0:00
0:00

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله
وصحبه وسلم تسليما.
هذه السورة مدنية إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في عثمان بن طلحة١ وهي قوله : ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ قال النقاش :وقيل :نزلت السورة عند هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة المنورة.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :
وقد قال بعض الناس :إن قوله تعالى : ﴿ يا أيها الناس ﴾ حيث وقع إنما هو مكي، فيشبه أن يكون صدر هذه السورة مكيا، وما نزل بعد الهجرة فإنما هو مدني وإن نزل في مكة أو في سفر من أسفار النبي عليه السلام، وقال النحاس :هذه السورة مكية.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :
ولا خلاف أن فيها ما نزل بالمدينة، وفي البخاري٢ :آخر آية نزلت ﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ﴾، ذكرها في تفسير سورة " براءة " من رواية البراء بن عازب. وفي البخاري عن عائشة أنها قالت :ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، تعني قد بني بها.
١ - عثمان بن طلحة: هاجر في هدنة الحديبية مع خالد بن الوليد، وشهد فتح مكة، ودفع إليه الرسول مفاتيح الكعبة، وكانت وفاته في أول خلافة معاوية سنة ٤٢ هـ (الإستيعاب: ١٠٣٤)..
٢ - أنظر إرشاد الساري ٧/١٤١..

قوله عز وجل :
«يا » حرف نداء «أي » منادى مفرد - و «ها » تنبيه، و ﴿ الناس ﴾ - نعت لأي أو صلة على مذهب أبي الحسن الأخفش، «والرب » :المالك، وفي الآية تنبيه على الصانع وعلى افتتاح الوجود، وفيها حض على التواصل لحرمة هذا النسب وإن بعد، وقال : ﴿ واحدة ﴾ على تأنيث لفظ النفس، وهذا كقول الشاعر : [ الوافر ]
أَبُوكَ خَلِيفَةٌ وَلَدَتْهُ أُخْرى. . . وأَنْتَ خَلِيفَةٌ ذَاكَ الْكَمَالُ١
وقرأ ابن أبي عبلة - «من نفس واحد » بغير هاء، وهذا على مراعاة المعنى، إذ المراد بالنفس آدم صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما، والخلق في الآية :بمعنى الاختراع، ويعني بقوله : ﴿ زوجها ﴾ حواء، والزوج في كلام العرب :امرأة الرجل، ويقال زوجة، ومنه بيت أبي فراس٢ : [ الطويل ]
وإنَّ الذي يَسْعى لِيُفْسِدَ زَوْجَتي. . . كَساعٍ إلى أُسْدِ الشَّرىَ يَسْتَبِيلُها
وقوله ﴿ منها ﴾، قال ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة، إن الله تعالى خلق آدم وَحِشاً في الجنة وحده، ثم نام فانتزع الله أحد أضلاعه القصيرى من شماله، وقيل :من يمينه فخلق منه حواء، ويعضد هذا القول الحديث الصحيح في قوله عليه السلام :( إن المرأة خلقت من ضلع، فإن ذهبت تقيمها كسرتها » وكسرها طلاقها )٣. وقال بعضهم :معنى ﴿ منها ﴾ من جنسها، واللفظ يتناول المعنيين، أو يكون لحمها وجواهرها في ضلعه، ونفسها من جنس نفسه، و ﴿ بث ﴾ معناه :نشر، كقوله تعالى : ﴿ كالفراش المبثوث ﴾٤ [ القارعة :٤ ] أي المنتشر، وحصره ذريتها إلى نوعين الرجال والنساء مقتض أن الخنثى ليس بنوع، وأنه وإن فرضناه مشكل الظاهر عندنا، فله حقيقة ترده إلى أحد هذين النوعين، وفي تكرار الأمر بالاتقاء تأكيد وتنبيه لنفوس المأمورين. و ﴿ الذي ﴾ في موضع نصب على النعت - و ﴿ تساءلون ﴾ معناه :تتعاطفون به، فيقول أحدكم :أسألك بالله أن تفعل كذا وما أشبهه وقالت طائفة معناه : ﴿ تساءلون به ﴾ حقوقكم وتجعلونه مقطعاً لها وأصله : «تتساءلون » فأبدلت التاء الثانية سيناً وأدغمت في السين، وهذه قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وابن عمرو، بخلاف عنه، وقرأ الباقون - «تساءلون » - بسين مخففة وذلك لأنهم حذفوا التاء الثانية تخفيفاً فهذه تاء تتفاعلون تدغم في لغة وتحذف في أخرى لاجتماع حروف متقاربة، قال أبو علي :وإذا اجتمعت المتقاربة خففت بالحذف والإدغام والإبدال كما قالوا :طست فأبدلوا من السين الواحدة تاء، إذ الأصل طس :قال العجاج٥ : [ الرجز ]
لَوْ عَرَضَتْ لأَيْبُلِيِّ قسِّ. . . أشعثَ في هيكله مندسِّ
حنَّ إليها كَحنِينِ الطَّسِّ. . . وقال ابن مسعود - «تسألون » - خفيفة بغير ألف، و ﴿ الأرحام ﴾ نصب على العطف على موضع به لأن موضعه نصب، والأظهر أنه نصب بإضمار فعل تقديره :واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وهذه قراءة السبعة إلا حمزة، وعليها فسر ابن عباس وغيره، وقرأ عبد الله بن يزيد - والأرحامُ - بالرفع وذلك على الابتداء والخبر مقدر تقديره :والأرحام أهل أن توصل، وقرأ حمزة وجماعة من العلماء - «والأرحامِ » - بالخفض عطفاً على الضمير، والمعنى عندهم :أنها يتساءل بها كما يقول الرجل :أسألك بالله وبالرحم، هكذا فسرها الحسن وإبراهيم النخعي ومجاهد، وهذه القراءة عند رؤساء نحويي البصرة لا تجوز، لأنه لا يجوز عندهم أن يعطف ظاهر على مضمر مخفوض، قال الزجاج عن المازني :لأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان يحل كل واحد منهما محل صاحبه، فكما لا يجوز :مررت بزيدوك، فكذلك لا يجوز مررت بك وزيد، وأما سيبويه فهي عنده قبيحة لا تجوز إلا في الشعر، كما قال : [ البسيط ]
فَالْيَوْمَ قَدْ بِتَّ تهجونا وتَشْتُمُنا. . . فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ والأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ٦
وكما قال : [ الطويل ]
نُعَلِّقُ فِي مِثْلِ السَّوَاري سُيوفَنَا. . . وَمَا بَيْنَها والْكَعْبِ غَوْطُ نَفَانِفِ٧
واستهلها بعض النحويين، قال أبو علي :ذلك ضعيف في القياس.
قال القاضي أبو محمد :المضمر المخفوض لا ينفصل فهو كحرف من الكلمة، ولا يعطف على حرف، ويرد عندي هذه القراءة من المعنى وجهان :أحدهما أن ذكر الأرحام فيما يتساءل به لا معنى له في الحض على تقوى الله، ولا فائدة فيه أكثر من الإخبار بأن الأرحام يتساءل بها، وهذا تفرق في معنى الكلام وغض من فصاحته، وإنما الفصاحة في أن يكون لذكر الأرحام فائدة مستقلة، والوجه الثاني أن في ذكرها على ذلك تقريراً للتساؤل بها والقسم بحرمتها، والحديث الصحيح يرد ذلك في قوله عليه السلام : «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت »٨ وقالت طائفة :إنما خفض - «والأرحامِ » - على جهة القسم من الله على ما اختص به إله إلا هو من القسم بمخلوقاته، ويكون المقسم عليه فيما بعد من قوله : ﴿ إن الله كان عليكم رقيباً ﴾ وهذا كلام يأباه نظم الكلام وسرده، وإن كان المعنى يخرجه٩ - و ﴿ كان ﴾ في هذه الآية ليست لتحديد الماضي فقط، بل المعنى :كان وهو يكون، والرقيب :بناء الاسم الفاعل من رقب يرقب إذا أحد النظر بالبصر أو بالبصيرة إلى أمر ما ليتحققه على ما هو عليه، ويقترن بذلك حفظ ومشاهدة وعلم بالحاصل عن الرقبة، وفي قوله ﴿ عليكم ﴾ ضرب من الوعيد، ولم يقل «لكم » للاشتراك الذي كان يدخل من أنه يرقب لهم ما يصنع غيرهم، ومما ذكرناه قيل للذي يرقب خروج السهم من ربابة الضريب في القداح رقيب، لأنه يرتقب ذلك، ومنه قول أبي داود١٠ : [ مجزوء الكامل ]
كَمَقَاعِدِ الرُّقَبَاءِ لِلضُّرَبَاءِأَيْدِيهِمْ نَوَاهِدْ. . .
١ - راجع صفحة (٩٦) من هذا الجزء..
٢ -أبو فراس كنية الفرزدق الشاعر، والبيت في ديوانه (٢/٦١ ط) صادر، بيروت)، من قصيدة في شأن زواجه بالنوار واستعدائها عليه عبد الله بن الزبير ليطلقها، وفي البيت شاهد على استعمال "زوجة"، وكان الأصمعي يخطئ ذلك، فإذا احتج عليه ببيت ذي الرمة "أذو زوجة بالمصر أم ذو خصومة" رد قائلا: إن الرمة أكل الملح والباقل في حوانيت البصرة حتى بشم، كناية عن فساد لغته بتردده إلى الحاضرة.
.

٣ - أخرجه البخاري (في باب النكاح)، ومسلم (في الرضاع)، وانظر مسند أحمد ٥/١٥١، ٢/ ٤٢٨، ٤٤٩..
٤ - من الآية (٤) من سورة القارعة. ومنه قوله تعالى: ﴿وزرابي مبثوثة﴾.
٥ - ليس الرجز في ديوانه؛ ونسبه له في البحر المحيط (٣/ ١٥٦)، وورد في اللسان (طس) لأعرابي فصيح، والأيبلي: الراهب، والطست: فارسي الأصل فلما عربته العرب جعلته طسا..
٦ - هو شاهد على أن حرف الجر قد يترك ضرورة عند البصريين، أي: ما بك وبالأيام عجب، وهو من شاهد سيبويه ١/ ٣٩٢، وانظر الخزانة ٢/٣٣٨، وتفسير القرطبي٥/٣، والبحر المحيط ٣/١٥٨..
٧ - ورد غير منسوب في الخزانة ٢/ ٣٣٨، والبحر المحيط ٣/١٥٨، وتفسير القرطبي ٥/٣؛ وفي رواية القرطبي "مهوى نفانف" والغوط: المطمئن من الأرض، والنفنف: المهوى..
٨ - حديث صحيح ورد في الستة وفي مساند أحمد ٢/٧، ١١.
٩ - لمعرفة مزيد من الآراء حول إعراب (والأرحام) انظر القرطبي ٥/٤، والمحتسب ١/ ١٧٩، والبحر المحيط ٣/١٥٩، وقد مال أبو حيان إلى تصويب مذهب الكوفيين في هذا الموقف..
١٠ - ديوان أبي داود: ٣٠٧ (دراسات)، والأغاني ١٥/ ٩٨ (بولاق)، والميسر: ١٣٣، والمعاني الكبير ٢/١١٤٨، ومجاز القرآن ١/١١٣..
﴿ اليتامى ﴾ :جمع يتيم ويتيمة، واليُتْمُ في كلام العرب فقد الأب قبل البلوغ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم «لا يُتمَ بعد بلوغ »١ وهو في البهيمة فقد الأم في حال الصغر، وحكى اليتيم في الإنسان من جهة الأم، وقال ابن زيد :هذه المخاطبة هي لمن كانت عادته من العرب أن لا يرث الصغير من الأولاد مع الكبير، فقيل لهم :ورثوهم أموالهم، ولا تتركوا أيها الكبار حظوظكم حلالاً طيباً وتأخذوا الكل ظلماً حراماً خبيثاً، فيجيء فعلكم ذلك تبدلاً، وقالت طائفة :هذه المخاطبة هي لأوصياء الأيتام، والمعنى :إذا بلغوا وأونس منهم الرشد :وسماهم يتامى وهم قد بلغوا، استصحاباً للحالة الأولى التي قد ثبتت لهم من اليتم، ﴿ ولا تتبدلوا ﴾ قيل :المراد ما كان بعضهم يفعل من أن يبدل الشاة السمينة من مال اليتيم بالهزيلة من ماله، والدرهم الطيب بالزائف من ماله، قاله سعيد بن المسيب والزهري والسدي والضحاك، وقيل :المراد بذلك لا تأكلوا أموالهم خبيثاً، وتدعوا أموالكم طيباً، وقيل :معناه لا تتعجلوا أكل «الخبث » من أموالهم، وتدعوا انتظار الرزق الحلال من عند الله، قاله مجاهد وأبو صالح، و «الخبيث » و «الطيب » :إنما هو هنا بالتحليل والتحريم، وروي عن ابن محيصن أنه قرأ - «ولا تبدلوا » - بإدغام التاء في التاء وجاز في ذلك الجمع بين ساكنين، لأن أحدهما حرف مد ولين يشبه الحركة، وقوله : ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ استوى الأيتام في النهي عن أكل «أموالهم » كانوا ورثة ممنوعين من الميراث ومحجورين، والآية نص في [ النهي عن ] قصد مال اليتيم بالأكل والتمول على جميع وجوهه، وروي عن مجاهد أنه قال :الآية ناهية عن الخلط في الإنفاق، فإن العرب كانت تخلط نفقتها بنفقة أيتامها فنهوا عن ذلك، ثم نسخ منه النهي بقوله : ﴿ وإن تخالطوهم فإخوانكم ﴾٢ وقد تقدم ذكر هذا في سورة البقرة، وقال ابن فورك عن الحسن :إنه تأول الناس من هذه الآية النهي عن الخلط فاجتنبوه من قبل أنفسهم، فخفف عنهم في آية البقرة، وقالت طائفة من المتأخرين ﴿ إلى ﴾ بمعنى مع، وهذا غير جيد، وروي عن مجاهد أن معنى الآية :ولا تأكلوا أموالهم مع أموالكم.
قال القاضي أبو محمد :وهذا تقريب للمعنى، لا أنه أراد أن الحرف بمعنى الآخر، وقال الحذاق : ﴿ إلى ﴾ هي على بابها وهي تتضمن الإضافة، التقدير : «لا تضيفوا أموالهم إلى أموالكم في الأكل »، كما قال تعالى ﴿ من أنصاري إلى الله ﴾٣ أي من ينضاف إلى الله في نصرتي والضمير في ﴿ إنه ﴾ عائد على الأكل الذي تضمنه الفعل الظاهر، والحوب :الإثم، قاله ابن عباس والحسن وغيرهما، تقول :حاب الرجل يحوب حُوباً وحاباً وحَوْباً إذا أثم، قال أمية بن الأسكر٤ : [ الوافر ]
وإنَّ مُهَاجِريْنِ تَكَنَّفَاهُ. . . غَدَاتئذٍ لَقَدْ خَطِئا وَخَابَا
وقرأ الحسن : «حَوبا » بفتح الحاء، وهي لغة بني تميم، وقيل :هو بفتح الحاء المصدر وبضمها الاسم، وتحوب الرجل إذا ألقى الحوب عن نفسه، وكذلك تحنث وتأثم وتحرج، فإن هذه الأربعة تفعل كله لأن تفعل معناه الدخول في الشيء كتعبد وتكسب وما أشبهه ويلحق بهذه الأربعة تفكهون، في قوله تعالى : ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً فظلتم تفكهون ﴾٥ أي تطرحون الفكاهة عن أنفسكم، بدليل قوله بعد ذلك ﴿ إنّا لمغرمون بل نحن محرومون ﴾ [ الواقعة :٦٦ و ٦٧ ] أي يقولون ذلك، وقوله : ﴿ كبيراً ﴾ نص على أن أكل مال اليتيم من الكبائر.
وقوله تعالى : ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ﴾ قال أبو عبيدة٦ : ﴿ خفتم ﴾ هنا بمعنى أيقنتم، واستشهد بقول الشاعر : [ دريد بن الصمة ] : [ الطويل ]
فَقُلْتُ لَهُمْ خَافُوا بألفَي مُدَجَّجٍ٧ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وما قاله غير صحيح، ولا يكون الخوف بمعنى اليقين بوجه وإنما هو من أفعال التوقع، إلا أنه قد يميل الظن فيه إلى إحدى الجهتين، وأما أن يصل إلى حد اليقين فلا، و ﴿ تقسطوا ﴾ معناه تعدلوا، يقال :أقسط الرجل إذا عدل، وقسط إذا جار، وقرأ ابن وثاب والنخعي، - «ألا تَقْسطوا » بفتح التاء من قسط على تقدير زيادة - لا - كأنه قال : ﴿ وإن خفتم ﴾ أن تجوروا، واختلف في تأويل الآية، فقالت عائشة رضي الله عنها، نزلت في أولياء اليتامى الذين يعجبهم جمال ولياتهم، فيريدون أن يبخسوهن في المهر لمكان ولايتهم عليهن، فقيل لهم :أقسطوا في مهورهن، فمن خاف ألا يقسط فليتزوج ما طاب له من الأجنبيات اللواتي يكايسن٨ في حقوقهن، وقاله ربيعة، وقال عكرمة :نزلت في قريش، وذلك أن الرجل منهم كان يتزوج العشر وأكثر وأقل، فإذا ضاق ماله مالَ على مالِ يتيمه فتزوج منه، فقيل لهم :إن خفتم عجز أموالكم حتى تجوروا في اليتامى فاقتصروا، وقال سعيد بن جبير والسدي وقتادة وابن عباس :إن العرب كانت تتحرج في أموال اليتامى، ولا تتحرج في العدل بين النساء، كانوا يتزوجون العشر وأكثر، فنزلت الآية في ذلك، أي كما تخافون «ألا تقسطوا في اليتامى » فكذلك فتحرجوا في النساء، «وانكحوا » على هذا الحد الذي يبعد الجور عنه، وقال مجاهد :إنما الآية تحذير من الزنى وزجر عنه، أي كما تتحرجون في مال اليتامى فكذلك فتحرجوا من الزنى، وانكحوا على ما حد لكم، قال الحسن وأبو مالك وسعيد بن جبير : ﴿ ما طاب ﴾، معناه ما حل.
قال القاضي أبو محمد :لأن المحرمات من النساء كثير. وقرأ ابن أبي عبلة، و «من طاب » على ذكر من يعقل، وحكى بعض الناس أن ﴿ ما ﴾ في هذه الآية ظرفية، أي ما دمتم تستحسنون النكاح.
قال القاضي أبو محمد :وفي هذا المنزع ضعف وقال ﴿ ما ﴾ ولم يقل - من - لأنه لم يرد تعيين من يعقل، وإنما أراد النوع الذي هو الطيب من جهة التحليل، فكأنه قال : «فانكحوا الطيب » وهذا الأمر بالنكاح هو ندب لقوم وإباحة لآخرين بحسب قرائن المرء، والنكاح في الجملة والأغلب مندوب إليه، قال عليه السلام : < من استطاع منكم الباءة فليتزوج٩ و{ مثنى وثلاث ورباع> :موضعها من الإعراب نصب على البدل من ﴿ ما طاب ﴾، وهي نكرات لا تنصرف لأنها معدولة وصفة كذا قاله أبو علي. وقال غيره :هي معدولة في اللفظ وفي المعنى، وأيضاً فإنها معدولة وجمع، وأيضاً فإنها معدولة مؤنثة، قال الطبري :هي معارف لأنها لا تدخلها الألف واللام، وخطأ الزجاج هذا القول، وهي معدولة عن اثنين، وثلاثة، وأربعة، إلا أنها مضمنة تكرار العدد إلى غاية المعدود، وأنشد الزجاج لشاعر [ ساعدة بن جؤيّة ]١٠ : [ الطويل ]
ولكنّما أهلي بوادٍ أنيسُهُ. . . ذِئابٌ تبغّي الناسَ مثْنى ومَوْحَد
فإنما معناه اثنين اثنين، وواحد واحداً، وكذلك قولك :جاء الرجال مثنى وثلاث، فإنما معناه :اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وقرأ يحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي «وربع » ساقطة الألف، وتلك لغة مقصدها التخفيف كما قال الشاعر :على لسان الضب١١ : [ المجتث ]
لا أشتهي أن أردّا. . . إلا عراداً عردّا
وصليانا بردا. . . . . . . . وعنكثا ملتبدا. ***
يريد بارداً. وقوله تعالى : ﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ﴾ قال الضحاك وغيره :المعنى ألا تعدلوا في الميل والمحبة والجماع والعشرة بين الأربع أو الثلاث أو الاثنتين، ويتوجه على قول من قال :إنها نزلت فيمن يخاف أن ينفق مال اليتامى في نكاحاته، أن يكون المعنى :ألا تعدلوا في نكاح الأربع والثلاث حتى تنفقوا فيه أموال يتاماكم، أي فتزوجوا واحدة بأموالكم، أو تسرّوا منها، ونصب واحدة بإضمار فعل تقديره :فانكحوا واحدة. وقرأ عبد الرحمن بن هرمز والحسن : «فواحدةٌ » بالرفع على الابتداء، وتقدير الخبر :فواحدة كافية، أو ما أشبهه، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو.
و﴿ ما ملكت أيمانكم ﴾ يريد به الإماء، والمعنى :إن خاف ألا يعدل في عِشْرَةِ واحدة فما ملكت يمينه، وأسند الملك إلى اليمين إذ هي صفة مدح، واليمين مخصوصة بالمحاسن لتمكنها، ألا ترى أنها المنفقة، كما قال عليه السلام : «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه »١٢ وهي المعاهدة المبايعة، وبها سميت الأليَّةُ١٣ يميناً، وهي المتلقية لكتاب النجاة ولرايات المجد١٤، وقد نهى عليه السلام عن استعمالها في الاستنجاء وأمر المرء بالأكل بها.
١ - أخرجه أبو داود في سننه (الجامع الصغير ١/٧٠)..
٢ - من الآية (٢٢٠) من سورة البقرة..
٣ - تكررت في الآية (٥٢) من سورة آل عمران، والآية (١٤) من سورة الصف..
٤ - أمية بن الأسكر شاعر مخضرم، هاجر ابنه كلاب في الفتوح وكان أمية شيخا، فلما طالت غيبته قال هذه القصيدة البائية يرجو رده فرده عمر رضي الله عنه، (الإصابة ١/٦٥، وانظر أيضا أخباره في الاستيعاب والأغاني وطبقات ابن سلام)..
٥ - الآية (٦٥) من سورة الواقعة..
٦ - مجازات القرآن: ١/١١٦، والبحر المحيط ٣/١٦٢..
٧ - الرواية المشهورة للبيت (وهو من شعر دريد بن الصمة):
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارسي المسرّد
وما رواه أبو عبيدة مختلف عن هذا البيت إذ هو هنالك رجز، وهو منسوب لليلى بنت الحمارس:
قلت لكم خافوا بألف فارس مقنعين في الحديد اليابس..

٨ - المكايسة في البيع: تنقيص الثمن..
٩ - ورد هذا الحديث في البخاري (في باب الصوم وباب النكاح).
١٠ - البيت لساعدة بن جؤية (انظر ديوان الهذليين ٣/١١٦٦)، يقول: أهلي بواد ليس به أنيس، وإنما هم مع السباع والوحش في بلد قفر؛ وانظر مجاز القرآن ١/١١٤)..
١١ - قد مر هذا في ما تقدم من هذا الجزء ص: ٣٥٧..
١٢ - ورد في البخاري (أذان: ٣٦، زكاة ١٦، ١٣، حدود: ١٩) ومسلم (زكاة: ٩١) والترمذي (زهد: ٥٣) والنسائي (قضاة:٢)..
١٣ - الألية: القسم أو اليمين..
١٤ - لعله يشير إلى قول الشماخ في مدح عرابة الأوسي:
إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين..

﴿ أدنى ﴾ معناه :أقرب، وهو من الدنو، وموضع - أن - من الإعراب نصب بإسقاط الخافض، والناصب أريحية الفعل الذي في ﴿ أدنى ﴾، التقدير :ذلك أدنى إلى أن لا تعولوا، و ﴿ تعولوا ﴾ معناه :تميلوا، قاله ابن عباس وقتادة والربيع وقتادة والربيع بن أنس وأبو مالك والسدي وغيرهم، يقال :عال الرجل يعول :إذا مال وجار، ومنه قول أبي طالب في شعره في النبي صلى الله عليه وسلم١ :
بميزان قسط لا يخسُّ شعيرة. . . ووزان صدق وزنه غير عائل
يريد غير مائل، ومنه قول عثمان لأهل الكوفة حين كتب إليهم :إني لست بميزان لا أعول، ويروى بيت أبي طالب : «له شاهد من نفسه غير عائل » وعال يعيل، معناه :افتقر فصار عالة، وقالت فرقة منهم زيد بن أسلم وابن زيد والشافعي :معناه :ذلك أدنى ألا يكثر عيالكم، وحكى ابن الأعرابي أن العرب تقول :عال الرجل يعول إذا كثر عياله، وقدح في هذا الزجاج وغيره، بأن الله قد أباح كثرة السراري، وفي ذلك تكثير العيال، فكيف يكون أقرب إلى أن لا يكثر.
قال القاضي أبو محمد :وهذا القدح غير صحيح، لأن السراري إنما هن مال يتصرف فيه بالبيع، وإنما العيال الفادح الحرائر ذوات الحقوق الواجبة.
١ - انظر سيرة ابن هشام ١/٢٤٢ وتفسير القرطبي ٥/٢١.
وقوله : ﴿ وءاتوا النساء صدقاتهن نحلة ﴾ قال ابن عباس وقتادة وابن جريج :إن الخطاب في هذه الآية للأزواج، أمرهم الله أن يتبرعوا بإعطاء المهور نحلة منهم لأزواجهم، وقال أبو صالح :الخطاب لأولياء النساء، لأن عادة بعض العرب كانت أن يأكل ولي المرأة مهرها، فرفع الله ذلك بالإسلام وأمر بأن يدفع ذلك إليهن، وقال المعتمر بن سليمان عن أبيه :زعم حضرمي أن المراد بالآية المتشاغرون الذين كانوا يتزوجون امرأة بأخرى، فأمروا أن يضربوا المهور.
قال القاضي أبو محمد :والآية تتناول هذه الفرق الثلاث، قرأ جمهور الناس والسبعة «صَدٌقاتهن » بفتح الصاد وضم الدال، وقرأ موسى بن الزبير وابن أبي عبلة وفياض بن غزوان وغيرهم «صُدُقاتهن » بضم الصاد والدال، وقرأ قتادة وغيره «صُدْقاتهن » بضم الصاد وسكون الدال، وقرأ ابن وثاب والنخعي «صدقتهن » بالإفراد وضم الصاد وضم الدال. والإفراد من هذا صدَقة. و ﴿ نحلة ﴾ :معناه :نحلة منكم لهن أي عطية، وقيل التقدير :من الله عز وجل لهن، وذلك لأن الله جعل الصداق١ على الرجال ولم يجعل على النساء شيئاً، وقيل ﴿ نحلة ﴾ معناه :شرعة، مأخوذ من النحل تقول :فلان ينتحل دين كذا، وهذا يحسن مع كون الخطاب للأولياء، ويتجه مع سواه، ونصبها على أنها من الأزواج بإضمار فعل من لفظها، تقديره - أنحلوهن نحلة، ويجوز أن يعمل الفعل الظاهر، وإن كان من غير اللفظ لأنه مناسب للنحلة في المعنى ونصبها على أنها من الله عز وجل بإضمار فعل مقدر من اللفظ لا يصح غير ذلك، وعلى أنها شريعة هي أيضاً من الله وقوله : ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ الخطاب حسبما تقدم من الاختلاف في الأزواج والأولياء، والمعنى :إن وهبن غير مكرهات طيبة نفوسهن، والضمير في ﴿ منه ﴾ راجع على الصداق، وكذلك قال عكرمة وغيره، أو على الإيتاء، وقال حضرمي :سبب الآية أن قوماً تحرجوا أن يرجع إليهم شيء مما دفعوا إلى الزوجات، و ﴿ نفساً ﴾ نصب على التمييز، ولا يجوز تقدمه على العامل عند سيبويه إلا في ضرورة شعر مع تصرف العامل، وإجازة غيره في الكلام.
ومنه قول الشاعر٢ [ المخبل السعدي ] : [ الطويل ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** وما كان نفساً بالفراق تطيب. و_من - تتضمن الجنس ها هنا، ولذلك يجوز أن تهب المهر كله، ولو وقفت «من » على التبعيض لما جاز ذلك، وقرىء «هنياً مرياً » دون همز، وهي قراءة الحسن بن أبي الحسن والزهري، قال الطبري :ومن هناء البعير أن يعطي الشفاء.
قال القاضي أبو محمد :وهذا ضعيف، وإنما قال اللغويون :الطعام الهنيء هو السائغ المستحسن الحميد المغبة، وكذلك المريء، قال اللغويون :يقولون هنأني الطعام ومرأني على الإتباع، فإذا أفردوا قالوا :أمرأني على وزن أفعل. قال أبو علي :وهذا كما جاء في الحديث «ارجعن مأزورات غير مأجورات »٣ فإنما اعتلت الواو من موزورات إتباعاً للفظ مأجورات، فكذلك مرأني اتباعاً لهنأني، ودخل رجل على علقمة - وهو يأكل شيئاً مما وهبته امرأته من مهرها - فقال له :كل من الهنيء المريء، قال سيبويه ؛ ﴿ هنيئاً مريئاً ﴾ صفتان نصبوهما نصب المصادر المدعو بها بالفعل غير المستعمل إظهاره، المختزل للدلالة التي في الكلام عليه، كأنهم قالوا :ثبت ذلك «هنيئاً مريئاً ».
١ - صداق عند المازني بكسر الصاد قال: ولا يقال بالفتح، وروي عن النحاس بالفتح..
٢ - هو المخبل السعدي، واسمه ربيعة بن مالك (الشعر والشعراء: ٣٣٣، والخزانة ٢/٥٣٦- والإصابة ٢/٢١٨)- وصدر البيت: أتهجر ليلى بالفراق حبيبها؟.
٣ - حديث صحيح أخرجه ابن ماجه (عن علي)، انظر الجامع الصغير ١/٣٧..
وقوله ﴿ ولا تؤتوا السفهاء ﴾ الآية، اختلف المتأولون في المراد ب ﴿ السفهاء ﴾، فقال ابن مسعود والسدي والضحاك والحسن وغيرهم :نزلت في ولد الرجل الصغار وامرأته، وقال سعيد بن جبير :نزلت في المحجورين «السفهاء » وقال مجاهد :نزلت في النساء خاصة، وروي عن عبد الله بن عمر أنه مرت به امرأة لها شارة فقال لها ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ الآية، وقال أبو موسى الأشعري والطبري وغيرهما :نزلت في كل من اقتضى الصفة التي شرط الله من السفه كان من كان، وقول من خصها بالنساء يضعف من جهة الجمع، فإن العرب إنما تجمع فعيلة على فعائل أو فعيلات، وقوله ﴿ أموالكم ﴾ يريد أموال المخاطبين، هذا قول أبي موسى الأشعري وابن عباس والحسن وقتادة، وقال سعيد بن جبير :يريد أموال «السفهاء »، وأضافها إلى المخاطبين تغبيطاً بالأموال، أي هي لهم إذا احتاجوا، كأموالكم لكم التي تقي أعراضكم، وتصونكم وتعظم أقدراكم، ومن مثل هذ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾١ وما جرى مجراه، وقرأ الحسن بن أبي الحسن والنخعي و «اللاتي » والأموال :جمع لما لا يعقل، فالأصوب فيه قراءة الجماعة، و ﴿ قيماً ﴾ جمع قيمة كديمة وديم، وخطأ ذلك أبو علي وقال :هي مصدر كقيام وقوام وأصلها قوم، ولكن شذت في الرد إلى الياء كما شذ قولهم :جياد في جميع جواد، وكما قالت بنو ضبة :طويل وطيال، ونحو هذا، وقوماً وقواماً وقياماً، معناها :ثباتاً في صلاح الحال، ودواماً في ذلك، وقرأ نافع وابن عامر ﴿ قيماً ﴾ بغير ألف، وروي أن أبا عمرو فتح القاف من قوله :قواماً، وقياماً - كان أصله قواماً، فردت كسرة القاف الواو ياء للتناسب، ذكرها ابن مجاهد ولم ينسبها، وهي قراءة أبي عمرو والحسن، وقرأ الباقون ﴿ قياماً ﴾ وقرأت طائفة «قواماً » وقوله : ﴿ وارزقوهم فيها واكسوهم ﴾ قيل :معناه :فيمن يلزم الرجل نفقته وكسوته من زوجه وبنيه الأصاغر، وقيل :في المحجورين من أموالهم، و ﴿ معروفاً ﴾ قيل :معناه :ادعوا لهم :بارك الله فيكم وحاطكم وصنع لكم، وقيل :معناه عدوهم وعداً حسناً، أي إن رشدتم دفعنا إليكم أموالكم، ومعنى اللفظ كل كلام تعرفه النفوس وتأنس إليه ويقتضيه الشرع.
١ - من الآية (٢٩) من سورة النساء..
هذه مخاطبة للجميع، والمعنى :يخلص التلبس بهذا الأمر للأوصياء، والابتلاء :الاختبار، و ﴿ بلغوا النكاح ﴾، معناه :بلغوا مبلغ الرجال بحلم وحيض أو ما يوازيه، ومعناه :جربوا عقولهم وقرائحهم وتصرفهم، و ﴿ آنستم ﴾، معناه علمتم وشعرتم وخبرتم، كما قال الشاعر : [ الخفيف ]
آنَسَتْ نَبْأَةً وأفزعها القنّاص. . . عَصْراً وَقَدْ دَنَا الإمْساءُ
وقرأ ابن مسعود - «أ حسْتم » - بالحاء وسكون السين على مثال فعلتم، وقرأ أبو عبد الرحمن وأبو السمال وابن مسعود وعيسى الثقفي : «رشداً » بفتح الراء والشين والمعنى واحد، ومالك رحمه الله يرى الشرطين :البلوغ، والرشد المختبر، وحينئذ يدفع المال، وأبو حنيفة يرى أن يدفع المال بالشرط الواحد ما لم يحتفظ له سفه كما أبيحت التسرية بالشرط الواحد وكتاب الله قد قيدها بعدم الطول وخوف العنت، إلى غير ذلك من الأمثلة، كاليمين والحنث اللذين بعدهما تجب الكفارة، ولكنها تجوز قبل الحنث.
قال القاضي أبو محمد :والتمثيل عندي في دفع المال بنوازل الشرطين غير صحيح، وذلك أن البلوغ لم تسقه الآية سياق الشرط، ولكنه حالة الغالب على بني آدم أن تلتئم عقولهم فيها، فهو الوقت الذي لا يعتبر شرط الرشد إلا فيه، فقال إذا بلغ ذلك الوقت فلينظر إلى الشرط وهو الرشد حينئذ، وفصاحة الكلام تدل على ذلك، لأن التوقيف بالبلوغ جاء ب ﴿ إذا ﴾ والمشروط جاء ب ﴿ إن ﴾ التي هي قاعدة حروف الشرط، و ﴿ إذا ﴾ ليست بحرف شرط لحصول ما بعدها، وأجاز سيبويه أن يجازى بها في الشعر، وقال :فعلوا ذلك مضطرين، وإنما جوزي به لأنها تحتاج إلى جواب، ولأنها يليها الفعل مظهراً أو مضمراً، واحتج الخليل على منع شرطيتها بحصول ما بعدها، ألا ترى أنك تقول أجيئك إذا احمر البسر، ولا تقول :إن احمر البسر، وقال الحسن وقتادة :الرشد في العقل والدين، وقال ابن عباس :بل في العقل وتدبير المال لا غير، وهو قول ابن القاسم في مذهبنا، والرواية الأخرى :أنه في العقل والدين مروية عن مالك، وقالت فرقة :دفع الوصي المال إلى المحجور يفتقر إلى أن يرفعه إلى السلطان ويثبت عنده رشده، أو يكون ممن يأمنه الحاكم في مثل ذلك، وقالت فرقة :ذلك موكول إلى اجتهاد الوصي دون أن يحتاج إلى رفعه إلى السلطان.
قال القاضي أبو محمد :والصواب في أوصياء زمننا أن لا يستغنى عن رفعه إلى السلطان وثبوت الرشد عنده، لما حفظ من تواطؤ الأوصياء على أن يرشد الوصي ويبرأ المحجور لسفهه وقلة تحصيله في ذلك الوقت، وقوله : ﴿ ولا تأكلوها ﴾ الآية، نهي من الله تعالى للأوصياء عن أكل أموال اليتامى بغير الواجب المباح لهم، والإسراف :الإفراط في الفعل، والسرف الخطأ في مواضع الإنفاق، ومنه قول الشاعر [ جرير ] : [ البسيط ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** ما في عَطائِهِمُ مَنٌّ وَلاَ سَرَفُ١
أي لا يخطئون مواضع العطاء ﴿ وبداراً ﴾ :معناه مبادرة كبرهم، أي إن الوصي يستغنم مال محجوره فيأكل ويقول :أبادر كبره لئلا يرشد ويأخذ ماله، قاله ابن عباس وغيره. و ﴿ أن يكبروا ﴾ نصب ببدار، ويجوز أن يكون التقدير مخافة أن وقوله : ﴿ ومن كان غنياً فليستعفف ﴾ الآية، يقال :عف الرجل عن الشيء واستعف :إذا أمسك، فأمر الغني بالإمساك عن مال اليتيم، وأباح الله للوصي الفقير أن يأكل من مال يتيمه بالمعروف، واختلف العلماء في حد المعروف، فقال عمر بن الخطاب وابن عباس وعبيدة وابن جبير والشعبي ومجاهد وأبو العالية :إن ذلك القرض أن يتسلف من مال يتيمه ويقضي إذا أيسر، ولا يتسلف أكثر من حاجته، وقال ابن عباس أيضاً وعكرمة والسدي وعطاء :روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال٢ :إني نزلت من مال الله منزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت. وروي عن إبراهيم وعطاء وغيرهما أنه لا قضاء على الوصي الفقير فيما أكل بالمعروف، قال الحسن :هي طعمة من الله له، وذلك أن يأكل ما يقيمه أكلاً بأطراف الأصابع، ولا يكتسي منه بوجه، وقال إبراهيم النخعي ومكحول :يأكل ما يقيمه ويكتسي ما يستر عورته، ولا يلبس الكتان والحلل، وقال ابن عباس وأبو العالية والحسن والشعبي :إنما يأكل الوصي بالمعروف إذا شرب من اللبن وأكل من الثمر بما يهنأ الجربى ويليط الحوض ويجد الثمر وما أشبهه، وقالت فرقة :المعروف أنه يكون له أجر بقدر عمله وخدمته، وقال الحسن بن حي :إن كان وصي أب فله الأكل بالمعروف، وإن كان وصي حاكم فلا سبيل له إلى المال بوجه، وقال ابن عباس والنخعي :المراد أن يأكل الوصي بالمعروف من ماله حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم، وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن :المراد اليتامى في الحالين، أي :من كان منهم غنياً فليعف بماله، ومن كان فقيراً فليتقتر عليه بالمعروف والاقتصاد، وقوله : ﴿ فإذا دفعتم ﴾ الآية. أمر من الله بالتحرز والحزم، وهذا هو الأصل في الإشهاد في المدفوعات كلها، إذا كان حبسها أولاً معروفاً، وقالت فرقة :الإشهاد ها هنا فرض وقالت فرقة :هو ندب إلى الحزم، وروى عمر بن الخطاب وابن جبيرة أن هذا هو دفع ما يستقرضه الوصي الفقير إذا أيسر، واللفظ يعم هذا وسواه، والحسيب هنا المحسب، أي هو كاف من الشهود، هكذا قال الطبري، والأظهر ﴿ حسيباً ﴾ معناه :حاسباً أعمالكم ومجازياً بها، ففي هذا وعيد لكل جاحد حق.
١ - شطر البيت لجرير (ديوانه: ١٧٤) وصدره: أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية والهنيدة: مائة من الإبل، يحدوها: أي يسوقها ثمانية من العبيد. والمن: الفخر بالإحساس واستكثاره..
٢ - انظر طبقات ابن سعد ٣/ ٢٧٦..
سمى الله عز وجل الأب والداً لأن الولد منه ومن الوالدة، كما قال الشاعر : [ الرجز ]
*بِحَيْثُ يَعْتشُّ الغُرَابُ البَائِضُ*
لأن البيض من الأنثى والذكر١، قال قتادة وعكرمة وابن زيد :وسبب هذه الآية، أن العرب كان منها من لا يورث النساء ويقول :لا يرث إلا من طاعن بالرمح وقاتل بالسيف فنزلت هذه الآية، قال عكرمة :سببها خبر أم كحلة٢، مات زوجها وهو أوس بن سويد وترك لها بنتاً فذهب عم بنيها إلى أن لا ترث فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال العم :هي يا رسول الله لا تقاتل ولا تحمل كلاً ويكسب عليها ولا تكسب، واسم العم ثعلبة فيما ذكره. و ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾، نصب على الحال، كذا قال مكي، وإنما هو اسم نصب كما ينصب المصدر في موضع الحال، تقديره :فرضاً لذلك جاز نصبه، كما تقول :لك عليَّ كذا وكذا حقاً واجباً، ولولا معنى المصدر الذي فيه ما جاز في الاسم الذي ليس بمصدر هذا النصب، ولكان حقه الرفع.
١ - قال أبو حيان "لا يتعين أن يراد بالغراب هنا الذكر لأن لفظ الغراب يطلق على الذكر والأنثى، وليس مما فرق بينه وبين مؤنثه بالتاء، أما وصفه بالبائض فهو حمل على اللفظ. البحر المحيط ٣/ ١٧٥..
٢ - كذا ورد الاسم هنا، وهذه رواية أبي موسى عن المستغفري (كحْلة) بسكون المهملة بعدها لأم؛ والمشهور أنها أم (كجة)، وأن زوجها مات وترك لها ثلاث بنات، وتختلف الروايات في أمرها اختلافا بينا، فهي زوج أوس بن ثابت، أو ثابت بن قيس، أو سعد بن الربيع، أو أوس بن مالك...إلخ. (انظر الإصابة ٨/٢٧٠)..
وقوله : ﴿ وإذا حضر القسمة ﴾ الآية، اختلف المتأولون فيمن خوطب بهذه الآية على قولين :أحدهما أنها مخاطبة للوارثين، والمعنى :إذا حضر قسمتكم لمال موروثكم هذه الأصناف الثلاثة، ﴿ فارزقوهم منه ﴾ ثم اختلف قائلوا هذا القول، فقال سعيد بن المسيب وأبو مالك والضحاك وابن عباس فيما حكى عنه المهدوي :نسخ ذلك بآية المواريث. وكانت هذه قسمة قبل المواريث، فأعطى الله بعد ذلك كل ذي حق حقه، وجعلت الوصية للذين يحزنون ولا يرثون، وقال ابن عباس والشعبي ومجاهد وابن جبير :ذلك محكم لم ينسخ، وقال ابن جبير :وقد ضيع الناس هذه الآية، قال الحسن :ولكن الناس شحوا، وامتثل ذلك جماعة من التابعين، عروة بن الزبير وغيره، وأمر به أبو موسى الأشعري، واختلف القائلون باحكامها، فقالت فرقة :ذلك على جهة الفرض والوجوب أن يعطي الورثة لهذه الأصناف ما تفه وطابت به نفوسهم، كالماعون والثوب الخلق، وما خف كالتابوت، وما تعذر قسمه، وقال ابن جبير والحسن :ذلك على جهة الندب، فمن تركه فلا حرج عليه، واختلف في هذا القول إذا كان الوارث صغيراً لا يتصرف في ماله، فقال سعيد بن جبير وغيره، هذا على وجه المعروف فقط يقوله ولي الوارث دون عطاء ينفذ، وقالت فرقة :بل يعطي ولي الوارث الصغير من مال محجوره بقدر ما يرى، والقول الثاني فيمن خوطب بها :إن الخطاب للمحتضرين الذين يقسمون أموالهم بالوصية، فالمعنى :إذا حضركم الموت أيها المؤمنون، وقسمتم أموالكم بالوصية وحضركم من لا يرث من ذي القرابة واليتامى فارزقوهم منه قال ابن عباس وسعيد بن المسيب وابن زيد قال :كانوا يقولون للوصي :فلان يقسم ماله، ومعنى «حضر » :شهد، إلا أن الصفة بالضعف واليتم والمسكنة تقضي أن ذلك هو علة الرزق، فحيث وجدت رزقوا وإن لم يحضروا القسمة، و ﴿ أولو ﴾ :اسم جمع لا واحد له من لفظه، ولا يكون إلا مضافاً للإبهام الذي فيه، وربما كان واحده من غير لفظه : _ ذو_، واليتم :الانفراد واليتيم :الفرد، وكذلك سمي من فقد أباه يتيماً لانفراده، ورأى عبيدة ومحمد بن سيرين أن الرزق في هذه الآية، أن يصنع لهم طعام يأكلونه، وفعلا ذلك، ذبحا شاة من التركة، والضمير في قوله : ﴿ فارزقوهم ﴾ وفي قوله : ﴿ لهم ﴾ عائد على الأصناف الثلاثة، وغير ذلك من تفريق عود الضميرين كما ذهب إليه الطبري تحكم - والقول المعروف :كل ما يؤنس به من دعاء أو عدة أو غير ذلك.
وقوله ﴿ وليخش ﴾ جزم بلام الأمر، ولا يجوز إضمار هذه اللام عند سيبويه، قياساً على حروف الجر، إلا في ضرورة شعر، ومنه قول الشاعر : [ الوافر ]
مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ. . . إذا مَا خِفْتَ مِنْ أمْرٍ تَبَالاً١
وقرأ أبو حيوة وعيسى بن عمر والحسن والزهري :بكسر لامات الأمر في هذه الآية، وقد تقدم الكلام على لفظ ﴿ ذرية ﴾ في سورة آل عمران، ومفعول يخشى محذوف لدلالة الكلام عليه، وحسن حذفه من حيث يتقدر فيه التخويف بالله تعالى. والتخويف بالعاقبة في الدنيا، فينظر كل متأول بحسب الأهم في نفسه، وقرأ أبو عبد الرحمن وأبو حيوة والزهري وابن محيصن وعائشة : «ضُعفاء » بالمد وضم الضاد، وروي عن ابن محيصن «ضُعُفاُ » بضم الضاد والعين وتنوين الفاء، وأمال حمزة ﴿ ضعافاً ﴾ وأمال - ﴿ خافوا ﴾، والداعي إلى إمالة ﴿ خافوا ﴾ الكسرة التي في الماضي في قولك :خفت ليدل عليها و ﴿ خافوا ﴾ جواب ﴿ لو ﴾ تقديره :لو تركوا لخافوا ويجوز حذف اللام في جواب - لو - تقول - لو قام زيد لقام عمرو، ولو قام زيد قام عمرو، واختلف مَن المراد بهذه الآية ؟ فقال ابن عباس وقتادة والسدي وابن جبير والضحاك ومجاهد :المراد من حضر ميتاً حين يوصي فيقول له :قدم لنفسك وأعط فلان وفلانة ويؤذي الورثة بذلك، فكأن الآية تقول لهم :كما كنتم تخشون على ورثتكم وذريتكم بعدكم، فكذلك فاخشوا على ورثة غيركم وذريته، ولا تحملوه على تبذير ماله وتركهم عالة. وقال مقسم وحضرمي :نزلت في عكس ذلك، وهو أن يقول للمحتضر :أمسك على ورثتك وأبق لولدك، وينهاه عن الوصية فيضر بذلك ذوي القربى، وكل من يستحق أن يوصي له، فقيل لهم :كما كنتم تخشون على ذريتكم وتسرون بأن يحسن إليهم، فكذلك فسددوا القول في جهة المساكين واليتامى، واتقوا الله في ضرهم.
قال القاضي أبو محمد :وهذان القولان لا يطرد واحد منهما في كل الناس، بل الناس صنفان يصلح لأحدهما القول الواحد، وللآخر القول الثاني، وذلك أن الرجل إذا ترك ورثة مستقلين بأنفسهم أغنياء حسن أن يندب إلى الوصية، ويحمل على أن يقدم لنفسه، وإذا ترك ورثة ضعفاء مقلين حسن أن يندب إلى الترك لهم والاحتياط فإن أجره في قصد ذلك كأجره في المساكين، فالمراعى إنما هو الضعف، فيجب أن يمال معه، وقال ابن عباس أيضاً :المراد بالآية ولاة الأيتام، فالمعنى :أحسنوا إليهم وسددوا القول لهم، واتقوا الله في أكل أموالهم كما تخافون على ذريتكم أن يفعل بهم خلاف ذلك، وقالت فرقة :بل المراد جميع الناس، فالمعنى :أمرهم باتقاء الله في الأيتام وأولاد الناس وإن لم يكونوا في حجورهم، وأن يسددوا لهم القول كما يريد كل أحد أن يفعل بولده بعده، ومن هذا ما حكاه الشيباني قال٢ :كنا على قسطنطينة في عسكر مسلمة بن عبد الملك، فجلسنا يوماً في جماعة من أهل العلم فيهم الديلمي فتذاكروا ما يكون من أهوال آخر الزمان، فقلت له :يا أبا بسر٣، ودي أن لا يكون لي ولد، فقال لي :ما عليك، ما من نسمة قضى الله بخروجها من رجل إلا خرجت أحب أم كره، ولكن إن أردت أن تأمن عليهم فاتق الله في غيرهم، ثم تلا هذه الآية، «والسديد » معناه :المصيب للحق، ومنه قول الشاعر :
أعلمه الرماية كل يوم. . . فلما اشتد ساعده رماني٤
معناه لما وافق الأغراض التي يرمي إليها.
١ - البيت من شواهد سيبويه (١/٤٠٨)، وانظر الخزانة ٣/٦٢٩، ٦٦٦، والعيني ٤/٤١٨، ٢٨، ٨٥، وشرح شواهد المغني: ٢٠٧، وينسب لحسان أو لأبي طالب. والتبال: سوء العاقبة، أصله وبال أبدلت الواو تاء- والشاهد حذف اللام من (تفد).
٢ - القصة مفصلة في تفسير الطبري، وانظر القرطبي أيضا ٥/٥١..
٣ - في بعض الروايات: (بشر) بالشين المعجمة..
٤ - ورد البيت في الأغاني ٥/ ١٥٩، ٦/ ٢٨١ (ط. دار الثقافة) على جهة التمثل به؛ وورد في اللسان (سدد) دون نسبة، ونقل الأصمعي: اشتد بالشين المعجمة ليس بشيء..
قال ابن زيد :نزلت في الكفار الذين كانوا لا يورثون النساء والصغار، ويأكلون أموالهم، وقال أكثر الناس :نزلت في الأوصياء الذي يأكلون ما لم يبح لهم من مال اليتيم، وهي تتناول كل آكل وإن لم يكن وصياً، وسمي آخذ المال على كل وجوهه آكلاً لما كان المقصود هو الأكل وبه أكثر الإتلاف للأشياء، وفي نصه على البطون من الفصاحة تبيين نقصهم، والتشنيع عليهم بضد مكارم الأخرق، من التهافت بسبب البطن، وهو أنقص الأسباب وألأمها حتى يدخلوا تحت الوعيد بالنار، و ﴿ ظلماً ﴾ معناه :ما جاوز المعروف مع فقر الوصي، وقال بعض الناس :المعنى أنه لما يؤول أكلهم للأموال إلى دخولهم النار قيل : ﴿ يأكلون ﴾ النار، وقالت طائفة :بل هي حقيقة أنهم يطعمون النار، وفي ذلك أحاديث، منها حديث أبي سعيد الخدري قال :حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به، قال، رأيت أقواماً لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخراً من نار، تخرج من أسافلهم، قلت :يا جبريل من هؤلاء ؟ قال هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً١، وقرأ جمهور الناس «وسيَصلون » على إسناد الفعل إليهم، وقرأ ابن عامر بضم الياء واختلف عن عاصم، وقرأ أبو حيوة، و «سيُصلُون » بضم الياء واللام، وهي ضعيفة، والأول أصوب، لأنه كذلك جاء في القرآن في قوله : ﴿ لا يصلاها إلا الأشقى ﴾٢ وفي قوله : ﴿ صال الجحيم ﴾٣ والصلي هو التسخن بقرب النار أو بمباشرتها، ومنه قول الحارث بن عباد٤ :
لم أكن من جناتها، علم الله. . . وإني بحرِّها اليوم صال
والمحترق الذي يذهبه الحرق ليس بصال إلا في بدء أمره، وأهل جهنم لا تذهبهم فهم فيها صالون، «والسعير » :الجمر المشتعل، وهذه آية من آيات الوعيد، والذي يعتقده أهل السنة أن ذلك نافذ على بعض العصاة، لئلا يقع الخبر بخلاف مخبره، ساقط بالمشيئة عن بعضهم، وتلخيص الكلام في المسألة :أن الوعد في الخير، والوعيد في الشر، هذا عرفهما إذا أطلقا، وقد يستعمل الوعد في الشر مقيداً به، كما قال تعالى : ﴿ النار وعدها الله، الذين كفروا ﴾٥ فقالت المعتزلة :آيات الوعد كلها في التائبين والطائعين، وآيات الوعيد في المشركين والعصاة بالكبائر، وقال بعضهم :وبالصغائر، وقالت المرجئة :آيات الوعد كلها فيمن اتصف بالإيمان الذي هو التصديق، كان من كان من عاص أو طائع، وقلنا أهل السنة والجماعة :آيات الوعد في المؤمنين الطائعين ومن حازته المشيئة من العصاة، وآيات الوعيد في المشركين ومن حازه الإنفاذ من العصاة، والآية الحاكمة بما قلناه قوله تعالى : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لما يشاء ﴾٦ فإن قالت المعتزلة لمن يشاء يعني التائبين، رد عليهم بأن الفائدة في التفضيل كانت تنفسد، إذ الشرك أيضاً يغفر للتائب، وهذا قاطع بحكم قوله ﴿ لمن يشاء ﴾ بأن ثم مغفوراً له وغير مغفور، واستقام المذهب السني.
١ - أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم، انظر فتح القدير ١/ ٤٣٠ ط دار الفكر. بيروت..
٢ - من الآية (١٦) من سورة الليل..
٣ - من الآية (١٦٣) من سورة الصافات..
٤ - زعيم بني بكر، لم يشترك أول الأمر في حرب البسوس، إلا بعد أن قتل ابنه بجير، وعدّ بواء بشسع نعل كليب؛ وعندئذ قال الحارث: "قربا مربط النعامة مني"- والنعامة فرسه، وهو في هذا البيت يبرئ نفسه من أن يكون أحد جناة تلك الحرب، ولكنه لم يملك إلا أن يصلى بحرها، (انظر الأغاني ٥/ ٤٠ ط. دار الثقافة)..
٥ - من الآية (٧٢) من سورة الحج..
٦ - من الآية (٤٨) من سورة النساء..
﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾
وقوله تعالى : ﴿ يوصيكم ﴾ يتضمن الفرض والوجوب، كما تتضمنه لفظة أمر- كيف تصرفت، وأما صيغة الأمر من غير اللفظة ففيها الخلاف الذي سيأتي موضعه إن شاء الله، ونحو هذه الآية قوله تعالى : ﴿ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ذلك وصاكم به ﴾١ وقيل :نزلت هذه الآية بسبب بنات سعد بن الربيع وقال السدي :نزلت بسبب بنات عبد الرحمن بن ثابت أخي حسان بن ثابت، وقيل :بسبب جابر بن عبد الله، إذ عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه، قال جابر بن عبد الله، وذكر أن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون إلا من لاقى الحروب وقاتل العدو، فنزلت الآيات تبييناً أن لكل أنثى وصغير حظه، وروي عن ابن عباس :أن نزول ذلك كان من أجل أن المال كان للولد، والوصية للوالدين، فنسخ ذلك بهذه الآيات، و ﴿ مثل ﴾ مرتفع بالابتداء أو بالصفة، تقديره حظ مثل حظ، وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة «في أولادكم أن للذكر » وقوله تعالى : ﴿ فإن كن نساء ﴾ الآية الأولاد لفظ يجمع الذكران والإناث، فلما أراد بهذه الآية أن يخص الإناث بذكر حكمهن أنث الفعل للمعنى، ولو اتبع لفظ الأولاد لقال كانوا، واسم - كان - مضمر، وقال بعض نحويي البصرة :تقديره وإن كن المتروكات «نساء » وقوله : ﴿ فوق اثنتين ﴾ معناه : «اثنتين » فما فوقهما، تقتضي ذلك قوة الكلام، وأما الوقوف مع اللفظ فيسقط معه النص على الاثنتين، ويثبت الثلثان لهما بالإجماع الذي مرت عليه الأمصار والأعصار، ولم يحفظ فيه خلاف، إلا ما روي عن عبد الله بن عباس :أنه يرى لهما النصف. ويثبت أيضاً ذلك لهما بالقياس على الأختين المنصوص عليهما، ويثبت لهما بالحديث الذي ذكره الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى للابنتين بالثلثين، ومن قال : ﴿ فوق ﴾ زائدة واحتج بقوله تعالى : ﴿ فوق الأعناق ﴾ [ الأنفال :١٢ ] هو الفصيح، وليست ﴿ فوق ﴾ زائدة بل هي محكمة المعنى لأن ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ، كما قال دريد بن الصمة «اخفض عن الدماغ وارفع عن العظم، فهكذا كنت أضرب أعناق الأبطال :وقد احتج لأخذهما الثلثين بغير هذا، وكله معارض، قال إسماعيل القاضي :إذا كانت البنت تأخذ مع أخيها الثلث إذا انفرد، فأحرى أن تأخذ ذلك مع أختها قال غيره :وكما كان حكم الاثنين فما فوقهما من الإخوة للأم واحداً، فكذلك البنات، وقال النحاس :لغة أهل الحجاز وبني أسد، الثلث والربع إلى العشر، وقد قرأ الحسن ذلك كله بإسكان الأوسط، وقرأه الأعرج، ومذهب الزجاج :أنها لغة واحدة، وأن سكون العين تخفيف، وإذا أخذ بنات الصلب الثلثين، فلا شيء بعد ذلك لبنات الابن، إلا أن يكون معهن أخ لهن، أو ابن أخ، فيرد عليهن، وعبد الله بن مسعود لا يرى لهن شيئاً، وإن كان الأخ أو ابن الأخ، ويرى المال كله للذكر وحده دونهن.
قوله تعالى :
﴿ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلَّ وَاحِدٍ مَّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأٌمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْدَيْنٍ ﴾
قرا السبعة سوى نافع «واحدةً » بالنصب على خبر كان، وقرأ نافع واحدة بالرفع على أن كان بمعنى وقع وحصر، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي : «النُّصف » بضم النون، وكذلك قرأه علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت في جميع القرآن، وقوله : ﴿ ولد ﴾ يريد ذكراً أو أنثى، واحداً أو جماعة للصلب أولولد ذكر، فإن ذلك كيف وقع يجعل فرض الأب السدس، وإن أخذ النصف في ميراثه فإنما يأخذه بالتعصيب، وقوله تعالى : ﴿ فإن لم يكن له ولد ﴾ الآية، المعنى :فإن لم يكن له ولد، ولا ولد ولد، ذكراً كان أو أثنى، وقوله : ﴿ وورثه أبواه ﴾ تقتضي قوة الكلام أنهما منفردان عن جميع أهل السهام من ولد وغيره، فعلى هذا يكون قوله ﴿ وورثه ﴾ حكماً لهما بالمال فإذا ذكر وحدّ بعد ذلك نصيب أحدهما أخذ النصيب الآخر، كما تقول لرجلين :هذا المال بينكما، ثم تقول لأحدهما، أنت يا فلان لك منه الثلث، فقد حددت للآخر منه الثلثين، بنص كلامك، وعلى أن فريضتهما خلت من الولد وغيره يجيء قول أكثر الناس :إن للأم مع الانفراد الثلث من المال كله، فإن كان معهما زوج كان «للأم السدس » وهو الثلث بالإضافة إلى الأب، وعلى أن الفريضة خلت من الولد فقط يجيء قول شريح وابن عباس :إن الفريضة إذا خلت من الولد أخذت «الأم الثلث » من المال كله مع الزوج، وكان ما بقي للأب ويجيء على هذا، قوله : ﴿ وورثه أبواه ﴾. منفردين أو مع غيرهم. وقرأ حمزة والكسائي «فلأمه » بكسر الهمزة، وهي لغة حكاها سيبويه، وكذلك كسر الهمزة من قوله : ﴿ في بطون أمهاتكم ﴾٢ وفي ﴿ أمها ﴾٣ وفي ﴿ أم الكتاب ﴾٤، وهذا كله إذا وصلا إتباعاً للكسرة أو الياء التي قبل الهمزة، وقرأ الباقون كل هذا بضم الهمزة، وكسر همزة٥ الميم من «امهاتكم » إتباعاً لكسر الهمزة، ومتى لم يكن وصل وياء أو كسرة فالضم باتفاق، وقوله تعالى : ﴿ فإن كان له إخوة فلأمه السدس ﴾ الإخوة يحطون الأم إلى السدس ولا يأخذونه، أشقاء كانوا أو للأب أو للأم، وقال من لا يعد قوله إلا في الشذوذ :إنهم يحطون ويأخذون ما يحطون لأنفسهم مع الأب، روي عن ابن عباس، وروي عنه خلافه مثل قول «السدس » الذي يحجبون «الأم » عنه، قال قتادة :وإنما أخذه الأب دونهم، لأنه يمونهم، ويلي نكاحهم، والنفقة عليهم، هذا في الأغلب، ومجمعون على أن أخوين فصاعداً يحجبون الأم عنه، إلا ما روي عن عبد الله بن عباس، أن الأخوين، في حكم الواحد، ولا يحجب الأم أقل من ثلاثة.
واستدل الجميع بأن أقل الجمع اثنان، لأن التثنية جمع شيء إلى مثله، فالمعنى يقتضي أنها جمع، وذكر المفسرون أن العرب قد تأتي بلفظ الجمع وهي تريد التثنية، كما قال تعالى : ﴿ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ﴾٦ وكقوله في آية الخصم ﴿ إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا ﴾٧ وكقوله : ﴿ وأطراف النهار ﴾٨ واحتجوا بهذا كله في أن الإخوة يدخل تحته الأخوان.
قال القاضي أبو محمد :وهذه الآيات كلها لا حجة فيها عندي على هذه الآية، لأنه قد تبين في كل آية منها بالنص أن المراد اثنان، فساغ التجوز بأن يؤتى بلفظ الجمع بعد ذلك، إذ معك في الأولى - يحكمان - وفي الثانية - إن هذا أخي، وأيضاً فالحكم قد يضاف إلى الحاكم والخصوم، وقد يتسور مع الخصم وغيرهما فهم جماعة، وأما ﴿ النهار ﴾ في الآية الثالثة فالألف واللام فيه للجنس فإنما أراد طرفي كل يوم وأما إذا ورد لفظ الجمع ولم يقترن به ما يبين المراد فإنما يحمل على الجمع، ولا يحمل على التثنية، لأن اللفظ مالك للمعنى وللبنية حق، وذكر بعض من احتج لقول عبد الله بن عباس :أن بناء التثنية يدل على الجنس والعدد، كبناء الإفراد وبناء الجمع يدل على الجنس ولا يدل على العدد فلا يصح أن يدخل هذا على هذا، وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي - «يوصي » - بإسناد الفعل إلى الموروث، إذ قد تقدم له ذكر، وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر، «يوصَى » بفتح الصاد ببنية الفعل للمفعول الذي لم يسَّم فاعله، وقرأ الحسن بن أبي الحسن : «يوصَّى » بفتح الصاد وتشديدها، وكل هذا في الموضعين، وقرأ حفص عن عاصم في الأولى بالفتح، وفي الثانية بالكسر، وهذه الآية إنما قصد بها تقديم هذين الفعلين على الميراث، ولم يقصد بها ترتيبهما في أنفسهما، ولذلك تقدمت الوصية في اللفظ، والدين مقدم على الوصية بإجماع، والذي أقول في هذا :إنه قدم الوصية إذ هي أقل لزوماً من الدين، اهتماماً بها وندباً إليها كما قال تعالى : ﴿ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ﴾٩، وأيضاً قدمها من جهة أنها مضمنها الوصية التي هي كاللازم يكون لكل ميت، إذ قد حض الشرع عليها، وأخر الدين لشذوذه، وأنه قد يكون ولا يكون، فبدأ بذكر الذي لا بد منه، ثم عطف بالذي قد يقع أحياناً، ويقوي هذا كون العطف ب ﴿ أو ﴾، ولو كان الدين راتباً لكان العطف بالواو، وقدمت الوصية أيضاً إذ هي حظ مساكين وضعاف، وأخر الدين إذ هو حظ غريم يطلبه بقوة، وهو صاحب حق له فيه، كما قال عليه السلام ( إن لصاحب الحق مقالاً )١٠ وأجمع العلماء على أن ليس لأحد أن يوصي بأكثر من الثلث، واستحب كثير منهم أن لا يبلغ الثلث، وأن يغض١١ الناس إلى الربع.
﴿ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ﴾
﴿ آباؤكم وأبناؤكم ﴾ رفع الابتداء، والخبر مضمر تقديره :هم المقسوم عليهم، وهم المعطون، وهذا عرض للحكمة في ذلك، وتأنيس للعرب الذين كانوا يورثون على غير هذه الصفة، و ﴿ لا تدرون ﴾ عامل في الجملة بالمعنى ومعلق عن العمل في اللفظ بحسب المعمول فيه، إذ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، و ﴿ نفعاً ﴾، قال مجاهد والسدي وابن سيرين :معناه في الدنيا، أي إذا اضطر إلى ا نفاقهم للحاجة نحا إليه الزجاج، وقد ينفقون دون اضطرار، وقال ابن عباس والحسن، في الآخرة، أي بشفاعة الفاضل للمفضول، وقال ابن زيد :فيهما، واللفظ يقتضي ذلك، و ﴿ فريضة ﴾ نصب على المصدر المؤكد، إذ معنى ﴿ يوصيكم ﴾ يفرض عليكم، وقال مكي وغيره :هي حال مؤكدة، وذلك ضعيف، والعامل ﴿ يوصيكم ﴾، و ﴿ كان ﴾ هي الناقصة، قال سيبويه لما رأوا علماً وحكمة قيل لهم :إن الله لم يزل هكذا وصيغة - كان - لا تعطي إلا المضي، ومن المعنى بعد يعلم أن الله تعالى كان كذلك، وهو يكون، لا من لفظ الآية، وقال قوم : ﴿ كان ﴾ بمعنى وجد ووقع، و ﴿ عليماً ﴾ حال، وفي هذا ضعف، ومن قال : ﴿ كان ﴾ زائدة فقوله خطأ.
١ - من الآية (١٥١) من سورة الأنعام..
٢ - من الآية (٦) من سورة الزمر..
٣ - من الآية (٥٩) من سورة القصص..
٤ - من الآية (٤) من سورة الزخرف..
٥ - هكذا في الأصل. والعبارة بهذا قلقة. ولعلها (حمزة) بدلا من (همزة)..
٦ - الآية (٧٨) من سورة الأنبياء..
٧ - من الآيتين (٢١، ٢) من سورة ص..
٨ - من الآية (١٣٠) من سورة طه..
٩ - من الآية (٤٩) من سورة الكهف..
١٠ - في قصة هذا الحديث أن رجلا كان له على رسول الله حق، فأغلظ في اقتضائه، فهم به أصحاب الرسول فقال لهم: (دعوه فإن لصاحب الحق مقالا)... الحديث؛ انظر البخاري (هبة ٢٣، ٢٥، استعراض: ٤، ١٣، وكالة:٦)، ومسلم (مساقاة: ١٢)، والترمذي (بيوع: ٧٣)، وابن ماجه (صدقات: ١٥، ١٧)، ومسند أحمد ٢/ ٤١٦، ٤٥٦، ٦/ ٢٨..
١١ - يغض: ينقص..
وقوله تعالى : ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ﴾ الآية. الخطاب للرجال والولد ها هنا بنو الصلب وبنو ذكورهم وإن سفلوا، ذكراناً وإناثاً، واحداً فما زاد هذا بإجماع من العلماء.
قوله تعالى :
﴿ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مَمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنِ وَإن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوا أَكثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى الثُّلُثِ ﴾
والولد في هذه الآية كما تقدم في الآية التي قبلها، والثمن للزوجة أو للزوجات هن فيه مشتركات بإجماع، ويلحق العول١ فرض الزوج والزوجة، كما يلحق سائر الفرائض المسماة، إلا عند ابن عباس، فإنه قال :يعطيان فرضهما بغير عول، والكلالة :مأخوذة من تكلل النسب :أي أحاط، لأن الرجل إذا لم يترك والداً ولا ولداً فقد انقطع طرفاه، وبقي أن يرثه من يتكلله نسبه، أي يحيط به من نواحيه كالإكليل، وكالنبات إذا أحاط بالشيء، ومنه :روض مكلل بالزهر، والإكليل منزل القمر يحيط به فيه كواكب، ومن الكلالة قول الشاعر : [ المتقارب ]
فإنّ أبا الْمَرْءِ أحمَصُ له. . . ومولى الكَلاَلَةِ لا يَغْضَبُ٢
فالأب والابن هما عمودا النسب، وسائر القرابة يكللون، وقال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس وسليم بن عبيد وقتادة والحكم وابن زيد والزهري وأبو إسحاق السبيعي : «الكلالة » خلو الميت عن الولد أالوالد، وهذا هو الصحيح، وقالت طائفة :هي خلو الميت من الولد فقط، وروي ذلك عن أبي بكر الصديق وعن عمر، ثم رجعا عنه، وروي عن ابن عباس، وذلك مستقرأ من قوله في الإخوة مع الوالدين :إنهم يحيطون الأم ويأخذون ما يحطونها.
قال القاضي أبو محمد :هكذا حكى الطبري. ويلزم على قول ابن عباس إذ ورثهم بأن الفريضة «كلالة » أن يعطيهم الثلث بالنص، وقالت طائفة منهم الحكم بن عتيبة : «الكلالة » الخلو من الوالد، وهذان القولان ضعيفان، لأن من بقي والده أو ولده، فهو موروث بجزم نسب لا بتكلل، وأجمعت الآن الأمة على أن الإخوة لا يرثون مع ابن ولا مع أب، وعلى هذا مضت الأمصار والأعصار، وقرأ جمهور الناس - «يورَث » بفتح الراء، وقرأ الأعمش وأبو رجاء - «يورِّث » - بكسر الراء وتشديدها، قال أبو الفتح بن جني٣ :وقرأ الحسن «يورث » من أورث، وعيسى٤ «يورّث » بشد الراء من ورث، والمفعولان على كلتا القراءتين محذوفان، التقدير :يورث وارثه كلالة، ونصب ﴿ كلالة ﴾ على الحال، واختلفوا في «الكلالة » فيما وقعت عليه في هذه الآية، فقال عمر وابن عباس : «الكلالة » الميت الموروث إذا لم يكن له أب، ونصبها على خبر كان، وقال ابن زيد : «الكلالة » الوارثة بجملتها، الميت والأحياء كلهم «كلالة »، ونصبها على الحال أو على النعت لمصدر محذوف تقديره وراثة «كلالة »، ويصح على هذا أن تكون ﴿ كان ﴾ تامة بمعنى وقع، ويصح أن تكون ناقصة وخبرها ﴿ يورث ﴾ وقال عطاء : «الكلالة » المال، ونصب على المفعول الثاني.
قال القاضي أبو محمد :والاشتقاق في معنى لكلالة يفسد تسمية المال بها، وقالت طائفة :الكلالة الورثةَ، وهذا يستقيم على قراءة «يورِث » بكسر الراء، فينصب ﴿ كلالة ﴾ على المفعول، واحتج هؤلاء بحديث جابر بن عبد الله، إذ عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :يا رسول الله، إنما يرثني «كلالة » أفأوصي بمالي كله ؟ وحكى بعضهم :أن تكون «الكلالة » الورثة، ونصبها على خبر ﴿ كان ﴾، وذلك بحذف مضاف، تقديره ذا كلالة، ويستقيم سائر التأويلات على كسر الراء، وقوله ﴿ أو امرأة ﴾ عطف على الرجل، وقوله تعالى : ﴿ وله أخ أو أخت ﴾ الآية، الضمير في له عائد على الرجل، واكتفى بإعادته عليه دون المرأة، إذ المعنى فيهما واحد، والحكم قد ضبطه العطف الأول، وأصل ﴿ أخت ﴾ :أخوة، كما أصل بنت :بنية، فضم أول أخت إذ المحذوف منها واو، وكسر أول بنت إذ المحذوف ياء، وهذا الحذف والتعليل على غير قياس، وأجمع العلماء على أن الإخوة في هذه الآية الإخوة لأم، لأن حكمهم منصوص في هذه الآية على صفة، وحكم سائر الإخوة مخالف له، وهو الذي في كلالة آخر السورة، وقرأ سعد بن أبي وقاص «وله أخ أو أخت لأمه » والأنثى والذكر في هذه النازلة سواء، وشركتهم في الثلث متساوية وإن كثروا، هذا إجماع، فإن ماتت امرأة وتركت زوجاً وأماً وإخوة أشقاء، فللزوج النصف، وللأم السدس وما بقي فللإخوة، فإن كانوا لأم فقط، فلهم الثلث، فإن تركت الميتة زوجاً وأماً وأخوين لأم وإخوة لأب وأم، فهذه الحمارية، قال قوم :فيها للإخوة للأم الثلث، ولا شيء لللإخوة الإشقاء، كما لو مات رجل وخلف أخوين لأم، وخلف مائة أخ لأب وأم، فإنه يعطى الأخوان الثلث، والمائة الثلثين، فيفضلون بالثلث عليهم، وقال قوم :الأم واحدة وهب أباهم كان حماراً، وأشركوا بينهم في الثلث وسموها أيضاً المشتركة.
قال القاضي أبو محمد :ولا تستقيم هذه المسألة أن لو كان الميت رجلاً، لأنه يبقى للأشقاء، ومتى بقي لهم شيء فليس لهم إلا ما بقي، والثلث للإخوة للأم.
﴿ غير مضار ﴾ نصب على الحال، والعامل ﴿ يوصى ﴾ و ﴿ وصية ﴾ نصب على المصدر في موضع الحال، والعامل ﴿ يوصيكم ﴾ وقيل :هو نصب على الخروج من قوله : ﴿ فلكل واحد منهما السدس ﴾ أو من قوله ﴿ فلهم شركاء في الثلث ﴾ ويصح أن يعمل ﴿ مضار ﴾ وفي ﴿ وصية ﴾، والمعنى :أن يقع الضرر بها، وبسببها، فأوقع عليها تجوزاً، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «غير مضار وصية » بالإضافة، كما تقول :شجاع حرب، ومدره حرب، وبضة المتجرد، في قول طرفة بن العبد٥، والمعنى على ما ذكرناه من التجوز في اللفظ لصحة المعنى، وقال ابن عباس :الضرار في الوصية من الكبائر، رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : < من ضارَّ في وصية ألقاه الله تعالى في وادٍ في جهنم٦. >
قال القاضي أبو محمد :ووجوه المضارَّة كثيرة لا تنحصر، وكلها ممنوعة :يقر بحق ليس عليه، ويوصي بأكثر من ثلثه، أو لوارثه، أو بالثلث فراراً عن وارث محتاج، وغير ذلك، ومشهور مذهب مالك وابن القاسم أن الموصي لا يعد فعله مضارَّة ما دام في الثلث، فإن ضارّ الورثة في ثلثه مضى ذلك، وفي المذهب قوله :إن المضارة ترد وإن كانت في الثلث، إذا علمت بإقرار أو قرينة ويؤيد هذا قوله تعالى : ﴿ فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم ﴾٧. . . الآية
١ - العول: ارتفاع أو انخفاض نسبة الفريضة..
٢ - يريد أن أبا المرء أغضب له عند ظلمه، أما موالي القرابة كالأعمام وسائر الأقارب فهم أقل غضبا من الأب..
٣ - المحتسب ١/١٨٢..
٤ - يريد عيسى بن عمر الثقفي..
٥ - يشير إلى قوله في المعلقة:
رحيب قطاب الجيب منها رفيقة بجس الندامى بضة المتجرد..

