0:00
0:00

سورة النساء
هي مدنية كلها. قال القرطبي :إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في عثمان بن طلحة الحجبي، وهي قوله تعالى ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ على ما سيأتي إن شاء الله، قال النقاش :وقيل :نزلت عند هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وعلى ما تقدم عن بعض أهل العلم أن قوله تعالى ﴿ يا أيها الناس ﴾ حيثما وقع، فإنه مكي يلزم أن يكون هذه السورة مكياً، وبه قال علقمة وغيره. وقال النحاس :هذه الآية مكية. قال القرطبي :والصحيح الأول، فإن في صحيح البخاري عن عائشة أنها قالت :ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني قد بنى بها. ولا خلاف بين العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بنى بعائشة بالمدينة، ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها. قال :وأما من قال : ﴿ يا أيها الناس ﴾ مكي حيث وقع فليس بصحيح، فإن البقرة مدنية وفيها ﴿ يا أيها الناس ﴾ في موضعين. وقد أخرج ابن الضريس في فضائله والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال :نزلت سورة النساء بالمدينة، وفي إسناده العوفي وهو ضعيف، وكذا أخرجه ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت، وأخرجه ابن المنذر عن قتادة.
وقد ورد في فضل هذه السورة ما أخرجه الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن مسعود قال :إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ الآية، ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ الآية، و﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ الآية، ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ﴾ الآية. ثم قال :هذا إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود سمع من أبيه، وقد اختلف في ذلك. وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن رجل عن ابن مسعود قال :خمس آيات من النساء هن أحب إلي من الدنيا جميعاً ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ الآية ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ الآية ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ الآية ﴿ من يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ﴾ الآية ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم ﴾ الآية. ورواه ابن جرير. ثم روي من طريق صالح المري عن قتادة عن ابن عباس قال :ثمان آيات نزلت في سورة النساء هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، وذكر ما ذكره ابن مسعود، وزاد ﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ الآية ﴿ والله يريد أن يتوب عليكم ﴾ الآية ﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾ الآية. وأخرج أحمد وابن الضريس ومحمد بن نصر والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ﴿ من أخذ السبع فهو حبر ﴾ وأخرج البيهقي في الشعب عن واثلة بن الأسقع قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أعطيت مكان التوراة السبع الطوال والمئين كل سورة بلغت مائة فصاعدا " والمثاني كل سورة دون المئين وفوق المفصل. وأخرج أو يعلى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أنس قال :" وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة شيئا فلما أصبح قيل :يا رسول الله إن أثر الوجع عليك لبين، قال :أما أني على ما ترون بحمد الله قد قرأت السبع الطوال " وأخرج أحمد عن حذيفة قال :" قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ السبع الطوال في سبع ركعات " وأخرج عبد الرزاق عن بعض أهل النبي صلى الله عليه وسلم " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بالسبع الطوال في ركعة واحدة ". وأخرج الحاكم عن ابن عباس أنه قال :" سلوني عن سورة النساء فإني قرأت القرآن وأنا صغيرة " قال الحاكم صحيح علىشرط الشيخين ولم يخرجاه. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عنه قال :" من قرأ سورة النساء فعلم ما يحجب مما لا يحجب علم الفرائض ".

المراد بالناس :الموجودون عند الخطاب من بني آدم، ويدخل من سيوجد بدليل خارجي، وهو الإجماع على أنهم مكلفون بما كلف به الموجودون، أو تغليب الموجودين على من لم يوجد، كما غلب الذكور على الإناث في قوله : ﴿ اتقوا رَبَّكُمُ ﴾ لاختصاص ذلك بجمع المذكر. والمراد بالنفس الواحدة هنا :آدم. وقرأ ابن أبي عبلة، «واحد » بغير هاء على مراعاة المعنى، فالتأنيث باعتبار اللفظ، والتذكير باعتبار المعنى. قوله : ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ قيل :هو معطوف على مقدر يدل عليه الكلام، أي :خلقكم من نفس واحدة خلقها أولاً، وخلق منها زوجها، وقيل :على خلقكم، فيكون الفعل الثاني داخلاً مع الأوّل في حيز الصلة. والمعنى :وخلق من تلك النفس التي هي عبارة عن آدم زوجها، وهي حواء. وقد تقدم في البقرة معنى التقوى، والربّ، والزوج، والبث، والضمير في قوله : ﴿ مِنْهَا ﴾ راجع إلى آدم وحواء المعبر عنهما بالنفس، والزوج. وقوله : ﴿ كَثِيراً ﴾ وصف مؤكد لما تفيده صيغة الجمع لكونها من جموع الكثرة وقيل :هو نعت لمصدر محذوف، أي :بثاً كثيراً. وقوله : ﴿ وَنِسَاء ﴾ أي :كثيرة، وترك التصريح به استغناء بالوصف الأوّل. قوله : ﴿ واتقوا الله الذى تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحام ﴾ قرأ أهل الكوفة بحذف التاء الثانية، وأصله تتساءلون تخفيفاً لاجتماع المثلين. وقرأ أهل المدينة، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر بإدغام التاء في السين ؛ والمعنى :يسأل بعضكم بعضاً بالله والرحم، فإنهم كانوا يقرنون بينهما في السؤال، والمناشدة، فيقولون :أسألك بالله والرحم، وأنشدك الله والرحم، وقرأ النخعي، وقتادة، والأعمش، وحمزة : ﴿ والأرحام ﴾ بالجر. وقرأ الباقون بالنصب.
وقد اختلف أئمة النحو في توجيه قراءة الجر، فأما البصريون، فقالوا :هي لحن لا تجوز القراءة بها. وأما الكوفيون، فقالوا هي قراءة قبيحة. قال سيبويه في توجيه هذا القبح :إن المضمر المجرور بمنزلة التنوين، والتنوين لا يعطف عليه. وقال الزجاج، وجماعة :بقبح عطف الاسم الظاهر على المضمر في الخفض إلا بإعادة الخافض كقوله تعالى ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض ﴾ [ القصص :٨١ ] وجوز سيبويه ذلك في ضرورة الشعر، وأنشد :
فاليوم قرّبت تهجونا وتمدحنا *** فاذهب فما بك والأيام من عجب
ومثله قول الآخر :
تعلق في مثل السوارى سيوفنا *** وما بينها والكعب بهو نفانف
بعطف الكعب على الضمير في بينها. وحكى أبو علي الفارسي أن المبرد قال :لو صليت خلف إمام يقرأ : «واتقوا الله الذى تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحام » بالجر، لأخذت نعلي، ومضيت. وقد ردّ الإمام أبو نصر القشيري ما قاله القادحون في قراء الجرّ، فقال :ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين، لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء أثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم تواتراً، ولا يخفى عليك أن دعوى التواتر باطلة، يعرف ذلك من يعرف الأسانيد التي رووها بها، ولكن ينبغي أن يحتج للجواز بورود ذلك في أشعار العرب، كما تقدم، وكما في قول بعضهم :
وحسبك والضحاك سيف مهند ***. . .
وقول الآخر :
وقد رام آفاق السماء فلم يجد *** له مصعداً فيها ولا الأرض مقعداً
وقول الآخر :
ما إن بها ولا الأمور من تلف ***. . .
وقول الآخر :
أكر على الكتيبة لست أدري *** أحتفي كان فيها أم سواها
فسواها في موضع جرّ عطفاً على الضمير في فيها، ومنه قوله تعالى : ﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ برازقين ﴾ [ الحجر :٣٠ ]. وأما قراءة النصب، فمعناها واضح جليّ ؛ لأنه عطف الرحم على الاسم الشريف، أي :اتقوا الله واتقوا الأرحام فلا تقطعوها، فإنها مما أمر الله به أن يوصل وقيل إنه عطف على محل الجار والمجرور في قوله ﴿ بِهِ ﴾ كقولك مررت بزيد وعمراً، أي :اتقوا الله الذي تساءلون به، وتتساءلون بالأرحام. والأوّل أولى. وقرأ عبد الله بن يزيد، «والأرحام » بالرفع على الابتداء، والخبر مقدّر، أي :والأرحام صلوها، أو والأرحام أهل أن توصل، وقيل :إن الرفع على الإغراء عند من يرفع به، ومنه قول الشاعر :
إن قوماً منهم عمير وأشبا *** هُ عمير ومنهم السفاح
لجديرون باللقاء إذا قا *** ل أخ النجدة السلاح السلاح
و ﴿ الأرحام ﴾ اسم لجميع الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره، لا خلاف في هذا بين أهل الشرع، ولا بين أهل اللغة. وقد خصص أبو حنيفة، وبعض الزيدية الرحم بالمحرم، في منع الرجوع في الهبة، مع موافقتهم على أن معناها أعم، ولا وجه لهذا التخصيص. قال القرطبي :اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة، وأن قطيعتها محرّمة، انتهى. وقد وردت بذلك الأحاديث الكثيرة الصحيحة. والرقيب :المراقب، وهي صيغة مبالغة، يقال رقبت أرقب رقبة ورقباناً :إذا انتظرت.
سورة النساء
هي مدنية كلها. قال القرطبي :إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في عثمان بن طلحة الحجبي، وهي قوله تعالى ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ على ما سيأتي إن شاء الله، قال النقاش :وقيل :نزلت عند هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وعلى ما تقدم عن بعض أهل العلم أن قوله تعالى ﴿ يا أيها الناس ﴾ حيثما وقع، فإنه مكي يلزم أن يكون هذه السورة مكياً، وبه قال علقمة وغيره. وقال النحاس :هذه الآية مكية. قال القرطبي :والصحيح الأول، فإن في صحيح البخاري عن عائشة أنها قالت :ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني قد بنى بها. ولا خلاف بين العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بنى بعائشة بالمدينة، ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها. قال :وأما من قال : ﴿ يا أيها الناس ﴾ مكي حيث وقع فليس بصحيح، فإن البقرة مدنية وفيها ﴿ يا أيها الناس ﴾ في موضعين. وقد أخرج ابن الضريس في فضائله والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال :نزلت سورة النساء بالمدينة، وفي إسناده العوفي وهو ضعيف، وكذا أخرجه ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت، وأخرجه ابن المنذر عن قتادة.
وقد ورد في فضل هذه السورة ما أخرجه الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن مسعود قال :إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ الآية، ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ الآية، و﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ الآية، ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ﴾ الآية. ثم قال :هذا إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود سمع من أبيه، وقد اختلف في ذلك. وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن رجل عن ابن مسعود قال :خمس آيات من النساء هن أحب إلي من الدنيا جميعاً ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ الآية ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ الآية ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ الآية ﴿ من يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ﴾ الآية ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم ﴾ الآية. ورواه ابن جرير. ثم روي من طريق صالح المري عن قتادة عن ابن عباس قال :ثمان آيات نزلت في سورة النساء هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، وذكر ما ذكره ابن مسعود، وزاد ﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ الآية ﴿ والله يريد أن يتوب عليكم ﴾ الآية ﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾ الآية. وأخرج أحمد وابن الضريس ومحمد بن نصر والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ﴿ من أخذ السبع فهو حبر ﴾ وأخرج البيهقي في الشعب عن واثلة بن الأسقع قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أعطيت مكان التوراة السبع الطوال والمئين كل سورة بلغت مائة فصاعدا " والمثاني كل سورة دون المئين وفوق المفصل. وأخرج أو يعلى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أنس قال :" وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة شيئا فلما أصبح قيل :يا رسول الله إن أثر الوجع عليك لبين، قال :أما أني على ما ترون بحمد الله قد قرأت السبع الطوال " وأخرج أحمد عن حذيفة قال :" قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ السبع الطوال في سبع ركعات " وأخرج عبد الرزاق عن بعض أهل النبي صلى الله عليه وسلم " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بالسبع الطوال في ركعة واحدة ". وأخرج الحاكم عن ابن عباس أنه قال :" سلوني عن سورة النساء فإني قرأت القرآن وأنا صغيرة " قال الحاكم صحيح علىشرط الشيخين ولم يخرجاه. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عنه قال :" من قرأ سورة النساء فعلم ما يحجب مما لا يحجب علم الفرائض ".
قوله : ﴿ وَءاتُوا اليتامى أموالهم ﴾ خطاب للأولياء، والأوصياء. والإيتاء :الإعطاء. واليتيم :من لا أب له. وقد خصصه الشرع بمن لم يبلغ الحلم. وقد تقدم تفسير معناه في البقرة مستوفي، وأطلق اسم اليتيم عليهم عند إعطائهم أموالهم، مع أنهم لا يعطونها إلا بعد ارتفاع اسم اليتم بالبلوغ مجازاً باعتبار ما كانوا عليه، ويجوز أن يراد باليتامى المعنى الحقيقي، وبالإيتاء ما يدفعه الأولياء، والأوصياء إليهم من النفقة، والكسوة لا دفعها جميعها، وهذه الآية مقيدة بالآية الأخرى، وهي قوله تعالى : ﴿ فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ [ النساء :٦ ] فلا يكون مجرد ارتفاع اليتم بالبلوغ مسوغاً لدفع أموالهم إليهم، حتى يؤنس منهم الرشد.
قوله : ﴿ وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الخبيث بالطيب ﴾ نهي لهم عن أن يصنعوا صنع الجاهلية في أموال اليتامى، فإنهم كانوا يأخذون الطيب من أموال اليتامى، ويعوضونه بالرديء من أموالهم، ولا يرون بذلك بأساً وقيل المعنى :لا تأكلوا أموال اليتامى، وهي محرّمة خبيثة، وتدعوا الطيب من أموالكم.
وقيل المراد :لا تتعجلوا أكل الخبيث من أموالهم، وتدعوا انتظار الرزق الحلال من عند الله، والأوّل أولى ؛ فإن تبدل الشيء بالشيء في اللغة أخذه مكانه، وكذلك استبداله، ومنه قوله تعالى : ﴿ وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل ﴾ [ البقرة :١٠٨ ] وقوله : ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ ﴾ [ البقرة :٦١ ] وأما التبديل فقد يستعمل كذلك كما في قوله : ﴿ وبدلناهم بجنتيهم جَنَّتَيْنِ ﴾ [ سبأ :١٦ ] وأخرى بالعكس، كما في قولك بدّلت الحلقة بالخاتم :إذا أذبتها، وجعلتها خاتماً، نص عليه الأزهري.
قوله : ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ ذهب جماعة من المفسرين إلى أن المنهي عنه في هذه الآية هو الخلط، فيكون الفعل مضمناً معنى الضم، أي :لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم، ثم نسخ هذا بقوله تعالى : ﴿ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانكم ﴾ [ البقرة :٢٢٠ ] وقيل :إن «إلى » بمعنى «مع »، كقوله تعالى : ﴿ مَنْ أَنصَارِي إِلَى الله ﴾ [ آل عمران :٥٢ ] والأوّل أولى. والحوب :الإثم يقال :حاب الرجل يحوب حوباً :إذا أثم، وأصله الزجر للإبل، فسمي الإثم حوباً لأنه يزجر عنه. والحوبة :الحاجة. والحوب أيضاً :الوحشة، وفيه ثلاث لغات :ضم الحاء وهي قراءة الجمهور. وفتح الحاء، وهي قراءة الحسن، قال الأخفش :وهي لغة تميم. والثالثة الحاب. وقرأ أبيّ بن كعب حاباً على المصدر، كقال قالا. والتحوب التحزن، ومنه قول طفيل :
فذوقوا كما ذقنا عداه يحجرٍ من الغيظ في أكبادنا والتحوب
سورة النساء
هي مدنية كلها. قال القرطبي :إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في عثمان بن طلحة الحجبي، وهي قوله تعالى ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ على ما سيأتي إن شاء الله، قال النقاش :وقيل :نزلت عند هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وعلى ما تقدم عن بعض أهل العلم أن قوله تعالى ﴿ يا أيها الناس ﴾ حيثما وقع، فإنه مكي يلزم أن يكون هذه السورة مكياً، وبه قال علقمة وغيره. وقال النحاس :هذه الآية مكية. قال القرطبي :والصحيح الأول، فإن في صحيح البخاري عن عائشة أنها قالت :ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني قد بنى بها. ولا خلاف بين العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بنى بعائشة بالمدينة، ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها. قال :وأما من قال : ﴿ يا أيها الناس ﴾ مكي حيث وقع فليس بصحيح، فإن البقرة مدنية وفيها ﴿ يا أيها الناس ﴾ في موضعين. وقد أخرج ابن الضريس في فضائله والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال :نزلت سورة النساء بالمدينة، وفي إسناده العوفي وهو ضعيف، وكذا أخرجه ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت، وأخرجه ابن المنذر عن قتادة.
وقد ورد في فضل هذه السورة ما أخرجه الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن مسعود قال :إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ الآية، ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ الآية، و﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ الآية، ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ﴾ الآية. ثم قال :هذا إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود سمع من أبيه، وقد اختلف في ذلك. وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن رجل عن ابن مسعود قال :خمس آيات من النساء هن أحب إلي من الدنيا جميعاً ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ الآية ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ الآية ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ الآية ﴿ من يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ﴾ الآية ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم ﴾ الآية. ورواه ابن جرير. ثم روي من طريق صالح المري عن قتادة عن ابن عباس قال :ثمان آيات نزلت في سورة النساء هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، وذكر ما ذكره ابن مسعود، وزاد ﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ الآية ﴿ والله يريد أن يتوب عليكم ﴾ الآية ﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾ الآية. وأخرج أحمد وابن الضريس ومحمد بن نصر والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ﴿ من أخذ السبع فهو حبر ﴾ وأخرج البيهقي في الشعب عن واثلة بن الأسقع قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أعطيت مكان التوراة السبع الطوال والمئين كل سورة بلغت مائة فصاعدا " والمثاني كل سورة دون المئين وفوق المفصل. وأخرج أو يعلى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أنس قال :" وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة شيئا فلما أصبح قيل :يا رسول الله إن أثر الوجع عليك لبين، قال :أما أني على ما ترون بحمد الله قد قرأت السبع الطوال " وأخرج أحمد عن حذيفة قال :" قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ السبع الطوال في سبع ركعات " وأخرج عبد الرزاق عن بعض أهل النبي صلى الله عليه وسلم " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بالسبع الطوال في ركعة واحدة ". وأخرج الحاكم عن ابن عباس أنه قال :" سلوني عن سورة النساء فإني قرأت القرآن وأنا صغيرة " قال الحاكم صحيح علىشرط الشيخين ولم يخرجاه. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عنه قال :" من قرأ سورة النساء فعلم ما يحجب مما لا يحجب علم الفرائض ".
قوله : ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِى اليتامى فانكحوا ﴾ وجه ارتباط الجزاء بالشرط أن الرجل كان يكفل اليتيمة لكونه ولياً لها ويريد أن يتزوجها، فلا يقسط لها في مهرها، أي :يعدل فيه، ويعطيها ما يعطيها غيره من الأزواج، فنهاهم الله أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى ما هو لهنّ من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهنّ من النساء سواهنّ، فهذا سبب نزول الآية كما سيأتي، فهو نهي يخص هذه الصورة. وقال جماعة من السلف :إن هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية، وفي أوّل الإسلام من أن للرجل أن يتزوج من الحرائر ما شاء، فقصرهم بهذه الآية على أربع، فيكون وجه ارتباط الجزاء بالشرط أنهم إذا خافوا ألا يقسطوا في اليتامى، فكذلك يخافون ألا يقسطوا في النساء، لأنهم كانوا يتحرجون في اليتامى، ولا يتحرجون في النساء، والخوف من الأضداد، فإن المخوف قد يكون معلوماً، وقد يكون مظنوناً، ولهذا اختلف الأئمة في معناه في الآية، فقال أبو عبيدة : ﴿ خِفْتُمْ ﴾ بمعنى أيقنتم. وقال آخرون : ﴿ خِفْتُمْ ﴾ بمعنى ظننتم. قال ابن عطية :وهو الذي اختاره الحذاق، وأنه على بابه من الظن لا من اليقين، والمعنى :من غلب على ظنه التقصير في العدل لليتيمة، فليتركها، وينكح غيرها.
وقرأ النخعي وابن وثاب :" تُقْسِطُوا " بفتح التاء من قسط :إذا جار، فتكون هذه القراءة على تقدير زيادة " لا "، كأنه قال :وإن خفتم أن تقسطوا. وحكى الزجاج أن أقسط يستعمل استعمال قسط، والمعروف عند أهل اللغة أن أقسط بمعنى عدل، وقسط بمعنى جار. و«ما » في قوله : ﴿ مَا طَابَ ﴾ موصولة، وجاء " بما " مكان " من ". لأنهما قد يتعاقبان، فيقع كل واحد منهما مكان الآخر كما في قوله : ﴿ والسماء وَمَا بناها ﴾ [ الشمس :٥ ] ﴿ فَمِنْهُمْ من يَمْشِي على بَطْنِهِ ﴾ ﴿ وَمِنهُمْ من يَمْشِي على أَرْبَع ﴾ [ النور :٤٥ ]. وقال البصريون :إن «ما » تقع للنعوت كما تقع لما لا يعقل، يقال ما عندك ؟ فيقال ظريف وكريم، فالمعنى :فانكحوا الطيب من النساء، أي :الحلال، وما حرّمه الله، فليس بطيب، وقيل :إن «ما » هنا مدّية، أي :ما دمتم مستحسنين للنكاح، وضعفه ابن عطية. وقال الفراء :إن «ما » ها هنا مصدرية. قال النحاس :وهذا بعيد جداً. وقرأ ابن أبي عبلة : ﴿ فانكحوا منْ طَابَ ﴾. وقد اتفق أهل العلم على أن هذا الشرط المذكور في الآية لا مفهوم له، وأنه يجوز لمن لم يخف أن يقسط في اليتامى أن ينكح أكثر من واحدة، و«من » في قوله : ﴿ منَ النساء ﴾ إما بيانية، أو تبعيضية، لأن المراد غير اليتائم. قوله : ﴿ مثنى وثلاث وَرُبَاعَ ﴾ في محل نصب على البدل من «ما » كما قاله أبو علي الفارسي. وقيل :على الحال، وهذه الألفاظ لا تنصرف للعدل والوصفية، كما هو مبين في علم النحو، والأصل :انكحوا ما طاب لكم من النساء اثنتين اثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً.
وقد استدل بالآية على تحريم ما زاد على الأربع، وبينوا ذلك بأنه خطاب لجميع الأمة، وأن كل ناكح له أن يختار ما أراد من هذا العدد، كما يقال للجماعة :اقتسموا هذا المال، وهو ألف درهم، أو هذا المال الذي في البدرة درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة. وهذا مسلم إذا كان المقسوم قد ذكرت جملته، أو عين مكانه، أما لو كان مطلقاً، كما يقال :اقتسموا الدراهم، ويراد به ما كسبوه، فليس المعنى هكذا. والآية من الباب الآخر لا من الباب الأوّل. على أن من قال لقوم يقتسمون مالاً معيناً كثيراً اقتسموه مثنى وثلاث ورباع، فقسموا بعضه بينهم درهمين درهمين، وبعضه ثلاثة ثلاثة، وبعضه أربعة أربعة، كان هذا هو المعنى العربيّ، ومعلوم أنه إذا قال القائل جاءني القوم مثنى، وهم مائة ألف. كان المعنى أنهم جاؤوه اثنين اثنين، وهكذا في جاء القوم ثلاث ورباع، والخطاب للجميع بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد، كما في قوله تعالى : ﴿ اقتلوا المشركين ﴾ [ التوبة :٥ ] ﴿ أَقِيمُوا الصلاة ﴾ [ النور :٥٦ ]، ﴿ آتَوا الزكاة ﴾ [ النور :٥٦ ] ونحوها، فقوله : ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ منَ النساء مثنى وثلاث وَرُبَاعَ ﴾ معناه لينكح كل فرد منكم ما طاب له من النساء اثنتين اثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً، هذا ما تقتضيه لغة العرب.
فالآية تدلّ على خلاف ما استدلوا بها عليه، ويؤيد هذا قوله تعالى في آخر الآية : ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فواحدة ﴾ فإنه وإن كان خطاباً للجميع، فهو بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد. فالأولى أن يستدل على تحريم الزيادة على الأربع بالسنة لا بالقرآن.
وأما استدلال من استدّل بالآية على جواز نكاح التسع باعتبار الواو الجامعة، فكأنه قال :انكحوا مجموع هذا العدد المذكور، فهذا جهل بالمعنى العربي، ولو قال :انكحوا اثنتين وثلاثاً وأربعا كان هذا القول له وجه، وأما مع المجيء بصيغة العدل فلا، وإنما جاء سبحانه بالواو الجامعة دون «أو »، لأن التخيير يشعر بأنه لا يجوز إلا أحد الأعداد المذكورة دون غيره، وذلك ليس بمراد من النظم القرآني. وقرأ النخعي، ويحيى بن وثاب «ثلث وربع » بغير ألف.
قوله : ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فواحدة ﴾ فانكحوا واحدة، كما يدل على ذلك قوله : ﴿ فانكحوا مَا طَابَ ﴾ وقيل :التقدير فالزموا، أو فاختاروا واحدة. والأول أولى، والمعنى :فإن خفتم ألا تعدلوا بين الزوجات في القسم، ونحوه، فانكحوا واحدة، وفيه المنع من الزيادة على الواحدة لمن خاف ذلك. وقرئ بالرفع على أنه مبتدأ والخبر محذوف. قال الكسائي :أي فواحدة تقنع. وقيل التقدير :فواحدة فيها كفاية، ويجوز أن تكون واحدة على قراءة الرفع خبر مبتدأ محذوف، أي :فالمقنع واحدة. قوله : ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ معطوف على واحدة، أي :فانكحوا واحدة، أو انكحوا ما ملكت أيمانكم من السراري، وإن كثر عددهنّ، كما يفيده الموصول. والمراد :نكاحهن بطريق الملك لا بطريق النكاح، وفيه دليل على أنه لا حق للمملوكات في القسم، كما يدل على ذلك جعله قسيماً للواحدة في الأمن من عدم العدل، وإسناد الملك إلى اليمين، لكونها المباشرة لقبض الأموال، وإقباضها، ولسائر الأمور التي تنسب إلى الشخص في الغالب، ومنه :
إذا ما راية نصبت لمجد تلقاها عرابة باليمين
قوله : ﴿ ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُوا ﴾ أي :ذلك أقرب إلى ألا تعولوا، أي :تجوروا، من عال الرجل يعول :إذا مال وجار، ومنه قولهم عال السهم عن الهدف :مال عنه، وعال الميزان إذا مال، ومنه :
قالوا اتبعنا رسول الله واطرحوا قول الرسول وعالوا في الموازين
ومنه قول أبى طالب :
بميزان صدق لا يغل شعيرة له شاهد من نفسه غير عائل
ومنه أيضاً :
فنحن ثلاثة وثلاث ذود لقد عال الزمان على عيال
والمعنى :إن خفتم عدم العدل بين الزوجات، فهذه التي أمرتم بها أقرب إلى عدم الجور، ويقال عال الرجل يعيل :إذا افتقر، وصار عالة، ومنه قوله تعالى :
﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ﴾ [ التوبة :٢٨ ]، ومنه قول الشاعر :
وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغنيّ متى يعيل
وقال الشافعي : ﴿ أَلاَّ تَعُولُوا ﴾ ألا تكثر عيالكم. قال الثعلبي :وما قال هذا غيره، وإنما يقال أعال يعيل :إذا كثر عياله. وذكر ابن العربي أن عال تأتي لسبعة معان :الأوّل عال :مال. الثاني زاد. الثالث جار. الرابع افتقر الخامس أثقل، السادس قام بمؤونة العيال، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : «وابدأ بمن تعول »، السابع عال غلب، ومنه عيل صبري، قال :ويقال أعال الرجل :كثر عياله. وأما عال بمعنى كثر عياله، فلا يصح، ويجاب عن إنكار الثعلبي لما قاله الشافعي، وكذلك إنكار ابن العربي لذلك، بأنه قد سبق الشافعي إلى القول به زيد بن أسلم وجابر بن زيد، وهما إمامان من أئمة المسلمين لا يفسران القرآن هما، والإمام الشافعي بما لا وجه له في العربية. وقد أخرج ذلك عنهما الدارقطني في سننه. وقد حكاه القرطبي عن الكسائي، وأبي عمر الدوري، وابن الأعرابي، وقال أبو حاتم :كان الشافعي أعلم بلغة العرب منا، ولعله لغة. وقال الثعلبي :قال أستاذنا أبو القاسم بن حبيب :سألت أبا عمر الدوري عن هذا، وكان إماماً في اللغة غير مدافع، فقال :هي لغة حمير، وأنشد :
وإن الموت يأخذ كل حي بلا شك وإن أمشي وعالا
أي :وإن كثرت ماشيته وعياله. وقرأ طلحة بن مصرف : «أَن لا تعيلوا » قال ابن عطية :وقدح الزجاج في تأويل عال من العيال بأن الله سبحانه قد أباح كثرة السراري، وفي ذلك تكثير العيال، فكيف يكون أقرب إلى أن لا يكثروا، وهذا القدح غير صحيح، لأن السراري إنما هي مال يتصرف فيه بالبيع، وإنما العيال الحرائر ذوات الحقوق الواجبة. وقد حكى ابن الأعرابي أن العرب تقول :عال الرجل إذا كثر عياله، وكفى بهذا.
وقد ورد عال لمعان غير السبعة التي ذكرها ابن العربي، منها عال :اشتدّ وتفاقم، حكاه الجوهري، وعال الرجل في الأرض :إذا ضرب فيها، حكاه الهروي، وعال :إذا أعجز، حكاه الأحمر، فهذه ثلاثة معان غير السبعة والرابع عال كثر عياله، فجملة معاني عال أحد عشر معنى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ خَلَقَكُمْ من نفْسٍ واحدة ﴾ قال :آدم ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ قال :حواء من قصيري آدم، أي :قصيري أضلاعه. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس مثله.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر قال :خلقت حواء من خلف آدم الأيسر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال :من ضلع الخلف، وهو من أسفل الأضلاع. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس : ﴿ واتقوا الله الذى تَسَاءلُونَ بِهِ ﴾ قال :تعاطون به. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع قال :تعاقدون وتعاهدون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال :يقول أسألك بالله والرحم. وأخرج ابن جرير، عن الحسن نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :اتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوا الأرحام، وصلوها.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد : ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾ قال :حفيظاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال :إن رجلاً من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له، فلما بلغ اليتيم طلب ماله، فمنعه عمه، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت : ﴿ وَآتُوا اليتامى أموالهم ﴾ يعني الأوصياء، يقول :أعطوا اليتامى أموالهم : ﴿ وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الخبيث بالطيب ﴾ يقول :لا تستبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم، يقول :لا تذروا أموالكم الحلال، وتأكلوا أموالهم الحرام. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان، عن مجاهد قال :لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال الذي قدّر لك : ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ قال :مع أموالكم تخلطونها، فتأكلونها جميعاً ﴿ إِنَّهُ كَانَ حُوباً ﴾ إثماً. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في الآية قال :كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء، ولا يورثون الصغار يأخذه الأكبر، فنصيبه من الميراث طيب، وهذا الذي يأخذ خبيث. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة قال :مع أموالكم. وأخرج ابن جرير، عن الحسن قال :لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم، وجعل وليّ اليتيم يعزل مال اليتيم عن ماله، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله : ﴿ ويَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانكم ﴾ [ البقرة :٢٢٠ ] قال :فخالطوهم.
وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما :أن عروة سأل عائشة عن قول الله عز وجل : ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِى اليتامى ﴾ قالت :يا بن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في مالها، ويعجبه مالها، وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى سننهنّ في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنّ، وأن الناس قد استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية، فأنزل الله :
﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النساء ﴾ [ النساء :١٢٧ ] قالت عائشة :وقول الله في الآية الأخرى : ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ [ النساء :١٢٧ ] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال، والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها، وجمالها من باقي النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهنّ إذا كن قليلات المال، والجمال. وأخرج البخاري، عن عائشة :أن رجلاً كانت له يتيمة، فنكحها، وكان لها عذق، فكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء، فنزلت : ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِى اليتامى ﴾ أحسبه قال :كانت شريكته في ذلك العذق، وفي ماله. وقد روي هذا المعنى من طرق. وأخرج ابن جرير، من طريق العوفي، عن ابن عباس في الآية قال :كان الرجل يتزوج بمال اليتيم ما شاء الله تعالى، فنهى الله عن ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال :قصر الرجال على أربع نسوة من أجل أموال اليتامى.
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله : ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِى اليتامى ﴾ قال :كان الرجل يتزوج ما شاء، فقال :كما تخافون ألا تعدلوا في اليتامى، فخافوا في النساء ألا تعدلوا فيهنّ، فقصرهم على الأربع. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية قال :كانوا في الجاهلية ينكحون عشراً من النساء الأيامى، وكانوا يعظمون شأن اليتيم، فتفقدوا من دينهم شأن اليتامى، وتركوا ما كانوا ينكحون في الجاهلية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه في الآية قال :كما خفتم ألا تعدلوا في اليتامى، فخافوا ألا تعدلوا في النساء إذا جمعتموهنّ عندكم. وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق محمد بن أبي موسى الأشعري عنه قال :فإن خفتم الزنا، فانكحوهن، يقول :كما خفتم في أموال اليتامى ألا تقسطوا فيها، فكذلك فخافوا على أنفسكم ما لم تنكحوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد نحوه.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي مالك : ﴿ مَا طَابَ لَكُمْ ﴾ قال :ما أحلّ لكم. وأخرج ابن جرير، عن الحسن، وسعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن عائشة نحوه. وأخرج الشافعي، وابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي، وابن ماجه، والنحاس في ناسخه، والدارقطني، والبيهقي، عن ابن عمر :أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم، وتحته عشر نسوة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : «اختر منهنّ» وفي لفظ : «أمسك منهنّ أربعاً، وفارق سائرهن» هذا الحديث أخرجه هؤلاء المذكورون من طرق، عن إسماعيل بن علية، وغندر، وزيد بن زريع، وسعيد بن أبي عروبة، وسفيان الثوري، وعيسى بن يونس، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، والفضل بن موسى، وغيرهم من الحفاظ عن معمر، عن الزهري، عن سالم عن أبيه، فذكره.
وقد علل البخاري هذا الحديث، فحكى عنه الترمذي أنه قال :هذا حديث غير محفوظ. والصحيح ما روي عن شعيب، وغيره، عن الزهري حدثت، عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان بن سلمة، فذكره، وأما حديث الزهري، عن أبيه :أن رجلاً من ثقيف طلق نساءه، فقال له عمر :لأرجمنّ قبرك، كما رجم قبر أبي رغال. وقد رواه معمر، عن الزهري مرسلاً، وهكذا رواه مالك عن الزهري مرسلاً. قال أبو زرعة :وهو أصح. ورواه عقيل، عن الزهري :بلغنا عن عثمان بن محمد بن أبي سويد قال أبو حاتم :وهذا وهم، إنما هو الزهري، عن عثمان بن أبي سويد. وقد سامه أحمد برجال الصحيح، فقال :حدثنا إسماعيل، ومحمد بن جعفر قالا :حدثنا معمر، عن الزهري قال أبو جعفر في حديثه :أخبرنا ابن شهاب، عن سالم عن أبيه أن غيلان، فذكره، وقد روى من غير طريق معمر، والزهري، فأخرجه البيهقي، عن أيوب، عن نافع، وسالم، عن ابن عمر :أن غيلان فذكره.
وأخرج أبو داود وابن ماجه في سننهما عن عمير الأسدي قال :أسلمت، وعندي ثمان نسوة، فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال :" اختر منهنّ أربعاً ". قال ابن كثير :إن إسناده حسن. وأخرج الشافعي في مسنده، عن نوفل بن معاوية الديلي قال :أسلمت، وعندي خمس نسوة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أمسك أربعاً، وفارق الأخرى " وأخرج ابن ماجه، والنحاس في ناسخه، عن قيس بن الحارث الأسدي قال :«أسلمت وكان تحتي ثمان نسوة، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال :" اختر منهنّ أربعاً، وخلّ سائرهنّ، ففعلت ". وهذه شواهد للحديث الأوّل، كما قال البيهقي. وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي في سننه عن الحكم قال :أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن المملوك لا يجمع من النساء فوق اثنتين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية يقول :إن خفت ألا تعدل في أربع فثلاث، وإلا فثنتين، وإلا فواحدة، فإن خفت ألا تعدل في واحدة، فما ملكت يمينك. وأخرج ابن جرير، عن الربيع مثله.
وأخرج أيضاً، عن الضحاك : ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا ﴾ قال :في المجامعة والحبّ. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي : ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ قال :السراري. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان في صحيحه، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ﴿ ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُوا ﴾ قال :" ألا تجوروا ". قال ابن أبي حاتم قال أبي :هذا حديث خطأ، والصحيح، عن عائشة موقوف. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله : ﴿ ألا تعولوا ﴾ قال :ألا تميلوا.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال :ألا تميلوا، ثم قال :أما سمعت قول أبي طالب :
بميزان قسط لا يخيس شعيرة ووزان صدق وزنه غير عائل
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد :قال :ألا تميلوا. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي رزين وأبي مالك والضحاك مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في الآية، قال :ذلك أدنى ألا يكثر من تعولوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة :قال :ألا تفتقروا. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال :كان الرجل إذا زوج أيمة أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك ونزلت ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ﴾ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : ﴿ نحلة ﴾ قال :يعني بالنحلة المهر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة ﴿ نحلة ﴾ قالت :واجبة وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ﴾ قال :فريضة مسماة.
وأخرج عبد ابن حميد وابن جرير عن قتادة مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ فإن طبن لكم ﴾ قال :هي للأزواج. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه ﴾ قال :من الصداق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ﴾ يقول :إذا كان من غير ضرار ولا خديعة فهو هنيء مريء كما قال الله.

قوله : ﴿ وَآتُوا النساء صدقاتهن نِحْلَةً ﴾ الخطاب للأزواج. وقيل :للأولياء. والصدقات بضم الدال جمع صدقة كثمرة، قال الأخفش :وبنو تميم يقولون صدقة، والجمع صدقات، وإن شئت فتحت، وإن شئت أسكنت. والنحلة بكسر النون وضمها لغتان، وأصلها العطاء نحلت فلاناً :أعطيته، وعلى هذا، فهي منصوبة على المصدرية لأن الإيتاء بمعنى الإعطاء. وقيل :النحلة التدين فمعنى نحلة تديناً، قاله الزجاج، وعلى هذا، فهي منصوبة على المفعول له. وقال قتادة :النحلة الفريضة، وعلى هذا فهي منصوبة على الحال.
وقيل :النحلة طيبة النفس، قال أبو عبيد :ولا تكون النحلة إلا عن طيبة نفس. ومعنى الآية على كون الخطاب للأزواج :أعطوا النساء اللاتي نكحتموهنّ مهورهنّ التي لهن عليكم عطية، أو ديانة منكم، أو فريضة عليكم، أو طيبة من أنفسكم. ومعناها على كون الخطاب للأولياء :أعطوا النساء من قراباتكم التي قبضتم مهورهنّ من أزواجهنّ تلك المهور. وقد كان الولي يأخذ مهر قريبته في الجاهلية، ولا يعطيها شيئاً، حكى ذلك عن أبي صالح، والكلبي. والأوّل أولى، لأن الضمائر من أوّل السياق للأزواج. وفي الآية دليل على أن الصداق واجب على الأزواج للنساء، وهو مجمع عليه، كما قال القرطبي، قال :وأجمع العلماء أنه لا حدّ لكثيره، واختلفوا في قليله. وقرأ قتادة : «صدقاتهن » بضم الصاد وسكون الدال. وقرأ النخعي، وابن وثاب بضمهما. وقرأ الجمهور بفتح الصاد وضم الدال.
قوله : ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء منْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مرِيئاً ﴾ الضمير في ﴿ منه ﴾ راجع إلى الصداق الذي هو واحد الصدقات، أو إلى المذكور، وهو الصدقات، أو هو بمنزلة اسم الإشارة، كأنه قال من ذلك، و ﴿ نفساً ﴾ تمييز. وقال أصحاب سيبويه :منصوب بإضمار فعل لا تمييز، أي :أعني نفساً. والأوّل أولى، وبه قال الجمهور. والمعنى :فإن طبن، أي :النساء لكم أيها الأزواج، أو الأولياء عن شيء من المهر ﴿ فَكُلُوهُ هَنِيئاً مرِيئاً ﴾ وفي قوله : ﴿ طِبْنَ ﴾ دليل على أن المعتبر في تحليل ذلك منهن لهم إنما هو طيبة النفس لا مجرد ما يصدر منها من الألفاظ التي لا يتحقق معها طيبة النفس، فإذا ظهر منها ما يدل على عدم طيبة نفسها لم يحلّ للزوج، ولا للوليّ، وإن كانت قد تلفظت بالهبة، أو النذر، أو نحوهما. وما أقوى دلالة هذه الآية على عدم اعتبار يصدر من النساء من الألفاظ المفيدة للتمليك بمجردها لنقصان عقولهنّ، وضعف إدراكهنّ، وسرعة انخداعهن، وانجذابهنّ إلى ما يراد منهن بأيسر ترغيب، أو ترهيب.
وقوله : ﴿ هَنِيئاً مرِيئاً ﴾ منصوبان على أنهما صفتان لمصدر محذوف، أي :أكلا هنيئاً مريئاً، أو قائمان مقام المصدر، أو على الحال، يقال :هناه الطعام والشراب يهنيه، ومرأه وأمرأه من الهنيء، والمريء، والفعل هنأ، ومرأ، أي :أتى من غير مشقة، ولا غيظ، وقيل :هو الطيب الذي لا تنغيص فيه. وقيل :المحمود العاقبة الطيب الهضم. وقيل :مالا إثم فيه، والمقصود هنا أنه حلال لهم خالص عن الشوائب. وخص الأكل لأنه معظم ما يراد بالمال وإن كان سائر الانتفاعات به جائزة كالأكل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ خَلَقَكُمْ من نفْسٍ واحدة ﴾ قال :آدم ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ قال :حواء من قصيري آدم، أي :قصيري أضلاعه. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس مثله.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر قال :خلقت حواء من خلف آدم الأيسر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال :من ضلع الخلف، وهو من أسفل الأضلاع. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس : ﴿ واتقوا الله الذى تَسَاءلُونَ بِهِ ﴾ قال :تعاطون به. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع قال :تعاقدون وتعاهدون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال :يقول أسألك بالله والرحم. وأخرج ابن جرير، عن الحسن نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :اتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوا الأرحام، وصلوها.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد : ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾ قال :حفيظاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال :إن رجلاً من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له، فلما بلغ اليتيم طلب ماله، فمنعه عمه، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت : ﴿ وَآتُوا اليتامى أموالهم ﴾ يعني الأوصياء، يقول :أعطوا اليتامى أموالهم : ﴿ وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الخبيث بالطيب ﴾ يقول :لا تستبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم، يقول :لا تذروا أموالكم الحلال، وتأكلوا أموالهم الحرام. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان، عن مجاهد قال :لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال الذي قدّر لك : ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ قال :مع أموالكم تخلطونها، فتأكلونها جميعاً ﴿ إِنَّهُ كَانَ حُوباً ﴾ إثماً. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في الآية قال :كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء، ولا يورثون الصغار يأخذه الأكبر، فنصيبه من الميراث طيب، وهذا الذي يأخذ خبيث. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة قال :مع أموالكم. وأخرج ابن جرير، عن الحسن قال :لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم، وجعل وليّ اليتيم يعزل مال اليتيم عن ماله، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله : ﴿ ويَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانكم ﴾ [ البقرة :٢٢٠ ] قال :فخالطوهم.
وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما :أن عروة سأل عائشة عن قول الله عز وجل : ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِى اليتامى ﴾ قالت :يا بن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في مالها، ويعجبه مالها، وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى سننهنّ في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنّ، وأن الناس قد استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية، فأنزل الله :
﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النساء ﴾ [ النساء :١٢٧ ] قالت عائشة :وقول الله في الآية الأخرى : ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ [ النساء :١٢٧ ] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال، والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها، وجمالها من باقي النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهنّ إذا كن قليلات المال، والجمال. وأخرج البخاري، عن عائشة :أن رجلاً كانت له يتيمة، فنكحها، وكان لها عذق، فكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء، فنزلت : ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِى اليتامى ﴾ أحسبه قال :كانت شريكته في ذلك العذق، وفي ماله. وقد روي هذا المعنى من طرق. وأخرج ابن جرير، من طريق العوفي، عن ابن عباس في الآية قال :كان الرجل يتزوج بمال اليتيم ما شاء الله تعالى، فنهى الله عن ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال :قصر الرجال على أربع نسوة من أجل أموال اليتامى.
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله : ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِى اليتامى ﴾ قال :كان الرجل يتزوج ما شاء، فقال :كما تخافون ألا تعدلوا في اليتامى، فخافوا في النساء ألا تعدلوا فيهنّ، فقصرهم على الأربع. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية قال :كانوا في الجاهلية ينكحون عشراً من النساء الأيامى، وكانوا يعظمون شأن اليتيم، فتفقدوا من دينهم شأن اليتامى، وتركوا ما كانوا ينكحون في الجاهلية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه في الآية قال :كما خفتم ألا تعدلوا في اليتامى، فخافوا ألا تعدلوا في النساء إذا جمعتموهنّ عندكم. وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق محمد بن أبي موسى الأشعري عنه قال :فإن خفتم الزنا، فانكحوهن، يقول :كما خفتم في أموال اليتامى ألا تقسطوا فيها، فكذلك فخافوا على أنفسكم ما لم تنكحوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد نحوه.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي مالك : ﴿ مَا طَابَ لَكُمْ ﴾ قال :ما أحلّ لكم. وأخرج ابن جرير، عن الحسن، وسعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن عائشة نحوه. وأخرج الشافعي، وابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي، وابن ماجه، والنحاس في ناسخه، والدارقطني، والبيهقي، عن ابن عمر :أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم، وتحته عشر نسوة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : «اختر منهنّ» وفي لفظ : «أمسك منهنّ أربعاً، وفارق سائرهن» هذا الحديث أخرجه هؤلاء المذكورون من طرق، عن إسماعيل بن علية، وغندر، وزيد بن زريع، وسعيد بن أبي عروبة، وسفيان الثوري، وعيسى بن يونس، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، والفضل بن موسى، وغيرهم من الحفاظ عن معمر، عن الزهري، عن سالم عن أبيه، فذكره.
وقد علل البخاري هذا الحديث، فحكى عنه الترمذي أنه قال :هذا حديث غير محفوظ. والصحيح ما روي عن شعيب، وغيره، عن الزهري حدثت، عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان بن سلمة، فذكره، وأما حديث الزهري، عن أبيه :أن رجلاً من ثقيف طلق نساءه، فقال له عمر :لأرجمنّ قبرك، كما رجم قبر أبي رغال. وقد رواه معمر، عن الزهري مرسلاً، وهكذا رواه مالك عن الزهري مرسلاً. قال أبو زرعة :وهو أصح. ورواه عقيل، عن الزهري :بلغنا عن عثمان بن محمد بن أبي سويد قال أبو حاتم :وهذا وهم، إنما هو الزهري، عن عثمان بن أبي سويد. وقد سامه أحمد برجال الصحيح، فقال :حدثنا إسماعيل، ومحمد بن جعفر قالا :حدثنا معمر، عن الزهري قال أبو جعفر في حديثه :أخبرنا ابن شهاب، عن سالم عن أبيه أن غيلان، فذكره، وقد روى من غير طريق معمر، والزهري، فأخرجه البيهقي، عن أيوب، عن نافع، وسالم، عن ابن عمر :أن غيلان فذكره.
وأخرج أبو داود وابن ماجه في سننهما عن عمير الأسدي قال :أسلمت، وعندي ثمان نسوة، فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال :" اختر منهنّ أربعاً ". قال ابن كثير :إن إسناده حسن. وأخرج الشافعي في مسنده، عن نوفل بن معاوية الديلي قال :أسلمت، وعندي خمس نسوة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أمسك أربعاً، وفارق الأخرى " وأخرج ابن ماجه، والنحاس في ناسخه، عن قيس بن الحارث الأسدي قال :«أسلمت وكان تحتي ثمان نسوة، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال :" اختر منهنّ أربعاً، وخلّ سائرهنّ، ففعلت ". وهذه شواهد للحديث الأوّل، كما قال البيهقي. وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي في سننه عن الحكم قال :أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن المملوك لا يجمع من النساء فوق اثنتين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية يقول :إن خفت ألا تعدل في أربع فثلاث، وإلا فثنتين، وإلا فواحدة، فإن خفت ألا تعدل في واحدة، فما ملكت يمينك. وأخرج ابن جرير، عن الربيع مثله.
وأخرج أيضاً، عن الضحاك : ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا ﴾ قال :في المجامعة والحبّ. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي : ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ قال :السراري. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان في صحيحه، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ﴿ ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُوا ﴾ قال :" ألا تجوروا ". قال ابن أبي حاتم قال أبي :هذا حديث خطأ، والصحيح، عن عائشة موقوف. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله : ﴿ ألا تعولوا ﴾ قال :ألا تميلوا.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال :ألا تميلوا، ثم قال :أما سمعت قول أبي طالب :
بميزان قسط لا يخيس شعيرة ووزان صدق وزنه غير عائل
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد :قال :ألا تميلوا. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي رزين وأبي مالك والضحاك مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في الآية، قال :ذلك أدنى ألا يكثر من تعولوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة :قال :ألا تفتقروا. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال :كان الرجل إذا زوج أيمة أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك ونزلت ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ﴾ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : ﴿ نحلة ﴾ قال :يعني بالنحلة المهر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة ﴿ نحلة ﴾ قالت :واجبة وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ﴾ قال :فريضة مسماة.
وأخرج عبد ابن حميد وابن جرير عن قتادة مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ فإن طبن لكم ﴾ قال :هي للأزواج. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه ﴾ قال :من الصداق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ﴾ يقول :إذا كان من غير ضرار ولا خديعة فهو هنيء مريء كما قال الله.

هذا رجوع إلى بقية الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى. وقد تقدّم الأمر بدفع أموالهم إليهم في قوله تعالى : ﴿ وَءاتُوا اليتامى أموالهم ﴾ [ النساء :٢ ] فبين سبحانه هاهنا أن السفيه، وغير البالغ لا يجوز دفع ماله إليه. وقد تقدّم في البقرة معنى السفيه لغة.
واختلف أهل العلم في هؤلاء السفهاء من هم ؟ فقال سعيد بن جبير :هم اليتامى لا تؤتوهم أموالكم. قال النحاس، وهذا من أحسن ما قيل في الآية. وقال مالك :هم الأولاد الصغار لا تعطوهم أموالكم، فيفسدوها، وتبقوا بلا شيء. وقال مجاهد :هم النساء. قال النحاس، وغيره :وهذا القول لا يصح إنما تقول العرب سفائه أو سفيهات. واختلفوا في وجه إضافة الأموال إلى المخاطبين، وهي للسفهاء، فقيل :أضافها إليهم ؛ لأنها بأيديهم، وهم الناظرون فيها، كقوله : ﴿ فَسَلّمُوا على أَنفُسِكُمْ ﴾ [ النور :٦١ ]، وقوله : ﴿ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ ﴾ [ البقرة :٥٤ ] أي :ليسلم بعضكم على بعض، وليقتل بعضكم بعضاً، وقيل :أضافها إليهم لأنها من جنس أموالهم، فإن الأموال جعلت مشتركة بين الخلق في الأصل. وقيل المراد :أموال المخاطبين حقيقة. وبه قال أبو موسى الأشعري، وابن عباس، والحسن، وقتادة. والمراد :النهي عن دفعها إلى من لا يحسن تدبيرها كالنساء، والصبيان، ومن هو ضعيف الإدراك لا يهتدي إلى وجوه النفع التي تصلح المال، ولا يتحب، وجوه الضرر التي تهلكه، وتذهب به.
قوله : ﴿ التي جَعَلَ الله لَكُمْ قيما ﴾ المفعول الأوّل محذوف، والتقدير التي جعلها الله لكم، و«قيما » قراءة أهل المدينة، وأبي عامر، وقرأ غيرهم : «قياماً » وقرأ عبد الله بن عمر : «قواما » والقيام والقوام :ما يقيمك، يقال فلان قيام أهله، وقوام بيته، وهو الذي يقيم شأنه، أي :يصلحه، ولما انكسرت القاف في قوام أبدلوا الواو ياء. قال الكسائي والفراء :قيماً وقواماً بمعنى قياماً، وهو منصوب على المصدر أي :لا تؤتوا السفهاء أموالكم التي تصلح بها أموركم، فتقومون بها قياماً، وقال الأخفش :المعنى قائمة بأموركم، فذهب إلى أنها جمع. وقال البصريون :قيماً جمع قيمة كديمة وديم، أي :جعلها الله قيمة للأشياء. وخطأ أبو علي الفارسي هذا القول، وقال :هي مصدر، كقيام وقوام. والمعنى :أنها صلاح للحال، وثبات له، فأما على قول من قال :إن المراد أموالهم على ما يقتضيه ظاهر الإضافة، فالمعنى واضح. وأما على قول من قال إنها أموال اليتامى، فالمعنى أنها من جنس ما تقوم به معايشكم، ويصلح به حالكم من الأموال. وقرأ الحسن، والنخعي : «اللاتي جعل » قال الفراء :الأكثر في كلام العرب النساء اللواتي، والأموال التي، وكذلك غير الأموال، ذكره النحاس.
قوله : ﴿ وارزقوهم فِيهَا واكسوهم ﴾ أي :اجعلوا لهم فيها رزقاً، أو افرضوا لهم، وهذا فيمن تلزم نفقته، وكسوته من الزوجات، والأولاد، ونحوهم. وأما على قول من قال :إن الأموال هي أموال اليتامى، فالمعنى اتجروا فيها حتى تربحوا، وتنفقوهم من الأرباح، أو اجعلوا لهم من أموالهم رزقاً ينفقونه على أنفسهم، ويكتسون به.
وقد استدل بهذه الآية على جواز الحجر على السفهاء، وبه قال الجمهور. وقال أبو حنيفة :لا يحجر على من بلغ عاقلاً، واستدل بها أيضاً على وجوب نفقة القرابة، والخلاف في ذلك معروف في مواطنه. قوله : ﴿ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً معْرُوفاً ﴾ قيل :ادعوا لهم :بارك الله فيكم، وحاطكم، وصنع لكم. وقيل معناه :عدوهم وعداً حسناً قولوا لهم :إن رشدتم دفعنا إليكم أموالكم، ويقول الأب لابنه :مالي سيصير إليك، وأنت إن شاء الله صاحبه، ونحو ذلك. والظاهر من الآية ما يصدق عليه مسمى القول الجميل، ففيه إرشاد إلى حسن الخلق مع الأهل، والأولاد، أو مع الأيتام المكفولين. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه : «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي »
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلاَ تُؤْتُوا السفهاء أموالكم ﴾ يقول لا تعمد إلى مالك، وما خولك الله، وجعله لك معيشة، فتعطيه امرأتك، أو بنتك، ثم تضطر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك، وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم، ورزقهم، ومؤونتهم.
قال :وقوله : ﴿ قَواما ﴾ يعني :قوامكم من معايشكم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه من طريق العوفي في الآية يقول :لا تسلط السفيه من ولدك على مالك، وأمره أن يرزقه منه، ويكسوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه قال :هم بنوك، والنساء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي أمامة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن النساء السفهاء إلا التي أطاعت قيمها» وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال :هم الخدم، وهم شياطين الإنس. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن مسعود قال :هم النساء، والصبيان.
وأخرج ابن جرير، عن حضرمي :أن رجلاً عمد، فدفع ماله إلى امرأته، فوضعته في غير الحق، فقال الله : ﴿ وَلاَ تُؤْتُوا السفهاء أموالكم ﴾. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن سعيد بن جبير قال :هم اليتامى والنساء. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن عكرمة قال :هو مال اليتيم، يكون عندك، يقول لا تؤتوه إياه، وأنفق عليه حتى يبلغ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وارزقوهم ﴾ يقول :أنفقوا عليهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد : ﴿ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً معْرُوفاً ﴾ قال :أمروا أن يقولوا لهم قولاً معروفاً في البرّ، والصلة. وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج : ﴿ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً معْرُوفاً ﴾ قال :عدة تعدونهم.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ يعني :اختبروا اليتامى عند الحلم ﴿ فإن آنستم ﴾ عرفتم ﴿ منْهُمْ رُشْداً ﴾ في حالهم، والإصلاح في أموالهم : ﴿ فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً ﴾ يعني تأكل مال اليتيم ببادرة قبل أن يبلغ، فتحول بينه، وبين ماله. وأخرج البخاري، وغيره، عن عائشة قالت :أنزلت هذه الآية في وليّ اليتيم : ﴿ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف ﴾ بقدر قيامه عليه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن ابن عباس : ﴿ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ قال بغناه : ﴿ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف ﴾ قال :يأكل من ماله يقوت على نفسه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم، وأخرج ابن جرير عنه قال :هو القرض. وأخرج عبد بن حميد، والبيهقي، عن ابن عباس قال :إن كان فقيراً أخذ من فضل اللبن، وأخذ من فضل القوت، ولا يجاوزه، وما يستر عورته من الثياب، فإن أيسر قضاه، وإن أعسر، فهو في حل.
وأخرج عبد الرزاق، وابن سعد، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في سننه من طرق عن عمر بن الخطاب قال :إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة وليّ اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت أخذت منه بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت. وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي حاتم، عن ابن عمر :" أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :ليس لي مال، ولي يتيم فقال : «كل من مال يتيمك غير مسرف، ولا مبذر، ولا متأثل مالاً، ومن غير أن تقي مالك بماله» وأخرج أبو داود، والنحاس كلاهما في الناسخ، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف ﴾ قال :نسختها ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ﴾ [ النساء :١٠ ] الآية.

قوله : ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ الابتلاء :الاختبار. وقد تقدّم تحقيقه. وقد اختلفوا في معنى الاختبار، فقيل :هو أن يتأمل الوصي أخلاق يتيمه، ليعلم بنجابته، وحسن تصرفه، فيدفع إليه ماله إذا بلغ النكاح، وآنس منه الرشد، وقيل :معنى الاختبار :أن يدفع إليه شيئاً من ماله، ويأمره بالتصرف فيه حتى يعلم حقيقة حاله، وقيل :معنى الاختبار :أن يرد النظر إليه في نفقة الدار ليعرف كيف تدبيره، وإن كانت جارية ردّ إليها ما يردّ إلى ربة البيت من تدبير بيتها. والمراد ببلوغ النكاح بلوغ الحلم كقوله تعالى : ﴿ وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم ﴾ [ النور :٥٩ ] ومن علامات البلوغ الإنبات، وبلوغ خمس عشرة سنة. وقال مالك، وأبو حنيفة، وغيرهما :لا يحكم لمن لم يحتلم بالبلوغ إلا بعد مضي سبع عشرة سنة، وهذه العلامات تعم الذكر، والأنثى، وتختص الأنثى بالحبل، والحيض.
قوله : ﴿ فإن آنستم ﴾ أي :أبصرتم، ورأيتم، ومنه قوله : ﴿ مِن جَانِبِ الطور نَاراً ﴾ [ القصص :٢٩ ]. قال الأزهري :تقول العرب اذهب فاستأنس هل ترى أحداً، معناه :تبصر. وقيل :هو هنا بمعنى :وجد وعلم، أي :فإن وجدتم، وعلمتم منهم رشداً. وقراءة الجمهور : ﴿ رشدا ﴾ بضم الراء وسكون الشين. وقرأ ابن مسعود، والسلمي، وعيسى الثقفي بفتح الراء، والشين، قيل :هما لغتان، وقيل :هو بالضم مصدر رشد، وبالفتح مصدر رشد.
واختلف أهل العلم في معنى الرشد هاهنا، فقيل :الصلاح في العقل والدين، وقيل :في العقل خاصة. قال سعيد بن جبير، والشعبي :إنه لا يدفع إلى اليتيم ماله إذا لم يؤنس رشده، وإن كان شيخاً. قال الضحاك :وإن بلغ مائة سنة. وجمهور العلماء على أن الرشد لا يكون إلا بعد البلوغ، وعلى أنه إن لم يرشد بعد بلوغ الحلم لا يزول عنه الحجر. وقال أبو حنيفة، لا يحجر على الحرّ البالغ، وإن كان أفسق الناس، وأشدهم تبذيراً، وبه قال النخعي، وزفر، وظاهر النظم القرآني أنها لا تدفع إليهم أموالهم إلا بعد بلوغ غاية هي :بلوغ النكاح مقيدة هذه الغاية بإيناس الرشد، فلا بد من مجموع الأمرين، فلا تدفع إلى اليتامى أموالهم قبل البلوغ، وإن كانوا معروفين بالرشد، ولا بعد البلوغ إلا بعد إيناس الرشد منهم.
والمراد بالرشد :نوعه، وهو المتعلق بحسن التصرف في أمواله، وعدم التبذير بها، ووضعها في مواضعها.
قوله : ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُوا ﴾ الإسراف في اللغة :الإفراط، ومجاوزة الحدّ. وقال النضر بن شميل :السرف التبذير، والبدار المبادرة ﴿ أَن يَكْبَرُوا ﴾ في موضع نصب بقوله : ﴿ بداراً ﴾ أي :لا تأكلوا أموال اليتامى أكل إسراف، وأكل مبادرة لكبرهم، أو لا تأكلوا لأجل السرف، ولأجل المبادرة أو لا تأكلوها مسرفين، ومبادرين لكبرهم، وتقولوا ننفق أموال اليتامى. فيما نشتهي قبل أن يبلغوا، فينتزعوها من أيدينا. قوله : ﴿ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف ﴾ بين سبحانه ما يحل لهم من أموال اليتامى، فأمر الغنيّ بالاستعفاف وتوفير مال الصبي عليه، وعدم تناوله منه، وسوّغ للفقير أن يأكل بالمعروف.
واختلف أهل العلم في الأكل بالمعروف ما هو ؟ فقال قوم :هو القرض إذا احتاج إليه، ويقضي متى أيسر الله عليه، وبه قال عمر بن الخطاب، وابن عباس، وعبيدة السلماني، وابن جبير، والشعبي، ومجاهد، وأبو العالية، والأوزاعي، وقال النخعي، وعطاء، والحسن، وقتادة :لا قضاء على الفقير فيما يأكل بالمعروف، وبه قال جمهور الفقهاء. وهذا بالنظم القرآني ألصق، فإن إباحة الأكل للفقير مشعرة بجواز ذلك له من غير قرض. والمراد بالمعروف :المتعارف به بين الناس، فلا يترفه بأموال اليتامى، ويبالغ في التنعم بالمأكول، والمشروب، والملبوس، ولا يدع نفسه عن سدّ الفاقة، وستر العورة. والخطاب في هذه الآية لأولياء الأيتام القائمين بما يصلحهم كالأب، والجدّ، ووصيهما. وقال بعض أهل العلم :المراد بالآية :اليتيم إن كان غنياً، وسع عليه، وعفّ من ماله، وإن كان فقيراً كان الإنفاق عليه بقدر ما يحصل له، وهذا القول في غاية السقوط.
قوله : ﴿ فإذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ﴾ أي :إذا حصل مقتضى الدفع، فدفعتم إليهم أموالهم، فأشهدوا عليهم أنهم قد قبضوها منكم لتندفع عنكم التهم، وتأمنوا عاقبة الدعاوى الصادرة منهم، وقيل :إن الإشهاد المشروع هو ما أنفقه عليهم الأولياء قبل رشدهم، وقيل :هو على ردّ ما استقرضه إلى أموالهم، وظاهر النظم القرآني مشروعية الإشهاد على ما دفع إليهم من أموالهم، وهو يعمّ الإنفاق قبل الرشد، والدفع للجميع إليهم بعد الرشد : ﴿ وكفى بالله حَسِيباً ﴾ أي :حاسباً لأعمالكم شاهداً عليكم في كل شيء تعملونه، ومن جملة ذلك معاملتكم لليتامى في أموالهم، وفيه وعيد عظيم، والباء زائدة، أي :كفى الله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلاَ تُؤْتُوا السفهاء أموالكم ﴾ يقول لا تعمد إلى مالك، وما خولك الله، وجعله لك معيشة، فتعطيه امرأتك، أو بنتك، ثم تضطر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك، وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم، ورزقهم، ومؤونتهم.
قال :وقوله : ﴿ قَواما ﴾ يعني :قوامكم من معايشكم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه من طريق العوفي في الآية يقول :لا تسلط السفيه من ولدك على مالك، وأمره أن يرزقه منه، ويكسوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه قال :هم بنوك، والنساء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي أمامة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن النساء السفهاء إلا التي أطاعت قيمها» وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال :هم الخدم، وهم شياطين الإنس. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن مسعود قال :هم النساء، والصبيان.
وأخرج ابن جرير، عن حضرمي :أن رجلاً عمد، فدفع ماله إلى امرأته، فوضعته في غير الحق، فقال الله : ﴿ وَلاَ تُؤْتُوا السفهاء أموالكم ﴾. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن سعيد بن جبير قال :هم اليتامى والنساء. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن عكرمة قال :هو مال اليتيم، يكون عندك، يقول لا تؤتوه إياه، وأنفق عليه حتى يبلغ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وارزقوهم ﴾ يقول :أنفقوا عليهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد : ﴿ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً معْرُوفاً ﴾ قال :أمروا أن يقولوا لهم قولاً معروفاً في البرّ، والصلة. وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج : ﴿ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً معْرُوفاً ﴾ قال :عدة تعدونهم.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ يعني :اختبروا اليتامى عند الحلم ﴿ فإن آنستم ﴾ عرفتم ﴿ منْهُمْ رُشْداً ﴾ في حالهم، والإصلاح في أموالهم : ﴿ فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً ﴾ يعني تأكل مال اليتيم ببادرة قبل أن يبلغ، فتحول بينه، وبين ماله. وأخرج البخاري، وغيره، عن عائشة قالت :أنزلت هذه الآية في وليّ اليتيم : ﴿ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف ﴾ بقدر قيامه عليه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن ابن عباس : ﴿ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ قال بغناه : ﴿ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف ﴾ قال :يأكل من ماله يقوت على نفسه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم، وأخرج ابن جرير عنه قال :هو القرض. وأخرج عبد بن حميد، والبيهقي، عن ابن عباس قال :إن كان فقيراً أخذ من فضل اللبن، وأخذ من فضل القوت، ولا يجاوزه، وما يستر عورته من الثياب، فإن أيسر قضاه، وإن أعسر، فهو في حل.
وأخرج عبد الرزاق، وابن سعد، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في سننه من طرق عن عمر بن الخطاب قال :إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة وليّ اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت أخذت منه بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت. وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي حاتم، عن ابن عمر :" أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :ليس لي مال، ولي يتيم فقال : «كل من مال يتيمك غير مسرف، ولا مبذر، ولا متأثل مالاً، ومن غير أن تقي مالك بماله» وأخرج أبو داود، والنحاس كلاهما في الناسخ، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف ﴾ قال :نسختها ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ﴾ [ النساء :١٠ ] الآية.

