0:00
0:00

سورة النساء مدنية وهي مائة وست وسبعون آية

﴿ ياأيها الناس ﴾ يا بني آدم ﴿ خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة ﴾ فرعكم من أصل واحد وهو نفس آدم أبيكم.
فإن قلت :علام عطف قوله : ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ ؟ قلت :فيه وجهان :أحدهما أن يعطف على محذوف، كأنه قيل :من نفس واحدة أنشأها أو ابتدأها، وخلق منها زوجها. وإنما حذف لدلالة المعنى عليه. والمعنى :شعبكم من نفس واحدة هذه صفتها، وهي أنه أنشأها من تراب وخلق زوجها حواء من ضلع من أضلاعها ﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا ﴾ نوعي جنس الإنس وهما الذكور والإناث، فوصفها بصفة هي بيان وتفصيل بكيفية خلقهم منها. والثاني :أن يعطف على خلقكم، ويكون الخطاب في ﴿ يا أيها الناس ﴾ للذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمعنى :خلقكم من نفس آدم، لأنهم من جملة الجنس المفرع منه، وخلق منها أمكم حواء وبث منهما ﴿ رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً ﴾ غيركم من الأمم الفائتة للحصر.
فإن قلت :الذي يقتضيه سداد نظم الكلام وجزالته أن يجاء عقيب الأمر بالتقوى بما يوجبها أو يدعو إليها ويبحث عليها، فكيف كان خلقه إياهم من نفس واحدة على التفصيل الذي ذكره موجباً للتقوى وداعياً إليها ؟ قلت :لأنّ ذلك مما يدل على القدرة العظيمة. ومن قدر على نحوه كان قادراً على كل شيء، ومن المقدورات عقاب العصاة، فالنظر فيه يؤدي إلى أن يتقي القادر عليه ويخشى عقابه، ولأنَّه يدل على النعمة السابغة عليهم، فحقهم أن يتقوه في كفرانها والتفريط فيما يلزمهم من القيام بشكرها. أو أراد بالتقوى تقوى خاصة وهي أن يتقوه فيما يتصل بحفظ الحقوق بينهم، فلا يقطعوا ما يجب عليهم وصله، فقيل :اتقوا ربكم الذي وصل بينكم، حيث جعلكم صنوانا مفرعة من أرومة واحدة. فيما يجب على بعضكم لبعض، فحافظوا عليه ولا تغفلوا عنه. وهذا المعنى مطابق لمعاني السورة. وقرىء : «وخالق منها زوجها. وباث منهما »، بلفظ اسم الفاعل، وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره :وهو خالق ﴿ تَسَاءلُونَ بِهِ ﴾ تتساءلون به، فأدغمت التاء في السين. وقرىء «تساءلون » بطرح التاء الثانية، أي يسأل بعضكم بعضاً بالله وبالرحم. فيقول :بالله وبالرحم أفعل كذا على سبيل الاستعطاف. وأناشدك الله والرحم. أو تسألون غيركم بالله والرحم، فقيل «تفاعلون » موضع «تفعلون » للجمع، كقولك :رأيت الهلال وتراءيناه. وتنصره قراءة من قرأ : «تسلون به ». مهموز أو غير مهموز. وقرىء «والأرحام » بالحركات الثلاث، فالنصب على وجهين :إما على :واتقوا الله والأرحام، أو أن يعطف على محل الجار والمجرور، كقولك :مررت بزيد وعمراً. وينصره قراءة ابن مسعود : «تسألون به وبالأرحام »، والجر على عطف الظاهر على المضمر، وليس بسديد ؛ لأنّ الضمير المتصل متصل كاسمه، والجار والمجرور كشيء واحد، فكانا في قولك :( مررت به وزيد ) و ( هذا غلامه وزيد ) شديدي الاتصال، فلما اشتد الاتصال لتكرره أشبه العطف على بعض الكلمة، فلم يجز ووجب تكرير العامل، كقولك :( مررت به وبزيد ) و ( هذا غلامه وغلام زيد ) ألا ترى إلى صحة قولك :( رأيتك وزيداً ) و ( مررت بزيد وعمرو ) لما لم يقو الاتصال، لأنه لم يتكرر، وقد تمحل لصحة هذه القراءة بأنها على تقدير تكرير الجار ونظيرها.
فاذهب فَمَا بِكَ وَالأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ ***
والرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف، كأنه قيل :والأرحام كذلك، على معنى :والأرحام مما يتقى أو والأرحام مما يُسَاءل به. والمعنى أنهم كانوا يقرون بأن لهم خالقاً، وكانوا يتساءلون بذكر الله والرحم، فقيل لهم :اتقوا الله الذي خلقكم، واتقوا الذي تتناشدون به واتقوا الأرحام فلا تقطعوها. أو واتقوا الله الذي تتعاطفون باذكاره وباذكار الرحم. وقد آذن عز وجل إذ قرن الأرحام باسمه أن صلتها منه بمكان، كما قال : ﴿ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه وبالوالدين إحسانا ﴾ [ الإسراء :٢٣ ]، وعن الحسن :إذا سألك بالله فأعطه، وإذا سألك بالرحم فأعطه. وللرحم حجنة عند العرش، ومعناه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه :الرحم معلقة بالعرش فإذا أتاها الواصل بشت به وكلمته. وإذا أتاها القاطع احتجبت منه. وسئل ابن عيينة عن قوله عليه الصلاة والسلام « تخيروا لنطفكم » فقال :يقول لأولادكم وذلك أن يضع ولده في الحلال. ألم تسمع قوله تعالى : ﴿ واتقوا الله الذى تَسَاءلُونَ بِهِ والارحام ﴾ وأول صلته أن يختار له الموضع الحلال، فلا يقطع رحمه ولا نسبه فإنما للعاهر الحجر، ثم يختار الصحة ويجتنب الدَّعر، ولا يضعه موضع سوء يتبع شهوته وهواه بغير هدى من الله.
﴿ اليتامى ﴾ الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم. واليتم الانفراد. ومنه :الرملة اليتيمة والدرّة اليتيمة. وقيل :اليتم في الأناسي من قبل الآباء. وفي البهائم من قبل الأمهات.
فإن قلت :كيف جمع اليتيم وهو فعيل كمريض على يتامى ؟ قلت :فيه وجهان :أن يجمع على يتمى كأسرى، لأنّ اليتم من وادي الآفات والأوجاع، ثم يجمع فعلى على فعالى كأسارى. ويجوز أن يجمع على فعائل لجري اليتم مجرى الأسماء، نحو صاحب وفارس، فيقال :يتائم، ثم يتامى على القلب. وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء معنى الانفراد عن الآباء، إلا أنه قد غلب أن يسموا به قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال، فإذا استغنوا بأنفسهم عن كافل وقائم عليهم وانتصبوا كفاة يكفلون غيرهم ويقومون عليهم، زال عنهم هذا الاسم، وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم :يتيم أبي طالب، إمّا على القياس وإما حكاية للحال التي كان عليها صغيراً ناشئاً في حجر عمه توضيعاً له. وأمّا قوله عليه السلام :" لا يتم بعد الحلم فما هو إلا تعليم شريعة لا لغة، يعني أنه إذا احتلم لم تجر عليه أحكام الصغار.
فإن قلت :فما معنى قوله : ﴿ وَءاتُواْ اليتامى أموالهم ﴾ ؟ قلت :إما أن يراد باليتامى الصغار، وبإتيانهم الأموال :أن لا يطمع فيها الأولياء والأوصياء وولاة السوء وقضاته ويكفوا عنها أيديهم الخاطفة، حتى تأتي اليتامى إذا بلغوا سالمة غير محذوفة. وإمّا أن يراد الكبار تسمية لهم يتامى على القياس، أو لقرب عهدهم إذا بلغوا بالصغر، كما تسمى الناقة عشراء بعد وضعها. على أنّ فيه إشارة إلى أن لا يؤخر دفع أموالهم إليهم عن حد البلوغ، ولا يمطلوا إن أونس منهم الرشد، وأن يؤتوها قبل أن يزول عنهم اسم اليتامى والصغار. وقيل :هي في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه فترافعا إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فنزلت، فلما سمعها العمُّ قال :أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير، فدفع ماله إليه ؛ فقال النبي عليه السلام : «ومن يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره يعني جنته فلما قبض ألفوا ماله أنفقه في سبيل الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :«ثبت الأجر، ثبت الأجر وبقي الوزر »، قالوا :يا رسول الله، قد عرفنا أنه ثبت الأجر كيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله ؟ فقال : «ثبت أجر الغلام، وبقي الوزر على والده ».
﴿ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب ﴾ ولا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم وما أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض فتأكلوه مكانه.
أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث وهو اختزال أموال اليتامى بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع منها والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز. منه التعجل بمعنى الاستعجال، والتأخر بمعنى الاستئخار. قال ذو الرمّة :
فَيَا كَرَمَ السَّكْنِ الَّذِينَ تَحَمَّلُوا عَنِ الدَّارِ وَالْمُسْتَخْلَفِ الْمُتَبَدَّلِ
أراد :ويا لؤم ما استخلفته الدال واستبدلته. وقيل :هو أن يعطي رديئاً ويأخذ جيداً. وعن السدي :أن يجعل شاة مهزولة مكان سمينة، وهذا ليس بتبدل، وإنما هو تبديل إلا أن يكارم صديقاً له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم ﴾ ولا تنفقوها معها. وحقيقتها :ولا تضموها إليها في الإنفاق، حتى لا تفرقوا بين أموالكم وأموالهم قلة مبالاة بما لا يحل لكم. وتسوية بينه وبين الحلال.
فإن قلت :قد حرم عليهم أكل مال اليتامى وحده ومع أموالهم، فلمَ ورد النهي عن أكله ؟ معها قلت :لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله من مال حلال وهم على ذلك يطمعون فيها كان القبح أبلغ والذم أحق ولأنهم كانوا يفعلون كذلك قنعى عليهم فعلهم وَسَمّع َبهم، ليكون أزجر لهم. والحوب :الذنب العظيم. ومنه قوله عليه الصلاة و السلام :" إن طلاق أم أيوب لحوب " فكأنه قيل :إنه كان ذنباً كبيراً. وقرأ الحسن «حوبا » بفتح الحاء وهو مصدر حاب حوبا. وقرىء : «حابا ». ونظير الحوب والحاب :القول والقال. والطرد والطرد.
ولمَّا نزلت الآية في اليتامى وما في أكل أموالهم من الحوب الكبير، خاف الأولياء أن يلحقهم الحوب بترك الإقساط في حقوق اليتامى، وأخذوا يتحرّجون من ولايتهم، وكان الرجل منهم ربما كان تحته العشر من الأزواج والثمان والست فلا يقوم بحقوقهنّ ولا يعدل بينهن، فقيل لهم :إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرّجتم منها، فخافوا أيضاً ترك العدل بين النساء فقللوا عدد المنكوحات، لأنّ من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فهو غير متحرّج ولا تائب، لأنه إنما وجب أن يُتحرج من الذنب ويُتاب منه لقبحه، والقبح قائم في كل ذنب، وقيل :كانوا لا يتحرّجون من الزنا وهم يتحرّجون من ولاية اليتامى، فقيل :إن خفتم الجور في حق اليتامى فخافوا الزنا. فانكحوا ما حلّ لكم من النساء، ولا تحوموا حول المحرّمات. وقيل :كان الرجل يجد اليتيمة لها مال وجمال أو يكون وليها، فيتزوجها ضناً بها عن غيره، فربما اجتعمت عنده عشر منهن، فيخاف - لضعفهن وفقد من يغضب لهن - أن يظلمهنّ حقوقهن ويفرط فيما يجب لهنَّ، فقيل لهم :إن خفتم أن لا تقسطوا في يتامى النساء فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم. ويقال للإناث اليتامى كما يقال للذكور، وهو جمع يتيمة على القلب، كما قيل :أيامى، والأصل :أيائم ويتائم. وقرأ النخعي «تقسطوا » بفتح التاء على أن لا مزيدة مثلها في ﴿ لّئَلاَّ يَعْلَمَ ﴾ [ الحديد :٢٩ ] يريد :وإن خفتم أن تجوروا ﴿ مَا طَابَ ﴾ ما حلّ ﴿ لَكُمْ مّنَ النساء ﴾ لأنّ منهن ما حرم كاللاتي في آية التحريم. وقيل :( ما ) ذهاباً إلى الصفة. ولأن الإناث من العقلاء يجرين مجرى غير العقلاء :ومنه قوله تعالى : ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ ﴿ مثنى وثلاث وَرُبَاعَ ﴾ معدولة عن أعداد مكررة، وإنما منعت الصرف لما فيها من العدلين :عدلها عن صيغها، وعدلها عن تكررها، وهي نكرات يعرّفن بلام التعريف. تقول :فلان ينكح المثنى والثلاث والرباع، ومحلهن النصب على الحال مما طاب، تقديره :فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد، ثنتين ثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً.
فإن قلت :الذي أطلق للناكح في الجمع أن يجمع بين ثنتين أو ثلاث أو أربع، فما معنى التكرير في مثنى وثلاث ورباع ؟
( قلت ) :الخطاب للجميع، فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له، كما تقول للجماعة :اقتسموا هذا المال - وهو ألف درهم - درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة. ولو أفردت لم يكن له معنى.
فإن قلت :فلم جاء العطف بالواو دون أو ؟ قلت :كما جاء بالواو في المثال الذي حذوته لك. ولو ذهبت تقول :اقتسموا هذا المال درهمين درهمين، أو ثلاثة ثلاثة، أو أربعة أربعة :أعلمت أنه لا يسوغ لهم أن يقتسموه إلا على أحد أنواع هذه القسمة، وليس لهم أن يجمعوا بينها فيجعلوا بعض القسم على تثنية، وبعضه على تثليث، وبعضه على تربيع.
وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلت عليه الواو. وتحريره :أنّ الواو دلت على إطلاق أن يأخذ الناكحون من أرادوا نكاحها من النساء على طريق الجمع، إن شاؤوا مختلفين في تلك الأعداد، وإن شاؤوا متفقين فيها، محظوراً عليهم ما وراء ذلك. وقرأ إبراهيم :وثلث وربع، على القصر من ثلاث ورباع ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ﴾ بين هذه الأعداد كما خفتم ترك العدل فيما فوقها ﴿ فواحدة ﴾ فالزموا :أو فاختاروا واحدة وذروا الجمع رأساً. فإن الأمر كله يدور مع العدل، فأينما وجدتم العدل فعليكم به. وقرىء «فواحدةٌ » بالرفع على :فالمقنع واحدة، أو فكفت واحدة، أو فحسبكم واحدة ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ سوّى في السُّهولة واليسر بين الحرة الواحدة وبين الإماء، من غير حصر ولا توقيت عدد. ولعمري أنهنّ أقل تبعة وأقصر شغباً وأخف مؤنة من المهائر، لا عليك أكثرت منهن أم أقللت، عدلت بينهن في القسم أم لم تعدل، عزلت عنهن أم لم تعزل. وقرأ ابن أبي عبلة. «من ملكت » ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى اختيار الواحدة والتسري ﴿ أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ ﴾ أقرب من أن لا تميلوا، من قولهم :عال الميزان عولاً، إذا مال. وميزان فلان عائل، وعال الحاكم في حكمه إذا جار. وروى أن أعرابياً حكم عليه حاكم فقال له :أتعول عليّ. وقد روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم :
" ألا تعولوا :أن لا تجوروا " والذي يحكى عن الشافعي رحمه الله أنه فسر ( أن لا تعولوا ) أن لا تكثر عيالكم. فوجهه أن يجعل من قولك :عال الرجل عياله يعولهم، كقولهم :مانهم يمونهم، إذا أنفق عليهم، لأنّ من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة على حدود الكسب وحدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب. وكلام مثله من أعلام العلم وأئمة الشرع ورؤوس المجتهدين، حقيقي بالحمل على الصحة والسداد، وأن لا يظنّ به تحريف تعيلوا إلى تعولوا، فقد روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه :لا تظنن بكلمة خرجت من فِي أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً. وكفى بكتابنا المترجم بكتاب «شافي العيِّ، من كلام الشافعي » شاهداً بأنه كان أعلى كعباً وأطول باعاً في علم كلام العرب، من أن يخفى عليه مثل هذا، ولكن للعلماء طرقاً وأساليب. فسلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات.
فإن قلت :كيف يقل عيال من تسرى، وفي السرائر نحو ما في المهائر ؟ قلت :ليس كذلك، لأن الغرض بالتزوّج التوالد والتناسل بخلاف التسري، ولذلك جاز العزل عن السراري بغير أذنهن، فكان التسري مظنة لقلة الولد بالإضافة إلى التزوج، كتزوّج الواحدة بالإضافة إلى تزوج الأربع. وقرأ طاوس : «أن لا تعيلوا »، من أعال الرجل إذا كثر عياله. وهذه القراءة تعضد تفسير الشافعي رحمه الله من حيث المعنى الذي قصده.
﴿ صدقاتهن ﴾ مهورهن، وفي حديث شريح :قضى ابن عباس لها بالصدقة. وقرىء : «صدقاتهن » بفتح الصاد وسكون الدال على تخفيف صدقاتهن. و«صدقاتهن » بضم الصاد وسكون الدال جمع صدقة بوزن غرفة. وقرىء : «صدقتهن »، بضم الصاد والدال على التوحيد، وهو تثقيل صدقة، كقولك في ظلمة :ظُلُمَه. ﴿ نِحْلَةً ﴾ من نحله كذا إذا أعطاه إياه ووهبه له عن طيبة من نفسه نحلة ونحلاً. ومنه
حديث أبي بكر رضي الله عنه :إني كنت نحلتك جداد عشرين وسقاً بالعالية. وانتصابها على المصدر لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء فكأنه قيل :وانحلوا النساء صدقاتهن نحلة، أي أعطوهنّ مهورهنّ عن طيبة أنفسكم، أو على الحال من المخاطبين، أي آتوهنّ صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء، أو من الصدقات، أي منحولة معطاة عن طيبة الأنفس. وقيل :نحلة من الله عطية من عنده وتفضلاً منه عليهن، وقيل :النحلة الملة، ونحلة الإسلام خير النحل. وفلان ينتحل كذا :أي يدين به. والمعنى :آتوهن مهورهن ديانة، على أنها مفعول لها. ويجوز أن يكون حالاً من الصدقات، أي ديناً من الله شرعه وفرضه. والخطاب للأزواج. وقيل :للأولياء، لأنهم كانوا يأخذون مهور بناتهم، وكانوا يقولون :هنيئاً لك النافجة، لمن تولد له بنت، يعنون :تأخذ مهرها فتنفج به مالك أي تعظمه. الضمير في ( منه ) جار مجرى اسم الإشارة كأنه قيل عن شيء من ذلك، كما قال الله تعالى : ﴿ قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم ﴾ [ آل عمران :١٥ ] بعد ذكر الشهوات، ومن الحجج المسموعة من أفواه العرب ما روى عن رؤبة أنه قيل له في قوله :
كَأَنَّهُ فِي الْجِلدِ تَوْلِيعُ الْبَهَقْ ***
فقال :أردت كأن ذاك. أو يرجع إلى ما هو في معنى الصدقات وهو الصداق، لأنك لو قلت :وآتوا النساء صداقهن، لم تخل بالمعنى، فهو نحو قوله : ﴿ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ الصالحين ﴾ [ المنافقون :١٢ ] كأنه قيل :أصدّق. و ﴿ نَفْساً ﴾ تمييز، وتوحيدها لأنّ الغرض بيان الجنس والواحد يدل عليه. والمعنى :فإن وهبن لكم شيئاً من الصداق وتجافت عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى الهبة من شكاسة أخلاقكم وسوء معاشرتكم ﴿ فَكُلُوهُ ﴾ فأنفقوه. قالوا :فإن وهبت له ثم طلبت منه بعد الهبة، علم أنها لم تطب منه نفساً، وعن الشعبي :أن رجلاً أتى مع امرأته شريحاً في عطية أعطتها إياه وهي تطلب أن ترجع، فقال شريح :ردّ عليها. فقال الرجل :أليس قد قال الله تعالى : ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ ﴾ قال :لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه. وعنه :أقيلها فيما وهبت ولا أقيله، لأنهنّ يُخدعن. وحكي أن رجلاً من آل معيط أعطته امرأته ألف دينار صداقاً كان لها عليه، فلبث شهراً ثم طلقها، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان، فقال الرجل :أعطتني طيبة بها نفسها، فقال عبد الملك :فأين الآية التي بعدها فلا تأخذوا منه شيئاً ؟ اردد عليها.
وعن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى قضاته :إن النساء يعطين رغبة ورهبة. فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها، وعن ابن عباس :أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية فقال : «إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهة لا يقضى به عليكم سلطان ولا يؤاخذكم الله به في الآخرة ». وروي :أن أناساً كانوا يتأثمون أن يرجع أحد منهم في شيء مما ساق إلى امرأته، فقال الله تعالى إن طابت نفس واحدة من غير إكراه ولا خديعة فكلوه سائغاً هنيئاً. وفي الآية دليل على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط، حيث بنى الشرط على طيب النفس فقيل :فإن طبن، ولم يقل :فإن وهبن أو سمحن، إعلاماً بأنَّ المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة. وقيل :إن طبن لكم عن شيء منه. ولم يقل :فإن طبن لكم عنها، بعثا لهن على تقليل الموهوب. وعن الليث بن سعد :لا يجوز تبرعها إلا باليسير. وعن الأوزاعي :لا يجوز تبرعها ما لم تلد أو تقم في بيت زوجها سنة. ويجوز أن يكون تذكير الضمير لينصرف إلى الصداق الواحد، فيكون متناولاً بعضه، ولو أنث لتناول ظاهره هبة الصداق كله، لأنّ بعض الصدقات واحدة منها فصاعدا. الهنيء، والمريء :صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ، إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه. وقيل :الهنيء :ما يلذه الآكل. والمريء ما يحمد عاقبته. وقيل هو ما ينساغ في مجراه. وقيل لمدخل الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة «المريء » لمروء الطعام فيه وهو انسياغه، وهما وصف للمصدر، أي أكلاً هنيئاً مريئاً، أو حال من الضمير، أي كلوه وهو هنيء مريء، وقد يوقف على فكلوه ويبتدأ هنيئاً مريئاً على الدُّعاء، وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين، كأنه قيل :هنأ مرأ. وهذه عبارة عن التحليل والمبالغة في الإباحة وإزالة التبعة.
﴿ السفهاء ﴾ المبذرون أموالهم الذين ينفقونها فيما لا يبنغي ولا يدى لهم بإصلاحها وتثميرها والتصرف فيها. والخطاب للأولياء :وأضاف الأموال إليهم لأنها من جنس ما يقيم به الناس معايشهم، كما قال : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ [ النساء :٧٩ ]، ﴿ فمَّا مَلَكَتْ أيمانكم مّن فتياتكم المؤمنات ﴾ [ النساء :٢٥ ] الدليل على أنه خطاب للأولياء في أموال اليتامى قوله : ﴿ وارزقوهم فِيهَا واكسوهم ﴾، ﴿ جَعَلَ الله لَكُمْ قياما ﴾ أي تقومون بها وتنتعشون، ولو ضيعتموها لضعتم فكأنها في أنفسها قيامكم وانتعاشكم. وقرىء : «قيما »، بمعنى قياماً، كما جاء عوذاً بمعنى عياذاً. وقرأ عبد الله بن عمر : «قواماً »، بالواو. وقوام الشيء :ما يقام به، كقولك هو ملاك الأمر لما يملك به. وكان السلف يقولون :المال سلاح المؤمن، ولأن أترك ما لا يحاسبني الله عليه، خير من أن أحتاج إلى الناس. وعن سفيان - وكانت له بضاعة يقلبها - :لولاها لتمندل بي بنو العباس. وعن غيره - وقيل له إنها تدنيك من الدنيا - :لئن أدنتني من الدنيا لقد صانتني عنها. وكانوا يقولون :اتجروا واكتسبوا، فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه، وربما رأوا رجلاً في جنازة فقالوا له :اذهب إلى دكانك ﴿ وارزقوهم فِيهَا ﴾ واجعلوها مكاناً لرزقهم بأن تتجروا فيها وتتربحوا، حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فلا يأكلها الإنفاق. وقيل :هو أمر لكل أحد أن لا يخرج ماله إلى أحد من السفهاء، قريب أو أجنبي، رجل أو امرأة، يعلم أنه يضعه فيما لا ينبغي ويفسده ﴿ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ قال ابن جريج :عدّة جميلة، إن صلحتم ورشدتم سلمنا إليكم أموالكم. وعن عطاء :إذا ربحت أعطيتك، وإن غنمت في غزاتي جعلت لك حظاً. وقيل :إن لم يكن ممن وجبت عليك نفقته فقل :عافانا الله وإياك، بارك الله فيك. وكل ما سكنت إليه النفس وأحبته لحسنه عقلاً أو شرعاً من قول أو عمل، فهو معروف، وما أنكرته ونفرت منه لقبحه، فهو منكر.
﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ واختبروا عقولهم وذوقوا أحوالهم ومعرفتهم بالتصرف، قبل البلوغ حتى إذا تبينتم منهم رشداً - أي هداية - دفعتم إليهم أموالهم من غير تأخير عن حدّ البلوغ. وبلوغ النكاح. أن يحتلم لأنه يصلح للنكاح عنده، ولطلب ما هو مقصود به وهو التوالد والتناسل. والإيناس :الاستيضاح فاستعير للتبيين. واختلف في الابتلاء والرشد، فالابتلاء عند أبي حنيفة وأصحابه :أن يدفع إليه ما يتصرف فيه حتى يستبين حاله فيما يجيء منه. والرشد :التهدي إلى وجوه التصرف. وعن ابن عباس :الصلاح في العقل والحفظ للمال. وعند مالك والشافعي :الابتلاء أن يتتبع أحواله وتصرُّفه في الأخذ والإعطاء، ويتبصر مخايله وميله إلى الدِّين. والرشد :الصلاح في الدين، لأن الفسق مفسدة للمال.
فإن قلت :فإن لم يؤنس منه رشد إلى حدّ البلوغ ؟ قلت :عند أبي حنيفة رحمه الله ينتظر إلى خمس وعشرين سنة، لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسنّ ثماني عشرة سنة، فإذا زادت عليها سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير أحوال الإنسان لقوله عليه الصلاة و السلام :" مروهم بالصلاة لسبع " دفع إليه ماله أونس منه الرشد أو لم يؤنس. وعند أصحابه :لا يدفع إليه أبداً إلا بإيناس الرشد.
فإن قلت :ما معنى تنكير الرشد ؟ قلت :معناه نوعاً من الرشد وهو الرشد في التصرف والتجارة، أو طرفاً من الرشد ومخيلة من مخايله حتى لا ينتظر به تمام الرشد.
فإن قلت :كيف نظم هذا الكلام ؟ قلت :ما بعد ﴿ حتى ﴾ إلى ﴿ فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم ﴾ جعل غاية للابتلاء، وهي «حتى » التي تقع بعدها الجمل. كالتي في قوله :
فَمَا زَالَتِ الْقَتْلَى تَمُجُّ دِمَاءَهَا بِدِجْلَةَ حَتَّى مَاءُ دِجْلَةَ أَشْكَلُ
والجملة الواقعة بعدها جملة شرطية لأن إذا متضمنة معنى الشرط، وفعل الشرط بلغوا النكاح وقوله : ﴿ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَ الهم ﴾ جملة من شرط وجزاء واقعة جواباً للشرط الأول الذي هو إذا بلغوا النكاح، فكأنه قيل :وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم، فاستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم. وقرأ ابن مسعود : «فإن أحسيتم » بمعنى أحسستم قال :
أَحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إِلَيْه شُوسُ ***
وقرىء : «رشداً »، بفتحتين، «ورشداً »، بضمتين ﴿ إِسْرَافاً وَبِدَاراً ﴾ مسرفين ومبادرين كبرهم، أو لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم، تفرطون في إنفاقها، وتقولون ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا. ثم قسم الأمر بين أن يكون الوصي غنياً وبين أن يكون فقيراً، فالغني يستعف من أكلها ولا يطمع، ويقتنع بما رزقه الله من الغنى إشفاقاً على اليتيم، وإبقاء على ماله. والفقير يأكل قوتاً مقدراً محتاطاً في تقديره على وجه الأجرة، أو استقراضاً على ما في ذلك من الاختلاف ولفظ الأكل بالمعروف والاستعفاف، مما يدل على أن للوصي حقاً لقيامه عليها.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم :أن رجلاً قال له :إن في حجري يتيماً أفآكل من ماله ؟ قال : « بالمعروف غير متأثل مالاً ولا واق مالك بماله فقال :أفأضربه ؟ قال :مما كنت ضارباً منه ولدك » ؛ وعن ابن عباس :أنّ وليّ اليتيم قال له :أفأشرب من لبن إبله ؟ قال :إن كنت تبغي ضالتها، وتلوط حوضها، وتهنأ جرباها وتسقيها يوم وردها، فاشرب غير مضرّ بنسل، ولا ناهك في الحلب وعنه :يضرب بيده مع أيديهم، فليأكل بالمعروف، ولا يلبس عمامة فما فوقها. وعن إبراهيم :لا يلبس الكتان والحلل. ولكن ما سدّ الجوعة ووارى العورة. وعن محمد بن كعب يتقرّم تقرّم البهيمة وينزل نفسه منزلة الأجير فيما لا بدّ منه. وعن الشعبي :يأكل من ماله بقدر ما يعين فيه. وعنه :كالميتة يتناول عند الضرورة ويقضي. وعن مجاهد :يستسلف، فإذا أيسر أدّى. وعن سعيد بن جبير :إن شاء شرب فضل اللبن وركب الظهر ولبس ما يستره من الثياب وأخذ القوت ولا يجاوزه فإن أيسر قضاه، وإن أعسر فهو في حلّ. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه :إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، وإذا أيسرت قضيت واستعف أبلغ من عف، كأنه طالب زيادة العفة ﴿ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ بأنهم تسلموها وقبضوها وبرئت عنها ذممكم، وذلك أبعد من التخاصم والتجاحد وأدخل في الأمانة وبراءة الساحة. ألا ترى أنه إذا لم يشهد فادعى عليه صدق مع اليمين عند أبي حنيفة وأصحابه. وعند مالك والشافعي لا يصدّق إلا بالبينة، فكان في الإشهاد الاستحراز من توجه الحلف المفضي إلى التهمة أو من وجوب الضمان إذا لم يقم البينة ﴿ وكفى بالله حَسِيباً ﴾ أي كافياً في الشهادة عليكم بالدفع والقبض، أو محاسباً. فعليكم بالتصادق، وإياكم والتكاذب.
﴿ والأقربون ﴾ هم المتوارثون من ذوي القرابات دون غيرهم ﴿ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ﴾ بدل مما ترك بتكرير العامل. و ﴿ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ نصب على الاختصاص، بمعنى :أعني نصيباً مفروضاً مقطوعاً واجباً لا بدّ لهم من أن يحوزوه ولا يستأثر به. ويجوز أن ينتصب انتصاب المصدر المؤكد كقوله : ﴿ فَرِيضَةً مّنَ الله ﴾ [ النساء :١١ ] كأنه قيل :قسمة مفروضة. وروي أن أوس بن الصامت الأنصاري ترك امرأته أم كجة وثلاث بنات، فزوى ابنا عمه سويد وعرفطة أو قتادة وعرفجة ميراثه عنهنّ، وكان أهل الجاهلية لا يورّثون النساء والأطفال، ويقولون :لا يرث إلا من طاعن بالرماح وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة، فجاءت أم كجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الفضيخ فشكت إليه، فقال : «ارجعي حتى أنظر ما يحدث الله » فنزلت، فبعث إليهما لا تفرّقا من مال أوس شيئاً فإنّ الله قد جعل لهنّ نصيباً ولم يبين حتى يبين فنزلت ﴿ يُوصِيكُمُ الله ﴾ [ النساء :١١ ] فأعطى أم كحة الثمن، والبنات الثلثين، والباقي ابني العم.
﴿ وَإِذَا حَضَرَ القسمة ﴾ أي قسمة التركة ﴿ أُوْلُواْ القربى ﴾ ممن لا يرث ﴿ فارزقوهم مّنْهُ ﴾ الضمير لما ترك الوالدان والأقربون، وهو أمر على الندب قال الحسن :كان المؤمنون يفعلون ذلك، إذا اجتمعت الورثة حضرهم هؤلاء فرضخوا لهم بالشيء من رثة المتاع. فحضهم الله على ذلك تأديباً من غير أن يكون فريضة. قالوا :ولو كان فريضة لضرب له حدّ ومقدار كما لغيره من الحقوق، وروى أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه قسم ميراث أبيه وعائشة رضي الله عنها حية ؟ فلم يدع في الدار أحداً إلا أعطاه، وتلا هذه الآية. وقيل :هو على الوجوب. وقيل :هو منسوخ بآيات الميراث كالوصية. وعن سعيد بن جبير :أن ناساً يقولون نسخت، ووالله ما نسخت، ولكنها مما تهاونت به الناس. والقول المعروف أن يلطفوا لهم القول ويقولوا :خذوا بارك الله عليكم، ويعتذروا إليهم، ويستقلوا ما أعطوهم ولا يستكثروه، ولا يمنوا عليهم. وعن الحسن والنخعي :أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات والمساكين واليتامى من العين، يعنيان الورق والذهب. فإذا قسم الورق والذهب وصارت القسمة إلى الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك، قالوا لهم قولاً معروفاً، كانوا يقولون لهم :بورك فيكم.
( لو ) مع ما في حيزه صلة للذين. والمراد بهم :الأوصياء، أمروا بأن يخشوا الله فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى ويشفقوا عليهم، خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافاً وشفقتهم عليهم وأن يقدّروا ذلك في أنفسهم ويصوّروه حتى لا يجسروا على خلاف الشفقة والرحمة. ويجوز أن يكون المعنى :وليخشوا على اليتامى من الضياع. وقيل :هم الذين يجلسون إلى المريض فيقولون :إن ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئاً، فقدم مالك، فيستغرقه بالوصايا، فأمروا بأن يخشوا ربهم، أو يخشوا على أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولاد أنفسهم لو كانوا. ويجوز أن يتصل بما قبله وأن يكون أمراً بالشفقة للورثة على الذين يحضرون القسمة من ضعفاء أقاربهم واليتامى والمساكين وأن يتصوّروا أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضائعين محتاجين. هل كانوا يخافون عليهم الحرمان والخيبة ؟
فإن قلت :ما معنى وقوع ﴿ لَوْ تَرَكُواْ ﴾ وجوابه صلة للذين ؟ قلت :معناه :وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافاً، وذلك عند احتضارهم خافوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم وكاسبهم، كما قال القائل :
لَقَدْ زَادَ الْحَيَاةَ إِلَيَّ حُبًّا بَنَاتِي إِنَّهُنَّ مِنَ الضِّعَافِ
أُحَاذِرُ أَن يَرَيْنَ الْبُؤْسَ بَعْدِي وَأَنْ يَشْرَبْنَ رَنْقاً بَعْدَ صَافِي
وقرىء : «ضعفاء »، «ضُعافى »، «وضعافى ». نحو سكارى، وسكارى. والقول السديد من الأوصياء :أن لا يؤذوا اليتامى ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالأدب الحسن والترحيب، ويدعوهم بيا بنيّ ويا ولدي، ومن الجالسين إلى المريض أن يقولوا له إذا أراد الوصية :لا تسرف في وصيتك فتجحف بأولادك، مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد :" إنك إن تترك ولدك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس " وكان الصحابة رضي الله عنهم يستحبون أن لا تبلغ الوصية الثلث وأن الخمس أفضل من الربع والربع أفضل من الثلث. ومن المتقاسمين ميراثهم أن يلطفوا القول ويجملوه للحاضرين.