٦ - انظر الترمذي (باب الوصايا:٢)..
٧ - من الآية (١٨٢) من سورة البقرة..
وقوله : ﴿ تلك حدود الله ﴾ الآية ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى القسمة المتقدمة في المواريث، والحد :الحجز المانع لأمر ما أن يدخل على غيره أو يدخل عليه غيره، ومن هذا قولهم للبواب حداد لأنه يمنع، ومنه إحداد المرأة وهو امتناعها عن الزينة، هذا هو الحد في هذه الآية، وقوله : ﴿ من تحتها ﴾ يريد من تحت بنائها، وأشجارها الذي من أجله سميت جنة، لأن أنهار الجنة إنما هي على وجه أرضها في غير أخاديد، وحكى الطبري :أن الحدود عند السدي هنا شروط الله، وعند ابن عباس :طاعة الله، وعند بعضهم، سنة الله، وعند بعضهم، فرائض الله، وهذا كله معنى واحد وعبارة مختلفة، و ﴿ خالدين ﴾ قال الزجاج :هي حالة على التقدير، أي مقدرين ﴿ خالدين فيها ﴾ وجمع ﴿ خالدين ﴾ على معنى ﴿ من ﴾ بعد أن تقدم الإفراد مراعاة للفظ ﴿ من ﴾ وعكس هذا لا يجوز.
وقوله : ﴿ ومن يعص الله ورسوله ﴾ الآية، قرأ نافع وابن عامر «ندخله » بنون العظمة، وقرأ الباقون يدخله بالياء فيهما جميعاً، وهذه آيتا وعد ووعيد، وتقدم الإيجاز في ذلك، ورجَّى الله تعالى على التزام هذه الحدود في قسمة الميراث، وتوعد على العصيان فيها بحسب إنكار العرب لهذه القسمة، وقد كلم فيها النبي صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن وغيره.
قوله ﴿ واللاتي ﴾ :اسم جمع التي، وتجمع أيضاً على «اللواتي »، ويقال :اللائي بالباء، و ﴿ الفاحشة ﴾ في هذا الموضع :الزنا، وكل معصية فاحشة، لكن الألف واللام هنا للعهد، وقرأ ابن مسعود «بالفاحشة » ببناء الجر وقوله : ﴿ من نسائكم ﴾ إضافة في معنى الإسلام، لأن الكافرة قد تكون من نساء المسلمين بنسب، ولا يلحقها هذا الحكم، وجعل الله الشهادة على الزنا خاصة لا تتم إلا بأربعة شهداء، تغليظاً على المدعي وستراً على العباد، وقال قوم :ذلك ليترتب شاهدان على كل واحد من الزانيين.
قال القاضي أبو محمد :وهذا ضعيف، وكانت هذه أول عقوبات الزناة - الإمساك في البيوت، قال عبادة بن الصامت والحسن ومجاهد :حتى نسخ بالأذى الذي بعده ثم نسخ ذلك بآية النور وبالرجم في الثيب وقالت فرقة :بل كان الأذى هو الأول، ثم نسخ بالإمساك ولكن التلاوة أخرت وقدمت، ذكره ابن فورك، و ﴿ سبيلاً ﴾ معناه مخرجاً بأمر من أوامر الشرع، وروى حطان بن عبد الله الرقاشي عن عمران بن حصين، أنه قال :كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل عليه الوحي، ثم أقلع عنه ووجهه محمر، فقال :( قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم )١.
١ - أخرجه مسلم في الصحيح (باب الحدود ٤/ ٣٣ ط/ ١٢٩٠) والإمام أحمد في مسنده ٣/ ٤٧٦، وانظر الجامع الصغير ٢/٢..
﴿ واللذان ﴾ - تثنية الذي، وكان القياس أن يقال :اللذيان كرحيان المتمكنة وبين الأسماء المبهمات. قال أبو علي :حذفت الياء تخفيفاً إذ قد أمن من اللبس في اللذان، لأن النون لا تنحذف ونون التثنية في الأسماء المتمكنة قد تنحذف مع الإضافة في رحياك ومصطفيا القوم، فلو حذفت الياء لاشتبه المفرد بالاثنين، وقرأ ابن كثير «اللذانّ » بشد النون، وتلك عوض من الياء المحذوفة، وكذلك قرأ <هذان>و < فذانك> و<هاتين> بالتشديد في جميعها، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بتخفيف جميع ذلك، وشدد أبو عمرو، «فذانك » وحدها ولم يشدد غيرها، ﴿ واللذان ﴾ رفع بالابتداء، وقيل على معنى :فيما يتلى عليكم «اللذان » واختلف في الأذى، فقال عبادة والسدي :هو التعيير والتوبيخ وقالت فرقة :هو السبُّ والجفاء دون تعيير، وقال ابن عباس :هو النيل باللسان واليد وضرب النعال وما أشبهه، قال مجاهد وغيره :الآية الأولى في النساء عامة لهن، محصنات وغير محصنات، والآية الثانية في الرجال، وبين بلفظ التثنية صنفي الرجال ممن أحصن وممن لم يحصن، فعقوبة النساء الحبس، وعقوبة الرجال الأذى، وهذا قول يقتضيه اللفظ، ويستوفي نص الكلام أصناف الزناة عليه، ويؤيده من جهة اللفظ قوله في الأولى ﴿ من نسائكم ﴾ وقوله في الثانية ﴿ منكم ﴾، وقال السدي وقتادة وغيرهما :الآية الأولى في النساء المحصنات، يريد ويدخل معهن من أحصن من الرجال بالمعنى، والآية الثانية هي في الرجل والمرأة البكرين.
قال القاضي أبو محمد :ومعنى هذا القول تام، إلا أن لفظ الآية يقلق عنه، وقد رجحه الطبري، وقرأ ابن مسعود «والذين يفعلونه منكم » وأجمع العلماء على أن هاتين الآيتين منسوختان بآية الجلد في سورة النور، قاله الحسن ومجاهد وغيرهما، إلا من قال :إن الأذى والتعيير باق مع الجلد لأنهما لا يتعارضان بل يتحملان على شخص واحد، وأما الحبس فمنسوخ بإجماع، وآية الجلد عامة في الزناة محصنهم وغير محصنهم، وكذلك عممه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث حطان بن عبد الله الرقاشي الذي ذكرته آنفاً، وإن كان في صحيح مسلم فهو خبر آحاد، ثم ورد بالخبر المتواتر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ولم يجلد، فمن قال :إن السنة المتواترة تنسخ القرآن، جعل رجم الرسول دون جلد ناسخاً لجلد الثيب، وهذا الذي عليه الأئمة :أن السنة المتواترة تنسخ القرآن، إذ هما جميعاً وحي من الله، ويوجبان جميعاً العلم والعمل، وإنما اختلفا في أن السنة نقص منها الإعجاز، وصح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في خبر ماعز، وفي حديث الغامدية، وفي حديث المرأة التي بعث إليها أنيس١، ومن قال إن السنة المتواترة لا تنسخ القرآن، قال :إنما يكون حكم القرآن موقفاً، ثم تأتي السنة مستأنفة من غير أن تتناول نسخاً.
قال القاضي أبو محمد :وهذا تخيل لا يستقيم، لأنا نجد السنة ترفع بحكمها ما استقر من حكم القرآن على حد النسخ، ولا يرد ذلك نظر، ولا ينخرم منه أصل، أما أن هذه النازلة بعينها يتوجه عندي أن يقال فيها :إن الناسخ لحكم الجلد هو القرآن المتفق على رفع لفظه وبقاء حكمه، وفي قوله تعالى : ﴿ الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجمهوها ﴾٢ البتة، وهذا نص في الرجم، وقد قرره عمر على المنبر بمحضر الصحابة، وذكر أنهم قرأوه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث بكماله في مسلم٣. وأيضا فيعضد أن ذلك من القرآن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي قال له :فاقض بيننا يا رسول الله بكتاب الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : «لأقضين بينكما بكتاب الله » ثم أمر أنيساً برجم المرأة إن هي اعترفت، فدل هذا الظاهر على أن الرجم كان في القرآن، وأجمعت الأمة على رفع لفظه، وهاتان الآيتان أعني الجلد والرجم لو لم يقع بيان من الرسول لم يجب أن تنسخ إحداهما الأخرى، إذ يسوغ اجتماعهما على شخص واحد، وحديث عبادة المتقدم يقوي جميعهما، وقد أخذ به علي رضي الله عنه في شراحة جلدها ثم رجمها، وقال :أجلدها بكتاب الله وأرجمها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه قال الحسن وإسحاق بن راهويه، ولكن لما بين الرسول برجمه دون جلد كان فعله بمثابة قوله مع هذه الآية :فقوا ولا تجلدوا فيكون القرآن هو الناسخ والسنة هي المبينة ويصح أن نعترض من ينسخ بالسنة في هذه النازلة فنقول :الناسخ من شروطه أن يستقل في البيان بنفسه، وإذا لم يستقل فليس بناسخ، وآية الرجم بعد أن يسلم ثبوتها لا تستقل في النسخ بنفسها، بل تنبني مع الجلد وتجتمع، كما تضمن حديث عبادة بن الصامت، لكن إسقاط الرسول الجلد هو الناسخ، لأن فعله في ذلك هو بمنزلة قوله :لا تجلدوا الثيب، وأما البكر فلا خلاف أنه يجلد، واختلف في نفيه، فقال الخلفاء الأربعة وابن عمر ومالك والشافعي وجماعة :لا نفي اليوم، وقالت جماعة :ينفى وقيل :نفيه سجنه، ولا تنفى المرأة ولا العبد، هذا مذهب مالك وجماعة من العلماء، وقوله : ﴿ فأعرضوا عنهما ﴾ كانت هذه العقوبة من الإمساك والأذى إرادة أن يتوب الزناة، وهو الرجوع عن الزنا والإصرار عليه، فأمر الله تعالى المؤمنين، إذا تاب الزانيان وأصلحا في سائر أعمالهما أن يكف عنهما الأذى، وجاء الأمر بهذا الكف الذي هو «أعرضوا » وفي قوة اللفظ غض من الزناة وإن تابوا، لأن تركهم إنما هو إعراض، ألا ترى إلى قوله تعالى : ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾٤ وليس الإعراض في الآيتين أمراً بهجرة، ولكنها متاركة معرض، وفي ذلك احتقار لهم بحسب المعصية المتقدمة، وبحسب الجهالة في الآية الأخرى، والله تعالى تواب، أي راجع بعباده عن المعاصي إلى تركها ولزوم الطاعة.
١ - ماعز والغامدية والمرأة التي بعث إليها أنيس: قضايا يستند عليها في حدّ الزنا عند الفقهاء (انظر مثلا صحيح مسلم ٢/ ٣٤ -٣٥ ط/ ١٢٩٠).
والغامدية: نسبة إلى غامد بالغين المعجمة، وقد قال صلى الله عليه وسلم لأنيس: (اغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) ولم يذكر الجلد..

٢ - قال القرطبي: أخرجه النسائي عن زيد، والصواب أن الذي خرجه البخاري، ولم يثبت عند جمع المصاحف، وكان في حفظ عمر..
٣ - لم أجده في مسلم، ولكنه في باب الحدود عند كل من أبي داود وابن ماجة والموطأ، وأورده الإمام أحمد في مسنده ٥/ ١٨٢..
٤ - من الآية (١٩٩) من سورة الأعراف..
﴿ إنما ﴾ حاصرة، وهو مقصد المتكلم بها أبدا ًفقد تصادف من المعنى ما يقتضي العقل فيه الحصر، كقوله تعالى : ﴿ إنما الله إله واحد ﴾١ وقد تصادف من المعنى ما لا يقتضي العقل فيه الحصر، كقوله :إنما الشجاع عنترة فيبقى الحصر في مقصد المادح، ويتحصل من ذلك لكل سامع تحقيق هذه الصفة للموصوف بمبالغة، وهذه الآية مما يوجب النظر فيها أنها حاصرة للتوبة٢، وهي في عرف الشرع :الرجوع من شر إلى خير، وحد التوبة :الندم على فارط فعل، من حيث هو معصية الله عز وجل، وإن كان الندم من حيث أضر ذلك الفعل في بدن أو ملك فليس بتوبة، فإن كان ذلك الفعل مما يمكن هذا النادم فعله في المستأنف فمن شروط التوبة العزم على ترك ذلك الفعل في المستأنف، وإلا فثم إصرار لا توبة معه، وإن كان ذلك الفعل لا يمكنه، مثل أن يتوب من الزنا فيجب بأثر ذلك ونحو ذلك، فهذا لا يحتاج إلى شرط العزم على الترك، والتوبة فرض على المؤمنين بإجماع الأمة، والإجماع هي القرينة التي حمل بها قوله تعالى : ﴿ وتوبوا إلى الله جميعاً ﴾٣ على الوجوب، وتصح التوبة من ذنب مع الإقامة على غيره من غير نوعه، خلافاً للمعتزلة في قولهم :لا يكون تائباً من أقام على ذنب، وتصح التوبة وإن نقضها التائب في ثاني حال بمعاودة الذنب، فإن التوبة الأولى طاعة قد انقضت وصحت، وهو محتاج بعد موافقة الذنب إلى توبة أخرى مستأنفة، والإيمان للكافر ليس نفس توبته، وإنما توبته ندمه على سالف كفره.
وقوله تعالى : ﴿ على الله ﴾ فيه حذف مضاف تقديره :على فضل الله ورحمته لعباده، وهذا نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل :يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد ؟ قال الله ورسوله أعلم، قال :أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم سكت قليلاً، ثم قال :يا معاذ أتدري ما حق العباد على الله ؟ قال الله ورسوله أعلم، قال :أن يدخلهم الجنة٤، فهذا كله إنما معناه :ما حقهم على فضل الله ورحمته، والعقيدة :أنه لا يجب على الله تعالى شيء عقلاً، لكن إخباره تعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يقتضي وجوب تلك الأشياء سمعاً، فمن ذلك تخليد الكفار في النار، ومن ذلك قبول إيمان الكافر، والتوبة لا يجب قبولها على الله تعالى عقلاً، فأما السمع فظاهره قبول توبة التائب، قال أبو المعالي وغيره :فهذه الظواهر إنما تعطي غلبة ظن لا قطعاً على الله بقبول التوبة.
قال القاضي أبو محمد :وقد خولف أبو المعالي وغيره في هذا المعنى، فإذا فرضنا رجلاً قد تاب توبة نصوحاً تامة الشروط، فقول أبي المعالي يغلب على الظن قبول توبته، وقال غيره :يقطع على الله تعالى بقبول توبته، كما أخبر عن نفسه عز وجل.
قال القاضي أبو محمد :وكان أبي رحمة الله عليه يميل إلى هذا القول ويرجحه، وبه أقول، والله تعالى أرحم بعباده من أن ينخرم في هذا التائب المفروض معنى قوله تعالى : ﴿ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ﴾٥ وقوله ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن ﴾٦ و ﴿ السوء ﴾ في هذه الآية يعم الكفر والمعاصي، وقوله تعالى : ﴿ بجهالة ﴾ معناه :بسفاهة وقلة تحصيل أدى إلى المعصية، وليس المعنى أن تكون «الجهالة » أن ذلك الفعل معصية، لأن المعتمد للذنوب كان يخرج من التوبة، وهذا فاسد إجماعاً، وبما ذكرته في «الجهالة » قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر ذلك عنهم أبو العالية، وقال قتادة :اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أن كل معصية فهي بجهالة، عمداً كانت أو جهلاً، وقال به ابن عباس ومجاهد والسدي، وروي عن مجاهد والضحاك أنهما قالا : «الجهالة » هنا العمد، وقال عكرمة :أمور الدنيا كلها «جهالة ».
قال القاضي أبو محمد :يريد الخاصة بها الخارجة عن طاعة الله، وهذا المعنى عندي جار مع قوله تعالى : ﴿ إنما الحياة الدنيا لعب ولهو ﴾٧ وقد تأول قول عكرمة بأنه للذين يعملون السوء في الدنيا.
قال القاضي أبو محمد :فكأن «الجهالة » اسم للحياة الدنيا، وهذا عندي ضعيف، وقيل ﴿ بجهالة ﴾، أي لا يعلم كنه العقوبة، وهذا أيضاً ضعيف، ذكره ابن فورك ورد عليه، واختلف المتأولون في قوله تعالى : ﴿ من قريب ﴾ فقال ابن عباس والسدي :معنى ذلك قبل المرض والموت، وقال أبو مجلز ومحمد بن قيس والضحاك وعكرمة وابن زيد وغيرهم :معنى ذلك قبل المعاينة للملائكة والسوق٨، وأن يغلب المرء على نفسه، وروى أبو قلابة، أن الله تعالى لما خلق آدم فرآه إبليس أجوف، ثم جرى له ما جرى ولعن وأنظر، قال :وعزتك لا برحت من قلبه ما دام فيه الروح، فقال الله تعالى :وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح٩.
قال القاضي أبو محمد :
فابن عباس رضي الله عنه ذكر أحسن أوقات التوبة، والجمهور حددوا آخر وقتها، وقال إبراهيم النخعي :كان يقال :التوبة مبسوطة لأحدكم ما لم يؤخذ بكظمه، وروى بشير بن كعب والحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ويغلب على عقله »١٠.
قال القاضي أبو محمد :لأن الرجاء فيه باق ويصح منه الندم والعزم على ترك الفعل في المستأنف، فإذا غلب تعذرت التوبة لعدم الندم والعزم على الترك، وقوله تعالى : ﴿ من قريب ﴾ إنما معناه : «من قريب » إلى وقت الذنب، ومدة الحياة كلها قريب، والمبادر في الصحة أفضل، والحق لأمله من العمل الصالح، والبعد كل البعد الموت، ومنه قول مالك بن الريب١١ : [ الطويل ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** وأَيْنَ مَكَانُ الْبُعْدِ إلاّ مَكَانِيَا ؟
وقوله تعالى : ﴿ وكان الله عليماً حكيماً ﴾ أي بمن يتوب وييسره هو للتوبة حكيماً فيما ينفذه من ذلك، وفي تأخير من يؤخر حتى يهلك.
١ - من الآية (١٧١) من سورة النساء..
٢ - جاءت العبارة في بعض النسخ هكذا "مما يوجب النظر فيها أنها حاضرة، إذ ليست التوبة إلا هذا الصنف المذكور، والتوبة في كلام العرب وفي عرف الشرع..".
٣ - من الآية (٣١) من سورة النور..
٤ - أخرجه البخاري (عن أنس) في كتاب العلم..
٥ - من الآية (٢٥) من سورة الشورى..
٦ - من الآية (٨٢) من سورة طه..
٧ - من الآية (٣٦) من سورة محمد، والآية (٢٠) من سورة الحديد..
٨ - السوق: حالة النزع وسكرات الموت، كأن الروح تساق لتخرج من البدن..
٩ - أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٢٩، ٤١، ٧٦) عن أبي سعيد الخدري؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن إبليس قال لربه: بعزتك وجلالك لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم، فقال الله: فبعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني..
١٠ - راجع الحديث في مسنده أحمد ٢/ ١٣٢، ١٥٣، ٣/ ٤٢٥ وفي الترمذي (دعوات: ٩٨ وابن ماجة) (الزهد: ٣٠)..
١١ - مالك بن الريب التميمي من شعراء الإسلام في أول بني أمية، كان في مبتدأ أمره قاطع طريق ثم تاب، وغزا مع سعيد بن عثمان خراسان، وعند قفوله من الغزو مرض فرثى نفسه بقصيدة طويلة يائية، منها هذا البيت، والصدر فيه:يقولون لا تبع وهم يدفنونني (انظر أخباره في الأغاني ٢: ٣٠٥ ط. دار الثقافة)..
ثم نفى بقوله تعالى : ﴿ وليست التوبة ﴾ الآية أن يدخل في حكم التائبين من حضره موته وصار في حيز اليأس، وحضور الموت هو غاية قربه، كما كان فرعون حين صار في غمرة الماء والغرق، فلم ينفعه ما أظهر من الإيمان، وبهذا قال ابن عباس وابن زيد وجماعة المفسرين، وقاله الربيع :الآية الأولى قوله : ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ هي في المؤمنين، والآية الثانية قوله : ﴿ وليست التوبة ﴾ الآية نزلت في المسلمين ثم نسخت بقوله تعالى : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾١ فحتم أن لا يغفر للكافر وأرجأ المؤمنين إلى مشيئته لم ييئسهم من المغفرة.
قال القاضي أبو محمد :وطعن بعض الناس في هذا القول بأن الآية خبر، والأخبار لا تنسخ. وهذا غير لازم، لأن الآية لفظها الخبر، ومعناه تقرير حكم شرعي، فهي نحو قوله تعالى : ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ﴾٢ ونحو قوله تعالى : ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ﴾٣ وإنما يضعف القول بالنسخ من حيث تنبني الآيتان ولا يحتاج إلى تقرير نسخ، لأن هذه الآية لم تنف أن يغفر للعاصي الذي لم يتب من قريب، فنحتاج أن نقول، إن قوله : ﴿ ويغفر ما دون ذلك ﴾ [ النساء :٤٨، ١١٦ ] نسخها وإنما نفت هذه الآية أن يكون تائباً من لم يتب إلا مع حضور الموت، فالعقيدة عندي في هذه الآيات :أن من تاب من قريب فله حكم التائب فيغلب الظن عليه أنه ينعم ولا يعذب، هذا مذهب أبي المعالي وغيره، وقال غيرهم :بل هو مغفور له قطعاً، لإخبار الله تعالى بذلك، وأبو المعالي يجعل تلك الأخبار ظواهر مشروطة بالمشيئة، ومن لم يتب حتى حضره الموت فليس في حكم التائبين، فإن كان كافراً فهو يخلد، وإن كان مؤمناً فهو عاص في المشيئة، لكن يغلب الخوف عليه، ويقوى الظن في تعذيبه، ويقطع من جهة السمع أن من هذه الصنيفة من يغفر الله له تعالى تفضلاً منه ولا يعذبه وأعلم الله تعالى أيضاً أن ﴿ الذين يموتون وهم كفار ﴾ فلا مستعتب لهم ولا توبة في الآخرة، وقوله تعالى : ﴿ أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً ﴾ إن كانت الإشارة إلى الذين يموتون وهم كفار فقط، فالعذاب عذاب خلود، وإن كانت الإشارة إليهم وإلى من ينفذ عليه الوعيد، ممن لا يتوب إلا مع حضور الموت من العصاة فهو في جهة هؤلاء، عذاب ولا خلود معه، و ﴿ أعتدنا ﴾ معناه :يسرناه وأحضرناه، وظاهر هذه الآية أن النار مخلوقة بعد.
١ - من الآية (٤٨) من سورة النساء..
٢ - من الآية (٢٨٤) من سورة البقرة..
٣ - من الآية (٦٥) من سورة الأنفال..
اختلف المتأولون في معنى قوله تعالى : ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ فقال ابن عباس :كانوا في الجاهلية إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته في أهلها، إن شاؤوا تزوجها أحدهم، وإن شاؤوا زوجوها من غيرهم، وإن شاؤوا منعوها الزواج، فنزلت الآية في ذلك، قال أبو أمامة بن سهل بن حنيف١ :لما توفي أبو قيس بن الأسلت٢، أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان لهم ذلك في الجاهلية، فنزلت الآية في ذلك، ذكر النقاش :أن اسم ولد أبي قيس محصن.
قال القاضي أبو محمد :كانت هذه السيرة في الأنصار لازمة، وكانت في قريش مباحة مع التراضي، ألا ترى أن أبا عمرو بن أمية، خلف على امرأة أبيه بعد موته، فولدت من أبي عمرو مسافراً وأبا معيط وكان لها من أمية أبو العيص وغيره، فكان بنو أمية إخوة مسافر وأبي معيط وأعمامها، وقال بمثل هذا القول الذي حكيت عن ابن عباس عكرمة والحسن البصري وأبو مجلز، قال عكرمة :نزلت في كبيشة بنت معن الأنصارية، توفي عنها أبو قيس بن الأسلت، وقال مجاهد :كان الابن الأكبر أحق بامرأة أبيه إذا لم يكن ولدها، وقال السدي :كان ولي الميت إذا سبق فألقى على امرأة الميت ثوبه، فهو أحق بها، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها كانت أحق بنفسها.
قال القاضي أبو محمد :والروايات في هذا كثيرة بحسب السير الجاهلية، ولا منفعة في ذكر جميع ذلك، إذ قد أذهبه الله بقوله : ﴿ لا يحل لكم ﴾ ومعنى الآية على هذا القول : ﴿ لا يحل لكم ﴾ أن تجعلوا النساء كالمال، يورَثن عن الرجال الموتى، كما يورث المال، والمتلبس بالخطاب أولياء الموتى، وقال بعض المتأولين :معنى الآية : ﴿ لا يحل لكم ﴾ عضل النساء اللواتي أنتم أولياء لهن وإمساكهن دون تزويج حتى يمتن فتورث أموالهن.
قال القاضي أبو محمد :فعلى هذا القول فالموروث مالها لا هي، وروي نحو هذا عن ابن عباس وغيره، والمتلبس بالخطاب أولياء النساء وأزواجهن، إذا حبسوهن مع سوء العشرة طماعية أن يرثوهن٣.
وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير : «كَرهاً » بفتح الكاف حيث وقع في النساء وسورة التوبة وفي الأحقاف، وقرأ حمزة والكسائي جميع ذلك بضم الكاف، وقرأ عاصم وابن عامر في النساء والتوبة بفتح الكاف، وفي الأحقاف في الموضعين بضمها، والكَره والكُره لغتان كالضعف والضعف، والفقر والفقر، قاله أبو علي، وقال الفراء :هو بضم الكاف المشقة وبفتحها إكراه غير، وقاله ابن قتيبة، واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى : ﴿ ولا تعضلوهن ﴾ الآية، فقال ابن عباس وغيره :هي أيضاً في أولئك الأولياء الذين كانوا يرثون المرأة لأنهم كانوا يتزوجونها إذا كانت جميلة، ويمسكونها حتى تموت إذا كانت دميمة، وقال نحوه الحسن وعكرمة.
قال القاضي أبو محمد :ويجيء في قوله : ﴿ آتيتموهن ﴾ خلط أي ما آتاها الرجال قبل، فهي كقوله : ﴿ فاقتلوا أنفسكم ﴾ [ البقرة :٥٤ ] وغير ذلك وقال ابن عباس أيضاً :هي في الأزواج، في الرجل يمسك المرأة ويسيء عشرتها حتى تفتدي منه، فذلك لا يحل له، وقال مثله قتادة، وقال ابن البيلماني :الفصل الأول من الآية هو في أمر الجاهلية، والثاني في العضل، هو في أهل الإسلام في حبس الزوجة ضراراً للفدية، وقال ابن مسعود، معنى الآية :لا ترثوا النساء كفعل الجاهلية، ﴿ ولا تعضلوهن ﴾ في الإسلام، وقال نحو هذا القول السدي والضحاك، وقال السدي :هذه الآية خطاب للأولياء، كالعضل المنهي عنه في سورة البقرة. قال القاضي أبو محمد :وهذا يقلق، إلا أن يكون العضل من ولي وارث، فهو يؤمل موتها، وإن كان غير وارث فبأي شيء يذهب ؟ وقال ابن زيد :هذا العضل المنهي عنه في هذه الآية هو من سير الجاهلية في قريش بمكة، إذا لم يتوافق الزوجان طلقها على ألا تتزوج إلا بإذنه، ويشهد عليها بذلك، فإذا خطبت فإن أعطته ورشته وإلا عضل، ففي هذا نزلت الآية.
قال القاضي أبو محمد :والذي أقول :إن العضل في اللغة الحبس في شدة ومضرة، والمنع من الفرج في ذلك فمن ذلك قولهم :أعضلت الدجاجة وعضلت إذا صعب عليها وضع البيضة، ومنه أعضل الداء إذا لحج ولم يبرأ، ومنه داء عضال. ومشى عرف الفقهاء على أن العضل من الأولياء في حبس النساء عن التزويج، وهو في اللغة أعم من هذا حسبما ذكرت، يقع من ولي ومن زوج، وأقوى ما في هذه الأقوال المتقدمة، أن المراد الأزواج، ودليل ذلك قوله : ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة ﴾ وإذا أتت بفاحشة فليس للولي حبسها حتى يذهب بمالها إجماعاً من الأمة، وإنما ذلك للزوج على ما سنبين بعد إن شاء الله، وكذلك قوله : ﴿ وعاشروهن بالمعروف ﴾ إلى آخر الآية يظهر منه تقوية ما ذكرته، وإن كان ذلك يحتمل أن يكون أمراً منقطعاً من الأول يخص به الأزواج، وأما العضل فمنهي عنه كل من يتصور في نازلة عاضلاً، ومتى صح في ولي أنه عاضل نظر القاضي في أمر المرأة وزوجها ولم يلتفت، إلا الأب في بناته، فإنه إن كان في أمره إشكال فلا يعترض قولاً واحداً٤، وإن صح عضله ففيه قولان في مذهب مالك :أحدهما أنه كسائر الأولياء :يزوج القاضي من شاء التزويج من بناته وطلبه، والقول الآخر إنه لا يعرض له، ويحتمل قوله : ﴿ ولا تعضلوهن ﴾ أن يكون جزماً، فتكون الواو عاطفة جملة كلام مقطوعة من الأولى، ويحتمل أن يكون ﴿ تعضلوهن ﴾ نصباً عطفاً على ﴿ ترثوا ﴾ فتكون الواو مشركة عاطفة فعل على فعل، وقرأ ابن مسعود : «ولا أن تعضلوهن » فهذه القراءة تقوي احتمال النصب، وأن العضل مما لا يحل بالنص، وعلى تأويل الجزم هو نهي معرض لطلب القرائن في التحريم أو الكراهية، واحتمال النصب أقوى، واختلف الناس في معنى الفاحشة هنا، فقال الحسن بن أبي الحسن :هو الزنا، وإذا زنت البكر فإنها تجلد مائة وتنفى سنة، وترد إلى زوجها ما أخذت منه، وقال أبو قلابة :إذا زنت امرأة الرجل فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى تفتدي منه، وقال السدي :إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن، وقال عطاء الخراساني :كان هذا الحكم ثم نسخ بالحدود، وهذا قول ضعيف، وقال ابن عباس رحمه الله : «الفاحشة » في هذه الآية البغض والنشوز، وقاله الضحاك وغيره، قالوا :فإذا نشزت حل له أن يأخذ مالها.
قال القاضي أبو محمد :وهذا هو مذهب مالك، إلا أني لا أحفظ له نصاً في معنى «الفاحشة » في هذه الآية، وقال قوم «الفاحشة » البذاء باللسان وسوء العشرة قولاً وفعلاً، وهذا في معنى النشوز، ومن أهل العلم من يجيز أخذ المال من الناشز على جهة الخلع، إلا أنه يرى ألا يتجاوز ما أعطاها ركوناً إلى قوله تعالى : ﴿ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ وقال مالك وأصحابه وجماعة من أهل العلم :للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك.
قال القاضي أبو محمد :والزنا أصعب على الزوج من النشوز والأذى، وكل ذلك فاحشة تحل أخذ المال، وقرأ ابن مسعود : «إلا أن يفحشن وعاشروهن ».
قال القاضي أبو محمد :وهذا خلاف مفرط لمصحف الإمام، وكذلك ذكر أبو عمرو عن ابن عباس وعكرمة وأبيّ بن كعب، وفي هذا نظر، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر «مبينة » و «آيات مبينَّات » بفتح الياء فيهما، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص والمفضل عن عاصم : «مبينة » و «مبيِّنات » - بكسر الياء فيهما، وقرأ نافع وأبو عمرو : «مبيَّنة » بالكسر، و «مبيَّنات » بالفتح - وقرأ ابن عباس : «بفاحشة مبينة » بكسر الباء وسكون الياء، من أبان الشيء، وهذه القراءات كلها لغات فصيحة، يقال :بين الشيء وأبان :إذا ظهر، وبان الشيء وبينته، وقوله تعالى : ﴿ وعاشروهن بالمعروف ﴾ أمر للجميع، إذ لكل أحد عشرة، زوجاً كان أو ولياً، ولكن المتلبس في الأغلب بهذا الأمر الأزواج، والعشرة المخالطة والممازجة، ومنه قول طرفة٥ : [ الرمل ]
فَلَئِنْ شَطَّتْ نَوَاهَا مَرَّةً لَعَلَى عَهْدٍ حبيب معتشر
جعل - الحبيب - جمعاً كالخليط والفريق، يقال :عاشره معاشرة، وتعاشر القوم واعتشروا، وأرى اللفظة من أعشار الجزور، لأنها مقاسمة ومخالطة ومخالقة جميلة، فأمر الله تعالى الرجال بحسن صحبة النساء، وإلى هذا ينظر قول النبي صلى الله عليه وسلم : «فاستمتع بها وفيها عوج »٦، ثم أدب تعالى عباده بقوله : ﴿ فإن كرهتموهن ﴾ إلى آخر الآية :قال السدي :الخير الكثير في المرأة :الولد، وقال نحوه ابن عباس.
قال القاضي أبو محمد :ومن فصاحة القرآن العموم الذي في لفظة< شيء> لأنه يطرد هذا النظر في كل ما يكرهه المرء مما يجمل الصبر عليه، فيحسن الصبر، إذ عاقبته إلى خير، إذا أريد به وجه الله.
١ - أبو أمامة بن سهل بن حنيف اسمه أسعد، سمّاه رسول الله وكناه (باسم جده لأمه وكنيته)، توفي سنة ١٠٠هـ، وهو ابن نيف وتسعين (الاستيعاب: ٢/١٦٠).
٢ - أبو قيس صيفي بن الأسلت الأنصاري، وقيل في اسمه: الحارث وقيل: عبد الله، وكان من الحنفاء في الجاهلية، ولكنه لم يسلم-في الأرجح- (انظر تهذيب ابن عساكر ٦/ ٤٥٤ -٤٥٨).
٣ - نقلها عن ابن عطية في "فتح القدير": "طمعا في إرثهن"..
٤ - جاءت هذه العبارة في تفسير القرطبي (٥/٩٦) وهو ينقل عن ابن عطية: "إلا الأب في بناته فإنه إن كان في عضله صلاح فلا يعترض قولا واحدا"..
٥ - البيت في ديوان طرفة (ص: ٥١/ ط: باريس) وروايته: معتكر. أي: مقيم على حبها..
٦ - أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن عائشة (٦/ ٢٧٩): المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها وهو يستمتع بها على عوج فيها، وانظر الترمذي (طلاق: ١٢)..
لما مضى في الآية المتقدمة حكم الفراق الذي سببه المرأة، وأن للزوج أخذ المال منها، عقب ذلك ذكر الفراق الذي سببه الزوج، والمنع من أخذ مالها مع ذلك، فهذا الذي في هذه الآية هو الذي يختص الزوج بإرادته، واختلف العلماء، إذا كان الزوجان يريدان الفرق، وكان منهما نشوز وسوء عشرة، فقال مالك رحمه الله :للزوج أن يأخذ منها إذا سبب الفراق، ولا يراعي تسبيبه هو، وقالت جماعة من العلماء :لا يجوز له أخذ المال إلا أن تنفرد هي بالنشوز وبظلمه في ذلك، وقال بعض الناس :يخرج في هذه الآية جواز المغالاة بالمهور، لأنه الله تعالى قد مثل بقنطار، ولا يمثل تعالى إلا بمباح.
وخطب عمر بن الخطاب فقال :ألا لا تغالوا بمهور نسائكم، فإن الرجل يغالي حتى يكون ذلك في قلبه عداوة للمرأة، يقول :تجشمت إليك علق القربة أو عرق القربة١، فيروى أن امرأة كلمته من وراء الناس فقالت، كيف هذا ؟ والله تعالى يقول : ﴿ وآتيتم إحداهن قنطاراً ﴾ قال :فأطرق عمر ثم قال :كل الناس أفقه منك يا عمر، ويروى أنه قال :امرأة أصابت ورجل أخطأ، والله المستعان، وترك الإنكار، وقال قوم :لا تعطي الآية جواز المغالاة بالمهور لأن التمثيل جاء على جهة المبالغة، كأنه قال :وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد، وهذا كقوله عليه السلام، ( من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة )٢ فمعلوم أنه لا يكون مسجد كمفحص وقد قال النبي عليه السلام لابن أبي حدرد - وقد جاء يستعينه في مهره - فسأله عن المهر، فقال :مائتين، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :( كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة أو جبل، الحديث )٣ فاستقرأ بعض الناس من هذا منع المغالاة بالمهور.
قال القاضي أبو محمد :وهذا لا يلزم، لأن هذا أحوج نفسه إلى الاستعانة والسؤال، وذلك مكروه باتفاق، وإنما المغالاة المختلف فيها مع الغنى وسعة المال، وقرأ ابن محيصن بوصل ألف «إحداهن » وهي لغة تحذف على جهة التخفيف، ومنه قول الشاعر : [ الطويل ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ونَسْمَعُ مِنْ تَحْتِ العجَاجِ لَهَا زمْلا٤
وقول الآخر : [ الكامل ]
*إنْ لَمْ أُقَاتِلْ فَالبِسوني بُرْقُعا٥*
وقد تقدم القول في قدر القنطار في سورة آل عمران، وقرأ أبو السمال «منه شيئاً » بفتح الياء والتنوين، وهي قراءة أبي جعفر والبهتان :مصدر في موضع الحال، ومعناه :محيراً لشنعته وقبح الأحدوثة والفعلة فيه.
١ - قال القرطبي: علق القربة: عصامها الذي تعلق به، وعرق القربة هو ماؤها، وقيل هو سيلانها. وقال الأصمعي: معناها الشدة، ولا أدري ما أصلها..
٢ - أورده لأحمد في مسنده ١/ ٢٤١ (عن ابن عباس) وانظر ابن ماجة (مساجد:١).
٣ - هو عبد الله بن أبي حدرد ويروي حفيده إسماعيل أن جده عبد الله تزوج امرأة على أربع أواق فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (لو كنتم تنحتون من الجبل ما زدتم)؛ أخرجه أحمد من طريق عبد الواحد بن أبي عون عن جدته عن ابن أبي حدرد بمعناه (انظر الإصابة ٤/ ٥٤، ٥٥)..
٤ - هذا عجز بيت، وصدره: "تضب لثات الخيل في حجراتها". أورده ابن جني في الخصائص ٣/١٥١، والمحتسب ١/١٢٠، ١٨٤ شاهدا على حذف الهمزة، انظر القرطبي ٥/١٠١..
٥ - ورد هذا الشطر أيضا في الخصائص ٣/ ١٥١ والمحتسب ١/١٢٠ والقرطبي ٥/١٠١ ولم أهتد لقائله أو شطره الآخر..
ثم وعظ تعالى عباده مذكراً لهم بالمودة التي بين الزوجين الموجبة لحياطة مال المرأة، إذ قد أخذ منها العوض عما أعطيته، ﴿ وكيف ﴾ في موضع نصب على الحال و ﴿ أفضى ﴾ معناه :باشر وجاوز أقصى المجاوزة ومنه قول الشاعر : [ الطويل ]
بِلىً وَثَأىً أفْضَى إلى كُلّ كتْبَةٍ. . . بَدا سَيْرُهَا مِنْ ظَاهِرٍ بَعْدَ بَاطِنِ١
وفي المثل : _ الناس فوضى فضاً_أي مختلطون يباشر أمر بعضهم بعضاً٢ وتقول أفضَتْ الحال إلى كذا أي صارت إليه، وقال ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم :الإفضاء في هذه الآية الجماع، قال ابن عباس :ولكن الله كريم يكني، واختلف الناس في المراد بالميثاق الغليظ، فقال الحسن وابن سيرين وقتادة والضحاك والسدي وغيرهم :وهو قوله تعالى : ﴿ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ [ البقرة :٢٢٩ ] وقال مجاهد وابن زيد :الميثاق الغليظ عقدة النكاح، وقول الرجل :نكحت وملكت النكاح ونحوه، فهذه التي بها تستحل الفروج، وقال عكرمة والربيع :الميثاق الغليظ يفسره قول النبي صلى الله عليه وسلم :( استوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلام الله )٣، وقال قوم :الميثاق الغليظ الولد، ومن شاذ الأقوال في هذه الآية، أن بكر بن عبد الله المزني قال :لا يجوز أن يؤخذ من المختلعة قليل ولا كثير، وإن كانت هي المريدة للطلاقة، ومنها أن ابن زيد قال :هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ﴾٤ قال القاضي أبو محمد :وليس في شيء من هذه الآيات ناسخ ولا منسوخ، وكلها ينبني بعضها مع بعض.
١ - اختلفت النسخ الأصلية في رواية هذا البيت، ولم يستشهد به القرطبي ولا أبو حيان.
بلى: من قولنا: بل الثوب رثّ.
ثأًى: من قولنا ثأى الخرز ثأيا فتقه- فالثأي هو: الفساد والقلق.
أفضى: انتهى إلى.
كَتْبةٍ: من قولنا: كتب السقاء ونحوه: خرزه بسيرين، أي خاطه.
وكأنه يصف القرابة أو نحوها بأن البلى والفساد انتهى إلى كل خيط في سيرها..

٢ - عبارة القرطبي: أي مختلطون لا أمير عليهم. وهذا ما ذكره اللسان. ولعل الصواب: (يباشر بعضهم أمر بعض)..
٣ - ورد هذا الحديث في خطبته صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع. وأخرجه ابن أبي شيبة عن عكرمة ومجاهد (فتح القدير ١/ ٤٤٣)..
٤ - من الآية (٢٢٩) من سورة البقرة..
هذه الآية مخاطبة للمؤمنين من العرب في مدة نزول الآية ومعنى الآية :والتحريم الذي بعدها مستقر على المؤمنين أجمع، وسبب الآية :أن العرب كان منهم قبائل قد اعتادت أن يخلف الرجل على امرأة ابيه، على ما ذكرناه من أمر أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس، ومن ذلك خبر أبي قيس بن الأسلت، ومن ذلك صفوان بن أمية بن خلف، تزوج بعد أبيه فاختة بنت الأسود بن المطلب بن أسد، وكانت امرأة أبيه قتل عنها، ومن ذلك منظور بن زيان، خلف على مليكة بنت خارجة، وكانت عند أبيه زيان بن سيار، إلى كثير من هذا، وقد كان في العرب من تزوج ابنته، وهو حاجب بن زرارة، تمجس وفعل هذه الفعلة، ذكر ذلك النضر بن شميل في كتاب المثالب :فنهى الله المؤمنين عما كان عليه آباؤهم من هذه السير، وقال ابن عباس :كان أهل الجاهلية يحرمون ما يحرم، إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فنزلت هذه الآية في ذلك واختلف المتأولون في مقتضى ألفاظ الآية، فقالت فرقة :قوله : ﴿ ما نكح ﴾ يراد به النساء. أي لا تنكحوا النساء اللواتي نكح آباؤكم، وقوله : ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ معناه :لكن ما قد سلف فدعوه، وقال بعضهم المعنى لكن ما قد سلف فهو معفو عنكم لمن كان واقعه، فكأنه قال تعالى ولا تفعلوا حاشا ما قد سلف، ف ﴿ ما ﴾ على هذا القول واقعة على من يعقل من حيث هؤلاء النساء صنف من أصناف من يعقل، وما تقع للأصناف والأوصاف ممن يعقل، وقالت فرقة :قوله : ﴿ ما نكح ﴾ يراد به فعل الآباء، أي لا تنكحوا كما نكح آباؤكم من عقودهم الفاسدة، وقوله : ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ معناه إلا ما تقدم منكم ووقع من تلك العقود الفاسدة فمباحة لكم الإقامة عليه في الإسلام، إذا كان مما يقرر الإسلام عليه من جهة القرابة، ويجوزه الشرع أن لو ابتدىء نكاحه في الإسلام على سنته، وقيل :معنى ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ أي فهو معفو عنكم.
قال القاضي أبو محمد :و ﴿ ما ﴾ على هذا مصدرية، وفي قراءة أبيّ بن كعب «إلا ما قد سلف إلا من تاب ».
قال القاضي أبو محمد :وكذلك حكاه أبو عمرو الداني، وقال ابن زيد :معنى الآية :النهي عن أن يطأ الرجل امرأة وطئها الآباء، «إلا ما قد سلف » من الآباء في الجاهلية من الزنا، لا على وجه المناكحة، فذلك جائز لكم زواجهم في الإسلام، لأن ذلك الزنا كان فاحشة ومقتاً، قال ابن زيد :فزاد في هذه الآية المقت، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في تأويل هذه الآية :كل امرأة تزوجها أبوك أو ابنك دخل أو لم يدخل، فهي عليك حرام و ﴿ كان ﴾ في هذه الآية :كل امرأة تزوجها أبوك أبو ابنك دخل أو لم وذلك خطأ يرد عليه وجود الخبر منصوباً، والمقت :البغض والاحتقار بسبب رذيلة يفعلها الممقوت، فسمى تعالى هذا النكاح ﴿ مقتاً ﴾ إذ هو ذا مقت يلحق فاعله، وقال أبو عبيدة وغيره :كانت العرب تسمي الولد الذي يجيء من زوج الوالد المقتي، وقوله : ﴿ وساء سبيلاً ﴾ أي بئس الطريق والمنهج لمن يسلكه، إذ عاقبته إلى عذاب الله.
وقوله تعالى : ﴿ حرمت عليكم ﴾ الآية، حكم الله به سبعاً من النسب، وستاً من بين رضاع وصهر، وألحقت السنة المأثورة سابعة، وذلك الجمع بين المرأة وعمتها، ومضى عليه الإجماع، وروي عن الأنصار :مثل ذلك، وجعل السابعة قوله تعالى : ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ [ النساء :٢٤ ]، وتحريم الأمهات عام في كل حال لا يتخصص بوجه من الوجوه، ويسميه أهل العلم – المبهم_أي لا باب فيه، ولا طريق إليه لانسداد التحريم وقوته، وكذلك تحريم البنات والأخوات، فالأم كل من ولدت المرء وإن علت والبنت كل من ولدها وإن سفلت، والأخت كل من جمعه وإياها صلب أو بطن، والعمة أخت الأب، والخالة أخت الأم، كذلك فيهما العموم والإبهام، وكذلك عمة الأب وخالته، وعمة الأم وخالتها، وكذلك عمة العمة، وأما خالة العمة فينظر، فإن كانت العمة أخت أب لأم، أو لأب وأم فلا تحل خالة العمة، لأنها أخت الجدة، وإن كانت العمة إنما هي أخت أب لأب فقط فخالتها أجنبية من بني أخيها، تحل للرجال، ويجمع بينها وبين النساء وكذلك عمة الخالة ينظر، فإن كانت الخالة أخت أم لأب، فعمتها حرام، لأنها أخت جد، وإن كانت الخالة أخت أم لأم فقط فعمتها أجنبية من بني أختها وكذلك في بنات الأخ وبنات الأخت العموم والإبهام، سواء كانت الأخوة شقيقة. أو لأب أو لأم. وقرأ أو حيوة «من الرِّضاعة » بكسر الراء، والرضاع يحرم ما يحرم النسب، والمرضعة أم، وما تقدم من أولادها وتأخر إخوة، وفحل اللبن أب، وما تقدم من أولاده وتأخر إخوة، وقرأ ابن مسعود «اللاي » بكسر الياء، وقرأ ابن هرمز «وأمهاتكم التي » بالإفراد، كأنه من جهة الإبهام يقع مع الواحد والجماعة، واختلف الناس في تأويل قوله تعالى : ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ فقال جمهور أهل العلم :هي تامة العموم فيمن دخل بها أو لم يدخل، فبالعقد على الابنة حرمت الأم، وهذا مذهب جملة الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، وروي عن علي بن أبي طالب أنه قيل له في رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها أيتزوج أمها ؟ قال :نعم، هي بمنزلة الربيبة.
قال القاضي أبو محمد :يريد أن قوله تعالى : ﴿ من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ﴾ شرط في هذه، وفي الربيبة وروي نحوه عن ابن عباس، وروي عنه كقول الجمهور، وروي عن زيد بن ثابت، أنه كان يقول :إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها، وإن طلقها قبل أن يدخل بها، فإن شاء فعل، وقال مجاهد :الدخول مراد في النازلتين، وقول جمهور الناس مخالف لهذا القول، وروي في ذلك عن زيد بن ثابت أنه قال : ﴿ أمهات نسائكم ﴾ مبهمة، وإنما الشرط في الربائب، وقال ابن جريج :قلت لعطاء :أكان ابن عباس يقرأ «وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن » ؟ فقال لا تترأ، قال حجاج :قلت لابن جريج :ما تترأ ؟ قال كأنه قال :لا لا، يرد هذا القول من جهة الإعراب أن المجرورين إذا اختلفا لم يكن نعتهما واحداً، ومعناه :إذا اختلفا في العامل، وهذه الآية قد اختلف فيها جنس العامل.
الربيبة :بنت امرأة الرجل من غيره، سميت بذلك لأنه يربيها في حجره فهي مربوبته، وربيبة :فعيلة بمعنى مفعولة، وقوله تعالى : ﴿ اللائي في حجوركم ﴾ ذكر الأغلب في هذه الأمور، إذ هي حالة الربيبة في الأكثر، وهي محرمة وإن كانت في غير الحجر، لأنها في حكم أنها في الحجر، إلا ما روي عن علي أنه قال :تحل إذا لم تكن في الحجر وإن دخل بالأم، إذا كانت بعيدة عنه، ويقال :حِجَرْ بكسر الحاء وفتحها، وهو مقدم ثوب الإنسان وما بين يديه منه في حالة اللبس، ثم استعملت اللفظة في الحفظ والستر، لأن اللابس إنما يحفظ طفلاً وما أشبهه بذلك الموضع من الثوب، واختلف العلماء في معنى قوله : ﴿ دخلتم بهن ﴾ فقال ابن عباس وطاوس وابن دينار :الدخول في هذا الموضع الجماع، فإن طلق الرجل بعد البناء وقبل الوطء، فإن ابنتها له حلال وقال جمهور من العلماء منهم مالك بن أنس وعطاء بن أبي رباح وغيرهم :إن التجريد والتقبيل والمضاجعة وجميع أنواع التلذذ يحرم الابنة كما يحرمها الوطء، والحلائل :جمع حليلة، وهي الزوجة، لأنها تحل مع الرجل حيث حل، فهي فعيلة بمعنى فاعلة، وذهب الزجاج وقوم :إلى أنها من لفظة الحلال، فهي حليلة بمعنى محللة، وقوله : ﴿ الذين من أصلابكم ﴾ تخصيص ليخرج عنه كل من كانت العرب تتبناه ممن ليس للصلب، وكان عندهم أمراً كثيراً قوى الحكم، قال عطاء ابن أبي رباح :يتحدث - والله أعلم - أنها نزلت في محمد عليه السلام حين تزوج امرأة زيد بن حارثة، فقال المشركون :قد تزوج امرأة ابنه، فنزلت الآية، وحرمت حليلة الابن من الرضاع وإن لم يكن للصلب بالإجماع المستند إلى قوله صلى الله عليه وسلم، ( يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب )١، وقوله تعالى : ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ﴾ لفظ يعم الجمع بنكاح وبملك يمين، وأجمعت الأمة على منع جمعهما بنكاح، وأما بملك يمين، فقال عثمان بن عفان رضي الله عنه :أحلتهما آية، وحرمتهما آية، فأما أنا في خاصة نفسي فلا أرى الجمع بينهم حسناً، وروي نحو هذا عن ابن عباس، ذكره ابن المنذر، وذكر أن إسحاق بن راهويه حرم الجمع بينهما بالوطء، وأن جمهور أهل العلم كرهوا ذلك، وجعل مالكاً فيمن كرهه.
قال القاضي أبو محمد :ولا خلاف في جواز جمعهما في الملك، وكذلك الأم وبنتها، ويجيء من قول إسحاق أن يرجم الجامع بينهما بالوطء، وتستقرأ الكراهية من قول مالك :إنه إذا وطىء واحدة ثم وطىء أخرى وقف عنهما حتى يحرم إحداهما فلم يلزمه حدا. واختلف العلماء بعد القول بالمنع من الجمع بينهما بالوطء، إذا كان يطأ واحدة ثم أراد أن يطأ الأخرى، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عمرو والحسن البصري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق :لا يجوز له وطء الثانية حتى يحرم فرج الأخرى بإخراجها من ملكه، ببيع أو عتق أو بأن يزوجها، قال ابن المنذر :وفيها قول ثان لقتادة، وهو أنه إن كان يطأ واحدة وأراد وطء الأخرى فإنه ينوي تحريم الأولى على نفسه وأن لا يقربها، ثم يمسك عنها حتى يستبرىء الأولى المحرمة، ثم يغشى الثانية.
قال القاضي أبو محمد :ومذهب مالك رحمه الله، إذا كان أختان عند رجل بملك، فله أن يطأ أيتهما شاء، والكف عن الأخرى موكول إلى أمانته، فإن أراد وطء الأخرى فيلزمه أن يحرم على نفسه فرج الأولى بفعل يفعله، من إخراج عن الملك، أو تزويج، أو عتق إلى أجل، أو إخدام طويل، فإن كان يطأ إحداهما ثم وثب على الأخرى دون أن يحرم الأولى وقف عنهما ولم يجز له قرب إحداهما حتى يحرم الأخرى، ولم يبق ذلك إلى أمانته، لأنه متهم فيمن قد وطىء، ولم يكن قبل متهماً إذا كان لم يطأ إلا الواحدة، وإن كانت عند رجل أمة يطؤها ثم تزوج أختها، ففيها في المذهب ثلاثة أقوال، في النكاح الثالث من المدونة أنه يوقف عنهما إذا وقع عقد النكاح حتى يحرم إحداهما مع كراهيته لهذا النكاح، إذ هو عقد في موضع لا يجوز فيه الوطء، وذلك مكروه إلا في الحيض، لأنه أمر غالب كثير، وفي الباب بعينه قول آخر :إن النكاح لا ينعقد، وقال أشهب في كتاب الاستبراء :عقد النكاح في الواحدة تحريم لفرج المملوكة، وثبت عن النبي صلى الله عليه أنه نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، وأجمعت الأمة على ذلك وقد رأى بعض العلماء أن هذا الحديث ناسخ لعموم قوله تعالى : ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ [ النساء :٢٤ ] وذلك لأن الحديث من المتواتر، وكذلك قوله عليه السلام، يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، قيل أيضاً إنه ناسخ، وقوله تعالى : ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ استثناء منقطع، معناه لكن ما قد سلف من ذلك ووقع وأزاله الإسلام فإن الله يغفره، والإسلام يجبّه.
١ - ورد في مواضع متعددة من صحيح البخاري، كما أخرجه مسلم وأحمد وأصحاب السنن..
قوله عز وجل : ﴿ والمحصنات ﴾ عطف على المحرمات قبل، والتحصن :التمنع، يقال حصن المكان :إذا امتنع، ومنه الحصن، وحصنت المرأة :امتنعت بوجه من وجوه الامتناع، وأحصنت نفسها، وأحصنها غيرها، والإحصان تستعمله العرب في أربعة أشياء، وعلى ذلك تصرفت اللفظة في كتاب الله عز وجل، فتستعمله في الزواج، لأن ملك الزوجة منعة وحفظ، ويستعملون الإحصان في الحرية لأن الإماء كان عرفهن في الجاهلية الزنا، والحرة بخلاف ذلك، ألا ترى إلى قولة هند بنت عتبة للنبي عليه السلام، حين بايعته، وهل تزني الحرة ؟ قالحرية منعة وحفظ، ويستعملون الإحصان في الإسلام لأنه حافظ، ومنه قول النبي عليه السلام «الإيمان قيد الفتك »١ ومنه قول الهذلي :
فَلَيْسَ كَعَهْدِ الدَّارِ يَا أمَّ مَالِكٍ. . . ولكنْ أَحَاطَتْ بالرِّقابِ السَّلاسِلُ٢
ومنه قول الشاعر :
قالَتْ هَلُمَّ إلى الحَديثِ فَقُلْتُ لا. . . يَأبى عَلَيْكِ اللَّهُ والإسْلامُ٣
ومنه قول سحيم :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ نَاهِيا٤
ومنه قول أبي حية :
رَمَتْني وَسِتْرُ اللّهِ بيني وبينَها. . . فإن أحد الأقوال في الستر أنه أراد به الإسلام، ويستعملون الإحصان في العفة، لأنه إذا ارتبط بها إنسان وظهرت على شخص ما وتخلق بها، فهي منعة وحفظ٥.
وحيثما وقعت اللفظة في القرآن فلا تجدها تخرج عن هذه المعاني، لكنها قد تقوى فيها بعض هذه المعاني دون بعض، بحسب موضع وموضع، وسيأتي بيان ذلك في أماكنه إن شاء الله.
فقوله في هذه الآية ﴿ والمحصنات ﴾، قال ابن عباس وأبو قلابة وابن زيد ومكحول والزهري وأبو سعيد الخدري :هن ذوات الأزواج، أي هن محرمات، إلا ما ملكت اليمين بالسبي، من أرض الحرب، فإن تلك حلال للذي تقع في سهمه، وإن كان لها زوج٦.
وروى أبو سعيد الخدري :أن الآية نزلت بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشاً إلى أوطاس٧ فلقوا عدواً وأصابوا سبياً لهن أزواج من المشركين، فتأثم٨ المسلمون من غشيانهن، فنزلت الآية مرخصة٩، وقال عبد الله بن مسعود وسعيد بن المسيب والحسن ابن أبي الحسن وأبيّ بن كعب وجابر بن عبد الله وابن عباس أيضاً :معنى ﴿ المحصنات ﴾ ذوات الأزواج، فهن حرام إلا أن يشتري الرجل الأمة ذات الزوج، فإن بيعها طلاقها، وهبتها طلاقها والصدقة بها طلاقها، وأن تعتق طلاقها، وأن تورث طلاقها، وتطليق الزوج طلاقها، وقال ابن مسعود :إذا بيعت الأمة ولها زوج فالمشتري أحقّ ببضعها، ومذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء أن انتقال الملك في الأمة لا يكون طلاقاً، ولا طلاق لها إلا الطلاق، وقال قوم : ﴿ المحصنات ﴾ في هذه الآية العفائف، أي كل النساء حرام، وألبسهن اسم الإحصان، إذ الشرائع في أنفسها تقتضي ذلك، ﴿ إلا ما ملكت إيمانكم ﴾ قالوا :معناه بنكاح أو شراء، كل ذلك تحت ملك اليمين١٠، قال بهذا القول أبو العالية وعبيدة السلماني وطاوس وسعيد بن جبير وعطاء، ورواه عبيده عن عمر رضي الله عنه، وقال ابن عباس : ﴿ المحصنات ﴾ العفائف من المسلمين ومن أهل الكتاب.
قال القاضي أبو محمد :وبهذا التأويل يرجع معنى الآية إلى تحريم الزنا، وأسند الطبري عن عروة أنه قال في تأويل قوله تعالى : ﴿ والمحصنات ﴾ :هن الحرائر، ويكون ﴿ إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ معناه بنكاح، هذا على اتصال الاستثناء، وإن أريد الإماء فيكون الاستثناء منقطعاً، وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال :كان نساء يأتيننا مهاجرات، ثم يهاجر أزواجهن فمنعناهن بقوله تعالى : ﴿ والمحصنات ﴾ الآية.
قال القاضي أبو محمد :وهذا قول يرجع إلى ما قد ذكر من الأقوال، وأسند الطبري أن رجلاً قال لسعيد بن جبير :أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ فلم يقل فيها شيئاً ؟ فقال سعيد :كان ابن عباس لا يعلمها وأسند أيضاً عن مجاهد أنه قال :لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل قوله : ﴿ والمحصنات ﴾إلى قوله : ﴿ حكيماً ﴾.
قال القاضي أبو محمد :ولا أدري كيف نسب هذا القول إلى ابن عباس ولا كيف انتهى مجاهد إلى هذا القول١١ ؟ وروي عن ابن شهاب أنه سئل عن هذه الآية ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ فقال :يروى أنه حرم في هذه الآية ذوات الأزواج والعفائف من حرائر ومملوكات، ولم يحل شيئاً من ذلك إلا بالنكاح أو الشراء والتملك، وهذا قول حسن عمم لفظ الإحسان ولفظ ملك اليمين، وعلى هذا التأويل يتخرج عندي قول مالك في الموطأ، فإنه قال :هن ذوات الأزواج، وذلك راجع إلى أن الله حرم الزنا، ففسر الإحصان بالزواج، ثم عاد عليه بالعفة١٢.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة، «والمحصّنات » بفتح الصاد في كل القرآن، وقرأ الكسائي كذلك في هذا الموضع وحده، وقرأ سائر ما في القرآن المحصنات بكسر الصاد «ومحصِنات » كذلك، وروي عن علقمة أنه قرأ جميع ما في القرآن بكسر الصاد، ففتح الصاد هو على معنى أحصنهن غيرهن من زوج أو إسلام أو عفة أو حرية. وكسر الصاد هو على معنى أنهن أحصنَّ أنفسهن بهذه الوجوه أو ببعضها، وقرأ يزيد بن قطيب «والمحصُنات » بضم الصاد، وهذا على إتباع الضمة الضمة١٣.
وقرأ جمهور الناس «كتاب الله » وذلك نصب على المصدر المؤكد، وقرأ أبو حيوة ومحمد بن السميفع اليماني «كَتَبَ اللهُ عليكم » على الفعل الماضي المسند إلى اسم الله تعالى، وقال عبيدة السلماني وغيره :قوله ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ إشارة إلى ما ثبت في القرآن من قوله : ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾١٤ وفي هذا بعد، والأظهر لأن قوله ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ إنما هو إشارة إلى التحريم الحاجز بين الناس وبين ما كانت العرب تفعله، واختلفت عبارة المفسرين في قوله تعالى : ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ فقال السدي :المعنى وأحل لكم ما دون الخمس، أن تبتغوا بأموالكم، على وجه النكاح، وقال نحوه عبيدة السلماني، وقال عطاء وغيره :المعنى «وأحل لكم ما وراء » من حرم من سائر القرابة، فهن حلال لكم تزويجهن، وقال قتادة :المعنى : ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ من الإماء.
قال القاضي أبو محمد :ولفظ الآية يعم جميع هذه الأقوال :وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر «وأَحل لكم » بفتح الألف والحاء، وهذا مناسبة لقوله ﴿ كتاب الله ﴾ إذ المعنى كتب الله ذلك كتاباً، وقرأ حمزة والكسائي «وأحِل » بضم الهمزة وكسر الحاء وهذه مناسبة لقوله : ﴿ حرمت عليكم ﴾ والوراء في هذه الآية ما يعتبر أمره بعد اعتبار المحرمات، فهن وراء أولئك بهذا الوجه١٥، و ﴿ أن تبتغوا بأموالكم ﴾، لفظ يجمع التزويج والشراء و ﴿ أن ﴾ في موضع نصب، وعلى قراءة حمزة في موضع رفع، ويحتمل النصب بإسقاط الباء١٦، و ﴿ محصنين ﴾، معناه متعففين أي تحصنون أنفسكم بذلك ﴿ غير مسافحين ﴾، أي غير زناة، والسفاح :الزنا، وهو مأخوذ من سفح الماء أي صبه وسيلانه١٧، ولزم هذا الاسم الزنا ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع الدفاف١٨ في عرس :هذا النكاح لا السفاح ولا نكاح السر. واختلف المفسرون في معنى قوله : ﴿ فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ﴾ فقال ابن عباس ومجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم :المعنى فإذا استمتعتم بالزوجة ووقع الوطء ولو مرة فقد وجب إعطاء الأجر، وهو المهر كله، ولفظة ﴿ فما ﴾ تعطي أن بيسير الوطء يجب إيتاء الأجر. وروي عن ابن عباس أيضاً ومجاهد والسدي وغيرهم :أن الآية في نكاح المتعة، وقرأ ابن عباس وأبيّ بن كعب وسعيد بن جبير، «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهنَّ أجورهن » وقال ابن عباس لأبي نضرة :هكذا أنزلها الله عز وجل، وروى الحكم بن عتيبة، أن علياً رضي الله عنه قال :لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقيّ، وقد كانت المتعة لا ميراث فيها، وقيل قول الله تعالى : ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ﴾١٩ [ الطلاق :١ ] وقالت عائشة :نسخها قوله : ﴿ والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم ﴾٢٠ ولا زوجية مع الأجل ورفع الطلاق، والعدة، والميراث، وكانت٢١ :أن يتزوج الرجل المرأة بشاهدين وإذن الولي إلى أجل مسمى، وعلى أن لا ميراث بينهما، ويعطيها ما اتفقا عليه، فإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل، وتستبرىء رحمها لأن الولد لاحق فيه بلا شك، فإن لم تحمل حلت لغيره.
قال القاضي أبو محمد :وفي كتاب النحاس :في هذا خطأ فاحش في اللفظ، يوهم أن الولد لا يلحق في نكاح المتعة٢٢، وحكى المهدوي عن ابن المسيب :أن نكاح المتعة كان بلا ولي ولا شهود، وفيما حكاه ضعف، و ﴿ فريضة ﴾ نصب على المصدر في موضع الحال٢٣.
واختلف المفسرون في معنى قوله : ﴿ ولا جناح عليكم ﴾ الآية، فقال القائلون بأن الآية المتقدمة أمر بإيتاء مهور النساء إذا دخل بهن :إن هذه إشارة إلى ما يتراضى به من حط أو تأخير بعد استقرار الفريضة، فإن ذلك الذي يكون على وجه الرضا جائز ماض، وقال القائلون بأنه الآية المتقدمة هي أمر المتعة :إن الإشارة بهذه إلى أن ما تراضيا عليه من زيادة في مدة المتعة وزيادة في الأجر جائز سائغ، وباقي الآية بين.
١ - هذا جزء من حديث رواه البخاري في تاريخه، وأبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه عن أبي هريرة، وأخرجه الإمام أحمد في المسند عن الزبير ومعاوية، قال المناوي: "وسنده جيد ليس فيه إلا أسباط بن الهمذاني وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي، وقد خرج لهما مسلم". المناوي على الجامع جـ٣ ص ١٨٦، والحديث بتمامه: (الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن).
والفتك: أن يأتي الرجل صاحبه وهو غار غافل فيشد عليه فيقتله، والغيلة: أن يخدعه ثم يقتله في موضع خفي. النهاية..

٢ - يريد أن تكاليف الشريعة قد قيدت الناس ومنعتهم من فعل المعاصي..
٣ - المعنى أن الإسلام قد منعه من الحديث وما يتبعه..
٤ - هذا عجز البيت، وصدره كما في الديوان:
عُميرة ودّع إن تجهزت غاديا. ..........................
ورُوي: عن أبي بكر: "هريرة ودع".
والبيت كالبيتين السابقين عليه يدل على أن معنى الإحصان يستعمل في الإسلام لأنه يحفظ المسلم..

٥ - ومنه قول الله تعالى: [محصنات غير مسافحات]، وقوله تعالى: [محصنين غير مسافحين]، ومحصنة ومحصِنة وحصان: عفيفة ممتنعة من الفسق، قال حسان في عائشة رضي الله عنها:
حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل.
ومعنى تُزنّ: تُتَّهم- ومعنى غَرْثَى: جائعة، والمراد أنها لا تغتاب غيرها..

