0:00
0:00

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة النساء
روى العوفي عن ابن عباس :" نزلت سورة النساء بالمدينة ". وكذا روى ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت. وقد زعم النحاس أنها مكية. مستندا إلى أن قوله تعالى :( إن الله يأمركم ) الآية١ نزلت بمكة اتفاقا في شأن مفتاح الكعبة. وذلك مستند واه. لأنه لا يلزم من نزول آية أو آيات من سور طويلة، نزل معظمها بالمدينة، أن تكون مكية. خصوصا أن الأرجح أن ما نزل بعد الهجرة مدني. ومن راجع أسباب نزول آياتها عرف الرد عليه. ومما يرد عليه أيضا ما أخرجه البخاري عن عائشة قالت :" ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده ". ودخولها عليه كان بعد الهجرة اتفاقا. وقيل :نزلت عند الهجرة. وآياتها مائة وسبعون وخمس وقيل ست وقيل سبع. كذا في ( الإتقان ). وروى الحاكم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال :" إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها :( إن الله لا يظلم مثقال ذرة ). الآية٢، و ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ). الآية٣، / و ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) ٤، ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك ). الآية٥ ". وروى عبد الرزاق عنه أيضا قال :" خمس آيات من النساء لهن أحب إلي من الدنيا جميعا :( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ). وقوله :( وان تك حسنة يضاعفها ). وقوله :( ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) ٦. وقوله :( ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ) ٧ ". وروى ابن جرير عن ابن عباس قال :" ثماني آيات نزلت في سورة النساء، خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت. أولهن :( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم، والله عليم حكيم ) ٨، والثانية :( والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما ) ٩، والثالثة :( يريد الله أن يخفف عنكم، وخلق الإنسان ضعيفا ) ١٠ " ثم ذكر قول ابن مسعود سواء. يعني في الخمسة الباقية.
لطيفة :إنما سميت سورة النساء، لأن ما نزل منها في أحكامهن أكثر مما نزل في غيرها.
١ |٤/ النساء/ ٥٨| ونصها: ( *ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى أهلها واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل ان الله نعما يعظكم به ان الله كان سميعا بصيرا٥٨)..
٢ |٤/ النساء/ ٤٠| ونصها: (ان الله لا يظلم مثقال ذرة وان تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما٤٠)..
٣ |٤/ النساء/ ٣١| ونصها: (ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما٣١)..
٤ |٤/ النساء/ ٤٨| ونصها: (ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى اثما عظيما٤٨)..
٥ |٤/ النساء/ ٤٨| ونصها: (ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى اثما عظيما٤٨)..
٦ |٤/ النساء/ ٦٤| ونصها: (وما أرسلنا من رسول الا ليطاع باذن الله ولو أنهم اذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما٦٤)..
٧ |٤/ النساء/ ١١٠|..
٨ |٤/ النساء/ ٢٦|..
٩ |٤/ النساء/ ٢٧|..
١٠ |٤/ النساء/ ٢٨|..

بسم الله الرحمن الرحيم

( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ان الله كان عليكم رقيبا١ ).
( يا أيها الناس اتقوا ربكم ) أي اخشوه أن تخالفوه فيما أمركم أو نهاكم عنه. ثم نبههم على اتصافه بكمال القدرة الباهرة، لتأييد الأمر بالتقوى وتأكيد إيجاب الامتثال به على طريق الترغيب والترهيب، بقوله تعالى :( الذي خلقكم من نفس واحدة ) أي فرعكم من أصل واحد وهو نفس أبيكم آدم. وخلقه تعالى اياهم على هذا النمط البديع مما يدل على القدرة العظيمة. ومن قدر على نحوه كان قادرا على كل شيء. ومنه عقابهم على معاصيهم. فالنظر فيه يؤدي إلى الاتقاء من موجبات نقمته. وكذا جعله تعالى اياهم صنوانا مفرعة من أرومة واحدة من موجبات الاحتراز عن الإخلال بمراعاة ما بينهم من حقوق الأخوة. كما ينبئ عنه ما يأتي من الارشاد إلى صلة الأرحام، ورعاية حال الأيتام، والعدل في النكاح وغير ذلك. وقد ثبت في ( صحيح مسلم ) ١ من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه / أولئك النفر من مضر، وهم مجتابو النمار ( أي من عيرهم وفقرهم ) قام فخطب الناس بعد صلاة الظهر فقال في خطبته :" ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلكم من نفس واحدة ) حتى ختم الآية. ثم قال :( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد ) ٢. ثم حضهم على الصدقة فقال :" تصدق رجل من ديناره. من درهمه. من صاع بره. ومن صاع تمره ". وذكر تمام الحديث. وهكذا رواه أحمد وأهل ( السنن ) عن ابن مسعود في خطبة الحاجة. وفيها :ثم يقرأ ثلاث آيات هذه منها :( يا أيها الناس اتقوا ربكم ). الآية. ( وخلق منها زوجها ) أي من نفسها. يعني من جنسها ليكون بينهما ما يوجب التآلف والتضام. فان الجنسية علة الضم. وقد أوضح هذا بقوله تعالى :( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة، ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) ٣ ( وبث منهما ) أي نشر من تلك النفس وزوجها المخلوقة منها، بطريق التوالد / والتناسل. ( رجالا كثيرا ونساء ) أي كثيرة. وترك التصريح بها للاكتفاء بالوصف المذكور ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ) تكرير للأمر وتذكير لبعض آخر من موجبات الامتثال به. فان سؤال بعضهم بعضا بالله تعالى بأن يقولوا :أسألك بالله وأنشدك الله، على سبيل الاستعطاف، يقتضي الاتقاء من مخالفة أوامره ونواهيه. وتعليق بالاسم الجليل لمزيد التأكيد والمبالغة في الحمل على الامتثال بتربية المهابة وادخال الروعة. ولوقوع التساؤل به لا بغيره من أسمائه تعالى وصفاته. و ( تساءلون ) أصله تتساءلون. فطرحت احدى التاءين تخفيفا. وقرئ بادغام تاء التفاعل في السين لتقاربهما في الهمس. وقرئ تسألون ( من الثلاثي ) أي تسألون به غيركم. وقد فسر به القراءة الأولى والثانية. وحمل صيغة التفاعل على اعتبار الجمع. كما في قولك رأيت الهلال وتراءيناه –أفاده أبو السعود- وقوله تعالى :( والأرحام ) قرأ حمزة بالجر عطفا على الضمير المجرور. والباقون بالنصب عطفا على الاسم الجليل. أي اتقوا الله والأرحام أن تقطعوها. فان قطيعتها مما يجب أن يتقى. أو عطفا على محل الجار والمجرور. كقولك مررت بزيد وعمرا. وينصره قراءة ( تساءلون به وبالأرحام ) فانهم كانوا يقرنونها في السؤال والمناشدة بالله عز وجل. ويقولون :( أسألك بالله وبالرحم ). ولقد نبه سبحانه وتعالى، حيث قرنها باسمه الجليل، على أن صلتها بمكان منه. كما في قوله تعالى :( ألا تعبدوا الا الله وبالوالدين احسانا ) ٤. وقال تعالى :( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين احسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين ) ٥. / وقد روى الشيخان ٦عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" الرحم معلقة بالعرش. تقول :من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله ". ورويا٧ أيضا عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لا يدخل الجنة قاطع ". قال سفيان في روايته :يعني قاطع رحم. وروى البخاري٨ عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم :" ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها ". ورويا٩ عن أبي هريرة رضي الله عنه :" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ". والأحاديث في الترغيب بصلة الرحم والترهيب من قطيعتها كثيرة.
تنبيه :
دلت الآية على جواز المسألة بالله تعالى. كذا قاله الرازي. ووجهه أنه تعالى أقرهم على هذا التساؤل. لكونهم يعتقدون عظمته. ولم ينكره عليهم. نعم من أداه التساؤل باسمه تعالى إلى / التساهل في شأنه وجعله عرضة لعدم إجلاله ووسيلة لأبواب الساسانية، فهذا محظور قطعا. وعليه يحمل ما ورد من لعن من سأل بوجه الله. كما سنذكره. وقد ورد في هذا الباب أحاديث وافرة. منها عن ابن عمر قال : ١٠ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سألكم بالله فأعطوه ومن دعاكم فأجيبوه ومن أتى عليكم معروفا فكافئوه فان لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه " رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم. وروى الإمام أحمد وأبو داود١١ عن ابن عباس مرفوعا :" من استعاذ بالله فأعيذوه ومن يسألكم بوجه الله فأعطوه ". وعن ابن عمر مرفوعا :" من سئل بالله فأعطى كتب له سبعون حسنة ". رواه البيهقي باسناد ضعيف. وفي البخاري١٢ عن البراء بن عازب :" أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع. وذكر منها :وابرار القسم ". وروى أبو داود١٣ والضياء في ( المختارة ) باسناد صحيح عن / جابر مرفوعا/ " لا يسأل بوجه الله تعالى الا الجنة ". وروى الطبراني عن أبي موسى الأشعري مرفوعا :" ملعون من سأل بوجه الله. وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هجرا ". قال السيوطي :اسناده حسن. وقال الحافظ المنذري :رجاله رجال الصحيح الا شيخه ( يعني الطبراني ) يحيى بن عثمان بن صالح. وهو ثقة وفيه كلام. وهجرا ( بضم الهاء وسكون الجيم ) أي ما لم يسأل أمرا قبيحا لا يليق. ويحتمل أنه أراد ما لم يسأل سؤالا قبيحا بكلام قبيح. انتهى. وعن أبي عبيدة، مولى رفاعة، عن رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" ملعون من سأل بوجه الله وملعون من سئل بوجه الله فمنع سائله ". رواه الطبراني :وعن ابن عباس رضي الله عنهما١٤ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" الا أخبركم بشر الناس ؟ رجل يسأل بوجه الله ولا يعطي ". رواه الترمذي. وقال :حسن غريب. والنسائي وابن حبان في ( صحيحه ). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الا أخبركم بشر البرية ؟ قالوا :بلى يا رسول الله. قال :الذي يسأل بالله ولا يعطي " ( ان الله كان عليكم رقيبا ) أي مراقبا لجميع أحوالكم وأعمالكم. يراها ويعلمها فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. كما قال :( والله على كل شيء شهيد ). وفي الحديث١٥ :" اعبد الله كأنك تراه. فان لم تكن تراه فانه يراك ". وهذا ارشاد وأمر بمراقبته تعالى. فعلى المرء أن يراقب أحوال نفسه ويأخذ حذره من أن ينتهز الشيطان منه فرصة فيهلك على غفلة.
١ أخرجه مسلم في: ١٢ –كتاب الزكاة، حديث ٦٩ (طبعتنا) ونصه:
عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار. قال فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء (أي لابسيها خارقين أوساطها مقورين. والنمار جمع نمرة وهي ثياب صوف فيها تنمير) متقلدي السيوف. عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر. فتمعر (أي تغير) وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما رأى بهم من الفاقة. فدخل ثم خرج. فأمر بلالا فأذن وأقام. فصلى ثم خطب فقال: "ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ان الله كان عليكم رقيبا١) |٤/ النساء/ ١| الى آخر الآية: (ان الله كان عليكم رقيبا). والآية التي في الحشر: (اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله) |٥٩/ ١٨| تصدق رجل من ديناره. من درهمه. من ثوبه. من صاع بره. من صاع تمره. (حتى قال) ولو بشق تمرة".
قال فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها. بل قد عجزت. قال ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب. حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تهلل كأنه مذهبة (أي فضة مذهبة، فهو أبلغ في حسن الوجه واشراقه).
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سن في الاسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء. ومن سن في الاسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء"..

٢ |٥٩/ الحشر/ ١٨|..
٣ |٣٠/ الروم/ ٢١|..
٤ |١٧/ الاسراء/ ٢٣| ونصها: (*وقضى ربك ألا تعبدوا الا اياه وبالوالدين احسانا اما يبلغنك عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما٢٣)..
٥ |١٧/ الاسراء/ ٢٣| ونصها: (*وقضى ربك ألا تعبدوا الا اياه وبالوالدين احسانا اما يبلغنك عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما٢٣)..
٦ لنفرد به مسلم في: ٤٥ –كتاب البر والصلة والآداب، حديث ١٧ (طبعتنا)..
٧ أخرجه البخاري في: ٧٨ –كتاب الأدب، ١١ –باب اثم القاطع، حديث ٢٣١١ ومسلم في: ٤٥ –كتاب البر والصلة والآداب، حديث ١٨ و١٩ (طبعتنا)..
٨ أخرجه البخاري في: ٧٨ –كتاب الأدب، ١٥ –باب ليس الواصل بالمكافئ، حديث ٢٣١٦..
٩ الحديث الذي انفرد به البخاري في: ٧٨ –كتاب الأدب، ١٢ –باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم، حديث ٢٣١٢، هذا نصه:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول اله صلى الله عليه وسلم ي قول: "من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في آثره، فليصل رحمه"..

١٠ أخرجه الامام أحمد في المسند بالصفحة ٦٨ من الجزء الثاني بهذا النص (طبعة الحلبي).
وأبو داود في: ٤٠ –كتاب الأدب، ١٠٨ باب في الرجل يستعيذ من الرجل، حديث ٥١٠٩..

١١ أخرجه أبو داود في: ٤٠ –كتاب الأدب، ١٠٨ باب في الرجل يستعيذ من الرجل، حديث ٥١٠٨..
١٢ أخرجه البخاري في: ٢٣ –كتاب الجنائز، ٢ –باب الأمر بإتباع الجنائز، حديث ٦٦٢. وهذا نصه:
عن البراء رضي الله عنه وابرار القسم ورد السلام وتشميت العاطس. ونهانا عن آنية الفضة وخاتم الذهب والحرير والديباج والقسي والاستبرق"..

١٣ أخرجه أبو داود في: ٩ –كتاب الزكاة، ٣٧ –باب كراهية المسألة بوجه الله، حديث ١٦١٧..
١٤ أخرجه الترمذي في: ٢٠ –كتاب فضائل الجهاد، ١٨ –باب ما جاء أي الناس خير، ونصه:
عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أخبركم بخير الناس؟ رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله. ألا أخبركم بالذي يتلوه؟ رجل معتزل في غنيمة له يؤدي حق الله فيها. ألا أخبركم بشر الناس؟ رجل يسأل بالله بوجه الله ولا يعطي به"..

١٥ أخرجه البخاري في: ٢ –كتاب الايمان، ٣٧ –باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الايمان والاسلام والاحسان وعلم الساعة، حديث ٤٦ ونصه:
عن أبي هريرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزا يوما للناس. فأتاه جبريل فقال: ما الايمان؟ قال: "الايمان، أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث" قال: ما الاسلام؟ قال: "الاسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان" قال: ما الاحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فان لم تكن تراه فانه يراك" قال: متى الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. وسأخبرك عن أشراطها: اذا ولدت الأمة ربها. واذا تطاول رعاة الابل البهم في البنيان. في خمس لا يعلمهن الا الله".
ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم: (ان الله عنده علم الساعة...) الآية |٣١/ لقمان/ ٣٤|.
ثم أدبر. فقال: "ردوه" فلم يروا شيئا.
فقال: "هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم"..

( وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالكم انه كان حوبا كبيرا٢ ).
( وآتوا اليتامى أموالهم ) شروع في تفصيل موارد الاتقاء ومظانه بتكليف ما يقابلها أمرا ونهيا. وتقديم ما يتعلق باليتامى لإظهار كمال العناية بأمرهم ولملابستهم بالأرحام. إذ الخطاب للأولياء والأوصياء وقلما تفوض الوصاية إلى الأجانب. واليتيم من مات أبوه. من اليتم، وهو الانفراد. ومنه الدرة اليتيمة. والقياس الاشتقاقي يقتضي وقوعه على الصغار والكبار. وقد خصه الشرع بمن لم يبلغ الحلم. كما روى أبو داود١ باسناد حسن عن علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا يتم بعد احتلام ". وفي الآية وجوه :الأول –أن يراد باليتامى الكبار الذين أونس منهم الرشد مجازا. باعتبار ما كان، أوثر لقرب العهد بالصغر. والاشارة إلى / وجوب المسارعة إلى دفع أموالهم إليهم حينئذ. حتى كأن اسم اليتيم باق بعد، غير زائل. الثاني –أن يراد بهم الكبار حقيقة، واردة على أصل اللغة. الثالث- أن يراد بهم الصغار. و ب ( الايتاء ) ما يدفعه الأولياء والأوصياء إليهم من النفقة والكسوة. لا دفعها اليهم. وفيه بعد. الرابع- أن يراد بهم ما ذكر. وب ( إيتائهم ) الأموال، أن لا يطمع فيها الأولياء والأوصياء ولاة السوء وقضاته ويكفوا عنها أيديهم الخاطفة حتى تؤتى اليتامى إذا بلغوا سالمة غير محذوفة. فالتجوز في الايتاء حينئذ باستعماله في لازم معناه وهو تركها سالمة لأنها لا تؤتى الا إذا كانت كذلك. قال الناصر في ( الانتصاف ) :هذا الوجه قوي بقوله بعد آيات :( وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم )٢، دل على أن الآية الأولى في الحض على حفظها لهم ليؤتوها عند بلوغهم ورشدهم. والثانية في الحض على الايتاء الحقيقي عند حصول البلوغ والرشد. ويقويه أيضا قوله عقيب الأولى :( ولا تتبدلوا ) الخ فهذا كله تأديب للوصي ما دام المال بيده واليتيم في حجره. واما على الوجه الأول فيكون مؤدى الآيتين واحدا وهو الأمر بالايتاء حقيقة. ويخلص عن التكرار بأن الأولى كالمجملة، والثانية كالمبينة لشرط الايتاء :من البلوغ وايناس الرشد. والله أعلم. ( ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ) أي ولا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم، وما أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض فتأكلوه مكانه ( ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ) نهى عن منكر آخر كانوا يتعاطونه. أي لا تأكلوها مضمومة إلى أموالكم مخلوطة بها للتوسعة ( انه ) أي الأكل ( كان حوبا ) أي ذنبا / عظيما. وقرئ بفتح الحاء. وقوله تعالى :( كبيرا ) مبالغة في بيان عظم ذنب الأكل المذكور. كأنه قيل من كبار الذنوب.
تنبيه :
خص من ذلك مقدار أجر المثل عند كون الولي فقيرا لقوله تعالى :( ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ). كذا قاله البيضاوي وتابعه أبو السعود. وعندي انه لا حاجة إلى تخصيص هذا النهي بالفقير في هذه الآية لأنها في الغني، بقوله :( إلى أموالكم ). فلا يشمل مساقها الفقير. وسنوضح ذلك.
لطيفة :
قال الزمخشري :فان قلت قد حرم عليهم أكل مال اليتامى وحده ومع أموالهم. فلم ورد النهي عن أكله معها ؟ قلت :لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله من مال حلال وهم على ذلك يطمعون فيها، كان القبح أبلغ والذم أحق. ولأنهم كانوا يفعلون كذلك. فنعى عليهم وسمع بهم ليكون أزجر لهم. انتهى.
قال الناصر في ( الانتصاف ) أهل البيان يقولون :المنهي متى كان درجات فطريق البلاغة النهي عن أدناها تنبيها على الأعلى. كقوله تعالى :( فلا تقل لهما أف )٣. وإذا اعتبرت هذا القانون بهذه الآية وجدته ببادئ الرأي مخالفا لها إذ أعلى درجات أكل مال اليتيم في النهي أن يأكله وهو غني عنه. وأدناها أن يأكله وهو فقير اليه. فكان مقتضى القانون المذكور أن ينهى عن أكل مال اليتيم من هو فقير إليه حتى يلزم نهي الغني عنه من طريق الأولى. وحينئذ فلا بد من تمهيد أمر يوضح فائدة تخصيص الصورة العليا بالنهي في هذه الآية. فنقول :أبلغ الكلام ما تعددت وجوه افادته. ولا شك ان النهي عن الأدنى، وان أفاد النهي عن الأعلى، الا أن للنهي عن الأعلى أيضا فائدة أخرى جليلة، لا تؤخذ من النهي عن الأدنى. وذلك ان المنهي كلما كان أقبح كانت النفس عنه أنفر والداعية إليه أبعد. ولا شك أن المستقر في النفوس أن أكل مال اليتيم مع الغنى عنه أقبح صور الأكل. فخصص بالنهي تشنيعا على من يقع فيه. حتى إذا استحكم نفوره من أكل ماله على هذه الصورة الشنعاء دعاه ذلك إلى الاحجام عن أكل ماله مطلقا. ففيه تدريب للمخاطب على النفور من المحارم. ولا تكاد هذه الفائدة تحصل لو خصص النهي بأكله مع الفقر، إذ ليست الطباع في هذه الصورة معينة على الاجتناب، كاعانتها عليه في الصورة الأولى. ويحقق مراعاة هذا المعنى تخصيصه الأكل. مع أن تناول مال اليتيم، على أي وجه كان، منهي عنه. كان ذلك بالادخار أو بالتباس أو ببذله في لذة النكاح مثلا، أو غير ذلك. الا أن حكمة تخصيص النهي بالأكل ان العرب كانت تتذمم بالاكثار من الأكل. وتعد البطنة من البهيمية. وتعيب على من اتخذها ديدنه. ولا كذلك سائر الملاذ. فانهم ربما يتفاخرون بالاكثار من النكاح ويعدونه من زينة الدنيا. فلما كان الأكل عندهم أقبح الملاذ خص النهي به. حتى إذا نفرت النفس منه بمقتضى طبعها المألوف جرها ذلك إلى النفور من صرف مال اليتيم في سائر الملاذ أو غيرها، أكلا أو غيره. ومثل هذه الآية في تخصيص النهي بما هو أعلى قوله تعالى :( لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة )٤. فخص هذه الصورة لأن الطبع عن الانتهاء عنها أعون. ويقابل هذا النظر في النهي نظر آخر في الأمر. وهو أنه تارة يخص صورة الأمر الأدنى تنبيها على الأعلى. وتارة يخص صورة الأعلى لمثل الفائدة المذكورة من التدريب. ألا ترى إلى قوله تعالى بعد آيات من هذه السورة :( واذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم )٥ الآية، كيف خص صورة حضورهم وان كانت العليا بالنسبة إلى غيبتهم. وذلك / أن الله تعالى علم شح الأنفس على الأموال، فلو أمر بإسعاف الأرقاب واليتامى من المال الموروث ولم يذكر حالة حضورهم القسمة، ولم تكن الأنفس بالمنبعثة إلى هذا المعروف كانبعاثها مع حضورهم. بخلاف ما إذا حضروا. فان النفس يرق طبعها وتنفر من ان تأخذ المال الجزل وذو الرحم حاضر محروم، ولا يسعف ولا يساعد. فاذا أمرت في هذه الحالة بالاسعاف هان عليها امتثال الأمر وائتلافها على امتثال الطبع. ثم تدربت بذلك على اسعاف ذي الرحم مطلقا حضر أو غاب. فمراعاة هذا وأمثاله من الفوائد لا يكاد يلفى الا في الكتاب العزيز. ولا يعثر عليه الا الحاذق الفطن المؤيد بالتوفيق. نسأل الله أن يسلك بنا في هذا النمط. فخذ هذا القانون عمدة. وهو :أن النهي، ان خص الأدنى فلفائدة التنبيه على الأعلى. وان خص الأعلى، فلفائدة التدريب على الانكفاف عن القبح مطلقا من الانكفاف عن الأقبح. ومثل هذا، النظر في جانب الأمر. والله الموفق. انتهى.
١ أخرجه أبو داود في: ١٧- كتاب الوصايا، ٩ –باب متى ينقطع اليتيم، حديث ٢٨٧٣..
٢ |٤/ النساء/ ٦| ونصها: (وابتلوا اليتامى حتى اذا بلغو النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم أموالهم ولا تأكلوها اسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فاذا دفعتم اليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا٦)..
٣ |١٧/ الاسراء/ ٢٣| ونصها: ( *وقضى ربك ألا تعبدوا الا اياه وبالوالدين احسانا اما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما٢٣)..
٤ |٣/ آل عمران/ ١٣٠| (... واتقوا الله لعلكم تفلحون١٣٠)..
٥ |٤/ النساء/ ٨| (...منه وقولوا لهم قولا معروفا٨)..
( وان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعدلوا٣ ).
( وان خفتم ألا تقسطوا ) أي أن لا تعدلوا ( في اليتامى ) أي يتامى النساء. قال الزمخشري :ويقال للإناث اليتامى كما يقال للذكور، وهو جمع يتيمة، على القلب. كما قيل أيامى والأصل أيائم ويتائم ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) أي من طبن لنفوسكم من جهة الجمال والحسن أو العقل أو الصلاح منهن ( مثنى وثلاث ورباع ) ومعنى الآية :وان خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا فيهن إذا نكحتموهن، باساءة العشرة أو بنقص الصداق، فانكحوا غيرهن من الغريبات فانهن كثير ولم يضيق الله عليكم. فالآية للتحذير من التورط / في الجور عليهن والأمر بالاحتياط. وان في غيرهن متسعا إلى الأربع. وروى البخاري١ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها " أن رجلا كانت له يتيمة فنكحها وكان لها عذق ( أي نخلة ) وكان يمسكها عليه ولم يكن لها من نفسه شيء. فنزلت فيه :( وان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ). أحسبه قال :كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله ". ورواه مسلم وأبو داود والنسائي. وفي رواية لهم عن عائشة٢ هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها. فيريد وليها ان يتزوجها بغير ان يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره. فنهوا عن أن ينكحوهن الا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن أعلى سنتهن في الصداق. فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال عروة :قالت عائشة :وان الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فأنزل الله :( ويستفتونك في النساء ) |٤/ ١٢٧|. قالت عائشة :وقول الله تعالى في آية أخرى :( وترغبون أن تنكحوهن ) |٤/ ١٢٧|، رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال. قالت :فنهوا أن ينكحوا عن من رغبوا في ماله وجماله في يتامى النساء الا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن، إذا كن قليلات المال والجمال ".
وفي رواية٣ " وفي قوله تعالى :( ويستفتونك في النساء... ) إلى آخر الآية. قالت عائشة رضي الله عنها :هي اليتيمة تكون في حجر الرجل قد شركته في ماله فيرغب عنها أن يتزوجها / ويكره أن يزوجها غيره فيدخل عليه في ماله فيحبسها. فنهاهم الله عن ذلك ". زاد أبو داود٤ رحمه الله تعالى :" وقال ربيعة في قوله تعالى :( وان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ). قال يقول :اتركوهن ان خفتم فقد أحللت لكم أربعا ".
لطائف :
الأول :( ما ) في قوله تعالى :( ما طاب لكم )، موصولة. وجاء ب ( ما ) مكان ( من ) لأنهما قد يتعاقبان. فيقع كل واحد منهما مكان الآخر. كما في قوله تعالى :( والسماء وما بناها ) ٥ وقوله :( ولا أنتم عابدون ما أعبد )٦. ( فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع ) ٧. قال بعضهم :وحسن وقوعها هنا أنها واقعة على النساء، وهن ناقصات العقول.
الثانية :في ايثار الأمر بنكاحهن على النهي عن نكاح اليتامى، مع انه المقصود بالذات، مزيد لطف في استنزالهم عن ذلك. فان النفس مجبولة على الحرص على ما منعت منه. كما ان وصف النساء بالطيب على الوجه الذي أشير إليه، فيه مبالغة في الاستمالة إليهن والترغيب فيهن. وكل ذلك للاعتناء بصرفهم عن نكاح اليتامى –أفاده أبو السعود-.
الثالثة :اتفق أهل العلم على أن هذا الشرط المذكور في الآية لا مفهوم له. وأنه يجوز لمن لم يخف أن يقسط في اليتامى أن ينكح أكثر من واحدة.
الرابعة :مثنى وثلاث ورباع معدولة عن أعداد مكررة. ومحلهن النصب على أنها حال من فاعل ( طاب ) مؤكدة لما أفاده وصف الطيب من الترغيب فيهن، والاستمالة اليهن، بتوسيع دائرة الاذن. أي فانكحوا الطيبات لكم، معدودات هذا العدد. ثنتين ثنتين. وثلاثا ثلاثا. وأربعا أربعا. حسبما تريدون. فان قلت :الذي أطلق للناكح في الجمع أن يجمع بين ثنتين أو ثلاث أو أربع، فما معنى التكرير في مثنى وثلاث ورباع ؟ قلت :الخطاب للجميع. فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له. كما تقول للجماعة :اقتسموا هذا المال وهو ألف درهم، درهمين درهمين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة. ولو أفردت لم يكن له معنى. فان قلت :فلم جاء العطف بالواو دون ( أو ). قلت :كما جاء بالواو في المثال الذي حذوته لك. ولو ذهبت تقول :اقتسموا هذا المال درهمين درهمين أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة، أعلمت أنه لا يسوغ لهم أن يقتسموه الا على أحد أنواع هذه القسمة. وليس لهم أن يجمعوا بينها. فيجعلوا بعض القسم على تثنية وبعضه على تثليث وبعضه على تربيع. وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلت عليه الواو. وتحريره أن الواو دلت على اطلاق أن يأخذ الناكحون من أرادوا نكاحها من النساء على طريق الجمع ان شاءوا مختلفين في تلك الأعداد، وان شاءوا متفقين فيها، محظورا عليهم ما وراء ذلك. أفاده الزمخشري.
بحث جليل :
قال الرازي :ذهب قوم سدى ( كحتى. موضع قرب زبيد باليمن اه ( قاموس ) ) إلى أنه يجوز التزوج بأي عدد أريد. واحتجوا بالقرآن والخبر. أما القرآن فقد تمسكوا بهذه الآية من / ثلاثة أوجه :
الأول :أن قوله تعالى :( فانكحوا ما طاب لكم من النساء )، اطلاق في جميع الأعداد. بدليل أنه لا عدد الا ويصح استثناؤه منه. وحكم الاستثناء اخراج ما لولاه لكان داخلا.
والثاني :أن قوله :( مثنى وثلاث ورباع )، لا يصلح تخصيصا لذلك العموم، لأن تخصيص بعض الأعداد بالذكر لا ينفي ثبوت الحكم في الباقي. بل نقول :ان ذكر هذه الأعداد يدل على رفع الحرج والحجر مطلقا. فان الانسان إذا قال لولده :افعل ما شئت. اذهب إلى السوق والى المدينة والى البستان، كان تنصيصا في تفويض زمام الخيرة إليه مطلقا. ورفع الحجر والحرج عنه مطلقا. ولا يكون ذلك تخصيصا للاذن بتلك الأشياء المذكورة. بل كان ذلك اذنا في المذكور وغيره. فكذا هنا. وأيضا، فذكر جميع الأعداد متعذر. فاذا ذكر بعض الأعداد بعد قوله :( فانكحوا ما طاب لكم من النساء )، كان ذلك تنبيها على حصول الاذن في جميع الأعداد.
الثالث :أن الواو للجمع المطلق. فقوله :( مثنى وثلاث ورباع )، يفيد حل هذا المجموع. وهو يفيد تسعة. بل الحق أنه يفيد ثمانية عشر. لأن قوله تعالى :مثنى ليس عبارة عن اثنين فقط، بل عن اثنين اثنين. وكذا القول في البقية.
واما الخبر فمن وجهين :
الأول :أنه ثبت بالتواتر أنه صلى الله عليه وسلم مات عن تسع. ثم ان الله تعالى أمرنا باتباعه فقال :( فاتبعوه )، وأقل مراتب الأمر الاباحة.
الثاني :أن سنة الرجل طريقته. وكان يتزوج بالأكثر من الأربع طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام. فكان ذلك سنة له. ثم انه عليه السلام قال٨ :" فمن رغب عن سنتي فليس مني ". فظاهر هذا الحديث يقتضي توجه اللوم على من ترك التزوج بأكثر من الأربعة. فلا أقل من أن يثبت أصل الجواز.
واعلم أن معتمد الفقهاء في اثبات الحصر على أمرين :
الأول :الخبر. وهو ما روي أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أمسك أربعا وفارق باقيهن ". وروي أن نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة، فقال عليه الصلاة والسلام :" أمسك أربعا وفارق واحدة ".
واعلم أن هذا الطريق ضعيف لوجهين :
الأول :أن القرآن لما دل على عدم الحصر بهذا الخبر كان ذلك نسخا للقرآن بخبر الواحد وانه غير جائز.
والثاني :وهو أن الخبر واقعة حال. فلعله عليه الصلاة والسلام انما أمره بامساك أربع ومفارقة البواقي لأن الجمع بين الأربعة وبين البواقي غير جائز، اما بسبب النسب أو بسبب الرضاع. وبالجملة فهذا الاحتمال قائم في هذا الخبر فلا يمكن نسخ القرآن بمثله ( الطريق الثاني ) وهو اجماع فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز الزيادة على الأربع. وهذا هو المعتمد، وفيه سؤالان :
الأول :أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ. فكيف يقال :الإجماع نسخ هذه الآية ؟.
الثاني/ أن في الأمة أقواما شذاذا لا يقولون بحرمة الزيادة على الأربع. والإجماع، مع مخالفة الواحد والاثنين، لا ينعقد.
( والجواب عن الأول ) أن الإجماع يكشف عن حصول الناسخ في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم. ( وعن الثاني ) أن مخالف هذا الإجماع من أهل البدعة. فلا عبرة بمخالفته، انتهى كلام الرازي، وقوله ( من أهل البدعة ) لا يجوز أخذه على عمومه لما ستراه.
وقال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في ( وبل الغمام ) :الذي نقله الينا أئمة اللغة والاعراب وصار كالمجمع عليه عندهم، أن العدل في الأعداد يفيد ان المعدود لما كان متكثرا يحتاج استيفاؤه إلى أعداد كثيرة كانت صيغة العدل المفردة في قوة تلك الأعداد. فان كان مجيء القوم مثلا اثنين اثنين، أو ثلاثة ثلاثة، أو أربعة أربعة، وكانوا ألوفا مؤلفة، فقلت :جاءني القوم مثنى، أفادت هذه الصيغة أنهم جاءوا اثنين اثنين، حتى تكاملوا. فان قلت :مثنى وثلاث ورباع، أفاد ذلك أن القوم جاءوك تارة اثنين اثنين، وتارة ثلاثة ثلاثة، وتارة أربعة أربعة. فهذه الصيغ بينت مقدار عدد دفعات المجيء لا مقدار عدد جميع القوم، فانه لا يستفاد منها أصلا. بل غاية ما يستفاد منها أن عددهم متكثر تكثرا تشق الاحاطة به. ومثل هذا إذا قلت :نكحت النساء مثنى. فان معناه نكحتهن اثنتين اثنتين. وليس فيه دليل على أن كل دفعة من هذه الدفعات لم يدخل في نكاحه الا بعد خروج الأولى. كما أنه لا دليل في قولك :جاءني القوم مثنى، أنه لا يصل الاثنان الآخران اليك الا وقد فارقك الاثنان الأولان. إذا تقرر هذا فقوله تعالى :( مثنى وثلاث ورباع ) يستفاد منه جواز نكاح النساء اثنتين اثنتين وثلاثا وثلاثا وأربعا وأربعا. والمراد جواز تزوج كل دفعة من هذه الدفعات في وقت من الأوقات. وليس في هذا تعرض لمقدار عددهن. بل يستفاد من الصيغ الكثرة، من غير تعيين. كما قدمنا في مجيء القوم، وليس فيه أيضا دليل على أن الدفعة الثانية كانت بعد مفارقة الدفعة الأولى. ومن زعم أنه نقل الينا أئمة اللغة والاعراب ما يخالف هذا، فهذا مقام الاستفادة منه، فليتفضل بها علينا. وابن عباس، ان صح عنه في الآية أنه قصر الرجال على أربع فهو فرد من أفراد الأمة. وأما القعقعة بدعوى الاجماع فما أهونها وأيسر خطبها عند من لم تفزعه هذه الجلبة. وكيف يصح اجماع خالفته الظاهرية وابن الصباغ، والعمراني، والقاسم بن ابراهيم، نجم آل الرسول، وجماعة من الشيعة، وثلة من محققي المتأخرين، وخالفه أيضا القرآن الكريم، كما بيناه. وخالفه أيضا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما صح / ذلك تواترا، من جمعه بين تسع أو أكثر في بعض الأوقات. ( وما آتاكم الرسول فخذوه )٩. ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة )١٠. ( قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله )١١ ودعوى الخصوصية مفتقرة إلى دليل. والبراءة الأصلية مستصحبة لا ينقل عنها الا ناقل صحيح تنقطع عنده المعاذير.
وأما حديث١٢ أمره صلى الله عليه وسلم لغيلان، لما أسلم وتحته عشر نسوة، بأن يختار منهن أربعا ويفارق سائرهن، كما أخرجه الترمذي وابن ماجه وابن حبان، فهو وان كان له طرق، فقد قال ابن عبد البر :
١ أخرجه البخاري في: ٦٥ –كتاب التفسير، ٤ –سورة النساء، ١ –باب قوله: (وان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى)، حديث ١٢٣٤..
٢ أخرجه البخاري في: ٦٥ –كتاب التفسير، ٤ –سورة النساء، ١ –باب قوله: (وان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى)، حديث ١٢٣٤..
٣ أخرجه البخاري في: ٦٧ –كتاب النكاح، ٣٧ –باب اذا كان الولي هو الخاطب، حديث ١٢٣٤..
٤ أخرجه أبو داود في: ١٢ –كتاب النكاح، ١٢ –باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء، حديث ٢٠٦٥..
٥ |٩١/ الشمس/ ٥|..
٦ |١٠٩/ الكافرون/ ٥|..
٧ |٢٤/ النور/ ٤٥| ونصها: (والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجليه ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء ان الله على كل شيء قدير٤٥)..
٨ أخرجه البخاري في: ٦٧ –كتاب النكاح، ١- باب الترغيب في النكاح، حديث ٢٠٩٩ ونصه:
عن أنس بن مالك قال: جاء ثلاثة رهط الى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم. فلما أخبروه، كأنهم تقالوها. فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال أحدهم: اما أنا فاني أصلي الليل أبدا.
وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر.
وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا.
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "انتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله اني لأخشاكم لله وأتقاكم له. لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"..

٩ |٥٩/ الحشر/ ٧| ونصها: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله ان الله شديد العقاب٧)..
١٠ |٣٣/ الأحزاب/ ٢١| (... لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا٢١)..
١١ |٣/ آل عمران/ ٣١| (... ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم٣١)..
١٢ أخرجه الترمذي في: ٩ –كتاب النكاح، ٣٣ –باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده ع شر نسوة.
وابن ماجه في: ٩ –كتاب النكاح، ٤٠ –باب يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة، حديث ١٩٥٣ (طبعتنا)..

( وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فان طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا٤ ).
( وآتوا ) أي اعطوا ( النساء ) أي اللاتي أمر بنكاحهن ( صدقاتهن ) أي مهورهن ( جمع صدقة كسمرة ) وهي المهر ( نحلة ) أي عطاء غير مسترد بحيلة تلجئهن إلى الرد. والنحلة ( بكسر النون وضمها، على ما رواه ابن دريد ) اسم مصدر ل ( نحل ). والمصدر النحل ( بالضم ) وهو العطاء بلا عوض. والتعبير عن ايتاء المهور بالنحلة، مع كونها واجبة على الأزواج، لافادة معنى الايتاء عن كمال الرضا وطيب الخاطر.
فائدتان :
الأول :هذا الخطاب اما للأزواج، كما روي عن علقمة والنخعي وقتادة، واختاره الزجاج. فان ما قبله خطاب للناكحين وهم الأزواج. واما لأولياء النساء. وذلك لان العرب / كانت في الجاهلية لا تعطي النساء من مهورهن شيئا. ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت :هنيئا لك النافجة. ومعناه انك تأخذ مهرها ابلا فتضمها إلى ابلك فتنفج مالك أي تعظمه. وقال ابن الأعرابي :النافجة ما يأخذه الرجل من الحلوان إذا زوج ابنته. فنهى الله تعالى عن ذلك وأمر بدفع الحق إلى أهله. وهذا قول الكلبي وأبي صالح. واختيار الفراء وابن قتيبة.
الثانية :قال القفال رحمه الله تعالى :يحتمل أن يكون المراد من الايتاء المناولة. ويحتمل ان يكون المراد الالتزام. قال تعالى١ :( حتى يعطوا الجزية عن يد ). والمعنى حتى يضمنوها ويلتزموها. فعلى هذا الوجه الأول، كان المراد أنهم أمروا بدفع المهور التي قد سموها لهن. وعلى التقدير الثاني كان المراد أن الفروج لا تستباح الا بعوض يلزم. سواء سمي ذلك أو لم يسم. الا ما خص به الرسول صلى الله عليه وسلم في الموهوبة. ثم قال رحمه الله :ويجوز ان يكون الكلام جامعا للوجهين معا. والله اعلم.
( فان طبن لكم عن شيء منه نفسا ) الضمير للصدقات. وتذكيره لاجرائه مجرى ذلك. أي فان أحللن لكم من المهر شيئا بطيبة النفس، جلبا لمودتكم، لا لحياء عرض لهن منكم أو من غيركم. ولا لاضطرارهن إلى البذل من شكاسة أخلاقكم وسوء معاشرتكم.
( فكلوه هنيئا مريئا ) أي فخذوه وتصرفوا فيه تملكا. وتخصيص الأكل بالذكر لأنه معظم وجوه التصرفات المالية. وهنيئا مريئا :صفتان من ( هنؤ الطعام ومرؤ ) إذا كان سائغا لا تنغيص فيه. وقيل :الهنيء ما أتاك بلا مشقة ولا تبعة. والمريء حميد المغبة. وهما عبارة عن التحليل والمبالغة في الاباحة وإزالة التبعة. لأنهن كالرجال في التصرفات والتبرعات.
تنبيه :
قال بعض المفسرين :للآية ثمرات :منها أنه لابد في النكاح من صداق. ومنها أنه حق واجب للمرأة كسائر الديون. ومنها أن لها أن تتصرف فيه بما شاءت. ولم تفصل الآية بين أن تقبضه أم لا. ولذا قال بعض الفقهاء :لها بيع مهرها قبل قبضه. ولبعضهم :لا تبيعه حتى تقبضه، كالملك بالشراء. ومنها انه يسقط عن الزوج باسقاطها مع طيب نفسها. وقد رأى شريح اقالتها إذا رجعت، واحتج بالآية. روى الشعبي أن امرأة جاءت مع زوجها شريحا في عطية أعطتها اياه. وهي تطلب الرجوع. فقال شريح :رد عليها. فقال الرجل أليس قد قال الله تعالى :( فان طبن لكم عن شيء ؟ ) فقال :لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه. وروي عنه أيضا أقيلها فيما وهبت ولا أقبله. لأنهن يخدعن. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه " أنه كتب إلى قضاته :أن النساء يعطين رغبة ورهبة. فأيما امرأة أعطته ثم أرادت أن ترجع فذلك لها ". نقله الرازي.
أقول :ما رآه شريح وروي عن عمر/ هو الفقه الصحيح والاستنباط البديع. إذ الآية دلت على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط. حيث بنى الشرط على طيب النفس. ولم يقل :فان وهبن لكم، اعلاما بأن المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة. وبرجوعها يظهر عدم طيب نفسها. وذلك بين.
١ |٩/ التوبة/ ٢٩| ونصها: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أو توا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون٢٩)..
( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا٥ ).
( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا ) اعلم أن في الآية وجوها يحتملها النظم الكريم.
الأول :أن يراد بالسفهاء اليتامى. كما روي عن سعيد بن جبير. والخطاب حينئذ للأولياء. نهوا أن يؤتوا اليتامى أموالهم مخافة أن يضيعوها لقلة عقولهم. لأن السفيه هو الخفيف الحلم. وانما أضيفت للأولياء، وهي لليتامى، تنزيلا لاختصاصها بأصحابها منزلة اختصاصها بالأولياء. فكأن أموالهم عين أموالهم. لما بينهم وبينهم من الاتحاد الجنسي والنسبي. مبالغة في حملهم على المحافظة عليها. كما في قوله تعالى :( ولا تقتلوا أنفسكم ) ١. أي لا يقتل بعضكم بعضا. حيث عبر عن بني نوعهم بأنفسهم، مبالغة في زجرهم عن قتلهم. فكأن قتلهم قتل أنفسهم. وقد أيد ذلك حيث عبر عن جعلها مناطا لمعاش أصحابها بجعلها مناطا لمعاش الأولياء، بقوله تعالى :( التي جعل الله لكم قياما ). أي جعلها الله شيئا تقومون وتنتعشون. فلو ضيعتموها لضعتم. وقوله تعالى :( وارزقوهم فيها واكسوهم ) أي اجهلوها مكانا لرزقهم وكسوتهم. بأن تتجروا وتتربحوا. حتى تكون نفقاتهم من الأرباح لا من صلب المال. وقوله سبحانه :( وقولوا لهم قولا معروفا ) أي كلاما لينا تطيب به نفوسهم. ومنه أن يعدهم عدة جميلة، بأن يقول وليهم :إذا صلحتم ورشدتم، سلمنا اليكم أموالكم.
( الوجه الثاني ) :أن يراد بالسفهاء النساء والصبيان. وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما. فالخطاب عام والنهي لكل أحد أن يعمد إلى ما خوله الله تعالى من المال فيعطيه امرأته وأولاده. ثم ينظر إلى أيديهم. وانما سماهم سفهاء استخفافا بعقلهم واستهجانا لجعلهم قواما على أنفسهم. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يقول :" لا تعمد إلى مالك وما خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنتك ثم تنظر إلى ما في أيديهم. ولكن أمسلك مالك وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم من كسوتهم ومؤنتهم ورزقهم ".
( الوجه الثالث ) :أن / يراد بالسفهاء كل من لم يكن له عقل يفي بحفظ المال. فيدخل فيه النساء والصبيان والأيتام وكل من كان موصوفا بهذه الصفة. قال الرازي :وهذا القول أولى. لأن التخصيص بغير دليل لا يجوز. قال السيوطي في ( الاكليل ) :في هذه الآية الحجر على السفيه. وأنه لا يمكن من ماله. وأنه ينفق عليه منه ويكسى، ولا ينفق في التبرعات. وأنه يقال له معروف. ك ( ان رشدت دفعنا اليك مالك. وانما يحتاط لنفعك ).
واستدل بعموم الآية من قال بالحجر على السفيه البالغ. سواء طرأ عليه أم كان من حين البلوغ. ومن قال بالحجر على من يخدع في البيوع. ومن قال بأن من يتصدق على محجور، وشرط أن يترك في يده، لا يسمع منه في ذلك.
لطيفة :
في قوله تعالى :( التي جعل الله لكم قياما ) حث على حفظ الأموال وعدم تضييعها.
قال الزمخشري :كان السلف يقولون :المال سلاح المؤمن. ولأن أترك مالا يحاسبني الله عليه، خير من أحتاج إلى الناس. وكانت له بضاعة يقلبها :لولاها لتمندل بي بنو العباس. وعن غيره ( وقيل له :انها تدنيك من الدنيا ) :لأن أدنتني من الدنيا لقد صانتني عنها. وكانوا يقولون :اتجروا واكتسبوا. فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه. وربما رأوا رجلا في جنازة، فقالوا له :اذهب إلى دكانك. انتهى.
١ |٤/ النساء/ ٢٩| ونصها: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم ان الله كان بكم رحيما٢٩)..
( وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها اسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فاذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسبا٦ )
( وابتلوا اليتامى ) أي اختبروا عقولهم ومعرفتهم بالتصرف ( حتى إذا بلغوا النكاح ) أي بأن يحتملوا أو يبلغوا خمس عشرة سنة. لما في ( الصحيحين ) ١ عن ابن عمر قال :" ان رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني ثم عرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني. قال نافع :فقدمت على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة فحدثته هذا الحديث فقال :ان هذا لحد بين الصغير والكبير. وكتب إلى عماله أن يفرضوا لمن بلغ خمس عشرة ". وكذا نبات الشعر الخشن حول العورة، لما رواه الإمام أحمد٢ وأهل ( السنن ) عن عطية القرظي قال :" عرضنا على النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة فكان من أنبت قتل. ومن لم ينبت خلي سبيله. فكنت فيمن لم ينبت. فخلي سبيلي ". قال الترمذي :حسن صحيح. ( فان آنستم ) أي شاهدتم وتبينتم ( منهم رشدا ) أي صلاحا في دينهم وحفظا لأموالهم. قاله سيعد بن جبير، وروي عن ابن عباس والحسن وغير واحد من الأئمة ( فادفعوا إليهم أموالهم ) أي من غير تأخير. وظاهر الآية الكريمة أن من بلغ غير رشيد اما بالتبذير أو بالعجز أو بالفسق، لا يسلم إليه ماله لأنها مفسدة للمال ( ولا تأكلوها ) أيها الأولياء ( اسرافا وبدارا أن يكبروا ) أي مسرفين ومبادرين كبرهم. أو لاسرافكم ومبادرتكم كبرهم. تفرطون في انفاقها وتقولون :ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا ( ومن كان ) من الأولياء ( غنيا فليستعفف ) أي يتنزه عن أكل مال اليتيم. فانه عليه كالميتة والدم. وليقنع بما آتاه الله تعالى من الرزق ( ومن كان فقيرا ) يمنعه اشتغاله بمال اليتيم عن الكسب. واهماله يفضي إلى تلفه عليه ( فليأكل بالمعروف ) بقدر حاجته الضرورية وأجرة سعيه وخدمته. كما رواه ابن أبي حاتم عن عائشة / حيث قالت :" فليأكل بالمعروف بقدر قيامه عليه ". ورواه البخاري٣ أيضا. قال ابن كثير :قال الفقهاء :له أن يأكل أقل الأمرين أجرة مثله. وقدر حاجته. وهل يرد إذا أيسر ؟ وجهان :أحدهما لا يرد لأنه أكل بأجرة عمله وكان فقيرا. وهذا هو الصحيح عند أصحاب الشافعي. لأن الآية أباحت الأكل من غير بدل. وروى الإمام أحمد٤ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال :ليس لي مال ولي يتيم. فقال :كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل مالا. ومن غير أن تقي مالك، ( أو قال تفدي مالك بماله ) " ورواه ابن أبي حاتم ولفظه :" كل بالمعروف غير مسرف ". ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه. وروى ابن حبان في ( صحيحه ) وابن مردويه في ( تفسيره ) عن جابر :" أن رجلا قال :يا رسول الله ! مما أضرب يتيمي ؟ قال :مما كنت ضاربا منه ولدك. غير واق مالك بماله. ولا متأثل منه مالا ". وروى عبد الرزاق عن الثوري عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال :" جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال :ان في حجري أيتاما. وان لهم ابلا. ولي ابل وأنا أمنح من ابلي فقراء. فماذا يحل لي من ألبانها ؟ فقال :ان كنت تبغي ضالتها، وتهنأ جرباها، وتلوط حوضها، وتسعى عليها، فاشرب غير مضر بنسل، ولا ناهك في الحلب ". ورواه مالك في موطأه٥. وبهذا القول، وهو عدم أداء البدل، / يقول عطاء بن أبي رباح وعكرمة وابراهيم النخعي وعطية العوفي والحسن البصري.
والوجه الثاني :يرد. لأن مال اليتيم على الحظر. وانما أبيح للحاجة. فيرد بدله. كأكل مال الغير للمضطر عند الحاجة. وقد روى ابن أبي الدنيا عن حارثة بن مضرب قال :قال عمر رضي الله عنه :إني أنزلت نفسي من هذا المال منزلة والى اليتيم. ان استغنيت استعففت. وان احتجت اسقرضت. فاذا أيسرت قضيت ". وروى سعيد بن منصور في ( سننه ) :حدثنا أبو الأحوص عن أبي اسحاق عن البراء قال قال لي عمر رضي الله عنه :" انما أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم ان احتجت أخذت منه. فاذا أيسرت رددته. وان استغنيت استعففت ". قال ابن كثير :اسناد صحيح.
وروى البيهقي عن ابن عباس نحو ذلك. وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، " في قوله :( فليأكل بالمعروف ) يعني القرض ". قال وروى عن عبيدة وأبي العالية وأبي وائل، وسعيد بن جبير ( في احدى الروايات ) ومجاهد والضحاك والشعبي والسدي نحو ذلك. قال الفخر الرازي :وبعض أهل العلم خص هذا الاقراض بأصول الأموال من الذهب والفضة وغيرها. وأما التناول من ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب فمباح له إذا كان غير مضر بالمال. وهذا قول أبي العالية وغيره. واحتجوا بأن الله تعالى قال :( فإذا دفعتم إليهم أموالهم )، فحكم في الأموال بدفعها إليهم. انتهى.
أقول :الكل محتمل. إذ لا نص من الأصلين على واحد منها. ولا يخفى الورع. ( فإذا دفعتهم إليهم أموالهم ) أي بعد البلوغ والرشد ( فأشهدوا عليهم ) أي عند / الدفع بأنهم قبضوها. فانه أنفى للتهمة وأبعد من الخصومة. قال السيوطي :فيه الأمر بالإشهاد ندبا. وقيل :وجوبا. ويستفاد منه أن القول في الدفع قول الصبي، لا الولي. فلا يقبل قوله الا ببينة. ( وكفى بالله حسيبا ) أي كافيا في الشهادة عليكم بالدفع والقبض. أو محاسبا. فلا تخالفوا ما أمركم به. ولا يخفى موقع هذا التذييل هنا. فان الوصي يحاسب على ما في يده. وفيه وعيد لولي اليتيم وإعلام له أنه تعالى يعلم باطنه كما يعلم ظاهره. لئلا ينوي أو يعمل في ماله ما لا يحل، ويقوم بالأمانة التامة في ذلك إلى أن يصل إليه ماله. وقد ثبت في ( صحيح مسلم )٦ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" يا أبا ذر إني أراك ضعيفا واني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم ".
١ أخرجه البخاري في: ٥٢ –كتاب الشهادات، ١٨ –باب بلوغ الصبيان وشهادتهم..
٢ أخرجه الامام أحمد في مسنده بالصفحة ٣١٠ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي)..
٣ أخرجه البخاري في: ٦٥ –كتاب التفسير، ٤ –سورة النساء، ٢ –باب: (ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف)، حديث ١١٠٩. ونصه:
عن عائشة رضي اله عنها، في قوله تعالى: (ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف)، انها نزلت في والي مال اليتيم اذا كان فقيرا أنه يأكل منه، مكان قيامه عليه، بمعروف..

٤ أخرجه الامام أحمد في مسنده بالصفحة ٢١٦ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي)..
٥ أخرجه الامام مالك في الموطأ في: ٤٩ –كتاب صفة النبي صلى الله عليه وسلم، حديث ٣٣ (طبعتنا) وهذا نصه: عن القاسم بن محمد قال: جاء رجل الى عبد الله بن عباس فقال له: ان لي يتيما وله ابل، أفأشرب من لبن إبله؟ فقال ابن عباس: ان كنت تنبغي ضالة إبله، وتهنأ جرباها، وتلط حوضها، وتسقيها يوم وردها، فاشرب غير مضر بنسل، ولا ناهك في الحلب..
٦ أخرجه مسلم في: ٣٣ –كتاب الامارة، حديث ١٧ (طبعتنا)..
ثم ذكر تعالى أحكام المواريث بقوله سبحانه :
( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا٧ ).
( للرجال ) أي الأولاد والأقرباء ( نصيب ) أي حظ ( مما ترك الوالدان والأقربون ) أي المتوفون ( وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه ) أي المال ( أو كثر نصيبا مفروضا ) أي مقطوعا واجبا لهم. وإيراد حكم النساء على الاستقلال دون الدرج في تضاعيف أحكام الرجال، بأن يقال للرجال والنساء الخ للاعتناء بأمرهن، والإشارة من أول الأمر إلى تفاوت ما بين نصيبي الفريقين، والمبالغة في إبطال حكم الجاهلية. فإنهم كانوا لا يورثون النساء والأطفال. ويقولون، لا يرث إلا من طاعن بالرماح، وذاد عن الحوزة، وحاز الغنيمة. وقد استدل بالآية على توريث ذوي الأرحام لأنهم من الأقربين. وهو استدلال وجيه. ولا حجة لمن حاول دفعه.
( وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا٨ ).
( واذا حضر القسمة ) أي قسمة التركة ( أولو القربى ) ذوو القرابة ممن لا يرث. قدمهم لأن اعطاءهم صدقة وصلة ( واليتامى ) الضعفاء بفقد الآباء ( والمساكين ) الضعفاء بفقد ما يكفيهم من المال ( فارزقوهم منه ) أي أعطوهم من الميراث شيئا ( وقولوا لهم قولا معروفا ) بتلطيف القول لهم والدعاء لهم بمثل :بارك الله عليكم.
قال ابن كثير في هذه الآية :المعنى أنه إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة الذين لا يرثون، واليتامى والمساكين، قسمة مال جزيل، فان أنفسهم تتشوق إلى شيء منه، إذا رأوا هذا يأخذ، وهذا يأخذ، وهم يائسون لا يعطون شيئا. فأمر الله تعالى، وهو الرؤوف الرحيم أن يرضخ لهم شيء من الوسط، يكون برا بهم وصدقة عليهم واحسانا إليهم وجبرا لكسرهم كما قال الله تعالى :( كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ) ١. وذم الذين ينقلون المال خفية، خشية أن يطلع عليهم المحاويج وذوو الفاقة، كما أخبر به عن أصحاب الجنة :( اذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ) ٢. ( فانطلقوا وهم يتخافتون * أن لا يدخلنها اليوم عليكم / مسكين ) ٣. ( ودمر الله عليهم وللكافرين أمثالها ) ٤. فمن جحد حق الله عليه عاقبه في أعز ما يملكه. ولهذا جاء في الحديث :" ما خالطت الصدقة مالا الا أفسدته ". أي منعها يكون سبب محق ذلك المال بالكلية. انتهى. وقد روى البخاري٥ عن ابن عباس، في الآية قال :" هي محكمة وليست بمنسوخة ". وفي لفظ عنه :" هي قائمة يعمل بها ". وروى عن جماعة من الصحابة والتابعين، وفي هذه الآية :" أنها واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم ". وروى عبد الرزاق في ( مصنفه ) " أن عبد الله بن عبد الرحمان بن أبي بكر قسم ميراث أبيه عبد الرحمان، وعائشة حية. فلم يدع في الدار مسكينا ولا ذا قرابة الا أعطاه من ميراث أبيه. وتلا :( واذا حضر القسمة أولو القربى ) الآية ". وأخرج سعيد بن منصور عن يحيى بن يعمر قال :" ثلاث آيات مدنيات محكمات ضيعهن كثير من الناس :( واذا حضر القسمة )، وآية الاستئذان :( والذين لم يبلغوا الحلم منكم )، وقوله :( إنا خلقناكم من ذكر وأنثى )، وقد ذكر هاهنا كثير من المفسرين آثارا عن بعض السلف بأن هذه الآية منسوخة بآية الميراث. وهي من الضعف بمكان. ولقد أبعد القائل بالنسخ عن فهم سر الآية فيما ندبت إليه من هذه المكرمة الجليلة. وهي اسعاف من ذكر من المال الموروث، والنفس الأبية تنفر من أن تأخذ المال الجزل، وذو الرحم حاضر محروم، ولا يسعف ولا يساعد. فالآية بينة بنفسها، واضحة في معناها وضوح الشمس في الظهيرة، لا تنسخ أو تقوم الساعة.
١ |٦/ الأنعام/ ١٤١| ونصها: ( *وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره اذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين١٤١)..
٢ |٦٨/ القلم/ ١٧| ونصها: (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة اذ أقسموا ليصرمنها مصبحين١٧)..
٣ |٦٨/ القلم/ ٢٣ و٢٤)..
٤ |٤٧/ محمد صلى الله عليه وسلم/ ١٠| ونصها: ( *أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها١٠)..
٥ أخرجه البخاري في: ٢٥ –كتاب التفسير، ٤ –سورة النساء، ٣ –باب: (واذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين) –الآية، حديث ١٣٢٣..
( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا٩ ).
( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ) في الآية وجوه :
الأول :أنها أمر للأوصياء بأن يخشوا الله تعالى ويتقوه في أمر اليتامى فيفعلوا بهم ما يحبون أن يفعل بذراريهم الضعاف بعد وفاتهم.
الثاني :انها أمر لمن حضر لمريض من لعواد عند الايصاء بان يخشوا ربهم أو يخشوا أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم. فلا يتركوه أن يضر بهم بصرف المال عنهم.
الثالث :أنها أمر للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب واليتامى والمساكين، متصورين أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضعافا مثلهم. هل يجوزون حرمانهم ؟
الرابع :أنها أمر للموصين بأن ينظروا للورثة فلا يسرفوا في الوصية. كما ثبت في ( الصحيحين ) ١ " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده قال :يا رسول الله ! اني ذو مال ولا يرثني الا ابنة. أفأتصدق بثلثي مالي ؟ قال :لا. قال :فالشطر ؟ / قال :لا. قال :فالثلث. قال :الثلث. والثلث كثير. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :انك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ".
وفي ( الصحيح ) ٢ عن ابن عباس قال :" لو غض الناس إلى الربع ؟ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الثلث :والثلث كثير ( أو كبير ) ".
والوجه الأول حكاه ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس. قال ابن كثير :وهو قول حسن يتأيد بما بعده من التهديد في أكل أموال اليتامى ظلما.
ونقل الرازي عن القاضي :ان هذا الوجه أليق بما تقدم وتأخر من الآيات الواردة في باب الأيتام. فجعل تعالى آخر ما دعاهم إلى حفظ مال اليتيم أن ينبههم على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها. ولا شك أنه من أقوى الدواعي والبواعث في هذا المقصود.
قال الزمخشري :والقول السديد من الأوصياء أن لا يؤذوا اليتامى. ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالأدب الحسن والترحيب. ويدعوهم ب ( يا بني ) ويا ولدي. ومن الجالسين إلى المريض أن يقولوا له، إذا أراد الوصية، لا تسرف في وصيتك فتجحف بأولادك. مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد :" انك أن تترك ولدك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ". ومن المتقاسمين ميراثهم أن يلطفوا القول ويجملوه للحاضرين.
لطيفة :
لا بد من حمل قوله تعالى ( تركوا ) على المشارفة. ليصح وقوع ( خافوا ) خبرا له. ضرورة أنه لا خوف بعد حقيقة الموت وترك للورثة. ونظيره :( فاذا بلغن أجلهن فأمسكوهن / بمعروف أو سرحوهن بمعروف )٣. أي شارفن بلوغ الأجل. ولهذا المجاز، في التعبير عن المشارفة على الترك، بالترك، سر بديع. وهو التخفيف بالحالة التي لا يبقى معها مطمع في الحياة، ولا في الذب عن الذرية الضعاف. وهي الحالة التي، وان كانت من الدنيا، الا أنها لقربها من الآخرة، ولصوقها بالمفارقة، صارت من حيزها، ومعبرا عنها بما يعبر به عن الحالة الكائنة بعد المفارقة من الترك. كذا في ( الانتصاف ).
تنبيه :
قال بعض المفسرين :انه يجب أن يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه. ويحب لذرية غيره من المؤمنين ما يحب لذريته. وأن على ولي اليتيم أن لا يؤذي اليتيم. بل يكلمه كما يكلم أولاده بالأدب الحسن والترحيب. ويدعو اليتيم :يا بني، يا ولدي. وقد جاء في الرقة على الأيتام آثار كثيرة. ا ه.
وفي الآية إشارة إلى إرشاد الآباء، الذين يخشون ترك ذرية ضعاف، بالتقوى في سائر شؤونهم حتى تحفظ أبناؤهم وتغاث بالعناية منه تعالى. ويكون في إشعارهم تهديد بضياع أولادهم إن فقدوا تقوى الله تعالى. وإشارة إلى أن تقوى الأصول تحفظ الفروع. وأن الرجال الصالحين يحفظون في ذريتهم الضعاف. كما في آية :( وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا ) ٤، إلى آخرها. فان الغلامين حفظا، ببركة صلاح أبيهما، في أنفسهما ومالهما.
١ أخرجه البخاري في: ٢٣ –كتاب الجنائز، ٣٧ –باب رثي النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن خولة، حديث ٥٠ ونصه:
عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني في عام حجة الوداع من وجع اشتد بي. فقلت: اني قد بلغ بي من الوجع وأنا ذو مال. ولا يرثني الا ابنة. فأتصدق بثلثي مالي؟ قال "لا" فقلت: بالشطر؟ فقال "لا" ثم قال: "الثلث. والثلث كبير (أو كثير)) انك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس. وانك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله الا أجرت بها. حتى ما تجعل في في امرأتك"..

٢ أخرجه البخاري في: ٥٥ –كتاب الوصايا، ٣ –باب الوصية بالثلث، حديث ١٣١٨..
٣ |٢/ البقرة/ ٢٣١| ونصها: (واذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزؤا واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن اله بكل شيء عليم٢٣١).
.

٤ |١٨/ الكهف/ ٨٢| ونصها: (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا٨٢)..
( ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا١٠ ).
( ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) أي على وجه الظلم من الورثة، أو أولياء السوء وقضاته، بخلاف أكل الفقير الناظر في أموالهم بقدر أجرته، كما تقدم ( انما يأكلون في بطونهم نارا ) أي ما يجر إلى النار ويؤدي اليها ( وسيصلون ) أي في القيامة ( سعيرا ) أي نارا مسعرة. روى ابن حبان في ( صحيحه ) وابن مردويه وابن أبي حاتم عن أبي برزة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم نارا. قيل :يا رسول الله ! من هم ؟ قال :ألم تر أن الله قال :( ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما )، الآية ".
لطيفة :
قال الزمخشري :في بطونهم، أي ملء بطونهم، يقال :أكل فلان في بطنه وفي بعض بطنه. قال الشاعر١ :
كلوا في بعض بطنكمو تعفوا فان زمانكم زمن خميص
قال الناصر :ومثله :( قد بدت البغضاء من أفواههم ) أي شرقوا بها وقالوها بملء أفواههم. ويكون المراد بذكر البطون تصوير الأكل للسامع حتى يتأكد عنده بشاعة هذا الجرم بمزيد تصوير. ولأجل تأكيد التشنيع على الظالم لليتيم في ماله، خص الأكل. لأنه أبشع الأحوال التي يتناول مال اليتيم فيها. والله أعلم.
تنبيه :
روى أو داود٢ والنسائي والحاكم وغيرهم " أنه لما نزلت هذه الآية انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه. فجعل يفضل له الشيء من طعامه، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد. فاشتد عليهم ذلك. فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل لله تعالى :( يسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير )٣. الآية. فخلطوا طعامهم وشرابهم بشرابه ". وقد مضى ذلك في سورة البقرة.
قال الرازي رحمه الله :ومن الجهال من قال :صارت هذه الآية منسوخة بتلك. وهو بعيد. لأن هذه الآية في المنع من الظلم. وهذا لا يصير منسوخا. بل المقصود أن مخالطة أموال اليتامى، إن كان على سبيل الظلم، فهو من أعظم أبواب الإثم. كما في هذه الآية. وان كان على سبيل التربية والإحسان، فهو من أعظم أبواب البر، كما في قوله :( وان تخالطوهم فإخوانكم ).
وقال رحمه الله قبل ذلك :ما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته تعالى وكثرة عفوه وفضله. لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى، بلغت عناية الله بهم إلى الغاية القصوى.
١ قال في الأساس: ومن المجاز: زمن خميص، أي ذو مجاعة.. وانشد البيت..
٢ أخرجه أبو داود في: ١٧ كتاب الوصايا، ٧ –باب مخالطة اليتيم في الطعام، حديث ٢٨٧١..
٣ |٢/ البقرة/ ٢٢٠| ونصها: (في الدنيا والآخرة ويسألونك عن اليتامى قل اصلاح لهم خير وان تخالطوهم فاخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم ان الله عزيز حكيم٢٢٠)..
وقوله تعالى :
( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فان كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وان كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك ان كان له ولد فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فان كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله ان الله كان عليما حكيما١١ ).
( يوصيكم الله في أولادكم ) شروع في تفصيل أحكام المواريث المجملة في قوله تعالى :( وللرجال نصيب ) الخ. قال الحافظ ابن كثير :هذه الآية الكريمة والتي بعدها والآية التي هي خاتمة هذه السورة، هن آيات علم الفرائض. وهو مستنبط من هذه الآيات الثلاث، ومن الأحاديث الواردة في ذلك مما هو كالتفسير لذلك. انتهى. والمعنى :يأمركم الله ويعهد اليكم في شأن ميراث أولادكم بعد موتكم ( للذكر ) أي منهم ( مثل حظ الأنثيين ) أي نصيبهما اجتماعا وانفرادا. أما الأول فانه يعد كل ذكر بأنثيين. في مثل ابن مع بنتين. وابن ابن مع بنتي ابن. وهكذا في السافلين. فيضعف نصيبه ويأخذ سهمين. كما أن لهما سهمين. واما الثاني فان له الكل وهو ضعف نصيب البنت الواحدة. لأنه جعل لها في حال انفرادها النصف. فاقتضى ذلك أن للذكر، عند انفراده، مثلي نصيبها عند انفرادها، وذلك الكامل. فالمذكور هنا ميراث الذكر مطلقا. مجتمعا مع الإناث ومنفردا. كما حققه صاحب ( الانتصاف ).
تنبيه :
قال السيوطي :استدل بالآية من قال بدخول أولاد الابن في لفظ ( الأولاد ) للإجماع على ارثهم، دون أولاد البنت.
لطائف :
الأولى :وجه الحكمة في تضعيف نصيب الذكر هو احتياجه إلى مؤنة النفقة ومعاناة التجارة والتكسب وتحمل المشاق. فهو إلى المال أحوج. ولأنه لو كمل نصيبها، مع أنها قليلة العقل، كثيرة الشهوة لأتلفته في الشهوات اسرافا. ولأنها قد تنفق على نفسها فقط، وهو على نفسه وزوجته.
الثانية :
لم يقل :للذكر ضعف نصيب الأنثى، لأن الضعف يصدق على المثلين فصاعدا. فلا يكون نصا. ولم يقل :للأنثيين مثل حظ الذكر، ولا للأنثى نصف حظ الذكر، تقديما للذكر بإظهار مزيته على الأنثى، ولم يقل :للذكر مثلا نصيب الأنثى، لأن المثل في المقدار لا يتعدد إلا بتعدد الأشخاص. ولم يعتبر ههنا.
الثالثة :
ايثار اسمي ( الذكر والأنثى ) على ما ذكر أولا من الرجال والنساء، للتنصيص على استواء الكبار والصغار من الفريقين في الاستحقاق، من غير دخل للبلوغ والكبر في ذلك أصلا. كما هو زعم أهل الجاهلية حيث كانوا لا يورثون الأطفال، كالنساء.
الرابعة :
استنبط بعضهم من هذه الآية أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالدة بولدها. حيث أوصى الوالدين بأولادهم. فعلم أنه أرحم بهم منهم. كما جاء في الحديث الصحيح١ " وقد رأى امرأة / من السبي، فرق بينها وبين ولدها فجعلت تدور على ولدها. فلما وجدته من السبي أخذته فألصقته بصدرها وأرضعته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه :أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على ذلك ؟ قالوا :لا. يا رسول الله. قال :فوالله ! لَلَّه أرحم من هذه بولدها ". ( فان كن ) أي الأولاد. والتأنيث باعتبار الخبر وهو قوله تعالى :( نساء ) يعني بنات خلصا ليس معهن ذكر ( فوق اثنتين ) خبر ثان أو صفة لنساء. أي نساء زائدات على اثنتين ( فلهن ثلثا ما ترك ) أي المتوفى المدلول عليه بقرينة المقام.
تنبيه :
ظاهر النظم القرآني أن الثلثين فريضة الثلاث من البنات فصاعدا حيث لا ذكر معهن. ولم يسم للبنتين فريضة. وقد اختلف أهل العلم في فريضتهما. فذهب الجمهور إلى أن لهما، إذا انفردتا عن البنين، الثلثين. وذهب ابن عباس إلى أن فريضتهما النصف. احتج الجمهور بالقياس على الأختين. فان الله سبحانه قال في شأنهما :( فان كانتا اثنتين فلهما الثلثان ). فألحقوا البنتين بالأختين في استحقاقهما الثلثين. كما ألحقوا الأخوات، إذا زدن على اثنتين، بالبنات، في الاشتراك في الثلثين. وقيل :في الآية ما يدل على أن للبنتين الثلثين. وذلك أنه لما كان للواحدة مع أخيها الثلث، كان للابنتين، إذا انفردتا، الثلثان. هكذا احتج بهذه الحجة إسماعيل بن عياش والمبرد. قال النحاس :وهذا الاحتجاج عند أهل النظر غلط. لأن الاختلاف في البنتين إذا انفردتا عن البنين. وأيضا للمخالف أن يقول :إذا ترك بنتين وابنا فللبنتين النصف. فهذا دليل على أن هذا فرضهما. ويمكن تأييد ما احتج به الجمهور بان الله سبحانه لما فرض للبنت الواحدة النصف إذا انفردت، بقوله، بقوله :( وان كانت واحدة فلها النصف )، كان فرض البنتين، إذا انفردتا، فوق فرض الواحدة. وأوجب القياس على الأختين / الاقتصار للبنتين على الثلثين. وقيل ان ( فوق ) زائدة. والمعنى :إن كن نساء اثنتين. كقوله تعالى :( فاضربوا فوق الأعناق ) ٢، أي الأعناق. ورد هذا النحاس وابن عطية. فقالا :هو خطأ. لأن الظروف وجميع الأسماء لا يجوز في كلام العرب أن تزاد لغير معنى. قال ابن عطية :ولأن قوله ( فوق الأعناق ) هو الفصيح وليست ( فوق ) زائدة بل هي محكمة المعنى. لأن ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ. كما قال دريد بن الصمة :اخفض عن الدماغ وارفع عن العظم. فهكذا كنت أضرب أعناق الأبطال. انتهى. وأيضا لو كان لفظ ( فوق ) زائدا كما قالوا، لقال :فلهما ثلثا ما ترك، ولم يقل :( فلهن ثلثا ما ترك ). وأوضح ما يحتج به للجمهور ما أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي٣ وابن ماجه وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن حبان / والحاكم والبيهقي في ( سننه ) عن جابر قال :" جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت :يا رسول الله ! هاتان ابنتا سعد بن الربيع. قتل أبوهما معك يوم ( أحد ) شهيدا. وان عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا. ولا تنكحان الا ولهما مال. فقال :يقضي الله في ذلك. فنزلت آية الميراث. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال :أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك ". أخرجوه من طرق، عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر. قال الترمذي :هذا حديث صحيح لا نعرفه الا من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل. وقد رواه شريك أيضا عن عبد الله بن محمد بن عقيل من حديثه. كذا في ( فتح البيان ) ( وان كانت ) أي المولودة ( واحدة ) أي امرأة واحدة ليس معها أخ ولا أخت ( فلها النصف ) أي نصف ما ترك. ولم يكمل لها لأنها ناقصة. ولذلك لم يجعل لها الثلثان اللذان هما نصيب الابن معها. ثم ذكر، بعد ميراث الأولاد، ميراث الوالدين فقال :( ولأبويه ) أي الميت. وهو كناية عن غير مذكور. وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه. والمراد بالأبوين الأب والأم. والتثنية على لفظ الأب للتغليب ( لكل واحد منهما السدس مما ترك ) من المال ( ان كان له ولد ) ذكر أو أنثى ( فان لم يكن له ) للميت ( ولد ) ذكر أو أنثى ( وورثه أبواه فلأمه الثلث ) أي ثلث المال مما ترك. والباقي للأب. للذكر مثل حظ الأنثيين. لكن قرر لها الثلث تنزيلا لها منزلة البنت مع الابن، لا منفردة، حطا لها عن درجتها، لقيام البنت مقام الميت في الجملة. قاله المهايمي ( فان كان له ) أي للميت ( إخوة ) من الأب والأم. أو من الأب أو من الأم، ذكورا أو إناثا ( فلأمه السدس ) يعني لأم الميت سدس التركة ( من بعد وصية يوصي بها أو دين ) خبر مبتدأ محذوف. أي هذه الفروض المذكورة إنما تقسم للورثة من بعد إنفاذ وصية يوصي بها الميت إلى الثلث. ومن بعد قضاء دين على الميت. وقرئ في ( السبع ) :يوصي مبنيا للمفعول وللفاعل.
قال الحافظ ابن كثير :أجمع العلماء من السلف والخلف على أن الدين مقدم على الوصية. وروى أحمد والترمذي٤ وابن ماجة وأصحاب التفاسير من حديث ابن إسحاق عن الحرث بن عبد الله الأعور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال :" إنكم تقرؤون هذه الآية :( من بعد وصية يوصي بها أو دين ). وان رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية. وان أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات. الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه ".
ثم قال الترمذي :لا نعرفه الا من حديث الحرث. وقد تكلم فيه بعض أهل العلم. لكن كان حافظا للفرائض، معتنيا بها وبالحساب. فالله أعلم.
قال السيوطي في ( الاكليل ) :في الآية أن الميراث انما يقسم بعد قضاء الدين وتنفيذ الوصايا. وفيها مشروعية الوصية. واستدل بتقديمها في الذكر من قال بتقديمها على الدين في التركة. وأجاب من أخرها بأنها قدمت لئلا يتهاون بها. واستدل بعمومها من أجاز الوصية بما قل أو كثر، ولو استغرق المال. ومن أجازها للوارث والكافر، حربيا أو ذميا. واستدل بها من قال. ان الدين يمنع انتقال التركة إلى ملك الوارث. ومن قال ان دين الحج والزكاة مقدم على الميراث، لعموم قوله :( أو دين ). انتهى.
وقد روى الإمام أحمد وابن ماجة٥ بسند صحيح عن سعد بن الأطول " ان أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم. وترك عيالا. فأدرت أن أنفقها على عياله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم :ان أخاك محتبس بدينه فاقض عنه. فقال :يا رسول الله ! قد أديت عنه. الا دينارين ادعتهما امرأة وليس لها بينة. قال :فأعطها فانها محقة ".
لطيفة :
( فائدة ) وصف الوصية بقوله :( يوصي بها )، هو الترغيب في الوصية والندب اليها. وايثار ( أو ) المفيدة للاباحة في قوله :( أو دين )، على ( الواو ) للدلالة على تساويهما في الوجوب. وتقدمهما على القسمة مجموعين أو منفردين. وتقديم الوصية على الدين، ذكرا مع تأخرها عنه حكما، ما قدمنا من اظهار كمال العناية بتنفيذها، لكونها مظنة التفريط في أدائها، ولاطرادها. بخلاف الدين –أفاده أبو السعود ( آباءكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ) أي لا تعلمون من أنفع لكم ممن يرثكم من أصولكم وفروعكم في عاجلكم وآجلكم. والمعنى :فرض الله الفرائض، على ما هو، على حكمة. ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم أنفع كلم، فوضعتم أنتم الأموال على غير حكمة. والتفاوت في السهام بتفاوت المنافع. وأنتم لا تدرون تفاوتها. فتولى الله ذلك فضلا منه. ولم يكلها إلى اجتهادكم لعجزكم عن معرفة المقادير. وهذه الجملة اعتراضية مؤكدة لأمر القسمة، ورد لما كان في الجاهلية.
قال السمرقندي :ويقال :معنى الآية أن الله تعالى علمكم قسمة المواريث. وأنكم لا تدرون أيهم أقرب موتا فيرث منه الآخر. انتهى. ( فريضة من الله ) نصبت نصب مصدر مؤكد لفعل محذوف. أي فرض الله ذلك فرضا. أو لقوله تعالى :( يوصيكم الله ). فانه في معنى :يأمركم ويفرض عليكم ( ان الله كان عليما ) أي بالمصالح والرتب ( حكيما ) أي في كل ما قضى وقدر. فيدخل فيه بيان أنصباء الذكر والأنثى، دخولا أوليا
١ أخرجه مسلم في: ٤٩ –كتاب التوبة، حديث ٢٢ (طبعتنا) ونصه:
عن عمر بن الخطاب أنه قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي. فاذا امرأة من السبي، تبتغي، اذا وجدت صبيا في السبي، أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته. فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أترون هذه المرأة طارحة ولها في النار؟" قلنا: لا، والله! وهي تقدر على أن لا تطرحه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله أرحم بعبده من هذه بولدها"..