لما ذكر سبحانه حكم أموال اليتامى، وصله بأحكام المواريث، وكيفية قسمتها بين الورثة. وأفرد سبحانه ذكر النساء بعد ذكر الرجال، ولم يقل للرجال والنساء نصيب، للإيذان بأصالتهنّ في هذا الحكم، ودفع ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث النساء، وفي ذكر القرابة بيان لعلة الميراث مع التعميم لما يصدق عليه مسمى القرابة من دون تخصيص. وقوله : ﴿ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ ﴾ بدل من قوله : ﴿ ممَّا تَرَكَ ﴾ بإعادة الجار، والضمير في قوله : ﴿ مِنْهُ ﴾ راجع إلى المبدل منه. وقوله : ﴿ نَصِيباً ﴾ منتصب على الحال، أو على المصدرية، أو على الاختصاص، وسيأتي ذكر السبب في نزول هذه الآية إن شاء الله، وقد أجمل الله سبحانه في هذه المواضع قدر النصيب المفروض، ثم أنزل قوله : ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم ﴾ [ النساء :١١ ] فبين ميراث كل فرد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس قال :كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات، ولا الصغار حتى يدركوا، فمات رجل من الأنصار يقال له :أوس بن ثابت، وترك ابنتين، وابناً صغيراً، فجاء ابنا عمه، وهما عصبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذا ميراثه كله، فجاءت امرأته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية، فأرسل إليهما رسول الله فقال : «لا تحركا من الميراث شيئاً، فإنه قد أنزل عليّ شيء احترت فيه أن للذكر، والأنثى نصيباً»، ثم نزل بعد ذلك : ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النساء ﴾ [ النساء :١٢٧ ]، ثم نزل : ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم ﴾ [ النساء :١١ ] فدعا بالميراث، فأعطى المرأة الثمن، وقسم ما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة في الآية قال :نزلت في أم كلثوم ابنة أم كحلة، أو أم كحة، وثعلبة بن أوس، وسويد، وهم من الأنصار، كان أحدهم زوجها، والآخر عم ولدها، فقالت :يا رسول الله توفي زوجي، وتركني وابنته، فلم نورث من ماله، فقال عمّ ولدها :يا رسول الله لا يركب فرساً، ولا ينكي عدواً ويكسب عليها، ولا يكتسب، فنزلت.
وأخرج البخاري، وغيره عن ابن عباس في قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا حَضَرَ القسمة ﴾ قال :هي محكمة، وليست بمنسوخة.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن خطاب بن عبد الله في هذه الآية قال :قضى بها أبو موسى. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في الآية قال :هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، عن الحسن، والزهري قالا :هي محكمة ما طابت به أنفسهم. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن جرير، والحاكم وصححه، عن ابن عباس قال :يرضخ لهم فإن كان في ماله تقصير اعتذر إليهم، فهو قولاً معروفاً. وأخرج ابن المنذر، عن عائشة أنها لم تنسخ. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن أبي حاتم :أن هذه الآية منسوخة بآية الميراث. وأخرج أبو داود في ناسخه، وعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن المسيب قال :هي منسوخة. وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير قال :إن كانوا كباراً يرضخوا، وإن كانوا صغاراً اعتذروا إليهم.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه في قوله : ﴿ وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُوا ﴾ قال :هذا في الرجل يحضر الرجل عند موته، فيسمعه يوصي وصية تضرّ بورثته، فأمر الله الذي يسمعه أن يتقي الله، ويوفقه، ويسدده للصواب، ولينظر لورثته، كما يحب أن يصنع لورثته إذا خشي عليهم الضيعة. وقد روي نحو هذا من طرق. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو يعلى، والطبراني، وابن حبان في صحيحه، وابن أبي حاتم، عن أبي برزة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم ناراً» فقيل :يا رسول الله من هم ؟ قال : «ألم تر أن الله يقول ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾» وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الخدري، قال :حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به قال : «نظرت فإذا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخراً من نار، فيقذف في فيّ أحدهم حتى يخرج من أسافلهم، ولهم جؤار، وصراخ، فقلت :يا جبريل من هؤلاء ؟ قال :هؤلاء : ﴿ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ﴾» وأخرج ابن جرير، عن زيد بن أسلم قال :هذه الآية لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم، ويأكلون أموالهم.

قوله : ﴿ وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُوا القربى ﴾ المراد بالقرابة هنا :غير الوارثين، وكذا اليتامى، والمساكين، شرع الله سبحانه أنهم إذا حضروا قسمة التركة كان لهم منها رزق، فيرضخ لهم المتقاسمون شيئاً منها. وقد ذهب قوم إلى أن الآية محكمة، وأن الأمر للندب. وذهب آخرون إلى أنها منسوخة بقوله تعالى : ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم ﴾ [ النساء :١١ ] والأوّل أرجح، لأن المذكور في الآية للقرابة غير الوارثين ليس هو من جملة الميراث حتى يقال إنها منسوخة بآية المواريث، إلا أن يقولوا إن أولى القربى المذكورين هنا هم الوارثون كان للنسخ وجه. وقالت طائفة :إن هذا الرضخ لغير الوارث من القرابة واجب بمقدار ما تطيب به أنفس الورثة، وهو معنى الأمر الحقيقي، فلا يصار إلى الندب إلا لقرينة، والضمير في قوله : ﴿ مِنْهُ ﴾ راجع إلى المال المقسوم المدلول عليه بالقسمة، وقيل :راجع إلى ما ترك. والقول المعروف :هو القول الجميل الذي ليس فيه منّ بما صار إليهم من الرضخ ولا أذى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس قال :كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات، ولا الصغار حتى يدركوا، فمات رجل من الأنصار يقال له :أوس بن ثابت، وترك ابنتين، وابناً صغيراً، فجاء ابنا عمه، وهما عصبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذا ميراثه كله، فجاءت امرأته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية، فأرسل إليهما رسول الله فقال : «لا تحركا من الميراث شيئاً، فإنه قد أنزل عليّ شيء احترت فيه أن للذكر، والأنثى نصيباً»، ثم نزل بعد ذلك : ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النساء ﴾ [ النساء :١٢٧ ]، ثم نزل : ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم ﴾ [ النساء :١١ ] فدعا بالميراث، فأعطى المرأة الثمن، وقسم ما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة في الآية قال :نزلت في أم كلثوم ابنة أم كحلة، أو أم كحة، وثعلبة بن أوس، وسويد، وهم من الأنصار، كان أحدهم زوجها، والآخر عم ولدها، فقالت :يا رسول الله توفي زوجي، وتركني وابنته، فلم نورث من ماله، فقال عمّ ولدها :يا رسول الله لا يركب فرساً، ولا ينكي عدواً ويكسب عليها، ولا يكتسب، فنزلت.
وأخرج البخاري، وغيره عن ابن عباس في قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا حَضَرَ القسمة ﴾ قال :هي محكمة، وليست بمنسوخة.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن خطاب بن عبد الله في هذه الآية قال :قضى بها أبو موسى. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في الآية قال :هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، عن الحسن، والزهري قالا :هي محكمة ما طابت به أنفسهم. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن جرير، والحاكم وصححه، عن ابن عباس قال :يرضخ لهم فإن كان في ماله تقصير اعتذر إليهم، فهو قولاً معروفاً. وأخرج ابن المنذر، عن عائشة أنها لم تنسخ. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن أبي حاتم :أن هذه الآية منسوخة بآية الميراث. وأخرج أبو داود في ناسخه، وعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن المسيب قال :هي منسوخة. وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير قال :إن كانوا كباراً يرضخوا، وإن كانوا صغاراً اعتذروا إليهم.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه في قوله : ﴿ وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُوا ﴾ قال :هذا في الرجل يحضر الرجل عند موته، فيسمعه يوصي وصية تضرّ بورثته، فأمر الله الذي يسمعه أن يتقي الله، ويوفقه، ويسدده للصواب، ولينظر لورثته، كما يحب أن يصنع لورثته إذا خشي عليهم الضيعة. وقد روي نحو هذا من طرق. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو يعلى، والطبراني، وابن حبان في صحيحه، وابن أبي حاتم، عن أبي برزة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم ناراً» فقيل :يا رسول الله من هم ؟ قال : «ألم تر أن الله يقول ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾» وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الخدري، قال :حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به قال : «نظرت فإذا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخراً من نار، فيقذف في فيّ أحدهم حتى يخرج من أسافلهم، ولهم جؤار، وصراخ، فقلت :يا جبريل من هؤلاء ؟ قال :هؤلاء : ﴿ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ﴾» وأخرج ابن جرير، عن زيد بن أسلم قال :هذه الآية لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم، ويأكلون أموالهم.

قوله : ﴿ وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُوا ﴾ هم الأوصياء، كما ذهب إليه طائفة من المفسرين، وفيه وعظ لهم بأن يفعلوا باليتامى الذين في حجورهم ما يحبون أن يفعل بأولادهم من بعدهم. وقالت طائفة :المراد جميع الناس أمروا باتقاء الله في الأيتام، وأولاد الناس، وإن لم يكونوا في حجورهم ؛ وقال آخرون :إن المراد بهم :من يحضر الميت عند موته، أمروا بتقوى الله، بأن يقولوا للمحتضر قولاً سديداً من إرشادهم إلى التخلص عن حقوق الله، وحقوق بني آدم، وإلى الوصية بالقرب المقرّبة إلى الله سبحانه، وإلى ترك التبذير بماله، وإحرام ورثته، كما يخشون على ورثتهم من بعدهم لو تركوهم، فقراء عالة يتكففون الناس وقال ابن عطية :الناس صنفان يصلح لأحدهما أن يقال له عند موته ما لا يصلح للآخر، وذلك أن الرجل إذا ترك ورثته مستقلين بأنفسهم أغنياء حسن أن يندب إلى الوصية، ويحمل على أن يقدّم لنفسه، وإذا ترك ورثة ضعفاء مفلسين حسن أن يندب إلى الترك لهم والاحتياط، فإن أجره في قصد ذلك كأجره في المساكين.
قال القرطبي :وهذا التفصيل صحيح. قوله : ﴿ لَوْ تَرَكُوا ﴾ صلة الموصول، والفاء في قوله : ﴿ فَلْيَتَّقُوا ﴾ لترتيب ما بعدها على ما قبلها. والمعنى :وليخش الذين صفتهم، وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافاً، وذلك عند احتضارهم خافوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم، وكاسبهم، ثم أمرهم بتقوى الله، والقول السديد للمحتضرين، أو لأولادهم من بعدهم على ما سبق.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس قال :كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات، ولا الصغار حتى يدركوا، فمات رجل من الأنصار يقال له :أوس بن ثابت، وترك ابنتين، وابناً صغيراً، فجاء ابنا عمه، وهما عصبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذا ميراثه كله، فجاءت امرأته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية، فأرسل إليهما رسول الله فقال : «لا تحركا من الميراث شيئاً، فإنه قد أنزل عليّ شيء احترت فيه أن للذكر، والأنثى نصيباً»، ثم نزل بعد ذلك : ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النساء ﴾ [ النساء :١٢٧ ]، ثم نزل : ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم ﴾ [ النساء :١١ ] فدعا بالميراث، فأعطى المرأة الثمن، وقسم ما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة في الآية قال :نزلت في أم كلثوم ابنة أم كحلة، أو أم كحة، وثعلبة بن أوس، وسويد، وهم من الأنصار، كان أحدهم زوجها، والآخر عم ولدها، فقالت :يا رسول الله توفي زوجي، وتركني وابنته، فلم نورث من ماله، فقال عمّ ولدها :يا رسول الله لا يركب فرساً، ولا ينكي عدواً ويكسب عليها، ولا يكتسب، فنزلت.
وأخرج البخاري، وغيره عن ابن عباس في قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا حَضَرَ القسمة ﴾ قال :هي محكمة، وليست بمنسوخة.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن خطاب بن عبد الله في هذه الآية قال :قضى بها أبو موسى. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في الآية قال :هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، عن الحسن، والزهري قالا :هي محكمة ما طابت به أنفسهم. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن جرير، والحاكم وصححه، عن ابن عباس قال :يرضخ لهم فإن كان في ماله تقصير اعتذر إليهم، فهو قولاً معروفاً. وأخرج ابن المنذر، عن عائشة أنها لم تنسخ. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن أبي حاتم :أن هذه الآية منسوخة بآية الميراث. وأخرج أبو داود في ناسخه، وعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن المسيب قال :هي منسوخة. وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير قال :إن كانوا كباراً يرضخوا، وإن كانوا صغاراً اعتذروا إليهم.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه في قوله : ﴿ وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُوا ﴾ قال :هذا في الرجل يحضر الرجل عند موته، فيسمعه يوصي وصية تضرّ بورثته، فأمر الله الذي يسمعه أن يتقي الله، ويوفقه، ويسدده للصواب، ولينظر لورثته، كما يحب أن يصنع لورثته إذا خشي عليهم الضيعة. وقد روي نحو هذا من طرق. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو يعلى، والطبراني، وابن حبان في صحيحه، وابن أبي حاتم، عن أبي برزة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم ناراً» فقيل :يا رسول الله من هم ؟ قال : «ألم تر أن الله يقول ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾» وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الخدري، قال :حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به قال : «نظرت فإذا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخراً من نار، فيقذف في فيّ أحدهم حتى يخرج من أسافلهم، ولهم جؤار، وصراخ، فقلت :يا جبريل من هؤلاء ؟ قال :هؤلاء : ﴿ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ﴾» وأخرج ابن جرير، عن زيد بن أسلم قال :هذه الآية لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم، ويأكلون أموالهم.

قوله : ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ﴾ استئناف يتضمن النهي عن ظلم الأيتام من الأولياء، والأوصياء، وانتصاب قوله : ﴿ ظُلْماً ﴾ على المصدرية، أي :أكل ظلم، أو على الحالية، أي :ظالمين لهم. وقوله : ﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾ أي :ما يكون سبباً للنار، تعبيراً بالمسبب عن السبب، وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية. وقوله : ﴿ وَسَيَصْلَوْنَ ﴾ قراءة عاصم، وابن عامر بضم الياء على ما لم يسم فاعله. وقرأ أبو حيوة بضم الياء، وفتح الصاد، وتشديد اللام من التصلية بكثرة الفعل مرة بعد أخرى. وقرأ الباقون بفتح الياء من صلى النار يصلاها، والصلى هو :التسخن بقرب النار، أو مباشرتها، ومنه قول الحارث بن عباد :
لم أكن من جناتها علم الل ه وإني لحرّها اليوم صالي
والسعير :الجمر المشتعل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس قال :كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات، ولا الصغار حتى يدركوا، فمات رجل من الأنصار يقال له :أوس بن ثابت، وترك ابنتين، وابناً صغيراً، فجاء ابنا عمه، وهما عصبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذا ميراثه كله، فجاءت امرأته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية، فأرسل إليهما رسول الله فقال : «لا تحركا من الميراث شيئاً، فإنه قد أنزل عليّ شيء احترت فيه أن للذكر، والأنثى نصيباً»، ثم نزل بعد ذلك : ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النساء ﴾ [ النساء :١٢٧ ]، ثم نزل : ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم ﴾ [ النساء :١١ ] فدعا بالميراث، فأعطى المرأة الثمن، وقسم ما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة في الآية قال :نزلت في أم كلثوم ابنة أم كحلة، أو أم كحة، وثعلبة بن أوس، وسويد، وهم من الأنصار، كان أحدهم زوجها، والآخر عم ولدها، فقالت :يا رسول الله توفي زوجي، وتركني وابنته، فلم نورث من ماله، فقال عمّ ولدها :يا رسول الله لا يركب فرساً، ولا ينكي عدواً ويكسب عليها، ولا يكتسب، فنزلت.
وأخرج البخاري، وغيره عن ابن عباس في قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا حَضَرَ القسمة ﴾ قال :هي محكمة، وليست بمنسوخة.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن خطاب بن عبد الله في هذه الآية قال :قضى بها أبو موسى. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في الآية قال :هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، عن الحسن، والزهري قالا :هي محكمة ما طابت به أنفسهم. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن جرير، والحاكم وصححه، عن ابن عباس قال :يرضخ لهم فإن كان في ماله تقصير اعتذر إليهم، فهو قولاً معروفاً. وأخرج ابن المنذر، عن عائشة أنها لم تنسخ. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن أبي حاتم :أن هذه الآية منسوخة بآية الميراث. وأخرج أبو داود في ناسخه، وعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن المسيب قال :هي منسوخة. وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير قال :إن كانوا كباراً يرضخوا، وإن كانوا صغاراً اعتذروا إليهم.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه في قوله : ﴿ وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُوا ﴾ قال :هذا في الرجل يحضر الرجل عند موته، فيسمعه يوصي وصية تضرّ بورثته، فأمر الله الذي يسمعه أن يتقي الله، ويوفقه، ويسدده للصواب، ولينظر لورثته، كما يحب أن يصنع لورثته إذا خشي عليهم الضيعة. وقد روي نحو هذا من طرق. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو يعلى، والطبراني، وابن حبان في صحيحه، وابن أبي حاتم، عن أبي برزة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم ناراً» فقيل :يا رسول الله من هم ؟ قال : «ألم تر أن الله يقول ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾» وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الخدري، قال :حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به قال : «نظرت فإذا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخراً من نار، فيقذف في فيّ أحدهم حتى يخرج من أسافلهم، ولهم جؤار، وصراخ، فقلت :يا جبريل من هؤلاء ؟ قال :هؤلاء : ﴿ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ﴾» وأخرج ابن جرير، عن زيد بن أسلم قال :هذه الآية لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم، ويأكلون أموالهم.

هذا تفصيل لما أجمل في قوله تعالى : ﴿ للرّجَالِ نَصيِبٌ ممَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون ﴾ [ النساء :٧ ] الآية، وقد استدل بذلك على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهذه الآية ركن من أركان الدين، وعمدة من عمد الأحكام، وأم من أمهات الآيات لاشتمالها على ما يهم من علم الفرائض، وقد كان هذا العلم من أجلّ علوم الصحابة، وأكثر مناظراتهم فيه، وسيأتي بعد كمال تفسير ما اشتمل عليه كلام الله من الفرائض ذكر بعض فضائل هذا العلم إن شاء الله.
قوله : ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم ﴾ أي :في بيان ميراثهم. وقد اختلفوا هل يدخل أولاد الأولاد أم لا ؟ فقالت الشافعية :إنهم يدخلون مجازاً لا حقيقة، وقالت الحنفية :إنه يتناولهم لفظ الأولاد حقيقة إذا لم يوجد أولاد الصلب، ولا خلاف أن بني البنين كالبنين في الميراث مع عدمهم، وإنما هذا الخلاف في دلالة لفظ الأولاد على أولادهم مع عدمهم، ويدخل في لفظ الأولاد من كان منهم كافراً، ويخرج بالسنة، وكذلك يدخل القاتل عمداً، ويخرج أيضاً بالسنة والإجماع، ويدخل فيه الخنثى. قال القرطبي :وأجمع العلماء أنه يورث من حيث يبول، فإن بال منهما، فمن حيث سبق، فإن خرج البول منهما من غير سبق أحدهما، فله نصف نصيب الذكر، ونصف نصيب الأنثى. وقيل :يعطى أقلّ النصيبين، وهو نصيب الأنثى، قاله يحيى بن آدم، وهو قول الشافعي. وهذه الآية ناسخة لما كان في صدر الإسلام من الموارثة بالحلف، والهجرة، والمعاقدة. وقد أجمع العلماء على أنه إذا كان مع الأولاد من له فرض مسمى أعطيه، وكان ما بقي من المال للذكر مثل حظ الأنثيين، للحديث الثابت في الصحيحين، وغيرهما بلفظ : «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض، فلأولى رجل ذكر » إلا إذا كان ساقطاً معهم، كالأخوة لأم.
وقوله : ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ جملة مستأنفة لبيان الوصية في الأولاد، فلا بد من تقدير ضمير يرجع إليهم :ويوصيكم الله في أولادكم للذكر منهم مثل حظ الأنثيين. والمراد :حال اجتماع الذكور والإناث، وأما حال الانفراد، فللذكر جميع الميراث، وللأنثى النصف، وللاثنتين فصاعداً الثلثان. قوله : ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾ أي :فإن كنّ الأولاد، والتأنيث باعتبار الخبر، أو البنات، أو المولودات نساء ليس معهن ذكر فوق اثنتين، أي :زائدات على اثنتين على أن فوق صفة لنساء، أو يكون خبراً ثانياً لكان : ﴿ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾ الميت المدلول عليه بقرينة المقام.
وظاهر النظم القرآني أن الثلثين فريضة الثلاث من البنات فصاعداً، ولم يسم للاثنتين فريضة، ولهذا اختلف أهل العلم في فريضتهما، فذهب الجمهور إلى أن لهما إذا انفردتا عن البنين الثلثين.
وذهب ابن عباس إلى أن فريضتهما النصف، احتج الجمهور بالقياس على الأختين، فإن الله سبحانه قال في شأنهما : ﴿ فَإِن كَانَتَا اثنتين فَلَهُمَا الثلثان ﴾ [ النساء :١٧٦ ] فألحقوا البنتين بالأختين في استحقاقهما الثلثين، كما ألحقوا الأخوات إذا زدن على اثنتين بالبنات في الاشتراك في الثلثين، وقيل :في الآية ما يدل على أن للبنتين الثلثين، وذلك أنه لما كان للواحدة مع أخيها الثلث كان للإبنتين إذا انفردتا الثلثان، هكذا احتج بهذه الحجة إسماعيل بن عياش، والمبرد. قال النحاس :وهذا الاحتجاج عند أهل النظر غلط ؛ لأن الاختلاف في البنتين إذا انفردتا عن البنين، وأيضاً للمخالف أن يقول إذا ترك بنتين، وابناً فللبنتين النصف، فهذا دليل على أن هذا فرضهما، ويمكن تأييد ما احتج به الجمهور بأن الله سبحانه لما فرض للبنت الواحدة إذا انفردت النصف بقوله تعالى : ﴿ وَإِن كَانَتْ واحدة فَلَهَا النصف ﴾ كان فرض البنتين إذا انفردتا فوق فرض الواحدة، وأوجب القياس على الأختين الاقتصار للبنتين على الثلثين.
وقيل :إن ﴿ فوق ﴾ زائدة، والمعنى :وإن كنّ نساء اثنتين، كقوله تعالى : ﴿ فاضربوا فَوْقَ الأعناق ﴾ [ الأنفال :١٢ ] أي :الأعناق، ورد هذا النحاس، وابن عطية، فقالا :هو خطأ ؛ لأن الظروف وجميع الأسماء لا تجوز في كلام العرب أن تزاد لغير معنى. قال ابن عطية :ولأن قوله : ﴿ فَوْقَ الأعناق ﴾ هو الفصيح، وليست ﴿ فوق ﴾ زائدة، بل هي محكمة المعنى ؛ لأن ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ، كما قال دريد بن الصمة :اخفض عن الدماغ، وارفع عن العظم، فهكذا كنت أضرب أعناق الأبطال. انتهى. وأيضاً لو كان لفظ ﴿ فوق ﴾ زائداً، كما قالوا لقال، فلهما ثلثا ما ترك. ولم يقل، فلهن ثلثا ما ترك، وأوضح ما يحتج به للجمهور ما أخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي في سننه، عن جابر قال :جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت :يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحد شهيداً، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالاً، ولا ينكحان إلا ولهما مال، فقال :" يقضي الله في ذلك "، فنزلت آية الميراث : ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم ﴾ الآية، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما، فقال :" أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي، فهو لك " أخرجوه من طرق عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر. قال الترمذي :ولا يعرف إلا من حديثه.
قوله : ﴿ وَإِن كَانَتْ واحدة فَلَهَا النصف ﴾ قرأ نافع، وأهل المدينة : «واحدةٌ » بالرفع على أن كان تامة بمعنى :فإن وجدت واحدة، أو حدثت واحدة. وقرأ الباقون بالنصب، قال النحاس :وهذه قراءة حسنة، أي :وإن كانت المتروكة، أو المولودة واحدة.
قوله : ﴿ وَلأِبَوَيْهِ لِكُلّ واحد منْهُمَا السدس ﴾ أي :لأبوي الميت، وهو :كناية عن غير مذكور، وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه و ﴿ لِكُلّ واحد منْهُمَا السدس ﴾ بدل من قوله : ﴿ وَلأبَوَيْهِ ﴾ بتكرير العامل للتأكيد، والتفصيل. وقرأ الحسن، ونعيم بن ميسرة : «السدس » بسكون الدال، وكذلك قرأ " الثلث "، والربع إلى العشر بالسكون، وهي لغة بني تميم، وربيعة، وقرأ الجمهور بالتحريك ضماً، وهي لغة أهل الحجاز، وبني أسد في جميعها. والمراد بالأبوين :الأب والأم، والتثنية على لفظ الأب للتغليب.
وقد اختلف العلماء في الجد، هل هو بمنزلة الأب، فتسقط به الأخوة أم لا ؟ فذهب أبو بكر الصديق إلى أنه بمنزلة الأب، ولم يخالفه أحد من الصحابة أيام خلافته، واختلفوا في ذلك بعد وفاته، فقال بقول أبي بكر ابن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعائشة، ومعاذ بن جبل، وأبيّ بن كعب، وأبو الدرداء، وأبو هريرة، وعطاء، وطاوس، والحسن، وقتادة، وأبو حنيفة، وأبو ثور، وإسحاق، واحتجوا بمثل قوله تعالى : ﴿ ملَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم ﴾ [ الحج :٧٨ ] وقوله : ﴿ يا بني آدم ﴾ [ الأعراف ؛ ٢٦، ٢٧، ٣١، ٣٥ ]، وقوله صلى الله عليه وسلم :" ارموا يا بني إسماعيل " وذهب علي ابن أبي طالب وزيد بن ثابت، وابن مسعود إلى توريث الجدّ مع الإخوة لأبوين أو لأب، ولا ينقص معهم من الثلث، ولا ينقص مع ذوي الفروض من السدس في قول زيد، ومالك، والأوزاعي، وأبي يوسف، ومحمد، والشافعي. وقيل :يشرك بين الجد، والإخوة إلى السدس، ولا ينقصه من السدس شيئاً مع ذوي الفروض وغيرهم، وهو :قول ابن أبي ليلى، وطائفة. وذهب الجمهور إلى أن الجد يسقط بني الإخوة، وروى الشعبي عن علي أنه أجرى بني الإخوة في المقاسمة مجرى الإخوة. وأجمع العلماء على أن الجد لا يرث مع الأب شيئاً، وأجمع العلماء على أن للجدة السدس إذا لم يكن للميت أم، وأجمعوا على أنها ساقطة مع وجود الأم، وأجمعوا على أن الأب لا يسقط الجدّة أم الأمّ.
واختلفوا في توريث الجدة، وابنها حيّ، فروي عن زيد بن ثابت، وعثمان، وعلي أنها لا ترث، وابنها حيّ، وبه قال مالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وروي عن عمر وابن مسعود، وأبي موسى :أنها ترث معه. وروي أيضاً، عن عليّ، وعثمان، وبه قال شريح، وجابر بن زيد، وعبيد الله بن الحسن، وشريك، وأحمد، وإسحاق وابن المنذر.
قوله : ﴿ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ الولد يقع على الذكر والأنثى، لكنه إذا كان الموجود الذكر من الأولاد، وحده أو مع الأنثى منهم، فليس للجد إلا السدس، وإن كان الموجود أنثى كان للجد السدس بالفرض، وهو عصبة فيما عدا السدس، وأولاد ابن الميت كأولاد الميت.
قوله : ﴿ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لهُ وَلَدٌ ﴾ أي :ولا ولد ابن لما تقدّم من الإجماع ﴿ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ ﴾ منفردين، عن سائر الورثة، كما ذهب إليه الجمهور من أن الأم لا تأخذ ثلث التركة إلا إذا لم يكن للميت وارث غير الأبوين، أما لو كان معهما أحد الزوجين، فليس للأم إلا ثلث الباقي بعد الموجود من الزوجين. وروي عن ابن عباس أن للأم ثلث الأصل مع أحد الزوجين، وهو يستلزم تفضيل الأمّ على الأب في مسألة زوج وأبوين مع الاتفاق على أن أفضل منها عند انفرادهما عن أحد الزوجين.
قوله : ﴿ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِهِ السدس ﴾ إطلاق الإخوة يدل على أنه لا فرق بين الإخوة لأبوين أو لأحدهما.
وقد أجمع أهل العلم على أن الإثنين من الإخوة يقومون مقام الثلاثة فصاعداً في حجب الأم إلى السدس، إلا ما يروى عن ابن عباس أنه جعل الاثنين كالواحد في عدم الحجب. وأجمعوا أيضاً على أن الأختين فصاعداً، كالأخوين في حجب الأم. قوله : ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ قرأ ابن كثير، وابن عامر، وعاصم : «يوصى » بفتح الصاد. وقرأ الباقون بكسرها، واختار الكسر أبو عبيد، وأبو حاتم ؛ لأنه جرى ذكر الميت قبل هذا. قال الأخفش :وتصديق ذلك قوله : ﴿ يُوصِينَ ﴾ و﴿ توصون ﴾.
واختلف في وجه تقديم الوصية على الدين مع كونه مقدماً عليها بالإجماع، فقيل :المقصود تقديم الأمرين على الميراث من غير قصد إلى الترتيب بينهما، وقيل :لما كانت الوصية أقل لزوماً من الدين قدّمت اهتماماً بها وقيل :قدّمت لكثرة وقوعها، فصارت كالأمر اللازم لكل ميت وقيل :قدمت لكونها حظ المساكين والفقراء، وأخر الدين لكونه حظ غريم يطلبه بقوة وسلطان وقيل :لما كانت الوصية ناشئة من جهة الميت قدمت، بخلاف الدين، فإنه ثابت مؤدي ذكر أو لم يذكر وقيل :قدّمت لكونها تشبه الميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، فربما يشق على الورثة إخراجها، بخلاف الدين، فإن نفوسهم مطمئنة بأدائه، وهذه الوصية مقيدة بقوله تعالى : ﴿ غَيْرَ مُضَارّ ﴾ كما سيأتي إن شاء الله.
قوله : ﴿ آباؤكم وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ قيل :خبر قوله : ﴿ آباؤكم وأبناؤكم ﴾ مقدر أي :هم المقسوم عليهم، وقيل :إن الخبر قوله : ﴿ لاَ تَدْرُونَ ﴾ وما بعده ﴿ وَأَقْرَبَ ﴾ خبر قوله : ﴿ أَيُّهُم ﴾ و ﴿ نَفْعاً ﴾ تمييز، أي :لا تدرون أيهم قريب لكم نفعه في الدعاء لكم، والصدقة عنكم، كما في الحديث الصحيح :" أو ولد صالح يدعو له " وقال ابن عباس، والحسن :قد يكون الابن أفضل، فيشفع في أبيه. وقال بعض المفسرين :إن الاب
قوله : ﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم إِنْ لمْ يَكُنْ لهُنَّ وَلَدٌ ﴾ الخطاب هنا للرجال. والمراد بالولد ولد الصلب، أو ولد الولد لما قدمنا من الإجماع ﴿ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الربع مِمَّا تَرَكْنَ ﴾، وهذا مجمع عليه لم يختلف أهل العلم في أن للزوج مع عدم الولد النصف، ومع وجوده، وإن سفل الربع. وقوله : ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ ﴾ الخ الكلام فيه، كما تقدم. قوله : ﴿ وَلَهُنَّ الربع مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لمْ يَكُنْ لكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثمن مِمَّا تَرَكْتُم ﴾ هذا النصيب مع الولد، والنصيب مع عدمه تنفرد به الواحدة من الزوجات، ويشترك فيه الأكثر من واحدة لا خلاف في ذلك، والكلام في الوصية، والدين، كما تقدّم. قوله : ﴿ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كلالة ﴾ المراد بالرجل الميت، و ﴿ يُورَثُ ﴾ على البناء للمفعول من ورث لا من أورث، وهو خبر كان و ﴿ كلالة ﴾ حال من ضمير ﴿ يُورَثُ ﴾ أي :يورث حال كونه ذا كلالة، أو على أن الخبر كلالة، ويورث صفة لرجل، أي :إن كان رجل يورث ذا كلالة ليس له ولد، ولا والد، وقرئ ﴿ يُورَثُ ﴾ مخففاً، ومشدداً، فيكون كلالة مفعولاً، أو حالاً، والمفعول محذوف، أي :يورث، وأريد حال كونه ذا كلالة، أو يكون مفعولاً له، أي :لأجل الكلالة. والكلالة مصدر من تكلله النسب، أي :أحاط به، وبه سمي الإكليل لإحاطته بالرأس. وهو الميت الذي لا ولد له، ولا والد، هذا قول أبي بكر الصديق، وعمر، وعليّ، وجمهور أهل العلم، وبه قال صاحب كتاب العين وأبي منصور اللغوي، وابن عرفة، والقتيبي، وأبو عبيد، وابن الأنباري. وقد قيل :إنه إجماع. قال ابن كثير :وبه يقول أهل المدينة، والكوفة، والبصرة، وهو قول الفقهاء السبعة، والأئمة الأربعة، وجمهور الخلف، والسلف بل جميعهم. وقد حكى الإجماع غير واحد، وورد فيه حديث مرفوع انتهى. وروى أبو حاتم، والأثرم، عن أبي عبيدة أنه قال :الكلالة كل من لم يرثه أب، أو ابن، أو أخ، فهو عند العرب كلالة.
قال أبو عمر بن عبد البر :ذكر أبي عبيدة الأخ هنا مع الأب، والابن في شرط الكلالة غلط لا وجه له، ولم يذكره في شرط الكلالة غيره، وما يروى عن أبي بكر، وعمر من أن الكلالة من لا ولد له خاصة، فقد رجعا عنه. وقال ابن زيد :الكلالة :الحيّ، والميت جميعاً، وإنما سموا القرابة كلالة ؛ لأنهم أطافوا بالميت من جوانبه، وليسوا منه، ولا هو منهم، بخلاف الابن، والأب، فإنهما طرفان له، فإذا ذهبا تكلله النسب. وقيل :إن الكلالة مأخوذة من الكلال، وهو الإعياء، فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بعد، وإعياء. وقال ابن الأعرابي :إن الكلالة بنو العم الأباعد. وبالجملة فمن قرأ : ﴿ يُورَثُ كلالة ﴾ بكسر الراء مشددة، وهو بعض الكوفيين، أو مخففة، وهو الحسن، وأيوب جعل الكلالة القرابة. ومن قرأ : ﴿ يُورَثُ ﴾ بفتح الراء، وهم الجمهور احتمل أن يكون الكلالة الميت، واحتمل أن يكون القرابة. وقد روي عن علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، والشعبي أن الكلالة ما كان سوى الولد، والوالد من الورثة. قال الطبري :الصواب أن الكلالة هم الذين يرثون الميت من عدا ولده، ووالده، لصحة خبر جابر فقلت :يا رسول الله إنما يرثني كلالة، أفأوصي بمالي كله ؟ قال : «لا » انتهى. وروي عن عطاء أنه قال :الكلالة المال. قال ابن العربي وهذا قول ضعيف لا وجه له. وقال صاحب الكشاف :إن الكلالة تنطلق على ثلاثة :على من لم يخلف ولداً، ولا والداً، وعلى من ليس بولد، ولا والد من المخلفين، وعلى القرابة من غير جهة الولد والوالد. انتهى.
قوله : ﴿ أَو امرأة ﴾ معطوف على رجل مقيد بما قيد به، أي :أو امرأة تورث كلالة. قوله : ﴿ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ﴾ قرأ سعد بن أبي وقاص من أمّ. وسيأتي ذكر من أخرج ذلك عنه. قال القرطبي :أجمع العلماء أن الإخوة ها هنا هم الإخوة لأم قال :ولا خلاف بين أهل العلم أن الإخوة للأب، والأم، أو للأب ليس ميراثهم هكذا، فدل إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في قوله تعالى : ﴿ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأنثيين ﴾ [ النساء :١٧٦ ] هم الإخوة لأبوين، أو لأب، وأفرد الضمير في قوله : ﴿ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ﴾ لأن المراد كل واحد منهما، كما جرت بذلك عادة العرب، إذا ذكروا اسمين مستويين في الحكم، فإنهم قد يذكرون الضمير الراجع إليهما مفرداً، كما في قوله تعالى : ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ ﴾ [ البقرة :٤٥ ] وقوله : ﴿ يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله ﴾ [ التوبة :٣٤ ]. وقد يذكرونه مثنى، كما في قوله : ﴿ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا ﴾ [ النساء :١٣٥ ]. وقد قدمنا في هذا كلاماً أطول من المذكور هنا.
قوله : ﴿ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذلك فَهُمْ شُرَكَاء فِى الثلث ﴾ الإشارة بقوله : «من ذلك » إلى قوله : ﴿ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ﴾ أي :أكثر من الأخ المنفرد، أو الأخت المنفردة بواحد، وذلك بأن يكون الموجود اثنين فصاعداً، ذكرين أو أنثيين، أو ذكراً، وأنثى. وقد استدل بذلك على أن الذكر، كالأنثى من الإخوة لأم ؛ لأن الله شرّك بينهم في الثلث، ولم يذكر فضل الذكر على الأنثى، كما ذكره في البنين، والإخوة لأبوين، أو لأب. قال القرطبي :وهذا إجماع. ودلت الآية على أن الإخوة لأم إذا استكملت بهم المسألة كانوا أقدم من الإخوة لأبوين، أو لأب، وذلك في المسألة المسماة بالحمارية، وهي إذا تركت الميتة زوجاً وأماً وأخوين لأمّ، وإخوة لأبوين، فإن للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوين لأم الثلث، ولا شيء للإخوة لأبوين. ووجه ذلك أنه قد وجد الشرط الذي يرث عنده الإخوة من الأم، وهو كون الميت كلالة، ويؤيد هذا حديث :" ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي، فلأولي رجل ذكر " وهو في الصحيحين، وغيرهما، وقد قررنا دلالة الآية، والحديث على ذلك في الرسالة التي سميناها : «المباحث الدرية في المسألة الحمارية ». وفي هذه المسألة خلاف بين الصحابة، فمن بعدهم معروف.
قوله : ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ الكلام فيه، كما تقدم. قوله : ﴿ غَيْرَ مُضَارّ ﴾ أي :يوصي حال كونه غير مضار لورثته بوجه من وجوه الضرار، كأن يقرّ بشيء ليس عليه، أو يوصي بوصية لا مقصد له فيها إلا الإضرار بالورثة. أو يوصي لوارث مطلقاً، أو لغيره بزيادة على الثلث، ولم تجزه الورثة، وهذا القيد أعني قوله : ﴿ غَيْرَ مُضَارّ ﴾ راجع إلى الوصية، والدين المذكورين، فهو قيد لهما، فما صدر من الإقرارات بالديون، أو الوصايا المنهي عنها له، أو التي لا مقصد لصاحبها إلا المضارة لورثته، فهو باطل مردود لا ينفذ منه شيء، لا الثلث، ولا دونه. قال القرطبي :وأجمع العلماء على أن الوصية للوارث لا تجوز. انتهى. وهذا القيد أعني عدم الضرار هو قيد لجميع ما تقدّم من الوصية والدين. قال أبو السعود في تفسيره :وتخصيص القيد بهذا المقام لما أن الورثة مظنة لتفريط الميت في حقهم.
قوله : ﴿ وَصِيَّةً منَ الله ﴾ نصب على المصدر، أي :يوصيكم بذلك وصية من الله كقوله : ﴿ فَرِيضَةً منَ الله ﴾ قال ابن عطية :يصح أن يعمل فيها مضار. والمعنى :أن يقع الضرر بها، أو بسببها، فأوقع عليها تجوزاً، فتكون ﴿ وصية ﴾ على هذا مفعولاً بها ؛ لأن الاسم الفاعل قد اعتمد على ذي الحال، أو لكونه منفياً معنى، وقرأ الحسن :" وَصِيَّةً منَ الله " بالجرّ على إضافة اسم الفاعل إليها، كقوله يا سارق الليلة أهل الدار. وفي كون هذه الوصية من الله سبحانه دليل على أنه قد وصى عباده بهذه التفاصيل المذكورة الفرائض، وأن كل وصية من عباده تخالفها، فهي مسبوقة بوصية الله، وذلك كالوصايا المتضمنة لتفضيل بعض الورثة على بعض، أو المشتملة على الضرار بوجه من الوجوه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن جابر قال :عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت :ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله ؟ فنزلت. وقد قدّمنا أن سبب النزول سؤال امرأة سعد بن الربيع. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي قال :كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري، ولا الضعفاء من الغلمان، لا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر، وترك امرأة يقال لها :أم كحة، وترك خمس جوار، فأخذ الورثة ماله، فشكت ذلك أمّ كحة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية : ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين ﴾ ثم قال في أمّ كحة : ﴿ وَلَهُنَّ الربع مِمَّا تَرَكْتُمْ ﴾.
وأخرج سعيد بن منصور، والحاكم، والبيهقي، عن ابن مسعود قال :كان عمر بن الخطاب إذا سلك بنا طريقاً، فاتبعناه، وجدناه سهلاً، وأنه سئل عن امرأة، وأبوين، فقال :للمرأة الربع، وللأم ثلث ما بقي، وما بقي فللأب. وأخرج عبد الرزاق، والبيهقي، عن زيد بن ثابت نحوه. وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس أنه دخل على عثمان، فقال :إن الأخوين لا يردان الأمّ عن الثلث قال الله : ﴿ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ ﴾ والأخوان ليس بلسان قومك إخوة، فقال عثمان :لا أستطيع أن أرد ما كان قبلي، ومضى في الأمصار، وتوارث به الناس. وأخرج الحاكم والبيهقي في سننه، عن زيد بن ثابت ؛ أنه قال :إن العرب تسمي الأخوين إخوة.
وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن الجارود، والدارقطني، والبيهقي في سننه عن علي قال :إنكم تقرؤون هذه الآية : ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية، وأن أعيان بني الأمّ يتوارثون دون بني العلات. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ آبائكم وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ يقول :أطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة عند الله يوم القيامة ؛ لأن الله سبحانه شفع المؤمنين بعضهم في بعض.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله : ﴿ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ قال :في الدنيا.
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والدارمي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يقرأ :«وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمَّ }. وأخرج البيهقي، عن الشعبي قال :ما ورث أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الإخوة لأم مع الجدّ شيئاً قط، وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن شهاب قال :قضى عمر أن ميراث الأخوة لأمّ بينهم للذكر مثل الأنثى، قال :ولا أرى عمر قضي بذلك حتى علمه من رسول الله، ولهذه الآية التي قال الله : ﴿ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذلك فَهُمْ شُرَكَاء فِى الثلث ﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وعبد ابن حميد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس قال :الإضرار في الوصية من الكبائر، ثم قرأ : ﴿ غَيْرَ مُضَارّ ﴾. وقد رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي عنه مرفوعاً. وفي إسناده عمر بن المغيرة أبو حفص المصيصي. قال أبو القاسم بن عساكر :ويعرف بمفتي المساكين، وروى عنه غير واحد من الأئمة، قال فيه أبو حاتم الرازي :هو شيخ. وقال :وعليّ بن المديني :هو مجهول لا أعرفه. قال ابن جرير :والصحيح الموقوف. انتهى. ورجال إسناد هذا الموقوف رجال الصحيح، فإن النسائي رواه في سننه، عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة عنه.
وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، واللفظ له، والبيهقي عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فيختم له بشرّ عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشرّ سبعين سنة، فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنة» ثم يقول أبو هريرة :اقرؤوا إن شئتم : ﴿ تِلْكَ حُدُودُ الله ﴾ إلى قوله : ﴿ عَذَابٌ مهِينٌ ﴾. وفي إسناده شهر بن حوشب، وفيه مقال معروف. وأخرج ابن ماجه، عن أنس قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قطع ميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة يوم القيامة» وأخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة مرفوعاً. وأخرجه ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، عن سليمان بن موسى قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه.
وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص :أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه يعوده في مرضه، فقال :إن لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلا ابنة لي أفأتصدق بالثلثين ؟ فقال «لا»، قال فالشطر ؟ قال «لا»، قال فالثلث ؟ قال «الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر، ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» وأخرج ابن أبي شيبة، عن معاذ بن جبل قال :إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة في حسناتكم :يعني :الوصية. وفي الصحيحين، عن ابن عباس قال :وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «الثلث كثير» وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عمر قال :ذكر عند عمر الثلث في الوصية، فقال :الثلث وسط لا بخس ولا شطط. وأخرج ابن أبي شيبة، عن علي قال :لأن أوصي بالخمس أحبّ إليّ من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحبّ إليّ من أن أوصي بالثلث، ومن أوصى بالثلث لم يترك.
( فائدة ) ورد في الترغيب في تعلم الفرائض وتعليمها ما أخرجه الحاكم، والبيهقي في سننه، عن ابن مسعود قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «تعلموا الفرائض، وعلموه الناس، فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض، وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يقضي بها» وأخرجاه عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «تعلموا الفرائض، وعلموه، فإنه نصف العلم، وإنه ينسى، وهو أوّل ما ينزع من أمتي» وقد روي عن عمر، وابن مسعود، وأنس آثار في الترغيب في الفرائض، وكذلك روي عن جماعة من التابعين، ومن بعدهم.

والإشارة بقوله : ﴿ تِلْكَ ﴾ إلى الأحكام المتقدمة، وسماها حدوداً لكونها لا تجوز مجاوزتها، ولا يحلّ تعديها ﴿ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ في قسمة المواريث، وغيرها من الأحكام الشرعية، كما يفيده عموم اللفظ : ﴿ ندخله جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ وهكذا قوله : ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ ﴾
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن جابر قال :عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت :ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله ؟ فنزلت. وقد قدّمنا أن سبب النزول سؤال امرأة سعد بن الربيع. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي قال :كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري، ولا الضعفاء من الغلمان، لا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر، وترك امرأة يقال لها :أم كحة، وترك خمس جوار، فأخذ الورثة ماله، فشكت ذلك أمّ كحة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية : ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين ﴾ ثم قال في أمّ كحة : ﴿ وَلَهُنَّ الربع مِمَّا تَرَكْتُمْ ﴾.
وأخرج سعيد بن منصور، والحاكم، والبيهقي، عن ابن مسعود قال :كان عمر بن الخطاب إذا سلك بنا طريقاً، فاتبعناه، وجدناه سهلاً، وأنه سئل عن امرأة، وأبوين، فقال :للمرأة الربع، وللأم ثلث ما بقي، وما بقي فللأب. وأخرج عبد الرزاق، والبيهقي، عن زيد بن ثابت نحوه. وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس أنه دخل على عثمان، فقال :إن الأخوين لا يردان الأمّ عن الثلث قال الله : ﴿ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ ﴾ والأخوان ليس بلسان قومك إخوة، فقال عثمان :لا أستطيع أن أرد ما كان قبلي، ومضى في الأمصار، وتوارث به الناس. وأخرج الحاكم والبيهقي في سننه، عن زيد بن ثابت ؛ أنه قال :إن العرب تسمي الأخوين إخوة.
وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن الجارود، والدارقطني، والبيهقي في سننه عن علي قال :إنكم تقرؤون هذه الآية : ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية، وأن أعيان بني الأمّ يتوارثون دون بني العلات. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ آبائكم وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ يقول :أطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة عند الله يوم القيامة ؛ لأن الله سبحانه شفع المؤمنين بعضهم في بعض.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله : ﴿ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ قال :في الدنيا.
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والدارمي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يقرأ :«وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمَّ }. وأخرج البيهقي، عن الشعبي قال :ما ورث أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الإخوة لأم مع الجدّ شيئاً قط، وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن شهاب قال :قضى عمر أن ميراث الأخوة لأمّ بينهم للذكر مثل الأنثى، قال :ولا أرى عمر قضي بذلك حتى علمه من رسول الله، ولهذه الآية التي قال الله : ﴿ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذلك فَهُمْ شُرَكَاء فِى الثلث ﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وعبد ابن حميد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس قال :الإضرار في الوصية من الكبائر، ثم قرأ : ﴿ غَيْرَ مُضَارّ ﴾. وقد رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي عنه مرفوعاً. وفي إسناده عمر بن المغيرة أبو حفص المصيصي. قال أبو القاسم بن عساكر :ويعرف بمفتي المساكين، وروى عنه غير واحد من الأئمة، قال فيه أبو حاتم الرازي :هو شيخ. وقال :وعليّ بن المديني :هو مجهول لا أعرفه. قال ابن جرير :والصحيح الموقوف. انتهى. ورجال إسناد هذا الموقوف رجال الصحيح، فإن النسائي رواه في سننه، عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة عنه.
وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، واللفظ له، والبيهقي عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فيختم له بشرّ عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشرّ سبعين سنة، فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنة» ثم يقول أبو هريرة :اقرؤوا إن شئتم : ﴿ تِلْكَ حُدُودُ الله ﴾ إلى قوله : ﴿ عَذَابٌ مهِينٌ ﴾. وفي إسناده شهر بن حوشب، وفيه مقال معروف. وأخرج ابن ماجه، عن أنس قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قطع ميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة يوم القيامة» وأخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة مرفوعاً. وأخرجه ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، عن سليمان بن موسى قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه.
وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص :أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه يعوده في مرضه، فقال :إن لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلا ابنة لي أفأتصدق بالثلثين ؟ فقال «لا»، قال فالشطر ؟ قال «لا»، قال فالثلث ؟ قال «الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر، ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» وأخرج ابن أبي شيبة، عن معاذ بن جبل قال :إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة في حسناتكم :يعني :الوصية. وفي الصحيحين، عن ابن عباس قال :وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «الثلث كثير» وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عمر قال :ذكر عند عمر الثلث في الوصية، فقال :الثلث وسط لا بخس ولا شطط. وأخرج ابن أبي شيبة، عن علي قال :لأن أوصي بالخمس أحبّ إليّ من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحبّ إليّ من أن أوصي بالثلث، ومن أوصى بالثلث لم يترك.
( فائدة ) ورد في الترغيب في تعلم الفرائض وتعليمها ما أخرجه الحاكم، والبيهقي في سننه، عن ابن مسعود قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «تعلموا الفرائض، وعلموه الناس، فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض، وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يقضي بها» وأخرجاه عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «تعلموا الفرائض، وعلموه، فإنه نصف العلم، وإنه ينسى، وهو أوّل ما ينزع من أمتي» وقد روي عن عمر، وابن مسعود، وأنس آثار في الترغيب في الفرائض، وكذلك روي عن جماعة من التابعين، ومن بعدهم.

﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ قرأ نافع، وابن عامر ﴿ ندخله ﴾ بالنون، وقرأ الباقون بالياء التحتية. قوله : ﴿ وَلَهُ عَذَابٌ مهِينٌ ﴾ أي :وله بعد إدخاله النار عذاب لا يعرف كنهه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن جابر قال :عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت :ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله ؟ فنزلت. وقد قدّمنا أن سبب النزول سؤال امرأة سعد بن الربيع. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي قال :كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري، ولا الضعفاء من الغلمان، لا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر، وترك امرأة يقال لها :أم كحة، وترك خمس جوار، فأخذ الورثة ماله، فشكت ذلك أمّ كحة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية : ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين ﴾ ثم قال في أمّ كحة : ﴿ وَلَهُنَّ الربع مِمَّا تَرَكْتُمْ ﴾.
وأخرج سعيد بن منصور، والحاكم، والبيهقي، عن ابن مسعود قال :كان عمر بن الخطاب إذا سلك بنا طريقاً، فاتبعناه، وجدناه سهلاً، وأنه سئل عن امرأة، وأبوين، فقال :للمرأة الربع، وللأم ثلث ما بقي، وما بقي فللأب. وأخرج عبد الرزاق، والبيهقي، عن زيد بن ثابت نحوه. وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس أنه دخل على عثمان، فقال :إن الأخوين لا يردان الأمّ عن الثلث قال الله : ﴿ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ ﴾ والأخوان ليس بلسان قومك إخوة، فقال عثمان :لا أستطيع أن أرد ما كان قبلي، ومضى في الأمصار، وتوارث به الناس. وأخرج الحاكم والبيهقي في سننه، عن زيد بن ثابت ؛ أنه قال :إن العرب تسمي الأخوين إخوة.
وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن الجارود، والدارقطني، والبيهقي في سننه عن علي قال :إنكم تقرؤون هذه الآية : ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية، وأن أعيان بني الأمّ يتوارثون دون بني العلات. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ آبائكم وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ يقول :أطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة عند الله يوم القيامة ؛ لأن الله سبحانه شفع المؤمنين بعضهم في بعض.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله : ﴿ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ قال :في الدنيا.
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والدارمي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يقرأ :«وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمَّ }. وأخرج البيهقي، عن الشعبي قال :ما ورث أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الإخوة لأم مع الجدّ شيئاً قط، وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن شهاب قال :قضى عمر أن ميراث الأخوة لأمّ بينهم للذكر مثل الأنثى، قال :ولا أرى عمر قضي بذلك حتى علمه من رسول الله، ولهذه الآية التي قال الله : ﴿ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذلك فَهُمْ شُرَكَاء فِى الثلث ﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وعبد ابن حميد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس قال :الإضرار في الوصية من الكبائر، ثم قرأ : ﴿ غَيْرَ مُضَارّ ﴾. وقد رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي عنه مرفوعاً. وفي إسناده عمر بن المغيرة أبو حفص المصيصي. قال أبو القاسم بن عساكر :ويعرف بمفتي المساكين، وروى عنه غير واحد من الأئمة، قال فيه أبو حاتم الرازي :هو شيخ. وقال :وعليّ بن المديني :هو مجهول لا أعرفه. قال ابن جرير :والصحيح الموقوف. انتهى. ورجال إسناد هذا الموقوف رجال الصحيح، فإن النسائي رواه في سننه، عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة عنه.
وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، واللفظ له، والبيهقي عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فيختم له بشرّ عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشرّ سبعين سنة، فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنة» ثم يقول أبو هريرة :اقرؤوا إن شئتم : ﴿ تِلْكَ حُدُودُ الله ﴾ إلى قوله : ﴿ عَذَابٌ مهِينٌ ﴾. وفي إسناده شهر بن حوشب، وفيه مقال معروف. وأخرج ابن ماجه، عن أنس قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قطع ميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة يوم القيامة» وأخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة مرفوعاً. وأخرجه ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، عن سليمان بن موسى قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه.
وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص :أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه يعوده في مرضه، فقال :إن لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلا ابنة لي أفأتصدق بالثلثين ؟ فقال «لا»، قال فالشطر ؟ قال «لا»، قال فالثلث ؟ قال «الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر، ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» وأخرج ابن أبي شيبة، عن معاذ بن جبل قال :إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة في حسناتكم :يعني :الوصية. وفي الصحيحين، عن ابن عباس قال :وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «الثلث كثير» وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عمر قال :ذكر عند عمر الثلث في الوصية، فقال :الثلث وسط لا بخس ولا شطط. وأخرج ابن أبي شيبة، عن علي قال :لأن أوصي بالخمس أحبّ إليّ من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحبّ إليّ من أن أوصي بالثلث، ومن أوصى بالثلث لم يترك.
( فائدة ) ورد في الترغيب في تعلم الفرائض وتعليمها ما أخرجه الحاكم، والبيهقي في سننه، عن ابن مسعود قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «تعلموا الفرائض، وعلموه الناس، فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض، وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يقضي بها» وأخرجاه عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «تعلموا الفرائض، وعلموه، فإنه نصف العلم، وإنه ينسى، وهو أوّل ما ينزع من أمتي» وقد روي عن عمر، وابن مسعود، وأنس آثار في الترغيب في الفرائض، وكذلك روي عن جماعة من التابعين، ومن بعدهم.

لما ذكر سبحانه في هذه السورة الإحسان إلى النساء، وإيصال صدقاتهنّ إليهنّ، وميراثهنّ مع الرجال، ذكر التغليظ عليهنّ فيما يأتين به من الفاحشة لئلا يتوهمن أنه يسوغ لهنّ ترك التعفف ﴿ واللاتى ﴾ جمع التي بحسب المعنى دون اللفظ، وفيه لغات :اللاتي بإثبات التاء، والياء، واللات بحذف الياء، وإبقاء الكسرة لتدل عليها، واللائي بالهمزة والياء، واللاء بكسر الهمزة، وحذف الياء، ويقال في جمع الجمع اللواتي، واللوائي، واللوات، واللواء. والفاحشة :الفعلة القبيحة، وهي مصدر كالعافية، والعاقبة، وقرأ ابن مسعود : «بالفاحشة ». والمراد بها هنا :الزنا خاصة، وإتيانها فعلها، ومباشرتها. والمراد بقوله : ﴿ من نسَائِكُمُ ﴾ المسلمات، وكذا ﴿ منكُمْ ﴾ المراد به المسلمون. قوله : ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى البيوت ﴾ كان هذا في أول الإسلام، ثم نسخ بقوله تعالى : ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا ﴾ [ النور :٢ ] وذهب بعض أهل العلم إلى أن الحبس المذكور، وكذلك الأذى باقيان مع الجلد، لأنه لا تعارض بينها بل الجمع ممكن. قوله : ﴿ أو يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ هو ما في حديث عبادة الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم : «خذوا عني قد جعل الله لهنّ سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام » الحديث.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج البزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن عباس في قوله : ﴿ واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة ﴾ قال :كانت المرأة إذا فجرت حبست في البيوت، فإن ماتت ماتت، وإن عاشت عاشت، حتى نزلت الآية في سورة النور : ﴿ الزانية والزانى فاجلدوا ﴾ [ النور :٢ ] فجعل الله لهنّ سبيلاً. فمن عمل شيئاً جلد وأرسل، وقد روى هذا عنه من وجوه، وأخرج أبو داود في سننه عنه، والبيهقي في قوله : ﴿ واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة مِن نسَائِكُمْ ﴾ إلى قوله : ﴿ سَبِيلاً ﴾ ثم جمعهما جميعاً، فقال : ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ فَآذُوهُما ﴾ ثم نسخ ذلك بآية الجلد، وقد قال بالنسخ جماعة من التابعين، أخرجه أبو داود، والبيهقي، عن مجاهد، وأخرجه عبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة. وأخرجه البيهقي في سننه، عن الحسن. وأخرجه ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير. وأخرجه ابن جرير عن السدي. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس في قوله : ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ قال :كان الرجل إذا زنا أوذي بالتعيير، وضرب بالنعال، فأنزل الله بعد هذه الآية : ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ منْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ﴾ [ النور :٢ ] فإن كانا محصنين رجما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد : ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ قال :الرجلان الفاعلان. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير : ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ يعني البكرين. وأخرج ابن جرير، عن عطاء قال :الرجل، والمرأة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله : ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ الآية قال :هذه للمؤمنين وفي قوله : ﴿ وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات ﴾ قال :هذه لأهل النفاق ﴿ وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ قال :هذه لأهل الشرك.
وأخرج ابن جرير، عن الربيع مثله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن قتادة قال :اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شيء عصى به، فهو جهالة عمداً كان أو غيره. وأخرج عبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن أبي العالية أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون :كل ذنب أصابه عبد، فهو جهالة. وأخرج ابن جرير من طريق الكلبي، عن أبي عن صالح، عن ابن عباس في قوله : ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ الآية، قال :من عمل السوء، فهو جاهل من جهالته عمل السوء ﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾ قال :في الحياة، والصحة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه قال :القريب ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، والبيهقي في الشعب، عن الضحاك قال :كل شيء قبل الموت، فهو قريب له التوبة ما بينه وبين أن يعاين ملك الموت، فإذا تاب حين ينظر إلى ملك الموت، فليس له ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال :القريب :ما لم يغرغر. وقد وردت أحاديث كثيرة في قبول توبة العبد ما لم يغرغر، ذكرها ابن كثير في تفسيره، ومنها الحديث الذي قدّمنا ذكره.

قوله : ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ اللذان تثنية الذي، وكان القياس أن يقال اللذيان كرحيان. قال سيبويه :حذفت الياء ليفرق بين الأسماء الممكنة، وبين الأسماء المبهمة. وقال أبو علي :حذفت الياء تخفيفاً. وقرأ ابن كثير : «اللذان » بتشديد النون، وهي لغة قريش، وفيه لغة أخرى، وهي : «اللذا » بحذف النون. وقرأ الباقون بتخفيف النون. قال سيبويه :المعنى، وفيما يتلى عليكم اللذان يأتيانها :أي :الفاحشة منكم ودخلت الفاء في الجواب، لأن في الكلام معنى الشرط. والمراد باللذان هنا :الزاني، والزانية تغليباً، وقيل :الآية الأولى في النساء خاصة محصنات وغير محصنات، والثانية في الرجال خاصة، وجاء بلفظ التثنية لبيان صنفي الرجال من أحصن، ومن لم يحصن، فعقوبة النساء الحبس، وعقوبة الرجال الأذى، واختار هذا النحاس، ورواه عن ابن عباس، ورواه القرطبي، عن مجاهد، وغيره، واستحسنه. وقال السدي، وقتادة، وغيرهما الآية الأولى في النساء المحصنات، ويدخل معهنّ الرجال المحصنون، والآية الثانية في الرجل والمرأة البكرين، ورجحه الطبري، وضعفه النحاس وقال :تغليب المؤنث على المذكر بعيد. وقال ابن عطية :إن معنى هذا القول تام إلا أن لفظ الآية يقلق عنه وقيل :كان الإمساك للمرأة الزانية دون الرجل، فخصت المرأة بالذكر في الإمساك، ثم جمعاً في الإيذاء، قال قتادة :كانت المرأة تحبس ويؤذيان جميعاً. واختلف المفسرون في تفسير الأذى، فقيل التوبيخ، والتعيير، وقيل :السبّ، والجفاء من دون تعيير، وقيل :النيل باللسان، والضرب بالنعال، وقد ذهب قوم إلى أن الأذى منسوخ كالحبس.
وقيل :ليس بمنسوخ كما تقدّم في الحبس. قوله : ﴿ فَإِن تَابَا ﴾ أي :من الفاحشة ﴿ وَأَصْلَحَا ﴾ العمل فيما بعد ﴿ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا ﴾ أي :اتركوهما وكفوا عنهما الأذى وهذا كان قبل نزول الحدود على ما تقدّم من الخلاف.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج البزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن عباس في قوله : ﴿ واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة ﴾ قال :كانت المرأة إذا فجرت حبست في البيوت، فإن ماتت ماتت، وإن عاشت عاشت، حتى نزلت الآية في سورة النور : ﴿ الزانية والزانى فاجلدوا ﴾ [ النور :٢ ] فجعل الله لهنّ سبيلاً. فمن عمل شيئاً جلد وأرسل، وقد روى هذا عنه من وجوه، وأخرج أبو داود في سننه عنه، والبيهقي في قوله : ﴿ واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة مِن نسَائِكُمْ ﴾ إلى قوله : ﴿ سَبِيلاً ﴾ ثم جمعهما جميعاً، فقال : ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ فَآذُوهُما ﴾ ثم نسخ ذلك بآية الجلد، وقد قال بالنسخ جماعة من التابعين، أخرجه أبو داود، والبيهقي، عن مجاهد، وأخرجه عبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة. وأخرجه البيهقي في سننه، عن الحسن. وأخرجه ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير. وأخرجه ابن جرير عن السدي. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس في قوله : ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ قال :كان الرجل إذا زنا أوذي بالتعيير، وضرب بالنعال، فأنزل الله بعد هذه الآية : ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ منْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ﴾ [ النور :٢ ] فإن كانا محصنين رجما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد : ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ قال :الرجلان الفاعلان. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير : ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ يعني البكرين. وأخرج ابن جرير، عن عطاء قال :الرجل، والمرأة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله : ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ الآية قال :هذه للمؤمنين وفي قوله : ﴿ وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات ﴾ قال :هذه لأهل النفاق ﴿ وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ قال :هذه لأهل الشرك.
وأخرج ابن جرير، عن الربيع مثله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن قتادة قال :اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شيء عصى به، فهو جهالة عمداً كان أو غيره. وأخرج عبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن أبي العالية أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون :كل ذنب أصابه عبد، فهو جهالة. وأخرج ابن جرير من طريق الكلبي، عن أبي عن صالح، عن ابن عباس في قوله : ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ الآية، قال :من عمل السوء، فهو جاهل من جهالته عمل السوء ﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾ قال :في الحياة، والصحة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه قال :القريب ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، والبيهقي في الشعب، عن الضحاك قال :كل شيء قبل الموت، فهو قريب له التوبة ما بينه وبين أن يعاين ملك الموت، فإذا تاب حين ينظر إلى ملك الموت، فليس له ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال :القريب :ما لم يغرغر. وقد وردت أحاديث كثيرة في قبول توبة العبد ما لم يغرغر، ذكرها ابن كثير في تفسيره، ومنها الحديث الذي قدّمنا ذكره.