٦ - وهذا هو قول الشافعي إذ يرى أن السباء يقطع العصمة، وقاله ابن وهب ابن عبد الحكيم وروياه عن مالك، وقال به أشهب- روى ذلك القرطبي جـ ٥ ص ١٢١، واستدل على ذلك بالحديث الآتي الذي رواه أبو سعيد الخدري..
٧ - أوطاس: واد بديار هوازن..
٨ - تأثّم: تحرج- وقد روي الحديث بلفظ (تحرّج)، في صحيح مسلم..
٩ - "أخرج الطيالسي، وعبد الرزاق، والفريابي، وابن شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطحاوي، وابن حبان، والبيهقي في سننه عن أبي سعيد الخدري (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث يوم حنين جيشا إلى أوطاس، فلقوا عدوا فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا فكأن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله في ذلك: [والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم] (يقول: إلا ما أفاء الله عليكم، فاستحللنا بذلك فروجهن" (الدر المنثور ج٢ ص ١٣٨)، قال القرطبي بعد أن روى الحديث: " وهذا نص صحيح صريح في أن الآية نزلت بسبب تحرّج أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن وطء المسبيات ذوات الأزواج" ج٥ ص ١٢١. ولكن يشترط انقضاء العدة..
١٠ -لعلّ صحة العبارة: إذ كل ذلك تحت ملك اليمين، وعبارة "البحر المحيط": فيدخل ذلك كله تحت ملك اليمين، قال القرطبي: "فأدخلوا النكاح تحت ملك اليمين. يعني: تملكون عصمتهن بالنكاح، وتملكون الرقبة بالشراء، فكأنهن كلهن ملك اليمين، وما عدا ذلك فزنى، وهذا قول حسن" ٥-١٢٢..
١١ - منهج ابن عطية في هذا التفسير ألا ينقل إلا ما يرتاح إليه، وكان ينقل عن ابن جرير الطبري أو غيره من كبار العلماء ثم يعقب بالنقد إذا كان عقله لا يقبل الكلام المنقول. وقد أخذ ابن تيمية على ابن عطية هذا الاتجاه على اعتبار أن ما يروى عن علماء السلف يجب أن يقبل ما دامت الرواية صحيحة، ولكن ابن عطية على حق في منهجه الذي يحكم العقل إلى جانب النقل..
١٢ - اختار ابن عطية ما رواه ابن شهاب، وعلّل لاختياره بأنه عمم لفظ الإحصان، ولفظ ملك اليمين، وخرّج عليه قول مالك. أما أبو حيان في "البحر المحيط" فقال: "والذي يقتضيه لفظ الإحصان أن يعلق بالقدر المشترك بين معانيه الأربعة وإن اختلفت جهات الإحصان، ويحمل قوله: [إلا ما ملكت أيمانكم] على ظاهر استعماله في القرآن، وفي السنة، وفي عرف العلماء من أن المراد به: الإماء، ويعود الاستثناء إلى ما صح أن يعود عليه من جهات الإحصان" ٣/٢١٤..
١٣ - أي: إتباع ضمة الصاد لضمة الميم، ولم يعتدوا بالحاجز وهو الحاء لأنه ساكن، فهو حاجز غير حصين..
١٤ - من قوله تعالى: [فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع]. في الآية (٣) من سورة (النساء) هذه، فعبيدة السلماني يجعل (كتاب الله) متعلقا بقوله تعالى: [فانكحوا... ]، وهذا هو السبب في قول ابن عطية: "وفي هذا بعد"، والظاهر أن [كتاب الله] مصدر مؤكد كما قال ابن عطية، قال أبو حيان: "وما ذهب إليه الكسائي من أنه يجوز تقديم المفعول في باب الإعراب- الظروف والمجرورات مستدلا بهذه الآية، إذ تقدير ذلك عنده: عليكم كتاب الله، أي الزموا كتاب الله- لا يتم دليله لاحتمال أن يكون مصدرا مؤكدا" ٣/٢١٤..
١٥ -قال الزجاج: ما وراء ذلكم]: ما دون ذلكم، أي: ما بعده هذه الأشياء التي حرمت، وقال الفراء: [ما وراء ذلكم]: أي ما سوى ذلكم، وقال أبو حيان: وهذه التفاسير بعضها يقرب من بعض..
١٦ -قال أبو حيان: "وموضع [أن تبتغوا] نصب على أنه بدل اشتمال من [ما وراء ذلكم]. ونقل عن الزمخشري أن [أن تبتغوا] مفعول له، ثم علق على كلام الزمخشري بما يهدم رأيه. راجع "البحر المحيط" ٣/ ٢١٦..
١٧ - جاء في لسان العرب: "التسافح والسفاح والمسافحة: الزنة والفجور- وأصل ذلك من الصب". ثم قال: "قال أبو إسحاق: وسمي الزنى سفاحا لأنه كان من غير عقد، كأنه بمنزلة الماء المسفوح الذي لا يحبسه شيء" مادة "سفح".
١٨ - أي: الضارب بالدف. وفي الحديث: (فصل ما بين الحلال والحرام الصوت والدف- رواه الخمسة إلا أبا داود..
١٩ - من الآية رقم (١) من سورة (الطلاق).
٢٠ - الآية رقم (٥)- ومن الآية رقم (٦) من سورة (المؤمنون)..
٢١ - أي: المتعة، وكانت قد أبيحت في صدر الإسلام ثم حرمت، أخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والبخاري، ومسلم، عن ابن مسعود قال: (كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا نساؤنا فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ورخص لنا أن نتزوج المرأة بالثوب إلى أجل)، وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، ومسلم، عن سبرة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما بين الركن والباب وهو يقول: (يا أيها الناس، إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع، ألا وإن الله حرمها إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا). الدر المنثور ٢/١٤٠، وفي ابن كثير أن راوي الحديث هو الربيع بن سبرة بن معبد الجهني (تفسير ابن كثير ٢/٢٤٥)..
٢٢ - قال القرطبي بعد أن نقل هذا الكلام عن ابن عطية: "هذا هو المفهوم من عبارة النحاس، فإنه قال: وإنما المتعة أن يقول لها: أتزوجك يوما- أو ما أشبه ذلك- على أنه لا عدة عليك، ولا ميراث بيننا، ولا طلاق، ولا شاهد يشهد على ذلك، وهذا هو الزنى بعينه، ولم يبح قط في الإسلام، ولذلك قال عمر: لا أوتى برجل تزوج متعة إلا غيبته تحت الحجارة" القرطبي ٥/١٣٢..
٢٣ -قال أبو حيان الأندلسي: "أو مصدر على غير المصدر، أي: فآتوهن أجورهن إيتاء، لأن الإيتاء مفروض، أو مصدر مؤكد، أي: فرض ذلك فريضة". البحر المحيط ٣/٢١٩..
فَمِن مَّا مَلَكَتَ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمًُ المُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيْمانِكُم بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍ } قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي وابن زيد ومالك بن أنس في المدونة :الطول هنا السعة في المال، وقال ربيعة وإبراهيم النخعي :الطول هنا الجلد والصبر لمن أحب أمة وهويها حتى صار لذلك لا يستطيع أن يتزوج غيرها، فإن له أن يتزوج الأمة إذا لم يملك هواها، وإن كان يجد سعة في المال لنكاح حرة، ثم يكون قوله تعالى : ﴿ لمن خشي العنت ﴾ على هذا التأويل بياناً في صفة عدم الجلد وعلى التأويل الآخر يكون تزوج الأمة معلقاً بشرطين :عدم السعة في المال وخوف العنت، فلا يصح إلا باجتماعهما، وهذا هو نص مذهب مالك في المدونة من رواية ابن نافع وابن القاسم وابن وهب وابن زياد أن الحر لا يتزوج الأمة على حال إلا ألا يجد سعة في المال لمهر حرة، وأن يخشى العنت مع ذلك، وقال مالك في كتاب محمد :إذا وجد المهر ولكنه لا يقدر على النفقة فإنه لا يجوز له أن يتزوج أمة. وقال أصبغ١ :ذلك جائز، إذ نفقة الأمة على أهلها إذا لم يضمها إليه، وقال مطرف٢، وابن الماجشون :لا يحل للحر أن ينكح أمة ولا يقر إن وقع، إلا أن يجتمع الشرطان كما قال الله تعالى، وقاله أصبغ، قال :وقد كان ابن القاسم يذكر أنه سمع مالكاً يقول :نكاح الأمة حلال في كتاب الله عز وجل.
قال القاضي أبو محمد :وهو في المدونة، وقال سحنون في غيرها :ذلك في قوله تعالى : ﴿ وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ﴾٣ [ النور :٣٢ ] وقاله ابن مزين.
قال القاضي أبو محمد :وليس في الآية ما يلزم منه تحليل الأمة لحر دون الشرطين. وقال مالك في المدونة :ليست الحرة بطول تمنع من نكاح الأمة إذا لم يجد سعة لأخرى وخاف العنت، وقال في كتاب محمد :ما يقتضي أن الحرة بمثابة الطول. قال الشيخ أبو الحسن اللخمي :وهو ظاهر القرآن، وروي نحو هذا عن ابن حبيب، وقاله أبو حنيفة :فمقتضى هذا أن من عنده حرة فلا يجوز له نكاح أمة، وإن عدم السعة وخاف العنت، لأنه طالب شهوة وعنده امرأة، وقال به الطبري واحتج له، و ﴿ طولاً ﴾ - يصح في إعرابه أن يكون مفعولاً بالاستطاعة، و ﴿ أن ينكح ﴾ في موضع نصب بدل من قوله ﴿ طولاً ﴾ أو في موضع نصب بتقدير لأن ينكح٤، وفي هذا نظر، ويصح أن يكون ﴿ طولاً ﴾ نصباً على المصدر والعامل فيه الاستطاعة لأنها بمعنى يتقارب، و ﴿ أن ينكح ﴾ على هذا مفعول بالاستطاعة أو بالمصدر٥ تقول :طال الرجل طولاً بفتح الطاء إذا تفضل ووجد واتسع عرفه٦، و ﴿ وطولاً ﴾ بضم الطاء في ضد القصر ﴿ والمحصنات ﴾ في هذا الموضع الحرائر يدل على ذلك التقسيم بينهن وبين الإماء، وقالت فرقة :معناه العفائف وهو ضعيف لأن الإماء يقعن تحته وقد تقدم الذكر للقراءة في ﴿ المحصنات ﴾ و ﴿ المؤمنات ﴾ صفة فأما من يقول في الرجل يجد طولاً لحرة كتابية لا لمؤمنة :إنه يمتنع عن نكاح الإماء، فهي صفة غير مشترطة، وإنما جاءت لأنها مقصد النكاح، إذ الأمة مؤمنة، وهذا المذهب المالكي، نص عليه ابن الماجشون في الواضحة. ومن قال في الرجل لا يجد طولاً إلا الكتابية :إنه يتزوج الأمة إن شاء، فصفة ﴿ المؤمنات ﴾ عنده في الآية مشترطة في إباحة نكاح الإماء والمسألة مختلف فيها حسبما ذكرناه، و ﴿ ما ﴾ في قوله : ﴿ فمن ما ملكت أيمانكم ﴾ يصح أن تكون مصدرية تقديره :فمن ملك أيمانكم ويصح أن يراد بها النوع المملوك، فهي واقعة عليه٧.
والفتاة - وإن كانت واقعة في اللغة على الشابة أية كانت، فعرفها في الإماء، وفتى - كذلك وهذه المخاطبات بالكاف والميم عامة، أي :منكم الناكحون ومنكم المالكون، لأن الرجل ينكح فتاة نفسه وهذا التوسع في اللغة كثير و ﴿ المؤمنات ﴾ في هذا الموضع صفة مشترطة عند مالك وجمهور أصحابه، لأنهم يقولون :لا يجوز زواج أمة غير مسلمة بوجه، وقالت طائفة من أهل العلم منهم أصحاب الرأي :نكاح الأمة الكتابية جائز، وقوله ﴿ المؤمنات ﴾ على جهة الوجه الفاضل، واحتجوا بالقياس على الحرائر، وذلك أنه لما لم يمنع قوله ﴿ المؤمنات ﴾ في الحرائر من نكاح الكتابيات الحرائر، فكذلك لا يمنع قوله ﴿ المؤمنات ﴾ في الإماء من نكاح الكتابيات الإماء، وقال أشهب في المدونة :جائز للعبد المسلم أن يتزوج أمة كتابية.
قال القاضي أبو محمد :فالمنع عنده أن يفضل الزوج في الحرية والدين معاً، وقوله تعالى : ﴿ والله أعلم بإيمانكم ﴾ معناه :أن الله عليم ببواطن الأمور ولكم ظواهرها فإذا كانت الفتاة ظاهرها الإيمان فنكاحها صحيح، وعلم باطنها إلى الله، وإنما هذا لئلا يستريب متحير بإيمان بعض الإماء، كالقريبة عهد بالسباء، أو كالخرساء وما أشبهه. وفي اللفظ أيضاً تنبيه على أنه ربما كان إيمان أمة أفضل من إيمان بعض من الحرائر، أي :فلا تعجبوا بمعنى الحرية وقوله : ﴿ بعضكم من بعض ﴾ قالت طائفة :هو رفع على الابتداء والخبر، والمقصد بهذا الكلام، أي٨ إنكم أيها الناس سواء بنو الحرائر وبنو الإماء، أكرمكم عند الله أتقاكم، فهذه توطئة لنفوس العرب التي كانت تستهجن ولد الأمة، فلما جاء الشرع بجواز نكاحها، أعلموا مع ذلك أن ذلك التهجين لا معنى له٩. وقال الطبري :هو رفع بفعل تقديره :فلينكح مما ملكت «أيمانكم بعضكم من بعض » فعلى هذا في الكلام تقديم وتأخير، وهذا قول ضعيف.
﴿ فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بالمعروف مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العنت مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ قوله : ﴿ بإذن أهلهن ﴾ معناه :بولاية أربابهن المالكين، وقوله : ﴿ وآتوهن آجورهن ﴾ يعني مهورهن قاله ابن زيد وغيره، و ﴿ بالمعروف ﴾ معناه :بالشرع والسنة، وهذايقتضي أنهن أحق بمهورهن من السادة وهو مذهب مالك قال في كتاب الرهون :ليس للسيد أن يأخذ مهر أمته ويدعها بلا جهاز، قال سحنون في كتاب١٠ " المدونة " :كيف هذا وهو لا يبوئه معها بيتاً ؟ وقال بعض الفقهاء :معنى ما في المدونة :أنه بشرط التبوئة، فعلى هذا لا يكون قول سحنون خلافاً١١ و ﴿ محصنات ﴾ وما بعده حال، فالظاهر أنه بمعنى عفيفات إذ غير ذلك من وجوه الإحصان بعيد إلا_ مسلمات_ فإنه يقرب، والعامل في الحال ﴿ فانكحوهن ﴾ ويحتمل أن يكون ﴿ فانكحوهن بإذن أهلهن ﴾ كلاماً تاماً، ثم استأنف «وآتوهن أجورهن مزوجات غير مسافحات » فيكون العامل ﴿ وآتوهن ﴾، ويكون معنى الإحصان :التزويج، و «المسافحات » من الزواني :المبتذلات اللواتي هن سوق للزنا، «ومتخذات الأخذان » :هن المتسترات اللواتي يصحبن واحداً واحداً ويزنين خفية، وهذان كانا نوعين في زنا الجاهلية، قاله ابن عباس وعامر الشعبي والضحاك وغيرهم، وأيضاً فهو تقسيم عقلي لا يعطي الوجود إلا أن تكون الزانية :إما لا ترد يد لامس، وإما أن تختص من تقتصر عليه١٢.
وقوله تعالى : ﴿ فإذا أحصنَّ ﴾ الآية قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «أُحصن » على بناء الفعل للمفعول، وقرأ حمزة والكسائي على بناء الفعل للفاعل، واختلف عن عاصم، فوجه الكلام أن تكون القراءة الأولى بالتزوج، والثانية بالإسلام أو غيره مما هو من فعلهن، ولكن يدخل كل معنى منهما على الآخر، واختلف المتأولون فيما هو الإحصان هنا، فقال الجمهور :هو الإسلام، فإذا زنت الأمة المسلمة حدت نصف حد الحرة - وإسلامها هو إحصانها الذي في الآية، وقالت فرقة :إحصانها الذي في الآية هو التزويج لحر، فإذا زنت الأمة المسلمة التي لم تتزوج فلا حد عليها، قاله سعيد بن جبير والحسن وقتادة، وقالت فرقة :الإحصان - في الآية التزوج، إلا أن الحد واجب على الأمة المسلمة بالسنة، وهي الحديث الصحيح في مسلم والبخاري، أنه قيل :يا رسول الله، الأمة إذا زنت ولم تحصن ؟ فأوجب عليها الحد١٣.
قال الزهري :فالمتزوجة محدودة بالقرآن والمسلمة غير المتزوجة محدودة بالحديث.
قال القاضي أبو محمد :وهذا الحديث والسؤال من الصحابة يقتضي أنهم فهموا من القرآن أن معنى ﴿ أحصنَّ ﴾ تزوجن، وجواب النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك يقتضي تقرير المعنى ومن أراد أن يضعف قول من قال :إنه الإسلام بأن الصفة لهن بالإيمان قد تقدمت وتقررت فذلك غير لازم١٤، لأنه جائز أن يقطع في الكلام ويزيد، فإذا كن على هذه الحالة المتقدمة من الإيمان ﴿ فإن أتين بفاحشة فعليهن ﴾، وذلك سائغ صحيح، والفاحشة هنا :الزنى بقرينة إلزام الحد، و ﴿ المحصنات ﴾ في هذه الآية الحرائر، إذ هي الصفة المشروطة في الحد الكامل، والرجم لا يتنصف، فلم يرد في الآية بإجماع، ثم اختلف، فقال ابن عباس والجمهور :على الأمة نصف المائة لا غير ذلك١٥، وقال الطبري وجماعة من التابعين :على الأمة نصف المائة ونصف المدة، وهي نفي ستة أشهر والإشارة بذلك إلى نكاح الأمة، و ﴿ العنت ﴾ في اللغة :المشقة وقالت طائفة :المقصد به ها هنا الزنا، قاله مجاهد :وقال ابن عباس :ما ازلحف١٦ ناكح الأمة عن الزنا إلا قريباً، قال :و ﴿ العنت ﴾ الزنا، وقاله عطية العوفي والضحاك، وقالت طائفة :الإثم١٧، وقالت طائفة :الحد.
قال القاضي أبو محمد :والآية تحتمل ذلك كله، وكل ما يعنت عاجلاً وآجلاً، وقوله تعالى : ﴿ وأن تصبروا خير لكم ﴾ يعني عن نكاح - الإماء - قاله سعيد بن جبير ومجاهد والسدي وابن عباس رضي الله عنهما، وهذا ندب إلى الترك، وعلته ما يؤدي إليه نكاح الإماء من استرقاق الولد ومهنتهن١٨، وهذه الجملة ابتداء، وخبر تقديره :وصبركم خير لكم ﴿ والله غفور ﴾١٩، أي لمن فعل وتزوج.
١ - هو أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع، فقيه من كبار المالكية بمصر، كان كاتب ابن وهب، وله تصانيف، قال ابن الماجشون: "ما أخرجت مصر مثل أصبغ" وفيات الأعيان- الأعلام..
٢ - هناك مطرف بن عيسى بن لبيب الغساني-أبو القاسم- من قضاة الأندلس وأدبائها سكن غرناطة ودفن بها، ومن كتبه "فقهاء إلبيرة" توفي سنة ٣٥٦هـ وهناك مطرف بن عيسى في أخبار كورة البيرة وأهلها. توفي بإلبيرة سنة ٣٧٧، ونميل إلى أن المراد هنا هو الأول.
٣ - من الآية رقم (٣٢) من سورة (النور)..
٤ -ويصح أن يكون [طولا] مفعولا من أجله على حذف مضاف، أي: ومن لم يستطع منكم لعدم طول نكاح المحصنات. [البحر المحيط-٣/٢٢٠]..
٥ - كأنه بذلك يعني أن الطول هو استطاعة، فيكون التقدير: "ومن لم يستطع منكم استطاعة أن ينكح"..
٦ - وتكون [ما] على هذا موصولة اسمية، و[من فتياتكم] في موضع الحال من الضمير المحذوف في [ما ملكت] العائد على [ما]، ومفعول الفعل المحذوف الذي هو [فلينكح]، والتقدير: فلينكح أمة مما ملكت أيمانكم، و[من] للتبعيض- قاله في "البحر المحيط" ٣/٢٢١.
٧ - العرب تقول للملوك: فتى- وللمملوكة: فتاة. وفي الحديث الصحيح: (لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي، ولكن ليقل: فتاي وفتاتي)، ولفظ الفتى والفتاة يطلق أيضا على الأحرار في ابتداء الشباب، وأما في المماليك فيطلق في الشباب وفي الكبر..
٨ - ربما كانت (أي) هذه من زيادة النساخ..
٩ - كانت العرب تستهجن ولد الأمة، وتُسميه الهجين، قال المبرد: الهجين: ولد العربي من غير العربية..
١٠ - في بعض النسخ: في غير المدونة..
١١ - لا يصح نكاح الأمة إلا بإذن سيدها كما نصت هذه الآية، وأما العبد فالعلماء أيضا مجمعون على أنه لا ينكح إلا بإذن سيدهن والفرق بينه وبين الأمة يأتي في أنه إذا تزوج بغير إذن سيده وأجازه السيد بعد ذلك جاز، وهذا هو مذهب مالك وأصحاب الرأي، وقالت طائفة منهم الشافعي والأوزاعي: لا تجوز إجازة المولى إن لم يحضر، لأن العقد الفاسد لا تصح إجازته، وقد كان ابن عمر يعد العبد بذلك زانيا ويحده. راجع القرطبي ٥/١٤١..
١٢ - قال ابن عباس: كان قوم يحرمون ما ظهر من الزنى، ويستحلون ما خفي منه، والخدن هو الصديق للمرأة يزني بها سرا، فنهى الله تعالى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن. "البحر المحيط" ٣/٢٢٢، ٢٢٣ – وقيل: المسافحة: المجاهرة بالزنى، أي التي تكري نفسها لذلك، وذات الخدن: هي التي تزني سرا. والآراء كلها متقاربة..
١٣ - روى البخاري عن أبي هريرة، وزيد بن خالد: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحض. قال: إذا زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير). والضفير: هو الحبل المضفور. فعيل بمعنى مفعول. وقول ابن عطية: "واجب على الأمة المسلمة بالسنة" معناه أن الوجوب ثابت بالسنة- والحديث المذكور أخرجه عبد الرزاق، والبخاري، ومسلم عن زيد بن خالد الجهني (المنثور ٢/١٤٢)..
١٤ - قوله: "فذلك غير لازم" هو جواب قوله قبل: "ومن أراد"..
١٥ - اختلف العلماء في سبب نقصان الحد بالنسبة للأمة- قيل: لأنهن أضعف من الحرائر، وقيل: إنهن لا يصلن إلى مرادهن كما تصل الحرائر، وقيل: لأن العقوبة تجب على قدر النعمة، ألا ترى أن الله تعالى قال لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم: [يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين]..
١٦ - يريد: ما ابتعد عن الزنى إلا قليلا. يقال: ازلحفّ عن الشيء: تنحّى..
١٧ - أخرج الطسي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن العنت فقال: الإثم، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:
رأيتك تبتغي عنتي وتسعى على الساعي عليّ بغير دخل.

١٨ - في سنن ابن ماجة من حديث أنس قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أراد أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر) ومهنه وامتهنه بمعنى: استخدمه واستذله..
١٩ - قال أبو (ح) في "البحر المحيط" ٣/٢٢٤: "لما ندب بقوله: [وأن تصبروا] إلى الصبر عن نكاح الإماء صار كأنه في حيز الكراهية، فجاء بصفة الغفران المؤذنة بأن ذلك مما سمح فيه تعالى، وبصفة الرحمة حيث رخص في نكاحهن وأباحه"..
اختلف النحاة في اللام من قوله : ﴿ ليبين ﴾ فمذهب سيبويه رحمه الله :أن التقدير «لأن يبين » والمفعول مضمر، تقديره :يريد الله هذا، فإن كانت لام الجر أو لام كي فلا بد فيهما من تقدير «أن » لأنهما لا يدخلان إلا على الأسماء وقال الفراء والكوفيون :اللام نفسها بمنزلة «أن » وهو ضعيف، ونظير هذه اللام قول الشاعر : [ الطويل ]
أريدُ لأنسى ذكرَها. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ١
وقال بعض النحاة :التقدير إرادتي لأنسى. ﴿ ويهديكم ﴾ بمعنى :يرشدكم، لا يتوجه غير ذلك، بقرينة السنن، وال ﴿ سنن ﴾ :الطرق ووجوه الأمور وأنحاؤها.
قال القاضي أبو محمد :ويظهر من قوة هذا الكلام أن شرعتنا في المشروعات كشرعة من قبلنا، وليس ذلك كذلك، وإنما هذه الهداية في أحد أمرين، إما في أنّا خوطبنا في كل قصة نهياً وأمراً، كما خوطبوا هم أيضاً في قصصهم، وشرع لنا كما شرع لهم، فهدينا سننهم في ذلك، وإن اختلفت أحكامنا وأحكامهم، والأمر الثاني أن هدينا سننهم في أن أطعنا وسمعنا كما سمعوا وأطاعوا، فوقع التماثل من هذه الجهة٢.
والذين من قبلنا :هم المؤمنون في كل شريعة، وتوبة الله على عبده هي رجوعه به عن المعاصي إلى الطاعات وتوفيقه له، وحسن ﴿ عليم ﴾ هنا بحسب ما تقدم من سنن الشرائع وموضع المصالح و ﴿ حكيم ﴾ أي مصيب بالأشياء مواضعها بحسب الحكمة والإتقان.
١ - الشاعر هو كثير عزة، وهذا جزء من أول البيت، وتمامه:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل
والفراء يرى أن العرب تعاقب بين لام (كي) و(أن)، فتأتي باللام التي على معنى (كي) في موضع (أن) في: أردت وأمرت، فيقولون: أردت أن تفعل، وأردت لتفعل، لأنهما يطلبان المستقبل، وفي التنزيل: [وأمرت لأعدل بينكم]. [يريدون ليطفئوا نور الله]، [يريدون أن يطفئوا نور الله]، وعلى ذلك يكون معنى بيت كثير عنده: أريد أن أنسى- قال النحاس: وخطأ الزجاج هذا القول، وقال: لو كانت اللام بمعنى [أن] لدخلت عليها لام أخرى، كما تقول: جئت كي تكرمني، ثم تقول: جئت لكي تكرمني، وأنشدنا.
أردت لكيما يعلم الناس أنها سراويل قيس والوفود شهود
وابن عطية على رأي الزجاج، وهو مذهب سيبويه، ولهذا علّق على رأي الفراء والكوفيين بقوله: "وهو ضعيف". هذا والبيت الذي أنشده الزجاج لقيس بن عبادة، وكان قد طاول روميا بين يدي معاوية فتجرد قيس من سراويله وألقاها إلى الرومي ففضلت عنه، وقال هذا البيت ومعه بيت آخر يعتذر من إلقاء سراويله في المشهد المجموع. راجع اللسان- مادة (سرل).

٢ - اختلف العلماء في قوله تعالى: [سنن الذين من قبلكم]- هل ذلك على ظاهره من الهداية لسننهم أو على التشبيه، أي: سننا مثل سنن الذين من قبلنا؟ فمن قال إنه على ظاهره أراد أن السنن هي ما حرم علينا وعليهم بالنسب والرضاع والمصاهرة، وقيل: المراد بها ما ذكره سبحانه في قوله: [شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا]. وقيل: مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين. وعلى هذه الأقوال فالمراد بـ [الذين من قبلكم]: الأنبياء وأهل الخير- ومن قال إن ذلك على التشبيه أراد أن المعنى أن طرق الأمم السابقة في هدايتها كان بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وكذلك جعل طريقنا إلى شرائع الدين بالبيان والتفصيل-وقيل: الهداية في أحد أمرين... وهو الذي وضحه ابن عطية..
وتكرار إرادة الله تعالى التوبة على عباده تقوية للإخبار الأول، وليس المقصد في هذه الآية إلا الإخبار عن إرادة الذين يتبعون الشهوات، فقدمت إرادة الله توطئة، مظهرة لفساد إرادة متبعي الشهوات، واختلف المتأولون في متبعي الشهوات، فقال مجاهد :هم الزناة، وقال السدي :هم اليهود والنصارى، وقالت فرقة :هم اليهود خاصة، لأنهم أرادوا أن يتبعهم المسلمون في نكاح الأخوات من الأب، وقال ابن زيد :ذلك على العموم في هؤلاء، وفي كل متبع شهوة، ورجحه الطبري، وقرأ الجمهور «ميْلاً » بسكون الياء، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «مَيلاً » بفتح الياء.
وقوله تعالى : ﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾ المقصد الظاهر بهذه الآية أنها في تخفيف الله تعالى ترك نكاح الإماء بإباحة ذلك، وأن إخباره عن ضعف الإنسان إنما هو في باب النساء، أي لما علمنا ضعفكم عن الصبر عن النساء خففنا عنكم بإباحة الإماء، وكذلك قال مجاهد وابن زيد وطاوس، وقال طاوس :ليس يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء.
قال القاضي أبو محمد :ثم بعد هذا المقصد تخرج الآية في مخرج التفضل، لأنها تتناول كل ما خفف الله تعالى عن عباده، وجعله الدين يسراً، ويقع الإخبار عن ضعف الإنسان عاماً، حسبما هو في نفسه ضعيف يستميله هواه في الأغلب و ﴿ الإنسان ﴾ رفع على ما لم يسم فاعله، و ﴿ ضعيفاً ﴾ حال، وقرأ ابن عباس ومجاهد «وخَلقَ الإنسان » على بناء الفعل للفاعل و ﴿ ضعيفاً ﴾ حال أيضاً على هذه القراءة ويصح أن يكون ﴿ خلق ﴾ بمعنى جعل، فيكسبها ذلك قوة التعدي إلى مفعولين، فيكون قوله ﴿ ضعيفاً ﴾ مفعولاً ثانياً.
هذا استثناء ليس من الأول، والمعنى :لكن إن كانت تجارة فكلوها١.
وقرأ المدنيون وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو : «تجارةٌ » بالرفع على تمام «كان » وأنها بمعنى :وقع، وقرأت فرقة، هي الكوفيون حمزة وعاصم والكسائي : «تجارةً » بالنصب على نقصان «كان »، وهو اختيار أبي عبيد.
قال القاضي أبو محمد :وهما قولان قويان، إلا أن تمام «كان » يترجح عند بعض، لأنها صلة «أن » فهي محطوطة عن درجتها إذا كانت سليمة من صلة وغيرها، وهذا ترجيح ليس بالقوي ولكنه حسن، و ﴿ أن ﴾ في موضع نصب، ومن نصب «تجارة » جعل اسم كان مضمراً، تقديره الأموال أموال تجارة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، أو يكون التقدير :إلا أن تكون التجارة تجارة، ومثل ذلك قول الشاعر : [ الطويل ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** إذا كان يوماً ذا كواكبَ أشنعا٢
أي :إذا كان اليوم يوماً، والاستثناء منقطع في كل تقدير وفي قراءة الرفع. فأكل الأموال بالتجارة جائز بإجماع الأمّة، والجمهور على جواز الغبن في التجارة، مثال ذلك :أن يبيع الرجل ياقوتة بدرهم وهي تساوي مائة، فذلك جائز، ويعضده حديث النبي صلى الله عليه وسلم «لا يبع حاضر لبادٍ »٣ لأنه إنما أراد بذلك أن يبيع البادي باجتهاده، ولا يمنع الحاضر الحاضر من رزق الله في غبنه، وقالت فرقة :الغبن إذا تجاوز الثلث مردود، وإنما أبيح منه المتقارب المتعارف في التجارات، وأما المتفاحش الفادح فلا، وقاله ابن وهب من أصحاب مالك رحمه الله. و ﴿ عن تراض ﴾ معناه عن رضا، إلا أنها جاءت من المفاعلة، إذ التجارة من اثنين، واختلف أهل العلم في التراضي، فقالت طائفة :تمامه وجزمه بافتراق الأبدان بعد عقدة البيع، أو بأن يقول أحدهما لصاحبه :اختر فيقول :قد اخترت، وذلك بعد العقدة أيضاً، فينجزم حينئذ، هذا هو قول الشافعي وجماعة من الصحابة، وحجته حديث النبي صلى الله عليه وسلم «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار »٤ وهو حديث ابن عمر وأبي برزة، ورأيهما - وهما الراويان - أنه افتراق الأبدان.
قال القاضي أبو محمد :والتفرق لا يكون حقيقة إلا بالأبدان، لأنه من صفات الجواهر، وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله :تمام التراضي أن يعقد البيع بالألسنة فتنجزم العقدة بذلك ويرتفع الخيار، وقالا في الحديث المتقدم :إنه التفرق بالقول، واحتج بعضهم بقوله تعالى : ﴿ وإن يتفرقا يغن الله كلاًّ من سعته ﴾٥ فهذه فرقة بالقول لأنها بالطلاق، قال من احتج للشافعي :بل هي فرقة بالأبدان، بدليل تثنية الضمير، والطلاق لا حظّ للمرأة فيه، وإنما حظها في فرقة البدن التي هي ثمرة الطلاق، قال الشافعي :ولو كان معنى قوله :يتفرقا بالقول الذي هو العقد لبطلت الفائدة في قوله :البيعان بالخيار، لأنه لا يشك في أن كل ذي سلعة مخير ما لم يعقد، فجاء الإخبار لا طائل فيه، قال من احتجّ لمالك :إنما القصد في الحديث الإخبار عن وجوب ثبوت العقد، فجاء قوله :البيعان بالخيار توطئة لذلك، وإن كانت التوطئة معلومة، فإنها تهيىء النفس لاستشعار ثبوت العقد ولزومها، واستدل الشافعي بقوله عليه السلام :
«لا يسم الرجل على سوم أخيه، ولا بيع الرجل على بيع أخيه »٦ فجعلها مرتبتين لأن حالة البيعين بعد العقد قبل التفرق تقتضي أن يفسد مفسد بزيادة في السلعة فيختارربها حل الصفقة الأولى، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك الإفساد، ألا ترى أنه عليه السلام قال : «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه »٧ فهي في درجة ؛ لا يسم، ولم يقل :لا ينكح على نكاح أخيه لأنه لا درجة بعد عقد النكاح تقتضي تخييراً بإجماع من الأمة، قال من يحتج لمالك رحمه الله :قوله عليه السلام :لا يسم ولا يبع، هي درجة واحدة كلها قبل العقد، وقال :لا بيع تجوزاً في لا يسم، إذ مآله إلى البيع، فهي جميعاً بمنزلة قوله :لا يخطب، والعقد جازم فيهما جميعاً.
قال القاضي أبو محمد :وقوله في الحديث «إلا بيع الخيار » معناه عند المالكين :المتساومان بالخيار ما لم يعقدا، فإذا عقدا بطل الخيار إلا في بيع الخيار الذي عقد من أوله على خيار مدة ما، فإنه لا يبطل الخيار فيه، ومعناه عند الشافعيين :المتبايعان بعد عقدهما مخيران ما داما في مجلسهما، إلا بيعاً يقول فيه أحدهما لصاحبه اختر فيختار، فإن الخيار ينقطع بينهما وإن لم يتفرقا، فإن فرض بيع خيار فالمعنى إلا بيع الخيار فإنه يبقي الخيار بعد التفرق بالأبدان، وقوله تعالى : ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ قرأ الحسن «ولا تقتّلوا » على التكثير، فأجمع المتأولون أن المقصد بهذه الآية النهي عن أن يقتل بعض الناس بعضها، ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه للقتل، أو بأن يحملها على غرر ربما مات منه، فهذا كله يتناوله النهي، وقد احتج عمرو بن العاص بهذه الآية حين امتنع من الاغتسال بالماء البارد خوفاً على نفسه منه، فقرر رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجاجه٨.
١ - إنما كان الاستثناء منقطعا لوجهين: أولهما أن التجارة لم تندرج في الأموال المأكولة بالباطل فتستثنى منها سواء فسرنا الباطل بأنه أخذ المال بغير عوض أو بغير طريق شرعي، وثانيهما أن الاستثناء إنما وقع على الكون، والكون معنى من المعاني، وليس مالا من الأموال.
وهذا استثناء لا يدل على الحصر في أنه لا يجوز أكل المال إلا بالتجارة فقط، بل هو ذكر نوع غالب من طرق اكتساب المال وهو التجارة. البحر المحيط ٣/ ٢٣١.
=ونظير هذه الآية في الاستثناء المنقطع قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾، وقوله سبحانه: ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾، ذكر ذلك ابن كثير ٢/ ٢٥٣..

٢ - هذا عجز البيت، وهو بتمامه:
فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي إذا كان يوما ذا كواكب أشهب.
على أن (كان) تامة.
.

٣ - الحاضر: هو المقيم في المدينة أو القرية، والبادي: هو المقيم بالبادية- والمنهي عنه في هذا الحديث أن يأتي البدوي المدينة ومعه قوت يبغي بيعه بسرعة ولو رخيصا، فيقول له الحضري: اتركه عندي لأغالي في بيعه، وسئل ابن عباس عن معنى الحديث فقال: "لا يكون له سمسارا". (عن ابن الأثير)..
٤ - رواه سمرة بن جندب، وأبو برزة، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبو هريرة، وحكيم بن حزام، وغيرهم، وهو ثابت في الصحيحين، وفي لفظ البخاري: (إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا). وفي رواية: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر). وقوله: (أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر) هو معنى الرواية الأخرى: (إلا بيع الخيار)..
٥ - من الآية (١٣٠) من سورة (النساء).
.

٦
- عن أبي هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، ولا يسوم على سومه) قال "في نيل الأوطار": متفق عليه..

٧ - رواه الدارمي في سننه عن ابن عمر بلفظ: (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه، ولا يبيع على بيع أخيه حتى يأذن له). ورواه أحمد عن ابن عمر أيضا. وأخرجه مسلم أيضا. وأخرجه كذلك البخاري. نيل الأوطار..
٨ - أخرج أحمد، وأبو داود، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عمرو بن العاص قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ذات السلاسل، احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت به، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له، فقال: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قلت: نعم يا رسول الله، إني =احتلمت في ليل باردة شديدة البرد فأشفقت- إن اغتسلت- أن أهلك، وذكرت قول الله: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل شيئا). الدر المنثور ٢/ ١٤٤، ١٤٥..
وقوله تعالى : ﴿ ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً ﴾ اختلف المتأولون في المشار إليه بذلك، فقال عطاء :ذلك عائد على القتل لأنه أقرب مذكور، وقالت فرقة :ذلك عائد على أكل المال بالباطل وقتل النفس لأن النهي عنهما جاء متسقاً مسروداً ثم ورد الوعيد حسب النهي وقالت فرقة ذلك عائد على كل ما نهى عنه من القضايا من أول السورة إلى قوله تعالى : ﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ وقال الطبري :ذلك عائد على ما نهى عنه من آخر وعيد، وذلك قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ [ النساء :١٩ ] لأن كل ما نهي عنه من أول السورة قرن به وعيد إلا من قوله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ فإنه والنواهي بعده لا وعيد معها، إلا قوله : ﴿ ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً ﴾ والعدوان :تجاوز الحد، و ﴿ نصليه ﴾ معناه :نمسه حرها، كما تعرض الشاة المصلية، أي نحرقه بها١.
وقرأ الأعمش والنخعي، «نَصليه » بفتح النون، وقراءة الجمهور بضم النون على نقل صلى بالهمز، وقراءة هذين على لغة من يقول :صليته ناراً، بمعنى أصليته، وحكى الزجّاج أنها قد قرئت «نصَلِّيه » بفتح الصاد وشد اللام المكسورة ويسير ذلك على الله عز وجل، لأن حجته بالغة، وحكمه لا معقب له٢.
١ -صليت اللحم بالتخفيف على وجه الصلاح معناه: شويته، فأما أصليته وصليته فعلى وجه الفساد والإحراق، ومنه قوله تعالى: ﴿فسوف نصليه نارا﴾، وقوله: ﴿ويصلى سعيرا﴾، وفي الحديث ﴿أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بشاة مصلية﴾. قال الكسائي: المصلية: المشوية، فأما إذا أحرقته وأبقيته في النار قلت: صليته بالتشديد، وأصليته. اهـ. لسان العرب (صلا).
٢ - قال القرطبي: "قيد الوعد بذكر العدوان والظلم ليخرج منه فعل السهو والغلط، وذكر العدوان والظلم مع تقارب معانيهما لاختلاف ألفاظهما، وحسن ذلك في الكلام".
ثم ذكر بيت عدي بن زيد:
فقددت الأديم لراهشيه وألفى قولها كذبا ومينا..

﴿ تجتنبوا ﴾ معناه :تدعون جانباً، وقرأ ابن مسعود وابن جبير «إن تجتنبوا كبير » وقرأ المفضل عن عاصم «يكفّر » و «يدخلكم » على علامة الغائب، وقرأ الباقون بالنون والقراءتان حسنتان، وقرأ ابن عباس «عنكم من سيئاتكم » بزيادة «من » وقرأ السبعة سوى نافع «مُدخلاً » بضم الميم، وقرأ نافع : «مدخلاً » بالفتح وقد رواه أيضاً أبو بكر عن عاصم ها هنا وفي الحج، ولم يختلف في سورة بني إسرائيل في ﴿ مدخل ومخرج صدق ﴾١ أنهما بضم الميم، قال أبو علي : «مَدخلاً » بالفتح يحتمل أن يكون مصدراً، والعامل فيه فعل يدل عليه الظاهر، التقدير :ويدخلكم فتدخلون مدخلاً، ويحتمل أن يكون مكاناً، فيعمل فيه الفعل الظاهر، وكذلك يحتمل «مُدخلاً » بضم الميم للوجهين، وإذا لم يعمل الفعل الظاهر فمعموله الثاني محذوف، تقديره :ويدخلكم الجنة، واختلف أهل العلم في «الكبائر » فقال علي بن أبي طالب :( هي سبع، الإشراك بالله، وقتل النفس، وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا والفرار يوم الزحف والتعرب بعد الهجرة )٢. وقال عبيد بن عمير :الكبائر سبع في كل واحدة منها آية في كتاب الله عز وجل.
قال القاضي أبو محمد :وذكر كقول علي، وجعل الآية في التعرب قوله تعالى : ﴿ إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ﴾٣، ووقع في البخاري في كتاب الحدود في باب رمي المحصنات «اتقوا السبع الموبقات، الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات »٤.
وقال عبد الله بن عمر :هي تسع «الإشراك بالله، والقتل، والفرار، والقذف، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وإلحاد في المسجد الحرام، والذي يستسحر، وبكاء الوالدين من العقوق »٥ قال عبد الله بن مسعود وإبراهيم النخعي :هي في جميع ما نهى عنه من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية منها وهي ﴿ إن تجتنبوا ﴾ وقال عبد الله بن مسعود :هي أربع أيضاً الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، وروي أيضاً عن ابن مسعود :هي ثلاث :القنوط، واليأس، والأمن المتقدمة، وقال ابن عباس أيضاً وغيره : «الكبائر » كل ما ورد عليه وعيد بنار أو عذاب أو لعنة أو ما أشبه ذلك٦، وقالت فرقة من الأصوليين :هي في هذا الموضع أنواع الشرك التي لا تصلح معها الأعمال، وقال رجل لابن عباس :أخبرني عن الكبائر السبع، فقال :هي إلى السبعين أقرب، وقال ابن عباس :كل ما نهى الله عنه فهو كبير٧، فهنا يدخل الزنا، وشرب الخمر، والزور، والغيبة، وغير ذلك مما قد نص عليه في أحاديث لم يقصد الحصر للكبائر بها، بل ذكر بعضها مثالاً، وعلى هذا القول أئمة الكلام :القاضي، وأبو المعالي، وغيرهما :قالوا :وإنما قيل :صغيرة بالإضافة إلى أكبر منها وهي في نفسها كبيرة من حيث المعصي بالجميع واحد، وهذه الآية يتعاضد معها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب الوضوء من مسلم، عن عثمان رضي الله عنه قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
«ما من امرىء مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم يأت كبيرة، وذلك الدهر كله »٨.
واختلف العلماء في هذه المسألة فجماعة من الفقهاء وأهل الحديث يرون أن الرجل إذا اجتنب الكبائر وامتثل الفرائض، كفرت صغائره كالنظر وشبهه قطعاً بظاهر هذه الآية وظاهر الحديث، وأما الأصوليون فقالوا :لا يجب على القطع تكفير الصغائر باجتناب الكبائر، وإنما يحمل ذلك على غلبة الظن وقوة الرجاء، والمشيئة ثابتة، ودل على ذلك أنه لو قطعنا لمجتنب الكبائر وممتثل الفرائض بتكفير صغائره قطعاً لكانت له في حكم المباح الذي يقطع بأنه لا تباعة فيه، وذلك نقض لعرى الشريعة، ومحمل الكبائر عند الأصوليين في هذه الآية أجناس الكفر، والآية التي قيدت الحكم فترد إليها هذه المطلقات كلها :قوله تعالى : ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾٩ و ﴿ كريماً ﴾ يقتضي كرم الفضيلة ونفي العيوب، كما تقول :ثوب كريم، وكريم المحتد، وهذه آية رجاء، روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال :خمس آيات من سورة النساء هي أحب إليّ من الدنيا جميعاً، قوله : ﴿ إن تجتنبوا ﴾ الآية، وقوله : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ [ النساء :٤٨ و ١١٦ ] وقوله : ﴿ ومن يعمل سوءاً أو يظلم ﴾ [ النساء :١١٠ ] وقوله أيضاً : ﴿ يضاعفها ﴾ [ النساء :٤٠ ] وقوله : ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله ﴾ الآية١٠.
١ - من قوله تعالى في الآية (٨٠) من سورة الإسراء: ﴿وقل رب أدخلني مدخل صدق، وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا﴾.
٢ - قال الأزهري: ويكون التعرب أن يرجع إلى البادية بعد ما كان مقيما بالحضر، فيلحق بالأعراب، ويكون التعرب المقام بالبادية، ومنه قول الشاعر:
تعرب آبائي، فهلا وقاهم من الموت رملا عالج وزرود
يقول: أقام آبائي بالبادية،ولم يحضروا القرى. اللسان- (عرب)..

٣ - الآية (٢٥) من سورة (محمد)..
٤ - أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة. الدر المنثور ٢/١٤٦..
٥ - أخرجه علي بن الجعد في الجعديات عن طيسلة قال: سألت ابن عمر عن الكبائر فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هن تسع... الخ. مع اختلاف في بعض الألفاظ. الدر المنثور ٢/١٤٦..
٦ - أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: (الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب.) الدر المنثور ٢/ ١٤٦، وابن كثير ٢/ ٢٦٦..
٧ - أخرجه ابن جرير عن أبي الوليد مع اختلاف يسير في اللفظ. الدر المنثور ٢/ ١٤٦، وابن كثير ٢/ ٢٦٦..
٨ - الحديث في مسلم، وصححه في الجامع الصغير..
٩ - من الآية (١١٦) من سورة (النساء). وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بقول الله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾، وهي في كتب السنة الصحيحة، وفي كثير من التفاسير..
١٠ - أخرج أبو عبيد، وسعيد بن منصور في فضائله، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: "إن في سورة النساء خمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها، ولقد علمت أن العلماء إذا مروا بها يعرفونها- قوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ الآية. وقوله: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾ الآية، وقوله: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ الآية، وقوله: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك﴾ الآية، وقوله: ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه﴾ الآية" عن (الدر المنثور) ٢/ ١٤٥، وقوله تعالى: [يضاعفها] هي من الآية الكريمة: ﴿وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما﴾ وهي الآية رقم (٤٠) من هذه السورة.
وقال ابن عباس: ثماني آيات في سورة النساء هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت: ﴿يريد الله ليبين لكم﴾، ﴿والله يريد أن يتوب عليكم﴾، ﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾، ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ الآية، ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾، ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾، ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه﴾، ﴿وما يفعل الله بعذابكم﴾ الآية..

سبب الآية أن النساء قلن :ليتنا استوينا مع الرجال في الميراث وشركناهم في الغزو، وروي أن أم سلمة قالت ذلك أونحوه١، وقال الرجال :ليت لنا في الآخرة حظاً زائداً على النساء، كما لنا عليهن في الدنيا، فنزلت الآية.
قال القاضي أبو محمد :لأن في تمنيهم هذا تحكماً على الشريعة، و تطرقاً إلى الدفع في صدر حكم الله، فهذا نهي عن كل تمنٍّ لخلاف حكم شرعي، ويدخل في النهي أن يتمنى الرجل حال الآخر من دين أو دنيا، على أن يذهب ما عند الآخر، إذ هذا هو الحسد بعينه، وقد كره بعض العلماء أن يتمنى أحد حال رجل ينصبه في فكره وإن لم يتمنَّ زوال حاله، وهذا في نعم الدنيا، وأما في الأعمال الصالحة فذلك هو الحسن، وأما إذا تمنى المرء على الله من غير أن يقرن أمنيته بشيء مما قدمناه فذلك جائز، وذلك موجود في حديث النبي عليه السلام في قوله «وددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا فأقتل »٢ وفي غير موضع، ولقوله تعالى : ﴿ واسألوا الله من فضله ﴾.
وقوله تعالى : ﴿ للرجال نصيب ﴾ الآية قال قتادة :معناه من الميراث، لأن العرب كانت لا تورث النساء.
قال القاضي أبو محمد :وهذا قول ضعيف ولفظة الاكتساب ترد عليه رداً بيناً، ولكنه يتركب على قول النساء :ليتنا ساوينا الرجال في الميراث، فكأنه قيل بسببهن :لا تتمنوا هذا فلكل نصيبه، وقالت فرقة :معناه من الأجر والحسنات، فكأنه قيل للناس :لا تتمنوا في أمر خلاف ما حكم الله به، لاختيار ترونه أنتم، فإن الله قد جعل لكلّ أحد نصيباً من الأجر والفضل، بحسب اكتسابه فيما شرع له.
قال القاضي أبو محمد :وهذا القول الواضح البيِّن الأعم، وقالت فرقة :معناه :لا تتمنوا خلاف ما حد الله في تفضيله، فإنه تعالى قد جعل لكل أحد مكاسب تختص به، فهي نصيبه، قد جعل الجهاد والإنفاق وسعي المعيشة وحمل الكلف كالأحكام والإمارة والحسبة وغير ذلك للرجال، وجعل الحمل ومشقته وحسن التبعل وحفظ غيب الزوج وخدمة البيوت اللنساء.
قال القاضي أبو محمد :وهذا كقول الذي قبله، إلا أنه فارقه بتقسيم الأعمال، وفي تعليقه النصيب بالاكتساب حض على العمل، وتنبيه على كسب الخير، وقرأ جمهور السبعة «واسألوا » بالهمز وسكون السين، وقرأ الكسائي وابن كثير «وسلوا » ألقيا حركة الهمزة على السين، وهذا حيث وقعت اللفظة إلا في قوله ﴿ واسألوا ما أنفقتم ﴾٣ فإنهم أجمعوا على الهمز فيه، قال سعيد بن جبير، وليث بن أبي سليم :هذا في العبارات والدين وأعمال البر ليس في فضل الدنيا، وقال الجمهور :ذلك على العموم، وهو الذي يقتضيه اللفظ٤، وقوله : ﴿ واسألوا ﴾ يقتضي مفعولاً ثانياً، فهو عند بعض النحويين في قوله : ﴿ من فضله ﴾ التقدير واسألوا الله فضله، وسيبويه لا يجيز هذا لأن فيه حذف «من » في الواجب، والمفعول عنده مضمر، تقديره واسألوا الله الجنة أو كثيراً أو حظاً من فضله.
قال القاضي أبو محمد :وهذا هو الأصح، ويحسن عندي أن يقدر المفعول - أمانيكم، إذ ما تقدم يحسن هذا التقدير، وقوله : ﴿ بكل شيء عليماً ﴾ معناه :أن علم الله قد أوجب الإصابة والإتقان والإحكام، فلا تعارضوا بتمن ولا غيره، وهذه الآية تقتضي أن الله يعلم الأشياء، والعقائد توجب أنه يعلم المعدومات الجائز وقوعها وإن لم تكن أشياء، والآية لا تناقض ذلك، بل وقفت على بعض معلوماته وأمسكت عن بعض.
١ - أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، والترمذي، والحاكم، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق مجاهد، عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، تغزو الرجال ولا نغزوا، ولا نقاتل فنستشهد، وإنما لنا نصف الميراث، فأنزل الله: ﴿ولا تتمنوا ما فضّل الله به بعضكم على بعض﴾. وأنزل فيها: ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾. الدر المنثور..
٢ - هذا الحديث هو الذي صدر به البخاري كتاب التمني في صحيحه، وهو يدل على جواز تمني أفعال الخير، والرغبة فيها، وفي الصحيح: (إن الشهيد يقال له: تمنّ، فيقول: أتمنى أن أرجع إلى الدنيا حتى أقتل في سبيلك مرة أخرى). قال (ق): "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمنى إيمان أبي طالب وأبي لهب وصناديد قريش، مع علمه بأنه لا يكون". والتمني نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل، كالتلهف نوع منها يتعلق بالماضي، فنهى الله سبحانه عن التمني، لأن فيه تعلق البال، ونسيان الأجل- ذكر هذا التعليل القرطبي في تفسيره..
٣ - من الآية (١٠) من سورة (الممتحنة)- وقد علق أبو حيان في البحر المحيط على كلام ابن عطية هذا بقوله: "وهذا الذي ذكره ابن عطية وهم، بل نصوص =المقرئين في كتبهم على أن ﴿واسألوا ما أنفقتم﴾ من جملة المختلف فيه بين ابن كثير والكسائي، وبين الجماعة. ونص على ذلك بلفظ ابن شيطا في كتاب "التذكار"، ولعل الوهم وقع له في ذلك من قول ابن مجاهد في كتاب السبعة: "ولم يختلفوا في قوله: ﴿وليسألوا ما أنفقوا﴾ أنه مهموز لأنه لغائب" راجع "البحر المحيط" ٣/٢٣٦..
٤ - يؤيد هذا الذي ذهب إليه الجمهور أحاديث كثيرة، فقد روى الترمذي عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سلوا الله من فضله فإنه يحب أن يسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج)..
«كل » إنما تستعمل مضافة ظهر المضاف إليه أو تقدر، فهي بمثابة قبل وبعد، ولذلك أجاز بعض النحاة مررت بكل، على حد قبل وبعد، فالمقدر هنا على قول فرقة، ولكل أحد وعلى قول فرقة «ولكل شيء » يعني :التركة، والمولى في كلام العرب :لفظة يشترك فيها القريب القرابة، والصديق، والحليف، والمعتَق، والمعتِق، والوارث، والعبد، فيما حكى ابن سيده، ويحسن هنا من هذا الاشتراك الورثة، لأنها تصلح على تأويل «ولكل أحد »، وعلى تأويل، «ولكل شيء » وبذلك فسر قتادة والسدي وابن عباس وغيرهم :أن «الموالي » :العصبة والورثة، قال ابن زيد :لما أسلمت العجم سموا موالي استعارة وتشبيهاً، وذلك في قول الله تعالى : ﴿ فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ﴾١.
قال القاضي أبو محمد :وقد سمي قوم من العجم ببني العم، و ﴿ مما ﴾ متعلقة «بشيء »، تقديره ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا ورثة، وهي متعلقة على تأويل «ولكل أحد » بفعل مضمر تقديره :ولكل أحد جعلنا موالي يرثون مما ترك الوالدان والأقربون، ويحتمل على هذا أن تتعلق «من » ب ﴿ موالي ﴾، وقوله : ﴿ والذين ﴾ رفع بالابتداء والخبر في قوله : ﴿ فآتوهم ﴾ وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمر وابن عامر «عاقدت » على المفاعلة أي :أيمان هؤلاء عاقدت أولئك، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «عقَدت » بتخفيف القاف على حذف مفعول، تقديره :عقدت إيمانكم حلفهم أو ذمتهم، وقرأ حمزة في رواية على ابن كيشة٢ عنه «عقّدت » مشددة القاف، واختلف المتأولون في من المراد ب ﴿ الذين ﴾، فقال الحسن وابن عباس وابن جبير وقتادة وغيرهم :هم الأحلاف، فإن العرب كانت تتوارث بالحلف فشدد الله ذلك بهذه الآية، ثم نسخه بآية الأنفال ﴿ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ﴾٣ وقال ابن عباس أيضاً :هم الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينهم، فإنهم كانوا يتوارثون بهذه الآية حتى نسخ ذلك بما تقدم.
قال القاضي أبو محمد :وورد لابن عباس :أن المهاجرين كانوا يرثون الأنصار دون ذوي رحمهم، للأخوة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، فنزلت الآية في ذلك ناسخة، وبقي إيتاء النصيب من النصر والمعونة، أو من المال على جهة الندب في الوصية، وقال سعيد بن المسيب :هم الأبناء الذين كانوا يتبنون، والنصيب الذي أمر الناس بإيتائه هو الوصية لا الميراث، وقال ابن عباس أيضاً :هم الأحلاف إلا أن النصيب هو المؤازرة في الحق والنصر والوفاء بالحلف لا الميراث، وروي عن الحسن :أنها في قوم يوصى لهم فيموت الموصى له قبل نفوذ الوصية ووجوبها فأمر الموصي أن يؤديها إلى ورثة الموصى له.
قال القاضي أبو محمد :ولفظة المعاقدة والأيمان ترجح أن المراد الأحلاف لأن ما ذكر من غير الأحلاف ليس في جميعه معاقدة ولا أيمان، و ﴿ شهيداً ﴾ معناه :أن الله شهيد بينكم على المعاقدة والصلة، فأوفوا بالعهد بحسب ذلك مراقبة ورهبة.
١ - من الآية (٥) من سورة (الأحزاب)..
٢ - قال معلق القرطبي: "كذا في ابن عطية، والبحر، والأصول، إلا: د. فابن كيسة، وهو علي بن زيد بن كيسة، ولعله الصواب كما في: طبقات القراء والتاج"..
٣ - من الآية (٧٥) من سورة (الأنفال) ومن الآية (٦) في سورة (الأحزاب)..
وقوله تعالى : ﴿ الرجال قوامون ﴾ الآية، قوام فعال :بناء مبالغة، وهو من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد، فقيام الرجل على النساء هو على هذا الحد١، وتعليل ذلك بالفضيلة والنفقة يقتضي أن للرجال عليهن استيلاء وملكاً ما٢، قال ابن عباس :الرجال أمراء على النساء، وعلى هذا قال أهل التأويل و «ما » في قوله : ﴿ بما فضل الله ﴾ مصدرية، ولذلك استغنت عن العائد، وكذلك ﴿ بما أنفقوا ﴾ والفضلة :هي الغزو وكمال الدين والعقل وما أشبهه٣، والإنفاق :هو المهر والنفقة المستمرة على الزوجات، وقيل :سبب هذه الآية أن سعد بن الربيع٤ لطم زوجه حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، فجاءت مع أبيها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر أن تلطمه كما لطمها، فنزلت الآية مبيحة للرجال تأديب نسائهم، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقض الحكم الأول وقال :أردت شيئاً وما أراد الله خير٥، وفي طريق آخر أردت شيئاً وأراد الله غيره، وقيل :إن في هذا الحكم المردود نزلت ﴿ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يُقضى إليك وحيه ﴾٦ وقيل سببها قول أم سلمة المتقدم، أي :لما تمنى النساء درجة الرجال عرفن وجه الفضيلة٧.
والصلاح في قوله ﴿ فالصالحات ﴾ هو الصلاح في الدين، و«و القانتات » معناه :مطيعات، والقنوت الطاعة، ومعناه لأزواجهن، أو لله في أزواجهن، وغير ذلك، وقال الزجّاج :إنها الصلاة، وهذا هنا بعيد و ﴿ للغيب ﴾ معناه :كل ما غاب عن علم زوجها مما استرعته، وذلك يعم حال غيب الزوج وحال حضوره، وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «خير النساء امرأة اذا نظرتَ إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها » ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية٨، وفي مصحف ابن مسعود «فالصوالح قوانت حوافظ » وهذا بناء يختص بالمؤنث، وقال ابن جني :والتكسير أشبه لفظاً بالمعنى، إذ هو يعطي الكثرة وهي المقصود هنا، و ﴿ بما حفظ الله ﴾ الجمهور على رفع اسم الله بإسناد الفعل إليه، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «اللهَ » بالنصب على إعمال ﴿ حفظ ﴾ فأما قراءة الرفع «فما » مصدرية تقديره :يحفظ الله، ويصح أن تكون بمعنى «الذي » ويكون العائد الذي في ﴿ الذي ﴾ وفي ﴿ حفظ ﴾ ضمير مرفوع، وأما قراءة ابن القعقاع بما حفظ الله، فالأولى أن تكون «ما » بمعنى «الذي » وفي ﴿ حفظ ﴾ ضمير مرفوع، والمعنى حافظات للغيب بطاعة وخوف وبر ودين حفظن الله في أوامره حين امتثلنها، وقيل :يصح أن تكون «ما » مصدرية، على أن تقدير الكلام بما حفظن الله وينحذف الضمير، وفي حذفه قبح لا يجوز إلا في الشعر، كما قال [ الأعشى ] : [ المتقارب ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** فَإنَّ الحوادِثَ أَوْدَى بِها٩
يريد أَوْدَين، والمعنى :يحفظن الله في أمره حين امتثلنه، وقال ابن جني :الكلام على حذف مضاف تقديره :بما حفظ دين الله وأمر الله، وفي مصحف ابن مسعود «بما حفظ الله فأصلحوا إليهن ».
﴿ واللاتي ﴾ في موضع رفع بالابتداء والخبر ﴿ فعظوهن ﴾، ويصح أن تكون في موضع نصب بفعل مضمر تقديره :وعظوا اللاتي تخافون نشوزهن، كقوله : ﴿ والسارق والسارقة ﴾١٠ على قراءة من قرأها بالنصب، قال سيبويه :النصب القياس، إلا أن الرفع أكثر في كلامهم، وحكي عن سيبويه :أن تقدير الآية عنده :وفيما يتلى عليكم اللاتي، قالت فرقة معنى ﴿ تخافون ﴾ تعلمون وتتيقنون، وذهبوا في ذلك إلى أن وقوع النشوز هو الذي يوجب الوعظ، واحتجوا في جواز وقوع الخوف بمعنى اليقين بقول أبي محجن :
ولا تَدْفُنَّنِيِ بالفلاةِ فإنَّني. . . أخافُ إذا ما مِتُّ أنْ لا أذوقُها١١
وقالت فرقة :الخوف هاهنا على بابه في التوقع، لأن الوعظ وما بعده إنما هو في دوام ما ظهر من مبادئ ما يتخوف١٢، «والنشوز » :أن تتعوج١٣ المرأة وترتفع في خلقها، وتستعلي على زوجها، وهو من نشز الأرض، يقال ناشز وناشص ومنه بيت الأعشى : [ الطويل ]
تَجَلَّلَها شَيْخٌ عِشَاءً فأصْبَحَتْ. . . قَضَاعِيّةً تأتي الكواهِن ناشصا١٤
و ﴿ عظوهن ﴾ معناه :ذكروهن أمر الله، واستدعوهن إلى ما يجب عليهن بكتاب الله وسنة نبيه١٥، وقرأ إبراهيم النخعي «في المضجع »، وهو واحد يدل على الجمع، واختلف المتأولون في قوله : ﴿ اهجروهن ﴾ فقالت فرقة معناه جنبوا جماعهن، وجعلوا ﴿ في ﴾ للوعاء على بابها دون حذف قال ابن عباس :يضاجعها ويوليها ظهره ولا يجامعها وقال مجاهد :جنبوا مضاجعتهن فيتقدر على هذا القول حذف تقديره :واهجروهن برفض المضاجع أو بترك المضاجع وقال سعيد بن جبير :هي هجرة الكلام أي لا تكلموهن وأعرضوا عنهن فيقدر حذف تقديره :واهجروهن في سبب المضاجع حتى يراجعنها، وقال ابن عباس أيضاً :معناه وقولوا لهن هجراً من القول أي إغلاظاً حتى يراجعن المضاجع وهذا لا يصح تصريفه إلا على من حكى هجر وأهجر بمعنى واحد، وقال الطبري :معناه اربطوهن بالهجار، كما يربط البعير به، وهو حبل يشد به البعير، فهي في معنى اضربوهن ونحوها، ورجح الطبري منزعه هذا وقدح في سائر الأقوال، وفي كلامه في هذا الموضع نظر، والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب غير المبرح، وهو الذي لا يكسر عظماً ولا يشين جارحة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :
«اضربوا النساء إذا عصينكم في معروف ضرباً غير مبرح » وقال عطاء :قلت لابن عباس :ما الضرب غير المبرح ؟ قال بالشراك ونحوه، وروي عن ابن شهاب أنه قال :لا قصاص بين الرجل وامرأته إلا في النفس.
قال القاضي أبو محمد :وهذا تجاوز، قال غيره :إلا في النفس والجراح، وهذه العظة والهجر والضرب مراتب، إن وقعت الطاعة عند إحداها لم يتعد إلى سائرها. و ﴿ تبغوا ﴾ معناه تطلبوا، و ﴿ سبيلاً ﴾ عليهن والتمكين من أدبهن، وحسن معه الاتصاف بالعلو والكبر، أي قدره فوق كل قدر ويده بالقدرة فوق كل يد، فلا يستعمل أحد على امرأته، فالله بالمرصاد، وينظر هذا إلى حديث أبي مسعود فصرفت وجهي فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا العبد »١٦.
١ - قال ابن عباس: "قوّامون: مسلطون على تأديب النساء في الحق" وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾، قال: بالتأديب والتعليم ﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾ قال: بالمهر، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن الزهري قال: (لا تقص المرأة من زوجها إلا في النفس)، وقوّام: صفة مبالغة، ويقال: قيّام، وقيّم، وفي الحديث الشريف: (أنت قيّام السماوات والأرض ومن فيهن)..
٢ - فهم العلماء من قوله تعالى: ﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾ أنه متى عجز عن نفقتها لم يكن قوّاما عليها، وإذا لم يكن قواما عليها كان لها فسخ العقد لزوال المقصود الذي شُرع لأجله النكاح، وفيه دلالة واضحة من هذا الوجه على ثبوت فسخ النكاح عند الإعسار بالنفقة والكسوة، وهو مذهب مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يفسخ، لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾. راجع تفسير القرطبي: ٢/ ١٦٩..
٣ - وقيل: الجمعة والجماعة، وقيل: حل الأربع، وملك النكاح والطلاق والرجعة، وفضيلة الشهادات والتعصب، وزيادة السهم في الميراث، والصلاحية للنبوة والخلافة والإمامة... وأمور أخرى كثيرة. والضمير في [بعضهم] عائد على الرجال والنساء مع تغليب المذكر على المؤنث، والمراد بالبعض الأول الرجال، وبالثاني النساء. "البحر المحيط" ٣/ ٢٣٩..
٤ - هو: سعيد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس الخزرجي، عقبي، بدري، وكان أحد فقهاء الأنصار، وكان له زوجتان. (أسد الغابة)..
٥ - أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم- كما في فتح القدير- وفي (الدر المنثور) أن ابن أبي حاتم أخرجه من طريق أشعث بن عبد الملك عن الحسن، وأن عبد بن حميد، وابن جرير أخرجاه من طريق قتادة عن الحسن، وأخرج ابن جرير عن السدي نحوه..
٦ - من قوله تعالى في الآية (١١٤) من سورة (طه): {فتعالى الله الملك الحق، ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه، وقل رب زدني علما]..
٧ - وقيل: نزلت في جميل بنت أبي، وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس، قاله أبو روق. وقال الكلبي: نزلت في عميرة بنت محمد بن مسلمة، وفي زوجها سعد بن الربيع- وأشهر الروايات ما اختاره ابن عطية هنا من أنها نزلت في حبيبة بنت زيد بن أبي زهير زوج سعد بن الربيع..
٨ - أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والنسائي في سننه، والحاكم في مستدركه، وصححه في الجامع الصغير ٢-٩، وأخرج أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر: (ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟- المرأة الصالحة، إذ نظر إليها سرّته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته)، ورواه ابن جرير عن أبي هريرة..
٩ - البيت للأعشى، وهذا عجزه، وهو بتمامه:
فإما تريني ولي لمّة فإن الحوادث أودى بها..

١٠ - من الآية (٣٨) من سورة (المائدة)..
١١ - البيت لأبي محجن الثقفي رضي الله عنه، وقبله:
إذا متّ فادفني إلى أصل كرمة تروي عروقي بعد موتي عروقها
.

١٢ - أي أن الخوف هنا ضد الأمن، فالمعنى: يحذرون ويتوقعون، وقيل: الخوف على بابه من بعض الظن- قال الشاعر:
أتاني كلام من نصيب يقوله وما خفت يا سلام أنك عاتبي
أي: وما ظننت-وفي الحديث: (أمرت بالسواك حتى خفت لأدردن)..

١٣ - في بعض النسخ: "تعرج"، ولا معنى لها هنا- ولعلها سهو من الناسخ..
١٤ - قال ابن دريد: نشزت المرأة ونشست ونشصت بمعنى وحد، وقال أبو منصور اللغوي: النشوز كراهية كل واحد من الزوجين صاحبه، يقال: نشزت تنشز فهي ناشز بغير هاء، ونشصت تنشص وهي السيئة للعشرة، وقال ابن فارس: نشزت المرأة: استصعبت على بعلها، ونشز بعلها عليها إذا ضربها وجفاها. وتجللها: يريد تزوجها. وفي الديوان: تقمّرها..
١٥ - ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)، وقوله: (أيما امرأة باتت هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح)، وقال: (لا تمنعه نفسها ولو كانت على ظهر قتب)..
١٦ - أخرجه مسلم عن ابن مسعود، وفي بعض الروايات ما يوضح أن ابن مسعود كان يضرب غلامه، فسمع صوتا يقول: "اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود"، قال ابن مسعود: فصرفت وجهي...الخ..
قسمت هذه الآية النساء تقسيماً عقلياً، لأنها إما طائعة، وإما ناشزة، والنشز إما من يرجع إلى الطواعية، وإما من يحتاج إلى الحكمين، واختلف المتأولون أيضاً في الخوف ها هنا حسب ما تقدم، ولا يبعث الحكمان إلا مع شدة الخوف، و «الشقاق » :مصدر شاق يشاق، وأجري «البين » مجرى الأسماء وأزيل عنه الظرفية، إذ هو بمعنى حالهما وعشرتهما وصحبتهما، وهذا من الإيجاز الذي يدل فيه الظاهر على المقدر، واختلف من المأمور ب «البعثة »، فقيل :الحاكم، فإذا أعضل على الحاكم أمر الزوجين، وتعاضدت عنده الحجج، واقترنت الشبه، واغتم وجه الإنفاذ على أحدهما، بعث حكمين من الأهل ليباشرا الأمر، وخص الأهل لأنهم مظنة العلم بباطن الأمر، ومظنة الإشفاق بسبب القرابة، وقيل :المخاطب الزوجان وإليهما تقديم الحكمين، وهذا في مذهب مالك، والأول لربيعة وغيره١.
واختلف الناس في المقدار الذي ينظر فيه الحكمان، فقال الطبري :قالت فرقة :لا ينظر الحكمان إلا فيما وكلهما به الزوجان وصرحا بتقديمهما عليه، ترجم بهذا ثم أدخل عن علي غيره، وقال الحسن بن أبي الحسن وغيره :ينظر الحكمان في الإصلاح، وفي الأخذ والإعطاء، إلا في الفرقة فإنها ليست إليهما، وقالت فرقة :ينظر الحكمان في كل شيء، ويحملان على الظالم، ويمضيان ما رأياه من بقاء أو فراق، وهذا هو مذهب مالك والجمهور من العلماء، وهو قول علي بن أبي طالب في المدونة وغيرها، وتأول الزجّاج عليه غير ذلك، وأنه وكل الحكمين على الفرقة، وأنها للإمام، وذلك وهم من أبي إسحاق٢.
واختلف المتأولون في من المراد بقوله : ﴿ إن يريدا إصلاحاً ﴾ فقال مجاهد وغيره :المراد الحكمان، أي إذا نصحا وقصدا الخير بورك في وساطتهما، وقالت فرقة :المراد الزوجان، والأول أظهر، وكذلك الضمير في ﴿ بينهما ﴾، يحتمل الأمرين والأظهر أنه للزوجين، والاتصاف ب «عليم خبير » يشبه ما ذكر من إرادة الإصلاح.
١ - قال أبو حيان: "وأبعد من ذهب إلى أنه خطاب للأزواج، إذ لو كان خطابا للأزواج لقال: وإن خافا شقاق بينهما فليبعثا، أو لقال: فإن خفتم شقاق بينكم، لكنه انتقال من خطاب الأزواج إلى خطاب من له الحكم والفصل بين الناس". ثم قال: والضمير في [بينهما] عائد على الزوجين ولم يجر ذكرهما لكن جرى ما يدل عليهما من ذكر الرجال والنساء. والحكم: هو من يصلح للحكومة بين الناس والإصلاح." البحر المحيط٣/٢٤٣..
٢ - روى الدارقطني من حديث محمد بن سيرين بن عبيدة في هذه الآية: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله، وحكما من أهلها﴾ قال:جاء رجل وامرأة إلى علي مع كل واحد منهما فئام (جماعة) من الناس، فأمرهم فبعثوا حكما من أهله، وحكما من أهلها، وقال للحكمين: هل تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما عليّ فيه ولي، وقال الزوج: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت، والله لا تبرح حتى تقر بمثل الذي أقرت به. اهـ قال القرطبي تعليقا على هذا الخبر: وهذا إسناد صحيح ثابت روي عن علي من وجوه ثابتة عن ابن سيرين عن عبيدة. اهـ. ولهذا قال ابن عطية: وذلك وهم من أبي إسحاق. يعني الزجاج فيما تأوله على قول الإمام علي رضي الله عنه..
«الواو » لعطف جملة الكلام على جملة غيرها، والعبادة :التذلل بالطاعة، ومنه :طريق معبد، وبعير معبد، إذا كانا معلمين، و ﴿ إحساناً ﴾ نصب على المصدر، والعامل فعل مضمر تقديره :وأحسنوا بالوالدين إحساناً، وما ذكر الطبري أنه نصب بالإغراء خطأ، والقيام بحقوق الوالدين اللازمة لهما من التوقير والصون والإنفاق إذا احتاجا واجب، وسائر ذلك من وجوه البر والألطاف، وحسن القول، والتصنع لهما مندوب إليه مؤكد فيه، وهو البر الذي تفضل فيه الأم على الأب، حسب قوله عليه السلام للذي قال له من أبر ؟ قال أمك. قال ثم من ؟ قال أمك. قال ثم من ؟ قال أمك :قال ثم من ؟ قال أباك، ثم الأقرب فالأقرب، وفي رواية :ثم أدناك أدناك١، وقرأ ابن أبي عبلة «إحسان » بالرفع٢.
و«ذو القربى » :هو القريب النسب من قبل الأب والأم، وهذا من الأمر بصلة الرحم وحفظها، ﴿ واليتامى ﴾ :جمع يتيم، وهو فاقد الأب قبل البلوغ، وإن ورد في كلام العرب يتم من قبل الأم فهو مجاز واستعارة، ﴿ والمساكين ﴾ :المقترون من المسلمين الذين تحل لهم الزكاة، وجاهروا بالسؤال، واختلف في معنى ﴿ الجار ذي القربى ﴾ وفي معنى ﴿ الجنب ﴾، فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وغيرهم :الجار ذو القربى هو الجارالقريب النسب، و ﴿ الجار الجنب ﴾ هو الجار الأجنبي الذي لا قرابة بينك وبينه٣، وقال نوف الشامي :الجار ذو القربى هو الجار المسلم، و ﴿ الجار الجنب ﴾ هو الجار اليهودي أو النصراني، فهي عنده قرابة الإسلام وأجنبية الكفر، وقالت فرقة :الجار ذو القربى هو الجار القريب المسكن منك، والجار الجنب هو البعيد المسكن منك، وكأن هذا القول منتزع من الحديث، قالت عائشة، يا رسول الله إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي ؟ قال إلى أقربهما منك باباً٤، واختلف الناس في حد الجيرة، فقال الأوزاعي :أربعون داراً من كل ناحية جيرة، وقالت فرقة :من سمع إقامة الصلاة فهو جار ذلك المسجد، وبقدر ذلك في الدور وقالت فرقة :من ساكن رجلاً في محلة أو مدينة فهو جاره، والمجاورة مراتب بعضها ألصق من بعض، أدناها الزوج كما قال الأعشى : [ الطويل ]
أَيَا جَارَتِي بِينِي. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ٥
وبعد ذلك الجيرة الخلط، ومنه قول الشاعر : [ البسيط ]
سَائِلْ مُجَاوِرَ جرْمٍ هَلْ جَنَيت لَها حَرْباً تُفَرِّقُ بَيْنَ الْجِيرَةِ الخُلُطِ٦
وحكى الطبري عن ميمون بن مهران :أن الجار ذا القربى أريد به جار القريب، وهذا خطأ في اللسان، لأنه جمع على تأويله بين الألف واللام والإضافة، وكأن وجه الكلام وجار ذي القربى٧، وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة «والجار ذا القربى » بنصب الجار، وحكى مكي عن ابن وهب أنه قال عن بعض الصحابة في ﴿ الجار الجنب ﴾ :إنها زوجة وروى المفضل عن عاصم أنه قرأ «والجار الجَنْبِ » بفتح الجيم وسكون النون، و ﴿ الجنب ﴾ في هذه الآية معناه :
البعيد، والجنابة البعد، ومنه قول الشاعر وهو الأعشى : [ الطويل ]
أَتيْتُ حُرَيثاً زائراً عَنْ جنابة. فَكانَ حُرَيْثٌ عَنْ عَطَائيَ جَامِدا٨
ومنه قول الآخر، وهو علقمة بن عبدة : [ الطويل ]
فلا تحرمنّي نائلاً عن جنابة فإني امرؤٌ وَسْطَ القِبَابِ غَرِيبُ٩
وهو من الاجتناب، وهو أن يترك الشيء جانباً، وسئل أعرابي عن ﴿ الجار الجنب ﴾، فقال :هو الذي يجيء فيحل حيث تقع عينك عليه، قال أبو علي :جنب صفة كناقة أجد١٠، ومشية سجح١١، وجنب التطهر مأخوذ من الجنب١٢.
وقال ابن عباس وابن جبير وقتادة ومجاهد والضحاك :الصاحب بالجنب هو الرفيق في السفر، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وابن مسعود وابن أبي ليلى وإبراهيم النخعي :الصاحب بالجنب الزوجة وقال ابن زيد :هو الرجل يعتريك ويلم بك لتنفعه، وأسند الطبري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه رجل من أصحابه، وهما على راحلتين، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم غيضة١٣ فقطع قضيبين، أحدهما معوج وخرج فأعطى صاحبه القويم وحبس هو المعوج، فقال له الرجل :كنت يا رسول الله أحق بهذا، فقال له :يا فلان إن كل صاحب يصحب آخر فإنه مسؤول عن صحبته ولو ساعة من نهار )١٤.
وقال المفسرون :ابن السبيل هو المسافر على ظهر طريقه، وسمي ابنه للزومه له كما قيل ابن ماء للطائر الملازم للماء، ومنه قول النبي عليه السلام : «لا يدخل الجنة ابن زنى » أي :ملازمه الذي يستحق بالمثابرة عليه أن ينسب إليه، وذكر الطبري أن مجاهداً فسره بأنه المار عليك في سفره، وأن قتادة وغيره فسره بأنه الضيف.
قال القاضي أبو محمد :وهذا كله قول واحد، ﴿ وما ملكت أيمانكم ﴾١٥ يريد العبيد الأرقاء، ونسب الملك إلى اليمين إذ هي في المعتاد جارحة البطش والتغلب والتملك، فأضيفت هذه المعاني وإن لم تكن بها إليها تجوزاً والعبيد موصى بهم في غير ما حديث يطول ذكرها، ويغنى عن ذلك اشتهارها١٦.
ومعنى ﴿ لا يحب ﴾ في هذه الآية لا تظهر عليه آثار نعمه في الآخرة ولا آثار حمده في الدنيا، فهي المحبة التي هي صفة فعل أبعدها عمن صفته الخيلاء والفخر، يقال خال الرجل يخول خلاً إذا تكبر وأعجب بنفسه، وأنشد الطبري : [ المتقارب ]
فَإنْ كَنْتَ سَيِّدَنَا سُدْتَنَا وإنْ كُنْتَ لِلْخَالِ فاذهَبْ فَخَلْ١٧
قال القاضي أبو محمد :ونفي المحبة عمن هذه صفته ضرب من التوعد، وخص هاتين الصفتين هنا إذ مقتضاهما العجب والزهو، وذلك هو الحامل على الإخلال بالأصناف الذين تقدم أمر الله بالإحسان إليهم، ولكل صنف نوع من الإحسان يختص به، ولا يعوق عن الإحسان إليهم إلا العجب أو البخل، فلذلك نفى الله محبته عن المعجبين والباخلين على أحد التأويلين حسبما نذكره الآن بعد هذا، وقال أبو رجاء الهروي :لا تجده سيء الملكة إلا وجدته مختالاً فخوراً، ولا عاقاً إلا وجدته جباراً شقياً، والفخر عد المناقب تطاولاً بذلك١٨.
١ -روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحق بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك)، وقال العلماء: أحق الناس بعد الخالق المنان بالشكر والإحسان من قرن الله الإحسان إليه بعبادته وطاعته، وشكره بشكره، وهما الوالدان، قال تعالى: ﴿أن اشكر لي =ولوالديك﴾، وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رضى الرب في رضى الوالدين، وسخطه في سخط الوالدين)..
٢ - على معنى: واجب الإحسان إليهما. أو هو مبتدأ وخبر فيه ما في المنصوب من معنى الأمر وإن كان جملة خبرية نحو قوله تعالى: ﴿فصبر جميل﴾..
٣ - أي: الغريب، قال بلعاء بن قيس:
لا يجتوينا مجاور أبــــدا ذو رحم أو مجاور جنب
وأنشد ابن الأعرابي:
هل في القضية أن إذا استغنيتم وأمنتم فأنا البعيد الأجنب؟.

٤ - أخرجه البخاري في الأدب، والحاكم وصححه – عن عائشة. الدر المنثور ٢/١٨٥..
٥ - البيت كاملا هو قوله:
أيا جارتي بيني فإنك طالقه كذاك أمور الناس غاد وطارقه
وروي: أيا جارتا- وكذلك روي: أجارتنا..

٦ - البيت لوعلة الجرمي. والخلط: جمع خليط وهم القوم الذين أمرهم واحد. كانوا ينتجعون أيام الكلأ فتجتمع منهم قبائل شتى في مكان واحد فتقع بينهم ألفة. (اللسان)..
٧ - قال أبو حيان: "يمكن تصحيح قول ميمون على ألا يكون جمعا بين الألف واللام والإضافة على ما زعم ابن عطية، بأن يكون قوله: [ذي القربى] بدلا من قوله: [والجار] على حذف مضاف، والتقدير: والجار جار ذي القربى، فحذف (جار) لدلالة (الجار) عليه، وقد حذفوا البدل في مثل هذا، قال الشاعر:
رحم الله أعظما دفنوها بسجستان طلحة الطلحات
يريد: أعظم طلحة الطلحات..

٨ - كذلك روي البيت في ديوان الأعشى، وفي تفسير القرطبي، ولكن جاء في تفسير الطبري:
................... فكان حريث في عطائي جاهدا..

٩ - قال علقمة هذا يخاطب الحارث بن جبلة ويمدحه، ويطلب منه إطلاق سراح أخيه (شاسا) من سجنه الذي حبسه فيه الحارث بعد أسره، وهذا هو المراد بقوله في البيت (نائلا) -وقد أطلقه الحارث هو ومن أسر معه من بني تميم- "عن اللسان"، ومثل هذا البيت والذي قبله:
إذا ما رأوني مقبلا عن جنابة يقولون: من هذا وقد عرفوني..

١٠ - في اللسان: ناقة مؤجدة: موثقة الخلق، وأجد: متصلة الفقار تراها كأنها عظم واحد، وناقة أجد: أي: قوية موثقة الخلق. ولا يقال للجمل: أجد..
١١ - يقال: مشى فلان مشيا سجحا وسجيحا، ومشية سجح أي: سهلة، وورد في حديث علي يحرض أصحابه على القتال: (وامشوا إلى الموت مشية سجحا). قال حسان:
دعوا التخاجد وامشوا مشية سجحا إن الرجال ذوو عصب وتذكير..

