0:00
0:00

وهي مدنية إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في عثمان بن طلحة الحجبي وهي قوله :" إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها " ١ [ النساء :٥٨ ] على ما يأتي بيانه. قال النقاش :وقيل :نزلت عند هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة. وقد قال بعض الناس :إن قوله تعالى :" يا أيها الناس " حيث وقع إنما هو مكي، وقاله٢ علقمة وغيره، فيشبه أن يكون صدر السورة مكيا، وما نزل بعد الهجرة فإنما هو مدني. وقال النحاس :هذه السورة مكية.
قلت :والصحيح الأول، فإن في صحيح البخاري عن عائشة أنها قالت :ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، تعني قد بنى بها. ولا خلاف بين العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بنى بعائشة بالمدينة. ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها. وأما من قال :إن قوله. " يا أيها الناس " مكي حيث وقع فليس بصحيح ؛ فإن البقرة مدنية وفيها قوله :" يا أيها الناس " في موضعين٣، وقد تقدم. والله أعلم
١ راجع ص ٢٥٥ من هذا الجزء..
٢ في هـ: قال، وسائر الأصول: قاله..
٣ راجع ج ١ ص ٢٢٥ و ج ٢ ص ٢٠٧..

وفيه ست مسائل١ :
الأولى :قوله تعالى :" يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم " قد مضى في " البقرة " اشتقاق " الناس " ومعنى التقوى والرب والخلق والزوج والبث، فلا معنى للإعادة٢. وفي الآية تنبيه على الصانع. وقال " واحدة " على تأنيث لفظ النفس. ولفظ النفس يؤنث وإن عني به مذكر. ويجوز في الكلام " من نفس واحد " وهذا على مراعاة المعنى ؛ إذ المراد بالنفس آدم عليه السلام، قاله مجاهد وقتادة. وهي قراءة ابن أبي عبلة " واحد " بغير هاء. " وبث " معناه٣ فرق ونشر في الأرض، ومنه " وزرابي مبثوثة " ٤ [ الغاشية :١٦ ] وقد تقدم في " البقرة " ٥. و " منهما " يعني آدم وحواء. قال مجاهد :خلقت حواء من قصيرى٦ آدم. وفي الحديث :( خلقت المرأة من ضلع عوجاء )، وقد مضى في البقرة٧.
" رجالا كثيرا ونساء " حصر ذريتهما في نوعين، فاقتضى أن الخنثى ليس بنوع، لكن له حقيقة ترده إلى هذين النوعين، وهي الآدمية فيلحق بأحدهما، على ما تقدم ذكره في " البقرة " من اعتبار نقص الأعضاء وزيادتها.
الثانية :قوله تعالى :" واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام " كرر الاتقاء تأكيدا وتنبيها لنفوس المأمورين. و " الذي " في موضع نصب على النعت. " والأرحام " معطوف. أي اتقوا الله أن تعصوه، واتقوا الأرحام أن تقطعوها. وقرأ أهل المدينة " تسّاءلون " بإدغام التاء في السين. وأهل الكوفة بحذف٨ التاء، لاجتماع تاءين، وتخفيف السين ؛ لأن المعنى يعرف، وهو كقوله :" ولا تعاونوا على الإثم " ٩ [ المائدة :٢ ] و " تنزل " وشبهه. وقرأ١٠ إبراهيم النخعي وقتادة والأعمش وحمزة " الأرحام " بالخفض. وقد تكلم النحويون في ذلك. فأما البصريون فقال رؤساؤهم :هو لحن لا تحل القراءة به. وأما الكوفيون فقالوا :هو قبيح، ولم يزيدوا على هذا ولم يذكروا علة قبحه، قال النحاس :فيما علمت. وقال سيبويه :لم يعطف على المضمر المخفوض ؛ لأنه بمنزلة التنوين، والتنوين لا يعطف عليه. وقال جماعة :هو معطوف على المكني، فإنهم كانوا يتساءلون بها، يقول الرجل :سألتك بالله والرحم، هكذا فسره الحسن والنخعي ومجاهد، وهو الصحيح في المسألة، على ما يأتي. وضعفه أقوام منهم الزجاج، وقالوا :يقبح عطف الاسم١١ الظاهر على المضمر في الخفض إلا بإظهار الخافض، كقوله " فخسفنا به وبداره الأرض " ١٢ [ القصص :٨١ ] ويقبح " مررت به وزيد ". قال الزجاج عن المازني :لأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان. يحل كل واحد منهما محل صاحبه، فكما لا يجوز " مررت بزيد وك " كذلك لا يجوز " مررت بك وزيد ". وأما سيبويه فهي عنده قبيحة ولا تجوز إلا في الشعر، كما قال :
فاليوم قرّبتَ تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيام من عجب
عطف " الأيام " على الكاف في " بك " بغير الباء للضرورة. وكذلك قول الآخر :
نعلق في مثل السواري سيوفنا وما بينها والكعب مَهْوَى١٣ نَفَانِفُ
عطف " الكعب " على الضمير في " بينها " ضرورة. وقال أبو علي :ذلك ضعيف في القياس. وفي كتاب التذكرة المهدية١٤ عن الفارسي أن أبا العباس المبرد قال :لو صليت خلف إمام يقرأ " ما أنتم بمصرخي " ١٥ [ إبراهيم :٢٢ ] و " اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام " لأخذت نعلي ومضيت. قال الزجاج :قراءة حمزة مع ضعفها وقبحها في العربية خطأ عظيم في أصول أمر الدين ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لا تحلفوا بآبائكم ) فإذا لم يجز الحلف بغير الله فكيف يجوز بالرحم. ورأيت إسماعيل بن إسحاق يذهب إلى أن الحلف بغير الله أمر عظيم، وإنه خاص١٦ لله تعالى. قال النحاس :وقول بعضهم " والأرحام " قسم خطأ من المعنى والإعراب ؛ لأن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على النصب. وروى شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن المنذر بن جرير عن أبيه قال :كنا١٧ عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء قوم من مضر حفاة عراة، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير لما رأى من فاقتهم، ثم صلى الظهر وخطب الناس فقال :( يا أيها الناس اتقوا ربكم، إلى :والأرحام )، ثم قال :( تصدق رجل بديناره تصدق رجل بدرهمه تصدق رجل بصاع تمره. . . ) وذكر الحديث١٨. فمعنى هذا على النصب ؛ لأنه حضهم على صلة أرحامهم. وأيضا فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ). فهذا يرد قول من قال :المعنى أسألك بالله وبالرحم. وقد قال أبو إسحاق :معنى " تساءلون به " يعني تطلبون حقوقكم به. ولا معنى للخفض أيضا مع هذا. قلت :هذا ما وقفت عليه من القول لعلماء اللسان في منع قراءة " والأرحام " بالخفض، واختاره ابن عطية. ورده الإمام أبو نصر عبدالرحيم بن عبدالكريم القشيري، واختار العطف فقال :ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين ؛ لأن القراءات التي قرأ بها١٩ أئمة القراء ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم تواترا يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن رد ذلك فقد رد على النبي صلى الله عليه وسلم، واستقبح ما قرأ به، وهذا مقام محذور، ولا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو، فإن العربية تتلقى من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يشك أحد في فصاحته. وأما ما ذكر من الحديث ففيه نظر ؛ لأنه عليه السلام قال لأبي العشراء٢٠ :( وأبيك لو طعنت في خاصرته ). ثم النهي إنما جاء في الحلف بغير الله، وهذا توسل إلى الغير بحق الرحم فلا نهي فيه. قال القشيري :وقد قيل هذا إقسام بالرحم، أي اتقوا الله وحق الرحم٢١، كما تقول :افعل كذا وحق أبيك. وقد جاء في التنزيل :" والنجم "، والطور، والتين، لعمرك " وهذا تكلف وقلت :لا تكلف فيه فإنه لا يبعد أن يكون " والأرحام " من هذا القبيل، فيكون أقسم بها٢٢ كما أقسم بمخلوقاته الدالة على وحدانيته وقدرته تأكيدا لها حتى قرنها بنفسه. والله أعلم. ولله أن يقسم بما شاء ويمنع ما شاء ويبيح ما شاء، فلا يبعد أن يكون قسما. والعرب تقسم بالرحم. ويصح أن تكون الباء مرادة فحذفها٢٣ كما حذفها في قوله :
مشائيمُ ليسوا مصلحين عشيرةً ولا ناعبٍ إلا ببين غُرابها
فجر وإن لم يتقدم باء. قال ابن الدهان أبو محمد سعيد بن مبارك :والكوفي يجيز عطف الظاهر على المجرور ولا يمنع منه. ومنه قوله :
آبَكَ أيِّه بِيَ أو مصدَّرِ من حُمْرِ الجِلَّة جَأْبٍ حَشْوَرِ٢٤
ومنه :
فاذهب فما بك والأيام من عجب
وقول الآخر :
وما بينها والكعب غَوْطٌ نَفَانِفُ
ومنه :
فحسبك والضحاك سيف مهند
وقول الآخر :
وقد رام آفاق السماء فلم يجد له مَصعدًا فيها ولا الأرض مقعدا
وقول الآخر :
ما إن بها والأمور من تَلَفٍ ما حم من أمر غَيْبِهِ٢٥ وقعا
وقول الآخر :
أمر على الكتيبة لست أدري أحتفي كان فيها أم سواها
ف " سواها " مجرور الموضع بفي. وعلى هذا حمل بعضهم قوله تعالى :" وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين " ٢٦ [ الحجر :٢٠ ] فعطف على الكاف والميم. وقرأ عبدالله بن يزيد " والأرحام " بالرفع على الابتداء، والخبر مقدر، تقديره :والأرحام أهل أن توصل. ويحتمل أن يكون إغراء ؛ لأن من العرب من يرفع المغرى. وأنشد الفراء٢٧ :
إن قوما منهم عمير وأشبا ***ه عمير ومنهم السفّاحُ
لجديرون باللقاء إذا قا ***ل أخو النجدة :السلاحُ السلاحُ
وقد قيل :إن " والأرحام " بالنصب عطف على موضع به ؛ لأن موضعه نصب، ومنه قوله :
فلسنا بالجبال ولا الحديدا٢٨
وكانوا يقولون :أنشدك بالله والرحم. والأظهر أنه نصب بإضمار فعل كما ذكرنا.
الثالثة :اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة وأن قطيعتها محرمة. وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسماء وقد سألته :أأصل أمي٢٩ ( نعم صلي أمك )٣٠ فأمرها بصلتها وهي كافرة. فلتأكيدها دخل الفضل في صلة الكافر، حتى انتهى الحال بأبي حنيفة وأصحابه فقالوا :بتوارث ذوي الأرحام إن لم يكن عصبة ولا فرض مسمى، ويعتقون على من اشتراهم من ذوي رحمهم لحرمة الرحم، وعضدوا ذلك بما رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من ملك ذا رحم محرم فهو حر ). وهو قول أكثر أهل العلم. روي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبدالله بن مسعود، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة. وهو قول الحسن البصري وجابر بن زيد وعطاء والشعبي والزهري، وإليه ذهب الثوري وأحمد وإسحاق. ولعلمائنا في ذلك ثلاثة أقوال :الأول - أنه مخصوص بالآباء والأجداد. الثاني - الجناحان يعني الإخوة. الثالث - كقول أبي حنيفة. وقال الشافعي :لا يعتق عليه إلا أولاده وآباؤه وأمهاته، ولا يعتق عليه إخوته ولا أحد من ذوي قرابته ولحمته. والصحيح الأول للحديث الذي ذكرناه وأخرجه الترمذي والنسائي. وأحسن طرقه رواية النسائي له، رواه من حديث ضمرة عن سفيان عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من ملك ذا رحم محرم فقد عتق عليه ). وهو حديث ثابت بنقل العدل عن العدل ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بعلة توجب تركه، غير أن النسائي قال في آخره :هذا حديث منكر. وقال غيره :تفرد به ضمرة. وهذا هو معنى المنكر والشاذ في اصطلاح المحدثين. وضمرة عدل ثقة، وانفراد الثقة بالحديث لا يضره. والله أعلم.
الرابعة :واختلفوا من هذا الباب في ذوي المحارم من الرضاعة. فقال أكثر أهل العلم :لا يدخلون في مقتضى الحديث. وقال شريك٣١ القاضي بعتقهم. وذهب أهل الظاهر وبعض المتكلمين إلى أن الأب لا يعتق على الابن إذا ملكه، واحتجوا بقوله عليه السلام :( لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه ). قالوا :فإذا صح الشراء فقد ثبت الملك، ولصاحب الملك التصرف. وهذا جهل منهم بمقاصد الشرع، فإن الله تعالى يقول :" وبالوالدين إحسانا " ٣٢ [ الإسراء :٢٣ ] فقد قرن بين عبادته وبين الإحسان للوالدين في الوجوب، وليس من الإحسان أن يبقى والده في ملكه وتحت سلطانه، فإذا يجب عليه عتقه إما لأجل الملك عملا بالحديث ( فيشتريه فيعتقه )، أو لأجل الإحسان عملا بالآية. ومعنى الحديث عند الجمهور أن الولد لما تسبب إلى عتق أبيه باشترائه نسب الشرع العتق إليه نسبة الإيقاع منه. وأما اختلاف العلماء فيمن يعتق بالملك، فوجه القول الأول ما ذكرناه من معنى الكتاب والسنة، ووجه الثاني إلحاق القرابة القريبة المحرمة بالأب المذكور في الحديث، ولا أقرب للرجل من ابنه فيحمل على الأب، والأخ يقاربه في ذلك لأنه يدلي بالأبوة، فإنه يقول :أنا ابن أبيه. وأما القول الثالث فمتعلقه حديث ضمرة وقد ذكرناه. والله أعلم.