﴿ ظُلْماً ﴾ ظالمين، أو على وجه الظلم من أولياء السوء وقضاته ﴿ فِي بُطُونِهِمْ ﴾ ملء بطونهم يقال :أكل فلان في بطنه، وفي بعض بطنه. قال :
كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُوا تَعِفُّوا. . . ومعنى يأكلون ناراً :ما يجر إلى النار، فكأنه نار في الحقيقة. وروى :
أنه يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه وعينيه فيعرف الناس أنَّه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا. وقرىء «وسيصلون » بضم الياء وتخفيف اللام وتشديدها ﴿ سَعِيراً ﴾ ناراً من النيران مبهمة الوصف.
﴿ يُوصِيكُمُ الله ﴾ يعهد إليكم ويأمركم ﴿ فِى أولادكم ﴾ في شأن ميراثهم بما هو العدل والمصلحة. وهذا إجمال تفصيله ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين ﴾
فإن قلت :هلا قيل :للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر ؛ قلت ليبدأ ببيان حظ الذكر لفضله، كما ضوعف حظه لذلك، ولأنّ قوله : ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين ﴾ قصد إلى بيان فضل الذكر. وقولك :للأنثيين مثل حظ الذكر، قصد إلى بيان نقص الأنثى، وما كان قصداً إلى بيان فضله، كان أدلّ على فضله من القصد إلى بيان نقص غيره عنه :ولأنهم كانوا يورّثون الذكور دون الإناث وهو السبب لورود الآية، فقيل :كفى الذكور أن ضوعف لهم نصيب الإناث، فلا يتمادى في حظهن حتى يحرمن مع إدلائهن من القرابة بمثل ما يدلون به.
فإن قلت :فإن حظ الأنثيين الثلثان، فكأنّه قيل للذكر الثلثان. قلت :أريد حال الاجتماع لا الانفراد أي إذا اجتمع الذكر والأنثيان كان له سهمان، كما أن لهما سهمين. وأما في حال الانفراد، فالابن يأخذ المال كله والبنتان يأخذان الثلثين. والدليل على أن الغرص حكم الاجتماع، أنه أتبعه حكم الانفراد، وهو قوله : ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾ والمعنى للذكر منهم، أي من أولادكم، فحذف الراجع إليه لأنه مفهوم، كقولهم :السمن منوان بدرهم ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاءً ﴾ فإن كانت البنات أو المولودات نساء خلصاً. ليس معهن رجل يعني بنات ليس معهن ابن ﴿ فَوْقَ اثنتين ﴾ يجوز أن يكون خبراً ثانياً لكان وأن يكون صفة لنساء أي نساء زائدات على اثنتين ﴿ وَإِن كَانَتْ واحدة ﴾ وإن كانت البنت أو المولودة منفردة فذة ليس معها أخرى ﴿ فَلَهَا النصف ﴾ وقرىء : «واحدةٌ » بالرفع على كان التامّة والقراءة بالنصب أوفق لقوله : ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاءً ﴾ وقرأ زيد بن ثابت «النصف » بالضم. والضمير في ﴿ تَرَكَ ﴾ للميت :لأنّ الآية لما كانت في الميراث، علم أن التارك هو الميت.
فإن قلت :قوله : ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ كلام مسوق لبيان حظ الذكر من الأولاد، لا لبيان حظ الأنثيين، فكيف صح أن يردف قوله : ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاءً ﴾ وهو لبيان حظ الإناث ؟ قلت :وإن كان مسوقاً لبيان حظ الذكر، إلا أنه لما فقه منه وتبين حظ الأنثيين مع أخيهما ؛ كان كأنه مسوق للأمرين جميعاً. فلذلك صح أن يقال : ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاءً ﴾ :فإن قلت. هل يصح أن يكون الضميران في «كن » و«كانت » مبهمين، ويكون «نساء » و«واحدة » تفسيراً لهما، على أن كان تامة ؟ قلت :لا أبعد ذلك.
فإن قلت :لم قيل ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء ﴾ ولم يقل :وإن كانت امرأة ؟ قلت :لأنّ الغرض ثمة خلوصهن إناثاً لا ذكر فيهنّ، ليميز بين ما ذكر من اجتماعهن مع الذكور في قوله : ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ وبين انفرادهن.
وأريد هاهنا أن يميز بين كون البنت مع غيرها وبين كونها وحدها لا قرينة لها.
فإن قلت :قد ذكر حكم البنتين في حال اجتماعهما مع الابن وحكم البنات والبنت في حال الانفراد، ولم يذكر حكم البنتين في حال الانفراد فما حكمهما، وما باله لم يذكر ؟ قلت :أما حكمهما فمختلف فيه، فابن عباس أبى تنزيلهما منزلة الجماعة. لقوله تعالى : ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين ﴾ فأعطاهما حكم الواحدة وهو ظاهر مكشوف. وأما سائر الصحابة فقد أعطوهما حكم الجماعة، والذي يعلل به قولهم :أن قوله : ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ قد دلّ على أن حكم الأنثيين حكم الذكر، وذلك أن الذكر كما يحوز الثلثين مع الواحدة، فالأنثيان كذلك يحوزان الثلثين، فلما ذكر ما دلّ على حكم الأنثيين قيل : ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾ على معنى :فإن كن جماعة بالغات ما بلغن من العدد فلهن ما للأنثيين وهو الثلثان لا يتجاوزنه لكثرتهن ليعلم أن حكم الجماعة حكم الثنتين بغير تفاوت. وقيل :إن الثنتين أمس رحماً بالميت من الأختين فأوجبوا لهما ما أوجب الله للأختين. ولم يروا أن يقصروا بهما عن حظ من هو أبعد رحماً منهما. وقيل :إن البنت لما وجب لها مع أخيها الثلث كانت أحرى أن يجب لها الثلث إذا كانت مع أخت مثلها. ويكون لأختها معها مثل ما كان يجب لها أيضاً مع أخيها لو انفردت معه، فوجب لهما الثلثان ﴿ وَلاِبَوَيْهِ ﴾ الضمير للميت. و ﴿ لِكُلّ واحد مّنْهُمَا ﴾ بدل من ﴿ ولأبويه ﴾ بتكرير العامل. وفائدة هذا البدل أنه لو قيل :ولأبويه السدس، لكان ظاهره اشتراكهما فيه. ولو قيل :ولأبويه السدسان، لأوهم قسمة السدسين عليهما على التسوية وعلى خلافها.
فإن قلت :فهلا قيل :ولكل واحد من أبويه السدس :وأي فائدة في ذكر الأبوين أوّلاً، ثم في الإبدال منهما ؟ قلت :لأنّ في الإبدال والتفصيل بعد الإجمال تأكيداً وتشديداً، كالذي تراه في الجمع بين المفسر والتفسير. والسدس :مبتدأ. وخبره :لأبويه. والبدل متوسط بينهما للبيان. وقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة «السدس » بالتخفيف، وكذلك الثلث والربع والثمن. والولد :يقع على الذكر والأنثى، ويختلف حكم الأب في ذلك. فإن كان ذكراً اقتصر بالأب على السدس، وإن كانت أنثى عصب مع إعطاء السدس.
فإن قلت :قد بين حكم الأبوين في الإرث مع الولد :ثم حكمهما مع عدمه، فهلا قيل :فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث. وأي فائدة في قوله : ﴿ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ ﴾ ؟ قلت معناه :فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فحسب، فلأمه الثلث مما ترك، كما قال : ﴿ لِكُلّ واحد مّنْهُمَا السدس مِمَّا تَرَكَ ﴾ لأنه إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين، كان للأم ثلث ما بقي بعد إخراج نصيب الزوج، لا ثلث ما ترك، إلا عند ابن عباس.
والمعنى :أن الأبوين إذا خلصا تقاسما الميراث :للذكر مثل حظ الأنثيين،
فإن قلت :ما العلة في أن كان لها ثلث ما بقي دون ثلث المال ؟ قلت :فيه وجهان :أحدهما أنّ الزوج إنما استحق ما يسهم له بحق العقد لا بالقرابة. فأشبه الوصية في قسمة ما وراءه. والثاني :أن الأب أقوى في الإرث من الأم، بدليل أنه يضعف عليها إذا خلصا ويكون صاحب فرض وعصبة، وجامعا بين الأمرين، فلو ضرب لها الثلث كملاً لأدى إلى حط نصيبه عن نصيبها. ألا ترى أن امرأة لو تركت زوجاً وأبوين فصار للزوج النصف وللأم الثلث والباقي للأب، حازت الأم سهمين والأب سهماً واحداً، فينقلب الحكم إلى أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين ﴿ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِهِ السدس ﴾ الإخوة يحجبون الأم عن الثلث وإن كانوا لا يرثون مع الأب، فيكون لها السدس وللأب خمسة الأسداس، ويستوي في الحجب الاثنان فصاعداً إلا عند ابن عباس. وعنه أنهم يأخذون السدس الذي حجبوا عنه الأم.
فإن قلت :فكيف صحّ أن يتناول الإخوة الأخوين. والجمع خلاف التثنية ؟ قلت :الإخوة تفيد معنى الجمعية المطلقة بغير كمية، والتثنية كالتثليث والتربيع في إفادة الكمية، وهذا موضع الدلالة على الجمع المطلق، فدل بالإخوة عليه. وقرىء : «فلإمّه »، بكسر الهمزة إتباعاً للجرّة :ألا تراها لا تكسر في قوله : ﴿ وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءايَةً ﴾ [ المؤمنون :٥٠ ]، ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ ﴾ متعلق بما تقدمه من قسمة المواريث كلها، لا بما يليه وحده، كأنه قيل قسمة هذه الأنصبة من بعد وصية يوصى بها. وقرىء «يوصى بها » بالتخفيف والتشديد. و«ويُوصى بها » على البناء للمفعول مخففاً.
فإن قلت :ما معنى أو ؟ قلت :معناها الإباحة :وأنه إن كان أحدهما أو كلاهما، قدم على قسمة الميراث، كقولك :جالس الحسن أو ابن سيرين.
فإن قلت :لم قدّمت الوصية على الدين والدين مقدم عليها في الشريعة ؟ قلت :لما كانت الوصية مشبهة للميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، كان إخراجها مما يشق على الورثة ويتعاظمهم ولا تطيب أنفسهم بها، فكان أداؤها مظنة للتفريط، بخلاف الدين فإنّ نفوسهم مطمئنة إلى أدائه، فلذلك قدمت على الدين بعثاً على وجوبها والمسارعة إلى إخراجها مع الدين، ولذلك جيء بكلمة «أو » للتسوية بينهما في الوجوب، ثم أكد ذلك ورغب فيه بقوله : ﴿ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ ﴾ أي لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يموتون، أمن أوصى منهم أمن لم يوص ؟ يعني أن من أوصى ببعض ماله فعرّضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعاً وأحضر جدوى ممن ترك الوصية، فوفر عليكم عرض الدنيا وجعل ثواب الآخرة أقرب وأحضر من عرض الدنيا، ذهاباً إلى حقيقة الأمر، لأن عرض الدنيا وإن كان عاجلاً قريباً في الصورة، إلا أنه فانٍ، فهو في الحقيقة الأبعد الأقصى.
وثواب الآخرة وإن كان آجلاً إلا أنه باق فهو في الحقيقة الأقرب الأدنى. وقيل :إن الابن إن كان أرفع درجة من أبيه في الجنة سأل أن يرفع أبوه إليه فيرفع. وكذلك الأب إن كان أرفع درجة من ابنه، سأل أن يرفع إليه ابنه. فأنتم لا تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعاً. وقيل :قد فرض الله الفرائض على ما هو عنده حكمة. ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم لكم أنفع، فوضعتم أنتم الأموال على غير حكمة. وقيل :الأب يجب عليه النفقة على الابن إذا احتاج، وكذلك الابن إذا كان محتاجاً فهما في النفع بالنفقة لا يدري أيهما أقرب نفعاً. وليس شيء من هذه الأقاويل بملائم للمعنى ولا مجاوب له، لأن هذه الجملة اعتراضية. ومن حق الاعتراضي أن يؤكد ما اعترض بينه ويناسبه، والقول ما تقدم ﴿ فَرِيضَةً ﴾ نصبت نصب المصدر المؤكد، أي فرض ذلك فرضاً ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً ﴾ بمصالح خلقه ﴿ حَكِيماً ﴾ في كل ما فرض وقسم من المواريث وغيرها.
﴿ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ ﴾ منكم أو من غيركم. جعلت المرأة على النصف من الرجل بحق الزواج، كما جعلت كذلك بحق النسب. والواحدة والجماعة سواء في الربع والثمن ﴿ وَإِن كَانَ رَجُلٌ ﴾ يعني الميت. و ﴿ يُورَثُ ﴾ من ورث، أي يورث منه وهو صفة لرجل. و ﴿ كلالة ﴾ خبر كان، أي وإن كان رجل موروث منه كلالة، أو يجعل يورث خبر كان، وكلالة حالاً من الضمير في يورث. وقرىء «يُورِث » و«يُورّث » بالتخفيف والتشديد على البناء للفاعل، وكلالة حال أو مفعول به.
فإن قلت :ما الكلالة ؟ قلت :ينطلق على ثلاثة على من لم يخلف ولداً ولا والداً، وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين، وعلى القرابة من غير جهة الولد والوالد. ومنه قولهم :ما ورث المجد عن كلالة، كما تقول :ما صمت عن عيّ، وما كف عن جبن. والكلالة في الأصل :مصدر بمعنى الكلال، وهو ذهاب القوّة من الإعياء. قال الأعشى :
فَآلَيْتُ لاَ أَرْثِي لَهَا مِنْ كَلاَلَةٍ ***
فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد والوالد، لأنها بالإضافة إلى قرابتهما كالة ضعيفة، وإذا جعل صفة للموروث أو الوارث فبمعنى ذي كلالة. كما تقول :فلان من قرابتي، تريد من ذوي قرابتي. ويجوز أن تكون صفة كالهجاجة والفقاقة للأحمق.
فإن قلت :فإن جعلتها اسماً للقرابة في الآية فعلام تنصبها ؟ قلت :على أنها مفعول له أي يورث لأجل الكلالة أو يورث غيره لأجلها،
فإن قلت :فإن جعلت يورث على البناء للمفعول من أورث، فما وجهه ؟ قلت :الرجل حينئذٍ هو الوارث لا الموروث.
فإن قلت :فالضمير في قوله : ﴿ فَلِكُلِّ واحد مّنْهُمَا ﴾ إلى من يرجع حيئنئذٍ ؟ قلت :إلى الرجل وإلى أخيه أو أخته، وعلى الأول إليهما.
فإن قلت :إذا رجع الضمير إليهما أفاد استواءهما في حيازة السدس من غير مفاضلة الذكر الأنثى، فهل تبقى هذه الفائدة قائمة في هذا الوجه ؟ قلت :نعم، لأنك إذا قلت السدس له أو لواحد من الأخ أو الأخت على التخيير فقد سوّيت بين الذكر والأنثى. وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أنه سئل عن الكلالة فقال :أقول فيه برأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله منه بريء. الكلالة :ما خلا الولد والوالد. وعن عطاء والضحاك :أنّ الكلالة هو الموروث. وعن سعيد بن جبير :هو الوارث، . وقد أجمعوا على أنّ المراد أولاد الأم. وتدل عليه قراءة أبيّ : «وله أخ أو أخت من الأم ». وقراءة سعد بن أبي وقاص : «وله أخ أو أخت من أم ». وقيل :إنما استدل على أن الكلالة هاهنا الإخوة للأم خاصة بما ذكر في آخر السورة من أنّ للأختين الثلثين وأنّ للإخوة كل المال، فعلم هاهنا لما جعل للواحد السدس، وللاثنين الثلث، ولم يزادوا على الثلث شيئاً أنه يعني بهم الإخوة للأم، وإلا فالكلالة عامة لمن عدا الولد والوالد من سائر الإخوة الأخياف والأعيان وأولاد العلات وغيرهم ﴿ غَيْرَ مُضَارٍّ ﴾ حال، أي يوصي بها وهو غير مضارّ لورثته وذلك أن يوصي بزيادة على الثلث، أو يوصي بالثلث فما دونه، ونيته مضارّة ورثته ومغاضبتهم لا وجه الله تعالى. وعن قتادة :كره الله الضرار في الحياة وعند الممات ونهى عنه. وعن الحسن :المضارة في الدين أن يوصي بدين ليس عليه ومعناه الإقرار ﴿ وَصِيَّةً مّنَ الله ﴾ مصدر مؤكد، أي يوصيكم بذلك وصية، كقوله : ﴿ فَرِيضَةً مّنَ الله ﴾ [ النساء :١١ ] ويجوز أن تكون منصوبة بغير مضار، أي لا يضار وصية من الله وهو الثلث فما دونه بزيادته على الثلث أو وصية من الله بالأولاد وأن لا يدعهم عالة بإسرافه في الوصية. وينصر هذا الوجه قراءة الحسن : «غير مضارّ وصية من الله » بالإضافة ﴿ والله عَلِيمٌ ﴾ بمن جار أو عدل في وصيته ﴿ حَلِيمٌ ﴾ عن الجائر لا يعالجه. وهذا وعيد.
فإن قلت :في ﴿ يوصى ﴾ ضمير الرجل إذا جعلته الموروث، فكيف تعمل إذا جعلته الوارث ؟ قلت :كما علمت في قوله تعالى : ﴿ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾ [ النساء :١١ ] لأنه علم أن التارك والموصي هو الميت.
فإن قلت :فأين ذو الحال فيمن قرأ «يوصى بها » على ما لم يسم فاعله ؟ قلت يضمر ( يوصى ) فينتصب عن فاعله لأنه لما قيل ﴿ يُوصِى بِهَا ﴾ علم أن ثم موصياً، كما قال : ﴿ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رجال ﴾ [ النور :٣٦ ] على ما لم يسمّ فاعله، فعلم أن ثم مسبحاً، فأضمر يسبح فكما كان ( رجال ) فاعل ما يدل عليه يسبح، كان غير مضارّ حالاً عما يدل عليه يوصى بها.
﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى الأحكام التي ذكرت في باب اليتامى والوصايا والمواريث. وسماها حدوداً، لأن الشرائع كالحدود المضروبة الموقتة للمكلفين، لا يجوز لهم أن يتجاوزها ويتخطوها إلى ما ليس لهم بحق.
﴿ يُدْخِلْهُ ﴾ قرىء بالياء والنون، وكذلك ﴿ يُدْخِلْهُ نَاراً ﴾ وقيل :يدخله، وخالدين حملاً على لفظ «من » ومعناه. وانتصب خالدين وخالداً على الحال.
فإن قلت :هل يجوز أن يكونا صفتين لجنات وناراً ؟ قلت :لا، لأنهما جريا على غير من هما له. فلا بدّ من الضمير وهو قولك :خالدين هم فيها. وخالداً هو فيها.
﴿ يَأْتِينَ الفاحشة ﴾ يرهقنها. يقال أتى الفاحشة وجاءها وغشيها ورهقها بمعنى. وفي قراءة ابن مسعود : «يأتين بالفاحشة ». والفاحشة :الزنا لزيادتها في القبح على كثير من القبائح ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى البيوت ﴾ قيل معناه :فخلدوهن محبوسات في بيوتكم، وكان ذلك عقوبتهن في أول الإسلام. ثم نسخ بقوله تعالى : ﴿ الزانية والزانى. . . ﴾ الآية [ النور :٢ ] ويجوز أن تكون غير منسوخة بأن يترك ذلك الحدّ لكونه معلوماً بالكتاب والسنة، ويوصي بإمساكهن في البيوت، بعد أن يحددن صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال ﴿ أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ هو النكاح الذي يستغنين به عن السفاح. وقيل :السبيل هو الحد، لأنه لم يكن مشروعاً ذلك الوقت.
فإن قلت :ما معنى يتوفاهن الموت والتوفي والموت بمعنى واحد، كأنه قيل :حتى يميتهن الموت ؟ قلت :يجوز أن يراد حتى يتوفاهن ملائكة الموت، كقوله : ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ﴾ [ النحل :٢٨ ] ﴿ إِنَّ الذين توفاهم الملائكة ﴾ [ النساء :٩٧ ]، ﴿ قُلْ يتوفاكم مَّلَكُ الموت ﴾ [ السجدة :١١ ] أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن.
﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ يريد الزاني والزانية ﴿ فَآذُوهُمَا ﴾ فوبخوهما وذمّوهما وقولوا لهما :أما استحييتما، أما خفتما الله ﴿ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا ﴾ وغيرا الحال ﴿ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا ﴾ واقطعوا التوبيخ والمذمة، فإن التوبة تمنع استحقاق الذم والعقاب، ويحتمل أن يكون خطاباً للشهود العاثرين على سرهما، ويراد بالإيذاء ذمهما وتعنيفهما وتهديدهما بالرفع إلى الإمام والحد، فإن تابا قبل الرفع إلى الإمام فأعرضوا عنهما ولا تتعرضوا لهما. وقيل :نزلت الأولى في السحاقات وهذه في اللواطين. وقرىء : «واللذانّ » بتشديد النون. «واللذأنِّ » :بالهمزة وتشديد النون.
﴿ التوبة ﴾ من تاب الله عليه إذا قبل توبته وغفر له، يعني إنما القبول والغفران واجب على الله تعالى لهؤلاء ﴿ بِجَهَالَةٍ ﴾ في موضع الحال أي يعملون السوء جاهلين سفهاء، لأنّ ارتكاب القبيح مما يدعو إليه السفه والشهوة، لا مما تدعو إليه الحكمة والعقل. وعند مجاهد :من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع عن جهالته ﴿ مِن قَرِيبٍ ﴾ من زمان قريب. والزمان القريب :ما قبل حضرة الموت. ألا ترى إلى قوله : ﴿ حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت ﴾ فبين أنّ وقت الاحتضار وهو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة فبقي ما وراء ذلك في حكم القريب. وعن ابن عباس :قبل أن ينزل به سلطان الموت. وعن الضحاك :كل توبة قبل الموت فهو قريب. وعن النخعي :ما لم يؤخذ بكظمه. وروى أبو أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم :
" إنّ الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " وعن عطاء :ولا قبل موته بفواق ناقة.
وعن الحسن :
أنّ إبليس قال حين أُهبط إلى الأرض :وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام روحه في جسده. فقال تعالى :وعزتي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر.
فإن قلت :ما معنى ﴿ مِن ﴾ في قوله : ﴿ مِن قَرِيبٍ ﴾ ؟ قلت :معناه التبعيض، أي يتوبون بعض زمان قريب، كأنه سمى ما بين وجود المعصية وبين حضرة الموت زماناً قريباً، ففي أي جزء تاب من أجزاء هذا الزمان فهو تائب من قريب، وإلا فهو تائب من بعيد.
فإن قلت :ما فائدة قوله : ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ ﴾ بعد قوله :( إنما التوبة على الله ) لهم ؟ قلت :قوله : ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ إعلام بوجوبها عليه كما يجب على العبد بعض الطاعات. وقوله : ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ عدة بأنه يفي بما وجب عليه، وإعلام بأن الغفران كائن لا محالة كما يعد العبد الوفاء بالواجب.
﴿ وَلاَ الذين يَمُوتُونَ ﴾ عطف على الذين يعملون السيئات. سوّى بين الذين سوّفوا توبتهم إلى حضرة الموت، وبين الذين ماتوا على الكفر في أنه لا توبة لهم، لأنّ حضرة الموت أول أحوال الآخرة، فكما أنّ المائت على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين، فكذلك المسوّف إلى حضرة الموت لمجاوزة كل واحد منهما أوان التكليف والاختيار ﴿ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ ﴾ في الوعيد نظير قوله : ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ ﴾ في الوعد ليتبين أن الأمرين كائنان لا محالة.
فإن قلت :من المراد بالذين يعملون السيئات. أهم الفساق من أهل القبلة أم الكفار ؟ قلت :فيه وجهان :أحدهما أن يراد الكفار، لظاهر قوله : ﴿ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾، وأن يراد الفساق، لأن الكلام إنما وقع في الزانيين، والإعراض عنهما إن تابا وأصلحا، ويكون قوله : ﴿ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ وارداً على سبيل التغليظ كقوله : ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين ﴾ [ آل عمران :٩٧ ] وقوله :( فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً ) «من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر » لأن من كان مصدقاً ومات وهو لم يحدث نفسه بالتوبة، حاله قريبة من حال الكافر، لأنه لا يجترئ على ذلك إلا قلب مصمت.
كان يبلون النساء بضروب من البلايا ويظلمونهن بأنواع من الظلم، فزجروا عن ذلك :كان الرجل إذا مات له قريب من أب أو أخ أو حميم عن امرأة، ألقي ثوبه عليها وقال أنا أحق بها من كلّ أحد. فقيل ﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النساء كَرْهاً ﴾ أي أن تأخذوهن على سبيل الإرث كما تحاز المواريث وهن كارهات لذلك، أو مكرهات. وقيل :كان يمسكها حتى تموت. فقيل :لا يحل لكم أن تمسكوهنّ حتى ترثوا منهنّ وهنّ غير راضيات بإمساككم. وكان الرجل إذا تزوّج امرأة ولم تكن من حاجته حبسها مع سوء العشرة والقهر. لتفتدي منه بمالها وتختلع، فقيل :ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ. والعضل :الحبس والتضييق. ومنه :عضلت المرأة بولدها، إذا اختنقت رحمها به فخرج بعضه وبقي بعضه ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ ﴾ وهي النشوز وشكاسة الخلق وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء والسلاطة، أي إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فقد عذرتم في طلب الخلع. ويدل عليه قراءة أبيّ : «إلا أن يفحشن عليكم »، وعن الحسن :الفاحشة الزنا، فإن فعلت حلّ لزوجها أن يسألها الخلع. وقيل :كانوا إذا أصابت امرأة فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها. وعن أبي قلابة ومحمد بن سيرين :لا يحل الخلع حتى يوجد رجل على بطنها. وعن قتادة :لا يحل أن يحبسها ضراراً حتى تفتدي منه، يعني وإن زنت. وقيل :نسخ ذلك بالحدود، وكانوا يسيئون معاشرة النساء فقيل لهم : ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف ﴾ وهو النصفة في المبيت والنفقة، والإجمال في القول : ﴿ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ ﴾ فلا تفارقوهن لكراهة الأنفس وحدها فربما كرهت النفس ما هو أصلح في الدين وأحمد وأدنى إلى الخير، وأحبت ما هو بضد ذلك، ولكن للنظر في أسباب الصلاح.
وكان الرجل إذا طمحت عينه إلى استطراف امرأة ؟ بهت التي تحته ورماها بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوّج غيرها. فقيل : ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ ﴾ الآية. والقنطار :المال العظيم، من قنطرت الشيء إذا رفعته، ومنه القنطرة، لأنها بناء مشيد. قال :
كَقَنْطَرَةِ الرُّومِيِّ أَقْسَمَ رَبُّهَا لَتُكْتَنَفَنْ حَتَّى تُشَادَ بِقِرْمِدِ
وعن عمر رضي الله عنه أنه قام خطيباً فقال :أيها الناس، لا تغالوا بصُدُق النساء، فلو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أصدق امرأة من نسائه أكثر من اثني عشر أوقية، فقامت إليه امرأة فقالت له :يا أمير المؤمنين، لِمَ تمنعنا حقاً جعله الله لنا والله يقول : ﴿ وَءَاتَيْتُمْ إحداهن قِنطَاراً ﴾ فقال عمر :كل أحد أعلم من عمر ثم قال لأصحابه :تسمعونني أقول مثل هذا القول فلا تنكرونه عليّ حتى تردّ عليّ امرأة ليست من أعلم النساء والبهتان :أن تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به وهو بريء منه، لأنه يبهت عند ذلك، أي يتحير. وانتصب ﴿ بهتانا ﴾ على الحال، أي باهتين وآثمين، أو على أنه مفعول له وإن لم يكن غرضاً، كقولك :قعد عند القتال جبناً.
والميثاق الغليظ :حق الصحبة والمضاجعة، كأنه قيل :وأخذن به منكم ميثاقاً غليظاً، أي بإفضاء بعضكم إلى بعض. ووصفه بالغلظ لقوّته وعظمه، فقد قالوا :صحبة عشرين يوماً قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج ؟ وقيل :هو قول الوليّ عند العقد :أنكحتك على ما في كتاب الله من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : « استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان في أيديكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ».
وكانوا ينكحون روابهم، وناس منهم يمقتونه من ذي مروآتهم، ويسمونه نكاح المقت. وكان المولود عليه يقال له المقتي. ومن ثم قيل : ﴿ وَمَقْتاً ﴾ كأنه قيل :هو فاحشة في دين الله بالغة في القبح، قبيح ممقوت في المروءة ولا مزيد على ما يجمع القبحين. وقرىء : «لا تحل لكم » بالتاء، على أن ترثوا بمعنى الوراثة. وكرها بالفتح، والضم من الكراهة والإكراه. وقرىء ﴿ بفاحشة مُّبَيّنَةٍ ﴾ [ النساء :١٩ ] من أبانت بمعنى تبينت أو بينت، كما قرئ «مبيّنة » بكسر الياء وفتحها. و ﴿ يَجْعَلُ الله ﴾ بالرفع، على أنه في موضع الحال : ﴿ وَءَاتَيْتُمْ إحداهن ﴾ بوصل همزة إحداهن. كما قرئ ﴿ فلا إثم عليه ﴾ [ البقرة :١٧٣ ].
فإن قلت :تعضلوهن، ما وجه إعرابه ؟ قلت :النصب عطفاً على أن ترثوا. و ( لا ) لتأكيد النفي. أي لا يحل لكم أن ترثوا النساء ولا أن تعضلوهن.
فإن قلت :أي فرق بين تعدية ذهب بالباء، وبينها بالهمزة ؟ قلت :إذا عدي بالباء فمعناه الأخذ والاستصحاب، كقوله تعالى : ﴿ فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ ﴾ [ يوسف :١٥ ] وأما الإذهاب فكالإزالة.
فإن قلت : ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ ﴾ [ النساء :١٩ ] ما هذا الاستثناء ؟ قلت :هو استثناء من أعم عام الظرف أو المفعول له، كأنه قيل :ولا تعضلوهن في جميع الأوقات إلا وقت أن يأتين بفاحشة. أو :ولا تعضلوهنّ لعلة من العلل إلا لأن يأتين بفاحشة.
فإن قلت :من أي وجه صح قوله : ﴿ فعسى أَن تَكْرَهُواْ ﴾ جزاء للشرط ؟ قلت :من حيث أنّ المعنى :فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن مع الكراهة، فلعل لكم فيما تكرهونه خيراً كثيراً ليس فيما تحبونه فإن قلت كيف استثنى ما قد سلف مما نكح آباؤكم ؟ قلت :كما استثنى ( غير أن سيوفهم ) من قوله :( ولا عيب فيهم ) يعني :إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف، فانكحوه، فلا يحل لكم غيره. وذلك غير ممكن. والغرض المبالغة في تحريمه وسدّ الطريق إلى إباحته، كما يعلق بالمحال في التأبيد نحو قولهم :حتى يبيض القار، وحتى يلج الجمل في سم الخياط.
معنى ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ تحريم نكاحهن لقوله : ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ النساء ﴾ [ النساء :٢٢ ] ولأن تحريم نكاحهن هو الذي يفهم من تحريمهن، كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها، ومن تحريم لحم الخنزير تحريم أكله. وقرىء «وبنات الأخت » بتخفيف الهمزة. وقد نزّل الله الرضاعة منزلة النسب، حتى سمى المرضعة أمًّا للرضيع، والمراضعة أختاً، وكذلك زوج المرضعة أبوه وأبواه جداه، وأخته عمته، وكل ولد ولد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده فهم إخوته وأخواته لأبيه. وأم المرضعة جدّته، وأختها خالته، وكل من ولد لها من هذا الزوج فهم إخوته وأخواته لأبيه وأمه، ومن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأمه. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :" يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " وقالوا :تحريم الرضاع كتحريم النسب إلا في مسألتين :إحداهما أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج أخت ابنه من النسب ويجوز أن يتزوّج أخت ابنه من الرضاع، لأن المانع في النسب وطؤه أمها. وهذا المعنى غير موجود في الرضاع. والثانية :لا يجوز أن يتزوج أم أخيه من النسب، ويجوز في الرضاع، لأن المانع في النسب وطء الأب إياها، وهذا المعنى غير موجود في الرضاع ﴿ مّن نِّسَائِكُمُ ﴾ متعلق بربائبكم. ومعناه أن الربيبة من المرأة المدخول بها محرمة على الرجل حلال له إذا لم يدخل بها.
فإن قلت :هل يصح أن يتعلق بقوله : ﴿ وأمهات نِسَائِكُمْ ﴾ ؟ قلت :لا يخلو إمّا أن يتعلق بهن وبالربائب، فتكون حرمتهن وحرمة الربائب غير مبهمتين جميعاً، وإما أن يتعلق بهن بدون الربائب فتكون حرمتهن غير مبهمة وحرمة الربائب مبهمة فلا يجوز الأوّل، لأن معنى ( من ) مع أحد المتعلقين، خلاف معناه مع الآخر. ألا تراك أنك إذا قلت :وأمّهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ فقد جعلت ( من ) لبيان النساء. وتمييز المدخول بهنّ من غير المدخول بهنّ. وإذا قلت وربائبكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ فإنك جاعل ( من ) لابتداء الغاية، كما تقول :بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم من خديجة، وليس بصحيح أن يعني بالكلمة الواحدة في خطاب واحد معنيان مختلفان. ولا يجوز الثاني لأن ما يليه هو الذي يستوجب التعليق به، ما لم يعترض أمر لا يرد، إلا أن تقول :أعلقه بالنساء والربائب، وأجعل ( من ) للاتصال، كقوله تعالى : ﴿ المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ ﴾ [ التوبة :٦٧ ] فإني لست منك ولست مني. ما أنا من دد ولا الدد مني :وأمهات النساء متصلات بالنساء لأنهنّ أمهاتهنّ كما أن :الربائب متصلات بأمهاتهن لأنهنّ بناتهنّ. هذا وقد اتفقوا على أن تحريم أمهات النساء مبهم دون تحريم الربائب، على ما عليه ظاهر كلام الله تعالى
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في رجل تزوج امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها أنه قال : «لا بأس أن يتزوج ابنتها، ولا يحل له أن يتزوج أمها »، وعن عمر وعمران بن الحصين رضي الله عنهما :أن الأم تحرم بنفس العقد، وعن مسروق :هي مرسلة فأرسلوا ما أرسل الله. وعن ابن عباس :أبهموا ما أبهم الله، إلا ما روي عن علي وابن عباس وزيد وابن عمر وابن الزبير :أنهم قرءوا : «وأمّهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن ». وكان ابن عباس يقول :والله ما نزل إلا هكذا. وعن جابر روايتان. وعن سعيد بن المسيب عن زيد :إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها، كره أن يخلف على أمّها وإذا طلقها قبل أن يدخل بها فإن شاء فعل :أقام الموت مقام الدخول في ذلك، كما قام مقامه في باب المهر. وسمى ولد المرأة من غير زوجها ربيباً وربيبة، لأنه يربهما كما يرب ولده في غالب الأمر، ثم اتسع فيه فسميا بذلك وإن لم يربهما.