١٢ - الذي في اللسان: "الرجل جنب من الجنابة" – وقال: "الجنابة: المني- وفي التنزيل: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ قال الأزهري: إنما قيل له جنب لأنه نهي أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر، وقيل: لمجانبته الناس ما لم يغتسل. وقيل: من الجنب، كأنه ضاجع ومسّ بجنبه جنبا..
١٣ - الغيضة (بالفتح): الأجمة ومجتمع الشجر في مغيض ماء..
١٤ - أخرجه ابن جرير من طريق ابن أبي فديك، عن فلان ابن عبد الله، عن الثقة عنده، وفيه-كما في تفسير الطبري، وفي الدر المنثور-: (فقال له: كلا يا فلان)، بزيادة (كلا) التي سقطت من ابن عطية هنا..
١٥ - وقعت [ما) على العاقل باعتبار النوع، كقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾ وقيل: إن [ما] أعم من (من) فتشمل الحيوانات على إطلاقها من عبيد وغيرهم، والحيوانات غير الأرقاء أكثر في يد الإنسان من الأرقاء، فغلب جانب الكثرة، وأمر الله تعالى بالإحسان إلى كل مملوك من آدمي وحيوان وغيره، البحر المحيط ٣/ ٢٤٥..
١٦ - من ذلك ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق). وروى مسلم أيضا عن المعرور بن سويد قال: مررنا بأبي ذر بالربذة، وعليه برد وعلى غلامه مثله، فقلنا: يا أبا ذر، لو جمعت بينهما كانت حلّة، فقال: إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام، وكانت أمة أعجمية فعيرته بأمه، فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلقيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية). فقلت: يا رسول الله، من سبّ الرجال سبّوا أباه وأمه. فقال: (يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية، هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم)..
١٧ - البيت في اللسان مادة (خيل)، ولم ينسبه، بل قال: قال الشاعر، ثم روى عن ابن بري أنه قال: "وروي البيت: فاذهب فخل، بضم الخاء، لأن فعله خال يخول، قال: وكان حقه أن يذكر في (خول)، وإنما ذكره الجوهري هنا لقولهم: الخيلاء، قال: وقياسه: الخولاء. ثم قال: والشاعر رجل من عبد القيس. اهـ..
١٨ - أخرجه البغوي، وابن قانع في معجم الصحابة، والطبراني، وابن مردويه عن ثابت ابن قيس بن شماس قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نقرأ هذه الآية: (إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا)، فذكر الكبر فعظمه، فبكى ثابت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يبكيك؟) فقال: يا رسول الله، إني لأحب الجمال حتى إنه ليعجبني أن يحسن شراك نعلي، قال: (فأنت من أهل الجنة، إنه ليس بالكبر أن تحسن راحلتك ورحلك، ولكن الكبر من سفه الحق وغمص الناس). الدر المنثور ٢/١٢٦..
قالت فرقة ﴿ الذين ﴾ في موضع نصب بدل من ﴿ من ﴾ في قوله ﴿ من كان مختالاً فخوراً ﴾١ ومعناه على هذا : «يبخلون بأموالهم ويأمرون الناس » يعني إخوانهم، ومن هو مظنة طاعتهم بالبخل بالأموال، فلا تنفق في شيء من وجود الإحسان إلى من ذكر، ﴿ ويكتمون ما آتاهم من فضله ﴾، يعني :من الرزق والمال، فيجيء على هذا أن الباخلين منفية عنهم محبة الله، والآية إذاً في المؤمنين، فالمعنى :أحسنوا أيها المؤمنون إلى من سمي، فإن الله لا يحب من فيه الخلال المانعة من الإحسان إليهم من المؤمنين، وأما الكافرون فإنه أعد لهم ﴿ عذاباً مهيناً ﴾، ففصل توعد المؤمنين من توعد الكافرين، بأن جعل الأول عدم المحبة، والثاني ﴿ عذاباً مهيناً ﴾ وقالت فرقة : ﴿ الذين ﴾ - في موضع بالابتداء، والخبر محذوف، تقديره بعد قوله ﴿ من فضله ﴾ معذبون أو مجازون أو نحوه، وقال الزجّاج :الخبر في قوله تعالى : ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ [ النساء :٤٠ ] وفي هذا تكلف ما، والآية على هذا كله في كفار، وقد روي :أنها نزلت في أحبار اليهود بالمدينة، فإنهم بخلوا بالإعلام بصفة محمد عليه السلام، وبما عندهم من العلم في ذلك وأمروا الناس بالبخل على جهتين، بأن قالوا لأتباعهم وعوامهم :اجحدوا أمر محمد، وابخلوا به، وبأن قالوا للأنصار :لم تنفقون أموالكم على هؤلاء المهاجرين فتفتقرون ؟ ونحو هذا مروي عن مجاهد وحضرمي وابن زيد وابن عباس. وحقيقة «البخل » :منع ما في اليد، والشح :هو البخل الذي تقترن به الرغبة فيما في أيدي الناس، «وكتمان الفضل » هو على هذا :كتمان العلم، والتوعد بالعذاب المهين لهم، وقرأ عيسى ابن عمر والحسن «بالبُخْل » بضم الباء والخاء، وقرأ الجمهور بضم الباء وسكون الخاء، وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي الحديد «بالبَخَل » بفتح الباء والخاء، وقرأ ابن الزبير وقتادة وجماعة :بفتح الباء وسكون الخاء، وهي كلها لغات، ﴿ وأعتدنا ﴾ معناه :يسرنا وأعددنا وأحضرنا، والعتيد، الحاضر، والمهين :الذي يقترن به خزي وذل، وهو أنكى وأشد على المعذب.
١ - ولا يكون صفة، لأن (من) و(ما) لا يوصفان ولا يوصف بهما، ويجوز أن يكون في موضع رفع بدلا من المضمر الذي في [فخورا]. ويجوز أن يكون ابتداء والخبر محذوف، أي: الذين يبخلون لهم كذا، أو يكون الخبر [إن الله لا يظلم مثقال ذرة]، ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار (أعني)، فتكون الآية في المؤمنين، فتجيء الآية –على هذا التأويل- أن الباخلين منفية عنهم محبة الله، فأحسنوا أيها المؤمنون إلى من سمي فإن الله لا يحب من فيه الخلال المانعة من الإحسان. هذا وقد ذكر ابن عطية بعض هذه الأوجه وترك بعضها..
وقوله تعالى : ﴿ والذين ينفقون ﴾ الآية - قال الطبري : ﴿ الذين ﴾ في موضع خفض عطف على الكافرين، ويصح أن يكون في موضع رفع عطفاً على ﴿ الذين يبخلون ﴾ على تأويل :من رآه مقطوعاً ورأى الخبر محذوفاً، وقال :إنها نزلت في اليهود، ويصح أن يكون في موضع رفع على العطف وحذف الخبر، وتقديره :بعد اليوم الآخر معذبون، وقال مجاهد :نزلت هذه الآية في اليهود، قال الطبري :وهذا ضعيف، لأنه نفى عن هذه الصفة الإيمان بالله واليوم الآخر، واليهود ليسوا كذلك.
قال القاضي أبو محمد :وقول مجاهد متجه على المبالغة والإلزام، إذ إيمانهم باليوم الآخر كلا إيمان من حيث لا ينفعهم، وقال الجمهور :نزلت في المنافقين، وهذا هو الصحيح، وإنفاقهم :هو ما كانوا يعطون من زكاة، وينفقون في السفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، «رياء » ودفعاً عن أنفسهم، لا إيماناً بالله، ولا حباً في دينه ﴿ ورثاء ﴾ نصب على الحال من الضمير في ﴿ ينفقون ﴾ والعامل ﴿ ينفقون ﴾ ويكون قوله : ﴿ ولا يؤمنون ﴾ في الصلة، لأن الحال لا تفرق إذا كانت مما هو في الصلة، وحكى المهدوي :أن الحال تصح أن تكون من ﴿ الذين ﴾ فعلى هذا يكون ﴿ ولا يؤمنون ﴾ مقطوعاً ليس من الصلة، والأول أصح، وما حكى المهدوي ضعيف، ويحتمل أن يكون ﴿ ولا يؤمنون ﴾ في موضع الحال، أي :غير مؤمنين، فتكون الواو واو الحال.
و «القرين » :فعيل بمعنى فاعل، من المقارنة وهي الملازمة والاصطحاب١، وهي هاهنا مقارنة مع خلطة وتواد، والإنسان كله يقارنه الشيطان، لكن الموفق عاص له، ومنه قيل لما يلزمان الإبل والبقر قرينان، وقيل للحبل الذي يشدان به :قرن، قال الشاعر : [ البسيط ]
كَمُدْخِلٍ رأَسَهُ لَمْ يُدْنِهِ أَحَدٌ بَيْنَ القَرِينَيْنِ حَتّى لزَّهُ الْقَرَنُ٢
فالمعنى :ومن يكن الشيطان له مصاحباً وملازماً، أو شك أن يطيعه فتسوء عاقبته، و ﴿ قريناً ﴾ نصب على التمييز، والفاعل ل «ساء » مضمر، تقديره ساء القرين قريناً، على حد بئس، وقرن الطبري هذه الآية بقوله تعالى : ﴿ بئس للظالمين بدلاً ﴾٣ وذلك مردود، لأن ﴿ بدلاً ﴾ حال، وفي هذا نظر٤.
١ - قال عدي بن زيد:
عن المرء لا تسأل، وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
والقرين فعيل بمعنى المقارن، كالجليس والخليط، أي: المجالس، والمخالط. والجمع: قرناء.
.

٢ - الجمع بين دابتين في حبل هو: القرن. أما القرن (بالفتح) فهو الحبل الذي تلزان به، والشاعر يقصد بقوله: (القرينين) الحيوانين المقرونين، وكلمة (لزّ) معناها: جمع بينهما بشدة حتى ألصق أحدهما بالآخر، ومنه قول الشاعر:
وابن اللّبون إذا ما لزّ في قرن لم يستطع صولة البذل القناعيس..

٣ - من الآية (٥٠) من سورة (الكهف)..
٤ - لأن [قرينا] لا يصح أن تعرب حالا مثل (بدلا)، إذ هذا يقتضي أن يكون [ساء] متعدية، ومفعولها محذوفا، وهذا معناه أنها فعل متصرف فلا تدخله الفاء، أو تدخله مصحوبة بقد، وقد دخلت الفاء بدون قد هنا..
وقوله تعالى : ﴿ وماذا عليهم ﴾ «ما » رفع بالابتداء، «ذا » صلة، و ﴿ عليهم ﴾ خبر الابتداء، التقدير :وأي شيء عليهم ؟ ويصح أن تكون «ما » اسماً بانفرادها، و «ذا » بمعنى «الذي » ابتداء وخبر، وجواب «لو » في قوله : < ماذا> فهو جواب مقدم.
قال القاضي أبو محمد :وكأن هذا الكلام يقتضي أن الإيمان متعلق بقدرتهم، ومن فعلهم. ولا يقال لأحد :ما عليك لو فعلت إلا فيما هو مقدور له، وهذه شبهة للمعتزلة، والانفصال عنها أن المطلوب إنما هو تكسبهم واجتهادهم وإقبالهم على الإيمان، وأما الاختراع فالله المنفرد به، وفي هذا الكلام تفجع ما عليهم، واستدعاء جميل يقتضي حيطة وإشفاقاً ﴿ وكان الله بهم عليماً ﴾ إخبار يتضمن وعيداً، وينبه على سوء تواطئهم، أي :لا ينفعهم كتم مع علم الله تعالى بهم.
﴿ مثقال ﴾ مفعال من الثقل، و «الذرة » :الصغيرة الحمراء من النمل، وهي أصغر ما يكون إذا مر عليها حول، لأنها تصغر وتجري كما تفعل الأفعى، تقول العرب :أفعى جارية، وهي أشدها، وقال امرؤ القيس : [ الطويل ]
من الْقَاصِرات الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحِولٌ مِنَ الذَّرِّ فَوقَ الإتْبِ مِنْهَا لأثَّرا١
فالمحول الذي أتى عليه حول. وقال حسان : [ الخفيف ]
لو يَدبُّ الحوليُّ من ولد الذ ر عليها لأنْدَبَتْها الكلومُ٢
وعبر عن الذرة يزيد بن هارون «بأنها دودة حمراء » وهي عبارة فاسدة، وروي عن ابن عباس : «الذرة » رأس النملة، وقرأ ابن عباس «إن الله لا يظلم مثقال نملة »٣ و ﴿ مثقال ﴾ مفعول ثان ل ﴿ يظلم ﴾، والأول مضمر التقدير، أن الله لا يظلم أحداً مثقال و ﴿ يظلم ﴾ لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، وإنما عدي هنا إلى مفعولين بأن يقدر في معنى ما يتعدى إلى مفعولين، كأنه قال :إن الله لا ينقص أو لا يبخس أو لا يغصب، ويصح أن يكون نصب ﴿ مثقال ﴾ على أنه بيان وصفة لمقدار الظلم المنفي، فيجيء على هذا نعتاً لمصدر محذوف، التقدير :إن الله لا يظلم ظلماً مثقال ذرة، كما تقول :إن الأمير لا يظلم قليلاً ولا كثيراً، أي لا يظلم ظلماً قليلاً ولا كثيراً، فعلى هذا وقف ﴿ يظلم ﴾ على مفعول واحد، وقال قتادة عن نفسه، ورواه عن بعض العلماء، لأن تفضل حسناتي سيئاتي بمثقال ذرة أحب إليَّ من الدنيا جميعاً، وحذفت النون من ﴿ تكن ﴾ لكثرة الاستعمال، وشبهها خفة بحروف المد واللين، وقرأ جمهور السبعة «حسنةً » بالرفع على نقصان «كان » واسمها مضمر تقديره وإن تك زنة الذرة حسنة، وقرأ نافع وابن كثير «حسنةٌ » بالرفع على تمام «كان » التقدير :وإن تقع حسنة أو توجد حسنة، و ﴿ يضاعفها ﴾ جواب الشرط، وقرأ ابن كثير وابن عامر «يضعفها » مشددة العين بغير ألف، قال ابو علي :المعنى فيهما واحد، وهما لغتان، وقرأ الحسن «يضْعفها » بسكون الضاد وتخفيف العين، ومضاعفة الشيء في كلام العرب :زيادة مثله إليه، فإذا قلت :ضعفت فقد أتيت ببنية التكثير، وإذا كانت صيغة الفعل دون التكثير تقتضي الطي٤ مرتين فبناء التكثير يقتضي أكثر من المرتين إلى أقصى ما تريد من العدد، وإذا قلت ضاعفت فليس ببنية تكثير، ولكنه فعل صيغته دالة على الطي مرتين فما زاد، هذه أصول هذا الباب على مذهب الخليل وسيبويه، وقد ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتاب المجاز :أن «ضاعفت » يقتضي مراراً كثيرة، وضعفت يقتضي مرتين، وقال مثله الطبري ومنه نقل، ويدلك على تقارب الأمر في المعنى ما قرىء به في قوله ﴿ فيضاعفه له أضعافاً كثيرة ﴾ ٥، فإنه قرىء «يضاعفه ويضعفه » وما قرىء به في قوله تعالى : ﴿ يضاعف لها العذاب ضعفين ﴾٦ [ الأحزاب :٣٠ ] فإنها قرىء «يضعف لها العذاب ضعفين » وقال بعض المتأولين :هذه الآية خص بها المهاجرون، لأن الله أعلم في كتابه :أن الحسنة لكل مؤمن مضاعفة عشر مرار، وأعلم في هذه :أنها مضاعفة مراراً كثيرة جداً حسب ما روى أبو هريرة من أنها تضاعف ألفي ألف مرة، وروى غيره من أنها تضاعف ألف ألف مرة٧، ولا يستقيم أن يتضاد الخبران، فهذه مخصوصة للمهاجرين السابقين، حسبما روى عبد الله بن عمر :أنها لما نزلت ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾٨ في الناس كافة قال رجل :فما للمهاجرين ؟ فقال ما هو أعظم من هذا ﴿ إن الله لا يظلم ﴾٩ الآية فخصوا كما خصت نفقة سبيل الله بتضعيف سبعمائة مرة١٠، ولا يقع تضاد في الخبر، وقال بعضهم :بل وعد بذلك جميع المؤمنين، وروي في ذلك أحاديث، وهي :أن الله عز وجل يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، فينادي هذا فلان بن فلان، فمن كان له عنده حق فليقم قال :فيحب الإنسان لو كان له يومئذ الحق على أبيه وابنه، فيأتي كل من له حق فيأخذ من حسناته حتى يقع الانتصاف، ولا يبقى له إلا وزن الذرة، فيقول الله تعالى :أضعفوها لعبدي واذهبوا به إلى الجنة١١، وهذا يجمع معاني ما روي مما لم نذكره، والآية تعم المؤمنين والكافرين فأما المؤمنون فيجازون في الآخرة على مثاقيل الذر فما زاد وأما الكافرون فما يفعلون من خير فتقع المكافأة عليه بنعم الدنيا ويجيئون يوم القيامة ولا حسنة لهم، و ﴿ لدنه ﴾ معناه من عنده، قال سيبويه :ولدن :هي لابتداء الغاية، فهي تناسب أحد مواضع من، ولذلك التأما ودخلت ﴿ من ﴾ عليها١٢، والأجر العظيم :الجنة، قاله ابن مسعود وسعيد بن جبير وابن زيد، والله إذا منَّ بتفضله بلغ بعبده الغاية١٣.
١ - القاصرات الطرف: اللائي يقصرن نظرهن على أزواجهن تصونا وتعففا، والذر: صغار النمل، واحدته: ذرة، قال ثعلب: إن مائة منها وزن حبة من شعير، وقيل: ليس لها وزن، ويراد بها ما يرى في شعاع الشمس الداخل من النافذة، والمحول: الذي مرّ عليه حول كما فسره ابن عطية، والأتب: ثوب رقيق له جيب وليس له أكمام، والبيت من القصيدة التي مطلعها:
سما لك شوق بعد ما كان أقصرا وحلّت سليمى بطن قو فعرعرا.

٢ - البيت من قصيدة حسان التي مطلعها:
منع النوم بالعشاء الهموم وخيال إذ تغور النجوم
=وأراد بالحولي هنا صغير النمل، والكلوم: الجراح -جمع كلم. وهو يصف في البيت جلدها الناعم الذي يؤثر فيه صغير النمل إذا مرّ عليه لرقته..

٣ - قال أبو حيان: لعل ذلك على سبيل الشرح للذرة. ولكنه نسب القراءة لابن مسعود..
٤ - جاء في "لسان العرب"- مادة ضعف-: "وضعّف الشيء: أطبق بعضه على بعض وثناه فصار كأنه ضعف"، وهذا يفسر معنى التعبير هنا بكلمة: "الطي"..
٥ - من الآية (٢٤٥) من سورة (البقرة).
٦ - من قوله تعالى في الآية (٣٠) من سورة (الأحزاب): ﴿يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين، وكان ذلك على الله يسيرا﴾..
٧ - أخرج ابن أبي شيبة عن أبي عثمان قال: بلغني عن أبي هريرة أنه قال: "إن الله يجزي المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة"، فأتيته فسألته قال: "نعم، وألفي ألف حسنة، وفي القرآن من ذلك: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها﴾ فمن يدري مما ذلك الإضعاف". وأخرج ابن جرير عن أبي عثمان النهدي مثله، (الدر المنثور ٢/ ١٦٣).
٨ -من الآية (١٦٠) من سورة (الأنعام)..
٩ - أخرجه سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن عمر. (الدر المنثور) ٢/ ٢٦٢..
١٠ -يشير بهذا إلى الآية الكريمة من سورة البقرة ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء، والله واسع عليم﴾..
١١ - أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن مسعود، ونقله في (الدر المنثور) مع اختلاف في بعض الألفاظ..
١٢ - من مواضع (من) أن تكون لابتداء الغاية، وهي في هذا مثل (لدن)، فلما تشاكلا حسن دخول (مِن) على (لدن). وفي (لدن) لغات كثيرة، منها: لدن- بفتح وضم، ولدن- بضم وسكون، ولدْن- بفتح وسكون. ولدن-بفتح وكسر، ولدن بفتح وضم مع حذف النون، ولدى- بفتحتين مع ياء. (عن كتب اللغة)..
١٣ - أخرج ابن أبي شيبة، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة: [ويؤت من لدنه أجرا عظيما]. قال: الجنة. "الدر المنثور"-
.

تقدم في الآية قبلها الإعلام بتحقيق الأحكام يوم القيامة، فحسن بعد ذلك التنبيه على الحالة التي يحضر ذلك فيها، ويجاء فيها بالشهداء على الأمم، ومعنى الآية :أن الله يأتي بالأنبياء شهداء على أممهم بالتصديق والتكذيب، ومعنى «الأمة » في هذه الآية :غير المعنى المتعارف في إضافة الأمم إلى الأنبياء، فإن المتعارف أن تريد بأمة محمد عليه السلام جميع من آمن به وكذلك في كل نبي، وهي هنا جميع من بعث إليه من آمن منهم ومن كفر، وكذلك قال المتأولون :إن الإشارة «بهؤلاء » إلى كفار قريش وغيرهم من الكفار، وإنما خص كفار قريش بالذكر لأن وطأة الوعيد أشد عليهم منها على غيرهم و ﴿ كيف ﴾ في موضع نصب مفعول مقدم بفعل تقديره في آخر الآية :ترى حالهم، أو يكونون، أو نحوه، وقال مكي في الهداية : ﴿ جئنا ﴾ عامل في «كيف »، وذلك خطأ، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا قرأ هذه الآية فاضت عيناه، وكذلك ذرفت عيناه عليه السلام حين قرأها عليه عبد الله بن مسعود في الحديث المشهور١، وما ذكره الطبري من شهادة أمة محمد بتبليغ الرسل، وما جرى في معنى ذلك من القصص الذي ذكر مكي، كسؤال اللوح المحفوظ، ثم إسرافيل ثم جبريل، ثم الأنبياء، فليست هذه آيته، وإنما آيته ﴿ لتكونوا شهداء على الناس ﴾٢.
١ -روى البخاري عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقرأ علي"، فقلت: آقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: "إني أحب أن أسمعه من غيري"، فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت: [فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيدا]، قال: "أمسك"، فإذا عيناه تذرفان، وأخرجه مسلم، وقال بدل قوله: "أمسك": فرفعت رأسي، أو غمزني رجل إلى جنبي فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل، قال ابن كثير: "وقد روي من طرق متعددة عن ابن مسعود فهو مقطوع به"..
٢ - من قوله تعالى في الآية (١٤٢) من سورة (البقرة): ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾..
و ﴿ يومئذ ﴾ ظرف ويصح أن يكون نصب «يوم » في هذا الموضع على الظرف، على أنه معرب مع الأسماء غير المتمكنة، ويصح أن يكون نصبه على أنه مبني على النصب مع الأسماء غير المتمكنة، و «الود » إنما هو في ذلك اليوم.
وقرأ نافع وابن عامر «تسّوّى » بتشديد السين والواو، على إدغام التاء الثانية من تتسوى، وقرأ حمزة والكسائي «تسَوّى » بتخفيف السين وتشديد الواو١، على حذف التاء الثانية المذكورة، وهما بمعنى واحد، واختلف فيه، فقالت فرقة :تنشق الأرض فيحصلون فيها، ثم تتسوى هي في نفسها عليهم وبهم٢، وقالت فرقة :معناه لو تستوي هي معهم في أن يكونوا تراباً كآبائهم، فجاء اللفظ على أن الأرض هي المستوية معهم، والمعنى إنما هو أنهم يستوون مع الأرض، ففي اللفظ قلب يخرج على نحو اللغة التي حكاها سيبويه، أدخلت القلنسوة في رأسي وأدخلت فمي في الحجر، وما جرى مجراه، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو «تُسوى » على بناء الفعل للمفعول الذي لم يسم فاعله، فيكون الله تعالى يفعل ذلك على حسب المعنيين المتقدمين، قال أبو علي :إمالة الفتحة إلى الكسرة والألف إلى الياء في «تسوى » حسنة.
قالت طائفة :معنى الآية أن الكفار لما يرونه من الهول وشدة المخاوف يودون أن تسوى بهم الأرض فلا ينالهم ذلك الخوف، ثم استأنف الكلام فأخبر أنهم ﴿ لا يكتمون حديثاً ﴾ لنطق جوارحهم بذلك كله، حين يقول بعضهم : ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾٣ فيقول الله :كذبتم، ثم ينطق جوارحهم فلا تكتم حديثاً، وهذا قول ابن عباس، وقال فيه :إن الله إذا جمع الأولين والآخرين ظن بعض الكفار أن الإنكار ينجي، فقالوا : ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾، فيقول الله :كذبتم، ثم ينطق جوارحهم فلا تكتم حديثاً، وهكذا فتح ابن عباس على سائل أشكل عليه الأمر٤، وقالت طائفة :مثل القول الأول، إلا أنها قالت :إنما استأنف الكلام بقوله : ﴿ ولا يكتمون الله حديثاً ﴾ ليخبر عن أن الكتم لا ينفع، وإن كتموا، لأن الله تعالى يعلم جميع أسرارهم وأحاديثهم، فمعنى ذلك :وليس ذلك المقام الهائل مقاماً ينفع فيه الكتم.
قال القاضي أبو محمد :الفرق بين هذين القولين أن الأول يقتضي أن الكتم لا ينفع بوجه، والآخر يقتضي أن الكتم لا ينفع وقع أو لم يقع، كما تقول :هذا مجلس لا يقال فيه باطل، وأنت تريد لا ينتفع به ولا يستمع إليه، وقالت طائفة :الكلام كله متصل، ومعناه :يود الذين كفروا لو تسوى بهم الأرض، ويودون أن لا يكتموا الله حديثاً، وودهم لذلك إنما هو ندم على كذبهم حين قالوا : ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾، وقالت طائفة :هي مواطن وفرق، وقالت طائفة :معنى الآية :يود الذين كفروا أن تسوى بهم الأرض، وأنهم لم يكتموا الله حديثاً، وهذا على جهة الندم على الكذب أيضاً، كما تقول :وودت أن أعزم كذا، ولا يكون كذا على جهة الفداء، أي يفدون كتمانهم بأن تسوى بهم الأرض، و ﴿ الرسول ﴾ في هذه الآية :للجنس، شرف بالذكر وهو مفرد دل على الجمع، وقرأ أبو السمال ويحيى بن يعمر : «وعصِوا الرسول » بكسر الواو من ﴿ عصوا ﴾.
١ - أي: مع فتح التاء أيضا..
٢ - هذا رأي "أبو عبيدة" وجماعة – والباء في [بهم] بمعنى: عليهم..
٣ - من قوله تعالى في الآية (٢٣) من سورة (الأنعام): ﴿ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين﴾..
٤ -أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردوية، والبيهقي في الأسماء والصفات عن سعد بن جبير قال: (جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أرأيت أشياء تختلف عليّ في =القرآن؟ فقال ابن عباس: ما هو، أشك في القرآن؟ قال: ليس هو بالشك، ولكنه اختلاف، قال: هات ما اختلف عليك من ذلك، قال: أسمع الله يقول: [ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين}. وقال: ﴿ولا يكتمون الله حديثا﴾ فقد كتموا، وأسمعه يقول: [فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون]، ثم قال: [وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون]، الخ الحديث، وهو موجود في (الدر المنثور ٢/١٦٤)، ونقل (ابن كثير) الجزء الخاص منه بهذه الآية فقط ٢/ ٢٩١..
سبب النهي عن قرب الصلاة في حال سكر :أن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شربت الخمر عند أحدهم قبل التحريم، فيهم أبو بكر وعمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف، فحضرت الصلاة، فتقدمهم علي بن أبي طالب، فقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ [ الكافرون :١ ] فخلط فيها، بأن قال : «أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد »، فنزلت الآية، وروي أن المصلي عبد الرحمن بن عوف١.
وجمهور المفسرين على أن المراد سكر الخمر، إلا الضحاك، فإنه قال :إنما المراد سكر النوم٢.
قال القاضي أبو محمد :وهذا ضعيف، والخطاب لجميع الأمة الصاحين، وأما السكران إذا عدم الميز لسكره فليس بمخاطب في ذلك الوقت، وإنما هو مخاطب إذا صحا بامتثال ما يجب عليه، وبتكفير ما ضاع في وقت سكره من الأحكام التي تقرر تكليفه إياها قبل السكر، وليس في هذا تكليف ما لا يطاق، على ما ذهب إليه بعض الناس.
وقرأت فرقة ﴿ سكارى ﴾ جمع سكران٣، وقرأت فرقة «سَكرى » بفتح السين على مثال فعلى وقرأ الأعمش : «سُكرى » بضم السين وسكون الكاف على مثال فعلى، وقرأ النخعي «سَكرى » بفتح السين٤. قال أبو الفتح :هو تكسير سكران على سكارى، كما قالوا :روبى نياماً٥ وكقولهم :هلكى وميدى٦ في جمع هالك ومائد، ويحتمل أن يكون صفة لمؤنثة واحدة، كأن المعنى وأنتم جماعة سكرى، وأما «سُكرى » بضم السين فصفة لواحدة، كحبلى، والسكر انسداد الفهم، ومنه سكرت الماء إذا سددت طريقه، وقالت طائفة : ﴿ الصلاة ﴾ هنا العبادة المعروفة، حسب السبب في نزول الآية، وقالت طائفة : ﴿ الصلاة ﴾ هنا المراد بها موضع الصلاة والصلاة معاً لأنهم كانوا حينئذ لا يأتون المسجد إلا للصلاة، ولا يصلون إلا مجتمعين، فكانا متلازمين٧.
قال القاضي أبو محمد :وإنما احتيج إلى هذا الخلاف بحسب ما يأتي في تفسير عابري السبيل، ويظهر من قوله : ﴿ حتى تعلموا ﴾ أن السكران لا يعلم ما يقول ولذلك قال عثمان بن عفان رضي الله عنه وغيره :إن السكران لا يلزمه طلاقه، فأسقط عنه أحكام القول، لهذا، ولقول النبي عليه السلام للذي أقر بالزنى أسكران أنت ؟ فمعناه :أنه لو كان سكران لم يلزمه الإقرار.
قال القاضي أبو محمد :وبين طلاق السكران وإقراره بالزنى فرق، وذلك أن الطلاق والإقرار بالمال والقذف وما أشبهه هذا يتعلق به حقوق الغير من الآدميين، فيتهم السكران إن ادعى أنه لم يعلم، ويحكم عليه حكم العالم، والإقرار بالزنا إنما هو حق لله تعالى، فإذا ادعى فيه بعد الصحو أنه كان غير عالم دين، وأما أحكام الجنايات، فهي كلها لازمة للسكران ﴿ وأنتم سكارى ﴾ ابتداء وخبر، جملة في موضع الحال، وحكي عن ابن فورك أنه قال :معنى الآية النهي عن السكر، أي لا يكن منكم سكر، فيقع قرب الصلاة، إذ المرء مدعو إلى الصلاة دأباً، والظاهر أن الأمر ليس كذلك، وقد روي :أن الصحابة بعد هذه الآية كانوا يشربون ويقللون اثر الصبح واثر العتمة، ولا تدخل عليهم صلاة إلا وهم صاحون.
وقوله : ﴿ ولا جنباً ﴾ عطف على موضع هذه الجملة المنصوبة٨، والجنب هو غير الطاهر من إنزال أو مجاوزة ختان، هذا قول جمهور الأمة، وروي عن بعض الصحابة :لا غسل إلا على من أنزل٩، وهو من الجنابة، وهي :البعد، كأنه جانب الطهر أو من الجنب، كأنه ضاجع ومس بجنبه جنباً، وقرأت فرقة «جنْباً » بإسكان النون، و ﴿ عابري سبيل ﴾ هو من العبور أي :الخطور والجواز، ومنه :عبر السفينة النهر، ومنه :ناقة عبر السير والفلاة والمهاجرة١٠، أي تعبرها بسرعة السير، قال الشاعر :وهي امرأة : [ الكامل ]
عَيْرَانَةٌ سَرْحُ اليَدَيْنِ شِمِلَّةٌ عَبْرَ الهَوَاجِرِ كَالْهُزُفِّ الخَاضِبِ١١
وقال علي بن أبي طالب وابن عباس وابن جبير ومجاهد والحكم وغيرهم :عابر السبيل هو المسافر، فلا يصح لأحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال، إلا المسافر فإنه يتيمم، وقال ابن عباس أيضاً وابن مسعود وعكرمة والنخعي وغيرهم :عابر السبيل الخاطر في المسجد، وهو المقصود في الآية، وهذا يحتاج إلى ما تقدم من أن القول بأن الصلاة هي المسجد والمصلى، وروى بعضهم :أن سبب نزول الآية ﴿ أن قوما من الأنصار كانت أبواب دورهم شارعة في المسجد، فإذا أصابت أحدهم الجنابة اضطر إلى المرور في المسجد، فنزلت الآية في ذلك١٢، ثم نزلت { وإن كنتم مرضى ﴾ إلى آخر الآية، بسبب عدم الصحابة الماء في غزوة " المريسيع " ١٣ حين أقام على التماس العقد١٤، هكذا قال الجمهور، وقال النخعي :نزلت في قوم أصابتهم جراح ثم أجنبوا، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الاية، ذكر النقاش :أن ذلك نزل بعبد الرحمن بن عوف، والمريض المقصود في هذه الآية هو الحضري، والذي يصح له التيمم هو الذي يخاف الموت لبرد الماء وللعلة به، وهذا يتيمم بإجماع، إلا ما روي عن عطاء :أنه يتطهر وإن مات، والذي يخاف حدوث علة على علة أو زيادة علة والذي يخاف بطء برء فهؤلاء يتيممون بإجماع من المذهب فيما حفظت، والأسباب التي لا يجد المريض بها الماء هي إما عدم المناول، وإما خوف ما ذكرناه، وقال داود :كل من انطلق عليه اسم المريض فجائز له التيمم، وهذا قول خلف، وإنما هو عند علماء الأمة المجدور، والمحصوب، والعلل المخوف عليها من الماء، والمسافر في هذه الآية :هو الغائب عن الحضر، كان السفر مما تقصر فيه الصلاة أو لا تقصر، هذا مذهب مالك وجمهور الفقهاء، وقال الشافعي في كتاب الأشراف، وقال قوم :لا يتيمم إلا في سفر يجوز فيه التقصير، وهذا ضعيف.
قال القاضي أبو محمد :وكذلك قالت فرقة :لا يتيمم في سفر معصية، وهذا أيضاً ضعيف، والأسباب التي لا يجد بها المسافر الماء هي إما عدمه جملة، وإما خوف فوات الرفيق بسبب طلبه، وإما خوف على الرجل بسبب طلبه، وإما خوف سباع أو إذاية عليه، واختلف في وقت إيقاعه التيمم، فقال الشافعي :في أول الوقت، وقال أبو حنيفة وغيره :في آخر الوقت، وفرق مالك بين اليائس والعالم الطامع بإدراكه في الوقت، والجاهل بأمره جملة، وقال إسحق بن راهويه :لا يلزم المسافر طلب الماء إلا بين يديه وحوله، وقالت طائفة :يخرج من طلبه الغلوتين١٥ ونحوهما، وفي مذهب مالك يمشي في طلبه ثلاثة أميال، وقال الشافعي :يمشي في طلبه ما لم يخف فوات رفيق أو فوات الوقت.
قال القاضي أبو محمد :وهذا قول حسن، وأصل ﴿ الغائط ﴾ ما انخفض من الأرض، وكانت العرب تقصد بقضاء حاجتها ذلك الصنف من المواضع، حتى كثر استعماله في قضاء الحاجة وصار عرفه، وقرأ قتادة الزهري «من الغيْط » ساكنة الياء من غير ألف، قال ابن جني :هو محذوف من فيعل، عين هذه الكلمة واو١٦، وهذا اللفظ يجمع بالمعنى جميع الأحداث الناقضة للطهارة الصغرى، واختلف الناس في حصرها، وأنبل ما اعتقد في ذلك :أن أنواع الأحداث ثلاثة، ما خرج من السبيلين معتاداً، وما أذهب العقل، واللمس، هذا على مذهب مالك، وعلى مذهب أبي حنيفة ما خرج من النجاسات من الجسد، ولا يراعى المخرج ولا غيره، ولا يعد اللمس فيها، وعلى مذهب الشافعي ما خرج من السبيلين، ولا يراعى الاعتياد، والإجماع من الأحداث على تسعة، أربعة من الذكر، وهي البول والمني والودي والمذي، وواحد من فرج المرأة وهو دم الحيض، واثنان من الدبر، وهما الريح والغائط، وذهاب العقل كالجنون والإغماء والنوم الثقيل، فهذه تنقض الطهارة الصغرى إجماعاً، وغير ذلك كاللمس والدود يخرج من الدبر وما أشبهه مختلف فيه، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم ﴿ لامستم ﴾ وقرأ حمزة والكسائي «لمستم » وهي في اللغة لفظة قد تقع للمس الذي هو الجماع، وفي اللمس الذي هو جس اليد والقبلة ونحوه، إذ في جميع ذلك لمس، واختلف أهل العلم في موقعها هنا :فمالك رحمه الله يقول :اللفظة هنا على أتم عمومها تقتضي الوجهين، فالملامس بالجماع يتيمم، والملامس باليد يتيمم، لأن اللمس نقض وضوءه، وقالت طائفة :هي هنا مخصصة للمس اليد، والجنب لا ذكر له إلا مع الماء، ولا سبيل له إلى التيمم، وإنما يغتسل الجنب أو يدع الصلاة حتى يجد الماء، روي هذا القول عن عمر رضي الله عنه وعن عبد الله بن مسعود وغيرهما، وقال أبو حنيفة :هي هنا مخصصة للمس الذي هو الجماع، فالجنب يتيمم، واللامس باليد لم يجر له ذكر فليس بحدث، ولا هو ناقض لوضوء، فإذا قبّل الرجل امرأته للذة لم ينتقض وضوءه، ومالك رحمه الله يرى :أن اللمس ينقض إذا كان للذة، ولا ينقض إذا لم يقصد به اللذة، ولا إذا كان لابنة أو لأم، والشافعي رحمه الله يعمم لفظة ﴿ النساء ﴾، فإذا لمس الرجل عنده أمه أو ابنته على أي وجه كان انتقض وضوءه، وعدم وجود الماء يترتب للمريض وللمسافر حسبما ذكرناه، ويترتب للصحيح الحاضر بالغلاء الذي يعم جميع الأصناف، واختلف فيه، فقال الحسن :يشتري الرجل الماء بماله كله ويبقى عديماً، وهذا قول ضعيف، لأن دين الله يسر كما قال صلى الله عليه وسلم، ويريد بنا اليسر ولم يجعل علينا في الدين من حرج، وقالت طائفة :يشتري ما لم يزد على القيمة الثلث فصاعداً، وقالت طائفة :يشتري قيمة الدرهم بالدرهمين والثلاثة، ونحو هذا، وهذا كله في مذهب مالك رحمه الله، وقيل لأشهب :أيشتري القربة بعشرة دراهم ؟ فقال ما أرى ذلك على الناس.
قال القاضي أبو محمد :وقدر هذه المسألة إنما هو بحسب غنى المشتري وحاجته، والوجه عندي أن يشتري ما لم يؤذ غلاؤه، ويترتب أيضاً عدم الماء للصحيح الحاضر بأن يسجن أو يربط، وهذا هو الذي يقال فيه :إنه لم يجد ماء ولا تراباً، كما ترجم البخاري، ففيه أربعة أقوال، فقال مالك وابن نافع :لا يصلي ولا يعيد، وقال ابن القاسم :يصلي ويعيد، وقال أشهب :يصلي ولا يعيد وقال اصبغ :لا يصلي ويقضي، إذا خاف الحضري فوات الوقت إن تناول الماء، فلمالك رحمه الله قولان في المدونة :إنه يتيمم ولا يعيد، وقال :إنه يعيد، وفي الواضحة وغيرها عنه :أنه يتناول الماء ويغتسل وإن طلعت الشمس. وعلى القول بأنه يتيمم ولا يعيد إذا بقي من الوقت شيء بقدر ما كان يتوضأ ويصلي ركعة، فقيل :يعيد، وقيل :لا يعيد، ومعنى قوله ﴿ فتيمموا ﴾ في اللغة :اقصدوا، ومنه قول امرىء القيس [ الطويل ]
تَيَمَّمَتِ الْعَيْنَ التي عِنْدَ ضَارِجٍ. . . يفيءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عُرْمُضُها طَامي١٧
ومنه قول أعشى بني ثعلبة : [ المتقارب ]
تَيَمَّمْت قَيْساً وَكَمْ دُونَهُ. . . مِنَ الأَرْضِ مِنْ مَهْمَهٍ ذي شَزَنْ١٨
ثم غلب هذا الاسم في الشرع على العبادة المعروفة، والصعيد في اللغة :وجه الأرض، قاله الخليل وغيره، ومنه قول ذي الرمة : [ البسيط ]
كأَنَّه بالضُّحى تَرمي الصَّعيدَ بِهِ دَبَّابَةٌ في عِظَامِ الرَّأسِ خُرْطُومُ١٩
واختلف الفقهاء فيه من أجل تقييد الآية إياه بالطيب، فقالت طائفة :يتيمم بوجه الأرض، تراباً كان أو رملاً أو حجارة أو معدناً أو سبخة، وجعلت «الطيب » بمعنى الطاهر، وهذا مذهب مالك، وقالت طائفة منهم :«الطي
١ - أخرج عبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، والحاكم وصححه، عن علي بن أبي طالب قال: (صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموني، فقرأت: قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون، فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ [الدر المنثور]..
٢ - حجته في ذلك ما رواه البخاري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف فلينم حتى يعلم ما يقول)، وابن عطية يرى أن قول الضحاك ضعيف لأن الحديث يعطي حكما آخر، وليس شرحا للآية..
٣ - نحو: ندمان وندامى، وهو جمع تكسير- عن "البحر المحيط" ٣/ ٢٥٥- أما قراءة الجمهور فهي [سكارى] بالضم، ومذهب سيبويه أنها جمع تكسير، قال في حد تكسير الصفات: "وقد يكسرون بعض هذا على فُعالى، وذلك قول بعضهم: سكارى وعجالى، فهذا نص منه على أنه جمع، ولهذا قال أبو حيان: ووهم الأستاذ أبو الحسن ابن الباذش فنسب إلى سيبويه أنها اسم جمع، قال ابن الباذش: "وهو القياس، لأنه جاء على بناء لم يجئ عليه جمع ألبتة"..
٤ - يلاحظ أن في هذا تكرارا مع قوله قبل قليل: "وقرأت فرقة: [سَكْرى] بفتح السين على مثال: فعلى"..
٥ - جاء في اللسان: "وقال سيبويه (عن معنى قوم روْبَى): "هم الذين أسخنهم السفر والوجع فاستثقلوا نوما، ويقال: شربوا من الرائب فناموا، قال بشر:
فأما تميم، تميم بن مرّ فألفاهم القوم روْبى نياما
ثم قال: "وهو في الجمع شبيه بهلكى وسكْرى، واحدهم: روْبان، وقال الأصمعي: واحدهم: رائب، مثل مائق وموقى، وهالك وهلكى..

٦ - الميد: ما يصيب من الحيرة عن السكر، أو الغثيان، أو ركوب البحر، وقد ماد فهو مائد، من قوم ميدى كرائب ورَوْبى، قال الفراء: سمعت العرب تقول: الميْدى: الذين أصابهم الميْد من الدوار (اللسان)..
٧ - القول الأول هو قول أبي حنيفة، والثاني هو قول الشافعي، وترتب على ذلك الاختلاف في معنى قوله تعالى بعد ذلك: [ولا جنبا إلا عابري سبيل] كما سيأتي..
٨ - قال أبو (ح) في "البحر المحيط": هذه حالة معطوفة على قوله: [وأنتم سكارى] إذ هي جملة حالية، والجملة الاسمية أبلغ لتكرار الضمير، فالتقييد بها أبلغ في الانتفاء منها من التقييد بالمفرد الذي هو [ولا جنبا]، ودخول (لا) دال على مراعاة كل قيد منهما بانفراده، وإذا كان النهي عن إيقاع الصلاة مصاحبة لكل حال بانفراده فالنهي عن إيقاعهما بهما مجتمعين أدخل في الحظر. اهـ ٣/ ٢٥٦..
٩ - لقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الماء من الماء) أخرجه مسلم، وفي البخاري عن أبي بن كعب أنه قال: (يا رسول الله، إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل؟ قال: يغسل ما مس المرأة منه، ثم يتوضأ ويصلي). قال أبو عبد الله "يعني البخاري": الغسل أحوط، وذلك الآخر "يريد الرأي الآخر الدال على عدم الغسل" إنما بيناه لاختلافهم، وأخرجه مسلم بمعناه في صحيحه. قال أبو إسحاق: "هذا منسوخ"، وقال الترمذي: "كان هذا الحكم في أول الإسلام ثم نسخ"، وقد كان هناك خلاف بين الصحابة في هذا الموضوع، ثم رجعوا فيه إلى رواية عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان فقد وجب الغسل). أخرجه مسلم. (عن القرطبي).
١٠ - في اللسان: "وجمل عبر أسفار، وجمال عبر أسفار، يستوي فيه الواحد والجمع والمؤنث، مثل الفلك، وكذلك عبر أسفار، وناقة عبر أسفار وسفر، وعبر، وعبر: قوية على السفر، تشق ما مرت به، وتقطع الأسفار عليها"..
١١ - العيرانة: الناجية في نشاط، أو هي الناقة الصلبة تشبيها لها بعير الوحش. والسّرح: السريعة المشي، وشملة بكسر الأول وتشديد اللام: الخفيفة السريعة المشمرة، والهزفّ: الجافي من الظلمان- أو: الطويل الريش، والخاضب: الظليم إذا أكل الربيع فاحمرت ساقاه وقوادمه..
١٢ -أخرجه ابن جرير عن يزيد بن حبيب. (الدر المنثور).
١٣ - المريسيع مصغر مرسوع: بئر أو ماء لخزاعة على يوم من الفرع، وإليه تضاف غزوة بني المصطلق..
١٤ - يريد (عقد) عائشة رضي الله عنها، وفي البخاري، والترمذي، وسيرة ابن هشام أن القلادة كانت لأسماء واستعارتها عائشة، وأنها قد انقطعت، ثم وجدوها تحت البعير..
١٥ - كل مرماة بالسهم تسمى: غلوة، والجمع: غلوات وغلاء، وفي المثل: جري المذكيات غلاء، ويقال: غلا بالسهم غلوا وغلوا: رفع يديه لأقصى الغاية، وغلا السهم: ارتفع في ذهابه وجاوز المدى. (القاموس المحيط)..
١٦ - وهي في هذا مثل: ميّت- وقيل: غيط مصدر، إذ قالوا: غاط يغيط، أما (الغائط) فجمعه: الغيطان أو الأغواط، وبه سميت غوطة دمشق..
١٧ - البيت في وصف ناقته، أو بعض الحمر الوحشية. ومعنى تيممت: قصدت، وضارج: اسم موضع في بلاد بني عبس، والعرمض: الطحلب، وقيل: بل الخضرة على الماء، أما الطحلب فيكون كأنه نسيج العنكبوت، وطامي: مرتفع..
١٨ - المهمه: المفازة البعيدة، والجمع: مهامهْ، والشزن: الأرض الغليظة والجمع: شزن وشزون. قال الصاغاني: الرواية: تيمم قيسا إلخ، على الفعل المضارع، أي تيمم ناقتي، أي: تقصد. وقبله
فأفنيتها وتعاللتها على صحصح كرداء الردن
ومثل البيتين اللذين أوردهما المؤلف قول حُميد بن ثور:
سل الربع أنى يممت أم طارق وهل عادة للربع أن يتكلما.

١٩ - الصعيد: التراب، أو وجه الأرض، قال تعالى: [فتصبح صعيدا زلقا]، والدبابة: يريد بها هنا الخمر، وقد ورد في بعض النسخ (ذبابة) بالذال المعجمة، والرواية الصحيحة هي ما ذكرناه، وهكذا وردت بالقرطبي، والخرطوم: الخمر السريعة الإسكار-يقول: إن ولد الظبية لا يرفع رأسه، وكأنه رجل سكران صرعته الخمر السريعة الإسكار..
الرؤية في قوله ﴿ ألم تر ﴾ من رؤية القلب، وهي علم بالشيء، وقال قوم :معناه «الم تعلم » وقال آخرون : «ألم تخبر » وهذا كله يتقارب، والرؤية بالقلب تصل بحرف الجر وبغير حرف الجر، والمراد ب ﴿ الذين ﴾ :اليهود، قاله قتادة وغيره، ثم اللفظ يتناول معهم النصارى، وقال ابن عباس :نزلت في رفاعة بن زيد بن التابوت اليهودي١.
و﴿ أوتوا ﴾ أعطوا، و «النصيب » الحظ، و ﴿ الكتاب ﴾ :التوراة والإنجيل، وإنما جعل المعطى نصيباً في حق كل واحد منفرد، لأنه لا يحصر علم الكتاب واحد بوجه، و ﴿ يشترون ﴾ عبارة عن إيثارهم الكفر وتركهم الإيمان، فكأنه أخذ وإعطاء، هذا قول جماعة، وقالت فرقة :أراد الذين كانوا يعطون أموالهم للأحبار على إقامة شرعهم فهذا شراء على وجهه على هذا التأويل، ﴿ ويريدون أن تضلوا السبيل ﴾، معناه أن تكفروا، وقرأ النخعي، «وتريدون أن تضلوا » بالتاء منقوطة من فوق في [ تريدون ]٢.
قال القاضي أبو محمد :وهذه الآية وما بعدها، تقتضي توبيخاً للمؤمنين على استنامة٣ قوم منهم إلى أحبار اليهود، في سؤال عن دين، أو في موالاة أو ما أشبه ذلك، وهذا بيّن في ألفاظها، فمن ذلك، ﴿ ويريدون أن تضلوا ﴾، أي تدعوا الصواب في اجتنابهم، وتحسبوهم غير أعداء، والله أعلم بهم.
١ - قال ابن إسحاق: كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء يهود، إذا كلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوّى لسانه وقال: أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه فأنزل الله عز وجل: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿إلا قليلا﴾..
٢ - ويكون المعنى على هذا: إنكم تدعون الصواب وهو اجتنابهم، وتحسبونهم غير أعداء لله تعالى، وكأنكم بهذا تريدون لأنفسكم الضلال..
٣ - يريد أنهم يسكنون إليهم مثل سكون النائم، وفيها معنى الخضوع أو شبهه.
وقوله : ﴿ والله أعلم بأعدائكم ﴾ خبر في ضمنه التحذير منهم، و<بالله> في قوله : ﴿ وكفى بالله ﴾ في موضع رفع بتقدير زيادة الخافض١، وفائدة زيادته تبيين معنى الأمر في لفظ الخبر، أي اكتفوا بالله، فالباء تدل على المراد من ذلك، ﴿ ولياً ﴾ فعيلاً، و ﴿ نصيراً ﴾ كذلك، من الولاية والنصر.
١ -زيادة الباء في فاعل (كفى) مطردة: والشواهد على ذلك كثيرة، ويجوز حذفها كما قال سحيم:
*كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا*.

وقوله تعالى : ﴿ من الذين هادوا ﴾ قال بعض المتأولين ﴿ من ﴾ راجعة على ﴿ الذين ﴾ الأولى، فهي على هذا متعلقة ب ﴿ تر ﴾، وقالت طائفة، هي متعلقة ب ﴿ نصيراً ﴾ والمعنى ينصركم من الذين هادوا، فعلى هذين التاويلين لا يوقف في قوله : ﴿ نصيراً ﴾ وقالت فرقة :هي لابتداء الكلام، وفيه إضمار تقديره قوم يحرفون، هذا مذهب أبي علي، ونظيره قول الشاعر [ النابغة الذبياني ] : [ الوافر ]
كأنك مِنْ جِمَالِ أَبي أَقَيْشٍْ يُقَعْقِعُ خَلْفَ رِجْليهِ بِشَنِّ١
وقال الفراء وغيره :تقديره من، ومثله قول ذي الرمة : [ الطويل ]
فَظَلُّوا وَمِنْهُمْ دَمْعَهُ سَابِقٌ لَهُ وَآخَرُ يَثْني دَمْعَةَ الْعَيْنِ بِالْيَدِ٢
فعلى هذا التأويل يوقف في قوله : ﴿ نصيراً ﴾ وقول سيبويه أصوب لأن إضمار الموصول ثقيل، وإضمار الموصوف أسهل، و ﴿ هادوا ﴾ مأخوذ من هاد إذا تاب أو من يهود بن يعقوب وغيره التعريب، أو من التهود وهو الرويد من المشي واللين في القول، ذكر هذه كلها الخليل، وقد تقدم شرحها وبيانها في سورة البقرة، و «تحريف الكلم » على وجهين، إما بتغيير اللفظ، وقد فعلوا ذلك في الأقل، وإما بتغيير التأويل، وقد فعلوا ذلك في الأكثر، وإليه ذهب الطبري، وهذا كله في التوراة على قول الجمهور، وقالت طائفة :هو كلم القرآن، وقال مكي :كلام النبي محمد عليه السلام، فلا يكون التحريف على هذا إلا في التأويل، وقرأ النخعي وأبو رجاء :يحرفون الكلام بالألف، ومن جعل «من » متعلقة «بنصيراً » جعل «يحرفون » في موضع الحال، ومن جعلها منقطعة جعل «يحرفون » صفة، وقوله تعالى عنهم ﴿ سمعنا وعصينا ﴾ عبارة عن عتوهم في كفرهم وطغيانهم فيه، و ﴿ مسمع ﴾ لا يتصرف إلا من أسمع، و ﴿ غير مسمع ﴾ يتخرج فيه معنيان :أحدهما غير مأموروغير صاغر، كأنه قال :غير أن تسمع مأموراً بذلك، والآخر على جهة الدعاء، أي لا سمعت، كما تقول :امض غير مصيب، وغير ذلك، فكانت اليهود إذا خاطبت النبي بغير مسمع، أرادت في الباطن الدعاء عليه، وأرت ظاهراً أنها تريد تعظيمه، قال نحوه ابن عباس وغيره، وكذلك ﴿ راعنا ﴾ كانوا يريدون منه في نفوسهم معنى الرعونة، وحكى مكي معنى رعاية الماشية، ويظهرون منه معنى المراعاة، فهذا معنى «ليّ اللسان » فقال الزجّاج :كانوا يريدون :اجعل سمعك لكلامنا مرعى.
قال القاضي أبو محمد :وفي هذا جفاء لا يخاطب به نبي، وفي مصحف ابن مسعود «راعونا » ومن قال : ﴿ غير مسمع ﴾ غير مقبول منك فإنه لا يساعده التصريف٣، وقد حكاه الطبري عن الحسن ومجاهد، و ﴿ ليّاً ﴾ أصله لوياً، قلبت الواو ياء وأدغمت ﴿ وطعناً في الدين ﴾ أي توهينا له وإظهاراً للاستخفاف به.
قال القاضي أبو محمد :وهذا الليّ باللسان إلى خلاف ما في القلب موجود حتى الآن في بني إسرائيل، ويحفظ منه في عصرنا أمثلة، إلا أنه لا يليق ذكرها بهذا الكتاب، وقوله تعالى : ﴿ ولو أنهم ﴾ الآية :المعنى :لو أنهم آمنوا وسمعوا وأطاعوا، واختلف المتأولون في قوله، ﴿ وانظرنا ﴾ فقال مجاهد وعكرمة وغيرهما :معناه انتظرنا، بمعنى :افهمنا وتمهل علينا حتى نفهم عنك ونعي قولك، وهذا كما قال الحطيئة :
وَقَدْ نَظَرْتُكُمُ إيناءَ صادِرَةٍ. . . لِلْخَمْسِ طَالَ بِهَا مَسْحي وَتَنَّاسي٤
وقالت فرقة :انظر - معناه :انظر إلينا، فكأنه استدعاء اهتبال وتحف٥، ومنه قول ابن الرقيات [ الخفيف ] :
ظاهراتُ الجمالِ والْحُسْنِ يَنْظُرْ. . . نَ كَمَا تَنْظُرُ الأَرَاكَ الظِّباءُ٦
﴿ وأقوم ﴾ معناه :أعدل وأصوب، «واللعنة » :الإبعاد، فمعناه، أبعدهم من الهدى، و ﴿ قليلاً ﴾ :نعت، إما لإيمان وإما لنفر أو قوم، والمعنى مختلف، فمن عبر بالقلة عن الإيمان قال :إما هي عبارة عن عدمه على ما حكى سيبويه من قولهم :أرض قل ما تنب كذا وهي لا تنبته جملة، وإما قلل الإيمان لما قلت الأشياء التي آمنوا بها فلم ينفعهم ذلك، وذلك أنهم كانوا يؤمنون بالتوحيد ويكفرون بمحمد وبجميع أوامر شريعته ونواهيها، ومن عبر بالقلة عن النفر قال :لا يؤمن منهم إلا قليل، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، وغيرهما، وإذا قدرت الكلام نفراً قليلاً، فهو نصب في موضع الحال وفي هذا نظر.
١ - البيت للنابغة الذبياني، وروي: "من جمال بني أقيش" –وهم حي من (عكل)، وكانت جمالهن صعبة القياد، وتنفر من كل شيء تراه، وقال ابن الكلبي: هم حي من الجن، والشنُّ، القربة القديمة تكون صغيرة، ويكون الماء فيها أبرد منه في غيرها، والجمع: شنان. قال في اللسان: وفي المثل: "لا يقعقع لي بالشنان" ثم روى البيت، وفي الحديث:
أنه أمر بالماء فقرس في الشنان، أي: بردّ تبريدا شديدا، هذا والحذف هو مذهب سيبويه، وعليه أنشد النحويون:
لو قلت ما في قومها لم تيثم يفضلها في حسب ومبسم
أي: لو قلت ما في قومها أحد يفضلها، ثم حذف..

٢ - الرواية في الديوان: "ومنهم دمعه غالب له"- ولكن القرطبي رواه: "وآخر يذري عبرة العين الهمل" وهي التي تناسب القصيدة التي مطلعها:
خليلي عوجا عوجة ناقتيكما على طلل بين القرينة والحبل.
والشاهد عند الفراء أن المحذوف (من) والمعنى: "ومنهم من دمعه" فحذف الموصول، وأنكر المبرد والزجاج ذلك لأن حذف الموصول كحذف بعض الكلمة.
.

٣ - قال أبو حيان في "البحر المحيط": "وجه أن التصريف لا يساعد عليه، هو أن العرب لا تقول: أسمعتك بمعنى: قبلت منك، وإنما تقول: سمعت منك، بمعنى: قبلت، فيعبرون عن القبول بالسماع على جهة المجاز، لا بالإسماع، ولو أريد ما قاله الحسن ومجاهد لكان اللفظ: واسمع غير مسموع منك"..
٤ - هذا البيت من القصيدة المشهورة التي قالها الحطيئة لمدح (بغيض) وهجاء الزبرقان ابن بدر، وقد شكا الزبرقان الحطيئة إلى عمر بن الخطاب فحبسه، وفي البيت روايات كثيرة منها: "أثناء صادرة" و"أعشاء صادرة" و"حوزي وتنساسي" و"مسحي وإبساسي"- والإيناء: الانتظار، والصادرة: الراجعة عن الماء- يريد الإبل- والخِمس بالكسر: من إظماء الإبل ثلاثة أيام، وترد اليوم الرابع، ويُحسب يوم الصدور وهو الخامس، قال الأزهري: الخِمس أن تشرب يوم وردها، وتصدر يومها ذلك، وتظل بعد ذلك اليوم في المرعى ثلاث أيام سوى يوم الصدر، وترد اليوم الرابع، وذلك الخمس- والمسح: إمرار اليد على الإبل- والتنساس: السير الشديد. يقول: انتظرتكم كما تنتظر الإبل الصادرة التي ترد الخمس ثم تسقى لتصدر (عن اللسان)- وبعد هذا البيت يقول الحطيئة:
لما بدا لي منكم عيب أنفسكم ولم يكن لجراحي عندكم آسي.
أزمعت أمرا مريحا من نوالكم ولن ترى طاردا للحر كالياس.

٥ - اهتبل الشيء: اغتنمه إذا كان كلمة حكمة، واهتبل: كذب كثيرا، واهتبل الصيد: بغاه. وتحفى بالشيء: اعتنى به، وبالغ في العناية..
٦ - الأراك: شجر معروف، يُستاك بفروعه، قال ابن شميل: هي شجرة طويلة خضراء ناعمة كثيرة الورق والأغصان..
هذا خطاب لليهود والنصارى، و ﴿ لما معكم ﴾ معناه من شرع وملة، لا لما كان معهم من مبدل ومغير، و «الطامس » :الدائر المغير الأعلام، كما قال ذو الرمة : [ البسيط ]
من كل نضّاخَةِ الذّفرى إذا عَرِقَتْ. . . عُرْضَتُها طامسُ الأعلامِ مجهولُ١
ومن ذلك قيل للأعمى المسدودة عيناه :أعمى مطموس، وقالت طائفة : «طمس الوجوه » هنا :أن تعفى أثر الحواس فيها، وتزال الخلقة منه فيرجع كسائر الأعضاء في الخلو من أعضاء الحواس، فيكون أرد على «الأدبار » في هذا الموضع بالمعنى، أي خلوه من الحواس دبراً لكونه عامراً بها، وقال ابن عباس وعطية العوفي : «طمس الوجوه » أن تزال العينان خاصة منها وترد العينان في القفا فيكون ذلك رداً على الدبر ويمشى القهقرى، وحكى الطبري عن فرقة :أن طمس الوجوه أن تتغير أعلامها وتصير منابت للشعر، فذلك هو الرد على الدبر، ورد على هذا القول الطبري، وقال مالك رحمه الله :كان أول إسلام كعب أنه مر برجل من الليل وهو يقرأ هذه الآية : ﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم ﴾ فوضع كفيه على وجهه ورجع القهقرى إلى بيته، فأسلم مكانه، وقال :والله لقد خفت أن لا أبلغ بيتي حتى يطمس وجهي، وقال مجاهد والحسن والسدي والضحاك :ذلك تجوز، وإنما المراد به وجوه الهدى والرشد، وطمسها حتم الإضلال والصد عنها والتصيير إلى الكفر، وهو الرد على الأدبار، وقال ابن زيد :الوجوه هي أوطانهم وسكناهم في بلادهم التي خرجوا إليها، وطمسها :إخراجهم منها، والرد على الأدبار :هو رجوعهم إلى الشام من حيث أتوا أولاً، و ﴿ أصحاب السبت ﴾ :هم أهل أيلة الذين اعتدوا في السبت في الصيد، حسبما تقدم، وكانت لعنتهم أن مسخوا خنازير وقردة، قاله قتادة والحسن والسدي :وأمر الله في هذا الموضع واحد الأمور، دال على جنسها، لا واحد الأوامر، فهي عبارة عن المخلوقات كالعذاب واللعنة هنا، أو ما اقتضاه كل موضع مما يختص به.
١ - هذا البيت لكعب بن زهير من قصيدته المعروفة: "بانت سعاد" ونضاخة: كثيرة النضخ، وهو سيلان الشيء بدرجة أكثر من النضح، والذفرى من كل حيوان: العظم الشاخص خلف الأذن، وجمعه: ذفريات وذفارى، وهو أول ما يعرق من الحيوان عند الجري. والعرضة كما جاء في اللسان: "وفلانة عرضة للأزواج، أي: قوية على الزوج، وفلان عرضة للشر، أي: قوي عليه، قال كعب بن زهير: من كل نضاخة...إلخ البيت". ثم قال: "وكذلك الاثنان والجمع". وكأن المعنى أن هذه الناقعة قوية على هذا الطريق المجهول الذي طمست فيه الأعلام، وضاعت الآثار التي يهتدي بها المسافرون..
وقوله تعالى : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ الآية، هذه مسألة الوعد والوعيد، وتلخيص الكلام فيها أن يقال :الناس أربعة أصناف، كافر مات على كفره، فهذا مخلد في النار بإجماع، ومؤمن محسن لم يذنب قطّ ومات على ذلك، فهذا في الجنة محتوم عليه حسب الخبر من الله تعالى بإجماع، وتائب مات على توبته فهو عند أهل السنة وجمهور فقهاء الأمة لاحق بالمؤمن المحسن إلا أن قانون المتكلمين أنه في المشيئة، ومذنب مات قبل توبته، فهذا موضع الخلاف، فقالت المرجئة :هو في الجنة بإيمانه ولا تضره سيئاته، وبنوا هذه المقالة على أن جعلوا آيات الوعيد كلها مخصصة في الكفار، وآيات الوعد عامة في المؤمنين، تقيّهم وعاصيهم.
وقالت المعتزلة :إذا كان صاحب كبيرة فهو في النار ولا بد، وقالت الخوارج :إذا كان صاحب كبيرة أو صغيرة فهو في النار مخلد ولا إيمان له، لأنهم يرون كل الذنوب كبائر، وبنوا هذه المقالة على أن جعلوا آيات الوعد كلها مخصصة في المؤمن المحسن الذي لم يعص قط، والمؤمن التائب، وجعلوا آيات الوعيد عامة في العصاة كفاراً أو مؤمنين، وقال أهل السنة والحق :آيات الوعد ظاهرة العموم، وآيات الوعيد ظاهرة العموم، ولا يصح نفوذ كلها لوجهه بسبب تعارضها، كقوله تعالى : ﴿ لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى ﴾١ وهذه الآية هي الحاكمة ببيان ما تعارض من آيات الوعد والوعيد وقوله : ﴿ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ﴾٢ فلا بد أن نقول :إن آيات الوعد لفظها لفظ عموم، والمراد بها الخصوص في المؤمن المحسن، وفي التائب، وفيمن سبق في علمه تعالى العفو عنه دون تعذيب من العصاة، وأن آيات الوعيد لفظها عموم، والمراد بها الخصوص في الكفرة وفيمن سبق في علمه تعالى أنه يعذبه من العصاة، ونحكم بقولنا :هذه الآية النص في موضع النزاع، وهي قوله تعالى : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ فإنها جلت الشك وردت على الطائفتين، المرجئة والمعتزلة، وذلك أن قوله تعالى ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ فصل مجمع عليه، وقوله : ﴿ ويغفر ما دون ذلك ﴾ فصل قاطع بالمعتزلة راد على قولهم رداً لا محيد عنه، ولو وقفنا في هذا الموضع من الكلام لصح قول المرجئة، فجاء قوله ﴿ لمن يشاء ﴾ راداً عليهم، موجباً أن غفران ما دون الشرك إنما هو لقوم دون قوم، بخلاف ما زعموه من أنه مغفور لكل مؤمن.
قال القاضي أبو محمد :ورامت المعتزلة أن ترد هذه الآية إلى قولها، بأن قالوا : «من يشاء » هو التائب، وما أرادوه فاسد، لأن فائدة التقسيم في الآية كانت تبطل، إذ التائب من الشرك يغفر له.
قال القاضي أبو محمد :ورامت المرجئة أن ترد الآية إلى قولها بأن قالوا : ﴿ لمن يشاء ﴾ معناه :يشاء أن يؤمن، لا يشاء أن يغفر له، فالمشيئة معلقة بالإيمان ممن يؤمن، لا بغفران الله لمن يغفر له، ويرد ذلك بأن الآية تقتضي على هذا التأويل أن قوله : ﴿ ويغفر ما دون ذلك ﴾ عام في كافر ومؤمن، فإذا خصص المؤمنون بقوله ﴿ لمن يشاء ﴾ وجب أن الكافرين لا يغفر لهم ما دون ذلك، ويجازون به.
قال القاضي أبو محمد :وذلك وإن كان مما قد قيل - فهو مما لم يقصد بالآية على تأويل أحد من العلماء، ويرد على هذا المنزع بطول التقسيم، لأن الشرك مغفور أيضاً لمن شاء الله أن يؤمن.
قال القاضي أبو محمد :ومن آيات الوعيد التي احتج بها المعتزلة، قوله تعالى : ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً ﴾٣ والآية مخرجة عنهم لوجوه، منها :أن الأصح في تأويل قوله تعالى ﴿ متعمداً ﴾ ما قال ابن عباس :إنه أراد مستحلاً، وإذا استحل أحد ما حرم الله عليه فقد كفر، ويدل على ما قال ابن عباس :إنّا نجد الله تعالى في أمر القتل إذا ذكر القصاص لم يذكر الوعيد، وإذا ذكر الوعيد بالنار لم يذكر القصاص، فيظهر أن القصاص للقاتل المؤمن العاصي، والوعيد للمستحل الذي في حكم الكافر، ومنها من جهة أخرى أن الخلود إذا لم يقرن بقوله «أبداً » فجائز أن يراد به الزمن المتطاول، إذ ذلك معهود في كلام العرب، ألا ترى أنهم يحيّون الملوك بخلد الله ملكك، ومن ذلك قول امرىء القيس : [ الطويل ]
وَهَلْ يَعِمَنْ إلاّ سعيدٌ مُخَلَّدٌ. . . قَليلُ الهمومِ ما يَبِيتُ بِأَوْجَالِ٤
وقال عبد الله بن عمرو لما نزلت ﴿ قل يا عبادي الذي أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعاً ﴾٥ قال بعض أصحاب النبي عليه السلام :والشرك يا رسول الله، فنزلت : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ ولما حتم على أنه لا يغفر الشرك ذكر قبح موضعه وقدره في الذنوب، والفرية :أشد مراتب الكذب قبحاً، وهو الاختلاق للعصبية.
١ - الآيتان (١٥، ١٦) من سورة (الليل)..
٢ - من الآية (٢٣) من سورة (الجن)..
٣ - الآية (٩٣) من سورة (النساء)..
٤ - يعمن: ينعمن، الهموم: الأحزان، والوجل: الخوف، يقال: وجل كفرح ياجل، وييجل، ويوجل. وقبل هذا البيت يقول الشاعر:
ألا عم صباحا أيها الطلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي؟.

