0:00
0:00

قوله تعالى : ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾
اعلم أن هذه السورة مشتملة على أنواع كثيرة من التكاليف، وذلك لأنه تعالى أمر الناس في أول هذه السورة بالتعطف على الأولاد والنساء والأيتام، والرأفة بهم وإيصال حقوقهم إليهم وحفظ أموالهم عليهم، وبهذا المعنى ختمت السورة، وهو قوله : ﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ﴾ وذكر في أثناء هذه السورة أنواعا أخر من التكاليف، وهي الأمر بالطهارة والصلاة وقتال المشركين ولما كانت هذه التكاليف شاقة على النفوس لثقلها على الطباع، لا جرم افتتح السورة بالعلة التي لأجلها يجب حمل هذه التكاليف الشاقة، وهي تقوى الرب الذي خلقنا والإله الذي أوجدنا، فلهذا قال : ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم ﴾ وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :روى الواحدي عن ابن عباس في قوله : ﴿ يا أيها الناس ﴾ أن هذا الخطاب لأهل مكة، وأما الأصوليون من المفسرين فقد اتفقوا على أن الخطاب عام لجميع المكلفين، وهذا هو الأصح لوجوه :أحدها :أن لفظ الناس جمع دخله الألف واللام فيفيد الاستغراق. وثانيها :أنه تعالى علل الأمر بالاتقاء بكونه تعالى خالقا لهم من نفس واحدة، وهذه العلة عامة في حق جميع المكلفين بأنهم من آدم عليه السلام خلقوا بأسرهم، وإذا كانت العلة عامة كان الحكم عاما. وثالثها :أن التكليف بالتقوى غير مختص بأهل مكة، بل هو عام في حق جميع العالمين، وإذا كان لفظ الناس عاما في الكل، وكان الأمر بالتقوى عاما في الكل، وكانت علة هذا التكليف، وهي كونهم خلقوا من النفس الواحدة عامة في حق الكل، كان القول بالتخصيص في غاية البعد. وحجة ابن عباس أن قوله : ﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ﴾ مختص بالعرب لأن المناشدة بالله وبالرحم عادة مختصة بهم. فيقولون أسألك بالله وبالرحم، وأنشدك الله والرحم، وإذا كان كذلك كان قوله : ﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ﴾ مختصا بالعرب، فكان أول الآية وهو قوله : ﴿ يا أيها الناس ﴾ مختصا بهم لأن قوله في أول الآية : ﴿ اتقوا ربكم ﴾ وقوله بعد ذلك : ﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ﴾ وردا متوجهين إلى مخاطب واحد، ويمكن أن يجاب عنه بأنه ثبت في أصول الفقه أن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها، فكان قوله : ﴿ يا أيها الناس ﴾ عاما في الكل، وقوله : ﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ﴾. خاصا بالعرب.
المسألة الثانية :أنه تعالى جعل هذا المطلع مطلعا لسورتين في القرآن :إحداهما :هذه السورة وهي السورة الرابعة من النصف الأول من القرآن. والثانية :سورة الحج، وهي أيضا السورة الرابعة من النصف الثاني من القرآن، ثم إنه تعالى علل الأمر بالتقوى في هذه السورة بما يدل على معرفة المبدأ، وهو أنه تعالى خلق الخلق من نفس واحدة، وهذا يدل على كمال قدرة الخالق وكمال علمه وكمال حكمته وجلاله، وعلل الأمر بالتقوى في سورة الحج بما يدل على كمال معرفة المعاد، وهو قوله :
﴿ إن زلزلة الساعة شيء عظيم ﴾ فجعل صدر هاتين السورتين دلالة على معرفة المبدأ ومعرفة المعاد، ثم قدم السورة الدالة على المبدأ على السورة الدالة على المعاد، وتحت هذا البحث أسرار كثيرة.
المسألة الثالثة :اعلم أنه تعالى أمرنا بالتقوى وذكر عقبيه أنه تعالى خلقنا من نفس واحدة، وهذا مشعر بأن الأمر بالتقوى معلل بأنه تعالى خلقنا من نفس واحدة، ولا بد من بيان المناسبة بين هذا الحكم وبين ذلك الوصف، فنقول :قولنا إنه تعالى خلقنا من نفس واحدة، مشتمل على قيدين :أحدهما :أنه تعالى خلقنا، والثاني :كيفية ذلك التخليق، وهو أنه تعالى إنما خلقنا من نفس واحدة، ولكل واحد من هذين القيدين أثر في وجوب التقوى.
أما القيد الأول :وهو أنه تعالى خلقنا، فلا شك أن هذا المعنى علة لأن يجب علينا الانقياد لتكاليف الله تعالى والخضوع لأوامره ونواهيه، وبيان ذلك من وجوه :الأول :أنه لما كان خالقا لنا وموجدا لذواتنا وصفاتنا فنحن عبيده وهو مولى لنا، والربوبية توجب نفاذ أوامره على عبيده، والعبودية توجب الانقياد للرب والموجد والخالق، الثاني :أن الإيجاد غاية الإنعام ونهاية الإحسان، فإنك كنت معدوما فأوجدك، وميتا فأحياك، وعاجزا فأقدرك. وجاهلا فعلمك، كما قال إبراهيم عليه السلام : ﴿ الذي خلقني فهو يهدين والذين هو يطعمني ويسقين ﴾ فلما كانت النعم بأسرها من الله سبحانه وجب على العبد أن يقابل تلك النعم بإظهار الخضوع والانقياد، وترك التمرد والعناد، وهذا هو المراد بقوله : ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ﴾ الثالث :وهو أنه لما ثبت كونه موجدا وخالقا وإلها وربا لنا. وجب علينا أن نشتغل بعبوديته وأن نتقي كل ما نهى عنه وزجر عنه، ووجب أن لا يكون شيء من هذه الأفعال موجبا ثوابا ألبتة، لأن هذه الطاعات لما وجبت في مقابلة النعم السالفة امتنع أن تصير موجبة للثواب، لأن أداء الحق إلى المستحق لا يوجب شيئا آخر، هذا إذا سلمنا أن العبد أتى بتلك الطاعات من عند نفسه ابتداء، فكيف وهذا محال، لأن فعل الطاعات لا يحصل إلا إذا خلق الله القدرة على الطاعة، وخلق الداعية على الطاعة، ومتى حصلت القدرة والداعي كان مجموعهما موجبا لصدور الطاعة عن العبد، وإذا كان كذلك كانت تلك الطاعة إنعاما من الله على عبده، والمولى إذا خص عبده بإنعام لم يصر ذلك الإنعام موجبا عليه إنعاما آخر، فهذا هو الإشارة إلى بيان أن كونه خالقا لنا يوجب علينا عبوديته والاحتراز عن مناهيه.
وأما القيد الثاني :وهو أن خصوص كونه خالقا لنا من نفس واحدة يوجب علينا الطاعة والاحتراز عن المعصية، فبيانه من وجوه :الأول :أن خلق جميع الأشخاص الإنسانية من الإنسان الواحد أدل على كمال القدرة، من حيث أنه لو كان الأمر بالطبيعة والخاصية لكان المتولد من الإنسان الواحد، لم يكن إلا أشياء متشاكلة في الصفة متشابهة في الخلقة والطبيعة، فلما رأينا في أشخاص الناس الأبيض والأسود والأحمر والأسمر والحسن والقبيح والطويل والقصير، دل ذلك على أن مدبرها وخالقها فاعل مختار، لا طبيعة مؤثرة، ولا علة موجبة، ولما دلت هذه الدقيقة على أن مدبر العالم فاعل مختار قادر على كل الممكنات عالم بكل المعلومات، فحينئذ يجب الانقياد لتكاليفه وأوامره ونواهيه، فكان ارتباط قوله : ﴿ اتقوا ربكم ﴾ بقوله : ﴿ خلقكم من نفس واحدة ﴾ في غاية الحسن والانتظام.
والوجه الثاني :وهو أنه تعالى لما ذكر الأمر بالتقوى ذكر عقبيه الأمر بالإحسان إلى اليتامى والنساء والضعفاء، وكون الخلق بأسرهم مخلوقين من نفس واحدة له أثر في هذا المعنى، وذلك لأن الأقارب لا بد وأن يكون بينهم نوع من مواصلة ومخالطة توجب مزيد المحبة، ولذلك إن الإنسان يفرح بمدح أقاربه وأسلافه، ويحزن بذمهم والطعن فيهم، وقال عليه الصلاة والسلام : «فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها » وإذا كان الأمر كذلك، فالفائدة في ذكر هذا المعنى أن يصير ذلك سببا لزيادة شفقة الخلق بعضهم على البعض.
الوجه الثالث :أن الناس إذا عرفوا كون الكل من شخص واحد تركوا المفاخرة والتكبر وأظهروا التواضع وحسن الخلق.
الوجه الرابع :أن هذا يدل على المعاد، لأنه تعالى لما كان قادرا على أن يخرج من صلب شخص واحد أشخاصا مختلفين، وأن يخلق من قطرة من النطفة شخصا عجيب التركيب لطيف الصورة، فكيف يستبعد إحياء الأموات وبعثهم ونشورهم، فتكون الآية دالة على المعاد من هذا الوجه ﴿ ليجزى الذين أساءوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى ﴾.
الوجه الخامس :قال الأصم :الفائدة فيه :أن العقل لا دليل فيه على أن الخلق يجب أن يكونوا مخلوقين من نفس واحدة، بل ذلك إنما يعرف بالدلائل السمعية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أميا ما قرأ كتابا ولا تتلمذ لأستاذ، فلما أخبر عن هذا المعنى كان إخبارا عن الغيب فكان معجزا، فالحاصل أن قوله : ﴿ خلقكم ﴾ دليل على معرفة التوحيد، وقوله : ﴿ من نفس واحدة ﴾ دليل على معرفة النبوة.
فان قيل :كيف يصح أن يكون الخلق أجمع من نفس واحدة مع كثرتهم وصغر تلك النفس ؟
قلنا :قد بين الله المراد بذلك لأن زوج آدم إذا خلقت من بعضه، ثم حصل خلق أولاده من نطفتهما ثم كذلك أبدا، جازت إضافة الخلق أجمع إلى آدم.
المسألة الرابعة :أجمع المسلمون على أن المراد بالنفس الواحدة ههنا هو آدم عليه السلام، إلا أنه أنث الوصف على لفظ النفس، ونظيره قوله تعالى :
﴿ أقتلت نفسا زكية بغير نفس ﴾ وقال الشاعر :
أبوك خليفة ولدته أخرى فأنت خليفة ذاك الكمال
قالوا فهذا التأنيث على لفظ الخليفة.
قوله تعالى : ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ فيه مسائل :
المسألة الأولى :المراد من هذا الزوج هو حواء، وفي كون حواء مخلوقة من آدم قولان :الأول :وهو الذي عليه الأكثرون أنه لما خلق الله آدم ألقى عليه النوم، ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى، فلما استيقظ رآها ومال إليها وألفها، لأنها كانت مخلوقة من جزء من أجزائه، واحتجوا عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم :" إن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها ".
والقول الثاني :وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني :أن المراد من قوله : ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ أي من جنسها وهو كقوله تعالى : ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ﴾ وكقوله : ﴿ إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ﴾ وقوله : ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ قال القاضي :والقول الأول أقوى، لكي يصح قوله : ﴿ خلقكم من نفس واحدة ﴾ إذ لو كانت حواء مخلوقة ابتداء لكان الناس مخلوقين من نفسين، لا من نفس واحدة، ويمكن أن يجاب عنه بأن كلمة «من » لابتداء الغاية، فلما كان ابتداء التخليق والإيجاد وقع بآدم عليه السلام صح أن يقال :خلقكم من نفس واحدة، وأيضا فلما ثبت أنه تعالى قادر على خلق آدم من التراب كان قادرا أيضا على خلق حواء من التراب، وإذا كان الأمر كذلك، فأي فائدة في خلقها من ضلع من أضلاع آدم.
المسألة الثانية :قال ابن عباس :إنما سمي آدم بهذا الاسم لأنه تعالى خلقه من أديم الأرض كلها أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها ؛ فلذلك كان في ولده الأحمر والأسود والطيب والخبيث والمرأة إنما سميت بحواء لأنها خلقت من ضلع من أضلاع آدم فكانت مخلوقة من شيء حي، فلا جرم سميت بحواء.
المسألة الثالثة :احتج جمع من الطبائعيين بهذه الآية فقالوا :قوله تعالى : ﴿ خلقكم من نفس واحدة ﴾ يدل على أن الخلق كلهم مخلوقون من النفس الواحدة، وقوله : ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ يدل على أن زوجها مخلوقة منها، ثم قال في صفة آدم : ﴿ خلقه من تراب ﴾ فدل على أن آدم مخلوق من التراب، ثم قال في حق الخلائق : ﴿ منها خلقناكم ﴾ وهذه الآيات كلها دالة على أن الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة يصير الشيء مخلوقا منها، وأن خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال.
أجاب المتكلمون فقالوا :خلق الشيء من الشيء محال في العقول، لأن هذا المخلوق إن كان عين ذلك الشيء الذي كان موجودا قبل ذلك لم يكن هذا مخلوقا ألبتة، وإذا لم يكن مخلوقا امتنع كونه مخلوقا من شيء آخر، وإن قلنا :إن هذ
قوله تعالى : ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا ﴾.
اعلم أنه لما افتتح السورة بذكر ما يدل على أنه يجب على العبد أن يكون منقادا لتكاليف الله سبحانه، محترزا عن مساخطه، شرع بعد ذلك في شرح أقسام التكاليف.
فالنوع الأول :ما يتعلق بأموال اليتامى، وهو هذه الآية، وأيضا أنه تعالى وصى في الآية السابقة بالأرحام، فكذلك في هذه الآية وصى بالأيتام، لأنهم قد صاروا بحيث لا كافل لهم ولا مشفق شديد الإشفاق عليهم، ففارق حالهم حال من له رحم ماسة عاطفة عليه لمكان الولادة أو لمكان الرحم فقال : ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :قال صاحب «الكشاف » :اليتامى الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم، واليتم الانفراد، ومنه الرملة اليتيمة والدرة اليتيمة، وقيل :اليتم في الأناسي من قبل الآباء، وفي البهائم من قبل الأمهات. قال :وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء الانفراد عن الآباء، إلا أن في العرف اختص هذا الاسم بمن لم يبلغ مبلغ الرجال، فإذا صار بحيث يستغني بنفسه في تحصيل مصالحه عن كافل يكفله وقيم يقوم بأمره، زال عنه هذا الاسم، وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم :يتيم أبي طالب، إما على القياس، وإما على حكاية الحال التي كان عليها حين كان صغيرا ناشئا في حجر عمه توضيعا له. وأما قوله عليه الصلاة والسلام :" لا يتم بعد حلم " فهو تعليم الشريعة لا تعليم اللغة، يعني إذا احتلم فإنه لا تجرى عليه أحكام الصغار. وروى أبو بكر الرازي في أحكام القرآن أن جده كتب إلى ابن عباس يسأله عن اليتيم متى ينقطع يتمه ؟ فكتب إليه :إذا أونس منه الرشد انقطع يتمه، وفي بعض الروايات :أن الرجل ليقبض على لحيته ولم ينقطع عنه يتمه بعد، فأخبر ابن عباس أن اسم اليتيم قد يلزمه بعد البلوغ إذا لم يؤنس منه الرشد، ثم قال أبو بكر :واسم اليتيم قد يقع على المرأة المفردة عن زوجها، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «تستأمر اليتيمة » وهي لا تستأمر إلا وهي بالغة، قال الشاعر :
إن القبور تنكح الأيامى النسوة الأرامل اليتامى
فالحاصل من كل ما ذكرنا أن اسم اليتيم بحسب أصل اللغة يتناول الصغير والكبير، إلا أنه بحسب العرف مختص بالصغير.
المسألة الثانية :ههنا سؤال وهو أن يقال :كيف جمع اليتيم على يتامى ؟ واليتيم فعيل، والفعيل يجمع على فعلى، كمريض ومرضى وقتيل وقتلى وجريح وجرحى، قال صاحب «الكشاف » :فيه وجهان :أحدهما :أن يقال :جمع اليتيم يتمى، ثم يجمع فعلى على فعالي، كأسير وأسرى وأسارى، والثاني :أن يقال :جمع يتيم يتائم، لأن اليتيم جار مجرى الأسماء نحو صاحب وفارس، ثم يقلب اليتائم يتامى. قال القفال رحمه الله :ويجوز يتيم ويتامى، كنديم وندامى، ويجوز أيضا يتيم وأيتام كشريف وأشراف.
المسألة الثالثة :ههنا سؤال ثان :وهو أنا ذكرنا أن اسم اليتيم مختص بالصغير، فما دام يتيما لا يجوز دفع ماله إليه، وإذا صار كبيرا بحيث يجوز دفع ماله إليه لم يبق يتيما، فكيف قال : ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ والجواب عنه على طريقين :الأول :أن نقول المراد من اليتامى الذين بلغوا وكبروا ثم فيه وجهان :أحدهما :أنه تعالى سماهم يتامى على مقتضى أصل اللغة، والثاني :أنه تعالى سماهم باليتامى لقرب عهدهم باليتم وإن كان قد زال في هذا الوقت كقوله تعالى : ﴿ فألقى السحرة ساجدين ﴾ أي الذين كانوا سحرة قبل السجود، وأيضا سمى الله تعالى مقاربة انقضاء العدة، بلوغ الأجل في قوله : ﴿ فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن ﴾ والمعنى مقاربة البلوغ، ويدل على أن المراد من اليتامى في هذه الآية البالغون قوله تعالى : ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ﴾ والأشهاد لا يصح قبل البلوغ وإنما يصح بعد البلوغ.
الطريق الثاني :أن نقول :المراد باليتامى الصغار، وعلى هذا الطريق ففي الآية وجهان :أحدهما :أن قوله : ﴿ وآتوا ﴾ أمر، والأمر إنما يتناول المستقبل، فكان المعنى أن هؤلاء الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتم عنهم أموالهم، وعلى هذا الوجه زالت المناقضة. والثاني :المراد :وآتوا اليتامى حال كونهم يتامى ما يحتاجون إليه لنفقتهم وكسوتهم، والفائدة فيه أنه كان يجوز أن يظن أنه لا يجوز إنفاق ماله عليه حال كونه صغيرا، فأباح الله تعالى ذلك، وفيه إشكال وهو أنه لو كان المراد ذلك لقال :وآتوهم من أموالهم، فلما أوجب إيتاءهم كل أموالهم سقط ذلك.
المسألة الرابعة :نقل أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عن الحسن أنه قال :لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم وعزلوا أموال اليتامى عن أموالهم، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : ﴿ ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم ﴾ قال أبو بكر الرازي :وأظن أنه غلط من الراوي، لأن المراد بهذه الآية إيتاؤهم أموالهم بعد البلوغ وإنما غلط الراوي بآية أخرى، وهو ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :لما أنزل الله ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ﴾ و ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ﴾ ذهب من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فاشتد ذلك على اليتامى، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى ﴿ ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم ﴾ فخلطوا عند ذلك طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم.
قال المفسرون :الصحيح أنها نزلت في رجل من غطفان، كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه، فتراجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، فلما سمعها العم قال :أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير، ودفع ماله إليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" ومن يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره " أي جنته، فلما قبض الصبي ماله أنفقه في سبيل الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" ثبت الأجر وبقي الوزر " فقالوا :يا رسول الله لقد عرفنا أنه ثبت الأجر، فكيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله ؟ فقال :ثبت أجر الغلام وبقي الوزر على والده.
المسألة الخامسة :احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على أن السفيه، لا يحجر عليه بعد الخمس والعشرين، قال لأن قوله : ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ مطلق يتناول السفيه أو نس منه الرشد أو لم يؤنس ترك العمل به قبل الخمس والعشرين سنة لاتفاق العلماء على أن إيناس الرشد قبل بلوغ هذا السن، شرط في وجوب دفع المال إليه، وهذا الإجماع لم يوجد بعد هذا السن، فوجب إجراء الأمر بعد هذا السن على حكم ظاهر هذه الآية.
أجاب أصحابنا عنه :بأن هذه الآية عامة، لأنه تعالى ذكر اليتامى فيها جملة، ثم إنهم ميزوا بعد ذلك بقوله : ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ وبقوله : ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ حرم بهاتين الآيتين إيتاءهم أموالهم إذا كانوا سفهاء، ولا شك أن الخاص مقدم على العام.
ثم قال تعالى : ﴿ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾. وفيه مسائل :
المسألة الأولى :قال صاحب «الكشاف » :ولا تتبدلوا، أي ولا تستبدلوا، والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز، ومنه التعجل بمعنى الاستعجال، والتأخر بمعنى الاستئخار. وقال الواحدي رحمه الله :يقال :تبدل الشيء بالشيء إذا أخذه مكانه.
المسألة الثانية :في تفسير هذا التبدل وجوه :
الوجه الأول :قال الفراء والزجاج :لا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى، بالحلال وهو مالكم الذي أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض، فتأكلوه مكانه. الثاني :لا تستبدلوا الأمر الخبيث، وهو اختزال أموال اليتامى، بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع منها وهو قول الأكثرين أنه كان ولي اليتيم يأخذ الجيد من ماله ويجعل مكانه الدون، يجعل الزائف بدل الجيد، والمهزول بدل السمين، وطعن صاحب «الكشاف » في هذا الوجه، فقال :ليس هذا بتبدل إنما هو تبديل إلا أن يكارم صديقا له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي. الرابع :هو أن هذا التبدل معناه :أن يأكلوا مال اليتيم سلفا مع التزام بدله بعد ذلك، وفي هذا يكون متبدلا الخبيث بالطيب.
ثم قال تعالى : ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ وفيه وجهان :الأول :معناه ولا تضموا أموالهم إلى أموالكم في الإنفاق حتى تفرقوا بين أموالكم وأموالهم في حل الانتفاع بها. والثاني :أن يكون «إلى » بمعنى «مع » قال تعالى :
﴿ من أنصارى إلى الله ﴾ أي مع الله، والأول :أصح.
واعلم أنه تعالى وإن ذكر الأكل، فالمراد به التصرف لأن أكل مال اليتيم كما يحرم، فكذا سائر التصرفات المهلكة لتلك الأموال محرمة، والدليل عليه أن في المال ما لا يصح أن يؤكل، فثبت أن المراد منه التصرف، وإنما ذكر الأكل لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف.
فإن قيل :إنه تعالى لما حرم عليهم أكل أموال اليتامى ظلما في الآية الأولى المتقدمة دخل فيها أكلها وحدها وأكلها مع غيرها، فما الفائدة في إعادة النهي عن أكلها مع أموالهم ؟
قلنا :لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله من حلال وهم مع ذلك يطمعون في أموال اليتامى، كان القبح أبلغ والذم أحق.
واعلم أنه تعالى عرف الخلق بعد ذلك أن أكل مال اليتيم من جميع الجهات المحرمة إثم عظيم فقال : ﴿ إنه كان حوبا كبيرا ﴾ قال الواحدي رحمه الله :الكناية تعود إلى الأكل، وذلك لأن قوله : ﴿ ولا تأكلوا ﴾ دل على الأكل والحوب الإثم الكبير. قال عليه الصلاة والسلام :" إن طلاق أم أيوب لحوب " وكذلك الحوب والحاب ثلاث لغات في الاسم والمصدر قال الفراء :الحوب لأهل الحجاز، والحاب لتميم، ومعناه الإثم قال عليه الصلاة والسلام :" رب تقبل توبتي واغسل حوبتي " قال صاحب «الكشاف » :الحوب والحاب كالقول والقال. قال القفال :وكأن أصل الكلمة من التحوب وهو التوجع، فالحوب هو ارتكاب ما يتوجع المرتكب منه، وقال البصريون :الحوب بفتح الحاء مصدر، والحوب بالضم الاسم، والحوبة، المرة الواحدة، ثم يدخل بعضها في البعض كالكلام فإنه اسم، ثم يقال :قد كلمته كلاما فيصير مصدرا. قال صاحب «الكشاف » :قرأ الحسن حوبا، وقرئ :حابا.
قوله تعالى : ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى ﴾.
اعلم أن هذا من النوع الثاني من الأحكام التي ذكرها في هذه السورة وهو حكم الأنكحة وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :قال الواحدي رحمه الله :الأقساط العدل، يقال أقسط الرجل إذا عدل، قال الله تعالى : ﴿ وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ﴾ والقسط العدل والنصفة، قال تعالى : ﴿ كونوا قوامين بالقسط ﴾ قال الزجاج :وأصل قسط وأقسط جميعا من القسط وهو النصيب، فإذا قالوا :قسط بمعنى جار أرادوا أنه ظلم صاحبه في قسطه الذي يصيبه، ألا ترى أنهم قالوا :قاسطته إذا غلبته على قسطه، فبنى قسط على بناء ظلم وجار وغلب، وإذا قالوا أقسط فالمراد أنه صار ذا قسط عدل، فبنى على بناء أنصف إذا أتى بالنصف والعدل في قوله وفعله وقسمه.
المسألة الثانية :اعلم أن قوله : ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا ﴾ شرط وقوله : ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ جزاء، ولا بد من بيان أنه كيف يتعلق هذا الجزء بهذا الشرط، وللمفسرين فيه وجوه :الأول :روي عن عروة أنه قال :قلت لعائشة :ما معنى قول الله : ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى ﴾ فقالت :يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها، إلا أنه يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها، ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة رديئة لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها، فقال تعالى :«وإن خفتم أن تظلموا اليتامى عند نكاحهن فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من النساء، قالت عائشة رضي الله عنها :ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله تعالى : ﴿ ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء ﴾ قالت :وقوله تعالى : ﴿ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء ﴾ المراد منه هذه الآية وهي قوله : ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا ﴾.
الوجه الثاني :في تأويل الآية :أنه لما نزلت الآية المتقدمة في اليتامى وما في أكل أموالهم من الحوب الكبير، خاف الأولياء أن يلحقهم الحوب بترك الإقساط في حقوق اليتامى، فتحرجوا من ولايتهم، وكان الرجل منهم ربما كان تحته العشر من الأزواج وأكثر، فلا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهن، فقيل لهم :إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها، فكونوا خائفين من ترك العدل من النساء، فقالوا عدد المنكوحات، لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب لمثله فكأنه غير متحرج.
الوجه الثالث :في التأويل :أنهم كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى فقيل :إن خفتم في حق اليتامى فكونوا خائفين من الزنا، فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات.
الوجه الرابع :في التأويل :ما روي عن عكرمة أنه قال :كان الرجل عنده النسوة ويكون عنده الأيتام، فإذا أنفق مال نفسه على النسوة ولم يبق له مال وصار محتاجا، أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن فقال تعالى : ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا في أموال اليتامى ﴾ عند كثرة الزوجات فقد حظرت عليكم أن لا تنكحوا أكثر من أربع كي يزول هذا الخوف، فإن خفتم في الأربع أيضا فواحدة، فذكر الطرف الزائد وهو الأربع، والناقص وهو الواحدة، ونبه بذلك على ما بينهما، فكأنه تعالى قال :فإن خفتم من الأربع فثلاث، فإن خفتم فاثنتان، فإن خفتم فواحدة، وهذا القول أقرب، فكأنه تعالى خوف من الإكثار من النكاح بما عساه يقع من الولي من التعدي في مال اليتيم للحاجة إلى الإنفاق الكثير عند التزوج بالعدد الكثير.
أما قوله تعالى : ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى أن لا تعولوا ﴾.
ففيه مسائل :
المسألة الأولى :قال أصحاب الظاهر :النكاح واجب وتمسكوا بهذه الآية، وذلك لأن قوله ﴿ فانكحوا ﴾ أمر، وظاهر الأمر للوجوب، وتمسك الشافعي في بيان أنه ليس بواجب بقوله تعالى : ﴿ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات أو ما ملكت أيمانكم ﴾ إلى قوله : ﴿ ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم ﴾ فحكم تعالى بأن ترك النكاح في هذه الصورة خير من فعله، وذلك يدل على أنه ليس بمندوب، فضلا عن أن يقال إنه واجب.
المسألة الثانية :إنما قال : ﴿ ما طاب ﴾ ولم يقل :من طاب لوجوه :أحدها :أنه أراد به الجنس تقول :ما عندك ؟ فيقول رجل أو امرأة، والمعنى ما ذلك الشيء الذي عندك، وما تلك الحقيقة التي عندك، وثانيها :أن ( ما ) مع ما بعده في تقدير المصدر، وتقديره :فانكحوا الطيب من النساء، وثالثها :أن «ما » و«من » ربما يتعاقبان. قال تعالى : ﴿ والسماء وما بناها ﴾ وقال : ﴿ ولا أنتم عابدون ما أعبد ﴾ وحكى أبو عمرو بن العلاء :سبحان ما سبح له الرعد، وقال : ﴿ فمنهم من يمشى على بطنه ﴾ ورابعها :إنما ذكر «ما » تنزيلا للإناث منزلة غير العقلاء. ومنه :قوله : ﴿ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾.
المسألة الثالثة :قال الواحدي وصاحب «الكشاف » :قوله ﴿ ما طاب لكم ﴾ أي ما حل لكم من النساء لأن منهن من يحرم نكاحها، وهي الأنواع المذكورة في قوله : ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ﴾ وهذا عندي فيه نظر، وذلك لأنا بينا أن قوله : ﴿ فانكحوا ﴾ أمر إباحة. فلو كان المراد بقوله : ﴿ ما طاب لكم ﴾ أي ما حل لكم لنزلت الآية منزلة ما يقال :أبحنا لكم نكاح من يكون نكاحها مباحا لكم :وذلك يخرج الآية عن الفائدة، وأيضا فبتقدير أن تحمل الآية على ما ذكروه تصير الآية مجملة، لأن أسباب الحل والإباحة لما لم تكن مذكورة في هذه الآية صارت الآية مجملة لا محالة، أما إذا حملنا الطيب على استطابة النفس وميل القلب، كانت الآية عاما دخله التخصيص. وقد ثبت في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين الإجمال والتخصيص كان رفع الإجمال أولى، لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، والمجمل لا يكون حجة أصلا.
المسألة الرابعة : ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ معناه :اثنين اثنين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا، وهو غير منصرف وفيه وجهان :الأول :أنه اجتمع فيها أمران :العدل والوصف، أما العدل فلأن العدل عبارة عن أنك تذكر كلمة وتريد بها كلمة أخرى، كما تقول :عمر وزفر وتريد به عامرا وزافرا، فكذا ههنا تريد بقولك :مثنى :ثنتين ثنتين فكان معدولا، وأما أنه وصف، فدليله قوله تعالى : ﴿ أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع ﴾ ولا شك أنه وصف.
الوجه الثاني :في بيان أن هذه الأسماء غير منصرفة أن فيها عدلين لأنها معدولة عن أصولها كما بيناه، وأيضا أنها معدولة عن تكررها فإنك لا تريد بقولك :مثنى ثنتين فقط، بل ثنتين ثنتين، فإذا قلت :جاءني اثنان أو ثلاثة كان غرضك الإخبار عن مجيء هذا العدد فقط، أما إذا قلت :جاءني القوم مثنى أفاد أن ترتيب مجيئهم وقع اثنين اثنين، فثبت أنه حصل في هذه الألفاظ نوعان من العدد فوجب أن يمنع من الصرف، وذلك لأنه إذا اجتمع في الاسم سببان أوجب ذلك منع الصرف، لأنه يصير لأجل ذلك نائبا من جهتين فيصير مشابها للفعل فيمتنع صرفه، وكذا إذا حصل فيه العدل من جهتين فوجب أن يمنع صرفه والله أعلم.
المسألة الخامسة :قال أهل التحقيق : ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ لا يتناول العبيد وذلك لأن الخطاب إنما يتناول إنسانا متى طابت له امرأة قدر على نكاحها، والعبد ليس كذلك بدليل أنه لا يتمكن من النكاح إلا بإذن مولاه، ويدل عليه القرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى : ﴿ ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شىء ﴾ فقوله : ﴿ لا يقدر على شىء ﴾ ينفي كونه مستقلا بالنكاح، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام : «أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر » فثبت بما ذكرناه أن هذه الآية لا يندرج فيها العبد.
إذا عرفت هذه المقدمة فنقول :ذهب أكثر الفقهاء إلى أن نكاح الأربع مشروع للأحرار دون العبيد، وقال مالك :يحل للعبد أن يتزوج بالأربع وتمسك بظاهر هذه الآية.
والجواب الذي يعتمد عليه :أن الشافعي احتج على أن هذه الآية مختصة بالأحرار بوجهين آخرين سوى ما ذكرناه :الأول :أنه تعالى قال بعد هذه الآية : ﴿ فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ﴾ وهذا لا يكون إلا للأحرار، والثاني :أنه تعالى قال :
﴿ فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ﴾ والعبد لا يأكل ما طابت عنه نفس امرأته من المهر، بل يكون لسيده قال مالك :إذا ورد عمومان مستقلان، فدخول التقييد في الأخير لا يوجب دخوله في السابق.
أجاب الشافعي رضي الله عنه بأن هذه الخطابات في هذه الآيات وردت متوالية على نسق واحد فلما عرف في بعضها اختصاصها بالأحرار عرف أن الكل كذلك، ومن الفقهاء من علم أن ظاهر هذه الآية متناول للعبيد إلا أنهم خصصوا هذا العموم بالقياس، قالوا :أجمعنا على أن للرق تأثيرا في نقصان حقوق النكاح، كالطلاق والعدة، ولما كان العدد من حقوق النكاح وجب أن يحصل للعبد نصف ما للحر، والجواب الأول أولى وأقوى والله أعلم.
المسألة السادسة :ذهب قوم سدى إلى أنه يجوز التزوج بأي عدد أريد، واحتجوا بالقرآن والخبر، أما القرآن فقد تمسكوا بهذه الآية من ثلاثة أوجه :الأول :أن قوله : ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ إطلاق في جميع الأعداد بدليل أنه لا عدد إلا ويصح استثناؤه منه، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لكان داخلا. والثاني :أن قوله : ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ لا يصلح تخصيصا لذلك العموم، لأن تخصيص بعض الأعداد بالذكر لا ينفي ثبوت الحكم في الباقي، بل نقول :إن ذكر هذه الأعداد يدل على رفع الحرج والحجر مطلقا، فإن الإنسان إذا قال لولده :افعل ما شئت اذهب إلى السوق وإلى المدينة وإلى البستان، كان تنصيصا في تفويض زمام الخيرة إليه مطلقا، ورفع الحجر والحرج عنه مطلقا، ولا يكون ذلك تخصيصا للإذن بتلك الأشياء المذكورة، بل كان إذنا في المذكور وغيره فكذا ههنا، وأيضا فذكر جميع الأعداد متعذر، فإذا ذكر بعض الأعداد بعد قوله : ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ كان ذلك تنبيها على حصول الإذن في جميع الأعداد. والثالث :أن الواو للجمع المطلق فقوله : ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ يفيد حل هذا المجموع، وهو يفيد تسعة، بل الحق أنه يفيد ثمانية عشر، لأن قوله :مثنى ليس عبارة عن اثنين فقط، بل عن اثنين اثنين وكذا القول في البقية. وأما الخبر فمن وجهين :الأول :أنه ثبت بالتواتر أنه صلى الله عليه وسلم مات عن تسع، ثم إن الله تعالى أمرنا باتباعه فقال : ﴿ فاتبعوه ﴾ وأقل مراتب الأمر الإباحة. الثاني :أن سنة الرجل طريقته، وكان التزوج بالأكثر من الأربع طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام، فكان ذلك سنة له، ثم إنه عليه السلام قال : «فمن رغب عن سنتي فليس مني » فظاهر هذا الحديث يقتضي توجه اللوم على من ترك التزوج بأكثر من الأربعة، فلا أقل من أن يثبت أصل الجواز.
واعلم أن معتمد الفقهاء في إثبات الحصر على أمرين :الأول :الخبر، وهو ما روي أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم :أمسك أربعا وفارق باقيهن، وروي أن نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة فقال عليه السلام :" أمسك أربعا وفارق واحدة ".
واعلم أن هذا الطريق ضعيف لوجهين :الأول :أن القرآن لما دل على عد
قوله تعالى : ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ﴾
في الآية مسائل :
المسألة الأولى :قوله : ﴿ وآتوا النساء ﴾ خطاب لمن ؟ فيه قولان :أحدهما :أن هذا خطاب لأولياء النساء، وذلك لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي النساء من مهورهن شيئا، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت :هنيئا لك النافجة، ومعناه أنك تأخذ مهرها إبلا فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك أي تعظمه، وقال ابن الأعرابي :النافجة ما يأخذه الرجل من الحلوان إذا زوج ابنته، فنهى الله تعالى عن ذلك، وأمر بدفع الحق إلى أهله، وهذا قول الكلبي وأبي صالح واختيار الفراء وابن قتيبة.
القول الثاني :أن الخطاب للأزواج. أمروا بإيتاء النساء مهورهن، وهذا قول :علقمة والنخعي وقتادة واختيار الزجاج، قال لأنه لا ذكر للأولياء ههنا، وما قبل هذا خطاب للناكحين وهم الأزواج.
المسألة الثانية :قال القفال رحمه الله :يحتمل أن يكون المراد من الإيتاء المناولة، ويحتمل أن يكون المراد الالتزام، قال تعالى : ﴿ حتى يعطوا الجزية عن يد ﴾ والمعنى حتى يضمنوها ويلتزموها، فعلى هذا الوجه الأول كأن المراد أنهم أمروا بدفع المهور التي قد سموها لهن، وعلى التقدير الثاني :كان المراد أن الفروج لا تستباح إلا بعوض يلزم سواء سمي ذلك أو لم يسم، إلا ما خص به الرسول صلى الله عليه وسلم في الموهوبة، ثم قال رحمه الله :ويجوز أن يكون الكلام جامعا للوجهين معا، والله أعلم.
المسألة الثالثة :قال صاحب «الكشاف » : ﴿ صدقاتهن ﴾ مهورهن، وفي حديث شريح :قضى ابن عباس لها بالصدقة وقرأ ﴿ صدقاتهن ﴾ بفتح الصاد وسكون الدال على تخفيف صدقاتهن و ﴿ صدقاتهن ﴾ بضم الصاد وسكون الدال جمع صدقة، وقرئ ﴿ صدقاتهن ﴾ بضم الصاد والدال على التوحيد وهو مثقل صدقة كقوله في ظلمة :ظلمة، قال الواحدي :موضوع ( ص د ق ) على هذا الترتيب للكمال والصحة، فسمي المهر صداقا وصدقة لأن عقد النكاح به يتم ويكمل.
المسألة الرابعة :في تفسير النحلة وجوه :الأول :قال ابن عباس وقتادة وابن جريج وابن زيد :فريضة، وإنما فسروا النحلة بالفريضة، لأن النحلة في اللغة معناها الديانة والملة والشرعة والمذهب، يقال :فلان ينتحل كذا إذا كان يتدين به، ونحلته كذا أي دينه ومذهبه، فقوله : ﴿ آتوا النساء صدقاتهن نحلة ﴾ أي آتوهن مهورهن، فإنها نحلة أي شريعة ودين ومذهب وما هو دين ومذهب فهو فريضة. الثاني :قال الكلبي :نحلة أي عطية وهبة، يقال :نحلت فلانا شيئا أنحله نحلة ونحلا، قال القفال :وأصله إضافة الشيء إلى غير من هو له، يقال :هذا شعر منحول، أي مضاف إلى غير قائله، وانتحلت كذا إذا ادعيته وأضفته إلى نفسك، وعلى هذا القول فالمهر عطية ممن ؟ فيه احتمالان :أحدهما :أنه عطية من الزوج، وذلك لأن الزوج لا يملك بدله شيئا لأن البضع في ملك المرأة بعد النكاح فهو قبله، فالزوج أعطاها المهر ولم يأخذ منها عوضا يملكه، فكان في معنى النحلة التي ليس بإزائها بدل، وإنما الذي يستحقه الزوج منها بعقد النكاح هو الاستباحة لا الملك، وقال آخرون إن الله تعالى جعل منافع النكاح من قضاء الشهوة والتوالد مشتركا بين الزوجين، ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزوجة المهر فكان ذلك عطية من الله ابتداء.
والقول الثالث :في تفسير النحلة قال أبو عبيدة :معنى قوله ﴿ نحلة ﴾ أي عن طيب نفس، وذلك لأن النحلة في اللغة العطية من غير أخذ عوض، كما ينحل الرجل لولده شيئا من ماله، وما أعطى من غير طلب عوض لا يكون إلا عن طيب النفس، فأمر الله بإعطاء مهور النساء من غير مطالبة منهن ولا مخاصمة، لأن ما يؤخذ بالمحاكمة لا يقال له نحلة.
المسألة الخامسة :إن حملنا النحلة على الديانة ففي انتصابها وجهان :أحدهما :أن يكون مفعولا له، والمعنى آتوهن مهورهن ديانة. والثاني :أن يكون حالا من الصدقات أي دينا من الله شرعه وفرضه، وأما إن حملنا النحلة على العطية ففي انتصابها أيضا وجهان :أحدهما :أنه نصب على المصدر، وذلك لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء، فكأنه قيل :وانحلوا النساء صدقاتهن نحلة أي أعطوهن مهورهن عن طيبة أنفسكم. والثاني :أنها نصب على الحال، ثم فيه وجهان :أحدهما :على الحال من المخاطبين أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء. والثاني :على الحال من الصدقات، أي منحولة معطاة عن طيبة الأنفس.
المسألة السادسة :قال أبو حنيفة رضي الله عنه :الخلوة الصحيحة تقرر المهر، وقال الشافعي رضي الله عنه :لا تقرره احتج أبو حنيفة على صحة قوله بهذه الآية، وذلك لأن هذا النص يقتضي إيجاب إيتاء المهر بالكلية مطلقا، ترك العمل به فيما إذا لم يحصل المسيس ولا الخلوة، فعند حصولهما وجب البقاء على مقتضى الآية.
أجاب أصحابنا بأن هذه عامة وقوله تعالى : ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ﴾ يدل على أنه لا يجب فيها إلا نصف المهر، وهذه الآية خاصة ولا شك أن الخاص مقدم على العام.
قوله تعالى : ﴿ فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ﴾.
اعلم أنه تعالى لما أمرهم بإيتائهن صدقاتهن عقبه بذكر جواز قبول إبرائها وهبتها له، لئلا يظن أن عليه إيتاءها مهرها وإن طابت نفسها بتركه، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :نفسا :نصب على التمييز والمعنى :طابت أنفسهن لكم عن شيء من الصداق بنقل الفعل من الأنفس إليهن، فخرجت النفس مفسرة كما قالوا :أنت حسن وجها، والفعل في الأصل للوجه، فلما حول إلى صاحب الوجه خرج الوجه مفسرا لموقع الفعل، ومثله :قررت به عينا وضقت به ذرعا.
المسألة الثانية :إنما وحد النفس لأن المراد به بيان موقع الفعل، وذلك يحصل بالواحد ومثله عشرون درهما. قال الفراء :لو جمعت كان صوابا كقوله : ﴿ الأخسرين أعمالا ﴾.
المسألة الثالثة :من :في قوله : ﴿ منه ﴾ ليس للتبعيض، بل للتبيين والمعنى عن شيء من هذا الجنس الذي هو مهر كقوله : ﴿ فاجتنبوا الرجس من الأوثان ﴾ وذلك أن المرأة لو طابت نفسها عن جميع المهر حل للزوج أن يأخذه بالكلية.
المسألة الرابعة :منه :أي من الصدقات أو من ذلك وهو كقوله تعالى : ﴿ قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ﴾ بعد ذكر الشهوات. وروي أنه لما قال رؤبة :
فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق
فقيل له :الضمير في قوله «كأنه » إن عاد إلى الخطوط كان يجب أن تقول :كأنها، وإن عاد إلى السواد والبلق كان يجب أن تقول :كأنهما، فقال :أردت كأن ذاك، وفيه وجه آخر وهو أن الصدقات في معنى الصداق لأنك لو قلت :وآتوا النساء صداقهن لكان المقصود حاصلا، وفيه وجه ثالث :وهو أن الفائدة في تذكير الضمير أن يعود ذلك إلى بعض الصداق، والغرض منه ترغيبها في أن لا تهب إلا بعض الصداق.
المسألة الخامسة :معنى الآية :فإن وهبن لكم شيئا من الصداق عن طيبة النفس من غير أن يكون السبب فيه شكاسة أخلاقكم معهن، أو سوء معاشرتكم معهن، فكلوه وأنفقوه، وفي الآية دليل على ضيق المسلك في هذا الباب، ووجوب الاحتياط، حيث بنى الشرط على طيب النفس فقال : ﴿ فإن طبن ﴾ ولم يقل :فإن وهبن أو سمحن، إعلاما بأن المراعي هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة.
المسألة السادسة :الهنيء والمريء :صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ، إذا كان سائغا لا تنغيص فيه، وقيل :الهنيء ما يستلذه الآكل، والمريء ما يحمد عاقبته، وقيل :ما ينساغ في مجراه، وقيل :لمدخل الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة :المريء لمروء الطعام فيه وهو انسياغه. وحكى الواحدي عن بعضهم أن أصل الهنيء من الهناء وهو معالجة الجرب بالقطران، فالهنيء شفاء من الجرب، قال المفسرون :المعنى أنهن إذا وهبن مهورهن من أزواجهن عن طيبة النفس لم يكن على الأزواج في ذلك تبعة لا في الدنيا ولا في الآخرة، وبالجملة فهو عبارة عن التحليل، والمبالغة في الإباحة وإزالة التبعة.
المسألة السابعة :قوله : ﴿ هنيئا مريئا ﴾ وصف للمصدر، أي أكلا هنيئا مريئا، أو حال من الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء، وقد يوقف على قوله : ﴿ فكلوه ﴾ ثم يبتدأ بقوله : ﴿ هنيئا مريئا ﴾ على الدعاء وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين كأنه قيل :هنأ مرأ.
المسألة الثامنة :دلت هذه الآية على أمور :منها :أن المهر لها ولا حق للولي فيه، ومنها جواز هبتها المهر للزوج، وجواز أن يأخذه الزوج، لأن قوله : ﴿ فكلوه هنيئا مريئا ﴾ يدل على المعنيين، ومنها جواز هبتها المهر قبل القبض، لأن الله تعالى لم يفرق بين الحالتين.
وههنا بحث وهو أن قوله : ﴿ فكلوه هنيئا مريئا ﴾ يتناول ما إذ كان المهر عينا، أما إذا كان دينا فالآية غير متناولة له، فإنه لا يقال لما في الذمة :كله هنيئا مريئا.
قلنا :المراد بقوله : ﴿ فكلوه هنيئا مريئا ﴾ ليس نفس الأكل، بل المراد منه حل التصرفات، وإنما خص الأكل بالذكر لأن معظم المقصود من المال إنما هو الأكل، ونظيره قوله تعالى : ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ﴾ وقال : ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾.
المسألة التاسعة :قال بعض العلماء :إن وهبت ثم طلبت بعد الهبة علم أنها لم تطب عنه نفسا، وعن الشعبي :أن امرأة جاءت مع زوجها شريحا في عطية أعطتها إياه وهي تطلب الرجوع فقال شريح :رد عليها، فقال الرجل أليس قد قال الله تعالى : ﴿ فإن طبن لكم عن شيء ﴾ فقال :لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه. وروي عنه أيضا :أقيلها فيما وهبت ولا أقيله لأنهن يخدعن، وحكي أن رجلا من آل أبي معيط أعطته امرأته ألف دينار صداقا كان لها عليه، فلبث شهرا ثم طلقها، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان، فقال الرجل :أعطتني طيبة به نفسها، فقال عبد الملك :فإن الآية التي بعدها ﴿ فلا تأخذوا منه شيئا ﴾ أردد عليها. وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى قضاته :إن النساء يعطين رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطته ثم أرادت أن ترجع فذلك لها، والله أعلم.
قوله تعالى : ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا ﴾
واعلم أن هذا هو النوع الثالث من الأحكام المذكورة في هذه السورة.
واعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها هو كأنه تعالى يقول :إني وإن كنت أمرتكم بإيتاء اليتامى أموالهم وبدفع صدقات النساء إليهن، فإنما قلت ذلك إذا كانوا عاقلين بالغين متمكنين من حفظ أموالهم، فأما إذا كانوا غير بالغين، أو غير عقلاء، أو إن كانوا بالغين عقلاء إلا أنهم كانوا سفهاء مسرفين، فلا تدفعوا إليهم أموالهم وأمسكوها لأجلهم إلى أن يزول عنهم السفه، والمقصود من كل ذلك الاحتياط في حفظ أموال الضعفاء والعاجزين.
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :في الآية قولان :الأول :أنها خطاب الأولياء فكأنه تعالى قال :أيها الأولياء لا تؤتوا الذين يكونون تحت ولايتكم وكانوا سفهاء أموالهم. والدليل على أنه خطاب الأولياء قوله : ﴿ وارزقوهم فيها واكسوهم ﴾ وأيضا فعلى هذا القول يحسن تعلق الآية بما قبلها كما قررناه.
فإن قيل :فعلى هذا الوجه كان يجب أن يقال :ولا تؤتوا السفهاء أموالهم، فلم قال أموالكم ؟
قلنا :في الجواب وجهان :الأول :أنه تعالى أضاف المال إليهم لا لأنهم ملكوه، لكن من حيث ملكوا التصرف فيه، ويكفي في حسن الإضافة أدنى سبب، إنما حسنت هذه الإضافة إجراء للوحدة بالنوع مجرى الوحدة بالشخص، ونظيره قوله تعالى : ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ وقوله : ﴿ وما ملكت أيمانكم ﴾ وقوله : ﴿ فاقتلوا أنفسكم ﴾ وقوله : ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ﴾ ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه، ولكن كان بعضهم يقتل بعضا، وكان الكل من نوع واحد، فكذا ههنا المال شيء ينتفع به نوع الإنسان ويحتاج إليه. فلأجل هذه الوحدة النوعية حسنت إضافة أموال السفهاء إلى أوليائهم.
والقول الثاني :أن هذه الآية خطاب الآباء فنهاهم الله تعالى إذا كان أولادهم سفهاء لا يستقلون بحفظ المال وإصلاحه أن يدفعوا أموالهم أو بعضها إليهم، لما كان في ذلك من الإفساد، فعلى هذا الوجه يكون إضافة الأموال إليهم حقيقة، وعلى هذا القول يكون الغرض من الآية الحث على حفظ المال والسعي في أن لا يضيع ولا يهلك، وذلك يدل على أنه ليس له أن يأكل جميع أمواله ويهلكها، وإذا قرب أجله فإنه يجب عليه أن يوصي بماله إلى أمين يحفظ ذلك المال على ورثته، وقد ذكرنا أن القول الأول أرجح لوجهين، ومما يدل على هذا الترجيح أن ظاهر النهي للتحريم، وأجمعت الأمة على أنه لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصغار ومن النسوان ما شاء من ماله، وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع إلى السفهاء أموالهم، وإذا كان كذلك وجب حمل الآية على القول الأول لا على هذا القول الثاني والله أعلم. الثاني :أنه قال في آخر الآية : ﴿ وقولوا لهم قولا معروفا ﴾ ولا شك أن هذه الوصية بالأيتام أشبه، لأن المرء مشفق بطبعه على ولده، فلا يقول له إلا المعروف، وإنما يحتاج إلى هذه الوصية مع الأيتام الأجانب، ولا يمتنع أيضا حمل الآية على كلا الوجهين. قال القاضي :هذا بعيد لأنه يقتضي حمل قوله : ﴿ أموالكم ﴾ على الحقيقة والمجاز جميعا، ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله : ﴿ أموالكم ﴾ يفيد كون تلك الأموال مختصة بهم اختصاصا يمكنه التصرف فيها، ثم إن هذا الاختصاص حاصل في المال الذي يكون مملوكا له، وفي المال الذي يكون مملوكا للصبي، إلا أنه يجب تصرفه، فهذا التفاوت واقع في مفهوم خارج من المفهوم المستفاد من قوله : ﴿ أموالكم ﴾ وإذا كان كذلك لم يبعد حمل اللفظ عليهما من حيث أن اللفظ أفاد معنى واحدا مشتركا بينهما.
المسألة الثانية :ذكروا في المراد بالسفهاء أوجها :الأول :قال مجاهد وجويبر عن الضحاك السفهاء ههنا النساء سواء كن أزواجا أو أمهات أو بنات. وهذا مذهب ابن عمر، ويدل على هذا ما روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «ألا إنما خلقت النار للسفهاء يقولها ثلاثا ألا وإن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيمها ».
فإن قيل :لو كان المراد بالسفهاء النساء لقال :السفائه. أو السفيهات في جمع السفيهة نحو غرائب وغريبات في جمع الغريبة.
أجاب الزجاج :بأن السفهاء في جمع السفيهة جائز كما أن الفقراء في جمع الفقيرة جائز.
والقول الثاني :قال الزهري وابن زيد :عني بالسفهاء ههنا السفهاء من الأولاد، يقول :لا تعط مالك الذي هو قيامك، ولدك السفيه فيفسده.
القول الثالث :المراد بالسفهاء هم النساء والصبيان في قول ابن عباس والحسن وقتادة وسعيد ابن جبير، قالوا إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة، وإن ولده سفيه مفسد فلا ينبغي له أن يسلط واحدا منهما على ماله فيفسده.
والقول الرابع :أن المراد بالسفهاء كل من لم يكن له عقل يفي بحفظ المال، ويدخل فيه النساء والصبيان والأيتام كل من كان موصوفا بهذه الصفة، وهذا القول أولى لأن التخصيص بغير دليل لا يجوز، وقد ذكرنا في سورة البقرة أن السفه خفة العقل، ولذلك سمي الفاسق سفيها لأنه لا وزن له عند أهل الدين والعلم، ويسمى الناقص العقل سفيها لخفة عقله.
المسألة الثالثة :أنه ليس السفه في هؤلاء صفة ذم، ولا يفيد معنى العصيان لله تعالى، وإنما سموا سفهاء لخفة عقولهم ونقصان تمييزهم عن القيام بحفظ الأموال.
المسألة الرابعة :اعلم أنه تعالى أمر المكلفين في مواضع من كتابه بحفظ الأموال، قال تعالى : ﴿ ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ﴾ وقال تعالى : ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ﴾ وقال تعالى : ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ﴾ وقد رغب الله في حفظ المال في آية المداينة حيث أمر بالكتابة والإشهاد والرهن، والعقل أيضا يؤيد ذلك، لأن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بتحصيل مصالح الدنيا والآخرة، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال لأن به يتمكن من جلب المنافع ودفع المضار، فمن أراد الدنيا بهذا الغرض كانت الدنيا في حقه من أعظم الأسباب المعينة له على اكتساب سعادة الآخرة، أما من أرادها لنفسها ولعينها كانت من أعظم المعوقات عن كسب سعادة الآخرة.
المسألة الخامسة :قوله تعالى : ﴿ التي جعل الله لكم قياما ﴾ معناه أنه لا يحصل قيامكم ولا معاشكم إلا بهذا المال، فلما كان المال سببا للقيام والاستقلال سماه بالقيام إطلاقا لاسم المسبب على السبب على سبيل المبالغة، يعني كان هذا المال نفس قيامكم وابتغاء معاشكم، وقرأ نافع وابن عامر ﴿ التي جعل الله لكم قيما ﴾ وقد يقال :هذا قيم وقيم، كما قال : ﴿ دينا قيما ملة إبراهيم ﴾ وقرأ عبد الله بن عمر ( قواما ) بالواو، وقوام الشيء ما يقام به كقولك :ملاك الأمر لما يملك به.
المسألة السادسة :قال الشافعي رحمه الله :البالغ إذا كان مبذرا للمال مفسدا له يحجر عليه وقال أبو حنيفة رضي الله عنه :لا يحجر عليه. حجة الشافعي :أنه سفيه، فوجب أن يحجر عليه، إنما قلنا إنه سفيه، لأن السفيه في اللغة، هو من خف وزنه. ولا شك أن من كان مبذرا للمال مفسدا له من غير فائدة، فإنه لا يكون له في القلب وقع عند العقلاء، فكان خفيف الوزن عندهم، فوجب أن يسمى بالسفيه، وإذا ثبت هذا لزم اندراجه تحت قوله تعالى : ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾.
ثم قال تعالى : ﴿ وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا ﴾.
واعلم أنه تعالى لما نهى عن إيتاء المال السفيه أمر بعد ذلك بثلاثة أشياء :أولها :قوله : ﴿ وارزقوهم ﴾ ومعناه :وأنفقوا عليهم ومعنى الرزق من العباد هو الإجراء الموظف لوقت معلوم يقال :فلان رزق عياله أي أجرى عليهم، وإنما قال : ﴿ فيها ﴾ ولم يقل :منها لئلا يكون ذلك أمرا بأن يجعلوا بعض أموالهم رزقا لهم، بل أمرهم أن يجعلوا أموالهم مكانا لرزقهم بأن يتجروا فيها ويثمروها فيجعلوا أرزاقهم من الأرباح لا من أصول الأموال، وثانيها :قوله : ﴿ واكسوهم ﴾ والمراد ظاهر، وثالثها :قوله : ﴿ وقولوا لهم قولا معروفا ﴾.
واعلم أنه تعالى إنما أمر بذلك لأن القول الجميل يؤثر في القلب فيزيل السفه، أما خلاف القول المعروف فإنه يزيد السفيه سفها ونقصانا.
والمفسرون ذكروا في تفسير القول المعروف وجوها :أحدها :قال ابن جريج ومجاهد :إنه العدة الجميلة من البر والصلة، وقال ابن عباس :هو مثل أن يقول :إذا ربحت في سفرتي هذه فعلت بك ما أنت أهله، وإن غنمت في غزاتي أعطيتك، وثانيها :قال ابن زيد :إنه الدعاء مثل أن يقول :عافانا الله وإياك بارك الله فيك، وبالجملة كل ما سكنت إليه النفوس وأحبته من قول وعمل فهو معروف وكل ما أنكرته وكرهته ونفرت منه فهو منكر، وثالثها :قال الزجاج :المعنى علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم مما يتعلق بالعلم والعمل، ورابعها :قال القفال رحمه الله القول المعروف هو أنه إن كان المولى عليه صبيا، فالولي يعرفه أن المال ماله وهو خازن له، وأنه إذا زال صباه فإنه يرد المال إليه، ونظير هذه الآية قوله :
﴿ فأما اليتيم فلا تقهر ﴾ معناه لا تعاشره بالتسلط عليه كما تعاشر العبيد، وكذا قوله : ﴿ وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا ﴾ وإن كان المولى عليه سفيها وعظه ونصحه وحثه على الصلاة، ورغبه في ترك التبذير والإسراف، وعرفه أن عاقبة التبذير الفقر والاحتياج إلى الخلق إلى ما يشبه هذا النوع من الكلام، وهذا الوجه أحسن من سائر الوجوه التي حكيناها.
قوله تعالى : ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فاشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا ﴾.
واعلم أنه تعالى لما أمر من قبل بدفع مال اليتيم إليه بقوله : ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ بين بهذه الآية متى يؤتيهم أموالهم، فذكر هذه الآية وشرط في دفع أموالهم إليهم شرطين :أحدهما :بلوغ النكاح، والثاني :إيناس الرشد، ولا بد من ثبوتهما حتى يجوز دفع مالهم إليهم، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه :تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه :غير صحيحة، احتج أبو حنيفة على قوله بهذه الآية، وذلك لأن قوله : ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح ﴾ يقتضي أن هذا الابتلاء إنما يحصل قبل البلوغ، والمراد من هذا الابتلاء اختبار حاله في أنه هل له تصرف صالح للبيع والشراء، وهذا الاختبار إنما يحصل إذا أذن له في البيع والشراء، وإن لم يكن هذا المعنى نفس الاختبار، فهو داخل في الاختبار بدليل أنه يصح الاستثناء، يقال :وابتلوا اليتامى إلا في البيع والشراء، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فثبت أن قوله : ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ أمر للأولياء بأن يأذنوا لهم في البيع والشراء قبل البلوغ، وذلك يقتضي صحة تصرفاتهم.
أجاب الشافعي رضي الله عنه بأن قال :ليس المراد بقوله : ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ الإذن لهم في التصرف حال الصغر بدليل قوله تعالى بعد ذلك : ﴿ فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ فإنما أمر بدفع المال إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد، وإذا ثبت بموجب هذه الآية أنه لا يجوز دفع المال إليه حال الصغر، وجب أن لا يجوز تصرفه حال الصغر، لأنه لا قائل بالفرق، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على قول الشافعي، وأما الذي احتجوا به، فجوابه :أن المراد من الابتلاء اختبار عقله واستبراء حاله، في أنه هل له فهم وعقل وقدرة في معرفة المصالح والمفاسد، وذلك إذا باع الولي واشترى بحضور الصبي، ثم يستكشف من الصبي أحوال ذلك البيع والشراء وما فيهما من المصالح والمفاسد ولا شك أن بهذا القدر يحصل الاختبار والابتلاء، وأيضا :هب أنا سلمنا أنه يدفع إليه شيئا ليبيع أو يشتري، فلم قلت إن هذا القدر يدل على صحة ذلك البيع والشراء، بل إذا باع واشترى وحصل به اختبار عقله، فالولي بعد ذلك يتمم البيع وذلك الشراء، وهذا محتمل والله أعلم.
المسألة الثانية :المراد من بلوغ النكاح هو الاحتلام المذكور في قوله : ﴿ وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم ﴾ وهو في قول عامة الفقهاء عبارة عن البلوغ مبلغ الرجال الذي عنده يجري على صاحبه القلم ويلزمه الحدود والأحكام، وإنما سمي الاحتلام بلوغ النكاح لأنه إنزال الماء الدافق الذي يكون في الجماع.
واعلم أن للبلوغ علامات خمسة :منها ثلاثة مشتركة بين الذكور والإناث، وهو الاحتلام والسن المخصوص، ونبات الشعر الخشن على العانة، واثنان منها مختصان بالنساء، وهما :الحيض والحبل.
المسألة الثالثة :أما إيناس الرشد فلا بد فيه من تفسير الإيناس ومن تفسير الرشد، أما الإيناس فقوله : ﴿ آنستم ﴾ أي عرفتم وقيل :رأيتم، وأصل الإيناس في اللغة الإبصار، ومنه قوله : ﴿ آنس من جانب الطور نارا ﴾ وأما الرشد فمعلوم أنه ليس المراد الرشد الذي لا تعلق له بصلاح ماله، بل لا بد وأن يكون هذا مرادا، وهو أن يعلم أنه مصلح لما له حتى لا يقع منه إسراف ولا يكون بحيث يقدر الغير على خديعته، ثم اختلفوا في أنه هل يضم إليه الصلاح في الدين ؟ فعند الشافعي رضي الله عنه لا بد منه، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه هو غير معتبر، والأول أولى، ويدل عليه وجوه :أحدها :أن أهل اللغة قالوا :الرشد هو إصابة الخير، والمفسد في دينه لا يكون مصيبا للخير. وثانيها :أن الرشد نقيض الغي قال تعالى : ﴿ قد تبين الرشد من الغي ﴾ والغي هو الضلال والفساد وقال تعالى : ﴿ وعصى آدم ربه فغوى ﴾ فجعل العاصي غويا، وهذا يدل على أن الرشد لا يتحقق إلا مع الصلاح في الدين، وثالثها :أنه تعالى قال : ﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ نفي الرشد عنه لأنه ما كان يراعي مصالح الدين، والله أعلم.
إذا عرفت هذا فنقول :فائدة هذا الاختلاف أن الشافعي رحمه الله يرى الحجر على الفاسق، وأبو حنيفة رضي الله عنه لا يراه.
المسألة الرابعة :اتفقوا على أنه إذا بلغ غير رشيد فإنه لا يدفع إليه ماله، ثم عند أبي حنيفة لا يدفع إليه ماله حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة، فإذا بلغ ذلك دفع إليه ماله على كل حال، وإنما اعتبر هذا السن لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسن ثماني عشرة سنة، فإذا زاد عليه سبع سنين وهي مدة معتبر في تغير أحوال الإنسان لقوله عليه الصلاة والسلام : «مروهم بالصلاة لسبع » فعند ذلك تمت المدة التي يمكن فيها حصول تغير الأحوال، فعندها يدفع إليه ماله، أو انس منه الرشد أو لم يؤنس وقال الشافعي رضي الله عنه :لا يدفع إليه أبدا إلا بإيناس الرشد، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
احتج أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بهذه الآية فقال :لا شك أن اسم الرشد واقع على العقل في الجملة، والله تعالى شرط رشدا منكرا ولم يشترط سائر ضروب الرشد، فاقتضى ظاهر الآية أنه لما حصل العقل فقد حصل ما هو الشرط المذكور في هذه الآية، فيلزم جواز دفع المال إليه ترك العمل به فيما دون خمس وعشرين سنة، فوجب العمل بمقتضى الآية فيما زاد على خمس وعشرين سنة ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى قال : ﴿ فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا ﴾ ولا شك أن المراد ابتلاؤهم فيما يتعلق بمصالح حفظ المال، ثم قال : ﴿ فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا ﴾ ويجب أن يكون المراد :فإن آنستم منهم رشدا في حفظ المال وضبط مصالحه، فإنه إن لم يكن المراد ذلك تفكك النظم ولم يبق للبعض تعلق بالبعض، وإذا ثبت هذا علمنا أن الشرط المعتبر في الآية هو حصول الرشد في رعاية مصالح المال، وعند هذا سقط استدلال أبي بكر الرازي، بل تنقلب هذه الآية دليلا عليه لأنه جعل رعاية مصالح المال شرطا في جواز دفع المال إليه، فإذا كان هذا الشرط مفقودا بعد خمس وعشرين سنة، وجب أن لا يجوز دفع المال إليه، والقياس الجلي أيضا يقوي الاستدلال بهذا النص، لأن الصبي إنما منع المال لفقدان العقل الهادي إلى كيفية حفظ المال وكيفية الانتفاع به، فإذا كان هذا المعنى حاصلا في الشباب والشيخ كان في حكم الصبي، فثبت أنه لا وجه لقول من يقول :إنه إذا بلغ خمسا وعشرين سنة دفع إليه ماله وإن لم يؤنس منه الرشد.
المسألة الخامسة :إذا بلغ رشيدا ثم تغير وصار سفيها حجر عليه عند الشافعي ولا يحجر عليه عند أبي حنيفة وقد مرت هذه المسألة عند قوله تعالى : ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ﴾ والقياس الجلي أيضا يدل عليه، لأن هذه الآية دالة على أنه إذا بلغ غير رشيد لم يدفع إليه ماله، وإنما لم يدفع إليه ماله لئلا يصير المال ضائعا فيكون باقيا مرصدا ليوم حاجته، وهذا المعنى قائم في السفه الطارئ، فوجب اعتباره والله أعلم.
المسألة السادسة :قال صاحب «الكشاف » :الفائدة في تنكير الرشد التنبيه على أن المعتبر هو الرشد في التصرف والتجارة، أو على أن المعتبر هو حصول طرف من الرشد وظهور أثر من آثاره حتى لا ينتظر به تمام الرشد.
المسألة السابعة :قال صاحب «الكشاف » :قرأ ابن مسعود فإن أحستم، بمعنى أحسستم قال :
أحسن به فهن إليه شوس ***. . .
وقرئ رشدا بفتحتين ورشدا بضمتين.
ثم قال تعالى : ﴿ فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ والمراد أن عند حصول الشرطين أعني البلوغ وإيناس الرشد يجب دفع المال إليهم، وإنما لم يذكر تعالى مع هذين الشرطين كمال العقل، لأن إيناس الرشد لا يحصل إلا مع العقل لأنه أمر زائد على العقل.
ثم قال تعالى : ﴿ ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ﴾ أي مسرفين ومبادرين كبرهم أو لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها وتقولون :ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينزعوها من أيدينا، ثم قسم الأمر بين أن يكون الوصي غنيا وبين أن يكون فقيرا فقال : ﴿ ومن كان غنيا فليستعفف ﴾ قال الواحدي رحمه الله :استعف عن الشيء وعف إذا امتنع منه وتركه، وقال صاحب «الكشاف » :استعف أبلغ من عف كأنه طالب زيادة العفة وقال : ﴿ ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ﴾ واختلف العلماء في أن الوصي هل له أن ينتفع بمال اليتيم ؟ وفي هذه المسألة أقوال :أحدهما :أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه من مال اليتيم وبقدر أجر عمله، واحتج القائلون بهذا القول بوجوه :الأول :أن قوله تعالى : ﴿ ولا تأكلوها إسرافا ﴾ مشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة، وثانيها :أنه قال : ﴿ ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ﴾ فقوله : ﴿ ومن كان غنيا فليستعفف ﴾ ليس المراد منه نهي الوصي الغني عن الانتفاع بمال نفسه، بل المراد منه نهيه عن الانتفاع بمال اليتيم، وإذا كان كذلك لزم أن يكون قوله : ﴿ ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ﴾ إذنا للوصي في أن ينتفع بمال اليتيم بمقدار الحاجة، وثالثها :قوله :
﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ﴾ وهذا دليل على أن مال اليتيم قد يؤكل ظلما وغير ظلم، ولو لم يكن ذلك لم يكن لقوله : ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ﴾ فائدة، وهذا يدل على أن للوصي المحتاج أن يأكل من ماله بالمعروف، ورابعها :ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال له :أن تحت حجري يتيما أآكل من ماله ؟ « قال :بالمعروف غير متأثل مالا ولا واق مالك بماله » قال :أفأضربه ؟ «قال :مما كنت ضاربا منه ولدك » وخامسها :ما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عمار وابن مسعود وعثمان بن حنيف :سلام عليكم أما بعد :فإني رزقتكم كل يوم شاة شطرها لعمار، وربعها لعبد الله ابن مسعود، وربعها لعثمان، ألا وإني قد أنزلت نفسي وإياكم من مال الله بمنزلة ولي مال اليتيم :من كان غنيا فليستعفف، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف. وعن ابن عباس أن ولي يتيم قال له :أفأشرب من لبن إبله ؟ قال :إن كنت تبغي ضالتها وتلوط حوضها وتهنأ جرباها وتسقيها يوم وردها، فاشرب غير مضر بنسل، ولا ناهك في الحلب وعنه أيضا :يضرب بيده مع أيديهم فليأكل بالمعروف ولا يلبس عمامة فما فوقها، وسادسها :أن الوصي لما تكفل بإصلاح مهمات الصبي وجب أن يتمكن من أن يأكل من ماله بقدر عمله قياسا على الساعي في أخذ الصدقات وجمعها، فإنه يضرب له في تلك الصدقات بسهم، فكذا ههنا، فهذا تقرير هذا القول.
والقول الثاني :أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه من مال اليتيم قرضا، ثم إذا أيسر قضاه، وإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه، وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية، وأكثر الروايات عن ابن عباس. وبعض أهل العلم خص هذا الإقراض بأصول الأموال من الذهب والفضة وغيرها، فأما التناول من ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب، فمباح له إذا كان غير مضر بالمال، وهذا قول أبي العالية وغيره، واحتجوا بأن
قوله تعالى : ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا ﴾.
اعلم أن هذا هو النوع الرابع من الأحكام المذكورة في هذه السورة وهو ما يتعلق بالمواريث والفرائض وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :في سبب نزول هذه الآية قال ابن عباس :أ أوس بن ثابت الأصاري توفي عن ثلاث بنات وامرأة، فجاء رجلان من بني عمه وهما وصيان له يقال لهما :سويد، وعرفجة وأخذا ماله. فجاءت امرأة أوس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت القصة، وذكرت أن الوصيين ما دفعا إلي شيئا، وما دفعا إلى بناته شيئا من المال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «ارجعي إلى بيتك حتى أنظر ما يحدث الله في أمرك » فنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية، ودلت على أن للرجال نصيبا وللنساء نصيبا، ولكنه تعالى لم يبين المقدار في هذه الآية، فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الوصيين وقال : «لا تقربا من مال أوس شيئا » ثم نزل بعد : ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ ونزل فرض الزوج وفرض المرأة، فأمر الرسول عليه الصلاة والسلام الوصيين أن يدفعا إلى المرأة الثمن ويمسكا نصيب البنات، وبعد ذلك أرسل عليه الصلاة والسلام إليهما أن ادفعا نصيب بناتها إليها فدفعاه إليها، فهذا هو الكلام في سبب النزول.
المسألة الثانية :كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال، ويقولون لا يرث إلا من طاعن بالرماح وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة، فبين تعالى أن الإرث غير مختص بالرجال، بل هو أمر مشترك فيه بين الرجال والنساء، فذكر في هذه الآية هذا القدر، ثم ذكر التفصيل بعد ذلك ولا يمتنع إذا كان للقوم عادة في توريث الكبار دون الصغار ودون النساء، أن ينقلهم سبحانه وتعالى عن تلك العادة قليلا قليلا على التدريج، لأن الانتقال عن العادة شاق ثقيل على الطبع، فإذا كان دفعة عظم وقعه على القلب، وإذا كان على التدريج سهل، فلهذا المعنى ذكر الله تعالى هذا المجمل أولا، ثم أردفه بالتفصيل.
المسألة الثالثة :احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام قال :لأن العمات والخالات والأخوال وأولاد البنات من الأقربين، فوجب دخولهم تحت قوله : ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ أقصى ما في الباب أن قدر ذلك النصيب غير مذكور في هذه الآية، إلا أنا نثبت كونهم مستحقين لأصل النصيب بهذه الآية، وأما المقدار فنستفيده من سائر الدلائل.
وأجاب أصحابنا عنه من وجهين :أحدهما :أنه تعالى قال في آخر الآية ﴿ نصيبا مفروضا ﴾ أي نصيبا مقدرا، وبالإجماع ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر، فثبت أنهم ليسوا داخلين في هذه الآية، وثانيهما :أن هذه الآية مختصة بالأقربين، فلم قلتم إن ذوي الأرحام من الأقربين ؟ وتحقيقه أنه إما أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب من شيء آخر، أو المراد منه من كان أقرب من جميع الأشياء، والأول باطل ؛ لأنه يقتضي دخول أكثر الخلق فيه، لأن كل إنسان له نسب مع غيره إما بوجه قريب أو بوجه بعيد، وهو الانتساب إلى آدم عليه السلام، ولا بد وأن يكون هو أقرب إليه من ولده، فيلزم دخول كل الخلق في هذا النص وهو باطل، ولما بطل هذا الاحتمال وجب حمل النص على الاحتمال الثاني وهو أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب الناس إليه، وما ذاك إلا الوالدان والأولاد، فثبت أن هذا النص لا يدخل فيه ذو الأرحام، لا يقال :لو حملنا الأقربين على الوالدين لزم التكرار، لأنا نقول :الأقرب جنس يندرج تحته نوعان :الوالد والولد، فثبت أنه تعالى ذكر الوالد، ثم ذكر الأقربين، فيكون المعنى أنه ذكر النوع، ثم ذكر الجنس فلم يلزم التكرار.
المسألة الرابعة :قوله : ﴿ نصيبا ﴾ في نصبه وجوه :أحدها :أنه نصب على الاختصاص بمعنى أعني نصيبا مفروضا مقطوعا واجبا، والثاني :يجوز أن ينتصب انتصاب المصدر، لأن النصيب اسم في معنى المصدر كأنه قيل :قسم قسما واجبا، كقوله : ﴿ فريضة من الله ﴾ أي قسمة مفروضة.
المسألة الخامسة :أصل الفرض الحز، ولذلك سمي الحز الذي في سية القوس فرضا، والحز الذي في القداح يسمى أيضا فرضا، وهو علامة لها تميز بينها وبين غيرها، والفرضة العلامة في مقسم الماء، يعرف بها كل ذي حق حقه من الشرب، فهذا هو أصل الفرض في اللغة، ثم إن أصحاب أبي حنيفة خصصوا لفظ الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع، واسم الوجوب بما عرف وجوبه بدليل مظنون، قالوا :لأن الفرض عبارة عن الحز والقطع، وأما الوجوب فإنه عبارة عن السقوط، يقال :وجبت الشمس إذا سقطت، ووجب الحائط إذا سقط، وسمعت وجبة يعني سقطة قال الله تعالى : ﴿ فإذا وجبت جنوبها ﴾ يعني سقطت، فثبت أن الفرض عبارة عن الحز والقطع، وأن الوجوب عبارة عن السقوط، ولا شك أن تأثير الحز والقطع أقوى وأكمل من تأثير السقوط. فلهذا السبب خصص أصحاب أبي حنيفة لفظة الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع، ولفظ الوجوب بما عرف وجوبه بدليل مظنون.
إذا عرفت هذا فنقول :هذا الذي قرروه يقضي عليهم بأن الآية ما تناولت ذوي الأرحام لأن توريث ذوي الأرحام ليس من باب ما عرف بدليل قاطع بإجماع الأمة، فلم يكن توريثهم فرضا، والآية إنما تناولت التوريث المفروض، فلزم القطع بأن هذه الآية ما تناولت ذوي الأرحام، والله أعلم.
قوله تعالى : ﴿ وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا ﴾
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :اعلم أن قوله : ﴿ وإذا حضر القسمة ﴾ ليس فيه بيان أي قسمة هي، فلهذا المعنى حصل للمفسرين فيه أقوال :الأول :أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أن النساء أسوة الرجال في أن لهن حظا من الميراث، وعلم تعالى أن في الأقارب من يرث ومن لا يرث، وأن الذين لا يرثون إذا حضروا وقت القسمة، فإن تركوا محرومين بالكلية ثقل ذلك عليهم، فلا جرم أمر الله تعالى أن يدفع إليهم شيء عند القسمة حتى يحصل الأدب الجميل وحسن العشرة، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا، فمنهم من قال :إن ذلك واجب، ومنهم من قال :إنه مندوب، أما القائلون بالوجوب، فقد اختلفوا في أمور :أحدها :أن منهم من قال :الوارث إن كان كبيرا وجب عليه أن يرضخ لمن حضر القسمة شيئا من المال بقدر ما تطيب نفسه به، وإن كان صغيرا وجب على الولي إعطاؤهم من ذلك المال، ومنهم من قال :إن كان الوارث كبيرا، وجب عليه الإعطاء من ذلك المال، وإن كان صغيرا وجب على الولي أن يعتذر إليهم، ويقول :إني لا أملك هذا المال إنما هو لهؤلاء الضعفاء الذين لا يعقلون ما عليهم من الحق، وأن يكبروا فسيعرفون حقكم، فهذا هو القول المعروف، وثانيها :قال الحسن والنخعي :هذا الرضخ مختص بقسمة الأعيان، فإذا آل الأمر إلى قسمة الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك، قال لهم قولا معروفا، مثل أن يقول لهم :ارجعوا بارك الله فيكم، وثالثها :قالوا :مقدار ما يجب فيه الرضخ شيء قليل، ولا تقدير فيه بالإجماع. ورابعها :أن على تقدير وجوب هذا الحكم تكون هذه الآية منسوخة. قال ابن عباس في رواية عطاء :وهذه الآية منسوخة بآية المواريث، وهذا قول سعيد بن المسيب والضحاك وقال في رواية عكرمة :الآية محكمة غير منسوخة وهو مذهب أبي موسى الأشعري وإبراهيم النخعي والشعبي والزهري ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير، فهؤلاء كانوا يعطون من حضر شيئا من التركة. روي أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قسم ميراث أبيه وعائشة حية، فلم يترك في الدار أحدا إلا أعطاه، وتلا هذه الآية، فهذا كله تفصيل قول من قال بأن هذا الحكم ثبت على سبيل الوجوب، ومنهم من قال :أنه ثبت على سبيل الندب والاستحباب، لا على سبيل الفرض والإيجاب، وهذا الندب أيضا إنما يحصل إذا كانت الورثة كبارا، أما إذا كانوا صغارا فليس إلا القول المعروف، وهذا المذهب هو الذي عليه فقهاء الأمصار. واحتجوا بأنه لو كان لهؤلاء حق معين لبين الله تعالى قدر ذلك الحق كما في سائر الحقوق، وحيث لم يبين علمنا أنه غير واجب، ولأن ذلك لو كان واجبا لتوفرت الدواعي على نقله لشدة حرص الفقراء والمساكين على تقديره، ولو كان ذلك لنقل على سبيل التواتر، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه غير واجب.
القول الثاني :في تفسير الآية :أن المراد بالقسمة الوصية، فإذا حضرها من لا يرث من الأقرباء واليتامى والمساكين أمر الله تعالى أن يجعل لهم نصيبا من تلك الوصية، ويقول لهم مع ذلك :قولا معروفا في الوقت، فيكون ذلك سببا لوصول السرور إليهم في الحال والاستقبال، والقول الأول أولى، لأنه تقدم ذكر الميراث ولم يتقدم ذكر الوصية، ويمكن أن يقال :هذا القول أولى لأن الآية التي تقدمت في الوصية.
القول الثالث :في تفسير الآية أن قوله : ﴿ وإذا حضر القسمة أولوا القربى ﴾ فالمراد من أولى القربى الذين يرثون والمراد من اليتامى والمساكين الذين لا يرثون.
ثم قال : ﴿ فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا ﴾ فقوله : ﴿ فارزقوهم ﴾ راجع إلى القربى الذين يرثون وقوله : ﴿ وقولوا لهم قولا معروفا ﴾ راجع إلى اليتامى والمساكين الذين لا يرثون، وهذا القول محكي عن سعيد بن جبير.
المسألة الثانية :قال صاحب الكشاف :الضمير في قوله : ﴿ فارزقوهم منه ﴾ عائد إلى ما ترك الوالدان والأقربون، وقال الواحدي :الضمير عائد إلى الميراث فتكون الكناية على هذا الوجه عائدة إلى معنى القسمة، لا إلى لفظها كقوله : ﴿ ثم استخرجها من وعاء أخيه ﴾ والصواع مذكر لا يكنى عنه بالتأنيث، لكن أريد به المشربة فعادت الكناية إلى المعنى لا إلى اللفظ، وعلى هذا التقدير فالمراد بالقسمة المقسوم، لأنه إنما يكون الرزق من المقسوم لا من نفس القسمة.
المسألة الثالثة :إنما قدم اليتامى على المساكين لأن ضعف اليتامى أكثر، وحاجتهم أشد، فكان وضع الصدقات فيهم أفضل وأعظم في الأجر.
المسألة الرابعة :الأشبه هو أن المراد بالقول المعروف أن لا يتبع العطية المن والأذى بالقول أو يكون المراد الوعد بالزيادة والاعتذار لمن لم يعطه شيئا.
قوله تعالى : ﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ﴾.
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :الجملة الشرطية وهو قوله : ﴿ لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم ﴾ هي صلة لقوله : ﴿ الذين ﴾ والمعنى :وليخش الذين من صفتهم أنهم لو تركوا ذرية ضعافا خافوا عليهم وأما الذي يخشى عليه فغير منصوص عليه، وسنذكر وجوه المفسرين فيه.