فإن قلت :ما فائدة قوله في حجوركم ؟ قلت :فائدته التعليل للتحريم، وأنهن لاحتضانكم لهن أو لكونهن بصدد احتضانكم، وفي حكم التقلب في حجوركم إذا دخلتم بأمّهاتهن، وتمكن بدخولكم حكم الزواج وثبتت الخلطة والألفة، وجعل الله بينكم المودة والرحمة، وكانت الحال خليقة بأن تجروا أولادهن مجرى أولادكم، كأنكم في العقد على بناتهن عاقدون على بناتكم. وعن علي رضي الله عنه :أنه شرط ذلك في التحريم. وبه أخذ داود.
فإن قلت :ما معنى ﴿ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ ؟ قلت :هي كناية عن الجماع، كقولهم :بنى عليها وضرب عليها الحجاب يعني أدخلتموهن الستر. والباء للتعدية واللمس. ونحوه ؛ يقوم مقام الدخول عند أبي حنيفة. وعن عمر رضي الله عنه أنه خلا بجارية فجردها، فاستوهبها ابن له فقال :إنها لا تحلّ لك. وعن مسروق أنه أمر أن تباع جاريته بعد موته وقال :أما إني لم أصب منها إلا ما يحرمها على ولدي من اللمس والنظر. وعن الحسن في الرجل يملك الأمة فيغمزها لشهوة أو يقبلها أو يكشفها :أنها لا تحل لولده بحال وعن عطاء وحماد بن أبي سليمان :إذا دخل بالأم فعرّاها ولمسها بيده وأغلق الباب وأرخى الستر، فلا يحلّ له نكاح ابنتها. وعن ابن عباس وطاوس وعمرو بن دينار :أن التحريم لا يقع إلا بالجماع وحده ﴿ الذين مِنْ أصلابكم ﴾ دون من تبنيتم.
وقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش الأسدية بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب حين فارقها زيد بن حارثة، وقال عزّ وجلّ : ﴿ لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ ﴾ [ الأحزاب :٣٧ ]. ﴿ وَأَن تَجْمَعُواْ ﴾ في موضع الرفع عطف على المحرمات، أي وحرّم عليكم الجمع بين الأختين. والمراد حرمة النكاح، لأنّ التحريم في الآية تحريم النكاح وأما الجمع بينهما في ملك اليمين، فعن عثمان وعلي رضي الله عنهما أنهما قالا :أحلتهما آية وحرّمتهما آية يعنيان هذه الآية وقوله : ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ [ النساء :٣ ] فرجح عليُّ التحريم، وعثمانُ التحليل. ﴿ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ ولكن ما مضى مغفور بدليل قوله : ﴿ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾.
﴿ والمحصنات ﴾ القراءة بفتح الصاد. وعن طلحة بن مصرف أنه قرأ بكسر الصاد. وهنّ ذوات الأزواج. لأنهنّ أحصنّ فروجهنّ بالتزويج. فهنّ محصنات ومحصنات ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم ﴾ يريد :ما ملكت أيمانهم من اللاتي سبين ولهنّ أزواج في دار الكفر فهنّ حلال لغزاة المسلمين وإن كنّ محصنات. وفي معناه قول الفرزدق :
وَذَاتُ حَلِيلٍ أَنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا*** حَلاَلٌ لِمَنْ يَبْنِي بِهَا لَمْ تُطَلَّقِ
﴿ كتاب الله عَلَيْكُمْ ﴾ مصدر مؤكد، أي كتب الله ذلك عليكم كتاباً وفرضه فرضاً، وهو تحريم ما حرّم.
فإن قلت :علام عطف قوله : ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ ﴾ ؟ قلت :على الفعل المضمر الذي نصب ﴿ كتاب الله ﴾ أي كتب الله عليكم تحريم ذلك، وأحلّ لكم ما وراء ذلكم. ويدل عليه قراءة اليماني : «كتب الله عليكم »، «وأحلّ لكم ». وروى عن اليماني :كتب الله عليكم، على الجمع والرفع أي هذه فرائض الله عليكم. ومن قرأ : «وأحلّ لكم »، على البناء للمفعول، فقد عطفه على حرمت. ﴿ أَن تَبْتَغُواْ ﴾ مفعول له بمعنى بين لكم ما يحلّ مما يحرم، إرادة أن يكون ابتغاؤكم ﴿ بأموالكم ﴾ التي جعل الله لكم قياماً في حال كونكم ﴿ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين ﴾ لئلا تضيعوا أموالكم وتفقروا أنفسكم فيما لا يحل لكم فتخسروا دنياكم ودينكم، ولا مفسدة أعظم مما يجمع بين الخسرانين. والإحصان :العفة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام، والأموال :المهور وما يخرج في المناكح.
فإن قلت :أين مفعول تبتغوا ؟ قلت :يجوز أن يكون مقدّراً وهو النساء. والأجود أن لا يقدر، وكأنه قيل :أن تخرجوا أموالكم. ويجوز أن يكون ﴿ أن تبتغوا ﴾ بدلاً من ﴿ وراء ذلك ﴾ والمسافح الزاني، من السفح وهو صبّ المنيّ. وكان الفاجر يقول للفاجرة :سافحيني وماذيني من المذي ﴿ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ ﴾ فما استمتعتم به من المنكوحات من جماع أو خلوة صحيحة أو عقد عليهنّ ﴿ فآتوهن أجورهن ﴾ عليه، فأسقط الراجع إلى ( ما ) لأنه لا يلبس، كقوله : ﴿ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور ﴾ [ لقمان :١٧ ] بإسقاط منه. ويجوز أن تكون ( ما ) في معنى النساء، و ( من ) للتبعيض أو البيان، ويرجع الضمير إليه على اللفظ في به، وعلى المعنى في ﴿ فَئَاتُوهُنَّ ﴾ وأجورهن مهورهن لأن المهر ثواب على البضع ﴿ فَرِيضَةً ﴾ حال من الأجور بمعنى مفروضة أو وضعت موضع إيتاء لأن الإيتاء مفروض أو مصدر مؤكد. أي فرض ذلك فريضة ﴿ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة ﴾ فيما تحط عنه من المهر، أو تهب له من كله أو يزيد لها على مقداره. وقيل فيما تراضيا به من مقام أو فراق وقيل :نزلت في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتح الله مكة على رسوله عليه الصلاة والسلام ثم نسخت، كان الرجل ينكح المرأة وقتاً معلوماً ليلة أو ليلتين أو أسبوعاً بثوب أو غير ذلك، ويقضي منها وطره ثم يسرحها.
سميت متعة لاستمتاعه بها أو لتمتيعه لها بما يعطيها. وعن عمر :لا أوتى برجل تزوّج امرأة إلى أجل إلا رجمتهما بالحجارة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أباحها، ثم أصبح يقول :" يا أيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء :ألا إن الله حرّم ذلك إلى يوم القيامة "، وقيل :أبيح مرتين وحرّم مرتين. وعن ابن عباس هي محكمة يعني لم تنسخ، وكان يقرأ : «فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمى ». ويروى أنه رجع عن ذلك عند موته وقال :اللَّهم إني أتوب إليك من قولي بالمتعة، وقولي في الصرف.
الطول :الفضل، يقال :لفلان على فلان طول أي زيادة وفضل. وقد طاله طولاً فهو طائل. قال :
لَقَدْ زَادَنِي حُبًّا لِنَفْسِي أَنَّنِي بَغِيضٌ إِلَى كُلِّ امْرِىءٍ غَيْرِ طَائِلِ
ومنه قولهم :ما حلا منه بطائل، أي بشيء يعتدّ به مما له فضل وخطر. ومنه الطول في الجسم لأنه زيادة فيه، كما أن القصر قصور فيه ونقصان. والمعنى :ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة يبلغ بها نكاح الحرّة فلينكح أَمَةً. قال ابن عباس :من ملك ثلاثمائة درهم فقد وجب عليه الحج وحرم عليه نكاح الإماء وهو الظاهر، وعليه مذهب الشافعي رحمه الله. وأمّا أبو حنيفة رحمه الله فيقول :الغنيّ والفقير سواء في جواز نكاح الأمة، ويفسر الآية بأن من لم يملك فراش الحرّة، على أن النكاح هو الوطء، فله أن ينكح أمة. وفي رواية عن ابن عباس أنه قال :ومما وسع الله على هذه الأمة نكاح الأمة واليهودية والنصرانية وإن كان موسراً. وكذلك قوله : ﴿ مِّن فتياتكم المؤمنات ﴾ الظاهر أن لا يجوز نكاح الأمة الكتابية، وهو مذهب أهل الحجاز. وعند أهل العراق يجوز نكاحها، ونكاح الأمة المؤمنة أفضل، فحملوه على الفضل لا على الوجوب، واستشهدوا على أن الإيمان ليس بشرط بوصف الحرائر به، مع علمنا أنه ليس بشرط فيهن على الاتفاق، ولكنه أفضل.
فإن قلت :لم كان نكاح الأمة منحطاً عن نكاح الحرة ؟ قلت :لما فيه من اتباع الولد الأم في الرق، ولثبوت حق المولى فيها وفي استخدامها، ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة وذلك كله نقصان راجع إلى الناكح ومهانة، والعزة من صفات المؤمنين. وقوله : ﴿ مّن فتياتكم ﴾ أي من فتيات المسلمين، لا من فتيات غيركم وهم المخالفون في الدين.
فإن قلت :فما معنى قوله : ﴿ والله أَعْلَمُ بإيمانكم ﴾ ؟ قلت :معناه أن الله أعلم بتفاضل ما بينكم وبين أرقائكم في الإيمان ورجحانه ونقصانه فيهم وفيكم، وربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرة، والمرأة أفضل في الإيمان من الرجل وحق المؤمنين أن لا يعتبروا إلا فضل الإيمان لا فضل الأحساب والأنساب، وهذا تأنيس بنكاح الإماء وترك الاستنكاف منه ﴿ بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ ﴾ أي أنتم وأرقاؤكم متواصلون متناسبون لاشتراككم في الإيمان، لا يفضل حر عبداً إلا برجحان فيه ﴿ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾ اشتراط لإذن الموالي في نكاحهن.
ويحتج به لقول أبي حنيفة أن لهن أن يباشرن العقد بأنفسهن، لأنه اعتبر إذن الموالي لا عقدهم. ﴿ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ب المعروف ﴾ وأدّوا إليهن مهورهن بغير مطل وضرار وإحواج إلى الاقتضاء واللز.
فإن قلت :الموالي هم ملاك مهورهن لا هن، والواجب أداؤها إليهم لا إليهن، فلم قيل :وآتوهن ؟ قلت :لأنهن وما في أيديهن مال الموالي، فكان أداؤها إليهن أداء إلى الموالي. أو على أن أصله :فآتوا مواليهن، فحذف المضاف ﴿ المحصنات ﴾ عفائف. والأخدان :الأخلاء في السرّ، كأنه قيل :غير مجاهرات بالسفاح ولا مسرات له ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ ﴾ بالتزويج. وقرىء : «أحصن » ﴿ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات ﴾ أي الحرائر ﴿ مّنَ العذاب ﴾ من الحدّ كقوله : ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا ﴾ [ النور :٢ ] ﴿ وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا العذاب ﴾ [ النور :٨ ] ولا رجم عليهن، لأن الرجم لا يتنصف ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى نكاح الإماء ﴿ لِمَنْ خَشِىَ العنت ﴾ لمن خاف الإثم الذي يؤدي إليه غلبة الشهوة. وأصل العنت :انكسار العظم بعد الجبر، فاستعير لكل مشقة وضرر، ولا ضرر أعظم من مواقعة المآثم. وقيل :أريد به الحدّ، لأنه إذا هويها خشي أن يواقعها فيحدّ فيتزوجها ﴿ وَأَن تَصْبِرُواْ ﴾ في محل الرفع على الابتداء، أي وصبركم عن نكاح الإماء متعففين ﴿ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ وعن النبي صلى الله عليه وسلم :" الحرائر صلاح البيت، والإماء هلاك البيت ".
﴿ يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ ﴾ أصله يريد الله أن يبين لكم فزيدت اللام مؤكدة لإرادة التبين كما زيدت في :لا أبالك، لتأكيد إضافة الأب. والمعنى :يريد الله أن يبين لكم ما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم، وأن يهديكم مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين والطرق التي سلكوها في دينهم لتقتدوا بهم ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ ويرشدكم إلى طاعات إن قمتم بها كانت كفارات لسيآتكم فيتوب عليكم ويكفر لكم.
﴿ والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ أن تفعلوا ما تستوجبون به أن يتوب عليكم ﴿ وَيُرِيدُ ﴾ الفجرة ﴿ الذين يَتَّبِعُونَ الشهوات أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً ﴾ وهو الميل عن القصد والحق، ولا ميل أعظم منه بمساعدتهم وموافقتهم على اتباع الشهوات. وقيل :هم اليهود. وقيل :المجوس :كانوا يحلون نكاح الأخوات من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرمهنّ الله قالوا :فإنكم تحلون بنت الخالة والعمة، والخالة والعمة عليكم حرام، فانكحوا بنات الأخ والأخت، فنزلت، يقول تعالى يريدون أن تكونوا زناة مثلهم.
( يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ ) إحلال نكاح الأمة وغيره من الرخص ﴿ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً ﴾ لا يصبر عن الشهوات وعلى مشاق الطاعات. وعن سعيد بن المسيب :ما أيس الشيطان من بني آدم قط إلا أتاهم من قبل النساء، فقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عينيّ وأنا أعشو بالأخرى. وإن أخوف ما أخاف عليّ فتنة النساء. وقرىء : «أن يميلوا » بالياء. والضمير للذين يتبعون الشهوات. وقرأ ابن عباس : «وخلق الإنسانَ » على البناء للفاعل ونصب الإنسان وعنه رضي الله عنه :ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت : ﴿ يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ ﴾، ﴿ والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾، ﴿ يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ ﴾، ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾ [ النساء :٣١ ]، ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ [ النساء :٤٠ ]، ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ [ النساء :٤٨ ] ﴿ ومَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ﴾ [ النساء :١١٠ ]، ﴿ مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ ﴾ [ النساء :١٤٧ ].
﴿ بالباطل ﴾ بما لم تبحه الشريعة من نحو السرقة والخيانة والغصب والقمار وعقود الربا ﴿ إِلا أَن تَكُونَ تجارة ﴾ إلا أن تقع تجارة. وقرىء «تجارة » على :إلا أن تكون التجارة تجارة. ﴿ عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ ﴾ والاستثناء منقطع. معناه :ولكن اقصدوا كون تجارة عن تراض منكم. أو ولكن كون تجارة عن تراض غير منهى عنه. وقوله :( عن تراض ) صفة لتجارة، أي تجارة صادرة عن تراض. وخص التجارة بالذكر. لأنّ أسباب الرزق أكثرها متعلق بها. والتراضي رضا المتبايعين بما تعاقدا عليه في حال البيع وقت الإيجاب والقبول، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وعند الشافعي رحمه الله تفرّقهما عن مجلس العقد متراضيين. ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ من كان من جنسكم من المؤمنين. وعن الحسن :لا تقتلوا إخوانكم، أو لا يقتل الرجل نفسه كما يفعله بعض الجهلة.
وعن عمرو بن العاص :أنه تأوله في التيمم لخوف البرد فلم ينكر عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وقرأ علي رضي الله عنه : «ولا تقتلوا » بالتشديد ﴿ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾ ما نهاكم عما يضركم إلا لرحمته عليكم. وقيل :معناه أنه أمر بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم ليكون توبة لهم وتمحيصاً لخطاياهم، وكان بكم يا أمة محمد رحيماً حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الصعبة.
﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى القتل، أي ومن يقدم على قتل الأنفس ﴿ عدوانا وَظُلْماً ﴾ لا خطأ ولا اقتصاصاً. وقرىء : «عدواناً » بالكسر. و«نصلَيه » بتخفيف اللام وتشديدها. و«نصليه » بفتح النون من صلاة يصليه. ومنه شاة مصلية، «ويصليه » بالياء والضمير لله تعالى، أو لذلك، لكونه سبباً للصلي ﴿ نَارًا ﴾ أي ناراً مخصوصة شديدة العذاب ﴿ وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً ﴾ لأنّ الحكمة تدعو إليه، ولا صارف عنه من ظلم أو نحوه.
﴿ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾ وقرىء : «كبير ما تنهون عنه »، أي ما كبر من المعاصي التي ينهاكم الله عنها والرسول ﴿ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سيئاتكم ﴾ نمط ما تستحقونه من العقاب في كل وقت على صغائركم، ونجعلها كأن لم تكن، لزيادة الثواب المستحق على اجتنابكم الكبائر وصبركم عنها، على عقاب السيئات. والكبيرة والصغيرة إنما وصفتا بالكبر والصغر بإضافتهما إما إلى طاعة أو معصية أو ثواب فاعلهما. والتكفير :إماطة المستحق من العقاب بثواب أزيد، أو بتوبة. والإحباط :نقيضه، وهو إماطة الثواب المستحق بعقاب أزيد أو بندم على الطاعة. وعن علي رضي الله عنه :الكبائر سبع :الشرك، والقتل، والقذف، والزنا، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، والتعرُّب بعد الهجرة. وزاد ابن عمر :السحر، واستحلال البيت الحرام. وعن ابن عباس :أن رجلاً قال له :الكبائر سبع ؟ فقال :هي إلى سبعمائة أقرب، لأنه لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار. وروى إلى سبعين. وقرىء : «يكفر »، بالياء. و«مَُدْخلاً » بضم الميم وفتحها، بمعنى المكان والمصدر فيهما.
﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ ﴾ نهوا عن التحاسد وعن تمني ما فضل الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال، لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد، وبما يصلح المقسوم له من بسط في الرزق أو قبض ﴿ وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِى الأرض ﴾ [ الشورى :٢٧ ] فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له علماً بأن ما قسم له هو مصلحته، ولو كان خلافه لكان مفسدة له، ولا يحسد أخاه على حظه ﴿ لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا اكتسبوا ﴾ جعل ما قسم لكل من الرجال والنساء على حسب ما عرف الله من حاله الموجبة للبسط أو القبض كسباً له ﴿ واسألوا الله مِن فَضْلِهِ ﴾ ولا تتمنوا أنصباء غيركم من الفضل، ولكن سلوا الله من خزائنه التي لا تنفد. وقيل :كان الرجال قالوا :إن الله فضلنا على النساء في الدنيا :لنا سهمان ولهن سهم واحد، فنرجو أن يكون لنا أجران في الآخرة على الأعمال ولهن أجر واحد، فقالت أم سلمة ونسوة معها :ليت الله كتب علينا الجهاد كما كتبه على الرجال فيكون لنا من الأجر مثل ما لهم. فنزلت.
﴿ مّمَّا تَرَكَ ﴾ تبيين لكل، أي :ولكل شيء مما ترك ﴿ الوالدان والأقربون ﴾ من المال جعلنا موالي وراثاً يلونه ويحرزونه :أو ولكل قوم جعلناهم موالي، نصيب مما ترك الولدان والأقربون على أن ﴿ جَعَلْنَا مَوَالِىَ ﴾ صفة لكل، والضمير الراجع إلى كل محذوف، والكلام مبتدأ وخبر، كما تقول :لكل من خلقه الله إنساناً من رزق الله، أي حظ من رزق الله، أو :ولكل أحد جعلنا موالي مما ترك، أي ورّاثاً مما ترك، على أن ( من ) صلة موالي، لأنهم في معنى الورّاث، وفي ( ترك ) ضمير كلّ، ثم فسر الموالي بقوله : ﴿ الوالدان والأقربون ﴾ كأنه قيل :مَنْهم هم ؟ فقيل :الوالدان والأقربون ﴿ والذين عَقَدَتْ أيمانكم ﴾ مبتدأ ضمن معنى الشرط. فوقع خبره مع الفاء وهو قوله : ﴿ فآتوهم نصيبهم ﴾ ويجوز أن يكون منصوباً على قولك :زيداً فاضربه، ويجوز أن يعطف على الوالدان، ويكون المضمر في ( فآتوهم ) للموالي، والمراد بالذين عاقدت أيمانكم :موالي الموالاة كان الرجل يعاقد الرجل فيقول :دمي دمك، وهدمي هدمك، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك. وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف، فنسخ. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب يوم الفتح فقال :" ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به، فإنه لم يزده الإسلام إلا شدة، ولا تحدثوا حلفاً في الإسلام " وعند أبي حنيفة :لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا صح عنده وورث بحق الموالاة خلافاً للشافعي. وقيل :المعاقدة التبني. ومعنى عاقدت أيمانكم :عاقدتهم أيديكم وما سحتموهم. وقرىء «عقّدت » بالتشديد والتخفيف بمعنى عقدت عهودهم أيمانكم.
﴿ قَوَّامُونَ عَلَى النساء ﴾ يقومون عليهن آمرين ناهين، كما يقوم الولاة على الرعايا. وسموا قوّاماً لذلك. والضمير في ﴿ بَعْضَهُمْ ﴾ للرجال والنساء جميعاً، يعني إنما كانوا مسيطرين عليهن بسبب تفضيل الله بعضهم وهم الرجال، على بعض وهم النساء. وفيه دليل على أنّ الولاية إنما تستحق بالفضل، لا بالتغلب والاستطالة والقهر. وقد ذكروا في فضل الرجال :العقل، والحزم، والعزم، والقوّة، والكتابة في الغالب، والفروسية، والرمي، وأنّ منهم الأنبياء والعلماء، وفيهم الإمامة الكبرى والصغرى، والجهاد، والأذان، والخطبة، والاعتكاف، وتكبيرات التشريق عند أبي حنيفة، والشهادة في الحدود، والقصاص، وزيادة السهم، والتعصيب في الميراث، والحمالة، والقسامة، والولاية في النكاح والطلاق والرجعة، وعدد الأزواج، وإليهم الانتساب، وهم أصحاب اللحى والعمائم ﴿ وَبِمَا أَنفَقُواْ ﴾ وبسبب ما أخرجوا في نكاحهنّ من أموالهم في المهور والنفقات. وروى :
أنّ سعد بن الربيع وكان نقيباً من نقباء الأنصار نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير. فلطمها. فانطلق بها أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :أفرشته كريمتي فلطمها فقال : ﴿ لتقتص مِنْهُ ﴾ فنزلت، فقال صلى الله عليه وسلم :أردنا أمراً وأراد الله أمراً، والذي أراد الله خير، ورفع القصاص. واختلف في ذلك، فقيل لا قصاص بين الرجل وامرأته فيما دون النفس ولو شجها، ولكن يجب العقل. وقيل :لا قصاص إلا في الجرح والقتل. وأما اللطمة ونحوها فلا ﴿ قانتات ﴾ مطيعات قائمات بما عليهنّ للأزواج ﴿ حفظات لّلْغَيْبِ ﴾ الغيب خلاف الشهادة. أي حافظات لمواجب الغيب إذا كان الأزواج غير شاهدين لهنّ حفظهن ما يجب عليهنّ حفظه في حال الغيبة. من الفروج والبيوت والأموال. وعن النبي صلى الله عليه وسلم :" خير النساء امرأة إن نظرتَ إليها سرّتك، وإن أمرْتها أطاعتك وإذا غبتَ عنها حفظتك في مالها ونفسها "، وتلا الآية وقيل : ﴿ للغيب ﴾ لأسرارهم ﴿ بِمَا حَفِظَ الله ﴾ بما حفظهنّ الله حين أوصى بهنّ الأزواج في كتابه وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام فقال :
" استوصوا بالنساء خيراً " أو بما حفظهنّ الله وعصمهنّ ووفقهنّ لحفظ الغيب، أو بما حفظهنّ حين وعدهنّ الثواب العظيم على حفظ الغيب، وأوعدهنّ بالعذاب الشديد على الخيانة. و ( ما ) مصدرية. وقرىء «بما حفظَ اللهَ » بالنصب على أنْ ما موصولة، أي حافظات للغيب بالأمر الذي يحفظ حق الله وأمانة الله، وهو التعفف والتحصن والشفقة على الرجال والنصيحة لهم. وقرأ ابن مسعود : «فالصوالح قوانت حوافظ للغيب بما حفظ الله فأصلحوا إليهنّ ». نشوزها ونشوصها :أن تعصي زوجها، ولا تطمئن إليه وأصله الانزعاج ﴿ فِى المضاجع ﴾ في المراقد. أي لا تدخلوهن تحت اللحد أو هي كناية عن الجماع.
وقيل :هو أن يوليها ظهره في المضجع وقيل :في المضاجع :في بيوتهن التي يبتن فيها. أي لا تبايتوهن. وقرىء : «في المضجع »، و«في المضطجع ». وذلك لتعرّف أحوالهن وتحقق أمرهن في النشوز أمر بوعظهن أوّلاً، ثم هجرانهن في المضاجع، ثم بالضرب إن لم ينجع فيهن الوعظ والهجران. وقيل :معناه أكرهوهن على الجماع واربطوهن، من هجر البعير إذا شدّه بالهجار. وهذا من تفسير الثقلاء. وقالوا :يجب أن يكون ضرباً غير مبرِّح لا يجرحها ولا يكسر لها عظماً ويجتنب الوجه. وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم :" علق سوطك حيث يراه أهلك " وعن أسماء بنت أبي بكر الصدّيق رضي الله عنهما :كنت رابعة أربع نسوة عند الزبير بن العوّام، فإذا غضب على إحدانا ضربها بعود المشجب حتى يكسره عليها. ويروى عن الزبير أبيات منها :
وَلَوْلاَ بَنُوهَا حَوْلَهَا لَخَبَطْتُهَا ***
﴿ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ﴾ فأزيلوا عنهن التعرض بالأذى والتوبيخ والتجني، وتوبوا عليهن واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن بعد رجوعهن إلى الطاعة والانقياد وترك النشوز ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ﴾ فاحذروه واعلموا أنّ قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على من تحت أيديكم. ويروى :
أن أبا مسعود الأنصاري رفع سوطه ليضرب غلاماً له، فبصر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصاح به :" أبا مسعود، للَّهُ أقدر عليك منك عليه " فرمى بالسوط وأعتق الغلام. أو إن الله كان علياً كبيراً وإنكم تعصونه على علو شأنه وكبرياء سلطانه، ثم تتوبون فيتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو عمن يجني عليكم إذا رجع.
﴿ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ أصله :شقاقاً بينهما، فأضيف الشقاق إلى الظرف على طريق الاتساع، كقوله : ﴿ بَلْ مَكْرُ اليل والنهار ﴾ [ سبأ :٣٣ ] وأصله :بل مكر في الليل والنهار. أو على أن جعل البين مشاقاً والليل والنهار ماكرين، على قولهم :نهارك صائم. والضمير للزوجين. ولم يجر ذكرهما لجري ذكر ما يدل عليهما، وهو الرجال والنساء ﴿ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ ﴾ رجلاً مقنعاً رضياً يصلح لحكومة العدل والإصلاح بينهما، وإنما كان بعث الحكمين من أهلهما، لأنّ الأقارب أعرف ببواطن الأحوال، وأطلب للصلاح، وإنما تسكن إليهم نفوس الزوجين، ويبرز إليهم ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة، وموجبات ذلك ومقتضياته وما يزويانه عن الأجانب ولا يحبان أن يطلعوا عليه.
فإن قلت :فهل يليان الجمع بينهما والتفريق إن رأيا ذلك ؟ قلت :قد اختلف فيه، فقيل :ليس إليهما ذلك إلا بإذن الزوجين. وقيل :ذلك إليهما، وما جعلا حكمين إلا وإليهما بناء الأمر على ما يقتضيه اجتهادهما. وعن عبيدة السلماني :شهدت علياً رضي الله عنه وقد جاءته امرأة وزوجها ومع كل واحد منهما فئام من الناس، فأخرج هؤلاء حكماً وهؤلاء حكماً. فقال عليّ رضي الله عنه للحكمين :أتدريان ما عليكما ؟ إن عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما. فقال الزوج :أما الفرقة فلا. فقال عليّ :كذب والله لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله لك وعليك. فقالت المرأة :رضيت بكتاب الله لي وعليّ. وعن الحسن :يجمعان ولا يفرقان. وعن الشعبي :ما قضى الحكمان جاز. والألف في ﴿ إِن يُرِيدَا إصلاحا ﴾ للحكمين. وفي ﴿ يُوَفّقِ الله بَيْنَهُمَا ﴾ للزوجين أي إن قصدا إصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله، بورك في وساطتهما، وأوقع الله بطيب نفسهما وحسن سعيهما بين الزوجين الوفاق والألفة، وألقى في نفوسهما المودّة والرحمة. وقيل :الضميران للحكمين، أي إن قصدا إصلاح ذات البين والنصيحة للزوجين يوفق الله بينهما، فيتفقان على الكلمة الواحدة، ويتساندان في طلب الوفاق حتى يحصل الغرض ويتم المراد. وقيل :الضميران للزوجين. أي :إن يريدا إصلاح ما بينهما وطلبا الخير وأن يزول عنهما الشقاق يطرح الله بينهما الألفة، وأبدلهما بالشقاق وفاقا وبالبغضاء مودة. ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ﴾ يعلم كيف يوفق بين المختلفين ويجمع بين المفترقين ﴿ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الأرض جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾ [ الأنفال :٦٣ ].
﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ وأحسنوا بهما إحساناً ﴿ وَبِذِى القربى ﴾ وبكل من بينكم وبينه قربى من أخ أو عم أو غيرهما ﴿ والجار ذِى القربى ﴾ الذي قرب جواره ﴿ والجار الجنب ﴾ الذي جواره بعيد. وقيل الجار :القريب النسيب، والجار الجنب :الأجنبي. وأنشد لبلعاء بن قيس :
لاَ يَجْتَوِينَا مُجَاوِرٌ أَبَدا ذُو رَحِمٍ أَوْ مُجَاوِرٌ جُنبُ
وقرىء : «والجار ذا القربى »، نصباً على الاختصاص. كما قرئ ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ﴾ [ البقرة :٢٣٨ ] تنبيهاً على عظم حقه لإدلائه بحق الجوار والقربى ﴿ والصاحب بالجنب ﴾ هو الذي صحبك بأن حصل بجنبك، إما رفيقاً في سفر، وإما جاراً ملاصقاً، وإما شريكاً في تعلم علم أو حرفة. وإما قاعداً إلى جنبك في مجلس أو مسجد أو غير ذلك، من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه. فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه، وتجعله ذريعة إلى الإحسان. وقيل :الصاحب بالجنب :المرأة ﴿ وابن السبيل ﴾ المسافر المنقطع به، وقيل الضيف، والمختال :التياه الجهول الذي يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه، فلا يتحفى بهم ولا يلتفت إليهم. وقرىء : «والجار الجنب »، بفتح الجيم وسكون النون.
﴿ الذين يَبْخَلُونَ ﴾ بدل من قوله : ﴿ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ﴾ أو نصب على الذم. ويجوز أن يكون رفعاً عليه، وأن يكون مبتدأ خبره محذوف، كأنه قيل :الذين يبخلون ويفعلون ويصنعون، أحقاء بكل ملامة. وقرىء «بالبخل » بضم الباء وفتحها. وبفتحتين. وبضمتين :أي يبخلون بذات أيديهم، وبما في أيدي غيرهم. فيأمرونهم بأن يبخلوا به مقتاً للسخاء ممن وجد. وفي أمثال العرب :أبخل من الضنين بنائل غيره. قال :
وَإِن امرءا ضَنَّتْ يَداه عَلَى امرئ بِنَيْلِ يَدٍ مِنْ غَيْرِهِ لَبَخِيلُ
ولقد رأينا ممن بلي بداء البخل، من إذا طرق سمعه أنّ أحداً جاد على أحد. شخص به وحلّ حبوته، واضطرب، ودارت عيناه في رأسه، كأنما نهب رحله وكسرت خزانته، ضجراً من ذلك وحسرة على وجوده. وقيل :هم اليهود، كانوا يأتون رجالاً من الأنصار يتنصحون لهم ويقولون :لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون. وقد عابهم الله بكتمان نعمة الله وما آتاهم من فضل الغنى والتفاقر إلى الناس. وعن النبي صلى الله عليه وسلم :" إذا أنعم الله على عبد نعمة أحب أن ترى نعمته على عبده " وبنى عامل للرشيد قصراً حذاء قصره، فنمّ به عنده. فقال الرجل :يا أمير المؤمنين إن الكريم يسره أن يرى أثر نعمته، فأحببت أن أسرك بالنظر إلى آثار نعمتك، فأعجبه كلامه. وقيل :نزلت في شأن اليهود الذين كتموا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
﴿ رِئَآءَ الناس ﴾ للفخار، وليقال :ما أسخاهم وما أجودهم ! لا ابتغاء وجه الله. وقيل :نزلت في مشركي مكة المنفقين أموالهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ فَسَاء قِرِيناً ﴾ حيث حملهم على البخل والرياء وكل شر. ويجوز أن يكون وعيداً لهم بأنّ الشيطان يقرن بهم في النار.
﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ ﴾ وأي تبعة ووبال عليهم في الإيمان والإنفاق في سبيل الله، والمراد الذم والتوبيخ. وإلا فكل منفعة ومفلحة في ذلك. وهذا كما يقال للمنتقم :ما ضرك لو عفوت. وللعاق :ما كان يرزؤك لو كنت باراً. وقد علم أنه لا مضرة ولا مرزأة في العفو والبر. ولكنه ذم وتوبيخ وتجهيل بمكان المنفعة ﴿ وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً ﴾ وعيد.
الذرّة النملة الصغيرة. وفي قراءة عبد الله : «مثقال نملة »، وعن ابن عباس :أنه أدخل يده في التراب فرفعه ثم نفخ فيه فقال :كل واحدة من هؤلاء ذرة. وقيل :كل جزء من أجزاء الهباء في الكوة ذرة. وفيه دليل على أنه لو نقص من الأجر أدنى شيء وأصغره، أو زاد في العقاب لكان ظلماً، وأنه لا يفعله لاستحالته في الحكمة لا لاستحالته في القدرة ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً ﴾ وإن يكن مثقال ذرّة حسنة وإنما أنث ضمير المثقال لكونه مضافاً إلى مؤنث. وقرىء - بالرفع - على كان التامة ﴿ يضاعفها ﴾ يضاعف ثوابها لاستحقاقها عنده الثواب في كل وقت من الأوقات المستقبلة غير المتناهية. وعن أبي عثمان النهدي أنه قال لأبي هريرة :
بلغني عنك أنك تقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن الله تعالى يعطي عبده المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة " قال أبو هريرة :لا، بل سمعته يقول :إن الله تعالى يعطيه ألفي ألف حسنة ثم تلا هذه الآية. والمراد :الكثرة لا التحديد ﴿ وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ويعط صاحبها من عنده على سبيل التفضل عطاء عظيماً وسماه ( أجراً ) لأنه تابع للأجر لا يثبت إلا بثباته. وقرىء : «يضعفها » بالتشديد والتخفيف، من أضعف وضعف :وقرأ ابن هرمز : «نضاعفها » بالنون.
﴿ فَكَيْفَ ﴾ يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم ﴿ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم، كقوله : ﴿ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ﴾ [ المائدة :١١٧ ]. ﴿ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاءِ ﴾ المكذبين ﴿ شَهِيداً ﴾ وعن ابن مسعود :أنه قرأ سورة النساء على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ قوله : ﴿ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً ﴾ فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : «حسبنا ».
﴿ لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض ﴾ لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى. وقيل :يودّون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء وقيل :تصير البهائم تراباً، فيودّون حالها ﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً ﴾ ولا يقدرون على كتمانه لأن جوارحهم تشهد عليهم. وقيل الواو للحال، أي يودون أن يدفنوا تحت الأرض وأنهم لا يكتمون الله حديثاً. ولا يكذبون في قولهم : ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ [ الأنعام :٢٣ ]، لأنهم إذا قالوا ذلك وجحدوا شركهم، ختم الله على أفواههم عند ذلك، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بتكذيبهم والشهادة عليهم بالشرك فلشدة الأمر عليهم يتمنون أن تسوى بهم الأرض :وقرىء : «تسوى »، بحذف التاء من تتسوى. يقال :سويته فتسوّى نحو :لويته فتلوى. وتسوى بإدغام التاء في السين، كقوله : ﴿ يسمعون ﴾ [ الصافات :٨ ]، وماضيه أسوى كأزكى.