٢ |٨/ الأنفال/ ١٢| ونصها: (اذ يوحي ربك الى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان١٢)..
٣ أخرجه الترمذي في: ٢٧ –كتاب الفرائض، ٣ –باب ما جاء في ميراث البنات. وهذا نصه.
أما أبو داود فأخرجه في: ١٨ –كتاب الفرائض، ٤ –باب ما جاء في الصلب، حديث ٢٨٩١ وهاكم نصه:
عن جابر بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جئنا امرأة من الأنصار في الأسواق. فجاءت المرأة بابنتين فقالت: يا رسول الله! هاتان بنتا ثابت بن قيس، قتل معك يوم أحد. وقد استفاء عمهما مالهما وميراثهما كله. فلم يدع لهما مالا الا أخذه. فما ترى يا رسول الله! فوالله! لا تنكحان أبدا الا ولهما مال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقضي الله في ذلك" قال ونزلت سورة النساء: (يوصيكم الله في أولادكم..) الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ادعوا لي المرأة وصاحبها" فقال لعمهما: "أعطهما الثلثين. وأعط أمهما الثمن. وما بقي فلك".
(قال أبو داود): أخطأ فيه. هما ابنتا سعد بن الربيع. وثابت بن قيس قتل يوم اليمامة..

٤ أخرجه الترمذي في: ٢٧ –كتاب الفرائض، ٥ –باب ما جاء في ميراث الاخوة من الأب والأم..
٥ أخرجه ابن ماجه في: ١٥ –كتاب الصدقات، ٢٠ –باب أداء الدين عن الميت، حديث ٢٤٣٣ (طبعتنا)..
ولكم نصف ما ترك أزواجكم ان لم يكن لهن ولد فان كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم ان لم يكن لكم ولد فان كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وان كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فان كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو غير مضار وصية من الله والله عليم حليم١٢ ).
( فان كان لهن ولد ) على نحو ما فصل ( فلكم الربع مما تركن ) من المال. والباقي لباقي الورثة ( من بعد وصية يوصين بها أو دين ) أي من بعد استخراج وصيتهن وقضاء دينهن ( ولهن الربع مما تركتم ) من المال ( ان لم يكن لكم ولد ) ذكر أو أنثى، منهن أو من غيرهن ( فان كان لكم ولد ) على النحو الذي فصل ( فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين ) الكلام فيه كما تقدم. وفي تكرير ذكر الوصية والدين، من الاعتناء بشأنهما، ما لا يخفى.
لطيفة :
في الآية ما يدل على فضل الرجال على النساء. لأنه تعالى حيث ذكر الرجال، في هذه الآية، ذكرهم على سبيل المخاطبة. وحيث ذكر النساء ذكرهن على سبيل المغايبة. وأيضا خاطب الله الرجال في هذه الآية سبع مرات. وذكر النساء فيها على سبيل الغيبة أقل من ذلك. وهذا يدل على تفضيل الرجال على النساء، كما فضلوا عليهن في النصيب. كذا يستفاد من / الرازي. ( وان كان رجل يورث كلالة أو امرأة ) أي تورث كذلك ( وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فان كانوا ) أي الإخوة والأخوات من الأم ( أكثر من ذلك ) أي من واحد ( فهم شركاء في الثلث ) يستوي فيه ذكرهم وأنثاهم. قال المجد في ( القاموس ) :الكلالة :من لا ولد له ولا والد. أو ما لم يكن من النسب لحا. أو من تكلل نسبه بنسبك. كابن العم وشبهه. أو هي الاخوة للأم. أو بنو العم الأباعد. أو ما خلا الوالد والولد. أو هي، من العصبة، من ورث منه الاخوة للأم. فهذه سبعة أقوال محكية عن أئمة اللغة. وقال ابن بري١ :اعلم أن الكلالة في الأصل هي مصدر ( كل الميت يكل كلا، وكلالة ) فهو كل إذا لم يخلف ولدا ولا والدا يرثانه. هذا أصلها. قال :ثم قد تقع الكلالة على العين دون الحدث. فتكون اسما للميت الموروث وان كانت في الأصل اسما للحدث. على حد قولهم :هذا خلق الله. أي مخلوق الله. قال :وجاز أن تكون اسما للوارث على حد قولهم :رجل عدل أي عادل. وماء غور أي غائر. قال :والأول هو اختيار البصريين من أن الكلالة اسم للموروث. قال :وعليه جاء التفسير في الآية، أن الكلالة الذي لم يخلف ولدا ولا والدا. فاذا جعلتها للميت، كان انتصابها في الآية على وجهين :
أحدهما :أن تكون خبر ( كان ) تقديره :وان كان الموروث كلالة، أي كلا ليس له ولد ولا والد.
والوجه الثاني :أن يكون انتصابها على الحال من الضمير في ( يورث ) أي يورث وهو كلالة. وتكون ( كان ) هي التامة التي ليست مفتقرة إلى خبر. قال :ولا يصح أن تكون الناقصة، كما ذكره الحوفي، لأن خبرها لا يكون الا الكلالة. ولا فائدة في قوله ( يورث ). والتقدير :ان وقع أو حضر رجل يموت كلالة، أي يورث وهو كلالة، أي كل. وان جعلتها للحدث دون العين، جاز انتصابها على ثلاثة أوجه :
أحدهما :أن يكون انتصابها على المصدر، على تقدير حذف مضاف، تقديره :يورث وراثة كلالة. كما قال الفرزدق٢ :
ورثتم قناة الملك لا عن كلالة
أي ورثتموها / وراثة قرب، لا وراثة بعد. وقال عامر بن الطفيل :
وما سودتني عامر عن كلالة أبى الله أن أسمو بأم ولا أب
ومنه قولهم :هو ابن عم كلالة، أي بعيد النسب. فاذا أرادوا القرب قالوا هو ابن عم دنية. والوجه الثاني –أن تكون الكلالة مصدرا واقعا موقع الحال. على حد قولهم :جاء زيد ركضا، أي راكضا. وهو ابن عمي دنية، أي دانيا. وابن عمي كلالة أي بعيدا في النسب والوجه الثالث –أن تكون خبر ( كان ) على تقدير حذف مضاف. تقديره :وان كان الموروث ذا كلالة. قال :فهذه خمسة أوجه في نصب الكلالة :
أحدهما :أن تكون خبر ( كان ).
والثاني :أن تكون حالا.
الثالث :أن تكون مصدرا، على تقدير حذف مضاف.
الرابع :أن تكون مصدرا في موضع الحال.
الخامس :أن تكون خبر ( كان ) على تقدير حذف مضاف. فهذا الوجه الذي عليه أهل البصرة والعلماء باللغة. أعني أن الكلالة اسم للموروث دون الوارث. قال :وقد أجاز قوم من أهل اللغة، وهم أهل الكوفة، أن تكون الكلالة اسما للوارث. واحتجوا في ذلك بأشياء :منها قراءة الحسن :وان كان رجل يورث كلالة. ( بكسر الراء ). فالكلالة، على ظاهر هذه القراءة، هي ورثة الميت. وهم الاخوة للأم. واحتجوا أيضا بقول جابر أنه قال :" يا رسول الله ! انما يرثني كلالة ". فاذا ثبت حجة هذا الوجه، كان انتصاب كلالة أيضا على مثل ما انتصبت في الوجه الخامس من الوجه الأول. وهو أن تكون خبر ( كان ) ويقدر حذف مضاف، ليكون الثاني هو الأول، تقديره :وان كان رجل يورث ذا كلالة، كما تقول ذا قرابة، ليس فيهم ولد ولا والد. قال :وكذلك إذا جعلته حالا من الضمير في ( يورث ) تقديره :ذا كلالة. قال :وذهب ابن جني، في قراءة من قرأ / يورث كلالة ويورث كلالة، أن مفعولي ( يورث ويورث ) محذوفان أي يورث وارثه ماله. قال :فعلى هذا يبقى ( كلالة ) على حاله الأولى التي ذكرتها. فيكون نصبه على خبر ( كان ) أو على المصدر. وتكون ( الكلالة ) للموروث لا للوارث. قال :والظاهر أن الكلالة مصدر يقع على الوارث وعلى الموروث. والمصدر قد يقع للفاعل تارة وللمفعول أخرى. والله أعلم.
وقال ابن الأثير :الأب والابن طرفان للرجل. فاذا مات ولم يخلفهما فقد مات عن ذهاب طرفيه. فسمى ذهاب الطرفين كلالة.
وفي ( الأساس ) :ومن المجاز كل فلان كلالة، إذا لم يكن ولدا ولا والدا. أي كل عن بلوغ القرابة المماسة.
وقال الأزهري :ذكر الله الكلالة في سورة النساء في موضعين :أحدهما –قوله :( وان كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس ). والموضع الثاني قوله تعالى :( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ان امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ) ٣، الآية.
فجعل الكلالة هنا الأخت للأب والأم، والإخوة للأب والأم. فجعل للأخت الواحدة نصف ما ترك الميت وللأختين الثلثين. وللاخوة والأخوات جميع المال بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين. وجعل للأخ والأخت من الأم، في الآية الأولى، الثلث. لكل واحد منهما السدس. فبين بسياق الايتين أن الكلالة تشتمل على الاخوة للأم مرة، ومرة على الإخوة للأم والأب. ودل قول الشاعر. أن الأب ليس بكلالة، وأن سائر الأولياء من العصبة بعد الولد كلالة، وهو قوله :
فان أبا المرء أحمى له ومولى الكلالة لا يغضب
أراد أن أبا المرء أغضب له إذا ظلم. وموالي الكلالة، وهم الاخوة والأعمام وبنو الأعمام وسائر القرابات لا يغضبون للمرء غضب الأب. انتهى.
وروى ابن جرير٤ وغيره عن الشعبي قال :قال أبو بكر رحمة الله عليه :" اني قد رأيت في الكلالة رأيا. فان كان صوابا فمن الله وحده لا شريك له. وان يك خطأ فمني ومن الشيطان. والله بريء منه. أن الكلالة ما خلا الولد والوالد ".
تنبيه :
اتفق العلماء على المراد من قوله تعالى :( وله أخت أو أخت ) – الأخ والأخت من الأم. وقرأ سعد بن أبي وقاص وغيره من السلف :وله أخ أو أخت من أم. وكذا فسرها أبو بكر الصديق رضي الله عنه فيما رواه قتادة عنه. قال الكرخي :القراءة الشاذة كخبر الآحاد. لأنها ليست من قبل الرأي. وأطلق الشافعي الاحتجاج بها، فيما حكاه البويطي عنه، في باب ( الرضاع ) وباب ( تحريم الجمع ) وعليه جمهور أصحابه. لأنها منقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولا يلزم من انتفاء خصوص قرآنيتها، انتفاء خصوص خبريتها. وقال القرطبي :أجمع العلماء على أن الإخوة ههنا هم الأخوة لأم. قال :ولا خلاف بين أهل العلم أن الاخوة للأب والأم، أو للأب، ليس ميراثهم هكذا. فدل اجماعهم على أن الاخوة المذكورين في قوله تعالى :( وان كانوا اخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين ) –هم الاخوة لأبوين، أو لأب.
لطيفة :
افراد الضمير في قوله تعالى :( وله أخ ). اما لعوده على الميت المفهوم من المقام، أو على واحد منهما، والتذكير للتغليب. أو على الرجل، واكتفى بحكمه عن حكم المرأة لدلالة العطف على تشاركهما فيه ( من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار ) حال من / ضمير ( يوصى ) ( على قراءته مبنيا للفاعل ) أي غير مدخل الضرر على الورثة. كأن يوصى بأكثر من الثلث. ومن فاعل فعل مضمر يدل عليه المذكور ( على قراءته مبنيا للمجهول ) وتخصيص هذا القيد بهذا المقام، لما أن الورثة مظنة لتفريط الميت في حقهم.
وقد روى ابن أبي حاتم وابن جرير٥ عن ابن عباس مرفوعا :" الضرار في الوصية من الكبائر ". ورواه النسائي في ( سننه ) عن ابن عباس موقوفا. وهو الصحيح كما قال ابن جرير ( وصية من الله ) مصدر مؤكد لفعل محذوف. وتنوينه للتفخيم. كقوله :( فريضة من الله ). أو منصوب ب ( غير مضار ) على انه مفعول به. فانه اسم فاعل معتمد على ذي الحال. أو منفي معنى. فيعمل في المفعول الصريح. ويعضده القراءة بالاضافة. أي غير مضار لوصية الله وعهده في شأن الورثة ( والله عليم ) بالمضار وغيره ( حليم ) لا يعاجل بالعقوبة، فلا يغتر بالإمهال.
١ اللسان، الصفحة ٥٩٣ من المجلد الحادي عشر (طبع بيروت)..
٢ البيت:
ورثتم قناة الملك غير كلالة عن ابن مناف عبد شمس وهاشم
قائله الفرزدق من قصيدة مطلعها:
تحن بزوراء المدينة ناقتي حنين عجول تبتغي البو رائم
الديوان صفحة ٨٥٢..

٣ |٤/ النساء/ ١٧٦| ونصها: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ان امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها ان لم يكن لها ولد فان كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وان كانوا اخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم١٧٦)..
٤ الأثر رقم ٨٧٤٥..
٥ الأثر رقم ٨٧٨٤..
( تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم١٣ ).
( تلك ) الأحكام ( حدود الله ) أحكامه وفرائضه المحدودة التي لا تجوز مجاوزتها. ( ومن يطع الله ورسوله ) في قسمة المواريث وغيرها ( يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ) أي من تحت شجرها ومساكنها ( خالدين فيها ) لا يموتون ولا يخرجون ( وذلك الفوز العظيم ) النجاة الوافرة بالجنة.
( ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين١٤ ).
( ومن يعص الله ورسوله ) في قسمة المواريث وغيرها ( ويتعد حدوده ) بتجاوز أحكامه وفرائضه بالميل والجور ( يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ) أي لكونه غير ما حكم الله به، وضاد الله في حكمه. وهذا انما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله وحكم به. ولهذا يجازيه بالاهانة في العذاب الأليم المقيم. وقد روى أبو داود١ في باب ( الاضرار في الوصية ) من ( سننه ) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" ان الرجل ليعمل، أو المرأة، بطاعة الله ستين سنة. ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية. فتجب لهما النار. وقرأ أبو هريرة :( من بعد وصية ).... حتى بلغ، ( وذلك الفوز العظيم ) ". ورواه الترمذي وابن ماجة. ورواه الإمام أحمد٢ بسياق أتم ولفظه :" ان الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة. فاذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله. فيدخل النار. وان الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة. فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله. فيدخل الجنة. قال ثم يقول أبو هريرة :واقرؤوا ان شئتم :( تلك حدود الله ). إلى قوله :( عذاب مهين ) ".
١ أخرجه أبو داود في: ١٧ –كتاب الوصايا، ٣ –باب ما جاء في كراهية الاضرار في الوصية، حديث ٢٨٦٧..
٢ أخرجه في المسند بالصفحة ٢٧٨ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي)..
ثم بين تعالى بعضا من الأحكام المتعلقة بالنساء، اثر بيان أحكام المواريث بقوله :
( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا١٥ ).
( واللاتي يأتين الفاحشة ) أي الخصلة البليغة في القبح، وهي الزنى، حال كونهن ( من نسائكم فاستشهدوا عليهن ) أي فاطلبوا من القاذفين لهن ( أربعة منكم ) أي من المسلمين ( فان شهدوا ) عليهن بها ( فامسكوهن في البيوت ) أي احبسوهن فيها. ولا تمكنوهن من الخروج، صونا عن التعرض بسببه للفاحشة ( حتى يتوفاهن الموت ) أي يستوفي أرواحهن. وفيه تهويل للموت وابراز له في صورة من يتولى قبض الأرواح وتوفيها. أو يتوفاهن ملائكة الموت ( أو يجعل الله لهن سبيلا ) أي يشرع لهن حكما خاصا بهن. ولعل التعبير عنه ب ( السبيل ) للايذان بكونه طريقا مسكوكا. قاله أبو السعود.
وقد بينت السنة ان الله تعالى أنجز وعده، وجعل لهن سبيلا. وذلك فيما رواه الإمام أحمد ومسلم وأصحاب ( السنن ) عن عبادة بن الصامت قال :" ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أنزل الوحي كرب له وتربد وجهه. واذ سري عنه قال :خذوا عني خذوا عني ( ثلاث مرار ) قد جعل الله لهن سبيلا. الثيب بالثيب، والبكر بالبكر. الثيب جلد مائة والرجم. والبكر جلد مائة ونفي سنة ". هذا لفظ الإمام أحمد١ وكذا رواه أبو داود الطيالسي٢ ولفظه عن عبادة :( ان رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا نزل عليه الوحي، عرف ذلك فيه. فلما نزلت :( أو يجعل الله لمن سبيلا ) وارتفع الوحي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :خذوا حذركم. قد جعل الله لهن سبيلا :البكر بالبكر مائة ونفي سنة. والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة ".
١ أخرجه في مسنده بالصفحة ٣١٧ من الجزء الخامس (طبعة الحلبي)..
٢ أخرجه في مسنده. الحديث رقم ٥٨٤..
( واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فان تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ان الله كان توابا رحيما١٦ ).
( واللذان ) :بتخفيف النون وتشديدها ( يأتيانها ) أي الفاحشة ( منكم ) أي الرجال ( فآذوهما ) بالسب والتعيير، ليندما على ما فعلا ( فان تابا وأصلحا ) أي أعمالهما ( فأعرضوا عنهما ) بقطع الأذية والتوبيخ، وبالإغماض والستر. فان التوبة والصلاح مما يمنع استحقاق الذم والعقاب ( ان الله كان توابا ) أي على من تاب ( رحيما ) واسع الرحمة. وهو تعليل للأمر بالإعراض.
تنبيه :
هذا الحكم المذكور في الآيتين منسوخ، بعضه بالكتاب وبعضه بالسنة. قال الإمام الشافعي في ( الرسالة ) في ( أبواب الناسخ والمنسوخ ) بعد ذكره هاتين الآيتين |٣٧٦| :ثم نسخ الله الحبس والأذى في كتابه فقال :( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ).
فدلت السنة على أن جلد المائة للزانيين البكرين ( لحديث عبادة بن الصامت المتقدم ).
ثم قال :فدلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جلد المائة ثابت على البكرين الحرين، ومنسوخ عن الثيبين. وأن الرجم ثابت على الثيبين الحرين. ثم قال :
لأن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا :البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام. والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " –أول ما نزل. فنسخ به الحبس والأذى عن الزانيين.
فلما رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماعزا ولم يجلده، وأمر أنيسا أن يغدو على امرأة الأسلمي، فان اعترفت رجمها –دل على نسخ الجلد عن الزانيين الحرين الثيبين. وثبت الرجم عليهما. لأن كل شيء |أبدا| بعد أول فهو آخر. انتهى. ١
١ رسالة الشافعي بتحقيق أحمد محمد شاكر وهذه أرقام فقرها..
( انما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما١٧ ).
( انما التوبة على الله ) استئناف مسوق لبيان أن قبول التوبة من الله تعالى ليس على اطلاقه، كما ينبئ عنه وصفه تعالى بكونه توابا رحيما. بل هو مقيد بما سينطق به النص الكريم. قوله تعالى :( التوبة ) مبتدأ وقوله تعالى :( للذين يعملون السوء ) خبره. وقوله تعالى :( على الله ) متعلق بما تعلق به الخبر من الاستقرار. ومعنى كون التوبة عليه سبحانه، صدور القبول عنه تعالى. وكلمة ( على ) للدلالة على التحقق البتة بحكم سبق الوعد حتى كأنه من الواجبات عليه سبحانه. والمراد بالسوء المعصية، صغيرة أو كبيرة –كذا في ( أبي السعود ). ( بجهالة ) متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل ( يعملون ) أي متلبسين بها. أي جاهلين سفهاء. أو ب ( يعملون ) على أن الباء سببية. أي يعملونه بسبب الجهالة. والمراد بالجهل السفه بارتكاب ما لا يليق بالعاقل. لا عدم العلم. فان من لا يعلم لا يحتاج إلى التوبة. والجهل بهذا المعنى حقيقة واردة في كلام العرب. كقوله١ :فنجهل فوق جهل الجاهلينا. ( ثم يتوبون من قريب ) أي من زمان قريب. وظاهر الآية اشتراط وقوع التوبة عقب المعصية بلا تراخ. وانها بذلك تنال درجة قبولها المحتم تفضلا. إذ بتأخيرها وتسويفها / يدخل في زمرة المصرين. فيكون في الآية ارشاد إلى المبادرة بالتوبة عقب الذنب. والإنابة إلى المولى بعده فورا. ووجوب التوبة على الفور مما لا يستراب فيه. إذ معرفة كون المعاصي مهلكات من نفس الايمان. وهو واجب على الفور. وتتمته في ( الاحياء ).
اذا عرفت هذا، فما ذكره كثير من المفسرين من ان المراد من قوله تعالى :( من قريب ) ما قبل حضور الموت –بعيد من لفظ الآية وسرها التي أرشدت اليه. أعني البدار إلى التوبة قبل ان تعمل سموم الذنوب بروح الايمان، عياذا بالله تعالى. ( فان قيل ) :من أين يستفاد قبول التوبة قبل حضور الموت ؟ ( قلنا ) يستفاد من الآية التي بعدها، ومن الأحاديث الوافرة في ذلك. لا من قوله تعالى :( من قريب ) بما أولوه. وذلك لأن الآية الثانية وهي قوله تعالى :( وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدكم الموت قال اني تبت الآن ) – صريحة في أن وقت الاحتضار هو الوقت لا تقبل فيه التوبة. فبقي ما وراءه في حيز القبول. وقد روى الإمام أحمد٢ عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ان الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ". ورواه ابن ماجة والترمذي وقال :حسن غريب.
وروى أبو داود٣ الطيالسي عن عبد الله بن عمرو قال :" من تاب قبل موته بعام تيب عليه. ومن تاب قبل موته بيوم تيب عليه. ومن تاب قبل موته بساعة تيب عليه. ( قال أيوب ). فقلت له انما قال الله عز وجل :( انما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ). فقال :انما أحدثك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ". وروى نحوه الإمام أحمد وسعيد بن منصور وابن مردويه. وروى مسلم٤ عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه ". وروى / الحاكم مرفوعا :" من تاب إلى الله قبل أن يغرغر قبل الله منه ". وروى ابن ماجة عن ابن مسعود باسناد حسن٥ :" التائب من الذنب كمن لا ذنب له ". وقوله تعالى :( فأولئك يتوب الله عليهم ) أي يقبل توبتهم ( وكان الله عليما حكيما ).
١ البيت:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
قال التبريزي: معناه نهلكه ونعاقبه بما هو أعظم من جهله. فنسب الجهل الى نفسه وهو يريد الاهلاك والمعاقبة، ليزدوج اللفظتان فتكون الثانية على مثل لفظة الأولى. وهي تخالفها في المعنى، لأن ذلك أخف على اللسان وأحضر من اختلافهما.
وهذا البيت آخر معلقة عمرو كلثوم التي اولها:
ألا هبي بصحنك فاصبحينا ولا تبقى خمور الأندرينا
.

٢ المسند بالصفحة ١٢٣ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي)..
٣ أخرجه في مسنده، الحديث ٢٢٨٤..
٤ أخرجه في: ٤٨ –كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث ٤٣ (طبعتنا)..
٥ أخرجه في: ٣٧ –كتاب الزهد، ٣٠ –باب ذكر التوبة، حديث ٤٢٥٠ (طبعتنا)..
( وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال اني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما١٨ ).
( وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت ) عند النزاع ( قال ) عند مشاهدة ما هو فيه ( اني تبت الآن ) فلا ينفعه ذلك ولا يقبل منه ( ولا الذين يموتون وهم كفار ) فلا ينفعهم ندمهم ولا توبتهم لأنهم بمجرد الموت يعانون العذاب. روى الإمام أحمد١ عن أبي ذر أن رسول اله صلى الله عليه وسلم قال :" ان الله يقبل توبة عبده ويغفر لعبده ما لم يقع الحجاب. قيل :يا رسول الله ! وما الحجاب ؟ قال :أن تموت النفس وهي مشركة ". ولهذا قال تعالى :( أولئك أعتدنا ) أي أعددنا ( لهم عذابا أليما ).
١ أخرجه في المسند بالصفحة ١٧٤ من الجزء الخامس (طبعة الحلبي)..
( يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فان كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا١٩ ).
وقوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ) نهى عما كان يفعله أهل الجاهلية بالنساء من الايذاء والظلم. روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما١ قال :" كانوا، إذا مات الرجل، كان أولياؤه أحق بامرأته. ان شاء بعضهم تزوجها، وان شاءوا زوجوها، وان شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها. فنزلت هذه الآية :( يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم ). الآية ". ورواه أبو داود والنسائي وغيرهم، ولفظ أبي داود عن ابن عباس :" أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته. فيعضلها حتى تموت، أو ترد إليه صداقها :فأحكم الله عن ذلك ". أي نهى عنه.
قال السيوطي :ففيه أن الحر لا يتصور ملكه ولا دخوله تحت اليد. ولا يجري مجرى الأموال بوجه. و ( كرها ) ( بفتح الكاف وضمها ) قراءتان. أي حال كونهن كارهات لذلك ! أو مكرهات عليه. والتقييد ( بالكره ) لا يدل على الجواز عند عدمه. لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه. كما في قوله :( ولا تقتلوا أولادكم خشية املاق ) ٢. ( ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ) الخطاب للأزواج. كما عليه أكثر المفسرين. روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس٣ " أن الآية في الرجل تكون له المرأة. وهو كاره لصحبتها. ولها عليه مهر. فيضرها لتفتدي به ". والعضل الحبس والتضييق. / أي :ولا يحل لكم أن تضيقوا عليهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن. أي من الصداق. بأن يدفعن اليكم بعضه اضطرارا فتأخذوه منهن ( الا أن يأتين بفاحشة مبينة ) أي زنى. كما قاله جماعة من الصحابة والتابعين. يعني إذا زنت فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها وتضاجرها حتى تتركه لك، وتخالعها. كما قال تعالى في سورة البقرة :( ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا الا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ) ٤. الآية.
وروي عن ابن عباس أيضا وغيره :" الفاحشة المبينة النشوز والعصيان ". واختار ابن جرير أنه يعم ذلك كله :الزنى والعصيان والنشوز وبذاء اللسان وغير ذلك. يعني أن هذا كله يبيح مضاجرتها حتى تبرئه من حقها أو بعضه، ويفارقها. قال ابن كثير :وهذا جيد، والله أعلم. قال أبو السعود :( مبينة ) على صيغة الفاعل من ( بين ) بمعنى تبين وقرئ على صيغة المفعول. وعلى صيغة الفاعل من ( أبان ) بمعنى تبين أي بينة القبح من النشوز وشكاسة الخلق وايذاء الزوج وأهله بالبذاء والسلاطة. ويعضده قراءة أبي :( الا أن يفحشن عليكم ). انتهى. وفي ( الاكليل ) استدل قوم بقوله :( ببعض ما آتيتموهن ) – على منع الخلع بأكثر مما أعطاها انتهى.
ثم بين تعالى حق الصحبة مع الزوجات بقوله :( وعاشروهن ) أي صاحبوهن ( بالمعروف ) أي بالانصاف في الفعل والاجمال في القول حتى لا تكونوا سبب الزنى بتركهن. أو سبب النشوز أو سوء الخلق. فلا يحل لكم حينئذ.
قال السيوطي في ( الاكليل ) :في الآية وجوب المعروف من توفية المهر والنفقة والقسم / واللين في القول وترك الضرب والاغلاظ بلا ذنب. واستدل بعمومها من أوجب لها الخدمة إذا كانت ممن لا تخدم نفسها ( فان كرهتموهن ) يعني كرهتمو الصحبة معهن ( فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ) أي ولعله يجعل فيهن ذلك بأن يرزقكم منهن ولدا صالحا يكون فيه خير كثير. وبأن ينيلكم الثواب الجزيل في العقبى بالانفاق عليهن والاحسان اليهن، على خلاف الطبع. وفي ( الاكليل ) قال الكيا الهراسي :في هذه الآية استحباب الامساك بالمعروف وان كان على خلاف هوى النفس. وفيها دليل على أن الطلاق مكروه.
وقد روى مسلم٥ في ( صحيحه ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليهم وسلم :" لا يفرك مؤمن مؤمنة. ان كره منها خلقا رضي منها آخر ". ( ويفرك ) بفتح الياء والراء، معناه يبغض.
لطيفة :
قال أبو السعود :ذكر الفعل الأول مع الاستغناء عنه، وانحصار العلية في الثاني، للتوسل إلى تعميم مفعوله –ليفيد أن ترتيب الخير الكثير من الله تعالى ليس مخصوصا بمكروه دون مكروه. بل هو سنة إلهية جارية على الإطلاق، حسب اقتضاء الحكمة. وان ما نحن فيه مادة من موادها. وفيه من المبالغة في الحمل على ترك المفارقة وتعميم الإرشاد، ما لا يخفى.
تنبيه جليل في الوصية بالنساء والإحسان إليهن :
كفى في هذا الباب هذه الآية الجليلة الجامعة. وهي قوله تعالى :( وعاشروهن بالمعروف ). فال ابن كثير :أي طيبوا أقوالكم لهن. وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم. كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله. كما قال تعالى :/ ( ولهن مثل الذي عليهن ) ٦. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ". رواه الترمذي عن عائشة، وابن ماجة٧ عن ابن عباس، والطبراني عن معاوية. وقال صلى الله عليه وسلم :" خيركم خيركم للنساء ". رواه الحاكم عن ابن عباس. وقال صلى الله عليه وسلم :" خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي. ما أكرم النساء الا كريم، ولا أهانهن الا لئيم ". رواه ابن عساكر عن علي عليه السلام. وعن عمر بن الأحوص رضي الله عنه " أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يقول، بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه، وذكر ووعظ، ثم قال ألا واستوصوا بالنساء خيرا. فانما هن عوان عندكم. ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك الا أن يأتين بفاحشة مبينة. فان فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح. فان أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا. ألا ان لكم على نسائكم حقا. ولنسائكم عليكم حقا. فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون. ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون. ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا اليهن في كسوتهن وطعامهن ". رواه الترمذي٨ وقال :حديث حسن صحيح.
وقوله ( عوان ) أي أسيرات. جمع عانية.
وعن معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال :" قلت :يا رسول الله ! ما حق زوجة أحدنا عليه ؟ / قال :أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت ". رواه أبو داود٩.
وعن عقبة بن عامر قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ليس١٠ من اللهو الا ثلاث :تأديب الرجل فرسه، ورميه بقوسه ونبله، ومداعبة أهله ".
قال ابن كثير :وكان من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقة، ويضاحك نساءه. حتى انه كان يسابق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، يتودد اليها بذلك. قالت :" سابقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته ". وذلك قبل أن أحمل اللحم. ثم سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقني. فقال :هذه بتلك ". وكان صلى الله عليه وسلم يجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها. وكان ينام مع المرأة من نساءه في شعار واحد. يضع عن كتفيه الرداء وينام بالازار. وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام. يؤانسهم بذلك صلى الله عليه وسلم. وقد قال الله تعالى :( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ). انتهى.
وقال الغزالي في ( الاحياء ) في ( آداب المعاشرة وما يجري في دوام النكاح ) :الأدب الثاني –حسن الخلق معهن واحتمال الأذى منهن، ترحما عليهن، لقصور عقلهن. قال الله تعالى :( وعاشروهن بالمعروف )، وقال في تعظيم حقهن :( وأخذن منكم ميثاقا غليظا ) ١١. وقال تعالى :( والصاحب بالجنب ) ١٢. قيل :هي المرأة.
ثم قال :واعلم أنه ليس حسن الخلق معها كف الأذى عنها بل احتمال الأذى منها، والحلم عند طيشها وغضبها، اقتداء برسول الله صلى الله عليه. فقد كانت أزواجه تراجعنه الكلام، وتهجره الواحدة منهن يوما إلى الليل. وراجعت امرأة عمر عمر رضي الله عنه فقال :" أتراجعيني ؟ فقالت :ان أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم يراجعنه، وهو خير منك " ١٣. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعائشة١٤ :" اني لأعلم إذا كنت عني راضية واذا كنت علي غضبى. قالت :فقلت :من أين تعرف ذلك ؟ فقال :أما إذا كنت عني راضية فانك تقولين :لا. ورب محمد ! واذا كنت غضبى قلت :لا. ورب ابراهيم ! قالت قلت :أجل. والله ! يا رسول الله ! ما أهجر الا اسمك ".
ثم قال الغزالي :الثالث –أن يزيد على احتمال الأذى بالمداعبة والمزح والملاعبة. فهي التي تطيب قلوب النساء. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح معهن وينزل إلى درجات عقولهن في الأعمال. حتى روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يسابق عائشة في العدو فسبقته يوما وسبقها في بعض الأيام. فقال صلى الله عليه وسلم :" هذه بتلك ".
قال العراقي :رواه أبو داود١٥، والنسائي في ( الكبرى ) وابن ماجة من حديث عائشة بسند صحيح.
وقالت عائشة رضي الله عنها :" سمعت أصوات أناس من الحبشة وغيرهم وهم يلعبون في يوم عيد. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :أتحبين أن تري لعبهم ؟ قالت قلت :نعم. فأرسل إليهم فجاؤوا. وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين البابين. فوضع كفه على الباب ووضعت رأسي على منكبه. وجعلوا يلعبون وأنظر. وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :حسبك ! وأقول :لا تعجل. ( مرتين أو ثلاثا ) ثم قال :يا عائشة ! حسبك. فقلت نعم ". وفي رواية للبخاري١٦ قالت :" رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد. حتى أكون أنا الذي أسأم. فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو ".
وقال عمر رضي الله عنه :" ينبغي للرجل أن يكون في أهله مثل الصبي. فاذا التمسوا ما عنده وجد رجلا ".
وقال لقمان رحمه الله تعالى :" ينبغي للعاقل أن يكون في أهله كالصبي. واذا كان في القوم وجد رجلا ".
وقال صلى الله عليه وسلم١٧ لجابر :" هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك ؟ " رواه الشيخان. ووصفت أعرابية زوجها وقد مات فقالت :والله ! لقد كان ضحوكا إذا ولج، سكوتا إذا خرج، آكلا ما وجد، غير سائل عما فقد. انتهى بتصرف.
١ أخرجه البخاري في: ٦٥ –كتاب التفسير، ٤ –سورة النساء، ٦ –باب (لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها)..
٢ |١٧/ الاسراء/ ٣١| ونصها: (ولا تقتلوا أولادكم خشية املاق ونحن نرزقهم واياكم ان قتلهم كان خطئا كبيرا٣١)..
٣ الأثر ٨٨٨٤ من تفسير ابن جرير. ونصه:
عن ابن عباس قوله: (ولا تعضلوهن) يقول لا تقهروهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن يعني: الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر، فيضر بها لتفتدي..

٤ |٢/ البقرة/ ٢٢٣| ونصها: (الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا الا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فان خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون٢٢٩)..
٥ أخرجه في: ١٧ –كتاب الرضاع، حديث ٦١ (طبعتنا)..
٦ |٢/ البقرة/ ٢٢٨| ونصهل: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ان كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ان أرادوا اصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم٢٢٨).
٧ ابن ماجه في: ٩ –كتاب النكاح، ٥٠ –باب حسن معاشرة النساء، حديث ١٩٧٧ (طبعتنا)..
٨ الترمذي في: ١٠ –كتاب النكاح، ١١ –باب ما جاء في حق المرأة على زوجها..
٩ أبو داود في: ١٢ –كتاب النكاح، ٤١ –باب في حق المرأة على زوجها، حديث ٢١٤٢..
١٠ الحديث رواه الترمذي في: ٢٠ –كتاب فضائل الجهاد، ١١ –باب ما جاء في فضل الرمي في سبيل الله.
ونصه: عن عبد الله بن عبد الرحمان بن أبي حسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ان الله ليدخل بالسهم الواحد، ثلاثة، الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، والممد به". وقال: "ارموا واركبوا، ولأن ترموا أحب الي من أن تركبوا. كل ما يلهو به الرجل المسلم باطل. الا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، فانهن من الحق".
ثم قال: عن عقبة بن عامر الجهني، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله..

١١ |٤/ النساء/ ٢١| ونصها: (وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم الى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا٢١)..
١٢ |٤/ النساء/ ٣٦| ونصها: ( *واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين احسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم ان الله لا يحب من كان مختالا فخورا٣٦)..
١٣ هذه القطعة جزء من حديث طويل رواه ابن عباس عن عمر بن الخطاب في سؤاله له: من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله عز وجل لهما: (ان تتوبا الى الله؟).
وقد أخرجه البخاري في: ٤٦ –كتاب المظالم، ٢٥ –باب الغرفة والعلية المشرفة وغير المشرفة. فلا تفتك مطالعته بامعان..

١٤ أخرجه البخاري في: ٦٧ –كتاب النكاح، ١٠٨ èباب غيرة النساء ووجدهن..
١٥ أخرجه أبو داود في: ١٥ –كتاب الجهاد، ٦١ –باب في السبق على الرجل، حديث ٢٥٧٨..
١٦ أخرجه البخاري في: ٦٧ –كتاب النكاح، ١١٤ –باب نظر المرأة الى الحبش وغيرهم من غير ريبة..
١٧ أخرجه البخاري في: ٦٧ –كتاب النكاح، ١٢٢ –باب تستحد المغيبة وتمتشط. ونصه: عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة فلما قفلنا كنا قريبا من المدينة تعجلت على بعير لي قطوف. فلحقني راكب من خلفي فنخس بعيري بعنزة كانت معه. فسار بعيري كأحسن ما أنت راء من الابل. فالتفت فاذا أنا برسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: يا رسول الله! اني حديث عهد بعرس. قال: "أتزوجت؟" قلت: نعم. قال: "أبكرا أم ثيبا" قال قلت: بل ثيبا. قال: "فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك؟" قال فلما قدمنا ذهبنا لندخل فقال: "أمهلوا حتى تدخلوا ليلا (أي عشاء) كي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة"..
ثم نهى تعالى عن أخذ شيء من صداق النساء من أراد فراقهن، بقوله تعالى :
( وان أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم احداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا واثما مبينا٢٠ ).
( وان أردتم استبدال زوج ) أي تزوج امرأة ترغبون فيها ( مكان زوج ) ترغبون عنها بأن تطلقوها ( وآتيتم احداهن ) أي احدى الزوجات. فان المراد بالزوج الجنس. ( قنطارا ) أي مالا كثيرا مهرا ( فلا تأخذوا منه شيئا ) أي يسيرا، فضلا عن الكثير ( أتأخذونه بهتانا ) أي باطلا ( واثما مبينا ) بينا. والاستفهام للانكار والتوبيخ. أي أتأخذونه باهتين وآثمين.
( وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا٢١ ).
( وكيف تأخذونه ) انكار لأخذه اثر انكار، وتنفير عنه غب تنفير، على سبيل التعجب. أي بأي وجه تستحلون المهر ( وقد أفضى ) أي وصل ( بعضكم إلى بعض ) فأخذ عوضه ( وأخذن منكم ميثاقا غليظا ) أي عهدا وثيقا مؤكدا مزيد تأكيد، يعسر معه نقضه. كالثوب الغليظ يعسر شقه.
قال الزمخشري :الميثاق الغليظ حق الصحبة والمضاجعة. ووصفه بالغلظ لقوته وعظمه. فقد قالوا :صحبة عشرين يوما قرابة. فكيف بما جرى بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج ؟ انتهى.
قال الشهاب الخفاجي :قلت بل قالوا :
صحبة يوم نسب قريب وذمة يعرفها اللبيب
أو الميثاق الغليظ ما أوثق الله عليهم في شأنهم بقوله تعالى :( فامساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) ١. أو قول الولي عند العقد :أنكحتك على ما في كتاب الله :من امساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
تنبيه في فوئد :
الأولى :في قوله تعالى :( وآتيتم احداهن قنطارا ) دليل على جواز الاصداق بالمال الجزيل. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه نهى عن كثرته ثم رجع عن ذلك. كما روى الإمام أحمد٢ عن أبي العجفاء السلمي قال :" سمعت عمر بن الخطاب يقول :ألا لا تغلو / صدق النساء. ألا لا تغلو صدق النساء. فانها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم. ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه، ولا أصدق امرأة من بناته، أكثر من اثنتي عشرة أوقية. وان الرجل ليبتلى بصدقة امرأته وقال مرة :وان الرجل ليغلي بصدقة امرأته ) حتى تكون لها عداوة في نفسه. وحتى يقول :كلفت إليك عرق القربة ". ورواه أهل ( السنن ). وقال الترمذي :هذا حديث صحيح.
وروى أبو يعلى عن مسروق قال :" ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال :أيها الناس ! ما اكثاركم في صدق النساء ! وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك. ولو كان الاكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم اليها. فلأعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم. قال ثم نزل. فاعترضته امرأة من قريش. فقالت :يا أمير المؤمنين ! نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم. قال :نعم. فقالت أما سمعت ما أنزل الله في القرآن ؟ قال :وأي ذلك ؟ قالت :أما سمعت الله يقول :( وآتيتم احداهن قنطارا ). الآية. قال فقال :اللهم ! غفرا. كل الناس أفقه من عمر. ثم رجع فركب المنبر فقال :أيها الناس ! اني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم. فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب ".
قال أبو يعلى :وأظنه قال :" فمن طابت نفسه فليفعل ". اسناده جيد قوي. قاله ابن كثير.
وفي ( الحجة البالغة ) ما نصه :لم يضبط النبي صلى الله عليه وسلم المهر بحد لا يزيد ولا ينقص. إذ العادات في اظهار الاهتمام مختلفة. والرغبات لها مراتب شتى. ولهم في المشاحة طبقات. فلا يمكن تحديده عليهم. كما لا يمكن أن يضبط ثمن الأشياء المرغوبة بحد مخصوص. ولذلك قال :" التمس ولو خاتما من حديد٣ ". غير أنه سن في صداق أزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشا. أي نصفا، انتهى.
وقد ورد ما يفيد الندب إلى تخفيفه وكراهة المغالاة فيه. أخرج أبو داود والحاكم، وصححه من حديث عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ٤ " خير الصداق أيسره ".
وفي ( صحيح مسلم ) ٥عن أبي هريرة قال :" جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له :إني تزوجت امرأة من الأنصار. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :هل نظرت اليها ؟ فان في عيون الأنصار شيئا. قال :قد نظرت إليها. قال :على كم تزوجتها ؟ قال على أربع أواق. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :على أربع أواق ! كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل. ما عندنا ما نعطيك. ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه. قال فبعث إلى بني عبس، بعث ذلك الرجل فيهم ".
الثانية :خص تعالى ذكر من آتى القنطار من المال بالنهي، تنبيها بالأعلى على الأدنى. لأنه إذا كان هذا، على كثرة ما بذل لامرأته من الأموال، منهيا عن استعادة شيء يسير حقير / منها، على هذا الوجه، كان من لم يبذل الا الحقير منهيا عن استعادته بطريق الأولى. ومعنى قوله :( وآتيتم ) والله أعلم :وكنتم آتيتم. إذ ارادة الاستبدال، في ظاهر الأمر، واقعة بعد ايتاء المال واستقرار الزوجية –كذا في ( الانتصاف ).
الثالثة :اتفقوا على أن المهر يستقر بالوطء. واختلفوا في استقراره بالخلوة المجردة. ومنشأ ذلك :أن ( أفضى ) في قوله تعالى :( وقد أفضى بعضكم إلى بعض ). يجوز حملها على الجماع كناية، جريا على قانون التنزيل من استعمال الكناية فيما يستحيى من ذكره. والخلوة لا يستحيى من ذكرها فلا تحتاج إلى كناية. ويجوز ابقاؤها على ظاهرها.
قال ابن الأعرابي :الافضاء في الحقيقة الانتهاء. ومنه :( وقد أفضى بعضكم إلى بعض ). أي انتهى وآوى. هذا، والكناية أبلغ وأقرب في هذا المقام. ومما يرجحها أنه تعالى ذكر ذلك في معرض التعجب فقال :وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض. والتعجب انما يتم إذا كان هذا الافضاء سببا قويا في حصول الألفة والمحبة، وهو الجماع، لا مجرد الخلوة. فوجب حمل الافضاء إليه –ذكره الرازي من وجوه. ثم قال :وقوله تعالى :( وكيف تأخذونه ) كلمة تعجب. أي لأي وجه ولأي معنى تفعلون هذا ؟ فانها بذلت نفسها لك وجعلت ذاتها لذتك وتمتعك، وحصلت الألفة التامة والمودة الكاملة بينكما، فكيف يليق بالعاقل أن يسترد منها شيئا بذله لها بطيبة نفسه ؟ ان هذا لا يليق بمن له طبع سليم وذوق مستقيم.
الرابعة :في ( الاكليل ) استدل بهذه الآية من منع الخلع مطلقا :وقال :انها ناسخة لآية البقرة. وقال غيره :ان هذه الآية منسوخة بها. وقال آخرون :لا ناسخ ولا منسوخ بل هي في الأخذ بغير طيب نفسها. انتهى.
أقول :ان القول الثالث متعين. لان كلا من آيتي البقرة وهذه في مورد خاص يعلم من مساق النظم الكريم. وذلك لأن قوله في البقرة :( فان خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ) ٦ –صريح في أن الزوجة إذا كرهت خلق زوجها أو خلقه أو نقص دينه أو خافت اثما بترك حقه، أبيح لها أن تفتدي منه وحل له أخذ الفداء مما آتاها، لقوله تعالى ثم :( ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا الا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فان خفتم ) ٧ الخ. والحكمة في حل الأخذ ظاهرة. وهي جبر الزوج مما لحقه من ضعة اختلاعها له وهيمنتها حينئذ عليه، واسترداد ما لو أخذ منه، لكان في صورة المظلوم. لأنه لم يجنح للفراق ولا رغب فيه. فكان من العدل الالهي أن لا يجمع عليه بين خسارتي التمتع والمال. وأما هذه الآية فهي في حكم آخر. وهو ما إذا أراد استبدال زوجته لطموح بصره إلى غيرها من غير أن تفتدي منه، أو ترغب في خلع نفسها منه فيضن بما آتاها ويأسف لأن تحوزه وهو لا يريدها وليس لها في نفسه وقع، فعزم عليه أن لا يأخذ مما أصدقها شيئا قط بعد الافضاء. لأنه لو أبيح له الأخذ حينئذ لكان ظلما واضحا. لأنه أخذ بلا جريرة منها. فكان في ابقاء ما في يدها مما آتاها جبر لما نابها من ألم الاعراض عنها واطراحها، رحمة منه تعالى، وعدلا في القضيتين. فالقائل بالنسخ فاته سر الحكمين. وليت شعري ماذا يقول في الحديث الصحيح المروي في البخاري٨ وغيره، وهو قوله صلى الله عليه وسلم لامرأة / ثابت :" أتردين عليه حديقته ! فقالت :نعم. فقال صلى الله عليه وسلم لزوجها :اقبل الحديقة وطلقها ". ولا يقال :لعل القائل بنسخ الخلع اعتمد فيه قوله تعالى :( وكيف تأخذونه ). الخ. وفيه ما فيه من تهويل الأخذ والتنفير عنه كما أسلفنا. لأنا نقول ان دلائل الأحكام الناسخة أو المنسوخة انما تؤخذ من الجمل التامة في الأصلين. فلا تؤخذ من شرط بلا جوابه مثلا. وبالعكس. ولا من مبتدأ بدون خبره وبالعكس. ولا من مؤكد بدون مؤكده. وهكذا. وما نحن فيه لو أخذ عموم تحريم الأخذ من قوله :( وكيف تأخذونه ) –لكان كالاستدلال من المؤكد بدون ملاحظة مؤكده. وهذا ساقط. لأن قوله :( وكيف ) –تنفير عما تقدم، متعلق به. وما قبله خاص. ولو زعم القائل بالنسخ أن قوله :( وان أردتم استبدال زوج )، عام في المخلوعة ومن أريد طلاقها –نقول هذا باطل وفاسد. لأن مورد الآية في ارادته، وهو فراقها مبتدئا. فلا يصدق على المختلعة. لأنه لا يراد الاستبدال بغيرها ابتداء من جانب الزوج. وبالجملة فكل من قرأ صدر الآيتين علم أن كلا في حكم على حدة. لا تعلق فيها له بالآخر. والنسخ لا يصار إليه بالرأي. وقد كثر في المتأخرين دعوى النسخ في الآيات هكذا بلا استناد قوي. بل لما يتراءى ظاهرا بلا امعان. فتثبت هذا.
وفي ( الصحيحين ) ٩ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للمتلاعنين، بعد فراغهما من تلاعنهما :" الله يعلم أن أحدكما كاذب. فهل منكما تائب ؟ قالها ثلاثا. فقال الرجل :يا رسول الله :ما لي ؟ / يعني ما أصدقها. قال :لا مال لك. ان كنت صدقت فهو بما استحللت من فرجها. وان كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منها. " وفي ( سنن أبي داود ) ١٠ وغيره، عن بصرة بن أكثم " أنه تزوج امرأة بكرا في خدرها. فاذا هي حامل من الزنى. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له. فقضى لها بالصداق وفرق بينهما. وأمر بجلدها. وقال :الولد عبد لك، والصداق في مقابلة البضع ".
١ انظر الحاشية رقم ٤ ص٢٤٨..
٢ أخرجه في المسند بالصفحة رقم ٤٠ من الجزء الأول (طبعة الحلبي)..
٣ أخرجه البخاري في: ٦٧ –كتاب النكاح، ٤٠ –باب السلطان ولي، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "زوجناكها بما معك من القرآن".
ونصه: عن سهل بن سعد قال: جاءت امرأة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: اني وهبت من نفسي. فقامت طويلا. فقال رجل: زوجنيها ان لم تكن لك بها حاجة. قال: "هل عندك من شيء تصدقها؟" قال: ما عندي الا ازاري. فقال: "ان أعطيتها اياه جلست لا ازار لك. فالتمس شيئا" فقال: ما أجد شيئا. قال: "التمس ولو خاتما من حديد" فلم يجد. فقال: "أمعك من القرآن شيء؟" قال: نعم. سورة كذا وسورة كذا. لسور سماها. فقال: "زوجناكها بما معك من القرآن"..

٤ أخرجه أبو داود في: ١٢ –كتاب النكاح، ٣١ –باب فيمن تزوج ولم يسم صداقا حتى مات، حديث ٢١١٧..
٥ أخرجه في: ١٦ –كتاب النكاح، ١٢ –باب النظر الى وجه المرأة وكفيها لمن يريد تزوجها، حديث ٧٥ (طبعتنا)..
٦ |٢/ البقرة/ ٢٢٩| ونصها: (الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا الا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فان خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون٢٢٩)..
٧ المصدر السابق..
٨ أخرجه البخاري في: ٦٨ –كتاب الطلاق، ١٢ –باب الخلع وكيف الطلاق منه، حديث ٢١٥٣ ونصه:
عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله! ثابت بن قيس، ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الاسلام.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتردين عليه حديقته؟" قالت: نعم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة"..

٩ أخرجه البخاري في: ٦٨ –كتاب الطلاق، ٣٢ –باب صداق الملاعنة، حديث ٢١٦٤ ونصه:
عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عمر: رجل قذف امرأته؟ فقال: فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين اخوي بني عجلان. وقال: "الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟" فأبيا. وقال: "الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟" فأبيا ففرق بينهما.....
وفي: ٣٣ –باب قول الامام للمتلاعنين: أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ زاد:
قال (الرجل): مالي؟ قال: "لا مال لك. ان كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها. وان كنت كذبت عليها، فذاك أبعد ذلك..

١٠ أخرجه أبو داود في: ١٢ –كتاب النكاح، ٣٧ –باب في الرجل يتزوج المرأة فيجدها حبلى، حديث ٢١٣١ ونصه:
عن سعيد بن المسيب عن رجل من الأنصار يقال له بصرة (بن أكثم) قال: تزوجت امرأة بكرا في سترها. فدخلت عليها فاذا هي حبلى. قفلا النبي صلى الله عليه وسلم: "لها الصداق بما استحللت من فرجها. والولد عبد لك. فاذا ولدت فاجلدها".
وفي رواية: (فاجلدوها) وفي أخرى: (فحدوها)..

ثم بين تعالى من يحرم نكاحهن من النساء، ومن لا يحرم. فقال سبحانه :
( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الا ما قد سلف انه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا٢٢ ).
( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) بنكاح أو ملك يمين. وان لم يكن أمهاتكم ( الا ما قد سلف ) أي سوى ما قد مضى في الجاهلية فانه معفو لكم ولا تؤاخذون به ( انه كان فاحشة ) أي خصلة قبيحة جدا، لأنه يشبه نكاح الأمهات ( ومقتا ) أي بغضا عند الله وعند ذوي المروآت. ولذا كانت العرب تسمي هذا النكاح :نكاح المقت. وتسمي ذلك المتزوج، مقتيا. قاله ابن سيده. وقال الزجاج :المقت أشد البغض. ولما علموا أن ذلك في الجاهلية كان يقال له المقت، أعلموا أنه لم يزل منكرا ممقوتا. ( وساء سبيلا ) أي بئس مسلكا. إذ فيه هتك حرمة الأب. وقد روى ابن حاتم " أنه لما توفي أبو قيس بن الأسلت، وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه، قيس، امرأته، فقالت :انما أعدك ولدا، وأنت من صالحي قومك، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت :ان أبا قيس توفي. فقال :خيرا. ثم قالت :ان ابنه قيسا خطبني وهو من صالحي قومه، وانما كنت أعده ولدا. فما ترى ؟ فقال لها :ارجعي إلى بيتك. فنزلت :( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ). الآية ". وروى ابن جرير عن ابن عباس١ قال :" كان أهل الجاهلية يحرمون ما يحرم الا امرأة الأب والجمع بين الأختين. فأنزل الله :( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الا ما قد سلف ). ( وأن تجمعوا بين الأختين ) |٤/ ٢٣| ".
لطيفة :
قال الرازي :مراتب القبح ثلاثة :القبح في العقول وفي الشرائع وفي العادات. فقوله تعالى :( انه كان فاحشة )، اشارة إلى القبح العقلي. وقوله :( ومقتا )، اشارة إلى القبح الشرعي. / وقوله :( وساء سبيلا )، اشارة إلى القبح في العرف والعادة. ومتى اجتمعت فيه هذه الوجوه، فقد بلغ الغاية في القبح. والله أعلم.
قال ابن كثير :فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه فيقتل ويصير ماله فيئا لبيت المال. كما رواه الإمام أحمد ٢وأهل ( السنن )، من طرق، عن البراء بن عازب. وفي رواية عن عمه " أنه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده، أن يقتله ويأخذ ماله ".
١ الأثر رقم ٨٩٣٨ (طبعة المعارف)..
٢ هذا نص الحديث الذي رواه الامام أحمد في مسنده بالصفحة ٢٩٢ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي).
عن البراء بن عازب قال: مر بنا ناس منطلقون. فقلنا: أين تذهبون؟ فقالوا: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الى رجل فأتى امرأة أبيه، أن نقتله.
وفي الرواية الأخرى، عن البراء بن عازب قال، مر بي عمي الحارث بن عمرو، ومعه لواء قد عقده له النبي صلى الله عليه وسلم. فقلت: أي عم! أين بعثك النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: بعثني الى رجل تزوج امرأة أبيه، فأمرني أن أضرب عنقه..

( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما٢٣ ).
( حرمت عليكم أمهاتكم ) من النسب أن تنكحوهن. وشملت الجدات من قبل / الأب أو الأم ( وبناتكم ) من النسب. وشملت بنات الأولاد وان سفلن ( وأخواتكم ) من أم أو أب أو منهما ( وعماتكم ) أي أخوات آبائكم وأجدادكم ( وخالاتكم ) أي أخوات أمهاتكم وجداتكم ( وبنات الأخ ) من النسب، من أي وجه يكن ( وبنات الأخت ) من النسب من أي وجه يكن. ويدخل في البنات أولادهن ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ) قال المهايمي :لأن الرضاع جزء منها وقد صار جزءا من الرضيع، فصار كأنه جزؤها فأشبهت أصله. انتهى.
ويعتبر في الارضاع أمران :أحدهما القدر الذي يتحقق به هذا المعنى. وقد ورد تقييد مطلقه وبيان مجمله في السنة بخمس رضعات. لحديث عائشة١ عند مسلم وغيره :" كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن. ثم نسخن بخمس معلومات. فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن ". والثاني أن يكون الرضاع في أول قيام الهيكل وتشبح صورة الولد. وذلك قبل الفطام. والا فهو غذاء بمنزلة سائر الأغذية الكائنة بعد التشبح وقيام الهيكل. كالشاب يأكل الخبز.
عن أم سلمة٢ قالت :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا يحرم من الرضاع الا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام ". رواه الترمذي وصححه. والحاكم أيضا. وأخرج سعيد بن منصور والدارقطني والبيهقي عن ابن عباس مرفوعا :" لا رضاع الا ما كان في الحولين ". وصحح البيهقي وقفه. قال السيوطي في ( الاكليل ) :واستدل بعموم الآية من حرم برضاع الكبير. انتهى. وقد ورد الرخصة فيه / لجاجة تعرض. روى مسلم٣ وغيره عن زينب بنت أم سلمة قالت :" قالت أم سلمة لعائشة :انه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي. فقالت عائشة :أما لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة ؟ وقالت :ان امرأة أبي حذيفة قالت :يا رسول الله ! ان سالما يدخل علي وهو رجل. وفي نفس أبي حذيفة منه شيء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :أرضعيه حتى يدخل عليك ". وأخرج نحوه البخاري من حديث عائشة أيضا.
وقد روى هذا الحديث، من الصحابة :أمهات المؤمنين وسهلة بنت سهيل وزينب بنت أم سلمة. ورواه من التابعين جماعة كثيرة. ثم رواه عنهم الجمع الجم. وقد ذهب إلى ذلك علي وعائشة وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والليث بن سعد وابن علية وداود الظاهري وابن حزم. وذهب الجمهور إلى خلاف ذلك.
قال ابن القيم :أخذ طائفة من السلف بهذه الفتوى. منهم عائشة. ولم يأخذ به أكثر أهل العلم. وقدموا عليها أحاديث توقيت الرضاع المحرم، بما قبل الفطام، وبالصغر، وبالحولين. لوجوه :
أحدها :كثرتها وانفراد حديث سالم.
الثاني :أن جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم سوى عائشة في شق المنع.
الثالث :أنه أحوط.
الرابع :أن رضاع الكبير لا ينبت لحما ولا ينشر عظما. فلا يحصل به البعضية التي هي سبب التحريم.
الخامس :أن يحتمل أن هذا كان مختصا بسالم وحده. ولهذا لم يجئ ذلك إلى في قصته.
السادس :" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم٤ دخل على عائشة وعندها رجل قاعد. فاشتد ذلك عليه وغضب. فقالت :انه أخي من الرضاعة. فقال :انظرن إخوتكن من الرضاعة. فانما الرضاعة من المجاعة ". متفق عليه. واللفظ لمسلم.
وفي قصة سالم مسلك. وهو أن هذا كان موضع حاجة. فان سالما كان قد تبناه أبو حذيفة ورباه. ولم يكن له منه ومن الدخول على أهله بد. فاذا دعت الحاجة إلى مثل ذلك فالقول به مما يسوغ فيه الاجتهاد، ولعل هذا المسلك أقوى المسالك. واليه كان شيخنا يجنح. انتهى. يعني تقي الدين بن تيمية رضي الله عنهما.
( وأخواتكم من الرضاعة ). قال الرازي :انه تعالى نص في هذه الآية على حرمة الأمهات والأخوات من جهة الرضاعة. الا أن الحرمة غير مقصورة عليهن. لأنه صلى الله عليه وسلم٥ قال :" يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ". وانما عرفنا أن الأمر كذلك بدلالة هذه الآيات. وذلك لأنه تعالى لما سمى المرضعة أما، والمرضعة أختا، فقد نبه بذلك على أنه تعالى أجرى الرضاع مجرى النسب. وذلك لأنه تعالى حرم بسبب النسب سبعا :اثنتان منها هما المنتسبتان بطريق الولادة، وهما الأمهات والبنات. وخمس منها بطريق الأخوة، وهن الأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت. ثم انه تعالى لما شرع بعد ذلك في أحوال الرضاع، ذكر من هذين القسمين صورة واحدة تنبيها بها على الباقي. فذكر من قسم قرابة الولادة، الأمهات. ومن قسم قرابة الأخوة، الأخوات. ونبه بذكر هذين المثالين، من هذين القسمين، على أن الحال في باب الرضاع كالحال في النسب. ثم انه صلى الله عليه وسلم أكد هذا البيان بصريح قوله :" يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ". فصار صريح الحديث مطابقا لمفهوم الآية. وهذا بيان لطيف. انتهى.
لطيفة :
تعرض بعض المفسرين في هذا المقام لفروع فقهية مسندها مجرد الأقيسة.
قال الرازي :من تكلم في أحكام القرآن وجب أن لا يذكر إلا ما يستنبطه من الآية. / فأما ما سوى ذلك فإنما يليق بكتب الفقه ( وأمهات نسائكم ) أي أصول أزواجكم ( وربائبكم ) جمع ربيبة، بمعنى مربوبة. قال الأزهري :ربيبة الرجل بنت امرأته من غيره. انتهى. سميت بذلك لأنه يربها غالبا، كما يرب ولده ( اللاتي في حجوركم ) جمع حجر ( بفتح أوله وكسره ) أي في تربيتكم. يقال فلان في حجر فلان، إذا كان في تربيته. والسبب في هذه الاستعارة أن كل من ربى طفلا أجلسه في حجره، فصار الحجر عبارة عن التربية. وسر تحريمهن كونهن يشبهن البنات. الا أنه انما يتحقق الشبه إذا كن ( من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ) لأنهن حينئذ بنات موطوءاتكم، كبنات الصلب. والدخول بهن كناية عن الجماع. كقولهم :بنى عليها، وضرب عليها الحجاب. أي أدخلتموهن الستر. والباء للتعدية ( فان لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ) أي فلا حرج عليكم في أن تتزوجوا بناتهن إذ فارقتموهن أو متن.
تنبيهات
( الأول ) :ذهب بعض السلف إلى أن قيد الدخول في قوله تعالى :( اللاتي دخلتم بهن ) –راجع إلى الأمهات والربائب. فقال :لا تحرم واحدة من الأم ولا البنت بمجرد العقد على الأخرى حتى يدخل بها. لقوله :( فان لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ). وروى ابن جرير٦ عن علي رضي الله عنه " في رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها :أيتزوج بأمها ؟ قال :هي بمنزلة الربيبة ". وروى أيضا عن زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير ومجاهد وابن جبير وابن عباس. وذهب إليه من الشافعية أبو الحسن أحمد بن محمد بن الصابوني، فيما نقله الرافعي عن العبادي. وقد روي عن ابن مسعود مثله، ثم رجع عنه. وتوقف فيه معاوية. وذلك فيما رواه ابن المنذر عن بكر بن كنانة " أن أباه أنكحه امرأة بالطائف. قال :فلم أجامعها حتى توفي عمي عن أمها. وأمها ذات مال كثير. فقال أبي :هل لك في أمها ؟ / قال فسألت ابن عباس وأخبرته. فقال :انكح أمها. قال وسألت ابن عمر فقال :لا تنكحها. فأخبرت أبي بما قالا، فكتب إلى معاوية. فأخبره بما قالا. فكتب معاوية :اني لا أحل ما حرم الله. ولا أحرم ما أحل الله. وأنت وذاك. والنساء سواها كثير. فلم ينه ولم يأذن لي. فانصرف أبي عن أمها فلم ينكحنيها ".
وذهب الجمهور إلى أن الأم تحرم بالعقد على البنت ولا تحرم البنت الا بالدخول بالأم. قالوا :الاشتراط انما هو في أمهات الربائب. وروي في ذلك عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" أيما رجل نكح امرأة فلا يحل له نكاح ابنتها. وان لم يكن دخل بها فلينكح ابنتها. وأيما رجل نكح امرأة فلا يحل له أن ينكح أمها دخل بها أو لم يدخل ". أخرجه الترمذي٧.
قال الحافظ ابن كثير :هذا الخبر غريب، وفي اسناده نظر. وقال الزجاج :قد جعل بعض العلماء ( اللاتي دخلتم بهن ) وصفا للنساء المتقدمة والمتأخرة. وليس كذلك. لأن الوصف الواحد لا يقع على موصوفين مختلفي العامل. وهذا، لأن النساء الأولى مجرورة بالاضافة. والثانية ب ( من ) ولا يجوز أن تقول :مررت بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات، على أن تكوم الظريفات نعتا لهؤلاء النساء ولهؤلاء النساء.
قال الناصر في ( الانتصاف ) :والقول المشهور عن الجمهور، ابهام تحريم أم المرأة، وتقييد تحريم الربيبة بدخول الأم. كما هو ظاهر الآية. ولهذا الفرق سر وحكمة. وذلك لأن المتزوج بابنة المرأة لا يخلو بعد العقد وقبل الدخول من محاورة بينه وبين أمها، ومخاطبات ومسارات. فكانت الحاجة داعية إلى تنجيز التحريم ليقطع شوقه من الأم فيعاملها معاملة ذوات المحارم. ولا كذلك العاقد على الأم فانه بعيد عن مخاطبة بنتها قبل الدخول بالأم. فلم تدع الحاجة إلى تعجيل نشر الحرمة. وأما إذا وقع الدخول بالأم فقد وجدت مظنة خلطة الربيبة. فحينئذ تدعو الحاجة إلى نشر الحرمة بينهما. والله أعلم.
الثاني :استدل بقوله تعالى :( اللاتي في حجوركم ) من لم يحرم نكاح الربيبة الكبيرة والتي لم يربها. روى ابن أبي حاتم عن مالك بن أوس بن الحدثان قال :" كانت عندي امرأة فتوفيت وقد ولدت لي. فوجدت عليها. فلقيني علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال :ما لك ؟ فقلت :توفيت المرأة. فقال :لها ابنة ؟ قلت :نعم. وهي بالطائف. قال :كانت في حجرك ؟ قلت :لا. هي بالطائف. قال :فانكحها. قلت :فأين قول الله :( وربائبكم اللاتي في حجوركم ) ؟ قال :انها لم تكن في حجرك. انما ذلك إذا كانت في حجرك ".
قال الحافظ ابن كثير :اسناده قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب، على شرط مسلم. والى هذا ذهب الإمام داود بن علي الظاهري وأصحابه. وحكاه أبو القاسم الرافعي عن مالك رحمه الله تعالى. واختاره ابن حزم. والجمهور على تحريم الربيبة مطلقا. سواء كانت في حجر الرجل أم لم تكن. قالوا :والخطاب قوله :( اللاتي في حجوركم ) خرج مخرج الغالب. فان شأنهن الغالب المعتاد أن يكن في حضانة أمهاتهن تحت حماية أزواجهن. ولم يرد كونهن كذلك بالفعل. وفائدة وصفهن بصدد بذلك تقوية علة الحرمة وتكميلها. كما أنها النكتة في إيرادهن باسم الربائب دون بنات النساء. فان كونهن بصدد احتضانهم لهن، وفي شرف التقلب في حجورهم، وتحت حمايتهم وتربيتهم، مما يقوي الملابسة والشبه بينهن وبين أولادهم. / ويستدعي اجرائهن مجرى بناتهم. لا تقييد الحرمة بكونهن في حجورهم بالفعل –كذا قرره أبو السعود-.
وفي ( الانتصاف ) :ان فائدة وصفهن بذلك، هو تخصيص أعلى صور المنهي عنه، بالنهي. فان النهي عن نكاح الربيبة المدخول بأمها عام. في جميع الصور. سواء كانت في حجر الزوج أو بائنة عنه في البلاد القاصية. ولكن نكاحه لها وهي في حجره أقبح الصور. والطبع عنها أنفر. فخصت بالنهي لتساعد الجبلة على الانقياد لأحكام الملة. ثم يكون ذلك تدريبا وتدريجا إلى استقباح المحرم في جميع صوره. والله أعلم.
وفي ( الصحيحين ) ٨
١ أخرجه مسلم في: ١٧ –كتاب الرضاع، ٦ –باب التحريم بخمس رضعات، حديث ٢٤ (طبعتنا)..
٢ أخرجه الترمذي في: ١٠ –كتاب الرضاع، ٥ –باب ما جاء ما ذكر أن الرضاعة لا تحرم الا في الصغر دون الحولين..
٣ أخرجه مسلم في: ١٧ –كتاب الرضاع، ٧ –باب رضاعة الكبير، حديث ٢٩ (طبعتنا)..
٤ أخرجه مسلم في: ١٧ –كتاب الرضاع، ٨ –باب انما الرضاعة من المجاعة، حديث ٣٢ (طبعتنا). وهذا نصه: عن مسروق قال: قالت عائشة: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي رجل قاعد. فاشتد ذلك عليه ورأيت الغضب في وجهه. قالت فقلت: يا رسول الله! انه أخي من الرضاعة. قالت: فقال: "انظرن اخوتكن من الرضاعة. فانما الرضاعة من المجاعة"..
٥ أخرجه البخاري في: ٥٢ –كتاب الشهادات، ٧ –باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض والموت القديم، حديث ١٢٧٤ ونصه:
عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، في بنت حمزة: "لا تحل لي. يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. هي بنت أخي من الرضاعة"..

٦ الأثر رقم ٨٩٥١ (طبعة المعارف)..
٧ أخرجه الترمذي في: ٩ –كتاب النكاح، ٢٦ –باب ما جاء فيمن يتزوج المرأة ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، هل يتزوج ابنتها، أم لا؟
(قال أو عيسى): هذا حديث لا يصح من قبل اسناده.
والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، قالوا: اذا تزوج الرجل امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها، حل له أن ينكح ابنتها. واذا تزوج الرجل الابنة فطلقها قبل أن يدخل بها، لم يحل له نكاح أمها، لقول الله تعالى: (وأمهات نسائكم). وهو قول الشافعي وأحمد واسحاق..

٨ أخرجه البخاري في: ٦٧ –كتاب النكاح، ٢٠ –باب: (وأمهاتكم اللاتي أرضعناكم)، حديث ٢١١٠.
ومسلم في: ١٧ –كتاب الرضاع، ٤ –باب تحريم الربيبة وأخت المرأة، حديث ١٥ (طبعتنا)..

( والمحصنات من النساء الا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ان الله كان عليما حكيما٢٤ ).
( والمحصنات ) أي وحرمت عليكم المزوجات ( من النساء ) حرائر واماء، مسلمات، أو لا. لئلا تختلط المياه فيضيع النسب ( الا ما ملكت أيمانكم ) أي من اللائي سبين ولهن أزواج في دار الكفر. فهن حلال لغزاة المسلمين، وان كن محصنات. لأن السبي لهن يرفع نكاحهن ويفيد الحل بعد الاستبراء. روى الإمام أحمد ومسلم١ وأبو داود والترمذي / والنسائي وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري قال :" أصبنا سبايا من سبي أوطاس. ولهن أزواج. فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج. فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية ( والمحصنات من النساء الا ما ملكت أيمانكم ) فاستحللنا فروجهن ".
تنبيه :
استدل بعموم الآية من قال :ان انتقال الملك ببيع أو ارث أو غير ذلك يقطع النكاح. عن ابن مسعود قال :" اذا بيعت الأمة ولها زوج فسيدها أحق ببضعها ". وعنه :" بيع الأمة طلاقها ". وروي ذلك أيضا عن أبي بن كعب وجابر وابن عباس رضي الله عنهم قالوا :" بيعها طلاقها ". وروى ابن جرير عن ابن عباس قال :" طلاق الأمة ست :بيعها طلاقها، وعتقها طلاقها، وهبتها طلاقها، وبراءتها طلاقها، وطلاق زوجها طلاقها ".
كذا قرأته في ( تفسير ابن كثير ). ولا يخفى أن المعدود خمسة. ولعل السادس بيع زوجها. حيث قال بعد ذلك :وروى عوف عن الحسن :" بيع الأمة طلاقها وبيعه طلاقها ". فهذا قول هؤلاء من السلف. وحجتهم عموم الاستثناء في قوله تعالى :( الا ما ملكت أيمانكم ) والجمهور على أن بيع الأمة ليس طلاقا لها. واحتجوا بحديث بريرة المخرج في ( الصحيحين ) ٢ وغيرهما. فان عائشة أم المؤمنين اشترتها وأعتقتها ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث. بل خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الفسخ والبقاء، فاختارت الفسخ، وقصتها مشهورة. فلو كان / بيع الأمة طلاقها لما خيرت. وتخييرها دال على أن المراد من الآية المسبيات فقط. وبالجملة، فالجمهور قصروا الآية على السبب الذي نزلت فيه.
قال الرازي :وهو يرجع إلى تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد. أي وهو مقبول ومعمول به في غير ما موضع. كنصاب السرقة. وفي التنبيه الآتي زيادة لهذا فتأثره.
فائدة :
اتفق القراء على فتح الصاد في ( المحصنات ) هنا. ويقرأ بالفتح والكسر في غير هذا الموضع. وكلاهما مشهور. فالفتح على أنهن أحصن بالأزواج أو بالإسلام. والكسر على أنهن أحصن فروجهن أو أزواجهن. واشتقاق الكلمة من الاحصان وهو المنع ( كتاب الله ) مصدر مؤكد. أي كتب الله ( عليكم ) تحريم هؤلاء كتابا وفرضه فرضا، فالزموا كتابه ولا تخرجوا عن حدوده وشرعه ( وأحل لكم ) عطف على ( حرمت عليكم ) ( ما وراء ذلكم ) اشارة إلى ما ذكر من المحرمات المعدودة. أي أحل لكم نكاح ما سواهن ( أن تبتغوا ) مفعول له. أي أحل لكم ارادة أن تبتغوا. أو بدل من ( ما ) أي ابتغاء النساء ( بأموالكم ) أي بصرفها إلى مهورهن ( محصنين ) حال من فاعل ( تبتغوا ) والاحصان :العفة، وتحصين النفس عن الوقوع فيما يوجب اللوم ( غير مسافحين ) غير زانين، والسفاح الزنى والفجور. من السفح وهو الصب. لأنه لا غرض للزاني الا سفح النطفة. وكان أهل الجاهلية، إذا خطب الرجل المرأة، قال :انكحيني. فاذا أراد الزنى قال :سافحيني. قال الزجاج :المسافحة أن تقيم امرأة مع رجل على الفجور من غير تزويج صحيح.
تنبيه :
قوله تعالى :( وأحل لكم ما وراء ذلكم –عام مخصوص بمحرمات أخر دلت عليها دلائل أخر. فمن ذلك، ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها. وقد حكى الترمذي المنع من ذلك عن كافة أهل العلم. وقال :لا نعلم بينهم اختلافا / في ذلك. ومن ذلك، نكاح المعتدة. ومن ذلك، أن من كان في نكاحه حرة، لا يجوز له نكاح الأمة. ومن ذلك، القادر على الحرة لا يجوز له نكاح الأمة. ومن ذلك، من عنده أربع زوجات لا يجوز له نكاح خامسة. ومن ذلك، الملاعنة فانها محرمة على الملاعن أبدا. فالآية مما نزل عاما ودلت السنة ومواضع من التنزيل على أنها مخصصة بغيرها.
قال الإمام الشافعي في ( الرسالة ) :
فرض الله عز وجل على الناس اتباع وحيه وسنن رسوله صلى الله عليه وسلم.
فقال في كتابه :( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم انك أنت العزيز الحكيم ).
وقال :( وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم * وكان فضل الله عليك عظيما ).
في آيات نظائرها.
قال الشافعي :
فذكر الله عز وجل الكتاب وهو القرآن. وذكر الحكمة. فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول :الحكمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا يشبه ما قال. والله أعلم.
لأن القرآن ذكر وأتبعته الحكمة، وذكر الله جل ثناؤه منّه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة. فلم يجز، والله أعلم، أن يقال :الحكمة ههنا الا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله، وأن الله افترض طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وحتم على الناس اتباع أمره –فلا يجوز أن يقال لقول :فرض، الا لكتاب الله ثم سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
لما وصفنا من أن الله تعالى جل ثناؤه جعل الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم مقرونا بالايمان به.
وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مبينة عن الله عز وجل معنى ما أراد –دليلا على خاصه وعامه. ثم قرن الحكمة بها بكتابه، فأتبعها اياه. ولم يجعل هذا لأحد من خلقه، غير رسوله صلى الله عليه وسلم. انتهى.
وانما أوردنا هذا تزييفا لزعم الخوارج أن حديث " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها٣ " المروي في ( الصحيحين ) وغيرهما، خبر واحد. وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يجوز. كما نقله عنهم الرازي. وأورد من حججهم أن عموم الكتاب مقطوع المتن ظاهر الدلالة. وخبر الواحد مظنون المتن ظاهر الدلالة. فكان خبر الواحد أضعف من عموم القرآن. فترجيحه عليه بمقتضى تقديم الأضعف على الأقوى. وأنه لا يجوز. انتهى.
وقد توسع الرازي هنا في الجواب عن شبهتهم. ومما قيل فيه :ان تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها مأخوذ من قوله تعالى :( وأن تجمعوا بين الأختين ).
قال العلامة أبو السعود :ويشترك في هذا الحكم الجمع بين المرأة وعمتها ونظائرها. فان مدار حرمة الجمع بين الأختين إفضاؤه إلى قطع ما أمر الله بوصله. وذلك متحقق في الجمع بين هؤلاء. بل أولى. فان العمة والخالة بمنزلة الأم. فقوله صلى الله عليه وسلم :" لا تنكح المرأة ". الخ، من قبيل بيان التفسير. لا بيان التغيير. وقيل :هو مشهور يجوز به الزيادة على الكتاب.
وقال أيضا :ولعل ايثار اسم الاشارة ( يعني في قوله :( ما وراء ذلكم ) المتعرض لوصف المشار إليه وعنوانه، على الضمير المتعرض للذات فقط –لتذكير ما في كل واحدة منهن من العنوان الذي عليه يدور حكم الحرمة. فيفهم مشاركة من في معناهن لهن فيها بطريق الدلالة. فان حرمة الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، ليست بطريق العبارة، بل بطريق الدلالة، كما سلف. انتهى.
وفي ( تنوير الاقتباس ) :ويقال في قوله تعالى :( أن تبتغوا بأموالكم ) أن تطلبوا بأموالكم تزوجهن وهي المتعة. وقد نسخت الآن. انتهى. وسيأتي الكلام على ذلك. ( فما استمتعتم به منهن ) أي من تمتعتم به من المنكوحات بالجماع ( فآتوهن ) فأعطوهن ( أجورهن ) مهورهن كاملة ( فريضة ) أي من الله عليكم أن تعطوا المهر تاما. و ( فريضة ) حال من الأجور. بمعنى مفروضة. أو نعت لمصدر محذوف. أي ايتاء مفروضا. أو مصدر مؤكد أي فرض ذلك فريضة ( ولا جناح عليكم ) لا حرج عليكم ( فيما تراضيتم به ) أنتم وهن ( من بعد الفريضة ) أي من حطها أو بعضها أو زيادة عليها بالتراضي ( ان الله كان عليما حكيما ) فيما شرع من الأحكام.
تنبيه :
حمل قوم الآية على نكاح المتعة. قالوا :معنى قوله تعالى :( فما استمتعتم به منهن ) أي فمن جامعتموهن ممن نكحتموهن نكاح المتعة، فآتوهن أجورهن.
قال الحافظ ابن كثير :وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة. ولا شك أنه كان مشروعا في ابتداء الإسلام ثم نسخ بعد ذلك. وقد روي عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة. وهو رواية عن الإمام أحمد. وكان ابن عباس وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والسدي يقرؤون :فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى، فآتوهن أجورهن فريضة. وقال مجاهد :نزلت في نكاح المتعة. ولكن الجمهور على خلاف ذلك. والعمدة ما ثبت في ( الصحيحين ) ٤ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال :" نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر ". وفي ( صحيح مسلم ) ٥ عن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه " أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :يا أيها الناس ! اني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء. وان الله حرم ذلك إلى يوم القيامة. فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله. ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ". انتهى.
وفي ( الكشاف ) :قيل نزلت هذه الآية في المتعة. كان الرجل ينكح المرأة وقتا معلوما. ليلة أو ليلتين أو أسبوعا. بثبوت أو غير ذلك. ويقضي منها وطره ثم يسرحها. سميت متعة لاستمتاعه بها، أو لتمتيعه لها بما يعطيها.
وقال الخفاجي :روي أن سعيد بن جبير قال لابن عباس رضي الله عنهما :" أتدري ما صنعت بفتواك ؟ فقد سارت بها الركبان وقيل فيها الشعر. كقوله :
قد قلت للشيخ لما طال مجلسه*** يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس ؟
هل لك في رخصة الأطراف آنسة *** تكون مثواك حتى مصدر الناس ؟
فقال :انا لله وانا إليه راجعون. والله ! ما بهذا أفتيت ولا أحللت، الا مثل ما أحل الله الميتة والدم ".
وقال الإمام شمس الدين بن القيم رضوان الله عليه في ( زاد المعاد ) في الكلام على ما في غزوة الفتح من الفقه، ما نصه :ومما وقع في هذه الغزوة اباحة متعة النساء. ثم حرمها صلى الله عليه وسلم قبل خروجه من مكة. واختلف في الوقت الذي حرمت فيه المتعة على أربعة أقوال :
أحدها :انه يوم خيبر. وهذا قول طائفة من العلماء. منهم الشافعي وغيره.
والثاني :انه عام فتح مكة. وهذا قول ابن عيينة وطائفة.
والثالث :انه عام حنين. وهذا في الحقيقة هو القول الثاني –لاتصال غزاة حنين بالفتح.
والرابع :انه عام حجة الوداع. وهو وهم من بعض الرواة. سافر فيه وهمه من فتح مكة إلى حجة الوداع. وسفر الوهم من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان ومن واقعة إلى واقعة، كثيرا ما يعرض للحفاظ فمن / دونهم. والصحيح أن المتعة انما حرمت عام الفتح. لأنه قد ثبت في ( صحيح مسلم ) ٦ أنهم استمتعوا عام الفتح مع النبي صلى الله عليه وسلم باذنه. ولو كان التحريم زمن خيبر لزم النسخ مرتين. وهذا لا عهدة بمثله في الشريعة البتة. ولا يقع مثله فيها. وأيضا، فان خيبر لم يكن فيها مسلمات. وانما كن يهوديات. واباحة نساء أهل الكتاب لم تكن ثبتت بعد. انما أبحن بعد ذلك في سورة المائدة لقوله :( اليوم أحل لكم الطيبات * وطعام الذي
١ أخرجه مسلم في: ١٧ –كتاب الرضاع، ٩ –باب جواز وطء المسبية بعد الاستبراء، وان كان لها زوج انفسخ نكاحها بالسبي، حديث ٣٣ (طبعتنا) ونصه:
عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم حنين، بعث جيشا الى أوطاس. فلقوا عدوا. فقاتلوهم. فظهروا عليهم. وأصابوا لهم سبايا. فكأن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن، من أجل أزواجهن من المشركين. فأنزل الله عز وجل في ذلك: (والمحصنات من النساء الا ما ملكت أيمانكم). أي فهن لكم حلال اذا انقضت عدتهن..