٥ - من الآية (٥٣) من سورة (الزمر)..
هذا لفظ عام في ظاهره، ولم يختلف أحد من المتأولين في أن المراد اليهود، واختلف في المعنى الذي به «زكوا أنفسهم »، فقال قتادة والحسن :ذلك قولهم ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾١ وقولهم : ﴿ لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً ﴾٢ وقال الضحاك والسدي :ذلك قولهم :لا ذنوب لنا وما فعلناه نهاراً غفر ليلاً، وما فعلناه ليلاً غفر نهاراً، ونحن كالأطفال في عدم الذنوب، وقال مجاهد وأبو مالك وعكرمة :تقديمهم أولادهم الصغار للصلاة لأنهم لا ذنوب لهم.
قال المؤلف :وهذا يبعد من مقصد الآية وقال ابن عباس :ذلك قولهم أبناؤنا الذين ماتوا يشفعون لنا ويزكوننا، وقال عبد الله بن مسعود :ذلك ثناء بعضهم على بعض، ومدحهم لهم وتزكيتهم لهم.
قال القاضي أبو محمد :فتقتضي هذه الآية الغض من المزكي لنفسه بلسانه، والإعلام بأن الزاكي المزكى من حسنت أفعاله وزكاه الله عز وجل٣، والضمير في ﴿ يزكون ﴾ عائد على المذكورين ممن زكى نفسه أو ممن يزكيه الله تعالى، وغير هذين الصنفين علم أن الله تعالى لا يظلمهم من غير هذه الآية، وقرأت طائفة «ولا تظلمون » بالتاء على الخطاب، «والفتيل » :هو ما فتل، فهو فعيل بمعنى مفعول، وقال ابن عباس وعطاء ومجاهد وغيرهم : «الفتيل » :الخيط الذي في شق نواة التمرة، وقال ابن عباس وأبو مالك والسدي :هو ما خرج من بين إصبعيك أو كفيك إذا فتلتهما، وهذا كله يرجع إلى الكناية عن تحقير الشيء وتصغيره، وأن الله لا يظلمه، ولا شيء دونه في الصغر، فكيف بما فوقه، ونصبه على مفعول ثان ب ﴿ يظلمون ﴾٤.
١ - من الآية (١٨) من سورة (المائدة)..
٢ - من قوله تعالى في الآية (١١١) من سورة البقرة: ﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، تلك أمانيهم﴾..
٣ - التزكية هي:التطهير والتبرئة من الذنوب..
٤ - يتأتى ذلك بتضمين (يظلمون) معنى ما يتعدى لاثنين..
وقوله تعالى : ﴿ انظر كيف يفترون ﴾ الآية، يبين أن تزكيتهم أنفسهم كانت بالباطل والكذب، ويقوي أن التزكية كانت بقولهم ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ [ المائدة :١٨ ] إذ الافتراء في هذه المقالة أمكن و ﴿ كيف ﴾ يصح أن يكون في موضع نصب ب ﴿ يفترون ﴾، ويصح أن تكون في موضع رفع بالابتداء، والخبر في قوله : ﴿ يفترون ﴾١ و ﴿ وكفى به إثماً مبيناً ﴾ خبر في مضمنه تعجب وتعجيب من الأمر، ولذلك دخلت الباء لتدل على معنى الأمر بالتعجب، وأن يكتفى لهم بهذا الكذب إثماً ولا يطلب لهم غيره، إذ هو موبق ومهلك و ﴿ إثماً ﴾ نصب على التمييز.
١ - قال أبو حيان في "البحر المحيط": "وأما قوله: يصح أن يكون في موضع رفع بالابتداء، والخبر في قوله: [يفترون]، فهذا لم يذهب إليه أحد، لأن (كيف) ليست من الأسماء التي يجوز الابتداء بها". راجع بقية كلامه ٣/ ٢٧٠..
وقوله تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ الآية، ظاهرها يعم اليهود والنصارى، ولكن أجمع المتأولون على أن المراد بها طائفة من اليهود، والقصص يبين ذلك، واختلف في ﴿ الجبت والطاغوت ﴾، فقال عكرمة وغيره :هما في هذا الموضع صنمان كانا لقريش، وذلك أن كعب بن الأشرف وجماعة معه وردوا مكة محرضين على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت لهم قريش :إنكم أهل الكتاب، ومحمد صاحب كتاب، ونحن لا نأمنكم أن تكونوا معه، إلا أن تسجدوا لهذين الصنمين اللذين لنا، ففعلوا، ففي ذلك نزلت هذه الآية، وقال ابن عباس : ﴿ الجبت ﴾ هنا :حيي بن أخطب ﴿ والطاغوت ﴾ :كعب بن الأشرف.
فالمراد على هذه الآية القوم الذين كانوا معهما من بني إسرائيل لإيمانهم بهما واتباعهم لهما، وقال ابن عباس : ﴿ الجبت ﴾ الأصنام، ﴿ والطاغوت ﴾ القوم المترجمون عن الأصنام، الذين يضلون الناس بتعليمهم إياهم عبادة الأصنام، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : ﴿ الجبت ﴾ السحر، ﴿ والطاغوت ﴾ :الشيطان، وقاله مجاهد والشعبي، وقال زيد بن أسلم : ﴿ الجبت ﴾ :الساحر، ﴿ والطاغوت ﴾ :الشيطان، وقال سعيد بن جبير ورفيع : ﴿ الجبت ﴾ :الساحر، و ﴿ الطاغوت ﴾ :الكاهن، وقال قتادة : ﴿ الجبت ﴾ :الشيطان، والطاغوت :الكاهن، وقال سعيد بن جبير أيضاً :الجبت :الكاهن، والطاغوت :الشيطان، وقال ابن سيرين : ﴿ الجبت ﴾ :الكاهن، ﴿ والطاغوت ﴾ :الساحر، وقال مجاهد في كتاب الطبري : ﴿ الجبت ﴾ :كعب ابن الأشرف، والطاغوت الشيطان كان في صورة إنسان.
قال ابن عطية :فمجموع هذا يقتضي أن ﴿ الجبت والطاغوت ﴾ هو كل ما عبد وأُطيع من دون الله تعالى، وكذلك قال مالك رحمه الله :الطاغوت كل ما عبد من دون الله تعالى، وذكر بعض الناس أن الجبت :هو من لغة الحبشة، وقال قطرب : ﴿ الجبت ﴾ أصله الجبس، وهو الثقيل الذي لا خير عنده، وأما ﴿ الطاغوت ﴾ فهو من طغى، أصله طغووت وزنه فعلوت، وتاؤه زائدة، قلب فرد فلعوت، أصله طوغوت، تحركت الواو وفتح ما قبلها فانقلبت ألفاً، وقوله تعالى : ﴿ ويقولون للذين كفروا ﴾ الآية سببها، أن قريشاً قالت لكعب بن الأشرف حين ورد مكة :أنت سيدنا وسيد قومك، إنّا قوم ننحر الكوماء١، ونقري الضيف، ونصل الرحم، ونسقي الحجيج، ونعبد آلهتنا الذين وجدنا أباءنا يعبدون، وهذا الصنبور المنبتر من قومه٢ قد قطع الرحم، فمن أهدى نحن أو هو ؟ فقال كعب :أنتم أهدى منه وأقوم ديناً، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس٣ :وحكى السدي :أن أبا سفيان خاطب كعباً بهذه المقالة، فالضمير في ﴿ يقولون ﴾ عائد على كعب على ما تقدم - أو على الجماعة من بني إسرائيل التي كانت مع كعب، لأنها قالت بقوله في جميع ذلك على ما ذكر بعض المتأولين، و ﴿ الذين كفروا ﴾ في هذه الآية هم قريش، والإشارة ب ﴿ هؤلاء ﴾ إليهم، و ﴿ أهدى ﴾ :وزنه أفعل وهو للتفضيل، و ﴿ الذين آمنوا ﴾ :هم النبي عليه السلام وأمته، و ﴿ سبيلاً ﴾ نصب على التمييز، وقالت فرقة :بل المراد في الآية من بني إسرائيل هو حيي بن أخطب وهو المقصود من أول الآيات، والمشار إليه بقوله ﴿ أولئك ﴾.
١ - الكوماء: الناقة العظيمة السنام طويلته، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في نعم الصدقة ناقة كوماء وهي الضخمة السنام. (اللسان)..
٢ - الصنبور المنبتر: صفتان وصف بهما كفار قريش النبي صلى الله عليه وسلم، يقال: رجل صنبور: فرد ضعيف ذليل لا أهل له ولا عقب، وكذلك الأبتر الذي لا عقب له ولا أخ، وأصل الصنبور، سعفة تنبت في جذع النخلة لا في الأرض، وقال أبو عبيدة: الصنبور: النخلة تبقى منفردة ويدق أسفلها وينقشر. (اللسان)..
٣ - أخرجه الطبراني والبيهقي في الدلائل من طريق عكرمة عن ابن عباس، وأخرجه أحمد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس أيضا مع اختلاف يسير في الألفاظ. (الدر المنثور)..
﴿ أولئك ﴾ هم المراد من بني إسرائيل، فمن قال :كانوا جماعة فذلك مستقيم لفظاً ومعنى، ومن قال :هو كعب أو حيي، فعبر عنه بلفظ الجمع، لأنه كان متبوعاً، وكان قوله مقترناً بقول جماعة.
و ﴿ لعنهم ﴾ معناه :أبعدهم من خيره ومقتهم، ومن يفعل الله ذلك به ويخذله فلا ناصر له من المخلوقين، وإن نصرته طائفة، فنصرتها كلا نصرة، إذ لا تغني عنه شيئاً.
عرف ﴿ أم ﴾ أن تعطف بعد استفهام متقدم، كقولك :أقام زيد أم عمرو، فإذا وردت ولم يتقدمها استفهام، فمذهب سيبويه :أنها مضمنة معنى الإضراب عن الكلام الأول والقطع منه، وهي مضمنة مع ذلك معنى الاستفهام، فهي بمعنى «بل » مع ألف الاستفهام، كقول العرب :إنها لإبل أم شاء؟ فالتقدير عند سيبويه، أنها لإبل بل أهي شاء. وكذلك هذا الموضع، تقديره :بل ألهم نصيب من الملك ؟ وقد حكي عن بعض النحويين، أن ﴿ أم ﴾ يستفهم بها ابتداء دون تقدم استفهام، حكاه ابن قتيبة في المشكل، وهذا غير مشهور للعرب، وقال بعض المفسرين : ﴿ أم ﴾ بمعنى بل، ولم يذكروا الألف اللازمة، فأوجبوا على هذا حصول الملك للمذكورين في الآية، والتزموا ذلك وفسروا عليه، فالمعنى عندهم :بل هم ملوك أهل دنيا وعتو وتنعم، لا يبغون غيره، فهم بخلاء به، حريصون على أن لا يكون ظهور لسواهم.
قال القاضي أبو محمد :والمعنى على الأرجح الذي هو مذهب سيبويه والحذاق، أنه استفهام على معنى الإنكار، أي ألهم ملك ؟ فإذاً لوكان لبخلوا، وقرأ ابن مسعود «فإذا لا يؤتوا » بغير نون على إعمال «إذاً » والمصحف على إلغائها، والوجهان جائزان، وإن كانت صدراً من أجل دخول الفاء عليها، والنقير، أعرف ما فيه أنها النكتة التي في ظهر النواة من التمرة، ومن هنالك تنبت، وهو قول الجمهور، وقالت فرقة :هي النقطة التي في بطن النواة، وروي عن ابن عباس أنه قال :هو نقر الإنسان بأصبعه، وهذا كله يجمعه أنه كناية عن الغاية في الحقارة والقلة على مجاز العرب واستعارتها، و ﴿ إذاً ﴾ في هذه الآية ملغاة لدخول فاء العطف عليها، ويجوز إعمالها، والإلغاء أفصح، وذلك أنها إذا تقدمت أعملت قولاً واحداً، ، فإذا دخل عليها وهي متقدمة فاء أو واو جاز إعمالها والإلغاء أفصح وهي لغة القرآن وتكتب «إذاً » بالنون وبالألف، فالنون هو الأصل، كعن ومن، وجاز كتبها بالألف لصحة الوقوف عليها فأشبهت نون التنوين، ولا يصح الوقوف على «عن ومن ».
وقوله تعالى : ﴿ أم يحسدون الناس ﴾ الآية، ﴿ أم ﴾ هذه على بابها، لأن الاستفهام الذي في تقديرنا، < بل لهم> قد تقدمها. واختلف المتأولون في المراد ب ﴿ الناس ﴾ في هذا الموضع، فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والسدي والضحاك، هو النبي عليه السلام، والفضل النبوة فقط، والمعنى فلمَ يخصونه بالحسد ولا يحسدون آل إبراهيم في جميع ما آتيناهم من هذا وغيره من الملك ؟ وقال ابن عباس والسدي أيضاً :هو النبي صلى الله عليه وسلم، والفضل ما أبيح له من النساء فقط، وسبب الآية عندهم، أن اليهود قالت لكفار العرب :انظروا إلى هذا الذي يقول :إنه بعث بالتواضع، وإنه لا يملأ بطنه طعاماً، ليس همه إلا في النساء، ونحو هذا، فنزلت الآية، والمعنى فلمَ يخصونه بالحسد ولا يحسدون آل إبراهيم ؟ صلى الله عليه وسلم يعني سليمان وداود عليهما السلام في أنهما أعطيا النبوة والكتاب، وأعطيا مع ذلك ملكاً عظيماً، في أمر النساء، وهو ما روي أنه كان لسليمان سبعمائة امرأة، وثلاثمائة سرية، ولداود مائة امرأة، ونحو هذا من الأخبارالواردة في ذلك، فالملك في هذا القول إباحة النساء، كأنه المقصود أولاً بالذكر، وقال قتادة : ﴿ الناس ﴾ في هذا الموضع :العرب، حسدتها بنو إسرائيل في أن كان النبي عليه السلام منها، «والفضل » على هذا التأويل :هو محمد عليه السلام، فالمعنى :لم يحسدون العرب على هذا النبي صلى الله عليه وسلم وقد أوتي آل إبراهيم صلى الله عليه وسلم - وهم أسلافهم - أنبياء وكتباً، كالتوراة والزبور، ﴿ وحكمة ﴾ وهي الفهم في الدين وما يكون من الهدى مما لم ينص عليه الكتاب، وروي عن ابن عباس أنه قال : «نحن الناس » يريد قريشاً، ﴿ وملكاً عظيماً ﴾ :أي ملك سليمان، قاله ابن عباس :وقال مجاهد :الملك العظيم في الآية هو النبوة، وقال همام بن الحارث وأبو مسلمة :هو التأييد بالملائكة.
قال القاضي أبو محمد :والأصوب أنه ملك سليمان أو أمر النساء في التأويل المتقدم.
وقوله تعالى : ﴿ فمنهم من آمن به ﴾ الآية، اختلف المتأولون في عود الضمير من ﴿ به ﴾ فقال الجمهور :هو عائد على القرآن الذي في قوله تعالى : ﴿ آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً ﴾ [ النساء :٤٧ ] فأعلم الله أن منهم من آمن كما أمر، فلذلك ارتفع الوعيد بالطمس ولم يقع، وصد قوم ثبت الوعيد عليهم في الآخرة بقوله : ﴿ وكفى بجهنم سعيراً ﴾ وقالت فرقة :الضمير عائد على إبراهيم عليه السلام، وحكى مكي في ذلك قصصاً ليست بالثابتة، وقالت فرقة :هو عائد على الفضل الذي آتاه الله النبي عليه السلام، أو العرب على ما تقدم.
قال القاضي أبو محمد :قرأت فرقة : «صُد » عنه بضم الصاد على بناء الفعل للمفعول، و ﴿ سعيراً ﴾ معناه :احتراقاً وتلهباً، والسعير :شدة توقد النار، فهذا كناية عن شدة العذاب والعقوبة.
تقدم في الآيات وصف المردة من بني إسرائيل وذكر أفعالهم وذنوبهم، ثم جاء بالوعيد النص لهم بلفظ جلي عام لهم ولغيرهم ممن فعل فعلهم من الكفر، والقراءة المشهورة ﴿ نُصليهم ﴾ بضم النون من أصليت ومعناه قربت من النار وألقيت فيها، وهو معنى صليت بتشديد اللام، وقرأ حميد «نَصليهم » بفتح النون من صليت، ومعناه شويت، ومنه الحديث، أتي رسول الله بشاة مصلية، أي مشوية١، وكذا وقع تصريف الفعل في العين وغيره، وقرأ سلام ويعقوب «نصليهُم » بضم الهاء، واختلف المتأولون في معنى تبديل الجلود٢، فقالت فرقة :تبدل عليهم جلود غيرها، إذ نفوسهم هي المعذبة والجلود لا تألم في ذاتها، فإنها تبدل ليذوقوا تجديد العذاب٣، وقالت فرقة : «تبديل الجلود » هو إعادة ذلك الجلد بعينه الذي كان في الدنيا، تأكله النار ويعيده الله دأباً لتجدد العذاب، وإنما سماه «تبديلاً »، لأن أوصافه تتغير ثم يعاد، كما تقول :بدل من خاتمي هذا خاتماً وهي فضته بعينها، فالبدل إنما وقع في تغيير الصفات، وقال ابن عمر، كلما احترقت جلودهم بدلوا جلوداً بيضاء كالقراطيس، وقال الحسن بن أبي الحسن، تبدل عليهم في اليوم سبعين ألف مرة، وقالت فرقة :الجلود في هذا الموضع سرابيل القطران٤، سماها جلوداً للزومها فصارت كالجلود، وهي تبدل دأباً عافانا الله من عذابه برحمته، حكاه الطبري، وحسن الاتصاف بعد هذه المقدمات بالعزة والإحكام، لأن الله لا يغالبه مغالب إلا غلبه الله، ولا يفعل شيئاً إلا بحكمة وإصابة، لا إله إلا هو تبارك وتعالى.
١ - راجع صفحة (٢٩) من هذا الجزء هامش رقم (١)..
٢ - تبديل الجلود يتم كلما نضجت، ومعنى نضج: أدرك واستوى، يقال: نضج اللحم قديدا وشواء ينضج نضجا ونضجا، وفلان نضيج الرأي: أي محكمه..
٣ - يُرد بذلك على من قال: كيف جاز أن يعذب جلدا لم يعصه؟ ومعنى ردّه هنا أن الجلد ليس بمعذب ولا معاقب، وإنما الألم واقع على النفوس لأنها هي التي تحس وتعرف، فتبديل الجلود زيادة في عذاب النفوس، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ليذوقوا العذاب﴾ لأنه لو أراد الجلود لقال: ليذقن العذاب..
٤ - كما في قوله تعالى: ﴿وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد، سرابيلهم من قطران﴾ سميت جلودا للزومها جلودهم على المجاورة، فكلما احترقت السرابيل أعيدت: قال الشاعر:
كسا اللؤم تيما خضرة في جلودها فويل لتيم من سرابيلها الخضر
فكنى عن الجلود بالسرابيل..

ولما ذكر الله وعيد الكفار، عقب بوعد المؤمنين بالجنة على الإيمان والأعمال الصالحة، وقرأ ابن وثاب والنخعي، «سيدخلهم » بالياء وكذلك «يدخلهم » بعد ذلك١. وقد تقدم القول في معنى ﴿ من تحتها ﴾ في سورة البقرة و ﴿ مطهرة ﴾ معناه :من الريب والأقذار التي هي معهودات في الدنيا و ﴿ ظليلاً ﴾ معناه :عند بعضهم يقي الحر والبرد، ويصح أن يريد أنه ظل لا يستحيل ولا ينتقل، كما يفعل ظل الدنيا، فأكده بقوله ﴿ ظليلاً ﴾ لذلك، ويصح أن يصفه بظليل لامتداده، فقد قال عليه السلام : «إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر في ظلها مائة سنة ما يقطعها »٢.
١ - في قوله تعالى في الآية (١٢٢) من هذه السورة: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، وعد الله حقا، ومن أصدق من الله قيلا﴾..
٢ - أخرج ابن جرير عن أبي هريرة مثله مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ. والآراء كثيرة في معنى الظل الظليل، قال ابن كثير: أي: ظلا عميقا كثيرا غزيرا طيبا أنيقا، وقيل هو للمبالغة كقولهم: ليل أليل، وداهية دهياء، ويوم أيوم..
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب، وابن زيد :هذا خطاب لولاة المسلمين خاصة.
قال القاضي أبو محمد :فهو للنبي عليه السلام وأمرائه، ثم يتناول من بعدهم، وقال ابن جريج وغيره :ذلك خطاب للنبي عليه السلام في أمر مفتاح الكعبة حين أخذه من عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري، ومن ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، فطلبه العباس بن عبد المطلب لتنضاف له السدانة إلى السقاية، فدخل رسول الله الكعبة فكسر ما كان فيها من الأوثان، وأخرج مقام إبراهيم، ونزل عليه جبريل بهذه الآية، قال عمر بن الخطاب :وخرج رسول الله وهو يقرأ هذه الآية، وما كنت سمعتها قبل منه. فدعا عثمان وشيبة، فقال لهما :خذاها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم، وحكى مكي أن شيبة أراد أن لا يدفع المفتاح، ثم دفعه وقال للنبي عليه السلام :خذه بأمانة الله١.
قال القاضي أبو محمد :واختلف الرواة في بعض ألفاظ هذا الخبر، زيادة ونقصاناً، إلا أنه المعنى بعينه، وقال ابن عباس :الآية في الولاة بأن يعظوا النساء في النشوز ونحوه، ويردوهن إلى الأزواج، والأظهر في الآية أنها عامة في جميع الناس٢، ومع أن سببها ما ذكرناه تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال ورد الظلامات وعدل الحكومات وغيره٣، وتتناولهم ومن دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرز في الشهادات وغير ذلك، كالرجل يحكم في نازلة ما ونحوه، والصلاة والزكاة والصيام وسائر العبادات أمانات لله تعالى، وقال ابن عباس :لم يرخص الله لموسرٍ ولا معسر أن يمسك الأمانة، و ﴿ نعما ﴾ أصله نعم ما، سكنت الأولى وأدغمت في الثانية وحركت العين لالتقاء الساكنين، وخصت بالكسر اتباعاً للنون، و «ما » المردفة على «نعم » إنما هي مهيئة لاتصال الفعل بها كما هي في «ربما ومما » في قوله :وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يحرك شفتيه، وكقول الشاعر : [ الطويل ]
وإنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الْكَبْشَ ضَرْبَةً. . . عَلَى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِّسَانَ مِنَ الْفَمِ٤
ونحوه، وفي هذا هي بمنزلة «ربما » وهي لها مخالفة في المعنى، لأن «ربما » معناها :التقليل، و «مما » معناها التكثير، ومع أن «ما » موطئة فهي بمعنى «الذي » وما وطأت إلا وهي اسم، ولكن القصد إنما هو لما يليها من المعنى الذي في الفعل٥.
وحسن الاتصاف بعد هذه المقدمات بالسمع والبصر، لأنها في الشاهد محصلات ما يفعل المأمور فيما أمر به.
١ - أخرجه ابن جرير، وابن المنذر عن أبي جريج، وأخرج مثله ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، مع تفصيل لما حدث بين عثمان بن طلحة وبين الرسول صلى الله عليه وسلم- (ابن كثير٢/ ٣٢ والدر المنثور ٢/ ١٧٤) والتالد: المال القديم الأصلي الذي ولد عندك، وهو نقيض الطارف. روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال في (سورة بني إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء): هنّ من العتاق الأول، وهنّ من تلادي. أي: من قديم ما أخذت من القرآن. وفي حديث العباس: فهي لهم تالدة بالدة، يعني الخلافة، البالد إتباع التالد. وفي شعر طرفة.
*وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي* .

٢ - قال بذلك جماعة منهم: البراء بن عازب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي ابن كعب، قالوا: الأمانة في كل شيء: في الوضوء، والصلاة، والزكاة، والجنابة، والصوم، والكيل والوزن، والودائع. قال القرطبي: وهذا إجماع- ثم قال: والأمانة: مصدر بمعنى المفعول فلذلك جمع..
٣ - قال القرطبي: وهذا اختيار الطبري..
٤ - جاء في اللسان: "كبش القوم: رئيسهم وسيدهم، وقيل: حاميتهم والمنظور إليه فيهم، وكبش الكتيبة: قائدها"، والبيت في "البحر المحيط"، ولم نعثر على نسبته..
٥ - نقل أبو حيان كلام ابن عطية في "البحر المحيط ٣/٢٧٨" عن (ما) المردفة على (نعم)، ثم عقب عليه بقوله: "وهو كلام متهافت، لأنه من حيث جعلها موطئة مهيئة لا تكون اسما، ومن حيث جعلها بمعنى (الذي) لا تكون مهيئة موطئة- فتدافعا"..
وقوله عز وجل : ﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ﴾ لما تقدم إلى الولاة في الآية المتقدمة، تقدم في هذه إلى الرعية، فأمر بطاعته عز وجل، وهي امتثال أوامره ونواهيه، وطاعة رسوله، وطاعة الأمراء على قول الجمهور :أبي هريرة وابن عباس وابن زيد وغيرهم، فالأمر على هذا التأويل إشارة إلى القرآن والشريعة، أي :أولي هذا الأمر، وعن عبد الله ومجاهد وجماعة :أولو الأمر :أهل القرآن والعلم١، فالأمر على هذا التأويل أشار إلى القرآن والشريعة، أي :أولي هذا الأمر وهذا الشأن وحكى الطبري عن مجاهد أنه قال :الإشارة هنا ب ﴿ أولي الأمر ﴾ إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وحكي عن عكرمة أنها إشارة إلى أبي بكر وعمر خاصة، وفي هذا التخصيص بعد، وحكى بعض من قال :إنهم الأمراء أنها نزلت في أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان السبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فيها عمار بن ياسر، وأميرها خالد بن الوليد، فقصدوا قوماً من العرب، فأتاهم نذير فهربوا تحت الليل.
وجاء منهم رجل إلى عسكر خالد، فدخل إلى عمار فقال :يا أبا اليقظان، إن قومي قد فروا، وإني قد أسلمت، فإن كان ينفعني إسلامي بقيت، وإلا فررت، فقال له عمار :هو ينفعك، فأقم، فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد سوى الرجل المذكور فأخذه وأخذ ماله، فجاء عمار فقال :خل عن الرجل فإنه قد أسلم وإنه في أمان مني، فقال خالد :وأنت تجير ؟ فاستبّا وارتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير الثانية على أمير، واستبّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال خالد :يا رسول الله أتترك هذا العبد الأجدع يسبني ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا خالد لا تسب عماراً، فإنه من سب عماراً سبه الله، ومن أبغض عماراً أبغضه الله، ومن لعن عماراً لعنه الله، » فغضب عمار، فقام فذهب، فتبعه خالد حتى اعتذر إليه فتراضيا، فأنزل الله عز وجل قوله : ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ﴾٢ وطاعة الرسول هي اتباع سنته، قاله عطاء وغيره، وقال ابن زيد :معنى الآية ﴿ وأطعيوا الرسول ﴾.
قال القاضي أبو محمد :يريد «وسنته » بعد موته، المعنى : ﴿ فإن تنازعتم ﴾ فيما بينكم أو أنتم وأمراؤكم، ومعنى التنازع أن كل واحد ينتزع حجة الآخر ويذهبها٣، والرد إلى الله :هو النظر في كتابه العزيز، والرد إلى الرسول :هو سؤاله في حياته والنظر في سنته بعد وفاته عليه السلام، هذا قول مجاهد والأعمش وقتادة والسدي، وهو الصحيح، وقال قوم :معناه قولوا :الله ورسوله أعلم، فهذا هو الرد٤، وفي قوله : ﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ بعض وعيد، لأن فيه جزاء المسيء العاتي، وخاطبهم ب ﴿ إن كنتم تؤمنون ﴾ وهم قد كانوا آمنوا، على جهة التقرير، ليتأكد الإلزام، و ﴿ تأويلاً ﴾ معناه :مآلاً على قول جماعة، وقال مجاهد :أحسن جزاء، قال قتادة والسدي وابن زيد :المعنى أحسن عاقبة، وقالت فرقة :المعنى أن الله ورسوله أحسن نظراً وتأولاً منكم إذا انفردتم بتأولكم.
١ - أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن عطاء في قوله: [أطيعوا الله وأطيعوا الرسول] قال: طاعة الرسول: اتباع الكتاب والسنة، وأولي الأمر منكم، قال أولي الفقه والعلم. (الدر المنثور)..
٢ - أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي. (ابن كثير- والدر المنثور)، وكذلك رواه ابن مردويه من رواية الحكم بن ظهير عن السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. (ابن كثير).
وأخرج البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وغيرهم عن ابن عباس في قوله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وألي الأمر منكم﴾ قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي، إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية، قال أبو عمر: وكان في عبد الله بن حذافة دعابة معروفة، ومن دعابته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمّره على سرية فأمرهم أن يجمعوا حطبا ويوقدوا نارا، فلما أوقدوها أمرهم بالتقحم فيها، فقال لهم: ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم بطاعتي؟ وقال: (من أطاع أميري فقد أطاعني)، فقالوا: ما آمنا واتبعنا رسوله إلا لننجو من النار، فصوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلهم، وقال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، قال الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾). قال القرطبي: وهو حديث صحيح الإسناد مشهور..

٣ - النزع: الجذب، والمنازعة: مجاذبة الحجج، ومنه الحديث: (مالي ينازعني القرآن) ذلك أن بعض المأمومين جهر خلفه فنازعه قراءته فشغله، فنهاه عن الجهر بالقراءة في الصلاة خلفه، وقال الأعشى:
نازعتهم قضب الريحان متكئا وقهوة مزة راووقها خضل.

٤ - وهذا كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل" – وفي قوله تعالى: [الرسول] دليل على أن سننه صلى الله عليه وسلم يعمل بها، ويمتثل ما فيها، قال صلى الله عليه وسلم: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم)، أخرجه مسلم..
تقول العرب :زعم فلان كذا، في الأمر الذي يضعف فيه التحقيق وتتقوى فيه شبه الإبطال، فغاية درجة الزعم إذا قوي أن يكون مظنوناً، يقال : «زَعم » بفتح الزاي وهو المصدر، «وزُعم » بضمها وهو الاسم١ وكذلك زعم المنافقين أنهم مؤمنون، هو مما قويت فيه شبهة الإبطال لسوء أفعالهم، حتى صححها الخبر من الله تعالى عنهم، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : «بئس مطية الرجل زعموا »٢ وقد قال الأعشى : [ المتقارب ]
ونُبّئْتُ قَيْساً وَلَمْ أبْلُهُ كَمَا زَعَمُوا خَيْرَ أهْلِ الْيَمَنْ٣
فقال الممدوح :وما هو إلا الزعم وحرمه، وإذا قال سيبويه :زعم الخليل، فإنما يستعملها فيما انفرد الخليل به، وكان أقوى رتب «زعم » أن تبقى معها عهدة الخبر على المخبر، و «أن » معمولة ل ﴿ يزعمون ﴾ وقال عامر الشعبي وغيره :نزلت الآية في منافق اسمه بشر، خاصم رجلاً من اليهود، فدعاه اليهودي إلى المسلمين لعلمه أنهم لا يرتشون، وكان هو يدعو اليهودي إلى اليهود لعلمه أنهم يرتشون، فاتفقا بعد ذلك على أن أتيا كاهناً كان بالمدينة فرضياه، فنزلت هذه الآية فيهما وفي صنفيهما، «فالذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل » على محمد هم المنافقون، «والذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل » من قبله هم اليهود، وكل قد أمر في كتابه بالكفر بالطاغوت، و ﴿ الطاغوت ﴾ هنا الكاهن المذكور، فهذا تأنيب للصنفين، وقال ابن عباس : ﴿ الطاغوت ﴾ هنا هو كعب بن الأشرف وهو الذي تراضيا به فعلى هذا إنما يؤنب صنف المنافقين وحده، وهم الذين آمنوا بما أنزل على محمد وبما أنزل من قبله بزعمهم، لأن اليهود لم يؤمروا في شرعهم بالكفر بالأحبار، وكعب منهم، وذكر النقاش :أن كعباً هذا أصله من طيىء وتهود. وقال مجاهد :نزلت في مؤمن ويهودي، وقالت فرقة :نزلت في يهوديين.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :وهذان القولان بعيدان من الاستقامة على ألفاظ الآية، وقال السدي :نزلت في المنافقين من قريظة والنضير، وذلك أنهم تفاخروا بسبب تكافؤ دمائهم، إذ كانت النضير في الجاهلية تدي من قتلت، وتستقيد إذا قتلت قريظة منهم، فأبت قريظة لما جاء الإسلام، وطلبوا المنافرة٤، فدعا المؤمنون منهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودعا المنافقون إلى أبي بردة الكاهن، فنزلت الآية فيهم، وحكى الزجّاج :أن المنافق المتقدم الذكر أو غيره اختصم عند النبي صلى الله عليه وسلم فقضى في أمره، فخرج وقال لخصمه :لا أرضى بحكمه، فذهبا إلى أبي بكر فقضى بينهما، فقال المنافق :لا أرضى، فذهبا إلى عمر فوصفا له جميع ما فعلا، فقال لهما :اصبرا حتى أقضي حاجة في منزلي ثم أخرج فأحكم بينكما، فدخل وأخذ سيفه وخرج، فضرب المنافق حتى برد٥، وقال :هذا حكمي فيمن لم يرض بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية٦، وقال الحسن :احتكم المنافقون بالقداح التي يضرب بها عند الأوثان فنزلت الآية.
و ﴿ يضلهم ﴾ معناه :يتلفهم، وجاء ﴿ ضلالاً ﴾ على غير المصدر تقديره : «فيضلون ضلالاً »، و ﴿ بعيداً ﴾ عبارة عن عظم الضلال وتمكنه حتى يبعد الرجوع عنه والاهتداء معه.
١ - في اللسان: "الزّعم، والزُّعم، والزِّعم ثلاث لغات"- وقال ابن دريد: أكثر ما يقع الزعم على الباطل، قال أبو ذؤيب الهذلي:
فإن تزعميني كنت أجهل فيكم فإني شريت الحلم بعدك بالجهل.
وقال غيره:
زعمتني شيخا ولست بشيخ إنما الشيخ من يدبّ دبيبا
.

٢ - شبه ما يقدمه المتكلم أمام كلامه، ويتوصل به إلى غرضه من قوله: "زعموا كذا وكذا" بالمطية التي يتوصل بها إلى الحاجة..
٣ - لم أبله: لم أجربه ولم أختبره، والبيت من قصيدته التي قالها يمدح قيس بن معد يكرب الكندي، ومطلعها:
لعمرك ما طول هذا الزمن على المرء إلا عناء معنّ
ومعنى (معن): متعب. وبعد هذا البيت يقول:
رفيع الوساد، طويل النجا د ضخم الدسيعة، رحب العطن
والدّسيعة: الجفنة الواسعة أو المائدة الكريمة، ورحب العطن: واسع الصبر والحيلة عند الشدائد، وسخي كثير المال وضده: ضيق العطن..

٤ -المنافرة: المفاخرة والمحاكمة، وتكون في الحسب. وقال أبو عبيد: المنافرة: أن يفتخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه، ثم يحكما بينهما غيرهما. (عن اللسان). وهذا الخبر أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي.
.

٥ - برَد- بفتح الباء والراء: أي مات. وفي عبارة "البحر المحيط": "فقتله عمر".
٦ -أخرجه الثعلبي عن ابن عباس، ورواه أبو صالح أيضا عن ابن عباس. وفيه بعد ذلك: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنت الفارق)، ونزل جبريل وقال: "إن عمر فرق بين الحق والباطل" فسمي الفاروق. عن "الدر المنثور، والقرطبي"..
وقرأ الجمهور «تَعالَوا » بفتح اللام، وقرأ الحسن فيما روى عنه قتادة «تعالُوا » بضمة، قال أبو الفتح :وجهها أن لام الفعل من «تعاليت » حذفت تخفيفاً، وضمت اللام التي هي عين الفعل، وذلك لوقوع واو الجمع بعدها، كقولك :تقدموا وتأخروا، وهي لفظة مأخوذة من العلو، لما استعملت في دعاء الإنسان وجلبه وأشخاصه، سيقت من العلو تحسيناً للأدب، كما تقول :ارتفع إلى الحق، ونحوه١.
و﴿ رأيت ﴾ هي رؤية عين لمن صد من المنافقين مجاهرة وتصريحاً، وهي رؤية قلب لمن صد منهم مكراً وتخابثاً ومسارقة حتى لا يعلم ذلك منه إلا بالتأويل عليه والقرائن الصادرة عنه، فإذا كانت رؤية عين ف ﴿ يصدون ﴾ في موضع نصب على الحال، وإذا كانت رؤية قلب ف ﴿ يصدون ﴾ نصب على المفعول الثاني، و ﴿ صدوداً ﴾ مصدر عند بعض النحاة من صد، وليس عند الخليل بمصدر منه، والمصدر عنده «صداً » وإنما ذلك لأن فعولاً إنما هو مصدر للأفعال غير المتعدية، كجلس جلوساً، وقعد قعوداً و «صد » فعل متعد بنفسه مرة كما قال : ﴿ فصدهم عن السبيل ﴾٢، ومرة بحرف الجر كقوله تعالى : ﴿ يصدون عنك صدوداً ﴾ وغيره، فمصدره :صد، و ﴿ صدوداً ﴾ اسم.
١ - قال الزمخشري: "حذفت اللام من: تعاليت تخفيفا كما قالوا: ما باليت به بالة، وأصلها: بالية كعافية، وكما قال الكسائي في آية: إن أصلها آيية، فاعلة، فحذفت اللام، فلما حذفت وقعت واو الجمع بعد اللام من (تعال) فضمت فصار (تعالوا) نحو (تقدموا)، ومنه قول أهل مكة: تعالي- بكسر اللام للمرأة، وفي شعر الحمداني:
"تعالي أقاسمك الهموم تعالي"
والوجه فتح اللام". وقد اعترض عليه أبو حيان في "البحر المحيط" فارجع إليه إن شئت..

٢ - من الآية (٢٤) من سورة (النمل) وهي قوله تعالى: ﴿وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل، فهم لا يهتدون﴾..
قالت فرقة :هي في المنافقين الذين احتكموا حسب ما تقدم، فالمعنى :فكيف بهم إذا عاقبهم الله بهذه الذنوب بنقمة منه ؟ ثم حلفوا إن أردنا بالاحتكام إلى الطاغوت إلا توفيق الحكم وتقريبه، دون مر الحكم وتقصي الحق، وقالت فرقة :هي في المنافقين الذين طلبوا دم الذي قتله عمر، فالمعنى : ﴿ فكيف ﴾ بهم ﴿ إذا أصابتهم مصيبة ﴾ في قتل قريبهم ومثله من نقم الله تعالى، ثم إنهم حلفوا ما أرادوا بطلب دمه ﴿ إلا إحساناً ﴾ وحقاً، نحا إليه الزجّاج، وموضع ﴿ كيف ﴾ نصب بفعل تقديره :فكيف تراهم ونحوه، ويصح أن يكون موضعها رفعاً، تقديره :فكيف صنيعهم١ ؟
١ - و(إذا) ظرف منصوب بتراهم أو بصنيعهم. وفي قوله تعالى: ﴿فكيف إذا أصابتهم مصيبة﴾ وعيد لهم على فعلهم، وأنهم سيندمون عليه عند حلول بأس الله تعالى حين لا ينفعهم الندم ولا يغني عنهم الاعتذار..
وقوله تعالى : ﴿ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ﴾ تكذيب المنافقين المتقدم ذكرهم وتوعدهم، أي فهو مجازيهم بما يعلم، و ﴿ أعرض عنهم ﴾ يعني عن معاقبتهم، وعن شغل البال بهم، وعن قبول أيمانهم الكاذبة في قوله ﴿ يحلفون ﴾ وليس بالإعراض الذي هو القطيعة والهجر، فإن قوله : ﴿ وعظهم ﴾ يمنع من ذلك، ﴿ وعظهم ﴾ معناه بالتخويف من عذاب الله، وغيره من المواعظ، والقول البليغ اختلف فيه، فقيل :هو الزجر والردع والكف بالبلاغة من القول، وقيل :هو التوعد بالقتل إن استداموا حالة النفاق، قاله الحسن، وهذا أبلغ ما يكون في نفوسهم، والبلاغة :مأخوذة من بلوغ المراد بالقول، وحكي عن مجاهد أن قوله : ﴿ في أنفسهم ﴾، متعلق بقوله : ﴿ مصيبة ﴾ وهو مؤخر بمعنى التقديم، وهذا ضعيف١.
١ - قال بعض المفسرين: إن قوله: ﴿في أنفسهم﴾ متعلق بقوله تعالى: [قل] على أحد معنيين: أي: قل لهم خاليا بهم لا يكون معهم أحد من غيرهم لأن النصح إذا كان في السر كان أنجح، و[بليغا] –على هذا-مؤثرا- أو قل لهم في معنى أنفسهم النجسة المنطوية على النفاق قولا يبلغ منهم ما يزجرهم عن العودة إلى ما فعلوا، وقال الزمخشري: إن [في أنفسكم] متعلق بقوله: [بليغا]، أي: قولا بليغا في أنفسهم، مؤثرا في قلوبهم يغتمون به ويستشعرون منه الخوف، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجم منهم نفاق..
وقوله تعالى : ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ﴾ تنبيه على جلالة الرسل، أي :فأنت يا محمد منهم، تجب طاعتك وتتعين إجابة الدعوة إليك، و ﴿ ليطاع ﴾، نصب بلام كي، و ﴿ بإذن الله ﴾ معناه بأمر الله، وحسنت العبارة بالإذن، إذ بنفس الإرسال تجب طاعته وإن لم ينص أمر بذلك، ويصح تعلق الباء من قوله ﴿ بإذن ﴾ ب ﴿ أرسلنا ﴾، والمعنى وما أرسلنا بأمر الله أي بشريعته وعبادته من رسول إلا ليطاع، والأظهر تعلقه ب «يطاع » والمعنى :وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بأمر الله بطاعته.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :وعلى التعليقين فالكلام عام اللفظ خاص المعنى، لأنا نقطع أن الله تبارك وتعالى قد أراد من بعض خلقه ألا يطيعوا، ولذلك خرجت طائفة معنى الإذن إلى العلم، وطائفة خرجته إلى الإرشاد لقوم دون قوم، وهذا تخريج حسن، لأن الله إذا علم من أحد أنه يؤمن ووفقه لذلك فكأنه أذن له فيه، وحقيقة الإذن :التمكين مع العلم بقدر ما مكن منه، وقوله تعالى : ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ﴾ الآية، معناه :بالمعصية والنفاق، ونقصها حظها من الإيمان و ﴿ استغفروا الله ﴾ معناه :طلبوا مغفرته، وتابوا إليه رجعوا، و ﴿ تواباً ﴾ :معناه راجعاً بعباده.
قال الطبري :قوله : ﴿ فلا ﴾ رد على ما تقدم، تقديره :فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، ثم استأنف القسم بقوله، ﴿ وربك لا يؤمنون ﴾.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :وقال غيره :إنما قدم «لا » على القسم اهتماماً بالنفي، وإظهاراً لقوته، ثم كررها بعده تأكيداً للتهمم بالنفي، و كان يصح إسقاط ﴿ لا ﴾ الثانية، ويبقى أكثر الاهتمام بتقديم الأولى، وكان يصح إسقاط الأولى ويبقى معنى النفي، ويذهب معنى الاهتمام١، و ﴿ شجر ﴾ معناه :اختلط والتف من أمورهم، وهو من الشجر، شبيه بالتفاف الأغصان، وكذلك الشجير الذي امتزجت مودته بمودة صاحبه٢، وقرأ أبو السمال «شجْر » بإسكان الجيم.
قال القاضي أبو محمد :وأظنه فر من توالي الحركات، وليس بالقوي، لخفة الفتحة، و ﴿ يحكموك ﴾ نصب بحتى، لأنها هاهنا غاية مجردة. و ﴿ يجدوا ﴾ عطف عليه، والحرج :الضيق والتكلف والمشقة، قال مجاهد : ﴿ حرجاً ﴾، شكاً٣، وقوله : ﴿ تسليماً ﴾ مصدر مؤكد، منبىء على التحقيق في التسليم، لأن العرب إنما تردف الفعل بالمصدر إذا أرادت أن الفعل وقع حقيقة، كما قال تعالى : ﴿ وكلم الله موسى تكليماً ﴾٤ [ النساء :١٦٤ ] وقد تجيء به مبالغة وإن لم يقع، ومنه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** وعجت عجيجاً من جدام المطارف٥.
وقال مجاهد وغيره :المراد بهذه الآية من تقدم ذكره، ممن أراد التحاكم إلى الطاغوت، وفيهم نزلت، ورجح الطبري هذا، لأنه أشبه بنسق الآية وقالت طائفة :نزلت في رجل خاصم الزبير بن العوام في السقي بماء الحرة، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك فغضب ذلك الرجل وقال آن كان ابن عمتك ؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستوعب للزبير حقه، فقال :احبس يا زبير الماء حتى يبلغ الجدر، ثم أرسل الماء، » فنزلت الآية٦، واختلف أهل هذا القول في الرجل، فقال قوم :هو رجل من الأنصار من أهل بدر، وقال مكي وغيره :هو حاطب بن أبي بلتعة.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :والصحيح الذي وقع في البخاري أنه رجل من الأنصار، وأن الزبير قال :فما أحسب أن هذه الآية نزلت إلا في ذلك، وقالت طائفة :لما قتل عمر الرجل المنافق الذي لم يرض بحكم النبي صلى الله عليه وسلم، بلغ ذلك النبي وعظم عليه، وقال :( ما كنت أظن أن عمر يجترىء على قتل رجل مؤمن )٧، فنزلت الآية نافية لإيمان ذلك الرجل الراد لحكم النبي، مقيمة عذر عمر بن الخطاب في قتله.
١ - يرى الزمخشري أن [لا] الثانية زائدة، كما زيدت في [لئلا يعلم] لتأكيد وجوب العلم، و[لا يؤمنون] جواب القسم. و[حتى] هنا غاية، أي: ينتفي عنهم الإيمان إلى هذه الغاية..
٢ - ويقال لعصي الهودج: شجار، لتداخل بعضها في بعض، قال الشاعر:
نفسي فداؤك والرماح شواجر والقوم ضنك للقاء قيام
وقال طرفة:
وهم الحكام أرباب الهدى وسعاة الناس في الأمر الشجر
.

٣ - لأن الشاك في ضيق من أمره حتى يأتيه البيان والوضوح، وبسبب الضيق قيل للشجر الملتف: حرج وحرجة، والجمع: حراج..
٤ - من قوله تعالى في الآية (١٢٤) من سورة النساء: ﴿ورسلا قد قصصنا عليك من قبل، ورسلا لم نقصصهم عليك، وكلم الله موسى تكليما﴾.
٥ - عجّ يعجّ ويعجّ عجّا وعجيجا: رفع صوته وصاح، وقيده في التهذيب فقال: بالدعاء والاستغاثة، وجذام: قبيلة تهجوها الشاعرة بأنها ليست أهلا للنعيم، والمطارف: أردية من خز مربعة لها أعلام، والواحد: مطرف ومُطرف، وقال الفراء: المطرف من الثياب: ما جعل في طرفيه علمان. والبيت لهند بنت النعمان بن بشير. وسيأتي زيادة إيضاح..
٦ - أخرجه عبد الرزاق، وأحمد، عبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، وأصحاب السنن من طريق الزهري، وأخرجه الحميدي، وابن جرير وابن المنذر والطبراني في الكبير وغيرهم عن أم سلمة. (الدر المنثور).
وقول الرجل الأنصاري للرسول عليه الصلاة والسلام: (آن كان) بمد همزة (أن) المفتوحة على سبيل الإنكار، أي: أتحكم عليّ لأجل قرابته لك؟ وقوله في الحديث: (الجدر) معناه: ما رفع حول المزروعة فصار كالجدار..

٧ - أخرج الحديث مع اختلاف في بعض الألفاظ ابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود.
و ﴿ كتبنا ﴾ معناه فرضنا، و ﴿ اقتلوا أنفسكم ﴾ معناه ليقتل بعضكم بعضاً، وقد تقدم نظيره في البقرة، وضم النون من ﴿ أن ﴾ وكسرها جائز، وكذلك الواو من ﴿ أو أخرجوا ﴾ وبضمها قرأ ابن عامر ونافع وابن كثير والكسائي، وبكسرها قرأ حمزة وعاصم، وكسر أبو عمرو النون وضم الواو، و ﴿ قليل ﴾ رفع على البدل من الضمير في ﴿ فعلوه ﴾، وقرأ ابن عامر وحده بالنصب «إلا قليلاً »، وذلك جائز أجرى النفي مجرى الإيجاب.
وسبب الآية على ما حكي :أن اليهود قالوا لما لم يرض المنافق بحكم النبي عليه السلام :ما رأينا أسخف من هؤلاء، يؤمنون بمحمد ويتبعونه، ويطؤون عقبه، ثم لا يرضون بحكمه، ونحن قد أمرنا بقتل أنفسنا ففعلنا، وبلغ القتل فينا سبعين ألفاً فقال ثابت بن قيس :لو كتب ذلك علينا لفعلناه، فنزلت الآية معلمة حال أولئك المنافقين، وأنه لو كتب ذلك على الأمة لم يفعلوه، وما كان يفعله إلا قليل مؤمنون محققون، كثابت وغيره، وكذلك روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :ثابت بن قيس وعمار وابن مسعود من القليل. وشركهم في ضمير ﴿ منهم ﴾ لما كان المنافقون والمؤمنون مشتركين في دعوة الإسلام وظواهر الشريعة، وقال أبو إسحاق السبيعي :لما نزلت ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم ﴾ الآية، قال رجل :لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : «إن من أمتي رجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي »١ وذكر مكي أن الرجل هو أبو بكر الصديق، وذكر النقاش :أنه عمر بن الخطاب، وذكر عن أبي بكر أنه قال :لو كتب علينا لبدأت بنفسي وبأهل بيتي وقوله تعالى : ﴿ ولو أنهم فعلوا ﴾ أي لو أن هؤلاء المنافقين اتعظوا وأنابوا لكان خيراً لهم، و ﴿ تثبيتاً ﴾ معناه :يقيناً وتصديقاً ونحوهذا، أي يثبتهم الله.
١ - رواه ابن جرير عن أبي إسحاق السبيعي، ورواه ابن أبي حاتم عن الأعمش (ابن كثير)..
ثم ذكر تعالى ما كان يمن به عليهم من تفضله بالأجر ووصفه إياه بالعظم مقتض ما لا يحصله بشر من النعيم المقيم، و «الصراط المستقيم » :الإيمان المؤدي إلى الجنة، وجاء ترتيب هذه الآية كذا، ومعلوم أن الهداية قبل إعطاء الأجر، لأن المقصد إنما هو تعديد ما كان الله ينعم به عليهم دون ترتيب، فالمعنى :ولهديناهم قبل حتى يكونوا ممن يؤتى الأجر.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٧: ثم ذكر تعالى ما كان يمن به عليهم من تفضله بالأجر ووصفه إياه بالعظم مقتض ما لا يحصله بشر من النعيم المقيم، و «الصراط المستقيم » :الإيمان المؤدي إلى الجنة، وجاء ترتيب هذه الآية كذا، ومعلوم أن الهداية قبل إعطاء الأجر، لأن المقصد إنما هو تعديد ما كان الله ينعم به عليهم دون ترتيب، فالمعنى :ولهديناهم قبل حتى يكونوا ممن يؤتى الأجر.
لما ذكر الله الأمر الذي لو فعلوه لأنعم عليهم، ذكر بعد ذلك ثواب من يفعله، وهذه الآية تفسير قوله تعالى : ﴿ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ﴾١ وقالت طائفة إنما نزلت هذه الآية لما قال عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الذي أري الأذان، يا رسول الله إذا مت ومتنا كنت في عليين فلا نراك ولا نجتمع بك، وذكر حزنه على ذلك، فنزلت هذه الآية، وحكى مكي عن عبد الله هذا، أنه لما مات النبي عليه السلام، قال :اللهم أعمني حتى لا أرى شيئاً بعده، فعمي، وذكر أن جماعة من الأنصار قالت ذلك أو نحوه، حكاه الطبري عن ابن جبير وقتادة والسدي.
قال القاضي أبو محمد :ومعنى - أنهم معهم - أنهم في دار واحدة، ومتنعم واحد، وكل من فيها قد رزق الرضا بحاله، وذهب عنه أن يعتقد أنه مفضول، وإن كنا نحن قد علمنا من الشريعة أن أهل الجنة تختلف مراتبهم على قدر أعمالهم، وعلى قدر فضل الله على من شاء، و «الصدّيق » فعيل من الصدق، وقيل من الصدقة، وروي عن النبي عليه السلام :( الصديقون المتصدقون )٢، والشهداء المقتولون في سبيل الله، هم المخصوصون بفضل الميتة٣، وهم الذي فرق الشرع حكمهم في ترك الغسل والصلاة، لأنهم أكرم من أن يشفع لهم، وسمعوا بذلك لأن الله شهد لهم بالجنة، وقيل لأنهم شهدوا لله بالحق في موتهم ابتغاء مرضاته، ولكن لفظ، ﴿ الشهداء ﴾ في هذه الآية يعم أنواع الشهداء، و ﴿ رفيقاً ﴾ موحد في معنى الجمع، كما قال : ﴿ ثم يخرجكم طفلاً ﴾٤ ونصبه على التمييز، وقيل على الحال، والأول أصوب، وقرأ أبو السمال، «وحسْن » بسكون السين، وذلك مثل شجر بينهم.
١ - أخرج الطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والضياء المقدسي في صفة الجنة، وحسّنه- عن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنك لأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وأني إذا دخلت الجنة خشيت ألا أراك، فلم يزد عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئا حتى نزل جبريل بهذه الآية: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم﴾. الآية (الدر المنثور)- وقال ابن كثير بعد أن رواه: "وهكذا رواه الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه في صفة الجنة من طريق الطبراني عن عبد الله بن عمران العابدي، ثم قال: لا أرى بإسناده بأسا" والله أعلم..
٢ - أخرج ابن جرير عن المقداد، قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: قلت في أزواجك: إني لأرجو لهن من بعدي الصديقين، قال: (من تعنون الصديقين)؟ قلت: أولادنا الذين هلكوا صغارا، قال: (لا، ولكن الصديقين هم المصدقون). (الدر المنثور)..
٣ - أي: الذين خصوا بأفضل أنواع الميتات- وفي بعض النسخ من الأصول زيادة لفظ الجلالة: (الله) بين كلمتي (فضل) و(الميتة). وآثرنا حذفها حتى يستقيم المعنى، ولعلها من أغلاط الناسخ..
٤ - من الآية (٦٧) من سورة (المؤمن)- و[رفيقا] جاء مفردا إما لما قاله ابن عطية، وإما لأنه مثل الخليط والصديق يكون للمفرد والمثنى والجمع، وفضّل في "البحر المحيط" الرأي الأول لكونه فاصلة..
وقوله تعالى : ﴿ ذلك الفضل من الله ﴾ رد على تقدير معترض يقول، وما الذي يوجب استواء أهل الطاعة والنبيين في الآخرة، والفرق بينهم في الدنيا بيّن ؟ فذكر الله أن ذلك بفضله لا بوجوب عليه، والإشارة ب ﴿ ذلك ﴾ إلى كون المطيعين مع المنعم عليهم، وأيضاً فلا نقرر الاستواء، بل هم معهم في دار والمنازل متباينة، ثم قال ﴿ وكفى بالله عليماً ﴾ وفيها معنى أن يقول، فسلموا فعل الله وتفضله من الاعتراض عليه، واكتفوا بعلمه في ذلك وغيره، ولذلك أدخلت الباء على اسم الله، لتدل على الأمر الذي في قوله : ﴿ وكفى ﴾١.
١ - يرى أبو حيان فساد قول من يدعي أن قولك: "كفى بزيد" معناه: اكتف بزيد- وقد وضح ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وكفى بالله وليا، وكفى بالله نصيرا﴾..
هذا خطاب للمخلصين من أمة محمد عليه السلام، وأمر لهم بجهاد الكفار، والخروج في سبيل الله، وحماية الشرع، و ﴿ خذوا حذركم ﴾١، معناه :احزموا واستعدوا بأنواع الاستعداد، فهنا يدخل أخذ السلاح وغيره، و ﴿ انفروا ﴾ معناه :اخرجوا مجدين مصممين، يقال :نفر الرجل ينفِر بكسر الفاء نفيراً، ونفرت الدابة تنفُر بضم الفاء نفوراً، و ﴿ ثبات ﴾ معناه :جماعات متفرقات، فهي كناية عن السرايا و ﴿ جميعاً ﴾، معناه :الجيش الكثيف مع النبي صلى الله عليه وسلم، هكذا قال ابن عباس وغيره، والثبة :حكي أنها فوق العشيرة من الرجال، وزنها فعلة بفتح العين، أصلها ثبوة، وقيل :ثبية، حذفت لامها بعد أن تحركت وانقلبت ألفاً حذفاً غير مقيس، ولذلك جمعت ثبون، بالواو والنون عوضاً من المحذوف وكسر أولها في الجمع دلالة على خروجها عن بابها، لأن بابها أن تجمع بالتاء أبداً، فيقال : ﴿ ثبات ﴾، وتصغر ثبية أصلها ثبيوة، وأما ثبة الحوض وهي وسطه الذي يثوب الماء إليه، فالمحذوف منها العين، وأصلها ثوبة وتصغيرها ثوبية، وهي من ثاب يثوب، وكذلك قال أبو علي الفارسي في بيت أبي ذؤيب : [ الطويل ]
فَلَمَّا جَلاها بالأَيامِ تَحَيَّزَتْ. . . ثَبَاتٌ عَلَيْهَا ذلُّهَا واْكِتئَابُها٢
انه اسم مفرد ليس يجمع سيق على الأصل، لأن أصل ثبة ثبوة، تحركت بالواو وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفاً، فساقها أبو ذؤيب في هذه الحال.
١ - الحذر والحذر: لغتان كالمثل والمثل، قال الفراء: أكثر الكلام الحذر، والحذر مسموع أيضا..
٢ - قال هذا البيت ضمن أبيات يصف بها مشتار العسل الذي يتدلى بالحبل من الجبل حيث تتخذ النحل منها بيوتا، وقبله يقول:
تدلى عليها بين سيب وخيطة بجرداء مثل الوكف يكبو غرابها
والإيام: الدخان، وجمعه أيم، وآم الرجل إياما إذا دخن على النحل ليخرج من الخلية فيأخذ ما فيها من العسل، وتحيزت: تجمعت في جماعات، كل جماعة وحدها أو اجتمع بعضها إلى بعض، وقيل: تفرقت من الدخان. وثبات: جماعات، ومفردها: ثبة، والبيت مروي في (اللسان): ثبات، ولكنه هنا ساقها ضمن كلام للفراء، وفيه تعليل لروايتها (ثباتا) بالألف..

وقوله تعالى : ﴿ وإن منكم ﴾ ﴿ إن ﴾ إيجاب، والخطاب لجماعة المؤمنين، والمراد ب «من » المنافقون وعبر عنهم ب ﴿ منكم ﴾ إذ هم في عداد المؤمنين، ومنتحلون دعوتهم، واللام الداخلة على «من » لام التأكيد، ودخلت على اسم ﴿ إن ﴾ لما كان الخبر متقدماً في المجرور، وذلك مهيع في كلامهم، كقولك :إن في الدار لزيداً، واللام الداخلة على ﴿ يبطئن ﴾ لام قسم عند الجمهور، تقديره ﴿ وإن منكم لمن ﴾ والله ﴿ ليبطئن ﴾ وقيل :هي لام تأكيد، و ﴿ يبطئن ﴾ معناه :يبطىء غيره أي يثبطه ويحمله على التخلف عن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأ مجاهد «ليبطئن » بالتخفيف في الطاء، و ﴿ مصيبة ﴾ يعني من قتل واستشهاد، وإنما هي مصيبة بحسب اعتقاد المنافقين ونظرهم الفاسد، أو على أن الموت كله مصيبة كما شاءه الله تعالى، وإنما الشهادة في الحقيقة نعمة لحسن مآلها١، و ﴿ شهيداً ﴾ معناه مشاهداً فالمعنى :أن المنافق يسره غيبه إذا كانت شدة وذلك يدل على أن تخلفه إنما هو فزع من القتال ونكول عن الجهاد.
١ - وقيل: المصيبة الهزيمة، سميت بذلك لما يلحق الإنسان فيها من العار بتولية الأدبار، ومن العرب من يختار الموت على الهزيمة كما قال أبو تمام:
وقد كان فوت الموت سهلا فرده إليه الحفاظ المر والخلق الوعـر
فأثبت في مستنقع الموت رجله وقال لها من تحت أخمصك الحشر.

وقوله تعالى : ﴿ ولئن أصابكم فضل من الله ﴾ الآية، المعنى ولئن ظفرتم وغنمتم وكل ذلك من فضل الله، ندم المنافق إن لم يحضر ويصب الغنيمة، وقال : ﴿ يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً ﴾ متمنياً شيئاً قد كان عاهد أن يفعله ثم غدر في عهده، لأن المؤمن إنما يتمنى مثل هذا إذا كان المانع له من الحضور عذراً واضحاً، وأمراً لا قدرة له معه، فهو يتأسف بعد ذلك على فوات الخير، والمنافق يعاطي المؤمنين المودة، ويعاهد على التزام كلف الإسلام، ثم يتخلف نفاقاً وشكاً وكفراً بالله ورسوله، ثم يتمنى عندما يكشف الغيب الظفر للمؤمنين، فعلى هذا يجيء قوله تعالى : ﴿ كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ﴾ التفاتة بليغة، واعتراضاً بين القائل والمقول بلفظ يظهر زيادة في قبح فعلهم.
وحكى الطبري عن قتادة وابن جريج، أنهما كانا يتأولان قول المنافق ﴿ يا ليتني كنت معهم ﴾ على معنى الحسد منه للمؤمنين في نيل رغيبة، وقرأ الحسن ﴿ ليقولُن ﴾ بضم اللام على معنى «من » وضم اللام لتدل على الواو المحذوفة، ويدل مجموع هاتين الآيتين على أن خارج المنافقين إنما كان يقصد الغنيمة، ومتخلفهم إنما كان يقصد الشك وتربص الدوائر بالمؤمنين و ﴿ كأن ﴾ مضمنة معنى التشبيه، ولكنها ليست كالثقيلة في الحاجة إلى الاسم والخبر وإنما تجيء بعدها الجمل١، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص «تكن » بتاء، وقرأ غيرهما «يكن » بياء، وذلك حسن للفصل الواقع بين الفعل والفاعل، وقوله : ﴿ فأفوز ﴾ نصب بالفاء في جواب التمني، وقرأ الحسن ويزيد النحوي ﴿ فأفوز ﴾ بالرفع على القطع والاستئناف، التقدير :فأنا أفوز :قال روح :لم يجعل ل «ليت » جواباً، وقال الزجّاج :إن قوله : ﴿ كأن لم يكن بينكم وبينه مودة ﴾ مؤخر. وإنما موضعه فإن أصابتكم مصيبة.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :وهذا ضعيف لأنه يفسد فصاحة الكلام.
١ - يتمشى قول ابن عطية على مذهب الكوفيين، أما على مذهب البصريين فلا، وقد علق أبو حيان في "البحر المحيط" على كلام ابن عطية هذا فقال: "وهذا الذي ذكره غير محرر ولا على اطلاقه". وارجع إليه إن أردت البيان..
هذا أمر من الله عز وجل للمؤمنين الذين وصفهم بالجهاد في سبيل الله، و ﴿ يشرون ﴾ معناه :يبيعون في هذا الموضع، وإن جاء في مواضع :يشترون، فالمعنى هاهنا يدل على أنه بمعنى «يبيعون » ثم وصف الله ثواب المقاتل في سبيل الله، فذكر غايتي حالتيه، واكتفى بالغايتين عما بينهما، وذلك أن غاية المغلوب في القتال أن يقتل، وغاية الذي يقتل ويغنم أن يتصف بأنه غالب على الإطلاق، «والأجر العظيم » :الجنة، وقالت فرقة، «فلْيقاتل » بسكون لام الأمر، وقرأت فرقة «فلِيقاتل » بكسرها، وقرأ محارب بن دثار «فيقتل أو يَغلب » على بناء الفعلين للفاعل، وقرأ الجمهور ﴿ نؤتيه ﴾ بالنون، وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف «فسوف يؤتيه » بالياء.
وقوله تعالى : ﴿ وما لكم ﴾ اللام متعلقة بما يتعلق بالمستفهم عنه من معنى الفعل، تقديره وأي شيء موجود أو كائن أن نحو ذلك لكم ؟ و ﴿ لا تقاتلون ﴾ في موضع نصب على الحال، تقديره تاركين أو عطف على «السبيل » أي وفي المستضعفين لاستنقاذهم، ويعني ب ﴿ المستضعفين ﴾ من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال كفرة قريش وأذاهم لا يستطيعون خروجاً، ولا يطيب لهم على الأذى إقامة، وفي هؤلاء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «اللهم أنج سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين »١ و ﴿ الولدان ﴾ بابه أن يكون جمع وليد، وقد يكون جمع ولد كورل وورلان٢، فهي على الوجهين عبارة عن الصبيان، والقرية هاهنا مكة بإجماع من المتأولين.
قال القاضي أبو محمد :والآية تتناول المؤمنين والأسرى وحواضر الشرك إلى يوم القيامة، ووحد الظالم لأنه موضع اتخاذ الفعل، ألا ترى أن الفعل إنما تقديره الذي ظلم أهلها، ولما لم يكن للمستضعفين حيلة إلا الدعاء، دعوا في الاستنقاذ وفيما يواليهم من معونة الله تعالى وما ينصرهم على أولئك الظلمة من فتح الله تبارك وتعالى.
١ - رواه البخاري ومسلم، وغيرهما..
٢ -الورل- بفتح الواو والراء-: دابة على هيئة الضب، وهي أعظم منه وألطف بدنا، والورل طويل الذنب، صغير الرأس، لحمه حار جدا، يعيش في الصحراء وبه يضرب المثل في الظلم فيقال: "أظلم من ورل" ذلك لأنه يغصب الحية جحرها ويأكلها، ويسكن في الجحر بعدها-والأنثى: ورلة، والجمع كما قال المؤلف: ورلان وأورال..
هذه الآية تقتضي تقوية قلوب المؤمنين وتحريضهم، و ﴿ الطاغوت ﴾ كل ما عبد واتبع من دون الله، وتدل قرينة ذكر الشيطان بعد ذلك على أن المراد ب ﴿ الطاغوت ﴾ هنا الشيطان، وإعلامه تعالى بضعف ﴿ كيد الشيطان ﴾ تقوية لقلوب المؤمنين، وتجرئة لهم على مقارعة الكيد الضعيف، فإن العزم والحزم الذي يكون على حقائق الإيمان يكسره ويهده، ودخلت كان دالة على لزوم الصفة.
وقوله : ﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم ﴾ اختلف المتأولون فيمن المراد بقوله ﴿ الذين قيل لهم ﴾ ؟ فقال ابن عباس وغيره :كان عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والمقداد بن عمرو الكندي وجماعة سواهم قد أنفوا من الذل بمكة قبل الهجرة وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيح لهم مقاتلة المشركين فأمرهم الله تعالى بكف الأيدي، وأن لا يفعلوا، فلما كان بالمدينة وفرض القتال، شق ذلك على بعضهم وصعب موقعه، ولحقهم ما يلحق البشر من الخور والكع١ عن مقارعة العدو فنزلت الآية فيهم، وقال قوم :كان كثير من العرب قد استحسنوا الدخول في دين محمد عليه السلام على فرائضه التي كانت قبل القتال من الصلاة والزكاة ونحوها والموادعة وكف الأيدي، فلما نزل القتال شق ذلك عليهم وجزعوا له، فنزلت الآية فيهم، وقال مجاهد وابن عباس أيضاً :إنما الآية حكاية عن اليهود أنهم فعلوا ذلك مع نبيهم في وقته، فمعنى الحكاية عنهم تقبيح فعلهم، ونهي المؤمنين عن فعل مثله، وقالت فرقة :المراد بالآية المنافقون من أهل المدينة عبد الله بن أبيّ وأمثاله، وذلك أنهم كانوا قد سكنوا على الكره إلى فرائض الإسلام مع الدعة وعدم القتال، فلما نزل القتال شق عليهم وصعب عليهم صعوبة شديدة، إذ كانوا مكذبين بالثواب، ذكره المهدوي. قال القاضي أبو محمد رحمه الله :ويحسن هذا القول أن ذكر المنافقين يطرد فيما بعدها من الآيات، ومعنى ﴿ كفوا أيديكم ﴾ أمسكوا عن القتال، والفريق :الطائفة من الناس، كأنه فارق غيره. وقوله : ﴿ يخشون الناس كخشية الله ﴾ يعني أنهم كانوا يخافون الله في جهة الموت، لأنهم لا يخشون الموت إلا منه، فلما كتب عليهم قتال الناس رأوا أنهم يموتون بأيديهم، فخشوهم في جهة الموت كما كانوا يخشون الله، وقال الحسن :قوله : ﴿ كخشية الله ﴾ يدل على أنها في المؤمنين، وهي خشية خوف لا خشية مخالفة، ويحتمل أن يكون المعنى يخشون الناس على حد خشية المؤمنين الله عز وجل.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :وهذا ترجيح لا قطع، وقوله : ﴿ أو أشد خشية ﴾ قالت فرقة : ﴿ أو ﴾ بمعنى الواو، وفرقة :هي بمعنى «بل » وفرقة :هي للتخيير، وفرقة :على بابها في الشك في حق المخاطب، وفرقة :هي على جهة الإبهام على المخاطب.
قال القاضي أبو محمد :وقد شرحت هذه الأقوال كلها في سورة البقرة في قوله : ﴿ أو أشد قسوة ﴾٢ أن الموضعين سواء، وقولهم، ﴿ لم كتبت علينا القتال ﴾ ؟ رد في صدر أوامر الله تعالى وقلة استسلام، «والأجل القريب » يعنون به موتهم على فرشهم، هكذا قال المفسرون.
قال القاضي أبو محمد :وهذا يحسن إذا كانت الآية في اليهود أو المنافقين، وأما إذا كانت في طائفة من الصحابة، فإنما طلبوا التأخر إلى وقت ظهور الإسلام وكثرة عددهم.
١ - الكع: هو الجبن والضعف عن الإقدام، يقال: كعّ فلان كعّا وكعاعة: جبن وضعف فهو كع وكاع، وجمع الأخير: كاعة –"المعجم الوسيط- كعّ"..
٢ -من الآية (٧٤) من سورة (البقرة)..
المعنى : ﴿ قل ﴾ يا محمد لهؤلاء : ﴿ متاع الدنيا ﴾، أي الاستمتاع بالحياة فيها الذي حرصتم عليه وأشفقتم من فقده ﴿ قليل ﴾، لأنه فان زائل ﴿ والآخرة ﴾ التي هي نعيم مؤبد ﴿ خير ﴾ لمن أطاع الله واتقاه في الامتثال لأوامره، على المحاب والمكاره، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم «تظلمون » بالتاء على الخطاب، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «يظلمون » بالياء على ترك المخاطبة وذكر الغائب، والفتيل الخيط في شق نواة التمرة، وقد تقدم القول فيه.
و ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ﴾ جزاء وجوابه، وهكذا قراءة الجمهور، وقرأ طلحة بن سليمان «يدركُكُم » بضم الكافين ورفع الفعل، قال أبو الفتح :ذلك على تقدير دخول الفاء كأنه قال :فيدرككم الموت١، وهي قراءة ضعيفة، وهذا إخبار من الله يتضمن تحقير الدنيا، وأنه لا منجى من الفناء والتنقل. واختلف المتأولون في قوله : ﴿ في بروج ﴾ فالأكثر والأصح أنه أراد البروج والحصون التي في الأرض المبنية، لأنها غاية البشر في التحصن والمنعة، فمثل الله لهم بها، قال قتادة :المعنى في قصور محصنة، وقاله ابن جريج والجمهور، وقال السدي :هي بروج في السماء الدنيا مبنية، وحكى مكي هذا القول عن مالك، وأنه قال :ألا ترى إلى قوله ﴿ والسماء ذات البروج ﴾٢ وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال : ﴿ في بروج مشيدة ﴾، معناه في قصور من حديد.
قال القاضي أبو محمد :وهذا لا يعطيه اللفظ، وإنما البروج في القرآن إذا وردت مقترنة بذكر السماء بروج المنازل للقمر وغيره على ما سمتها العرب وعرفتها، وبرج معناه ظهر، ومنه البروج أي المطولة الظاهرة، ومنه تبرج المرأة، و ﴿ مشيدة ﴾ قال الزجّاج وغيره :معناه مرفوعة مطولة، لأن شاد الرجل البناء إذا صنعه بالشيد وهو الجص إذا رفعه، وقالت طائفة : ﴿ مشيدة ﴾ معناه :محسنة بالشيد، وذلك عندهم أن «شاد الرجل » معناه :جصص بالشيد، وشيد معناه :كرر ذلك الفعل فهي للمبالغة، كما تقول :كسرت العود مرة، وكسرته في مواضع منه كثيرة مراراً، وخرقت الثوب وخرقته، إذا كان الخرق منه في مواضع كثيرة، فعلى هذا يصح أن تقول :شاد الرجل الجدار مرة وشيد الرجل الجدار إذا أردت المبالغة، لأن التشييد منه وقع في مواضع كثيرة، ومن هذا المعنى قول الشاعر [ عدي بن زياد العبادي ] : [ الخفيف ]
شَادَهُ مَرْمَراً وَجَلَّلَهُ كِلْ. . . ساً فللطيرِ في ذُراهُ وكورُ٣
والهاء والميم في قوله : ﴿ وإن تصبهم ﴾ رد على الذين قيل لهم، كفوا أيديكم وهذا يدل على أنهم المنافقون، لأن المؤمنين لا تليق بهم هذه المقالة، ولأن اليهود لم يكونوا للنبي عليه السلام تحت أمر، فتصيبهم بسببه أسواء، ومعنى الآية، وإن تصب هؤلاء المنافقين حسنة من هزم عدو أو غنيمة أو غير ذلك رأوا أن ذلك بالاتفاق من صنع الله، لا أنه ببركة إتباعك والإيمان بك، ﴿ وإن تصبهم سيئة ﴾، أي هزيمة أو شدة جوع وغير ذلك، قالوا :هذه بسببك، لسوء تدبيرك، كذا قال ابن زيد، وقيل لشؤمك علينا.
قاله الزجّاج وغيره، وقوله : ﴿ قل كل من عند الله ﴾ إعلام من الله تعالى، أن الخير والشر، والحسنة والسيئة خلق له ومن عنده، لا رب غيره ولا خالق ولا مخترع سواه، فالمعنى :قل يا محمد لهؤلاء :ليس الأمر كما زعمتم من عندي ولا من عند غيري، بل هو كله من عند الله، قال قتادة :النعم والمصائب من عند الله، قال ابن زيد، النصر والهزيمة، قال ابن عباس :السيئة والحسنة.
قال القاضي أبو محمد :وهذا كله شيء واحد، ثم وبخهم بالاستفهام عن علة جهلهم، وقلة فهمهم وتحصيلهم لما يخبرون به من الحقائق والفقه في اللغة الفهم، وأوقفته الشريعة على الفهم في الدين وأموره، وغلب عليه بعد الاستعمال في علم المسائل الإحكامية، والبلاغة في الاستفهام عن قلة فقههم بينة، لأنك إذا استفهمت عن علة أمر ما، فقد تضمن كلامك إيجاب ذلك الأمر تضمناً لطيفاً بليغاً، ووقف أبو عمرو والكسائي على قوله ﴿ فما ﴾ ووقف الباقون على اللام في قوله : ﴿ فمال ﴾، إتباعا للخط، ومنعه قوم جملة، لأنه حرف جر فهي بعض المجرور، وهذا كله بحسب ضرورة وانقطاع نفس، وأما أن يختار أحد الوقف فيما ذكرناه ابتداء فلا.
١ - ومثله قول الشاعر: من يفعل الحسنات الله يشكرها.
٢ - الآية (١) من سورة (البروج)، ومثله قوله تعالى: ﴿تبارك الذي جعل في السماء بروجا﴾ وقوله: ﴿ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين﴾..
٣ -هذا البيت لعدي بن زيد العبادي، وقبله يقول:
أين كسرى، كسرى الملوك أبو سا سان؟ أم أين قبله سابور؟
وبنو الأصفر الكرام ملوك الروم لم يبق منهم مذكــور؟
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة تجبى إليه والخابــور.
وجلله: كساه وعممه. والكلس: ما طلي به حائط أو باطن قصر، والوكور: جمع وكر وهو عش الطائر وإن لم يكن فيه. وأما الحضر فهي مدينة بين دجلة والفرات، وصاحب الحضر هو الساطرون. (اللسان)..

قالت فرقة : ﴿ ما ﴾ شرطية، ودخلت ﴿ من ﴾ بعدها لأن الشرط ليس بواجب فأشبه النفي الذي تدخله ﴿ من ﴾، وقالت فرقة ﴿ ما ﴾ بمعنى الذي، و ﴿ من ﴾ لبيان الجنس، لأن المصيب للإنسان أشياء كثيرة :حسنة وسيئة، ورخاء وشدة، وغير ذلك، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وغيره داخل في المعنى، وقيل :الخطاب للمرء على الجملة، ومعنى هذه الآية عند ابن عباس وقتادة والحسن والربيع وابن زيد وأبي صالح وغيرهم، القطع واستئناف الإخبار من الله تعالى، بأن الحسنة منه وبفضله، والسيئة من الإنسان بإذنابه، وهي من الله بالخلق والاختراع، وفي مصحف ابن مسعود، «فمن نفسك » «وأنا قضيتها عليك »١ وقرأ بها ابن عباس، وحكى أبو عمرو أنها في مصحف ابن مسعود «وأنا كتبتها » وروي أن أبياً وابن مسعود قرآ «وأنا قدرتها عليك » ويعضد هذا التأويل أحاديث عن النبي عليه السلام معناها :أن ما يصيب ابن آدم من المصائب، فإنما هي عقوبة ذنوبه، ومن ذلك أن أبا بكر الصديق لما نزلت ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾٢ جزع فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، «ألست تمرض ؟ ألست تسقم ؟ ألست تغتم ؟ »٣ وقال أيضاً عليه السلام : «ما يصيب الرجل خدشة عود ولا عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر »٤ ففي هذا بيان أو تلك كلها مجازاة على ما يقع من الإنسان، وقالت طائفة :معنى الآية كمعنى التي قبلها في قوله : ﴿ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله ﴾ [ النساء :٧٨ ] على تقدير حذف يقولون، فتقديره :فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً، يقولون :ما أصابك من حسنة، ويجيء القطع على هذا القول من قوله : ﴿ وأرسلنا ﴾ وقالت طائفة :بل القطع في الآية من أولها، والآية مضمنة الإخبار أن الحسنة من الله وبفضله، وتقدير ما بعده ﴿ وما أصابك من سيئة فمن نفسك ﴾، على جهة الإنكار والتقرير٥، فعلى هذه المقالة ألف الاستفهام محذوفة من الكلام٦، وحكى هذا القول المهدوي، و ﴿ رسولاً ﴾ نصب على الحال، وهي حال تتضمن معنى التأكيد في قوله تعالى، ﴿ وأرسلناك للناس رسولاً ﴾ ثم تلاه بقوله : ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ توعد للكفرة، وتهديد تقتضيه قوة الكلام، لأن المعنى شهيداً على من كذبه.
١ - قال القرطبي رحمه الله تعليقا على ذلك: "هذه قراءة على التفسير، وقد أثبتها بعض أهل الزيغ من القرآن، والحديث بذلك عن ابن مسعود وأبي منقطع، لأن مجاهدا لم ير عبد الله ولا أبيا"..
٢ - من قوله تعالى: ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوءا يجز به، ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا﴾ في الآية (١٢٣) من سورة (النساء)..
٣ - أخرجه ابن جرير عن عائشة، وأخرجه أحمد وهناد وعبد بن حميد والحكيم والترمذي وغيرهم عن أبي بكر (الدر المنثور)..
٤ - أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة: [وما أصابك من سيئة فمن نفسك] قال: "عقوبة بذنبك يا ابن آدم". قال: "وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (لا يصيب رجلا خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر). (الدر المنثور)..
٥ - هكذا في الأصول، ولعلها: "والتقريع"، أو يكون المراد: الإنكار عليهم مع تقريرهم بالخبر..
٦ - حذف ألف الاستفهام من الكلام كثير، ومنه: [وتلك نعمة تمنها عليّ]، أي: أو تلك نعمة؟ وقوله تعالى: ﴿فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي﴾، أي: أهذا ربي؟ وقول أبي خراش الهذلي:
رموني وقالوا يا خويلد لم ترع فقلت وأنكرت الوجوه هم هم؟
أي: أهم هم؟.

والمعنى أن الرسول إنما يأمر وينهى بياناً من الله وتبليغاً، فإنما هي أوامر الله ونواهيه، وقالت فرقة سبب هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «من أحبني فقد أحب الله » فاعترضت اليهود عليه في هذه المقالة، وقالوا :هذا محمد يأمر بعبادة الله وحده، وهو في هذا القول مدّع للربوبية، فنزلت هذه الآية تصديقاً للرسول عليه السلام، وتبييناً لصورة التعلق بينه وبين فضل الله تعالى، و ﴿ تولى ﴾ معناه أعرض، وأصل ﴿ تولى ﴾ في المعنى أن يتعدى بحرف، فنقول تولى فلان عن الإيمان، وتولى إلى الإيمان لأن اللفظة تتضمن إقبالاً وإدباراً، لكن الاستعمال غلب عليها في كلام العرب على الإعراض والإدبار، حتى استغني فيها عن ذكر الحرف الذي يتضمنه، و ﴿ حفيظاً ﴾ يحتمل معنيين، أي ليحفظهم حتى لا يقعوا في الكفر والمعاصي ونحوه، أو ليحفظ مساوئهم وذنوبهم ويحسبها عليهم، وهذه الآية تقتضي الإعراض عن من تولى والترك له، وهي قبل نزول القتال وإنما كانت توطئة ورفقاً من الله تعالى حتى يستحكم أمر الإسلام.
وقوله تعالى : ﴿ ويقولون طاعة ﴾ الآية نزلت في المنافقين باتفاق من المفسرين، المعنى يقولون لك يا محمد :أمرنا طاعة، فإذا خرجوا من عندك اجتمعوا ليلاً وقالوا غير ما أظهروا لك. و ﴿ بيَّت ﴾ معناه فعل ليلاً، فإما أخذ من بات، وإما من البيت لأنه ملتزم بالليل وفي الأسرار التي يخاف شياعها، ومن ذلك قول الشاعر [ الأسود بن يعفر ] : [ المتقارب ]
أتوني فَلَمْ أَرْضَ مَا بَيَّتُوا. . . وَكَانُوا أَتوني بِأَمْرٍ نكرْ١
ومنه قول النمر بن تولب :
هبَّتْ لتعذلني بليل اسمعي سفهاً تبيتك للملامةِ فاهجعي٢
المعنى وتقول لي :اسمع، وزيدت الياء إشباعاً لتصريع القافية واتباعاً للياء، كقول امرىء القيس :
ألا أيُّها الليلُ الطويلُ أَلاَ انْجَلي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ٣
وقوله بأمثل، وقرأ جمهور القراء ﴿ بيت ﴾ بتحريك التاء، وقرأ أبو عمرو وحمزة بإدغامها في الطاء، وقرأ ابن مسعود «بيت مبيت منهم يا محمد » وقوله : ﴿ تقول ﴾ يحتمل أن يكون معناه تقول أنت يا محمد، ويحتمل، تقول هي لك، و ﴿ يكتب ﴾ معناه على وجهين، إما يكتبه عنده حسب كتب الحفظة حتى يقع الجزاء، وإما يكتبه في كتابه إليك، أي ينزله في القرآن ويعلم بها، قال هذا القول الزجّاج، والأمر بالإعراض إنما هو عن معاقبتهم ومجازاتهم، وأما استمرار دعوتهم وعظتهم فلازم، قال الضحاك :معنى ﴿ أعرض عنهم ﴾ لا تخبر بأسمائهم، وهذا أيضاً قبل نزول القتال على ما تقدم. ثم أمر الله تعالى بالتوكل عليه والتمسك بعروته الوثقى ثقة بإنجاز وعده في النصر، و «الوكيل » القائم بالأمور المصلح لما يخاف من فسادها، وليس ما غلب الاستعمال في الوكيل في عصرنا بأصل في كلام العرب، وهي لفظة رفيعة وضعها الاستعمال العامي، كالعريف والنقيب وغيره.
١ - البيت للأسود بن يغفر، وبعده كما في اللسان:
لأنكح أيمهم منذرا وهل ينكح العبد حر لحر؟
والنكر هو المنكر، ومنه قوله تعالى: ﴿لقد جئت شيئا نكرا﴾، وقد تحرك الكاف كما في البيت، وابن عطية يستشهد بالبيت على أن معنى (بيت) هو: "فعل ليلا"، سواء أكان من الفعل (بات) أو من (البيت) لأنه ملتزم بالليل- لكن القرطبي استشهد به على أن معنى [بيّت] هو: غيّر وبدّل، واتبعه ببيت آخر يتضح فيه معنى التغير أكثر، وهو قول الشاعر:
بيّت قولي عبد المليـ ـك قاتله الله عبدا كفورا.
ورواه في "البحر المحيط":
وتبييت قولي عند المليـ ـك قاتلك الله عبدا كفورا.

