالتهم كما قال عليه السلام (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها الا ذكر الله تعالى وما والاه) وانما لعن الله الدنيا وأبغضها لانها كانت سببا للضلالة وكذلك الشيطان ولا يغتر بوعد الشيطان الا الضال بالضلال البعيد الأزلي ولذا تولد منه الشرك المقدر بمشيئة الله الازلية.
واما من خلقه الله أهلا للجنة فقد غفر له قبل ان خلقه ومن غفر له فانه لا يسرك بالله شيأ وعن ابن عباس رضى الله عنهما لما نزل قوله تعالى وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ تطاول إبليس وقال انا شىء من الأشياء فلما نزل فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ يئس إبليس وتطاولت اليهود والنصارى ثم لما نزل قوله تعالى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ يئس اليهود والنصارى وبقيت الرحمة للمؤمنين خاصة فهم خلقوا للرحمة ودخلوا الجنة بالرحمة ولهم الخلود فى الرحمة وبقي العذاب للشيطان واتباعه من الانس والجن ولهم الخلود فى النار كما قال الله تعالى وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً لانهم خلقوا لها فلا بد من الدخول فيها: قال الحافظ
پير ما گفت خطا بر قلم صنع نرفت آفرين بر نظر پاك خطا پوشش باد
فافهم تفز ان شاء الله تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ صلاح الأعمال فى إخلاصها فالعمل الصالح هو ما أريد به وجه الله تعالى وينتظم جميع أنواعه من الصلاة والزكاة وغيرهما سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ اى انهار الماء واللبن والخمر والعسل خالِدِينَ فِيها أَبَداً اى مقيمين فى الجنة الى الابد فنصب ابدا على الظرفية وهو لاستغراق المستقبل.
قال الحدادي انما ذكر الطاعة مع الايمان وجمع بينهما فقال آمنوا وعملوا الصالحات ليتبين بطلان توهم من يتوهم انه لا تضر المعصية والإخلال بالطاعة مع الايمان كمالا تنفع الطاعة مع الكفر وليتبين استحقاق الثواب على كل واحد من الامرين وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا اى وعد الله لهم هذا وعدا وحق ذلك حقا فالاول مؤكد لنفسه لانه مضمون الجملة الاسمية التي قبل وعد لان الوعد عبارة عن الاخبار بايصال المنفعة قبل وقوعها والثاني مؤكد لغيره لان الخبر من حيث انه خبر يحتمل الصدق والكذب وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا استفهام إنكاري اى ليس أحد اصدق من الله قولا ووعدا وانه تعالى اصدق من كل قائل فوعده اولى بالقبول ووعد الشيطان تخييل محض ممتنع الوصول. وقيلا نصب على التمييز والقيل والقال مصدران كالقول لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ جمع امنية بالفارسية «آرزو كردن» وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ اى ليس ما وعد الله من الثواب يحصل بامانيكم ايها المسلمون ولا بامانى اهل الكتاب وانما يحصل بالايمان والعمل الصالح. وأماني المسلمين ان يغفر لهم جميع ذنوبهم من الصغائر والكبائر ولا يؤاخذوا بسوء بعد الايمان. وأماني اهل الكتاب ان لا يعذبهم الله ولا يدخلهم النار الا أياما معدودة لقولهم نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ فلا يعذبنا. وعن الحسن ليس الايمان بالتمني ولكن ما وقر فى القلب وصدقه العمل ان قوما الهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا نحسن الظن بالله وكذبوا لو أحسنوا الظن بالله لاحسنوا العمل. قال بعضهم الرجاء
الصفاتية وغيرهما بمنزلة المرتبة الواحدية الافعالية والى هذه المقامات والمراتب اشارة فى البسملة على هذا الترتيب ونبينا محمد ﷺ خليل الله وحبيبه بالفعل وابراهيم عليه السلام خليل الرحمن وحبيبه بالفعل وغيرهما من الأنبياء عليه السلام اخلاء الرحيم واحباؤه بالفعل انتهى كلام الشيخ العلامة أبقاه الله بالسلامة. واعلم انه عليه السلام قال (ان الله اتخذني خليلا كما اتخذ ابراهيم خليلا ولو كنت متخذا خليلا غير ربى لاتخذت أبا بكر خليلا) يعنى لو جاز لى ان اتخذ صديقا من الخلق يقف على سرى لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن لا يطلع على سرى الا الله ووجه تخصيصه بذلك ان أبا بكر رضى الله عنه كان اقرب بسر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لما روى انه عليه السلام قال (ان أبا بكر لم يفضل عليكم بصوم ولا صلاة ولكن بشىء كتب فى قلبه) وانفهم من عدم اتخاذه عليه السلام أحدا خليلا انفصاله عما سوى الله تعالى فكل الكائنات متصل به وهو غير متصل بشىء أصلا سوى الله سبحانه وتعالى اللهم ارزقنا شفاعته: قال الشيخ السعدي فى نعته الشريف
شبى بر نشست از فلك در گذشت بتمكين جاه از ملك در گذشت
چنان گرم درتيه قربت براند كه در سدره جبريل ازو باز ماند
فهذا انفصاله عن العلويات والسفليات ووصوله الى حضرة الذات وَيَسْتَفْتُونَكَ اى يطلبون منك الفتوى واشتقاق الفتوى من الفتى وهو الشاب القوى الحدث لانها جواب فى حادثة واحداث حكم او تقوية لبيان مشكل فِي حق توريث النِّساءِ إذ سبب نزولها ان عيينة بن حصين اتى النبي عليه السلام فقال أخبرنا انك تعطى الابنة النصف والاخت النصف وانما كنا نورث من يشهد القتال ويحوز الغنيمة فقال عليه السلام (كذلك أمرت) قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ يبين لكم حكمه فى حقهن والإفتاء تبيين المبهم وتوضيح المشكل وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ عطف على اسم الله اى يفتيكم الله وكلامه فيكون الإفتاء مسندا الى الله والى ما فى القرآن من قوله يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ فى أوائل هذه السورة ونحوه والفعل الواحد ينسب الى فاعلين بالاعتبارين كما يقال أغناني زيد وعطاؤه فان المسند اليه فى الحقيقة شىء واحد وهو المعطوف عليه الا انه عطف عليه شىء من أحواله للدلالة على ان الفعل انما قام بذلك الفاعل باعتبار اتصافه بتلك الحال فِي شأن يَتامَى النِّساءِ متعلق بيتلى كما ان فى الكتاب متعلق به ايضا والاضافة بمعنى من لانها اضافة الشيء الى جنسه اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ اى فرض لهن من الميراث وغيره وَتَرْغَبُونَ عطف على لا تؤتونهن عطف جملة مثبتة على جملة منفية أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ اى فى نكاحهن لجمالهن ومالهن وترغبون عن نكاحهن اى تعرضون لقبحهن وفقرهن فان كانت اليتيمة جميلة موسرة رغب وليها فى تزوجها وإلا رغب عنها وما يتلى فى حقوقهن قوله تعالى وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وقوله تعالى وَلا تَأْكُلُوها ونحوها من النصوص الدالة على عدم التعرض لاموالهم وَفى الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ عطف على يتامى النساء والعرب ما كانوا يورثونهم كما لا يورثون النساء وانما يورثون الرجال القوامين بالأمور وَفى أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى
زوجها مالك فقالت حمدت الله على انى وانك من اهل الجنة لانك رزقت مثلى فشكرت ورزقت مثلك فصبرت وقد وعد الله بالجنة للصابرين والشاكرين: قال السعدي قدس سره
چومستوره شد زن خوب روى بديدار او در بهشتست شوى
اگر پارسا باشد وخوش سخن نگه در نكويى وزشتى مكن
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ اى محال ان تقدروا على ان تعدلوا وتسووا بينهن بحيث لا يقع ميل ما الى جانب إحداهن فى شأن من الشؤون البتة ولذلك كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول (اللهم هذا قسمى فيما املك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا املك) وأراد به التسوية فى المحبة وكان له فرط محبة لعائشة رضى الله عنها وَلَوْ حَرَصْتُمْ اى على اقامة العدل وبالغتم فى ذلك فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ اى فلا تجوروا على المرأة المرغوب عنها كل الجور واعدلوا ما استطعتم فان عجزكم عن حقيقة العدل انما يصح عدم تكليفكم به لا بما دونه من المراتب الداخلة تحت استطاعتكم ومالا يدرك كله لا يترك كله وفى الحديث (استقيموا ولن تحصوا) اى لن تستطيعوا ان تستقيموا فى كل شىء حتى لا تميلوا فَتَذَرُوها مجزوم عطف على الفعل قبله اى فلا تتركوا التي ملتم عنها حال كونها كَالْمُعَلَّقَةِ وهى المرأة التي لا تكون أيما فتزوج ولا ذات بعل يحسن عشرتها كالشىء المعلق الذي لا يكون فى الأرض ولا فى السماء وفى الحديث (من كانت له امرأتان فمال الى إحداهما جاء يوم القيامة واحد شقيه مائل) وكان لمعاذ رضى الله عنه امرأتان فاذا كان عند إحداهما لم يتوضأ فى بيت الاخرى فماتتا فى الطاعون فدفنهما فى قبر واحد وَإِنْ تُصْلِحُوا ما كنتم تفسدون من امورهن وَتَتَّقُوا الميل فيما يستقبل فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً يغفر لكم ما مضى من ميلكم رَحِيماً يتفضل عليكم برحمته وَإِنْ يَتَفَرَّقا اى وان يفارق كل واحد منهما صاحبه بان لم يتفق بينهما وفاق بوجه ما من الصلح او غيره يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا منهما اى يجعله مستغنيا عن الآخر ويكفه مهماته مِنْ سَعَتِهِ من غناه وقدرته وفيه زجر لهما عن مفارقة أحدهما رغما لصاحبه وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً اى مقتدرا متقنا فى أفعاله وأحكامه وله حكمة بالغة فيما يحكم من الفرقة يجعل لكل واحد منهما من يسكن اليه فيتسلى به عن الاول وتزول حرارة محبته عن قلبه وينكشف عنه هم عشقه فعلى المؤمن ترك حظ النفس والدور مع الأمر الإلهي فى جملة أموره وأحكامه والعمل فى حق النساء بقوله تعالى فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ والميل الى جانب العدل والاعراض عن طرف الظلم والاستحلال قبل ان يجيئ يوم لا بيع فيه ولا خلال. قال ابن مسعود رضى الله عنه يؤخذ بيد العبد أو الامة فينصب على رؤوس الأولين والآخرين ثم ينادى مناد هذا فلان ابن فلان فمن كان له حق فليأت الى حقه فتفرح المرأة ان يكون لها الحق على ابنها او أخيها او على أبيها او على زوجها ثم قرأ ابن مسعود رضى الله عنه فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ فيقول الرب تعالى للعبد آت هؤلاء حقوقهم فيقول رب لست فى الدنيا فمن اين أوتيهم فيقول للملائكة خذوا من اعماله الصالحة فاعطوا كل انسان منهم بقدر طلبته فان كان وليا لله فضلت من حسناته مثقال حبة من خردل من خير ضاعفها حتى يدخله بها الجنة ثم قرأ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ
حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً وان كان عبدا شقيا قالت الملائكة رب فنيت حسناته وبقي الطالبون فيقول للملائكة خذوا من أعمالهم السيئة فاضيفوها الى سيآته وصكواله صكا الى النار فلا بد من التوبة والاستغفار والرجوع الى الملك الغفار والمجاملة فى المعاملة مع الأخيار والأشرار ودفع الأذى عن اهل الإنكار والإقرار- حكى- ان أبا منصور بن ذكير كان رجلا زاهدا صالحا فلما دنت وفاته اكثر البكاء فقيل له لم تبكى عند الموت قال اسلك طريقا لم اسلكه قط فلما توفى رآه ابنه فى المنام فى الليلة الرابعة فقال يا أبت ما فعل الله بك فقال يا بنى ان الأمر أصعب مما تعد اى تظن لقيت ملكا عادلا اعدل العادلين ورأيت خصماء مناقشين فقال لى ربى يا أبا منصور قد عمرتك سبعين سنة فما معك اليوم فقلت يا ربى حججت ثلاثين حجة فقال الله تعالى لم اقبل منك فقلت يا رب تصدقت بأربعين الف درهم بيدي فقال لم اقبل منك فقلت ستون سنة صمت نهارها وقمت ليلها فقال لم اقبل منك فقلت الهى غزوت أربعين غزوة فقال لم اقبل منك فقلت إذا قد هلكت فقال الله تعالى ليس من كرمى ان أعذب مثل هذا يا أبا منصور اما تذكر اليوم الفلاني نحيت الذرة عن الطريق كيلا يعثر بها مسلم فانى قد رحمتك بذلك فانى لا أضيع اجر المحسنين فظهر من هذه الحكاية ان دفع الأذى عن الطريق إذا كان سببا للرحمة والمغفرة فلأن يكون دفع الأذى عن الناس نافعا للدافع يوم الحشر خصوصا عدم الاذية للمؤمنين وخصوصا للاهل والعيال والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده اللهم اجعلنا من النافعين لا من الضارين آمين وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ اى من الموجودات كائنا ما كان من الخلائق أرزاقهم وغير ذلك. قال الشيخ نجم الدين قدس سره لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ من الدرجات العلى وجنات المأوى والفردوس الأعلى وَما فِي الْأَرْضِ من نعيم الدنيا وزينتها وزخارفها والله مستغن عنها وانما خلقها لعباده الصالحين كما قال تعالى وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وخلق العباد لنفسه كما قال وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ اى بالله قد امرناهم فى كتابهم وهم اليهود والنصارى ومن قبلهم من الأمم. واللام فى الكتاب للجنس يتناول الكتب السماوية ومن متعلقة بوصينا او بأوتوا وَإِيَّاكُمْ عطف على الذين اى وصيناكم يا امة محمد فى كتابكم أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ اى بان اتقوا الله فان مصدرية حذف منها حرف الجر اى امرناهم وإياكم بالتقوى وَقلنا لهم ولكم إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ اى فان الله مالك الملك كله لا يتضرر بكفركم ومعاصيكم كما لا ينتفع بشكركم وتقواكم وانما وصاكم لرحمته لا لحاجته ثم قرر ذلك بقوله وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا اى عن الخلق وعبادتهم لا تعلق له بغيره تعالى لا فى ذاته ولا فى صفاته بل هو منزه عن العلاقة مع الأغيار حَمِيداً محمودا فى ذاته حمدوه او لم يحمدوه. قال الغزالي فى شرح الأسماء الحسنى والله تعالى هو الحميد لحمده لنفسه ازلا ولحمد عباده له ابدا ويرجع هذا الى صفات الجلال والعلو والكمال منسوبا الى ذكر الذاكرين له فان الحمد هو ذكر أوصاف الكمال من حيث هو كمال والحميد من العباد من حمدت عقائده وأخلاقه واعماله كلها من غير مثنوية وذلك هو محمد ﷺ ومن يقرب منه من الأنبياء ومن عداهم من
فى أموالهم وحقوقهم بِالْقِسْطِ اى العدل وهو ايضا عطف على يتامى النساء وما يتلى فى حقهم قوله تعالى وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ. وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ ونحو ذلك وَما شرطية تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ على الإطلاق سواء كان فى حقوق المذكورين او غيرهم فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً فيجازيكم بحسبه. فعلى العاقل ان يطيع الله تعالى فيما امر ولا يأكل مال الغير بل يجتهد فى ان ينفق ما قدر عليه على اليتامى والمساكين قال حاتم الأصم من ادعى ثلاثا بغير ثلاث فهو كذاب. من ادعى حب الجنة من غير انفاق ماله فهو كذاب. ومن ادعى محبة الله من غير ورع عن محارم الله فهو كذاب. ومن ادعى محبة النبي عليه السلام من غير محبة الفقراء فهو كذاب وفى قوله تعالى وَما تَفْعَلُوا حث على فعل الخير وترغيب- حكى- ان امرأة جاءت الى حانوت ابى حنيفة تريد شراء ثوب فاخرج ابو حنيفة ثوبا جديدا قيمته اربعمائة درهم فقالت المرأة انى امرأة ضعيفة ولى بنت أريد تسليمها الى زوجها فبعنى هذا الثوب بما يقوم عليك فقال ابو حنيفة خذيه باربعة دراهم فقالت المرأة لم تسخر بي فقال ابو حنيفة معاذ الله ان أكون من الساخرين ولكنى كنت اشتريت ثوبين فبعت أحدهما برأس المال الذي نقدت فى الثوبين الا اربعة دراهم فبقى هذا على باربعة دراهم فاخذت المرأة الثوب باربعة دراهم ورجعت مستبشرة فرحة: قال السعدي قدس سره
بگير اى جوان دست درويش پير نه خود را بيفكن كه دستم بگير
كسى نيك بودى بهر دو سراى كه نيكى رساند بخلق خداى
واعلم ان النفس بمثابة المرأة لزوج الروح فكما أوجب الله على الرجال من الحقوق للنساء فكذلك أوجب على العبد الطالب الصادق من الحقوق للنفس كما قال عليه السلام لعبد الله ابن عمر حين جاهد نفسه بالليل بالقيام وبالنهار بالصيام (ان لنفسك عليك حقا فصم وأفطر وقم ونم) والرياضة الشديدة تقطع عن السير قال عليه السلام (ان هذا الدين مبين فاوغلوا فيه برفق) يريد لا تحملوا على أنفسكم ولا تكلفوها ما لا تطيق فتعجز فتترك الدين والعمل
اسب تازى دوتك همى ماند شتر آهسته ميرود شب وروزى