الخامسة :قوله تعالى :" والأرحام " الرحم اسم لكافة الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره. وأبو حنيفة يعتبر الرحم المحرم في٣٣ منع الرجوع في الهبة، ويجوز الرجوع في حق بني الأعمام مع أن القطيعة موجودة والقرابة حاصلة ؛ ولذلك تعلق بها الإرث والولاية وغيرهما من الأحكام. فاعتبار المحرم زيادة على نص الكتاب من غير مستند. وهم يرون ذلك نسخا، سيما وفيه إشارة إلى التعليل بالقطيعة، وقد جوزوها في حق بني الأعمام وبني٣٤ الأخوال والخالات. والله أعلم.
السادسة :قوله تعالى :" إن الله كان عليكم رقيبا " ( أ
١ في د و ط و ى و ب: سبع، والمسائل ست، ويبدو أن الثالثة في قوله: وقرأ إبراهيم النخعي الخ فتكون سبعا..
٢ راجع ج ١ ص ١٣٦ و١٦١ و٢٢٦ و٣١٠ و ج٢ ص ١٩٦..
٣ من ب و ج و ز و ط و د..
٤ راجع ج ٢٠ ص ٣٣..
٥ راجع ج ٢ ص ١٩٦..
٦ القصيرى: أسفل الأضلاع. وقيل: الضلع التي تلي الشاكلة بين الجنب والبطن..
٧ راجع ج ١ ص ٣٠١..
٨ في د و ي و ب: تحذف..
٩ راجع ج ٦ ص ٤٧..
١٠ لعل هذا أول المسألة الثالثة على نسخ سبع مسائل..
١١ من ب و ج و د و ط..
١٢ راجع ج ١٣ ص ٣١٧..
١٣ المهوى والمهواة: ما بين الجبلين ونحو ذلك. والنفنف: الهواء. وقيل: الهواء بين الشيئين، وكل شيء بينه وبين الأرض مهوى فهو نفنف. وفي النحاس: "وما بينها والكعب غوط نفانف" والغوط (بفتح الغين: المتسع من الأرض مع طمأنينة)..
١٤ في ب و ط و ز..
١٥ وهذه قراءة حمزة. راجع ج ٩ ص ٣٥٧..
١٦ في ط: عاص لله..
١٧ في ب و ج و ط و ز: كنت..
١٨ الرواية في صحيح مسلم كتاب الزكاة "تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره". وليس فيها تكرار. وهي الرواية ذاتها والسند..
١٩ في ب و ط: قرأتها..
٢٠ في تهذيب التهذيب: "أبو العشراء الدارمي عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لو طعنت في فخذها لأجزأك" "الحديث في الذكاة..
٢١ في ج :الأرحام..
٢٢ في ب و ج وط و د وي..
٢٣ كذا في الأصول. الأولى: فحذفت بالبناء للمجهول تأدبا..
٢٤ آبك: مثل ويلك. والتأييك: الدعاء، يقال: أيهت بالإبل إذا صحت بها. والمصدر: الشديد الصدر. والجأب: الغليظ. والحشور: الخفيف. والجلة: المسان، واحدها جليل. والشاهد في عطف "المصدر" على المضمر المجرور دون إعادة الجار..
٢٥ في ج و ب و ز: أمر غيبة..
٢٦ راجع ج ١٠ ص ١٢..
٢٧ من ز و ج وهـ و ي..
٢٨ هذا عجز بيت لعقيبة الأسدي، وصدره: معاوي إننا بشر فأسجح
أراد معاوية بن أبي سفيان شكا إليه جور عماله. وأسجح: سهل وارفق..

٢٩ من ز..
٣٠ من ابن العربي..
٣١ في ج و ز و ط: وكان شريك القاضي يعتقهم..
٣٢ راجع ج ١٠ ص ٢٣٦..
٣٣ في ب: من..
٣٤ في ب و ج و د و ط و ي..
فيه خمس مسائل :
الأولى :قوله تعالى :" وآتوا اليتامى أموالهم " وأراد باليتامى الذين كانوا أيتاما، كقوله :" وألقي السحرة ساجدين١ " [ الأعراف :١٢٠ ] ولا سحر مع السجود، فكذلك لا يتم مع البلوغ٢. وكان يقال للنبي صلى الله عليه وسلم :" يتيم أبي طالب " استصحابا لما كان. " وآتوا " أي أعطوا. والإيتاء الإعطاء. ولفلان أَتْوٌ، أي عطاء. أبو زيد :أتوت الرجل آتُوه إتاوة، وهي الرشوة. واليتيم من لم يبلغ الحلم، وقد تقدم في " البقرة " مستوفى٣. وهذه الآية خطاب للأولياء والأوصياء. نزلت - في قول مقاتل والكلبي - في رجل من غطفان كان معه٤ مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه، فنزلت، فقال العم :نعوذ بالله من الحوب الكبير٥ ! ورد المال. فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( من يوق شح نفسه ورجع به هكذا فإنه يحل داره ) يعني جنته. فلما قبض الفتى المال أنفقه في سبيل الله، فقال عليه السلام :( ثبت الأجر وبقي الوزر ). فقيل :كيف يا رسول الله ؟ فقال :( ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده ) لأنه كان مشركا.
الثانية :وإيتاء اليتامى أموالهم يكون بوجهين :أحدهما - إجراء الطعام والكسوة ما دامت الولاية ؛ إذ لا يمكن إلا ذلك لمن لا يستحق الأخذ الكلى والاستبداد كالصغير والسفيه الكبير. الثاني - الإيتاء بالتمكن وإسلام المال إليه، وذلك عند الابتلاء والإرشاد، وتكون تسميته مجازا، المعنى :الذي كان يتيما، وهو استصحاب الاسم، كقوله تعالى :" وألقي السحرة ساجدين " [ الأعراف :١٢٠ ] أي الذين كانوا سحرة. وكان يقال للنبي صلى الله عليه وسلم :" يتيم أبي طالب ". فإذا تحقق الولي رشده حرم عليه إمساك ماله عنه وكان عاصيا. وقال أبو حنيفة :إذا بلغ خمسا وعشرين سنة أعطي ماله كله على كل حال، لأنه يصير جدا.
قلت :لما لم يذكر الله تعالى في هذه الآية إيناس الرشد وذكره في قوله تعالى :" وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم " [ النساء :٦ ]. قال أبو بكر الرازي الحنفي في أحكام القرآن :لما لم يقيد الرشد في موضع وقيد في موضع وجب استعمالهما، فأقول :إذا بلغ خمسا وعشرين سنة وهو سفيه لم يؤنس منه الرشد، وجب دفع المال إليه، وإن كان دون ذلك لم يجب، عملا بالآيتين٦. وقال أبو حنيفة :لما بلغ رشده٧ صار يصلح أن يكون جدا فإذا صار يصلح أن يكون جدا فكيف يصح٨ إعطاؤه المال بعلة اليتم وباسم اليتيم ؟ ! وهل ذلك إلا في غاية البعد ؟. قال ابن العربي :وهذا باطل لا وجه له، لا سيما على أصله الذي يرى المقدرات لا تثبت قياسا وإنما تؤخذ من جهة النص، وليس في هذه المسألة. وسيأتي ما للعلماء في الحجر إن شاء الله تعالى.
الثالثة :قوله تعالى :" ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب " أي لا تتبدلوا الشاة السمينة من مال اليتيم بالهزيلة، ولا الدرهم الطيب بالزيف. وكانوا في الجاهلية لعدم الدين لا يتحرجون عن أموال اليتامى، فكانوا يأخذون الطيب والجيد من أموال اليتامى ويبدلونه بالرديء من أموالهم، ويقولون :اسم باسم ورأس برأس، فنهاهم الله عن ذلك. هذا قول سعيد بن المسيب والزهري والسدي والضحاك وهو ظاهر الآية. وقيل :المعنى لا تأكلوا أموال اليتامى وهي محرمة خبيثة وتدعوا الطيب وهو مالكم. وقال مجاهد وأبو صالح وباذان :لا تتعجلوا أكل الخبيث من أموالهم وتدعوا انتظار الرزق الحلال من عند٩ الله. وقال ابن زيد :كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان ويأخذ الأكبر الميراث. عطاء :لا تربح على يتيمك الذي عندك وهو غر صغير. وهذان القولان خارجان١٠ عن ظاهر الآية، فإنه يقال :تبدل الشيء بالشيء أي أخذه مكانه. ومنه البدل.
الرابعة :قوله تعالى :" ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم " قال مجاهد :وهذه الآية ناهية عن الخلط في الإنفاق، فإن العرب كانت تخلط نفقتها بنفقة أيتامها فنهوا عن ذلك، ثم نسخ بقوله " وإن تخالطوهم فإخوانكم " ١١ [ البقرة :٢٢٠ ]. وقال ابن فورك عن الحسن :تأول الناس في هذه الآية النهي عن الخلط فاجتنبوه من قبل أنفسهم، فخفف عنهم في آية البقرة١٢. وقالت طائفة من المتأخرين :إن " إلى " بمعنى مع، كقوله تعالى :" من أنصاري إلى الله " ١٣ [ الصف :١٤ ]. وأنشد القتبي :
يسدون أبواب القباب بضُمَّرِ إلى عُنَنٍ مستوثقات الأواصرِ١٤
وليس بجيد. وقال الحذاق :" إلى " على بابها وهي تتضمن الإضافة، أي لا تضيفوا أموالهم وتضموها إلى أموالكم في الأكل. فنهوا أن يعتقدوا أموال اليتامى كأموالهم فيتسلطوا عليها بالأكل والانتفاع.
الخامسة :قوله تعالى :" إنه كان حوبا كبيرا " " إنه " أي الأكل " كان حوبا كبيرا " ( أي إثما كبيرا )، عن ابن عباس والحسن وغيرهما. يقال :حاب الرجل يحوب حوبا إذا أثم. وأصله الزجر للإبل، فسمي الإثم حوبا ؛ لأنه يزجر عنه وبه. ويقال في الدعاء :اللهم اغفر حوبتي، أي إثمي. والحوبة أيضا الحاجة. ومنه في الدعاء :إليك أرفع حوبتي، أي حاجتي. والحوب الوحشة، ومنه قوله عليه السلام لأبي أيوب :( إن طلاق أم أيوب لحوب ). وفيه ثلاث لغات " حوبا " بضم الحاء وهي قراءة العامة ولغة أهل الحجاز. وقرأ الحسن " حوبا " بفتح الحاء. وقال الأخفش :وهي لغة تميم. مقاتل :لغة الحبش. والحوب المصدر، وكذلك الحيابة. والحوب الاسم. وقرأ أبي بن كعب " حابا " على المصدر مثل القال. ويجوز أن يكون اسما مثل الزاد. والحوأب ( بهمزة بعد الواو ). المكان الواسع. والحوأب ماء أيضا. ويقال :ألحق الله به الحوبة أي المسكنة والحاجة، ومنه قولهم :بات بحيبة سوء. وأصل الياء الواو. وتحوب فلان أي تعبد وألقى الحوب عن نفسه. والتحوب أيضا التحزن. وهو أيضا الصياح الشديد كالزجر، وفلان يتحوب من كذا أي يتوجع وقال طفيل :
فذوقوا كما ذقنا غداة مُحَجَّرٍ١٥ من الغيظ في أكبادنا١٦ والتَّحوُّبُ
١ راجع ج ٧ ص ٢٦٠..
٢ لحديث "لا يتم بعد احتلام"..
٣ راجع ج ٢ ص ١٤..
٤ في ب و ج و ط وي..
٥ الحوب: الإثم..
٦ راجع أحكام الجصاص ج ١ ص ٤٨٩، و ج ٢ ص ٤٩ في اختلاف العبارة..
٧ من ب و ي و ط. وفي غيرها: أشده..
٨ في أ و هـ: يصلح..
٩ من ب و ط و ي وز..
١٠ في ب و ج و ي وط و هـ: خارج..
١١ راجع ج ٣ ص ٦٢..
١٢ راجع ج ٣ ص ٦٢..
١٣ راجع ج ١٨ ص ٨٩..
١٤ البيت لسلمة بن الحوشب يصف الخيل، يريد خيلا ربطت بأفنيتهم. والعنن: كنف سترت بها الخيل من الريح والبرد، والأواصر: الأواخي والأواري واحدتها آصرة، وهو حبل يدفن في الأرض ويبرز منه كالعروة تشد إليه الدابة. ( عن اللسان مادتي أصر وأخا)..
١٥ محجر (كمعظم ومحدث): اسم موضع، وفي الديوان: في أجوافنا..
١٦ محجر (كمعظم ومحدث): اسم موضع، وفي الديوان: في أجوافنا..
فيه أربع عشرة مسألة :
الأولى :قوله تعالى :" وإن خفتم " شرط، وجوابه " فانكحوا ". أي إن خفتم ألا تعدلوا في مهورهن وفي النفقة عليهن " فانكحوا ما طاب لكم " أي غيرهن. وروى الأئمة واللفظ لمسلم عن عروة بن الزبير عن عائشة في قول الله تعالى :" وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع " قالت :يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. وذكر الحديث. وقال ابن خويز منداد :ولهذا قلنا إنه يجوز أن يشتري الوصي من مال اليتيم لنفسه، ويبيع من نفسه من غير محاباة. وللموكل النظر فيما اشترى وكيله لنفسه أو باع منها. وللسلطان النظر فيما يفعله الوصي من ذلك. فأما الأب فليس لأحد عليه نظر ما لم تظهر عليه المحاباة فيعترض عليه السلطان حينئذ، وقد مضى في " البقرة " ١ القول في هذا. وقال الضحاك والحسن وغيرهما :إن الآية ناسخة لما كان في الجاهلية وفي أول الإسلام، من أن للرجل أن يتزوج من الحرائر ما شاء، فقصرتهن الآية على أربع. وقال ابن عباس وابن جبير وغيرهما :( المعنى وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء ) ؛ لأنهم كانوا يتحرجون في اليتامى ولا يتحرجون في النساء و " خفتم " من الأضداد، فإنه يكون المخوف منه معلوم الوقوع، وقد يكون مظنونا ؛ فلذلك اختلف العلماء في تفسير هذا الخوف. فقال أبو عبيدة :" خفتم " بمعنى أيقنتم. وقال آخرون :" خفتم " ظننتم. قال ابن عطية :وهذا الذي اختاره الحذاق، وأنه على بابه من الظن لا من اليقين. التقدير من غلب على ظنه التقصير في القسط لليتيمة فليعدل عنها. و " تقسطوا " معناه تعدلوا. يقال :أقسط الرجل إذا عدل. وقسط إذا جار وظلم صاحبه. قال الله تعالى :" وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا " ٢ [ الجن :١٥ ] يعني الجائرون. وقال عليه السلام :( المقسطون في الدين على منابر من نور يوم القيامة ) يعني العادلين. وقرأ ابن وثاب والنخعي " تقسطوا " بفتح التاء من قسط على تقدير زيادة " لا " كأنه قال :وإن خفتم أن تجوروا.