٢ - العذل: الملامة كالتعذيل، والاسم: العذل محركة، وبيّت الأمر: عمله ليلا كما في الآية الكريمة هنا، وكما في قوله تعالى: ﴿إذ يبيتون ما لا يرضى من القول﴾ والهجوع بالضم: النوم ليلا.
.

٣ - البيت كاملا هو:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح، وما الإصباح منك بأمثل.
وإلى كلمة (أمثل) هذه يشير ابن عطية في قوله بعد البيت مباشرة: "وقوله: بأمثل" وقد زيدت الياء في (انجلي) ليستقيم الوزن، عن الفراء: العرب تفعل ذلك كثيرا..

المعنى :هؤلاء المنافقون الطاعنون عليك الرافعون بغير برهان في صدر نبوتك، ألا يرجعون إلى النصفة، وينظرون موضع الحجة ويتدبرون كلام الله تعالى ؟ فتظهر لهم براهينه، وتلوح أدلته، «والتدبر » :النظر في أعقاب الأمور وتأويلات الأشياء، هذا كله يقتضيه قوله : ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ﴾ وهذا أمر بالنظر والاستدلال١، ثم عرف تعالى بمواقع الحجة، أي لو كان من كلام البشر لدخله ما في كلام البشر من القصور، وظهر فيه التناقض والتنافي الذي لا يمكن جمعه، إذ ذلك موجود في كلام البشر، والقرآن منزه عنه، إذ هو كلام المحيط بكل شيء علماً.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :فإن عرضت لأحد شبهة وظن اختلافاً في شيء من كتاب الله، فالواجب أن يتهم نظره ويسأل من هو أعلم منه، وذهب الزجّاج :إلى أن معنى الآية لوجدوا فيما نخبرك به مما يبيتون اختلافاً، أي :فإذا تخبرهم به على حد ما يقع، فذلك دليل أنه من عند الله غيب من الغيوب، هذا معنى قوله، وقد بينه ابن فورك والمهدوي.
١ - قال القرطبي: "ودلت هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ على وجوب التدبر في القرآن ليعرف معناه، فكان في هذا رد على فساد قول من قال: "لا يؤخذ من تفسيره إلا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم"، ومنع أن يتأول على ما يسوغه كلام العرب. وفيه دليل على الأمر بالنظر والاستدلال وإبطال التقليد، وفيه دليل على إثبات القياس." اهـ..
وقوله تعالى : ﴿ وإذا جاءهم أمر من الأمن ﴾ الآية، قال جمهور المفسرين :الآية في المنافقين حسبما تقدم من ذكرهم، والآية نازلة في سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعوثه، والمعنى :أن المنافقين كانوا يشرئبون إلى سماع ما يسوء النبي في سراياه، فإذا طرأت لهم شبهة أمن للمسلمين أو فتح عليهم، حقروها وصغروا شأنها وأذاعوا بذلك التحقير والتصغير، وإذا طرأت لهم شبهة خوف المسلمين أو مصيبة عظموها وأذاعوا ذلك التعظيم، و ﴿ أذاعوا به ﴾ معناه :أفشوه، وهو فعل يتعدى بحرف جر وبنفسه أحياناً، تقول أذعت كذا وأذعت به، ومنه قول أبي الأسود : [ الطويل ]
أَذَاعُوا بِهِ في النَّاسِ حَتَّى كَأَنَّهُ بِعَلْيَاءِ نَارٍ أَوقِدَتْ بِثُقُوبِ١
وقالت فرقة :الآية نازلة في المنافقين، وفي من ضعف جلده عن الإيمان من المؤمنين وقلت تجربته.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :فإما أن يكون ذلك في أمر السرايا فإنهم كانوا يسمعون أقوال المنافقين فيقولونها مع من قالها، ويذيعونها مع من أذاعها، وهم غير متثبتين في صحتها، وهذا هو الدال على قلة تجربتهم، وإما أن يكون ذلك في سائر الأمور الواقعة، كالذي قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه :إنه جاء وقوم في المسجد يقولون طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، قال :فدخلت على عائشة فقلت :يابنة أبي بكر بلغ من أمرك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت :يابن الخطاب عليك بعيبتك٢، قال :فدخلت على حفصة فقلت :يا حفصة قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يحبك ولولا أنا لطلقك فجعلت تبكي قال فخرجت حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في غرفة له، ورباح مولاه جالس على أسكفة٣ الغرفة، فقلت :يا رباح استأذن لي على رسول الله، فنظر إلى الغرفة ثم نظر إليَّ وسكت، فقلت :يا رباح استأذن لي على رسول الله فلعله يظن أني جئت من أجل حفصة، والله لو أمرني أن أضرب عنقها لضربته، فنظر ثم أشار إليَّ بيده :أن ادخل، فدخلت وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجع على حصير وقد أثر في جنبه، وإذ ليس في غرفته إلا قبضة من شعير، وقبضة من قرظ، وإذا أفيقان معلقان، فبكيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :ما يبكيك يابن الخطاب ؟ فقلت :يارسول الله، أنت صفوة الله من خلقه ورسوله، وليس لك من الدنيا إلا هذا، وكسرى وقيصر في الأشجار والأنهار، فقال :ها هنا أنت ياعمر ؟ أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة ؟ فقلت :بلى، ثم جعلت أحدثه حتى تهلل وابتسم، فقلت إنهم ادعوا أنك طلقت نساءك، فقال :لا، فقلت أتأذن لي أن أعرف الناس ؟ فقال :افعل إن شئت. قال :فقمت على باب المسجد فقلت :ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطلق نساءه، فانزل الله في هذه القصة : ﴿ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ﴾. الآية وأنا الذي استنبطه،
وقوله تعالى : ﴿ ولو ردوه إلى الرسول ﴾الآية. المعنى :لو أمسكوا عن الخوض، واستقصوا الأمور من قبل الرسول، أو أولي الأمر_وهم الأمراء_ قاله السدي، وابن زيد، وقيل :أهل العلم، قاله
وغيرهما، والمعنى يقتضيهما معا. . ﴿ لعلمه ﴾طلابه من أولي الأمر، والبحثة عنه وهم مستنبطوه كما يستنبط الماء وهو :النبط، أي :الماء المستخرج من الأرض، ومنه قول الشاعر :
قريب ثراه ما ينال عدوه *** *** له نبطا آبي الهوان قطوب
وهذا التأويل جار مع قول عمر، أنا استنبطته ببحثي وسؤالي، وتحتمل الآية أن يكون المعنى لعلمه المسؤولون المستنبطون، فأخبروا بعلمهم، وقرأ أبو السمال، «لعلْمه » بسكون اللام وذلك مثل «شجَر٤ بينهم » والضمير في ﴿ ردوه ﴾ عائد على الأمر، وفي ﴿ ومنهم ﴾ يحتمل أن يعود على ﴿ الرسول ﴾ و ﴿ أولي الأمر ﴾، ويحتمل أن يعود على الجماعة كلها، أي لعلمه البحثة من الناس، وقوله تعالى : ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ﴾ الآية، هذا خطاب لجميع المؤمنين باتفاق من المتأولين، والمعنى :ولولا هداية الله وإرشاده لكم بالإيمان وذلك فضل منه ورحمة - لكنتم على كفركم، وذلك هو اتباع الشيطان. وحكى الزجاج :لولا فضل الله في هذا القرآن ورسالة محمد عليه السلام، واختلف المتأولون في الاستثناء بقوله ﴿ إلا قليلاً ﴾ مم هو ؟ فقال ابن عباس وابن زيد :ذلك مستثنى من قوله : «أذاعوا به إلا قليلاً » ورجحه الطبري، وقال قتادة :ذلك مستثنى من قوله : «يستنبطونه إلا قليلاً » وقالت فرقة :ذلك مستثنى من قوله : ﴿ لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً ﴾، على سرد الكلام دون تقدير تقديم، ثم اختلفت هذه الفرقة، فقال الضحاك :إن الله هدى الكل منهم إلى الإيمان، فكان منهم من تمكن فيه حتى لم يخطر له قط خاطر شك، ولا عنت له شبهة ارتياب، فذلك هو القليل، وسائر من أسلم من العرب لم يخل من الخواطر، فلولا فضل الله بتجديد الهداية لهم لضلوا واتبعوا الشيطان.
قال القاضي أبو محمد :هذا معنى قول الضحاك، ويجيء الفضل معيناً، أي :رسالة محمد والقرآن، لأن الكل إنما هُدي بفضل الله على الإطلاق، وقال قوم :المخاطب بقوله ﴿ اتبعتم ﴾ جميع المؤمنين، وقوله : ﴿ إلا قليلاً ﴾ إشارة إلى من كان قبل الإسلام غير متبع للشيطان على ملة إبراهيم، كورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل، وغيرهما، وقال قوم :الاستثناء إنما هو من الإتباع، أي ﴿ لاتبعتم الشيطان ﴾ كلكم ﴿ إلا قليلاً ﴾ من الأمور كنتم لا تتبعونه فيها، وقال قوم :قوله : ﴿ إلا قليلاً ﴾ عبارة عن العدم، يريدون لاتبعتم الشيطان كلكم، وهذا الأخير قول قلق، وليس يشبه ما حكى سيبويه من قولهم : _أرض قل ما تنبت كذا_بمعنى :لا تنبته، لأن اقتران القلة بالاستثناء يقتضي حصولها، ولكن قد ذكره الطبري.
١ - العلياء: رأس الجبل، والمكان العالي، والثقوب والثقاب: ما أشعلت به النار وأثقبت من دقاق العيدان، يقال: هب لي ثقوبا أي: حراقا، وهو ما أثقبت به النار أي: أوقدتها به. (عن اللسان..
٢ - أي: اشتغل بأهلك ودعني. (عن اللسان)..
٣ - الأسكفّة: بضم الهمزة، وسكون السين، وضم الكاف، وتشديد الفاء المفتوحة على وزن (طرطبّة): خشبة الباب التي يوطأ عليها. والمعروفة الآن باسم: (العتبة)..
٤ - قال أبو حيان: "ليس مثله، لأن تسكين (علم) قياس مطرد في لغة تميم، و(شجر) ليس قياسا مطردا، إنما هو على سبيل الشذوذ، وتسكين (علم) مثل التسكين في قوله:
فإن تبله يضجر كما ضجر بازل من الأدم دبرت صفحتاه وغاربه.

هذا أمر في ظاهر اللفظ للنبي عليه السلام وحده، لكن لم نجد قط في خبر أن القتال فرض على النبي صلى الله عليه وسلم دون الأمة مدة ما، المعنى - والله أعلم - أنه خطاب للنبي عليه السلام في اللفظ، وهو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه، أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له ﴿ قاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ﴾ ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يستشعر أن يجاهد ولو وحده، ومن ذلك قول النبي عليه السلام «والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي »١ وقول أبي بكر وقت الردة : «ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي »، وخلط قوم في تعلق الفاء من قوله ﴿ فقاتل ﴾ بما فيه بعد٢، والوجه أنها عاطفة جملة كلام على جملة، وهي دالة على اطراح غير ما أمر به، ثم خص النبي عليه السلام بالأمر بالتحريض أي الحث على المؤمنين في القيام بالفرض الواجب عليهم. و ﴿ عسى ﴾ إذا وردت من الله تعالى فقال عكرمة وغيره :إنها واجبة، لأنها من البشر متوقعة مرجوة ففضل الله تعالى يوجب وجوبها، وفي هذا وعد للمؤمنين بغلبتهم للكفرة، ثم قوى بعد ذلك، قلوبهم بأن عرفهم شدة بأس الله، وأنه أقدر على الكفرة، ﴿ وأشد تنكيلاً ﴾ لهم، التنكيل :الأخذ بأنواع العذاب وترديده عليهم.
١ - أي: حتى أموت، والسالفة: صفحة العنق، وقد كنى بانفرادها عن الموت لأنها لا تنفرد عما يليها إلا به..
٢ - من ذلك قول من يقول: إن وجه العطف بالفاء أن يكون متصلا بقوله: ﴿وما لكم لا تقاتلون﴾، أو بقوله: ﴿فسوف نؤتيه أجرا عظيما﴾، وهو محمول على المعنى على تقدير شرط، أي: إن أردت الفوز فقاتل، وكذلك قول من يقول: إنها معطوفة على قوله: ﴿فقاتلوا أولياء الشيطان﴾..
وقوله تعالى : ﴿ من يشفع شفاعة حسنة ﴾ الآية. اصل الشفاعة والشفعة ونحوها من الشفع، وهو الزوج في العدد، لأن الشافع ثان لوتر المذنب، والشفيع ثان لوتر المشتري١.
واختلف في هذه الآية المتأولون، فقال الطبري :المعنى من يشفع وتر الإسلام بالمعونة للمسلمين، أو من يشفع وتر الكفر وغيرهم :هي في شفاعات الناس بينهم في حوائجهم، فمن يشفع لينفع فله نصيب، ومن يشفع ليضر فله كفل، وقال الحسن وغيره : «الشفاعة الحسنة » هي في البر والطاعة، والسيئة هي في المعاصي، وهذا كله قريب بعضه من بعض، «والكفل » النصيب، ويستعمل في النصيب من الخير ومن الشر، وفي كتاب الله تعالى ﴿ يؤتكم كفلين من رحمته ﴾٢ و ﴿ مقيتاً ﴾ معناه قديراً، ومنه قول الشاعر، وهو الزبير بن عبد المطلب : [ الوافر ]
وَذِي ضَغنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ وَكُنْتُ عَلَى إذَابَتِهِ مُقيتا٣
أي قديراً، وعبر عنه ابن عباس ومجاهد، بحفيظ وشهيد، وعبد الله بن كثير، بأنه الواصب القيم بالأمور، وهذا كله يتقارب، ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقيت »٤ على من رواها هكذا أي من هو تحت قدرته وفي قبضته من عيال وغيره، وذهب مقاتل بن حيان، إلى أنه الذي يقوت كل حيوان، وهذا على أن يقال أقات بمعنى قات، وعلى هذا يجيء قوله عليه السلام «من يقيت » من أقات وقد حكى الكسائي «أقات » يقيت، فأما قول الشاعر [ السموأل بن عادياء ] : [ الخفيف ]
ليث شعري وأشعرَنَّ إذا ما قَرَّبُوها مَطْوِيَّةً وَدُعِيتُ
أإلى الفضل أم عليّ ؟ إذا حُو سِبْتُ، إنّي على الحِسَابِ مُقِيتُ٥
فقال فيه الطبري :إنه من غير هذا المعنى المتقدم، وإنه بمعنى موقوت.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :وهذا يضعفه أن يكون بناء فاعل بمعنى بناء مفعول.
١ - والشفع: ضم واحد إلى واحد، والشُّفعة: ضم ملك الشريك إلى ملكك، والشفاعة إذا ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك..
٢ - من الآية (٢٨) من سورة (الحديد). والكفل: مستعار من "كفل البعير"، وهو كساء يحويه راكب البعير على سنامه لئلا يسقط، يقال: اكتفلت البعير إذا أدرت على سنامه كساء وركبت عليه، وذلك لأنك لم تستعمل الظهر كله، بل استعملت نصيبا منه..
٣ - ويروى: "على إذايته". وروى أبو بكر الأنباري في الوقف والابتداء، والطبراني في الكبير أن ابن عباس قال لنافع بن الأزرق: هو من قول أحيحة الأنصاري..
٤ - أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في سننه عن ابن عمر. وفي رواية: "من يقوت"..
٥ - الشاعر هو السموأل بن عادياء، وقبل هذين البيتين يقول:
ربّ شتم سمعته وتصاممـ ـت، وعيّ تركته فكُفيت.
وقد جاء في (اللسان): "حكى ابن بري عن أبي سعيد السيرافي قال: الصحيح رواية من روى: "ربي على الحساب مقيت"، قال: لأن الخاضع لربه لا يصف نفسه بهذه الصفة، قال ابن بري: الذي حمل السيرافي على تصحيح هذه الرواية أنه بنى على أن (مقيتا) بمعنى: مقتدر، ولو ذهب مذهب من يقول: إنه الحافظ للشيء، والشاهد له كما ذكر الجوهري- لم ينكر الرواية الأولى". أي الرواية التي نقلها هنا ابن عطية: "إني على الحساب مُقيت"..

وقوله تعالى : ﴿ وإذا حييتم ﴾ الآية. التحية وزنها تفعلة من حي، وهذا هو الأغلب من مصدر فعل في المعتل، وروي عن مالك أن هذه الآية في تشميت العاطس، وفيه ضعف، لأنه ليس في الكلام على ذلك دلالة، أما أن الرد على المشمت مما يدخل بالقياس في معنى رد التحية، وهذا هو منحى مالك رحمه الله إن صح ذلك عنه والله أعلم، واختلف المتأولون، فقالت فرقة :التحية أن يقول الرجل :سلام عليك، فيجب على الآخر أن يقول :عليك السلام ورحمة الله، فإن قال البادىء :السلام عليك ورحمة الله، قال الراد عليك السلام ورحمة الله وبركاته، فإن قال البادىء :السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقد انتهى ولم يبق للراد أن يحيي بأحسن منها، فهاهنا يقع الرد المذكور في الآية، فالمعنى عند أهل هذه القالة ﴿ إذا حييتم بتحية ﴾، فإن نقص المسلم من النهاية فحيوا بأحسن. وإن انتهى فردوا، وقالت فرقة :إنما معنى الآية تخيير الراد، فإذا قال البادىء :السلام عليك، فللراد أن يقول، وعليك السلام فقط، وهذا هو الرد، وله أن يقول، عليك السلام ورحمة الله، وهذا هو التحية بأحسن منها، وقال ابن عباس وغيره :المراد بالآية، ﴿ إذا حييتم بتحية ﴾، فإن كانت من مؤمن فحيوا بأحسن منها، وإن كانت من كافر فردوا على ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال لهم :( وعليكم )١، وروي عن ابن عمرو وابن عباس وغيرهما، انتهى السلام إلى البركة، وجمهور أهل العلم على أن لا يبدأ أهل الكتاب بسلام، فإن سلم أحد ساهياً أو جاهلاً فينبغي أن يستقيله سلامه، وشذ قوم في إباحة ابتدائهم، والأول أصوب، لأنه به يتصور إذلالهم، وقال ابن عباس :كل من سلم عليك من خلق الله فرد عليه وإن كان مجوسياً، وقال عطاء :الآية في المؤمنين خاصة، ومن سلم من غيرهم قيل له :عليك، كما في الحديث٢، وأكثر أهل العلم على أن الابتداء بالسلام سنة مؤكدة، ورده فريضة، لأنه حق من الحقوق، قاله الحسن بن أبي الحسن وغيره، و ﴿ حسيباً ﴾ معناه :حفيظاً، وهو فعيل من الحساب، وحسنت هاهنا هذه الصفة، إذ معنى الآية في أن يزيد الإنسان أو ينقص أو يوفي قدر ما يجيء به.
١ - في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سلّم عليكم اليهود، فإنما يقول أحدهم: السام عليكم، فقل: (وعليك). وروى البخاري عن أنس بن مالك قال: (مرّ يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: السام عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدرون ما يقول؟ قال: السام عليك، قالوا: يا رسول الله، ألا نقتله؟ قال لا، إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم)..
٢ - نفس الحديث السابق..
لما تقدم الإنذار والتحذير الذي تضمنه قوله تعالى ﴿ إن الله كان على كل شيء حسيباً ﴾ [ النساء :٨٦ ] تلاه مقوياً له الإعلام بصفة الربوبية، وحال الوحدانية، والإعلام بالحشر، والبعث من القبور، للثواب، والعقاب، إعلاماً بقسم، والمقسم به تقديره وهو :أو وحقه، أو وعظمته، ﴿ ليجمعنكم ﴾ والجمع هنا بمعنى الحشر، فلذلك حسنت بعده ﴿ إلى ﴾ أي :إليه السوق والحشر، و ﴿ القيامة ﴾ :أصلها القيام، ولما كان قيام الحشر من أذل الحال وأضعفها إلى أشد الأهوال وأعظمها لحقته هاء المبالغة١.
و﴿ لا ريب فيه ﴾ تبرئة هي وما بعدها بمثابة الابتداء تطلب الخبر، ومعناه :لا ريب فيه في نفسه وحقيقة أمره، وإن ارتاب فيه الكفرة فغير ضائر، ﴿ ومن أصدق من الله حديثاً ﴾ ؟ ظاهره الاستفهام ومعناه تقرير الخبر، تقديره :لا أحد أصدق من الله تعالى، لأن دخول الكذب في حديث البشر إنما علته الخوف والرجاء، أو سوء السجية، وهذه منفية في حق الله تعالى وتقدست أسماؤه، والصدق في حقيقته أن يكون ما يجري على لسان المخبر موافقاً لما في قلبه، وللأمر المخبر عنه في وجوده، و ﴿ حديثاً ﴾ نصب على التمييز.
١ - أصل القيامة: الواو- وسمي يوم القيامة بذلك لأن الناس يقومون فيه لله عز وجل، قال تعالى: ﴿ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾..
وقوله : ﴿ فما لكم في المنافقين ﴾ الآية. الخطاب للمؤمنين، وهذا ظاهره استفهام، والمقصد منه التوبيخ، واختلف المتأولون فيمن المراد ب ﴿ المنافقين ﴾ ؟ فقال ابن عباس :هم قوم كانوا بمكة فكتبوا إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، أنهم قد آمنوا وتركوا الهجرة، وأقاموا بين أظهر الكفار ثم سافر قوم منهم إلى الشام فأعطتهم قريش بضاعات وقالوا لهم :إنكم لا تخافون أصحاب محمد، لأنكم تخدعونهم بإظهار الإيمان لهم، فاتصل خبرهم بالمدينة، فاختلف المؤمنون فيهم، فقالت طائفة :نخرج إلى أعداء الله المنافقين، وقالت طائفة :بل هم مؤمنون لا سبيل لنا إليهم، فنزلت الآية، وقال مجاهد :بل نزلت في قوم جاؤوا إلى المدينة من مكة، فأظهروا الإسلام، ثم قالوا :لنا بضاعات بمكة فانصرفوا إليها وأبطنوا الكفر، فاختلف فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :وهذان القولان يعضدهما ما في آخر الآية من قوله تعالى ﴿ حتى يهاجروا ﴾ [ النساء :٨٩ ]، وقال زيد بن ثابت :نزلت في المنافقين الذين رجعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، عبد الله بن أبيّ وأصحابه، لأن أصحاب النبي عليه اسلام اختلفوا فيهم، وقال السدي :بل نزلت في قوم منافقين كانوا بالمدينة فطلبوا الخروج عنه نفاقاً كفراً، وقالوا :إنّا اجتويناها، وقال ابن زيد :إنما نزلت في المنافقين الذين تكلموا في حديث الإفك، لأن الصحابة اختلفوا فيهم.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :الاختلاف في هذه النازلة كان بين أسيد بن حضير وسعد بن عبادة١، حسبما وقع في البخاري، وكان لكل واحد أتباع من المؤمنين على قوله، وكل من قال في هذه الآية :إنها فيمن كان بالمدينة يرد عليه قوله :
﴿ حتى يهاجروا ﴾ [ النساء :٨٩ ] لكنهم يخرجون المهاجرة إلى هجر ما نهى الله عنه، وترك الخلاف والنفاق، كما قال عليه السلام، ( والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه )٢.
و﴿ فئتين ﴾ معناه فرقتين، ونصبهما على الحال كما تقول :ما لك قائماً، هذا مذهب البصريين، وقال الكوفيون :نصبه بما يتضمنه ما لكم من الفعل، والتقدير ما لكم كنتم ﴿ فئتين ﴾ أو صرتم، وهذا الفعل المقدر ينصب عندهم النكرة والمعرفة، كما نقول ما لك الشاتم لزيد، وخطأ هذا القول الزجّاج، لأن المعرفة لا تكون حالاً، و ﴿ أركسهم ﴾ معناه رجعهم في كفرهم وضلالهم، «والركس » الرجيع، ومنه حديث النبي عليه السلام في الاستنجاء، «فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال إنها ركس »٣ ومنه قول أمية بن أبي الصلت : [ البسيط ]
فَأَرْكسُوا في حَميمِ النَّّار إنَّهُم كانوا عصاة وقالوا الافك والزورا
وحكى النضر بن شميل والكسائي، «ركس وأركس » بمعنى واحد، أي رجعهم، ومن قال من المتأولين :أهلكهم أو أضلهم فإنما هي بالمعنى، لأن ذلك كله يتضمنه ردهم إلى الكفر٤.
و ﴿ بما كسبوا ﴾ معناه بما اجترحوا من الكفر والنفاق، أي إن كفرهم بخلق من الله واختراع وبتكسب منهم، وقوله : ﴿ أتريدون ﴾ استفهام معناه الإبعاد واليأس مما أرادوه، والمعنى أتريدون أيها المؤمنون القائلون :بأن أولئك المنافقين مؤمنون أن تسموا بالهدى من قد يسره الله للضلالة وحتمها عليه، ثم أخبر تعالى أنه من يضلل فلا سبيل إلى إصلاحه ولا إلى إرشاده.
١ - أسيد بن حضير: قال عنه في "الأعلام": أسيد بن الحضير بن سماك الأوسي، صحابي، كان شريفا في الجاهلية والإسلام، يعد من عقلاء العرب، ويسمى الكامل، شهد العقبة الثانية، وكان أحد النقباء الاثني عشر، شهد المشاهد كلها، توفي بالمدينة، وفي الحديث: "نعم الرجل أسيد بن الحضير". له ١٨ حديثا- وأما سعد بن عبادة فهو صحابي، كان سيد الخزرج، وأحد الأشراف في الجاهلية، وكان يلقب أيضا بالكامل، وشهد العقبة، وكان أحد النقباء الاثني عشر، وشهد أحد والخندق وغيرهما، وطمع في الخلافة، وكره المقام مع عمر بعد وفاة أبي بكر فتحول إلى الشام، ومات بحوران. (طبقات ابن سعد، والإصابة، وتهذيب ابن عساكر)..
٢ - روى البخاري، وأبو داود، والنسائي- عن ابن عمرو: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)- وصححه في الجامع الصغير..
٣ - عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاث أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجد، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين، وألقى الورثة، وقال: هذا ركس). رواه أحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وزاد فيه أحمد في رواية له: (ائتني بحجر). نيل الأوطار ١/١٢٠.
٤ - والذين قالوا: إن أركسهم معناها: أضلهم، استشهدوا بقول الشاعر:
وأركستني عن طريق الهدى وصيرتني مثلا للعدا.

الضمير في ﴿ ودوا ﴾ عائد على المنافقين، وهذا كشف من الله لخبث معتقدهم، وتحذير للمؤمنين منهم. والمعنى تمنوا كفركم، وهي غاية المصائب بكم، وهذا الود منهم يحتمل أن يكون عن حسد منهم لهم على ما يرون للمؤمنين من ظهور في الدنيا، فتجري الآية مع ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم ويحتمل أمر المنافقين أن يكون أنهم رأوا المؤمنين على غير شيء فودوا رجوعهم إلى عبادة الأصنام، والأول أظهر، وقوله : ﴿ فلا تتخذوا ﴾ الآية. هذا نهي عن موالاتهم حتى يهاجروا، لأن الهجرة في سبيل الله تتضمن الإيمان، و ﴿ في سبيل الله ﴾ معناه في طريق مرضاة الله، لأن سبل الله كثيرة، وهي طاعاته كلها، المعنى فإن أعرضوا عن الهجرة وتولوا عن الإيمان فخذوهم، وهذا أمر بالحمل عليهم ومجاهرتهم بالقتال.
كان هذا الحكم في أول الإسلام قبل أن يستحكم أمر الطاعة من الناس، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هادن من العرب قبائل، كرهط هلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك بن جعشم، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف، فقضت هذه الآية بأنه من وصل من المشركين الذين لا عهد بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم إلى هؤلاء أهل العهد فدخل في عدادهم وفعل من الموادعة فلا سبيل عليه، وقال عكرمة والسدي وابن زيد :ثم لما تقوى الإسلام وكثر ناصروه نسخت هذه والتي بعدها بما في سورة براءة، وقال أبو عبيدة وغيره : ﴿ يصلون ﴾ في هذا الموضع معناه، ينتسبون، ومنه قول الأعشى : [ الطويل ]
إذَا اتَّصَلَتْ قَالَتْ :
أَبَكْر بْن وَائِلٍ وَبَكْرٌ سَبَتْهَا والأُنُوفُ رَوَاغِمُ١
يريد إذا انتسبت.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :وهذا غير صحيح٢، قال الطبري :قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً وهم قرابة السابقين إلى الإسلام يقتضي بأن قرابة من له ميثاق أجدر بأن تقاتل، فإن قيل :إن النبي عليه السلام لم يقاتل قريشاً إلا بعد نسخ هذه الآية، قيل :التواريخ تقضي بخلاف ذلك، لأن الناسخ بهذه الآية هي سورة براءة، ونزلت بعد فتح مكة وإسلام جميع قريش.
وقوله تعالى : ﴿ أو جاءوكم ﴾ عطف على ﴿ يصلون ﴾، ويحتمل أن يكون على قوله : ﴿ بينكم وبينهم ميثاق ﴾ والمعنى في العطفين مختلف٣، وهذا أيضاً حكم كان قبل أن يستحكم أمر الإسلام، فكان المشرك إذا اعتزل القتال وجاء إلى دار الإسلام مسالماً كارهاً لقتال قومه، مع المسلمين ولقتال المسلمين مع قومه لا سبيل عليه، وهذه نسخت أيضاً بما في براءة. و ﴿ حصرت ﴾ :ضاقت وحرجت، ومنه الحصر في القول، وهو :ضيق الكلام على المتكلم، وقرأ الحسن وقتادة «حصرة » كذا قال الطبري :وحكى ذلك المهدوي عن عاصم من رواية حفص، وحكي عن الحسن أنه قرأ «حصرات » وفي مصحف أبيّ سقط ﴿ أو جاءوكم ﴾، و ﴿ حصرت ﴾ عند جمهور النحويين في موضع نصب على الحال بتقدير قد حصرت.
قال القاضي أبو محمد :وهذا يصحب الفعل الماضي إذا كان في موضع الحال والداعي إليه أن يفرق بين تقدير الحال وبين خبر مستأنف، كقولك جاء زيد ركب الفرس، فإن أردت بقولك ركب الفرس خبراً آخر عن زيد، لم تحتج إلى تقدير قد، وإن أردت به الحال من زيد قدرته بقد، قال الزجاج : ﴿ حصرت ﴾ خبر بعد خبر، وقال المبرد : ﴿ حصرت ﴾ دعاء عليهم.
قال القاضي أبو محمد :وقال بعض المفسرين :لا يصح هنا الدعاء، لأنه يقتضي الدعاء عليهم بأن لا يقاتلوا قومهم، ذلك فاسد.
قال المؤلف :وقول المبرد يخرج على أن الدعاء عليهم بأن لا يقاتلوا المسلمين تعجيز لهم، والدعاء عليهم بأن لا يقاتلوا قومهم تحقير لهم، أي هم أقل وأحقر، ويستغنى عنهم، كما تقول إذا أردت هذا المعنى :لا جعل الله فلاناً عليَّ ولا معي أيضاً، بمعنى استغنى عنه واستقل دونه، واللام في قوله : ﴿ لسلطهم ﴾ جواب ﴿ لو ﴾، وفي قوله : ﴿ فلقاتلوكم ﴾ لام المحاذاة والازدواج، لأنها بمثابة الأولى، لو شاء الله لقواهم وجرأهم عليكم، فإذا قد أنعم الله عليكم بالهدنة فاقبلوها وأطيعوا فيها، وقرأت طائفة «فلقتلوكم » وقرأ الجحدري والحسن «فلقتّلوكم » بتشديد التاء، والمعنى فإن اعتزلوكم أي هادنوكم وتاركوكم في القتل، و ﴿ السلم ﴾ هنا الصلح، قاله الربيع، ومنه قول الطرماح بن حكيم :
وذاك أن تميماً غادرت سلماً. . . لللأسد كل حصان رعثة الكبد
وقال الربيع : ﴿ السلم ﴾ هاهنا الصلح، وكذا قرأته عامة القراء، وقرأ الجحدري «السلّم » بسكون اللام، وقرأ الحسن «السّلِمْ » بكسر السين وسكون اللام، فمعنى جملة هذه الآية، خذوا المنافقين الكافرين واقتلوهم حيث وجدتموهم، إلا من دخل منهم في عداد من ﴿ بينكم وبينه ميثاق ﴾ والتزم مهادنتكم أو من جاءكم وقد كره قتالكم وقتال قومه، وهذا بفضل الله عليكم ودفاعه عنكم، لأنه لو شاء ﴿ لسلط ﴾ هؤلاء الذين هم بهذه الصفة من المتاركة عليكم ﴿ فلقاتلوكم ﴾، فإن اعتزلوكم أي إذا وقع هذا فلم يقاتلوكم، فلا سبيل لكم عليهم، وهذا والذي في سورة الممتحنة من قوله تعالى ﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين ﴾٤ منسوخ بما في سورة براءة، قاله قتادة وابن زيد وغيرهما.
١ - هذه هي رواية اللسان أيضا، ولكن في المحكم والتهذيب: "قالت: أبكر بن وائل". وجاء في اللسان: "وقال الأعرابي: ﴿إلا الذين يصلون إلى قوم﴾، أي: ينتسبون" فرأيه كرأي أبي عبيدة الذي ذكره ابن عطية هنا..
٢ - وقال النحاس: "هذا غلط عظيم، لأنه ذهب إلى أنه تعالى حظر أن يقاتل أحد بينه وبين المسلمين نسب، والمشركون قد كان بينهم وبين المسلمين السابقين أنساب" قال أبو حيان: يعني: وقد قاتل الرسول ومن معه من انتسب إليهم بالنسب الحقيقي فضلا عن الانتساب". وقال النحاس: "وأشد من هذا الجهل قول من قال: إنه كان ثم نسخ، لأن أهل التأويل مجمعون على أن الناسخ له براءة، وإنما نزلت بعد الفتح، وبعد أن انقطعت الحروب".
وهذا الرأي هو الذي اختاره الطبري كما قال ابن عطية بعد ذلك رواية عنه..

٣ - شرح ذلك الاختلاف أبو حيان في "البحر" فقال: "واختلافه أن المستثنى إما أن يكون صنفين: واصلا إلى معاهد وجائيا كافا عن القتال، أو صنفا واحدا يختلف باختلاف من وصل إليه من معاهد أو كاف." اهـ. ٣/٣١٥..
٤ - الآية رقم (٨) من سورة (الممتحنة)..
لما وصف الله تعالى فيما تقدم صفة المحقين في المتاركة، المجدين في إلقاء السلم، نبه على طائفة مخادعة مبطلة مبطنة كانوا يريدون الإقامة في مواضعهم مع أهليهم، يقولون لهم :نحن معكم وعلى دينكم، ويقولون أيضاً للمسلمين إذا وفدوا وأرسلوا :نحن معكم وعلى دينكم خبثة منهم وخديعة، قيل :كانت أسد وغطفان بهذه الصفة، وقيل :نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي، كان ينقل بين النبي عليه االسلام والكفار الأخبار، وقيل :نزلت في قوم يجيئون من مكة إلى النبي عليه السلام رياء يظهرون الإسلام ثم يرجعون إلى قريش فيكفرون، ففضح الله تعالى هؤلاء، وأعلم أنهم على غير صفة من تقدم، وقوله :
﴿ إلى الفتنة ﴾ معناه إلى الاختبار، حكي أنهم كانوا يرجعون إلى قومهم فيقال لأحدهم :قل :ربي الخنفساء، وربي العود، وربي العقرب، ونحوه، فيقولها، ومعنى ﴿ أركسوا ﴾ رجعوا رجع ضلالة أي أهلكوا في الاختيار بما واقعوه من الكفر، وقرأ عبد الله بن مسعود «رُكسوا » بضم الراء من غير ألف، وحكاه عنه أبو الفتح بشد الكاف على التضعيف، والخلاف في ﴿ السلم ﴾ حسبما تقدم، وهذه الآية حض على قتل هؤلاء المخادعين إذا لم يرجعوا عن حالهم إلى حال الآخرين المعتزلين الملقين للسلم.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله :وتأمل فصاحة الكلام في أن سياقه في الصيغة المتقدمة قبل هذه سياق إيجاب الاعتزال، وإيجاب إلقاء السلم، ونفي المقاتلة، إذ اكانوا محقين في ذلك معتقدين له، وسياقه في هذه الصيغة المتأخرة سياق نفي الاعتزال، ونفي إلقاء السلم، إذ كانوا مبطلين فيه مخادعين، والحكم سواء على السياقين، لأن الذين لم يجعل الله عليهم سبيلاً لو لم يعتزلوا لكان حكمهم حكم هؤلاء الذين جعل عليهم «سلطان مبين »، وكذلك هؤلاء الذين عليهم السلطان، إذ لم يعتزلوا، لو اعتزلوا لكان حكمهم حكم الذين لا سبيل عليهم. ولكنهم بهذه العبارة تحت القتل إن لم يعتزلوا، و ﴿ ثقفتموهم ﴾ مأخوذ من الثقاف، أي ظفرتم بهم مغلوبين متمكناً منهم، والسلطان الحجة، قال عكرمة :حيث ما وقع السلطان في كتاب الله تعالى فهو الحجة.
قال جمهور المفسرين :معنى هذه الآية :وما كان في إذن الله وفي أمره للمؤمن أن يقتل مؤمناً بوجه، ثم استثنى منقطعاً ليس من الأول، وهو الذي تكون فيه إلا بمعنى لكن، والتقدير لكن الخطأ قد يقع.
وهذا كقول الشاعر [ الهذلي ] : [ البسيط ]
أَمْسى سَقَامُ خَلاءً لاَ أَنيسَ بِهِ إلاّ السِّباعُ وإلاَّ الرّيحُ بِالغُرَفِ١
قال القاضي أبو محمد :سقام اسم واد، والغرف شجر يدبغ بلحائه، وكما قال جرير : [ الطويل ]
مِنَ البِيضِ لَمْ تَطُغَنْ بَعيداً وَلَمْ تَطَأْ. . . على الأرْضِ إلاّ ريطَ بُرْدٍ مُرَحَّلِ٢
وفي هذا الشاهد نظر، ويتجه في معنى الآية وجه آخر، وهو أن تقدر ﴿ كان ﴾ بمعنى استقر ووجد، كأنه قال، وما وجد ولا تقرر ولا ساغ ﴿ لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأً ﴾، إذ هو مغلوب فيه أحياناً، فيجيء يا فلان أن تتكلم بهذا إلا ناسياً، إعظاماً العمد وبشاعة شأنه، كما تقول :ما كان لك مقصوراً غير مهموز٣، وقرأ الحسن والأعمش مهموزاً ممدوداً٤، وقال مجاهد وعكرمة والسدي وغيرهم نزلت هذه الآية في عياش بن أبي ربيعة المخزومي حين قتل الحارث بن يزيد بن نبيشة٥، وذلك أنه كان يعذبه بمكة، ثم أسلم الحارث وجاء مهاجراً فلقيه عياش بالحرة، فظنه على كفره فقتله، ثم جاء فأخبر النبي عليه السلام فشق ذلك عليه ونزلت الآية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «قم فحرر »٦.
وقال أبو زيد :نزلت في رجل قتله أبو الدرداء كان يرعى غنماً وهو يتشهد فقتله وساق غنمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت الآية٧.
وقيل :نزلت في أبي حذيفة اليمان حين قتل خطأ يوم أحد، وقيل غير هذا، والله أعلم وقوله تعالى : ﴿ ومن قتل مؤمناً ﴾ الآية، بيّن الله تعالى في هذه الآية حكم المؤمن إذا قتل المؤمن خطأ، وحقيقة الخطأ أن لا يقصده بالقتل، ووجوه الخطأ كثيرة لا تحصى، يربطها عدم القصد، قال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي وقتادة وغيرهم : «الرقبة المؤمنة » هي الكبيرة التي قد صلت وعقلت الإيمان، ولا يجزىء في ذلك الصغير، وقال عطاء بن أبي رباح :يجزىء الصغير المولود بين المسلمين، وقالت جماعة منهم مالك بن أنس :يجزىء كل من يحكم له بحكم الإسلام في الصلاة عليه إن مات ودفنه، قال مالك :ومن صلى وصام أحب إليّ، وأجمع أهل العلم على أن الناقص النقصان الكثير كقطع اليدين أو الرجلين أو الأعمى لا يجزىء فيما حفظت، فإن كان النقصان يسيراً تتفق له معه المعيشة والتحرف، كالعرج ونحوه ففيه قولان، و ﴿ مسلمة ﴾ معناه مؤادة مدفوعة، وهي على العاقلة فيما جاز ثلث الدية، و ﴿ إلا أن يصدقوا ﴾ يريد أولياء القتيل، وقرأ أبي بن كعب «يتصدقوا » وقرأ الحسن وأبو عبد الرحمن وعبد الوارث عن أبي عمرو «تصدقوا » بالتاء على المخاطبة للحاضر، وقرأ نبيح العنزي٨ «تصدقوا » بالتاء وتخفيف الصاد، و«الدية » مائة من الإبل على أهل الإبل عند قوم، وعند آخرين على الناس كلهم، إلا أن لا يجد الإبل أهل الذهب والفضة، فحينئذ ينتقلون إلى الذهب والفضة، يعطون منها قيمة الإبل في وقت النازلة بالغة ما بلغت، واختلف في المائة من الإبل، فقال علي بن أبي طالب :هي مربعة، ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون٩، وقال عبد الله بن مسعود :مخمسة، عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون ذكراً، ولبعض الفقهاء غير هذا الترتيب، وعمر بن الخطاب وغيره يرى الدية من البقر مائتي بقرة. ومن الغنم ألفي شاة، ومن الحلل مائة حلة، وورد بذلك حديث عن النبي عليه السلام في مصنف أبي داود١٠، والحلة ثوبان من نوع واحد في كلام العرب، وكانت في ذلك الزمن صفة تقاوم المائة من الإبل، فمضى القول على ذلك، وأما الذهب فهي ألف دينار، قررها عمر ومشى الناس عليها، وأما الفضة فقررها عمر اثني عشر ألفاً، وبه قال مالك، وجماعة تقول :عشرة آلاف درهم. وقوله تعالى : ﴿ فإن كان من قوم عدو لكم ﴾ الآية. المعنى عند ابن عباس وقتادة والسدي وإبراهيم وعكرمة وغيرهم، فإن كان هذا المقتول خطأ رجلاً مؤمناً، قد آمن وبقي في قومه وهم كفرة عدو لكم، فلا دية فيه، وإنما كفارته تحرير الرقبة، والسبب عندهم في نزولها أن جيوش رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تمر بقبائل الكفار فربما قتل من قد آمن ولم يهاجر، أو من قد هاجر ثم رجع إلى قومه، فيقتل في حملات الحرب على أنه من الكفار، فنزلت الآية، وتسقط الدية عند قائلي هذه المقالة لوجهين، أولهما أن أولياء القتيل كفار فلا يصح أن تدفع الدية إليهم يتقوون بها، والآخر أن حرمة هذا الذي آمن ولم يهاجر قليلة، فلا دية فيه، واحتجوا بقوله تعالى : ﴿ والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ﴾١١ وقالت فرقة :بل الوجه في سقوط الدية أن الأولياء كفار فقط، فسواء كان القتيل خطأ بين أظهر المسلمين أو بين قومه، لم يهاجر أو هاجر ثم رجع إلى قومه، كفارته التحرير ولا دية فيه، لأنه لا يصح دفعها إلى الكفار.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :وقائل المقالة الأولى يقول :إن قتل المؤمن في بلد المسلمين وقومه حرب ففيه الدية لبيت المال والكفارة، وقوله تعالى : ﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ المعنى عند الحسن وجابر بن زيد وإبراهيم وغيرهم وإن كان هذا المقتول خطأ مؤمناً من قوم معاهدين لكم، فعهدهم يوجب أنهم أحق بدية صاحبهم، فكفارته التحرير وأداء الدية، وقرأ الحسن «وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق وهو مؤمن » وقال ابن عباس والشعبي وإبراهيم أيضاً.
المقتول من أهل العهد خطأ لا يبالى كان مؤمناً أو كافراً على عهد قومه فيه الدية كدية المسلم والتحرير، واختلف على هذا في دية المعاهد، فقال أبو حنيفة وغيره :ديته كدية المسلم، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وقال مالك وأصحابه :ديته على نصف دية المسلم، وقال الشافعي وأبو ثور :ديته على ثلث دية المسلم، وقوله تعالى : ﴿ فمن لم يجد ﴾ الآية يريد عند الجمهور فمن لم يجد العتق ولا اتسع ماله له فيجزيه «صيام شهرين » متتابعين في الأيام لا يتخللها فطر١٢، وقال مكي عن الشعبي : «صيام الشهرين » يجزىء عن الدية والعتق لمن لم يجدها، وهذا القول وهم١٣، لأن الدية إنما هي على العاقلة وليست على القاتل، والطبري حكى القول عن مسروق، و ﴿ توبة ﴾ نصب على المصدر معناه رجوعاً بكم إلى التيسير والتسهيل.
١ - البيت لأبي خراش الهذلي. وسُقام بضم السين ثم قاف: اسم واد بالحجاز، وقد رواه في اللسان: "غير الذئاب ومر الريح" بدلا من: "إلا السباع وإلا الريح"..
٢ - قال جرير هذا البيت من قصيدة في هجاء عياش بن الزبرقان، ومطلع القصيدة:
أمن عهد ذي عهد تفيض مدامعي كأن قذى العينين من حب فلفل
ورواية الديوان: "إلا نيرمرط مرحّل". ومعنى مرحّل: معلَم، وهو ضرب من برود اليمن، سُمي مرحّلا لأن عليه تصاوير رحل- يقول: لم تلبس إلا مرطا من خز معلم. والمرط: كساء من خز أو صوف أو كتان يؤتزر به وتتلفع به المرأة. والنير- على ما جاء في رواية الديوان-: الخيوط مع القصب وهي ملفوفة عليه، أو رقم الثوب ورسمه يُجعل على حاشيته، أو لحمة الثوب..

٣ - على وزن (عصا)، لأنه خفف الهمزة بإبدالها ألفا، أو حذفها حذفا كما وضحه أبو حيان..
٤ - على وزن (سماء)..
٥ - اختلف في اسم أبيه، فهو مرة (يزيد)، وهو مرة أخرى (زيد)، وكذلك اختلف في اسم جده، فهو في "الدر المنثور" ابن نبيشة كما قال ابن عطية، وهو مرة "ابن أنيسة" كما قال في الإصابة، وعلى كل فهو من موالي بني عامر بن لؤي.
أما عياش بن ربيعة المخزومي فهو من السابقين إلى الإسلام، أسلم قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، ومات بمكة..

٦ - أخرجه ابن جرير عن عكرمة، وأخرج هو وابن المنذر مثله عن السدي، وأخرج مثله أيضا ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير. (الدر المنثور)..
٧ - أخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: نزلت في رجل قتله أبو الدرداء، كانوا في سرية، فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة له، فوجد رجلا من القوم في غنم له فحمل عليه السيف، فقال: لا إله إلا الله، فضربه ثم جاء بغنمه إلى القوم، ثم وجد في نفسه شيئا فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا شققت عن قلبه؟ فقال: ما عسيت أجد؟ هل هو يا رسول الله إلا دم أو ماء؟ فقال: فقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه، قال: كيف بي يا رسول الله؟ قال: فكيف بلا إله إلا الله؟ قال: فكيف بي يا رسول الله؟ قال: فكيف بلا إله إلا الله؟ حتى تمنيت أن يكون ذلك مبتدأ إسلامي، قال: ونزل القرآن ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ﴾ حتى بلغ ﴿إلا أن يصدقوا﴾ قال: إلا أن يضعوها. (الدر المنثور)..
٨ - قال معلق القرطبي، "كذا في الأصول وابن عطية، والمتبادر: أبو نجيح، وهو عصمة بن عروة البصري، روى عن أبي عمرو وعاصم، وأما نُبيح فلم نقف عليه في القراء، وفي التهذيب: نبيح بالتصغير ابن عبد الله العنزي أبو عمرو الكوفي، وفي التاج: تابعي، فهذا لم تذكر عنه قراءة، والله أعلم" (القرطبي ٥/ ٣٢٣)..
٩ - الحقة: هي التي تستحق الحمل، والجذعة من الإبل: ما كان فوق أربعة وعشرين شهرا، وبنت المخاض: هي التي تتبع أمها وقد حملت الأم، وبنت اللبون: هي التي تتبع أمها وهي ترضع منها. شرح ذلك محمد بن عيسى الأعشى في المزنية، وذكره الباجي في شرح الموطأ. وقال النضر بن شميل: "ابنة مخاض لسنة، وابنة لبون لسنتين، وحقه لثلاث، وجذعة لأربع، والمثنى لخمس، ورباع لست، وسديس لسبع، وبازل لثمان"..
١٠ - أخرجه أبو داود عن جابر بن عبد الله، وفي آخر الحديث: (وعلى أهل القمح شيء لم يحفظه محمد بن إسحاق). (الدر المنثور)..
١١ - من الآية (٧٢) من سورة (الأنفال)..
١٢ - فإن عرض حيض في أثناء الصيام لم يعدّ قاطعا، قال أبو حيان في "البحر": "بإجماع"، وقال القرطبي: "والحيض لا يمنع التتابع من غير خلاف"..
١٣ - قال أبو حيان في "البحر": "وليس بوهم، بل هو ظاهر الآية كما ذكرناه"..
«المتعمد » في لغة العرب القاصد إلى الشيء، واختلف العلماء في صفة المتعمد في القتل، فقال عطاء وإبراهيم النخعي وغيرهما :هو من قتل بحديدة كالسيف أو الخنجر وسنان الرمح ونحو ذلك من المشحوذ المعد للقطع أو بما يعلم أن فيه الموت من ثقيل الحجارة ونحوه،
وقالت فرقة : «المتعمد » كل من قتل بحديدة كان القتل أو بحجر أو بعصا أو بغير ذلك، وهذا قول الجمهور وهو الأصح، ورأى الشافعي وغيره أن القتل بغير الحديد المشحوذ هو شبه العمد، ورأوا فيه تغليظ الدية، ومالك رحمه الله لا يرى شبه العمد ولا يقول به في شيء، وإنما القتل عنده ما ذكره الله تعالى عمداً وخطأ لا غير، والقتل بالسم عنده عمد، وإن قال ما أردت إلا سكره، وقوله :
﴿ فجزاؤه جهنم ﴾ تقديره عند أهل السنة، فجزاؤه أن جازاه بذلك أي هو أهل ذلك ومستحقه لعظم ذنبه، ونص على هذا أبو مجلز وأبو صالح وغيرهما وهذا مبني على القول بالمشيئة في جميع العصاة قاتل وغيره، وذهبت المعتزلة إلى عموم هذه الآية، وأنها مخصصة بعمومها لقوله تعالى : ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾١ وتوركوا في ذلك على ما روي عن زيد بن ثابت أنه قال :نزلت الشديدة بعد الهينة، يرد نزلت ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً ﴾ بعد ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ [ النساء ٤٨-١١٦ ] فهم يرون أن هذا الوعيد نافذ حتماً على كل قاتل يقتل مؤمناً، ويرونه عموماً ماضياً لوجهه، مخصصاً للعموم في قوله تعالى : ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ [ النساء :٤٨ و ١١٦ ] كأنه قال :إلا من قتل عمداً٢.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :وأهل الحق يقولون لهم :هذا العموم منكسر غير ماض لوجهه من جهتين، إحداهما ما أنتم معنا مجمعون عليه من الرجل الذي بشهد عليه أو يقرأ بالقتل عمداً ويأتي السلطان أو الأولياء فيقام عليه الحد ويقتل قوداً، فهذا غير متبع في الآخرة، والوعيد غير نافذ عليه إجماعاً متركباً. على الحديث الصحيح من طريق عبادة بن الصامت، ( أنه من عوقب في الدنيا فهو كفارة له )٣، وهذا نقض للعموم، والجهة الأخرى أن لفظ هذه الآية ليس بلفظ عموم، بل لفظ مشترك يقع كثيراً للخصوص، كقوله تعالى : ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾٤ وليس حكام المؤمنين إذا حكموا بغير الحق في أمر بكفرة بوجه، وكقول الشاعر [ زهير بن أبي سلمى ] : [ الطويل ]
وَمَنْ لا يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاَحِهِ يُهَدَّمْ وَمَنْ لا يَظْلِمِ النَّاسَ يُظْلَمِ٥
وهذا إنما معناه الخصوص، لأنه ليس كل من لا يظلم يظلم، فهذه جهة أخرى تدل على أن العموم غير مترتب، وما احتجوا به من قول زيد بن ثابت فليس كما ذكروه، وإنما أراد زيد أن هذه الآية نزلت بعد سورة الفرقان، ومراده باللينة قوله تعالى : ﴿ ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ﴾٦، وإن كان المهدوي قد حكى عنه أنه قال :أنزلت الآية ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً ﴾ بعد قوله تعالى : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ [ النساء :٤٨ -١١٦ ] بأربعة أشهر فإذا دخله التخصيص، فالوجه أن هذه الآية مخصوصة في الكافر يقتل المؤمن، أما على ما روي أنها نزلت في شأن مقيس بن صبابة٧، حين قتل أخاه هشام بن حبابة رجل من الأنصار، فأخذ له رسول الله صلى الله عليه وسلم الدية، ثم بعثه مع رجل من فهر بعد ذلك في أمر ما، فعدا عليه مقيس فقتله ورجع إلى مكة مرتداً، وجعل ينشد : [ الطويل ]
قَتَلْتُ بِهِ فِهْراً وَحَمَّلْتُ عَقْلَهُ. . . سراةَ بني النَّجَّارِ أربابَ فَارِعِ
حَللْتُ بِهِ وِتْرِي وأدْرَكْتُ ثورتي وكنتُ إلى الأوثانِ أَوَّلَ راجِعِ٨
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا أؤمنه في حل ولا في حرم » وأمر بقتله يوم فتح مكة، وهو متعلق بالكعبة، وإما٩ أن يكون على ما حكي عن ابن عباس أنه قال ﴿ متعمداً ﴾ معناه مستحلاً لقتله. فهذا يؤول أيضاً إلى الكفر، وفي المؤمن الذي قد سبق في علم الله أنه يعذبه بمعصيته على ما قدمنا من تأويل، فجزاؤه_إن جازاه_ ويكون قوله ﴿ خالداً ﴾ إذا كانت في المؤمن بمعنى باق مدة طويلة على نحو دعائهم للملوك بالتخليد ونحو ذلك، ويدل على هذا سقوط قوله «أبداً » فإن التأبيد لا يقترن بالخلود إلا في ذكر الكفار.
واختلف العلماء في قبول توبة القاتل، فجماعة على أن لا تقبل توبته، وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر، وكان ابن عباس يقول :الشرك والقتل مبهمان١٠، من مات عليهما خلد، وكان يقول :هذه الآية مدنية نسخت الآية التي في الفرقان، إذ الفرقان مكية١١ والجمهور على قبول توبته، وروي عن بعض العلماء أنهم كانوا يقصدون الإغلاظ والتخويف أحياناً، فيطلقون :لا تقبل توبة القاتل، منهم ابن شهاب كان إذا سأله من يفهم منه أنه قد قتل قال له :توبتك مقبولة، وإذا سأله من لم يفعل، قال له :لا توبة للقاتل، ومنهم ابن عباس وقع عنه في تفسير عبد بن حميد أن رجلاً سأله أللقاتل توبة ؟ فقال له :لا توبة للقاتل وجزاؤه جهنم، فلما مضى السائل قال له أصحابه :ما هكذا كنا نعرفك تقول إلا أن للقاتل التوبة، فقال لهم :إني رأيته مغضباً وأظنه يريد أن يقتل، فقاموا فطلبوه وسألوا عنه، فإذا هو كذلك. وذكر هبة الله في كتاب الناسخ والمنسوخ له :أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ [ النساء :٤٨ - ١١٦ ] وقال :هذا إجماع الناس إلا ابن عباس وابن عمر، فإنهما قالا :هي محكمة.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :وفيما قاله هبة الله نظر، لأنه موضع عموم وتخصيص، لا موضع نسخ، وإنما ركب كلامه على اختلاف الناس في قبول توبة القاتل، والله أعلم.
١ - من الآية (١١٦) من سورة (النساء)..
٢ - أهل السنة يؤولون قوله تعالى: ﴿فجزاؤه جهم﴾ بأن هذا هو الجزاء إذا جازاه الله، وإذا لم يجازه الله فلا تنطبق عليه الآية- أما المعتزلة فيرون أن هذه الآية عامة وماضية، على معنى أنه لا بد من الجزاء، وهذا العموم نفسه يخصص العموم في قوله تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك﴾، وكأن المعنى والله أعلم-على حسب كلامهم-: ويغفر ما دون ذلك إلا من قتل مؤمنا متعمدا، فآية المغفرة ليست عامة، وآية الجزاء على قتل المؤمن عمدا عامة وليست خاصة. وعبارة المؤلف تحتاج إلى دقة حتى تفهم على وجهها الذي يريده توضيحا لمذهب المعتزلة، وابن عطية على مذهب أهل السنة، ولذلك رد على المعتزلة بعد ذلك بقوله: "أهل الحق يقولون لهم: إلخ"- مما ينفي عنه شبهة الاعتزال التي رماه بها بعض المحدثين وتأمل مناقشته لهم بالحجة القوية..
٣ - روى البخاري أن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وكان شهد بدرا، وهو أحد النقباء ليلة العقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه: (بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه) فبايعناه على ذلك..
٤ - من الآية (٤٤) من سورة (المائدة)..
٥ - الشاعر هو زهير بن أبي سلمى، والبيت من معلقته المشهورة التي يقول في مطلعها:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم بحومانة الدرّاج فالمتثلّم
=ومعنى يذد: يدفع، وقوله: "ومن لا يظلم الناس يظلم" معناه: من كف عن الناس ظلموه وركبوه. وقد روي: "ومن لم يذد"..

٦ - من قوله تعالى في الآية (٦٨) من سورة الفرقان: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثاما﴾..
٧ - كذا في الأصول، وفي "البحر المحيط"- وفي القاموس وشرحه: حبابة، وفي الطبري والعسقلاني والدر المنثور: ضبابة، وهو كناني..
٨ - العقل: دية القتيل، وسراة القوم: أشرافهم، وبنو النجار: هم أخوال النبي الذين نزل عليهم بالمدينة عند هجرته، وهم الذين دفعوا الدية في هذا الخبر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إليهم يطلب دية هشام بن صبابة فقالوا: والله ما نعلم له قاتلا، ولكنا نؤدي الدية، فأعطوا مقيس هذا مائة من الإبل، وأرباب: أصحاب، وفارع: حصن حسان ابن ثابت بالمدينة، وقد روي الشطر الأول من البيت الثاني:
وأدركت ثأري واضطجعت موسدا .........................

٩ - قوله: "وإما أن يكون على ما حكي..." هو المقابل لقوله قبل ذلك: "إما على ما روي أنها نزلت في شأن مقيس بن صبابة"..
١٠ - أخرجه عبد بن حميد وابن جرير (الدر المنثور)..
١١ - أخرجه مع اختلاف يسير في بعض الكلمات وفي الترتيب- ابن جرير، والنحاس، والطبراني عن سعيد بن جبير. (الدر المنثور).
تقول العرب :ضربت في الأرض إذا سرت لتجارة أو غزو أو غيره مقترنة ب «في »، وتقول :ضربت الأرض دون «في » إذا قصدت قضاء حاجة الإنسان، ومنه قول - النبي عليه السلام : «لا يخرج الرجلان يضربان الغائط يتحدثان كاشفين عن فرجيهما فإن الله يمقت على ذلك »١ وسبب هذه الآية :أن سرية من سرايا رسول الله لقيت رجلاً له جمل ومتيع، وقيل غنيمة، فسلم على القوم، وقال :لا إله إلا الله محمد رسول الله، فحمل عليه أحدهم فقتله، فشق ذلك على رسول الله ونزلت الآية فيه٢.
واختلف المفسرون في تعيين القاتل والمقتول في هذه النازلة، فالذي عليه الأكثر - وهو في سيرة ابن إسحاق وفي مصنف أبي داود وغيرهما :أن القاتل محلم بن جثامة والمقتول عامر بن الأضبط، والحديث بكماله في المصنف لأبي دواد٣، وفي السير وفي الاستيعاب٤، وقالت فرقة :القاتل أسامة بن زيد، والمقتول مرداس بن نهيك الغطفاني٥، وقالت فرقة :القاتل أبو قتادة٦، وقالت فرقة :القاتل غالب الليثي، والمقتول مرداس٧، وقالت فرقة :القاتل هو أبو الدرداء، ولا خلاف أن الذي لفظته الأرض حين مات هو محلم بن جثامة.
وقرأ جمهور السبعة ﴿ فتبينوا ﴾ وقرأ حمزة والكسائي «فتثبتوا » بالثاء مثلثة في الموضعين وفي الحجرات، وقال قوم : «تبينوا » أبلغ وأشد من «تثبتوا »، لأن المتثبت قد لا يتبين، وقال أبو عبيد :هما متقاربان.
قال القاضي أبو محمد :والصحيح ما قال أبو عبيد، لأن تبين الرجل لا يقتضي أن الشيء بان له، بل يقتضي محاولة اليقين، كما أن ثبت تقتضي محاولة اليقين، فهما سواء، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة وابن كثير في بعض طرقه، «السَّلَم » بتشديد السين وفتحه وفتح اللام، ومعناه :الاستسلام أي ألقى بيده واستسلم لكم وأظهر دعوتكم، وقرأ بقية السبعة «السلام » يريد سلم ذلك المقتول على السرية، لأن سلامه بتحية الإسلام مؤذن بطاعته وانقياده، ويحتمل أن يراد به الانحياز والترك، قال الأخفش :يقال :فلان سلام إذا كان لا يخالط أحداً، وروي في بعض طرق عاصم «السِّلْم » بكسر السين وسكون اللام وهو الصحيح، والمعنى المراد بهذه الثلاثة يتقارب، وقرأ الجحدري «السَّلْم » بفتح السين وسكون اللام، والعرض :هو المتيع والجمل، أو الغنيمة التي كانت للرجل المقتول، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وأبو حمزة واليماني «لست مؤمَناً » بفتح الميم، أي لسنا نؤمنك في نفسك، وقوله تعالى : ﴿ فعند الله مغانم كثيرة ﴾ عدة بما يأتي به الله على وجهه ومن حله دون ارتكاب محظور أي فلا تتهافتوا.
واختلف المتأولون في قوله تعالى : ﴿ كذلك كنتم من قبل ﴾ فقال سعيد بن جبير :معناه كنتم مستخفين من قومكم بإسلامكم، خائفين منهم على أنفسكم، فمنّ الله عليكم بإعزاز دينكم، وإظهار شريعتكم، فهم الآن كذلك، كل واحد منهم خائف من قومه، متربص أن يصل إليكم فلم يصلح إذا وصل أن تقتلوه حتى تتبينوا أمره، وقال ابن زيد :كذلك كنتم كفرة فمنّ الله عليكم بأن أسلمتم، فلا تنكروا أن يكون هو كافراً ثم يسلم لحينه حين لقيكم، فيجب أن يتثبت في أمره، ويحتمل أن يكون المعنى إشارة بذلك إلى القتل قبل التثبت، أي على هذه الحال كنتم في جاهليتكم لا تتثبتون، حتى جاء الله بالإسلام ومنّ عليكم، ثم أكد تبارك وتعالى الوصية بالتبين، وأعلم أنه خبير بما يعمله العباد، وذلك منه خبر يتضمن تحذيراً منه تعالى، لأن المعنى ﴿ إن الله بما تعملون خبيراً ﴾، فاحفظوا نفوسكم، وجنبوا الزلل الموبق بكم.
١ - الحديث عن أبي سعيد الخدري، رواه أبو داود، وابن ماجه، وابن خزيمة في صحيحه، ولفظه كلفظ أبي داود، وقد رواه كلهم من رواية هلال بن عياض، أو عياض بن هلال عن أبي سعيد. (الترغيب والترهيب) ١/١٣٦..
٢ - أخرج البخاري عن ابن عباس أنه قال: (كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون فقال: السلام عليكم، فقتلوه، وأخذوا غنيمته، فأنزل الله تعالى ذلك إلى قوله: (عرض الحياة الدنيا)، تلك الغنيمة، وأخرجه أيضا عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (الدر المنثور) ٢/١٩٩..
٣ - وأخرجه ابن سعد، وابن أبي شيبة، وأحمد، وابن جرير، والطبراني، وابن المنذر، وغيرهم عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، وفيه أن القاتل هو: محلّم بن جثّامة بن قيس الليثي، وأن القتيل هو عامر بن الأضبط الأشجعي، وكان على قعود له معه متيع له، وقطب من لبن، وفي هذا الخبر أن النفر من المسلمين الذين خرجوا كان فيهم الحارث بن ربعي أبو قتادة، ولكنه لم ينسب له القتل..
٤ - جاء في الاستيعاب عن (عامر) هذا: "عامر بن الأضبط الأشجعي، هو الذي قتلته سرية رسول الله صلى الله عليه وسلم يظنونه متعوذا يقول: لا إله إلا الله، فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لقاتله قولا عظيما، وقال: فهلا شققت عن قلبه، فأنزل الله فيه: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله﴾ الآية ٢/ ٧٨٧..
٥ - أخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله﴾ قال: هذا الحديث في شأن مرداس، رجل من غطفان- ولكن الخبر لم يحدد اسم القاتل. وفي خبر آخر أخرجه ابن جرير عن السدي أن القاتل هو أسامة بن زيد. (الدر المنثور) ٢/٢٠٠..
٦ - أخرجه البزار، والدارقطني، والطبراني عن ابن عباس. (الدر المنثور) ٢/ ٢٠٠..
٧ - ذكر ذلك الثعلبي، كما قال القرطبي ٥/ ٣٣٧..
في قوله : ﴿ لا يستوي ﴾ إبهام على السامع هو أبلغ من تحديد المنزلة التي بين المجاهد والقاعد، فالمتأمل يمشي مع فكرته ولا يزال يتخيل الدرجات بينهما، و ﴿ القاعدون ﴾ عبارة عن المتخلفين، إذ القعود هيئة من لا يتحرك إلى الأمر المقعود عنه في الأغلب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة، «غيرُ أولي الضرر » برفع الراء من غير، وقرأ الأعمش وأبو حيوة «غيرِ » بكسر الراء فمن رفع جعل غير صفة للقاعدين عند سيبويه، كما هي عنده صفة في قوله تعالى : ﴿ غير المغضوب ﴾ [ الفاتحة :٧ ] بجر غير صفة، ومثله قول لبيد : [ الرمل ]
وَإذَا جُوزِيتَ قِرْضاً فاجْزِهِ إنَّما يُجْزَى الْفَتى غَيْرَ الْجَمَلْ١
قال المؤلف :كذا ذكره أبو علي، ويروى ليس الجمل، ومن قرأ بنصب الراء جعله استثناء من القاعدين، قال أبو الحسن :ويقوي ذلك أنها نزلت بعدها على طريق الاستثناء والاستدراك.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :وقد يتحصل الاستدراك بتخصيص القاعدين بالصفة، قال الزجّاج :يجوز أيضاً في قراءة الرفع أن يكون على جهة الاستثناء، كأنه قال : «لا يستوي القاعدون والمجاهدون إلا أولو الضرر » فإنهم يساوون المجاهدين.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :وهذا مردود، لأن ﴿ أولي الضرر ﴾ لا يساوون المجاهدين، وغايتهم أن خرجوا من التوبيخ والمذمة التي لزمت القاعدين من غير عذر، قال :ويجوز في قراءة نصب الراء أن يكون على الحال، وأما كسر الراء فعلى الصفة للمؤمنين، وروي من غير طريق أن الآية نزلت ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون ﴾ فجاء ابن أم مكتوم حين سمعها، فقال :يا رسول الله هل من رخصة ؟ فإني ضرير البصر فنزلت عند ذلك ﴿ غير أولي الضرر ﴾ قال الفلقان بن عاصم٢ كنا قعوداً عند النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل عليه، وكان إذا أوحي إليه دام بصره مفتوحة عيناه وفرغ سمعه وبصره لما يأتيه من الله، وكنا نعرف ذلك في وجهه، فلما فرغ قال للكاتب :اكتب ﴿ لا يستوي القاعدونَ من المؤمنين والمجاهدون ﴾ إلى آخر الآية. قال :فقام الأعمى، فقال :يا رسول الله ما ذنبنا ؟ قال :فأنزل الله على رسوله، فقلنا للأعمى :إنه ينزل عليه، قال :فخاف أن ينزل فيه شيء فبقي قائماً مكانه يقول :أتوب الى رسول الله حتى فرغ رسول الله، فقال الكاتب :اكتب ﴿ غير أولي الضرر ﴾ وأولو الضرر هم أهل الأعذار إذ قد أضرت بهم حتى منعتهم الجهاد. قاله ابن عباس وغيره. وقوله تعالى ﴿ بأموالهم وأنفسهم ﴾ هي الغاية في كمال الجهاد. ولما كان أهل الديوان متملكين بذلك العطاء يصرفون في الشدائد وتروعهم البعوث والأوامر. قال بعض العلماء :هم أعظم أجراً من المتطوع لسكون جأشه ونعمة باله في الصوائف الكبار ونحوها٣.
واحتج بهذه الآية المظهرة لفضل المال من قال :إن الغنى أفضل من الفقر، وإن متعلقه بها لبين. وفسر الناس الآية على أن تكملة التفضيل فيها ب «الدرجة » ثم بالدرجات إنما هو مبالغة وتأكيد وبيان، وقال ابن جريج الفضل بدرجة هو على القاعدين من أهل العذر.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :لأنهم مع المؤمنين بنياتهم كما قال النبي عليه السلام في غزوة تبوك «إن بالمدينة رجالاً ما قطعنا وادياً ولا سلكنا جبلاً ولا طريقاً إلا وهم معنا حبسهم العذر »٤ قال ابن جريج. والتفضيل «بالأجر العظيم والدرجات » هو على القاعدين من غير أهل العذر، و ﴿ الحسنى ﴾ الجنة، وهي التي وُعدها المؤمنون، وكذلك قال السدي وغيره.
١ - القرض: ما تعطيه غيرك من مال على أن يرده إليك، وما يقدم من عمل يلتمس عليه الجزاء. والفتى: السيد الكريم، والجمل هنا: الجاهل، أو لعل "لبيدا" أراد أن الذي يعني بمقارضة المعروف هو الإنسان لا الحيوان، ورواية الديوان: ="ليس الجمل"، ومعنى البيت: إذا قدم إليك معروف فرده بمثله، والبيت من قصيدة يتحدث فيها "لبيد" عن مآثره، ويأسى لفقد أخيه "أربد"، ومطلعها:
إن تقوى ربنا خير نفل وبإذن الله ريثي وعجل
.