وكان النبي عليه الصلاة والسلام يتوسط فى إعطاء نفسه حقها ويعدل فيها غاية العدل فيصوم ويفطر ويقوم وينام وينكح النساء ويأكل فى بعض الأحيان ما يجد كالحلوى والعسل والدجاج وتارة يجوع حتى يشد الحجر على بطنه من الجوع. فيا ايها الغافل تنبه لرحيلك ومسراك واحذر ان تسكن الى موافقة هواك انتقل الى الصلاح قبل ان تنقل وحاسب نفسك على ما تقول وتفعل فان الله سبحانه بكل شىء عليم وبكل شىء محيط فاياك من الافراط والتفريط وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها امرأة فاعل فعل يفسره الظاهر اى ان خافت امرأة خافت وتوقعت من زوجها نُشُوزاً تجافيا عنها وترفعا من صحبتها كراهة لها ومنعا لحقوقها من النشز وهو ما ارتفع من الأرض فنشوز كل واحد من الزوجين كراهته صاحبه وترفعه عليه لعدم رضاه به أَوْ إِعْراضاً بان يقل مجالستها ومحادثتها وذلك لبعض الأسباب من طعن فى سن او دمامة او شين فى خلق او خلق او ملال او طموح عين الى اخرى او غير ذلك. قال الامام المراد
بالنشوز اظهار الخشونة فى القول او الفعل او فيهما والمراد بالاعراض السكوت عن الخير والشر والمراعاة والإيذاء- روى- ان الآية نزلت فى خويلة ابنة محمد بن مسلمة وزوجها سعد بن الربيع تزوجها وهى شابة فلما علاها الكبر تزوج شابة وآثرها عليها وجفاها فاتت رسول الله ﷺ واشتكت اليه ذلك فَلا جُناحَ عَلَيْهِما حينئذ أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً اى فى ان يصلحا بينهما إصلاحا بان تحط له المهر او بعضه او القسم كما فعلت سودة رضى الله عنها وكانت كبيرة مسنة وذلك ان أم المؤمنين سودة ابنة زمعة التمست من رسول الله حين أراد عليه السلام ان يطلقها ان يمسكها وتجعل نوبتها لعائشة رضى الله عنها لما عرفت مكان عائشة من قلبه عليه السلام فاجازه النبي عليه السلام ولم يطلقها وكان عليه السلام بعد هذا الصلح يقسم لعائشة يومها ويوم سودة. قال الحدادي مثل هذا الصلح لا يقع لازما لانها إذا أبت بعد ذلك الا المقاسمة على السواء كان لها ذلك وَالصُّلْحُ الواقع بين الزوجين خَيْرٌ اى من الفرقة او من سوء العشرة او من الخصومة. فاللام للعهد ويجوز ان لا يراد به التفضيل بل بيان انه خير من الخيور كما ان الخصومة شر من الشرور فاللام للجنس. قال السيوطي فى حسن المحاضرة فى احوال مصر والقاهرة ان شئت ان تصير من الابدال فحول خلقك الى بعض خلق الأطفال ففيهم خمس خصال وكانت فى الكبار لكانوا ابدالا لا يهتمون للرزق ولا يشكون من خالقهم إذا مرضوا ويأكلون الطعام مجتمعين وإذا خافوا جرت عيونهم بالدموع وإذا تخاصموا لم يتجاوزوا وتسارعوا الى الصلح ونعم ما قيل
ابلهست آنكه فعل اوست لجاج ابلهى را كجا علاج بود
تا توانى لجاج پيشه مگير كافت دوستى لجاج بود
وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ اى جعلت حاضرة له مطبوعة عليه لا تنفك عنه ابدا فلا المرأة تسمح بحقوقها من الرجل ولا الرجل يجود بحسن المعاشرة مع دمامتها وكبرسنها وعدم حصول اللذة بمجالستها واصل الكلام احضر الله الأنفس الشح فلما بنى للمفعول أقيم مفعوله الاول مقام الفاعل والشح البخل مع حرص فهو أخص من البخل. وعن عبد الله بن وهب عن الليث قال بلغني ان إبليس لقى نوحا فقال له إبليس يا نوح اتق الحسد والشح فانى حسدت آدم فخرجت من الجنة وشح آدم على شجرة واحدة منعها حتى خرج من الجنة. ولقى يحيى بن زكريا عليهما السلام إبليس فى صورته فقال له أخبرني بأحب الناس إليك وابغض الناس إليك قال أحب الناس الىّ المؤمن البخيل وابغضهم الىّ الفاسق السخي قال يحيى وكيف ذلك قال لان البخيل قد كفانى بخله والفاسق السخي أتخوف ان يطلع الله عليه فى سخائه فيقبله ثم ولى وهو يقول لولا انك يحيى لم أخبرك كذا فى آكام المرجان وَإِنْ تُحْسِنُوا ايها الأزواج بامساكهن بالمعروف وحسن المعاشرة مع عدم موافقتهن لطباعكم وَتَتَّقُوا ظلمهن بالنشوز والاعراض ولم تضطروهن الى بذل شىء من حقوقهن فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ من الإحسان والتقوى خَبِيراً عليما به وبالغرض فيه فيجازيكم ويثيبكم عليه البتة لاستحالة ان يضيع اجر المحسنين- روى- ان رجلا من بنى آدم كانت له امرأة من أجملهم فنظرت اليه يوما فقالت الحمد لله قال
الأولياء والعلماء كل واحد منهم حميد بقدر ما يحمد من عقائده وأخلاقه واعماله وأقواله وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ذكره ثالثا للدلالة على كونه غنيا فان جميع المخلوقات تدل بحاجتها على غناه وبما فاض عليها من الوجود وانواع الخصائص والكمالات على كونه حميدا فلا تكرار فان كل واحد من هذه الألفاظ مقرون بفائدة جديدة وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا فى تدبير امور الكل وكل الأمور فلابد من ان يتوكل عليه لا على أحد سواء إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ اى يفنكم ويستأصلكم بالمرة وَيَأْتِ بِآخَرِينَ اى يوجد دفعة مكانكم قوما آخرين من البشر او خلقا آخرين مكان الانس ومفعول المشيئة محذوف لكونه مضمون الجزاء اى ان يشأ افناءكم وإيجاد آخرين يذهبكم يعنى ان ابقاءكم على ما أنتم عليه من العصيان انما هو لكمال غناه عن طاعتكم لا لعجزه سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ففيه تهديد للعصاة وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ اى افنائكم بالمرة وإيجاد آخرين دفعة مكانكم قَدِيراً بليغ القدر لا يعجزه مراد فاطيعوه فلا تعصوه واتقوا عقابه. والآية تدل على كمال قدرته وصبوريته حيث لا يؤاخذ العصاة على العجلة وفى الحديث (لا أحد اصبر على أذى سمعه من الله انه يشرك به ويجعل له الولد ثم هو يعافيهم ويرزقهم) يعنى يقول بعض عباد الله وامائه ان له شريكا فى ملكه وينسب له ولدا ثم الله تعالى يعطيهم من انواع النعم من العافية والرزق وغيرهما فهذا كرمه ومعاملته مع من يؤذيه فما ظنك بمعاملته مع من يحتمل الأذى منه ويثنى عليه ثم ان تأخير العقوبة يتضمن لحكم منها رجوع التائب وانقطاع حجة المصر وفى الحديث (ان الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيئ النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيئ الليل حتى تطلع الشمس من مغربها). قال الشيخ الكلاباذى بسط اليد كناية عن الجود يعنى يجود الله لمسيى الليل ولمسيئ النهار بالامهال ليتوب كما روى انه عليه السلام قال (صاحب اليمين امير على صاحب الشمال وإذا عمل العبد حسنة كتب له عشر أمثالها وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين امسك فيمسك عنه سبع ساعات من النهار فان استغفر لم يكتب عليه وان لم يستغفر كتب سيئة واحدة) انتهى كلامه: قال الصائب
بر غفلت سياه دلان خنده ميزنند غافل مشو ز خنده دندان نماى صبح
يقال من لم ينزجر بزواجر القرآن ولم يرغب فى الطاعات فهذا أشد قسوة من الحجارة وأسوأ حالا من الجمادات فان دعوة الله عباده بكتبه على لسان الأنبياء لئلا يغتروا بزخارف الدنيا الدنية ويترقوا من حضيض الحظوظ النفسانية الى معارج الدرجات العلى ولقد وصاك الله تعالى بالتقوى فعليك بالأخذ بالوصية فان التقوى كنز عزيز فلئن ظفرت به فكم تجد فيه من جوهر شريف وخير كثير فانه جامع الخير كله. قال ابن عطاء للتقوى ظاهر وباطن فظاهرها حفظ حدود الشرع وباطنها الإخلاص فى النية وحقيقة التقوى الاعراض عن الدنيا والعقبى والإقبال والتوجه الى الحضرة العليا فمن وصل اليه فقد صار حرا عن رقية الكونين وعبد الله تعالى: قال الحافظ قدس سره
لكان خيرا لك) وقوله عليه السلام (من ستر على مسلم عيبا ستر الله عليه فى الدنيا والآخرة) وقال عليه السلام (ما من امرئ ينصر مسلما فى موضع ينهتك فيه عرضه وتستحل حرمته إلا نصره الله تعالى فى موطن يحب فيه نصرته وما من امرئ خذل مسلما فى موضع تنتهك فيه حرمته الاخذ له الله تعالى فى موضع يحب فيه نصرته) وقال عليه السلام (ادرأوا الحدود ما استطعتم) - يحكى- ان مسلما قتل ذميا عمدا فحكم ابو يوسف بقتل المسلم فبلغ زبيدة امرأة هارون الرشيد فبعثت الى ابى يوسف وقالت إياك ان تقتل المسلم وكانت فى عناية عظيمة بامر المسلم فلما حضر ابو يوسف وحضر الفقهاء وجيئ باولياء الذمي والمسلم وقال له الرشيد احكم بقتله فقال يا امير المؤمنين هو مذهبى غير انى لست اقتل المسلم به حتى تقوم البينة العادلة ان الذمي يوم قتله المسلم كان ممن يؤدى الجزية فلم يقدروا عليه فبطل دمه
زير بارند درختان كه تعلق دارند اى خوشا سرو كه از بار غم آزاد آمد
تو روا داريكه من بي حجتى بنهم اندر شهر باطل سنتى
وفى قوله تعالى شُهَداءَ لِلَّهِ اشارة الى عوام المؤمنين ان كونوا شهدء الله بالتوحيد والوحدانية بالقسط يوما ما ولو كان فى آخر نفس من عمرهم على حسب ما قدر لهم الله تعالى. واشارة الى الخواص ان كونوا شهداء لله اى حاضرين مع الله بالفردانية. واشارة الى خواص الخواص ان كونوا شهداء لله فى الله غائبين عن وجودكم فى شهوده بالوحدة. وفى إشارته الى الخواص شركة للملائكة كما قال تعالى شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ فاما إشارته الى الأخص من الأنبياء وكبار الأولياء وهم أولوا العلم فمختصة بهم من سائر العالمين ولاولى العلم شركة فى شهود شهد الله انه لا اله الا هو وليس للملائكة فى هذا الشهود مدخل الا انهم قائمون بالقسط كذا فى التأويلات النجمية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب لكافة المسلمين آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ اى اثبتوا على الايمان بذلك ودوموا عليه وازدادوا فيه طمأنينة ويقينا او آمنوا بما ذكر مفصلا بناء على ان ايمان بعضهم اجمالى. فان قلت لم قيل نزل على رسوله وانزل من قبل. قلت لان القرآن نزل منجما مفرقا بخلاف الكتب قبله فالمراد بالكتاب الاول القرآن وبالثاني الجنس المنتظم لجميع الكتب السماوية لقوله تعالى وَكُتُبِهِ وبالايمان به الايمان بان كل كتاب من تلك الكتب منزل منه على رسول معين لارشاد أمته الى ما شرع لهم من الدين بالأوامر والنواهي لكن لا على ان يراد الايمان بكل واحد من تلك الكتب بل خصوصية ذلك الكتاب ولا على ان احكام تلك الكتب وشرائعها باقية بالكلية ولا على ان الباقي منها معتبر بالاضافة إليها بل على ان الايمان بالكل مندرج تحت الايمان بالكتاب المنزل على رسوله وان احكام كل منها كانت حقة ثابتة الى ورود نسخها وان ما لم ينسخ منها الى الآن من الشرائع والاحكام ثابتة من حيث انها من احكام هذا الكتاب الجليل المصون عن النسخ والتبديل. وقيل الخطاب للمنافقين كانه قيل يا ايها الذين آمنوا نفاقا وهو ما كان بالالسنة فقط آمنوا إخلاصا وهو ما كان بها وبالقلوب. وقيل الخطاب لمؤمنى اهل الكتاب إذ روى ان ابن سلام وأصحابه قالوا يا رسول الله انا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ونكفر بما سواه فنزلت فالمعنى حينئذ آمنوا
ايمانا عاما شاملا يعم الكتب والرسل فان الايمان بالبعض كلا ايمان وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ اى بشىء من ذلك لان الكفر ببعضه كفر بكله ألا ترى كيف قدم الأمر بالايمان بهم جميعا وزيادة الملائكة واليوم الآخر فى جانب الكفر لما انه بالكفر بأحدها لا يتحقق الايمان أصلا وجمع الكتب والرسل لما ان الكفر بكتاب او برسول كفر بالكل وتقديم الرسول فيما سبق لذكر الكتاب بعنوان كونه منزلا عليه وتقديم الملائكة والكتب على الرسل لانهم وسائط بين الله وبين الرسل فى إنزال الكتب فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً عن المقصد بحيث لا يكاد يعود الى طريقه. قالوا أول ما يجب على المرء معرفة مولاه اى يجب على كل انسان ان يسعى فى تحصيل معرفة الله تعالى بالدليل والبرهان فان ايمان المقلد وان كان صحيحا عند الامام
الأعظم لكن يكون آثما بترك النظر والاستدلال فاول الأمر هو الحجة والبرهان ثم المشاهدة والعيان ثم الفناء عن سوى الرحمان. فمرتبة العوام فى الايمان ما قال عليه السلام (ان تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت والجنة والنار والقدر خيره وشره) وهو ايمان غيبى: وفى المثنوى
بندگى در غيب آيد خوب وكش حفظ غيب آيد در استبعاد خوش
طاعت وايمان كنون محمود شد بعد مرگ اندر عيان مردود شد
ومرتبة الخواص فى الايمان هو ايمان عيانى وكان ذلك بان الله إذا تجلى لعبده بصفة من صفاته خضع له جميع اجزاء وجوده وآمن بالكلية عيانا بعد ما كان يؤمن قلبه بالغيب ونفسه تكفر بما آمن به قلبه إذا كانت النفس عن ننسم روائح الغيب بمعزل فلما تجلى الحق للجبل جعله دكا وخر موسى النفس صعقا فالنفس فى هذا المقام تكون بمنزلة موسى فلما أفاق قال تبت إليك وانا أول المؤمنين. ومرتبة الأخص فى الايمان هو ايمان عيانى وذلك بعد رفع حجب الانانية بسطوات تجلى صفة الجلال فاذا أفناه عنه بصفة الجلال يبقيه به بصفة الجمال فلم يبق له الابن وبقي فى العين فيكون ايمانا عينيا كما كان حال النبي عليه السلام ليلة المعراج فلما بلغ قاب قوسين كان فى حيز اين فلما جذبته العناية من كينونته الى عينونة او ادنى فاوحى الى عبده ما اوحى آمن الرسول بما انزل اليه اى من صفات ربه فآمنت صفاته بصفاته تعالى وذاته بذاته فصار كل وجوده مؤمنا بالله ايمانا عينيا ذاته وصفاته فاخبر عنهم وقال والمؤمنون كل آمن بالله يعنى آمنوا يهوية وجودهم كذا فى التأويلات النجمية هذا هو الايمان الحقيقي رزقنا الله وإياكم إياه: وفى المثنوى
مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا كالمجاهد يريد بمجاهدته الغنيمة فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ اى فعنده تعالى ثوابهما له ان اراده فماله يطلب أخسهما فليطلبهما كمن يقول ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة او ليطلب الأشرف منهما فان من جاهد خالصا لوجه الله تعالى لم تخطئه الغنيمة وله فى الآخرة ما هى فى جنبه كلا شىء اى فعند الله ثواب الدارين فيعطى كلا ما يريده كقوله تعالى مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً عالما بجميع المسموعات والمبصرات عارفا بالأغراض اى يعرف من كلامهم ما يدل على انهم ما يطلبون من الجهاد سوى الغنيمة ومن أفعالهم ما يدل على انهم لا يسعون فى الجهاد الا عند توقع الفوز بالغنيمة. قال الحدادي فى الآية تهديد للمنافقين المرائين وفى الحديث (ان فى النار واديا تتعوذ منه جهنم كل يوم اربعمائة مرة أعد للقراء المرائين) :
قال السعدي قدس سره
بود كبرى در زمان با يزيد گفت او را يك مسلمان سعيد
كه چهـ باشد گر تو اسلام آورى تا بيابى صد نجات وسرورى
گفت اين ايمان اگر هست اى مريد آنكه دارد شيخ عالم با يزيد
من ندارم طاقت آن تاب آن كان فزون آمد ز كوششهاى جان
گر چهـ در ايمان ودين ناموقنم ليك در ايمان او بس مومنم
مؤمن ايمان اويم در نهان گر چهـ مهرم هست محكم بر دهان
باز ايمان خود گر ايمان شماست نى بدان ميلستم ونى مشتهاست
نكو سيرتى بي تكلف برون به از نيك نام خراب اندرون
هر آنكه افكند تخم بر روى سنگ جوى وقت دخلش نيايد بچنگ
وعن النبي ﷺ انه (لما خلق الله تعالى جنة عدن خلق فيها مالا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم قال لها تكلمى فقالت قد أفلح المؤمنون ثلاثا ثم قالت انى حرام على كل بخيل مراء فينبغى للمؤمن ان يحترز من الرياء ويسعى فى تحصيل الإخلاص فى العمل وهو ان لا يريد بعمله سوى الله تعالى. قال بعضهم دخلت على سهل ابن عبد الله يوم الجمعة قبل الصلاة فرأيت فى البيت حية فجعلت اقدّم رجلا وأؤخر اخرى فقال سهل ادخل لا يبلغ أحد حقيقة الإخلاص وعلى وجه الأرض شىء يخافه ثم قال هل لك حاجة فى صلاة الجمعة فقلت بيننا وبين المسجد مسيرة يوم وليلة فاخذ بيدي فما كان قليلا حتى رأيت المسجد فدخلنا وصلينا الجمعة ثم خرجنا فوقف ينظر الى الناس وهم يخرجون فقال اهل لا اله الا الله كثير والمخلصون منهم قليل
عبادت بإخلاص نيت نكوست وگر نه چهـ آيد ز بيمغز پوست
فالمخلص فى عمله لا يقبل عوضا ولو اعطى له الدنيا وما فيها- حكاية-[آورده اند كه جوانمردى غلام خويش را گفت سخاوت آن نيست كه صدقه بكسى دهند كه او را بشناسند صد دينار بستان وببازار ببر وأول درويشى كه بينى بوى ده غلام ببازار رفت پيرى ديد كه حلاق سر او مى تراشيد زر بوى داد پير گفت كه من نيت كرده ام كه هر چهـ مرا فتوح شود بوى دهم وحلاق را گفت بستان حلاق گفت من نيت كرده ام سر او را از براى خدا بتراشم اجر خود از حق تعالى بصد دينار نمى فروشم وهيچ كس نستادند غلام بازگشت وزر باز آورد] كذا فى أنيس الوحدة وجليس الخلوة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ مبالغين فى العدل واقامة القسط فى جميع الأمور مجتهدين فى ذلك حق الاجتهاد شُهَداءَ لِلَّهِ بالحق تقيمون شهاداتكم بوجه الله تعالى كما أمرتم بإقامتها وهو خبر