الثانية :قوله تعالى :" فانكحوا ما طاب لكم من النساء " إن قيل :كيف جاءت " ما " للآدميين وإنما أصلها لما لا يعقل، فعنه أجوبة خمسة :الأول - أن " من " و " ما " قد يتعاقبان، قال الله تعالى :" والسماء وما بناها " ٣ [ الشمس :٥ ] أي ومن بناها. وقال " فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع " ٤ [ النور :٤٥ ]. فما ههنا لمن يعقل وهن النساء ؛ لقوله بعد ذلك " من النساء " مبينا لمبهم. وقرأ ابن أبي عبلة " من طاب " على ذكر من يعقل. الثاني :قال البصريون :" ما " تقع للنعوت كما تقع لما لا يعقل يقال :ما عندك ؟ فيقال :ظريف وكريم. فالمعنى فانكحوا الطيب من النساء، أي الحلال، وما حرمه الله فليس بطيب. وفي التنزيل " وما رب العالمين " ٥ فأجابه موسى على وفق ما سأل، وسيأتي. الثالث :حكى بعض الناس أن " ما " في هذه الآية ظرفية، أي ما دمتم تستحسنون النكاح قال ابن عطية :وفي هذا المنزع ضعف. جواب رابع :قال الفراء " ما " ههنا مصدر. وقال النحاس :وهذا بعيد جدا، لا يصح فانكحوا الطيبة. قال الجوهري :طاب الشيء يطيب طيبة وتطيابا. قال علقمة :
كأن تَطيابَها في الأنف مشموم٦
جواب خامس :وهو أن المراد بما هنا العقد، أي فانكحوا نكاحا طيبا. وقراءة ابن أبي عبلة ترد هذه الأقوال الثلاثة. وحكى أبو عمرو بن العلاء أن أهل مكة إذا سمعوا الرعد قالوا :سبحان ما سبح له الرعد. أي سبحان من سبح له الرعد. ومثله قولهم :سبحان ما سخركن لنا. أي من سخركن. واتفق كل من يعاني العلوم على أن قوله تعالى :" وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى " ليس له مفهوم ؛ إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم يخف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة :اثنتين أو ثلاثا أو أربعا كمن خاف. فدل على أن الآية نزلت جوابا لمن خاف ذلك، وأن حكمها أعم من ذلك.
الثالثة :تعلق أبو حنيفة بهذه الآية في تجويزه٧ نكاح اليتيمة قبل البلوغ. وقال :إنما تكون يتيمة قبل البلوغ، وبعد البلوغ هي امرأة مطلقة لا يتيمة، بدليل أنه لو أراد البالغة لما نهى عن حطها عن صداق مثلها ؛ لأنها تختار ذلك فيجوز إجماعا. وذهب مالك والشافعي والجمهور من العلماء إلى أن ذلك لا يجوز حتى تبلغ وتستأمر ؛ لقوله تعالى :" ويستفتونك في النساء " [ النساء :١٢٧ ] والنساء اسم ينطلق على الكبار كالرجال في الذكور، واسم الرجل لا يتناول الصغير، فكذلك اسم النساء، والمرأة لا يتناول الصغيرة. وقد قال :" في يتامى النساء " [ النساء :١٢٧ ] والمراد به هناك اليتامى هنا، كما قالت عائشة رضي الله عنها. فقد دخلت اليتيمة الكبيرة في الآية فلا تزوج إلا بإذنها، ولا تنكح الصغيرة إذ لا إذن لها، فإذا بلغت جاز نكاحها لكن لا تزوج إلا بإذنها. كما رواه الدارقطني من حديث محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال :زوجني خالي قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان بن مظعون، فدخل المغيرة بن شعبة على أمها، فأرغبها في المال وخطبها إليها، فرفع شأنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال قدامة :يا رسول الله ابنة أخي وأنا وصي أبيها ولم أقصر بها، زوجتها من قد علمت فضله وقرابته. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إنها يتيمة واليتيمة أولى بأمرها ) فنزعت مني وزوجها المغيرة بن شعبة. قال الدارقطني :لم يسمعه محمد بن إسحاق من نافع، وإنما سمعه من عمر بن حسين عنه. ورواه ابن أبي ذئب عن عمر بن حسين عن نافع عن عبدالله بن عمر :أنه تزوج بنت خاله عثمان بن مظعون قال :فذهبت أمها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت :إن ابنتي تكره ذلك. فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يفارقها ففارقها. وقال :( ولا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن فإذا سكتن فهو إذنها ). فتزوجها بعد عبدالله المغيرة بن شعبة. فهذا يرد ما يقوله أبو حنيفة من أنها إذا بلغت لم تحتج إلى ولي، بناء على أصله في عدم اشتراط الولي في صحة النكاح. وقد مضى في " البقرة " ٨ ذكره، فلا معنى لقولهم :إن هذا الحديث محمول على غير البالغة لقوله ( إلا بإذنها ) فإنه كان لا يكون لذكر اليتيم معنى. والله أعلم.
الرابعة :وفي تفسير عائشة للآية من الفقه ما قال به مالك صداق المثل، والرد إليه فيما فسد من الصداق ووقع الغبن في مقداره ؛ لقولها :( بأدنى من سنة صداقها ). فوجب أن يكون صداق المثل معروفا لكل صنف من الناس على قدر أحوالهم. وقد قال مالك :للناس مناكح عرفت لهم وعرفوا لها. أي :صَدُقات وأكفاء. وسئل مالك عن رجل زوج ابنته [ غنية ]٩ من ابن أخ له فقير فاعترضت أمها فقال :إني لأرى لها في ذلك متكلما، فسوغ لها في ذلك الكلام حتى يظهر هو من نظره ما يسقط اعتراض الأم عليه. وروي " لا أرى " بزيادة الألف والأول أصح. وجائز لغير اليتيمة أن تنكح بأدنى من صداق مثلها ؛ لأن الآية إنما خرجت في اليتامى. هذا مفهومها وغير اليتيمة بخلافها.
الخامسة :فإذا بلغت اليتيمة وأقسط الولي في صداقها جاز له أن يتزوجها، ويكون هو الناكح والمنكح على ما فسرته عائشة. وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأبو ثور، وقاله من التابعين الحسن وربيعة، وهو قول الليث. وقال زفر والشافعي :لا يجوز له أن يتزوجها إلا بإذن السلطان، أو يزوجها منه ولي لها هو أقعد بها منه، أو مثله في القعود١٠، وأما أن يتولى طرفي العقد بنفسه فيكون ناكحا منكحا فلا. واحتجوا بأن الولاية شرط من شروط العقد لقوله عليه السلام :( لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ). فتعديد الناكح والمنكح والشهود واجب، فإذا اتحد اثنان منهم سقط واحد من المذكورين. وفي المسألة قول ثالث، وهو أن تجعل أمرها إلى رجل يزوجها منه. روي هذا عن المغيرة بن شعبة، وبه قال أحمد، ذكره ابن المنذر.
السادسة :قوله تعالى :" ما طاب لكم من النساء " معناه ما حل لكم، عن الحسن وابن جبير وغيرهما. واكتفى بذكر من يجوز نكاحه ؛ لأن المحرمات من النساء كثير. وقرأ ابن إسحاق والجحدري وحمزة " طاب " " بالإمالة " وفي مصحف أبي " طيب " بالياء، فهذا دليل الإمالة. " من النساء " دليل على أنه لا يقال نساء إلا لمن بلغ الحلم. وواحد النساء نسوة، ولا واحد لنسوة من لفظه، ولكن يقال امرأة.
السابعة :قوله تعالى :" مثنى وثلاث ورباع " وموضعها من الإعراب نصب على البدل من " ما " وهي نكرة لا تنصرف ؛ لأنها معدولة وصفة، كذا قال أبو علي. وقال الطبري :هي معارف ؛ لأنها لا يدخلها الألف واللام، وهي بمنزلة عمر في التعريف، قاله الكوفي. وخطأ الزجاج هذا القول. وقيل :لم ينصرف ؛ لأنه معدول عن لفظه ومعناه، فأحاد معدول عن واحد واحد، ومثنى معدولة عن اثنين اثنين، وثلاث معدولة عن ثلاثة ثلاثة، ورباع عن أربعة أربعة. وفي كل واحد منها لغتان :فعال ومفعل، يقال أحاد وموحد وثناء ومثنى وثلاث ومثلث ورباع ومربع، وكذلك إلى معشر وعشار. وحكى أبو إسحاق الثعلبي لغة ثالثة :أحد وثنى وثلث وربع مثل عمر وزفر. وكذلك قرأ النخعي في هذه الآية. وحكى المهدوي عن النخعي وابن وثاب " ثلاث وربع " بغير ألف في ربع فهو مقصور من رباع استخفافا، كما قال :
أقبل سَيْلُ جاء من عند الله يَحرِدُ حرد الجنة المُغِلَّهْ١١
قال الثعلبي :ولا يزاد من هذا البناء على الأربع إلا بيت جاء عن الكميت :
فلم يسْتَريثُوك حتى رمي تَ فوق الرجال خصالا عشارا
يعني طعنت عشرة. وقال ابن الدهان :وبعضهم يقف على المسموع وهو من أحاد إلى رباع ولا يعتبر بالبيت لشذوذه. وقال أبو عمرو بن الحاجب :ويقال أحاد وموحد وثناء ومثنى وثلاث ومثلث ورباع ومربع. وهل يقال فيما عداه إلى التسعة أو لا يقال ؟ فيه خلاف أصحها أنه لم يثبت. وقد نص البخاري في صحيحه على ذلك. وكونه معدولا عن معناه أنه لا يستعمل في موضع تستعمل فيه الأعداد غير المعدولة، تقول :جاءني اثنان وثلاثة، ولا يجوز مثنى وثلاث حتى يتقدم قبله جمع، مثل جاءني القوم أحاد وثناء وثلاث ورباع من غير تكرار. وهي في موضع الحال هنا وفي الآية، وتكون صفة، ومثال كون هذه الأعداد صفة يتبين في قوله تعالى :" أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع " ١٢ [ فاطر :١ ] فهي١٣ صفة للأجنحة وهي١٤ نكرة. وقال ساعدة بن جؤية :
ولكنما أهلي بوادٍ أنيسه ذئاب تَبَغَّى الناس مثنى ومَوْحَدُ١٥
وأنشد الفراء :
قتلنا به من بين مثنى ومَوْحَدِ بأربعة منكم وآخر خامس١٦
فوصف ذئابا وهي نكرة بمثنى وموحد، وكذلك بيت الفراء، أي قتلنا به ناسا، فلا تنصرف إذا هذه الأسماء في معرفة ولا نكرة. وأجاز الكسائي والفراء صرفه في العدد على أنه نكرة. وزعم الأخفش أنه إن سمى به صرفه في المعرفة والنكرة ؛ لأنه قد زال عنه العدل.
الثامنة :اعلم أن هذا العدد مثنى وثلاث ورباع لا يدل على إباحة تسع، كما قال من بعد فهمه للكتاب وال
١ راجع ج ٣ ص ٦٢..
٢ راجع ج ١٩ ص ١٥..
٣ راجع ج ٢٠ ص ٧٤..
٤ راجع ج ١٢ ص ٢٩١..
٥ راجع ج ١٣ ص ٩٨..
٦ هذا عجز بيت وصدره:
يحملن أترجة نضخ العبير بها..

٧ كذا في هـ و ط و ي..
٨ راجع ج ٣ ص ٧٢..
٩ زيادة من أحكام القرآن لابن العربي..
١٠ أقعد: أقرب إلى الجد الأكبر..
١١ حرد يحرد بالكسر حردا: قصد..
١٢ راجع ج ١٤ ص ٣١٩..
١٣ من ب و ج و ط و ز..
١٤ من ب و ج و ط و ز..
١٥ تبغي الناس: تطلبهم..
١٦ الذي في معاني القرآن للفراء:
وإن الغلام المستهام بذكره *** قتلنا به من بين مثنى وموحد
بأربعة منكم وآخر خامس *** وساد مع الإظلام في رمح معبد
كذا في شرح التسهيل..

فيه عشر مسائل :
الأولى :قوله تعالى :" وآتوا النساء صدقاتهن " الصدقات جمع، الواحدة صدقة. قال الأخفش :وبنو تميم يقولون صدقة والجمع صدقات، وإن شئت فتحت وإن شئت أسكنت. قال المازني :يقال صداق المرأة بالكسر١، ولا يقال بالفتح. وحكى يعقوب وأحمد بن يحيى بالفتح عن النحاس. والخطاب في هذه الآية للأزواج، قال ابن عباس وقتادة وابن زيد وابن جريج. ( أمرهم الله تعالى بأن يتبرعوا بإعطاء المهور نحلة منهم لأزواجهم ). وقيل :الخطاب للأولياء، قاله أبو صالح. وكان الولي يأخذ مهر المرأة ولا يعطيها شيئا، فنهوا عن ذلك وأمروا أن يدفعوا ذلك إليهن. قال في رواية الكلبي :أن أهل الجاهلية كان الولي إذا زوجها فإن كانت معه في العشرة٢ لم يعطها من مهرها كثيرا ولا قليلا، وإن كانت غريبة حملها على بعير إلى زوجها ولم يعطها شيئا غير ذلك البعير، فنزل :" وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ". وقال المعتمر بن سليمان عن أبيه :زعم حضرمي المراد بالآية المتشاغرون الذين كانوا يتزوجون امرأة بأخرى، فأمروا أن يضربوا المهور. والأول أظهر، فإن الضمائر واحدة وهي بجملتها للأزواج فهم المراد ؛ لأنه قال :" وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى " إلى قوله :" وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ". وذلك يوجب تناسق الضمائر وأن يكون الأول فيها هو الآخر.