قوله : ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ استئناف لبيان أن التوبة ليست بمقبولة على الاطلاق، كما ينبىء عنه قوله : ﴿ تَواباً رحِيماً ﴾ بل إنما تقبل من البعض دون البعض، كما بينه النظم القرآني ها هنا، فقوله : ﴿ إِنَّمَا التوبة ﴾ مبتدأ خبره قوله : ﴿ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السوء بجهالة ﴾. وقوله : ﴿ عَلَى الله ﴾ متعلق بما تعلق به الخبر من الاستقرار، أو متعلق بمحذوف وقع حالاً عند من يجوز تقديم الحال التي هي ظرف على عاملها المعنوي. وقيل :المعنى :إنما التوبة على فضل الله ورحمته بعباده. وقيل :المعنى :إنما التوبة واجبة على الله، وهذا على مذهب المعتزلة ؛ لأنهم يوجبون على الله عز وجل واجبات من جملتها قبول توبة التائبين. وقيل :على هنا بمعنى عند، وقيل :بمعنى من.
وقد اتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين لقوله تعالى : ﴿ وَتُوبُوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَ المؤمنون ﴾ [ النور :٣١ ] وذهب الجمهور إلى أنها تصح من ذنب دون ذنب خلافاً للمعتزلة، وقيل :إن قوله : ﴿ عَلَى الله ﴾ هو الخبر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج البزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن عباس في قوله : ﴿ واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة ﴾ قال :كانت المرأة إذا فجرت حبست في البيوت، فإن ماتت ماتت، وإن عاشت عاشت، حتى نزلت الآية في سورة النور : ﴿ الزانية والزانى فاجلدوا ﴾ [ النور :٢ ] فجعل الله لهنّ سبيلاً. فمن عمل شيئاً جلد وأرسل، وقد روى هذا عنه من وجوه، وأخرج أبو داود في سننه عنه، والبيهقي في قوله : ﴿ واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة مِن نسَائِكُمْ ﴾ إلى قوله : ﴿ سَبِيلاً ﴾ ثم جمعهما جميعاً، فقال : ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ فَآذُوهُما ﴾ ثم نسخ ذلك بآية الجلد، وقد قال بالنسخ جماعة من التابعين، أخرجه أبو داود، والبيهقي، عن مجاهد، وأخرجه عبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة. وأخرجه البيهقي في سننه، عن الحسن. وأخرجه ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير. وأخرجه ابن جرير عن السدي. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس في قوله : ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ قال :كان الرجل إذا زنا أوذي بالتعيير، وضرب بالنعال، فأنزل الله بعد هذه الآية : ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ منْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ﴾ [ النور :٢ ] فإن كانا محصنين رجما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد : ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ قال :الرجلان الفاعلان. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير : ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ يعني البكرين. وأخرج ابن جرير، عن عطاء قال :الرجل، والمرأة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله : ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ الآية قال :هذه للمؤمنين وفي قوله : ﴿ وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات ﴾ قال :هذه لأهل النفاق ﴿ وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ قال :هذه لأهل الشرك.
وأخرج ابن جرير، عن الربيع مثله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن قتادة قال :اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شيء عصى به، فهو جهالة عمداً كان أو غيره. وأخرج عبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن أبي العالية أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون :كل ذنب أصابه عبد، فهو جهالة. وأخرج ابن جرير من طريق الكلبي، عن أبي عن صالح، عن ابن عباس في قوله : ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ الآية، قال :من عمل السوء، فهو جاهل من جهالته عمل السوء ﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾ قال :في الحياة، والصحة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه قال :القريب ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، والبيهقي في الشعب، عن الضحاك قال :كل شيء قبل الموت، فهو قريب له التوبة ما بينه وبين أن يعاين ملك الموت، فإذا تاب حين ينظر إلى ملك الموت، فليس له ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال :القريب :ما لم يغرغر. وقد وردت أحاديث كثيرة في قبول توبة العبد ما لم يغرغر، ذكرها ابن كثير في تفسيره، ومنها الحديث الذي قدّمنا ذكره.

وقوله : ﴿ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ﴾ متعلق بما تعلق به الخبر، أو بمحذوف وقع حالاً. والسوء هنا :العمل السيىء. وقوله : ﴿ بِجَهَالَةٍ ﴾ متعلق بمحذوف وقع صفة أو حالاً، أي :يعملونها متصفين بالجهالة، أو جاهلين. وقد حكى القرطبي، عن قتادة أنه قال :أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل معصية، فهي بجهالة عمداً كانت أو جهلاً. وحكى عن الضحاك، ومجاهد أن الجهالة هنا :العمد، وقال عكرمة :أمور الدنيا كلها جهالة، ومنه قوله تعالى : ﴿ إِنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ [ محمد :٣٦ ] وقال الزجاج :معناه بجهالة اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية. وقيل معناه :أنهم لا يعلمون كنه العقوبة، ذكره ابن فورك، وضعفه ابن عطية. قوله : ﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾ معناه قبل أن يحضرهم الموت، كما يدل عليه قوله : ﴿ حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت ﴾ وبه قال أبو مجلز، والضحاك، وعكرمة، وغيرهم، والمراد قبل المعاينة للملائكة، وغلبة المرء على نفسه، و «من » في قوله : ﴿ مِن قَرِيبٍ ﴾ للتبعيض، أي :يتوبون بعض زمان قريب، وهو ما عدا وقت حضور الموت. وقيل معناه :قبل المرض، وهو ضعيف، بل باطل لما قدمنا، ولما أخرجه أحمد، والترمذي، وحسنه، وابن ماجه، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " وقيل معناه :يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار.
قوله : ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ ﴾ هو وعد منه سبحانه بأنه يتوب عليهم بعد بيانه أن التوبة لهم مقصورة عليهم.
وقوله : ﴿ وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات ﴾ تصريح بما فهم من حصر التوبة فيما سبق على من عمل السوء بجهالة، ثم تاب من قريب. قوله : ﴿ حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت ﴾ «حتى » حرف ابتداء، والجملة المذكورة بعدها غاية لما قبلها، وحضور الموت حضور علاماته، وبلوغ المريض إلى حالة السياق، ومصيره مغلوباً على نفسه مشغولاً بخروجها من بدنه، وهو وقت الغرغرة المذكورة في الحديث السابق، وهي بلوغ روحه حلقومه، قاله الهروي. وقوله : ﴿ قَالَ إِنّى تُبْتُ الآن ﴾ أي :وقت حضور الموت. قوله : ﴿ وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ معطوف على الموصول في قوله : ﴿ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات ﴾ أي :ليست التوبة لأولئك، ولا للذين يموتون، وهم كفار مع أنه لا توبة لهم رأساً، وإنما ذكروا مبالغة في بيان عدم قبول توبة من حضرهم الموت، وأن وجودها كعدمها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج البزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن عباس في قوله : ﴿ واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة ﴾ قال :كانت المرأة إذا فجرت حبست في البيوت، فإن ماتت ماتت، وإن عاشت عاشت، حتى نزلت الآية في سورة النور : ﴿ الزانية والزانى فاجلدوا ﴾ [ النور :٢ ] فجعل الله لهنّ سبيلاً. فمن عمل شيئاً جلد وأرسل، وقد روى هذا عنه من وجوه، وأخرج أبو داود في سننه عنه، والبيهقي في قوله : ﴿ واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة مِن نسَائِكُمْ ﴾ إلى قوله : ﴿ سَبِيلاً ﴾ ثم جمعهما جميعاً، فقال : ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ فَآذُوهُما ﴾ ثم نسخ ذلك بآية الجلد، وقد قال بالنسخ جماعة من التابعين، أخرجه أبو داود، والبيهقي، عن مجاهد، وأخرجه عبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة. وأخرجه البيهقي في سننه، عن الحسن. وأخرجه ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير. وأخرجه ابن جرير عن السدي. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس في قوله : ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ قال :كان الرجل إذا زنا أوذي بالتعيير، وضرب بالنعال، فأنزل الله بعد هذه الآية : ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ منْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ﴾ [ النور :٢ ] فإن كانا محصنين رجما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد : ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ قال :الرجلان الفاعلان. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير : ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ يعني البكرين. وأخرج ابن جرير، عن عطاء قال :الرجل، والمرأة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله : ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ الآية قال :هذه للمؤمنين وفي قوله : ﴿ وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات ﴾ قال :هذه لأهل النفاق ﴿ وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ قال :هذه لأهل الشرك.
وأخرج ابن جرير، عن الربيع مثله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن قتادة قال :اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شيء عصى به، فهو جهالة عمداً كان أو غيره. وأخرج عبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن أبي العالية أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون :كل ذنب أصابه عبد، فهو جهالة. وأخرج ابن جرير من طريق الكلبي، عن أبي عن صالح، عن ابن عباس في قوله : ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ الآية، قال :من عمل السوء، فهو جاهل من جهالته عمل السوء ﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾ قال :في الحياة، والصحة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه قال :القريب ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، والبيهقي في الشعب، عن الضحاك قال :كل شيء قبل الموت، فهو قريب له التوبة ما بينه وبين أن يعاين ملك الموت، فإذا تاب حين ينظر إلى ملك الموت، فليس له ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال :القريب :ما لم يغرغر. وقد وردت أحاديث كثيرة في قبول توبة العبد ما لم يغرغر، ذكرها ابن كثير في تفسيره، ومنها الحديث الذي قدّمنا ذكره.

هذا متصل بما تقدم من ذكر الزوجات، والمقصود نفي الظلم عنهنّ، والخطاب للأولياء، ومعنى الآية يتضح بمعرفة سبب نزولها، وهو ما أخرجه البخاري، وغيره، عن ابن عباس في قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النساء كَرْهاً ﴾ قال :كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت. وفي لفظ لأبي داود عنه في هذه الآية :كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتى يموت، أو تردّ إليه صداقها. وفي لفظ لابن جرير، وابن أبي حاتم عنه :فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت، فيرثها. وقد روي هذا السبب بألفاظ، فمعنى قوله : ﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النساء كَرْهاً ﴾ أي :لا يحل لكم أن تأخذوهن بطريق الإرث، فتزعمون أنكم أحق بهن من غيركم، وتحبسونهن لأنفسكم ﴿ وَلاَ ﴾ يحل لكم أن ﴿ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ عن أن يتزوجن غيركم لتأخذوا ميراثهن إذا متن، أو ليدفعن إليكم صداقهن إذا أذنتم لهن بالنكاح. قال الزهري، وأبو مجلز :كان من عاداتهم إذا مات الرجل، وله زوجة ألقى ابنه من غيرها، أو أقرب عصبته ثوبه على المرأة، فيصير أحق بها من نفسها، ومن أوليائها، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها من غيره، وأخذ صداقها، ولم يعطها شيئاً، وإن شاء عضلها لتفتدي منه بما ورثت من الميت، أو تموت، فيرثها، فنزلت الآية.
وقيل :الخطاب لأزواج النساء إذا حبسوهنّ مع سوء العشرة طمعاً في إرثهنّ، أو يفتدين ببعض مهورهنّ، واختاره ابن عطية. قال :ودليل ذلك قوله : ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ ﴾ إذا أتت بفاحشة، فليس للوليّ حبسها حتى تذهب بمالها إجماعاً من الأمة، وإنما ذلك للزوج. قال الحسن :إذا زنت البكر، فإنها تجلد مائة وتنفى، وتردّ إلى زوجها ما أخذت منه. وقال أبو قلابة :إذا زنت امرأة الرجل، فلا بأس أن يضارّها، ويشقّ عليها حتى تفتدى منه. وقال السدي :إذا فعلن ذلك، فخذوا مهورهنّ. وقال قوم :الفاحشة البذاءة باللسان، وسوء العشرة قولاً وفعلاً. وقال مالك، وجماعة من أهل العلم :للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك.
هذا كله على أن الخطاب في قوله : ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ للأزواج، وقد عرفت مما قدمنا في سبب النزول أن الخطاب في قوله : ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ لمن خوطب بقوله : ﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النساء كَرْهاً ﴾ فيكون المعنى :ولا يحلّ لكم أن تمنعوهنّ من الزواج : ﴿ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ أي :ما آتاهنّ من ترثونه : ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مبَيّنَةٍ ﴾ جاز لكم حبسهنّ عن الأزواج، ولا يخفى ما في هذا من التعسف مع عدم جواز حبس من أتت بفاحشة عن أن تتزوج، وتستعفّ من الزنا، وكما أن جعل قوله : ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ خطاباً للأولياء فيه هذا التعسف، كذلك جعل قوله : ﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النساء كَرْهاً ﴾ خطاباً للأزواج فيه تعسف ظاهر مع مخالفته لسبب نزول الآية الذي ذكرناه، والأولى أن يقال :إن الخطاب في قوله : ﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ ﴾ للمسلمين، أي :لا يحل لكم معاشر المسلمين أن ترثوا النساء كرهاً، كما كانت تفعله الجاهلية، ولا يحلّ لكم معاشر المسلمين أن تعضلوا أزواجكم، أي :تحبسوهن عندكم مع عدم رغوبكم فيهنّ، بل لقصد أن تذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ من المهر يفتدين به من الحبس، والبقاء تحتكم، وفي عقدتكم مع كراهتكم لهنّ : ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مبَيّنَةٍ ﴾ جاز لكم مخالعتهنّ ببعض ما آتيتموهنّ.
قوله : ﴿ مبَيّنَةٍ ﴾ قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص، وحمزة، والكسائي بكسر الياء. وقرأ الباقون بفتحها. وقرأ ابن عباس : «مبينَةٍ » بكسر الباء، وسكون الياء من أبان الشيء، فهو مبين. قوله : ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف ﴾ أي :بما هو معروف في هذه الشريعة، وبين أهلها من حسن المعاشرة، وهو خطاب للأزواج، أو لما هو أعم، وذلك يختلف باختلاف الأزواج في الغنى، والفقر، والرفاعة، والوضاعة : ﴿ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ ﴾ لسبب من الأسباب من غير ارتكاب فاحشة، ولا نشوز ﴿ فَعَسَى ﴾ أن يؤول الأمر إلى ما تحبونه من ذهاب الكراهة، وتبدلها بالمحبة، فيكون في ذلك خير كثير من استدامة الصحبة، وحصول الأولاد، فيكون الجزاء على هذا محذوفاً مدلولاً عليه بعلته، أي :فإن كرهتموهنّ، فاصبروا : ﴿ فعسى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال :لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وقد كان لهم ذلك في الجاهلية، فأنزل الله : ﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النساء كَرْهاً ﴾. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة قال :نزلت هذه الآية في كبيشة بنت معمر بن معن بن عاصم من الأوس كانت عند أبي قيس بن الأسلت، فتوفي عنها، فجنح عليها ابنه، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت :لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تركت، فأنكح، فنزلت هذه الآية. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، عن عبد الرحمن بن البيلماني في قوله : ﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النساء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ قال :نزلت هاتان الآيتان إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في أمر الإسلام. قال ابن المبارك : ﴿ أَن تَرِثُوا النساء كَرْهاً ﴾ في الجاهلية، ﴿ ولا تعضلوهنّ ﴾ في الإسلام. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن أبي مالك في قوله : ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ قال :لا تضر بامرأتك لتفتدي منك.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد : ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ يعني :أن ينكحن أزواجهن كالعضل في سورة البقرة. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد قال :كان العضل في قريش بمكة :ينكح الرجل المرأة الشريفة، فلعلها لا توافقه، فيفارقها على ألا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود، فيكتب ذلك عليها، ويشهد، فإذا خطبها خاطب، فإن أعطته، وأرضته أذن لها، وإلا عضلها، وقد قدمنا عن ابن عباس في بيان السبب ما عرفت.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله : ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مبَيّنَةٍ ﴾ قال :البغض، والنشوز، فإذا فعلت ذلك، فقد حل له منها الفدية. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك نحوه أيضاً. وأخرج ابن جرير، عن الحسن قال الفاحشة هنا :الزنا. وأخرج ابن جرير، عن أبي قلابة، وابن سيرين نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي، في قوله : ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف ﴾ قال :خالطوهنّ. قال ابن جرير :صحفه بعض الرواة، وإنما هو :خالقوهنّ. وأخرج ابن المنذر، عن عكرمة قال :حقها عليك الصحبة الحسنة، والكسوة، والرزق المعروف. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل : ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف ﴾ يعني :صحبتهن بالمعروف ﴿ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فعسى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً ﴾ فيطلقها، فتتزوج من بعده رجلاً، فيجعل الله له منها ولداً، ويجعل الله في تزويجها خيراً كثيراً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الخير الكثير أن يعطف عليها، فترزق ولدها، ويجعل الله في ولدها خيراً كثيراً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي نحوه. وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن نحو ما قال مقاتل.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَإِنْ أَرَدْتمُ استبدال زَوْجٍ ﴾ الآية، قال :إن كرهت امرأتك، وأعجبك غيرها، فطلقت هذه، وتزوجت تلك، فأعط هذه مهرها، وإن كان قنطاراً. وأخرج سعيد بن منصور، وأبو يعلى. قال السيوطي بسند جيد :أن عمر نهى الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فاعترضت له امرأة من قريش فقالت :أما سمعت ما أنزل الله يقول : ﴿ وآتيتم إحداهن قنطاراً ﴾ فقال :اللهم غفرا كل الناس أفقه من عمر، فركب المنبر، فقال :يا أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهنّ على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحبّ. قال أبو يعلى :وأظنه قال :فمن طابت نفسه، فليفعل. قال ابن كثير :إسناده جيد قويّ، وقد رويت هذه القصة بألفاظ مختلفة، هذا أحدها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الإفضاء هو الجماع، ولكن الله يكني. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد نحوه.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثاقا غَلِيظاً ﴾ قال :الغليظ :إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة نحوه، وقال :وقد كان ذلك يؤخذ عند عقد النكاح :آلله عليك لتمسكنّ بمعروف، أو لتسرحنّ بإحسان. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن ابن أبي مليكة أن ابن عمر :كان إذا نكح قال :أنكحتك على ما أمر الله به، إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان. وأخرج ابن أبي شيبة، عن أنس بن مالك نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، عن عكرمة، ومجاهد في قوله : ﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثاقا غَلِيظاً ﴾ قال :أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :هو قول الرجل ملكت. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال :كلمة النكاح التي تستحلّ بها فروجهن.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في سننه في قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ منَ النساء ﴾ أنها نزلت لما أراد ابن أبي قيس بن الأسلت أن يتزوج امرأة أبيه بعد موته. وأخرج ابن المنذر، عن الضحاك : ﴿ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ إلا ما كان في الجاهلية. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وأحمد، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن البراء قال :لقيت خالي، ومعه الراية قلت :أين تريد ؟ قال :بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده، فأمرني أن أضرب عنقه، وآخذ ماله.

قوله : ﴿ وآتيتم إحداهن قنطاراً ﴾ قد تقدم بيانه في آل عمران، والمراد به هنا :المال الكثير، فلا تأخذوا منه شيئاً. قيل :هي محكمة، وقيل :هي منسوخة بقوله تعالى في سورة البقرة : ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألاَّ يقيما حدود الله ﴾ [ البقرة :٢٢٩ ] والأولى أن الكل محكم، والمراد هنا :غير المختلعة لا يحل لزوجها أن يأخذ مما آتاها شيئاً. قوله : ﴿ أَتَأْخُذُونَهُ بهتانا وَإِثْماً مبِيناً ﴾ الاستفهام للإنكار والتقريع. والجملة مقررة للجملة الأولى المشتملة على النهي.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال :لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وقد كان لهم ذلك في الجاهلية، فأنزل الله : ﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النساء كَرْهاً ﴾. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة قال :نزلت هذه الآية في كبيشة بنت معمر بن معن بن عاصم من الأوس كانت عند أبي قيس بن الأسلت، فتوفي عنها، فجنح عليها ابنه، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت :لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تركت، فأنكح، فنزلت هذه الآية. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، عن عبد الرحمن بن البيلماني في قوله : ﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النساء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ قال :نزلت هاتان الآيتان إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في أمر الإسلام. قال ابن المبارك : ﴿ أَن تَرِثُوا النساء كَرْهاً ﴾ في الجاهلية، ﴿ ولا تعضلوهنّ ﴾ في الإسلام. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن أبي مالك في قوله : ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ قال :لا تضر بامرأتك لتفتدي منك.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد : ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ يعني :أن ينكحن أزواجهن كالعضل في سورة البقرة. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد قال :كان العضل في قريش بمكة :ينكح الرجل المرأة الشريفة، فلعلها لا توافقه، فيفارقها على ألا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود، فيكتب ذلك عليها، ويشهد، فإذا خطبها خاطب، فإن أعطته، وأرضته أذن لها، وإلا عضلها، وقد قدمنا عن ابن عباس في بيان السبب ما عرفت.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله : ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مبَيّنَةٍ ﴾ قال :البغض، والنشوز، فإذا فعلت ذلك، فقد حل له منها الفدية. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك نحوه أيضاً. وأخرج ابن جرير، عن الحسن قال الفاحشة هنا :الزنا. وأخرج ابن جرير، عن أبي قلابة، وابن سيرين نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي، في قوله : ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف ﴾ قال :خالطوهنّ. قال ابن جرير :صحفه بعض الرواة، وإنما هو :خالقوهنّ. وأخرج ابن المنذر، عن عكرمة قال :حقها عليك الصحبة الحسنة، والكسوة، والرزق المعروف. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل : ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف ﴾ يعني :صحبتهن بالمعروف ﴿ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فعسى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً ﴾ فيطلقها، فتتزوج من بعده رجلاً، فيجعل الله له منها ولداً، ويجعل الله في تزويجها خيراً كثيراً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الخير الكثير أن يعطف عليها، فترزق ولدها، ويجعل الله في ولدها خيراً كثيراً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي نحوه. وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن نحو ما قال مقاتل.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَإِنْ أَرَدْتمُ استبدال زَوْجٍ ﴾ الآية، قال :إن كرهت امرأتك، وأعجبك غيرها، فطلقت هذه، وتزوجت تلك، فأعط هذه مهرها، وإن كان قنطاراً. وأخرج سعيد بن منصور، وأبو يعلى. قال السيوطي بسند جيد :أن عمر نهى الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فاعترضت له امرأة من قريش فقالت :أما سمعت ما أنزل الله يقول : ﴿ وآتيتم إحداهن قنطاراً ﴾ فقال :اللهم غفرا كل الناس أفقه من عمر، فركب المنبر، فقال :يا أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهنّ على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحبّ. قال أبو يعلى :وأظنه قال :فمن طابت نفسه، فليفعل. قال ابن كثير :إسناده جيد قويّ، وقد رويت هذه القصة بألفاظ مختلفة، هذا أحدها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الإفضاء هو الجماع، ولكن الله يكني. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد نحوه.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثاقا غَلِيظاً ﴾ قال :الغليظ :إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة نحوه، وقال :وقد كان ذلك يؤخذ عند عقد النكاح :آلله عليك لتمسكنّ بمعروف، أو لتسرحنّ بإحسان. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن ابن أبي مليكة أن ابن عمر :كان إذا نكح قال :أنكحتك على ما أمر الله به، إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان. وأخرج ابن أبي شيبة، عن أنس بن مالك نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، عن عكرمة، ومجاهد في قوله : ﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثاقا غَلِيظاً ﴾ قال :أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :هو قول الرجل ملكت. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال :كلمة النكاح التي تستحلّ بها فروجهن.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في سننه في قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ منَ النساء ﴾ أنها نزلت لما أراد ابن أبي قيس بن الأسلت أن يتزوج امرأة أبيه بعد موته. وأخرج ابن المنذر، عن الضحاك : ﴿ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ إلا ما كان في الجاهلية. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وأحمد، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن البراء قال :لقيت خالي، ومعه الراية قلت :أين تريد ؟ قال :بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده، فأمرني أن أضرب عنقه، وآخذ ماله.

وقوله : ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ ﴾ إنكار بعد إنكار مشتمل على العلة التي تقتضي منع الأخذ، وهي :الإفضاء. قال الهروي :وهو إذا كانا في لحاف واحد، جامع، أو لم يجامع، وقال الفراء :الإفضاء، أن يخلو الرجل والمرأة، وإن لم يجامعها. وقال ابن عباس، ومجاهد، والسدي :الإفضاء في هذه الآية :الجماع وأصل الإفضاء في اللغة :المخالطة، يقال للشيء المختلط فضاء، ويقال القوم فوضى وفضاء، أي :مختلطون لا أمير عليهم.
قوله : ﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثاقا غَلِيظاً ﴾ معطوف على الجملة التي قبله، أي :والحال أن قد أفضى بعضكم إلى بعض، وقد أخذن منكم ميثاقاً غليظاً، وهو عقد النكاح، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : «فإنكم أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله » وقيل :هو قوله تعالى : ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان ﴾ [ البقرة :٢٢٩ ] وقيل :هو الأولاد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال :لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وقد كان لهم ذلك في الجاهلية، فأنزل الله : ﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النساء كَرْهاً ﴾. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة قال :نزلت هذه الآية في كبيشة بنت معمر بن معن بن عاصم من الأوس كانت عند أبي قيس بن الأسلت، فتوفي عنها، فجنح عليها ابنه، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت :لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تركت، فأنكح، فنزلت هذه الآية. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، عن عبد الرحمن بن البيلماني في قوله : ﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النساء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ قال :نزلت هاتان الآيتان إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في أمر الإسلام. قال ابن المبارك : ﴿ أَن تَرِثُوا النساء كَرْهاً ﴾ في الجاهلية، ﴿ ولا تعضلوهنّ ﴾ في الإسلام. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن أبي مالك في قوله : ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ قال :لا تضر بامرأتك لتفتدي منك.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد : ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ يعني :أن ينكحن أزواجهن كالعضل في سورة البقرة. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد قال :كان العضل في قريش بمكة :ينكح الرجل المرأة الشريفة، فلعلها لا توافقه، فيفارقها على ألا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود، فيكتب ذلك عليها، ويشهد، فإذا خطبها خاطب، فإن أعطته، وأرضته أذن لها، وإلا عضلها، وقد قدمنا عن ابن عباس في بيان السبب ما عرفت.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله : ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مبَيّنَةٍ ﴾ قال :البغض، والنشوز، فإذا فعلت ذلك، فقد حل له منها الفدية. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك نحوه أيضاً. وأخرج ابن جرير، عن الحسن قال الفاحشة هنا :الزنا. وأخرج ابن جرير، عن أبي قلابة، وابن سيرين نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي، في قوله : ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف ﴾ قال :خالطوهنّ. قال ابن جرير :صحفه بعض الرواة، وإنما هو :خالقوهنّ. وأخرج ابن المنذر، عن عكرمة قال :حقها عليك الصحبة الحسنة، والكسوة، والرزق المعروف. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل : ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف ﴾ يعني :صحبتهن بالمعروف ﴿ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فعسى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً ﴾ فيطلقها، فتتزوج من بعده رجلاً، فيجعل الله له منها ولداً، ويجعل الله في تزويجها خيراً كثيراً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الخير الكثير أن يعطف عليها، فترزق ولدها، ويجعل الله في ولدها خيراً كثيراً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي نحوه. وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن نحو ما قال مقاتل.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَإِنْ أَرَدْتمُ استبدال زَوْجٍ ﴾ الآية، قال :إن كرهت امرأتك، وأعجبك غيرها، فطلقت هذه، وتزوجت تلك، فأعط هذه مهرها، وإن كان قنطاراً. وأخرج سعيد بن منصور، وأبو يعلى. قال السيوطي بسند جيد :أن عمر نهى الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فاعترضت له امرأة من قريش فقالت :أما سمعت ما أنزل الله يقول : ﴿ وآتيتم إحداهن قنطاراً ﴾ فقال :اللهم غفرا كل الناس أفقه من عمر، فركب المنبر، فقال :يا أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهنّ على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحبّ. قال أبو يعلى :وأظنه قال :فمن طابت نفسه، فليفعل. قال ابن كثير :إسناده جيد قويّ، وقد رويت هذه القصة بألفاظ مختلفة، هذا أحدها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الإفضاء هو الجماع، ولكن الله يكني. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد نحوه.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثاقا غَلِيظاً ﴾ قال :الغليظ :إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة نحوه، وقال :وقد كان ذلك يؤخذ عند عقد النكاح :آلله عليك لتمسكنّ بمعروف، أو لتسرحنّ بإحسان. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن ابن أبي مليكة أن ابن عمر :كان إذا نكح قال :أنكحتك على ما أمر الله به، إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان. وأخرج ابن أبي شيبة، عن أنس بن مالك نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، عن عكرمة، ومجاهد في قوله : ﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثاقا غَلِيظاً ﴾ قال :أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :هو قول الرجل ملكت. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال :كلمة النكاح التي تستحلّ بها فروجهن.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في سننه في قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ منَ النساء ﴾ أنها نزلت لما أراد ابن أبي قيس بن الأسلت أن يتزوج امرأة أبيه بعد موته. وأخرج ابن المنذر، عن الضحاك : ﴿ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ إلا ما كان في الجاهلية. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وأحمد، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن البراء قال :لقيت خالي، ومعه الراية قلت :أين تريد ؟ قال :بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده، فأمرني أن أضرب عنقه، وآخذ ماله.

قوله : ﴿ وَلاَ تَنكِحُوا مَا نكح ءابَاؤُكُمْ منَ النساء ﴾ نهى عما كانت عليه الجاهلية من نكاح نساء آبائهم إذا ماتوا، وهو شروع في بيان من يحرم نكاحه من النساء ومن لا يحرم. ثم بين سبحانه وجه النهي عنه، فقال : ﴿ إِنَّهُ كَانَ فاحشة وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً ﴾ هذه الصفات الثلاث تدل على أنه من أشدّ المحرمات وأقبحها، وقد كانت الجاهلية تسميه نكاح المقت. قال ثعلب :سألت ابن الأعرابي، عن نكاح المقت، فقال :هو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا طلقها، أو مات عنها، ويقال لهذا الضيزم، وأصل المقت البغض، من مقته يمقته مقتاً، فهو ممقوت، ومقيت. قوله : ﴿ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ هو استثناء منقطع أي :لكن ما قد سلف فاجتنبوه ودعوه، وقيل :إلا بمعنى بعد، أي :بعد ما سلف. وقيل :المعنى :ولا ما سلف، وقيل :هو استثناء متصل من قوله : ﴿ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ ﴾ يفيد المبالغة في التحريم بإخراج الكلام مخرج التعلق بالمحال، يعني :إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف، فانكحوا، فلا يحلّ لكم غيره. قوله : ﴿ وَسَاء سَبِيلاً ﴾ هي جارية مجرى بئس في الذم، والعمل، والمخصوص بالذم محذوف، أي :ساء سبيلاً سبيل ذلك النكاح. وقيل :إنها جارية مجرى سائر الأفعال، وفيها ضمير يعود إلى ما قبلها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال :لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وقد كان لهم ذلك في الجاهلية، فأنزل الله : ﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النساء كَرْهاً ﴾. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة قال :نزلت هذه الآية في كبيشة بنت معمر بن معن بن عاصم من الأوس كانت عند أبي قيس بن الأسلت، فتوفي عنها، فجنح عليها ابنه، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت :لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تركت، فأنكح، فنزلت هذه الآية. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، عن عبد الرحمن بن البيلماني في قوله : ﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النساء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ قال :نزلت هاتان الآيتان إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في أمر الإسلام. قال ابن المبارك : ﴿ أَن تَرِثُوا النساء كَرْهاً ﴾ في الجاهلية، ﴿ ولا تعضلوهنّ ﴾ في الإسلام. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن أبي مالك في قوله : ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ قال :لا تضر بامرأتك لتفتدي منك.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد : ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ يعني :أن ينكحن أزواجهن كالعضل في سورة البقرة. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد قال :كان العضل في قريش بمكة :ينكح الرجل المرأة الشريفة، فلعلها لا توافقه، فيفارقها على ألا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود، فيكتب ذلك عليها، ويشهد، فإذا خطبها خاطب، فإن أعطته، وأرضته أذن لها، وإلا عضلها، وقد قدمنا عن ابن عباس في بيان السبب ما عرفت.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله : ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مبَيّنَةٍ ﴾ قال :البغض، والنشوز، فإذا فعلت ذلك، فقد حل له منها الفدية. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك نحوه أيضاً. وأخرج ابن جرير، عن الحسن قال الفاحشة هنا :الزنا. وأخرج ابن جرير، عن أبي قلابة، وابن سيرين نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي، في قوله : ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف ﴾ قال :خالطوهنّ. قال ابن جرير :صحفه بعض الرواة، وإنما هو :خالقوهنّ. وأخرج ابن المنذر، عن عكرمة قال :حقها عليك الصحبة الحسنة، والكسوة، والرزق المعروف. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل : ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف ﴾ يعني :صحبتهن بالمعروف ﴿ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فعسى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً ﴾ فيطلقها، فتتزوج من بعده رجلاً، فيجعل الله له منها ولداً، ويجعل الله في تزويجها خيراً كثيراً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الخير الكثير أن يعطف عليها، فترزق ولدها، ويجعل الله في ولدها خيراً كثيراً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي نحوه. وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن نحو ما قال مقاتل.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَإِنْ أَرَدْتمُ استبدال زَوْجٍ ﴾ الآية، قال :إن كرهت امرأتك، وأعجبك غيرها، فطلقت هذه، وتزوجت تلك، فأعط هذه مهرها، وإن كان قنطاراً. وأخرج سعيد بن منصور، وأبو يعلى. قال السيوطي بسند جيد :أن عمر نهى الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فاعترضت له امرأة من قريش فقالت :أما سمعت ما أنزل الله يقول : ﴿ وآتيتم إحداهن قنطاراً ﴾ فقال :اللهم غفرا كل الناس أفقه من عمر، فركب المنبر، فقال :يا أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهنّ على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحبّ. قال أبو يعلى :وأظنه قال :فمن طابت نفسه، فليفعل. قال ابن كثير :إسناده جيد قويّ، وقد رويت هذه القصة بألفاظ مختلفة، هذا أحدها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الإفضاء هو الجماع، ولكن الله يكني. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد نحوه.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثاقا غَلِيظاً ﴾ قال :الغليظ :إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة نحوه، وقال :وقد كان ذلك يؤخذ عند عقد النكاح :آلله عليك لتمسكنّ بمعروف، أو لتسرحنّ بإحسان. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن ابن أبي مليكة أن ابن عمر :كان إذا نكح قال :أنكحتك على ما أمر الله به، إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان. وأخرج ابن أبي شيبة، عن أنس بن مالك نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، عن عكرمة، ومجاهد في قوله : ﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثاقا غَلِيظاً ﴾ قال :أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :هو قول الرجل ملكت. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال :كلمة النكاح التي تستحلّ بها فروجهن.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في سننه في قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ منَ النساء ﴾ أنها نزلت لما أراد ابن أبي قيس بن الأسلت أن يتزوج امرأة أبيه بعد موته. وأخرج ابن المنذر، عن الضحاك : ﴿ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ إلا ما كان في الجاهلية. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وأحمد، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن البراء قال :لقيت خالي، ومعه الراية قلت :أين تريد ؟ قال :بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده، فأمرني أن أضرب عنقه، وآخذ ماله.

قوله : ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ أي :نكاحهنّ، وقد بين الله سبحانه في هذه الآية ما يحلّ، وما يحرم من النساء، فحرّم سبعاً من النسب، وستاً من الرضاع، والصهر، وألحقت السنة المتواترة تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، ووقع عليه الإجماع. فالسبع المحرمات من النسب الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت. والمحرمات بالصهر، والرضاع :الأمهات من الرضاعة، والأخوات من الرضاعة، وأمهات النساء، والربائب، وحلائل الأبناء، والجمع بين الأختين، فهؤلاء ست، والسابعة منكوحات الآباء، والثامنة الجمع بين المرأة وعمتها. قال الطحاوي :وكل هذا من المحكم المتفق عليه، وغير جائز نكاح واحدة منهنّ بالإجماع إلا أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهنّ أزواجهنّ، فإن جمهور السلف ذهبوا إلى أن الأم تحرم بالعقد على الابنة، ولا تحرم الابنة إلا بالدخول بالأم. وقال بعض السلف :الأم، والربيبة سواء لا تحرم منهما واحدة إلا بالدخول بالأخرى. قالوا :ومعنى قوله : ﴿ وأمهات نِسَائِكُمْ ﴾ أي :اللاتي دخلتم بهن، وزعموا أن قيد الدخول راجع إلى الأمهات، والربائب جميعاً، رواه خلاس عن عليّ بن أبي طالب. وروى عن ابن عباس، وجابر، وزيد بن ثابت، وابن الزبير، ومجاهد، قال القرطبي :ورواية خلاس عن عليّ لا تقوم بها حجة، ولا تصح روايته عند أهل الحديث، والصحيح عنه مثل قول الجماعة. وقد أجيب عن قولهم إن قيد الدخول راجع إلى الأمهات، والربائب بأن ذلك لا يجوز من جهة الإعراب، وبيانه أن الخبرين إذا اختلفا في العامل لم يكن نعتهما واحداً، فلا يجوز عند النحويين مررت بنسائك، وهويت نساء زيد الظريفات، على أن يكون الظريف نعتاً للجميع، فكذلك في الآية لا يجوز أن يكون اللاتي دخلتم بهنّ نعتاً لهما جميعاً ؛ لأن الخبرين مختلفان.
قال ابن المنذر :والصحيح قول الجمهور لدخول جميع أمهات النساء في قوله : ﴿ وأمهات نِسَائِكُمْ ﴾. ومما يدل على ما ذهب إليه الجمهور ما أخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في سننه من طريقين عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدّه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إذا نكح الرجل المرأة، فلا يحلّ له أن يتزوج أمها دخل بالإبنة أو لم يدخل، وإذا تزوج الأم، فلم يدخل بها، ثم طلقها، فإن شاء تزوج الإبنة » قال ابن كثير في تفسيره مستدلاً للجمهور :وقد روي في ذلك خبر غير أن في إسناده نظراً، فذكر هذا الحديث، ثم قال، وهذا الخبر، وإن كان في إسناده ما فيه، فإن إجماع الحجة على صحة القول به يغني عن الاستشهاد على صحته بغيره، قال في الكشاف :وقد اتفقوا على أن تحريم أمهات النساء مبهم دون تحريم الربائب على ما عليه ظاهر كلام الله تعالى انتهى. ودعوى الإجماع مدفوعة بخلاف من تقدم.
واعلم أنه يدخل في لفظ الأمهات أمهاتهنّ، وجداتهنّ، وأمّ الأب، وجدّاته، وإن علون ؛ لأن كلهن أمهات لمن ولده من ولدته، وإن سفل. ويدخل في لفظ البنات بنات الأولاد، وإن سفلن، والأخوات تصدق على الأخت لأبوين، أو لأحدهما، والعمة اسم لكل أنثى شاركت أباك، أو جدّك في أصليه، أو أحدهما. وقد تكون العمة من جهة الأم وهي أخت أب الأمّ. والخالة اسم لكل أنثى شاركت أمك في أصليها أو في أحدهما، وقد تكون الخالة من جهة الأب، وهي أخت أم أبيك، وبنت الأخ اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة بواسطة ومباشرة وإن بعدت، وكذلك بنت الأخت.
قوله ﴿ وأمهاتكم اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ ﴾ هذا مطلق مقيد بما ورد في السنة من كون الرضاع في الحولين إلا في مثل قصة إرضاع سالم مولى أبي حذيفة، وظاهر النظم القرآني أنه يثبت حكم الرضاع بما يصدق عليه مسمى الرضاع لغة وشرعاً، ولكنه قد ورد تقييده بخمس رضعات في أحاديث صحيحة، والبحث عن تقرير ذلك، وتحقيقه يطول، وقد استوفيناه في مصنفاتنا، وقررنا ما هو الحق في كثير من مباحث الرضاع. قوله : ﴿ وأخواتكم منَ الرضاعة ﴾ الأخت من الرضاع هي التي أرضعتها أمك بلبان أبيك سواء أرضعتها معك، أو مع من قبلك، أو بعدك من الإخوة والأخوات، والأخت من الأم هي التي أرضعتها أمك بلبان رجل آخر. قوله : ﴿ وأمهات نِسَائِكُمْ ﴾ قد تقدم الكلام على اعتبار الدخول، وعدمه. والمحرمات بالمصاهرة أربع :أمّ المرأة، وابنتها، وزوجة الأب، وزوجة الابن.
قوله : ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ ﴾ الربيبة بنت امرأة الرجل من غيره ؛ سميت بذلك ؛ لأنه يربيها في حجره، فهي :مربوبة فعيلة بمعنى مفعولة. قال القرطبي :واتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أمها إذا دخل بالأم، وإن لم تكن الربيبة في حجره، وشذّ بعض المتقدمين، وأهل الظاهر، فقالوا :لا تحرم الربيبة إلا أن تكون في حجر المتزوج، فلو كانت في بلد آخر، وفارق الأم، فله أن يتزوج بها ؛ وقد روي ذلك عن عليّ. قال ابن المنذر، والطحاوي :لم يثبت ذلك عن عليّ ؛ لأن راويه إبراهيم بن عبيد، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عليّ، وإبراهيم هذا لا يعرف. وقال ابن كثير في تفسيره بعد إخراج هذا عن علي :وهذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب على شرط مسلم. والحجور جمع حجر. والراجح أنهنّ في حضانة أمهاتهنّ تحت حماية أزواجهن، كما هو الغالب. وقيل المراد بالحجور :البيوت، أي :في بيوتكم، حكاه الأثرم عن أبي عبيدة. قوله : ﴿ فَإِن لمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي :في نكاح الربائب، وهو :تصريح بما دلّ عليه مفهوم ما قبله.
وقد اختلف أهل العلم في معنى الدخول الموجب لتحريم الربائب :فروي عن ابن عباس أنه قال :الدخول الجماع، وهو قول طاوس، وعمرو بن دينار، وغيرهما. وقال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والليث، والزيدية :إن الزوج إذا لمس الأمّ لشهوة حرّمت عليه ابنتها، وهو أحد قولي الشافعي. قال ابن جرير الطبري :وفي إجماع الجميع أن خلوة الرجل بامرأته لا تحرّم ابنتها عليه وهو أحد قولي الشافعي. قال ابن جرير الطبري :وفي إجماع الجميع أن خلوة الرجل بامرأته لا تحرم ابنتها عليه إذا طلقها قبل مسيسها، ومباشرتها، وقبل النظر إلى فرجها بالشهوة ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع. انتهى. وهكذا حكى الإجماع القرطبي، فقال :وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها، أو ماتت قبل أن يدخل بها حلّ له نكاح ابنتها. واختلفوا في النظر، فقال مالك :إذا نظر إلى شعرها، أو صدرها، أو شيء من محاسنها للذة حرمت عليه أمها، وابنتها. وقال الكوفيون :إذا نظر إلى فرجها للشهوة كان بمنزلة اللمس للشهوة، وكذا قال الثوري، ولم يذكر الشهوة. وقال ابن أبي ليلى :لا تحرم بالنظر حتى يلمس، وهو قول الشافعي. والذي ينبغي التعويل عليه في مثل هذا الخلاف هو :النظر في معنى الدخول شرعاً أو لغة، فإن كان خاصاً بالجماع، فلا وجه لإلحاق غيره به من لمس، أو نظر، أو غيرهما، وإن كان معناه أوسع من الجماع بحيث يصدق على ما حصل فيه نوع استمتاع كان مناط التحريم هو ذلك. وأما الربيبة في ملك اليمين، فقد روي عن عمر بن الخطاب أنه كره ذلك. وقال ابن عباس :أحلتهما آية، وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله. وقال ابن عبد البر :لا خلاف بين العلماء أنه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة، وابنتها من ملك اليمين ؛ لأن الله حرّم ذلك في النكاح قال : ﴿ وأمهات نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِى حُجُورِكُمْ من نسَائِكُمُ ﴾ وملك اليمين عندهم تبع للنكاح إلا ما روي عن عمر، وابن عباس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى، ولا من تبعهم. انتهى.
قوله : ﴿ وحلائل أَبْنَائِكُمُ ﴾ الحلائل :جمع حليلة، وهي الزوجة، سميت بذلك ؛ لأنها تحلّ مع الزوج حيث حلّ، فهي فعيلة بمعنى فاعلة. وذهب الزجاج، وقوم إلى أنها من لفظة الحلال، فهي حليلة بمعنى محللة. وقيل :لأن كل واحد منهما يحلّ إزار صاحبه. وقد أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء، وما عقد عليه الأبناء على الآباء سواء كان مع العقد وطء، أو لم يكن، لقوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ منَ النساء ﴾ وقوله : ﴿ وحلائل أَبْنَائِكُمُ ﴾.
واختلف الفقهاء في العقد إذا كان فاسداً هل يقتضي التحريم أم لا ؟ كما هو مبين في كتب الفروع. قال ابن المنذر :أجمع كل من يحفظ عنه العلم من علماء الأمصار أن الرجل إذا وطىء امرأة بنكاح فاسد أنها تحرم على أبيه، وابنه، وعلى أجداده.
وأجمع العلماء :على أن عقد الشراء على الجارية لا يحرّمها على أبيه وابنه، فإذا اشترى جارية فلمس، أو قبل حرمت على أبيه، وابنه لا أعلمهم يختلفون فيه، فوجب تحريم ذلك تسليماً لهم. ولما اختلفوا في تحريمها بالنظر دون اللمس لم يجز ذلك لاختلافهم قال :ولا يصح عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلناه.
قوله : ﴿ الذين مِنْ أصلابكم ﴾ وصف للأبناء، أي :دون من تبنيتم من أولاد غيركم، كما كانوا يفعلونه في الجاهلية، ومنه قوله تعالى ﴿ فَلَمَّا قضى زَيْدٌ منْهَا وَطَراً زوجناكها لِكَىْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً ﴾ [ الأحزاب :٣٧ ] ومنه قوله تعالى : ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ﴾ [ الأحزاب :٤ ] ومنه : ﴿ ما كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ من رجَالِكُمْ ﴾ [ الأحزاب :٤٠ ] وأما زوجة الابن من الرضاع، فقد ذهب الجمهور إلى أنها تحرم على أبيه، وقد قيل :إنه إجماع مع أن الابن من الرضاع ليس من أولاد الصلب. ووجهه ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله :" يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " ولا خلاف أن أولاد الأولاد، وإن سفلوا بمنزلة أولاد الصلب في تحريم نكاح نسائهم على آبائهم.
وقد اختلف أهل العلم في وطء الزنا هل يقتضي التحريم أم لا ؟ فقال أكثر أهل العلم :إذا أصاب رجل امرأة بزنا لم يحرم عليه نكاحها بذلك، وكذلك لا تحرم عليه امرأته إذا زنا بأمها، أو بابنتها، وحسبه أن يقام عليه الحدّ، وكذلك يجوز له عندهم أن يتزوّج بأم من زنى بها، وبابنتها. وقالت طائفة من أهل العلم :إن الزنا يقتضي التحريم. حكي ذلك عن عمران بن حصين، والشعبي، وعطاء، والحسن، وسفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وحكي ذلك عن مالك، والصحيح عنه كقول الجمهور. احتج الجمهور بقوله تعالى : ﴿ وأمهات نِسَائِكُمْ ﴾ وبقوله : ﴿ وحلائل أَبْنَائِكُمُ ﴾ والموطوءة بالزنا لا يصدق عليها أنها من نسائهم، ولا من حلائل أبنائهم.
وقد أخرج الدارقطني عن عائشة قالت :«سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل زنى بامرأة، فأراد أن يتزوّجها، أو ابنتها، فقال :" لا يحرّم الحرام الحلال " واحتج المحرّمون بما روي في قصة جريج الثابتة في الصحيح أنه قال :يا غلام من أبوك ؟ فقال :فلان الراعي، فنسب الابن نفسه إلى أبيه من الزنا، وهذا احتجاج ساقط، واحتجوا أيضاً بقوله :" لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة، وابنتها " ولم يفصل بين الحلال والحرام. ويجا
قوله : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء ﴾ عطف على المحرّمات المذكورات. وأصل التحصن التمنع، ومنه قوله تعالى : ﴿ لِتُحْصِنَكُمْ من بَأْسِكُمْ ﴾ [ الأنبياء :٨٠ ] أي :لتمنعكم، ومنه الحصان بكسر الحاء للفرس ؛ لأنه يمنع صاحبه من الهلاك. والحصان بفتح الحاء :المرأة العفيفة لمنعها نفسها، ومنه قول حسان :
حصان رزان ما تزنّ بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
والمصدر الحصانة بفتح الحاء. والمراد بالمحصنات هنا :ذوات الأزواج. وقد ورد الإحصان في القرآن لمعان، هذا أحدها. والثاني يراد به الحرّة، ومنه قوله تعالى : ﴿ وَمَن لمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات ﴾ [ النساء :٢٥ ] وقوله : ﴿ والمحصنات مِنَ المؤمنات والمحصنات مِنَ الذين أُوتُوا الكتاب مِن قَبْلِكُمْ ﴾ [ المائدة :٥ ]. والثالث يراد به :العفيفة ومنه قوله تعالى : ﴿ محصنات غَيْرَ مسافحات ﴾ [ النساء :٢٥ ]، ﴿ محْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين ﴾ [ النساء :٢٤، المائدة :٥ ]. والرابع المسلمة، ومنه قوله تعالى : ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ ﴾.
وقد اختلف أهل العلم في تفسير هذه الآية، أعني قوله : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم ﴾ فقال ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو قلابة، ومكحول، والزهري :المراد بالمحصنات هنا :المسبيات ذوات الأزواج خاصة، أي :هنّ محرّمات عليكم إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي من أرض الحرب، فإن تلك حلال، وإن كان لها زوج، وهو قول الشافعي :أي :أن السباء يقطع العصمة، وبه قال ابن وهب، وابن عبد الحكم، وروياه عن مالك، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. واختلفوا في استبرائها بماذا يكون ؟ كما هو مدوّن في كتب الفروع. وقالت طائفة :المحصنات في هذه الآية العفائف، وبه قال أبو العالية، وعبيدة السلماني، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعطاء، ورواه عبيدة، عن عمر. ومعنى الآية عندهم :كل النساء حرام إلا ما ملكت أيمانكم، أي :تملكون عصمتهنّ بالنكاح، وتملكون الرقبة بالشراء. وحكى ابن جرير الطبري أن رجلاً قال لسعيد بن جبير :أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية، فلم يقل فيها شيئاً ؟ فقال :كان ابن عباس لا يعلمها. وروى ابن جرير أيضاً عن مجاهد أنه قال :لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل انتهى. ومعنى الآية، والله أعلم واضح لا سترة به، أي :وحرّمت عليكم المحصنات من النساء، أي :المزوجات أعمّ من أن يكنّ مسلمات، أو كافرات إلا ما ملكت أيمانكم منهنّ، أما بسبي، فإنها تحلّ، ولو كانت ذات زوج، أو بشراء، فإنها تحلّ، ولو كانت مزوجة، وينفسخ النكاح الذي كان عليها بخروجها عن ملك سيدها الذي زوّجها. وسيأتي ذكر سبب نزول الآية إن شاء الله، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقد قرئ : ﴿ المحصنات ﴾ بفتح الصاد وكسرها، فالفتح على أن الأزواج أحصنوهنّ ؛ والكسر على أنهنّ أحصنّ فروجهن من غير أزواجهنّ، أو أحصنّ أزواجهنّ.
قوله : ﴿ كتاب الله عَلَيْكُمْ ﴾ منصوب على المصدرية، أي :كتب الله ذلك عليكم كتاباً. وقال الزجاج، والكوفيون :إنه منصوب على الإغراء، أي :الزموا كتاب الله، أو عليكم كتاب الله، واعترضه أبو عليّ الفارسي بأن الإغراء لا يجوز فيه تقديم المنصوب، وهذا الاعتراض إنما يتوجه على قول من قال :إنه منصوب بعليكم المذكور في الآية، وروي عن عبيدة السلماني أنه قال :إن قوله : ﴿ كتاب الله عَلَيْكُمْ ﴾ إشارة إلى قوله تعالى : ﴿ مثنى وثلاث وَرُبَاعَ ﴾ [ النساء :٣ ] وهو بعيد، بل هو إشارة إلى التحريم المذكور في قوله : ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ﴾ إلى آخر الآية.
قوله : ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية حفص، ﴿ وأحلّ ﴾ على البناء للمجهول، وقرأ الباقون على البناء للمعلوم عطفاً على الفعل المقدّر في قوله : ﴿ كتاب الله عَلَيْكُمْ ﴾ وقيل على قوله : ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ﴾ ولا يقدح في ذلك اختلاف الفعلين، وفيه دلالة على أنه يحل لهم نكاح ما سوى المذكورات، وهذا عام مخصوص بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من تحريم الجمع بين المرأة، وعمتها، وبين المرأة وخالتها. وقد أبعد من قال :إن تحريم الجمع بين المذكورات مأخوذ من الآية هذه ؛ لأنه حرّم الجمع بين الأختين، فيكون ما في معناه في حكمه، وهو الجمع بين المرأة، وعمتها، وبين المرأة، وخالتها، وكذلك تحريم نكاح الأمة لمن يستطيع نكاح حرّة، كما سيأتي، فإنه يخصص هذا العموم. قوله : ﴿ أَن تَبْتَغُوا بأموالكم ﴾ في محل نصب على العلة، أي :حرّم عليكم ما حرّم، وأحلّ لكم ما أحلّ لأجل أن تبتغوا بأموالكم النساء اللاتي أحلهنّ الله لكم، ولا تبتغوا بها الحرام، فتذهب حال كونكم : ﴿ محْصِنِينَ ﴾ أي :متعففين عن الزنا : ﴿ غَيْرَ مسافحين ﴾ أي :غير زانين. والسفاح :الزنا، وهو مأخوذ من سفح الماء، أي :صبه وسيلانه، فكأنه سبحانه أمرهم بأن يطلبوا بأمولهم النساء على وجه النكاح، لا على وجه السفاح وقيل :إن قوله : ﴿ أَن تَبْتَغُوا بأموالكم ﴾ بدل من «ما » في قوله : ﴿ ما وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ أي :وأحلّ لكم الابتغاء بأموالكم.
والأوّل أولى، وأراد سبحانه بالأموال المذكورة ما يدفعونه في مهور الحرائر وأثمان الإماء.
قوله : ﴿ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ «ما » موصولة فيها معنى الشرط، والفاء في قوله : ﴿ فَئَاتُوهُنَّ ﴾ لتضمن الموصول معنى الشرط، والعائد محذوف، أي :فآتوهنّ أجورهنّ عليه.
وقد اختلف أهل العلم في معنى الآية :فقال الحسن، ومجاهد، وغيرهما :المعنى فما انتفعتم، وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الشرعي ﴿ فآتوهن أجورهن ﴾ أي :مهورهنّ. وقال الجمهور :إن المراد بهذه الآية :نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام، ويؤيد ذلك قراءة أبيّ بن كعب، وابن عباس، وسعيد بن جبير :" فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ إلى أَجَلٍ مسَمًّى فآتوهن أجورهن } ثم نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، كما صحّ ذلك من حديث عليّ قال :نهى النبي صلى الله عليه وسلم، عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، وهو في الصحيحين وغيرهما، وفي صحيح مسلم من حديث سبرة بن معبد الجهني، عن النبي صلى الله عليه وسلم :أنه قال يوم فتح مكة " يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، والله قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهنّ شيء، فليخلّ سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئاً " وفي لفظ لمسلم أن ذلك كان في حجة الوداع، فهذا هو الناسخ. وقال سعيد بن جبير :نسختها آيات الميراث إذ المتعة لا ميراث فيها. وقالت عائشة، والقاسم بن محمد :تحريمها، ونسخها في القرآن، وذلك قوله تعالى : ﴿ والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافظون إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ [ المؤمنون :٥، ٦ ] وليست المنكوحة بالمتعة من أزواجهم، ولا مما ملكت أيمانهم، فإن من شأن الزوجة أن ترث، وتورث، وليست المستمتع بها كذلك. وقد روي عن ابن عباس أنه قال بجواز المتعة، وأنها باقية لم تنسخ. وروي عنه أنه رجع عن ذلك عند أن بلغه الناسخ. وقد قال بجوازها جماعة من الروافض، ولا اعتبار بأقوالهم. وقد أتعب نفسه بعض المتأخرين بتكثير الكلام على هذه المسألة، وتقوية ما قاله المجوّزون لها، وليس هذا المقام مقام بيان بطلان كلامه.
وقد طوّلنا البحث، ودفعنا الشبه الباطلة التي تمسك بها المجوّزون لها في شرحنا للمنتقى، فليرجع إليه. قوله : ﴿ فَرِيضَةً ﴾ منتصب على المصدرية المؤكدة، أو على الحال، أي :مفروضة. قوله : ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة ﴾ أي :من زيادة، أو نقصان في المهر، فإن ذلك سائغ عند التراضي، هذا عند من قال بأن الآية في النكاح الشرعي، وأما عند الجمهور القائلين بأنها في المتعة، فالمعنى التراضي في زيادة مدّة المتعة، أو نقصانها، أو في زيادة ما دفعه إليها إلى مقابل الاستمتاع بها، أو نقصانه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج البخاري، وغيره عن ابن عباس قال :حرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع، ثم قرأ : ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ إلى قوله : ﴿ وَبَنَاتُ الأخت ﴾ هذا من النسب. وباقي الآية من الصهر، والسابعة : ﴿ وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ منَ النساء ﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي، عن عمران بن حصين في قوله : ﴿ وأمهات نِسَائِكُمْ ﴾ قال :هي مبهمة. وأخرج هؤلاء، عن ابن عباس قال :هي مبهمة إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها، أو ماتت لم تحلّ له أمها. وأخرج هؤلاء إلا البيهقي، عن علي في الرجل يتزوج المرأة ثم يطلقها، أو ماتت قبل أن يدخل بها هل تحل له أمها ؟ قال :هي بمنزلة الربيبة. وأخرج هؤلاء عن زيد بن ثابت أنه كان يقول :إذا ماتت عنده، فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها، وإذا طلقها قبل أن يدخل بها، فلا بأس أن يتزوج أمها.
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد قال في قوله : ﴿ وأمهات نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِى حُجُورِكُمْ ﴾ اللاتي أريد بهما الدخول جميعاً. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن الزبير قال :الربيبة والأم سواء لا بأس بها إذا لم يدخل بالمرأة. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، بسند صحيح، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال :كانت عندي امرأة، فتوفيت، وقد ولدت لي فوجدت عليها، فلقيني عليّ بن أبي طالب، فقال :مالك ؟ فقلت :توفيت المرأة، فقال عليّ :لها ابنة ؟ قلت :نعم، وهي بالطائف، قال :كانت في حجرك ؟ قلت لا، قال :فانكحها، قلت :فأين قول الله : ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِى حُجُورِكُمْ ﴾ ؟ قال :إنها لم تكن في حجرك.
وقد قدّمنا قول من قال :إنه إسناد ثابت على شرط مسلم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال :الدخول الجماع.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عطاء قال :كنا نتحدث أن محمداً صلى الله عليه وسلم لما نكح امرأة زيد قال المشركون بمكة في ذلك، فأنزل الله : ﴿ وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أصلابكم ﴾ ونزلت : ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ﴾ [ الأحزاب :٤ ] ونزلت : ﴿ ما كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ من رجَالِكُمْ ﴾ [ الأحزاب :٤٠ ].
وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأختين ﴾ قال يعني في النكاح.
وأخرج عبد بن حميد عنه في الآية قال :ذلك في الحرائر، فأما المماليك، فلا بأس. وأخرج ابن المنذر عنه نحوه من طريق أخرى. وأخرج مالك، والشافعي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن عثمان بن عفان :أن رجلاً سأله عن الأختين في ملك اليمين هل يجمع بينهما ؟ قال :أحلتهما آية وحرّمتهما آية، وما كنت لأصنع ذلك، فخرج من عنده، فلقي رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أراه علي بن أبي طالب، فسأله عن ذلك، فقال :لو كان لي من الأمر شيء، ثم وجدت أحداً فعل ذلك لجعلته نكالاً.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي عن علي :أنه سئل عن رجل له أمتان أختان، وطىء إحداهما، وأراد أن يطأ الأخرى، فقال :لا حتى يخرجها من ملكه. وقيل :فإن زوجها عبده ؟ قال :لا حتى يخرجها من ملكه. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن مسعود أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين الأمتين، فكرهه، فقيل :يقول الله : ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم ﴾ فقال :وبعيرك أيضاً مما ملكت يمينك. وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي، من طريق أبي صالح، عن عليّ بن أبي طالب قال في الأختين المملوكتين :أحلتهما آية، وحرّمتهما آية، ولا آمر، ولا أنهى، ولا أحلّ، ولا أحرّم، ولا أفعل أنا، وأهل بيتي. وأخرج أحمد عن قيس قال :قلت لابن عباس :أيقع الرجل على المرأة، وابنتها مملوكتين له ؟ فقال :أحلتهما آية، وحرّمتهما آية، ولم أكن لأفعله. وأخرج عبد الرزاق، والبيهقي عنه في الأختين من ملك اليمين :أحلتهما آية، وحرّمتهما آية. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبيهقي، عن ابن عمر قال :إذا كان للرجل جاريتان أختان، فغشى إحداهما، فلا يقرب الأخرى حتى يخرج التي غشي من ملكه. وأخرج البيهقي، عن مقاتل بن سليمان قال :إنما قال الله في نساء الآباء : ﴿ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ لأن العرب كانوا ينكحون نساء الآباء، ثم حرم النسب والصهر، فلم يقل إلا ما قد سلف ؛ لأن العرب كانت لا تنكح النسب، والصهر. وقال في الأختين : ﴿ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ لأنهم كانوا يجمعون بينهما، فحرم جمعهما جميعاً إلا ما قد سلف قبل التحريم : ﴿ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رحِيماً ﴾ لما كان من جماع الأختين قبل التحريم.
وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، عن أبي سعيد الخدري :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث يوم حنين جيشاً إلى أوطاس، فلقوا عدواً، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناساً من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله في ذلك : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم ﴾ يقول :إلا ما أفاء الله عليكم.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس أن ذلك سبب نزول الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، عن سعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي عن ابن عباس في قوله : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء ﴾ قال :كل ذات زوج إتيانها زنا إلا ما سبيت. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، والطبراني، عن عليّ، وابن مسعود في قوله : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم ﴾ قال :على المشركات إذا سبين حلت له. وقال ابن مسعود :المشركات والمسلمات. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود قال :إذا بيعت الأمة، ولها زوج، فسيدها أحق ببضعها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء ﴾ قال :ذوات الأزواج. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أنس بن مالك مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن مسعود مثله.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله : ﴿ والمحصنات ﴾ قال :العفيفة العاقلة من مسلمة، أو من أهل الكتاب. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عنه في الآية قال :لا يحل له أن يتزوج فوق الأربع، فما زاد، فهو عليه حرام، كأمه وأخته. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن أبي العالية في قوله : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء ﴾ قال :يقول انكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى، وثلاث، ورباع، ثم حرّم ما حرّم من النسب، والصهر، ثم قال : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء ﴾ فرجع إلى أول السورة، فقال :هنّ حرام أيضاً، إلا لمن نكح بصداق وسنة وشهود. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، عن عبيدة قال :أحلّ الله لك أربعاً في أوّل السورة، وحرّم نكاح كل محصنة بعد الأربع إلا ما ملكت يمينك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال :قال النبي صلى الله عليه وسلم : «الإحصان إحصانان :إحصان نكاح، وإحصان عفاف» فمن قرأها والمحصنات بكسر الصاد، فهن العفائف، ومن قرأها والمحصنات بالفتح، فهنّ المتزوجات. قال ابن أبي حاتم :قال أبيّ هذا حديث منكر.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ قال :ما وراء هذا النسب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدّي قال :ما دون الأربع. وأخرج ابن جرير، عن عطاء قال :ما وراء ذات القرابة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله : ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ قال :ما ملكت أيمانكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبيدة السلماني نحوه.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ محْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين ﴾ قال غير زانين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فآتوهن أجورهن ﴾ يقول :إذا تزوج الرجل منكم المرأة، ثم نكحها مرة واحدة، فقد وجب صداقها كله، والاستمتاع هو :النكاح، وهو قوله : ﴿ وَآتُوا النساء صدقاتهن ﴾ [ النساء :٤ ].
وأخرج الطبراني، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال :كانت المتعة في أوّل الإسلام، وكانوا يقرءون هذه الآية : ﴿ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ إلى أَجَلٍ مسَمًّى ﴾ [ النساء :٢٤ ] الآية، فكان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج بقدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته ؛ ليحفظ متاعه، ويصلح شأنه. حتى نزلت هذه الآية : ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ فنسخت الأولى، فحرّمت المتعة، وتصديقها من القرآن : ﴿ إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم ﴾ [ المؤمنون :٦ ] وما سوى هذا الفرج فهو حرام.
وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن الأنباري في المصاحف، والحاكم وصححه :أن ابن عباس قرأ : ﴿ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ إلى أَجَلٍ مسَمًّى ﴾ [ النساء :٢٤ ] وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن أبيّ بن كعب أنه قرأها كذلك. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد، أن هذه الآية في نكاح المتعة، وكذلك أخرج ابن جرير، عن السدّي، والأحاديث في تحليل المتعة، ثم تحريمها، وهل كان نسخها مرة، أو مرّتين ؟ مذكورة في كتب الحديث. وقد أخرج ابن جرير في تهذيبه، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي، عن سعيد بن جبير قال :قلت لابن عباس :ماذا صنعت ؟ ذهبت الركاب بفتياك، وقالت فيها الشعراء قال :وما قالوا ؟ قلت :قالوا :
أقول للشيخ لما طال مجلسه يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس
هل لك في رحضة الأعطاف آنسة تكون مثواك حتى مصدر الناس
فقال :إنا لله وإنا إليه راجعون، لا والله ما بهذا أفتيت، ولا هذا أردت، ولا أحللتها إلا للمضطر وفي لفظ، ولا أحللت منها إلا ما أحل الله من الميتة، والدم، ولحم الخنزير. وأخرج ابن جرير، عن حضرمي أن رجالاً كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن تدرك أحدهم العسرة، فقال الله : ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة ﴾. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ ﴾ قال :الراضي أن يوفى لها صداقها، ثم يخيرها. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في الآية قال :إن وضعت لك منه شيئاً، فهو سائغ.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس : ﴿ وَمَن لمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً ﴾ يقول :من لم يكن له سعة ﴿ أَن يَنكِحَ المحصنات ﴾ يقول الحرائر : ﴿ فما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ﴾ فلينكح من إماء المؤمنين ﴿ محصنات غَيْرَ مسافحات ﴾ يعني عفائف غير زواني في سرّ.
ولا علانية ﴿ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ﴾ يعني أخلاء ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ ﴾ ثم إذا تزوجت حراً، ثم زنت ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب ﴾ قال :من الجلد ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ ﴾ هو :الزنا، فليس لأحد من ال