ثان وَلَوْ كانت الشهادة عَلى أَنْفُسِكُمْ بان تقروا عليها لان الشهادة على النفس اقرار على ان الشهادة عبارة عن الاخبار بحق الغير سواء كان ذلك عليه او على ثالث او بان تكون الشهادة مستتبعة لضرر ينالكم من جهة المشهود عليه بان يكون سلطانا ظالما او غيره أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ اى ولو كانت على والديكم وأقاربكم بان تقروا وتقولوا مثلا اشهد ان لفلان على والدي كذا او على أقاربي او بان تكون الشهادة وبالا عليهم على ما مر آنفا وفى هذا بيان ان شهادة الابن على الوالدين لا تكون عقوقا ولا يحل للابن الامتناع عن الشهادة على أبويه لان فى الشهادة عليهما بالحق منعا لهما من الظلم واما شهادته لهما وبالعكس فلا تقبل لان المنافع بين الأولاد والآباء متصلة ولهذا لا يجوز أداء الزكاة إليهم فتكون شهادة أحدهما شهادة لنفسه او لتمكن التهمة إِنْ يَكُنْ اى المشهود عليه غَنِيًّا يبتغى فى العادة رضاه ويتقى سخطه أَوْ فَقِيراً يترحم عليه غالبا وجواب الشرط محذوف لدلالة قوله تعالى فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما عليه اى فلا تمتنعوا عن اقامة الشهادة طلبا لرضى الغنى او ترحما على الفقير فان الله تعالى اولى بجنسى الغنى والفقير بالنظر لهما ولولا ان الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها وفى الحديث (انصر أخاك ظالما او مظلوما) قيل يا رسول الله كيف ينصره ظالما قال (ان يرده عن ظلمه) فان ذلك نصره معنى ومنع الظالم عن ظلمه عون له على مصلحة دينه ولذا سمى نصرا: قال السعدي قدس سره
بگمراه گفتن نكو ميروى گناه بزرگست وجور قوى
بگوى آنچهـ دانى سخن سودمند وگر هيچ كس را نيايد پسند
فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا يحتمل العدل والعدول اى فلا تتبعوا الهوى كراهة ان تعدلوا بين الناس او ارادة ان تعدلوا عن الحق وَإِنْ تَلْوُوا السنتكم عن شهادة الحق او حكومة العدل بان تأتوا بها لا على وجهها لىّ الشيء فتله وتحريفه ولى الشهادة تبديلها وعدم أدائها على ما شاهده بان يميل فيها الى أحد الخصمين أَوْ تُعْرِضُوا اى عن أدائها وإقامتها رأسا فالاعراض عنها كتمها فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ من لىّ الالسنة والاعراض بالكلية خَبِيراً فيجازيكم لا محالة على ذلك. وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان المراد بالآية القاضي يتقدم عليه الخصمان فيعرض عن أحدهما او يدافع فى إمضاء الحق او لا يسوى بينهما فى المجلس والنظر والاشارة ولا يمتنع ان يكون المراد بالآية القاضي والشاهد وعامة الناس فان اللفظ محتمل للجميع. وعن رسول الله ﷺ انه قال عند نزول هذه الآية (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقم شهادته على من كانت ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجحد حقا هو عليه وليؤده فورا ولا يلجئه الى سلطان وخصومة ليقطع بها حقه وأيما رجل خاصم الى فقضيت له على أخيه بحق ليس عليه فلا يأخذنه فانما اقطع له قطعة من نار جهنم) كذا فى تفسير الحدادي. قال فى الأشباه أي شاهد جاز له الكتمان فقل إذا كان الحق يقوم بغيره او كان القاضي فاسقا او كان يعلم انه لا يقبل انتهى. قال الفقهاء وستر الشهادة فى الحدود أفضل من أدائها لقوله عليه السلام للذى شهد عنده فى الحد (لو سترته بثوبك
آنكه صد ميلش سوى ايمان بود چون شما را ديد زان فاتر شود
زانكه نامى بيند ومعنيش نى چون بيابانرا مفازه گفتنى
والى هذا التجريد والتفريد ينال العبد بالذكر والتوحيد قال عليه السلام فى وصيته لعلى رضى الله عنه (يا على احفظ التوحيد فانه رأس مالى والزم العمل فانه حرفتى وأقم الصلاة فانها قرة عينى واذكر الحق فانه نصرة فؤادى واستعمل العلم فانه ميراثى) اللهم لا تحرمنا من هذا الميراث إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا يعنى اليهود بموسى ثُمَّ كَفَرُوا بعبادتهم العجل ثُمَّ آمَنُوا بعد عوده إليهم ثُمَّ كَفَرُوا بعيسى والإنجيل ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً بكفرهم بمحمد ﷺ وازداد كذا يجيئ لازما ومتعديا يقال ازددت مالا اى زدته لنفسى ومنه قوله تعالى وَازْدَادُوا تِسْعاً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ مريدا لِيَغْفِرَ لَهُمْ اى ماداموا على كفرهم وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا اى ولا ليوفقهم طريقا الى الإسلام ولكن يخذلهم مجازاة لهم على كفرهم. فان قيل ان الله لا يغفر كفر مرة فما الفائدة فى قوله ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا.
قيل ان الكافر إذا آمن غفر له كفره فاذا كفر بعد إيمانه لم يغفر له الكفر الاول وهو مطالب بجميع كفره بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ وضع بشر موضع انذر واخبر تهكما بهم بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً اى وجيعا يخلص ألمه ووجعه الى قلوبهم وهذا يدل على ان الآية نزلت فى المنافقين وهم قد آمنوا فى الظاهر وكفروا فى السر مرة بعد اخرى ثم ازدادوا بالإصرار على النفاق وإفساد الأمر على المؤمنين الَّذِينَ اى هم الذين يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ اى اليهود أَوْلِياءَ أحباء فى العون والنصرة مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ حال من فاعل يتخذون اى متجاوزين ولاية المؤمنين المخلصين وكانوا يوالونهم ويقول بعضهم لبعض لا يتم امر محمد فتولوا اليهود أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ اى أيطلبون بموالاة الكفرة القوة والغلبة وهم أذلاء فى حكم الله تعالى فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً تعليل لما يفيده الاستفهام الإنكاري من بطلان رأيهم وخيبة رجائهم فان انحصار جميع افراد العزة فى جنابه تعالى بحيث لا ينالها الا أولياؤه الذين كتب لهم العزة والغلبة وقال وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يقتضى بطلان التعزيز بغيره سبحانه واستحالة الانتفاع به. قوله جميعا حال من المستكن فى قوله تعالى لله لاعتماده على المبتدأ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ خطاب للمنافقين بطريق الالتفات والجملة حال من فاعل يتخذون. قال المفسرون ان مشركى مكة كانوا يخوضون فى ذكر القرآن ويستهزئون به فى مجالسهم فانزل الله تعالى فى سورة الانعام وهى مكية وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ
ثم ان أحبار اليهود بالمدينة كانوا يفعلون ما فعله المشركون بمكة وكان المنافقون يقعدون معهم ويوافقونهم على ذلك الكلام الباطل فقال الله تعالى مخاطبالهم وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ اى والحال انه تعالى قد نزل عليكم قبل هذا بمكة. وفيه دلالة على ان المنزل على النبي عليه السلام وان خوطب به خاصة منزل على العامة فِي الْكِتابِ اى القرآن الكريم أَنْ مخففة اى ان الشان إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ فيه دلالة على ان مدار الاعراض عنهم هو العلم بخوضهم فى آيات الله ولذلك يخبر عنه تارة بالرؤية واخرى بالسماع يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها حالان من آيات الله اى
مكفورا ومستهزاء وبها فى محل الرفع لقيامه مقام الفاعل والأصل يكفر بها أحد ويستهزئ فَلا تَقْعُدُوا جزاء الشرط مَعَهُمْ اى الكفرة المدلول عليهم بقوله يكفر بها ويستهزأ بها حَتَّى يَخُوضُوا الخوض بالفارسية «در حديث شدن» فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ اى غير القرآن وحتى غاية للنهى والمعنى انه تجوز مجالستهم عند خوضهم وشروعهم فى غير الكفر والاستهزاء. وفيه دلالة على ان المراد بالاعراض عنهم اظهار المخالفة بالقيام عن مجالسهم لا الاعراض بالقلب او بالوجه فقط إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ جملة مستأنفة سيقت لتعليل النهى غير داخلة تحت التنزيل واذن ملغاة عن العمل لاعتماد ما بعدها على ما قبلها اى لوقوعها بين المبتدأ والخبر اى لا تقعدوا معهم فى ذلك الوقت انكم ان فعلتموه كنتم مثلهم اى مثل اليهود فى الكفر واستتباع العذاب فان الرضى بالكفر كفر إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً يعنى القاعدين والمقعود معهم وهو تعليم لكونهم مثلهم فى الكفر بيانه ما يستلزمه من شركتهم لهم فى العذاب. واعلم ان الائتلاف هاهنا نتيجة تعارف الأرواح هنالك لقوله عليه السلام (الأرواح جنود مجندة) الحديث فمن تعارف أرواح الكافر والمنافق هناك يأتلفون هاهنا ومن تناكر أرواحهم وأرواح المؤمنين يختلفون هاهنا- روت- عائشة رضى الله عنها ان امرأة كانت بمكة تدخل على نساء قريش تضحكهنّ فلما هاجرن ووسع الله تعالى دخلت المدينة قالت عائشة فدخلت علىّ فقلت لها فلانة ما أقدمك قالت إليكن قلت فأين نزلت قالت على فلانة امرأة كانت تضحك بالمدينة قالت عائشة ودخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال (فلانة المضحكة عندكم) قالت عائشة قلت نعم فقال (فعلى من نزلت) قالت على فلانة المضحكة قال (الحمد لله ان الأرواح جنود) إلخ: ونعم ما قيل
همه مرغان كند با جنس پرواز كبوتر با كبوتر باز با باز
ولما كان الابد مرآة الأزل لا يظهر فيه الا ما قدر فى الأزل لذا قال الله تعالى إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً لانهم كانوا فى عالم الأرواح فى صف واحد وفى الدنيا بذلك التناسب والتعارف فى فن واحد وقال عليه السلام (كما تعيشون تموتون
وكما تموتون تحشرون). ففى اشارة الآية نهى لاصحاب القلوب عن المجالسة مع ارباب النفوس والموافقة فى شىء من اهوائهم فانهم ان يفعلوا ذلك يكونوا مثلهم يعنى يكون القلب كالنفس وصاحب القلب كصاحب النفس بالصحبة والمخالطة والمتابعة: قال الحافظ قدس سره
نخست موعظه پير مجلس اين حرفست كه از مصاحب ناجنس احتراز كنيد
قال الحدادي فى تفسيره اذن لم يجز جلوس المؤمن معهم لاقامة فرض او سنة اما إذا كان جلوسه لاقامة عبادة وهو ساخط لتلك الحال لا يقدر على تغييرها فلا بأس بالجلوس كما روى عن الحسن انه حضر وابن سيرين جنازة وهناك نوح فانصرف ابن سيرين فذكر ذلك للحسن فقال ما كنا متى رأينا باطلا تركنا حقا اشرع ذلك فى ديننا ولم يرجع انتهى كلامه. وذكر ان الله تعالى اوحى الى يوشع بن نون عليه السلام انى مهلك من قومك أربعين الفا من خيارهم وستين الفا من شرارهم قال يا رب هؤلاء الاشراء فما بال الأخيار قال انهم لم يغضبوا لغضبى وأاكلوهم وشاربوهم وإذا كان
وجزاء مكرهم عليهم موقوف والحق من قبل الحق تعالى منصور اهله والباطل بنصر الحق مخيب أصله. وقد قيل الباطل يفور ثم يغور. فعلى المؤمن صرف علو الهمة فى الدين وفى تحصيل علم اليقين ولا يتربص للفتوحات الدنيوية ذاهلا عن الفتوحات الاخروية بل عن فتوحات الغيب ومشاهدة الحق فان أهم الأمور هو الوصول الى الرب الغفور. قال ابو يزيد البسطامي قدس سره ان لله خواص من عباده ولو حجبهم فى الجنة عن رؤيته لا ستغاثوا كما يستغيث اهل النار بالخروج من النار ولما كان موسى كليم الله طفلا فى حجر تربية الحق تعالى ما تجاوز حده ولا تعدى قصده بل قال رب انى لما أنزلت الى من خير فقير فلما كبر وبلغ مبلغ الرجال ما رضى بطعام الأطفال بل قال رب أرني أنظر إليك وكان غاية طلبه فى طفوليته هو الطعام والشراب وكان منتهى اربه فى رجوليته هو رفع الحجاب ومشاهدة الأحباب فالباب مفتوح للطلاب لا حاجب عليه ولا بواب وانما المحجوب عن المسبب من وقف مع الأسباب والمشروب حاضر والمحروم من حرم الشراب والمحبوب ناظر والمطرود من وقف وراء الحجاب فمن انس بسواه فهو مستوحش ومن ذكر غيره فهو غافل عنه ومن عول على سواه فهو مشرك فاذا لم يجد اليه سبيلا وفى ظله مقيلا: ونعم ما قيل
تو محرم نيستى محروم از آنى ره نامحرمان اندر حرم نيست
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ
اى يفعلون ما يفعل المخادع من اظهار الايمان وابطان الكفر وَهُوَ خادِعُهُمْ
اى الله تعالى فاعل بهم ما يفعل الغالب فى الخداع حيث تركهم فى الدنيا معصومى الدماء والأموال وأعد لهم فى الآخرة الدرك الأسفل من النار ولم يخلهم فى العاجل من فضيحة وإحلال بأس ونقمة ورعب واثم. وقال ابن عباس رضى الله عنهما انهم يعطون نورا يوم القيامة كما للمؤمنين فيمضى المؤمنون بنورهم على الصراط وينطفئ نور المنافقين فينادون المؤمنين انظرونا نقتبس من نوركم فتناديهم الملائكة على الصراط ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا وقد علموا انهم لا يستطيعون الرجوع قال فيخاف المؤمنون حينئذ ان يطفأ نورهم فيقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا انك على كل شىء قدير وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى
اى متثاقلين متقاعسين كما ترى من يفعل شيأ عن كره لا عن طيب نفس ورغبة. قوله كسالى كأنه قيل ما كسالى فقيل يُراؤُنَ النَّاسَ
اى يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة ليحسبوهم مؤمنين وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ
عطف على يراؤن إِلَّا
ذكرا قَلِيلًا
إذ المرائى لا يفعل الا بحضرة من يرائيه وهو اقل أحواله والمراد بالذكر التسبيح والتهليل. قال فى الكشاف وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالإسلام لو صحبته الأيام والليالى لم تسمع منه تهليلة ولا تحميدة ولكن حديث الدنيا يستغرق أوقاته لا يفتر عنه مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ حال من فاعل يراؤن وذلك اشارة الى الايمان والكفر المدلول عليهما بمعونة المقام اى مرددين بينهما متحيرين قد ذبذبهم الشيطان والهوى بينهما وحقيقة المذبذب ما يذب ويدفع عن كلا الجانبين مرة بعده اخرى لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ حال من ضمير مذبذبين اى لا منسوبين الى المؤمنين فيكونون مؤمنين ولا الى الكافرين فيكونون مشركين وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ لعدم استعداده للهداية والتوفيق فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا موصلا الى الحق والصواب فضلا عن ان تهديه اليه والخطاب لكل من يصلح له كائنا من كان
وكان ﷺ يضرب مثلا للمؤمنين والمنافقين والكافرين كمثل رهط ثلاثة رفعوا الى نهر فقطعه المؤمن ووقف الكافر ونزل فيه المنافق حتى إذا توسط عجز فناداه الكافر هلم الى لا تغرق وناداه المؤمن هلم الى لتخلص فما زال المنافق يتردد بينهما إذ اتى عليه ماء فغرقه فكان المنافق لم يزل فى شك حتى يأتيه الموت
اى كه دارى نفاق اندر دل خار بادت خليده اندر حلق
هر كه سازد نفاق پيشه خويش خوار گردد بنزد خالق وخلق
والاشارة إِنَّ الْمُنافِقِينَ
انما يُخادِعُونَ اللَّهَ
فى الدنيا لان الله تعالى وَهُوَ خادِعُهُمْ
فى الأزل عند رش نوره على الأرواح وذلك ان الله خلق الخلق فى ظلمة ثم رش عليهم من نوره فلما رش نوره أصاب أرواح المؤمنين واخطأ أرواح المنافقين والكافرين ولكن الفرق بين المنافقين والكافرين ان أرواح المنافقين رأوا رشاش النور وظنوا انه يصيبهم فاخطأهم وأرواح الكافرين ما شاهدوا ذلك الرشاش ولم يصبهم وكأن المنافقين خدعوا عند مشاهدتهم الرشاش إذ ما أصابهم فمن نتائج مشاهدتهم الرشاش وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ
من نتائج حرمانهم إصابة النور قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ
كيما يرونهم النور وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
لانهم يذكرونه بلسان الظاهر القالبى لا بلسان الباطن القلبي والقالب من الدنيا وهى قليلة قليل ما فيها والقلب من الآخرة وهى كثيرة كثير ما فيها فالذكر الكثير من لسان القلب كثير والفلاح فى الذكر الكثير لا فى القليل لقوله تعالى اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً اى بلسان القلب لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ولما كان ذكر المنافقين بلسان القالب كان قليلا فما أفلحوا به وانما كان ذكر المنافق بلسان الظاهر لانه رأى رشاش النور ظاهرا من البعد ولم يصبه فلو كان أصابه ذلك النور لكان صدره منشرحا به كما قال تعالى أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ اى على نور ممارش به ربه ومعدن النور هو القلب فكان قلبه ذاكرا لله بذلك النور فانه يصير لسان القلب فقليل الذكر منه يكون كثيرا فافهم جدا فلما كانت أرواح المنافقين مترددة متحيرة بين مشاهدة رشاش النور وبين الظلمة الخلقية لا الى هؤلاء الذين أصابهم النور ولا الى هؤلاء الذين لم يشاهدوا الرشاش لذلك كانوا مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ المؤمنين والكافرين لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ باخطاء ذلك النور كما قال ومن اخطأه فقد ضل فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا هاهنا الى ذلك النور يدل عليه قوله وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ اى ومن لم يجعل الله له قسمة من ذلك النور المرشش عليهم فماله اليوم نصيب من نور الهداية كذا فى التأويلات النجمية اللهم ارزقنا الذكر الكثير واعصمنا من الذنب الصغير والكبير.