٢ أخرجه البخاري في: ٨٥ –كتاب الفرائض، ٢٢ –باب اذا أسلم على يديه الرجل، حديث ٣٠٢ ونصه:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: اشتريت بريرة. فاشترط أهلها ولاءها. فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أعتقيها فان الولاء لمن أعطى الورق".
قالت: فأعتقتها. قالت فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فخيرها في زوجها، فقالت: لو أعطاني كذا وكذا ما بت عنده. فاختارت نفسها..

٣ أخرجه البخاري في: ٦٧ –كتاب النكاح، ٢٧ –باب لا تنكح المرأة على عمتها، حديث ٢١١٢ ونصه: عن جابر رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها"..
٤ أخرجه البخاري في: ٧٢ –كتاب الذبائح والصيد، ٢٨ –باب لحوم الحمر الإنسية، حديث ١٩٠٨ ونصه: عن علي رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة، عام خيبر، ولحوم الإنسية"..
٥ أخرجه في: ١٦ –كتاب النكاح، ٣ –باب نكاح المتعة، حديث ٢١ (طبعتنا)..
٦ أخرجه في صحيحه في: ١٦ –كتاب النكاح، ٣ –باب نكاح المتعة، حديث ١٣ (طبعتنا) ونصه: عن جابر وسلمة بن الأكوع قالا: "خرج علينا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أذن لكم أن تستمتعوا. يعني متعة النساء"..
قال المهايمي :ثم أشار تعالى إلى نكاح ما يستباح للضرورة كنكاح المتعة. لكنها ضرورة مستمرة لا تنقطع بكثرة الإسلام فقال :
( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بايمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن باذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فاذا أحصن فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم٢٥ ).
( ومن لم يستطع ) أي لم يقدر ( منكم ) أيها الأحرار، بخلاف العبيد، أن يحصل ( طولا ) أي غنى يمكنه به ( أن ينكح المحصنات ) أي الحرائر المتعففات، بخلاف الزواني إذ لا عبرة بهن ( المؤمنات ) إذ لا عبرة بالكوافر ( فمن ما ملكت أيمانكم ) أي فله أن ينكح بعض ما يملكه أيمان اخوانكم ( من فتياتكم ) أي امائكم حال الرق ( المؤمنات ) لا الكتابية. لأنه لا يحتمل مع عار الرق عار الكفر. وقد استفيد من سياق هذه الآية أن الله تعالى شرط في نكاح الإماء شرائط ثلاثة :اثنان منها في الناكح والثالث في المنكوحة. أما اللذان في الناكح فأحدهما أن يكون غير واجد لما يتزوج به الحرة المؤمنة من الصداق. وهو معنى قوله :( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات / المؤمنات ) فعدم استطاعة الطول عبارة عن عدم ما ينكح به الحرة. فان قيل :الرجل إذا كان يستطيع التزوج بالأمة، يقدر على التزوج بالحرة الفقيرة، فمن أين هذا التفاوت ؟ قلنا :كانت العادة في الاماء تخفيف مهورهن ونفقتهن لاشتغالهن بخدمة السادات. وعلى هذا التقدير يظهر التفاوت. وأما الشرط الثاني فهو المذكور في آخر الآية وهو قوله :( ذلك لمن خشي العنت منكم ) أي الزنى بأن بلغ الشدة في العزوبة. وأما الشرط الثالث المعتبر في المنكوحة، فأن تكون الأمة مؤمنة لا كافرة. فان الأمة إذا كانت كافرة كانت ناقصة من وجهين :الرق والكفر. ولا شك أن الولد تابع للأم في الحرية والرق. وحينئذ يعلق الولد رقيقا على ملك الكافر. فيحصل فيه نقصان الرق ونقصان كونه ملكا للكافر. وما ذكرناه هو المطابق لمعنى الآية. ولا يخلو ما عداه عن تكلف لا يساعده نظم الآية.
قال الزمخشري :فان قلت :لم كان نكاح الأمة منحطا عن نكاح الحرة ؟ قلت :لما فيه من اتباع الولد الأم في الرق، ولثبوت حق المولى فيها وفي استخدامها. ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة. وذلك كله نقصان راجع إلى الناكح، ومهانة. والعزة من صفات المؤمنين. وسيأتي مزيد لهذا عند قوله تعالى :( وأن تصبروا خير لكم ) وقوله تعالى :( والله أعلم بايمانكم ) اشارة إلى أنه لا يشترط الاطلاع على بواطنهن. بل يكتفي بظاهر ايمانهن. أي فاكتفوا بظاهر الايمان. فانه تعالى العالم بالسرائر وبتفاضل ما بينكم في الايمان. فرب أمة تفضل الحرة فيه. وقوله تعالى :( بعضكم من بعض ) اعتراض آخر جيء به لتأنيسهم بنكاح الإماء حالتئذ. أي أنتم وأرقاؤكم متناسبون، نسبكم من آدم ودينكم الاسلام ( فانكحوهن بإذن أهلهن ) أي مواليهن لا استقلالا. وذلك لأن منافعهن لهم لا يجوز لغيرهم أن ينتفع بشيء منها الا باذن من هي له ( وآتوهن ) أعطوهن ( أجورهن ) أي مهورهن ( بالمعروف ) أي بلا مطل وضرار وإلجاء إلى الاقتضاء. واستدل الإمام مالك بهذا على أنهن أحق بمهورهن. وأنه لا حق فيه للسيد. / وذهب الجمهور إلى أن المهر للسيد. وانما أضافها اليهن لأن التأدية اليهن، تأدية إلى سيدهن لكونهن ماله ( محصنات ) حال من مفعول ( فانكحوهن ) أي حال كونهن عفائف عن الزنى ( غير مسافحات ) حال مؤكدة. أي غير زانيات بكل من دعاهن ( ولا متخذات أخدان ) أي أخلة يتخصصن بهم في الزنى. قال أبو زيد :الأخدان الأصدقاء على الفاحشة. والواحد خدن وخدين. وقال الراغب :أكثر ذلك يستعمل فيمن يصاحب بشهوة نفسانية. ومن لطائف وقوع قوله تعالى :( محصنات ). الخ. اثر قوله :( وآتوهن أجورهن ) –الإشعار بأنهن لو كن احدى هاتين، فلكم المناقشة في أداء مهورهن ليفتدين نفوسهن ( فاذا أحصن ) أي بالتزويج. وقرئ على البناء للفاعل أي أحصن فروجهن أو أزواجهن ( فان أتين بفاحشة ) أي فعلن فاحشة وهي الزنى ( فعليهن ) أي فثابت عليهن شرعا ( نصف ما على المحصنات ) أي الحرائر ( من العذاب ) أي من الحد الذي هو جلد مائة. فنصفه خمسون جلدة. لا الرجم. قال المهايمي :لأنهن من أهل المهانة. فلا يفيد فيهن المبالغة في الزجر.
تنبيه :
قال ابن كثير :مذهب الجمهور أن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة. سواء كانت مسلمة أو كافرة. مزوجة أو بكرا. مع أن مفهومي الآية يقتضي أنه لا حد على غير المحصنة ممن زنى من الاماء. وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك. فأما الجمهور فقالوا :لا شك أن المنطوق مقدم على المفهوم. وقد وردت أحاديث عامة في اقامة الحد على الاماء. فقدمناها على مفهوم الآية. فمن ذلك ما رواه مسلم ١في ( صحيحه ) عن علي رضي الله عنه أنه خطب فقال :" يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهن ومن لم يحصن :فان أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت. فأمرني أن أجلدها. فاذا هي حديث عهد بنفاس. فخشيت، ان أنا جلدتها أن أقتلها. / فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال :أحسنت. اتركها حتى تماثل ". وعند عبد الله بن أحمد عن غير أبيه ( فاذا تعافت من نفاسها فاجلدها خمسين ). وعن أبي هريرة٢ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" اذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها. ثم ان زنت الثانية فليجلدها الحد ولا يثرب عليها. ثم ان زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر ". ولمسلم٣ :" اذا زنت ثلاثا. ثم ليبعها في الرابعة ". وروى مالك٤ عن عبد الله بن عياش المخزومي قال :" أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش فجلدنا ولائد من ولائد الامارة خمسين خمسين، في الزنى ".
الجواب الثاني :جواب من ذهب إلى أن الأمة إذا زنت ولم تحصن فلا حد عليها. وانما تضرب تأديبا. وهو المحكي عن ابن عباس رضي الله عنه. واليه ذهب طاوس وسعيد بن جبير وأبو عبيد القاسم بن سلام، وداود بن علي الظاهري ( في رواية عنه ) وعمدتهم مفهوم الآية. وهو من مفاهيم الشرط. وهو حجة عند أكثرهم. فقدم على العموم عندهم. وحديث٥ أبي هريرة وزيد بن خالد :" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن ؟ قال :ان زنت فاجلدوها. ثم ان زنت فاجلدوها. ثم ان زنت فاجلدوها. ثم بيعوها ولو بضفير ".
قال ابن شهاب :لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة، أخرجاه في ( الصحيحين ).
وعند مسلم، قال ابن شهاب :الضفير الحبل. قالوا فلم يؤقت فيه عدد كما أقت في المحصنة، / وكما وقت في القرآن بنصف ما على المحصنات. فوجب الجمع بين الآية والحديث بذلك. والله أعلم.
وأصرح من ذلك ما رواه سعيد بن منصور عن ابن عباس مرفوعا :" ليس على أمة حد حتى تحصن. يعني تزوج. فاذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات ".
ورواه ابن خزيمة مرفوعا أيضا. وقال :رفعه خطأ. انما هو من قول ابن عباس.
وكذا رواه البيهقي، وقال مثل قول ابن خزيمة.
قالوا :وحديث علي وعمر قضايا أعيان. وحديث أبي هريرة عنه أجوبة :
أحدها :ان ذلك محمول على الأمة المزوجة، جمعا بينه وبين هذا الحديث.
الثاني :أن لفظة الحد في قوله :فليقم عليها الحد، مقحمة من بعض الرواة. بدليل.
الجواب الثالث :وهو أن هذا من حديث صحابيين وذلك من رواية أبي هريرة فقط. وما كان عن اثنين فهو أولى بالتقديم من رواية واحد. وأيضا فقد رواه النسائي باسناد على شرط مسلم من حديث عباد بن تميم عن عمه، وكان قد شهد بدرا :ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" اذا زنت الأمة فاجلدوها. ثم إذا زنت فاجلدوها ثم إذا زنت فاجلدوها. ثم إذا زنت فبيعوها ولو بضفير ".
الرابع :أنه لا يبعد أن بعض الرواة أطلق لفظ ( الحد ) في الحديث على ( الجلد ). لأنه لما كان الجلد اعتقد أنه حد. أو أنه أطلق لفظ ( الحد ) على التأديب. كما أطلق ( الحد ) على ضرب من زنى من المرضى بعثكال نخل فيه مائة شمراخ. وعلى جلد من زنى بأمة الحد الحقيقي هو جلد البكر مائة ورجم الثيب، انتهى. وله تتمة سابغة.
وقال الإمام ابن القيم في ( زاد المعاد ) :وحكم في الأمة إذا زنت ولم تحصن بالحد. وأما قوله تعالى في الاماء :( فاذا أحصن فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب )، فهو نص في أن حدها بعد التزويج نصف حد الحرة من الجلد. وأما قبل التزويج فأمر بجلدها. وفي هذا الحد قولان :
أحدهما :أنه الحد. ولكن يختلف الحال قبل التزويج وبعده. فان للسيد اقامته قبله. وأما بعده فلا يقيمه الا الامام.
والقول الثاني :ان جلدها قبل الاحصان تعزير لا حد. ولا يبطل هذا ما رواه مسلم٦ في ( صحيحه ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، يرفعه :" اذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يعيرها، ثلاث مرات. فان عادت في الرابعة فليجلدها وليبعها ولو بضفير " ( وفي لفظ فليضربها بكتاب الله ) وفي ( صحيحه ) أيضا٧ من حديث علي كرم الله وجهه انه قال :" أيها الناس ! أقيموا على أرقائكم الحد. من أحصن منهن ومن لم يحصن. فان أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها ". الحديث.
فان التعزير يدخل فيه لفظ ( الحد ) في لسان الشارع. كما في قوله صلى الله عليه وسلم :" لا يضرب فوق عشرة أسواط الا في حد من حدود الله تعالى ". وقد ثبت التعزير بالزيادة على العشرة جنسا وقدرا، في مواضع عديدة لم يثبت نسخها ولم تجتمع الأمة على خلافها. وعلى كل حال، فلا بد أن يخالف حالها بعد الاحصان حالها قبله. والا لم يكن للتقييد فائدة. فاما أن يقال قبل الاحصان :لا حد عليها، والسنة الصحيحة تبطل ذلك. واما أن يقال :حدها قبل الاحصان حد الحرة، وبعده نصفه، وهذا باطل قطعا، مخالف لقواعد الشرع وأصوله. واما أن يقال :حدها قبل الاحصان تعزير، وبعده حد، وهذا أ قوى. واما أن يقال :الافتراق بين الحالين / في اقامة الحد لا في قدره وانه في احدى الحالتين للسيد وفي الأخرى للامام. وهذا أقرب ما يقال.
وقد يقال :ان تنصيصه على التنصيف بعد الاحصان لئلا يتوهم متوهم أن بالاحصان يزول التنصيف ويصير حدها حد الحرة. كما أن الجلد عن البكر يزال بالاحصان وانتقل إلى الرجم، فبقي على التنصيف في أكمل حالتيها وهي الاحصان، تنبيها على أنه إذا اكتفى به فيها ففي ما قبل الاحصان أولى وأحرى. والله أعلم ( ذلك ) أي اباحة نكاح الاماء ( لمن خشي العنت ) أي المشقة في التحفظ من الزنى ( منكم ) أيها الأحرار ( وأن تصبروا ) على تحمل تلك المشقة متعففين عن نكاحهن ( خير لكم ) من نكاحهن، وان سبقت كلمة الرخصة، لما فيه من تعريض الولد للرق. قال عمر رضي الله عنه :" أيما حر تزوج بأمة فقد أرق نصفه ". ولأن حق المولى فيها أقوى فلا تخلص للزوج خلوص الحرائر، ولأن المولى يقدر على استخدامها كيفما يريد في السفر والحضر، وعلى بيعها للحاضر والبادي. وفيه من اختلال حال الزوج وأولاده ما لا مزيد عليه. ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاّجة. وذلك كله ذل ومهانة سارية إلى الناكح. والعزة هي اللائقة بالمؤمنين. ولأن مهرها لمولاها. فلا تقدر على التمتع به ولا على هبته للزوج. فلا
١ أخرجه في: ٢٩ –كتاب الحدود، حديث ٣٤ (طبعتنا)..
٢ أخرجه البخاري في: ٣٤ –كتاب البيوع، ١١٠ –باب بيع المدبر، حديث ١٠٨٨ مسلم في: ٢٩ –كتاب الحدود، حديث ٣٠ (طبعتنا)..
٣ مسلم في: ٢٩ –كتاب الحدود، حديث ٣١ (طبعتنا)..
٤ أخرجه مالك في الموطأ في: ٤١ –كتاب الحدود، حديث ١٦ (طبعتنا)..
٥ أخرجه البخاري في: ٨٦ –كتاب الحدود، ٣٥ –باب اذا زنت الأمة، حديث ١٠٨٨ و ١٠٨٩..
٦ الذي في صحيح مسلم هو ما رويناه عنه بالحاشية رقم ٢ و٢ ص ٢٧٢. وجاء فيه أيضا ما يأتي: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة اذا زنت ولم تحصن؟ قال: "ان زنت فاجلدوها. ثم ان زنت فاجلدوها. ثم ان زنت فاجلدوها. ثم بيعوها ولو بضفير".
أخرجه في: ٢٩ –كتاب الحدود، حديث ٣٢ (طبعتنا) فمن أين هذا النص الوارد في الكتاب؟.

٧ انظر الحاشية رقم ١ ص ٢٧١..
( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم٢٦ ).
( يريد الله ) أي في تحريم ما حرم من النساء وتحليل ما أحل بالشرائط ( ليبين / لكم ) أي شرائعه ( ويهديكم سنن الذين من قبلكم ) أي يرشدكم إلى طرائق من تقدم من أهل الكتاب في تحريم ما حرمه، لتتأسوا بهم في اتباع شرائعه التي يحبها ويرضاها. وفي الآية دليل على أن كل ما بين تحريمه لنا من النساء، في الآيات المتقدمة، فقد كان الحكم كذلك في الملة السابقة.
وقد قرأت في سفر الأحبار اللاويين، من التوراة، في ( الفصل الثامن عشر ) ما يؤيد ذلك. عدا ما رفعه تعالى عنا من ذلك مما فيه حرج ( ويتوب عليكم ) أي يتجاوز عنكم ما كان منكم في الجاهلية، أو يرجع بكم عن معصيته التي كنتم عليها إلى طاعته ( والله عليم ) أي فيما شرع لكم من الأحكام ( حكيم ) مراع في جميع قضائه الحكمة.
( والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما٢٧ ).
( والله يريد أن يتوب عليكم ) أي من المآثم والمحارم. أي يخرجكم من كل ما يكره إلى ما يحب ويرضى. وفيه بيان كمال منفعة ما أراده الله تعالى، وكمال مضرة ما يريده الفجرة. كما قال سبحانه :( ويريد الذين يتبعون الشهوات ) أي ما حرمه الشرع، وهم الزناة ( أن تميلوا ) عن الحق بالمعصية ( ميلا عظيما ) يعني باتيانكم ما حرم الله عليكم.
( يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا٢٨ ).
( يريد الله أن يخفف عنكم ) أي في شرائعه وأوامره ونواهيه وما يقدره لكم. ولهذا أباح نكاح الاماء بشروطه. ونظير هذا قوله تعالى :( يريد الله بكم اليسر ولا / يريد بكم العسر ) ١. وقوله :( ما جعل عليكم في الدين من حرج ) ٢. ( وخلق الانسان ضعيفا ) أي عاجزا عن دفع دواعي شهواته. فناسبه التخفيف لضعف عزمه وهمته وضعفه في نفسه. فالجملة اعتراض تذييلي مسوق لتقرير ما قبله من التخفيف في أحكام الشرع.
وفي ( الاكليل ) :قال طاووس :ضعيفا أي في أمر النساء لا يصبر عنهن. وقال وكيع :يذهب عقله عندهن. أخرجهما ابن أبي حاتم. ففيه أصل لما يذكره الأطباء من منافع الجماع ومن مضار تركه.
١ |٢/ البقرة/ ١٨٥| ونصها: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون١٨٥)..
٢ |٢٢/ الحج/ ٧٨| ونصها: (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير٧٨)..
( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم ان الله كان بكم رحيما٢٩ ).
( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم ) أي لا يأكل بعضكم أموال بعض ( بالباطل ) أي بما لم تبحه الشريعة كالربا والقمار والرشوة والغصب والسرقة والخيانة، / وما جرى مجرى ذلك من صنوف الحيل ( الا أن تكون تجارة ) أي معاوضة محضة كالبيع ( عن تراض منكم ) في المحاباة من جانب الآخذ والمأخوذ منه. وقرئ ( تجارة ) بالرفع على أن ( كان ) تامة، وبالنصب على أنها الناقصة. والتقدير :الا أن تكون المعاملة أو التجارة أو الأموال، تجارة.
قال السيوطي في ( الاكليل ) :في الآية تحريم أكل المال الباطل بغير وجه شرعي. واباحة التجارة والربح فيها. وأن شرطها التراضي. ومن ههنا أخذ الشافعي رحمه الله اعتبار الايجاب والقبول لفظا. لأن التراضي أمر قلبي فلا بد من دليل عليه. وقد يستدل بها من لم يشترطهما إذا حصل الرضا. انتهى.
أي لأن الأقوال، كما تدل على التراضي، فكذلك الأفعال تدل في بعض المحال قطعا. فصح بيع المعاطاة مطلقا.
وفي ( الروضة الندية ) :حقيقة التراضي لا يعلمها الا الله تعالى. والمراد ههنا أمارته. كالايجاب والقبول، وكالتعاطي عند القائل به، وعلى هذا أهل العلم. لكونه لم يرد ما يدل على ما اعتبره بعضهم من ألفاظ مخصوصة، وأنه لا يجوز البيع بغيرها. ولا يفيدهم ما ورد في الروايات من نحو :( بعت منك وبعتك ) فانا لا ننكر أن البيع يصح بذلك. وانما النزاع في كونه لا يصح الا بها. ولم يرد في ذلك شيء. وقد قال الله تعالى :( تجارة عن تراض ). فدل ذلك على أن مجرد التراضي هو المناط. ولا بد من الدلالة عليه بلفظ أو اشارة أو كتابة، بأي لفظ وقع، وعلى أي صفة كان وبأي اشارة مفيدة، حصل. انتهى. وقوله تعالى :( ولا تقتلوا أنفسكم ان الله كان بكم رحيما ) فيه وجهان :
الأول :أن المعنى لا تقتلوا من كان من جنسكم من المؤمنين. فان كلهم كنفس واحدة. والتعبير عنهم بالأنفس للمبالغة في الزجر عن قتلهم، بتصويره بصورة ما لا يكاد يفعله عاقل.
والثاني :النهي عن قتل الإنسان نفسه. وقد احتج بهذه الآية عمرو بن العاص على مسألة التيمم للبرد. وأقره النبي صلى الله عليه وسلم / على احتجاجه. كما رواه الإمام أحمد وأبو داود. ولفظ أحمد١ عن عمرو بن العاص أنه قال :" لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ذات السلاسل قال :احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد. فأشفقت، ان اغتسلت، أن أهلك. فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح. قال فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له. فقال :يا عمرو ! صليت بأصحابك وأنت جنب ؟ قال قلت :نعم يا رسول الله ! اني احتلمت في ليلة باردة، شديدة البرد. فأشفقت، ان اغتسلت، أن أهلك. وذكرت قول الله عز وجل :( ولا تقتلوا أنفسكم ان الله كان بكم رحيما ). فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا ".
وهكذا أورده أبو داود٢. قال ابن كثير وهذا، أي المعنى الثاني، والله أعلم، أشبه بالصواب. وقد توافرت الأخبار في النهي عن قتل الإنسان نفسه والوعيد عليه.
روى الشيخان ٣وأهل ( السنن ) وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ".
وأخرج الشيخان٤ عنه رضي الله عنه قال :" شهدنا خيبر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لرجل ممن معه يدعي الاسلام :هذا من أهل النار.
فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال حتى كثرت به الجراحة. فكاد بعض الناس يرتاب. فوجد الرجل ألم الجراحة. فأهوى بيده إلى كنانته فاستخرج منها أسهما فنحر بها نفسه.
فاشتد رجال من المسلمين فقالوا :يا رسول الله ! صدق الله حديثك. انتحر فلان فقتل نفسه. فقال :قم، يا فلان، فأذن أنه لا يدخل الجنة الا مؤمن. ان الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر ". وهذا لفظ البخاري.
وروى أبو داود٥ عن جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال :" أخبر النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه فقال :لا أصلي عليه ".
١ أخرجه في المسند بالصفحة ٢٠٣ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي)..
٢ أخرجه أبو داود في: ١ –كتاب الطهارة، ١٢٤ –باب اذا خاف الجنب البرد أيتيمم؟ حديث ٣٣٤..
٣ أخرجه البخاري في: ٧٦ –كتاب الطب، ٥٦ –باب شرب السم والدواء به وبما يخاف منه، حديث ٧٢١.
وأخرجه مسلم في: ١ –كتاب الايمان، حديث ١٧٥ (طبعتنا).
ورد في البخاري: يلجأ، وفي مسلم: يتوجأ (ومعناه يطعن)..

٤ أخرجه البخاري في: ٦٤ –كتب المغازي، ٣٨ –باب غزوة خيبر، حديث ١٤٥١.
ومسلم في: ١ –كتاب الايمان، حديث ١٧٨ (طبعتنا) وفيه: شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا. وقال القاضي عياض: صوابه خيبر..

٥ الحديث لم أجده في سنن أبي داود. ووجدته في صحيح مسلم في: ١١ –كتاب الجنائز، حديث ١٠٧ (طبعتنا) ونصه:
عن جابر بن سمرة قال: "أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقص (والمشاقص سهام عراض، واحدها مشقص) فلم يصل عليه"..

وفي ( الصحيحين ) ١ من حديث جندب بن عبد الله قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح. فجزع فأخذ سكينا فحز بها يده. فما رقأ الدم حتى مات. قال الله عز وجل :بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة ". ولهذا قال تعالى :
( ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسير٣٠ ).
( ومن يفعل ذلك ) أي القتل ( عدوانا وظلما ) أي متعديا فيه، ظالما في تعاطيه، أي عالما بتحريمه متجاسرا على انتهاكه ( فسوف نصليه ) أي ندخله ( نارا ) أي هائلة شديدة العذاب ( وكان ذلك ) أي اصلاؤه النار ( على الله يسيرا ) هينا عليه، لا عسر فيه ولا صارف عنه. لأنه تعالى لا يعجزه شيء.
قال النسفي :وهذا الوعيد في حق المستحل للتخليد. وفي حق غيره، لبيان استحقاقه دخول النار مع وعد الله بمغفرته. انتهى.
١ أخرجه البخار في: ٦٠ –كتاب الأنبياء، ٥٠ –باب ما ذكر عن بني اسرائيل، حديث ٧٢٠.
وأخرجه مسلم في: ١-كتاب الايمان، حديث ١٨٠ (طبعتنا)..

ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما٣١ ).
( ان تجتنبوا ) أي تتركوا ( كبائر ما تنهون عنه ) أي كبائر الذنوب التي نهاكم الشرع عنها، مما ذكر ههنا ومما لم يذكر ( نكفر عنكم سيئاتكم ) أي صغائر ذنوبكم، ونمحها عنكم، وندخلكم الجنة. كما قال تعالى :( وندخلكم ) في الآخرة ( مدخلا كريما ) أي حسنا وهي الجنة. و ( مدخلا ) قرئ بضم الميم، اسم مكان أو مصدر ميمي. أي ادخالا مع كرامة. وبفتح الميم، وهو أيضا يحتمل المكان والمصدر. وفي الآية دليل على أن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر. ورد على من قال :ان المعاصي كلها كبائر، وانه لا صغيرة.
قال الإمام ابن القيم في ( الجواب الكافي ) :قد دل القرآن والسنة واجماع الصحابة، / والتابعين بعدهم، والأئمة، على أن من الذنوب كبائر وصغائر. قال الله تعالى :( ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ). وقال تعالى :( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش الا اللمم ) ١. وفي ( الصحيح ) ٢ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :" الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر ".
وهذه الأعمال المكفرة لها ثلاث درجات :
احداها :أن تقصر عن تكفير الصغائر لضعفها وضعف الاخلاص فيها والقيام بحقوقها. بمنزلة الدواء الضعيف الذي ينقص عن مقاومة الداء كمية وكيفية.
الثانية :أن تقاوم الصغائر ولا ترتقي إلى تكفير شيء من الكبائر.
الثالثة :أن تقوى على تكفير الصغائر وتبقى فيها قوة تكفر بها بعض الكبائر. فتأمل هذا فانه يزيل عنك اشكالات كثيرة.
وفي ( الصحيح ) ٣ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :" ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قالوا :بلى يا رسول الله ! قال :الاشراك بالله وعقوق الوالدين. وجلس وكان متكئا فقال :ألا وقول الزور " ( ثلاثا ).
وروي في ( الصحيح ) ٤ عنه صلى الله عليه وسلم :" اجتنبوا السبع الموبقات قالوا :وما هن ؟ يا رسول الله ! / قال :الاشراك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله الا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ".
وفي ( الصحيح ) ٥ عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه قال :" سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم :أي الذنب عند الله اكبر ؟ قال :أن تجعل لله ندا وهو خلقك قلت :ثم أي ؟ قال :أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت :ثم أي ؟ قال :أن تزاني بحليلة جارك. قال :ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :( والذين لا يدعون مع الله الها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله الا بالحق ولا يزنون ) ٦ الآية ".
ثم ساق الخلاف في تعدادها. اه.
وعندي أن الصواب هو الوقوف في تعدادها على ما صحت به الأحاديث. فان رسول الله صلى الله عليه وسلم مبين لكتاب الله عز وجل، أمين على تأويله. والمرجع في بيان كتاب الله تعالى إلى السنة الصحيحة. كما أن المرجع في تعريف الكبيرة إلى العد دون ضبطها بحد. كما تكلفه جماعة من الفقهاء، وطالت المناقشة بينهم في تلك الحدود. وان منها ما ليس جامعا. ومنها ما ليس مانعا. فكله مما لا حاجة إليه بعد ورود صحاح الأخبار في بيان ذلك.
وقد ساق الحافظ ابن كثير ههنا جملة وافرة منها وجود النقل عن الصحابة والسلف والتابعين. فانظره فانه نفيس.
١ |٥٣/ النجم/ ٣٢| ونصها: (الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش الا اللمم ان ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم اذ أنشأكم من الأرض واذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى٣٢)..
٢ أخرجه مسلم في: ٢ –كتاب الطهارة، حديث ١٨ (طبعتنا)..
٣ أخرجه البخاري عن عبد الرحمان بن أبي بكرة عن أبيه، في: ٥٢ –كتاب الشهادات، ١٠ –باب ما قيل في شهادة الزور، حديث ١٢٩١.
ومسلم في: ١ –كتاب الايمان، حديث ١٤٣ (طبعتنا)..

٤ أخرجه البخاري في: ٥٥ –كتاب الوصايا، ٢٣ –باب قول الله تعالى: (ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا)، حديث ١٣٢٥.
وأخرجه مسلم في: ١ –كتاب الايمان، حديث ١٤٥ (طبعتنا)..

٥ أخرجه البخاري في: ٦٥ –كتاب التفسير، ٢٥ –سورة الفرقان، ٢ –باب (والذين لا يدعون مع الله الها آخر)، حديث ١٩٦٢.
وأخرجه مسلم في: ١ –كتاب الايمان، حديث ١٤١ و ١٤٢ (طبعتنا)..

٦ |٢٥/ الفرقان/ ٦٨| (... ومن يفعل ذلك يلق أثاما٦٨)..
ثم نهى تعالى عن التحاسد وعن تمني ما فضل الله به بعض الناس على بعض من المال ونحوه، مما يجري فيه التنافس بقوله :
( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله ان الله كان بكل شيء عليما٣٢ ).
( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا ) أي أصابوا وأحرزوا ( وللنساء نصيب مما اكتسبن ) أي أصبن وأحرزن. أي لكل فريق نصيب مما اكتسب في نعيم الدنيا قبضا أو بسطا، فينبغي أن يرضى بما قسم الله له.
وقد روى الإمام أحمد عن مجاهد " أن أم سلمة قالت :يا رسول الله يغزو الرجال ولا يغزو النساء وانما لنا نصف الميراث فأنزل الله تعالى :( ولا تتمنوا ) الآية ". ورواه الترمذي١ وقال :غريب. ورواه الحاكم في ( مستدركه ) وزاد :" ثم أنزل الله٢ :أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ) ". الآية فان صح هذا فالمعنى :لكل أحد قدر من الثواب يستحقه بكرم الله ولطفه. فلا تتمنوا خلاف ذلك. ولا مانع من شمول الآية لما يتعلق بأحوال الدنيا والآخرة. فان اللفظ محتمل. ولا منافاة. والله أعلم ( واسألوا الله من فضله ) أي من خزائن نعمه التي لا نفاد لها. وقد روى الترمذي٣ وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :/ " سلوا الله من فضله. فان الله عز وجل يحب أن يسأل. وأفضل العبادة انتظار الفرج ". ( ان الله كان بكل شيء عليما ) ولذلك جعل الله الناس على طبقات رفع بعضهم على بعض درجات حسب مراتب استعداداتهم الفائضة عليهم بموجب المشيئة المبنية على الحكم الأبية. قاله أبو السعود.
١ أخرجه الترمذي في: ٤٤ –كتاب التفسير، ٤ –سورة النساء، ٨ –حدثنا ابن أبي عمر..
٢ |٣/ آل عمران/ ١٩٥| ونصها: (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب١٩٥)..
٣ أخرجه الترمذي في: ٤٥ –كتاب الدعوات، ١١٥ –باب في انتظار الفرج وغي ذلك..
( ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ان الله كان على كل شيء شهيدا٣٣ ).
( ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون ) أي :ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون من المال جعلنا ورثة وعصبة يلونه ويحرزونه. وهم يرثونه. دون سائر الناس. كما ثبت في ( الصحيحين ) ١ عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" ألحقوا الفرائض بأهلها. فما بقي فهو لأولى رجل ذكر ". أي اقسموا الميراث على أصحاب الفرائض الذين ذكرهم الله في آيتي الفرائض. فما بقي بعد ذلك فأعطوه للعصبة. ف ( مما ) تبيين ل ( كل ).
قال ابن جرير :والعرب تسمى ابن العم مولى. كما قال الفضل بن العباس٢ :
مهلا بني عمنا مهلا موالينا*** لا يظهرن بيننا ما كان مدفونا
وفي ( القاموس ) و ( شرحه تاج العروس ) :والمولى :القريب كابن العم ونحوه. قال ابن الأعرابي :ابن العم مولى. وابن الأخت مولى. وقول الشاعر٣ :
هم المولى وان جنفوا علينا*** وإنا من للقائهم لزور
قال أبو عبيدة :يعني الموالي، أي بني العم، وقال اللهبي يخاطب بني أمية :
مهلا بني عمنا، مهلا موالينا *** امشوا رويدا كما كنتم تكونونا
وقوله تعالى :( والذين عقدت أيمانكم ) مبتدأ ضمن معنى الشرط فوقع خبره مع الفاء وهو قوله :( فآتوهم نصيبهم ) ويقرأ ( عاقدت ) بالألف. والمفعول محذوف أي عاقدتهم. ويقرأ بغير ألف والمفعول محذوف أيضا هو والعائد. تقديره عقدت حلفهم أيمانكم. والعقد الشد والربط والتوكيد والتغليظ. ومنه :عقد العهد يعقده :شده. والأيمان جمع يمين اما بمعنى اليد اليمنى لوضعهم الأيدي في العهود، أو بمعنى القسم وهو الأظهر، لأن العقد خلاف النقض. وقد جاء مقرونا بالحلف في قوله تعالى :( ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها ) ٤. / وفي قوله :( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ) ٥. وفي هذه الآية محامل كثيرة ووجوه للسلف والخلف. أظهرها لسلف المفسرين رضوان الله عليهم. وهو أن المعني بالموصول، الحلفاء. وهو المروي عن ابن عباس في البخاري كما سيأتي :قال ابن أبي حاتم :وروي عن سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والحسن وابن المسيب وأبي صالح وسليمان بن يسار والشعبي وعكرمة والسدي والضحاك وقتادة ومقاتل بن حيان، أنهم قالوا :" هم الحلفاء ". انتهى.
ويزاد أيضا :علي ابن أبي طلحة.
وكان الحلفاء يرثون السدس من محالفيهم. وروى الطبري٦ من طريق قتادة :كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول :دمي دمك. وترثني وأرثك. وتطلب بي وأطلب بك. فلما جاء الإسلام بقي منهم ناس. فأمروا بأن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السدس. ثم نسخ ذلك بالميراث. فقال :( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ).
ولذا قال سعيد بن جبير :فآتوهم نصيبهم من الميراث. قال :وعاقد أبو بكر مولى فورثه.
قال الزمخشري :والمراد. ب ( الذين عاقدت أيمانكم ) موالي الموالاة. كان الرجل يعاقد الرجل فيقول :دمي دمك. وهدمي هدمك. وثأري ثأرك. وحربي حربك. وسلمي سلمك. وترثني وأرثك. وتطلب بي وأطلب بك. وتعقل عني وأعقل عنك. فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف. انتهى.
وعلى هذا، فمعنى الآية :والذين عاقدتموهم على المؤاخاة والموالاة، وتحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم على النصر والإرث، قبل نزول هذه الآية، فآتوهم نصيبهم من الميراث وفاء بالعقود والعهود. إذا وعدتموهم ذلك في الإيمان المغلظة.
وروى ابن أبي حاتم :كان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل ويقول. وترثني وأرثك. وكان الأحياء يتحالفون. فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" كل حلف في الجاهلية، أو عقد أدركه الإسلام، فلا يزيده الإسلام الا شدة. ولا عقد ولا حلف في الإسلام ".
وروى الإمام أحمد ومسلم٧ والنسائي عن جبير بن مطعم عن أبيه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الاسلام الا شدة. وروى الإمام أحمد٨ عن قيس بن عاصم أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف ؟ قال فقال :ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به. ولا حلف في الاسلام ". ورواه أيضا٩ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال :" لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح، قام خطيبا في الناس، فقال :يا أيها الناس ! ما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام الا شدة. ولا حلف في الإسلام ".
قال ابن الأثير :الحلف في الأصل المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق. فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال والغارات فذلك الذي ورد النهي عنه في الاسلام بقوله صلى الله عليه وسلم :" لا حلف في الاسلام ". وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيبين وما جرى مجراه، فذلك الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم :" وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الاسلام الا شدة ". يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق. وبذلك يجتمع الحديثان. وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الاسلام. والممنوع منه ما خالف حكم الاسلام. انتهى.
قال الحافظ ابن كثير :كان هذا، أي التوارث بالحلف، في ابتداء الإسلام. ثم نسخ بعد ذلك وأمروا أن يوفوا لمن عاقدوا ولا ينشؤوا بعد هذه الآية معاقدة.
روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس " في قوله تعالى :( والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) فكان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل ويقول :وترثني وأرثك. كان الأحياء يتحالفون فقال النبي صلى الله عليه وسلم :كل حلف في الجاهلية أو عقد أدركه الاسلام، فلا يزيده الا شدة. ولا عقد ولا حلف في الإسلام ". فنسختها هذه الآية :( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) ١٠ ".
وروى أبو داود١١ عن ابن عباس في هذه الآية، " كان الرجل يحالف الرجل وليس بينهما نسب. فيرث أحدهما الآخر. فنسخ ذلك في الأنفال فقال :( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض )، الآية ".
وروى ابن جرير١٢ عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال :" كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر. فأنزل الله تعالى :( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين الا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ). يقول :الا أن توصوا لأوليائهم الذين عاقدوا، وصية. فهو لهم جائز من ثلث مال الميت. وذلك هو المعروف ".
وهكذا نص غير واحد من السلف أنها منسوخة بقوله :( وأولوا الأرحام )، الآية.
أقول :على ما ذكر، تكون الآية محكمة في صدر الإسلام، منسوخة بعده :وثمت وجه آخر فيها. وهو أنها ناسخة لميراث الحليف بتأويل آخر. وهو ما رواه البخاري١٣ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال :( ولكل جعلنا موالي ) ورثة ( والذين عقدت أيمانكم ). كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم. فلما نزلت :( ولكل جعلنا موالي ) نسخت :ثم قال :( والذين عقدت أيمانكم ). من النصر والرفادة والنصيحة. وقد ذهب الميراث ويوصى له ".
وقد فهم بعضهم من هذه الأثر أن هذه الآية نسخت الحلف في المستقبل، وحكم الحلف الماضي أيضا. وأنه لا توارث به. والصحيح ما أسلفناه من ثبوت التوارث بالحلف السابق على نزول الآية في ابتداء الإسلام، كما حكاه غير واحد من السلف. وكما قال ابن عباس :" كان المهاجري يرث الأنصاري دون ذوي رحمه حتى نسخ ذلك ".
وقد حاول الحافظ ابن حجر في ( فتح الباري ) ١٤ الجمع بين الروايات المتقدمة ورواية / البخاري باحتمال أن يكون النسخ وقع مرتين :
الأولى :حيث كان المعاقد يرث وحده دون العصبة، فنزلت :( ولكل جعلنا ). فصاروا جميعا يرثون. ثم نسخ ذلك آية الأحزاب وخص الميراث بالعصبة وبقي للمعاقد النصر والارفاد ونحوهما. والله أعلم.
هذا وثمة روايات أخر في سبب نزولها. منها ما روى أبو داود١٥ وابن أبي حاتم عن داود بن الحصين. قال :" كنت أقرأ على أم سعد بنت الربيع. وكانت في حجر أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقرأت :( والذين عاقدت أيمانكم ). فقالت :لا تقرأ هكذا ولكن :( والذين عقدت أيمانكم. انما أنزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن رضي الله عنهما حين أبى الاسلام. فحلف أبو بكر لا يورثه. فلما أسلم أمره الله تعالى أن يورثه نصيبه ".
ومنها ما روى ابن جرير ١٦عن الزهري عن ابن المسيب قال :" نزلت هذه الآية في الذين كانوا يتبنون رجالا غير أبنائهم يورثونهم. فأنزل الله فيهم. فجعل لهم نصيبا في الوصية ورد الميراث إلى الموالي في ذي الرحم والعصبة. وأبى الله أن يكون للمدعين ميراثا ممن ادعاهم وتبناهم. ولكن جعل لهم نصيبا من الوصية ".
واعلم أن هذه الوجوه السلفية المروية في نزول الآية، كلها مما تصدق عليها الآية وتشملها وينطبق حكمها عليها :ولا تنافي بينها. لما أسلفناه في مقدمة التفسير. فراجعها ولا تغفل عنها.
هذا ولأبي علي الجبائي تأويل آخر في الآية. قال :تقدير الآية :ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم موالي، ورثة فآتوهم نصيبهم. أي فآتوا الموالي والورثة نصيبهم. فقوله :( والذين عاقدت أيمانكم ). معطوف على قوله :( والوالدان والأقربون ). والمعنى :ان ما ترك الذين عاقدت أيمانكم فله وارث هو أولى به. وسمى الله تعالى الوارث مولى. والمعنى :لا تدفعوا المال إلى الحليف بل إلى المولى والوارث.
وقال أبو مسلم الأصفهاني :المراد ب ( الذين عاقدت أيمانكم ) الزوج والزوجة. والنكاح يسمى عقدا. قال تعالى :( ولا تعزموا عقدة النكاح ) ١٧. فذكر تعالى الوالدين والأقربين وذكر معهم الزوج والزوجة. ونظيره آية المواريث، في أنه لما بين ميراث الولد والوالدين، ذكر معهم ميراث الزوج والزوجة.
أقول :هذا التأويل المذكور وما قبله طريقة من لا يقف مع الآثار السلفية في التفسير. ويرى مزاحمتهم في الاجتهاد في ذلك. ذهابا إلى أن ما لم يتواتر في معنى الآية، من خبر أو اجماع، فلا حجة في المروي منه آحادا، مرفوعا أو موقوفا، وان صح. وهذه الطريقة سبيل طائفة قصرت في علم السمع وأقلت البحث عنه. فنشأ من ذلك النقص من الدين والزيادة فيه بالرأي المحض.
ومذهبنا أن لا غنى عن الرجوع إلى تفسير الصحابة رضي الله عنهم. لما ثبت من الثناء عليهم في الكتاب والسنة. ولأن القرآن أنزل على لغتهم. فالغلط أبعد عنهم من غيرهم. لا سيما تفسير حبر الأمة وبحرها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. فمتى صح الاسناد إليه كان تفسيره من أصح التفاسير، مقدما على كثير من الأئمة الجماهير. لوجوه متعددة :منها أنه رضي الله عنه ثبت عنه أنه كان لا يستحل التأويل بالرأي. روي عنه أنه قال :" من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار " وفي رواية ( بغير علم ) رواه أبو داود في العلم، والنسائي والترمذي١٨. فاذا جزم رضي الله عنه بأمر كان دليلا على رفعه. كما أسلفنا في المقدمة. ( ان / الله على كل شيء ) من الأشياء التي من جملتها الايتاء والمنع ( شهيدا ) أي عالما. ففيه الوعد والوعيد.
١ أخرجه البخاري في: ٨٥ –كتاب الفرائض، ٥ –باب ميراث الولد من أبيه وأمه. وأخرجه مسلم في: ٢٣ –كتاب الفرائض، حديث ٢ (طبعتنا)..
٢ البيت مطلع حماسية أبي تمام الخامسة والخمسين ونصه:
مهلا بني عمنا مهلا موالينا لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا
قال المرزوقي: المهل والمهل والمهلة تتقارب في أداء معنى الرفق والسكون. ويقال: لا مهل لك، ومالك من مهل. يقول: رفقا يا بني عمنا، رفقا موالينا. وهذا التكرار يريد بن التأكيد. ويجوز أن يكون هذا الكلام تهكما. ويجوز أن يكون رآهم ابتدؤوا في أمر لم يأمن معه، من تفاقم الشأن واستفحال الخطب، ما لا يقدر معه على تلافيه، فاسترفقهم لذلك.
وقوله: "لا تنبشوا" أي لا تثيروا ما كان مستورا من السر. وذكر الدفن والنبش استعارة في الاظهار والكتمان..

٣ قال في اللسان (١٥/٤٠٨ بيروت) قائله عامر الخصفي من بني خصفة. قال أبو عبيدة: يعني الموالي أي بني العم، وهو كقوله تعالى: |٤٠/ ٦٧| (ثم يخرجكم طفلا).
قال الطبري: (٣/٤٠٥): جنف الرجل على صاحبه يجنف، اذا مال عليه وجار، جنفا.
وقال محققه محمود محمد شاكر: وزور جمع أزور، وهو المائل عن الشيء. يقول: هم أبناء عمنا ونحن نكره أن نلاقيهم فنقاتلهم،لما هم من حق الرحم..

٤ |١٦/ النحل/ ٩١| ونصها: (وأوفوا بعهد الله اذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ان الله يعلم ما تفعلون٩١)..
٥ |٥/ المائدة/ ٨٩| (...فكفارته اطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم اذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون٨٩)..
٦ الأثر رقم ٩٢٧٠..
٧ أخرجه في المسند بالصفحة ١٩٠ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) وحديث ١٦٥٥ (طبعة المعارف) ونصه:
عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن عبد الرحمان بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلام. فما أحب أن لي حمر النعم وأني أنكثه".
قال الزهري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم يصب الاسلام حلفا الا زاده شدة، ولا حلف في الاسلام" وقد ألف رسول الله صلى الله عليه وسلم بسن قريش والأنصار.
وأخرجه مسلم في: ٤٤ –كتاب فضائل الصحابة، حديث ٢٠٦ (طبعتنا) ونصه:
عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا حلف في الاسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية، لم يزده الاسلام الا شدة"..

٨ أخرجه في المسند بالصفحة ٦١ من الجزء الخامس (طبعة الحلبي)..
٩ حديث رقم ٦٩١٧ (طبعة المعارف) ونصه:
"كل حلف في الجاهلية لم يزده الاسلام الا شدة، ولا حلف في الاسلام"..

١٠ |٨/ الأنفال/ ٧٥| ونصها: (والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضكم أولى ببعض في كتاب الله ان الله بكل شيء عليم٧٥)..
١١ أخرجه في: ١٨ –كتاب الفرائض، ١٦ –باب نسخ ميراث الرحم، حديث ٢٩٢١..
١٢ الأثر رقم ٩٢٦٨..
١٣ أخرجه البخاري في: ٦٥ –كتاب التفسير، ٥ –سورة النساء، ٧ –باب (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون)... الآية..
١٤ انظر الجزء الثامن، ص١٨٦ و١٨٧ (طبعة ب ولاق)..
١٥ أخرجه أبو داود في: ١٨ –كتاب الفرائض، ١٦ –باب نسخ ميراث العقد بميراث الرحم، حديث ٢٩٢٣..
١٦ الأثر رقم ٩٢٨٨..
١٧ |٢/ البقرة/ ٢٣٥| ونصها: (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا الا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور رحيم٢٣٥)..
١٨ رواه الترمذي في: ٤٤ –كتاب التفسير، ١ –باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه. عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم..
( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فان أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ان الله كان عليا كبيرا٣٤ ).
( الرجال قوامون على النساء ) جمع قوام، وهو القائم بالمصالح والتدبير والتأديب. أي مسلطون على أدب النساء يقومون عليهن، آمرين ناهين، قيام الولاة على الرعية. وذلك لأمرين :وهبي وكسبي. أشار للأول بقوله تعالى :( بما فضل الله بعضهم على بعض ) والضمير للرجال والنساء جميعا. يعني انما كانوا مسيطرين عليهن بسبب تفضيل الله بعضهم، وهم الرجال، على بعض، وهم النساء. وقد ذكروا، في فضل الرجال، العقل والحزم والعزم والقوة والفروسية والرمي. وان منهم الأنبياء وفيهم الامامة الكبرى والصغرى والجهاد والأذان والخطبة والشهادة في مجامع القضايا والولاية في النكاح والطلاق والرجعة وعدد الأزواج وزيادة السهم والتعصيب. وهم أصحاب اللحى والعمائم. والكامل بنفسه له حق الولاية على الناقص. وأشار للثاني بقوله سبحانه :( وبما أنفقوا من أموالهم ) في مهورهن ونفقاتهن فصرن كالأرقاء. ولكون القوامين في معنى السادات وجبت عليهن طاعتهم. كما يجب على العبيد طاعة السادات، وروى ابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال :" أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من الأنصار بامرأة. فقالت :يا رسول الله ! ان زوجها فلان بن فلان الأنصاري. وانه ضربها فأثر في وجهها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :ليس له ذلك. / فأنزل الله تعالى :( الرجال قوامون على النساء ). في الأدب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أردت أمرا وأراد الله غيره ". ورواه ابن جرير١ وابن حاتم مرسلا من طرق.
قال السيوطي :وشواهده يقوي بعضها بعضا. وقال علي بن أبي طلحة في هذه الآية عن ابن عباس :" يعني أمراء عليهن. أي تطيعه فيما أمرها الله به من طاعة. وطاعته أن تكون محسنة لأهله حافظة لماله ".
وروى الترمذي٢ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ". ( فالصالحات ) أي من النساء ( قانتات ) أي مطيعات لله في أزواجهن ( حافظات للغيب ) قال الزمخشري :الغيب خلاف الشهادة. أي حافظات لمواجب الغيب. إذا كان الأزواج غير شاهدين لهن، حفظن ما يجب عليهن حفظه في حال الغيبة، من الفروج والأموال والبيوت ( بما حفظ الله ) أي بحفظ الله اياهن وعصمتهن بالتوفيق لحفظ الغيب. فالمحفوظ من حفظه الله. أي لا يتيسر لهن حفظ إلا بتوفيق الله. أو المعنى :بما حفظ الله لهن من ايجاب حقوقهن على الرجال. أي عليهن أن يحفظن حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على أزواجهن. حيث أمرهم بالعدل عليهن وامساكهن بالمعروف واعطائهن أجورهن. فقوله :بما حفظ الله، يجري مجرى ما يقال :هذا بذاك. أي في مقابلته. وجعل المهايمي الباء للاستعانة حيث قال :مستعينات بحفظه مخافة أن يغلب عليهن نفوسهن وان بلغن من الصلاح ما بلغن. انتهى.
وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة مرفوعا :" خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت حفظتك في نفسها ومالك. قال :ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية :( الرجال قوامون على النساء )، إلى آخرها ".
وروى الإمام أحمد٣ عن عبد الرحمن بن عوف قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها :ادخلي الجنة من أي الأبواب شئت ".
تنبيه :
قال السيوطي في ( الاكليل ) في قوله تعالى :( الرجال قوامون على النساء ) :ان الزوج يقوم بتربية زوجته وتأديبها ومنعها من الخروج وان عليها طاعته إلا في معصية. وان ذلك لأجل ما يجب لها عليه من النفقة. ففهم العلماء من هذا أنه متى عجز عن نفقتها لم يكن قواما عليها، وسقط ما له من منعها من الخروج. واستدل بذلك من أجاز لها الفسخ حينئذ. ولأنه إذا خرج عن كونه قواما عليها فقد خرج عن الغرض المقصود بالنكاح. واستدل بالآية من جعل للزوج الحجر على زوجته في نفسها ومالها. فلا تتصرف فيه إلا بإذنه. لأنه جعله ( قواما ) بصيغة المبالغة. وهو الناظر في الشيء الحافظ له. واستدل بها على أن المرأة لا تجوز أن تلي القضاء كالإمامة العظمى. لأنه جعل الرجال قوامين عليهن، فلم يجز أن يقمن على الرجال انتهى. ( واللاتي تخافون نشوزهن ) أي عصيانهن وسوء عشرتهن وترفعهن عن مطاوعتكم، من ( النشز ) وهو ما ارتفع من الأرض يقال :نشزت المرأة بزوجها وعلى زوجها :استعصت عليه، وارتفعت عليه وأبغضته، وخرجت عن طاعته ( فعظوهن ) أي خوفوهن بالقول. كاتقي الله، واعلمي أن طاعتك لي فرض عليك، واحذري عقاب الله في عصياني. وذلك لأن الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته. وحرم عليها معصيته، لما عليها من الفضل والأفضال. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ". رواه الترمذي٤ عن أبي هريرة والإمام أحمد / عن معاذ، والحاكم عن بريدة. وروى البخاري٥ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح ". ورواه مسلم، ولفظه :" إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح " ( واهجروهن ) بعد ذلك ان لم ينفع الوعظ والنصيحة ( في المضاجع ) أي المراقد فلا تدخلوهن تحت اللحف. ولا تباشروهن. فيكون كناية عن الجماع. قال حماد بن سلمة البصري :يعني النكاح. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، " الهجر هو أن لا يجامعها، ويضاجعها على فراشها، ويوليها ظهره ". وكذا قال غير واحد. وزاد آخرون منهم السدي والضحاك وعكرمة وابن عباس ( في رواية ) :" ولا يكلمها مع ذلك ولا يحدثها ". وقيل :المضاجع المبايت. أي لا تبايتوهن. وفي ( السنن ) و ( المسند )٦ عن معاوية بن حيدة القشيري أنه قال :" يا رسول الله :ما حق زوجة أحدنا عليه ؟ قال :أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت. ولا تضرب الوجه. ولا تقبح. ولا تهجر إلا في البيت ". ( واضربوهن ) ان لم ينجع ما فعلتم من العظة والهجران، ضربا غير مبرح، أي شديد ولا شاق. كما ثبت في ( صحيح مسلم )٧ عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه قال في حجة الوداع :واتقوا الله في النساء. / فإنهن عوان عندكم. ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه. فان فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح ".
قال الفقهاء :هو أن لا يجرحها ولا يكسر لها عظما ولا يؤثر شينا ويجتنب الوجه لأنه مجمع المحاسن. ويكون مفرقا على بدنها. ولا يوالي به في موضع واحد لئلا يعظم ضرره. ومنهم من قال :ينبغي أن يكون الضرب بمنديل ملفوف. أو بيده ! لا بسوط ولا عصا. قال عطاء :ضرب بالسواك.
قال الرازي :وبالجملة، فالتخفيف مراعى في هذا الباب على أبلغ الوجوه. والذي يدل عليه أنه تعالى ابتدأ بالوعظ. ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع. ثم ترقى منه إلى الضرب. وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريق الأخف، وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق. وهذه طريقة من قال :حكم هذه الآية مشروع على الترتيب. فان ظاهر اللفظ، وان دل على الجمع، إلا أن فحوى الآية يدل على الترتيب.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس :" يهجرها في المضجع. فان أقبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضربا غير مبرح. ولا تكسر لها عظما. فان أقبلت وإلا فقد أحل الله لك منها الفدية ". وقال آخرون :هذا الترتيب مراعى عند خوف النشوز. أما عند تحققه فلا بأس بالجمع بين الكل.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم :" علقوا السوط حيث يراه أهل البيت، فانه آداب لهم ". رواه عبد بن حميد والطبراني عن ابن عباس، وأبو نعيم في ( الحلية ) عن ابن عمر ( فان أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ) أي إذا رجعن عن النشوز عند هذا التأديب إلى الطاعة في جميع ما يراد منهن مما أباحه الله منهن، فلا سبيل للرجال عليهن بعد ذلك بالتوبيخ والأذية بالضرب والهجران ( ان الله كان عليا كبيرا ) فاحذروه. تهديد للأزواج على ظلم النسوان من غير سبب. فانهن، وان ضعفن عن دفع ظلمكم، وعجزن عن الانتصاف منكم، فالله سبحانه علي قاهر كبير قادر، ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن. فلا تغتروا بكونكم أعلى يدا منهن وأكبر درجة / منهن. فان الله أعلى منكم وأقدر منكم عليهن. فختم الآية بهذين الاسمين، فيه تمام المناسبة.
١ الأثر رقم ٣٩٠٤..
٢ أخرجه الترمذي في: ١٠ –كتاب النكاح، ١٠ –باب ما جاء في حق الزوج على المرأة..
٣ أخرجه في المسند بالصفحة ١٩١ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) وحديث رقم ١٦٦١ (طبعة المعارف)..
٤ أخرجه الترمذي في: ١٠ –كتاب النكاح، ١٠ –باب ما جاء في حق الزوج على المرأة..
٥ أخرجه البخاري في: ٥٩ –كتاب بدء الخلق، ٧ –باب اذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء، حديث ١٥٢٩.
ومسلم في: ١٦ –كتاب النكاح، حديث ١٢٠ -١٢٢ (طبعتنا)..

٦ أخرجه أبو داود في: ١٢ –كتاب النكاح، ٤١ –باب حق المرأة على زوجها، حديث ٢١٤٢.
والمسند في الصفحة الخامسة من الجزء الخامس (طبعة الحلبي)..

٧ أخرجه مسلم في: ١٥ –كتاب الحج، ١٩ –باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، حديث ١٤٧ (طبعتنا)..
ولما ذكر تعالى حكم النفور والنشوز من الزوجة، ذكر ما إذا كان النفور من الزوجين بقوله :
( وان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ان يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما ان الله كان عليما خبيرا٣٥ ).
( وان خفتم شقاق بينهما ) أصله شقاقا بينهما فأضيف الشقاق إلى الظرف. اما على اجرائه مجرى المفعول به اتساعا. كقوله :( بل مكر الليل والنهار ) ١. أصله بل مكر في الليل والنهار. أو مجرى الفاعل بجعل البين مشاقا والليل والنهار ماكرين. كما في قولك :نهارك صائم. والضمير للزوجين. ولم يجر ذكرهما لجري ما يدل عليهما، وهو الرجال والنساء. أي ان علمتم مخالفة مفرقة بينهما، واشتبه عليكم أنه من جهته أو من جهتها، ولا يفعل الزوج الصلح ولا الصفح ولا الفرقة، ولا تؤدي المرأة الحق ولا الفدية ( فابعثوا ) أي إلى الزوجين لإصلاح ذات البين وتبين الأمر ( حكما ) رجلا صالحا للحكومة والإصلاح ومنع الظالم من الظلم ( من أهله ) أي أقارب الزوج ( وحكما من أهلها ) على صفة الأول. فان الأقارب أعرف ببواطن الأحوال. وأطلب للإصلاح. فيلزمهما أن يخلوا ويستكشفا حقيقة الحال فيعرفا أن رغبتهما في الإقامة أو الفرقة ( ان يريدا ) أي الحكمان ( إصلاحا يوفق الله بينهما ) أي يوقع بينهما الموافقة فيتفقان على الكلمة الواحدة ويتساندان في طلب الوفاق حتى يحصل الغرض ويتم المراد. أو الضمير الأول للحكمين، والثاني للزوجين. أي ان قصدا / اصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله، بورك في وساطتهما، وأوقع الله بحسن سعيهما بين الزوجين الوفاق والألفة، وألقى في نفوسهما المودة والرحمة ( ان الله كان عليما خبيرا ) بظواهر الحكمين وبواطنهما. إن قصدا إفسادا يجازيهما عليه. والا يجازيهما على الاصلاح. روى ابن أبي حاتم وابن جرير٢ عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس :" أمر الله عز وجل أن يبعثوا رجلا صالحا من أهل الرجل ومثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء. فان كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة. وان كانت المرأة هي المسيئة قصروها على زوجها ومنعوها النفقة. فان اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز. فان رأيا أن يجمعا، فرضي أحد الزوجين وكره الآخر، ثم مات أحدهما، فان الذي رضي يرث الذي لم يرض. ولا يرث الكاره الراضي ".
وروى عبد الرزاق في ( مصنفه ) عن ابن عباس قال :" بعثت أنا ومعاوية حكمين. قال :معمر بلغني أن عثمان بعثهما وقال لهما ان رأيتما أن تجمعا جمعتما. وان رأيتما أن تفرقا ففرقا ". ( وأسند ) عن ابن أبي مليكة٣ " ان عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فقالت :تصير إلي وأنفق عليك. فكان إذا دخل عليها قالت :أين عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ؟ فقال :على يسارك في النار إذا دخلت. فشدت عليها ثيابها. فجاءت عثمان فذكرت له ذلك. فضحك. فأرسل ابن عباس ومعاوية. فقال ابن عباس :لأفرقن بينهما. فقال معاوية :ما كنت لأفرق بين شخصين من بني عبد مناف. فأتياهما، فوجداهما قد أغلقا عليهما أبوابهما. فرجعا ".
وأسند عن عبيدة قال :" شهدت عليا وجاءته امرأة وزوجها. مع كل واحد منهما فئام من الناس. فأخرج هؤلاء حكما وهؤلاء حكما. فقال علي للحكمين :أتدريان ما عليكما ؟ ان عليكما ان رأيتما أن تجمعا جمعتما. فقالت المرأة :رضيت الله لي وعلي. وقال الزوج :أما الفرقة فلا. فقال علي :كذبت. والله ! لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله عز وجل لك وعليك ". ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير.
قال الحافظ ابن كثير :وقد أجمع العلماء على أن الحكمين لهما الجمع والتفرقة. حتى قال ابراهيم النخعي :ان شاء الحكمان أن يفرقا بينهما بطلقة أو بطلقتين أو ثلاثا، فعلا. وهو رواية عن مالك. وقال الحسن البصري :الحكمان يحكمان في الجمع لا في التفرقة. وكذا قال قتادة وزيد بن أسلم. وبه قال أحمد بن حنبل وأبو ثور وداود. ومأخذهم قوله تعالى :( إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ) ولم يذكر التفريق. وأما إذا كانا وكيلين من جهة الزوجين فانه ينفذ حكمهما في الجمع والتفرقة بلا خلاف. انتهى. وفي ( الاكليل ) :أخرج ابن منصور ان المأمور بالبعث الحكام. وعن السدي :انه الزوجان. فعلى الأول استدل به من قال :إنهما موليان من الحاكم. فلا يشترط رضا الزوجين عما يفعلانه من طلاق وغيره. وعلى الثاني استدل من قال :انهما وكيلان من الزوجين. فيشترط.
وقال ابن كثير :الجمهور على الأول. أعني أنهما منصوبان من جهة الحاكم. لقوله تعالى :( فابعثوا حكما ) الخ، فسماهما حكمين، ومن شأن الحكم أن يحكم بغير رضا المحكوم عليه. وهذا ظاهر الآية.
وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى الثاني. لقول علي رضي الله عنه للزوج، ( حين قال :أما الفرقة فلا ) –فقال :" كذبت. حتى تقر بما أقرت به ".
قالوا :فلو كانا حكمين لما افتقر إلى إقرار الزوج. والله أعلم.
وفي الآية تنبيه على أن من أصلح نيته فيما يتوخاه، وفقه الله تعالى لمبتغاه.
تنبيه :
قال الحاكم :في الآية دلالة على أن كل من خاف فرقة وفتنة جاز له بعث الحكمين. وقد استدل بها أمير المؤمنين على الخوارج فيما فعل من التحكيم. قال مشايخ المعتزلة :لأن المصاحف لما رفعت، فظهرت الفرقة في عسكره، وخاف على نفسه، جازت المحاكمة، بل وجبت. ولهذا صالح صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية. وعلى هذا يحمل صلح الحسن عليه السلام.
١ |٣٤/ سبأ/ ٣٣| ونصها: (وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار اذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون الا ما كانوا يعملون٣٣)..
٢ الأثر رقم ٩٤١٨ من التفسير..
٣ الأثر رقم ٩٤٢٧ من تفسير الطبري ونصه: "أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة ابنة عتبة. فكان بينهما كلام. فجاءت عثمان فذكرت ذلك له، فأرسل ابن عباس ومعاوية. فقال ابن عباس: لأفرقن بينهما. وقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شخصين من بني عبد مناف. فأتياهما وقد اصطلحا"..
( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين احسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار وذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم ان الله لا يحب من كان مختالا فخورا٣٦ ).
( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ) يأمر تعالى بعبادته وحده وبالإخلاص فيها بقوله :( ولا تشركوا به شيئا ) كما قال تعالى :( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) ١. لأنه تعالى هو الخالق الرزاق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الأوقات والحالات. فهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا من الشرك. الجلي والخفي. للنفس وشهواتها. وما يتوصل به إليها من المال والجاه. وهذه العبادة حق الله علينا. كما في ( الصحيحين ) ٢ عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له :" يا معاذ ! أتدري ما حق الله على / العباد وما حق العباد على الله ؟ قلت :الله ورسوله أعلم. قال :حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا ".
ثم أوصى سبحانه بالاحسان إلى الوالدين، اثر تصدير ما يتعلق بحقوق الله عز وجل التي هي آكد الحقوق وأعظمها، تنبيها على جلالة شأن الوالدين بنظمها في سلكها بقوله :( وبالوالدين احسانا ) وقد كثرت مواقع هذا النظم في التنزيل العزيز كقوله :( أن اشكر لي ولوالديك ) ٣. ( وقضى ربك إلا تعبدوا إلا اياه وبالوالدين احسانا ) ٤. أي أحسنوا بهما احسانا يفي بحق تربيتهما. فان شكرهما يدعو إلى شكر الله المقرب اليه. مع ما فيه من صلة أقرب الأقارب الموجب لوصلة الله، وقطعها لقطعه. ثم عطف، على الاحسان اليهما، الاحسان إلى القرابات من الرجال والنساء، بقوله :( وبذي القربى ) أي الأقارب. وقد جاء في الحديث الصحيح عن سلمان بن عامر قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الصدقة على المسكين صدقة. وهي على ذي الرحم اثنتان :صلة وصدقة ". رواه الإمام أحمد٥ والترمذي / والنسائي والحاكم وابن ماجة. ثم قال تعالى :( واليتامى ) وذلك لأنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم ومن ينفق عليهم. فأمر الله بالإحسان إليهم والحنو عليهم، تنزلا لرحمته عز وجل ( والمساكين ) وهم المحاويج الذين لا يجدون ما يقوم بكفايتهم. فأمر الله سبحانه بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم، وتزول به ضرورتهم ( والجار ذي القربى ) أي الذي قرب جواره. أو الذي له مع الجوار قرب واتصال بنسب أو دين ( والجار الجنب ) أي الذي جواره بعيد. أو الأجنبي. وقال نوف البكالي :الجار ذي القربى. يعني الجار المسلم. والجار الجنب يعني اليهودي والنصراني.
وقد ورد في الوصية بالجار أحاديث كثيرة. منها قوله صلى الله عليه وسلم :" مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ". أخرجاه في ( الصحيحين )٦ عن ابن عمر.
ومنها ما رواه الإمام أحمد٧ والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه. وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره ".
وروى الإمام أحمد٨ عن عمر قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا يشبع الرجل دون جاره ".
قال ابن كثير :تفرد به أحمد.
وعن المقداد بن الأسود قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه :ما تقولون في الزنى ؟ قالوا :حرمه الله ورسوله. فهو حرام إلى يوم القيامة. قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه :لأن يزني / الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره. قال فقال :ما تقولون في السرقة ؟ قالوا :حرمها الله ورسوله. فهي حرام. قال :لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات، أيسر عليه من أن يسرق من جاره ".
قال ابن كثير :تفرد به أحمد٩. وله شاهد في ( الصحيحين ) ١٠ من حديث ابن مسعود. قال :" سألت ( أو سئل ) رسول الله صلى الله عليه وسلم :أي الذنب عند الله أكبر ؟ قال :أن تجعل لله ندا وهو خلقك. قلت :ثم أي ؟ قال :ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت :أي ؟ قال :أن تزاني بحليلة جارك ".
وروى الإمام أحمد١١ عن أبي العالية عن رجل من الأنصار قال :" خرجت من أهلي أريد النبي صلى الله عليه وسلم. فاذا أنا به قائم ورجل معه مقبل عليه. فظننت أن لهما حاجة. قال فقال الأنصاري :والله ! لقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جعلت أرثي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من طول القيام. فلما انصرف قلت :يا رسول الله ! لقد قام بك الرجل حتى جعلت أرثي لك من طول القيام. قال :ولقد رأيته ؟ قلت :نعم. قال :أتدري من هو ؟ قلت :لا. قال ذاك جبريل. ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه. ثم قال :أما انك لو سلمت عليه رد عليك السلام ".
ورواه عبد بن حميد عن جابر عن عبد الله قال :" جاء رجل من العوالي ورسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل عليه السلام يصليان حيث يصلى على الجنائز. فلما انصرف قال الرجل :يا رسول الله ! من هذا الرجل الذي رأيت يصلي معك ؟ قال :وقد رأيته ؟ قال :نعم. قال :لقد رأيت خيرا كثيرا. هذا جبريل ما زال يوصيني بالجار حتى رأيت انه سيورثه ".
قال ابن كثير :تفرد به من هذا الوجه. وهو شاهد للذي قبله.
وروى البزار عن جابر بن عبد الله قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الجيران ثلاثة :جار له حق واحد وهو أدنى الجيران حقا. وجار له حقان. وجار له ثلاثة حقوق وهو أفضل الجيران حقا. فأما الجار الذي له حق فجار مشرك، لا رحم له، له حق. وأما الجار الذي له حقان، فجار مسلم له حق الإسلام وحق الجوار. وأما الذي له ثلاثة حقوق. فجار مسلم ذو رحم، له حق الجوار، وحق الإسلام، وحق الرحم ".
وروى الإمام أحمد والبخاري١٢ عن عائشة " أنها سألت رسول الله صلى الله عله وسلم فقالت :ان لي جارين. فإلى أيهما أهدي ؟ قال :إلى أقربهما منك بابا ".
وروى الإمام مسلم١٣ عن أبي ذر قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا أبا ذر ! إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك ".
وفي رواية قال :" إذا طبخت مرقا فأكثر ماءها ثم انظر إلى أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف ".
وروى الشيخان١٤ عن أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال :" والله ! لا يؤمن. والله ! لا يؤمن. والله ! لا يؤمن. قيل :ومن ؟ يا رسول الله ! قال :الذي لا يأمن جاره بوائقه ".
ولمسلم١٥ :" لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ".
والبوائق :الغوائل والشرور.
ورويا عنه١٦ قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا نساء المؤمنات ! لا تحقرن جارة لجارتها، ولو فرسن شاة ".
معناه :ولو أن تهدي لها فرسن شاة. وهو الظلف المحرق. وأراد به الشيء الحقير.
ورويا عنه١٧ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ". وقوله تعالى :( والصاحب بالجنب ) قال سعيد بن جبير :هو الرفيق الصالح. وقال زيد بن أسلم :هو جليسك في الحضر ورفيقك في السفر. أي فانه كالجار. وأوضحه الزمخشري بقوله :هو الذي صحبك بأن حصل بجنبك. أما رفيقا في سفر. واما جارا ملاصقا. واما شريكا في تعلم علم أو حرفة. واما قاعدا إلى جنبك في مجلس أو مسجد أو غير ذلك، من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه. فعليك أن تراعي ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإحسان. وروي عن علي وابن مسعود قالا :" هي المرأة ". أي لأنها تكون معك وتضجع إلى جنبك ( وابن السبيل ) أي ابن الطريق. أي المسافر الغريب الذي انقطع عن بلده وأهله، وهو يريد الرجوع إلى بلده ولا يجد ما يتبلغ به. نسب إلى السبيل الذي هو / الطريق لمروره عليه وملابسته له. أو الذي يريد البلد غير بلده، لأمر يلزمه. وقال ابن عرفة :وهو الضيف المنقطع به، يعطى قدر ما يتبلغ به إلى وطنه. وقال ابن بري :هو الذي أتى به الطريق. كذا في ( تاج العروس ). ولم يذكر السلف من المفسرين وأهل اللغة ( السائل ) في معنى ابن السبيل. لأنه جاء تابعا لابن السبيل في البقرة، وفي قوله تعالى :( ليس البر –إلى قوله- وابن السبيل والسائلين ).
وقال بعضهم في ( ابن السبيل ) :
ومنسوب إلى ما لم يلده كذاك الله نزل في الكتاب
( وما ملكت أيمانكم ) يعني المماليك. فانهم ضعفاء الحيلة. أسرى في أيدي الناس كالمساكين. لا يملكون شيئا. وقد ثبت عن علي عليه السلام " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يوصي أمته في مرض الموت، يقول :الصلاة. الصلاة. اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم ". رواه أبو داود وابن ماجة١٨ وهذا لفظ أبي داود.
وروى الإمام أحمد١٩ عن المقدام بن معد يكرب قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة. وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة. وما أطعمت زوجك فهو لك صدقة. وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة ". ورواه النسائي.
قال الحافظ ابن كثير. واسناده صحيح ولله الحمد.
وعن عبد الله بن عمرو أنه قال لقهرمان له :" هل أعطيت الرقيق قوتهم ؟ قال :لا. قال :فانطلق فأعطهم. فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :كفى بالمرء اثما أن يحبس، عمن يملك قوته ". رواه مسلم٢٠.
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" للمملوك طعامه وكسوته. ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق ". رواه مسلم أيضا٢١.
وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" اذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فان لم يجلسه معه، فليناوله أكلة أو أكلتين أو لقمة أو لقمتين. فانه ولي حره وعلاجه ". أخرجاه٢٢. ولفظه للبخاري.
وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" هم إخوانكم خولكم. جعلهم الله تحت أيديكم. فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم. فان كلفتموهم فأعينوهم ". أخرجاه٢٣ ( ان الله لا يحب من كان مختالا ) أي متكبرا عن الإحسان إلى من أمر ببره ( فخورا ) يعدد مناقبه كبرا. وانما خص تعالى هذين الوصفين بالذم، في هذا الموضع، لأن المختال هو المتكبر. وكل من كان متكبرا فانه قلما يقوم برعاية الحقوق. ثم أضاف إليه ذم الفخور لئلا يقدم على رعاية هذه الحقوق لأجل الرياء والسمعة. بل لمحض أمر الله تعالى.
روى أبو داود٢٤ والحاكم باسناد صحيح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" الكبر من بطر الحق وغمط الناس ".
وروى ابن جرير٢٥ عن أبي رجاء الهروي قال :" لا تجد سيء الملكة ( الملكة ) إلا وجدته مختالا فخورا. وتلا ( وما ملكت أيمانكم... ) الآية ولا عاقا إلا وجدته جبارا شقيا. وتلا :( وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا ) ٢٦ " وقد ورد في ذم الخيلاء والفخر ما هو معروف.
١ |٩٨| البينة/ ٥| ونصها: (وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة٥)..
٢ أخرجه البخاري في: ٥٦ –كتاب الجهاد، ٤٦ –باب اسم الفرس والحمار، حديث ١٣٧١ ونصه:
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم عل حمار، يقال له عفير، فقال: "يا معاذ! هل تدري حق الله على عباده وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فان حق الله على العباد أن يعبدون ولا يشركوا به شيئا. وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا" فقلت: يا رسول الله! أفلا أبشر به الناس؟ قال: "لا تبشرهم فيتكلوا".
وأخرجه مسلم في: ١ –كتاب الايمان، حديث ٧٨ -٥١ (طبعتنا)..