قوله : ﴿ وَمَن لمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات ﴾ الطول :الغنى والسعة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والسدّي، وابن زيد، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وجمهور أهل العلم. ومعنى الآية :فمن لم يستطع منكم غنى، وسعة في ماله يقدر بها على نكاح المحصنات المؤمنات، فلينكح من فتياتكم المؤمنات، يقال طال يطول طولاً في الإفضال والقدرة، وفلان ذو طول، أي :ذو قدرة في ماله. والطول بالضم :ضد القِصَر. وقال قتادة، والنخعي، وعطاء، والثوري :إن الطول الصبر. ومعنى الآية عندهم أن من كان يهوى أمة حتى صار لذلك لا يستطيع أن يتزوج غيرها، فإن له أن يتزوجها إذا لم يملك نفسه، وخاف أن يبغي بها، وإن كان يجد سعة في المال لنكاح حرة. وقال أبو حنيفة، وهو مرويّ عن مالك :إن الطول المرأة الحرّة، فمن كان تحته حرة لم يحل له أن ينكح الأمة، ومن لم يكن تحته حرة جاز له أن يتزوج أمة، ولو كان غنياً، وبه قال أبو يوسف، واختاره ابن جرير، واحتج له. والقول الأوّل هو المطابق لمعنى الآية، ولا يخلو ما عداه عن تكلف، فلا يجوز للرجل أن يتزوج بالأمة إلا إذا كان لا يقدر على أن يتزوج بالحرة لعدم وجود ما يحتاج إليه في نكاحها من مهر وغيره. وقد استدلّ بقوله : ﴿ من فتياتكم المؤمنات ﴾ على أنه لا يجوز نكاح الأمة الكتابية، وبه قال أهل الحجاز، وجوّزه أهل العراق، ودخلت الفاء في قوله : ﴿ فما مَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ لتضمن المبتدأ معنى الشرط.
وقوله : ﴿ من فتياتكم المؤمنات ﴾ في محل نصب على الحال، فقد عرفت أنه لا يجوز للرجل الحرّ أن يتزوج بالمملوكة إلا بشرط عدم القدرة على الحرّة. والشرط الثاني ما سيذكره الله سبحانه آخر الآية من قوله : ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ ﴾ فلا يحلّ للفقير أن يتزوج بالمملوكة إلا إذا كان يخشى على نفسه العنت. والمراد هنا :الأمة المملوكة للغير، وأما أمة الإنسان نفسه، فقد وقع الإجماع على أنه لا يجوز له أن يتزوجها، وهي تحت ملكه لتعارض الحقوق واختلافها. والفتيات جمع فتاة، والعرب تقول للمملوك فتى، وللمملوكة فتاة. وفي الحديث الصحيح : «لا يقولنّ أحدكم عبدي، وأمتي، ولكن ليقل فتاي، وفتاتي » قوله : ﴿ والله أَعْلَمُ بإيمانكم ﴾ فيه تسلية لمن ينكح الأمة إذا اجتمع فيه الشرطان المذكوران، أي :كلكم بنو آدم، وأكرمكم عند الله أتقاكم، فلا تستنكفوا من الزواج بالإماء عند الضرورة. فربما كان إيمان بعض الإماء أفضل من إيمان بعض الحرائر. والجملة اعتراضية. وقوله : ﴿ بَعْضُكُم من بَعْضٍ ﴾ مبتدأ وخبر، ومعناه :أنهم متصلون في الأنساب ؛ لأنهم جميعاً بنو آدم، أو متصلون في الدين ؛ لأنهم جميعاً أهل ملة واحدة، وكتابهم واحد ونبيهم واحد.
والمراد بهذا :توطئة نفوس العرب ؛ لأنهم كانوا يستهجنون أولاد الإماء، ويستصغرونهم، ويغضون منهم : ﴿ فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾ أي :بإذن المالكين لهنّ ؛ لأن منافعهنّ لهم لا يجوز لغيرهم أن ينتفع بشيء منها إلا بإذن من هي له.
قوله : ﴿ وآتوهن أجورهن بالمعروف ﴾ أي :أدّوا إليهنّ مهورهنّ بما هو بالمعروف في الشرع، وقد استدل بهذا من قال :إن الأمة أحقّ بمهرها من سيدها، وإليه ذهب مالك، وذهب الجمهور إلى أن المهر للسيد، وإنما أضافها إليهنّ ؛ لأن التأدية إليهنّ تأدية إلى سيدهن لكونهنّ ماله. قوله : ﴿ محصنات ﴾ أي :عفائف. وقرأ الكسائي «محصنات » بكسر الصاد في جميع القرآن إلا في قوله : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء ﴾ وقرأ الباقون بالفتح في جميع القرآن. قوله : ﴿ غَيْرَ مسافحات ﴾ أي :غير معلنات بالزنا. والأخدان :الأخلاء، والخدن، والخدين المخادن، أي :المصاحب، وقيل ذات الخدن :هي التي تزني سرّاً، فهو مقابل للمسافحة وهي التي تجاهر بالزنا، وقيل :المسافحة، المبذولة، وذات الخدن، التي تزني بواحد. وكانت العرب تعيب الإعلان بالزنا، ولا تعيب اتخاذ الأخدان، ثم رفع الإسلام جميع ذلك، قال الله : ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوا الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ [ الأنعام :١٥١ ]. قوله : ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ ﴾ قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي بفتح الهمزة، وقرأ الباقون بضمها. والمراد بالإحصان هنا :الإسلام. روي ذلك عن ابن مسعود، وابن عمر، وأنس، والأسود بن يزيد، وزرّ بن حبيش، وسعيد بن جبير، وعطاء، وإبراهيم النخعي، والشعبي، والسديّ، وروي عن عمر بن الخطاب، بإسناد منقطع، وهو الذي نص عليه الشافعي، وبه قال الجمهور. وقال ابن عباس، وأبو الدرداء، ومجاهد، وعكرمة، وطاوس، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، وغيرهم :إنه التزويج. وروي عن الشافعي. فعلى القول الأوّل لا حدّ على الأمة الكافرة. وعلى القول الثاني لا حدّ على الأمة التي لم تتزوج. وقال القاسم وسالم :إحصانها :إسلامها، وعفافها. وقال ابن جرير :إن معنى القراءتين مختلف، فمن قرأ ﴿ أحصنّ ﴾ بضم الهمزة، فمعناه التزويج، ومن قرأ بفتح الهمزة، فمعناه الإسلام. وقال قوم :إن الإحصان المذكور في الآية هو :التزوج، ولكن الحدّ واجب على الأمة المسلمة إذا زنت قبل أن تتزوّج بالسنة، وبه قال الزهري. قال ابن عبد البر :ظاهر قول الله عزّ وجل يقتضي أنه لا حدّ على الأمة، وإن كانت مسلمة إلا بعد التزويج، ثم جاءت السنة بجلدها، وإن لم تحصن، وكان ذلك زيادة بيان. قال القرطبي :ظهر المسلم حمى لا يستباح إلا بيقين، ولا يقين مع الاختلاف لولا ما جاء في صحيح السنة من الجلد.
قال ابن كثير في تفسيره :والأظهر، والله أعلم أن المراد بالإحصان هنا :التزويج ؛ لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول سبحانه : ﴿ وَمَن لمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً ﴾ إلى قوله : ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب ﴾ فالسياق كله في الفتيات المؤمنات، فتعين أن المراد بقوله : ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ ﴾ أي :تزوجن، كما فسره به ابن عباس، ومن تبعه، قال :وعلى كلّ من القولين إشكال على مذهب الجمهور ؛ لأنهم يقولون إن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة سواء كانت مسلمة، أو كافرة مزوجة، أو بكراً، مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لا حد على غير المحصنة من الإماء.
وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك، ثم ذكر أن منهم من أجاب، وهم الجمهور بتقديم منطوق الأحاديث على هذا المفهوم، ومنهم من عمل على مفهوم الآية، وقال :إذا زنت، ولم تحصن، فلا حدّ عليها، وإنما تضرب تأديباً. قال :وهو المحكي عن ابن عباس، وإليه ذهب طاوس، وسعيد بن جبير، وأبو عبيد، وداود الظاهري في رواية عنه، فهؤلاء قدموا مفهوم الآية على العموم، وأجابوا عن مثل حديث أبي هريرة، وزيد بن خالد في الصحيحين، وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة :إذا زنت، ولم تحصن، قال :" إن زنت، فاجلدوها، ثم إن زنت، فاجلدوها، ثم إن زنت، فاجلدوها، ثم بيعوها، ولو بضفير " بأن المراد بالجلد هنا :التأديب، وهو تعسف، وأيضاً قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إذا زنت أمة أحدكم، فليجلدها الحدّ، ولا يثرّب عليها. ثم إن زنت، فليجلدها الحد " الحديث. ولمسلم من حديث علي قال : «يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحدّ من أحصن، ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت، فأمرني أن أجلدها » الحديث.
وأما ما أخرجه سعيد بن منصور، وابن خزيمة، والبيهقي عن ابن عباس قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليس على الأمة حدّ حتى تحصن بزوج، فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات من العذاب " فقد قال ابن خزيمة، والبيهقي :إن رفعه خطأ، والصواب وقفه.
قوله : ﴿ فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة ﴾ الفاحشة هنا الزنا : ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات ﴾ أي :الحرائر الأبكار ؛ لأن الثيب عليها الرجم، وهو لا يتبعض، وقيل المراد بالمحصنات هنا :المزوّجات ؛ لأن عليهنّ الجلد، والرجم، والرجم لا يتبعض، فصار عليهنّ نصف ما عليهنّ من الجلد. والمراد بالعذاب هنا :الجلد، وإنما نقص حدّ الإماء عن حدّ الحرائر ؛ لأنهنّ أضعف. وقيل :لأنهنّ لا يصلن إلى مرادهنّ، كما تصل الحرائر ؛ وقيل :لأن العقوبة تجب على قدر النعمة، كما في قوله تعالى : ﴿ يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ ﴾ [ الأحزاب :٣٠ ] ولم يذكر الله سبحانه في هذه الآية العبيد، وهم لاحقون بالإماء بطريق القياس.
وكما يكون على الإماء، والعبيد نصف الحدّ في الزنا، كذلك يكون عليهم نصف الحدّ في القذف والشرب. والإشارة بقوله : ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ ﴾ إلى نكاح الإماء. والعنت :الوقوع في الإثم، وأصله في اللغة انكسار العظم بعد الجبر، ثم استعير لكل مشقة ﴿ وَأَن تَصْبِرُوا ﴾ عن نكاح الإماء ﴿ خَيْرٌ لكُمْ ﴾ من نكاحهنّ، أي :صبركم خير لكم ؛ لأن نكاحهنّ يفضي إلى إرقاق الولد، والغضّ من النفس.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج البخاري، وغيره عن ابن عباس قال :حرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع، ثم قرأ : ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ إلى قوله : ﴿ وَبَنَاتُ الأخت ﴾ هذا من النسب. وباقي الآية من الصهر، والسابعة : ﴿ وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ منَ النساء ﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي، عن عمران بن حصين في قوله : ﴿ وأمهات نِسَائِكُمْ ﴾ قال :هي مبهمة. وأخرج هؤلاء، عن ابن عباس قال :هي مبهمة إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها، أو ماتت لم تحلّ له أمها. وأخرج هؤلاء إلا البيهقي، عن علي في الرجل يتزوج المرأة ثم يطلقها، أو ماتت قبل أن يدخل بها هل تحل له أمها ؟ قال :هي بمنزلة الربيبة. وأخرج هؤلاء عن زيد بن ثابت أنه كان يقول :إذا ماتت عنده، فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها، وإذا طلقها قبل أن يدخل بها، فلا بأس أن يتزوج أمها.
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد قال في قوله : ﴿ وأمهات نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِى حُجُورِكُمْ ﴾ اللاتي أريد بهما الدخول جميعاً. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن الزبير قال :الربيبة والأم سواء لا بأس بها إذا لم يدخل بالمرأة. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، بسند صحيح، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال :كانت عندي امرأة، فتوفيت، وقد ولدت لي فوجدت عليها، فلقيني عليّ بن أبي طالب، فقال :مالك ؟ فقلت :توفيت المرأة، فقال عليّ :لها ابنة ؟ قلت :نعم، وهي بالطائف، قال :كانت في حجرك ؟ قلت لا، قال :فانكحها، قلت :فأين قول الله : ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِى حُجُورِكُمْ ﴾ ؟ قال :إنها لم تكن في حجرك.
وقد قدّمنا قول من قال :إنه إسناد ثابت على شرط مسلم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال :الدخول الجماع.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عطاء قال :كنا نتحدث أن محمداً صلى الله عليه وسلم لما نكح امرأة زيد قال المشركون بمكة في ذلك، فأنزل الله : ﴿ وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أصلابكم ﴾ ونزلت : ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ﴾ [ الأحزاب :٤ ] ونزلت : ﴿ ما كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ من رجَالِكُمْ ﴾ [ الأحزاب :٤٠ ].
وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأختين ﴾ قال يعني في النكاح.
وأخرج عبد بن حميد عنه في الآية قال :ذلك في الحرائر، فأما المماليك، فلا بأس. وأخرج ابن المنذر عنه نحوه من طريق أخرى. وأخرج مالك، والشافعي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن عثمان بن عفان :أن رجلاً سأله عن الأختين في ملك اليمين هل يجمع بينهما ؟ قال :أحلتهما آية وحرّمتهما آية، وما كنت لأصنع ذلك، فخرج من عنده، فلقي رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أراه علي بن أبي طالب، فسأله عن ذلك، فقال :لو كان لي من الأمر شيء، ثم وجدت أحداً فعل ذلك لجعلته نكالاً.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي عن علي :أنه سئل عن رجل له أمتان أختان، وطىء إحداهما، وأراد أن يطأ الأخرى، فقال :لا حتى يخرجها من ملكه. وقيل :فإن زوجها عبده ؟ قال :لا حتى يخرجها من ملكه. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن مسعود أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين الأمتين، فكرهه، فقيل :يقول الله : ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم ﴾ فقال :وبعيرك أيضاً مما ملكت يمينك. وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي، من طريق أبي صالح، عن عليّ بن أبي طالب قال في الأختين المملوكتين :أحلتهما آية، وحرّمتهما آية، ولا آمر، ولا أنهى، ولا أحلّ، ولا أحرّم، ولا أفعل أنا، وأهل بيتي. وأخرج أحمد عن قيس قال :قلت لابن عباس :أيقع الرجل على المرأة، وابنتها مملوكتين له ؟ فقال :أحلتهما آية، وحرّمتهما آية، ولم أكن لأفعله. وأخرج عبد الرزاق، والبيهقي عنه في الأختين من ملك اليمين :أحلتهما آية، وحرّمتهما آية. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبيهقي، عن ابن عمر قال :إذا كان للرجل جاريتان أختان، فغشى إحداهما، فلا يقرب الأخرى حتى يخرج التي غشي من ملكه. وأخرج البيهقي، عن مقاتل بن سليمان قال :إنما قال الله في نساء الآباء : ﴿ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ لأن العرب كانوا ينكحون نساء الآباء، ثم حرم النسب والصهر، فلم يقل إلا ما قد سلف ؛ لأن العرب كانت لا تنكح النسب، والصهر. وقال في الأختين : ﴿ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ لأنهم كانوا يجمعون بينهما، فحرم جمعهما جميعاً إلا ما قد سلف قبل التحريم : ﴿ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رحِيماً ﴾ لما كان من جماع الأختين قبل التحريم.
وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، عن أبي سعيد الخدري :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث يوم حنين جيشاً إلى أوطاس، فلقوا عدواً، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناساً من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله في ذلك : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم ﴾ يقول :إلا ما أفاء الله عليكم.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس أن ذلك سبب نزول الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، عن سعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي عن ابن عباس في قوله : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء ﴾ قال :كل ذات زوج إتيانها زنا إلا ما سبيت. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، والطبراني، عن عليّ، وابن مسعود في قوله : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم ﴾ قال :على المشركات إذا سبين حلت له. وقال ابن مسعود :المشركات والمسلمات. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود قال :إذا بيعت الأمة، ولها زوج، فسيدها أحق ببضعها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء ﴾ قال :ذوات الأزواج. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أنس بن مالك مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن مسعود مثله.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله : ﴿ والمحصنات ﴾ قال :العفيفة العاقلة من مسلمة، أو من أهل الكتاب. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عنه في الآية قال :لا يحل له أن يتزوج فوق الأربع، فما زاد، فهو عليه حرام، كأمه وأخته. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن أبي العالية في قوله : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء ﴾ قال :يقول انكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى، وثلاث، ورباع، ثم حرّم ما حرّم من النسب، والصهر، ثم قال : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء ﴾ فرجع إلى أول السورة، فقال :هنّ حرام أيضاً، إلا لمن نكح بصداق وسنة وشهود. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، عن عبيدة قال :أحلّ الله لك أربعاً في أوّل السورة، وحرّم نكاح كل محصنة بعد الأربع إلا ما ملكت يمينك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال :قال النبي صلى الله عليه وسلم : «الإحصان إحصانان :إحصان نكاح، وإحصان عفاف» فمن قرأها والمحصنات بكسر الصاد، فهن العفائف، ومن قرأها والمحصنات بالفتح، فهنّ المتزوجات. قال ابن أبي حاتم :قال أبيّ هذا حديث منكر.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ قال :ما وراء هذا النسب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدّي قال :ما دون الأربع. وأخرج ابن جرير، عن عطاء قال :ما وراء ذات القرابة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله : ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ قال :ما ملكت أيمانكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبيدة السلماني نحوه.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ محْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين ﴾ قال غير زانين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فآتوهن أجورهن ﴾ يقول :إذا تزوج الرجل منكم المرأة، ثم نكحها مرة واحدة، فقد وجب صداقها كله، والاستمتاع هو :النكاح، وهو قوله : ﴿ وَآتُوا النساء صدقاتهن ﴾ [ النساء :٤ ].
وأخرج الطبراني، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال :كانت المتعة في أوّل الإسلام، وكانوا يقرءون هذه الآية : ﴿ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ إلى أَجَلٍ مسَمًّى ﴾ [ النساء :٢٤ ] الآية، فكان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج بقدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته ؛ ليحفظ متاعه، ويصلح شأنه. حتى نزلت هذه الآية : ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ فنسخت الأولى، فحرّمت المتعة، وتصديقها من القرآن : ﴿ إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم ﴾ [ المؤمنون :٦ ] وما سوى هذا الفرج فهو حرام.
وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن الأنباري في المصاحف، والحاكم وصححه :أن ابن عباس قرأ : ﴿ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ إلى أَجَلٍ مسَمًّى ﴾ [ النساء :٢٤ ] وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن أبيّ بن كعب أنه قرأها كذلك. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد، أن هذه الآية في نكاح المتعة، وكذلك أخرج ابن جرير، عن السدّي، والأحاديث في تحليل المتعة، ثم تحريمها، وهل كان نسخها مرة، أو مرّتين ؟ مذكورة في كتب الحديث. وقد أخرج ابن جرير في تهذيبه، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي، عن سعيد بن جبير قال :قلت لابن عباس :ماذا صنعت ؟ ذهبت الركاب بفتياك، وقالت فيها الشعراء قال :وما قالوا ؟ قلت :قالوا :
أقول للشيخ لما طال مجلسه يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس
هل لك في رحضة الأعطاف آنسة تكون مثواك حتى مصدر الناس
فقال :إنا لله وإنا إليه راجعون، لا والله ما بهذا أفتيت، ولا هذا أردت، ولا أحللتها إلا للمضطر وفي لفظ، ولا أحللت منها إلا ما أحل الله من الميتة، والدم، ولحم الخنزير. وأخرج ابن جرير، عن حضرمي أن رجالاً كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن تدرك أحدهم العسرة، فقال الله : ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة ﴾. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ ﴾ قال :الراضي أن يوفى لها صداقها، ثم يخيرها. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في الآية قال :إن وضعت لك منه شيئاً، فهو سائغ.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس : ﴿ وَمَن لمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً ﴾ يقول :من لم يكن له سعة ﴿ أَن يَنكِحَ المحصنات ﴾ يقول الحرائر : ﴿ فما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ﴾ فلينكح من إماء المؤمنين ﴿ محصنات غَيْرَ مسافحات ﴾ يعني عفائف غير زواني في سرّ.
ولا علانية ﴿ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ﴾ يعني أخلاء ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ ﴾ ثم إذا تزوجت حراً، ثم زنت ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب ﴾ قال :من الجلد ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ ﴾ هو :الزنا، فليس لأحد من ال

قوله : ﴿ يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ ﴾ اللام هنا هي لام كي التي تعاقب :أن. قال الفراء :العرب تعاقب بين لام كي وأن، فتأتي باللام التي على معنى كي في موضع أن في أردت، وأمرت، فيقولون أردت أن تفعل، وأردت لتفعل، ومنه : ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ الله بأفواههم ﴾ [ الصف :٨ ] ﴿ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ [ الشورى :١٥ ] ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ العالمين ﴾ [ الأنعام :٧١ ] ومنه :
أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل
وحكى الزجاج هذا القول وقال :لو كانت اللام بمعنى أن لدخلت عليها لام أخرى، كما تقول :جئت كي تكرمني، ثم تقول :جئت لكي تكرمني، وأنشد :
أردت لكيما يعلم الناس أنها سراويل قيس والوفود شهود
وقيل اللام زائدة لتأكيد معنى الاستقبال، أو لتأكيد إرادة التبيين، ومفعول يبين محذوف، أي :ليبين لكم ما خفي عليكم من الخير، وقيل :مفعول يريد محذوف، أي :يريد الله هذا ليبين لكم، وبه قال البصريون، وهو مرويّ، عن سيبويه. وقيل :اللام بنفسها ناصبة للفعل من غير إضمار أن، وهي وما بعدها مفعول للفعل المتقدّم، وهو مثل قول الفراء السابق. وقال بعض البصريين :إن قوله : ﴿ يُرِيدُ ﴾ مؤول بالمصدر مرفوع بالابتداء مثل :تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. ومعنى الآية :يريد الله ليبين لكم مصالح دينكم، وما يحلّ لكم، وما يحرم عليكم : ﴿ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ ﴾ أي :طرقهم، وهم الأنبياء، وأتباعهم لتقتدوا بهم : ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي :ويريد أن يتوب عليكم فتوبوا إليه، وتلافوا ما فرط منكم بالتوبة يغفر لكم ذنوبكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج البخاري، وغيره عن ابن عباس قال :حرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع، ثم قرأ : ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ إلى قوله : ﴿ وَبَنَاتُ الأخت ﴾ هذا من النسب. وباقي الآية من الصهر، والسابعة : ﴿ وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ منَ النساء ﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي، عن عمران بن حصين في قوله : ﴿ وأمهات نِسَائِكُمْ ﴾ قال :هي مبهمة. وأخرج هؤلاء، عن ابن عباس قال :هي مبهمة إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها، أو ماتت لم تحلّ له أمها. وأخرج هؤلاء إلا البيهقي، عن علي في الرجل يتزوج المرأة ثم يطلقها، أو ماتت قبل أن يدخل بها هل تحل له أمها ؟ قال :هي بمنزلة الربيبة. وأخرج هؤلاء عن زيد بن ثابت أنه كان يقول :إذا ماتت عنده، فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها، وإذا طلقها قبل أن يدخل بها، فلا بأس أن يتزوج أمها.
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد قال في قوله : ﴿ وأمهات نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِى حُجُورِكُمْ ﴾ اللاتي أريد بهما الدخول جميعاً. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن الزبير قال :الربيبة والأم سواء لا بأس بها إذا لم يدخل بالمرأة. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، بسند صحيح، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال :كانت عندي امرأة، فتوفيت، وقد ولدت لي فوجدت عليها، فلقيني عليّ بن أبي طالب، فقال :مالك ؟ فقلت :توفيت المرأة، فقال عليّ :لها ابنة ؟ قلت :نعم، وهي بالطائف، قال :كانت في حجرك ؟ قلت لا، قال :فانكحها، قلت :فأين قول الله : ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِى حُجُورِكُمْ ﴾ ؟ قال :إنها لم تكن في حجرك.
وقد قدّمنا قول من قال :إنه إسناد ثابت على شرط مسلم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال :الدخول الجماع.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عطاء قال :كنا نتحدث أن محمداً صلى الله عليه وسلم لما نكح امرأة زيد قال المشركون بمكة في ذلك، فأنزل الله : ﴿ وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أصلابكم ﴾ ونزلت : ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ﴾ [ الأحزاب :٤ ] ونزلت : ﴿ ما كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ من رجَالِكُمْ ﴾ [ الأحزاب :٤٠ ].
وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأختين ﴾ قال يعني في النكاح.
وأخرج عبد بن حميد عنه في الآية قال :ذلك في الحرائر، فأما المماليك، فلا بأس. وأخرج ابن المنذر عنه نحوه من طريق أخرى. وأخرج مالك، والشافعي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن عثمان بن عفان :أن رجلاً سأله عن الأختين في ملك اليمين هل يجمع بينهما ؟ قال :أحلتهما آية وحرّمتهما آية، وما كنت لأصنع ذلك، فخرج من عنده، فلقي رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أراه علي بن أبي طالب، فسأله عن ذلك، فقال :لو كان لي من الأمر شيء، ثم وجدت أحداً فعل ذلك لجعلته نكالاً.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي عن علي :أنه سئل عن رجل له أمتان أختان، وطىء إحداهما، وأراد أن يطأ الأخرى، فقال :لا حتى يخرجها من ملكه. وقيل :فإن زوجها عبده ؟ قال :لا حتى يخرجها من ملكه. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن مسعود أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين الأمتين، فكرهه، فقيل :يقول الله : ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم ﴾ فقال :وبعيرك أيضاً مما ملكت يمينك. وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي، من طريق أبي صالح، عن عليّ بن أبي طالب قال في الأختين المملوكتين :أحلتهما آية، وحرّمتهما آية، ولا آمر، ولا أنهى، ولا أحلّ، ولا أحرّم، ولا أفعل أنا، وأهل بيتي. وأخرج أحمد عن قيس قال :قلت لابن عباس :أيقع الرجل على المرأة، وابنتها مملوكتين له ؟ فقال :أحلتهما آية، وحرّمتهما آية، ولم أكن لأفعله. وأخرج عبد الرزاق، والبيهقي عنه في الأختين من ملك اليمين :أحلتهما آية، وحرّمتهما آية. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبيهقي، عن ابن عمر قال :إذا كان للرجل جاريتان أختان، فغشى إحداهما، فلا يقرب الأخرى حتى يخرج التي غشي من ملكه. وأخرج البيهقي، عن مقاتل بن سليمان قال :إنما قال الله في نساء الآباء : ﴿ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ لأن العرب كانوا ينكحون نساء الآباء، ثم حرم النسب والصهر، فلم يقل إلا ما قد سلف ؛ لأن العرب كانت لا تنكح النسب، والصهر. وقال في الأختين : ﴿ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ لأنهم كانوا يجمعون بينهما، فحرم جمعهما جميعاً إلا ما قد سلف قبل التحريم : ﴿ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رحِيماً ﴾ لما كان من جماع الأختين قبل التحريم.
وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، عن أبي سعيد الخدري :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث يوم حنين جيشاً إلى أوطاس، فلقوا عدواً، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناساً من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله في ذلك : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم ﴾ يقول :إلا ما أفاء الله عليكم.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس أن ذلك سبب نزول الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، عن سعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي عن ابن عباس في قوله : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء ﴾ قال :كل ذات زوج إتيانها زنا إلا ما سبيت. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، والطبراني، عن عليّ، وابن مسعود في قوله : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم ﴾ قال :على المشركات إذا سبين حلت له. وقال ابن مسعود :المشركات والمسلمات. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود قال :إذا بيعت الأمة، ولها زوج، فسيدها أحق ببضعها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء ﴾ قال :ذوات الأزواج. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أنس بن مالك مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن مسعود مثله.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله : ﴿ والمحصنات ﴾ قال :العفيفة العاقلة من مسلمة، أو من أهل الكتاب. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عنه في الآية قال :لا يحل له أن يتزوج فوق الأربع، فما زاد، فهو عليه حرام، كأمه وأخته. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن أبي العالية في قوله : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء ﴾ قال :يقول انكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى، وثلاث، ورباع، ثم حرّم ما حرّم من النسب، والصهر، ثم قال : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء ﴾ فرجع إلى أول السورة، فقال :هنّ حرام أيضاً، إلا لمن نكح بصداق وسنة وشهود. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، عن عبيدة قال :أحلّ الله لك أربعاً في أوّل السورة، وحرّم نكاح كل محصنة بعد الأربع إلا ما ملكت يمينك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال :قال النبي صلى الله عليه وسلم : «الإحصان إحصانان :إحصان نكاح، وإحصان عفاف» فمن قرأها والمحصنات بكسر الصاد، فهن العفائف، ومن قرأها والمحصنات بالفتح، فهنّ المتزوجات. قال ابن أبي حاتم :قال أبيّ هذا حديث منكر.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ قال :ما وراء هذا النسب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدّي قال :ما دون الأربع. وأخرج ابن جرير، عن عطاء قال :ما وراء ذات القرابة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله : ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ قال :ما ملكت أيمانكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبيدة السلماني نحوه.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ محْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين ﴾ قال غير زانين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فآتوهن أجورهن ﴾ يقول :إذا تزوج الرجل منكم المرأة، ثم نكحها مرة واحدة، فقد وجب صداقها كله، والاستمتاع هو :النكاح، وهو قوله : ﴿ وَآتُوا النساء صدقاتهن ﴾ [ النساء :٤ ].
وأخرج الطبراني، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال :كانت المتعة في أوّل الإسلام، وكانوا يقرءون هذه الآية : ﴿ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ إلى أَجَلٍ مسَمًّى ﴾ [ النساء :٢٤ ] الآية، فكان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج بقدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته ؛ ليحفظ متاعه، ويصلح شأنه. حتى نزلت هذه الآية : ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ فنسخت الأولى، فحرّمت المتعة، وتصديقها من القرآن : ﴿ إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم ﴾ [ المؤمنون :٦ ] وما سوى هذا الفرج فهو حرام.
وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن الأنباري في المصاحف، والحاكم وصححه :أن ابن عباس قرأ : ﴿ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ إلى أَجَلٍ مسَمًّى ﴾ [ النساء :٢٤ ] وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن أبيّ بن كعب أنه قرأها كذلك. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد، أن هذه الآية في نكاح المتعة، وكذلك أخرج ابن جرير، عن السدّي، والأحاديث في تحليل المتعة، ثم تحريمها، وهل كان نسخها مرة، أو مرّتين ؟ مذكورة في كتب الحديث. وقد أخرج ابن جرير في تهذيبه، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي، عن سعيد بن جبير قال :قلت لابن عباس :ماذا صنعت ؟ ذهبت الركاب بفتياك، وقالت فيها الشعراء قال :وما قالوا ؟ قلت :قالوا :
أقول للشيخ لما طال مجلسه يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس
هل لك في رحضة الأعطاف آنسة تكون مثواك حتى مصدر الناس
فقال :إنا لله وإنا إليه راجعون، لا والله ما بهذا أفتيت، ولا هذا أردت، ولا أحللتها إلا للمضطر وفي لفظ، ولا أحللت منها إلا ما أحل الله من الميتة، والدم، ولحم الخنزير. وأخرج ابن جرير، عن حضرمي أن رجالاً كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن تدرك أحدهم العسرة، فقال الله : ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة ﴾. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ ﴾ قال :الراضي أن يوفى لها صداقها، ثم يخيرها. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في الآية قال :إن وضعت لك منه شيئاً، فهو سائغ.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس : ﴿ وَمَن لمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً ﴾ يقول :من لم يكن له سعة ﴿ أَن يَنكِحَ المحصنات ﴾ يقول الحرائر : ﴿ فما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ﴾ فلينكح من إماء المؤمنين ﴿ محصنات غَيْرَ مسافحات ﴾ يعني عفائف غير زواني في سرّ.
ولا علانية ﴿ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ﴾ يعني أخلاء ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ ﴾ ثم إذا تزوجت حراً، ثم زنت ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب ﴾ قال :من الجلد ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ ﴾ هو :الزنا، فليس لأحد من ال

﴿ والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ هذا تأكيد لما قد فهم من قوله : ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ المتقدّم. وقيل :الأوّل معناه للإرشاد إلى الطاعات، والثاني فعل أسبابها. وقيل :إن الثاني لبيان كمال منفعة إرادته سبحانه، وكمال ضرر ما يريده الذين يتبعون الشهوات، وليس المراد به :مجرد إرادة التوبة حتى يكون من باب التكرير للتأكيد. قيل :هذه الإرادة منه سبحانه في جميع أحكام الشرع. وقيل :في نكاح الأمة فقط.
واختلف في تعيين المتبعين للشهوات، فقيل :هم الزناة، وقيل :اليهود والنصارى. وقيل :اليهود خاصة. وقيل هم المجوس ؛ لأنهم أرادوا أن يتبعهم المسلمون في نكاح الأخوات من الأب. والأوّل أولى. والميل :العدول عن طريق الاستواء. والمراد بالشهوات هنا :ما حرّمه الشرع دون ما أحله. ووصف الميل بالعظم بالنسبة إلى ميل من اقترف خطيئة نادراً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج البخاري، وغيره عن ابن عباس قال :حرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع، ثم قرأ : ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ إلى قوله : ﴿ وَبَنَاتُ الأخت ﴾ هذا من النسب. وباقي الآية من الصهر، والسابعة : ﴿ وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ منَ النساء ﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي، عن عمران بن حصين في قوله : ﴿ وأمهات نِسَائِكُمْ ﴾ قال :هي مبهمة. وأخرج هؤلاء، عن ابن عباس قال :هي مبهمة إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها، أو ماتت لم تحلّ له أمها. وأخرج هؤلاء إلا البيهقي، عن علي في الرجل يتزوج المرأة ثم يطلقها، أو ماتت قبل أن يدخل بها هل تحل له أمها ؟ قال :هي بمنزلة الربيبة. وأخرج هؤلاء عن زيد بن ثابت أنه كان يقول :إذا ماتت عنده، فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها، وإذا طلقها قبل أن يدخل بها، فلا بأس أن يتزوج أمها.
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد قال في قوله : ﴿ وأمهات نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِى حُجُورِكُمْ ﴾ اللاتي أريد بهما الدخول جميعاً. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن الزبير قال :الربيبة والأم سواء لا بأس بها إذا لم يدخل بالمرأة. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، بسند صحيح، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال :كانت عندي امرأة، فتوفيت، وقد ولدت لي فوجدت عليها، فلقيني عليّ بن أبي طالب، فقال :مالك ؟ فقلت :توفيت المرأة، فقال عليّ :لها ابنة ؟ قلت :نعم، وهي بالطائف، قال :كانت في حجرك ؟ قلت لا، قال :فانكحها، قلت :فأين قول الله : ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِى حُجُورِكُمْ ﴾ ؟ قال :إنها لم تكن في حجرك.
وقد قدّمنا قول من قال :إنه إسناد ثابت على شرط مسلم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال :الدخول الجماع.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عطاء قال :كنا نتحدث أن محمداً صلى الله عليه وسلم لما نكح امرأة زيد قال المشركون بمكة في ذلك، فأنزل الله : ﴿ وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أصلابكم ﴾ ونزلت : ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ﴾ [ الأحزاب :٤ ] ونزلت : ﴿ ما كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ من رجَالِكُمْ ﴾ [ الأحزاب :٤٠ ].
وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأختين ﴾ قال يعني في النكاح.
وأخرج عبد بن حميد عنه في الآية قال :ذلك في الحرائر، فأما المماليك، فلا بأس. وأخرج ابن المنذر عنه نحوه من طريق أخرى. وأخرج مالك، والشافعي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن عثمان بن عفان :أن رجلاً سأله عن الأختين في ملك اليمين هل يجمع بينهما ؟ قال :أحلتهما آية وحرّمتهما آية، وما كنت لأصنع ذلك، فخرج من عنده، فلقي رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أراه علي بن أبي طالب، فسأله عن ذلك، فقال :لو كان لي من الأمر شيء، ثم وجدت أحداً فعل ذلك لجعلته نكالاً.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي عن علي :أنه سئل عن رجل له أمتان أختان، وطىء إحداهما، وأراد أن يطأ الأخرى، فقال :لا حتى يخرجها من ملكه. وقيل :فإن زوجها عبده ؟ قال :لا حتى يخرجها من ملكه. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن مسعود أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين الأمتين، فكرهه، فقيل :يقول الله : ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم ﴾ فقال :وبعيرك أيضاً مما ملكت يمينك. وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي، من طريق أبي صالح، عن عليّ بن أبي طالب قال في الأختين المملوكتين :أحلتهما آية، وحرّمتهما آية، ولا آمر، ولا أنهى، ولا أحلّ، ولا أحرّم، ولا أفعل أنا، وأهل بيتي. وأخرج أحمد عن قيس قال :قلت لابن عباس :أيقع الرجل على المرأة، وابنتها مملوكتين له ؟ فقال :أحلتهما آية، وحرّمتهما آية، ولم أكن لأفعله. وأخرج عبد الرزاق، والبيهقي عنه في الأختين من ملك اليمين :أحلتهما آية، وحرّمتهما آية. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبيهقي، عن ابن عمر قال :إذا كان للرجل جاريتان أختان، فغشى إحداهما، فلا يقرب الأخرى حتى يخرج التي غشي من ملكه. وأخرج البيهقي، عن مقاتل بن سليمان قال :إنما قال الله في نساء الآباء : ﴿ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ لأن العرب كانوا ينكحون نساء الآباء، ثم حرم النسب والصهر، فلم يقل إلا ما قد سلف ؛ لأن العرب كانت لا تنكح النسب، والصهر. وقال في الأختين : ﴿ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ لأنهم كانوا يجمعون بينهما، فحرم جمعهما جميعاً إلا ما قد سلف قبل التحريم : ﴿ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رحِيماً ﴾ لما كان من جماع الأختين قبل التحريم.
وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، عن أبي سعيد الخدري :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث يوم حنين جيشاً إلى أوطاس، فلقوا عدواً، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناساً من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله في ذلك : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم ﴾ يقول :إلا ما أفاء الله عليكم.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس أن ذلك سبب نزول الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، عن سعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي عن ابن عباس في قوله : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء ﴾ قال :كل ذات زوج إتيانها زنا إلا ما سبيت. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، والطبراني، عن عليّ، وابن مسعود في قوله : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم ﴾ قال :على المشركات إذا سبين حلت له. وقال ابن مسعود :المشركات والمسلمات. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود قال :إذا بيعت الأمة، ولها زوج، فسيدها أحق ببضعها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء ﴾ قال :ذوات الأزواج. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أنس بن مالك مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن مسعود مثله.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله : ﴿ والمحصنات ﴾ قال :العفيفة العاقلة من مسلمة، أو من أهل الكتاب. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عنه في الآية قال :لا يحل له أن يتزوج فوق الأربع، فما زاد، فهو عليه حرام، كأمه وأخته. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن أبي العالية في قوله : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء ﴾ قال :يقول انكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى، وثلاث، ورباع، ثم حرّم ما حرّم من النسب، والصهر، ثم قال : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء ﴾ فرجع إلى أول السورة، فقال :هنّ حرام أيضاً، إلا لمن نكح بصداق وسنة وشهود. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، عن عبيدة قال :أحلّ الله لك أربعاً في أوّل السورة، وحرّم نكاح كل محصنة بعد الأربع إلا ما ملكت يمينك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال :قال النبي صلى الله عليه وسلم : «الإحصان إحصانان :إحصان نكاح، وإحصان عفاف» فمن قرأها والمحصنات بكسر الصاد، فهن العفائف، ومن قرأها والمحصنات بالفتح، فهنّ المتزوجات. قال ابن أبي حاتم :قال أبيّ هذا حديث منكر.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ قال :ما وراء هذا النسب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدّي قال :ما دون الأربع. وأخرج ابن جرير، عن عطاء قال :ما وراء ذات القرابة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله : ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ قال :ما ملكت أيمانكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبيدة السلماني نحوه.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ محْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين ﴾ قال غير زانين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فآتوهن أجورهن ﴾ يقول :إذا تزوج الرجل منكم المرأة، ثم نكحها مرة واحدة، فقد وجب صداقها كله، والاستمتاع هو :النكاح، وهو قوله : ﴿ وَآتُوا النساء صدقاتهن ﴾ [ النساء :٤ ].
وأخرج الطبراني، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال :كانت المتعة في أوّل الإسلام، وكانوا يقرءون هذه الآية : ﴿ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ إلى أَجَلٍ مسَمًّى ﴾ [ النساء :٢٤ ] الآية، فكان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج بقدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته ؛ ليحفظ متاعه، ويصلح شأنه. حتى نزلت هذه الآية : ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ فنسخت الأولى، فحرّمت المتعة، وتصديقها من القرآن : ﴿ إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم ﴾ [ المؤمنون :٦ ] وما سوى هذا الفرج فهو حرام.
وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن الأنباري في المصاحف، والحاكم وصححه :أن ابن عباس قرأ : ﴿ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ إلى أَجَلٍ مسَمًّى ﴾ [ النساء :٢٤ ] وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن أبيّ بن كعب أنه قرأها كذلك. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد، أن هذه الآية في نكاح المتعة، وكذلك أخرج ابن جرير، عن السدّي، والأحاديث في تحليل المتعة، ثم تحريمها، وهل كان نسخها مرة، أو مرّتين ؟ مذكورة في كتب الحديث. وقد أخرج ابن جرير في تهذيبه، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي، عن سعيد بن جبير قال :قلت لابن عباس :ماذا صنعت ؟ ذهبت الركاب بفتياك، وقالت فيها الشعراء قال :وما قالوا ؟ قلت :قالوا :
أقول للشيخ لما طال مجلسه يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس
هل لك في رحضة الأعطاف آنسة تكون مثواك حتى مصدر الناس
فقال :إنا لله وإنا إليه راجعون، لا والله ما بهذا أفتيت، ولا هذا أردت، ولا أحللتها إلا للمضطر وفي لفظ، ولا أحللت منها إلا ما أحل الله من الميتة، والدم، ولحم الخنزير. وأخرج ابن جرير، عن حضرمي أن رجالاً كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن تدرك أحدهم العسرة، فقال الله : ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة ﴾. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ ﴾ قال :الراضي أن يوفى لها صداقها، ثم يخيرها. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في الآية قال :إن وضعت لك منه شيئاً، فهو سائغ.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس : ﴿ وَمَن لمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً ﴾ يقول :من لم يكن له سعة ﴿ أَن يَنكِحَ المحصنات ﴾ يقول الحرائر : ﴿ فما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ﴾ فلينكح من إماء المؤمنين ﴿ محصنات غَيْرَ مسافحات ﴾ يعني عفائف غير زواني في سرّ.
ولا علانية ﴿ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ﴾ يعني أخلاء ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ ﴾ ثم إذا تزوجت حراً، ثم زنت ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب ﴾ قال :من الجلد ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ ﴾ هو :الزنا، فليس لأحد من ال

قوله : ﴿ يُرِيدُ اللهُ يُخَفّفَ عَنْكُمْ ﴾ بما مرّ من الترخيص لكم، أو بكل ما فيه تخفيف عليكم : ﴿ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً ﴾ عاجزاً غير قادر على ملك نفسه، ودفعها عن شهواتها، وفاء بحق التكليف، فهو محتاج من هذه الحيثية إلى التخفيف، فلهذا أراد الله سبحانه التخفيف عنه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج البخاري، وغيره عن ابن عباس قال :حرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع، ثم قرأ : ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ إلى قوله : ﴿ وَبَنَاتُ الأخت ﴾ هذا من النسب. وباقي الآية من الصهر، والسابعة : ﴿ وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ منَ النساء ﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي، عن عمران بن حصين في قوله : ﴿ وأمهات نِسَائِكُمْ ﴾ قال :هي مبهمة. وأخرج هؤلاء، عن ابن عباس قال :هي مبهمة إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها، أو ماتت لم تحلّ له أمها. وأخرج هؤلاء إلا البيهقي، عن علي في الرجل يتزوج المرأة ثم يطلقها، أو ماتت قبل أن يدخل بها هل تحل له أمها ؟ قال :هي بمنزلة الربيبة. وأخرج هؤلاء عن زيد بن ثابت أنه كان يقول :إذا ماتت عنده، فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها، وإذا طلقها قبل أن يدخل بها، فلا بأس أن يتزوج أمها.
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد قال في قوله : ﴿ وأمهات نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِى حُجُورِكُمْ ﴾ اللاتي أريد بهما الدخول جميعاً. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن الزبير قال :الربيبة والأم سواء لا بأس بها إذا لم يدخل بالمرأة. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، بسند صحيح، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال :كانت عندي امرأة، فتوفيت، وقد ولدت لي فوجدت عليها، فلقيني عليّ بن أبي طالب، فقال :مالك ؟ فقلت :توفيت المرأة، فقال عليّ :لها ابنة ؟ قلت :نعم، وهي بالطائف، قال :كانت في حجرك ؟ قلت لا، قال :فانكحها، قلت :فأين قول الله : ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِى حُجُورِكُمْ ﴾ ؟ قال :إنها لم تكن في حجرك.
وقد قدّمنا قول من قال :إنه إسناد ثابت على شرط مسلم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال :الدخول الجماع.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عطاء قال :كنا نتحدث أن محمداً صلى الله عليه وسلم لما نكح امرأة زيد قال المشركون بمكة في ذلك، فأنزل الله : ﴿ وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أصلابكم ﴾ ونزلت : ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ﴾ [ الأحزاب :٤ ] ونزلت : ﴿ ما كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ من رجَالِكُمْ ﴾ [ الأحزاب :٤٠ ].
وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأختين ﴾ قال يعني في النكاح.
وأخرج عبد بن حميد عنه في الآية قال :ذلك في الحرائر، فأما المماليك، فلا بأس. وأخرج ابن المنذر عنه نحوه من طريق أخرى. وأخرج مالك، والشافعي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن عثمان بن عفان :أن رجلاً سأله عن الأختين في ملك اليمين هل يجمع بينهما ؟ قال :أحلتهما آية وحرّمتهما آية، وما كنت لأصنع ذلك، فخرج من عنده، فلقي رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أراه علي بن أبي طالب، فسأله عن ذلك، فقال :لو كان لي من الأمر شيء، ثم وجدت أحداً فعل ذلك لجعلته نكالاً.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي عن علي :أنه سئل عن رجل له أمتان أختان، وطىء إحداهما، وأراد أن يطأ الأخرى، فقال :لا حتى يخرجها من ملكه. وقيل :فإن زوجها عبده ؟ قال :لا حتى يخرجها من ملكه. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن مسعود أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين الأمتين، فكرهه، فقيل :يقول الله : ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم ﴾ فقال :وبعيرك أيضاً مما ملكت يمينك. وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي، من طريق أبي صالح، عن عليّ بن أبي طالب قال في الأختين المملوكتين :أحلتهما آية، وحرّمتهما آية، ولا آمر، ولا أنهى، ولا أحلّ، ولا أحرّم، ولا أفعل أنا، وأهل بيتي. وأخرج أحمد عن قيس قال :قلت لابن عباس :أيقع الرجل على المرأة، وابنتها مملوكتين له ؟ فقال :أحلتهما آية، وحرّمتهما آية، ولم أكن لأفعله. وأخرج عبد الرزاق، والبيهقي عنه في الأختين من ملك اليمين :أحلتهما آية، وحرّمتهما آية. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبيهقي، عن ابن عمر قال :إذا كان للرجل جاريتان أختان، فغشى إحداهما، فلا يقرب الأخرى حتى يخرج التي غشي من ملكه. وأخرج البيهقي، عن مقاتل بن سليمان قال :إنما قال الله في نساء الآباء : ﴿ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ لأن العرب كانوا ينكحون نساء الآباء، ثم حرم النسب والصهر، فلم يقل إلا ما قد سلف ؛ لأن العرب كانت لا تنكح النسب، والصهر. وقال في الأختين : ﴿ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ لأنهم كانوا يجمعون بينهما، فحرم جمعهما جميعاً إلا ما قد سلف قبل التحريم : ﴿ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رحِيماً ﴾ لما كان من جماع الأختين قبل التحريم.
وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، عن أبي سعيد الخدري :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث يوم حنين جيشاً إلى أوطاس، فلقوا عدواً، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناساً من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله في ذلك : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم ﴾ يقول :إلا ما أفاء الله عليكم.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس أن ذلك سبب نزول الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، عن سعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي عن ابن عباس في قوله : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء ﴾ قال :كل ذات زوج إتيانها زنا إلا ما سبيت. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، والطبراني، عن عليّ، وابن مسعود في قوله : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم ﴾ قال :على المشركات إذا سبين حلت له. وقال ابن مسعود :المشركات والمسلمات. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود قال :إذا بيعت الأمة، ولها زوج، فسيدها أحق ببضعها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء ﴾ قال :ذوات الأزواج. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أنس بن مالك مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن مسعود مثله.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله : ﴿ والمحصنات ﴾ قال :العفيفة العاقلة من مسلمة، أو من أهل الكتاب. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عنه في الآية قال :لا يحل له أن يتزوج فوق الأربع، فما زاد، فهو عليه حرام، كأمه وأخته. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن أبي العالية في قوله : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء ﴾ قال :يقول انكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى، وثلاث، ورباع، ثم حرّم ما حرّم من النسب، والصهر، ثم قال : ﴿ والمحصنات مِنَ النساء ﴾ فرجع إلى أول السورة، فقال :هنّ حرام أيضاً، إلا لمن نكح بصداق وسنة وشهود. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، عن عبيدة قال :أحلّ الله لك أربعاً في أوّل السورة، وحرّم نكاح كل محصنة بعد الأربع إلا ما ملكت يمينك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال :قال النبي صلى الله عليه وسلم : «الإحصان إحصانان :إحصان نكاح، وإحصان عفاف» فمن قرأها والمحصنات بكسر الصاد، فهن العفائف، ومن قرأها والمحصنات بالفتح، فهنّ المتزوجات. قال ابن أبي حاتم :قال أبيّ هذا حديث منكر.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ قال :ما وراء هذا النسب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدّي قال :ما دون الأربع. وأخرج ابن جرير، عن عطاء قال :ما وراء ذات القرابة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله : ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ قال :ما ملكت أيمانكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبيدة السلماني نحوه.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ محْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين ﴾ قال غير زانين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فآتوهن أجورهن ﴾ يقول :إذا تزوج الرجل منكم المرأة، ثم نكحها مرة واحدة، فقد وجب صداقها كله، والاستمتاع هو :النكاح، وهو قوله : ﴿ وَآتُوا النساء صدقاتهن ﴾ [ النساء :٤ ].
وأخرج الطبراني، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال :كانت المتعة في أوّل الإسلام، وكانوا يقرءون هذه الآية : ﴿ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ إلى أَجَلٍ مسَمًّى ﴾ [ النساء :٢٤ ] الآية، فكان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج بقدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته ؛ ليحفظ متاعه، ويصلح شأنه. حتى نزلت هذه الآية : ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ فنسخت الأولى، فحرّمت المتعة، وتصديقها من القرآن : ﴿ إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم ﴾ [ المؤمنون :٦ ] وما سوى هذا الفرج فهو حرام.
وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن الأنباري في المصاحف، والحاكم وصححه :أن ابن عباس قرأ : ﴿ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ إلى أَجَلٍ مسَمًّى ﴾ [ النساء :٢٤ ] وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن أبيّ بن كعب أنه قرأها كذلك. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد، أن هذه الآية في نكاح المتعة، وكذلك أخرج ابن جرير، عن السدّي، والأحاديث في تحليل المتعة، ثم تحريمها، وهل كان نسخها مرة، أو مرّتين ؟ مذكورة في كتب الحديث. وقد أخرج ابن جرير في تهذيبه، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي، عن سعيد بن جبير قال :قلت لابن عباس :ماذا صنعت ؟ ذهبت الركاب بفتياك، وقالت فيها الشعراء قال :وما قالوا ؟ قلت :قالوا :
أقول للشيخ لما طال مجلسه يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس
هل لك في رحضة الأعطاف آنسة تكون مثواك حتى مصدر الناس
فقال :إنا لله وإنا إليه راجعون، لا والله ما بهذا أفتيت، ولا هذا أردت، ولا أحللتها إلا للمضطر وفي لفظ، ولا أحللت منها إلا ما أحل الله من الميتة، والدم، ولحم الخنزير. وأخرج ابن جرير، عن حضرمي أن رجالاً كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن تدرك أحدهم العسرة، فقال الله : ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة ﴾. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ ﴾ قال :الراضي أن يوفى لها صداقها، ثم يخيرها. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في الآية قال :إن وضعت لك منه شيئاً، فهو سائغ.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس : ﴿ وَمَن لمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً ﴾ يقول :من لم يكن له سعة ﴿ أَن يَنكِحَ المحصنات ﴾ يقول الحرائر : ﴿ فما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ﴾ فلينكح من إماء المؤمنين ﴿ محصنات غَيْرَ مسافحات ﴾ يعني عفائف غير زواني في سرّ.
ولا علانية ﴿ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ﴾ يعني أخلاء ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ ﴾ ثم إذا تزوجت حراً، ثم زنت ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب ﴾ قال :من الجلد ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ ﴾ هو :الزنا، فليس لأحد من ال

الباطل :ما ليس بحق، ووجوه ذلك كثيرة، ومن الباطل البيوعات التي نهى عنها الشرع. والتجارة في اللغة عبارة عن المعارضة، وهذا الاستثناء منقطع، أي :لكن تجارة عن تراض منكم جائزة بينكم، أو لكن كون تجارة عن تراض منكم حلالاً لكم. وقوله : ﴿ عَن تَرَاضٍ ﴾ صفة لتجارة، أي :كائنة عن تراض، وإنما نص الله سبحانه على التجارة دون سائر أنواع المعاوضات لكونها أكثرها وأغلبها، وتطلق التجارة على جزاء الأعمال من الله على وجه المجاز، ومنه قوله تعالى : ﴿ هَلْ أَدُلُّكمْ على تجارة تُنجِيكُم منْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [ الصف :١٠ ]. وقوله : ﴿ يَرْجُونَ تجارة لن تَبُورَ ﴾ [ فاطر :٢٩ ].
واختلف العلماء في التراضي، فقالت طائفة :تمامه وجوبه بافتراق الأبدان بعد عقد البيع، أو بأن يقول أحدهما لصاحبه :اختر كما في الحديث الصحيح : «البيعان بالخيار ما لم يتفرّقا، أو يقول أحدهما لصاحبه :اختر » وإليه ذهب جماعة من الصحابة، والتابعين، وبه قال الشافعي، والثوري، والأوزاعي، والليث، وابن عيينة، وإسحاق وغيرهم. وقال مالك، وأبو حنيفة :تمام البيع هو أن يعقد البيع بالألسنة، فيرتفع بذلك الخيار، وأجابوا عن الحديث بما لا طائل تحته. وقد قرئ «تجارة » بالرفع على أن كان تامة، وتجارة بالنصب على أنها ناقصة.
قوله : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ﴾ أي :لا يقتل بعضكم أيها المسلمون بعضاً إلا بسبب أثبته الشرع، أو لا تقتلوا أنفسكم باقتراف المعاصي، أو المراد النهي عن أن يقتل الإنسان نفسه حقيقة. ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه المعاني. ومما يدل على ذلك احتجاج عمرو بن العاص بها حين لم يغتسل بالماء البارد حين أجنب في غزاة ذات السلاسل، فقرّر النبي صلى الله عليه وسلم احتجاجه، وهو في مسند أحمد، وسنن أبي داود وغيرهما.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، قال السيوطي بسند صحيح، عن ابن مسعود في قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين ءامَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل ﴾ قال :إنها محكمة ما نسخت، ولا تنسخ إلى يوم القيامة.
وأخرج ابن جرير، عن عكرمة، والحسن في الآية قال :كان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الآية، فنسخ ذلك الآية التي في النور : ﴿ وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ [ النور :٦١ ] الآية.
وأخرج ابن ماجه، وابن المنذر، عن أبي سعيد قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنما البيع عن تراض» وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي صالح، وعكرمة في قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ﴾ قالا :نهاهم عن قتل بعضهم بعضاً. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، عن عطاء بن أبي رباح نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن السدي : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ﴾ قال :أهل دينكم.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله : ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك عدوانا وَظُلْماً ﴾ يعني :متعمداً اعتداء بغير حق : ﴿ وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً ﴾ يقول :كان عذابه على الله هيناً. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج قال :قلت لعطاء :أرأيت قوله تعالى : ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك عدوانا وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً ﴾ في كل ذلك أم في قوله : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ﴾ ؟ قال :بل في قوله : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ﴾.
وأخرج عبد بن حميد، عن أنس بن مالك قال :هان ما سألكم ربكم : ﴿ إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سيئاتكم ﴾. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس قال :كل ما نهى الله عنه، فهو كبيرة، وقد ذكرت الطرفة :يعني النظرة. وأخرج ابن جرير، عنه قال :كل شيء عصى الله فيه، فهو كبيرة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال :كل ما وعد الله عليه النار كبيرة. وأخرج ابن جرير، والبيهقي في الشعب عنه قال :الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير ما قدّمنا عنه. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس :أنه سئل عن الكبائر أسبع هي ؟ قال :هي إلى السبعين أقرب. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه :أن رجلاً سأله كم الكبائر أسبع هي ؟ قال :هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار. وأخرج البيهقي في الشعب عنه :كل ذنب أصر عليه العبد كبيرة، وليس بكبيرة ما تاب عنه العبد.
وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا :وما هي يا رسول الله ؟ قال : «الشرك بالله، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي بكرة قال :قال النبي صلى الله عليه وسلم :" ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ " قلنا :بلى يا رسول الله، قال :" الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً، فجلس، فقال :ألا وقول الزور، وشهادة الزور " فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت ". وأخرج البخاري، وغيره عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" الكبائر :الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس «شك شعبة» واليمين الغموس " وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عمرو قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه " قالوا :وكيف يلعن الرجل والديه ؟ قال :" يسبّ أبا الرجل، فيسبّ أباه، ويسبّ أمه، فيسبّ أمه " والأحاديث في تعداد الكبائر، وتعيينها كثيرة جداً، فمن رام الوقوف على ما ورد في ذلك، فعليه بكتاب الزواجر في الكبائر، فإنه قد أجمع، فأوعى.
واعلم أنه لا بد من تقييد ما في هذه الآية من تكفير السيئات بمجرد اجتناب الكبائر بما أخرجه النسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن أبي هريرة، وأبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر، ثم قال :" والذي نفسي بيده ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويؤدي الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يوم القيامة حتى إنها لتصفق، ثم تلا : ﴿ إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سيئاتكم ﴾ " وأخرج أبو عبيد في فضائله، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم، والبيهقي في الشعب، عن ابن مسعود قال :إن في سورة النساء خمس آيات ما يسرّني أن لي بها الدنيا، وما فيها، ولقد علمت أن العلماء إذا مرّوا بها يعرفونها :قوله تعالى : ﴿ إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾ [ النساء :٣١ ] الآية، وقوله : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ [ النساء :٤٠ ] الآية، وقوله : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ [ النساء :٤٨، ١١٦ ] الآية، وقوله : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءوكَ ﴾ [ النساء :٦٤ ] الآية، وقوله : ﴿ وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ﴾ [ النساء :١١٠ ] الآية.

قوله : ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك ﴾ أي :القتل خاصة، أو أكل أموال الناس ظلماً، والقتل عدواناً وظلماً، وقيل :هو إشارة إلى كل ما نهى عنه في هذه السورة. وقال ابن جرير :إنه عائد على ما نهى عنه من آخر وعيد وهو قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين ءامَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النساء كَرْهاً ﴾ [ النساء :١٩ ] لأن كل ما نهى عنه من أوّل السورة قرن به وعيد إلا من قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين ءامَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ ﴾ فإنه لا وعيد بعده إلا قوله : ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك عدوانا وَظُلْماً ﴾ والعدوان :تجاوز الحدّ. والظلم :وضع الشيء في غير موضعه. وقيل :إن معنى العدوان، والظلم واحد، وتكريره لقصد التأكيد، كما في قول الشاعر :
وألفى قولها كذباً ومينا***. . .
وخرج بقيد العدوان والظلم ما كان من القتل بحق كالقصاص، وقتل المرتد، وسائر الحدود الشرعية، وكذلك قتل الخطأ.
قوله : ﴿ فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ﴾ جواب الشرط، أي :ندخله ناراً عظيمة : ﴿ وَكَانَ ذلك ﴾ أي :إصلاؤه النار ﴿ عَلَى الله يَسِيراً ﴾ لأنه لا يعجزه بشيء. وقرئ : «نصليه » بفتح النون، روي ذلك عن الأعمش، والنخعي، وهو :على هذه القراءة منقول من صلى، ومنه شاة مصلية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، قال السيوطي بسند صحيح، عن ابن مسعود في قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين ءامَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل ﴾ قال :إنها محكمة ما نسخت، ولا تنسخ إلى يوم القيامة.
وأخرج ابن جرير، عن عكرمة، والحسن في الآية قال :كان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الآية، فنسخ ذلك الآية التي في النور : ﴿ وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ [ النور :٦١ ] الآية.
وأخرج ابن ماجه، وابن المنذر، عن أبي سعيد قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنما البيع عن تراض» وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي صالح، وعكرمة في قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ﴾ قالا :نهاهم عن قتل بعضهم بعضاً. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، عن عطاء بن أبي رباح نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن السدي : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ﴾ قال :أهل دينكم.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله : ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك عدوانا وَظُلْماً ﴾ يعني :متعمداً اعتداء بغير حق : ﴿ وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً ﴾ يقول :كان عذابه على الله هيناً. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج قال :قلت لعطاء :أرأيت قوله تعالى : ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك عدوانا وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً ﴾ في كل ذلك أم في قوله : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ﴾ ؟ قال :بل في قوله : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ﴾.
وأخرج عبد بن حميد، عن أنس بن مالك قال :هان ما سألكم ربكم : ﴿ إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سيئاتكم ﴾. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس قال :كل ما نهى الله عنه، فهو كبيرة، وقد ذكرت الطرفة :يعني النظرة. وأخرج ابن جرير، عنه قال :كل شيء عصى الله فيه، فهو كبيرة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال :كل ما وعد الله عليه النار كبيرة. وأخرج ابن جرير، والبيهقي في الشعب عنه قال :الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير ما قدّمنا عنه. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس :أنه سئل عن الكبائر أسبع هي ؟ قال :هي إلى السبعين أقرب. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه :أن رجلاً سأله كم الكبائر أسبع هي ؟ قال :هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار. وأخرج البيهقي في الشعب عنه :كل ذنب أصر عليه العبد كبيرة، وليس بكبيرة ما تاب عنه العبد.
وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا :وما هي يا رسول الله ؟ قال : «الشرك بالله، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي بكرة قال :قال النبي صلى الله عليه وسلم :" ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ " قلنا :بلى يا رسول الله، قال :" الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً، فجلس، فقال :ألا وقول الزور، وشهادة الزور " فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت ". وأخرج البخاري، وغيره عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" الكبائر :الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس «شك شعبة» واليمين الغموس " وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عمرو قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه " قالوا :وكيف يلعن الرجل والديه ؟ قال :" يسبّ أبا الرجل، فيسبّ أباه، ويسبّ أمه، فيسبّ أمه " والأحاديث في تعداد الكبائر، وتعيينها كثيرة جداً، فمن رام الوقوف على ما ورد في ذلك، فعليه بكتاب الزواجر في الكبائر، فإنه قد أجمع، فأوعى.
واعلم أنه لا بد من تقييد ما في هذه الآية من تكفير السيئات بمجرد اجتناب الكبائر بما أخرجه النسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن أبي هريرة، وأبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر، ثم قال :" والذي نفسي بيده ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويؤدي الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يوم القيامة حتى إنها لتصفق، ثم تلا : ﴿ إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سيئاتكم ﴾ " وأخرج أبو عبيد في فضائله، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم، والبيهقي في الشعب، عن ابن مسعود قال :إن في سورة النساء خمس آيات ما يسرّني أن لي بها الدنيا، وما فيها، ولقد علمت أن العلماء إذا مرّوا بها يعرفونها :قوله تعالى : ﴿ إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾ [ النساء :٣١ ] الآية، وقوله : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ [ النساء :٤٠ ] الآية، وقوله : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ [ النساء :٤٨، ١١٦ ] الآية، وقوله : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءوكَ ﴾ [ النساء :٦٤ ] الآية، وقوله : ﴿ وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ﴾ [ النساء :١١٠ ] الآية.