يروي :أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاماً وشراباً فدعا نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كانت الخمر مباحة، فأكلوا وشربوا، فلما ثملوا وجاء وقت صلاة المغرب قدموا أحدهم ليصلي بهم، فقرأ :أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، فنزلت، فكانوا لا يشربون في أوقات الصلوات، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون. ثم نزل تحريمها. ومعنى ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة ﴾ لا تغشوها ولا تقوموا إليها واجتنبوها. كقوله : ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنا ﴾ [ الإسراء :٣٢ ]، ﴿ لا تَقْرَبُواْ الفواحش ﴾ [ الأنعام :٥١ ]، وقيل معناه :ولا تقربوا مواضعها وهي المساجد، لقوله عليه الصلاة والسلام :
" جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم "، وقيل :هو سكر النعاس وغلبة النوم، كقوله :
. . . . . . . . . . . . وَرَانُوا بِسُكْرِ سِنَاتِهِمْ كُلَّ الرُّيُونِ
وقرىء : «سكارى »، بفتح السين، «وسكرى »، على أن يكون جمعاً، نحو :هلكى، وجوعى، لأن السكر علة تلحق العقل. أو مفرداً بمعنى :وأنتم جماعة سكرى، كقولك :امرأة سكرى، وسكرى بضم السين كحبلى. على أن تكون صفة للجماعة. وحكى جناح بن حبيش :كسلى وكسلى، بالفتح والضم ﴿ وَلاَ جُنُباً ﴾ عطف على قوله : ﴿ وَأَنتُمْ سكارى ﴾ لأن محل الجملة مع الواو النصب على الحال، كأنه قيل :لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنباً. والجنب :يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب ﴿ إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ ﴾ استثناء من عامة أحوال المخاطبين. وانتصابه على الحال.
فإن قلت :كيف جمع بين هذه الحال والحال التي قبلها ؟ قلت :كأنه قيل :لا تقربوا الصلاة في حال الجنابة، إلا ومعكم حال أخرى تعذرون فيها، وهي حال السفر. وعبور السبيل :عبارة عنه. ويجوز أن لا يكون حالاً ولكن صفة، لقوله ( جنباً ) أي ولا تقربوا الصلاة جنباً غير عابري سبيل، أي جنباً مقيمين غير معذورين،
فإن قلت :كيف تصح صلاتهم على الجنابة لعذر السفر ؟ قلت :أريد بالجنب :الذين لم يغتسلوا كأنه قيل :لا تقربوا الصلاة غير مغتسلين. حتى تغتسلوا، إلا أن تكونوا مسافرين. وقال :من فسر الصلاة بالمسجد معناه :لا تقربوا المسجد جنباً إلا مجتازين فيه، إذا كان الطريق فيه إلى الماء، أو كان الماء فيه أو احتلمتم فيه. وقيل :إن رجالاً من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فتصيبهم الجنابة ولا يجدون ممرّا إلا في المسجد، فرخص لهم. وروي :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأذن لأحد أن يجلس في المسجد أو يمرّ فيه وهو جنب إلا لعلي رضي الله عنه. لأن بيته كان في المسجد
فإن قلت :أدخل في حكم الشرط أربعة :وهم المرضى، والمسافرون، والمحدثون، وأهل الجنابة فيمن تعلق الجزاء الذي هو الأمر بالتيمم عند عدم الماء منهم.
قلت :الظاهر أنه تعلق بهم جميعاً وأنّ المرضى إذا عدموا الماء لضعف حركتهم وعجزهم عن الوصول إليه فلهم أن يتيمموا. وكذلك السفر إذا عدموه. لبعده. والمحدثون وأهل الجنابة كذلك إذا لم يجدوه لبعض الأسباب. وقال الزجاج :الصعيد وجه الأرض، تراباً كان أو غيره. وإن كان صخراً لا تراب عليه لو ضرب المتيمم يده عليه ومسح. لكان ذلك طهوره. وهو مذهب أبي حنيفة رحمة الله عليه.
فإن قلت :فما يصنع بقوله تعالى في سورة المائدة : ﴿ فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مّنْه ﴾ [ المائدة :٦ ] أي بعضه، وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه ؟ قلت :قالوا إنّ ( من ) لابتداء الغاية.
فإن قلت :قولهم إنها لابتداء الغاية قول متعسف. ولا يفهم أحد من العرب من قول القائل :مسحت برأسه من الدهن ومن الماء ومن التراب، إلا معنى التبعيض. قلت :هو كما تقول. والإذعان للحق أحق من المراء ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً ﴾ كناية عن الترخيص والتيسير. لأنّ من كانت عادته أن يعفو عن الخطائين ويغفر لهم، آثر أن يكون ميسراً غير معسر.
فإن قلت :كيف نظم في سلك واحد بين المرضى والمسافرين، وبين المحدثين والمجنبين، والمرض والسفر سببان من أسباب الرخصة، والحدث سبب لوجوب الوضوء. والجنابة سبب لوجوب الغسل ؟ قلت :أراد سبحانه أن يرخص للذين وجب عليهم التطهر وهم عادمون الماء في التيمم بالتراب، فخص أوّل من بينهم مرضاهم وسفرهم، لأنهم المتقدّمون في استحقاق بيان الرخصة لهم بكثرة المرض والسفر وغلبتهما على سائر الأسباب الموجبة للرخصة، ثم عم كل من وجب عليه التطهر وأعوزه الماء لخوف عدو أو سبع أو عدم آلة استسقاء أو إرهاق في مكان لا ماء فيه وغير ذلك بما لا يكثر كثرة المرض والسفر. وقرىء : «من غيط »، قيل هو تخفيف غيط، كهين في هين، والغيط بمعنى الغائط.
﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ من رؤية القلب، وعدى بإلى، على معنى :ألم ينته علمك إليهم ؟ أو بمعنى :ألم تنظر إليهم ؟ ﴿ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ الكتاب ﴾ حظاً من علم التوراة، وهم أحبار اليهود ﴿ يَشْتَرُونَ الضلالة ﴾ يستبدلونها بالهدى وهو البقاء على اليهودية. بعد وضوح الآيات لهم على صحة نبوّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه هو النبي العربي المبشر به في التوراة والإنجيل ﴿ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ﴾ أنتم أيها المؤمنون سبيل الحق كما ضلوه، وتنخرطوا في سلكهم لا تكفيهم ضلالتهم ؛ بل يحبون أن يضل معهم غيرهم. وقرىء : «أن يضلوا »، بالياء بفتح الضاد وكسرها.
﴿ والله أَعْلَمُ ﴾ منكم ﴿ بِأَعْدَائِكُمْ ﴾ وقد أخبركم بعداوة هؤلاء، وأطلعكم على أحوالهم وما يريدون بكم ؛ فاحذروهم ولا تستنصحوهم في أموركم ولا تستشيروهم ﴿ وكفى بالله وَلِيّاً وكفى بالله نَصِيراً ﴾ فثقوا بولايته ونصرته دونهم. أو لا تبالوا بهم، فإن الله ينصركم عليهم ويكفيكم مكرهم.
﴿ مّنَ الذين هَادُواْ ﴾ بيان للذين أوتوا نصيباً من الكتاب :لأنهم يهود ونصارى. وقوله : ﴿ والله أَعْلَمُ ﴾، ﴿ وكفى بالله ﴾، ﴿ وكفى بالله ﴾ جمل توسطت بين البيان والمبين على سبيل الاعتراض أو بيان لأعدائكم، وما بينهما اعتراض أو صلة لنصيراً، أي ينصركم من الذين هادوا، كقوله : ﴿ ونصرناه مِنَ القوم الذين كَذَّبُواْ ﴾ [ الأنبياء :٧٧ ] ويجوز أن يكون كلاماً مبتدأ، على أن ﴿ يُحَرِّفُونَ ﴾ صفة مبتدأ محذوف تقديره :من الذين هادوا قوم يحرفون. كقوله :
وَمَا الدَّهْرُ إِلاَّ تَارَتَانِ فَمِنْهُمَا أَمُوتُ وَأُخْرَى أَبْتَغِي الْعَيْشَ أَكْدَحُ
أي فمنهما تارة أموت فيها ﴿ يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه ﴾ يميلونه عنها ويزيلونه ؛ لأنهم إذا بدلوه ووضعوا مكانه كلما غيره، فقد أمالوه عن مواضعه التي وضعها الله فيها، وأزالوه عنها، وذلك نحو تحريفهم ( أسمر ربعة ) عن موضعه في التوراة بوضعهم ( آدم طوال ) مكانه، ونحو تحريفهم ( الرجم ) بوضعهم ( الحدّ ) بدله :
فإن قلت :كيف قيل هاهنا ( عن مواضعه ) وفي المائدة ﴿ من بعد مواضعه ﴾ [ المائدة :٤١ ] قلت :أمّا ( عن مواضعه ) فعلى ما فسرناه من إزالته عن مواضعه التي أوجبت حكمة الله وضعه فيها بما اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه. وأمّا ﴿ من بعد مواضعه ﴾ فالمعنى :أنه كانت له مواضع هو قمن بأن يكون فيها، فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقارّه، والمعنيان متقاربان. وقرىء : «يحرفون الكلام ». والكلم بكسر الكاف وسكون اللام :جمع كلمة تخفيف كلمة. قولهم : ﴿ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ حال من المخاطب، أي اسمع وأنت غير مسمع، وهو قول ذو وجهين، يحتمل الذمّ أي اسمع منا مدعوا عليك بلا سمعت لأنه لو أجيبت دعوتهم عليه لم يسمع، فكان أصم غير مسمع. قالوا ذلك اتكالاً على أنّ قولهم لا سمعت دعوة مستجابة أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه. ومعناه غير مسمع جواباً يوافقك، فكأنك لم تسمع شيئاً. أو اسمع غير مسمع كلاماً ترضاه، فسمعك عنه ناب. ويجوز على هذا أن يكون ( غير مسمع ) مفعول اسمع، أي اسمع كلاماً غير مسمع إياك، لأن أذنك لا تعيه نبوًّا عنه. ويحتمل المدح، أي اسمع غير مسمع مكروهاً، من قولك :أسمع فلان فلاناً إذا سبه. وكذلك قولهم : ﴿ راعنا ﴾ يحتمل راعنا نكلمك، أي ارقبنا وانتظرنا. ويحتمل شبه كلمة عبرانية أو سريانية كانوا يتسابون بها، وهي :راعينا، فكانوا سخرية بالدين وهزؤا برسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمونه بكلام محتمل، ينوون به الشتيمة والإهانة ويظهرون به التوقير والإكرام ﴿ لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ ﴾ فتلا بها وتحريفاً، أي يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل، حيث يضعون ( راعناً ) موضع ( انظرنا ) و ( غير مسمع ) موضع :لا أسمعت مكروهاً.
أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقاً.
فإن قلت :كيف جاؤوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعد ما صرحوا وقالوا :سمعنا وعصينا ؟ قلت :جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان. ولا يواجهونه بالسب ودعاء السوء. ويجوز أن يقولوه فيما بينهم. ويجوز أن لا ينطقوا بذلك، ولكنهم لما لم يؤمنوا جعلوا كأنهم نطقوا به. وقرأ أبيّ : «وأنظرنا »، من الإنظار وهو الإمهال.
فإن قلت :إلام يرجع الضمير في قوله : ﴿ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ قلت :إلى ( أنهم قالوا ) لأن المعنى. ولو ثبت قولهم سمعنا وأطعنا. لكان قولهم ذلك خيراً لهم ﴿ وَأَقْوَمَ ﴾ وأعدل وأسدّ ﴿ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ ﴾ أي خذلهم بسبب كفرهم، وأبعدهم عن ألطافه ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ ﴾ إيماناً ﴿ قَلِيلاً ﴾ أي ضعيفاً ركيكاً لا يعبأ به، وهو إيمانهم بمن خلقهم مع كفرهم بغيره، أو أراد بالقلة العدم، كقوله :
قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُهِمِّ يُصِيبُه ***
أي عديم التشكي، أو إلا قليلاً منهم قد آمنوا.
﴿ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ أي نمحو تخطيط صورها، من عين وحاجب وأنف وفم ﴿ فَنَرُدَّهَا على أدبارها ﴾ فنجعلها على هيئة أدبارها، وهي الأقفاء مطموسة مثلها. والفاء للتسبيب، وإن جعلتها للتعقيب على أنهم توعدوا بعقابين :أحدهما عقيب الآخر، ردها على أدبارها بعد طمسها ؛ فالمعنى أن نطمس وجوهاً فننكسها، الوجوه إلى خلف، والأقفاء إلى قدّام. ووجه آخر :وهو أن يراد بالطمس القلب والتغيير، كما طمس أموال القبط فقلبها حجارة. وبالوجوه، رؤوسهم ووجهاؤهم أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم، فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم ونكسوهم صغارهم وإدبارهم أو نردهم إلى حيث جاؤا منه. وهي :أذرعات الشام، يريد :إجلاء بني النضير.
فإن قلت :لمن الراجع في قوله :( أو نلعنهم ) ؟ قلت :للوجوه إن أريد الوجهاء، أو لأصحاب الوجوه. لأن المعنى من قبل أن نطمس وجوه قوم أو يرجع إلى ( الذين أوتوا الكتاب ) على طريقة الالتفات ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ ﴾ أو نجزيهم بالمسخ، كما مسخنا أصحاب السبت.
فإن قلت :فأين وقوع الوعيد. قلت :هو مشروط بالإيمان. وقد آمن منهم ناس. وقيل :هو منتظر، ولا بدّ من طمس ومسخ لليهود قبل يوم القيامة، ولأن الله عز وجلّ أوعدهم بأحد الأمرين، بطمس وجوه منهم، أو بلعنهم فإن الطمس تبديل أحوال رؤسائهم، أو إجلائهم إلى الشام، فقد كان أحد الأمرين وإن كان غيره فقد حصل اللعن. فإنهم ملعونون بكل لسان، والظاهر اللعن المتعارف دون المسخ ألا ترى إلى قوله تعالى : ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير ﴾ [ المائدة :٦٠ ] ﴿ وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً ﴾ فلا بدّ أن يقع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا.
فإن قلت :قد ثبت أن الله عزّ وجلَّ يغفر الشرك لمن تاب منه، وأنه لا يغفر ما دون الشرك من الكبائر إلا بالتوبة، فما وجه قول الله تعالى : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ﴾ ؟ قلت :الوجه أن يكون الفعل المنفي والمثبت جميعاً موجهين إلى قوله تعالى : ﴿ لِمَن يَشَاءُ ﴾ كأنه قيل إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك على أنّ المراد بالأول من لم يتب، وبالثاني من تاب. ونظيره قولك :إنّ الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء. تريد :لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله، ويبذل القنطار لمن يستأهله ﴿ فَقَدِ افترى إِثْماً ﴾ أي ارتكبه وهو مفتر مفتعل ما لا يصح كونه.
﴿ الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾ اليهود والنصارى، قالوا :نحن أبناء الله وأحباؤه، وقالوا :لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى. وقيل :جاء رجال من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأطفالهم فقالوا :هل على هؤلاء ذنب ؟ قال :( لا ). قالوا :والله ما نحن إلا كهيئتهم، ما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل، وما عملناه بالليل كفر عنا بالنهار. فنزلت. ويدخل فيها كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى والزلفى عند الله.
فإن قلت :أما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض » ؟ قلت :إنما قال ذلك :حين قال له المنافقون :اعدل في القسمة، إكذاباً لهم إذ وصفوه بخلاف ما وصفه به ربه، وشتان من شهد الله له بالتزكية، ومن شهد لنفسه أو شهد له من لا يعلم ﴿ بَلِ الله يُزَكّى مَن يَشَاءُ ﴾ إعلام بأن تزكية الله هي التي يعتدّ بها. لا تزكية غيره لأنه هو العالم بمن هو أهل للتزكية. ومعنى يزكي من يشاء :يزكي المرتضين من عباده الذين عرف منهم الزكاء فوصفهم به ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ أي الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم حق جزائهم. أو من يشاء يثابون على زكائهم ولا ينقص من ثوابهم. ونحوه ﴿ فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى ﴾ [ النجم :٣٢ ].
﴿ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ في زعمهم أنهم عند الله أزكياء ﴿ وَكَفَى ﴾ بزعمهم هذا ﴿ إِثْماً مُّبِيناً ﴾ من بين سائر آثامهم.
الجبت :الأصنام وكل ما عبد من دون الله :والطاغوت :الشيطان. وذلك أن حُيَيّ بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا إلى مكة مع جماعة من اليهود يحالفون قريشاً على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا :أنتم أهل كتاب، وأنتم أقرب إلى محمد منكم إلينا، فلا نأمن مكركم، فاسجدوا لآلهتنا حتى نطئمن إليكم ففعلوا فهذا إيمانهم ﴿ بالجبت والطاغوت ﴾ لأنهم سجدوا للأصنام وأطاعوا إبليس فيما فعلوا. وقال أبو سفيان :أنحن أهدى سبيلاً أم محمد. فقال كعب :ماذا يقول محمد ؟ قالوا :يأمر بعبادة الله وحده وينهى عن الشرك. قال :وما دينكم ؟ قالوا :نحن ولاة البيت، ونسقي الحاج، ونقري الضيف، ونفك العاني، وذكروا أفعالهم، فقال :أنتم أهدى سبيلاً.
وصف اليهود بالبخل والحسد وهما شرّ خصلتين :يمنعون ما أوتوا من النعمة ويتمنون أن تكون لهم نعمة غيرهم فقال : ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ الملك ﴾ على أن أم منقطعة ومعنى الهمزة لإنكار أن يكون لهم نصيب من الملك ثم قال : ﴿ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ﴾ أي لو كان لهم نصيب من الملك فإذاً لا يؤتون أحداً مقدار نقير لفرط بخلهم :والنقير :النقرة في ظهر النواة وهو مثل في القلة، كالفتيل والقطمير. والمراد بالملك :إما ملك أهل الدنيا. وإما ملك الله كقوله تعالى : ﴿ قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبّى إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنفاق ﴾ [ الإسراء :١٠٠ ] وهذا أوصف لهم بالشح، وأحسن لطباقه نظيره من القرآن. ويجوز أن يكون معنى الهمزة في أم :لإنكار أنهم قد أوتوا نصيباً من الملك، وكانوا أصحاب أموال وبساتين وقصور مشيدة كما تكون أحوال الملوك. وأنهم لا يؤتون أحداً مما يملكون شيئاً. وقرأ ابن مسعود : «فإذاً لا يؤتوا »، على إعمال إذا عملها الذي هو النصب، وهي ملغاة في قراءة العامة، كأنه قيل :فلا يؤتون الناس نقيراً إذاً.
﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ الناس ﴾ بل أيحسدون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على إنكار الحسد واستقباحه. وكانوا يحسدونهم على ما آتاهم الله من النصرة والغلبة وازدياد العزّ والتقدم كل يوم ﴿ فَقَدْ ءاتَيْنَا ﴾ إلزام لهم بما عرفوه من إيتاء الله الكتاب والحكمة ﴿ ءَالَ إبراهيم ﴾ الذين هم أسلاف محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه ليس ببدع أن يؤتيه الله مثل ما آتى أسلافه. وعن ابن عباس :الملك في آل إبراهيم ملك يوسف وداود وسليمان. وقيل :استكثروا نساءه فقيل لهم :كيف استكثرتم له التسع وقد كان لداود مائة ولسليمان ثلَثمائة مهيرة وسبعمائة سرية ؟
﴿ فَمِنْهُمْ ﴾ فمن اليهود ﴿ مَنْ ءامَنَ بِهِ ﴾ أي بما ذكر من حديث آل إبراهيم ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ ﴾ وأنكره مع علمه بصحته. أو من اليهود من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من أنكر نبوّته. أو من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم، ومنهم من كفر، كقوله : ﴿ فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فاسقون ﴾ [ الحديد :٢٦ ].
﴿ بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا ﴾ أبدلناهم إياها.
فإن قلت :كيف تعذب مكان الجلود العاصية جلود لم تعص ؟ قلت :العذاب للجملة الحساسة، وهي التي عصت لا للجلد. وعن فضيل :يجعل النضيج غير نضيج. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تبدّل جلودهم كل يوم سبع مرّات »، وعن الحسن :سبعين مرة يبدّلون جلوداً بيضاء كالقراطيس ﴿ لِيَذُوقُواْ العذاب ﴾ ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع. كقولك للعزيز :أعزّك الله، أي أدامك على عزّك وزادك فيه ﴿ عَزِيزاً ﴾ لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين ﴿ حَكِيماً ﴾ لا يعذب إلا بعدل من يستحقه.
﴿ ظَلِيلاً ﴾ صفة مشتقة من لفظ الظلّ لتأكيد معناه. كما يقال :ليل أليل. ويوم أيوم، وما أشبه ذلك. وهو ما كان فينانا لا جوب فيه، ودائماً لا تنسخه الشمس، وسجسجاً لا حرّ فيه ولا برد، وليس ذلك إلا ظل الجنة. رزقنا الله بتوفيقه لما يزلف إليه التفيؤ تحت ذلك الظل. وفي قراءة عبد الله : «سيدخلهم » بالياء.
﴿ أَن تُؤدُّاْ الأمانات ﴾ الخطاب عام لكل أحد في كل أمانة. وقيل نزلت في عثمان بن طلحة بن عبد الدار وكان سادن الكعبة. وذلك :أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب الكعبة وصعد السطح، وأبى أن يدفع المفتاح إليه، وقال :لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه، فلوى علي بن أبي طالب رضي الله عنه يده. وأخذه منه وفتح، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى ركعتين. فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة. فنزلت، فأمر علياً أن يردّه إلى عثمان ويعتذر إليه فقال عثمان لعليّ :أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق ؟ فقال :لقد أنزل الله في شأنك قرآناً، وقرأ عليه الآية، فقال عثمان :أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فهبط جبريل وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السدانة في أولاد عثمان أبداً. وقيل :هو خطاب للولاة بأداء الأمانات والحكم بالعدل. وقرىء : «الأمانة »، على التوحيد ﴿ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ﴾ ( ما ) إما أن تكون منصوبة موصوفة بيعظكم به، وإما أن تكون مرفوعة موصولة به، كأنه قيل :نعم شيئاً يعظكم به. أو نعم الشيء الذي يعظكم به. والمخصوص بالمدح محذوف، أي نعمّا يعظكم به ذاك، وهو المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكم. وقرىء «نعما » بفتح النون.
لما أمر الولاة بأداء الأمانات إلى أهلها وأن يحكموا بالعدل، أمر الناس بأن يطيعوهم وينزلوا على قضاياهم. والمراد بأولي الأمر منكم :أمراء الحق ؛ لأن أمراء الجور الله ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على الله ورسوله في وجوب الطاعة لهم، وإنما يجمع بين الله ورسوله والأمراء الموافقين لهما في إيثار العدل واختيار الحق والأمر بهما والنهي عن أضدادهما كالخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان. وكان الخلفاء يقولون :أطيعوني ما عدلت فيكم، فإن خالفت فلا طاعة لي عليكم. وعن أبي حازم أن مسلمة بن عبد الملك قال له :ألستم أمرتم بطاعتنا في قوله : ﴿ وَأُوْلِى الامر مِنْكُمْ ﴾ قال :أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله : ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ وقيل :هم أمراء السرايا وعن النبي صلى الله عليه وسلم : « من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع أميري فقد أطاعني ومن يعصِ أميري فقد عصاني »، وقيل :هم العلماء الدينون الذين يعلمون الناس الدين ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر. ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ ﴾ فإن اختلفتم أنتم وأولوا الأمر منكم في شيء من أمور الدين، فردّوه إلى الله ورسوله، أي :ارجعوا فيه إلى الكتاب والسنة. وكيف تلزم طاعة أمراء الجور وقد جنح الله الأمر بطاعة أولي الأمر بما لا يبقى معه شك، وهو أن أمرهم أولاً بأداء الأمانات وبالعدل في الحكم وأمرهم آخراً بالرجوع إلى الكتاب والسنة فيما أشكل، وأمراء الجور لا يؤدّون أمانة ولا يحكمون بعدل، ولا يردون شيئاً إلى كتاب ولا إلى سنة، إنما يتبعون شهواتهم حيث ذهبت بهم، فهم منسلخون عن صفات الذين هم أولو الأمر عند الله ورسوله، وأحق أسمائهم :اللصوص المتغلبة ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الرد إلى الكتاب والسنة ﴿ خَيْراً ﴾ لكم وأصلح ﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ وأحسن عاقبة. وقيل :أحسن تأويلاً من تأويلكم أنتم.
روي :أن بشراً المنافق خاصم يهودياً فدعاه اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم إنهما احتكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى لليهودي فلم يرض المنافق وقال :تعال نتحاكم إلى عمر بن الخطاب. فقال اليهودي لعمر :قضى لنا رسول الله فلم يرض بقضائه. فقال للمنافق :أكذلك ؟ قال :نعم. فقال عمر :مكانكما حتى أخرج إليكما فدخل عمر فاشتمل على سيفه، ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد ثم قال :هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله، فنزلت. وقال جبريل :إنّ عمر فرق بين الحق والباطل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أنت الفاروق ». والطاغوت :كعب بن الأشرف، سماه الله ( طاغوتاً ) لإفراطه في الطغيان وعداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. أو على التشبيه بالشيطان والتسمية باسمه. أو جعل اختيار التحاكم إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم على التحاكم إليه تحاكماً إلى الشيطان، بدليل قوله : ﴿ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشيطان أَن يُضِلَّهُمْ ﴾.
وقرىء ﴿ بِمَا أنزَلَ. . . وَمَا أَنَزلَ ﴾ على البناء للفاعل. وقرأ عباس بن الفضل : «أن يكفروا بها »، ذهاباً بالطاغوت إلى الجمع، كقوله : ﴿ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت يُخْرِجُونَهُم ﴾ [ البقرة :٢٥٧ ] وقرأ الحسن «تعالوا » بضم اللام على أنه حذف اللام من تعاليت تخفيفاً، كما قالوا :ما باليت به بالة، وأصلها بالية كعافية، وكما قال الكسائي في ( آية ) إن أصلها ( آيية ) فاعلة، فحذفت اللام، فلما حذفت وقعت واو الجمع بعد اللام من تعال فضمت، فصار ( تعالوا )، نحو :تقدموا. ومنه قول أهل مكة :تعالي، بكسر اللام للمرأة، وفي شعر الحمداني :
تَعَالِي أُقَاسِمْكِ الهمُومَ تَعَالِي. . .
والوجه فتح اللام.
﴿ فَكَيْفَ ﴾ يكون حالهم، وكيف يصنعون ؟ يعني أنهم يعجزون عند ذلك فلا يصدرون أمراً ولا يوردونه ﴿ إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ من التحاكم إلى غيرك واتهامهم لك في الحكم ﴿ ثُمَّ جَاؤك ﴾ حين يصابون فيعتذرون إليك ﴿ يَحْلِفُونَ ﴾ ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك ﴿ إِلاَّ إِحْسَاناً ﴾ لا إساءة ﴿ وَتَوْفِيقاً ﴾ بين الخصمين، ولم يرد مخالفة لك ولا تسخطاً لحكمك، ففرج عنا بدعائك وهذا وعيد لهم على فعلهم، وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم. ولا يغني عنهم الاعتذار عند حلول بأس الله. وقيل :جاء أولياء المنافق يطلبون بدمه وقد أهدره الله فقالوا :ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا بحكومة العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم له بما حكم به.
﴿ فَأَعْرَضْ عَنْهُمْ ﴾ لا تعاقبهم لمصلحة في استبقائهم، ولا تزد على كفهم بالموعظة والنصيحة عما هم عليه ﴿ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ﴾ بالغ في وعظهم بالتخفيف والإنذار.
فإن قلت :بم تعلق قوله : ﴿ فِى أَنفُسِهِمْ ﴾ ؟ قلت :بقوله :( بليغاً ) أي :قل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم مؤثراً في قلوبهم يغتمون به اغتماماً، ويستشعرون منه الخوف استشعاراً، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجم منهم النفاق وأطلع قرنه، وأخبرهم أن ما في نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند الله، وأنه لا فرق بينكم وبين المشركين، وما هذه المكافة إلا لإظهاركم الإيمان وإسراركم الكفر وإضماره، فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف. أو يتعلق بقوله : ﴿ قُلْ لَهُمْ ﴾ أي قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولاً بليغاً، وأنّ الله يعلم ما في قلوبكم لا يخفي عليه فلا يغني عنكم إبطانه. فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق، وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، وشراً من ذلك وأغلظ. أو قل لهم في أنفسهم - خالياً بهم، ليس معهم غيرهم، مسارًّا لهم بالنصيحة، لأنه في السر أنجع، وفي الإمحاض أدخل ﴿ قولاً بليغاً ﴾ يبلغ منهم ويؤثر فيهم.
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ ﴾ وما أرسلنا رسولاً قط ﴿ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله ﴾ بسبب إذن الله في طاعته، وبأنه أمر المبعوث إليهم بأن يطيعوه ويتبعوه، لأنه مؤدّ عن الله، فطاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله، وَمَن يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله، ويجوز أن يراد بتيسير الله وتوفيقه في طاعته ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ﴾ بالتحاكم إلى الطاغوت ﴿ جاؤك ﴾ تائبين من النفاق متنصلين عما ارتكبوا ﴿ فاستغفروا الله ﴾ من ذلك بالإخلاص، وبالغوا في الاعتذار إليك من إيذائك بردّ قضائك، حتى انتصبت شفيعاً لهم إلى الله ومستغفراً ﴿ لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً ﴾ لعلموه تواباً، أي لتاب عليهم. ولم يقل. واستغفرت لهم، وعدل عنه إلى طريقة الالتفات، تفخيماً لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيماً لاستغفاره، وتنبيهاً على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان.
﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ ﴾ معناه فوربك كقوله تعالى : ﴿ فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ ﴾ [ الحجر :٩٢ ] و ( لا ) مزيدة لتأكيد معنى القسم، كما زيدت في ﴿ لّئَلاَّ يَعْلَمَ ﴾ [ الحديد :٢٩ ] لتأكيد وجود العلم. و ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ جواب القسم
فإن قلت :هلا زعمت أنها زيدت لتظاهر ( لا ) في ( لا يؤمنون ) ؟ قلت :يأبى ذلك استواء النفي والإثبات فيه، وذلك قوله : ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ [ التكوير :١٩ ] ﴿ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ فيما اختلف بينهم واختلط، ومنه الشجر لتداخل أغصانه ﴿ حَرَجاً ﴾ ضيقاً، أي لا تضيق صدورهم من حكمك، وقيل :شكا، لأنّ الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين ﴿ وَيُسَلِّمُواْ ﴾ وينقادوا ويذعنوا لما تأتي به من قضائك، لا يعارضوه بشيء، من قولك :سلم الأمر لله وأسلم له، وحقيقة سلم نفسه وأسلمها، إذا جعلها سالمة له خالصة، و ﴿ تَسْلِيماً ﴾ تأكيد للفعل بمنزلة تكريره. كأنه قيل :وينقادوا لحكمه انقياداً لا شبهة فيه، بظاهرهم وباطنهم. قيل :نزلت في شأن المنافق واليهودي. وقيل :في شأن الزبير وحاطب بن أبي بلتعة ؛ وذلك أنهما اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من الحرّة. كانا يسقيان بها النخل، فقال : «اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك »، فغضب حاطب وقال :لأن كان ابن عمتك ؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال : «اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر واستوف حقك، ثم أرسله إلى جارك » كان قد أشار على الزبير برأي فيه السعة له ولخصمه ؛ فلما أحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، استوعب للزبير حقه في صريح الحكم، ثم خرجا فمرا على المقداد، فقال :لمن كان القضاء ؟ فقال الأنصاري :قضى لابن عمته، ولوى شدقه. ففطن يهودي كان مع المقداد فقال :قاتل الله هؤلاء، يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاء يقضى بينهم، وأيم الله، لقد أذنبنا ذنباً مرّة في حياة موسى، فدعانا إلى التوبة منه وقال :اقتلوا أنفسكم، ففعلنا، فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في طاعة ربنا حتى رضي عنا.
فقال ثابت بن قيس بن شماس :أما والله إنّ الله ليعلم مني الصدق، لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلتها. وروى أنه قال ذلك ثابت وابن مسعود وعمار بن ياسر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « والذي نفسي بيده إنّ من أمتي رجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي » وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال :والله لو أمرنا ربنا لفعلنا، والحمد لله الذي لم يفعل بنا ذلك، فنزلت الآية في شأن حاطب، ونزلت في شأن هؤلاء.
﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ ﴾ أي لو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم، أو خروجهم من ديارهم حين استتيبوا من عبادة العجل ﴿ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ ﴾ ناس ﴿ قَلِيلٌ مّنْهُمْ ﴾ وهذا توبيخ عظيم. والرفع على البدل من الواو في ( فعلوه ). وقرىء : «إلا قليلاً »، بالنصب على أصل الاستثناء، أو على إلا فعلاً قليلاً ﴿ مَا يُوعَظُونَ بِهِ ﴾ من اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته. والانقياد لما يراه ويحكم به، لأنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﴿ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ في عاجلهم وآجلهم ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ لإيمانهم وأبعد من الاضطراب فيه.
﴿ وَإِذاً ﴾ جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل وماذا يكون لهم أيضاً بعد التثبيت، فقيل :وإذاً لو ثبتوا ﴿ لاتيناهم ﴾ لأن إذاً جواب وجزاء ﴿ مّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ﴾ كقوله : ﴿ وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ﴾ [ النساء :٤٠ ] في أنّ المراد العطاء المتفضل به من عنده وتسميته أجراً، لأنه تابع للأجر لا يثبت إلا بثباته.
﴿ ولهديناهم ﴾ وللطفنا بهم ووفقناهم لازدياد الخيرات.
الصديقون :أفاضل صحابة الأنبياء الذين تقدموا في تصديقهم كأبي بكر الصديق رضي الله عنه وصدقوا في أقوالهم وأفعالهم. وهذا ترغيب للمؤمنين في الطاعة، حيث وعدوا مرافقة أقرب عباد الله إلى الله وأرفعهم درجات عنده ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ﴾ فيه معنى التعجب كأنه قيل :وماأحسن أولئك رفيقاً لاستقلاله بمعنى التعجب. قرىء : «وحسْن »، بسكون السين. يقول المتعجب :حسن الوجه وجهك ! وحسن الوجه وجهك، بالفتح والضم مع التسكين. والرفيق :كالصديق والخليط في استواء الواحد والجمع فيه، ويجوز أن يكون مفرداً، بين به الجنس في باب التمييز. وروي :أنّ ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه، فأتاه يوماً وقد تغير وجهه ونحل جسمه وعرف الحزن في وجهه فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حاله، فقال :يا رسول الله، ما بي من وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، فذكرت الآخرة، فخفت أن لا أراك هناك، لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين وإن أدخلت الجنة كنت في منزل دون منزلك، وإن لم أدخل فذاك حين لا أراك أبداً، فنزلت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وأبويه وأهله وولده والناس أجمعين ".