المسألة الثانية :لا شك أن قوله : ﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم ﴾ يوجب الاحتياط للذرية الضعاف، وللمفسرين فيه وجوه :الأول :أن هذا خطاب مع الذين يجلسون عند المريض فيقولون :أن ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئا، فأوص بمالك لفلان وفلان، ولا يزالون يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن لا يبقى من ماله للورثة شيء أصلا، فقيل لهم :كما أنكم تكرهون بقاء أولادكم في الضعف والجوع من غير مال، فاخشوا الله ولا تحملوا المريض على أن يحرم أولاده الضعفاء من ماله. وحاصل الكلام أنك لا ترضى مثل هذا الفعل لنفسك، فلا ترضه لأخيك المسلم. عن أنس قال :قال النبي صلى الله عليه وسلم «لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ».
والقول الثاني :قال حبيب بن أبي ثابت :سألت مقسما عن هذه الآية فقال :هو الرجل الذي يحضره الموت ويريد الوصية للأجانب، فيقول له من كان عنده :اتق الله وأمسك على ولدك مالك، مع أن ذلك الإنسان يحب أن يوصي له، ففي القول الأول الآية محمولة على نهي الحاضرين عن الترغيب في الوصية، وفي القول الثاني محمولة على نهي الحاضرين عن النهي عن الوصية، والأول أولى، لأن قوله : ﴿ لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا ﴾ أشبه بالوجه الأول وأقرب إليه.
والقول الثالث :يحتمل أن تكون الآية خطابا لمن قرب أجله، ويكون المقصود نهيه عن تكثير الوصية لئلا تبقى ورثته ضائعين جائعين بعد موته، ثم إن كانت هذه الآية إنما نزلت قبل تقدير الوصية بالثلث، كان المراد منها أن لا يجعل التركة مستغرقة بالوصية، وإن كانت نزلت بعد تقدير الوصية بالثلث، كان المراد منها أن يوصي أيضا بالثلث، بل ينقص إذا خاف على ذريته والمروي عن كثير من الصحابة أنهم وصوا بالقليل لأجل ذلك، وكانوا يقولون :الخمس أفضل من الربع، والربع أفضل من الثلث، وخبر سعد يدل عليه وهو قوله صلى الله عليه وسلم : «الثلث والثلث كثير لأن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ».
والقول الرابع :أن هذا أمر لأولياء اليتيم، فكأنه تعالى قال :وليخش من يخاف على ولده بعد موته أن يضيع مال اليتيم الضعيف الذي هو ذرية غيره إذا كان في حجره، والمقصود من الآية على هذا الوجه أن يبعثه سبحانه وتعالى على حفظ ماله، وأن يترك نفسه في حفظه والاحتياط في ذلك بمنزلة ما يحبه من غيره في ذريته لو خلفهم وخلف لهم مالا. قال القاضي :وهذا أليق بما تقدم وتأخر من الآيات الواردة في باب الأيتام، فجعل تعالى آخر ما دعاهم إلى حفظ مال اليتيم أن ينبههم على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها، ولا شك أنه من أقوى الدواعي والبواعث في هذا المقصود.
المسألة الثالثة :قال صاحب «الكشاف » :قرئ ضعفاء، وضعافي، وضعافي :نحو سكارى وسكارى. قال الواحدي :قرأ حمزة ﴿ ضعافا خافوا عليهم ﴾ بالأمالة فيهما ثم قال :ووجه إمالة ضعاف أن ما كان على وزن فعال، وكان أوله حرفا مستعليا مكسورا نحو ضعاف، وغلاب، وخباب، يحسن فيه الإمالة، وذلك لأنه تصعد بالحرف المستعلي ثم انحدر بالكسرة، فيستحب أن لا يتصعد بالتفخيم بعد الكسر حتى يوجد الصوت على طريقة واحدة، وأما الأمالة في ﴿ خافوا ﴾ فهي حسنة لأنها تطلب الكسرة التي في خفت، ثم قال : ﴿ فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ﴾ وهو كالتقرير لما تقدم، فكأنه قال :فليتقوا الله في الأمر الذي تقدم ذكره والاحتياط فيه، وليقولوا قولا سديدا إذا أرادوا بعث غيرهم على فعل وعمل، والقول السديد هو العدل والصواب من القول. قال صاحب «الكشاف » :القول السديد من الأوصياء أن لا يؤذوا اليتامى، ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالترحيب وإذا خاطبوهم قالوا يا بني، يا ولدي، والقول السديد من الجالسين إلى المريض أن يقولوا :إذا أردت الوصية لا تسرف في وصيتك ولا تجحف بأولادك، مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد والقول السديد من الورثة حال قسمة الميراث للحاضرين الذين لا يرثون، أن يلطفوا القول لهم ويخصوهم بالإكرام.
قوله تعالى : ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ﴾.
اعلم أنه تعالى أكد الوعيد في أكل مال اليتيم ظلما، وقد كثر الوعيد في هذه الآيات مرة بعد أخرى على من يفعل ذلك، كقوله : ﴿ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا ﴾ ﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا ﴾ ثم ذكر بعدها هذه الآية مفردة في وعيد من يأكل أموالهم، وذلك كله رحمة من الله تعالى باليتامى لأنهم لكمال ضعفهم وعجزهم استحقوا من الله مزيد العناية والكرامة، وما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته وكثرة عفوه وفضله، لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى بلغت عناية الله بهم إلى الغاية القصوى. وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :دلت هذه الآية على أن مال اليتيم قد يؤكل غير ظلم، وإلا لم يكن لهذا التخصيص فائدة، وذلك ما ذكرناه فيما تقدم أن للولي المحتاج أن يأكل من ماله بالمعروف.
المسألة الثانية :قوله : ﴿ إنما يأكلون في بطونهم نارا ﴾ فيه قولان :الأول :أن يجري ذلك على ظاهره قال السدي :إذا أكل الرجل مال اليتيم ظلما يبعث يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومسامعه وأذنيه وعينيه، يعرف كل من رآه أنه أكل مال اليتيم. وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «ليلة أسرى بي رأيت قوما لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخرا من النار يخرج من أسافلهم فقلت يا جبريل من هؤلاء :فقال :هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ».
والقول الثاني :أن ذلك توسع، والمراد :أن أكل مال اليتيم جار مجرى أكل النار من حيث أنه يفضي إليه ويستلزمه، وقد يطلق اسم أحد المتلازمين على الآخر، كقوله تعالى : ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ قال القاضي :وهذا أولى من الأول لأن قوله : ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا ﴾ الإشارة فيه إلى كل واحد، فكان حمله على التوسع الذي ذكرناه أولى.
المسألة الثالثة :لقائل أن يقول :الأكل لا يكون إلا في البطن فما فائدة قوله : ﴿ إنما يأكلون في بطونهم نارا ﴾.
وجوابه :أنه كقوله : ﴿ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ﴾ والقول لا يكون إلا بالفهم، وقال : ﴿ ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴾ والقلب لا يكون إلا في الصدر، وقال : ﴿ ولا طائر يطير بجناحيه ﴾ والطيران لا يكون إلا بالجناح، والغرض من كل ذلك التأكيد والمبالغة.
المسألة الرابعة :أنه تعالى وإن ذكر الأكل إلا أن المراد منه كل أنواع الإتلافات، فإن ضرر اليتيم لا يختلف بأن يكون إتلاف ماله بالأكل، أو بطريق آخر، وإنما ذكر الأكل وأراد به كل التصرفات المتلفة لوجوه :أحدها :أن عامة مال اليتيم في ذلك الوقت هو الأنعام التي يأكل لحومها ويشرب ألبانها. فخرج الكلام على عادتهم. وثانيها :أنه جرت العادة فيمن أنفق ماله في وجوه مراداته خيرا كانت أو شرا، أنه يقال :إنه أكل ماله. وثالثها :أن الأكل هو المعظم فيما يبتغي من التصرفات.
المسألة الخامسة :قالت المعتزلة :الآية دالة على وعيد كل من فعل هذا الفعل، سواء كان مسلما أو لم يكن ؛ لأن قوله تعالى : ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ﴾ عام يدخل فيه الكل فهذا يدل على القطع بالوعيد وقوله : ﴿ وسيصلون سعيرا ﴾ يوجب القطع على أنهم إذا ماتوا على غير توبة يصلون هذا السعير لا محالة، والجواب عنه قد ذكرناه مستقصى في سورة البقرة، ثم نقول :لم لا يجوز أن يكون هذا الوعيد مخصوصا بالكفار لقوله تعالى : ﴿ والكافرون هم الظالمون ﴾ ثم قالت المعتزلة :ولا يجوز أن يدخل تحت هذا الوعيد أكل اليسير من ماله لأن الوعيد مشروط بأن لا يكون معه توبة ولا طاعة أعظم من تلك المعصية، وإذا كان كذلك، فالذي يقطع على أنه من أهل الوعيد من تكون معصيته كبيرة ولا يكون معها توبة، فلا جرم وجب أن يطلب قدر ما يكون كثيرا من أكل ماله، فقال أبو علي الجبائي :قدره خمسة دراهم لأنه هو القدر الذي وقع الوعيد عليه في آية الكنز في منع الزكاة، هذا جملة ما ذكره القاضي، فيقال له :فأنت قد خالفت ظاهر هذا العموم من وجهين أحدهما :أنك زدت فيه شرط عدم التوبة. والثاني :أنك زدت فيه عدم كونه صغيرا، وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز لنا أن نزيد فيه شرط عدم العفو ؟ أقصى ما في الباب أن يقال :ما وجدنا دليلا يدل على حصول العفو، لكنا نجيب عنه من وجهين :أحدهما :أنا لا نسلم عدم دلائل العفو، بل هي كثيرة على ما قررناه في سورة البقرة. والثاني :هب أنكم ما وجدتموها لكن عدم الوجدان لا يفيد القطع بعدم الوجود، بل يبقى الاحتمال، وحينئذ يخرج التمسك بهذه الآية من إفادة القطع والجزم، والله أعلم.
المسألة السادسة :أنه تعالى ذكر وعيد مانعي الزكاة بالكي فقال : ﴿ يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ﴾ وذكر وعيد آكل مال اليتيم بامتلاء البطن من النار، ولا شك أن هذا الوعيد أشد، والسبب فيه أن في باب الزكاة الفقير غير مالك لجزء من النصاب، بل يجب على المالك أن يملكه جزأ من ماله، أما ههنا اليتيم مالك لذلك المال فكان منعه من اليتيم أقبح، فكان الوعيد أشد، ولأن الفقير قد يكون كبيرا فيقدر على الاكتساب، أما اليتيم فإنه لصغره وضعفه عاجز فكان الوعيد في إتلاف ماله أشد.
ثم قال تعالى : ﴿ وسيصلون سعيرا ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ﴿ وسيصلون ﴾ بضم الياء، أي يدخلون النار على ما لم يسم فاعله، والباقون بفتح الياء قال أبو زيد يقال :صلى الرجل النار يصلاها صلى وصلاء، وهو صالي النار، وقوم صالون وصلاء قال تعالى : ﴿ إلا من هو صال الجحيم ﴾ وقال : ﴿ أولى بها صليا ﴾ وقال : ﴿ جهنم يصلونها ﴾ قال الفراء :الصلي :اسم الوقود وهو الصلاء إذا كسرت مدت، وإذا فتحت قصرت، ومن ضم الياء فهو من قولهم :أصلاه الله حر النار إصلاء. قال : ﴿ فسوف نصليه نارا ﴾ وقال تعالى : ﴿ سأصليه سقر ﴾ قال صاحب «الكشاف » :قرئ ﴿ سيصلون ﴾ بضم الياء وتخفيف اللام وتشديدها.
المسألة الثانية :السعير :هو النار المستعرة يقال :سعرت النار أسعرها سعرا فهي مسعورة وسعير، والسعير معدول عن مسعورة كما عدل كف خضيب عن مخضوبة، وإنما قال : ﴿ سعيرا ﴾ لأن المراد نار من النيران مبهمة لا يعرف غاية شدتها إلا الله تعالى.
المسألة الثالثة :روي أنه لما نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس فاحترزوا عن مخالطة اليتامى بالكلية، فصعب الأمر على اليتامى فنزل قوله تعالى : ﴿ وإن تخالطوهم فإخوانكم ﴾ ومن الجهال من قال :صارت هذه الآية منسوخة بتلك، وهو بعيد لأن هذه الآية في المنع من الظلم وهذا لا يصير منسوخا، بل المقصود أن مخالطة أموال اليتامى إن كان على سبيل الظلم فهو من أعظم أبواب الإثم كما في هذه الآية، وإن كان على سبيل التربية والإحسان فهو من أعظم أبواب البر، كما في قوله : ﴿ وإن تخالطوهم فإخوانكم ﴾، والله أعلم.
قوله تعالى : ﴿ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ﴾.
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :اعلم أن أهل الجاهلية كانوا يتوارثون بشيئين :أحدهما :النسب، والآخر العهد، أما النسب فهم ما كانوا يورثون الصغار ولا الإناث. وإنما كانوا يورثون من الأقارب الرجال الذين يقاتلون على الخيل ويأخذون الغنيمة، وأما العهد فمن وجهين :الأول :الحلف، كان الرجل في الجاهلية يقول لغيره :دمي دمك، وهدمي هدمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، فإذا تعاهدوا على هذا الوجه فأيهما مات قبل صاحبه كان للحي ما اشترط من مال الميت، والثاني :التبني، فإن الرجل منهم كان يتبنى ابن غيره فينسب إليه دون أبيه من النسب ويرثه، وهذا التبني نوع من أنواع المعاهدة، ولما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم تركهم في أول الأمر على ما كانوا عليه في الجاهلية، ومن العلماء من قال :بل قررهم الله على ذلك فقال : ﴿ ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ والمراد التوارث بالنسب. ثم قال : ﴿ والذين عقدت أيمانكم فئاتوهم نصيبهم ﴾ والمراد به التوارث بالعهد، والأولون قالوا المراد بقوله : ﴿ والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ﴾ ليس المراد منه النصيب من المال، بل المراد فآتوهم نصيبهم من النصرة والنصيحة وحسن العشرة، فهذا شرح أسباب التوارث في الجاهلية.
وأما أسباب التوارث في الإسلام، فقد ذكرنا أن في أول الأمر قرر الحلف والتبني، وزاد فيه أمرين آخرين :أحدهما :الهجرة، فكان المهاجر يرث من المهاجر. وإن كان أجنبيا عنه، إذا كان كل واحد منهما مختصا بالآخر بمزيد المخالطة والمخالصة، ولا يرثه غير المهاجر، وإن كان من أقاربه. والثاني :المؤاخاة، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يؤاخي بين كل اثنين منهم، وكان ذلك سببا للتوارث، ثم إنه تعالى نسخ كل هذه الأسباب بقوله : ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ﴾ والذي تقرر عليه دين الإسلام أن أسباب التوريث ثلاثة :النسب، والنكاح، والولاء.
المسألة الثانية :روى عطاء قال :استشهد سعد بن الربيع وترك ابنتين وامرأة وأخا، فأخذ الأخ المال كله، فأتت المرأة وقالت يا رسول الله هاتان ابنتا سعد، وإن سعدا قتل وإن عمهما أخذ مالهما، فقال عليه الصلاة والسلام : «ارجعي فلعل الله سيقضي فيه » ثم إنها عادت بعد مدة وبكت فنزلت هذه الآية، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمهما وقال : «أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن وما بقي فهو لك ». فهذا أول ميراث قسم في الإسلام.
المسألة الثالثة :في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان :الأول :أنه تعالى لما بين الحكم في مال الأيتام، وما على الأولياء فيه، بين كيف يملك هذا اليتيم المال بالإرث، ولم يكن ذلك إلا ببيان جملة أحكام الميراث، الثاني :أنه تعالى أثبت حكم الميراث بالإجمال في قوله :
﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ فذكر عقيب ذلك المجمل، هذا المفصل فقال : ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾.
المسألة الرابعة :قال القفال :قوله : ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ أي يقول الله لكم قولا يوصلكم إلى إيفاء حقوق أولادكم بعد موتكم، وأصل الإيصاء هو الإيصال يقال :وصى يصي إذا وصل، وأوصى يوصي إذا أوصل، فإذا قيل :أوصاني فمعناه أوصلني إلى علم ما أحتاج إلى علمه، وكذلك وصى وهو على المبالغة قال الزجاج :معنى قوله ههنا : ﴿ يوصيكم ﴾ أي يفرض عليكم، لأن الوصية من الله إيجاب والدليل عليه قوله : ﴿ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به ﴾ ولا شك في كون ذلك واجبا علينا.
فإن قيل :إنه لا يقال في اللغة أوصيك لكذا فكيف قال ههنا : ﴿ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾.
قلنا :لما كانت الوصية قولا، لا جرم ذكر بعد قوله : ﴿ يوصيكم الله ﴾ خبرا مستأنفا وقال : ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ ونظيره قوله تعالى : ﴿ وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ﴾ أي قال الله :لهم مغفرة لأن الوعد قول.
المسألة الخامسة :اعلم أنه تعالى بدأ بذكر ميراث الأولاد وإنما فعل ذلك لأن تعلق الإنسان بولده أشد التعلقات، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام :" فاطمة بضعة مني " فلهذا السبب قدم الله ذكر ميراثهم.
واعلم أن للأولاد حال انفراد، وحال اجتماع مع الوالدين :أما حال الانفراد فثلاثة، وذلك لأن الميت إما أن يخلف الذكور والإناث معا، وإما أن يخلف الإناث فقط، أو الذكور فقط.
القسم الأول :ما إذا خلف الذكران والإناث معا، وقد بين الله الحكم فيه بقوله : ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾.
واعلم أن هذا يفيد أحكاما :أحدهما :إذا خلف الميت ذكرا واحدا وأنثى واحدة فللذكر سهمان وللأنثى سهم، وثانيها :إذا كان الوارث جماعة من الذكور وجماعة من الإناث كان لكل ذكر سهمان، ولك أنثى سهم. وثالثها :إذا حصل مع الأولاد جمع آخرون من الوارثين كالأبوين والزوجين فهم يأخذون سهامهم، وكان الباقي بعد تلك السهام بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين فثبت أن قوله : ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ يفيد هذه الأحكام الكثيرة.
القسم الثاني :ما إذا مات وخلف الإناث فقط :بين تعالى أنهم إن كن فوق اثنتين، فلهن الثلثان، وإن كانت واحدة فلها النصف، إلا أنه تعالى لم يبين حكم البنتين بالقول الصريح. واختلفوا فيه، فعن ابن عباس أنه قال :الثلثان فرض الثلاث من البنات فصاعدا، وأما فرض البنتين فهو النصف، واحتج عليه بأنه تعالى قال : ﴿ فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ﴾ وكلمة «إن » في اللغة للاشتراط، وذلك يدل على أن أخذ الثلثين مشروط بكونهن ثلاثا فصاعدا، وذلك ينفي حصول الثلثين للبنتين.
والجواب من وجوه :الأول :أن هذا الكلام لازم على ابن عباس، لأنه تعالى قال : ﴿ وإن كانت واحدة فلها النصف ﴾ فجعل حصول النصف مشروطا بكونها واحدة، وذلك ينفي حصول النصف نصيبا للبنتين، فثبت أن هذا الكلام إن صح فهو يبطل قوله. الثاني :أنا لا نسلم أن كلمة «إن » تدل على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف ؛ ويدل عليه أنه لو كان الأمر كذلك لزم التناقض بين هاتين الآيتين، لأن الإجماع دل على أن نصيب اثنتين إما النصف، وإما الثلثان، وبتقدير أن يكون كلمة «إن » للاشتراط وجب القول بفسادهما، فثبت أن القول بكلمة الاشتراط يفضي إلى الباطل فكان باطلا، ولأنه تعالى قال : ﴿ وإن لم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة ﴾ وقال : ﴿ لا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ﴾، ولا يمكن أن يفيد معنى الاشتراط في هذه الآيات.
الوجه الثالث :في الجواب :هو أن في الآية تقديما وتأخيرا، والتقدير :فإن كن نساء اثنتين فما فوقهما فلهن الثلثان، فهذا هو الجواب عن حجة ابن عباس، وأما سائر الأمة فقد أجمعوا على أن فرض البنتين الثلثان، قالوا :وإنما عرفنا ذلك بوجوه :الأول :قال أبو مسلم الأصفهاني :عرفناه من قوله تعالى : ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ وذلك لأن من مات وخلف ابنا وبنتا فههنا يجب أن يكون نصيب الابن الثلثين لقوله تعالى : ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ فإذا كان نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين، ونصيب الذكر ههنا هو الثلثان، وجب لا محالة أن يكون نصيب الابنتين الثلثين، الثاني :قال أبو بكر الرازي :إذا مات وخلف ابنا وبنتا فههنا نصيب البنت الثلث بدليل قوله تعالى : ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ فإذا كان نصيب البنت مع الولد الذكر هو الثلث، فبأن يكون نصيبهما مع ولد آخر أنثى هو الثلث كان أولى، لأن الذكر أقوى من الأنثى. الثالث :أن قوله تعالى : ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ يفيد أن حظ الأنثيين أزيد من حظ الأنثى الواحدة، وإلا لزم أن يكون حظ الذكر مثل حظ الأنثى الواحدة وذلك على خلاف النص، وإذا ثبت أن حظ الأنثيين أزيد من حظ الواحدة فنقول وجب أن يكون ذلك هو الثلثان، لأنه لا قائل بالفرق، والرابع :أنا ذكرنا في سبب نزول هذه الآية أنه عليه الصلاة والسلام أعطى بنتي سعد بن الربيع الثلثين، وذلك يدل على ما قلناه. الخامس :أنه تعالى ذكر في هذه الآية حكم الواحدة من البنات وحكم الثلاث فما فوقهن، ولم يذكر حكم اثنتين، وقال في شرح ميراث الأخوات : ﴿ إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ﴾ ﴿ فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك ﴾ فههنا ذكر ميراث الأخت الواحدة والأختين ولم يذكر ميراث الأخوات الكثيرة، فصار كل واحدة من هاتين الآيتين مجملا من وجه ومبينا من وجه، فنقول :لما كان نصيب الأختين الثلثين كانت البنتان أولى بذلك، لأنهما أقرب إلى الميت من الأختين، ولما كان نصيب البنات الكثيرة لا يزداد على الثلثين وجب أن لا يزداد نصيب الأخوات الكثيرة على ذلك، لأن البنت لما كانت أشد اتصالا بالميت امتنع جعل الأضعف زائدا على الأقوى، فهذا مجموع الوجوه المذكورة في هذا الباب، فالوجوه الثلاثة الأول مستنبطة من الآية، والرابع مأخوذ من السنة، والخامس من القياس الجلي.
أما القسم الثالث :وهو إذا مات وخلف الأولاد الذكور فقط فنقول :أما الابن الواحد فإنه إذا انفرد أخذ كل المال، وبيانه من وجوه :الأول من دلالة قوله تعالى : ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ فإن هذا يدل على أن نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين.
ثم قال تعالى في البنات : ﴿ وإن كانت واحدة فلها النصف ﴾ فلزم من مجموع هاتين الآيتين أن نصيب الابن المفرد جميع المال. الثاني :أنا نستفيد ذلك من السنة وهي قوله عليه الصلاة والسلام : «ما أبقت السهام فلا ولى عصبة ذكر » ولا نزاع أن الابن عصبة ذكر، ولما كان الابن آخذا لكل ما بقي بعد السهام وجب فيما إذا لم يكن سهام أن يأخذ الكل. الثالث :أن أقرب العصبات إلى الميت هو الابن، وليس له بالإجماع قدر معين من الميراث، فإذا لم يكن معه صاحب فرض لم يكن له إن يأخذ قدرا أولى منه بأن يأخذ الزائد، فوجب أن يأخذ الكل.
فإن قيل :حظ الأنثيين هو الثلثان فقوله : ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ يقتضي أن يكون حظ الذكر مطلقا هو الثلث، وذلك ينفي أن يأخذ كل المال.
قلنا :المراد منه حال الاجتماع لا حال الانفراد، ويدل عليه وجهان :أحدهما :أن قوله : ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ يقتضي حصول الأولاد، وقوله : ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ يقتضي حصول الذكر والأنثى هناك. والثاني :أنه تعالى ذكر عقيبه حال الانفراد، هذا كله إذا مات وخلف ابنا واحدا فقط، أما إذا مات وخلف أبناء كانوا متشاركين في جهة الاستحقاق ولا رجحان، فوجب قسمة المال بينهم بالسوية والله أعلم.
بقي في الآية سؤالان :
السؤال الأول :لا شك أن المرأة أعجز من الرجل لوجوه :أما أولا فلعجزها عن الخروج والبروز، فإن زوجها وأقاربها يمنعونها من ذلك. وأما ثانيا :فلنقصان عقلها وكثرة اختداعها واغترارها. وأما ثالثا :فلأنها متى خالطت الرجال صارت متهمة، وإذا ثبت أن عجزها أكمل وجب أن يكون نصيبها من الميراث أكثر، فإن لم يكن أكثر فلا أقل من المساواة، فما الحكمة في أنه تعالى جعل نصيبها نصف نصيب الرجل.
والجواب عنه من وجوه :الأول :أن خروج المرأة أقل، لأن زوجها ينفق عل
قوله تعالى : ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين ﴾.
اعلم أنه تعالى أورد أقسام الورثة في هذه الآيات على أحسن الترتيبات، وذلك لأن الوارث إما أن يكون متصلا بالميت بغير واسطة أو بواسطة، فإن اتصل به بغير واسطة فسبب الاتصال إما أن يكون هو النسب أو الزوجية، فحصل ههنا أقسام ثلاثة، أشرفها وأعلاها الاتصال الحاصل ابتداء من جهة النسب، وذلك هو قرابة الولاد، ويدخل فيها الأولاد والوالدان فالله تعالى قدم حكم هذا القسم. وثانيها :الاتصال الحاصل ابتداء من جهة الزوجية، وهذا القسم متأخر في الشرف عن القسم الأول لأن الأول ذاتي وهذا الثاني عرضي، والذاتي أشرف من العرضي، وهذا القسم هو المراد من هذه الآية التي نحن الآن في تفسيرها. وثالثها :الاتصال الحاصل بواسطة الغير وهو المسمى بالكلالة، وهذا القسم متأخر عن القسمين الأولين لوجوه :أحدها :أن الأولاد والوالدين والأزواج والزوجات لا يعرض لهم السقوط بالكلية، وثانيها :أن القسمين الأولين ينسب كل واحد منهما إلى الميت بغير واسطة، والكلالة تنسب إلى الميت بواسطة والثابت ابتداء أشرف من الثابت بواسطة. وثالثها :أن مخالطة الإنسان بالوالدين والأولاد والزوج والزوجة أكثر وأتم من مخالطته بالكلالة. وكثرة المخالطة مظنة الألفة والشفقة، وذلك يوجب شدة الاهتمام بأحوالهم، فلهذه الأسباب الثلاثة وأشباهها أخر الله تعالى ذكر مواريث الكلالة عن ذكر القسمين الأولين فما أحسن هذا الترتيب وما أشد انطباقه على قوانين المعقولات وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :أنه تعالى لما جعل في الموجب النسبي حظ الرجل مثل حظ الأنثيين كذلك جعل في الموجب السببي حظ الرجل مثل حظ الأنثيين، واعلم أن الواحد والجماعة سواء في الربع والثمن، والولد من ذلك الزوج ومن غيره سواء في الرد من النصف إلى الربع أو من الربع إلى الثمن، واعلم أنه لا فرق في الولد بين الذكر والأنثى ولا فرق بين الابن وبين ابن الابن ولا بين البنت وبين بنت الابن، والله أعلم.
المسألة الثانية :قال الشافعي رحمه الله :يجوز للزوج غسل زوجته، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجوز. حجة الشافعي أنها بعد الموت زوجته فيحل له غسلها، بيان أنها زوجته قوله تعالى : ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ﴾ سماها زوجة حال ما أثبت للزوج نصف مالها عند موتها، إذا ثبت للزوج نصف مالها عند موتها، فوجب أن تكون زوجة له بعد موتها، إذا ثبت هذا وجب أن يحل له غسلها لأنه قبل الزوجية ما كان يحل له غسلها، وعند حصول الزوجية حل له غسلها، والدوران دليل العلية ظاهرا. وحجة أبي حنيفة أنها ليست زوجته ولا يحل له غسلها :بيان عدم الزوجية أنها لو كانت زوجته لحل له بعد الموت وطؤها لقوله : ﴿ إلا على أزواجهم ﴾ وإذا ثبت هذا وجب أن لا يثبت حل الغسل، لأنه لو ثبت لثبت أما مع حل النظر وهو باطل لقوله عليه السلام : «غض بصرك إلا عن زوجتك » أو بدون حل النظر وهو باطل بالإجماع.
والجواب :لما تعارضت الآيتان في ثبوت الزوجية وعدمها وجب الترجيح فنقول :لو لم تكن زوجة لكان قوله : ﴿ نصف ما ترك أزواجكم ﴾ مجازا، ولو كانت زوجة مع أنه لا يحل وطؤها لزم التخصيص، وقد ذكرنا في أصول الفقه أن التخصيص أولى، فكان الترجيح من جانبنا، وكيف وقد علمنا أن في صور كثيرة حصلت الزوجية ولم يحصل حل الوطء مثل زمان الحيض والنفاس ومثل نهار رمضان، وعند اشتغالها بأداء الصلاة المفروضة والحج المفروض، وعند كونها في العدة عن الوطء بالشبهة، وأيضا فقد بينا في الخلافيات أن حل الوطء ثبت على خلاف الدليل لما فيه من المصالح الكثيرة، فبعد الموت لم يبق شيء من تلك المصالح، فعاد إلى أصل الحرمة، أما حل الغسل فإن ثبوته بعد الموت منشأ للمصالح الكثيرة فوجب القول ببقائه والله أعلم.
المسألة الثالثة :في الآية ما يدل على فضل الرجال على النساء لأنه تعالى حيث ذكر الرجال في هذه الآية ذكرهم على سبيل المخاطبة، وحيث ذكر النساء ذكرهن على سبيل المغايبة، وأيضا خاطب الله الرجال في هذه الآية سبع مرات، وذكر النساء فيها على سبيل الغيبة أقل من ذلك، وهذا يدل على تفضيل الرجال على النساء، وما أحسن ما راعى هذه الدقيقة لأنه تعالى فضل الرجال على النساء في النصيب، ونبه بهذه الدقيقة على مزيد فضلهم عليهن.
قوله تعالى : ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم ﴾.
اعلم أن هذه الآية في شرح توريث القسم الثالث من أقسام الورثة وهم الكلالة وهم الذين ينسبون إلى الميت بواسطة. وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :كثر أقوال الصحابة في تفسير الكلالة، واختيار أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنها عبارة عمن سوى الوالدين والولد، وهذا هو المختار والقول الصحيح، وأما عمر رضي الله عنه فإنه كان يقول :الكلالة من سوى الولد، وروي أنه لما طعن قال :كنت أرى أن الكلالة من لا ولد له، وأنا أستحي أن أخالف أبا بكر، الكلالة من عدا الوالد والولد، وعن عمر فيه رواية أخرى :وهي التوقف، وكان يقول :ثلاثة، لأن يكون بينها الرسول صلى الله عليه وسلم لنا أحب إلي من الدنيا وما فيها :الكلالة، والخلافة، والربا. والذي يدل على صحة قول الصديق رضي الله عنه وجوه :الأول :التمسك باشتقاق لفظ الكلالة وفيه وجوه :الأول :يقال :كلت الرحم بين فلان وفلان إذا تباعدت القرابة، وحمل فلان على فلان، ثم كل عنه إذا تباعد. فسميت القرابة البعيدة كلالة من هذا الوجه. الثاني :يقال :كل الرجل يكل كلا وكلالة إذا أعيا وذهبت قوته، ثم جعلوا هذا اللفظ استعارة من القرابة الحاصلة لا من جهة الولادة، وذلك لأنا بينا أن هذه القرابة حاصلة بواسطة الغير فيكون فيها ضعف، وبهذا يظهر أنه يبعد إدخال الوالدين في الكلالة لأن انتسابهما إلى الميت بغير واسطة. الثالث :الكلالة في أصل اللغة عبارة عن الإحاطة، ومنه الإكليل لإحاطته بالرأس، ومنه الكل لإحاطته بما يدخل فيه، ويقال تكلل السحاب إذا صار محيطا بالجوانب، إذا عرفت هذا فنقول :من عدا الوالد والولد إنما سموا بالكلالة، لأنهم كالدائرة المحيطة بالإنسان وكالإكليل المحيط برأسه :أما قرية الولادة فليست كذلك فإن فيها يتفرع البعض عن البعض :ويتولد البعض من البعض، كالشيء الواحد الذي يتزايد على نسق واحد، ولهذا قال الشاعر :
نسب تتابع كابرا عن كابر كالرمح أنبوبا على أنبوب
فأما القرابة المغايرة لقرابة الولادة، وهي كالأخوة والأخوات والأعمام والعمات، فإنما يحصل لنسبهم اتصال وإحاطة بالمنسوب إليه، فثبت بهذه الوجوه الاشتقاقية أن الكلالة عبارة عمن عدا الوالدين والولد.
الحجة الثانية :أنه تعالى ما ذكر لفظ الكلالة في كتابه إلا مرتين، في هذه السورة :أحدهما :في هذه الآية، والثاني :في آخر السورة وهو قوله : ﴿ قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ﴾ واحتج عمر بن الخطاب بهذه الآية على أن الكلالة من لا ولد له فقط، قال :لأن المذكور ههنا في تفسير الكلالة :هو أنه ليس له ولد، إلا أنا نقول :هذه الآية تدل على أن الكلالة من لا ولد له ولا والد. وذلك لأن الله تعالى حكم بتوريث الأخوة والأخوات حال كون الميت كلالة، ولا شك أن الأخوة والأخوات لا يرثون حال وجود الأبوين، فوجب أن لا يكون الميت كلالة حال وجود الأبوين.
الحجة الثانية :إنه تعالى ذكر حكم الولد والوالدين في الآيات المتقدمة ثم أتبعها بذكر الكلالة، وهذا الترتيب يقتضي أن تكون الكلالة من عدا الوالدين والولد.
الحجة الرابعة :قول الفرزدق :
ورثتم قناة الملك لا عن كلالة عن ابني مناف عبد شمس وهاشم
دل هذا البيت على أنهم ما ورثوا الملك عن الكلالة، ودل على أنهم ورثوها عن آبائهم، وهذا يوجب أن لا يكون الأب داخلا في الكلالة والله أعلم.
المسألة الثانية :الكلالة قد تجعل وصفا للوارث وللمورث، فإذا جعلناها وصفا للوارث فالمراد من سوى الأولاد والوالدين، وإذا جعلناها وصفا للمورث، فالمراد الذي يرثه من سوى الوالدين والأولاد، أما بيان أن هذا اللفظ مستعمل في الوارث فالدليل عليه ما روى جابر قال :مرضت مرضا أشفيت منه على الموت فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم فقلت :يا رسول الله إني رجل لا يرثني إلا كلالة، وأراد به أنه ليس له والد ولا ولد، وأما أنه مستعمل في المورث فالبيت الذي رويناه عن الفرزدق، فإن معناه أنكم ما ورثتم الملك عن الأعمام، بل عن الآباء فسمي العم كلالة وهو ههنا مورث لا وارث، إذا عرفت هذا فنقول :المراد من الكلالة في هذه الآية الميت، الذي لا يخلف الوالدين والولد، لأن هذا الوصف إنما كان معتبرا في الميت الذي هو المورث لا في الوارث الذي لا يختلف حاله بسب أن له ولدا أو والدا أم لا.
المسألة الثالثة :يقال رجل كلالة، وامرأة كلالة، وقوم كلالة، لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر كالدلالة والوكالة.
إذا عرفت هذا فنقول :إذا جعلناها صفة للوارث أو المورث كان بمعنى ذي كلالة، كما يقول :فلان من قرابتي يريد من ذوي قرابتي، قال صاحب «الكشاف » :ويجوز أن يكون صفة كالهجاجة والفقاقة للأحمق.
المسألة الرابعة :قوله : ﴿ يورث ﴾ فيه احتمالان :الأول :أن يكون ذلك مأخوذا من ورثه الرجل يرثه، وعلى هذا التقدير يكون الرجل هو الموروث منه، وفي انتصاب كلالة وجوه :أحدها :النصب على الحال، والتقدير :يورث حال كونه كلالة، والكلالة مصدر وقع موقع الحال تقديره :يورث متكلل النسب، وثانيها :أن يكون قوله : ﴿ يورث ﴾ صفة لرجل، و ﴿ كلالة ﴾ خبر كان، والتقدير وإن كان رجل يورث منه كلالة، وثالثها :أن يكون مفعولا له، أي يورث لأجل كونه كلالة.
الاحتمال الثاني :في قوله : ﴿ يورث ﴾ أن يكون ذلك مأخوذا من أورث يورث، وعلى هذا التقدير يكون الرجل هو الوارب، وانتصاب كلالة على هذا التقدير أيضا يكون على الوجوه المذكورة.
المسألة الخامسة :قرأ الحسن، وأبو رجاء العطاردي :يورث ويورث بالتخفيف والتشديد على الفاعل.
أما قوله تعالى : ﴿ وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس ﴾ ففيه مسألتان :
المسألة الأولى :ههنا سؤال :وهو أنه تعالى قال : ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة ﴾ ثم قال : ﴿ وله أخ ﴾ فكنى عن الرجل وما كنى عن المرأة فما السبب فيه ؟
والجواب قال الفراء :هذا جائز فإنه إذا جاء حرفان في معنى واحد «بأو » جاز إسناد التفسير إلى أيهما أريد، ويجوز إسناده إليهما أيضا، تقول :من كان له أخ أو أخت فليصله، يذهب إلى الأخ، أو فليصلها يذهب إلى الأخت، وإن قلت فليصلهما جاز أيضا.
المسألة الثانية :أجمع المفسرون ههنا على أن المراد من الأخ والأخت :الأخ والأخت من الأم، وكان سعد بن أبي وقاص يقرأ :وله أخ أو أخت من أم، وإنما حكموا بذلك
قوله تعالى : ﴿ تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ﴾.
في الآية مسائل :
المسألة الأولى :أنه تعالى بعد بيان سهام المواريث ذكر الوعد والوعيد ترغيبا في الطاعة وترهيبا عن المعصية فقال : ﴿ تلك حدود الله ﴾ وفيه بحثان.
البحث الأول :أن قوله : ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ماذا ؟ فيه قولان :الأول :أنه إشارة إلى أحوال المواريث.
القول الثاني :أنه إشارة إلى كل ما ذكره من أول السورة إلى ههنا من بيان أموال الأيتام وأحكام الأنكحة وأحوال المواريث وهو قول الأصم، حجة القول الأول أن الضمير يعود إلى أقرب المذكورات، وحجة القول الثاني أن عوده إلى الأقرب إذا لم يمنع من عوده إلى الأبعد مانع يوجب عوده إلى الكل.
البحث الثاني :أن المراد بحدود الله المقدرات التي ذكرها وبينها، وحد الشيء طرفه الذي يمتاز به عن غيره، ومنه حدود الدار، والقول الدال على حقيقة الشيء يسمى حدا له، لأن ذلك القول يمنع غيره من الدخول فيه، وغيره هو كل ما سواه.
المسألة الثانية :قال بعضهم :قوله : ﴿ ومن يطع الله ورسوله ﴾ وقوله : ﴿ ومن يعص الله ورسوله ﴾ مختص بمن أطاع أو عصى في هذه التكاليف المذكورة في هذه السورة، وقال المحققون :بل هو عام يدخل فيه هذا وغيره، وذلك لأن اللفظ عام فوجب أن يتناول الكل. أقصى ما في الباب أن هذا العام إنما ذكر عقيب تكاليف خاصة، إلا أن هذا القدر لا يقتضي تخصيص العموم، ألا ترى أن الوالد قد يقبل على ولده ويوبخه في أمر مخصوص، ثم يقول :احذر مخالفتي ومعصيتي ويكون مقصوده منعه من معصيته في جميع الأمور، فكذا ههنا والله أعلم.
المسألة الثالثة :قرأ نافع وابن عامر :( ندخله جنات ) ( ندخله نارا ) بالنون في الحرفين، والباقون بالياء.
أما الأول :فعلى طريقة الالتفات كما في قوله : ﴿ بل الله مولاكم ﴾ [ آل عمران ] ثم قال : ﴿ سنلقى ﴾ بالنون.
وأما الثاني :فوجهه ظاهر.
المسألة الرابعة :ههنا سؤال وهو أن قوله : ﴿ يدخله جنات ﴾ إنما يليق بالواحد ثم قوله بعد ذلك ﴿ خالدين فيها ﴾ إنما يليق بالجمع فكيف التوفيق بينهما ؟
الجواب :أن كلمة ( من ) في قوله : ﴿ ومن يطع الله ﴾ مفرد في اللفظ جمع في المعنى فلهذا صح الوجهان.
المسألة الخامسة :انتصب «خالدين » «وخالدا » على الحال من الهاء في «ندخله » والتقدير :ندخله خالدا في النار.
المسألة السادسة :قالت المعتزلة :هذه الآية تدل على أن فساق أهل الصلاة يبقون مخلدين في النار. وذلك لأن قوله : ﴿ ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده ﴾ إما أن يكون مخصوصا بمن تعدى في الحدود التي سبق ذكرها وهي حدود المواريث، أو يدخل فيها ذلك وغيره، وعلى التقديرين يلزم دخول من تعدى في المواريث في هذا الوعيد، وذلك عام فيمن تعدى وهو من أهل الصلاة أو ليس من أهل الصلاة، فدلت هذه الآية على القطع بالوعيد، وعلى أن الوعيد مخلد، ولا يقال :هذا الوعيد مختص بمن تعدى حدود الله، وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر. فإنه هو الذي تعدى جميع حدود الله، فأنا نقول :هذا مدفوع من وجهين :الأول :أنا لو حملنا هذه الآية على تعدي جميع حدود الله خرجت الآية عن الفائدة لأن الله تعالى نهى عن اليهودية والنصرانية والمجوسية، فتعدي جميع حدوده هو أن يترك جميع هذه النواهي، وتركها إنما يكون بأن يأتي اليهودية والمجوسية والنصرانية معا وذلك محال، فثبت أن تعدى جميع حدود الله محال فلو كان المراد من الآية ذلك لخرجت الآية عن كونها مفيدة، فعلمنا أن المراد منه أي حد كان من حدود الله. الثاني :هو أن هذه الآية مذكورة عقيب آيات قسمة المواريث، فيكون المراد من قوله : ﴿ ويتعد حدوده ﴾ تعدى حدود الله في الأمور المذكورة في هذه الآيات. وعلى هذا التقدير يسقط هذا السؤال. هذا منتهى تقرير المعتزلة وقد ذكرنا هذه المسألة على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة. ولا بأس بأن نعيد طرفا منها في هذا الموضع فنقول :أجمعنا على أن هذا الوعيد مختص بعدم التوبة لأن الدليل دل على أنه إذا حصلت التوبة لم يبق هذا الوعيد، فكذا يجوز أن يكون مشروطا بعدم العفو، فإن بتقدير قيام الدلالة على حصول العفو امتنع بقاء هذا الوعيد عند حصول العفو، ونحن قد ذكرنا الدلائل الكثيرة على حصول العفو، ثم نقول :هذا العموم مخصوص بالكافر، ويدل عليه وجهان :الأول :أنا إذا قلنا لكم :ما الدليل على أن كلمة ( من ) في معرض الشرط تفيد العموم ؟ قلتم :الدليل عليه أنه يصح الاستثناء منه، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه، فنقول :إن صح هذا الدليل فهو يدل على أن قوله : ﴿ ومن يعص الله ورسوله ﴾ مختص بالكافر :لأن جميع المعاصي يصح استثناؤها من هذا اللفظ فيقال :ومن يعص الله ورسوله إلا في الكفر، وإلا في الفسق، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فهذا يقتضي أن قوله : ﴿ ومن يعص الله ﴾ في جميع أنواع المعاصي والقبائح وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر، وقوله :الإتيان بجميع المعاصي محال لأن الإتيان باليهودية والنصرانية معا محال، فنقول :ظاهر اللفظ يقتضي العموم إلا إذا قام مخصص عقلي أو شرعي، وعلى هذا التقدير يسقط سؤالهم ويقوي ما ذكرناه.
الوجه الثاني :في بيان أن هذه الآية مختصة بالكافر :أن قوله : ﴿ ومن يعص الله ورسوله ﴾ يفيد كونه فاعلا للمعصية والذنب، وقوله : ﴿ ويتعد حدوده ﴾ لو كان المراد منه عين ذلك للزم التكرار، وهو خلاف الأصل، فوجب حمله على الكفر، وقوله :بأنا نحمل هذه الآية على تعدي الحدود المذكورة في المواريث.
قلنا :هب أنه كذلك إلا أنه يسقط ما ذكرناه من السؤال بهذا الكلام، لأن التعدي في حدود المواريث تارة يكون بأن يعتقد أن تلك التكاليف والأحكام حق وواجبة القبول إلا أنه يتركها، وتارة يكون بأن يعتقد أنها واقعة لا على وجه الحكمة والصواب، فيكون هذا هو الغاية في تعدي الحدود، وأما الأول فلا يكاد يطلق في حقه أنه تعدى حدود الله، وإلا لزم وقوع التكرار كما ذكرناه، فعلمنا أن هذا الوعيد مختص بالكافر الذي لا يرضى بما ذكره الله في هذه الآية من قسمة المواريث، فهذا ما يختص بهذه الآية من المباحث، وأما بقية الأسئلة فقد تقدم ذكرها في سورة البقرة، والله أعلم.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٣: قوله تعالى : ﴿ تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ﴾.

في الآية مسائل :

المسألة الأولى :أنه تعالى بعد بيان سهام المواريث ذكر الوعد والوعيد ترغيبا في الطاعة وترهيبا عن المعصية فقال : ﴿ تلك حدود الله ﴾ وفيه بحثان.
البحث الأول :أن قوله : ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ماذا ؟ فيه قولان :الأول :أنه إشارة إلى أحوال المواريث.
القول الثاني :أنه إشارة إلى كل ما ذكره من أول السورة إلى ههنا من بيان أموال الأيتام وأحكام الأنكحة وأحوال المواريث وهو قول الأصم، حجة القول الأول أن الضمير يعود إلى أقرب المذكورات، وحجة القول الثاني أن عوده إلى الأقرب إذا لم يمنع من عوده إلى الأبعد مانع يوجب عوده إلى الكل.
البحث الثاني :أن المراد بحدود الله المقدرات التي ذكرها وبينها، وحد الشيء طرفه الذي يمتاز به عن غيره، ومنه حدود الدار، والقول الدال على حقيقة الشيء يسمى حدا له، لأن ذلك القول يمنع غيره من الدخول فيه، وغيره هو كل ما سواه.
المسألة الثانية :قال بعضهم :قوله : ﴿ ومن يطع الله ورسوله ﴾ وقوله : ﴿ ومن يعص الله ورسوله ﴾ مختص بمن أطاع أو عصى في هذه التكاليف المذكورة في هذه السورة، وقال المحققون :بل هو عام يدخل فيه هذا وغيره، وذلك لأن اللفظ عام فوجب أن يتناول الكل. أقصى ما في الباب أن هذا العام إنما ذكر عقيب تكاليف خاصة، إلا أن هذا القدر لا يقتضي تخصيص العموم، ألا ترى أن الوالد قد يقبل على ولده ويوبخه في أمر مخصوص، ثم يقول :احذر مخالفتي ومعصيتي ويكون مقصوده منعه من معصيته في جميع الأمور، فكذا ههنا والله أعلم.
المسألة الثالثة :قرأ نافع وابن عامر :( ندخله جنات ) ( ندخله نارا ) بالنون في الحرفين، والباقون بالياء.
أما الأول :فعلى طريقة الالتفات كما في قوله : ﴿ بل الله مولاكم ﴾ [ آل عمران ] ثم قال : ﴿ سنلقى ﴾ بالنون.
وأما الثاني :فوجهه ظاهر.
المسألة الرابعة :ههنا سؤال وهو أن قوله : ﴿ يدخله جنات ﴾ إنما يليق بالواحد ثم قوله بعد ذلك ﴿ خالدين فيها ﴾ إنما يليق بالجمع فكيف التوفيق بينهما ؟
الجواب :أن كلمة ( من ) في قوله : ﴿ ومن يطع الله ﴾ مفرد في اللفظ جمع في المعنى فلهذا صح الوجهان.
المسألة الخامسة :انتصب «خالدين » «وخالدا » على الحال من الهاء في «ندخله » والتقدير :ندخله خالدا في النار.
المسألة السادسة :قالت المعتزلة :هذه الآية تدل على أن فساق أهل الصلاة يبقون مخلدين في النار. وذلك لأن قوله : ﴿ ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده ﴾ إما أن يكون مخصوصا بمن تعدى في الحدود التي سبق ذكرها وهي حدود المواريث، أو يدخل فيها ذلك وغيره، وعلى التقديرين يلزم دخول من تعدى في المواريث في هذا الوعيد، وذلك عام فيمن تعدى وهو من أهل الصلاة أو ليس من أهل الصلاة، فدلت هذه الآية على القطع بالوعيد، وعلى أن الوعيد مخلد، ولا يقال :هذا الوعيد مختص بمن تعدى حدود الله، وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر. فإنه هو الذي تعدى جميع حدود الله، فأنا نقول :هذا مدفوع من وجهين :الأول :أنا لو حملنا هذه الآية على تعدي جميع حدود الله خرجت الآية عن الفائدة لأن الله تعالى نهى عن اليهودية والنصرانية والمجوسية، فتعدي جميع حدوده هو أن يترك جميع هذه النواهي، وتركها إنما يكون بأن يأتي اليهودية والمجوسية والنصرانية معا وذلك محال، فثبت أن تعدى جميع حدود الله محال فلو كان المراد من الآية ذلك لخرجت الآية عن كونها مفيدة، فعلمنا أن المراد منه أي حد كان من حدود الله. الثاني :هو أن هذه الآية مذكورة عقيب آيات قسمة المواريث، فيكون المراد من قوله : ﴿ ويتعد حدوده ﴾ تعدى حدود الله في الأمور المذكورة في هذه الآيات. وعلى هذا التقدير يسقط هذا السؤال. هذا منتهى تقرير المعتزلة وقد ذكرنا هذه المسألة على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة. ولا بأس بأن نعيد طرفا منها في هذا الموضع فنقول :أجمعنا على أن هذا الوعيد مختص بعدم التوبة لأن الدليل دل على أنه إذا حصلت التوبة لم يبق هذا الوعيد، فكذا يجوز أن يكون مشروطا بعدم العفو، فإن بتقدير قيام الدلالة على حصول العفو امتنع بقاء هذا الوعيد عند حصول العفو، ونحن قد ذكرنا الدلائل الكثيرة على حصول العفو، ثم نقول :هذا العموم مخصوص بالكافر، ويدل عليه وجهان :الأول :أنا إذا قلنا لكم :ما الدليل على أن كلمة ( من ) في معرض الشرط تفيد العموم ؟ قلتم :الدليل عليه أنه يصح الاستثناء منه، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه، فنقول :إن صح هذا الدليل فهو يدل على أن قوله : ﴿ ومن يعص الله ورسوله ﴾ مختص بالكافر :لأن جميع المعاصي يصح استثناؤها من هذا اللفظ فيقال :ومن يعص الله ورسوله إلا في الكفر، وإلا في الفسق، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فهذا يقتضي أن قوله : ﴿ ومن يعص الله ﴾ في جميع أنواع المعاصي والقبائح وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر، وقوله :الإتيان بجميع المعاصي محال لأن الإتيان باليهودية والنصرانية معا محال، فنقول :ظاهر اللفظ يقتضي العموم إلا إذا قام مخصص عقلي أو شرعي، وعلى هذا التقدير يسقط سؤالهم ويقوي ما ذكرناه.
الوجه الثاني :في بيان أن هذه الآية مختصة بالكافر :أن قوله : ﴿ ومن يعص الله ورسوله ﴾ يفيد كونه فاعلا للمعصية والذنب، وقوله : ﴿ ويتعد حدوده ﴾ لو كان المراد منه عين ذلك للزم التكرار، وهو خلاف الأصل، فوجب حمله على الكفر، وقوله :بأنا نحمل هذه الآية على تعدي الحدود المذكورة في المواريث.
قلنا :هب أنه كذلك إلا أنه يسقط ما ذكرناه من السؤال بهذا الكلام، لأن التعدي في حدود المواريث تارة يكون بأن يعتقد أن تلك التكاليف والأحكام حق وواجبة القبول إلا أنه يتركها، وتارة يكون بأن يعتقد أنها واقعة لا على وجه الحكمة والصواب، فيكون هذا هو الغاية في تعدي الحدود، وأما الأول فلا يكاد يطلق في حقه أنه تعدى حدود الله، وإلا لزم وقوع التكرار كما ذكرناه، فعلمنا أن هذا الوعيد مختص بالكافر الذي لا يرضى بما ذكره الله في هذه الآية من قسمة المواريث، فهذا ما يختص بهذه الآية من المباحث، وأما بقية الأسئلة فقد تقدم ذكرها في سورة البقرة، والله أعلم.

قوله تعالى : ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ﴾
اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآيات المتقدمة الأمر بالإحسان إلى النساء ومعاشرتهن بالجميل، وما يتصل بهذا الباب، ضم إلى ذلك التغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشة، فإن ذلك في الحقيقة إحسان إليهن ونظر لهن في أمر آخرتهن، وأيضا ففيه فائدة أخرى :وهو أن لا يجعل أمر الله الرجال بالإحسان إليهن سببا لترك إقامة الحدود عليهن، فيصير ذلك سببا لوقوعهن في أنواع المفاسد والمهالك، وأيضا فيه فائدة ثالثة، وهي بيان أن الله تعالى كما يستوفي لخلقه فكذلك يستوفي عليهم، وأنه ليس في أحكامه محاباة ولا بينه وبين أحد قرابة، وأن مدار هذا الشرع الإنصاف والاحتراز في كل باب عن طرفي الإفراط والتفريط، فقال : ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ﴾ وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :اللاتي :جمع التي، وللعرب في جمع «التي » لغات :اللاتي واللات واللواتي واللوات. قال أبو بكر الأنباري :العرب تقول في الجمع من غير الحيوان :التي، ومن الحيوان :اللاتي، كقوله : ﴿ أموالكم التي جعل الله لكم قياما ﴾ وقال في هذه :اللاتي واللائي، والفرق هو أن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد، وأما جمع الحيوان فليس كذلك، بل كل واحدة منها غير متميزة عن غيرها بخواص وصفات، فهذا هو الفرق، ومن العرب من يسوى بين البابين، فيقول :ما فعلت الهندات التي من أمرها كذا، وما فعلت الأثواب التي من قصتهن كذا، والأول هو المختار.
المسألة الثانية :قوله : ﴿ يأتين الفاحشة ﴾ أي يفعلنها يقال :أتيت أمرا قبيحا، أي فعلته قال تعالى : ﴿ لقد جئت شيئا فريا ﴾ وقال : ﴿ لقد جئتم شيئا إدا ﴾ وفي التعبير عن الإقدام على الفواحش بهذه العبارة لطيفة، وهي أن الله تعالى لما نهى المكلف عن فعل هذه المعاصي، فهو تعالى لا يعين المكلف على فعلها، بل المكلف كأنه ذهب إليها من عند نفسه، واختارها بمجرد طبعه، فلهذه الفائدة يقال :إنه جاء إلى تلك الفاحشة وذهب إليها، إلا أن هذه الدقيقة لا تتم إلا على قول المعتزلة. وفي قراءة ابن مسعود :يأتين بالفاحشة، وأما الفاحشة فهي الفعلة القبيحة وهي مصدر عند أهل اللغة كالعاقبة يقال :فحش الرجل يفحش فحشا وفاحشة، وأفحش إذا جاء بالقبيح من القول أو الفعل. وأجمعوا على أن الفاحشة ههنا الزنا، وإنما أطلق على الزنا اسم الفاحشة لزيادتها في القبح على كثير من القبائح.
فإن قيل :الكفر أقبح منه، وقتل النفس أقبح منه، ولا يسمى ذلك فاحشة.
قلنا :السبب في ذلك أن القوى المدبرة لبدن الإنسان ثلاثة :القوة الناطقة، والقوة الغضبية والقوة الشهوانية، ففساد القوة الناطقة هو الكفر والبدعة وما يشبههما، وفساد القوة الغضبية هو القتل والغضب وما يشبههما، وفساد القوة الشهوانية هو الزنا واللواط والسحق وما أشبهها، وأخس هذه القوى الثلاثة :القوة الشهوانية، فلا جرم كان فسادها أخس أنواع الفساد، فلهذا السبب خص هذا العمل بالفاحشة والله أعلم بمراده.
المسألة الثالثة :في المراد بقوله : ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ﴾ قولان :الأول :المراد منه الزنا، وذلك لأن المرأة إذا نسبت إلى الزنا فلا سبيل لأحد عليها إلا بأن يشهد أربعة رجال مسلمون على أنها ارتكبت الزنا، فإذا شهدوا عليها أمسكت في بيت محبوسة إلى أن تموت أو يجعل الله لهن سبيلا، وهذا قول جمهور المفسرين.
والقول الثاني :وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني :أن المراد بقوله : ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة ﴾ السحاقات، وحدهن الحبس إلى الموت وبقوله : ﴿ واللذان يأتيانها منكم ﴾ أهل اللواط، وحدهما الأذى بالقول والفعل، والمراد بالآية المذكورة في سورة النور :الزنا بين الرجل والمرأة، وحده في البكر الجلد، وفي المحصن الرجم، واحتج أبو مسلم عليه بوجوه :الأول :أن قوله : ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ﴾ مخصوص بالنسوان، وقوله : ﴿ واللذان يأتيانها منكم ﴾ مخصوص بالرجال، لأن قوله : ﴿ واللذان ﴾ تثنية الذكور.
فإن قيل :لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله : ﴿ واللذان ﴾ الذكر والأنثى إلا أنه غلب لفظ المذكر.
قلنا :لو كان كذلك لما أفرد ذكر النساء من قبل، فلما أفرد ذكرهن ثم ذكر بعده قوله : ﴿ واللذان يأتيانها منكم ﴾ سقط هذا الاحتمال. الثاني :هو أن على هذا التقدير لا يحتاج إلى التزام النسخ في شيء من الآيات، بل يكون حكم كل واحدة منها باقيا مقررا، وعلى التقدير الذي ذكرتم يحتاج إلى التزام النسخ، فكان هذا القول أولى. والثالث :أن على الوجه الذي ذكرتم يكون قوله : ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة ﴾ في الزنا وقوله : ﴿ واللذان يأتيانها منكم ﴾ يكون أيضا في الزنا، فيفضي إلى تكرار الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين وإنه قبيح، وعلى الوجه الذي قلناه لا يفضي إلى ذلك فكان أولى. الرابع :أن القائلين بأن هذه الآية نزلت في الزنا فسروا قوله : ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلا ﴾ بالرجم والجلد والتغريب، وهذا لا يصح لأن هذه الأشياء تكون عليهن لا لهن. قال تعالى : ﴿ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ﴾ وأما نحن فأنا نفسر ذلك بأن يسهل الله لها قضاء الشهوة بطريق النكاح، ثم قال أبو مسلم :ومما يدل على صحة ما ذكرناه قوله صلى الله عليه وسلم : «إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان » واحتجوا على إبطال كلام أبي مسلم بوجوه :الأول :أن هذا قول لم يقله أحد من المفسرين المتقدمين فكان باطلا، والثاني :أنه روي في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال : « قد جعل الله لهن سبيلا الثيب ترجم والبكر تجلد »
وهذا يدل على أن هذه الآية نازلة في حق الزناة. الثالث :أن الصحابة اختلفوا في أحكام اللواط، ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية، فعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على هذا الحكم من أقوى الدلائل على أن هذه الآية ليست في اللواطة.
والجواب عن الأول :أن هذا الإجماع ممنوع فلقد قال بهذا القول مجاهد، وهو من أكابر المفسرين، ولأنا بينا في أصول الفقه أن استنباط تأويل جديد في الآية لم يذكره المتقدمون جائز.
والجواب عن الثاني :أن هذا يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد وإنه غير جائز.
والجواب عن الثالث :أن مطلوب الصحابة أنه هل يقام الحد على اللوطي ؟ وليس في هذه الآية دلالة على ذلك بالنفي ولا بالإثبات، فلهذا لم يرجعوا إليها.
المسألة الرابعة :زعم جمهور المفسرين أن هذه الآية منسوخة، وقال أبو مسلم :إنها غير منسوخة، أما المفسرون :فقد بنوا هذا على أصلهم، وهو أن هذه الآية في بيان حكم الزنا، ومعلوم أن هذا الحكم لم يبق وكانت الآية منسوخة ثم القائلون بهذا القول اختلفوا أيضا على قولين :فالأول :أن هذه الآية صارت منسوخة بالحديث وهو ما روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر والثيب بالثيب البكر تجلد وتنفي والثيب تجلد وترجم " ثم إن هذا الحديث صار منسوخا بقوله تعالى : ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴾ وعلى هذا الطريق يثبت أن القرآن قد ينسخ بالسنة وأن السنة قد تنسخ بالقرآن خلاف قول الشافعي :لا ينسخ واحد منهما بالآخر.
والقول الثاني :أن هذه الآية صارت منسوخة بآية الجلد.
واعلم أن أبا بكر الرازي لشدة حرصه على الطعن في الشافعي قال :القول الأول أولى لأن آية الجلد لو كانت متقدمة على قوله : «خذوا عني » لما كان لقوله «خذوا عني » فائدة فوجب أن يكون قوله : «خذوا عني » متقدما على آية الجلد، وعلى هذا التقدير تكون آية الحبس منسوخة بالحديث ويكون الحديث منسوخا بآية الجلد، فحينئذ ثبت أن القرآن والسنة قد ينسخ كل واحد منهما بالآخر.
واعلم أن كلام الرازي ضعيف من وجهين :الأول :
ما ذكره أبو سليمان الخطابي في معالم السنن فقال :لم يحصل النسخ في هذه الآية ولا في هذا الحديث ألبتة، وذلك لأن قوله تعالى : ﴿ فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ﴾ يدل على أن إمساكهن في البيوت ممدود إلى غاية أن يجعل الله لهن سبيلا وذلك السبيل كان مجملا، فلما قال صلى الله عليه وسلم :" خذوا عني الثيب ترجم والبكر تجلد وتنفى " صار هذا الحديث بيانا لتلك الآية لا ناسخا لها وصار أيضا مخصصا لعموم قوله تعالى :
﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴾ ومن المعلوم أن جعل هذا الحديث بيانا لإحدى الآيتين ومخصصا للآية الأخرى، أولى من الحكم بوقوع النسخ مرارا، وكيف وآية الحبس مجملة قطعا فإنه ليس في الآية ما يدل على أن ذلك السبيل كيف هو ؟ فلا بد لها من المبين، وآية الجلد مخصوصة ولا بد لها من المخصص، فنحن جعلنا هذا الحديث مبينا لآية الحبس مخصصا لآية الجلد، وأما على قول أصحاب أبي حنيفة فقد وقع النسخ من ثلاثة أوجه :الأول :آية الحبس صارت منسوخة بدلائل الرجم، فظهر أن الذي قلناه هو الحق الذي لا شك فيه.
الوجه الثاني :في دفع كلام الرازي :إنك تثبت أنه لا يجوز أن تكون آية الجلد متقدمة على قوله : «خذوا عني » فلم قلت أنه يجب أن تكون هذه الآية متأخرة عنه ؟ ولم لا يجوز أن يقال :إنه لما نزلت هذه الآية ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك ؟ وتقديره أن قوله : ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴾ مخصوص بالإجماع في حق الثيب المسلم، وتأخير بيان المخصص عن العام المخصوص غير جائز عندك وعند أكثر المعتزلة، لما أنه يوهم التلبيس، وإذا كان كذلك فثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك مقارنا لنزول قوله : ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴾ وعلى هذا التقدير سقط قولك :إن الحديث كان متقدما على آية الجلد. هذا كله تفريع على قول من يقول :هذه الآية أعني آية الحبس نازلة في حق الزناة، فثبت أن على هذا القول لم يثبت الدليل كونها منسوخة، وأما على قول أبي مسلم الأصفهاني فظاهر أنها غير منسوخة والله أعلم.
المسألة الخامسة :القائلون بأن هذه الآية نازلة في الزنا يتوجه عليهم سؤالات :
السؤال الأول :ما المراد من قوله : ﴿ من نسائكم ﴾ ؟
الجواب فيه وجوه :أحدها :المراد، من زوجاتكم كقوله : ﴿ والذين يظاهرون من نسائهم ﴾ وقوله : ﴿ من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ﴾ وثانيها :من نسائكم، أي من الحرائر كقوله : ﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم ﴾ والغرض بيان أنه لا حد على الإماء. وثالثها :من نسائكم، أي من المؤمنات ورابعها :من نسائكم، أي من الثيبات دون الأبكار.
السؤال الثاني :ما معنى قوله : ﴿ فأمسكوهن في البيوت ﴾ ؟
الجواب :فخلدوهن محبوسات في بيوتكم، والحكمة فيه أن المرأة إنما تقع في الزنا عند الخروج والبروز، فإذا حبست في البيت لم تقدر على الزنا، وإذا استمرت على هذه الحالة تعودت العفاف والفرار عن الزنا.
السؤال الثالث :ما معنى ﴿ يتوفاهن الموت ﴾ والموت والتوفي بمعنى واحد، فصار في التقدير :أو يميتهن الموت ؟
الجواب :يجوز أن يراد. حتى يتوفاهن ملائكة الموت، كقوله : ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ﴾ { قل يت
قوله تعالى : ﴿ واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما ﴾
في الآية مسائل :
المسألة الأولى :قرأ ابن كثير ﴿ واللذان ﴾ و ﴿ هذان ﴾ مشددة النون، والباقون بالتخفيف، وأما أبو عمرو فإنه وافق ابن كثير في قوله : ﴿ فذانك ﴾ أما وجه التشديد قال ابن مقسم :إنما شدد ابن كثير هذه النونات لأمرين :أحدهما :الفرق بين تثنيه الأسماء المتمكنة وغير المتمكنة، والآخر :أن «الذي وهذا » مبنيان على حرف واحد وهو الذال، فأرادوا تقوية كل واحد منهما بأن زادوا على نونها نونا أخرى من جنسها، وقال غيره :سبب التشديد فيها أن النون فيها ليست نون التثنية، فأراد أن يفرق بينها وبين نون التثنيه، وقيل زادوا النون تأكيدا، كما زادوا اللام، وأما تخصيص أبي عمرو التعويض في المبهمة دون الموصولة، فيشبه أن يكون ذلك لما رأى من أن الحذف للمبهمة ألزم، فكان استحقاقها العوض أشد.
المسألة الثانية :الذين قالوا :أن الآية الأولى في الزناة قالوا :هذه الآية أيضا في الزناة فعند هذا اختلفوا في أنه ما السبب في هذا التكرير وما الفائدة فيه ؟ وذكروا فيه وجوها :الأول :أن المراد من قوله : ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ﴾ المراد منه الزواني، والمراد من قوله : ﴿ واللذان يأتيانها منكم ﴾ الزناة، ثم إنه تعالى خص الحبس في البيت بالمرأة وخص الإيذاء بالرجل، والسبب فيه أن المرأة إنما تقع في الزنا عند الخروج والبروز، فإذا حبست في البيت انقطعت مادة هذه المعصية، وأما الرجل فإنه لا يمكن حبسه في البيت، لأنه يحتاج إلى الخروج في إصلاح معاشه وترتيب مهماته واكتساب قوت عياله، فلا جرم جعلت عقوبة المرأة الزانية الحبس في البيت، وجعلت عقوبة الرجل الزاني أن يؤذى، فإذا تاب ترك إيذاؤه، ويحتمل أيضا أن يقال إن الإيذاء كان مشتركا بين الرجل والمرأة، والحبس كان من خواص المرأة، فإذا تابا أزيل الإيذاء عنهما وبقي الحبس على المرأة، وهذا أحسن الوجوه المذكورة. الثاني :قال السدي :المراد بهذه الآية البكر من الرجال والنساء، وبالآية الأولى الثيب، وحينئذ يظهر التفاوت بين الآيتين. قالوا :ويدل على هذا التفسير وجوه :الأول :أنه تعالى قال : ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ﴾ فأضافهن إلى الأزواج. والثاني :أنه سماهن نساء وهذا الاسم أليق بالثيب. والثالث :أن الأذى أخف من الحبس في البيت والأخف للبكر دون الثيب. والرابع :قال الحسن :هذه الآية نزلت قبل الآية المتقدمة والتقدير :واللذان يأتيان الفاحشة من النساء والرجال فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما. ثم نزل قوله : ﴿ فأمسكوهن في البيوت ﴾ يعني إن لم يتوبا وأصرا على هذا الفعل القبيح فأمسكوهن في البيوت إلى أن يتبين لكم أحوالهن، وهذا القول عندي في غاية البعد، لأنه يوجب فساد الترتيب في هذه الآيات. الخامس :ما نقلناه عن أبي مسلم أن الآية الأولى في السحاقات، وهذه في أهل اللواط وقد تقدم تقريره. والسادس :أن يكون المراد هو أنه تعالى بين في الآية الأولى أن الشهداء على الزنا لا بد وأن يكونوا أربعة، فبين في هذه الآية أنهم لو كانوا شاهدين فآذوهما وخوفوهما بالرفع إلى الأمام والحد، فإن تابا قبل الرفع إلى الإمام فاتركوهما.
المسألة الثالثة :اتفقوا على أنه لا بد في تحقيق هذا الإيذاء من الإيذاء باللسان وهو التوبيخ والتعيير، مثل أن يقال :بئس ما فعلتما، وقد تعرضتما لعقاب الله وسخطه، وأخرجتما أنفسكما عن اسم العدالة، وأبطلتما عن أنفسكما أهلية الشهادة. واختلفوا في أنه هل يدخل فيه الضرب ؟ فعن ابن عباس أنه يضرب بالنعال، والأول أولى لأن مدلول النص إنما هو الإيذاء، وذلك حاصل بمجرد الإيذاء باللسان، ولا يكون في النص دلالة على الضرب فلا يجوز المصير إليه.
ثم قال تعالى : ﴿ فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ﴾ يعني فاتركوا ايذاءهما.
ثم قال : ﴿ إن الله كان توابا رحيما ﴾ معنى التواب :أنه يعود على عبده بفضله ومغفرته إذا تاب إليه من ذنبه، وأما قوله : ﴿ كان توابا ﴾ فقد تقدم الوجه فيه.
قوله تعالى : ﴿ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما ﴾.
اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أن المرتكبين للفاحشة إذا تابا وأصلحا زال الأذى عنهما، وأخبر على الإطلاق أيضا أنه تواب رحيم، ذكر وقت التوبة وشرطها، ورغبهم في تعجيلها لئلا يأتيهم الموت وهم مصرون فلا تنفعهم التوبة، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :أما حقيقة التوبة فقد ذكرناها في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : ﴿ فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم ﴾ واحتج القاضي على أنه يجب على الله عقلا قبول التوبة بهذه الآية من وجهين :الأول :إن كلمة «على » للوجوب فقوله : ﴿ إنما التوبة على الله للذين ﴾ يدل على أنه يجب على الله عقلا قبولها. الثاني :لو حملنا قوله : ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ على مجرد القبول لم يبق بينه وبين قوله : ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ فرق لأن هذا أيضا إخبار عن الوقوع، أما إذا حملنا ذلك على وجوب القبول وهذا على الوقوع يظهر الفرق بين الآيتين ولا يلزم التكرار.
واعلم أن القول بالوجوب على الله باطل، ويدل عليه وجوه :الأول :أن لازمة الوجوب استحقاق الذم عند الترك، فهذه اللازمة إما أن تكون ممتنعة الثبوت في حق الله تعالى، أو غير ممتنعة في حقه، والأول باطل، لأن ترك ذلك الواجب لما كان مستلزما لهذا الذم، وهذا الذم محال الثبوت في حق الله تعالى، وجب أن يكون ذلك الترك ممتنع الثبوت في حق الله، وإذا كان الترك ممتنع الثبوت عقلا كان الفعل واجب الثبوت، فحينئذ يكون الله تعالى موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار وذلك باطل، وأما إن كان استحقاق الذم غير ممتنع الحصول في حق الله تعالى، فكل ما كان ممكنا لا يلزم من فرض وقوعه محال، فيلزم جواز أن يكون الإله مع كونه إلها يكون موصوفا باستحقاق الذم وذلك محال لا يقوله عاقل، ولما بطل هذان القسمان ثبت أن القول بالوجوب على الله تعالى باطل.
الحجة الثانية :أن قادرية العبد بالنسبة إلى فعل التوبة وتركها إما أن يكون على السوية، أولا يكون على السوية، فإن كان على السوية لم يترجح فعل التوبة على تركها إلا لمرجح، ثم ذلك المرجح إن حدث لا عن محدث لزم نفي الصانع، وإن حدث عن العبد عاد التقسيم وإن حدث عن الله فحينئذ العبد إنما أقدم على التوبة بمعونة الله وتقويته، فتكون تلك التوبة إنعاما من الله تعالى على عبده، وإنعام المولى على عبده لا يوجب عليه أن ينعم عليه مرة أخرى، فثبت أن صدور التوبة عن العبد لا يوجب على الله القبول، وأما إن كانت قادرية العبد لا تصلح للترك والفعل فحينئذ يكون الجبر ألزم، وإذا كان كذلك كان القول بالوجوب أظهر بطلانا وفسادا.
الحجة الثالثة :التوبة عبارة عن الندم على ما مضى والعزم على الترك في المستقبل، والندم والعزم من باب الكراهات والإرادات، والكراهة والإرادة لا يحصلان باختيار العبد، وإلا افتقر في تحصيلهما إلى إرادة أخرى ولزم التسلسل، وإذا كان كذلك كان حصول هذا الندم وهذا العزم بمحض تخليق الله تعالى، وفعل الله لا يوجب على الله فعلا آخر، فثبت أن القول بالوجوب باطل.
الحجة الرابعة :أن التوبة فعل يحصل باختيار العبد على قولهم، فلو صار ذلك علة للوجوب على الله لصار فعل العبد مؤثرا في ذات الله وفي صفاته، وذلك لا يقوله عاقل.
فأما الجواب عما احتجوا به فهو أنه تعالى وعد قبول التوبة من المؤمنين، فإذا وعد الله بشيء وكان الخلف في وعده محالا كان ذلك شبيها بالواجب، فبهذا التأويل صح إطلاق كلمة «على » وبهذا الطريق ظهر الفرق بين قوله : ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ وبين قوله : ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾.
إن قيل :فلما أخبر عن قبول التوبة وكل ما أخبر الله عن وقوعه كان واجب الوقوع، فيلزمكم أن لا يكون فاعلا مختارا.
قلنا :الإخبار عن الوقوع تبع للوقوع، والوقوع تبع للإيقاع، والتبع لا يغير الأصل، فكان فاعلا مختارا في ذلك الإيقاع. أما أنتم تقولون بأن وقوع التوبة من حيث أنها هي تؤثر في وجوب القبول على الله تعالى، وذلك لا يقوله عاقل فظهر الفرق.
المسألة الثانية :أنه تعالى شرط قبول هذه التوبة بشرطين :أحدهما قوله : ﴿ للذين يعملون السوء بجهالة ﴾ وفيه سؤالان :أحدهما :أن من عمل ذنبا ولم يعلم أنه ذنب لم يستحق عقابا، لأن الخطأ مرفوع عن هذه الأمة، فعلى هذا :الذين يعملون السوء بجهالة فلا حاجة بهم إلى التوبة، والسؤال الثاني :أن كلمة «إنما » للحصر، فظاهر هذه الآية يقتضي أن من أقدم على السوء مع العلم بكونه سوءا أن لا تكون توبته مقبولة، وذلك بالإجماع باطل.
والجواب عن السؤال الأول :أن اليهودي اختار اليهودية وهو لا يعلم كونها ذنبا مع أنه يستحق العقاب عليها.
والجواب عن السؤال الثاني :أن من أتى بالمعصية مع الجهل بكونها معصية يكون حاله أخف ممن أتى بها مع العلم بكونها معصية، وإذا كان كذلك لا جرم خص القسم الأول بوجوب قبول التوبة وجوبا على سبيل الوعد والكرم، وأما القسم الثاني فلما كان ذنبهم أغلظ لا جرم لم يذكر فيهم هذا التأكيد في قبول التوبة، فتكون هذه الآية دالة من هذا الوجه على أن قبول التوبة غير واجب على الله تعالى.
وإذا عرفت الجواب عن هذين السؤالين فلنذكر الوجوه التي ذكرها المفسرون في تفسير الجهالة.
الأول :قال المفسرون :كل من عصى الله سمي جاهلا وسمي فعله جهالة، قال تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام :
﴿ أصب إليهن وأكن من الجاهلين ﴾ وقال حكاية عن يوسف عليه السلام أنه قال لأخوته : ﴿ هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ﴾ وقال تعالى : ﴿ يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ﴾ وقال تعالى : ﴿ إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾ وقد يقول السيد لعبده حال ما يذمه على فعل :يا جاهل لم فعلت كذا وكذا، والسبب في إطلاق اسم الجاهل على العاصي لربه أنه لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما أقدم على المعصية، فلما لم يستعمل ذلك العلم صار كأنه لا علم له، فعلى هذا الطريق سمي العاصي لربه جاهلا، وعلى هذا الوجه يدخل فيه المعصية سواء أتى بها الإنسان مع العلم بكونها معصية أو مع الجهل بذلك.
والوجه الثاني :في تفسير الجهالة :أن يأتي الإنسان بالمعصية مع العلم بكونها معصية إلا أن يكون جاهلا بقدر عقابه، وقد علمنا أن الإنسان إذا أقدم على ما لا ينبغي مع العلم بأنه مما لا ينبغي إلا أنه لا يعلم مقدار ما يحصل في عاقبته من الآفات، فإنه يصح أن يقال على سبيل المجاز :إنه جاهل بفعله.
والوجه الثالث :أن يكون المراد منه أن يأتي الإنسان بالمعصية مع أنه لا يعلم كونه معصية لكن بشرط أن يكون متمكنا من العلم بكونه معصية، فإنه على هذا التقدير يستحق العقاب، ولهذا المعنى أجمعنا على أن اليهودي يستحق على يهوديته العقاب، وإن كان لا يعلم كون اليهودية معصية، إلا أنه لما كان متمكنا من تحصيل العلم بكون اليهودية ذنبا ومعصية، كفى ذلك في ثبوت استحقاق العقاب، ويخرج عما ذكرنا النائم والساهي، فإنه أتى بالقبيح ولكنه ما كان متمكنا من العلم بكونه قبيحا، وهذا القول راجح على غيره من حيث أن لفظ الجهالة في الوجهين الأولين محمول على المجاز، وفي هذا الوجه على الحقيقة، إلا أن على هذا الوجه لا يدخل تحت الآية إلا من عمل القبيح وهو لا يعلم قبحه، أما المتعمد فإنه لا يكون داخلا تحت الآية، وإنما يعرف حاله بطريق القياس وهو أنه لما كانت التوبة على هذا الجاهل واجبة، فلأن تكون واجبة على العامد كان ذلك أولى، فهذا هو الكلام في الشرط الأول من شرائط التوبة، وأما الشرط الثاني فهو قوله : ﴿ ثم يتوبون من قريب ﴾ وقد أجمعوا على أن المراد من هذا القرب حضور زمان الموت ومعاينة أهواله، وإنما سمى تعالى هذه المدة قريبة لوجوه :أحدها :أن الأجل آت وكل ما هو آت قريب. وثانيها :للتنبيه على أن مدة عمر الإنسان وإن طالت فهي قليلة قريبة فإنها محفوفة بطرفي الأزل والأبد، فإذا قسمت مدة عمرك إلى ما على طرفيها صار كالعدم. وثالثها :أن الإنسان يتوقع في كل لحظة نزول الموت به، وما هذا حاله فإنه يوصف بالقرب.
فإن قيل :ما معنى «من » في قوله : ﴿ من قريب ﴾.
الجواب :أنه لابتداء الغاية، أي يجعل مبتدأ توبته زمانا قريبا من المعصية لئلا يقع في زمرة المصرين، فأما من تاب بعد المعصية بزمان بعيد وقبل الموت بزمان بعيد فإنه يكون خارجا عن المخصوصين بكرامة حتم قبول التوبة على الله بقوله : ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ وبقوله : ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ ومن لم تقع توبته على هذا الوجه فإنه يكفيه أن يكون من جملة الموعودين بكلمة «عسى » في قوله : ﴿ عسى الله أن يتوب عليهم ﴾ ولا شك أن بين الدرجتين من التفاوت ما لا يخفى. وقيل :معناه التبعيض، أي يتوبون بعض زمان قريب، كأنه تعالى سمى ما بين وجود المعصية وبين حضور الموت زمانا قريبا، ففي أي جزء من أجزاء هذا الزمان أتى بالتوبة فهو تائب من قريب، وإلا فهو تائب من بعيد.
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذين الشرطين قال : ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾.
فإن قيل :فما فائدة قوله : ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ بعد قوله : ﴿ إنما التوبة على الله ﴾.
قلنا :فيه وجهان :الأول :أن قوله : ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ إعلام بأنه يجب على الله قبولها، وجوب الكرم والفضل والإحسان، لا وجوب الاستحقاق، وقوله : ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ إخبار بأنه سيفعل ذلك. والثاني :أن قوله : ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ يعني إنما الهداية إلى التوبة والإرشاد إليها والإعانة عليها على الله تعالى في حق من أتى بالذنب على سبيل الجهالة ثم تاب عنها عن قريب وترك الإصرار عليها وأتى بالاستغفار عنها. ثم قال : ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ يعني أن العبد الذي هذا شأنه إذا أتى بالتوبة قبلها الله منه، فالمراد بالأول التوفيق على التوبة، وبالثاني قبول التوبة.
ثم قال : ﴿ وكان الله عليما حكيما ﴾ أي وكان الله عليما بأنه إنما أتى بتلك المعصية لاستيلاء الشهوة والغضب والجهالة عليه، حكيما بأن العبد لما كان من صفته ذلك، ثم إنه تاب عنها من قريب فإنه يجب في الكرم قبول توبته.
قوله تعالى : ﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما ﴾
اعلم أنه تعالى لما ذكر شرائط التوبة المقبولة أردفها بشرح التوبة التي لا تكون مقبولة، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :الآية دالة على أن من حضره الموت وشاهد أهواله فإن توبته غير مقبولة، وهذه المسألة مشتملة على بحثين :
البحث الأول :الذي يدل على أن توبة من وصفنا حاله غير مقبولة وجوه :الأول :هذه الآية وهي صريحة في المطلوب، الثاني :قوله تعالى : ﴿ فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ﴾ الثالث :قال في صفة فرعون : ﴿ فلما أدركه الغرق قال ءامنت أنه لا إله إلا الذي ءامنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ﴾ فلم يقبل الله توبته عند مشاهدة العذاب، ولو أنه أتى بذلك الإيمان قبل تلك الساعة بلحظة لكان مقبولا، الرابع :قوله تعالى : ﴿ حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلى أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ﴾ الخامس :قوله تعالى : ﴿ وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها ﴾ فأخبر تعالى في هذه الآيات أن التوبة لا تقبل عند حضور الموت. السادس :روى أبو أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، أي ما لم تتردد الروح في حلقه، وعن عطاء :ولو قبل موته بفواق الناقة. وعن الحسن :أن إبليس قال حين أهبط إلى الأرض :وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام روحه في جسده، فقال :وعزتي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر.