يقال حصون المؤمن ثلاثة المسجد وذكر الله وتلاوة القرآن والمؤمن إذا كان فى واحد من ذلك اى من الأشياء الثلاثة فهو فى حصن من الشيطان قال على رضى الله عنه (يأتى على الناس زمان لا يبقى من الإسلام الا اسمه ومن القرآن إلا رسمه يعمرون مساجدهم وهى خراب من ذكر الله تعالى شر اهل ذلك الزمان علماؤهم منهم تخرج الفتنة وإليهم تعود: قال السعدي قدس سره
الرجل مبتلى بصحبة الفجار فى سفره للحج او الغزاء لا يترك الطاعة بصحبتهم لكن يكرهه بقلبه ولا يرضى به فلعل الفاسق يتوب ببركة كراهة قلبه ومن دعى الى ضيافة فوجد ثمة لعبا او غناء يقعد ان كان غير قدوة ويمنع ان قدر وان كان قدوة كالقاضى والمفتى ونحوهما يمنع ويقعد فان عجز خرج وان كان ذلك على المائدة او كانوا يشربون الخمر خرج وان لم يكن قدوة وان علم قبل الحضور لا يحضر فى الوجوه كلها كذا فى تحفة الملوك الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ اى المنافقون هم الذين ينتظرون وقوع امر لكم خيرا كان او شرا فَإِنْ كانَ لَكُمْ ايها المؤمنون فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ اى ظفر ودولة وغنيمة قالُوا اى لكم أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ على دينكم مظاهرين لكم فاسهموا لنا فيما غنمتم وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ اى ظهور على المسلمين قالُوا اى للكفرة أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ الاستحواذ الاستيلاء اى ألم نغلبكم ونمكن من قتلكم واسركم فابقينا عليكم اى ترحمنا وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بان ثبطاهم عنكم وخيلنا لهم ما ضعفت به قلوبهم أو أمر جنا فى جنابكم وتوانينا فى مظاهرتهم عليكم والا لكنتم نهبة للنوائب فهاتوا نصيبا مما أصبتم وانما سمى ظفر المسلمين فتحا وظفر الكافرين نصيبا تعظيما لشأن المسلمين وتخسيسا لحظ الكافرين لان ظفر المسلمين امر عظيم تفتح له أبواب السماء حتى ينزل على أوليائه واما ظفر الكافرين فمقصور على امر دنيوى سريع الزوال فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ اى بين المؤمنين والمنافقين بطريق تغليب المخاطبين على الغائبين يَوْمَ الْقِيامَةِ اى يحكم حكما يليق بشأن كل منكم من الثواب والعقاب واما فى الدنيا فقد اجرى على من تفوه بكلمة الإسلام حكمه ولم يضع السيف على من تكلم بها نفاقا وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا اى ظهورا يوم القيامة كما قد يجعل ذلك فى الدنيا بطريق الابتلاء والاستدراج وبيانه ان الله تعالى يظهر اثر ايمان المؤمن يوم القيامة ويصدق موعدهم ولا يشاركهم الكفار فى شىء من اللذات كما شاركوهم اليوم حتى يعلموا ان الحق معهم دونهم إذ لو شاركوهم فى شىء منها لقالوا للمؤمنين ما نفعكم ايمانكم وطاعتكم شيأ لانا أشركنا واستوينا معكم فى ثواب الآخرة واما ان كان المعنى سبيلا فى الدنيا فيراد بالسبيل الحجة وحجة المسلمين غالبة على حجة الكل وليس لاحد ان يغلبهم بالحجة وقيل معنى السبيل الدولة الدائمة ولا دولة على الدوام للكافرين والا لكان الظهور والغلبة من قبلهم دائما وليس كذلك فان اكثر الظفر للمسلمين وانما ينال الكفار من المؤمنين فى بعض الأوقات استدراجا ومكرا وهذا يستمر الى انقراض اهل الايمان فى آخر الزمان. وعن كعب قال إذا انصرف عيسى ابن مريم والمؤمنون من يأجوج ومأجوج لبثوا سنوات ثم رأوا كهيئة الرهج والغبار فاذا هى ريح قد بعثها الله لتقبض أرواح المؤمنين فتلك آخر عصابة تقبض من المؤمنين ويبقى الناس بعدهم مائة عام لا يعرفون دينا ولا سنة يتهارجون تهارج الحمر عليهم تقوم الساعة وفى الحديث (الجهاد ماض منذ بعثني الله الى ان يقاتل آخر أمتي الدجال) ثم ان الله تعالى يحكم بينكم يوم القيامة ليعلم من اهل العزة والكرامة ومن اهل الغرة والندامة كما ان الشمع يحكم بين الصحيح والسقيم بإظهار حالهما إذا جيئ به فى حمام مظلم قد دخله الأصحاء والمرضى والجرحى ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا فان وبال كيدهم إليهم مصروف
كنون بايدت عذر تقصير گفت نه چون نفس ناطق ز گفتن بخفت
اللهم اجعلنا من الذاكرين الشاكرين آمين يا معين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ اى لا تتشبهوا بالمنافقين فى اتخاذهم اليهود وغيرهم من اعداء الإسلام أحباء قوله من دون المؤمنين حال من فاعل لا تتخذوا اى متجاوزين ولاية المؤمنين أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً اى أتريدون بذلك ان تجعلوا لله عليكم حجة بينة على انكم منافقون فان موالاتهم أوضح ادلة النفاق فالسلطان هو الحجة يقال للامير سلطان يراد بذلك انه حجة ويجوز ان يكون بمعنى الوالي والمعنى حينئذ أتريدون ان تجعلوا سلطانا كائنا عليكم واليا امر عقابكم مختصا لله تعالى مخلوقا له منقادا لامره إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ هو الطبقة التي فى قعر جهنم وهى الهاوية والنار سبع دركات سميت بذلك لانها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض والدركات فى النار مثل الدرجات فى الجنة كل ما كان من درجات الجنة أعلى فثواب من فيه أعظم وما كان من دركات النار أسفل فعقاب من فيه أشد. وسئل ابن مسعود عن الدرك الأسفل فقال هو توابيت من حديد مبهمة عليهم لا أبواب لها. فان قلت لم كان المنافق أشد عذابا من الكافر. قلت لانه مثله فى الكفر وضم الى كفره الاستهزاء بالدين والخداع للمسلمين فالمنافقون أخبث الكفرة. فان قلت من المنافق.
قلت هو فى الشريعة من اظهر الايمان وابطن الكفر واما تسمية من ارتكب ما يفسق به بالمنافق فللتغليظ والتهديد والتشبيه مبالغة فى الزجر كقوله من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر ومنه قوله عليه الصلاة والسلام (ثلاث من كن فيه فهو منافق وان صام وصلى وزعم انه مسلم من إذا حدث كذب وإذا وعد اخلف وإذا ائتمن خان) وقيل لحذيفة رضى الله عنه من المنافق فقال الذي يصف الإسلام ولا يعمل به. وعن الحسن اتى على النفاق زمان وهو مقروع فيه فاصبح قد عمم وقلد واعطى سيفا يعنى الحجاج. قال عمر بن عبد العزيز لو جاءت كل امة بمنافقيها وجئنا بالحجاج فضلناهم. وعن عبد الله بن عمر ان أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة المنافقون ومن كفر من اصحاب المائدة وآل فرعون قال الله تعالى فى اصحاب المائدة فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ وقال فى حق المنافقين إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وقال أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ قيل لا يمتنع ان يجتمع القوم فى موضع واحد ويكون عذاب بعضهم أشد من بعض ألا ترى ان البيت الداخل فى الحمام يجتمع فيه الناس فيكون بعضهم أشد أذى بالنار لكونه ادنى الى موضع الوقود وكذلك يجتمع القوم فى القعود فى الشمس وتأذى الصفراوي أشد واكثر من تأذى السوداوي والمنافق فى اللغة مأخوذ من النفق وهو السرب اى يستتر بالإسلام كما يستتر الرجل بالسرب وقيل هو ماخوذ من قولهم نافق اليربوع إذا دخل نافقاءه فاذا طلب من النافقاء خرج من القاصعاء وإذا طلب من القاصعاء خرج من النافقاء والنافقاء والقاصعاء حجر اليربوع وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً اى مانعا يمنع عنهم العذاب ويخرجهم من الدرك الأسفل من النار والخطاب لكل من يصلح له كائنا من كان إِلَّا الَّذِينَ تابُوا اى عن النفاق هو استثناء من المنافقين
بل من ضميرهم فى الخبر وَأَصْلَحُوا ما أفسدوا من أحوالهم من حال النفاق بإتيان ما حسنه الشرع من افعال القلوب والجوارح وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ اى وثقوا به وتمسكوا بدينه وتوحيده وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ اى جعلوه خالصا لِلَّهِ لا يبتغون بطاعتهم الا وجهه فَأُولئِكَ الموصوفون بما ذكر من الصفات الحميدة مَعَ الْمُؤْمِنِينَ اى المؤمنين المعهودين الذين لا يصدر عنهم نفاق أصلا والا فهم ايضا مؤمنون اى معهم فى الدرجات العالية من الجنة لا يضرهم النفاق السابق وقد بين ذلك بقوله تعالى وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً لا يقادر قدره فيشاركونهم فيه ويساهمونهم وسوف كلمة ترجئة واطماع وهى من الله سبحانه إيجاب لانه أكرم الأكرمين ووعد الكريم انجاز وانما حذفت الياء من يؤتى فى الخط كما حذفت فى اللفظ لسكونها وسكون اللام فى اسم الله وكذلك سندع الزبانية ويدع الداع. واعلم ان الكافر وان أفسد برين الكفر صفاء روحه ولكن ما أضيف الى رين كفره رين النفاق فكان لرين كفره منفذ من القلب الى اللسان فيخرج بخاره من لسانه بإظهار الكفر وكان للمنافق مع رين كفره رين النفاق زائدا ولم يكن لبخار رينه منفذ الى لسانه فكان بخارات رين الكفر ورين النفاق تنفذ من منفذ قلبه الذي هو الى عالم الغيب فتراكم حتى انسد منفذ قلبه بها وختم عليه بإفساد كلية الاستعداد من صفاء الروحانية فلم يتفق له الخروج عن هذا الأسفل ولا ينصره نصير بإخراجه لانه محذول بعيد من الحق فى آخر الصفوف وقال تعالى إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ يعنى فى خلق أرواحكم فى صف أرواح المؤمنين فَلا غالِبَ لَكُمْ بان يردكم الى صف أرواح الكافرين وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ بان يخلق أرواحكم فى صف أرواح الكافرين فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ بان يخرجكم الى صف المؤمنين ثم استثنى منهم من كان كفره ونفاقه عارية وروحه فى اصل الخلقة خلقت فى صف المؤمنين ثم بأدنى مناسبة فى المحاذاة بين روحه وأرواح الكافرين والمنافقين ظهر عليه من نتائجها موالاة معلولة من القوم أياما معدودة فما أفسدت صفاء روحانيته بالكلية وما انسد منفذ قلبه الى عالم الغيب فهب له من مهب العناية نفحات الطاف الحق ونبه من نومة الغفلة ونبئ بالرجوع الى الحق بعد التمادي فى الباطل ونودى فى سره بان لا نصير لمن اختار الأسفل ولا يخرج منه إِلَّا الَّذِينَ تابُوا اى ندموا على ما
فعلوا ورجعوا عن تلك المعاملات الرديئة وَأَصْلَحُوا ما أفسدوا من حسن الاستعداد وصفاء الروحانية بترك الشهوات النفسانية والحظوظ الحيوانية وَاعْتَصَمُوا حبل اللَّهُ استعانة على العبودية وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فى الطلب لا يطلبون منه الا هو ثم قال من قام بهذه الشرائط فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ يعنى فى صف أرواحهم خلق روحه لا فى صف أرواح الكافرين وسوف يؤتى الله المؤمنين التأبين ويتقرب إليهم على قضية من تقرب الى شبرا تقربت اليه ذراعا ومن تقرب الى ذراعا تقربت اليه باعا ومن أتاني يمشى أتيته اهرول وهذا هو الذي سماه أَجْراً عَظِيماً والله العظيم كذا فى التأويلات النجمية: قال السعدي قدس سره
ببديع فطرته. ومنها انه خلق أرواحهم قبل خلق الأشياء. ومنها انه خلق أرواحهم نورانية بالنسبة الى خلق أجسادهم الظلمانية. ومنها ان أرواحهم لما كانت بالنسبة الى نور القدم ظلمانية رش عليهم من نور القدم. ومنها انه لما اخطأ بعض الأرواح ذلك النور وهو أرواح الكفار والمنافقين وقد أصاب أرواح المؤمنين قال ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ هذه النعم التي أنعمت بها عليكم من غير استحقاق منكم فانكم ان شكرتم هذه النعم برؤيتها ورؤية المنعم وَآمَنْتُمْ فقد أمنتم بي ونجوتم من عذابى وهو ألم الفراق فان حقيقة الشكر رؤية المنعم والشكر على وجود المنعم ابلغ من الشكر على وجود النعم وقال واشكروا لى اى اشكروا لوجودى وَكانَ اللَّهُ فى الأزل شاكِراً لوجوده ومن شكر لوجوده أوجد الخلق بجوده عَلِيماً بمن يشكره وبمن يكفره فاعطى جزاء شكر الشاكرين قبل شكرهم لان الله شكور واعطى جزاء كفر الكافرين قبل كفرهم لان الكافر كفور كذا فى التأويلات النجمية- تمت الجزء الخامس- الجزء السادس من الاجزاء الثلاثين لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ عدم محبته تعالى لشىء كناية عن سخطه والباء متعلقة بالجهر ومن بمحذوف وقع حالا من السوء اى لا يحب الجهر من أحد فى حق غيره بالسوء كائنا من القول إِلَّا مَنْ ظُلِمَ اى الأجهر المظلوم فان المظلوم له ان يجهر برفع صوته بالدعاء على من ظلمه او يذكر ما فيه من السوء تظلما منه مثل ان يذكر انه شرق متاعى او غصبه منى وقيل هو ان يبدأ بالشتيمة فيرد على الشاتم يعنى لو شتمه أحد ابتداء فله ان يرد على شاتمه اى جاز ان يشتمه بمثله ولا يزيد عليه وقيل ان رجلا ضاف قوما اى أتاهم ضيفا فلم يطعموه فاشتكاهم فعوتب على الشكاية فنزلت وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً لكلام المظلوم عَلِيماً بحال الظالم إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أي خير كان من الأقوال والافعال أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ لكم المؤاخذة عليه وهو المقصود وذكر إبداء الخير واخفائه تمهيد وتوطئة له ولذلك رتب عليه قوله فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً فان إيراده فى معرض جواب الشرط يدل على ان العمدة هو العفو مع القدرة اى كان مبالغا فى العفو عن العصاة مع كمال قدرته على المؤاخذة والانتقام فعليكم ان تقتدوا بسنة الله وهو حث المظلوم على العفو بعد ما رخص له فى الانتصار والانتقام حملا على مكارم الأخلاق. وعن على رضى الله عنه لا تتفرد دفع انتقام
خلاف طريقت بود كاوليا تمننا كنند از خدا جز خدا
صولت انتقام از مردم دولت مهترى كند باطل
از ره انتقام يكسو شو تا نمانى بمهترى عاطل
واعلم ان الله تعالى لا يحب اظهار الفضائح والقبائح الا فى حق ظالم عظم ضرره وكثر كيده ومكره فعند ذلك يجوز اظهار فضائحه ولهذا قال عليه السلام (اذكروا الفاسق بما فيه كى يحذره الناس) وورد فى الأثر (ثلاثة ليست لهم الغيبة الامام الجائر والفاسق المعلن بفسقه والمبتدع الذي يدعو الناس الى بدعته) ثم ان اكثر السوء قولى فان اللسان صغير الجرم كبير الجرم وفى الحديث (البلاء موكل بالمنطق) - يحكى- ان ابن السكيت جلس مع المتوكل يوما فجاء المعتز والمؤيد ابنا المتوكل فقال أيما أحب إليك ابن اى أم الحسن والحسين قال والله ان قنبر خادم على رضى الله عنه خير منك ومن ابنيك فقال سلوا لسانه من قفاه ففعلوا فمات ومن العجب انه انشد قبل ذلك للمعتز والمؤيد وكان يعلمهما فقال
يصاب الفتى من عثرة بلسانه وليس يصاب المرء من عثرة الرجل
فعثرته فى القول تذهب رأسه وعثرته فى الرجل تبرا على مهل
وفى المثنوى
اين زبان چون سنك وهم آهن وشست آنچهـ بجهد از زبان چون آتشست
سنك وآهن را مزن بر هم گزاف گه ز روى نقل وگه از روى لاف
زانكه تاريكست وهر سو پنبه زار در ميان پنبه چون باشد شرار
عالمى را يك سخن ويران كند روبهان مرده را شيران كند