٣ |٣١/ لقمان/ ١٤| ونصها: (ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك الي المصير١٤)..
٤ |١٧/ الاسراء/ ٢٣| ونصها: ( *وقضى ربك ألا تعبدوا الا اياه وبالوالدين احسانا اما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما٢٣)..
٥ أخرجه في المسند بالصفحة ٢١٤ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي)..
٦ أخرجه البخاري في: ٧٨ –كتاب الأدب، ٢٨ –باب الوصاة بالجار، حديث ٢٣٢٥ ومسلم في: ٤٥ –كتاب البر والصلة والآداب، حديث ١٤١ (طبعتنا)..
٧ أخرجه في المسند بالصفحة ١٦٨ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي) وحديث رقم ٦٥٦٦ (طبعة المعارف)..
٨ أخرجه في المسند بالصفحة رقم ٥٥ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) وحديث رقم ٣٩٠ (طبعة المعارف)..
٩ أخرجه في المسند بالصفحة ٨ من الجزء السادس (طبعة الحلبي)..
١٠ أخرجه البخاري في: ٦٥ –كتاب التفسير، ٢٥ –سورة الفرقان، ٢ –باب (والذين لا يدعون مع الله الها آخر)، حديث ١٩٦٢.
وأخرجه مسلم في: ١ –كتاب الايمان، حديث ١٤٢ (طبعتنا)..

١١ أخرجه في المسند بالصفحة ٣٢ من الجزء الخامس (طبعة الحلبي)..
١٢ أخرجه البخاري في: ٧٨ –كتاب الأدب، ٣٢ –باب حق الجوار في قرب الأبواب، حديث ١١٢٨..
١٣ أخرجه مسلم في: ٤٥ –كتاب البر والصلة والآداب، حديث ١٤٢ و ١٤٣ (طبعتنا)..
١٤ لم يروا هذا الحديث الا البخاري، ورواه عن أبي شريح، لا عن أبي هريرة.
أخرجه في: ٧٨ –كتاب الأدب، ٢٩ –باب اثم من لم يأمن جاه بوائقه، حديث ٢٣٢٦..

١٥ أخرجه مسلم في: ١ –كتاب الايمان، حديث ٧٣ (طبعتنا) عن أبي هريرة..
١٦ أخرجه البخاري في: ٧٨ –كتاب الأدب، ٣٠ –باب لا تحقرن جارة لجارتها، حديث ١٢٥٤.
ومسلم في: ١٢ –كتاب الزكاة، حديث ٩٠ (طبعتنا)..

١٧ أخرجه البخاري في: ٨١ –كتاب الرقاق، ٢٣ –باب حفظ اللسان، حديث ٢١٣٢ ونصه:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه".
ومسلم في: ١ –كتاب الايمان، حديث ٧٥ (طبعتنا)..

١٨ أخرجه أبو داود في: ٤٠ –كتاب الأدب، ١٢٤ –باب في حق المملوك، حديث ٥١٥٦.
وابن ماجة في: ٢٢ –كتاب الوصايا، ١ –باب هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ حديث ٢٦٩٨ (طبعتنا)..

١٩ أخرجه في المسند بالصفحة رقم ١٣١ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي)..
٢٠ أخرجه في: ١٢ –كتاب الزكاة، حديث ٤٠ (طبعتنا)..
٢١ أخرجه في: ٢٧ –كتاب الأيمان، حديث ٤١ (طبعتنا)..
٢٢ أخرجه البخاري في: ٧٠ –كتاب الأطعمة، ٥٥ –باب الأكل مع الخادم، حديث ١٢٥٢.
ومسلم في: ٢٧ –كتاب الأيمان، حديث ٤٢ (طبعتنا)..

٢٣ أخرجه البخاري في: ٢ –كتاب الايمان، ٢٢ –باب المعاصي من أمر الجاهلية، حديث ٢٨ ونصه:
عن المعرور قال: لقيت أبا ذر في الربذة، وعليه حلة وعلى غلامه حلة. فسألته عن ذلك؟ فقال: اني ساببت رجلا فعيرته بأمه. فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر! أعيرته بأمه؟ انك امرؤ فيك جاهلية. اخوانكم خولكم. جعلهم الله تهت أيديكم. فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم. فان كلفتموهم فأعينوهم".
وأخرجه مسلم في: ٢٧ –كتاب الأيمان، حديث ٣٨ (طبعتنا)..

٢٤ أخرجه أبو داود في: ٣١ –كتاب اللباس، ٢٦ –باب ما جاء في الكبر، حديث ٤٠٩٢ ونصه:
عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان رجلا جميلا، فقال: يا رسول الله! اني رجل حبب الي الجمال. أعطيت منه ما ترى. حتى ما أحب أن يفوقني أحد بشراك نعلي (بشسع نعلي) أفمن الكبر ذلك؟ قال: "لا. ولكن الكبر من بطر الحق وغمط الناس"..

٢٥ الأثر رقم ٩٤٩٢ من التفسير..
٢٦ |١٩/ مريم/ ٣٢|..
( الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا٣٧ ).
( الذين يبخلون ) أي بأموالهم أن ينفقوها فيما أمرهم الله به فيما تقدم ( ويأمرون الناس بالبخل ) أي ولا يكونون سبب الاحسان. بل يبخلون بذات أيديهم وبما في أيدي غيرهم. / فيأمرونهم بأن يبخلوا به مقتا للسخاء ممن وجد. وفي أمثال العرب :أبخل من الضنين بنائل غيره. قال١ :
وان امرءا ضنت يداه، على امرئ بنيل يد من غيره، لبخيل
قال الزمخشري بعد حكاية ما تقدم :ولقد رأينا ممن بلي بداء البخل، من إذا طرق سمعه أن أحدا جاد على أحد، شخص به، وحل حبوته واضطرب، ودارت عيناه في رأسه. كأنما نهب رحله، وكسرت خزانته، ضجرا من ذلك وحسرة على وجوده. انتهى ( ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ) أي من المال والغنى. فيوهمون الفقر مع الغنى والإعسار مع اليسار والعجز مع الإمكان ( وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ) وضع الظاهر موضع المضمر إشعارا بأن من هذا شأنه فهو كافر بنعمة الله تعالى. ومن كان كافرا بنعمة الله تعالى فله عذاب يهينه، كما أهان النعمة بالبخل والإخفاء.
فائدة :
قال أبو البقاء :في قوله تعالى :( الذين يبخلون ) وجهان :
أحدهما :هو منصوب بدل من ( من ) في قوله :( من كان مختالا فخورا ) وجمع على معنى ( من ) ويجوز أن يكون محمولا على قوله :( مختالا فخورا ) وهو خبر ( كان ) وجمع على المعنى أيضا، أو على اضمار :أذم.
والثاني :أن يكون مبتدأ والخبر محذوف تقديره :مبغضون. ودل عليه ما تقدم من قوله :( لا يحب ) ويجوز أن يكون الخبر :معذبون. لقوله :( وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ) / ويجوز أن يكون التقدير :هم الذين. ويجوز أن يكون مبتدأ ( والذين ينفقون ) معطوف عليه، والخبر ( ان الله لا يظلم ) أي يظلمهم.
ثم قال :والبخل والبخل لغتان. وقد قرئ بهما. وفيه لغتان أخريان البخل بضم الخاء والباء، والبخل بفتح الباء وسكون الخاء. انتهى.
١ قائله أبو تمام قصيدة يعاتب موسى بن ابراهيم الرافقي، في ضنه عليه بحاجة. (ديوانه صفحة ٤٠٨) ومطلعها:
واني لأستحي يقيني أن يرى لشكي في شيء عليه دليل
واليد الثانية: النعمة..

( والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا٣٨ ).
( والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ) أي قصد رؤية الخلق اياه، غفلة عن الخالق تقدس، وعماية عنه، ليقال :ما أسخاهم وما أجودهم ( ولا يؤمنون بالله ) أي الذي يتقرب إليه وحده ويتحرى بالإنفاق رضاه ( ولا باليوم الآخر ) الذي هو يوم الجزاء ( ومن يكن الشيطان له قرينا ) معينا في الدنيا ( فساء قرينا ) فبئس القرين والصاحب الشيطان. لأنه يضله عن الهدى ويحجبه عن الحق. وانما اتصل الكلام هنا بذكر الشيطان، تقريعا لهم على طاعته. والمعنى :من يكن عمله بما سول له الشيطان فبئس العمل عمله. ويجوز أن يكون وعيدا لهم بأن الشيطان يقرن بهم في النار.
لطيفة :
قوله تعالى :( والذين ) عطف على ( الذين يبخلون ) أو ( على الكافرين ) وإنما شاركوهم في الذم والوعيد لأن البخل كالإنفاق رياء، سواء في القبح واستتباع اللائمة والذم. ويجوز أن يكون العطف بناء على إجراء التغاير الوصفي مجرى التغاير الذاتي. كما في قوله١ :
إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم
أو مبتدأ خبره محذوف. يدل عليه قوله تعالى :( ومن يكن ) الخ أي :فقرينهم الشيطان. وإنما حذف للإيذان بظهوره واستغنائه عن التصريح به. أو التقدير :فلا يقبل إحسانهم لأن رياءهم يدل على تفضيلهم الخلق على الله، ورؤيتهم على ثوابه.
وقد روى مسلم٢ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :قال الله تبارك وتعالى :أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ".
وروى ابن أبي حاتم، في سبب نزول الآية، عن سعيد بن جبير قال :" كان علماء بني إسرائيل يبخلون بما عندهم من العلم. فأنزل الله :( الذين يبخلون ). الآية ".
وأخرج ابن جرير٣ من طريق ابن إسحاق عن ابن عباس، " أن رجالا من اليهود / كانوا يأتون رجالا من الأنصار ينتصحون لهم. فيقولون :لا تنفقوا أموالكم. فانا نخشى عليكم الفقر في ذهابها. ولا تسارعوا في النفقة، فانكم لا تدرون ما يكون. فأنزل الله فيهم :( الذين يبخلون ). الآية ".
١ قال الأستاذ محمد محمد شاكر في تعليقه على هذا البيت وبيت آخر معه وهو:
وذا الرأي حين تغم الأمو ر بذات الصليل وذات اللجم
قال حفظه الله:
معاني القرآن للفراء ١: ١٠٥، والانصاف: ١٩٥، وأمالي الشريف ١: ٢٠٥، وخزانة الأدب ١: ٢١٦. والقرم: السيد المعظم المقدم في المعرفة وتجارب الأمور. والمزدحم: حومة القتال حيث يزدحم الكماة، يمدحه بالجرأة في القتال. وغم الأمر يغم (بالبناء للمجهول): استعجم وأظلم، وصار المرء منه في لبس لا يهتدي لصوابه. والصليل صوت الحديد. يعني بذات الصليل كتيبة من الرجالة يصل حديد بيضتها وشكتها وسلاحها. وذات اللجم: كتيبة من الفرسان. يذكر ثباته واجتماع نفسه ورأيه حين تطيش العقول في صليل السيوف وكر الخيول في معركة الموت. فقوله: "بذات الصليل" متعلق بقوله: "تغم الأمور".
تفسير الطبري طبعة المعارف، (ج ٣ ص ٣٥٣)..

٢ أخرجه مسلم في: ٥٣ –كتل الزهد، حديث ٤٦ (طبعتنا)..
٣ الأثر ٩٥٠١ من التفسير وهذا نصه:
عن ابن عبا قال: "كان كردم بن زيد، حليف كعب بن الأشرف، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبحري بن عمرو، وحيي بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت، يأتون رجالا من الأنصار –وكانوا يخالطونهم وينتصحون لهم –من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم. فانا نخشى عليكم الفقر في ذهابها. ولا تسارعوا في النفقة، فانكم لا تدرون ما يكون. فأنزل الله فيهم: (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله) أي من النبوة (من التوراة، كما في ابن هشام) التي فيها تصديق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم: (وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا) الى قوله: (وكان الله بهم عليما)"..

( وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما٣٩ ).
( وماذا عليهم لو آمنوا بالله ) أي فلم يرجحوا الخلق عليه ( واليوم الآخر ) بالبعث والجزاء فلم يرجحوا تعظيمهم وحطامهم على ثوابه ( وأنفقوا مما رزقهم الله ) أعطاهم الله من المال، أي طلبا لرضاه وأجر آخرته.
قال العلامة أبو السعود، وإنما لم يصرح به تعويلا على التفصيل السابق، واكتفاء بذكر الإيمان بالله واليوم الآخر. فانه يقتضي أن يكون الإنفاق لابتغاء وجهه تعالى وطلب ثوابه البتة. أي :وما الذي عليهم. أو :وأي تبعة ووبال عليهم في الإيمان بالله والإنفاق في سبيله ؟ وهو توبيخ لهم على الجهل بمكان المنفعة، والاعتقاد في الشيء بخلاف ما هو عليه، وتحريض على التفكر / لطلب الجواب. لعله يؤدي بهم إلى العلم بما فيه من الفوائد الجليلة والعوائد الجميلة. وتنبيه على أن المدعو إلى أمر لا ضرر فيه، ينبغي أن يجيب إليه احتياطا. فكيف إذا كان فيه منافع لا تحصى. وتقديم الإيمان بهما، لأهميته في نفسه، ولعدم الاعتداد بالإنفاق بدونه. واما تقديم ( انفاقهم رئاء الناس ) على عدم ايمانهم بهما، مع كون المؤخر أقبح من المقدم، فلرعاية المناسبة بين انفاقهم ذلك وبين ما قبله من بخلهم وأمرهم للناس به. انتهى ( وكان الله بهم عليما ) وعيد لهم بالعقاب.
( ان الله لا يظلم مثقال ذرة وان تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما٤٠ ).
( ان الله لا يظلم مثقال ذرة ) أي لا يبخس أحدا من ثواب عمله ولا يزيد في عقابه شيئا مقدار ذرة، وهي النملة الصغيرة، في قول أهل اللغة. قال ثعلب :مائة من الذر زنة حبة شعير. وهذا مثل ضربه الله تعالى لأقل الأشياء. والمعنى :ان الله تعالى لا يظلم أحدا شيئا، قليلا ولا كثيرا. فخرج الكلام على أصغر شيء يعرفه الناس ( وان تك حسنة يضاعفها ) أي وان تك مثقال ذرة حسنة يضاعف ثوابها. وانما أنث ضمير المثقال لتأنيث الخبر. أو لاضافته إلى الذرة ( ويؤت ) أي زيادة على الأضعاف ( من لدنه ) مما يناسب عظمته على نهج التفضل ( أجرا عظيما ) أي عطاء جزيلا. وقد ورد في معنى هذه الآية أحاديث كثيرة. منها ما في ( الصحيحين ) ١ عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث / الشفاعة الطويل :وفيه :" فيقول الله عز وجل :ارجعوا. فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من ايمان فأخرجوه من النار ". وفي لفظ :" أدنى أدنى مثقال ذرة من ايمان، فأخرجوه من النار. فيخرجون خلقا كثيرا. ثم يقول أبو سعيد :اقرؤوا ان شئتم ( ان الله لا يظلم مثقال ذرة ) ".
وقد روى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في هذه الآية قال :" فأما المشرك فيخفف عنه العذاب يوم القيامة. أي بحسنته. ولا يخرج من النار أبدا ".
قال الحافظ ابن كثير :وقد يستدل له بالحديث الصحيح٢ ان العباس قال :" يا رسول الله ! هل نفعت أبا طالب بشيء فانه كان يحوطك ويغضب لك ؟ قال :نعم. هو في ضحضاح من نار. ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار ".
وقد يكون هذا خاصا بأبي طالب من دون الكفار. بدليل ما رواه أبو داود٣ الطيالسي في ( مسنده ) عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" ان الله عز وجل لا يظلم المؤمن حسنة. يثاب عليها الرزق في الدنيا. ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا. فاذا كان يوم القيامة لم يكن له حسنة ". انتهى.
ورواه مسلم٤ أيضا عن أنس أيضا مرفوعا. ولفظه :" ان الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنة يجزى بها ".
١ هذا حديث الشفاعة الطويل أخرجه البخاري في: ٩٧ –كتاب التوحيد، ٢٤ –باب قول الله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة)، حديث ٢١.
ومسلم في: ١ –كتاب الايمان، حديث ٣٠٢ (طبعتنا)..

٢ أخرجه البخاري في: ٧٨ –كتاب الأدب، ١١٥ –باب كنية المشرك، حديث ١٨١٤ ومسلم في: ١ –كتاب الايمان، حديث ٣٥٧ (طبعتنا)..
٣ الحديث رقم ٢٠١١..
٤ أخرجه في: ٥٠ –كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، حديث ٥٦ (طبعتنا)..
( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا٤١ ).
( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) قال الرازي :وجه النظم هو أنه تعالى بين أن في الآخرة لا يجري على أحد ظلم وأنه تعالى يجازي المحسن على احسانه ويزيده على قدر حقه. فبين تعالى في هذه الآية أن ذلك يجري بشهادة الرسل الذين جعلهم الله الحجة على الخلق لتكون الحجة على المسيء أبلغ. والتبكيت له أعظم. وحسرته أشد. ويكون سرور من قبل ذلك من الرسول وأظهر الطاعة أعظم. ويكون هذا وعيدا للكفار الذين قال الله فيهم :( ان الله لا يظلم مثقال ذرة ) ووعدا للمطيعين الذين قال الله فيهم ( وان تك حسنة يضاعفها ).
ثم قال :من عادة العرب أنهم يقولون في الشيء الذي يتوقعونه :كيف بك إذا كان كذا وكذا، وإذا فعل فلان كذا، أو إذا جاء وقت كذا ؟ فمعنى هذا الكلام :كيف ترون يوم القيامة إذا استشهد الله على كل أمة برسولها. واستشهدك على هؤلاء. يعني قومه المخاطبين بالقرآن الذين شاهدهم وعرف أحوالهم. ثم ان أهل كل عصر يشهدون على غيرهم ممن شاهدوا أحوالهم. وعلى هذا الوجه قال عيسى عليه السلام :( وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ) ١. ونظير هذه الآية قوله تعالى :( ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم ) ٢. الخ.
وروى الشيخان٣ وغيرهما عن عبد الله بن مسعود قال :" قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :اقرأ علي. فقلت :يا رسول الله ؟ أقرأ عليك وعليك انزل ؟ قال :نعم. اني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت عليه سورة النساء. حتى أتيت إلى هذه الآية :( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ). فقال :حسبك الآن. فاذا عيناه تذرفان ".
زاد مسلم :" شهيدا ما دمت فيهم. أو قال ما كنت فيهم ". شك أحد رواته.
وروى ابن جرير عن ابن مسعود في هذه الآية قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" شهيد عليهم ما دمت فيهم. فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ".
١ |٥/ المائدة/ ١١٧| ونصها: (ما قلت لهم الا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد١١٧)..
٢ |١٦/ النحل/ ٨٩| ونصها: (ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين٨٩)..
٣ أخرجه البخاري في: ٦٥ –كتاب التفسير، ٤ –سورة النساء، ٩ –باب (فكيف اذا جئنا من كل أمة بشهيد)، حديث ١٩٩٠.
أخرجه مسلم في: ٦ –كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث ٢٤٧ -٢٤٩ (طبعتنا)..

( يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا٤٢ ).
( يومئذ ) أي يوم القيامة ( يود ) أي يتمنى ( الذين كفروا ) بالله ( وعصوا الرسول ) بالاجابة ( لو تسوى بهم الأرض ) أي يهلكون فيها. أي يدفنون. فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى. إذ هو أعز لهم من الهوان الذي يلحقهم من فضائحهم. كقوله :( يوم ينظر المرء ما قدمت يداه )... الآية. ف ( تسوى ) بمعنى :تجعل مستوية. والباء للملابسة. أي تسوى الأرض متلبسة بهم. وقيل :الباء بمعنى ( على ) وفي ( الدر المصون ) :وتسوية الأرض بهم أو عليهم :دفنهم. أو أن تنشق وتبلعهم. أو أنهم يبقون ترابا على أصلهم من غير خلق. وقوله تعالى :( ولا يكتمون حديثا ) عطف على ( يود ) أي ويعترفون / بجميع ما فعلوه. لا يقدرون على كتمانه. لأن جوارحهم تشهد عليهم. أو ( الواو ) للحال. أي يودون أن يدفنوا في الأرض وحالهم أنهم لا يكتمون من الله حديثا. ولا يكذبونه بقولهم :( والله ربنا ما كنا مشركين ). كما روى ابن جرير١ عن الضحاك " أن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال :يا ابن عباس ! قول الله تعالى :( ولا يكتمون الله حديثا ). وقوله :( والله ربنا ما كنا مشركين ). فقال له ابن عباس :اني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت :ألقي على ابن عباس متشابه القرآن. فاذا رجعت اليهم فأخبرهم أن الله تعالى يجمع الناس يوم القيامة في بقيع واحد. فيقول المشركون :ان الله لا يقبل من أحد شيئا إلا ممن وحده. فيقولون تعالوا نقل. فيسألهم فيقولون :( والله ربنا ما كنا مشركين ). قال فيختم على أفواههم ويستنطق جوارحهم فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين. فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سويت بهم ولا يكتمون الله حديثا ".
وروى عبد الرزاق عن سعيد بن جبير نحو ما تقدم. واعتمده الإمام أحمد في كتاب ( الرد على الجهمية ) في باب ( بيان ما ضلت فيه الزنادقة من متشابه القرآن ) وساق مثل ما تقدم عن ابن عباس. ثم قال :فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة.
١ الأثر ٩٥٢٢ من التفسير..
وقوله تعالى :
( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا٤٣ ).
( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) / نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر في جماعة كانوا يشربونها ثم يصلون. أي من مقتضى إيمانكم الحياء من الله. ومن الحياء منه أن لا تقوموا إلى الصلاة وأنتم سكارى لا تعلمون ما تخاطبونه. فالحياء من الله يوجب ذلك. وتصدير الكلام بحرفي النداء والتنبيه، للمبالغة في حملهم على العمل بموجب النهي. وتوجيه النهي إلى قربان الصلاة، مع أن المراد هو النهي عن إقامتها، للمبالغة في ذلك.
قال الحافظ ابن كثير :كان هذا النهي قبل تحريم الخمر. كما دل عليه الحديث الذي ذكرناه في سورة البقرة عند قوله تعالى :( يسألونك عن الخمر والميسر ) ١. الآية. " فان رسول الله صلى الله عليه وسلم تلاها على عمر. فقال :اللهم ! بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فلما نزلت هذه الآية تلاها عليه. فقال :اللهم ! بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فكانوا لا يشربون الخمر في أوقات الصلوات. حتى نزلت :( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) ٢. إلى قوله تعالى :( فهل أنتم منتهون ). فقال عمر :انتهينا. انتهينا ".
ولفظ أبي داود٣ عن عمر بن الخطاب في قصة تحريم الخمر فذكر الحديث. وفيه :" فنزلت الآية التي في النساء :( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا / ما تقولون ). فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قامت الصلاة، ينادي :لا يقربن الصلاة سكران ".
وروى ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن سعد رضي الله عنه قال :" نزلت في أربع آيات :صنع رجل من الأنصار طعاما فدعا أناسا من المهاجرين وأناسا من الأنصار. فأكلنا وشربنا حتى سكرنا. ثم افتخرنا. فرفع رجل لحي بعير فغرز بها أنف سعد مغروز الأنف وذلك قبل تحريم الخمر. فنزلت :( يا أيها الذين منوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ). الآية ". والحديث بطوله عند مسلم٤ ورواه أهل ( السنن ) إلا ابن ماجة.
وروى أبو داود٥ والنسائي عن علي رضي الله عنه، " أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر شربوا الخمر. فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ :( قل يا أيها الكافرون ). فخلط فيها. فنزلت :( لا تقربوا ). الآية ".
وروى ابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه :" قال صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر. فأخذت الخمر منا. وحضرت الصلاة. فقدموا فلانا. قال :فقرأ قل يا أيها الكافرون ما أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون. فأنزل الله :( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا ). الآية ". وكذا رواه الترمذي٦ وقال :حسن صحيح ( ولا جنبا ) عطف على قوله :( وأنتم سكارى ) إذ الجملة في موضع النصب على الحال. والجنب الذي أصابته الجنابة. يستوي فيه المذكر والمؤنث، والواحد والجمع. لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الاجتناب ( الا عابري سبيل ) أي مارين بلا لبث ( حتى تغتسلوا ) من الجنابة :أي لا تقربوا مواضع الصلاة، وهو المسجد، وأنتم جنب، إلا مجتازين فيه. إما للخروج منه أو للدخول فيه.
روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في معنى الآية قال :" لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب إلا عابري سبيل. قال :تمر به مرا، ولا تجلس ". ثم رواه عن كثير من الصحابة. منهم ابن مسعود وثلة من التابعين.
وروى ابن جرير٧ عن الليث قال حدثنا بن أبي حبيب عن قول الله عز وجل :( ولا جنبا إلا عابري سبيل ). " أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم فيريدون الماء. ولا يجدون ممرا إلا في المسجد. فأنزل الله تعالى :( ولا جنبا إلا عابري سبيل ) ".
قال الحافظ ابن كثير :ويشهد لصحة ما قاله يزيد بن أبي حبيب رحمه الله، ما ثبت في ( صحيح البخاري ) ٨ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر ". وهذا قاله صلى الله عليه وسلم في آخر حياته. علما منه أن أبا بكر. رضي الله عنه سيلي الأمر بعده ويحتاج إلى الدخول في المسجد كثيرا للأمور المهمة فيما يصلح للمسلمين. فأمر بسد الأبواب الشارعة / إلى المسجد إلا بابه رضي الله عنه ومن روى :إلا باب علي، كما وقع في بعض ( السنن )، فهو خطأ والصواب ما ثبت في ( الصحيح ).
ومن هذا التأويل احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد. ويجوز له المرور. وثمة تأويل آخر في قوله تعالى :( الا عابري سبيل ) وهو أن المراد منه المسافرون. أي لا تقربوا الصلاة جنبا في حال من الأحوال إلا حال كونكم مسافرين. فيكون هذا الاستثناء دليلا على أنه يجوز للجنب الاقدام على الصلاة عند العجز عن الماء. وقد روى ابن أبي حاتم عن زر بن حبيش عن علي في هذه الآية، قال :" لا يقرب الصلاة إلا أن يكون مسافرا تصيبه الجنابة، فلا يجد الماء، فيصلي حتى يجد الماء ". ثم رواه من وجه آخر عن علي :ورواه عن جماعة من السلف أيضا :" أنه في السفر ".
قال ابن كثير :ويستشهد لهذا القول بالحديث الذي رواه الإمام أحمد٩ وأهل ( السنن ) / عن أبي ذر قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الصعيد الطيب طهور المسلم. وان لم تجد الماء عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك فان ذلك خير لك ". وفي هذا التأويل بقاء لفظ الصلاة على معناها الحقيقي في الجملتين المتعاطفتين. وفي التأويل السابق تكون الصلاة، في الجملة الثانية محمولة على مواضعها.
قال في ( فتح البيان ) :وبالجملة، فالحال الأولى أعني قوله، ( وأنتم سكارى ) تقوي بقاء الصلاة على معناها الحقيقي، من دون تقدير مضاف. وسبب نزول الآية السابق يقوي ذلك. وقوله :( إلا عابري سبيل ) يقوي تقدير المضاف. أي لا تقربوا مواضع الصلاة. ويمكن أن يقال :إن بعض قيود النهي ( أعني لا تقربوا وهو قوله :( وأنتم سكارى ) يدل على أن المراد مواضع الصلاة. ولا مانع من اعتبار كل واحد منهما مع قيده الدال عليه. ويكون ذلك بمنزلة نهيين مقيد كل واحد منهما بقيد. وهما :لا تقربوا الصلاة التي هي ذات الأذكار والأركان وأنتم سكارى. ولا تقربوا مواضع الصلاة حال كونكم جنبا إلا حال عبوركم المسجد من جانب إلى جانب. وغاية ما يقال في هذا انه من الجمع بين الحقيقة والمجاز. وهو جائز بتأويل مشهور.
وقال ابن جرير١٠ ( بعد حكايته للتأويلين ) :وأولى القولين بالتأويل لذلك، تأويل من تأوله / ( ولا جنبا إلا عابري سبيل )، إلا مجتازي طريق فيه. وذلك أنه قد بين حكم المسافر إذا عدم الماء. وهو جنب، في قوله :( وان كنتم مرضى أو على سفر ) إلى آخره. فكان معلوما بذلك أن قوله :( ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ) لو كان معنيا به المسافر لم يكن لإعادة ذكره في قوله :( وان كنتم مرضى أو على سفر ) معنى مفهوم. وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك.
وإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الآية :يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة، مصلين فيها، وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا تقربوها أيضا حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل.
قال :و ( العابر السبيل ) المجتازه مرا وقطعا. يقال منه :عبرت هذا الطريق فأنا أعبره عبرا وعبورا. ومنه قيل :عبر فلان النهر إذا قطعه وجازه. ومنه قيل، للناقة القوية على الأسفار :هي عبر أسفار. وعبر أسفار، لقوتها على الأسفار. اه.
قال ابن كثير :وهذا الذي نصره ( يعني ابن جرير ) هو قول الجمهور وهو الظاهر من الآية. وكأنه تعالى نهى عن تعاطي الصلاة على هيئة ناقصة تناقض مقصودها. وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة وهي الجنابة المباعدة للصلاة ولمحلها أيضا. والله أعلم.
وقوله تعالى :( حتى تغتسلوا ) غاية للنهي عن قربان الصلاة ومواضعها، حال الجنابة. والمعنى :لا تقربوها حال الجنابة حتى تغتسلوا. إلا حال عبوركم السبيل.
تنبيهات
الأول :في الآية تحريم الصلاة على السكران حال سكره حتى يصحو. وبطلانها وبطلان الاقتداء به. وعلى الجنب حتى يغتسل إلا أن يكون مسافرا. فيباح له التيمم.
الثاني :تمسك بالآية من قال :إن طلاق السكران لا يقع لأنه إذا لم يعلم ما يقوله انتفى القصد. وبه قال عثمان بن عفان وابن عباس وطاووس وعطاء والقاسم وربيعة والليث بن سعد / واسحاق وأبو ثور والمزني واختاره الطحاوي. والمسألة مبسوطة في ( زاد المعاد ) للإمام ابن القيم.
الثالث :في الآية دليل على أن ردة السكران ليست بردة :لأن قراءة سورة الكافرين، بطرح اللاءات، كفر. ولم يحكم بكفره حتى خاطبهم باسم الإيمان. وما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتفريق بينه وبين امرأته. ولا بتجديد الإيمان. ولأن الأمة اجتمعت على أن من أجرى كلمة الكفر على لسانه مخطئا، لا يحكم بكفره. قاله النسفي.
الرابع :استدل بأحد التأويلين السابقين على تحريم دخول المسجد على السكران. لما يتوقع منه من التلويث وفحش القول. فيقاس به كل ذي نجاسة يخشى منها التلويث والسباب ونحوه. كذا في ( الاكليل ).
الخامس :استدل ابن الفرس بتوجيه الخطاب لهم في الآية على تكليف السكران ودخوله تحت الخطاب. وفيه نظر. لأن الخطاب عام لكل مؤمن. وعلى تقدير أنه قصد به الذين صلوا في حال السكر، فإنما نزل بعد صحوهم. كذا في ( الاكليل ).
السادس :في قوله تعالى :( حتى تغتسلوا ) رد على من أباح جلوس الجنب مطلقا إذا توضأ. لأن الله تعالى جعل غاية التحريم الغسل. فلا يقوم مقامه الوضوء. كذا في ( الاكليل ).
أقول :انما يكون هذا حجة لو كانت الآية نصا في تأويل واحد. وحيث تطرق الاحتمال لها، على ما رأيت، فلا.
وقد تمسك المبيح، وهو الإمام أحمد، بما روى هو وسعيد بن منصور في ( سننه ) بسند صحيح، أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك.
قال سعيد بن منصور في ( سننه ) :حدثنا عبد العزيز بن محمد، هو الدراوردي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار قال :" رأيت رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون، إذا توضؤوا وضوء الصلاة ".
قال ابن كثير :وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
السابع :قال العلامة أبو السعود :لعل تقديم الاستثناء على قوله :( حتى تغتسلوا ) للايذان، من أول الأمر، بأن حكم النهي في هذه الصورة ليس على الإطلاق، كما في صورة السكر، تشويقا إلى البيان، وروما لزيادة تقرره في الأذهان.
الثامن :قال أيضا :في الآية الكريمة إشارة إلى أن المصلي حقه أن يتحرز عما يلهيه ويشغل قلبه، وأن يزكي نفسه عما يدنسها، ولا يكتفي بأدنى مراتب التزكية، عند إمكان أعاليها.
التاسع :أشعر قوله تعالى :( حتى تعلموا ما تقولون ) بالنهي عن الصلاة حال النعاس. كما روى الإمام أحمد والبخاري١١ والنسائي عن أنس قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف ولينم حتى يعلم ما يقول ". وفي رواية :" فلعله يذهب يستغفر فيسب نفسه ".
وقد روى ابن جرير١٢ عن الضحاك في الآية قال :لم يعن بها سكر الخمر. وإنما عنى بها سكر الن
١ |٢/ البقرة/ ٢١٩| ونصها: ( *يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما اثم كبير ومنافع للناس واثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ما ذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون٢١٩)..
٢ |٥/ المائدة/ ٩٠ و٩١| ونص الآية ٩١: (انما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون٩١)..
٣ أخرجه في: ٢٥ –كتاب الأشربة، ١ –باب في تحريم الخمر، حديث ٣٦٧٠..
٤ أخرجه مسلم في: ٤٤ –كتاب فضائل الصحابة، حديث ٤٣ (طبعتنا)..
٥ أخرجه في: ٢٥ –كتاب الأشربة، ١ –باب في تحريم الخمر، حديث ٣٦٧١..
٦ أخرجه الترمذي في: ٤٤ –كتاب التفسير، ٤ –سورة النساء، ١٢ –حدثنا سويد..
٧ الأثر رقم ٩٥٦٧ من التفسير..
٨ أخرجه البخاري في: ٦٢ –كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ٣ –باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "سدوا الأبواب الا باب أبي بكر، حديث ٣١١ ونصه:
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، وقال: "ان الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله" قال فبكى أبو بكر. فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خير، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ان من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر. ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر. ولكن أخوة الاسلام ومودته لا يبقين في المسجد باب الا سد. الا باب أبي بكر"..

٩ أخرجه في المسند بالصفحة ١٤٦ من الجزء الخامس (طبعة الحلبي) وهاكموه بنصه لنفاسته:
عن رجل من بني عامر قال: كنت كافرا فهداني الله للاسلام. وكنت أعزب عن الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة. فوقع ذلك في نفسي. وقد نعت لي أبو ذر. فحججت فدخلت مسجد منى، فعرفته بالنعت. فاذا شيخ معروق آدم عليه حلة قطري. فذهبت حتى قمت الى جنبه وهو يصلي. فسلمت عليه فلم يرد علي. ثم صلى صلاة أتمها وأحسنها وأطولها. فلما فرغ رد علي. قلت: أنت أبو ذر؟ قال: ان أهلي ليزعمون ذلك. قال: كنت كافرا فهداني الله للاسلام وأهمني ديني، وكنت أعزب عن الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة. فوقع ذلك في نفسي. قال: أتعرف أبا ذر؟ قلت: نعم. قال: فاني اجتويت المدينة، فأمر لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود من ابل وغنم. فكنت أكون فيها. فكنت أعزب عن الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة. فوقع في نفسي أنى قد هلكت. فقعدت على بعير منها. فانتهيت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم نصف النهار وهو جالس في ظل المجلس في نفر من أصحابه فنزلت عن البعير وقلت: يا رسول الله! هلكت. قال: "وما أهلكك"؟ فحدثته فضحك. فدعا انسانا من أهله. فجاءت جارية سوداء بعس فيه ماء، ما هو بملآن، انه ليتخضخض. فاستترت بالبعير. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من القوم فسترني. فاغتسلت ثم أتيته. فقال: 'ان الصعيد الطيب طهور، ما لم تجد الماء، ولو الى عشر حجج. فاذا وجدت اماء فأمس بشرتك"..

١٠ تفسير ابن جرير، جزء ثامن، صفحة ٣٨٤ (طبعة المعارف)..
١١ هذا النص حديث أنس الذي أخرجه البخاري في: ٤ –كتاب الوضوء، ٥٣ èباب الوضوء من النوم، حديث ١٦٤ ونصه:
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اذا نعس أحدكم في الصلاة فلينم حتى يعلم ما يقرأ".
وهذا نص حديث عائشة الذي أخرجه البخاري في الباب نفسه، حديث ١٦١.
"اذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فان أحدكم اذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه".
وقريب منه في المسند بالصفحة ٥٦ من الجزء السادس (طبعة الحلبي)..

١٢ الأثر رقم ٩٥٣٤..
وقوله تعالى :
( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل٤٤ ).
( ألم تر ) من رؤية القلب. وضمن معنى الانتهاء. أي :ألم ينته علمك اليهم. أو من رؤية البصر. أي :ألم تنظر ( الى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ) أي حظا من علم التوراة. وهم أحبار اليهود. قال العلامة أبو السعود :المراد بالذي أوتوه، ما بين لهم فيها من الأحكام والعلوم التي من جملتها ما علموه من نعوت النبي صلى الله عليه وسلم وحقية الاسلام. والتعبير عنه بالنصيب، / المنبئ عن كونه حقا من حقوقهم، التي يجب مراعاتها والمحافظة عليها، للايذان بكمال ركاكة آرائهم حيث ضيعوه تضييعا. وتنوينه تفخيمي مؤيد للتشنيع عليهم، والتعجيب من حالهم. فالتعبير عنهم بالوصول للتنبيه بما في حيز الصلة على كمال شناعتهم. والاشعار بمكان ما طوى ذكره في المعاملة المحكية عنهم من الهدى الذي هو أحد العوضين ( يشترون الضلالة ) وهو البقاء على اليهودية، بعد وضوح الآيات لهم على صحة نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه هو النبي المبشر به في التوراة والانجيل. أي يأخذون الضلالة ويتركون ما أوتوه من الهدى ليشتروا ثمنا قليلا من حطام الدنيا.
وانما طوى ذكر المتروك لغاية ظهور الأمر. لاسيما بعد الإشعار المذكور. والتعبير عن ذلك بالاشتراء، الذي هو عبارة عن استبدال السلعة بالثمن، أي أخذها بدلا منه، أخذا ناشئا عن الرغبة فيها والإعراض عنه – للإيذان بكمال رغبتهم في الضلالة، التي حقها أن يعرض عنها كل الإعراض. وإعراضهم عن الهداية التي يتنافس فيها المتنافسون. وفيه من التسجيل على نهاية سخافة عقولهم، وغاية ركاكة آرائهم – ما لا يخفى. حيث صورت حالهم بصورة ما لا يكاد يتعاطاه أحد ممن له أدنى تمييز. قاله أبو السعود :( ويريدون أن تضلوا السبيل ) أي لا يكتفون بضلال أنفسهم بل يريدون بما فعلوا، من كتمان نعوته صلى الله عليه وسلم، أن تضلوا أيها المؤمنون سبيل الحق كما ضلوا، ويودون لو تكفرون بما أنزل عليكم من الهدى والعلم النافع.
( والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا٤٥ ).
( والله أعلم ) أي منكم ( بأعدائكم ) أي وقد أخبركم بعداوتهم لكم، وما يريدون بكم، فاحذروهم. ولا تستنصحوهم في أموركم، ولا تستشيروهم ( وكفى بالله وليا ) يلي أموركم ( وكفى بالله نصيرا ) ينصركم. أي :فثقوا بولايته ونصرته دونهم. / ولا تتولوا غيره. أو :ولا تبالوا بهم وبما يسومونكم من السوء. فانه تعالى يكفيكم مكرهم وشرهم. ففيه وعد ووعيد.
( من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا٤٦ )
( من الذين هادوا ) بيان للموصول وهو ( الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ) فانه متناول لأهل الكتابين. وقد وسط بينهما ما وسط لمزيد الاعتناء ببيان محل التشنيع والتعجيب والمسارعة إلى تنفير المؤمنين منهم، وتحذيرهم عن مخالطتهم، والاهتمام بحملهم على الثقة بالله عز وجل، والاكتفاء بولايته ونصرته. وقوله تعالى :( يحرفون الكلم عن مواضعه ) هو وما عطف عليه بيان لاشترائهم المذكور، وتفصيل لفنون ضلالهم. فقد روعيت في النظم الكريم طريقة التفسير بعد الابهام، والتفصيل اثر الاجمال. روما لزيادة تقرير يقتضيه الحال. أفاده أبو السعود.
قال الإمام ابن كثير :قوله :( يحرفون الكلم عن مواضعه ) أي يتناولونه على غير تأويله، ويفسرونه بغير مراد الله عز وجل، قصدا منهم وافتراء.
وقال العلامة الرازي :في كيفية التحريف وجوه :
أحدها :انهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظ آخر. ثم قال :
والثاني :أن المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة والتأويلات الفاسدة وصرف اللفظ من معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه الحيل اللفظية. كما يفعله أهل البدعة في زماننا هذا، بالآيات المخالفة لمذاهبهم، وهذا هو الأصح.
والثالث :أنهم كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم، ويسألونه عن أمر فيخبرهم ليأخذوا به. فاذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه. انتهى.
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في ( اغاثة اللهفان ) :قد اختلف في التوراة التي بأيديهم. هل هي مبدلة أم التبديل وقع في التأويل دون التنزيل ؟ على ثلاثة أقوال :قالت طائفة :كلها أو أكثرها مبدل. وغلا بعضهم حتى قال :يجوز الاستجمار بها. وقالت طائفة من أئمة الحديث والفقه والكلام :انما وقع التبديل في التأويل. قال البخاري١ في ( صحيحه ) :يحرفون يزيلون. وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله. ولكنهم يتأولونه على غير تأويله. وهو اختيار الرازي أيضا.
وسمعت شيخنا يقول :وقع النزاع بين الفضلاء. فأجاز هذا المذهب ووهى غيره. فأنكر عليه. فأظهر خمسة عشر نقلا به. ومن حجة هؤلاء، أن التوراة قد طبقت مشارق الأرض ومغاربها. وانتشرت جنوبا وشمالا. ولا يعلم عدد نسخها إلا الله. فيمتنع التواطؤ على التبديل والتغيير في جميع تلك النسخ، حتى لا تبقى في الأرض نسخة إلا مبدلة. وهذا مما يحيله العقل. قالوا :وقد قال الله لنبيه :( قل فأتوا بالتوراة فاتلوها ان كنتم صادقين ) قالوا :وقد اتفقوا على ترك فريضة الرجم. ولم يمكنهم تغييرها من التوراة. ولذا لما قرؤوها على النبي صلى الله عليه وسلم وضع القارئ يده على آية الرجم. فقال له عبد الله بن سلام :ارفع يدك فرفعها فاذا هي تلوح تحتها. وتوسطت طائفة فقالوا :قد زيد فيها وغير أشياء يسيرة جدا. واختاره شيخنا في ( الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ) قال :وهذا كما في التوراة عندهم :ان الله سبحانه قال لابراهيم :اذبح ابنك بكرك أو وحيدك، اسحاق. ثم قال :قلت والزيادة باطلة من وجوه عشرة. ثم ساقها فارجع اليه. وقد نقلها عنه هنا الإمام صديق خان. فانظره في تفسيره ( فتح الرحمن ).
لطيفة :
قال الزمخشري :فان قلت :كيف قيل ههنا ( عن مواضعه ) وفي المائدة ( من بعد مواضعه ) ؟ قلت :أما ( عن مواضعه ) فعلى ما فسرنا من إزالته عن مواضعه التي أوجبت حكمة الله وضعه فيها، بما اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه. وأما ( من بعد مواضعه ) فالمعنى أنه كانت له مواضع، هو قمن بأن يكون فيها. فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقاره. والمعنيان متقاربان.
وقال الرازي :ذكر الله تعالى ههنا ( عن مواضعه ) وفي المائدة ( من بعد مواضعه ) والفرق :أنا إذا فسرنا التحريف بالتأويلات الباطلة، فههنا قوله :( يحرفون الكلم عن مواضعه ) معناه أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص. وليس فيه بيان أنهم يخرجون تلك اللفظة من الكتاب. وأما الآية المذكورة في سورة المائدة، فهي دالة على أنهم جمعوا بين الأمرين. فكانوا يذكرون التأويلات الفاسدة وكانوا يخرجون اللفظ أيضا من الكتاب. فقوله :( يحرفون الكلم ) إشارة إلى التأويل الباطل. وقوله :( من بعد مواضعه ) إشارة إلى إخراجه عن الكتاب.
وقال الناصر في ( الانتصاف ) :الظاهر أن الكلم المحرف إنما أريد به، في هذه الصورة، مثل ( غير مسمع ) و ( راعنا ) ) ولم يقصد ههنا تبديل الأحكام. وتوسطها بين الكلمتين، بين قوله :( يحرفون ) وبين قوله :( ليا بألسنتهم ) والمراد تحريف مشاهد بين على أن المحرف هما وأمثالهما. وأما في سورة المائدة فالظاهر، والله أعلم، أن المراد فيها ب ( الكلم ) الأحكام. وتحريفها تبديلها. كتبديلهم الرجم بالجلد. ألا تراه عقبه بقوله :( يقولون ان أوتيتم هذا فخذوه وان لم تؤتوه فاحذروا ) ؟ ولاختلاف المراد بالكلم في السورتين. قيل في سورة المائدة :( يحرفون الكلم من بعد مواضعه ). أي ينقلونه عن الموضع الذي وضعه الله فيه، فصار وطنه ومستقره، إلى غير الموضع. فبقي كالغريب المتأسف عليه يقال فيه هذا غريب من بعد مواضعه ومقاره. ولا يوجد هذا المعنى في مثل ( راعنا ) و ( غير مسمع ) وان وجد / على بعد فليس الوضع اللغوي مما يعبأ بانتقاله عن موضعه كالوضع الشرعي. ولولا اشتمال هذا النقل على الهزء والسخرية لما عظم أمره. فلذلك جاء هنا ( يحرفون الكلم عن مواضعه ) غير مقرون بما قرن به الأول من صورة التأسف. والله أعلم. انتهى.
قال العلامة أبو السعود :والمراد بالتحريف ههنا، اما ما في التوراة خاصة واما ما هو أعم منه، ومما سيحكى عنهم من الكلمات المعهودة الصادرة عنهم في أثناء المحاورة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا مساغ لإرادة تلك الكلمات خاصة بأن يجعل عطف قوله تعالى :( ويقولون سمعنا وعصينا ) وما بعده، على ما قبله عطفا تفسيريا. لأنه يستدعي اختصاص حكم الشرطية الآتية وما بعدها بهن من غير تعرض لتحريفهم التوراة. مع أنه معظم جناياتهم المعدودة فقولهم :( سمعنا وعصينا ) ينبغي أن يجري على اطلاقه من غير تقييد بزمان أو مكان ولا تخصيص بمادة دون مادة. بل وأن يحمل على ما هو أعم من القول الحقيقي ومما يترجم عنه عنادهم ومكابرتهم. أي يقولون في كل أمر مخالف لأهوائهم الفاسدة سواء بمحضر النبي صلى الله عليه وسلم أولا، بلسان المقال أو الحال :( سمعنا وعصينا ) عنادا أو تحقيقا للمخالفة. انتهى.
قال ابن كثير :ويقولون سمعنا أي :سمعنا ما قلته يا محمد ولا نعطيك فيه. هكذا فسره مجاهد وابن زيد، وهو المراد. وهذا أبلغ في كفرهم وعنادهم وأنهم يتولون عن كتاب الله بعد ما عقلوه وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من الاثم والعقوبة. ( واسمع غير مسمع ) عطف على ( سمعنا وعصينا ) داخل تحت القول أي :ويقولون ذلك في أثناء مخاطبته عليه الصلاة والسلام خاصة. وهو كلام ذو وجهين محتمل للشر. بأن يحمل على معنى ( اسمع )، حال كونك غير مسمع كلاما أصلا. بصمم أو موت. أي مدعوا عليك بلا سمعت. أو غير مسمع كلاما ترضاه. وللخير بأن يحمل على :اسمع منا غير مسمع مكروها. كانوا يخاطبون به النبي صلى الله عليه وسلم استهزاء به ( عليهم اللعنة ) مظهرين له ارادة المعنى الأخير وهم مضمرون المعنى الأول مطمئنون به ( وراعنا ) عطف على ما قبله. أي ويقولون في أثناء خطابهم له صلى الله عليه وسلم هذا أيضا. وهي كلمة ذات وجهين أيضا محتملة للخير / بحملها على معنى ارقبنا وانظرنا نكلمك. وللشر بحملها على شبه كلمة عبرانية كانوا يتسابون بها. أو على السب بالرعونة أي الحمق. وبالجملة فكانوا، سخرية بالدين وهزؤا برسول الله صلى الله عليه وسلم، يكلمونه بكلام محتمل ينوون به الشتيمة والاهانة ويظهرون به التوقير والاكرام ( ليا بألسنتهم ) أي فتلا بها وصرفا للكلام من وجه إلى وجه وتحريفا. أي يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل حيث يضعون ( راعنا ) موضع ( انظرنا ) و ( غير مسمع ) موضع ( لا أسمعت مكروها ) أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقا. فان قلت :كيف جاؤوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعد ما صرحوا وقالوا :( سمعنا وعصينا ) ؟ قلت :جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان ولا يواجهونه بالسب ودعاء السوء. ويجوز أن يقولوه فيما بينهم ويجوز أن لا ينطقوا بذلك ولكنهم لما لم يؤمنوا جعلوا كأنهم نطقوا به. كذا في ( الكشاف ).
وأصل ( ليا ) لأنه من لويت أدغمت الواو في الياء لسبقها بالسكون. ومثله ( الطي ) ( وطعنا في الدين ) أي قدحا فيه بالاستهزاء والسخرية وانتصابهما على العلية ل ( يقولون ) باعتبار تعلقه بالقولين الأخيرين. أي يقولون ذلك لصرف الكلام عن وجهه إلى السب والطعن في الدين. أو على الحالية. أي :لاوين وطاعنين في الدين. أفاده أبو السعود.
( ولو أنهم قالوا ) أي عند ما سمعوا ما يتلى عليهم من أوامره تعالى ( سمعنا وأطعنا ) أي بدل قولهم :( سمعنا وعصينا ) والقول هنا كسابقه أعم من أن يكون بلسان المقال أو بلسان الحال ( واسمع ) أي لو قالوا عند النبي صلى الله عليه وسلم بدل قولهم :( اسمع ) فقط بلا زيادة ( غير مسمع ) المحتمل للشر ( وانظرنا ) يعني بدل قولهم :( راعنا ) المحتمل للمعنى الفاسد كما سلف ( لكان خيرا لهم وأقوم ) في الدنيا بحقن دمائهم وأموالهم وعلو رتبتهم باحاطة الكتب السماوية. وفي الآخرة بضعف الثواب. أفاده المهايمي.
قال أبو السعود :وصيغة التفضيل – اما على بابها واعتبار أصل الفضل في المفضل عليه بناء على اعتقادهم. أو بطريق التهكم. واما بمعنى اسم الفاعل ( ولكن لعنهم الله بكفرهم ) / أي :ولكن لم يقولوا ذلك واستمروا على كفرهم فطردهم الله عن رحمته وأبعدهم عن الهدى، بسبب كفرهم ( فلا يؤمنون إلا قليلا ) منصوب على الاستثناء من ( لعنهم ) أي ولكن لعنهم الله إلا فريقا قليلا منهم. آمنوا فلم يلعنوا. أو على الوصفية لمصدر محذوف. أي :إلا ايمانا قليلا أي ضعيفا ركيكا لا يعبأ به. فانهم كانوا يؤمنون بالله والتوراة وموسى، ويكفرون ببقية المرسلين وكتبهم المنزلة. ورجح أبو علي الفارسي هذا. قال :لأن ( قليلا ) لفظ مفرد :ولو أريد به ( ناس ) لجمع نحو قوله :( ان هؤلاء لشرذمة قليلون ) ٢. ويمكن أن يجاب عنه بأنه قد جاء فعيل مفردا. والمراد به الجمع قال تعالى :( وحسن أولئك رفيقا ) ٣. وقال :( ولا يسأل حميم حميما يبصرونهم ) ٤. أفاده الرازي. وقد يجوز على هذا أن يراد بالقلة العدم بالكلية. كقوله٥ : :
قليل التشكي للمهم يصيبه *** كثير الهوى شتى النوى والمسالك
أي هو كثير الهم مختلف الوجوه والطرق لا يقف أمله على فن واحد بل يتجاوزه إلى فنون مختلفة. صبور على النوائب لا يكاد يتشكى منها. فاستعمل لفظ ( قليل ) وأراد به نفي الكل. أو منصوب على الاستثناء من فاعل ( لا يؤمنون ) أي :فلا يؤمن منهم إلا نفر قليل. وأما قول الخفاجي :كان الوجه فيه الرفع على البدل لأنه من كلام غير موجب. وأبي السعود :بأن فيه نسبة القراء إلى الاتفاق على غير المختار – فمردود بأن النصب عربي جيد. وقد قرئ
١ أخرجه البخاري في: ٩٧ –كتاب التوحيد، ٥٥ –باب قوله الله تعالى: (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ)..
٢ |٢٦/ الشعراء/ ٥٤|..
٣ |٤/ النساء/ ٢٩| ونصها: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا٢٩)..
٤ |٧٠/ المعارج/ ١٠|..
٥ قائله تأبط شرا، حماسة أبي تمام رقم ١٣. ومطلعها:
اني لمهد من ثنائي فقاصد به لابن عم الصدق شمس بن مالك
قال المرزوقي في شرح البيت:
المهم يجوز أن يكون من الهم الذي هو الحزن، ويجوز أن يكون من الهم الذي هو القصد. يقول: هو صبور على النوائب والعلات، لا يكاد يتألم مما يعروه من الملمات. واستعمل لفظ (القليل) والقصد الى نفي الكل. وهذا كما يقال: فلان قليل الاكثرات بوعيد فلان، والمعنى: لا يكثرت. وعلى ذلك قولهم: قل رجل يقول كذا، وأقل رجل يقول كذا، والمعنى معنى النفي.
وقوله: (كثر الهوى) طابق القليل بقوله: (كثير) من حيث اللفظ، لا أنه أثبت بالأول شيئا نزرا فقابله بكثير..

( يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا٤٧ ).
( يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا ) يعني القرآن ( مصدقا لما معكم ) / أي موافقا للتوراة ( من قبل أن نطمس وجوها ) أي نمحو تخطيط صورها من عين وحاجب وأنف وفم. وقال العوفي عن ابن عباس :" طمسها أن تعمى " ( فنردها على أدبارها ) أي فنجعلها على هيئة أدبارها وهي الأقفاء مطموسة مثلها جزاء على الكفر. فالفاء للتسبيب. أو ننكسها بعد الطمس فنردها إلى موضع الأقفاء والأقفاء إلى موضعها. وقد اكتفى بذكر أشدهما. فالفاء للتعقيب.
قال الرازي :وهذا المعنى انما جعله الله عقوبة لما فيه من التشويه في الخلقة والمثلة والفضيحة. لأن عند ذلك يعظم الغم والحسرة ( أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت ) أي :أو نفعل بهم أبلغ من ذلك. وهو أن نطردهم عن الانسانية بالمسخ الكلي جزاء على اعتدائهم بترك الإيمان. كما أخزينا به أوائلهم أصحاب السبت جزاء على اعتدائهم على السبت بالحيلة على الاصطياد. فمسخناهم قردة ( وكان أمر الله ) أي ما أمر به ( مفعولا ) أي نافذا كائنا لا محالة. هذا وفي الآية تأويل آخر. وهو ان المراد من طمس الوجوه مجازه. وهو صرفهم عن الحق وردهم إلى الباطل ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سبيل الضلالة. يهرعون ويمشون القهقرى على أدبارهم.
قال ابن كثير :وهذا كما قال بعضهم في قوله تعالى :( انا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون * وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ) ١ :أي هذا مثل سوء ضربه الله لهم في ضلالهم ومنعهم عن الهدى. قال مجاهد :( من قبل أن نطمس وجوها )، يقول :عن صراط الحق. ( فنردها على أدبارها )، أي في الضلال. قال ابن أبي حاتم :وروي عن ابن عباس والحسن نحو هذا. قال السدي :( فنردها على أدبارها ) :فنمنعها عن الحق، نرجعها كفارا.
قال الرازي :والمقصود على هذا بيان القائها في أنواع الخذلان وظلمات الضلالات. ونظيره قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم * واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون )٢. تحقيق القول فيه أن الإنسان في مبدأ خلقته ألف هذا العالم المحسوس. ثم انه عند الفكر والعبودية كأنه يسافر من عالم المحسوسات إلى عالم المعقولات. فقدامه عالم المعقولات، ووراءه عالم المحسوسات. فالمخذول هو الذي يرد عن قدامه إلى خلفه. كما قال تعالى في صفتهم :( ناكسوا رؤوسهم ) ٣. ثم قال الرازي :قال عبد الرحمن بن زيد :هذا الوعيد قد لحق اليهود ومضى. وتأول ذلك في اجلاء قريظة والنضير إلى الشام. فرد الله وجوههم على أدبارهم حين عادوا إلى أذرعات وأريحاء، من أرض الشام. كما جاؤوا منها و ( طمس الوجوه ) على هذا التأويل يحتمل معنيين :
أحدهما :تقبيح صورتهم. يقال :طمس الله صورته، كقوله :قبح الله وجهه.
والثاني :إزالة آثارهم عن بلاد العرب ومحو أحوالهم عنها. وثمة تأويل آخر. وهو :أن المراد بالوجوه الوجهاء. على أن الطمس بمعنى مطلق التغيير. أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم، فنسلب اقبالهم ووجهاتهم، ونكسوهم صغارا وإدبارا.
وقال بعضهم :الأظهر حمل قوله :( أو نلعنهم ) الخ على اللعن المتعارف. قال :ألا ترى إلى قوله تعالى :( قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير ) ٤. ففصل تعالى بين اللعن وبين مسخهم قردة وخنازير.
وأقول :لا يخفى أن جميع ما ذكر من التأويلات، غير الأول، لا يساعده مقام تشديد / الوعيد، وتعميم التهديد. فان المتبادر من اللفظ الحقيقة. ولا يصار إلى المجاز إلا إذا تعذر إرادتها. ولا تعذر هنا. كما أن المتبادر من اللعن، المشبه بلعن أصحاب السبت، هو المسخ. وهو الذي تقتضيه بلاغة التنزيل. إذ فيه الترقي إلى الوعيد الأفظع. ولا ننكر أن تكون هذه التأويلات مما يشمله لفظ الآية. وإنما البحث في دعوى إرادتها دون سابقها. فالحق أن المتبادر من النظم الكريم هو الأول. لأنه أدخل في الزجر. ويؤيده ما روي، أن كعب الأحبار أسلم حين سمع هذه الآية. رواه ابن جرير٥ وابن أبي حاتم ولفظه بعد إسناده :عن أبي إدريس عائذ الله الخولاني قال :" كان أبو مسلم الجليلي معلم كعب. وكان يلومه في ابطائه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال فبعثه إليه ينظر أهو هو ؟ قال كعب :فركبت حتى أتيت المدينة. فإذا تال يقرأ القرآن، يقول :( يا أيها الذين أتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها ). فاغتسلت، واني لأمس وجهي مخافة أن أطمس. ثم أسلمت ".
وروي، من غير طريق، نحوه أيضا.
فان قيل :قرينة المجاز عدم وقوع المتوعد به. فالجواب :أن عدم وقوعه لا يعين إرادة المجاز. إذ ليس في الآية دلالة على تحتم وقوعه ان لم يؤمنوا. ولو فهم منها فهما أوليا، لكان ايمانهم بعدها ايمان إلجاء واضطرار. وهو ينافي التكليف الشرعي. إذ لم تجر سنته تعالى بهذا. بل النظم الكريم في هذا المقام محتمل ابتداء للقطع بوقوع المتوعد به. ولوقوعه معلقا بأمره تعالى ومشيئته بذلك، وهو المراد. كما ينبئ عنه قوله تعالى :( وكان أمر الله مفعولا ) ٦ :أي ما يأمر به، ويريد وقوعه. وإذا كان الوعيد منوطا بأمره سبحانه، فله أن / يمضيه على حقيقته وله أن يصرفه لما هو أعلم به. إلا أن ورود نظم الآية بهذا الخطاب المتبادر في الوقوع غير المعلق، ليكون أدخل في الترهيب، ومزجرة عن مخالفة الأمر. هكذا ظهر لنا الآن. وهو أقرب مما نحاه المفسرون هنا من أن العقاب منتظر، أو، أنه مشروط بعدم الايمان. إلى غير ذلك. فقد زيفها جميعها العلامة أبو السعود. ثم اختار أن المراد من الوعيد الأخروي. قال :لأنه لم يتضح وقوعه. وهذا فيه بعد أيضا، لنبو مثل هذا الخطاب عن إرادة الوعيد الأخروي. لاسيما والجملة الثانية التي هددوا بها، أعني لعنهم كأصحاب السبت، كان عقابها دنيويا. فالوجه ما قررناه. وما أشبه هذه الآية، في وعيديها، بآية يس. أعني قوله تعالى :( ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون * ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون ) ٧. بل هذه عندي تفسير لتلك. والقرآن يفسر بعضه بعضا. فبرح الخفاء والحمد لله.
لطيفة :
الضمير في ( نلعنهم ) لأصحاب الوجوه. أو ( الذين ) على طريقة الالتفات أو ( للوجوه ) ان أريد بها الوجهاء.
١ |٣٦/ يس/ ٨ و٩|..
٢ |٨/ الأنفال/ ٢٤|..
٣ |٣٢/ السجدة/ ١٢| ونصها: (ولو ترى اذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا انا موقنون١٢)..
٤ |٥/ المائدة/ ٦٠| (...وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل٦٠)..
٥ الأثر رقم ٩٧٢٥..
٦ |٣٣/ الأحزاب/ ٣٧| ونصها: (واذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم اذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا٣٧)..
٧ |٣٦/ يس/ ٦٦ و٦٧|..
( ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى اثما عظيما٤٨ )
( ان الله لا يغفر أن يشرك به ) قال أبو السعود :كلام مستأنف مسوق لتقرير / ما قبله من الوعيد، وتأكيد وجوب الامتثال بالأمر بالإيمان، ببيان استحالة المغفرة بدونه. فإنهم كانوا يفعلون ما يفعلون من التحريف ويطمعون في المغفرة. كما في قوله تعالى :( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب ) ١. ( يأخذون عرض هذا الأدنى ) ( أي على التحريف ) ( ويقولون سيغفر لنا ). والمراد بالشرك مطلق الكفر المنتظم لكفر اليهود انتظاما أوليا. فان الشرع قد نص على إشراك أهل الكتاب قاطبة. وقضى بخلود أصناف الكفرة في النار. ونزوله في حق اليهود، كما قال مقاتل، وهو الأنسب بسياق النظم الكريم. وسياقه لا يقتضي اختصاصه بكفرهم، بل يكفي اندراجه فيه قطعا. بل لا وجه له أصلا. لاقتضائه جواز مغفرة ما دون كفرهم في الشدة من أنواع الكفر. أي لا يغفر الكفر لمن اتصف به بلا توبة وإيمان. لأن الحكمة التشريعية مقتضية لسد باب الكفر. وجواز مغفرته بلا ايمان مما يؤدي إلى فتحه. ولأن ظلمات الكفر والمعاصي إنما يسترها نور الإيمان. فمن لم يكن له ايمان لم يغفر له شيء من الكفر والمعاصي. انتهى.
قال الشهاب :الشرك يكون بمعنى اعتقاد أن لله شريكا، وبمعنى الكفر مطلقا، وهو المراد هنا. وقد صرح به في قوله تعالى في سورة ( لم يكن ) بقوله :( ان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها ) ٢. فلا يبقى شبهة في عمومه. انتهى.
وقال الرازي :هذه الآية دالة على أن اليهودي يسمى مشركا، في عرف الشرع. ويدل عليه وجهان :
الأول :أن الآية دالة على أن ما سوى الشرك مغفور. فلو كانت اليهودية مغايرة للشرك لوجب أن تكون مغفورة بحكم هذه الآية. وبالاجماع هي غير مغفورة. فدل على أنها داخلة / تحت اسم الشرك.
الثاني :ان اتصال هذه الآية بما قبلها، انما كان لأنها تتضمن تهديد اليهود. فلولا أن اليهودية داخلة تحت اسم الشرك، والا لم يكن الأمر كذلك. فان قيل :قوله تعالى :( ان الذين آمنوا والذين هادوا... ) إلى قوله :( والذين أشركوا ) ٣. فعطف المشرك على اليهودي، وذلك يقتضي المغايرة – قلنا المغايرة حاصلة بسبب المفهوم اللغوي. والاتحاد حاصل بسبب المفهوم الشرعي. ولا بد من المصير إلا ما ذكرناه، دفعا للتناقض. انتهى.
لطيفة :
قال أبو البقاء :الشرك أنواع :شرك الاستقلال وهو اثبات الهين مستقلين. كشرك المجوس. وشرك التبعيض، وهو تركيب الاله من آلهة كشرك النصارى. وشرك التقريب، وهو عبادة غير الله ليقرب إلى الله زلفى، كشرك متقدمي الجاهلية. وشرك التقليد، وهو عبادة غير الله تبعا للغير. كشرك متأخري الجاهلية. وشرك الأسباب. وهو اسناد التأثير للأسباب العادية، كشرك الفلاسفة والطبائعيين ومن تبعهم على ذلك. وشرك الأغراض. وهو العمل لغير الله. فحكم الأربعة الأولى الكفر بإجماع. وحكم السادس المعصية من غير كفر بإجماع. وحكم الخامس التفصيل. فمن قال في الأسباب العادية انها تؤثر بطبعها فقد حكي الإجماع على كفره. ومن قال انها تؤثر بقوة أودعها الله فيها فهو فاسق. انتهى. ( ويغفر ما دون ذلك ) أي ما دون الشرك من المعاصي، صغيرة كانت أو كبيرة ( لمن يشاء ) تفضلا منه واحسانا. قال ابن جرير٤ :وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة في مشيئة الله عز وجل. ان شاء / عفا عنه وان شاء عاقبه عليه. ما لم تكن كبيرته شركا بالله عز وجل اه. وظاهره أن المغفرة منه سبحانه تكون لمن اقتضته مشيئته تفضلا منه ورحمة. وان لم يقع من ذلك المذنب توبة. وقيد ذلك المعتزلة بالتوبة. وقد تقدم قوله تعالى :( ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ). ٥ وهي تدل على أن الله سبحانه يغفر سيئات من اجتنب الكبائر. فيكون مجتنب الكبائر ممن قد شاء الله غفران سيئاته. ولذا قال الرازي :هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على العفو عن أصحاب الكبائر. ثم جود وجوه الاستدلال. ومنها :أن ما سوى الشرك يدخل فيه الكبيرة قبل التوبة. ومنها أن غفران الكبيرة بعد التوبة وغفران الصغيرة مقطوع به وغير معلق على المشيئة. فوجب أن يكون الغفران المذكور، في هذه الآية، هو غفران الكبيرة قبل التوبة. وهو المطلوب.
وأول الزمخشري هذه الآية على مذهبه :بأن الفعل المنفي والمثبت جميعا، موجهان إلى قوله تعالى :( لمن يشاء ) على قاعدة التنازع. كأنه قيل :ان الله لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك. على أن المراد بالأول من لم يتب وبالثاني من تاب. قال :ونظيره قولك :ان الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء. تريد لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله، ويبذل القنطار لمن يستأهله. انتهى.
قال ناصر الدين في ( الانتصاف ) :عقيدة أهل السنة أن الشرك غير مغفور البتة. وما دونه من الكبائر مغفور لمن يشاء الله أن يغفره له. هذا مع عدم التوبة. وأما مع التوبة فكلاهما مغفور. والآية انما وردت فيمن لم يتب ولم يذكر فيها توبة كما ترى. فلذلك أطلق الله تعالى نفي مغفرة الشرك وأثبت مغفرة ما دونه مقرونة بالمشيئة، كما ترى. فهذا وجه انطباق الآية على عقيدة أهل السنة. وأما القدرية فانهم يظنون التسوية بين الشرك وبين ما دونه من الكبائر. في أن كل واحد من النوعين لا يغفر بدون التوبة، ولا شاء الله أن يغفرهما إلا للتائبين. فاذا / عرض الزمخشري هذا المعتقد على هذه الآية ردته ونبت عنه. إذ المغفرة منفية فيها عن الشرك وثابتة لما دونه مقرونة بالمشيئة فأما أن يكون المراد فيهما من لم يتب، فلا وجه للتفصيل بينهما بتعليق المغفرة في أحدهما بالمشيئة وتعليقها بالآخر مطلقا. إذ هما سيان في استحالة المغفرة. وأما أن يكون المراد فيهما التائب فقد قال في الشرك انه ( لا يغفر ) والتائب من الشرك مغفور له. وعند ذلك أخذ الزمخشري بقطع أحدهما عن الآخر. فيجعل المراد مع الشرك عدم التوبة ومع الكبائر التوبة. حتى تنزل الآية على وفق معتقده فيحملها أمرين لا تحمل واحدا منهما :
أحدهما :اضافة التوبة إلى المشيئة وهي غير مذكورة ولا دليل عليها فيما ذكر. وأيضا لو كانت مرادة لكانت هي السبب الموجب للمغفرة على زعمهم عقلا. ولا يمكن تعلق المشيئة بخلافها على ظنهم في العقل. فكيف يليق السكوت عن ذكر ما هو العمدة والموجب، وذكر ما لا مدخل له على هذا المعتقد الرديء ؟
الثاني :أنه بعد تقريره التوبة احتكم فقدرها على أحد القسمين دون الآخر. وما هذا إلا من جعل القرآن تبعا للرأي. نعوذ بالله من ذلك.
واما القدرية فهم بهذا المعتقد يقع عليه بهم المثل السائر ( السيد يعطي والعبد يمنع ). لأن الله تعالى يصرح كرمه بالمغفرة للمصر على الكبائر، ان شاء. وهم يدفعون في وجه هذا التصريح ويحيلون المغفرة بناء على قاعدة الأصلح والصلاح، التي هي بالفساد أجدر وأحق. انتهى.
فائدة :
وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة :
الأول :عن عائشة٦ قالت :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الدواوين عند الله عز وجل ثلاثة :ديوان لا يعبأ الله به شيئا. وديوان لا يترك الله منه شيئا. وديوان لا يغفره الله. فأما الديوان / الذي لا يغفره الله فالشرك بالله. قال الله عز وجل :( ان الله لا يغفر أن يشرك به ) الآية. وقال :( انه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ) ٧. وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا، فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه، أو صلاة تركها. فان الله عز وجل يغفر ذلك ويتجاوز، ان شاء. وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا، فظلم العباد بعضهم بعضا، القصاص لا محالة ". رواه الإمام أحمد. وقد تفرد به.
الثاني :عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" الظلم ثلاثة :فظلم لا يغفره الله. وظلم يغفره الله. وظلم لا يترك الله منه شيئا. فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك. وقال :( ان الشرك لظلم عظيم ) ٨. وأما الظلم الذي يغفره الله، فظلم العباد لأنفسهم، فيما بينهم وبين ربهم. وأما الظلم الذي لا يتركه، فظلم العباد بعضهم بعضا حتى يدين لبعضهم من بعض ". رواه أبو بكر البزار في ( مسنده ).
الثالث :عن معاوية قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" كل ذنب عسى الله أن يغفره. إلا الرجل يموت كافرا. أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا ". رواه الإمام أحمد٩ والنسائي.
الرابع :عن أبي ذر١٠ :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" ما من عبد قال :لا اله إلا الله، / ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة. قلت :وان زنى وان سرق ؟ قال :وان زنى وان سرق. قلت :وان زنى وان سرق ؟ قال :وان زنى وان سرق ( ثلاثا ) ثم قال في الرابعة :على رغم أنف أبي ذر.
قال فخرج أبو ذر وهو يجر ازاره وهو يقول :وان رغم أنف أبي ذر.
وكان أبو ذر يحدث بهذا بعد ويقول :وان رغم أنف أبي ذر ". أخرجه الإمام أحمد والشيخان.
وفي رواية لهما عن أبي ذر :قال صلى الله عليه وسلم :" قال لي جبريل :بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. قلت :يا جبريل ! وان سرق وان زنى ؟ قال :نعم. قلت :وان سرق وان زنى ؟ قال :نعم. قلت :وان سرق وان زنى ؟ قال :نعم. وان شرب الخمر ".
الخامس :عن جابر قال :" جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :يا رسول الله ! ما الموجبتان ؟ قال :من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. ومن مات يشرك به دخل النار ". أخرجه مسلم١١ وعبد بن حميد في ( مسنده ).
السادس :عن أبي سعيد الخدري١٢ قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ". رواه الإمام أحمد.
السابع :عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" قال الله عز وجل :من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي ". رواه الطبراني.
الثامن :عن أنس قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجزه له. ومن توعده على عمل عقابا، فهو فيه بالخيار ". رواه البزار وأبو يعلى.
التاسع :عن ابن عمر، قال :" كنا، معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لا نشك في قاتل النفس، / وآكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم، حتى نزلت هذه الآية :( ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء )، فأمسكنا عن الشهادة ". رواه ابن أبي حاتم وابن جرير١٣.
وفي رواية لابن أبي حاتم :" فلما سمعناها كففنا عن الشهادة وأرجينا الأمور إلى الله عز وجل ".
العاشر :عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال :" ما في القرآن أحب إلي من هذه الآية :( ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) ". رواه الترمذي١٤ وقال :حديث حسن غريب.
الحادي عشر :عن أنس١٥ رضي الله عنه قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" قال الله تعالى :يا ابن آدم ! انك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي. يا ابن آدم ! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي. يا ابن آدم ! انك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة ". رواه الترمذي وقال :حديث حسن غريب. لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
١ |٧/ الأعراف/ ١٦٩| (...وان يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله الا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون١٦٩)..
٢ |٩٨/ البينة/ ٦| (...أولئك هم شر البرية٦)..
٣ |٢٢/ الحج/ ١٧| ونصها: (ان الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا ان الله يفصل بينهم يوم القيامة ان الله على كل شيء شهيد١٧)..
٤ الصفحة رقم ٤٥٠ من الجزء الثامن (طبعة المعارف)..
٥ |٤/ النساء/ ٣١| (...وندخلكم مدخلا كريما٣١)..
٦ أخرجه أحمد في المسند بالصفحة ٢٤٠ من الجزء السادس (طبعة الحلبي)..
٧ |٥/ المائدة/ ٧٢| ونصها: (لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني اسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم انه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار٧٢)..
٨ |٣١/ لقمان/ ١٣| ونصها: (واذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم١٣)..
٩ أخرجه في المسند بالصفحة رقم ٩٩ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي)..
١٠ أخرجه أحمد في المسند بالصفحة ١٦٦ من الجزء الخامس (طبعة الحلبي).
وأخرجه البخاري في: ٧٧ –كتاب اللباس، ٢٤ –باب الثياب البيض، حديث ٦٦٠ ومسلم في: ١ –كتاب الايمان، حديث ١٥٤ (طبعتنا)..