وحكى ذلك عن جماعة من الصحابة ﴿ ذلك ﴾ مبتدأ و ﴿ الفضل ﴾ صفته و ﴿ مِنَ الله ﴾ الخبر، ويجوز أن يكون ( ذلك ) مبتدأ، ( والفضل من الله ) خبره، والمعنى :أنّ ما أعطي المطيعون من الأجر العظيم ومرافقة المنعم عليهم من الله لأنه تفضل به عليهم تبعاً لثوابهم ﴿ وكفى بالله عَلِيماً ﴾ بجزاء من أطاعه أو أراد أَنَّ فضل المنعم عليهم ومزيتهم من الله، لأنهم اكتسبوه بتمكينه وتوفيقه وكفى بالله عليماً بعباده فهو يوفقهم على حسب أحوالهم.
﴿ خُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ الحِذْرُ والحَذَر بمعنى، كالإثر والأثر، يقال :أخذ حذره، إذا تيقظ واحترز من المخوف، كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه. والمعنى :احذروا واحترزوا من العدوّ ولا تمكنوه من أنفسكم ﴿ فانفروا ﴾ إذا نفرتم إلى العدوّ. إما ﴿ ثُبَاتٍ ﴾ جماعات متفرّقة سرية بعد سرية، وإما ﴿ جَمِيعاً ﴾ أي مجتمعين كوكبة واحدة، ولا تتخاذلوا فتلقوا بأنفسكم إلى التهلكة. وقرىء : «فانفروا » بضم الفاء.
اللام في ( لمنَ ) للابتداء بمنزلتها في قوله : ﴿ إِنَّ الله لَغَفُورٌ ﴾ [ النحل :١٨ ] وفي ﴿ لَّيُبَطّئَنَّ ﴾ جواب قسم محذوف تقديره :وإنّ منكم لمن أقسم بالله ليبطئن، والقسم وجوابه صلة من، والضمير الراجع منها إليه ما استكن في ﴿ لَّيُبَطّئَنَّ ﴾ والخطاب لعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم والمبطئون منهم المنافقون لأنهم كانوا يغزون معهم نفاقاً. ومعنى ( ليبطئن ) ليتثاقلن وليتخلفن عن الجهاد وبطأ بمعنى :أبطأ كعتم بمعنى :أعتم، إذا أبطأ، وقرىء «ليبطئن » بالتخفيف يقال :بطأ عليّ فلان وأبطأ عليّ وبطؤ نحو :ثقل، ويقال :ما بطأ بك، فيعدى بالباء، ويجوز أن يكون منقولاً من بطؤ، نحو ؟ ثقل من ثقل، فيراد ليبطئن غيره وليثبطنه عن الغزو، وكان هذا ديدن المنافق عبد الله بن أبيّ، وهو الذي ثبط الناس يوم أُحد ﴿ فَإِنْ أصابتكم مُّصِيبَةٌ ﴾ من قتل أو هزيمة.
﴿ فَضْلٌ مِنَ اللهِ ﴾ من فتح أو غنيمة ﴿ لَّيَقُولَنَّ ﴾ وقرأ الحسن «ليقولون » بضم اللام إعادة للضمير إلى معنى ( من ) لأن قوله :( لمن ليبطئن ) في معنى الجماعة، وقوله : ﴿ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ اعتراض بين الفعل الذي هو ( ليقولن ) وبين مفعوله وهو ﴿ ياليتنى ﴾ والمعنى كأن لم تتقدم له معكم موادّة، لأن المنافقين كانوا يوادّون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر، وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن، والظاهر أنه تهكم لأنهم كانوا أعدى عدوّ للمؤمنين وأشدهم حسداً لهم، فكيف يوصفون بالمودّة إلا على وجه العكس تهكماً بحالهم. وقرىء : «فأفوز » بالرفع عطفاً على ( كنت معهم ) لينتظم الكون معهم، والفوز معنى التمني، فيكونا متمنيين جميعاً، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، بمعنى فأنا أفوز في ذلك الوقت.
﴿ يَشْرُونَ ﴾ بمعنى يشترون ويبيعون قال ابن مفرغ :
وَشَرَيْتُ بُرْداً لَيْتَنِي مِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هَامَهْ
فالذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة هم المبطئون، وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق ويخلصوا الإيمان بالله ورسوله، ويجاهدوا من سبيل الله حق الجهاد، والذين يبيعون هم المؤمنون الذين يستحبون الآجلة على العاجلة ويستبدلونها بها، والمعنى :إن صدّ الذين مرضت قلوبهم وضعفت نياتهم عن القتال فليقاتل الثابتون المخلصون ووعد المقاتل في سبيل الله ظافراً أو مظفوراً به إيتاء الأجر العظيم على اجتهاده في إعزاز دين الله.
﴿ والمستضعفين ﴾ فيه وجهان أن يكون مجروراً عطفاً على سبيل الله أي في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين ومنصوباً على اختصاص يعني واختص من سبيل الله خلاص المستضعفين لأنّ سبيل الله عام في كل خير، وخلاص المستضعفين من المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخير وأخصه والمستضعفون هم الذين أسلموا بمكة وصدّهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم مستذلين مستضعفين يلقون منهم الأذى الشديد، وكانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة، وبقي بعضهم إلى الفتح حتى جعل الله لهم من لدنه خير ولي وناصر وهو محمد صلى الله عليه وسلم فتولاهم أحسن التولي ونصرهم أقوى النصر، ولما خرج استعمل على أهل مكة عتاب بن أسيد فرأوا منه الولاية والنصرة كما أرادوا، قال ابن عباس :كان ينصر الضعيف من القوي حتى كانوا أعز بها من الظلمة.
فإن قلت :لم ذكر الولدان ؟ قلت :تسجيلاً بإفراط ظلمهم، حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين، إرغاماً لآبائهم وأمهاتهم ومبغضة لهم لمكانهم، ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالاً لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا، كما فعل قوم يونس وكما وردت السنة بإخراجهم في الاستسقاء، وعن ابن عباس :كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان، ويجوز أن يراد بالرجال والنساء الأحرار والحرائر، وبالولدان العبيد والإماء، لأنّ العبد والأمة يقال لهما الوليد والوليدة، وقيل للولدان والولائد ( الولدان ) لتغليب الذكور على الإناث كما يقال الآباء والإخوة.
فإن قلت :لم ذكر الظالم وموصوفه مؤنث ؟ قلت :هو وصف للقرية إلا أنه مسند إلى أهلها. فأعطي إعراب القرية لأنه صفتها، وذكر لإسناده إلى الأهل كما تقول من هذه القرية التي ظلم أهلها، ولو أنث فقيل :الظالمة أهلها، لجاز لا لتأنيث الموصوف، ولكن لأن الأهل يذكر ويؤنث.
فإن قلت :هل يجوز من هذه القرية الظالمين أهلها ؟ قلت :نعم، كما تقول :التي ظلموا أهلها، على لغة من يقول :أكلوني البراغيث. ومنه ﴿ وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ ﴾ [ الأنبياء :٣ ].
رغب الله المؤمنين ترغيباً وشجعهم تشجيعاً بإخبارهم أنهم إنما يقاتلون في سبيل الله. فهو وليهم وناصرهم، وأعداؤهم يقاتلون في سبيل الشيطان فلا وليّ لهم إلا الشيطان، وكيد الشيطان للمؤمنين إلى جنب كيد الله للكافرين أضعف شيء وأوهنه.
﴿ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ ﴾ أي كفوها عن القتال وذلك أن المسلمين كانوا مكفوفين عن مقاتلة الكفار ما داموا بمكة، وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم فيه ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال ﴾ بالمدينة كع فريق منهم لا شكاً في الدين ولا رغبة عنه، ولكن نفوراً من الإخطار بالأرواح وخوفاً من الموت ﴿ كَخَشْيَةِ الله ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول،
فإن قلت :ما محل ( كخشية الله ) من الإعراب ؟ قلت :محله النصب على الحال من الضمير في ( يخشون ) أي يخشون الناس مثل أهل خشية الله، أي مشبهين لأهل خشية الله ﴿ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ بمعنى أو أشد خشية من أهل خشية الله، وأشد معطوف على الحال.
فإن قلت :لم عدلت عن الظاهر وهو كونه صفة للمصدر ولم تقدر يخشون خشية مثل خشية الله، بمعنى مثل ما يخشى الله ؟ قلت :أبى ذلك قوله : ﴿ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ لأنه وما عطف عليه في حكم واحد، ولو قلت يخشون الناس أشد خشية ؟ لم يكن إلا حال عن ضمير الفريق ولم ينتصب انتصاب المصدر، لأنك لا تقول خشي فلان أشد خشية، فتنصب خشية وأنت تريد المصدر، إنما تقول أشد خشية فتجرّها، وإذا نصبتها لم يكن أشد خشية إلا عبارة عن الفاعل حالاً منه، اللَّهم إلا أن تجعل الخشية خاشية وذات خشية، على قولهم جد جده فتزعم أن معناه يخشون الناس خشية مثل خشية الله، أو خشية أشد خشية من خشية الله، ويجوز على هذا أن يكون محل ( أشد ) مجروراً عطفاً على ( خشية الله ) تريد كخشية الله أو كخشية أشد خشية منها ﴿ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ استزادة في مدة الكف، واستمهال إلى وقت آخر، كقوله : ﴿ لَوْلا أَخَّرْتَنِى إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ ﴾ [ المنافقون :١٥ ]. ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ ولا تنقصون أدنى شيء من أجوركم على مشاق القتال فلا ترغبوا عنه، وقرىء : «ولا يظلمون »، بالياء.
قرئ «يدركُكم » بالرفع وقيل :هو على حذف الفاء، كأنه قيل :فيدرككم الموت، وشبه بقول القائل :
مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ للَّهُ يَشْكُرُهَا ***
ويجوز أن يقال :حمل على ما يقع موقع ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ ﴾، وهو أينما كنتم، كما حمل «ولا ناعب »، على ما يقع موقع ( ليسوا مصلحين ) وهو ليسوا بمصلحين، فرفع كما رفع زهير :
يَقُولُ لاَ غَائِبٌ مَالِي وَلاَ حَرِمُ ***
وهو قول نحوي سيبوي. ويجوز أن يتصل بقوله : ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ أي ولا تنقصون شيئاً مما كتب من آجالكم. أينما تكونوا في ملاحم حروب أو غيرها، ثم ابتدأ قوله : ﴿ يُدْرِككُّمُ الموت وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ والوقف على هذا الوجه على ( أينما تكونوا ).
والبروج :الحصون. مشيدة مرفعة. وقرىء «مشيَّدة » من شاد القصر إذا رفعه أو طلاه بالشيد وهو الجصّ. وقرأ نعيم بن ميسرة «مشيدة » بكسر الياء وصفاً لها بفعل فاعلها مجازاً كما قالوا :قصيدة شاعرة، وإنما الشاعر قارضها. السيئة تقع على البلية والمعصية. والحسنة على النعمة والطاعة. قال الله تعالى : ﴿ وبلوناهم بالحسنات والسيئات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [ الأعراف :١٩٨ ] وقال : ﴿ إِنَّ الحسنات يُذْهِبْن السيآت ﴾ [ هود :١١٤ ]. والمعنى :وإن تصبهم نعمة من خصب ورخاء نسبوها إلى الله، وإن تصبهم بلية من قحط وشدة أضافوها إليك وقالوا :هي من عندك، وما كانت إلا بشؤمك، كما حكى الله عن قوم موسى : ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ ﴾ [ الأعراف :١٣١ ] وعن قوم صالح : ﴿ قَالُواْ اطيرنا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ ﴾ [ النمل :٤٧ ] وروي عن اليهود لعنت أنها تشاءمت برسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا :منذ دخل المدينة نقصت ثمارها وغلت أسعارها، فردّ الله عليهم ﴿ قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله ﴾ يبسط الأرزاق ويقبضها على حسب المصالح ﴿ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ﴾ فيعلموا أن الله هو الباسط القابض، وكل ذلك صادر عن حكمة وصواب.
ثم قال ﴿ مَا أَصَابَكَ ﴾ يا إنسان خطاباً عاماً ﴿ مِنْ حَسَنَةٍ ﴾ أي من نعمة وإحسان ﴿ فَمِنَ الله ﴾ تفضلاً منه وإحساناً وامتناناً وامتحاناً ﴿ وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ ﴾ أي من بلية ومصيبة ﴿ فمن نفسك ﴾، لأنك السبب فيها بما اكتسبت يداك ﴿ وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِير ﴾ [ الشورى :٣٠ ] وعن عائشة رضي الله عنها :" ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب، حتى الشوكة يشاكها، وحتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب، وما يعفو الله أكثر " ﴿ وأرسلناك لِلنَّاسِ رَسُولاً ﴾ أي رسولاً للناس جميعاً لست برسول العرب وحدهم، أنت رسول العرب والعجم، كقوله : ﴿ وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ ﴾ [ سبأ :٢٨ ]، ﴿ قُلْ ياأَيُّهَا الناس إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ [ الأعراف :١٥٨ ]، ﴿ وكفى بالله شَهِيداً ﴾ على ذلك، فما ينبغي لأحد أن يخرج عن طاعتك واتباعك.
﴿ مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ﴾ لأنه لا يأمر إلا بما أمر الله به ولا ينهى إلا عما نهى الله عنه فكانت طاعته في امتثال ما أمر به والانتهاء عما نهى عنه طاعة لله، وروي أنه قال : « من أحبني فقد أحبّ الله، ومن أطاعني فقد أطاع الله » فقال المنافقون :ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل، لقد قارف الشرك وهو ينهى أن يعبد غير الله ! ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى، فنزلت : ﴿ وَمَن تولى ﴾ عن الطاعة فأعرض عنه ﴿ فَمَا أرسلناك ﴾ إلا نذيراً، لا حفيظاً ومهيمناً عليهم تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها وتعاقبهم، كقوله : ﴿ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾ [ الأنعام :١٠٧ ].
﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ إذا أمرتهم بشيء ﴿ طَاعَةٌ ﴾ بالرفع أي أمرنا وشأننا طاعة. ويجوز النصب بمعنى أطعناك طاعة. وهذا من قول المرتسم :سمعاً وطاعة. وسمع وطاعة. ونحوه قول سيبويه :وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال له :كيف أصبحت ؟ فيقول :حمد الله وثناء عليه، كأنه قال أمري وشأني حمد الله. ولو نصب حمد الله وثناء عليه. كان على الفعل والرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ ﴾ زورت طائفة وسوت ﴿ غَيْرَ الذى تَقُولُ ﴾ خلاف ما قلت وما أمرت به. أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة، لأنهم أبطلوا الرد لا القبول، والعصيان لا الطاعة. وإنما ينافقون بما يقولون ويظهرون. والتبييت :إما من البيتوتة لأنه قضاء الأمر وتدبيره بالليل، يقال :هذا أمر بيت بليل. وإما من أبيات الشعر، لأن الشاعر يدبرها ويسويها ﴿ والله يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ ﴾ يثبته في صحائف أعمالهم، ويجازيهم عليه على سبيل الوعيد. أو يكتبه في جملة ما يوحى إليك فيطلعك على أسرارهم فلا يحسبوا أن إبطانهم يغني عنهم ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ ولا تحدّث نفسك بالانتقام منهم ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الله ﴾ في شأنهم، فإنّ الله يكفيك معرّتهم وينتقم لك منهم إذا قوي أمر الإسلام وعز أنصاره. وقرىء «بيت طائفة » بالإدغام وتذكير الفعل، لأنّ تأنيث الطائفة غير حقيقي، ولأنها في معنى الفريق والفوج.
تدبُّر الأمر :تأمُّله والنظر في إدباره وما يؤول إليه في عاقبته ومنتهاه، ثم استعمل في كل تأمل ؛ فمعنى تدبر القرآن :تأمل معانيه وتبصر ما فيه ﴿ لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً ﴾ لكان الكثير منه مختلفاً متناقضاً قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه، فكان بعضه بالغاً حدّ الإعجاز، وبعضه قاصراً عنه يمكن معارضته، وبعضه إخباراً بغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخباراً مخالفاً للمخبر عنه، وبعضه دالاً على معنى صحيح عند علماء المعاني. وبعضه دالاً على معنى فاسد غير ملتئم، فلما تجاوب كله بلاغة معجزة فائتة لقوى البلغاء وتناصر صحة معان وصدق إخبار، علم أنه ليس إلا من عند قادر على ما لا يقدر عليه غيره، عالم بما لا يعلمه أحد سواه.
فإن قلت :أليس نحو قوله : ﴿ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾ [ الأعراف :١٠٧ ]، ﴿ كَأَنَّهَا جَانٌّ ﴾ [ النمل :١٠ ]، ﴿ فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [ الحجر :٩٢ ]، ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ ﴾ [ الرحمن :٣٩ ] من الاختلاف ؟ قلت :ليس باختلاف عند المتدبرين.
هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم تكن فيهم خبرة بالأحوال ولا استبطان للأمور. كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمن وسلامة أو خوف وخلل ﴿ أَذَاعُواْ بِهِ ﴾ وكانت إذاعتهم مفسدة، ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أولي الأمر منهم - وهم كبراء الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمرون منهم - ﴿ لَعَلِمَهُ ﴾ لعلم تدبير ما أخبروا به ﴿ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ ﴾ الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها. وقيل :كانوا يقفون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعار، فيذيعونه فينتشر فيبلغ الأعداء، فتعود إذاعتهم مفسدة. ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وفوّضوه إليهم وكانوا كأن لم يسمعوا، لعلم الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه. وقيل :كانوا يسمعون من أفواه المنافقين شيئاً من الخبر عن السرايا مظنوناً غير معلوم الصحة فيذيعونه، فيعود ذلك وبالاً على المؤمنين. ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وقالوا :نسكت حتى نسمعه منهم ونعلم هل هو مما يذاع أو لا يذاع، لعلمه الذين يستنبطونه منهم، لعلم صحته وهل هو مما يذاع أو لا يذاع هؤلاء المذيعون، وهم الذين يستنبطونه من الرسول وأولي الأمر، أي يتلقونه منهم ويستخرجون علمه من جهتهم. يقال :أذاع السِّر، وأذاع به. قال :
أَذَاعَ بِهِ فِي النَّاسِ حَتَّى كَأَنَّهُ بِعَلْيَاءَ نَارٌ أُوقِدَتْ بِثَقُوب
ويجوز أن يكون المعنى فعلوا به الإذاعة، وهو أبلغ من أذاعوه، وقرىء «لعلْمِه » بإسكان اللام كقوله :
فَإِنْ أَهْجُهُ يَضْجَرْ كَمَا ضَجْرَ بَازِلٌ مِنَ الأُدْمِ دَبْرَتْ صَفْحَتَاهُ وَغَارِبُهْ
والنبط :الماء يخرج من البئر أول ما تحفر، وإنباطه واستنباطه :إخراجه واستخراجه، فاستعير لما يستخرجه الرجل بفضل ذهنه من المعاني والتدابير فيما يعضل ويهم ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ وهو إرسال الرسول، وإنزال الكتاب، والتوفيق ﴿ لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان ﴾ لبقيتم على الكفر ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ منكم. أو إلا اتباعا قليلاً، لما ذكر في الآي قبلها تثبطهم عن القتال، وإظهارهم الطاعة وإضمارهم خلافها.
قال : ﴿ فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ الله ﴾ إن أفردوك وتركوك وحدك ﴿ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ غير نفسك وحدها أن تقدّمها إلى الجهاد، فإنّ الله هو ناصرك لا الجنود، فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الألوف. وقيل :دعا الناس في بدر الصغرى إلى الخروج، وكان أبو سفيان واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم اللقاء فيها، فكره بعض الناس أن يخرجوا فنزلت، فخرج وما معه إلا سبعون لم يلوِ على أحد، ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده، وقرىء ﴿ لاَ تُكَلَّفُ ﴾ بالجزم على النهي، و«لا نكلف » :بالنون وكسر اللام، أي لا نكلف نحن إلا نفسك وحدها ﴿ وَحَرِّضِ المؤمنين ﴾ وما عليك في شأنهم إلا التحريض فحسب، لا التعنيف بهم ﴿ عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ ﴾ وهم قريش، وقد كف بأسهم فقد بدا لأبي سفيان وقال :هذا عام مجدب، وما كان معهم زاد إلا السويق، ولا يلقون إلا في عام مخصب فرجع بهم ﴿ والله أَشَدُّ بَأْساً ﴾ من قريش ﴿ وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ﴾ تعذيباً.
الشفاعة الحسنة :هي التي روعي بها حق مسلم، ودفع بها عنه شر أو جلب إليه خير. وابتغي بها وجه الله ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز لا في حدّ من حدود الله ولا في حق من الحقوق. والسيئة :ما كان بخلاف ذلك. وعن مسروق أنه شفع شفاعة فأهدى إليه المشفوع جارية، فغضب وردها وقال :لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك، ولا أتكلم فيما بقي منها وقيل :الشفاعة الحسنة :هي الدعوة للمسلم، لأنها في معنى الشفاعة إلى الله. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : « من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له [ و ] قال له الملك :ولك مثل ذلك، فذلك النصيب »، والدعوة على المسلم بضد ذلك ﴿ مُّقِيتاً ﴾ شهيداً حفيظاً. وقيل :مقتدراً. وأقات على الشيء، قال الزبير بن عبد المطلب :
وَذِي ضِغْنٍ نَفَيْتُ السُّوءَ عَنْهُ وَكُنْتُ عَلَى إِسَاءَتِهِ مُقِيتاً
وقال السموأل :
أَلِي الْفَضْلُ أَمْ عَلَيّ إِذَا حُو سِبْتُ إِنِّي عَلَى الْحِسَابِ مُقِيتُ
واشتقاقه من القوت لأنه يمسك النفس ويحفظها.
الأحسن منها أن تقول :( وعليكم السلام ورحمة الله ) إذا قال :( السلام عليكم ) وأن تزيد ( وبركاته ) إذا قال :( ورحمة الله ) وروي أن :رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم :السلام عليك، فقال : «وعليك السلام ورحمة الله » وقال آخر :السلام عليك ورحمة الله، فقال : «وعليك السلام ورحمة الله وبركاته » وقال آخر :السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال : «وعليك ». فقال الرجل :نقصتني، فأين ما قال الله ؟ وتلا الآية. فقال : «إنك لم تترك لي فضلاً فرددت عليك مثله » ﴿ أَوْ رُدُّوهَا ﴾ أو أجيبوها بمثلها. ورد السلام ورجعه :جوابه بمثله، لأن المجيب يرد قول المسلم ويكرره، وجواب التسليمة واجب، والتخيير إنما وقع بين الزيادة وتركها. وعن أبي يوسف رحمه الله :من قال لآخر :أقرئ فلاناً السلام، وجب عليه أن يفعل. وعن النخعي :السلام سنة والردّ فريضة. وعن ابن عباس :الردّ واجب. وما من رجل يمرّ على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلا نزع عنهم روح القدس وردّت عليه الملائكة. ولا يرد السلام في الخطبة، وقراءة القرآن، جهراً ورواية الحديث، وعند مذاكرة العلم، والأذان، والإقامة، وعن أبي يوسف :لا يسلم على لاعب النرد والشطرنج، والمغني، والقاعد لحاجته، ومطير الحمام، والعاري من غير عذر في حمام أو غيره. وذكر الطحاوي :أن المستحب ردّ السلام على طهارة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم :" أنه تيمم لردّ السلام " قالوا :ويسلم الرجل إذا دخل على امرأته. ولا يسلم على أجنبية. ويسلم الماشي على القاعد. والراكب على الماشي، وراكب الفرس على راكب الحمار، والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر. وإذا التقيا ابتدرا. وعن أبي حنيفة :لا تجهر بالرد يعني الجهر الكثير. وعن النبي صلى الله عليه وسلم :" إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا :وعليكم " أي وعليكم ما قلتم ؛ لأنهم كانوا يقولون :السام عليكم.
وروى :" لا تبتدئ اليهوديّ بالسلام، وإن بدأك فقل وعليك " وعن الحسن :يجوز أن تقول للكافر :وعليك السلام، ولا تقل :ورحمة الله، فإنها استغفار. وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلم عليه :وعليك السلام ورحمة الله. فقيل له في ذلك، فقال :أليس في رحمة الله يعيش ؟ وقد رخص بعض العلماء في أن يبدأ أهل الذمة بالسلام إذا دعت إلى ذلك حادثة تحوج إليهم. وروى ذلك عن النخعي. وعن أبي حنيفة :لا تبدأه بسلام في كتاب ولا غيره. وعن أبي يوسف لا تسلم عليهم ولا تصحافهم، وإذا دخلت فقل :السلام على من اتبع الهدى. ولا بأس بالدعاء له بما يصلحه في دنياه ﴿ على كُلّ شيء حَسِيباً ﴾ أي يحاسبكم على كل شيء من التحية وغيرها.
﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ إما خبر المبتدأ. وإما اعتراض والخبر ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴾. ومعناه :الله. والله ليجمعنكم ﴿ إلى يَوْمِ القيامة ﴾ أي ليحشرنكم إليه. والقيامة والقيام. كالطلابة والطلاب، وهي قيامهم من القبور أو قيامهم للحساب. قال الله تعالى : ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين ﴾ [ المطففين :٦ ] ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً ﴾ لأنه عز وعلا صادق لا يجوز عليه الكذب. وذلك أنّ الكذب مستقل بصارف عن الإقدام عليه وهو قبحه. ووجه قبحه الذي هو كونه كذباً وإخباراً عن الشيء بخلاف ما هو عليه. فمن كذب لم يكذب إلا لأنه محتاج إلى أن يكذب ليجرّ منفعة أو يدفع مضرة. أو هو غني عنه إلا أنه يجهل غناه. أو هو جاهل بقبحه. أو هو سفيه لا يفرق بين الصدق والكذب في إخباره ولا يبالي بأيهما نطق، وربما كان الكذب أحلى على حنكه من الصدق. وعن بعض السفهاء أنه عوتب على الكذب فقال :لو غرغرت لهواتك به ما فارقته. وقيل لكذاب :هل صدقت قط ؟ فقال :لولا أني صادق في قولي لا لقلتها. فكان الحكيم الغني الذي لا يجوز عليه الحاجات العالم بكل معلوم، منزهاً عنه، كما هو منزه عن سائر القبائح.
﴿ فِئَتَيْنِ ﴾ نصب على الحال، كقولك :مالك قائماً ؟ روى أنّ قوماً من المنافقين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى البدو معتلين باجتواء المدينة، فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين، فاختلف المسلمون فيهم، فقال بعضهم :هم كفار. وقال بعضهم :هم مسلمون. وقيل :كانوا قوماً هاجروا من مكة، ثم بدا لهم فرجعوا وكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم :إنا على دينك وما أخرجنا إلا اجتواء المدينة والاشتياق إلى بلدنا. وقيل :هم قوم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد ثم رجعوا. وقيل :هم العرنيون الذين أغاروا على السرح وقتلوا يساراً. وقيل :هم قوم أظهروا الإسلام وقعدوا عن الهجرة. ومعناه :ما لكم اختلفتم في شأن قوم نافقوا نفاقاً ظاهراً وتفرقتم فيه فرقتين وما لكم لم تبتوا القول بكفرهم ﴿ والله أَرْكَسَهُمْ ﴾ أي ردهم في حكم المشركين كما كانوا ﴿ بِمَا كَسَبُواْ ﴾ من ارتدادهم ولحوقهم بالمشركين واحتيالهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم. أو أركسهم في الكفر بأن خذلهم حتى أركسوا فيه. لما علم من مرض قلوبهم، ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ ﴾ أن تجعلوا من جملة المهتدين ﴿ مَنْ أَضَلَّ الله ﴾ من جعله من جملة الضلال، وحكم عليه بذلك أو خذله حتى ضلّ. وقرىء : «ركسهم ». و«ركسوا فيها ».
﴿ فَتَكُونُونَ ﴾ عطف على ﴿ تَكْفُرُونِ ﴾ ولو نصب على جواب التمني لجاز. والمعنى :ودّوا كفركم فكونكم معهم شرعاً واحداً فيما هم عليه من الضلال واتباع دين الآباء. فلا تتولوهم وإن آمنوا حتى يظاهروا إيمانهم بهجرة صحيحة هي لله ورسوله لا لغرض من أغراض الدنيا مستقيمة ليس بعدها بداء ولا تعرّب. ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة المستقيمة، فحكمهم حكم سائر المشركين يقتلون حيث وجدوا في الحلّ والحرم، وجانبوهم مجانبة كلية، وإن بذلوا لكم الولاية والنصرة فلا تقبلوا منهم.
﴿ إِلاَّ الذين يَصِلُونَ ﴾ استثناء من قوله : ﴿ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم ﴾ ومعنى ﴿ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ ﴾ ينتهون إليهم ويتصلون بهم. وعن أبي عبيدة :هو من الانتساب. وصلت إلى فلان واتصلت به إذا انتميت إليه. وقيل :إن الانتساب لا أثر له في منع القتال، فقد قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من هو من أنسابهم، والقوم هم الأسلميون، كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، وذلك أنه وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أنّ من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال.
وقيل :القوم بنو بكر بن زيد مناة كانوا في الصلح ﴿ أَوْ جَآءوكُمْ ﴾ لا يخلو من أن يكون معطوفاً على صفة قوم، كأنه قيل :إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين، أو قوم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم، أو على صلة الذين، كأنه قيل :إلا الذين يتصلون بالمعاهدين، أو الذين لا يقاتلونكم والوجه العطف على الصلة لقوله : ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم فَلَمْ يقاتلوكم وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾ بعد قوله : ﴿ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ فقرّر أن كفهم عن القتال أحد سببي استحقاقهم لنفي التعرض عنهم وترك الإيقاع بهم.
فإن قلت :كل واحد من الاتصالين له تأثير في صحة الاستثناء، واستحقاق إزالة التعرّض الاتصال بالمعاهدين والاتصال بالمكافين، لأنّ الاتصال بهؤلاء أو هؤلاء دخول في حكمهم، فهلا جوزت أن يكون العطف على صفة قوم، ويكون قوله : ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم ﴾ تقريراً لحكم اتصالهم بالمكافين واختلاطهم بهم وجريهم على سننهم ؟ قلت :هو جائز، ولكن الأول أظهر وأجرى على أسلوب الكلام.
وفي قراءة أبيّ : «بينكم وبينهم ميثاق جاؤوكم حصرت صدورهم »، بغير أو ووجهه أن يكون ( جاؤوكم ) بياناً ليصلون، أو بدلاً أو استئنافاً، أو صفة بعد صفة لقوم. حصرت صدورهم في موضع الحال بإضمار قد. والدليل عليه قراءة من قرأ : «حصرة صدورهم »، و«حصرات صدورهم ». و«حاصرات صدورهم ». وجعله المبرد صفة لموصوف محذوف على تقدير :أو جاؤكم قوماً حصرت صدورهم.
وقيل :هو بيان لجاؤوكم، وهم بنو مدلج جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مقاتلين. والحصر :الضيق والانقباض ﴿ أن يقاتلوكم ﴾ عن أن يقاتلوكم. أو كراهة أن يقاتلوكم.
فإن قلت :كيف يجوز أن يسلط الله الكفرة على المؤمنين ؟ قلت :ما كانت مكافتهم إلا لقذف الله الرعب في قلوبهم، ولو شاء لمصلحة يراها من ابتلاء ونحوه لم يقذفه، فكانوا متسلطين مقاتلين غير مكافين، فذلك معنى التسليط. وقرىء : «فلقتلوكم »، بالتخفيف والتشديد ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم ﴾ فإن لم يتعرضوا لكم ﴿ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم ﴾ أي الانقياد والاستسلام. وقرئ السلم بسكون اللام مع فتح السين ﴿ فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾ فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم.
﴿ سَتَجِدُونَ ءاخَرِينَ ﴾ هم قوم من بني أسد وغطفان، كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين، فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم ﴿ كُلَّمَا رُدُّواْ إِلَى الفتنة ﴾ كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين ﴿ أُرْكِسُواْ فِيِهَا ﴾ قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه، وكانوا شراً فيها من كل عدوّ ﴿ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ حيث تمكنتم منهم ﴿ سلطانا مُّبِيناً ﴾ حجة واضحة لظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر، وإضرارهم بأهل الإسلام أو تسلطاً ظاهراً حيث أذنا لكم في قتلهم.
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ وما صح له ولا استقام ولا لاق بحاله، كقوله : ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ [ آل عمران :١٦١ ]، ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا ﴾ [ الأعراف :٨٩ ]، ﴿ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً ﴾ ابتداء غير قصاص ﴿ إِلا خَطَئاً ﴾ إلا على وجه الخطأ.
فإن قلت :بم انتصب خطأ ؟ قلت :بأنه مفعول له، أي ما ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده. ويجوز أن يكون حالاً بمعنى لا يقتله في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ. وأن يكون صفة للمصدر إلا قتلاً خطأ. والمعنى أن من شأن المؤمن أن ينتفي عنه وجود قتل المؤمن ابتداء البتة، إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد، بأن يرمي كافراً فيصيب مسلماً، أو يرمي شخصاً على أنه كافر فإذا هو مسلم. وقرىء : «خطاء » بالمد و«خطا »، بوزن عمى - بتخفيف الهمزة - وروى :أنّ عياش بن أبي ربيعة - وكان أخا أبي جهل لأمّه - أسلم وهاجر خوفاً من قومه إلى المدينة، وذلك قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب ولا يؤويها سقف حتى يرجع. فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبي أنيسة فأتياه وهو في أطم ففتل منه أبو جهل في الذروة والغارب، وقال :أليس محمد يحثك على صلة الرحم، انصرف وبرَّ أمك وأنت على دينك، حتى نزل وذهب معهما، فلما فسحا عن المدينة كتفاه، وجلده كل واحد مائة جلدة. فقال للحارث :هذا أخي، فمن أنت يا حارث ؟ لله عليّ إن وجدتك خالياً أن أقتلك، وقدما به على أمه، فحلفت لا يحل كتافه أو يرتد. ففعل ثم هاجر بعد ذلك وأسلم، وأسلم الحارث وهاجر، فلقيه عياش بظهر قباء ولم يشعر بإسلامه فأنحى عليه فقتله، ثم أخبر بإسلامه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :قتلته ولم أشعر بإسلامه، فنزلت ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ فعليه تحرير رقبة. والتحرير :الإعتاق. والحر والعتيق :الكريم، لأن الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العبيد. ومنه :عتاق الخيل، وعتاق الطير لكرامها. وحرّ الوجه :أكرم موضع منه. وقولهم للئيم عبد. وفلان عبد الفعل :أي لئيم الفعل. والرقبة :عبارة عن النسمة، كما عبر عنها بالرأس في قولهم :فلان يملك كذا رأساً من الرقيق. والمراد برقبة مؤمنة :كل رقبة كانت على حكم الإسلام عند عامة العلماء. وعن الحسن :لا تجزىء إلا رقبة قد صلت وصامت، ولا تجزىء الصغيرة. وقاس عليها الشافعي كفارة الظهار، فاشترط الإيمان. وقيل :لما أخرج نفساً مؤمنة عن جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار، لأنّ إطلاقها من قيد الرق كإحيائها من قبل أن الرقيق ممنوع من تصرف الأحرار ﴿ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ﴾ مؤداة إلى ورثته يقتسمونها كما يقتسمون الميراث، لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل شيء، يقضي منها الدين، وتنفذ الوصية وإن لم يبق وارثاً فهي لبيت المال، لأن المسلمين يقومون مقام الورثة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أنا وارث من لا وارث له " وعن عمر رضي الله عنه :أنه قضى بدية المقتول، فجاءت امرأته تطلب ميراثها من عقله فقال :لا أعلم لك شيئاً، إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه. فقام الضحاك بن سفيان الكلابي فقال :كتب إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أورث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها أشيم. فورّثها عمر، وعن ابن مسعود :يرث كل وارث من الدية غير القاتل. وعن شريك :لا يقضي من الدية دين، ولا تنفذ وصية. وعن ربيعة :الغرة لأم الجنين وحدها، وذلك خلاف قول الجماعة. ( فإن قلت ) :على من تجب الرقبة والدية ؟ قلت :على القاتل إلا أن الرقبة في ماله، والدية تتحملها عنه العاقلة، فإن لم تكن له عاقلة فهي في بيت المال، فإن لم يكن ففي ماله ﴿ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ ﴾ إلا أن يتصدقوا عليه بالدية ومعناه العفو، كقوله : ﴿ إَّلا أَن يَعْفُونَ ﴾ [ البقرة :٢٣٧ ] ونحوه ﴿ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ [ البقرة :٢٨٠ ] وعن النبي صلى الله عليه وسلم :" كل معروف صدقة "، وقرأ أبيّ : «إلا أن يتصدقوا ».