والاشارة فى الآية لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ من العوام ولا التحدث مع النفس من الخواص ولا الخطرة التي تخطر بالبال من الأخص إِلَّا مَنْ ظُلِمَ بمعاصي دواعى البشرية من غير اختيار او بابتلاء من اضطرار. وايضا لا يحب الجهر بالسوء من القول بإفشاء اسرار الربوبية واسرار مواهب الالوهية الا من ظلم بغلبات الأحوال وتعاقب كؤوس عقار الجمال والجلال فاضطر الى المقال فقال باللسان الباقي لا باللسان الفاني انا الحق سبحانى وَكانَ اللَّهُ فى الأزل سَمِيعاً لمقالهم قبل إبداء حالهم عَلِيماً بأحوالهم ثم قال إِنْ تُبْدُوا خَيْراً يعنى مما كوشفتم به من الطاف الحق تنبيها للحق وإفادة لهم بالحق أَوْ تُخْفُوهُ صيانة لنفوسكم عن آفات الشوائب وأخذا بخطامها عن المشارب أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ مما يدعوكم اليه هوى النفس الامارة بالسوء او تتركوا إعلان ما جعل الله إظهاره سوأ فان الله كان عفوا فيكون عفوا متخلقا بأخلاقه متصفا بصفاته وايضا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ فى الأزل عَفُوًّا عنك بان لم يجعلك من المخذولين حتى صرت عفوا عما سواه وكان هو قَدِيراً على خذلانك حتى يقدر على ان لا يعفو عن مثقال ذرة لكفرانك ان الإنسان لظلوم كفار كذا فى التأويلات النجمية إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ اى يؤدى اليه مذهبهم ويقتضيه رأيهم لا انهم يصرحون بذلك كما ينبىء عنه قوله تعالى وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ اى بان يؤمنوا به تعالى ويكفروا بهم لكن لا بان يصرحوا بالايمان به تعالى وبالكفر بهم قاطبة بل بطريق الالتزام كما يحكيه قوله تعالى وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ
ما استفهامية بمعنى النفي فى محل النصب بيفعل اى أي شىء يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ الباء سببية متعلقة بيفعل اى بتعذيبكم إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ اى أيتشفى به من الغيظ أم يدرك به الثأر أم يستجلب به نفعا أم يستدفع به ضررا كما هو شأن الملوك اى لا يفعل بعذاب المؤمن الشاكر شيأ من ذلك لان كل ذلك محال فى حقه تعالى لانه تعالى غنى لذاته عن الحاجات منزه عن جلب المنفعة ودفع المضرة واما تعذيب من لم يؤمن او آمن ولم يشكر فليس لمصلحة تعود اليه تعالى بل لاستدعاء حال المكلف ذلك كاستدعاء سوء المزاج المرض والمقصود منه حمل المكلفين على الايمان وفعل الطاعات والاحتراز عن القبيح وترك المنكرات فكأنه قيل إذا أتيتم الحسنات وتركتم المنكرات فكيف يليق بكرمه ان يعذبكم وتعذيبه عباده لا يزيد فى ملكه وتركه عقوبتهم على فعلهم القبيح لا ينقص من سلطانه وجواب ان شكرتم محذوف لدلالة ما قبله عليه اى ان شكرتم وآمنتم فما يفعل بعذابكم. والشكر ضد الكفر والكفر ستر النعمة فالشكر إظهارها وانما قدم الشكر على الايمان مع ان الايمان مقدم على سائر الطاعات ولاثبات مع عدم الايمان لما انه طريق موصل اليه فان الناظر يدرك اولا ما عليه من النعم الانفسية والآفاقية فيشكر شكرا مبهما ثم يترقى الى معرفة المنعم بعد إمعان النظر فى الدلائل الدالة على ثبوته ووحدته فيؤمن به وَكانَ اللَّهُ شاكِراً الشكر من العبد هو الاعتراف بالنعمة الواصلة اليه مع ضروب من التعظيم ومن الله تعالى الرضى اى راضيا باليسير من طاعة عباده وأضعاف الثواب مقابلة واحدة الى عشرة الى سبعمائة الى ما شاء من الأضعاف عَلِيماً بحق شكركم وايمانكم فيستحيل ان لا يوفيكم أجوركم فينبغى لطالب الحق ان يخضع له خضوعا تاما ويشكره شكرا كثيرا. قال الجرجاني فى قوله تعالى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ اى لئن شكرتم القرب لأزيدنكم الانس. وعن على رضى الله عنه إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر معناه من لم يشكر النعم الحاصلة لديه الواصلة اليه حرم النعم الفائتة منه القاصية عنه
چون بيابى تو نعمتى در چند خرد باشد چونقطه موهوم
شكر آن يافته فرو مگذار كه زنا يافته شوى محروم
فبالشكر والايمان يتخلص المرء من النيران والا فقد عرض نفسه للعذاب واستحق العذاب والعتاب وجه التعذيب ان التأديب فى الحكمة واجب فخلق الله النار ليعلم الخلق قدر جلال الله وكبريائه وليكونوا على هيبة وخوف من صنع جلاله ويؤدب بها من لم يتأدب بتأديب رسله الى خلقه وليعتبر اهل العقل بالنظر إليها فى الدنيا وبالاستماع لها فى الآخرة ولهذا السر علق النبي عليه السلام السوط حيث يراه اهل البيت لئلا يتركوا الأدب- روى- ان الله تعالى قال لموسى عليه السلام [ما خلقت النار بخلا منى ولكن اكره ان اجمع أعدائي وأوليائي فى دار واحدة] وادخل الله بعض عصاة المؤمنين النار ليعرفوا قدر الجنة ومقدار ما دفع الله عنهم من عظيم النقمة لان تعظيم النعمة واجب فى الحكمة. والاشارة فى الآية ان الله تعالى يذكر للعباد المؤمنين نعما من نعمه السالفة السابقة. منها إخراجهم من العدم
اى نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعضهم كما قالت اليهود نؤمن بموسى والتوراة وعزير ونكفر بما وراء ذلك وما ذلك الا كفر بالله تعالى ورسله وتفريق بين الله ورسله فى الايمان لانه تعالى قد أمرهم بالايمان بجميع الأنبياء وما من نبى من الأنبياء الا وقد اخبر قومه بحقية دين نبينا ﷺ فمن كفر بواحد منهم كفر بالكل وبالله تعالى ايضا من حيث لا يحتسب وَيُرِيدُونَ بقولهم ذلك أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا اى طريقا وسطا بين الايمان والكفر ولا واسطة بينهما قطعا إذا لحق لا يختلف فان الايمان بالله انما يتم بالايمان برسله وتصديقهم فيما بلغوا عنه تفصيلا واجمالا فالكافر ببعض كالكافر بالكل فى الضلال كما قال فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ أُولئِكَ الموصوفون بالصفات القبيحة هُمُ الْكافِرُونَ اى الكاملون فى الكفر لا عبرة بما يدعونه ويسمونه ايمانا أصلا حَقًّا مصدر مؤكد لمضمون الجملة اى حق ذلك اى كونهم كاملين فى الكفر حقا او صفة لمصدر الكافرون اى هم الذين كفروا كفرا حقا اى يقينا محققا لا شك فيه وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً سيذوقونه عند حلوله ويهانون فيه ثم انه تعالى لما ذكر وعيد الكفار اتبعه بذكر وعد المؤمنين فقال وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ بان يؤمنوا ببعضهم ويكفروا بآخرين كما فعله الكفرة وانما دخل بين على أحد وهو يقتضى متعددا لعمومه من حيث انه وقع فى سياق النفي فهو بمنزلة ولم يفرقوا بين اثنين او بين جماعة أُولئِكَ المنعوتون بالنعوت الجليلة المذكورة سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ اى الله تعالى أُجُورَهُمْ الموعودة لهم وسمى الثواب اجرا لان المستحق كالاجرة وسوف لتأكيد الوعد اى الموعود الذي هو الإيتاء والدلالة على انه كائن لا محالة وان تأخر وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لما فرط منهم رَحِيماً مبالغا فى الرحمة عليهم بتضعيف حسناتهم. والآية الاولى تدل على ان الايمان لا يحصل بزعم المرء وحسبانه انه مؤمن وانما يحصل بحصول شرائطه ونتائجه منه فمن نتائجه ما ذكر فى الآية الثانية من عدم التفريق بين الرسل ومن نتائجه القبول من الله والجزاء عليه فمن اخطأه النور عند الرش على الأرواح فقد كفر كفرا حقيقيا ولذلك سماهم الله فى الكفر حقا ومن أصابه النور عند ذلك فقد آمن ايمانا حقيقيا ولذلك لا ينفع الاول توسط الايمان كما لا يضر الثاني توسط العصيان: قال السعدي قدس سره
قضا گشتى آنجا كه خواهد برد وگر ناخدا جامه بر تن درد
- يحكى- انه كان شاب حسن الوجه وله احباب وكانوا فى الاكل والشرب والتنعم والتلذذ فنفدت دراهمهم فاجتمعوا يوما واجمعوا على ان يقطعوا الطريق فخرجوا الى طريق وترقبوا القافلة فلم يمر أحد من هذا الطريق الى ثلاثة ايام ورأى الشاب شيخا قال له يا ولدي ليس هذا صنعتك فاستغفر الله تعالى فان طلبتنى فانا اقرأ القرآن فى جامع السيد البخاري ببروسة فاحترق قلب الشاب من تأثير الكلام فقال لرفقائه لوتبعتم رأيى تعالوا نروح الى بروسة ونتجسس عن بعض التجار فنخرج خلفهم فنأخذ أموالهم فقبلوا قوله فلما جاؤا الى بروسة قال لهم تعالوا نصل فى جامع السيد البخاري وندع عنده ليحصل مرادنا فلما جاء الى الجامع ورأى الشيخ هناك يقرأ القرآن سقط على رجله وتاب وبقي عنده سنتين ثم بعد السنتين أرسله هذا
النبي عليه السلام ولا المعجزة وقد آمن به ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ اى عبدوه واتخذوه الها مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ اى المعجزات التي أظهرت لفرعون من العصا واليد البيضاء وفلق البحر ونحوها لا التوراة لانها لم تنزل عليهم بعد وهذه هى الجناية الثانية التي اقترفها ايضا اوائلهم فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ اى تجاوزنا عنهم بعد توبتهم مع عظم جنايتهم وجريمتهم ولم نستأصلهم وكانوا أحقاء به. قيل هذا استدعاء لهم الى التوبة كأنه قيل ان أولئك الذين أجرموا تابوا فعفونا عنهم فتوبوا أنتم ايضا حتى نعفو عنكم. ودلت الآية على سعة رحمة الله ومغفرته وتمام نعمته ومنته وانه لا جريمة تضيق عنها مغفرة الله وفى هذا منع من القنوط وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً اى تسلطا واستيلاء ظاهرا عليهم حيث أمرهم بان يقتلوا أنفسهم توبة عن معصيتهم فاختبأوا بأفنيتهم والسيوف تتساقط عليهم فياله من سلطان مبين وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ الباء سببية متعلقة بالرفع. والمعنى لاجل ان يعطوا الميثاق لقبول الدين- روى- ان موسى عليه السلام لما جاءهم بالتوراة فرأوا ما فيها من التكاليف الشاقة كبرت عليهم فابوا قبولها فامر جبرائيل عليه السلام بقلع الطور فظلله عليهم حتى قبلوا فرفع عنهم وَقُلْنا لَهُمُ على لسان موسى والطور مشرف عليهم ادْخُلُوا الْبابَ اى باب القرية وهى أريحا على ما روى من انهم دخلوا أريحا فى زمن موسى عليه السلام او باب القبة التي كانوا يصلون إليها فانهم لم يدخلو بيت المقدس فى حياة موسى سُجَّداً اى متطامنين منحنين شكرا على إخراجهم من التيه فدخلوها زحفا وبدلوا ما قيل لهم وَقُلْنا لَهُمُ على لسان داود لا تَعْدُوا اى لا تظلموا باصطياد الحيتان يقال عدا يعدو عدوا واعداء وعدوانا اى ظلم وجاوز الحد والأصل لا تعدووا بواوين الاولى لام الكلمة والثانية ضمير الفاعل صار بالاعلال على وزن لا تفعوا فِي يوم السَّبْتِ وكان يوم السبت يوم عبادتهم فاعتدى فيه أناس منهم فاشتغلوا بالصيد وَأَخَذْنا مِنْهُمْ على الامتثال بما كلفوه مِيثاقاً غَلِيظاً اى عهدا مؤكدا غاية التأكيد وهو قولهم سمعنا واطعنا قيل انهم اعطوا الميثاق على انهم ان هموا بالرجوع عن الدين فالله تعالى يعذبهم بأى انواع العذاب أراد فَبِما ما مزيدة للتأكيد نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ اى فبسبب نقضهم ميثاقهم ذلك فعلنا بهم ما فعلنا من اللعن والمسخ وغيرهما من العقوبات النازلة عليهم او على أعقابهم فالباء متعلقة بفعل محذوف وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ اى بالقرآن او بما فى كتابهم عندهم وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ كذكريا ويحيى عليهما السلام وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ جمع اغلف اى هى مغشاة بأغشية جبلية لا يكاد يصل إليها ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام ولا تفقه ما يقوله او هو تخفيف غلف بضم الغين واللام جمع غلاف اى هى اوعية للعلوم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ كلام معترض بين المعطوفين جيىء به على وجه الاستطراد مسارعة على زعمهم الفاسد اى ليس كفرهم وعدم وصول الحق الى قلوبهم لكونها غلفا بحسب الجبلة بل الأمر بالعكس حيث ختم الله عليها بسبب كفرهم وليست قلوبهم كما زعموا بل هى مطبوع عليها بسبب كفرهم فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا منهم كعبد الله بن سلام واضرابه
أو ايمانا قليلا لا يعبأبه لنقصانه وهو ايمانهم ببعض الرسل والكتب دون بعض او بالايمان الغير المعتبر لا يجب ان يسموا مؤمنين فهم كافرون حقا. واعلم ان نقض الميثاق صار سببا لغضب الخلاق فعلى المؤمن ان يراعى احكام عهده وميثاقه ليسلم من البلاء. وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال اقبل علينا رسول الله فقال (يا معشر المهاجرين خمس خصال إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله ان تدركوهن لم تظهر الفاحشة فى قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت فى أسلافهم الذين مضوا ولم ينقصوا الكيل والميزان الا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذ بعض ما فى أيديهم وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا فيما انزل الله الا جعل الله بأسهم بينهم: قال فى المثنوى
سوى لطف بي وفايان هين مرو كان پل ويران بود نيكو شنو «١»
نقض ميثاق وعهود از بندگيست حفظ ايمان ووفا كار تقيست «٢»
جرعه بر خاك وفا آنكس كه ريخت كى تواند صيد دولت زو گريخت «٣»
وَبِكُفْرِهِمْ عطف على قولهم اى عاقبنا اليهود بسبب كذا وكذا وبسبب كفرهم بعيسى ايضا وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً يعنى نسبتها الى الزنى وبهتانا منصوب على انه مفعول به نحو قال شعرا او على المصدر الدال على النوع نحو جلست جلسة فان القول قد يكون بهتانا وغير بهتان وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وصفهم له عليه الصلاة والسلام برسول الله انما هو بطريق الاستهزاء به كما فى قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ فانهم على عداوته وقتله فكيف يقولون فى حقه انه رسول الله ونظم قولهم هذا فى سلك سائر جناياتهم ليس لمجرد كونه كذبا بل لتضمنه لا بتهاجهم وفرحهم بقتل النبي والاستهزاء به وَما اى والحال انهم ما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ اى وقع لهم التشبيه بين عيسى والمقتول فالفعل مسند الى الجار والمجرور نحو خيل اليه وليس عليه- روى- ان رهطا من اليهود سبوه بان قالوا هو الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة فقذفوه وامه فلما سمع عليه الصلاة والسلام ذلك دعا عليهم فقال [اللهم أنت ربى وانا من روحك خرجت وبكلمتك خلقتنى ولم آتهم من تلقاء نفسى اللهم فالعن من سبنى وسب أمي] فاستجاب الله دعاءه ومسخ الذين سبوه وسبوا امه قردة وخنازير فلما رأى ذلك يهودا رأس القوم وأميرهم فزع لذلك وخاف دعوته عليه ايضا فاجتمعت كلمة اليهود على قتل عيسى عليه السلام فبعث الله تعالى جبريل فاخبره بانه يرفعه الى السماء فقال لاصحابه أيكم يرضى بان يلقى عليه شبهى فيقتل ويصلب ويدخل الجنة فقال رجل منهم انا فالقى الله عليه شبهه فقتل وصلب. وقيل كان رجل ينافق عيسى عليه السلام فلما أرادوا قتله قال انا أدلكم عليه فدخل بيت عيسى فرفع عليه السلام والقى شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون انه عيسى وقيل ان ططيانوس اليهودي دخل بيتا كان هو فيه فلم يجده فالقى الله تعالى شبهه عليه فلما خرج ظنوا انه عيسى فاخذ وقتل ثم صلب وأمثال هذه الخوارق لا يستبعد فى عصر النبوة. وقال كثير من المتكلمين ان اليهود لما قصدوا قتلة رفعه الله الى السماء