قوله : ﴿ إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سيئاتكم ﴾ أي :إن تجتنبوا كبائر الذنوب التي نهاكم الله عنها : ﴿ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سيئاتكم ﴾ أي :ذنوبكم التي هي صغائر، وحمل السيئات على الصغائر هنا متعين لذكر الكبائر قبلها، وجعل اجتنابها شرطاً لتكفير السيئات. وقد اختلف أهل الأصول في تحقيق معنى الكبائر، ثم في عددها، فأما في تحقيقها، فقيل :إن الذنوب كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال :الزنا صغيرة بالإضافة إلى الكفر، والقبلة المحرّمة صغيرة بالإضافة إلى الزنا، وقد روي نحو هذا عن الإسفراييني، والجويني، والقشيري، وغيرهم قالوا :والمراد بالكبائر التي يكون اجتنابها سبباً لتكفير السيئات هي :الشرك، واستدلوا على ذلك بقراءة من قرأ : ﴿ إِن تَجْتَنِبُوا كبائر مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾ وعلى قراءة الجمع، فالمراد أجناس الكفر، واستدلوا على ما قالوه بقوله تعالى : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ [ النساء :١١٦ ] قالوا :فهذه الآية مقيدة لقوله : ﴿ إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾ وقال ابن عباس :الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. وقال ابن مسعود :الكبائر ما نهى الله عنه في هذه السورة إلى ثلاث وثلاثين آية. وقال سعيد بن جبير :كل ذنب نسبه الله إلى النار فهو كبيرة. وقال جماعة من أهل الأصول :الكبائر كل ذنب رتب الله عليه الحدّ، أو صرح بالوعيد فيه. وقيل غير ذلك مما لا فائدة في التطويل بذكره. وأما الاختلاف في عددها، فقيل :إنها سبع، وقيل :سبعون، وقيل :سبعمائة، وقيل :غير منحصرة، ولكن بعضها أكبر من بعض، وسيأتي ما ورد في ذلك إن شاء الله. قوله : ﴿ وَنُدْخِلْكُمْ مدْخَلاً ﴾ أي :مكان دخول، وهو الجنة : ﴿ كَرِيماً ﴾ أي :حسناً مرضياً، وقد قرأ أبو عمرو، وابن كثير، وابن عامر، والكوفيون ﴿ مدْخَلاً ﴾ بضم الميم. وقرأ أهل المدينة بفتح الميم، وكلاهما اسم مكان، ويجوز أن يكون مصدراً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، قال السيوطي بسند صحيح، عن ابن مسعود في قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين ءامَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل ﴾ قال :إنها محكمة ما نسخت، ولا تنسخ إلى يوم القيامة.
وأخرج ابن جرير، عن عكرمة، والحسن في الآية قال :كان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الآية، فنسخ ذلك الآية التي في النور : ﴿ وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ [ النور :٦١ ] الآية.
وأخرج ابن ماجه، وابن المنذر، عن أبي سعيد قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنما البيع عن تراض» وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي صالح، وعكرمة في قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ﴾ قالا :نهاهم عن قتل بعضهم بعضاً. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، عن عطاء بن أبي رباح نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن السدي : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ﴾ قال :أهل دينكم.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله : ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك عدوانا وَظُلْماً ﴾ يعني :متعمداً اعتداء بغير حق : ﴿ وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً ﴾ يقول :كان عذابه على الله هيناً. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج قال :قلت لعطاء :أرأيت قوله تعالى : ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك عدوانا وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً ﴾ في كل ذلك أم في قوله : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ﴾ ؟ قال :بل في قوله : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ﴾.
وأخرج عبد بن حميد، عن أنس بن مالك قال :هان ما سألكم ربكم : ﴿ إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سيئاتكم ﴾. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس قال :كل ما نهى الله عنه، فهو كبيرة، وقد ذكرت الطرفة :يعني النظرة. وأخرج ابن جرير، عنه قال :كل شيء عصى الله فيه، فهو كبيرة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال :كل ما وعد الله عليه النار كبيرة. وأخرج ابن جرير، والبيهقي في الشعب عنه قال :الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير ما قدّمنا عنه. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس :أنه سئل عن الكبائر أسبع هي ؟ قال :هي إلى السبعين أقرب. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه :أن رجلاً سأله كم الكبائر أسبع هي ؟ قال :هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار. وأخرج البيهقي في الشعب عنه :كل ذنب أصر عليه العبد كبيرة، وليس بكبيرة ما تاب عنه العبد.
وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا :وما هي يا رسول الله ؟ قال : «الشرك بالله، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي بكرة قال :قال النبي صلى الله عليه وسلم :" ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ " قلنا :بلى يا رسول الله، قال :" الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً، فجلس، فقال :ألا وقول الزور، وشهادة الزور " فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت ". وأخرج البخاري، وغيره عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" الكبائر :الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس «شك شعبة» واليمين الغموس " وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عمرو قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه " قالوا :وكيف يلعن الرجل والديه ؟ قال :" يسبّ أبا الرجل، فيسبّ أباه، ويسبّ أمه، فيسبّ أمه " والأحاديث في تعداد الكبائر، وتعيينها كثيرة جداً، فمن رام الوقوف على ما ورد في ذلك، فعليه بكتاب الزواجر في الكبائر، فإنه قد أجمع، فأوعى.
واعلم أنه لا بد من تقييد ما في هذه الآية من تكفير السيئات بمجرد اجتناب الكبائر بما أخرجه النسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن أبي هريرة، وأبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر، ثم قال :" والذي نفسي بيده ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويؤدي الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يوم القيامة حتى إنها لتصفق، ثم تلا : ﴿ إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سيئاتكم ﴾ " وأخرج أبو عبيد في فضائله، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم، والبيهقي في الشعب، عن ابن مسعود قال :إن في سورة النساء خمس آيات ما يسرّني أن لي بها الدنيا، وما فيها، ولقد علمت أن العلماء إذا مرّوا بها يعرفونها :قوله تعالى : ﴿ إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾ [ النساء :٣١ ] الآية، وقوله : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ [ النساء :٤٠ ] الآية، وقوله : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ [ النساء :٤٨، ١١٦ ] الآية، وقوله : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءوكَ ﴾ [ النساء :٦٤ ] الآية، وقوله : ﴿ وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ﴾ [ النساء :١١٠ ] الآية.

قوله : ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْا ﴾ التمني نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل، كالتلهف نوع منها يتعلق بالماضي، وفيه النهي عن أن يتمنى الإنسان ما فضل الله به غيره من الناس عليه، فإن ذلك نوع من عدم الرضا بالقسمة التي قسمها الله بين عباده على مقتضى إرادته، وحكمته البالغة، وفيه أيضاً نوع من الحسد المنهي عنه إذا صحبه إرادة زوال تلك النعمة عن الغير.
وقد اختلف العلماء في الغبطة هل تجوز أم لا ؟ وهي أن يتمنى أن يكون به حال مثل حال صاحبه من دون أن يتمنى زوال ذلك الحال عن صاحبه، فذهب الجمهور إلى جواز ذلك، واستدلوا بالحديث الصحيح : «لا حسد إلا في اثنتين :رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل، وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً، فهو ينفقه آناء الليل، وآناء النهار » وقد بوب عليه البخاري : «باب الاغتباط في العلم، والحكم » وعموم لفظ الآية يقتضي تحريم تمني ما وقع به التفضيل سواء كان مصحوباً بما يصير به من جنس الحسد أم لا، وما ورد في السنة من جواز ذلك في أمور معينة يكون مخصصاً لهذا العموم، وسيأتي ذكر سبب نزول الآية، ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وقوله : ﴿ للرّجَالِ نَصِيبٌ ﴾ الخ، فيه تخصيص بعد التعميم، ورجوع إلى ما يتضمنه سبب نزول الآية من أن أمّ سلمة قالت :يا رسول الله يغزو الرجال، ولا نغزي، ولا نقاتل، فنستشهد، وإنما لنا نصف الميراث، فنزلت. أخرجه عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي، وقد روى نحو هذا السبب من طرق بألفاظ مختلفة. والمعنى في الآية :أن الله جعل لكل من الفريقين نصيباً على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته، وعبر عن ذلك المجعول لكل فريق من فريقي النساء، والرجال بالنصيب، مما اكتسبوا، على طريق الاستعارة التبعية شبه اقتضاء حال كل فريق لنصيبه باكتسابه إياه. قال قتادة :للرجال نصيب مما اكتسبوا من الثواب، والعقاب، وللنساء كذلك. وقال ابن عباس :المراد بذلك :الميراث والاكتساب على هذا القول بمعنى ما ذكرنا. قوله : ﴿ واسألوا الله مِن فَضْلِهِ ﴾ عطف على قوله : ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْا ﴾ وتوسيط التعليل بقوله : ﴿ للرّجَالِ نَصِيبٌ ﴾ الخ. بين المعطوف، والمعطوف عليه لتقرير ما تضمنه النهي، وهذا الأمر يدل على وجوب سؤال الله سبحانه من فضله، كما قاله جماعة من أهل العلم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ ﴾ يقول :لا يتمنى الرجل، فيقول :ليت أن لي مال فلان وأهله، فنهى الله سبحانه عن ذلك، ولكن يسأل الله من فضله : ﴿ للرّجَالِ نَصِيبٌ ممَّا اكتسبوا ﴾ يعني مما ترك الوالدان والأقربون، للذكر مثل حظ الأنثيين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة :أن سبب نزول الآية أن النساء قلن :لو جعل أنصباؤنا في الميراث، كأنصباء الرجال ؟ وقال الرجال :إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة، كما فضلنا عليهنّ في الميراث.
وقد تقدم ذكر سبب النزول. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ واسألوا الله مِن فَضْلِهِ ﴾ قال :ليس بعرض الدنيا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير ﴿ واسألوا الله مِن فَضْلِهِ ﴾ قال :العبادة ليس من أمر الدنيا. وأخرج الترمذي، عن ابن مسعود قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل». قال الترمذي :كذا رواه حماد بن واقد، وليس بالحافظ، ورواه أبو نعيم، عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن رجل، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح، وكذا رواه ابن جرير، وابن مردويه، ورواه أيضاً ابن مردويه من حديث ابن عباس.
وأخرج البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا موَالِي ﴾ قال :ورثة ﴿ والذين عاقدت أيمانكم ﴾ قال :كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوّة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت : ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا موَالِي ﴾ نسخت، ثم قال : ﴿ والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ﴾ من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث، ويوصي له. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه : ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِي ﴾ قال :عصبة ﴿ والذين عاقدت أيمانكم ﴾ قال :كان الرجلان أيهما مات، ورثه الآخر، فأنزل الله : ﴿ وَأُوْلُوا الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله مِنَ المؤمنين والمهاجرين إِلاَّ أَن تَفْعَلُوا إلى أَوْلِيَائِكُمْ معْرُوفاً ﴾ [ الأحزاب :٦ ] يقول :إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية، فهو لهم جائز من ثلث مال الميت، وهو المعروف. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه في الآية قال :كان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل يقول :ترثني وأرثك، وكان الأحياء يتحالفون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كل حلف كان في الجاهلية، أو عقد أدركه الإسلام، فلا يزيده الإسلام إلا شدّة، ولا عقد ولا حلف في الإسلام»، فنسختها هذه الآية : ﴿ وَأُوْلُوا الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ ﴾ [ الأنفال :٧٥ ]. وأخرج أبو داود، وابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي، عنه في الآية قال :كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ ذلك في الأنفال : ﴿ وَأُوْلُوا الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ ﴾.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن :أن رجلاً من الأنصار لطم امرأته، فجاءت تلتمس القصاص، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم بينهما القصاص، فنزل : ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان مِن قَبْلِ إن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ [ طه :١١٤ ] فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن : ﴿ الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء ﴾ الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أردنا أمراً وأراد الله غيره» وأخرج ابن مردويه، عن عليّ نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس : ﴿ الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء ﴾ يعني أمراء عليهنّ أن تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة إلى أهله حافظة لماله ﴿ بِمَا فَضَّلَ الله ﴾ فضله عليها بنفقته، وسعيه ﴿ فالصالحات قانتات ﴾ قال :مطيعات ﴿ حفظات للْغَيْبِ ﴾ يعني :إذا كنّ كذا، فأحسنوا إليهنّ. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة ﴿ حافظات للْغَيْبِ ﴾ قال :حافظات للغيب بما استودعهنّ الله من حقه، وحافظات لغيب أزواجهنّ. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد قال : ﴿ حافظات للْغَيْبِ ﴾ للأزواج. وأخرج ابن جرير، عن السدي قال :تحفظ على زوجها ماله، وفرجها حتى يرجع، كما أمرها الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس ﴿ واللاتى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ قال :تلك المرأة تنشز، وتستخفّ بحق زوجها، ولا تطيع أمره، فأمره الله أن يعظها، ويذكرها بالله، ويعظم حقه عليها، فإن قبلت، وإلا هجرها في المضجع، ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها تشديد، فإن رجعت، وإلا ضربها ضرباً غير مبرح، ولا يكسر لها عظماً، ولا يجرح بها جرحاً ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ﴾ يقول :إذا أطاعتك، فلا تتجنى عليها العلل. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس : ﴿ واهجروهن فِى المضاجع ﴾ قال :لا يجامعها. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عنه قال :يهجرها بلسانه، ويغلظ لها بالقول، ولا يدع الجماع. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن جرير، عن عطاء :أنه سأل ابن عباس، عن الضرب غير المبرح، فقال :بالسواك، ونحوه. وقد أخرج الترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، عن عمرو بن الأحوص :أنه شهد خطبة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم «ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنما هنّ عوان عندكم ليس تملكون منهنّ شيئاً غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن، فاهجروهنّ في المضاجع، واضربوهنّ ضرباً غير مبرح ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ﴾» وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن عبد الله بن زمعة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أيضرب أحدكم امرأته، كما يضرب العبد ؟ ثم يجامعها في آخر اليوم».

قوله : ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا موالي مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون ﴾ أي :جعلنا لكل إنسان ورثة موالي يلون ميراثه، ف ﴿ لكل ﴾ مفعول ثان قدّم على الفعل لتأكيد الشمول، وهذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها، أي :ليتبع كل أحد ما قسم الله له من الميراث، ولا يتمن ما فضل الله به غيره عليه.
وقد قيل :إن هذه الآية منسوخة بقوله بعدها : ﴿ والذين عاقدت أيمانكم ﴾ وقيل :العكس. كما روى ذلك ابن جرير. وذهب الجمهور إلى أن الناسخ لقوله ﴿ والذين عاقدت أيمانكم ﴾ قوله تعالى ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ﴾ [ الأنفال :٧٥ ] والموالى جمع مولى، وهو :يطلق على المعتق، والمعتق، والناصر، وابن العم، والجار قيل :والمراد هنا :العصبة، أي :ولكل جعلنا عصبة يرثون ما أبقت الفرائض. قوله : ﴿ والذين عاقدت أيمانكم ﴾ المراد بهم موالى الموالاة :كان الرجل من أهل الجاهلية يعاقد الرجل، أي :يحالفه فيستحق من ميراثه نصيباً، ثم ثبت في صدر الإسلام بهذه الآية، ثم نسخ بقوله : ﴿ وَأُوْلُوا الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ ﴾ [ الأنفال :٧٥ ] وقراءة الجمهور : ﴿ عاقدت ﴾ وروي عن حمزة أنه قرأ : «عقدت » بتشديد القاف على التكثير، أي :والذين عقدت لهم أيمانكم الحلف، أو عقدت عهودهم أيمانكم، والتقدير على قراءة الجمهور :والذين عاقدتهم أيمانكم، فآتوهم نصيبهم، أي :ما جعلتموه لهم بعقد الحلف.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ ﴾ يقول :لا يتمنى الرجل، فيقول :ليت أن لي مال فلان وأهله، فنهى الله سبحانه عن ذلك، ولكن يسأل الله من فضله : ﴿ للرّجَالِ نَصِيبٌ ممَّا اكتسبوا ﴾ يعني مما ترك الوالدان والأقربون، للذكر مثل حظ الأنثيين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة :أن سبب نزول الآية أن النساء قلن :لو جعل أنصباؤنا في الميراث، كأنصباء الرجال ؟ وقال الرجال :إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة، كما فضلنا عليهنّ في الميراث.
وقد تقدم ذكر سبب النزول. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ واسألوا الله مِن فَضْلِهِ ﴾ قال :ليس بعرض الدنيا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير ﴿ واسألوا الله مِن فَضْلِهِ ﴾ قال :العبادة ليس من أمر الدنيا. وأخرج الترمذي، عن ابن مسعود قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل». قال الترمذي :كذا رواه حماد بن واقد، وليس بالحافظ، ورواه أبو نعيم، عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن رجل، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح، وكذا رواه ابن جرير، وابن مردويه، ورواه أيضاً ابن مردويه من حديث ابن عباس.
وأخرج البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا موَالِي ﴾ قال :ورثة ﴿ والذين عاقدت أيمانكم ﴾ قال :كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوّة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت : ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا موَالِي ﴾ نسخت، ثم قال : ﴿ والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ﴾ من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث، ويوصي له. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه : ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِي ﴾ قال :عصبة ﴿ والذين عاقدت أيمانكم ﴾ قال :كان الرجلان أيهما مات، ورثه الآخر، فأنزل الله : ﴿ وَأُوْلُوا الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله مِنَ المؤمنين والمهاجرين إِلاَّ أَن تَفْعَلُوا إلى أَوْلِيَائِكُمْ معْرُوفاً ﴾ [ الأحزاب :٦ ] يقول :إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية، فهو لهم جائز من ثلث مال الميت، وهو المعروف. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه في الآية قال :كان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل يقول :ترثني وأرثك، وكان الأحياء يتحالفون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كل حلف كان في الجاهلية، أو عقد أدركه الإسلام، فلا يزيده الإسلام إلا شدّة، ولا عقد ولا حلف في الإسلام»، فنسختها هذه الآية : ﴿ وَأُوْلُوا الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ ﴾ [ الأنفال :٧٥ ]. وأخرج أبو داود، وابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي، عنه في الآية قال :كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ ذلك في الأنفال : ﴿ وَأُوْلُوا الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ ﴾.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن :أن رجلاً من الأنصار لطم امرأته، فجاءت تلتمس القصاص، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم بينهما القصاص، فنزل : ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان مِن قَبْلِ إن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ [ طه :١١٤ ] فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن : ﴿ الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء ﴾ الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أردنا أمراً وأراد الله غيره» وأخرج ابن مردويه، عن عليّ نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس : ﴿ الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء ﴾ يعني أمراء عليهنّ أن تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة إلى أهله حافظة لماله ﴿ بِمَا فَضَّلَ الله ﴾ فضله عليها بنفقته، وسعيه ﴿ فالصالحات قانتات ﴾ قال :مطيعات ﴿ حفظات للْغَيْبِ ﴾ يعني :إذا كنّ كذا، فأحسنوا إليهنّ. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة ﴿ حافظات للْغَيْبِ ﴾ قال :حافظات للغيب بما استودعهنّ الله من حقه، وحافظات لغيب أزواجهنّ. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد قال : ﴿ حافظات للْغَيْبِ ﴾ للأزواج. وأخرج ابن جرير، عن السدي قال :تحفظ على زوجها ماله، وفرجها حتى يرجع، كما أمرها الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس ﴿ واللاتى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ قال :تلك المرأة تنشز، وتستخفّ بحق زوجها، ولا تطيع أمره، فأمره الله أن يعظها، ويذكرها بالله، ويعظم حقه عليها، فإن قبلت، وإلا هجرها في المضجع، ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها تشديد، فإن رجعت، وإلا ضربها ضرباً غير مبرح، ولا يكسر لها عظماً، ولا يجرح بها جرحاً ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ﴾ يقول :إذا أطاعتك، فلا تتجنى عليها العلل. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس : ﴿ واهجروهن فِى المضاجع ﴾ قال :لا يجامعها. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عنه قال :يهجرها بلسانه، ويغلظ لها بالقول، ولا يدع الجماع. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن جرير، عن عطاء :أنه سأل ابن عباس، عن الضرب غير المبرح، فقال :بالسواك، ونحوه. وقد أخرج الترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، عن عمرو بن الأحوص :أنه شهد خطبة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم «ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنما هنّ عوان عندكم ليس تملكون منهنّ شيئاً غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن، فاهجروهنّ في المضاجع، واضربوهنّ ضرباً غير مبرح ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ﴾» وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن عبد الله بن زمعة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أيضرب أحدكم امرأته، كما يضرب العبد ؟ ثم يجامعها في آخر اليوم».

قوله : ﴿ الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ﴾ هذه الجملة مستأنفة مشتملة على بيان العلة التي استحق بها الرجال الزيادة، كأنه قيل :كيف استحق الرجال ما استحقوا مما لم تشاركهم فيه النساء ؟ فقال : ﴿ الرجال قَوَّامُونَ ﴾ الخ، والمراد :أنهم يقومون بالذب عنهنّ، كما تقوم الحكام والأمراء بالذبّ عن الرعية، وهم أيضاً يقومون بما يحتجن إليه من النفقة والكسوة والمسكن، وجاء بصيغة المبالغة في قوله : ﴿ قَوَّامُونَ ﴾ ليدّل على أصالتهم في هذا الأمر، والباء في قوله : ﴿ بِمَا فَضَّلَ الله ﴾ للسببية والضمير في قوله : ﴿ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ ﴾ للرجال والنساء، أي :إنما استحقوا هذه المزية لتفضيل الله للرجال على النساء بما فضلهم به من كون فيهم الخلفاء والسلاطين والحكام والأمراء والغزاة، وغير ذلك من الأمور. قوله : ﴿ وَبِمَا أَنفَقُوا ﴾ أي :وبسبب ما أنفقوا من أموالهم، وما مصدرية، أو موصولة، وكذلك هي في قوله : ﴿ بِمَا فَضَّلَ الله ﴾ و " من " تبعيضية، والمراد :ما أنفقوه في الإنفاق على النساء، وبما دفعوه في مهورهنّ من أموالهم، وكذلك ما ينفقونه في الجهاد، وما يلزمهم في العقل.
وقد استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على جواز فسخ النكاح إذا عجز الزوج عن نفقة زوجته وكسوتها، وبه قال مالك، والشافعي، وغيرهما.
قوله : ﴿ فالصالحات ﴾ أي :من النساء ﴿ قانتات ﴾ أي :مطيعات لله قائمات بما يجب عليهنّ من حقوق الله، وحقوق أزواجهنّ ﴿ حفظات للْغَيْبِ ﴾ أي :لما يجب حفظه عند غيبة أزواجهنّ عنهنّ من حفظ نفوسهنّ، وحفظ أموالهم، «وما » في قوله : ﴿ بِمَا حَفِظَ الله ﴾ مصدرية، أي :بحفظ الله. والمعنى :أنهنّ حافظات لغيب أزواجهنّ بحفظ الله لهنّ ومعونته وتسديده، أو حافظات له بما استحفظهنّ من أداء الأمانة إلى أزواجهن على الوجه الذي أمر الله به، أو حافظات له بحفظ الله لهنّ بما أوصى به الأزواج في شأنهنّ من حسن العشرة، ويجوز أن تكون «ما » موصولة، والعائد محذوف.
وقرأ أبو جعفر :" بِمَا حَفِظَ الله " بنصب الاسم الشريف. والمعنى بما حفظن الله :أي :حفظن أمره، أو حفظن دينه، فحذف الضمير الراجع إليهنّ للعلم به، و«ما » على هذه القراءة مصدرية، أو موصولة، كالقراءة الأولى، أي :بحفظهن الله، أو بالذي حفظن الله به.
قوله : ﴿ واللاتى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ هذا خطاب للأزواج، قيل :الخوف هنا على بابه، وهو حالة تحدث في القلب عند حدوث أمر مكروه، أو عند ظنّ حدوثه، وقيل المراد :بالخوف هنا العلم. والنشوز :العصيان. وقد تقدّم بيان أصل معناه في اللغة. قال ابن فارس :يقال :نشزت المرأة :استعصت على بعلها، ونشز بعلها عليها :إذا ضربها وجفاها ﴿ فَعِظُوهُنَّ ﴾ أي :ذكروهنّ بما أوجبه الله عليهن من الطاعة، وحسن العشرة، ورغبوهنّ، ورهبوهنّ، ﴿ واهجروهن فِى المضاجع ﴾ يقال :هجره، أي :تباعد عنه. والمضاجع :جمع مضجع، وهو محل الاضطجاع، أي :تباعدوا عن مضاجعتهنّ، ولا تدخلوهنّ تحت ما تجعلونه عليكم حال الاضطجاع من الثياب، وقيل :هو أن يوليها ظهره عند الاضطجاع، وقيل :هو كناية عن ترك جماعها. وقيل :لا تبيت معه في البيت الذي يضطجع فيه ﴿ واضربوهن ﴾ أي :ضرباً غير مبرح. وظاهر النظم القرآني أنه يجوز للزوج أن يفعل جميع هذه الأمور عند مخافة النشوز، وقيل :إنه لا يهجرها إلا بعد عدم تأثير الوعظ، فإن أثر الوعظ لم ينتقل إلى الهجر. وإن كفاه الهجر لم ينتقل إلى الضرب ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ ﴾ كما يجب، وتركن النشوز ﴿ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ﴾ أي :لا تتعرضوا لهنّ بشيء مما يكرهن لا بقول، ولا بفعل، وقيل :المعنى :لا تكلفوهنّ الحبّ لكم، فإنه لا يدخل تحت اختيارهنّ ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ﴾ إشارة إلى الأزواج بخفض الجناح ولين الجانب، أي :وإن كنتم تقدرون عليهنّ، فاذكروا قدرة الله عليكم، فإنها فوق كل قدرة، والله بالمرصاد لكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ ﴾ يقول :لا يتمنى الرجل، فيقول :ليت أن لي مال فلان وأهله، فنهى الله سبحانه عن ذلك، ولكن يسأل الله من فضله : ﴿ للرّجَالِ نَصِيبٌ ممَّا اكتسبوا ﴾ يعني مما ترك الوالدان والأقربون، للذكر مثل حظ الأنثيين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة :أن سبب نزول الآية أن النساء قلن :لو جعل أنصباؤنا في الميراث، كأنصباء الرجال ؟ وقال الرجال :إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة، كما فضلنا عليهنّ في الميراث.
وقد تقدم ذكر سبب النزول. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ واسألوا الله مِن فَضْلِهِ ﴾ قال :ليس بعرض الدنيا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير ﴿ واسألوا الله مِن فَضْلِهِ ﴾ قال :العبادة ليس من أمر الدنيا. وأخرج الترمذي، عن ابن مسعود قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل». قال الترمذي :كذا رواه حماد بن واقد، وليس بالحافظ، ورواه أبو نعيم، عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن رجل، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح، وكذا رواه ابن جرير، وابن مردويه، ورواه أيضاً ابن مردويه من حديث ابن عباس.
وأخرج البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا موَالِي ﴾ قال :ورثة ﴿ والذين عاقدت أيمانكم ﴾ قال :كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوّة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت : ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا موَالِي ﴾ نسخت، ثم قال : ﴿ والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ﴾ من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث، ويوصي له. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه : ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِي ﴾ قال :عصبة ﴿ والذين عاقدت أيمانكم ﴾ قال :كان الرجلان أيهما مات، ورثه الآخر، فأنزل الله : ﴿ وَأُوْلُوا الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله مِنَ المؤمنين والمهاجرين إِلاَّ أَن تَفْعَلُوا إلى أَوْلِيَائِكُمْ معْرُوفاً ﴾ [ الأحزاب :٦ ] يقول :إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية، فهو لهم جائز من ثلث مال الميت، وهو المعروف. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه في الآية قال :كان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل يقول :ترثني وأرثك، وكان الأحياء يتحالفون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كل حلف كان في الجاهلية، أو عقد أدركه الإسلام، فلا يزيده الإسلام إلا شدّة، ولا عقد ولا حلف في الإسلام»، فنسختها هذه الآية : ﴿ وَأُوْلُوا الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ ﴾ [ الأنفال :٧٥ ]. وأخرج أبو داود، وابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي، عنه في الآية قال :كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ ذلك في الأنفال : ﴿ وَأُوْلُوا الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ ﴾.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن :أن رجلاً من الأنصار لطم امرأته، فجاءت تلتمس القصاص، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم بينهما القصاص، فنزل : ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان مِن قَبْلِ إن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ [ طه :١١٤ ] فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن : ﴿ الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء ﴾ الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أردنا أمراً وأراد الله غيره» وأخرج ابن مردويه، عن عليّ نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس : ﴿ الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء ﴾ يعني أمراء عليهنّ أن تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة إلى أهله حافظة لماله ﴿ بِمَا فَضَّلَ الله ﴾ فضله عليها بنفقته، وسعيه ﴿ فالصالحات قانتات ﴾ قال :مطيعات ﴿ حفظات للْغَيْبِ ﴾ يعني :إذا كنّ كذا، فأحسنوا إليهنّ. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة ﴿ حافظات للْغَيْبِ ﴾ قال :حافظات للغيب بما استودعهنّ الله من حقه، وحافظات لغيب أزواجهنّ. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد قال : ﴿ حافظات للْغَيْبِ ﴾ للأزواج. وأخرج ابن جرير، عن السدي قال :تحفظ على زوجها ماله، وفرجها حتى يرجع، كما أمرها الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس ﴿ واللاتى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ قال :تلك المرأة تنشز، وتستخفّ بحق زوجها، ولا تطيع أمره، فأمره الله أن يعظها، ويذكرها بالله، ويعظم حقه عليها، فإن قبلت، وإلا هجرها في المضجع، ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها تشديد، فإن رجعت، وإلا ضربها ضرباً غير مبرح، ولا يكسر لها عظماً، ولا يجرح بها جرحاً ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ﴾ يقول :إذا أطاعتك، فلا تتجنى عليها العلل. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس : ﴿ واهجروهن فِى المضاجع ﴾ قال :لا يجامعها. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عنه قال :يهجرها بلسانه، ويغلظ لها بالقول، ولا يدع الجماع. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن جرير، عن عطاء :أنه سأل ابن عباس، عن الضرب غير المبرح، فقال :بالسواك، ونحوه. وقد أخرج الترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، عن عمرو بن الأحوص :أنه شهد خطبة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم «ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنما هنّ عوان عندكم ليس تملكون منهنّ شيئاً غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن، فاهجروهنّ في المضاجع، واضربوهنّ ضرباً غير مبرح ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ﴾» وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن عبد الله بن زمعة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أيضرب أحدكم امرأته، كما يضرب العبد ؟ ثم يجامعها في آخر اليوم».

قد تقدّم معنى الشقاق في البقرة، وأصله أن كل واحد منهم يأخذ شقاً غير شق صاحبه، أي :ناحية غير ناحيته، وأضيف الشقاق إلى الظرف لإجرائه مجرى المفعول به، كقوله تعالى : ﴿ بَلْ مَكْرُ اليل والنهار ﴾ [ سبأ :٣٣ ] » وقول الشاعر :
يا سارق الليلة أهل الدار***. . .
والخطاب للأمراء والحكام، والضمير في قوله : ﴿ بَيْنَهُمَا ﴾ للزوجين ؛ لأنه قد تقدم ذكر ما يدل عليهما، وهو ذكر الرجال والنساء ﴿ فابعثوا ﴾ إلى الزوجين ﴿ حُكْمًا ﴾ يحكم بينهما ممن يصلح لذلك عقلاً وديناً وإنصافاً، وإنما نص الله سبحانه على أن الحكمين يكونان من أهل الزوجين ؛ لأنهما أقعد بمعرفة أحوالهما، وإذا لم يوجد من أهل الزوجين من يصلح للحكم بينهما كان الحكمان من غيرهم، وهذا إذا أشكل أمرهما، ولم يتبين من هو المسيء منهما ؛ فأما إذا عرف المسيء، فإنه يؤخذ لصاحبه الحق منه، وعلى الحكمين أن يسعيا في إصلاح ذات البين جهدهما، فإن قدرا على ذلك عملا عليه، وإن أعياهما إصلاح حالهما، ورأيا التفريق بينهما جاز لهما ذلك من دون أمر من الحاكم في البلد، ولا توكيل بالفرقة من الزوجين. وبه قال مالك، والأوزاعي، وإسحاق، وهو مرويّ، عن عثمان، وعليّ، وابن عباس، والشعبي، والنخعي، والشافعي، وحكاه ابن كثير عن الجمهور، قالوا :لأن الله قال : ﴿ فابعثوا حَكَماً منْ أَهْلِهِ وَحَكَماً منْ أَهْلِهَا ﴾ وهذا نصّ من الله سبحانه أنهما قاضيان لا وكيلان، ولا شاهدان. وقال الكوفيون، وعطاء، وابن زيد، والحسن، وهو أحد قولي الشافعي :إن التفريق هو إلى الإمام، أو الحاكم في البلد لا إليهما، ما لم يوكلهما الزوجان، أو يأمرهما الإمام والحاكم ؛ لأنهما رسولان شاهدان، فليس إليهما التفريق، ويرشد إلى هذا قوله : ﴿ إِن يُرِيدَا ﴾ أي الحكمان ﴿ إصلاحا ﴾ بين الزوجين ﴿ يُوَفّقِ الله بَيْنَهُمَا ﴾ لاقتصاره على ذكر الإصلاح دون التفريق. ومعنى : ﴿ إِن يُرِيدَا إصلاحا يُوَفّقِ الله بَيْنَهُمَا ﴾ أي :يوقع الموافقة بين الزوجين حتى يعودا إلى الألفة وحسن العشرة. ومعنى الإرادة :خلوص نيتهما لصلاح الحال بين الزوجين، وقيل :إن الضمير في قوله : ﴿ يُوَفّقِ الله بَيْنَهُمَا ﴾ للحكمين، كما في قوله : ﴿ إِن يُرِيدَا إصلاحا ﴾ أي :يوفق بين الحكمين في اتحاد كلمتهما، وحصول مقصودهما، وقيل :كلا الضميرين للزوجين، أي :إن يريدا إصلاح ما بينهما من الشقاق أوقع الله بينهما الألفة والوفاق، وإذا اختلف الحكمان لم ينفذ حكمهما، ولا يلزم قبول قولهما بلا خلاف.
وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ قال :هذا الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما أمر الله أن تبعثوا رجلاً صالحاً من أهل الرجل، ورجلاً مثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا امرأته عنه، وقسروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قسروها على زوجها، ومنعوها النفقة، فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا، فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا، فرضي أحد الزوجين، وكره الآخر ذلك، ثم مات أحدهما فإن الذي رضي يرث الذي كره، ولا يرث الكاره الراضي ﴿ إِن يُرِيدَا إصلاحا ﴾ قال :هما الحكمان ﴿ يُوَفّقِ الله بَيْنَهُمَا ﴾ وكذلك كل مصلح يوفقه للحق والصواب.
وأخرج الشافعي في الأمّ، وعبد الرزاق في المصنف، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن عبيدة السلماني في هذه الآية قال :جاء رجل وامرأة إلى عليّ، ومعهما فئام من الناس، فأمرهم عليّ، فبعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، ثم قال للحكمين :تدريان ما عليكما ؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا، قالت المرأة :رضيت بكتاب الله بما عليّ فيه ولي ؛ وقال الرجل :أما الفرقة، فلا، فقال :كذبت، والله حتى تقرّ مثل الذي أقرّت به. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس قال :بعثت أنا ومعاوية حكمين، فقيل لنا :إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، والذي بعثهما عثمان. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن الحسن قال :إنما يبعث الحكمان ليصلحا، ويشهدا على الظالم بظلمه، فأما الفرقة فليست بأيديهما. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة نحوه. وأخرج البيهقي، عن عليّ قال :إذا حكم أحد الحكمين ولم يحكم الآخر، فليس حكمه بشيء حتى يجتمعا.
قد تقدّم بيان معنى العبادة. و ﴿ شيئاً ﴾ إما مفعول به، أي :لا تشركوا به شيئاً من الأشياء من غير فرق بين حيّ وميت، وجماد وحيوان، وإما مصدر، أي :لا تشركوا به شيئاً من الإشراك من غير فرق بين الشرك الأكبر والأصغر والواضح والخفي. وقوله : ﴿ إحسانا ﴾ مصدر لفعل محذوف، أي :أحسنوا بالوالدين إحساناً. وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع، وقد دل ذكر الإحسان إلى الوالدين بعد الأمر بعبادة الله، والنهي عن الإشراك به على عظم حقهما، ومثله : ﴿ أَنِ اشكر لِى ولوالديك ﴾ [ لقمان :١٤ ] فأمر سبحانه بأن يشكرا معه. قوله : ﴿ وَبِذِي القربى ﴾ أي :صاحب القرابة، وهو من يصح إطلاق اسم القربى عليه، وإن كان بعيداً. ﴿ واليتامى والمساكين ﴾ قد تقدّم تفسيرهم والمعنى وأحسنوا بذي القربى إلى آخر ما هو مذكور في هذه الآية : ﴿ والجار ذِي القربى ﴾ أي :القريب جواره، وقيل :هو من له مع الجوار في الدار قرب في النسب ﴿ والجار الجنب ﴾ المجانب، وهو مقابل للجار ذي القربى، والمراد من يصدق عليه مسمى الجوارمع كون داره بعيدة، وفي ذلك دليل على تعميم الجيران بالإحسان إليهم سواء كانت الديار متقاربة أو متباعدة، وعلى أن الجوار حرمة مرعية مأمور بها. وفيه ردّ على من يظن أن الجار مختص بالملاصق دون من بينه وبينه حائل، أو مختص بالقريب دون البعيد. وقيل :إن المراد بالجار الجنب هنا :هو الغريب. وقيل :هو الأجنبي الذي لا قرابة بينه وبين المجاور له. وقرأ الأعمش، والمفضل : «والجار الجنب » بفتح الجيم، وسكون النون، أي :ذي الجنب، وهو :الناحية، وأنشد الأخفش :
الناس جنب، والأمير جنب***. . .
وقيل :المراد بالجار ذي القربى :المسلم، وبالجار الجنب :اليهودي والنصراني. وقد اختلف أهل العلم في المقدار الذي يصدق عليه مسمى الجوار، ويثبت لصاحبه الحق. فروي عن الأوزاعي والحسن أنه إلى حدّ أربعين داراً من كل ناحية، وروي عن الزهري نحوه. وقيل :من سمع إقامة الصلاة. وقيل :إذا جمعتهما محلة. وقيل :من سمع النداء. والأولى أن يرجع في معنى الجار إلى الشرع، فإن وجد فيه ما يقتضي بيانه، وأنه يكون جاراً إلى حد كذا من الدور، أو من مسافة الأرض، كان العمل عليه متعيناً، وإن لم يوجد رجع إلى معناه لغة أو عرفاً. ولم يأت في الشرع ما يفيد أن الجار هو الذي بينه وبين جاره مقدار كذا، ولا ورد في لغة العرب أيضاً ما يفيد ذلك، بل المراد بالجار في اللغة :المجاور، ويطلق على معان. قال في القاموس. والجار المجاور، والذي أجرته من أن يظلم، والمجير، والمستجير، والشريك في التجارة، وزوج المرأة وهي جارته، وفرج المرأة، وما قرب من المنازل، والإست كالجارة، والقاسم، والحليف، والناصر انتهى. قال القرطبي في تفسيره :وروي :أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال :إني نزلت محلة قوم، وإن أقربهم إليّ جوارا أشدّهم لي أذى فبعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر، وعمر، وعلياً يصيحون على أبواب المساجد :" ألا إن أربعين داراً جار، ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه " انتهى. ولو ثبت هذا لكان مغنياً عن غيره، ولكنه رواه، كما ترى من غير عزوله إلى أحد كتب الحديث المعروفة، وهو :وإن كان إماماً في علم الرواية، فلا تقوم الحجة بما يرويه بغير سند مذكور، ولا نقل عن كتاب مشهور، ولا سيما، وهو يذكر الواهيات كثيراً، كما يفعل في تذكرته، وقد ورد في القرآن ما يدل على أن المساكنة في مدينة مجاورة، قال الله تعالى : «لئن لم ينته المنافقون » إلى قوله : ﴿ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ [ الأحزاب :٦٠ ] فجعل اجتماعهم في المدينة جواراً. وأما الأعراف في مسمى الجوار، فهي تختلف باختلاف أهلها، ولا يصح حمل القرآن على أعراف متعارفة، واصطلاحات متواضعة.
قوله : ﴿ والصاحب بالجنب ﴾ قيل :هو الرفيق في السفر، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، والضحاك. وقال علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن أبي ليلى :هو الزوجة. وقال ابن جريج :هو الذي يصحبك، ويلزمك رجاء نفعك. ولا يبعد أن تتناول الآية جميع ما في هذه الأقوال مع زيادة عليها وهو :كل من صدق عليه أنه صاحب بالجنب أي :بجنبك كمن يقف بجنبك في تحصيل علم، أو تعلم صناعة، أو مباشرة تجارة، أو نحو ذلك. قوله : ﴿ وابن السبيل ﴾ قال مجاهد :هو الذي يجتاز بك مارّاً، والسبيل الطريق، فنسب المسافر إليه لمروره عليه، ولزومه إياه، فالأولى تفسيره بمن هو على سفر، فإن على المقيم أن يحسن إليه. وقيل :هو المنقطع به. وقيل :هو الضيف. قوله : ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ أي :وأحسنوا إلى ما ملكت أيمانكم إحساناً، وهم :العبيد والإماء، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم يطعمون مما يطعم مالكهم ويلبسون مما يلبس. والمختال ذو الخيلاء، وهو الكبر، والتيه، أي :لا يحب من كان متكبراً تائهاً على الناس مفتخراً عليهم. والفخر :المدح للنفس، والتطاول، وتعديد المناقب، وخص هاتين الصفتين ؛ لأنهما يحملان صاحبهما على الأنفة مما ندب الله إليه في هذه الآية.
وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان من طرق، عن ابن عباس في قوله : ﴿ والجار ذِي القربى ﴾ يعني :الذي بينك، وبينه قرابة ﴿ والجار الجنب ﴾ يعني :الذي ليس بينك، وبينه قرابة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن نوف البكالي قال :الجار ذي القربى :المسلم، والجار الجنب :اليهودي والنصراني.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله : ﴿ والصاحب بالجنب ﴾ قال :الرفيق في السفر. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير، ومجاهد مثله. وأخرج الحكيم، والترمذي في نوادر الأصول، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم : ﴿ والصاحب بالجنب ﴾ قال :هو جليسك في الحضر، ورفيقك في السفر، وامرأتك التي تضاجعك. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عليّ قال :هو المرأة. وأخرج هؤلاء، والطبراني عن ابن مسعود مثله.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ قال :مما خوّلك الله، فأحسن صحبته، كل هذا أوصى الله به. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل نحوه، وقد ورد مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في برّ الوالدين، وفي صلة القرابة، وفي الإحسان إلى اليتامى، وفي الإحسان إلى الجار، وفي القيام بما يحتاجه المماليك أحاديث كثيرة قد اشتملت عليها كتب السنة لا حاجة بنا إلى بسطها هنا، وهكذا ورد في ذم الكبر والاختيال والفخر ما هو معروف.
قوله : ﴿ الذين يَبْخَلُونَ ﴾ هم في محل نصب بدلاً من قوله : ﴿ مَن كَانَ مُخْتَالاً ﴾ أو على الذمّ، أو في محل رفع على الابتداء، والخبر مقدّر، أي :لهم كذا وكذا من العذاب، ويجوز أن يكون مرفوعاً بدلاً من الضمير المستتر في قوله : ﴿ مُخْتَالاً فَخُوراً ﴾ ويجوز أن يكون منصوباً على تقدير أعني، أو مرفوعاً على الخبر، والمبتدأ مقدّر، أي :هم الذين يبخلون، والجملة في محل نصب على البدل. والبخل المذموم في الشرع هو الامتناع من أداء ما أوجب الله، وهؤلاء المذكورون في هذه الآية ضموا إلى ما وقعوا فيه من البخل الذي هو أشرّ خصال الشرّ ما هو أقبح منه، وأدل على سقوط نفس فاعله، وبلوغه في الرذالة إلى غايتها، وهو أنهم مع بخلهم بأموالهم، وكتمهم لما أنعم الله به عليهم من فضله ﴿ يَأْمُرُونَ الناس بالبخل ﴾ كأنهم يجدون في صدورهم من جود غيرهم بماله حرجاً ومضاضة، فلا كثر في عباده من أمثالكم، هذه أموالكم قد بخلتم بها لكونكم تظنون انتقاصها بإخراج بعضها في مواضعه، فما بالكم بخلتم بأموال غيركم ؟ مع أنه لا يلحقكم في ذلك ضرر، وهل هذا إلا غاية اللوم ونهاية الحمق، والرقاعة وقبح الطباع وسوء الاختيار. وقد تقدم اختلاف القراءات في البخل. وقد قيل :إن المراد بهذه الآية :اليهود، فإنهم جمعوا بين الاختيال، والفخر، والبخل بالمال، وكتمان ما أنزل الله في التوراة وقيل :المراد بها المنافقون، ولا يخفى أن اللفظ أوسع من ذلك، وأكثر شمولاً، وأعمّ فائدة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :كان كردم بن يزيد حليف كعب بن الأشرف، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبحري بن عمرو، وحيي بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت يأتون رجالاً من الأنصار يتنصحون لهم، فيقولون :لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة، فإنكم لا تدرون ما يكون ؟ فأنزل الله فيهم : ﴿ الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل ﴾ إلى قوله : ﴿ وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً ﴾.
وقد أخرج ابن أبي حاتم، عنه أنها نزلت في اليهود. وأخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد. وأخرجه ابن جرير، عن سعيد بن جبير. وأخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن ابن عباس : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ قال :رأس نملة حمراء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله : ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً ﴾ وزن ذرة زادت على سيئاته ﴿ يضاعفها ﴾ فأما المشرك، فيخفف به عنه العذاب، ولا يخرج من النار أبداً. وأخرج البخاري، وغيره، عن ابن مسعود قال :قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اقرأ عليّ»، قلت يا رسول الله آقرأ عليك، وعليك أنزل ؟ قال : «نعم إني أحبّ أن أسمعه من غيري»، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً ﴾ قال : «حسبك الآن»، فإذا عيناه تذرفان. وأخرجه الحاكم، وصححه من حديث عمرو بن حريث.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض ﴾ يعني :أن تسوّى الأرض بالجبال، والأرض عليهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية :يقول :ودّوا لو انخرقت بهم الأرض، فساخوا فيها. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً ﴾ قال :بجوارحهم.

قوله : ﴿ والذين يُنْفِقُونَ أموالهم رِئَاء الناس ﴾ عطف على قوله : ﴿ الذين يَبْخَلُونَ ﴾ ووجه ذلك أن الأوّلين قد فرطوا بالبخل، وبأمر الناس به، وبكتم ما آتاهم الله من فضله، وهؤلاء أفرطوا ببذل أموالهم في غير مواضعها لمجرد الرياء، والسمعة، كما يفعله من يريد أن يتسامع الناس بأنه كريم، ويتطاول على غيره بذلك، ويشمخ بأنفه عليه، مع ما ضم إلى هذا الإنفاق الذي يعود عليه بالضرر من عدم الإيمان بالله وباليوم الآخر. قوله : ﴿ وَمَن يَكُنِ الشيطان لَهُ قَرِيناً ﴾ في الكلام إضمار، والتقدير، ولا يؤمنون بالله، ولا باليوم الآخر، فقرينهم الشيطان ﴿ وَمَن يَكُنِ الشيطان لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً ﴾ والقرين المقارن، وهو الصاحب، والخليل. والمعنى :من قبل من الشيطان في الدنيا، فقد قارنه فيها، أو فهو قرينه في النار، فساء الشيطان قرينا : ﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ ﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :كان كردم بن يزيد حليف كعب بن الأشرف، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبحري بن عمرو، وحيي بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت يأتون رجالاً من الأنصار يتنصحون لهم، فيقولون :لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة، فإنكم لا تدرون ما يكون ؟ فأنزل الله فيهم : ﴿ الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل ﴾ إلى قوله : ﴿ وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً ﴾.
وقد أخرج ابن أبي حاتم، عنه أنها نزلت في اليهود. وأخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد. وأخرجه ابن جرير، عن سعيد بن جبير. وأخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن ابن عباس : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ قال :رأس نملة حمراء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله : ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً ﴾ وزن ذرة زادت على سيئاته ﴿ يضاعفها ﴾ فأما المشرك، فيخفف به عنه العذاب، ولا يخرج من النار أبداً. وأخرج البخاري، وغيره، عن ابن مسعود قال :قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اقرأ عليّ»، قلت يا رسول الله آقرأ عليك، وعليك أنزل ؟ قال : «نعم إني أحبّ أن أسمعه من غيري»، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً ﴾ قال : «حسبك الآن»، فإذا عيناه تذرفان. وأخرجه الحاكم، وصححه من حديث عمرو بن حريث.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض ﴾ يعني :أن تسوّى الأرض بالجبال، والأرض عليهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية :يقول :ودّوا لو انخرقت بهم الأرض، فساخوا فيها. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً ﴾ قال :بجوارحهم.

﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ ﴾ أي :على هذه الطوائف ﴿ لَوْ ءامَنُوا بالله واليوم الأخر وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ الله ﴾ ابتغاء لوجهه وامتثالاً لأمره، أي :وماذا يكون عليهم من ضرر لو فعلوا ذلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :كان كردم بن يزيد حليف كعب بن الأشرف، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبحري بن عمرو، وحيي بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت يأتون رجالاً من الأنصار يتنصحون لهم، فيقولون :لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة، فإنكم لا تدرون ما يكون ؟ فأنزل الله فيهم : ﴿ الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل ﴾ إلى قوله : ﴿ وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً ﴾.
وقد أخرج ابن أبي حاتم، عنه أنها نزلت في اليهود. وأخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد. وأخرجه ابن جرير، عن سعيد بن جبير. وأخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن ابن عباس : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ قال :رأس نملة حمراء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله : ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً ﴾ وزن ذرة زادت على سيئاته ﴿ يضاعفها ﴾ فأما المشرك، فيخفف به عنه العذاب، ولا يخرج من النار أبداً. وأخرج البخاري، وغيره، عن ابن مسعود قال :قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اقرأ عليّ»، قلت يا رسول الله آقرأ عليك، وعليك أنزل ؟ قال : «نعم إني أحبّ أن أسمعه من غيري»، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً ﴾ قال : «حسبك الآن»، فإذا عيناه تذرفان. وأخرجه الحاكم، وصححه من حديث عمرو بن حريث.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض ﴾ يعني :أن تسوّى الأرض بالجبال، والأرض عليهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية :يقول :ودّوا لو انخرقت بهم الأرض، فساخوا فيها. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً ﴾ قال :بجوارحهم.

قوله : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ المثقال مفعال من الثقل، كالمقدار من القدر، وهو منتصب على أنه نعت لمفعول محذوف، أي :لا يظلم شيئاً مثقال ذرة.
والذرّة واحدة الذرّ، وهي :النمل الصغار. وقيل :رأس النملة. وقيل :الذرّة الخردلة. وقيل :كل جزء من أجزاء الهباء الذي يظهر فيما يدخل من الشمس من كوة أو غيرها ذرة. والأوّل هو المعنى اللغوي الذي يجب حمل القرآن عليه. والمراد من الكلام :أن الله لا يظلم كثيراً، ولا قليلاً، أي :لا يبخسهم من ثواب أعمالهم، ولا يزيد في عقاب ذنوبهم وزن ذرّة فضلاً عما فوقها. قوله : ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يضاعفها ﴾ قرأ أهل الحجاز : «حسنة » بالرفع. وقرأ من عداهم بالنصب، والمعنى على القراءة الأولى :إن توجد حسنة، على أنّ كان هي التامة لا الناقصة، وعلى القراءة الثانية :إن تك فعلته حسنة يضاعفها، وقيل :إن التقدير :إن تك مثقال الذرّة حسنة، وأنث ضمير المثقال لكونه مضافاً إلى المؤنث، والأوّل أولى. وقرأ الحسن :" نضاعفها " بالنون، وقرأ الباقون بالياء، وهي الأرجح لقوله : ﴿ وَيُؤْتِ مِن لدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ﴾ وقد تقدّم الكلام في المضاعفة، والمراد :مضاعفة ثواب الحسنة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :كان كردم بن يزيد حليف كعب بن الأشرف، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبحري بن عمرو، وحيي بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت يأتون رجالاً من الأنصار يتنصحون لهم، فيقولون :لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة، فإنكم لا تدرون ما يكون ؟ فأنزل الله فيهم : ﴿ الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل ﴾ إلى قوله : ﴿ وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً ﴾.
وقد أخرج ابن أبي حاتم، عنه أنها نزلت في اليهود. وأخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد. وأخرجه ابن جرير، عن سعيد بن جبير. وأخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن ابن عباس : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ قال :رأس نملة حمراء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله : ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً ﴾ وزن ذرة زادت على سيئاته ﴿ يضاعفها ﴾ فأما المشرك، فيخفف به عنه العذاب، ولا يخرج من النار أبداً. وأخرج البخاري، وغيره، عن ابن مسعود قال :قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اقرأ عليّ»، قلت يا رسول الله آقرأ عليك، وعليك أنزل ؟ قال : «نعم إني أحبّ أن أسمعه من غيري»، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً ﴾ قال : «حسبك الآن»، فإذا عيناه تذرفان. وأخرجه الحاكم، وصححه من حديث عمرو بن حريث.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض ﴾ يعني :أن تسوّى الأرض بالجبال، والأرض عليهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية :يقول :ودّوا لو انخرقت بهم الأرض، فساخوا فيها. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً ﴾ قال :بجوارحهم.

قوله : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ كيف منصوبة بفعل مضمر، كما هو رأي سيبويه، أو محلها رفع على الابتداء، كما هو رأي غيره، والإشارة بقوله : ﴿ هَؤُلاء ﴾ إلى الكفار. وقيل :إلى كفار قريش خاصة. والمعنى :فكيف يكون حال هؤلاء الكفار يوم القيامة إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ؟ وهذا الاستفهام معناه :التوبيخ، والتقريع.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :كان كردم بن يزيد حليف كعب بن الأشرف، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبحري بن عمرو، وحيي بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت يأتون رجالاً من الأنصار يتنصحون لهم، فيقولون :لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة، فإنكم لا تدرون ما يكون ؟ فأنزل الله فيهم : ﴿ الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل ﴾ إلى قوله : ﴿ وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً ﴾.
وقد أخرج ابن أبي حاتم، عنه أنها نزلت في اليهود. وأخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد. وأخرجه ابن جرير، عن سعيد بن جبير. وأخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن ابن عباس : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ قال :رأس نملة حمراء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله : ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً ﴾ وزن ذرة زادت على سيئاته ﴿ يضاعفها ﴾ فأما المشرك، فيخفف به عنه العذاب، ولا يخرج من النار أبداً. وأخرج البخاري، وغيره، عن ابن مسعود قال :قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اقرأ عليّ»، قلت يا رسول الله آقرأ عليك، وعليك أنزل ؟ قال : «نعم إني أحبّ أن أسمعه من غيري»، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً ﴾ قال : «حسبك الآن»، فإذا عيناه تذرفان. وأخرجه الحاكم، وصححه من حديث عمرو بن حريث.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض ﴾ يعني :أن تسوّى الأرض بالجبال، والأرض عليهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية :يقول :ودّوا لو انخرقت بهم الأرض، فساخوا فيها. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً ﴾ قال :بجوارحهم.

﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُوا وَعَصوا الرسول لَوْ تسوى بِهِمُ الارض ﴾ قرأ نافع، وابن عامر " تسوى " بفتح التاء، وتشديد السين، وقرأ حمزة، والكسائي بفتح التاء، وتخفيف السين، وقرأ الباقون بضم التاء، وتخفيف السين. والمعنى على القراءة الأولى والثانية :أن الأرض هي التي تسوّى بهم، أي :أنهم تمنوا لو انفتحت لهم الأرض، فساخوا فيها، وقيل الباء في قوله : ﴿ بِهِمُ ﴾ بمعنى على، أي :تسوّى عليهم الأرض. وعلى القراءة الثالثة الفعل مبنيّ للمفعول، أي :لو سوّى الله بهم الأرض، فيجعلهم والأرض سواء حتى لا يبعثوا.
قوله : ﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً ﴾ عطف على ﴿ يَوَدُّ ﴾ أي :يومئذ يودّ الذين كفروا، ويومئذ لا يكتمون الله حديثاً، ولا يقدرون على ذلك. قال الزجاج :قال بعضهم ﴿ لا يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً ﴾ مستأنف ؛ لأن ما عملوه ظاهر عند الله لا يقدرون على كتمانه. وقال بعضهم :هو معطوف. والمعنى :يودّون أن الأرض سوّيت بهم وأنهم لم يكتموا الله حديثاً ؛ لأنه ظهر كذبهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :كان كردم بن يزيد حليف كعب بن الأشرف، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبحري بن عمرو، وحيي بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت يأتون رجالاً من الأنصار يتنصحون لهم، فيقولون :لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة، فإنكم لا تدرون ما يكون ؟ فأنزل الله فيهم : ﴿ الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل ﴾ إلى قوله : ﴿ وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً ﴾.
وقد أخرج ابن أبي حاتم، عنه أنها نزلت في اليهود. وأخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد. وأخرجه ابن جرير، عن سعيد بن جبير. وأخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن ابن عباس : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ قال :رأس نملة حمراء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله : ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً ﴾ وزن ذرة زادت على سيئاته ﴿ يضاعفها ﴾ فأما المشرك، فيخفف به عنه العذاب، ولا يخرج من النار أبداً. وأخرج البخاري، وغيره، عن ابن مسعود قال :قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اقرأ عليّ»، قلت يا رسول الله آقرأ عليك، وعليك أنزل ؟ قال : «نعم إني أحبّ أن أسمعه من غيري»، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً ﴾ قال : «حسبك الآن»، فإذا عيناه تذرفان. وأخرجه الحاكم، وصححه من حديث عمرو بن حريث.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض ﴾ يعني :أن تسوّى الأرض بالجبال، والأرض عليهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية :يقول :ودّوا لو انخرقت بهم الأرض، فساخوا فيها. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً ﴾ قال :بجوارحهم.