الثانية :هذه الآية تدل على وجوب الصداق للمرأة، وهو مجمع عليه ولا خلاف فيه إلا ما روي عن بعض أهل العلم٣ من أهل العراق أن السيد إذا زوج عبده من أمته أنه لا يجب فيه صداق، وليس بشيء ؛ لقوله تعالى " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة " فعم. وقال :" فانكحوهن بإذن أهلهن وأتوهن أجورهن بالمعروف " ٤ [ النساء :٢٥ ]. وأجمع العلماء أيضا أنه لا حد لكثيره، واختلفوا في قليله على ما يأتي بيانه في قوله :" وآتيتم إحداهن قنطارا " ٥ [ النساء :٢٠ ]. وقرأ الجمهور " صَدُقاتهن " بفتح الصاد وضم الدال. وقرأ قتادة " صُدْقاتهن " بضم الصاد وسكون الدال. وقرأ النخعي وابن وثاب بضمهما والتوحيد " صُدُقَتَهُنّ ".
الثالثة :قوله تعالى :" نحلة " النِّحلة والنُّحلة، بكسر النون وضمها لغتان. وأصلها من العطاء :نحلت فلانا شيئا أعطيته. فالصداق عطية من الله تعالى للمرأة. وقيل :" نحلة " أي عن طيب نفس من الأزواج من غير تنازع. وقال قتادة :معنى " نحلة " فريضة واجبة. ابن جريج وابن زيد :فريضة مسماة. قال أبو عبيد :ولا تكون النحلة إلا مسماة معلومة. وقال الزجاج :" نحلة " تدينا. والنحلة الديانة والملة. يقال. هذا نحلته أي دينه. وهذا يحسن٦ مع كون الخطاب للأولياء الذين كانوا يأخذونه في الجاهلية، حتى قال بعض النساء في زوجها :
لا يأخذ الحلوانَ من بناتنا
تقول :لا يفعل ما يفعله غيره. فانتزعه الله منهم وأمر به للنساء. و " نحلة " منصوبة على أنها حال من الأزواج بإضمار فعل من لفظها تقديره أنحلوهن نحلة. وقيل :هي نصب وقيل على التفسير. وقيل :هي مصدر على غير الصدر في موضع الحال.
الرابعة :قوله تعالى :" فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا " مخاطبة للأزواج، ويدل بعمومه على أن هبة المرأة صداقها لزوجها بكرا كانت أو ثيبا جائزة، وبه قال جمهور الفقهاء. ومنع مالك من هبة البكر الصداق لزوجها وجعل ذلك للولي مع أن الملك لها. وزعم الفراء أنه مخاطبة للأولياء ؛ لأنهم كانوا يأخذون الصداق ولا يعطون المرأة منه شيئا، فلم يبح لهم منه إلا ما طابت به نفس المرأة. والقول الأول أصح ؛ لأنه لم يتقدم٧ للأولياء ذكر، والضمير في " منه " عائد على الصداق. وكذلك قال عكرمة وغيره. وسبب الآية فيما ذكر أن قوما تحرجوا أن يرجع إليهم شيء مما دفعوه إلى الزوجات فنزلت " فإن طبن لكم ".
الخامسة :واتفق العلماء على أن المرأة المالكة لأمر نفسها إذا وهبت صداقها لزوجها نفذ ذلك عليها، ولا رجوع لها فيه. إلا أن شريحا رأى الرجوع لها فيه، واحتج بقوله :" فإن طبن لكم عنه شيء منه نفسا " وإذا كانت طالبة له لم تطب به نفسا. قال ابن العربي :وهذا باطل ؛ لأنها قد طابت وقد أكل فلا كلام لها ؛ إذ ليس المراد صورة الأكل، وإنما هو كناية عن الإحلال والاستحلال، وهذا بين.
السادسة :فإن شرطت عليه عند عقد النكاح ألا يتزوج عليها، وحطت عنه لذلك شيئا من صداقها، ثم تزوج عليها فلا شيء لها عليه في رواية ابن القاسم ؛ لأنها شرطت عليه ما لا يجوز شرطه. كما اشترط أهل بريرة٨ أن تعتقها عائشة والولاء لبائعها، فصحح النبي صلى الله عليه وسلم العقد وأبطل الشرط. كذلك ههنا يصح إسقاط بعض الصداق عنه وتبطل الزيجة٩. قال ابن عبدالحكم :إن كان بقي من صداقها مثل صداق مثلها أو أكثر لم ترجع عليه بشيء، وإن كانت وضعت عنه شيئا من صداقها فتزوج عليها رجعت عليه بتمام صداق مثلها ؛ لأنه شرط على نفسه شرطا وأخذ عنه عوضا كان لها واجبا أخذه منه، فوجب عليه الوفاء لقوله عليه السلام :( المؤمنون عند شروطهم ).
السابعة :وفي الآية دليل على أن العتق لا يكون صداقا ؛ لأنه ليس بمال ؛ إذ لا يمكن المرأة هبته ولا الزوج أكله. وبه قال مالك وأبو حنيفة وزفر ومحمد والشافعي. وقال أحمد بن حنبل وإسحاق ويعقوب :يكون صداقا ولا مهر لها غير العتق، على حديث صفية١٠ - رواه الأئمة - أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتقها وجعل عتقها صداقها. وروي عن أنس أنه فعله، وهو راوي حديث صفية. وأجاب الأولون بأن قالوا :لا حجة في حديث صفية ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مخصوصا في النكاح بأن يتزوج بغير صداق، وقد أراد زينب فحرمت على زيد فدخل عليها بغير ولي ولا صداق. فلا ينبغي الاستدلال بمثل هذا، والله أعلم.
الثامنة :قوله تعالى :" نفسا " قيل :هو منصوب على البيان. ولا يجيز سيبويه ولا الكوفيون أن يتقدم ما كان منصوبا على البيان، وأجاز ذلك المازني وأبو العباس المبرد إذا كان العامل فعلا. وأنشد :
وما كان نفسا بالفراق تطيب١١
وفي التنزيل " خشعا أبصارهم يخرجون " ١٢ [ القمر :٧ ] فعلى هذا يجوز " شحما تفقأت. ووجها حسنت ". وقال أصحاب سيبويه :إن " نفسا " منصوبة بإضمار فعل تقديره أعني نفسا، وليست منصوبة على التمييز، وإذا كان هذا فلا حجة فيه. وقال الزجاج. الرواية :
وما كان نفسي. . .
واتفق الجميع على أنه لا يجوز تقديم المميز إذا كان العامل غير متصرف كعشرين درهما.
التاسعة :قوله تعالى :" فكلوه " ليس المقصود صورة الأكل، وإنما المراد به الاستباحة بأي طريق كان، وهو المعني بقوله في الآية التي بعدها " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما " [ النساء :١٠ ]. وليس المراد نفس الأكل، إلا أن الأكل لما كان أوفى١٣ أنواع التمتع بالمال عبر عن التصرفات بالأكل. ونظيره قوله تعالى :" إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع " ١٤ [ الجمعة :٩ ] يعلم أن صورة البيع غير مقصودة، وإنما المقصود ما يشغله عن ذكر الله تعالى مثل النكاح وغيره، ولكن ذكر البيع لأنه أهم ما يشتغل به عن ذكر الله تعالى.
العاشرة :قوله تعالى :" هنيئا مريئا " منصوب١٥ على الحال من الهاء في " كلوه " وقيل :نعت لمصدر محذوف، أي أكلا هنيئا بطيب الأنفس١٦. هنأه الطعام والشراب يهنوه، وما كان هنيئا، ولقد هنؤ، والمصدر الهنء. وكل ما لم يأت بمشقة ولا عناء فهو هنيء. وهنيء اسم فاعل من هنؤ كظريف من ظرف. وهنئ يهنأ فهو هنيء على فعل كزمن. وهنأني الطعام ومرأني على الإتباع، فإذا لم يذكر " هنأني " قلت :أمرأني الطعام بالألف، أي انهضم. قال أبو علي :وهذا كما جاء في الحديث ( ارجعن مأزورات غير مأجورات ). فقلبوا الواو من " موزورات " ألفا إتباعا للفظ مأجورات. وقال أبو العباس عن ابن الأعرابي :يقال هنيء وهنأني ومرأني وأمرأني ولا يقال مرئني، حكاه الهروي. وحكى القشيري أنه يقال :هنئني ومرئني بالكسر يهنأني ويمرأني، وهو قليل. وقيل :" هنيئا " لا إثم فيه، و " مريئا " لا داء فيه. قال كثير :
هنيئا مريئا غيرَ داء مخامر لعزة من أعراضنا ما اسْتَحَلَّتِ
ودخل رجل على علقمة وهو يأكل شيئا وهبته امرأته من مهرها فقال له :كل من الهنيء المريء. وقيل :الهنيء الطيب المساغ الذي لا ينغصه شيء، والمريء المحمود العاقبة، التام الهضم الذي لا يضر ولا يؤذي. يقول :لا تخافون في الدنيا به مطالبة، ولا في الآخرة تبعة. يدل عليه ما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن هذه الآية " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه " فقال :( إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهة لا يقضي به عليكم سلطان، ولا يؤاخذكم الله تعالى به في الآخرة ) وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال :( إذا اشتكى أحدكم شيئا فليسأل امرأته درهما١٧ من صداقها ثم ليشتر به عسلا فليشربه بماء السماء، فيجمع الله عز وجل له الهنيء والمريء والماء المبارك ). والله أعلم.
١ من النحاس..
٢ في ج و ب و ط: في العشيرة..
٣ سقطت جملة: أهل العلم من ب و ز و ج و هـ و ط و ي..
٤ راجع ص ١٤١ من هذا الجزء..
٥ ص ٩٨ من هذا الجزء..
٦ في أ و ح: حسن..
٧ في ج و ب و ز و ط: لم يجيء..
٨ بريرة: مولاة عائشة رضي الله عنها كانت لعتبة بن أبي لهب. وقيل: لبعض بني هلال، فكاتبوها ثم باعوها فاشترتها عائشة، وجاء الحديث في شأنها بأن الولاء لمن أعتق..
٩ كذا في الأصول. وكان ينبغي: ويبطل ما التزمه، وقد يريد بالزيجة الهيئة التي حصل عليها العقد..
١٠ هي صفية بنت حيي بن أخطب، سباها رسول الله صلى الله عليه وسلم..
١١ هذا عجز بيت للمخبل السعدي، وصدره:
أتهجر ليلى بالفراق حبيبها.

١٢ راجع ج ١٧ ص ١٢٥..
١٣ في ط: أرجى..
١٤ راجع ج ١٨ ص ٩٧..
١٥ في ز: منصوبان..
١٦ كذا في أ و ب و ج و هـ، وفي ي: يطيب للأنفس. وفي ز: لطيب..
١٧ كذا في ي. وفي أخرى الأصول: دراهم. ولا يتسق مع ما بعد..
فيه عشر مسائل :
الأولى :لما أمر الله تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم في قوله :" وآتوا اليتامى أموالهم " وإيصال الصدقات إلى الزوجات، بين أن السفيه وغير البالغ لا يجوز دفع ماله إليه. فدلت الآية على ثبوت الوصي والولي والكفيل للأيتام. وأجمع أهل العلم على أن الوصية إلى المسلم الحر الثقة العدل جائزة. واختلفوا في الوصية إلى المرأة الحرة، فقال عوام أهل العلم :الوصية لها جائزة. واحتج أحمد بأن عمر رضي الله عنه أوصى إلى حفصة. وروي عن عطاء بن أبي رباح أنه قال في رجل أوصى إلى امرأته قال :لا تكون المرأة وصيا، فإن فعل حولت إلى رجل من قومه. واختلفوا في الوصية إلى العبد، فمنعه الشافعي وأبو ثور ومحمد ويعقوب. وأجازه مالك١ والأوزاعي وابن عبدالحكم. وهو قول النخعي إذا أوصى إلى عبده. وقد مضى القول في هذا في " البقرة " ٢ مستوفى.