(١) در اواخر دفتر دوم در ميان قصه منافقان ومسجد ضرار ساختن ايشان
(٢) لم أجد بعينه فى المثنوى لكن المذكور فى اواسط دفتر پنجم در بيان مائده عيسى كه إلخ: نقض ميثاق وشكست نوبها. موجب لعنت بود ور انتها
(٣) در أوائل دفتر پنجم در بيان معنى آيه لقد خلقنا الإنسان فى احسن تقويم إلخ [..... ]
الشيخ الى حضرة الشيخ اق شمس الدين فرباه وصار كاملا بعد ان كان مؤمنا ناقصا قاطع الطريق ولذا ينظر الى الخاتمة ولكن حسن العاقبة من سبق العناية فى البداية اللهم اجعلنا من المهديين آمين يا معين. واعلم ان الايمان والتوحيد هو اصل الأصول وهو وان كان لا يزيد ولا ينقص عند الامام الأعظم الا ان نوره يزيد بالطاعات وينقص بالسيئات فينبغى لطالب الحق ان يراعى احكام الشريعة وآداب الطريقة ليتقوى جانب روحانيته فان أنوار الطاعات كالاغذية النفيسة للارواح خصوصا نور التوحيد والذكر ولذكر الله اكبر وهو العمدة فى تصفية الباطن وطهارته. قال سيد الطائفة الجنيد قدس سره الأدب أدبان فادب السر طهارة القلب وادب العلانية حفظ الجوارح من الذنوب فعليك بترك الشرور والايمان الكامل بالله الغفور حتى تنال الاجر الموفور والسرور فى دار الحضور: قال الصائب
از زاهدان خشك رسايى طمع مدار سيل ضعيف واصل دريا نميشود
فلا بد من العشق فى طريق الحق ليصل الطالب الى السر المطلق ومجرد الامنية منية والسفينة لا تجرى على اليبس كما قالت رابعة يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ نزلت فى أحبار اليهود حين قالوا لرسول الله عليه السلام ان كنت نبيا صادقا فائتنا بكتاب من السماء جملة كما اتى به موسى عليه السلام وقيل كتابا محررا بخط سماوى على الواح كما نزلت التوراة فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ جواب شرط مقدراى ان استكبرت ما سألوه منك واستعظمت فقد سألوا موسى شيأ اكبر منه وأعظم وهذا السؤال وان صدر عن أسلافهم لكنهم لما كانوا مقتدين بهم فى كل ما يأتون وما يذرون أسند إليهم والمعنى ان لهم فى ذلك عرقا راسخا وان ما اقترحوا عليك ليس باول جهالتهم فَقالُوا الفاء تفسيرية أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً اى أرناه جهرة اى عيانا. والجهر حقيقة فى ظهور الصوت لحاسة السمع ثم استعير لظهور المرئي بحاسة البصر ونصبها على المصدر لان المعاينة نوع من الرؤية وهم النقباء السبعون الذين كانوا مع موسى عليه السلام عند الجبل حين كلمه الله تعالى سألوه ان يروا ربهم رؤية يدركونها بأبصارهم فى الدنيا فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ نار جاءت من السماء فاحرقتهم بِظُلْمِهِمْ اى بسبب ظلمهم وهو تعنتهم وسؤالهم لما يستحيل فى تلك الحال التي كانوا عليها وذلك لا يقتضى امتناع الرؤية مطلقا. وفى التأويلات النجمية فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً وما طلبوا الرؤية على موجب التعظيم او على موجب التصديق ولا حملهم عليها شدة الاشتياق او الم الفراق كما كان لموسى عليه السلام حين قال رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ولعل خرة موسى فى جواب لَنْ تَرانِي كانت من شؤم القوم وما كان لنفسهم من سوء ادب هذا السؤال لئلا يطمعوا فى مطلوب لم يعطه نبيهم فما اتعظوا بحال نبيهم لانهم كانوا أشقياء والسعيد من وعظ بغيره حتى أدركتهم الشقاوة الازلية فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ بان طمعوا فى فضيلة وكرامة ما كانوا مستحقيها ومن طبع كافرا ولو يرى الله جهرة فانه لا يؤمن به ومن طبع مؤمنا عند رشاش النور باصابته فانه يؤمن بنبي لم يره وكتاب لم يقرأه بغير معجزة او بينة كما كان الصديق رضى الله عنه حين قال النبي ﷺ له (بعثت) فقال صدقت وكما كان حال اويس القرني فانه لم ير
فخاف رؤساء اليهود من وقوع الفتنة بين عوامهم فاخذوا إنسانا وقتلوه وصلبوه ولبسوا على الناس انه هو المسيح والناس ما كانوا يعرفون المسيح الا بالاسم لما كان قليل المخالطة مع الناس فبهذا الطريق اندفع ما يقال إذا جاز ان يقال ان الله تعالى يلقى شبه انسان على انسان آخر فهذا يفتح باب السفسطة حيث يجوز ان يقال إذا رأينا زيدا لعله ليس بزيد ولكنه شخص آخر القى شبه زيد عليه وعند ذلك لا يبقى الطلاق والنكاح والملك موثوقا به. لا يقال ان النصارى ينقلون عن أسلافهم انهم شاهدوه مقتولا. لانا نقول ان تواتر النصارى ينتهى الى أقوام قليلين لا يبعد اتفاقهم على الكذب كذا فى تفسير الامام الرازي وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ اى فى شأن عيسى عليه السلام فانه لما وقعت تلك الواقعة اختلف الناس. فقال بعضهم ان كان هذا المقتول عيسى فاين صاحبنا وان كان صاحبنا فاين عيسى. وقال بعضهم الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا فان الله تعالى لما القى شبه عيسى على المقتول ألقاه على وجهه دون جسده وقال من سمع منه ان الله يرفعنى الى السماء انه رفع الى السماء. وقيل ان الذين اختلفوا فيه هم النصارى فقال قوم منهم انه ما قتل وما صلب بل رفعه الله السماء. وقال قوم منهم ان اليهود قتلوه فزعمت النسطورية ان المسيح صلب من جهة ناسوته اى جسمه وهيكله المحسوس لامن جهة لا هوته اى نفسه وروحه. واكثر الحكماء يختارون ما يقرب من هذا القول قالوا لانه ثبت ان الإنسان ليس عبارة عن هذا الهيكل بل هو اما جسم لطيف فى هذا البدن واما جوهر روحانى مجرد فى ذاته وهو مدبر فى هذا البدن والقتل انما ورد على هذا الهيكل واما النفس التي هى فى الحقيقة عيسى فالقتل ما ورد عليها. لا يقال كل انسان كذلك فما وجه التخصيص. لانا نقول ان نفسه كانت قدسية علوية سماوية شديدة الاشراق بالأنوار الالهية عظيمة القرب من أرواح الملائكة والنفس متى كانت كذلك لم يعظم تألمها بسبب القتل وتخريب البدن ثم انها بعد الانفصال عن ظلمة البدن تتخلص الى فسحة السموات وأنوار عالم الجلال فتعظم بهجتها وسعادتها هناك ومعلوم ان هذه الأحوال غير حاصلة لكل الناس وانما تحصل لا شخاص قليلين من مبدأ خلق آدم الى قيام الساعة. وزعمت الملكانية من النصارى ان القتل والصلب وصل الى اللاهوت بالاحساس والشعور لا بالمباشرة.
وزعمت اليعقوبية منهم ان القتل والصلب وقعا بالمسيح الذي هو جوهر متولد من جوهرين لَفِي شَكٍّ مِنْهُ اى لفى تردد والشك كما يطلق على ما لم يترجح أحد طرفيه يطلق على مطلق التردد وعلى ما يقابل العلم ولذلك أكد بقوله تعالى ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ استثناء منقطع لان اتباع الظن ليس من جنس العلم والمعنى لكنهم يتبعون الظن وَما قَتَلُوهُ قتلا يَقِيناً كما زعموا بقولهم انا قتلنا المسيح فيقينا نعت مصدر محذوف على ان يكون فعيلا بمعنى المفعول وهو المتيقن بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ رد وانكار لقتله واثبات لرفعه. قال الحسن البصري اى الى السماء التي هى محل كرامة الله تعالى ومقر ملائكته ولا يجرى فيها حكم أحد سواه فكان رفعه الى ذلك الموضع رفعا اليه تعالى لانه رفع عن ان يجرى عليه حكم العباد ومن هذا القبيل قوله تعالى وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وكانت الهجرة الى المدينة وقوله إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي اى الى موضع لا يمنعنى أحد من عبادة ربى والحكمة فى الرفع انه تعالى أراد به صحبة
الملائكة ليحصل لهم بركته لانه كلمة الله وروحه كما حصل للملائكة بركة صحبة آدم ابى البشر من تعلم الأسماء والعلم وان مثل عيسى عند الله كمثل آدم كما ذكر فى الآية. وقيل رفع الى السماء لما لم يكن دخوله الى الوجود الدنيوي من باب الشهوة وخروجه لم يكن من باب المنية بل دخل من باب القدرة وخرج من باب العزة وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً لا يغالب فيما يريده فعزة الله تعالى عبارة عن كان قدرته فان رفع عيسى عليه السلام الى السموات وان كان معتذرا بالنسبة الى قدرة البشر لكنه سهل بالنسبة الى قدرة الله تعالى لا يغلبه عليه أحد حَكِيماً فى جميع أفعاله فيدخل فيها تدبير انه تعالى فى امر عيسى عليه السلام دخولا أوليا ولما رفع الله عيسى عليه السلام كساه الريش والبسه النور وقطعه عن شهوات المطعم والمشرب وطارمع الملائكة فهو معهم حول العرش فكان إنسيا ملكيا سماويا ارضيا. قال وهب بن منبه بعث عيسى على رأس ثلاثين سنة ورفعه الله وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وكانت نبوته ثلاث سنين. فان قيل لم لم يرد الله تعالى عيسى الى الدنيا بعد رفعه الى السماء. قيل اخر رده ليكون علما للساعة وخاتما للولاية العامة لانه ليس بعده ولى يختم الله به الدورة المحمدية تشريفا لها بختم نبى مرسل يكون على شريعة محمدية يؤمن بها اليهود والنصارى ويجدد الله تعالى به عهد النبوة على الامة ويخدمه المهدى واصحاب الكهف ويتزوج ويولد له ويكون فى امة محمد عليه السلام وخاتم أوليائه ووارثيه من جهة الولاية. واجمع السيوطي فى تفسير الدر المنثور فى سورة الكهف عن ابن شاهين اربعة من الأنبياء احياء اثنان فى السماء عيسى وإدريس واثنان فى الأرض الخضر والياس فاما الخضر فانه فى البحر واما صاحبه فانه فى البر. قال الامام السخاوي رحمه الله حديث (أخي الخضر لو كان حيا لزارنى) من كلام بعض السلف ممن أنكر حياة الخضر. واعلم ان الأرواح المهيمة التي من العقل الاول كلها صف واحد حصل من الله ليس بعضها بواسطة بعض وان كانت الصفوف الباقية من الأرواح بواسطة العقل الاول كما أشار ﷺ (انا ابو الأرواح وانا من نور الله والمؤمنون فيض نورى) فاقرب الأرواح فى الصف الاول الى الروح الاول والعقل الاول روح عيسوى لهذا السر شاركه بالمعراج الجسماني الى السماء وقرب عهده بعهده فالروح العيسوى مظهر الاسم الأعظم وفائض من الخضرة الالهية فى مقام الجمع بلا واسطة اسم من الأسماء وروح من الأرواح فهو مظهر الاسم الجامع الإلهي وراثة اولية ونبينا عليه السلام أصالة كذا فى شرح الفصوص. ثم اعلم ان قوما قالوا على مريم فرموها بالزنى وآخرين جاوزوا الحد فى تعظيمها فقالوا ابنها ابن الله وكلتا الطائفتين وقعتا فى الضلال. ويقال مريم كانت ولية الله فشقى بها فرقتان اهل الافراط واهل التفريط وكذلك كل ولى له تعالى فمنكرهم شقىّ بترك احترامهم وطلب اذيتهم والذين يعتقدون فيهم ما لا يستوجبون يشقون بالزيادة فى إعظامهم وعلى هذه الجملة درج الأكثرون من الأكابر كذا فى التأويلات النجمية: وفى المثنوى
نازنينى تو ولى در حد خويش الله الله پامنه در حد پيش «١»
جمله عالم زين سبب گمراه شد كم كسى ز ابدال حق آگاه شد «٢»
دير بايد تا كى سر آدمي آشكارا گردد از پيش وكمى «٣»
(١) در اواخر دفتر يكم در بيان دعا كردن بلعم باعورا كه إلخ
(٢) در أوائل دفتر يكم در بيان حكايت مرد يقال إلخ
(٣) در اواسط دفتر يكم در بيان مغرون شدن مريد ان إلخ
وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ اى بسبب منعهم عن دين الله وهو الإسلام ناسا كَثِيراً او صدا كثيرا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ اى والحال انهم قد نُهُوا عَنْهُ فان الربا كان محرما عليهم كما هو محرم علينا. وفيه دليل على ان النهى يدل على حرمة المنهي عنه وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة وَأَعْتَدْنا اى خلقنا وهيأنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ اى للمصرين على الكفر لا لمن تاب وآمن من بينهم عَذاباً أَلِيماً وجيعا يخلص وجعه الى قلوبهم سيذوقونه فى الآخرة كما ذاقوا فى الدنيا عقوبة التحريم لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ اى التائبون من اهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه وسماهم راسخين فى العلم لثباتهم فى العلم وتجردهم فيه لا يضطربون ولا تميل بهم الشبه بمنزلة الشجرة الراسخة بعروقها فى الأرض وَالْمُؤْمِنُونَ اى من غير اهل الكتاب من المهاجرين والأنصار يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ خبر المبتدأ وهو الراسخون وما عطف عليه. قال فى التأويلات النجمية كان عبد الله بن سلام عالما بالتوراة وقد قرأ فيها صفة النبي عليه السلام فلما كان راسخا فى العلم اتصل علم قراءته بعلم المعرفة فقال لما رأيت وجه رسول الله ﷺ عرفت انه ليس بوجه كذاب فآمن به ولما لم يكن للاحبار رسوخ فى العلم وان قرأوا صفة النبي عليه السلام فى التوراة فلما رأوا النبي عليه السلام ما عرفوه فكفروا به انتهى ونعم ما قيل فى حق الشرفاء
جعلوا لا بناء الرسول علامة ان العلامة شان من لم يشهر
نور النبوة فى كريم وجوههم يغنى الشريف عن الطراز الاخطر خضر
وَاعنى الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ فنصبه على المدح لبيان فضل الصلاة وَهم الْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ فرفعه على المدح ايضا وكذا رفع قوله تعالى وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قدم عليه الايمان بالأنبياء والكتب وما يصدقه من اتباع الشرائع لانه المقصود بالآية أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً اى ثوابا وافرا فى الجنة على جمعهم بين الايمان والعمل الصالح وهو ما أريد به وجه الله تعالى. ومن أفاضل الأعمال الصلوات الخمس وإقامتها وفى الحديث (من حافظ منكم على الصلوات الخمس حيث كان واين ما كان جاز الصراط يوم القيامة كالبرق اللامع فى أول زمرة السابقين وجاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر وكان له كل يوم وليلة حافظ عليهن اجر شهيد) وسر هذا الحديث مفهوم من لفظ الصلاة ووجه تسميتها بها لان اشتقاقها من الصلى وهو النار والخشبة المعوجة إذا أرادوا تقويمها يعرضونها على النار فتقوم وفى العبد اعوجاج لوجود نفسه الامارة فيه وسبحات وجه الله الكريم حارة بحيث لو كشف حجابها لا حرقت تلك السبحات من أدركته ومن انتهى اليه البصر كما ورد فى الحديث فبدخول المصلى فى الصلاة يستقبل تلك السبحات فيصيب المصلى من وهج السطوة الالهية والعظمة الربانية ما يزول به اعوجاجه بل يتحقق به معراجه فالمصلى كالمصطلى بالنار ومن اصطلى بها زال بها اعوجاجه فلا يعرض على نار جهنم إلا تحلة القسم وبذلك المقدار من المرور يذهب اثر دونه ولا يبقى له احتياج الى المكث على