فإن قلت :بم تعلق أن يصدقوا، وما محله ؟ قلت :تعلق بعليه، أو بمسلمة، كأنه قيل :وتجب عليه الدية أو يسلمها، إلا حين يتصدقون عليه. ومحلها النصب على الظرف بتقدير حذف الزمان، كقولهم :اجلس ما دام زيد جالساً. ويجوز أن يكون حالاً من أهله بمعنى إلا متصدقين ﴿ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ ﴾ من قوم كفار أهل الحرب وذلك نحو رجل أسلم في قومه الكفار وهو بين أظهرهم لم يفارقهم، فعلى قاتله الكفارة إذا قتله خطأ وليس على عاقلته لأهله شيء. لأنهم كفار محاربون. وقيل :كان الرجل يسلم ؛ ثم يأتي قومه وهم مشركون فيغزوهم جيش المسلمين، فيقتل فيهم خطأ لأنهم يظنونه كافراً مثلهم ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ ﴾ كفرة لهم ذمة كالمشركين الذين عاهدوا المسلمين وأهل الذمة من الكتابيين، فحكمه حكم مسلم من مسلمين ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ ﴾ رقبة، بمعنى لم يملكها ولا ما يتوصل به إليه ﴿ ف ﴾ عليه ﴿ فصِيَامٍ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مّنَ الله ﴾ قبولاً من الله ورحمة منه، من تاب الله عليه إذا قبل توبته يعني شرع ذلك توبة منه، أو نقلكم من الرقبة إلى الصوم توبة منه. هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد والإبراق والإرعاد أمر عظيم وخطب غليظ.
ومن ثم روى عن ابن عباس ما روى من أن توبة قاتل المؤمن عمداً غير مقبولة. وعن سفيان :كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا :لا توبة له، وذلك محمول منهم على الاقتداء بسنة الله في التغليظ والتشديد، وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة. وناهيك بمحو الشرك دليلاً. وفي الحديث : « لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرىء مسلم » وفيه : « لو أن رجلاً قتل بالمشرق وآخر رضي بالمغرب لأشرك في دمه » وفيه : « إن هذا الإنسان بنيان الله. ملعون من هدم بنيانه » وفيه : « من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله » والعجب من قوم يقرؤن هذه الآية ويرون ما فيها ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة، وقول ابن عباس بمنع التوبة. ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة واتباعهم هواهم وما يخيل إليهم مناهم، أن يطمعوا في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [ محمد :٢٤ ] ثم ذكر الله سبحانه وتعالى التوبة في قتل الخطأ، لما عسى يقع من نوع تفريط فيما يجب من الاحتياط والتحفظ فيه حسم للأطماع وأي حسم، ولكن لا حياة لمن تنادي.
فإن قلت :هل فيها دليل على خلود من لم يتب من أهل الكبائر ؟ قلت :ما أبين الدليل وهو تناول قوله : ﴿ وَمَن يَقْتُلْ ﴾ أيَّ قاتل كان، من مسلم أو كافر، تائب أو غير تائب، إلا أن التائب أخرجه الدليل. فمن ادعى إخراج المسلم غير التائب فليأت بدليل مثله.
﴿ فَتَبَيَّنُواْ ﴾ وقرىء : «فتثبتوا »، وهما التفعل بمعنى الاستفعال. أي اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تتهوكوا فيه من غير روية. وقرىء : «السلم ». و«السلام » وهما الاستسلام. وقيل :الإسلام. وقيل :التسليم الذي هو تحية أهل الإسلام ﴿ لَسْتَ مُؤْمِناً ﴾ وقرىء «مؤمناً » بفتح الميم من آمنه، أي لا نؤمنك، وأصله :
أن مرداس بن نهيك رجلاً من أهل فدك أسلم ولم يسلم من قومه غيره، فغزتهم سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان عليها غالب بن فضالة الليثي، فهربوا وبقي مرداس لثقته بإسلامه، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل وصعد، فلمَّا تلاحقوا وكبروا كبر ونزل وقال :لا إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد واستاق غنمه، فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد وجداً شديداً وقال :قتلتموه إرادة ما معه، ثم قرأ الآية على أسامة، فقال :يا رسول الله استغفر لي.
قال :فكيف بلا إله إلا الله ؟ قال أسامة :فما زال يعيدها حتى وددت أن لم أكن أسلمت إلا يومئذٍ، ثم استغفر لي وقال :أعتق رقبة ﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياة الدنيا ﴾ تطلبون الغنيمة التي هي حطام سريع النفاد، فهو الذي يدعوكم إلى ترك التثبت وقلة البحث عن حال من تقتلونه ﴿ فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ يغنمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام ويتعوّذ به من التعرض له لتأخذوا ماله ﴿ كذلك كُنتُمْ مّن قَبْلُ ﴾ أول ما دخلتم في الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة، فحصنت دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم ﴿ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ ﴾ بالاستقامة والاشتهار بالإيمان والتقدم، وإن صرتم أعلاماً فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم، وأن تعتبروا ظاهر الإسلام في المكافة، ولا تقولوا إن تهليل هذا لاتقاء القتل لا لصدق النية، فتجعلوه سلماً إلى استباحة دمه وماله وقد حرمهما الله وقوله : ﴿ فَتَبَيَّنُواْ ﴾ تكرير للأمر بالتبين ليؤكد عليهم ﴿ إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ فلا تتهافتوا في القتل وكونوا محترزين محتاطين في ذلك.
﴿ غَيْرُ أُوْلِى الضرر ﴾ قرئ بالحركات الثلاث، فالرفع صفة للقاعدون، والنصب استثناء منهم أو حال عنهم، والجرّ صفة للمؤمنين. والضرر :المرض، أو العاهة من عمى أو عرج أو زمانة أو نحوها. وعن زيد بن ثابت :
كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة، فوقعت فخذه على فخذي حتى خشيت أن ترضها، ثم سري عنه فقال :اكتب فكتبت في كتف ﴿ لاَّ يَسْتَوِى القاعدون مِنَ المؤمنين ﴾ ﴿ والمجاهدون ﴾ فقال ابن أمّ مكتوم وكان أعمى :يا رسول الله، وكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين. فغشيته السكينة كذلك، ثم قال :اقرأ يا زيد، فقرأت ﴿ لاَّ يَسْتَوِى القاعدون مِنَ المؤمنين ﴾ فقال ( غير أولي الضرر ). قال زيد :أنزلها الله وحدها، فألحقتها. والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في الكتف. وعن ابن عباس :لا يستوي القاعدون عن بدر والخارجون إليها. وعن مقاتل :إلى تبوك.
فإن قلت :معلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان، فما فائدة نفي الاستواء ؟ قلت :معناه الإذكار بما بينهما من التفاوت العظيم والبون البعيد، ليأنف القاعد ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته، فيهتز للجهاد ويرغب فيه وفي ارتفاع طبقته، ونحوه ﴿ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [ الزمر :٩ ] أريد به التحريك من حمية الجاهل وأنفته ليهاب به إلى التعلم، ولينهض بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم ﴿ فَضَّلَ الله المجاهدين ﴾ جملة موضحة لما نفي من استواء القاعدين والمجاهدين كأنه قيل :ما لهم لا يستوون، فأجيب بذلك. والمعنى على القاعدين غير أولي الضرر لكون الجملة بياناً للجملة الأولى المتضمنة لهذا الوصف ﴿ وَكُلاًّ ﴾ وكل فريق من القاعدين والمجاهدين ﴿ وَعَدَ الله الحسنى ﴾ أي المثوبة الحسنى وهي الجنة وإن كان المجاهدون مفضلين على القاعدين درجة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
« لقد خلفتم بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم » وهم الذين صحت نياتهم ونصحت جيوبهم وكانت أفئدتهم تهوى إلى الجهاد، وبهم ما يمنعهم من المسير من ضرر أو غيره.
فإن قلت :قد ذكر الله تعالى مفضلين درجة ومفضلين درجات، فمن هم ؟ قلت :أما المفضلون درجة واحدة فهم الذين فضلوا على القاعدين الأضراء وأما المفضلون درجات فالذين فضلوا على القاعدين الذين أذن لهم في التخلف اكتفاء بغيرهم، لأن الغزو فرض كفاية.
فإن قلت :لم نصب ( درجة ) و ( أجراً ) و ( درجات ) ؟ قلت :نصب قوله :( درجة ) لوقوعها موقع المرة من التفضيل، كأنه قيل فضلهم تفضيلة واحدة. ونظيره قولك :ضربه سوطاً، بمعنى ضربه ضربة. وأما ( أجراً ) فقد انتصب بفضل، لأنه في معنى أجرهم أجراً.
ودرجات، ومغفرة، ورحمة :بدل من أجر. أو يجوز أن ينتصب ( درجات ) نصب درجة. كما تقول :ضربه أسواطاً بمعنى ضربات، كأنه قيل :وفضله تفضيلات. ونصب ﴿ أَجْراً عَظِيماً ﴾ على أنه حال عن النكرة التي هي درجات مقدمة عليها، وانتصب مغفرة ورحمة بإضمار فعلهما بمعنى :وغفر لهم ورحمهم، مغفرة ورحمة.
﴿ توفاهم ﴾ يجوز أن يكون ماضياً كقراءة من قرأ : «توفتهم ». ومضارعاً بمعنى تتوفاهم، كقراءة من قرأ : «توفاهم »، على مضارع وفيت، بمعنى أن الله يوفى الملائكة أنفسهم فيتوفونها. أي يمكنهم من استيفائها فيستوفونها ﴿ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ ﴾ في حال ظلمهم أنفسهم ﴿ قَالُواْ ﴾ قال الملائكة للمتوفين ﴿ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ في أي شيء كنتم من أمر دينكم. وهم ناس من أهل مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة.
فإن قلت :كيف صح وقوع قوله : ﴿ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الأرض ﴾ جواباً عن قولهم : ﴿ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ ؟ وكان حق الجواب أن يقولوا :كنا في كذا أو لم نكن في شيء ؟ قلت :معنى ﴿ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين، حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا، فقالوا :كنا مستضعفين اعتذاراً مما وبخوا به واعتلالاً بالاستضعاف، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا في شيء، فبكتتهم الملائكة بقوله : ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فتهاجروا فِيهَا ﴾ أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم ومن الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة. وهذا دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يحب، لبعض الأسباب والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر، أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق الله وأدوم على العبادة حقت عليه المهاجرة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
" من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجبت له الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد عليهما الصلاة والسلام " اللَّهم إن كنت تعلم أن هجرتي إليك لم تكن إلا للفرار بديني فاجعلها سبباً في خاتمة الخير ودرك المرجوّ من فضلك والمبتغى من رحمتك وصل جواري لك بعكوفي عند بيتك، بجوارك في دار كرامتك يا واسع المغفرة.
ثم استثنى من أهل الوعيد، المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة في الخروج لفقرهم وعجزهم ولا معرفة لهم بالمسالك. وروي :أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بهذه الآية إلى مسلمي مكة، فقال جندب بن ضمرة أو ضمرة بن جندب لبنيه :احملوني، فإني لست من المستضعفين، وإني لأهتدي الطريق، والله لا أبيت الليلة بمكة. فحملوه على سرير متوجهاً إلى المدينة وكان شيخاً كبيراً فمات بالتنعيم.
فإن قلت :كيف أدخل الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد، كأنهم كانوا يستحقون الوعيد مع الرجال والنساء لو استطاعوا حيلة واهتدوا سبيلاً ؟ قلت :الرجال والنساء قد يكونون مستطيعين مهتدين وقد لا يكونون كذلك.
وأما الولدان فلا يكونون إلا عاجزين عن ذلك، فلا يتوجه عليهم وعيد، لأن سبب خروج الرجال والنساء من جملة أهل الوعيد إنما هو كونهم عاجزين، فإذا كان العجز متمكناً في الولدان لا ينفكون عنه، كانوا خارجين من جملتهم ضرورة. هذا إذا أريد بالولدان الأطفال ويجوز أن يراد المراهقون منهم الذين عقلوا ما يعقل الرجال والنساء فيلحقوا بهم في التكليف. وإن أريد بهم العبيد والإماء البالغون فلا سؤال.
فإن قلت :الجملة التي هي ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ ما موقعها ؟ قلت :هي صفة للمستضعفين أو للرجال والنساء والولدان.
وإنما جاز ذلك والجمل نكرات، لأن الموصوف وإن كان فيه حرف التعريف فليس لشيء بعينه، كقوله :
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ***
فإن قلت :لم قيل. ﴿ عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾ بكلمة الإطماع ؟ قلت :للدلالة على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه، حتى أن المضطر البين الاضطرار من حقه أن يقول عسى الله أن يعفو عني، فكيف بغيره.
﴿ مُرَاغَماً ﴾ مهاجراً وطريقاً يراغم بسلوكه قومه، أي يفارقهم على رغم أنوفهم. والرغم :الذلّ والهوان. وأصله لصوق الأنف بالرغام - وهو التراب -يقال :راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك. قال النابغة الجعدي.
كَطَوْدٍ يُلاَذُ بِأَرْكَانِهِ عَزِيزِ الْمَرَاغِمِ وَالْمَذْهَبِ
وقرىء «مرغماً ». وقرىء ﴿ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت ﴾ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. وقيل :رفع الكاف منقول من الهاء كأنه أراد أن يقف عليها، ثم نقل حركة الهاء إلى الكاف، كقوله :
مِنْ عَنَزِيٍّ سَبَّنِي لَمْ أَضْرِبُهْ ***
وقرىء «يدركه » بالنصب على إضمار أن، كقوله :
وَأَلْحَقُ بِالْحِجَازِ فَأَسْتَرِيحَا ***
﴿ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله ﴾ فقد وجب ثوابه عليه :وحقيقة الوجوب :الوقوع والسقوط ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ [ الحج :٣٦ ] ووجبت الشمس :سقط قرصها. والمعنى :فقد علم الله كيف يثيبه وذلك واجب عليه. وروى في قصة جندب بن ضمرة :أنه لما أدركه الموت أخذ يصفق بيمينه على شماله ثم قال :اللَّهم هذه لك، وهذه لرسولك، أبايعك على ما بايعك عليه رسولك. فمات حميداً فبلغ خبره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا :لو توفي بالمدينة لكان أتم أجراً، وقال المشركون وهم يضحكون :ما أدرك هذا ما طلب. فنزلت. وقالوا :كل هجرة لغرض ديني - من طلب علم، أو حج، أو جهاد، أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة وزهداً في الدنيا، أو ابتغاء رزق طيب - فهي هجرة إلى الله ورسوله. وإن أدركه الموت في طريقه، فأجره واقع على الله.
الضرب في الأرض :هو السفر، وأدنى مدة السفر الذي يجوز فيه القصر عند أبي حنيفة :مسيرة ثلاثة أيام ولياليهنّ سير الإبل ومشي الأقدام على القصد، ولا اعتبار بإبطاء الضارب وإسراعه. فلو سار مسيرة ثلاثة أيام ولياليهنّ في يوم، قصر. ولو سار مسيرة يوم في ثلاثة أيام، لم يقصر. وعند الشافعي أدنى مدة السفر أربعة برد مسيرة يومين. وقوله : ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة ﴾ ظاهره التخيير بين القصر والإتمام، وأن الإتمام أفضل. وإلى التخيير ذهب الشافعي. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم :
" أنه أتم في السفر " وعن عائشة رضي الله عنها :" اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قلت يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، قصرت وأتممت، وصمت وأفطرت. فقال :أحسنت يا عائشة وما عاب عليّ. " وكان عثمان رضي الله عنه يتم ويقصر. وعند أبي حنيفة رحمه الله :القصر في السفر عزيمة غير رخصة لا يجوز غيره. وعن عمر رضي الله عنه :
" صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم. " وعن عائشة رضي الله عنها :
" أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين ركعتين، فأقرت في السفر، وزيدت في الحضر "
فإن قلت :فما تصنع بقوله : ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ ﴾ ؟ قلت :كأنهم ألفوا الإتمام فكانوا مظنة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر فنفى عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمئنوا إليه. وقرىء : «تقصروا » من أقصر. وجاء في الحديث " إقصار الخطبة بمعنى تقصيرها. " وقرأ الزهري «تقصِّروا » بالتشديد. والقصر ثابت بنص الكتاب في حال الخوف خاصة، وهو قوله : ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ ﴾ وأمّا في حال الأمن فبالسنة، وفي قراءة عبد الله : «من الصلاة أن يفتنكم » ليس فيها ﴿ إِنْ خِفْتُمْ ﴾ على أنه مفعول له، بمعنى :كراهة أن يفتنكم. والمراد بالفتنة :القتال والتعرّض بما يكره.
﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة ﴾ يتعلق بظاهره من لا يرى صلاة الخوف بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث شرط كونه فيهم :وقال من رآها بعده :إن الأئمة نواب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل عصر، قوّام بما كان يقوم به فكان الخطاب له متناولاً لكل إمام يكون حاضر الجماعة في حال الخوف، عليه أن يؤمّهم كما أمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الجماعات التي كان يحضرها. والضمير في ( فيهم ) للخائفين ﴿ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ ﴾ فاجعلهم طائفتين فلتقم إحداهما معك فصل بهم ﴿ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ ﴾ الضمير إمّا للمصلين وإمّا لغيرهم فإن كان للمصلين فقالوا :يأخذون من السلاح ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر ونحوهما. وإن كان لغيرهم فلا كلام فيه ﴿ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ ﴾ يعني غير المصلين ﴿ مِن وَرَائِكُمْ ﴾ يحرسونكم وصفة صلاة الخوف عند أبي حنيفة :أن يصلي الإمام بإحدى الطائفتين ركعة إن كانت الصلاة ركعتين والأخرى بإزاء العدو ثم تقف هذه الطائفة بإزاء العدو وتأتي الأخرى فيصلي بها ركعة ويتم صلاته. ثم تقف بإزاء العدوّ، وتأتي الأولى فتؤدي الركعة بغير قراءة وتتم صلاتها ثم تحرس، وتأتي الأخرى فتؤدي الركعة بقراءة وتتم صلاتها. والسجود على ظاهره عند أبي حنيفة. وعند مالك بمعنى الصلاة، لأن الإمام يصلي عنده بطائفة ركعة ويقف قائماً حتى تتم صلاتها وتسلم وتذهب، ثم يصلي بالثانية ركعة ويقف قاعداً حتى تتم صلاتها. ويسلم بهم ويعضده ﴿ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ ﴾. وقرىء : «وأمتعاتكم » :
فإن قلت :كيف جمع بين الأسلحة وبين الحذر في الأخذ. قلت :جعل الحذر وهو التحرّز والتيقظ آلة يستعملها الغازي، فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ، وجعلا مأخوذين. ونحوه قوله تعالى : ﴿ والذين تَبَوَّءوا الدار والإيمان ﴾ [ الحشر :٩ ] جعل الإيمان مستقراً لهم ومتبوأ لتمكّنهم فيه فلذلك جمع بينه وبين الدار في التبوّء ﴿ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ ﴾ فيشدون عليكم شدة واحدة. ورخص لهم في وضع الأسلحة إن ثقل عليهم حملها بسبب ما يبلهم في مطر أو يضعفهم من مرض، وأمرهم مع ذلك بأخذ الحذر لئلا يغفلوا فيهجم عليهم العدو.
فإن قلت :كيف طابق الأمر بالحذر قوله : ﴿ إِنَّ الله أَعَدَّ للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ ؟ قلت :الأمر بالحذر من العدو يوهم توقع غلبته واعتزازه. فنفي عنهم ذلك الإيهام بإخبارهم أنّ الله يهين عدوهم ويخذله وينصرهم عليه، لتقوى قلوبهم، وليعلموا أن الأمر بالحذر ليس لذلك، وإنما هو تعبد من الله كما قال : ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ﴾ [ البقرة :١٦٥ ].
﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة ﴾ فإذا صليتم في حال الخوف والقتال ﴿ فاذكروا الله ﴾ فصلوها ﴿ قِيَاماً ﴾ مسايفين ومقارعين ﴿ وَقُعُوداً ﴾ جاثين على الركب مرامين ﴿ وعلى جُنُوبِكُمْ ﴾ مثخنين بالجراح ﴿ فَإِذَا اطمأننتم ﴾ حين تضع الحرب أوزارها وأمنتم ﴿ إنَّ الصلاة كَانَتْ عَلَى المؤمنين كتابا مَّوْقُوتاً ﴾ فاقضوا ما صليتم في تلك الأحوال التي هي أحوال القلق والانزعاج ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة فاذكروا الله قياما وَقُعُوداً ﴾ محدوداً بأوقات لا يجوز إخراجها عن أوقاتها على أي حال كنتم، خوف أو أمن.
وهذا ظاهر على مذهب الشافعي رحمه الله في إيجابه الصلاة على المحارب في حالة المسابقة والمشي والاضطراب في المعركة إذا حضر وقتها، فإذا اطمأن فعليه القضاء. وأما عند أبي حنيفة رحمه الله فهو معذور في تركها إلى أن يطمئن. وقيل :معناه فإذا قضيتم صلاة الخوف فأديموا ذكر الله مهللين مكبرين مسبحين داعين بالنصرة والتأييد في كافة أحوالكم من قيام وقعود واضطجاع، فإن ما أنتم فيه من خوف وحرب جدير بذكر الله ودعائه واللجأ إليه ﴿ فَإِذَا اطمأننتم ﴾ فإذا أقمتم ﴿ فَأَقِيمُوا الصلاة ﴾ فأتموها.
﴿ وَلاَ تَهِنُواْ ﴾ ولا تضعفوا ولا تتوانوا ﴿ فِى ابتغاء القوم ﴾ في طلب الكفار بالقتال والتعرض به لهم، ثم ألزمهم الحجة بقوله : ﴿ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ ﴾ أي ليس ما تكابدون من الألم بالجرح والقتل مختصاً بكم، إنما هو أمر مشترك بينكم وبينهم يصيبهم كما يصيبكم، ثم إنهم يصبرون عليه ويتشجعون. فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم، مع أنكم أولى منهم بالصبر لأنكم ﴿ تَرْجُونَ مِنَ الله مَا لاَ يَرْجُونَ ﴾ من إظهار دينكم على سائر الأديان، ومن الثواب العظيم في الآخرة. وقرأ الأعرج : «أن تكونوا تألمون »، بفتح الهمزة، بمعنى :ولا تهنوا لأن تكونوا تألمون. وقوله : ﴿ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ ﴾ تعليل. وقرىء : «فإنهم ييلمون كما تيلمون ». وروي أن هذا في بدر الصغرى، كان بهم جراح فتواكلوا ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ﴾ لا يكلفكم شيئاً ولا يأمركم ولا ينهاكم إلا لما هو عالم به مما يصلحكم.
روي :أنّ طعمة بن أبيرق أحد بني ظفر سرق درعاً من جار له اسمه قتادة بن النعمان في جراب دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه، وخبأها عند زيد بن السمين رجل من اليهود، فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد وحلف ما أخذها، وما له بها علم، فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها، فقال :دفعها إليّ طعمة، وشهد له ناس من اليهود. فقالت بنو ظفر :انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا :إن لم تفعل هلك وافتضح وبرىء اليهودي، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل وأن يعاقب اليهودي. وقيل :هم أن يقطع يده فنزلت. وروي أن طعمة هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطاً بمكة ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله ﴿ بِمَا أَرَاكَ الله ﴾ بما عرفك وأوحى به إليك. وعن عمر رضي الله عنه :لا يقولنّ أحدكم قضيت بما أراني الله، فإنّ الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن ليجتهد رأيه، لأن الرأي من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مصيباً، لأن الله كان يريه إياه، وهو منا الظن والتكلف ﴿ وَلاَ تَكُنْ لّلْخَائِنِينَ خَصِيماً ﴾ ولا تكن لأجل الخائنين مخاصماً للبراء. يعني لا تخاصم اليهود لأجل بني ظفر.
﴿ واستغفر الله ﴾ مما هممت به من عقاب اليهودي.
﴿ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ﴾ يخونونها بالمعصية. كقوله : ﴿ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾ [ البقرة :١٨٧ ] جعلت معصية العصاة خيانة منهم لأنفسهم كما جعلت ظلماً لها :لأنّ الضرر راجع إليهم.
فإن قلت :لم قيل ﴿ للخائنين ﴾ و ﴿ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ﴾ وكان السارق طعمة وحده ؟ قلت :لوجهين، أحدهما :أنّ بني ظفر شهدوا له بالبراءة ونصروه، فكانوا شركاء له في الإثم. والثاني :أنه جمع ليتناول طعمة وكل من خان خيانته، فلا تخاصم لخائن قط ولا تجادل عنه.
فإن قلت :لم قيل ﴿ خَوَّاناً أَثِيماً ﴾ على المبالغة ؟ قلت :كان الله عالماً من طعمة بالإفراط في الخيانة وركوب المآثم، ومن كانت تلك خاتمة أمره لم يشك في حاله. وقيل :إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات. وعن عمر رضي الله عنه أنه أمر بقطع يد سارق، فجاءت أمه تبكي وتقول :هذه أوّل سرقة سرقها فاعف عنه. فقال :كذبت، إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة.
﴿ يَسْتَخْفُونَ ﴾ يستترون ﴿ مِنَ الناس ﴾ حياء منهم وخوفاً من ضررهم ﴿ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله ﴾ ولا يستحيون منه ﴿ وَهُوَ مَعَهُمْ ﴾ وهو عالم بهم مطلع عليهم لا يخفى عليهم خاف من سرهم، وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم من قلة الحياء والخشية من ربهم، مع علمهم إن كانوا مؤمنين أنهم في حضرته لا سترة ولا غفلة ولا غيبة، وليس إلا الكشف الصريح والافتضاح ﴿ يُبَيّتُونَ ﴾ يدبرون ويزوّرون وأصله أن يكون بالليل ﴿ مَا لاَ يرضى مِنَ القول ﴾ وهو تدبير طعمة أن يرمي بالدرع في دار زيد ليسرّق دون ويحلف ببراءته.
فإن قلت :كيف سمى التدبير قولاً، وإنما هو معنى في النفس ؟ قلت لما حدّث بذلك نفسه سمي قولاً على المجاز. ويجوز أن يراد بالقول :الحلف الكاذب الذي حلف به بعد أن بيته، وتوريكه الذنب على اليهودي.
﴿ هاأنتم هؤلاء ﴾ ها للتنبيه في أنتم. وأولاء، وهما مبتدأ وخبر. و ﴿ جادلتم ﴾ جملة مبينة لوقوع أولاء خبرا، كما تقول لبعض الأسخياء :أنت حاتم، تجود بمالك، وتؤثر على نفسك. ويجوز أن يكون ( أولاء ) اسماً موصولاً بمعنى الذين، وجادلتم صلته. والمعنى :هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وقومه في الدنيا. فمن يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه. وقرأ عبد الله : «عنه »، أي عن طعمة ﴿ وَكِيلاً ﴾ حافظاً ومحامياً من بأس الله وانتقامه.
﴿ وَمَن يَعْمَلْ سواءا ﴾ قبيحاً متعدياً يسوء به غيره، كما فعل طعمة بقتادة واليهودي ﴿ أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ﴾ بما يختص به كالحلف الكاذب. وقيل :ومن يعمل سوءاً من ذنب دون الشرك. أو يظلم نفسه بالشرك. وهذا بعث لطعمة على الاستغفار والتوبة لتلزمه الحجة، مع العلم بما يكون منه. أو لقومه لما فرط منهم من نصرته والذبّ عنه.
﴿ فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ على نَفْسِهِ ﴾ أي لا يتعدّاه ضرره إلى غيره فليبق على نفسه من كسب السوء.
﴿ خَطِيئَةً ﴾ صغيرة ﴿ أَوْ إِثْماً ﴾ أو كبيرة ﴿ ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً ﴾ كما رمى طعمة زيداً ﴿ فَقَدِ احتمل بهتانا وَإِثْماً ﴾ لأنه بكسب الإثم «آثم » وبرمي البريء «باهت » فهو جامع بين الأمرين. وقرأ معاذ بن جبل رضي الله عنه : «ومن يكسب »، بكسر الكاف والسين المشددة وأصله يكتسب.
﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ ﴾ أي عصمته وألطافه وما أوحى إليك من الاطلاع على سرّهم ﴿ لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ ﴾ من بني ظفر ﴿ أَن يُضِلُّوكَ ﴾ عن القضاء بالحق وتوخي طريق العدل، مع علمهم أن الجاني هو صاحبهم، فقد روي أن ناساً منهم كانوا يعلمون كنه القصة ﴿ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ ﴾ لأن وباله عليهم ﴿ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ ﴾ لأنك إنما عملت بظاهر الحال، وما كان يخطر ببالك أن الحقيقة على خلاف ذلك ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ﴾ من خفيات الأمور وضمائر القلوب، أو من أمور الدين والشرائع. ويجوز أن يراد بالطائفة بنو ظفر، ويرجع الضمير في ( منهم ) إلى الناس. وقيل :الآية في المنافقين.
﴿ لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ ﴾ من تناجي الناس ﴿ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ ﴾ إلا نجوى من أمر، على أنه مجرور بدل من كثير، كما تقول :لا خير في قيامهم إلا قيام زيد. ويجوز أن يكون منصوباً على الانقطاع، بمعنى :ولكن من أمر بصدقة، ففي نجواه الخير. وقيل :المعروف القرض. وقيل إغاثة الملهوف. وقيل هو عامّ في كل جميل. ويجوز أن يراد بالصدقة الواجب وبالمعروف ما يتصدق به على سبيل التطوّع. وعن النبي صلى الله عليه وسلم :" كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو ذكر الله " وسمع سفيان رجلاً يقول :ما أشد هذا الحديث. فقال :ألم تسمع الله يقول : ﴿ لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ ﴾ فهو هذا بعينه أو ما سمعته يقول ﴿ والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ ﴾ [ العصر :١- ٢ ] فهذا هو بعينه. وشرط في استيجاب الأجر العظيم أن ينوي فاعل الخير عبادة الله والتقرّب به إليه، وأن يبتغي به وجهه خالصاً. لأن الأعمال بالنيات.
فإن قلت :كيف قال : ﴿ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ ﴾ ثم قال : ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك ﴾ ؟ قلت :قد ذكر الأمر بالخير ليدل به على فاعله، لأنه إذا دخل الآمر به في زمرة الخيرين كان الفاعل فيهم أدخل. ثم قال : ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك ﴾ فذكر الفاعل وقرن به الوعد بالأجر العظيم، ويجوز أن يراد :ومن يأمر بذلك، فعبر عن الأمر بالفعل كما يعبر به عن سائر الأفعال، وقرىء : «يؤتيه »، بالياء.
﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين ﴾ وهو السبيل الذي هم عليه من الدين الحنيفي القيم، وهو دليل على أن الإجماع حجة لا تجوز مخالفتها، كما لا تجوز مخالفة الكتاب والسنة، لأنّ الله عز وعلا جمع بين اتباع سبيل غير المؤمنين، وبين مشاقة الرسول في الشرط، وجعل جزاءه الوعيد الشديد، فكان اتباعهم واجباً كموالاة الرسول عليه الصلاة والسلام. قوله : ﴿ نُوَلّهِ مَا تولى ﴾ نجعله والياً لما تولى من الضلال، بأن نخذله ونخلي بينه وبين ما اختاره ﴿ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ﴾ وقرىء : «ونصله »، بفتح النون، من صلاه. وقيل :هي في طعمة وارتداده وخروجه إلى مكة.
﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ تكرير للتأكيد، وقيل :كرّر لقصة طعمة، وروي :أنه مات مشركاً. وقيل :جاء شيخ من العرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :إني شيخ منهمك في الذنوب، إلا أني لم أشرك بالله شيئاً منذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه ولياً، ولم أوقع المعاصي جرأة على الله ولا مكابرة له، وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هرباً، وإني لنادم تائب مستغفر، فما ترى حالي عند الله ؟ فنزلت. وهذا الحديث ينصر قول من فسر ﴿ مَن يَشَآء ﴾ بالتائب من ذنبه.
﴿ إِلاَّ إناثا ﴾ هي اللات والعزى ومناة. وعن الحسن لم يكن حيّ من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه يسمونه أنثى بني فلان. وقيل :كانوا يقولون في أصنامهم هنّ بنات الله. وقيل :المراد الملائكة. لقولهم :الملائكة بنات الله. وقرىء «أنثاً »، جمع أنيث أو أناث. «ووثناً ». «وأثناً »، بالتخفيف والتثقيل جمع وثن، كقولك أسد وأسد وأسد. وقلب الواو ألفاً نحو «أُجوه » في وجوه. وقرأت عائشة رضي الله عنها : «أوثاناً » ﴿ وَإِن يَدْعُونَ ﴾ وإن يعبدون بعبادة الأصنام ﴿ إِلاَّ شيطانا ﴾ لأنه هو الذي أغراهم على عبادتها فأطاعوه فجعلت طاعتهم له عبادة.
و ﴿ لَّعَنَهُ الله وَقَالَ لاَتَّخِذَنَّ ﴾ صفتان بمعنى شيطاناً مريداً جامعاً بين لعنة الله وهذا القول الشنيع ﴿ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ مقطوعاً واجباً فرضته لنفسي من قولهم :فرض له في العطاء، وفرض الجند رزقه. قال الحسن :من كل ألف تسعمائة وتسعين إلى النار.
﴿ وَلامَنّيَنَّهُمْ ﴾ الأماني الباطلة من طول الأعمار، وبلوغ الآمال، ورحمة الله للمجرمين بغير توبة والخروج من النار بعد دخولها بالشفاعة ونحو ذلك. وتبتيكهم الآذان فعلهم بالبحائر، كانوا يشقون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكراً، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها. وتغييرهم خلق الله :فقء عين الحامي وإعفاؤه عن الركوب. وقيل :الخصاء، وهو في قول عامة العلماء مباح في البهائم. وأما في بني آدم فمحظور. وعند أبي حنيفة :يكره شراء الخصيان وإمساكهم واستخدامهم، لأن الرغبة فيهم تدعو إلى خصائهم. وقيل :فطرة الله التي هي دين الإسلام، وقيل للحسن :إن عكرمة يقول هو الخصاء، فقال :كذب عكرمة، هو دين الله. وعن ابن مسعود :هو الوشم. وعنه :" لعن الله الواشرات والمتنمصات والمستوشمات المغيرات خلق الله " وقيل التخنث.