الثانية :قوله تعالى :" السفهاء " قد مضى في " البقرة " معنى السفه٣ لغة. واختلف العلماء في هؤلاء السفهاء، من هم ؟ فروى سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال :هم اليتامى لا تؤتوهم أموالكم. قال النحاس :وهذا من أحسن ما قيل في الآية. وروى إسماعيل بن أبي خالد عن أبي مالك قال :هم الأولاد الصغار، لا تعطوهم أموالكم فيفسدوها وتبقوا بلا شيء. وروى سفيان عن حميد الأعرج عن مجاهد قال :هم النساء. قال النحاس وغيره :وهذا القول لا يصح، إنما تقول العرب في النساء سفائه أو سفيهات ؛ لأنه الأكثر في جمع فعيلة. ويقال :لا تدفع مالك مضاربة ولا إلى وكيل لا يحسن التجارة. وروي عن عمر أنه قال :من لم يتفقه فلا يتجر في سوقنا، فذلك قوله تعالى :" ولا تؤتوا السفهاء أموالكم " يعني الجهال بالأحكام. ويقال :لا تدفع إلى الكفار ؛ ولهذا كره العلماء أن يوكل المسلم ذميا بالشراء والبيع، أو يدفع٤ إليه مضاربة. وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه :( السفهاء هنا كل من يستحق الحجر ). وهذا جامع. وقال ابن خويز منداد :وأما الحجر على السفيه فالسفيه له أحوال :حال يحجر عليه لصغره، وحالة لعدم عقله بجنون أو غيره، وحالة لسوء نظره لنفسه في ماله. فأما المغمى عليه فاستحسن مالك ألا يحجر عليه لسرعة زوال ما به. والحجر يكون مرة في حق الإنسان ومرة في حق غيره، فأما المحجور عليه في حق نفسه من ذكرنا. والمحجور عليه في حق غيره العبد والمديان والمريض في الثلثين، والمفلس وذات الزوج لحق الزوج، والبكر في حق نفسها. فأما الصغير والمجنون فلا خلاف في الحجر عليهما. وأما الكبير فلأنه لا يحسن النظر لنفسه في ماله، ولا يؤمن منه إتلاف ماله في غير وجه، فأشبه الصبي، وفيه خلاف يأتي. ولا فرق بين أن يتلف ماله في المعاصي أو القرب والمباحات. واختلف أصحابنا إذا أتلف ماله في القرب، فمنهم من حجر عليه، ومنهم من لم يحجر عليه. والعبد لا خلاف فيه. والمديان ينزع ما بيده لغرمائه ؛ لإجماع الصحابة، وفعل عمر ذلك بأسيفع جهينة٥، ذكره مالك في الموطأ. والبكر ما دامت في الخدر محجور عليها ؛ لأنها لا تحسن النظر لنفسها. حتى إذا تزوجت ودخل إليها الناس، وخرجت وبرز وجهها عرفت المضار من المنافع. وأما ذات الزوج فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( لا يجوز لامرأة ملك زوجها عصمتها قضاء في مالها إلا في ثلثها ). قلت :وأما الجاهل بالأحكام وإن كان غير محجور عليه لتنميته لماله وعدم تدبيره٦، فلا يدفع إليه المال ؛ لجهله بفاسد البياعات وصحيحها وما يحل وما يحرم منها. وكذلك الذمي مثله في الجهل بالبياعات ولما يخاف من معاملته بالربا وغيره. والله أعلم.
واختلفوا في وجه إضافة المال إلى المخاطبين على هذا، وهي للسفهاء، فقيل :أضافها إليهم لأنها بأيديهم وهم الناظرون فيها فنسبت إليهم اتساعا، كقوله تعالى :" فسلموا على أنفسكم " ٧ [ النور :٦١ ] وقوله " فاقتلوا أنفسكم " ٨ [ البقرة :٥٤ ]. وقيل :أضافها إليهم ؛ لأنها من جنس أموالهم، فإن الأموال جعلت مشتركة بين الخلق تنتقل من يد إلى يد، ومن ملك إلى ملك، أي هي لهم إذا احتاجوها كأموالكم التي تقي أعراضكم وتصونكم وتعظم أقداركم، وبها قوام أمركم.
وقول ثان قاله أبو موسى الأشعري وابن عباس والحسن وقتادة :( أن المراد أموال المخاطبين حقيقة ). قال ابن عباس :( لا تدفع مالك الذي هو سبب معيشتك إلى امرأتك وابنك وتبقى فقيرا تنظر إليهم وإلى ما في أيديهم، بل كن أنت الذي تنفق عليهم ). فالسفهاء على هذا هم النساء والصبيان، صغار ولد الرجل وامرأته. وهذا يخرج مع قول مجاهد وأبي مالك في السفهاء.
الثالثة :ودلت الآية على جواز الحجر على السفيه ؛ لأمر الله عز وجل بذلك في قوله :" ولا تؤتوا السفهاء أموالكم " وقال " فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا " ٩ [ البقرة :٢٨٢ ]. فأثبت الولاية على السفيه كما أثبتها على الضعيف. وكان معنى الضعيف راجعا إلى الصغير، ومعنى السفيه إلى الكبير البالغ ؛ لأن السفه اسم ذم ولا يذم الإنسان على ما لم يكتسبه١٠، والقلم مرفوع عن غير البالغ، فالذم والحرج منفيان عنه، قاله الخطابي.
الرابعة :واختلف العلماء في أفعال السفيه قبل الحجر عليه، فقال مالك وجميع أصحابه غير ابن القاسم :إن فعل السفيه وأمره كله جائز حتى يضرب الإمام على يده. وهو قول الشافعي وأبي يوسف. وقال ابن القاسم :أفعال غير جائزة وإن لم يضرب عليه الإمام. وقال أصبغ :إن كان ظاهر السفه فأفعاله مردودة، وإن كان غير ظاهر السفه فلا ترد أفعاله حتى يحجر عليه الإمام. واحتج سحنون لقول مالك بأن قال :لو كانت أفعال السفيه مردودة قبل الحجر ما أحتاج السلطان أن يحجر على أحد. وحجة ابن القاسم ما رواه البخاري من حديث جابر أن رجلا أعتق عبدا ليس له مال غيره فرده النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن حجر عليه قبل ذلك.
الخامسة :واختلفوا في الحجر على الكبير، فقال مالك وجمهور الفقهاء :يحجر عليه. وقال أبو حنيفة :لا يحجر على من بلغ عاقلا إلا أن يكون مفسدا لماله، فإذا كان كذلك منع من تسليم المال إليه حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة، فإذا بلغها سلم إليه بكل حال، سواء كان مفسدا أو غير مفسد ؛ لأنه يحبل منه لاثنتي عشرة سنة، ثم يولد له لستة أشهر فيصير جدا وأبا١١، وأنا أستحي أن أحجر على من يصلح أن يكون جدا. وقيل عنه :إن في مدة المنع من المال إذا بلغ مفسدا ينفذ تصرفه على الإطلاق، وإنما يمنع من تسليم المال احتياطا. وهذا كله ضعيف في النظر والأثر. وقد روى الدارقطني :حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن الصواف أخبرنا حامد بن شعيب أخبرنا شريح بن يونس أخبرنا يعقوب بن إبراهيم - هو أبو يوسف القاضي - أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه أن عبدالله بن جعفر أتى الزبير فقال :إني اشتريت بيع كذا وكذا، وإن عليا يريد أن يأتي أمير المؤمنين فيسأله أن يحجر علي فيه. فقال الزبير :أنا شريكك في البيع. فأتى علي عثمان فقال :إن ابن جعفر اشترى بيع كذا وكذا فاحجر عليه. فقال الزبير :فأنا شريكه في البيع. فقال عثمان :كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه الزبير ؟ قال يعقوب :أنا آخذ بالحجر وأراه، وأحجر وأبطل بيع المحجور عليه وشراءه، وإذا اشترى أو باع قبل الحجر أجزت بيعه. قال يعقوب بن إبراهيم :وإن أبا حنيفة لا يحجر ولا يأخذ بالحجر. فقول عثمان :كيف أحجر على رجل، دليل على جواز الحجر على الكبير، فإن عبدالله بن جعفر ولدته أمه بأرض الحبشة، وهو أول مولود ولد في الإسلام بها، وقدم مع أبيه على النبي صلى الله عليه وسلم عام خيبر فسمع منه وحفظ عنه. وكانت خيبر سنة خمس من الهجرة. وهذا يرد على أبي حنيفة قوله. وستأتي حجته إن شاء الله تعالى.
السادسة :قوله تعالى :" التي جعل الله لكم قياما " أي لمعاشكم وصلاح دينكم. وفي " التي " ثلاث لغات :التي واللت بكسر التاء واللت بإسكانها. وفي تثنيتها أيضا ثلاث لغات :اللتان واللتا بحذف النون واللتان بشد النون. وأما الجمع فتأتي لغاته في موضعه من هذه السورة إن شاء الله تعالى١٢.
والقيام والقوام :ما يقيمك بمعنى. يقال :فلان قيام أهله وقوام بيته، وهو الذي يقيم شأنه، أي يصلحه. ولما انكسرت القاف من قوام أبدلوا الواو ياء. وقراءة أهل المدينة " قيما " بغير ألف. قال الكسائي والفراء :قيما وقواما بمعنى قياما، وانتصب عندهما على المصدر. أي ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي تصلح بها أموركم فيقوموا بها قياما. وقال الأخفش :المعنى قائمة بأموركم. يذهب إلى أنها جمع. وقال البصريون :قيما جمع قيمة، كديمة وديم، أي جعلها الله قيمة للأشياء. وخطأ أبو علي هذا القول وقال :هي مصدر كقيام وقوام وأصلها قوم، ولكن شذت في الرد إلى الياء كما شذ قولهم :جياد في جمع جواد ونحوه. وقوما وقواما وقياما معناها ثباتا في صلاح الحال ودواما في ذلك. وقرأ الحسن والنخعي " اللاتي " جعل١٣ على جمع التي، وقراءة العامة " التي " على لفظ الجماعة. قال الفراء :الأكثر في كلام العرب " النساء اللواتي، والأموال التي " وكذلك غير الأموال، ذكره النحاس.
السابعة :قوله تعالى :" وارزقوهم فيها واكسوهم " قيل :معناه اجعلوا لهم فيها أو افرضوا لهم فيها. وهذا فيمن يلزم الرجل نفقته وكسوته من زوجته وبنيه الأصاغر. فكان هذا دليلا على وجوب نفقة الولد على الوالد والزوجة على زوجها. وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :قال النبي صلى الله عليه وسلم :( أفضل الصدقة ما ترك غنى واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول تقول المرأة :إما أن تطعمني وإما أن تطلقني ويقول :العبد أطعمني واستعملني ويقول الابن أطعمني إلى من تدعني ) ؟ فقالوا :يا أبا هريرة، سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال :لا، هذا من كيس١٤ أبي هريرة !. قال المهلب :النفقة على الأهل والعيال واجبة بإجماع، وهذا الحديث حجة في ذلك.
الثامنة :قال ابن المنذر :واختلفوا في نفقة من بلغ من الأبناء ولا مال له ولا كسب، فقالت طائفة :على الأب أن ينفق على ولده الذكور حتى يحتلموا، وعلى النساء حتى يتزوجن ويدخل بهن. فإن طلقها بعد البناء أو مات عنها فلا نفقة لها على أبيها. وإن طلقها قبل البناء فهي على نفقتها.
التاسعة :ولا نفقة لولد الولد على الجد، هذا قول مالك. وقالت طائفة :ينفق على ولد ولده حتى يبلغوا الحلم والمحيض. ثم لا نفقة عليه إلا أن يكونوا زمنى، وسواء في ذلك الذكور والإناث ما لم يكن لهم أموال، وسواء في ذلك ولده أو ولد ولده وإن سفلوا ما لم يكن لهم أب دونه يقدر على النفقة عليهم، هذا قول الشافعي. وأوجبت طائفة النفقة لجميع الأطفال والبالغين من الرجال والنساء إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها عن نفقة الوالد، على ظاهر قوله عليه السلام لهند :( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ). وفي حديث أبي هريرة ( يقول الابن أطعمني إلى من تدعني ؟ ) يدل على أنه إنما يقول ذلك من لا طاقة له على الكسب والتحرف. ومن بلغ سن الحلم فلا يقول ذلك ؛ لأنه قد بلغ حد السعي على نفسه والكسب لها، بدليل قوله تعالى :" حتى إذا بلغوا النكاح " [ النساء :٦ ] الآية. فج
١ سقط من ط..
٢ راجع ج ٢ ص ٢٥٧ وما بعدها..
٣ راجع ج ١ ص ٢٠٥..
٤ في ز: يدفعه..
٥ راجع مادة سفع في القاموس والتاج..
٦ في ط: تبذيره..
٧ راجع ج ١٢ ص ٣١٨..
٨ راجع ج ١ ص ٤٠٠..
٩ راجع ج ٣ ص ٣٨٥..
١٠ من ز..
١١ من ز..
١٢ راجع ص ٨٢ من هذا الجزء..
١٣ من ب و ج و هـ و ي و ط..
١٤ في العسقلاني على البخاري: أي من حاصله إشارة إلى أنه من استنباطه مما فهم من الحديث المرفوع مع الواقع. ويروى: من كيسى. ج ٩ ص ٤٤٠..
فيه سبعة عشرة مسألة :
الأولى :قوله تعالى :" وابتلوا اليتامى " الابتلاء الاختبار، وقد تقدم١. وهذه الآية خطاب للجميع في بيان كيفية دفع أموالهم. وقيل :إنها نزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه. وذلك أن رفاعة توفي وترك ابنه وهو صغير، فأتى عم ثابت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :إن ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله، ومتى أدفع إليه ماله ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
الثانية :واختلف العلماء في معنى الاختبار، فقيل :هو أن يتأمل الوصي أخلاق يتيمه، ويستمع إلى أغراضه، فيحصل له العلم بنجابته، والمعرفة بالسعي في مصالحه وضبط ماله، والإهمال لذلك٢. فإذا توسم الخير قال علماؤنا وغيرهم :لا بأس أن يدفع إليه شيئا من ماله يبيح له التصرف فيه، فإن نماه وحسن النظر فيه فقد وقع الاختبار، ووجب على الوصي تسليم جميع ماله إليه. وإن أساء النظر فيه وجب عليه إمساك ماله عنده. وليس في العلماء من يقول :إنه إذا اختبر الصبي فوجده رشيدا ترتفع الولاية عنه، وأنه يجب دفع ماله إليه وإطلاق يده في التصرف لقوله تعالى :" حتى إذا بلغوا النكاح ". وقال جماعة من الفقهاء :الصغير لا يخلو من أحد أمرين :إما أن يكون غلاما أو جارية، فإن كان غلاما رد النظر إليه في نفقة الدار شهرا، أو أعطاه شيئا نزرا يتصرف فيه ؛ ليعرف كيف تدبيره وتصرفه، وهو مع ذلك يراعيه لئلا يتلفه٣ ؛ فإن أتلفه فلا ضمان على الوصي. فإذا رآه متوخيا سلم إليه ماله وأشهد عليه. وإن كانت جارية رد إليها ما يرد إلى ربة البيت من تدبير بيتها والنظر فيه، في الاستغزال والاستقصاء على الغزالات في دفع القطن وأجرته، واستيفاء الغزل وجودته. فإن رآها رشيدة سلم أيضا إليها مالها وأشهد عليها. وإلا بقيا تحت الحجر حتى يؤنس رشدهما. وقال الحسن ومجاهد وغيرهما :اختبروهم في عقولهم وأديانهم وتنمية أموالهم.