الصراط فيمر كالبرق اللامع وقال رسول الله ﷺ فى حجة الوداع (ان اولياء الله المصلون ومن يقيم الصلوات الخمس التي كتبهن الله عليه ويصوم رمضان ويحتسب صومه ويؤتى الزكاة محتسبا طيبة بها نفسه ويجتنب الكبائر التي نهى الله عنها) فقال رجل من أصحابه يا رسول الله وكم الكبائر قال (تسع أعظمهن الإشراك بالله وقتل المؤمن بغير حق والفرار من الزحف وقذف المحصنة والسحر وأكل الربا وأكل مال اليتيم وعقوق الوالدين المسلمين واستحلال البيت العتيق الحرام قبلتكم احياء وأمواتا لا يموت رجل لم يعمل هؤلاء الكبائر ويقيم الصلاة ويؤتى الزكاة الا رافق محمدا فى بحبوبة جنة ابوابها مصاريع الذهب). واعلم ان الراسخين فى العلم هم الذين رسخوا بقدمي العمل والعلم الى ان بلغوا معادن العلوم فاتصلت علومهم الكسبية بالعلوم العطائية اللدنية وفى الحديث (طلعت ليلة المعراج على النار فرأيت اكثر أهلها الفقراء) قالوا يا رسول الله من المال قال (لا من العلم) وفى الحديث (العلم امام العمل والعمل تابعه). قال حجة الإسلام الغزالي رحمه الله فى منهاج العابدين ولقد صرت من علماء امة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الراسخين فى العلم ان أنت عملت بعلمك وأقبلت على عمارة معادك وكنت عبدا عالما عاملا لله تعالى على بصيرة غير جاهل ولا مقلد غير غافل فلك الشرف العظيم ولعلمك القيمة الكثيرة والثواب الجزيل وبناء امر العبادة كله على العلم سيما علم التوحيد وعلم السر فلقد روى ان الله تعالى اوحى الى داود عليه السلام فقال [يا داود تعلم العلم النافع] قال الهى وما العلم النافع قال [ان تعرف جلالى وعظمتى وكبريائى وكمال قدرتى على كل شىء فان هذا الذي يقربك الى] وعن على رضى الله عنه ما يسرنى ان لومت طفلا فادخلت الجنة ولم اكبر فاعرف ربى فان اعلم الناس بالله أشدهم خشية وأكثرهم عبادة وأحسنهم فى الله نصيحة إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ جواب لاهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله ﷺ ان ينزل عليهم كتابا من السماء واحتجاج عليهم بانه ليس بدعا من الرسل وانما شأنه فى حقيقة الإرسال واصل الوحى كشأن سائر مشاهير الأنبياء الذين لا ريب لاحدهم فى نبوتهم والوحى والإيحاء كالاعلام فى خفاء وسرعة اى أنزلنا جبرائيل عليك يا محمد بهذا القرآن كَما أَوْحَيْنا اى ايحاء مثل ايحائنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ بدأ بذكر نوح لانه ابو البشر وأول نبى عذبت أمته لردهم دعوته وقد أهلك الله بدعائه اهل الأرض قيل ان نوحا عليه السلام عمر الف سنة لم ينقص له سن ولا قوة ولم يشب له شعر ولم يبالغ أحد من أنبياء فى الدعوة ما بالغ ولم يصبر على أذى قومه ما صبر وكان يدعو قومه ليلا ونهارا وسرا وجهارا وكان يضرب من قومه حتى يغمى عليه فاذا أفاق عاد وبلغ وقيل هو أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة بعد محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ عطف على أوحينا الى نوح داخل معه فى حكم التشبيه اى كما أوحينا الى ابراهيم وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وهم أولاد يعقوب عليه السلام وهم اثنا عشر رجلا وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ خصهم بالذكر مع اشتمال النبيين عليهم تشريفا لهم وإظهارا لفضلهم فان ابراهيم أول اولى العزم منهم وعيسى آخرهم والباقين اشراف الأنبياء ومشاهيرهم
زير ديوار بدن گنجست يا خانه مارست ومور واژدها
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ اى ما من اليهود والنصارى أحد إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ اى بعيسى قَبْلَ مَوْتِهِ اى قبل موت ذلك الأحد من اهل الكتاب يعنى إذا عاين اليهودي امر الآخرة وحضرته الوفاة ضربت الملائكة وجهه ودبره وقالت أتاك عيسى عليه السلام نبيا فكذبت به فيؤمن حين لا ينفعه إيمانه لانقطاع وقت التكليف وتقول للنصرانى أتاك عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله فزعمت انه هو الله وابن الله فيؤمن بانه عبد الله حين لا ينفعه إيمانه قالوا لا يموت يهودى ولا صاحب كتاب حتى يؤمن بعيسى وان احترق او غرق او تردى او سقطه عليه جدار او أكله سبع او أي ميتة كانت حتى قيل لابن عباس رضى الله عنهما لو خر من بيته قال يتكلم به فى الهواء قيل أرأيت لو ضرب عنق أحدهم قال يتلجلج به لسانه وهذا كالوعيد لهم والتحريض على معاجلة الايمان به قبل ان يضطروا اليه ولم ينفعهم ايمانهم. وقيل الضميران لعيسى والمعنى وما من اهل الكتاب الموجودين عند نزول عيسى من السماء أحد الا ليؤمنن به قبل موته- روى- عن النبي عليه السلام انه قال (انا اولى الناس بعيسى لانه لم يكن بينى وبينه نبى ويوشك انه ينزل فيكم حكما عدلا فاذا رأيتموه فاعرفوه فانه رجل مربوع الخلق الى الحمرة والبياض وكان رأسه يقطر وان لم نصبه بلل فيقتل الخنزير ويريق الخمر ويكسر الصليب ويذهب الصخرة ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله فى زمانه الملل كلها غير ملة الإسلام وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين ويهلك الله فى زمانه مسيح الضلالة الكذاب الدجال حتى لا يبقى أحد من اهل الكتاب وقت نزوله الا يؤمن به وتقع الامنة فى زمانه حتى ترتع الإبل مع الأسود والبقر مع النمور والغنم مع الذئاب وتلعب الصبيان بالحيات لا يؤذى بعضهم بعضا ثم يلبث فى الأرض أربعين سنة ثم يموت ويصلى عليه المسلمون ويدفنونه) وفى الحديث (ان المسيح جاىء فمن لقيه فليقرئه منى السلام) وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ اى عيسى عليه السلام عَلَيْهِمْ اى على اهل الكتاب شَهِيداً فيشهد على اليهود بالتكذيب وعلى النصارى بانهم دعوه ابن الله فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا اى بسبب ظلم عظيم خارج عن حدود الأشباه والاشكال صادر عن اليهود حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ولمن قبلهم لا لشىء غيره كما زعموا فانهم كانوا كلما ارتكبوا معصية من المعاصي التي اقترفوها حرم عليهم نوع من الطيبات التي كانت محللة لهم ولمن تقدمهم من أسلافهم عقوبة لهم كلحوم الإبل وألبانها والشحوم وفى التأويلات النجمية نكتة قال لهم حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ وقال لنا وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وقال كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً فلم يحرم علينا شيأ بذنوبنا وكما آمنا من تحريم الطيبات فى هذه الآية نرجو ان نؤمننا فى الآخرة من العذاب الأليم لانه جمع بينها فى الذكر فى هذه الآية. وقال اهل الاشارة ارتكاب المحظورات يوجب تحريم المباحات وانا أقول الإسراف فى ارتكاب المباحات يوجب حرمان المناجاة انتهى كلام التأويلات: قال السعدي
وقدم ذكر عيسى على من بعده لان الواو للجمع دون الترتيب فتقدم ذكره فى الآية لا يوجب تقديمه فى الخلق والإرسال والفائدة فى تقديمه فى الذكر رد على اليهود لغلوهم فى الطعن فيه وفى نسبه فقدمه الله فى الذكر لان ذلك ابلغ فى كتب اليهود فى تبرئته مما رمى به ونسب اليه وَآتَيْنا اى كما آتينا داوُدَ زَبُوراً فالجملة عطف على أوحينا داخلة فى حكمه لان إيتاء الزبور من باب الإيحاء. والزبور هو الكتاب مأخوذ من الزبر وهو الكتابة. قال القرطبي كان فيه مائة وخمسون سورة ليس فيها حكم من الاحكام وانما هى حكم ومواعظ وتحميد وتمجيد وثناء على الله عز وجل وكان داود يبرز الى البرية ويقرأ الزبور فيقوم معه علماء بنى إسرائيل خلفه ويقوم الناس خلف العلماء ويقوم الجن خلف الناس وتجيئ الدواب التي فى الجبال إذا سمعت صوت داود فيقمن بين يديه تعجبا لما يسمعن من صوته ويجيئ الطير حتى يظللن على داود فى خلائق لا يحصيهن الا الله يرفرفن على رأسه وتجيئ السباع حتى تحيط بالدواب والوحش لما يسمعن فلما قارف الذنب وهو تزوج امرأة أوريا من غير انتظار الوحى بجبرائيل ولم يروا ذلك فقيل ذلك انس الطاعة وهذه وحشة المعصية وعن ابى موسى الأشعري قال قال لى رسول الله (لو رأيتنى البارحة وانا استمع لقراءتك لقد أعطيت مزمارا من مزامير آل داود) قال فقلت اما والله يا رسول الله لو علمت انك تسمع لحبرته تحبيرا. وعن ابى عثمان قال ما سمعت قط بربطا ولا مزمارا ولا عودا احسن من صوت ابى موسى وكان يؤمنا فى صلاة الغداة فنودّ انه يقرأ سورة البقرة من حسن صوته:
قال السعدي قدس سره
مرو در پى هر چهـ دل خواهدت كه تمكين تن نور جان كاهدت
به از روى زيباست آواز خوش كه آن حظ نفس است واين قوت روح
وعند هبوب الناشرات على الحمى تميل غصون البان لا الحجر الصلد
وَرُسُلًا نصب بمضمر يدل عليه أوحينا معطوف عليه داخل معه فى حكم التشبيه كما قيل اى وكما أرسلنا رسلا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ اى سميناهم لك مِنْ قَبْلُ متعلق بقصصنا اى من قبل هذه السورة او اليوم وعرفناك قصتهم فعرفتهم وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ اى لم نسمهم لك والرسل هم الذين اوحى إليهم بجبريل والأنبياء هم الذين لم يوح إليهم بجبريل وانما اوحى إليهم بملك آخر أو برؤيا فى المنام او بشىء آخر من الإلهام. وعن ابى ذرّ رضى الله عنه قال قلت يا رسول الله كم كانت الأنبياء وكم كان المرسلون قال (كانت الأنبياء مائة الف واربعة وعشرين الفا وكان المرسلون ثلاثمائة وثلاثه عشر) وفى رواية سئل عن عدد الأنبياء فقال (مائتا الف واربعة وعشرون الفا) والاولى ان لا يقتصر على عدد فى التسمية لهذه الآية وخبر الواحد لا يفيد الا الظن ولا عبرة بالظن فى الاعتقاديات وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً عطف على انا أوحينا إليك عطف القصة على القصة وتأكيد كلم بالمصدر يدل على انه عليه السلام سمع كلام الله حقيقة لا كما يقوله القدرية من ان الله تعالى خلق كلاما فى محل فسمع موسى ذلك الكلام لان ذلك لا يكون كلام الله القائم به والافعال المجازية لا تؤكد بذكر المصادر لا يقال أراد الحائط ان يسقط ارادة. قال الفراء العرب تسمى ما وصل الى الإنسان كلاما
وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً لا يغالب فى امر من الأمور من قضية الامتناع عن الاجابة الى مسألة المتعنتين حَكِيماً فى جميع أفعاله التي من جملتها إرسال الرسل وإنزال الكتب لكِنِ اللَّهُ استدراك على مفهوم ما قبله من سؤالهم على وجه التعنت ان ينزل عليهم ما وصفوه من الكتاب فهو بمنزلة قولهم لا نشهد بان الله تعالى بعثك إلينا رسولا حتى ينزل ما سألناه فقال تعالى انهم لا يشهدون بصدقك فى دعوى الرسالة لكن الله يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ من القرآن المعجز الدال على نبوتك ان جحدوك وكذبوك فان إنزال هذا القرآن البالغ فى الفصاحة الى حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضته وإتيان ما يدانيه شهادة له عليه السلام بنبوته وصدقه فى دعوى الرسالة من الله تعالى فمعنى شهادة الله تعالى بما انزل اليه إثباته لصحته بإظهار المعجزات كما تثبت الدعاوى بالبينات أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ حال من الفاعل اى ملتبسا بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره وهو تأليف على نمط بديع يعجز عنه كل بليغ او بعلمه بحال من انزل عليه واستعداده لاقتباس الأنوار القدسية وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ ايضا بنبوتك فان قلت من اين يعلم شهادة الملائكة. قلت من شهادة الله تعالى لان شهادتهم تبع لشهادته وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً على صحة نبوتك حيث نصب لها معجزات باهرة وحججا ظاهرة مغنية عن الاستشهاد بغيرها كأنه تعالى قال يا محمد ان كذبك هؤلاء اليهود فلا تبال بهم فان الله تعالى وهو اله العالمين يصدقك فى دعواك وملائكة السموات ايضا يصدقونك فى ذلك ومن صدقه رب العالمين والملائكة اى ملائكة العرش والكرسي والسموات السبع أجمعون لا ينبغى له ان يلتفت الى تكذيب اخس الناس وهم هؤلاء اليهود إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اى بما انزل الله ويشهد به وهم اليهود وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وهو دين الإسلام من أراد سلوكه بقوله ما نعرف صفة محمد فى كتابنا قَدْ ضَلُّوا بما فعلوا من الكفر والصد عن طريق الحق ضَلالًا بَعِيداً لانهم جمعوا بين الضلال والضلال ولان المضل يكون أعرق فى الضلال وابعد من الانقلاع عنه إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اى بما ذكر آنفا وَظَلَمُوا اى محمدا ﷺ بانكار نبوته وكتمان نعوته الجليلة ووضع غيرها مكانها او الناس بصدهم عما فيه صلاحهم فى المعاش والمعاد لَمْ يَكُنِ اللَّهُ مريدا لِيَغْفِرَ لَهُمْ لاستحالة تعلق المغفرة بالكافر وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ لعدم استعدادهم للهداية الى الحق والأعمال الصالحة التي هى طريق الجنة والمراد بالهداية المفهومة من الاستثناء بطريق الاشارة خلق الله لاعمالهم السيئة المؤدية بهم الى جهنم عند صرف قدرتهم واختيارهم الى اكتسابها او سوقهم إليها يوم القيامة بواسطة الملائكة والطريق على عمومه والاستثناء متصل وقيل خاص بطريق الحق والاستثناء منقطع خالِدِينَ فِيها حال مقدرة من الضمير المنصوب والعامل فيها ما دل عليه الاستثناء دلالة واضحة كأنه قيل يدخلهم جهنم خالدين فيها أَبَداً نصب على الظرفية رافع لاحتمال حمل الخلود على المكث الطويل وَكانَ ذلِكَ اى جعلهم خالدين فيها عَلَى اللَّهِ يَسِيراً
لاستحالة ان يتعذر عليه شىء من مراداته تعالى. واعلم ان من كان فيه ذرة من النور المرشوش على الأرواح يوم خلقها يخرج به من النار كما قال عليه السلام (يخرج من النار من كان فى قلبه
بأى طريق وصل ما لم يؤكد بالمصدر فاذا أكد به لم يكن الا حقيقة الكلام والمعنى ان التكليم بغير واسطة منتهى مراتب الوحى خص به موسى من بينهم فلم يكن ذلك قادحا فى نبوة سائر الأنبياء فكيف يتوهم كون نزول التوراة عليه جملة قادحا فى صحة من انزل عليه الكتاب مفصلا مع ظهور ان نزولها كذلك لحكم مقتضية لذلك من جملتها ان بنى إسرائيل كانوا فى العناد وشدة الشكيمة بحيث لو لم يكن نزولها كذلك لما آمنوا بها الا بعد اللتيا والتي وقد فضل الله نبينا محمدا ﷺ بان أعطاه مثل ما اعطى كل واحد منهم: قال العطار
كرده در شب سوى معراجش روان سر كل با او نهاده در ميان
رفت موسى بر بساط آن جناب خلع نعلين آمدش از حق خطاب
چون بنزديكى شد از نعلين دور گشت در وادي المقدس غرق نور
باز در معراج شمع ذو الجلال مى شنود آواز نعلين بلال
موسئ عمران اگر چهـ بود شاه هم نبود انجاش با نعلين راه
اين عنايت بين كه بهر جاه او كرد حق با چاكر درگاه او
چاكرش را كرد مرد كوى خويش دار بانعلين راهش سوى خويش
موسئ عمران چون آن رتبت بديد چاكر او را چنان قربت بديد
گفت يا رب امت او كن مرا در طفيل همت او كن مرا
اوست سلطان وطفيل او همه اوست دائم شاه وخيل او همه