واعلم أن قوله : ﴿ حتى إذا حضر أحدهم الموت ﴾ أي علامات نزول الموت وقربه، وهو كقوله تعالى : ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ﴾.
البحث الثاني :قال المحققون :قرب الموت لا يمنع من قبول التوبة، بل المانع من قبول التوبة مشاهدة الأحوال التي عندها يحصل العلم بالله تعالى على سبيل الاضطرار، وإنما قلنا إن نفس القرب من الموت لا يمنع من قبول التوبة لوجوه :الأول :أن جماعة أماتهم الله تعالى ثم أحياهم مثل قوم من بنى إسرائيل، ومثل أولاد أيوب عليه السلام، ثم إنه تعالى كلفهم بعد ذلك الإحياء، فدل هذا على أن مشاهدة الموت لا تخل بالتكليف. الثاني :أن الشدائد التي يلقاها من يقرب موته تكون مثل الشدائد الحاصلة عند القولنج، ومثل الشدائد التي تلقاها المرأة عند الطلق أو أزيد منها، فإذا لم تكن هذه الشدائد مانعة من بقاء التكليف فكذا القول في تلك الشدائد. الثالث :أن عند القرب من الموت إذا عظمت الآلام صار اضطرار العبد أشد وهو تعالى يقول : ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ﴾ فتزايد الآلام في ذلك الوقت بأن يكون سببا لقبول التوبة أولى من أن يكون سببا لعدم قبول التوبة، فثبت بهذه الوجوه أن نفس القرب من الموت ونفس تزايد الآلام والمشاق، لا يجوز أن يكون مانعا من قبول التوبة، ونقول :المانع من قبول التوبة أن الإنسان عند القرب من الموت إذا شاهد أحوالا وأهوالا صارت معرفته بالله ضرورية عند مشاهدته تلك الأهوال، ومتى صارت معرفته بالله ضرورية سقط التكليف عنه، ألا ترى أن أهل الآخرة لما صارت معارفهم ضرورية سقط التكليف عنهم وإن لم يكن هناك موت ولا عقاب، لأن توبتهم عند الحشر والحساب وقبل دخول النار، لا تكون مقبولة.
واعلم أن ههنا بحثا عميقا أصوليا، وذلك لأن أهل القيامة لا يشاهدون إلا أنهم صاروا أحياء بعد أن كانوا أمواتا، ويشاهدون أيضا النار العظيمة وأصناف الأهوال، وكل ذلك لا يوجب أن يصير العلم بالله ضروريا، لأن العلم بأن حصول الحياة بعد أن كانت معدومة يحتاج إلى الفاعل علم نظري عند أكثر شيوخ المعتزلة، وبتقدير أن يقال :هذا العلم ضروري لكن العلم بأن الإحياء لا يصح من غير الله لا شك أنه نظري، وأما العلم بأن فاعل تلك النيران العظيمة ليس إلا الله، فهذا أيضا استدلالي، فكيف يمكن ادعاء أن أهل الآخرة لأجل مشاهدة أهوالها يعرفون الله بالضرورة ثم هب أن الأمر كذلك، فلم قلتم بأن العلم بالله إذا كان ضروريا منع من صحة التكليف. وذلك أن العبد مع علمه الضروري بوجود الإله المثيب المعاقب قد يقدم على المعصية لعلمه بأنه كريم، وأنه لا ينفعه طاعة العبد ولا يضره ذنبه، وإذا كان الأمر كذلك، فلم قالوا :بأن هذا يوجب زوال التكليف وأيضا :فهذا الذي يقوله هؤلاء المعتزلة من أن العلم بالله في دار التكليف يجب أن يكون نظريا، فإذا صار ضروريا سقط التكليف :كلام ضعيف، لأن من حصل في قلبه العلم بالله إن كان تجويز نقيضه قائما في قلبه، فهذا يكون ظنا لا علما، وإن لم يكن تجويز نقيضه قائما، امتنع أن يكون علم آخر أقوى منه وآكد منه، وعلى هذا التقدير لا يبقى ألبتة فرق بين العلم الضروري وبين العلم النظري فثبت أن هذه الأشياء التي تذكرها المعتزلة كلمات ضعيفة واهية، وأنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فهو بفضله وعد بقبول التوبة في بعض الأوقات، وبعدله أخبر عن عدم قبول التوبة في وقت آخر، وله أن يقلب الأمر فيجعل المقبول مردودا، والمردود مقبولا ﴿ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ﴾.
المسألة الثانية :أنه تعالى ذكر قسمين، فقال في القسم الأول :
﴿ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ﴾ وهذا مشعر بأن قبول توبتهم واجب، وقال في القسم الثاني : ﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات ﴾ فهذا جزم بأنه تعالى لا يقبل توبة هؤلاء فبقي بحكم التقسيم العقلي فيما بين هذين القسمين قسم ثالث :وهم الذين لم يجزم الله تعالى بقبول توبتهم، ولم يجزم برد توبتهم. فلما كان القسم الأول :هم الذين يعملون السوء بجهالة، والقسم الثاني :هم الذين لا يتوبون إلا عند مشاهدة البأس، وجب أن يكون القسم المتوسط بين هذين القسمين :هم الذين يعملون السوء على سبيل العمد، ثم يتوبون، فهؤلاء ما أخبر الله عنهم أنه يقبل توبتهم، وما أخبر عنهم أنه يرد توبتهم، بل تركهم في المشيئة، كما أنه تعالى ترك مغفرتهم في المشيئة حيث قال : ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾.
المسألة الثالثة :أنه تعالى لما بين أن من تاب عند حضور علامات الموت ومقدماته لا تقبل توبته قال : ﴿ ولا الذين يموتون ﴾ وفيه وجهان :الأول :معناه الذين قرب موتهم، والمعنى أنه كما أن التوبة عن المعاصي لا تقبل عند القرب من الموت، كذلك الإيمان لا يقبل عند القرب من الموت. الثاني :المراد أن الكفار إذا ماتوا على الكفر فلو تابوا في الآخرة لا تقبل توبتهم.
المسألة الرابعة :تعلقت الوعيدية بهذه الآية على صحة مذهبهم من وجهين :الأول :قالوا إنه تعالى قال : ﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار ﴾ فعطف الذين يعملون السيئات على الذين يموتون وهم كفار، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه، فثبت أن الطائفة الأولى ليسوا من الكفار، ثم إنه تعالى قال في حق الكل : ﴿ أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما ﴾ فهذا يقتضي شمول هذا الوعيد للكفار والفساق. الثاني :أنه تعالى أخبر أنه لا توبة لهم عند المعاينة، فلو كان يغفر لهم مع ترك التوبة لم يكن لهذا الإعلام معنى.
والجواب :أنا قد جمعنا جملة العمومات الوعيدية في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : ﴿ بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ وأجبنا عن تمسكهم بها وذكرنا وجوها كثيرة من الأجوبة، ولا حاجة إلى إعادتها في كل واحد من هذه العمومات، ثم نقول الضمير يجب أن يعود إلى أقرب المذكورات، وأقرب المذكورات من قوله : ﴿ أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما ﴾ هو قوله : ﴿ ولا الذين يموتون وهم كفار ﴾ فلم لا يجوز أن يكون قوله : ﴿ أعتدنا لهم عذابا أليما ﴾ عائدا إلى الكفار فقط، وتحقيق الكلام فيه أنه تعالى أخبر عن الذين لا يتوبون إلا عند الموت أن توبتهم غير مقبولة، ثم ذكر الكافرين بعد ذلك، فبين أن إيمانهم عند الموت غير مقبول، ولا شك أن الكافر أقبح فعلا وأخس درجة عند الله من الفاسق، فلا بد وأن يخصه بمزيد إذلال وإهانة فجاز أن يكون قوله : ﴿ أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما ﴾ مختصا بالكافرين، بيانا لكونهم مختصين بسبب كفرهم بمزيد العقوبة والإذلال.
أما الوجه الثاني :مما عولوا عليه :فهو أنه أخبر أنه لا توبة عند المعاينة، وإذا كان لا توبة حصل هناك تجويز العقاب وتجويز المغفرة، وهذا لا يخلو عن نوع تخويف وهو كقوله : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ على أن هذا تمسك بدليل الخطاب، والمعتزلة لا يقولون به والله أعلم.
المسألة الخامسة :أنه تعالى عطف على الذين يتوبون عند مشاهدة الموت، الكفار، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه، فهذا يقتضي أن الفاسق من أهل الصلاة ليس بكافر، ويبطل به قول الخوارج :إن الفاسق كافر، ولا يمكن أن يقال :المراد منه المنافق لأن الصحيح أن المنافق كافر، قال تعالى : ﴿ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ﴾ والله أعلم.
المسألة السادسة :أعتدنا :أي أعددنا وهيأنا، ونظيره قوله تعالى في صفة نار جهنم : ﴿ أعدت للكافرين ﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن النار مخلوقة لأن العذاب الأليم ليس إلا نار جهنم وبرده، وقوله : ﴿ أعتدنا ﴾ إخبار عن الماضي، فهذا يدل على كون النار مخلوقة من هذا الوجه، والله أعلم.
قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ﴾.
اعلم أنه تعالى بعد وصف التوبة عاد إلى أحكام النساء، واعلم أن أهل الجاهلية كانوا يؤذون النساء بأنواع كثيرة من الإيذاء، ويظلمونهن بضروب من الظلم، فالله تعالى نهاهم عنها في هذه الآيات.
فالنوع الأول :قوله تعالى : ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى :في الآية قولان :الأول :كان الرجل في الجاهلية إذا مات وكانت له زوجة جاء ابنه من غيرها أو بعض أقاربه فألقى ثوبه على المرأة وقال :ورثت امرأته كما ورثت ماله، فصار أحق بها من سائر الناس ومن نفسها، فإن شاء تزوجها بغير صداق، إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها من إنسان آخر وأخذ صداقها ولم يعطها منه شيئا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وبين أن ذلك حرام وأن الرجل لا يرث امرأة الميت منه، فعلى هذا القول المراد بقوله : ﴿ أن ترثوا النساء ﴾ عين النساء، وأنهن لا يورثن من الميت.
والقول الثاني :أن الوراثة تعود إلى المال، وذلك أن وارث الميت كان له أن يمنعها من الأزواج حتى تموت فيرثها مالها، فقال تعالى :لا يحل لكم أن ترثوا أموالهن وهن كارهات.
المسألة الثانية :قرأ حمزة والكسائي ﴿ كرها ﴾ بضم الكاف، وفي التوبة ﴿ أنفقوا طوعا أو كرها ﴾ وفي الأحقاف ﴿ حملته أمه كرها ووضعته كرها ﴾ كل ذلك بالضم، وقرأ عاصم وابن عامر في الأحقاف بالضم، والباقي بالفتح، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالفتح في جميع ذلك، قال الكسائي :هما لغتان بمعنى واحد، وقال الفراء :الكره بالفتح الإكراه، وبالضم المشقة، فما أكره عليه فهو كره بالفتح، وما كان من قبل نفسه فهو كره بالضم.
النوع الثاني :من الأشياء التي نهى الله عنها مما يتعلق بالنساء قوله تعالى : ﴿ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما ءاتيتموهن ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :في محل ﴿ ولا تعضلوهن ﴾ قولان :الأول :أنه نصب بالعطف على حرف «أن » تقديره :ولا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا أن تعضلوهن في قراءة عبد الله، والثاني :أنه جزم بالنهي عطفا على ما تقدم تقديره، ولا ترثوا ولا تعضلوا.
المسألة الثانية :العضل :المنع، ومنه الداء العضال، وقد تقدم الاستقصاء فيه في قوله : ﴿ فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ﴾.
المسألة الثالثة :المخاطب في قوله : ﴿ ولا تعضلوهن ﴾ من هو ؟ فيه أقوال :الأول :أن الرجل منهم قد كان يكره زوجته ويريد مفارقتها، فكان يسيء العشرة معها ويضيق عليها حتى تفتدي منه نفسها بمهرها، وهذا القول اختيار أكثر المفسرين، فكأنه تعالى قال :لا يحل لكم التزوج بهن بالإكراه، وكذلك لا يحل لكم بعد التزوج بهن العضل والحبس لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن. الثاني :أنه خطاب للوارث بأن يترك منعها من التزوج بمن شاءت وأرادت، كما كان يفعله أهل الجاهلية وقوله : ﴿ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ معناه أنهم كانوا يحبسون امرأة الميت وغرضهم أن تبذل المرأة ما أخذت من ميراث الميت، الثالث :أنه خطاب للأولياء ونهى لهم عن عضل المرأة، الرابع :أنه خطاب للأزواج. فإنهم في الجاهلية كانوا يطلقون المرأة وكانوا يعضلونهن عن التزوج ويضيقون الأمر عليهن لغرض أن يأخذوا منهن شيئا، الخامس :أنه عام في الكل.
أما قوله تعالى : ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى :في الفاحشة المبينة قولان :الأول :أنها النشوز وشكاسة الخلق وإيذاء الزوج وأهله، والمعنى إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فقد عذرتم في طلب الخلع، ويدل عليه قراءة أبي بن كعب :إلا أن يفحش عليكم.
والقول الثاني :أنها الزنا، وهو قول الحسن وأبي قلابة والسدي.
المسألة الثانية :قوله : ﴿ إلا أن يأتين ﴾ استثناء من ماذا ؟ فيه وجوه :الأول :إنه استثناء من أخذ الأموال، يعني لا يحل له أن يحبسها ضرارا حتى تفتدي منه إلا إذا زنت، والقائلون بهذا منهم من قال :بقي هذا الحكم وما نسخ، ومنهم من قال :انه منسوخ بآية الجلد. الثاني :أنه استثناء من الحبس والإمساك الذي تقدم ذكره في قوله : ﴿ فأمسكوهن في البيوت ﴾ وهو قول أبي مسلم وزعم أنه غير منسوخ. الثالث :يمكن أن يكون ذلك استثناء من قوله : ﴿ ولا تعضلوهن ﴾ لأن العضل هو الحبس فدخل فيه الحبس في البيت، فالأولياء والأزواج نهوا عن حبسهن في البيوت إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فعند ذلك يحل للأولياء والأزواج حبسهن في البيوت.
المسألة الثالثة :قرأ نافع وأبو عمرو ﴿ مبينة ﴾ بكسر الياء و ﴿ آيات مبينات ﴾ بفتح الياء حيث كان، قال لأن في قوله : ﴿ مبينات ﴾ قصد إظهارها، وفي قوله : ﴿ بفاحشة مبينة ﴾ لم يقصد إظهارها، وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم بالفتح فيهما، والباقون بكسر الياء فيهما، أما من قرأ بالفتح فله وجهان :الأول :أن الفاحشة والآيات لا فعل لهما في الحقيقة، إنما الله تعالى هو الذي بينهما. والثاني :أن الفاحشة تتبين، فإن يشهد عليها أربعة صارت مبينة، وأما الآيات فإن الله تعالى بينها، وأما من قرأ بالكسر فوجهه أن الآيات إذا تبينت وظهرت صارت أسبابا للبيان وإذا صارت أسبابا للبيان جاز إسناد البيان إليها، كما أن الأصنام كانت أسبابا للضلال حسن إسناد الإضلال إليها كقوله تعالى : ﴿ رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ﴾.
النوع الثالث :من التكاليف المتعلقة بأحوال النساء قوله تعالى : ﴿ وعاشروهن بالمعروف ﴾ وكان القوم يسيئون معاشرة النساء فقيل لهم :وعاشروهن بالمعروف، قال الزجاج :هو النصفة في المبيت والنفقة، والإجمال في القول.
ثم قال تعالى : ﴿ فإن كرهتموهن ﴾ أي كرهتم عشرتهن بالمعروف وصحبتهن، وآثرتم فراقهن ﴿ فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ﴾ والضمير في قوله ﴿ فيه ﴾ إلى ماذا يعود ؟ فيه وجهان :الأول :المعنى أنكم إن كرهتم صحبتهن فأمسكوهن بالمعروف فعسى أن يكون في صحبتهن الخير الكثير ومن قال بهذا القول فتارة فسر الخير الكثير بولد يحصل فتنقلب الكراهة محبة، والنفرة رغبة وتارة بأنه لما كره صحبتها ثم إنه يحمل ذلك المكروه طلبا لثواب الله، وأنفق عليها وأحسن إليها على خلاف الطبع، استحق الثواب الجزيل في العقبى والثناء الجميل في الدنيا، الثاني :أن يكون المعنى إن كرهتموهن ورغبتم في مفارقتهن، فربما جعل الله في تلك المفارقة لهن خيرا كثيرا، وذلك بأن تتخلص تلك المرأة من هذا الزوج وتجد زوجا خيرا منه، ونظيره قوله :
﴿ وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ﴾ وهذا قول أبي بكر الأصم، قال القاضي :وهذا بعيد لأنه تعالى حث بما ذكر على سبيل الاستمرار على الصحبة، فكيف يريد بذلك المفارقة.
النوع الرابع :من التكاليف المتعلقة بالنساء.
قوله تعالى : ﴿ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ﴾
فيه مسائل :
المسألة الأولى :أنه تعالى في الآية الأولى لما أذن في مضارة الزوجات إذا أتين بفاحشة، بين في هذه الآية تحريم المضارة في غير حال الفاحشة فقال : ﴿ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ﴾ روي أن الرجل منهم إذا مال إلى التزوج بامرأة أخرى رمى زوجة نفسه بالفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوج المرأة التي يريدها قال تعالى : ﴿ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ﴾ الآية والقنطار المال العظيم، وقد مر تفسيره في قوله تعالى : ﴿ والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ﴾.
المسألة السادسة :قالوا :الآية تدل على جواز المغالاة في المهر، روي أن عمر رضي الله عنه قال على المنبر :ألا لا تغالوا في مهور نسائكم، فقامت امرأة فقالت :يا ابن الخطاب الله يعطينا وأنت تمنع وتلت هذه الآية، فقال عمر :كل الناس أفقه من عمر، ورجع عن كراهة المغالاة. وعندي أن الآية لا دلالة فيها على جواز المغالاة لأن قوله : ﴿ وآتيتم إحداهن قنطارا ﴾ لا يدل على جواز إيتاء القنطار كما أن قوله : ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ﴾ لا يدل على حصول الآلهة، والحاصل أنه لا يلزم من جعل الشيء شرطا لشيء آخر كون ذلك الشرط في نفسه جائز الوقوع، وقال عليه الصلاة والسلام : «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين » ولم يلزم منه جواز القتل، وقد يقول الرجل :لو كان الإله جسما لكان محدثا، وهذا حق، ولا يلزم منه أن قولنا :الإله جسم حق.
المسألة الثالثة :هذه الآية يدخل فيها ما إذا آتاها مهرها وما إذا لم يؤتها، وذلك لأنه أوقع العقد على ذلك الصداق في حكم الله، فلا فرق فيه بين ما إذا آتاها الصداق حسا، وبين ما إذا لم يؤتها.
المسألة الرابعة :احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على أن الخلوة الصحيحة تقرر المهر، قال وذلك لأن الله تعالى منع الزوج من أن يأخذ منها شيئا من المهر، وهذا المنع مطلق ترك العمل به قبل الخلوة، فوجب أن يبقى معمولا به بعد الخلوة قال :ولا يجوز أن يقال إنه مخصوص بقوله تعالى : ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ﴾ وذلك لأن الصحابة اختلفوا في تفسير المسيس فقال علي وعمر :المراد من المسيس الخلوة، وقال عبد الله :هو الجماع، وإذا صار مختلفا فيه امتنع جعله مخصصا لعموم هذه الآية.
والجواب :أن هذه الآية المذكورة ههنا مختصة بما بعد الجماع بدليل قوله تعالى : ﴿ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ وإفضاء بعضهم إلى البعض هو الجماع على قول أكثر المفسرين وسنقيم الدلائل على صحة ذلك.
المسألة الخامسة :اعلم أن سوء العشرة إما أن يكون من قبل الزوج، وإما أن يكون من قبل الزوجة، فإن كان من قبل الزوج كره له أنه يأخذ شيئا من مهرها لأن قوله تعالى : ﴿ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ﴾ صريح في أن النشوز إذا كان من قبله فإنه يكون منهيا عن أن يأخذ من مهرها شيئا، ثم إن وقعت المخالعة ملك الزوج بدل الخلع، كما أن البيع وقت النداء منهي عنه، ثم إنه يفيد الملك، وإذا كان النشوز من قبل المرأة فههنا يحل أخذ بدل الخلع ؛ لقوله تعالى : ﴿ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما ءاتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾.
ثم قال تعالى : ﴿ أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :البهتان في اللغة الكذب الذي يواجه الإنسان به صاحبه على جهة المكابرة، وأصله من بهت الرجل إذا تحير، فالبهتان كذب يحير الإنسان لعظمته، ثم جعل كل باطل يتحير من بطلانه ﴿ بهتانا ﴾، ومنه الحديث :" إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهته ".
المسألة الثانية :في أنه لم انتصب قوله : ﴿ بهتانا ﴾ وجوه :الأول :قال الزجاج :البهتان ههنا مصدر وضع موضع الحال، والمعنى :أتأخذونه مباهتين وآثمين. الثاني :قال صاحب «الكشاف » :يحتمل أنه انتصب لأنه مفعول له وإن لم يكن غرضا في الحقيقة، كقولك :قعد عن القتال جبنا. الثالث :انتصب بنزع الخافض، أي ببهتان. الرابع :فيه إضمار تقديره :تصيبون به بهتانا وإثما.
المسألة الثالثة :في تسمية هذا الأخذ «بهتانا » وجوه :الأول :أنه تعالى فرض لها ذلك المهر فمن استرده كان كأنه يقول :ليس ذلك بفرض فيكون بهتانا. الثاني :أنه عند العقد تكفل بتسليم ذلك المهر إليها، وأن لا يأخذه منها، فإذا أخذه صار ذلك القول الأول بهتانا. الثالث :أنا ذكرنا أنه كان من دأبهم أنهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها بفاحشة حتى تخاف وتشتري نفسها منه بذلك المهر، فلما كان هذا الأمر واقعا على هذا الوجه في الأغلب الأكثر، جعل كأن أحدهما هو الآخر. الرابع :أنه تعالى ذكر في الآية السابقة : ﴿ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما ءاتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ والظاهر من حال المسلم أنه لا يخالف أمر الله، فإذا أخذ منها شيئا أشعر ذلك بأنها قد أتت بفاحشة مبينة، فإذا لم يكن الأمر كذلك في الحقيقة صح وصف ذلك الأخذ بأنه بهتان، من حيث أنه يدل على إتيانها بالفاحشة مع أن الأمر ليس كذلك. وفيه تقرير آخر وهو أن أخذ المال طعن في ذاتها وأخذ لمالها، فهو بهتان من وجه وظلم من وجه آخر، فكان ذلك معصية عظيمة من أمهات الكبائر، الخامس :أن عقاب البهتان والإثم المبين كان معلوما عندهم فقوله : ﴿ أتأخذونه بهتانا ﴾ معناه أتأخذون عقاب البهتان فهو كقوله : ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا ﴾.
المسألة الرابعة :قوله : ﴿ أتأخذونه ﴾ استفهام على معنى الإنكار والإعظام، والمعنى أن الظاهر أنكم لا تفعلون مثل هذا الفعل مع ظهور قبحه في الشرع والعقل.
ثم قال تعالى : ﴿ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا ﴾
واعلم أنه تعالى ذكر في علة هذا المنع أمورا :أحدهما :أن هذا الأخذ يتضمن نسبتها إلى الفاحشة المبينة، فكان ذلك بهتانا والبهتان من أمهات الكبائر. وثانيها :أنه إثم مبين لأن هذا المال حقها فمن ضيق الأمر عليها ليتوسل بذلك التشديد والتضييق وهو ظلم، إلى أخذ المال وهو ظلم آخر، فلا شك أن التوسل بظلم إلى ظلم آخر يكون إثما مبينا. وثالثها :قوله تعالى : ﴿ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى :أصل أفضى من الفضاء الذي هو السعة يقال :فضا يفضو وفضاء إذا اتسع، قال الليث :أفضى فلان إلى فلان، أي وصل إليه، وأصله أنه صار في فرجته وفضائه، وللمفسرين في الإفضاء في هذه الآية قولان :أحدهما :أن الإفضاء ههنا كناية عن الجماع وهو قول ابن عباس ومجاهد والسدي واختيار الزجاج وابن قتيبة ومذهب الشافعي ؛ لأن عنده الزوج إذا طلق قبل المسيس فله أن يرجع في نصف المهر، وإن خلا بها.
والقول الثاني :في الإفضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها، قال الكلبي :الإفضاء أن يكون معها في لحاف واحد، جامعها أو لم يجامعها، وهذا القول اختيار الفراء ومذهب أبي حنيفة رضي الله عنه. لأن الخلوة الصحيحة تقرر المهر.
واعلم أن القول الأول أولى، ويدل عليه وجوه :الأول :أن الليث قال :أفضى فلان إلى فلانة أي صار في فرجتها وفضائها، ومعلوم أن هذا المعنى إنما يحصل في الحقيقة عند الجماع، أما في غير وقت الجماع فهذا غير حاصل. الثاني :أنه تعالى ذكر هذا في معرض التعجب، فقال : ﴿ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ والتعجب إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سببا قويا في حصول الألفة والمحبة، وهو الجماع لا مجرد الخلوة، فوجب حمل الإفضاء عليه. الثالث :وهو أن الإفضاء إليها لا بد وأن يكون مفسرا بفعل منه ينتهي إليه، لأن كلمة «إلى » لانتهاء الغاية، ومجرد الخلوة ليس كذلك، لأن عند الخلوة المحضة لم يصل فعل من أفعال واحد منهما إلى الآخر، فامتنع تفسير قوله : ﴿ أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ بمجرد الخلوة.
فان قيل :فإذا اضطجعا في لحاف واحد وتلامسا فقد حصل الإفضاء من بعضهم إلى بعض فوجب أن يكون ذلك كافيا. وأنتم لا تقولون به.
قلنا :القائل قائلان، قائل يقول :المهر لا يتقرر إلا بالجماع، وآخر :إنه يتقرر بمجرد الخلوة وليس في الأمة أحد يقول إنه يتقرر بالملامسة والمضاجعة، فكان هذا القول باطلا بالإجماع، فلم يبق في تفسير إفضاء بعضهم إلى بعض إلا أحد أمرين :إما الجماع، وإما الخلوة، والقول بالخلوة باطل لما بيناه، فبقي أن المراد بالإفضاء هو الجماع. الرابع :أن المهر قبل الخلوة ما كان متقررا، والشرع قد علق تقرره على إفضاء البعض إلى البعض، وقد اشتبه الأمر في أن المراد بهذا الإفضاء، هو الخلوة أو الجماع، وإذا وقع الشك وجب بقاء ما كان على ما كان، وهو عدم التقرير، فبهذه الوجوه ظهر ترجيح مذهب الشافعي والله أعلم.
المسألة الثانية :قوله : ﴿ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ كلمة تعجب، أي لأي وجه ولأي معنى تفعلون هذا ؟ فإنها بذلت نفسها لك وجعلت ذاتها لذتك وتمتعك، وحصلت الألفة التامة والمودة الكاملة بينكما، فكيف يليق بالعاقل أن يسترد منها شيئا بذله لها بطبية نفسه ؟ إن هذا لا يليق ألبتة بمن له طبع سليم وذوق مستقيم.
الوجه الرابع :من الوجوه التي جعلها الله مانعا من استرداد المهر قوله : ﴿ وأخذن منكم ميثاقا غليظا ﴾ في تفسير هذا الميثاق الغليظ وجوه :الأول :قال السدي وعكرمة والفراء :هو قولهم زوجتك هذه المرأة على ما أخذه الله للنساء على الرجال، من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ومعلوم أنه إذا ألجأها إلى أن بذلت المهر فما سرحها بالإحسان، بل سرحها بالإساءة. الثاني :قال ابن عباس ومجاهد :الميثاق الغليظ كلمة النكاح المعقودة على الصداق، وتلك الكلمة كلمة تستحل بها فروج النساء، قال صلى الله عليه وسلم : «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ». الثالث :قوله : ﴿ وأخذن منكم ميثاقا غليظا ﴾ أي أخذن منكم بسبب إفضاء بعضكم إلى بعض ميثاقا غليظا، وصفه بالغلظة لقوته وعظمته، وقالوا :صحبة عشرين يوما قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج.
النوع الخامس :من الأمور التي كلف الله تعالى بها في هذه الآية من الأمور المتعلقة بالنساء.
قوله تعالى : ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف فاحشة ومقتا وساء سبيلا ﴾.
فيه مسائل :
المسألة الأولى :قال ابن عباس وجمهور المفسرين :كان أهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهاهم الله بهذه الآية عن ذلك الفعل.
المسألة الثانية :قال أبو حنيفة رضي الله عنه :يحرم على الرجل أن يتزوج بمزنية أبيه، وقال الشافعي رحمة الله عليه :لا يحرم احتج أبو حنيفة بهذه الآية فقال :إنه تعالى نهى الرجل أن ينكح منكوحة أبيه، والنكاح عبارة عن الوطء فكان هذا نهيا عن نكاح موطوءة أبيه، إنما قلنا :إن النكاح عبارة عن الوطء لوجوه :الأول :قوله تعالى : ﴿ فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ﴾ أضاف هذا النكاح إلى الزوج، والنكاح المضاف إلى الزوج هو الوطء لا العقد، لأن الإنسان لا يمكنه أن يتزوج بزوجة نفسه لأن تحصيل الحاصل محال، ولأنه لو كان المراد بالنكاح في هذه الآية هو العقد لوجب أن يحصل التحليل بمجرد العقد وحيث لم يحصل علمنا أن المراد من النكاح في هذه الآية ليس هو العقد، فتعين أن يكون هو الوطء لأنه لا قائل بالفرق، الثاني :قوله تعالى : ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح ﴾ والمراد من النكاح ههنا الوطء لا العقد، لأن أهلية العقد كانت حاصلة أبدا. الثالث :قوله تعالى : ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية ﴾ فلو كان المراد ههنا العقد لزم الكذب. الرابع :قوله عليه الصلاة والسلام : «ناكح اليد ملعون » ومعلوم أن المراد ليس هو العقد بل هو الوطء. فثبت بهذه الوجوه أن النكاح عبارة عن الوطء، فلزم أن يكون قوله تعالى : ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ أي :ولا تنكحوا ما وطئهن آباؤكم، وهذا يدخل فيه المنكوحة والمزنية، لا يقال :كما أن لفظ النكاح ورد بمعنى الوطء فقد ورد أيضا بمعنى العقد قال تعالى : ﴿ وأنكحوا الأيامى منكم ﴾ ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ ﴿ إذا نكحتم المؤمنات ﴾ وقوله عليه الصلاة والسلام : «ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح » فلم كان حمل اللفظ على الوطء أولى من حمله على العقد ؟
أجابوا عنه من ثلاثة أوجه :الأول :ما ذهب إليه الكرخي وهو أن لفظ النكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد، بدليل أن لفظ النكاح في أصل اللغة عبارة عن الضم، ومعنى الضم حاصل في الوطء لا في العقد، فكان لفظ النكاح حقيقة في الوطء. ثم إن العقد سمي بهذا الاسم لأن العقد لما كان سببا له أطلق اسم المسبب على السبب، كما أن العقيقة اسم للشعر الذي يكون على رأس الصبي حال ما يولد، ثم تسمى الشاة التي تذبح عند حلق ذلك الشعر عقيقة فكذا ههنا.
واعلم أنه كان مذهب الكرخي أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد بالاعتبار الواحد في حقيقته ومجازه معا، فلا جرم كان يقول :المستفاد من هذه الآية حكم الوطء، أما حكم العقد فإنه غير مستفاد من هذه الآية، بل من طريق آخر ودليل آخر.
الوجه الثاني :أن من الناس من ذهب إلى أن اللفظ المشترك يجوز استعماله في مفهوميه معا فهذا القائل قال :دلت الآيات المذكورة على أن لفظ النكاح حقيقة في الوطء وفي العقد معا، فكان قوله : ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ نهيا عن الوطء وعن العقد معا، حملا للفظ على كلا مفهوميه.
الوجه الثالث :في الاستدلال، وهو قول من يقول :اللفظ المشترك لا يجوز استعماله في مفهوميه معا، قالوا :ثبت بالدلائل المذكورة أن لفظ النكاح قد استعمل في القرآن في الوطء تارة وفي العقد أخرى، والقول بالاشتراك والمجاز خلاف الأصل، ولا بد من جعله حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو معنى الضم حتى يندفع الاشتراك والمجاز، وإذا كان كذلك كان قوله : ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ نهيا عن القدر المشترك بين هذين القسمين، والنهي عن القدر المشترك بين القسمين يكون نهيا عن كل واحد من القسمين لا محالة، فإن النهي عن التزويج يكون نهيا عن العقد وعن الوطء معا، فهذا أقصى ما يمكن أن يقال في تقرير هذا الاستدلال.
والجواب عنه من وجوه :الأول :لا نسلم أن اسم النكاح يقع على الوطء، والوجوه التي احتجوا بها على ذلك فهي معارضة بوجوه :أحدها :قوله عليه الصلاة والسلام : «النكاح سنتي » ولا شك أن الوطء من حيث كونه وطأ ليس سنة له، وإلا لزم أن يكون الوطء بالسفاح سنة له فلما ثبت أن النكاح سنة، وثبت أن الوطء ليس سنة، ثبت أن النكاح ليس عبارة عن الوطء، كذلك التمسك بقوله :" تناكحوا تكثروا " ولو كان الوطء مسمى بالنكاح لكان هذا إذنا في مطلق الوطء وكذلك التمسك بقوله تعالى : ﴿ وأنكحوا الأيامى منكم ﴾ وقوله : ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾.
لا يقال :لما وقع التعارض بين هذه الدلائل فالترجيح معنا، وذلك لأنا لو قلنا :الوطء مسمى بالنكاح على سبيل الحقيقة لزم دخول المجاز في دلائلنا، ومتى وقع التعارض بين المجاز والتخصيص كان التزام التخصيص أولى.
لأنا نقول :أنتم تساعدون على أن لفظ النكاح مستعمل في العقد، فلو قلنا :إن النكاح حقيقة في الوطء لزم دخول التخصيص في الآيات التي ذكرناها، ولزم القول بالمجاز في الآيات التي ذكر النكاح فيها بمعنى العقد، أما قولنا :إن النكاح فيها بمعنى الوطء فلا يلزمنا التخصيص، فقولكم يوجب المجاز والتخصيص معا، وقولنا يوجب المجاز فقط، فكان قولنا أولى.
الوجه الثاني :من الوجوه الدالة على أن النكاح ليس حقيقة في الوطء قوله عليه الصلاة والسلام : «ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح » أثبت نفسه مولودا من النكاح وغير مولود من السفاح، وهذا يقتضي أن لا يكون السفاح نكاحا، والسفاح وطء، فهذا يقتضي أن لا يكون الوطء نكاحا.
الوجه الثالث :أنه من حلف في أولاد الزنا :أنهم ليسوا أولاد النكاح لم يحنث، ولو كان الوطء نكاحا لوجب أن يحنث، وهذا دليل ظاهر على أن الوطء ليس مسمى بالنكاح على سبيل الحقيقة. الثاني :سلمنا أن الوطء مسمى بالنكاح، لكن العقد أيضا مسمى به، فلم كان حمل الآية على ما ذكرتم أولى من حملها على ما ذكرنا ؟
أما الوجه الأول :وهو الذي ذكره الكرخي فهو في غاية الركاكة، وبيانه من وجهين :الأول :أو الوطء مسبب العقد، فكما يحسن إطلاق اسم المسبب على السبب مجازا فكذلك يحسن إطلاق اسم السبب على المسبب مجازا. فكما يحتمل أن يقال :النكاح اسم للوطء ثم أطلق هذا الاسم على العقد لكونه سببا للوطء، فكذلك يحتمل أن يقال :النكاح اسم للعقد، ثم أطلق هذا الاسم على الوطء لكون الوطء مسببا له، فلم كان أحدهما أولى من الآخر ؟ بل الاحتمال الذي ذكرناه أولى، لأن استلزام السبب للمسبب أتم من استلزام المسبب للسبب المعين، فإنه لا يمتنع أن يكون لحصول الحقيقة الواحدة أسباب كثيرة، كالملك فإنه يحصل بالبيع والهبة والوصية والإرث، ولا شك أن الملازمة شرط لجواز المجاز، فثبت أن القول بأن اسم النكاح حقيقة في العقد مجاز في الوطء، أولى من عكسه.
الوجه الثاني :أن النكاح لو كان حقيقة في الوطء مجازا في العقد، وقد ثبت في أصول الفقه أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه معا، فحينئذ يلزم أن لا تكون الآية دالة على حكم العقد، وهذا وإن كان قد التزمه الكرخي لكنه مدفوع بالدليل القاطع، وذلك لأن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزول هذه الآية هو أنهم كانوا يتزوجون بأزواج آبائهم، وأجمع المسلمون على أن سبب نزول الآية لا بد وأن يكون داخلا تحت الآية، بل اختلفوا في أن غيره هل يدخل تحت الآية أم لا ؟ وأما كون سبب النزول داخلا فيها فذاك مجمع عليه بين الأمة، فإذا ثبت بإجماع المفسرين، أن سبب نزول هذه الآية هو العقد لا الوطء، وثبت بإجماع المسلمين أن سبب النزول لا بد وأن يكون مرادا، ثبت بالإجماع أن النهي عن العقد مراد من هذه الآية، فكان قول الكرخي واقعا على مضادة هذا الدليل القاطع، فكان فاسدا مردودا قطعا.
أما الوجه الثاني :مما ذكروه وهو أنا نحمل لفظ النكاح على مفهوميه، فنقول :هذا أيضا باطل، وقد بينا وجه بطلانه في أصول الفقه.
وأما الوجه الثالث :فهو أحسن الوجوه المذكورة في هذا الباب، وهو أيضا ضعيف لأن الضم الحاصل في الوطء عبارة عن تجاور الأجسام وتلاصقها، والضم الحاصل في العقد ليس كذلك لأن الإيجاب والقبول أصوات غير باقية، فمعنى الضم والتلاقي والتجاور فيها محال، وإذا كان كذلك ثبت أنه ليس بين الوطء وبين العقد مفهوم مشترك حتى يقال :إن لفظ النكاح حقيقة فيه، فإذا بطل ذلك لم يبق إلا أن يقال :لفظ النكاح مشترك بين الوطء وبين العقد، ويقال :إنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر، وحينئذ يرجع الكلام إلى الوجهين الأولين، فهذا هو الكلام الملخص في هذا.
الوجه الثاني :في الجواب عن هذا الاستدلال أن نقول :سلمنا أن النكاح بمعنى الوطء، ولكن لم قلتم :إن قوله : ﴿ ما نكح آباؤكم ﴾ المراد منه المنكوحة، والدليل عليه إجماعهم على أن لفظه «ما » حقيقة في غير العقلاء، فلو كان المراد منه ههنا المنكوحة لزم هذا المجاز، وإنه خلاف الأصل، بل أهل العربية اتفقوا على أن «ما » مع بعدها في تقدير المصدر، فتقدير الآية :ولا تنكحوا نكاح آبائكم، وعلى هذا يكون المراد منه النهي عن أن تنكحوا نكاحا مثل نكاح آبائكم، فإن أنكحتهم كانت بغير ولي ولا شهود، وكانت موقتة، وكانت على سبيل القهر والإلجاء، فالله تعالى نهاهم بهذه الآية عن مثل هذه الأنكحة، وهذا الوجه منقول عن محمد بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية.
الوجه الثالث :في الجواب عن هذا الاستدلال :سلمنا أن المراد من قوله : ﴿ ما نكح آباؤكم ﴾ المنكوحة، والتقدير :ولا تنكحوا من نكح آباؤكم ولكن قوله :من نكح آباؤكم ليس صريحا في العموم بدليل أنه يصح إدخال لفظي الكل والبعض عليه، فيقال :ولا تنكحوا كل ما نكح آباؤكم ولا تنكحوا بعض من نكح آباؤكم، ولو كان هذا صريحا في العموم لكان إدخال لفظ الكل عليه تكريرا، وإدخال لفظ البعض عليه نقصا، ومعلوم أنه ليس كذلك، فثبت أن قوله : ﴿ ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم ﴾ لا يفيد العموم، وإذا لم يفد العموم لم يتناول محل النزاع.
لا يقال :لو لم يفد العموم لم يكن صرفه إلى بعض الأقسام أولى من صرفه إلى الباقي، فحينئذ يصير مجملا غير مفيد، والأصل أن لا يكون كذلك.
لأنا نقول :لا نسلم أن بتقدير أن لا يفيد العموم لم يكن صرفه إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره، وذلك لأن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزوله إنما هو التزوج بزوجات الآباء، فكان صرفه إلى هذا القسم أولى، وبهذا التقدير لا يلزم كون الآية مجملة، ولا يلزم كونها متناولة لمحل النزاع.
الوجه الرابع :سلمنا أن هذا النهي يتناول محل النزاع، لكن لم قلتم :إنه يفيد التحريم ؟ أليس أن كثيرا من أقسام النهي لا يفيد التحريم، بل يفيد التنزيه، فلم قلتم :إنه ليس الأمر كذلك ؟ أقصى ما في الباب أن يقال :هذا على خلاف الأصل، ولكن يجب المصير إليه إذا دل الدليل، وسنذكر دلائل صحة هذا النكاح إن شاء الله تعالى.
الوجه الخامس :أن ما ذكرتم هب أنه يدل على فساد هذا النكاح، إلا أن ههنا ما يدل على صحة هذا النكاح وهو من وجوه :
الحجة الأولى :هذا النكاح منعقد فوجب أن يكون صحيحا، بيان أنه منعقد أنه عند أبي حنيفة رضي الله
قوله تعالى : ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت ﴾.
اعلم أنه تعالى نص على تحريم أربعة عشر صنفا من النسوان :سبعة منهن من جهة النسب، وهن الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت.
وسبعة أخرى لا من جهة النسب :الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة وأمهات النساء وبنات النساء بشرط أن يكون قد دخل بالنساء، وأزواج الأبناء والآباء، إلا أن أزواج الأبناء مذكورة ههنا، وأزواج الآباء مذكورة في الآية المتقدمة، والجمع بين الأختين. وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :ذهب الكرخي إلى أن هذه الآية مجملة قال :لأنه أضيف التحريم فيها إلى الأمهات والبنات، والتحريم لا يمكن إضافته إلى الأعيان، وإنما يمكن إضافته إلى الأفعال، وذلك الفعل غير مذكور في الآية، فليست إضافة هذا التحريم إلى بعض الأفعال التي لا يمكن إيقاعها في ذوات الأمهات والبنات، أولى من بعض، فصارت الآية مجملة من هذا الوجه.
والجواب عنه من وجهين :الأول :أن تقديم قوله تعالى : ﴿ ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم ﴾ يدل على أن المراد من قوله : ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ تحريم نكاحهن. الثاني :أن من المعلوم بالضرورة من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن المراد منه تحريم نكاحهن، والأصل فيه أن الحرمة والإباحة إذا أضيفتا إلى الأعيان، فالمراد تحريم الفعل المطلوب منها في العرف، فإذا قيل :حرمت عليكم الميتة والدم، فهم كل أحد أن المراد تحريم أكلهما، وإذا قيل :حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم، فهم كل أحد أن المراد تحريم نكاحهن، ولما قال عليه الصلاة والسلام : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا لإحدى معان ثلاث » فهم كل أحد أن المراد لا يحل إراقة دمه. وإذا كانت هذه الأمور معلومة بالضرورة كان إلقاء الشبهات فيها جاريا مجرى القدح في البديهيات وشبه السوفسطائية، فكانت في غاية الركاكة، والله أعلم.
بلى عندي فيه بحث من وجوه أخرى :أحدها :أن قوله : ﴿ حرمت عليكم ﴾ مذكور على ما لم يسم فاعله، فليس فيه تصريح بأن فاعل هذا التحريم هو الله تعالى، وما لم يثبت ذلك لم تفد الآية شيئا آخر، ولا سبيل إليه إلا بالإجماع، فهذه الآية وحدها لا تفيد شيئا، بل لا بد معها من الإجماع على هذه المقدمة، وثانيها :أن قوله : ﴿ حرمت عليكم ﴾ ليس نصا في ثبوت التحريم على سبيل التأييد، فإن القدر المذكور في الآية يمكن تقسيمه إلى المؤبد، وإلى المؤقت، كأنه تعالى تارة قال :حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم إلى الوقت الفلاني فقط، وأخرى :حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم مؤبدا مخلدا، وإذا كان القدر المذكور في الآية صالحا لأن يجعل موردا للتقسيم بهذين القسمين، لم يكن نصا في التأييد، فإذن هذا التأييد لا يستفاد من ظاهر الآية، بل من دلالة منفصلة، وثالثها :أن قوله : ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ خطاب مشافهة فيخصص بأولئك الحاضرين، فإثبات هذا التحريم في حق الكل إنما يستفاد من دليل منفصل، ورابعها :أن قوله : ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ إخبار عن ثبوت هذا التحريم في الماضي، وظاهر اللفظ غير متناول للحاضر والمستقبل فلا يعرف ذلك إلا بدليل منفصل، وخامسها :أن ظاهر قوله : ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ يقتضي أنه قد حرم على كل أحد جميع أمهاتهم وجميع بناتهم، ومعلوم أنه ليس كذلك، بل المقصود أنه تعالى قابل الجمع بالجمع، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد، فهذا يقتضي أن الله تعالى قد حرم على كل أحد أمه خاصة، وبنته خاصة، وهذا فيه نوع عدول عن الظاهر، وسادسها :أن قوله : ﴿ حرمت ﴾ يشعر ظاهره بسبق الحل، إذ لو كان أبدا موصوفا بالحرمة لكان قوله : ﴿ حرمت ﴾ تحريما لما هو في نفسه حرام، فيكون ذلك إيجاد الموجود وهو محال، فثبت أن المراد من قوله : ﴿ حرمت ﴾ ليس تجديد التحريم حتى يلزم الإشكال المذكور، بل المراد الإخبار عن حصول التحريم، فثبت بهذه الوجوه أن ظاهر الآية وحده غير كاف في إثبات المطلوب، والله أعلم.
المسألة الثانية :اعلم أن حرمة الأمهات والبنات كانت ثابتة من زمن آدم عليه السلام إلى هذا الزمان، ولم يثبت حل نكاحهن في شيء من الأديان الإلهية، بل إن زرداشت رسول المجوس قال بحله، إلا أن أكثر المسلمين اتفقوا على أنه كان كذابا. أما نكاح الأخوات فقد نقل أن ذلك كان مباحا في زمن آدم عليه السلام، وإنما حكم الله بإباحة ذلك على سبيل الضرورة، ورأيت بعض المشايخ أنكر ذلك، وقال :أنه تعالى كان يبعث الحواري من الجنة ليزوج بهن أبناء آدم عليه السلام وهذا بعيد، لأنه إذا كان زوجات أبنائه وأزواج بناته من أهل الجنة، فحينئذ لا يكون هذا النسل من أولاد آدم فقط، وذلك بالإجماع باطل. وذكر العلماء أن السبب لهذا التحريم :أن الوطء إذلال وإهانة، فإن الإنسان يستحي من ذكره ولا يقدم عليه إلا في الموضع الخالي، وأكثر أنواع الشتم لا يكون إلا بذكره، وإذا كان الأمر كذلك وجب صون الأمهات عنه لأن إنعام الأم على الولد أعظم وجوه الإنعام، فوجب صونها عن هذا الإذلال، والبنت بمنزلة جزء من الإنسان وبعض منه، قال عليه الصلاة والسلام : «فاطمة بضعة مني » فيجب صونها عن هذا الإذلال، لأن المباشرة معها تجري مجرى الإذلال، وكذا القول في البقية والله أعلم. ولنشرع الآن في التفاصيل فنقول :
النوع الأول :من المحرمات :الأمهات، وفيه مسائل :
المسألة الأولى :قال الواحدي رحمه الله :الأمهات جمع الأم والأم في الأصل أمهة فأسقط الهاء في التوحيد قال الشاعر :
أمهتي خندف والياس أبي ***. . .
وقد تجمع الأم على أمات بغير هاء وأكثر ما يستعمل في الحيوان غير الآدمي قال الراعي :
كانت نجائب منذر ومحرق *** أماتهن وطرقهن فحيلا
المسألة الثانية :كل امرأة رجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك بدرجة أو بدرجات، بإناث رجعت إليها أو بذكور فهي أمك. ثم ههنا بحث وهو أن لفظ الأم لا شك أنه حقيقة في الأم الأصلية، فأما في الجدات فأما أن يكون حقيقة أو مجازا، فإن كان لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية وفي الجدات، فإما أن يكون لفظا متواطئا أو مشتركا، فإن كان لفظا متواطئا أعني أن يكون لفظ الأم موضوعا بإزاء قدر مشترك بين الأم الأصلية وبين سائر الجدات فعلى هذا التقدير يكون قوله تعالى : ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ نصا في تحريم الأم الأصلية وفي تحريم جميع الجدات، وأما إن كان لفظ الأم مشتركا في الأم الأصلية وفي الجدات، فهذا يتفرع على أن اللفظ المشترك بين أمرين هل يجوز استعماله فيهما معا أم لا ؟ فمن جوزه حمل اللفظ ههنا على الكل، وحينئذ يكون تحريم الجدات منصوصا عليه، ومن قال :لا يجوز، فالقائلون بذلك لهم طريقان في هذا الموضع :أحدهما :أن لفظ الأم لا شك أنه أريد به ههنا الأم الأصلية، فتحريم نكاحها مستفاد من هذا الوجه، وأما تحريم نكاح الجدات فغير مستفاد من هذا النص، بل من الإجماع. والثاني :أنه تعالى تكلم بهذه الآية مرتين، يريد في كل مرة مفهوما آخر، أما إذا قلنا :لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية مجاز في الجدات، فقد ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد دفعة واحدة في حقيقته ومجازه معا، وحينئذ يرجع الطريقان اللذان ذكرناهما فيما إذا كان لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية، وفي الجدات.
المسألة الثالثة :قال الشافعي رحمه الله :إذا تزوج الرجل بأمه ودخل بها يلزمه الحد، وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يلزمه. حجة الشافعي أن وجود هذا النكاح وعدمه بمثابة واحدة، فكان هذا الوطء زنا محضا فيلزمه الحد لقوله تعالى : ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴾ إنما قلنا :إن وجود هذا النكاح وعدمه بمثابة واحدة لأنه تعالى قال : ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ وقد علم بالضرورة من دين محمد عليه الصلاة والسلام أن مراد الله تعالى من هذه الآية :تحريم نكاحها وإذا ثبت هذا فنقول :الموجود ليس إلا صيغة الإيجاب والقبول، فلو حصل هذا الانعقاد، فإما أن يقال :إنه حصل في الحقيقة أو في حكم الشرع والأول باطل، لأن صيغة الإيجاب والقبول كلام وهو عرض لا يبقى، والقبول لا يوجد إلا بعد الإيجاب، وحصول الانعقاد بين الموجود والمعدوم محال. والثاني :باطل، لأن الشرع بين في هذه الآية بطلان هذا العقد قطعا، ومع كون هذا العقد باطلا قطعا في حكم الشرع، كيف يمكن القول بأنه منعقد شرعا ؟ فثبت أن وجود هذا العقد وعدمه بمثابة واحدة، وإذا ثبت ذلك فباقي التفريع والتقرير ما تقدم.
النوع الثاني :من المحرمات :البنات، وفيه مسألتان :
المسألة الأولى :كل أنثى يرجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو بدرجات، بإناث أو بذكور فهي بنتك، وأما بنت الابن وبنت البنت فهل تسمى بنتا حقيقة أو مجازا ؟ فالبحث فيه عين ما ذكرناه في الأمهات.
المسألة الثانية :قال الشافعي رحمه الله :البنت المخلوقة من ماء الزنا لا تحرم على الزاني. وقال أبو حنيفة :تحرم. حجة الشافعي أنها ليست بنتا له فوجب أن لا تحرم، إنما قلنا :إنها ليست بنتا لوجوه :الأول :أن أبا حنيفة إما أن يثبت كونها بنتا له بناء على الحقيقة، وهي كونها مخلوقة من مائه، أو بناء على حكم الشرع بثبوت هذا النسب، والأول باطل على مذهبه طردا وعكسا، أما الطرد فهو أنه إذا اشترى جارية بكرا وافتضها وحبسها في داره فأتت بولد، فهذا الولد معلوم أنه مخلوق من مائه مع أن أبا حنيفة قال :لا يثبت نسبها إلا عند الاستلحاق، ولو كان السبب هو كون الولد متخلقا من مائه لما توقف في ثبوت هذا النسب بغير الاستلحاق، وأما العكس فهو أن المشرقي إذا تزوج بالمغربية وحصل هناك ولد، فأبو حنيفة أثبت النسب هنا مع القطع بأنه غير مخلوق من مائه، فثبت أن القول بجعل التخليق من مائه سببا للنسب باطل طردا وعكسا على قول أبي حنيفة، وأما إذا قلنا :النسب إنما يثبت بحكم الشرع، فههنا أجمع المسلمون على أنه لا نسب لولد الزنا من الزاني، ولو انتسب إلى الزاني لوجب على القاضي منعه من ذلك الانتساب، فثبت أن انتسابها إليه غير ممكن، لا بناء على الحقيقة، ولا بناء على حكم الشرع.
الوجه الثاني :التمسك بقوله عليه الصلاة والسلام : «الولد للفراش وللعاهر الحجر » فقوله :الولد للفراش يقتضي حصر النسب في الفراش.
الوجه الثالث :لو كانت بنتا له لأخذت الميراث لقوله تعالى : ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ ولثبتت له ولاية الإجبار، لقوله عليه السلام : «زوجوا بناتكم الأكفاء » ولوجب عليه نفقتها وحضانتها، ولحلت الخلوة بها، فلما لم يثبت شيء من ذلك علمنا انتفاء البنتية، وإذا ثبت أنها ليست بنتا له وجب أن يحل التزوج بها، لأن حرمة التزوج بها إما للبنتية، أو لأجل أن الزنا يوجب حرمة المصاهرة، وهذا الحصر ثابت بالإجماع. والبنتية باطلة كما ذكرنا، وحرمة المصاهرة بسبب الزنا أيضا باطلة كما تقدم شرح هذه المسألة، فثبت أنها غير محرمة على الزاني والله أعلم.
النوع الثالث :من المحرمات :الأخوات :ويدخل فيه الأخوات من الأب والأم معا، والأخوات من الأب فقط، والأخوات من الأم فقط.
النوع الرابع والخامس :العمات والخالات.
قوله تعالى : ﴿ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾.
فيه مسائل :
المسألة الأولى :الإحصان في اللغة المنع، وكذلك الحصانة، يقال :مدينة حصينة ودرع حصينة، أي مانعة صاحبها من الجراحة. قال تعالى : ﴿ وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم ﴾ معناه لتمنعكم وتحرزكم، والحصن الموضع الحصين لمنعه من يريده بالسوء، والحصان بالكسر الفرس الفحل، لمنعه صاحبه من الهلاك، والحصان بالفتح المرأة العفيفة لمنعها فرجها من الفساد، قال تعالى : ﴿ ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها ﴾.
واعلم أن لفظ الإحصان جاء في القرآن على وجوه :أحدها :الحرية كما في قوله تعالى : ﴿ والذين يرمون المحصنات ﴾ يعني الحرائر، ألا ترى أنه لو قذف غير حر لم يجلد ثمانين، وكذلك قوله : ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾ يعني الحرائر، وكذلك قوله : ﴿ ومن لم يستطيع منكم طولا أن ينكح المحصنات ﴾ أي الحرائر، وثانيها :العفاف، وهو قوله ﴿ محصنات غير مسافحات ﴾ وقوله : ﴿ محصنين غير مسافحين ﴾ وقوله : ﴿ والتي أحصنت فرجها ﴾ أي أعفته، وثالثها الإسلام :من ذلك قوله : ﴿ فإذا أحصن ﴾ قيل في تفسيره :إذا أسلمن، ورابعها :كون المرأة ذات زوج يقال :امرأة محصنة إذا كانت ذات زوج، وقوله : ﴿ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ يعني ذوات الأزواج، والدليل على أن المراد ذلك أنه تعالى عطف المحصنات على المحرمات، فلا بد وأن يكون الإحصان سببا للحرمة، ومعلوم أن الحرية والعفاف والإسلام لا تأثير له في ذلك، فوجب أن يكون المراد منه المزوجة، لأن كون المرأة ذات زوج له تأثير في كونها محرمة على الغير.
واعلم أن الوجوه الأربعة مشتركة في المعنى الأصلي اللغوي، وهو المنع، وذلك لأنا ذكرنا أن الإحصان عبارة عن المنع، فالحرية سبب لتحصين الإنسان من نفاذ حكم الغير فيه، والعفة أيضا مانعة للإنسان عن الشروع فيما لا ينبغي، وكذلك الإسلام مانع من كثير مما تدعو إليه النفس والشهوة، والزوج أيضا مانع للزوجة من كثير من الأمور، والزوجة مانعة للزوج من الوقوع في الزنا، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : «من تزوج فقد حصن ثلثي دينه » فثبت أن المرجع بكل هذه الوجوه إلى ذلك المعنى اللغوي والله أعلم.
المسألة الثانية :قال الواحدي :اختلف القراء في ﴿ المحصنات ﴾ فقرؤا بكسر الصاد وفتحها في جميع القرآن إلا التي في هذه الآية فإنهم أجمعوا على الفتح فيها، فمن قرأ بالكسر جعل الفعل لهن يعني :أسلمن واخترن العفاف، وتزوجن وأحصن أنفسهن بسبب هذه الأمور. ومن قرأ بالفتح جعل الفعل لغيرهن، يعني أحصنهن أزواجهن، والله أعلم.
المسألة الثالثة :قال الشافعي- رحمة الله عليه- :الثيب الذمي إذا زنى يرجم، وقال أبو حنيفة -رضي الله عنه- :لا يرجم. حجة الشافعي أنه حصل الزنا مع الإحصان وذلك علة لإباحة الدم، فوجب أن يثبت إباحة الدم، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون ذلك بطريق الرجم. أما قولنا :حصل الزنا مع الإحصان، فهذا يعتمد إثبات قيدين :أحدهما :حصول الزنا ولا شك فيه. الثاني :حصول الإحصان وهو حاصل، لأن قوله تعالى : ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ يدل على أن المراد من المحصنة :المزوجة، وهذه المرأة مزوجة فهي محصنة، فثبت أنه حصل الزنا مع الإحصان، وإنما قلنا :إن الزنا مع الإحصان علة لإباحة الدم لقوله عليه الصلاة والسلام :
«لا يحل دم امرئ مسلم إلا لإحدى معان ثلاثة » ومنها قوله : «وزنا بعد إحصان » جعل الزنا بعد الإحصان علة لإباحة الدم في حق المسلم، والمسلم محل لهذا الحكم، أما العلة فهي مجرد الزنا بعد الإحصان، بدليل أن لام التعليل إنما دخل عليه. أقصى ما في الباب أنه حكم في حق المسلم، أن الزنا بعد الإحصان علة لإباحة الدم، إلا أن كونه مسلما محل الحكم، وخصوص محل الحكم لا يمنع من التعدية إلى غير ذلك المحل، وإلا لبطل القياس بالكلية. وأما العلة فهي ما دخل عليه لام التعليل، وهي ماهية الزنا بعد الإحصان، وهذه الماهية لما حصلت في حق الثيب الذمي، وجب أن يحصل في حقه إباحة الدم، فثبت أنه مباح الدم. ثم ههنا طريقان :إن شئنا اكتفينا بهذا القدر، فإنا ندعي كونه مباح الدم والخصم لا يقول به، فصار محجوجا، أو نقول :لما ثبت أنه مباح الدم وجب أن يكون ذلك بطريق الرجم لأنه لا قائل بالفرق.
فإن قيل :ما ذكرتم إن دل على أن الذمي محصن، فههنا ما يدل على أنه غير محصن، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : «من أشرك بالله فليس بمحصن ».
قلنا :ثبت بالدليل الذي ذكرناه أن الذمي محصن، وثبت بهذا الخبر الذي ذكرتم أنه ليس بمحصن، فنقول :إنه محصن بمعنى أنه ذات زوج، وغير محصن بمعنى أنه لا يحد قاذفه، وقوله :من أشرك بالله فليس بمحصن يجب حمله على أنه لا يحد قاذفه، لا على أنه لا يحد على الزنا، لأنه وصفه بوصف الشرك وذلك جناية، والمذكور عقيب الجناية لا بد وأن يكون أمرا يصلح أن يكون عقوبة، وقولنا :أنه لا يجد قاذفه يصلح أن يكون عقوبة، أما قولنا :لا يحد على الزنا، لا يصلح أن يكون عقوبة له، فكان المراد من قوله :من أشرك بالله فليس بمحصن ما ذكرناه والله أعلم.
المسألة الرابعة :في قوله : ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ قولان :أحدهما :المراد منها ذوات الأزواج، وعلى هذا التقدير ففي قوله : ﴿ إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ وجهان :الأول :أن المرأة إذا كانت ذات زوج حرمت على غير زوجها، إلا إذا صارت ملكا لإنسان فإنها تحل للمالك، الثاني :أن المراد بملك اليمين ههنا ملك النكاح، والمعنى أن ذوات الأزواج حرام عليكم إلا إذا ملكتموهن بنكاح جديد بعد وقوع البينونة بينهن وبين أزواجهن، والمقصود من هذا الكلام الزجر عن الزنا والمنع من وطئهن إلا بنكاح جديد، أو بملك يمين إن كانت المرأة مملوكة، وعبر عن ذلك بملك اليمين لأن ملك اليمين حاصل في النكاح وفي الملك.
القول الثاني :أن المراد ههنا بالمحصنات الحرائر، والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية : ﴿ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فما ملكت أيمانكم ﴾ ذكر ههنا المحصنات ثم قال بعده : ﴿ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ﴾ كان المراد بالمحصنات ههنا ما هو المراد هناك، ثم المراد من المحصنات هناك الحرائر، فكذا ههنا. وعلى هذا التقدير ففي قوله : ﴿ إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ وجهان :الأول :المراد منه إلا العدد الذي جعله الله ملكا لكم وهو الأربع، فصار التقدير :حرمت عليكم الحرائر إلا العدد الذي جعله الله ملكا لكم وهو الأربع، الثاني :الحرائر محرمات عليكم إلا ما أثبت الله لكم ملكا عليهن، وذلك عند حضور الولي والشهود وسائر الشرائط المعتبرة في الشريعة، فهذا الأول في تفسير قوله : ﴿ إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ هو المختار، ويدل عليه قوله تعالى : ﴿ والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ جعل ملك اليمين عبارة عن ثبوت الملك فيها، فوجب أن يكون ههنا مفسرا بذلك، لأن تفسير كلام الله تعالى بكلام الله أقرب الطرق إلى الصدق والصواب، والله أعلم.
المسألة الخامسة :اتفقوا على أنه إذا سبى أحد الزوجين قبل الآخر وأخرج إلى دار الإسلام وقعت الفرقة. أما إذا سبيا معا فقال الشافعي رضي الله عنه :ههنا تزول الزوجية، ويحل للمالك أن يستبرئها بوضع الحمل إن كانت حاملا من زوجها، أو بالحيض. وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه :لا تزول. حجة الشافعي رضي الله عنه أن قوله : ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ يقتضي تحريم ذات الأزواج ثم قوله : ﴿ إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ يقتضي أن عند طريان الملك ترفع الحرمة ويحصل الحل، قال أبو بكر الرازي :لو حصلت الفرقة بمجرد طريان الملك لوجب أن تقع الفرقة بشراء الأمة واتهابها وإرثها، ومعلوم أنه ليس كذلك، فيقال له :كأنك ما سمعت أن العام بعد التخصيص حجة في الباقي، وأيضا :فالحاصل عند السبي إحداث الملك فيها، وعند البيع نقل الملك من شخص إلى شخص فكان الأول أقوى، فظهر الفرق.
المسألة السادسة :مذهب علي وعمر وعبد الرحمن بن عوف أن الأمة المنكوحة إذا بيعت لا يقع عليها الطلاق، وعليه إجماع الفقهاء اليوم، وقال أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس وجابر وأنس :إنها إذا بيعت طلقت. حجة الجمهور :أن عائشة لما اشترت بريرة وأعتقها خيرها النبي صلى الله عليه وسلم وكانت مزوجة، ولو وقع الطلاق بالبيع لما كان لذلك التخيير فائدة. ومنهم من روى في قصة بريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال :" بيع الأمة طلاقها " وحجة أبي كعب وابن مسعود عموم الاستثناء في قوله : ﴿ إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ وحاصل الجواب عنه يرجع إلى تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد والله أعلم. ثم إنه تعالى ختم ذكر المحرمات بقوله : ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ وفيه وجهان :الأول :أنه مصدر مؤكد من غير لفظ الفعل فإن قوله : ﴿ حرمت عليكم ﴾ يدل على معنى الكتبة فالتقدير :كتب عليكم تحريم ما تقدم ذكره من المحرمات كتابا من الله، ومجيء المصدر من غير لفظ الفعل كثير نظيره ﴿ وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب صنع الله ﴾ الثاني :قال الزجاج :ويجوز أن يكون منصوبا على جهة الأمر، ويكون «عليكم » مفسرا له فيكون المعنى :الزموا كتاب الله.
ثم قال : ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿ وأحل لكم ﴾ على ما لم يسم فاعله، عطفا على قوله : ﴿ حرمت عليكم ﴾ والباقون بفتح الألف والحاء عطفا على ﴿ كتاب الله ﴾ يعني كتب الله عليكم تحريم هذه الأشياء وأحل لكم ما وراءها.
المسألة الثانية :اعلم أن ظاهر قوله تعالى : ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ يقتضي حل كل من سوى الأصناف المذكورة. إلا أنه دل الدليل على تحريم أصناف أخر سوى هؤلاء المذكورين ونحن نذكرها.
الصنف الأول :لا يجمع بين المرأة وبين عمتها وخالتها، قال النبي صلى الله عليه وسلم :" لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها " وهذا خبر مشهور مستفيض، وربما قيل :إنه بلغ مبلغ التواتر، وزعم الخوارج أن هذا خبر واحد، وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يجوز، واحتجوا عليه بوجوه :الأول :أن عموم الكتاب مقطوع المتن ظاهر الدلالة، وخبر الواحد مظنون المتن ظاهر الدلالة، فكان خبر الواحد أضعف من عموم القرآن، فترجيحه عليه بمقتضى تقديم الأضعف على الأقوى وإنه لا يجوز. الثاني :من جملة الأحاديث المشهورة خبر معاذ، وإنه يمنع من تقديم خبر الواحد على عموم القرآن من وجهين لأنه قال :بم تحكم ؟ قال بكتاب الله، قال :فإن لم تجد قال :بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم التمسك بكتاب الله على التمسك بالسنة، وهذا يمنع من تقديم السنة على الكتاب، وأيضا فإنه قال :فإن لم تجد قال :بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، علق جواز التمسك بالسنة على عدم الكتاب بكلمة «إن » وهي للاشتراط، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط.
الثالث :أن من الأحاديث المشهورة قوله عليه الصلاة والسلام : «إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه وإلا فردوه » فهذا الخبر يقتضي أن لا يقبل خبر الواحد إلا عند موافقة الكتاب،
قوله تعالى : ﴿ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم ﴾.
اعلم أنه تعالى لما بين من يحل ومن لا يحل :بين فيمن يحل أنه متى يحل، وعلى أي وجه يحل فقال : ﴿ ومن لم يستطع منكم طولا ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :قرأ الكسائي ﴿ المحصنات ﴾ بكسر الصاد، وكذلك ﴿ محصنات غير مسافحات ﴾ وكذلك ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات ﴾ كلها بكسر الصاد، والباقون بالفتح، فالفتح معناه ذوات الأزواج، والكسر معناه العفائف والحرائر، والله أعلم.
المسألة الثانية :الطول :الفضل، ومنه التطول وهو التفضل، وقال تعالى : ﴿ ذي الطول ﴾ ويقال :تطاول لهذا الشيء أي تناوله، كما يقال :يد فلان مبسوطة وأصل هذه الكلمة من الطول الذي هو خلاف القصر ؛ لأنه إذا كان طويلا ففيه كمال وزيادة، كما أنه إذا كان قصيرا ففيه قصور ونقصان، وسمي الغنى أيضا طولا، لأنه ينال به من المرادات ما لا ينال عند الفقر، كما أن بالطول ينال ما لا ينال بالقصر.
إذا عرفت هذا فنقول :الطول القدرة، وانتصابه على أنه مفعول «يستطع » و«أن ينكح » في موضع النصب على أنه مفعول القدرة.
فإن قيل :الاستطاعة هي القدرة، والطول أيضا هو القدرة، فيصير تقدير الآية :ومن لم يقدر، منكم على القدرة على نكاح المحصنات، فما فائدة هذا التكرير في ذكر القدرة ؟
قلنا :الأمر كما ذكرت، والأولى أن يقال :المعنى فمن لم يستطع منكم استطاعة بالنكاح المحصنات، وعلى هذا الوجه يزول الإشكال، فهذا ما يتعلق باللغة.
أما ما قاله المفسرون فوجوه :الأول :ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة يبلغ بها نكاح الحرة فلينكح أمة. الثاني :أن يفسر النكاح بالوطء، والمعنى :ومن لم يستطع منكم طولا وطء الحرائر فلينكح أمة، وعلى هذا التقدير فكل من ليس تحته حرة فإنه يجوز له التزوج بالأمة. وهذا التفسير لائق بمذهب أبي حنيفة، فإن مذهبه أنه إذا كان تحته حرة لم يجز له نكاح الأمة. سواء قدر على التزوج بالحرة أو لم يقدر. والثالث :الاكتفاء بالحرة، فله أن يتزوج بالأمة سواء كان تحته حرة أو لم يكن، كل هذه الوجوه إنما حصلت، لأن لفظ الاستطاعة محتمل لكل هذه الوجوه.
المسألة الثالثة :المراد بالمحصنات في قوله : ﴿ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ﴾ هو الحرائر، ويدل عليه أنه تعالى أثبت عند تعذر نكاح المحصنات نكاح الإماء، فلا بد وأن يكون المراد من المحصنات من يكون كالضد للإماء، والوجه في تسمية الحرائر بالمحصنات على قراءة من قرأ بفتح الصاد :أنهن أحصن بحريتهن عن الأحوال التي تقدم عليها الإماء، فإن الظاهر أن الأمة تكون خراجة ولاجة ممتهنة مبتذلة، والحرة مصونة محصنة من هذه النقصانات، وأما على قراءة من قرأ بكسر الصاد، فالمعنى أنهن أحصن أنفسهن بحريتهن.
المسألة الرابعة :مذهب الشافعي رضي الله عنه :أن الله تعالى شرط في نكاح الإماء شرائط ثلاثة، اثنان منها في الناكح، والثالث في المنكوحة، أما اللذان في الناكح. فأحدهما :أن يكون غير واجد لما يتزوج به الحرة المؤمنة من الصداق، وهو معنى قوله : ﴿ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات ﴾ فعدم استطاعة الطول عبارة عن عدم ما ينكح به الحرة.
فإن قيل :الرجل إذا كان يستطيع التزوج بالأمة يقدر على التزوج بالحرة الفقيرة، فمن أين هذا التفاوت ؟
قلنا :كانت العادة في الإماء تخفيف مهورهن ونفقتهن لاشتغالهن بخدمة السادات، وعلى هذا التقدير يظهر هذا التفاوت.
وأما الشرط الثاني :فهو المذكور في آخر الآية وهو قوله : ﴿ ذلك لمن خشي العنت منكم ﴾ أي بلغ الشدة في العزوبة.
وأما الشرط الثالث :المعتبر في المنكوحة، فإن تكون الأمة مؤمنة لا كافرة، فإن الأمة إذا كانت كافرة كانت ناقصة من وجهين :الرق والكفر، ولا شك أن الولد تابع للأم في الحرية والرق، وحينئذ يعلق الولد رقيقا على ملك الكافر، فيحصل فيه نقصان الرق ونقصان كونه ملكا للكافر، فهذه الشرائط الثلاثة معتبرة عند الشافعي في جواز نكاح الأمة.
وأما أبو حنيفة رضي الله عنه فيقول :إذا كان تحته حرة لم يجز له نكاح الأمة، أما إذا لم يكن تحته حرة جاز له ذلك، سواء قدر على نكاح الحرة أو لم يقدر، واحتج الشافعي على قوله بهذه الآية وتقريره من وجهين :الأول :أنه تعالى ذكر عدم القدرة على طول الحرة، ثم ذكر عقيبه التزوج بالأمة، وذلك الوصف يناسب هذا الحكم لأن الإنسان قد يحتاج إلى الجماع، فإذا لم يقدر على جماع الحرة بسبب كثرة مؤنتها ومهرها، وجب أن يؤذن له في نكاح الأمة، إذا ثبت هذا فنقول :الحكم إذا كان مذكورا عقيب وصف يناسبه، فذلك الاقتران في الذكر يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف، إذا ثبت هذا فنقول :لو كان نكاح الأمة جائزا بدون القدرة على طول الحرة ومع القدرة عليه لم يكن لعدم هذه القدرة أثر في هذا الحكم البتة، لكنا بينا دلالة الآية على أن له أثرا في هذا الحكم، فثبت أنه لا يجوز التزوج بالأمة مع القدرة على طول الحرة. الثاني :أن نتمسك بالآية على سبيل المفهوم، وهو أن تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه، والدليل عليه أن القائل إذا قال :الميت اليهودي لا يبصر شيئا، فإن كل أحد يضحك من هذا الكلام ويقول :إذا كان غير اليهودي أيضا لا يبصر فما فائدة التقييد بكونه يهوديا، فلما رأينا أن أهل العرف يستقبحون هذا الكلام ويعللون ذلك الاستقباح بهذه العلة، علمنا اتفاق أرباب اللسان على أن التقييد بالصفة يقتضي نفي الحكم في غير محل القيد. قال أبو بكر الرازي :تخصيص هذه الحالة بذكر الإباحة فيها لا يدل على حظر ما عداه، كقوله تعالى :
﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ﴾ ولا دلالة فيه على إباحة القتل عند زوال هذه الحالة، وقوله : ﴿ لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ﴾ لا دلالة فيه على إباحة الأكل عند زوال هذه الحالة، وقوله : ﴿ لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ﴾ لا دلالة فيه على إباحة الأكل عند زوال هذه الحالة، فيقال له :ظاهر اللفظ يقتضي ذلك، إلا أنه ترك العمل به بدليل منفصل، كما أن عندك ظاهر الأمر للوجوب، وقد يترك العمل به في صور كثيرة لدليل منفصل، والسؤال الجيد على التمسك بالآية ما ذكرناه، حيث قلنا :لم لا يجوز أن يكون المراد من النكاح الوطء، والتقدير :ومن لم يستطع منكم وطء الحرة، وذلك عند من لا يكون تحته حرة، فإنه يجوز له نكاح الأمة، وعلى هذا التقدير تنقلب الآية حجة لأبي حنيفة.
وجوابه :أن أكثر المفسرين فسروا الطول بالغنى، وعدم الغنى تأثيره في عدم القدرة على العقد، لا في عدم القدرة على الوطء. واحتج أبو بكر الرازي على صحة قوله بالعمومات، كقوله تعالى : ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ وقوله : ﴿ وأنكحوا الأيامى منكم ﴾ وقوله : ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ وقوله : ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ﴾ وهو متناول للإماء الكتابيات. والمراد من هذا الإحصان العفة.
والجواب :أن آيتنا خاصة، والخاص مقدم على العام، ولأنه دخلها التخصيص فيما إذا كان تحته حرة، وإنما خصت صونا للولد، عن الإرقاق، وهو قائم في محل النزاع.
المسألة الخامسة :ظاهر قوله : ﴿ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات ﴾ يقتضي كون الإيمان معتبرا في الحرة، فعلى هذا :لو قدر على حرة كتابية ولم يقدر على طول حرة مسلمة فإنه يجوز له أن يتزوج الأمة، وأكثر العلماء أن ذكر الإيمان في الحرائر ندب واستحباب، لأنه لا فرق بين الحرة الكتابية وبين المؤمنة في كثرة المؤنة وقلتها.
المسألة السادسة :من الناس من قال :أنه لا يجوز التزوج بالكتابيات البتة، واحتجوا بهذه الآيات، فقالوا :إنه تعالى بين أن عند العجز عن نكاح الحرة المسلمة يتعين له نكاح الأمة المسلمة، ولو كان التزوج بالحرة الكتابية جائزا، لكان عند العجز عن الحرة المسلمة لم تكن الأمة المسلمة متعينة، وذلك ينفي دلالة الآية. ثم أكدوا هذه الدلالة بقوله تعالى : ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾ وقد بينا بالدلائل الكثيرة في تفسير هذه الآية أن الكتابية مشركة.
المسألة السابعة :الآية دالة على التحذير من نكاح الإماء، وأنه لا يجوز الإقدام عليه إلا عند الضرورة، والسبب فيه وجوه :الأول :أن الولد يتبع الأم في الرق والحرية، فإذا كانت الأم رقيقة علق الولد رقيقا، وذلك يوجب النقص في حق ذلك الإنسان وفي حق ولده. والثاني :أن الأمة قد تكون تعودت الخروج والبروز والمخالطة بالرجال وصارت في غاية الوقاحة، وربما تعودت الفجور، وكل ذلك ضرر على الأزواج. الثالث :أن حق المولى عليها أعظم من حق الزوج، فمثل هذه الزوجة لا تخلص للزوج كخلوص الحرة، فربما احتاج الزوج إليها جدا ولا يجد إليها سبيلا لأن السيد يمنعها ويحبسها. الرابع :أن المولى قد يبيعها من إنسان آخر، فعلى قول من يقول :بيع الأمة طلاقها، تصير مطلقة شاء الزوج أم أبى، وعلى قول من لا يرى ذلك فقد يسافر المولى الثاني بها وبولدها، وذلك من أعظم المضار. الخامس :أن مهرها ملك لمولاها، فهي لا تقدر على هبة مهرها من زوجها، ولا على إبرائه عنه، بخلاف الحرة، فلهذه الوجوه ما أذن الله في نكاح الأمة إلا على سبيل الرخصة، والله أعلم.
قوله تعالى : ﴿ فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ﴾ فيه مسائل :
المسألة الأولى :قوله : ﴿ فمن ما ملكت أيمانكم ﴾ أي فليتزوج مما ملكت أيمانكم. قال ابن عباس :يريد جارية أختك، فإن الإنسان لا يجوز له أن يتزوج بجارية نفسه.
المسألة الثانية :الفتيات :المملوكة جمع فتاة، والعبد فتى، وعن النبي صلى الله عليه وسلم : «لا يقولن أحدكم عبدي ولكن ليقل فتاي وفتاتي » ويقال للجارية الحديثة :فتاة، وللغلام فتى، والأمة تسمى فتاة، عجوزا كانت أو شابة، لأنها كالشابة في أنها لا توقر توقير الكبير.
المسألة الثالثة :قوله : ﴿ من فتياتكم المؤمنات ﴾ يدل على تقييد نكاح الأمة بما إذا كانت مؤمنة فلا يجوز التزوج بالأمة الكتابية، سواء كان الزوج حرا أو عبدا، وهذا قول مجاهد وسعيد والحسن، وقول مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة :يجوز التزوج بالأمة الكتابية.
حجة الشافعي رضي الله عنه :أن قوله : ﴿ من فتياتكم المؤمنات ﴾ تقييد لجواز نكاح الأمة بكونها مؤمنة، وذلك ينفي جواز نكاح غير المؤمنة من الوجهين اللذين ذكرناهما في مسألة طول الحرة، وأيضا قال تعالى : ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه :النص والقياس :أما النص فالعمومات التي ذكرنا تمسكه بها في طول الحرة، وآكدها قوله : ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ وأما القياس فهو أنا أجمعنا على أن الكتابة الحرة مباحة، والكتابية المملوكة أيضا مباحة، فكذلك إذا تزوج بالكتابية المملوكة وجب أنه يجوز.
قوله تعالى : ﴿ يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم ﴾.
فيه مسائل :
المسألة الأولى :اللام في قوله : ﴿ ليبين لكم ﴾ فيه وجهان :الأول :قالوا :إنه قد تقام اللام مقام «أن » في أردت وأمرت، فيقال :أردت أن تذهب، وأردت لتذهب، وأمرتك أن تقوم، وأمرتك لتقوم، قال تعالى : ﴿ يريدون ليطفئوا نور الله ﴾ يعني يريدون أن يطفؤا، وقال : ﴿ وأمرنا لنسلم لرب العالمين ﴾.
والوجه الثاني :أن نقول ؛ إن في الآية إضمارا، والتقدير :يريد الله إنزال هذه الآيات ليبين لكم دينكم وشرعكم، وكذا القول في سائر الآيات التي ذكروها، فقوله : ﴿ يريدون ليطفئوا نور الله ﴾ يعني يريدون كيدهم وعنادهم ليطفؤا، وأمرنا بما أمرنا لنسلم.
المسألة الثانية :قال بعض المفسرين :قوله : ﴿ يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ﴾ معناهما شي واحد، والتكرير لأجل التأكيد، وهذا ضعيف، والحق أن المراد من قوله : ﴿ ليبين لكم ﴾ هو أنه تعالى بين لنا هذه التكاليف، وميز فيها الحلال من الحرام والحسن من القبيح.
ثم قال : ﴿ ويهديكم سنن الذين من قبلكم ﴾ وفيه قولان :أحدهما :أن هذا دليل على أن كل ما بين تحريمه لنا وتحليله لنا من النساء في الآيات المتقدمة، فقد كان الحكم أيضا كذلك في جميع الشرائع والملل، والثاني :أنه ليس المراد ذلك، بل المراد أنه تعالى يهديكم سنن الذين من قبلكم في بيان ما لكم فيه من المصلحة كما بينه لهم، فإن الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة في نفسها، إلا أنها متفقة في باب المصالح، وفيه قول ثالث :وهو أن المعنى :أنه يهديكم سنن الذين من قبلكم من أهل الحق لتجتنبوا الباطل وتتبعوا الحق.
ثم قال تعالى : ﴿ ويتوب عليكم ﴾ قال القاضي :معناه أنه تعالى كما أراد منا نفس الطاعة، فلا جرم بينها وأزال الشبهة عنها، كذلك وقع التقصير والتفريط منا، فيريد أن يتوب علينا، لأن المكلف قد يطيع فيستحق الثواب، وقد يعصي فيحتاج إلى التلافي بالتوبة.
واعلم أن في الآية إشكالا :وهو أن الحق إما أن يكون ما يقول أهل السنة من أن فعل العبد مخلوق لله تعالى، وإما أن يكون الحق ما تقوله المعتزلة من أن فعل العبد ليس مخلوقا لله تعالى، والآية مشكلة على كلا القولين. أما على القول الأول :فلأن على هذا القول كل ما يريده الله تعالى فإنه يحصل، فإذا أراد أن يتوب علينا وجب أن يحصل التوبة لكلنا، ومعلوم أنه ليس كذلك، وأما على القول الثاني :فهو تعالى يريد منا أن نتوب باختيارنا وفعلنا، وقوله : ﴿ ويتوب عليكم ﴾ ظاهره مشعر بأنه تعالى هو الذي يخلق التوبة فينا ويحصل لنا هذه التوبة، فهذه الآية مشكلة على كلا القولين.