٢ - الجرمي الصحابي..
٣ - الصوائف: جمع صائفة، قال الجوهري: وصائفة القوم: ميرتهم في الصيف. (اللسان).
٤ - رواه البخاري عن أنس بن مالك في غزوة تبوك، مع اختلاف يسير في ترتيب الألفاظ عن هنا..
وقال ابن محيريز : «الدرجات » هي درجات في الجنة، سبعون، ما بين الدرجتين حضر١ الفرس الجواد المضمر سبعين سنة، وقال بهذا القول الطبري ورجحه، وقال ابن زيد : «الدرجات » في الآية هي السبع المذكورات في سورة براءة، فهي قوله تعالى : ﴿ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ﴾٢ الآيات فذكر فيها الموطىء الغائظ للكفار، والنيل من العدو، والنفقة الصغيرة والكبيرة، وقطع الأودية والمسافات.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :ودرجات الجهاد لو حصرت أكثر من هذه، لكن يجمعها بذل النفس والاعتمال بالبدن والمال في أن تكون كلمة الله هي العليا، ولا شك أن بحسب مراتب الأعمال ودرجاتها تكون مراتب الجنة ودرجاتها، فالأقوال كلها متقاربة، وباقي الآية وعد كريم وتأنيس. ونصب ﴿ درجات ﴾ إما على البدل من الأجر، وإما على إضمار فعل على أن تكون تأكيداً للأجر، كما تقول :لك عليَّ ألف درهم عرفاً، كأنك قلت أعرفها عرفاً.
١ - يقال: أحضر الفرس أو الرجل: وثب في عدوه، فهو وهي: محضار أو محضير، والجمع محاضير، فالمراد هنا: عدو الفرس، أو وثبه عند العدو بسرعة..
٢ - من الآية (١٢٠) من سورة (براءة)، والسبع التي يشير إليها ابن زيد مذكورات في الآيتين (١٢٠-١٢١)..
المراد بهذه الآية إلى قوله ﴿ مصيراً ﴾ جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا وأظهروا للنبي صلى الله عليه وسلم الإيمان به، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقاموا مع قومهم، وفتن منهم جماعة فافتتنوا، فما كان أمر بدر خرج منهم قوم مع الكفار فقتلوا ببدر، فنزلت الآية فيهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما، كان قوم ن أهل مكة قد أسلموا وكانوا يستخفون بإسلامهم، فأخرجهم المشركون يوم بدر فأصيب بعضهم، فقال المسلمون كان أصحابنا هؤلاء مسلمين١ وأكرهوا، فاستغفروا لهم، فنزلت ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ﴾ الآية.
قال :فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية، أن لا عذر لهم، فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة، فنزلت فيهم هذه الآية الأخرى، ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ﴾٢ الآية فكتب إليهم المسلمون بذلك فخرجوا ويئسوا من كل خير. ثم نزلت فيهم ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ﴾٣ فكتبوا إليهم بذلك، أن الله قد جعل لكم مخرجاً فخرجوا فلحقهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل٤، وقال عكرمة :نزلت هذه الآية في خمسة قتلوا ببدر، وهم قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود بن أسد، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو العاصي بن منبه بن الحجاج، وعلي بن أمية بن خلف٥، قال النقاش :في أناس سواهم أسلموا ثم خرجوا إلى بدر، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا :غر هؤلاء دينهم.
قال القاضي أبو محمد - رحمه الله - :وكان العباس ممن خرج مع الكفار لكنه نجا وأسر، وكان من المطعمين في نفير بدر، قال السدي :لما أسر العباس وعقيل ونوفل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس : «افد نفسك وابن أخيك، فقال له العباس :يا رسول الله، ألم نصل قبلتك ونشهد شهادتك ؟ قال يا عباس :إنكم خاصمتم فخصمتم » ثم تلا عليه هذه الآية ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾٦ قال السدي :فيوم نزلت هذه الآية كان من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى يهاجر، إلا من لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلاً.
قال القاضي أبو محمد - رحمه الله - :وفي هذا الذي قاله السدي نظر، والذي يجري مع الأصول أن من مات من أولئك بعد أن قبل الفتنة وارتد فهو كافر ومأواه جهنم على جهة الخلود، وهذا هو ظاهر أمر تلك الجماعة وإن فرضنا فيهم من مات مؤمناً وأكره على الخروج، أو مات بمكة فإنما هو عاص في ترك الهجرة، مأواه جهنم على جهة العصيان دون خلود، لكن لما لم يتعين أحد أنه مات على الإيمان لم يسغ ذكرهم في الصحابة، ولم يعتد بما كان عرف منهم قبل، ولا حجة للمعتزلة في شيء من أمر هؤلاء على تكفيرهم بالمعاصي، وأما العباس فقد ذكر ابن عبد البر رحمه الله أنه أسلم قبل بدر، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم بدر من لقي العباس فلا يقتله، فإنما أخرج كرهاً.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق - رحمه الله - وذكر أنه إنما أسلم مأسوراً حين ذكر له النبي صلى الله عليه وسلم أمر المال الذي ترك عند أم الفضل، وذكر أنه أسلم في عام خيبر، وكان يكتب إلى رسول الله بأخبار المشركين، وكان يحب أن يهاجر، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امكث بمكة فمقامك بها أنفع لنا.
قال القاضي أبو محمد :لكن عامله رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسر على ظاهر أمره.
وقوله تعالى : ﴿ توفاهم ﴾ يحتمل أن يكون فعلاً ماضياً لم يستند بعلامة تأنيث، إذ تأنيث لفظ ﴿ الملائكة ﴾ غير حقيقي، ويحتمل أن يكون فعلاً مستقبلاً على معنى تتوفاهم، فحذفت إحدى التاءين ويكون في العبارة إشارة إلى ما يأتي من هذا المعنى في المستقبل بعد نزول الآية. وقرأ إبراهيم «تُوفاهم » بضم التاء، قال أبو الفتح :كأنه يدفعون إلى الملائكة ويحتسبون عليهم٧. و «تَوفاهم » بفتح التاء معناه :تقبض أرواحهم، وحكى ابن فورك عن الحسن أن المعنى :تحشرهم إلى النار و ﴿ ظالمي أنفسهم ﴾ نصب على الحال أي ظالميها بترك الهجرة، قال الزجّاج :حذفت النون من «ظالمين » تخفيفاً، كقوله تعالى : ﴿ بالغ الكعبة ﴾٨، وقول الملائكة ﴿ فيم كنتم ﴾ ؟ تقرير وتوبيخ، وقول هؤلاء ﴿ كنا مستضعفين في الأرض ﴾ اعتذار غير صحيح، إذ كانوا يستطيعون الحيل ويهتدون السبيل ثم وقفتهم الملائكة على ذنبهم بقولهم ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة ﴾ والأرض في قول هؤلاء هي أرض مكة خاصة، و ﴿ ارض الله ﴾ هي الأرض بالإطلاق، والمراد فتهاجروا فيها إلى موضع الأمن، وهذه المقالة إنما هي بعد توفي الملائكة لأرواح هؤلاء. وهي دالة على أنهم ماتوا مسلمين، وإلا فلو ماتوا كافرين لم يقل لهم شيء من هذا، وإنما أضرب على ذكرهم في الصحابة لشدة ما واقعوه، ولعدم تعين أحد منهم بالإيمان، ولاحتمال ردته، وتوعدهم الله تعالى بأن ﴿ مأواهم جهنم ﴾.
١ - جاءت هذه الجملة في بعض النسخ كالآتي: "كأن أصحابنا هؤلاء مسلمون"..
٢ - من الآية (١٠) من سورة (العنكبوت)..
٣ - الآية (١١٠) من سورة (النحل)..
٤ - أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس (الدر المنثور) ١/٢٠٥.
٥ - أخرجه عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن جرير- عن عكرمة- (الدر المنثور)..
٦ - أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم- عن السدي. (الدر المنثور)..
٧ - قال في البحر: "والمعنى: أن الله يوفي الملائكة أنفسهم فيتوفونها، أي يمكنهم من استيفائها فيستوفونها". ٣/ ٣٣٤..
٨ - من قوله تعالى في الآية (٩٥) من سورة (المائدة): ﴿يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة﴾..
ثم استثنى منهم من كان استضعافه على حقيقة من زمنة الرجال وضعفة النساء والولدان، كعياش بن أبي ربيعة والوليد بن هشام وغيرهما، قال ابن عباس :كنت أنا وأمي من المستضعفين، هي من النساء وأنا من الولدان١، والحيلة :لفظ عام لأسباب أنواع التخلص، و «السبيل » :سبيل المدينة فيما ذكر مجاهد والسدي وغيرهما والصواب أنه عام في جميع السبل.
١ - أخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، والبخاري، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس. (الدر المنثور) وأمه هي: أم الفضل بنت الحارث، واسمها لبابة، وهي أخت ميمونة، وأختها الأخرى لبابة الصغرى وهن تسع أخوات، قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهن: (الأخوات المؤمنات)، وهن ست شقائق، وثلاث لأم..
ثم رجّى الله تعالى هؤلاء بالعفو عنهم، و ﴿ عسى ﴾ من الله واجبة. أما أنها دالة على ثقل الأمر المعفو عنه، قال الحسن : ﴿ عسى ﴾ من الله واجبة، قال غيره :هي بمنزلة الوعد، إذ ليس يخبر ب ﴿ عسى ﴾ عن شك ولا توقع، وهذا يرجع إلى الوجوب، قال آخرون :هي على معتقد البشر، أي ظنكم بمن هذه حالة تَرجِّي عفو الله عنه.
والمراغم :المتحول والمذهب، كذا قال ابن عباس والضحاك والربيع وغيرهم، ومنه قول النابغة الجعدي : [ المتقارب ]
كَطود يلاذ بأَرْكَانِهِ *** عَزِيزٌ المراغِمِ وَالْمَذْهَبِ١
وقول الآخر : [ المتقارب ]
إلى بَلِدٍ غَيْرِ داني الْمَحَلّ *** بَعِيدِ المرَاغمِ والْمُضْطَرَبْ٢
وقال مجاهد : «المراغم » المتزحزح عما يكره، وقال ابن زيد : «المراغم » المهاجر، وقال السدي : «المراغم » المبتغى للمعيشة.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق :وهذا كله تفسير بالمعنى، فأما الخاص باللفظة، فإن «المراغم » موضع المراغمة، وهو أن يرغم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده، فكفار قريش أرغموا أنوف المحبوسين بمكة، فلو هاجر منهم مهاجر في أرض الله لأرغم أنوف قريش بحصوله في منعة منهم، فتلك المنعة هي موضع المراغمة. وكذلك الطود الذي ذكر النابغة، من صعد فيه أمام طالب له وتوقل٣ فقد أرغم أنف ذلك الطالب.
وقرأ نبيح والجراح والحسن بن عمران «مَرْغماً » بفتح الميم وسكون الراء دون ألف. قال أبو الفتح :هذا إنما هو على حذف الزوائد من راغم، والجماعة على «مراغم »، وقال ابن عباس والربيع والضحاك وغيرهم : ﴿ السعة ﴾ هنا هي السعة في الرزق، وقال قتادة :المعنى سعة من الضلالة إلى الهدى ومن العيلة إلى الغنى، وقال مالك :السعة سعة البلاد.
قال القاضي رحمه الله :والمشبه لفصاحة العرب أن يريد سعة الأرض وكثرة المعاقل، وبذلك تكون «السعة » في الرزق واتساع الصدر لهمومه وفكره وغير ذلك من وجوه الفرح، ونحو هذا المعنى قول الشاعر [ حطان بن المعلّى ].
لَكَانَ لي مَضْطَرَبٌ وَاسِعٌ *** في الأَرْضِ ذَاتِ الطُّولِ والْعَرْضِ٤
ومنه قول الآخر : [ الوافر ]
وَكُنْتُ إذَا خَليلٌ رامَ قَطْعي وَجَدْتُ وَرَاي مُنْفَسَحاً عَرِيضاً٥
وهذا المعنى ظاهر من قوله تعالى : ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة ﴾ وقال مالك بن أنس رضي الله عنه :الآية تعطي أن كل مسلم ينبغي أن يخرج من البلاد التي تغير فيها السنن ويعمل فيها بغير الحق، وقوله تعالى ﴿ ومن يخرج من بيته ﴾ الآية :حكم باق في الجهاد والمشي إلى الصلاة والحج ونحوه، أما أنه لا يقال :إن بنفس خروجه ونيته حصل في مرتبة الذي قضى ذلك الفرض أو العبادة في الجملة، ولكن يقال :وقع له بذلك أجر عظيم، وروي :أن هذه الآية نزلت بسبب رجل من كنانة، وقيل :من خزاعة من بني ليث، وقيل :من جندع٦، لما سمع قول الله عز وجل ﴿ الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً ﴾ قال :إني لذو مال وعبيد - وكان مريضاً - فقال :أخرجوني إلى المدينة، فأخرج في سرير فأدركه الموت بالتنعيم٧، فنزلت الآية بسببه، واختلف في اسمه، فحكى الطبري عن ابن جبير :أنه ضمرة بن العيص، أو العيص بن ضمرة بن زنباع، وحكي عن السدي :أنه ضمرة بن جندب، وحكي عن عكرمة :أنه جندب بن ضمرة الجندعي، وحكي عن ابن جبير أيضاً :أنه ضمرة بن بغيض الذي من بني ليث، وحكى أبو عمر بن عبد البر :أنه ضمرة بن العيص، وحكى المهدوي :أنه ضمرة بن نعيم، وقيل :ضمرة بن خزاعة،
وقرأت الجماعة «ثم يدركْه الموت » بالجزم عطفاً على ﴿ يخرج ﴾ وقرأ طلحة بن سليمان وإبراهيم النخعي فيما ذكر أبو عمرو «ثم يدركُه » برفع الكاف - قال أبو الفتح :هذا رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي :ثم هو يدركه الموت فعطف الجملة من المبتدأ والخبر على الفعل المجزوم بفاعله، فهما إذن جملة، فكأنه عطف جملة على جملة، وعلى هذا حمل يونس بن جبيب قول الأعشى : [ البسيط ]
إنْ تَرْكَبُوا فَرُكُوبُ الْخَيْلِ عَادَتُنا *** أو تَنْزِلُونَ فإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ٨
المراد وأنتم تنزلون وعليه قول الآخر [ رويشد بن كثير الطائي ] : [ البسيط ]
إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ تَأْتيني بِقيتُكُمْ *** فَمَا عَلَيّ بِذَنْبٍ عِنْدكُمْ فَوتُ٩
المعنى :ثم أنتم تأتيني. وهذا أوجه من أن يحمله على قول الآخر : [ الوافر ]
ألم يأتيكَ وألأنباءُ تنمى ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ١٠
وقرأ الحسن بن أبي الحسن وقتادة ونبيح والجراح «ثم يدركَه » بنصب الكاف وذلك على إضمار «أن » كقول الأعشى : [ الطويل ]
لَنَا هضبةٌ لاَ يَنْزِلُ الذُّلُّ وَسْطَها *** وَيَأْوِي إلْيها الْمُسْتَجيرُ فَيُعْصَمَا١١
أراد :فأن يعصم - قال أبو الفتح :وهذا ليس بالسهل وإنما بابه اشعر لا القرآن، وأنشد ابن زيد : [ الوافر ]
سَأَتْرُكُ مَنْزِلي لِبَني تَمِيمٍ *** وأَلحقُ بالحِجَازِ فأَسْترِيحا
والآية أقوى من هذا لتقدم الشرط قبل المعطوف١٢.
قال القاضي أبو محمد :ومن هذه الآية رأى بعض العلماء أن من مات من المسلمين وقد خرج غازياً فله سهمه من الغنيمة، قاسوا ذلك على «الأجر »، وقد تقدم معنى الهجرة فيما سلف ووقع عبارة عن الثبوت وقوة اللزوم وكذلك هي - وجب - لأن الوقوع والوجوب نزول في الأجرام بقوة. فشبه لازم المعاني بذلك وباقي الآية بيّن.
١ - رواه في اللسان: "عزيز المراغم والمهرب". والطود: الجبل العظيم الذاهب صعودا في الجو. يُلاذ بأركانه: يلجأ إليه، ويستتر بأركانه وجوانبه..
٢ - أنشده أبو إسحاق دليلا على أن المهاجر والمراغم بمعنى واحد ولم ينسبه- (ذكر ذلك صاحب اللسان)..
٣ - التوقل في الجبل هو: الصعود فيه..
٤ - البيت لحطان بن المعلى، وهو من شعراء الحماسة. ورد في قطعة مطلعها:
أنزلني الدهر على حكمه من شامخ عال إلى خفض.

٥ - ذكره في القرطبي ولم ينسبه، ومعنى "رام قطعي": أراد قطع صلته بي..
٦ - هو جندع بن ضمرة من بني ليث..
٧ - التنعيم: موضع قرب مكة في الحل يعرف بمسجد عائشة، ومنه يُحرم المعتمر بالعمرة..
٨ - هذا آخر يبت في معلقته المشهورة: "ودع هريرة إن الركب مرتحل"، لكنه روي في الديوان:
قالوا الركوب فقلنا تلك عادتنا ................إلخ..

٩ - البيت قاله رويشد بن كثير الطائي من قطعة مطلعها:
*يأيها الراكب المزجي مطيته*.
وقد رواه في "البحر المحيط":
إن تذنبوا ثم يأتيني نعيقكم .............إلخ.
.

١٠ - تمامه:
...................... بما لاقت لبون بني زياد؟
وهناك تخريج آخر لرفع الكاف في: [ثم يدركه] غير ما تقدم وهو أن ضمة الكاف منقولة من الهاء، كأنه أراد أن يقف عليها ثم نقل حركة الهاء إلى الكاف، كقوله: "من عرى سلبي لم أضربه"، يريد: لم أضربه، ذكره في "البحر المحيط"..

١١ - لم نجد هذا البيت في ديوان الأعشى، ونسبه بعض المحدثين. "التوضيح والتكميل لشرح ابن عقيل" إلى لبيد بن طرفه، وهو أيضا غير موجود في ديوانه المطبوع..
١٢ - يعني أن الفعل وقع بين الشرط وجوابه، ولكن أبا حيان يقول في "البحر المحيط" بعد كلام "أبو الفتح": "ونقول: أجرى (ثم) مجرى (الواو والفاء)، فكما جاز نصب الفعل بإضمار (أن) بعدهما بين الشرط وجوابه، كذلك جاز في (ثم) إجراء لها مجراهما، وهذا مذهب الكوفيين، واستدلوا بهذه القراءة، وقال الشاعر في (الفاء):
ومن لا يقدم رجله مطمئنة فيثبتها في مستوى القاع يزلق.
وقال آخر في (الواو)
ومن يقترب منا ويخضع نؤوه ولا يخشى ظلما ما أقام ولا هضما..

﴿ ضربتم ﴾ معناه :سافرتم. فأهل الظاهر يرون القصر في كل سفر يخرج عن الحاضرة، وهي من حيث تؤتى الجمعة، وهذا قول ضعيف١، واختلف العلماء في حد المسافة التي تقصر فيها الصلاة، فقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وابن راهويه :تقتصر الصلاة في أربعة برد، وذلك ثمانية وأربعون ميلاً. وحجتهم أحاديث رويت في ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وقال الحسن والزهري :تقصر الصلاة في مسيرة يومين ولم يذكرا أميالاً، وروي هذا القول عن مالك، وروي عنه أيضاً :تقصر الصلاة في يوم وليلة وهذه الأقوال الثلاثة تتقارب في المعنى، وروي عن ابن عباس وابن عمر :أن الصلاة تقصر في مسيرة يوم التام، وقصر ابن عمر في ثلاثين ميلاً، وعن مالك في العتبية فيمن خرج إلى ضيعته على مسيرة خمسة وأربعين ميلاً، قال :يقصر، وعن ابن القاسم في العتبية :أن قصر في ستة وثلاثين فلا إعادة عليه، وقال يحيى بن عمر :يعيد أبداً، وقال ابن عبد الحكم :في الوقت، وقال ابن مسعود وسفيان والثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن :من سافر مسيرة ثلاث قصر. قال أبو حنيفة :ثلاثة أيام ولياليها سير الإبل ومشي الأقدام وروي عن أنس بن مالك :أنه قصر في خمسة عشر ميلاً، قال الأوزاعي :عامة العلماء في القصر في مسيرة اليوم التام، وبه نأخذ.
واختلف الناس في نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة، فأجمع الناس على الجهاد والحج والعمرة وما ضارعها من صلة رحم وحياء نفس، واختلف الناس فيما سوى ذلك، فالجمهور على جواز القصر في السفر المباح، كالتجارة ونحوها، وروي عن ابن مسعود أنه قال :لا تقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد وقال عطاء لا تقصر الصلاة إلا في سفر طاعة وسبيل من سبل الخير، وقد روي عن عطاء أنها تقصر في كل المباح، والجمهور من العلماء على أنه لا قصر في سفر المعصية، كالباغي وقاطع الطريق وما في معناهما، وروي عن الأوزاعي وأبي حنيفة إباحة القصر في جميع ذلك. وجمهور العلماء على أن المسافر لا يقصر حتى يخرج من بيوت القرية، وحينئذ هو ضارب في الأرض، وهو قول مالك في المدونة وابن حبيب وجماعة المذهب، قال ابن القاسم في المدونة :ولم يحد لنا مالك في القرب حداً، وروي عن مالك إذا كانت قرية يجمع أهلها فلا يقصر حتى يجاوزها بثلاثة أميال ؛ وإلى ذلك في الرجوع، وإن كانت لا يجمع أهلها قصر إذا جاوز بساتينها، وروي عن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفراً فصلى بهم ركعتين في منزله، وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب ابن مسعود، وبه قال عطاء بن أبي رباح وسليمان بن موسى وروي عن مجاهد أنه قال :لا يقصر المسافر يومه الأول حتى الليل، وهو شاذ، وقد ثبت ( أن النبي عليه السلام صلى الظهر بالمدينة أربعاً، والعصر بذي الحليفة ركعتين )٢، وليس بينهما ثلث يوم، ويظهر من قوله تعالى ﴿ فليس عليكم جناح أن تقصروا ﴾ أن القصر مباح أو مخير فيه، وقد روى ابن وهب عن مالك :أن المسافر مخير، وقاله الأبهري، وعليه حذاق المذهب، وقال مالك في المبسوط :القصر سنة.
وهذا هو جمهور المذهب، وعليه جواب المدونة بالإعادة في الوقت لمن أتم في سفره، وقال محمد بن سحنون وإسماعيل القاضي :القصر فرض، وبه قال حماد بن أبي سليمان، وروي نحوه عن عمر بن عبد العزيز، وروي عن ابن عباس أنه قال :من صلى في السفر أربعاً فهو كمن صلى في الحضر ركعتين، وحكى ابن المنذر عن عمر بن الخطاب :أنه قال :صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم، وقد خاب من افترى، ويؤيد هذا قول عائشة :فرضت الصلاة ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر٣، واختلف العلماء في معنى قوله تعالى : ﴿ أن تقصروا ﴾ فذهب جماعة من العلماء إلى أنه القصر إلى اثنين من أربع، روي عن علي بن أبي طالب أنه قال :سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا :إنّا نضرب في الأرض فكيف نصلي ؟ فأنزل الله تعالى ﴿ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ﴾ ثم انقطع الكلام، فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي عليه السلام، فصلى الظهر، فقال المشركون :لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم، فهلا شددتم عليهم، فقال قائل منهم :إن لهم أخرى في أثرها، فأنزل الله تعالى بين الصلاتين ﴿ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ إلى آخر صلاة الخوف٤.
وذكر الطبري في سرد هذه المقالة حديث يعلى بن أمية قال :قلت لعمر بن الخطاب، إن الله تعالى يقول ﴿ إن خفتم ﴾ وقد أمن الناس، فقال عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله عن ذلك فقال : «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته »٥، قال الطبري :وهذا كله قول الحسن، إلا أن قوله تعالى : ﴿ وإذا كنت ﴾ تؤذن بانقطاع ما بعدها مما قبلها، فليس يترتب من لفظ الآية، إلا أن القصر مشروط بالخوف، وفي قراءة أبيّ بن كعب «أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا » - بسقوط ﴿ إن خفتم ﴾ وثبتت في مصحف عثمان رضي الله عنه، وذهبت جماعة أخرى إلى أن هذه الآية إنما هي مبيحة القصر في السفر للخائف من العدو، فمن كان آمناً فلا قصر له، وروي عن عائشة أنها كانت تقول في السفر :أتموا صلاتكم، فقالوا :إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصر، فقالت :إنه كان في حرب وكان يخاف، وهل أنتم تخافون٦ ؟ وقال عطاء :كان يتم الصلاة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة وسعد بن أبي وقاص، وأتم عثمان بن عفان، ولكن علل ذلك بعلل غير هذه، وكذلك علل إتمام عائشة أيضاً بغير هذا وقال آخرون :القصر المباح في هذه الآية إنما هو قصر الركعتين إلى ركعة، والركعتان في السفر إنما هي تمام، وقصرها أن تصير ركعة، قال السدي :إذا صليت في السفر ركعتين فهو تمام، والقصر لا يحل إلا أن يخاف، فهذه الآية مبيحة أن تصلي كل طائفة ركعة لا تزيد عليها شيئاً، ويكون للإمام ركعتان، وروي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال :ركعتان في السفر تمام غير قصر، إنما القصر في صلاة المخافة يصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم يجيء هؤلاء فيصلي بهم ركعة، فتكون للإمام ركعتان ولهم ركعة، ركعة٧، وقال نحو هذا سعيد بن جبير وجابر بن عبد الله وكعب من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفعله حذيفة بطبرستان وقد سأله الأمير سعيد بن العاصي ذلك، وروى ابن عباس :أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك في غزوة ذي قرد ركعة بكل طائفة ولم يقضوا٨، وقال مجاهد عن ابن عباس :فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة٩، وروى جابر بن عبد الله :أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك بأصحابه يوم حارب خصفة وبني ثعلبة، وروى أبو هريرة :أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك بين ضجنان وعسفان١٠.
وقال آخرون :هذه الآية مبيحة القصر من حدود الصلاة وهيئتها عند المسايفة واشتعال الحرب، فأبيح لمن هذه حاله أن يصلي إيماء برأسه، ويصلي ركعة واحدة حيث توجه، إلى تكبيرتين، إلى تكبيرة على ما تقدم من أقوال العلماء في تفسير قوله تعالى : ﴿ فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً ﴾ [ البقرة :٢٣٩ ] ورجح الطبري هذا القول، وقال :إنه يعادله قوله ﴿ فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ﴾ أي بحدودها وهيئتها الكاملة، وقرأ الجمهور «تَقصُروا » بفتح التاء وضم الصاد، وروى الضبي عن أصحابه «تُقْصِروا » بضم التاء وكسر الصاد وسكون القاف وقرأ الزهري «تُقَصِّروا » بضم التاء وفتح القاف وكسر الصاد وشدها، و ﴿ يفتنكم ﴾ معناه :يمتحنكم بالحمل عليكم وإشغال نفوسكم في صلاتكم، ونحو هذا قول صاحب الحائط١١ :لقد أصابتني في مالي هذا فتنة، وأصل الفتنة الاختبار بالشدائد، وإلى هذا المعنى ترجع كيف تصرفت١٢.
وعدو :وصف يجري على الواحد والجماعة، و «مبين » مفعل من أبان، المعنى :قد جلحوا١٣ في عداوتكم وراموكم كل مرام.
وقوله تعالى : ﴿ وإذا كنت فيهم ﴾ الآية قال جمهور الأمة :الآية خطاب للنبي عليه السلام، وهو يتناول الأمراء بعده إلى يوم القيامة، وقال أبو يوسف وإسماعيل بن علية :الآية خصوص للنبي صلى الله عليه وسلم، لأن الصلاة بإمامة النبي عليه السلام لا عوض منها، وغيره من الأمراء منه العوض فيصلي الناس بإمامين، طائفة بعد طائفة، ولا يحتاج إلى غير ذلك.
قال القاضي أبو محمد :وكذلك جمهور العلماء على أن صلاة الخوف تصلى في الحضر إذا نزل الخوف، وقال قوم :لا صلاة خوف في حضر، وقاله في المذهب عبد الملك بن الماجشون، وقال الطبري : ﴿ فأقمت لهم ﴾ معناه :حدودها وهيئتها، ولم تقصر على ما أبيح قبل في حال المسايفة، وقوله ﴿ فلتقم طائفة منهم معك ﴾، أمر بالانقسام، أي وسائرهم وجاه العدو حذراً وتوقع حملته، وأعظم الروايات والأحاديث على أن صلاة الخوف إنما نزلت الرخصة فيها في غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة محارب وخصفة، وفي بعض الروايات :أنها نزلت في ناحية عسفان وضجنان، والعدو :خيل قريش، عليها خالد بن الوليد، واختلف من المأمور بأخذ الأسلحة هنا ؟ فقيل الطائفة المصلية، وقيل :بل الحارسة.
قال القاضي أبو محمد :ولفظ الآية يتناول الكل، ولكن سلاح المصلين ما خف، واختلفت الآثار في هيئة صلاة النبي عليه السلام بأصحابه صلاة الخوف، وبحسب ذلك اختلف الفقهاء.
فروى يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة١٤ أنه صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف يوم ذات الرقاع، فصفت طائفة معه وطائفة وجاه العدو فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائماً وأتموا ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم، وروى القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن سهل هذا الحديث بعينه، إلا أنه روى أن النبي صلى الله عليه وسلم حين صلَّى بالطائفة الأخيرة ركعة، سلم، ثم قضت هي بعد سلامه، وبهذا الحديث أخذ مالك رحمه الله في صلاة الخوف، كان أولاً يميل إلى رواية يزيد بن رومان، ثم رجع إلى رواية القاسم بن محمد بن أبي بكر١٥.
وروى مجاهد وغيره عن ابن عياش الزرقي واسمه زيد بن الصامت على خلاف فيه١٦ :أن النبي عليه السلام صلَّى صلاة الخوف بعسفان والعدو في قبلته، قال :فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر، فقال المشركون :لقد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، فقالوا :تأتي الآن عليهم صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، قال :فنزل جبريل بين الظهر والعصر بهذه الآيات، وأخبره خبرهم، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصف العسكر خلفه صفين، ثم كبر فكبروا جميعاً، ثم ركع فركعنا جميعاً، ثم رفع فرفعنا جميعاً، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا سجد الآخرون في مكانهم، ثم تقدموا إلى مصاف المتقدمين وتأخر المتقدمون إلى مصاف المتأخرين، ثم ركع فركعوا جميعاً، ثم رفع فرفعوا جميعاً، ثم سجد النبي فسجد الصف الذي يليه، فلما رفع سجد الآخرون، ثم سلم فسلموا جميعاً، ثم انصرفوا، قال عبد الرزاق بن همام١٧ في مصنفه :وروى الثوري عن هشام م
١ - هذا هو رأي (داود)، وقد استند فيه إلى ما رواه مسلم عن يحيى بن يزيد الهنائي قال: (سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاث أميال أو ثلاث فراسخ (شعبة الشاك) صلى ركعتين، قال القرطبي: "وهذا لا حجة فيه، لأنه مشكوك فيه- وعلى تقدير أحدهما فلعله حد المسافة التي بدأ منها القصر، وكان سفرا طويلا زائدا على ذلك" اهـ..
٢ - رواه مسلم عن أنس بن مالك في كتاب: "صلاة المسافرين وقصرها"..
٣ - رواه مسلم عن عائشة من طريق: يحيى بن يحيى: ومن طريق أبي الطاهر في "كتاب صلاة المسافرين وقصرها"، وأخرجه مالك، والبخاري، وعبد بن حميد..
٤ - أخرجه ابن جرير عن علي، (تفسير الطبري، والدر المنثور)..
٥ - أخرجه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم. (الدر المنثور)..
٦ - أخرجه ابن جرير من طريق عمر بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمان بن أبي بكر الصديق. (الدر المنثور)..
٧ - أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير عن سماك الحنفي. (الدر المنثور)..
٨ - أخرج الحديث عن ابن عباس-عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، عبد بن حميد، وابن جرير، والحاكم وصححه، و"ذي قرد": بفتح القاف والراء، وقيل: بضمهما، وقيل: بضم القاف وفتح الراء، قال البلاذري: الصواب الأول..
٩ - رواه مسلم في كتاب: "صلاة المسافرين وقصرها".
١٠ - الحديث رواه عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، ابن أبي حاتم عن مجاهد، ورواه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة، (راجع تفسير الطبري، ٥/ ٢٤٤ ومشكاة المصابيح باب "صلاة الخوف"، والدر المنثور ٢/٢١٠).
وضجنان كسكران: جبل قرب مكة، وآخر بالبادية كما قال في "القاموس". وعُسفان كعثمان: موضع على مرحلتين من مكة..

١١ - الحائط: البستان..
١٢ - قال الفراء: أهل المجاز يقولون: فتنت الرجل، وربيعة وقيس وأسد وجميع أهل نجد يقولون: أفتنت الرجل. وفرق الخليل وسيبويه بينهما فقالا: فتنته: جعلت فيه فتنة مثل أكحلته، وأفتنته: جعلته مفتتنا وزعم الأصمعي أنه لا يعرف أفتنته..
١٣ - جلح في عداوته: كاشفه بها..
١٤ - سهل بن أبي حثمة بسكون الثاء: الأنصاري الأوسي، كان له سبع سنين أو ثمان سنين عند موت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد حدّث عنه بأحاديث، وكذلك حدث عن زيد بن ثابت، وروى عنه ابنه محمد، وابن أخيه محمد سليمان، وصالح بن خوت (أو ابن خوّات) كان أبوه دليل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد، وشهد المشاهد كلها إلا بدرا. (الإصابة ٤/ ٢٧١، ٢٧٢)..
١٥ - حجة مالك في ذلك أن الإمام ليس له أن ينتظر أحدا سبقه بشيء منها، وأن السنة المجمع عليها أن يقضي المأمومون ما سبقوا به بعد سلام الإمام-وقال الشافعي: حديث يزيد ابن رومان، عن صالح بن خوات هذا أشبه الأحاديث في صلاة الخوف بظاهر كتاب الله، وبه أقول، وقال أحمد كقول الشافعي في المختار عنده. (القرطبي ٥/ ٣٦٦)..
١٦ - قيل: زيد بن الصامت، وقيل: زيد بن النعمان الزرفي، مشهور بكنيته. (الإصابة ٤/ ٥٨)..
١٧ - عبد الرزاق بن همّام بن نافع الحميري، أبو بكر الصنعاني: من حفاظ الحديث الثقات، من أهل صنعاء، كان يحفظ نحوا من سبعة عشر ألف حديث، له "الجامع الكبير" في الحديث، قال الذهبي: وهو خزانة علم –توفي سنة ٢١١هـ ٨٢٧م. (تهذيب التهذيب- وابن خلكان، وطبقات الحنابلة)..
الضمير في ﴿ سجدوا ﴾ للطائفة المصلية والمعنى :فإذا سجدوا معك الركعة الأولى فلينصرفوا، هذا على بعض الهيئات المروية والمعنى :فإذا سجدوا ركعة القضاء وهذا على هيئة سهل بن أبي حثمة، والضمير في قوله : ﴿ فليكونوا ﴾ يحتمل أن يكون للطائفة القائمة أولاً بإزاء العدو ويجيء الكلام وصاة في حال الحذر والحرب، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق «فلِتقم » بكسر اللام، وقرأ الجمهور ﴿ ولتأت طائفة ﴾ بالتاء، وقرأ أبو حيوة «وليأت » بالياء، وقوله تعالى : ﴿ ود الذين كفروا ﴾ الآية إخبار عن معتقد القوم وتحذير من الغفلة، لئلا ينال العدو أمله. وأسلحة جمع سلاح، وفي قوله تعالى : ﴿ ميلة واحدة ﴾ بناء مبالغة أي مستأصلة لا يحتاج معها إلى ثانية، وقوله تعالى : ﴿ ولا جناح عليكم ﴾ الآية ترخيص، قال ابن عباس :نزلت بسبب عبد الرحمن بن عوف، كان مريضاً فوضع سلاحه فعنفه بعض الناس.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :كأنهم تلقوا الأمر بأخذ السلاح على الوجوب، فرخص الله تعالى في هاتين الحالتين، وينقاس عليهما كل عذر يحدث في ذلك الوقت، ثم قوى الله تعالى نفوس المؤمنين بقوله ﴿ إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً ﴾.
ذهب جمهور العلماء إلى أن هذا الذكر المأمور به إنما هو إثر صلاة الخوف، على حد ما أمروا عند قضاء المناسك بذكر الله١، فهو ذكر باللسان، وذهب إلى أن ﴿ قضيتم ﴾ بمعنى فعلتم، أي إذا تلبستم بالصلاة فلتكن على هذه الهيئات بحسب الضرورات :المرض، وغيره، وبحسب هذه الآية رتب ابن المواز صلاة المريض فقال :يصلي قاعداً فإن لم يطق فعلى جنبه الأيمن، فإن لم يطق فعلى الأيسر، فإن لم يطق فعلى الظهر، ومذهب مالك في المدونة التخيير، لأنه قال :فعلى جنبه أو على ظهره، وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم أنه قال :يبتدىء بالظهر ثم بالجنب، قال ابن حبيب :وهو وهم، قال اللخمي :وليس بوهم، بل هو أحكم في استقبال القبلة، وقال سحنون :يصلي على جنبه الأيمن كما يجعل في قبره، فإن لم يقدر فعلى ظهره، و «الطمأنينة » في الآية :سكون النفس من الخوف، وقال بعض المتأولين :المعنى :فإذا رجعتم من سفركم إلى الحضر فأقيموها تامة أربعاً، وقوله تعالى : ﴿ كتاباً موقوتاً ﴾ معناه :منجماً في أوقات، هذا ظاهر اللفظ، وروي عن ابن عباس :أن المعنى مفروضاً، فهما لفظان بمعنى واحد كرر مبالغة.
١ - في قوله تعالى في الآية (٢٠٠) من سورة البقرة: ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا﴾..
وقوله تعالى : ﴿ ولا تهنوا في ابتغاء القوم ﴾ يبين أن القضاء المشار إليه قبل، إنما هو قضاء صلاة الخوف، و ﴿ تهنوا ﴾ معناه تلينوا وتضعفوا، حبل واهن أي ضعيف، ومنه : ﴿ وهن العظم ﴾ [ مريم :٤ ]، و ﴿ ابتغاء القوم ﴾ :طلبهم.
وقرأ عبد الرحمن الأعرج «أن تكونوا » بفتح الألف، وقرأ يحيى بن وثاب ومنصور بن المعتمر «تئلمون »١ في الثلاثة وهي في لغة، وهذا تشجيع لنفوس المؤمنين، وتحقير لأمر الكفرة، ومن نحو هذا المعنى قول الشاعر [ الشداخ بن يعمر الكناني ] : [ المنسرح ]
القومُ أمثالُكُمْ لَهُمْ شَعَرٌ في الرَّأسِ لا ينشرون إنْ قتلوا٢
ثم تأكد التشجيع بقوله تعالى : ﴿ وترجون من الله ما لا يرجون ﴾ وهذا برهان بيّن، ينبغي بحسبه أن تقوى نفوس المؤمنين، وباقي الآية بيّن.
١ - أي: بكسر التاء..
٢ - البيت للشذاخ بن يعمر الكناني. وقبله- كما رواه في "البحر المحيط":
قاتلوا القوم بأخداع ولا يأخذكم من قتالهم قتل
وروي: قاتلي القوم يا خُزاع ولا يدخلكم من قتالهم فشل
.

في هذه الآية تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم وتفويض إليه، وتقويم أيضاً على الجادة في الحكم، وتأنيب ما على قبول ما رفع إليه في أمر بني أبيرق بسرعة، وقوله تعالى : ﴿ بما أراك الله ﴾ معناه :على قوانين الشرع، إما بوحي ونص، أو بنظر جار على سنن الوحي، وقد تضمن الله تعالى لأنبيائه العصمة، وقوله تعالى : ﴿ ولا تكن للخائنين خصيماً، واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً ﴾ سببها باتفاق من المتأولين أمر بني أبيرق، وكانوا إخوة، بشر وبشير ومبشر، وكان بشير رجلاً منافقاً يهجو أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وينحل الشعر غيره، فكان المسلمون يقولون :والله ما هو إلا شعر الخبيث، فقال شعراً يتنصل فيه، فمنه قوله :
أفكلما قال الرجال قصيدة. . . نحلت وقالوا :ابن الأبيرق قالها
قال قتادة بن النعمان :وكان بنو أبيرق أهل فاقة، فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملاً من درمك الشام١ فجعله في مشربة له٢، وفي المشربة درعا له وسيفان، فعدي على المشربة من الليل فنقبت وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال :يا ابن أخي، تعلم أنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا وذهب بطعامنا وسلاحنا، فقال :فتحسسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا :قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة ولا نراه إلا على بعض طعامكم، قال :وقد كان بنو أبيرق قالوا : «ونحن نسأل » والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل، رجل منا له صلاح وإسلام، فسمع ذلك لبيد فاخترط سيفه٣ ثم أتى بني ابيرق فقال :والله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة، قالوا :إليك عنا أيها الرجل، فوالله ما أنت بصاحبها٤ فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها فقال لي عمي :يابن أخي لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بهذه القصة فأتيته عليه السلام فقصصتها عليه، فقال :انظر في ذلك، فلما سمع بذلك بنو أبيرق، أتوا رجلاً منهم يقال له :أسير بن عروة٥ فكلموه في ذلك، واجتمع إليه ناس من أهل الدار، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا :يا رسول الله، إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة على بينة، قال قتادة :فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته قال :عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح فرميتهم بالسرقة عن غير بينة، قال :فرجعت وقد وددت أن أخرج عن بعض مالي ولم أكلمه، فأتيت عمي فقال :ما صنعت ؟ فأخبرته بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :الله المستعان، فلم نلبث أن نزل القرآن ﴿ إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ﴾ الآيات.
فالخائنون بنو أبيرق، والبريء المرمي لبيد بن سهل، والطائفة التي همت :أسير وأصحابه.
وقال قتادة وغير واحد من المتأولين :هذه القصة ونحوها إنما كان صاحبها طعمة بن أبيرق، ويقال فيه :طعيمة، وقال السدي :القصة في طعمة بن أبيرق ولكن بأن استودعه يهودي درعاً فجحده إياها وخانه فيها وطرحها في دار أبي مليك الأنصاري٦، وأراد أن يرميه بسرقتها لما افتضح، وأبو مليل هو البريء المشار إليه، وقال عكرمة :سرق طعمة بن أبيرق درعاً من مشربة ورمى بسرقتها رجلاً من اليهود يقال له :زيد بن السمين.
قال القاضي أبو محمد :وجملة هذا يستدير على أن قوم طعمة أتوا النبي وكلموه في أن يذب عن طعمة ويرفع الدعوى عنه، ودفعوا هم عنه ومنهم من يعلم أنه سرق، فكانت هذه معصية من مؤمنيهم، وخلق٧ مقصود من منافقيهم فعصم الله رسوله من ذلك، ونبه على مقالة قتادة بن النعمان بقوله : ﴿ ولا تكن للخائنين خصيماً ﴾.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله :وطعيمة بن أبيرق صرح بعد ذلك بالارتداد وهرب إلى مكة، ونزل على سلافة٨ فرماها حسان بن ثابت بشعر، فأخذت رحل طعمة ورمت به في الأبطح وقالت :اخرج عنا، أهديت إليَّ شعر حسان، فروي :أنه نزل على الحجاج بن علاط وسرقه فطرده، وروي أنه نقب حائط بيت ليسرقه فانهدم الحائط عليه فقتله، وروي :أنه اتبع قوماً من العرب فسرقهم فقتلوه.
١ - الدّرمك: الدقيق الناعم. وهو هنا يقصد نوعا معينا يأتي من الشام..
٢ - المشربة: المكان يشرب منه، وهو بفتح الراء وضمها، والجمع: مشارب..
٣ - اخترط سيفه: استلّه من غمده..
٤ - أي: بصاحب الحادثة، أو السرقة..
٥ - قال القرطبي في تفسيره: ابن عم لهم. يعني لبني أبيرق. وكان أسير هذا مسلما، ومن ذلك الوقت اتهم بالنفاق، قال ابن إسحاق: وفيه نزلت: [لهمّت طائفة منهم أن يضلوك]. (عن الاستيعاب ١/ ١٠٠)..
٦ - قال في الإصابة (١٢/٢٨): أبو مليك هو: سليك بن الأغر، مذكور في الصحابة، كذا ذكره ابن عبد البر مختصرا، وأنا أخشى أن يكون هو الذي بعده وقع فيه تصحيف وتحريف" والذي بعده هو: أبو مُليل –بلامين- الأنصاري، ذكره ابن إسحاق وغيره فيمن شهد بدرا، وقال ابن فتحون: إنهما واحد.اهـ- والثابت في الأصول: أبو مليك وفي بعضها: أبو مليكة. وكذلك هو في "البحر المحيط"..
٧ - هكذا في الأصول: والصواب أن تكون: (وخلقا)، لأنها معطوفة على: (معصية) خبر (كان)، اللهم إلا إذا قدرناها خبرا لمبتدأ محذوف، أي: وهي خلق، ومعناها: اختلاق وافتراء، أو لعلها من سهو النساخ، والله أعلم..
٨ - اسمها: سلافة (بضم السين) بنت سعد بن شهيد، ومن شعر حسان فيها قوله:
وقد أنزلته بنت سعد وأصبحت ينازعها جلد استها وتنازعه
ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتم وفينا نبي عنده الحي واضعه..

وقوله تعالى : ﴿ واستغفر الله ﴾ ذهب الطبري إلى أن المعنى استغفر الله من ذنبك في خصامك للخائنين.
قال القاضي أبو محمد :وهذا ليس بذنب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما دافع عن الظاهر، وهو يعتقد براءتهم، والمعنى :استغفر للمذنبين من أمتك والمتخاصمين في الباطل، لا أن تكون ذا جدال عنهم، فهذا حدك، ومحلك من الناس أن تسمع من المتداعيين وتقضي بنحو ما تسمع، وتستغفر للمذنب١.
١ - وقيل: هو أمر بالاستغفار على طريق التسبيح، كالرجل يقول: أستغفر الله على طريق التسبيح دون أن يقصد توبة من ذنب..
وقوله تعالى : ﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ لفظ عام يندرج طيه أصحاب النازلة ويتقرر به توبيخهم، وقوله تعالى : ﴿ إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً ﴾ رفق وإبقاء، فإن الخوان :هو الذي تتكرر منه الخيانة، والأثيم :هو الذي يقصدها، فيخرج من هذا الشديد الساقط مرة واحدة ونحو ذلك مما يجيء من الخيانة بغير قصد أو على غفلة، واختيان الأنفس :هو بما يعود عليها من الإثم والعقوبة في الدنيا والآخرة.
الضمير في ﴿ يستخفون ﴾ للصنف المرتكب للمعاصي مستترين بذلك عن الناس مباهتين لهم، واندرج في طي هذا العموم، ودخل تحت هذه الأنحاء أهل الخيانة في النازلة المذكورة، وأهل التعصب لهم والتدبير في خدع النبي صلى الله عليه وسلم والتلبيس عليه، ويحتمل أن يكون الضمير لأهل هذه النازلة، ويدخل في معنى هذا التوبيخ كل من فعل نحو فعلهم، ومعنى ﴿ وهو معهم ﴾ بالإحاطة والعلم والقدرة، و ﴿ يبيتون ﴾ يدبرون ليلاً، انطلقت العبارة على كل استسرار بهذا، إذ الليل مظنة الاستتار والاختفاء، قال الطبري :وزعم بعض الطائيين :أن التبييت في لغتهم التبديل، وأنشد للأسود بن عامر بن جوين الطائي : [ المتقارب ]
وَبَيَّتَ قولي عِنْدَ الملي. . . كِ قَاتَلَكَ اللهُ عبداً كنودا
وقال أبو زيد ﴿ يبيتون ﴾ معناه :يؤلفون، ويحتمل أن تكون اللفظة مأخوذة من البيت، أي :يستسرون في تدبيرهم بالجدران.
وقوله تعالى : ﴿ ها أنتم هؤلاء ﴾ قد تقدمت وجوه القراءات فيه في سورة آل عمران، والخطاب بهذه الآية للقوم الذين يتعصبون لأهل الريب والمعاصي، ويندرج طي هذا العموم أهل النازلة، ويحتمل أن يكون الخطاب لأهل التعصب في هذه النازلة وهو الأظهر عندي بحكم التأكيد ب ﴿ هؤلاء ﴾ وهي إشارة إلى حاضرين، وقد تقدم إعراب مثل هذه الآية في سورة آل عمران، و «والمجادلة » :المدافعة بالقول وهي من فتل الكلام وليه، إذ الجدل الفتل١، وقوله تعالى : ﴿ فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة ﴾ وعيد محض، أي إن الله يعلم حقيقة الأمر فلا يمكن أن يلبس عليه بجدال ولا غيره، كما فعلتم بالنبي صلى الله عليه وسلم، إذ هو بشر يقضي على نحو ما يسمع.
١ - ومنه: رجل مجدول الخلق بمعنى: لطيف محكم الفتل- وقيل: المجادلة من الجدالة، وهي وجه الأرض، فكل واحد من الخصمين يريد أن يلقي صاحبه عليها، قال العجاج:
قد أركب الحالة بعد الحالة وأترك العاجز بالجدالة
منعفرا ليس له محالة
فالجدالة: الأرض، ومن ذلك قولهم: تركته مجدلا، أي: مطروحا على الجدالة.
.

ولما تمكن هذا الوعيد وقضت العقول بأن لا مجادل لله ولا وكيل يقوم بأمور العصاة عنده، عقب ذلك هذا الرجاء العظيم، والمهل المنفسح بقوله تعالى : ﴿ ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله ﴾ الآية، منحنى من عمل السوء، وهما بمعنى واحد تكرر باختلاف لفظ مبالغة، واستغفار الله تعالى مع التحقيق في ذلك توبة وقوله تعالى : ﴿ يجد الله ﴾ استعارة، لما كانت الرحمة والغفران معدة للمستغفرين التائبين، كانوا كالواجدين لمطلوب، وكأن التوبة ورود على رحمة الله وقرب من الله، وقال عبد الله بن مسعود يوماً في مجلسه :كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنباً أصبح قد كتبت كفارة ذلك الذنب على بابه، وإذا أصاب البول شيئاً من ثيابه قرضه بالمقراضين، فقال رجل من القوم :لقد آتى الله بني إسرائيل خيراً، فقال عبد الله :ما آتاكم الله خير مما آتاهم، جعل لكم الماء طهوراً، وقال ﴿ ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ﴾ الآية وهذه آية وعد بشرط المشيئة على ما تقتضيه عقيدة أهل السنة، وفضل الله مرجو وهو المستعان١.
١ - قال الضحاك: نزلت الآية في وحشي قاتل حمزة، أشرك بالله وقتل حمزة، ثم جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: إني لنادم، فهل لي من توبة؟ فنزل: ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه﴾ الآية، وقيل: المراد بهذه الآية العموم والشمول لجميع الخلق، وروى سفيان عن أبي إسحاق عن الأسود وعلقمة قالا: قال عبد الله بن مسعود: من قرأ هاتين الآيتين من سورة النساء ثم استغفر الله غفر له: ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما﴾، ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توّابا رحيما﴾. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "كنت إذا سمعت حديثا من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعني الله به ما شاء، وإذ سمعته من غيره خالفته، وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر رضي الله عنه: ما من عبد يذنب ذنبا، ثم يتوضأ ويصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر له، ثم تلا هذه الآية: ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما﴾ (راجع القرطبي)..
تقدم القول في معنى «الكسب »، «والإثم » الحكم اللاحق عن المعصية، ونسبة المرء إلى العقوبة فيها، وقوله : ﴿ فإنما يكسبه على نفسه ﴾ أي إياها يردي وبها يحل المكروه.
وقوله تعالى : ﴿ خطيئة أو إثماً ﴾ ذهب بعض الناس إلى أنهما لفظان بمعنى كرر لاختلاف اللفظ، وقال الطبري :إنما فرق بين «الخطيئة والإثم » أن الخطيئة تكون عن عمد وعن غير عمد، والإثم لا يكون إلا عن عمد، وهذه الآية لفظها عام، ويندرج تحت ذلك العموم وتوبيخه أهل النازلة المذكورة، «وبريء » النازلة قيل :هو لبيد بن سهل، وقيل :هو زيد بن السمين اليهودي، وقيل :أبو مليل الأنصاري، وقوله تعالى : ﴿ فقد احتمل ﴾ تشبيه، إذ الذنوب ثقل ووزر، فهي كالمحمولات، و ﴿ بهتاناً ﴾ معناه :كذباً على البريء، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :( إذا قلت في أخيك ما فيه مما يكره سماعه فقد اغتبته، فإن قلت ما ليس فيه بهته )١، فرمي البريء بهت له ونفس الخطيئة والإثم إثم مبين، معصية هذا الرامي معصيتان.
١ - رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، عن أبي هريرة، قال في "الترغيب والترهيب": روى من طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة..
ثم وقف الله تعالى على نبيه على مقدار عصمته له، وأنها بفضل من الله ورحمة وقوله تعالى : ﴿ لهمت ﴾ معناه :لجعلته همها وشغلها حتى تنفذه١، وهذا يدل على أن الألفاظ عامة في غير أهل النازلة، وإلا فأهل التعصب لبني أبيرق قد وقع همهم وثبت، وإنما المعنى :ولولا عصمة الله لك لكان في الناس من يشتغل بإضلالك، ويجعله هم نفسه أي كما فعل هؤلاء، لكن العصمة تبطل كيد الجميع، فيبقى الضلال في حيزهم، ثم ضمن وعد الله تعالى له أنهم «لا يضرونه شيئاً » وقرر عليه نعمه لديه، من إنزَال ﴿ الكتاب ﴾ المتلو، ﴿ والحكمة ﴾ التي بعضها خوطب به وبعضها جعلت له سجية ملكها، وقريحة يعمل عنها، وينظر بين الناس بها، لا ينطق عن الهوى، وبهذين علمه ما لم يكن يعلم، وباقي الآية بيّن.
١ - في بعض الأصول: "حتى تبعده"، فتأمل، وقد نقله في "البحر" عن ابن عطية بلفظ: "حتى تنفذه"..
الضمير في ﴿ نجواهم ﴾ عائد على الناس أجمع، وجاءت هذه الآيات عامة التناول، وفي عمومها يتدرج أصحاب النازلة، وهذا عن الفصاحة والإيجاز المضمن الماضي والغابر في عبارة واحدة، والنجوى :المسارَّة، مصدر، وقد تسمى به الجماعة، كما يقال :قوم عدل ورضا١، وتحتمل اللفظة في هذه الآية أن تكون الجماعة وأن تكون المصدر نفسه، فإن قدرناها الجماعة فالاستثناء متصل، كأنه قال :لا خير في كثير من جماعاتهم المنفردة المتسارة إلا من، وإن قدرنا اللفظة المصدر نفسه، كأنه قال :لا خير في كثير من تناجيهم، فالاستثناء منقطع بحكم اللفظ، ويقدر اتصاله على حذف مضاف، كأنه قال :إلا نجوى من، قال بعض المفسرين :النجوى كلام الجماعة المنفردة كان ذلك سراً أو جهراً.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :انفراد الجماعة من الاستسرار، والغرض المقصود أن النجوى ليست بمقصورة على الهمس في الأذن ونحوه، و «المعروف » :لفظ يعم الصدقة والإصلاح، ولكن خُصَّا بالذكر اهتماماً بهما، إذ هما عظيماً الغناء في مصالح العباد، ثم وعد تعالى «بالأجر العظيم » على فعل هذه الخيرات بنية وقصد لرضا الله تعالى. و ﴿ ابتغاء ﴾ نصب على المصدر، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم والكسائي ﴿ فسوف نؤتيه ﴾ بالنون وقرأ أبو عمر وحمزة «يؤتيه » بالياء والقراءتان حسنتان.
١ - تقول: ناجيت فلانا مناجاة ونجاء، ونجوت فلانا أنجوه نجوا: ناجيته، فنجوى مشتقة من نجوت الشيء أنجوه، أي: خلّصته وأفردته، والنجوة من الأرض: المرتفع، لانفراده بارتفاعه عما حوله، قال الشاعر أوس بن حجر:
فمن بنجوته كمن بعقوته والمستكنّ كمن يمشي بقرواح
والعقوة: الساحة وما حول الدار، والقرواح: البارز الذي لا يستره من السماء شيء..

وقوله تعالى : ﴿ ومن يشاقق الرسول ﴾ الآية، لفظ عام نزل بسبب طعمة بن أبيرق، لأنه ارتد وسار إلى مكة، فاندرج الإنحاء عليه في طي هذا العموم المتناول لمن اتصف بهذه الصفات إلى يوم القيامة، وقوله ﴿ ما تولى ﴾ وعيد بأن يترك مع فاسد اختياره في تولي الطاغوت، وقرأ ابن أبي عبلة «يوله » و «يصله ».
ثم أوجب تعالى أنه لا يغفر أن يشرك به، وقد مضى تفسير مثل هذه الآية وما يتصل بها من المتعقد والبعد في صفة الضلال، مقتض بعد الرجوع إلى المحجة البيضاء وتعذره١ وإن بقي غير مستحيل.
١ -في بعض النسخ: وتقديره..
الضمير في ﴿ يدعون ﴾ عائد على من تقدم ذكره من الكفرة في قوله : ﴿ ومن يشاقق الرسول ﴾ [ النساء :١١٥ ] ﴿ إن ﴾ نافية بمعنى «ما » ويدعون عبارة مغنية موجزة في معنيي :يعبدون ويتخذون آلهة، وقرأ أبو رجاء العطاردي «إن تدعون » بالتاء من فوق، ورويت عن عاصم، واختلف في معنى «الإناث » فقال أبو مالك والسدي وغيرهما :ذلك لأن العرب كانت تسمي أصنامها بأسماء مؤنثة، فاللات والعزى ومناة ونائلة.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق :ويرد على هذا أنها كانت تسمي بأسماء مذكرة كثيرة، وقال الضحاك وغيره :المراد ما كانت العرب تعتقده من تأنيث الملائكة وعبادتهم إياها، فقيل لهم هذا على جهة إقامة الحجة من فاسد قولهم، وقال ابن عباس والحسن وقتادة :المراد :الخشب والحجارة وهي مؤنثات لا تعقل، فيخبر عنها كما يخبر عن المؤنث من الأشياء فيجيء قوله : ﴿ إلا إناثاً ﴾ عبارة عن الجمادات، وقيل :إنما هذا لأن العرب كانت تسمي الصنم أنثى فتقول :أنثى بني فلان.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :وهذا على اختلافه يقضي بتعييرهم بالتأنيث وأن التأنيث نقص وخساسة بالإضافة إلى التذكير، وقيل معنى ﴿ إناثاً ﴾ أوثاناً، وفي مصحف عائشة «إن يدعون من دونه إلا أوثاناً » وقرأ ابن عباس فيما روى عنه أبو صالح «إلا أنثاً » يريد وثناً، فأبدل الهمزة واواً، وهو جمع جمع على ما حكى بعض الناس، كأنه جمع وثناً على وثان، كجمل وجمال، ثم جمع وثاناً على وثن كرهان ورهن وكمثال ومثل.
قال القاضي أبو محمد :وهذا خطأ، لأن فعالاً في جمع فعل إنما هو للتكثير والجمع الذي هو للتكثير لا يجمع وإنما تجمع جموع التقليل، والصواب أن تقول وثن جمع وثن دون واسطة، كأسد وأسد، قال أبو عمرو :وبهذا قرأ ابن عمر وسعيد بن المسيب ومسلم بن جندب وعطاء، وروي عن ابن عباس أنه قرأ «إلا وَثنَاً » بفتح الواو والثاء على إفراد اسم الجنس وقرأ ابن عباس أيضاً «وُثُناً » بضم الواو والثاء وقرأت فرقة «إلا وثنَاً وقرأت فرقة » إلا أثناً «بسكون الثاء، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم » إلا أنثاً «بتقديم النون وهو جمع أنيث كغدير وغدر ونحو ذلك، وحكى الطبري :أنه جمع إناث كثمار وثمر، وحكى هذه القراءة عن النبي صلى الله عليه وسلم أبو عمرو الداني، قال :وقرأ بها ابن عباس وأبو حيوة والحسن. واختلف في المعنى ب » الشيطان «فقالت فرقة :هو الشيطان المقترن بكل صنم، فكأنه موحد باللفظ جمع بالمعنى، لأن الواحد يدل على الجنس، وقال الجمهور :المراد إبليس وهذا هو الصواب، لأن سائر المقالة به تليق، و ﴿ مريداً ﴾ معناه عاتياً صليباً في غوايته، وهو فعيل من مرد :إذا عتا وغلا في انحرافه وتجرد للشر والغواية.
وأصل اللعن :الإبعاد، وهو في العرف إبعاد مقترن بسخط وغضب، ويحتمل أن يكون ﴿ لعنه ﴾ صفة الشيطان، ويحتمل أن يكون خبراً عنه، والمعنى يتقارب على الوجهين، وقوله تعالى : ﴿ وقال لأتخذن ﴾ الآية، التقدير :وقال الشيطان، والمعنى، لأستخلصنهم لغوايتي :ولأخصنهم بإضلالي وهم الكفرة والعصاة، والمفروض معناه في هذا الموضع المنحاز، وهو مأخوذ من الفرض وهو الحز في العود وغيره، ويحتمل أن يريد واجباً أن أتخذه، وبعث النار هو نصيب إبليس١.
١ - قال القرطبي: "وهذا صحيح معنى، يعضده قوله تعالى لآدم يوم القيامة: (ابعث بعث النار، فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين) أخرجه مسلم، وبعث النار: هو نصيب الشيطان، والله أعلم." اهـ. وعبارة ابن عطية هنا تشير إلى هذا الحديث الذي نقله القرطبي عن مسلم..
قوله : ﴿ ولأضلنهم ﴾ معناه أصرفهم عن طريق الهدى، ﴿ ولأمنينهم ﴾ لأسولن لهم.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله :وهذا لا ينحصر إلى نوع واحد من الأمنية، لأن كل واحد في نفسه إنما تمنيه بقدر نصبته وقرائن حاله، ومنه قوله عليه السلام : «إن الشيطان يقول لمن يركب ولا يذكر الله :تغن، فإن لم يحسن قاله له تمن »١، واللامات كلها للقسم.
«والبتك » :القطع٢، وكثر الفعل إذ القطع كثير على أنحاء مختلفة، وإنما كنى عز وجل عن البحيرة والسائبة ونحوه مما كانوا يثبتون فيه حكماً، بسبب آلهتهم وبغير ذلك٣، وقرأ أبو عمرو بن العلاء ﴿ ولآمرنهم ﴾ بغير ألف، وقرأ أبيّ «وأضلهم وأمنيهم وآمرهم ».
واختلف في معنى «تغيير خلق الله »، فقال ابن عباس وإبراهيم ومجاهد والحسن وقتادة وغيرهم :أراد :يغيرون دين الله وذهبوا في ذلك إلى الاحتجاج بقوله تعالى : ﴿ فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ﴾٤ أي لدين الله، والتبديل يقع موضعه التغيير، وإن كان التغيير أعم منه، وقالت فرقة : «تغيير خلق الله » هو أن الله تعالى خلق الشمس والنار والحجارة وغيرها من المخلوقات ليعتبر بها وينتفع بها، فغيرها الكفار بأن جعلوها آلهة معبودة، وقال ابن عباس أيضاً وأنس وعكرمة وأبو صالح :من تغيير خلق الله الإخصاء، والآية إشارة إلى إخصاء البهائم وما شاكله، فهي عندهم أشياء ممنوعة، ورخص في إحصار البهائم جماعة إذا قصدت به المنفعة، إما السمن أو غيره، ورخصها عمر بن عبد العزيز في الخيل، وقال ابن مسعود والحسن :هي إشارة إلى الوشم وما جرى مجراه من التصنع للحسن، فمن ذلك الحديث : «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمات والموشمات والمتنمصات والمتفلجات المغيرات خلق الله »٥ ومنه قوله عليه السلام، «لعن الله الواصلة والمستوصلة »٦ وملاك تفسير هذه الآية :أن كل تغيير ضار فهو في الآية، وكل تغيير نافع فهو مباح، ولما ذكر الله تعالى عتو الشيطان وما توعد به من بث مكره، حذره تبارك وتعالى عباده، بأن شرط لمن يتخذه ولياً جزاء الخسران، وتصور الخسران إنما هو بأن أخذ هذا المتخذ حظ الشيطان، فكأنه أعطى حظ الله تبارك وتعالى فيه وتركه من أجله.
١ - لم نعثر على هذا الحديث فيما لدينا من المراجع..
٢ - ومنه سيف باتك، أي: قاطع. يقال: بتَكه وبتّكه مخففا ومشددا، وفي يده بِتكة، أي: قطعة، والجمع: بِتك- قال زهير:
حتى إذا ما هوت كف الوليد لها طارت وفي كفه من ريشها بتك..

٣ - كانوا يشقون أذني الناقة إذا ولدت خمسة أبطن، وجاء الخامس ذكرا، ويحرمون على أنفسهم الانتفاع بها، ولا يمنعونها من مرعى ولا ماء، وقد حرّم الإسلام ذلك، وسيأتي تفسير أوضح له عند قوله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة﴾..
٤ - من الآية (٣٠) من سورة (الروم)..
٥ - أخرجه ابن جرير عن ابن مسعود، وأخرجه مسلم عن عبد الله. والوشم: غرز الجلد بإبرة، ثم ذر النيلج عليه حتى يزرق أثره، ومعنى: تنمصت المرأة: نتفت شعر جبينها بخيط، والمرأة المتفلجة: هي التي تفرق بين أسنانها للزينة..
٦ - أخرج أحمد، والبخاري، ومسلم عن عائشة أن جارية من الأنصار تزوجت، وأنها مرضت، فتمعط شعرها، فأرادوا أن يصلوها، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (لعن الله الواصلة والمستوصلة)- (الدر المنثور) والواصلة: هي التي تضيف إلى شعرها شعرا آخر فيكثر به، والمستوصلة: هي التي تستدعي من يفعل ذلك بها..
وقوله تعالى : ﴿ يعدهم ويمنيهم ﴾ :يعدهم بأباطيله من المال والجاه، وأن لا بعث ولا عقاب ونحو ذلك لكل أحد ما يليق بحاله، ويمنيهم كذلك، ثم ابتدأ تعالى الخبر عن حقيقة ذلك بقوله : ﴿ وما يعدهم الشيطان إلا غروراً ﴾.
ثم أخبر تعالى بمصير المتخذين الشيطان ولياً وتوعدهم بأن ﴿ مأواهم جهنم ﴾، ولا يدافعونها بحيلة، ولا يعدلون عنها، ولا ينحرفون ولا يتروغون، و «المحيص » مفعول من حاص إذا راغ ونفر، ومنه قول الشاعر [ جعفر بن علبة الحارثي ] : [ الطويل ]
وَلَمْ أَدْرِ إنْ حِصْنَا مِنَ الْمَوْتِ حِيصَةً كَمِ العُمْرُ باقٍ والْمَدَى مُتَطَاوِلُ١
ومنه الحديث، فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، يقال حاص الرجل من كذا، وجاض بالجيم والضاد المنقوطة إذا راغ بنفور، ولغة القرآن الحاء والصاد غير منقوطة٢.
١ - البيت لجعفر بن علبة الحارثي، وفي رواية الحماسة:
ولم ندر إن جضنا من الموت جيضة ......................
بنون الجمع- وبالجيم والضاد، والمعنى-على هذا- هو ما شرحه ابن عطية، وقال بعده: إن لغة القرآن بالصاد والحاء..

٢ - الحيص: الحيد عن الشيء، ويقال: ما عنه محيص، أي: محيد ومهرب، قال في اللسان: "وفي حديث يرويه ابن عمر أنه ذكر قتالا وأمرا: فحاص المسلمون حيصة، ويُروى: فجاض جيضة، معناهما واحد-وفي حديث أنس: لما كان يوم احد حاص المسلمون حيصة، قالوا: قُتل محمد" اهـ. (حيص)..
ولما أخبر تعالى عن الكفار الذين يتخذون الشيطان ولياً، وأعلم بغرور وعد الشيطان لهم، وأعلم بصيور١ أمرهم وأنه إلى جهنم، فاقتضى ذلك كله التحذير، أعقب ذلك - عز وجل٢ - بالترغيب في ذكر حالة المؤمنين، وأعلم بصيور أمرهم وأنه إلى النعيم المقيم، وأعلم بصحة وعده تعالى لهم، ثم قرر ذلك بالتوقيف عليه في قوله ﴿ ومن أصدق من الله قيلاً ﴾ والقيل والقول واحد، ونصبه على التمييز، وقرأت فرقة «سندخلهم » بالنون وقرأت فرقة «سيدخلهم » بالياء، و ﴿ وعد الله ﴾ نصب على المصدر. و ﴿ حقا ﴾ مصدر أيضاً مؤكد لما قبله.
١ - الصّيّور: منتهى الأمر وعاقبته. (المعجم الوسيط)..
٢ - في بعض النسخ: "أعقب ذلك (الوجل) بالترغيب".
اسم ﴿ ليس ﴾ مضمر١، و «الأماني » :جمع أمنوية، وزنها أفعولة، وهي :ما يتمناه المرء ويطيع نفسه فيه، وتجمع على أفاعيل، فتجتمع ياءان فلذلك تدغم إحداهما في الأخرى فتجيء مشددة وهي قراءة الجمهور، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو جعفر بن القعقاع وشيبة بن نصاح والحكم والأعرج، «ليس بأمانيكم » ساكنة الياء، وكذلك في الثانية٢، قال الفراء :هذا جمع على فعاليل، كما يقال قراقير وقراقر إلى غير ذلك. واختلف الناس فيمن المخاطب بهذه الآية ؟ فقال ابن عباس والضحاك وأبو صالح ومسروق وقتادة والسدي وغيرهم :الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم :وسبب الآية أن المؤمنين اختلفوا مع قوم من أهل الكتاب، فقال أهل الكتاب :ديننا أقدم من دينكم وأفضل، ونبينا قبل نبيكم، فنحن أفضل منكم، وقال المؤمنون :كتابنا يقضي على الكتب، ونبينا خاتم النبيين، أو نحو هذا من المحاورة، فنزلت الآية، وقال مجاهد وابن زيد :بل الخطاب لكفار قريش، وذلك أنهم قالوا :لن نبعث ولا نعذب، وإنما هي حياتنا الدنيا لنا فيها النعيم ثم لا عذاب، وقالت اليهود ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ [ المائدة :١٨ ]، إلى نحو هذا من الأقوال، كقولهم ﴿ لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ﴾٣، وغيره، فرد الله تعالى على الفريقين بقوله ﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ﴾ ثم ابتدأ الخبر الصادق من قبله بقوله ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ وجاء هذا اللفظ عاماً في كل سوء فاندرج تحت عمومه الفريقان المذكوران، واختلف المتأولون في تعميم لفظ هذا الخبر، فقال الحسن بن أبي الحسن :هذه الآية في الكافر، وقرأ ﴿ وهل يجازى إلا الكفور ﴾٤ قال :والآية يعني بها الكفار، ولا يعني بها أهل الصلاة، وقال :والله ما جازى الله أحداً بالخير والشر إلا عذبه، ولكنه يغفر ذنوب المؤمنين، وقال ابن زيد :في قوله تعالى ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ وعد الله المؤمنين أن يكفر عنهم سيئاتهم، ولم يعد أولئك يعني المشركين، وقال الضحاكَ ﴿ ومن يعمل سوءاً يجز به ﴾ يعني بذلك اليهود والنصارى والمجوس وكفار العرب.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق :فهذا تخصيص للفظ الآية، ورأى هؤلاء أن الكافر يجزى على كل سوء يعمله وأن المؤمن قد وعده الله تكفير سيئاته، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير :قوله تعالى : ﴿ من يعمل سوءاً ﴾ معناه، من يك مشركاً والسوء هنا الشرك فهو تخصيص لعموم اللفظ من جهة أخرى، لأن أولئك خصصوا لفظ ﴿ من ﴾، وهذان خصصا لفظ ( السوء ) وقال جمهور الناس :لفظ الآية عام، والكافر والمؤمن مجازى بالسوء يعمله، فأما مجازاة الكافر فالنار، لأن كفره أوبقه، وأما المؤمن فبنكبات الدنيا، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه :لما نزلت ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ قلت يا رسول الله ما أشد هذه الآية، فقال :يا أبا بكر أما تحزن أما تمرض أما تصيبك اللأواء ؟ فهذا بذلك٥، وقال عطاء بن أبي رباح :لما نزلت هذه الآية، قال أبو بكر :جاءت قاصمة الظهر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( إنما هي المصيبات في الدنيا )٦، وقالت بمثل هذا التأويل عائشة رضي الله عنها٧، وقال أبيّ بن كعب، وسأله الربيع بن زياد عن معنى الآية وكأنه خافها، فقال له أبيّ :ما كنت أظنك إلا أفقه مما رأى، ما يصيب الرجل خدش ولا غيره إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر.
قال القاضي أبو محمد - رحمه الله - :فالعقيدة في هذا :أن الكافر مجازى والمؤمن يجازى في الدنيا غالباً، فمن بقي له سوء إلى الآخرة فهو في المشيئة، يغفر الله لمن يشاء، ويجازي من يشاء، وقرأ الجمهور «ولا يجدْ » بالحزم عطفاً على ﴿ يجز ﴾، وروى ابن بكار عن ابن عامر : «ولا يجدُ » بالرفع على القطع، وقوله ﴿ من دون ﴾ لفظة تقتضي عدم المذكور بعدها من النازلة، ويفسرها بعض المفسرين بغير، وهو تفسير لا يطرد.
١ - على معنى: ليس الثواب على الحسنات، ولا العقاب على السيئات بأمانيكم، لأن الاستحقاق إنما يكون بالعمل لا بالأماني. قاله في"البحر المحيط"..
٢ - يعني بها قوله تعالى: ﴿ولا أماني أهل الكتاب﴾..
٣ - من الآية (١١١) من سورة (البقرة)..
٤ - من قوله تعالى في الآية (١٧) من سورة (سبأ): ﴿ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور﴾؟.
٥ - أخرج أحمد، وهناد، وعبد بن حميد، والحكيم، والترمذي، وابن جرير، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن حبان، وابن السني في عمل اليوم والليلة، والحاكم وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان، والضياء في المختارة، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية: ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوءا يجز به﴾؟ فكل سوء جزينا به؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (غفر الله لك يا أبا بكر. ألست تنصب؟ ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟) قال: بلى، قال: (فهو ما تجزون به)- (الدر المنثور ٢/ ٢٢٦).
واللأواء: الشدة والمحنة..

٦ - أخرجه ابن جرير عن عطاء بن رباح..
٧ - أخرج سعيد بن منصور، وأحمد، والبخاري في تاريخه، وأبو يعلى، وابن جرير، والبيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا تلا هذه الآية: ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ فقال: إنا لنجزى بكل ما عملناه؟ هلكنا إذا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (نعم. يُجزى به المؤمن في الدنيا في نفسه، في جسده، فيما يؤذيه). (الدر المنثور)..
وقوله تعالى : ﴿ ومن يعمل من الصالحات ﴾ دخلت ﴿ من ﴾ للتبغيض إذ، ﴿ الصالحات ﴾ على الكمال مما لا يطيقه البشر، ففي هذا رفق بالعباد، لكن في هذا البعض الفرائض وما أمكن من المندوب إليه، ثم قيد الأمر بالإيمان إذ لا ينفع عمل دونه، وحكى الطبري عن قوم :أن ﴿ من ﴾ زائدة، وضعفه كما هو ضعيف، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي : «يَدخُلون الجنة » بفتح الياء وضم الخاء، وكذلك حيث جاء من القرآن، وروي مثل هذا عن عاصم، وقرأ أبو عمرو في هذه الآية وفي ( مريم ) و( الملائكة ) وفي ( المؤمن )١ «يُدخَلون » بضم الياء وفتح الخاء، وقرأ بفتح الياء من ﴿ سيدخلون جهنم داخرين ﴾٢ و«النقير » النكتة التي في ظهر نواة التمرة ومنه تنبت، وروي عن عاصم «النقير » ما تنقره بأصبعك، وهذا كله مثال للحقير اليسير.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :فهنا كمل الرد على أهل الأماني والإخبار بحقيقة الأمر.
١ - أما في (مريم) ففي قوله تعالى في الآية (٦٠): ﴿إلا من تاب وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا﴾- وأما قوله: (والملائكة) فلعله يريد بها قوله تعالى في الآية (٢٣) من سورة (الرعد): ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب﴾. وأما في (المؤمن) ففي قوله تعالى في الآية (٤٠): ﴿فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب﴾..
٢ - من قوله تعالى في الآية (٦٠) من سورة (غافر): ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾- وأراد ابن عطية بقوله: "وقرأ بفتح الياء من ﴿سيدخلون جهنم داخرين﴾- أبا عمرو..
ثم أخبر تعالى إخباراً موقفاً على أنه لا أحسن ديناً ممن ﴿ أسلم وجهه لله ﴾، أي أخلص مقصده وتوجهه. وأحسن في أعماله، واتبع الحنفية التي هي ﴿ ملة إبراهيم ﴾، إمام العالم وقدوة أهل الأديان، ثم لما ذكر الله تعالى إبراهيم بأنه الذي يجب اتباعه، شرفه بذكر الخلة، وإبراهيم صلى الله عليه وسلم سماه الله خليلاً، إذ كان خلوصه وعبادته واجتهاده على الغاية التي يجري إليها المحب المبالغ، وكان لطف الله به ورحمته ونصرته له بحسب ذلك، وذهب قوم إلى أن إبراهيم سمي خليلاً من الخلة بفتح الخاء، أي لأنه خلته وفاقته بالله تعالى، وقال قوم :سمي خليلاً لأنه فيما روي في الحديث جاء من عند خليل كان له بمصر وقد حرمه الميرة التي قصد لها، فلما قرب من منزله ملأ غرارتيه رملاً ليتأنس بذلك صبيته، فلما دخل منزله نام كلالاً وهماً، فقامت امرأته وفتحت الغرارة، فوجدت أحسن ما يكون من الحواري، فعجنت منه، فلما انتبه قال :ما هذا ؟ قالت من الدقيق الذي سقت من عند خليلك المصري فقال :بل هو من عند خليلي الله تعالى، فسمي بذلك خليلاً. قال القاضي أبو محمد رحمه الله - :وفي هذا ضعف، ولا تقتضي هذه القصة أن يسمى بذلك اسماً غالباً، وإنما هو شيء شرفه الله به١ كما شرف محمداً صلى الله عليه وسلم، فقد صح في كتاب مسلم وغيره :أن الله اتخذه خليلاً.
١ - الآراء كثيرة في سبب تسميته عليه الصلاة والسلام خليلا- فقيل زيادة على ما رواه ابن عطية: إنما سمي الخليل خليلا لأن محبته تتخلل القلب فلا تدع فيه خللا إلا ملأته، بدليل قول بشار بن برد:
قد تخللت مسلك الروح مني وبه سمي الخليل خليلا
وقيل: الخليل من الاختصاص، فالله عز وجل اختص إبراهيم في وقته للرسالة، واختار هذا النحاس، ودليله قوله صلى الله عليه وسلم: (وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا)، يعني نفسه، وفي الاتخاذ معنى الاختصاص- ولقد حسم ابن عطية القول بعبارته: "إنما هو شيء شرفه الله به".
.