الثالثة :قوله تعالى :" حتى إذا بلغوا النكاح " أي الحلم ؛ لقوله تعالى :" وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم " ٤ [ النور :٥٩ ] أي البلوغ، وحال النكاح. والبلوغ يكون بخمسة أشياء :ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء، واثنان يختصان بالنساء وهما الحيض والحبل. فأما الحيض والحبل فلم يختلف العلماء في أنه بلوغ، وأن الفرائض والأحكام تجب بهما. واختلفوا في الثلاثة، فأما الإثبات والسن فقال الأوزاعي والشافعي وابن حنبل :خمس عشرة سنة بلوغ لمن لم يحتلم. وهو قول ابن وهب وأصبغ وعبدالملك بن الماجشون وعمر بن عبدالعزيز وجماعة من أهل المدينة، واختاره ابن العربي. وتجب الحدود والفرائض عندهم على من بلغ هذا السن. قال أصبغ بن الفرج :والذي نقول به إن حد البلوغ الذي تلزم به الفرائض والحدود خمس عشرة سنة، وذلك أحب ما فيه إلي وأحسنه عندي ؛ لأنه الحد الذي يسهم فيه في الجهاد ولمن حضر القتال. واحتج بحديث ابن عمر إذ عرض٥ يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجيز، ولم يجز يوم أحد ؛ لأنه كان ابن أربع عشرة سنة. أخرجه مسلم. قال أبو عمر بن عبدالبر :هذا فيمن عرف مولده، وأما من جهل مولده وعدة٦ سنه أو جحده فالعمل فيه بما روى نافع٧ عن أسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى أمراء الأجناد :( ألا تضربوا الجزية إلا على من جرت عليه المواسي )٨. وقال عثمان في غلام سرق :انظروا إن كان قد اخضر مئزره٩ فاقطعوه. وقال عطية القرظي :عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة، فكل من أنبت منهم قتله بحكم سعد بن معاذ١٠، ومن لم ينبت منهم استحياه، فكنت فيمن لم ينبت فتركني. وقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما :لا يحكم لمن لم يحتلم حتى يبلغ ما لم يبلغه أحد إلا احتلم، وذلك سبع عشرة سنة، فيكون عليه حينئذ الحد إذا أتى ما يجب عليه الحد. وقال مالك مرة :بلوغه أن يغلظ صوته وتنشق أرنبته. وعن أبي حنيفة رواية أخرى :تسع عشرة سنة١١، وهي الأشهر. وقال في الجارية :بلوغها لسبع عشرة سنة وعليها النظر. وروى اللؤلئي عنه ثمان عشرة سنة. وقال داود :لا يبلغ بالسن ما لم يحتلم ولو بلغ أربعين سنة. فأما الإنبات فمنهم من قال :يستدل به على البلوغ، روي عن ابن القاسم وسالم، وقال مالك مرة، والشافعي في أحد قوليه، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور. وقيل :هو بلوغ، إلا أنه يحكم به في الكفار فيقتل من أنبت ويجعل من لم ينبت في الذراري، قاله الشافعي في القول الآخر ؛ لحديث عطية القرظي. ولا اعتبار بالخضرة والزغب، وإنما يترتب الحكم على الشعر. وقال ابن القاسم :سمعت مالكا يقول :العمل عندي على حديث عمر بن الخطاب :لو جرت عليه المواسي لحددته. قال أصبغ :قال لي ابن القاسم وأحب إلي ألا يقام عليه الحد إلا باجتماع الإنبات والبلوغ. وقال أبو حنيفة :لا يثبت١٢ بالإنبات حكم، وليس هو ببلوغ ولا دلالة على البلوغ. وقال الزهري وعطاء :لا حد على من لم يحتلم، وهو قول الشافعي، ومال إليه مالك مرة، وقال به بعض أصحابه. وظاهره عدم اعتبار الإنبات والسن. قال ابن العربي :" إذا لم يكن حديث ابن عمر دليلا في السن فكل عدد يذكرونه من السنين فإنه دعوى، والسن التي أجازها١٣ رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى من سن لم يعتبرها، ولا قام في الشرع دليل عليها، وكذلك اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم الإنبات في بني قريظة، فمن عذيري ممن ترك أمرين اعتبرهما النبي صلى الله عليه وسلم فيتأوله ويعتبر ما لم يعتبره النبي صلى الله عليه وسلم لفظا، ولا جعل الله له في الشريعة نظرا ". قلت :هذا قوله هنا، وقال في سورة الأنفال عكسه ؛ إذ لم يعرج على حديث ابن عمر هناك، وتأوله كما تأول علماؤنا، وأن موجبه الفرق بين من يطيق القتال ويسهم له وهو ابن خمس عشرة سنة، ومن لا يطيقه فلا يسهم له فيجعل في العيال. وهو الذي فهمه عمر بن عبدالعزيز من الحديث. والله أعلم.
الرابعة :قوله تعالى :" فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم " " آنستم " أي أبصرتم ورأيتم، ومنه قوله تعالى :" آنس من جانب الطور نارا " ١٤ [ ٢٩ القصص ] أي أبصر ورأى. قال الأزهري :تقول العرب اذهب فاستأنس هل ترى أحدا، معناه تبصر. قال النابغة :
. . . على مستأنس وَحَدِ١٥
أراد ثورا وحشيا يتبصر هل يرى قانصا فيحذره. وقيل :آنست وأحسست ووجدت بمعنى واحد، ومنه قوله تعالى :" فإن آنستم منهم رشدا " أي علمتم. والأصل فيه أبصرتم. وقراءة العامة " رشدا " بضم الراء وسكون الشين. وقرأ السلمي وعيسى والثقفي وابن مسعود رضي الله عنهم " رشدا " بفتح الراء والشين، وهما لغتان. وقيل :رشدا مصدر رشد. ورشدا مصدر رشد، وكذلك الرشاد. والله أعلم.
الخامسة :واختلف العلماء في تأويل " رشدا " فقال الحسن وقتادة وغيرهما :صلاحا في العقل والدين. وقال ابن عباس والسدي والثوري :( صلاحا في العقل وحفظ المال ). قال سعيد بن جبير والشعبي :إن الرجل ليأخذ بلحيته وما بلغ رشده، فلا يدفع إلى اليتيم ماله وإن كان شيخا حتى يؤنس منه رشده. وهكذا قال الضحاك :لا يعطى اليتيم وإن بلغ مائة سنة حتى يعلم منه إصلاح ماله. وقال مجاهد :" رشدا " يعني في العقل خاصة. وأكثر العلماء على أن الرشد لا يكون إلا بعد البلوغ، وعلى أنه إن لم يرشد بعد بلوغ الحلم وإن شاخ لا يزول الحجر عنه، وهو مذهب مالك وغيره. وقال أبو حنيفة :لا يحجر على الحر البالغ إذا بلغ مبلغ الرجال، ولو كان أفسق الناس وأشدهم تبذيرا إذا كان عاقلا. وبه قال زفر بن الهذيل، وهو مذهب النخعي. واحتجوا في ذلك بما رواه قتادة عن أنس أن حبان١٦ بن منقذ كان يبتاع وفي عقدته١٧ ضعف، فقيل :يا رسول الله احجر عليه، فإنه يبتاع وفي عقدته ضعف. فاستدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال :( لا تبع ). فقال :لا أصبر. فقال له :( فإذا بايعت فقل لا خلابة ولك الخيار ثلاثا ). قالوا :فلما سأل القوم الحجر عليه لما كان في تصرفه من الغبن ولم يفعل عليه السلام، ثبت أن الحجر لا يجوز. وهذا لا حجة لهم فيه ؛ لأنه مخصوص بذلك على ما بيناه في البقرة١٨، فغيره بخلافه. وقال الشافعي :إن كان مفسدا لماله ودينه، أو كان مفسدا لماله دون دينه حجر عليه، وإن كان مفسدا لدينه مصلحا لماله فعلى وجهين :أحدهما يحجر عليه، وهو اختيار أبي العباس بن شريح. والثاني لا حجر عليه، وهو اختيار إسحاق المروزي، والأظهر من مذهب الشافعي. قال الثعلبي :وهذا الذي ذكرناه من الحجر على السفيه قول عثمان وعلي والزبير وعائشة وابن عباس وعبدالله بن جعفر رضوان الله عليهم، ومن التابعين شريح، وبه قال الفقهاء :مالك وأهل المدينة والأوزاعي وأهل الشام وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبو ثور. قال الثعلبي :وادعى أصحابنا الإجماع في هذه المسألة.
السادسة :إذا ثبت هذا فاعلم أن دفع المال يكون بشرطين :إيناس الرشد والبلوغ، فإن وجد أحدهما دون الآخر لم يجز تسليم المال، كذلك نص الآية. وهو رواية ابن القاسم وأشهب وابن وهب عن مالك في الآية. وهو قول جماعة الفقهاء إلا أبا حنيفة وزفر والنخعي فإنهم أسقطوا إيناس الرشد ببلوغ خمس وعشرين سنة. قال أبو حنيفة :لكونه جدا وهذا يدل على ضعف قوله، وضعف ما احتج به أبو بكر الرازي في أحكام القرآن له من استعمال الآيتين حسب ما تقدم، فإن هذا من باب المطلق والمقيد، والمطلق يرد إلى المقيد باتفاق أهل الأصول. وماذا يغني كونه جدا١٩ إذا كان غير جد، أي بخت. إلا أن علماءنا شرطوا في الجارية دخول الزوج بها مع البلوغ، وحينئذ يقع الابتلاء في الرشد. ولم يره أبو حنيفة والشافعي، ورأوا الاختبار في الذكر والأنثى على ما تقدم. وفرق علماؤنا بينهما بأن قالوا :الأنثى مخالفة للغلام لكونها محجوبة لا تعاني الأمور ولا تبرز لأجل البكارة فلذلك وقف فيها على وجود النكاح، فبه تفهم المقاصد كلها. والذكر بخلافها، فإنه بتصرفه وملاقاته للناس من أول نشئه إلى بلوغه يحمل له الاختبار، ويكمل عقله بالبلوغ، فيحصل له الغرض. وما قاله الشافعي أصوب، فإن نفس الوطء بإدخال الحشفة لا يزيدها في رشدها إذا كانت عارفة بجميع أمورها ومقاصدها، غير مبذرة لمالها. ثم زاد علماؤنا فقالوا :لا بد بعد دخول زوجها من مضي مدة من الزمان تمارس فيها الأحوال. قال ابن العربي :وذكر علماؤنا في تحديدها أقوالا عديدة، منها الخمسة الأعوام والستة والسبعة في ذات الأب. وجعلوا في اليتيمة التي لا أب لها ولا وصي عليها عاما واحدا بعد الدخول، وجعلوا في المولى عليها مؤبدا حتى يثبت رشدها. وليس في هذا كله دليل، وتحديد الأعوام في ذات الأب عسير، وأعسر منه تحديد العام في اليتيمة. وأما تمادي الحجر في المولى عليها حتى يتبين رشدها فيخرجها الوصي عنه، أو يخرجها الحكم منه فهو ظاهر القرآن. والمقصود من هذا كله داخل تحت قوله تعالى :" فإن آنستم منهم رشدا " فتعين اعتبار الرشد، ولكن يختلف إيناسه بحسب اختلاف حال الراشد. فاعرفه وركب عليه واجتنب التحكم الذي لا دليل عليه.
السابعة :واختلفوا فيما فعلته ذات الأب في تلك المدة، فقيل :هو محمول على الرد لبقاء الحجر، وما عملته بعده فهو محم
١ راجع المسألة الثالثة عشرة ج ١ ص ٣٨٧..
٢ الواو بمعنى أو..
٣ في ي: ينفقه..
٤ راجع ج ١٢ ص ٣٠٨..
٥ أي عرضه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعرف حاله..
٦ في ج و ز و أ: عدم..
٧ في ج و ب و ط: على ما روى..
٨ المواسي جمع موسى، أي نبت شعر عانته وهو الذي يجري عليه الموسى، وهذا عند بني إسرائيل كالمسلمين وكالختان..
٩ مئزره كناية عن العورة أي اسودت بالشعر والعرب تسمي اللون الأسود أخضر..
١٠ كان حكمه فيهم أن تقتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذريتهم. وقد قال له صلى الله عليه وسلم: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات". راجع ترجمته في الاستيعاب..
١١ في ز و ي..
١٢ في ط و ج و ب و ز: لا يتعلق..
١٣ في ط: اختارها..
١٤ راجع ج ١٣ ص ٢٨٠..
١٥ تمام البيت: كأن رحلي وقد زال النهار بنا *** يوم الجليل على مستأنس وحد
الوحد: المنفرد..

١٦ حبان: بفتح الحاء، وقد ذكر في ج ٣ ص ٣٨٦ وفيه: وفي عقله. وهي رواية أخرى..
١٧ كذا في جميع الأصول. وهي رواية، ففي النهاية: أي في رأيه ونظره في مصالح نفسه..
١٨ حبان: بفتح الحاء، وقد ذكر في ج ٣ ص ٣٨٦ وفيه: وفي عقله. وهي رواية أخرى..
١٩ كذا في الأصول، وفي أحكام القرآن لابن العربي: " قلنا هذا ضعيف لأنه إذا كان جدا ولم يكن ذا جد فماذا ينفعه جد النسب وجد البخت فائت"..
فيه خمس مسائل :
الأولى :لما ذكر الله تعالى أمر اليتامى وصله بذكر المواريث. ونزلت الآية في أوس بن ثابت الأنصاري، توفي وترك امرأة يقال لها :أم كجة وثلاث بنات له منها، فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووصياه يقال لهما :سويد وعرفجة، فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته وبناته شيئا، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا، ويقولون :لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الحيل، وطاعن بالرمح، وضارب بالسيف، وحاز الغنيمة. فذكرت أم كجة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهما، فقالا :يا رسول الله، ولدها لا يركب فرسا، ولا يحمل كلا ولا ينكأ عدوا. فقال عليه السلام :( انصرفا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن ). فأنزل الله هذه الآية ردا عليهم، وإبطالا لقولهم وتصرفهم بجهلهم، فإن الورثة الصغار كان ينبغي أن يكونوا أحق بالمال من الكبار، لعدم تصرفهم والنظر في مصالحهم، فعكسوا الحكم، وأبطلوا الحكمة فضلوا بأهوائهم، وأخطؤوا في آرائهم وتصرفاتهم.