والجواب أن نقول :إن قوله : ﴿ ويتوب عليكم ﴾ صريح في أنه تعالى هو الذي يفعل التوبة فينا. والعقل أيضا مؤكد له، لأن التوبة عبارة عن الندم في الماضي، والعزم على عدم العود في المستقبل، والندم والعزم من باب الإرادات، والإرادة لا يمكن إرادتها، وإلا لزم التسلسل، فإذن الإرادة يمتنع أن تكون فعل الإنسان، فعلمنا أن هذا الندم وهذا العزم لا يحصلان إلا بتخليق الله تعالى، فصار هذا البرهان العقلي دالا على صحة ما أشعر به ظاهر القرآن، وهو أنه تعالى هو الذي يتوب علينا، فأما قوله :لو تاب علينا لحصلت هذه التوبة، فنقول :قوله : ﴿ ويتوب عليكم ﴾ خطاب مع الأمة، وقد تاب عليهم في نكاح الأمهات والبنات وسائر المنهيات المذكورة في هذه الآيات، وحصلت هذه التوبة لهم، فزال الإشكال، والله أعلم.
ثم قال تعالى : ﴿ والله عليم حكيم ﴾ أي عليم بأحوالكم، حكيم في كل ما يفعله بكم ويحكم عليكم.
ثم قال تعالى : ﴿ والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما ﴾
فيه مسألتان :
المسألة الأولى :قيل :المجوس كانوا يحلون الأخوات وبنات الأخوة والأخوات، فلما حرمهن الله تعالى قالوا :إنكم تحلون بنت الخالة والعمة، والخالة والعمة عليكم حرام، فانكحوا أيضا بنات الأخ والأخت، فنزلت هذه الآية.
المسألة الثانية :قالت المعتزلة :قوله : ﴿ والله يريد أن يتوب عليكم ﴾ يدل على أنه تعالى يريد التوبة من الكل، والطاعة من الكل. قال أصحابنا :هذا محال لأنه تعالى علم من الفاسق أنه لا يتوب وعلمه بأنه لا يتوب مع توبته ضدان، وذلك العلم ممتنع الزوال، ومع وجوب أحد الضدين كانت إرادة الضد الآخر إرادة لما علم كونه محالا، وذلك محال، وأيضا إذا كان هو تعالى يريد التوبة من الكل ويريد الشيطان أن تميلوا ميلا عظيما، ثم يحصل مراد الشيطان لا مراد الرحمن، فحينئذ نفاذ الشيطان في ملك الرحمن أتم من نفاذ الرحمن في ملك نفسه، وذلك محال، فثبت أن قوله : ﴿ والله يريد أن يتوب عليكم ﴾ خطاب مع قوم معينين حصلت هذه التوبة لهم.
ثم قال تعالى : ﴿ يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :في التخفيف قولان :الأول :المراد منه إباحة نكاح الأمة عند الضرورة وهو قول مجاهد ومقاتل، والباقون قالوا :هذا عام في كل أحكام الشرع، وفي جميع ما يسره لنا وسهله علينا، إحسانا منه إلينا، ولم يثقل التكليف علينا كما ثقل على بني إسرائيل، ونظيره قوله تعالى : ﴿ ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ﴾ وقوله : ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ وقوله : ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ وقوله عليه الصلاة والسلام : «جئتكم بالحنيفية السهلة السمحة ».
المسألة الثانية :قال القاضي :هذا يدل على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى، إذ لو كان كذلك فالكافر يخلق فيه الكفر، ثم يقول له :لا تكفر، فهذا أعظم وجوه التثقيل، ولا يخلق فيه الإيمان، ولا قدرة للعبد على خلق الإيمان. ثم يقول له :آمن، وهذا أعظم وجوه التثقيل. قال :ويدل أيضا على أن تكليف ما لا يطاق غير واقع، لأنه أعظم وجوه التثقيل.
والجواب :أنه معارض بالعلم والداعي، وأكثر ما ذكرناه.
ثم قال : ﴿ وخلق الإنسان ضعيفا ﴾ والمعنى أنه تعالى لضعف الإنسان خفف تكليفه ولم يثقل والأقرب أنه يحمل الضعف في هذا الموضع لا على ضعف الخلقة، بل يحمل على كثرة الدواعي إلى اتباع الشهوة واللذة، فيصير ذلك كالوجه في أن يضعف عن احتمال خلافه. وإنما قلنا :إن هذا الوجه أولى، لأن الضعف في الخلقة والقوة لو قوى الله داعيته إلى الطاعة كان في حكم القوي والقوي في الخلقة والآلة إذا كان ضعيف الدواعي إلى الطاعة صار في حكم الضعيف، فالتأثير في هذا الباب لضعف الداعية وقوتها، لا لضعف البدن وقوته، هذا كله كلام القاضي، وهو كلام حسن، ولكنه يهدم أصله، وذلك لما سلم أن المؤثر في وجود الفعل وعدمه، قوة الداعية وضعفها فلو تأمل لعلم أن قوة الداعية وضعفها لا بد له من سبب، فإن كان ذلك لداعية أخرى من العبد لزم التسلسل، وإن كان الكل من الله، فذاك هو الحق الذي لا محيد عنه، وبطل القول بالاعتزال بالكلية والله أعلم.
المسألة الثالثة :روي عن ابن عباس أنه قال :ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت : ﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ ﴿ والله يريد أن يتوب عليكم ﴾ ﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾ ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ ﴿ ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ﴾ ﴿ ما يفعل الله بعذابكم ﴾.
ويقول محمد الرازي مصنف هذا الكتاب ختم الله له بالحسنى :اللهم اجعلنا بفضلك ورحمتك أهلا لها يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.
النوع الثامن :من التكاليف المذكورة في هذه السورة.
قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان على الله يسيرا ﴾.
اعلم أن في كيفية النظم وجهين :الأول :أنه تعالى لما شرح كيفية التصرف في النفوس بسبب النكاح ذكر بعده كيفية التصرف في الأموال. والثاني :قال القاضي :لما ذكر ابتغاء النكاح بالأموال وأمر بإيفاء المهور والنفقات، بين من بعد كيف التصرف في الأموال فقال : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :أنه تعالى خص الأكل ههنا بالذكر وإن كانت سائر التصرفات الواقعة على الوجه الباطل محرمة، لما أن المقصود الأعظم من الأموال :الأكل، ونظيره قوله تعالى : ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ﴾.
المسألة الثانية :ذكروا في تفسير الباطل وجهين :الأول :أنه اسم لكل ما لا يحل في الشرع، كالربا والغصب والسرقة والخيانة وشهادة الزور وأخذ المال باليمين الكاذبة وجحد الحق. وعندي أن حمل الآية على هذا الوجه يقتضي كونها مجملة، لأنه يصير تقدير الآية :لا تأكلوا أموالكم التي جعلتموها بينكم بطريق غير مشروع، فإن الطرق المشروعة لما لم تكن مذكورة ههنا على التفصيل صارت الآية مجملة لا محالة. والثاني :ما روي عن ابن عباس والحسن رضي الله عنهم :أن الباطل هو كل ما يؤخذ من الإنسان بغير عوض، وبهذا التقدير لا تكون الآية مجملة، لكن قال بعضهم :إنها منسوخة، قالوا :لما نزلت هذه الآية تحرج الناس من أن يأكلوا عند أحد شيئا، وشق ذلك على الخلق، فنسخه الله تعالى بقوله في سورة النور : ﴿ ليس عليكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم ﴾ الآية. وأيضا :ظاهر الآية إذا فسرنا الباطل بما ذكرناه، تحرم الصدقات والهبات، ويمكن أن يقال :هذا ليس بنسخ وإنما هو تخصيص، ولهذا روى الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود أنه قال :هذه الآية محكمة ما نسخت، ولا تنسخ إلى يوم القيامة.
المسألة الثالثة :قوله تعالى : ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ يدخل تحته أكل مال الغير بالباطل، وأكل مال نفسه بالباطل ؛ لأن قوله : ﴿ أموالكم ﴾ يدخل فيه القسمان معا، كقوله : ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ يدل على النهي عن قتل غيره وعن قتل نفسه بالباطل. أما أكل مال نفسه بالباطل. فهو إنفاقه في معاصي الله، وأما أكل مال غيره بالباطل فقد عددناه.
ثم قال : ﴿ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :قرأ عاصم وحمزة والكسائي : ﴿ تجارة ﴾ بالنصب، والباقون بالرفع. أما من نصب فعلى «كان » الناقصة، والتقدير :إلا أن تكون التجارة تجارة، وأما من رفع فعلى «كان » التامة، والتقدير :إلا أن توجد وتحصل تجارة. وقال الواحدي :والاختيار الرفع، لأن من نصب أضمر التجارة فقال :تقديره إلا أن تكون التجارة تجارة، والإضمار قبل الذكر ليس بقوى وإن كان جائزا.
المسألة الثانية :قوله : ﴿ إلا ﴾ فيه وجهان :الأول :أنه استثناء منقطع، لأن التجارة عن تراض ليس من جنس أكل المال بالباطل، فكان «إلا » ههنا بمعنى «بل » والمعنى :لكن يحل أكله بالتجارة عن تراض. الثاني :أن من الناس من قال :الاستثناء متصل وأضمر شيئا، فقال التقدير :لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وإن تراضيتم كالربا وغيره، إلا أن تكون تجارة عن تراض.
واعلم أنه كما يحل المستفاد من التجارة، فقد يحل أيضا المال المستفاد من الهبة والوصية والإرث وأخذ الصدقات والمهر وأروش الجنايات، فإن أسباب الملك كثيرة سوى التجارة.
فإن قلنا :إن الاستثناء منقطع فلا إشكال، فإنه تعالى ذكر ههنا سببا واحد، من أسباب الملك ولم يذكر سائرها، لا بالنفي ولا بإثبات.
وإن قلنا :الاستثناء متصل كان ذلك حكما بأن غير التجارة لا يفيد الحل، وعند هذا لا بد إما من النسخ أو التخصيص.
المسألة الثالثة :قال الشافعي رحمة الله عليه :النهي في المعاملات يدل على البطلان، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه :لا يدل عليه، واحتج الشافعي على صحة قوله بوجوه :الأول :أن جميع الأموال مملوكة لله تعالى، فإذا أذن لبعض عبيده في بعض التصرفات كان ذلك جاريا مجرى ما إذا وكل الإنسان وكيلا في بعض التصرفات، ثم إن الوكيل إذا تصرف على خلاف قول الموكل فذاك غير منعقد بالإجماع، فإذا كان التصرف الواقع على خلاف قول المالك المجازي لا ينعقد فبأن يكون التصرف الواقع على خلاف قول المالك الحقيقي غير منعقد كان أولى. وثانيها :أن هذه التصرفات الفاسدة إما أن تكون مستلزمة لدخول المحرم المنهي عنه في الوجود، وإما أن لا تكون فإن كان الأول وجب القول ببطلانها قياسا على التصرفات الفاسدة. والجامع السعي في أن لا يدخل منشأ النهي في الوجود، وإن كان الثاني وجب القول بصحتها، قياسا على التصرفات الصحيحة، والجامع كونها تصرفات خالية عن المفسد، فثبت أنه لا بد من وقوع التصرف على هذين الوجهين. فأما القول بتصرف لا يكون صحيحا ولا باطلا فهو محال، وثالثها :أن قوله :لا تبيعوا الدرهم بدرهمين، كقوله :لا تبيعوا الحر بالعبد، فكما أن هذا النهي باللفظ لكنه نسخ للشريعة فكذا الأول، وإذا كان ذلك نسخا للشريعة بطل كونه مفيدا للحكم، والله أعلم.
المسألة الرابعة :قال أبو حنيفة رحمة الله عليه، خيار المجلس غير ثابت في عقود المعاوضات المحضة، وقال الشافعي رحمة الله عليه :ثابت، احتج أبو حنيفة بالنصوص :أولها :هذه الآية، فإن قوله : ﴿ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ﴾ ظاهره يقتضي الحل عند حصول التراضي، سواء حصل التفرق أو لم يحصل. وثانيها :قوله : ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ فألزم كل عاقد الوفاء بما عقد عن نفسه. وثالثها :قوله عليه الصلاة والسلام :
«لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه » وقد حصلت الطيبة ههنا بعقد البيع، فوجب أن يحصل الحل. ورابعها :قوله عليه الصلاة والسلام : «من ابتاع طعاما لا يبعه حتى يقبضه » جوز بيعه بعد القبض، وخامسها :ما روي أنه عليه السلام نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصيعان، وأباح بيعه إذا جرى فيه الصيعان، ولم يشترط فيه الافتراق. وسادسها :قوله عليه الصلاة والسلام : «لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه » واتفقوا على أنه كما اشترى حصل العتق، وذلك يدل على أنه يحصل الملك بمجرد العقد.
واعلم أن الشافعي يسلم عموم هذه النصوص، لكنه يقول :أنتم أثبتم خيار الرؤية في شراء ما لم يره المشتري بحديث اتفق المحدثون على ضعفه، فنحن أيضا نثبت خيار المجلس بحديث اتفق علماء الحديث على قبوله، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا » وتأويلات أصحاب أبي حنيفة لهذا الخبر وأجوبتها مذكورة في الخلافيات، والله أعلم.
قوله تعالى : ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ﴾ اتفقوا على أن هذا نهي عن أن يقتل بعضهم بعضا وإنما قال : ﴿ أنفسكم ﴾ لقوله عليه السلام : «المؤمنون كنفس واحدة » ولأن العرب يقولون :قتلنا ورب الكعبة إذا قتل بعضهم لأن قتل بعضهم يجري مجرى قتلهم. واختلفوا في أن هذا الخطاب هل هو نهي لهم عن قتلهم أنفسهم ؟ فأنكره بعضهم وقال :إن المؤمن مع إيمانه لا يجوز أن ينهى عن قتل نفسه، لأنه ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه، وذلك لأن الصارف عنه في الدنيا قائم، وهو الألم الشديد والذم العظيم، والصارف عنه أيضا في الآخرة قائم، وهو استحقاق العذاب العظيم، وإذا كان الصارف خالصا امتنع منه أن يفعل ذلك وإذا كان كذلك لم يكن للنهي عنه فائدة، وإنما يمكن أن يذكر هذا النهي فيمن يعتقد في قتل نفسه ما يعتقده أهل الهند، وذلك لا يتأتى من المؤمن، ويمكن أن يجاب عنه بأن المؤمن مع كونه مؤمنا بالله واليوم الآخر، قد يلحقه من الغم والأذية ما يكون القتل عليه أسهل من ذلك، ولذلك نرى كثيرا من المسلمين قد يقتلون أنفسهم بمثل السبب الذي ذكرناه، وإذا كان كذلك كان في النهي عنه فائدة، وأيضا ففيه احتمال آخر، كأنه قيل :لا تفعلوا ما تستحقون به القتل :من القتل والردة والزنا بعد الإحصان، ثم بين تعالى أنه رحيم بعباده ولأجل رحمته نهاهم عن كل ما يستوجبون به مشقة أو محنة، وقيل :إنه تعالى أمر بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم ليكون توبة لهم وتمحيصا لخطاياهم وكان بكم يا أمة محمد رحيما، حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الصعبة.
ثم قال : ﴿ ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا ﴾.
واعلم أن فيه مسائل :
المسألة الأولى :اختلفوا في أن قوله : ﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ إلى ماذا يعود ؟ على وجوه :الأول :قال عطاء :إنه خاص في قتل النفس المحرمة، لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات. الثاني :قال الزجاج :إنه عائد إلى قتل النفس وأكل المال بالباطل لأنهما مذكوران في آية واحدة. والثالث :قال ابن عباس :إنه عائد إلى كل ما نهى الله عنه من أول السورة إلى هذا الموضع.
المسألة الثانية :إنما قال : ﴿ ومن يفعل ذلك عدوانا ﴾ لأن في جملة ما تقدم قتل البعض للبعض، وفي جملة ما تقدم أخذ المال، وقد يكون ذلك حقا كما في الدية وغيرها، فلهذا السبب شرطه تعالى في ذلك الوعيد.
المسألة الثالثة :قالت المعتزلة :هذه الآية دالة على القطع بوعيد أهل الصلاة. قالوا :وقوله : ﴿ فسوف نصليه نارا ﴾ وإن كان لا يدل على التخليد إلا أن كل من قطع بوعيد الفساق قال :بتخليدهم، فيلزم من ثبوت أحدهما ثبوت الآخر، لأنه لا قائل بالفرق. والجواب عنه بالاستقصاء قد تقدم في مواضع، إلا أن الذي نقوله ههنا :أن هذا مختص بالكفار، لأنه قال : ﴿ ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما ﴾ ولا بد من الفرق بين العدوان وبين الظلم دفعا للتكرير، فيحمل الظلم على ما إذا كان قصده التعدي على تكاليف الله، ولا شك أن من كان كذلك كان كافرا لا يقال :أليس أنه وصفهم بالإيمان فقال : ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فكيف يمكن أن يقال :المراد بهم الكفار ؟ لأنا نقول :مذهبكم أن من دخل تحت هذا الوعيد لا يكون مؤمنا البتة، فلا بد على هذا المذهب أن تقولوا :أنهم كانوا مؤمنين، ثم لما أتوا بهذه الأفعال ما بقوا على وصف الإيمان، فإذا كان لا بد لكم من القول بهذا الكلام. فلم لا يصح هذا الكلام منا أيضا في تقرير ما قلناه ؟ والله أعلم.
ثم أنه تعالى ختم الآية فقال : ﴿ وكان ذلك على الله يسيرا ﴾.
واعلم أن جميع الممكنات بالنسبة إلى قدرة الله على السوية، وحينئذ يمتنع أن يقال :أن بعض الأفعال أيسر عليه من بعض، بل هذا الخطاب نزل على القول المتعارف فيما بيننا كقوله تعالى : ﴿ وهو أهون عليه ﴾ أو يكون معناه المبالغة في التهديد، وهو أن أحدا لا يقدر على الهرب منه ولا على الامتناع عليه.
قوله تعالى : ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ﴾
اعلم أنه تعالى لما قدم ذكر الوعيد أتبعه بتفصيل ما يتعلق به فذكر هذه الآية، وفيه مسائل :
المسألة الأولى :من الناس من قال :جميع الذنوب والمعاصي كبائر. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال :كل شيء عصى الله فيه فهو كبيرة، فمن عمل شيئا منها فليستغفر الله، فإن الله تعالى لا يخلد في النار من هذه الأمة إلا راجعا عن الإسلام، أو جاحدا فريضة، أو مكذبا بقدر. واعلم أن هذا القول ضعيف لوجوه :
الحجة الأولى :هذه الآية، فإن الذنوب لو كانت بأسرها كبائر لم يصح الفصل بين ما يكفر باجتناب الكبائر وبين الكبائر.
الحجة الثانية :قوله تعالى : ﴿ وكل صغير وكبير مستطر ﴾ وقوله : ﴿ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ﴾.
الحجة الثالثة :أن الرسول عليه الصلاة والسلام نص على ذنوب بأعيانها أنها كبائر، كقوله : «الكبائر :الإشراك بالله واليمين الغموس وعقوق الوالدين وقتل النفس » وذلك يدل على أن منها ما ليس من الكبائر.
الحجة الرابعة :قوله تعالى : ﴿ وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ﴾ وهذا صريح في أن المنهيات أقسام ثلاثة :أولها :الكفر، وثانيها :الفسوق. وثالثها :العصيان، فلا بد من فرق بين الفسوق وبين العصيان ليصح العطف، وما ذاك إلا لما ذكرنا من الفرق بين الصغائر وبين الكبائر، فالكبائر هي الفسوق، والصغائر هي العصيان. واحتج ابن عباس بوجهين :أحدهما :كثرة نعم من عصى. والثاني :إجلال من عصى، فإن اعتبرنا الأول فنعم الله غير متناهية، كما قال : ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ وإن اعتبرنا الثاني فهو أجل الموجودات وأعظمها، وعلى التقديرين وجب أن يكون عصيانه في غاية الكبر، فثبت أن كل ذنب فهو كبيرة.
والجواب من وجهين :الأول :كما أنه تعالى أجل الموجودات وأشرفها، فكذلك هو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وأغنى الأغنياء عن طاعات المطيعين وعن ذنوب المذنبين، وكل ذلك يوجب خفة الذنب. الثاني :هب أن الذنوب كلها كبيرة من حيث أنها ذنوب، ولكن بعضها أكبر من بعض، وذلك يوجب التفاوت. إذا ثبت أن الذنوب على قسمين بعضها صغائر وبعضها كبائر، فالقائلون بذلك فريقان :منهم من قال :الكبيرة تتميز عن الصغيرة في نفسها وذاتها، ومنهم من قال :هذا الامتياز إنما يحصل لا في ذواتها، بل بحسب حال فاعليها، ونحن نشرح كل واحد من هذين القولين.
أما القول الأول :فالذاهبون إليه والقائلون به اختلفوا اختلافا شديدا، ونحن نشير إلى بعضها، فالأول :قال ابن عباس :كل ما جاء في القرآن مقرونا بذكر الوعيد فهو كبيرة، نحو قتل النفس المحرمة وقذف المحصنة والزنا والربا وأكل مال اليتيم والفرار من الزحف. الثاني :قال ابن مسعود :افتتحوا سورة النساء، فكل شيء نهى الله عنه حتى ثلاث وثلاثين آية فهو كبيرة، ثم قال :مصداق ذلك :
﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ الثالث :قال قوم :كل عمد فهو كبيرة. واعلم أن هذه الأقوال ضعيفة.
أما الأول :فلأن كل ذنب لا بد وأن يكون متعلق الذم في العاجل والعقاب في الآجل، فالقول بأن كل ما جاء في القرآن مقرونا بالوعيد فهو كبيرة يقتضي أن يكون كل ذنب كبيرة وقد أبطلناه.
وأما الثاني :فهو أيضا ضعيف، لأن الله تعالى ذكر كثيرا من الكبائر في سائر السور، ولا معنى لتخصيصها بهذه السورة.
وأما الثالث :فضعيف أيضا، لأنه إن أراد بالعمد أنه ليس بساه عن فعله، فما هذا حاله هو الذي نهى الله عنه، فيجب على هذا أن يكون كل ذنب كبيرة وقد أبطلناه، وإن أراد بالعمد أن يفعل المعصية مع العلم بأنها معصية، فمعلوم أن اليهود والنصارى يكفرون بمحمد صلى الله عليه وسلم وهم لا يعلمون أنه معصية، وهو مع ذلك كفر كبير، فبطلت هذه الوجوه الثلاثة. وذكر الشيخ الغزالي رحمه الله في منتخبات كتاب إحياء علوم الدين فصلا طويلا في الفرق بين الكبائر والصغائر فقال :فهذا كله قول من قال :الكبائر تمتاز عن الصغائر بحسب ذواتها وأنفسها.
وأما القول الثاني :وهو قول من يقول :الكبائر تمتاز عن الصغائر بحسب اعتبار أحوال فاعليها، فهؤلاء الذين يقولون :إن لكل طاعة قدرا من الثواب، ولكل معصية قدرا من العقاب، فإذا أتى الإنسان بطاعة واستحق بها ثوابا، ثم أتى بمعصية واستحق بها عقابا، فههنا الحال بين ثواب الطاعة وعقاب المعصية بحسب القسمة العقلية يقع على ثلاثة أوجه :أحدها :أن يتعادلا ويتساويا، وهذا وإن كان محتملا بحسب التقسيم العقلي إلا أنه دل الدليل السمعي على أنه لا يوجد، لأنه تعالى قال : ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير ﴾ ولو وجد مثل هذا المكلف وجب أن لا يكون في الجنة ولا في السعير.
والقسم الثاني :أن يكون ثواب طاعته أزيد من عقاب معصيته، وحينئذ ينحبط ذلك العقاب بما يساويه من الثواب، ويفضل من الثواب شيء، ومثل هذه المعصية هي الصغيرة، وهذا الانحباط هو المسمى بالتكفير.
والقسم الثالث :أن يكون عقاب معصيته أزيد من ثواب طاعته، وحينئذ ينحبط ذلك الثواب بما يساويه من العقاب، ويفضل من العقاب شيء، ومثل هذه المعصية هي الكبيرة، وهذا الانحباط هو المسمى بالإحباط، وبهذا الكلام ظهر الفرق بين الكبيرة وبين الصغيرة. وهذا قول جمهور المعتزلة.
واعلم أن هذا الكلام مبني على أصول كلها باطلة عندنا. أولها :أن هذا مبني على أن الطاعة توجب ثوابا والمعصية توجب عقابا، وذلك باطل لأنا بينا في كثير من مواضع هذا الكتاب أن صدور الفعل عن العبد لا يمكن إلا إذا خلق الله فيه داعية توجب ذلك الفعل، ومتى كان كذلك امتنع كون الطاعة موجبة للثواب، وكون المعصية موجبة للعقاب، وثانيها :أن بتقدير أن يكون الأمر كذلك، إلا أنا نعلم ببديهة العقل أن من اشتغل بتوحيد الله وتقديسه وخدمته وطاعته سبعين سنة، فإن ثواب مجموع هذه الطاعات الكثيرة في هذه المدة الطويلة أكثر بكثير من عقاب شرب قطرة واحدة من الخمر، مع أن الأمة مجمعة على أن شرب هذه القطرة من الكبائر، فإن أصروا وقالوا :بل عقاب شرب هذه القطرة أزيد من ثواب التوحيد وجميع الطاعات سبعين سنة فقد أبطلوا على أنفسهم أصلهم، فإنهم يبنون هذه المسائل على قاعدة الحسن والقبح العقليين، ومن الأمور المتقررة في العقول أن من جعل عقاب هذا القدر من الجناية أزيد من ثواب تلك الطاعات العظيمة فهو ظالم، فإن دفعوا حكم العقل في هذا الموضع فقد أبطلوا على أنفسهم القول بتحسين العقل وتقبيحه، وحينئذ يبطل عليهم كل هذه القواعد، وثالثها :أن نعم الله تعالى كثيرة وسابقة على طاعات العبيد، وتلك النعم السابقة موجبة لهذه الطاعات، فكان أداء الطاعات أداء لما وجب بسبب النعم السابقة، ومثل هذا لا يوجب في المستقبل شيئا آخر، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون شيء من الطاعات موجبا للثواب أصلا، وإذا كان كذلك فكل معصية يؤتى بها فإن عقابها يكون أزيد من ثواب فاعلها، فوجب أن يكون جميع المعاصي كبائر، وذلك أيضا باطل. ورابعها :أن هذا الكلام مبني على القول بالإحباط، وقد ذكرنا الوجوه الكثيرة في إبطال القول بالإحباط في سورة البقرة، فثبت أن هذا الذي ذهبت المعتزلة إليه في الفرق بين الصغيرة والكبيرة قول باطل وبالله التوفيق.
المسألة الثانية :اختلف الناس في أن الله تعالى هل ميز جملة الكبائر عن جملة الصغائر أم لا ؟ فالأكثرون قالوا :إنه تعالى لم يميز جملة الكبائر عن جملة الصغائر، لأنه تعالى لما بين في هذه الآية أن الاجتناب عن الكبائر يوجب تكفير الصغائر، فإذا عرف العبد أن الكبائر ليست إلا هذه الأصناف المخصوصة، عرف أنه متى احترز عنها صارت صغائره مكفرة فكان ذلك إغراء له بالإقدام على تلك الصغائر، والإغراء بالقبيح لا يليق بالجملة، أما إذا لم يميز الله تعالى كل الكبائر عن كل الصغائر، ولم يعرف في شيء من الذنوب أنه صغيرة، ولا ذنب يقدم عليه إلا ويجوز كونه كبيرة فيكون ذلك زاجرا له عن الإقدام عليه. قالوا :ونظير هذا في الشريعة إخفاء الصلاة الوسطى في الصلوات وليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة، ووقت الموت في جميع الأوقات. والحاصل أن هذه القاعدة تقتضي أن لا يبين الله تعالى في شيء من الذنوب أنه صغيرة، وأن لا يبين أن الكبائر ليست إلا كذا وكذا، فإنه لو بين ذلك لكان ما عداها صغيرة، فحينئذ تصير الصغيرة معلومة، ولكن يجوز أن يبين في بعض الذنوب أنه كبيرة. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :
" ما تعدون الكبائر " فقالوا :الله ورسوله أعلم، فقال :" الإشراك بالله وقتل النفس المحرمة وعقوق الوالدين والفرار من الزحف والسحر وأكل مال اليتيم وقول الزور وأكل الربا وقذف المحصنات الغافلات " وعن عبد الله بن عمر أنه ذكرها وزاد فيها :استحلال آمين البيت الحرام، وشرب الخمر، وعن ابن مسعود أنه زاد فيها :القنوط من رحمة الله واليأس من رحمة الله، والأمن من مكر الله. وذكر عن ابن عباس أنها سبعة، ثم قال :هي إلى السبعين أقرب. وفي رواية أخرى إلى السبعمائة أقرب، والله أعلم.
المسألة الثالثة :احتج أبو القاسم الكعبي بهذه الآية على القطع بوعيد أصحاب الكبائر فقال :قد كشف الله بهذه الآية الشبهة في الوعيد، لأنه تعالى بعد أن قدم ذكر الكبائر، بين أن من اجتنبها يكفر عن سيآته، وهذا يدل على أنهم إذا لم يجتنبوها فلا تكفر، ولو جاز أن يغفر تعالى لهم الكبائر والصغائر من غير توبة لم يصح هذا الكلام.
وأجاب أصحابنا عنه من وجوه :الأول :أنكم إما أن تستدلوا بهذه الآية من حيث أنه تعالى لما ذكر أن عند اجتناب الكبائر يكفر السيآت، وجب أن عند عدم اجتناب الكبائر لا يكفرها، لأن تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه وهذا باطل. لأن عند المعتزلة هذا الأصل باطل، وعندنا أنه دلالة ظنية ضعيفة، وإما أن تستدلوا به من حيث أن المعلق بكلمة «إن » على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء، وهذا أيضا ضعيف، ويدل عليه آيات :إحداها :قوله : ﴿ واشكروا الله إن كنتم إياه تعبدون ﴾ فالشكر واجب سواء عبد الله أو لم يعبد. وثانيها :قوله تعالى : ﴿ فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته ﴾ وأداء الأمانة واجب سواء ائتمنه أو لم يفعل ذلك. وثالثها : ﴿ فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ﴾ والاستشهاد بالرجل والمرأتين جائز سواء حصل الرجلان أو لم يحصلا. ورابعها : ﴿ ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة ﴾ والرهن مشروع سواء وجد الكاتب أو لم يجده. وخامسها : ﴿ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ﴾ والإكراه على البغاء محرم، سواء أردن التحصن أو لم يردن. وسادسها : ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ والنكاح جائز سواء حصل ذلك الخوف أو لم يحصل، وسابعها : ﴿ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ﴾ والقصر جائز، سواء حصل الخوف أو لم يحصل وثامنها : ﴿ فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ﴾ والثلثان كما أنه حق الثلاثة فهو أيضا حق الثنتين، وتاسعها :قوله :
﴿ وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله ﴾ وذلك جائز سواء حصل الخوف أو ل
قوله تعالى : ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن وسألوا الله من فضله أن الله كان بكل شيء عليما ﴾
اعلم أن في النظم وجهين :الأول :قال القفال رحمه الله :إنه تعالى لما نهاهم في الآية المتقدمة عن أكل الأموال بالباطل، وعن قتل النفس، أمرهم في هذه الآية بما سهل عليهم ترك هذه المنهيات، وهو أن يرضى كل أحد بما قسم الله له، فإنه إذا لم يرض بذلك وقع في الحسد، وإذا وقع في الحسد وقع لا محالة في أخذ الأموال بالباطل وفي قتل النفوس، فإما إذا رضي بما قدره الله أمكنه الاحتراز عن الظلم في النفوس وفي الأموال.
الوجه الثاني :في كيفية النظم :هو أن أخذ المال بالباطل وقتل النفس، من أعمال الجوارح فأمر أولا بتركهما ليصير الظاهر طاهرا عن الأفعال القبيحة، وهو الشريعة. ثم أمر بعده بترك التعرض لنفوس الناس وأموالهم بالقلب على سبيل الحسد، ليصير الباطن طاهرا عن الأخلاق الذميمة، وذلك هو الطريقة. ثم في الآية مسائل :
المسألة الأولى :التمني عندنا عبارة عن إرادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون، ولهذا قلنا :إنه تعالى لو أراد من الكافر أن يؤمن مع علمه بأنه لا يؤمن لكان متمنيا. وقالت المعتزلة :النهي عن قول القائل :ليته وجد كذا، أو ليته لم يوجد كذا، وهذا بعيد لأن مجرد اللفظ إذا لم يكن له معنى لا يكون تمنيا، بل لا بد وأن يبحث عن معنى هذا اللفظ، ولا معنى له إلا ما ذكرناه من إرادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون.
المسألة الثانية :اعلم أن مراتب السعادات إما نفسانية، أو بدنية، أو خارجية.
أما السعادات النفسانية فنوعان :أحدهما :ما يتعلق بالقوة النظرية، وهو :الذكاء التام والحدس الكامل، والمعارف الزائدة على معارف الغير بالكمية والكيفية. وثانيهما :ما يتعلق بالقوة العملية، وهي :العفة التي هي وسط بين الخمود والفجور، والشجاعة التي هي وسط بين التهور والجبن، واستعمال الحكمة العملية الذي هو توسط بين البله والجربزة، ومجموع هذه الأحوال هو العدالة.
وأما السعادات البدنية :فالصحة والجمال، والعمر الطويل في ذلك مع اللذة والبهجة.
وأما السعادات الخارجية :فهي كثرة الأولاد الصلحاء، وكثرة العشائر، وكثرة الأصدقاء والأعوان، والرياسة التامة، ونفاذ القول، وكونه محبوبا للخلق حسن الذكر فيهم، مطاع الأمر فيهم، فهذا هو الإشارة إلى مجامع السعادات، وبعضها فطرية لا سبيل للكسب فيه، وبعضها كسبية، وهذا الذي يكون كسبيا متى تأمل العاقل فيه يجده أيضا محض عطاء الله، فإنه لا ترجيح للدواعي وإزالة العوائق وتحصيل الموجبات، وإلا فيكون سبب السعي والجد مشتركا فيه، ويكون الفوز بالسعادة والوصول إلى المطلوب غير مشترك فيه، فهذا هو أقسام السعادات التي يفضل الله بعضهم على بعض فيها.
المسألة الثانية :أن الإنسان إذا شاهد أنواع الفضائل حاصلة لإنسان، ووجد نفسه خاليا عن جملتها أو عن أكثرها، فحينئذ يتألم قلبه ويتشوش خاطره، ثم يعرض ههنا حالتان :إحداهما :أن يتمنى زوال تلك السعادات عن ذلك الإنسان، والأخرى :أن لا يتمنى ذلك، بل يتمنى حصول مثلها له. أما الأول فهو الحسد المذموم، لأن المقصود الأول لمدبر العالم وخالقه :الإحسان إلى عبيده والجود إليهم وإفاضة أنواع الكرم عليهم، فمن تمنى زوال ذلك فكأنه اعترض على الله تعالى فيما هو المقصود بالقصد الأول من خلق العالم وإيجاد المكلفين، وأيضا ربما اعتقد في نفسه أنه أحق بتلك النعم من ذلك الإنسان فيكون هذا اعتراضا على الله وقدحا في حكمته، وكل ذلك مما يلقيه في الكفر وظلمات البدعة، ويزيل عن قلبه نور الإيمان، وكما أن الحسد سبب للفساد في الدين، فكذلك هو السبب للفساد في الدنيا، فإنه يقطع المودة والمحبة والموالاة، ويقلب كل ذلك إلى أضدادها، فلهذا السبب نهى الله عباده عنه فقال : ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾.
واعلم أن سبب المنع من هذا الحسد يختلف باختلاف أصول الأديان، أما على مذهب أهل السنة والجماعة، فهو أنه تعالى فعال لما يريد : ﴿ لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون ﴾ فلا اعتراض عليه في فعله. ولا مجال لأحد في منازعته، وكل شيء صنعه ولا علة لصنعه، وإذا كان كذلك فقد صارت أبواب القيل والقال مسدودة، وطرق الاعتراضات مردودة. وأما على مذهب المعتزلة فهذا الطريق أيضا مسدود، لأنه سبحانه علام الغيوب فهو أعرف من خلقه بوجوه المصالح ودقائق الحكم، ولهذا المعنى قال : ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ﴾ وعلى التقديرين فلا بد لكل عاقل من الرضا بقضاء الله سبحانه، ولهذا المعنى حكى الرسول صلى الله عليه وسلم عن رب العزة أنه قال : «من استسلم لقضائي وصبر على بلائي وشكر لنعمائي كتبته صديقا وبعثته يوم القيامة مع الصديقين ومن لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر لنعمائي فليطلب ربا سواي » فهذا هو الكلام فيما إذا تمنى زوال تلك النعمة عن ذلك الإنسان، ومما يؤكد ذلك ما روى ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه ولا يسوم على سوم أخيه ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتقوم مقامها فإن الله هو رازقها » والمقصود من كل ذلك المبالغة في المنع من الحسد. أما إذا لم يتمن ذلك بل تمنى حصول مثلها له فمن الناس من جوز ذلك إلا أن المحققين قالوا :هذا أيضا لا يجوز، لأن تلك النعمة ربما كانت مفسدة في حقه في الدين ومضرة عليه في الدنيا، فلهذا السبب قال المحققون :إنه لا يجوز للإنسان أن يقول :اللهم أعطني دارا مثل دار فلان، وزوجة مثل زوجة فلان، بل ينبغي أن يقول :اللهم أعطني ما يكون صلاحا في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي.
وإذا تأمل الإنسان كثيرا لم يجد دعاء أحسن مما ذكره الله في القرآن تعليما لعباده وهو قوله : ﴿ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ﴾ وروى قتادة عن الحسن أنه قال :لا يتمن أحد المال فلعل هلاكه في ذلك المال، كما في حق ثعلبة وهذا هو المراد بقوله في هذه الآية : ﴿ واسألوا الله من فضله ﴾.
المسألة الرابعة :ذكروا في سبب النزول وجوها :الأول :قال مجاهد قالت أم سلمة :يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو، ولهم من الميراث ضعف ما لنا، فليتنا كنا رجالا فنزلت الآية، الثاني :قال السدي :لما نزلت آية المواريث قال الرجال :نرجو أن نفضل على النساء في الآخرة كما فضلنا في الميراث وقال النساء :نرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال كما في الميراث فنزلت الآية :الثالث :لما جعل الله الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين قالت النساء :نحن أحوج لأنا ضعفاء، وهم أقدر على طلب المعاش فنزلت الآية. الرابع :أتت واحدة من النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت :رب الرجال والنساء واحد، وأنت الرسول إلينا وإليهم، وأبونا آدم وأمنا حواء. فما السبب في أن الله يذكر الرجال ولا يذكرنا، فنزلت الآية. فقالت :وقد سبقنا الرجال بالجهاد فما لنا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : «إن للحامل منكن أجر الصائم القائم فإذا ضربها الطلق لم يدر أحد ما لها من الأجر، فإذا أرضعت كان لها بكل مصة أجر إحياء نفس ».
ثم قال تعالى : ﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ﴾.
واعلم أنه يمكن أن يكون المراد من هذه الآية ما يتعلق بأحوال الدنيا، وأن يكون ما يتعلق بأحوال الآخرة، وأن يكون ما يتعلق بهما.
أما الاحتمال الأول :ففيه وجوه :الأول :أن يكون المراد لكل فريق نصيب مما اكتسب من نعيم الدنيا، فينبغي أن يرضى بما قسم الله له. الثاني :كل نصيب مقدر من الميراث على ما حكم الله به فوجب أن يرضى به، وأن يترك الاعتراض، والاكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة والإحراز. الثالث :كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان، فأبطل الله ذلك بهذه الآية، وبين أن لكل واحد منهم نصيبا، ذكرا كان أو أنثى، صغيرا كان أو كبيرا.
وأما الاحتمال الثاني :وهو أن يكون المراد بهذه الآية :ما يتعلق بأحوال الآخرة ففيه وجوه :الأول :المراد لكل أحد قدر من الثواب يستحقه بكرم الله ولطفه، فلا تتمنوا خلاف ذلك. الثاني :لكل أحد جزاء مما اكتسب من الطاعات، فلا ينبغي أن يضيعه بسبب الحسد المذموم وتقديره :لا تضيع مالك وتتمن ما لغيرك. الثالث :للرجال نصيب مما اكتسبوا سبب قيامهم بالنفقة على النساء، وللنساء نصيب مما اكتسبن، يريد حفظ فروجهن وطاعة أزواجهن، وقيامها بمصالح البيت من الطبخ والخبز وحفظ الثياب ومصالح المعاش، فالنصيب على هذا التقدير هو الثواب.
وأما الاحتمال الثالث :فهو أن يكون المراد من الآية :كل هذه الوجوه :لأن هذا اللفظ محتمل، ولا منافاة.
ثم قال تعالى : ﴿ واسألوا الله من فضله ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :قرأ ابن كثير والكسائي : ﴿ واسألوا الله من فضله ﴾ بغير همز، بشرط أن يكون أمرا من السؤال، وبشرط أن يكون قبله واو أو فاء، والباقون بالهمز في كل القرآن.
أما الأول :فنقل حركة الهمزة إلى السين، واستغنى عن ألف الوصل فحذفها.
وأما الثاني :فعلى الأصل. واتفقوا في قوله : ﴿ وليسألوا ﴾ أنه بالهمزة، لأنه أمر لغائب.
المسألة الثانية :قال أبو علي الفارسي :قوله : ﴿ من فضله ﴾ في موضع المفعول الثاني في قول أبي الحسن ويكون المفعول الثاني محذوفا في قياس قول سيبويه، والصفة قائمة مقامه، كأنه قيل :واسألوا الله نعمته من فضله.
المسألة الثالثة :قوله : ﴿ واسألوا الله من فضله ﴾ تنبيه على أن الإنسان لا يجوز له أن يعين شيئا في الطلب والدعاء، ولكن يطلب من فضل الله ما يكون سببا لصلاحه في دينه ودنياه على سبيل الإطلاق.
ثم قال : ﴿ إن الله كان بكل شىء عليما ﴾ والمعنى أنه تعالى هو العالم بما يكون صالحا للسائلين، فليقتصر السائل على المجمل، وليحترز في دعائه عن التعيين، فربما كان ذلك محض المفسدة والضرر، والله أعلم.
قوله تعالى : ﴿ ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا ﴾.
في الآية مسائل :
المسألة الأولى :اعلم أنه يمكن تفسير الآية بحيث يكون الوالدان والأقربون وراثا، ويمكن أيضا بحيث يكونان موروثا عنهما.
أما الأول :فهو أن قوله : ﴿ ولكل جعلنا موالى مما ترك ﴾ أي :ولكل واحد جعلنا ورثة في تركته، ثم كأنه قيل :ومن هؤلاء الورثة ؟ فقيل :هم الوالدان والأقربون، وعلى هذا الوجه لا بد من الوقف عند قوله : ﴿ مما ترك ﴾.
وأما الثاني :ففيه وجهان :الأول :أن يكون الكلام على التقديم والتأخير، والتقدير :ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي، أي :ورثة و﴿ جعلنا ﴾ في هذين الوجهين لا يتعدى إلى مفعولين، لأن معنى ﴿ جعلنا ﴾ خلقنا. الثاني :أن يكون التقدير :ولكل قوم جعلناهم موالى نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، فقوله : ﴿ موالى ﴾ على هذا القول يكون صفة، والموصوف يكون محذوفا، والراجع إلى قوله : ﴿ ولكل ﴾ محذوفا، والخبر وهو قوله : ﴿ نصيب ﴾ محذوف أيضا، وعلى هذا التقدير يكون ﴿ جعلنا ﴾ معتديا إلى مفعولين، والوجهان الأولان أولى، لكثرة الإضمار في هذا الوجه.
المسألة الثانية :لفظ مشترك بين معان :أحدها :المعتق، لأنه ولى نعمته في عتقه، ولذلك يسمى مولى النعمة. وثانيها :العبد المعتق، لاتصال ولاية مولاه في إنعامه عليه، وهذا كما يسمى الطالب غريما، لأن له اللزوم والمطالبة بحقه، ويسمى المطلوب غريما لكون الدين لازما له. وثالثها :الحليف لأن المحالف يلي أمره بعقد اليمين. ورابعها :ابن العم، لأنه يليه بالنصرة للقرابة التي بينهما. وخامسها :المولى الولي لأنه يليه بالنصرة قال تعالى : ﴿ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ﴾ وسادسها :العصبة، وهو المراد به في هذه الآية لأنه لا يليق بهذه الآية إلا هذا المعنى، ويؤكده ما روى أبو صالح عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أنا أولى بالمؤمنين من مات وترك مالا فماله للموالي العصبة ومن ترك كلا فأنا وليه » وقال عليه الصلاة والسلام : «اقسموا هذا المال فما أبقت السهام فلأولي عصبة ذكر ».
ثم قال تعالى : ﴿ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :قرأ عاصم وحمزة والكسائي :عقدت بغير ألف وبالتخفيف، والباقون بالألف والتخفيف، وعقدت :أضافت العقد إلى واحد، والاختيار :عاقدت، لدلالة المفاعلة على عقد الحلف من الفريقين.
المسألة الثانية :الأيمان. جمع يمين، واليمين يحتمل أن يكون معناه اليد، وأن يكون معناه القسم، فإن كان المراد اليد ففيه مجاز من ثلاثة أوجه :أحدها :أن المعاقدة مسندة في ظاهر اللفظ إلى الأيدي، وهي في الحقيقة مسندة إلى الحالفين، والسبب في هذا المجاز أنهم كانوا يضربون صفقة البيع بأيمانهم، ويأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد.
والوجه الثاني :في المجاز :وهو أن التقدير :والذين عاقدت بحلفهم أيمانكم، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وحسن هذا الحذف لدلالة الكلام عليه. الثالث :أن التقدير :والذين عاقدتهم، إلا أنه حذف الذكر العائد من الصلة إلى الموصول، هذا كله إذا فسرنا اليمين باليد. أما إذا فسرناها بالقسم والحلف كانت المعاقدة في ظاهر اللفظ مضافة إلى القسم، وإنما حسن ذلك لأن سبب المعاقدة لما كان هو اليمين حسنت هذه الإضافة، والقول في بقية المجازات كما تقدم.
المسألة الثالثة :من الناس من قال :هذه الآية منسوخة، ومنهم من قال :إنها غير منسوخة أما القائلون بالنسخ فهم الذين فسروا الآية بأحد هذه الوجوه التي نذكرها :فالأول :هو أن المراد بالذين عاقدت أيمانكم :الحلفاء في الجاهلية، وذلك أن الرجل كان يعاقد غيره ويقول :دمي دمك وسلمي سلمك، وحربي حربك، وترثني وأرثك، وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون لهذا الحليف السدس من الميراث، فنسخ ذلك بقوله تعالى : ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ﴾ وبقوله : ﴿ يوصيكم الله ﴾ الثاني :أن الواحد منهم كان يتخذ إنسانا أجنبيا ابنا له، وهم المسمون بالأدعياء، وكانوا يتوارثون بذلك السبب ثم نسخ. الثالث :أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يثبت المؤاخاة بين كل رجلين من أصحابه، وكانت تلك المؤاخاة سببا للتوارث. واعلم أن على كل هذه الوجوه الثلاثة كانت المعاقدة سببا للتوارث بقوله : ﴿ فآتوهم نصيبهم ﴾ ثم أن الله تعالى نسخ ذلك بالآيات التي تلوناها.
القول الثاني :قول من قال :الآية غير منسوخة، والقائلون بذلك ذكروا في تأويل الآية وجوها :الأول :تقدير الآية :ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم موالي ورثة فآتوهم نصيبهم، أي فآتوا الموالي والورثة نصيبهم، فقوله : ﴿ والذين عقدت أيمانكم ﴾ معطوف على قوله : ﴿ الوالدان والأقربون ﴾ والمعنى :أن ما ترك الذين عاقدت أيمانكم فله وارث هو أولى به، وسمى الله تعالى الوارث مولى. والمعنى لا تدفعوا المال إلى الحليف، بل إلى المولى والوارث، وعلى هذا التقدير فلا نسخ في الآية، وهذا تأويل أبي علي الجبائي. الثاني :المراد بالذين عاقدت أيمانكم :الزوج والزوجة، والنكاح يسمى عقدا قال تعالى : ﴿ ولا تعزموا عقدة النكاح ﴾ فذكر تعالى الوالدين والأقربين، وذكر معهم الزوج والزوجة، ونظيره آية المواريث في أنه لما بين ميراث الولد والوالدين ذكر معهم ميراث الزوج والزوجة، وعلى هذا فلا نسخ في الآية أيضا، وهو قول أبي مسلم الأصفهاني. الثالث :أن يكون المراد بقوله : ﴿ والذين عقدت أيمانكم ﴾ الميراث الحاصل بسبب الولاء، وعلى هذا التقدير فلا نسخ أيضا. الرابع :أن يكون المراد من ﴿ الذين عقدت أيمانكم ﴾ الحلفاء، والمراد بقوله : ﴿ فآتوهم نصيبهم ﴾ النصرة والنصيحة والمصافاة في العشرة، والمخالصة في المخالطة، فلا يكون المراد التوارث، وعلى هذا التقدير فلا نسخ أيضا. الخامس :نقل أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وفي ابنه عبد الرحمن، وذلك أنه رضي الله عنه حلف أن لا ينفق عليه ولا يورثه شيئا من ماله، فلما أسلم عبد الرحمن أمره الله أن يؤتيه نصيبه، وعلى هذا التقدير فلا نسخ أيضا. السادس :قال الأصم :إنه نصيب على سبيل التحفة والهدية بالشيء القليل، كما أمر تعالى لمن حضر القسمة أن يجعل له نصيب على ما تقدم ذكره، وكل هذه الوجوه حسنة محتملة والله أعلم بمراده.
المسألة الرابعة :القائلون بأن قوله : ﴿ والذين عقدت أيمانكم ﴾ مبتدأ، وخبره قوله : ﴿ فآتوهم نصيبهم ﴾ قالوا :إنما جاء خبره مع الفاء لتضمن «الذي » معنى الشرط فلا جرم وقع خبره مع الفاء وهو قوله : ﴿ فآتوهم نصيبهم ﴾ ويجوز أن يكون منصوبا على قولك :زيدا فاضربه.
المسألة الخامسة :قال جمهور الفقهاء :لا يرث المولى الأسفل من الأعلى. وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أنه قال :يرث، لما روى ابن عباس أن رجلا أعتق عبدا له، فمات المعتق ولم يترك إلا المعتق، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه للغلام المعتق، ولأنه داخل في قوله تعالى : ﴿ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ﴾.
والجواب عن التمسك بالحديث :أنه لعل ذلك المال لما صار لبيت المال دفعه النبي عليه الصلاة والسلام إلى ذلك الغلام لحاجته وفقره، لأنه كان مالا لا وارث له، فسبيله أن يصرف إلى الفقراء.
المسألة السادسة :قال الشافعي ومالك رضي الله عنهما :من أسلم على يد رجل ووالاه وعاقده ثم مات ولا وارث له غيره، أنه لا يرثه بل ميراثه للمسلمين. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه :يرثه حجة الشافعي :أنا بينا أن معنى هذه الآية ولكل شيء مما تركه الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم، فقد جعلنا له موالي وهم العصبة، ثم هؤلاء العصبة إما الخاصة وهم الورثة، وإما العامة وهم جماعة المسلمين، فوجب صرف هذا المال إلى العصبة العامة ما لم توجد العصبة الخاصة، واحتج أبو بكر الرازي لقوله بأن الآية توجب الميراث للذي والاه وعاقده، ثم إنه تعالى نسخه بقوله : ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ﴾ فهذا النسخ إنما يحصل إذا وجد أولو الأرحام فإذا لم يوجدوا لزم بقاء الحكم كما كان.
والجواب :أنا بينا أنه لا دلالة في الآية على أن الحليف يرث، بل بينا أن الآية دالة على أنه لا يرث، وبينا أن القول بهذا النسخ باطل.
ثم قال تعالى : ﴿ إن الله كان على كل شيء شهيدا ﴾ وهو كلمة وعد للمطيعين، وكلمة وعيد للعصاة والشهيد الشاهد والمشاهد، والمراد منه إما علمه تعالى بجميع الجزئيات والكليات، وإما شهادته على الخلق يوم القيامة بكل ما عملوه. وعلى التقدير الأول :الشهيد هو العالم، وعلى التقدير الثاني :هو المخبر.
قوله تعالى : ﴿ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا ﴾.
اعلم أنه تعالى قال : ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ وقد ذكرنا أن سبب نزول هذه الآية أن النساء تكلمن في تفضيل الله الرجال عليهن في الميراث، فذكر تعالى في هذه الآية أنه إنما فضل الرجال على النساء في الميراث، لأن الرجال قوامون على النساء، فإنهما وإن اشتركا في استمتاع كل واحد منهما بالآخر، أمر الله الرجال أن يدفعوا إليهن المهر، ويدروا عليهن النفقة فصارت الزيادة من أحد الجانبين مقابلة بالزيادة من الجانب الآخر، فكأنه لا فضل البتة، فهذا هو بيان كيفية النظم. وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :القوام ؛ اسم لمن يكون مبالغا في القيام بالأمر، يقال :هذا قيم المرأة وقوامها للذي يقوم بأمرها ويهتم بحفظها. قال ابن عباس :نزلت هذه الآية في بنت محمد بن سلمة وزوجها سعد بن الربيع أحد نقباء الأنصار، فإنه لطمها لطمة فنشزت عن فراشه وذهبت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وذكرت هذه الشكاية، وأنه لطمها وأن أثر اللطمة باق في وجهها، فقال عليه الصلاة والسلام : « اقتصي منه ثم قال لها اصبري حتى أنظر » فنزلت هذه الآية : ﴿ الرجال قوامون على النساء ﴾ أي مسلطون على أدبهن والأخذ فوق أيديهن، فكأنه تعالى جعله أميرا عليها ونافذ الحكم في حقها، فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم : « أردنا أمرا وأراد الله أمرا والذي أراد الله خير » ورفع القصاص، ثم إنه تعالى لما أثبت للرجال سلطنة على النساء ونفاذ أمر عليهن بين أن ذلك معلل بأمرين، أحدهما :قوله تعالى : ﴿ بما فضل الله بعضهم على بعض ﴾.
واعلم أن فضل الرجال على النساء حاصل من وجوه كثيرة، بعضها صفات حقيقية، وبعضها أحكام شرعية، أما الصفات الحقيقية فاعلم أن الفضائل الحقيقية يرجع حاصلها إلى أمرين :إلى العلم، وإلى القدرة، ولا شك أن عقول الرجال وعلومهم أكثر، ولا شك أن قدرتهم على الأعمال الشاقة أكمل، فلهذين السببين حصلت الفضيلة للرجال على النساء في العقل والحزم والقوة، والكتابة في الغالب والفروسية والرمي، وأن منهم الأنبياء والعلماء، وفيهم الإمامة الكبرى والصغرى والجهاد والأذان والخطبة والاعتكاف والشهادة في الحدود والقصاص بالاتفاق، وفي الأنكحة عند الشافعي رضي الله عنه، وزيادة النصيب في الميراث والتعصيب في الميراث، وفي تحمل الدية في القتل والخطأ، وفي القسامة والولاية في النكاح والطلاق والرجعة وعدد الأزواج، وإليهم الانتساب، فكل ذلك يدل على فضل الرجال على النساء.
والسبب الثاني :لحصول هذه الفضيلة :قوله تعالى : ﴿ وبما أنفقوا من أموالهم ﴾ يعني الرجل أفضل من المرأة لأنه يعطيها المهر وينفق عليها، ثم إنه تعالى قسم النساء قسمين، فوصف الصالحات منهن بأنهن قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله، وفيه مسائل :
المسألة الأولى :قال صاحب «الكشاف » :قرأ ابن مسعود ( فالصالحات قوانت حوافظ للغيب ).
المسألة الثانية :قوله : ﴿ قانتات حافظات للغيب ﴾ فيه وجهان :الأول :قانتات، أي مطيعات لله، ﴿ حافظات للغيب ﴾ أي قائمات بحقوق الزوج، وقدم قضاء حق الله ثم أتبع ذلك بقضاء حق الزوج. الثاني :أن حال المرأة إما أن يعتبر عند حضور الزوج أو عند غيبته، أما حالها عند حضور الزوج فقد وصفها الله بأنها قانتة، وأصل القنوت دوام الطاعة، فالمعنى أنهن قيمات بحقوق أزواجهن، وظاهر هذا إخبار، إلا أن المراد منه الأمر بالطاعة.
واعلم أن المرأة لا تكون صالحة إلا إذا كانت مطيعة لزوجها، لأن الله تعالى قال : ﴿ فالصالحات قانتات ﴾ والألف واللام في الجمع يفيد الاستغراق، فهذا يقتضي أن كل امرأة تكون صالحة، فهي لا بد وأن تكون قانتة مطيعة. قال الواحدي رحمه الله :لفظ القنوت يفيد الطاعة، وهو عام في طاعة الله وطاعة الأزواج، وأما حال المرأة عند غيبة الزوج فقد وصفها الله تعالى بقوله : ﴿ حافظات للغيب ﴾ واعلم أن الغيب خلاف الشهادة، والمعنى كونهن حافظات بمواجب الغيب، وذلك من وجوه :أحدها :أنها تحفظ نفسها عن الزنا لئلا يلحق الزوج العار بسبب زناها، ولئلا يلتحق به الولد المتكون من نطفة غيره، وثانيها :حفظ ماله عن الضياع، وثالثها :حفظ منزله عما لا ينبغي، وعن النبي صلى الله عليه وسلم :" خير النساء إن نظرت إليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها " وتلا هذه الآية.
المسألة الثالثة : «ما » في قوله : ﴿ بما حفظ الله ﴾ فيه وجهان :الأول :بمعنى الذي، والعائد إليه محذوف، والتقدير :بما حفظه الله لهن، والمعنى أن عليهن أن يحفظن حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على أزواجهن، حيث أمرهم بالعدل عليهن وإمساكهن بالمعروف وإعطائهن أجورهن، فقوله : ﴿ بما حفظ الله ﴾ يجري مجرى ما يقال :هذا بذاك، أي هذا في مقابلة ذاك.
والوجه الثاني :أن تكون «ما » مصدرية، والتقدير :بحفظ الله، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان :الأول :أنهن حافظات للغيب بما حفظ الله إياهن، أي لا يتيسر لهن حفظ إلا بتوفيق الله، فيكون هذا من باب إضافة المصدر إلى الفاعل. والثاني :أن المعنى :هو أن المرأة إنما تكون حافظة للغيب بسبب حفظهن الله أي بسبب حفظهن حدود الله وأوامره، فإن المرأة لولا أنها تحاول رعاية تكاليف الله وتجتهد في حفظ أوامره لما أطاعت زوجها، وهذا الوجه يكون من باب إضافة المصدر إلى المفعول.
واعلم أنه تعالى لما ذكر الصالحات ذكر بعده غير الصالحات، فقال : ﴿ واللاتي تخافون نشوزهن ﴾.
واعلم أن الخوف عبارة عن حال يحصل في القلب عند ظن حدوث أمر مكروه في المستقبل. قال الشافعي رضي الله عنه : ﴿ واللاتي تخافون نشوزهن ﴾ النشوز قد يكون قولا، وقد يكون فعلا، فالقول مثل أن كانت تلبيه إذا دعاها، وتخضع له بالقول إذا خاطبها ثم تغيرت، والفعل مثل أن كانت تقوم إليه إذا دخل عليها، أو كانت تسارع إلى أمره وتبادر إلى فراشه باستبشار إذا التمسها، ثم إنها تغيرت عن كل ذلك، فهذه أمارات دالة على نشوزها وعصيانها، فحينئذ ظن نشوزها ومقدمات هذه الأحوال توجب خوف النشوز. وأما النشوز فهو معصية الزوج والترفع عليه بالخلاف، وأصله من قولهم نشز الشيء إذا ارتفع، ومنه يقال للأرض المرتفعة :ونشز ونشر.
ثم قال تعالى : ﴿ فعظوهن واهجروهن فىي المضاجع واضربوهن ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :قال الشافعي رضي الله عنه :أما الوعظ فإنه يقول لها :اتقي الله فإن لي عليك حقا وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي فرض عليك ونحو هذا، ولا يضربها في هذه الحالة لجواز أن يكون لها في ذلك كفاية، فإن أصرت على ذلك النشوز فعند ذلك يهجرها في المضجع وفي ضمنه امتناعه من كلامها، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه :ولا يزيد في هجره الكلام ثلاثا، وأيضا فإذا هجرها في المضجع فإن كانت تحب الزوج شق ذلك عليها فتترك النشوز، وإن كانت تبغضه وافقها ذلك الهجران، فكان ذلك دليلا على كمال نشوزها، وفيهم من حمل ذلك على الهجران في المباشرة، لأن إضافة ذلك إلى المضاجع يفيد ذلك، ثم عند هذه الهجرة إن بقيت على النشوز ضربها. قال الشافعي رضي الله عنه :والضرب مباح وتركه أفضل. روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال :كنا معاشر قريش تملك رجالنا نساءهم، فقدمنا المدينة فوجدنا نساءهم تملك رجالهم، فاختلطت نساؤنا بنسائهم فذئرن على أزواجهن، أي نشزن واجترأن، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له، ذئرت النساء على أزواجهن، فأذن في ضربهن فطاف بحجر نساء النبي صلى الله عليه وسلم جمع من النسوان كلهن يشكون أزواجهن، فقال صلى الله عليه وسلم : «لقد أطاف الليلة بآل محمد سبعون امرأة كلهن يشكون أزواجهن ولا تجدون أولئك خياركم » ومعناه أن الذين ضربوا أزواجهم ليسوا خيرا ممن لم يضربوا. قال الشافعي رضي الله عنه :فدل هذا الحديث على أن الأولى ترك الضرب، فأما إذا ضربها وجب في ذلك الضرب أن يكون بحيث لا يكون مفضيا إلى الهلاك البتة، بأن يكون مفرقا على بدنها، ولا يوالي بها في موضع واحد ويتقي الوجه لأنه مجمع المحاسن، وأن يكون دون الأربعين. ومن أصحابنا من قال :لا يبلغ به عشرين لأنه حد كامل في حق العبد، ومنهم من قال :ينبغي أن يكون الضرب بمنديل ملفوف أو بيده، ولا يضربها بالسياط ولا بالعصا، وبالجملة فالتخفيف مراعى في هذا الباب على أبلغ الوجوه.
وأقول :الذي يدل عليه أنه تعالى ابتدأ بالوعظ، ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع، ثم ترقى منه إلى الضرب، وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريق الأخف وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق والله أعلم.
المسألة الثانية :اختلف أصحابنا قال بعضهم :حكم هذه الآية مشروع على الترتيب، فإن ظاهر اللفظ وإن دل على الجمع إلا أن فحوى الآية يدل على الترتيب، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه :يعظها بلسانه، فإن انتهت فلا سبيل له عليها، فإن أبت هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين. وقال آخرون :هذا الترتيب مراعى عند خوف النشوز أما عند تحقق النشوز فلا بأس بالجمع بين الكل. وقال بعض أصحابنا :تحرير المذهب أن له عند خوف النشوز أن يعظها، وهل له أن يهجرها ؟ فيه احتمال، وله عند إبداء النشوز أن يعظها أو يهجرها، أو يضربها.
ثم قال تعالى : ﴿ فإن أطعنكم ﴾ أي إذا رجعن عن النشوز إلى الطاعة عند هذا التأديب ﴿ فلا تبغوا عليهن سبيلا ﴾ أي لا تطلبوا عليهن الضرب والهجران طريقا على سبيل التعنت والإيذاء ﴿ إن الله كان عليا كبيرا ﴾ وعلوه لا بعلو الجهة، وكبره لا يكبر الجثة، بل هو علي كبير لكمال قدرته ونفاذ مشيئته في كل الممكنات. وذكر هاتين الصفتين في هذا الموضع في غاية الحسن، وبيانه من وجوه :الأول :أن المقصود منه تهديد الأزواج على ظلم النسوان، والمعنى أنهن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم، فالله سبحانه علي قاهر كبير قادر ينتصف لهن منكم ويستوفي حقهن منكم، فلا ينبغي أن تغتروا بكونكم أعلى يدا منهن، وأكبر درجة منهن. الثاني :لا تبغوا عليهن إذا أطعنكم لعلو أيديكم. فإن الله أعلى منكم وأكبر من كل شيء، وهو متعال عن أن يكلف إلا بالحق. الثالث :أنه تعالى مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون، فكذلك لا تكلفوهن محبتكم، فإنهن لا يقدرن على ذلك. الرابع :أنه مع علوه وكبريائه لا يؤاخذ العاصي إذا تاب، بل يغفر له، فإذا تابت المرأة عن نشوزها فأنتم أولى بأن تقبلوا توبتها وتتركوا معاقبتها. الخامس :أنه تعالى مع علوه وكبريائه اكتفى من العبد بالظواهر، ولم يهتك السرائر، فأنتم أولى أن تكتفوا بظاهر حال المرأة، وأن لا تقعوا في التفتيش عما في قلبها وضميرها من الحب والبغض.
قوله تعالى : ﴿ وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا ﴾.
اعلم أنه تعالى لما ذكر عند نشوز المرأة أن الزوج يعظها، ثم يهجرها، ثم يضربها، بين أنه لم يبق بعد الضرب إلا المحاكمة إلى من ينصف المظلوم من الظالم فقال : ﴿ وإن خفتم شقاق بينهما ﴾ إلى آخر الآية وههنا مسائل :
المسألة الأولى :قال ابن عباس : ﴿ خفتم ﴾ أي علمتم. قال :وهذا بخلاف قوله : ﴿ واللاتي تخافون نشوزهن ﴾ فإن ذلك محمول على الظن، والفرق بين الموضعين أن في الابتداء يظهر له أمارات النشوز فعند ذلك يحصل الخوف وأما بعد الوعظ والهجر والضرب لما أصرت على النشوز، فقد حصل العلم بكونها ناشزة :فوجب حمل الخوف ههنا على العلم. طعن الزجاج فيه فقال : ﴿ خفتم ﴾ ههنا بمعنى أيقنتم خطأ، فإنا لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم نحتج إلى الحكمين.
وأجاب سائر المفسرين بأن وجود الشقاق وإن كان معلوما، إلا أنا لا نعلم أن ذلك الشقاق صدر عن هذا أو عن ذاك، فالحاجة إلى الحكمين لمعرفة هذا المعنى. ويمكن أن يقال :وجود الشقاق في الحال معلوم، ومثل هذا لا يحصل منه خوف، إنما الخوف في أنه هل يبقى ذلك الشقاق أم لا ؟ فالفائدة في بعث الحكمين ليست إزالة الشقاق الثابت في الحال فإن ذلك محال، بل الفائدة إزالة ذلك الشقاق في المستقبل.
المسألة الثانية :للشقاق تأويلان :أحدهما :أن كل واحد منهما يفعل ما يشق على صاحبه. الثاني :أن كل واحد منهما صار في شق بالعداوة والمباينة.
المسألة الثالثة :قوله : ﴿ شقاق بينهما ﴾ معناه :شقاقا بينهما، إلا أنه أضيف المصدر إلى الظرف وإضافة المصادر إلى الظروف جائزة لحصولها فيها، يقال :يعجبني صوم يوم عرفة، وقال تعالى : ﴿ بل مكر الليل والنهار ﴾.
المسألة الرابعة :المخاطب بقوله : ﴿ فابعثوا حكما من أهله ﴾ من هو ؟ فيه خلاف :قال بعضهم إنه هو الإمام أو من يلي من قبله، وذلك لأن تنفيذ الأحكام الشرعية إليه، وقال آخرون :المراد كل واحد من صالحي الأمة وذلك لأن قوله : ﴿ خفتم ﴾ خطاب للجمع وليس حمله على البعض أولى من حمله على البقية، فوجب حمله على الكل، فعلى هذا يجب أن يكون قوله : ﴿ فإن خفتم ﴾ خطابا لجميع المؤمنين. ثم قال ﴿ فابعثوا ﴾ فوجب أن يكون هذا أمرا لآحاد الأمة بهذا المعنى، فثبت أنه سواء وجد الإمام أو لم يوجد، فللصالحين أن يبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها للإصلاح. وأيضا فهذا يجري مجرى دفع الضرر، ولكل أحد أن يقوم به.
المسألة الخامسة :إذا وقع الشقاق بينهما، فذاك الشقاق إما أن يكون منهما أو منه أو منها، أو يشكل، فإن كان منها فهو النشوز وقد ذكرنا حكمه، وإن كان منه، فإن كان قد فعل فعلا حلالا مثل التزوج بامرأة أخرى، أو تسرى بجارية، عرفت المرأة أن ذلك مباح ونهيت عن الشقاق، فإن قبلت وإلا كان نشوزا، وإن كان بظلم من جهته أمره الحاكم بالواجب، وإن كان منهما أو كان الأمر متشابها، فالقول أيضا ما قلناه.
المسألة السادسة :قال الشافعي رضي الله عنه :المستحب أن يبعث الحاكم عدلين ويجعلهما حكمين، والأولى أن يكون واحد من أهله وواحد من أهلها، لأن أقاربهما أعرف بحالهما من الأجانب، وأشد طلبا للصلاح، فإن كانا أجنبيين جاز. وفائدة الحكمين أن يخلو كل واحد منهما بصاحبه ويستكشف حقيقة الحال، ليعرف أن رغبته في الإقامة على النكاح، أو في المفارقة، ثم يجتمع الحكمان فيفعلان ما هو الصواب من إيقاع طلاق أو خلع.
المسألة السابعة :هل يجوز للحكمين تنفيذ أمر يلزم الزوجين بدون إذنهما، مثل أن يطلق حكم الرجل، أو يفتدى حكم المرأة بشيء من مالها ؟ للشافعي فيه قولان :أحدهما :يجوز، وبه قال مالك واسحق. والثاني :لا يجوز، وهو قول أبي حنيفة. وعلى هذا هو وكالة كسائر الوكالات وذكر الشافعي رضي الله عنه حديث علي رضي الله عنه، وهو ما روى ابن سيرين عن عبيدة أنه قال جاء رجل وامرأة إلى علي رضي الله عنه، ومع كل واحد منهما جمع من الناس، فأمرهم علي بأن يبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، ثم قال للحكمين :تعرفان ما عليكما ؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا، وإن رأيتما أن تفرقا ففرقا، فقالت المرأة :رضيت بكتاب الله تعالى فيما علي ولي فيه. فقال الرجل :أما الفرقة فلا، فقال علي :كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به. قال الشافعي رضي الله عنه :وفي هذا الحديث لكل واحد من القولين دليل.
أما دليل القول الأول فهو أنه بعث من غير رضا الزوجين وقال :عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا، وأقل ما في قوله :عليكما، أن يجوز لهما ذلك.
وأما دليل القول الثاني :أن الزوج لما لم يرض توقف على، ومعنى قوله :كذبت، أي لست بمنصف في دعواك حيث لم تفعل ما فعلت هي. ومن الناس من احتج للقول الأول بأنه تعالى سماهما حكمين. والحكم هو الحاكم وإذا جعله حاكما فقد مكنه من الحكم، ومنهم من احتج للقول الثاني بأنه تعالى لما ذكر الحكمين، لم يضف إليهما إلا الإصلاح، وهذا يقتضي أن يكون ما وراء الإصلاح غير مفوض إليهما.
المسألة الثامنة :قوله : ﴿ وإن خفتم شقاق بينهما ﴾ أي شقاقا بين الزوجين، ثم إنه وإن لم يجر ذكرهما إلا أنه جرى ذكر ما يدل عليهما، وهو الرجال والنساء.
ثم قال تعالى : ﴿ إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى :في قوله : ﴿ إن يريدا ﴾ وجوه :الأول :إن يرد الحكمان خيرا وإصلاحا يوفق الله بين الحكمين حتى يتفقا على ما هو خير. الثاني :إن يرد الحكمان إصلاحا يوفق الله بين الزوجين. الثالث :إن يرد الزوجان إصلاحا يوفق الله بين الزوجين. الرابع :إن يرد الزوجان إصلاحا يوفق الله بين الحكمين حتى يعملا بالصلاح، ولا شك أن اللفظ محتمل لكل هذه الوجوه.
المسألة الثانية :أصل التوفيق الموافقة، وهي المساواة في أمر من الأمور، فالتوفيق اللطف الذي يتفق عنده فعل الطاعة، والآية دالة على أنه لا يتم شيء من الأغراض والمقاصد إلا بتوفيق الله تعالى، والمعنى أنه إن كانت نية الحكمين إصلاح ذات البين يوفق الله بين الزوجين.
ثم قال تعالى : ﴿ إن الله كان عليما خبيرا ﴾ والمراد منه الوعيد للزوجين وللحكمين في سلوك ما يخالف طريق الحق.
النوع التاسع :من التكاليف المذكورة في هذه السورة.
قوله تعالى : ﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ﴾.
واعلم أنه تعالى لما أرشد كل واحد من الزوجين إلى المعاملة الحسنة مع الآخر وإلى إزالة الخصومة والخشونة، أرشد في هذه الآية إلى سائر الأخلاق الحسنة وذكر منها عشرة أنواع.
النوع الأول :قوله : ﴿ واعبدوا الله ﴾ قال ابن عباس :المعنى وحدوه، واعلم أن العبادة عبارة عن كل فعل وترك يؤتى به لمجرد أمر الله تعالى بذلك، وهذا يدخل فيه جميع أعمال القلوب وجميع أعمال الجوارح، فلا معنى لتخصيص ذلك بالتوحيد، وتحقيق الكلام في العبادة قد تقدم في سورة البقرة في قوله تعالى : ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم ﴾.
النوع الثاني :قوله : ﴿ ولا تشركوا به شيئا ﴾ وذلك لأنه تعالى لما أمر بالعبادة بقوله : ﴿ واعبدوا الله ﴾ أمر بالإخلاص في العبادة بقوله : ﴿ ولا تشركوا به شيئا ﴾ لأن من عبد مع الله غيره كان مشركا ولا يكون مخلصا، ولهذا قال تعالى : ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ﴾.
النوع الثالث :قوله : ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ واتفقوا على أن ههنا محذوفا، والتقدير :وأحسنوا بالوالدين إحسانا كقوله : ﴿ فضرب الرقاب ﴾ أي فاضربوها، ويقال :أحسنت بفلان، وإلى فلان. قال كثير :
أسيئي بنا أو أحسنى لا ملومة لدنيا ولا مقلية إن تقلت
واعلم أنه تعالى قرن إلزام بر الوالدين بعبادته وتوحيده في مواضع :أحدها :في هذه الآية، وثانيها :قوله : ﴿ وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ﴾ وثالثها :قوله : ﴿ أن اشكر لي ولوالديك إلى المصير ﴾ وكفى بهذا دلالة على تعظيم حقهما ووجوب برهما والإحسان إليهما. ومما يدل على وجوب البر إليهما قوله تعالى : ﴿ فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ﴾ وقال : ﴿ ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ﴾ وقال في الوالدين الكافرين : ﴿ وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ﴾ وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس ) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه :أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن استأذنه في الجهاد، فقال عليه السلام : «هل لك أحد باليمن فقال أبواي فقال :أبواك أذنا لك فقال لا فقال فارجع واستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما ».
واعلم أن الإحسان إلى الوالدين هو أن يقوم بخدمتهما، وألا يرفع صوته عليهما، ولا يخشن في الكلام معهما، ويسعى في تحصيل مطالبهما والإنفاق عليهما بقدر القدرة من البر، وأن لا يشهر عليهما سلاحا، ولا يقتلهما، قال أبو بكر الرازي :إلا أن يضطر إلى ذلك بأن يخاف أن يقتله أن ترك قتله، فحينئذ يجوز له قتله ؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك كان قد قتل نفسه بتمكين غيره منه، وذلك منهي عنه، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل أبيه وكان مشركا.
النوع الرابع :قوله تعالى : ﴿ وبذي القربى ﴾ وهو أمر بصلة الرحم كما ذكر في أول السورة بقوله : ﴿ والأرحام ﴾.
واعلم أن الوالدين من الأقارب أيضا، إلا أن قرابة الولاد لما كانت مخصوصة بكونها أقرب القرابات وكانت مخصوصة بخواص لا تحصل في غيرها، لا جرم ميزها الله تعالى في الذكر عن سائر الأنواع، فذكر في هذه الآية قرابة الولاد، ثم أتبعها بقرابة الرحم.
النوع الخامس :قوله : ﴿ واليتامى ﴾ واعلم أن اليتيم مخصوص بنوعين من العجز :أحدهما :الصغر، والثاني :عدم المنفق، ولا شك أن من هذا حاله كان في غاية العجز واستحقاق الرحمة. قال ابن عباس :يرفق بهم ويربيهم ويمسح رأسهم، وإن كان وصيا لهم فليبالغ في حفظ أموالهم.
النوع السادس :قوله : ﴿ والمساكين ﴾ واعلم أنه وإن كان عديم المال إلا أنه لكبره يمكنه أن يعرض حال نفسه على الغير، فيجلب به نفعا أو يدفع به ضررا، وأما اليتيم فلا قدرة له عليه، فلهذا المعنى قدم الله اليتيم في الذكر على المسكين، والإحسان إلى المسكين إما بالإجمال إليه، أو بالرد الجميل. كما قال تعالى : ﴿ وأما السائل فلا تنهر ﴾.
النوع السابع :قوله : ﴿ والجار ذي القربى ﴾ قيل :هو الذي قرب جواره، والجار الجنب هو الذي بعد جواره. قال عليه الصلاة والسلام : «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ألا وإن الجوار أربعون دارا » وكان الزهري يقول :أربعون يمنة، وأربعون يسرة، وأربعون أماما وأربعون خلفا. وعن أبي هريرة قيل :يا رسول الله إن فلانة تصوم النهار وتصلي الليل وفي لسانها شيء يؤذي جيرانها، أي هي سليطة، فقال عليه الصلاة والسلام : «لا خير فيها هي في النار » وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : «والذي نفس محمد بيده لا يؤدي حق الجار إلا من رحم الله وقليل ما هم أتدرون ما حق الجار إن افتقر أغنيته وإن استقرض أقرضته وان أصابه خير هنأته وإن أصابه شر عزيته وإن مرض عدته وإن مات شيعت جنازته » وقال آخرون :عني بالجار ذي القربى :القريب النسيب، وبالجار الجنب :الجار الأجنبي، وقرئ ( والجار ذا القربى ) نصبا على الاختصاص، كما قرئ ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ﴾ تنبيها على عظم حقه، لأنه اجتمع فيه موجبان. الجوار والقرابة.
النوع الثامن :قوله : ﴿ والجار الجنب ﴾ وقد ذكرنا تفسيره. قال الواحدي :الجنب نعت على وزن فعل، وأصله من الجنابة ضد القرابة وهو البعيد. يقال :رجل جنب إذا كان غريبا متباعدا عن أهله، ورجل أجنبي وهو البعيد منك في القرابة. وقال تعالى : ﴿ واجنبنى وبنى ﴾ أي بعدني، والجانبان الناحيتان لبعد كل واحد منهما عن الآخر، ومنه الجنابة من الجماع لتباعده عن الطهارة وعن حضور المساجد للصلاة ما لم يغتسل، ومنه أيضا الجنبان لبعد كل واحد منهما عن الآخر. وروى المفضل عن عاصم : ﴿ والجار الجنب ﴾ بفتح الجيم وسكون النون وهو يحتمل معنيين :أحدهما :أنه يريد بالجنب الناحية، ويكون التقدير :والجار ذي الجنب فحذف المضاف، لأن المعنى مفهوم والآخر :أن يكون وصفا على سبيل المبالغة، كما يقال :فلان كرم وجود.
النوع التاسع :قوله : ﴿ والصاحب بالجنب ﴾ وهو الذي صحبك بأن حصل بجنبك إما رفيقا في سفر، وإما جارا ملاصقا، وإما شريكا في تعلم أو حرفة، وإما قاعدا إلى جنبك في مجلس أو مسجد أو غير ذلك، من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه، فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإحسان. وقيل :الصاحب الجنب :المرأة فأنها تكون معك وتضجع إلى جنبك.
النوع العاشر :قوله : ﴿ وابن السبيل ﴾ وهو المسافر الذي انقطع عن بلده، وقيل :الضيف.
النوع الحادي عشر :قوله : ﴿ وما ملكت أيمانكم ﴾.
واعلم أن الإحسان إلى المماليك طاعة عظيمة، روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «من ابتاع شيئا من الخدم فلم توافق شيمته شيمته فليبع وليشتر حتى توافق شيمته شيمته فإن للناس شيما ولا تعذبوا عباد الله » وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان آخر كلامه : «الصلاة وما ملكت أيمانكم » وروي أنه كان رجل بالمدينة يضرب عبده، فيقول العبد أعوذ بالله ويستمعه الرسول عليه السلام، والسيد كان يزيده ضربا، فطلع الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال :أعوذ برسول الله فتركه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله كان أحق أن يجار عائذه » قال يا رسول الله فإنه حر لوجه الله، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : «والذي نفس محمد بيده لو لم تقلها لدافع وجهك سفع النار ».
واعلم أن الإحسان إليهم من وجوه :أحدها :أن لا يكلفهم ما لا طاقة لهم به، وثانيها :أن لا يؤذيهم بالكلام الخشن بل يعاشرهم معاشرة حسنة، وثالثها :أن يعطيهم من الطعام والكسوة ما يحتاجون إليه. وكانوا في الجاهلية يسيئون إلى المملوك فيكلفون الإماء البغاء، وهو الكسب بفروجهن وبضوعهن. وقال بعضهم :كل حيوان فهو مملوك، والإحسان إلى الكل بما يليق به طاعة عظيمة.
واعلم أن ذكر اليمين تأكيد وهو كما يقال :مشت رجلك، وأخذت يدك، قال عليه الصلاة والسلام : «على اليد ما أخذت » وقال تعالى : ﴿ مما عملت أيدينا أنعاما ﴾ ولما ذكر تعالى هذه الأصناف قال : ﴿ إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ﴾ والمختال ذو الخيلاء والكبر.
قال ابن عباس :يريد بالمختال العظيم في نفسه الذي لا يقوم بحقوق أحد. قال الزجاج :وإنما ذكر الاختيال ههنا، لأن المختال يأنف من أقاربه إذا كانوا فقراء، ومن جيرانه إذا كانوا ضعفاء فلا يحسن عشرتهم. وذكرنا اشتقاق هذه اللفظة عند قوله : ﴿ والخيل المسومة ﴾ ومعنى الفخر التطاول، والفخور الذي يعدد مناقبه كبرا وتطاولا. قال ابن عباس :هو الذي يفخر على عباد الله بما أعطاه الله من أنواع نعمه، وإنما خص الله تعالى هذين الوصفين بالذم في هذا الموضع، لأن المختال هو المتكبر، وكل من كان متكبرا فإنه قلما يقوم برعاية الحقوق، ثم أضاف إليه ذم الفخور لئلا يقدم على رعاية هذه الحقوق لأجل الرياء والسمعة، بل لمحض أمر الله تعالى.