قوله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ جعل الخطاب خاصاً بالمؤمنين ؛ لأنهم كانوا يقربون الصلاة حال السكر، وأما الكفار، فهم لا يقربونها سكارى ولا غير سكارى. قوله : ﴿ لاَ تَقْرَبُوا ﴾ قال أهل اللغة :إذا قيل :لا تقرب بفتح الراء معناه لا تتلبس بالفعل، وإذا كان بضم الراء كان معناه :لا تدن منه. والمراد هنا :النهي عن التلبس بالصلاة، وغشيانها. وبه قال جماعة من المفسرين، وإليه ذهب أبو حنيفة. وقال آخرون المراد :مواضع الصلاة، وبه قال الشافعي. وعلى هذا فلا بدّ من تقدير مضاف، ويقوّي هذا قوله : ﴿ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾ وقالت طائفة :المراد الصلاة ومواضعها معاً ؛ لأنهم كانوا حينئذ لا يأتون المسجد إلا للصلاة، ولا يصلون إلا مجتمعين، فكانا متلازمين.
قوله : ﴿ وَأَنتُمْ سكارى ﴾ الجملة في محل نصب على الحال، وسكارى جمع سكران، مثل كسالى جمع كسلان. وقرأ النخعي : «سكري » بفتح السين، وهو تكسير سكران. وقرأ الأعمش : «سُكْرى » كحبلى صفة مفردة. وقد ذهب العلماء كافة إلى أن المراد بالسكر هنا :سكر الخمر، إلا الضحاك، فإنه قال :المراد سكر النوم. وسيأتي بيان سبب نزول الآية، وبه يندفع ما يخالف الصواب من هذه الأقوال. قوله : ﴿ حتى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾ هذا غاية النهي عن قربان الصلاة في حال السكر، أي :حتى يزول عنكم أثر السكر، وتعلموا ما تقولونه، فإن السكران لا يعلم ما يقوله، وقد تمسك بهذا من قال :إن طلاق السكران لا يقع ؛ لأنه إذا لم يعلم ما يقوله انتفى القصد. وبه قال عثمان بن عفان، وابن عباس، وطاوس، وعطاء، والقاسم، وربيعة، وهو قول الليث بن سعد، وإسحاق، وأبي ثور، والمزني. واختاره الطحاوي، وقال :أجمع العلماء على أن طلاق المعتوه لا يجوز، والسكران معتوه كالموسوس. وأجازت طائفة وقوع طلاقه، وهو محكيّ عن عمر ابن الخطاب، ومعاوية، وجماعة من التابعين، وهو :قول أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي. واختلف قول الشافعي في ذلك. وقال مالك :يلزمه الطلاق، والقود في الجراح، والقتل، ولا يلزمه النكاح، والبيع.
قوله : ﴿ وَلاَ جُنُباً ﴾ عطف على محل الجملة الحالية، وهي قوله : ﴿ وَأَنتُمْ سكارى ﴾ والجنب لا يؤنث، ولا يثنى، ولا يجمع ؛ لأنه ملحق بالمصدر كالبعد والقرب. قال الفراء :يقال جنب الرجل، وأجنب من الجنابة. وقيل :يجمع الجنب في لغة على أجناب، مثل عنق، وأعناق، وطنب، وأطناب. وقوله : ﴿ إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾ استثناء مفرّغ، أي :لا تقربوها في حال من الأحوال إلا في حال عبور السبيل. والمراد به هنا :السفر، ويكون محل هذا الاستثناء المفرّغ النصب على الحال من ضمير لا تقربوا بعد تقييده بالحال الثانية، وهي قوله : ﴿ وَلاَ جُنُباً ﴾ لا بالحال الأولى، وهي قوله : ﴿ وَأَنتُمْ سكارى ﴾ فيصير المعنى :لا تقربوا الصلاة حال كونكم جنباً إلا حال السفر، فإنه يجوز لكم أن تصلوا بالتيمم، وهذا قول عليّ، وابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، والحكم، وغيرهم، قالوا :لا يصح لأحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال إلا المسافر، فإنه يتيمم ؛ لأن الماء قد يعدم في السفر لا في الحضر، فإن الغالب أنه لا يعدم.
وقال ابن مسعود، وعكرمة، والنخعي، وعمرو بن دينار، ومالك، والشافعي :عابر السبيل هو :المجتاز في المسجد، وهو مرويّ عن ابن عباس، فيكون معنى الآية على هذا لا تقربوا مواضع الصلاة، وهي :المساجد في حال الجنابة إلا أن تكونوا مجتازين فيها من جانب إلى جانب، وفي القول الأوّل قوّة من جهة كون الصلاة فيه باقية على معناها الحقيقي، وضعف من جهة ما في حمل عابر السبيل على المسافر، وإن معناه :أنه يقرب الصلاة عند عدم الماء بالتيمم، فإن هذا الحكم يكون في الحاضر إذا عدم الماء، كما يكون في المسافر، وفي القول الثاني قوّة من جهة عدم التكلف في معنى قوله : ﴿ إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾ وضعف من جهة حمل الصلاة على مواضعها.
وبالجملة فالحال الأولى، أعني قوله : ﴿ وَأَنتُمْ سكارى ﴾ تقوّي بقاء الصلاة على معناها الحقيقي من دون تقدير مضاف، وكذلك ما سيأتي من سبب نزول الآية يقوّي ذلك. وقوله : ﴿ إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾ يقوّي تقدير المضاف، أي :لا تقربوا مواضع الصلاة. ويمكن أن يقال :إن بعض قيود النهي أعني : ﴿ لا تقربوا ﴾ وهو قوله : ﴿ وَأَنتُمْ سكارى ﴾ يدل على أن المراد بالصلاة معناها الحقيقي، وبعض قيود النهي وهو قوله : ﴿ إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾ يدل على أن المراد مواضع الصلاة، ولا مانع من اعتبار كل واحد منهما مع قيده الدالّ عليه، ويكون ذلك بمنزلة نهيين مقيد كل واحد منهما بقيد، وهما لا تقربوا الصلاة التي هي ذات الأذكار والأركان، وأنتم سكارى، ولا تقربوا مواضع الصلاة حال كونكم جنباً إلا حال عبوركم في المسجد من جانب إلى جانب، وغاية ما يقال في هذا أنه من الجمع بين الحقيقة والمجاز، وهو جائز بتأويل مشهور.
وقال ابن جرير بعد حكايته للقولين :والأولى قول من قال : ﴿ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾ إلا مجتازي طريق فيه، وذلك أنه قد بين حكم المسافر إذا عدم الماء، وهو جنب في قوله : ﴿ وَإِنْ كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ منْكُمْ من الغائط أَوْ لامستم النساء فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صعيداً طيباً ﴾ فكان معلوماً بذلك، أي :أن قوله : ﴿ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حتى تَغْتَسِلُوا ﴾ لو كان معنياً به المسافر لم يكن لإعادة ذكره في قوله : ﴿ وَإِنْ كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ ﴾ معنى مفهوم.
وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الآية :يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها، وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضاً جنباً حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل. قال :والعابر السبيل المجتاز مرّاً وقطعاً، يقال منه :عبرت هذا الطريق، فأنا أعبره عبراً وعبوراً، ومنه قيل :عبر فلان النهر إذا قطعه وجاوزه، ومنه قيل للناقة القوية :هي عبر أسفار لقوّتها على قطع الأسفار. قال ابن كثير :وهذا الذي نصره يعني ابن جرير هو قول الجمهور، وهو الظاهر من الآية. انتهى.
قوله : ﴿ حتى تَغْتَسِلُوا ﴾ غاية للنهي عن قربان الصلاة، أو مواضعها حال الجنابة. والمعنى :لا تقربوها حال الجنابة حتى تغتسلوا إلا حال عبوركم السبيل. قوله : ﴿ وَإِنْ كُنتُم مرضى ﴾ المرض عبارة عن خروج البدن عن حدّ الاعتدال، والاعتياد إلى الاعوجاج والشذوذ، وهو على ضربين كثير ويسير. والمراد هنا :أن يخاف على نفسه التلف، أو الضرر باستعمال الماء، أو كان ضعيفاً في بدنه وهو لا يقدر على الوصول إلى موضع الماء. وروي عن الحسن أنه يتطهر، وإن مات، وهذا باطل يدفعه قوله تعالى : ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ ﴾ [ الحج :٧٨ ]. وقوله : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ﴾ [ النساء :٢٩ ] وقوله : ﴿ يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر ﴾ [ البقرة :١٨٥ ] قوله : ﴿ أَوْ على سَفَرٍ ﴾ فيه جواز التيمم لمن صدق عليه اسم المسافر، والخلاف مبسوط في كتب الفقه. وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يشترط أن يكون سفر قصر، وقال قوم :لا بد من ذلك. وقد أجمع العلماء على جواز التيمم للمسافر. واختلفوا في الحاضر، فذهب مالك، وأصحابه، وأبو حنيفة، ومحمد إلى أنه يجوز في الحضر، والسفر. وقال الشافعي :لا يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم إلا أن يخاف التلف.
قوله : ﴿ أَوْ جَاء أَحَدٌ منْكُمْ من الغائط ﴾ هو المكان المنخفض، والمجيء منه كناية عن الحدث، والجمع الغيطان، والأغواط، وكانت العرب تقصد هذا الصنف من المواضع لقضاء الحاجة تستراً عن أعين الناس، ثم سمي الحدث الخارج من الإنسان غائطاً توسعاً، ويدخل في الغائط جميع الأحداث الناقضة للوضوء. قوله : ﴿ أَوْ لامستم النساء ﴾ قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر : ﴿ لامستم ﴾ وقرأ حمزة، والكسائي : «لمستم » قيل المراد بها :بها في القراءتين الجماع. وقيل :المراد به :مطلق المباشرة، وقيل :إنه يجمع الأمرين جميعاً. وقال محمد بن يزيد المبرد :الأولى في اللغة أن يكون : ﴿ لامستم ﴾ بمعنى قبلتم، ونحوه، و«لمستم » بمعنى غشيتم.
واختلف العلماء في معنى ذلك على أقوال، فقالت فرقة :الملامسة هنا مختصة باليد دون الجماع، قالوا :والجنب لا سبيل له إلى التيمم بل يغتسل، أو يدع الصلاة حتى يجد الماء. وقد روي هذا عن عمرو بن الخطاب، وابن مسعود. قال ابن عبد البر :لم يقل بقولهما في هذه المسألة أحد من فقهاء الأمصار من أهل الرأي، وحملة الآثار انتهى. وأيضاً الأحاديث الصحيحة تدفعه، وتبطله، كحديث عمار، وعمران بن حصين، وأبي ذرّ في تيمم الجنب. وقالت طائفة :هو الجماع كما في قوله : ﴿ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ ﴾ [ الأحزاب :٤٩ ]، وقوله : ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ ﴾ [ البقرة :٢٣٧ ] وهو مرويّ عن عليّ، وأبيّ بن كعب، وابن عباس، ومجاهد، وطاوس، والحسن، وعبيد ابن عمير، وسعيد بن جبير، والشعبي، وقتادة، ومقاتل بن حبان، وأبي حنيفة. وقال مالك :الملامس بالجماع يتيمم، والملامس باليد يتيمم إذا التذّ، فإن لمسها بغير شهوة، فلا وضوء، وبه قال أحمد، وإسحاق. وقال الشافعي :إذا أفضى الرجل بشيء من بدنه إلى بدن المرأة سواء كان باليد، أو غيرها من أعضاء الجسد انتقضت به الطهارة وإلا فلا. وحكاه القرطبي عن ابن مسعود، وابن عمر، والزهري، وربيعة. وقال الأوزاعي :إذا كان اللمس باليد نقض الطهر، وإن كان بغير اليد لم ينقضه لقوله تعالى ﴿ فلمسوه بأيديهم ﴾ [ الأنعام :٧ ] وقد احتجوا بحجج تزعم كل طائفة أن حجتها تدل على أن الملامسة المذكورة في الآية هي ما ذهبت إليه، وليس الأمر كذلك. فقد اختلفت الصحابة، ومن بعدهم في معنى الملامسة المذكورة في الآية، وعلى فرض أنها ظاهرة في الجماع، فقد ثبتت القراءة المروية عن حمزة، والكسائي بلفظ : «أو لمستم » وهي محتملة بلا شك، ولا شبهة، ومع الاحتمال، فلا تقوم الحجة بالمحتمل. وهذا الحكم تعمّ به البلوى، ويثبت به التكليف العامّ، فلا يحل إثباته بمحتمل قط، وقد وقع النزاع في مفهومه. وإذا عرفت هذا، فقد ثبتت السنة الصحيحة بوجوب التيمم على من اجتنب ولم يجد الماء، فكان الجنب داخلاً في الآية بهذا الدليل، وعلى فرض عدم دخوله فالسنة تكفي في ذلك.
وأما وجوب الوضوء، أو التيمم على من لمس المرأة بيده، أو بشيء من بدنه، فلا يصح القول به استدلالاً بهذه الآية لما عرفت من الاحتمال. وأما ما استدلوا به من أنه صلى الله عليه وسلم أتاه رجل، فقال :يا رسول الله ما تقول في رجل لقي امرأة لا يعرفها ؟ وليس يأتي الرجل من امرأته شيئاً إلا قد أتاه منها غير أنه لم يجامعها فأنزل الله : ﴿ وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار وَزُلَفاً منَ الليل إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ﴾ [ هود :١١٤ ]. أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي من حديث معاذ، قالوا :فأمره بالوضوء ؛ لأنه لمس المرأة، ولم ي
قوله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُوا نَصِيبًا منَ الكتاب ﴾ كلام مستأنف، والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية من المسلمين. والنصيب :الحظّ، والمراد :اليهود أوتوا نصيباً من التوراة. وقوله : ﴿ يَشْتَرُونَ ﴾ جملة حالية، والمراد بالاشتراء :الاستبدال، وقد تقدم تحقيق معناه. والمعنى :أن اليهود استبدلوا الضلالة، وهي :البقاء على اليهودية، بعد وضوح الحجة على صحة نبوّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. قوله : ﴿ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السبيل ﴾ عطف على قوله : ﴿ يَشْتَرُونَ ﴾ مشارك له في بيان سوء صنيعهم، وضعف اختيارهم، أي :لم يكتفوا بما جنوه على أنفسهم من استبدال الضلالة بالهدى، بل أرادوا مع ضلالهم أن يتوصلوا بكتمهم وجحدهم إلى أن تضلوا أنتم أيها المؤمنون السبيل المستقيم، الذي هو سبيل الحق.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال :كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء اليهود، وإذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه، وقال :أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه، فأنزل الله فيه : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُوا نَصِيبًا منَ الكتاب ﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم، عنه في قوله : ﴿ يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه ﴾ يعني :يحرفون حدود الله في التوراة، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله : ﴿ يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه ﴾ قال :تبديل اليهود التوراة ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ قالوا :سمعنا ما تقول ولا نطيعك ﴿ واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ قال :غير مقبول ما تقول : ﴿ لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ ﴾ قال :خلافاً يلوون به ألسنتهم ﴿ واسمع وانظرنا ﴾ قال :أفهمنا لا تعجل علينا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن عباس في قوله : ﴿ واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ قال :يقولون اسمع لا سمعت.
وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال :كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار اليهود :منهم عبد الله بن صوريا، وكعب بن أسد، فقال لهم : «يا معشر اليهود اتقوا الله، وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق» فقالوا :ما نعرف ذلك يا محمد، وأنزل الله فيهم : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين أُوتُوا الكتاب ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ من قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ قال :طمسها أن تعمي ﴿ فَنَرُدَّهَا على أدبارها ﴾ يقول :نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم، فيمشون القهقري. ونجعل لأحدهم عينين في قفاه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ من قَبْلِ أَن نطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ يقول :عن صراط الحق ﴿ فَنَرُدَّهَا على أدبارها ﴾ قال :في الضلالة. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن نحوه.
وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني عن أبي أيوب الأنصاري قال :جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال :إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام، قال : «وما دينه ؟» قال :يصلي ويوحد الله، قال :استوهب منه دينه، فإن أبى فابتعه منه، فطلب الرجل منه ذلك، فأبى عليه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال :وجدته شحيحاً على دينه، فنزلت : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ الآية. وأخرج ابن الضريس، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن عدّي بسند صحيح، عن ابن عمر قال :كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم : «﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾» وقال : «إنيّ ادّخرت دعوتي، وشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عمر قال :لما نزلت : ﴿ قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُوا على أَنفُسِهِمْ ﴾ [ الزمر :٥٣ ] الآية قام رجل فقال :والشرك يا نبيّ الله ؟ فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ الآية. وأخرج ابن المنذر، عن أبي مجلز أن سؤال هذا الرجل هو سبب نزول : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال في هذه الآية :إن الله حرّم المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته، فلم يؤيسهم من المغفرة. وأخرج الترمذي، وحسنه عن علي قال :أحبّ آية إلىّ في القرآن ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ الآية.

﴿ والله أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ﴾ أيها المؤمنون، وما يريدونه بكم من الإضلال، والجملة اعتراضية ﴿ وكفى بالله وَلِيّاً ﴾ لكم ﴿ وكفى بالله نَصِيراً ﴾ ينصركم في مواطن الحرب، فاكتفوا بولايته ونصره، ولا تتولوا غيره، ولا تستنصروه، والباء في قوله : ﴿ بالله ﴾ في الموضعين زائدة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال :كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء اليهود، وإذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه، وقال :أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه، فأنزل الله فيه : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُوا نَصِيبًا منَ الكتاب ﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم، عنه في قوله : ﴿ يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه ﴾ يعني :يحرفون حدود الله في التوراة، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله : ﴿ يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه ﴾ قال :تبديل اليهود التوراة ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ قالوا :سمعنا ما تقول ولا نطيعك ﴿ واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ قال :غير مقبول ما تقول : ﴿ لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ ﴾ قال :خلافاً يلوون به ألسنتهم ﴿ واسمع وانظرنا ﴾ قال :أفهمنا لا تعجل علينا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن عباس في قوله : ﴿ واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ قال :يقولون اسمع لا سمعت.
وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال :كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار اليهود :منهم عبد الله بن صوريا، وكعب بن أسد، فقال لهم : «يا معشر اليهود اتقوا الله، وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق» فقالوا :ما نعرف ذلك يا محمد، وأنزل الله فيهم : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين أُوتُوا الكتاب ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ من قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ قال :طمسها أن تعمي ﴿ فَنَرُدَّهَا على أدبارها ﴾ يقول :نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم، فيمشون القهقري. ونجعل لأحدهم عينين في قفاه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ من قَبْلِ أَن نطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ يقول :عن صراط الحق ﴿ فَنَرُدَّهَا على أدبارها ﴾ قال :في الضلالة. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن نحوه.
وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني عن أبي أيوب الأنصاري قال :جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال :إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام، قال : «وما دينه ؟» قال :يصلي ويوحد الله، قال :استوهب منه دينه، فإن أبى فابتعه منه، فطلب الرجل منه ذلك، فأبى عليه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال :وجدته شحيحاً على دينه، فنزلت : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ الآية. وأخرج ابن الضريس، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن عدّي بسند صحيح، عن ابن عمر قال :كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم : «﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾» وقال : «إنيّ ادّخرت دعوتي، وشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عمر قال :لما نزلت : ﴿ قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُوا على أَنفُسِهِمْ ﴾ [ الزمر :٥٣ ] الآية قام رجل فقال :والشرك يا نبيّ الله ؟ فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ الآية. وأخرج ابن المنذر، عن أبي مجلز أن سؤال هذا الرجل هو سبب نزول : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال في هذه الآية :إن الله حرّم المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته، فلم يؤيسهم من المغفرة. وأخرج الترمذي، وحسنه عن علي قال :أحبّ آية إلىّ في القرآن ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ الآية.

قوله : ﴿ منَ الذين هَادُوا ﴾ قال الزجاج :إن جعلت متعلقة بما قبل، فلا يوقف على قوله : ﴿ نَصِيراً ﴾ وإن جعلت منقطعة، فيجوز الوقف على ﴿ نصيراً ﴾ والتقدير :من الذين هادوا قوم يحرّفون، ثم حذف، وهذا مذهب سيبويه، ومثله قول الشاعر :
لو قلت ما في قومها لم أيثم يفضلها في حسب وميسم
قالوا :المعنى :لو قلت ما في قومها أحد يفضلها، ثم حذف. وقال الفراء :المحذوف لفظ من :أي من الذين هادوا من يحرّفون الكلم كقوله : ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ معْلُومٌ ﴾ [ الصافات :١٦٤ ] أي :من له، ومنه قول ذي الرمة :
فظلوا ومنهم دمعه سابق له ***
أي :من دمعه، وأنكره المبرّد والزجاج ؛ لأن حذف الموصول كحذف بعض الكلمة ؛ وقيل إن قوله : ﴿ منَ الذين هَادُوا ﴾ بيان لقوله : ﴿ الذين أُوتُوا نَصِيبًا منَ الكتاب ﴾. والتحريف :الإمالة والإزالة، أي :يميلونه ويزيلونه عن مواضعه، ويجعلون مكانه غيره، أو المراد :أنهم يتأوّلونه على غير تأويله، وذمهم الله عزّ وجلّ بذلك، لأنهم يفعلونه عناداً وبغياً، وتأثيراً لغرض الدنيا.
قوله : ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ أي :سمعنا قولك، وعصينا أمرك ﴿ واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ أي :اسمع حال كونك غير مسمع، وهو يحتمل أن يكون دعاء على النبيّ صلى الله عليه وسلم، والمعنى :اسمع لا سمعت، ويحتمل أن يكون المعنى :اسمع غير مسمع مكروهاً، أو اسمع غير مسمع جواباً. وقد تقدم الكلام في راعنا. ومعنى : ﴿ لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ ﴾ أنهم يلوونها عن الحق، أي :يميلونها إلى ما في قلوبهم، وأصل الليّ :الفتل وهو منتصب على المصدر، ويجوز أن يكون مفعولاً لأجله. قوله : ﴿ وَطَعْناً فِى الدين ﴾ معطوف على ﴿ ليا ﴾، أي :يطعنون في الدين بقولهم :لو كان نبياً لعلم أنا نسُّبه، فأطلع الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا ﴾ قولك : ﴿ وَأَطَعْنَا ﴾ أمرك : ﴿ واسمع ﴾ ما نقول : ﴿ وانظرنا ﴾ أي :لو قالوا هذا مكان قولهم راعنا ﴿ لَكَانَ خَيْراً لهُمْ ﴾ مما قالوه ﴿ وَأَقْوَمُ ﴾ أي :أعدل، وأولى من قولهم الأوّل، وهو قولهم : ﴿ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعنا ﴾ لما في هذا من المخالفة وسوء الأدب، واحتمال الذم في راعنا ﴿ ولكن ﴾ لم يسلكوا المسلك الحسن، ويأتوا بما هو خير لهم وأقوم، ولهذا : ﴿ لعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ أي :إلا إيماناً قليلاً، وهو الإيمان ببعض الكتب دون بعض، وببعض الرسل دون بعض.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال :كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء اليهود، وإذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه، وقال :أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه، فأنزل الله فيه : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُوا نَصِيبًا منَ الكتاب ﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم، عنه في قوله : ﴿ يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه ﴾ يعني :يحرفون حدود الله في التوراة، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله : ﴿ يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه ﴾ قال :تبديل اليهود التوراة ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ قالوا :سمعنا ما تقول ولا نطيعك ﴿ واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ قال :غير مقبول ما تقول : ﴿ لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ ﴾ قال :خلافاً يلوون به ألسنتهم ﴿ واسمع وانظرنا ﴾ قال :أفهمنا لا تعجل علينا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن عباس في قوله : ﴿ واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ قال :يقولون اسمع لا سمعت.
وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال :كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار اليهود :منهم عبد الله بن صوريا، وكعب بن أسد، فقال لهم : «يا معشر اليهود اتقوا الله، وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق» فقالوا :ما نعرف ذلك يا محمد، وأنزل الله فيهم : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين أُوتُوا الكتاب ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ من قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ قال :طمسها أن تعمي ﴿ فَنَرُدَّهَا على أدبارها ﴾ يقول :نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم، فيمشون القهقري. ونجعل لأحدهم عينين في قفاه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ من قَبْلِ أَن نطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ يقول :عن صراط الحق ﴿ فَنَرُدَّهَا على أدبارها ﴾ قال :في الضلالة. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن نحوه.
وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني عن أبي أيوب الأنصاري قال :جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال :إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام، قال : «وما دينه ؟» قال :يصلي ويوحد الله، قال :استوهب منه دينه، فإن أبى فابتعه منه، فطلب الرجل منه ذلك، فأبى عليه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال :وجدته شحيحاً على دينه، فنزلت : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ الآية. وأخرج ابن الضريس، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن عدّي بسند صحيح، عن ابن عمر قال :كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم : «﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾» وقال : «إنيّ ادّخرت دعوتي، وشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عمر قال :لما نزلت : ﴿ قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُوا على أَنفُسِهِمْ ﴾ [ الزمر :٥٣ ] الآية قام رجل فقال :والشرك يا نبيّ الله ؟ فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ الآية. وأخرج ابن المنذر، عن أبي مجلز أن سؤال هذا الرجل هو سبب نزول : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال في هذه الآية :إن الله حرّم المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته، فلم يؤيسهم من المغفرة. وأخرج الترمذي، وحسنه عن علي قال :أحبّ آية إلىّ في القرآن ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ الآية.

قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين أُوتُوا الكتاب ﴾ ذكر سبحانه أوّلاً أنهم أوتوا نصيباً من الكتاب، وهنا ذكر أنهم أوتوا الكتاب. والمراد :أنهم أوتوا نصيباً منه ؛ لأنهم لم يعملوا بجميع ما فيه، بل حرّفوا وبدّلوا. وقوله : ﴿ مُصَدّقاً ﴾ منتصب على الحال. والطمس :استئصال أثر الشيء، ومنه ﴿ فإِذَا النجوم طُمِسَتْ ﴾ [ المرسلات :٨ ] يقال :نطمس بكسر الميم وضمها لغتان في المستقبل، ويقال :طمس الأثر أي :محاه كله، ومنه ﴿ رَبَّنَا اطمس على أموالهم ﴾ [ يونس :٨٨ ] أي :أهلكها، ويقال :هو مطموس البصر، ومنه : ﴿ وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ ﴾ [ يس :٦٦ ] أي :أعميناهم.
واختلف العلماء في المعنى المراد بهذه الآية هل هو حقيقة ؟ فيجعل الوجه كالقفا، فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين، أو ذلك عبارة عن الضلالة في قلوبهم، وسلبهم التوفيق ؟ فذهب إلى الأوّل طائفة، وذهب إلى الآخر آخرون، وعلى الأوّل، فالمراد بقوله : ﴿ فَنَرُدَّهَا على أدبارها ﴾ نجعلها قفا، أي :نذهب بآثار الوجه، وتخطيطه حتى يصير على هيئة القفا، وقيل :إنه بعد الطمس يردّها إلى موضع القفا، والقفا إلى مواضعها، وهذا هو ألصق بالمعنى الذي يفيده قوله : ﴿ فَنَرُدَّهَا على أدبارها ﴾ فإن قيل :كيف جاز أن يهدّدهم بطمس الوجوه إن لم يؤمنوا، ولم يفعل ذلك بهم ؟ فقيل :إنه لما آمن هؤلاء ومن اتبعهم رفع الوعيد عن الباقين. وقال المبرد :الوعيد باق منتظر وقال :لا بدّ من طمس في اليهود، ومسخ قبل يوم القيامة. قوله : ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أصحاب السبت ﴾ الضمير عائد إلى أصحاب الوجوه، قيل المراد باللعن هنا :المسخ لأجل تشبيهه بلعن أصحاب السبت، وكان لعن أصحاب السبت مسخهم قردة وخنازير، وقيل المراد :نفس اللعنة، وهم ملعونون بكل لسان. والمراد :وقوع أحد الأمرين :إما الطمس، أو اللعن. وقد وقع اللعن، ولكنه يقوّي الأوّل تشبيه هذا اللعن بلعن أهل أصحاب السبت. قوله : ﴿ وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً ﴾ أي :كائناً موجوداً لا محالة، أو يراد بالأمر المأمور. والمعنى أنه متى أراده كان، كقوله : ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ [ يس :٨٢ ].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال :كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء اليهود، وإذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه، وقال :أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه، فأنزل الله فيه : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُوا نَصِيبًا منَ الكتاب ﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم، عنه في قوله : ﴿ يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه ﴾ يعني :يحرفون حدود الله في التوراة، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله : ﴿ يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه ﴾ قال :تبديل اليهود التوراة ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ قالوا :سمعنا ما تقول ولا نطيعك ﴿ واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ قال :غير مقبول ما تقول : ﴿ لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ ﴾ قال :خلافاً يلوون به ألسنتهم ﴿ واسمع وانظرنا ﴾ قال :أفهمنا لا تعجل علينا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن عباس في قوله : ﴿ واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ قال :يقولون اسمع لا سمعت.
وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال :كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار اليهود :منهم عبد الله بن صوريا، وكعب بن أسد، فقال لهم : «يا معشر اليهود اتقوا الله، وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق» فقالوا :ما نعرف ذلك يا محمد، وأنزل الله فيهم : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين أُوتُوا الكتاب ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ من قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ قال :طمسها أن تعمي ﴿ فَنَرُدَّهَا على أدبارها ﴾ يقول :نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم، فيمشون القهقري. ونجعل لأحدهم عينين في قفاه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ من قَبْلِ أَن نطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ يقول :عن صراط الحق ﴿ فَنَرُدَّهَا على أدبارها ﴾ قال :في الضلالة. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن نحوه.
وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني عن أبي أيوب الأنصاري قال :جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال :إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام، قال : «وما دينه ؟» قال :يصلي ويوحد الله، قال :استوهب منه دينه، فإن أبى فابتعه منه، فطلب الرجل منه ذلك، فأبى عليه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال :وجدته شحيحاً على دينه، فنزلت : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ الآية. وأخرج ابن الضريس، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن عدّي بسند صحيح، عن ابن عمر قال :كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم : «﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾» وقال : «إنيّ ادّخرت دعوتي، وشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عمر قال :لما نزلت : ﴿ قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُوا على أَنفُسِهِمْ ﴾ [ الزمر :٥٣ ] الآية قام رجل فقال :والشرك يا نبيّ الله ؟ فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ الآية. وأخرج ابن المنذر، عن أبي مجلز أن سؤال هذا الرجل هو سبب نزول : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال في هذه الآية :إن الله حرّم المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته، فلم يؤيسهم من المغفرة. وأخرج الترمذي، وحسنه عن علي قال :أحبّ آية إلىّ في القرآن ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ الآية.

قوله : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ هذا الحكم يشمل جميع طوائف الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، ولا يختص بكفار أهل الحرب، لأن اليهود قالوا عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، وقالوا ثالث ثلاثة. ولا خلاف بين المسلمين أن المشرك إذا مات على شركه لم يكن من أهل المغفرة التي تفضل الله بها على غير أهل الشرك حسبما تقتضيه مشيئته ؛ وأما غير أهل الشرك من عصاة المسلمين، فداخلون تحت المشيئة يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء. قال ابن جرير :قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة في مشيئة الله عزّ وجلّ إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه ما لم تكن كبيرته شركاً بالله عزّ وجلّ. وظاهره أن المغفرة منه سبحانه تكون لمن اقتضته مشيئته تفضلاً منه ورحمة، وإن لم يقع من ذلك المذنب توبة، وقيد ذلك المعتزلة بالتوبة. وقد تقدّم قوله تعالى : ﴿ إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سيئاتكم ﴾ [ النساء :٣١ ] وهي تدل على أن الله سبحانه يغفر سيئات من اجتنب الكبائر، فيكون مجتنب الكبائر ممن قد شاء الله غفران سيئاته.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال :كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء اليهود، وإذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه، وقال :أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه، فأنزل الله فيه : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُوا نَصِيبًا منَ الكتاب ﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم، عنه في قوله : ﴿ يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه ﴾ يعني :يحرفون حدود الله في التوراة، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله : ﴿ يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه ﴾ قال :تبديل اليهود التوراة ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ قالوا :سمعنا ما تقول ولا نطيعك ﴿ واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ قال :غير مقبول ما تقول : ﴿ لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ ﴾ قال :خلافاً يلوون به ألسنتهم ﴿ واسمع وانظرنا ﴾ قال :أفهمنا لا تعجل علينا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن عباس في قوله : ﴿ واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ قال :يقولون اسمع لا سمعت.
وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال :كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار اليهود :منهم عبد الله بن صوريا، وكعب بن أسد، فقال لهم : «يا معشر اليهود اتقوا الله، وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق» فقالوا :ما نعرف ذلك يا محمد، وأنزل الله فيهم : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين أُوتُوا الكتاب ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ من قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ قال :طمسها أن تعمي ﴿ فَنَرُدَّهَا على أدبارها ﴾ يقول :نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم، فيمشون القهقري. ونجعل لأحدهم عينين في قفاه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ من قَبْلِ أَن نطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ يقول :عن صراط الحق ﴿ فَنَرُدَّهَا على أدبارها ﴾ قال :في الضلالة. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن نحوه.
وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني عن أبي أيوب الأنصاري قال :جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال :إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام، قال : «وما دينه ؟» قال :يصلي ويوحد الله، قال :استوهب منه دينه، فإن أبى فابتعه منه، فطلب الرجل منه ذلك، فأبى عليه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال :وجدته شحيحاً على دينه، فنزلت : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ الآية. وأخرج ابن الضريس، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن عدّي بسند صحيح، عن ابن عمر قال :كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم : «﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾» وقال : «إنيّ ادّخرت دعوتي، وشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عمر قال :لما نزلت : ﴿ قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُوا على أَنفُسِهِمْ ﴾ [ الزمر :٥٣ ] الآية قام رجل فقال :والشرك يا نبيّ الله ؟ فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ الآية. وأخرج ابن المنذر، عن أبي مجلز أن سؤال هذا الرجل هو سبب نزول : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال في هذه الآية :إن الله حرّم المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته، فلم يؤيسهم من المغفرة. وأخرج الترمذي، وحسنه عن علي قال :أحبّ آية إلىّ في القرآن ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ الآية.

قوله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾ تعجيب من حالهم. وقد اتفق المفسرون على أن المراد :اليهود. واختلفوا في المعنى الذي زكوا به أنفسهم، فقال الحسن، وقتادة :هو قولهم : ﴿ نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ [ المائدة :١٨ ] وقولهم : ﴿ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى ﴾ [ البقرة :١١١ ] وقال الضحاك :هو قولهم لا ذنوب لنا، ونحن كالأطفال. وقيل :قولهم إن آباءهم يشفعون لهم وقيل :ثناء بعضهم على بعض. ومعنى التزكية :التطهير والتنزيه، فلا يبعد صدقها على جميع هذه التفاسير وعلى غيرها، واللفظ يتناول كل من زكى نفسه بحق أو بباطل من اليهود وغيرهم، ويدخل في هذا التلقب بالألقاب المتضمنة للتزكية، كمحيي الدين، وعز الدين، ونحوهما. قوله : ﴿ بَلِ الله يُزَكّي مَن يَشَاء ﴾ أي :ذلك إليه سبحانه، فهو العالم بمن يستحق التزكية من عباده، ومن لا يستحقها، فليدع العباد تزكية أنفسهم، ويفوضوا أمر ذلك إلى الله سبحانه، فإن تزكيتهم لأنفسهم مجرد دعاوى فاسدة تحمل عليها محبة النفس، وطلب العلوّ والترفع والتفاخر ومثل هذه الآية قوله تعالى : ﴿ فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى ﴾ [ النجم :٣٢ ]. قوله : ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾ أي :هؤلاء المزكون لأنفسهم ﴿ فَتِيلاً ﴾ وهو :الخيط الذي في نواة التمر. وقيل :القشرة التي حول النواة وقيل :هو ما يخرج بين أصبعيك أو كفيك من الوسخ إذا فتلتهما، فهو :فتيل بمعنى مفتول، والمراد هنا :الكناية عن الشيء الحقير، ومثله : ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾ [ النساء :١٢٤ ] وهو :النكتة التي في ظهر النواة. والمعنى :أن هؤلاء الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكيتهم لأنفسهم بقدر هذا الذنب، ولا يظلمون بالزيادة على ما يستحقون، ويجوز أن يعود الضمير إلى ﴿ مَن يَشَآء ﴾ أي :لا يظلم هؤلاء الذين يزكيهم الله فتيلاً مما يستحقونه من الثواب. ثم عجب النبي صلى الله عليه وسلم من تزكيتهم لأنفسهم، فقال : ﴿ انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، من طريق العوفي، عن ابن عباس قال :إن اليهود قالوا :إن آباءنا قد توفوا، وهم لنا قربة عند الله، وسيشفعون لنا ويزكوننا، فقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه قال :كانت اليهود يقدّمون صبيانهم يصلون بهم، ويقرّبون قربانهم، ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، وكذبوا، قال الله :إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له، ثم أنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن أن التزكية قولهم : ﴿ نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ [ المائدة :١٨ ] ﴿ وقالوا لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى ﴾ [ البقرة :١١١ ]. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ قال :الفتيل :ما خرج من بين الأصبعين. وفي لفظ آخر عنه :هو أن تدلك بين أصبعيك، فما خرج منهما، فهو ذلك. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عنه قال :النقير :النقرة تكون في النواة التي نبتت منها النخلة. والفتيل :الذي يكون على شق النواة. والقطمير :القشر الذي يكون على النواة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه :قال الفتيل الذي في الشق الذي في بطن النواة.
وأخرج الطبراني، والبيهقي في الدلائل عنه قال :قدم حيّي بن أخطب، وكعب بن الأشرف مكة على قريش، فحالفوهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا لهم :أنتم أهل العلم القديم، وأهل الكتاب، فأخبرونا عنا وعن محمد، قالوا :ما أنتم وما محمد ؟ قالوا :ننحر الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونفك العناة، ونسقي الحجيج، ونصل الأرحام، قالوا :فما محمد ؟ قالوا :صنبور :أي :فرد ضعيف، قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج بنو غفار، فقالوا :لا بل أنتم خير منه، وأهدى سبيلاً، فأنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُوا نَصِيباً منَ الكتاب يُؤْمِنُونَ بالجبت والطاغوت ﴾ الآية. وأخرجه سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة مرسلاً. وقد روي عن ابن عباس، وعن عكرمة بلفظ آخر. وأخرج نحوه عبد بن حميد، وابن جرير، عن السدّي، عن أبي مالك. وأخرج نحوه أيضاً البيهقي في الدلائل، وابن عساكر في تاريخه، عن جابر ابن عبد الله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن عكرمة قال :الجبت، والطاغوت صنمان. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عمر في تفسير الجبت، والطاغوت ما قدّمناه عنه.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الجبت حيّي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الجبت :الأصنام، والطاغوت :الذي يكون بين يدي الأصنام يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الجبت :اسم الشيطان بالحبشية، والطاغوت :كهان العرب.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ منَ الملك ﴾ قال :فليس لهم نصيب، ولو كان لهم نصيب لم يؤتوا الناس نقيراً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس قال النقير :النقطة التي في ظهر النواة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس قال :قال أهل الكتاب :زعم محمد أنه أوتي ما أوتى في تواضع، وله تسع نسوة، وليس له همة إلا النكاح، فأيّ ملك أفضل من هذا ؟ فأنزل الله هذه الآية : ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ الناس ﴾ إلى قوله : ﴿ ملْكاً عَظِيماً ﴾ يعني :ملك سليمان. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال :الناس في هذا الموضع النبي خاصة. وأخرج ابن جرير، عن قتادة قال :هم :هذا الحيّ من العرب.

﴿ انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ في قولهم ذلك. والافتراء :الاختلاق، ومنه افترى فلان على فلان :أي :رماه بما ليس فيه، وفريت الشيء :قطعته، وفي قوله : ﴿ وكفى بِهِ إِثْماً مبِيناً ﴾ من تعظيم الذنب، وتهويله ما لا يخفى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، من طريق العوفي، عن ابن عباس قال :إن اليهود قالوا :إن آباءنا قد توفوا، وهم لنا قربة عند الله، وسيشفعون لنا ويزكوننا، فقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه قال :كانت اليهود يقدّمون صبيانهم يصلون بهم، ويقرّبون قربانهم، ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، وكذبوا، قال الله :إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له، ثم أنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن أن التزكية قولهم : ﴿ نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ [ المائدة :١٨ ] ﴿ وقالوا لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى ﴾ [ البقرة :١١١ ]. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ قال :الفتيل :ما خرج من بين الأصبعين. وفي لفظ آخر عنه :هو أن تدلك بين أصبعيك، فما خرج منهما، فهو ذلك. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عنه قال :النقير :النقرة تكون في النواة التي نبتت منها النخلة. والفتيل :الذي يكون على شق النواة. والقطمير :القشر الذي يكون على النواة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه :قال الفتيل الذي في الشق الذي في بطن النواة.
وأخرج الطبراني، والبيهقي في الدلائل عنه قال :قدم حيّي بن أخطب، وكعب بن الأشرف مكة على قريش، فحالفوهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا لهم :أنتم أهل العلم القديم، وأهل الكتاب، فأخبرونا عنا وعن محمد، قالوا :ما أنتم وما محمد ؟ قالوا :ننحر الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونفك العناة، ونسقي الحجيج، ونصل الأرحام، قالوا :فما محمد ؟ قالوا :صنبور :أي :فرد ضعيف، قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج بنو غفار، فقالوا :لا بل أنتم خير منه، وأهدى سبيلاً، فأنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُوا نَصِيباً منَ الكتاب يُؤْمِنُونَ بالجبت والطاغوت ﴾ الآية. وأخرجه سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة مرسلاً. وقد روي عن ابن عباس، وعن عكرمة بلفظ آخر. وأخرج نحوه عبد بن حميد، وابن جرير، عن السدّي، عن أبي مالك. وأخرج نحوه أيضاً البيهقي في الدلائل، وابن عساكر في تاريخه، عن جابر ابن عبد الله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن عكرمة قال :الجبت، والطاغوت صنمان. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عمر في تفسير الجبت، والطاغوت ما قدّمناه عنه.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الجبت حيّي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الجبت :الأصنام، والطاغوت :الذي يكون بين يدي الأصنام يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الجبت :اسم الشيطان بالحبشية، والطاغوت :كهان العرب.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ منَ الملك ﴾ قال :فليس لهم نصيب، ولو كان لهم نصيب لم يؤتوا الناس نقيراً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس قال النقير :النقطة التي في ظهر النواة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس قال :قال أهل الكتاب :زعم محمد أنه أوتي ما أوتى في تواضع، وله تسع نسوة، وليس له همة إلا النكاح، فأيّ ملك أفضل من هذا ؟ فأنزل الله هذه الآية : ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ الناس ﴾ إلى قوله : ﴿ ملْكاً عَظِيماً ﴾ يعني :ملك سليمان. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال :الناس في هذا الموضع النبي خاصة. وأخرج ابن جرير، عن قتادة قال :هم :هذا الحيّ من العرب.

قوله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُوا نَصِيبًا منَ الكتاب ﴾ هذا تعجيب من حالهم بعد التعجيب الأوّل، وهم :اليهود.
واختلف المفسرون في معنى الجبت :فقال ابن عباس، وابن جبير، وأبو العالية، الجبت :الساحر بلسان الحبشة، والطاغوت :الكاهن، وروي عن عمر بن الخطاب أن الجبت :السحر، والطاغوت الشيطان. وروي عن ابن مسعود أن الجبت، والطاغوت هاهنا كعب بن الأشرف. وقال قتادة :الجبت :الشيطان، والطاغوت :الكاهن. وروي عن مالك أن الطاغوت :ما عبد من دون الله، والجبت :الشيطان، وقيل :هما كل معبود من دون الله، أو مطاع في معصية الله.
وأصل الجبت الجبس، وهو :الذي لا سير فيه، فأبدلت التاء من السين قاله قطرب، وقيل :الجبت :إبليس، والطاغوت :أولياؤه. قوله : ﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاء أهدى مِنَ الذين ءامَنُوا سَبِيلاً ﴾ أي :يقول اليهود لكفار قريش أنتم أهدى من الذين آمنوا بمحمد سبيلاً، أي :أقوم ديناً، وأرشد طريقاً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، من طريق العوفي، عن ابن عباس قال :إن اليهود قالوا :إن آباءنا قد توفوا، وهم لنا قربة عند الله، وسيشفعون لنا ويزكوننا، فقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه قال :كانت اليهود يقدّمون صبيانهم يصلون بهم، ويقرّبون قربانهم، ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، وكذبوا، قال الله :إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له، ثم أنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن أن التزكية قولهم : ﴿ نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ [ المائدة :١٨ ] ﴿ وقالوا لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى ﴾ [ البقرة :١١١ ]. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ قال :الفتيل :ما خرج من بين الأصبعين. وفي لفظ آخر عنه :هو أن تدلك بين أصبعيك، فما خرج منهما، فهو ذلك. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عنه قال :النقير :النقرة تكون في النواة التي نبتت منها النخلة. والفتيل :الذي يكون على شق النواة. والقطمير :القشر الذي يكون على النواة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه :قال الفتيل الذي في الشق الذي في بطن النواة.
وأخرج الطبراني، والبيهقي في الدلائل عنه قال :قدم حيّي بن أخطب، وكعب بن الأشرف مكة على قريش، فحالفوهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا لهم :أنتم أهل العلم القديم، وأهل الكتاب، فأخبرونا عنا وعن محمد، قالوا :ما أنتم وما محمد ؟ قالوا :ننحر الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونفك العناة، ونسقي الحجيج، ونصل الأرحام، قالوا :فما محمد ؟ قالوا :صنبور :أي :فرد ضعيف، قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج بنو غفار، فقالوا :لا بل أنتم خير منه، وأهدى سبيلاً، فأنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُوا نَصِيباً منَ الكتاب يُؤْمِنُونَ بالجبت والطاغوت ﴾ الآية. وأخرجه سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة مرسلاً. وقد روي عن ابن عباس، وعن عكرمة بلفظ آخر. وأخرج نحوه عبد بن حميد، وابن جرير، عن السدّي، عن أبي مالك. وأخرج نحوه أيضاً البيهقي في الدلائل، وابن عساكر في تاريخه، عن جابر ابن عبد الله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن عكرمة قال :الجبت، والطاغوت صنمان. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عمر في تفسير الجبت، والطاغوت ما قدّمناه عنه.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الجبت حيّي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الجبت :الأصنام، والطاغوت :الذي يكون بين يدي الأصنام يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الجبت :اسم الشيطان بالحبشية، والطاغوت :كهان العرب.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ منَ الملك ﴾ قال :فليس لهم نصيب، ولو كان لهم نصيب لم يؤتوا الناس نقيراً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس قال النقير :النقطة التي في ظهر النواة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس قال :قال أهل الكتاب :زعم محمد أنه أوتي ما أوتى في تواضع، وله تسع نسوة، وليس له همة إلا النكاح، فأيّ ملك أفضل من هذا ؟ فأنزل الله هذه الآية : ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ الناس ﴾ إلى قوله : ﴿ ملْكاً عَظِيماً ﴾ يعني :ملك سليمان. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال :الناس في هذا الموضع النبي خاصة. وأخرج ابن جرير، عن قتادة قال :هم :هذا الحيّ من العرب.

وقوله : ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى القائلين ﴿ الذين لَعَنَهُمُ الله ﴾ أي :طردهم وأبعدهم من رحمته ﴿ وَمَن يَلْعَنِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ﴾ يدفع عنه ما نزل به من عذاب الله وسخطه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، من طريق العوفي، عن ابن عباس قال :إن اليهود قالوا :إن آباءنا قد توفوا، وهم لنا قربة عند الله، وسيشفعون لنا ويزكوننا، فقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه قال :كانت اليهود يقدّمون صبيانهم يصلون بهم، ويقرّبون قربانهم، ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، وكذبوا، قال الله :إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له، ثم أنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن أن التزكية قولهم : ﴿ نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ [ المائدة :١٨ ] ﴿ وقالوا لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى ﴾ [ البقرة :١١١ ]. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ قال :الفتيل :ما خرج من بين الأصبعين. وفي لفظ آخر عنه :هو أن تدلك بين أصبعيك، فما خرج منهما، فهو ذلك. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عنه قال :النقير :النقرة تكون في النواة التي نبتت منها النخلة. والفتيل :الذي يكون على شق النواة. والقطمير :القشر الذي يكون على النواة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه :قال الفتيل الذي في الشق الذي في بطن النواة.
وأخرج الطبراني، والبيهقي في الدلائل عنه قال :قدم حيّي بن أخطب، وكعب بن الأشرف مكة على قريش، فحالفوهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا لهم :أنتم أهل العلم القديم، وأهل الكتاب، فأخبرونا عنا وعن محمد، قالوا :ما أنتم وما محمد ؟ قالوا :ننحر الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونفك العناة، ونسقي الحجيج، ونصل الأرحام، قالوا :فما محمد ؟ قالوا :صنبور :أي :فرد ضعيف، قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج بنو غفار، فقالوا :لا بل أنتم خير منه، وأهدى سبيلاً، فأنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُوا نَصِيباً منَ الكتاب يُؤْمِنُونَ بالجبت والطاغوت ﴾ الآية. وأخرجه سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة مرسلاً. وقد روي عن ابن عباس، وعن عكرمة بلفظ آخر. وأخرج نحوه عبد بن حميد، وابن جرير، عن السدّي، عن أبي مالك. وأخرج نحوه أيضاً البيهقي في الدلائل، وابن عساكر في تاريخه، عن جابر ابن عبد الله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن عكرمة قال :الجبت، والطاغوت صنمان. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عمر في تفسير الجبت، والطاغوت ما قدّمناه عنه.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الجبت حيّي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الجبت :الأصنام، والطاغوت :الذي يكون بين يدي الأصنام يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الجبت :اسم الشيطان بالحبشية، والطاغوت :كهان العرب.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ منَ الملك ﴾ قال :فليس لهم نصيب، ولو كان لهم نصيب لم يؤتوا الناس نقيراً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس قال النقير :النقطة التي في ظهر النواة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس قال :قال أهل الكتاب :زعم محمد أنه أوتي ما أوتى في تواضع، وله تسع نسوة، وليس له همة إلا النكاح، فأيّ ملك أفضل من هذا ؟ فأنزل الله هذه الآية : ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ الناس ﴾ إلى قوله : ﴿ ملْكاً عَظِيماً ﴾ يعني :ملك سليمان. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال :الناس في هذا الموضع النبي خاصة. وأخرج ابن جرير، عن قتادة قال :هم :هذا الحيّ من العرب.

قوله : ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ منَ الملك ﴾ «أم » منقطعة، والاستفهام للإنكار، يعني :ليس لهم نصيب من الملك ﴿ فَإذن لا يُؤْتُونَ الناس نَقِيراً ﴾ والفاء للسببية الجزائية لشرط محذوف، أي :إن جعل لهم نصيب من الملك، فإذا لا يعطون الناس نقيراً منه لشدّة بخلهم وقوّة حسدهم وقيل :المعنى :بل لهم نصيب من الملك على أن معنى أم الإضراب عن الأوّل، والاستئناف للثاني. وقيل :هي :عاطفة على محذوف، والتقدير :أهم أولى بالنبوة ممن أرسلته، أم لهم نصيب من الملك، فإذن لا يؤتون الناس نقيراً ؟ والنقير :النقرة في ظهر النواة وقيل :ما نقر الرجل بأصبعه، كما ينقر الأرض. والنقير أيضاً :خشبة تنقر وينبذ فيها. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النقير، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، والنقير :الأصل، يقال :فلان كريم النقير، أي :كريم الأصل. والمراد هنا :المعنى الأوّل، والمقصود به المبالغة في الحقارة، كالقطمير والفتيل. و «إذن » هنا ملغاة غير عاملة لدخول فاء العطف عليها، ولو نصب لجاز. قال سيبويه : «إذن » في عوامل الأفعال بمنزلة أظن في عوامل الأسماء التي تلغى إذا لم يكن الكلام معتمداً عليها، فإن كانت في أوّل الكلام، وكان الذي بعدها مستقبلاً نصبت.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، من طريق العوفي، عن ابن عباس قال :إن اليهود قالوا :إن آباءنا قد توفوا، وهم لنا قربة عند الله، وسيشفعون لنا ويزكوننا، فقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه قال :كانت اليهود يقدّمون صبيانهم يصلون بهم، ويقرّبون قربانهم، ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، وكذبوا، قال الله :إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له، ثم أنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن أن التزكية قولهم : ﴿ نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ [ المائدة :١٨ ] ﴿ وقالوا لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى ﴾ [ البقرة :١١١ ]. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ قال :الفتيل :ما خرج من بين الأصبعين. وفي لفظ آخر عنه :هو أن تدلك بين أصبعيك، فما خرج منهما، فهو ذلك. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عنه قال :النقير :النقرة تكون في النواة التي نبتت منها النخلة. والفتيل :الذي يكون على شق النواة. والقطمير :القشر الذي يكون على النواة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه :قال الفتيل الذي في الشق الذي في بطن النواة.
وأخرج الطبراني، والبيهقي في الدلائل عنه قال :قدم حيّي بن أخطب، وكعب بن الأشرف مكة على قريش، فحالفوهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا لهم :أنتم أهل العلم القديم، وأهل الكتاب، فأخبرونا عنا وعن محمد، قالوا :ما أنتم وما محمد ؟ قالوا :ننحر الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونفك العناة، ونسقي الحجيج، ونصل الأرحام، قالوا :فما محمد ؟ قالوا :صنبور :أي :فرد ضعيف، قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج بنو غفار، فقالوا :لا بل أنتم خير منه، وأهدى سبيلاً، فأنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُوا نَصِيباً منَ الكتاب يُؤْمِنُونَ بالجبت والطاغوت ﴾ الآية. وأخرجه سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة مرسلاً. وقد روي عن ابن عباس، وعن عكرمة بلفظ آخر. وأخرج نحوه عبد بن حميد، وابن جرير، عن السدّي، عن أبي مالك. وأخرج نحوه أيضاً البيهقي في الدلائل، وابن عساكر في تاريخه، عن جابر ابن عبد الله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن عكرمة قال :الجبت، والطاغوت صنمان. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عمر في تفسير الجبت، والطاغوت ما قدّمناه عنه.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الجبت حيّي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الجبت :الأصنام، والطاغوت :الذي يكون بين يدي الأصنام يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الجبت :اسم الشيطان بالحبشية، والطاغوت :كهان العرب.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ منَ الملك ﴾ قال :فليس لهم نصيب، ولو كان لهم نصيب لم يؤتوا الناس نقيراً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس قال النقير :النقطة التي في ظهر النواة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس قال :قال أهل الكتاب :زعم محمد أنه أوتي ما أوتى في تواضع، وله تسع نسوة، وليس له همة إلا النكاح، فأيّ ملك أفضل من هذا ؟ فأنزل الله هذه الآية : ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ الناس ﴾ إلى قوله : ﴿ ملْكاً عَظِيماً ﴾ يعني :ملك سليمان. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال :الناس في هذا الموضع النبي خاصة. وأخرج ابن جرير، عن قتادة قال :هم :هذا الحيّ من العرب.

قوله : ﴿ أم يحسدون الناس على ما آتاهم من فضله ﴾ أم منقطعة مفيدة للانتقال عن توبيخهم بأمر إلى توبيخهم بآخر، أي :بل يحسدون الناس يعني :اليهود يحسدون النبي صلى الله عليه وسلم فقط، أو يحسدونه هو وأصحابه على ما آتاهم الله من فضله من النبوّة، والنصر، وقهر الأعداء. قوله : ﴿ فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إبراهيم ﴾ هذا إلزام لليهود بما يعترفون به ولا ينكرونه، أي :ليس ما آتينا محمداً وأصحابه من فضلنا ببدع حتى يحسدهم اليهود على ذلك، فهم يعلمون بما آتينا آل إبراهيم، وهم أسلاف محمد صلى الله عليه وسلم. وقد تقدّم تفسير الكتاب والحكمة والملك العظيم. قيل :هو ملك سليمان، واختاره ابن جرير.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، من طريق العوفي، عن ابن عباس قال :إن اليهود قالوا :إن آباءنا قد توفوا، وهم لنا قربة عند الله، وسيشفعون لنا ويزكوننا، فقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه قال :كانت اليهود يقدّمون صبيانهم يصلون بهم، ويقرّبون قربانهم، ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، وكذبوا، قال الله :إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له، ثم أنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن أن التزكية قولهم : ﴿ نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ [ المائدة :١٨ ] ﴿ وقالوا لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى ﴾ [ البقرة :١١١ ]. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ قال :الفتيل :ما خرج من بين الأصبعين. وفي لفظ آخر عنه :هو أن تدلك بين أصبعيك، فما خرج منهما، فهو ذلك. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عنه قال :النقير :النقرة تكون في النواة التي نبتت منها النخلة. والفتيل :الذي يكون على شق النواة. والقطمير :القشر الذي يكون على النواة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه :قال الفتيل الذي في الشق الذي في بطن النواة.
وأخرج الطبراني، والبيهقي في الدلائل عنه قال :قدم حيّي بن أخطب، وكعب بن الأشرف مكة على قريش، فحالفوهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا لهم :أنتم أهل العلم القديم، وأهل الكتاب، فأخبرونا عنا وعن محمد، قالوا :ما أنتم وما محمد ؟ قالوا :ننحر الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونفك العناة، ونسقي الحجيج، ونصل الأرحام، قالوا :فما محمد ؟ قالوا :صنبور :أي :فرد ضعيف، قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج بنو غفار، فقالوا :لا بل أنتم خير منه، وأهدى سبيلاً، فأنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُوا نَصِيباً منَ الكتاب يُؤْمِنُونَ بالجبت والطاغوت ﴾ الآية. وأخرجه سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة مرسلاً. وقد روي عن ابن عباس، وعن عكرمة بلفظ آخر. وأخرج نحوه عبد بن حميد، وابن جرير، عن السدّي، عن أبي مالك. وأخرج نحوه أيضاً البيهقي في الدلائل، وابن عساكر في تاريخه، عن جابر ابن عبد الله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن عكرمة قال :الجبت، والطاغوت صنمان. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عمر في تفسير الجبت، والطاغوت ما قدّمناه عنه.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الجبت حيّي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الجبت :الأصنام، والطاغوت :الذي يكون بين يدي الأصنام يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الجبت :اسم الشيطان بالحبشية، والطاغوت :كهان العرب.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ منَ الملك ﴾ قال :فليس لهم نصيب، ولو كان لهم نصيب لم يؤتوا الناس نقيراً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس قال النقير :النقطة التي في ظهر النواة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس قال :قال أهل الكتاب :زعم محمد أنه أوتي ما أوتى في تواضع، وله تسع نسوة، وليس له همة إلا النكاح، فأيّ ملك أفضل من هذا ؟ فأنزل الله هذه الآية : ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ الناس ﴾ إلى قوله : ﴿ ملْكاً عَظِيماً ﴾ يعني :ملك سليمان. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال :الناس في هذا الموضع النبي خاصة. وأخرج ابن جرير، عن قتادة قال :هم :هذا الحيّ من العرب.

﴿ فَمِنْهُمْ ﴾ أي :اليهود ﴿ مَنْ ءامَنَ بِهِ ﴾ أي :بالنبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وَمِنْهُمْ من صَدَّ عَنْهُ ﴾ أي :أعرض عنه. وقيل :الضمير في ﴿ به ﴾ راجع إلى ما ذكر من حديث آل إبراهيم.
وقيل :الضمير راجع إلى إبراهيم. والمعنى :فمن آل إبراهيم من آمن بإبراهيم، ومنهم من صدّ عنه، وقيل :الضمير يرجع إلى الكتاب، والأوّل أولى ﴿ وكفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ﴾ أي :ناراً مسعرة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، من طريق العوفي، عن ابن عباس قال :إن اليهود قالوا :إن آباءنا قد توفوا، وهم لنا قربة عند الله، وسيشفعون لنا ويزكوننا، فقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه قال :كانت اليهود يقدّمون صبيانهم يصلون بهم، ويقرّبون قربانهم، ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، وكذبوا، قال الله :إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له، ثم أنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن أن التزكية قولهم : ﴿ نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ [ المائدة :١٨ ] ﴿ وقالوا لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى ﴾ [ البقرة :١١١ ]. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ قال :الفتيل :ما خرج من بين الأصبعين. وفي لفظ آخر عنه :هو أن تدلك بين أصبعيك، فما خرج منهما، فهو ذلك. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عنه قال :النقير :النقرة تكون في النواة التي نبتت منها النخلة. والفتيل :الذي يكون على شق النواة. والقطمير :القشر الذي يكون على النواة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه :قال الفتيل الذي في الشق الذي في بطن النواة.
وأخرج الطبراني، والبيهقي في الدلائل عنه قال :قدم حيّي بن أخطب، وكعب بن الأشرف مكة على قريش، فحالفوهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا لهم :أنتم أهل العلم القديم، وأهل الكتاب، فأخبرونا عنا وعن محمد، قالوا :ما أنتم وما محمد ؟ قالوا :ننحر الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونفك العناة، ونسقي الحجيج، ونصل الأرحام، قالوا :فما محمد ؟ قالوا :صنبور :أي :فرد ضعيف، قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج بنو غفار، فقالوا :لا بل أنتم خير منه، وأهدى سبيلاً، فأنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُوا نَصِيباً منَ الكتاب يُؤْمِنُونَ بالجبت والطاغوت ﴾ الآية. وأخرجه سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة مرسلاً. وقد روي عن ابن عباس، وعن عكرمة بلفظ آخر. وأخرج نحوه عبد بن حميد، وابن جرير، عن السدّي، عن أبي مالك. وأخرج نحوه أيضاً البيهقي في الدلائل، وابن عساكر في تاريخه، عن جابر ابن عبد الله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن عكرمة قال :الجبت، والطاغوت صنمان. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عمر في تفسير الجبت، والطاغوت ما قدّمناه عنه.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الجبت حيّي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الجبت :الأصنام، والطاغوت :الذي يكون بين يدي الأصنام يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :الجبت :اسم الشيطان بالحبشية، والطاغوت :كهان العرب.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ منَ الملك ﴾ قال :فليس لهم نصيب، ولو كان لهم نصيب لم يؤتوا الناس نقيراً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس قال النقير :النقطة التي في ظهر النواة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس قال :قال أهل الكتاب :زعم محمد أنه أوتي ما أوتى في تواضع، وله تسع نسوة، وليس له همة إلا النكاح، فأيّ ملك أفضل من هذا ؟ فأنزل الله هذه الآية : ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ الناس ﴾ إلى قوله : ﴿ ملْكاً عَظِيماً ﴾ يعني :ملك سليمان. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال :الناس في هذا الموضع النبي خاصة. وأخرج ابن جرير، عن قتادة قال :هم :هذا الحيّ من العرب.

قوله : ﴿ بآياتنا ﴾ الظاهر عدم تخصيص بعض الآيات دون بعض، و ﴿ سَوْفَ ﴾ كلمة تذكر للتهديد قاله سيبويه. وينوب عنها السين. وقد تقدّم معنى نصلي في أوّل السورة. والمراد :سوف ندخلهم ناراً عظيمة. وقرأ حميد بن قيس «نَصْلِيهِمْ » بفتح النون. قوله : ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ﴾ يقال :نضج الشيء نضجاً ونضاجاً، ونضج اللحم، وفلان نضج الرأي، أي :محكمه. والمعنى :أنها كلما احترقت جلودهم بدّلهم الله جلوداً غيرها، أي :أعطاهم مكان كل جلد محترق جلداً آخر غير محترق، فإن ذلك أبلغ في العذاب للشخص ؛ لأن إحساسه لعمل النار في الجلد الذي لم يحترق أبلغ من إحساسه لعملها في الجلد المحترق. وقيل :المراد بالجلود :السرابيل التي ذكرها في قوله : ﴿ سَرَابِيلُهُم من قَطِرَانٍ ﴾ [ إبراهيم :٥٠ ] ولا موجب لترك المعنى الحقيقي ها هنا، وإن جاز إطلاق الجلود على السرابيل مجازاً، كما في قول الشاعر :
كسا اللوم تيما خضرة في جلودها فويل لتيم من سرابيلها الخضر
وقيل :المعنى :أعدنا الجلد الأوّل جديداً، ويأبى ذلك معنى التبديل. قوله : ﴿ لِيَذُوقُوا العذاب ﴾ أي :ليحصل لهم الذوق الكامل بذلك التبديل. وقيل :معناه :ليدوم لهم العذاب، ولا ينقطع.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عمر في قوله : ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ﴾ قال :إذا احترقت جلودهم بدّلناهم جلوداً بيضاء أمثال القراطيس. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني عنه بسند ضعيف قال :قرئ عند عمر : ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ﴾ الآية، فقال معاذ :عندي تفسيرها تبدّل في ساعة مائة مرة، فقال عمر :هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرجه أبو نعيم في الحلية، وابن مردويه أن القائل كعب، وأنه قال :تبدّل في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن مسعود أن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس في قوله : ﴿ ظِلاًّ ظَلِيلاً ﴾ قال :هو ظل العرش الذي لا يزول.
ثم أتبع وصف حال الكفار بوصف حال المؤمنين. وقد تقدّم تفسير الجنات التي تجري من تحتها الأنهار.
قوله : ﴿ لهُمْ فِيهَا أزواج مطَهَّرَةٌ ﴾ أي :من الأدناس التي تكون في نساء الدنيا، والظل الظليل الكثيف الذي لا يدخله ما يدخل ظل الدنيا من الحرّ، والسموم، ونحو ذلك، وقيل :هو مجموع ظلّ الأشجار، والقصور. وقيل :الظلّ الظليل :هو الدائم الذي لا يزول، واشتقاق الصفة من لفظ الموصوف للمبالغة، كما يقال :ليل أليل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عمر في قوله : ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ﴾ قال :إذا احترقت جلودهم بدّلناهم جلوداً بيضاء أمثال القراطيس. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني عنه بسند ضعيف قال :قرئ عند عمر : ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ﴾ الآية، فقال معاذ :عندي تفسيرها تبدّل في ساعة مائة مرة، فقال عمر :هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرجه أبو نعيم في الحلية، وابن مردويه أن القائل كعب، وأنه قال :تبدّل في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن مسعود أن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس في قوله : ﴿ ظِلاًّ ظَلِيلاً ﴾ قال :هو ظل العرش الذي لا يزول.
هذه الآية من أمهات الآيات المشتملة على كثير من أحكام الشرع ؛ لأن الظاهر أن الخطاب يشمل جميع الناس في جميع الأمانات، وقد روي عن علي، وزيد بن أسلم، وشهر بن حوشب أنها خطاب لولاة المسلمين، والأوّل أظهر، وورودها على سبب، كما سيأتي، لا ينافي ما فيها من العموم، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما تقرر في الأصول، وتدخل الولاة في هذا الخطاب دخولاً أوّليا، فيجب عليهم تأدية ما لديهم من الأمانات، وردّ الظلامات، وتحرّي العدل في أحكامهم، ويدخل غيرهم من الناس في الخطاب، فيجب عليهم ردّ ما لديهم من الأمانات، والتحري في الشهادات والأخبار. وممن قال بعموم هذا الخطاب :البراء بن عازب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبيّ بن كعب، واختاره جمهور المفسرين، ومنهم ابن جرير، وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها :الأبرار منهم والفجار، كما قال ابن المنذر. والأمانات جمع أمانة، وهي :مصدر بمعنى المفعول.
قوله : ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس أَن تَحْكُمُوا بالعدل ﴾ أي :وإن الله يأمركم إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. والعدل :هو فصل الحكومة على ما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا الحكم بالرأي المجرد، فإن ذلك ليس من الحق في شيء، إلا إذا لم يوجد دليل تلك الحكومة في كتاب الله ولا في سنة رسوله، فلا بأس باجتهاد الرأي من الحاكم الذي يعلم بحكم الله سبحانه، وبما هو أقرب إلى الحق عند عدم وجود النص، وأما الحاكم الذي لا يدري بحكم الله ورسوله، ولا بما هو أقرب إليهما، فهو لا يدري ما هو العدل ؛ لأنه لا يعقل الحجة إذا جاءته، فضلاً عن أن يحكم بها بين عباد الله. قوله : ﴿ نِعما ﴾ «ما » موصوفة أو موصولة، وقد قدّمنا البحث في مثل ذلك.
وقد أخرج ابن مردويه، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، وقبض مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة، فنزل جبريل عليه السلام بردّ المفتاح، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن طلحة، وردّه إليه، وقرأ هذه الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن عساكر، عن ابن جريج :أن هذه الآية نزلت في عثمان بن طلحة لما قبض منه رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة، فدعاه، ودفعه إليه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن أبي شيبة، عن علي قال :حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك، فحقّ على الناس أن يسمعوا له، وأن يطيعوا، وأن يجيبوا إذا دعوا. وأخرج أبو داود، والترمذي، والحاكم، والبيهقي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «أدّ الأمانة لمن ائتمنك، ولا تخن من خانك » وقد ثبت في الصحيح أن من خان إذا اؤتمن، ففيه خصلة من خصال النفاق.
لما أمر سبحانه القضاة، والولاة إذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالحق، أمر الناس بطاعتهم ها هنا، وطاعة الله عزّ وجلّ هي امتثال أوامره ونواهيه، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم هي فيما أمر به ونهى عنه. وأولي الأمر هم :الأئمة، والسلاطين، والقضاة، وكل من كانت له ولاية شرعية لا ولاية طاغوتية، والمراد :طاعتهم فيما يأمرون به، وينهون عنه ما لم تكن معصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الله، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال جابر بن عبد الله، ومجاهد :إن أولي الأمر، هم :أهل القرآن والعلم، وبه قال مالك والضحاك. وروي عن مجاهد أنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن كيسان :هم أهل العقل والرأي، والراجح القول الأوّل.
قوله : ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ المنازعة المجاذبة، والنزع :الجذب، كأن كل واحد ينتزع حجة الآخر ويجذبها، والمراد :الاختلاف، والمجادلة، وظاهر قوله : ﴿ فِي شَىْء ﴾ يتناول أمور الدين والدنيا، ولكنه لما قال : ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ تبين به أن الشيء المتنازع فيه يختص بأمور الدين دون أمور الدنيا، والردّ إلى الله :هو الردّ إلى كتابه العزيز، والردّ إلى الرسول :هو الردّ إلى سنته المطهرة بعد موته، وأما في حياته، فالردّ إليه سؤاله، هذا معنى الردّ إليهما. وقيل :معنى الردّ أن يقولوا :الله أعلم، وهو قول ساقط، وتفسير بارد، وليس الردّ في هذه الآية إلا الرد المذكور في قوله تعالى : ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِى الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ [ النساء :٨٣ ].
قوله : ﴿ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر ﴾ فيه دليل على أن هذا الرد متحتم على المتنازعين، وإنه شأن من يؤمن بالله واليوم الآخر، والإشارة بقوله : ﴿ ذلك ﴾ إلى الردّ المأمور به ﴿ خَيْرٌ ﴾ لكم ﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ أي :مرجعاً، من الأول آل يؤول إلى كذا، أي :صار إليه ؛ والمعنى :أن ذلك الردّ خير لكم، وأحسن مرجعاً ترجعون إليه. ويجوز أن يكون المعنى أن الردّ أحسن تأويلاً من تأويلكم الذي صرتم إليه عند التنازع.
وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عباس في قوله : ﴿ أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرسول وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ قال :نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدّي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية، وقصته معروفة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عطاء في الآية قال :طاعة الله والرسول اتباع الكتاب والسنة ﴿ وَأُوْلِى الأمر ﴾ قال :أولى الفقه، والعلم. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة، قال : ﴿ وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ هم :الأمراء، وفي لفظ هم :أمراء السرايا.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والحكيم الترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن جابر بن عبد الله في قوله : ﴿ وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ قال :أهل العلم. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن شيبة، وابن جرير، عن أبي العالية نحوه أيضاً.
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ قال :إلى كتاب الله، وسنة رسوله. ثم قرأ : ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِى الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ [ النساء :٨٣ ].
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ميمون بن مهران في الآية قال :الردّ إلى الله الردّ إلى كتابه، والردّ إلى رسوله ما دام حياً، فإذا قبض فإلى سنته. وأخرج ابن جرير، عن قتادة، والسدي مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله : ﴿ ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ يقول :ذلك أحسن ثواباً وخير عاقبة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ قال :وأحسن جزاءً. وقد وردت أحاديث كثيرة في طاعة الأمراء ثابتة في الصحيحين وغيرهما، مقيدة بأن يكون ذلك في المعروف، وأنه لا طاعة في معصية الله.
قوله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُونَ ﴾ فيه تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم من حال هؤلاء الذين ادعوا لأنفسهم أنهم قد جمعوا بين الإيمان بما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو :القرآن، وما أنزل على من قبله من الأنبياء، فجاءوا بما ينقض عليهم هذه الدعوى ويبطلها من أصلها، ويوضح أنهم ليسوا على شيء من ذلك أصلاً، وهو إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت، وقد أمروا فيما أنزل على رسول الله، وعلى من قبله أن يكفروا به، وسيأتي بيان سبب نزول الآية، وبه يتضح معناها. وقد تقدّم تفسير الطاغوت، والاختلاف في معناه. قوله : ﴿ وَيُرِيدُ الشيطان ﴾ معطوف على قوله : ﴿ يُرِيدُونَ ﴾ والجملتان مسوقتان لبيان محل التعجب، كأنه قيل :ماذا يفعلون ؟ فقيل :يريدون كذا، ويريد الشيطان كذا. وقوله : ﴿ ضَلاَلاً ﴾ مصدر للفعل المذكور بحذف الزوائد كقوله : ﴿ والله أَنبَتَكُمْ منَ الأرض نَبَاتاً ﴾ [ نوح :١٧ ] أو مصدر لفعل محذوف دلّ عليه الفعل المذكور، والتقدير :ويريد الشيطان أن يضلهم فيضلون ضلالاً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي حاتم، والطبراني بسند قال السيوطي :صحيح عن ابن عباس، قال :كان برزة الأسلمي كاهناً يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المسلمين، فأنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُونَ ﴾ الآية. وأخرج ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال :كان الجلاس بن الصامت قبل توبته، ومعقب بن قشير، ورافع بن زيد، كانوا يدّعون الإسلام، فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعوهم إلى الكهان حكام الجاهلية، فنزلت الآية المذكورة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطاغوت ﴾ قال :الطاغوت رجل من اليهود كان يقال له :كعب بن الأشرف، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا :بل نحاكمكم إلى كعب، فنزلت الآية.
وأخرج ابن جرير، عن الضحاك مثله. وأخرج البخاري، ومسلم، وأهل السنن، وغيرهم عن عبد الله بن الزبير :أن الزبير خاصم رجلاً من الأنصار قد شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله في شراج من الحرّة، وكانا يسقيان به كلاهما النخل. فقال الأنصاري :سرح الماء يمرّ، فأبى عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك»، فغضب الأنصاري، وقال يا رسول الله آن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : «اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك»، واستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ رسول الله الأنصاري.
استوعى للزبير حقه في صريح الحكم، فقال الزبير :ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك ﴿ فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، من طريق ابن لهيعة عن الأسود :أن سبب نزول الآية أنه اختصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان، فقضى بينهما، فقال المقضيّ عليه :ردنا إلى عمر، فردهما، فقتل عمر الذي قال ردّنا، ونزلت الآية، فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم دم المقتول، وأخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن مكحول، فذكر نحوه، وبين أن الذي قتله عمر كان منافقاً، وهما مرسلان، والقصة غريبة، وابن لهيعة فيه ضعف.