ذكر - عز وجل - سعة ملكه وإحاطته بكل شيء عقب ذكر الدين وتبيين الجادة منه، ترغيباً في طاعة الله والانقطاع إليه.
وقوله تعالى : ﴿ ويستفتونك ﴾ الآية، نزلت بسبب سؤال قوم من الصحابة عن أمر النساء وأحكامهن في المواريث وغير ذلك، فأمر الله نبيه أن يقول لهم ﴿ الله يفتيكم فيهن ﴾ أي يبين لكم حكم ما سألتم عنه وقوله تعالى ﴿ وما يتلى عليكم ﴾ يحتمل ﴿ ما ﴾ أن تكون في موضع خفض عطفاً على الضمير في قوله ﴿ فيهن ﴾، أي : «ويفتيكم فيما يتلى عليكم »، قاله محمد بن أبي موسى، وقال :أفتاهم الله فيما سألوا عنه وفيما لم يسألوا عنه، ويضعف هذا التأويل ما فيه من العطف على الضمير المخفوض بغير إعادة حرف الخفض١، ويحتمل أن تكون ﴿ ما ﴾ في موضع رفع عطفاً على اسم الله عز وجل، أي و «يفتيكم ما يتلى عليكم في الكتاب »، يعني القرآن، والإشارة بهذا إلى ما تقدم من الآيات في أمر النساء، وهو قوله تعالى في صدر السورة ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ [ النساء :٣ ] قالت عائشة :نزلت هذه الآية أولاً، ثم سأل ناس بعدها رسول الله صلى الله عيله وسلم عن أمر النساء فنزلت : ﴿ ويستفتونك في النساء، قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم ﴾٢.
وقوله تعالى ﴿ في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن ﴾ معناه :النهي عما كانت العرب تفعله من ضم اليتيمة الجميلة الغنية بدون ما تستحقه من المهر، ومن عضل٣ الدميمة الفقيرة أبداً، والدميمة الغنية حتى تموت فيرثها العاضل، ونحو هذا مما يقصد به الولي منفعة نفسه لا نفع اليتيمة، والذي كتب الله لهن هو توفية ما تستحقه من مهر، وإلحاقها بأقرانها، وقرأ أبو عبد الله المدني - «في ييامى النساء » بياءين، قال أبو الفتح :والقول في هذه القراءة أنه أراد أيامى فقلبت الهمزة ياء، كما قلبت في قولهم :باهلة بن يعصر، وإنما هو ابن أعصر لأنه إنما يسمى بقوله : [ الكامل ]
أبُنَيّ إن أَبَاكَ غَيَّرَ لَوْنَه كَرُّ الليالي واختلافُ الأعْصُرِ٤
وكما قلبت الياء همزة في قولهم :قطع الله أده، يريدون يده، وأيامى :جمع أيم أصله :أيايم، قلبت اللام موضع العين، فجاء أيامى، ثم أبدلت من الكسرة فتحة ومن الياء ألف.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :يشبه أن الداعي إلى هذا استثقال الضمة على الياء، قال أبو الفتح :ولو قال قائل كسر أيم على أيمى على وزن سكرى وقتلى من حيث الأيومة بلية تدخل كرهاً، ثم كسر أيمى على أيامى لكان وجهاً حسناً، وقوله تعالى ﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ إن كانت الجارية غنية جميلة فالرغبة في نكاحها، وإن كانت بالعكس فالرغبة عن نكاحها، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأخذ الناس بالدرجة الفضلى في هذا المعنى، فكان إذا سأل الولي عن وليته فقيل :هي غنية جميلة، قال له :أطلب لها من هو خير منك وأعود عليها بالنفع، وإذا قيل له :هي دميمة فقيرة، قال له :أنت أولى بها وبالستر عليها من غيرك، وقوله تعالى ﴿ والمستضعفين من الولدان ﴾ عطف على ﴿ يتامى النساء ﴾، والذي ُتلي٥ في ﴿ المستضعفين من الولدان ﴾ هو قوله تعالى : ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾٦، وذلك :أن العرب كانت لا تورث الصبية ولا الصبي الصغير، وكان الكبير ينفرد بالمال، وكانوا يقولون :إنما يرث المال من يحمي الحوزة، ويرد الغنيمة، ويقاتل عن الحريم، ففرض الله لكل أحد حقه، وقوله تعالى : ﴿ وأن تقوموا لليتامى بالقسط ﴾ عطف أيضاً على ما تقدم، والذي ُتلي في هذا المعنى هو قوله تعالى : ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾٧ إلى غير ذلك مما ذكر في مال اليتيم، والقسط العدل، وباقي الآية وعد على فعل الخير بالجزاء الجميل، بّيِّنٌ.
١ - راجع "البحر المحيط" في هذا الموضع، فأبو حيان له تعليق طويل على القول بضعف العطف على الضمير المخفوض بغير إعادة حرف الجر، وهو يرد على كلام ابن عطية هنا، وعلى كلام آخر للزمخشري في تفسيره للآية. والتعليق جـ٣ صفحة ٣٦٠، ٣٦١..
٢ - الحديث في البخاري، ومسلم، وأخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم- عن عائشة رضي الله عنها..
٣ - عضل المرأة: منعها التزوج ظلما، قال تعالى: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾..
٤ - جاء في كتاب "سمط اللآلي" صفحة (٣٥٠) طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة: وذكر أبو علي في نسب الأصمعي أعصر بن سعد، وأعصر: هو منبه بن سعيد... وإنما سمي أعصر بقوله:
قالت عميرة ما لرأسك بعد ما فقد الشباب أتى بلون منكـر
أعمير إن أباك غيّر لونــه مرّ الليالي واختلاف الأعصر
وقال معلقه: وفي الأنباري، والشعراء، والجمحي: نفد الشباب.
.

٥ - هو بيان لما سبق في السورة من القرآن المتلو على أن معنى قوله تعالى: ﴿وما يتلى عليكم﴾ هو: ﴿ويفتيكم ما يتلى عليكم﴾ فالذي سبقت تلاوته في (يتامى النساء) هو قوله تعالى: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾ كما وضح ذلك حديث عائشة رضي الله عنها، والذي ُتلي في ﴿المستضعفين من الولدان﴾ هو قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾. والذي ُتلي في القيام لليتامى بالقسط هو قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾..
٦ - من الآية (١١) من سورة (النساء)..
٧ - من الآية (٢) من سورة (النساء)..
هذه الآية حكم من الله تعالى في أمر المرأة التي تكون ذات سن ودمامة، أو نحو ذلك مما يرغب زوجها عنها، فيذهب الزوج إلى طلاقها، أو إلى إيثار شابة عليها، ونحو هذا مما يقصد به صلاح نفسه ولا يضرها هي ضرراً يلزمه إياها، بل يعرض عليها الفرقة أو الصبر على الأثرة، فتريد هي بقاء العصمة، فهذه التي أباح الله تعالى بينهما الصلح، ورفع الجناح فيه، إذ الجناح في كل صلح يكون عن ضرر من الزوج يفعله حتى تعالجه، وأباح الله تعالى الصلح مع الخوف وظهور علامات النشوز أو الإعراض، وهو مع وقوعها مباح أيضاً، و «النشوز » :الارتفاع بالنفس عن رتبة حسن العشرة، و «الإعراض » :أخف من النشوز١.
وأنواع الصلح كلها مباحة في هذه النازلة، أن يعطي الزوج على أن تصبر هي، أو تعطي هي على أن لا يؤثر الزوج، أو على أن يؤثر ويتمسك بالعصمة، أو يقع الصلح على الصبر على الأثرة، فهذا كله مباح، واختلف المفسرون في سبب الآية، فقال ابن عباس وجماعة معه :نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وسودة بنت زمعة، حدث الطبري بسند عن ابن عباس قال :خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت :لا تطلقني واحبسني مع نسائك، ولا تقسم لي، ففعل فنزلت ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً ﴾ الآية٢، وفي المصنفات أن سودة لما كبرت وهبت يومها لعائشة وهذا نحو الأول، وقال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعبيدة السلماني وغيرهم :نزلت الآية بسبب رافع بن خديج٣ وخولة بنت محمد بن مسلمة، وذلك أنه خلا من سنها فتزوج عليها شابة، فآثر الشابة فلم تصبر هي فطلقها طلقة ثم تراجعا، فعاد فآثر الشابة فلم تصبر هي فطلقها أخرى، فلما بقي من العدة يسير قال لها :إن شئت راجعتك وصبرت على الأثرة، وإن شئت تركتك حتى يخلو أجلك، قالت :بل راجعني وأصبر، فراجعها فآثر الشابة فلم تصبر، فقال :إنما هي واحدة، فإما أن تقري على ما ترين من الأثرة، وإلا طلقتك، فقرت فهذا هو الصلح الذي أنزل الله فيه ﴿ وإن امرأة خافت ﴾ الآية٤، وقال مجاهد :نزلت الآية بسبب أبي السنابل ابن بعكك وامرأته٥، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «يصَّالحا » بفتح الياء وشد الصاد وألف بعدها، وأصلها يتصالحا، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم «يُصْلحا » بضم الياء وسكون الصاد دون ألف، وقرأ عبيدة السلماني «يُصالحا » بضم الياء من المفاعلة، وقرأ الجحدري وعثمان البتي «يَصّلحا » بفتح الياء وشد الصاد أصلها يصطلحا، قال أبو الفتح :أبدل الطاء صاداً ثم أدغم فيها الصاد التي هي فاء فصارت «يصلحا »، وقرأ الأعمش «إن اصالحا »، وكذلك هي في قراءة ابن مسعود، وقوله ﴿ صلحاً ﴾ ليس الصلح مصدراً على واحد من هذه الأفعال التي قرىء بها، فالذي يحتمل أن يكون اسماً كالعطاء مع أعطيت والكرامة مع أكرمت، فمن قرأ «يصلحا » كان تعديه إلى الصلح كتعدية إلى الأسماء، كما تقول :أصلحت ثوباً، ومن قرأ «يصالحا » من تفاعل وعرف تفاعل أنه لا يتعدى، فوجهه أن تفاعل قد جاء متعدياً في نحو قول ذي الرمة :
ومِنْ جَرْدَةٍ غَفَلٍ بساطٍ تَحَاسَنَتْ. . . بها الوشْيُ قَرَّاتُ الرياحِ وَخُورُها٦
ويجوز أن يكون الصلح مصدراً حذفت زوائده، كما قال :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإن تهلك فذلك كان قدري ٧
أي تقديري.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :هذا كلام أبي علي على أن القدر مصدر جار على أن قدرت الأمر بالتخفيف بمعنى قدرت بالتشديد، وقوله تعالى ﴿ والصلح خير ﴾ لفظ عام مطلق بمقتضى أن الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خير على الإطلاق، ويندرج تحت هذا العموم أن صلح الزوجين على ما ذكرنا خير من الفرقة. وقوله تعالى ﴿ وأحضرت الأنفس الشح ﴾ معذرة عن عبيده تعالى أي لا بد للإنسان بحكم خلقته وجبلته من أن يشح على إرادته حتى يحمل صاحبه على بعض ما يكره، وخصص المفسرون هذه اللفظة هنا فقال ابن جبير :هو شح المرأة بالنفقة من زوجها وبقسمه لها أيامها، وقال ابن زيد :الشح هنا منه ومنها.
قال القاضي أبو محمد - رحمه الله - :وهذا حسن، و ﴿ الشح ﴾ :الضبط على المعتقدات والإرادات والهمم والأموال ونحو ذلك، فما ُأفرط منها ففيه بعض المذمة، وهو الذي قال تعالى فيه ﴿ ومن يوق شح نفسه ﴾٨ وما صار إلى حيز منع الحقوق الشرعية أو التي تقتضيها المروءة فهو البخل، وهي رذيلة " ٩، لكنها قد تكون في المؤمن، ومنه الحديث «قيل يا رسول الله أيكون المؤمن بخيلاً ؟ قال نعم١٠ » وأما ﴿ الشح ﴾ ففي كل أحد، وينبغي أن يكون، لكن لا ُيفرط إلا على الدين١١، ويدلك على أن الشح في كل أحد قوله تعالى : ﴿ وأحضرت الأنفس الشح ﴾ وقوله ﴿ شح نفسه ﴾ فقد أثبت أن لكل نفس شحاً، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «أن تصدق وأنت صحيح شحيح١٢ » وهذا لم يرد به واحداً بعينه، وليس يجمل أن يقال هنا :أن تصدق وأنت صحيح بخيل، وقوله تعالى : ﴿ وإن تحسنوا ﴾ ندب إلى الإحسان في تحسين العشرة وحمل خلق الزوجة والصبر على ما يكره من حالها. وتمكن الندب إلى الإحسان من حيث للزوج أن يشح فلا يحسن ﴿ وتتقوا ﴾ معناه :تتقوا الله في وصيته بالنساء، إذ هن عوان عند الأزواج حسبما فسره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله
«استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان عندكم »١٣.
١ - قال النحاس: "الفرق بين النشوز والإعراض أن النشوز: التباعد، والإعراض: ألا يكلمها ولا يأنس بها"..
٢ - وأخرجه أيضا الطيالسي، والترمذي وحسنه، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي في سننه- عن ابن عباس. (الدر المنثور ٢/٢٣٢)..
٣ - رافع بن خديج بن رافع- الأنصاري الأوسي الحارثي، كان عريف قومه بالمدينة، وشهد أحدا والخندق، وعرض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فاستصغره، لكنه أجازه يوم أحد، توفي بالمدينة من جراحة، له ٧٨ حديثا. (الإصابة- وتهذيب التهذيب)..
٤ - أخرجه مالك، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه- عن رافع بن خديج، وفيه: "أنه كانت تحته امرأة" ولم يذكر اسمها- وأخرج الشافعي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبيهقي- عن سعيد بن المسيب أن "ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج...إلخ"..
٥ - أخرجه ابن جرير عن مجاهد. (الدر المنثور ٢/ ٢٣٣).
٦ - هذا البيت من قصيدة مطلعها:
تصابيت في أطلال ميّة بعدما نبا نبوة بالعين عنها دثورها
وجرد جردا: خلا جسمه من الشعر، وجرد المكان: خلا من النبات. والغُفل ما لا علامة فيه ولا أثر من عمارة أو طرق أو نحوهما. والبساط من الأرض: الواسعة، وتحاسنت: أحسنت- وقرّات الرياح: الرياح الباردة. وأرض خوّارة: لينة سهلة، والجمع: خور- أما الوشي فهو: النقش، يقول: إن هذه الرياح الباردة جرت على الأرض الواسعة الجرداء فحسنت طرقها بما يشبه الوشي. وتفاعل التي يشير إليها ابن عطية في البيت هي:
(تحاسن) فقد تعدا حين نصبت (الوشي)..

٧ - القائل رجل من عبد القيس كان حليفا لبني شيبان، والبيت بتمامه كما رواه في "المفضليات":
فإن يبرأ فلم أنفس عليه وإن يهلك فذلك كان قدري.

٨ - من الآية (٩) من سورة (الحشر)..
٩ - نقل القرطبي ما بين علامتي التنصيص هنا عن ابن عطية، ولكن جاء فيه: "فما أفرط منه على الدين فهو محمود، وما أفرط منه في غيره ففيه بعض المذمة" وهو أوضح مما في الأصول هنا..
١٠ - روى مالك عن صفوان بن سليم قال: (قيل: يا رسول الله، أيكون المؤمن جبانا؟ قال: نعم، قيل له: أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: نعم، قيل له: أيكون المؤمن كذابا؟ قال: لا)..
١١ - يقول: إن المبالغة في الشح مذمومة إلا على الدين فإنها محمودة، واستدل على ذلك بثلاثة أدلة: (أ) قوله تعالى هنا: [وأحضرت الأنفس الشح]، وقد شرح المفسرون الكلام فقالوا: إنه من باب المبالغة، جعل الشح كأنه شيء معد في مكان وأحضرت الأنفس وسيقت إليه، فلم يسق هو إليها، بل سيقت هي إليه، لكون الإنسان مجبولا على الشح، وكلام ابن عطية فيه هذا المعنى. (ب) قوله تعالى في سورة الحشر: ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ لأن إضافة الشح إلى النفس يدل على أن لكل نفس شُحا، وأنه من طبيعة النفوس. (جـ) قوله صلى الله عليه وسلم: (أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى القفر...الخ) فإنك حين تتصدق مع أنك مطبوع على الشح مهيأة لك أسباب الطمع في الحياة كالصحة والأمل في الغنى- أفضل من أن تتصدق وقد دنت ساعة موتك، ولهذا فلا يناسب في الحديث أن يقال: (وأنت صحيح بخيل) وبهذا وضح المؤلف الفرق بين الشح والبخل..
١٢ - هذا الحديث رواه البخاري، ومسلم، وأحمد في مسنده، وأبو داود، والنسائي- عن أبي هريرة، ولفظه: (أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، ألا وقد كان لفلان)..
١٣ - رواه ابن ماجة، والترمذي وصححه عن عمرو بن الأحوص أنه شهد حجة الوداع مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فحمد الله، وأثنى عليه، وذكر ووعظ، ثم قال: (استوصوا بالنساء خيرا..الخ)- وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا). ومعنى عوان: أسرى أو كالأسرى..
وقوله تعالى ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ﴾ الآية. معناه :العدل التام على الإطلاق المستوي في الأفعال والأقوال والمحبة والجماع وغير ذلك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه ثم يقول : «اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك »١ يعني ميله بقلبه، وكان عمر ابن الخطاب يقول :اللهم قلبي فلا أملكه، وأما ما سوى ذلك فأرجو أن أعدل، وروي أن هذه الآية نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وميله بقلبه إلى عائشة، فوصف الله تعالى حالة البشر، وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض الأزواج دون بعض، ونشاطهم إليهن وبشرهم معهن، ثم نهى عن «الميل كل الميل » وهو أن يفعل فعلاً يقصده من التفضيل وهو يقدر أن لا يفعله، فهذا هو ﴿ كل الميل ﴾، وإن كان في أمر حقير، فكأن الكلام ﴿ فلا تميلوا ﴾ النوع الذي هو كل الميل وهو المقصود من قول أو فعل، وقوله تعالى ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ أي لا هي أيم ولا ذات زوج، وهذا تشبيه بالشيء المعلق من شيء لأنه لا على الأرض استقر، ولا على ما علق منه انحمل، وهذا مطرد في قولهم في المثل : [ ارض من المركب بالتعليق ]٢، وفي عرف النحويين في تعليق الفعل، ومنه في حديث أم زرع قول المرأة : [ زوجي العشنق، إن أنطق أطلق، وإن أسكت أعلق ]
وقرأ أبيّ بن كعب «فتذروها كالمسجونة » وقرأ عبد الله بن مسعود «فتذروها كأنها معلقة » ثم قال تعالى ﴿ وإن تصلحوا وتتقوا ﴾ أي وإن تلتزموا ما يلزمكم من العدل فيما تملكون ﴿ فإن الله كان غفوراً رحيماً ﴾ لما لا تملكونه متجاوزاً عنه، وقال الطبري :معنى الآية، غفوراً لما سلف منكم من الميل كل الميل قبل نزول الآية.
قال القاضي أبو محمد - رحمه الله - :فعلى هذا فهي مغفرة مخصصة لقوم بأعيانهم، واقعوا المحظور في مدة النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء في التي قبل ﴿ وإن تحسنوا ﴾ وفي هذه ﴿ وإن تصلحوا ﴾ لأن الأول في مندوب إليه، وهذه في لازم، لأن الرجل له هناك أن لا يحسن وأن يشح ويصالح بما يرضيه، وفي هذه ليس له أن يصلح، بل يلزمه العدل فيما يملك.
١ - أخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم- عن ابن أبي مليكة قال: نزلت هذه الآية: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء﴾ في عائشة رضي الله عنها، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحبها أكثر من غيرها. (الدر المنثور ٢/ ٢٣٣)..
٢ - هذا مثل يضرب في القناعة بالقليل من الكثير- راجع "مجمع الأمثال" للميداني..
الضمير في قوله ﴿ يتفرقا ﴾ للزوجين اللذين تقدم ذكرهما، أي إن شح كل واحد منهما فلم يتصالحا لكنهما تفرقا بطلاق فإن الله تعالى يغني كل واحد منهما عن صاحبه بفضله ولطائف صنعه، في المال والعشرة، والسعة وجود المرادات والتمكن منها، وذهب بعض الفقهاء المالكيين إلى أن التفرق في هذه الآية هو بالقول، إذ الطلاق قول، واحتج بهذه على قول النبي صلى الله عليه وسلم «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا »١ إذ مذهب مالك في الحديث أنه التفرق بالقول لا بالبدن.
قال القاضي أبو محمد :ولا حجة في هذه الآية، لأن إخبارها إنما هو من افتراقهما بالأبدان، وتراخي المدة بزوال العصمة، و «الإغناء » إنما يقع في ثاني حال، ولو كانت الفرقة في الآية الطلاق لما كان للمرأة فيها نصيب يوجب ظهور ضميرها في الفعل، وهذه نبذة من المعارضة في المسألة، و «الواسع » معناه :الذي عنده خزائن كل شيء.
١ - رواه البخاري ومسلم، وأخرجه الإمام أحمد، وأصحاب السنن إلا ابن ماجة- عن حكيم بن حزام..
وقوله تعالى : ﴿ ولله ما في السماوات وما في الأرض ﴾ تنبيه على موضع الرجاء لهذين المفترقين، ثم جاء بعد ذلك قوله ﴿ وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض ﴾ تنبيهاً على استغنائه عن العباد، ومقدمة للخبر بكونه غنياً حميداً.
ثم جاء بعد ذلك قوله ﴿ ولله ما في السماوات وما في الأرض، وكفى بالله وكيلاً ﴾ مقدمة للوعيد، فهذه وجوه تكرار هذا الخبر الواحد ثلاث مرات متقاربة. وقوله تعالى ﴿ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ لفظ عام لكل من أوتيَ كتاباً، فإن وصية الله تعالى عباده بالتقوى لم تزل منذ أوجدهم، و «الوكيل » :القائم بالأمور المنفذ فيها ما رآه.
قوله تعالى : ﴿ أيها الناس ﴾ مخاطبة للحاضرين من العرب، وتوقيف للسامعين لتحضر أذهانهم، وقوله ﴿ بآخرين ﴾ يريد من نوعكم، وروي عن أبي هريرة أنه لما نزلت هذه الآية ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على كتف سلمان الفارسي وقال :هم قوم هذا، وتحتمل ألفاظ الآية أن تكون وعيداً لجميع بني آدم، ويكون الآخرون من غير نوعهم، كما قد روي :أنه كان في الأرض ملائكة يعبدون الله قبل بني آدم، وقدرة الله تعالى على ما ذكر تقضي بها العقول ببدائهها، وقال الطبري هذا الوعيد والتوبيخ هو للقوم الذين شفعوا في طعمة بن أبيرق وخاصموا عنه في أمر خيانته في الدرع والدقيق.
قال القاضي أبو محمد - رحمه الله - :وهذا تأويل بعيد واللفظ إنما يظهر حسن رصفه بعمومه وانسحابه على العالم جملة أو العالم الحاضر.
أي :من كان لا مراد له إلا في ثواب الدنيا ولا يعتقد أن ثم سواه، فليس هو كما ظن، بل عند الله تعالى ثواب الدارين، فمن قصد الآخرة أعطاه الله من ثواب الدنيا وأعطاه قصده، ومن قصد الدنيا فقط أعطاه من الدنيا ما قدر له وكان له في الآخرة العذاب، والله تعالى «سميع » للأقوال، «بصير » بالأعمال والنيات.
ثم خاطب تعالى المؤمنين بقوله ﴿ كونوا قوامين ﴾ الآية، وهذا بناء مبالغة، أي ليتكرر منكم القيام. ﴿ بالقسط ﴾ وهو العدل، وقوله ﴿ شهداء ﴾ نصب على خبر بعد خبر والحال فيه ضعيفة في المعنى، لأنها تخصيص القيام بالقسط إلى معنى الشهادة فقط، قوله ﴿ لله ﴾ المعنى لذات الله ولوجهه ولمرضاته، وقوله ﴿ ولو على أنفسكم ﴾ متعلق ب ﴿ شهداء ﴾١ هذا هو الظاهر الذي فسر عليه الناس، وأن هذه الشهادة المذكورة هي في الحقوق، ويحتمل أن يكون قوله ﴿ شهداء لله ﴾ معناه بالوحدانية، ويتعلق قوله ﴿ ولو على أنفسكم ﴾ ب ﴿ قوامين بالقسط ﴾، والتأويل الأول أبين، وشهادة المرء على نفسه إقراره بالحقائق وقوله الحق في كل أمر، وقيامه بالقسط عليها كذلك، ثم ذكر ﴿ الوالدين ﴾ لوجوب برهما وعظم قدرهما، ثم ثنى ب ﴿ الأقربين ﴾ إذ هم مظنة المودة والتعصب، فجاء الأجنبي من الناس أحرى أن يقام عليه بالقسط ويشهد عليه، وهذه الآية إنما تضمنت الشهادة على القرابة، فلا معنى للتفقه منها في الشهادة لهم كما فعل بعض المفسرين ولا خلاف بين أهل العلم في صحة أحكام هذه الآية، وقوله تعالى : ﴿ إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما ﴾ معناه :إن يكن المشهود عليه غنياً فلا يراعى لغناه، ولا يخاف منه، وإن يكن فقيراً فلا يراعى إشفاقاً عليه فإن الله تعالى أولى بالنوعين وأهل الحالين، والغني والفقير اسما جنس والمشهود عليه كذلك، فلذلك ثنى الضمير في قوله ﴿ بهما ﴾، وفي قراءة أبيّ بن كعب «فالله أولى بهم » على الجمع، وقال الطبري :ثنى الضمير لأن المعنى فالله أولى بهذين المعنيين، غنى الغني وفقر الفقير، أي :وهو أنظر فيهما، وقد حد حدوداً وجعل لكل ذي حق حقه، وقال قوم ﴿ أو ﴾ بمعنى الواو، وفي هذا ضعف.
وذكر السدي :أن هذه الآية نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم، اختصم إليه غني وفقير، فكان في ضلع الفقيرعلما منه أن الغني أحرى أن يظلم الفقير، فأبى إلا أن يقوم بالقسط بين الغني والفقير.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق :وارتبط هذا الأمر على ما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «فأقضي له على نحو ما أسمع »٢ أما أنه قد أبيح للحاكم أن يكون في ضلع الضعيف٣، بأن يعتد له المقالات ويشد على عضده، ويقول له :قل حجتك مدلاً، وينبهه تنبيهاً لا يفت في عضد الآخر، ولا يكون تعليم خصام، هكذا هي الرواية عن أشهب وغيره.
وذكر الطبري :أن هذه الآية هي بسبب نازلة طعمة بن أبيرق، وقيام من قام في أمره بغير القسط، وقوله تعالى : ﴿ فلا تتبعوا الهوى ﴾ نهي بيِّن، واتباع الهوى مردٍ مهلك، وقوله تعالى : ﴿ أن تعدلوا ﴾ يحتمل أن يكون معناه مخافة أن تعدلوا، ويكون لعدل هنا بمعنى العدول عن الحق، ويحتمل أن يكون معناه محبة أن تعدلوا، ويكون العدل بمعنى القسط، كأنه قال :انتهوا خوف أن تجوروا أو محبة أن تقسطوا، فإن جعلت العامل ﴿ تتبعوا ﴾ فيحتمل أن يكون المعنى محبة أن تجوروا، وقوله تعالى : ﴿ وأن تلووا أو تعرضوا ﴾ قال ابن عباس :هو في الخصمين يجلسان بين يدي القاضي فيكون ليّ القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر فاللّي على هذا مطل الكلام وجره حتى يفوت فصل القضاء وإنقاذه للذي يميل القاضي عليه، وقد شاهدت بعض القضاة يفعلون ذلك، والله حسيب الكل، وقال ابن عباس أيضاً، ومجاهد، وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم :هي في الشاهد يلوي الشهادة بلسانه ويحرفها، فلا يقول الحق فيها، أو يعرض عن أداء الحق فيها.
قال القاضي أبو محمد - رحمه الله - :ولفظ الآية يعم القضاء والشهادة والتوسط بين الناس، وكل إنسان مأخوذ بأن يعدل، والخصوم مطلوبون بعدل ما في القضاة فتأمله. وقرأ جمهور الناس «تلووا » بواوين من لوى يلوي على حسب ما فسرناه، وقرأ حمزة وابن عامر وجماعة في الشاذ «وأن تلُو » بضم اللام وواو واحدة، وذلك يحتمل أن يكون أصله «تلئوا » على القراءة الأولى، همزت الواو المضمومة كما همزت في أدؤر، وألقيت حركتها على اللام التي هي فاء «لوى » ثم حذفت لاجتماع ساكنين، ويحتمل أن تكون «تلوا » من قولك ولي الرجل الأمر، فيكون في الطرف الآخر من ﴿ تعرضوا ﴾ كأنه قال تعالى للشهود وغيرهم :وإن وليتم الأمر وأعرضتم عنه فالله تعالى خبير بفعلكم ومقصدكم فيه، فالولاية والإعراض طرفان، والليّ والإعراض في طريق واحد، وباقي الآية وعيد.
١ - قال في "البحر المحيط": "لو- في قوله تعالى: ﴿ولو على أنفسكم﴾- شرطية بمعنى [إن]، وقوله: ﴿على أنفسكم﴾ متعلق بمحذوف، لأن التقدير: وإن كنتم شهداء على أنفسكم فكونوا شهداء لله. وحذف [كان] بعد [لو] كثير، تقول: ائتني بتمر ولو حشفا، أي: وإن كان التمر حشفا فأتني به"، ثم علّق على قول ابن عطية: "إن قوله: ﴿ولو على أنفسكم﴾ متعلق بـ [شهداء]"، فقال: "إن عني [شهداء] هذا الملفوظ فلا يصح ذلك، وإن عني الذي قدرناه نحن فيصح" اهـ (البحر المحيط ٣/ ٣٦٩)..
٢ - هذا جزء من حديث رواه مالك بن أنس عن أم سلمة، وكذلك رواه سفيان أيضا عن أم سلمة، وهو أيضا في البخاري، وفي رواية مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إليّ فلعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار)..
٣ - ضلع الضعيف- بفتح الضاد واللام، يقال: ضلع-بفتح فكسر- مع فلان ضلعا –بفتحتين- بمعنى: مال إليه وعاونه..
اختلف الناس فيمن خوطب بقوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ﴾ فقالت فرقة :الخطاب لمن آمن بموسى وعيسى من أهل الكتابين، أي :يا من قد آمن بنبي من الأنبياء، آمن بمحمد عليه السلام ورجح الطبري هذا القول :وقيل :الخطاب للمؤمنين على معنى :ليكن إيمانكم هكذا على الكمال والتوفية بالله تعالى وبمحمد عليه السلام وبالقرآن وسائر الكتب المنزلة، ومضمن هذا الأمر الثبوت والدوام، وقيل :الخطاب للمنافقين، أي :يا أيها الذين أظهروا الإيمان بألسنتهم، ليكن إيمانكم حقيقة على هذه الصورة، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر، «نُزِّل » بضم النون وكسر الزاي المشددة على ما لم يسم فاعله، وكذلك قرؤوا «والكتاب الذي أُنزل من قبل » بضم الهمزة وكسر الزاء على ما لم يسم فاعله، وقرأ الباقون «نَزل وأنزل » بفتح النون والزاي وبفتح الهمزة في «أَنزل » على إسناد الفعلين إلى الله تعالى، وروي عن عاصم مثل قراءة أبي عمرو، ﴿ والكتاب ﴾ المذكور أولاً هو القرآن، والمذكور ثانياً هو اسم جنس لكل ما نزل من الكتاب، وقوله تعالى : ﴿ ومن يكفر بالله ﴾ إلى آخر الآية وعيد وخبر، مضمنة تحذير المؤمنين من حالة الكفر.
واختلف المتأولون في المراد بقوله تعالى : ﴿ إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ﴾ فقالت طائفة منهم قتادة وأبو العالية :الآية في اليهود والنصارى، آمنت اليهود بموسى والتوراة ثم كفروا، وآمنت النصارى بعيسى والإنجيل ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم، ورجح الطبري هذا القول، وقال الحسن بن أبي الحسن :الآية في الطائفة من أهل الكتاب التي قالت ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره ﴾١ وقال مجاهد وابن زيد :الآية في المنافقين، فإن منهم من كان يؤمن ثم يكفر، ثم يؤمن ثم يكفر، يتردد في ذلك، فنزلت هذه الآية فيمن ازداد كفراً بأن تم على نفاقه حتى مات.
قال القاضي :وهذا هو القول المترجح، وقول الحسن بن أبي الحسن جيد محتمل، وقول قتادة وأبي العالية وهو الذي رجح الطبري قول ضعيف، تدفعه ألفاظ الآية، وذلك أن الآية إنما هي في طائفة يتصف كل واحد منها بهذه الصفة من التردد بين الكفر والإيمان، ثم يزداد كفراً بالموافاة، واليهود والنصارى لم يترتب في واحد منهم إلا إيمان واحد وكفر واحد، وإنما يتخيل فيهم الإيمان والكفر مع تلفيق الطوائف التي لم تتلاحق في زمان واحد، وليس هذا مقصد الآية٢، وإنما توجد هذه الصفة في شخص من المنافقين، لأن الرجل الواحد منهم يؤمن ثم يكفر، ثم يوافي على الكفر وتأمل قوله تعالى : ﴿ لم يكن الله ليغفر لهم ﴾ فإنها عبارة تقتضي أن هؤلاء محتوم عليهم من أول أمرهم، ولذلك ترددوا وليست هذه العبارة مثل أن يقول :لا يغفر الله لهم، بل هي أشد، وهي مشيرة إلى استدراج من هذه حاله وإهلاكه٣، وهي عبارة تقتضي لسامعها أن ينتبه ويراجع قبل نفوذ الحتم عليه، وأن يكون من هؤلاء، وكل من كفر كفراً واحداً ووافى عليه فقد قال الله تعالى :إنه لا يغفر له، ولم يقل ﴿ لم يكن الله ليغفر له ﴾ فتأمل الفرق بين العبارتين فإنه من دقيق غرائب الفصاحة التي في كتاب الله تعالى، كأن قوله ﴿ لم يكن الله ﴾ حكم قد تقرر عليهم في الدنيا وهم أحياء.
١ - من الآية (٧٢) من سورة (آل عمران)، وهي قوله تعالى: ﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون﴾..
٢ - في بعض نسخ الأصول: "وليس هذا مقصد الكلام"..
٣ - في بعض النسخ: "إلى استدراج من هذه حاله أو هلاكه"..
في هذه الآية دليل ما على أن التي قبلها إنما هي في المنافقين، كما ترجح آنفاً، وجاءت البشارة هنا مصرحاً بقيدها، فلذلك حسن استعمالها في المكروه، ومتى جاءت مطلقة فإنما عرفها في المحبوب١.
١ - قال في "البحر": جاء بلفظ (بشّر) على سبيل التهكم بهم، نحو قوله: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾، وكما قيل:
*تحية بينهم ضرب وجيع*.

ثم نص تعالى في صفة المنافقين على أشدها ضرراً على المؤمنين، وهي موالاتهم الكفار واطراحهم المؤمنين، ونبه على فساد ذلك ليدعه من عسى أن يقع في نوع منه من المؤمنين غفلة أو جهالة أو مسامحة، ثم وقف تعالى على جهة التوبيخ على مقصدهم في ذلك، أهو طلب العزة والاستكثار بهم أي ليس الأمر كذلك بل العزة كلها لله يؤتيها من يشاء، وقد وعد بها المؤمنين، وجعل العاقبة للمتقين، و ﴿ العزة ﴾ أصلها :الشدة والقوة، ومنه الأرض العزاز أي :الصلبة، ومنه ﴿ عزني ﴾ [ ص :٢٣ ] أي :غلبني بشدته، واستعز المرض إذا قوي، إلى غير هذا من تصاريف اللفظة.
وقوله تعالى ﴿ وقد نزل عليكم ﴾ مخاطبة لجميع من أظهر الإيمان من محقق ومنافق، لأنه إذا أظهر الإيمان فقد لزمه أن يمتثل أوامر كتاب الله تعالى، والإشارة بهذه الآية إلى قوله تعالى : ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ﴾١، إلى نحو هذا من الآيات، وقرأ جمهور الناس «نُزِّل عليكم » بضم النون وكسر الزاي المشددة قال الطبري :وقرأ بعض الكوفيين «نزّل » بفتح النون والزاي المشددة على معنى نزل الله، وقرأ أبو حيوة وحميد «نَزل » بفتح النون والزاي خفيفة، وقرأ إبراهيم النخعي «أنزل » بألف على بناء الفعل للمفعول، و ﴿ الكتاب ﴾ في هذا الموضع القرآن٢.
وفي هذه الآية دليل قوي على وجوب تجنب أهل البدع وأهل المعاصي، وأن لا يجالسوا، وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوماً يشربون الخمر فقيل له عن أحد الحاضرين :إنه صائم فحمل عليه الأدب، وقرأ هذه الآية ﴿ إنكم إذاً مثلهم ﴾٣ وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات، ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة، وهذا المعنى كقول الشاعر : [ الطويل ]
عَنِ الْمَرْءِ لاَ تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ. . . فَكُلُّ قَرينٍ بالمُقَارِنِ يَقْتدِي
ثم توعد تعالى المنافقين والكافرين بجمعهم في جهنم، فتأكد بذلك النهي والحذر من مجالسهم وخلطتهم.
١ - من الآية (٦٨) من سورة (الأنعام)..
٢ - قوله تعالى: ﴿أن إذا سمعتم﴾ في موضع نصب بوقوع الفعل عليه في قراءة من قرأ بفتح النون من (نزّل) مع الزاي المفتوحة المشددة، وهي قراءة عاصم ويعقوب، وذلك لتقدم اسم الله تعالى في قوله: ﴿فإن العزة لله جميعا﴾- أما في قراءة الباقين فهي في موضع رفع لكونه اسم ما لم يسمّ فاعله، وقوله تعالى: ﴿يكفر بها﴾ في موضع نصب على الحال، والضمير في قوله: [معهم] عائد على المحذوف الذي دلّ عليه قوله: [يكفر بها ويستهزأ]، أي: فلا تقعدوا مع الكافرين المستهزئين، و(حتى) غاية لترك القعود معهم..
٣ - معنى ذلك أن الرضا بالمعصية معصية، ولهذا يؤخذ الفاعل والراضي بعقوبة المعاصي، ولكن المماثلة- كما قال ابن عطية- ليست في جميع الصفات. قال في "البحر المحيط": (وإذا) هنا توسطت بين الاسم والخبر، وأفرد (مثل) لأن المعنى: إن عصيانهم، فالمعنى على المصدر، كقوله: ﴿أنؤمن لبشرين مثلنا﴾؟ وقد جُمع في قوله: ﴿ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ وفي قوله: ﴿وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون﴾، والإفراد والمطابقة في التثنية أو الجمع جائزان} (٣/ ٣٧٥)..
﴿ الذين ﴾ صفة للمنافقين، و ﴿ يتربصون ﴾ معناه :ينتظرون دور الدوائر عليكم، فإن كان فتح للمؤمنين ادعوا فيه النصيب بحكم ما يظهرونه من الإيمان، وإن كان للكافرين نيل من المؤمنين ادعوا فيه النصيب بحكم ما يبطنونه من موالاة الكفار، وهذا حال المنافقين، و ﴿ نستحوذ ﴾ معناه :نغلب على أمركم، ونحطكم ونحسم أمركم، ومنه قول العجاج في صفة ثور وبقر : [ الرجز ]
*يحوذهن وله حوذي١*
أي يغلبهن على أمرهن، ويغلب الثيران عليهن، ويروى يحوزهن بالزاي، ومن اللفظة قول لبيد في صفة عير وأتن :
إذا اجتمعت وأحوذ جانبيها وأوردها على عوج طوال٢
أحوذ جانبيها قهرها وغلب عليها، وقوله تعالى : ﴿ استحوذ عليهم الشيطان ﴾٣ [ المجادلة :١٩ ] معناه :غلب عليهم، وشذ هذا الفعل في أن لم تعل واوه، بل استعملت على الأصل، وقرأ أبيّ بن كعب «ومنعناكم من المؤمنين » وقرأ ابن أبي عبلة «ونمنعكم » بفتح العين على الصرف٤، ثم سلى وأنس المؤمنين بما وعدهم به في قوله ﴿ فالله يحكم بينكم يوم القيامة ﴾ أي وبينهم وينصفكم من جميعهم، وبقوله ﴿ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ﴾ وقال يسيع الحضرمي :كنت عند علي بن أبي طالب فقال له رجل :يا أمير المؤمنين أرأيت قول الله تعالى : ﴿ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ﴾ كيف ذلك وهم يقاتلوننا ويظهرون علينا أحياناً ؟ فقال علي رضي الله عنه :معنى ذلك :يوم القيامة يكون الحكم٥، وبهذا قال جميع أهل التأويل.
و «السبيل » :الحجة والغلبة.
١ - جاء في "لسان العرب": وحاذ إبله يحوذ حوذا: ساقها سوقا شديدا كحازها حوزا، وروي هذا البيت:
يحوذ هن وله حوذي
فسّره ثعلب بأن معنى قوله: "حوذيّ" امتناع في نفسه، قال ابن سيده: ولا أعرف هذا إلا ههنا، والمعروف:
يحوزهن وله حوزي اهـ
والبيت من رجز يقول في مطلعه:
بكيت والمحتزن البكي وإنما يأتي الضبا الصبي
.

٢ - يصف العير وقد طارد الأتن، ويريد بالعوج، القوائم- يقول: إذا قهرها وغلب عليها ضمها ولم يفته منها شيء..
٣ - من قوله تعالى في الآية (١٩) من سورة (المجادلة): ﴿استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله﴾..
٤ - قال في "البحر المحيط": "يعني الصرف عن التشريك لما بعدها في إعراب الفعل الذي قبلها، وليس النصب على الصرف من اصطلاح البصريين". والمعنى على هذه القراءة: ألم نجمع بين الاستحواذ عليكم ومنعكم من المؤمنين"؟ ونظيره قول الحطيئة:
ألم أك جاركم ويكون بيني وبينكم المودة والإخاء؟
.

٥ - في بعض النسخ: "يوم القيامة يوم الحكم". ويؤيد هذا ما روي عن ابن عباس: "ذاك يوم القيامة"، كما ذكر ذلك القرطبي، وقد قال ابن العربي: "وهذا ضعيف"، وارجع إلى تعليل هذا الضعف عنده كما ذكره القرطبي رحمه الله تعالى..
ومخادعة المنافقين هي لأولياء الله تعالى، إذ يظنونهم غير أولياء، ففي الكلام حذف مضاف، وإلزام ذنب اقتضته أفعالهم، وإن كانت نياتهم لم تقتضه، لأنه لا يقصد أحد من البشر مخادعة الله تعالى وقوله ﴿ وهو خادعهم ﴾ أي منزل الخداع بهم وهذه عبارة عن عقوبة سماها باسم الذنب، فعقوبتهم في الدنيا ذلهم وخوفهم وغم قلوبهم، وفي الآخرة عذاب جهنم، وقال السدي وابن جريج والحسن وغيرهم من المفسرين :إن هذا الخدع هو أن الله تعالى يعطي لهذه الأمة يوم القيامة نوراً لكل إنسان مؤمن أو منافق، فيفرح المنافقون ويظنون أنهم قد نجوا، فإذا جاؤوا إلى الصراط طفىء نور كل منافق، ونهض المؤمنون بذاك، فذلك قول المنافقين «انظرونا نقتبس من نوركم »١ وذلك هو الخدع الذي يجري على المنافقين، وقرأ مسلمة بن عبد الله النحوي «وهو خادعْهم » بإسكان العين وذلك على التخفيف ثم ذكر تعالى كسلهم في القيام إلى الصلاة، وتلك حال كل من يعمل العمل كارهاً غير معتقد فيه الصواب تقية أو مصانعة، وقرأ ابن هرمز الأعرج «كَسالى » بفتح الكاف، وقرأ جمهور الناس «يرءّون » بهمزة مضمومة مشددة بين الراء والواو دون ألف، وهي تعدية رأى بالتضعيف وهي أقوى في المعنى من ﴿ يراءون ﴾ لأن معناها يحملون الناس على أن يروهم، ويتظاهرون لهم بالصلاة وهم يبطنون النفاق، وتقليله ذكرهم يحتمل وجهين، قال الحسن :قل لأنه كان لغير الله، فهذا وجه، والآخر أنه قليل بالنسبة إلى خوضهم في الباطل وقولهم الزور والكفر.
١ - من الآية (١٣) من سورة (الحديد)..
و ﴿ مذبذبين ﴾ معناه :مضطربين لا يثبتون على حال :والتذبذب :الاضطراب بخجل أو خوف أو إسراع في مشي ونحوه، ومنه قول النابغة :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** ترى كل ملك دونها يتذبذب١
ومنه قول الآخر : [ البعيث بن حريث ] :
خَيَالٌ لأُمِّ السَّلْسَبيلِ وَدُونَها مَسِيرةُ شَهْرٍ للْبَرِيدِ المُذَبْذَبِ٢
بكسر الذال الثانية، قال أبو الفتح :أي المهتز القلق الذي لا يثبت، ولايتمهل فهؤلاء المنافقون مترددون بين الكفار والمؤمنين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين »٣ فالإشارة بذلك إلى حالي الكفر والإيمان، وأشار إليه وإن لم يتقدم ذكره، لظهور تضمن الكلام له، كما جاء ﴿ حتى توارت بالحجاب ﴾ [ ص :٣٢ ] ﴿ وكل من عليها فان ﴾٤ وقرأ جمهور الناس «مذبذَبين » بفتح الذال الأولى والثانية، وقرأ ابن عباس وعمرو بن فائد، «مذَبذِبين » بكسر الذال الثانية وقرأ أبي بن كعب «متذبذِبين » بالتاء وكسر الذال الثانية وقرأ الحسن بن أبي الحسن «مَذَبذَبين » بفتح الميم والذالين وهي قراءة مردودة وقوله تعالى : ﴿ فلن تجد له سبيلاً ﴾ معناه سبيل هدى وإرشاد.
١ - البيت بتمامه- وقد قاله يخاطب النعمان بن المنذر ويمدحه:
ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب؟
يريد: إن الله أعطاك منزلة ومكانة يضطرب أمامها ويخجل كل ملك آخر.
.

٢ - البيت للبعيث بن حريث، وبعده –كما في الحماسة-:
فقلت لها أهلا وسهلا ومرحبا فردت بتأهيل وسهل ومرحب
والمذبذِب بكسر الذال الثانية معناه: "الممتر القلق الذي لا يثبت ولا يتمهل" قال ابن جني..

٣ - رواه مسلم، وأحمد في مسنده، والنسائي- عن ابن عمر، ونصه كاملا: (مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة، لا تدري أيهما تتبع). والعائرة: مؤنث العائر- ومعناها فسّره الحديث نفسه..
٤ - الآية الأولى رقم (٣٢) من سورة (ص)- وهي قوله تعالى: ﴿فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب﴾- يعني الشمس، أضمرها ولم يجر لها ذكر. والآية الثانية رقم (٢٦) من سورة (الرحمان) وهي: ﴿كل من عليها فان﴾ يريد: على الأرض. أيضا أضمرها ولم يجر لها ذكر- والعرب تفعل ذلك إذا كان في الكلام ما يدل عليه باللفظ أو القرائن المعنوية..
خطابه تعالى للمؤمنين، يدخل فيه بحكم الظاهر المنافقون المظهرون للإيمان، ففي اللفظ رفق بهم، وهم المراد بقوله تعالى : ﴿ أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً ﴾ لأن التوقيف إنما هو لمن ألم بشيء من الفعل المؤدي إلى هذه الحال، والمؤمنون المخلصون ما ألموا قط بشيء من ذلك، ويقوي هذا المنزع قوله تعالى : ﴿ من دون المؤمنين ﴾ أي والمؤمنون العارفون المخلصون غيب عن هذه الموالاة وهذا لا يقال للمؤمنين المخلصين، بل المعنى :يا أيها الذين أظهروا الإيمان والتزموا لوازمه.
و السلطان :الحجة، وهي لفظة تؤنث وتذكر، والتذكير أشهر، وهي لغة القرآن حيث وقع١، والسلطان إذا سمي به صاحب الأمر فهو على حذف مضاف، والتقدير :ذو السلطان أي ذو الحجة على الناس، إذ هو مدبرهم، والناظر في منافعهم.
١ - هذا مخالف لما قاله الفراء، ونقله عنه أبو حيان في "البحر المحيط"، ونص كلامه: "أنث وذكر، وبعض العرب يقول: قضت به عليك السلطان، وقد أخذت فلانا السلطان، والتأنيث عند الفصحاء أكثر". اهـ، ثم قال أبو حيان: "فمن ذكّر ذهب به إلى البرهان والاحتجاج، ومن أنث ذهب به إلى الحجة، وإنما اختير التذكير على التأنيث" ولنا أن نؤيد كلام ابن عطية، فإن السلطان جاء مذكرا حيثما وقع كما قال، فإذا كانت الفاصلة هنا هي سبب التذكير فما سبب التذكير في الآيات الأخرى كقوله تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا﴾، ﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا﴾، ﴿ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار﴾؟ ليس لذلك من سبب إلا أن التذكير أفصح..
ثم أخبر تعالى عن المنافقين أنهم ﴿ في الدرك الأسفل ﴾ من نار جهنم، وهي أدراك بعضها فوق بعض١ سبعة طبقة على طبقة، أعلاها هي جهنم وقد يسمى جميعها باسم الطبقة العليا، فالمنافقون الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر هم في أسفل طبقة من النار، لأنهم أسوأ غوائل من الكفار وأشد تمكناً من أذى المسلمين، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «في الدرَك » مفتوحة الراء، وقرأ حمزة والكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب «في الدرْك » بسكون الراء، واختلف عن عاصم فروي عنه الفتح والسكون، وهما لغتان، قال أبو علي :كالشمع والشمع ونحوه، وروي عن أبي هريرة وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم قالوا :المنافقون في الدرك الأسفل من النار في توابيت من النار تقفل عليهم٢، والنصير :بناء مبالغة من النصر.
١ - قال ابن عباس: "الدرك لأهل النار كالدرج لأهل الجنة، إلا أن الدرجات بعضها فوق بعض، والدركات بعضها أسفل من بعض" يعني أن استعمال العرب لكل ما تسافل أدراك، ولما تعالى درج- وأعلى الدركات جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية، وهي مقر المنافقين..
٢ -أخرجه عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن أبي هريرة، وأخرجه الفريابي، وابن أبي شيبة، وهناد، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في صفة النار عن ابن مسعود (الدر المنثور ٢/ ٣٣٦)..
ثم استثنى عز و جل التائبين من المنافقين، ومن شروط التائب أن يصلح في قوله وفعله، ويعتصم بالله، أي يجعله منعته وملجأه، ويخلص دينه لله تعالى، وإلا فليس بتائب، وقال حذيفة بن اليمان بحضرة عبد الله بن مسعود :والله ليدخلن الجنة قوم كانوا منافقين، فقال له عبد الله بن مسعود :وما علمك بذلك ؟ فغضب حذيفة وتنحى، فلما تفرقوا مر به علقمة فدعاه وقال :أما إن صاحبكم يعلم الذي قلت، ثم تلا ﴿ إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا ﴾ الآية، وأخبر تعالى أنهم مع المؤمنين في رحمة الله وفي منازل الجنة، ثم وعد المؤمنين «الأجر العظيم » وحذفت الياء من ﴿ يؤت ﴾ في المصحف تخفيفاً قال الزجّاج :لسكونها وسكون اللام في ﴿ الله ﴾، كما حذفت من قوله ﴿ يوم يناد المناد ﴾١ وكذلك ﴿ سندع الزبانية ﴾٢ وأمثال هذا كثير و «الأجر العظيم » :التخليد في الجنة.
١ - من قوله تعالى في الآية (٤١) من سورة (ق): ﴿واستمع يوم ينادي المناد من مكان قريب﴾..
٢ - الآية رقم (١٨) من سورة (العلق)..
ثم قال تعالى للمنافقين، ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم ﴾ الآية، أي :أي منفعة له في ذلك أو حاجة ؟ والشكر على الحقيقة لا يكون إلا مقترناً بالإيمان، لكنه ذكر الإيمان تأكيداً وتنبيهاً على جلالة موقعه، ثم وعد الله تعالى بقوله : ﴿ وكان الله شاكراً عليماً ﴾ أي يتقبل أقل شيء من العمل وينميه، فذلك شكر منه لعباده، والشكور من البهائم الذي يأكل قليلاً ويظهر به بدنه، والعرب تقول في مثل ( أشكر من بروقة )١، لأنها_ يقال_ :تخضر وتنضر بظل السحاب دون مطر، وفي قوله ﴿ عليماً ﴾ تحذير وندب إلى الإخلاص.
١ -البَرْوَقُ: ما يكسو الأرض من أول خضرة النبات، وقيل: هي بقلة سوء تنبت في أول البقل لها قصبة مثل السياط وثمرة سوداء، واحدها: بروقة، وتقول العرب: هو أشكر من بروق، وذلك أنه يعيش بأدنى ندى يقع من السماء، وقيل: لأنه يخضر إذا رأى السحاب، ويقال أيضا: "أضعف من بروقة" قال جرير:
كأن سيوف التيم عيدان بروق إذا نضيت عنها لحرب جفونها
والمثل: "أشكر من بروقة" يضرب لمن يقابل المعروف بالشكر والثناء العاجلين. أو لمن يمدح ويشكر لأقل نعمة يحصل عليها..

المحبة في الشاهد إرادة يقترن بها استحسان وميل اعتقاد، فتكون الأفعال الظاهرة من المحب بحسب ذلك، و ﴿ الجهر بالسوء من القول ﴾ لا يكون من الله تعالى فيه شيء من ذلك، أما أنه يريد وقوع الواقع منه ولا يحبه هو في نفسه. و ﴿ الجهر ﴾ :كشف الشيء، ومنه الجهرة في قول الله تعالى ﴿ أرنا الله جهرة ﴾١ ومنه قولهم :جهرت البئر، إذا حفرت حتى أخرجت ماءها، واختلف القراء في قوله تعالى ﴿ إلا من ظلم ﴾ وقراءة جمهور الناس بضم الظاء وكسر اللام، وقرأ ابن أبي إسحاق وزيد بن أسلم ومسلم بن يسار وغيرهم «إلا من ظَلَم » بفتح الظاء واللام، واختلف المتأولون على القراءة بضم الظاء، فقالت فرقة :المعنى لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول «إلا من ظُلم » فلا يكره له الجهر به، ثم اختلفت هذه الفرقة في كيفية الجهر بالسوء وما هو المباح من ذلك، فقال الحسن :هو الرجل يظلم الرجل فلا يدع عليه، ولكن ليقل :اللهم أعنّي عليه، اللهم استخرج لي حقي، اللهم حلْ بيني وبين ما يريد من ظلمي، وقال ابن عباس وغيره :المباح لمن ظُلم أن يدعو على من ظلمه، وإن صبر فهو أحسن له، وقال مجاهد وغيره :هو في الضيف المحول رحله، فإنه يجهر الذي لم يكرمه بالسوء من القول، فقد رخص له أن يقول فيه :وفي هذا نزلت الآية، ومقتضاها ذكر الظلم وتبيين الُظلامة في ضيافة وغيرها، وقال ابن عباس والسدي :لا بأس لمن ظَلم أن ينتصر ممن ظلمه بمثل ظلمه، ويجهر له بالسوء من القول.
قال القاضي رحمه الله :فهذه الأقوال على أربع مراتب :
قول الحسن_ دعاء في المدافعة، وتلك أقل منازل السوء من القول.
وقول ابن عباس_ الدعاء على الظالم بإطلاق في نوع الدعاء.
وقول مجاهد_ ذكر الظلامة والظلم.
وقول السدي_ الانتصار بما يوازي الظلامة.
وقال ابن المستنير : ﴿ إلا من ظلم ﴾ معناه إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول كفراً أو نحوه، فذلك مباح، والآية في الإكراه، واختلف المتأولون على القراءة بفتح الضاد واللام، فقال ابن زيد :المعنى «إلا من ظلم » في قول أو فعل، فاجهروا له بالسوء من القول في معنى النهي عن فعله والتوبيخ والرد عليه، قال :وذلك أنه لما أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم في الدرك الأسفل من النار، كان ذلك جهراً بالسوء من القول. ثم قال لهم بعد ذلك ﴿ ما يفعل الله بعذابكم ﴾ [ النساء :١٤٧ ] الآية، على معنى التأنيس والاستدعاء إلى الشكر والإيمان، ثم قال للمؤمنين : «ولا يحب الله أن يجهر بالسوء من القول إلا لمن ظلم » في إقامته على النفاق، فإنه يقال له :ألست المنافق الكافر الذي لك في الآخرة الدرك الأسفل ؟ ونحو هذا من الأقوال، وقال قوم معنى الكلام : «ولا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول » ثم استثنى استثناء منقطعاً، تقديره :لكن من ظلم فهو يجهر بالسوء وهو ظالم في ذلك وإعراب ﴿ من ﴾ يحتمل في بعض هذه التأويلات النصب، ويحتمل الرفع على البدل من ( أحد ) المقدر٢، و «سميع عليم » :صفتان لائقتان بالجهر بالسوء وبالظلم أيضاً، فإنه يعلمه ويجازي عليه.
١ - من الآية (١٥٣) من سورة (النساء)، ومثلها قوله تعالى في الآية (٥٥) من سورة (البقرة): ﴿وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾، وقوله تعالى في الآية (٤٧) من سورة (الأنعام): ﴿قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون﴾..
٢ - ناقشه أبو حيان في ذلك، واثبت أنه لا يجوز. (البحر المحيط ٣/ ٣٨٤).
ولما ذكر تعالى عذر المظلوم في أن يجهر بالسوء لظالمه، أتبع ذلك عرض إبداء الخير وإخفائه، والعفو عن السوء، ثم وعد عليه بقوله ﴿ فإن الله كان عفواً قديراً ﴾ وعداً خفياً تقتضيه البلاغة ورغب في العفو إذ ذكر أنها صفته مع القدرة على الانتقام، ففي هذه الألفاظ اليسيرة معان كثيرة لمن تأملها.
وقوله تعالى : ﴿ إن الذين يكفرون بالله ورسله ﴾ إلى آخر الآية.
نزل في اليهود والنصارى، لأنهم في كفرهم بمحمد عليه السلام كأنهم قد كفروا بجميع الرسل. وكفرهم بالرسل كفر بالله، وفرقوا بين الله ورسله في أنهم قالوا :نحن نؤمن بالله ولا نؤمن بفلان وفلان من الأنبياء، وقولهم ﴿ نؤمن ببعض ونكفر ببعض ﴾ قيل :معناه من الأنبياء، وقيل :هو تصديق بعضهم لمحمد في أنه نبي، لكن ليس إلى بني إسرائيل، ونحو هذا من تفريقاتهم التي كانت تعنتاً وروغاناً، وقوله ﴿ بين ذلك ﴾ أي بين الإيمان والإسلام والكفر الصريح المجلح١.
١ - المجلّح: القائم على الجرأة وركوب الرأس. (المعجم الوسيط)..
ثم أخبر تعالى عنهم أنهم الكافرون حقاً، لئلا يظن أحد أن ذلك القدر الذي عندهم من الإيمان ينفعهم، وباقي الآية وعيد.
لما ذكر الله تعالى أن المفرقين بين الرسل هم الكافرون حقاً، عقب ذلك بذكر المؤمنين بالله ورسله جميعاً. وهم المؤمنون بمحمد عليه السلام ليصرح بوعد هؤلاء كما صرح بوعيد أولئك، فبين الفرق بين المنزلتين، وقرأ بعض السبعة «سوف يؤتيهم » بالياء أي يؤتيهم الله، وقرأ الأكثر «سوف نؤتيهم » بالنون منهم ابن كثير ونافع وأبو عمرو.
واختلف المتأولون في كيفية سؤال أهل الكتاب لمحمد عليه السلام أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، فقال السدي :قالت اليهود :يا محمد إن كنت صادقاً فجيء بكتاب من السماء كما جاء موسى بكتاب، وقال محمد بن كعب القرظي :قد جاء موسى بألواح فيها التوراة فجيء أنت بألواح فيها كتابك، وقال قتادة :بل سألوه أن يأتي بكتاب خاص لليهود، يأمرهم فيه بالإيمان بمحمد، وقال ابن جريج :قالت اليهود :يا محمد لن نتابعك على ما تدعونا إليه حتى تأتينا بكتاب من عند الله إلى فلان وإلى فلان أنك رسول الله.
قال القاضي أبو محمد - رحمه الله - :فقول ابن جريج يقتضي أن سؤالهم كان على نحو سؤال عبد الله بن أبي أمية المخزومي القرشي١.
ثم قال تعالى ﴿ فقد سألوا موسى أكبر من ذلك ﴾ على جهة التسلية لمحمد عليه السلام، وعرض الأسوة، وفي الكلام متروك يدل عليه المذكور، تقديره :فلا تبال يا محمد عن سؤالهم وتشططهم فإنها عادتهم، ﴿ فقد سألوا موسى أكبر من ذلك ﴾. وقرأ جمهور الناس «أكبر » بالباء المنقوطة بواحدة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «أكثر » بالثاء المثلثة، وجمهور المتأولين على أن ﴿ جهرة ﴾ معمول ل ﴿ أرنا ﴾، أي :حتى نراه جهاراً أي عياناً رؤية منكشفة بينة، وروي عن ابن عباس أنه كان يرى أن ﴿ جهرة ﴾ معمول ل ﴿ قالوا ﴾، أي قالوا جهرة منهم وتصريحاً ﴿ أرنا الله ﴾.
قال القاضي أبو محمد :وأهل السنة معتقدون أن هؤلاء لم يسألوا محالاً عقلاً، لكنه محال من جهة الشرع، إذ قد أخبر تعالى على ألسنة أنبيائه أنه لا ُيرى في هذه الحياة الدنيا، والرؤية في الآخرة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالخبر المتواتر٢، وهي جائزة عقلاً دون تحديد ولا تكييف ولا تحيز، كما هو تعالى معلوم لا كالمعلومات كذاك هو مرئي لا كالمرئيات، هذه حجة أهل السنة وقولهم، ولقد حدثني أبي رضي الله عنه عن أبي عبد الله النحوي أنه كان يقول عند تدريس هذه المسألة :مثال العلم بالله حلق لحى المعتزلة في إنكارهم الرؤية٣، والجملة التي قالت ﴿ أرنا الله جهرة ﴾ هي التي مضت مع موسى لحضور المناجاة، وقد تقدم قصصها في سورة البقرة، وقرأ جمهور الناس «فأخذتهم الصاعقة » وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وإبراهيم النخعي «الصعقة » والمعنى يتقارب، إذ ذلك كله عبارة عن الوقع الشديد من الصوت يصيب الإنسان بشدته وهو له خمود وركود حواس، و ﴿ ظلمهم ﴾ هو تعنتهم وسؤالهم ما ليس لهم أن يسألوه.
وقوله تعالى :قد كان من أمرهم أن اتخذوا العجل، وذلك أن اتخاذ العجل كان عند أمر المضي للمناجاة، فلم يكن الذين صعقوا ممن اتخذوا العجل، لكن الذين اتخذوه كانوا قد جاءتهم البينات في أمر إجازة البحر وأمر العصا وغرق فرعون وغير ذلك، وقوله تعالى : ﴿ فعفونا عن ذلك ﴾ يعني بما امتحنهم به من القتل لأنفسهم، ثم وقع العفو عن الباقين منهم، والسلطان :الحجة٤.
١ - اسمه: حذيفة، وقيل: سهل بن المغيرة، صهر النبي صلى الله عليه وسلم،وابن عمته عاتكة، وأخو أم سلمة، قال البخاري: له صحبة، وله ذكر في الصحيحين من طريق زينب بنت أبي سلمة، شهد فتح مكة وحنينا والطائف، ورمي يوم الطائف بسهم فقتله..
٢ - أحاديث الرؤية يوم القيامة متواترة، فقد وردت بطرق كثيرة عن جمع كثير من الصحابة- ومنها: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ناسا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر"؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: "هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب"؟ قالوا: لا، قال: "فإنكم ترونه كذلك". - والحديث طويل- رواه البخاري ومسلم..
٣ - يريد أن هذه الحجة أعجزتهم، وكشفت موقفهم، وأظهرت عجزهم عن الرد، فرؤية الله تعالى بدون كيف ولا تحديد تماثل علمنا به سبحانه وتعالى بدون تحديد ولا تكييف. واللحى: جمع لحية..
٤ - والحجة هنا هي الآيات التي جاء بها وسيقت الإشارة إليها، وسميت سلطانا لأن من جاء بها قاهر بالحجة، وهي قاهرة للقلوب التي تعلم أنه ليس في قوى البشر أن يأتوا بمثلها..
﴿ الطور ﴾ الجبل اسم جنس، هذا قول، وقيل ﴿ الطور ﴾ :كل جبل غير منبت، وبالشام جبل قد عرف بالطور ولزمه الاسم وهو طور سيناء، وليس بالمرفوع على بني إسرائيل، لأن رفع الجبل كان فيما يلي فحص التيه من جهة ديار مصر، وهم ناهضون مع موسى عليه السلام، وقد تقدم في سورة البقرة قصص رفع الطور، وقوله ﴿ بميثاقهم ﴾ أي بسبب ميثاقهم أن يعطوه في أخذ الكتاب بقوة والعمل بما فيه، وقوله تعالى : ﴿ وقلنا لهم ادخلوا الباب سجَّداً ﴾ هو باب بيت المقدس المعروف بباب حطة، أمروا أن يتواضعوا شكراً لله تعالى على الفتح الذي منحهم في تلك البلاد، وأن يدخلوا باب المدينة سجَّداً. وهذا نوع من سجدة الشكر التي قد فعلها كثير من العلماء، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان مالك بن أنس رحمه الله لا يراها. وقوله تعالى ﴿ وقلنا لهم لا تعدوا في السبت ﴾ أي على الحيتان وفي سائر الأعمال وهؤلاء كانوا بأيلة من ساحل البحر فأمروا بالسكون عن كل شغل في يوم السبت فلم يفعلوا، بل اصطادوا وتصرفوا، وقد تقدم قصص ذلك، وأخذ الله تعالى منهم «الميثاق الغليظ » هو على لسان موسى وهارون وغيرهما من الأنبياء، أي بأنهم يأخذون التوراة بقوة، ويعملون بجميع ما فيها، ويوصلونه إلى أبنائهم ويؤدون الأمانة فيه.
وقوله تعالى ﴿ فبما نقضهم ﴾ الآية، إخبار عن أشياء واقعوها هي في الضد مما أمروا به وذلك أن الميثاق الذي رفع الطور من أجله نقضوه، والإيمان الذي تضمنه ﴿ ادخلوا الباب سجداً ﴾ إذ ذلك التواضع إنما هو ثمرة الإيمان والإخبات جعلوا بدله كفرهم بآيات الله، وقولهم :حبة في شعرة وحنطة في شعيرة، ونحو ذلك مما هو استخفاف بأمر الله وكفر به، وكذلك أمروا أن لا يعتدوا في السبت، وفي ضمن ذلك الطاعة وسماع الأمر، فجعلوا بدل ذلك الانتهاء إلى انتهاك أعظم حرمة، وهي قتل الأنبياء، وكذلك أخذ «الميثاق الغليظ » منهم تضمن فهمهم بقدر ما التزموه، فجعلوا بدل ذلك تجاهلهم. وقولهم ﴿ قلوبنا غلف ﴾ أي هي في حجب وغلف١، فهي لا تفهم، وأخبر الله تعالى أن ذلك كله عن طبع منه على قلوبهم، وأنهم كذبة فيما يدعونه من قلة الفهم، وقرأ نافع «تعْدّوا » بسكون العين وشد الدال المضمومة٢، وروى عنه ورش «تعَدّوا » بفتح العين وشد الدال المضمومة٣ وقرأ الباقون «لا تعْدوا » ساكنة العين خفيفة الدال مضمومة وقرأ الأعمش والحسن «لا تعتدوا » وقوله تعالى : ﴿ فبما ﴾ ما زائدة مؤكدة، التقدير فبنقضهم، وحذف جواب هذا الكلام بليغ منهم، متروك مع ذهن السامع، تقديره لعناهم وأذللناهم، وحتمنا على الموافين منهم الخلود في جهنم٤.
١ - يقال: غلف قلبه: لم يع الرشد كأن عليه غلافا فهو أغلف- وجمع أغلف: غُلف، أي: قلوبنا في أغطية فلا نفقه ما تقول، وهذا هو المعنى الذي وضحه ابن عطية، وقال القرطبي: "غلف جمع غلاف، أي: قلوبنا أوعية للعلم فلا حاجة بنا إلى علم سوى ما عندنا".
٢ - قال النحاس: "ولا يجوز إسكان العين، ولا يوصل إلى الجمع بين ساكنين في هذا، والذي يقرأ بها إنما يروم الخطأ. (عن القرطبي)..
٣ - فهي –على هذا- من: عدا يعدو عدوا وعدوانا وعدوا وعداء، وكان عدوانهم باقتناص الحيتان يوم السبت. قال ذلك القرطبي..
٤ - ناقشه صاحب البحر في ذلك فقال: "وتسميته ما يتعلق به المجرور جوابا اصطلاحا لم يعهد في علم النحو، ولا تساعده اللغة، لأنه ليس بجواب"..
ثم قال تعالى : ﴿ وبكفرهم ﴾ أي في أمر عيسى عليه السلام، وقولهم على مريم بهتاناً، يعني رميهم إياها بالزنا مع رؤيتهم الآية في كلام عيسى في المهد، وإلا فلولا الآية لكانوا في قولهم جارين على حكم البشر في إنكار حمل من غير ذكر و «البهتان » :مصدر من قولك بهته إذا قابله بأمر مبهت يحار معه الذهن وهو رمي بباطل.
هذه الآية والتي قبلها عدد الله تعالى فيها أقوال بني إسرائيل وأفعالهم على اختلاف الأزمان وتعاقب القرون، فاجتمع من ذلك توبيخ خلفهم المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم، وبيان الحجة في أن وجبت لهم اللعنة وضربت عليهم الذلة والمسكنة، فهذه الطائفة التي قالت ﴿ إنا قتلنا المسيح ﴾ غير الذين نقضوا الميثاق في الطور، وغير الذين اتخذوا العجل، وقول بني إسرائيل إنما هو إلى قوله : ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ وقوله عز وجل : ﴿ رسول الله ﴾ إنما هو إخبار من الله تعالى بصفة لعيسى وهي الرسالة، على جهة إظهار ذنب هؤلاء المقرين بالقتل، ولزمهم الذنب وهم لم يقتلوا عيسى لأنهم صلبوا ذلك الشخص على أنه عيسى، وعلى أن عيسى كذاب ليس برسول، ولكن لزمهم الذنب من حيث اعتقدوا أن قتلهم وقع في عيسى فكأنهم قتلوه، وإذا كانوا قتلوه فليس يرفع الذنب عنهم اعتقادهم أنه غير رسول، كما أن قريشاً في تكذيبها رسول الله لا ينفعهم فيه اعتقادهم أنه كذاب، بل جازاهم الله على حقيقة الأمر في نفسه، ثم أخبر تعالى أن بني إسرائيل ما قتلوا عيسى ولا صلبوه ولكن شبه لهم، واختلفت الرواة في هذه القصة وكيفيتها اختلافاً شديداً أنا أختصر عيونه، إذ ليس في جميعه شيء يقطع بصحته، لأنه لم يثبت عن النبي عليه السلام فيه شيء، وليس لنا متعلق في ترجيح شيء منه إلا ألفاظ كتاب الله، فالذي لا نشك فيه أن عيسى عليه السلام كان يسيح في الأرض ويدعو إلى الله، وكانت بنو إسرائيل تطلبه، وملكهم في ذلك الزمان يجعل عليه الجعائل، وكان عيسى قد انضوى إليه الحواريون يسيرون معه حيث سار، فلما كان في بعض الأوقات شعر بأمر عيسى، فروي أن أحد الحواريين أرشي١ عليه فقبل الرشوة ودل على مكانه، فلما أحس عيسى وأصحابه بتلاحق الطالبين بهم دخلوا بيتاً بمرأى من بني إسرائيل فروي :أنهم عدوهم ثلاثة عشر، وروي ثمانية عشر وحصروا ليلاً فروي أن عيسى فرق الحواريين عن نفسه تلك الليلة، ووجههم إلى الآفاق، وبقي هو ورجل معه فرفع عيسى وألقي شبهه على الرجل فصلب ذلك الرجل، وروي أن الشبه ألقي على اليهودي الذي دل عليه فصلب، وروي أن عيسى عليه السلام لما أحيط بهم قال لأصحابه :أيكم يلقى شبهي عليه فيقتل ويخلص هؤلاء وهو رفيقي في الجنة ؟ فقال سرجس :أنا، وألقي عليه شبه عيسى، ويروى أن شبه عيسى عليه السلام ألقي على الجماعة كلها، فلما أخرجهم بنو إسرائيل نقص واحد من العدة، فأخذوا واحداً ممن ألقي عليه الشبه حسب هذه الرويات التي ذكرتها، فصلب ذلك الشخص، وروي :أن الملك والمتناولين لم يخف عليهم أمر رفع عيسى لما رأوه من نقصان العدد واختلاط الأمر فصلب ذلك الشخص وأبعد الناس عن خشبته أياماً حتى تغير ولم تثبت له صفة، وحينئذ دنا الناس منه ومضى الحواريون يحدثون بالآفاق أن عيسى صلب، فهذا أيضاً يدل على أنه فرقهم وهو في البيت، أو على أن الشبه ألقي على الكل، وروي أن هذه القصة كلها لم يكن فيها إلقاء شبه شخص عيسى على أحد وإنما المعنى ﴿ ولكن شبه لهم ﴾ أي شبه عليهم الملك الممخرق٢، ليستديم ملكه، وذلك أنه لما نقص واحد من الجماعة وفقد عيسى عمد إلى أحدهم وبطش بصلبه وفرق الناس عنه.
وقال :هذا عيسى قد صلب وانحل أمره، وقوله تعالى ﴿ وإن الذين اختلفوا فيه ﴾ يعني اختلاف المحاولين لأخذه، لأنهم حين فقدوا واحداً من العدد وتحدث برفع عيسى اضطربوا واختلفوا، وعلى رواية من روى أنه ألقي شبه يوشك أنه بقي في ذلك الشبه مواضع للاختلاف، لكن أجمعوا على صلب واحد على غير ثقة ولا يقين أيهم هو.
قال القاضي - رحمه الله :الذي صح فيه نقل الكافة عن حواسها هو أن شخصاً صلب، وأما هل هو عيسى أم لا ؟ فليس من علم الحواس، فلذلك لم ينفع في ذلك نقل كافة اليهود والنصارى، ونفى الله عنهم أن يكون لهم في أمره علم على ما هو به، ثم استثنى اتباع الظن وهو استثناء متصل، إذ الظن والعلم يضمهما جنس واحد أنهما من معتقدات النفس، وقد يقول الظان على طريق التجوز :علمي في هذا الأمر أنه كذا، وهو يعني ظنه٣. وقوله تعالى : ﴿ وما قتلوه يقيناً ﴾ اختلف المتأولون في عود الضمير من ﴿ قتلوه ﴾ فقالت فرقة :هو عائد على الظن كما تقول :قتلت هذا الأمر علماً، فالمعنى وما صح ظنهم عندهم ولا تحققوه يقيناً، هذا قول ابن عباس والسدي وجماعة، وقال قوم :الضمير عائد على عيسى، أخبر أنهم لم يقتلوه يقيناً فيصح لهم الإصفاق٤، ويثبت نقل كافتهم، ومضمن الكلام أنهم ما قتلوه في الحقيقة جملة واحدة لا يقيناً ولا شكاً، لكن لما حصلت في ذلك الدعوى صار قتله عندهم مشكوكاً فيه، وقال قوم من أهل اللسان :الكلام تام في قوله ﴿ وما قتلوه ﴾ و ﴿ يقيناً ﴾ مصدر مؤكد للنفي في قوله ﴿ وما قتلوه ﴾ المعنى يخبركم يقيناً، أو يقص عليكم يقيناً، أو أيقنوا بذلك يقيناً.
١ - لعل الصواب: رُشي، لأن المادة ثلاثية..
٢ - قال في لسان العرب: "وقال الليث، خَرِقَ الرجل إذا بقي متحيرا من هم أو شدة، وأخرقه الخوف". وقال أيضا: "والخرق بالتحريك: الدهش من الفزع أو الحياء، وقد أخرقته أي: أدهشته"، فالمعنى المراد هو وصف الملك بالدهشة والحيرة مما رأى، ولكن يظهر أن الكلمة الصحيحة هنا هي: "الملك المخرق" بميم واحدة..
٣ - عقب على ذلك أبو حيان في "البحر المحيط" فقال: "وليس كما ذكر، لأن الظن ليس من معتقدات اليقين، لأنه ترجيح أحد الجائزين، وما كان ترجيحا فهو ينافي اليقين، كما أن اليقين ينافي ترجيح أحد الجائزين، وعلى تقدير أن الظن والعلم يضمهما ما ذكر فلا يكون أيضا استثناء متصلا، لأنه لم يستثن الظن من العلم، بل استثنى اتباع الظن".اهـ..
٤ - أصفقوا على الأمر: اجتمعوا عليه، وأصفقوا على الرجال كذلك، قال زهير:
رأيت بني آل امرئ القيس أصفقوا علينا، وقالوا: إننا نحن أكثر
وفي حديث عائشة رضي الله عنها: (فأصفقت له نسوان مكة)، أي: اجتمعت إليه- فيكون معنى كلام ابن عطية: "لم يقتلوه يقينا فيصح لهم الاجتماع على هذا الرأي، ويثبت نقل كافتهم"..

وقوله تعالى ﴿ بل رفعه الله إليه ﴾ يعني إلى سمائه وكرامته، وعيسى عليه السلام حي في السماء الثانية على ما تضمن حديث الإسراء في ذكر ابني الخالة عيسى ويحيى ذكره البخاري في حديث المعراج١، وذكره غيره، وهو هناك مقيم حتى ينزله الله لقتل الدجالة، وليملأ الأرض عدلاً، ويحيا فيها أربعين سنة ثم يموت كما يموت البشر.
١ - جاء في حديث المعراج كما رواه البخاري عن مالك بن صعصعة: (ثم صعد حتى أتى السماء الثانية، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة، قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت فردا ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح وا