قوله تعالى : ﴿ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله واعتدنا للكافرين عذابا مهينا ﴾.
وفيه مسائل :
المسألة الأولى :قرأ حمزة والكسائي : ﴿ بالبخل ﴾ بفتح الباء والخاء، وفي الحديد مثله، وهي لغة الأنصار، والباقون ﴿ بالبخل ﴾ بضم الباء والخاء وهي اللغة العالية.
المسألة الثانية :الذين يبخلون :بدل من قوله : ﴿ من كان مختالا فخورا ﴾ والمعنى :أن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ولا يحب الذين يبخلون، أو نصب على الذم. ويجوز أن يكون رفعا على الذم، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف كأنه قيل :الذين يبخلون ويفعلون ويصنعون :أحقاء بكل ملامة.
المسألة الثالثة :قال الواحدي :البخل فيه أربع اللغات :البخل. مثل القفل، والبخل مثل الكرم، والبخل مثل الفقر، والبخل بضمتين. ذكره المبرد، وهو في كلام العرب عبارة عن منع الإحسان، وفي الشريعة منع الواجب.
المسألة الرابعة :قال ابن عباس :أنهم اليهود، بخلوا أن يعترفوا بما عرفوا من نعت محمد عليه الصلاة والسلام وصفته في التوراة، وأمروا قومهم أيضا بالكتمان ﴿ ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ﴾ يعني من العلم بما في كتابهم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وأعتدنا ﴾ في الآخرة لليهود ﴿ عذابا مهينا ﴾ واحتج من نصر هذا القول :بأن ذكر الكافر في آخر الآية يدل على أن المراد بأولها الكافر. وقال آخرون :المراد منه البخل بالمال، لأنه تعالى ذكره عقيب الآية التي أوجب فيها رعاية حقوق الناس بالمال، فإنه قال : ﴿ وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل ﴾ ومعلوم أن الإحسان إلى هؤلاء إنما يكون بالمال، ثم ذم المعرضين عن هذا الإحسان فقال : ﴿ إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ﴾ ثم عطف عليه ﴿ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ﴾ فوجب أن يكون هذا البخل بخلا متعلقا بما قبله، وما ذاك إلا البخل بالمال.
والقول الثالث :أنه عام في البخل بالعلم والدين، وفي البخل بالمال، لأن اللفظ عام، والكل مذموم، فوجب كون اللفظ متناولا للكل.
المسألة الخامسة :أنه تعالى ذكر في هذه الآية من الأحوال المذمومة ثلاثا :أولها :كون الإنسان بخيلا وهو المراد بقوله : ﴿ الذين يبخلون ﴾ وثانيها :كونهم آمرين لغيرهم بالبخل، وهذا هو النهاية في حب البخل، وهو المراد بقوله : ﴿ ويأمرون الناس بالبخل ﴾ وثالثها :قوله : ﴿ ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ﴾ فيوهمون الفقر مع الغنى، والإعسار مع اليسار، والعجز مع الإمكان، ثم إن هذا الكتمان قد يقع على وجه يوجب الكفر، مثل أن يظهر الشكاية عن الله تعالى، ولا يرضى بالقضاء والقدر، وهذا ينتهي إلى حد الكفر، فلذلك قال : ﴿ وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ﴾ ومن قال :الآية مخصوصة باليهود، فكلامه في هذا الموضع ظاهر، لأن من كتم الدين والنبوة فهو كافر، ويمكن أيضا أن يكون المراد من هذا الكافر، من يكون كافرا بالنعمة، لا من يكون كافرا بالدين والشرع.
ثم قال تعالى : ﴿ والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا ﴾.
وفيه مسائل :
المسألة الأولى :إن شئت عطفت ﴿ الذين ﴾ في هذه الآية على ﴿ الذين ﴾ في الآية التي قبلها، وإن شئت جعلته في موضع خفض عطفا على قوله : ﴿ للكافرين عذابا مهينا ﴾.
المسألة الثانية :قال الواحدي :نزلت في المنافقين، وهو الوجه لذكر الرئاء، وهو ضرب من النفاق.
وقيل :نزلت في مشركي مكة المنفقين على عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم، والأولى أن يقال :إنه تعالى لما أمر بالإحسان إلى أرباب الحاجات، بين أن من لا يفعل ذلك قسمان :فالأول :هو البخيل الذي لا يقدم على إنفاق المال البتة، وهم المذمومون في قوله : ﴿ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ﴾ والثاني :الذين ينفقون أموالهم، لكن لا لغرض الطاعة، بل لغرض الرياء والسمعة، فهذه الفرقة أيضا مذمومة، ومتى بطل القول بهذين القسمين لم يبق إلا القسم الأول. وهو إنفاق الأموال لغرض الإحسان.
ثم قال تعالى : ﴿ ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا ﴾. والمعنى :أن الشيطان قرين لأصحاب هذه الأفعال كقوله : ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ﴾ وبين تعالى أنه بئس القرين، إذ كان يضله عن دار النعيم ويورده نار السعير وهو كقوله : ﴿ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير ﴾.
ثم أنه تعالى عيرهم وبين سوء اختيارهم في ترك الإيمان فقال : ﴿ وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما ﴾.
وفيه مسائل :
المسألة الأولى :قوله : ﴿ وماذا عليهم ﴾ استفهام بمعنى الإنكار، ويجوز أن يكون «ماذا » اسما واحدا، فيكون المعنى :وأي الشيء عليهم، ويجوز أن يكون «ذا » في معنى الذي، ويكون «ما » وحدها اسما، ويكون المعنى :وما الذي عليهم لو آمنوا.
المسألة الثانية :احتج القائلون بأن الإيمان يصح على سبيل التقليد بهذه الآية فقالوا :إن قوله تعالى : ﴿ وماذا عليهم لو آمنوا ﴾ مشعر بأن الإتيان بالإيمان في غاية السهولة، ولو كان الاستدلال معتبرا لكان في غاية الصعوبة، فإنا نرى المستدلين تفرغ أعمارهم ولا يتم استدلالهم، فدل هذا على أن التقليد كاف.
أجاب المتكلمون بأن الصعوبة في التفاصيل، فأما الدلائل على سبيل الجملة فهي سهلة، واعلم أن في هذا البحث غورا.
المسألة الثالثة :احتج جمهور المعتزلة بهذه الآية وضربوا له أمثلة، قال الجبائي :ولو كانوا غير قادرين لم يجز أن يقول الله ذلك، كما لا يقال لمن هو في النار معذب :ماذا عليهم لو خرجوا منها وصاروا إلى الجنة، وكما لا يقال للجائع الذي لا يقدر على الطعام :ماذا عليه لو أكل. وقال الكعبي :لا يجوز أن يحدث فيه الكفر ثم يقول :ماذا عليه لو آمن. كما لا يقال لمن أمرضه :ماذا عليه لو كان صحيحا، ولا يقال للمرأة :ماذا عليها لو كانت رجلا، وللقبيح :ماذا عليه لو كان جميلا، وكما لا يحسن هذا القول من العاقل كذا لا يحسن من الله تعالى، فبطل بهذا ما يقال :إنه وإن قبح من غيره، لكنه يحسن منه لأن الملك ملكه. وقال القاضي عبد الجبار :إنه لا يجوز أن يأمر العاقل وكيله بالتصرف في الضيعة ويحبسه من حيث لا يتمكن من مفارقة الحبس، ثم يقول له :ماذا عليك لو تصرفت في الضيعة، وإذا كان من يذكر مثل هذا الكلام سفيها دل على أن ذلك غير جائز على الله تعالى، فهذا جملة ما ذكروه من الأمثلة.
واعلم أن التمسك بطريقة المدح والذم والثواب والعقاب قد كثر للمعتزلة، ومعارضتهم بمسألتي العلم والداعي قد كثرت، فلا حاجة إلى الإعادة.
ثم قال تعالى : ﴿ وكان الله بهم عليما ﴾ والمعنى أن القصد إلى الرثاء إنما يكون باطنا غير ظاهر، فبين تعالى أنه عليم ببواطن الأمور كما هو عليم بظواهرها، فإن الإنسان متى اعتقد ذلك صار ذلك كالرادع له عن القبائح من أفعال القلوب :مثل داعية النفاق والرياء والسمعة.
قوله تعالى : ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ﴾.
اعلم أن تعلق هذه الآية هو بقوله تعالى : ﴿ وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الأخر وأنفقوا مما رزقهم الله ﴾ فكأنه قال :فإن الله لا يظلم من هذه حاله مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها، فرغب بذلك في الإيمان والطاعة.
واعلم أن هذه الآية مشتملة على الوعد بأمور ثلاثة :الأول :قوله تعالى : ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :الذرة النملة الحمراء الصغيرة في قول أهل اللغة. وروي عن ابن عباس أنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها، ثم قال :كل واحد من هذه الأشياء ذرة و ﴿ مثقال ﴾ مفعال من الثقل يقال :هذا على مثقال هذا، أي وزن هذا، ومعنى ﴿ مثقال ذرة ﴾ أي ما يكون وزنه وزن الذرة.
واعلم أن المراد من الآية أنه تعالى لا يظلم قليلا ولا كثيرا، ولكن الكلام خرج على أصغر ما يتعارفه الناس يدل عليه قوله تعالى : ﴿ إن الله لا يظلم الناس شيئا ﴾.
المسألة الثانية :قالت المعتزلة :دلت هذه الآية على أنه تعالى ليس خالقا لأعمال العباد، لأن من جملة تلك الأعمال ظلم بعضهم بعضا، فلو كان موجد ذلك الظلم هو الله تعالى لكان الظالم هو الله، وأيضا لو خلق الظلم في الظالم، ولا قدرة لذلك الظالم على تحصيل ذلك الظلم عند عدمه، ولا على دفعه بعد وجوده، ثم إنه تعالى يقول لمن هذا شأنه وصفته :لم ظلمت ثم يعاقبه عليه، كان هذا محض الظلم، والآية دالة على كونه تعالى منزها عن الظلم.
والجواب :المعارضة بالعلم والداعي على ما سبق مرارا لا حد لها، وقد ذكرنا أن استدلالات هؤلاء المعتزلة وإن كثرت وعظمت، إلا أنها ترجع إلى حرف واحد، وهو التمسك بالمدح والذم والثواب والعقاب، والسؤال على هذا الحرف معين، وهو المعارضة بالعلم والداعي، فكلما أعادوا ذلك الاستدلال أعدنا عليهم هذا السؤال.
المسألة الثالثة :قالت المعتزلة :الآية تدل على أنه قادر على الظلم لأنه تمدح بتركه، ومن تمدح بترك فعل قبيح لم يصح منه ذلك التمدح، إلا إذا كان هو قادرا عليه، ألا ترى أن الزمن لا يصح منه أن يتمدح بأنه لا يذهب في الليالي إلى السرقة.
والجواب أنه تعالى تمدح بأنه لا تأخذه سنة ولا نوم، ولم يلزم أن يصح ذلك عليه، وتمدح بأنه لا تدركه الأبصار، ولم يدل ذلك عند المعتزلة على أنه يصح أن تدركه الأبصار.
المسألة الرابعة :قالت المعتزلة :الآية دالة على أن العبد يستحق الثواب على طاعته وأنه تعالى لو لم يثبه لكان ظالما، لأنه تعالى بين في هذه الآية أنه لو لم يثبهم على أعمالهم لكان قد ظلمهم، وهذا لا يصح إلا إذا كانوا مستحقين للثواب على أعمالهم.
والجواب :أنه تعالى وعدهم بالثواب على تلك الأفعال، فلو لم يثبهم عليها لكان ذلك في صورة ظلم، فلهذا أطلق عليه اسم الظلم، والذي يدل على أن الظلم محال من الله، أن الظلم مستلزم للجهل والحاجة عندكم، وهما محالان على الله، ومستلزم المحال محال، والمحال غير مقدور. وأيضا الظلم عبارة عن التصرف في ملك الغير، والحق سبحانه لا يتصرف إلا في ملك نفسه، فيمتنع كونه ظالما. وأيضا :الظالم لا يكون إلها والشيء لا يصح إلا إذا كانت لوازمه صحيحة، فلو صح منه الظلم لكان زوال إلهيته صحيحا، ولو كان كذلك لكانت إلهيته جائزة الزوال، وحينئذ يحتاج في حصول صفة الإلهية له إلى مخصص وفاعل، وذلك على الله محال.
المسألة الخامسة :قالت المعتزلة :إن عقاب قطرة من الخمر يزيل ثواب الإيمان والطاعة مدة مائة سنة. وقال أصحابنا :هذا باطل ؛ لأنا نعلم بالضرورة أن ثواب كل تلك الطاعات العظيمة تلك السنن المتطاولة، أزيد من عقاب شرب هذه القطرة، فإسقاط ذلك الثواب العظيم بعقاب هذا القدر من المعصية ظلم، وإنه منفي بهذه الآية.
المسألة السادسة :قال الجبائي :إن عقاب الكبيرة يحبط ثواب جملة الطاعات، ولا ينحبط من ذلك العقاب شيء. وقال ابنه أبو هاشم :بل ينحبط. واعلم أن هذا المشروع صار حجة قوية لأصحابنا في بطلان القول بالإحباط فإنا نقول :لو انحبط ذلك الثواب لكان إما أن يحبط مثله من العقاب أو لا يحبط، والقسمان باطلان. فالقول بالإحباط باطل. إنما قلنا إنه لا يجوز انحباط كل واحد منهما بالآخر، لأنه إذا كان سبب عدم كل واحد منهما وجود الآخر، فلو حصل العدمان معا لحصل الوجدان معا، ضرورة أن العلة لا بد وأن تكون حاصلة مع المعلول، وذلك محال. وإنما قلنا :إنه لا يجوز انحباط الطاعة بالمعصية مع أن المعصية لا تنحبط بالطاعة، لأن تلك الطاعات لم ينتفع العبد بها البتة، لا في جلب ثواب، ولا في دفع عقاب وذلك ظلم، وهو ينافي قوله تعالى : ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ ولما بطل القسمان ثبت القول بفساد الإحباط على ما تقوله المعتزلة.
المسألة السابعة :احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المؤمنين يخرجون من النار إلى الجنة، فقالوا :لا شك أن ثواب الإيمان، والمداومة على التوحيد، والإقرار بأنه هو الموصوف بصفات الجلال والإكرام، والمواظبة على وضع الجبين على تراب العبودية مائة سنة :أعظم ثوابا من عقاب شرب الجرعة من الخمر، فإذا حضر هذا الشارب يوم القيامة وأسقط عنه قدر عقاب هذا المعصية من ذلك الثواب العظيم فضل له من الثواب قدر عظيم، فإذا أدخل النار بسبب ذلك القدر من العقاب، فلو بقي هناك لكان ذلك ظلما وهو باطل، فوجب القطع بأنه يخرج إلى الجنة.
النوع الثاني :من الأمور التي اشتملت عليها هذه الآية :
قوله تعالى : ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :قرأ نافع وابن كثير ﴿ حسنة ﴾ بالرفع على تقديره «كان » التامة، والمعنى :وإن حدثت حسنة، أو وقعت حسنة، والباقون بالنصب على تقدير «كان » الناقصة والتقدير :وإن تك زنة الذرة حسنة. وقرأ ابن كثير وابن عامر ﴿ يضعفها ﴾ بالتشديد من غير ألف من التضعيف، والباقون ﴿ يضاعفها ﴾ بالألف والتخفيف من المضاعفة.
المسألة الثانية :تك :أصله من «كان يكون » وأصله «تكون » سقطت الضمة للجزم، وسقطت الواو لسكونها وسكون النون فصار «تكن » ثم حذفوا النون أيضا لأنها ساكنة. وهي تشبه حروف اللين، وحروف اللين إذا وقعت طرفا سقطت للجزم، كقولك :لم أدر، أي لا أدري وجاء القرآن بالحذف والإثبات، أما الحذف فههنا، وأما الإثبات، فكقوله : ﴿ إن يكن غنيا أو فقيرا ﴾.
المسألة الثالثة :أن الله تعالى بين بقوله : ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ أنه لا يبخسهم حقهم أصلا، وبين بهذه الآية أن الله تعالى يزيدهم على استحقاقهم.
واعلم أن المراد من هذه المضاعفة ليس هو المضاعفة في المدة، لأن مدة الثواب غير متناهية، وتضعيف غير المتناهي محال، بل المراد أنه تعالى يضعفه بحسب المقدار :مثلا يستحق على طاعته عشرة أجزاء من الثواب، فيجعله عشرين جزءا، أو ثلاثين جزءا، أو أزيد. روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال :يؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين :هذا فلان ابن فلان، من كان له عليه حق فليأت إلى حقه، ثم يقال له :أعط هؤلاء حقوقهم، فيقول :يا رب من أين وقد ذهبت الدنيا ؟ فيقول الله لملائكته :انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها فأن بقي مثقال ذرة من حسنة ضعفها الله تعالى لعبده وأدخله الجنة بفضله ورحمته. مصداق ذلك في كتاب الله تعالى : ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ وقال الحسن :قوله : ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ هذا أحب إلى العلماء مما لو قال :في الحسنة الواحدة مائة ألف حسنة، لأن ذلك الكلام يكون مقداره معلوما أما على هذه العبارة فلا يعلم كمية ذلك التضعيف إلا الله تعالى، وهو كقوله في ليلة القدر إنها خير من ألف شهر. وقال أبو عثمان النهدي :بلغني عن أبي هريرة أنه قال :إن الله ليعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة، فقدر الله أن ذهبت إلى مكة حاجا أو معتمرا فألفيته فقلت :بلغني عنك أنك تقول :إن الله يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة قال أبو هريرة :لم أقل ذلك، ولكن قلت :إن الحسنة تضاعف بألفي ألف ضعف، ثم تلا هذه الآية وقال :إذا قال الله : ﴿ أجرا عظيما ﴾ فمن يقدر قدره.
النوع الثالث :من الأمور التي اشتملت هذه الآية عليها قوله تعالى : ﴿ ويؤت من لدنه أجرا عظيما ﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى :لدن :بمعنى «عند » إلا أن «لدن » أكثر تمكينا، يقول الرجل :عندي مال إذا كان ماله ببلد آخر، ولا يقال :لدي مال ولا لدني، إلا ما كان حاضرا.
المسألة الثانية :اعلم أنه لا بد من الفرق بين هذا وبين قوله : ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ والذي يحظر ببالي والعلم عند الله، أن ذلك التضعيف يكون من جنس ذلك الثواب، وأما هذا الأجر العظيم فلا يكون من جنس ذلك الثواب، والظاهر أن ذلك التضعيف يكون من جنس اللذات الموعد بها في الجنة، وأما هذا الأجر العظيم الذي يؤتيه من لدنه، فهو اللذة الحاصلة عند الرؤية، وعند الاستغراق في المحبة والمعرفة، وإنما خص هذا النوع بقوله : ﴿ من لدنه ﴾ لأن هذا النوع من الغبطة والسعادة والبهجة والكمال، لا ينال بالأعمال الجسدانية، بل إنما ينال بما يودع الله في جوهر النفس القدسية من الإشراق والصفاء والنور، وبالجملة فذلك التضعيف إشارة إلى السعادة الجسمانية، وهذا الأجر العظيم إشارة إلى السعادة الروحانية.
قوله تعالى : ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا ﴾.
وجه النظم هو أنه تعالى بين أن في الآخرة لا يجري على أحد ظلم، وأنه تعالى يجازي المحسن على إحسانه ويزيده على قدر حقه، فبين تعالى في هذه الآية أن ذلك يجري بشهادة الرسل الذين جعلهم الله الحجة على الخلق، لتكون الحجة على المسيء أبلغ، والتبكيت له أعظم وحسرته أشد، ويكون سرور من قبل ذلك من الرسول وأظهر الطاعة أعظم، ويكون هذا وعيدا للكفار الذين قال الله فيهم : ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ ووعدا للمطيعين الذين قال الله فيهم : ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود : «إقرأ القرآن علي » قال :فقلت يا رسول الله أنت الذي علمتنيه فقال : «أحب أن أسمعه من غيري » قال ابن مسعود :فافتتحت سورة النساء، فلما انتهيت إلى هذه الآية بكى الرسول صلى الله عليه وسلم، قال ابن مسعود فأمسكت عن القراءة. وذكر السدي أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم يشهدون للرسل بالبلاغ، والرسول صلى الله عليه وسلم يشهد لأمته بالتصديق، فلهذا قال : ﴿ جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ﴾ وحكي عن عيسى عليه السلام أنه قال : ﴿ وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ﴾.
المسألة الثانية :من عادة العرب أنهم يقولون في الشيء الذي يتوقعونه :كيف بك إذا كان كذا وكذا، وإذا فعل فلان كذا، وإذا جاء وقت كذا، فمعنى هذا الكلام :كيف ترون يوم القيامة إذا استشهد الله على كل أمة برسولها، واستشهدك على هؤلاء، يعني قومه المخاطبين بالقرآن الذين شاهدهم وعرف أحوالهم. ثم إن أهل كل عصر يشهدون على غيرهم ممن شاهدوا أحوالهم، وعلى هذا الوجه قال عيسى عليه السلام : «وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ».
ثم إنه تعالى وصف ذلك اليوم فقال : ﴿ يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :قوله : ﴿ الذين كفروا وعصوا الرسول ﴾ يقتضي كون عصيان الرسول مغايرا للكفر. لأن عطف الشيء على نفسه غير جائز، فوجب حمل عصيان الرسول على المعاصي المغايرة للكفر، إذا ثبت هذا فنقول :الآية دالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام، وأنهم كما يعاقبون يوم القيامة على الكفر فيعاقبون أيضا على تلك المعاصي. لأنه لو لم يكن لتلك المعصية أثر في هذا المعنى لما كان في ذكر معصيتهم في هذا الموضع أثر.
المسألة الثانية :قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو ﴿ تسوى ﴾ مضمومة التاء خفيفة السين على ما لم يسم فاعله، وقرأ نافع وابن عامر ﴿ تسوى ﴾ مفتوحة التاء مشددة السين بمعنى :تتسوى، فأدغم التاء في السين لقربها منها، ولا يكره اجتماع التشديدين في هذه القراءة لأن لها نظائر في التنزيل كقوله :
﴿ اطيرنا بك ﴾ ﴿ وازينت ﴾ ﴿ وتذكرون ﴾ وفي هذه القراءة اتساع، وهو إسناد الفعل إلى الأرض وقرأ حمزة والكسائي ﴿ تسوى ﴾ مفتوحة التاء والسين خفيفة، حذفا التاء التي أدغمها نافع، لأنها كما اعتلت بالإدغام اعتلت بالحذف.
المسألة الثالثة :ذكروا في تفسير قوله : ﴿ لو تسوي بهم الأرض ﴾ وجوها :الأول :لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى. والثاني :يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء. الثالث :تصير البهائم ترابا فيودون حالها كقوله : ﴿ يا ليتني كنت ترابا ﴾.
المسألة الرابعة :قوله : ﴿ ولا يكتمون الله حديثا ﴾ فيه لأهل التأويل طريقان :الأول :أن هذا متصل بما قبله. والثاني :أنه كلام مبتدأ، فإذا جعلناه متصلا احتمل وجهين :أحدهما :ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما :يودون لو تنطبق عليهم الأرض ولم يكونوا كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا كفروا به ولا نافقوا، وعلى هذا القول :الكتمان عائد إلى ما كتموا من أمر محمد صلى الله عليه وسلم، الثاني :أن المشركين لما رأوا يوم القيامة أن الله تعالى يغفر لأهل الإسلام ولا يغفر شركا، قالوا :تعالوا فلنجحد فيقولون :والله ربنا ما كنا مشركين، رجاء أن يغفر الله لهم، فحينئذ يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يعملون، فهنالك يودون أنهم كانوا ترابا ولم يكتموا الله حديثا.
الطريق الثاني في التأويل :أن هذا الكلام مستأنف، فإن ما عملوه ظاهر عند الله، فكيف يقدرون على كتمانه ؟
المسألة الخامسة :فإن قيل :كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله : ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾.
والجواب من وجوه :الأول :أن مواطن القيامة كثيرة، فموطن لا يتكلمون فيه وهو قوله : ﴿ فلا تسمع إلا همسا ﴾ وموطن يتكلمون فيه كقوله : ﴿ ما كنا نعمل من سوء ﴾ وقولهم : ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ فيكذبون في مواطن، وفي مواطن يعترفون على أنفسهم بالكفر ويسألون الرجعة وهو قولهم : ﴿ يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ﴾ وآخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم وجلودهم، فنعوذ بالله من خزي ذلك اليوم. الثاني :أن هذا الكتمان غير واقع، بل هو داخل في التمني على ما بينا. الثالث :أنهم لم يقصدوا الكتمان، وإنما أخبروا على حسب ما توهموا، وتقديره :والله ما كنا مشركين عند أنفسنا، بل مصيبين في ظنوننا حتى تحققنا الآن. وسيجيء الكلام في هذه المسألة في سورة الأنعام إن شاء الله تعالى.
النوع العاشر :من التكاليف المذكورة في هذه السورة.
قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ﴾
في الآية مسائل :
المسألة الأولى :ذكروا في سبب النزول وجهين :الأول :أن جماعة من أفاضل الصحابة صنع لهم عبد الرحمن بن عوف طعاما وشرابا حين كانت الخمر مباحة فأكلوا وشربوا، فلما ثملوا جاء وقت صلاة المغرب فقدموا أحدهم ليصلي بهم. فقرأ :أعبد ما تعبدون وأنتم عابدون ما أعبد، فنزلت هذه الآية، فكانوا لا يشربون في أوقات الصلوات، فإذا صلوا العشاء شربوها، فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون، ثم نزل تحريمها على الإطلاق في سورة المائدة. وعن عمر رضي الله عنه أنه لما بلغه ذلك قال :اللهم إن الخمر تضر بالعقول والأموال، فأنزل فيها أمرك فصبحهم الوحي بآية المائدة. الثاني :قال ابن عباس :نزلت في جماعة من أكابر الصحابة قبل تحريم الخمر كانوا يشربونها ثم يأتون المسجد به للصلاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فنهاهم الله عنه.
المسألة الثانية :في لفظ الصلاة قولان :أحدهما :المراد منه المسجد، وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن، وإليه ذهب الشافعي.
واعلم أن إطلاق لفظ الصلاة على المسجد محتمل، ويدل عليه وجهان :الأول :أنه يكون من باب حذف المضاف، أي لا تقربوا موضع الصلاة، وحذف المضاف مجاز شائع، والثاني :قوله : ﴿ لهدمت صوامع وبيع وصلوات ﴾ والمراد بالصلوات مواضع الصلوات، فثبت أن إطلاق لفظ الصلاة والمراد به المسجد جائز.
والقول الثاني :وعليه الأكثرون :أن المراد بالصلاة في هذه الآية نفس الصلاة، أي لا تصلوا إذا كنتم سكارى.
واعلم أن فائدة الخلاف تظهر في حكم شرعي، وهو أن على التقدير الأول يكون المعنى :لا تقربوا المسجد وأنتم سكارى ولا جنبا إلا عابري سبيل، وعلى هذا الوجه يكون الاستثناء دالا على أنه يجوز للجنب العبور في المسجد، وهو قول الشافعي. وأما على القول الثاني فيكون المعنى :لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، ولا تقربوها حال كونكم جنبا إلا عابري سبيل، والمراد بعابر السبيل المسافر، فيكون هذا الاستثناء دليلا على أنه يجوز للجنب الإقدام على الصلاة عند العجز عن الماء. قال أصحاب الشافعي :هذا القول الأول أرجح، ويدل عليه وجوه :الأول :أنه قال : ﴿ لا تقربوا الصلاة ﴾ والقرب والبعد لا يصحان على نفس الصلاة على سبيل الحقيقة، إنما يصحان على المسجد. الثاني :أنا لو حملناه على ما قلنا لكان الاستثناء صحيحا، أما لو حملناه على ما قلتم لم يكن صحيحا، لأن من لم يكن عابر سبيل وقد عجز عن استعمال الماء بسبب المرض الشديد، فإنه يجوز له الصلاة بالتيمم، وإذا كان كذلك كان حمل الآية على ذلك أولى. الثالث :أنا إذا حملنا عابر السبيل على الجنب المسافر، فهذا إن كان واجدا للماء لم يجز له القرب من الصلاة البتة، فحينئذ يحتاج إلى إضمار هذا الاستثناء في الآية، وإن لم يكن واجدا للماء لم يجز له الصلاة إلا مع التيمم، فيفتقر إلى إضمار هذا الشرط في الآية، وأما على ما قلناه فإنا لا نفتقر إلى إضمار شيء في الآية فكان قولنا أولى. الرابع :أن الله تعالى ذكر حكم السفر وعدم الماء، وجواز التيمم بعد هذا، فلا يجوز حمل هذا على حكم مذكور في آية بعد هذه الآية، والذي يؤكده أن القراء كلهم استحبوا الوقف عند قوله : ﴿ حتى تغتسلوا ﴾ ثم يستأنف قوله : ﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ لأنه حكم آخر. وأما إذا حملنا الآية على ما ذكرنا لم نحتج فيه إلى هذه الإلحاقات فكان ما قلناه أولى. ولمن نصر القول الثاني أن يقول :إن قوله تعالى : ﴿ حتى تعلموا ما تقولون ﴾ يدل على أن المراد من قوله : ﴿ لا تقربوا الصلاة ﴾ نفس الصلاة لأن المسجد ليس فيه قول مشروع يمنع السكر منه، أما الصلاة ففيها أقوال مخصوصة يمنع السكر معها، فكان حمل الآية على هذا أولى، وللقائل الأول أن يجيب بأن الظاهر أن الإنسان إنما يذهب إلى المسجد لأجل الصلاة، فما يخل بالصلاة كان كالمانع من الذهاب إلى المسجد فلهذا ذكر هذا المعنى.
المسألة الثالثة :قال الواحدي رحمه الله :السكارى جمع سكران، وكل نعت على فعلان فإنه يجمع على :فعالى وفعالى، مثل كسالى وكسالى، وأصل السكر في اللغة سد الطريق، ومن ذلك سكر البثق وهو سده، وسكرت عينه سكرا إذا تحيرت، ومنه قوله تعالى : ﴿ إنما سكرت أبصارنا ﴾ أي غشيت فليس ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء على حقيقتها، ومن ذلك سكر الماء وهو رده على سننه في الجري. والسكر من الشراب وهو أن ينقطع عما عليه من النفاذ حال الصحو، فلا ينفذ رأيه على حد نفاذه في حال صحوه. إذا عرفت هذا فنقول :في لفظ السكارى في هذه الآية قولان :الأول :المراد منه السكر من الخمر وهو نقيض الصحو، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين.
والقول الثاني :وهو قول الضحاك :وهو أنه ليس المراد منه سكر الخمر، إنما المراد منه سكر النوم، قال :ولفظ السكر يستعمل في النوم فكان هذا اللفظ محتملا له، والدليل دل عليه فوجب المصير إليه، أما بيان أن اللفظ محتمل له فمن وجهين :الأول :ما ذكرنا :أن لفظ السكر في أصل اللغة عبارة عن سد الطريق، ولا شك أن عند النوم تمتلئ مجاري الروح من الأبخرة الغليظة فتنسد تلك المجاري بها، ولا ينفذ الروح الباصر والسامع إلى ظاهر البدن. الثاني :قول الفرزدق :
من السير والإدلاج يحسب إنما سقاه الكرى في كل منزلة خمرا
وإذا ثبت أن اللفظ محتمل له فنقول :الدليل دل عليه، وبيانه من وجوه :الأول :أن قوله تعالى : ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ﴾ ظاهره أنه تعالى نهاهم عن القرب من الصلاة حال صيرورتهم بحيث لا يعلمون ما يقولون، وتوجيه التكليف على مثل هذا الإنسان ممتنع بالعقل والنقل، أما العقل فلأن تكليف مثل هذا الإنسان يقتضي تكليف ما لا يطاق، وأما النقل فهو قوله عليه الصلاة والسلام :
« رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ » ولا شك أن هذا السكران يكون مثل المجنون، فوجب ارتفاع التكليف عنه.
والحجة الثانية :قوله عليه الصلاة والسلام : « إذا نعس أحدكم وهو في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإنه إذا صلى وهو ينعس لعله يذهب ليستغفر فيسب نفسه » هذا تقرير قول الضحاك.
واعلم أن الصحيح هو القول الأول، ويدل عليه وجهان :الأول :أن لفظ السكر حقيقة في السكر من شرب الخمر، والأصل في الكلام الحقيقة، فأما حمله على السكر من العشق، أو من الغضب أو من الخوف، أو من النوم، فكل ذلك مجاز، وإنما يستعمل مقيدا. قال تعالى : ﴿ وجاءت سكرة الموت ﴾ وقال : ﴿ وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ﴾ الثاني :أن جميع المفسرين اتفقوا على أن هذه الآية إنما نزلت في شرب الخمر وقد ثبت في أصول الفقه أن الآية إذا نزلت في واقعة معينة ولأجل سبب معين، امتنع أن لا يكون ذلك السبب مرادا بتلك الآية، فأما قول الضحاك كيف يتناوله النهي حال كونه سكران ؟ فنقول :وهذا أيضا لازم عليكم، لأنه يقال :كيف يتناوله النهي وهو نائم لا يفهم شيئا ؟ ثم الجواب عنه :إن المراد من الآية النهي عن الشرب المؤدي إلى السكر المخل بالفهم حال وجوب الصلاة عليهم، فخرج اللفظ عن النهي عن الصلاة في حال السكر مع أن المراد منه النهي عن الشرب الموجب للسكر في وقت الصلاة. وأما الحديث الذي تمسك به فذاك لا يدل على أن السكر المذكور في الآية هو النوم.
المسألة الرابعة :قال بعضهم :هذه الآية منسوخة بآية المائدة، وأقول :الذي يمكن ادعاء النسخ فيه أنه يقال :نهى عن قربان الصلاة حال السكر ممدودا إلى غاية أن يصير بحيث يعلم ما يقول والحكم الممدود إلى غاية يقتضي انتهاء ذلك الحكم عند تلك الغاية، فهذا يقتضي جواز قربان الصلاة مع السكر إذا صار بحيث يعلم ما يقول، ومعلوم أن الله تعالى لما حرم الخمر بآية المائدة فقد رفع هذا الجواز، فثبت أن آية المائدة ناسخة لبعض مدلولات هذه الآية. هذا ما خطر ببالي في تقرير هذا النسخ.
والجواب عنه :أنا بينا أن حاصل هذا النهي راجع إلى النهي عن الشرب الموجب للسكر عند القرب من الصلاة، وتخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه إلا على سبيل الظن الضعيف، ومثل هذا لا يكون نسخا.
المسألة الخامسة :قال صاحب «الكشاف » :قرئ ﴿ سكارى ﴾ بفتح السين و( سكرى ) على أن يكون جمعا نحو :هلكى، وجوعى.
ثم قال تعالى : ﴿ ولا جنبا إلا عابري سبيل ﴾ قوله : ﴿ ولا جنبا ﴾ عطف على قوله : ﴿ وأنتم سكارى ﴾ والواو ههنا للحال، والتقدير :لا تقربوا الصلاة حال ما تكونون سكارى، وحال ما تكونون جنبا، والجنب يستوي فيه الواحد والجمع، المذكر والمؤنث، لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الأجناب. وقد ذكرنا أن أصل الجنابة البعد، وقيل للذي يجب عليه الغسل :جنب، لأنه يجتنب الصلاة والمسجد وقراءة القرآن حتى يتطهر. ثم قال : ﴿ إلا عابري سبيل ﴾ وقد ذكرنا أن فيه قولين :أحدهما :أن هذا العبور المراد منه العبور في المسجد. الثاني :أن المراد بقوله : ﴿ إلا عابري سبيل ﴾ المسافرون، وبينا كيفية ترجيح أحدهما على الآخر.
قوله تعالى : ﴿ وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا ﴾.
اعلم أنه تعالى ذكر ههنا أصنافا أربعة :المرضى، والمسافرين، والذين جاؤا من الغائط، والذين لامسوا النساء.
فالقسمان الأولان :يلجئان إلى التيمم، وهما المرض والسفر.
والقسمان الأخيران :يوجبان التطهر بالماء عند وجود الماء، وبالتيمم عند عدم الماء، ونحن نذكر حكم كل واحد من هذه الأقسام :
أما السبب الأول :هو المرض، فاعلم أنه على ثلاثة أقسام :أحدها :أن يكون بحيث لو استعمل الماء لمات، كما في الجدري الشديد والقروح العظيمة، وثانيها، أن لا يموت باستعمال الماء ولكنه يجد الآلام العظيمة. وثالثها :أن لا يخاف الموت والآلام الشديدة. لكنه يخاف بقاء شين أو عيب على البدن، فالفقهاء جوزوا التيمم في القسمين الأولين، وما جوزوه في القسم الثالث وزعم الحسن البصري أنه لا يجوز التيمم في الكل إلا عند عدم الماء، بدليل أنه شرط جواز التيمم للمريض بعدم وجدان الماء، بدليل أنه قال في آخر الآية : ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وإذا كان هذا الشرط معتبرا في جواز التيمم، فعند فقدان هذا الشرط وجب أن لا يجوز التيمم، وهو أيضا قول ابن عباس. وكان يقول :لو شاء الله لابتلاه بأشد من ذلك. ودليل الفقهاء أنه تعالى جوز التيمم للمريض إذا لم يجد الماء، وليس فيه دلالة على منعه من التيمم عند وجوده، ثم قد دلت السنة على جوازه، ويؤيده ما روي عن بعض الصحابة أنه أصابته جنابة وكان به جراحة عظيمة، فسأل بعضهم فأمره بالاغتسال، فلما اغتسل مات، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال :قتلوه قتلهم الله، فدل ذلك على جواز ما ذكرناه.
السبب الثاني :السفر، والآية تدل على أن المسافر إذا لم يجد الماء، تيمم، طال سفره أو قصر لهذه الآية.
السبب الثالث :قوله ﴿ أو جاء أحد منكم من الغائط ﴾ والغائط ال
قوله تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا ﴾
اعلم أنه تعالى لما ذكر من أول هذه السورة إلى هذا الموضع أنواعا كثيرة من التكاليف والأحكام الشرعية، قطع ههنا ببيان الأحكام الشرعية، وذكر أحوال أعداء الدين وأقاصيص المتقدمين، لأن البقاء في النوع الواحد من العلم مما يكل الطبع ويكدر الخاطر، فأما الانتقال من نوع من العلوم إلى نوع آخر، فإنه ينشط الخاطر ويقوي القريحة، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :قوله : ﴿ ألم تر ﴾ معناه :ألم ينته علمك إلى هؤلاء، وقد ذكرنا ما فيه عند قوله : ﴿ ألم تر إلى الذيحاج إبراهيم ﴾ وحاصل الكلام أن العلم اليقيني يشبه الرؤية، فيجوز جعل الرؤية استعارة عن مثل هذا العلم.
المسألة الثانية :الذين أوتوا نصيبا من الكتاب :هم اليهود، ويدل عليه وجوه :الأول :أن قوله بعد هذه الآية : ﴿ من الذين هادوا ﴾ متعلق بهذه الآية. الثاني :روى ابن عباس أن هذه الآية نزلت في حبرين من أحبار اليهود، كانا يأتيان رأس المنافقان عبد الله بن أبي ورهطه فيثبطونهم عن الإسلام. الثالث :أن عداوة اليهود كانت أكثر من عداوة النصارى بنص القرآن، فكانت إحالة هذا المعنى على اليهود أولى.
المسألة الثالثة :لم يقل تعالى :أنهم أوتوا علم الكتاب، بل قال : ﴿ أوتوا نصيبا من الكتاب ﴾ لأنهم عرفوا من التوراة نبوة موسى عليه السلام، ولم يعرفوا منها نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فأما الذين أسلموا كعبد الله بن سلام وعرفوا الأمرين، فوصفهم الله بأن معهم علم الكتاب، فقال : ﴿ قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ﴾ والله أعلم.
المسألة الرابعة :اعلم أنه تعالى وصفهم بأمرين :الضلال والإضلال، أما الضلال فهو قوله : ﴿ يشترون الضلالة ﴾ وفيه وجوه :الأول :قال الزجاج :يؤثرون تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام ليأخذوا الرشا على ذلك ويحصل لهم الرياسة، وإنما ذكر ذلك بلفظ الإشتراء لأن من اشترى شيئا آثره. الثاني :أن في الآية إضمارا، وتأويله :يشترون الضلالة بالهدى كقوله : ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ أي يستبدلون الضلالة بالهدى، ولا إضمار على قول الزجاج. الثالث :المراد بهذه الآية عوام اليهود، فإنهم كانوا يعطون أحبارهم بعض أموالهم ويطلبون منهم أن ينصروا اليهودية ويتعصبوا لها، فكانوا جارين مجرى من يشتري بماله الشبهة والضلالة، ولا إضمار على هذا التأويل أيضا، ولكن الأولى أن تكون الآية نازلة في علمائهم، ثم لما وصفهم تعالى بالضلال وصفهم بعد ذلك بالإضلال فقال : ﴿ ويريدون أن تضلوا السبيل ﴾ يعني أنهم يتوصلون إلى إضلال المؤمنين والتلبيس عليهم ؛ لكي يخرجوا عن الإسلام.
واعلم أنك لا ترى حالة أسوأ ولا أقبح ممن جمع بين هذين الأمرين أعني الضلال والإضلال.
ثم قال تعالى : ﴿ والله أعلم بأعدائكم ﴾ أي هو سبحانه أعلم بكنه ما في قلوبهم وصدورهم من العداوة والبغضاء.
ثم قال تعالى : ﴿ وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا ﴾ والمعنى أنه تعالى لما بين شدة عداوتهم للمسلمين، بين أن الله تعالى ولي المسلمين وناصرهم، ومن كان الله وليا له وناصرا له لم تضره عداوة الخلق، وفي الآية سؤالات :
السؤال الأول :ولاية الله لعبده عبارة عن نصرته له، فذكر النصير بعد ذكر الولي تكرارا.
والجواب :أن الولي المتصرف في الشيء، والمتصرف في الشيء لا يجب أن يكون ناصرا له فزال التكرار.
السؤال الثاني :لم لم يقل :وكفى بالله وليا ونصيرا ؟ وما الفائدة في تكرير قوله : ﴿ وكفى بالله ﴾.
والجواب :أن التكرار في مثل هذا المقام يكون أشد تأثيرا في القلب وأكثر مبالغة.
السؤال الثالث :ما فائدة الباء في قوله : ﴿ وكفى بالله وليا ﴾.
والجواب :ذكروا وجوها، الأول :لو قيل :كفى الله، كان يتصل الفعل بالفاعل. ثم ههنا زيدت الباء إيذانا أن الكفاية من الله ليست كالكفاية من غيره في الرتبة وعظم المنزلة. الثاني :قال ابن السراج :تقدير الكلام :كفى اكتفاؤك بالله وليا، ولما ذكرت «كفى » دل على الاكتفاء، لأنه من لفظه، كما تقول :من كذب كان شرا له، أي كان الكذب شرا له، فأضمرته لدلالة الفعل عليه. الثالث :يخطر ببالي أن الباء في الأصل للإلصاق، وذلك إنما يحسن في المؤثر الذي لا واسطة بينه وبين التأثير، ولو قيل :كفى الله، دل ذلك على كونه تعالى فاعلا لهذه الكفاية، ولكن لا يدل ذلك على أنه تعالى يفعل بواسطة أو بغير واسطة، فإذا ذكرت حرف الباء دل على أنه يفعل بغير واسطة، بل هو تعالى يتكفل بتحصيل هذا المطلوب ابتداء من غير واسطة أحد، كما قال :{ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ].
قوله تعالى : ﴿ من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ﴾.
اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم يشترون الضلالة شرح كيفية تلك الضلالة وهي أمور :أحدها :أنهم كانوا يحرفون الكلم عن مواضعه، وفيه مسائل :
المسألة الأولى :في متعلق قوله : ﴿ من الذين ﴾ وجوه :الأول :أن يكون بيانا للذين أوتوا نصيبا من الكتاب، والتقدير :ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من الذين هادوا، والثاني :أن يتعلق بقوله : ﴿ نصيرا ﴾ والتقدير :وكفى بالله نصيرا من الذين هادوا، وهو كقوله : ﴿ ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا ﴾ الثالث :أن يكون خبر مبتدأ محذوف، و ﴿ يحرفون ﴾ صفته. تقديره :من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم، فحذف الموصوف وأقيم الوصف مكانه. الرابع :أنه تعالى لما قال : ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ﴾ بقي ذلك مجملا من وجهين، فكأنه قيل :ومن ذلك الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ؟ فأجيب وقيل :من الذين هادوا، ثم قيل :وكيف يشترون الضلالة ؟ فأجيب وقيل :يحرفون الكلم.
المسألة الثانية :لقائل أن يقول :الجمع مؤنث، فكان ينبغي أن يقال :يحرفون الكلم عن مواضعها.
والجواب :قال الواحدي :هذا جمع حروفه أقل من حروف واحده، وكل جمع يكون كذلك فإنه يجوز تذكيره، ويمكن أن يقال :كون الجمع مؤنثا ليس أمرا حقيقيا، بل هو أمر لفظي، فكان التذكير والتأنيث فيه جائزا وقرئ، يحرفون الكلم.
المسألة الثالثة :في كيفية التحريف وجوه :أحدها :أنهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظ آخر مثل تحريفهم اسم «ربعة » عن موضعه في التوراة بوضعهم «آدم طويل » مكانه، ونحو تحريفهم «الرجم » بوضعهم «الحد » بدله ونظيره قوله تعالى : ﴿ فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ﴾.
فإن قيل :كيف يمكن هذا في الكتاب الذي بلغت آحاد حروفه وكلماته مبلغ التواتر المشهور في الشرق والغرب ؟
قلنا لعله يقال :القوم كانوا قليلين، والعلماء بالكتاب كانوا في غاية القلة فقدروا على هذا التحريف، والثاني :أن المراد بالتحريف :إلقاء الشبه الباطلة، والتأويلات الفاسدة، وصرف اللفظ عن معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه الحيل اللفظية، كما يفعله أهل البدعة في زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذاهبهم، وهذا هو الأصح. الثالث :أنهم كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم ويسألونه عن أمر فيخبرهم ليأخذوا به، فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه.
المسألة الرابعة :ذكر الله تعالى ههنا : ﴿ عن مواضعه ﴾ وفي المائدة ﴿ من بعد مواضعه ﴾ والفرق أنا إذا فسرنا التحريف بالتأويلات الباطلة، فههنا قوله : ﴿ يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ معناه :أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص، وليس فيه بيان أنهم يخرجون تلك اللفظة من الكتاب. وأما الآية المذكورة في سورة المائدة، فهي دالة على أنهم جمعوا بين الأمرين، فكانوا يذكرون التأويلات الفاسدة، وكانوا يخرجون اللفظ أيضا من الكتاب، فقوله : ﴿ يحرفون الكلم ﴾ إشارة إلى التأويل الباطل وقوله : ﴿ من بعد مواضعه ﴾ إشارة إلى إخراجه عن الكتاب.
النوع الثاني :من ضلالاتهم :ما ذكره الله تعالى بقوله : ﴿ ويقولون سمعنا وعصينا ﴾ وفيه وجهان :الأول :أن النبي عليه السلام كان إذا أمرهم بشيء قالوا في الظاهر :سمعنا، وقالوا في أنفسهم :وعصينا والثاني :أنهم كانوا يظهرون قولهم :سمعنا وعصينا، إظهارا للمخالفة، واستحقارا للأمر.
النوع الثالث :من ضلالتهم قوله : ﴿ واسمع غير مسمع ﴾.
واعلم أن هذه الكلمة ذو وجهين يحتمل المدح والتعظيم، ويحتمل الإهانة والشتم. أما أنه يحتمل المدح فهو أن يكون المراد اسمع غير مسمع مكروها، وأما أنه محتمل للشتم والذم فذاك من وجوه :الأول :أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم :اسمع، ويقولون في أنفسهم :لا سمعت، فقوله : ﴿ غير مسمع ﴾ معناه :غير سامع، فإن السامع مسمع، والمسمع سامع. الثاني :غير مسمع، أي غير مقبول منك، ولا تجاب إلى ما تدعو إليه، ومعناه غير مسمع جوابا يوافقك، فكأنك ما أسمعت شيئا. الثالث :اسمع غير مسمع كلاما ترضاه، ومتى كان كذلك فإن الإنسان لا يسمعه لنبو سمعه عنه، فثبت بما ذكرنا أن هذه الكلمة محتملة للذم والمدح، فكانوا يذكرونها لغرض الشتم.
النوع الرابع :من ضلالاتهم قولهم : ﴿ وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ﴾ أما تفسير ﴿ راعنا ﴾ فقد ذكرناه في سورة البقرة وفيه وجوه :الأول :أن هذه كلمة كانت تجري بينهم على جهة الهزء والسخرية، فلذلك نهى المسلمون أن يتلفظوا بها في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم. الثاني :قوله : ﴿ راعنا ﴾ معناه ارعنا سمعك، أي اصرف سمعك إلى كلامنا وأنصت لحديثنا وتفهم، وهذا مما لا يخاطب به الأنبياء عليهم السلام، بل إنما يخاطبون بالإجلال والتعظيم. الثالث :كانوا يقولون راعنا ويوهمونه في ظاهر الأمر أنهم يريدون أرعنا سمعك، وكانوا يريدون سبه بالرعونة في لغتهم. الرابع :أنهم كانوا يلوون ألسنتهم حتى يصير قولهم : ﴿ راعنا ﴾ راعينا، وكانوا يريدون أنك كنت ترعى أغناما لنا، وقوله : ﴿ ليا بألسنتهم ﴾ قال الواحدي :أصل ( ليا ) لويا، لأنه من لويت، ولكن الواو أدغمت في الياء لسبقها بالسكون، ومثله الطي وفي تفسيره وجوه :الأول :قال الفراء كانوا يقولون :راعنا ويريدون به الشتم، فذاك هو اللي، وكذلك قولهم : ﴿ غير مسمع ﴾ وأرادوا به لا سمعت، فهذا هو اللي. الثاني :أنهم كانوا يصلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير على سبيل النفاق. الثالث :لعلهم كانوا يفتلون أشداقهم وألسنتهم عند ذكر هذا الكلام على السخرية، كما جرت عادة من يهزأ بإنسان بمثل هذا الأفعال، ثم بين تعالى أنهم إنما يقدمون على هذه الأشياء لطعنهم في الدين، لأنهم كانوا يقولون لأصحابهم :إنما نشتمه ولا يعرف، ولو كان نبيا لعرف ذلك، فأظهر الله تعالى ذلك فعرفه خبث ضمائرهم، فانقلب ما فعلوه طعنا في نبوته دلالة قاطعة على نبوته، لأن الإخبار عن الغيب معجز.
فإن قيل :كيف جاؤا بالقول المحتمل للوجهين بعدما حرفوا، وقالوا سمعنا وعصينا ؟
والجواب من وجهين :الأول :أنا حكينا عن بعض المفسرين أنه قال :إنهم ما كانوا يظهرون قولهم : ﴿ وعصينا ﴾ بل كانوا يقولونه في أنفسهم. والثاني :هب أنهم أظهروا ذلك إلا أن جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان، ولا يواجهونه بالسب والشتم.
ثم قال تعالى : ﴿ ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ﴾ والمعنى أنهم لو قالوا بدل قولهم :سمعنا وعصينا، سمعنا وأطعنا لعلمهم بصدقك ولإظهارك الدلائل والبينات مرات بعد مرات، وبدل قولهم : ﴿ واسمع غير مسمع ﴾ قولهم واسمع، وبدل قولهم : ﴿ راعنا ﴾ قولهم : ﴿ انظرنا ﴾ أي اسمع منا ما نقول، وانظرنا حتى نتفهم عنك لكان خيرا لهم عند الله وأقوم، أي أعدل وأصوب، ومنه يقال :رمح قويم أي مستقيم ؛ وقومت الشيء من عوج فتقوم.
ثم قال : ﴿ ولكن لعنهم الله بكفرهم ﴾ والمراد أنه تعالى إنما لعنهم بسبب كفرهم.
ثم قال : ﴿ فلا يؤمنون إلا قليلا ﴾ وفيه قولان :أحدهما :أن القليل صفة للقوم، والمعنى فلا يؤمن منهم إلا أقوام قليلون. ثم منهم من قال :كان ذلك القليل عبد الله بن سلام وأصحابه، وقيل :هم الذين علم الله منهم أنهم يؤمنون بعد ذلك.
والقول الثاني :أن القليل صفة للإيمان، والتقدير فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا، فإنهم كانوا يؤمنون بالله والتوراة وموسى ولكنهم كانوا يكفرون بسائر الأنبياء، ورجح أبو علي الفارسي هذا القول على الأول، قال :لأن «قليلا » لفظ مفرد، ولو أريد به ناس لجمع نحو قوله : ﴿ إن هؤلاء لشرذمة قليلون ﴾ ويمكن أن يجاب عنه بأنه قد جاء فعيل مفردا، والمراد به الجمع قال تعالى : ﴿ وحسن أولئك رفيقا ﴾ وقال : ﴿ ولا يسأل حميم حميما يبصرونهم ﴾ فدل عود الذكر مجموعا إلى القبيلين على أنه أريد بهما الكثرة.
قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا ﴾.
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :أنه تعالى بعد أن حكى عن اليهود أنواع مكرهم وإيذائهم أمرهم بالإيمان وقرن بهذا الأمر الوعيد الشديد على الترك، ولقائل أن يقول :كان يجب أن يأمرهم بالنظر والتفكر في الدلائل الدالة على صحة نبوته، حتى يكون إيمانهم استدلاليا، فلما أمرهم بذلك الإيمان ابتداء فكأنه تعالى أمرهم بالإيمان على سبيل التقليد.
والجواب عنه :أن هذا الخطاب مختص بالذين أوتوا الكتاب، وهذا صفة من كان عالما بجميع التوراة. ألا ترى أنه قال في الآية الأولى : ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ﴾ ولم يقل :ألم تر إلى الذين أوتوا الكتاب، لأنهم ما كانوا عالمين بكل ما في التوراة، ، فلما قال في هذه الآية : ﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب ﴾ علمنا أن هذا التكليف مختص بمن كان عالما بكل التوراة، ومن كان كذلك فإنه يكون عالما بالدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن التوراة كانت مشتملة على تلك الدلائل، ولهذا قال تعالى : ﴿ مصدقا لما معكم ﴾ أي مصدقا للآيات الموجودة في التوراة الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا كان العلم حاصلا كان ذلك الكفر محض العناد، فلا جرم حسن منه تعالى أن يأمرهم بالإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام جزما، وأن يقرن الوعيد الشديد بذلك.
المسألة الثانية :الطمس :المحو، تقول العرب في وصف المفازة، إنها طامسة الأعلام وطمس الطريق وطمس إذا درس، وقد طمس الله على بصره إذا أزاله وأبطله، وطمست الريح الأثر إذا محته، وطمست الكتاب محوته، وذكروا في الطمس المذكور في هذه الآية قولين :أحدهما :حمل اللفظ على حقيقته وهو طمس الوجوه :والثاني :حمل اللفظ على مجازه.
أما القول الأول :فهو أن المراد من طمس الوجوه محو تخطيط صورها، فإن الوجه إنما يتميز عن سائر الأعضاء بما فيه من الحواس، فإذا أزيلت ومحيت كان ذلك طمسا، ومعنى قوله : ﴿ فنردها على أدبارها ﴾ رد الوجوه إلى ناحية القفا، وهذا المعنى إنما جعله الله عقوبة لما فيه من التشويه في الخلقة والمثلة والفضيحة، لأن عند ذلك يعظم الغم والحسرة، فإن هذا الوعيد مختص بيوم القيامة على ما سنقيم الدلالة عليه، ومما يقرره قوله تعالى : ﴿ وأما من أوتى كتابه وراء ظهره ﴾ فإنه إذا ردت الوجوه إلى القفا أوتوا الكتاب من وراء ظهورهم، لأن في تلك الجهة العيون والأفواه التي بها يدرك الكتاب ويقرأ باللسان.
فأما القول الثاني :فهو أن المراد من طمس الوجوه مجازه، ثم ذكروا فيه وجوها :الأول :قال الحسن :المراد نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها، أي على ضلالتها، والمقصود بيان إلقائها في أنواع الخذلان وظلمات الضلالات، ونظيره قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ﴾ تحقيق القول فيه أن الإنسان في مبدأ خلقته ألف هذا العالم المحسوس، ثم عند الفكر والعبودية كأنه يسافر من عالم المحسوسات إلى عالم المعقولات، فقد أمه عالم المعقولات، ووراءه عالم المحسوسات فالمخذول هو الذي يرد من قدامه إلى خلفه كما قال تعالى في صفتهم : ﴿ ناكسو رؤوسهم ﴾. الثاني :يحتمل أن يكون المراد بالطمس القلب والتغيير، وبالوجوه :رؤساؤهم ووجهاؤهم، والمعنى من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلب منهم الإقبال والوجاهة ونكسوهم الصغار والإدبار والمذلة. الثالث :قال عبد الرحمن بن زيد :هذا الوعيد قد لحق اليهود ومضى، وتأول ذلك في إجلاء قريظة والنضير إلى الشام، فرد الله وجوههم على أدبارهم حين عادوا إلى أذرعات وإريحاء من أرض الشام، كما جاؤا منها بدءا، وطمس الوجوه على هذا التأويل يحتمل معنيين :أحدهما :تقبيح صورتهم يقال :طمس الله صورته كقوله :قبح الله وجهه، والثاني :إزالة آثارهم عن بلاد العرب ومحو أحوالهم عنها.
فإن قيل :إنه تعالى هددهم بطمس الوجوه على القول الثاني فلا إشكال البتة، وإن فسرناه على القول الأول وهو حمله على ظاهره فالجواب عنه من وجوه :الأول :أنه تعالى ما جعل الوعيد هو الطمس بعينه، بل جعل الوعيد إما الطمس أو اللعن فإنه قال : ﴿ أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت ﴾ وقد فعل أحدهما وهو اللعن وهو قوله : ﴿ أو نلعنهم ﴾ وظاهره ليس هو المسخ. الثاني :قوله تعالى : ﴿ آمنوا ﴾ تكليف متوجه عليهم في جميع مدة حياتهم، فلزم أن يكون قوله : ﴿ من قبل أن نطمس وجوها ﴾ واقعا في الآخرة، فصار التقدير :آمنوا من قبل أن يجئ وقت نطمس فيه وجوهكم وهو ما بعد الموت. الثالث :أنا قد بينا أن قوله : ﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب ﴾ خطاب مع جميع علمائهم، فكان التهديد بهذا الطمس مشروطا بأن لا يأتي أحد منهم بالإيمان، وهذا الشرط لم يوجد لأنه آمن عبد الله بن سلام وجمع كثير من أصحابه، ففات المشروط بفوات الشرط، ويقال :لما نزلت هذه الآية أتى عبد الله بن سلام رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله فأسلم، وقال :يا رسول الله كنت أرى أن لا أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي. الرابع :أنه تعالى لم يقل :من قبل أن نطمس وجوهكم، بل قال : ﴿ من قبل أن نطمس وجوها ﴾ وعندنا أنه لا بد من طمس في اليهود أو مسخ قبل قيام الساعة، ومما يدل على أن المراد ليس طمس وجوههم بأعيانهم، بل طمس وجوه غيرهم من أبناء جنسهم قوله : ﴿ أو نلعنهم ﴾ فذكرهم على سبيل المغايبة، ولو كان المراد أولئك المخاطبين لذكرهم على سبيل الخطاب، وحمل الآية على طريقة الالتفات وإن كان جائزا إلا أن الأظهر ما ذكرناه.
ثم قال تعالى : ﴿ أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت ﴾ قال مقاتل وغيره :نمسخهم قردة كما فعلنا ذلك بأوائلهم. وقال أكثر المحققين :الأظهر حمل الآية على اللعن المتعارف، ألا ترى إلى قوله تعالى : ﴿ قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير ﴾ ففصل تعالى ههنا بين اللعن وبين مسخهم قردة وخنازير، وههنا سؤالات :
السؤال الأول :إلى من يرجع الضمير في قوله : ﴿ أو نلعنهم ﴾.
الجواب :إلى الوجوه إن أريد الوجهاء أو لأصحاب الوجوه، لأن المعنى من قبل أن نطمس وجوه قوم، أو يرجع إلى الذين أوتوا على طريقة الالتفات.
السؤال الثاني :قد كان اللعن والطمس حاصلين قبل الوعيد على الفعل فلا بد وأن يتحدا.
والجواب :أن لعنه تعالى لهم من بعد هذا الوعيد يكون أزيد تأثيرا في الخزي فيصح ذلك فيه.
السؤال الثالث :قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب ﴾ خطاب مشافهة، وقوله : ﴿ أو نلعنهم ﴾ خطاب مغايبة، فكيف يليق أحدهما بالآخر ؟
الجواب :منهم من حمل ذلك على طريقة الالتفات كما في قوله تعالى : ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ﴾ ومنهم من قال :هذا تنبيه على أن التهديد حاصل في غيرهم ممن يكذبون من أبناء جنسهم. وعندي فيه احتمال آخر :وهو أن اللعن هو الطرد والإبعاد، وذكر البعيد لا يكون إلا بالمغايبة، فلما لعنهم ذكرهم بعبارة الغيبة.
ثم قال تعالى : ﴿ وكان أمر الله مفعولا ﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى :قال ابن عباس :يريد لا راد لحكمه ولا ناقض لأمره، على معنى أنه لا يتعذر عليه شيء يريد أن يفعله، كما تقول في الشيء الذي لا شك في حصوله :هذا الأمر مفعول وإن لم يفعل بعد. وإنما قال : ﴿ وكان ﴾ إخبارا عن جريان عادة الله في الأنبياء المتقدمين أنه مهما أخبرهم بإنزال العذاب عليهم فعل ذلك لا محالة، فكأنه قيل لهم :أنتم تعلمون أنه كان تهديد الله في الأمم السالفة واقعا لا محالة، فاحترزوا الآن وكونوا على حذر من هذا الوعيد، والله أعلم.
المسألة الثانية :احتج الجبائي بهذه الآية على أن كلام الله محدث فقال :قوله : ﴿ وكان أمر الله مفعولا ﴾ يقتضي أن أمره مفعول، والمخلوق والمصنوع والمفعول واحد، فدل هذا على أن أمر الله مخلوق مصنوع، وهذا في غاية السقوط لأن الأمر في اللغة جاء بمعنى الشأن والطريقة والفعل قال تعالى : ﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ والمراد ههنا ذاك.
قوله تعالى : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ﴾
اعلم أن الله تعالى لما هدد اليهود على الكفر، وبين أن ذلك التهديد لا بد من وقوعه لا محالة بين أن مثل هذا التهديد من خواص الكفر، فأما سائر الذنوب التي هي مغايرة للكفر فليست حالها كذلك، بل هو سبحانه قد يعفو عنها، فلا جرم قال : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :هذه الآية دالة على أن اليهودي يسمى مشركا في عرف الشرع، ويدل عليه وجهان :الأول :أن الآية دالة على أن ما سوى الشرك مغفور، فلو كانت اليهودية مغايرة للشرك لوجب أن تكون مغفورة بحكم هذه الآية، وبالإجماع هي غير مغفورة، فدل على أنها داخلة تحت اسم الشرك. الثاني :أن اتصال هذه الآية بما قبلها إنما كان لأنها تتضمن تهديد اليهود، فلولا أن اليهودية داخلة تحت اسم الشرك، وإلا لم يكن الأمر كذلك.
فإن قيل :قوله تعالى : ﴿ إن الذين آمنوا والذين هادوا ﴾ إلى قوله : ﴿ والذين أشركوا ﴾ عطف المشرك على اليهودي، وذلك يقتضي المغايرة.
قلنا :المغايرة حاصلة بسبب المفهوم اللغوي، والاتحاد حاصل بسبب المفهوم الشرعي، ولا بد من المصير إلى ما ذكرناه دفعا للتناقض. إذا ثبتت هذه المقدمة فنقول :قال الشافعي رضي الله عنه :المسلم لا يقتل بالذمي، وقال أبو حنيفة :يقتل. حجة الشافعي أن الذمي مشرك لما ذكرناه، والمشرك مباح الدم لقوله تعالى :اقتلوا المشركين. فكان الذمي مباح الدم على الوجه الذي ذكرناه ومباح الدم هو الذي لا يجب القصاص على قاتله، ولا يتوجه النهي عن قتله ترك العمل بهذا الدليل في حق النهي، فوجب أن يبقى معمولا به في سقوط القصاص عن قاتله.
المسألة الثانية :هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على العفو عن أصحاب الكبائر.
واعلم أن الاستدلال بها من وجوه :
الوجه الأول :أن قوله : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ معناه لا يغفر الشرك على سبيل التفضل لأنه بالإجماع لا يغفر على سبيل الوجوب، وذلك عندما يتوب المشرك عن شركه، فإذا كان قوله :إن الله لا يغفر الشرك هو أنه لا يغفره على سبيل التفضل، وجب أن يكون قوله : ﴿ ويغفر ما دون ذلك ﴾ هو أن يغفره على سبيل التفضل ؛ حتى يكون النفي والإثبات متواردين على معنى واحد. ألا ترى أنه لو قال :فلان لا يعطي أحدا تفضلا، ويعطي زائدا فإنه يفهم منه أنه يعطيه تفضلا، حتى لو صرح وقال :لا يعطي أحدا شيئا على سبيل التفضل ويعطي أزيد على سبيل الوجوب، فكل عاقل يحكم بركاكة هذا الكلام، فثبت أن قوله : ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ على سبيل التفضل. إذا ثبت هذا فنقول :وجب أن يكون المراد منه أصحاب الكبائر قبل التوبة، لأن عند المعتزلة غفران الصغيرة وغفران الكبيرة بعد التوبة واجب عقلا، فلا يمكن حمل الآية عليه، فإذا تقرر ذلك لم يبق إلا حمل الآية على غفران الكبيرة قبل التوبة وهو المطلوب. الثاني :أنه تعالى قسم المنهيات على قسمين :الشرك وما سوى الشرك، ثم إن ما سوى الشرك يدخل فيه الكبيرة قبل التوبة، والكبيرة بعد التوبة والصغيرة، ثم حكم على الشرك بأنه غير مغفور قطعا، وعلى ما سواه بأنه مغفور قطعا، لكن في حق من يشاء، فصار تقدير الآية أنه تعالى يغفر كل ما سوى الشرك، لكن في حق من شاء. ولما دلت الآية على أن كل ما سوى الشرك مغفور، وجب أن تكون الكبيرة قبل التوبة أيضا مغفورة. الثالث :أنه تعالى قال : ﴿ لمن يشاء ﴾ فعلق هذا الغفران بالمشيئة، وغفران الكبيرة بعد التوبة وغفران الصغيرة مقطوع به، وغير معلق على المشيئة، فوجب أن يكون الغفران المذكور في هذه الآية هو غفران الكبيرة قبل التوبة وهو المطلوب، واعترضوا على هذا الوجه الأخير بأن تعليق الأمر بالمشيئة لا ينافي وجوبه، ألا ترى أنه تعالى قال بعد هذه الآية :
﴿ بل الله يزكى من يشاء ﴾ ثم إنا نعلم أنه تعالى لا يزكي إلا من كان أهلا للتزكية، وإلا كان كذبا، والكذب على الله محال، فكذا ههنا.
واعلم أنه ليس للمعتزلة على هذه الوجوه كلام يلتفت إليه إلا المعارضة بعمومات الوعيد، ونحن نعارضها بعمومات الوعد، والكلام فيه على الاستقصاء مذكور في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : ﴿ بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ فلا فائدة في الإعادة. وروى الواحدي في البسيط بإسناده عن ابن عمر قال :كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات الرجل منا على كبيرة شهدنا أنه من أهل النار، حتى نزلت هذه الآية فأمسكنا عن الشهادات. وقال ابن عباس :إني لأرجو كما لا ينفع مع الشرك عمل، كذلك لا يضر مع التوحيد ذنب. ذكر ذلك عند عمر بن الخطاب فسكت عمر. وروي مرفوعا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «اتسموا بالإيمان وأقربوا به فكما لا يخرج إحسان المشرك المشرك من إشراكه كذلك لا تخرج ذنوب المؤمن المؤمن من إيمانه ».
المسألة الثانية :روي عن ابن عباس أنه قال :لما قتل وحشي حمزة يوم أحد، وكانوا قد وعدوه بالإعتاق إن هو فعل ذلك، ثم أنهم ما وفوا له بذلك، فعند ذلك ندم هو وأصحابه فكتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذنبهم، وأنه لا يمنعهم عن الدخول في الإسلام إلا قوله تعالى :
﴿ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ﴾ فقالوا :قد ارتكبنا كل ما في الآية، فنزل قوله : ﴿ إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا ﴾ فقالوا :هذا شرط شديد نخاف أن لا نقوم به، فنزل قوله : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ فقالوا :نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته، فنزل ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ فدخلوا عند ذلك في الإسلام. وطعن القاضي في هذه الرواية وقال :أن من يريد الإيمان لا يجوز منه المراجعة على هذا الحد ؛ ولأن قوله : ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعا ﴾ لو كان على إطلاقه لكان ذلك إغراء لهم بالثبات على ما هم عليه.
والجواب عنه :لا يبعد أن يقال :إنهم استعظموا قتل حمزة وإيذاء الرسول إلى ذلك الحد، فوقعت الشبهة في قلوبهم أن ذلك هل يغفر لهم أم لا، فلهذا المعنى حصلت المراجعة. وقوله :هذا إغراء بالقبيح، فهو إنه إنما يتم على مذهبه، أما على قولنا :إنه تعالى فعال لما يريد، فالسؤال ساقط، والله أعلم.
ثم قال : ﴿ ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ﴾ أي اختلق ذنبا غير مغفور، يقال :افترى فلان الكذب إذا اعتمله واختلقه، وأصله من الفرى بمعنى القطع.
قوله تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا ﴾.
اعمل أنه تعالى لما هدد اليهود بقوله : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ فعند هذا قالوا :لسنا من المشركين، بل نحن خواص الله تعالى كما حكى تعالى عنهم أنهم قالوا : ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ وحكى عنهم أنهم قالوا : ﴿ لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ﴾ وحكى أيضا أنهم قالوا : ﴿ لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ﴾ وبعضهم كانوا يقولون :أن آباءنا كانوا أنبياء فيشفعون لنا. وعن ابن عباس رضي الله عنه أن قوما من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا :يا محمد هل على هؤلاء ذنب ؟ فقال لا، فقالوا :والله ما نحن إلا كهؤلاء :ما عملناه بالليل كفر عنا بالنهار، وما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل. وبالجملة فالقوم كانوا قد بالغوا في تزكية أنفسهم فذكر تعالى في هذه الآية أنه لا عبرة بتزكية الإنسان نفسه، وإنما العبرة بتزكية الله له وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :التزكية في هذا الموضع عبارة عن مدح الإنسان نفسه، ومنه تزكية المعدل للشاهد، قال تعالى : ﴿ فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ﴾ وذلك لأن التزكية متعلقة بالتقوى، والتقوى صفة في الباطن، ولا يعلم حقيقتها إلا الله، فلا جرم لا تصلح التزكية إلا من الله، فلهذا قال تعالى : ﴿ بل الله يزكى من يشاء ﴾.
فإن قيل :أليس أنه صلى الله عليه وسلم قال : «والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض ». قلنا :إنما قال ذلك حين قال المنافقون له :اعدل في القسمة، ولأن الله تعالى لما زكاه أولا بدلالة المعجزة جاز له ذلك بخلاف غيره.
المسألة الثانية :قوله : ﴿ بل الله يزكي من يشاء ﴾ يدل على أن الإيمان يحصل بخلق الله تعالى لأن أجل أنواع الزكاة والطهارة وأشرفها هو الإيمان، فلما ذكر تعالى أنه هو الذي يزكي من يشاء دل على أن إيمان المؤمنين لم يحصل إلا بخلق الله تعالى.
المسألة الثالثة :قوله : ﴿ ولا يظلمون فتيلا ﴾ هو كقوله : ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ والمعنى أن الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تلك التزكية حق جزائهم من غير ظلم، أو يكون المعنى :أن الذين زكاهم الله فإنه يثيبهم على طاعاتهم ولا ينقص من ثوابهم شيئا، والفتيل ما فتلت بين أصبعيك من الوسخ، فعيل بمعنى مفعول، وعن ابن السكيت :الفتيل ما كان في شق النواة، والنقير النقطة التي في ظهر النواة، والقطمير القشرة الرقيقة على النواة، وهذه الأشياء كلها تضرب أمثالا للشيء التافه الحقير، أي لا يظلمون لا قليلا ولا كثيرا.
ثم قال تعالى : ﴿ انظر كيف يفترون على الله الكذب ﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى :هذا تعجيب للنبي صلى الله عليه وسلم من فريتهم على الله، وهي تزكيتهم أنفسهم وافتراؤهم على الله، وهو قولهم : ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ وقولهم : ﴿ لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ﴾ وقولهم :ما عملناه بالنهار يكفر عنا بالليل.
المسألة الثانية :مذهبنا أن الخبر عن الشيء إذا كان على خلاف المخبر عنه كان كذبا، سواء علم قائله كونه كذلك أو لم يعلم، وقال الجاحظ :
شرط كونه كذبا أن يعلم كونه بخلاف ذلك، وهذه الآية دليل لنا لأنهم كانوا يعتقدون في أنفسهم الزكاة والطهارة، ثم لما أخبروا بالزكاة والطهارة كذبهم الله فيه، وهذا يدل على ما قلناه.
ثم قال تعالى : ﴿ وكفى به إثما مبينا ﴾ وإنما يقال :كفى به في التعظيم على جهة المدح أو على جهة الذم، أما في المدح فكقوله : ﴿ وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا ﴾ وأما في الذم فكما في هذا الموضع. وقوله : ﴿ إثما مبينا ﴾ منصوب على التمييز.
قوله تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ﴾.
اعلم أنه تعالى حكى عن اليهود نوعا آخر من المكر، وهو أنهم كانوا يفضلون عبدة الأصنام على المؤمنين، ولا شك أنهم كانوا عالمين بأن ذلك باطل، فكان إقدامهم على هذا القول لمحض العناد والتعصب، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :روي أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا إلى مكة مع جماعة من اليهود يحالفون قريشا على محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالوا :أنتم أهل كتاب، وأنتم أقرب إلى محمد منكم إلينا فلا نأمن مكركم، فاسجدوا لآلهتنا حتى تطمئن قلوبنا، ففعلوا ذلك. فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت، لأنهم سجدوا للأصنام، فقال أبو سفيان :أنحن أهدى سبيلا أم محمد ؟ فقال كعب :ماذا يقول محمد ؟ قالوا :يأمر بعبادة الله وحده وينهي عن عبادة الأصنام وترك دين آبائه، وأوقع الفرقة. قال :وما دينكم ؟ قالوا :نحن ولاة البيت نسقي الحاج ونقري الضيف ونفك العاني وذكروا أفعالهم، فقال :أنتم أهدى سبيلا. فهذا هو المراد من قولهم : ﴿ للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ﴾.
المسألة الثانية :اختلف الناس في الجبت والطاغوت، وذكروا فيه وجوه :الأول :قال أهل اللغة :كل معبود دون الله فهو جبت وطاغوت، ثم زعم الأكثرون أن الجبت ليس له تصرف في اللغة. وحكى القفال عن بعضهم أن الجبت أصله جبس، فأبدلت السين تاء، والجبس هو الخبيث الردئ، وأما الطاغوت فهو مأخوذ من الطغيان، وهو الإسراف في المعصية، فكل من دعا إلى المعاصي الكبار لزمه هذا الاسم، ثم توسعوا في هذا الاسم حتى أوقعوه على الجماد، كما قال تعالى : ﴿ واجنبني وبنى أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ﴾ فأضاف الإضلال إلى الأصنام مع أنها جمادات. الثاني :قال صاحب «الكشاف » :الجبت الأصنام وكل ما عبد من دون الله، والطاغوت الشيطان. الثالث :الجبت الأصنام، والطاغوت تراجمة الأصنام يترجمون للناس عنها الأكاذيب فيضلونهم بها، وهو منقول عن ابن عباس. الرابع :روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال :الجبت الكاهن، والطاغوت الساحر. الخامس :قال الكلبي :الجبت في هذه الآية حيي بن أخطب والطاغوت كعب بن الأشرف، وكانت اليهود يرجعون إليهما، فسميا بهذين الاسمين لسعيهما في إغواء الناس وإضلالهم. السادس :الجبت والطاغوت صنمان لقريش، وهما الصنمان اللذان سجد اليهود لهما طلبا لمرضاة قريش، وبالجملة فالأقاويل كثيرة، وهما كلمتان وضعتا علمين على من كان غاية في الشر والفساد.
ثم قال تعالى : ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ﴾ فبين أن عليهم اللعن من الله وهو الخذلان والإبعاد، وهو ضد ما للمؤمنين من القربة والزلفى ؛ وأخبر بعده بأن من يلعنه الله فلا ناصر له، كما قال : ﴿ ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ﴾ فهذا اللعن حاضر، وما في الآخرة أعظم، وهو يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله، وفيه وعد للرسول صلى الله عليه وسلم بالنصرة وللمؤمنين بالتقوية، بالضد على الضد، كما قال في الآيات المتقدمة : ﴿ وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا ﴾.
واعلم أن القوم إنما استحقوا هذا اللعن الشديد لأن الذي ذكروه من تفضيل عبدة الأوثان على الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم يجري مجرى المكابرة، فمن يعبد غير الله كيف يكون أفضل حالا ممن لا يرضى بمعبود غير الله أو من كان دينه الإقبال بالكلية على خدمة الخالق والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، كيف يكون أقل حالا ممن كان بالضد في كل هذه الأحوال، والله أعلم.
قوله تعالى : ﴿ أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا ﴾
اعلم أنه تعالى وصف اليهود في الآية المتقدمة بالجهل الشديد، وهو اعتقادهم أن عبادة الأوثان أفضل من عبادة الله تعالى، ووصفهم في هذه الآية بالبخل والحسد، فالبخل هو أن لا يدفع لأحد شيئا مما آتاه الله من النعمة، والحسد هو أن يتمنى أن لا يعطي الله غيره شيئا من النعم، فالبخل والحسد يشتركان في أن صاحبه يريد منع النعمة من الغير، فأما البخيل فيمنع نعمة نفسه عن الغير، وأما الحاسد فيريد أن يمنع نعمة الله من عبادة، وإنما قدم تلك الآية على هذه الآية لأن النفس الإسانية لها قوتان :القوة العالمة والقوة العاملة، فكمال القوة العالمة العلم، ونقصانها الجهل، وكمال القوة العاملة :الأخلاق الحميدة، ونقصانها الأخلاق الذميمة، وأشد الأخلاق الذميمة نقصانا البخل والحسد، لأنهما منشآن لعود المضار إلى عباد الله.
إذا عرفت هذا فنقول :إنما قدم وصفهم بالجهل على وصفهم بالبخل والحسد لوجهين :الأول :أن القوة النظرية مقدمة على القوة العملية في الشرف والرتبة وأصل لها، فكان شرح حالها يجب أن يكون مقدما على شرح حال القوة العملية. الثاني :أن السبب لحصول البخل والحسد هو الجهل، والسبب مقدم على المسبب، لا جرم قدم تعالى ذكر الجهل على ذكر البخل والحسد. وإنما قلنا :إن الجهل سبب البخل والحسد :أما البخل فلأن بذل المال سبب لطهارة النفس ولحصول السعادة في الآخرة، وحبس المال سبب لحصول مال الدنيا في يده، فالبخل يدعوك إلى الدنيا ويمنعك عن الآخرة، والجود يدعوك إلى الآخرة ويمنعك عن الدنيا، ولا شك أن ترجيح الدنيا على الآخرة لا يكون إلا من محض الجهل. وأما الحسد فلأن الإلهية عبارة عن إيصال النعم والإحسان إلى العبيد، فمن كره ذلك فكأنه أراد عزل الإله عن الإلهية، وذلك محض الجهل. فثبت أن السبب الأصلي للبخل والحسد هو الجهل، فلما ذكر تعالى الجهل أردفه بذكر البخل والحسد ليكون المسبب مذكورا عقيب السبب، فهذا هو الإشارة إلى نظم هذه الآية، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : «أم » ههنا فيه وجوه :الأول :قال بعضهم :الميم صلة، وتقديره :ألهم لأن حرف «أم » إذا لم يسبقه استفهام كان الميم فيه صلة. الثاني :أن «أم » ههنا متصلة، وقد سبق ههنا استفهام على سبيل المعنى، وذلك لأنه تعالى لما حكى عن هؤلاء الملعونين قولهم للمشركين :أنهم أهدى سبيلا من المؤمنين، عطف عليه بقوله : ﴿ أم لهم نصيب ﴾ فكأنه تعالى قال :أمن ذلك يتعجب، أم من قولهم :لهم نصيب من الملك، مع أنه لو كان لهم ملك لبخلوا بأقل القليل. الثالث :أن «أم » ههنا منقطعة وغير متصلة بما قبلها البتة، كأنه لما تم الكلام الأول قال :بل لهم نصيب من الملك، وهذا الاستفهام استفهام بمعنى الإنكار، يعني ليس لهم شيء من الملك البتة، وهذا الوجه أصح الوجوه.
المسألة الثانية :ذكروا في هذا الملك وجوها :الأول اليهود كانوا يقولون نحن أولى بالملك والنبوة فكيف نتبع العرب ؟ فأبطل الله عليهم قولهم في هذه الآية. الثاني :أن اليهود كانوا يزعمون أن الملك يعود إليهم في آخر الزمان، وذلك أنه يخرج من اليهود من يجدد ملكهم ودولتهم ويدعو إلى دينهم، فكذبهم الله في هذه الآية. الثالث :المراد بالملك ههنا التمليك، يعني أنهم إنما يقدرون على دفع نبوتك لو كان التمليك إليهم، ولو كان التمليك إليهم لبخلوا بالنقير والقطمير، فكيف يقدرون على النفي والإثبات. قال أبو بكر الأصم :كانوا أصحاب بساتين وأموال، وكانوا في عزة ومنعة ثم كانوا يبخلون على الفقراء بأقل القليل، فنزلت هذه الآية.
المسألة الثالثة :أنه تعالى جعل بخلهم كالمانع من حصول الملك لهم، وهذا يدل على أن الملك والبخل لا يجتمعان، وتحقيق الكلام فيه من حيث العقل أن الانقياد للغير أمر مكروه لذاته، والإنسان لا يتحمل المكروه إلا إذا وجد في مقابلته أمرا مطلوبا مرغوبا فيه، وجهات الحاجات محيطة بالناس، فإذا صدر من إنسان إحسان إلى غيره صارت رغبة المحسن إليه في ذلك المال سببا لصيرورته منقادا مطيعا له، فلهذا قيل :بالبر يستعبد الحر، فإذا لم يوجد هذا بقيت النفرة الطبيعية عن الانقياد للغير خالصا عن المعارض، فلا يحصل الانقياد البتة، فثبت أن الملك والبخل لا يجتمعان ثم أن الملك على ثلاثة أقسام :ملك على الظواهر فقط، وهذا هو ملك الملوك، وملك على البواطن فقط، وهذا هو ملك العلماء، وملك على الظواهر والبواطن معا، وهذا هو ملك الأنبياء صلوات الله عليهم. فإذا كان الجود من لوازم الملك وجب في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يكونوا في غاية الجود والكرم والرحمة والشفقة، ليصير كل واحد من هذه الأخلاق سببا لانقياد الخلق لهم، وامتثالهم لأوامرهم. وكمال هذه الصفات حاصل لمحمد عليه الصلاة والسلام.