١١ أخرجه مسلم في: ١ –كتاب الايمان حديث ١٥١ (طبعتنا)..
١٢ أخرجه في المسند بالصفحة ٧٩ من الجزء الثالث (طبعة الحلبي)..
١٣ الأثر رقم ٩٧٣٢..
١٤ أخرجه الترمذي في: ٤٤ –كتاب التفسير، ٥ –سورة المائدة، ٢٣ –حدثنا خلاد بن أسلم..
١٥ أخرجه الترمذي في: ٤٥ –كتاب الدعوات، ٩٨ –باب في فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله لعباده..
( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا٤٩ ).
( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ) تعجيب من تمادحهم بالتزكية التي هي التطهير والتبرئة من القبيح فعلا وقولا، المنافية لما هم عليه من الطغيان والشرك الذي قصه تعالى عنهم قبل. فالمراد بهم اليهود. وقد حكى تعالى عنهم أنهم يقولون :( نحن أبناء الله وأحباؤه ) ١. وحكى عنهم أيضا أنهم قالوا :( لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ) ٢. وأنهم قالوا :( لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى )٣. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس / قال :" كان اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم ويقربون قربانهم ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب. وكذبوا. قال الله :اني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له. وأنزل الله :( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ) ". أي انظر إليهم فتعجب من ادعائهم أنهم أزكياء عند الله تعالى مع ما هم فيه من الكفر والاثم العظيم. أو من ادعائهم تكفير ذنوبهم مع استحالة أن يغفر للكافر شيء من كفره أو معاصيه. وقوله تعالى :( بل الله يزكي من يشاء ) تنبيه على أن تزكيته هي المعتد بها دون تزكية غيره. فانه العالم بما ينطوي عليه الإنسان من حسن وقبيح. وقد ذمهم وزكى المرتضين من عباده المؤمنين.
تنبيه :
قال الزمخشري :يدخل في الآية كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى والزلفى عند الله. فان قلت :أما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم٤ :" والله ! اني لأمين في السماء، أمين في الأرض ؟ " قلت :انما قال ذلك حين قال له المنافقون :اعدل في القسمة، اكذابا لهم إذ وصفوه بخلاف ما وصفه به ربه. وشتان من شهد الله له بالتزكية ومن شهد لنفسه أو شهد له من لا يعلم اه.
وقد ورد في ذم التمادح والتزكية أحاديث كثيرة. منها عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال٥ :" سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يثني على رجل ويطريه في المدح فقال :أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل ". متفق عليه.
وعن أبي بكرة رضي الله عنه٦ " أن رجلا ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرا / فقال النبي صلى الله عليه وسلم :ويحك ! قطعت عنق صاحبك ( يقوله مرارا ) ان كان أحدكم مادحا لا محالة، فليقل :أحسب كذا وكذا ان كان يرى أنه كذلك. وحسيبه الله. ولا يزكي على الله أحدا ". متفق عليه. وعن همام بن الحرث عن المقداد رضي الله عنه٧ " أن رجلا جعل يمدح عثمان رضي الله عنه. فعمد المقداد فجثا على ركبتيه. فجعل يحثو في وجهه الحصباء. فقال له عثمان :ما شأنك ؟ فقال :ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب ". رواه مسلم.
وقال الإمام أحمد٨ :حدثنا معتمر عن أبيه عن نعيم بن أبي هند قال :قال عمر بن الخطاب :" من قال :أنا مؤمن فهو كافر. ومن قال :هو عالم، فهو جاهل. ومن قال :هو في الجنة هو في النار ". ( لم أعثر عليه في المسند. فمن ظفر به فليثبته ههنا. ) ورواه ابن مردويه من طريق موسى بن عبيدة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز عن عمر أنه قال :" ان أخوف ما أخاف عليكم اعجاب المرء برأيه. فمن قال انه مؤمن فهو كافر. ومن قال هو عالم فهو جاهل. ومن قال هو في الجنة فهو في النار "
وروى الإمام أحمد عن معبد الجهني قال :" كان معاوية قلما كان يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال :وكان قلما يدع، يوم الجمعة، هؤلاء الكلمات أن يحدث بهن عن النبي صلى الله عليه وسلم، يقول :من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. وان هذا المال حلو خضر فمن يأخذه بحقه يبارك له فيه. واياكم والتمادح فانه الذبح ".
وروى ابن ماجة عنه٩ :" اياكم والتمادح فانه الذبح ".
وروى ابن جرير بسنده إلى عبد الله بن مسعود قال١٠ :" ان الرجل ليغدو بدينه ثم / يرجع وما معه منه شيء. يلقى الرجل ليس يملك له نفعا ولا ضرا فيقول له :والله ! انك لذيت وذيت فلعله أن يرجع ولم يحل من حاجته بشيء، وقد أسخط الله عليه، ثم قرأ :( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم... ) الآية " ( ولا يظلمون فتيلا ) عطف على جملة قد حذفت، تعويلا على دلالة الحال عليها وايذانا بأنها غنية عن الذكر. أي يعاقبون بتلك الفعلة القبيحة ولا يظلمون في ذلك العقاب فتيلا، أي أدنى ظلم وأصغره. والفتيل الخيط الذي في شق النواة أو ما يفتل بين الأصابع من الوسخ. يضرب به المثل في القلة والحقارة. وقيل :التقدير، يثاب المزكون ولا ينقص من ثوابهم شيء أصلا. ولا يساعده مقام الوعيد. قاله أبو السعود.
١ |٥/ المائدة/ ١٨| ونصها: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما واليه المصير١٨)..
٢ |٢/ البقرة/ ٨٠| ونصها: (وقالوا لن تمسنا النار الا أياما معدودات قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون٨٠)..
٣ |٢/ البقرة/ ١١١| ونصها: (وقالوا لن يدخل الجنة الا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين١١١)..
٤ انظر تفصيل ذلك بالحاشية رقم ٣ ص ٣٤٥..
٥ أخرجه البخاري في: ٧٨ –كتاب الأدب، ٥٤ –باب ما يكره من التمادح، حديث ١٢٩٣..
٦ أخرجه البخاري في: ٧٨ –كتاب الأدب، ٥٤ –باب ما يكره من التمادح، حديث ١٢٩٣..
٧ أخرجه مسلم في: ٥٣ –كتاب الزهد والرقائق، حديث ٦٩ (طبعتنا)..
٨ لم أعثر عليه في المسند. فمن ظفر به فليثبته ههنا..
٩ أخرجه في: ٣٣ –كتاب الأدب، ٣٦ –باب المدح، حديث ٣٧٤٣ (طبعتنا)..
١٠ الأثر رقم ٩٤٧٧..
( انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به اثما مبينا٥٠ ).
( انظر كيف يفترون على الله الكذب ) أي في تزكيتهم أنفسهم ودعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقولهم :( لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ) ١ وقولهم :( لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ) ٢ واتكالهم على أعمال آبائهم الصالحة. وقد حكم الله أن أعمال الآباء لا تجزي عن الأبناء شيئا، في قوله :( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ) ٣... الآية.
قال العلامة أبو السعود :( كيف ) نصب اما على التشبيه بالظرف أو بالحال. والعامل ( يفترون ) وبه تتعلق ( على ) أي :في أي حال أو على أي حال يفترون عليه تعالى الكذب. والمراد بيان شناعة تلك الحال وكمال فظاعتها. والجملة في محل النصب بعد نزع الخافض و ( النظر ) متعلق بهما. وهو تعجيب اثر تعجيب. وتنبيه على أن ما ارتكبوه متضمن لأمرين عظيمين موجبين للتعجيب :ادعائهم الاتصاف بما هم متصفون بنقيضه. وافتراؤهم على الله سبحانه. فان ادعاءهم الزكاء عنده تعالى متضمن لادعائهم قبول الله وارتضاءه اياهم. تعالى عن ذلك علوا كبيرا. ولكون هذا أشنع من الأول جرما، وأعظم قبحا لما فيه من نسبته سبحانه وتعالى إلى ما يستحيل عليه بالكلية من قبول الكفر وارتضائه لعباده، ومغفرة كفر الكافر وسائر معاصيه –وجه النظر إلى كيفيته تشديدا للتشنيع وتأكيدا للتعجيب. والتصريح بالكذب، مع أن الافتراء لا يكون إلا كذبا، للمبالغة في تقبيح حالهم ( وكفى به ) أي بافترائهم هذا من حيث هو افتراء عليه تعالى مع قطع النظر عن مقارنته لتزكية أنفسهم وسائر آثامهم العظام ( اثما مبينا ) ظاهرا بينا كونه اثما. والمعنى :كفى ذلك وحده في كونهم أشد اثما من كل كفار أثيم. أو في استحقاقهم لأشد العقوبات.
١ |٢/ البقرة/ ١١١| ونصها: (وقالوا لن يدخل الجنة الا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين١١١)..
٢ |٢/ البقرة/ ٨٠| ونصها: (وقالوا لن تمسنا النار الا أياما معدودات قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون٨٠)..
٣ |٢/ البقرة/ ١٣٤| ونصها: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون١٣٤)..
ثم حكى تعالى عن اليهود نوعا آخر من المكر. وهو أنهم كانوا يفضلون عبدة الأصنام على المؤمنين، تعصبا وعنادا، بقوله سبحانه :
( ألم تر إلى الذين أتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا٥١ ).
( ألم تر إلى الذين أتوا نصيبا من الكتاب ) أي علما بالتوراة الداعية إلى التوحيد وترجيح أهله. والكفر بالجبت والطاغوت. ووصفهم بما ذكر، من ايتاء النصيب، لما مر من منافاته / لما صدر عنهم من القبائح ( يؤمنون بالجبت والطاغوت ) الجبت يطلق، لغة، على الصنم والكاهن والساحر والسحر والذي لا خير فيه وكل ما عبد من دون الله تعالى. وكذا الطاغوت. فيطلق على الكاهن والشيطان وكل رأس ضلال والأصنام وكل ما عبد من دون الله ومردة أهل الكتاب. كما في ( القاموس ). ( ويقولون للذين كفروا ) أي أشركوا بالله، وهم كفار مكة، أي لأجلهم وفي حقهم ( هؤلاء ) يعنونهم ( أهدى من الذين آمنوا ) بالله وحده ( سبيلا ) أي أرشد طريقة. وايرادهم بعنوان الإيمان ليس من قبل القائلين، بل من جهة الله تعالى، تعريفا لهم بالوصف الجميل، وتخطئة لمن رجح عليهم المتصفين بأقبح القبائح.
( أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا٥٢ ).
( أولئك الذين لعنهم الله ) أي أبعدهم عن رحمته وطردهم ( ومن يلعن الله ) أي يبعده عن رحمته ( فلن تجد له نصيرا ) يدفع عنه العذاب دنيويا كان أو أخرويا. لا بشفاعة ولا بغيرها.
قال الرازي :انما استحقوا هذا اللعن الشديد لأن الذي ذكروه من تفضيل عبدة الأوثان على الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم يجري مجرى المكابرة. فمن يعبد غير الله كيف يكون أفضل حالا ممن لا يرضى بمعبود غير الله ؟ ومن كان دينه الاقبال بالكلية على خدمة الخالق والاعراض عن الدنيا والاقبال على الآخرة، كيف يكون أقل حالا ممن كان بالضد في كل هذه الأحوال ؟
وقد روى الإمام أحمد عن عكرمة عن ابن عباس قال :" لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش :ألا ترى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية، قال :أنتم خير. قال فنزلت فيهم :( ان شانئك هو الأبتر ) ١. / ونزل :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب –الى –نصيرا ) ".
وقال الإمام ابن اسحاق رضي الله عنه :حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال :" كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة، حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق وأبو رافع والربيع بن أبي الحقيق وأبو عامر ووحوح بن عامر وهودة بن قيس. فأما وحوح وأبو عامر وهودة فمن بني وائل وكان سائرهم من بني النضير. فلما قدموا على قريش قالوا :هؤلاء أحبار اليهود وأهل العلم بالكتاب الأول. فاسألوهم أدينكم خير أم دين محمد ؟ فسألوهم فقالوا :دينكم خير من دينه وأنتم أهدى منه وممن اتبعه. فأنزل الله عز وجل :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب... ) إلى قوله عز وجل :( وآتيناهم ملكا عظيما ) ". وهذا لعن لهم وإخبار بأنهم لا ناصر لهم في الدنيا ولا في الآخرة. لأنهم انما ذهبوا يستنصرون بالمشركين. وإنما قالوا لهم ذلك ليستميلوهم إلى نصرتهم وقد أجابوهم وجاؤوا معهم يوم الأحزاب حتى حفر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حول المدينة الخندق فكفى الله شرهم ( ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا * وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ) ٢.
١ ١٠٨|/ الكوثر/ ٣|..
٢ |٣٣/ الأحزاب/ ٢٥|..
( أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا٥٣ ).
( أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا ). لما ذم سبحانه اليهود بتزكيتهم أنفسهم وتفضيلهم المشركين على الموحدين، شرع في تفصيل بعض آخر من مثالبهم. وهو وصفهم بالبخل والحسد اللذين هما شر خصلتين. و ( أم ) منقطعة. والهمزة لإنكار أن يكون لهم نصيب من الملك، والفاء للسببية الجزائية لشرط محذوف. أي لو كان لهم نصيب من الملك فاذا لا يؤتون أحدا مقدار نقير لفرط بخلهم. و ( النقير ) النقرة في ظهر النواة / وهو مثل في القلة والحقارة. كالفتيل والقطمير. والمراد بالملك اما ملك أهل الدنيا واما ملك الله. كقوله تعالى :( قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق ) ١.
وقال أبو السعود :وهذا هو البيان الكاشف عن كنه حالهم. وإذا كان شأنهم كذلك وهم ملوك فما ظنك بهم وهم أذلاء متفاقرون ؟ ويجوز أن لا تكون الهمزة لإنكار الوقوع بل لإنكار الواقع والتوبيخ عليه. أي لعده منكرا غير لائق بالوقوع. على أن الفاء للعطف والانكار متوجه إلى مجموع المعطوفين على معنى :ألهم نصيب وافر من الملك حيث كانوا أصحاب أموال وبساتين وقصور مشيدة كالملوك فلا يؤتون الناس ذلك نقيرا ؟ كما تقول لغني لا يراعي أباه :ألك هذا القدر من المال فلا تنفق على أبيك شيئا ؟ وفائدة ( اذن ) تأكيد الانكار والتوبيخ. حيث يجعلون ثبوت النصيب سببا للمنع مع كونه سببا للاعطاء. وهي ملغاة عن العمل. كأنه قيل :فلا يؤتون الناس اذن :وقرئ :( فاذن لا يؤتوا ) بالنصب على إعمالها.
١ |١٧/ الاسراء/ ١٠٠| (... وكان الانسان قتورا١٠٠)..
( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما٥٤ ).
( أم يحسدون الناس ) منقطعة أيضا مفيدة للانتقال من توبيخهم بما سبق، أعني البخل، إلى توبيخهم بالحسد. وهما شر الرذائل كما قدمنا. وكأن بينهما تلازما وتجاذبا. واللام في ( الناس ) للعهد والإشارة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.
وروى الطبراني بسنده عن ابن عباس في هذه الآية قال :" نحن الناس دون الناس ". والهمزة لانكار الواقع واستقباحه.
قال الرازي :وانما حسن ذكر الناس لارادة طائفة معينة من الناس. لأن المقصود من الخلق انما هو القيام بالعبودية كما قال تعالى١ :( وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون ). فلما كان القائمون بهذا المقصود ليس إلا محمدا صلى الله عليه وسلم ومن كان على دينه – كان هو وأصحابه كأنهم كل الناس. فلهذا حسن إطلاق لفظ ( الناس ) وإرادتهم على التعيين ( على ما آتاهم الله من فضله ) وهو النبوة والكتاب والرشد وازدياد العز والنصر يوما فيوما. وقوله تعالى :( فقد آتينا ) تعليل للانكار والاستقباح والزام لهم بما هو مسلم عندهم. وحسم لمادة حسدهم واستبعادهم، المبنيين على توهم عدم استحقاق المحسود لما أوتي من الفضل ببيان استحقاقه له بطريق الوراثة كابرا عن كابر واجراء الكلام على سنن الكبرياء بطريق الالتفات لاظهار كمال العناية بالأمر. والمعنى :أن حسدهم المذكور في غاية القبح والبطلان. فانا قد آتينا من قبل هذا ( آل ابراهيم ) الذين هم أسلاف محمد صلى الله عليه وسلم وأبناء أعمامه ( الكتاب والحكمة ) النبوة ( وآتيناهم ملكا عظيما ) لا يقادر قدره. فكيف يستبعدون نبوته ويحسدونه على ايتائها ؟ أفاده أبو السعود.
قال الرازي :ان الحسد لا يحصل إلا عند الفضيلة. فكلما كانت فضيلة الإنسان أتم وأكمل كان حسد الحاسدين عليه أعظم. ومعلوم أن النبوة أعظم المناصب في الدين. ثم انه تعالى أعطاها لمحمد صلى الله عليه وسلم وضم إليها أنه جعله كل يوم أقوى دولة وأعظم شوكة وأكثر أنصارا وأعوانا. فلما كانت هذه النعم سببا لحسد هؤلاء، بين تعالى ما يدفع ذلك فقال :( فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما ). والمعنى :أنه حصل في أولاد ابراهيم جماعة كثيرون جمعوا بين النبوة والملك وأنتم لا تتعجبون من ذلك ولا تحسدونهم. فلم تتعجبون من حال محمد صلى الله عليه وسلم ولم تحسدونه ؟
١ |٥١/ الذاريات/ ٥٦|..
( فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا٥٥ ).
( فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه ) حكاية لما صدر عن أسلافهم. أي :فمن جنس هؤلاء الحاسدين وآبائهم من آمن بما أوتي آل ابراهيم. ومنهم من كفر به وأعرض عنه وسعى في صد الناس عنه. وهو منهم ومن جنسهم. أي من بني اسرائيل. وقد اختلفوا عليهم. فكيف بك يا محمد ولست من بني اسرائيل ؟ فالكفرة منهم أشد تكذيبا لك وأبعد عما جئتهم به من الهدى والحق المبين. وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأن ذلك ديدنهم المستمر ( وكفى بجهنم سعيرا ) أي نارا مسعرة يعذبون بها على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب الله ورسله.
ثم أخبر تعالى عما يعاقب به في نار جهنم من كفر بآياته وصد عن رسله فقال :
( ان الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ان الله كان عزيزا حكيما٥٦ ).
( ان الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا ) أي عظيمة هائلة ( كلما نضجت جلودهم ) أي احترقت احتراقا تاما ( بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ) أي ليدوم لهم. وذلك أبلغ في العذاب للشخص. لأن احساسه لعمل النار في الجلد الذي لم يحترق، أبلغ من احساسه لعملها في المحترق.
تنبيه :
لهم في التبديل وجهان :
الأول :أنه تبديل حقيقي مادي. فيخلق مكانها جلود أخر جديدة مغايرة للمحترقة.
الثاني :أنه تبديل وصفي :أي أعدنا الجلود جديدة مغايرة للمحترقة / صورة. وان كانت عينها مادة. بأن يزال عنها الاحتراق ليعود احساسها للعذاب. فلم تبدل إلا صفتها، لا مادتها الأصلية. وفيه بعد. إذ يأباه معنى التبديل.
وقال الرازي :يمكن أن يقال :هذا استعارة عن الدوام وعدم الانقطاع. كما يقال لمن يراد وصفه بالدوام :كلما انتهى فقد ابتدأ. وكلما وصل إلى آخره فقد ابتدأ من أوله. فكذا قوله :( كلما نضجت جلودهم ) الآية. يعني :كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك، أعطيناهم قوة جديدة من الحياة. بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا. فيكون المقصود بيان دوام العذاب وعدم انقطاعه. انتهى.
وهذا أبعد مما قبله. إذ ليس لنا أن نعدل في كلام الله تعالى عن الحقيقة إلى المجاز، إلا عند الضرورة. لاسيما وقد روي عن السلف، صحابة وتابعين، أنهم يبدلون في اليوم أو الساعة مرات عديدة. كما رواه ابن جرير١ وغيره مفصلا. ( ان الله كان عزيزا ) لا يمتنع عليه ما يريد ( حكما ) فيما يقضيه. ومنه هذا التبديل. إذ لا يتم تخليد العذاب الموعود، على الكفر الذي لا ينزجرون عنه، بالعذاب المنقطع. وعدا لا بد من ايفائه.
١ انظر الصفحة ٤٨٥ وما بعدها من الجزء الثاني من التفسير (طبعة المعارف)..
ثم بين مآل أهل السعادة فقال :
( والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا٥٧ ).
( والذين آمنوا ) أي بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وجملة الكتب والرسل ( وعملوا الصالحات ) أي الطاعات فيما بينهم وبين ربهم بالإخلاص ( سندخلهم ) أي في الآخرة ( جنات ) أي بساتين ( تجري من تحتها ) أي من تحت شجرها وقصورها ( الأنهار ) / أي أنهار الخمر واللبن والعسل والماء ( خالدين فيها أبدا ) أي مقيمين في الجنة لا يموتون ولا يخرجون منها ( لهم فيها ) أي الجنة ( أزواج مطهرة ) أي من الحيض والنفاس والأذى والأخلاق الرذيلة والصفات الناقصة ( وندخلهم ظلا ظليلا ) أي كنا كنينا لا تنسخه الشمس، ولا حر فيه ولا برد. و ( ظليل ) صفة مشتقة من لفظ ( الظل ) لتأكيد معناه، كما يقال :ليل أليل، ويوم أيوم. وفي الصحيحين١ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ان في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع، مائة عام ما يقطعها ". وفيهما٢ أيضا من رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال :" يسير الراكب في ظلها مائة سنة ما يقطعها ".
١ أخرجه البخاري في: ٨١ –كتاب الرقاق، ٥١ –باب صفة الجنة والنار، حديث ٢٤٦١..
٢ أخرجه البخاري في: ٥٩ –كتاب بدء الخلق، ٨ –باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، ١٥٣٩ ونصه:
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ان في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة". واقرؤوا ان شئتم: (وظل ممدود) |٥٦/ الواقعة/ ٣٠|..

( *ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ان الله نعما يعظكم به ان الله كان سميعا بصيرا٥٨ ).
( ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) هذه الآية من أمهات الآيات المشتملة على كثير من أحكام الشرع.
قال أبو السعود :في تصدير الكلام بكلمة التحقيق واظهار الاسم الجليل وايراد الأمر على صورة الإخبار، من الفخامة وتأكيد وجوب الامتثال به والدلالة على الاعتناء بشأنه ما لا يزيد عليه. وهو خطاب يعم حكمه المكلفين قاطبة. كما أن الأمانات تعم جميع الحقوق المتعلقة بذممهم :من حقوق الله تعالى وحقوق العباد. سواء كانت فعلية أو قولية أو اعتقادية. وان ورد في شأن عثمان بن طلحة. انتهى.
أي لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. كما تقرر في الأصول. وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها. الأبرار منهم والفجار. كما قال ابن المنذر. وفي حديث سمرة١ :ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك رواه الإمام أحمد وأهل ( السنن ).
قال الحافظ ابن كثير :وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة. واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي العبدري حاجب الكعبة المعظمة، وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم. أسلم عثمان هذا في الهدنة بين صلح الحديبية وفتح مكة، هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص. وأما عمه عثمان بن طلحة بن أبي طلحة فكان معه لواء المشركين يوم أحد وقتل يومئذ كافرا. وإنما نبهنا على هذا النسب لأن كثيرا من المفسرين قد يشتبه عليه هذا بهذا. وسبب نزولها فيه :لما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة يوم / الفتح ثم رده عليه. قال محمد٢ بن اسحاق ( في غزوة الفتح ) :حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن صفية بنت شيبة، " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بمكة واطمأن الناس، خرج حتى جاء إلى البيت فطاف به سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده. فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له. فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها ثم وقف على باب الكعبة وقد استكف له الناس في المسجد ".
قال ابن اسحاق :فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على باب الكعبة فقال :" لا اله إلا الله وحده لا شريك له. صدق وعده. ونصر عبده. وهزم الأحزاب وحده. ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى، فهو تحت قدمي هاتين :إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ". وذكر بقية الحديث في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ. إلى أن قال :" ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد. فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده. فقال :يا رسول الله ! اجمع لنا الحجابة مع السقاية. صلى الله عليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :أين عثمان بن طلحة ؟ فدعى له. فقال :هاك مفتاحك يا عثمان ! اليوم يوم بر ووفاء ".
وروى ابن جرير٣ عن ابن جريج، في الآية قال :" نزلت في عثمان بن طلحة بن أبي طلحة. قبض منه النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة. ودخل به البيت يوم الفتح. فخرج وهو يتلو هذه الآية :( ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ). فدعا عثمان اليه. فدفع إليه المفتاح. قال :وقال عمر بن الخطاب ( لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكعبة وهو يتلو هذه الآية :( ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) :فداه أبي وأمي. ما سمعته يتلوها قبل ذلك ".
قال السيوطي :ظاهر هذا أنها نزلت في جوف الكعبة. انتهى.
وعن محمد بن كعب وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب أن هذه الآية نزلت في الأمراء. يعني الحكام بين الناس.
وقال السيوطي في ( الاكليل ) :في هذه الآية وجوب رد كل أمانة من وديعة وقراض وقرض وغير ذلك. واستدل المالكية، بعموم الآية، على أن الحربي إذا دخل دارنا بأمان فأودع وديعة ثم مات أو قتل، انه يجب رد وديعته إلى أهله. وأن المسلم إذا استدان من الحربي بدار الحرب ثم خرج، يجب وفاؤه. وأن الأسير إذا ائتمنه الحربي على شيء لا يجوز له أن يخونه. وعلى أن من أودع مالا وكان المودع خانه قبل ذلك، فليس له أن يجحده كما جحده. ويوافق هذه المسألة حديث :" أد الأمانة إلى من ائتمنك. ولا تخن من خانك ".
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، في هذه الآية قال :" مبهمة للبر والفاجر ". يعني عامة.
وقد أخرج ابن جرير٤ وغيره أنها نزلت في شأن مفتاح الكعبة. لما أخذه النبي صلى الله عليه وسلم من عثمان بن طلحة. واختار ما رواه علي وغيره أنها خطاب لولاة المسلمين. أمروا بأداء الأمانة لمن ولوا عليه. فيستدل بالآية على أن على الحكام والأئمة ونظار الأوقاف أداء الحقوق المتعلقة بذممهم من تولية المناصب وغيرها إلى من يستحقها. كما أن قوله تعالى :( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ). أمر لهم بإيصال الحقوق المتعلقة بذمم الغير إلى أصحابها. وحيث كان المأمور به ههنا مختصا بوقت المرافعة، قيد به. بخلاف المأمور به أولا. فإنه لما لم يتعلق بوقت دون وقت أطلق اطلاقا. وأصل العدل هو المساواة في الأشياء. فكل ما خرج عن الظلم والاعتداء سمي عدلا.
وروى الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص٥ قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ان المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن. وكلتا يديه يمين. الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ".
و روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري٦ قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم عنده مجلسا :إمام عادل. وأبغض الناس إلى الله وأبعدهم منه مجلسا :إمام جائر ". وروى الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن ابن أبي أوفى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ان الله تعالى مع القاضي ما لم يجر. فإذا جار تبرأ الله منه وألزمه الشيطان ".
قال الإمام ابن تيمية رضي الله عنه في رسالته ( السياسة الشرعية ) بعد الخطبة :هذه الرسالة مبنية على آية الأمراء في كتاب الله تعالى. وهي قوله تعالى :( ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها... ) الآية. قال العلماء :نزلت في ولاة الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل. ثم قال :وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها :والحكم بالعدل، فهذان جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة. ثم قال :أما أداء الأمانات ففيه نوعان :
أحدهما :الولايات وهو كان سبب نزول الآية. فان النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة وتسلم مفاتيح الكعبة من بني شيبة وطلبها العباس ليجمع له بين سقاية الحاج وسدانة البيت فأنزل الله هذه الآية. فرد مفاتيح الكعبة إلى بني شيبة. فيجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل. قال النبي صلى الله عليه وسلم :" من ولي من أمر المسلمين شيئا، فولي رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ". رواه الحاكم في ( صحيحه ). وفي رواية " من قلد رجلا عملا على عصابة، وهو يجد في تلك العصابة أرضى منه، فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين ". وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه :" من ولي من أمر المسلمين شيئا فولى رجلا لمودة أو قرابة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمسلمين ". فيجب عليه البحث عن المستحقين للولايات من نوابه على الأمصار، من الأمراء الذين هم نواب ذي السلطان والقضاة. ومن أمراء الأجناد ومقدمي العساكر الكبار والصغار وولاة الأموال من الوزراء والكتاب والشادين والسعاة على الخراج والصدقات وغير ذلك من الأموال التي للمسلمين. وعلى كل واحد من هؤلاء أن يستنيب ويستعمل أصلح من يجده، وينتهي ذلك إلى أئمة الصلاة والمؤذنين والمقرئين والمعلمين وأمراء الحاج والبرد وخزان الأموال ونقباء العساكر الكبار والصغار وعرفاء القبائل والأسواق.
على كل من ولي شيئا من أمور المسلمين من الأمراء وغيرهم أن يستعمل فيما تحت يده، في كل موضع، أصلح من يقدر عليه. ولا يقدم الرجل لكونه طلب أو سبق في الطلب. بل ذلك سبب المنع. فان في ( الصحيح ) ٧ عن النبي صلى الله عليه وسلم :" أن قوما دخلوا عليه فسألوه ولاية فقال :انا لا نولي أمرنا هذا من طلبه ".
وقال٨ لعبد الرحمن بن سمرة :" يا عبد الرحمن ! لا تسأل الإمارة. فانك ان أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وان أعطتها من مسألة وكلت اليها ". أخرجاه في ( الصحيحين ). / وقال٩ :" من طلب القضاء واستعان عليه وكل اليه. ومن لم يطلبه ولم يستعن عليه أنزل الله إليه ملكا يسدده ". رواه أهل ( السنن ). فان عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره، لأجل قرابة بينهما، أو ولاه عتاقة أو صداقة أو موافقة في مذهب أو بلد أو طريقة أو جنس، كالعربية والفارسية والتركية والرومية. أو لرشوة يأخذها منه من ماله أو منفعة. أو غير ذلك من الأسباب. أو لضغن في قلبه على الأحق. أو عداوة بينهما – فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ودخل فيما نهى عنه في قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ) ١٠.
ثم قال تعالى :( واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم ) ١١. فإن الرجل لحبه لولده أو عتيقه في بعض الولايات أو يعطيه ما لا يستحقه فيكون قد خان أمانته. وكذلك قد يؤثر زيادة حفظه أو ماله بأخذ ما لا يستحقه أو محاباة من يداهنه في بعض الولايات فيكون قد خان الله ورسوله وخان أمانته. ثم ان المؤدي الأمانة، مع مخالفة هواه، يثيبه الله فيحفظه في أهله وماله بعده. والمطيع لهواه يعاقبه بنقيض قصده. فيذل أهله ويذهب ماله. وفي ذلك الحكاية المشهورة :ان بعض خلفاء بني العباس سأل بعض العلماء أن يحدث بما أدرك. فقال :أدركت عمر بن عبد العزيز، فقيل له :يا أمير المؤمنين ! أفقرت أفواه بنيك من هذا المال وتركتهم فقراء لا شيء لهم. وكان في مرض موته، فقال :أدخلوهم علي. فأدخلوهم وهم بضعة عشر ذكرا. ليس فيهم بالغ. فلما رآهم ذرفت عيناه ثم قال :والله ! يا بني ! ما منعتكم حقا هو لكم. ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها اليكم. وإنما أنتم أحد رجلين :اما صالح فالله يتولى الصالحين. واما غير صالح فلا أخلف له ما يستعين به على معصية الله. قوموا عني.
قال :ولقد رأيت بعض ولده حمل على مائة في سبيل الله. يعني أعطاها لمن يغزو عليها.
قلت :هذا وقد كان خليفة المسلمين من أقصى المشرق ببلاد الترك إلى أقصى المغرب بالأندلس وغيرها من جزيرة قبرص وثغور الشام والعواصم كطرسوس ونحوها، إلى أقصى اليمن. وانما أخذ كل واحد من أولاده من تركته شيئا يسيرا، يقال أقل من عشرين درهما.
قال :وحضرت بعض الخلفاء وقد اقتسم تركته بنوه. فأخذ كل واحد ستمائة ألف دينار. ولقد رأيت بعضهم يتكفف الناس، أي يسألهم بكفه. وفي هذا الباب من الحكايات والوقائع المشاهدة في الزمان، والمسموعة عما قبله، عبرة لكل ذي لب. وقد دلت سنة رسول الله صل
١ قال الأخ الأستاذ محمد شاكر في حاشية عمدة التفسير، بالصفحة ٢٠٢ من الجزء الثالث ما نصه:
هكذا قال الحافظ ابن كثير. وأرى أنه وهم رحمه الله. فاني لم أجده من حديث سمرة قط. لا في المسند ولا في غيره. ولكن رواه أبو داود: ٣٥٣٥. والترمذي٢: ٢٥١ -٢٥٢ (أعني في: ١٢ –كتاب البيوع، ٣٨ –باب حدثنا أبو كريب) من حديث أبي هريرة... الخ..

٢ انظر سيرة ابن هشام الصفحة ٥٤ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي) وصفحة ٨٢٠ و٨٢١ (طبعة جوتنجن)..
٣ الأثر رقم ٩٨٤٦..
٤ انظر الصفحة ٤٩٢ من الجزء الثامن (طبعة المعارف)..
٥ أخرجه مسلم في: ٣٣ –كتاب الامارة، حديث ١٨ (طبعتنا)..
٦ أخرجه في: ١٣ –كتاب الأحكام، ٤ –باب ما جاء في الامام العادل..
٧ جاء في معناه حديث رواه البخاري في: ٩٣ –كتاب الأحكام، ٧ –باب ما يكره من الحرص على الامارة، حديث ١١٢٩ ونصه:
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، أنا ورجلان من قومي. فقال أحد الرجلين: أمرنا يا رسول الله! وقال الآخر مثله. فقال: "انا لا نولي هذا من سأله ولا من حرص عليه"..

٨ أخرجه البخاري في: ٩٣ –كتاب الأحكام، ٥ –باب من لم يسأل الامارة أعنه الله عليها. و٦ –باب من سأل الامارة وكل اليها، حديث ٢٤٨٨ ونصه:
عن عبد الرحمان بن سمرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا عبد الرحمان! لا تسأل الامارة. فانك ان أعطيتها عن مسألة وكلت اليها، وان أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها. واذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها، فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير"..

٩ أخرجه أبو داود في: ٢٣ –كتاب الأقضية، ٣ –باب في طلب القضاء والتسرع اليه، حديث ٣٥٧٨. عن أنس بن مالك..
١٠ |٨/ الأنفال/ ٢٧|..
١١ |٨/ الأنفال/ ٢٨|..
( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا٥٩ ).
( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) / اعلم أنه تعالى، لما أمر الرعاة والولاة بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل، أمر الرعية من الجيوش وغيرهم بطاعة أولي الأمر الفاعلين لذلك في قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك. إلا أن يأمروا بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
قال الرازي :قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه :" حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة. فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا ". وقد روى الطبري١ بسند صحيح عن أبي هريرة :" ان أولي الأمر هم الأمراء ". واحتج له الشافعي بأن قريشا ومن يليها من العرب كانوا لا يعرفون الإمارة ولا ينقادون إلى أمير. فأمروا بالطاعة لمن ولي الأمر، والانقياد له إذا بعثهم في السرايا، وإذا ولاهم البلاد. فلا يخرجوا عليهم ولا يمتنعوا عليهم، لئلا تفترق الكلمة. ولذلك قال٢ صلى الله عليه وسلم :" من أطاع أميري فقد أطاعني ". متفق عليه. وفي البخاري٣ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال :" نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية ".
قال ابن كثير :وهكذا أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجة وقال الترمذي :حديث حسن غريب. ولا نعرفه إلا من حديث ابن جريج.
وروى الطبري٤ عن السدي " أنها نزلت في قصة جرت لعمار بن ياسر مع خالد بن الوليد. وكان خالد أميرا. فأجار عمار رجلا بغير أمره. فتخاصما وارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فأجار أمان عمار ونهاه أن يجير الثانية على أمير ".
قال ابن كثير :وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق عن السدي مرسلا. ورواه ابن مردويه عن السدي عن أبي صالح عن ابن عباس. فذكره بنحوه. اه.
ولا تنافي بين الروايتين لما أسلفناه في مقدمة التفسير في بحث سبب النزول. فتذكر.
وقال الزمخشري :المراد بأولي الأمر منكم، أمراء الحق. لأن أمراء الجور، الله ورسوله بريئان منهم. فلا يعطفون على الله ورسوله في وجوب الطاعة لهم. وانما يجمع بين الله ورسوله والأمراء الموافقين لهما في ايثار العدل واختيار الحق والأمر بهما والنهي عن أضدادهما. كالخلفاء الراشدين ومن تبعهم باحسان. وكان الخلفاء يقولون :" أطيعوني ما عدلت فيكم. فان خالفت فلا طاعة لي عليكم ". وفي ( الصحيحين ) ٥ عن علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" انما الطاعة في المعروف ". وروى الإمام أحمد٦ عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا طاعة في معصية الله ".
لطيفة :
قال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) :النكتة في إعادة العامل في الرسول دون أولي الأمر، مع أن المطاع في الحقيقة هو الله تعالى –كون الذي يعرف به ما يقع به التكليف هما القرآن والسنة. فكان التقدير :وأطيعوا الله فيما قضى عليكم في القرآن، وأطيعوا الرسول فيما بين لكم من القرآن وما ينصه عليكم من السنة. والمعنى :أطيعوا الله فيما يأمركم به من الوحي المتعبد بتلاوته. وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به من الوحي الذي ليس بقرآن.
ومن بديع الجواب قول بعض التابعين لبعض الأمراء من بني أمية. لما قال له :أليس الله أمركم أن تطيعونا في قوله :( وأولي الأمر منكم ) ؟ فقال له :أليس قد نزعت عنكم، يعني الطاعة، إذا خالفتم الحق بقوله :( فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله ) ؟
قال الطيبي :أعاد الفعل في قوله :( وأطيعوا الرسول ) اشارة إلى استقلال الرسول بالطاعة. ولم يعده في أولي الأمر اشارة إلى أنه يوجد فيهم من لا تجب طاعته. ثم بين ذلك بقوله :( فان تنازعتم في شيء ). كأنه قيل فان لم يعملوا بالحق فلا تطيعوهم وردوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله. انتهى. ( ج ١٣ ص٩٩ ).
تنبيه :
يشمل عموم قوله :( وأولي الأمر ) العلماء. كما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه يعني أهل الفقه والدين. وكذا قال مجاهد وعطاء والحسن البصري وأبو العالية. وهذا ليس قولا ثانيا في الآية بل هو مما يشمله لفظها. فهي عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء وان نزلت على سبب خاص. وقد كثرت الأوامر بطاعة العلماء كالأمراء. قال تعالى :( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الاثم وأكلهم السحت ) ٧. وقال تعالى :( فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون )٨. وقال تعالى :( ولو ردوه إلى الرسول والى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) ٩. وفي الحديث / الصحيح المتفق على صحته عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال١٠ :" من أطاعني فقد أطاع الله. ومن عصاني فقد عصى الله. ومن أطاع أميري فقد أطاعني. ومن عصى أميري فقد عصاني ". وروى أبو داود١١ عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" السمع والطاعة على المرء المسلم فيم أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية. فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ". وروى البخاري١٢ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اسمعوا وأطيعوا وان استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ". والأحاديث في هذا كثيرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه ( الحسبة في الإسلام ) :وقد أمر الله تعالى في كتابه بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر من المؤمنين. وأولو الأمر أصحاب الأمر وذووه وهم الذين يأمرون الناس، وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة وأهل العلم والكلام. فلهذا كان أولو الأمر صنفين :العلماء والأمراء. فإذا صلحوا صلح الناس، وإذا فسدوا فسد الناس. كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه١٣ :( للأحمسية لما سألته ما بقاؤنا / على هذا الأمر ؟ ) قال :( ما استقامت لكم أئمتكم ". ويدخل فيهم الملوك والمشايخ وأهل الديوان وكل من كان متبوعا فانه من أولي الأمر. وعلى كل واحد من هؤلاء أن يأمر بما أمر الله به وينهى عما نهى عنه. وعلى كل واحد ممن له عليه طاعة أن يطيعه في طاعة الله ولا يطيعه في معصية الله. كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، حين تولى أمر المسلمين وخطبهم، فقال في خطبته :" أيها الناس ! القوي فيكم الضعيف عندي حتى آخذ منه الحق، والضعيف فيكم القوي عندي حتى آخذ له الحق. أطيعوني ما أطعت الله. فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم ". ( فان تنازعتم ) أي اختلفتم انتم وأولو الأمر ( في شيء ) من الأحكام ( فردوه إلى الله ) أي فارجعوا فيه إلى كتابه ( والرسول ) بالسؤال منه في زمانه صلى الله عليه وسلم والرجوع إلى سننه بعده لا إلى ما تهوون ولا إلى ما يهواه الحكام ( ان كنتم تؤمنون بالله ) الواضع لشرائع العدل ( واليوم الآخر ) الذي يجازي فيه الموافق والمخالف لتلك الشرائع ( ذلك ) أي الرد إلى كتاب الله وسنة الرسول، والرجوع إليهما في فصل النزاع / ( خير ) أي لكم ولحكامكم وأصلح ( وأحسن تأويلا ) أي عاقبة ومآلا، كما قاله السدي وغير واحد. وقال مجاهد :وأحسن جزاء. وهو قريب.
قال الحافظ ابن كثير :هذا أمر من الله عز وجل بأن كل شيء تنازع فيه الناس من أصول الدين وفروعه، أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة. كما قال تعالى :( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ) ١٤. فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق. وماذا بعد الحق إلا الضلال. ولهذا قال تعالى :( ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ). أي ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله. فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. فدل على أن من لم يتحاكم، في محل النزاع، إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر. انتهى.
تنبيهات
الأول :قال البيضاوي :إن قوله تعالى :( فإن تنازعتم )، يؤيد أن المراد بأولي الأمر الأمراء لا العلماء. قال :إذ ليس للمقلد أن ينازع المجتهد في حكمه بخلاف المرؤوس. ثم قال :إلا أن يقال :الخطاب لأولي الأمر، على طريقة الالتفات. وتابعه أبو السعود.
قال الخفاجي :وجه التأييد أن للناس والعامة منازعة الأمراء في بعض الأمور وليس لهم منازعة العلماء. إذ المراد بهم المجتهدون. والناس ممن سواهم لا ينازعونهم في أحكامهم. والمراد بالمرؤوس ( على وزن المفعول ) العامة التابعة للرائس والرئيس. فإذا كان الخطاب في ( تنازعتم ) لأولي الأمر على الالتفات صح إرادة العلماء. لأن للمجتهدين أن ينازع بعضهم بعضا مجادلة ومحاجة. فيكون المراد أمرهم بالتمسك بما يقتضيه الدليل. انتهى. وفي قوله :( إذ ليس للمقلد الخ ) ما ستراه.
الثاني :فهم كثير من الناس والمفسرين أيضا أن طاعة أولي الأمر العلماء، تقليدهم فيما يفتون به. وهو غلط. قال الإمام ابن القيم في ( أعلام الموقعين ) في :

فصل


في عقد مجلس مناظرة بين مقلد وبين صاحب حجة منقاد للحق حيث كان.
قال المقلد :وقد أمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وأولي الامر – وهم العلماء. أو العلماء والأمراء- وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به، فانه لولا التقليد، لم يكن هناك طاعة تختص بهم. قال :وجوابه أن أولي الأمر، قيل :هم الأمراء. وقيل :هم العلماء. وهما روايتان عن الإمام أحمد. والتحقيق أن الآية تتناول الطائفتين. وطاعتهم من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم. لكن خفي على المقلدين أنهم يطاعون في طاعة الله إذا أمروا بأمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. فأين في الآية تقديم آراء الرجال على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيثار التقليد عليها ؟ ثم قال ابن القيم :إن هذه الآية من أكبر الحجج عليهم وأعظمها إبطالا للتقليد. وذلك من وجوه :
أحدها :الأمر بطاعة الله التي هي امتثال أمره واجتناب نهيه.
الثاني :طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يكون العبد مطيعا لله ولرسوله حتى يكون عالما بأمر الله تعالى ورسوله. وأما من هو مقلد فيها لأهل العلم لم يمكنه تحقيق طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم البتة.
الثالث :أن أولي الأمر قد نهوا عن تقليدهم، كما صح ذلك عن معاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وغيرهم من الصحابة. وذكرناه عن الأئمة الأربعة وغيرهم. وحينئذ فطاعتهم في ذلك ان كانت واجبة بطل التقليد. وان لم تكن واجبة بطل الاستدلال.
الرابع :أنه سبحانه وتعالى، قال في الآية نفسها :( فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ). وهذا صريح في إبطال التقليد والمنع من رد المتنازع فيه إلى رأي أو مذهب أو تقليد. فان قيل :فما هي طاعتهم المختصة بهم ؟ / فان كانت الطاعة فيما يخبرون به عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، كانت الطاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا لهم. قيل :هذا هو الحق. وطاعتهم إنما هي تبع لا استقلال. ولهذا قرنها بطاعة الرسول. وأعاد العامل لئلا يتوهم أنه إنما يطاع تبعا كما يطاع أولو الأمر تبعا. وليس كذلك. بل طاعته واجبة استقلالا. كان، ما أمر به أو نهى في الق
١ الأثر رقم ٩٨٥٦..
٢ أخرجه البخاري في: ٩٣ –كتاب الأحكام، ١ –باب قول الله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، حديث ١٤٠٩ ونصه: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله. ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني"..
٣ أخرجه البخاري في: ٦٥ –كتب التفسير، ٤ –سورة النساء، ١١ –باب قوله: (أطيعوا الله وأطلعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، حديث ١٩٩١..
٤ الأثر ٩٨٦١ ونصه:
حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن مفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها خالد بن الوليد، وفيها عمار بن ياسر. فساروا قبل القوم الذين يريدون. فلما بلغوا قريبا منهم عرسوا. وأتاهم ذو العيينتين (الجاسوس) فأخبرهم فأصبحوا قد هربوا. غير رجل أمر أهله فجمعوا متاعهم ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل حتى أتى عسكر خالد. فسأل عن عمار بن ياسر فأتاه فقال: يا أبا اليقظان! اني قد أسلمت وشهدت أن لا اله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله. وان قومي لما سمعوا بكم هربوا، واني بقيت. فهل اسلامي نافعي غدا، والا هربت؟ قال عمار: بل هو ينفعك فأقم. فأقام. فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحدا غير الرجل. فأخذه وأخذ ماله. فبلغ عمارا الخبر. فأتى خالدا فقال: خل عن الرجل فانه قد أسلم، وهو في أمان مني. فقال خالد: وفيم أنت تجير؟ فاستبا وارتفعا الى النبي صلى الله عليه وسلم. فأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير الثانية على أمير. فاستبا عند رسول الله صلى الله عليه سلم فقال خالد: يا رسول الله! أتترك هذا العبد الأجدع يسبني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا خالد لا تسب عمارا فانه من سب عمارا سبه الله. ومن أبغض عمار أبغضه الله. ومن لعن عمارا لعنه الله".
فغضب عمار فقام. فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر اليه، فرضي عنه.
فأنزل الله تعالى قوله: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)..

٥ أخرجه في: ٩٣ –كتاب الأحكام، ٤ –باب السمع والطاعة للامام ما لم تكن معصية، حديث ١٩٣٣ ونصه. عن علي رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية وأمر عليهم رجلا من الأنصار. وأمرهم أن يطيعوه. فغضب عليهم وقال: أليس قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟ قالوا: بلى. قال: قد عزمت عليكم لما جمعتم حطبا وأوقدتم نارا ثم دخلتم فيها. فجمعوا حطبا فأوقدوا (نارا) فلما هموا بالدخول فقام ينظر بعضهم الى بعض. قال بعضهم: انما تبعا النبي صلى الله عليه وسلم فرارا من النار، أفندخلها؟ فبينما هم كذلك اذ خمدت النار وسكن غضبه. فذكر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا. انما الطاعة في المعروف"..
٦ أخرجه في المسند بالصفحة ٤٢٦ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي)..
٧ |٥/ المائدة/ ٦٣| ونصها: (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الاثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون٦٣)..
٨ |١٦/ النحل/ ٤٣| ونصها: (وما أرسلنا من قبلك الا رجالا نوحي اليهم فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون٤٣)..
٩ |٤/ النساء/ ٨٣|..
١٠ أخرجه البخاري في: ٥٦ –كتاب الجهاد، ١٠٩ –باب يقاتل من رواء الامام ويتقى به، حديث ١٤٠٩ ونصه: عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله. ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني. وانما الامام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به. فان أمر بتقوى الله وعدل فان له بذلك أجرا. وان قال بغيره فان عليه منه"..
١١ أخرجه أبو داود في: ١٥ –كتاب الجهاد، ٨٧ –باب في الطاعة، حديث ٢٦٢٦..
١٢ أخرجه البخاري في: ٩٣ –كتاب الأحكام، ٤ –باب السمع والطاعة للامام ما لم تكن معصية، حديث ٤٣٤..
١٣ أخرج الدارمي في مسنده: المقدمة، ٢٣ –باب في كراهية أخذ الرأي. ونصه: عن أبي زرعة بن عمرو عن حية بنت أبي حية قالت: "دخل علينا رجل بالظهيرة. فقلت: يا عبد الله: من أين أقبلت؟ قال: أقبلت أنا وصاحب لي في بغاء لنا. فانطلق صاحبي يبغي ودخلت أنا أستظل بالظل وأشرب من الشراب.
قالت الى لبينة حامضة فسقيته منها فشرب وشربت.
قالت وتوسمته فقلت: يا عبد الله! من أنت؟ فقال: أنا أبو بكر. فقلت: أنت أبو بكر، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي سمعت به؟ قال: نعم.
قالت فذكرت غزونا خثعما وغزوة بعضنا بعضا في الجاهلية وما جاء الله به من الألفة وأطناب الفساطيط. فقلت: يا عبد الله! حتى متى ترى أمر الناس هذا؟ قال: ما استقامت الأئمة. قلت: ما الائمة؟ قال: أما رأيت السيد يكون في الحواء (بيوت مجتمعة على الماء) فيتبعونه ويطيعونه؟ فما استقام أولئك"..

١٤ |٤٢/ الشورى/ ١٠| (... ذلكم الله ربي عليه توكلت واليه أنيب١٠)..
ولما أوجب تعالى على جميع المكلفين أن يطيعوا الله ورسوله، آثرها بأن المنافقين والذين في قلوبهم مرض لا يطيعون الرسول ولا يرضون بحكمه، وإنما يريدون حكم غيره، فقال :
( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل اليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا٦٠ ).
( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل اليك ) يعني القرآن ( وما أنزل من قبلك ) يعني التوراة. ووصفهم بادعاء الإيمان بالقرآن وبما أنزل من قبله، لتأكيد العجيب من حالهم وتشديد التوبيخ والاستقباح، ببيان كمال المباينة بين دعواهم المقتضية حتما للتحاكم إلى الرسول، وبين ما صدر عنهم من مخالفة الأمر المحتوم ( يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ) الداعي إلى الطغيان بالحكم على خلاف المنزل اليك والمنزل على من قبلك. وتقدم قريبا معاني الطاغوت. والمراد به ههنا ما سوى كتاب الله وسنة رسوله، من الباطل ( وقد أمروا ) في جميع تلك الكتب ( أن يكفروا به ) أي يتبرؤوا منه. لأنه تحاكم على خلاف ما أنزل الله في كتبه فيعصونه ويطيعون الشيطان ( ويريد الشيطان ) أي من الجن والانس ( أن يضلهم ضلالا بعيدا ) عن الحق والهدى. وقوله :( ويريد الخ ) عطف على ( يريدون ) داخل في حكم التعجيب. فان اتباعهم لمن يريد اضلالهم واعراضهم عمن يريد هدايتهم، أعجب من كل عجيب.
( واذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله والى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا٦١ )
( واذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ) أي :إلى حكم ما أنزل الله في القرآن الذي تدعون الإيمان به ( وإلى الرسول ) أي :حكمه ( رأيت المنافقين يصدون ) أي يمنعون / خصومهم فيبعدونهم ( عنك صدودا ) بليغا ليتمكنوا مما يريدونه بالرشوة. وقوله تعالى :( وذا قيل الخ ) تكملة لمادة التعجيب ببيان إعراضهم صريحا عن التحاكم إلى كتاب الله تعالى ورسوله، اثر بيان إعراضهم عن ذلك في ضمن التحاكم إلى الطاغوت. وإظهار ( المنافقين ) في مقام الإضمار للتسجيل عليهم بالنفاق. وذمهم به. والإشعار بعلة الحكم.
تنبيه :في سبب نزولها.
أخرج ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال :" كان أبو برزة الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه. فتنافر إليه ناس من المسلمين. فأنزل الله :( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا ) –الى قوله- :( الا احسانا وتوفيقا ) ".
أقول :ثم أسلم أبو برزة وصحب النبي صلى الله عليه وسلم. واسمه نضلة بن عبيد.
قال الحافظ ابن حجر في ( التقريب ) :صحابي مشهور بكنيته. أسلم قبل الفتح. وغزا سبع غزوات. ثم نزل البصرة. وغزا خراسان ومات بها سنة خمس وستين على الصحيح. انتهى.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة، أو سعيد، عن ابن عباس قال :" كان الجلاس بن الصامت ومعتب بن قشير، ورافع بن زيد، وبشر يدعون الاسلام. فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين، في خصومة كانت بينهم، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدعوهم إلى الكهان، حكام الجاهلية. فأنزل الله فيهم :( ألم تر إلى الذين يزعمون... ) الآية ".
وأخرج ابن جرير١ عن الشعبي قال :" كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة. فقال اليهودي :أحاكمك إلى أهل دينك، أو قال :إلى النبي صلى الله عليه وسلم. لأنه قد علم أنه لا يأخذ الرشوة في الحكم. فاختلفا. واتفقا على أن يأتيا كاهنا في جهينة ". فنزلت، ولا تعارض. لما أسلفناه في المقدمة في بحث سبب النزول. فتذكر.
قال أبو مسلم الأصفهاني :ظاهر الآية يدل على أنه كان منافقا من أهل الكتاب. مثل :انه كان يهوديا فأظهر الإسلام على سبيل النفاق. لأن قوله تعالى :( يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) إنما يليق بمثل هذا المنافق. انتهى.
أقول :ما استظهره مناف لما أسلفناه مما روي في نزولها. على أن توصيفهم بالايمان ب ( ما أنزل من قبل ) لا يؤيد ما ذكره. لأن هذا كثير ما يذكر تنويها به وتثبيتا لركنيته في الايمان. وتذكيرا له. كما لا يخفى على من سبر قاعدة التنزيل في أمثاله. فاعرفه.
مباحث
الأول :قال الحافظ ابن كثير :هذه الآية إنكار من الله عز وجل على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين. وهو مع ذلك، يريد أن يتحاكم، في فصل الخصومات، إلى غير كتاب الله وسنة رسوله. كما ذكر في سبب نزول هذه الآية. ثم ساق ما قدمناه وقال :الآية أعم من ذلك كله. فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل. وهو المراد ب ( الطاغوت ) ههنا، وأعرضوا كالمستكبرين كما قال تعالى عن المشركين :( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ) ٢ وهؤلاء بخلاف المؤمنين الذين قال الله فيهم :( إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا... ) ٣ الآية.
الثاني :قال القاضي :يجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر. وعدم الرضا بحكم محمد صلى الله عليه وسلم كفر. ويدل عليه وجوه :
الأول :أنه تعالى قال :( يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ) فجعل التحاكم / إلى الطاغوت يكون ايمانا به. ولا شك أن الإيمان بالطاغوت كفر بالله. كما أن الكفر بالطاغوت ايمان بالله.
الثاني :قوله تعالى :( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم... ) إلى قوله :( ويسلموا تسليما ) ٤ وهذا نص في تكفير من لم يرض بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم.
الثالث :قوله تعالى :( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) ٥ وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة. وفي هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم فهو خارج عن الإسلام. سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد. وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة إليه من الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم. نقله الرازي.
الثالث :قال بعض المفسرين :في هذه الآية وجوب الرضا بقضاء الله سبحانه. والرضا بما شرعه. وتدل على أنه لا يجوز التحاكم إلى غير شريعة الاسلام.
قال الحاكم :وتدل على أن من لم يرض بحكمه كفر. وما ورد من فعل عمر وقتله المنافق يدل على أن دمه هدر. لا قصاص فيه ولا دية.
وههنا فرع. وهو أن يقال :إذا تحاكم رجلان في أمر فرضي أحدهما بحكم المسلمين وأبى الثاني. وطلب المحاكمة إلى حاكم الملاحدة. فانه يكفر. لأن في ذلك رضا بشعار الكفرة. انتهى.
الرابع :في قوله تعالى :( يريدون أن يتحاكموا ) دقيقة بديعة. قال أبو السعود :/ الاقتصار في معرض التعجب والاستقباح على ذكر ارادة التحاكم، دون نفسه، مع وقوعه أيضا – للتنبيه على أن ارادته مما يقضي منه العجب ولا ينبغي أن يدخل تحت الوقوع، فما ظنك بنفسه ؟
الخامس :قال المفسرون :انما صد المنافقون عن حكم الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا ظالمين. وعلموا أنه لا يأخذ الرشا. وأنه لا يحكم إلا بمر الحكم. وقيل :كان ذلك الصد لعداوتهم في الدين.
١ الأثر رقم ٩٨٩١..
٢ |٢/ البقرة/ ١٧٠| (... أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون١٧٠)..
٣ |٢٤/ النور/ ٥١| (... وأولئك هم المفلحون٥١)..
٤ |٤/ النساء/ ٦٥| ونصها: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما٦٥)..
٥ |٢٤/ النور/ ٦٣| ونصها: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم٦٣)..
وقوله تعالى :
( فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله ان أردنا إلا احسانا وتوفيقا٦٢ ).
( فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ) متصل بما قبله مبين غائلة جنايتهم المحكية ووخامة عاقبتها. أي كيف يكون حالهم إذا ساقتهم التقادير اليك، في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم، التي منها المحاكمة إلى الطاغوت والكراهة لحكمك، واحتاجوا إليك في ذلك ( ثم جاؤوك ) للاعتذار عما صنعوا من القبائح ( يحلفون بالله ) كذبا ( ان أردنا ) أي ما أردنا بذلك التحاكم ( الا احسانا ) أي فصلا بالوجه الحسن ( وتوفيقا ) بالصلح بين الخصمين. ولم نرد مخالفة لك ولا تسخطا لحكمك. فلا تؤاخذنا بما فعلنا. وهذا وعيد لهم على ما فعلوا. وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم. ولا يغني عنهم الاعتذار.
قال الرازي :ذكروا في تفسير قوله تعالى :( أصابتهم مصيبة ) وجوها :
الأول :ان المراد منه قتل عمر صاحبهم الذي أقر أنه لا يرضى بحكم الرسول عليه السلام. فهم جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فطالبوا عمر بدمه. وحلفوا أنهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا المصلحة. وهذا اختيار الزجاج.
قلت :واختياره غير مختار. لأن قصة قتل عمر لم ترو من طريق صحيح ولا حسن. فهي ساقطة عند المحققين. واستدلال الحاكم، الذي قدمناه، مسلم. لو صحت.
الثاني :قال أبو علي الجبائي :المراد من هذه المصيبة ما أمر الله تعالى الرسول عليه الصلاة والسلام من أنه لا يستصحبهم في الغزوات. وأنه يخصهم بمزيد الاذلال والطرد عن حضرته. وهو قوله تعالى :( لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا * ملعونين، أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا )١ وقوله :( فقل لن تخرجوا معي أبدا )٢ وبالجملة، فأمثال هذه الآيات توجب لهم الذل العظيم. فكانت معدودة في مصائبهم. وانما يصيبهم ذلك لأجل نفاقهم.
الثالث :قال أبو مسلم الأصفهاني :انه تعالى لما أخبر عن المنافقين أنهم رغبوا في حكم الطاغوت وكرهوا حكم الرسول، بشر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ستصيبهم مصائب تلجئهم إليه والى أن يظهروا له الإيمان به، والى أن يحلفوا بأن مرادهم الاحسان والتوفيق. قال :ومن عادة العرب عند التبشير والانذار أن يقولوا :كيف أنت إذا كان كذا وكذا ؟ ومثاله. قوله تعالى :( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد )٣ وقوله :( فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ) ٤. ثم أمره تعالى، إذا كان منهم ذلك، أن يعرض عنهم ويعظهم. انتهى.
١ |٣٣/ الأحزاب/ ٦٠ و٦١|..
٢ |٩/ التوبة/ ٨٣| ونصها: (فان رجعك الله الى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا انكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا الخالفين٨٣)..
٣ |٤/ النساء/ ٤١| ونصها: (فكيف اذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا٤١)..
٤ |٣/ آل عمران/ ٢٥| ونصها: (فكيف اذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون٢٥)..
( أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا٦٣ ).
( أولئك ) اشارة إلى المنافقين ( الذين يعلم الله ما في قلوبهم ) من النفاق والميل إلى الباطل وان أظهروا إسلامهم وعذرهم بحلفهم ( فأعرض عنهم ) أي لا تعاقبهم لمصلحة في استبقائهم ولا تزد على كفهم، بالموعظة والنصيحة عما هم عليه ( وعظهم ) أي ازجرهم عما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر ( وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ) أي مؤثرا واصلا إلى كنه المراد. فإن قيل :بم تعلق قوله تعالى :( في أنفسهم ) ؟ فالجواب :بقوله :( بليغا ) على رأي من يجيز تقديم معمول الصفة على الموصوف. أي قل لهم قولا بليغا في أنفسهم مؤثرا في قلوبهم يغتمون به اغتماما. ويستشعرون منه الخوف استشعارا. وهو التوعد بالقتل والاستئصال ان نجم منهم النفاق وأطلع قرنه. وأخبرهم أن ما في نفوسهم من الدغل والنفاق، معلوم عند الله. وانه لا فرق بينكم وبين المشركين. وما هذه المكافة إلا لاظهاركم الإيمان واسراركم الكفر واضماره. فان فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف. أو يتعلق بقوله :( قل لهم ) أي :قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق، قولا بليغا. وان الله يعلم ما في قلوبكم. لا يخفى عليه. فلا يغني عنكم ابطانه. فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق. والا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك، من انتقامه، وشرا من ذلك وأغلظ. أو قل لهم في أنفسهم خاليا بهم، ليس معهم غيرهم، مسارا لهم بالنصيحة، لأنها في السر أنجع وفي الامحاض أدخل ( قولا بليغا ) يبلغ منهم ويؤثر فيهم. كذا يستفاد من ( الكشاف ).
قال الناصر في ( الانتصاف ) ولكل من هذه التأويلات شاهد على الصحة.
أما الأول :فلأن حاصله أمره بتهديدهم على وجه مبلغ صميم قلوبهم. وسياق التهديد في قوله :( فكيف / إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك ) يشهد له. فانه أخبر بما سيقع لهم على سبيل التهديد.
وأما الثاني :فيلائمه من السياق قوله :( أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ) يعني ما انطوت عليه من الخبث والمكر والحيل. ثم أمره بوعظهم والاعراض عن جرائمهم حتى لا تكون مؤاخذتهم بها مانعة من نصحهم ووعظهم ثم جاء قوله :( وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ) كالشرح للوعظ ولذكر أهم ما يعظهم فيه. وتلك نفوسهم التي علم الله ما انطوت عليه من المذام. وعلى هذا يكون المراد الوعظ وما يتعلق به.
وأما الثالث :فيشهد له سيرته عليه الصلاة والسلام في كتم عناد المنافقين، والتجافي عن افصاحهم والستر عليهم، حتى عد حذيفة رضي الله عنه، صاحب سره عليه الصلاة والسلام. لتخصيصه اياه بالاطلاع على أعيانهم وتسميتهم له بأسمائهم. وأخباره في هذا المعنى كثيرة.
تنبيه :
قال بعض المفسرين :وثمرة الآية قبح الرياء والنفاق واليمين الكاذبة والعذر الكاذب. لأنهم اعتذروا بإرادتهم الإحسان. وذلك كذب. ثم قال :ودلت الآية على لزوم الوعظ والمبالغة فيه. انتهى.
وقوله تعالى :
( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما٦٤ ).
( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع باذن الله ) كلام مبتدأ. جيء به تهديدا لبيان خطئهم في ترك طاعة الرسول، والاشتغال بسر جنايتهم بالاعتذار بالأباطيل وعدم تلافيها بالتوبة. أي :وما أرسلنا رسولا إلا ليطاع فيما حكم، لا ليطلب الحكم من غيره. فطاعته فرض على من أرسل إليهم. وإنكار فرضيتها كفر.
وقوله :( بإذن الله ) أي :بسبب إذنه في طاعته، وبأنه أمر المبعوث إليهم بأن يطيعوه ويتبعوه، لأنه مؤد عن الله. فطاعته طاعة الله. ومعصيته معصية الله ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) ويجوز أن يراد :بتيسير الله وتوفيقه في طاعته ( ولو أنهم إذا ظلموا أنفسهم ) هذا الظلم العظيم غاية العظم، إذ عرضوها لعذاب، على عذاب النفاق، بترك طاعتك والتحاكم إلى الطاغوت ( جاؤوك ) تائبين من النفاق متنصلين عما ارتكبوا ( فاستغفروا الله ) من ذلك وتابوا إليه تعالى من صنيعهم ( واستغفر لهم الرسول ) أي دعا لهم بالمغفرة، فكان استغفاره شفاعة لقبول استغفارهم ( لوجدوا الله توابا ) أي قابلا لتوبتهم ( رحيما ) أي متفضلا عليهم بالرحمة وراء قبول التوبة.
لطيفة :
قال الزمخشري :ولم يقل :واستغفرت لهم، وعدل عنه إلى طريقة الالتفات، تفخيما لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيما لاستغفاره وتنبيها على أن شفاعة من اسمه الرسول، من الله بمكان. قال في ( الانتصاف ) :وفي هذا النوع خصوصية. وهي اشتماله على ذكر صفة مناسبة لما أضيف إليه. وذلك زائد على الالتفات بذكر الأعلام الجامدة.
تنبيهات
الأول :دلت الآية على أن توبة المنافق مقبولة عند الله وفاقا. وأما في الظاهر فظاهر الآية قبولها. لأنه جعل النبي صلى الله عليه وسلم مستغفرا لهم وشافعا. وعن الراضي بالله في ( الباطنية ) :ان أظهروا شبههم وما يعتادون كتمه، دل ذلك على صدق توبتهم. فيقبل وإلا فلا. ودلت الآية على أن من تكررت منه المعصية والتوبة صحت توبته لقوله تعالى :( توابا ) وذلك ينبئ عن التكرار. كذا في بعض التفاسير.
الثاني :قال الرازي :لقائل أن يقول :أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح، لكانت توبتهم مقبولة ؟ فما الفائدة في ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم :قلنا :الجواب / عنه من وجوه :
الأول :أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله. وكان أيضا إساءة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام. ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره. فلهذا المعنى وجب عليهم ان يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم.
الثاني :ان القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول، ظهر منهم ذلك التمرد. فإذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد. وما ذاك إلا بأن يذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه الاستغفار.
الثالث :لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل، فإذا انضم إليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول. انتهى.
أقول :وثمة وجه رابع :وهو التنويه بشأن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن طاعته طاعته تعالى، فرضاه رضاه وسخطه سخطه.
( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما٦٥ ).
( فلا وربك لا يؤمنون ) في السر ولا يستحقون اسم الإيمان في السر ( حتى يحكموك ) يجعلوك حاكما ويترافعوا اليك ( فيما شجر بينهم ) أي فيما اختلف بينهم من الأمور والتبس ( ثم لا يجدوا في أنفسهم ) في قلوبهم ( حرجا ) أي ضيقا ( مما قضيت ) بينهم ( ويسلموا ) أي :ينقادوا لأمرك ويذعنوا لحكمك ( تسليما ) تأكيد للفعل. بمنزلة تكريره. أي تسليما تاما بظاهرهم وباطنهم من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة. كما ورد في الحديث١ :" والذي نفسي بيده ! لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ".
تنبيهات
الأول :روى البخاري٢ عن الزهري عن عروة قال :" خاصم الزبير رجلا في شراج الحرة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم :اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فقال الأنصاري :يا رسول الله ! إن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال :اسق يا زبير. ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر. ثم أرسل الماء إلى جارك. واستوعى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري. وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة.
قال الزبير :فما أحسب هذه الآيات إلا نزلت في ذلك ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) ".
قال ابن كثير :هكذا رواه البخاري في ( كتاب التفسير ) في ( صحيحه ) من حديث / معمر. وفي كتاب ( المساقاة ) من حديث ابن جريج٣ ومعمر٤ أيضا. وفي كتاب ( الصلح ) من حديث شعيب بن أبي حمزة٥. ثلاثتهم عن الزهري عن عروة فذكره. وصورته صورة الإرسال وهو متصل في المعنى. وقد رواه الإمام أحمد٦ من هذا الوجه فصرح بالإرسال فقال :حدثنا أبو اليمان. أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير أن الزبير كان يحدث " أنه كان يخاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا، إلى النبي صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة. كان يستقيان بها كلاهما. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للزبير :اسق :ثم أرسل الماء إلى جارك. فغضب الأنصاري وقال يا رسول الله ! إن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال للزبير :أسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر. فاستوعى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم، قبل ذلك، أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري. فلما أحفظ الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم، استوعى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه في صريح الحكم.
قال عروة :فقال الزبير :والله ! ما أحسب هذه الآية أنزلت إلا في ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكوك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) ".
( هكذا رواه الإمام أحمد وهو منقطع بين عروة وبين أبيه الزبير فانه لم يسمع منه. والذي يقطع به أنه سمعه من أخيه عبد الله. فان أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم رواه كذلك في ( تفسيره ). فقال :حدثنا يونس بن عبد الأعلى. حدثنا ابن وهب. أخبرني الليث ويونس عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير حدثه، أن عبد الله بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام، " أنه خاصم رجلا... " الحديث ). قال ابن كثير :وهكذا رواه النسائي٧ من حديث ابن وهب به. ورواه أحمد والجماعة كلهم في مسند عبد الله بن الزبير. والله أعلم٨.
وروى ابن أبي حاتم عن الزهري عن سعيد بن المسيب في هذه الآية قال :" نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة. اختصما في ماء. فقضى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسقي الأعلى ثم الأسفل ".
قال ابن كثير :هذا مرسل. ولكن فيه فائدة تسمية الأنصاري. انتهى.
قال الحافظ ابن حجر في ( فتح الباري ) :وحكى الواحدي وشيخه الثعلبي والمهدوي أنه حاطب بن بلتعة. وتعقب بأن حاطبا، وان كان بدريا، لكنه من المهاجرين. لكن مستند ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن عبد العزيز عن الزهري عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى :( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكوك فيما شجر بينهم... ) الآية قال :نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة. اختصما في ماء... الحديث. واسناده قوي مع إرساله. فان كان سعيد بن المسيب سمعه من الزبير، فيكون موصولا. وعلى هذا فيؤول قوله :( من الأنصار ) على ارادة المعنى الأعم. كما وقع ذلك في حق غير واحد كعبد الله بن حذافة. وأما قول الكرماني بأن حاطبا كان حليفا للأنصار – ففيه نظر. / وأما قوله :( من بني أمية بن زيد ) فلعله كان مسكنه هناك، كعمر. ثم قال :ويترشح بأن حاطبا كان حليفا لآل الزبير بن العوام من بني أسد وكأنه كان مجاورا للزبير. والله أعلم. ( ج ٥ ص ٢٦ و٢٧ ).
أقول :وقع في التفسير المنسوب لابن عباس، ههنا، ذكر حاطب بن أبي بلتعة وتلقيبه بالمنافق وادراجه تحت قوله تعالى :( رأيت المنافقين ). وفي صحة هذا عن ابن عباس نظر. وكيف ؟ وقد كان رضي الله عنه من البدريين. وقد انتفى عمن شهدها.
قال التوربشتي :يحتمل أنه صدر ذلك منه بادرة النفس. كما وقع لغيره ممن صحت توبته. إذ لم تجر عادة السلف بوصف المنافقين بصفة النصرة التي هي المدح ولو شاركهم في النسب. قال :بل هي زلة من الشيطان تمكن به منها عند الغضب، وليس ذلك بمستنكر من غير المعصوم في تلك الحالة. انتهى.
ولما هم عمر رضي الله عنه بضرب عنقه في قصة الظعينة٩، قال حاطب :" لا تعجل علي / يا رسول الله ! والله ! اني لمؤمن بالله ورسوله. وما ارتددت ولا بدلت. فأقره صلى الله عليه وسلم، وكف عمر عنه. وقال صلى الله عليه وسلم لعمر :انه شهد بدرا. وما يدريك، يا عمر ؟ لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال :اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. فذرفت عينا عمر... " الحديث.
ولله در أصحاب الصحاح حيث أبهموا في قصة الزبير اسم خصمه سترا عليه كيلا يغض من مقامه. وهكذا ليكن الأدب. وكفانا أصلا عظيما في هذا الباب ابهام التنزيل الجليل في كثير من قصصه الكريمة. فهو ينبوع المعارف والآداب على مرور السنين والأحقاب. هذا كله على الجزم بأنها نزلت في قصة الزبير وخصمه. وقال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) :والراجح رواية الأكثر. وأن الزبير كان لا يجزم بذلك. ثم قال الحافظ ابن حجر :وجزم مجاهد والشعبي بأن الآية إنما نزلت فيمن نزلت فيه الآية قبلها وهي قوله تعالى :( ألم تر الخ ) فروى اسحاق بن راهويه في ( تفسيره ) باسناد صحيح عن الشعبي. قال :كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة. فدعا اليهودي المنافق إلى النبي صلى الله عليه وسلم. لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة. ودعا المنافق اليهودي إلى حكامهم. لأنه علم انهم يأخذونها. فأنزل الله هذه الآيات، الى... ( ويسلموا تسليما ).
وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، ونحوه.
وروى الطبري١٠ باسناد صحيح عن ابن عباس " أن حاكم اليهود يومئذ كان أبا برزة الأسلمي قبل أن يسلم ويصحب ". ( لم أعثر على هذا الأثر في نسخة التفسير التي بين يدي. )
وروى ١١باسناد آخر صحيح إلى مجاهد، أنه كعب بن الأشرف. انتهى.
وقال ابن كثير :ذكر سبب آخر غريب جدا. قال ابن أبي حاتم :حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة. أخبرنا ابن وهب. أخبرني عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود قال :" اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى بينهما. فقال المقضي عليه :ردنا إلى عمر بن الخطاب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :نعم. انطلقا اليه. فلما أتيا اليه، فقال الرجل :يا ابن الخطاب ! قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا، فقال :ردنا إلى عمر بن الخطاب فردنا اليك. فقال :أكذاك ؟ قال :نعم. فقال عمر :مكانكما حتى أخرج اليكما فأقضي بينكما. فخرج اليهما مشتملا على سيفه فضرب الذي قال :ردنا إلى عمر. فقتله. وأدبر الآخر. فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :يا رسول الله ! قتل عمر، والله ! صاحبي. ولولا أني أعجزته لقتلني.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن ". فأنزل الله :( فلا وربك لا يؤمنون... الآية ) فهدر دم ذلك الرجل وبرئ عمر من قتله. فكره الله أن يسن ذلك بعده. فأنزل :( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ) الآية " وكذا رواه ابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود به، وهو أثر غريب مرسل. وابن لهيعة ضعيف. والله أعلم.
طريق أخرى :قال الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دحيم في ( تفسيره ) :
حدثنا شعيب بن شعيب. حدثنا أبو المغيرة. حدثنا عتبة بن حمزة. حدثني أبي :" أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى للمحق على المبطل. فقال المقضي عليه :لا أرضى. فقال صاحبه :فما تريد ؟ قال :أن نذهب إلى أبي بكر الصديق. فذهبا إليه. فقال الذي قضى له :قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لي. فقال أبو بكر :أنتما على ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأبى أن يرضى. فقال :نأتي عمر بن الخطاب. فقال المقضي له :قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لي عليه. فأبى أن يرضى. فسأله عمر بن الخطاب، فقال كذلك. فدخل عمر منزله وخرج والسيف في يده قد سله. فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى. فقتله. فأنزل الله :( فلا وربك لا يؤمنون... الآية ) " انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) :روى الكلبي في ( تفسيره ) عن أبي صالح عن ابن عباس قال :" نزلت هذه الآية في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهودي خصومة. فقال اليهودي :انطلق بنا إلى محمد. وقال المنافق :بل نأتي كعب بن الأشرف. فذكر القصة. وفيه أن عمر قتل المنافق وأن ذلك نزول هذه الآيات وتسمية عمر الفاروق ". وهذا الإسناد، وان كان ضعيفا، لكن تقوى بطريق مجاهد. ولا يضره الاختلاف. لا مكان التعدد. وأفاد الواحدي باسناد صحيح عن سعيد عن قتادة أن اسم الأنصاري المذكور قيس. ورجح الطبري في ( تفسيره ) ١٢ وعزاه إلى أهل التأويل في ( تهذيبه ) أن سبب نزولها هذه القصة. ليتسق نظام الآيات كلها في سبب واحد. قال :ولم يعرض بينها ما يقتضي خلاف ذلك. ثم قال :ولا مانع أن تكون قصة الزبير وخصمه وقعت في أثناء ذلك فيتناولها عموم الآية، والله أعلم. انتهى.
قال الرازي :اعلم أن قوله تعالى :( فلا وربك لا يؤمنون ) قسم من الله تعالى على أنهم لا يصيرون موصوفين بصفة الإيمان إلا عند حصول شرائط :
أولها :قوله تعالى :( حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) وهذا يدل على أن من لم يرض بحكم الرسول لا يكون مؤمنا.
الشرط الثاني :/ قوله :( ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ). واعلم أن الراضي بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام قد يكون راضيا به في الظاهر دون القلب. فبين، في هذه الآية، أنه لا بد من حصول الرضا به في القلب. واعلم أن ميل القلب ونفرته شيء خارج عن وسع البشر. فليس المراد من الآية ذلك. بل المراد منه أن يحصل الجزم واليقين في القلب بأن الذي يحكم به الرسول هو الحق والصدق.
الشرط الثالث :قوله :( ويسلموا تسليما ). واعلم أن من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقا وصدقا، قد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك القبول. فبين تعالى أنه، كما لا بد في الإيمان من حصول ذلك اليقين في القلب، فلا بد أيضا من التس
١ قال السيد أحمد محمد شاكر في تعليقه على هذا الحديث بالصفحة رقم ٢١١ بالجزء الثالث من (عمدة التفسير) ما نصه، هو الحديث الحادي والأربعون من الأربعين النووية. ولكن ليس في أوله: "والذي نفسي بيده!" من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. قال النووي: حديث حسن صحيح. رويناه في كتاب الحجة باسناد صحيح. يريد (كتاب الحجة) لأبي الفتح المقدسي.
وذكر ابن رجب في (جامع العلوم والحكم، شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم) أنه رواه أيضا الحافظ أبو نعيم في (كتاب الأربعين) التي شرط فيها الصحة. وأنه رواه أيضا الطبراني. ثم أطال القول في تعليله. وعندي أن تعليله غير جيد. وأن الحديث صحيح. اه..