والصدود :اسم للمصدر، وهو الصدّ عند الخليل، وعند الكوفيين أنهما مصدران، أي :يعرضون عنك إعراضاً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي حاتم، والطبراني بسند قال السيوطي :صحيح عن ابن عباس، قال :كان برزة الأسلمي كاهناً يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المسلمين، فأنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُونَ ﴾ الآية. وأخرج ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال :كان الجلاس بن الصامت قبل توبته، ومعقب بن قشير، ورافع بن زيد، كانوا يدّعون الإسلام، فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعوهم إلى الكهان حكام الجاهلية، فنزلت الآية المذكورة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطاغوت ﴾ قال :الطاغوت رجل من اليهود كان يقال له :كعب بن الأشرف، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا :بل نحاكمكم إلى كعب، فنزلت الآية.
وأخرج ابن جرير، عن الضحاك مثله. وأخرج البخاري، ومسلم، وأهل السنن، وغيرهم عن عبد الله بن الزبير :أن الزبير خاصم رجلاً من الأنصار قد شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله في شراج من الحرّة، وكانا يسقيان به كلاهما النخل. فقال الأنصاري :سرح الماء يمرّ، فأبى عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك»، فغضب الأنصاري، وقال يا رسول الله آن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : «اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك»، واستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ رسول الله الأنصاري.
استوعى للزبير حقه في صريح الحكم، فقال الزبير :ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك ﴿ فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، من طريق ابن لهيعة عن الأسود :أن سبب نزول الآية أنه اختصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان، فقضى بينهما، فقال المقضيّ عليه :ردنا إلى عمر، فردهما، فقتل عمر الذي قال ردّنا، ونزلت الآية، فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم دم المقتول، وأخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن مكحول، فذكر نحوه، وبين أن الذي قتله عمر كان منافقاً، وهما مرسلان، والقصة غريبة، وابن لهيعة فيه ضعف.

قوله : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا أصابتهم مصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ بيان لعاقبة أمرهم، وما صار إليهم حالهم، أي :كيف يكون حالهم ﴿ إِذَا أصابتهم مصِيبَةٌ ﴾ أي :وقت إصابتهم، فإنهم يعجزون عند ذلك، ولا يقدرون على الدفع. والمراد : ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ ما فعلوه من المعاصي التي من جملتها التحاكم إلى الطاغوت ﴿ ثُمَّ جَاءوكَ ﴾ يعتذرون عن فعلهم، وهو عطف على ﴿ أصابتهم ﴾ وقوله : ﴿ يَحْلِفُونَ ﴾ حال، أي :جاءوك حال كونهم حالفين ﴿ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً ﴾ أي :ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك إلا الإحسان لا الإساءة، والتوفيق بين الخصمين لا المخالفة لك. وقال ابن كيسان :معناه :ما أردنا إلا عدلاً، وحقاً مثل قوله : ﴿ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحسنى ﴾ [ التوبة :١٠٧ ] فكذبهم الله بقوله : ﴿ أُولَئِكَ الذين يَعْلَمُ الله مَا فِى قُلُوبِهِمْ ﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي حاتم، والطبراني بسند قال السيوطي :صحيح عن ابن عباس، قال :كان برزة الأسلمي كاهناً يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المسلمين، فأنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُونَ ﴾ الآية. وأخرج ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال :كان الجلاس بن الصامت قبل توبته، ومعقب بن قشير، ورافع بن زيد، كانوا يدّعون الإسلام، فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعوهم إلى الكهان حكام الجاهلية، فنزلت الآية المذكورة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطاغوت ﴾ قال :الطاغوت رجل من اليهود كان يقال له :كعب بن الأشرف، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا :بل نحاكمكم إلى كعب، فنزلت الآية.
وأخرج ابن جرير، عن الضحاك مثله. وأخرج البخاري، ومسلم، وأهل السنن، وغيرهم عن عبد الله بن الزبير :أن الزبير خاصم رجلاً من الأنصار قد شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله في شراج من الحرّة، وكانا يسقيان به كلاهما النخل. فقال الأنصاري :سرح الماء يمرّ، فأبى عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك»، فغضب الأنصاري، وقال يا رسول الله آن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : «اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك»، واستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ رسول الله الأنصاري.
استوعى للزبير حقه في صريح الحكم، فقال الزبير :ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك ﴿ فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، من طريق ابن لهيعة عن الأسود :أن سبب نزول الآية أنه اختصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان، فقضى بينهما، فقال المقضيّ عليه :ردنا إلى عمر، فردهما، فقتل عمر الذي قال ردّنا، ونزلت الآية، فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم دم المقتول، وأخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن مكحول، فذكر نحوه، وبين أن الذي قتله عمر كان منافقاً، وهما مرسلان، والقصة غريبة، وابن لهيعة فيه ضعف.

﴿ أُولَئِكَ الذين يَعْلَمُ الله مَا فِى قُلُوبِهِمْ ﴾ من النفاق والعداوة للحق. قال الزجاج :معناه :قد علم الله أنهم منافقون ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ أي :عن عقابهم. وقيل عن قبول اعتذارهم : ﴿ وَعِظْهُمْ ﴾ أي :خوّفهم من النفاق ﴿ وَقُل لهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ ﴾ أي :في حق أنفسهم. وقيل :معناه :قل لهم خالياً بهم ليس معهم غيرهم ﴿ قَوْلاً بَلِيغاً ﴾ أي :بالغاً في وعظهم إلى المقصود مؤثراً فيهم، وذلك بأن توعدهم بسفك دمائهم، وسبي نسائهم، وسلب أموالهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي حاتم، والطبراني بسند قال السيوطي :صحيح عن ابن عباس، قال :كان برزة الأسلمي كاهناً يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المسلمين، فأنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُونَ ﴾ الآية. وأخرج ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال :كان الجلاس بن الصامت قبل توبته، ومعقب بن قشير، ورافع بن زيد، كانوا يدّعون الإسلام، فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعوهم إلى الكهان حكام الجاهلية، فنزلت الآية المذكورة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطاغوت ﴾ قال :الطاغوت رجل من اليهود كان يقال له :كعب بن الأشرف، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا :بل نحاكمكم إلى كعب، فنزلت الآية.
وأخرج ابن جرير، عن الضحاك مثله. وأخرج البخاري، ومسلم، وأهل السنن، وغيرهم عن عبد الله بن الزبير :أن الزبير خاصم رجلاً من الأنصار قد شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله في شراج من الحرّة، وكانا يسقيان به كلاهما النخل. فقال الأنصاري :سرح الماء يمرّ، فأبى عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك»، فغضب الأنصاري، وقال يا رسول الله آن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : «اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك»، واستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ رسول الله الأنصاري.
استوعى للزبير حقه في صريح الحكم، فقال الزبير :ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك ﴿ فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، من طريق ابن لهيعة عن الأسود :أن سبب نزول الآية أنه اختصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان، فقضى بينهما، فقال المقضيّ عليه :ردنا إلى عمر، فردهما، فقتل عمر الذي قال ردّنا، ونزلت الآية، فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم دم المقتول، وأخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن مكحول، فذكر نحوه، وبين أن الذي قتله عمر كان منافقاً، وهما مرسلان، والقصة غريبة، وابن لهيعة فيه ضعف.

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رسُولٍ ﴾ «من » زائدة للتوكيد ﴿ إلاَّ لِيُطَاعَ ﴾ فيما أمر به ونهى عنه ﴿ بِإِذُنِ الله ﴾ بعلمه. وقيل بتوفيقه : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ ﴾ بترك طاعتك، والتحاكم إلى غيرك ﴿ جَاءوكَ ﴾ متوسلين إليك متنصلين عن جناياتهم، ومخالفتهم ﴿ فاستغفروا الله ﴾ لذنوبهم، وتضرعوا إليك حتى قمت شفيعاً لهم، فاستغفرت لهم، وإنما قال : ﴿ واستغفر لَهُمُ الرسول ﴾ على طريقة الالتفات لقصد التفخيم لشأن الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿ لَوَجَدُوا الله تَواباً رحِيماً ﴾ أي :كثير التوبة عليهم والرحمة لهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي حاتم، والطبراني بسند قال السيوطي :صحيح عن ابن عباس، قال :كان برزة الأسلمي كاهناً يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المسلمين، فأنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُونَ ﴾ الآية. وأخرج ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال :كان الجلاس بن الصامت قبل توبته، ومعقب بن قشير، ورافع بن زيد، كانوا يدّعون الإسلام، فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعوهم إلى الكهان حكام الجاهلية، فنزلت الآية المذكورة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطاغوت ﴾ قال :الطاغوت رجل من اليهود كان يقال له :كعب بن الأشرف، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا :بل نحاكمكم إلى كعب، فنزلت الآية.
وأخرج ابن جرير، عن الضحاك مثله. وأخرج البخاري، ومسلم، وأهل السنن، وغيرهم عن عبد الله بن الزبير :أن الزبير خاصم رجلاً من الأنصار قد شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله في شراج من الحرّة، وكانا يسقيان به كلاهما النخل. فقال الأنصاري :سرح الماء يمرّ، فأبى عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك»، فغضب الأنصاري، وقال يا رسول الله آن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : «اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك»، واستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ رسول الله الأنصاري.
استوعى للزبير حقه في صريح الحكم، فقال الزبير :ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك ﴿ فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، من طريق ابن لهيعة عن الأسود :أن سبب نزول الآية أنه اختصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان، فقضى بينهما، فقال المقضيّ عليه :ردنا إلى عمر، فردهما، فقتل عمر الذي قال ردّنا، ونزلت الآية، فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم دم المقتول، وأخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن مكحول، فذكر نحوه، وبين أن الذي قتله عمر كان منافقاً، وهما مرسلان، والقصة غريبة، وابن لهيعة فيه ضعف.

قوله : ﴿ فَلاَ وَرَبّكَ ﴾. قال ابن جرير :قوله : ﴿ فَلا ﴾ ردّ على ما تقدم ذكره، تقديره فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك، ثم استأنف القسم بقوله : ﴿ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ وقيل :إنه قدّم «لا » على القسم اهتماماً بالنفي، وإظهاراً لقوته، ثم كرره بعد القسم تأكيداً، وقيل :لا مزيدة لتأكيد معنى القسم لا لتأكيد معنى النفي، والتقدير :فوربك لا يؤمنون، كما في قوله : ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بمواقع النجوم ﴾ [ الواقعة :٧٥ ] ﴿ حتى يُحَكّمُوكَ ﴾ أي :يجعلوك حكماً بينهم في جميع أمورهم لا يحكمون أحداً غيرك وقيل :معناه :يتحاكمون إليك، ولا ملجىء لذلك ﴿ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ أي :اختلف بينهم واختلط، ومنه الشجر لاختلاف أغصانه، ومنه قول طرفة :
وهم الحكام أرباب الهدى وسعاة الناس في الأمر الشجر
أي :المختلف، ومنه :تشاجر الرماح، أي :اختلافها ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً ممَّا قَضَيْتَ ﴾ قيل :هو معطوف على مقدّر ينساق إليه الكلام، أي :فتقضي بينهم، ثم لا يجدوا. والحرج :الضيق، وقيل :الشك، ومنه قيل للشجر الملتفّ :حرج وحرجة، وجمعها حراج. وقيل :الحرج :الإثم، أي :لا يجدون في أنفسهم إثماً بإنكارهم ما قضيت ﴿ وَيُسَلّمُوا تَسْلِيماً ﴾ أي :ينقادوا لأمرك، وقضائك انقياداً لا يخالفونه في شيء. قال الزجاج : ﴿ تَسْلِيماً ﴾ مصدر مؤكد، أي :ويسلمون لحكمك تسليماً لا يدخلون على أنفسهم شكاً، ولا شبهة فيه. والظاهر أن هذا شامل لكل فرد في كل حكم، كما يؤيد ذلك قوله : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله ﴾ فلا يختص بالمقصودين بقوله : ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطاغوت ﴾ وهذا في حياته صلى الله عليه وسلم، وأما بعد موته، فتحكيم الكتاب والسنة، وتحكيم الحاكم بما فيهما من الأئمة والقضاة إذا كان لا يحكم بالرأي المجرد مع وجود الدليل في الكتاب والسنة، أو في أحدهما. وكان يعقل ما يردّ عليه من حجج الكتاب والسنة، بأن يكون عالماً باللغة العربية، وما يتعلق بها من نحو وتصريف ومعاني وبيان عارفاً بما يحتاج إليه من علم الأصول، بصيراً بالسنة المطهرة، مميزاً بين الصحيح وما يلحق به، والضعيف وما يلحق به، منصفاً غير متعصب لمذهب من المذاهب، ولا لنحلة من النحل، ورعاً لا يحيف، ولا يميل في حكمه، فمن كان هكذا فهو قائم في مقام النبوّة، مترجم عنها، حاكم بأحكامها. وفي هذا الوعيد الشديد ما تقشعر له الجلود، وترجف له الأفئدة، فإنه أوّلاً أقسم سبحانه بنفسه مؤكداً لهذا القسم بحرف النفي بأنهم لا يؤمنون، فنفى عنهم الإيمان الذي هو رأس مال صالحي عباد الله، حتى تحصل لهم غاية هي تحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم يكتف سبحانه بذلك حتى قال : ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً ممَّا قَضَيْتَ ﴾ فضم إلى التحكيم أمراً آخر، وهو عدم وجود حرج، أي :حرج في صدورهم، فلا يكون مجرد التحكيم، والإذعان كافياً حتى يكون من صميم القلب عن رضاً واطمئنان وانثلاج قلب وطيب نفس، ثم لم يكتف بهذا كله، بل ضمّ إليه قوله : ﴿ وَيُسَلّمُوا ﴾ أي :يذعنوا، وينقادوا ظاهراً وباطناً، ثم لم يكتف بذلك، بل ضم إليه المصدر المؤكد، فقال : ﴿ تَسْلِيماً ﴾ فلا يثبت الإيمان لعبد حتى يقع منه هذا التحكيم، ولا يجد الحرج في صدره بما قضي عليه، ويسلم لحكم الله وشرعه، تسليماً لا يخالطه ردّ، ولا تشوبه مخالفة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي حاتم، والطبراني بسند قال السيوطي :صحيح عن ابن عباس، قال :كان برزة الأسلمي كاهناً يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المسلمين، فأنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُونَ ﴾ الآية. وأخرج ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال :كان الجلاس بن الصامت قبل توبته، ومعقب بن قشير، ورافع بن زيد، كانوا يدّعون الإسلام، فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعوهم إلى الكهان حكام الجاهلية، فنزلت الآية المذكورة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطاغوت ﴾ قال :الطاغوت رجل من اليهود كان يقال له :كعب بن الأشرف، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا :بل نحاكمكم إلى كعب، فنزلت الآية.
وأخرج ابن جرير، عن الضحاك مثله. وأخرج البخاري، ومسلم، وأهل السنن، وغيرهم عن عبد الله بن الزبير :أن الزبير خاصم رجلاً من الأنصار قد شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله في شراج من الحرّة، وكانا يسقيان به كلاهما النخل. فقال الأنصاري :سرح الماء يمرّ، فأبى عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك»، فغضب الأنصاري، وقال يا رسول الله آن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : «اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك»، واستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ رسول الله الأنصاري.
استوعى للزبير حقه في صريح الحكم، فقال الزبير :ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك ﴿ فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، من طريق ابن لهيعة عن الأسود :أن سبب نزول الآية أنه اختصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان، فقضى بينهما، فقال المقضيّ عليه :ردنا إلى عمر، فردهما، فقتل عمر الذي قال ردّنا، ونزلت الآية، فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم دم المقتول، وأخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن مكحول، فذكر نحوه، وبين أن الذي قتله عمر كان منافقاً، وهما مرسلان، والقصة غريبة، وابن لهيعة فيه ضعف.

«لَوْ » حرف امتناع، و «أن » مصدرية، أو تفسيرية ؛ لأن ﴿ كَتَبْنَا ﴾ في معنى أمرنا. والمعنى :أن الله سبحانه لو كتب القتل والخروج من الديار على هؤلاء الموجودين من اليهود ما فعله إلا القليل منهم، أو لو كتب ذلك على المسلمين ما فعله إلا القليل منهم، والضمير في قوله : ﴿ فَعَلُوهُ ﴾ راجع إلى المكتوب الذي دلّ عليه كتبنا، أو إلى القتل والخروج المدلول عليهما بالفعلين، وتوحيد الضمير في مثل هذا قد قدّمنا وجهه. قوله : ﴿ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ قرأه الجمهور بالرفع على البدل. وقرأ عبد الله بن عامر، وعيسى بن عمر «إِلاَّ قَلِيلاً » بالنصب على الاستثناء، وكذا هو في مصاحف أهل الشام، والرفع أجود عند النحاة. قوله : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ ﴾ من اتباع الشرع والانقياد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ لَكَانَ ﴾ ذلك ﴿ خَيْراً لهُمْ ﴾ في الدنيا والآخرة، ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ لأقدامهم على الحق، فلا يضطربون في أمر دينهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ ﴾ هم :يهود، كما أمر أصحاب موسى أن يقتل بعضهم بعضاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن سفيان أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ نحوه. وقد روي من طرق أن جماعة من الصحابة قالوا :لما نزلت الآية لو فعل ربنا لفعلنا. أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن. وأخرجه ابن أبي حاتم، عن عامر بن عبد الله بن الزبير. وأخرجه أيضاً عن شريح بن عبيد. وأخرج الطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والضياء المقدسي في صفة الجنة، وحسنه عن عائشة قالت :جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال :يا رسول الله :إنك لأحب إليّ من نفسي، وإنك لأحب إليّ من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك، فما أصبر حتى آتي، فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي، وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يردّ عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى نزل جبريل بهذه الآية : ﴿ وَمَن يُطِعِ الله والرسول فَأُوْلَئِكَ مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم ﴾ الآية. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس نحوه.
﴿ وَإِذن ﴾ أي :وقت فعلهم لما يوعظون به ﴿ لآتيناهم من لدُنا أَجْراً عَظِيماً ﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ ﴾ هم :يهود، كما أمر أصحاب موسى أن يقتل بعضهم بعضاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن سفيان أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ نحوه. وقد روي من طرق أن جماعة من الصحابة قالوا :لما نزلت الآية لو فعل ربنا لفعلنا. أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن. وأخرجه ابن أبي حاتم، عن عامر بن عبد الله بن الزبير. وأخرجه أيضاً عن شريح بن عبيد. وأخرج الطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والضياء المقدسي في صفة الجنة، وحسنه عن عائشة قالت :جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال :يا رسول الله :إنك لأحب إليّ من نفسي، وإنك لأحب إليّ من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك، فما أصبر حتى آتي، فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي، وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يردّ عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى نزل جبريل بهذه الآية : ﴿ وَمَن يُطِعِ الله والرسول فَأُوْلَئِكَ مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم ﴾ الآية. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس نحوه.
﴿ ولهديناهم صراطا مسْتَقِيماً ﴾ لا عوج فيه ليصلوا إلى الخير الذي يناله من امتثل ما أمر به، وانقاد لمن يدعوه إلى الحق.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ ﴾ هم :يهود، كما أمر أصحاب موسى أن يقتل بعضهم بعضاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن سفيان أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ نحوه. وقد روي من طرق أن جماعة من الصحابة قالوا :لما نزلت الآية لو فعل ربنا لفعلنا. أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن. وأخرجه ابن أبي حاتم، عن عامر بن عبد الله بن الزبير. وأخرجه أيضاً عن شريح بن عبيد. وأخرج الطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والضياء المقدسي في صفة الجنة، وحسنه عن عائشة قالت :جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال :يا رسول الله :إنك لأحب إليّ من نفسي، وإنك لأحب إليّ من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك، فما أصبر حتى آتي، فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي، وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يردّ عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى نزل جبريل بهذه الآية : ﴿ وَمَن يُطِعِ الله والرسول فَأُوْلَئِكَ مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم ﴾ الآية. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس نحوه.
قوله : ﴿ وَمَن يُطِعِ الله والرسول ﴾ كلام مستأنف لبيان فضل طاعة الله والرسول، والاشارة بقوله : ﴿ فَأُوْلَئِكَ ﴾ إلى المطيعين، كما تفيده من ﴿ مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم ﴾ بدخول الجنة، والوصول إلى ما أعدّ الله لهم. والصدّيق المبالغ في الصدق، كما تفيده الصيغة. وقيل :هم فضلاء أتباع الأنبياء. والشهداء :من ثبتت لهم الشهادة، والصالحين :أهل الأعمال الصالحة. والرفيق مأخوذ من الرفق، وهو :لين الجانب، والمراد به :المصاحب لارتفاقك بصحبته، ومنه الرفقة لارتفاق بعضهم ببعض، وهو منتصب على التمييز، أو الحال، كما قال الأخفش.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ ﴾ هم :يهود، كما أمر أصحاب موسى أن يقتل بعضهم بعضاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن سفيان أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ نحوه. وقد روي من طرق أن جماعة من الصحابة قالوا :لما نزلت الآية لو فعل ربنا لفعلنا. أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن. وأخرجه ابن أبي حاتم، عن عامر بن عبد الله بن الزبير. وأخرجه أيضاً عن شريح بن عبيد. وأخرج الطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والضياء المقدسي في صفة الجنة، وحسنه عن عائشة قالت :جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال :يا رسول الله :إنك لأحب إليّ من نفسي، وإنك لأحب إليّ من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك، فما أصبر حتى آتي، فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي، وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يردّ عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى نزل جبريل بهذه الآية : ﴿ وَمَن يُطِعِ الله والرسول فَأُوْلَئِكَ مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم ﴾ الآية. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس نحوه.
مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ: أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ: أَنَّهُ اخْتَصَمَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ فَقَضَى بَيْنَهُمَا، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ: رُدَّنَا إِلَى عُمَرَ، فَرَدَّهُمَا، فَقَتَلَ عُمَرُ الَّذِي قَالَ رُدَّنَا، وَنَزَلَتِ الْآيَةُ، فَأَهْدَرَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عليه وسلّم دم المقتول. وأخرجه التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ عَنْ مَكْحُولٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِي قَتَلَهُ عُمَرُ كَانَ مُنَافِقًا، وَهُمَا مُرْسَلَانِ، وَالْقِصَّةُ غَرِيبَةٌ، وَابْنُ لَهِيعَةَ فيه ضعف.
[سورة النساء (٤) :الآيات ٦٦ الى ٧٠]
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (٦٧) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (٧٠)
لَوْ: حَرْفُ امْتِنَاعٍ، وَأَنْ: مَصْدَرِيَّةٌ، أَوْ تَفْسِيرِيَّةٌ، لَأَنَّ كَتَبْنا فِي مَعْنَى: أَمَرْنَا. وَالْمَعْنَى:
أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَوْ كَتَبَ الْقَتْلَ وَالْخُرُوجَ مِنَ الدِّيَارِ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمَوْجُودِينَ مِنَ الْيَهُودِ مَا فَعَلَهُ إِلَّا الْقَلِيلُ مِنْهُمْ، أَوْ: لَوْ كَتَبَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا فَعَلَهُ إِلَّا الْقَلِيلُ مِنْهُمْ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: فَعَلُوهُ رَاجِعٌ إِلَى الْمَكْتُوبِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَتَبْنَا، أَوْ إِلَى الْقَتْلِ وَالْخُرُوجِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِمَا بِالْفِعْلَيْنِ، وَتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ فِي مِثْلِ هَذَا قَدْ قَدَّمْنَا وَجْهَهُ. قَوْلُهُ: إِلَّا قَلِيلٌ قَرَأَهُ الْجُمْهُورُ: بِالرَّفْعِ عَلَى الْبَدَلِ. وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ، وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ:
إِلَّا قَلِيلًا: بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَكَذَا هُوَ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الشَّامِ، وَالرَّفْعُ أَجْوَدُ عِنْدَ النُّحَاةِ. قَوْلُهُ:
وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ مِنِ اتِّبَاعِ الشَّرْعِ وَالِانْقِيَادِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وَسَلَّمَ لَكانَ ذَلِكَ خَيْراً لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً لِأَقْدَامِهِمْ عَلَى الْحَقِّ فَلَا يضطربون في أمر دينهم وَإِذاً أَيْ:
وَقْتَ فِعْلِهِمْ لِمَا يُوعَظُونَ بِهِ لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً لَا عِوَجَ فِيهِ، لِيَصِلُوا إِلَى الْخَيْرِ الَّذِي يَنَالُهُ مَنِ امْتَثَلَ مَا أُمِرَ بِهِ، وَانْقَادَ لِمَنْ يَدْعُوهُ إِلَى الْحَقِّ. قَوْلُهُ: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ، لِبَيَانِ فَضْلِ طَاعَةِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولئِكَ إِلَى الْمُطِيعِينَ، كَمَا تُفِيدُهُ مِنْ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ، وَالْوُصُولِ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ. وَالصِّدِّيقُ: الْمُبَالِغُ فِي الصِّدْقِ، كَمَا تُفِيدُهُ الصِّيغَةُ وَقِيلَ: هُمْ فُضَلَاءُ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ. وَالشُّهَدَاءِ: مَنْ ثَبَتَتْ لَهُمُ الشَّهَادَةُ، وَالصَّالِحِينَ: أَهْلِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَالرَّفِيقُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الرِّفْقِ، وَهُوَ لِينُ الْجَانِبِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُصَاحِبُ، لِارْتِفَاقِكَ بِصُحْبَتِهِ، وَمِنْهُ: الرُّفْقَةُ، لِارْتِفَاقِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَهُوَ مُنْتَصِبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ أَوِ الْحَالِ، كَمَا قَالَ الْأَخْفَشُ.
وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ هُمْ يَهُودُ، كَمَا أَمَرَ أَصْحَابَ مُوسَى أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ سُفْيَانَ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ: أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ قَالُوا لَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ: لَوْ فَعَلَ رَبُّنَا لَفَعَلْنَا. أَخْرَجَهُ ابْنُ
قوله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ هذا خطاب لخلص المؤمنين، وأمر لهم بجهاد الكفار، والخروج في سبيل الله، والحذر، والحذر لغتان :كالمثل، والمثل. قال الفراء :أكثر الكلام الحذر، والحذر مسموع أيضاً، يقال :خذ حذرك أي :احذر، وقيل :معنى الآية :الأمر لهم بأخذ السلاح حذراً ؛ لأن به الحذر. قوله : ﴿ فانفروا ﴾ نفر ينفر بكسر الفاء نفيراً، ونفرت الدابة تنفر بضم الفاء نفوراً. والمعنى :انهضوا لقتال العدوّ. أو النفير اسم للقوم الذين ينفرون، وأصله من النفار، والنفور، وهو :الفزع، ومنه قوله تعالى : ﴿ وَلَّوْا على أدبارهم نُفُوراً ﴾ [ الإسراء :٤٦ ] أي :نافرين، قوله : ﴿ ثبَاتٍ ﴾ جمع ثبة، أي :جماعة، والمعنى :انفروا جماعات متفرقات. قوله : ﴿ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ أي :مجتمعين جيشاً واحداً. ومعنى الآية :الأمر لهم بأن ينفروا على أحد الوصفين ؛ ليكون ذلك أشدّ على عدوّهم، وليأمنوا من أن يتخطفهم الأعداء، إذا نفر كل واحد منهم وحده أو نحو ذلك، وقيل :إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : ﴿ انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ [ التوبة :٤١ ] وبقوله : ﴿ إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذّبْكُمْ ﴾ [ التوبة :٣٩ ] والصحيح أن الآيتين جميعاً محكمتان :إحداهما في الوقت الذي يحتاج فيه إلى نفور الجميع، والأخرى عند الاكتفاء بنفور البعض دون البعض.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فانفروا ثُبَاتٍ ﴾ قال :عصباً، يعني سرايا متفرقين ﴿ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ يعني كلكم. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عنه قال في سورة النساء : ﴿ خُذُوا حِذْرَكُمْ فانفروا ثُبَاتٍ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ نسختها :
﴿ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُوا كَافَّةً ﴾ [ التوبة :١٢٢ ]. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله : ﴿ ثُبَاتٍ ﴾ أي :فرقاً قليلاً. وأخرج عن قتادة في قوله : ﴿ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ أي :إذا نفر نبي الله صلى الله عليه وسلم، فليس لأحد أن يتخلف عنه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي نحوه.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن ليُبَطّئَنَّ ﴾ إلى قوله : ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ما بين ذلك في المنافقين. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حيان في الآية قال :هو فيما بلغنا عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد ابن جبير ﴿ فَلْيُقَاتِلْ ﴾ يعني :يقاتل المشركين ﴿ فِى سَبِيلِ الله ﴾ في طاعة الله ﴿ وَمَن يقاتل فِى سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ ﴾ يعني :يقتله العدوّ ﴿ أَو يَغْلِبْ ﴾ يعني :يغلب العدوّ من المشركين ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ يعني :جزاءً وافراً في الجنة، فجعل القاتل والمقتول من المسلمين في جهاد المشركين شريكين في الأجر.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فِى سَبِيلِ الله والمستضعفين ﴾ قال :وفي المستضعفين. وأخرج ابن جرير، عن الزهري قال :وسبيل المستضعفين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه من طريق العوفي قال :المستضعفون أناس مسلمون كانوا بمكة لا يستطيعون أن يخرجوا منها. وأخرج البخاري، عنه قال : «أنا وأمي من المستضعفين» وأخرج ابن جرير، عنه قال :القرية الظالم أهلها مكة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عائشة مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :إذا رأيتم الشيطان، فلا تخافوه، واحملوا عليه ﴿ إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً ﴾. قال مجاهد :كان الشيطان يتراءى لي في الصلاة، فكنت أذكر قول ابن عباس، فأحمل عليه، فيذهب عني.

قوله : ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن ليُبَطّئَنَّ ﴾ التبطئة والإبطاء التأخر، والمراد :المنافقون كانوا يقعدون عن الخروج، ويقعدون غيرهم. والمعنى :أن من دخلائكم وجنسكم ومن أظهر إيمانه لكم نفاقاً من يبطيء المؤمنين ويثبطهم، واللام في قوله :" لِمَنْ " لام توكيد، وفي قوله : ﴿ ليُبَطّئَنَّ ﴾ لام جواب القسم، و «من » في موضع نصب، وصلتها الجملة. وقرأ مجاهد، والنخعي، والكلبي ﴿ ليُبَطّئَنَّ ﴾ بالتخفيف ﴿ فَإِنْ أصابتكم مصِيبَةٌ ﴾ من قتل أو هزيمة أو ذهاب مال. قال هذا المنافق قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم حتى يصيبني ما أصابهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فانفروا ثُبَاتٍ ﴾ قال :عصباً، يعني سرايا متفرقين ﴿ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ يعني كلكم. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عنه قال في سورة النساء : ﴿ خُذُوا حِذْرَكُمْ فانفروا ثُبَاتٍ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ نسختها :
﴿ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُوا كَافَّةً ﴾ [ التوبة :١٢٢ ]. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله : ﴿ ثُبَاتٍ ﴾ أي :فرقاً قليلاً. وأخرج عن قتادة في قوله : ﴿ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ أي :إذا نفر نبي الله صلى الله عليه وسلم، فليس لأحد أن يتخلف عنه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي نحوه.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن ليُبَطّئَنَّ ﴾ إلى قوله : ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ما بين ذلك في المنافقين. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حيان في الآية قال :هو فيما بلغنا عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد ابن جبير ﴿ فَلْيُقَاتِلْ ﴾ يعني :يقاتل المشركين ﴿ فِى سَبِيلِ الله ﴾ في طاعة الله ﴿ وَمَن يقاتل فِى سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ ﴾ يعني :يقتله العدوّ ﴿ أَو يَغْلِبْ ﴾ يعني :يغلب العدوّ من المشركين ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ يعني :جزاءً وافراً في الجنة، فجعل القاتل والمقتول من المسلمين في جهاد المشركين شريكين في الأجر.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فِى سَبِيلِ الله والمستضعفين ﴾ قال :وفي المستضعفين. وأخرج ابن جرير، عن الزهري قال :وسبيل المستضعفين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه من طريق العوفي قال :المستضعفون أناس مسلمون كانوا بمكة لا يستطيعون أن يخرجوا منها. وأخرج البخاري، عنه قال : «أنا وأمي من المستضعفين» وأخرج ابن جرير، عنه قال :القرية الظالم أهلها مكة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عائشة مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :إذا رأيتم الشيطان، فلا تخافوه، واحملوا عليه ﴿ إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً ﴾. قال مجاهد :كان الشيطان يتراءى لي في الصلاة، فكنت أذكر قول ابن عباس، فأحمل عليه، فيذهب عني.

﴿ وَلَئِنْ أصابكم فَضْلٌ مِنَ ﴾ غنيمة أو فتح ﴿ ليَقُولَنَّ ﴾ هذا المنافق قول نادم حاسد ﴿ يا ليتني كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾.
قوله : ﴿ كَأَن لَّمْ يَكُنِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ جملة معترضة بين الفعل الذي هو ﴿ ليقولن ﴾ وبين مفعوله، وهو : ﴿ يا لَيْتَنِى ﴾ وقيل :إن في الكلام تقديماً وتأخيراً. وقيل :المعنى :ليقولنّ كأن لم تكن بينكم وبينه مودّة أي :كأن لم يعاقدكم على الجهاد. وقيل :هو في موضع نصب على الحال. وقرأ الحسن :" ليَقُولَنَّ " بضم اللام على معنى من. وقرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم " كَأَن لمْ تَكُنْ " بالتاء على لفظ المودّة. قوله : ﴿ فَأَفُوزَ ﴾ بالنصب على جواب التمني. وقرأ الحسن :" فَأَفُوزَ " بالرفع.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فانفروا ثُبَاتٍ ﴾ قال :عصباً، يعني سرايا متفرقين ﴿ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ يعني كلكم. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عنه قال في سورة النساء : ﴿ خُذُوا حِذْرَكُمْ فانفروا ثُبَاتٍ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ نسختها :
﴿ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُوا كَافَّةً ﴾ [ التوبة :١٢٢ ]. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله : ﴿ ثُبَاتٍ ﴾ أي :فرقاً قليلاً. وأخرج عن قتادة في قوله : ﴿ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ أي :إذا نفر نبي الله صلى الله عليه وسلم، فليس لأحد أن يتخلف عنه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي نحوه.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن ليُبَطّئَنَّ ﴾ إلى قوله : ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ما بين ذلك في المنافقين. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حيان في الآية قال :هو فيما بلغنا عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد ابن جبير ﴿ فَلْيُقَاتِلْ ﴾ يعني :يقاتل المشركين ﴿ فِى سَبِيلِ الله ﴾ في طاعة الله ﴿ وَمَن يقاتل فِى سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ ﴾ يعني :يقتله العدوّ ﴿ أَو يَغْلِبْ ﴾ يعني :يغلب العدوّ من المشركين ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ يعني :جزاءً وافراً في الجنة، فجعل القاتل والمقتول من المسلمين في جهاد المشركين شريكين في الأجر.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فِى سَبِيلِ الله والمستضعفين ﴾ قال :وفي المستضعفين. وأخرج ابن جرير، عن الزهري قال :وسبيل المستضعفين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه من طريق العوفي قال :المستضعفون أناس مسلمون كانوا بمكة لا يستطيعون أن يخرجوا منها. وأخرج البخاري، عنه قال : «أنا وأمي من المستضعفين» وأخرج ابن جرير، عنه قال :القرية الظالم أهلها مكة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عائشة مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :إذا رأيتم الشيطان، فلا تخافوه، واحملوا عليه ﴿ إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً ﴾. قال مجاهد :كان الشيطان يتراءى لي في الصلاة، فكنت أذكر قول ابن عباس، فأحمل عليه، فيذهب عني.

قوله : ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ الله ﴾ هذا أمر للمؤمنين، وقدّم الظرف على الفاعل للاهتمام به. و ﴿ الذين يَشْرُونَ ﴾ معناه :يبيعون، وهم المؤمنون، والفاء في قوله : ﴿ فَلْيُقَاتِلْ ﴾ جواب الشرط مقدّر، أي :لم يقاتل هؤلاء المذكورون سابقاً الموصوفون بأن منهم لمن ليبطئن، فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم البائعون للحياة الدنيا بالآخرة، ثم وعد المقاتلين في سبيل الله بأنه سيؤتيهم أجراً عظيماً لا يقادر قدره، وذلك أنه إذا قتل فاز بالشهادة التي هي أعلى درجات الأجور، وإن غلب، وظفر كان له أجر من قاتل في سبيل الله مع ما قد ناله من العلوّ في الدنيا والغنيمة، وظاهر هذا يقتضي التسوية بين من قتل شهيداً، أو انقلب غانماً، وربما يقال :إن التسوية بينهما إنما هي في إيتاء الأجر العظيم، ولا يلزم أن يكون أجرهما مستوياً، فإن كون الشيء عظيماً هو من الأمور النسبية التي يكون بعضها عظيماً بالنسبة إلى ما هو دونه، وحقيراً بالنسبة إلى ما هو فوقه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فانفروا ثُبَاتٍ ﴾ قال :عصباً، يعني سرايا متفرقين ﴿ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ يعني كلكم. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عنه قال في سورة النساء : ﴿ خُذُوا حِذْرَكُمْ فانفروا ثُبَاتٍ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ نسختها :
﴿ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُوا كَافَّةً ﴾ [ التوبة :١٢٢ ]. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله : ﴿ ثُبَاتٍ ﴾ أي :فرقاً قليلاً. وأخرج عن قتادة في قوله : ﴿ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ أي :إذا نفر نبي الله صلى الله عليه وسلم، فليس لأحد أن يتخلف عنه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي نحوه.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن ليُبَطّئَنَّ ﴾ إلى قوله : ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ما بين ذلك في المنافقين. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حيان في الآية قال :هو فيما بلغنا عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد ابن جبير ﴿ فَلْيُقَاتِلْ ﴾ يعني :يقاتل المشركين ﴿ فِى سَبِيلِ الله ﴾ في طاعة الله ﴿ وَمَن يقاتل فِى سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ ﴾ يعني :يقتله العدوّ ﴿ أَو يَغْلِبْ ﴾ يعني :يغلب العدوّ من المشركين ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ يعني :جزاءً وافراً في الجنة، فجعل القاتل والمقتول من المسلمين في جهاد المشركين شريكين في الأجر.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فِى سَبِيلِ الله والمستضعفين ﴾ قال :وفي المستضعفين. وأخرج ابن جرير، عن الزهري قال :وسبيل المستضعفين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه من طريق العوفي قال :المستضعفون أناس مسلمون كانوا بمكة لا يستطيعون أن يخرجوا منها. وأخرج البخاري، عنه قال : «أنا وأمي من المستضعفين» وأخرج ابن جرير، عنه قال :القرية الظالم أهلها مكة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عائشة مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :إذا رأيتم الشيطان، فلا تخافوه، واحملوا عليه ﴿ إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً ﴾. قال مجاهد :كان الشيطان يتراءى لي في الصلاة، فكنت أذكر قول ابن عباس، فأحمل عليه، فيذهب عني.

قوله : ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تقاتلون فِى سَبِيلِ الله ﴾ خطاب للمؤمنين المأمورين بالقتال على طريق الالتفات. قوله : ﴿ المستضعفين ﴾ مجرور عطفاً على الاسم الشريف، أي :ما لكم لا تقاتلون في سبيل الله، وسبيل المستضعفين حتى تخلصوهم من الأسر، وتريحوهم مما هم فيه من الجهد. ويجوز أن يكون منصوباً على الاختصاص، أي :وأخص المستضعفين، فإنهم من أعظم ما يصدق عليه سبيل الله، واختار الأوّل الزجاج، والأزهري. وقال محمد بن يزيد :أختار أن يكون المعنى، وفي المستضعفين، فيكون عطفاً على السبيل، والمراد بالمستضعفين هنا :من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال الكفار، وهم :الذين كان يدعو لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول : «اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعيّاش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين » كما في الصحيح. ولا يبعد أن يقال :إن لفظ الآية أوسع، والاعتبار بعموم اللفظ لولا تقييده بقوله : ﴿ الذين يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هذه القرية الظالم أَهْلُهَا ﴾ فإنه يشعر باختصاص ذلك بالمستضعفين الكائنين في مكة ؛ لأنه قد أجمع المفسرون على أن المراد بالقرية الظالم أهلها :مكة. وقوله : ﴿ مِنَ الرجال والنساء والولدان ﴾ بيان للمستضعفين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فانفروا ثُبَاتٍ ﴾ قال :عصباً، يعني سرايا متفرقين ﴿ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ يعني كلكم. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عنه قال في سورة النساء : ﴿ خُذُوا حِذْرَكُمْ فانفروا ثُبَاتٍ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ نسختها :
﴿ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُوا كَافَّةً ﴾ [ التوبة :١٢٢ ]. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله : ﴿ ثُبَاتٍ ﴾ أي :فرقاً قليلاً. وأخرج عن قتادة في قوله : ﴿ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ أي :إذا نفر نبي الله صلى الله عليه وسلم، فليس لأحد أن يتخلف عنه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي نحوه.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن ليُبَطّئَنَّ ﴾ إلى قوله : ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ما بين ذلك في المنافقين. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حيان في الآية قال :هو فيما بلغنا عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد ابن جبير ﴿ فَلْيُقَاتِلْ ﴾ يعني :يقاتل المشركين ﴿ فِى سَبِيلِ الله ﴾ في طاعة الله ﴿ وَمَن يقاتل فِى سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ ﴾ يعني :يقتله العدوّ ﴿ أَو يَغْلِبْ ﴾ يعني :يغلب العدوّ من المشركين ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ يعني :جزاءً وافراً في الجنة، فجعل القاتل والمقتول من المسلمين في جهاد المشركين شريكين في الأجر.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فِى سَبِيلِ الله والمستضعفين ﴾ قال :وفي المستضعفين. وأخرج ابن جرير، عن الزهري قال :وسبيل المستضعفين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه من طريق العوفي قال :المستضعفون أناس مسلمون كانوا بمكة لا يستطيعون أن يخرجوا منها. وأخرج البخاري، عنه قال : «أنا وأمي من المستضعفين» وأخرج ابن جرير، عنه قال :القرية الظالم أهلها مكة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عائشة مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :إذا رأيتم الشيطان، فلا تخافوه، واحملوا عليه ﴿ إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً ﴾. قال مجاهد :كان الشيطان يتراءى لي في الصلاة، فكنت أذكر قول ابن عباس، فأحمل عليه، فيذهب عني.

قوله : ﴿ الذين ءامَنُوا يقاتلون فِى سَبِيلِ الله ﴾ هذا ترغيب للمؤمنين، وتنشيط لهم بأن قتالهم لهذا المقصد لا لغيره ﴿ والذين كَفَرُوا يقاتلون فِى سَبِيلِ الطاغوت ﴾ أي :سبيل الشيطان، أو الكهان، أو الأصنام، وتفسير الطاغوت هنا بالشيطان أولى لقوله : ﴿ فقاتلوا أَوْلِيَاء الشيطان إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً ﴾ أي :مكره، ومكر من اتبعه من الكفار.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فانفروا ثُبَاتٍ ﴾ قال :عصباً، يعني سرايا متفرقين ﴿ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ يعني كلكم. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عنه قال في سورة النساء : ﴿ خُذُوا حِذْرَكُمْ فانفروا ثُبَاتٍ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ نسختها :
﴿ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُوا كَافَّةً ﴾ [ التوبة :١٢٢ ]. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله : ﴿ ثُبَاتٍ ﴾ أي :فرقاً قليلاً. وأخرج عن قتادة في قوله : ﴿ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ أي :إذا نفر نبي الله صلى الله عليه وسلم، فليس لأحد أن يتخلف عنه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي نحوه.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن ليُبَطّئَنَّ ﴾ إلى قوله : ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ما بين ذلك في المنافقين. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حيان في الآية قال :هو فيما بلغنا عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد ابن جبير ﴿ فَلْيُقَاتِلْ ﴾ يعني :يقاتل المشركين ﴿ فِى سَبِيلِ الله ﴾ في طاعة الله ﴿ وَمَن يقاتل فِى سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ ﴾ يعني :يقتله العدوّ ﴿ أَو يَغْلِبْ ﴾ يعني :يغلب العدوّ من المشركين ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ يعني :جزاءً وافراً في الجنة، فجعل القاتل والمقتول من المسلمين في جهاد المشركين شريكين في الأجر.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فِى سَبِيلِ الله والمستضعفين ﴾ قال :وفي المستضعفين. وأخرج ابن جرير، عن الزهري قال :وسبيل المستضعفين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه من طريق العوفي قال :المستضعفون أناس مسلمون كانوا بمكة لا يستطيعون أن يخرجوا منها. وأخرج البخاري، عنه قال : «أنا وأمي من المستضعفين» وأخرج ابن جرير، عنه قال :القرية الظالم أهلها مكة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عائشة مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :إذا رأيتم الشيطان، فلا تخافوه، واحملوا عليه ﴿ إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً ﴾. قال مجاهد :كان الشيطان يتراءى لي في الصلاة، فكنت أذكر قول ابن عباس، فأحمل عليه، فيذهب عني.

قوله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾ الآية، قيل :هم جماعة من الصحابة أمروا بترك القتال في مكة بعد أن تسرعوا إليه. فلما كتب عليهم بالمدينة تثبطوا عن القتال من غير شك في الدين بل خوفاً من الموت، وفرقاً من هول القتل، وقيل :إنها نزلت في اليهود، وقيل :في المنافقين أسلموا قبل فرض القتال، فلما فرض كرهوه، وهذا أشبه بالسياق لقوله : ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال لَوْلا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ وقوله : ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ الآية. ويبعد صدور مثل هذا من الصحابة. وقوله : ﴿ كَخَشْيَةِ الله ﴾ صفة مصدر محذوف، أي :خشية كخشية الله، أو حال، أي :تخشونهم مشبهين أهل خشية الله، والمصدر مضاف إلى المفعول، أي :كخشيتهم الله. وقوله : ﴿ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ معطوف على ﴿ كخشية الله ﴾ في محل جر، أو معطوف على الجار والمجرور جميعاً، فيكون في محل الحال كالمعطوف عليه، «وأو » للتنويع على أن خشية بعضهم كخشية الله، وخشية بعضهم أشد منها.
قوله : ﴿ وَقَالُوا ﴾ عطف على ما يدل عليه قوله : ﴿ إِذَا فَرِيقٌ منْهُمْ ﴾ أي :فلما كتب عليهم القتال، فاجأ فريق منهم خشية الناس : ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال لَوْلا أَخَّرْتَنَا ﴾ أي :هلا أخرتنا، يريدون المهلة إلى وقت آخر قريب من الوقت الذي فرض عليهم فيه القتال، فأمره الله سبحانه بأن يجيب عليهم، فقال : ﴿ قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ ﴾ سريع الفناء لا يدوم لصاحبه، وثواب الآخرة خير لكم من المتاع القليل ﴿ لِمَنِ اتقى ﴾ منكم، ورغب في الثواب الدائم ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ أي :شيئاً حقيراً يسيراً، وقد تقدّم تفسير الفتيل قريباً، وإذا كنتم توفرون أجوركم، ولا تنقصون شيئاً منها، فكيف ترغبون عن ذلك، وتشتغلون بمتاع الدنيا مع قلته وانقطاعه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس :أن عبد الرحمن بن عوف، وأصحاباً له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا :يا نبي الله كنا في عزة، ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة ؟ فقال : «إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم»، فلما حوّله الله إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾ الآية. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في تفسير الآية نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد :أنها نزلت في اليهود. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال إِذَا فَرِيقٌ ﴾ الآية، قال :نهى الله هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ في قوله : ﴿ إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ قال :هو الموت. وأخرجا نحوه، عن ابن جريج.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة ﴿ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ قال :في قصور محصنة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال :هي قصور في السماء. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن سفيان نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن قتادة في قوله : ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ يقول :نعمة ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ ﴾ قال :مصيبة ﴿ قُلْ كُلٌّ منْ عِندِ الله ﴾ قال :النعم والمصائب.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله : ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ قال :هذه في السرّاء والضرّاء، وفي قوله : ﴿ مَّا أصابك مِنْ حَسَنَةٍ ﴾ قال :هذه في الحسنات والسيئات، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله ﴾ يقول :الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها، وفي قوله : ﴿ وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ ﴾ قال :ما أصابه يوم أحد أن شجّ وجهه، وكسرت رباعيته. وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق العوفي عنه في قوله : ﴿ وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ قال :هذا يوم أحد يقول :ما كانت من نكبة فبذنبك، وأنا قدّرت ذلك. وأخرج ابن المنذر من طريق مجاهد أن ابن عباس كان يقرأ : «وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَنَا كتبتها عَلَيْكَ» قال مجاهد :وكذلك قراءة أبيّ، وابن مسعود. وأخرج نحو قول مجاهد هذا ابن الأنباري في المصاحف.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ ﴾ قال :هم أناس كانوا يقولون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنا بالله ورسوله ؛ ليأمنوا على دمائهم وأموالهم ﴿ فَإِذَا بَرَزُوا ﴾ من عند رسول الله ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ ﴾ يقول :خالفوا إلى غير ما قالوا عنده، فعابهم الله. وأخرج ابن جرير، عنه قال غير أولئك ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم.

وقوله : ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الموت ﴾ كلام مبتدأ، وفيه حثّ لمن قعد عن القتال خشية الموت، وبيان لفساد ما خالطه من الجن، وخامره من الخشية، فإن الموت إذا كان كائناً لا محالة.
فمن لم يمت بالسيف مات بغيره***. . .
والبروج جمع برج :وهو البناء المرتفع، والمشيدة :المرفعة من شاد القصر :إذا رفعه، وطلاه بالشيد، وهو الجصّ، وجواب «لولا » محذوف لدلالة ما قبله عليه.
وقد اختلف في هذه البروج ما هي ؟ فقيل :الحصون التي في الأرض، وقيل :هي القصور. قال الزجاج، والقتيبي :ومعنى مشيدة مطوّلة. وقيل :معناه مطلية بالشيد، وهو الجص، وقيل :المراد بالبروج :بروج في سماء الدنيا مبنية، حكاه مكيّ عن مالك، وقال :ألا ترى إلى قوله : ﴿ والسماء ذَاتِ البروج ﴾ [ البروج :١ ] ﴿ جَعَلَ فِى السماء بُرُوجاً ﴾ [ الفرقان :٦١ ] ﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السماء بُرُوجًا ﴾ [ الحجر :١٦ ] وقيل :إن المراد بالبروج المشيدة هنا :قصور من حديد.
وقرأ طلحة بن سليمان : ﴿ يُدْرِككُّمُ الموت ﴾ بالرفع على تقدير الفاء، كما في قوله :
وقال رائدهم أرسوا نزاولها***. . .
قوله : ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ هذا، وما بعده مختص بالمنافقين، أي :إن تصبهم نعمة نسبوها إلى الله تعالى، وإن تصبهم بلية، ونقمة نسبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فردّ الله ذلك عليهم بقوله : ﴿ قُلْ كُلٌّ منْ عِندِ الله ﴾ ليس، كما تزعمون، ثم نسبهم إلى الجهل، وعدم الفهم، فقال : ﴿ فَمَالِ هَؤُلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ﴾ أي :ما بالهم هكذا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس :أن عبد الرحمن بن عوف، وأصحاباً له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا :يا نبي الله كنا في عزة، ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة ؟ فقال : «إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم»، فلما حوّله الله إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾ الآية. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في تفسير الآية نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد :أنها نزلت في اليهود. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال إِذَا فَرِيقٌ ﴾ الآية، قال :نهى الله هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ في قوله : ﴿ إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ قال :هو الموت. وأخرجا نحوه، عن ابن جريج.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة ﴿ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ قال :في قصور محصنة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال :هي قصور في السماء. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن سفيان نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن قتادة في قوله : ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ يقول :نعمة ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ ﴾ قال :مصيبة ﴿ قُلْ كُلٌّ منْ عِندِ الله ﴾ قال :النعم والمصائب.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله : ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ قال :هذه في السرّاء والضرّاء، وفي قوله : ﴿ مَّا أصابك مِنْ حَسَنَةٍ ﴾ قال :هذه في الحسنات والسيئات، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله ﴾ يقول :الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها، وفي قوله : ﴿ وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ ﴾ قال :ما أصابه يوم أحد أن شجّ وجهه، وكسرت رباعيته. وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق العوفي عنه في قوله : ﴿ وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ قال :هذا يوم أحد يقول :ما كانت من نكبة فبذنبك، وأنا قدّرت ذلك. وأخرج ابن المنذر من طريق مجاهد أن ابن عباس كان يقرأ : «وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَنَا كتبتها عَلَيْكَ» قال مجاهد :وكذلك قراءة أبيّ، وابن مسعود. وأخرج نحو قول مجاهد هذا ابن الأنباري في المصاحف.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ ﴾ قال :هم أناس كانوا يقولون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنا بالله ورسوله ؛ ليأمنوا على دمائهم وأموالهم ﴿ فَإِذَا بَرَزُوا ﴾ من عند رسول الله ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ ﴾ يقول :خالفوا إلى غير ما قالوا عنده، فعابهم الله. وأخرج ابن جرير، عنه قال غير أولئك ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم.

قوله : ﴿ ما أصابك مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله ﴾ هذا الخطاب إما لكل من يصلح له من الناس، أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعريضاً لأمته، أي :ما أصابك من خصب، ورخاء، وصحة، وسلامة، فمن الله بفضله، ورحمته، وما أصابك من جهد، وبلاء وشدّة، فمن نفسك بذنب أتيته، فعوقبت عليه. وقيل :إن هذا من كلام الذين لا يفقهون حديثاً، أي :فيقولون ما أصابك من حسنة، فمن الله. وقيل :إن ألف الاستفهام مضمرة، أي :أفمن نفسك، ومثله قوله تعالى : ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ ﴾ [ الشعراء :٢٢ ] والمعنى، أو تلك نعمة، ومثله قوله : ﴿ فَلَمَّا رَأَى القمر بَازِغاً قَالَ هذا رَبّى ﴾ [ الأنعام :٧٧ ] أي :أهذا ربي، ومنه قول أبي خراش الهذلي :
رموني وقالوا يا خويلد لم ترع فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
أي :أهم هم ؟ وهذا خلاف الظاهر، وقد ورد في الكتاب العزيز ما يفيد مفاد هذه الآية، كقوله تعالى : ﴿ وَمَا أصابكم من مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ ﴾ [ الشورى :٣٠ ]، وقوله : ﴿ أَوَ لَمَّا أصابتكم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أنى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ [ آل عمران :١٦٥ ]. وقد يظن أن قوله : ﴿ وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ فَمِن نفْسِكَ ﴾ مناف لقوله : ﴿ قُلْ كُلٌّ منْ عِندِ الله ﴾ ولقوله : ﴿ وَمَا أصابكم يَوْمَ التقى الجمعان فَبِإِذْنِ الله ﴾ [ آل عمران :١٦٦ ]، وقوله : ﴿ وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً ﴾ [ الأنبياء :٣٥ ] وقوله : ﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مّن دُونِهِ مِن وَالٍ ﴾ [ الرعد :١١ ] وليس الأمر كذلك، فالجمع ممكن، كما هو مقرّر في مواطنه. قوله : ﴿ وأرسلناك لِلنَّاسِ رَسُولاً ﴾ فيه البيان لعموم رسالته صلى الله عليه وسلم إلى الجميع، كما يفيده التأكيد بالمصدر، والعموم في الناس، ومثله قوله : ﴿ وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً للنَّاسِ ﴾ [ سبأ :٢٨ ]، وقوله : ﴿ قُلْ يا أيها الناس إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ [ الأعراف :١٥٨ ] ﴿ وكفى بالله شَهِيداً ﴾ [ الفتح :٢٨ ] على ذلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس :أن عبد الرحمن بن عوف، وأصحاباً له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا :يا نبي الله كنا في عزة، ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة ؟ فقال : «إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم»، فلما حوّله الله إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾ الآية. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في تفسير الآية نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد :أنها نزلت في اليهود. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال إِذَا فَرِيقٌ ﴾ الآية، قال :نهى الله هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ في قوله : ﴿ إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ قال :هو الموت. وأخرجا نحوه، عن ابن جريج.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة ﴿ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ قال :في قصور محصنة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال :هي قصور في السماء. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن سفيان نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن قتادة في قوله : ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ يقول :نعمة ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ ﴾ قال :مصيبة ﴿ قُلْ كُلٌّ منْ عِندِ الله ﴾ قال :النعم والمصائب.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله : ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ قال :هذه في السرّاء والضرّاء، وفي قوله : ﴿ مَّا أصابك مِنْ حَسَنَةٍ ﴾ قال :هذه في الحسنات والسيئات، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله ﴾ يقول :الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها، وفي قوله : ﴿ وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ ﴾ قال :ما أصابه يوم أحد أن شجّ وجهه، وكسرت رباعيته. وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق العوفي عنه في قوله : ﴿ وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ قال :هذا يوم أحد يقول :ما كانت من نكبة فبذنبك، وأنا قدّرت ذلك. وأخرج ابن المنذر من طريق مجاهد أن ابن عباس كان يقرأ : «وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَنَا كتبتها عَلَيْكَ» قال مجاهد :وكذلك قراءة أبيّ، وابن مسعود. وأخرج نحو قول مجاهد هذا ابن الأنباري في المصاحف.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ ﴾ قال :هم أناس كانوا يقولون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنا بالله ورسوله ؛ ليأمنوا على دمائهم وأموالهم ﴿ فَإِذَا بَرَزُوا ﴾ من عند رسول الله ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ ﴾ يقول :خالفوا إلى غير ما قالوا عنده، فعابهم الله. وأخرج ابن جرير، عنه قال غير أولئك ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم.

قوله : ﴿ منْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ﴾ فيه أن طاعة الرسول طاعة لله، وفي هذا من النداء بشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلوّ شأنه، وارتفاع مرتبته ما لا يقادر قدره، ولا يبلغ مداه، ووجهه أن الرسول لا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا ينهي إلا عما نهى الله عنه : ﴿ وَمَن تولى ﴾ أي :أعرض ﴿ فَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾ أي :حافظاً لأعمالهم، إنما عليك البلاغ، وقد نسخ هذا بآية السيف.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس :أن عبد الرحمن بن عوف، وأصحاباً له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا :يا نبي الله كنا في عزة، ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة ؟ فقال : «إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم»، فلما حوّله الله إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾ الآية. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في تفسير الآية نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد :أنها نزلت في اليهود. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال إِذَا فَرِيقٌ ﴾ الآية، قال :نهى الله هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ في قوله : ﴿ إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ قال :هو الموت. وأخرجا نحوه، عن ابن جريج.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة ﴿ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ قال :في قصور محصنة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال :هي قصور في السماء. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن سفيان نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن قتادة في قوله : ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ يقول :نعمة ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ ﴾ قال :مصيبة ﴿ قُلْ كُلٌّ منْ عِندِ الله ﴾ قال :النعم والمصائب.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله : ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ قال :هذه في السرّاء والضرّاء، وفي قوله : ﴿ مَّا أصابك مِنْ حَسَنَةٍ ﴾ قال :هذه في الحسنات والسيئات، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله ﴾ يقول :الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها، وفي قوله : ﴿ وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ ﴾ قال :ما أصابه يوم أحد أن شجّ وجهه، وكسرت رباعيته. وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق العوفي عنه في قوله : ﴿ وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ قال :هذا يوم أحد يقول :ما كانت من نكبة فبذنبك، وأنا قدّرت ذلك. وأخرج ابن المنذر من طريق مجاهد أن ابن عباس كان يقرأ : «وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَنَا كتبتها عَلَيْكَ» قال مجاهد :وكذلك قراءة أبيّ، وابن مسعود. وأخرج نحو قول مجاهد هذا ابن الأنباري في المصاحف.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ ﴾ قال :هم أناس كانوا يقولون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنا بالله ورسوله ؛ ليأمنوا على دمائهم وأموالهم ﴿ فَإِذَا بَرَزُوا ﴾ من عند رسول الله ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ ﴾ يقول :خالفوا إلى غير ما قالوا عنده، فعابهم الله. وأخرج ابن جرير، عنه قال غير أولئك ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم.

﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ ﴾ بالرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي :أمرنا طاعة، أو شأننا طاعة.
وقرأ الحسن، والجحدري، ونصر بن عاصم بالنصب على المصدر، أي :نطيع طاعة، وهذه في المنافقين في قول أكثر المفسرين، أي :يقولون إذا كانوا عندك طاعة ﴿ وَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ ﴾ أي :خرجوا من عندك. ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ ﴾ أي :زوّرت طائفة من هؤلاء القائلين غير الذي تقول لهم أنت، وتأمرهم به، أو غير الذي تقول لك هي من الطاعة لك وقيل :معناه :غيروا وبدّلوا وحرّفوا قولك فيما عهدت إليهم، والتبييت :التبديل، ومنه قول الشاعر :
أتوني فلم أرض ما بيتوا وكانوا أتوني بأمر نكر
يقال بيت الرجل الأمر :إذا تدبره ليلاً، ومنه قوله تعالى : ﴿ إِذْ يُبَيّتُونَ مَا لاَ يرضى مِنَ القول ﴾ [ النساء :١٠٨ ] ﴿ والله يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ ﴾ أي :يثبته في صحائف أعمالهم ليجازيهم عليه. وقال الزجاج :المعنى ينزله عليك في الكتاب. قوله : ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ أي :دعهم وشأنهم حتى يمكن الانتقام منهم وقيل :معناه :لا تخبر بأسمائهم. وقيل :معناه :لا تعاقبهم. ثم أمره بالتوكل عليه، والثقة به في النصر على عدوه، قيل :وهذا منسوخ بآية السيف.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس :أن عبد الرحمن بن عوف، وأصحاباً له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا :يا نبي الله كنا في عزة، ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة ؟ فقال : «إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم»، فلما حوّله الله إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾ الآية. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في تفسير الآية نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد :أنها نزلت في اليهود. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال إِذَا فَرِيقٌ ﴾ الآية، قال :نهى الله هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ في قوله : ﴿ إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ قال :هو الموت. وأخرجا نحوه، عن ابن جريج.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة ﴿ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ قال :في قصور محصنة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال :هي قصور في السماء. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن سفيان نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن قتادة في قوله : ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ يقول :نعمة ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ ﴾ قال :مصيبة ﴿ قُلْ كُلٌّ منْ عِندِ الله ﴾ قال :النعم والمصائب.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله : ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ قال :هذه في السرّاء والضرّاء، وفي قوله : ﴿ مَّا أصابك مِنْ حَسَنَةٍ ﴾ قال :هذه في الحسنات والسيئات، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله ﴾ يقول :الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها، وفي قوله : ﴿ وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ ﴾ قال :ما أصابه يوم أحد أن شجّ وجهه، وكسرت رباعيته. وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق العوفي عنه في قوله : ﴿ وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ قال :هذا يوم أحد يقول :ما كانت من نكبة فبذنبك، وأنا قدّرت ذلك. وأخرج ابن المنذر من طريق مجاهد أن ابن عباس كان يقرأ : «وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَنَا كتبتها عَلَيْكَ» قال مجاهد :وكذلك قراءة أبيّ، وابن مسعود. وأخرج نحو قول مجاهد هذا ابن الأنباري في المصاحف.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ ﴾ قال :هم أناس كانوا يقولون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنا بالله ورسوله ؛ ليأمنوا على دمائهم وأموالهم ﴿ فَإِذَا بَرَزُوا ﴾ من عند رسول الله ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ ﴾ يقول :خالفوا إلى غير ما قالوا عنده، فعابهم الله. وأخرج ابن جرير، عنه قال غير أولئك ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم.