المسألة الرابعة :قال سيبويه : «إذن » في عوامل الأفعال بمنزلة «أظن » في عوامل الأسماء، وتقريره أن الظن إذا وقع في أول الكلام نصب لا غير، كقولك أظن زيدا قائما، وإن وقع في الوسط جاز إلغاؤه وإعماله، كقوله :زيد أظن قائم، وإن شئت قلت زيدا أظن قائما، وإن تأخر فالأحسن إلغاؤه، تقول زيد منطلق ظننت، والسبب فيما ذكرناه أن «ظن » وما أشبهه من الأفعال نحو علم وحسب ضعيفة في العمل، لأنها لا تؤثر في معمولاتها، فإذا تقدم دل التقدم في الذكر على شدة العناية فقوي على التأثير، وإذا تأخر دل على عدم العناية فلغا، وإن توسط فحينئذ لا يكون في محل العناية من كل الوجوه، ولا في محل الإهمال من كل الوجوه، بل كانت كالمتوسطة في هاتين الحالتين فلا جرم كان الأعمال والإلغاء جائزا.
واعلم أن الأعمال في حال التوسط أحسن، والإلغاء حال التأخر أحسن.
إذا عرفت هذا فنقول :كلمة «إذن » على هذا الترتيب أيضا، فإن تقدمت نصبت الفعل، تقول إذن أكرمك، وإن توسطت أو تأخرت جاز الإلغاء، تقول أنا إذن أكرمك، وأنا أكرمك إذن فتلغيه في هاتين الحالتين.
إذا عرفت هذه المقدمة فقوله تعالى : ﴿ فإذا لا يؤتون الناس نقيرا ﴾ كلمة «إذن » فيها متقدمة وما عملت، فذكروا في العذر وجوها :الأول :أن في الكلام تقديما وتأخيرا، والتقدير :لا يؤتون الناس نقيرا إذن. الثاني :أنها لما وقعت بين الفاء والفعل جاز أن تقدر متوسطة فتلغى كما تلغى إذا توسطت أو تأخرت، وهكذا سبيلها مع الواو كقوله تعالى : ﴿ وإذا لا يلبثون خلفك ﴾ والثالث :قرأ ابن مسعود ( فإذا لا يؤتوا ) على إعمال «إذن » عملها الذي هو النصب.
المسألة الخامسة :قال أهل اللغة :النقير نقرة في ظهر النواة ومنها تنبت النخلة، وأصله أنه فعيل من النقر، ويقال للخشب الذي ينقر فيه نقير لأنه ينقر، والنقر ضرب الحجر وغيره بالمنقار والمنقار حديدة كالفأس تقطع بها الحجارة، ومنه منقار الطائر لأنه ينقر به.
واعلم أن ذكر النقير هاهنا تمثيل، والغرض أنهم يبخلون بأقل القليل.
قوله تعالى : ﴿ أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ﴾.
فيه مسائل :
المسألة الأولى :أم :منقطعة، والتقدير بل يحسدون الناس.
المسألة الثانية :في المراد بلفظ «الناس » قولان :الأول :وهو قول ابن عباس والأكثرين أنه محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما جاز أن يقع عليه لفظ الجمع وهو واحد لأنه اجتمع عنده من خصال الخير ما لا يحصل إلا متفرقا في الجمع العظيم، ومن هذا يقال :فلان أمة وحده، أي يقوم مقام أمة، قال تعالى : ﴿ إن إبراهيم كان أمة قانتا ﴾.
والقول الثاني :المراد ههنا هو الرسول ومن معه من المؤمنين، وقال من ذهب إلى هذا القول :أن لفظ الناس جمع، فحمله على الجمع أولى من حمله على المفرد.
واعلم أنه إنما حسن ذكر الناس لإرادة طائفة معينة من الناس، لأن المقصود من الخلق إنما هو القيام بالعبودية، كما قال تعالى : ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ فلما كان القائمون بهذا المقصود ليس إلا محمدا صلى الله عليه وسلم ومن كان على دينه كان وهو وأصحابه كأنهم كل الناس، فلهذا حسن إطلاق لفظ الناس وإرادتهم على التعيين :
المسألة الثالثة :اختلفوا في تفسير الفضل الذي لأجله صاروا محسودين على قولين :
فالقول الأول :أنه هو النبوة والكرامة الحاصلة بسببها في الدين والدنيا.
والقول الثاني :أنهم حسدوه على أنه كان له من الزوجات تسع.
واعلم أن الحسد لا يحصل إلا عند الفضيلة، فكلما كانت فضيلة الإنسان أتم وأكمل كان حسد الحاسدين عليه أعظم، ومعلوم أن النبوة أعظم المناصب في الدين، ثم أنه تعالى أعطاها لمحمد صلى الله عليه وسلم، وضم إليها إنه جعله كل يوم أقوى دولة وأعظم شوكة وأكثر أنصارا وأعوانا وكل ذلك مما يوجب الحسد العظيم. فأما كثرة النساء فهو كالأمر الحقير بالنسبة إلى ما ذكرناه، فلا يمكن تفسير هذا الفضل به، بل إن جعل الفضل اسما لجميع ما أنعم الله تعالى به عليه دخل هذا أيضا تحته، فأما على سبيل القصر عليه فبعيد.
واعلم أنه تعالى لما بين أن كثرة نعم الله عليه صارت سببا لحسد هؤلاء اليهوديين ما يدفع ذلك فقال : ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما ﴾ والمعنى أنه حصل في أولاد إبراهيم جماعة كثيرون جمعوا بين النبوة والملك، وأنتم لا تتعجبون من ذلك ولا تحسدونه، فلم تتعجبون من حال محمد ولم تحسدونه ؟
واعلم أن ﴿ الكتاب ﴾ إشارة إلى ظواهر الشريعة ﴿ والحكمة ﴾ إشارة إلى أسرار الحقيقة، وذلك هو كمال العلم، وأما الملك العظيم فهو كمال القدرة. وقد ثبت أن الكمالات الحقيقية ليست إلا العلم والقدرة، فهذا الكلام تنبيه على أنه سبحانه آتاهم أقصى ما يليق بالإنسان من الكمالات، ولما لم يكن ذلك مستبعدا فيهم لا يكون مستبعدا في حق محمد صلى الله عليه وسلم.
وقيل :إنهم لما استكثروا نساءه قيل لهم :كيف استكثرتهم له التسع، وقد كان لداود مائة ولسليمان ثلثمائة بالمهر وسبعمائة سرية ؟
ثم قال تعالى : ﴿ فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه ﴾ واختلفوا في معنى «به » فقال بعضهم :بمحمد عليه الصلاة والسلام، والمراد أن هؤلاء القوم الذين أوتوا نصيبا من الكتاب آمن بعضهم وبقي بعضهم على الكفر والإنكار. وقال آخرون :المراد من تقدم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. والمعنى أن أولئك الأنبياء مع ما خصصتهم به من النبوة والملك جرت عادة أممهم فيهم أن بعضهم آمن به وبعضهم بقوا على الكفر، فأنت يا محمد لا تتعجب مما عليه هؤلاء القوم، فإن أحوال جميع الأمم مع جميع الأنبياء هكذا كانت، وذلك تسلية من الله ليكون أشد صبرا على ما ينال من قبلهم.
ثم قال : ﴿ وكفى بجهنم سعيرا ﴾ أي كفى بجهنم في عذاب هؤلاء الكفار المتقدمين والمتأخرين. سعيرا، والسعير الوقود، يقال أوقدت النار وأسعرتها بمعنى واحد.
قوله تعالى : ﴿ إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما ﴾
اعلم أنه تعالى بعدما ذكر الوعيد بالطائفة الخاصة من أهل الكتاب بين ما يعم الكافرين من الوعيد فقال : ﴿ إن الذين كفروا بآياتنا ﴾ وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :يدخل في الآيات كل ما يدل على ذات الله وأفعاله وصفاته وأسمائه والملائكة والكتب والرسل، وكفرهم بالآيات ليس يكون بالجحد، لكن بوجوه، منها أن ينكروا كونها آيات، ومنها أن يغفلوا عنها فلا ينظروا فيها. ومنها أن يلقوا الشكوك والشبهات فيها. ومنها :أن ينكروها مع العلم بها على سبيل العناد والحسد، وأما حد الكفر وحقيقته فقد ذكرناه في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : ﴿ إن الذين كفروا سواء عليهم ﴾.
المسألة الثانية :قال سيبويه : «سوف » كلمة تذكر للتهديد والوعيد، يقال :سوف أفعل، وينوب عنها حرف السين كقوله : ﴿ سأصليه سقر ﴾ وقد ترد كلمة «سوف » في الوعد أيضا قال تعالى : ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ وقال : ﴿ سوف أستغفر لكم ربى ﴾ قيل أخره إلى وقت السحر تحقيقا للدعاء، وبالجملة فكلمة «السين » و«سوف » مخصوصتان بالاستقبال.
المسألة الثالثة :قوله : ﴿ نصليهم ﴾ أي ندخلهم النار، لكن قوله : ﴿ نصليهم ﴾ فيه زيادة على ذلك فإنه بمنزلة شويته بالنار، يقال شاة مصلية أي مشوية.
ثم قال تعالى : ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ﴾ وفيه سؤالان :
السؤال الأول :لما كان تعالى قادرا على إبقائهم أحياء في النار أبد الآباد فلم لم يبق أبدانهم في النار مصونة عن النضج والاحتراق مع أنه يوصل إليها الآلام الشديدة، حتى لا يحتاج إلى تبديل جلودهم بجلود أخرى ؟
والجواب :أنه تعالى لا يسأل عما يفعل، بل نقول :أنه تعالى قادر على أن يوصل إلى أبدانهم آلاما عظيمة من غير إدخال النار مع أنه تعالى أدخلهم النار.
السؤال الثاني :الجلود العاصية إذا احترقت فلو خلق الله مكانها جلودا أخرى وعذبها كان هذا تعذيبا لمن لم يعص وهو غير جائز.
والجواب عنه من وجوه :الأول :أن يجعل النضج غير النضيج، فالذات واحدة والمتبدل هو الصفة، فإذا كانت الذات واحدة كان العذاب لم يصل إلا إلى العاصي، وعلى هذا التقدير المراد بالغيرية التغاير في الصفة. الثاني :المعذب هو الإنسان، وذلك الجلد ما كان جزأ من ماهية الإنسان، بل كان كالشيء الملتصق به الزائد على ذاته، فإذا جدد الله الجلد وصار ذلك الجلد الجديد سببا لوصول العذاب إليه لم يكن ذلك تعذيبا إلا للعاصي. الثالث :أن المراد بالجلود السرابيل، قال تعالى : ﴿ سرابيلهم من قطران ﴾ فتجديد الجلود إنما هو تجديد السرابيلات. طعن القاضي فيه، فقال :إنه ترك للظاهر، وأيضا السرابيل من القطران لا توصف بالنضج، وإنما توصف بالاحتراق. الرابع :يمكن أن يقال :هذا استعارة عن الدوام وعدم الانقطاع، كما يقال لمن يراد وصفه بالدوام :كلما انتهى فقد ابتدأ، وكلما وصل إلى آخره فقد ابتدأ من أوله، فكذا قوله : ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ﴾ يعني كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك أعطيناهم قوة جديدة من الحياة بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا، فيكون المقصود بيان دوام العذاب وعدم انقطاعه. الخامس :قال السدي :إنه تعالى يبدل الجلود من لحم الكافر فيخرج من لحمه جلدا آخر وهذا بعيد، لأن لحمه متناه، فلا بد وأن ينفد، وعند نفاد لحمه لا بد من طريق آخر في تبديل الجلد، ولم يكن ذلك الطريق مذكورا أولا والله أعلم.
ثم قال تعالى : ﴿ ليذوقوا العذاب ﴾ وفيه سؤالان :
السؤال الأول :قوله : ﴿ ليذوقوا العذاب ﴾ أي ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع، كقولك للمعزوز :أعزك الله، أي أدامك على العز وزادك فيه. وأيضا المراد ليذوقوا بهذه الحالة الجديدة العذاب، وإلا فهم ذائقون مستمرون عليه.
السؤال الثاني :أنه إنما يقال :فلان ذاق العذاب إذا أدرك شيئا قليلا منه، والله تعالى قد وصف أنهم كانوا في أشد العذاب، فكيف يحسن أن يذكر بعد ذلك أنهم ذاقوا العذاب ؟
والجواب :المقصود من ذكر الذوق الأخبار بأن إحساسهم بذلك العذاب في كل حال يكون كإحساس الذائق المذوق، من حيث أنه لا يدخل فيه نقصان ولا زوال بسبب ذلك الاحتراق.
ثم قال تعالى : ﴿ إن الله كان عزيزا حكيما ﴾ والمراد من العزيز :القادر الغالب، ومن الحكيم :الذي لا يفعل إلا الصواب، وذكرهما في هذا الموضع في غاية الحسن، لأنه يقع في القلب تعجب من أنه كيف يمكن بقاء الإنسان في النار الشديدة أبد الآباد ! فقيل :هذا ليس بعجيب من الله، لأنه القادر الغالب على جميع الممكنات، يقدر على إزالة طبيعة النار، ويقع في القلب أنه كريم رحيم، فكيف يليق برحمته تعذيب هذا الشخص الضعيف إلى هذا الحد العظيم ؟ فقيل :كما أنه رحيم فهو أيضا حكيم، والحكمة تقتضي ذلك. فإن نظام العالم لا يبقى إلا بتهديد العصاة، والتهديد الصادر منه لا بد وأن يكون مقرونا بالتحقيق صونا لكلامه عن الكذب، فثبت أن ذكر هاتين الكلمتين ههنا في غاية الحسن.
قوله تعالى : ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا ﴾.
اعلم أنه قد جرت عادة الله تعالى في هذا الكتاب الكريم بأن الوعد والوعيد يتلازمان في الذكر على سبيل الأغلب، وفي الآية مسألتان :
المسألة الأولى :هذه الآية دالة على أن الإيمان غير العمل، لأنه تعالى عطف العمل على الإيمان، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه.
قال القاضي :متى ذكر لفظ الإيمان وحده دخل فيه العمل، ومتى ذكر معه العمل كان الإيمان هو التصديق، وهذا بعيد لأن الأصل عدم الاشتراك وعدم التغير، ولولا أن الأمر كذلك لخرج القرآن عن كونه مفيدا. فلعل هذه الألفاظ التي نسمعها في القرآن يكون لكل واحد منها معنى سوى ما نعلمه، ويكون مراد الله تعالى منه ذلك المعنى لا هذا الذي تبادرت أفهامنا إليه. هذا على القول بأن احتمال الاشتراك والأفراد على السوية، وأما على القول بأن احتمال البقاء على الأصل واحتمال التغيير متساويان فلا، لأن على هذا التقدير يحتمل أن يقال :هذه الألفاظ كانت في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم موضوعة لمعنى آخر غير ما نفهمه الآن، ثم تغيرت إلى هذا الذي نفهمه الآن. فثبت أن على هذين التقديرين يخرج القرآن عن كونه حجة، وإذا ثبت أن الاشتراك والتغيير خلاف الأصل اندفع كلام القاضي.
المسألة الثانية :اعلم أنه تعالى ذكر في شرح ثواب المطيعين أمورا :أحدها :أنه تعالى يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وقال الزجاج :المراد تجري من تحتها مياه الأنهار، واعلم أنه إن جعل النهر اسما لمكان الماء كان الأمر مثل ما قاله الزجاج، أما إن جعلناه في المتعارف اسما لذلك الماء فلا حاجة إلى هذا الإضمار، وثانيها :أنه تعالى وصفها بالخلود والتأبيد، وفيه رد على جهم بن صفوان حيث يقول :إن نعيم الجنة وعذاب النار ينقطعان، وأيضا أنه تعالى ذكر مع الخلود التأبيد، ولو كان الخلود عبارة عن التأبيد لزم التكرار وهو غير جائز، فدل هذا أن الخلود ليس عبارة عن التأبيد، بل هو عبارة عن طول المكث من غير بيان أنه منقطع أو غير منقطع، وإذا ثبت هذا الأصل فعند هذا يبطل استدلال المعتزلة بقوله تعالى : ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ﴾ على أن صاحب الكبيرة يبقى في النار على سبيل التأبيد، لأنا بينا بدلالة هذه الآية أن الخلود لطول المكث لا للتأييد، وثالثها :قوله تعالى : ﴿ لهم فيها أزواج مطهرة ﴾ والمراد طهارتهن من الحيض والنفاس وجميع أقذار الدنيا، ونظيره قوله تعالى في سورة البقرة : ﴿ لهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون ﴾ واللطائف اللائقة بهذا الموضع قد ذكرناها في تلك الآية. ورابعها :قوله : ﴿ وندخلهم ظلا ظليلا ﴾ قال الواحدي :الظليل ليس ينبئ عن الفعل حتى يقال :إنه بمعنى فاعل أو مفعول، بل هو مبالغة في نعت الظل، مثل قولهم :ليل أليل.
واعلم أن بلاد العرب كانت في غاية الحرارة، فكان الظل عندهم أعظم أسباب الراحة، ولهذا المعنى جعلوه كناية عن الراحة. قال عليه الصلاة السلام : «السلطان ظل الله في الأرض » فإذا كان الظل عبارة عن الراحة كان الظليل كناية عن المبالغة العظيمة في الراحة، هذا ما يميل إليه خاطري، وبهذا الطريق يندفع سؤال من يقول :إذا لم يكن في الجنة شمس تؤذي بحرها فما فائدة وصفها بالظل الظليل. وأيضا نرى في الدنيا أن المواضع التي يدوم الظل فيها ولا يصل نور الشمس إليها يكون هواؤها عفنا فاسدا مؤذيا فما معنى وصف هواء الجنة بذلك لأن على هذا الوجه الذي لخصناه تندفع هذه الشبهات.
قوله تعالى : ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾
اعلم أنه سبحانه لما شرح بعض أحوال الكفار وشرح وعيده عاد إلى ذكر التكاليف مرة أخرى، وأيضا لما حكى عن أهل الكتاب أنهم كتموا الحق حيث قالوا للذين كفروا :هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا، أمر المؤمنين في هذه الآية بأداء الأمانات في جميع الأمور، سواء كانت تلك الأمور من باب المذاهب والديانات، أو من باب الدنيا والمعاملات، وأيضا لما ذكر في الآية السابقة الثواب العظيم للذين آمنوا وعملوا الصالحات، وكان من أجل الأعمال الصالحة الأمانة لا جرم أمر بها في هذه الآية. وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان بن طلحة بن عبد الدار- وكان سادن الكعبة -باب الكعبة، وصعد السطح وأبى أن يدفع المفتاح إليه، وقال لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه، فلوى علي بن أبي طالب رضي الله عنه يده وأخذه منه وفتح، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة فنزلت هذه الآية، فأمر عليا أن يرده إلى عثمان ويعتذر إليه، فقال عثمان لعلي :أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق، فقال :لقد أنزل الله في شأنك قرآنا وقرأ عليه الآية فقال عثمان :أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فهبط جبريل عليه السلام وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن السدانة في أولاد عثمان أبدا. فهذا قول سعيد بن المسيب ومحمد بن اسحق. وقال أبو روق :قال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان :أعطني المفتاح فقال :هاك بأمانة الله، فلما أراد أن يتناوله ضم يده، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك مرة ثانية :إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فأعطني المفتاح، فقال :هاك بأمانة الله، فلما أراد أن يتناوله ضم يده، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك مرة ثالثة، فقال عثمان في الثالثة :هاك بأمانة الله ودفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يطوف ومعه المفتاح وأراد أن يدفعه إلى العباس، ثم قال :يا عثمان خذ المفتاح على أن للعباس نصيبا معك، فأنزل الله هذه الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان : «هاك خالدة تالدة لا ينزعها منك إلا ظالم » ثم إن عثمان هاجر ودفع المفتاح إلى أخيه شيبة فهو في ولده اليوم.
المسألة الثانية :اعلم أن نزول هذه الآية عند هذه القصة لا يوجب كونها مخصوصة بهذه القضية، بل يدخل فيه جميع أنواع الأمانات، واعلم أن معاملة الإنسان إما أن تكون مع ربه أو مع سائر العباد، أو مع نفسه، ولا بد من رعاية الأمانة في جميع هذه الأقسام الثلاثة.
أما رعاية الأمانة مع الرب :فهي في فعل المأمورات وترك المنهيات، وهذا بحر لا ساحل له قال ابن مسعود :الأمانة في كل شيء لازمة، في الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم. وقال ابن عمر رضي الله عنهما :إنه تعالى خلق فرج الإنسان وقال هذا أمانة خبأتها عندك فاحفظها إلا بحقها، واعلم أن هذا باب واسع، فأمانة اللسان أن لا يستعمله في الكذب والغيبة والنميمة والكفر والبدعة والفحش وغيرها، وأمانة العين أن لا يستعملها في النظر إلى الحرام، وأمانة السمع أن لا يستعمله في سماع الملاهي والمناهي، وسماع الفحش والأكاذيب وغيرها، وكذا القول في جميع الأعضاء.
وأما القسم الثاني :وهو رعاية الأمانة مع سائر الخلق فيدخل فيها رد الودائع، ويدخل فيه ترك التطفيف في الكيل والوزن، ويدخل فيه أن لا يفشي على الناس عيوبهم، ويدخل فيه عدل الأمراء مع رعيتهم وعدل العلماء مع العوام بأن لا يحملوهم على التعصبات الباطلة، بل يرشدونهم إلى اعتقادات وأعمال تنفعهم في دنياهم وأخراهم، ويدخل فيه نهي اليهود عن كتمان أمر محمد صلى الله عليه وسلم، ونهيهم عن قولهم للكفار :إن ما أنتم عليه أفضل من دين محمد صلى الله عليه وسلم، ويدخل فيه أمر الرسول عليه الصلاة والسلام برد المفتاح إلى عثمان بن طلحة، ويدخل فيه أمانة الزوجة للزوج في حفظ فرجها، وفي أن لا تلحق بالزوج ولدا يولد من غيره. وفي إخبارها عن انقضاء عدتها.
وأما القسم الثالث :وهو أمانة الإنسان مع نفسه فهو أن لا يختار لنفسه إلا ما هو الأنفع والأصلح له في الدين والدنيا، وأن لا يقدم بسبب الشهوة والغضب على ما يضره في الآخرة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام :" كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " فقوله : ﴿ يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ يدخل فيه الكل، وقد عظم الله أمر الأمانة في مواضع كثيرة من كتابه فقال : ﴿ إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ﴾ وقال : ﴿ والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ﴾ وقال : ﴿ ولا تخونوا أماناتكم ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام :" لا إيمان لمن لا أمانة له " وقال ميمون بن مهران :ثلاثة يؤدين إلى البر والفاجر :الأمانة والعهد وصلة الرحم. وقال القاضي :لفظ الأمانة وان كان متناولا للكل إلا أنه تعالى قال في هذه الآية : ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ فوجب أن يكون المراد بهذه الأمانة ما يجري مجرى المال ؛ لأنها هي التي يمكن أداؤها إلى الغير.
المسألة الثالثة :الأمانة مصدر سمي به المفعول، ولذلك جمع فإنه جعل اسما خالصا. قال صاحب «الكشاف » :قرئ ( الأمانة ) على التوحيد.
المسألة الرابعة :قال أبو بكر الرازي :من الأمانات الودائع، ويجب ردها عند الطلب والأكثرون على أنها غير مضمونة. وعن بعض السلف أنها مضمونة، روى الشعبي عن أنس قال :استحملني رجل بضاعة فضاعت من بين ثيابي، فضمنني عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وعن أنس قال :كان لإنسان عندي وديعة ستة آلاف درهم فذهبت، فقال عمر :ذهب لك معها شيء ؟ قلت لا، فألزمني الضمان، وحجة القول المشهور ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا ضمان على راع ولا على مؤتمن » وأما فعل عمر فهو محمول على أن المودع اعترف بفعل يوجب الضمان.
المسألة الخامسة :قال الشافعي رضي الله تعالى عنه :العارية مضمونة بعد الهلاك، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه :غير مضمونة. حجة الشافعي قوله تعالى : ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ وظاهر الأمر للوجوب، وبعد هلاكها تعذر ردها بصورتها، ورد ضمانها ردها بمعناها، فكانت الآية دالة على وجوب التضمين. ونظير هذه الآية قوله عليه الصلاة والسلام : «على اليد ما أخذت حتى تؤديه » أقصى ما في الباب أن الآية مخصوصة في الوديعة، لكن العام بعد التخصيص حجة، وأيضا فلأنا أجمعنا على أن المستام مضمون، وأن المودع غير مضمون، والعارية وقعت في البين، فنقول :المشابهة بين العارية وبين المستام أكثر، لأن كل واحد منهما أخذه الأجنبي لغرض نفسه، بخلاف المودع، فإنه أخذ الوديعة لغرض المالك، فكانت المشابهة بين المستعار وبين المستام أتم، فظهر الفرق بين المستعار وبين المودع. حجة أبي حنيفة قوله عليه الصلاة والسلام : «لا ضمان على مؤتمن ».
قلنا :إنه مخصوص في المستام، فكذا في العارية، ولأن دليلنا ظاهر القرآن وهو أقوى.
قوله تعالى : ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ﴾.
وفيه مسائل :
المسألة الأولى :اعلم أن الأمانة عبارة عما إذا وجب لغيرك عليك حق فأديت ذلك الحق إليه فهذا هو الأمانة، والحكم بالحق عبارة عما إذا وجب الإنسان على غيره حق فأمرت من وجب عليه ذلك الحق بأن يدفعه إلى من له ذلك الحق، ولما كان الترتيب الصحيح أن يبدأ الإنسان بنفسه في جلب المنافع ودفع المضار ثم يشتغل بغيره، لا جرم أنه تعالى ذكر الأمر بالأمانة أولا، ثم بعده ذكر الأمر بالحكم بالحق، فما أحسن هذا الترتيب، لأن أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط.
المسألة الثانية :أجمعوا على أن من كان حاكما وجب عليه أن يحكم بالعدل قال تعالى : ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾ والتقدير :إن الله يأمركم إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. وقال : ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴾ وقال : ﴿ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ﴾ وقال : ﴿ يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ﴾ وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقت وإذا حكمت عدلت وإذا استرحمت رحمت » وعن الحسن قال :إن الله أخذ على الحكام ثلاثا :أن لا يتبعوا الهوى، وأن يخشوه ولا يخشوا الناس، ولا يشتروا بآياته ثمنا قليلا. ثم قرأ ﴿ يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض ﴾ إلى قوله : ﴿ ولا تتبع الهوى ﴾ وقرأ ﴿ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون ﴾ إلى قوله : ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ﴾ ومما يدل على وجوب العدل الآيات الواردة في مذمة الظلم قال تعالى : ﴿ احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام : «ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة وأين أعوان الظلمة، فيجمعون كلهم حتى من برى لهم قلما أولاق لهم دواة فيجمعون ويلقون في النار » وقال أيضا : ﴿ ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ﴾ وقال : ﴿ فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ﴾.
فإن قيل :الغرض من الظلم منفعة الدنيا.
فأجاب الله عن السؤال بقوله : ﴿ لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين ﴾.
المسألة الثالثة :قال الشافعي رضي الله عنه :ينبغي للقاضي أن يسوي بين الخصمين في خمسة أشياء :في الدخول عليه، والجلوس بين يديه، والإقبال عليهما، والاستماع منهما، والحكم عليهما قال :والمأخوذ عليه التسوية بينهما في الأفعال دون القلب، فإن كان يميل قلبه إلى أحدهما ويحب أن يغلب بحجته على الآخر فلا شيء عليه لأنه لا يمكنه التحرز عنه. قال :ولا ينبغي أن يلقن واحدا منهما حجته، ولا شاهدا شهادته لأن ذلك يضر بأحد الخصمين، ولا يلقن المدعي الدعوى والاستحلاف، ولا يلقن المدعي عليه الإنكار والإقرار، ولا يلقن الشهود أن يشهدوا أو لا يشهدوا، ولا ينبغي أن يضيف أحد الخصمين دون الآخر لأن ذلك يكسر قلب الآخر، ولا يجيب هو إلى ضيافة أحدهما، ولا إلى ضيافتهما ما داما متخاصمين. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يضيف الخصم إلا وخصمه معه. وتمام الكلام فيه مذكور في كتب الفقه، وحاصل الأمر فيه أن يكون مقصود الحاكم بحكمه إيصال الحق إلى مستحقه، وأن لا يمتزج ذلك بغرض آخر، وذلك هو المراد بقوله : ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾.
المسألة الرابعة :قوله : ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾ كالتصريح بأنه ليس لجميع الناس أن يشرعوا في الحكم، بل ذلك لبعضهم، ثم بقيت الآية مجملة في أنه بأي طريق يصير حاكما ولما دلت سائر الدلائل على أنه لا بد للأمة من الإمام الأعظم، وأنه هو الذي ينصب القضاة والولاة في البلاد، صارت تلك الدلائل كالبيان لما في هذه الآية من الإجمال.
ثم قال تعالى : ﴿ إن الله يعظكم به ﴾ أي نعم شيء يعظكم به، أو نعم الذي يعظكم به، والمخصوص بالمدح محذوف، أي نعم شيء يعظكم
قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ﴾
اعلم أنه تعالى لما أمر الرعاة والولاة بالعدل في الرعية أمر الرعية بطاعة الولاة فقال : ﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ﴾ ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه :حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا. وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :قالت المعتزلة :الطاعة موافقة الإرادة، وقال أصحابنا :الطاعة موافقة الأمر لا موافقة الإرادة. لنا أنه لا نزاع في أن موافقة الأمر طاعة، إنما النزاع أن المأمور به هل يجب أن يكون مرادا أم لا ؟ فإذا دللنا على أن المأمور به قد لا يكون مرادا ثبت حينئذ أن الطاعة ليست عبارة عن موافقة الإرادة، وإنما قلنا إن الله قد يأمر بما لا يريد لأن علم الله وخبره قد تعلقا بأن الإيمان لا يوجد من أبي لهب البتة، وهذا العلم وهذا الخبر يمتنع زوالهما وانقلابهما جهلا، ووجود الإيمان مضاد ومناف لهذا العلم ولهذا الخبر، والجمع بين الضدين محال، فكان صدور الإيمان من أبي لهب محالا. والله تعالى عالم بكل هذه الأحوال فيكون عالما بكونه محالا، والعالم بكون الشيء محالا لا يكون مريدا له، فثبت أنه تعالى غير مريد للإيمان من أبي لهب وقد أمره بالإيمان فثبت أن الأمر قد يوجد بدون الإرادة، وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن طاعة الله عبارة عن موافقة أمره لا عن موافقة إرادته، وأما المعتزلة فقد احتجوا على أن الطاعة اسم لموافقة الإرادة بقول الشاعر :
رب من أنضجت غيظا صدره قد تمنى لي موتا لم يطع
رتب الطاعة على التمني وهو من جنس الإرادة.
والجواب :أن العاقل عالم بأن الدليل القاطع الذي ذكرناه لا يليق معارضته بمثل هذه الحجة الركيكة.
المسألة الثانية :اعلم أن هذه الآية آية شريفة مشتملة على أكثر علم أصول الفقه، وذلك لأن الفقهاء زعموا أن أصول الشريعة أربع :الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وهذه الآية مشتملة على تقرير هذه الأصول الأربعة بهذا الترتيب. أما الكتاب والسنة فقد وقعت الإشارة إليهما بقوله : ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾.
فإن قيل :أليس أن طاعة الرسول هي طاعة الله، فما معنى هذا العطف ؟
قلنا :قال القاضي :الفائدة في ذلك بيان الدلالتين، فالكتاب يدل على أمر الله، ثم نعلم منه أمر الرسول لا محالة، والسنة تدل على أمر الرسول، ثم نعلم منه أمر الله لا محالة، فثبت بما ذكرنا أن قوله : ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ يدل على وجوب متابعة الكتاب والسنة.
المسألة الثالثة :اعلم أن قوله : ﴿ وأولى الأمر منكم ﴾ يدل عندنا على أن إجماع الأمة حجة، والدليل على ذلك أن الله تعالى أمر بطاعة أولى الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا بد وأن يكون معصوما عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوما عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمرا بفعل ذلك الخطأ والخطأ لكونه خطأ منهي عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وإنه محال، فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أن كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوما عن الخطأ، فثبت قطعا أن أولي الأمر المذكور في هذه الآية لا بد وأن يكون معصوما، ثم نقول :ذلك المعصوم إما مجموع الأمة أو بعض الأمة، لا جائز أن يكون بعض الأمة ؛ لأنا بينا أن الله تعالى أوجب طاعة أولي الأمر في هذه الآية قطعا، وإيجاب طاعتهم قطعا مشروط بكوننا عارفين بهم قادرين على الوصول إليهم والاستفادة منهم، ونحن نعلم بالضرورة أنا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم، عاجزون عن الوصول إليهم، عاجزون عن استفادة الدين والعلم منهم، وإذا كان الأمر كذلك علمنا أن المعصوم الذي أمر الله المؤمنين بطاعته ليس بعضا من أبعاض الأمة، ولا طائفة من طوائفهم. ولما بطل هذا وجب أن يكون ذلك المعصوم الذي هو المراد بقوله : ﴿ وأولى الأمر ﴾ أهل الحل والعقد من الأمة، وذلك يوجب القطع بأن إجماع الأمة حجة.
فإن قيل :المفسرون ذكروا في ﴿ أولى الأمر ﴾ وجوها أخرى سوى ما ذكرتم :أحدها :أن المراد من أولي الأمر الخلفاء الراشدون، والثاني :المراد أمراء السرايا، قال سعيد بن جبير :نزلت هذه الآية في عبد الله بن حذافة السهمي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم أميرا على سرية. وعن ابن عباس أنها نزلت في خالد بن الوليد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم أميرا على سرية وفيها عمار بن ياسر، فجرى بينهما اختلاف في شيء، فنزلت هذه الآية وأمر بطاعة أولي الأمر. وثالثها :المراد العلماء الذين يفتون في الأحكام الشرعية ويعلمون الناس دينهم، وهذا رواية الثعلبي عن ابن عباس وقول الحسن ومجاهد والضحاك. ورابعها :نقل عن الروافض أن المراد به الأئمة المعصومون، ولما كانت أقوال الأمة في تفسير هذه الآية محصورة في هذه الوجوه، وكان القول الذي نصرتموه خارجا عنها كان ذلك بإجماع الأمة باطلا.
السؤال الثاني :أن نقول :حمل أولي الأمر على الأمراء والسلاطين أولى مما ذكرتم. ويدل عليه وجوه :الأول :أن الأمراء والسلاطين أوامرهم نافذة على الخلق، فهم في الحقيقة أولو الأمر أما أهل الإجماع فليس لهم أمر نافذ على الخلق، فكان حمل اللفظ على الأمراء والسلاطين أولى. والثاني :أن أول الآية وآخرها يناسب ما ذكرناه، أما أول الآية فهو أنه تعالى أمر الحكام بأداء الأمانات وبرعاية العدل، وأما آخر الآية فهو أنه تعالى أمر بالرد إلى الكتاب والسنة فيما أشكل، وهذا إنما يليق بالأمراء لا بأهل الإجماع. الثالث :أن النبي صلى الله عليه وسلم بالغ في الترغيب في طاعة الأمراء، فقال :
«من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد عصاني » فهذا ما يمكن ذكره من السؤال على الاستدلال الذي ذكرناه.
والجواب :أنه لا نزاع أن جماعة من الصحابة والتابعين حملوا قوله : ﴿ وأولى الأمر منكم ﴾ على العلماء، فإذا قلنا :المراد منه جميع العلماء من أهل العقد والحل لم يكن هذا قولا خارجا عن أقوال الأمة، بل كان هذا اختيارا لأحد أقوالهم وتصحيحا له بالحجة القاطعة، فاندفع السؤال الأول :وأما سؤالهم الثاني فهو مدفوع، لأن الوجوه التي ذكروها وجوه ضعيفة، والذي ذكرناه برهان قاطع، فكان قولنا أولى، على أنا نعارض تلك الوجوه بوجوه أخرى أقوى منها :فأحدها :أن الأمة مجمعة على أن الأمراء والسلاطين إنما يجب طاعتهم فيما علم بالدليل أنه حق وصواب، وذلك الدليل ليس إلا الكتاب والسنة، فحينئذ لا يكون هذا قسما منفصلا عن طاعة الكتاب والسنة، وعن طاعة الله وطاعة رسوله، بل يكون داخلا فيه، كما أن وجوب طاعة الزوجة للزوج والولد للوالدين، والتلميذ للأستاذ داخل في طاعة الله وطاعة الرسول، أما إذا حملناه على الإجماع لم يكن هذا القسم داخلا تحتها، لأنه ربما دل الإجماع على حكم بحيث لا يكون في الكتاب والسنة دلالة عليه، فحينئذ أمكن جعل هذا القسم منفصلا عن القسمين الأولين، فهذا أولى. وثانيها :أن حمل الآية على طاعة الأمراء يقتضي إدخال الشرط في الآية، لأن طاعة الأمراء إنما تجب إذا كانوا مع الحق، فإذا حملناه على الإجماع لا يدخل الشرط في الآية، فكان هذا أولى. وثالثها :أن قوله من بعد : ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ﴾ مشعر بإجماع مقدم يخالف حكمه حكم هذا التنازع. ورابعها :أن طاعة الله وطاعة رسوله واجبة قطعا، وعندنا أن طاعة أهل الإجماع واجبة قطعا، وأما طاعة الأمراء والسلاطين فغير واجبة قطعا، بل الأكثر أنها تكون محرمة لأنهم لا يأمرون إلا بالظلم، وفي الأقل تكون واجبة بحسب الظن الضعيف، فكان حمل الآية على الإجماع أولى، لأنه أدخل الرسول وأولي الأمر في لفظ واحد وهو قوله : ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر ﴾ فكان حمل أولي الأمر الذي هو مقرون بالرسول على المعصوم أولى من حمله على الفاجر الفاسق. وخامسها :أن أعمال الأمراء والسلاطين موقوفة على فتاوى العلماء، والعلماء في الحقيقة أمراء الأمراء، فكان حمل لفظ أولى الأمر عليهم أولى، وأما حمل الآية على الأئمة المعصومين على ما تقوله الروافض ففي غاية البعد لوجوه :أحدها :ما ذكرناه أن طاعتهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول إليهم، فلو أوجب علينا طاعتهم قبل معرفتهم كان هذا تكليف ما لا يطاق، ولو أوجب علينا طاعتهم إذا صرنا عارفين بهم وبمذاهبهم صار هذا الإيجاب مشروطا، وظاهر قوله : ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ﴾ يقتضي الإطلاق، وأيضا ففي الآية ما يدفع هذا الاحتمال، وذلك لأنه تعالى أمر بطاعة الرسول وطاعة أولي الأمر في لفظة واحدة، وهو قوله : ﴿ وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ﴾ واللفظة الواحدة لا يجوز أن تكون مطلقة ومشروطة معا، فلما كانت هذه اللفظة مطلقة في حق الرسول وجب أن تكون مطلقة في حق أولي الأمر. الثاني :أنه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر، وأولو الأمر جمع، وعندهم لا يكون في الزمان إلا إمام واحد، وحمل الجمع على الفرد خلاف الظاهر. وثالثها :أنه قال : ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ ولو كان المراد بأولي الأمر الإمام المعصوم لوجب أن يقال :فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الإمام، فثبت أن الحق تفسير الآية بما ذكرناه.
المسألة الرابعة :اعلم أن قوله : ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ يدل عندنا على أن القياس حجة، والذي يدل على ذلك أن قوله : ﴿ فإن تنازعتم في شيء ﴾ إما أن يكون المراد فإن اختلفتم في شيء حكمه منصوص عليه في الكتاب أو السنة أو الإجماع، أو المراد فإن اختلفتم في شيء حكمه غير منصوص عليه في شيء من هذه الثلاثة، والأول باطل لأن على ذلك التقدير وجب عليه طاعته فكان ذلك داخلا تحت قوله : ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ﴾ وحينئذ يصير قوله : ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ إعادة لعين ما مضى، وإنه غير جائز. وإذا بطل هذا القسم تعين الثاني وهو أن المراد :فإن تنازعتم في شيء حكمه غير مذكور في الكتاب والسنة والإجماع، وإذا كان كذلك لم يكن المراد من قوله : ﴿ فردوه إلى الله والرسول ﴾ طلب حكمه من نصوص الكتاب والسنة. فوجب أن يكون المراد رد حكمه إلى الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة له، وذلك هو القياس، فثبت أن الآية دالة على الأمر بالقياس.
فإن قيل :لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله : ﴿ فردوه إلى الله والرسول ﴾ أي فوضوا علمه إلى الله واسكتوا عنه ولا تتعرضوا له ؟ وأيضا فلم لا يجوز أن يكون المراد فردوا غير المنصوص إلى المنصوص في أنه لا يحكم فيه إلا بالنص ؟ وأيضا لم لا يجوز أن يكون المراد فردوا هذه الأحكام إلى البراءة الأصلية ؟
قلنا :أما الأول فمدفوع، وذلك لأن هذه الآية دلت على أنه تعالى جعل الوقائ
قوله تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ﴾.
اعلم أنه تعالى لما أوجب في الآية الأولى على جميع المكلفين أن يطيعوا الله ويطيعوا الرسول ذكر في هذه الآية أن المنافقين والذين في قلوبهم مرض لا يطيعون الرسول ولا يرضون بحكمه، وإنما يريدون حكم غيره، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :الزعم والزعم لغتان، ولا يستعملان في الأكثر إلا في القول الذي لا يتحقق. قال الليث :أهل العربية يقولون زعم فلان إذا شكوا فيه فلم يعرفوا أكذب أو صدق، فكذلك تفسير قوله : ﴿ هذا لله بزعمهم ﴾ أي بقولهم الكذب. قال الأصمعي :الزعوم من الغنم التي لا يعرفون أبها شحم أم لا، وقال ابن الأعربي :الزعم يستعمل في الحق، وأنشد لأمية بن الصلت
وإني أدين لكم أنه *** سينجزكم ربكم ما زعم
إذا عرفت هذا فنقول :الذي في هذه الآية المراد به الكذب، لأن الآية نزلت في المنافقين.
المسألة الثانية :ذكروا في أسباب النزول وجوها :الأول :قال كثير من المفسرين :نازع رجل من المنافقين رجلا من اليهود فقال اليهودي :بيني وبينك أبو القاسم، وقال المنافق :بيني وبينك كعب بن الأشرف، والسبب في ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقضي بالحق ولا يلتفت إلى الرشوة، وكعب بن الأشرف كان شديد الرغبة في الرشوة، واليهودي كان محقا، والمنافق كان مبطلا، فلهذا المعنى كان اليهودي يريد التحاكم إلى الرسول، والمنافق كان يريد كعب بن الأشرف، ثم أصر اليهودي على قوله، فذهبا إليه صلى الله عليه وسلم، فحكم الرسول عليه الصلاة والسلام لليهودي على المنافق، فقال المنافق لا أرضى انطلق بنا إلى أبي بكر، فحكم أبو بكر رضي الله عنه لليهودي فلم يرض المنافق، وقال المنافق :بيني وبينك عمر، فصارا إلى عمر فأخبره اليهودي أن الرسول عليه الصلاة والسلام وأبا بكر حكما على المنافق فلم يرض بحكمهما، فقال للمنافق :أهكذا فقال نعم، قال :اصبرا إن لي حاجة أدخل فأقضيها وأخرج إليكما. فدخل فأخذ سيفه ثم خرج إليهما فضرب به المنافق حتى برد وهرب اليهودي، فجاء أهل المنافق فشكوا عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عمر عن قصته، فقال عمر :إنه رد حكمك يا رسول الله، فجاء جبريل عليه السلام في الحال وقال :إنه الفاروق فرق بين الحق والباطل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر : «أنت الفاروق » وعلى هذا القول الطاغوت هو كعب بن الأشرف.
الرواية الثانية :في سبب نزول هذه الآية أنه أسلم ناس من اليهود ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل قرظي نضريا قتل به وأخذ منه دية مائة وسق من تمر، وإذا قتل نضري قرظيا لم يقتل به، لكن أعطي ديته ستين وسقا من التمر، وكان بنو النضير أشرف وهم حلفاء الأوس، وقريظة حلفاء الخزرج، فلما هاجر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة قتل نضري قرظيا فاختصما فيه، فقالت بنو النضير :لا قصاص علينا، إنما علينا ستون وسقا من تمر على ما اصطلحنا عليه من قبل، وقالت الخزرج :هذا حكم الجاهلية، ونحن وأنتم اليوم إخوة، وديننا واحد ولا فضل بيننا، فأبي بنو النضير ذلك، فقال المنافقون :انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي، وقال المسلمون :بل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى المنافقون وانطلقوا إلى الكاهن ليحكم بينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ودعا الرسول عليه الصلاة والسلام الكاهن إلى الإسلام فأسلم، هذا قول السدي، وعلى هذا القول الطاغوت هو الكاهن.
الرواية الثالثة :قال الحسن :إن رجلا من المسلمين كان له على رجل من المنافقين حق، فدعاه المنافق إلى وثن كان أهل الجاهلية يتحاكمون إليه، ورجل قائم يترجم الأباطيل عن الوثن، فالمراد بالطاغوت هو ذلك الرجل.
الرواية الرابعة :كانوا يتحاكمون إلى الأوثان، وكان طريقهم أنهم يضربون القداح بحضرة الوثن، فما خرج على القداح عملوا به، وعلى هذا القول فالطاغوت هو الوثن.
واعلم أن المفسرين اتفقوا على أن هذه الآية نزلت في بعض المنافقين، ثم قال أبو مسلم :ظاهر الآية يدل على أنه كان منافقا من أهل الكتاب، مثل أنه كان يهوديا فأظهر الإسلام على سبيل النفاق لأن قوله تعالى : ﴿ يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ﴾ إنما يليق بمثل هذا المنافق.
المسألة الثالثة :مقصود الكلام إن بعض الناس أراد أن يتحاكم إلى بعض أهل الطغيان ولم يرد التحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم. قال القاضي :ويجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر، وعدم الرضا بحكم محمد عليه الصلاة والسلام كفر، ويدل عليه وجوه :الأول :إنه تعالى قال : ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ﴾ فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانا به، ولا شك أن الإيمان بالطاغوت كفر بالله، كما أن الكفر بالطاغوت إيمان بالله. الثاني :قوله تعالى : ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ﴾ إلى قوله : ﴿ ويسلموا تسليما ﴾ وهذا نص في تكفير من لم يرض بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام. الثالث :قوله تعالى : ﴿ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ﴾ وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة، وفي هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر الرسول عليه الصلاة والسلام فهو خارج عن الإسلام، سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد، وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة إليه من الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم.
المسألة الرابعة :قالت المعتزلة :أن قوله تعالى : ﴿ ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ﴾ يدل على أن كفر الكافر ليس بخلق الله ولا بإرادته، وبيانه من وجوه :الأول :أنه لو خلق الله الكفر في الكافر وأراده منه فأي تأثير للشيطان فيه، وإذا لم يكن له فيه تأثير فلم ذمه عليه ؟ الثاني :أنه تعالى ذم الشيطان بسبب أنه يريد هذه الضلالة ؟ فلو كان تعالى مريدا لها لكان هو بالذم أولى من حيث أن كل من عاب شيئا ثم فعله كان بالذم أولى قال تعالى : ﴿ كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ﴾ الثالث :أن قوله تعالى في أول الآية صريح في إظهار التعجب من أنهم كيف تحاكموا إلى الطاغوت مع أنهم قد أمروا أن يكفروا به، ولو كان ذلك التحاكم بخلق الله لما بقي التعجب، فإنه يقال :إنما فعلوا لأجل أنك خلقت ذلك الفعل فيهم وأردته منهم، بل التعجب من هذا التعجب أولى، فإن من فعل ذلك فيهم ثم أخذ يتعجب منهم إنهم كيف فعلوا ذلك كان التعجب من هذا التعجب أولى.
واعلم أن حاصل هذا الاستدلال يرجع إلى التمسك بطريقة المدح أو الذم، وقد عرفت منا أنا لا نقدح في هذه الطريقة إلا بالمعارضة بالعلم والداعي والله أعلم.
ثم قال تعالى : ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى :بين في الآية الأولى رغبة المنافقين في التحاكم إلى الطاغوت، وبين بهذه الآية نفرتهم عن التحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. قال المفسرون :إنما صد المنافقون عن حكم الرسول عليه الصلاة والسلام لأنهم كانوا ظالمين ؛ وعلموا أنه لا يأخذ الرشا وإنه لا يحكم إلا بمر الحكم، وقيل :كان ذلك الصد لعداوتهم في الدين.
المسألة الثانية :يصدون عنك صدودا، أي يعرضون عنك، وذكر المصدر للتأكيد والمبالغة كأنه قيل :صدودا أي صدود.
قوله تعالى : ﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ﴾
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :اعلم أن في اتصال هذه الآية بما قبلها وجهين :الأول :أن قوله : ﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ﴾ كلام وقع في البين، وما قبل هذه الآية متصل بما بعدها هكذا :وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا، يعني أنهم في أول الأمر يصدون عنك أشد الصدود، ثم بعد ذلك يجيئونك ويحلفون بالله كذبا على أنهم ما أرادوا بذلك الصد إلا الإحسان والتوفيق، وعلى هذا التقدير يكون النظم متصلا، وتلك الآية وقعت في البين كالكلام الأجنبي، وهذا يسمى اعتراضا، وهو كقول الشاعر :
إن الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
فقوله :وبلغتها، كلام أجنبي وقع في البين، إلا أن هذا الكلام الأجنبي شرطه أن يكون له من بعض الوجوه تعلق بذلك المقصود كما في هذا البيت، فإن قوله :بلغتها دعاء للمخاطب وتلطف في القول معه، والآية أيضا كذلك، لأن أول الآية وآخرها في شرح قبائح المنافقين وفضائحهم وأنواع كيدهم ومكرهم، فإن الآية أخبرت بأنه تعالى حكى عنهم في أول الآية أنهم يتحاكمون إلى الطاغوت مع أنهم أمروا بالكفر به، ويصدون عن الرسول مع أنهم أمروا بطاعته، فذكر بعد هذا ما يدل على شدة الأحوال عليهم بسبب هذه الأعمال السيئة في الدنيا والآخرة فقال : ﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ﴾ أي فكيف حال تلك الشدة وحال تلك المصيبة، فهذا تقرير هذا القول، وهو قول الحسن البصري، واختيار الواحدي من المتأخرين.
الوجه الثاني :أنه كلام متصل بما قبله، وتقريره أنه تعالى لما حكى عنهم في الآية المتقدمة أنهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويفرون من الرسول عليه الصلاة والسلام أشد الفرار دل ذلك على شدة نفرتهم من الحضور عند الرسول والقرب منه، فلما ذكر ذلك قال : ﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ﴾ يعني إذا كانت نفرتهم من الحضور عند الرسول في أوقات السلامة هكذا، فكيف يكون حالهم في شدة الغم والحسرة إذا أتوا بجناية خافوا بسببها منك، ثم جاؤك شاؤا أم أبوا ويحلفون بالله على سبيل الكذب :أنا ما أردنا بتلك الجناية إلا الخير والمصلحة، والغرض من هذا الكلام بيان أن ما في قلبهم من النفرة عن الرسول لا غاية له، سواء غابوا أم حضروا، وسواء بعدوا أم قربوا، ثم أنه تعالى أكد هذا المعنى بقوله : ﴿ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ﴾ والمعنى أن من أراد المبالغة في شيء قال :هذا شيء لا يعلمه إلا الله، يعني إنه لكثرته وقوته لا يقدر أحد على معرفته إلا الله تعالى، ثم لما عرف الرسول عليه الصلاة والسلام شدة بغضهم ونهاية عداوتهم ونفرتهم أعلمه أنه كيف يعاملهم فقال : ﴿ فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ﴾ وهذا الكلام على ما قررناه منتظم حسن الاتساق لا حاجة فيه إلى شيء من الحذف والإضمار، ومن طالع كتب التفسير علم أن المتقدمين والمتأخرين كيف اضطربوا فيه والله أعلم.
المسألة الثانية :ذكروا في تفسير قوله : ﴿ أصابتهم مصيبة ﴾ وجوها :الأول :أن المراد منه قتل عمر صاحبهم الذي أقر أنه لا يرضى بحكم الرسول عليه السلام، فهم جاؤا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فطالبوا عمر بدمه وحلفوا أنهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا المصلحة، وهذا اختيار الزجاج. الثاني :قال أبو علي الجبائي :المراد من هذه المصيبة ما أمر الله تعالى الرسول عليه الصلاة والسلام من أنه لا يستصحبهم في الغزوات، وإنه يخصهم بمزيد الإذلال والطرد عن حضرته وهو قوله تعالى : ﴿ لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ﴾ وقوله : ﴿ قل لن تخرجوا معي أبدا ﴾ وبالجملة فأمثال هذه الآيات توجب لهم الذل العظيم، فكانت معدودة في مصائبهم، وإنما يصيبهم ذلك لأجل نفاقهم، وعني بقوله : ﴿ ثم جاؤك ﴾ أي وقت المصيبة يحلفون ويعتذرون أنا ما أردنا بما كان منا من مداراة الكفار إلا الصلاح، وكانوا في ذلك كاذبين لأنهم أضمروا خلاف ما أظهروه، ولم يريدوا بذلك الإحسان الذي هو الصلاح. الثالث :قال أبو مسلم الأصفهاني :أنه تعالى لما أخبر عن المنافقين أنهم رغبوا في حكم الطاغوت وكرهوا حكم الرسول، بشر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ستصيبهم مصائب تلجئهم إليه، وإلى أن يظهروا له الإيمان به وإلى أن يحلفوا بأن مرادهم الإحسان والتوفيق. قال :ومن عادة العرب عند التبشير والإنذار أن يقولوا :كيف أنت إذا كان كذا وكذا، ومثاله قوله تعالى : ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ﴾ وقوله : ﴿ فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ﴾ ثم أمره تعالى إذا كان منهم ذلك أن يعرض عنهم ويعظهم.
المسألة الثالثة :في تفسير الإحسان والتوفيق وجوه :الأول :معناه ما أردنا بالتحاكم إلى غير الرسول صلى الله عليه وسلم إلا الإحسان إلى خصومنا واستدامة الاتفاق والائتلاف فيما بيننا، وإنما كان التحاكم إلى غير الرسول إحسانا إلى الخصوم لأنهم لو كانوا عند الرسول لما قدروا على رفع صوت عند تقرير كلامهم، ولما قدروا على التمرد من حكمه، فإذن كان التحاكم إلى غير الرسول إحسانا إلى الخصوم. الثاني :أن يكون المعنى ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أنه يحسن إلى صاحبنا بالحكم العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم بما حكم به الرسول. الثالث :أن يكون المعنى ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك يا رسول الله إلا أنك لا تحكم إلا بالحق المر، وغيرك يدور على التوسط ويأمر كل واحد من الخصمين بالإحسان إلى الآخر، وتقريب مراده من مراد صاحبه حتى يحصل بينهما الموافقة.
ثم قال تعالى : ﴿ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ﴾ والمعنى أنه لا يعلم ما في قلوبهم من النفاق والغيظ والعداوة إلا الله.
ثم قال تعالى : ﴿ فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ﴾ واعلم أنه تعالى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم بثلاثة أشياء :الأول :قوله : ﴿ فأعرض عنهم ﴾ وهذا يفيد أمرين أحدهما :أن لا يقبل منهم ذلك العذر ولا يغتر به، فإن من لا يقبل عذر غيره ويستمر على سخطه قد يوصف بأنه معرض عنه غير ملتفت إليه. والثاني :أن هذا يجري مجرى أن يقول له :اكتف بالإعراض عنهم ولا تهتك سترهم، ولا تظهر لهم أنك عالم بكنه ما في بواطنهم، فإن من هتك ستر عدوه وأظهر له كونه عالما بما في قلبه فربما يجرئه ذلك على أن لا يبالي بإظهار العداوة فيزداد الشر، ولكن إذا تركه على حاله بقي في خوف ووجل فيقل الشر.
النوع الثاني :قوله تعالى : ﴿ وعظهم ﴾ والمراد أنه يزجرهم عن النفاق والمكر والكيد والحسد والكذب ويخوفهم بعقاب الآخرة، كما قال تعالى : ﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ﴾.
النوع الثالث :قوله تعالى : ﴿ وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى :في قوله : ﴿ في أنفسهم ﴾ وجوه :الأول :أن في الآية تقديما وتأخيرا، والتقدير :وقل لهم قولا بليغا في أنفسهم مؤثرا في قلوبهم يغتمون به اغتماما ويستشعرون منه الخوف استشعارا. الثاني :أن يكون التقدير :وقل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا، وإن الله يعلم ما في قلوبكم فلا يغني عنكم إخفاؤه، فطهروا قلوبكم من النفاق وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك أو شرا من ذلك وأغلظ. الثالث :قل لهم في أنفسهم خاليا بهم ليس معهم غيرهم على سبيل السر، لأن النصيحة على الملأ تقريع وفي السر محض المنفعة.
المسألة الثانية :في الآية قولان :أحدهما :أن المراد بالوعظ التخويف بعقاب الآخرة، والمراد بالقول البليغ التخويف بعقاب الدنيا، وهو أن يقول لهم :إن ما في قلوبكم من النفاق والكيد معلوم عند الله، ولا فرق بينكم وبين سائر الكفار، وإنما رفع الله السيف عنكم لأنكم أظهرتم الإيمان، فإن واظبتم على هذه الأفعال القبيحة ظهر للكل بقاؤكم على الكفر، وحينئذ يلزمكم السيف. الثاني :أن القول البليغ صفة للوعظ، فأمر تعالى بالوعظ، ثم أمر أن يكون ذلك الوعظ بالقول البليغ، وهو أن يكون كلاما بليغا طويلا حسن الألفاظ حسن المعاني مشتملا على الترغيب والترهيب والإحذار والإنذار والثواب والعقاب، فإن الكلام إذا كان هكذا عظم وقعه في القلب، وإذا كان مختصرا ركيك اللفظ قليل المعنى لم يؤثر البتة في القلب.
قوله تعالى : ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ﴾
واعلم أنه تعالى لما أمر بطاعة الرسول في قوله : ﴿ وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ﴾ ثم حكى أن بعضهم تحاكم إلى الطاغوت ولم يتحاكم إلى الرسول، وبين قبح طريقه وفساد منهجه، رغب في هذه الآية مرة أخرى في طاعة الرسول فقال : ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ﴾ وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :قال الزجاج كلمة «من » ههنا صلة زائدة، والتقدير :وما أرسلنا رسولا، ويمكن أن يكون التقدير :وما أرسلنا من هذا الجنس أحدا إلا كذا وكذا، وعلى هذا التقدير تكون المبالغة أتم.
المسألة الثانية :قال أبو علي الجبائي :معنى الآية :وما أرسلت من رسول إلا وأنا مريد أن يطاع ويصدق ولم أرسله ليعصي. قال :وهذا يدل على بطلان مذهب المجبرة لأنهم يقولون :إنه تعالى أرسل رسلا لتعصي، والعاصي من المعلوم أنه يبقى على الكفر، وقد نص الله على كذبهم في هذه الآية، فلو لم يكن في القرآن ما يدل على بطلان قولهم إلا هذه الآية لكفى، وكان يجب على قولهم أن يكون قد أرسل الرسل ليطاعوا وليعصوا جميعا، فدل ذلك على أن معصيتهم للرسل غير مرادة لله، وأنه تعالى ما أراد إلا أن يطاع.
واعلم أن هذا الاستدلال في غاية الضعف وبيانه من وجوه :الأول :أن قوله : ﴿ إلا ليطاع ﴾ يكفي في تحقيق مفهومه أن يطيعه مطيع واحد في وقت واحد، وليس من شرط تحقق مفهومه أن يطيعه جميع الناس في جميع الأوقات، وعلى هذا التقدير فنحن نقول بموجبه :وهو أن كل من أرسله الله تعالى فقد أطاعه بعض الناس في بعض الأوقات، اللهم إلا أن يقال :تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه، إلا أن الجبائي لا يقول بذلك، فسقط هذا الإشكال على جميع التقديرات. الثاني :لم لا يجوز أن يكون المراد به أن كل كافر فإنه لا بد وأن يقر به عند موته، كما قال تعالى : ﴿ وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ﴾ أو يحمل ذلك على إيمان الكل به يوم القيامة، ومن المعلوم أن الوصف في جانب الثبوت يكفي في حصول مسماه ثبوته في بعض الصور وفي بعض الأحوال. الثالث :أن العلم بعدم الطاعة مع وجود الطاعة متضادان، والضدان لا يجتمعان، وذلك العلم ممتنع العدم، فكانت الطاعة ممتنعة الوجود، والله عالم بجميع المعلومات، فكان عالما بكون الطاعة ممتنعة الوجود، والعالم بكون الشيء ممتنع الوجود لا يكون مريدا له، فثبت بهذا البرهان القاطع أن يستحيل أن يريد الله من الكافر كونه مطيعا، فوجب تأويل هذه اللفظة وهو أن يكون المراد من الكلام ليس الإرادة بل الأمر، والتقدير :وما أرسلنا من رسول إلا ليؤمر الناس بطاعته، وعلى هذا التقدير سقط الإشكال.
المسألة الثالثة :قال أصحابنا :الآية دالة على أنه لا يوجد شيء من الخير والشر والكفر والإيمان والطاعة والعصيان إلا بإرادة الله تعالى، والدليل عليه قوله تعالى : ﴿ إلا ليطاع بإذن الله ﴾ ولا يمكن أن يكون المراد من هذا الإذن الأمر والتكليف، لأنه لا معنى لكونه رسولا إلا أن الله أمر بطاعته، فلو كان المراد من الإذن هو هذا لصار تقدير الآية :وما أذنا في طاعة من أرسلناه إلا بإذننا وهو تكرار قبيح، فوجب حمل الإذن على التوفيق والإعانة. وعلى هذا الوجه فيصير تقدير الآية :وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بتوفيقنا وإعانتنا، وهذا تصريح بأنه سبحانه ما أراد من الكل طاعة الرسول، بل لا يريد ذلك إلا من الذي وفقه الله لذلك وأعانه عليه وهم المؤمنون. وأما المحرومون من التوفيق والإعانة فالله تعالى ما أراد ذلك منهم، فثبت أن هذه الآية من أقوى الدلائل على مذهبنا.
المسألة الرابعة :الآية دالة على أنه لا رسول إلا ومعه شريعة ليكون مطاعا في تلك الشريعة ومتبوعا فيها، إذ لو كان لا يدعو إلا إلى شرع من كان قبله لم يكن هو في الحقيقة مطاعا، بل كان المطاع هو الرسول المتقدم الذي هو الواضع لتلك الشريعة، والله تعالى حكم على كل رسول بأنه مطاع.
المسألة الخامسة :الآية دالة على أن الأنبياء عليهم السلام معصومون عن المعاصي والذنوب لأنها دلت على وجوب طاعتهم مطلقا، فلو أتوا بمعصية لوجب علينا الاقتداء بهم في تلك المعصية فتصير تلك المعصية واجبة علينا، وكونها معصية يوجب كونها محرمة علينا، فيلزم توارد الإيجاب والتحريم على الشيء الواحد وإنه محال.
فإن قيل :ألستم في الاعتراض على كلام الجبائي ذكرتم أن قوله : ﴿ إلا ليطاع ﴾ لا يفيد العموم، فكيف تمسكتم به في هذه المسألة مع أن هذا الاستدلال لا يتم إلا مع القول بأنها تفيد العموم.
قلنا :ظاهر اللفظ يوهم العموم، وإنما تركنا العموم في تلك المسألة للدليل العقلي القاطع الذي ذكرناه على أنه يستحيل منه تعالى أن يريد الإيمان من الكافر، فلأجل ذلك المعارض القاطع صرفنا الظاهر عن العموم، وليس في هذه المسألة برهان قاطع عقلي يوجب القدح في عصمة الأنبياء فظهر الفرق.
قوله تعالى : ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ﴾.
وفيه مسائل :
المسألة الأولى :في سبب النزول وجهان :الأول :المراد به من تقدم ذكره من المنافقين، يعني لو أنهم عندما ظلموا أنفسهم بالتحاكم إلى الطاغوت والفرار من التحاكم إلى الرسول جاؤا الرسول وأظهروا الندم على ما فعلوه وتابوا عنه واستغفروا منه واستغفر لهم الرسول بأن يسأل الله أن يغفرها لهم عند توبتهم لوجدوا الله توابا رحيما. الثاني :قال أبو بكر الأصم :إن قوما من المنافقين اصطلحوا على كيد في حق الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم دخلوا عليه لأجل ذلك الغرض فأتاه جبريل عليه السلام فأخبره به، فقال صلى الله عليه وسلم :إن قوما دخلوا يريدون أمرا لا ينالونه، فليقوموا وليستغفروا الله حتى أستغفر لهم فلم يقوموا، فقال :ألا تقومون، فلم يفعلوا فقال صلى الله عليه وسلم :قم يا فلان قم يا فلان حتى عد أثنى عشر رجلا منهم، فقاموا وقالوا :كنا عزمنا على ما قلت، ونحن نتوب إلى الله من ظلمنا أنفسنا فاستغفر لنا، فقال :الآن اخرجوا أنا كنت في بدء الأمر أقرب إلى الاستغفار :وكان الله أقرب إلى الإجابة اخرجوا عني.
المسألة الثانية :لقائل أن يقول :أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح لكانت توبتهم مقبولة، فما الفائدة في ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم ؟
قلنا :الجواب عنه من وجوه :الأول :أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله، وكان أيضا إساءة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وإدخالا للغم في قلبه، ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره، فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم. الثاني :أن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول ظهر منهم ذلك التمرد، فإذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد، وما ذاك إلا بأن يذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه الاستغفار. الثالث :لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل، فإذا انضم إليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول والله أعلم.
المسألة الثالثة :إنما قال : ﴿ واستغفر لهم الرسول ﴾ ولم يقل واستغفرت لهم إجلالا للرسول عليه الصلاة والسلام، وأنهم إذا جاؤه فقد جاؤا من خصه الله برسالته وأكرمه بوحيه وجعله سفيرا بينه وبين خلقه، ومن كان كذلك فإن الله لا يرد شفاعته، فكانت الفائدة في العدول عن لفظ الخطاب إلى لفظ المغايبة ما ذكرناه.
المسألة الرابعة :الآية دالة على الجزم بأن الله تعالى يقبل توبة التائب، لأنه تعالى لما ذكر عنهم الاستغفار قال بعده : ﴿ لوجدوا الله توابا رحيما ﴾ وهذا الجواب إنما ينطلق على ذلك الكلام إذا كان المراد من قوله : ﴿ توابا رحيما ﴾ هو أن يقبل توبتهم ويرحم تضرعهم ولا يريد استغفارهم.
قوله تعالى : ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ﴾
فيه مسائل :
المسألة الأولى :في سبب نزول هذه الآية قولان :أحدهما :وهو قول عطاء ومجاهد والشعبي :أن هذه الآية نازلة في قصة اليهودي والمنافق، فهذه الآية متصلة بما قبلها، وهذا القول هو المختار عندي. والثاني :أنها مستأنفة نازلة في قصة أخرى، وهو ما روي عن عروة بن الزبير أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير في ماء يسقى به النخل، فقال صلى الله عليه وسلم للزبير :" اسق أرضك ثم أرسل الماء إلى أرض جارك " فقال الأنصاري :لأجل أنه ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال للزبير :" اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر ".
واعلم أن الحكم في هذا أن من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول الماء وحقه تمام السقي، فالرسول صلى الله عليه وسلم أذن للزبير في السقي على وجه المسامحة، فلما أساء خصمه الأدب ولم يعرف حق ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم من المسامحة لأجله أمره النبي عليه الصلاة والسلام باستيفاء حقه على سبيل التمام، وحمل خصمه على مر الحق.
المسألة الثانية : «لا » في قوله : «فلا وربك » فيه قولان :الأول :معناه فوربك، كقوله : ﴿ فوربك لنسئلنهم أجمعين ﴾ و«لا » مزيدة لتأكيد معنى القسم، كما زيدت في ﴿ لئلا يعلم ﴾ لتأكيد وجوب العلم و ﴿ لا يؤمنون ﴾ جواب القسم. والثاني :أنها مفيدة، وعلى هذا التقدير ذكر الواحدي فيه وجهين :الأول :أنه يفيد نفي أمر سبق، والتقدير :ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك، ثم استأنف القسم بقوله : ﴿ فوربك لا يؤمنون حتى يحكموك ﴾ والثاني :أنها لتوكيد النفي الذي جاء فيما بعد، لأنه إذا ذكر في أول الكلام وفي آخره كان أوكد وأحسن.
المسألة الثالثة :يقال شجر يشجر شجورا وشجرا إذا اختلف واختلط، وشاجره إذا نازعه وذلك لتداخل كلام بعضهم في بعض عند المنازعة، ومنه يقال لخشبات الهودج شجار، لتداخل بعضها في بعض. قال أبو مسلم الأصفهاني :وهو مأخوذ عندي من التفاف الشجر، فإن الشجر يتداخل بعض أغصانه في بعض، وأما الحرج فهو الضيق. قال الواحدي :يقال للشجر الملتف الذي لا يكاد يوصل إليه :حرج، وجمعه حراج، وأما التسليم فهو تفعيل يقال :سلم فلان أي عوفي ولم ينشب به نائبة، وسلم هذا الشيء لفلان، أي خلص له من غير منازع، فإذا ثقلته بالتشديد فقلت :سلم له فمعناه أنه سلمه له وخلصه له، هذا هو الأصل في اللغة، وجميع استعمالات التسليم راجع إلى الأصل فقولهم :سلم عليه، أي دعا له بأن يسلم، وسلم إليه الوديعة، أي دفعها إليه بلا منازعة، وسلم إليه أي رضي بحكمه، وسلم إلى فلان في كذا، أي ترك منازعته فيه، وسلم إلى الله أمره أي فوض إليه حكم نفسه، على معنى أنه لم ير لنفسه في أمره أثرا ولا شركة، وعلم أن المؤثر الصانع هو الله تعالى وحده لا شريك له.
المسألة الرابعة :اعلم أن قوله تعالى : ﴿ فلا وربك لا يؤمنون ﴾ قسم من الله تعالى على أنهم لا يصيرون موصوفين بصفة الإيمان إلا عند حصول شرائط :أولها :قوله تعالى : ﴿ حتى يحكموك فيما شجر بينهم ﴾ وهذا يدل على أن من لم يرض بحكم الرسول لا يكون مؤمنا.
واعلم أن من يتمسك بهذه الآية في بيان أنه لا سبيل إلى معرفة الله تعالى إلا بإرشاد النبي المعصوم قال :لأن قوله : ﴿ لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ﴾ تصريح بأنه لا يحصل لهم الإيمان إلا بأن يستعينوا بحكم النبي عليه الصلاة والسلام في كل ما اختلفوا فيه، ونرى أهل العلم مختلفين في صفات الله سبحانه وتعالى، فمن معطل ومن مشبه، ومن قدري ومن جبري، فلزم بحكم هذه الآية أنه لا يحصل الإيمان إلا بحكمه وإرشاده وهدايته، وحققوا ذلك بأن عقول أكثر الخلق ناقصة وغير وافية بإدراك هذه الحقائق ؟ وعقل النبي المعصوم كامل مشرق، فإذا اتصل إشراق نوره بعقول الأمة قويت عقولهم وانقلبت من النقص إلى الكمال، ومن الضعف إلى القوة، فقدروا عند ذلك على معرفة هذه الأسرار الإلهية. والذي يؤكد ذلك أن الذين كانوا في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا جازمين متيقنين كاملي الإيمان والمعرفة، والذين بعدوا عنه اضطربوا واختلفوا، وهذه المذاهب ما تولدت إلا بعد زمان الصحابة والتابعين، فثبت أن الأمر كما ذكرنا، والتمسك بهذه الآية رأيته في كتب محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، فيقال له :فهذا الاستدلال الذي ذكرته إنما استخرجته من عقلك، فإذا كان عقول الأكثرين ناقصة فلعلك ذكرت هذه الاستدلال لنقصان عقلك، وإذا كان هذا الاحتمال قائما وجب أن يشك في صحة مذهبك وصحة هذا الدليل الذي تمسكت به، ولأن معرفة النبوة موقوفة على معرفة الإله، فلو توقفت معرفة الإله على معرفة النبوة لزم الدور، وهو محال.
الشرط الثاني :قوله : ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ﴾ قال الزجاج :لا تضيق صدورهم من أفضيتك.
واعلم أن الراضي بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام قد يكون راضيا به في الظاهر دون القلب فبين في هذه الآية أنه لا بد من حصول الرضا به في القلب، واعلم أن ميل القلب ونفرته شيء خارج عن وسع البشر، فليس المراد من الآية ذلك، بل المراد منه أن يحصل الجزم واليقين في القلب بأن الذي يحكم به الرسول هو الحق والصدق.
الشرط الثالث :قوله تعالى : ﴿ ويسلموا تسليما ﴾ واعلم أن من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقا وصدقا قد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك القبول، فبين تعالى أنه كما لا بد في الإيمان من حصول ذلك اليقين في القلب. فلا بد أيضا من التسليم معه في الظاهر، فقوله : ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ﴾ المراد به الانقياد في الباطن، وقوله : ﴿ ويسلموا تسليما ﴾ المراد منه الانقياد في الظاهر والله أعلم.
المسألة الخامسة :دلت الآية على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون عن الخطأ في الفتوى وفي الأحكام، لأنه تعالى أوجب الانقياد لحكمهم وبالغ في ذلك الإيجاب وبين أنه لا بد من حصول ذلك الانقياد في الظاهر وفي القلب، وذلك ينفي صدور الخطأ عنهم، فهذا يدل على أن قوله : ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم ﴾ وأن فتواه في أسارى بدر، وأن قوله : ﴿ لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ وأن قوله : ﴿ عبس وتولى ﴾ كل ذلك محمول على الوجوه التي لخصناها في هذا الكتاب.
المسألة السادسة :من الفقهاء من تمسك بقوله تعالى : ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ﴾ على أن ظاهر الأمر للوجوب، وهو ضعيف لأن القضاء هو الإلزام، ولا نزاع في أنه للوجوب.
المسألة السابعة :ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس، لأنه يدل على أنه يجب متابعة قوله وحكمه على الإطلاق، وأنه لا يجوز العدول عنه إلى غيره، ومثل هذه المبالغة المذكورة في هذه الآية قلما يوجد في شيء من التكاليف، وذلك يوجب تقديم عموم القرآن والخبر على حكم القياس، وقوله : ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ﴾ مشعر بذلك لأنه متى خطر بباله قياس يفضي إلى نقيض مدلول النص فهناك يحصل الحرج في النفس، فبين تعالى أنه لا يكمل إيمانه إلا بعد أن لا يلتفت إلى ذلك الحرج، ويسلم النص تسليما كليا، وهذا الكلام قوي حسن لمن أنصف.
المسألة الثامنة :قالت المعتزلة :لو كانت الطاعات والمعاصي بقضاء الله تعالى لزم التناقض، وذلك لأن الرسول إذا قضى على إنسان بأنه ليس له أن يفعل الفلاني وجب على جميع المكلفين الرضا بذلك لأنه قضاء الرسول. والرضا بقضاء الرسول واجب لدلالة هذه الآية، ثم لو أن ذلك الرجل فعل ذلك الفعل على خلاف فتوى الرسول، فلو كانت المعاصي بقضاء الله لكان ذلك الفعل بقضاء الله، والرضا بقضاء الله واجب، فيلزم أن يجب على المكلفين الرضا بذلك الفعل. لأنه قضاء الله، فوجب أن يلزمهم الرضا بالفعل والترك معا، وذلك محال.
والجواب :أن المراد من قضاء الرسول الفتوى المشروعة، والمراد من قضاء الله التكوين والإيجاد، وهما مفهومان متغايران، فالجمع بينهما لا يفضي إلى التناقض.
قوله تعالى : ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من دلنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما ﴾.
اعلم أن هذه الآية متصلة بما تقدم من أمر المنافقين وترغيبهم في الإخلاص وترك النفاق، والمعنى أنا لو شددنا التكليف على الناس، نحو أن نأمرهم بالقتل والخروج عن الأوطان لصعب ذلك عليهم ولما فعله إلا الأقلون، وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم، فلما لم نفعل ذلك رحمة منا على عبادنا بل اكتفينا بتكليفهم في الأمور السهلة، فليقبلوها بالإخلاص وليتركوا التمرد والعناد حتى ينالوا خير الدارين، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي : ﴿ أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ﴾ بضم النون في «أن » وضم واو «أو » والسبب فيه نقل ضمة ﴿ اقتلوا ﴾ وضمة ﴿ أخرجوا ﴾ إليهما، وقرأ عاصم وحمزة بالكسر فيهما لالتقاء الساكنين، وقرأ أبو عمرو بكسر النون وضم الواو، وقال الزجاج :ولست أعرف لفصل أبي عمرو بين هذين الحرفين خاصية إلا أن يكون رواية. وقال غيره :أما كسر النون فلأن الكسر هو الأصل لالتقاء الساكنين، وأما ضم الواو فلأن الضمة في الواو أحسن لأنها تشبه واو الضمير. واتفق الجمهور على الضم في واو الضمير نحو ﴿ اشتروا الضلالة ﴾ ﴿ ولا تنسوا الفضل ﴾.
المسألة الثانية :الكناية في قوله : ﴿ ما فعلوه ﴾ عائدة إلى القتل والخروج معا، وذلك لأن الفعل جنس واحد وان اختلفت ضروبه، واختلف القراء في قوله : ﴿ إلا قليل ﴾ فقرأ ابن عامر ﴿ قليلا ﴾ بالنصب، وكذا هو في مصاحف أهل الشام ومصحف أنس بن مالك، والباقون بالرفع، أما من نصب فقاس النفي على الإثبات، فإن قولك :ما جاءني أحد كلام تام، كما أن قولك :جاءني القوم كلام تام فلما كان المستثنى منصوبا في الإثبات فكذا مع النفي، والجامع كون المستثنى فضله جاءت بعد تمام الكلام، وأما من رفع فالسبب أنه جعله بدلا من الواو في ﴿ فعلوه ﴾ وكذلك كل مستثنى من منفي، كقولك :ما أتاني أحد إلا زيد، برفع زيد على البدل من أحد، فيحمل إعراب ما بعد «إلا » على ما قبلها. وكذلك في النصب والجر، كقولك :ما رأيت أحدا إلا زيدا، وما مررت بأحد إلا زيد. قال أبو علي الفارسي :الرفع أقيس، فإن معنى ما أتى أحد إلا زيد، وما أتاني إلا زيد واحد، فكما اتفقوا في قولهم ما أتاني إلا زيد على الرفع وجب أن يكون قولهم :ما أتاني أحد إلا زيد بمنزلته.
المسألة الثالثة :الضمير في قوله : ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم ﴾ فيه قولان :الأول :وهو قول ابن عباس ومجاهد أنه عائد إلى المنافقين، وذلك لأنه تعالى كتب على بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم، فقال تعالى :ولو أنا كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلا قليل رياء وسمعة، وحينئذ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم، فإذا لم نفعل ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة فليتركوا النفاق وليقبلوا الإيمان على سبيل الإخلاص، وهذا القول اختيار أبي بكر الأصم وأبي بكر القفال. الثاني :أن المراد لو كتب الله على الناس ما ذكر لم يفعله إلا قليل منهم، وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق، وأما الضمير في قوله : ﴿ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ﴾ فهو مختص بالمنافقين، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا، وعلى هذا التقدير يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين، روي أن ثابت بن قيس بن شماس ناظر يهوديا، فقال اليهودي :أن موسى أمرنا بقتل أنفسنا فقبلنا ذلك، وإن محمدا يأمركم بالقتال فتكرهونه، فقال :يا أنت لو أن محمدا أمرني بقتل نفسي لفعلت ذلك، فنزلت هذه الآية. وروي أن ابن مسعود قال مثل ذلك، فنزلت هذه الآية. وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي " وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال :والله لو أمرنا ربنا بقتل أنفسنا لفعلنا والحمد لله الذي لم يأمرنا بذلك.
المسألة الرابعة :قال أبو علي الجبائي :لما دلت هذه الآية على أنه تعالى لم يكلفهم ما يغلظ ويثقل عليهم، فبأن لا يكلفهم ما لا يطيقون كان أولى، فيقال له :هذا لازم عليك لأن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما لم يكلفهم بهذه الأشياء الشاقة، لأنه لو كلفهم بها لما فعلوها، ولو لم يفعلوها لوقعوا في العذاب، ثم أنه تعالى علم من أبي جهل وأبي لهب أنهم لا يؤمنون، وأنهم لا يستفيدون من التكليف إلا العقاب الدائم، ومع ذلك فإنه تعالى كلفهم، فكل ما تجعله جوابا عن هذا فهو جوابنا عما ذكرت.
ثم قال تعالى : ﴿ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لأتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما ﴾.
اعلم أن المراد من قوله : ﴿ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ﴾ أنهم لو فعلوا ما كلفوا به وأمروا به، وإنما سمي هذا التكليف والأمر وعظا لأن تكاليف الله تعالى مقرونة بالوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، والثواب والعقاب، وما كان كذلك فإنه يسمى وعظا.
ثم إنه تعالى بين أنهم لو التزموا هذه التكاليف لحصلت لهم أنواع من المنافع :
فالنوع الأول :قوله : ﴿ لكان خيرا لهم ﴾ فيحتمل أن يكون المعنى أنه يحصل لهم خير الدنيا والآخرة، ويحتمل أن يكون المعنى المبالغة والترجيح، وهو أن ذلك أنفع لهم وأفضل من غيره، لأن قولنا : «خير » يستعمل على الوجهين جميعا.
النوع الثاني :قوله : ﴿ وأشد تثبيتا ﴾ وفيه وجوه :الأول :أن المراد أن هذا أقرب إلى ثباتهم عليه واستمرارهم، لأن الطاعة تدعو إلى أمثالها، والواقع منها في وقت يدعو إلى المواظبة عليه. الثاني :أن يكون أثبت وأبقى لأنه حق والحق ثابت باق، والباطل زائل. الثالث :أن الإنسان يطلب أولا تحصيل الخير، فإذا حصله فإنه يطلب أن يصير ذلك الحاصل باقيا ثابتا، فقوله : ﴿ لكان خيرا لهم ﴾ إشارة إلى الحالة الأولى، وقوله : ﴿ وأشد تثبيتا ﴾ إشارة إلى الحالة الثانية.
النوع الثالث :قوله تعالى : ﴿ وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ﴾.