فهو هذا بعينه. أو ما سمعته يقول (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ) فهو هذا بعينه وشرط في استيجاب الأجر العظيم أن ينوى فاعل الخير عبادة اللَّه والتقرّب به إليه، وأن يبتغى به وجهه خالصاً، لأن الأعمال بالنيات. فإن قلت: كيف قال: (إِلَّا مَنْ أَمَرَ) ثم قال: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ) قلت: قد ذكر الأمر بالخير ليدل به على فاعله، لأنه إذا دخل الآمر به في زمرة الخيرين كان الفاعل فيهم أدخل. ثم قال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فذكر الفاعل وقرن به الوعد بالأجر العظيم، ويجوز أن يراد: ومن يأمر بذلك، فعبر عن الأمر بالفعل كما يعبر به عن سائر الأفعال، وقرئ: يؤتيه، بالياء.
[سورة النساء (٤) :الآيات ١١٥ الى ١٢١]
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (١١٩)
يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (١٢٠) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (١٢١)
وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وهو السبيل الذي هم عليه من الدين الحنيفي القيم، وهو دليل على أن الإجماع حجة لا تجوز مخالفتها، كما لا تجوز مخالفة الكتاب والسنة، لأنّ اللَّه عز وعلا جمع بين اتباع سبيل غير المؤمنين، وبين مشاقة الرسول في الشرط، وجعل جزاءه الوعيد الشديد، فكان اتباعهم واجبا كموالاة الرسول عليه الصلاة والسلام. قوله نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى نجعله واليا لما تولى من الضلال، بأن نخذله ونخلى بينه وبين ما اختاره وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وقرئ:
ونصله، بفتح النون، من صلاه. وقيل: هي في طعمة وارتداده وخروجه إلى مكة إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ تكرير للتأكيد، وقيل: كرّر لقصة طعمة: وروى: أنه مات مشركا. وقيل:
جاء شيخ من العرب إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال: إنى شيخ منهمك في الذنوب، إلا أنى لم أشرك باللَّه شيئاً منذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه ولياً، ولم أوقع المعاصي جرأة
على اللَّه ولا مكابرة له، وما توهمت طرفة عين أنى أعجز اللَّه هربا، وإنى لنادم تائب مستغفر، فما ترى حالى عند اللَّه؟ «١» فنزلت. وهذا الحديث ينصر قول من فسر (لِمَنْ يَشاءُ) بالتائب من ذنبه «٢» إِلَّا إِناثاً هي اللات والعزى ومناة. وعن الحسن لم يكن حىّ من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه يسمونه أنثى بنى فلان. وقيل: كانوا يقولون في أصنامهم هنّ بنات اللَّه. وقيل: المراد الملائكة. لقولهم: الملائكة بنات اللَّه. وقرئ أنثا، جمع أنيث أو أناث. ووثناً. وأثنا، بالتخفيف والتثقيل جمع وثن، كقولك أسد وأسد وأسد. وقلب الواو ألفا نحو «أُجوه» في وجوه. وقرأت عائشة رضى اللَّه عنها: أوثاناً وَإِنْ يَدْعُونَ وإن يعبدون بعبادة الأصنام إِلَّا شَيْطاناً لأنه هو الذي أغراهم على عبادتها فأطاعوه فجعلت طاعتهم له عبادة. ولَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ صفتان بمعنى شيطاناً مريداً جامعاً بين لعنة اللَّه وهذا القول الشنيع نَصِيباً مَفْرُوضاً مقطوعاً واجباً فرضته لنفسي من قولهم: فرض له في العطاء، وفرض الجند رزقه. قال الحسن: من كل ألف تسعمائة وتسعين إلى النار وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ الأمانى الباطلة «٣» من طول الأعمار، وبلوغ الآمال، ورحمة اللَّه للمجرمين بغير توبة «٤» والخروج من النار بعد دخولها بالشفاعة ونحو ذلك. وتبتيكهم الآذان فعلهم بالبحائر، كانوا يشقون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكراً، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها. وتغييرهم خلق اللَّه: فقء عين الحامى وإعفاؤه عن الركوب. وقيل: الخصاء، وهو في قول عامة العلماء مباح في البهائم. وأما في بنى آدم فمحظور. وعند أبى حنيفة: يكره شراء الخصيان وإمساكهم واستخدامهم، لأن الرغبة فيهم تدعو إلى خصائهم. وقيل: فطرة اللَّه التي هي دين الإسلام. وقيل للحسن: إن عكرمة يقول هو الخصاء، فقال: كذب عكرمة، هو دين اللَّه. وعن
(١). هو منقطع.
(٢). قوله «ينصر قول من فسر من يشاء... الخ» هو قول المعتزلة. (ع)
(٣). قال محمود: «المراد الأماني الباطلة... الخ» قال أحمد: هو تعريض بأهل السنة الذين يعتقدون أن الموحد ذا الكبائر غير التائب أمره يرجأ إلى اللَّه تعالى، والعفو عنه موكول إلى مشيئته إيمانا وتصديقا بقوله في الآية المعتبرة في هذا (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) والعجب أن هذه الآية تكررت في هذه السورة مرتين على أذن الزمخشري، وهو مع ذلك يتصام عنها، ويجعل العقيدة المتلقاة منها من جملة الأمانى الشيطانية، نعوذ باللَّه من إرسال الرسن في اتباع الهوى، وكذلك أيضا عرض بأهل السنة في اعتقادهم صدق الوعد الصادق بالشفاعة المحمدية، وعد ذلك أيضا أمنية شيطانية، وما أرى من جحد الشفاعة ينالها. فلا حول ولا قوة إلا باللَّه، لقد مكر بهذا الفاضل، فلا يأمن بعده عاقل. إنه لا يأمن مكر اللَّه إلا القوم الخاسرون. [..... ]
(٤). قوله: «للمجرمين بغير توبة» بل بالشفاعة، أو بمجرد الفضل. وهو مذهب أهل السنة. (ع)
﴿ وَعْدَ الله حَقّا ﴾ مصدران :الأول مؤكد لنفسه، والثاني مؤكد لغيره ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً ﴾ توكيد ثالث بليغ.
فإن قلت :ما فائدة هذه التوكيدات ؟ قلت :معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة وأمانيه الباطلة لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه، ترغيباً للعباد في إيثار ما يستحقون به تنجز وعد الله، على ما يتجرعون في عاقبته غصص إخلاف مواعيد الشيطان.
في ﴿ لَّيْسَ ﴾ ضمير وعد الله، أي ليس ينال ما وعد الله من الثواب ﴿ بأمانيكم وَلا ﴾ ب ﴿ أَمَانِىِّ أَهْلِ الكتاب ﴾ والخطاب للمسلمين لأِنه لا يتمنى وعد الله إلا من آمن به، وكذلك ذكر أهل الكتاب معهم لمشاركتهم لهم في الإيمان بوعد الله. وعن مسروق والسدي :هي في المسلمين. وعن الحسن :ليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل، إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا في الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا :نحسن الظنّ بالله وكذبوا، لو أحسنوا الظنّ بالله لأحسنوا العمل له. وقيل :إنّ المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب :نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، وقال المسلمون :نحن أولى منكم، نبينا خاتم النبيين وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله. فنزلت. ويحتمل أن يكون الخطاب للمشركين لقولهم :إن كان الأمر كما يزعم هؤلاء لنكونن خيراً منهم وأحسن حالاً ﴿ لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً ﴾ [ مريم :٧٧ ]، ﴿ إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى ﴾ [ فصلت :٥٠ ] وكان أهل الكتاب يقولون :نحن أبناء الله وأحباؤه. لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة، ويعضده تقدم ذكر أهل الشرك قبله. وعن مجاهد :إن الخطاب للمشركين. قوله : ﴿ مَن يَعْمَلْ سوءا يُجْزَ بِهِ ﴾.
وقوله : ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات ﴾ بعد ذكر تمني أهل الكتاب، نحو من قوله : ﴿ بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ [ البقرة :٨١ ]، وقوله : ﴿ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ عقيب قوله : ﴿ وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ﴾ [ البقرة :٨٠ ] وإذا أبطل الله الأماني وأثبت أن الأمر كله معقود بالعمل، وأن من أصلح عمله فهو الفائز. ومن أساء عمله فهو الهالك :تبين الأمر ووضح، ووجب قطع الأماني وحسم المطامع، والإقبال على العمل الصالح. ولكنه فصح لا تعيه الآذان ولا تلقى إليه الأذهان.
فإن قلت :ما الفرق بين ( من ) الأولى والثانية ؟ قلت :الأولى للتبعيض، أراد ومن يعمل بعض الصالحات ؛ لأنّ كلا لا يتمكن من عمل كل الصالحات لاختلاف الأحوال، وإنما يعمل منها ما هو تكليفه وفي وسعه. وكم من مكلف لا حج عليه ولا جهاد ولا زكاة، وتسقط عنه الصلاة في بعض الأحوال. والثانية لتبيين الإبهام في ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ ﴾
فإن قلت :كيف خص الصالحون بأنهم لا يظلمون وغيرهم مثلهم في ذلك ؟ قلت :فيه وجهان، أحدهما :أن يكون الراجع في ( ولا يظلمون ) لعمال السوء وعمال الصالحات جميعاً. والثاني أن يكون ذكره عند أحد الفريقين دالاً على ذكره عند الآخر، لأن كلا الفريقين مجزيون بأعمالهم لا تفاوت بينهم، ولأن ظلم المسيء أن يزاد في عقابه، وأرحم الراحمين معلوم أنه لا يزيد في عقاب المجرم، فكان ذكره مستغنى عنه وأما المحسن فله ثواب وتوابع للثواب من فضل الله هي في حكم الثواب، فجاز أن ينقص من الفضل لأنه ليس بواجب. فكان نفي الظلم دلالة على أنه لا يقع نقصان في الفضل.
﴿ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له لا تعرف لها رباً ولا معبوداً سواه ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ وهو عامل للحسنات تارك للسيئات ﴿ حَنِيفاً ﴾ حال من المتبع، أو من إبراهيم كقوله : ﴿ بَلْ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ المشركين ﴾ [ البقرة :١٣٥ ] وهو الذي تحنف أي مال عن الأديان كلها إلى دين الإسلام ﴿ واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً ﴾ مجاز عن اصطفائه واختصاصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله. والخليل :المخال، وهو الذي يخالك أي يوافقك في خلالك، أو يسايرك في طريقك، من الخل :وهو الطريق في الرمل، أو يسدّ خللك كما تسدّ خلله، أو يداخلك خلال منازلك وحجبك.
فإن قلت :ما موقع هذه الجملة ؟ قلت :هي جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب، كنحو ما يجيء في الشعر من قولهم :
. . . . . . . . . وَالْحَوَادِثُ جَمَّة ٌ***
فائدتها تأكيد وجوب اتباع ملته، لأن من بلغ من الزلفى عند الله أن اتخذه خليلاً، كان جديراً بأن تتبع ملته وطريقته. ولو جعلتها معطوفة على الجملة قبلها لم يكن لها معنى. وقيل :إن إبراهيم عليه السلام بعث إلى خليل له بمصر في أزمة أصابت الناس يمتار منه. فقال خليله :لو كان إبراهيم يطلب الميرة لنفسه لفعلت، ولكنه يريدها للأضياف، فاجتاز غلمانه ببطحاء لينة فملؤا منها الغرائر حياء من الناس. فلما أخبروا إبراهيم عليه السلام ساءه الخبر، فحملته عيناه وعمدت امرأته إلى غرارة منها فأخرجت أحسن حوّارى، واختبزت واستنبه إبراهيم عليه السلام فاشتم رائحة الخبز، فقال :من أين لكم ؟ فقالت امرأته :من خليلك المصري. فقال :بل من عند خليلي الله عز وجل، فسماه الله خليلاً.
﴿ وَللَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض ﴾ متصل بذكر العمال الصالحين والطالحين. معناه :أن له ملك أهل السموات والأرض، فطاعته واجبة عليهم ﴿ وَكَانَ الله بِكُلّ شَىْءٍ مُّحِيطاً ﴾ فكان عالماً بأعمالهم فمجازيهم على خيرها وشرها. فعليهم أن يختاروا لأنفسهم ما هو أصلح لها.
﴿ مَا يتلى ﴾ في محل الرفع. أي الله يفتيكم والمتلوّ ﴿ فِى الكتاب ﴾ في معنى اليتامى، يعني قوله : ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِى اليتامى ﴾ [ النساء :٣ ] وهو من قولك :أعجبني زيد وكرمه. ويجوز أن يكون. ﴿ مَا يتلى عَلَيْكُمْ ﴾ مبتدأ و ﴿ فِى الكتاب ﴾ خبره على أنها جملة معترضة، والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ تعظيماً للمتلو عليهم، وأن العدل والنصفة في حقوق اليتامى من عظائم الأمور المرفوعة الدرجات عند الله التي تجب مراعاتها والمحافظة عليها، والمخل بها ظالم متهاون بما عظمه الله. ونحوه في تعظيم القرآن : ﴿ وَإِنَّهُ فِى أُمّ الكتاب لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ ﴾ [ الزخرف :٤ ] ويجوز أن يكون مجروراً على القسم، كأنه قيل :قل الله يفتيكم فيهنّ، وأقسم بما يتلى عليكم في الكتاب. والقسم أيضاً لمعنى التعظيم، وليس بسديد أن يعطف على المجرور في ( فيهنّ )، لاختلاله من حيث اللفظ والمعنى، فإن قلت بم تعلق قوله : ﴿ فِى يتامى النساء ﴾ ؟ قلت :في الوجه الأوّل هو صلة ( يتلى ) أي يتلى عليكم في معناهن. ويجوز أن يكون ( في يتامى النساء ) بدلاً من ( فيهن ) وأما في الوجهين الآخرين فبدل لا غير.
فإن قلت :الإضافة في ( يتامى النساء ) ما هي ؟ قلت :إضافة بمعنى ( من ) كقولك :عندي سحق عمامة. وقرىء : «في ييامى النساء » بياءين على قلب همزة أيامى ياء ﴿ لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ ﴾ وقرىء : «ما كتب الله لهنّ ». أي ما فرض لهن من الميراث. وكان الرجل منهم يضم اليتيمة إلى نفسه وما لها. فإن كانت جميلة تزوجها وأكل المال، وإن كانت دميمة عضلها عن التزوج حتى تموت فيرثها ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ يحتمل في أن تنكحوهن لجمالهن، وعن أن تنكحوهن لدمامتهن. وروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا جاءه ولي اليتيمة نظر، فإن كانت جميلة غنية قال :زوّجها غيرك والتمس لها من هو خير منك، وإن كانت دميمة ولا مال لها قال :تزوجها فأنت أحق بها ﴿ والمستضعفين ﴾ مجرور معطوف على يتامى النساء، وكانوا في الجاهلية إنما يورثون الرجال القوام بالأمور دون الأطفال والنساء. ويجوز أن يكون خطاباً للأوصياء كقوله : ﴿ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب ﴾ [ النساء :٢ ] ﴿ وَأَن تَقُومُواْ ﴾ مجرور كالمستضعفين بمعنى :يفتيكم في يتامى النساء، وفي المستضعفين. وفي أن تقوموا. ويجوز أن يكون منصوباً بمعنى :ويأمركم أن تقوموا، وهو خطاب للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا لهم حقوقهم، ولا يخلوا أحداً يهتضمهم.
﴿ خافت مِن بَعْلِهَا ﴾ توقعت منه ذلك لما لاح لها مخايله وأماراته. والنشوز :أن يتجافى عنها بأن يمنعها نفسه ونفقته والمودة والرحمة التي بين الرجل والمرأة، وأن يؤذيها بسب أو ضرب والإعراض :أن يعرض عنها بأن يقل محادثتها ومؤانستها، وذلك لبعض الأسباب من طعن في سنّ، أو دمامة، أو شيء في خلق أو خُلق، أو ملال، أو طموح عين إلى أخرى، أو غير ذلك فلا بأس بهما في أن يصلحا بينهما. وقرىء :يصَّالحا. ويصالحا، بمعنى :يتصالحا، ويصطلحا. ونحو أصلح :اصبر في اصطبر ﴿ صُلْحاً ﴾ في معنى مصدر كل واحد من الأفعال الثلاثة. ومعنى الصلح :أن يتصالحا على أن تطيب له نفساً عن القسمة أو عن بعضها، كما فعلت سودة بنت زمعة حين كرهت أن يفارقها رسول صلى الله عليه وسلم وعرفت مكان عائشة من قلبه، فوهبت لها يومها. وكما روى أن امرأة أراد زوجها أن يطلقها لرغبته عنها وكان لها منه ولد فقالت :لا تطلقني ودعني أقوم على ولدي وتقسم لي في كل شهرين فقال :إن في هذا يصلح فهو أحب إليّ، فأقرها. أو تهب له بعض المهر، أو كله، أو النفقة ؛ فإن لم تفعل فليس له إلا أن يمسكها بإحسان أو يسرحها ﴿ والصلح خَيْرٌ ﴾ من الفرقة أو من النشوز والإعراض وسوء العشرة. أو هو خير من الخصومة في كل شيء. أو الصلح خير من الخيور، كما أن الخصومة شر من الشرور وهذه الجملة اعتراض، وكذلك قوله ﴿ وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح ﴾ ومعنى إحضار الأنفس الشح أن الشح جعل حاضراً لها لا يغيب عنها أبداً ولا تنفك عنه، يعني أنها مطبوعة عليه والغرض أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمتها وبغير قسمتها، والرجل لا تكاد نفسه تسمح بأن يقسم لها وأن يمسكها إذا رغب عنها وأحب غيرها ﴿ وَإِن تُحْسِنُواْ ﴾ بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن، وتصبروا على ذلك مراعاة لحق الصحبة ﴿ وَتَتَّقُواْ ﴾ النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة ﴿ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ من الإحسان والتقوى ﴿ خَبِيراً ﴾ وهو يثيبكم عليه. وكان عمران بن حطان الخارجي من أدمّ بني آدم، وامرأته من أجملهم، فأجالت في وجهه نظرها يوماً ثم تابعت الحمد لله، فقال :مالك ؟ قالت :حمدت الله على أني وإياك من أهل الجنة. قال :كيف ؟ قالت :لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، وقد وعد الله الجنة عباده الشاكرين والصابرين.
﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُواْ ﴾ ومحال أن تستطيعوا العدل ﴿ بَيْنَ النساء ِ ﴾ والتسوية حتى لا يقع ميل البتة ولا زيادة ولا نقصان فيما يجب لهن، فرفع لذلك عنكم تمام العدل وغايته، وما كلفتم منه إلا ما تستطيعون بشرط أن تبذلوا فيه وسعكم وطاقتكم، لأنّ تكليف ما لا يستطاع داخل في حدّ الظلم ﴿ وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ ﴾ [ فصلت :٤٦ ] وقيل :معناه أن تعدلوا في المحبة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول « هذه قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك » يعني المحبة ؛ لأن عائشة رضي الله عنها كانت أحب إليه. وقيل :إن العدل بينهن أمر صعب بالغ من الصعوبة حداً يوهم أنه غير مستطاع، لأنه يجب أن يسوّي بينهن في القسمة والنفقة والتعهد والنظر والإقبال والممالحة والمفاكهة والمؤانسة وغيرها مما لا يكاد الحصر يأتي من ورائه، فهو كالخارج من حدّ الاستطاعة. هذا إذا كن محبوبات كلهن ؛ فكيف إذا مال القلب مع بعضهن ﴿ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الميل ﴾ فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمتها من غير رضاً منها، يعني :أن اجتناب كل الميل مما هو في حد اليسر والسعة ؛ فلا تفرطوا فيه إن وقع منكم التفريط في العدل كله. وفيه ضرب من التوبيخ ﴿ فَتَذَرُوهَا كالمعلقة ﴾ وهي التي ليست بذات بعل ولا مطلقة قال :
هَلْ هِيَ إلاّ حَظَّةٌ أَوْ تَطْلِيقْ أوْ صَلَفٌ أَوْ بَيْنَ ذَاكَ تَعْلِيقْ
وفي قراءة أبيّ :فتذروها كالمسجونة. وفي الحديث : « من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل. » وروى أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث إلى أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال، فقالت عائشة رضي الله عنها :أإلى كل أزواج رسول الله بعث عمر مثل هذا ؟ قالوا :لا، بعث إلى القرشيات بمثل هذا وإلى غيرهنّ بغيره، فقالت :ارفع رأسك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعدل بيننا في القسمة بماله ونفسه. فرجع الرسول فأخبره، فأتم لهن جميعاً وكان لمعاذ امرأتان، فإذا كان عند إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى، فماتتا في الطاعون فدفنهما في قبر واحد ﴿ وَإِن تُصْلِحُواْ ﴾ ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة ﴿ وَتَتَّقُواْ ﴾ فيما يستقبل، غفر الله لكم.
وقرىء :وإن يتفارقا، بمعنى وإن يفارق كل واحد منهما صاحبه ﴿ يُغْنِ الله كُلاًّ ﴾ يرزقه زوجاً خيراً من زوجه وعيشاً أهنأ من عيشه. والسعة الغني. والمقدرة :والواسع :الغني المقتدر.
﴿ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ متعلق بوصينا، أو بأوتوا ﴿ وإياكم ﴾ عطف على الذين أوتوا ﴿ الكتاب ﴾ اسم للجنس يتناول الكتب السماوية ﴿ أَنِ اتقوا ﴾ بأن اتقوا. وتكون أن المفسرة، لأنّ التوصية في معنى القول :وقوله : ﴿ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ ﴾ عطف على اتقوا :لأنّ المعنى :أمرناهم وأمرناكم بالتقوى، وقلنا لهم ولكم :إن تكفروا فإن لله. والمعنى :إن لله الخلق كله وهو خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم أصناف النعم كلها، فحقه أن يكون مطاعاً في خلقه غير معصيّ. يتقون عقابه ويرجون ثوابه. ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من الأمم السالفة ووصيناكم أن اتقوا الله، يعني أنها وصية قديمة ما زال يوصي الله بها عباده، لستم بها مخصوصين، لأنهم بالتقوى يسعدون عنده، وبها ينالون النجاة في العاقبة، وقلنا لهم ولكم :وإن تكفروا فإن لله في سمواته وأرضه من الملائكة والثقلين من يوحده ويعبده ويتقيه ﴿ وَكَانَ الله ﴾ مع ذلك ﴿ غَنِيّاً ﴾ عن خلقه وعن عبادتهم جميعاً، مستحقاً لأن يحمد لكثرة نعمه وإن لم يحمده أحد منهم وتكرير.
قوله : ﴿ للَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ تقرير لما هو موجب تقواه ليتقوه فيطيعوه ولا يعصوه، لأن الخشية والتقوى أصل الخير كله.
﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ﴾ يفنكم ويعدمكم كما أوجدكم وأنشأكم ﴿ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ ﴾ ويوجد إنساً آخرين مكانكم أو خلقاً آخرين غير الإنس ﴿ وَكَانَ الله على ذلك ﴾ من الإعدام والإيجاد ﴿ قَدِيراً ﴾ بليغ القدرة لا يمتنع عليه شيء أراده، وهذا غضب عليهم وتخويف وبيان لاقتداره. وقيل :هو خطاب لمن كان يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب. أي :إن يشأ يمتكم ويأت بأناس آخرين يوالونه. ويروى :أنها لما نزلت ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على ظهر سلمان وقال : «إنهم قوم هذا » يريد أبناء فارس.
﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا ﴾ كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة ﴿ فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والأخرة ﴾ فماله يطلب أحدهما دون الآخر والذي يطلبه أخسهما، لأن من جاهد لله خالصاً لم تخطئه الغنيمة، وله من ثواب الآخرة ما الغنيمة إلى جنبه كلا شيء. والمعنى :فعند الله ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده حتى يتعلق الجزاء بالشرط.
﴿ قَوَّامِينَ بالقسط ﴾ مجتهدين في إقامة العدل حتى لا تجوروا ﴿ شُهَدَاء للَّهِ ﴾ تقيمون شهاداتكم لوجه الله كما أمرتم بإقامتها ﴿ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ ﴾ ولو كانت الشهادة على أنفسكم أو آبائكم أو أقاربكم.
فإن قلت :الشهادة على الوالدين والأقربين أن تقول :أشهد أن لفلان على والديّ كذا، أو على أقاربي. فما معنى الشهادة على نفسه ؟ قلت :هي الإقرار على نفسه، لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق لها. ويجوز أن يكون المعنى :وإن كانت الشهادة وبالاً على أنفسكم، أو على آبائكم وأقاربكم، وذلك أن يشهد على من يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره ﴿ إن يَكُنْ ﴾ إن يكن المشهود عليه ﴿ غَنِيّاً ﴾ فلا تمنع الشهادة عليه لغناه طلباً لرضاه ﴿ أَوْ فَقَيراً ﴾ فلا تمنعها ترحماً عليه ﴿ فالله أولى بِهِمَا ﴾ بالغني والفقير أي بالنظر لهما وإرادة مصلحتهما، ولولا أن الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها، لأنه أنظر لعباده من كل ناظر.
فإن قلت :لم ثنى الضمير في ( أولى بهما ) وكان حقه أن يوحد، لأن قوله : ﴿ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً ﴾ في معنى إن يكن أحد هذين ؟ قلت :قد رجع الضمير إلى ما دل عليه قوله : ﴿ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً ﴾ لا إلى المذكور، فلذلك ثنى ولم يفرد، وهو جنس الغنيّ وجنس الفقير، كأنه قيل :فالله أولى بجنسي الغنيّ والفقير، أي بالأغنياء والفقراء، وفي قراءة أبيّ :فالله أولى بهم وهي شاهدة على ذلك. وقرأ عبد الله : «إن يكن غني أو فقير »، على ( كان ) التامة ﴿ أَن تَعْدِلُواْ ﴾ يحتمل العدل والعدول، كأنه قيل :فلا تتبعوا الهوى، كراهة أن تعدلوا بين الناس، أو إرادة أن تعدلوا عن الحق ﴿ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ ﴾ وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل، أو تعرضوا عن الشهادة بما عندكم وتمنعوها. وقرىء : «وإن تلوا، أو تعرضوا »، بمعنى :وإن وليتم إقامة الشهادة أو أعرضتم عن إقامتها ﴿ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ وبمجازاتكم عليه.
﴿ ياأيهالذين ءَامَنُواْ ﴾ خطاب للمسلمين. ومعنى ﴿ ءامَنُواْ ﴾ اثبتوا على الإيمان وداوموا عليه وازدادوه ﴿ والكتاب الذى أَنَزلَ مِن قَبْلُ ﴾ المراد به جنس ما أنزل على الأنبياء قبله من الكتب، والدليل عليه قوله : ﴿ وَكُتُبِهِ ﴾ [ و ] قرىء : «وكتابه » على إرادة الجنس. وقرىء : «نزل ». «وأنزل »، على البناء للفاعل. وقيل :الخطاب لأهل الكتاب، لأنهم آمنوا ببعض الكتب والرسل وكفروا ببعض. وروي :أنه لعبد الله بن سلام، وأسد وأسيد ابني كعب، وثعلبة بن قيس، وسلام بن أخت عبد الله بن سلام، وسلمة ابن أخيه، ويامين بن يامين، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا :يا رسول الله، إنا نؤمن بك وبكتابك وموسى والتوراة وعزيز ونكفر بما سواه من الكتب والرسل، فقال عليه السلام :«بل آمنوا بالله ورسوله محمد وكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله، فقالوا :لا نفعل، فنزلت، فآمنوا كلهم. وقيل :هو للمنافقين، كأنه قيل :يا أيها الذين آمنوا نفاقاً آمنوا إخلاصاً.
فإن قلت :كيف قيل لأهل الكتاب ﴿ والكتاب الذى أَنَزلَ مِن قَبْلُ ﴾ وكانوا مؤمنين بالتوراة والإنجيل ؟ قلت :كانوا مؤمنين بهما فحسب، وما كانوا مؤمنين بكل ما أنزل من الكتب، فأمروا أن يؤمنوا بالجنس كله، ولأن إيمانهم ببعض الكتب لا يصح إيماناً به، لأن طريق الإيمان به هو المعجزة، ولا اختصاص لها ببعض الكتب دون بعض، فلو كان إيمانهم بما آمنوا به لأجل المعجزة لآمنوا به كله، فحين آمنوا ببعضه علم أنهم لم يعتبروا المعجزة، فلم يكن إيمانهم إيماناً. وهذا الذي أراد عز وجلّ في قوله : ﴿ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون حَقّاً ﴾ [ النساء :١٥٠ ].
فإن قلت :لم قيل ( نَزَّل على رسوله ) و ( أنزل من قبل ) ؟ قلت :لأن القرآن نزل مفرّقاً منجماً في عشرين سنة، بخلاف الكتب قبله، ومعنى قوله : ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بالله ﴾ الآية، ومن يكفر بشيء من ذلك ﴿ فَقَدْ ضَلَّ ﴾ لأن الكفر ببعضه كفر بكله. ألا ترى كيف قدم الأمر بالإيمان به جميعاً.
﴿ لَّمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ﴾ نفي للغفران والهداية وهي اللطف على سبيل المبالغة التي تُعطيها اللام، والمراد بنفيهما نفي ما يقتضيهما وهو الإيمان الخالص الثابت. والمعنى :إنّ الذين تكرر منهم الارتداد وعهد منهم ازدياد الكفر والإصرار عليه، يستبعد منهم أن يحدثوا ما يستحقون به المغفرة ويستوجبون اللطف من إيمان صحيح ثابت يرضاه الله، لأن قلوب أولئك الذين هذا ديدنهم قلوب قد ضربت بالكفر ومرنت على الردّة، وكان الإيمان أهون شيء عنده وأدونه، حيث يبدو لهم فيه كرّة بعد أخرى وليس المعنى أنهم لو أخلصوا الإيمان بعد تكرار الردّة ونصحت توبتهم لم يقبل منهم ولم يغفر لهم، لأنّ ذلك مقبول حيث هو بذل للطاقة واستفراغ للوسع، ولكنه استبعاد له واستغراب، وأنه أمر لا يكاد يكون، وهكذا ترى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع، لا يكاد يرجى منه الثبات. والغالب أنه يموت على شرِّ حال وأسمج صورة. وقيل :هم اليهود، آمنوا بالتوراة وبموسى ثم كفروا بالإنجيل وبعيسى. ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم.
﴿ بَشّرِ المنافقين ﴾ وضع ( بشر ) مكان :أخبر، تهكماً بهم.
و ﴿ الذين ﴾ نصب على الذمّ أو رفع بمعنى أريد الذين، أو هم الذين. وكانوا يمايلون الكفرة ويوالونهم ويقول بعضهم لبعض :لا يتم أمر محمد فتولوا اليهود. ﴿ فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً ﴾ يريد لأوليائه الذين كتب لهم العز والغلبة على اليهود وغيرهم، وقال : ﴿ وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [ المنافقون :٨ ].
﴿ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ﴾ هي أن المخففة من الثقيلة. والمعنى أنه إذا سمعتم، أي نزل عليكم أنّ الشأن كذا والشأن ما أفادته الجملة بشرطها وجزائها، و ( أن ) مع ما في حيزها في موضع الرفع ب ( نَزَّل )، أو في موضع النصب ب ( ننزّل )، فيمن قرأ به. والمنزل عليهم في الكتاب :هو ما نزل عليهم بمكة من قوله : ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ فِى ءاياتنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ [ الأنعام :٦٨ ] وذلك أن المشركين كانوا يخضون في ذكر القرآن في مجالسهم فيستهزؤون به، فنهى المسلمون عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه. وكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين، فنهوا أن يقعدوا معهم كما نهوا عن مجالسة المشركين بمكة. وكان الذين يقاعدون الخائضين في القرآن من الأحبار هم المنافقون، فقيل لهم إنكم إذاً مثل الأحبار في الكفر ﴿ إِنَّ الله جَامِعُ المنافقين والكافرين ﴾ يعني القاعدون والمقعود معهم.
فإن قلت :الضمير في قوله : ﴿ فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ ﴾ إلى من يرجع ؟ قلت :إلى من دل عليه ﴿ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا ﴾ كأنه قيل :فلا تقعدوا مع الكافرين بها والمستهزئين بها.
فإن قلت :لم يكونوا مثلهم بالمجالسة إليهم في وقت الخوض ؟ قلت :لأنهم إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين. والراضي بالكفر كافر.
فإن قلت :فهلا كان المسلمون بمكة حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين منافقين ؟ قلت :لأنهم كانوا لا ينكرون لعجزهم وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم، فكان ترك الإنكار لرضاهم.
﴿ الذين يَتَرَبَّصُونَ ﴾ إما بدل من الذين يتخذون وإما صفة للمنافقين أو نصب على الذم منهم ﴿ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ﴾ أي ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من ظفر أو إخفاق ﴿ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ﴾ مظاهرين فأسهموا لنا في الغنيمة ﴿ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ﴾ ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم ﴿ وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ المؤمنين ﴾ بأن ثبطناهم عنكم. وخيلنا لهم ما ضعفت به قلوبكم ومرضوا في قتالكم، وتوانينا في مظاهرتهم عليكم، فهاتوا نصيباً لنا بما أصبتم. وقرىء «ونمنعكم » بالنصب إضمار أن، قال الحطيئة :
أَلَمْ أَكُ جَارَكُمْ وَيَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ الْمَوَدَّةُ وَالإِخَاءُ
فإن قلت :لم سمى ظفر المسلمين فتحاً، وظفر الكافرين نصيباً ؟ قلت :تعظيماً لشأن المسلمين وتخسيساً لحظ الكافرين ؛ لأن ظفر المسلمين أمر عظيم تفتح لهم أبواب السماء حتى ينزل على أوليائه، وأمّا ظفر الكافرين، فما هو إلا حظ دنيّ ولمظة من الدنيا يصيبونها.
﴿ يخادعون الله ﴾ يفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطان الكفر ﴿ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ وهو فاعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع حيث تركهم معصومي الدماء والأموال في الدنيا وأعدّ لهم الدرك الأسفل من النار في الآخرة، ولم يخلهم في العاجل من فضيحة وإحلال بأس ونقمة ورعب دائم. والخادع :اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه. وقيل :يعطون على الصراط نوراً كما يعطى المؤمنون فيمضون بنورهم ثم يطفأ نورهم ويبقى نور المؤمنين، فينادون :انظرونا نقتبس من نوركم ﴿ كسالى ﴾ قرئ بضم الكاف وفتحها، جمع كسلان، كسكارى في سكران، أي يقومون متثاقلين متقاعسين، كما ترى من يفعل شيئاً على كره لا عن طيبة نفس ورغبة ﴿ يُرَآءُونَ الناس ﴾ يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة ﴿ وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ولا يصلون إلا قليلاً لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به، وما يجاهرون به قليل أيضاً لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس في قلوبهم لم يتكلفوه. أو ولا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلاً في الندرة، وهكذا ترى كثيراً من المتظاهرين بالإسلام لو صحبته الأيام والليالي لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه. ويجوز أن يراد بالقلة العدم.
فإن قلت :ما معنى المراءاة وهي مفاعلة من الرؤية ؟ قلت :فيها وجهان، أحدهما :أن المرائي يريهم عمله وهم يرونه استحسانه. والثاني :أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل، فيقال :راءى الناس. يعني رآهم، كقولك :نعمه وناعمه، وفنقه وفانقه وعيش مفانق. روى أبو زيد :رأت المرأة المرأة الرجل، إذا أمسكتها لترى وجهه، ويدل عليه قراءة ابن أبي إسحاق :يرأونهم بهمزة مشدّدة :مثل. يرعونهم، أي يبصرونهم أعمالهم ويراؤونهم كذلك.