٢ أخرجه البخاري في: ٦٥ –كتاب التفسير، ٤ –سورة النساء، ١٢ –باب (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)، حديث ١١٨٠..
٣ أخرجه البخاري في: ٤٢ –كتاب المساقاة، ٨ –باب شرب الأعلى الى الكعبين..
٤ أخرجه البخاري في: ٤٢ –كتاب المساقاة، ٧ –باب شرب الأعلى قبل الأسفل..
٥ أخرجه البخاري في: ٥٣ –كتاب الصلح، ١٢ –باب اذا أشار الامام بالصلح فأبى حكم عليه بالحكم البين..
٦ أخرجه في المسند بالصفحة ١٦٥ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) الحديث ١٤١٩ (طبعة المعارف)..
٧ أخرجه النسائي في: ٤٩ –كتاب آداب القضاة، ١٩ –باب الرخصة للحاكم الأمين أن يحكم وهو غضبان، و ٢٧ –باب اشارة الحاكم بالرفق..
٨ انظر تعليق السيد احمد شاكر بالصفحة ٢١٣ من الجزء الثالث من (عمدة التفسير) فاقرأه واقرأه واقرأه، ثم اقرأه فلن تمله أبدا، ففيه ما لا ينبغي لمؤمن أن يجهله. بل ما ينبغي أن يعلمه علم اليقين..
٩ أخرجه البخاري في: ٥٦ –كتاب الجهاد، ١٤١ –باب الجاسوس وقول الله تعالى: (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء)، حديث ١٩٢٤، ونصه:
عن عبيد الله بن رافع قال: سمعت عليا رضي الله عنه يقول: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا والزبير والمفداد بن الأسود. قال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فان بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها" فانطلقنا تعادى بنا خليلنا. حتى انتهينا الى الروضة فاذا نحن بالظعينة. فقلنا: اخرجي الكتاب. فقالت: ما معي من كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب. فأخرجته من عقاصها. فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة الى أناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا حاطب! ما هذا؟" قال: يا رسول الله! لا تعجل علي. اني كنت امرءا ملصقا في قريش. ولم أكن من أنفسنا. وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحملون بها أهليهم وأموالهم. فأحببت، اذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتني. وما فعلت كفرا ولا ارتدادا، ولا رضا بالكفر بعد الاسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد صدقكم) قال عمر: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: "انه شهد بدرا. وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم"..

١٠ لم أعثر على هذا الأثر في نسخة التفسير التي بين يدي..
١١ الأثر رقم ١٩١٥..
١٢ انظر الصفحة رقم ٥٢٤ من الجزء الثامن (طبعة المعارف)..
وقوله تعالى :
( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم، ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا٦٦ ).
( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ). قال الرازي :اعلم أن هذه الآية متصلة بما تقدم من أمر المنافقين وترغيبهم في الإخلاص وترك النفاق. والمعنى :إنا لو شددنا التكليف على الناس، نحو أن نأمرهم بالقتل والخروج عن الأوطان، لصعب ذلك عليهم، ولما فعله إلا الأقلون. وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم. فلما لم نفعل ذلك، رحمة منا على عبادنا، بل اكتفينا بتكليفهم في الأمور السهلة، فليقبلوها بالإخلاص، وليتركوا التمرد والعناد، حتى ينالوا خير الدارين. انتهى.
ونقله فيما بعد عن ابن عباس. وعليه فمرجع الضمير في ( عليهم ) إلى المنافقين. وثمة وجه آخر. وهو عوده إلى الناس كافة. ويكون المراد ب ( القليل ) المؤمنين. واما الضمير في قوله :( ولو أنهم فعلوا ) فهو مختص بالمنافقين. ولا يبعد ان يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا. قرره الرازي. روى ابن جريج بسنده إلى أبي اسحاق السبيعي قال :" لما نزلت :( ولو أنا كتبنا عليهم... ) الآية. قال رجل :لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال :ان من أمتي لرجالا، الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي ". ورواه ابن أبي حاتم ونحوه. وأسند عن السدي قال :" افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من اليهود. فقال اليهودي :والله ! لقد كتب الله علينا القتل فقتلنا أنفسنا. فقال ثابت :والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم لفعلنا. فنزلت الأية. وأسند أيضا عن عامر بن عبد الله بن الزبير " أن هذه الأية لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم ". وأسند أيضا عن شريح بن عبيد قال :( لما تلا رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، أشار بيده إلى عبد الله بن رواحة فقال :لو أن الله كتب ذلك، لكان هذا من أولئك القليل ".
تنبيهات
الأول :قال بعض المفسرين :أراد حقيقة القتل والخروج من الديار. وقيل :أراد التعرض للقتل بالجهاد. وأراد الهجرة بالخروج من الديار. والمعنى :لو أمر المنافقون، كما أمر المؤمنون، ما فعلوه. انتهى. والقول الثاني بعيد. لأنه لا يعدل عن الحقيقة الا لضرورة. ولمنافاته للآثار المذكورة الصريحة في الأول.
الثاني :الضمير في ( فعلوه ) للمكتوب الشامل للقتل والخروج. لدلالة ( كتبنا ) عليه. أو هو عائد على أحد مصدري الفعلين. قال الخفاجي :وللعطف ب ( أو ) لزم توحيد الضمير. انتهى. / أقول :ذكر الشيخ خالد في ( التصريح ) أن افراد الضمير في العطف ب ( أو ) رأي البصريين. والتثنية رأي الكوفيين. فأفاد جواز الوجهين. قال محشيه العلامة يس :الذي نص عليه ابن مالك أن ( أو ) التي للشك والابهام يفرد بعدها الضمير. والتي للتنويع يطابق. نحو قوله تعالى :( ان يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ) ١. ونص على ذلك ابن هشام في ( المغني ) في ( بحث الجملة المعترضة ) فقال :( في قوله تعالى :( ان يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ) :الظاهر أن الجواب :فالله أولى بهما. ولا يرد ذلك تثنية الضمير كما قد توهموا. لأن ( أو ) هنا للتنويع. وحكمها حكم ( الواو ) في وجوب المطابقة. نص عليه الأبدي. وهو الحق. انتهى.
وبه يعلم أن ما اشتهر من أنه إذا ذكر متعاطفان ب ( أو ) فإنه يعاد الضمير إلى أحدهما – ليس على عمومه.
الثالث :قرأ ابن عامر ( قليلا ) بالنصب على الاستثناء. والباقون بالرفع بدلا من الضمير المرفوع ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ) أي :من متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته والانقياد لما يحكم به ظاهرا وباطنا. وسميت أوامر الله ونواهيه مواعظ، لاقترانها بالوعد والوعيد ( لكان ) أي :فعلهم ذلك ( خيرا لهم ) في عاجلهم وآجلهم ( وأشد تثبيتا ) أي لايمانهم، وأبعد من الاضطراب.
١ |٤/ النساء/ ١٣٥| ونصها: ( * يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ان يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وان تلوا أو تعرضوا فان الله كان بما تعملون خبيرا١٣٥)..
( وإذا لأتيناهم من لدنا أجرا عظيما٦٧ ).
( وإذا لأتيناهم من لدنا ) أي :من عندنا ( أجرا ) أي ثوابا –عظيما ) يعني الجنة.
( ولهديناهم صراطا مستقيما٦٨ ).
( ولهديناهم صراطا مستقيما ) أي لثبتناهم في الدنيا على دين قويم نرتضيه، وهو الاسلام.
ثم بين تعالى فضل الطاعة وأن ثمرتها مرافقة أقرب عباد الله إلى الله وأرفعهم درجات عنده. فقال :
( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا٦٩ ).
( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم ) ولم يذكر المنعم به اشعارا بقصور العبارة عن تفصيله وبيانه ( من النبيين ) الذين أنبأهم الله أكمل الاعتقادات والأحكام. وأمرهم بانبائها الخلق، كلا بمقدار استعداده ( والصديقين ) ( جمع صديق ) وهو المبالغ في صدق ظاهره بالمعاملة، وباطنه بالمراقبة. أو الذي يصدق قوله بفعله. كذا في ( المدارك ).
قال الرازي :للمفسرين ( في الصديق ) وجوه :
الأول :أن كل من صدق بكل الدين لا يتخالجه فيه شك فهو صديق. و الدليل عليه قوله تعالى :( والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ) ١.
الثاني :قال قوم :الصديقون أفاضل أصحاب النبي عليه الصلاة / والسلام.
الثالث :أن الصديق اسم لمن سبق إلى تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام. فصار في ذلك قدوة لسائر الناس. وإذا كان الأمر كذلك، كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه أولى الخلق بهذا الوصف. ثم جود الرازي الكلام في سبقه رضي الله عنه إلى التصديق، وفي كونه صار قدوة للناس في ذلك. فانظره. ( والشهداء ) الذين استشهدوا في سبيل الله تعالى ( والصالحين ) الذين صلحت أحوالهم وحسنت اعمالهم ( وحسن أولئك ) اشارة إلى النبيين والصديقين وما بعدهما ( رفيقا ) يعني في الجنة. والرفيق الصاحب. سمي رفيقا لارتفاقك به وبصحبته. وانما وحد ( الرفيق ) وهو صفة الجمع، لأن العرب تعبر به عن الواحد والجمع. كالصديق والخليط. والجملة تذييل مقرر لما قبله، مؤكد للترغيب والتشويق.
قال الزمخشري :فيه معنى التعجب. كأنه قيل :وما أحسن أولئك رفيقا ! ولاستقلاله بمعنى التعجب قرئ ( وحسن ) بسكون السين.
تنبيهات
الأول :قال الرازي :ليس المراد بكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين... الخ –كون الكل في درجة واحدة. لأن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول. وانه لا يجوز. بل المراد كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر، وان بعد المكان. لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا. وإذا أرادوا الزيارة والتلاقي قدروا عليه. فهذا هو المراد من هذه المعية.
الثاني :دلت الآية على أنه لا مرتبة بعد النبوة في الفضل والعلم إلا هذا الوصف. وهو كون الإنسان صديقا. ولذا أينما ذكر في القرآن الصديق والنبي لم يجعل بينهما واسطة. كما قال تعالى في وصف إسماعيل :( انه كان صادق الوعد ) ٢. وفي صفة إدريس :( انه كان صديقا نبيا ) ٣. وقال ( في هذه الآية ) :( مع النبيين والصديقين ). يعني انك إن ترقيت من الصديقية وصلت إلى النبوة. وان نزلت من النبوة وصلت إلى الصديقية. ولا متوسط بينهما. وقال في آية أخرى :( والذي جاء بالصدق وصدق به ) ٤. فلم يجعل بينهما واسطة. وكما دلت هذه الدلائل على نفي الواسطة، فقد وفق الله هذه الأمة الموصوفة بأنها خير أمة، حتى جعلوا الإمام بعد الرسول عليه الصلاة والسلام أبا بكر، على سبيل الإجماع. ولما توفي رضوان الله عليه دفنوه إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما ذاك الا أن الله تعالى رفع الواسطة بين النبيين والصديقين في هذه الآية. فلا جرم ارتفعت الواسطة بينهما في الوجوه التي عددناها. أفاده الرازي.
الثالث :روى الطبري في سبب نزولها عن سعيد بن جبير قال :" جاء٥ رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محزون. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :يا فلان ! ما لي أراك محزونا ! فقال :يا نبي الله ! شيء فكرت فيه. فقال :ما هو ! قال نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك. غدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك. فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم شيئا. فأتاه جبريل بهذه الآية :( ومن يطع الله والرسول ) الخ. فبعث النبي صلى الله عليه وسلم فبشره ". وقد روي هذا الأثر مرسلا عن مسروق وعن عكرمة وعامر الشعبي وقتادة وعن الربيع بن أنس. وهو من أحسنها سندا :قال الطبري٦ :حدثني المثنى قال :حدثنا اسحاق قال :حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع قال ( في هذه الآية ) :" ان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا :قد علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم له فضله على من آمن به في درجات الجنة. ممن اتبعه وصدقه. فكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضا ؟ فأنزل الله في ذلك هذه الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :ان الأعلين ينحدرون إلى من هو أسفل منهم فيجتمعون في رياضها فيذكرون ما أنعم الله عليهم ويثنون عليه. وينزل لهم أهل الدرجات فيسعون عليهم بما يشتهون وما يدعون به. فهم في روضة يحبرون، ويتنعمون فيه ". ورواه ابن مردويه من وجه آخر مرفوعا عن عائشة. قالت :" جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :يا رسول الله ! انك لأحب إلي من نفسي وأحب إلي من أهلي وأحب إلي من ولدي. واني لأكون في البيت فأذكرك. فما أصبر حتى آتيك، فأنظر إليك. وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك، إذا دخلت الجنة، رفعت مع النبيين. وان دخلت الجنة خشيت أن لا أراك. فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت عليه :" ومن يطع الله... ) الآية ". وهكذا رواه الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه في ( صفة الجنة ) باسناد قال فيه :لا أرى به بأسا.
الرابع :روي في السنة في معنى هذه الآية أخبار وافرة. منها :في ( صحيح مسلم )٧ عن ربيعة بن كعب الأسلمي أنه قال :" كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتيته بوضوء وحاجته فقال لي :سل :فقلت :أسألك مرافقتك في الجنة. فقال :أو غير ذلك ؟ قلت :هو ذاك. قال :فأعني على نفسك بكثرة السجود ". ومنها في ( مسند الإمام أحمد ) ٨ عن عمرو بن مرة الجهني :قال " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :يا رسول الله ! شهدت أن لا اله الا الله وأنك رسول الله. وصليت الخمس وأديت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :من مات على ذلك كان من النبيين والشهداء يوم القيامة هكذا ( ونصب أصبعيه ) ما لم يعق والديه ".
قال ابن كثير :تفرد به أحمد. ومنها ما رواه الإمام أحمد٩ أيضا عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" من قرأ ألف آية في سبيل الله تبارك وتعالى كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. ان شاء الله تعالى ". ومنها ما رواه الترمذي١٠ عن أبي سعيد قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء ".
قال ابن كثير :وأعظم من هذا كله بشارة، ما ثبت في ( الصحيح ) و ( المسانيد ) وغيرهما من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة :" ان رسول الله صلى الله عليه وسلم١١ سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم ؟ فقال :المرء مع من أحب.
قال أنس :فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث ".
وفي رواية عن أنس أنه قال :" اني لأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأحب أبا بكر وعمر. وأرجو أن يبعثني معهم، وان لم أعمل كعملهم ".
وعن أبي سعيد الخدري١٢ قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ان أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق، من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم. قالوا :يا رسول الله ! تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال :بلى. والذي نفسي بيده ! رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ". أخرجاه في ( الصحيحين ) من حديث الإمام مالك. واللفظ لمسلم.
١ |٥٧/ الحديد/ ١٩| ونصها: (والذين آمنوا بالله ورسوله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم١٩)..
٢ |١٩/ مريم/ ٥٤| ونصها: (واذكر في الكتاب اسماعيل انه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا٥٤)..
٣ |١٩/ مريم/ ٥٦| ونصها: (واذكر في الكتاب ادريس انه كان صديقا نبيا٥٦)..
٤ |٣٩/ الزمر/ ٣٣| ونصها: (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون٣٣)..
٥ الأثر رقم ٩٩٢٤..
٦ الأثر رقم ٩٩٢٨..
٧ أخرجه مسلم في: ٤ –كتاب الصلاة، حديث ٢٢٦ (طبعتنا)..
٨ جاء في (عمدة التفسير) بالصفحة ٢١٧ من الجزء الثالث. قال الأستاذ أحمد محمد شاكر معلقا على هذا الحديث ما يأتي: خفي علي مكانه من المسند. وبقوله أقول..
٩ أخرجه في المسند بالصفحة ٤٣٧ من الجزء الثالث (طبعة الحلبي)..
١٠ أخرجه الترمذي في: ١٢ –كتاب البيوع، ٤ –باب ما جاء في التجار وتسمية النبي صلى الله عليه وسلم اياهم..
١١ أخرجه البخاري في: ٧٨ –كتاب الأدب، ٩٦ –باب علامة حب الله عز وجل لقوله: (ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)، حديث ٢٣٥٧ ونصه:
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! كيف تقول في رجل أحب قوما ولم يلحق بهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المرء مع من أحب".
وأخرجه مسلم في: ٤٥ –كتاب البر والصلة والآداب، حديث ١٦٣ (طبعتنا) ونصه:
عن أنس بن مالك قال: جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: "وما أعددت للساعة؟" قال: حب الله ورسوله. قال: "فانك مع من أحببت".
قال أنس: فما فرحنا، بعد الاسلام، فرحا أشد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فانك مع من أحببت".
قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله، وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم، وان لم أعمل بأعمالهم..

١٢ أخرجه البخاري في: ٥٩ –كتاب بدء الخلق، ٨ –باب ما جاء في الجنة وأنها مخلوقة، حديث ١٥٤٠..
وقوله تعالى :
( ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما٧٠ )
( ذلك ) مبتدأ. اشارة إلى ما للمطيعين من الأجر ومزيد الهداية ومرافقة المنعم عليهم. أو إلى فضل هؤلاء المنعم عليهم ومزيتهم. فالمشار إليه إما جميع ما قبله أو ما يليه. ( الفضل ) صفة ( من الله ) خبره. أي :ذلك الفضل العظيم من الله تعالى لا من غيره. أو ( الفضل ) خبر، و ( من الله ) حال. والعامل فيه معنى الإشارة. أي :ذلك الثواب، لكمال درجته، كأنه هو الفضل. وان ما سواه ليس بشيء موجودا وكائنا من الله تعالى. لا أن أعمال المكلفين توجبه.
قال الناصر في ( الانتصاف ) :معتقدنا، معاشر أهل السنة، أن الطاعات والأعمال التي يتميز بها هؤلاء الخواص، خلق الله تعالى وفعله. وان قدرهم لا تأثير لها في أعمالهم. بل الله عز وجل يخلق على أيديهم الطاعات ويثيبهم عليها. فالطاعة إذا من فضله. فله الفضل على كل حال. والمنة في الفاتحة والمآل. وكفى بقول سيد البشر في ذلك حجة وقدوة. فقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام١ :" لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله. قيل :ولا أنت يا رسول الله ؟ قال :ولا أنا. إلا أن يتغمدني الله بفضل منه وبرحمة ". ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ). اللهم ! اختم لنا باقتفاء السنة. وأدخلنا بفضلك المحض الجنة. انتهى كلام الناصر. والحديث المذكور أخرجه الشيخان عن أبي هريرة. ( وكفى بالله عليما ) بجزاء من أطاعه وبمقادير الفضل واستحقاق أهله.
قال الرازي :وله موقع عظيم في توكيد ما تقدم من الترغيب في طاعة الله. لأنه تعالى نبه بذلك على أنه يعلم كيفية الطاعة وكيفية الجزاء والتفضل. وذلك مما يرغب المكلف في كمال الطاعة، والاحتراز عن التقصير فيه.
١ أخرجه البخاري في: ٧١ –كتاب الرقاق، ١٨ –باب القصد والمداومة هلى العمل، حديث ٣٥ ونصه:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لن ينجي أحدا منكم عمله" قالوا: ولا أنت، يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا. الا أن يتغمدني الله برحمة. سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة. والقصد القصد تبلغوا"..

ثم أعاد تعالى، بعد الترغيب في طاعته وطاعة رسوله، الأمر بالجهاد الذي تقدم، لأنه أشق الطاعات وأعظم الأمور التي يحصل بها تقوية الدين، فقال سبحانه :
( يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا٧١ ).
( يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ) أي تيقظوا واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم. يقال :أخذ حذره إذا تيقظ واحترز من المخوف. كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه. ويطلق الحذر على ما يحذر به ويصون. كالسلاح والحزم. أي :استعدوا للعدو. والحذر على هذا حقيقة. وعلى الأول من الكناية والتخييل. بتشبيه الحذر بالسلاح وآلة الوقاية. قال في ( الاكليل ) :فيه الأمر باتخاذ السلاح. وأنه لا ينافي التوكل. قال بعض المفسرين :دلت الآية على وجوب الجهاد وعلى استعمال الحذر، وهو الحزم، من العدو، وترك التفريط. وكذلك ما يحذرونه وهو استعمال السلاح على أحد التفسيرين. فتكون الرياضة بالمسابقة والرهان في الخيل، من أعمال الجهاد ( فانفروا ) أي اخرجوا إلى الجهاد ( ثبات ) جمع ( ثبة ) للجراءة ( أو انفروا جميعا ) أي مجتمعين كلكم كوكبة واحدة. إيقاعا للمهابة بتكثير السواد، ومبالغة في التحرز عن الخطر. قال الحاكم :اتفق العلماء على أن ذلك موكول إلى اجتهاد الإمام.
( وان منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا٧٢ )
( وان منكم لمن ليبطئن ) أي :ليتثاقلن وليتخلفن عن الجهاد والخروج مع الجماعة لنفاق. أو معناه :ليثبطن غيره. كما كان المنافقون يثبطون غيرهم. وكان هذا ديدن المنافق عبد الله بن أبي. وهو الذي ثبط الناس يوم أحد. وقد روي عن كثير من التابعين أن الآية نزلت في المنافقين. فإن ما حكي عنهم هو دأبهم. وقيل :الخطاب للمؤمنين وقوفا مع صدر الآية. فإنه قال :( يا أيها الذين آمنوا ) ثم قال :( وإن منكم ). وقد قال تعالى في المنافقين :( ما هم منكم ).
قال الحاكم :والتقدير على القول الأول :( وان منكم )، على زعمه، في الظاهر أو في حكم الشرع ( فان أصابتكم مصيبة ) كهزيمة، وشهادة، وغلب العدو لكم، لما لله في ذلك من الحكمة ( قال ) أي :المبطئ فرحا بصنعه، ومعجبا برأيه ( قد أنعم الله علي ) بالقعود ( إذ لم أكن معهم شهيدا ) أي حاضرا في المعركة. فيصيبني ما أصابهم. يعد ذلك من نعم الله عليه. ولم يدر ما فاته من الأجر في الصبر، أو الشهادة إن قتل.
( ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما٧٣ ).
( ولئن أصابكم فضل من الله ) كفتح، وغنيمة، ونصر، وظفر. ونسبة إصابة الفضل إلى جنابه تعالى، دون إصابة المصيبة، من العادات الشريفة التنزيلية. كما في قوله تعالى :( وإذا مرضت فهو يشفين ) ١. ( ليقولن ) ندامة على تثبطه وقعوده، وتهالكا على حطام الدنيا، وتحسرا على فواته ( كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ) أي :صلة في الدين، ومعرفة بالصحبة ( يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ) فأصيب غنائم كثيرة، وحظا وافرا. وقوله تعالى :( كأن لم ). الخ، اعتراض بين الفعل وهو ( ليقولن ) ومفعوله وهو ( يا ليتني الخ ) للتنبيه على ضعف عقيدتهم، وأن قولهم هذا قول من لم تتقدم له معكم موادة. لأن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر. وان كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن. وفيه تعجيب أيضا من قولهم المذكور. قال بعض المفسرين :ثمرة ذلك تأكيد وجوب الجهاد وتحريم التثبيط عنه. انتهى.
١ |٢٦/ الشعراء/ ٨٠|..
ولما ذم تعالى المبطئين عن الجهاد، رغب المؤمنين فيه بقوله سبحانه :
( فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما٧٤ ).
( فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ) أي :يبيعونها بها. وهم المؤمنون الذين يستحبون الآجلة على العاجلة ويستبدلونها بها. والمعنى :إن صد الذين في قلوبهم مرض، فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم في طلب الآخرة. ويقال :عنى بالموصول المنافقين المبطئين. أي الذين يشترونها ويختارونها على الآخرة. فيكون وعظا لهم بأن يبدلوا التثبيط بالجهاد ( ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل ) أي يستشهد ( أو يغلب ) أي :يظفر على العدو ( فسوف نؤتيه ) نعطيه ( أجرا عظيما ) ثوابا وافرا. روى الشيخان عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" تضمن الله لمن خرج في سبيله. لا يخرجه الا جهادا في سبيلي. وايمانا بي. وتصديقا برسلي. فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه. نائلا ما نال من أجر أو غنيمة " ( لفظ مسلم ) ١.
١ أخرجه في: ٣٣ –كتاب الامارة، حديث ١٠٣ (طبعتنا) ونصه:
... "والذي نفس محمد بيده! ما من كلم يكلم في سبيل الله الا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم، لونه لوم دم وريحه مسك. والذي نفس محمد بيده! لولا أن يشق على المسلمين، ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا. ولكن لا أجد سعة فأحملهم. ولا يجدون سعة. ويشق عليهم أن يتخلفوا عني. والذي نفس محمد بيده! لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل. ثم أغزو فأقتل. ثم أغزو فأقتل"..

( وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا٧٥ ).
( وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ) خطاب للمأمورين بالقتال، على طريقة الالتفات، مبالغة في التحريض عليه، وتأكيدا لوجوبه. وقوله تعالى :( والمستضعفين ) مجرور، عطفا على اسم الله. أي :في سبيل المستضعفين الذين هم كأنفسكم. وهو تخليصهم من الأسر وصونهم عن العدو. أو على السبيل، بحذف المضاف. أي في خلاص المستضعفين. أو منصوب على الاختصاص. يعني :وأختص من سبيل الله خلاص المستضعفين. لأن سبيل الله عام في كل خير. وخلاص المستضعفين من المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخير وأخصه.
قال في ( الانتصاف ) :وفي النصب مبالغة في الحث على خلاصهم من جهتين :
احداهما :التخصيص بعد التعميم. فإنه يقتضي اضمار الناصب الذي هو أختص. ولولا النصب لكان التخصيص معلوما من افراده بالذكر. ولكن أكد هذا المعلوم بطريق اللزوم، بأن أخرجه إلى النطق. ( من الرجال والنساء والولدان ) بيان للمستضعفين. أو حال منهم. وهم المسلمون الذين صدهم المشركون عن الهجرة. فبقوا بمكة مستذلين مستضعفين يلقون منهم الأذى الشديد. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لهم فيقول١ :" اللهم ! أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين ". كما في الصحيح.
انما ذكر ( الولدان ) معهم، تكميلا للاستعطاف واستجلاب المرحمة، وتنبيها على تناهي ظلم المشركين. بحيث بلغ أذاهم الصبيان. وإيذانا بإجابة الدعاء الآتي بسبب مشاركتهم في الدعاء ( الذين يقولون ) من إيذاء أهل مكة وإذلالهم إياهم، متبرئين من المقام بها ( ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ) أي :بالشرك الذي هو ظلم عظيم. وبأذية المسلمين. وهي مكة. و ( الظالم ) صفتها. وتذكيره لتذكير ما أسند إليه. فإن اسم الفاعل والمفعول إذا أجري على غير من هو له، كان كالفعل في التذكير والتأنيث، بحسب ما عمل فيه. قاله أبو السعود. ( واجعل لنا من لدنك وليا ) أي :سخر لنا من عندك حافظا يحفظ علينا ديننا ( واجعل لنا من لدنك نصيرا ) ناصرا يدفع عنا أذيات أعدائنا. أو المعنى :واجعل لنا من لدنك ولاية ونصرة. أي :لتكن أنت ولينا وناصرنا. وقد استجاب الله عز وجل دعاءهم حيث يسر لبعضهم الخروج إلى المدينة. وجعل لمن بقي منهم خير ولي وأعز ناصر. ففتح مكة على نبيه صلى الله عليه وسلم. فتولاهم أي تول، ونصرهم أي نصرة، حتى صاروا أعز أهلها.
وروى البخاري٢ بالسند إلى ابن عباس قال :" كنت أنا وأمي من المستضعفين ". وبه إليه٣ قال :" كانت أمي ممن عذر الله ".
قال الرازي :معنى الآية :لا عذر لكم في ترك المقاتلة. وقد بلغ حال المستضعفين من المسلمين إلى ما بلغ في الضعف. فهذا حث شديد على القتال، وبيان العلة التي صار لها القتال واجبا. وهو ما في القتال من تخليص هؤلاء المؤمنين من أيدي الكفرة. لأن هذا الجمع إلى الجهاد يجري مجرى فكاك الأسير اه. انتهى.
تنبيه :
قال بعض المفسرين :ثمرة هذه الآية تأكيد لزوم الجهاد. لأنه تعالى وبخ على تركه. وتدل الآية على لزوم استنقاذ المسلم من أيدي الكفار. ويأتي مثل هذا استنقاذه من كل مضرة، من ظالم أو لص وغير ذلك. ووجه مأخذ ذلك، أنه تعالى جعل ذلك كالعلم للانقطاع إليه. وتدل على أن حكم الولدان حكم الآباء، لأن الظاهر أنه أراد الصغار.
قال الزمخشري :ويجوز أن يراد بالرجال والنساء، الأحرار والحرائر. وبالولدان، العبيد والإماء. لأن العبد والأمة يقال لهما :الوليد والوليدة. وقيل ( للولدان والولائد ) :الولدان. لتغليب الذكور على الإناث. كما يقال :الآباء والإخوة. وتدل الآية على أن للداعي حقا عند الله. لأنه جعل ذلك اختصاصا لنصرته. وتدل على لزوم الهجرة من ديار الكفر. وأن المؤمن لا يذل نفسه بجعله مستضعفا. لأنه تعالى أوجب المقاتلة لزوال الغلبة عليهم. وفي الآيات هذه تأكيدات متتابعة على لزوم الجهاد.
لطيفة :
قال ناصر الدين في ( الانتصاف ) :وقفت على نكتة في هذه الآية حسنة. وهي أن كل قرية ذكرت في الكتاب العزيز، فالظلم ينسب إليها بطريق المجاز. كقوله :( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ) -إلى قوله- :( فكفرت بأنعم الله ) ٤. وقوله :( وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها ) ٥. وأما هذه القرية ( في سورة النساء ) فينسب الظلم إلى أهلها على الحقيقة. لأن المراد بها مكة. فوقرت عن نسبة الظلم إليها، تشريفا لها، شرفها الله تعالى.
١ أخرجه البخاري في: ١٠ –كتاب الأذان، ١٢٨ –باب يهوي بالتكبير حين يسجد، حديث ٢٥٢ ونصه:
عن أبي هريرة قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يرفع رأسه يقول: "سمع الله لمن حمده. ربنا ولك الحمد" يدعو لرجال يسميهم بأسمائهم فيقول: "اللهم! أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين. اللهم! اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف" وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له..

٢ أخرجه البخاري في: ٦٥ –كتاب التفسير، ٤ –سورة النساء، ١٤ –باب قوله: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله)، حديث ٧١٥..
٣ أخرجه البخاري في: ٦٥ –كتاب التفسير، ٤ –سورة النساء، ٨ –باب (الا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا)، حديث ٧١٥..
٤ |١٦/ النحل/ ١١٢| ونصها: (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون١١٢)..
٥ |٢٨/ القصص/ ٥٨| (... فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم الا قليلا وكنا نحن الوارثين٥٨)..
ثم شجع تعالى المؤمنين ورغبهم في الجهاد بقوله :
( الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا٧٦ )
( الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ) يعني في طاعته لإعلاء كلمته. فهو وليهم وناصرهم ( والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ) في طاعة الشيطان الآمر بغاية الطغيان. كإيذاء المستضعفين من المؤمنين وقتال أقويائهم ( فقاتلوا أولياء الشيطان ) أي :جنده. قال أبو السعود :وذكرهم بهذا العنوان للدلالة على أن ذلك نتيجة لقتالهم في سبيل الشيطان، والإشعار بأن المؤمنين أولياء الله تعالى لما أن قتالهم في سبيله. وكل ذلك لتأكيد رغبة المؤمنين في القتال وتقوية عزائمهم عليه. فإن ولاية الله تعالى علم في العزة والقوة. كما أن ولاية الشيطان مثل في الذلة والضعف. كأنه قيل :إذا كان الأمر كذلك، فقاتلوا، يا أولياء الله ! أولياء الشيطان. ثم صرح في التعليل فقيل :( إن كيد الشيطان كان ضعيفا ) أي :في حد ذاته. فكيف بالقياس إلى قدرة الله تعالى. ولم يتعرض لبيان قوة جنابه تعالى، إيذانا بظهورها. قالوا :فائدة إدخال ( كان ) في أمثال هذه المواقع التأكيد ببيان أنه منذ كان، كان كذلك. فالمعنى :أن كيد الشيطان منذ كان، كان موصوفا بالضعف. انتهى. ( والكيد ) :السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال عليه. يقال :كاده يكيده، إذا سعى في إيقاع الضرر على جهة الحيلة عليه. أفاده الرازي.
( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا٧٧ )
( ألم تر إلى الذين قيل لهم ) وهم المؤمنون عند استئذانهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال، قبل أن يؤمروا به ( كفوا أيديكم ) أي :عن القتال. فإنكم لم تؤمروا به ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) أي :أتموا الصلوات الخمس بوضوئها وركوعها وسجودها، وما يجب فيها من مواقيتها. وأعطوا زكاة أموالكم ( فلما كتب ) أي فرض ( عليهم القتال ) أي الجهاد في سبيل الله حين قوي حالهم ( إذا فريق منهم ) أي طائفة منهم وهم المنافقون. وإدخالهم مع المؤمنين لما كانوا يظهرونه من أنفسهم أنهم منهم ( يخشون الناس ) أي :يخافون أهل مكة الكفار أن يقتلوهم ( كخشية الله ) أي كما يخشون الله أن ينزل عليهم بأيه ( أو أشد خشية ) أي :أكثر خوفا منه.
فان قيل :ظاهر قوله :( أو أشد خشية ) يوهم الشك. وذلك على علام الغيوب محال. ( أجيب ) بأن ( أو ) اما بمعنى ( بل ) أو هي للتنويع. على أن معنى :أن خشية بعضهم كخشية الله، وخشية بعضهم أشد منها. أو للإبهام على السامع. بمعنى أنهم على احدى الصفتين من المساواة والشدة. وهو قريب مما في قوله تعالى :( أرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ) ١ يعني أن من يبصرهم يقول :انهم مائة ألف أو يزيدون.
تنبيه :
حكى المفسرون هنا رواية عن ابن عباس، أن هذه الآية نزلت في جماعة من الصحابة المهاجرين وأنهم كانوا يلقون من مشركي مكة، قبل الهجرة، أذى شديدا. فيشكون ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويقولون :ائذن لنا في قتالهم. فيقول لهم النبي صلى الله عليه وسلم :كفوا أيديكم. فاني لم أؤمر بقتالهم. واشتغلوا بإقامة دينكم من الصلاة والزكاة. ثم بعد الهجرة إلى المدينة، لما أمروا بقتالهم في وقعة بدر، كرهه بعضهم، فنزلت الآية.
وعندي أن هذه الآية كسوابقها نزلت في المنافقين، تقريعا لهم وتحذيرا للمخلصين، من شاكلتهم. والقول بنزولها في بعض المؤمنين لا يصح لوجوه :منها –أن في اسنادها عن ابن عباس من ليس على شرط الصحيح. ومنها –أن طلبهم للجهاد وهم في مكة، مع قلة العَدد والعُدد، وممالأة العدو عليهم من كل جانب –في غاية البعد. ومنها – أن السياق في المنافقين. وقد ابتدئ الكلام في شأنهم من قوله تعالى :( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ) -إلى قوله تعالى الآتي- :( فلا تتخذوا منهم أولياء... ) الآية. كما يظهر من التدبر الصادق. ومنها –أن هذا السياق اشتمل على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين. لأنه تعالى قال في وصفهم :( يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ). ولا يكون هذا الوصف إلا لكافر أو منافق. وحكى تعالى عنهم انهم قالوا :( ربنا لم كتبت علينا القتال ). ولم يعهد هذا عن المؤمنين، بل المحفوظ مبادرتهم للجهاد. كما روى ابن اسحاق في ( السيرة ) ٢ " أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار الناس في غزوة بدر. فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن. ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو فقال :يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ! امض لما أراك الله. فنحن معك. والله ! لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى :( اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ) ٣. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، انا معكما مقاتلون. فوالذي بعثك بالحق ! لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه.
ثم قال سعد بن معاذ :امض، يا رسول الله ! لما أردت، فنحن معك. فوالذي بعثك بالحق ! لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك. ما تخلف منا رجل واحد. وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا. إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء ". ومنها –أنه تعالى ذكر بعد ذلك قوله :( وان تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وان تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ) ٤. ولا شك أن هذا من كلام المنافقين. ثم صرح تعالى في آخر الكلام عليهم بقوله :( فما لكم في المنافقين فئتين ). فزال اللبس وبرح الخفاء.
وما أشبه هذه الآيات بقوله تعالى في ( سورة محمد ) ٥ :( ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة ). أي :تأمرنا بالجهاد، ( فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك... ) إلى قوله تعالى :( أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ) ( وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ) أي الجهاد في سبيلك ( لولا أخرتنا إلى أجل قريب ) أي :هلا عافتينا وتركتنا حتى نموت بآجالنا ( قل ) أي :تزهيدا لهم فيما يؤملونه بالقعود من المتاع الفاني، وترغيبا فيما ينالونه بالجهاد من النعيم الباقي ( متاع الدنيا ) أي ما يتمتع وينتفع به في الدنيا ( قليل ) سريع التقضي، وشيك الانصرام. وان أخرتم إلى ذلك الأجل ( والآخرة ) أي :ثوابها الذي من جملته الثواب المنوط بالجهاد ( خير ) أي :لكم من ذلك المتاع الفاني، لكثرته وعدم انقطاعه، وصفائه عن الكدورات. وانما قيل ( لمن اتقى ) حثا لهم على اتقاء العصيان والإخلال بموجب التكليف. ( ولا تظلمون فتيلا ) عطف على مقدر. ينسحب عليه الكلام. أي :تجزون فيها ولا تنقصون أدنى شيء من أجور أعمالكم، التي من جملتها مسعاكم في شأن القتال. فلا ترغبوا عنه. ( والفتيل ) ما في شق النواة من الخيط. يضرب به المثل في القلة والحقارة. وقرئ ( يظلمون ) بالياء، إعادة للضمير إلى ظاهر ( من ). أفاده أبو السعود.
روى ابن أبي حاتم قال :" قرأ الحسن :قل متاع الدنيا قليل. قال :رحم الله عبدا صحبها على حسب ذلك. ما الدنيا كلها، أولها وآخرها، إلا كرجل نام نومة فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه ". وقال ابن معين :كان أبو مصهر ينشد :
ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له من الله في دار المقام نصيب
فان تعجب الدنيا رجالا فإنها متاع قليل والزوال قريب
١ |٣٧/ الصافات/ ١٤٧|..
٢ انظر سيرة ابن هشام، الصفحة ٢٦٦ و٢٦٧ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي) و ص٤٣٤ و٤٣٥ (طبعة جوتنجن)..
٣ |٥/ المائدة/ ٢٤|..
٤ |٤/ النساء/ ٧٨| ونصها: (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وان تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وان تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا٧٨)..
٥ |٤٧/ محمد/ ٢٠ -٢٩|..
ثم بين تعالى أنه لا ينفعهم الفرار من الموت. لأنه لا خلاص لهم منه، بقوله :
( أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وان تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وان تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا٧٨ )
( أينما تكونوا ) أي :في أي مكان كونوا عند الأجل ( يدرككم الموت ) أي :الذي لأجله تكرهون القتال، زعما منكم أنه من مظانه. وتحبون القعود عنه، على زعم أنه منجاة منه. أي :وإذا كان لا بد من الموت، فبأن يقع على وجه يكون مستعقبا للسعادة الأبدية، كان أولى من أن لا يكون كذلك. ونظير هذه الآية قوله تعالى :( قل لن ينفعكم الفرار ان فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا ) ١. ( ولو كنتم في بروج ) أي حصون ( مشيدة ) أي :مرفوعة مستحكمة. لا يصل إليها القاتل الإنساني. لكنها لا تمنع القاتل الإلهي. كما قال زهير بن أبي سلمى٢ :
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو رام أسباب السماء بسلم
وقد ذكر ابن جرير ٣وابن أبي حاتم ههنا حكاية مطولة عن مجاهد. والشاهد منها هنا، أنها كانت أخبرت بأنها تموت بالعنكبوت. فاتخذ لها زوجها قصرا منيعا شاهقا ليحرزها من ذلك. فبينما هم يوما فإذا العنكبوت في السقف. فأراها إياها فقالت :أهذه التي تحذرها علي ؟ والله ! لا يقتلها إلا أنا. فأنزلوها من السقف. فعمدت إليها فوطئتها بإبهام رجلها فقتلتها. فطار من سمها شيء بين ظفرها ولحمها. واسودت رجلها. فكان في ذلك أجلها. فماتت.
ولما حكى تعالى عن المنافقين كونهم متثاقلين عن الجهاد. خائفين من الموت، غير راغبين في سعادة الآخرة، أتبع ذلك بخلة لهم أشنع، بقوله سبحانه :( وان تصبهم حسنة ) كخصب ورزق من ثمار وزروع وأولاد ونحوها ( يقولوا هذه من عند الله ) أي من قبله، لما علم فينا الخير ( وان تصبهم سيئة ) كقحط وجدب، وغلاء السعر، ونقص في الزروع والثمار، وموت أولاد ونتاج، ونحو ذلك ( يقولوا هذه من عندك ) يعنون :من شؤمك. كما قال تعالى عن قوم فرعون :( فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وان تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ) ٤. وعن قوم صالح :( قالوا اطيرنا بك وبمن معك ) ٥.
قال أبو السعود :فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يرد زعمهم الباطل ويرشدهم إلى الحق ويلقمهم الحجر، ببيان إسناد الكل إليه تعالى على الإجمال. إذ لا يجترؤون على معارضة أمر الله عز وجل حيث قيل :( قل كل من عند الله ) أي كل واحدة من النعمة والبلية من جهة الله تعالى، خلقا وايجادا، من غير أن يكون لي مدخل في وقوع شيء منها بوجه من الوجوه كما تزعمون. بل وقوع الأولى منه تعالى بالذات تفضلا. ووقوع الثانية بواسطة ذنوب من ابتلى بها عقوبة. كما سيأتي بيانه. فهذا الجواب المجمل في معنى ما قيل، ردا على أسلافهم من قوله تعالى :( ألا انما طائرهم عند الله )، أي انما سبب خيرهم وشرهم، أو سبب إصابة السيئة التي هي ذنوبهم، عند الله تعالى لا عند غيره. حتى يسندوها إليه ويطيروا به ( فمال هؤلاء القوم ) يعني المنافقين ( لا يكادون يفقهون حديثا ) أي قولا. والجملة اعتراضية مسوقة لتعييرهم بالجهل وتقبيح حالهم والتعجب من كمال غباوتهم. إذ لو فقهوا شيئا لعلموا مما يوعظون به، أن الله هو القابض الباسط. وأن النعمة منه تعالى بطريق التفضل والإحسان. والبلية بطريق العقوبة على ذنوب العباد.
١ |٣٣/ الأحزاب/ ١٦|..
٢ هو البيت والأربعون من معلقته التي أولها:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم ***بحومانة الدراج فالمتثلم
قال التبريزي: ويروى:
ومن يبغ أطراف الرماح ينلنه*** ولو رام أن يرقى السماء بسلم
يقول: من تعرض للرماح نالته. ورام معناه حاول. والأسباب النواحي. وانما عنى بها من يهاب كراهة أن تناله. لان المنايا تنال من يهابها ومن لا يهابها. ونظير هذا قوله عز وجل: (قل ان الموت الذي تفرون منه فانه ملاقيكم). والموت يلاقي من فر ومن لا يفر..

٣ الأثر رقم ٩٩٥٨..
٤ |٧/ الأعراف/ ١٣١| (... ألا انما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون١٣١)..
٥ |٢٧/ النمل/ ٤٧| (... قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون٤٧)..
( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا٧٩ ).
( وما أصابك من حسنة ) أي :نعمة ( فمن الله ) أي :فمن نعمته وتفضله ابتداء ( وما أصابك من سيئة ) أي :بلية ( فمن نفسك ) أي من شؤمها بسبب اقترافها المعاصي الموجبة لها. وان كانت من حيث الإيجاد منتسبة إليه تعالى، نازلة من عنده عقوبة، كقوله تعالى :( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير )١.
روى ابن عساكر عن البراء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود الا بما قدمت أيديكم. وما يغفر الله أكثر ".
وروى الترمذي٢ عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا يصيب عبدا نكتة فما فوقها أو دونها، إلا بذنب. وما يعفو الله أكثر. قال وقرأ :( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ) ".
لطيفة :
الخطاب في ( أصابك ) عام لكل من يقف عليه. لا للنبي صلى الله عليه وسلم كقوله٣ :
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته
ويدخل فيه المذكورون دخولا أوليا. وجوز أن يكون الخطاب له صلى الله عليه وسلم، كما قبله وما بعده، لكن لا لبيان حاله صلى الله عليه وسلم، بل لبيان حال الكفرة بطريق التصوير. ولعل ذلك لإظهار كمال السخط والغضب عليهم، والإشعار بأنهم لفرط جهلهم وبلادتهم بمعزل من استحقاق الخطاب. لاسيما بمثل هذه الحكمة الأنيقة. قرره أبو السعود.
قال بعض المفسرين :وثمرة الآية رد التطير والتشاؤم.
( وأرسلناك للناس رسولا ) بيان لجلالة منصبه صلى الله عليه وسلم ومكانته عند الله عز وجل. بعد بيان بطلان زعمهم الفاسد في حقه عليه الصلاة والسلام. بناء على جهلهم بشأنه الجليل. وتعريف ( الناس ) للاستغراق. أفاده أبو السعود. أي :فمن أين يتصور لك الشؤم وقد أرسلت داعيا العموم إلى الخيرات ؟ فأنت منشأ كل خير ورحمة ( وكفى بالله شهيدا ) أي :على رسالتك وصدقك، بإظهار المعجزات على يديك. أي :وإذا ثبتت رسالتك، فاليمن في طاعتك، والشؤم في مخالفتك.
١ |٤٢/ الشورى/ ٣٠|..
٢ أخرجه الترمذي في: ٤٤ –كتاب التفسير، ٤٢ –سورة الشورى، ٢ –حدثنا عبد بن حميد. ونصه: عن عبيد الله بن الوازع: حدثني شيخ من بني مرة قال: قدمت الكوفة فأخبرت عن بلال بن أبي بردة. فقلت: ان فيه لمعتبرا. فأتيته وهو محبوس في داره التي كان قد بنى. قال واذا كل شيء منه قد تغير، من العذاب والضرب. واذا هو في قشاش (لقاطة) فقلت: الحمد لله، يا بلال، لقد رأيتك وأنت تمر بنا، تمسك بأنفك من غير غيار. وأنت في حالك هذا اليوم.
فقال: ممن أنت؟ فقلت: من بني مرة بن عباد. فقال: ألا أحدثك حديثا عسى الله أن ينفعك به؟ قلت: هات. قال: حدثني أبي، أبو بردة عن أبيه، أبي موسى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال....

٣ قائله المتنبي. من قصيدة له مطلعها:
لكل امرئ من دهره ما تعودا وعادات سيف الدولة الطعن في العدا
ومعنى البيت ما قاله شارحه عبد الرحمان البرقوقي:
يقول: ان الكريم يقدر الاكرام حق قدره. فاذا أنت أكرمت الكريم صار كأنه مملوك لك. أما اللئيم، فانك اذا أكرمته، زاد عتوا وجرأة عليك..

( من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا٨٠ ).
( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) لأنه عليه الصلاة والسلام مبلغ لأمره ونهيه. فمرجع الطاعة وعدمها هو الله سبحانه وتعالى :( ومن تولى ) عن طاعته ( فما أرسلناك عليهم حفيظا ) أي كفيلا تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها وتعاقبهم بحسبها ( فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ) ١.
١ |١٣/ الرعد/ ٤٠| ونص الآية: (وان ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فانما عليك البلاغ وعلينا الحساب٤٠)..
ولما بين تعالى وجوب طاعة الرسول، تأثره بذكر معاملتهم معه. فقال :
( ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا٨١ ).
( ويقولون ) أي :المنافقون، إذا أمرتهم بشيء، وهم عندك ( طاعة ) بالرفع. أي :أمرنا وشأننا طاعة. ويجوز النصب بمعنى :أطعناك طاعة. كما يقول المنقاد :سمعا وطاعة. وسمع وطاعة. قال سيبويه :سمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال له :كيف أصبحت ؟ فيقول، حمد الله وثناء عليه. كأنه قال :أمري وشأني حمد الله وثناء عليه. ولو نصب ( حمد الله ) كان على الفعل. والرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها. ( فإذا برزوا ) أي خرجوا ( من عندك ) أي :من مجلسك ( بيت ) أي :دبر ليلا ( طائفة منهم ) أي من القائلين المذكورين وهم رؤساؤهم ( غير الذي تقول ) أي :خلاف ما قالت لك، من القبول وضمان الطاعة. لأنهم مصرون على الرد والعصيان. وإنما يظهرون ما يظهرون على وجه النفاق.
تنبيهان
الأول :في ( القاموس وشرحه ) وبيت الأمر :عمله أو دبره ليلا. وقال الزجاج :كل ما فكر فيه، أو خيض بليل، فقد بيت. ويقال :بيت بليل ودبر بليل بمعنى واحد. وفي الحديث :" أنه كان صلى الله عليه وسلم لا يبيت مالا ولا يقيله ". أي :إذا جاءه مال لا يمسكه إلى الليل ولا إلى القائلة. بل يعجل قسمته١ ( لم أقف على هذا الحديث. ). انتهى.
ونقل الرازي عن الزجاج أيضا :أن كل أمر تفكر فيه وتأمل في مصالحه ومفاسده كثيرا، يقال فيه مبيت. وفي اشتقاقه وجهان :
الأول :من البيتوتة لأن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس الإنسان في بيته بالليل. فهناك تكون الخواطر أخلى، والشواغل أقل. فلما كان الغالب أن الإنسان وقت الليل يكون في البيت، والغالب أنه يستقصي الأفكار في الليل، لا جرم سمى الفكر المستقصي مبيتا.
الثاني :اشتقاقه من أبيات الشعر. لأن الشاعر يدبرها ويسويها. قال الأخفش :العرب إذا أرادوا قرض الشعر بالغوا في التفكر فيه. فسموا المتفكر فيه، المستقصي، مبيتا. تشبيها له ببيت الشعر. من حيث انه يسوي ويدبر.
الثاني :تذكير الفعل. لأن تأنيث ( طائفة ) غير حقيقي. لأنها في معنى الفوج والفريق. وإسناده إلى طائفة منهم، لبيان أنهم المتصدون له بالذات. والباقون أتباع لهم في ذلك. لا لأن الباقين ثابتون على الطاعة. ( والله يكتب ما يبيتون ) أي :يثبته في صحائف أعمالهم بما يأمر به حفظته الكاتبين الموكلين بالعباد فيجازيهم عليه.
قال ابن كثير :والمعنى في هذا التهديد، أنه تعالى يخبر بأنه عالم بما يضمرونه ويسرونه فيما بينهم. وما يتفقون عليه ليلا من مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم وعصيانه. وان كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة. وسيجزيهم على ذلك. انتهى.
وجوز أن يكون المعنى :والله يكتبه في جملة ما يوحي إليك في كتابه، فيطلعك على أسرارهم. فلا يحسبوا أن إبطانهم يغني عنهم. فالقصد لتهديدهم على الأول. وتحذيرهم من النفاق لأن الله يظهره، على الثاني. ( فأعرض عنهم ) أي تجاف عنهم ولا تعاقبهم ( وتوكل على الله ) أي ثق بالله في شأنهم. فإن الله يكفيك شرهم وينتقم منهم ( وكفى بالله وكيلا ) كفيلا بالنصرة والدولة لك عليهم.
١ لم أقف على هذا الحديث..
( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا٨٢ ).
( أفلا يتدبرون القرآن ) انكار واستقباح لعدم تدبرهم القرآن واعراضهم عن التأمل فيما فيه من موجبات الإيمان، ليعلموا كونه من عنده تعالى، بمشاهدة ما فيه من الشواهد التي من جملتها هذا الوحي الصادق والنص الناطق بنفاقهم المحكي على ما هو عليه. وأصل التدبر التأمل والنظر في أدبار الأمر وعواقبه خاصة. ثم استعمل في كل تأمل، سواء كان نظرا في حقيقة الشيء وأجزائه، أو سوابقه وأسبابه، أو لواحقه وأعقابه ( ولو كان ) أي القرآن ( من عند غير الله ) تعالى كما يزعمون ( لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) بأن يكون بعض أخباره غير مطابق للواقع. إذ لا علم بالأمور الغيبية، ماضية كانت أو مستقبلية، لغيره سبحانه. وحيث كانت كلها مطابقة للواقع، تعين كونه من عنده تعالى. قال الزجاج :ولولا أنه من عند الله تعالى لكان ما فيه من الإخبار بالغيب، مما يسره المنافقون وما يبيتونه، مختلفا :بعضه حق وبعضه باطل. لأن الغيب لا يعلمه الا الله تعالى.
وقال أبو بكر الأصم :ان هؤلاء المنافقين كانوا يتواطؤون في السر على أنواع كثيرة من الكيد والمكر. كان الله تعالى يطلع الرسول عليه الصلاة والسلام على ذلك. ويخبره بها مفصلة. فقيل لهم إن ذلك، لو لم يحصل بإخبار الله تعالى لما اطرد الصدق فيه، ولوقع فيه الاختلاف. فلما لم يقع ذلك قط، علم أنه بإعلامه تعالى. وأما حمل الاختلاف على التناقض وتفوت النظم في البلاغة، فمما لا يساعده السباق ولا السياق. أفاده أبو السعود.
تنبيه :
دلت الآية على وجوب النظر والاستدلال. وعلى القول بفساد التقليد. لأنه تعالى أمر المنافقين بالاستدلال بهذا الدليل على صحة نبوته. أفاده الرازي.
وفي الآية، أيضا، الحث على تدبر القرآن ليعرف إعجازه من موافقته للعلوم واشتماله على فوائد منها. وكمال حججه وبلاغته العليا. موافقة أحكامه للحكمة. وأخباره الماضية لكتب الأولين، والمستقبلة للواقع.
قال الحافظ ابن حجر :من أمعن في البحث عن معاني كتاب الله، محافظا على ما جاء في تفسيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، الذين شاهدوا التنزيل، وحصل من الأحكام ما يستفاد من منطوقه ومفهومه، وعن معاني السنة وما دلت عليه كذلك، مقتصرا على ما يصلح للحجة منها، فإنه الذي يحمد وينتفع به. وعلى ذلك يحمل عمل فقهاء الأمصار من التابعين فمن بعدهم. انتهى.
وقد روى البخاري ١في ( صحيحه ) تعليقا عن ابن عون ( وهو عبد الله البصري، من صغار التابعين )، أنه قال :" ثلاث أحبهن لنفسي ولاخواني :هذه السنة أن يتعلموها ويسألوا عنها. والقرآن أن يتفهموه ويسألوا الناس عنه. ويدعوا الناس إلا من خير ". وفي رواية ( فيتدبروه ) بدل ( يتفهموه ).
قال الكرماني :قال في القرآن :يتفهموه، وفي السنة :يتعلموها. لأن الغالب أن المسلم يتعلم القرآن في أول أمره فلا يحتاج إلى الوصية بتعلمه. فلهذا أوصى بتفهم معناه وإدراك منطوقه. انتهى. وفي بقية الآية العذر للمصنفين فيما يقع لهم من الاختلاف والتناقض. لأن السلامة عن ذلك من خصائص القرآن.
١ أخرجه البخاري في: ٩٦ –كتاب الاعتصام، ٢ –باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: (واجعلنا للمتقين إماما)..
ثم ذكر تعالى عن المنافقين نوعا آخر من مفاسدهم. وهو إظهارهم أسرارا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومبادرتهم بأخبار السرايا واذاعتها، بقوله تعالى :
( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا٨٣ )
( واذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف ) أي :مما يوجب أحدهما ( أذاعوا به ) أي :أفشوه. فتعود اذاعتهم مفسدة من وجوه :
الأول :أن مثل هذه الارجافات لا تنفك عن الكذب الكثير.
والثاني :أنه إن ذلك الخبر في جانب الأمن، زادوا فيه زيادات كثيرة. فإذا لم توجد تلك الزيادات، أورث ذلك شبهة للضعفاء في صدق الرسول صلى الله عليه وسلم. لأن المنافقين كانوا يروون تلك الارجافات عن الرسول. وان كان ذلك في جانب الخوف، تشوش الأمر بسببه على ضعفاء المسلمين، ووقعوا عنده في الحيرة والاضطراب، فكانت تلك الارجافات سببا للفتنة من هذا الوجه.
والثالث :أن الارجاف سبب لتوفير الدواعي على البحث الشديد والاستقصاء التام. وذلك سبب لظهور الأسرار. وذلك مما لا يوافق مصلحة المدينة.
والرابع :أن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين والكفار. فكل ما كان أمنا لأحد الفريقين كان خوفا للفريق الثاني. فإن وقع خبر الأمن للمسلمين وحصول العسكر وآلات الحرب لهم، أرجف المنافقون بذلك. فوصل الخبر في أسرع مدة إلى الكفار. فأخذوا في التحصن من المسلمين، وفي الاحتراز عن استيلائهم عليهم. وان وقع خبر الخوف للمسلمين بالغوا في ذلك وزادوا فيه، وألقوا الرعب في قلوب الضعفة والمساكين. فظهر من هذا أن ذلك الإرجاف كان منشئا للفتن والآفات من كل الوجوه. ولما كان الأمر كذلك ذم الله تعالى تلك الإذاعة وذلك التشهير، ومنعهم منه. أفاده الرازي. ( ولو ردوه ) أي ذلك الأمر الذي جاءهم ( إلى الرسول والى أولي الأمر منهم ) وهم كبراء الصحابة البصراء في الأمور رضي الله عنهم، أو الذين يؤمرون منهم وكانوا كأن لم يسمعوا ( لعلمه ) أي :الأمر / ( الذين يستنبطونه ) أي يستعملونه ويتطلبونه وهم المنافقون المذيعون ( منهم ) أي من الرسول وأولي الأمر. يعني لو أنهم قالوا :نسكت حتى نسمعه من جهة الرسول ومن ذكر معه، ونعرف الحال فيه من جهتهم، لعلموا صحته وأنه هل هو مما يذاع أو لا ؟ وإنما وضع الموصول موضع الضمير، يعني لم يقل ( لعلموه ) لزيادة تقرير الغرض المسوق له الكلام. أو لذمهم أو للتنبيه على خطأهم في الفحص عن استخراج وإظهار خفي ذلك الأمر.
قال الناصر في ( الانتصاف ) :في هذه الآية تأديب لكل من يحدث بكل ما يسمع. وكفى به كذبا. وخصوصا عن مثل السرايا والمناصبين الأعداء والمقيمين في نحر العدو. وما أعظم المفسدة في لهج العامة بكل ما يسمعون من أخبارهم، خيرا أو غيره. انتهى.
وقد روى مسلم١ عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :" كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما يسمع ". وعند أبي داود ٢والحاكم عنه :" كفى بالمرء اثما ". ورواه الحاكم أيضا عن أبي أمامة.
هذا، ونقل الرازي وجها آخر في الموصول. وهو أن المعني به طائفة من أولي الأمر. قال :والتقدير :ولو أن المنافقين ردوه إلى الرسول والى أولي الأمر لكان علمه حاصلا عند من يستنبط هذه الوقائع من أولي الأمر. وذلك لأن أولي الأمر فريقان :بعضهم من يكون مستنبطا وبعضهم من لا يكون كذلك. فقوله " منهم " يعني لعلمه الذين يستنبطون المخفيات من طوائف أولي الأمر. فإن قيل :إذا كان الذين أمرهم الله برد هذه الأخبار إلى الرسول والى أولي الأمر هم المنافقون، فكيف جعل أولي الأمر منهم في قوله :( والى أولي الأمر منهم ) ؟ قلنا :إنما جعل أولي الأمر منهم على حسب الظاهر. لأن المنافقين يظهرون من أنفسهم أنهم يؤمنون. ونظيره قوله تعالى :( وان منكم لمن يبطئن ) ٣. وقوله :( ما فعلوه إلا قليل منهم ). انتهى.
وعلى هذا الوجه يحمل قول السيوطي في ( الاكليل ) :قوله تعالى :( ولو ردوه )... الآية، هذا أصل عظيم في الاستنباط والاجتهاد. وقول المهايمي :فلو وجدوا في القرآن ما يوهم الاختلاف، لوجب عليهم استفسار الرسول والعلماء الذين هم أولو الأمر، ليعلمهم منهم المجتهدون في استنباط وجوه التوفيق. وقال بعض الامامية :ثمرة الآية انه يجب كتم ما يضر إظهاره المسلمين. وأن إذاعته قبيحة. وأنه لا يخبر بما لم يعرف صحته. وتدل على تحريم الإرجاف على المسلمين. وعلى أنه يلزم الرجوع إلى العلماء في الفتيا. وتدل على صحة القياس والاجتهاد. لأنه استنباط. انتهى.
تنبيه :
ما نقله الزمخشري وتبعه البيضاوي وأبو السعود وغيرهم، من أن قوله تعالى :( وإذا جاءهم ) عنى به طائفة من ضعفة المسلمين – فإن أرادوا بالضعفة المنافقين، فصحيح. وإلا فبعيد غاية البعد كما يعلم من سباق الآية وسياقها. وكذا ما نوعوه من الأقوال في معناها. فكله لم يصب المرمى. والذي يعطيه الذوق السليم في الآية هو الوجه الأول. ولها إشعار بالوجه الثاني لا تأباه. فتبصر ولا تكن أسير التقليد. ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ) بإرسال الرسول وإنزال الكتاب ( لاتبعتم الشيطان ) بالكفر والضلال ( إلا قليلا ) أي :إلا قليلا منكم ممن تفضل الله عليه بعقل صائب فاهتدى به إلى الحق والصواب، وعصمه عن متابعة الشيطان. كمن اهتدى إلى الحق في زمن الفترة. كقس بن ساعدة وأضرابه. وهم عشرة. وقد أوضحت شانهم في كتابي ( ايضاح الفطرة في أهل الفترة ) في ( الفصل / الرابع عشر ) فانظره. ونقل الرازي عن أبي مسلم الأصفهاني، أن المراد بفضل الله ورحمته، هنا، هو نصرته تعالى ومعونته اللذان عناهما المنافقون بقولهم :( فأفوز فوزا عظيما ". أي :لولا تتابع النصرة والظفر لاتبعتم الشيطان وتوليتم الا القليل منكم من المؤمنين من أهل البصيرة الذين يعلمون أنه ليس مدار الحقية على النصر في كل حين. واستحسن هذا الوجه الرازي وقال :هو الأقرب إلى التحقيق. قال الخفاجي :لارتباطه بما بعده. هذا، وزعم بعضهم أن قوله تعالى :( إلا قليلا ) مستثنى من قوله :( أذاعوه ) أو ( لعلمه ) واستدل به على أن الاستثناء لا يتعين صرفه لما قبله. قال :لأنه لو كان مستثنى من جملة ( اتبعتم ) فسد المعنى لأنه يصير عدم إتباع القليل للشيطان ليس بفضل الله. وهو لا يستقيم. وبيان لزومه أن ( لولا ) حرف امتناع لوجود. وقد أبانت امتناع اتباع المؤمنين للشيطان. فإذا جعلت الاستثناء من الجملة الأخيرة فقد سلبت تأثير فضل الله في امتناع الأتباع عن البعض المستثنى، ضرورة. وجعلت هؤلاء المستثنين مستبدين بالإيمان وعصيان الشيطان بأنفسهم. ألا تراك إذا قلت ( لمن تذكره بحقك عليه ) :لولا مساعدتي لك لسلبت أموالك إلا قليلا، كيف لم تجعل لمساعدتك أثرا في بقاء القليل للمخاطب. وانما مننت عليه بتأثير مساعدتك في بقاء أكثر ماله، لا في كله. من المحال أن يعتقد مسلم أنه عصم في شيء من اتباع الشيطان، الا بفضله تعالى عليه. هذا ملخص ما قرره صاحب ( الانتصاف )، وهول فيه. ولا يخفى أن صرف الاستثناء إلى ما يليه ويتصل به لتبادره فيه، أولى من صرفه إلى الشيء البعيد عنه. واللازم ممنوع. لأن المراد بالفضل والرحمة معنى مخصوص. وهو ما بيناه. فإن عدم الاتباع، إذا لم يكن بهذا الفضل المخصوص، لا ينافي أن يكون بفضل آخر.
١ في المقدمة، حديث رقم ٥ (طبعتنا)..
٢ أخرجه أبو داود في: ٤٠ –كتاب الأدب، ٨٠ –باب في التشديد في الكذب، حديث ٤٩٩٢..
٣ |٤/ النساء/ ٧٢| ونصها: (وان منكم لمن ليبطئن فان أصابتهم مصيبة قال قد أنعم الله على اذ لم أكن معهم شهيدا٧٢)..
وقوله تعالى :
( فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا٨٤ ).
( فقاتل في سبيل الله ) تلوين للخطاب، وتوجيه له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق الالتفات. وهو جواب شرط محذوف ينساق إليه النظم الكريم. أي :إذا كان الأمر، كما حكي من عدم طاعة المنافقين وكيدهم، فقاتل أنت وحدك غير مكترث بما فعلوا. قاله أبو السعود. ( لا تكلف إلا نفسك ) أي :إلا فعل نفسك. بالتقدم إلى الجهاد. فإن الله هو ناصرك، لا الجنود. فإن شاء نصرك وحدك، كما ينصرك وحولك الألوف. أي :ومن نكل، فلا عليك منه ولا تؤاخذ به.
قال الرازي :دلت الآية على أنه صلى الله عليه وسلم كان أشجع الخلق وأعرفهم بكيفية القتال. لأنه تعالى ما كان يأمره بذلك الا وهو صلى الله عليه وسلم موصوف بهذه الصفات. ولقد اقتدى به أبو بكر١رضي الله عنه حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة. ومن علم أن الأمر كله بيد الله، وأنه لا يحصل أمر من الأمور إلا بقضاء الله، سهل ذلك عليه. وروى ابن أبي حاتم عن أبي اسحاق قال :" سألت البراء بن عازب عن الرجل يلقى المائة من العدو فيقاتل، فيكون ممن قال الله فيه :( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ؟ ) قال :قد قال الله تعالى لنبيه :( فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ) ".
ورواه الإمام أحمد٢ أيضا عنه قال :" قلت للبراء :الرجل يحمل على المشركين، أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة ؟ قال :لا. ان الله بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :( فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ). إنما ذلك في النفقة ". ( وحرض المؤمنين ) أي على الخروج معك وعلى القتال. ورغبهم فيه وشجعهم عليه. كما قال لهم٣ صلى الله عليه، يوم بدر، وهو يسوي الصفوف :" قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض ". وقد وردت أحاديث كثيرة في الترغيب في ذلك. منها :ما رواه البخاري٤ عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ان في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله. بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ". ( عسى الله أن يكف ) أي :يمنع ( بأس ) أي :قتال :( الذين كفروا ) وهم كفار مكة. أي :بتحريضك إياهم على القتال، تبعث هممهم على مناجزة الأعداء ومدافعتهم عن حوزة الإسلام وأهله، ومقاومتهم ومصابرتهم.
قال أبو السعود :وقوله تعالى :( عسى... الخ ) عدة منه سبحانه وتعالى محققة الانجاز بكف شدة الكفرة ومكروههم. فإن مصدر ب ( لعل وعسى ) مقرر الوقوع من جهته عز وجل. وقد كان كذلك. حيث روي في ( السيرة ) ٥ " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واعد أبا سفيان، بعد حرب أحد، موسم بدر الصغرى في ذي القعدة. فلما بلغ الميعاد دعا الناس إلى الخروج. وخرج في شعبان سنة أربع في سبعين راكبا. ووافوا الموعد وألقى الله تعالى في قلوب الذين كفروا الرعب. فرجعوا من مر الظهران ". انتهى، بزيادة.
وقال في ذلك عبد الله بن رواحة ( وقيل كعب بن مالك ) :
وعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد لميعاده صدقا وما كان وافيا
فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا لأبت ذميما، وافتقدت المواليا
تركنا به أوصال عتبة وابنه وعمرا، أبا جهل، تركناه ثاويا
عصيتم رسول الله، أف لدينكم وأمركم السيء، الذي كان غاويا
فاني، وان عنفتموني، لقائل فدى لرسول الله أهلي وماليا
أطعناه، لم نعدله فينا بغيره شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا
( والله أشد بأسا ) أي :شدة وقوة من قريش ( وأشد تنكيلا ) أي تعذيبا وعقوبة.
قال ابن كثير :أي :هو قادر عليهم في الدنيا والآخرة. كما قال تعالى :( ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض ) ٦. انتهى.
قال الخفاجي :والقصد التهديد أو التشجيع.
١ جاء في صحيح البخاري في: ٢٤ –كتاب الزكاة، ١ –باب وجوب الزكاة، حديث ٧٤٣ و٧٤٤ ما نصه: عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر رضي الله عنه. وكفر من كفر من العرب، فقال عمر رضي الله عنه، كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله. فمن قالها، فقد عصم ماله ونفسه، الا بحقه. وحسابه على الله"؟
فقال: والله، لأقتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. فان الزكاة حق المال: والله، لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها الى رسول الله صلى الله عليه وسام، لقاتلتهم على منعها. قال عمر رضي الله عنه: فوالله، ما هو الا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه، فعرفت أنه الحق..

٢ أخرجه في المسند بالصفحة ٢٨١ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي)..
٣ أخرجه مسلم في: ٣٣ –كتاب الامارة، حديث ١٤٥ (طبعتنا) ما نصه:
عن أنس بن مالك قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيسة عينا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان. فجاء وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال فحدثه الحديث. قال فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم فقال: ان لنا طلبة. فمن كان ظهره حاضرا فليركب معنا: فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانهم في علو المدينة. فقال: "لا. الا من كان ظهره حاضرا".
فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حتى سبقوا المشركين الى بدر. وجاء المشركون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقدمن أحد منكم الى شيء حتى أكون أنا دونه" فدنا المشركون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قوموا الى جنة عرضها السماوات والأرض" قال يقول عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: "نعم" قال: بخ بخ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يحملك على قولك بخ بخ"؟ قال: لا. والله. يا رسول الله. الا رجاءة أن أكون من أهلها. قال: "فانك من أهلها".
فأخرج تمرات من قرنه (جعبة النشاب) فجعل يأكل منهن. ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، انها لحياة طويلة.
قال فرمى بما كان معه من التمر. ثم قاتلهم حتى قتل..

٤ أخرجه البخاري في: ٥٦ –كتاب الجهاد، ٤ –باب درجات المجاهدين في سبيل الله حديث ١٣٣٥ ونصه:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من آمن بالله وبرسوله، وأقام الصلاة وصام رمضان، كان حقا على الله ان يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس أرضه التي ولد فيها".
فقالوا: يا رسول الله، أفلا نبشر الناس؟
قال: "ان في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله. ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض. فاذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فانه أوسط الجنة وأعلى الجنة. أراه فوقه عرش الرحمان. ومنه تفجر أنهار الجنة"..

٥ سيرة ابن هشام بالصفحة ٢٢٠ من الجزء الثالث (طبعة الحلبي) وبالصفحة ٦٦٦ (طبعة جوتنجن)..
٦ |٤٧/ محمد صلى الله عليه وسلم/ ٤| ونصها: (فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى اذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فاما منا بعد واما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم٤)..
ثم أشار تعالى إلى أن التحريض على القتال شفاعة تكفير الكبائر ورفع الدرجات فقال :( من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا٨٥ ).
( من يشفع شفاعة حسنة ) أي يتوسط في أمر فيترتب عليه خير من دفع ضر، أو جلب نفع، ابتغاء لوجه الله تعالى. ومنه حمل المؤمنين على قتال الكفار ( يكن له نصيب منها ) وهو ثواب الشفاعة والتسبب إلى الخير الواقع بها ( ومن يشفع شفاعة سيئة ) وهي ما كانت بخلاف الحسنة، بأن كانت في أمر غير مشروع ( يكن له كفل منها ) أي :نصيب من وزرها الذي ترتب على سعيه، مساو لها في المقدار من غير أن ينقص منه شيء.
فوائد
الأولى :قال السيوطي في ( الاكليل ) :في الآية مدح الشفاعة وذم السعاية. وهي الشفاعة السيئة، وذكر الناس عند السلطان بالسوء. وهي معدودة من الكبائر.
الثانية :روي في فضل الشفاعة أحاديث كثيرة. منها ما أخرجه الشيخان١ عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال :" كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال :اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب ". وعن ابن عباس٢ رضي الله عنهما في قصة بريرة وزوجها قال :" قال لها النبي صلى الله عليه وسلم :لو راجعته ! قالت :يا رسول الله ! تأمرني ؟ قال :إنما أنا أشفع. قالت :لا حاجة لي فيه ". رواه البخاري.
الثالثة :قال مجاهد والحسن والكلبي وابن زيد :نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض. فما يجوز في الدين أن يشفع فيه، فهو شفاعة حسنة. وما لا يجوز أن يشفع فيه، فهو شفاعة سيئة. ثم قال الحسن :من يشفع شفاعة حسنة كان له فيها أجر، وان لم يشفع. لأن الله تعالى يقول :( من يشفع ). ولم يقل :من يشفّع. ويتأيد هذا بقوله عليه الصلاة والسلام٣ :" اشفعوا تؤجروا ". نقله الرازي.
الرابعة :قال الزمخشري :الشفاعة الحسنة هي التي روعي بها حق مسلم، ودفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حد من حدود الله، ولا في حق من الحقوق. يعني الواجبة عليه. والسيئة ما كان بخلاف ذلك. وعن مسروق :أنه شفع شفاعة. فأهدى إليه المشفوع جارية. فغضب وردها. وقال :لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك. ولا أتكلم فيما بقي منها. انتهى.
وروى أبو داود٤ :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" ثم شفع لأخيه بشفاعة، فأهدى له هدية عليها، فقبلها، فقد أتى بابا عظيما من أبواب الكبائر ". وهذا الحديث أورده أيضا المنذري في ( كتاب الترغيب والترهيب ) في ترجمة ( الترغيب في قضاء حوائج المسلمين وإدخال السرور عليهم، وما جاء فيمن شفع فأهدي إليه ) ثم ساق حديث الشيخين٥ وغيرهما عن أبن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" المسلم أخو المسلم. لا يظلمه ولا يسلمه. ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته. ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كرب الدنيا يوم القيامة. ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة ". وروى الطبراني بإسناد جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما من عبد أنعم الله عليه نعمة فأسبغها عليه، ثم جعل من حوائج الناس إليه فتبرم، فقد عرض تلك النعمة للزوال ". وروي نحوه عن عائشة وابن عمر وابن عمرو. وروى الطبراني وابن حبان في ( صحيحه ) عن عائشة رضي الله عنها قالت :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان في مبلغ بر أو تيسير عسير، أعانه الله على إجازة الصراط يوم القيامة عند دحض الأقدام ". وفي رواية للطبراني عن أبي الدرداء :" رفعه الله في الدرجات العلا من الجنة ". وروى الطبراني عن الحسن بن علي رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم :" ان من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم ". ورواه عن عمر مرفوعا بلفظ :" أفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن ". ورواه بنحو ذلك أيضا عن ابن عمر وابن عباس وعائشة وغيرهم. انظر الترغيب.
الخامسة :نكتة اختيار النصيب في ( الحسنة ) والكفل في ( السيئة ) ما أشرنا إليه. وذلك أن النصيب يشمل الزيادة. لأن جزاء الحسنات يضاعف. وأما الكفل فأصله المركب الصعب. ثم استعير للمثل المساوي. فلذا اختير، إشارة إلى لطفه بعباده. إذا لم يضاعف السيئات كالحسنات. ويقال :انه وان كان معناه المثل لكنه غلب في الشر وندر في غيره. كقوله تعالى :( يؤتكم كفلين من رحمته ) ٦ فلذا خص به السيئة تطرية وهربا من التكرار. و ( من ) بيانية أو ابتدائية. أفاده الخفاجي ( وكان الله على كل شيء مقيتا ) أي :مقتدرا. من ( أقات على الشيء ) إذا اقتدر عليه كما قال٧ :
وذي ضغن كففت النفس عنه *** وكنت على مساءته مقيتا
أي رب ذي حقد علي كففت السوء عنه مع القدرة عليه. أو شهيدا حافظا. واشتقاقه من ( القوت ) فإنه يقوي البدن ويحفظه.
١ أخرجه موسى رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، اذا جاءه سائل، أو طلبت اليه حاجة قال: "اشفعوا تؤجروا. ويقضي الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء"..
٢ أخرجه البخاري في: ٦٨ –كتاب الطلاق، ١٦ –باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في زوج بريرة، حديث ٢١٥٤. ونصه: عن ابن عباس أن زوج بريرة كان عبدا يقال له مغيث. كأني أنظر اليه يطوف خلفها يبكي. ودموعه تسيل على لحيته. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعباس: "يا عباس، ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثا؟".
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو راجعته!" قالت: يا رسول الله، تأمرني؟ قال: "انما أنا أشفع".
قالت: لا حاجة لي فيه..

٣ أخرجه البخاري في: ٢٤ –كتاب الزكاة، ٢١ –باب التحريض على الصداقة والشفاعة فيها، حديث ٧٦٥ ونصه:
عن أبي موسى رضي الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، اذا جاءه السائل، أو طلبت اليه حاجة، قال: "اشفعوا تؤجروا. ويقضي الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء"..

٤ أخرجه أبو داود في: ٢٢ –كتاب البيوع، ٨٢ –باب الهدية لقضاء الحاجة، حديث ٣٥٤١، عن أبي أمامة..
٥ أخرجه البخاري في: ٤٦ –كتاب المظالم، ٣ –باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، حديث ١٢٠٢..
٦ |٥٧/ الحديد/ ٢٨| ونصها: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم٢٨)..
٧ البيت استشهد به الطبري في (ج ٨ ص ٥٨٤)، والطبرسي في (ج ٣ ص ٨٤)، ومقاييس اللغة وفيه: على اساءته، و الزمخشري (ج ١ ص ٣٧٨) ونصه فيه:
وذي ضغن نفيت السوء عنه وكنت على اساءته مقيتا
وجاء في اللسان حسب رواية الكتاب. ولكن قال في الحاشية ما يأتي:
قوله: (على مساءته مقيتا) تبع الجوهري. وقال في التكملة: الرواية (أقيت) قال: والقافية مضمونة وبعده:
يبيت الليل مرتفقا ثقيلا على فرش القناة وما أبيت
تعن الي منه مؤذيات كما تبري الجذامير البروت
والبروت جمع برت، فاعل تبري كترمي. والجذامير مفعوله على حسب ضبطه. اه.
والبرت: الفأس (يمانية) والجذمور: بقية كل شيء مقطوع، عن ابن الأعرابي.
وجاء في حماسة ابن الشجري ص ٢٥: وقائله هو أبو قيس ابن رفاعة ونصه فيها:
وذي ضغن نفيت السوء عنه وكنت على اساءته مقيتا
وكذا في طبقات الشعراء للجمحي ص ٢٤٣ وفيها: وكنت، على مساءته مقيت.
وانظر تعليق السيد محمود محمد شاكر على هذا البيت..