واعلم أنه تعالى لما بين أن هذا الإخلاص في الإيمان خير مما يريدونه من النفاق وأكثر ثباتا وبقاء، بين أنه كما أنه في نفسه خير فهو أيضا مستعقب الخيرات العظيمة وهو الأجر العظيم والثواب العظيم. قال صاحب «الكشاف »«إذا » جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل :ماذا يكون من هذا الخير والتثبيت. فقيل :هو أن نؤتيهم من لدنا أجرا عظيما، كقوله : ﴿ ويؤت من لدنه أجرا عظيما ﴾.
وأقول :إنه تعالى جمع في هذه الآية قرائن كثيرة، كل واحدة منها تدل على عظم هذا الأجر. أحدها :أنه ذكر نفسه بصيغة العظمة وهي قوله : ﴿ آتيناه ﴾ وقوله : ﴿ من لدنا ﴾ والمعطي الحكيم إذا ذكر نفسه باللفظ الدال على عظمة عند الوعد بالعطية دل ذلك على عظمة تلك العطية، وثانيها :قوله : ﴿ من لدنا ﴾ وهذا التخصيص يدل على المبالغة، كما في قوله : ﴿ وعلمناه من لدنا علما ﴾ وثالثها :أن الله تعالى وصف هذا الأجر بالعظيم، والشيء الذي وصفه أعظم العظماء بالعظمة لا بد وأن يكون في نهاية الجلالة، وكيف لا يكون عظيما، وقد قال عليه الصلاة والسلام :" فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ".
النوع الرابع :قوله : ﴿ ولهديناهم صراطا مستقيما ﴾ وفيه قولان :أحدهما :أن الصراط المستقيم هو الدين الحق، ونظيره قوله تعالى : ﴿ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله ﴾ والثاني :أنه الصراط الذي هو الطريق من عرصة القيامة، وذلك لأنه تعالى ذكره بعد ذكر الثواب والأجر، والدين الحق مقدم على الثواب والأجر، والصراط الذي هو الطريق من عرصة القيامة إلى الجنة إنما يحتاج إليه بعد استحقاق الأجر، فكان حمل لفظ الصراط في هذا الموضع على هذا المعنى أولى.
قوله تعالى : ﴿ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما ﴾.
اعلم أنه تعالى لما أمر بطاعة الله وطاعة الرسول بقوله : ﴿ يا أيها الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ ثم زيف طريقة الذين تحاكموا إلى الطاغوت وصدوا عن الرسول، ثم أعاد الأمر بطاعة الرسول مرة أخرى فقال : ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ﴾ ثم رغب في تلك الطاعة بقوله : ﴿ لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما ﴾ أكد الأمر بطاعة الله وطاعة الرسول في هذه الآية مرة أخرى فقال : ﴿ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ﴾ إلى آخر الآية وههنا مسائل :
المسألة الأولى :ذكروا في سبب النزول وجوها :الأول :روى جمع من المفسرين أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه، فأتاه يوما وقد تغير وجهه ونحل جسمه وعرف الحزن في وجهه، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حاله، فقال يا رسول الله ما بي وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، فذكرت الآخرة فخفت أن لا أراك هناك، لأني إن أدخلت الجنة فأنت تكون في درجات النبيين وأنا في درجة العبيد فلا أراك، وإن أنا لم أدخل الجنة فحينئذ لا أراك أبدا، فنزلت هذه الآية. الثاني :قال السدي :إن ناسا من الأنصار قالوا :يا رسول الله إنك تسكن الجنة في أعلاها، ونحن نشتاق إليك، فكيف نصنع ؟ فنزلت الآية. الثالث :قال مقاتل :نزلت في رجل من الأنصار قال للنبي صلى الله عليه وسلم :يا رسول الله إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا إليك، فما ينفعنا شيء حتى نرجع إليك، ثم ذكرت درجتك في الجنة، فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة ؟ فأنزل الله هذه الآية، فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم أتى الأنصار ولده وهو في حديقة له فأخبره بموت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال :اللهم أعمني حتى لا أرى شيئا بعده إلى أن ألقاه، فعمي مكانه، فكان يحب النبي حبا شديدا فجعله الله معه في الجنة. الرابع :قال الحسن :إن المؤمنين قالوا للنبي عليه السلام :مالنا منك إلا الدنيا، فإذا كانت الآخرة رفعت فى الأولى فحزن النبي صلى الله عليه وسلم وحزنوا، فنزلت هذه الآية. قال المحققون :لا ننكر صحة هذه الروايات إلا أن سبب نزول الآية يجب أن يكون شيئا أعظم من ذلك، وهو البعث على الطاعة والترغيب فيها، فإنك تعلم أن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ، فهذه الآية عامة في حق جميع المكلفين، وهو أن كل من أطاع الله وأطاع الرسول فقد فاز بالدرجات العالية والمراتب الشريفة عند الله تعالى.
المسألة الثانية :ظاهر قوله : ﴿ ومن يطع الله والرسول ﴾ يوجب الاكتفاء بالطاعة الواحدة. لأن اللفظ الدال على الصفة يكفي في العمل به في جانب الثبوت حصول ذلك المسمى مرة واحدة. قال القاضي :لا بد من حمل هذا على غير ظاهره، وأن تحمل الطاعة على فعل المأمورات وترك جميع المنهيات، إذ لو حملناه على الطاعة الواحدة لدخل فيه الفساق والكفار، لأنهم قد يأتون بالطاعة الواحدة. وعندي فيه وجه آخر، وهو أنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المذكور عقيب الصفة مشعر بكون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف، إذا ثبت هذا فنقول :قوله : ﴿ ومن يطع الله ﴾ أي ومن يطع الله في كونه إلها، وطاعة الله في كونه إلها هو معرفته والإقرار بجلاله وعزته وكبريائه وصمديته، فصارت هذه الآية تنبيها على أمرين عظيمين من أحوال المعاد، فالأول :هو أن منشأ جميع السعادات يوم القيامة إشراق الروح بأنوار معرفة الله، وكل من كانت هذه الأنوار في قلبه أكثر، وصفاؤها أقوى، وبعدها عن التكدر بمحبة عالم الأجسام أتم كان إلى السعادة أقرب وإلى الفوز بالنجاة أوصل. والثاني :أنه تعالى ذكر في الآية المتقدمة وعد أهل الطاعة بالأجر العظيم والثواب الجزيل والهداية إلى الصراط المستقيم، ثم ذكر في هذه الآية وعدهم بكونهم مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهذا الذي وقع به في الختم لا بد أن يكون أشرف وأعلى مما قبله، ومعلوم أنه ليس المراد من كون هؤلاء معهم هو أنهم يكونون في عين تلك الدرجات، لأن هذا ممتنع، فلا بد وأن يكون معناه أن الأرواح الناقصة إذا استكملت علائقها مع الأرواح الكاملة في الدنيا لسبب الحب الشديد، فإذا فارقت هذا العالم ووصلت إلى عالم الآخرة بقيت تلك العلائق الروحانية هناك، ثم تصير تلك الأرواح الصافية كالمرايا المجلوة المتقابلة، فكأن هذه المرايا ينعكس الشعاع من بعضها على بعض، وبسبب هذه الانعكاسات تصير أنوارها في غاية القوة، فكذا القول في تلك الأرواح فإنها لما كانت مجلوة بصقالة المجاهدة عن غبار حب ما سوى الله، وذلك هو المراد من طاعة الله وطاعة الرسول، ثم ارتفعت الحجب الجسدانية أشرقت عليها أنوار جلال الله، ثم انعكست تلك الأنوار من بعضها إلى بعض وصارت الأرواح الناقصة كاملة بسبب تلك العلائق الروحانية، فهذا الاحتمال خطر بالبال والله أعلم بأسرار كلامه.
المسألة الثالثة :ليس المراد بكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين، كون الكل في درجة واحدة، لأن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول، وإنه لا يجوز. بل المراد كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر، وإن بعد المكان، لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا، وإذا أرادوا الزيارة والتلاقي قدروا عليه، فهذا هو المراد من هذه المعية.
المسألة الرابعة :اعلم أنه تعالى ذكر النبيين، ثم ذكر أوصافا ثلاثة :الصديقين والشهداء والصالحين، واتفقوا على أن النبيين مغايرون للصديقين والشهداء والصالحين، فأما هذه الصفات الثلاثة فقد اختلفوا فيها، قال بعضهم :هذه الصفات كلها لموصوف واحد، وهي صفات متداخلة فإنه لا يمتنع في الشخص الواحد أن يكون صديقا وشهيدا وصالحا. وقال الآخرون :بل المراد بكل وصف صنف من الناس، وهذا الوجه أقرب لأن المعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه، وكما أن النبيين غير من ذكر بعدهم، فكذلك الصديقون يجب أن يكونوا غير من ذكر بعدهم وكذا القول في سائر الصفات، ولنبحث عن هذه الصفات الثلاث :
الصفة الأولى :الصديق :وهو اسم لمن عادته الصديق، ومن غلب على عادته فعل إذا وصف بذلك الفعل قيل فيه فعيل، كما يقال :سكير وشريب وخمير، والصديق صفة كريمة فاضلة من صفات المؤمنين، وكفى الصدق فضيلة أن الإيمان ليس إلا التصديق، وكفى الكذب مذمة أن الكفر ليس إلا التكذيب.
إذا عرفت هذا فنقول :للمفسرين في الصديق وجوه :الأول :أن كل من صدق بكل الدين لا يتخالجه فيه شك فهو صديق، والدليل عليه قوله تعالى : ﴿ والذين ءامنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ﴾. الثاني :قال قوم :الصديقون أفاضل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. الثالث :أن الصديق اسم لمن سبق إلى تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام فصار في ذلك قدوة لسائر الناس، وإذا كان الأمر كذلك كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أولى الخلق بهذا الوصف أما بيان أنه سبق إلى تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام فلأنه قد اشتهرت الرواية عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال : «ما عرضت الإسلام على أحد إلا وله نبوة غير أبي بكر فإنه لم يتلعثم » دل هذا الحديث على أنه صلى الله عليه وسلم لما عرض الإسلام على أبي بكر قبله أبو بكر ولم يتوقف، فلو قدرنا أن إسلامه تأخر عن إسلام غيره لزم أن يقال :إن النبي صلى الله عليه وسلم قصر حيث أخر عرض الإسلام عليه، وهذا لا يكون قدحا في أبي بكر، بل يكون قدحا في الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك كفر، ولما بطل نسبة هذا التقدير إلى الرسول علمنا أنه صلى الله عليه وسلم أنه ما قصر في عرض الإسلام عليه، والحديث دل على أن أبا بكر لم يتوقف البتة، فحصل من مجموع الأمرين أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه أسبق الناس إسلاما، أما بيان أنه كان قدوة لسائر الناس في ذلك فلأن بتقدير أن يقال :إن إسلام علي كان سابقا على إسلام أبي بكر، إلا أنه لا يشك عاقل أن عليا ما صار قدوة في ذلك الوقت، لأن عليا كان في ذلك الوقت صبيا صغيرا، وكان أيضا في تربية الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان شديد القرب منه بالقرابة، وأبو بكر ما كان شديد القرب منه بالقرابة وإيمان من هذا شأنه يكون سببا لرغبة سائر الناس في الإسلام.
وذلك لأنهم اتفقوا على أنه رضي الله تعالى عنه لما آمن جاء بعد ذلك بمدة قليلة بعثمان بن عفان رضي الله عنه، وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنهم أجمعين حتى أسلموا، فكان إسلامه سببا لاقتداء هؤلاء الأكابر به، فثبت بمجموع ما ذكرنا أنه رضوان الله عليه كان أسبق الناس إسلاما، وثبت أن إسلامه صار سببا لاقتداء أفاضل الصحابة في ذلك الإسلام، فثبت أن أحق الأمة بهذه الصفة أبو بكر رضي الله عنه. إذا عرفت هذا فنقول :هذا الذي ذكرناه يقتضي أنه كان أفضل الخلق بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيانه من وجهين :الأول :أن إسلامه لما كان أسبق من غيره وجب أن يكون ثوابه أكثر ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة » الثاني :أنه بعد أن أسلم جاهد في الله وصار جهاده مفضيا إلى حصول الإسلام لأكابر الصحابة مثل عثمان وطلحة والزبير وسعد ابن أبي وقاص وعثمان بن مظعون وعلي رضي الله تعالى عنهم، وجاهد علي يوم أحد ويوم الأحزاب في قتل الكفار، ولكن جهاد أبي بكر رضي الله عنه أفضى إلى حصول الإسلام لمثل الذين هم أعيان الصحابة، وجهاد علي أفضى إلى قتل الكفار، ولا شك أن الأول أفضل، وأيضا فأبو بكر جاهد في أول الإسلام حين كان النبي صلى الله عليه وسلم في غاية الضعف، وعلي إنما جاهد يوم أحد ويوم الأحزاب، وكان الإسلام قويا في هذه الأيام، ومعلوم أن الجهاد وقت الضعف أفضل من الجهاد وقت القوة، ولهذا المعنى قال تعالى : ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ﴾ فبين أن نصرة الإسلام وقت ما كان ضعيفا أعظم ثوابا من نصرته وقت ما كان قويا، فثبت من مجموع ما ذكرنا أن أولى الناس بهذا الوصف هو الصديق، فلهذا أجمع المسلمون على تسليم هذا اللقب له إلا من لا يلتفت إليه فإنه ينكره، ودل تفسير الصديق بما ذكرناه على أنه لا مرتبة بعد النبوة في الفضل والعلم إلا هذا الوصف وهو كون الإنسان صديقا، وكما دل الدليل عليه فقد دل لفظ القرآن عليه، فإنه أينما ذكر الصديق والنبي لم يجعل بينهما واسطة، فقال في وصف إسماعيل :
﴿ إنه كان صادق الوعد ﴾ وفي صفة إدريس ﴿ إنه كان صديقا نبيا ﴾ وقال في هذه الآية : ﴿ من النبيين والصديقين ﴾ يعني إنك إن ترقيت من الصديقية وصلت إلى النبوة، وإن نزلت من النبوة وصلت إلى الصديقية، ولا متوسط بينهما، وقال في آية أخرى :{ والذى جاء بالصدق وصدق
ثم قال تعالى : ﴿ ذلك الفضل من الله ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :لا شك أن قوله تعالى : ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى كل ما تقدم ذكره من وصف الثواب، فلما حكم على كل ذلك بأنه فضل من الله دل هذا على أن الثواب غير واجب على الله، ومما يدل عليه من جهة المعقول وجوه :الأول :القدرة على الطاعة إن كانت لا تصلح إلا للطاعة، فخالق تلك القدرة هو الذي أعطى الطاعة، فلا يكون فعله موجبا عليه شيئا، وإن كانت صالحة للمعصية أيضا لم يترجح جانب الطاعة على جانب المعصية إلا بخلق الداعي إلى الطاعة، ويصير مجموع القدرة والداعي موجبا للفعل، فخالق هذا المجموع هو الذي أعطى الطاعة، فلا يكون فعله موجبا عليه شيئا. الثاني :نعم الله على العبد لا تحصى وهي موجبة للطاعة والشكر، وإذا كانت الطاعات تقع في مقابلة النعم السالفة امتنع كونها موجبة للثواب في المستقبل. الثالث :أن الوجوب يستلزم استحقاق الذنب عند الترك، وهذا الاستحقاق ينافي الإلهية، فيمتنع حصوله في حق الإله تعالى، فثبت أن ظاهر الآية كما دل على أن الثواب كله فضل من الله تعالى، فالبراهين العقلية القاطعة دالة على ذلك أيضا، وقالت المعتزلة :الثواب وإن كان واجبا لكن لا يمتنع إطلاق اسم الفضل عليه، وذلك أن العبد إنما استحق ذلك الثواب لأن الله تعالى كلفه والتكليف تفضل، ولأنه تعالى هو الذي أعطى العقل والقدرة وأزاح الأعذار والموانع حتى تمكن المكلف من فعل الطاعة، فصار ذلك بمنزلة من وهب لغيره ثوبا كي ينتفع به، فإذا باعه وانتفع بثمنه جاز أن يوصف ذلك الثمن بأنه فضل من الواهب فكذا ههنا :
المسألة الثانية :قوله : ﴿ ذلك الفضل من الله ﴾ فيه احتمالان :أحدهما :أن يكون التقدير :ذلك هو الفضل من الله، ويكون المعنى أن ذلك الثواب لكمال درجته كأنه هو الفضل من الله وأن ما سواه فليس بشيء، والثاني :أن يكون التقدير :ذلك الفضل هو من الله، أي ذلك الفضل المذكور، والثواب المذكور هو من الله لا من غيره، ولا شك أن الاحتمال الأول أبلغ.
ثم قال تعالى : ﴿ وكفى بالله عليما ﴾ وله موقع عظيم في توكيد ما تقدم من الترغيب في طاعة الله لأنه تعالى نبه بذلك على أنه يعلم كيفية الطاعة وكيفة الجزاء والتفضل، وذلك مما يرغب المكلف في كمال الطاعة والاحتراز عن التقصير فيه.
قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ﴾.
واعلم أنه تعالى عاد بعد الترغيب في طاعة الله وطاعة رسوله إلى ذكر الجهاد الذي تقدم، لأنه أشق الطاعات، ولأنه أعظم الأمور التي بها يحصل تقوية الدين فقال : ﴿ يا أيها الذين ءامنوا خذوا حذركم ﴾ وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :الحذر والحذر بمعنى واحد، كالأثر والأثر، والمثل والمثل، يقال :أخذ حذره إذا تيقظ واحترز من المخوف، كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه، والمعنى احذروا واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم، هذا ما ذكره صاحب «الكشاف ». وقال الواحدي رحمه الله فيه قولان :أحدهما :المراد بالحذر ههنا السلاح، والمعنى خذوا سلاحكم، والسلاح يسمى حذرا، أي خذوا سلاحكم وتحذروا، والثاني :أن يكون ﴿ خذوا حذركم ﴾ بمعنى احذروا عدوكم لأن هذا الأمر بالحذر يتضمن الأمر بأخذ السلاح، لأن أخذ السلاح هو الحذر من العدو، فالتأويل أيضا يعود إلى الأول، فعلى القول الاول الأمر مصرح بأخذ السلاح، وعلى القول الثاني أخذ السلاح مدلول عليه بفحوى الكلام.
المسألة الثانية :لقائل أن يقول :ذلك الذي أمر الله تعالى بالحذر عنه إن كان مقتضى الوجود لم ينفع الحذر، وإن كان مقتضى العدم لا حاجة إلى الحذر، فعلى التقديرين الأمر بالحذر عبث وعنه عليه الصلاة والسلام قال :" المقدور كائن والهم فضل " وقيل أيضا :الحذر لا يغني من القدر فنقول :إن صح هذا الكلام بطل القول بالشرائع، فإنه يقال :إن كان الإنسان من أهل السعادة في قضاء الله وقدره فلا حاجة إلى الإيمان، وإن كان من أهل الشقاوة لم ينفعه الإيمان والطاعة، فهذا يفضي إلى سقوط التكليف بالكلية، والتحقيق في الجواب أنه لما كان الكل بقدر كان الأمر بالحذر أيضا داخلا في القدر، فكان قول القائل :أي فائدة في الحذر كلاما متناقضا، لأنه لما كان هذا الحذر مقدرا فأي فائدة في هذا السؤال الطاعن في الحذر.
المسألة الثالثة :قوله : ﴿ فانفروا ﴾ يقال :نفر القوم ينفرون نفرا ونفيرا إذا نهضوا لقتال عدو وخرجوا للحرب، واستنفر الإمام الناس لجهاد العدو فنفروا ينفرون إذا حثهم على النفير ودعاهم إليه، ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم :" وإذا استنفرتم فانفروا " والنفير اسم للقوم الذين ينفرون، ومنه يقال :فلان لا في العير ولا في النفير، وقال أصحاب العربية :أصل هذا الحرف من النفور والنفار وهو الفزع، يقال نفر إليه إذا فزع إليه، ونفر منه إذا فزع منه وكرهه، ومعنى الآية فانفروا إلى قتال عدوكم.
المسألة الرابعة :قال جميع أهل اللغة :الثبات جماعات متفرقة واحدها ثبة، وأصلها من :ثبيت الشيء، أي جمعته، ويقال أيضا :ثبيت على الرجل إذا أثنيت عليه، وتأويله جمع محاسنه، فقوله : ﴿ فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ﴾ معناه :انفروا إلى العدو إما ثبات، أي جماعات متفرقة، سرية بعد سرية، وإما جميعا، أي مجتمعين كوكبة واحدة، وهذا المعنى أراد الشاعر في قوله :
طاروا إليه زرافات ووحدانا ***. . .
ومثله قوله تعالى : ﴿ فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ﴾ أي على أي الحالتين كنتم فصلوا.
قوله تعالى : ﴿ وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ﴾.
وفيه مسائل :
المسألة الأولى :اعلم أن قوله : ﴿ وإن منكم ﴾ يجب أن يكون راجعا إلى المؤمنين الذين ذكرهم الله بقوله : ﴿ يا أيها الذين ءامنوا خذوا حذركم ﴾ واختلفوا على قولين :الأول :المراد منه المنافقون كانوا يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل :قوله : ﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾ تقديره :يا أيها الذين آمنوا إن منكم لمن ليبطئن، فإذا كان هذا المبطئ منافقا فكيف جعل المنافق قسما من المؤمن في قوله : ﴿ وإن منكم ﴾.
والجواب من وجوه :الأول :أنه تعالى جعل المنافق من المؤمنين من حيث الجنس والنسب والاختلاط. الثاني :أنه تعالى جعلهم من المؤمنين بحسب الظاهر لأنهم كانوا في الظاهر متشبهين بأهل الإيمان. الثالث :كأنه قيل :يا أيها الذين آمنوا في زعمكم ودعواكم كقوله : ﴿ وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر ﴾.
القول الثاني :أن هؤلاء المبطئين كانوا ضعفة المؤمنين وهو اختيار جماعة من المفسرين قالوا :والتبطئة بمعنى الإبطاء أيضا، وفائدة هذا التشديد تكرر الفعل منه. وحكى أهل اللغة أن العرب تقول :ما أبطأ بك يا فلان عنا، وإدخالهم الباء يدل على أنه في نفسه غير متعد، فعلى هذا معنى الآية أن فيهم من يبطئ عن هذا الغرض ويتثاقل عن هذا الجهاد، فإذا ظفر المسلمون تمنوا أن يكونوا معهم ليأخذوا الغنيمة، وإن أصابتهم مصيبة سرهم أن كانوا متخلفين. قال :وهؤلاء هم الذين أرادهم الله بقوله : ﴿ يا أيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ﴾ قال :والذي يدل على أن المراد بقوله : ﴿ ليبطئن ﴾ الإبطاء منهم لا تثبيط غيرهم، ما حكاه تعالى من قولهم : ﴿ يا ليتني كنت معهم ﴾ عند الغنيمة، ولو كان المراد منه تثبيط الغير لم يكن لهذا الكلام معنى. وطعن القاضي في هذا القول وقال :إنه تعالى حكى عن هؤلاء المبطئين أنهم يقولون عند مصيبة المؤمنين : ﴿ قد أنعم الله على إذ لم أكن معهم شهيدا ﴾ فيعد قعوده عن القتال نعمة من الله تعالى، ومثل هذا الكلام إنما يليق بالمنافقين لا بالمؤمنين، وأيضا لا يليق بالمؤمنين أن يقال لهم : ﴿ كأن لم تكن بينكم وبينه ﴾ يعني الرسول : ﴿ مودة ﴾ فثبت أنه لا يمكن حمله على المؤمنين، وإنما يمكن حمله على المنافقين، ثم قال :فإن حمل على أنه من الإبطاء والتثاقل صح في المنافقين، لأنهم كانوا يتأخرون عن الجهاد ويتثاقلون ولا يسرعون إليه، وإن حمل على تثبيط الغير صح أيضا فيهم، فقد كانوا يثبطون كثيرا من المؤمنين بما يوردون عليهم من أنواع التلبيس، فكلا الوصفين موجود في المنافقين، وأكثر المفسرين حمله على تثبيط الغير، فكأنهم فصلوا بين أبطأ وبطأ، فجعلوا الأول لازما، والثاني متعديا، كما يقال في أحب وحب، فإن الأول لازم والثاني متعد.
المسألة الثانية :قال الزجاج : «من » في قوله : ﴿ لمن ليبطئن ﴾ موصولة بالحال للقسم كأن هذا لو كان كلاما لقلت إن منكم لمن حلف بالله ليبطئن.
ثم قال تعالى : ﴿ فإن أصابتكم مصيبة ﴾ يعني من القتل والانهزام وجهد من العيش. يعني لم أكن معهم شهيدا حاضرا حتى يصيبني ما أصابهم من البلاء والشدة.
﴿ ولئن أصابكم فضل من الله ﴾ من ظفر وغنيمة ليقولن : ﴿ كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ﴿ كأن لم تكن ﴾ بالتاء المنقطة من فوق يعني المودة، والباقون بالياء لتقدم الفعل. قال الواحدي :وكلا القراءتين قد جاء به التنزيل. قال : ﴿ قد جاءتكم موعظة من ربكم ﴾ وقال في آية أخرى : ﴿ فمن جاءه موعظة من ربه ﴾ فالتأنيث هو الأصل والتذكير يحسن إذا كان التأنيث غير حقيقي، سيما إذا وقع فاصل بين الفعل والفاعل.
المسألة الثانية :قرأ الحسن ﴿ ليقولن ﴾ بضم اللام أعاد الضمير إلى معنى «من » لأن قوله : ﴿ لمن ليبطئن ﴾ في معنى الجماعة، إلا أن هذه القراءة ضعيفة لأن «من » وإن كان جماعة في المعنى لكنه مفرد في اللفظ، وجانب الأفراد قد ترجح في قوله : ﴿ قال قد أنعم الله على ﴾ وفي قوله : ﴿ يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ﴾.
المسألة الثالثة :لقائل أن يقول :لو كان التنزيل هكذا :ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما كان النظم مستقيما حسنا، فكيف وقع قوله : ﴿ كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ﴾ في البين ؟
وجوابه :أنه اعتراض وقع في البين وهو في غاية الحسن، بيانه أنه تعالى حكى عن هذا المنافق أنه إذا وقعت للمسلمين نكبة أظهر السرور الشديد بسبب أنه كان متخلفا عنهم، ولو فازوا بغنيمة ودولة أظهر الغم الشديد بسبب فوات تلك الغنيمة، ومثل هذه المعاملة لا يقدم عليها الإنسان إلا في حق الأجنبي العدو، لأن من أحب إنسانا فرح عند فرحه وحزن عند حزنه، فأما إذا قلبت هذه القضية فذاك إظهار للعداوة.
إذا عرفت هذه المقدمة فنقول :إنه تعالى حكى عن هذا المنافق سروره وقت نكبة المسلمين، ثم أراد أن يحكي حزنه عند دولة المسلمين بسبب أنه فاته الغنيمة، فقبل أن يذكر هذا الكلام بتمامه ألقى في البين قوله : ﴿ كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ﴾ والمراد التعجب كأنه تعالى يقول :انظروا إلى ما يقول هذا المنافق كأنه ليس بينكم أيها المؤمنون وبينه مودة ولا مخالطة أصلا، فهذا هو المراد من الكلام، وهو وإن كان كلاما واقعا في البين على سبيل الاعتراض إلا أنه في غاية الحسن.
قوله تعالى : ﴿ فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ﴾
اعلم أنه تعالى لما ذم المبطئين في الجهاد عاد إلى الترغيب فيه فقال : ﴿ فليقاتل فى سبيل الله ﴾ وللمفسرين في قوله : ﴿ يشرون الحياة الدنيا ﴾ وجهان :الأول :أن ﴿ يشرون ﴾ معناه يبيعون قال ابن مفرغ
وشريت بردا ليتني *** من بعد برد كنت هامه
قال :وبرد هو غلامه، وشريته بمعنى بعته، وتمنى الموت بعد بيعه، فكان معنى الآية :فليقاتل في سبيل الله الذين يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، وهو كقوله : ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ﴾ إلى قوله : ﴿ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ﴾.
والقول الثاني :معنى قوله : ﴿ يشرون ﴾ أي يشترون قالوا :والمخاطبون بهذا الخطاب هم المنافقون الذين تخلفوا عن أحد، وتقرير الكلام :فليقاتل الذين يختارون الحياة الدنيا على الآخرة، وعلى هذا التقدير فلا بد من حذف تقديره :آمنوا ثم قاتلوا لاستحالة حصول الأمر بشرائع الإسلام قبل حصول الإسلام. وعندي في الآية احتمالات أخرى :أحدها :أن الإنسان لما أراد أن يبذل هذه الحياة الدنيا في سبيل الله بخلت نفسه بها، فاشتراها من نفسه بسعادة الآخرة ليقدر على بذلها في سبيل الله بطيبة النفس. وثانيها :أنه تعالى أمر بالقتال مقرونا ببيان فساد ما لأجله يترك الإنسان القتال، فإن من ترك القتال فإنما يتركه رغبة في الحياة الدنيا، وذلك يوجب فوات سعادة الآخرة، فكأنه قيل له :اشتغل بالقتال واترك ترجيح الفاني على الباقي. وثالثها :كأنه قيل :الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة إنما رجحوا الحياة الدنيا على الآخرة إذا كانت مقرونة بالسعادة والغبطة والكرامة وإذا كان كذلك فليقاتلوا، فإنهم بالمقاتلة يفوزون بالغبطة والكرامة في الدنيا، لأنهم بالمقاتلة يستولون على الأعداء ويفوزون بالأموال، فهذه وجوه خطرت بالبال والله أعلم بمراده.
ثم قال تعالى : ﴿ ومن يقاتل فى سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ﴾ والمعنى من يقاتل في سبيل الله فسواء صار مقتولا للكفار أو صار غالبا للكفار فسوف نؤتيه أجرا عظيما، وهو المنفعة الخالصة الدائمة المقرونة بالتعظيم، ومعلوم أنه لا واسطة بين هاتين الحالتين، فإذا كان الأجر حاصلا على كلا التقديرين لم يكن عمل أشرف من الجهاد. وهذا يدل على أن المجاهد لا بد وأن يوطن نفسه على أنه لا بد من أحد أمرين، إما أن يقتله العدو، وإما أن يغلب العدو ويقهره، فإنه إذا عزم على ذلك لم يفر عن الخصم ولم يحجم عن المحاربة، فأما إذا دخل لا على هذا العزم فما أسرع ما يقع في الفرار، فهذا معنى ما ذكره الله تعالى من التقسيم في قوله : ﴿ فيقتل أو يغلب ﴾.
قوله تعالى : ﴿ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا ﴾
اعمل أن المراد منه إنكاره تعالى لتركهم القتال، فصار ذلك توكيدا لما تقدم من الأمر بالجهاد وفيه مسائل :
المسألة الأولى :قوله : ﴿ وما لكم لا تقاتلون ﴾ يدل على أن الجهاد واجب، ومعناه أنه لا عذر لكم في ترك المقاتلة وقد بلغ حال المستضعفين من الرجال والنساء والولدان من المسلمين إلى ما بلغ في الضعف، فهذا حث شديد على القتال، وبيان العلة التي لها صار القتال واجبا، وهو ما في القتال من تخليص هؤلاء المؤمنين من أيدي الكفرة، لأن هذا الجمع إلى الجهاد يجري مجرى فكاك الأسير.
المسألة الثانية :قالت المعتزلة قوله : ﴿ وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله ﴾ إنكار عليهم في ترك القتال وبيان أنه لا عذر لهم البتة في تركه، ولو كان فعل العبد بخلق الله لبطل هذا الكلام لأن من أعظم العذر أن الله ما خلقه وما أراده وما قضى به، وجوابه مذكور.
المسألة الثالثة :اتفقوا على أن قوله : ﴿ والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ﴾ متصل بما قبله، وفيه وجهان :أحدهما :أن يكون عطفا على السبيل، والمعنى :مالكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي المستضعفين. والثاني :أن يكون معطوفا على اسم الله عز وجل، أي في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين.
المسألة الرابعة :المراد بالمستضعفين من الرجال والنساء والولدان قوم من المسلمين بقوا بمكة وعجزوا عن الهجرة إلى المدينة، وكانوا يلقون من كفار مكة أذى شديدا. قال ابن عباس :كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان.
المسألة الخامسة :الولدان :جمع الولد، ونظيره مما جاء على فعل وفعلان، نحو حزب وحزبان، وورك ووركان، كذلك ولد وولدان. قال صاحب «الكشاف » :ويجوز أن يراد بالرجال والنساء الأحرار والحرائر، وبالولدان العبيد والإماء، لأن العبد والأمة يقال لهما الوليد والوليدة، وجمعهما الولدان والولائد، إلا أنه جعل ههنا الولدان جمعا للذكور والإناث تغليبا للذكور على الإناث، كما يقال آباء وإخوة والله أعلم.
المسألة السادسة :إنما ذكر الله الولدان مبالغة في شرح ظلمهم حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين إرغاما لآبائهم وأمهاتهم، ومبغضة لهم بمكانهم، ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالا لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا، كما وردت السنة بإخراجهم في الاستسقاء، ثم حكى تعالى عن هؤلاء المستضعفين أنهم كانوا يقولون : ﴿ ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :أجمعوا على أن المراد امن هذه القرية الظالم أهلها مكة، وكون أهلها موصوفين بالظلم يحتمل أن يكون لأنهم كانوا مشركين قال تعالى : ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ وأن يكون لأجل أنهم كانوا يؤذون المسلمين ويوصلون إليهم أنواع المكاره.
المسألة الثانية :لقائل أن يقول :القرية مؤنثة، وقوله : ﴿ الظالم أهلها ﴾ صفة للقرية ولذلك خفض، فكان ينبغي أن يقال :الظالمة أهلها، وجوابه أن النحويين يسمون مثل هذه الصفة الصفة المشبهة باسم الفاعل، والأصل في هذا الباب :أنك إذا أدخلت الألف واللام في الأخير أجريته على الأول في تذكيره وتأنيثه، نحو قولك :مررت بامرأة حسنة الزوج كريمة الأب، ومررت برجل جميل الجارية، واذا لم تدخل الألف واللام في الأخير حملته على الثاني في تذكيره وتأنيثه كقولك :مررت بامرأة كريم أبوها، ومن هذا قوله تعالى : ﴿ أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ﴾ ولو أدخلت الألف واللام على الأهل لقلت من هذه القرية الظالمة الأهل، وإنما جاز أن يكون الظالم نعتا للقرية لأنه صفة للأهل، والأهل منتسبون إلى القرية، وهذا القدر كاف في صحة الوصف كقولك مررت برجل قائم أبوه، فالقيام للأب وقد جعلته وصفا للرجل، وإنما كان هذا القدر كافيا في صحة الوصف لأن المقصود من الوصف التخصيص والتمييز، وهذا المقصود حاصل من مثل هذا الوصف، والله أعلم.
المسألة الثانية :في قوله : ﴿ واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا ﴾ قولان :فالأول :قال ابن عباس :يريدون اجعل علينا رجلا من المؤمنين يوالينا ويقوم بمصالحنا ويحفظ علينا ديننا وشرعنا، فأجاب الله تعالى دعاءهم لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما فتح مكة جعل عتاب بن أسيد أميرا لهم، فكان الولي هو الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان النصير عتاب بن أسيد، وكان عتاب ينصف الضعيف من القوي والذليل من العزيز. الثاني :المراد :واجعل لنا من لدنك ولاية ونصرة، والحاصل كن أنت لنا وليا وناصرا.
قوله تعالى : ﴿ الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا ﴾.
واعلم أنه تعالى لما بين وجوب الجهاد بين أنه لا عبرة بصورة الجهاد. بل العبرة بالقصد والداعي، فالمؤمنون يقاتلون لغرض نصرة دين الله وإعلاء كلمته، والكافرون يقاتلون في سبيل الطاغوت، وهذه الآية كالدلالة على أن كل من كان غرضه في فعله رضا غير الله فهو في سبيل الطاغوت، لأنه تعالى لما ذكر هذه القسمة وهي أن القتال إما أن يكون في سبيل الله :أو في سبيل الطاغوت وجب أن يكون ما سوى الله طاغوتا، ثم إنه تعالى أمر المقاتلين في سبيل الله بأن يقاتلوا أولياء الشيطان، وبين أن كيد الشيطان كان ضعيفا، لأن الله ينصر أولياءه، والشيطان ينصر أولياءه ولا شك أن نصرة الشيطان لأوليائه أضعف من نصرة الله لأوليائه، ألا ترى أن أهل الخير والدين يبقى ذكرهم الجميل على وجه الدهر وإن كانوا حال حياتهم في غاية الفقر والذلة، وأما الملوك والجبابرة فإذا ماتوا انقرض أثرهم ولا يبقى في الدنيا رسمهم ولا ظلمهم، والكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال عليه يقال :كاده يكيده إذا سعى في إيقاع الضرر على جهة الحيلة عليه وفائدة إدخال ﴿ كان ﴾ في قوله : ﴿ كان ضعيفا ﴾ للتأكيد لضعف كيده، يعني أنه منذ كان كان موصوفا بالضعف والذلة.
قوله تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا ﴾.
وفيه مسائل :
المسألة الأولى :هذه الآية صفة للمؤمنين أو المنافقين ؟ فيه قولان :الأول :أن الآية نزلت في المؤمنين، قال الكلبي :نزلت في عبد الرحمن بن عوف والمقداد وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص، كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجروا إلى المدينة، ويلقون من المشركين أذى شديدا فيشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون :ائذن لنا في قتالهم ويقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :كفوا أيديكم فإني لم أومر بقتالهم، واشتغلوا بإقامة دينكم من الصلاة والزكاة، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأمروا بقتالهم في وقعة بدر كرهه بعضهم، فأنزل الله هذه الآية. واحتج الذاهبون إلى هذا القول بان الذين يحتاج الرسول أن يقول لهم :كفوا عن القتال هم الراغبون في القتال، والراغبون في القتال هم المؤمنون، فدل هذا على أن الآية نازلة في حق المؤمنين. ويمكن الجواب عنه بأن المنافقين كانوا يظهرون من أنفسهم أنا مؤمنون وأنا نريد قتال الكفار ومحاربتهم، فلما أمر الله بقتالهم الكفار أحجم المنافقون عنه وظهر منهم خلاف ما كانوا يقولونه.
القول الثاني :أن الآية نازلة في حق المنافقين، واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن الآية مشتملة على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين. فالأول :أنه تعالى قال في وصفهم : ﴿ يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ﴾ ومعلوم أن هذا الوصف لا يليق إلا بالمنافق، لأن المؤمن لا يجوز أن يكون خوفه من الناس أزيد من خوفه من الله تعالى. والثاني :أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا :ربنا لم كتبت علينا القتال، والاعتراض على الله ليس إلا من صفة الكفار والمنافقين. الثالث :أنه تعالى قال للرسول : ﴿ قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ﴾ وهذا الكلام يذكر مع من كانت رغبته في الدنيا أكثر من رغبته في الآخرة، وذلك من صفات المنافقين.
وأجاب القائلون بالقول الأول عن هذه الوجوه بحرف واحد، وهو أن حب الحياة والنفرة عن القتل من لوازم الطباع، فالخشية المذكورة في هذه الآية محمولة على هذا المعنى، وقولهم : ﴿ لم كتبت علينا القتال ﴾ محمول على التمني لتخفيف التكليف لا على وجه الإنكار لا يجاب الله تعالى، وقوله تعالى : ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ مذكور لا لأن القوم كانوا منكرين لذلك، بل لأجل إسماع الله لهم هذا الكلام مما يهون على القلب أمر هذه الحياة، فحينئذ يزول من قلبهم نفرة القتال وحب الحياة ويقدمون على الجهاد بقلب قوي، فهذا ما في تقرير هذين القوين والله أعلم، والأولى حمل الآية على المنافقين لأنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله :
﴿ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ﴾ ولا شك أن هذا من كلام المنافقين، فإذا كانت هذه الآية معطوفة على الآية التي نحن في تفسيرها ثم المعطوف في المنافقين وجب أن يكون المعطوف عليهم فيهم أيضا.
المسألة الثانية :دلت الآية على أن إيجاب الصلاة والزكاة كان مقدما على إيجاب الجهاد، وهذا هو الترتيب المطابق لما في العقول، لأن الصلاة عبارة عن التعظيم لأمر الله، والزكاة عبارة عن الشفقة على خلق الله، ولا شك أنهما مقدمان على الجهاد.
المسألة الثالثة :قوله : ﴿ كخشية الله ﴾ مصدر مضاف إلى المفعول.
المسألة الرابعة :ظاهر قوله : ﴿ أو أشد خشية ﴾ يوهم الشك، وذلك على علام الغيوب محال. وفيه وجوه من التأويل :الأول :المراد منه الإبهام على المخاطب، بمعنى أنهم على إحدى الصفتين من المساواة والشدة، وذلك لأن كل خوفين فأحدهما بالنسبة إلى الآخر إما أن يكون أنقص أو مساويا أو أزيد فبين تعالى بهذه الآية أن خوفهم من الناس ليس أنقص من خوفهم من الله، بل بقي إما أن يكون مساويا أو أزيد، فهذا لا يوجب كونه تعالى شاكا فيه، بل يوجب إبقاء الإبهام في هذين القسمين على المخاطب. الثاني :أن يكون «أو » بمعنى الواو، والتقدير :يخشونهم كخشية الله وأشد خشية، وليس بين هذين القسمين منافاة، لأن من هو أشد خشية فمعه من الخشية مثل خشيته من الله وزيادة. الثالث :أن هذا نظير قوله : ﴿ وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ﴾ يعني أن من يبصرهم يقول هذا الكلام، فكذا ههنا والله أعلم.
ثم قال تعالى : ﴿ وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ﴾.
واعلم أن هؤلاء القائلين إن كانوا مؤمنين فهم إنما قالوا ذلك لا اعتراضا على الله، لكن جزعا من الموت وحبا للحياة، وإن كانوا منافقين فمعلوم أنهم كانوا منكرين لكون الرب تعالى كاتبا للقتال عليهم، فقالوا ذلك على معنى أنه تعالى كتب القتال عليهم في زعم الرسول عليه الصلاة والسلام وفي دعواه، ثم قالوا : ﴿ لولا أخرتنا إلى أجل قريب ﴾ وهذا كالعلة لكراهتهم لإيجاب القتال عليهم، أي هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا، ثم إنه تعالى أجاب عن شبهتهم فقال : ﴿ قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ﴾ وإنما قلنا :إن الآخرة خير لوجود :الأول :ان نعم الدنيا قليلة، ونعم الآخرة كثيرة. والثاني :ان نعم الدنيا منقطعة ونعم الآخرة مؤبدة. والثالث :أن نعم الدنيا مشوبة بالهموم والغموم والمكاره، ونعم الآخرة صافية عن الكدورات. والرابع :أن نعم الدنيا مشكوكة فإن أعظم الناس تنعما لا يعرف أنه كيف يكون عاقبته في اليوم الثاني، ونعم الآخرة يقينية، وكل هذه الوجوه تجب رجحان الآخرة على الدنيا، إلا أن هذه الخيرية إنما تحصل للمؤمنين المتقين، فلهذا المعنى ذكر تعالى هذا الشرط وهو قوله : ﴿ لمن اتقى ﴾ وهذا هو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام : «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ».
ثم قال تعالى : ﴿ ولا تظلمون فتيلا ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي :( يظلمون ) بالياء على أنه راجع إلى المذكورين في قوله : ﴿ ألم ترى إلى الذين قيل ﴾ والباقون بالتاء على سبيل الخطاب، ويؤيد التاء قوله : ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ فإن قوله : ﴿ قل ﴾ يفيد الخطاب.
المسألة الثانية :قالت المعتزلة :الآية تدل على أنهم يستحقون على طاعتهم الثواب، وإلا لما تحقق نفي الظلم، وتدل على أنه تعالى يصح منه الظلم وإن كنا نقطع بأنه لا يفعل، وإلا لما صح التمدح به.
المسألة الثالثة :قوله : ﴿ ولا تظلمون فتيلا ﴾ أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم مثل فتيل النواة وهو ما تفتله بيدك ثم تلقيه احتقارا. وقد مضى الكلام فيه.
قوله تعالى : ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ﴾
والمقصود من هذا الكلام تبكيت من حكى عنهم أنهم عند فرض القتال يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال، فقال تعالى : ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ﴾ فبين تعالى أنه لا خلاص لهم من الموت، والجهاد موت مستعقب لسعادة الآخرة، فإذا كان لا بد من الموت، فبأن يقع على وجه يكون مستعقبا للسعادة الأبدية كان أولى من أن لا يكون كذلك، ونظير هذه الآية قوله : ﴿ قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا ﴾ والبروج في كلام العرب هي القصور والحصون، وأصلها في اللغة من الظهور، يقال :تبرجت المرأة، إذا أظهرت محاسنها، والمشيدة المرتفعة، وقرئ ﴿ مشيدة ﴾ قال صاحب «الكشاف » :من شاد القصر إذا رفعه أو طلاه بالشيد وهو الجص، وقرأ نعيم بن ميسرة بكسر الياء وصفا لها بفعل فاعلها مجازا، كما قالوا :قصيدة شاعرة، وإنما الشاعر قائلها.
قوله تعالى : ﴿ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ﴾.
اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافقين كونهم متثاقلين عن الجهاد خائفين من الموت غير راغبين في سعادة الآخرة حكى عنهم في هذه الآية خصلة أخرى قبيحة أقبح من الأولى، وفي النظم وجه آخر، وهو أن هؤلاء الخائفين من الموت المتثاقلين في الجهاد من عادتهم أنهم إذا جاهدوا وقاتلوا فإن أصابوا واحة وغنيمة قالوا :هذه من عند الله، وإن أصابهم مكروه قالوا :هذا من شؤم مصاحبة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على غاية حمقهم وجهلهم وشدة عنادهم، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :ذكروا في الحسنة والسيئة وجوها ؛ الأول :قال المفسرون :كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك الله عنهم بعض الإمساك كما جرت عادته في جميع الأمم، قال تعالى : ﴿ وما أرسلنا فى قرية من نبى إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء ﴾ فعند هذا قال اليهود والمنافقون :ما رأينا أعظم شؤما من هذا الرجل، نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم، فقوله تعالى : ﴿ وإن تصبهم حسنة ﴾ يعني الخصب ورخص السعر وتتابع الأمطار قالوا :هذا من عند الله ﴿ وإن تصبهم سيئة ﴾ جدب وغلاء سعر قالوا هذا من شؤم محمد، وهذا كقوله تعالى : ﴿ فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ﴾ وعن قوم صالح : ﴿ قالوا أطيرنا بك وبمن معك ﴾.
القول الثاني :المراد من الحسنة النصر على الأعداء والغنيمة، ومن السيئة القتل والهزيمة قال القاضي :والقول الأول هو المعتبر لأن إضافة الخصب والغلاء إلى الله وكثرة النعم وقلتها إلى الله جائزة، أما إضافة النصر والهزيمة إلى الله فغير جائزة، لأن السيئة إذا كانت بمعنى الهزيمة والقتل لم يجز إضافتها إلى الله، وأقول :القول كما قال على مذهبه، أما على مذهبنا فالكل داخل في قضاء الله وقدره.
المسألة الثانية :اعلم أن السيئة تقع على البلية والمعصية، والحسنة على النعمة والطاعة قال تعالى : ﴿ وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ﴾ وقال : ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾.
إذا عرفت هذا فنقول :قوله : ﴿ وإن تصبهم حسنة ﴾ يفيد العموم في كل الحسنات، وكذلك قوله : ﴿ وإن تصبهم سيئة ﴾ يفيد العموم في كل السيئات، ثم قال بعد ذلك : ﴿ قل كل من عند الله ﴾ فهذا تصريح بأن جميع الحسنات والسيئات من الله، ولما ثبت بما ذكرنا أن الطاعات والمعاصي داخلتان تحت اسم الحسنة والسيئة كانت الآية دالة على أن جميع الطاعات والمعاصي من الله، وهو المطلوب.
فإن قيل :المراد ههنا بالحسنة والسيئة ليس هو الطاعة والمعصية، ويدل عليه وجوه :الأول :اتفاق الكل على أن هذه الآية نازلة في معنى الخصب والجدب فكانت مختصة بهما. الثاني :أن الحسنة التي يراد بها الخير والطاعة لا يقال فيها أصابتني، إنما يقال أصبتها، وليس في كلام العرب أصابت فلانا حسنة بمعنى عمل خيرا، أو أصابته سيئة بمعنى عمل معصية، فعلى هذا لو كان المراد ما ذكرتم لقال إن أصبتم حسنة. الثالث :لفظ الحسنة واقع بالاشتراك على الطاعة وعلى المنفعة، وههنا أجمع المفسرون على أن المنفعة مرادة، فيمتنع كون الطاعة مرادة، ضرورة أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معا.
فالجواب عن الأول :أنكم تسلمون أن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ.
والجواب عن الثاني :أنه يصح أن يقال :أصابني توفيق من الله وعون من الله، وأصابه خذلان من الله، ويكون مراده من ذلك التوفيق والعون تلك الطاعة، ومن الخذلان تلك المعصية.
والجواب عن الثالث :أن كل ما كان منتفعا به فهو حسنة، فإن كان منتفعا به في الآخرة فهو الطاعة، وإن كان منتفعا به في الدنيا فهو السعادة الحاضرة، فاسم الحسنة بالنسبة إلى هذين القسمين متواطئ الاشتراك، فزال السؤال. فثبت أن ظاهر الآية يدل على ما ذكرناه، ومما يدل على أن المراد ليس إلا ذاك ما ثبت في بدائه العقول أن كل موجود فهو إما واجب لذاته، وإما ممكن لذاته، والواجب لذاته واحد وهو الله سبحانه وتعالى، والممكن لذاته كل ما سواه، فالممكن لذاته إن استغنى عن المؤثر فسد الاستدلال بجواز العالم وحدوثه على وجود الصانع، وحينئذ يلزم نفي الصانع، وإن كان الممكن لذاته محتاجا إلى المؤثر، فإذا كان كل ما سوى الله ممكنا كان كل ما سوى الله مستندا إلى الله، وهذا الحكم لا يختلف بأن يكون ذلك الممكن ملكا أو جمادا أو فعلا للحيوان أو صفة للنبات، فإن الحكم لاستناد الممكن لذاته إلى الواجب لذاته لما بينا من كونه ممكنا كان الكل فيه على السوية، وهذا برهان أوضح وأبين من قرص الشمس على أن الحق ما ذكره تعالى، وهو قوله : ﴿ قل كل من عند الله ﴾.
ثم قال تعالى : ﴿ فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :أنه لما كان البرهان الدال على أن كل ما سوى الله مستندا إلى الله على الوجه الذي لخصناه في غاية الظهور والجلاء، قال تعالى : ﴿ فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ﴾ وهذا يجري مجرى التعجب من عدم وقوفهم على صحة هذا الكلام مع ظهوره. قالت المعتزلة :بل هذه الآية دالة على صحة قولنا، لأنه لو كان حصول الفهم والمعرفة بتخليق الله تعالى لم يبق لهذا التعجب معنى البتة، لأن السبب في عدم حصول هذه المعرفة هو أنه تعالى ما خلقها وما أوجدها، وذلك يبطل هذا التعجب، فحصول هذا التعجب يدل على أنه إنما تحصل بإيجاد العبد لا بإيجاد الله تعالى.
واعلم أن هذا الكلام ليس إلا التمسك بطريقة المدح والذم، وقد ذكرنا أنها معارضة بالعلم.
المسألة الثانية :قالت المعتزلة :أجمع المفسرون على أن المراد من قوله : ﴿ لا يكادون يفقهون حديثا ﴾ أنهم لا يفقهون هذه الآية المذكورة في هذا الموضع، وهذا يقتضي وصف القرآن بأنه حديث، والحديث فعيل بمعنى مفعول، فيلزم منه أن يكون القرآن محدثا.
والجواب :مرادكم بالقرآن ليس إلا هذه العبارات، ونحن لا ننازع في كونها محدثة.
المسألة الثالثة :الفقه :الفهم، يقال أوتى فلانا فقها، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس : «فقهه في التأويل » أي فهمه.
ثم قال تعالى : ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا ﴾
قال أبو علي الجبائي :قد ثبت أن لفظ السيئة تارة يقع على البلية والمحنة، وتارة يقع على الذنب والمعصية، ثم إنه تعالى أضاف السيئة إلى نفسه في الآية الأولى بقوله : ﴿ قل كل من عند الله ﴾ وأضافها في هذه الآية إلى العبد بقوله : ﴿ وما أصابك من سيئة فمن نفسك ﴾ فلا بد من التوفيق بين هاتين الآيتين وإزالة التناقض عنهما، ولما كانت السيئة بمعنى البلاء والشدة مضافة إلى الله وجب أن تكون السيئة بمعنى المعصية مضافة إلى العبد حتى يزول التناقض بين هاتين الآيتين المتجاورتين، قال :وقد حمل المخالفون أنفسهم على تغيير الآية وقرؤا : ﴿ فمن تعسك ﴾ فغيروا القرآن وسلكوا مثل طريقة الرافضة من ادعاء التغيير في القرآن.
فإن قيل :فلماذا فصل تعالى بين الحسنة والسيئة في هذه الآية فأضاف الحسنة التي هي الطاعة إلى نفسه دون السيئة وكلاهما فعل العبد عندكم ؟
قلنا :لأن الحسنة وإن كانت من فعل العبد فإنما وصل إليها بتسهيله تعالى وألطافه فصحت الإضافة إليه، وأما السيئة التي هي من فعل العبد فهي غير مضافة إلى الله تعالى لا بأنه تعالى فعلها ولا بأنه أرادها، ولا بأنه أمر بها، ولا بأنه رغب فيها، فلا جرم انقطعت إضافة هذه السيئة من جميع الوجوه إلى الله تعالى. هذا منتهى كلام الرجل في هذا الموضع.
ونحن نقول :هذه الآية دالة على أن الإيمان حصل بتخليق الله تعالى، والقوم لا يقولون به فصاروا محجوجين بالآية.
إنما قلنا :إن الآية دالة على ذلك لأن الإيمان حسنة، وكل حسنة فمن الله.
إنما قلنا :إن الإيمان حسنة، لأن الحسنة هي الغبطة الخالية عن جميع جهات القبح، ولا شك أن الإيمان كذلك، فوجب أن يكون حسنة لأنهم اتفقوا على أن قوله : ﴿ ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله ﴾ المراد به كلمة الشهادة، وقيل في قوله : ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴾ قيل :هو لا إله إلا الله، فثبت أن الإيمان حسنة، وإنما قلنا إن كل حسنة من الله لقوله تعالى : ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله ﴾ وقوله : ﴿ ما أصابك من حسنة ﴾ يفيد العموم في جميع الحسنات، ثم حكم على كلها بأنها من الله، فيلزم من هاتين المقدمتين، أعني أن الإيمان حسنة، وكل حسنة من الله، القطع بأن الإيمان من الله.
فإن قيل :لم لا يجوز أن يكون المراد من كون الإيمان من الله هو أن الله أقدره عليه وهداه إلى معرفة حسنة، وإلى معرفة قبح ضده الذي هو الكفر ؟
قلنا :جميع الشرائع مشتركة بالنسبة إلى الإيمان والكفر عندكم، ثم إن العبد باختيار نفسه أوجد الإيمان، ولا مدخل لقدرة الله وإعانته في نفس الإيمان، فكان الإيمان منقطعا عن الله في كل الوجوه، فكان هذا مناقضا لقوله : ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله ﴾ فثبت بدلالة هذه الآية أن الإيمان من الله، والخصوم لا يقولون به، فصاروا محجوجين في هذه المسألة، ثم إذا أردنا أن نبين أن الكفر أيضا من الله.
قلنا فيه وجوه :الأول :أن كل من قال :الإيمان من الله قال :الكفر من الله، فالقول بأن أحدهما من الله دون الآخر مخالف لإجماع الأمة. الثاني :أن العبد لو قدر على تحصيل الكفر فالقدرة الصالحة لإيجاد الكفر إما أن تكون صالحة لإيجاد الإيمان أو لا تكون، فإن كانت صالحة لإيجاد الإيمان فحينئذ يعود القول في أن إيمان العبد منه، وإن لم تكن صالحة لإيجاد الإيمان فحينئذ يكون القادر على الشيء غير قادر على ضده، وذلك عندهم محال، ولأن على هذا التقدير تكون القدرة موجبة للمقدور، وذلك يمنع من كونه قادرا عليه، فثبت أنه لما لم يكن الإيمان منه وجب أن لا يكون الكفر منه. الثالث :أنه لما لم يكن العبد موجدا للإيمان فبأن لا يكون موجدا للكفر أولى، وذلك لأن المستقل بإيجاد الشيء هو الذي يمكنه تحصيل مراده، ولا نرى في الدنيا عاقلا إلا ويريد أن يكون الحاصل في قلبه هو الإيمان والمعرفة والحق، وإن أحدا من العقلاء لا يريد أن يكون الحاصل في قلبه هو الجهل والضلال والاعتقاد الخطأ، فإذا كان العبد موجدا لأفعال نفسه وهو لا يقصد إلا تحصيل العلم الحق المطابق، وجب أن لا يحصل في قلبه إلا الحق، فإذا كان الإيمان الذي هو مقصوده ومطلوبه ومراده لم يقطع بإيجاده، فبأن يكون الجهل الذي ما أراده وما قصد تحصيله وكان في غاية النفرة عنه والفرار منه غير واقع بإيجاده وتكوينه كان ذلك أولى. والحاصل أن الشبهة في أن الإيمان واقع بقدرة العبد أشد من الشبهة في وقوع الكفر بقدرته، فلما بين تعالى في الإيمان أنه من الله ترك ذكر الكفر للوجه الذي ذكرناه، فهذا جملة الكلام في بيان دلالة هذه الآية على مذهب إمامنا.
أما ما احتج الجبائي به على مذهبه من قوله : ﴿ وما أصابك من سيئة فمن نفسك ﴾.
فالجواب عنه من وجهين :الأول :أنه تعالى قال حكاية عن إبراهيم عليه السلام : ﴿ وإذا مرضت فهو يشفين ﴾ أضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله، فلم يقدح ذلك في كونه تعالى خالقا للمرض والشفاء، بل إنما فصل بينهما رعاية الأدب، فكذا ههنا، فإنه يقال :يا مدبر السماوات والأرض، ولا يقال يا مدبر القمل والصيبان والخنافس، فكذا ههنا. الثاني :أكثر المفسرين قالوا في تفسير قول إبراهيم : ﴿ هذا ربى ﴾ أنه ذكر هذا استفهاما على سبيل الإنكار، كأنه قال :أهذا ربي، فكذا ههنا، كأنه قيل :الإيمان الذي وقع على وفق قصده قد بينا أنه ليس واقعا منه، بل من الله، فهذا الكفر ما قصده وما أراده وما رضي به البتة، أفيدخل في العقل أن يقال :إنه وقع به ؟ فأنا بينا أن الحسنة في هذه الآية يدخل فيها الإيمان، والسيئة يدخل فيها الكفر، أما قراءة من قرأ ﴿ فمن نفسك ﴾ فنقول :إن صح أنه قرأ بهذه الآية واحد من الصحابة والتابعين فلا طعن فيه، وإن لم يصح ذلك فالمراد أن من حمل الآية على أنها وردت على سبيل الاستفهام على وجه الإنكار ذكر في تفسير الاستفهام على سبيل الإنكار هذا الكلام، لأنه لما أضاف السيئة إليهم في معرض الاستفهام على سبيل الإنكار كان المراد أنها غير مضافة إليهم، فذكر هذا القائل قوله : ﴿ فمن نفسك ﴾ لا على اعتقاد أنه من القرآن، بل لأجل أنه يجري مجرى التفسير لقولنا :إنه استفهام على سبيل الإنكار، ومما يدل دلالة ظاهرة على أن المراد من هذه الآيات إسناد جميع الأمور إلى الله تعالى، قوله تعالى بعد هذه الآية : ﴿ وأرسلناك للناس رسولا ﴾ يعني ليس لك إلا الرسالة والتبليغ، وقد فعلت ذلك وما قصرت ﴿ وكفى بالله شهيدا ﴾ على جدك وعدم تقصيرك في أداء الرسالة وتبليغ الوحي، فأما حصول الهداية فليس إليك بل إلى الله، ونظيره قوله تعالى : ﴿ ليس لك من الأمر شىء ﴾ وقوله : ﴿ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ فهذا جملة ما خطر بالبال في هذه الآية، والله أعلم بأسرار كلامه.
ثم إنه تعالى أكد هذا الذي قلناه فقال تعالى : ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ﴾
والمعنى أن من أطاع الرسول لكونه رسولا مبلغا إلى الخلق أحكام الله فهو في الحقيقة ما أطاع إلا الله، وذلك في الحقيقة لا يكون إلا بتوفيق الله، ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا، فإن من أعماه الله عن الرشد وأضله عن الطريق، فإن أحدا من الخلق لا يقدر على إرشاده.
واعلم أن من أنار الله قلبه بنور الهداية قطع بأن الأمر كما ذكرنا، فإنك ترى الدليل الواحد تعرضه على شخصين في مجلس واحد، ثم إن أحدهما يزداد إيمانا على إيمان عند سماعه، والآخر يزداد كفرا على كفر عند سماعه، ولو أن المحب لذلك الكلام أراد أن يخرج عن قلبه حب ذلك الكلام واعتقاد صحته لم يقدر عليه، ولو أن المبغض له أراد أن يخرج عن قلبه بغض ذلك الكلام واعتقاد فساده لم يقدر، ثم بعد أيام ربما انقلب المحب مبغضا والمبغض محبا، فمن تأمل للبرهان القاطع الذي ذكرناه في أنه لا بد من إسناد جميع الممكنات إلى واجب الوجود، ثم اعتبر من نفسه الاستقراء الذي ذكرناه، ثم لم يقطع بأن الكل بقضاء الله وقدره، فليجعل واقعته من أدل الدلائل على أنه لا تحصل الهداية إلا بخلق الله من جهة أن مع العلم بمثل هذا الدليل، ومع العلم بمثل هذا الاستقراء لما لم يحصل في قلبه هذا الاعتقاد، عرف أنه ليس ذلك إلا بأن الله صده عنه ومنعه منه. بقي في الآية مسائل :
المسألة الأولى :قوله : ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ من أقوى الدلائل على أنه معصوم في جميع الأوامر والنواهي وفي كل ما يبلغه عن الله، لأنه لو أخطأ في شيء منها لم تكن طاعته طاعة الله وأيضا وجب أن يكون معصوما في جميع أفعاله، لأنه تعالى أمر بمتابعته في قوله : ﴿ واتبعوه ﴾ والمتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل أنه فعل ذلك الغير، فكان الآتي بمثل ذلك الفعل مطيعا لله في قوله : ﴿ فاتبعوه ﴾ فثبت أن الانقياد له في جميع أقواله وفي جميع أفعاله، إلا ما خصه الدليل، طاعة لله وانقياد لحكم الله.
المسألة الثانية :قال الشافعي رضي الله عنه في كتاب الرسالة في باب فرض الطاعة للرسول :أن قوله تعالى : ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ يدل على أن كل تكليف كلف الله به عباده في باب الوضوء والصلاة والزكاة والصوم والحج وسائر الأبواب في القرآن، ولم يكن ذلك التكليف مبينا في القرآن، فحينئذ لا سبيل لنا إلى القيام بتلك التكاليف إلا ببيان الرسول، وإذا كان الأمر كذلك لزم القول بأن طاعة الرسول عين طاعة الله، هذا معنى كلام الشافعي.
المسألة الثالثة :قوله : ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ يدل على أنه لا طاعة إلا لله البتة، وذلك لأن طاعة الرسول لكونه رسولا فيما هو فيه رسول لا تكون إلا طاعة لله، فكانت الآية دالة على أنه لا طاعة لأحد إلا لله. قال مقاتل في هذه الآية :أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : «من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله » فقال المنافقون :لقد قارب هذا الرجل الشرك وهو أن ينهي أن نعبد غير الله، ويريد أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى، فأنزل الله هذه الآية.
واعلم أنا بينا كيفية دلالة الآية على أنه لا طاعة البتة للرسول، وإنما الطاعة لله. أما قوله : ﴿ ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ﴾ ففيه قولان :أحدهما :أن المراد من التولي هو التولي بالقلب، يعني يا محمد حكمك على الظواهر، أما البواطن فلا تتعرض لها. والثاني :أن المراد به التولي بالظاهر، ثم ههنا ففي قوله : ﴿ فما أرسلناك عليهم حفيظا ﴾ قولان :الأول :معناه فلا ينبغي أن تغتم بسبب ذلك التولي وأن تحزن، فما أرسلناك لتحفظ الناس عن المعاصي، والسبب في ذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان يشتد حزنه بسبب كفرهم وإعراضهم، فالله تعالى ذكر هذا الكلام تسلية له عليه الصلاة والسلام عن ذلك الحزن. الثاني :أن المعنى فما أرسلناك لتشتغل بزجرهم عن ذلك التولي وهو كقوله : ﴿ لا إكراه فى الدين ﴾ ثم نسخ هذا بعده بآية الجهاد.
قال الله تعالى : ﴿ ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ﴾
أي ويقولون إذا أمرتهم بشيء ﴿ طاعة ﴾ بالرفع، أي أمرنا وشأننا طاعة، ويجوز النصب بمعنى أطعناك طاعة، وهذا كما إذا قال الرجل المطيع المنقاد :سمعا وطاعة، وسمع وطاعة. قال سيبويه :سمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال لهم كيف أصبحت ؟ فيقول :حمدا لله وثناء عليه، كأنه قال :أمري وشأني حمدا لله.
واعلم أن النصب يدل على مجرد الفعل. وأما الرفع فإنه يدل على ثبات الطاعة واستقرارها ﴿ فإذا برزوا من عندك ﴾ أي خرجوا من عندك ﴿ بيت طائفة منهم غير الذى تقول ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :قال الزجاج :كل أمر تفكروا فيه كثيرا وتأملوا في مصالحه ومفاسده كثيرا قيل هذا أمر مبيت، قال تعالى : ﴿ إذ يبيتون ما لا يرضى من القول ﴾ وفي اشتقاقه وجهان :الأول :اشتقاقه من البيتوتة، لأن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس الإنسان في بيته بالليل، فهناك تكون الخواطر أخلى والشواغل أقل، فلما كان الغالب أن الإنسان وقت الليل يكون في البيت، والغالب له أنه إنما يستقصي في الأفكار في الليل، لا جرم سمي الفكر المستقصى مبيتا. الثاني :اشتقاقه من بيت الشعر. قال الأخفش :العرب إذا أرادوا قرض الشعر بالغوا في التفكر فيه فسموا المتفكر فيه المستقصى مبيتا، تشبيها له ببيت الشعر من حيث أنه يسوى ويدبر.
المسألة الثانية :أنه تعالى خص طائفة من جملة المنافقين بالتبييت، وفي هذا التخصيص وجهان :أحدهما :أنه تعالى ذكر من علم أنه يبقى على كفره ونفاقه، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فإنه لم يذكرهم. والثاني :أن هذه الطائفة كانوا قد أسهروا ليلهم في التبييت، وغيرهم سمعوا وسكتوا ولم يبيتوا، فلا جرم لم يذكروا.
المسألة الثالثة :قرأ أبو عمرو وحمزة ﴿ بيت طائفة ﴾ بإدغام التاء في الطاء، والباقون بالإظهار أما من أدغم فله فيه وجهان :الأول :قال الفراء :جزموا لكثرة الحركات، فلما سكنت التاء أدغمت في الطاء، والثاني :أن الطاء والدال والتاء من حيز واحد، فالتقارب الذي بينها يجريها مجرى الأمثال في الإدغام، ومما يحسن هذا الإدغام أن الطاء تزيد على التاء بالإطباق، فحسن إدغام الأنقص صوتا في الأزيد صوتا. أما من لم يدغم فعلته أنهما حرفان من مخرجين في كلمتين متفاصلتين، فوجب إبقاء كل واحد منهما بحاله.
المسألة الرابعة :قال : ﴿ بيت ﴾ بالتذكير ولم يقل :بيتت بالتأنيث، لأن تأنيث الطائفة غير حقيقي، ولأنها في معنى الفريق والفوج. قال صاحب «الكشاف » : ﴿ بيت طائفة ﴾ أي زورت وزينت خلاف ما قلت وما أمرت به، أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة، لأنهم أبطنوا الرد لا القبول والعصيان لا الطاعة.
ثم قال تعالى : ﴿ والله يكتب ما يبيتون ﴾ ذكر الزجاج فيه وجهين :أحدهما :أن معناه ينزل إليك في كتابه. والثاني :يكتب ذلك في صحائف أعمالهم ليجازوا به.
ثم قال تعالى : ﴿ فأعرض عنهم ﴾ والمعنى لا تهتك سترهم ولا تفضحهم ولا تذكرهم بأسمائهم، وإنما أمر الله بستر أمر المنافقين إلى أن يستقيم أمر الإسلام. ثم قال : ﴿ وتوكل على الله ﴾ في شأنهم، فإن الله يكفيك شرهم وينتقم منهم ﴿ وكفى بالله وكيلا ﴾ لمن توكل عليه. قال المفسرون :كان الأمر بالإعراض عن المنافقين في ابتداء الإسلام، ثم نسخ ذلك بقوله : ﴿ جاهد الكفار والمنافقين ﴾ وهذا الكلام فيه نظر، لأن الأمر بالصفح مطلق فلا يفيد إلا المرة الواحدة، فورود الأمر بعد ذلك بالجهاد لا يكون ناسخا له.
قوله تعالى : ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ﴾.
اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافقين أنواع مكرهم وكيدهم، وكان كل ذلك لأجل أنهم ما كانوا يعتقدون كونه محقا في ادعاء الرسالة صادقا فيه، بل كانوا يعتقدون أنه مفتر متخرص، فلا جرم أمرهم الله تعالى بأن ينظروا ويتفكروا في الدلائل الدالة على صحة نبوته. فقال : ﴿ أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ﴾ فاحتج تعالى بالقرآن على صحة نبوته وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :التدبير والتدبر عبارة عن النظر في عواقب الأمور وأدبارها، ومنه قوله :إلام تدبروا أعجاز أمور قد ولت صدورها، ويقال في فصيح الكلام :لو استقبلت من أمري ما استدبرت، أي لو عرفت في صدر أمري ما عرفت من عاقبته.
المسألة الثانية :اعلم أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى احتج بالقرآن على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، إذ لو تحمل الآية على ذلك لم يبق لها تعلق بما قبلها البتة، والعلماء قالوا :دلالة القرآن على صدق محمد صلى الله عليه وسلم من ثلاثة أوجه :أولها :فصاحته. وثانيها :اشتماله على الأخبار عن الغيوب. والثالث :سلامته عن الاختلاف، وهذا هو المذكور في هذه الآية، ثم القائلون بهذا القول ذكروا في تفسير سلامته عن الاختلاف ثلاثة أوجه :الأول :قال أبو بكر الأصم :معناه أن هؤلاء المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكر والكيد، والله تعالى كان يطلع الرسول عليه الصلاة والسلام على تلك الأحوال حالا فحالا، ويخبره عنها على سبيل التفصيل، وما كانوا يجدون في كل ذلك إلا الصدق، فقيل لهم :إن ذلك لو لم يحصل بأخبار الله تعالى وإلا لما اطرد الصدق فيه، ولظهر في قول محمد أنواع الاختلاف والتفاوت، فلما لم يظهر ذلك علمنا أن ذلك ليس إلا بإعلام الله تعالى، والثاني :وهو الذي ذهب إليه أكثر المتكلمين أن المراد منه أن القرآن كتاب كبير، وهو مشتمل على أنواع كثيرة من العلوم، فلو كان ذلك من عند غير الله لوقع فيه أنواع من الكلمات المتناقضة، لأن الكتاب الكبير الطويل لا ينفك عن ذلك، ولما لم يوجد فيه ذلك علمنا أنه ليس من عند غير الله.
فإن قيل :أليس أن قوله : ﴿ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ﴾ كالمناقض لقوله تعالى : ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ وآيات الجبر كالمناقضة لآيات القدر، وقوله : ﴿ فوربك لنسئلنهم أجمعين ﴾ كالمناقض لقوله : ﴿ فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾.
قلنا :قد شرحنا في هذا التفسير أنه لا منافاة ولا مناقضة بين شيء منها البتة.
الوجه الثالث :في تفسير قولنا :القرآن سليم عن الاختلاف ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني، وهو أن المراد منه الاختلاف في رتبة الفصاحة، حتى لا يكون في جملته ما يعد في الكلام الركيك، بل بقيت الفصاحة فيه من أوله إلى آخره على نهج واحد، ومن المعلوم أن الإنسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة، فإذا كتب كتابا طويلا مشتملا على المعاني الكثيرة، فلا بد وأن يظهر التفاوت في كلامه بحيث يكون بعضه قويا متينا وبعضه سخيفا نازلا، ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه المعجز من عند الله تعالى، وضرب القاضي لهذا مثلا فقال :إن الواحد منا لا يمكنه أن يكتب الطوامير الطويلة بحيث لا يقع في شيء من تلك الحروف خلل ونقصان، حتى لو رأينا الطوامير الطويلة مصونة عن مثل هذا الخلل والنقصان لكان ذلك معدودا في الإعجاز فكذا ههنا.
المسألة الثالثة :دلت الآية على أن القرآن معلوم المعنى خلاف ما يقوله من يذهب إلى أنه لا يعلم معناه إلا النبي والإمام المعصوم، لأنه لو كان كذلك لما تهيأ للمنافقين معرفة ذلك بالتدبر، ولما جاز أن يأمرهم الله تعالى به وأن يجعل القرآن حجة في صحة نبوته، ولا أن يجعل عجزهم عن مثله حجة عليهم، كما لا يجوز أن يحتج على كفار الزنج بمثل ذلك.
المسألة الرابعة :دلت الآية على وجوب النظر والاستدلال، وعلى القول بفساد التقليد، لأنه تعالى أمر المنافقين بالاستدلال بهذا الدليل على صحة نبوته، وإذا كان لا بد في صحة نبوته من الاستدلال، فبأن يحتاج في معرفة ذات الله وصفاته إلى الاستدلال كان أولى.
المسألة الخامسة :قال أبو علي الجبائي :دلت الآية على أن أفعال العباد غير مخلوقة لله تعالى لأن قوله تعالى : ﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ﴾ يقتضي أن فعل العبد لا ينفك عن الاختلاف، والاختلاف والتفاوت شيء واحد، فإذا كان فعل العبد لا ينفك عن الاختلاف والتفاوت، وفعل الله لا يوجد فيه التفاوت لقوله تعالى : ﴿ ما ترى فى خلق الرحمن من تفاوت ﴾ فهذا يقتضي أن فعل العبد لا يكون فعلا لله.
والجواب أن قوله : ﴿ ما ترى فى خلق الرحمن من تفاوت ﴾ معناه نفي التفاوت في أنه يقع على وفق مشيئته بخلاف غيره، فإن فعل غيره لا يقع على وفق مشيئته على الإطلاق.
قوله تعالى : ﴿ وإذا جاءهم أمر من الأمن او الخوف به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ﴾
اعلم أنه تعالى حكى عن المنافقين في هذه الآية نوعا آخر من الأعمال الفاسدة، وهو أنه إذا جاءهم الخبر بأمر من الأمور سواء كان ذلك الأمر من باب الأمن أو من باب الخوف أذاعوه وأفشوه، وكان ذلك سبب الضرر من وجوه :الأول :أن مثل هذه الإرجافات لا تنفك عن الكذب الكثير. والثاني :أنه إن كان ذلك الخبر في جانب الأمن زادوا فيه زيادات كثيرة، فإذا لم توجد تلك الزيادات أورث ذلك شبهة للضعفاء في صدق الرسول عليه السلام، لأن المنافقين كانوا يروون تلك الارجافات عن الرسول، وإن كان ذلك في جانب الخوف تشوش الأمر بسببه على ضعفاء المسلمين، ووقعوا عنده في الحيرة والاضطراب، فكانت تلك الارجافات سببا للفتنة من هذا الوجه.
الوجه الثالث :وهو أن الارجاف سبب لتوفير الدواعي على البحث الشديد والاستقصاء التام، وذلك سبب لظهور الأسرار، وذلك مما لا يوافق مصلحة المدينة. الرابع :أن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين وبين الكفار، وكان كل واحد من الفريقين في إعداد آلات الحرب وفي انتهاز الفرصة فيه، فكل ما كان آمنا لأحد الفريقين كان خوفا للفريق الثاني، فإن وقع خبر الأمن للمسلمين وحصول العسكر وآلات الحرب لهم أرجف المنافقون بذلك فوصل الخبر في أسرع مدة إلى الكفار، فأخذوا في التحصن من المسلمين، وفي الاحتراز عن استيلائهم عليهم، وإن وقع خبر الخوف للمسلمين بالغوا في ذلك، وزادوا فيه وألقوا الرعب في قلوب الضعفة والمساكين، فظهر من هذا أن ذلك الارجاف كان منشأ للفتن والآفات من كل الوجوه، ولما كان الأمر كذلك ذم الله تلك الإذاعة وذلك التشهير، ومنعهم منه.
واعلم أن قوله :أذاع به لغتان.
ثم قال تعالى : ﴿ ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾.
وفيه مسائل :
المسألة الأولى :في ﴿ أولى الأمر ﴾ قولان :أحدهما :إلى ذوي العلم والرأي منهم. والثاني :إلى أمراء السرايا، وهؤلاء رجحوا هذا القول على الأول، قالوا لأن أولي الأمر الذين لهم أمر على الناس، وأهل العلم ليسوا كذلك، إنما الأمراء هم الموصوفون بأن لهم أمرا على الناس.
وأجيب عنه :بأن العلماء إذا كانوا عالمين بأوامر الله ونواهيه، وكان يجب على غيرهم قبول قولهم لم يبعد أن يسموا أولي الأمر من هذا الوجه، والذي يدل عليه قوله تعالى : ﴿ ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ﴾ فأوجب الحذر بإنذارهم وألزم المنذرين قبول قولهم، فجاز لهذا المعنى إطلاق اسم أولي الأمر عليهم.
المسألة الثانية :الاستنباط في اللغة الاستخراج ؛ يقال :استنبط الفقيه إذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمه، وأصله من النبط وهو الماء الذي يخرج من البئر أول ما تحفر، والنبط إنما سموا نبطا لاستنباطهم الماء من الأرض.
المسألة الثالثة :في قوله : ﴿ الذين يستنبطونه منهم ﴾ قولان :الأول :أنهم هم أولئك المنافقون المذيعون، والتقدير :ولو أن هؤلاء المنافقين المذيعين ردوا أمر الأمن والخوف إلى الرسول وإلى أولي الأمر، وطلبوا معرفة الحال فيه من جهتهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، وهم هؤلاء المنافقون المذيعون منهم، أي من جانب الرسول ومن جانب أولي الأمر.
القول الثاني :أنهم طائفة من أولي الأمر، والتقدير :ولو أن المنافقين ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لكان علمه حاصلا عند من يستنبط هذه الوقائع من أولي الأمر، وذلك لأن أولي الأمر فريقان، بعضهم من يكون مستنبطا، وبعضهم من لا يكون كذلك، فقوله : ﴿ منهم ﴾ يعني لعلمه الذين يستنبطون المخفيات من طوائف أولي الأمر.
فإن قيل :إذا كان الذين أمرهم الله برد هذه الأخبار إلى الرسول وإلى أولي الأمر هم المنافقون، فكيف جعل أولي الأمر منهم في قوله : ﴿ وإلى أولى الأمر منهم ﴾.
قلنا :إنما جعل أولي الأمر منهم على حسب الظاهر، لأن المنافقين يظهرون من أنفسهم أنهم يؤمنون، ونظيره قوله تعالى : ﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾ وقوله : ﴿ ما فعلوه إلا قليل منهم ﴾ والله أعلم.
المسألة الرابعة :دلت هذه الآية على أن القياس حجة في الشرع، وذلك لأن قوله : ﴿ الذين يستنبطونه منهم ﴾ صفة لأولي الأمر، وقد أوجب الله تعالى على الذين يجيئهم أمر من الأمن أو الخوف أن يرجعوا في معرفته إليهم، ولا يخافوا أن يرجعوا إليهم في معرفة هذه الوقائع مع حصول النص فيها، أولا مع حصول النص فيها، والأول باطل، لأن على هذا التقدير لا يبقى الاستنباط لأن من روى النص في واقعة لا يقال :إنه استنبط الحكم، فثبت أن الله أمر المكلف برد الواقعة إلى من يستنبط الحكم فيها، ولولا أن الاستنباط حجة لما أمر المكلف بذلك، فثبت أن الاستنباط حجة، والقياس إما استنباط أو داخل فيه، فوجب أن يكون حجة. إذا ثبت هذا فنقول :الآية دالة على أمور :أحدها :أن في أحكام الحوادث ما لا يعرف بالنص بل بالاستنباط. وثانيها :أن الاستنباط حجة :وثالثها :أن العامي يجب عليه تقليد العلماء في أحكام الحوادث. ورابعها :أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مكلفا باستنباط الأحكام لأنه تعالى أمر بالرد إلى الرسول وإلى أولي الأمر.
ثم قال تعالى : ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ ولم يخصص أولي الأمر بذلك دون الرسول وذلك يوجب أن الرسول وأولي الأمر كلهم مكلفون بالاستنباط.
فإن قيل :لا نسلم أن المراد بقوله : ﴿ الذين يستنبطونه منهم ﴾ هم أولوا الأمر، بل المراد منهم المنافقون المذيعون على ما رويتم هذا القول في تفسير الآية، سلمنا أن المراد بالذين يستنبطونه منهم أولو الأمر لكن هذه الآية إنما نزلت في شأن الوقائع المتعلقة بالحروب والجهاد، فهب أن الرجوع إلى الاستنباط جائز فيها، فلم قلتم إنه يلزم جوازه في الوقائع الشرعية ؟ فإن قيس أحد البابين على الآخر كان ذلك إثباتا للقياس الشرعي بالقياس الشرعي وإنه لا يجوز، سلمنا أن الاستنباط في الأحكام الشرعية داخل تحت الآية. فلم قلتم :إنه يلزم أن يكون القياس حجة ؟ بيانه أنه يمكن أن يكون المراد من الاستنباط استخراج الأحكام من النصوص الخفية أو من تركيبات النصوص، أو المراد من استخراج الأحكام من البراءة الأصلية، أو مما ثبت بحكم العقل كما يقول الأكثرون :إن الأصل في المنافع الإباحة، وفي المضار الحرمة، سلمنا أن القياس من الشرعي داخل في الآية، لكن بشرط أن يكون ذلك القياس مفيدا للعلم بدليل قوله تعالى : ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ فأخبر تعالى في هذه الآية أنه يحصل العلم من هذا الاستنباط، ولا نزاع في مثل هذا القياس، إنما النزاع في أن القياس الذي يفيد الظن هل هو حجة في الشرع أم لا ؟ والجواب :
أما في السؤال الأول :فمدفوع لأنه لو كان المراد بالذين يستنبطونه المنافقين لكان الأولى أن يقال :ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلموه، لأن عطف المظهر على المضمر، وهو قوله : ﴿ ولو ردوه ﴾ قبيح مستكره.