﴿ مُّذَبْذَبِينَ ﴾ إمّا حال نحو قوله :( ولا يذكرون ) عن واو يراؤن، أي يراؤنهم غير ذاكرين مذبذبين، أو منصوب على الذم. ومعنى ( مذبذبين ) ذبذبهم الشيطان والهوى بين الإيمان والكفر، فهم متردّدون بينهما متحيرون. وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين أي يذاد ويدفع فلا يقرّ في جانب واحد، كما قيل :فلان يرمى به الرحوان إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب كأن المعنى :كلما مال إلى جانب ذب عنه. وقرأ ابن عباس «مذبذبين » بكسر الذال، بمعنى يذبذبون قلوبهم أو دينهم أو رأيهم. أو بمعنى يتذبذبون. كما جاء :صلصل وتصلصل بمعنى. وفي مصحف عبد الله. متذبذبين. وعن أبي جعفر : «مدبدبين »، بالدال غير المعجمة وكأن المعنى :أخذ بهم تارة في دبة وتارة في دبة، فليسوا بماضين على دبة واحدة. والدبة :الطريقة ومنها :دبة قريش. و ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الكفر والإيمان ﴿ لآ إلى هؤلاءآء ﴾ لا منسوبين إلى هؤلاء فيكونون مؤمنين ﴿ وَلاَ إلى هؤلاءآء ﴾ ولا منسوبين إلى هؤلاء فيسمون مشركين.
﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ الكافرين أَوْلِيَاء ﴾ لا تتشبهوا بالمنافقين في اتخاذهم اليهود وغيرهم من أعداء الإسلام أولياء ﴿ سلطانا ﴾ حجة بينة، يعني أن موالاة الكافرين بينة على النفاق. وعن صعصعة بن صوحان أنه قال لابن أخ له :خالص المؤمن، وخالق الكافر والفاجر ؛ فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن، وإنه يحق عليك أن تخالص المؤمن.
﴿ الدرك الأسفل ﴾ الطبق الذي في قعر جهنم، والنار سبع دركات، سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض، وقرىء بسكون الراء، والوجه التحريك، لقولهم :أدراك جهنم.
فإن قلت :لِمَ كان المنافق أشدّ عذاباً من الكافر ؟ قلت :لأنه مثله في الكفر، وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله ومداجاتهم.
﴿ وَأَصْلَحُواْ ﴾ ما أفسدوا من أسرارهم وأحوالهم في حال النفاق ﴿ واعتصموا بالله ﴾ ووثقوا به كما يثق المؤمنون الخلص ﴿ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ ﴾ لا يبتغون بطاعتهم إلا وجهه ﴿ فَأُوْلَئِكَ مَعَ المؤمنين ﴾ فهم أصحاب المؤمنين ورفقاؤهم في الدارين ﴿ وَسَوْفَ يُؤْتِ الله المؤمنين أَجْراً عَظِيماً ﴾ فيشاركونهم فيه ويساهمونهم.
فإن قلت :مَن المنافق ؟ قلت :هو في الشريعة من أظهر الإيمان وأبطن الكفر. وأمّا تسمية من ارتكب ما يفسق به :بالمنافق فللتغليظ، كقوله :
«من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر » ومنه قوله عليه الصلاة والسلام :
" ثلاث من كنّ فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم :من إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان "، وقيل لحذيفة رضي الله عنه :مَن المنافق ؟ فقال :الذي يصف الإسلام ولا يعمل به. وقيل لابن عمر :ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه فقال :كنا نعدّه من النفاق. وعن الحسن :أتى على النفاق زمان وهو مقروع فيه، فأصبح وقد عمم وقلد وأعطى سيفاً، يعني الحجاج.
﴿ مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ ﴾ أيتشفى به من الغيظ، أم يدرك به الثار، أم يستجلب به نفعاً، أم يستدفع به ضرراً كما يفعل الملوك بعذابهم، وهو الغنيّ الذي لا يجوز عليه شيء من ذلك. وإنما هو أمر أوجبته الحكمة أن يعاقب المسيء، فإن قمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب ﴿ وَكَانَ الله شاكرا ﴾ مثيباً موفياً أجوركم ﴿ عَلِيماً ﴾ بحق شكركم وإيمانكم.
فإن قلت :لم قدم الشكر على الإيمان ؟ قلت :لأن العاقل ينظر إلى ما عليه من النعمة العظيمة في خلقه وتعريضه للمنافع، فيشكر شكراً مبهماً، فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكراً مفصلاً، فكان الشكر متقدماً على الإيمان، وكأنه أصل التكليف ومداره.
﴿ إَلاَّ مَن ظُلِمَ ﴾ إلا جهر من ظلم استثنى من الجهر الذي لا يحبه الله جهر المظلوم. وهو أن يدعو على الظالم ويذكره بما فيه من السوء. وقيل :هو أن يبدأ بالشتيمة فيرد على الشاتم ﴿ وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ ﴾ [ الشورى :٤١ ] وقيل :ضاف رجل قوماً فلم يطعموه، فأصبح شاكياً، فعوتب على الشكاية فنزلت، وقرىء «إلا من ظلم » على البناء للفاعل للانقطاع. أي ولكن الظالم راكب ما لا يحبه الله فيجهر بالسوء. ويجوز أن يكون ( من ظلم ) مرفوعاً، كأنه قيل :لا يحب الله الجهر بالسوء، إلا الظالم على لغة من يقول :ما جاءني زيد إلا عمرو، بمعنى ما جاءني إلا عمرو. ومنه ﴿ لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى السموات والأرض الغيب إِلاَّ الله ﴾ [ النمل :٦٥ ].
ثم حث على العفو، وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء وإن كان على وجه الانتصار، بعد ما أطلق الجهر به وجعله محبوباً، حثاً على الأحب إليه، والأفضل عنده والأدخل في الكرم والتخشع والعبودية، وذكر إبداء الخير وإخفاءه تنبيهاً للعفو، ثم عطفه عليهما اعتداداً به وتنبيهاً على منزلته، وأن له مكاناً في باب الخير وسيطاً والدليل على أن العفو هو الغرض المقصود بذكر إبداء الخير وإخفائه قوله : ﴿ فَإِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً ﴾ أي يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام، فعليكم أن تقتدوا بسنة الله.
جعل الذين آمنوا بالله وكفروا برسله أو آمنوا بالله وببعض رسله وكفروا ببعض كافرين بالله ورسله جميعاً لما ذكرنا من العلة، ومعنى اتخاذهم بين ذلك سبيلاً :أن يتخذوا ديناً وسطاً بين الإيمان والكفر كقوله : ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً ﴾ [ الإسراء :١١٠ ] أي طريقاً وسطاً في القراءة وهو ما بين الجهر والمخافتة.
وقد أخطؤوا، فإنه لا واسطة بين الكفر والإيمان ولذلك قال : ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون حَقّاً ﴾ أي هم الكاملون في الكفر. و ( حقاً ) تأكيد لمضمون الجملة، كقولك :هو عبد الله حقاً، أي حق ذلك حقاً، وهو كونهم كاملين في الكفر، أو هو صفة لمصدر الكافرين، أي هم الذين كفروا كفراً حقاً ثابتاً يقيناً لا شك فيه.
فإن قلت :كيف جاز دخول ﴿ بَيْنَ ﴾ على ﴿ أَحَدٍ ﴾ وهو يقتضي شيئين فصاعداً ؟ قلت :إن أحداً عام في الواحد المذكر والمؤنث وتثنيتهما وجمعهما، تقول :ما رأيت أحداً، فتقصد العموم، ألا تراك تقول :إلا بني فلان، وإلا بنات فلان ؛ فالمعنى :ولم يفرقوا بين اثنين منهم أو بين جماعة ومنه قوله تعالى : ﴿ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النساء ﴾ [ الأحزاب :٣٢ ]، ﴿ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ﴾ معناه :أنّ إيتاءها كائن لا محالة وإن تأخر فالغرض به توكيد الوعد وتثبيته لا كونه متأخراً.
روي :أنّ كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازورا وغيرهما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم :إن كنت نبياً صادقاً فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى. فنزلت. وقيل :كتاباً إلى فلان وكتاباً إلى فلان أنك رسول الله، وقيل :كتاباً نعاينه حين ينزل. وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت، قال الحسن :ولو سألوه لكي يتبينوا الحق لأعطاهم، وفيما آتاهم كفاية ﴿ فَقَدْ سَأَلُواْ موسى ﴾ جواب لشرط مقدر. معناه :إن استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا موسى. ﴿ أَكْبَرَ مِن ذلك ﴾ وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم في أيام موسى وهم النقباء السبعون، لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم ومضاهين لهم في التعنت ﴿ جَهْرَةً ﴾ عياناً بمعنى أرناه نره جهرة ﴿ بِظُلْمِهِمْ ﴾ بسبب سؤالهم الرؤية. ولو طلبوا أمراً جائزاً لما سموا ظالمين ولما أخذتهم الصاعقة، كما سأل إبراهيم عليه السلام أن يريه إحياء الموتى فلم يسمه ظالماً ولا رماه بالصاعقة، فتباً للمشبهة ورمياً بالصواعق ﴿ وَءَاتَيْنا مُوسَى اسلطانا مُّبِيناً ﴾ تسلطاً واستيلاء ظاهراً عليهم حين أمرهم بأن يقتلوا أنفسهم حتى يتاب عليهم فأطاعوه، واحتبوا بأفنيتهم والسيوف تتساقط عليهم فيالك من سلطان مبين.
﴿ بميثاقهم ﴾ بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه ﴿ وَقُلْنَا لَهُمُ ﴾ والطور مطل عليهم ﴿ ادخلوا الباب سُجَّداً ﴾ ولا تعدوا في السبت، وقد أخذ منهم الميثاق على ذلك، وقولهم سمعنا وأطعنا، ومعاهدتهم على أن يتموا عليه ثم نقضوه بعد. وقرىء : «لا تعتدوا ». «ولا تعدّوا »، بادغام التاء في الدال.
﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ﴾ فبنقضهم. و ( ما ) مزيدة للتوكيد.
فإن قلت :بم تعلقت الباء ؟ وما معنى التوكيد ؟ قلت :إما أن يتعلق بمحذوف، كأنه قيل :فبما نقضهم ميثاقهم فعلنا بهم ما فعلنا، وإما أن يتعلق بقوله : ﴿ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ على أنّ قوله : ﴿ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ ﴾ [ النساء :١٦٠ ] بدل من قوله : ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم ﴾ وأما التوكيد فمعناه تحقيق أنّ العقاب أو تحريم الطيبات لم يكن إلا بنقض العهد وما عطف عليه من الكفر وقتل الأنبياء وغير ذلك.
فإن قلت :هلا زعمت أن المحذوف الذي تعلقت به الباء ما دل عليه قوله : ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا ﴾ فيكون التقدير :فبما نقضهم ميثاقهم طبع الله على قلوبهم، بل طبع الله عليها بكفرهم. قلت :لم يصح هذا التقدير لأنّ قوله : ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾ ردّ وإنكار لقولهم : ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ فكان متعلقاً به، وذلك أنهم أرادوا بقولهم :( قلوبنا غلف ) أن الله خلق قلوبنا غلفاً، أي في أكنة لا يتوصل إليها شيء من الذكر والموعظة، كما حكى الله عن المشركين وقالوا : ﴿ لَوْ شَاء الرحمن مَا عبدناهم ﴾ [ الزخرف :٢٠ ] وكمذهب المجبرة أخزاهم الله، فقيل لهم :بل خذلها الله ومنعها الألطاف بسبب كفرهم، فصارت كالمطبوع عليها، لا أن تخلق غلفاً غير قابلة للذكر ولا متمكنة من قبوله.
فإن قلت :علام عطف قوله : ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ ﴾ ؟ قلت :الوجه أن يعطف على ( فبما نقضهم ) ويجعل قوله : ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾ كلاماً تبع قوله : ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ على وجه الاستطراد، يجوز عطفه على ما يليه من قوله :( بكفرهم ).
فإن قلت :ما معنى المجيء بالكفر معطوفاً على ما فيه ذكره، سواء عطف على ما قبل حرف الإضراب، أو على ما بعده، وهو قوله : ﴿ وَكُفْرِهِم بئايات الله ﴾.
وقوله : ﴿ بِكُفْرِهِمْ ﴾ ؟ قلت :قد تكرّر منهم الكفر، لأنهم كفروا بموسى، ثم بعيسى، ثم بمحمد صلوات الله عليهم، فعطف بعض كفرهم على بعض، أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف عليه، كأنه قيل :فبجمعهم بين نقض الميثاق، والكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء وقولهم :قلوبنا غلف، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم، وافتخارهم بقتل عيسى، عاقبناهم. أو بل طبع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا وكذا. والبهتان العظيم :هو التزنية.
فإن قلت :كانوا كافرين بعيسى عليه السلام، أعداء له، عامدين لقتله، يسمونه الساحر بن الساحرة، والفاعل بن الفاعلة، فكيف قالوا :( إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ) ؟ قلت :قالوه على وجه الاستهزاء، كقول فرعون ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴾ [ الشعراء :٢٧ ] ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعاً لعيسى عما كانوا يذكرونه به وتعظيماً لما أرادوا بمثله كقوله : ﴿ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً ﴾ [ الزخرف :٩ ] روي أنّ رهطاً من اليهود سبوه وسبوا أمّه فدعا عليهم «اللَّهم أنت ربي وبكلمتك خلقتني، اللَّهم العن من سبني وسب والدتي »، فمسخ الله من سبهما قردة وخنازير، فأجمعت اليهود على قتله، فأخبره الله بأنه يرفعه إلى السماء ويطهره من صحبة اليهود، فقال لأصحابه :أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة ؟ فقال رجل منهم :أنا. فألقي- عليه شبهه فقتل وصلب. وقيل :كان رجلاً ينافق عيسى، فلما أرادوا قتله قال :أنا أدلكم عليه، فدخل بيت عيسى فرفع عيسى وألقي شبهه على المنافق، فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى، ثم اختلفوا فقال بعضهم :إنه إله لا يصح قتله. وقال بعضهم :إنه قتل وصلب. وقال بعضهم إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا ؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى ؟ وقال بعضهم رفع إلى السماء وقال بعضهم :الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا.
فإن قلت : ﴿ شُبّهَ ﴾ مسند إلى ماذا ؟ إن جعلته مسنداً إلى المسيح، فالمسيح مشبه به وليس بمشبه، وإن أسندته إلى المقتول فالمقتول لم يجر له ذكر قلت :هو مسند إلى الجار والمجرور وهو ﴿ لهم ﴾ كقولك خيل إليه، كأنه قيل :ولكن وقع لهم التشبيه. ويجوز أن يسند إلى ضمير المقتول :لأنّ قوله :إنا قتلنا يدل عليه، كأنه قيل :ولكن شبه لهم من قتلوه ﴿ إِلاَّ اتباع الظن ﴾ استثناء منقطع لأنّ اتباع الظن ليس من جنس العلم، يعني :ولكنهم يتبعون الظن.
فإن قلت :قد وصفوا بالشك والشك أن لا يترجح أحد الجائزين، ثم وصفوا بالظن والظن أن يرتجح أحدهما، فكيف يكونون شاكين ظانين ؟ قلت :أريد أنهم شاكون ما لهم من علم قط، ولكن إن لاحت لهم أمارة فظنوا، فذاك ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً ﴾ وما قتلوه قتلاً يقيناً. أو ما قتلوه متيقنين، كما ادّعوا ذلك في قولهم :( إنا قتلنا المسيح ) أو يجعل ( يقيناً ) تأكيداً لقوله : ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ ﴾ كقولك :ما قتلوه حقاً أي حق انتفاء قتله حقاً. وقيل :هو من قولهم :قتلت الشيء علماً ونحرته علماً إذا تبالغ فيه علمك. وفيه تهكم، لأنه إذا نفى عنهم العلم نفياً كلياً بحرف الاستغراق. ثم قيل :وما علموه علم يقين وإحاطة لم يكن إلا تهكماً بهم.
﴿ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ ﴾ جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف تقديره :وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمننّ به. ونحوه : ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ [ الصافات :١٦٤ ] ﴿ وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ﴾ [ مريم :٧١ ] والمعنى :وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمننّ قبل موته بعيسى، وبأنه عبد الله ورسوله، يعني :إذا عاين قبل أن تزهق روحه حين لا ينفعه إيمانه لانقطاع وقت التكليف. وعن شهر بن حوشب :قال لي الحجاج :آية ما قرأتها إلا تخالج في نفسي شيء منها يعني هذه الآية، وقال :إني أوتى بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه فلا أسمع منه ذلك، فقلت :إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه وقالوا :يا عدوّ الله، أتاك موسى نبياً فكذبت به فيقول :آمنت أنه عبد نبيّ. وتقول للنصراني :أتاك عيسى نبياً فزعمت أنه الله أو ابن الله، فيؤمن أنه عبد الله ورسوله حيث لا ينفعه إيمانه. قال :وكان متكئاً فاستوى جالساً فنظر إليّ وقال :ممن ؟ قلت :حدثني محمد بن عليّ ابن الحنفية، فأخذ ينكت الأرض بقضيبه ثم قال :لقد أخذتها من عين صافية، أو من معدنها. قال الكلبي :فقلت له :ما أردت إلى أن تقول حدثني محمد بن عليّ ابن الحنفية. قال :أردت أن أغيظه، يعني بزيادة اسم عليّ، لأنه مشهور بابن الحنفية. وعن ابن عباس أنه فسره كذلك، فقال له عكرمة :فإن أتاه رجل فضرب عنقه قال :لا تخرج نفسه حتى يحرّك بها شفتيه. قال :وإن خرّ من فوق بيت أو احترق أو أكله سبع قال :يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به. وتدل عليه قراءة أبيّ : «إلا ليؤمننّ به قبل موتهم » بضم النون على معنى :وإن منهم أحد إلا سيؤمنون به قبل موتهم، لأنّ أحداً يصلح للجمع.
فإن قلت :ما فائدة الإخبار بإيمانهم بعيسى قبل موتهم ؟ قلت :فائدته الوعيد، وليكون علمهم بأنهم لا بدّ لهم من الإيمان به عن قريب عند المعاينة، وأن ذلك لا ينفعهم، بعثاً لهم وتنبيهاً على معالجة الإيمان به في أوان الانتفاع به، وليكون إلزاماً للحجة لهم، وكذلك قولهُ : ﴿ وَيَوْمَ القيامة يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ﴾ يشهد على اليهود بأنهم كذبوه، وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله. وقيل :الضميران لعيسى، بمعنى :وإن منهم أحد إلا ليؤمننّ بعيسى قبل موت عيسى، وهم أهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله. روي :
« أنه ينزل من السماء في آخر الزمان، فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به، حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات، ويلبث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه » ويجوز أن يراد أنه لا يبقى أحد من جميع أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به، على أن الله يحييهم في قبورهم في ذلك الزمان، ويعلمهم نزوله وما أنزل له، ويؤمنون به حين لا ينفعهم إيمانهم. وقيل :الضمير في ( به ) يرجع إلى الله تعالى. وقيل :إلى محمد صلى الله عليه وسلم.
﴿ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ ﴾ فبأي ظلم منهم. والمعنى ما حرمنا عليهم الطيبات إلا لظلم عظيم ارتكبوه. وهو ما عدّد لهم من الكفر والكبائر العظيمة. والطيبات التي حرّمت عليهم :ما ذكره في قوله : ﴿ وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ ﴾ [ الأنعام :١٤٦ ] وحرّمت عليهم الألبان، وكلَّما أذنبوا ذنباً صغيراً أو كبيراً حرّم عليهم بعض الطيبات في المطاعم وغيرها ﴿ وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ الله كَثِيراً ﴾ ناساً كثيراً أو صدًّا كثيراً.
﴿ بالباطل ﴾ بالرشوة التي كانوا يأخذونها من سفلتهم في تحريف الكتاب.
﴿ لكن الراسخون ﴾ يريد من آمن منهم، كعبد الله بن سلام وأضرابه، والراسخون في العلم الثابتون فيه المتقنون المستبصرون ﴿ والمؤمنون ﴾ يعني المؤمنين منهم، أو المؤمنون من المهاجرين والأنصار. وارتفع الراسخون على الابتداء. و ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ خبره. و ﴿ وَالمقيمين ﴾ نصب على المدح لبيان فضل الصلاة، وهو باب واسع. وقد كسره سيبويه على أمثلة وشواهد. ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحناً في خط المصحف. وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وغبي عليه أنّ السابقين الأوّلين الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذبّ المطاعن عنه، من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدّها من بعدهم وخرقاً يرفوه من يلحق بهم. وقيل :هو عطف على ﴿ بِمآ أُنزَلَ إِلَيْكَ ﴾ أي يؤمنون بالكتاب وبالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء. وفي مصحف عبد الله : «والمقيمون »، بالواو. وهي قراءة مالك بن دينار، والجحدري، وعيسى الثقفي.
﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء. واحتجاج عليهم بأنّ شأنه في الوحي إليه كشأن سائر الأنبياء الذين سلفوا. وقرىء «زبوراً » بضم الزاي جمع زبر وهو الكتاب.
﴿ وَرُسُلاً ﴾ نصب بمضمر في معنى :أوحينا إليك وهو :أرسلنا، ونبأنا، وما أشبه ذلك. أو بما فسره قصصناهم. وفي قراءة أبيّ : «ورسل قد قصصناهم عليك من قبل ورسل لم نقصصهم ». وعن إبراهيم ويحيى بن وثاب :أنهما قرآ ﴿ وَكَلَّمَ الله ﴾ بالنصب. ومن بدع التفاسير أنه من الكَلْم، وأن معناه وجرّح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن.
﴿ رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾ الأوجه أن ينتصب على المدح. ويجوز انتصابه على التكرير.
فإن قلت :كيف يكون للناس على الله حجة قبل الرسل، وهم محجوجون بما نصبه الله من الأدلة التي النظر فيها موصل إلى المعرفة، والرسل في أنفسهم لم يتوصلوا إلى المعرفة إلا بالنظر في تلك الأدلة، ولا عرف أنهم رسل الله إلا بالنظر فيها ؟ قلت :الرسل منبهون عن الغفلة، وباعثون على النظر، كما ترى علماء أهل العدل والتوحيد مع تبليغ ما حملوه من تفضيل أمور الدين وبيان أحوال التكليف وتعليم الشرائع، فكان إرسالهم إزاحة للعلة وتتميماً لإلزام الحجة، لئلا يقولوا :لولا أرسلت إلينا رسولاً فيوقظنا من سنة الغفلة وينبهنا لما وجب الانتباه له.
وقرأ السلمي :لكنّ الله يشهد، بالتشديد.
فإن قلت :الاستدراك لا بدّ له من مستدرك فما هو قوله : ﴿ لكن الله يَشْهَدُ ﴾ ؟ قلت :لما سأل أهل الكتاب إنزال الكتاب من السماء وتعنتوا بذلك واحتج عليهم بقوله : ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ قال :لكن الله يشهد، بمعنى أنهم لا يشهدون لكن الله يشهد. وقيل :لما نزل ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ قالوا :ما نشهد لك بهذا، فنزل ﴿ لكن الله يَشْهَدُ ﴾ ومعنى شهادة الله بما أنزل إليه :إثباته لصحته بإظهار المعجزات، كما تثبت الدعاوى بالبينات. وشهادة الملائكة :شهادتهم بأنه حق وصدق.
فإن قلت :بم يجابون لو قالوا :بم يعلم أن الملائكة يشهدون بذلك ؟ قلت :يجابون بأنه يعلم بشهادة الله، لأنه لما علم بإظهار المعجزات أنه شاهد بصحته علم أن الملائكة يشهدون بصحة ما شهد بصحته ؛ لأنّ شهادتهم تبع لشهادته.
فإن قلت :ما معنى قوله : ﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ وما موقعه من الجملة التي قبله ؟ قلت :معناه أنزله ملتبساً بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره، وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وصاحب بيان، وموقعه مما قبله موقع الجملة المفسرة لأنه بيان للشهادة، وأن شهادته بصحته أنه أنزله بالنظم المعجز الفائت للقدرة. وقيل أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه. وقيل :أنزله مما علم من مصالح العباد مشتملاً عليه. ويحتمل :أنه أنزل وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من الشياطين برصد من الملائكة، والملائكة يشهدون بذلك، كما قال في آخر سورة الجنّ. ألا ترى إلى قوله تعالى : ﴿ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ ﴾ [ الجن :٨ ] والإحاطة بمعنى العلم ﴿ وكفى بالله شَهِيداً ﴾ وإن لم يشهد غيره، لأنّ التصديق بالمعجزة هو الشهادة حقاً ﴿ قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله ﴾ [ الأنعام :١٩ ].
﴿ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ ﴾ جمعوا بين الكفر والمعاصي، وكان بعضهم كافرين وبعضهم ظالمين أصحاب كبائر، لأنه لا فرق بين الفريقين في أنه لا يغفر لهما إلا بالتوبة ﴿ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً ﴾ لا يلطف بهم فيسلكون الطريق الموصل إلى جهنم.
أو لا يهديهم يوم القيامة طريقاً إلا طريقها ﴿ يَسِيراً ﴾ أي لا صارف له عنه.
﴿ فَئَامِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ ﴾ وكذلك ﴿ انتهوا خَيْراً لَّكُمْ ﴾ انتصابه بمضمر، وذلك أنه لما بعثهم على الإيمان وعلى الانتهاء عن التثليث علم أنه يحملهم على أمر فقال : ﴿ خَيْراً لَّكُمْ ﴾ أي اقصدوا، أو ائتوا أمراً خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث. وهو الإيمان والتوحيد.
﴿ لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ ﴾ غلت اليهود في حط المسيح عن منزلته، حيث جعلته مولوداً لغير رشدة. وغلت النصارى في رفعه عن مقداره حيث جعلوه إلها ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق ﴾ وهو تنزيهه عن الشريك والولد. وقرأ جعفر بن محمد «إنما المسيح » بوزن السِّكيت. وقيل لعيسى ( كلمة الله ) ( وكلمة منه ) لأنه وجد بكلمته وأمره لا غير، من غير واسطة أب ولا نطفة. وقيل له :روح الله، وروح منه، لذلك، لأنه ذو روح وجد من غير جزء من ذي روح، كالنطفة المنفصلة من الأب الحيِّ وإنَّما اخترع اختراعاً عند الله وقدرته خالصة. ومعنى ﴿ ألقاها إلى مَرْيَمَ ﴾ أوصلها إليها وحصلها فيها ﴿ ثلاثة ﴾ خبر مبتدأ محذوف، فإن صحت الحكاية عنهم أنهم يقولون :هو جوهر واحد ثلاثة أقانيم، أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم روح القدس. وأنهم يريدون بأقنوم الأب :الذات، وبأقنوم الابن :العلم، وبأقنوم روح القدس :الحياة، فتقديره الله ثلاثة ؛ وإلا فتقديره :الآلهة ثلاثة. والذي يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن الله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة، وأنّ المسيح ولد الله من مريم. ألا ترى إلى قوله : ﴿ ءَأَنْتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله ﴾ [ المائدة :١١٦ ]، ﴿ وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله ﴾ [ التوبة :٣٠ ] والمشهور المستفيض عنهم أنهم يقولون :في المسيح لاهوتية وناسوتية من جهة الأب والأم. ويدل عليه قوله : ﴿ إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ ﴾ فأثبت أنه ولد لمريم اتصل بها اتصال الأولاد بأمّهاتها، وأن اتصاله بالله تعالى من حيث أنه رسوله، وأنه موجود بأمره وابتداعه جسداً حياً من غير أب، فنفى أن يتصل به اتصال الأبناء بالآباء. وقوله : ﴿ سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ وحكاية الله أوثق من حكاية غيره. ومعنى ﴿ سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ سبحه تسبيحاً من أن يكون له ولد. وقرأ الحسن : «إن يكونُ »، بكسر الهمزة ورفع النون :أي سبحانه ما يكون له ولد. على أنّ الكلام جملتان ﴿ لَّهُ وما فِى السماوات وَمَا فِى الأرض ﴾ بيان لتنزهه عما نسب إليه، يعني أنَّ كل ما فيهما خلقه وملكه، فكيف يكون بعض ملكه جزأ منه، على أنَّ الجزء إنَّما يصح في الأجسام وهو متعال عن صفات الأجسام والأعراض ﴿ وكفى بالله وَكِيلاً ﴾ يكل إليه الخلق كلهم أمورهم، فهو الغني عنهم وهم الفقراء إليه.
﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح ﴾ لن يأنف ولن يذهب بنفسه عزة، من نكفت الدمع، إذا نحيته عن خدك بأصابعك ﴿ وَلاَ الملئكة المقربون ﴾ ولا من هو أعلى منه قدراً وأعظم منه خطراً وهم الملائكة الكروبيون الذين حول العرش، كجبريل وميكائيل وإسرافيل، ومن في طبقتهم.
فإن قلت :من أين دلّ قوله : ﴿ وَلاَ الملئكة المقربون ﴾ على أنّ المعنى :ولا من فوقه ؟ قلت :من حيث أنّ علم المعاني لا يقتضي غير ذلك. وذلك أنّ الكلام إنما سيق لرد مذهب النصارى وغلوّهم في رفع المسيح عن منزلة العبودية، فوجب أن يقال لهم :لن يترفع عيسى عن العبودية، ولا من هو أرفع منه درجة، كأنه قيل :لن يستنكف الملائكة المقرّبون من العبودية، فكيف بالمسيح ؟ ويدل عليه دلالة ظاهرة بينة، تخصيص المقرّبين لكونهم أرفع الملائكة درجة وأعلاهم منزلة. ومثاله قول القائل :
وَمَا مِثْلُهُ مِمَّنْ يُجَاوِدُ حَاتِم وَلاَ الْبَحْرُ ذُوْ الأَمْوَاجِ يَلْتَجُّ زَاخِرُهُ
لا شبهة في أنه قصد بالبحر ذي الأمواج :ما هو فوق حاتم في الجود. ومن كان له ذوق فليذق مع هذه الآية قوله : ﴿ وَلَن ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى ﴾ [ البقرة :١٢٠ ] حتى يعترف بالفرق البين. وقرأ عليّ رضي الله عنه : «عُبيداً لله »، على التصغير. وروي
أن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم :لم تعيب صاحبنا ؟ قال :ومن صاحبكم ؟ قالوا :عيسى. قال :وأي شيء أقول ؟ قالوا :تقول :إنه عبد الله ورسوله. قال :إنه ليس بعار أن يكون عبداً لله. قالوا :بلى، فنزلت :أي لا يستنكف عيسى من ذلك فلا تستنكفوا له منه، فلو كان موضع استنكاف لكان هو أولى بأن يستنكف لأنّ العار ألصق به.
فإن قلت :علام عطف قوله : ﴿ وَلاَ الملائكة ﴾ ؟ قلت :لا يخلو إمّا أن يعطف على المسيح، أو على اسم ( يكون ) أو على المستتر في ( عبداً ) لما فيه من معنى الوصف، لدلالته على معنى العبادة، كقولك :مررت برجل عبد أبوه، فالعطف على المسيح هو الظاهر لأداء غيره إلى ما فيه بعض انحراف عن الغرض، وهو أن المسيح لا يأنف أن يكون هو ولا من فوقه موصوفين بالعبودية، أو أن يعبد الله هو ومن فوقه.
فإن قلت :قد جعلت الملائكة وهم جماعة عبداً لله في هذا العطف، فما وجهه ؟ قلت :فيه وجهان :أحدهما أن يراد :ولا كل واحد من الملائكة أو ولا الملائكة المقرّبون أن يكونوا عباداً لله، فحذف ذلك لدلالة ( عبداً لله ) عليه إيجازاً. وأمّا إذا عطفتهم على الضمير في ( عبداً ) فقد طاح هذا السؤال. قرىء «فسيحشرهم » بضم الشين وكسرها وبالنون.
فإن قلت :التفصيل غير مطابق للمفصل ؛ لأنه اشتمل على الفريقين، والمفصل على فريق واحد. قلت :هو مثل قولك :جمع الإمام الخوارج، فمن لم يخرج عليه كساه وحمله، ومن خرج عليه نكل به، وصحة ذلك لوجهين، أحدهما :أن يحذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه، ولأنّ ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني، كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله عقيب هذا ﴿ فَأَمَّا الذين بالله واعتصموا بِهِ ﴾ والثاني، وهو أن الإحسان إلى غيرهم مما يغمهم، فكان داخلاً في جملة التنكيل بهم فكأنه قيل :ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر، فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وبما يصيبه من عذاب الله.
البرهان والنور المبين :القرآن. أو أراد بالبرهان دين الحق أو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبالنور المبين :ما يبينه ويصدقه من الكتاب المعجز.
﴿ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ ﴾ في ثواب مستحق وتفضل ﴿ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ ﴾ إلى عبادته ﴿ صراطا مُّسْتَقِيماً ﴾ وهو طريق الإسلام. والمعنى :توفيقهم وتثبيتهم.
روي أنه آخر ما نزل من الأحكام. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق مكة عام حجة الوداع، فأتاه جابر بن عبد الله فقال :إنّ لي أختاً، فكم آخذ من ميراثها إن ماتت ؟ وقيل :كان مريضاً فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :إني كلالة فكيف أصنع في مالي ؟ فنزلت ﴿ إِن امرؤ هَلَكَ ﴾ ارتفع امرؤ بمضمر يفسره الظاهر. ومحل ﴿ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ الرفع على الصفة لا النصب على الحال. أي :إن هلك امرؤ غير ذي ولد. والمراد بالولد الابن وهو اسم مشترك يجوز إيقاعه على الذكر وعلى الأنثى ؛ لأن الابن يسقط الأخت، ولا تسقطها البنت إلا في مذهب ابن عباس، وبالأخت التي هي لأب وأم دون التي لأم، لأنّ الله تعالى فرض لها النصف وجعل أخاها عصبة وقال : ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ وأما الأخت للأم فلها السدس في آية المواريث مسوّى بينها وبين أخيها ﴿ وَهُوَ يَرِثُهَا ﴾ وأخوها يرثها إن قدر الأمر على العكس من موتها وبقائه بعدها ﴿ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ ﴾ أي ابن ؛ لأن الابن يسقط الأخ دون البنت.
فإن قلت :الابن لا يسقط الأخ وحده فإن الأب نظيره في الإسقاط، فلم اقتصر على نفي الولد ؟ قلت :بين حكم انتفاء الولد، ووكَّل حكم انتفاء الوالد إلى بيان السُّنة، وهو قوله عليه السلام : « ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر » والأب أولى من الأخ، وليسا بأول حكمين بين أحدهما بالكتاب والآخر بالسنة. ويجوز أن يدل بحكم انتفاء الولد على حكم انتفاء الوالد، لأن الولد أقرب إلى الميت من الوالد، فإذا ورث الأخ عند انتفاء الأقرب، فأولى أن يرث عند انتفاء الأبعد، ولأن الكلالة تتناول انتفاء الوالد والولد جميعاً، فكان ذكر انتفاء أحدهما دالاً على انتفاء الآخر.
فإن قلت :إلى من يرجع ضمير التثنية والجمع في قوله : ﴿ فَإِن كَانَتَا اثنتين ﴾ ﴿ وإن كانوا إخوة ﴾ قلت :أصله :فإن كان من يرث بالأخوة اثنتين، وإن كان من يرث بالأخوة ذكوراً وإناثاً :وإنما قيل :فإن كانتا، وإن كانوا، كما قيل :من كانت أمّك. فكما أنث ضمير ( من ) لمكان تأنيث الخبر، كذلك ثنى وجمع ضمير من يرث في كانتا وكانوا، لمكان تثنية الخبر وجمعه، والمراد بالإخوة، الإخوة [ و ] الأخوات، تغليباً لحكم الذكورة ﴿ أَن تَضِلُّواْ ﴾ مفعول له. ومعناه :كراهة أن تضلوا.
السورة التالية
Icon