الهمزة في قوله : ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ﴾ للإنكار، والفاء للعطف على مقدّر، أي :أيعرضون عن القرآن، فلا يتدبرونه. يقال تدبرت الشيء :تفكرت في عاقبته وتأملته، ثم استعمل في كل تأمل، والتدبير :أن يدبر الإنسان أمره كأنه ينظر إلى ما تصير إليه عاقبته، ودلت هذه الآية، وقوله تعالى : ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [ محمد :٢٤ ] على وجوب التدبر للقرآن ؛ ليعرف معناه. والمعنى :أنهم لو تدبروه حق تدبره لوجدوه مؤتلفاً غير مختلف، صحيح المعاني، قوي المباني، بالغاً في البلاغة إلى أعلى درجاتها ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اختلافا كَثِيراً ﴾ أي :تفاوتاً وتناقضاً، ولا يدخل في هذا اختلاف مقادير الآيات، والسور ؛ لأن المراد اختلاف التناقض والتفاوت، وعدم المطابقة للواقع، وهذا شأن كلام البشر لا سيما إذا طال، وتعرّض قائله للإخبار بالغيب، فإنه لا يوجد منه صحيحاً مطابقاً للواقع إلا القليل النادر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة : ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اختلافا كَثِيراً ﴾ يقول :إن قول الله لا يختلف، وهو حق ليس فيه باطل، وإن قول الناس يختلف.
وأخرج عبد بن حميد، ومسلم، وابن أبي حاتم، من طريق ابن عباس، عن عمر بن الخطاب قال :لما اعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه دخلت المسجد، فوجدت الناس ينكتون بالحصا، ويقولون :طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي :لم يطلق نساءه، ونزلت هذه الآية : ﴿ وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ منَ الأمن أَوِ الخوف أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِى الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يستنبطونه منهم ﴾ فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في الآية، قال هذا في الإخبار إذا غزت سرية من المسلمين أخبر الناس عنها، فقالوا :أصاب المسلمون من عدوهم كذا وكذا، وأصاب العدوّ من المسلمين كذا وكذا، فأفشوه بينهم من غير أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو يخبرهم به. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك : ﴿ وَإِذَا جَاءهُمْ ﴾ قال :هم أهل النفاق. وأخرج ابن جرير، عن أبي معاذ مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان ﴾ قال :فانقطع الكلام. وقوله : ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ فهو في أوّل الآية يخبر عن المنافقين :قال : ﴿ وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ الأمن أَوِ الخوف أَذَاعُوا بِهِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ يعني :بالقليل المؤمنين.

قوله : ﴿ وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ منَ الأمن أَوِ الخوف أَذَاعُوا بِهِ ﴾ يقال :أذاع الشيء وأذاع به :إذا أفشاه، وأظهره، وهؤلاء هم جماعة من ضعفة المسلمين كانوا إذا سمعوا شيئاً من أمر المسلمين فيه أمن نحو ظفر المسلمين، وقتل عدوّهم، أو فيه خوف نحو هزيمة المسلمين وقتلهم أفشوه، وهم يظنون أنه لا شيء عليهم في ذلك. قوله : ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِى الأمر مِنْهُمْ ﴾ وهم أهل العلم والعقول الراجحة الذين يرجعون إليهم في أمورهم أو هم الولاة عليهم ﴿ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ أي :يستخرجونه بتدبيرهم وصحة عقولهم. والمعنى :أنهم لو تركوا الإذاعة للأخبار حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يذيعها، أو يكون أولي الأمر منهم هم الذين يتولون ذلك ؛ لأنهم يعلمون ما ينبغي أن يفشى، وما ينبغي أن يكتم. والاستنباط مأخوذ من استنبطت الماء :إذا استخرجته. والنبط :الماء المستنبط أوّل ما يخرج من ماء البئر عند حفرها. وقيل :إن هؤلاء الضعفة كانوا يسمعون إرجافات المنافقين على المسلمين فيذيعونها، فتحصل بذلك المفسدة. قوله : ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ أي :لولا ما تفضل الله به عليكم من إرسال رسوله، وإنزال كتابه لاتبعتم الشيطان، فبقيتم على كفركم إلا قليلاً منكم، أو إلا اتباعاً قليلاً منكم، وقيل :المعنى :أذاعوا به إلا قليلاً منهم، فإنه لم يذع ولم يفش. قاله الكسائي، والأخفش، والفراء، وأبو عبيدة، وأبو حاتم، وابن جرير. وقيل :المعنى لعلمه الذين يستنبطونه إلا قليلاً منهم، قاله الزجاج.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة : ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اختلافا كَثِيراً ﴾ يقول :إن قول الله لا يختلف، وهو حق ليس فيه باطل، وإن قول الناس يختلف.
وأخرج عبد بن حميد، ومسلم، وابن أبي حاتم، من طريق ابن عباس، عن عمر بن الخطاب قال :لما اعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه دخلت المسجد، فوجدت الناس ينكتون بالحصا، ويقولون :طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي :لم يطلق نساءه، ونزلت هذه الآية : ﴿ وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ منَ الأمن أَوِ الخوف أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِى الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يستنبطونه منهم ﴾ فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في الآية، قال هذا في الإخبار إذا غزت سرية من المسلمين أخبر الناس عنها، فقالوا :أصاب المسلمون من عدوهم كذا وكذا، وأصاب العدوّ من المسلمين كذا وكذا، فأفشوه بينهم من غير أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو يخبرهم به. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك : ﴿ وَإِذَا جَاءهُمْ ﴾ قال :هم أهل النفاق. وأخرج ابن جرير، عن أبي معاذ مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان ﴾ قال :فانقطع الكلام. وقوله : ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ فهو في أوّل الآية يخبر عن المنافقين :قال : ﴿ وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ الأمن أَوِ الخوف أَذَاعُوا بِهِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ يعني :بالقليل المؤمنين.

الفاء في قوله : ﴿ فَقَاتِلْ ﴾ قيل :هي متعلقة بقوله : ﴿ وَمَن يقاتل فِى سَبِيلِ الله ﴾ [ النساء :٧٤ ] الخ، أي :من أجل هذا فقاتل، وقيل :متعلقة بقوله : ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تقاتلون فِى سَبِيلِ الله ﴾ [ النساء :٧٥ ] فقاتل وقيل :هي جواب شرط محذوف يدل عليه السياق تقديره :إذا كان الأمر ما ذكر من عدم طاعة المنافقين فقاتل، أو إذا أفردوك وتركوك فقاتل. قال الزجاج :أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد، وإن قاتل وحده ؛ لأنه قد ضمن له النصر. قال ابن عطية :هذا ظاهر اللفظ، إلا أنه لم يجيء في خبر قط أن القتال فرض عليه دون الأمة. فالمعنى والله أعلم :أنه خطاب له في اللفظ، وفي المعنى له ولأمته، أي :أنت يا محمد وكل واحد من أمتك يقال له : ﴿ فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ الله لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ أي :لا تكلف إلا نفسك، ولا تلزم فعل غيرك، وهو استئناف مقرّر لما قبله ؛ لأن اختصاص تكليفه بفعل نفسه من موجبات مباشرته للقتال وحده. وقرئ : ﴿ لاَ تُكَلَّفُ ﴾ بالجزم على النهي، وقرئ بالنون.
قوله : ﴿ وَحَرّضِ المؤمنين ﴾ أي :حضهم على القتال، والجهاد، يقال حرّضت فلاناً على كذا :إذا أمرته به، وحارض فلان على الأمر وأكبّ عليه وواظب عليه بمعنى واحد. قوله : ﴿ عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ ﴾ فيه إطماع للمؤمنين بكفّ بأس الذين كفروا عنهم، والاطماع من الله عز وجلّ واجب، فهو وعد منه سبحانه، ووعده كائن لا محالة ﴿ والله أَشَدُّ بَأْساً ﴾ أي :أشدّ صولة وأعظم سلطاناً ﴿ وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ﴾ أي :عقوبة، يقال :نكلت بالرجل تنكيلاً من النكال وهو :العذاب. والمنكل الشيء الذي ينكل بالإنسان.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي سنان في قوله : ﴿ وَحَرّضِ المؤمنين ﴾ قال :عظهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ مَّن يَشْفَعْ شفاعة حَسَنَةً ﴾ الآية، قال :شفاعة الناس بعضهم لبعض. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله : ﴿ يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا ﴾ قال :حظ منها. وقوله : ﴿ كِفْلٌ منْهَا ﴾ قال :الكفل هو الإثم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي قال :الكفل الحظ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء مُّقِيتاً ﴾ قال :حفيظاً. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن رواحة :أنه سأله رجل، عن قول الله : ﴿ وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء مُّقِيتاً ﴾ قال :يقيت كل إنسان بقدر عمله. وفي إسناده رجل مجهول. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ مُّقِيتاً ﴾ قال :شهيداً. وأخرج ابن جرير عنه ﴿ مُّقِيتاً ﴾ قال :شهيداً حسيباً حفيظاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله : ﴿ مُّقِيتاً ﴾ قال :قادراً. وأخرج ابن جرير، عن السدّي قال :المقيت القدير. وأخرج أيضاً، عن ابن زيد مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال :المقيت الرزاق. وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري في الأدب المفرد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :من سلم عليك من خلق الله، فاردد عليه، وإن كان يهودياً، أو نصرانياً، أو مجوسياً، ذلك بأن الله يقول : ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ ﴾ الآية. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه. قال السيوطي بسند حسن عن سلمان الفارسي قال :«جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال :السلام عليك يا رسول الله، فقال :" وعليك ورحمة الله "، ثم أتى آخر، فقال :السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال :وعليك ورحمة الله وبركاته، ثم جاء آخر، فقال :السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال له :
«وعليك»، فقال له الرجل :يا نبي الله، بأبي أنت وأمي أتاك فلان وفلان فسلما عليك، فرددت عليهما أكثر مما رددت علي ؟ فقال : «إنك لم تدع لنا شيئاً، قال الله : ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ فرددناها عليك»
وأخرج البخاري في الأدب المفرد، عن أبي هريرة :أن رجلاً مرّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في مجلس، فقال :سلام عليكم، فقال : «عشر حسنات»، فمرّ رجل آخر، فقال :السلام عليكم ورحمة الله، فقال :عشرون حسنة، فمرّ رجل آخر، فقال :السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال : «ثلاثون حسنة» وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر مرفوعاً نحوه. وأخرج البيهقي، عن سهل بن حنيف مرفوعاً نحوه أيضاً. وأخرج أحمد، والدارمي، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، والبيهقي، عن عمران بن حصين مرفوعاً نحوه أيضاً، وزاد بعد كل مرّة أن النبي صلى الله عليه وسلم ردّ عليه، ثم قال : «عشر» إلى آخره. وأخرج أبو داود، والبيهقي عن معاذ بن أنس الجهني مرفوعاً نحوه. وزاد بعد قوله وبركاته :ومغفرته، فقال : «أربعون»، يعني حسنة.

﴿ من يَشْفَعْ شفاعة حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا ﴾ أصل الشفاعة والشفعة ونحوهما من الشفع وهو :الزوج، ومنه الشفيع ؛ لأنه يصير مع صاحب الحاجة شفعاً، ومنه ناقة شفوع :إذا جمعت بين محلبين في حلبة واحدة، وناقة شفيع :إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها. والشفع :ضمّ واحد إلى واحد، والشفعة :ضم ملك الشريك إلى ملكك، فالشفاعة :ضمّ غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع، واتصال منفعة إلى المشفوع له. والشفاعة الحسنة هي :في البرّ والطاعة. والشفاعة السيئة في المعاصي، فمن شفع في الخير ؛ لينفع فله نصيب منها، أي :من أجرها، ومن شفع في الشر، كمن يسعى بالنميمة والغيبة كان له كفل منها، أي :نصيب من وزرها. والكفل :الوزر والإثم، واشتقاقه من الكساء الذي يجعله الراكب على سنام البعير لئلا يسقط، يقال اكتفلت البعير :إذا أدرت على سنامه كساء وركبت عليه ؛ لأنه لم يستعمل الظهر كله بل استعمل نصيباً منه، ويستعمل في النصيب من الخير والشرّ.
ومن استعماله في الخير قوله تعالى : ﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رحْمَتِهِ ﴾ [ الحديد :٢٨ ] ﴿ وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء مُّقِيتاً ﴾ أي :مقتدراً، قاله الكسائي. وقال الفراء :المقيت الذي يعطي كل إنسان قوته يقال :قته أقوته قوتاً، وأقته أقيته إقاتة، فأنا قائت ومقيت، وحكى الكسائي أقات يقيت. وقال أبو عبيدة :المقيت الحافظ. قال النحاس :وقول أبي عبيدة أولى ؛ لأنه مشتق من القوت، والقوت معناه :مقدار ما يحفظ الإنسان. وقال ابن فارس في المجمل :المقيت المقتدر، والمقيت :الحافظ والشاهد. وأما قول الشاعر :
ألي الفضل أم عليّ إذا حو سبت إني على الحساب مقيت
فقال ابن جرير الطبري إنه من غير هذا المعنى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي سنان في قوله : ﴿ وَحَرّضِ المؤمنين ﴾ قال :عظهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ مَّن يَشْفَعْ شفاعة حَسَنَةً ﴾ الآية، قال :شفاعة الناس بعضهم لبعض. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله : ﴿ يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا ﴾ قال :حظ منها. وقوله : ﴿ كِفْلٌ منْهَا ﴾ قال :الكفل هو الإثم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي قال :الكفل الحظ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء مُّقِيتاً ﴾ قال :حفيظاً. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن رواحة :أنه سأله رجل، عن قول الله : ﴿ وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء مُّقِيتاً ﴾ قال :يقيت كل إنسان بقدر عمله. وفي إسناده رجل مجهول. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ مُّقِيتاً ﴾ قال :شهيداً. وأخرج ابن جرير عنه ﴿ مُّقِيتاً ﴾ قال :شهيداً حسيباً حفيظاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله : ﴿ مُّقِيتاً ﴾ قال :قادراً. وأخرج ابن جرير، عن السدّي قال :المقيت القدير. وأخرج أيضاً، عن ابن زيد مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال :المقيت الرزاق. وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري في الأدب المفرد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :من سلم عليك من خلق الله، فاردد عليه، وإن كان يهودياً، أو نصرانياً، أو مجوسياً، ذلك بأن الله يقول : ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ ﴾ الآية. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه. قال السيوطي بسند حسن عن سلمان الفارسي قال :«جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال :السلام عليك يا رسول الله، فقال :" وعليك ورحمة الله "، ثم أتى آخر، فقال :السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال :وعليك ورحمة الله وبركاته، ثم جاء آخر، فقال :السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال له :
«وعليك»، فقال له الرجل :يا نبي الله، بأبي أنت وأمي أتاك فلان وفلان فسلما عليك، فرددت عليهما أكثر مما رددت علي ؟ فقال : «إنك لم تدع لنا شيئاً، قال الله : ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ فرددناها عليك»
وأخرج البخاري في الأدب المفرد، عن أبي هريرة :أن رجلاً مرّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في مجلس، فقال :سلام عليكم، فقال : «عشر حسنات»، فمرّ رجل آخر، فقال :السلام عليكم ورحمة الله، فقال :عشرون حسنة، فمرّ رجل آخر، فقال :السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال : «ثلاثون حسنة» وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر مرفوعاً نحوه. وأخرج البيهقي، عن سهل بن حنيف مرفوعاً نحوه أيضاً. وأخرج أحمد، والدارمي، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، والبيهقي، عن عمران بن حصين مرفوعاً نحوه أيضاً، وزاد بعد كل مرّة أن النبي صلى الله عليه وسلم ردّ عليه، ثم قال : «عشر» إلى آخره. وأخرج أبو داود، والبيهقي عن معاذ بن أنس الجهني مرفوعاً نحوه. وزاد بعد قوله وبركاته :ومغفرته، فقال : «أربعون»، يعني حسنة.

قوله : ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ التحية تفعلة من حييت، والأصل تحيية مثل ترضية وتسمية ؛ فأدغموا الياء في الياء، وأصلها الدعاء بالحياة. والتحية :السلام، وهذا المعنى هو المراد هنا، ومثله قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ الله ﴾ [ المجادلة :٨ ] وإلى هذا ذهب جماعة المفسرين، وروي عن مالك أن المراد بالتحية هنا :تشميت العاطس. وقال أصحاب أبي حنيفة، التحية هنا الهدية لقوله : ﴿ أَوْ رُدُّوهَا ﴾ ولا يمكن ردّ السلام بعينه، وهذا فاسد لا ينبغي الالتفات إليه. والمراد بقوله : ﴿ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا ﴾ أن يزيد في الجواب على ما قاله المبتدىء بالتحية، فإذا قال المبتدئ :السلام عليكم، قال المجيب :وعليكم السلام ورحمة الله، وإذا زاد المبتدئ لفظاً زاد المجيب على جملة ما جاء به المبتدئ لفظاً أو ألفاظاً نحو :وبركاته، ومرضاته، وتحياته.
قال القرطبي :أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سنة مرغب فيها، وردّه فريضة لقوله : ﴿ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ واختلفوا إذا ردّ واحد من جماعة هل يجزئ أو لا ؟ فذهب مالك، والشافعي إلى الإجزاء، وذهب الكوفيون إلى أنه لا يجزئ عن غيره، ويردّ عليهم حديث عليّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «يجزئ من الجماعة إذا مرّوا أن يسلم أحدهم، ويجزىء عن الجلوس أن يردّ أحدهم » أخرجه أبو داود، وفي إسناده سعيد بن خالد الخزاعي المدني، وليس به بأس، وقد ضعفه بعضهم. وقد حسن الحديث ابن عبد البرّ.
ومعنى قوله : ﴿ أَوْ رُدُّوهَا ﴾ الاقتصار على مثل اللفظ الذي جاء به المبتدىء، فإذا قال السلام عليكم، قال المجيب :وعليكم السلام. وقد ورد في السنة المطهرة في تعيين من يبتدئ بالسلام، ومن يستحق التحية ومن لا يستحقها ما يغني عن البسط هاهنا. قوله : ﴿ إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَىْء حَسِيباً ﴾ يحاسبكم على كل شيء وقيل :معناه حفيظاً وقيل :كافياً، قولهم أحسبني كذا :أي :كفاني، ومثله : ﴿ حَسْبَكَ الله ﴾ [ الأنفال :٦٢، ٦٤ ].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي سنان في قوله : ﴿ وَحَرّضِ المؤمنين ﴾ قال :عظهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ مَّن يَشْفَعْ شفاعة حَسَنَةً ﴾ الآية، قال :شفاعة الناس بعضهم لبعض. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله : ﴿ يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا ﴾ قال :حظ منها. وقوله : ﴿ كِفْلٌ منْهَا ﴾ قال :الكفل هو الإثم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي قال :الكفل الحظ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء مُّقِيتاً ﴾ قال :حفيظاً. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن رواحة :أنه سأله رجل، عن قول الله : ﴿ وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء مُّقِيتاً ﴾ قال :يقيت كل إنسان بقدر عمله. وفي إسناده رجل مجهول. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ مُّقِيتاً ﴾ قال :شهيداً. وأخرج ابن جرير عنه ﴿ مُّقِيتاً ﴾ قال :شهيداً حسيباً حفيظاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله : ﴿ مُّقِيتاً ﴾ قال :قادراً. وأخرج ابن جرير، عن السدّي قال :المقيت القدير. وأخرج أيضاً، عن ابن زيد مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال :المقيت الرزاق. وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري في الأدب المفرد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :من سلم عليك من خلق الله، فاردد عليه، وإن كان يهودياً، أو نصرانياً، أو مجوسياً، ذلك بأن الله يقول : ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ ﴾ الآية. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه. قال السيوطي بسند حسن عن سلمان الفارسي قال :«جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال :السلام عليك يا رسول الله، فقال :" وعليك ورحمة الله "، ثم أتى آخر، فقال :السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال :وعليك ورحمة الله وبركاته، ثم جاء آخر، فقال :السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال له :
«وعليك»، فقال له الرجل :يا نبي الله، بأبي أنت وأمي أتاك فلان وفلان فسلما عليك، فرددت عليهما أكثر مما رددت علي ؟ فقال : «إنك لم تدع لنا شيئاً، قال الله : ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ فرددناها عليك»
وأخرج البخاري في الأدب المفرد، عن أبي هريرة :أن رجلاً مرّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في مجلس، فقال :سلام عليكم، فقال : «عشر حسنات»، فمرّ رجل آخر، فقال :السلام عليكم ورحمة الله، فقال :عشرون حسنة، فمرّ رجل آخر، فقال :السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال : «ثلاثون حسنة» وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر مرفوعاً نحوه. وأخرج البيهقي، عن سهل بن حنيف مرفوعاً نحوه أيضاً. وأخرج أحمد، والدارمي، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، والبيهقي، عن عمران بن حصين مرفوعاً نحوه أيضاً، وزاد بعد كل مرّة أن النبي صلى الله عليه وسلم ردّ عليه، ثم قال : «عشر» إلى آخره. وأخرج أبو داود، والبيهقي عن معاذ بن أنس الجهني مرفوعاً نحوه. وزاد بعد قوله وبركاته :ومغفرته، فقال : «أربعون»، يعني حسنة.

قوله : ﴿ الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ مبتدأ وخبر، واللام في قوله : ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴾ جواب قسم محذوف، أي :والله ليجمعنكم الله بالحشر إلى يوم القيامة، أي :إلى حساب يوم القيامة وقيل : «إلى » بمعنى في، وقيل :إنها زائدة.
والمعنى :ليجمعنكم يوم القيامة، و ﴿ يَوْمُ القيامة ﴾ يوم القيام من القبور ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ أي :في يوم القيامة، أو في الجمع، أي :جمعاً لا ريب فيه : ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً ﴾ إنكار لأن يكون أحد أصدق منه سبحانه. وقرأ حمزة، والكسائي، «ومن أزدق » بالزاي. وقرأ الباقون بالصاد، والصاد الأصل. وقد تبدل زاياً لقرب مخرجها منها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي سنان في قوله : ﴿ وَحَرّضِ المؤمنين ﴾ قال :عظهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ مَّن يَشْفَعْ شفاعة حَسَنَةً ﴾ الآية، قال :شفاعة الناس بعضهم لبعض. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله : ﴿ يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا ﴾ قال :حظ منها. وقوله : ﴿ كِفْلٌ منْهَا ﴾ قال :الكفل هو الإثم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي قال :الكفل الحظ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء مُّقِيتاً ﴾ قال :حفيظاً. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن رواحة :أنه سأله رجل، عن قول الله : ﴿ وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء مُّقِيتاً ﴾ قال :يقيت كل إنسان بقدر عمله. وفي إسناده رجل مجهول. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ مُّقِيتاً ﴾ قال :شهيداً. وأخرج ابن جرير عنه ﴿ مُّقِيتاً ﴾ قال :شهيداً حسيباً حفيظاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله : ﴿ مُّقِيتاً ﴾ قال :قادراً. وأخرج ابن جرير، عن السدّي قال :المقيت القدير. وأخرج أيضاً، عن ابن زيد مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال :المقيت الرزاق. وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري في الأدب المفرد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال :من سلم عليك من خلق الله، فاردد عليه، وإن كان يهودياً، أو نصرانياً، أو مجوسياً، ذلك بأن الله يقول : ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ ﴾ الآية. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه. قال السيوطي بسند حسن عن سلمان الفارسي قال :«جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال :السلام عليك يا رسول الله، فقال :" وعليك ورحمة الله "، ثم أتى آخر، فقال :السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال :وعليك ورحمة الله وبركاته، ثم جاء آخر، فقال :السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال له :
«وعليك»، فقال له الرجل :يا نبي الله، بأبي أنت وأمي أتاك فلان وفلان فسلما عليك، فرددت عليهما أكثر مما رددت علي ؟ فقال : «إنك لم تدع لنا شيئاً، قال الله : ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ فرددناها عليك»
وأخرج البخاري في الأدب المفرد، عن أبي هريرة :أن رجلاً مرّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في مجلس، فقال :سلام عليكم، فقال : «عشر حسنات»، فمرّ رجل آخر، فقال :السلام عليكم ورحمة الله، فقال :عشرون حسنة، فمرّ رجل آخر، فقال :السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال : «ثلاثون حسنة» وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر مرفوعاً نحوه. وأخرج البيهقي، عن سهل بن حنيف مرفوعاً نحوه أيضاً. وأخرج أحمد، والدارمي، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، والبيهقي، عن عمران بن حصين مرفوعاً نحوه أيضاً، وزاد بعد كل مرّة أن النبي صلى الله عليه وسلم ردّ عليه، ثم قال : «عشر» إلى آخره. وأخرج أبو داود، والبيهقي عن معاذ بن أنس الجهني مرفوعاً نحوه. وزاد بعد قوله وبركاته :ومغفرته، فقال : «أربعون»، يعني حسنة.

الاستفهام في قوله : ﴿ مَالَكُمْ ﴾ للإنكار، واسم الاستفهام مبتدأ، وما بعده خبره. والمعنى :أي شيء كائن لكم ﴿ فِى المنافقين ﴾ أي :في أمرهم وشأنهم حال كونكم ﴿ فِئَتَيْنِ ﴾ في ذلك. وحاصله الإنكار على المخاطبين أن يكون لهم شيء يوجب اختلافهم في شأن المنافقين. وقد اختلف النحويون في انتصاب فئتين، فقال الأخفش، والبصريون على الحال، كقولك :مالك قائماً. وقال الكوفيون انتصابه على أنه خبر لكان، وهي مضمرة، والتقدير :فما لكم في المنافقين كنتم فئتين. وسبب نزول الآية ما سيأتي وبه يتضح المعنى. وقوله : ﴿ والله أَرْكَسَهُمْ ﴾ معناه ردّهم إلى الكفر ﴿ بِمَا كَسَبُوا ﴾ وحكى الفراء، والنضر بن شميل، والكسائي أركسهم وركسهم، أي :ردّهم إلى الكفر، ونكسهم، فالركس والنكس :قلب الشيء على رأسه، أو ردّ أوله إلى آخره، والمنكوس المركوس، وفي قراءة عبد الله بن مسعود وأبيّ ﴿ والله ركسهم ﴾ ومنه قول عبد الله بن رواحة :
اركسوا في فئة مظلمة كسواد الليل يتلوها فتن
والباء في قوله : ﴿ بِمَا ﴾ سببية، أي أركسهم بسبب كسبهم، وهو لحوقهم بدار الكفر. والاستفهام في قوله : ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ الله ﴾ للتقريع والتوبيخ، وفيه دليل على أن من أضله الله لا تنجع فيه هداية البشر ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَآء ﴾ [ القصص :٥٦ ] قوله : ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾ أي :طريقاً إلى الهداية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين، فرقة تقول نقتلهم، وفرقة تقول لا، فأنزل الله : ﴿ فَمَا لَكُمْ فِى المنافقين فِئَتَيْنِ ﴾ الآية كلها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «وإنها طيبة، وإنها تنفي الخبث، كما تنفي النار خبث الفضة» هذا أصح ما روي في سبب نزول الآية، وقد رويت أسباب غير ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس : ﴿ والله أَرْكَسَهُمْ ﴾ يقول :أوقعهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه قال :ردهم.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق ﴾ قال :نزلت في هلال بن عويمر، وسراقة بن مالك المدلجي، وفي بني خزيمة بن عامر بن عبد مناف. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، والبيهقي في سننه عنه في قوله : ﴿ إِلاَّ الذين يَصِلُونَ ﴾ الآية، قال :نسختها براءة ﴿ فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ [ التوبة :٥ ]. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن السديّ : ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ يقول :ضاقت صدورهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع ﴿ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السلم ﴾ قال :الصلح. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله : ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم ﴾ الآية، قال :نسختها : ﴿ فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ [ التوبة :٥ ] وأخرج ابن جرير، عن الحسن، وعكرمة في هذه الآية قال :نسختها براءة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ ﴾ الآية، قال :ناس من أهل مكة كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قومهم، فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصالحوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة أنهم ناس كانوا بتهامة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ أنها نزلت في نعيم ابن مسعود.

قوله : ﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاء ﴾ هذا كلام مستأنف يتضمن بيان حال هؤلاء المنافقين، وإيضاح أنهم يودّون أن يكفر المؤمنون كما كفروا، ويتمنوا ذلك عناداً وغلوّاً في الكفر وتمادياً في الضلال، فالكاف في قوله : ﴿ كَمَا ﴾ نعت مصدر محذوف، أي :كفراً مثل كفرهم، أو حال، كما روي عن سيبويه. قوله : ﴿ فَتَكُونُونَ سَوَاء ﴾ عطف على قوله : ﴿ تَكْفُرُونِ ﴾ داخل في حكمه، أي :ودّوا كفركم ككفرهم، وودّوا مساواتكم لهم. قوله : ﴿ فَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاء ﴾ جواب شرط محذوف، أي :إذا كان حالهم ما ذكر فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يؤمنوا، ويحققوا إيمانهم بالهجرة ﴿ فَإِن تَوَلَّوْا ﴾ عن ذلك ﴿ فَخُذُوهُمْ ﴾ إذا قدرتم عليهم ﴿ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ في الحلّ والحرم ﴿ وَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً ﴾ توالونه ﴿ وَلاَ نَصِيراً ﴾ تستنصرون به.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين، فرقة تقول نقتلهم، وفرقة تقول لا، فأنزل الله : ﴿ فَمَا لَكُمْ فِى المنافقين فِئَتَيْنِ ﴾ الآية كلها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «وإنها طيبة، وإنها تنفي الخبث، كما تنفي النار خبث الفضة» هذا أصح ما روي في سبب نزول الآية، وقد رويت أسباب غير ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس : ﴿ والله أَرْكَسَهُمْ ﴾ يقول :أوقعهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه قال :ردهم.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق ﴾ قال :نزلت في هلال بن عويمر، وسراقة بن مالك المدلجي، وفي بني خزيمة بن عامر بن عبد مناف. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، والبيهقي في سننه عنه في قوله : ﴿ إِلاَّ الذين يَصِلُونَ ﴾ الآية، قال :نسختها براءة ﴿ فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ [ التوبة :٥ ]. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن السديّ : ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ يقول :ضاقت صدورهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع ﴿ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السلم ﴾ قال :الصلح. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله : ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم ﴾ الآية، قال :نسختها : ﴿ فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ [ التوبة :٥ ] وأخرج ابن جرير، عن الحسن، وعكرمة في هذه الآية قال :نسختها براءة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ ﴾ الآية، قال :ناس من أهل مكة كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قومهم، فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصالحوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة أنهم ناس كانوا بتهامة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ أنها نزلت في نعيم ابن مسعود.

قوله : ﴿ إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق ﴾ هو :مستثنى من قوله : ﴿ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم ﴾ أي :إلا الذين يتصلون، ويدخلون في قوم بينكم وبينهم ميثاق بالجوار والحلف، فلا تقتلوهم لما بينهم وبين من بينكم وبينهم عهد وميثاق، فإن العهد يشملهم. هذا أصح ما قيل في معنى الآية. وقيل الاتصال هنا :هو اتصال النسب.
والمعنى :إلا الذين ينتسبون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، قاله أبو عبيدة، وقد أنكر ذلك أهل العلم عليه ؛ لأن النسب لا يمنع من القتال بالإجماع، فقد كان بين المسلمين وبين المشركين أنساب، ولم يمنع ذلك من القتال. وقد اختلف في هؤلاء القوم الذين كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ميثاق، فقيل :هم قريش كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ميثاق ﴿ والذين يَصِلُونَ ﴾ إلى قريش هم :بنو مدلج. وقيل :نزلت في هلال بن عويمر، وسراقة بن جعشم، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف، كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد. وقيل :خزاعة. وقيل :بنو بكر بن زيد.
قوله : ﴿ أَوْ جَاءوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ عطف على قوله : ﴿ يَصِلُونَ ﴾ داخل في حكم الاستثناء، أي :إلا الذين يصلون، والذين جاءوكم، ويجوز أن يكون عطفاً على صفة قوم، أي :إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، والذين يصلون إلى قوم جاءوكم حصرت صدورهم، أي :ضاقت صدورهم، عن القتال، فأمسكوا عنه والحصر :الضيق، والانقباض. قال الفراء :وهو :أي : ﴿ حصرت صدورهم ﴾ حال من المضمر المرفوع في جاءوكم، كما تقول :جاء فلان ذهب عقله، أي :قد ذهب عقله. وقال الزجاج :هو خبر بعد خبر، أي :جاءوكم. ثم أخبر، فقال : ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ فعلى هذا يكون حصرت بدلا من جاءوكم، وقيل :حصرت في موضع خفض على النعت لقوم. وقيل التقدير :أو جاءوكم رجال، أو قوم حصرت صدورهم. وقرأ الحسن : «أَوْ جَاءوكُمْ حصرةً صُدُورُهُمْ » نصباً على الحال. وقرئ «حصرات، وحاصرات ». وقال محمد بن يزيد المبرّد :حصرت صدورهم هو دعاء عليهم، كما تقول لعن الله الكافر، وضعفه بعض المفسرين، وقيل : «أو » بمعنى «الواو ».
وقوله : ﴿ أن يقاتلونكم أَوْ يقاتلوا قَوْمَهُمْ ﴾ هو متعلق بقوله : ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ أي :حصرت صدورهم عن قتالكم، والقتال معكم لقومهم، فضاقت صدورهم عن قتال الطائفتين، وكرهوا ذلك ﴿ وَلَوْ شَاء الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ ابتلاء منه لكم، واختباراً، كما قال سبحانه : ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين وَنَبْلُوَ أخباركم ﴾ [ محمد :٣١ ] أو تمحيصاً لكم، أو عقوبة بذنوبكم، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك، واللام في قوله : ﴿ فلقاتلوكم ﴾ جواب لو على تكرير الجواب، أي :لو شاء الله لسلطهم ولقاتلوكم، والفاء للتعقيب ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم ﴾ ولم يتعرضوا لقتالكم ﴿ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السلم ﴾ أي :استسلموا لكم، وانقادوا ﴿ فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾ أي :طريقاً، فلا يحلّ لكم قتلهم، ولا أسرهم ولا نهب أموالهم، فهذا الاستسلام يمنع من ذلك ويحرّمه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين، فرقة تقول نقتلهم، وفرقة تقول لا، فأنزل الله : ﴿ فَمَا لَكُمْ فِى المنافقين فِئَتَيْنِ ﴾ الآية كلها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «وإنها طيبة، وإنها تنفي الخبث، كما تنفي النار خبث الفضة» هذا أصح ما روي في سبب نزول الآية، وقد رويت أسباب غير ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس : ﴿ والله أَرْكَسَهُمْ ﴾ يقول :أوقعهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه قال :ردهم.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق ﴾ قال :نزلت في هلال بن عويمر، وسراقة بن مالك المدلجي، وفي بني خزيمة بن عامر بن عبد مناف. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، والبيهقي في سننه عنه في قوله : ﴿ إِلاَّ الذين يَصِلُونَ ﴾ الآية، قال :نسختها براءة ﴿ فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ [ التوبة :٥ ]. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن السديّ : ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ يقول :ضاقت صدورهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع ﴿ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السلم ﴾ قال :الصلح. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله : ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم ﴾ الآية، قال :نسختها : ﴿ فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ [ التوبة :٥ ] وأخرج ابن جرير، عن الحسن، وعكرمة في هذه الآية قال :نسختها براءة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ ﴾ الآية، قال :ناس من أهل مكة كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قومهم، فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصالحوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة أنهم ناس كانوا بتهامة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ أنها نزلت في نعيم ابن مسعود.

﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ ﴾ فيظهرون لكم الإسلام، ويظهرون لقومهم الكفر ؛ ليأمنوا من كلا الطائفتين، وهم قوم من أهل تهامة طلبوا الأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأمنوا عنده، وعند قومهم.
وقيل هي في قوم من أهل مكة. وقيل :في نعيم بن مسعود، فإنه كان يأمن المسلمين والمشركين. وقيل :في قوم من المنافقين. وقيل :في أسد وغطفان ﴿ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الفتنة ﴾ أي :دعاهم قومهم إليها، وطلبوا منهم قتال المسلمين ﴿ أُرْكِسُوا فِيِهَا ﴾ أي :قلبوا فيها، فرجعوا إلى قومهم، وقاتلوا المسلمين، ومعنى الارتكاس :الانتكاس ﴿ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ﴾ يعني هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم، ويأمنوا قومهم ﴿ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السلم ﴾ أي :يستسلمون لكم، ويدخلون في عهدكم وصلحكم، وينسلخون عن قومهم ﴿ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ ﴾ عن قتالكم ﴿ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ ﴾ أي :حيث وجدتموهم وتمكنتم منهم ﴿ وَأُوْلَئِكُمْ ﴾ الموصوفون بتلك الصفات ﴿ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سلطانا مُّبِيناً ﴾ أي :حجة واضحة تتسلطون بها عليهم، وتقهرونهم بها بسبب ما في قلوبهم من المرض، وما في صدورهم من الدغل، وارتكاسهم في الفتنة بأيسر عمل، وأقلّ سعي.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين، فرقة تقول نقتلهم، وفرقة تقول لا، فأنزل الله : ﴿ فَمَا لَكُمْ فِى المنافقين فِئَتَيْنِ ﴾ الآية كلها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «وإنها طيبة، وإنها تنفي الخبث، كما تنفي النار خبث الفضة» هذا أصح ما روي في سبب نزول الآية، وقد رويت أسباب غير ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس : ﴿ والله أَرْكَسَهُمْ ﴾ يقول :أوقعهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه قال :ردهم.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق ﴾ قال :نزلت في هلال بن عويمر، وسراقة بن مالك المدلجي، وفي بني خزيمة بن عامر بن عبد مناف. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، والبيهقي في سننه عنه في قوله : ﴿ إِلاَّ الذين يَصِلُونَ ﴾ الآية، قال :نسختها براءة ﴿ فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ [ التوبة :٥ ]. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن السديّ : ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ يقول :ضاقت صدورهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع ﴿ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السلم ﴾ قال :الصلح. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله : ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم ﴾ الآية، قال :نسختها : ﴿ فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ [ التوبة :٥ ] وأخرج ابن جرير، عن الحسن، وعكرمة في هذه الآية قال :نسختها براءة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ ﴾ الآية، قال :ناس من أهل مكة كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قومهم، فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصالحوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة أنهم ناس كانوا بتهامة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ أنها نزلت في نعيم ابن مسعود.

قوله : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ هذا النفي هو بمعنى النهي المقتضي للتحريم كقوله : ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله ﴾ [ الأحزاب :٥٣ ] ولو كان هذا النفي على معناه لكان خبراً، وهو يستلزم صدقه، فلا يوجد مؤمن قتل مؤمناً قط ؛ وقيل المعنى :ما كان له ذلك في عهد الله، وقيل :ما كان له ذلك فيما سلف، كما ليس له الآن ذلك بوجه، ثم استثنى منه استثناء منقطعاً فقال :إلا خطأ، أي :ما كان له أن يقتله البتة، لكن إن قتله خطأ فعليه كذا، هذا قول سيبويه، والزجاج، وقيل :هو استثناء متصل ؛ والمعنى :وما ثبت، ولا وجد، ولا ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ إذ هو مغلوب حينئذ، وقيل :المعنى :ولا خطأ. قال النحاس :ولا يعرف ذلك في كلام العرب، ولا يصح في المعنى ؛ لأن الخطأ لا يحظر ؛ وقيل :إن المعنى :ما ينبغي أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده، فيكون قوله خطأ منتصباً بأنه مفعول له، ويجوز أن ينتصب على الحال، والتقدير :لا يقتله في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف، أي :إلا قتلاً خطأ، ووجوه الخطأ كثيرة، ويضبطها عدم القصد، والخطأ الاسم من أخطأ خطأ إذا لم يتعمد. قوله : ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ أي :فعليه تحرير رقبة مؤمنة يعتقها كفارة عن قتل الخطأ، وعبر بالرقبة عن جميع الذات.
واختلف العلماء في تفسير الرقبة المؤمنة، فقيل :هي التي صلت، وعقلت الإيمان فلا تجزئ الصغيرة، وبه قال ابن عباس، والحسن، والشعبي، والنخعي، وقتادة، وغيرهم. وقال عطاء بن أبي رباح :إنها تجزئ الصغيرة المولودة بين مسلمين. وقال جماعة منهم مالك، والشافعي :يجزئ كل من حكم له بوجوب الصلاة عليه إن مات، ولا يجزئ في قول جمهور العلماء أعمى، ولا مقعد، ولا أشلّ، ويجزئ عند الأكثر الأعرج، والأعور. قال مالك :إلا أن يكون عرجاً شديداً. ولا يجزئ عند أكثرهم المجنون، وفي المقام تفاصيل طويلة مذكورة في علم الفروع. قوله : ﴿ وَدِيَةٌ مسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ﴾ الدية :ما تعطى عوضاً عن دم المقتول إلى ورثته، والمسلمة :المدفوعة المؤداة، والأهل المراد بهم :الورثة، وأجناس الدية، وتفاصيلها قد بينتها السنة المطهرة. قوله : ﴿ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا ﴾ أي :إلا أن يتصدّق أهل المقتول على القاتل بالدية، سمي العفو عنها صدقة ترغيباً فيه. وقرأ أبيّ :إلا يتصدقوا، وهذه الجملة المستثناة متعلقة بقوله : ﴿ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ ﴾ أي :فعليه دية مسلمة إلا أن يقع العفو من الورثة عنها. قوله : ﴿ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ ﴾ أي :فإن كان المقتول من قوم عدوّ لكم، وهم الكفار الحربيون، وهذه مسئلة المؤمن الذي يقتله المسلمون في بلاد الكفار الذين كان منهم، ثم أسلم، ولم يهاجر، وهم يظنون أنه لم يسلم، وأنه باق على دين قومه، فلا دية على قاتله بل عليه تحرير رقبة مؤمنة.
واختلفوا في وجه سقوط الدية، فقيل :وجهه أن أولياء القتيل كفار لا حق لهم في الدية، وقيل :وجهه أن هذا الذي آمن، ولم يهاجر حرمته قليلة لقول الله تعالى : ﴿ والذين ءامَنُوا وَلَمْ يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء ﴾ [ الأنفال :٧٢ ] وقال :بعض أهل العلم إن ديته واجبة لبيت المال.
قوله : ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ ﴾ أي :مؤقت أو مؤبد. وقرأ الحسن : «وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ » أي :فعلى قاتله دية مؤداة إلى أهله من أهل الإسلام، وهم ورثته ﴿ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً ﴾ كما تقدم ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ ﴾ أي :الرقبة، ولا اتسع ماله لشرائها ﴿ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ﴾ أي :فعليه صيام شهرين متتابعين، لم يفصل بين يومين من أيام صومهما إفطار في نهار، فلو أفطر استأنف، هذا قول الجمهور، وأما الإفطار لعذر شرعي كالحيض ونحوه فلا يوجب الاستئناف. واختلف في الإفطار لعرض المرض. قوله : ﴿ تَوْبَةً مّنَ الله ﴾ منصوب على أنه مفعول له، أي :شرع ذلك لكم توبة، أي :قبولاً لتوبتكم، أو منصوب على المصدرية، أي :تاب عليكم توبة، وقيل :منصوب على الحال :أي :حال كونه ذا توبة كائنة من الله. قوله : ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً متَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾ لما بين سبحانه حكم القاتل خطأ بين حكم القاتل عمداً.
وقد اختلف العلماء في معنى العمد، فقال عطاء، والنخعي، وغيرهما :هو القتل بحديدة كالسيف، والخنجر، وسنان الرمح، ونحو ذلك من المحدّد، أو بما يعلم أن فيه الموت من ثقال الحجارة ونحوها. وقال الجمهور :إنه كل قتل من قاتل قاصد للفعل بحديدة، أو بحجر، أو بعصى، أو بغير ذلك، وقيده بعض أهل العلم بأن يكون بما يقتل مثله في العادة. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن القتل ينقسم إلى ثلاثة أقسام :عمد، وشبه عمد، وخطأ. واستدلوا على ذلك بأدلة ليس هذا مقام بسطها. وذهب آخرون إلى أنه ينقسم إلى قسمين :عمد، وخطأ ولا ثالث لهما. واستدلوا بأنه ليس في القرآن إلا القسمان. ويجاب عن ذلك بأن اقتصار القرآن على القسمين لا ينفي ثبوت قسم ثالث بالسنة، وقد ثبت ذلك في السنة.
وقد جاءت هذه الآية بتغليظ عقوبة القاتل عمداً، فجمع الله له فيها بين كون جهنم جزاء له، أي :يستحقها بسبب هذا الذنب، وبين كونه خالداً فيها، وبين غضب الله عليه، ولعنته له، وإعداده له عذاباً عظيماً. وليس وراء هذا التشديد تشديد، ولا مثل هذا الوعيد وعيد. وانتصاب خالداً على الحال.
وقوله : ﴿ وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ ﴾ معطوف على مقدّر، يدل عليه السياق، أي :جعل جزاءه جهنم، أو حكم عليه أو جازاه وغضب عليه وأعدّ له.
وقد اختلف العلماء هل لقاتل العمد من توبة أم لا توبة له ؟ فروى البخاري عن سعيد بن جبير قال :اختلف فيها علماء أهل الكوفة، فرحلت فيها إلى ابن عباس، فسألته عنها، فقال :نزلت هذه الآية : ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً ﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خطأ ﴾ يقول :ما كان له ذلك فيما أتاه من ربه من عهد الله الذي عهد إليه.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ مُّبِيناً وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ الآية. قال :إن عياش بن أبي ربيعة قتل رجلاً مؤمناً كان يعذبه هو وأبو جهل، وهو أخوه لأمه في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وعياش يحسب أن ذلك الرجل كافر. وأوضح من هذا السياق ما أخرجه ابن جرير عن عكرمة قال :كان الحارث بن يزيد من بني عامر بن لؤي يعذب عياش بن أبي ربيعة مع أبي جهل، ثم خرج مهاجراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم :يعني :الحارث، فلقيه عياش بالحرّة فعلاه بالسيف، وهو يحسب أنه كافر، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فنزلت : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خطأ ﴾ الآية، فقرأها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال له :" قم فحرّر " وأخرجه ابن جرير، وابن المنذر، عن السدّي بأطول من هذا. وقد روي من طرق غير هذه. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد قال :نزلت في رجل قتله أبو الدرداء كان في سرية، فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة له، فوجد رجلاً من القوم في غنم فحمل عليه بالسيف، فقال لا إله إلا الله، فضربه. وأخرج ابن منده، وأبو نعيم نحو ذلك، ولكن فيه أن الذي قتل المتعوّذ بكلمة الشهادة هو بكر بن حارثة الجهني.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ قال :يعني بالمؤمنة من قد عقل الإيمان وصلى. وكل رقبة في القرآن لم تسمّ مؤمنة، فإنه يجوز المولود فما فوقه ممن ليس به زمانة، وفي قوله : ﴿ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا ﴾ قال :عليه الدية مسلمة إلا أن يتصدّق بها عليه. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن قتادة قال :في حرف أبيّ «فتحرير رقبة مؤمنة لا يجزىء فيها صبي». وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود، والبيهقي، عن أبي هريرة :أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء، فقال :يا رسول الله إن عليّ عتق رقبة مؤمنة، فقال لها :" أين الله ؟ " فأشارت إلى السماء بأصبعها، فقال لها :" فمن أنا ؟ " فأشارت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى السماء، أي :أنت رسول الله، فقال :" أعتقها، فإنها مؤمنة " وقد روي من طرق، وهو في صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي. وقد وردت أحاديث في تقدير الدية، وفي الفرق بين دية الخطأ ودية شبه العمد ودية المسلم ودية الكافر، وهي معروفة، فلا حاجة لنا في ذكرها في هذا الموضع.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن إبراهيم النخعي في قوله : ﴿ وَدِيَةٌ مسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ﴾ قال :هذا المسلم الذي ورثته مسلمون : ﴿ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ وَهُوَ مؤْمِنٌ ﴾ قال :هذا الرجل المسلم وقومه مشركون وليس بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثَاقٌ ﴾ قال :هذا الرجل المسلم، وقومه مشركون، وبينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد، فيقتل، فيكون ميراثه للمسلمين، وتكون ديته لقومه ؛ لأنهم يعقلون عنه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ وَهُوَ مؤْمِنٌ ﴾ يقول :فإن كان في أهل الحرب، وهو مؤمن، فقتله خطأ، فعلى قاتله أن يكفر بتحرير رقبة مؤمنة، أو صيام شهرين متتابعين ولا دية عليه، وفي قوله : ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ ﴾ يقول :إذا كان كافراً في ذمتكم فقتل، فعلى قاتله الدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر من طريق عطاء بن السائب عن أبي عياض قال :كان الرجل يجيء فيسلم، ثم يأتي قومه وهم مشركون، فيقيم فيهم، فتغزوهم جيوش النبيّ صلى الله عليه وسلم، فيقتل الرجل فيمن يقتل فأنزل الله هذه الآية : ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ وَهُوَ مؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ وليست له دية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه من طريق عطاء بن السائب عن أبي يحيى، عن ابن عباس نحوه.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله : ﴿ تَوْبَةً مّنَ الله ﴾ يعني تجاوزاً من الله لهذه الأمة حيث جعل في قتل الخطأ الكفارة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة :أن رجلاً من الأنصار قتل أخا مقيس بن صبابة، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الدية فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه، وفيه نزلت الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير نحوه، وفيه أن مقيس بن صبابة لحق بمكة بعد ذلك، وارتدّ عن الإسلام. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال :نزلت هذه الآية : ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً ﴾ بعد التي في سورة الفرقان بثمان سنين، وهي قوله : ﴿ والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها ءاخَرَ ﴾ [ الفرقان :٦٨ ] إلى قوله : ﴿ غَفُوراً رحِيماً ﴾ [ الفرقان :٧٠ ]. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني عن زيد بن ثابت أن قوله : ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً متَعَمّداً ﴾ نزلت بعد قوله : ﴿ والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها ءاخَرَ ﴾ بستة أشهر. وأخرج ابن المنذر عنه قال :نزلت هذه الآية التي في النساء بعد قوله : ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ [ النساء :١١٦ ] بأربعة أشهر، والآثار عن الصحابة في هذا كثيرة جدّاً، والحق ما عرّفناك.

﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً ﴾ وهي آخر ما نزل، وما نسختها شيء. وقد روى النسائي عنه نحو هذا. وروى النسائي، عن زيد بن ثابت نحوه، وممن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف أبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، وأبو سلمة، وعبيد بن عمير، والحسن، وقتادة، والضحاك ابن مزاحم، نقله ابن أبي حاتم، عنهم. وذهب الجمهور إلى أن التوبة منه مقبولة، واستدلوا بمثل قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ﴾ [ هود :١١٤ ] وقوله : ﴿ وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ ﴾ [ الشورى :٢٥ ]. وقوله : ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ [ النساء :٤٨ ]، قالوا أيضاً :والجمع ممكن بين آية النساء هذه، وآية الفرقان، فيكون معناهما :فجزاؤه جهنم إلا من تاب، لا سيما، وقد اتحد السبب، وهو القتل، والموجب، وهو التوعد بالعقاب. واستدلوا أيضاً بالحديث المذكور في الصحيحين، عن عبادة بن الصامت أنه صلى الله عليه وسلم قال : «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق »، ثم قال : «فمن أصاب من ذلك شيئاً، فستره الله، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه » وبحديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم في صحيحه، وغيره في الذي قتل مائة نفس وذهب جماعة منهم أبو حنيفة، وأصحابه، والشافعي إلى أن القاتل عمداً داخل تحت المشيئة تاب أو لم يتب. وقد أوضحت في شرحي على المنتقى مستمسك كل فريق.
والحق أن باب التوبة لم يغلق دون كل عاص، بل هو مفتوح لكل من قصده ورام الدخول منه، وإذا كان الشرك، وهو أعظم الذنوب وأشدّها تمحوه التوبة إلى الله، ويقبل من صاحبه الخروج منه، والدخول في باب التوبة، فكيف بما دونه من المعاصي التي من جملتها القتل عمداً ؟ لكن لا بدّ في توبة قاتل العمد من الاعتراف بالقتل، وتسليم نفسه للقصاص إن كان واجباً، أو تسليم الدية إن لم يكن القصاص واجباً، وكان القاتل غنياً متمكناً من تسليمها، أو بعضها. وأما مجرد التوبة من القاتل عمداً، وعزمه على أن لا يعود إلى قتل أحد من دون اعتراف، ولا تسليم نفس، فنحن لا نقطع بقبولها، والله أرحم الراحمين، هو الذي يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خطأ ﴾ يقول :ما كان له ذلك فيما أتاه من ربه من عهد الله الذي عهد إليه.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : ﴿ مُّبِيناً وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ الآية. قال :إن عياش بن أبي ربيعة قتل رجلاً مؤمناً كان يعذبه هو وأبو جهل، وهو أخوه لأمه في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وعياش يحسب أن ذلك الرجل كافر. وأوضح من هذا السياق ما أخرجه ابن جرير عن عكرمة قال :كان الحارث بن يزيد من بني عامر بن لؤي يعذب عياش بن أبي ربيعة مع أبي جهل، ثم خرج مهاجراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم :يعني :الحارث، فلقيه عياش بالحرّة فعلاه بالسيف، وهو يحسب أنه كافر، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فنزلت : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خطأ ﴾ الآية، فقرأها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال له :" قم فحرّر " وأخرجه ابن جرير، وابن المنذر، عن السدّي بأطول من هذا. وقد روي من طرق غير هذه. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد قال :نزلت في رجل قتله أبو الدرداء كان في سرية، فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة له، فوجد رجلاً من القوم في غنم فحمل عليه بالسيف، فقال لا إله إلا الله، فضربه. وأخرج ابن منده، وأبو نعيم نحو ذلك، ولكن فيه أن الذي قتل المتعوّذ بكلمة الشهادة هو بكر بن حارثة الجهني.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ قال :يعني بالمؤمنة من قد عقل الإيمان وصلى. وكل رقبة في القرآن لم تسمّ مؤمنة، فإنه يجوز المولود فما فوقه ممن ليس به زمانة، وفي قوله : ﴿ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا ﴾ قال :عليه الدية مسلمة إلا أن يتصدّق بها عليه. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن قتادة قال :في حرف أبيّ «فتحرير رقبة مؤمنة لا يجزىء فيها صبي». وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود، والبيهقي، عن أبي هريرة :أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء، فقال :يا رسول الله إن عليّ عتق رقبة مؤمنة، فقال لها :" أين الله ؟ " فأشارت إلى السماء بأصبعها، فقال لها :" فمن أنا ؟ " فأشارت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى السماء، أي :أنت رسول الله، فقال :" أعتقها، فإنها مؤمنة " وقد روي من طرق، وهو في صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي. وقد وردت أحاديث في تقدير الدية، وفي الفرق بين دية الخطأ ودية شبه العمد ودية المسلم ودية الكافر، وهي معروفة، فلا حاجة لنا في ذكرها في هذا الموضع.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن إبراهيم النخعي في قوله : ﴿ وَدِيَةٌ مسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ﴾ قال :هذا المسلم الذي ورثته مسلمون : ﴿ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ وَهُوَ مؤْمِنٌ ﴾ قال :هذا الرجل المسلم وقومه مشركون وليس بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثَاقٌ ﴾ قال :هذا الرجل المسلم، وقومه مشركون، وبينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد، فيقتل، فيكون ميراثه للمسلمين، وتكون ديته لقومه ؛ لأنهم يعقلون عنه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ وَهُوَ مؤْمِنٌ ﴾ يقول :فإن كان في أهل الحرب، وهو مؤمن، فقتله خطأ، فعلى قاتله أن يكفر بتحرير رقبة مؤمنة، أو صيام شهرين متتابعين ولا دية عليه، وفي قوله : ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ ﴾ يقول :إذا كان كافراً في ذمتكم فقتل، فعلى قاتله الدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر من طريق عطاء بن السائب عن أبي عياض قال :كان الرجل يجيء فيسلم، ثم يأتي قومه وهم مشركون، فيقيم فيهم، فتغزوهم جيوش النبيّ صلى الله عليه وسلم، فيقتل الرجل فيمن يقتل فأنزل الله هذه الآية : ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ وَهُوَ مؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ وليست له دية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه من طريق عطاء بن السائب عن أبي يحيى، عن ابن عباس نحوه.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله : ﴿ تَوْبَةً مّنَ الله ﴾ يعني تجاوزاً من الله لهذه الأمة حيث جعل في قتل الخطأ الكفارة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة :أن رجلاً من الأنصار قتل أخا مقيس بن صبابة، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الدية فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه، وفيه نزلت الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير نحوه، وفيه أن مقيس بن صبابة لحق بمكة بعد ذلك، وارتدّ عن الإسلام. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال :نزلت هذه الآية : ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً ﴾ بعد التي في سورة الفرقان بثمان سنين، وهي قوله : ﴿ والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها ءاخَرَ ﴾ [ الفرقان :٦٨ ] إلى قوله : ﴿ غَفُوراً رحِيماً ﴾ [ الفرقان :٧٠ ]. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني عن زيد بن ثابت أن قوله : ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً متَعَمّداً ﴾ نزلت بعد قوله : ﴿ والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها ءاخَرَ ﴾ بستة أشهر. وأخرج ابن المنذر عنه قال :نزلت هذه الآية التي في النساء بعد قوله : ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ [ النساء :١١٦ ] بأربعة أشهر، والآثار عن الصحابة في هذا كثيرة جدّاً، والحق ما عرّفناك.

هذا متصل بذكر الجهاد والقتال والضرب :السير في الأرض، تقول العرب ضربت في الأرض :إذا سرت لتجارة أو غزو أو غيرهما، وتقول ضربت الأرض بدون " في " :إذا قصدت قضاء حاجة الإنسان، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :" لا يخرج رجلان يضربان الغائط " قوله : ﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾ من التبين وهو التأمل، وهي قراءة الجماعة إلا حمزة، فإنه قرأ : «فتثبتوا » من التثبت. واختار القراءة الأولى أبو عبيدة، وأبو حاتم قالا :لأن من أمر بالتبين فقد أمر بالثبت، وإنما خصّ السفر بالأمر بالتبين، مع أن التبين والتثبت في أمر القتل واجبان حضراً، وسفراً بلا خلاف ؛ لأن الحادثة التي هي سبب نزول الآية كانت في السفر، كما سيأتي. قوله : ﴿ وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام ﴾ وقرئ " السلام "، ومعناهما واحد. واختار أبو عبيدة السلام. وخالفه أهل النظر، فقالوا :السلم هنا أشبه ؛ لأنه بمعنى الانقياد والتسليم. والمراد هنا :لا تقولوا لمن ألقى بيده إليكم واستسلم لست مؤمناً، فالسلم والسلام كلاهما بمعنى الاستسلام، وقيل :هما بمعنى :الإسلام، أي :لا تقولوا لمن ألقى إليكم الإسلام، أي :كلمته، وهي :الشهادة لست مؤمناً. وقيل :هما بمعنى التسليم الذي هو تحية أهل الإسلام، أي :لا تقولوا لمن ألقى إليكم التسليم، فقال السلام عليكم :لست مؤمناً. والمراد :نهى المسلمين عن أن يهملوا ما جاء به الكافر مما يستدل به على إسلامه، ويقولوا إنه إنما جاء بذلك تعوذاً، وتقية. وقرأ أبو جعفر : ﴿ لَسْتَ مُؤْمِناً ﴾ من أمنه :إذا أجرته فهو مؤمن.
وقد استدلّ بهذه الآية على أن من قتل كافراً بعد أن قال لا إله إلا الله قتل به ؛ لأنه قد عصم بهذه الكلمة دمه وماله وأهله، وإنما سقط القتل عمن وقع منه ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنهم تأوّلوا وظنوا أن من قالها خوفاً من السلاح لا يكون مسلماً ؛ ولا يصير بها دمه معصوماً، وأنه لا بد من أن يقول هذه الكلمة، وهو مطمئن غير خائف، وفي حكم التكلم بكلمة الإسلام إظهار الانقياد بأن يقول أنا مسلم، أو أنا على دينكم، لما عرفت من أن معنى الآية الاستسلام والانقياد، وهو يحصل بكل ما يشعر بالإسلام من قول أو فعل، ومن جملة ذلك كلمة الشهادة وكلمة التسليم، فالقولان الآخران في معنى الآية داخلان تحت القول الأوّل.
قوله : ﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياة الدنيا ﴾ الجملة في محل نصب على الحال، أي :لا تقولوا تلك المقالة طالبين الغنيمة، على أن يكون النهي راجعاً إلى القيد والمقيد لا إلى القيد فقط، وسمي متاع الدنيا عرضاً ؛ لأنه عارض زائل غير ثابت.
قال أبو عبيدة :يقال جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء. وأما العرض بسكون الراء، فهو ما سوى الدنانير والدراهم، فكل عرض بالسكون عرض بالفتح، وليس كل عرض بالفتح عرضاً بالسكون. وفي كتاب العين :العرض ما نيل من الدنيا، ومنه قوله تعالى : ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا ﴾ [ الأنفال :٦٧ ] وجمعه عروض. وفي المجمل لابن فارس :والعرض ما يعترض للإنسان من مرض ونحوه. وعرض الدنيا ما كان فيها من مال قلّ أو أكثر، والعرض من الأثاث ما كان غير نقد.
قوله : ﴿ فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ هو تعليل للنهي، أي :عند الله مما هو حلال لكم من دون ارتكاب محظور مغانم كثيرة تغتنمونها، وتستغنون بها عن قتل من قد استسلم وانقاد، واغتنام ماله ﴿ كذلك كُنتُمْ من قَبْلُ ﴾ أي :كنتم كفاراً، فحقنت دماؤكم لما تكلمتم بكلمة الشهادة، أو كذلك كنتم من قبل، تخفون إيمانكم عن قومكم خوفاً على أنفسكم حتى من الله عليكم بإعزاز دينه، فأظهرتم الإيمان وأعلنتم به، وكرّر الأمر بالتبين للتأكيد عليهم لكونه واجباً لا فسحة فيه ولا رخصة.
وقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال :لحق ناس من المسلمين رجلاً معه غنيمة له، فقال السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته، فنزلت : ﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُوا ﴾ الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال :مرّ رجل من بني سليم بنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسوق غنماً له، فسلم عليهم، فقالوا ما سلم علينا إلا ليتعوّذ منا، فعدوا عليه، فقتلوه، وأتوا بغنمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين ءامَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ الله ﴾.
وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو نعيم، والبيهقي، عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي قال :بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحرث بن ربعي، ومحلم بن جثامة بن قيس الليثي، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مرّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له معه متيع، ووطب من لبن، فلما مرّ بنا سلم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة لشيء كان بينه وبينه فقتله، وأخذ بعيره ومتيعه، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرناه الخبر نزل فينا القرآن : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين ءامَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُوا ﴾ الآية. وفي لفظ عند ابن إسحاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من حديث أبي حدرد هذا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمحلم :
«أقتلته بعد ما قال آمنت بالله ؟ » فنزل القرآن.
وأخرج ابن جرير، من حديث ابن عمر أن محلماً جلس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ليستغفر له، فقال :لا غفر الله لك، فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت به ساعة حتى مات ودفنوه، فلفظته الأرض، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكروا ذلك له، فقال :إن الأرض تقبل من هو شرّ من صاحبكم، ولكنّ الله أراد أن يعظكم، ثم طرحوه في جبل، وألقوا عليه الحجارة، فنزلت : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين ءامَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ ﴾ الآية. وأخرج البزار، والدارقطني في الإفراد، والطبراني، والضياء في المختارة، عن ابن عباس أن سبب نزول الآية :أن المقداد بن الأسود قتل رجلاً بعد ما قال لا إله إلا الله. وفي سبب النزول روايات كثيرة، وهذا الذي ذكرناه أحسنها.
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله : ﴿ كذلك كُنتُمْ من قَبْلُ ﴾ قال :تستخفون بإيمانكم، كما استخفى هذا الراعي بإيمانه، يعني :الذين قتلوه بعد أن ألقى إليهم السلام، وفي لفظ «تكتمون إيمانكم من المشركين » ﴿ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ ﴾ فأظهر الإسلام فأعلنتم إيمانكم