الثانية :قال علماؤنا :في هذه الآية فوائد ثلاث :الأولى :بيان علة الميراث وهي القرابة. الثانية :عموم القرابة كيفما تصرفت من قريب أو بعيد. الثالثة :إجمال النصيب المفروض. وذلك مبين في آية المواريث، فكان في هذه الآية توطئة للحكم، وإبطال لذلك الرأي الفاسد حتى وقع البيان الشافي.
الثالثة :ثبت أن أبا طلحة لما تصدق بماله - بئر حاء - وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال له :( اجعلها في فقراء أقاربك ) فجعلها لحسان وأبي. قال أنس :( وكانا أقرب إليه مني ). قال أبو داود :بلغني عن محمد بن عبدالله الأنصاري أنه قال :أبو طلحة الأنصاري زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار. وحسان بن ثابت بن المنذر بن حرام يجتمعان في الأب الثالث وهو حرام. وأبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار. قال الأنصاري :بين أبى طلحة وأبي ستة آباء. قال :وعمرو بن مالك يجمع حسان وأبي بن كعب وأبا طلحة. قال أبو عمر :في هذا ما يقضي على القرابة أنها ما كانت في هذا القعدد ونحوه، وما كان دونه فهو أحرى أن يلحقه اسم القرابة.
الرابعة :قوله تعالى :" مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا " أثبت الله تعالى للبنات نصيبا في الميراث ولم يبين كم هو، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سويد وعرفجة ألا يفرقا من مال أوس شيئا، فإن الله جعل لبناته نصيبا ولم يبين كم هو حتى أنظر ما ينزل ربنا. فنزلت " يوصيكم الله في أولادكم " [ النساء :١١ ] إلى قوله تعالى :" الفوز العظيم " [ النساء :١٣ ] فأرسل إليهما ( أن أعطيا أم كجة الثمن مما ترك أوس، ولبناته الثلثين، ولكما بقية المال ).
الخامسة :استدل علماؤنا بهذه الآية في قسمة المتروك على الفرائض إذا كان فيه تغيير عن حاله، كالحمام والبيت وبيدر١ الزيتون والدار التي تبطل منافعها بإقرار أهل السهام فيها. فقال مالك :يقسم ذلك وإن لم يكن في نصيب أحدهم ما ينتفع به ؛ لقوله تعالى :" مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا ". وهو قول ابن كنانة، وبه قال الشافعي، ونحوه قول أبي حنيفة. قال أبو حنيفة :في الدار الصغيرة بين اثنين فطلب أحدهما القسمة وأبى صاحبه قسمت له. وقال ابن أبي ليلى :إن كان فيهم من لا ينتفع بما يقسم له فلا يقسم. وكل قسم يدخل فيه الضرر على أحدهما دون الآخر فإنه لا يقسم، وهو قول أبي ثور. قال ابن المنذر :وهو أصح القولين. ورواه ابن القاسم عن مالك فيما ذكر ابن العربي. قال ابن القاسم :وأنا أرى أن كل ما لا ينقسم من الدور والمنازل والحمامات، وفي قسمته الضرر ولا ينتفع به إذا قسم، أن يباع ولا شفعة فيه ؛ لقوله عليه السلام :( الشفعة في كل ما لا يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة ). فجعل عليه السلام الشفعة في كل ما يتأتى فيه إيقاع الحدود، وعلق الشفعة فيما لم يقسم مما يمكن إيقاع الحدود فيه. هذا دليل الحديث. قلت :ومن الحجة لهذا القول ما خرجه الدارقطني من حديث ابن جريج أخبرني صديق بن موسى عن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( لا تعضية على أهل الميراث إلا ما حمل القسم ). قال أبو عبيد :هو أن يموت الرجل ويدع شيئا إن قسم بين ورثته كان في ذلك ضرر على جميعهم أو على بعضهم. يقول :فلا يقسم، وذلك مثل الجوهرة والحمام والطيلسان وما أشبه ذلك. والتعضية التفريق، يقال :عضيت الشيء إذا فرقته. ومنه قوله تعالى :" الذين جعلوا القرآن عضين " ٢ [ الحجر :٩١ ]. وقال تعالى :" غير مضار " [ النساء :١٢ ] فنفى المضارة. وكذلك قال عليه السلام :( لا ضرر ولا ضرار ). وأيضا فإن الآية ليس فيها تعرض للقسمة، وإنما اقتضت الآية وجوب الحظ والنصيب للصغير والكبير قليلا كان أو كثيرا، ردا على الجاهلية فقال :" للرجال نصيب " " وللنساء نصيب " [ النساء :٣٢ ] وهذا ظاهر جدا. فأما إبراز ذلك النصيب فإنما يؤخذ من دليل آخر، وذلك بأن يقول الوارث :قد وجب لي نصيب بقول الله عز وجل فمكنوني منه، فيقول له شريكه :أما تمكينك على الاختصاص فلا يمكن ؛ لأنه يؤدي إلى ضرر بيني وبينك من إفساد المال، وتغيير الهيئة، وتنقيص القيمة، فيقع الترجيح. والأظهر سقوط القسمة فيه يبطل المنفعة وينقص المال مع ما ذكرناه من الدليل. والله الموفق. قال الفراء :" نصيبا مفروضا " هو كقولك :قسما واجبا، وحقا لازما، فهو اسم في معنى المصدر فلهذا انتصب. الزجاج :أنتصب على الحال. أي لهؤلاء أنصباء في حال الفرض. الأخفش :أي جعل الله لهم نصيبا. والمفروض :المقدر :الواجب.
١ كذا في ز. وهو الموضع الذي تدارس فيه الحبوب، ويجمع فيه الطعام. وفي ح و ي وأ: بذ، لعله من قولهم: تمربذ: متفرق. وفي د و ج و و و ب و هـ و ط: بد. وليس بظاهر المعنى..
٢ راجع ج ١٠ ص ٥٨..
فيه أربع مسائل :
الأولى :بين الله تعالى أن من لم يستحق شيئا إرثا وحضر القسمة، وكان من الأقارب أو اليتامى والفقراء الذين لا يرثون أن يكرموا ولا يحرموا، إن كان المال كثيرا، والاعتذار إليهم إن كان عقارا أو قليلا لا يقبل الرضخ١. وإن كان عطاء من القليل ففيه أجر عظيم، درهم يسبق مائة ألف٢. فالآية على هذا القول محكمة، قاله ابن عباس. وامتثل ذلك جماعة من التابعين :عروة بن الزبير وغيره، وأمر به أبو موسى الأشعري وروي عن ابن عباس ( أنها منسوخة نسخها قوله تعالى :" يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين " [ النساء :١١ ] ) وقال سعيد بن المسيب :نسخها آية الميراث والوصية. وممن قال إنها منسوخة أبو مالك وعكرمة والضحاك. والأول أصح، فإنها مبينة استحقاق الورثة لنصيبهم، واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له ممن حضرهم. قال ابن جبير :ضيع الناس هذه الآية. قال الحسن :ولكن الناس شحوا. وفي البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى :" وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين " قال :( هي٣ محكمة وليست بمنسوخة ). وفي رواية قال :( إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نسخت، لا والله ما نسخت ولكنها مما تهاون بها، هما واليان :وال يرث وذلك الذي يرزق، ووال لا يرث وذلك الذي يقول بالمعروف، ويقول :لا أملك لك أن أعطيك ). قال ابن عباس :( أمر الله المؤمنين عند قسمة مواريثهم أن يصلوا أرحامهم، ويتاماهم ومساكينهم من الوصية، فإن لم تكن وصية وصل لهم من الميراث ). قال النحاس :فهذا أحسن ما قيل في الآية، أن يكون على الندب والترغيب في فعل الخير، والشكر لله عز وجل. وقالت طائفة :هذا الرضخ٤ واجب على جهة الفرض، تعطي الورثة لهذه الأصناف ما طابت به نفوسهم، كالماعون والثوب الخلق وما خف. حكى هذا القول ابن عطية والقشيري. والصحيح أن هذا على الندب ؛ لأنه لو كان فرضا لكان استحقاقا في التركة ومشاركة في الميراث، لأحد الجهتين معلوم وللآخر مجهول. وذلك مناقض للحكمة، وسبب للتنازع والتقاطع. وذهبت فرقة إلى أن المخاطب والمراد في الآية المحتضرون الذين يقسمون أموالهم بالوصية، لا الورثة. وروي عن ابن عباس وسعيد بن المسيب وابن زيد. ( فإذا أراد المريض أن يفرق ماله بالوصايا وحضره من لا يرث ينبغي له ألا يحرمه ). وهذا والله أعلم - يتنزل حيث كانت الوصية واجبة، ولم تنزل آية الميراث. والصحيح الأول وعليه المعول.
الثانية :فإذا كان الوارث صغيرا لا يتصرف في ماله، فقالت طائفة :يعطي ولي الوارث الصغير من مال محجوره بقدر ما يرى. وقيل :لا يعطي بل يقول لمن حضر القسمة٥ :ليس لي شيء من هذا المال إنما هو لليتيم، فإذا بلغ عرفته حقكم. فهذا هو القول المعروف. وهذا إذا لم يوص الميت له بشيء، فإن أوصى يصرف له ما أوصى. ورأى عبيدة ومحمد بن سيرين أن الرزق في هذه الآية أن يصنع لهم طعاما يأكلونه، وفعلا ذلك، ذبحا شاة من التركة، وقال عبيدة :لولا هذه الآية لكان هذا من مالي. وروى قتادة عن يحيى بن يعمر قال :ثلاث محكمات تركهن الناس :هذه الآية، وآية الاستئذان " يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم " ٦ [ النور :٥٨ ]، وقوله :" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى " ٧ [ الحجرات :١٣ ].
الثالثة :قوله تعالى :" منه " الضمير عائد على معنى القسمة ؛ إذ هي بمعنى المال والميراث ؛ لقوله تعالى :" ثم استخرجها من وعاء أخيه " ٨ [ يوسف :٧٦ ] أي السقاية ؛ لأن الصواع مذكر. ومنه قوله عليه السلام :( واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه٩ وبين الله حجاب ) فأعاد مذكرا على معنى الدعاء. وكذلك قوله لسويد بن طارق الجعفي حين سأل عن الخمر ( إنه ليس بدواء ولكنه داء ) فأعاد الضمير على معنى الشراب. ومثله كثير. يقال :قاسمه المال وتقاسماه واقتسماه، والاسم القسمة مؤنثة، والقسم مصدر قسمت الشيء فانقسم، والموضع مقسم مثل مجلس، وتقسمهم الدهر فتقسموا، أي فرقهم فتفرقوا. والتقسيم التفريق. والله أعلم.
الرابعة :قوله تعالى :" وقولوا لهم قولا معروفا " قال سعيد بن جبير :يقال لهم خذوا بورك لكم. وقيل :قولوا مع الرزق وددت أن لو كان أكثر من هذا. وقيل :لا حاجة مع الرزق إلى عذر، نعم إن لم يصرف إليهم شيء فلا أقل من قول جميل ونوع اعتذار.
١ الرضخ هنا: العطاء القليل..
٢ في ج: درهم سبعماية ألف..
٣ في ي: بين أنها..
٤ الرضخ: العطية القليلة..
٥ سقط من ب و ج و ز و ط و ي و هـ..
٦ راجع ج ١٢ ص ٣٠٢..
٧ راجع ج ١٦ ص ٣٤٠..
٨ راجع ج ٩ ص ٢٣٥..
٩ كذا في ب و د و ز و ط و هـ و ي. والرواية يشبه أن تكون من حديث معاذ في الصحيحين وليس فيها تذكير الضمير. والله أعلم. وفي أ و ج و ح: بينها..