- روى- ان موسى عليه السلام لما اتى طور سيناء انزل الله الظلمة على سبع فراسخ وطرد عنه الشيطان وطرد عنه الهوام ونحى عنه الملكين وكشف له السماء فرأى الملائكة قياما فى الهواء ورأى العرش بارزا وكلمه الله وناجاه حتى أسمعه كلامه من غير واسطة وكيفية وصوت وحرف رُسُلًا نصب على المدح اعنى رسلا مُبَشِّرِينَ لاهل الطاعة بالجنة وَمُنْذِرِينَ للعصاة بالنار لِئَلَّا يَكُونَ اللام متعلقة بأرسلنا لِلنَّاسِ خبر يكون عَلَى اللَّهِ متعلق بمحذوف وقع حالا من قوله حُجَّةٌ اى كائنة على الله. وحجة اسم يكون والمعنى لئلا يكون للناس على الله معذرة يوم القيامة يعتذرون بها قائلين لولا أرسلت إلينا رسولا فيبين لنا شرائعك ويعلمنا ما لم نكن نعلم من أحكامك وينبهنا من سنة الغفلة لقصور القوة البشرية عن ادراك جزئيات المصالح وعجز اكثر الناس عن ادراك كلياتها. ففيه تنبيه على ان بعثة الأنبياء الى الناس ضرورة وانما سميت المعذرة حجة مع استحالة ان يكون لاحد عليه سبحانه حجة فى فعل من أفعاله بل له ان يفعل ما يشاء للتنبيه على ان المعذرة فى القبول عنده تعالى بمقتضى كرمه ورحمته لعباده بمنزلة الحجة القاطعة التي لامرد لها ولذلك قال وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا قال النبي ﷺ (ما أحد أغير من الله عز وجل لذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وما أحد أحب اليه المدح من الله تعالى ولذلك مدح نفسه وما أحد أحب اليه العذر من الله تعالى ولذلك أرسل الرسل وانزل الكتاب) بَعْدَ الرُّسُلِ اى بعد ارسالهم وتبليغ الشرائع الى الأمم على ألسنتهم متعلق بحجة
ذرة من الايمان) ومن لم يكن فيه ذلك النور يخلد فى النار لانه وقع فى ظلمة عظيمة لا يمكن الخروج منها وقد ضل ضلالا بعيدا اى من يوم رش النور لا ضلالا قريبا من هذا اليوم لان ضلال اليوم من نتائج ضلال ذلك اليوم ومثل هذا لا يهتدى الى طريق الحق والقربة الى الله تعالى فيحترق فى عذاب القطيعة ابدا ولا يخرج من نار الفرقة سرمدا. فعلى العبد ان يشهد بما شهد الله تعالى به ويقبل قول الله وقول الرسول وقول وارثيه من العلماء العاملين فانهم ينطقون عن الله وعن الرسول. قال شقيق رحمه الله الناس يقومون من مجلسى على ثلاثة اصناف كافر محض ومنافق محض ومؤمن محض وذلك لانى أفسر القرآن وأقول عن الله عز وجل وعن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم فمن لا يصدقنى فهو كافر محض ومن صاق قلبه فهو منافق ومن ندم على ما صنع وعزم على انه لا يذنب كان مؤمنا مخلصا وأول الأمر الاعتقاد وذلك يحتاج الى العلم اولا والعمل ثانيا لانه ثمرته وسئل النبي عليه السلام عن العلم فقال (دليل العمل) قيل فما العقل قال عليه السلام (قائد الخير) قيل فما الهوى قال (مركب المعاصي) قيل فما المال قال (رداء المتكبرين) قيل فما الدنيا قال (سوق الاخرة) يا أَيُّهَا النَّاسُ خطاب لعامة الخلق قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ يعنى محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم ملتبسا بِالْحَقِّ وهو القرآن المعجز الذي شهد اعجازه على حقيته او بالدعوة الى عبادة الله وحده والاعراض عما سواه فان العقل السليم يشهد على انه الحق مِنْ عند رَبِّكُمْ متعلق بجاء اى جاء من عند الله وانه مبعوث مرسل غير متقول له فَآمِنُوا بالرسول وبما جاءكم به من الحق والفاء للدلالة على إيجاب ما قبلها لما بعدها خَيْراً لَكُمْ منصوب على انه مفعول لفعل واجب الإضمار اى اقصدوا أو ائتوا امرا خيرا لكم مما أنتم فيه من الكفر او على انه نعت لمصدر محذوف اى آمنوا ايمانا خيرا لكم وهو الايمان باللسان والجنان وَإِنْ تَكْفُرُوا اى ان تصروا وتستمروا على الكفر فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الموجودات سواء كاتت داخلة فى حقيقتهما وبذلك يعلم حال أنفسهما على ابلغ وجه وآكده او خارجة عنهما مستقرة فيهما من العقلاء وغيرهم فيدخل فى جملتهم المخاطبون دخولا أوليا اى كلها له عز وجل خلقا وملكا وتصرفا لا يخرج من ملكوته وقهره شىء منها فمن هذا شأنه فهو قادر على تعذيبكم بكفركم لا محالة او فمن كان كذلك فهو غنى عنكم وعن غيركم لا يتضرر بكفركم ولا ينتفع بايمانكم او فمن كان كذلك فله عبيد يعبدونه وينقادون لامره وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً مبالغا فى العلم فهو عالم بأحوال الكل فيدخل فى ذلك علمه تعالى بكفرهم دخولا أوليا حَكِيماً مراعيا للحكمة فى جميع أفعاله التي من جملتها تعذيبه تعالى إياهم بكفرهم. واعلم ان النبي ﷺ صورة النور الغيبى المرسل الى الأجساد فمن كان قابلا لافاضة نور دعوته فقد اهتدى ومن اخطأ فقد ضل. واتفق المشايخ على ان ألقى زمامه فى يد كلب مثلا حتى لا يكون تردده بحكم طبعه فنفسه أقوم لقبول الرياضة ممن جعل زمامه فى حكم نفسه يسترسل بها حيث شاء كالبهائم فلما تيقنت ان الواجب عليك ان تكون تابعا لا مسترسلا فلان تتبع سيد المرسلين محمدا ﷺ الذي آدم ومن دونه من الأولياء والأنبياء تحت
ولدا له وزوجة وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا اليه يكل كل الخلق أمورهم وهو غنى عن العالمين فأنى يتصور فى حقه اتخاذ الولد الذي هو شأن العجزة المحتاجين فى تدبير أمورهم الى من يخلفهم ويقوم مقامهم او يعينهم دلت الآية على التوحيد
كل شىء ذاته لى شاهد... انما الله اله واحد
ومطلب اهل التوحيد أعلى المطالب وهو وراء الجنات وذوقهم لا يعاد له نعيم- حكى- ان وليا يقال له سكرى بابا يكون له فى بعض الأوقات استغراق أياما حتى يظنونه ميتا ويضعون على فمه فداما فانتبه يوما فارادان يطلق زوجته ويترك أولاده وقال كنت فى مجلس النبي عليه السلام فى الملكوت مع الأرواح وكان النبي عليه السلام يفسر قوله تعالى وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ يتكلم فى مراتب التوحيد على كرسى قوائمه اربع من الأنوار الاربعة على حسب المراتب الأربع اى من النور الأسود فى مرتبة الطبيعة ومن النور الأحمر فى مرتبة النفس ومن النور الأخضر فى مرتبة الروح ومن النور الأبيض فى مرتبة السر فقيل لى فى العرش أرسلوا سكرى بابا فان أولاده يبكون فلاجل ذلك أريد ان اترك الكل فتضرعوا وحلفوا بان لا يفعلوا مثل ذلك ابدا ففرغ ووجه التسمية بذلك انه كان يعطى سكر الكل من يطلبه منه حتى طلبوا فى الحمام امتحانا له فضرب برجله رحام الحمام قال خذوه فانقلب سكرا فاعتقدوه وزالت شبهتهم. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى الملكوت ليس فى الفوق بل الملك والملكوت عندك هنا فان الله تعالى منزه عن الزمان والمكان والذهاب والإياب وهو معكم أينما كنتم فللسالك مرتبة ينظر فيها الى الله والى الحق ويسمى تلك بالمعية ثم بعد ذلك إذا وصل الى الفناء الكلى واضمحل وجوده يسمى ذلك بمقام الجمع ففى ذلك المقام لا يرى السالك ما سوى الله تعالى كمن احاطه نور لا يرى الظلمة ألا برى ان من نظر الى الشمس لا يرى غيرها وتلك الرؤية ليست بحاسة البصر ولا كرؤية الأجسام بل كما ذكر العلماء وكمل الأولياء والأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين والموحد إذا كان موحدا يوصله التوحيد الى الملكوت والجبروت واللاهوت اعنى الموحد يتخلص من الاثنينية ومن التقيد بالاكوان والأجسام والأرواح فيشاهد عند ذلك سر قوله تعالى إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ اللهم اجعلنا من الواصلين نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ
فى أساس البلاغة استنكف منه ونكف امتنع وانقبض آنفا وحميةنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ
اى من ان يكون عبدا له تعالى فان عبوديته شرف يتباهى بها وانما المذلة والاستنكاف فى عبودية غيره- روى- ان وفد نجران قالوا لرسول الله ﷺ لم تعيب صاحبنا قال (ومن صاحبكم) قالوا عيسى قال (وأي شىء أقول) قالوا تقول انه عبد الله قال (انه ليس بعار أن يكون عبدا لله) قالوا بلى بعار فنزلت لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
عطف على المسيح اى ولا يستنكف الملائكة المقربون ان يكونوا عبيدا والمراد بهم الكروبيون الذين حول العرش كجبريل وميكائيل واسرافيل ومن فى طبقتهم مَنْ يَسْتَنْكِفْ
اى يترفع نْ عِبادَتِهِ
اى عن طاعته فيشمل جميع الكفرة لعدم طاعتهم له تعالى يَسْتَكْبِرْ
الاستكبار دون الاستنكاف ولذلك عطف عليه وانما يستعمل حيث لا استحقاق بخلاف التكبر فانه قد يكون باستحقاق سَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ
اى فسيجمعهم
اليه يوم القيامةمِيعاً
المستنكف والمستكبر والمقر والمطيع فيجازيهم فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ اى ثواب أعمالهم من غير ان ينقص منها شيأ أصلا وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بتضعيفها أضعافا مضاعفة وبإعطاء ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا اى عن عبادته تعالى وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ بسبب استنكافهم واستكبارهم عَذاباً أَلِيماً وجيعا لا يحيط به الوصف وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ اى غيره تعالى وَلِيًّا يلى أمورهم ويدبر مصالحهم وَلا نَصِيراً بنصرهم من بأسه تعالى وينجيهم من عذابه. واحتج بالآية من زعم فضل الملائكة على الأنبياء عليهم السلام وقال مساقه لرد النصارى فى رفع المسيح عن مقام العبودية وذلك يقتضى ان يكون المعطوف وهو ولا الملائكة المقربون أعلى درجة من المعطوف عليه وهو المسيح حتى يكون عدم استنكافهم مستلزما لعدم استنكافه عليه السلام. وأجيب بان مناط كفر النصارى ورفعهم له عليه السلام عن رتبة العبودية لما كان اختصاصه عليه السلام وامتيازه عن سائر افراد البشر بالولادة من غير اب وبالعلم بالمغيبات وبالرفع الى السماء عطف على عدم استنكافه عن عبوديته عدم استنكاف من هو أعلى درجة منه فيما ذكر فان الملائكة مخلوقون من غير اب ولا أم وعالمون بما لا يعلمه البشر من المغيبات ومقامهم السموات العلى ولا نزاع لاحد فى علو درجتهم من هذه الحيثية وانما النزاع فى علوها من حيث كثرة الثواب على الطاعات كذا فى الإرشاد. قال فى التأويلات النجمية عند قوله تعالى لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
ما ذكرهم للفضيلة على عيسى وانما ذكرهم لان بعض الكفار قالوا الملائكة بنات الله كما قالت النصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ قال تعالى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى بل فضل الله المسيح عليهم بتقديم الذكر لان المسيح نسب اليه بالنبوة ونسبت الملائكة اليه بالبنتية وللذكر فضيلة وتقدم على الإناث كقوله تعالى فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فقدم الله الذكر على الأنثى وجعل له سهمين وللانثى واحدا فكما ان للذكر فضيلة على الأنثى فكذلك للمسيح فضيلة على الملائكة وفضيلته على الملائكة اكبر وأعظم يدل عليه ما صح عن جابر رضى الله عنه ان النبي عليه السلام قال (لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة يا رب كما خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة قال الله تعالى لا اجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحى كمن قلت له كن فكان) وانا أقول ومن فضيلة عيسى على الملائكة انه اجتمع فيه ما كان شرفا لآدم لانه من ذريته من قبل الام وما كان شرفا للملائكة إذ قال له ايضا كن فكان فقد وجد فى عيسى ما لم يوجد فى الملائكة ولم يوجد فى الملائكة شىء لا يوجد فى عيسى فافهم جدا انتهى كلام التأويلات. واعلم ان أعظم الاستنكاف عن عبادة الله تعالى الشرك والاعراض عن توحيده كما ان اصل الأعمال التوحيد والايمان ثم ان الكبر من اكبر السيئات ولذا ورد فى بعض الأحاديث مقابلا للايمان قال عليه السلام (لا يدخل الجنة من كان فى قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ولا يدخل النار من كان فى قلبه مثقال ذرة من ايمان) :قال السعدي قدس سره
ترا شهوت وكبر وحرص وحسد چوخون در ركند و چوجان در جسد
گر اين دشمنان تقويت يافتند سر از حكم ورأى تو بر تافتند
- حكى- ان قاضيا جاء الى ابى يزيد البسطامي رحمه الله يوما فقال نحن نعرف ما تعرفه ولكن لا نجد تأثيره فقال ابو يزيد خذ مقدارا من الجوز وعلق وعاءه فى عنقك ثم ناد فى البلد كل من يلطمنى ادفع له جوزة حتى لا يبقى منه شىء فاذا فعلت ذلك تجد التأثير فاستغفر القاضي فقال ابو يزيد قد أذنبت لانى اذكر ما يخلصك من كبر نفسك وأنت تستغفر منه: قال السعدي
كسى را كه پندار در سر بود مپندار هرگز كه حق بشنود
ز علمش ملال آيد از وعظ ننك شقايق بباران نرويد ز سنگ
فعلى العاقل ان يتواضع فان الرفعة فى التواضع وهو من أفضل العبادة يا أَيُّهَا النَّاسُ خطاب لعامة المكلفين قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ كائن مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ بواسطة النبي عليه السلام نُوراً مُبِيناً عنى بالبرهان المعجزات وبالنور القرآن اى جاءكم دلائل العقل وشواهد النقل ولم يبق لكم عذر ولا علة. والبرهان ما يبرهن به المطلوب وسمى القرآن نورا لكونه سببا لوقوع نور الايمان فى القلوب ولانه تتبين به الاحكام كما تتبين بالنور الأعيان فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ حسبما يوجبه البرهان الذي أتاهم وَاعْتَصَمُوا بِهِ اى امتنعوا به عن اتباع النفس الامارة وتسويلات الشيطان فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ ثواب قدره بإزاء إيمانه وعمله رحمة منه لاقضاء لحق واجب وَفَضْلٍ احسان زائد عليه مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ اى الى الله صِراطاً مُسْتَقِيماً هو الإسلام والطاعة فى الدنيا وطريق الجنة فى الآخرة وهو مفعول ثان ليهدى لانه يتعدى الى مفعولين بنفسه كما يتعدى الى الثاني بالى يقال هديته الطريق وهديته الى الطريق ويكون اليه حالا منه مقدما عليه ولو اخر عنه كان صفة له والمعنى ويهديهم الى صراط الإسلام والطاعة فى الدنيا وطريق الجنة فى العقبى مؤديا ومنتهيا اليه تعالى. والاشارة فى الآية ان الله تعالى اعطى لكل نبى آية وبرهانا ليقيم به الحجة على الامة وجعل نفس النبي عليه السلام برهانا منه وذلك لان برهان الأنبياء كان فى الأشياء غير أنفسهم مثل ما كان برهان موسى فى عصاه وفى الحجر الذي انفجرت منه اثنتا عشرة عينا وكان نفس النبي عليه السلام برهانا بالكلية فكان برهان عينيه ما قال عليه السلام (لا تستبقونى بالركوع والسجود فانى أراكم من خلفى كما أراكم من امامى). وبرهان بصره ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى. وبرهان انفه قال (انى لاجد نفس الرحمان من قبل اليمن). وبرهان لسانه ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى وبرهان بصاقه ما قال جابر رضى الله عنه انه امر يوم الخندق لا تخبزن عجينكم ولا تنزلن برمتكم حتى أجيء فجاء فبصق فى العجين وبارك ثم بصق فى البرمة وبارك فاقسم بالله انهم لأكلوا وهم الف حتى تركوه وانصرفوا وان برمتنا لتغط اى تغلى وان عجيننا ليخبز كما هو. وبرهان تفله انه تفل فى عين على كرم الله وجهه وهى ترمد فبرئ بإذن الله يوم خيبر. وبرهان يده ما قال تعالى وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وانه سبح الحصى فى يده: قال العطاري
لوائه خير لك بل واجب عليك وما أعظم حماقة من يحتاط بقول المنجم فى الاختلاج والفال وينقاد الى الاحتمالات البعيدة ثم إذا آل الأمر الى خبر النبوة عن الغيب أنكر فلا ترض لنفسك ان تصدق ابن البيطار فيما ذكره فى العقاقير والأحجار فتبادر الى امتثال ما أمرك به ولا تصدق سيد البشر ﷺ