وقوله تعالى :
( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا٨٦ ).
( وإذا حييتم بتحية ) أي إذا سلم عليكم فدعي لسلامة حياتكم وصفاتكم التي بها كمال الحياة بتحية، فقيل :السلام عليكم ( فحيوا ) أي :أداء لحق المسلم عليكم ( بأحسن منها ) أي :بتحية أحسن منها. بأن تقولوا :وعليكم السلام ورحمة الله. ولو قالها المسلم، زيد، وبركاته. قال الراغب :أصل التحية الدعاء بالحياة وطولها. ثم استعملت في كل دعاء. وكانت العرب، إذا لقي بعضهم بعضا، يقول :حياك الله. ثم استعملها الشرع في السلام. وهي تحية الإسلام. قال الله تعالى :( تحيتهم فيها سلام ) ١. وقال :( تحيتهم يوم يلقونه سلام ) ٢. وقال :( فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله ) ٣ قالوا :في السلام مزية على ( حياك ) لما أنه دعاء بالسلامة عن الآفات الدينية والدنيوية، وهي مستلزمة لطول الحياة، وليس في الدعاء بطول الحياة ذلك. ولأن السلام من أسمائه تعالى. فالبداءة بذكره مما لا ريب في فضله ومزيته ( أو ردوها ) أي :أجيبوها بمثلها. ورد السلام ورجعه :جوابه بمثله. لأن المجيب يرد المسلم ويكرره ( ان الله كان على كل شيء حسيبا ) أي :فيحاسبكم على كل شيء من أعمالكم التي من جملتها ما أمرتم به من التحية. فحافظوا على مراعاتها حسبما أمرتم به. وفي الآية فوائد شتى :
الأولى :نكتة نظمها مع آيات الجهاد لمنع المؤمنين من قتل من ألقى إليهم السلام في الحرب الآتي قريبا، ببيان أن لكل مسلم حقا يؤدى إليه. وذلك لأن السلام نوع من الإكرام. والمكرم يقابل بمثل إكرامه أو أزيد. قال الرازي :إن الرجل في الجهاد كان يلقاه الرجل في دار الحرب أو ما يقاربها فيسلم عليه. فقد لا يلتفت إلى سلامه عليه ويقتله. وربما ظهر أنه كان مسلما. فمنع الله المؤمنين عنه. وأمرهم أن كل من يسلم عليهم ويكرمهم بنوع من الإكرام يقابلونه بمثل ذلك الإكرام أو أزيد. فإنه ان كان كافرا لا يضر المسلم، إن قابل إكرام ذلك الكافر بنوع من الإكرام، أما إن كان مسلما، وقتله، ففيه أعظم المضار والمفاسد. ولذا قال :( ان الله كان على كل شيء حسيبا ). أي هو محاسبكم على كل أعمالكم. وكاف في إيصال جزاء أعمالكم إليكم. فكونوا على حذر من مخالفة هذا التكليف. فهذا يدل على شدة العناية بحفظ الدماء. والمنع من إهدارها. وقد روى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عباس قال :" من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه، وان كان مجوسيا ". ذلك بأن الله يقول :( فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) ". وقال قتادة :( فحيوا بأحسن منها )، يعني للمسلمين. ( أو ردوها )، يعني لأهل الذمة. ومن هنا حكى الماوردي وجها :انه يقول في الرد على أهل الذمة، إذا ابتدؤوا :وعليكم السلام. ولا يقول :ورحمة الله. نقله عنه النووي. وروى الزمخشري عن الحسن أنه يجوز أن يقال للكافر :وعليك السلام. ولا تقل :ورحمة الله. فإنه ا استغفار. وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلم عليه :وعليك السلام ورحمة الله. فقيل له في ذلك. فقال :أليس في رحمة الله يعيش ؟ انتهى. والظاهر أنه لحظ الأخبار بذلك ولم يرد مضمون التحية. ومع هذا فالثابت في ( الصحيحين ) ٤ عن أنس مرفوعا :" إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا :وعليكم ". كما يأتي. قال السيوطي في ( الاكليل ) :في هذه الآية مشروعية السلام ووجوب رده. واستدل بها الجمهور على رد السلام على كل مسلّم، مسلما كان أو كافرا. لكن مختلفان في صيغة الرد.
الثانية :ورد في افشاء السلام أحاديث كثيرة. منها قول البراء بن عازب رضي الله عنهما :" أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع، منها :وإفشاء السلام ". رواه الشيخان٥. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا. ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم ". رواه مسلم٦. وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أيها الناس ! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام ". قال الترمذي٧ :حديث صحيح.
الثالثة :في كيفية السلام. قال الرازي :إن شاء قال :سلام عليكم. وان شاء قال :السلام عليكم. قال تعالى في حق نوح :( يا نوح اهبط بسلام منا ) ٨. وقال عن الخليل :( قال سلام عليك سأستغفر لك ربي ) ٩. وقال في قصة لوط :( قالوا سلاما قال سلام ) ١٠ وقال عن يحيى :( وسلام عليه ) ١١. وقال عن محمد صلى الله عليه وسلم :( قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ) ١٢. وقال عن الملائكة :( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ) ١٣. وقال عن نفسه المقدسة :( سلام قولا من رب رحيم ) ١٤. وقال :( فقل سلام عليكم ) ١٥. وأما بالألف واللام فقوله عن موسى عليه السلام :( فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى ) ١٦. وقال عن عيسى عليه السلام :( والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا ) ١٧مك فثبت أن الكل جائز. انتهى.
قال الإمام أبو الحسن الواحدي :أنت في تعريف السلام وتنكيره بالخيار. انتهى.
ولكثرة ورود التنكير في القرآن، على ما بيناه، فضله بعضهم على التعريف.
الرابعة :في فضله. روى الإمام أحمد١٨ وأبو داود والترمذي والدارمي عن عمران بن الحصين رضي الله عنه قال :" جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :السلام عليكم. فرد عليه ثم جلس. فقال النبي صلى الله عليه وسلم :عشر. ثم جاء آخر فقال :السلام عليكم ورحمة الله. فرد عليه فجلس فقال :عشرون. ثم جاء آخر فقال :السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فرد عليه فجلس فقال :ثلاثون ". قال الترمذي حديث حسن. وفي الباب عن أبي سعيد وعلي وسهل بن حنيف. وقال البزار :قد روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه، هذا أحسنها إسنادا. وفي رواية لأبي داود١٩، من رواية معاذ بن أنس رضي الله عنه زيادة على هذا. قال :" ثم أتى آخر. فقال :السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته. فقال :أربعون. وقال :هكذا تكون الفضائل ". وفيه رد على من زعم انه لا يزاد على ( وبركاته ). لا يقال رواية ( ومغفرته ) عند أبي داود، هي من طريق أبي مرحوم واسمه عبد الرحيم بن ميمون عن سهل بن معاذ عن أبيه. وأبو مرحوم ضعفه يحيى. وقال أبو حاتم :يكتب حديثه ولا يحتج به –لأنا نقول :قد حسن الترمذي روايته عن سهل بن معاذ. وصححها أيضا هو وابن خزيمة والحاكم وغيرهم. قال النسائي لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه.
عود
وروى الطبراني عن سهل بن حنيف رضي الله قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من قال :السلام عليكم كتب له عشر حسنات، ومن قال :السلام عليكم ورحمة الله. كتبت عشرون حسنة، ومن قال :السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتبت له ثلاثون حسنة ". وروى ابن حبان في ( صحيحه ) عن أبي هريرة رضي الله عنه :" أن رجلا مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلس فقال :سلام عليكم. فقال :عشر حسنات. ثم مر آخر فقال :سلام عليكم ورحمة الله فقال :عشرون حسنة. ثم مر آخر فقال :سلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال :ثلاثون حسنة. فقام رجل من المجلس ولم يسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم :ما أوشك ما نسي صاحبكم. إذا جاء أحدكم إلى المجلس فليسلم. فإن بدا له أن يجلس فليجلس. وان قام فليسلم. فليست الأولى بأحق من الآخرة ". وروى الطبراني بإسناد جيد عن عبد الله بن مغفل قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أبخل الناس من بخل بالسلام ). ورواه أيضا عن أبي هريرة. ولأحمد٢٠ والبزار نحوه. عن جابر. وروى الطبراني عن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ان المؤمن إذا لقى المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده تناثرت خطاياهما كما تتناثر ورق الشجر ". قال المنذري :ورواته لا أعلم فيهم مجروحا. وروى البزار عن عمر بن الخطاب قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا التقى الرجلان المسلمان فسلم أحدهما على صاحبه، فإن أحبهما إلى الله أحسنهما بشرا لصاحبه. فإذا تصافحا نزلت عليهما مائة رحمة :للبادئ منهما تسعون، وللمصافح عشرة ". وروى أبو داود٢١ عن أبي أمامة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ان أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام ".
الخامسة :في بعض أحكامه المأثورة. روى أبو داود ٢٢عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم. ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم ". وفي ( الموطأ ) ٢٣ عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إذا سلم واحد من القوم أجزأ عنهم ". قال النووي :هذا مرسل صحيح الإسناد. وفي ( الصحيحين ) ٢٤ عن عائشة رضي الله عنها قالت :" قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام. قالت قلت :وعليه السلام ورحمة الله. ترى ما لا نرى ( تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) " قال النووي :ووقع في بعض روايات ( الصحيحين ) ( وبركاته )، ولم يقع في بعضها. وزيادة الثقة مقبولة. وفي ( سنن أبي داود ) ٢٥ عن غالب القطان عن رجل قال :حدثني أبي عن جدي قال :" بعثني أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :ائته فأقرئه السلام. فأتيته فقلت :إن أبي يقرئك السلام. فقال :عليك وعلى أبيك السلام ". قال النووي :هذا وان كان رواية عن مجهول، فأحاديث الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم. فيستفاد منه الرد على المبلغ كالمسلم. وروى أبو داود٢٦ عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه. فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه ". ففيه أن من سلم عليه إنسان، ثم لقيه على قرب، ندب التسليم عليه ثانيا وثالثا. وروى الشيخان٢٧ عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال :" يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير ".
وروى الشيخان٢٨ عن أنس :" أنه مر على صبيان فسلم عليهم. وقال :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ".
ولفظ أبي داود٢٩ :" أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم على غلمان يلعبون فسلم عليهم ". وعند ابن السني فيه، " فقال :السلام عليكم يا صبيان ". وروى أبو داود٣٠ عن أسماء بنت يزيد قالت :" مر علينا النبي صلى الله عليه وسلم في نسوة فسلم علينا ".
وروى الترمذي نحوه. وروى الشيخان٣١ عن أنس قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا سلم عليكم أهل الكتاب، فقولوا :وعليكم ". ورويا٣٢ عن أسامة " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود فسلم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ". وروى مسلم عن أبي هريرة قال :قال٣٣ رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه ". قال النووي :روينا في ( موطأ مالك ) أنه سئل عمن سلم على اليهودي أو النصراني هل يستلقيه ذلك ؟ فقال :لا. قال أبو سعد المتولي الشافعي :لو أراد تحية ذمي، فعلها بغير السلام. بأن يقول :هدا
١ |١٤/ ابراهيم/ ٢٣| ونصها: (وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات من تحتها الأنهار خالدين فيها باذن ربهم تحيتهم فيها سلام٢٣)..
٢ |٣٣/ الأحزاب/ ٤٤| ونصها: (تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما٤٤)..
٣ |٢٤/ النور/ ٦١| ونصها: (ليس على الأعمى حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت اخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فاذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون٦١)..
٤ أخرجه البخاري في: ٧٩ –كتاب الاستئذان، ٢٢ –باب كيف يرد على أهل الذمة السلام، حديث ٢٣٧٥..
٥ أخرجه البخاري في: ٦٧ –كتاب النكاح، ٧١ –باب حق اجابة الوليمة والدعوة، حديث ٦٦٢ ونصه:
عن البراء بن عازب رضي الله عنهما: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع، أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنازة وتشميت العاطس وابرار المقسم ونصر المظلوم وافشاء السلام واجابة الداعي. ونهانا عن خواتيم الذهب وعن آنية الفضة وعن المياثر والقسية والاستبرق والديباج..

٦ أخرجه مسلم في: ١ –كتاب الايمان، حديث ٧٣ (طبعتنا)..
٧ أخرجه الترمذي في: ٣٥ –كتاب القيامة، ٤٢ –باب حدثنا محمد بن بشار، ونصه:
عن عبد الله بن سلام قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم انجفل الناس اليه. وقيل: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجئت في الناس لأنظر اليه. فلما استثبت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب. وكان أول شيء تكلم به أن قال....

٨ |١١/ هود/ ٤٨| ونصها: (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم٤٨)..
٩ |١٩/ مريم/ ٤٧| ونصها: (قال سلام عليك سأستغفر لك ربي انه كان بي حفيا٤٧)..
١٠ |١١/ هود/ ٦٩| ونصها: (ولقد جاءت رسلنا ابراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ٦٩)..
١١ |١٩/ مريم/ ١٥| ونصها: (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا١٥)..
١٢ |٢٧/ النمل/ ٥٩| ونصها: (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ءالله خير أما يشركون٥٩)..
١٣ |١٣/ الرعد/ ٢٣ و٢٤| ونصهما: (جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذريتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب٢٣ سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار٢٤)..
١٤ |٣٦/ يس/ ٥٨|..
١٥ |٦/ الأنعام/ ٥٤| ونصها: (واذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم٥٤)..
١٦ |٢٠/ طه/ ٤٧| ونصها: (فأتياه فقولا انا رسولا ربك فأرسل معنا بني اسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى٤٧)..
١٧ |١٩/ مريم/ ٣٣|..
١٨ أخرجه الامام أحمد في مسنده بالصفحة ٤٣٩ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي). وأبو داود في: ٤٠ –كتاب الأدب، ١٣٢ –باب كيف السلام، حديث ٥١٩٥. والترمذي في: ٤٠ –كتاب الاستئذان والآداب، ٢ –باب ما ذكر في فضل السلام..
١٩ أخرجه أبو داود في: ٤٠ –كتاب الأدب، ١٣٢ –باب كيف السلام، حديث ٥١٩٦..
٢٠ أخرجه أحمد في مسنده بالصفحة ٣٢٨ من الجزء الثالث (طبعة الحلبي) ونصه:
عن جابر أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ان لفلان في حائطي عذقا، وأنه قد آذاني وشق علي مكان عذقه. فأرسل اليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "بعني عذقك الذي في حائط فلان" قال: لا. قال: "فهبه لي" قال: لا. قال: "فبعنيه بعذق في الجنة" قال: لا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما رأيت الذي هو أبخل منك الا الذي يبخل بالسلام"..

٢١ أخرجه أبو داود في: ٤٠ –كتاب الأدب، ١٣٣ –باب في فضل من بدأ بالسلام، حديث ٥١٩٧..
٢٢ أخرجه أبو داود في: ٤٠ –كتاب الأدب، ١٤١ –باب ما جاء في رد الواحد عن الجماعة، الحديث ٥٢١٠..
٢٣ أخرجه الامام في الموطأ في: ٥٣ –كتاب السلام، حديث ١ (طبعتنا) ونصه:
عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يسلم الراكب على الماشي. واذا سلم من القوم واحد أجزأ عنهم"..

٢٤ أخرجه البخاري في: ٧٩ –كتاب الاستئذان، ١٦ –باب تسليم الرجال على النساء والنساء على الرجال، حديث ١٥١٩..
٢٥ أخرجه أبو داود في: ٤٠ –كتاب الأدب، ١٥٤ –باب في الرجل يقول: فلان يقرئك السلام، حديث ٥٢٣١..
٢٦ أخرجه أبو داود في: ٤٠ –كتاب الأدب، ١٣٥ –باب في الرجل يفارق الرجل ثم يلقاه أيسلم عليه؟ حديث ٥٢٠٠..
٢٧ أخرجه البخاري في: ٧٩ –كتاب الاستئذان، ٥ –باب تسليم الراكب على الماشي، و٦ –باب تسليم الماشي على القاعد، حديث ٢٣٧٠..
٢٨ أخرجه البخاري في: ٧٩ –كتاب الاستئذان، ١٥ -باب التسليم على الصبيان..
٢٩ أخرجه أبو داود في: ٤٠ –كتاب الأدب، ١٣٦ –باب في السلام على الصبيان، حديث ٥٢٠٢..
٣٠ أخرجه أبو داود في: ٤٠ –كتاب الأدب، ١٣٧ –باب في السلام على النساء، حديث ٥٢٠٤..
٣١ أخرجه البخاري في: ٧٩ –كتاب الاستئذان، ٢٢ –باب كيف يرد على أهل الذمة السلام، حديث ٢٣٧٥..
٣٢ أخرجه البخاري في: ٧٩ –كتاب الاستئذان، ٢٠ (باب التسليم في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين، حديث ١٤٢١ ونصه:
عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حمارا عليه اكاف تحته قطيفة فدكية. وأردف وراءه أسامة بن زيد، وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج. وذلك قبل وقعة بدر. حتى مر في مجلس فيه اخلاط من المسلمين والمشركين، عبدة الأوثان واليهود. وفيهم عبد الله بن أبي، ابن سلول. وفي المجلس عبد الله بن رواحة. فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه. ثم قال: لا تغبروا علينا. فسلم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم. ثم وقف فنزل فدعاهم الى الله وقرأ عليهم القرآن. فقال عبد الله بن أبي، ابن سلول: أيها المرء! لا أحسن من هذا. ان كان ما تقول حقا. فلا تؤذنا في مجالسنا وارجع الى رحلك فمن جاءك منا فاقصص عليه.
فال ابن واحة: اغشنا في مجالسنا، فانا نحب ذلك.
فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى أهموا أن يتواثبوا.
فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى ركب دابته. حتى دخل على سعد بن عبادة فقال: "أي سعد! ألم تسمع ما قال أبو حباب؟" يريد عبد الله بن أبي "قال: كذا وكذا".
قال: اعف عنه، يا رسول الله! واصفح. فوالله! لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه البحرة على أن يتوجوه، فيعصبونه بالعصابة.
فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك، شرق بذلك. فذلك فعل به ما رأيت.
فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم..

٣٣ أخرجه مسلم في: ٣٩ –كتاب السلام، حديث ١٣ (طبعتنا)..
( الله لا اله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا٨٧ ).
( الله لا اله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة ) أي :ليبعثنكم من قبوركم ويحشرنكم إلى حساب يوم القيامة في صعيد واحد، فيجازي كل عامل بعمله. قال الزمخشري :القيامة والقيام كالطلابة والطلاب. وهي قيامهم من القبور أو قيامهم للحساب. قال الله تعالى :( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) ١. ( لا ريب فيه ) أي لا شك في يوم القيامة أو في الجمع ( ومن أصدق من الله حديثا ) إنكار لأن يكون أحد أصدق منه تعالى في حديثه وخبره ووعده ووعيده، وبيان لاستحالته. لأنه نقص وقبيح. إذ من كذب، لم يكذب إلا لأنه محتاج إلى أن يجر منفعة بكذبه أو يدفع مضرة، أو هو جاهل بقبحه، أو هو سفيه لا يفرق بين الصدق والكذب في أخباره، ولا يبالي بأيهما نطق. فظهر استحالة الكذب عليه جل شأنه. والغير، وان دلت الدلائل على صدقه، فكذبه ممكن إذا لم ينظر إليها.
فوائد
الأولى :قال الرازي :في كيفية النظم وجهان :أحدهما إنا بينا أن المقصود من قوله :( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها )، أن لا يصير الرجل المسلم مقتولا. ثم انه تعالى أكد ذلك بالوعيد في قوله :( إن الله كان على كل شيء حسيبا ). ثم بالغ في تأكيد ذلك الوعيد بهذه الآية. فبين في هذه الآية أن التوحيد والعدل متلازمان. فقوله :( لا اله إلا هو ). إشارة إلى التوحيد. وقوله :( ليجمعنكم إلى يوم القيامة ). إشارة إلى العدل. وهو كقوله :( شهد الله أنه لا اله لا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط ) ٢ وكقوله :في طه :( إنني أنا الله لا اله إلا أنا فاعبدوني وأقم الصلاة لذكري ) ٣ وهو إشارة إلى التوحيد. ثم قال :( إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ) ٤. وهو إشارة إلى العدل. فكذا في هذه الآية، بين انه يجب في حكمه وحكمته أن يجمع الأولين والآخرين في عرصة القيامة. فينتصف للمظلومين من الظالمين. ولا شك أنه تهديد شديد. الوجه الثاني :كأنه تعالى يقول :من سلم عليكم وحياكم فاقبلوا سلامه وأكرموه وعاملوه بناء على الظاهر. فإن البواطن انما يعرفها الله الذي لا اله إلا هو. إنما تنكشف بواطن الخلق للخلق في يوم القيامة.
الثانية :قوله :( لا اله إلا هو ) إما خبر للمبتدأ و ( ليجمعنكم الخ ). جواب قسم محذوف، والجملة القسمية مستأنفة لا محل لها. أو خبر ثان. وإما اعتراض، والجملة القسمية خبر.
الثالثة :تعدية ( ليجمعنكم ) ب ( إلى ) لكونه بمعنى الحشر كما بينا. أو لكون ( إلى ) بمعنى ( في ) كما أثبته أهل العربية.
١ |٨٣/ المطففين/ ٦|..
٢ |٣/ آل عمران/ ١٨| (... لا اله الا هو العزيز الحكيم١٨)..
٣ |٢٠/ طه/ ١٤|..
٤ |٢٠/ طه/ ١٥|.
وقوله تعالى :
( فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا٨٨ ).
( فما لكم في المنافقين ) أي :فما لكم تفرقتم في أمر المنافقين ( فئتين ) أي :فرقتين ولم تتفقوا على التبرؤ منهم. والاستفهام للإنكار. والنفي والخطاب لجميع المؤمنين. لكن ما فيه من معنى التوبيخ متوجه إلى بعضهم. وذلك أن فرقة من المؤمنين كانت تميل إليهم وتذب عنهم وتواليهم. وفرقة منهم تباينهم وتعاديهم. فنهوا عن ذلك وأمروا بأن يكونوا على نهج واحد في التباين والتبرؤ منهم. لأن دلائل نفاقهم وكفرهم ظاهرة جلية. فليس لكم أن تختلفوا في شأنهم. وقد قيل :ان المراد بهم هنا عبد الله بن أبي وأصحابه الذين خذلوا رسول اله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، ورجعوا بعسكرهم، بعد أن خرجوا. كما تقدم في آل عمران. كما أوضحه ما رواه الشيخان١ والإمام أحمد والترمذي عن زيد بن ثابت :" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد. فرجع ناس خرجوا معه. فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين :فرقة تقول :نقتلهم. وفرقة تقول :لا. هم المؤمنون. فأنزل الله :( فما لكم في المنافقين فئتين ). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :إنها طيبة وإنها تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد ". هذا لفظ أحمد.
وقد ذكر الإمام محمد بن إسحاق٢ وفي وقعة أحد :" أن عبد الله بن أبي بن سلول رجع يومئذ بثلث الجيش :رجع بثلاثمائة وبقي النبي صلى الله عليه وسلم في سبعمائة ".
وثمة في نزول الآية رواية أخرى أخرجها الإمام أحمد٣ في ( مسنده ) عن عبد الرحمان بن عوف :" أن قوما من العرب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فأسلموا وأصابهم وباء المدينة وحماها. فأركسوا. فخرجوا من المدينة. فاستقبلهم نفر من أصحابه. يعني النبي صلى الله عليه وسلم. فقالوا لهم :ما لكم رجعتم :قالوا :أصابنا وباء المدينة. فقالوا :أما لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة ؟ فقال بعضهم :نافقوا. وقال بعضهم :لم ينافقوا. فأنزل الله :( فما لكم في المنافقين فئتين )... الآية ". وهذه الرواية هي الأقرب لنظم الآية كما سنبينه في التنبيه الثاني ( والله أركسهم ) أي نكسهم وردهم إلى الكفر ( بما كسبوا ) أي :بسبب ما كسبوه من لحوقهم بالكفار ( أتريدون أن تهدوا من أضل الله ) أي :تعدوهم من جملة المهتدين. قال أبو السعود :تجريد للخطاب وتخصيص له بالقائلين بإيمانهم من الفئتين، وتوبيخ لهم على زعمهم ذلك، وإشعار بأنه يؤدي إلى محاولة المحال الذي هو هداية من أضله الله تعالى. وذلك لأن الحكم بإيمانهم وادعاء اهتدائهم، وهم بمعزل عن ذلك، سعي في هدايتهم وإرادة لها. ووضع الموصول موضع ضمير المنافقين لتشديد الإنكار وتأكيد استحالة الهداية بما ذكر في حيز الصلة، وتوجيه الإنكار إلى الإرادة لا إلى متعلقها. بأن يقال :أتهدون الخ للمبالغة في إنكاره ببيان أنه مما لا يمكن إرادته، فضلا عن إمكان نفسه ( ومن يضلل الله ) عن دينه ( فلن تجد له سبيلا ) أي :طريقا إلى الهدى.
١ أخرجه البخاري في: ٦٥ –كتاب التفسير، ٤ –سورة النساء، ١٥ –باب (فما لكم في المنافقين فئتين)، حديث ٩٥٦ ونصه:
عن زيد بن ثابت رضي الله عنه (فما لكم في المنافقين فئتين) رجع ناس من أصحاب النبي صلى اله عليه وسلم من أحد. وكان الناس فيهم فرقتين: فريق يقول: اقتلهم. وفريق يقول: لا. فنزلت: (فما لكم في المنافقين فئتين). وقال: "انها طيبة تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة".
والامام أحمد في المسند بالصفحة ١٨٤ من الجزء الخامس (طبعة الحلبي)..

٢ انظر سيرة ابن هشام صفحة ٥٥٩ (طبعة جوتنجن) وصفحة ٦٨ من الجزء الثالث (طبعة الحلبي)..
٣ أخرجه الامام أحمد في مسنده بالصفحة ١٩٢ من الجزء الأول (طبعة الحلبي). ونصه: عن عبد الرحمان بن عوف أن قوما من العرب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأسلموا. وأصابهم وباء المدينة: حماها. فأركسوا فخرجوا من المدينة فاستقبلهم نفر من أصحابه (يعني أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) فقالوا لهم: ما لكم رجعتم؟ قالوا: أصابنا وباء المدينة فاجتوينا المدينة. فقالوا: أما لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة؟ فقال بعضهم: نافقوا. وقال بعضهم: لم ينافقوا هم مسلمون. فأنزل الله عز وجل: (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا)... الآية..
( ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا٨٩ ).
( ودوا لو تكفرون كما كفروا ) كلام مستأنف مسوق لبيان غلوهم وتماديهم في الكفر وتصديهم لإضلال غيرهم، إثر بيان كفرهم وضلالهم في أنفسهم. أي :تمنوا أن تكفروا ككفرهم بعد الإيمان ( فتكونون سواء ) أي :في الكفر والضلال ( فلا تتخذوا منهم أولياء ) في العون والنصرة لئلا يفضي إلى كفرهم، وان أظهروا لكم الإيمان طلبا لموالاتكم ( حتى يهاجروا ) من دار الكفر ( في سبيل الله ) فتتحققوا ايمانهم ( فان تولوا ) أي عن الهجرة. فهم، وان أظهروا لكم الإسلام مع قدرتهم على الهجرة، فافعلوا بهم ما تفعلون بالكفار. لأنه زال عنهم حكم النفاق بلحوق دار الكفر ( فخذوهم ) أي :اتسروهم١ -واقتلوهم حيث وجدتموهم ) في الحل والحرم ( ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا ) أي :لا توالوهم ولا تستنصروا بهم على أعداء الله ما داموا كذلك.
تنبيهان
الأول :قال الرازي :دلت الآية على أنه لا يجوز موالاة المشركين والمنافقين والمشتهرين بالزندقة والإلحاد وهذا متأكد بعموم قوله تعالى٢ :( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ). والسبب فيه أن أعز الأشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو الدين، لأن ذلك هو الأمر الذي يتقرب به إلى الله تعالى ويتوسل به إلى طلب السعادة في الآخرة. وإذا كان كذلك، كانت العداوة الحاصلة بسببه أعظم أنواع العداوة. وإذا كان كذلك، امتنع طلب المحبة والولاية في الموضع الذي يكون أعظم موجبات العداوة حاصلا فيه. والله أعلم.
الثاني :يظهر لي أن الأقرب في سبب نزول الآيات أعني قوله تعالى :( فما لكم في المنافقين ). الخ، رواية عبد الرحمان بن عوف. كما يدل عليه سبر هذه الآيات وتدبرها بصادق النظر والإمعان. وقد اهتدى إلى ذلك الفاضل المهايمي في ( تفسيره ). فاقتصر على هذا الوجه فقال :وهم الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى البدو لاجتواء المدينة. فلم يزالوا يرتحلون مرحلة بعد أخرى حتى لحقوا المشركين. انتهى. وقول السيوطي :في إسناد رواية عبد الرحمان بن عوف عند أحمد تدليس وانقطاع –لا يقدح في اصابتها كبد الحقيقة، لأنها وجدت فيها قرينة تلحقها بالمقبول وهو موافقتها لألفاظ الآية بلا تكلف.
وحينئذ فقول زيد بن ثابت :فنزلت فيما تقدم بمعنى أنها تشمل ما وقع من المنخزلين عن أحد وما جرى من اختلاف المؤمنين في شأنهم. لا أن ما وقع كان سببا لنزولها. واستعمال النزول بذلك معروف كما بيناه في المقدمة. وإلا لأشكل قوله تعالى :( إلا أن يهاجروا ). إذ لم تطلب المهاجرة الا من النائين عن المدينة. وأولئك، أعني الذين انحرفوا عن المسلمين في أحد، كانوا بها. فيحتاج إلى جعل المهاجرة بمعنى خروجهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، صابرين محتسبين مخلصين. كما قاله بعض المفسرين. وهذا المعنى لم يشع في المهاجرة. ولأشكل أيضا قوله تعالى :( فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ). فإنه يفيد بأنهم ليسوا من منافقي أهل المدينة. وانه يتوقع الظفر بهم. وإلا فمنافقوها بين ظهرانيهم ليلا ونهارا. فالظاهر في هذا المقام رواية ابن عوف. وفي آخر رواية زيد ما يشعر بها حيث قال :" انها طيبة وانها تنفي الخبث ". اشارة إلى أن المدينة نفت هؤلاء الذين نزحوا عنها بعد اسلامهم. والله أعلم.
١ افتعل من (يسر) والمراد ائسروهم. كذا قاله الأستاذ الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد..
٢ |٦٠/ الممتحنة/ ١|..
ثم استثنى عن أسر المرتدين وقتلهم بقوله :
( الا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا٩٠ ).
( الا الذين يصلون ) يلجأون ( إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ) أي :عهد بهدنة أو أمان. فاجعلوا حكمهم كحكمهم لئلا يفضي إلى قتال من وصلوا إليهم فيفضي إلى نقض الميثاق ( أو جاؤوكم ) عطف على الصلة أي :والذين جاؤوكم ( حصرت صدورهم ) حال بإضمار ( قد ) أي :ضاقت وانقبضت نفوسهم ( أن يقاتلوكم ) لإرادتهم المسالمة –أو يقاتلوا قومهم ) أي :معكم من أجلكم لمكان القرابة منهم. فهم لا لكم ولا عليكم. قال أبو السعود :استثني من المأمور بأخذهم وقتلهم فريقان :
أحدهما :من ترك المحاربين ولحق بالمعاهدين.
والأخر :من أتى المؤمنين وكف عن قتال الفريقين. وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن :" أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال، لما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على أهل بدر وأحد، وأسلم من حولهم، قال :بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي بني مدلج. فأتيته فقلت :أنشدك النعمة. بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي. وأنا أريد أن توادعهم. فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإسلام. وان لم يسلموا لم يحسن تغليب قومك عليهم. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد خالد فقال :اذهب معه فافعل ما يريد. فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وان أسلمت قريش أسلموا معهم. وأنزل الله :
( إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ). فكان من وصل إليهم كان معهم على عهدهم ". وفي قوله تعالى :( ولو شاء الله لسلطهم عليكم فقاتلوهم ) إشعار بقوتهم في أنفسهم، وأن في التعرض لقتلهم إظهارا لقوتهم الخفية فهذه الجملة جارية مجرى التعليل لاستثنائهم من الأخذ والقتل ( فان اعتزلوكم ) أي تركوكم ( فلم يقاتلوكم ) مع ما علمتم من تمكنهم من ذلك بمشيئة الله عز وجل ( وألقوا إليكم السلم ) أي :الانقياد والاستسلام ( فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ) أي طريقا بالأسر أو القتل. إذ لا ضرر منهم في الإسلام. وقتالهم يظهر كمال قوتهم.
لطيفة :
قال الخفاجي :( السلم ) بفتحتين :الانقياد. وقرئ بسكون اللام مع فتح السين وكسرها. وكأن إلقاء السلم استعارة. لأن من سلم شيئا ألقاه وطرحه عند المسلم له. وعدم جعل السبيل مبالغة في عدم التعرض لهم، لأن من لا يمر بشيء كيف يتعرض له ؟
تنبيه :
ظاهر النظر الكريم أن الفريقين المستثنيين من الكفار. وحاول أبو مسلم الأصفهاني كونهما من المسلمين حيث قال :انه تعالى لما أوجب الهجرة على كل من أسلم، استثنى من له عذر. فقال :( إلا الذين يصلون )، وهم قوم من المؤمنين قصدوا الرسول للهجرة والنصرة. إلا أنهم كان في طريقهم من الكفار ما لم يجدوا طريقا إليه خوفا من أولئك الكفار. فصاروا إلى قوم بين المسلمين وبينهم عهد. وأقاموا عندهم إلى أن يمكنهم الخلاص. واستثنى بعد ذلك من صار إلى الرسول، ولا يقاتل الرسول ولا أصحابه. لأنه يخاف الله تعالى فيه. ولا يقاتل الكفار أيضا، لأنهم أقاربه. أو لأنه أبقى أولاده وأزواجه بينهم. فيخاف، لو قاتلهم، أن يقتلوا أولادهم وأصحابه. فهذان الفريقان من المسلمين لا يحل قتالهم. وان كان لم يوجد منهم الهجرة ولا مقاتلة الكفار. انتهى.
( ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا٩١ ).
( ستجدون ) أقواما ( آخرين يريدون ) بإظهار الإسلام لكم ( أن يأمنوكم ) أي :على أنفسهم ( ويأمنوا قومهم ) بإظهار الكفر ( كلما ردوا إلى الفتنة ) أي :دعوا إلى الارتداد والشرك ( أركسوا فيها ) أي :رجعوا إليها منكوسين على رؤوسهم ( فان لم يعتزلوكم ) أي يتنحوا عنكم جانبا، بأن لم يكونوا معكم ولا عليكم. ( ويلقوا إليكم السلم ) أي :ولم يلقوا الانقياد ( ويكفوا أيديهم ) أي :عن قتالكم ( فخذوهم ) أي :ائسروهم ( واقتلوهم حيث ثقفتموهم ) أي :وجدتموهم في داركم أو دارهم ( وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا ) أي :حجة واضحة في الإيقاع بهم قتلا وسبيا. لظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر، وإضرارهم بأهل الإسلام. أو تسلطا ظاهرا، حيث أذنا لكم في أخذهم وقتلهم.
تنبيهان :
الأول :قال ابن كثير :هؤلاء الآخرون، في الصورة الظاهرة، كمن تقدمهم. ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك. فإن هؤلاء قوم منافقون يظهرون للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه الإسلام، ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم. ويصانعون الكفار في الباطن. فيعبدون معهم ما يعبدون، ليأمنوا بذلك عندهم. وهم في الباطن مع أولئك. كما قال تعالى :( وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم )١ الآية. وحكى ابن جرير٢ عن مجاهد :" أنها نزلت في قوم من أهل مكة. كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء. ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان. يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا. فأمر بقتلهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا ".
الثاني :قال الرازي :قال الأكثرون :في الآية دلالة على أنهم إذا اعتزلوا قتالنا وطلبوا الصلح منا وكفوا أيديهم عن إيذائنا، لم يجز لنا قتالهم ولا قتلهم. نظيره قوله تعالى :( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم ) ٣. وقوله تعالى :( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ) ٤. فخص الأمر بالقتال لمن يقاتلنا دون من لم يقاتلنا.
١ |٢/ البقرة/ ١٤| ونصها: (واذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا واذا خلوا الى شياطينهم قالوا انا معكم انما نحن مستهزءون١٤)..
٢ الأثر رقم ١٠٠٧٨..
٣ |٦٠/ الممتحنة/ ٨| (... وتقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين٨)..
٤ |٢/ البقرة/ ١٩٠| (... ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين١٩٠)..
( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وان كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما٩٢ ).
( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ) أي ما جاز ولا صح ولا لاق لمؤمن قتل أخيه المؤمن. فإن الإيمان زاجر عن ذلك. إلا على وجه الخطأ. فإنه ربما يقع لعدم دخول الاحتراز عنه بالكلية تحت الطاقة البشرية.
قال الزمخشري :فإن قلت :بم انتصب خطأ ؟ قلت :بأنه مفعول له. أي :ما ينبغي له أن يقتله لعله إلا للخطأ وحده. ويجوز أن يكون حالا. بمعنى لا يقتله في حال من الأحوال الا في حال الخطأ. وأن يكون صفة للمصدر :إلا قتلا خطأ.
والمعنى :أن من شأن المؤمن أن ينتفي عنه وجود قتل المؤمن ابتداء، البتة. إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد. بأن يرمي كافرا فيصيب مسلما. أو يرمي شخصا على أنه كافر فإذا هو مسلم. انتهى.
( ومن قتل مؤمنا خطأ ) أي :بما ذكرنا. فهو، وان عفي عنه، لكنه لا يخلو عن تقصير في حق الله، ولا يهدر دم المؤمن بالكلية ( فتحرير رقبة مؤمنة ) أي :فالواجب عليه، لحق الله، اعتاق نفس محكوم عليها بالإيمان، ولو صغيرة. ليعتق الله عنه بكل جزء منها جزءا منه من النار.
وقد روى الإمام أحمد١ عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن رجل من الأنصار، " أنه جاء بأمة سوداء. فقال :يا رسول الله ! ان علي عتق رقبة مؤمنة. فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقها. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم :أتشهدين أن لا اله إلا الله ؟ قالت :نعم. قال :أتشهدين أني رسول الله ؟ قالت :نعم. قال :أتؤمنين بالبعث بعد الموت ؟ قالت :نعم. قال :أعتقها ". وهذا إسناد صحيح، وجهالة الصحابي لا تضره.
وفي ( موطأ مالك ) ٢ و ( مسند الشافعي وأحمد ) و ( صحيح مسلم ) و ( سنن أبي داود والنسائي ) عن معاوية بن الحكم أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم :أين الله ؟ قالت :في السماء. قال :من أنا ؟ قالت :أنت رسول الله. قال :أعتقها فإنها مؤمنة ". أفاده ابن كثير.
لطيفتان :
الأولى :قال الزمخشري :التحرير :الإعتاق. والحر والعتيق :الكريم. لأن الكرم في الأحرار، كما أن اللؤم في العبيد. ومنه عتاق الخيل وعتاق الطير لكرامها. وحر الوجه أكرم موضع منه. وقولهم للئيم :عبد، وفلان عبد الفعل، أي :لئيم الفعل. والرقبة عبارة عن النسمة، كما عبر عنها بالرأس في قولهم :فلان يملك كذا رأسا من الرقيق.
الثانية :قيل في حكمة الاعتاق :انه لما أخرج نفسا مؤمنة من جملة الأحياء، لزمه أن يدخل نفسا مثلها في جملة الأحرار. لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها. من قبل أن الرقيق ملحق بالأموات. إذ الرق أثر من آثار الكفر. والكفر موت حكما :( أومن كان ميتا فأحييناه ) ٣. ولهذا منع من تصرف الأحرار. وهذا مشكل. إذ لو كان كذلك لوجب في العمد أيضا. لكن يحتمل أن يقال :انما وجب عليه ذلك، لأن الله تعالى أبقى للقاتل نفسا مؤمنة حيث لم يوجب القصاص. فأوجب عليه مثلها رقبة مؤمنة. أفاده النسفي. ( ودية مسلمة إلى أهله ) أي :والواجب عليه أيضا، لحق ورثة المقتول، عوضا لهم عما فاتهم من قتيلهم، دية مؤداة إلى ورثته. يقتسمونها اقتسام الميراث. وقد بينت السنة مقدارها. وذلك فيما رواه النسائي٤ وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده، " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتابا. وفيه :إن في النفس الدية، مائة من الإبل. وفيه :وعلى أهل الذهب ألف دينار ". وروى أبو داود٥ عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، " أنه فرض في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل. وعلى أهل البقر مائتي بقرة. وعلى أهل الشاء ألفي شاة. وعلى أهل الحلل مائتي حلة ".
وفي ( الموطأ ) ٦ " أن عمر بن الخطاب قوم الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار. وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم ". وهذه الدية انما تجب على عاقلة القاتل، لا في ماله.
قال الشافعي رحمه الله :لم أعلم مخالفا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة. وفي ( الصحيحين ) ٧ عن أبي هريرة قال :( اقتتلت امرأتان من هذيل. فرمت احداهما الأخرى بحجر. فقتلتها، وما في بطنها. فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقضى أن دية جنينها غرة. عبد أو أمة. وقضى بدية المرأة على عاتقها ". ورواه أبو داود٨ عن جابر بلفظ :" أن امرأتين من هذيل قتلت احداهما الأخرى. ولكل واحدة منهما زوج وولد. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عاقلة القاتلة. وبرأ زوجها وولدها، قال فقال عاقلة القاتلة :ميراثها لنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :لا. ميراثها لزوجها وولدها ". و ( العاقلة ) القرابات من قبل الأب وهم عصبته. وهم الذين كانوا يعقلون الإبل على باب ولي المقتول. وسميت الدية عقلا تسمية بالمصدر. لأن الإبل كانت تعقل بفناء ولي المقتول. ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية، ولو لم تكن إبلا. وتضمين العاقلة مخالف لظاهر قوله تعالى :( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) ٩. فتكون الأحاديث القاضية بتضمين العاقلة مخصصة لعموم الآية. لما في ذلك من المصلحة. لأن القاتل لو أخذ بالدية لأوشك أن تأتي على جميع ماله. لأن تتابع الخطأ لا يؤمن. ولو ترك بغير تغريم لأهدر دم المقتول. كذا في ( نيل الأوطار ).
قال المهايمي :تجب الدية على كل عاقلة القاتل. وهم عصبته غير الأصول والفروع. لأنه لما عفى عن القاتل فلا وجه للأخذ منه. وأصوله وفروعه أجزاؤه. فالأخذ منهم أخذ منه. / ولا وجه لاهدار دم المؤمن. فيؤخذ من عاقلته الذين يرثونه بأقوى الجهات وهي العصبية. لأن الغرم بالغنم. فإن لم يكن له عاقلة، أو كانوا فقراء، فعلى بيت المال. انتهى.
وقد خالف أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج. فأوجبوا الدية على القاتل لا على عاقلته. واحتجوا بوجوه خمسة عقلية. ساقها الفخر الرازي. هنا. وكلها مما لا يساوي فلسا. إذ هي من معارضة النص النبوي بالرأي المحض.
اللهم :إنا نبرأ إليك من ذلك. وقد غفلوا عن حكمة المشروعية على العاقلة التي بيناها :
دعوا كل قول عند قول محمد فما آمن في دينه كمخاطر
تنبيه :
يشمل قوله تعالى :( فدية مسلمة ) تسليمها حالة ومؤجلة. إلا أن الاجماع قد وقع على أن دية الخطأ مؤجلة على العاقلة. ولكن اختلفوا في مقدار الأجل. فذهب الأكثر إلى أن الأجل ثلاث سنين. وقال ربيعة :إلى خمس. وحكى في ( البحر ) عن بعض الناس بعد حكايته للإجماع السابق :أنها تكون حالة. إذ لم يرو عنه صلى الله عليه وسلم تأجيلها. قال في ( البحر ) قلنا :روي عن علي رضي الله عنه " أنه قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين ". وقاله عمر وابن عباس. ولم ينكر. انتهى.
قال الشافعي في ( المختصر ) :لا أعلم مخالفا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين.
قال الرافعي :تكلم أصحابنا في ورود الخبر بذلك. فمنهم من قال :ورد. ونسبه إلى رواية علي عليه السلام. ومنهم من قال :ورد أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة. وأما التأجيل فلم يرد به الخبر. واخذ ذلك من إجماع الصحابة.
وقال ابن المنذر :ما ذكره الشافعي لا نعرفه أصلا من كتاب ولا سنة. وقد سئل عن ذلك أحمد بن حنبل فقال :لا نعرف فيه شيئا. فقيل :إن أبا عبد الله، يعني الشافعي، رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم. فقال :لعله سمعه من ذلك المدني. فإنه كان حسن الظن به. يعني ابراهيم بن أبي يحيى. وتعقبه ابن الرفعة :بأن من عرف حجة على من لم يعرف. وروى البيهقي من طريق ابن لهيعة عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال :" من السنة أن تنجم الدية في ثلاث سنين ". وقد وافق الشافعي، على نقل الإجماع، الترمذي في ( جامعه ) وابن المنذر. فحكى كل واحد منهما الإجماع. كذا في ( نيل الأوطار ). وقوله تعالى :( إلا أن يصدقوا ) أي :إلا أن يتصدق أولياء المقتول بالدية على القاتل فلا تجب عليه. وسمى العفو عنها صدقة حثا عليه وتنبيها على فضله. قال السيوطي في ( الاكليل ) :فيها ( أي :هذه الآية ) تعظيم قتل المؤمن والإثم فيه، ونفيه عن الخطأ، وأن في قتل الخطأ كفارة ودية. لا قصاص. وأن الدية مسلمة إلى أهل المقتول. إلا أن يصدقوا بها، أي :يبرؤوا منها. ففيه جواز الإبراء من أهل الدية. مع أنها مجهولة. وفي قوله ( مسلمة ) دون ( يسلمها ) إشارة إلى أنها على عاقلة القاتل. ذكره سعيد بن جبير. أخرجه ابن أبي حاتم واستدل بقوله :( إلى أهله )، على أن الزوجة ترث منها. لأنها من جملة الأهل خلافا للظاهرية. واحتج بها من أجاز ارث القاتل منها. لأنه من أهله. واحتج الظاهرية بقوله :( إلا أن يصدقوا ). على أن المقتول ليس له العفو عن الدية. لأن الله جعل لأهله خاصة. وعموم الآية شامل للإمام إذا قتل خطأ. خلافا لمن قال :لا شيء عليه ولا على عاقلته. واستدل بعمومها أيضا من قال :ان في قتل العبد الدية والكفارة. وان على الصبي والمجنون، إذا قتلا، الكفارة. وان المشارك في القتل عليه كفارة كاملة. انتهى. ( فان كان ) أي :المقتول خطأ ( من قوم عدو لكم ) أي :محاربين ( وهو مؤمن ) فلم يعلم به القاتل لكونه بين أظهر قومه، بأن أسلم فيما بينهم ولم يفارقهم، أو بأن أتاهم بعد ما فارقهم لمهم من المهمات ( فتحرير رقبة مؤمنة ) أي :فعلى قاتله الكفارة، لحق الله دون الدية. فإنه ا ساقطة. إذ لا ارث بينه وبين أهله. لأنهم محاربون.
وقال الإمام زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام :" لا تؤدى الدية إليهم لأنهم يتقوون بها ". ومعلوم أن سقوط الدية لمن هذه حاله أخذا من إيجاب الله تعالى على قاتله الكفارة، ولم يذكر الدية كما ذكرها في أول الآية وآخرها، وقد روى الحاكم وغيره عن ابن عباس في هذه الآية قال :" كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع إلى قومه وهم مشركون. فيصيبه المسلمون في سرية أو غزاة. فيعتق الذي يصيبه رقبة " ( وان كان ) أي :المقتول خطأ ( من قوم ) أي :كفرة ( بينكم وبينهم ميثاق ) أي :عهد من هدنة أو أمان. أي :كان على دينهم ومذهبهم ( فدية ) أي :فعلى قاتله دية ( مسلمة إلى أهله ) إذ هم كالمسلمين في الحقوق ( وتحرير رقبة مؤمنة ) لحق الله تعالى. وتقديم الدية ههنا مع تأخيرها فيما سلف، للاشعار بالمسارعة إلى تسليم الدية تحاشيا عن توهم نقض الميثاق.
قال السيوطي :روى الحاكم وغيره عن ابن عباس :" في قوله تعالى :( وان كان من قوم بينكم ". الخ. قال :هو الرجل يكون معاهدا. ويكون قومه أهل عهد. فتسلم إليهم الدية ويعتق الذي أصابه رقبة ".
قال السيوطي :ففيه أن المقتول إذا كان من أهل الذمة والعهد ففيه دية مسلمة إلى أهله مع الكفارة. وفيه رد على من قال :لا كفارة في قتل الذمي. والذين قالوا ذلك قالوا :ان الآية في المؤمن الذي أهله أهل عهد. وقالوا :انهم أحق بديته لأجل عهدهم. ويرده تفسير ابن عباس المذكور، وأنه تعالى لم
١ أخرجه الامام أحمد في المسند بالصفحة ٤٥١ من الجزء الثالث (طبعة الحلبي).
وأخرجه في الموطأ في: ٣٨ –كتاب العتق والولاء، حديث ٩ (طبعتنا)..

٢ أخرجه في الموطأ في: ٣٨ –كتاب العتق والولاء، حديث ٨ عن عمر بن الحكم أنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله: ان جارية كانت ترعى غنما لي. فجئتها وقد فقدت شاة من الغنم. فسألتها عنها فقالت: أكلها الذئب فأسفت عليها، وكنت من بني آدم فلطمت وجهها. وعلي رقبة أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أين الله؟" فقالت: في السماء. فقال: "من أنا؟" فقالت: أنت رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعتقها".
وأخرجه أحمد في المسند (ضمن حديث طويل) بالصفحة ٤٤٧ من الجزء الخامس (طبعة الحلبي).
وفيه قال: "أعتقها فانها مؤمنة". وقال مرة: "هي مؤمنة فأعتقها".
وأخرجه مسلم كذلك في: ٥ –كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث ٣٣ (طبعتنا).
وكذلك في أبي داود في: ٢ –كتاب الصلاة، ١٦٧ –باب تشميت العاطس في الصلاة، حديث ٩٣٠.
وكذلك في النسائي، ١٣ –كتاب السهو، ٢٠ –باب الكلام في الصلاة.
كل هؤلاء عن معاوية بن الحكم ما عدا الموطأ. ففيه عن عمر بن الحكم.
ولقد قال الامام الزرقاني هنا معقبا،
قال ابن عبد البر: كذا قال مالك، وهو وهم عند جميع علماء الحديث. وليس في الصحابة عمر بن الحكم، وانما هو وحديثه هذا معروف. وأما عمر بن الحكم فتابعي أنصاري مدني معروف. يعني فلا يصح..

٣ |٦/ الأنعام/ ١٢٢| (... وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للذين للكافرين ما كانوا يعملون١٢٢)..
٤ أخرجه النسائي في: ٤٥ –كتاب القسامة، ٤٧ –باب ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول واختلاف الناقلين له..
٥ أخرجه أبو داود في: ٧٨ –كتاب الديات، ١٦ –باب الدية كم هي؟ حديث ٤٥٤٣..
٦ أخرجه الامام مالك في الموطأ في: ٤٣ –كتاب العقول، حديث ٢ (طبعتنا)..
٧ أخرجه البخاري في: ٨٧ –كتاب الديات، ٢٥ –باب جنين المرأة، حديث ٢٢٦٩..
٨ أخرجه أبو داود في: ٣٨ –كتاب الديات، ١٩ –باب دية الجنين، حديث ٤٥٧٥..
٩ |٣٥/ فاطر/ ١٨| (... وان تدع مثقلة الى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى انما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فانما يتزكى لنفسه والى الله المصير١٨)..
قال المهايمي :وإذا كان للخطأ هذه الكدورة مع العفو عنه، فأين كدورة العمد ؟ أي :وهي التي ذكرت في قوله تعالى :
( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما٩٣ ).
( ومن يقتل مؤمنا متعمدا ) لقتله ( فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ) إذ قتل وليه عمدا ( ولعنه ) أي أبعده عن الرحمة ( وأعد له ) وراء ذلك ( عذابا عظيما ) أي :فوق عذاب سائر الكبائر، سوى الشرك.
قال الإمام ابن كثير :هذا تهديد شديد ووعد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم. الذي هو مقرون بالشرك بالله، في غير ما آية في كتاب الله. حيث يقول سبحانه في سورة ( الفرقان ) :( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق... ) الآية١. وقال تعالى :( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا )... الآية٢. والآيات والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدا. فمن ذلك ما ثبت في ( الصحيحين ) ٣ عن ابن مسعود قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء ". وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو داود٤ عن عبادة بن الصامت قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا يزال المؤمن معنقا صالحا ما لم يصب دما حراما. فإذا أصاب دما حراما بلح ". وفي حديث٥ آخر :" لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم ". قلت :رواه الترمذي والنسائي عن ابن عمرو. وفي الحديث الآخر :" لو اجتمع أهل السماوات وأهل الأرض على قتل رجل مسلم لكبهم الله في النار ". قلت :رواه الترمذي٦ عن أبي سعيد وأبي هريرة بلفظ :" لو أن أهل السماء والأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار ". وفي الحديث الآخر٧ :" من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله ". قلت :رواه ابن ماجة عن أبي هريرة.
وقد كان ابن عباس يرى أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمدا.
وقال البخاري٨ :حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا المغيرة بن النعمان قال :" سمعت ابن جبير قال :اختلف فيها أهل الكوفة. فرحلت فيها إلى ابن عباس فسألته عنها. فقال :نزلت هذه الآية :( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ). هي آخر ما نزل وما نسخها شيء ". وكذا رواه هو أيضا ومسلم والنسائي من طرق عن شعبة، به. ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل عن ابن مهدي عن سفيان الثوري عن مغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس " في قوله :( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ). فقال :ما نسخها شيء ". وقال ابن جرير٩ :حدثنا ابن بشار، قال حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال :" قال لي عبد الرحمان بن أبزى :سئل ابن عباس عن قوله :( ومن يقتل مؤمنا متعمدا )... الآية. فقال :لم ينسخها شيء. وقال في هذه الآية :( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ) إلى آخرها قال :نزلت في أهل الشرك ". وروى ابن جرير١٠ أيضا عن سعيد بن جبير قال :" سألت ابن عباس عن قوله تعالى :( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ). قال :إن الرجل إذا عرف الإسلام، وشرائع الإسلام، ثم قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم، ولا توبة له. فذكرت ذلك لمجاهد فقال :إلا من ندم ". وروى الإمام أحمد١١ عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس، " ان رجلا أتى إليه فقال :أرأيت رجلا قتل رجلا عمدا ؟ فقال :( جزاؤه جهنم خالدا فيها )... الآية. قال :لقد نزلت من آخر ما نزل. ما نسخها / شيء حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما نزل وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال :أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ؟ قال :وأنى له بالتوبة ؟ وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :ثكلته أمه. رجل قتل رجلا متعمدا يجيء يوم القيامة آخذا قاتله بيمينه أو بيساره، أو آخذا رأسه بيمينه أو بشماله، تشخب أوداجه دما قبل العرش يقول :يا رب ! سل عبدك فيم قتلني ! ". ورواه النسائي وابن ماجة. وقد روي هذا عن ابن عباس من طرق كثيرة. وممن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف، زيد بن ثابت وأبو هريرة وعبد الله بن عمر وأبو سلمة بن عبد الرحمان وعبيد بن عمير والحسن وقتادة والضحاك بن مزاحم. نقله ابن أبي حاتم. وفي الباب أحاديث كثيرة. فمن ذلك ما رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" يجيء المقتول متعلقا يوم القيامة، آخذا رأسه بيده الأخرى، فيقول :يا رب ! سل هذا فيم قتلني ؟ قال :فيقول :قتلته لتكون العزة لك. قال :فإنه ا لي. قال ويجيء آخر متعلقا بقاتله فيقول :رب ! سل هذا فيم قتلني ؟ قال فيقول :قتلته لتكون العزة لفلان. قال :فإنه ا ليست له. بوء باثمه. قال، فيهوى به في النار سبعين خريفا ". ورواه النسائي١٢. وأخرج الإمام أحمد والنسائي١٣ عن معاوية قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا ". وقال الإمام أحمد١٤ :حدثنا النضر. حدثنا سليمان بن المغيرة. حدثنا حميد قال :" أتاني أبو العالية أنا وصاحب لي :فقال لنا :هلما فأنتما أشب سنا مني، وأوعى للحديث مني. فانطلق بنا إلى بشر بن عاصم. فقال له أبو العالية :حدث هؤلاء حديثك. فقال :حدثنا عقبة بن مالك الليثي، قال :بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فأغارت على قوم. فشد مع القوم رجل/ فاتبعه رجل من السرية شاهرا سيفه. فقال الشاد من القوم :إني مسلم. فلم ينظر فيما قال. فضربه فقتله. فنمى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال فيه قولا شديدا. فبلغ القاتل. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذ قال القاتل :والله ! ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل. قال فأعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وعمن قبله من الناس. وأخذ في خطبته. ثم قال أيضا :يا رسول الله ! ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل. فأعرض عنه وعمن قبله من الناس وأخذ في خطبته. ثم لم يصبر حتى قال الثالثة :والله ! يا رسول الله ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل. فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، تعرف المساءة في وجهه فقال :إن الله أبى على من قتل مؤمنا. ( ثلاث مرات ) ". ورواه النسائي. ثم قال ابن كثير :والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها. أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله عز وجل. فإن تاب وأناب وخشع وخضع، وعمل عملا صالحا، بدل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن ظلامته. قال الله تعالى :( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ) ( إلى قوله- :( إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا ) ١٥ الآية. وهذا خبر لا يجوز نسخه. وحمله على المشركين، وحمل هذه الآية على المؤمنين –خلاف الظاهر. ويحتاج حمله إلى دليل. والله أعلم.
وقال تعالى :( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله )١٦. الآية. وهذا عام في جميع الذنوب. من كفر وشرك وشك ونفاق وقتل وفسق وغير ذلك. كل من تاب من أي ذلك تاب الله عليه. قال الله تعالى :( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) ١٧. فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك. وهي المذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها، لتقوية الرجاء. والله أعلم.
وثبت في ( الصحيحين ) ١٨ خبر الاسرائيلي " الذي قتل مائة نفس، ثم سأل عالما هل لي من توبة ؟ فقال :ومن يحول بينك وبين التوبة ؟ ثم أرشده إلى بلد يعبد الله فيه. فهاجر إليه فمات في الطريق. فقبضته ملائكة الرحمة ". وإذا كان هذا في بني إسرائيل فلأن يكون في هذه الأمة، التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى. لأن الله وضع عنا الآصار والأغلال التي كانت عليهم. وبعث نبينا بالحنفية السمحة. فأما الآية الكريمة وهي قوله تعالى :( ومن يقتل مؤمنا متعمدا )... الآية، فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف :" هذا جزاؤه إن جازاه ". وقد رواه ابن مردويه باسناده مرفوعا. ولكن لا يصح. ومعنى هذه الصيغة أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه. وكذا كل وعيد على ذنب. لكن قد يكون لذلك معارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه، على قولي أصحاب الموازنة والإحباط. وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد. والله أعلم بالصواب. وبتقدير دخول القاتل في النار، إما على قول ابن عباس ومن وافقه. انه لا توبة له. أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحا ينجو به –فليس بمخلد فيها أبدا. بل الخلود هو المكث الطويل. وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم١٩ :" انه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من ايمان ".
ثم قال ابن كثير :وإما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة فإنه من حقوق الآدميين. وهي لا تسقط بالتوبة. ولكن لابد من ردها إليهم. ولا فرق بين المقتول والمسروق منه والمغصوب منه والمغبون والمقذوف وسائر حقوق الآدميين. فإن الإجماع منعقد على أنها لا تسقط بالتوبة. ولكن لا بد من ردها إليهم في صحة التوبة. فإن تعذر ذلك فلا بد من المطالبة يوم القيامة. لكن لا يلزم من وقوع المطالبة وقوع المجازاة. إذ قد يكون للقاتل صالحة تصرف إلى المقتول، أو بعضها. ثم يفضل له أجر يدخل به الجنة. أو يعوض الله المقتول بما يشاء من فضله من قصور الجنة ونعيمها ورفع درجته فيها ونحو ذلك. والله أعلم. انتهى. وقال النووي في ( شرح مسلم ) في شرح حديث الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس :استدل به على قبول توبة القاتل عمدا. وهو مذهب أهل العلم وإجماعهم. ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس. وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا، فمراد قائله الزجر والتوبة. لا أنه يعتقد بطلان توبته. وهذا الحديث وان كان شرع من قبلنا، وفي الاحتجاج به خلاف، فليس هذا موضع الخلاف. وإنما موضعه إذا لك يرد شرعنا بموافقته وتقريره. فإن ورد كان شرعا لنا بلا شك. وهذا قد ورد شرعنا به. وذلك قوله تعالى :( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس ) –إلى قوله- :( إلا من تاب )... الآية٢٠. وأما قوله تعالى :( ومن يقتل مؤمنا متعمدا )... الآية. فالصواب في معناها :أن جزاءه جهنم. فقد يجازى بذلك وقد يجازى بغيره. وقد لا يجازى بل يعفى عنه. فإن قتل عمدا مستحلا بغير حق ولا تأويل فهو كافر مرتد. يخلد في جهنم بالإجماع. وان كان غير مستحل بل معتقدا تحريمه فهو فاسق عاص. مرتكب كبيرة، جزاؤها جهنم خالدا فيها. لكن تفضل الله تعالى وأخبر انه لا يخلد من مات موحدا فيها. فلا يخلد هذا. ولكن قد يعفى عنه ولا يدخل النار أصلا. وقد لا يعفى عنه / بل يعذب كسائر عصاة الموحدين. ثم يخرج معهم إلى الجنة ولا يخلد في النار. قال :فهذا هو الصواب في معنى الآية. ولا يلزم من كونه يستحق أن يجازى بعقوبة مخصوصة، أن يتحتم ذلك الجزاء. وليس في الآية إخبار بأنه يخلد في جهنم. وإنما فيها أنها جزاؤه. أي :يستحق أن يجازى بذلك. وقيل :وردت الآية في رجل بعينه. وقيل :المراد بالخلود طول المدة، لا الدوام. وقيل :معناها :هذا جزاؤه، إن جازاه. وهذه الأقوال كلها ضعيفة أو فاسدة. لمخالفتها حقيقة لفظ الآية. فالصواب ما قدمناه. انتهى.
وقال علاء الدين الخازن :العلماء في حكم هذه الآية. هل هي منسوخة أ
١ |٢٥/ الفرقان/ ٦٨| (... ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما٦٨)..
٢ |٦/ الانعام/ ١٥١| (... وبالوالدين احسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم واياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون١٥١)..
٣ أخرجه البخاري في: ٨٧ –كتاب الديات، ١ –باب (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم)، حديث ٢٤٥٥..
٤ أخرجه أبو داود في: ٣٤ –كتاب الفتن والملاحم، ٦ –باب في تعظيم قتل المؤمن، حديث ٢٤٧٠.
(معنقا: أي: خفيف الظهر، ريع السير. بلح: أي أعيا وانقطع)..

٥ أخرجه الترمذي في: ١٤ –كتاب الديات، ٧ –باب ما جاء تشديد قتل المؤمن..
٦ أخرجه الترمذي في: ١٤ –كتاب الديات، ٨ –باب الحكم في الدماء.
(قلت: المعروف في اللغة: كبهم. يقال: كبه فأكب هو. المجرد متعد، والمزيد لازم. هكذا نصوا عليه. وقال في اللسان: هذا من النوادر أن يقال: أفعلت أنا وفعلت غيري)..

٧ أخرجه ابن ماجة في: ٢١ –كتاب الديات، ١ (باب التغليظ في قتل مسلم ظلما، حديث ٢٦٢٠ (طبعتنا)..
٨ أخرجه البخاري في: ٦٥ –كتاب التفسير، ٤ –سورة النساء، ١٦ –باب (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم)..
٩ الأثر رقم ١٠١٩٢..
١٠ الأثر رقم ١٠١٨٧..
١١ أخرجه في المسند بالصفحة ٢٤٠ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) حديث ٢١٤٢ (طبعة المعارف)..
١٢ أخرجه النسائي في: ٣٧ –كتاب تحريم الدم، ٢ –باب تعظيم الدم..
١٣ أخرجه النسائي في: ٣٧ –كتاب تحريم الدم، ١ –باب تحريم الدم..
١٤ أخرجه الامام أحمد في المسند بالصفحة ٢٨٩ بالجزء الخامس (طبعة الحلبي)..
١٥ |٢٥/ الفرقان/ ٦٨ -٧٠|..
١٦ |٣٩/ الزمر/ ٥٣| (... ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم٥٣)..
١٧ |٤/ النساء/ ٤٨ و١١٦|..
١٨ أخرجه البخاري في: ٦٠ –كتاب الأنبياء، ٥٤ –باب حدثنا أبو يمان، حديث ١٦٢٩.
ومسلم في: ٤٩ –كتاب التوبة، حديث ٤٦ (طبعتنا)..

١٩ انظر حديث الشفاعة الذي أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري في: ٩٧ –كتاب التوحيد، ٢٤ –باب قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة)، حديث ٢١.
والحديث الذي أخرجه أيضا عن أنس بن مالك في: ٩٧ –كتاب التوحيد، ٣٦ –باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، حديث ٤٠.
احرص عليهما كل الحرص، ولا يفوتنك قراءتهما ودراستهما والتمتع بما فيهما.
وأخرج الحديث الأول مسلم في: ١ (كتاب الايمان، حديث ٣٠٢ (طبعتنا)..

٢٠ |٢٥/ الفرقان/ ٦٨| ونصها: (والذين لا يدعون مع الله الها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله الا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما٦٨)..
ثم حذر تعالى عما يؤدي إلى القتل العمد من قلة المبالاة في الأمور بقوله :
( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا٩٤ ).
( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم ) أي :ذهبتم ( في سبيل الله ) إلى أرض العدو للغزو ( فتبينوا ) أي :اطلبوا بيان كل ما تأتون وما تذرون. ولا تعجلوا فيه بغير تدبر وروية ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ) نهى عما هو نتيجة لترك المأمور به، وتعيين لمادة مهمة من المواد التي يجب فيها التبيين. أي :لا تقولوا ( لمن أظهر الانقياد لدعوتكم فقال :لا اله إلا الله، أو سلم عليكم فحياكم بتحية الاسلام ) :لست مؤمنا في الباطن. وإنما قلته باللسان لطلب الأمان. بل اقبلوا منه ما أظهره وعاملوه بموجبه ( تبتغون ) أي :تطلبون بقتله ( عرض الحياة الدنيا ) أي :ماله الذي هو سريع النفاد. والجملة حال من فاعل ( لا تقولوا ) منبئة عما يحملهم على العجلة وترك التأني. وقوله تعالى :( فعند الله مغانم كثيرة ) تعليل للنهي عن ابتغاء ماله بما فيه من الوعد الضمني. كأنه قيل :لا تبتغوا ماله، فعند الله مغانم كثيرة يغنمكموها، فيغنيكم عن ارتكاب ما ارتكبتموه. أفاده أبو السعود. ثم قال :وقوله تعالى :( كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم ). تعليل للنهي عن القول المذكور. أي :مثل ذلك الذي ألقى إليكم السلام، كنتم أنتم أيضا. في مبادئ اسلامكم. لا يظهر منكم للناس غير ما ظهر منه لكم، من تحية الإسلام ونحوها. فمن الله عليكم، بأن قبل منكم تلك المرتبة، وعصم بها دماءكم وأموالكم، ولم يأمر بالتفحص عن سرائركم. والفاء في قوله تعالى :( فتبينوا ) فصيحة. أي، إذا كان الأمر كذلك، فاطلبوا بيان هذا الأمر البين وقيسوا حاله بحالكم. وافعلوا به ما فعل بكم. في أوائل أموركم. من قبول ظاهر الحال، من غير وقوف على تواطؤ الظاهر والباطن ( ان الله كان بما تعملون خبيرا ) فلا تتهافتوا في القتل وكونوا محترزين محتاطين في ذلك.
قال ابن كثير ( في سبب نزولها ) :أخرج الإمام أحمد عن عكرمة عن ابن عباس قال :" مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرعى غنما له. فسلم عليهم. فقالوا :ما يسلم علينا إلا ليتعوذ منا. فعمدوا إليه فقتلوه. وأتوا بغنمه النبي صلى الله عليه وسلم. فنزلت هذه الآية :( يا أيها الذين آمنوا )... إلى آخرها ". ورواه الترمذي١ ثم قال :هذا الحديث حسن صحيح. وفي الباب عن أسامة بن زيد.
ورواه الحاكم وصححه. وروى البخاري٢ عن عطاء عن ابن عباس في هذه الآية قال :" كان رجل في غنيمة له. فلحقه المسلمون، فقال :السلام عليكم. فقتلوه، وأخذوا غنيمته. فأنزل الله في ذلك... إلى قوله :( عرض الحياة الدنيا ) :( تلك الغنيمة ) ".
وقال البخاري٣ :قال حبيب بن أبي عمرة عن سعيد عن ابن عباس قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد :إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل ". هكذا رواه البخاري معلقا مختصرا.
ورواه الحافظ أبو بكر البزار مطولا موصولا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال :" بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد بن الأسود. فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا. وبقي رجل له مال كثير لم يبرح. فقال :أشهد أن لا اله إلا الله. وأهوى إليه المقداد فقتله. فقال له رجل من أصحابه :أقتلت رجلا شهد أن لا اله إلا الله ؟ لأذكرن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم. فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا :يا رسول الله ! إن رجلا شهد أن لا اله إلا الله، فقتله المقداد. فقال :ادعوا لي المقداد. يا مقداد ! أقتلت رجلا يقول :لا اله إلا الله ! فكيف لك ب ( لا اله إلا الله ) غدا ؟ قال :فأنزل الله :( يا أيها الذين آمنوا ) –إلى قوله- :( كذلك كنتم من قبل )... الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد :كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار. فأظهر إيمانه فقتلته. وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل ".
قال ابن كثير :فقوله تعالى :( كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم )، أي :قد كنتم من قبل هذه الحال كهذا الذي يسر إيمانه ويخفيه من قومه. كما تقدم في الحديث المرفوع، وكما قال تعالى :( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض )... الآية٤. وهذا وجه آخر في مرجع الإشارة، غير ما سلف، وهو الأدق. وبالقبول أحق.
قال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) :يستفاد من هذه الرواية ( أي :البزار ) تسمية القاتل. وأما المقتول، فروى الثعلبي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وأخرجه عبد بن حميد من طريق قتادة نحوه. واللفظ للكلبي :" أن اسم المقتول مرداس لما انهزموا بقي هو وحده. وكان ألجأ غنمه بجبل. فلما لحقوه قال :لا اله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم. فقتله أسامة بن زيد. فلما رجعوا نزلت الآية ".
وكذا أخرج الطبري٥ من طريق السدي نحوه. وفي آخر رواية قتادة :" لأن تحية / المسلمين السلام، بها يتعارفون ". وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر قال :" أنزلت هذه الآية في مرداس ". وهذا شاهد حسن. وأسند ابن أبي حاتم :" أن أسامة حلف لا يقتل رجلا يقول :لا اله إلا الله، بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ".
قال بعض المفسرين من أئمة الزيدية :وبهذا اعتذر إلى علي عليه السلام حتى تخلف عنه، وان كان عذرا غير مقبول. لأن القتال مع الإمام واجب عند خروج البغاة ويكفر يمينه.
قال الحاكم :إلا أن أمير المؤمنين أذن له. انتهى.
وروى الإمام أحمد٦ عن عبد الله بن أبي حدرد رضي الله عنه قال :" بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اضم ". فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعي، ومحلم بن جثامة بن قيس. فخرجنا حتى إذا كنا ببطن اضم مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له. معه متيع له ( تصغير متاع. وهو السلعة ) ووطب من لبن. فلما مر بنا سلم علينا. فأمسكنا عنه. وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله، لشيء كان بينه وبينه. وأخذ بعيره ومتيعه. فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن :( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله ) –الى قوله تعالى – ( خيرا ) ". ورواه ابن جرير٧ عن ابن عمر وزاد :( فجاء محلم في بردين. فجلس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :لا غفر الله لك. فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه. فما مضت له سابعة حتى مات. ودفنوه في الأرض. فلفظته الأرض، فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له. فقال إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم، ولكن الله أراد أن يعظكم. ثم طرحوه بين صدفي جبل، وألقوا عليه الحجارة، ونزلت ".
وروى أئمة السير، " أنه لما كان عام خيبر، جاء عيينة بن بدر يطلب بدم عامر وهو سيد قيس. وكان الأقرع بن حابس يرد عن محلم وهو سيد خندف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوم عامر :هل لكم أن تأخذوا منا الآن خمسين بعيرا، وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة ؟ فقال عيينة بن بدر :والله ! لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحر مثل ما أذاق نسائي. فلم يزل به حتى رضي بالدية ".
قال ابن اسحاق :وحدثني سالم بن النضر قال :" لم يقبلوا الدية حتى قام الأقرع بن حابس فخلا بهم. فقال :يا معشر قيس ! سألكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتيلا تتركونه ليصلح به بين الناس فمنعتموه إياه. أفأمنتم أن يغضب عليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيغضب عليكم الله لغضبه ؟ أو يلعنكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيلعنكم الله بلعنته ؟ والله ! لتسلمنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لآتين بخمسين من بني تميم كلهم يشهدون أن القتيل ما صلى قط. فلأبطلن دمه. فلما قال ذلك أخذوا الدية ".
وأخرج ابن منده عن الجزء بن الحدرجان قال :" وفد أخي، قداد إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن. فلقيته سرية النبي صلى الله عليه وسلم. فقال لهم :أنا مؤمن. فلم يقبلوا منه وقتلوه. فبلغني ذلك. فخرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنزلت :( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم )... الآية. فأعطاني النبي صلى الله عليه وسلم دية أخي ".
قال القفال :ولا منافاة بين هذه الروايات. فلعلها نزلت عند وقوعها بأسرها. فكان كل فريق يظن أنها نزلت في واقعته. انتهى. وتقدم لنا في مقدمة التفسير في سبب النزول ما يدفع التنافي في نحو هذا. فارجع إليه.
قال الرازي :اعلم أن المقصود من هذه الآية المبالغة في تحريم قتل المؤمنين، وأمر المجاهدين بالتثبت فيه، لئلا يسفكوا دما حراما بتأويل ضعيف. وفي ( الاكليل ) :استدل بظاهرها على قبول توبة الزنديق إذا أظهر الاستسلام. وعلى أن الكافر يحكم له بالإسلام إذا أظهر ما ينافي اعتقاده، على قراءة ( السلام ) وفي الآية وجوب التثبت في الأمور، خصوصا القتل ووجوب الدعوة قبل القتال. انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) :في الآية دليل على أن من اظهر شيئا من علامات الإسلام لم يحل دمه حتى يختبر أمره. لأن الإسلام تحية المسلمين. وكان تحيتهم في الجاهلية بخلاف ذلك. فكانت هذه علامة. وأما على قراءة ( السلم ) بفتحتين، أو بكسر فسكون، فالمراد به الانقياد. وهو علامة الإسلام. انتهى.
وقال بعض مفسري الزيدية :ثمرة الآية الكريمة وجوب التثبت والتأني فيما يحتمل الحظر والاباحة لقوله :( فتبينوا ) ( بالنون ) وهذا قراءة الأكثر. وحمزة والكسائي قراءتهما :( فتثبتوا ) من ( الثبات ). ويدخل في هذا أحكام كثيرة من الاعتقادات والأخبار والأفعال من الأحكام وسائر الأعمال، فهذا حكم. والحكم الثاني أنه يجب الأخذ بالظاهر. فمن أظهر الاسلام أو شيئا من شعائر الاسلام، لا يكذب بل يقبل منه. ويدخل، في هذا، الملحد والمنافق. وهذا هو مذهبنا والأكثر. ويدخل في هذا قبول توبة المرتد، خلافا لأحمد. وقبول توبة الزنديق. وهذا قول عامة الأئمة.
وقال مالك :لا تقبل، لأن هذا عين مذهبهم أنهم يظهرون خلاف ما يبطنون.
قال الراضي بالله والامام يحيى :ان أظهروا ما يعتادون اخفاءه قبلت توبتهم. والا فلا.
قال علي خليل :تقبل توبتهم، ولو عرفنا من باطنهم خلاف ما أظهروا. كما قبل النبي صلى الله عليه وسلم من المنافقين، وقد أخبر الله تعالى بكفرهم.
وقال أبو مضر :تقبل ما لم يعرف كذبهم. وهذا الخلاف في الظاهر. أما عند الله، إذا صدق، فهي مقبولة وفاقا. قال الحاكم :وتدل على أن التوصل بالسبب المحرم إلى المال لا يجوز. وقد ذكر العلماء صورا في التوصل إلى المباح بالمحظور، مختلفة. ذكرت في غير هذا / الموضع. والحجة هنا من قوله تعالى :تبتغون عرض الحياة الدنيا ). لأن الذي قصد هنا أخذه، محظور. لأن إظهار الإسلام يحقن النفس والمال. فذلك توصل بمحظور إلى محظور.
وقوله تعالى :( لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا ). قرئ السلم وهذه قراءة نافع وحمزة وابن عامر بغير ألف وهو الاستسلام.
١ أخرجه الترمذي في: ٤٤ –كتاب التفسير، ٤ –سورة النساء، ١٦ –حدثنا عبد الله حميد، ونصه: عن ابن عباس قال: مر رجل من بني سليم على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومعه غنم له. فسلم عليهم. قالوا: ما سلم عليكم الا ليتعوذ منكم. فقاموا فقتلوه وأخذوا غنمه. فأتول بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى اليكم السلام لست مؤمنا)..
٢ أخرجه البخاري في: ٦٥ –كتاب التفسير، ٤ –سورة النساء، ١٧ –باب (ولا تقولوا لمن ألقى اليكم السلام لست مؤمنا)..
٣ أخرجه البخاري في: ٨٧ –كتاب الديات، ١ –باب قول الله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم)، حديث ٢٥٢٢..
٤ |٨/ الأنفال/ ٢٦| ونصها: (واذكروا اذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم فأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون٢٦)..
٥ الأثر رقم ١٠٢٢١..
٦ أخرجه في المسند بالصفحة ١١ من الجزء السادس (طبعة الحلبي) وابن جرير: الأثر رقم ١٠٢١٢..
٧ الأثر رقم ١٠٢١١..
وقوله تعالى :
( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما٩٥ ).
( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ) بيان لتفاوت طبقات المؤمنين بحسب تفاوت درجات مساعيهم في الجهاد، بعد ما مر من الأمر به وتحريض المؤمنين عليه، ليأنف القاعد عنه ويترفع بنفسه على انحطاط رتبته، فيهتز له رغبة في ارتفاع طبقته. قاله أبو السعود.
وأصله للزمخشري حيث قال :فإن قلت :معلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان. فما فائدة نفي الاستواء ؟ قلت :معناه الاذكار بما بينهما من التفاوت العظيم والبون البعيد. ليأنف القاعد ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته، فيهتز للجهاد ويرغب فيه، وفي ارتفاع طبقته. ونحوه :( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) ١. أريد به التحريك من حمية الجاهل وأنفته ليهاب به إلى التعلم ولينهض بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم. انتهى.
والمراد بهم، وقت النزول، القاعدون عن غزوة بدر والخارجون إليها. كما رواه البخاري٢ والترمذي عن ابن عباس. وقوله :( غير أولي الضرر )، مخرج لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد :من العمى والعرج والمرض، عن مساواتهم للقاعدين. فإنهم مساوون المجاهدين بالنية. ولا يعتد بزيادة أجر العمل لهم لعظم أمر النية. كما روى الإمام أحمد والبخاري٣ وأبو داود عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه. قالوا :وهم بالمدينة ؟ يا رسول الله ! قال :نعم حبسهم العذر ". وفي هذا المعنى قال الشاعر :
يا راحلين إلى البيت العتيق لقد سرتم جسوما، وسرنا نحن أرواحا
انا أقمنا على عذر وعن قدر ومن أقام على عذر كمن راحا
وروى البخاري٤ عن البراء قال :" لما نزلت :( لا يستوي القاعدون من المؤمنين )، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا فكتبها. فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته. فأنزل الله :( غير أولي الضرر ) ". وفي رواية للبخاري٥ عن زيد :" فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها علي. قال :يا رسول الله ! والله ! لو أستطيع الجهاد لجاهدت. وكان أعمى. فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وكان فخذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي. ثم سري عنه فأنزل الله :( غير أولي الضرر ) ". وقوله تعالى :( بأموالهم ) أي :التي ينفقونها على أنفسهم في الجهاد أو على مجاهد آخر ( وأنفسهم ) أي :التي هي أعز عليهم من كل شيء. وان أنفق عليهم غيرهم إذا لم يكن عندهم مال.
قال أبو السعود :وايرادهم، يعني الغزاة، بعنوان المجاهدين، دون الخروج المقابل لوصف المعطوف عليه، كما وقع في عبارة ابن عباس رضي الله عنهما، وكذا تقييد المجاهدة بكونها في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، ( لمدحهم بذلك والإشعار بعلة استحقاقهم لعلو المرتبة، مع ما فيه من حسن موقع السبيل في مقابلة القعود. انتهى.
وظاهر إن نفي المساواة يستلزم التفضيل. إلا انه للاعتناء به، وليتمكن أشد تمكن، لم يكتف بما فهم ضمنا، بل صرح به فقال :( فضل الله المجاهدين ). لأنهم رجحوا جانبه ( بأموالهم وأنفسهم على القاعدين ) أي :غير أولي الضرر ( درجة ) في القرب ممن رجحوا جانبه ( وكلا ) أي :كل واحد من القاعدين والمجاهدين ( وعد الله الحسنى ) أي :المثوبة الحسنى، وهي الجنة، لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم. والجملة اعتراض جيء به تداركا لما عسى يوهمه تفضيل احد الفريقين على الآخر من حرمان المفضول ( وفضل الله المجاهدين ) بالجهاد ( على القاعدين ) أي بغير عذر ( أجرا عظيما ). أي :ثوابا وافرا في الجنة.
١ |٣٩/ الزمر/ ٩| ونصها: (امن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون انما يتذكر أولوا الألباب٩)..
٢ أخرجه البخاري في: ٦٥ –كتاب التفسير، ٤ –سورة النساء، ١٨ –باب (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله)، حديث ١٨٤١..
٣ أخرجه البخاري في: ٥٦ –كتاب الجهاد، ٣٥ –باب من حبسه العذر عن العدو، حديث ١٣٦٠..
٤ أخرجه البخاري في: ٦٥ –كتاب التفسير، ٤ –سورة النساء، ١٨ –باب (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله)، حديث ١٣٥٦..
٥ أخرجه البخاري في: ٦٥ –كتاب التفسير، ٤ –سورة النساء، ١٨ –باب (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله)، حديث ١٣٥٧.
.

( درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما٩٦ ).
( درجات منه ) بدل من ( أجرا ) بدل الكل. مبين لكمية التفضيل و ( منه ) متعلق بمحذوف وقع صفة ل ( درجات ) دالة على فخامتها وجلالة قدرها. قاله أبو السعود.
وقد ثبت في ( الصحيحين ) ١ عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله. ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ".
وقال الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال٢ :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من رمى بسهم فله أجره درجة. فقال رجل :يا رسول الله ! وما الدرجة ؟ فقال :أما إنها ليست بعتبة أمك :ما بين الدرجتين مائة عام " ( ومغفرة ) أي :لذنوبهم ( ورحمة ) فوق الأجر ودرجاته ( وكان الله غفورا رحيما ) تذييل مقرر لما وعد من المغفرة والرحمة. وههنا فوائد :
الأولى :دلت الآية على أن الجهاد ليس بفرض عين. إذ لو كان فرضا من فروض الأعيان لم يكن للقاعد فضل، ولكن تفاوت الفضل بينه وبين المجاهد، وقال :( وكلا وعد الله الحسنى ).
الثانية :دلت أيضا على أن الجهاد أفضل من القرب التي يفعلها القاعد. لأنه فضله على القاعد مطلقا. ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم :" الجهاد سنام الدين ". وقد فرع العلماء على هذا أن رجلا لو وقف ماله على أحسن وجوه البر، أو أوصى أن يصرف في أحسن وجوه البر، فإنه يصرف في الجهاد. خلاف ما ذكره أبو علي أنه يصرف في طلب العلم. كذا في بعض التفاسير.
الثالثة :قال السيوطي في ( الاكليل ) :في الآية تفضيل المجاهدين على غيرهم. وأن المعذورين في درجة المجاهدين، واستدل بقوله :( بأموالهم ) على تفضيل المجاهد بمال نفسه على المجاهد بمال يعطاه من الديون أو نحوه.
الرابعة :قال الرازي :لقائل أن يقول :انه تعالى قال :( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ). فقدم ذكر النفس على المال. وفي الآية التي نحن فيها وهي قوله :( والمجاهدون بأموالهم وأنفسهم ). قدم ذكر المال على النفس، فما السبب ؟ وجوابه :أن النفس أشرف من المال. فالمشتري قدم ذكر النفس تنبيها على أن الرغبة فيها أشد. والبائع أخر ذكرها تنبيها على أن المضايقة فيها أشد. فلا يرضى ببذلها إلا في آخر المراتب.
الخامسة :قال أبو السعود :لعل تكرير التفضيل بطريق العطف المنبئ عن المغايرة، وتقييده تارة بدرجة وأخرى بدرجات، مع اتحاد المفضل والمفضل عليه، حسبما يقتضيه الكلام ويستدعيه حسن النظام- اما لتنزيل الاختلاف العنواني بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات منزلة الاختلاف الذاتي تمهيدا لسلوك طريق الابهام، ثم التفسير روما لمزيد التحقيق والتقرير. كما في قوله تعالى :( ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ ) ٣. كأنه قيل :فضل الله المجاهدين على القاعدين، قيل :( وكلا وعد الله الحسنى )، ثم أريد تفسير ما أفاده التنكير بطريق الإبهام، بحيث يقطع احتمال كونه للوحدة، فقيل ما قيل. ولله در شأن التنزيل. واما للاختلاف بالذات بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات، على أن المراد بالتفضيل الأول ما خولهم الله تعالى عاجلا في الدنيا من الغنيمة والظفر والذكر الجميل الحقيق بكونه درجة واحدة، وبالتفضيل الثاني ما أنعم به في الآخرة من الدرجات العالية الفائتة للحصر، كما ينبئ عند تقديم الأول وتأخير الثاني، وتوسيط الوعد بالجنة بينهما، كأنه قيل :وفضلهم عليهم. في الدنيا درجة واحدة وفي الآخرة درجات لا تحصى. وقد وسط بينهما في الذكر ما هو متوسط بينهما في الوجود، أعني الوعد بالجنة، توضيحا لحالهما ومسارعة إلى تسلية المفضول. والله سبحانه أعلم.
١ الحديث ليس لأبي سعيد وانما هو لأبي هريرة. وهو من ضمن حديث طويل أخرجه البخاري في: ٥٦ –كتاب الجهاد، ٤ –باب درجات المجاهدين في سبيل الله، حديث ١٣٣٥ وهذا نصه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها". فقالوا: يا رسول الله! أفلا نبشر الناس؟ قال: "ان في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض. فاذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فانه أوسط الجنة واعلى الجنة، أراه فوقه عرش الرحمان. ومنه تتفجر أنهار الجنة"..
٢ الحديث في سنن النسائي في: ٢٥ –كتاب الجهاد، ٢٦ –باب ثواب من رمى بسهم في سبيل الله عز وجل. ولكن عن كعب بن مرة..
٣ |١١/ هود/ ٥٨|..
( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا٩٧ ).
( ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) روى البخاري١ عن ابن عباس/ :" أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم. يأتي السهم فيرمى به فيصيب أحدهم فيقتله. أو يضرب فيقتل. فأنزل الله :( إن الذين توفاهم )... الآية ". وأخرجه ابن مردويه، وسمى منهم ( في روايته ) " قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبا قيس بن الفاكه بن المغيرة والوليد بن عتبة بن ربيعة، وعمرو بن أمية بن سفيان، وعلي بن أمية بن خلف. وذكر في شأنهم أنهم خرجوا إلى بدر. فلما رأوا قلة المسلمين دخلهم شك وقالوا :غر هؤلاء دينهم. فقتلوا ببدر ". وأخرجه ابن أبي حاتم، وزاد :" منهم الحرث بن زمعة بن الأسود، والعاص بن منبه بن الحجاج ".
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال :" كان قوم بمكة قد أسلموا. فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهوا أن يهاجروا، وخافوا. فأنزل الله :( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم )، إلى قوله :( إلا المستضعفين ) ". وأخرج ابن المنذر وابن جرير عن ابن عباس قال :" كان قوم من أهل مكة قد أسلموا. وكانوا يخفون الإسلام. فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر. فأصيب بعضهم. فقال المسلمون :هؤلاء كانوا مسلمين، فأكرهوا فاستغفروا لهم. فنزلت :( ان الذين توفاهم الملائكة )... الآية. فكتبوا بها إلى من بقي منهم، وأنه لا عذر لهم، فخرجوا. فلحق بهم المشركون ففتنوهم فرجعوا. فنزلت :( ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ) ٢. فكتب إليهم المسلمون بذلك فتحزنوا. فنزلت :( ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا )... الآية٣. فكتبوا إليهم بذلك فخرجوا. فلحقوهم. فنجا من نجا وقتل من قتل ".
وأخرج ابن جرير٤ من طرق كثيرة نحوه. كذا في ( لباب النقول ). قال المهايمي :ولما أوهم ما فهم مما تقدم، من تساوي القاعدين أولى الضرر والمجاهدين، أن من قعد عن الجهاد لكونه في دار الكفر محسوب منهم، وان عجز عن إظهار دينه، فإن لم يحسب فلا أقل من أن يحسب من القاعدين غير أولي الضرر، الموعود لهم الحسنى –أزيل ذلك الوهم بأنهم بترك الهجرة من مكان لا يمكنهم فيه إظهار دينهم، مع إمكان الخروج عنه، صاروا ظالمين مستحقين لتوبيخ الملائكة، بل لعذاب جهنم، فقال :( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) أي :في حال ظلمهم أنفسهم بترك الهجرة عن مكان لا يمكنهم فيه إظهار دينهم مع القدرة عليها وبموافقة الكفار. و ( توفاهم ) يجوز أن يكون ماضيا كقراءة من قرأ :( توفتهم ) ومضارعا بمعنى تتوفاهم. بمعنى إن الله يوفي الملائكة أنفسهم فيتوفونها. أي :يمكنهم من استيفائها فيستوفونها. كذا في ( الكشاف ). و ( الظلم ) قد يراد به الكفر كقوله تعالى :( إن الشرك لظلم عظيم ) ٥. وقد يراد به المعصية كقوله :( فمنهم ظالم لنفسه ) ٦. ويصح إرادة المعنيين هنا كما أشرنا. روى أبو داود٧ عن سمرة بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله ". ( قالوا ) أي :الملائكة للمتوفين، تقريرا لهم بتقصيرهم وتوبيخا لهم ( فيم كنتم ) أي :في أي شيء كنتم من أمور دينكم ( قالوا كنا مستضعفين في الأرض ) جوابا عن قولهم :( فيم كنتم ) وكان حق الجواب :كنا في كذا أو لم نكن في شيء ؟ قلت معنى ( فيم كنتم ) التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا. فقالوا :كنا ( مستضعفين ) اعتذارا مما وبخوا به، واعتلالا بالاستضعاف، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا في شيء. فبكتتهم الملائكة بقولهم :( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) أرادوا :انكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم، ومن الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة. وهذا دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب، والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر، أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق الله وأدوم على العبادة –حقت عليه المهاجرة. انتهى. ( فأولئك ) أي :النفر المذكور ( مأواهم ) أي :مصيرهم ( جهنم ) لأنهم الذين ضعفوا أنفسهم إذ لم يلجئهم الأعداء إلى مساكنة ديارهم ( وساءت مصيرا ) أي :جهنم. بدل المصير إلى دار الهجرة.
١ أخرجه البخاري في: ٦٥ –كتاب التفسير، ٤ –سورة النساء، ١٩ –باب (ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها)... الآية، حديث ١٩٩٣..
٢ |٢٩/ العنكبوت/ ١٠| (... ولئن جاء نصر من ربك ليقولن انا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين١٠)..
٣ |١٦/ النحل/ ١١٠| (.... ثم جاهدوا وصبروا ان ربك من بعدها لغفور رحيم١١٠)..
٤ الأثر رقم ١٠٢٦١ -١٠٢٦٩..
٥ |٣١/ لقمان/ ١٣| ونصها: (واذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم١٣)..
٦ |٣٥/ فاطر/ ٣٢|..
٧ أخرجه أبو داود في: ١٥ –كتاب الجهاد، ١٧٠ –باب في الاقامة بأرض الشرك، حديث ٢٧٨٧..
ثم استثنى سبحانه من أهل الوعيد ما بينه بقوله تعالى :
( إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا٩٨ ).
( إلا المستضعفين من الرجال ) لعمى أو عرج أو مرض أو هرم أو فقر ( والنساء والولدان ) أي :الصبيان فإنهم معذورون في ترك الهجرة لأنهم ( لا يستطيعون حيلة ) في الخروج، إذ لا قوة لهم على الخروج ولا نفقة ( ولا يهتدون سبيلا ) أي :لا يعرفون طريقا إلى دار الهجرة.
( فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا٩٩ )
( فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ) أن يتجاوز عنهم بترك الهجرة. قال الرازي :ههنا سؤال. وهو أن القوم لما كانوا عاجزين عن الهجرة، والعاجز عن الشيء غير مكلف به، وإذا لم يكن مكلفا به لم يكن عليه في تركه عقوبة – فلم قال :( عسى الله أن يعفو عنهم ؟ ) والعفو لا يتصور إلا مع الذنب. وأيضا ( عسى ) كلمة الإطماع. وهذا يقتضي عدم القطع بحصول العفو في حقهم. والجواب عن الأول :أن المستضعف قد يكون قادرا على ذلك الشيء مع ضرب من المشقة. وتمييز الضعف الذي يحصل عنده الرخصة، عن الحد الذي لا يحصل عنده الرخصة، شاق ومشتبه. فربما ظن الإنسان بنفسه أنه عاجز عن المهاجرة، ولا يكون كذلك، ولاسيما في الهجرة عن الوطن. فإنها شاقة على النفس. وبسبب شدة النفرة قد يظن الإنسان كونه عاجزا. مع أنه لا يكون كذلك. فلهذا المعنى كانت الحاجة إلى العفو شديدة في هذا المقام. والجواب عن الثاني –بأن الفائدة في ( عسى ) الدلالة على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه. حتى إن المضطر البين الاضطرار من حقه أن يقول :عسى الله أن يعفو عني. فكيف الحال في غيره ؟ هذا ما ذكره صاحب ( الكشاف ).
والأولى في الجواب ما قدمناه. وهو أن الإنسان لشدة نفرته عن مفارقة الوطن، ربما ظن نفسه عاجزا عنها. مع أنه لا يكون كذلك في الحقيقة. فلهذا المعنى ذكر العفو بكلمة ( عسى ) لا بالكلمة الدالة على القطع. انتهى. وقال أبو السعود :جيء بكلمة ( الاطماع ) ولفظ ( العفو ) إيذانا بأن الهجرة من تأكيد الوجوب بحيث ينبغي أن يعد تركها، ممن تحقق عدم وجوبها عليه، ذنبا يجب طلب العفو عنه، رجاء وطمعا. لا جزما وقطعا. وقال المهايمي :فيه إشعار بأن ترك الهجرة أمر خطير. حتى إن المضطر حقه أن يترصد الفرصة ويعلق قلبه بها. وان الصبي إذا قدر فلا محيص له عنه. وان قوامهم يجب عليهم أن يهاجروا بهم. ثم أكد الاطماع لئلا ييأسوا فقال :( وكان الله عفوا غفورا ) وفي إقحام ( كان ) إشارة إلى اتصافه تعالى بهذه الصفة قبل خلق الخلق. أو أن هذه عادته تعالى، أجراها في حق خلقه. ووعده بالعفو والمغفرة مطلقا مما يدل على أنه تعالى قد يعفو عن الذنب قبل التوبة.
تنبيه :
قال السيوطي في ( الاكليل ) :استدل بالآية على وجوب الهجرة من دار الكفر، إلا على من لم يطقها. وعن مالك :الآية تقتضي أن كل من كان في بلد تغير فيه السنن، فينبغي أن يخرج منه. انتهى.
وقال بعض مفسري الزيدية :ثمرة الآية وجوب الهجرة من دار الكفر. ولا خلاف أنها كانت واجبة قبل الفتح. ولذلك قال الله تعالى في سورة الأنفال :( والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء ) ١. قيل :ونسخت بعد الفتح. والصحيح عدم النسخ. وقوله صلى الله عليه وسلم٢ :" لا هجرة بعد الفتح "، معناه من مكة.
قال جار الله :وهذا يدل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب، لبعض الأسباب، وعلم أنه في غير بلده أقوم بحق الله، حقت عليه الهجرة. ثم قال رحمه الله :قال في ( التهذيب ) :وعن القاسم بن إبراهيم :إذا ظهر الفسق في دار، ولا يمكنه الأمر بالمعروف، فالهجرة واجبة. وهذا بناء على أن الدور ثلاث :دار إسلام، ودار فسق، ودار حرب. وهذا التقسيم هو مذهب الهادي والقاسم، وابن أبي النجم في كتاب / ( الهجرة والدور ) عن الراضي بالله وجعفر بن مبشر وأبي علي. وذهب الإخوان وعامة الفقهاء وأكثر المعتزلة إلى النفي لدار الفسق. واعلم أن من حمل على معصية أو ترك واجب أو طالبه الإمام بذلك، فالمذهب وجوب الهجرة مع حصول الشروط المعتبرة. وقد قال الراضي بالله :ان من سكن دار الحرب مستحلا، كفر. لأن ذلك رد لصريح القرآن. واحتج بهذه. وقد حكى الفقيه حسام الدين حميد بن احمد عن القاسم والهادي والراضي بالله :التكفير لمن ساكن الكفار في ديارهم. وفي ( مهذب الراضي بالله ) :يكفر إذا جاورهم سنة. قال الفقيه شرف الدين محمد بن يحيى، حاكيا عن الراضي بالله :انه يكفر بسكنى دار الحرب وان لم يستحل، لأن ذلك منه إظهار الكفر على نفسه. والحكم بالتكفير محتمل هنا. ثم قال :وإنما استثنى تعالى الولدان، وان كانوا غير داخلين في التكليف، بيانا لعدم حيلتهم. والهجرة إنما تجب على من له حيلة. انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) :الهجرة الترك. والهجرة إلى الشيء الانتقال إليه عن غيره. وفي الشرع :ترك ما نهى الله عنه. وقد وقعت في الاسلام على وجهين :
الأول :الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن. كما في هجرتي الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة.
الثاني :الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان. وذلك بعد أن استقر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين. وكانت الهجرة، إذ ذاك، تختص بالانتقال إلى المدينة. إلى أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص. وبقي عموم الانتقال من دار الكفر، لمن قدر عليه، باقيا. انتهى. وقد أفصح ابن عمر بالمراد. فيما أخرجه الاسماعيلي بلفظ :" انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ". ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار. أي :ما دام في الدنيا دار كفر، فالهجرة واجبة منها على من أسلم وخشي أن يفتن على دينه. وقد روي في معنى الآية أحاديث كثيرة. أخرجها مجد الدين بن تيمية في ( منتقى الأخبار ) في ترجمة ( باب بقاء الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، وأن لا هجرة من دار أسلم أهلها ) ثم قال :عن سمرة بن جندب قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ٣ " من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله ". رواه أبو داود. وعن جرير بن عبد الله :" أن رسول الله٤ صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى خثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود. فأسرع فيهم القتل. فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم. فأمر لهم بنصف العقل، وقال :أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. قالوا :يا رسول الله ! لم ؟ قال :لا تراءى ناراهما ". رواه أبو داود والترمذي. وعن معاوية قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة. ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها ". رواه أحمد٥ وأبو داود. ٦ وعن عبد الله بن السعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال٧ :" لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو ". رواه أحمد والنسائي. وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال٨ :" لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ". رواه الجماعة إلا ابن ماجة. وعن عائشة، وسئلت عن الهجرة، فقالت :" لا هجرة اليوم. كان المؤمن يفر بدينه إلى الله ورسوله مخافة أن يفتن. فأما اليوم فقد أظهر الله الاسلام. والمؤمن يعبد ربه حيث شاء ". رواه البخاري٩. وعن مجاشع بن مسعود " انه جاء بأخيه مجالد بن مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :هذا مجالد. جاء يبايعك على الهجرة. فقال :لا هجرة بعد فتح مكة. ولكن أبايعه على الإسلام والإيمان والجهاد ". متفق عليه١٠. ولما تضمنت ترجمة المجد، رحمه الله، شقين، أورد لكل أحاديث، فمن قوله :" لا هجرة بعد الفتح ". الخ، جميعه للشق الثاني. وهو قوله :و " أن لا هجرة من دار أسلم أهلها "، إشارة للجمع بين هذه الأحاديث. وهو ظاهر.
١ |٨/ الأنفال/ ٧٢| ونصها: (ان الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وان استنصروكم في الدين فعليكم النصر الا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير٧٢)..
٢ أخرجه البخاري في: ٥٦ –كتاب الجهاد، ١ –باب فضل الجهاد والسير، حديث ٧١٠ ونصه:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح. ولكن جهاد ونية. واذا استنفرتم فانفروا"..

٣ أخرجه أبو داود في: ١٥ –كتاب الجهاد، ١٧٠ –باب في الاقامة بأرض الشرك، حديث ٢٧٨٧..
٤ أخرجه أبو داود في: ١٥ –كتاب الجهاد، ٩٥ –باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود، حديث ٢٦٤٥..
٥ أخرجه في المسند بالصفحة ٩٩ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي) ونصه:
عن أبي هند البجلي قال: كنا عند معاوية، وهو على سريره وقد غمض عينيه. فتذاكرنا الهجرة. والقائل منا يقول: قد انقطعت. والقائل منا يقول: لم تنقطع. فاستنبه معاوية. فقال: ما كنتم فيه؟ فأخبرناه. وكان قليل السرد على النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: تذاكرنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة. ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها"..

٦ وأخرجه أبو داود في: ١٥ –كتاب الجهاد، ٢ –باب في الهجرة هل انقطعت؟، حديث ٢٤٧٩..
٧ أخرجه في المسند بالصفحة ٢٧٠ من الجزء الخامس (طبعة الحلبي)..
٨ أخرجه البخاري في: ٥٦ –كتاب الجهاد، ١ –باب فضل الجهاد والسير، حديث ٧١٠.
ومسلم في: ٣٣ –كتاب الامارة، حديث ٨٥ (طبعتنا).
وأبو داود في: ١٥ –كتاب الجهاد، ٢ –باب في الهجرة، هل انقطعت؟ حديث ٢٤٨٠.
والترمذي في: ١٩ –كتاب السير، ٣٢ –باب ما جاء في الهجرة.
والنسائي في: ٣٩ –كتاب البيعة، ١٥ –باب ذكر الاختلاف في انقطاع الهجرة..

٩ أخرجه البخاري في: ٦٤ –كتاب المغازي، ٥٣ –باب وقال الليث، حديث ١٤٥٧..
١٠ أخرجه البخاري في: ٦٤ –كتاب المغازي، ٥٣ –باب وقال الليث، حديث ١٤١٣ و١٤١٤.
ومسلم في: ٣٣ –كتاب الامارة، حديث ٨٣ و٨٤ (طبعتنا).
وهذا نص البخاري:
عن أبي عثمان قال: حدثني مجاشع قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، بأخي، بعد الفتح. قلت: يا رسول الله، جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة. قال: "اذهب أهل الهجرة بما فيها". فقلت: على أي شيء تبايعه؟ قال: "أبايعه على الاسلام والايمان والجهاد".
فلقيت أبا معبد بعد، وكان أكبرهما. فسألته فقال: صدق مجاشع..

ثم رغب تعالى في المهاجرة بقوله :
( * ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما١٠٠ )
( ومن يهاجر في سبيل الله ) في طاعته ( يجد في الأرض مراغما ) أي :طريقا يراغم فيه أنوف أعدائه القاصدين إدراكه ( كثيرا وسعة ) أي :في الرزق، أو في اظهار الدين، أو في الصدر. لتبدل الخوف بالأمن ( ومن يخرج من بيته ) بمكة ( مهاجرا إلى الله ) إلى طاعته، أو إلى مكان أمر الله ( و ) إلى ( رسوله ) بالمدينة ( ثم يدركه الموت ) أي :في الطريق قبل أن يصل إلى المقصد ( فقد وقع ) أي :ثبت ( أجره على الله ) أي :فلا يخاف فوات أجره الكامل، لأنه نوى مع الشروع في العمل. ولا تقصير منه في عدم إتمامه ( وكان الله غفورا رحيما ) فيغفر له ما فرط منه من الذنوب التي جملتها القعود عن الهجرة إلى وقت الخروج. ويرحمه بإكمال ثواب هجرته.
تنبيهات
الأول :فيما روي في نزول الآية. أخرج ابن أبي حاتم وأبو يعلى بسند جيد عن ابن عباس قال :" خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجرا. فقال لأهله :احملوني فأخرجوني من أرض المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فنزل الوحي :( ومن يخرج من بيته )... الآية ". واخرج ابن أبي حاتم عن سعيد / بن جبير عن أبي ضمرة الزرقي، " الذي كان مصاب البصر، وكان بمكة. فلما نزلت :( الا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة )، فقال :إني لغني واني لذو حيلة. فتجهز يريد النبي صلى الله عليه وسلم. فأدركه الموت بالتنعيم. فنزلت هذه الآية :( ومن يخرج من بيته )... إلى آخرها ". وأخرج ابن جرير١ نحو ذلك من طرق، عن سعيد بن جرير وعكرمة وقتادة والسدي والضحاك وغيرهم. وسمى في بعضها ضمرة بن العيص، أو العيص بن ضمرة. وفي بعضها خزاعة. وفي بعضها رجل من بني ليث. وفي بعضها من بني كنانة. وفي بعضها من بني بكر.
وأخرج ابن سعد في ( الطبقات ) عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، " أن جندع بن ضمرة الضميري كان بمكة. فمرض. فقال لبنيه :أخرجوني من مكة فقد قتلني غمها. فقالوا :إلى أين ؟ فأومأ بيده نحو المدينة. يريد الهجرة. فخرجوا به. فلما بلغوا أضاة بني غفار، مات. فأنزل الله فيه :( ومن يخرج )... الآية ".
وأخرج الأموي في ( مغازيه ) عن عبد الملك بن عمير قال :" لما بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يأتيه. فأبى قومه أن يدعوه. قال :فليأت من يبلغه عني ويبلغني عنه. فانتدب له رجلان. فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقالا :نحن رسل أكثم بن صيفي وهو يسألك :من أنت ؟ وما أنت ؟ وبم جئت ؟ قال أنا محمد بن عبد الله. وأنا عبد الله ورسوله. ثم تلا عليهم :( إن الله يأمر بالعدل والإحسان )... الآية٢. فأتيا أكثم فقالا له ذلك. قال :أي قوم ! انه يأمر بمكارم الأخلاف. وينهى عن ملائمها. فكونوا في هذا الأمر رؤوسا ولا تكونوا فيه أذنابا. فركب بعيره متوجها إلى المدينة، فمات في الطريق. فنزلت فيه :( ومن يخرج من بيته )... الآية ". قال السيوطي :مرسل. اسناده ضعيف.
وأخرج أبو حاتم في كتاب ( المعمرين ) من طريقين عن ابن عباس، " انه سئل عن هذه الآية ؟ فقال :نزلت في أكثم بن صيفي. قيل :فأين الليثي ؟ قال :هذا قبل الليثي بزمان. وهي خاصة عامة ".
وأخرج ابن أبي حاتم، وابن منده والبارودي في ( الصحابة ) عن هشام بن عروة، عن أبيه، " أن الزبير بن العوام قال :هاجر خالد بن حرام إلى أرض الحبشة. فنهشته حية في الطريق فمات. فنزلت فيه :( ومن يخرج )... الآية.
قال الزبير :فكنت أتوقعه وأنتظر قدومه وأنا بأرض الحبشة. فما أحزنني شيء حزن وفاته حين بلغتني. لأنه قل أحد هاجر من قريش إلا ومعه بعض أهله، أو ذوي رحمه. ولم يكن معي أحد من بني أسد بن عبد العزى ولا أرجو غيره ".
قال الحافظ ابن كثير :وهذا الأثر غريب جدا. فإن هذه القصة مكية. ونزول الآية مدني. فلعله أراد أنها تعم حكمه مع غيره، وان لم يكن ذلك سبب النزول. والله أعلم.
الثاني :ثمرة الآية، أن من خرج للهجرة، ومات في الطريق فقد وجب أجره على الله. قال الحاكم :لكن اختلف العلماء. فقيل :أجر قصده. وقيل :أجر عمله دون أجر الهجرة. وقيل :بل له أجر المهاجرة، وهو ظاهر في سبب نزول الآية.
قال الحاكم :وقد استدل بعض العلماء أن الغازي يستحق السهم وان مات في الطريق. قال :وهو بعيد. لأن المراد بالآية أجر الثواب.
قال الزمخشري، حكاية عن المفسرين :ان كل هجرة لغرض ديني من طلب علم أو حج أو جهاد، أو فرارا إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة، أو زهدا في الدنيا، وابتغاء رزق طيب، فهي هجرة إلى الله ورسوله. وان أدركه الموت في طريقه فأجره واقع على الله.
ووقع في كلام الزمخشري على الآية السابقة هذا الدعاء. وهو :" اللهم ! ان كنت تعلم أن هجرتي إليك لم تكن إلا للفرار بديني، فاجعلها سببا في خاتمة الخير، ودرك المرجو من فضلك، والمبتغى من رحمتك، وصل جواري لك بعكوفي عند بيتك، بجوارك في دار كرامتك، يا واسع المغفرة ".
وكلامه، رحمه الله، بناه على أنه يستحب للإنسان أن يدعو الله بصالح عمله.
وقد ذكر البخاري٣ ومسلم حديث " الثلاثة الذين دخلوا الغار وانسد عليهم بصخرة. وصوبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دعا كل واحد منهم بصالح عمله. وانفرجت عنهم الصخرة ".
وقد اقتضت الآية لزوم الهجرة ولو ببذل مال كالحج. وفيما سبق من حديث الذي حمل من مكة وقد قال :" احملوني فاني لست من المستضعفين ". –إشارة إلى أنها تجب الهجرة إذا تمكن من الركوب ولو مضطجعا في المحمل. لأنه حمل على سرير. وقد ذكر المتأخرون ( في الحج ) أن الصحيح الذي يلزمه أن يمكنه الثبات على المحمل، قاعدا لا مضطجعا. لأن أحدا لا يعجز عن ذلك. فيحتمل أن يسوي بين المسألتين. وأنه يجب الحج ولو مضطجعا. وأنهما لا يجبان مع الاضطجاع. وفعل ضمرة على سبيل الشذوذ. ويحتمل أن يفرق بينهما وتجعل الهجرة أغلظ. لأن فعل المحظور. وهو الاقامة، أغلظ من ترك الواجب. وهذا يحتاج إلى تحقيق. كذا في تفسير بعض الزيدية.
الثالث :روي في معنى هذه الآية أحاديث وافرة. منها ما في ( الصحيحين ) ٤ و ( السنن ) و ( المسانيد ) :عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرء ما نوى. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ".
قال ابن كثير :وهذا عام في الهجرة وفي جميع الأعمال.
ومنه الحديث الثابت في ( الصحيحين ) ٥ في " الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، ثم أكمل، بذلك العابد، المائة. ثم سأل عالما :هل له من توبة ؟ فقال له :ومن يحول بينك وبين التوبة ؟ ثم أرشده إلى أن يتحول من بلده إلى بلد أخرى يعبد الله فيه. فلما ارتحل من بلده مهاجرا إلى البلد الأخرى أدركه الموت في أثناء الطريق. فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. فقال هؤلاء :انه جاء تائبا. وقال هؤلاء :انه لم يصل بعد. فأمروا أن يقيسوا ما بين الأرضين. فإلي أيهما كان أقرب فهو منها. فأمر الله هذه أن تقترب من هذه وهذه أن تبعد. فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر. فقبضته ملائكة الرحمة. –وفي رواية- :انه لما جاءه الموت نأى بصدره إلى الأرض التي هاجر إليها ".
وروى الإمام أحمد٦ عن عبد الله بن عتيك رضي الله عنه قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" من خرج من بيته مهاجرا في سبيل الله، فخر عن دابته فمات، فقد وقع أجره على الله، أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله ".
١ عن سعيد بن جبير الأثر رقم ١٠٢٨٢ ورقم ١٠٢٨٣.
وعن عكرمة الأثر رقم ١٠٢٨٧ و١٠٢٩١ و١٠٢٩٢.
وعن قتادة الأثر رقم ١٠٢٨٥ و١٠٢٨٦.
وعن السدي الأثر رقم ١٠٢٩٠.
وعن الضحاك الأثر رقم ١٠٢٨٩..

٢ |١٦/ النحل/ ٩٠| ونصها: ( *ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون٩٠)..
٣ أخرجه البخاري في: ٣٤ –كتاب البيوع، ٩٨ –باب اذا اشترى شيئا لغيره بغير اذنه فرضي، حديث ١١١١.
وأخرجه مسلم في: ٤٨ –كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث ١٠٠ (طبعتنا).
وهذا نصه من البخاري:
عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خرج ثلاثة يمشون فأصابهم المطر. فدخلوا في غار في جبل. فانحطت عليهم صخرة. قال فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه. فقال أحدهم: اللهم! اني كان لي أبوان شيخان كبيران. فكنت أخرج فأرعى.
ثم أجيء فأحلب، فأجيء بالحلاب فآتي به أبوي فيشربان. ثم أسقي الصبية وأهلي وامرأتي. فاحتبست ليلة فجئت فاذا هما نائمان. قال فكرهت أن أوقظهما. والصبية يتضاغون عند رجلي. فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما حتى طلع الفجر. اللهم! ان كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة نرى منها السماء. قال فرج عنهم.
وقال الآخر: اللهم! ان كنت تعلم أني أحب امرأة من بنات عمي. كأشد ما يحب الرجل النساء. فقال: لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مائة دينار. فسعيت فيها حتى جمعتها. فملا قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم الا بحقه. فقمت وتركتها.
فان كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة. قال ففرج عنهم الثلثين.
وقال الآخر: اللهم! ان كنت تعلم أني استأجرت أجيرا بفرق من ذرة. فأعطيته. فأبى ذاك أن يأخذ. فعمدت الى ذلك الفرق فزرعته حتى اشتريت منه بقرا وراعيها. ثم جاء فقال: يا عبد الله! أعطني حقي. فقلت: انطلق الى تلك البقر وراعيها فانها لك.
فقال: أتستهزئ بي؟
قال فقلت: ما أستهزئ بك. ولكنها لك.
اللهم! ان كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا.
فكشف عنهم..

٤ أخرجه البخاري في: ١ –كتاب الوحي، ١ –باب حدثنا الحميدي، حديث ١.
ومسلم في: ٣٣ (كتاب الامارة، حديث ١٥٥ (طبعتنا)..

٥ أخرجه البخاري في: ٦٠ –كتاب الأنبياء، ٥٤ –حدثنا أبو اليمان، حديث ١٦٢٩.
ومسلم في: ٤٩ –كتاب التوبة، حديث ٤٦ (طبعتنا).
ونصه عن البخاري:
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان في بني اسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين انسانا. ثم خرج يسأل فأتى راهبا فسأله فقال له: هل من توبة؟ قال: لا. فقتله. فجعل يسأل. فقال له رجل: ائت قرية كذا وكذا. فأدركه الموت. فناء بصدره نحوها. فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. فأوحى الله الى هذه أن: تقربي. وأوحى الله الى هذه أن: تباعدي وقال: قيسوا ما بينهما. فوجد الى هذه أقرب بشبر. فغفر له"..

٦ أخرجه في المسند بالصفحة ٣٦ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي) ونصه:
عن عبد الله بن عتيك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من خرج من بيته مجاهدا في سبيل الله عز وجل (ثم قال بأصابعه هؤلاء الثالث الوسطى والسبابة والابهام فجمعهن وقال: وأين المجاهدون) فخر عن دابته ومات فقد وقع أجره على الله تعالى. أو لدغته دابة فمات وقع أجره على الله أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله عز وجل" (والله! انها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله صلى الله عليه و سلم) فمات فقد وقع أجره على الله تعالى. ومن مات قعصا فقد استوجب المآب"..

وقوله تعالى :
( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا١٠١ )
( وإذا ضربتم في الأرض ) أي :سافرتم ( فليس عليكم جناح ) أي :إثم / ( أن تقصروا ) أي :تنقصوا شيئا ( من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم ) أي :يقاتلكم الذين كفروا في الصلاة ( إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا ) ظاهر العداوة. فلا يراعون حرمة الصلاة لعداوتهم.
تنبيه :في مسائل تتعلق بالآية :
الأولى :ذهب الجمهور إلى أن الآية عنى بها تشريع صلاة السفر. وان معنى قوله تعالى :( أن تقصروا من الصلاة ) هو قصر الكمية، وذلك بأن تجعل الرباعية ثنائية. قالوا :وحكمها للمسافر في حال الأمن كحكمها في حال الخوف لتظاهر السنن على مشروعيتها مطلقا. روى الترمذي١ والنسائي وابن أبي شيبة عن ابن عباس :" أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة لا يخاف إلا الله رب العالمين. فصلى ركعتين ". وروى البخاري٢ وبقية الجماعة عن حارثة بن وهب قال :" صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن ما كان، بمنى، ركعتين ". وروى البخاري٣ والبقية عن أنس قال :" خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة. فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة. قلت :أقمتم بمكة شيئا ؟ قال :أقمنا بها عشرا ".
وحينئذ فقوله تعالى :( إن خفتم ) خرج مخرج الغالب، حال نزول الآية. إذ كانت أسفارهم بعد الهجرة في مبدئها مخوفة. بل ما كانوا ينهضون إلا إلى غزو عام، أو سرية خاصة، وسائر الأحياء حرب للاسلام وأهله. والمنطوق، إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له. كقوله تعالى :( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ) ٤. وكقوله تعالى :( وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم )... الآية٥.
قالوا :ويدل على أن المراد بالآية صلاة السفر ما رواه الإمام أحمد٦ ومسلم وأهل ( السنن ) عن يعلى بن أمية قال :" سألت عمر بن الخطاب. قلت له :قوله تعالى :( ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا )... وقد أمن الناس ؟ فقال لي عمر رضي الله عنه :عجبت مما عجبت منه. فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ؟ فقال :صدقة تصدق الله بها عليكم. فاقبلوا صدقته ".
وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي حنظلة الحذاء قال :" سألت ابن عمر عن صلاة السفر ؟ فقال :ركعتان. فقلت :أين قوله :( إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ). –ونحن آمنون ؟ فقال :سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
وروى ابن مردويه عن أبي الوداك قال :" سألت ابن عمر عن ركعتين في السفر ؟ فقال :هي رخصة نزلت من السماء. فإن شئتم فردوها ".
قالوا :فهذا يدل على أن القصر المذكور في الآية هو القصر في عدد الركعات. وان ذلك كان مفهوما عندهم من معنى الآية. قالوا :ومما يدل على أن لفظ ( القصر ) كان مخصوصا في عرفهم بنقص عدد الركعات. ولهذا المعنى، " لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ركعتين، قال له ذو اليدين :أقصرت الصلاة أم نسيت ؟٧ ".
هذا، وذهب كثير من السلف، منهم مجاهد والضحاك والسدي، إلى أن هذه الآية نزلت في صلاة الخوف. وأن المعني بالقصر الكيفية لا الكمية. لأن عندهم كمية صلاة المسافر ركعتان. فهي تمام غير القصر. كما قاله عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم. قالوا :ولهذا قال تعالى :( إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) وقال تعالى بعدها :( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة... ) الآية. فبين المقصود من القصر ههنا. وذكر صفته وكيفيته. ولهذا لما عقد البخاري ( كتاب صلاة الخوف ) صدره بقوله تعالى :( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة )... إلى قوله :( إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ). وهكذا قال جويبر عن الضحاك في قوله :( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة )، قال :ذاك عند القتال. يصلي الرجل الراكب تكبيرتين حيث كان وجهه. وقال أسباط عن السدي، في هذه الآية :إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر فهي تمام التقصير. لا يحل إلا أن يخاف من الذين كفروا أن يفتنوه عن الصلاة، فالتقصير ركعة. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد :" ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة )، يوم كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعسفان. والمشركون بضجنان فتوافقوا. فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر أربع ركعات. بركوعهم وسجودهم وقيامهم معا جميعا. فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم ". روى ذلك ابن أبي حاتم. ورواه ابن جرير٨ عن مجاهد والسدي، وعن جابر وابن عمر. واختار ذلك أيضا. فإنه قال، بعد ما حكاه من الأقوال في ذلك :وهو الصواب. ثم روى عن أمية :" أنه قال لعبد الله بن عمر :انا نجد في كتاب الله قصر صلاة الخوف ولا نجد قصر صلاة المسافر فقال عبد الله اما وجدنا نبينا صلى الله عليه وسلم يعمل عملا عملنا به ". فقد سمى صلاة الخوف مقصورة. وحمل الآية عليها، لا على قصر صلاة المسافر. وأقره ابن عمر على ذلك. واحتج على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع. لا بنص القرآن. وأصرح من هذا ما رواه أيضا عن سماك الحنفي قال :" سألت ابن عمر عن صلاة السفر ؟ فقال :ركعتان تمام غير قصر. إنما القصر في صلاة المخافة. فقلت :وما صلاة المخافة ؟ فقال :يصلي الإمام بطائفة ركعة. ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء. ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء. فيصلي بهم ركعة. فيكون للإمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة ".
هذا ما نقله ابن كثير. وهو موافق لما نقله بعض مفسري الزيدية عن الهادوية والقاسمية، أن الآية واردة في صلاة الخوف، وأن المراد بالقصر في الآية قصر الصفة. بمعنى أن المأموم يقصر ائتمامه فيأتم بركعة. ويصلي منفردا في ركعة. انتهى.
قال العلامة أبو السعود :إن هذه الآية الكريمة مجملة في حق مقدار القصر وكيفيته. وفي حق ما يتعلق به من الصلوات. وفي مقدار مدة الضرب الذي نيط به القصر. فكل ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من القصر في حال الأمن، وتخصيصه بالرباعيات على وجه التنصيف، وبالضرب في المدة المعينة –بيان لاجمال الكتاب.
المسألة الثانية :إذا حمل القصر على قصر العدد، وأن الرباعية تكون ركعتين، فما حكم هذا القصر ؟ قلنا :في هذا مذاهب أربعة :
الأول :أن القصر رخصة والإتمام أفضل.
الثاني :انه حتم.
الثالث :أنه سنة غير حتم.
الرابع :أنه يخير في الكفارات. وأنهما، أعني القصر والإتمام، واجبان. وهاك بيان متعلق هذه المذاهب. تعلق أهل القول الأول بقوله تعالى :( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ). وهذه الكلمة تستعمل فيما هو مباح جائز، لا فيما هو فرض. نحو :( فلا جناح عليهما أن يتراجعا ) ٩. ( فلا جناح عليكم إن طلقتم النساء ) ١٠. ( فلا جناح عليهما فيما افتدت به ) ١١. ان قيل :قد يستعمل ذلك في الواجب / مثل :( فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) ١٢. أجابوا بأن ذلك على سبيل المجاز. ومن جهة السنة، ما روي عن عائشة قالت :" اعتمرت مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة. حتى إذا قدمت مكة قلت :يا رسول الله ! بأبي وأمي أنت ! قصرت وأتممت. وصمت وأفطرت. فقال :أحسنت، يا عائشة ! وما عاب علي. وكان عثمان يقصر ويتم ".
ومن جهة المعنى، أن المعقول والمفهوم من لفظ ( القصر ) إنما هو الرخصة لأجل مشقة المسافر. كما رخص له في الإفطار. وفي الحديث :" تلك صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ". تعلق أهل المذهب الثاني بأن قالوا :حملنا لفظ الجناح على الفرض، وان كان مجازا، لما روي عن ابن عباس١٣ قال :" فرضت الصلاة في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين ". وعن عمر١٤ :" صلاة الجمعة ركعتان وصلاة السفر ركعتان. تمام غير قصر. على لسان نبيكم ". وكانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسفاره ركعتين. وأقام بمكة ثمانية عشر يوما يقصر ويقول :" أتموا، يا أهل مكة ! فانا قوم سفر ". وعن الشعبي :" من أتم في السفر فقد رغب عن ملة إبراهيم ". وروي " أن عثمان أتم الصلاة بمنى. فأنكر عليه عبد الله بن مسعود. وقال :صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين. وخلف أبي بكر ركعتين. منفصلتين. فاعتذر عثمان بضروب من الأعذار. منها أنه قد تأهل ". وقيل :أتم لأن مذهبه أن القصر لمن لم يكن له زاد ولا راحلة. وهو مذهب سعد بن أبي وقاص. فيكون قولنا :قصرت الصلاة، مجازا، لأنها تامة إذا نقص من الأربع. ويقولون :هذه الأخبار تعارض ما يفهم من معقولية التسهيل. ومتعلق أهل القول الثالث والرابع وبالجمع بين الروايات، وسائر الوجوه التي تعلق بها أهل القولين الأولين. فكان واجبا مخيرا. ومن قال :انه سنة، فلأن المشهور عنه صلى الله عليه وسلم القصر في الأسفار، كذا في تفسير بعض الزيدية.
أقول :حديث عائشة المذكور. رواه النسائي والدارقطني والبيهقي. واختلف قول الدارقطني فيه، فقال في ( السنن ) :اسناده حسن. وقال في ( العلل ) :المرسل أشبه. وقال ابن حزم :هذا حديث لا خير فيه. وطعن فيه. وقال ابن النحوي ( في البدر المنير ) :في متن هذا الحديث نكارة. وهو كون عائشة خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة رمضان. والمشهور إن عمره كلهن في ذي القعدة. وأطال في ذلك.
وقال الإمام ابن القيم في ( زاد المعاد ) :وكان صلى الله عليه وسلم يقصر الرباعية. فيصليها ركعتين من حين يخرج مسافرا إلى أن يرجع إلى المدينة. ولم يثبت عنه أنه أتم الرباعية في سفره البتة. وأما حديث عائشة " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم "، فلا يصح. وسمعت شيخ الاسلام ابن تيمية يقول :هو كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى.
وقد روي ( كان يقصر وتتم ) الأول بالياء آخر الحروف. والثاني بالتاء المثناة من فوق. وكذلك " يفطر وتصوم " أي تأخذ هي بالعزيمة في الموضعين.
قال شيخنا ابن تيمية :وهذا باطل. ما كانت أم المؤمنين لتخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميع أصحابه. فتصلي خلاف صلاتهم. كيف ؟ والصحيح عنها١٥، " ان الله فرض الصلاة ركعتين ركعتين. فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة زيدت في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر ". فكيف يظن بها، مع ذلك، أن تصلي بخلاف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه ؟
ثم قال ابن القيم :قلت :وقد أتمت عائشة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس وغيره :" إنها تأولت كما تأول عثمان ". وان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر دائما. فركب بعض الرواة من الحديثين حديثا وقال :فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصر وتتم هي. فغلط بعض الرواة فقال :كان يقصر ويتم. أي :هو. والتأويل الذي تأولته قد اختلف فيه. فقيل :ظنت أن القصر مشروط بالخوف والسفر. فإذا زال سبب الخوف زال سبب القصر. وهذا التأويل غير صحيح. فإن النبي صلى الله عليه وسلم سافر آمنا. وكان يقصر الصلاة. والآية قد أشكلت على عمر رضي الله عنه وغيره. فسأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابه بالشفاء. وأن هذا صدقة من الله وشرع شرعه للأمة. وكان هذا بيان أن حكم المفهوم غير مراد. وان الجناح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن وال
١ أخرجه الترمذي في: ٤ –كتاب الجمعة، ٣٩ –باب ما جاء في التقصير في الصلاة..
٢ أخرجه البخاري في: ١٨ –كتاب تقصير الصلاة، ٢ –باب الصلاة بمنى، حديث ٥٩٧..
٣ أخرجه البخاري في: ١٨ –كتاب تقصير الصلاة، ١ –باب ما جاء في التقصير وكم قيم حتى يقصر؟ حديث ٥٩٥..
٤ |٢٤/ النور/ ٣٣| ونصها: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم ان علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ان أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههم فان الله من بعد اكراههن غفور رحيم٣٣)..
٥ |٤/ النساء/ ٢٣| ونصها: (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فان لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين الا ما قد سلف ان الله كان غفوا رحيما٢٣)..
٦ أخرجه في المسند بالصفحة رقم ٢٥ من الجز الأول (طبعة الحلبي) حديث ١٧٤ (طبعة المعارف) وأخرجه مسلم في: ٦ –كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث ٤ (طبعتنا)..
٧ أخرجه البخاري في: ٢٢ –كتاب السهو، ٤ –باب من لم يتشهد في سجدتي السهو، حديث ٣٢٠ ونصه. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من اثنتين. فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ يا رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصدق ذو اليدين؟ فقال الناس: نعم. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى اثنتين أخريين ثم سلم. ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول. ثم رفع..
٨ عن مجاهد، الأثر رقم ١٠٣٢١ و١٠٣٢٢ و١٠٣٢٣.
وعن السدي، الأثر رقم ١٠٣٢٦.
وعن جابر، الأثر رقم ١٠٣٢٥.
وعن ابن عمر، الأثر رقم ١٠٣٢٧..

٩ |٢/ البقرة/ ٢٣٠| ونصها: (فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فان طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا ان ظنا ان يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون٢٣٠)..
١٠ |٢/ البقرة/ ٢٣٦| ونصها: ( لا جناح عليكم ان طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين٢٣٦)..
١١ |٢/ البقرة/ ٢٢٩| ونصها: (الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا الا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فان خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون٢٢٩)..
١٢ |٢/ البقرة/ ١٥٨| ونصها: ( *ان الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فان الله شاكر عليم١٥٨)..
١٣ أخرجه ابن ماجة في: ٥ –كتاب اقامة الصلاة والسنة فيها، ٧٣ –باب تقصير الصلاة في السفر، حديث ١٠٦٨ (طبعتنا)..
١٤ أخرجه ابن ماجة في: ٥ –كتاب اقامة الصلاة والسنة فيها، ٧٣ –باب تقصير الصلاة في السفر، حديث ١٠٦٨ (طبعتنا)..
١٥ أخرجه البخاري في: ٨ –كتاب الصلاة، ١ –كيف فرضت الصلوات في الاسراء، حديث ٢٣٦..
ولما كان النص السابق الوارد في مشروعية القصر مجملا بين كيفيته بصورة في مزيد الحاجة إليها، ويكتفي فيما عداها ببيان السنة، فقال تعالى :
( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا١٠٢ )
( وإذا كنت فيهم ) أي :مع أصحابك شهيدا وأنتم تخافون العدو ( فأقمت لهم الصلاة ) أي :أردت أن تقيم الصلاة بالجماعة التي، لوفور أجرها، بتحمل مشاقها ( فلتقم طائفة منهم معك ) في الصلاة. أي بعد أن جعلتهم طائفتين. ولتقف الطائفة الأخرى بازاء العدو ليحرسوكم منهم. وإنما لم يصرح به لظهوره ( وليأخذوا ) أي الطائفة التي قامت معك ( أسلحتهم ) معهم لأنه أقرب للاحتياط ( فإذا سجدوا ) أي :القائمون معك، سجدتي الركعة الأولى وأتموا الركعة، فارقوك وأتموا صلاتهم. وتقوم إلى الثانية منتظرا. فإذا فرغوا ( فليكونوا من ورائكم ) أي :فلينصرفوا إلى مقابلة العدو للحراسة ( ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا ) وهي الطائفة الواقعة تجاه العدو ( فليصلوا ) ركعتهم الأولى ( معك ) وأنت في الثانية. فإذا جلست منتظرا، قاموا إلى ثانيتهم وأتموها ثم جلسوا ليسلموا معك. ولم يبين في الآية الكريمة حال الركعة الرابعة الباقية لكل من الطائفتين اكتفاء ببيانه صلى الله عليه وسلم لهم. كما يأتي ( وليأخذوا حذرهم ) أي :تيقظهم. لأن العدو يتوهمون في الأولى كون المسلمين قائمين في الحرب. فإذا قاموا إلى الثانية ظهر لهم أنهم في الصلاة. فههنا ينتهزون الفرصة في الهجوم عليهم. فلذا خص هذا الموضع بزيادة تحذير فقال :وليأخذوا حذرهم وجعله كالآلة، فأمر بأخذه وعطف عليه ( وأسلحتهم ) قال الواحدي :فيه للخائف في الصلاة بأن يجعل بعض فكره في غير الصلاة. قال أبو السعود :وتكليف كل من الطائفتين بما ذكر، لما أن الاشتغال بالصلاة مظنة لإلقاء السلاح والإعراض عن غيرها، ومئنة لهجوم العدو. كما ينطق به قوله تعالى :( ود الذين كفروا ) أي تمنوا ( لو تغفلون عن أسلحتكم ) فتضعوها ( وأمتعتكم ) أي :حوائجكم التي بها بلاغكم ( فيميلون عليكم ميلة واحدة ) أي يحملون حملة واحدة فيقتلونكم. فهذا علة الأمر بأخذ السلاح. والأمر بذلك للوجوب. لقوله تعالى :( ولا جناح عليكم ) أي لا حرج ولا إثم عليكم ( إن كان بكم أذى من مطر ) يثقل معه حمل السلاح ( أو كنتم مرضى ) يثقل عليكم حمله ( أن تضعوا أسلحتكم ) أخرج البخاري١ عن ابن عباس قال :" نزلت :( إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى )، في عبد الرحمن بن عوف كان جريحا ". ثم أمروا مع ذلك بالتيقظ والاحتياط. فقيل :( وخذوا حذركم ) لئلا يهجم عليكم العدو غيلة ( إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ) أي :يهانون به. ويقال :شديدا. قال أبو السعود :هذا تعليل للأمر بأخذ الحذر. أي :أعد لهم عذابا مهينا. بأن يخذلهم وينصركم عليهم. فاهتموا بأموركم ولا تهملوا في مباشرة الأسباب. كي يحل بهم عذابه بأيديكم. وقيل :لما كان الأمر بالحذر من العدو موهما لتوقع غلبته واعتزازه، نفى ذلك لإيهام بأن الله تعالى ينصرهم ويهين عدوهم لتقوى قلوبهم.
١ أخرجه البخاري في: ٦٥ –كتاب التفسير، ٤ –سورة النساء، ٢٢ –باب قوله: (ولا جناح عليكم ان كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم)، حديث ١٩٩٤..
( فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا١٠٣ )
( فإذا قضيتم ) أي :أتممتم ( الصلاة ) أي :صلاة الخوف، على ما فصل ( فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ) أي :فداوموا على ذكره تعالى في جميع الأحوال. فإن ما أنتم عليه من الخوف والحذر مع العدو جدير بالمواظبة على ذكر الله والتضرع إليه. قاله الرازي. وقال ابن كثير :أمر الله تعالى بكثرة الذكر عقيب صلاة الخوف، وان كان مشروعا مرغبا فيه أيضا بعد غيرها. ولكن هنا آكد لما وقع فيها من التخفيف في أركانها، ومن الرخصة في الذهاب فيها والاياب، وغير ذلك مما ليس يوجد في غيرها كما قال تعالى :( في الأشهر الحرم ) :( فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) ١. وان كان هذا منهيا عنه في غيرها، ولكن فيها آكد لشدة حرمتها وعظمها. ( فإذا اطمأننتم ) أي :سكنت قلوبكم بالأمن ( فأقيموا الصلاة ) أي :على الحالة التي كنتم تعرفونها. فلا تغيروا شيئا من هيآتها ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ) أي :أي :فرضا موقتا، لا يجوز إخراجها عن أوقاتها وان لزمها نقائص في رعايتها.

فصل


في أحكام تتعلق بهذه الآية :
الأول :في هذه الآية مشروعية صلاة الخوف وصفتها. وأنه لا يجب قضاؤها. وأنه يطلب فيها حمل السلاح إلا لعذر.
الثاني :تعلق بظاهر قوله تعالى :( وإذا كنت فيهم ) من لم ير صلاة الخوف بعده صلى الله عليه وسلم. زاعما أنها خاصة بعهده صلى الله عليه وسلم. لاشتراطه كونه فيهم. ولا يخفى أن الأئمة بعده نوابه قوام بما كان يقوم به. فيتناولهم حكم الخطاب الوارد له صلى الله عليه وسلم. كما في قوله تعالى :( خذ من أموالهم صدقة ) ٢. وقد قال صلى الله عليه وسلم : ٣ " صلوا كما رأيتموني أصلي ". وعموم منطوق هذا الحديث مقدم على ذلك المفهوم. وقد روى أبو داود٤ والنسائي والحاكم وابن أبي شيبة وغيرهم، عن سعيد بن العاص أنه قال ( في غزوة ومعه حذيفة ) :" أيكم شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف ؟ فقال حذيفة :أنا. فأمرهم حذيفة فلبسوا السلاح ثم قال :إن هاجمكم هيج فقد حل لكم القتال. فصلى بإحدى الطائفتين ركعة. والأخرى مواجهة العدو ثم انصرف هؤلاء. فقاموا مقام أولئك. وجاء أولئك فصلى بهم ركعة أخرى. ثم سلم عليهم. وكانت الغزوة بطبرستان ". قال بعضهم :وكان ذلك بحضرة الصحابة رضي الله عنهم. فلم ينكره أحد. فحل محل الإجماع. وروى أبو داود٥ " أن عبد الرحمان بن سمرة صلى، بكابل، صلاة الخوف ".
الثالث :روى الإمام أحمد٦ وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وأبو داود والنسائي وغيرهم ( في نزول الآية عن ابن عباس رضي الله عنه ) قال :" كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان. فاستقبلنا المشركون، عليهم خالد بن الوليد. وهم بيننا وبين القبلة. فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر. فقالوا :قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم. ثم قالوا :تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم. فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر :( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة... ) فحضرت الصلاة. فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا السلاح. فصفنا خلفه صفين. ثم ركع فركعنا جميعا. ثم رفع فرفعنا جميعا. ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم. فلما سجدوا وقاموا، جلس الآخرون. فسجدوا في مكانهم. ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء. ثم ركع فركعوا جميعا. ثم رفع فرفعوا جميعا. ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم. فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا. ثم سلم عليهم ". وروى عبد الرزاق عن الثوري عن هشام، مثل هذا، عن النبي صلى الله عليه وسلم. إلا أنه قال :" نكص الصف المقدم القهقرى حين يرفعون رؤوسهم من السجود. ويتقدم الصف المؤخر فيسجدون في مصاف الأولين ". وروى عبد الرزاق وابن المنذر وابن جرير٧ عن ابن أبي نجيح قال :قال مجاهد :" ( في قوله تعالى :( إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) :نزلت يوم كان النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان والمشركون بضجنان فتوافقوا. فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر أربعا. ركوعهم وسجودهم وقيامهم معا جميعهم، فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم ويقاتلوهم، فأنزل الله عليهم :( فلتقم طائفة ). فصلى النبي صلى الله عليه وسلم العصر وصف أصحابه صفين وكبر بهم جميعا. فسجد الأولون بسجوده والآخرون قيام لم يسجدوا. حتى قام النبي صلى الله عليه وسلم والصف الأول. ثم كبر بهم وركعوا جميعا. فقدموا الصف الآخر واستأجروا. فتعاقبوا السجود كما فعلوه أول مرة. وقصر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ركعتين ". وفي هذه الأحاديث أن صلاة الطائفتين مع الإمام جميعا. واشتراكهم في الحراسة. ومتابعته في جميع أركان الصلاة إلا السجود. فتسجد معه طائفة وتنتظر الأخرى حتى تفرغ الأولى. ثم تسجد. وإذا فرغوا من الركعة الأولى تقدمت الطائفة المتأخرة مكان الطائفة المتقدمة. وتأخرت المتقدمة. ( فان قلت ) :لا ينطبق ما في الآية على هذه الروايات التي حكت سبب نزولها. وذلك لأنه قيل في الآية :( فلتقم طائفة منهم معك ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا... ) الآية. وفي هذه الروايات أنهم قاموا جميعا معه صلى الله عليه وسلم في الصلاة. وإنما ينطبق ما فيها على ما رواه الشيخان٨ عن ابن عمر رضي الله عنهما قال :" صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهة للعدو. ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو. وجاء أولئك. ثم صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم ركعة ثم سلم. ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة ". وما روياه عن صالح بن خوات عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع ؛ ( أن الطائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو. فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائما. فأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا وجاه العدو. وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته. فأتموا لأنفسهم فسلم بهم ". – ( قلت ) :بمراجعة ما أسلفناه في المقدمة من قاعدة سبب النزول يندفع الإشكال. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :" نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ضجنان وعسفان. فقال المشركون :لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم. وهي العصر. فأجمعوا أمركم فميلوا عليهم ميلة واحدة. وأن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يقسم أصحابه شطرين. فيصلي بهم وتقوم طائفة أخرى وراءهم. وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم. فتكون لهم ركعة وللنبي صلى الله عليه وسلم ركعتان ". أخرجه أصحاب ( السنن )٩.
ثم رأيت القرطبي بحث في ( تفسيره ) نحو ما سبق لي حيث قال :وما ذكرناه من سبب النزول في قصة خالد بن الوليد. لا يلائم تفريق القوم إلى طائفتين. ثم قال ( بعد رواية حديث أبي هريرة المذكور ) قلت :ولا تعارض بين هذه الروايات. فلعله صلى الله عليه وسلم صلى بهم أخرى مفترقين. انتهى.
الرابع :ظاهر الآية الكريمة الترخيص لكل طائفة بركعة واحدة. لأنه لم يبين فيها حال الركعة الباقية. وقد روى النسائي١٠ عن ابن عباس :" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بذي قرد فصف الناس خلفه صفين :صفا خلفه وصفا موازي العدو. فصلى بالذين خلفه ركعة. ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء. وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا ركعة ". وكذا روى أبو داود والنسائي١١ أيضا عن حذيفة " أنه صلى بطبرستان بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا ". وروى أحمد ومسلم١٢ وأبو داود والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :" فرض الله الصلاة على نبيكم صلى الله عليه وسلم، في الحضر، أربعا. وفي السفر ركعتين. وفي الخوف ركعة ". فهذه الأحاديث تدل على أن من صفة صلاة الخوف، الاقتصار على ركعة لكل طائفة.
قال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) :وبالاقتصار على ركعة واحدة في الخوف، يقول الثوري واسحاق ومن تبعهما. وقال به أبو هريرة وأبو موسى الأشعري وغير واحد من التابعين. ومنهم من قيد بشدة الخوف. وقال الجمهور :قصر الخوف قصر هيئة لا قصر عدد. وتأولوا هذه الأحاديث بان المراد بها ركعة مع الامام وليس فيها نفي الثانية. ويرد ذلك قوله في حديث ابن عباس وحذيفة :( ولم يقضوا ركعة ) وكذا قوله في حديث ابن عباس الثاني :( وفي الخوف ركعة ) وأما تأولهم قوله :( لم يقضوا ) بأن المراد منه لم يعيدوا الصلاة بعد الأمن – فبعيد جدا. كذا في ( نيل الأوطار ) نعم. وقع في حديث ابن عمر المتفق عليه وقد قدمناه :" ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة ". وعند أبي داود من حديث ابن مسعود :" ثم سلم، وقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة. ثم سلموا ثم ذهبوا. ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم هديه صلى الله عليه وسلم في أدائها، قال في آخر سورة :وتارة كان يصلي باحدى الطائفتين ركعة فتذهب ولا تقضي شيئا. وتجيء الأخرى فيصلي بهم ركعة ولا تقضي شيئا. فيكون له صلى الله عليه وسلم ركعتان. ولهم ركعة ركعة. وهذه الأوجه كلها يجوز الصلاة بها.
قال الامام احمد :كل حديث يروى في باب صلاة الخوف فالعمل به جائز. انتهى. وقال ابن كثير :صلاة الخوف أنواع كثيرة. فإن العدو تارة يكون تجاه القبلة. وتارة يكون في غير صوبها. ثم تارة يصلون جماعة وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة. بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. ورجالا وركبانا. ولهم أن يمشوا والحالة هذه، ويضربوا الضرب المتتابع في متن الصلاة. ومن العلماء من قال :يصلون والحالة هذه ركعة واحدة لحديث ابن عباس المتقدم، وبه قال أحمد بن حنبل.
قال المنذري :وبه قال عطاء وجابر والحسن ومجاهد والحكم وقتادة وحماد. واليه ذهب طاووس والضحاك. وقد حكى أبو عاصم العبادي عن محمد بن نصر المروزي أنه يرى رد الصبح إلى ركعة في الخوف. واليه ذهب ابن حزم أيضا. وقال اسحاق بن راهويه :أما عند المسايفة فيجزيك ركعة واحدة تومئ بها ايماء. فإن لم تقدر فسجدة واحدة. لأنها ذكر الله. وقال آخرون :يكفي تكبيرة واحدة. فلعله أراد ركعة واحدة. كما قاله الامام أحمد بن حنبل وأصحابه. وبه قال جابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر وكعب وغير واحد من الصحابة والسدي. ورواه ابن جرير. ولكن الذين حكوه انما حكوه على ظاهره في الاجتراء بتكبيرة واحدة. كما هو مذهب اسحاق بن راهويه. واليه ذهب الأمير عبد الوهاب بن بخت المكي حتى قال :فإن لم يقدر على التكبيرة فلا يتركها في نفسه. يعني بالنية. رواه سعيد بن منصور في ( سننه ) عن اسماعيل بن عياش عن شعيب بن دينار عنه. فالله أعلم. ومن العلماء من أباح تأخير الصلاة لعذر القتال والمناجزة. كما أخر النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب الظهر والعصر، فصلاهما بعد الغروب. ثم صلى بعدهما المغرب ثم العشاء. وكما قال بعدها، يوم بني قريظة حين جهز إليهم الجيش :" لا يصلين احد منكم العصر الا في بني قريظة. فأدركتهم الصلاة في أثناء الطريق. فقال منهم قائلون :لم يرد منا رسول الله صلى الله عليه وسلم الا تعجيل المسير. ولم يرد
١ |٩/ التوبة/ ٣٦| ونصها: (ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلوكم كافة واعلموا ان الله مع المتقين٣٦)..
٢ |٩/ التوبة/ ١٠٣| ونصها: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ونزكيهم بها وصل عليهم ان صلواتك سكن لهم والله سميع عليم١٠٣)..
٣ أخرجه البخاري في: ١٠ –كتاب الأذان، ١٨ –باب الأذان للمسافر اذا كانوا جماعة، والاقامة، حديث ٤٠٢ ونصه: عن مالك بن الحويرث: أتينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون. فأقمنا عنده عشرين يوما وليلة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيما رفيقا. فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا، أو قد اشتقنا، سألنا عمن تركنا بعدنا. فأخبرناه. قال: "ارجعوا الى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم" وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها "وصلوا كما رأيتموني أصلي. فاذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكبركم"..
٤ أخرجه أبو داود في: ٤ –كتاب الصلاة، ١٨ –باب من قال يصلي بكل ركعة ولا يقضون، حديث ١٢٤٦.
والنسائي في: ١٨ –كتاب صلاة الخوف، ١ –أخبرنا اسحاق بن ابراهيم..

٥ أخرجه أبو داود في: ٤ –كتاب الصلاة، ١٧ –باب من قال يصلي بكل طائفة ركعة، ثم يسلم... الخ. حديث ١٢٤٥..
٦ أخرجه في المسند بالصفحة ٥٩ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي).
وأبو داود في: ٤ –كتاب الصلاة، ١٢ –باب صلاة الخوف، حديث ١٢٣٦.
والنسائي في: ١٨ –كتاب صلاة الخوف، ٢١ –باب اخبرنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار..

٧ الأثر رقم ١٠٣٢١..
٨ أخرجه البخاري في: ٦٤ –كتاب المغازي، ٣١ –باب غزوة ذات الرقاع، حديث ١٨٨٩.
ومسلم في: ٦ –كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث ٣٠٥ و٣٠٦ (طبعتنا)..

٩ أخرجه النسائي في: ١٨ –كتاب صلاة الخوف، ١٦ –باب أخبرنا العباس بن عبد العظيم..
١٠ أخرجه النسائي في: ١٨ –كتاب صلاة الخوف، ١٦ –باب أخبرنا العباس بن عبد العظيم..
١١ أخرجه النسائي في: ١٨ –كتاب صلاة الخوف، ٢ –باب أخبرنا عمرو بن علي..
١٢ أخرجه مسلم في: ٦ –كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث ٥ (طبعتنا)..
ثم حثهم تعالى على الجهاد بقوله :
( ولا تهنوا في ابتغاء القوم ان تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما١٠٤ ).
( ولا تهنوا في ابتغاء القوم ) أي :لا تضعفوا في طلب عدوكم بالقتال بل جدوا فيهم واقعدوا لهم كل مرصد. ثم ألزمهم الحجة بقوله سبحانه :( ان تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ) أي :ليس ما تجدون من الألم بالجرح والقتل مختصا بكم بل هو مشترك بينكم وبينهم. كما قال تعالى :( ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ) ١. ثم زاد في تقرير الحجة، وبين أن المؤمنين أولى بالمصابرة على القتال من المشركين بقوله تعالى :( وترجون من الله ما لا يرجون ) يعني وتأملون من القرب من الله واستحقاق الدرجات من جناته واظهار دينه، كما وعدكم اياه في كتابه وعلى لسان رسوله عليه الصلاة والسلام، ما لا يأملونه، فأنتم أولى بالجهاد منهم وأجدر بإقامة كلمة الله ( وكان الله عليما حكيما ) أي :فلا يكلفكم الا بما يعلم أنه سبب لصلاحكم في دينكم ودنياكم. فجدوا في الامتثال بذلك فإن فيه عواقب حميدة.
قال بعض مفسري الزيدية :ثمرة الآية وجوب الجهاد وأنه لا يسقط لما يحصل من المضرة بالجراح ونحوه. وان التجلد وطلب ما يقوي لازم، وما يحصل به الوهن لا يجوز فعله. وتدل على جواز المعارضة والحجاج لقوله :( فانهم يألمون ) وتدل على أن للمجاهد أن يجاهد لطلب الثواب لقوله :( وترجون من الله ما لا يرجون ) فجعل هذا سببا باعثا على الجهاد. هذا معنى كلام الحاكم. ونظير هذا :لو صلى لطلب الثواب أو السلامة من العقاب. وقد ذكر في ذلك خلاف. فعن الراضي بالله :يجزي ذلك. وقواه الفقيه يحيى بن أحمد. وعن أبي مضر :لا يجزي. لأنه لم ينو الوجه الذي شرع له. انتهى.
١ |٣/ آل عمران/ ١٤٠|..
( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما١٠٥ ).
( انا أنزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله * ولا تكن للخائنين خصيما ).
( واستغفر الله ان الله * كان غفورا رحيما ).
( ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم * ان الله لا يحب من كان خوانا أثيما ).
( يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم اذ يبيتون ما لا يرضى من القول * وكان الله بما يعملون محيطا ).
( هاأنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا ).
روى الحافظ ابن مردويه في سبب نزولها من طريق العوفي عن ابن عباس١ :" أن نفرا من الأنصار غزوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته. فسرقت درع لأحدهم. فأظن ( أي :اتهم ) بها رجلا من الأنصار. فأتى صاحب الدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :ان طعمة بن أبيرق سرق درعي. فلما رأى السارق ذلك عمد إليه ا فألقاها في بيت رجل بريء. وقال لنفر من عشيرته :اني غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان وستوجد عنده. فانطلقوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ليلا فقالوا :يا نبي الله ! ان صاحبنا بريء وان صاحب الدرع فلان. وقد أحطنا بذلك علما. فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس. فأنزل الله :( انا أنزلنا... ) الآية. ثم قال تعالى –للذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين بالكذب- :( يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله ). يعني الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين يجادلون عن الخائنين. ثم قال عز وجل :( ومن يعمل سوءا... ) الآية. يعني الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين بالكذب. ثم قال :( ومن يكسب خطيئة أو اثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا واثما مبينا ). يعني السارق والذين جادلوا عن السارق ".
قال ابن كثير :وهذا سياق غريب. وقد ذكر مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم ( في هذه الآية ) أنها نزلت في سارق بني أبيرق على اختلاف سياقاتهم، وهي متقاربة.
وقد روى هذه القصة الامام محمد بن اسحاق مطولة. ورواها عنه، من طريقه، أبو عيسى الترمذي في ( جامعه ) في كتاب التفسير. عن قتادة بن النعمان رضي الله عنه، قال :" كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق :بشر وبشير ( قال أبو ذر الخشني :بشير بن أبيرق. كذا وقع هنا :بشير بفتح الباء. وقال الدارقطني :انما هو بشير بضم الباء ) ومبشر. وكان بشير رجلا منافقا. وكان يقول الشعر يهجو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم ينحله إلى بعض العرب. ثم يقول :قال فلان كذا أو قال فلان كذا. فاذا سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الشعر قالوا :والله ! ما يقول هذا الشعر الا الخبيث. فقال :
أو كلما قال الرجال قصيدة *** أضموا٢ وقالوا :ابن الأبيرق قالها !
قال :وكانوا أهل بيت فاقة وحاجة في الجاهلية والإسلام. وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة، التمر والشعير. وكان الرجل إذا كان له يسار، فقدمت ضافطة من الشام بالدرمك٣، ابتاع الرجل منها فخص به نفسه. فأما العيال، فإنما طعامهم التمر والشعير. فقدمت ضافطة من الشام فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملا من الدرمك فجعله في مشربة له٤. وفي المشربة سلاح له :درعان وسيفاهما وما يصلحهما. فعدي عليه من تحت الليل، فنقبت المشربة واخذ الطعام والسلاح. فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال :يا ابن أخي ! تعلم أنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا فذهب بسلاحنا وطعامنا.
قال :فتحسست في الدار٥ وسألنا فقيل لنا :قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى، فيما نراه، إلا على بعض طعامكم.
قال :وقد كان بنو أبيرق قالوا :ونحن نسأل في الدار :والله ! ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل. رجلا منا له صلاح وإسلام. فلما سمع بذلك لبيد اخترط سيفه٦ ثم أتى بني أبيرق فقال :والله ! ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن السرقة. قالوا :إليك عنا أيها الرجل. فوالله ! ما أنت بصاحبها. فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابنا. فقال عمي :يا ابن أخي ! لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكرت ذلك له.
قال قتادة :أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقلت :يا رسول الله ! إن أهل بيت منا أهل جفاء. عمدوا إلى عمي رفاعة فنقبوا مشربة به، وأخذوا سلاحه وطعامه. فليردوا علينا سلاحنا. وأما الطعام فلا حاجة لنا فيه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أنظر في ذلك ". فلما سمع بذلك بنو أبيرق، أتوا رجلا منهم يقال له أسير بن عروة. فكلموه في ذلك. واجتمع إليه ناس من أهل الدار. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا :يا رسول الله ! إن قتادة بن النعمان وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا، أهل الإسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة في غير بينة ولا ثبت٧ قال قتادة :فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته. فقال عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة على غير بينة ولا ثبت ؟ قال فرجعت. ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك. فأتيت عمي رفاعة، فقال :يا ابن أخي ! ما صنعت ؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :الله المستعان.
فلم نلبث أن نزل القرآن :( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما ) يعني :بني أبيرق. ( واستغفر الله ) أي :مما قلت لقتادة ( إن الله كان غفورا رحيما * ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ) أي :بني أبيرق ( إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما * يستخفون من الناس ) إلى قوله :( ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ) أي :إنهم إن يستغفروا الله يغفر لهم ( ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما * ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ) قولهم للبيد :( ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك ) يعني :أسيرا وأصحابه – ( وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء * وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ) إلى قوله :(