وأما السؤال الثاني :فمدفوع لوجهين :الأول :أن قوله : ﴿ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف ﴾ عام في كل ما يتعلق بالحروب وفيما يتعلق بسائر الوقائع الشرعية، لأن الأمن والخوف حاصل في كل ما يتعلق بباب التكليف، فثبت أنه ليس في الآية ما يوجب تخصيصها بأمر الحروب. الثاني :هب أن الأمر كما ذكرتم لكن تعرف أحكام الحروب بالقياس الشرعي، ولما ثبت جوازه وجب أن يجوز التمسك بالقياس الشرعي في سائر الوقائع لأنه لا قائل بالفرق، ألا ترى أن من قال :القياس حجة في باب البيع لا في باب النكاح لم يلتفت إليه، فكذا ههنا.
وأما السؤال الثالث :وهو حمل الاستنباط على النصوص الخفية أو على تركيبات النصوص فجوابه :أن كل ذلك لا يخرج عن كونه منصوصا، والتمسك بالنص لا يسمى استنباطا. قوله :لم لا يجوز حمله على التمسك بالبراءة الأصلية ؟ قلنا ليس هذا استنباطا بل هو إبقاء لما كان على ما كان، ومثل هذا لا يسمى استنباطا البتة.
وأما السؤال الرابع :وهو قوله إن هذا الاستنباط إنما يجوز عند حصول العلم، والقياس الشرعي لا يفيد العلم.
قلنا :الجواب عنه من وجهين :الأول :أن القياس الشرعي عندنا يفيد العلم، وذلك لأن بعد ثبوت أن القياس حجة نقطع بأنه مهما غلب على الظن أن حكم الله في الأصل معلل بكذا، ثم غلب على الظن أن ذلك المعنى قائم في الفرع، فههنا يحصل ظن أن حكم الله في الفرع مساو لحكمه في الأصل، وعند هذا الظن نقطع بأنه مكلف بأن يعمل على وفق هذا الظن، فالحاصل أن الظن واقع في طريق الحكم، وأما الحكم فمقطوع به، وهو يجري مجرى ما إذا قال الله :مهما غلب على ظنك كذا فاعلم ان في الواقعة الفلانية حكمي كذا فإذا حصل الظن قطعنا بثبوت ذلك الحكم. والثاني :وهوأن العلم قد يطلق ويراد به الظن، قال عليه الصلاة والسلام :
« إذا علمت مثل الشمس فاشهد » شرط العلم في جواز الشهادة، وأجمعنا على أن عند الظن تجوز الشهادة، فثبت أن الظن قد يسمى بالعلم والله أعلم.
ثم قال تعالى : ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :أن ظاهر هذا الاستنثاء يوهم أن ذلك القليل وقع لا بفضل الله ولا برحمته ومعلوم أن ذلك محال. فعند هذا اختلف المفسرون وذكروا وجوها، قال بعضهم :هذا الاستثناء راجع إلى قوله : ﴿ أذاعوا ﴾ وقال قوم :راجع إلى قوله : ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه ﴾ وقال آخرون :إنه راجع إلى قوله : ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ﴾.
واعلم أن الوجوه لا يمكن أن تزيد على هذه الثلاثة لأن الآية متضمنة للأخبار عن هذه الأحكام الثلاثة، ويصح صرف الاستثناء إلى كل واحد منها، فثبت أن كل واحد من هذه الأقوال محتمل.
أما القول الأول :فالتقدير :وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلا، فأخرج تعالى بعض المنافقين عن هذه الإذاعة كما أخرجهم في قوله : ﴿ بيت طائفة منهم غير الذى تقول ﴾.
والقول الثاني :الاستنثاء عائد إلى قوله : ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ يعني لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا القليل :قال الفراء والمبرد :القول الأول أولى لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه، والأكثر يجهله، وصرف الاستثناء إلى ما ذكروه يقتضي ضد ذلك. قال الزجاج :هذا غلط لأنه ليس المراد من هذا الاستثناء شيئا يستخرجه بنظر دقيق وفكر غامض، إنما هو استنباط خبر، وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه، إنما البالغ في البلادة والجهالة هو الذي لا يعرفه ويمكن أن يقال :كلام الزجاج إنما يصح لو حملنا الاستنباط على مجرد تعرف الأخبار والأراجيف، أما إذا حملناه على الاستنباط في جميع الأحكام كما صححنا ذلك بالدليل كان الحق كما ذكره الفراء والمبرد.
القول الثالث :أنه متعلق بقوله : ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ﴾ ومعلوم أن صرف الاستثناء إلى ما يليه ويتصل به أولى من صرفه إلى الشيء البعيد عنه.
واعلم أن هذا القول لا يتمشى الا إذا فسرنا الفضل والرحمة بشيء خاص، وفيه وجهان :الأول :وهو قول جماعة من
قوله تعالى : ﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا ﴾.
علم أنه تعالى لما أمر بالجهاد ورغب فيه أشد الترغيب في الآيات المتقدمة، وذكر في المنافقين قلة رغبتهم في الجهاد، بل ذكر عنهم شدة سعيهم في تثبيط المسلمين عن الجهاد، عاد في هذه الآية إلى الأمر بالجهاد فقال : ﴿ فقاتل فى سبيل الله ﴾ وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :الفاء في قوله : ﴿ فقاتل ﴾ بماذا تتعلق ؟ فيه وجوه :الأول :أنها جواب لقوله : ﴿ ومن يقاتل فى سبيل الله فيقتل ﴾ من طريق المعنى لأنه يدل على معنى إن أردت الفوز فقاتل الثاني :أن يكون متصلا بقوله : ﴿ وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله ﴾ ﴿ فقاتل فى سبيل الله ﴾ والثالث :أن يكون متصلا بمعنى ما ذكر من قصص المنافقين، والمعنى أن من أخلاق هؤلاء المنافقين كذا وكذا، فلا تعتد بهم ولا تلتفت إلى أفعالهم، بل قاتل.
المسألة الثانية :دلت الآية على أن الله تعالى أمره بالجهاد ولو وحده قبل دعاء الناس في بدر الصغرى إلى الخروج، وكان أبو سفيان واعد الرسول صلى الله عليه وسلم اللقاء فيها، فكره بعض الناس أن يخرجوا، فنزلت هذه الآية، فخرج وما معه إلا سبعون رجلا ولم يلتفت إلى أحد، ولو لم يتبعوه لخرج وحده.
المسألة الثالثة :دلت الآية على أنه صلى الله عليه وسلم كان أشجع الخلق وأعرفهم بكيفية القتال لأنه تعالى ما كان يأمره بذلك إلا وهو صلى الله عليه وسلم موصوف بهذه الصفات، ولقد اقتدى به أبو بكر رضي الله عنه حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة، ومن علم أن الأمر كله بيد الله وأنه لا يحصل أمر من الأمور إلا بقضاء الله سهل ذلك عليه.
ثم قال تعالى : ﴿ لا تكلف إلا نفسك ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :قال صاحب «الكشاف » :قرئ ﴿ لا تكلف ﴾ بالجزم على النهي. و﴿ لا نكلف ﴾ بالنون وكسر اللام، أي لا نكلف نحن إلا نفسك وحدها.
المسألة الثانية :قال الواحدي رحمه الله. انتصاب قوله : ﴿ نفسك ﴾ على مفعول ما لم يسم فاعله.
المسألة الثالثة :دلت الآية على أنه لو لم يساعده على القتال غيره لم يجز له التخلف عن الجهاد البتة، والمعنى لا تؤاخذ إلا بفعلك دون فعل غيرك، فإذا أديت فعلك لا تكلف بفرض غيرك.
واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول عليه السلام من فروض الكفايات، فما لم يغلب على الظن أنه يفيد لم يجب، بخلاف الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه على ثقة من النصر والظفر بدليل قوله تعالى : ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ وبدليل قوله ههنا : ﴿ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ﴾ و«عسى » من الله جزم، فلزمه الجهاد وإن كان وحده.
ثم قال تعالى : ﴿ وحرض المؤمنين ﴾ والمعنى أن الواجب على الرسول عليه الصلاة والسلام إنما هو الجهاد وتحريض الناس في الجهاد، فإن أتى بهذين الأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف وليس عليه من كون غيره تاركا للجهاد شيء.
ثم قال : ﴿ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :عسى :حرف من حروف المقاربة وفيه ترج وطمع، وذلك على الله تعالى محال.
والجواب عنه أن «عسى » معناها الإطماع، وليس في الأطماع أنه شك أو يقين، وقال بعضهم :إطماع الكريم إيجاب.
المسألة الثانية :الكف المنع، والبأس أصله المكروه، يقال ما عليك من هذا الأمر بأس أي مكروه، ويقال بئس الشيء هذا إذا وصف بالرداءة، وقوله : ﴿ بعذاب بئيس ﴾ أي مكروه، والعذاب قد يسمى بأسا لكونه مكروها، قال تعالى : ﴿ فمن ينصرنا من بأس الله ﴾ ﴿ فلما أحسوا بأسنا ﴾ قال المفسرون :عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا، وقد كف بأسهم، فقد بدا لأبي سفيان وقال هذا عام مجدب وما كان معهم زاد إلا السويق، فترك الذهاب إلى محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال تعالى : ﴿ والله أشد بأسا وأشد تنكيلا ﴾ يقال :نكلت فلانا إذا عاقبته عقوبة تنكل غيره عن ارتكاب مثله، من قولهم :نكل الرجل عن الشيء إذا جبن عنه وامتنع منه، قال تعالى : ﴿ فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها ﴾ وقال في السرقة : ﴿ بما كسبا نكالا من الله ﴾ ويقال :نكل فلان عن اليمين إذا خافه ولم يقدم عليه.
إذا عرفت هذا فنقول :الآية دالة على أن عذاب الله وتنكيله أشد من عذاب غيره ومن تنكيله، وأقبل الوجوه في بيان هذا التفاوت أن عذاب غير الله لا يكون دائما، وعذاب الله دائم في الآخرة، وعذاب غير الله قد يخلص الله منه، وعذاب الله لا يقدر أحد على التخلص منه، وأيضا عذاب غير الله لا يكون إلا من وجه واحد، وعذاب الله قد يصل إلى جميع الأجزاء والأبعاض والروح والبدن.
قوله تعالى : ﴿ من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا ﴾
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :اعلم أن في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوها :الأول :أن الله تعالى أمر الرسول عليه السلام بأن يحرض الأمة على الجهاد، والجهاد من الأعمال الحسنة والطاعات الشريفة، فكان تحريض النبي عليه الصلاة والسلام للأمة على الجهاد تحريضا منه لهم على الفعل الحسن والطاعة الحسنة، فبين تعالى في هذه الآية أن من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها، والغرض منه بيان أنه عليه الصلاة والسلام لما حرضهم على الجهاد فقد استحق بذلك التحريض أجرا عظيما. الثاني :أنه تعالى لما أمره بتحريضهم على الجهاد ذكر أنهم لو لم يقبلوا أمره لم يرجع إليه من عصيانهم وتمردهم عيب، ثم بين في هذه الآية أنهم لما أطاعوا وقبلوا التكليف رجع إليهم من طاعتهم خير كثير، فكأنه تعالى قال للرسول عليه الصلاة والسلام :حرضهم على الجهاد، فإن لم يقبلوا قولك لم يكن من عصيانهم عتاب لك، وإن أطاعوك حصل لك من طاعتهم أعظم الثواب، فكان هذا ترغيبا من الله لرسوله في أن يجتهد في تحريض الأمة على الجهاد، والسبب في أنه عليه الصلاة والسلام كان يرجع إليه عند طاعتهم أجر عظيم، وما كان يرجع إليه من معصيتهم شيء من الوزر، هو أنه عليه السلام بذل الجهد في ترغيبهم في الطاعة وما رغبهم البتة في المعصية، فلا جرم يرجع إليه من طاعتهم أجر ولا يرجع إليه من معصيتهم وزر. الثالث :يجوز أن يقال :إنه عليه الصلاة والسلام لما كان يرغبهم في القتال ويبالغ في تحريضهم عليه، فكان بعض المنافقين يشفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أن يأذن لبعضهم في التخلف عن الغزو، فنهى الله عن مثل هذه الشفاعة وبين أن الشفاعة إنما تحسن اذا كانت وسيلة إلى إقامة طاعة الله، فأما إذا كانت وسيلة إلى معصيته كانت محرمة منكرة. الرابع :يجوز أن يكون بعض المؤمنين راغبا في الجهاد، إلا أنه لم يجد أهبة الجهاد، فصار غيره من المؤمنين شفيعا له إلى مؤمن آخر ليعينه على الجهاد، فكانت هذه الشفاعة سعيا في إقامة الطاعة، فرغب الله تعالى في مثل هذه الشفاعة، وعلى جميع الوجوه فالآية حسنة الاتصال بما قبلها.
المسألة الثانية :الشفاعة مأخوذة من الشفع، وهو أن يصير الإنسان نفسه شفعا لصاحب الحاجة حتى يجتمع معه على المسألة فيها.
إذا عرفت هذا فنقول :في الشفاعة المذكورة في الآية وجوه :الأول :أن المراد منها تحريض النبي صلى الله عليه وسلم إياهم على الجهاد، وذلك لأنه إذا كان عليه الصلاة والسلام يأمرهم بالغزو فقد جعل نفسه شفعا لهم في تحصيل الأغراض المتعلقة بالجهاد، وأيضا فالتحريض على الشيء عبارة عن الأمر به لا على سبيل التهديد، بل على سبيل الرفق والتلطف، وذلك يجري مجرى الشفاعة. الثاني :أن المراد منه ما ذكرنا من أن بعض المنافقين كان يشفع لمنافق آخر في أن يأذن له الرسول عليه الصلاة والسلام في التخلف عن الجهاد، أو المراد به أن بعض المؤمنين كان يشفع لمؤمن آخر عند مؤمن ثالث في أن يحصل له ما يحتاج إليه من آلات الجهاد. الثالث :نقل الواحدي عن ابن عباس رضي الله عنهما ما معناه أن الشفاعة الحسنة ههنا هي أن يشفع إيمانه بالله بقتال الكفار، والشفاعة السيئة أن يشفع كفره بالمحبة للكفار وترك إيذائهم :الرابع :قال مقاتل :الشفاعة إلى الله إنما تكون بالدعاء، واحتج بما روى أبو الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
«من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال الملك له ولك مثل ذلك » فهذا هو النصيب، وأما الشفاعة السيئة فهي ما روي أن اليهود كانوا إذا دخلوا على الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا :السام عليكم، والسام هو الموت، فسمعت عائشة رضي الله عنها فقالت عليكم السام واللعنة، أتقولون هذا للرسول ! فقال صلى الله عليه وسلم :قد علمت ما قالوا فقلت وعليكم، فنزلت هذه الآية. الخامس :قال الحسن ومجاهدي والكلبي وابن زيد :المراد هو الشفاعة التي بين الناس بعضهم لبعض، فما يجوز في الدين أن يشفع فيه فهو شفاعة حسنة، وما لا يجوز أن يشفع فيه فهو شفاعة سيئة، ثم قال الحسن :من يشفع شفاعة حسنة كان له فيها أجر، وإن لم يشفع، لأن الله تعالى يقول : ﴿ من يشفع ﴾ ولم يقل :ومن يشفع، ويتأيد هذا بقوله عليه الصلاة والسلام : «اشفعوا تؤجروا ».
وأقول :هذه الشفاعة لا بد وأن يكون لها تعلق بالجهاد وإلا صارت الآية منقطعة عما قبلها، وذلك التعلق حاصل بالوجهين الأولين، فأما الوجوه الثلاثة الأخيرة فإن كان المراد قصر الآية عليها فذلك باطل، وإلا صارت هذه الآية أجنبية عما قبلها، وإن كان المراد دخول هذه الثلاثة مع الوجهين الأولين في اللفظ فهذا جائز ؛ لأن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ.
المسألة الثالثة :قال أهل اللغة :الكفل :هو الحظ ومنه قوله تعالى : ﴿ يؤتكم كفلين من رحمته ﴾ أي حظين وهو مأخوذ من قولهم :كفلت البعير واكتفلته إذا أدرت على سنامه كساء وركبت عليه. وإنما قيل :كفلت البعير واكتفلته لأنه لم يستعمل كل الظهر، وإنما استعمل نصيبا من الظهر. قال ابن المظفر :لا يقال :هذا كفل فلان حتى تكون قد هيأت لغيره مثله، وكذا القول في النصيب، فإن أفردت فلا تقل له كفل ولا نصيب.
فإن قيل :لم قال في الشفاعة الحسنة : ﴿ يكن له نصيب منها ﴾ وقال في الشفاعة السيئة : ﴿ يكن له كفل منها ﴾ وهل لاختلاف هذين اللفظين فائدة ؟
قلنا :الكفل اسم للنصيب الذي عليه يكون اعتماد الناس، وإنما يقال كفل البعير لأنك حميت ظهر البعير بذلك الكساء عن الآفة، وحمي الراكب بدنه بذلك الكساء عن ارتماس ظهر البعير فيتأذى به، ويقال للضامن :كفيل. وقال عليه الصلاة والسلام : «أنا وكافل اليتيم كهاتين » فثبت أن الكفل هو النصيب الذي عليه يعتمد الإنسان في تحصيل المصالح لنفسه ودفع المفاسد عن نفسه، إذا ثبت هذا فنقول :قوله ﴿ ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها ﴾ أي يحصل له منها نصيب يكون ذلك النصيب ذخيرة له في معاشه ومعاده، والمقصود حصول ضد ذلك ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ والغرض منه التنبيه على أن الشفاعة المؤدية إلى سقوط الحق وقوة الباطل تكون عظيمة العقاب عند الله تعالى.
ثم قال تعالى : ﴿ وكان الله على كل شىء مقيتا ﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى :في المقيت قولان :الأول :المقيت القادر على الشيء، وأنشدوا للزبير بن عبد المطلب.
وذي ضغن كففت النفس عنه وكنت على إساءته مقيتا
وقال آخر :
ليت شعري وأشعرن إذا ما قربوها منشورة ودعيت
إلي الفضل أم علي إذا حو سبت أني على الحساب مقيت
وأنشد النضر بن شميل :
تجلد ولا تجزع وكن ذا حفيظة فإني على ما ساءهم لمقيت
الثاني :المقيت مشتق من القوت، يقال :قت الرجل إذا حفظت عليه نفسه بما يقوته، واسم ذلك الشيء هو القوت، وهو الذي لا فضل له على قدر الحفظ، فالمقيت هو الحفيظ الذي يعطي الشيء على قدر الحاجة، ثم قال القفال رحمه الله :وأي المعنيين كان فالتأويل صحيح، وهو أنه تعالى قادر على إيصال النصيب والكفل من الجزاء إلى الشافع مثل ما يوصله إلى المشفوع فيه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ولا ينتقص بسبب ما يصل إلى الشافع شيء من جزاء المشفوع، وعلى الوجه الثاني أنه تعالى حافظ الأشياء شاهد عليها لا يخفى عليه شيء من أحوالنا، فهو عالم بأن الشافع يشفع في حق أو في باطل حفيظ عليه فيجازى كلا بما علم منه.
المسألة الثانية :إنما قال : ﴿ وكان الله على كل شىء مقيتا ﴾ تنبيها على أن كونه تعالى قادرا على المقدورات صفة كانت ثابتة له من الأزل، وليست صفة محدثة، فقوله : ﴿ كان ﴾ مطلقا من غير أن قيد ذلك بأنه كان من وقت كذا أو حال كذا، يدل على أنه كان حاصلا من الأزل إلى الأبد.
قوله تعالى : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا ﴾
في النظم وجهان :الأول :أنه لما أمر المؤمنين بالجهاد أمرهم أيضا بأن الأعداء لو رضوا بالمسألة فكونوا أنتم أيضا راضين بها، فقوله : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ كقوله تعالى : ﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾. الثاني :أن الرجل في الجهاد كان يلقاه الرجل في دار الحرب أو ما يقاربها فيسلم عليه، فقد لا يلتفت إلى سلامه عليه ويقتله، وربما ظهر أنه كان مسلما، فمنع الله المؤمنين عنه وأمرهم أن كل من يسلم عليهم ويكرمهم بنوع من الإكرام يقابلونه بمثل ذلك الإكرام أو أزيد، فإنه إن كان كافرا لا يضر المسلم إن قابل إكرام ذلك الكافر بنوع من الإكرام، أما إن كان مسلما وقتله ففيه أعظم المضار والمفاسد، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :التحية تفعلة من حييت، وكان في الأصل تحيية، مثل التوصية والتسمية، والعرب تؤثر التفعلة على التفعيل في ذوات الأربعة، نحو قوله : ﴿ وتصلية جحيم ﴾ فثبت أن التحية أصلها التحيية ثم أدغموا الياء في الياء.
المسألة الثانية :اعلم أن عادة العرب قبل الإسلام أنه إذا لقي بعضهم بعضا قالوا :حياك الله واشتقاقه من الحياة كأنه يدعو له بالحياة، فكانت التحية عندهم عبارة عن قول بعضهم لبعض حياك الله، فلما جاء الإسلام أبدل ذلك بالسلام، فجعلوا التحية اسما للسلام. قال تعالى : ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ ومنه قول المصلي :التحيات لله، أي السلام من الآفات لله، والأشعار ناطقة بذلك. قال عنترة :
حييت من طلل تقادم عهده ***. . .
وقال آخر :
إنا محيوك يا سلمى فحيينا***. . .
واعلم أن قول القائل لغيره :السلام عليك أتم وأكمل من قوله :حياك الله، وبيانه من وجوه :الأول :أن الحي إذا كان سليما كان حيا لا محالة، وليس إذا كان حيا كان سليما، فقد تكون حياته مقرونة بالآفات والبليات، فثبت أن قوله :السلام عليك أتم وأكمل من قوله :حياك الله. الثاني :أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، فالابتداء بذكر الله أو بصفة من صفاته الدالة على أنه يريد إبقاء السلامة على عباده أكمل من قوله :حياك الله. الثالث :أن قول الإنسان لغيره :السلام عليك فيه بشارة بالسلامة، وقوله :حياك الله لا يفيد ذلك، فكان هذا أكمل. ومما يدل على فضيلة السلام القرآن والأحاديث والمعقول، أما القرآن فمن وجوه :الأول :اعلم أن الله تعالى سلم على المؤمن في اثني عشر موضعا :أولها :أنه تعالى كأنه سلم عليك في الأزل، ألا ترى أنه قال في وصف ذاته : ﴿ الملك القدوس السلام ﴾ وثانيها :أنه سلم على نوح وجعل لك من ذلك السلام نصيبا، فقال : ﴿ قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ﴾ والمراد منه أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وثالثها :سلم عليك على لسان جبريل، فقال :
﴿ تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هى حتى مطلع الفجر ﴾ قال المفسرون :إنه عليه الصلاة والسلام خاف على أمته أن يصيروا مثل أمة موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، فقال الله :لا تهتم لذلك فإني وإن أخرجتك من الدنيا، إلا أني جعلت جبريل خليفة لك، ينزل إلى أمتك كل ليلة قدر ويبلغهم السلام مني. ورابعها :سلم عليك على لسان موسى عليه السلام حيث قال : ﴿ والسلام على من اتبع الهدى ﴾ فإذا كنت متبع الهدى وصل سلام موسى إليك. وخامسها :سلم عليك على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فقال : ﴿ الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ﴾ وكل من هدى الله إلى الإيمان فقد اصطفاه، كما قال : ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ﴾ وسادسها :أمر محمدا صلى الله عليه وسلم بالسلام على سبيل المشافهة، فقال : ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ﴾ وسابعها :أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالتسليم عليك قال : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ وثامنها :سلم عليك على لسان ملك الموت فقال : ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ﴾ قيل :إن ملك الموت يقول في أذن المسلم :السلام يقرئك السلام، ويقول :أجبني فإني مشتاق إليك، واشتاقت الجنات والحور العين إليك، فإذا سمع المؤمن البشارة، يقول لملك الموت :للبشير مني هدية، ولا هدية أعز من روحي، فاقبض روحي هدية لك، وتاسعها :السلام من الأرواح الطاهرة المطهرة، قال تعالى : ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين ﴾ وعاشرها :سلم الله عليك على لسان رضوان خازن الجنة فقال تعالى : ﴿ وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا ﴾ إلى قوله : ﴿ وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم ﴾ والحادي عشر :إذا دخلوا الجنة فالملائكة يزورونهم ويسلمون عليهم. قال تعالى : ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ﴾ والثاني عشر :السلام من الله من غير واسطة وهو قوله : ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ وقوله : ﴿ سلام قولا من رب رحيم ﴾ وعند ذلك يتلاشى سلام الكل لأن المخلوق لا يبقى على تجلي نور الخالق.
الوجه الثاني :من الدلائل القرآنية الدالة على فضيلة السلام أن أشد الأوقات حاجة إلى السلامة والكرامة ثلاثة أوقات :وقت الابتداء، ووقت الموت، ووقت البعث، والله تعالى لما أكرم يحيى عليه السلام فإنما أكرمه بأن وعده السلام في هذه الأوقات الثلاثة فقال : ﴿ وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا ﴾ وعيسى عليه السلام ذكر أيضا ذلك فقال : ﴿ والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا ﴾.
الوجه الثالث :أنه تعالى لما ذكر تعظيم محمد عليه الصلاة والسلام قال :
﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ﴾ يروى في التفسير أن اليهود كانوا إذا دخلوا قالوا :السام عليك، فحزن الرسول عليه الصلاة والسلام لهذا المعنى، فبعث الله جبريل عليه السلام وقال :إن كان اليهود يقولون السام عليك، فأنا أقول من سرادقات الجلال :السلام عليك، وأنزل قوله : ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي ﴾ إلى قوله : ﴿ وسلموا تسليما ﴾.
وأما ما يدل من الأخبار على فضيلة السلام فما روي أن عبد الله بن سلام قال :لما سمعت بقدوم الرسول عليه الصلاة والسلام دخلت في غمار الناس، فأول ما سمعت منه : « يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام ». وأما ما يدل على فضل السلام من جهة المعقول فوجوه :الأول :قالوا :تحية النصارى وضع اليد على الفم، وتحية اليهود بعضهم لبعض الإشارة بالأصابع، وتحية المجوس الانحناء، وتحية العرب بعضهم لبعض أن يقولوا :حياك الله، وللملوك أن يقولوا :أنعم صباحا، وتحية المسلمين بعضهم لبعض أن يقولوا :السلام عليك ورحمة الله وبركاته، ولا شك أن هذه التحية أشرف التحيات وأكرمها. الثاني :أن السلام مشعر بالسلامة من الآفات والبليات. ولا شك أن السعي في تحصيل الصون عن الضرر أولى من السعي في تحصيل النفع. الثالث :أن الوعد بالنفع يقدر الإنسان على الوفاء به وقد لا يقدر، أما الوعد بترك الضرر فإنه يكون قادرا عليه لا محالة، والسلام يدل عليه. فثبت أن السلام أفضل أنواع التحية.
المسألة الثالثة :من الناس من قال :من دخل دارا وجب عليه أن يسلم على الحاضرين، واحتج عليه بوجوه :الأول :قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام : « أفشوا السلام » والأمر للوجوب. الثاني :أن من دخل على إنسان كان كالطالب له، ثم المدخول عليه لا يعلم أنه يطلبه لخير أو لشر، فإذا قال :السلام عليك فقد بشره بالسلامة وآمنه من الخوف، وإزالة الضرر عن المسلم واجبة قال عليه الصلاة والسلام : «المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه » فوجب أن يكون السلام واجبا. الثالث :أن السلام من شعائر أهل الإسلام، وإظهار شعائر الإسلام واجب، وأما المشهور فهو أن السلام سنة، وهو قول ابن عباس والنخعي.
وأما الجواب على السلام فقد أجمعوا على وجوبه، ويدل عليه وجوه :الأول :قوله تعالى ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ الثاني :أن ترك الجواب إهانة، والإهانة ضرر والضرر حرام.
المسألة الرابعة :منتهى الأمر في السلام أن يقال :السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بدليل أن هذا القدر هو الوارد في التشهد.
واعلم أنه تعالى قال : ﴿ فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ فقال العلماء :الأحسن هو أن المسلم إذا قال السلام عليك زيد في جوابه الرحمة، وإن ذكر السلام والرحمة في الابتداء زيد في جوابه البركة، وإن ذكر الثلاثة في الابتداء أعادها في الجواب. روى أن رجلا قال للرسول صلى الله عليه وسلم :السلام عليك يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام :وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. وآخر قال :السلام عليك ورحمة الله، فقال :وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، وجاء ثالث فقال :السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال عليه الصلاة والسلام :وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، فقال الرجل :نقصتني، فأين قول الله : ﴿ فحيوا بأحسن منها ﴾ فقال صلى الله عليه وسلم :إنك ما تركت لي فضلا فرددت عليك ما ذكرت.
المسألة الخامسة :المبتدئ يقول :السلام عليك والمجيب، يقول :وعليكم السلام، هذا هو الترتيب الحسن، والذي خطر ببالي فيه أنه إذا قال :السلام عليكم كان الابتداء واقعا بذكر الله، فإذا قال المجيب :وعليكم السلام كان الاختتام واقعا بذكر الله، وهذا يطابق قوله : ﴿ هو الأول والآخر ﴾ وأيضا لما وقع الابتداء والاختتام بذكر الله فإنه يرجى أن يكون ما وقع بينهما يصير مقبولا ببركته كما في قوله : ﴿ أقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من اليل إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ فلو خالف المبتدئ فقال :وعليكم السلام فقد خالف السنة، فالأولى للمجيب أن يقول :وعليكم السلام، لأن الأول لما ترك الافتتاح بذكر الله، فهذا لا ينبغي أن يترك الاختتام بذكر الله.
المسألة السادسة :إن شاء قال :سلام عليكم، وإن شاء قال :السلام عليكم قال تعالى في حق نوح : ﴿ قيل يا نوح اهبط بسلام منا ﴾ وقال عن الخليل : ﴿ قال سلام عليك سأستغفر لك ربي ﴾ وقال في قصة لوط : ﴿ قالوا سلاما قال سلام ﴾ وقال عن يحيى : ﴿ وسلام عليه ﴾ وقال عن محمد صلى الله عليه وسلم : ﴿ قل الحمد لله وسلام على عباده ﴾ وقال عن الملائكة : ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ﴾ وقال عن رب العزة : ﴿ سلام قولا من رب رحيم ﴾ وقال : ﴿ فقل سلام عليكم ﴾ وأما بالألف واللام فقوله عن موسى عليه السلام : ﴿ فأرسل معنا بنى إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى ﴾ وقال عن عيسى عليه السلام : ﴿ والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ﴾ فثبت أن الكل جائز، وأما في التحليل من الصلاة فلا بد من الألف واللام بالاتفاق، واختلفوا في سائر المواضع أن التنكير أفضل أم التعريف ؟ فقيل التنكير أفضل، ويدل عليه وجوه :الأول :أن لفظ السلام على سبيل التنكير كثير في القرآن فكان أفضل. الثاني :أن كل ما ورد من الله والملائكة والمؤمنين فقد ورد
ثم قال تعالى : ﴿ الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا ﴾
في الآية مسائل :
المسألة الأولى :في كيفية النظم وجهان :الأول :أنا بينا أن المقصود من قوله : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ أن لا يصير الرجل المسلم مقتولا، ثم إنه تعالى أكد ذلك بالوعيد في قوله : ﴿ إن الله كان على كل شىء حسيبا ﴾ ثم بالغ في تأكيد ذلك الوعيد بهذه الآية، فبين في هذه الآية أن التوحيد والعدل متلازمان، فقوله : ﴿ لا إله إلا هو ﴾ إشارة إلى التوحيد، وقوله : ﴿ ليجمعنكم إلى يوم القيامة ﴾ إشارة إلى العدل، وهو كقوله : ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط ﴾ وكقوله في طه : ﴿ إننى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنى وأقم الصلاة لذكرى ﴾ وهو إشارة إلى التوحيد ثم قال : ﴿ إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزي كل نفس بما تسعى ﴾ وهو إشارة إلى العدل، فكذا في هذه الآية بين أنه يجب في حكمه وحكمته أن يجمع الأولين والآخرين في عرصة القيامة فينتصف للمظلومين من الظالمين، ولا شك أنه تهديد شديد. الثاني :كأنه تعالى يقول :من سلم عليكم وحياكم فاقبلوا سلامه وأكرموه وعاملوه بناء على الظاهر، فإن البواطن إنما يعرفها الله الذي لا إله إلا هو، إنما تنكشف بواطن الخلق للخلق في يوم القيامة.
المسألة الثانية :قال صاحب «الكشاف » :قوله : ﴿ لا إله إلا هو ﴾ إما خبر للمبتدأ، وإما اعتراض والخبر ﴿ ليجمعنكم ﴾ واللام لام القسم، والتقدير :والله ليجمعنكم.
المسألة الثالثة :لقائل أن يقول :لم لم يقل :ليجمعنكم في يوم القيامة ؟
والجواب من وجهين :الأول :المراد ليجمعنكم في الموت أو القبور إلى يوم القيامة. الثاني :التقدير :ليضمنكم إلى ذلك اليوم ويجمع بينكم وبينه بأن يجمعكم فيه.
المسألة الرابعة :قال الزجاج :يجوز أن يقال سميت القيامة قيامة لأن الناس يقومون من قبورهم، ويجوز أيضا أن يقال :سميت بهذا الاسم لأن الناس يقومون للحساب قال تعالى : ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴾ قال صاحب «الكشاف » :القيام القيامة، كالطلاب والطلابة.
المسألة الخامسة :اعلم أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى أثبت أن القيامة ستوجد لا محالة، وجعل الدليل على ذلك مجرد إخبار الله تعالى عنه، وهذا حق، وذلك لأن المسائل الأصولية على قسمين منها ما العلم بصحة النبوة يكون محتاجا إلى العلم بصحته، ومنها ما لا يكون كذلك. والأول مثل علمنا بافتقار العالم إلى صانع عالم بكل المعلومات قادر على كل الممكنات، فأنا ما لم نعلم ذلك لا يمكننا العلم بصدق الأنبياء، فكل مسألة هذا شأنها فإنه يمتنع إثباتها بالقرآن وإخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإلا وقع الدور.
وأما القسم الثاني :وهو جملة المسائل التي لا يتوقف العلم بصحة النبوة على العلم بصحتها فكل ذلك مما يمكن اثباته بكلام الله وإخباره ومعلوم أن قيام القيامة كذلك، فلا جرم أمكن إثباته بالقرآن وبكلام الله، فثبت أن الاستدلال على قيام القيامة بإخبار الله عنه استدلال صحيح.
المسألة السادسة :قوله : ﴿ ومن أصدق من الله حديثا ﴾ استفهام على سبيل الإنكار، والمقصود منه بيان أنه يجب كونه تعالى صادقا وأن الكذب والخلف في قوله محال. وأما المعتزلة فقد بنوا ذلك على أصلهم، وهو أنه تعالى عالم بكون الكذب قبيحا، وعالم بكونه غنيا عنه، وكل من كان كذلك استحال أن يكذب. إنما قلنا :إنه عالم بقبح الكذب، وعالم بكونه غنيا عنه لأن الكذب قبيح لكونه كذبا، والله تعالى غير محتاج إلى شيء أصلا، وثبت أنه عالم بجميع المعلومات فوجب القطع بكونه عالما بهذين الأمرين، وأما أن كل من كان كذلك استحال أن يكذب فهو ظاهر لأن الكذب جهة صرف لا جهة دعاء، فإذا خلا عن معارض الحاجة بقي ضارا محضا فيمتنع صدور الكذب عنه، وأما أصحابنا فدليلهم أنه لو كان كاذبا لكان كذبه قديما، ولو كان كذبه قديما لامتنع زوال كذبه لامتناع العدم على القديم، ولو امتنع زوال كذبه قديما لامتنع كونه صادقا، لأن وجود أحد الضدين يمنع وجود الضد الآخر، فلو كان كاذبا لامتنع أن يصدق لكنه غير ممتنع، لأنا نعلم بالضرورة أن كل من علم شيئا فإنه لا يمتنع عليه أن يحكم عليه بحكم مطابق للمحكوم عليه، والعلم بهذه الصحة ضروري، فإذا كان إمكان الصدق قائما كان امتناع الكذب حاصلا لا محالة، فثبت أنه لا بد من القطع بكونه تعالى صادقا.
المسألة السابعة :استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن كلام الله تعالى محدث، قالوا لأنه تعالى وصفه بكونه حديثا في هذه الآية وفي قوله تعالى : ﴿ الله نزل أحسن الحديث ﴾ والحديث هو الحادث أو المحدث، وجوابنا عنه :إنكم إنما تحكمون بحدوث الكلام الذي هو الحرف والصوت ونحن لا ننازع في حدوثه، إنما الذي ندعي قدمه شيء آخر غير هذه الحروف والأصوات، والآية لا تدل على حدوث ذلك الشيء البتة بالاتفاق منا ومنكم، فأما منا فظاهر، وأما منكم فإنكم تنكرون وجود كلام سوى هذه الحروف والأصوات، فكيف يمكنكم أن تقولوا بدلالة هذه الآية على حدوثه، والله أعلم.
قوله تعالى : ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ﴾
اعلم أن هذا نوع آخر من أحوال المنافقين ذكره الله تعالى، وههنا مسائل :
المسألة الأولى :ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوها :الأول :أنها نزلت في قوم قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وآله مسلمين فأقاموا بالمدينة ما شاء الله، ثم قالوا يا رسول الله :نريد أن نخرج إلى الصحراء فائذن لنا فيه، فأذن لهم، فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين فتكلم المؤمنون فيهم، فقال بعضهم :لو كانوا مسلمين مثلنا لبقوا معنا وصبروا كما صبرنا وقال قوم :هم مسلمون، وليس لنا أن ننسبهم إلى الكفر إلى أن يظهر أمرهم، فبين الله تعالى نفاقهم في هذه الآية. الثاني :نزلت الآية في قوم أظهروا الإسلام بمكة، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين. فاختلف المسلمون فيهم وتشاجروا، فنزلت الآية. وهو قول ابن عباس وقتادة. الثالث :نزلت الآية في الذين تخلفوا يوم أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا :لو نعلم قتالا لاتبعناكم، فاختلف أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم، فمنهم فرقة يقولون كفروا، وآخرون قالوا :لم يكفروا، فنزلت هذه الآية. وهو قول زيد بن ثابت، ومنهم من طعن في هذا الوجه وقال :في نسق الآية ما يقدح فيه، وإنهم من أهل مكة، وهو قوله تعالى : ﴿ فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا فى سبيل الله ﴾ الرابع :نزلت الآية في قوم ضلوا وأخذوا أموال المسلمين وانطلقوا بها إلى اليمامة فاختلف المسلمون فيهم، فنزلت الآية :وهو قول عكرمة. الخامس :هم العرنيون الذين أغاروا وقتلوا يسارا مولى الرسول صلى الله عليه وسلم. السادس :قال ابن زيد :نزلت في أهل الافك.
المسألة الثانية :في معنى الآية وجهان :الأول :أن «فئتين » نصب على الحال :كقولك :مالك قائما، أي مالك في حال القيام، وهذا قول سيبويه. الثاني :أنه نصب على خبر كان، والتقدير :مالكم صرتم في المنافقين فئتين، وهو استفهام على سبيل الإنكار، أي لم تختلفون في كفرهم مع أن دلائل كفرهم ونفاقهم ظاهرة جلية، فليس لكم أن تختلفوا فيه بل يجب أن تقطعوا بكفرهم.
المسألة الثالثة :قال الحسن :إنما سماهم منافقين وإن أظهروا الكفر لأنهم وصفوا بالصفة التي كانوا عليها من قبل، والمراد بقوله : ﴿ فئتين ﴾ ما بينا أن فرقة منهم كانت تميل إليهم وتذب عنهم وتواليهم، وفرقة منهم تباينهم وتعاديهم، فنهوا عن ذلك وأمروا بأن يكونوا على نهج واحد في التباين والتبري والتكفير، والله أعلم.
ثم قال تعالى مخبرا عن كفرهم : ﴿ والله أركسهم بما كسبوا ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :الركس :رد الشيء من آخره إلى أوله، فالركس والنكس والمركوس والمنكوس واحد، ومنه يقال للروث الركس لأنه رد إلى حالة خسيسة، وهي حالة النجاسة، ويسمى رجيعا لهذا المعنى أيضا، وفيه لغتان :ركسهم وأركسهم فارتكسوا، أي ارتدوا. وقال أمية.
فأركسوا في حميم النار إنهم كانوا عصاة وقالوا الإفك والزورا
المسألة الثانية :معنى الآية أنه ردهم إلى أحكام الكفار من الذل والصغار والسبي والقتل بما كسبوا، أي بما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النفاق، وذلك أن المنافق ما دام يكون متمسكا في الظاهر بالشهادتين لم يكن لنا سبيل إلى قتله، فإذا أظهر الكفر فحينئذ يجري الله تعالى عليه أحكام الكفار.
المسألة الثالثة :قرأ ابي كعب وعبد الله بن مسعود ﴿ والله أركسهم ﴾ وقد ذكرنا أن أركس وركس لغتان.
ثم قال تعالى : ﴿ أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ﴾ قالت المعتزلة المراد من قوله : ﴿ أضل الله ﴾ ليس أنه هو خلق الضلال فيه للوجوه المشهورة، ولأنه تعالى قال قبل هذه الآية : ﴿ والله أركسهم بما كسبوا ﴾ فبين تعالى أنه إنما ردهم وطردهم بسبب كسبهم وفعلهم، وذلك ينفي القول بأن إضلالهم حصل بخلق الله وعند هذا حملوا قوله : ﴿ من أضل الله ﴾ على وجوه :الأول :المراد منه أن الله تعالى حكم بضلالهم وكفرهم كما يقال فلان يكفر فلانا ويضله :بمعنى أنه حكم به وأخبر عنه :الثاني :أن المعنى أتريدون أن تهدوا إلى الجنة من أضله الله عن طريق الجنة، وذلك لأنه تعالى يضل الكفار يوم القيامة عن الاهتداء إلى طريق الجنة. الثالث :أن يكون هذا الإضلال مفسرا بمنع الالطاف.
واعلم أنا قد ذكرنا في مواضع كثيرة من هذا الكتاب ضعف هذه الوجوه، ثم نقول :هب أنها صحيحة، ولكنه تعالى لما أخبر عن كفرهم وضلالهم، وأنهم لا يدخلون الجنة فقد توجه الإشكال لأن انقلاب علم الله تعالى جهلا محال، والمفضي إلى المحال محال، ومما يدل على أن المراد من الآية أن الله تعالى أضلهم عن الدين قوله : ﴿ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ﴾ فالمؤمنون في الدنيا إنما كانوا يريدون من المنافقين الإيمان ويحتالون في إدخالهم فيه.
ثم قال تعالى : ﴿ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ﴾ فوجب أن يكون معناه أنه تعالى لما أضلهم عن الإيمان امتنع أن يجد المخلوق سبيلا إلى إدخاله في الإيمان، وهذا ظاهر.
ثم قال تعالى : ﴿ ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله ﴾
وفيه مسألتان :
المسألة الأولى :أنه تعالى لما قال قبل هذه الآية : ﴿ أتريدون أن تهدوا من أضل الله ﴾ وكان ذلك استفهاما على سبيل الإنكار قرر ذلك الاستبعاد بأن قال :بلغوا في الكفر إلى أنهم يتمنون أن تصيروا أيها المسلمون كفارا، فلما بلغوا في تعصبهم في الكفر إلى هذا الحد فكيف تطمعون في إيمانهم.
المسألة الثانية :قوله : ﴿ فتكونون سواء ﴾ رفع بالنسق على ﴿ تكفرون ﴾ والمعنى :ودوا لو تكونون، والفاء عاطفة ولا يجوز أن يجعل ذلك جواب التمني، ولو أراد ذلك على تأويل إذا كفروا استووا لكان نصبا، ومثله قوله : ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ ولو قيل : ﴿ فيدهنوا ﴾ على الجواب لكان ذلك جائزا في الإعراب، ومثله : ﴿ ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ﴾ ومعنى قوله : ﴿ فتكونون سواء ﴾ أي في الكفر، والمراد فتكونون أنتم وهم سواء إلا أنه اكتفى بذكر المخاطبين عن ذكر غيرهم لوضوح المعنى بسبب تقدم ذكرهم، واعلم أنه تعالى لما شرح للمؤمنين كفرهم وشدة غلوهم في ذلك الكفر، فبعد ذلك شرح للمؤمنين كيفية المخالطة معهم فقال : ﴿ فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا فى سبيل الله ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :دلت الآية على أنه لا يجوز موالاة المشركين والمنافقين والمشتهرين بالزندقة والإلحاد، وهذا متأكد بعموم قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء ﴾ والسبب فيه أن أعز الأشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو الدين، لأن ذلك هو الأمر الذي به يتقرب إلى الله تعالى، ويتوسل به إلى طلب السعادة في الآخرة، وإذا كان كذلك كانت العداوة الحاصلة بسببه أعظم أنواع العداوة، وإذا كان كذلك امتنع طلب المحبة والولاية في الموضع الذي يكون أعظم موجبات العداوة حاصلا فيه والله أعلم.
المسألة الثانية :قوله : ﴿ فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا ﴾ قال أبو بكر الرازي :التقدير حتى يسلموا ويهاجروا، لأن الهجرة في سبيل الله لا تكون إلا بعد الإسلام، فقد دلت الآية على إيجاب الهجرة بعد الإسلام، وأنهم وإن أسلموا لم يكن بيننا وبينهم موالاة إلا بعد الهجرة، ونظيره قوله : ﴿ ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا ﴾.
واعلم أن هذا التكليف إنما كان لازما حال ما كانت الهجرة مفروضة قال صلى الله عليه وسلم : «أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين وأنا بريء من كل مسلم مع مشرك » فكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة، ثم نسخ فرض الهجرة. عن طاوس عن ابن عباس قال :قال رسول صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية »
وروي عن الحسن أن حكم الآية ثابت في كل من أقام في دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الإسلام قائما.
المسألة الثالثة :اعلم أن الهجرة تارة تحصل بالانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان، وأخرى تحصل بالانتقال عن أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين، قال صلى الله عليه وسلم : «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه » وقال المحققون :الهجرة في سبيل الله عبارة عن الهجرة عن ترك مأموراته وفعل منهياته، ولما كان كل هذه الأمور معتبرا لا جرم ذكر الله تعالى لفظا عاما يتناول الكل فقال : ﴿ حتى يهاجروا فى سبيل الله ﴾ فإنه تعالى لم يقل :حتى يهاجروا عن الكفر، بل قال : ﴿ حتى يهاجروا فى سبيل الله ﴾ وذلك يدخل فيه مهاجرة دار الكفر ومهاجرة شعار الكفر، ثم لم يقتصر تعالى على ذكر الهجرة، بل قيده بكونه في سبيل الله، فإنه ربما كانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، ومن شعار الكفر إلى شعار الإسلام لغرض من أغراض الدنيا، إنما المعتبر وقوع تلك الهجرة لأجل أمر الله تعالى.
ثم قال تعالى : ﴿ فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا ﴾. والمعنى فإن أعرضوا عن الهجرة ولزموا مواضعهم خارجا عن المدينة فخذوهم إذا قدرتم عليهم، واقتلوهم أينما وجدتموهم في الحل والحرم، ولا تتخذوا منهم في هذه الحالة وليا يتولى شيئا من مهماتكم ولا نصيرا ينصركم على أعدائكم.
واعلم أنه تعالى لما أمر بقتل هؤلاء الكفار استثنى منه موضعين :
الأول قوله تعالى : ﴿ إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :في قوله : ﴿ يصلون ﴾ قولان :الأول :ينتهون إليهم ويتصلون بهم، والمعنى أن كل من دخل في عهد من كان داخلا في عهدكم فهم أيضا داخلون في عهدكم. قال القفال رحمه الله :وقد يدخل في الآية أن يقصد قوم حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم فيتعذر عليهم ذلك المطلوب فيلجأوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد إلى أن يجدوا السبيل إليه.
القول الثاني :أن قوله : ﴿ يصلون ﴾ معناه ينتسبون، وهذا ضعيف لأن أهل مكة أكثرهم كانوا متصلين بالرسول من جهة النسب مع أنه صلى الله عليه وسلم كان قد أباح دم الكفار منهم.
المسألة الثانية :اختلفوا في أن القوم الذين كان بينهم وبين المسلمين عهد من هم ؟ قال بعضهم هم الأسلميون فإنه كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فإنه عليه الصلاة والسلام وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعصيه ولا يعين عليه، وعلى أن كل من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل ما لهلال. وقال ابن عباس :هم بنو بكر ابن زيد مناة، وقال مقاتل :هم خزاعة وخزيمة بن عبد مناة.
واعلم أن ذلك يتضمن بشارة عظيمة لأهل الإيمان، لأنه تعالى لما رفع السيف عمن التجأ إلى من التجأ إلى المسلمين، فأن يرفع العذاب في الآخرة عمن التجأ إلى محبة الله ومحبة رسوله كان أولى والله أعلم.
الموضع الثاني في الاستثناء :قوله تعالى : ﴿ أو جآؤكم حصرت صدورهم أن يقاتلونكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ﴾ وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :قوله تعالى : ﴿ أو جاؤكم ﴾ يحتمل أن يكون عطفا على صلة ﴿ الذين ﴾ والتقدير :إلا الذين يصلون بالمعاهدين أو الذين حصرت صدورهم فلا يقاتلونكم، ويحتمل أن يكون عطفا على صفة «قوم » والتقدير :إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم عهد، أو يصلون إلى قوم حصرت صدورهم فلا يقاتلونكم، والأول أولى لوجهين :أحدهما :قوله تعالى : ﴿ فإن اعتزلوكمفلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ﴾ وإنما ذكر هذا بعد قوله : ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ﴾ وهذا يدل على أن السبب الموجب لترك التعرض لهم هو تركهم للقتال، وهذا إنما يتمشى على الاحتمال الأول، وأما على الاحتمال الثاني فالسبب الموجب لترك التعرض لهم هو الاتصال بمن ترك القتال. الثاني :أن جعل ترك القتال موجبا لترك التعرض أولى من جعل الاتصال بمن ترك القتال سببا قريبا لترك التعرض، لأن على التقدير الأول يكون ترك القتال سببا قريبا لترك التعرض، وعلى السبب الثاني يصير سببا بعيدا.
المسألة الثانية :قوله : ﴿ حصرت صدورهم ﴾ معناه ضاقت صدورهم عن المقاتلة فلا يريدون قتالكم لأنكم مسلمون، ولا يريدون قتالهم لأنهم أقاربهم. واختلفوا في موضع قوله : ﴿ حصرت صدورهم ﴾ وذكروا وجوها :الأول :أنه في موضع الحال بإضمار «قد » وذلك لأن «قد » تقرب الماضي من الحال، ألا تراهم يقولون :قد قامت الصلاة، ويقال أتاني فلان ذهب عقله، أي أتاني فلان قد ذهب عقله :وتقدير الآية، أو جاؤكم حال ما قد حصرت صدورهم. الثاني :أنه خبر بعد خبر، كأنه قال :أو جاؤكم ثم أخبر بعده فقال : ﴿ حصرت صدورهم ﴾ وعلى هذا التقدير يكون قوله : ﴿ حصرت صدورهم ﴾ بدلا من ﴿ جاؤكم ﴾ الثالث :أن يكون التقدير :جاؤكم قوما حصرت صدورهم أو جاؤكم رجالا حصرت صدورهم، فعلى هذا التقدير قوله : ﴿ حصرت صدورهم ﴾ نصب لأنه صفة لموصوف منصوب على الحال، إلا أنه حذف الموصوف المنتصب على الحال. وأقيمت صفته مقامه، وقوله : ﴿ أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ﴾ معناه ضاقت قلوبهم عن قتالكم وعن قتال قومهم فهم لا عليكم ولا لكم.
المسألة الثالثة :اختلفوا في أن الذين استثناهم الله تعالى أهم من الكفار أو من المؤمنين ؟ فقال الجمهور :هم من الكفار، والمعنى أنه تعالى أوجب قتل الكافر إلا إذا كان معاهدا أو تاركا للقتال فإنه لا يجوز قتلهم، وعلى هذا التقدير فالقول بالنسخ لازم لأن الكافر وإن ترك القتال فإنه يجوز قتله، وقال أبو مسلم الأصفهاني :إنه تعالى لما أوجب الهجرة على كل من أسلم استثنى من له عذر فقال : ﴿ إلا الذين يصلون ﴾ وهم قوم من المؤمنين قصدوا الرسول للهجرة والنصرة، إلا أنهم كان في طريقهم من الكفار ما لم يجدوا طريقا إليه خوفا من أولئك الكفار، فصاروا إلى قوم بين المسلمين وبينهم عهد وأقاموا عندهم إلى أن يمكنهم الخلاص، واستثنى بعد ذلك من صار إلى الرسول ولا يقاتل الرسول ولا أصحابه، لأنه يخاف الله تعالى فيه، ولا يقاتل الكفار أيضا لأنهم أقاربه، أو لأنه أبقى أولاده وأزواجه بينهم، فيخاف لو قاتلهم أن يقتلوا أولاده وأصحابه، فهذان الفريقان من المسلمين لا يحل قتالهم وإن كان لم يوجد منهم الهجرة ولا مقاتلة الكفار.
المسألة الرابعة :قوله تعالى : ﴿ ولو شاء الله لسلطهم عليكم ﴾ التسليط في اللغة مأخوذ من السلاطة وهي الحدة، والمقصود منه أن الله تعالى من على المسلمين بكف بأس المعاهدين، والمعنى :أن ضيق صدورهم عن قتالكم إنما هو لأن الله قذف الرعب في قلوبهم، ولو أنه تعالى قوى قلوبهم على قتال المسلمين لتسلطوا عليهم. قال أصحابنا :وهذا يدل على أنه لا يقبح من الله تعالى تسليط الكافر على المؤمن وتقويته عليه، وأما المعتزلة فقد أجابوا عنه من وجهين :الأول :قال الجبائي قد بينا أن القوم الذين استثناهم الله تعالى قوم مؤمنون لا كافرون، وعلى هذا فمعنى الآية :ولو شاء الله لسلطهم عليكم بتقوية قلوبهم ليدفعوا عن أنفسهم أن أقدمتم على مقاتلتهم على سبيل الظلم. والثاني :قال الكلبي :إنه تعالى أخبر أنه لو شاء لفعل، وهذا لا يفيد إلا أنه تعالى قادر على الظلم، وهذا مذهبنا إلا أنا نقول :إنه تعالى لا يفعل الظلم، وليس في الآية دلالة على أنه شاء ذلك وأراده.
المسألة الخامسة :اللام في قوله : ﴿ فلقاتلوكم ﴾ جواب «للو » على التكرير أو البدل، على تأويل ولو شاء الله لسلطهم عليكم ولو شاء الله لقاتلوكم. قال صاحب «الكشاف » :وقرئ ﴿ فلقتلوكم ﴾ بالتخفيف والتشديد.
ثم قال : ﴿ فإن اعتزلوكم ﴾ أي فإن لم يتعرضوا لكم وألقوا إليكم السلم، أي الانقياد والاستسلام، وقرئ بسكون اللام مع فتح السين ﴿ فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ﴾ فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم. واختلف المفسرون فقال بعضهم :الآية منسوخة بآية السيف، وهي قوله : ﴿ اقتلوا المشركين ﴾ وقال قوم :إنها غير منسوخة، أما الذين حملوا الاستثناء على المسلمين فذلك ظاهر على قولهم، وأما الذين حملوا الاستثناء على الكافرين فقال الأصم :إذا حملنا الآية على المعاهد فكيف يمكن أن يقال إنها منسوخة.
ثم قال تعالى : ﴿ ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها ﴾.
قال المفسرون :هم قوم من أسد وغطفان، كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا، وغرضهم أن يأمنوا المسلمين، فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودكم ﴿ كلما ردوا إلى الفتنة ﴾ كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين ﴿ أركسوا فيها ﴾ أي ردوا مغلوبين منكوسين فيها، وهذا استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين لأن من وقع في شيء منكوسا يتعذر خروجه منه.
ثم قال تعالى : ﴿ فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم ﴾.
والمعنى :فإن لم يعتزلوا قتالكم ولم يطلبوا الصلح منكم ولم يكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم. قال الأكثرون :وهذا يدل على أنهم إذا اعتزلوا قتالنا وطلبوا الصلح منا وكفوا أيديهم عن إيذائنا لم يجز لنا قتالهم ولا قتلهم، ونظيره قوله تعالى : ﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم ﴾ وقوله : ﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ﴾ فخص الأمر بالقتال لمن يقاتلنا دون من لم يقاتلنا. واعلم أن هذا الكلام مبني على أن المعلق بكلمة «إن » على الشرط عدم عند عدم الشرط، وقد شرحنا الحال فيه في قوله تعالى : ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾.
ثم قال : ﴿ وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا ﴾.
وفي السلطان المبين وجهان :الأول :أنه ظهر على جواز قتل هؤلاء حجة واضحة ظاهرة، وهي ظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر، وإضرارهم بأهل الإسلام. الثاني :أن السلطان المبين هو إذن الله تعالى للمسلمين في قتل هؤلاء الكفار.
قوله تعالى : ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله حكيما ﴾
اعلم أنه تعالى لما رغب في مقاتلة الكفار، وحرض عليها ذكر بعد ذلك بعض ما يتعلق بهذه المحاربة، فمنها أنه تعالى لما أذن في قتل الكفار فلا شك أنه قد يتفق أن يرى الرجل رجلا يظنه كافرا حربيا فيقتله، ثم يتبين أنه كان مسلما، فذكر الله تعالى حكم هذه الواقعة في هذه الآية وههنا مسائل :
المسألة الأولى :ذكروا في سبب النزول وجوها :الأول :روى عروة بن الزبير أن حذيفة بن اليمان كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد فأخطأ المسلمون وظنوا أن أباه اليمان واحد من الكفار، فأخذوه وضربوه بأسيافهم وحذيفة يقول :إنه أبي فلم يفهموا قوله إلا بعد أن قتلوه، فقال حذيفة :يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فلما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك ازداد وقع حذيفة عنده، فنزلت هذه الآية :
الرواية الثانية :أن الآية نزلت في أبي الدرداء، وذلك لأنه كان في سرية فعدل إلى شعب لحاجة له فوجد رجلا في غنم له فحمل عليه بالسيف، فقال الرجل :لا إله إلا الله، فقتله وساق غنمه ثم وجد في نفسه شيئا، فذكر الواقعة للرسول صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام : «هلا شففت عن قلبه » وندم أبو الدرداء فنزلت الآية.
الرواية الثالثة :روي أن عياش بن أبي ربيعة، وكان أخا لأبي جهل من أمه، أسلم وهاجر خوفا من قومه إلى المدينة، وذلك قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب ولا تجلس تحت سقف حتى يرجع، فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبي أنيسة فأتياه وطولا في الأحاديث، فقال أبو جهل :أليس أن محمدا يأمرك ببر الأم فانصرف وأحسن إلى أمك وأنت على دينك فرجع، فلما دنوا من مكة قيدوا يديه ورجليه، وجلده أبو جهل مائة جلدة، وجلده الحرث مائة أخرى، فقال للحرث :هذا أخي فمن أنت يا حرث، لله علي إن وجدتك خاليا أن أقتلك. وروي أن الحرث قال لعياش حين رجع :إن كان دينك الأول هدى فقد تركته وإن كان ضلالا فقد دخلت الآن فيه، فشق ذلك على عياش وحلف أن يقتله، فلما دخل على أمه حلفت أمه لا يزول عنه القيد حتى يرجع إلى دينه الأول ففعل، ثم هاجر بعد ذلك وأسلم الحرث أيضا وهاجر، فلقيه عياش خاليا ولم يشعر بإسلامه فقتله، فلما أخبر بأنه كان مسلما ندم على فعله وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :قتلته ولم أشعر بإسلامه، فنزلت هذه الآية.
المسألة الثانية :قوله تعالى : ﴿ وما كان ﴾ فيه وجهان :الأول :أي وما كان فيما أتاه من ربه وعهد إليه. الثاني :ما كان له في شيء من الأزمنة ذلك، والغرض منه بيان أن حرمة القتل كانت ثابتة من أول زمان التكليف.
المسألة الثالثة :قوله : ﴿ إلا خطأ ﴾ فيه قولان :الأول :أنه استثناء متصل، والذاهبون إلى هذا القول ذكروا وجوها :الأول :أن هذا الاستثناء ورد على طريق المعنى، لأن قوله : ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ﴾ معناه أنه يؤاخذ الإنسان على القتل إلا إذا كان القتل قتل خطأ فإنه لا يؤاخذ به. الثاني :أن الاستثناء صحيح أيضا على ظاهر اللفظ، والمعنى أنه ليس لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتة إلا عند الخطأ. وهو ما إذا رأى عليه شعار الكفار، أو وجده في عسكرهم فظنه مشركا، فههنا يجوز قتله، ولا شك أن هذا خطأ، فإنه ظن أنه كافر مع أنه ما كان كافرا. الثالث :أن في الكلام تقديما وتأخيرا، والتقدير :وما كان مؤمن ليقتل مؤمنا إلا خطأ، ومثله قوله تعالى : ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد ﴾ تأويله :ما كان الله ليتخذ من ولد، لأنه تعالى لا يحرم عليه شيء، إنما ينفي عنه ما لا يليق به، وأيضا قال تعالى : ﴿ ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ﴾ معناه ما كنتم لتنبتوا، لأنه تعالى لم يحرم عليهم أن ينبتوا الشجر، إنما نفى عنهم أن يمكنهم إنباتها، فإنه تعالى هو القادر على إنبات الشجر. الرابع :أن وجه الإشكال في حمل هذا الاستثناء على الاستثناء المتصل، وهو أن يقال :الاستثناء من النفي إثبات، وهذا يقتضي الإطلاق في قتل المؤمن في بعض الأحوال، وذلك محال، إلا أن هذا الإشكال إنما يلزم إذا سلمنا أن الاستثناء من النفي إثبات، وذلك مختلف فيه بين الأصوليين، والصحيح أنه لا يقتضيه لأن الاستثناء يقتضي صرف الحكم عن المستثنى لا صرف المحكوم به عنه، وإذا كان تأثير الاستثناء في صرف الحكم فقط بقي المستثنى غير محكوم عليه لا بالنفي ولا بالإثبات، وحينئذ يندفع الإشكال. ومما يدل على أن الاستثناء من النفي ليس بإثبات قوله عليه الصلاة والسلام : « لا صلاة إلا بطهور ولا نكاح إلا بولي » ويقال :لا ملك إلا بالرجال ولا رجال إلا بالمال، والاستثناء في جملة هذه الصور لا يفيد أن يكون الحكم المستثنى من النفي إثباتا والله أعلم. الخامس :قال أبو هاشم وهو أحد رؤساء المعتزلة :تقدير الآية :وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا فيبقى مؤمنا، إلا أن يقتله خطأ فيبقى حينئذ مؤمنا، قال :والمراد أن قتل المؤمن للمؤمن يخرجه عن كونه مؤمنا، إلا أن يكون خطأ فإنه لا يخرجه عن كونه مؤمنا. واعلم أن هذا الكلام بناء على أن الفاسق ليس بمؤمن، وهو أصل باطل، والله أعلم.
القول الثاني :أن هذا الاستثناء منقطع بمعنى لكن، ونظيره في القرآن كثير. قال تعالى : ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة ﴾ وقال : ﴿ الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ﴾ وقال : ﴿ لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما ﴾ والله أعلم.
المسألة الرابعة :في انتصاب قوله : ﴿ خطأ ﴾ وجوه :الأول :أنه مفعوله له، والتقدير ما ينبغي أن يقتله لعلة من العلل، إلا لكونه خطأ. الثاني :أنه حال، والتقدير :لا يقتله البتة إلا حال كونه خطأ. الثالث :أنه صفة للمصدر. والتقدير :إلا قتلا خطأ.
قوله تعالى : ﴿ ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا ﴾.
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :قال الشافعي رحمه الله :القتل على ثلاثة أقسام :عمد، وخطأ، وشبه عمد.
أما العمد :فهو أن يقصد قتله بالسبب الذي يعلم إفضاءه إلى الموت سواء كان ذلك جارحا أو لم يكن، وهذا قول الشافعي.
وأما الخطأ فضربان :أحدهما :أن يقصد رمي المشرك أو الطائر فأصاب مسلما. والثاني :أن يظنه مشركا بأن كان عليه شعار الكفار، والأول خطأ في الفعل، والثاني خطأ في القصد.
أما شبه العمد :فهو أن يضربه بعصا خفيفة لا تقتل غالبا فيموت منه. قال الشافعي رحمه الله :هذا خطأ في القتل وإن كان عمدا في الضرب.
المسألة الثانية :قال أبو حنيفة :القتل بالمثقل ليس بعمد محض، بل هو خطأ وشبه عمد، فيكون داخلا تحت هذه الآية فتجب فيه الدية والكفارة، ولا يجب فيه القصاص. وقال الشافعي رحمه الله :إنه عمد محض يجب فيه القصاص. أما بيان أنه قتل فيدل عليه القرآن والخبر، أما القرآن فهو أنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه وكز القبطي فقضى عليه، ثم إن ذلك الوكز يسمى بالقتل، بدليل أنه حكى أن القبطي قال في اليوم الثاني : ﴿ أتريد أن تقتلنى كما قتلت نفسا بالأمس ﴾ وكان الصادر عن موسى عليه السلام بالأمس ليس إلا الوكز، فثبت أن القبطي سماه قتلا، وأيضا إن موسى صلوات الله عليه سماه قتلا حيث قال : ﴿ ربى إنى قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون ﴾ وأجمع المفسرون على أن المراد منه قتل ذلك القبطي بذلك الوكز، وأيضا إن الله تعالى سماه قتلا حيث قال : ﴿ وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا ﴾ فثبت أن الوكز قتل بقول القبطي وبقول موسى وبقول الله تعالى، وأما الخبر فقوله صلى الله عليه وسلم : «ألا إن قتيل الخطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل » فسماه قتلا، فثبت بهذين الدليلين أنه حصل القتل، وأما أنه عمد فالشاك فيه داخل في السفسطة فإن من ضرب رأس إنسان بحجر الرحا، أو صلبه أو غرقه، أو خنقه ثم قال :ما قصدت به قتله كان ذلك إما كاذبا أو مجنونا، وأما أنه عدوان فلا ينازع فيه مسلم، فثبت أنه قتل عمد عدوان، فوجب أن يجب القصاص بالنص والمعقول.
أما النص :فهو جميع الآيات الدالة على وجوب القصاص، كقوله : ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى ﴾ ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ﴾ ﴿ ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ﴾ ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ ﴿ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾.
وأما المعقول :فهو أن المقصود من شرع القصاص صيانة النفوس والأرواح عن الاهدار. قال تعالى : ﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾ وإذا كان المقصود من شرع القصاص صيانة النفوس والأرواح عن الاهدار، والاهدار من المثقل كهو في المحدد كانت الحاجة إلى شرع الزاجر في إحدى الصورتين كالحاجة إليه في الصورة الأخرى، ولا تفاوت بين الصورتين في نفس الاهدار، إنما التفاوت حاصل في آلة الاهدار، والعلم الضروري حاصل بأن ذلك غير معتبر، والكلام في الفقهيات إذا وصل إلى هذا الحد فقد بلغ الغاية القصوى في التحقيق لمن ترك التقليد، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم :" ألا إن قتيل الخطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل " وهو عام سواء كان السوط والعصا صغيرا أو كبيرا.
والجواب :أن قوله : «قتيل الخطأ » يدل على أنه لا بد وأن يكون معنى الخطأ حاصلا فيه، وقد بينا أن من خنق إنسانا أو ضرب رأسه بحجر الرحا، ثم قال :ما كنت أقصد قتله، فإن كل عاقل ببديهة عقله يعلم أنه كاذب في هذا المقال، فوجب حمل هذا الضرب على الضرب بالعصا الصغيرة حتى يبقى معنى الخطأ فيه. والله أعلم.
المسألة الثالثة :قال أبو حنيفة :القتل العمد لا يوجب الكفارة، وقال الشافعي :يوجب. احتج أبو حنيفة بهذه الآية، فقال قوله : ﴿ ومن قتل مؤمنا خطأ ﴾ شرط لوجوب الكفارة وعند انتفاء الشرط لا يحصل المشروط، فيقال له :إنه تعالى قال : ﴿ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم ﴾ فقوله : ﴿ ومن لم يستطع ﴾ ما كان شرطا لجواز نكاح الأمة على قولكم، فكذلك ههنا. ثم نقول :الذي يدل على وجوب الكفارة في القتل والعمد والخبر والقياس.
أما الخبر فهو ما روى واثلة بن الأسقع قال :أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا أوجب النار بالقتل، فقال :اعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار.
وأما القياس :فهو أن الغرض من إعتاق العبد هو أن يعتقه الله من النار، والحاجة إلى هذا المعنى في القتل العمد أتم، فكانت الحاجة فيه إلى إيجاب الكفارة أتم والله أعلم.
وذكر الشافعي رضي الله عنه حجة أخرى من قياس الشبه فقال :لما وجبت الكفارة في قتل الصيد في الإحرام سوينا بين العامد وبين الخاطئ إلا في الإثم، فكذا في قتل المؤمن، ولهذا الكلام تأكيد آخر وهو أن يقال :نص الله تعالى هناك في العامد، وأوجبنا على الخاطئ. فههنا نص على الخاطئ، فبأن نوجبه على العامد مع أن احتياج العامد الى ا
قوله تعالى : ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله ولعنه وأعد له عذابا عظيما ﴾
اعلم أنه تعالى لما ذكر حكم القتل الخطأ ذكر بعده بيان حكم القتل العمد، وله أحكام مثل وجوب القصاص والدية، وقد ذكر تعالى ذلك في سورة البقرة وهو قوله : ﴿ يا أيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ﴾ فلا جرم ههنا اقتصر على بيان ما فيه من الإثم والوعيد، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :استدلت الوعيدية بهذه الآية على أمرين :أحدهما :على القطع بوعيد الفساق. والثاني :على خلودهم في النار، ووجه الاستدلال أن كلمة «من » في معرض الشرط تفيد الاستغراق، وقد استقصينا في تقرير كلامهم في سورة البقرة في تفسير قوله : ﴿ بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ وبالغنا في الجواب عنها، وزعم الواحدي أن الأصحاب سلكوا في الجواب عن هذه الآية طرقا كثيرة. قال :وأنا لا أرتضي شيئا منها لأن التي ذكروها إما تخصيص، وإما معارضة، وإما إضمار، واللفظ لا يدل على شيء من ذلك. قال :والذي اعتمده وجهان :الأول :إجماع المفسرين على أن الآية نزلت في كافر قتل مؤمنا ثم ذكر تلك القصة. والثاني :أن قوله : ﴿ فجزاؤه جهنم ﴾ معناه الاستقبال أي أنه سيجزى بجهنم، وهذا وعيد قال :وخلف الوعيد كرم، وعندنا أنه يجوز أن يخلف الله وعيد المؤمنين، فهذا حاصل كلامه الذي زعم أنه خير مما قاله غيره.
وأقول :أما الوجه الأول فضعيف، وذلك لأنه ثبت في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإذا ثبت أن اللفظ الدال على الاستغراق حاصل، فنزوله في حق الكفار لا يقدح في ذلك العموم، فيسقط هذا الكلام بالكلية، ثم نقول :كما أن عموم اللفظ يقتضي كونه عاما في كل قاتل موصوف بالصفة المذكورة، فكذا ههنا وجه آخر يمنع من تخصيص هذه الآية بالكافر، وبيانه من وجوه :الأول :أنه تعالى أمر المؤمنين بالمجاهدة مع الكفار ثم علمهم ما يحتاجون إليه عند اشتغالهم بالجهاد، فابتدأ بقوله : ﴿ ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ﴾ فذكر في هذه الآية ثلاث كفارات :كفارة قتل المسلم في دار الإسلام، وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الحرب، وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الذمة وأهل العهد، ثم ذكر عقيبه حكم قتل العمد مقرونا بالوعيد، فلما كان بيان حكم قتل الخطأ بيانا لحكم اختص بالمسلمين كان بيان حكم القتل العمد الذي هو كالضد لقتل الخطأ، وجب أن يكون أيضا مختصا بالمؤمنين، فإن لم يختص بهم فلا أقل من دخولهم فيه. الثاني :أنه تعالى قال بعد هذه الآية : ﴿ يا أيها الذين ءامنوا إذا ضربتم فى سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ﴾ وأجمع المفسرون على أن هذه الآيات إنما نزلت في حق جماعة من المسلمين لقوا قوما فأسلموا فقتلوهم وزعموا أنهم إنما أسلموا من الخوف، وعلى هذا التقدير :فهذه الآية وردت في نهي المؤمنين عن قتل الذين يظهرون الإيمان ؛ وهذا أيضا يقتضي أن يكون قوله : ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا ﴾ نازلا في نهي المؤمنين عن قتل المؤمنين حتى يحصل التناسب، فثبت بما ذكرنا أن ما قبل هذه الآية وما بعدها يمنع من كونها مخصوصة بالكفار. الثالث :أنه ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب له يدل على كونه ذلك الوصف علة لذلك الحكم، وبهذا الطريق عرفنا أن قوله : ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ﴾ وقوله : ﴿ الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما ﴾ الموجب للقطع هو السرقة، والموجب للجلد هو الزنا، فكذا ههنا وجب أن يكون الموجب لهذا الوعيد هو هذا القتل العمد، لأن هذا الوصف مناسب لذلك الحكم، فلزم كون ذلك الحكم معللا به، وإذا كان الأمر كذلك لزم أن يقال :أينما ثبت هذا المعنى فإنه يحصل هذا الحكم، وبهذا الوجه لا يبقى لقوله :الآية مخصوصة بالكافر وجه.
الوجه الرابع :أن المنشأ لاستحقاق هذا الوعيد إما أن يكون هو الكفر أو هذا القتل المخصوص، فإن كان منشأ هذا الوعيد هو الكفر كان الكفر حاصلا قبل هذا القتل، فحينئذ لا يكون لهذا القتل أثر البتة في هذا الوعيد، وعلى هذا التقدير تكون هذه الآية جارية مجرى ما يقال :إن من يتعمد قتل نفس فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه، لأن القتل العمد لما لم يكن له تأثير في هذا الوعيد جرى مجرى النفس ومجرى سائر الأمور التي لا أثر لها في هذا الوعيد، ومعلوم أن ذلك باطل، وإن كان منشأ هذا الوعيد هو كونه قتلا عمدا فحينئذ يلزم أن يقال :أينما حصل القتل يحصل هذا الوعيد، وحينئذ يسقط هذا السؤال، فثبت بما ذكرنا أن هذا الوجه الذي ارتضاه الواحدي ليس بشيء.
وأما الوجه الثاني :من الوجهين اللذين اختارهما فهو في غاية الفساد لأن الوعيد قسم من أقسام الخبر، فإذا جوز على الله الخلف فيه فقد جوز الكذب على الله، وهذا خطأ عظيم، بل يقرب من أن يكون كفرا، فإن العقلاء أجمعوا على أنه تعالى منزه عن الكذب، ولأنه إذا جوز الكذب على الله في الوعيد لأجل ما قال :إن الخلف في الوعيد كرم، فلم لا يجوز الخلف في وعيد الكفار، وأيضا فإذا جاز الخلف في الوعيد لغرض الكرم، فلم لا يجوز الخلف في القصص والأخبار لغرض المصلحة، ومعلوم أن فتح هذا الباب يفضي إلى الطعن في القرآن وكل الشريعة فثبت أن كل واحد من هذين الوجهين ليس بشيء. وحكى القفال في تفسيره وجها آخر، هو الجواب وقال :الآية تدل على أن جزاء القتل العمد هو ما ذكر، لكن ليس فيها أنه تعالى يوصل هذا الجزاء إليه أم لا، وقد يقول الرجل لعبده :جزاؤك أن أفعل بك كذا وكذا، إلا أني لا أفعله، وهذا الجواب أيضا ضعيف لأنه ثبت بهذه الآية أن جزاء القتل العمد هو ما ذكر، وثبت بسائر الآيات أنه تعالى يوصل الجزاء إلى المستحقين. قال تعالى :
﴿ من يعمل سوءا يجز به ﴾ وقال : ﴿ اليوم تجزى كل نفس بما كسبت ﴾ وقال : ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ﴾ بل إنه تعالى ذكر في هذه الآية ما يدل على أنه يوصل إليهم هذا الجزاء وهو قوله : ﴿ وأعد له عذابا عظيما ﴾ فإن بيان أن هذا جزاؤه حصل بقوله : ﴿ فجزاؤه جهنم خالدا فيها ﴾ فلو كان قوله : ﴿ وأعد له عذابا عظيما ﴾ إخبارا عن الاستحقاق كان تكرارا، فلو حملناه على الأخبار عن أنه تعالى سيفعل لم يلزم التكرار، فكان ذلك أولى.
واعلم أنا نقول :هذه الآية مخصوصة في موضعين :أحدهما :أن يكون القتل العمد غير عدوان كما في القصاص فإنه لا يحصل فيه هذا الوعيد البتة. والثاني :القتل العمد العدوان إذا تاب عنه فإنه لا يحصل فيه الوعيد، وإذا ثبت دخول التخصيص فيه في هاتين الصورتين فنحن نخصص هذا العموم فيما إذا حصل العفو بدليل قوله تعالى : ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ وأيضا فهذه الآية إحدى عمومات الوعيد، وعمومات الوعد أكثر من عمومات الوعيد، وما ذكره في ترجيح عمومات الوعيد قد أجبنا عنه وبينا أن عمومات الوعد راجحة، وكل ذلك قد ذكرناه في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : ﴿ بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾.
المسألة الثانية :نقل عن ابن عباس أنه قال :توبة من أقدم على القتل العمد العدوان غير مقبولة، وقال جمهور العلماء :إنها مقبولة، ويدل عليه وجوه :
الحجة الأولى :أن الكفر أعظم من هذا القتل فإذا قبلت التوبة عن الكفر فالتوبة من هذا القتل أولى بالقبول.
الحجة الثانية :قوله تعالى في آخر الفرقان : ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا ﴾ وإذا كانت توبة الآتي بالقتل العمد مع سائر الكبائر المذكورة في هذه الآية مقبولة :فبأن تكون توبة الآتي بالقتل العمد وحده مقبولة كان أولى.
الحجة الثالثة :قوله : ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ وعد بالعفو عن كل ما سوى الكفر، فبأن يعفو عنه بعد التوبة أولى، والله أعلم.
تم الجزء العاشر، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الحادي عشر، وأوله قول تعالى :
﴿ يا أيها الذين ءامنوا إذا ضربتم فى سبيل الله ﴾ من سورة النساء. أعان الله على إكماله.
قوله تعالى : ﴿ يأيها الذين ءامنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ﴾.
اعلم أن المقصود من هذه الآية المبالغة في تحريم قتل المؤمنين، وأمر المجاهدين بالتثبيت فيه لئلا يسفكوا دما حراما بتأويل ضعيف، وهذه المبالغة تدل على أن الآية المتقدمة خطاب مع المؤمنين وفيه مسائل :
المسألة الأولى :قرأ حمزة والكسائي هنا وكذلك في الحجرات ﴿ فتثبتوا ﴾ من ثبت ثباتا، والباقون بالنون من البيان، والمعنيان متقاربان، فمن رجح التثبيت قال :إنه خلاف الإقدام، والمراد في الآية التأني وترك العجلة، ومن رجح التبيين قال المقصود من التثبيت التبيين، فكان التبيين أبلغ وأكمل.
المسألة الثانية :الضرب معناه السير، فيها بالسفر للتجارة أو الجهاد، وأصله من الضرب باليد، وهو كناية عن الإسراع في السير فإن من ضرب إنسانا كانت حركة يده عند ذلك الضرب سريعة، فجعل الضرب كناية عن الإسراع في السير. قال الزجاج :ومعنى ﴿ ضربتم في سبيل الله ﴾ أي غزوتم وسرتم إلى الجهاد.
ثم قال تعالى : ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى السلام لست مؤمنا ﴾.
أراد الانقياد والاستسلام إلى المسلمين، ومنه قوله : ﴿ وألقوا إلى الله يومئذ السلم ﴾ أي استسلموا للأمر، ومن قرأ ﴿ السلام ﴾ بالألف فله معنيان :أحدهما :أن يكون المراد السلام الذي يكون هو تحية المسلمين، أي لا تقولوا لمن حياكم بهذه التحية إنه إنما قالها تعوذا فتقدموا عليه بالسيف لتأخذوا ماله ولكن كفوا واقبلوا منه ما أظهره.
والثاني :أن يكون المعنى :لا تقولوا لمن اعتزلكم ولم يقتلكم لست مؤمنا، وأصل هذا من السلامة لأن المعتزل طالب للسلامة. قال صاحب الكشاف :قرئ ﴿ مؤمنا ﴾ بفتح الميم من آمنه أي لا نؤمنك.
المسألة الثالثة :في سبب نزول هذه الآية روايات :
الرواية الأولى :أن مرداس بن نهيك رجل من أهل فدك أسلم ولم يسلم من قومه غيره، فذهبت سرية الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قومه وأميرهم غالب بن فضالة، فهرب القوم وبقي مرداس لثقته بإسلامه، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل، فلما تلاحقوا وكبروا كبر ونزل، وقال :لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد وساق غنمه، فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد وجدا شديدا وقال :قتلتموه إرادة ما معه، ثم قرأ الآية على أسامة، فقال أسامة يا رسول الله استغفر لي، فقال : «فكيف وقد تلا لا إله إلا الله ! » قال أسامة فما زال يعيدها حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ثم استغفر لي وقال :أعتق رقبة.
الرواية الثانية :أن القاتل ملحم بن جثامة لقيه عامر بن الأضبط فحياه بتحية الإسلام، وكانت بين ملحم وبينه إحنة في الجاهلية فرماه بسهم فقتله، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : «لا غفر الله لك » فما مضت به سبعة أيام حتى مات فدفنوه فلفظته الأرض ثلاث مرات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «إن الأرض لتقبل من هو شر منه ولكن الله أراد أن يريكم عظم الذنب عنده » ثم أمر أن تلقى عليه الحجارة.
الرواية الثالثة :أن المقداد بن الأسود قد وقعت له مثل واقعة أسامة قال :فقلت يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف ثم لاذ بشجرة، فقال أسلمت لله تعالى أفأقتله يا رسول الله بعد ذلك ؟ فقال رسول الله لا تقتله، فقلت يا رسول الله إنه قطع يدي، فقال عليه الصلاة والسلام » لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك بعد ما تقتله وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال » وعن أبي عبيدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا أشرع أحدكم الرمح إلى الرجل فإن كان سنانه عند نقرة نحره فقال لا إله إلا الله فليرفع عنه الرمح » قال القفال رحمه الله :ولا منافاة بين هذه الروايات فلعلها نزلت عند وقوعها بأسرها، فكان كل فريق يظن أنها نزلت في واقعته، والله أعلم.
المسألة الرابعة :اختلفوا في أن توبة الزنديق هل تقبل أم لا ؟ فالفقهاء قبلوها واحتجوا عليه بوجوه :ال