فيه مسألتان :
الأولى :قوله تعالى :" وليخش " حذفت الألف من " ليخش " للجزم بالأمر، ولا يجوز عند سيبويه إضمار لام الأمر قياسا على حروف الجر إلا في ضرورة الشعر. وأجاز الكوفيون حذف اللام مع الجزم، وأنشد الجميع :
محمد تفد نفسك كل نفس إذا ما خفت من شيء تَبَالاَ١
أراد لتفد، ومفعول " يخش " محذوف لدلالة الكلام عليه. و " خافوا " جواب " لو ". التقدير لو تركوا لخافوا. ويجوز حذف اللام في جواب " لو ". وهذه الآية قد اختلف العلماء في تأويلها، فقالت طائفة :( هذا وعظ للأوصياء، أي افعلوا باليتامى ما تحبون أن يفعل بأولادكم من بعدكم )، قاله ابن عباس. ولهذا قال الله تعالى :" إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما " [ النساء :١٠ ]. وقالت طائفة :المراد جميع الناس، أمرهم باتقاء الله في الأيتام وأولاد الناس، وإن لم يكونوا في حجورهم. وأن يشددوا لهم القول كما يريد كل واحد منهم أن يفعل بولده بعده. ومن هذا ما حكاه الشيباني قال :كنا على قسطنطينية في عسكر مسلمة بن عبدالملك، فجلسنا يوما في جماعة من أهل العلم فيهم ابن الديلمي، فتذاكروا ما يكون من أهوال آخر الزمان. فقلت له :يا أبا بشر٢، ودي ألا يكون لي ولد. فقال لي :ما عليك ! ما من نسمة قضى الله بخروجها من رجل إلا خرجت، أحب أو كره، ولكن إذا أردت أن تأمن عليهم فاتق الله في غيرهم، ثم تلا الآية. وفي رواية :ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجاك الله منه، وإن تركت ولدا من بعدك حفظهم الله فيك ؟ فقلت :بلى ! فتلا هذه الآية " وليخش الذين لو تركوا " إلى آخرها. قلت :ومن هذا المعنى ما روى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من أحسن الصدقة جاز على الصراط ومن قضى حاجة أرملة أخلف٣ الله في تركته ). وقول ثالث قاله جمع من المفسرين :هذا في الرجل يحضره الموت فيقول له من بحضرته عند وصيته :إن الله سيرزق ولدك فأنظر لنفسك، وأوص بمالك في سبيل الله، وتصدق وأعتق. حتى يأتي على عامة ماله أو يستغرقه فيضر ذلك بورثته، فنهوا عن ذلك. فكأن الآية تقول لهم :( كما تخشون على ورثتكم وذريتكم بعدكم، فكذلك فاخشوا على ورثة غيركم ولا تحملوه على تبذير ماله )، قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن جبير والضحاك ومجاهد. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال :( إذا حضر الرجل الوصية فلا ينبغي أن يقول :أوص بمالك فإن الله تعالى رازق ولدك، ولكن يقول قدم لنفسك واترك لولدك )، فذلك قوله تعالى :" فليتقوا الله ". وقال مقسم وحضرمي :نزلت في عكس هذا، وهو أن يقول للمحتضر من يحضره :أمسك على ورثتك، وأبق لولدك فليس أحد أحق بمالك من أولادك، وينهاه عن الوصية، فيتضرر بذلك ذوو القربى وكل من يستحق أن يوصى له، فقيل لهم :كما تخشون على ذريتكم وتسرون بأن يحسن إليهم، فكذلك سددوا القول في جهة المساكين واليتامى، واتقوا الله في ضررهم. وهذان القولان مبنيان على وقت وجوب الوصية قبل نزول آية المواريث، روي عن سعيد بن جبير وابن المسيب. قال ابن عطية :وهذان القولان لا يطرد واحد منهما في كل الناس، بل الناس صنفان، يصلح لأحدهما القول الواحد، ولآخر القول الثاني. وذلك أن الرجل إذا ترك ورثته مستقلين بأنفسهم أغنياء حسن أن يندب إلى الوصية، ويحمل على أن يقدم لنفسه. وإذا ترك ورثة ضعفاء مهملين مقلين٤ حسن أن يندب إلى الترك لهم والاحتياط، فإن أجره في قصد ذلك كأجره في المساكين، فالمراعاة إنما هو الضعف فيجب أن يمال معه. قلت :وهذا التفصيل صحيح ؛ لقوله عليه السلام لسعد :( إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ). فإن لم يكن للإنسان ولد، أو كان وهو غني مستقل بنفسه وماله عن أبيه فقد أمن عليه، فالأولى بالإنسان حينئذ تقديم ماله بين يديه حتى لا ينفقه من بعده فيما لا يصلح، فيكون وزره عليه.
الثانية :قوله تعالى :" وليقولوا قولا سديدا " السديد :العدل والصواب من القول، أي مروا المريض بأن يخرج من ماله ما عليه من الحقوق الواجبة، ثم يوصي لقرابته بقدر ما٥ لا يضر بورثته الصغار. وقيل :المعنى قولوا٦ للميت قولا عدلا، وهو أن يلقنه بلا إله إلا الله، ولا يأمره بذلك، ولكن يقول ذلك في نفسه حتى يسمع منه ويتلقن. هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم :( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ) ولم يقل مروهم ؛ لأنه لو أمر بذلك لعله يغضب ويجحد. وقيل :المراد اليتيم أن لا ينهروه٧ ولا يستخفوا به.
١ البيت قيل لحسان. وقيل لأبي طالب. وتبالا: سوء العاقبة. وأصله: وبال أبدلت الواو تاء. الخزانة ج ٣ ش ٦٨٠..
٢ في ب و هـ و ط: أبا بسر، وكلاهما وارد كما في التهذيب. والقصة في تفسير هذه الآية في الطبري بأوضح..
٣ في ي: أخلفه..
٤ في ط: مفلسين..
٥ من ج..
٦ في ي: قول الطيب..
٧ في ط و ي و ز: أي لا تنهروه ولا تستخفوا به..
فيه ثلاث مسائل :
الأولى :قوله تعالى :" إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما " روي أنها نزلت في رجل من غطفان يقال له :مرثد بن زيد، ولي مال ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله، فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية، قال مقاتل بن حيان ؛ ولهذا قال الجمهور :إن المراد الأوصياء الذين يأكلون ما لم يبح لهم من مال اليتيم. وقال ابن زيد :نزلت في الكفار الذين كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار. وسمي أخذ المال على كل وجوهه أكلا ؛ لما كان المقصود هو الأكل وبه أكثر إتلاف الأشياء. وخص البطون بالذكر لتبيين نقصهم، والتشنيع عليهم بضد مكارم الأخلاق. وسمى المأكول نارا بما يؤول إليه، كقوله تعالى :" إني أراني أعصر خمرا " ١ [ يوسف :٣٦ ] أي عنبا. وقيل :نارا أي حراما ؛ لأن الحرام يوجب النار، فسماه الله تعالى باسمه. وروى أبو سعيد الخدري قال :حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به قال :( رأيت قوما لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخرا من نار يخرج من أسافلهم، فقلت يا جبريل من هؤلاء ؟ قال :هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ). فدل الكتاب والسنة على أن أكل مال اليتيم من الكبائر. وقال صلى الله عليه وسلم :( اجتنبوا السبع الموبقات ) وذكر فيها ( وأكل مال اليتيم ).
الثانية :قوله تعالى :" وسيصلون سعيرا " وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية ابن عباس بضم الياء على اسم ما لم يسم فاعله، من أصلاه الله حر النار إصلاء. قال الله تعالى :" سأصليه سقر " ٢ [ المدثر :٢٦ ]. وقرأ أبو حيوة بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام من التصلية لكثرة الفعل مرة بعد أخرى. دليله قوله تعالى :" ثم الجحيم صلوه " ٣ [ الحاقة :٣١ ]. ومنه قولهم :صليته مرة بعد أخرى. وتصليت :استدفأت بالنار. قال :
وقد تصَّلْيْتُ حرَّ حربهم كما تَصَلَّى المقرورُ من قَرَسِ٤
وقرأ الباقون بفتح الياء من صلي النار يصلاها صلى وصلاة. قال الله تعالى :" لا يصلاها إلا الأشقى " ٥ [ الليل :١٥ ]. والصلاء هو التسخن بقرب النار أو مباشرتها، ومنه قول الحارث بن عباد :
لم أكن من جُنَاتِهَا علم الله وإني لِحَرِّهَا اليومَ صالِ
والسعير :الجمر المشتعل٦.
الثالثة :وهذه آية من آيات الوعيد، ولا حجة فيها لمن يكفر بالذنوب. والذي يعتقده أهل السنة أن ذلك نافذ على بعض العصاة فيصلى ثم يحترق ويموت، بخلاف أهل النار لا يموتون ولا يحيون، فكأن هذا جمع بين الكتاب والسنة، لئلا يقع الخبر فيهما على خلاف مخبره، ساقط بالمشيئة عن بعضهم ؛ لقوله تعالى :" إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " ٧ [ النساء :٤٨ ]. وهكذا القول في كل ما يرد عليك من هذا المعنى. روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أما أهل النار الذين هم أهلها فيها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر٨ ضبائر فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل :يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون كما تنبت الحبة٩ في حميل١٠ السيل ). فقال رجل من القوم كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان يرعى١١ بالبادية.
١ راجع ج ٩ ص ١٨٨..
٢ راجع ج ١٩ ص ٧٥..
٣ راجع ج ١٨ ص ٢٧٢..
٤ القرس: شدة البرد، والمقرور: الذي أصيب أطرافه بشدة البرد حتى لا يستطيع عملا..
٥ راجع ج ٢٠ ص ٨٦..
٦ في ج: المستعر..
٧ راجع ص ٢٤٥ من هذا الجزء..
٨ الضبائر: الجماعات في تفرقة..
٩ الحبة (بالكسر): واحدة الحب وهو بزر ما لا يقتات كبزر الرياحين..
١٠ حميل السيل: ما يحمل من الغثاء والطين..
١١ في ب و ج و هـ و ط و ز وي..
فيه خمس وثلاثون مسألة :
الأولى :قوله تعالى :" يوصيكم الله في أولادكم " بين تعالى في هذه الآية ما أجمله في قوله :" للرجال نصيب " [ النساء :٣٢ ] و " للنساء نصيب " فدل هذا على جواز تأخير البيان عن وقت السؤال. وهذه الآية ركن من أركان الدين، وعمدة من عمد الأحكام، وأم من أمهات الآيات، فإن الفرائض عظيمة القدر حتى أنها ثلث العلم، وروي نصف العلم. وهو أول علم ينزع من الناس وينسى. رواه الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( تعلموا الفرائض وعلموه١ الناس فإنه نصف العلم وهو أول شيء ينسى وهو أول شيء ينتزع من أمتي ). وروي أيضا عن عبدالله بن مسعود قال :قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :( تعلموا القرآن وعلموه الناس وتعلموا الفرائض وعلموها الناس وتعلموا العلم وعلموه الناس فإني امرؤ مقبوض وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان٢ من يفصل بينهما ). وإذا ثبت هذا فاعلم أن الفرائض كان جل علم الصحابة، وعظيم مناظرتهم، ولكن الخلق ضيعوه. وقد روى مطرف عن مالك، قال عبدالله بن مسعود :( من لم يتعلم الفرائض والطلاق والحج فبم يفضل أهل البادية ؟ ) وقال ابن وهب عن مالك :كنت أسمع ربيعة يقول :( من تعلم الفرائض من غير علم بها من القرآن ما أسرع ما ينساها ). قال مالك :وصدق.
الثانية :روى أبو داود والدارقطني عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل :آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة ). قال الخطابي أبو سليمان :الآية المحكمة هي كتاب الله تعالى :واشترط فيها الإحكام ؛ لأن من الآي ما هو منسوخ لا يعمل به، وإنما يعمل بناسخه. والسنة القائمة هي الثابتة مما جاء عنه صلى الله عليه وسلم من السنن الثابتة. وقوله :( أو فريضة عادلة ) يحتمل وجهين من التأويل :
أحدهما :أن يكون من العدل في القسمة، فتكون معدلة عل الأنصباء والسهام المذكورة في الكتاب والسنة.
والوجه الآخر :أن تكون مستنبطة من الكتاب والسنة ومن معناهما، فتكون هذه الفريضة تعدل ما اخذ من الكتاب والسنة إذ كانت في معنى ما أخذ عنهما نصا. روى عكرمة قال :أرسل ابن عباس إلى زيد بن ثابت يسأل عن امرأة تركت زوجها وأبويها. قال :للزوج النصف، وللأم ثلث ما بقي. فقال :تجده في كتاب الله أو تقول برأي ؟ قال :أقوله برأي، لا أفضل أما على أب. قال أبو سليمان :فهذا من باب تعديل الفريضة إذا لم يكن فيها نص، وذلك أنه اعتبرها بالمنصوص عليه، وهو قوله تعالى :" وورثه أبواه فلأمه الثلث ". فلما وجد نصيب الأم الثلث، وكان باقي المال هو الثلثان للأب، قاس النصف الفاضل من المال بعد نصيب الزوج على كل المال إذا لم يكن مع الوالدين ابن أو ذو سهم، فقسمه بينهما على ثلاثة، للأم سهم وللأب سهمان وهو الباقي. وكان هذا أعدل في القسمة من أن يعطي الأم من النصف الباقي ثلث جميع المال، وللأب ما بقي وهو السدس، ففضلها عليه فيكون لها وهي مفضولة في أصل الموروث أكثر مما للأب وهو المقدم والمفضل في الأصل. وذلك أعدل مما ذهب إليه ابن عباس من توفير الثلث على الأم، وبخس الأب حقه برده إلى السدس، فترك قوله وصار عامة الفقهاء إلى زيد. قال أبو عمر :وقال عبدالله بن عباس رضي الله عنه في زوج وأبوين :( للزوج النصف، وللأم ثلث جميع المال، وللأب ما بقي ). وقال في امرأة وأبوين :( للمرأة الربع، وللأم ثلث جميع المال، والباقي للأب ). وبهذا قال شريح القاضي ومحمد بن سيرين وداود بن علي، وفرقة منهم أبو الحسن محمد بن عبدالله الفرضي المصري المعروف بابن اللبان في المسألتين جميعا. وزعم أنه قياس قول علي في المشتركة. وقال في موضع آخر :إنه قد روي ذلك عن علي أيضا. قال أبو عمر :المعروف المشهور عن علي وزيد وعبدالله وسائر الصحابة وعامة العلماء ما رسمه مالك. ومن الحجة لهم على ابن عباس :( أن الأبوين إذا اشتركا في الوراثة، ليس معهما غيرهما، كان للأم الثلث وللأب الثلثان ). وكذلك إذا اشتركا في النصف الذي يفضل عن الزوج، كانا فيه كذلك على ثلث وثلثين. وهذا صحيح في النظر والقياس.
الثالثة :واختلفت الروايات في سبب نزول آية المواريث، فروى الترمذي وأبو داود وابن ماجة والدارقطني عن جابر بن عبدالله أن امرأة سعد بن الربيع قالت :يا رسول الله، إن سعدا هلك وترك بنتين وأخاه، فعمد أخوه فقبض ما ترك سعد، وإنما تنكح النساء على أموالهن، فلم يجبها في مجلسها ذلك. ثم جاءته فقالت :يا رسول الله، ابنتا سعد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ادع لي أخاه ) فجاء فقال له٣ :( ادفع إلى ابنته الثلثين وإلى امرأته الثمن ولك ما بقي ). لفظ أبي داود. في رواية الترمذي وغيره :فنزلت آية المواريث. قال :هذا حديث صحيح. وروى جابر أيضا قال :عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سلمة يمشيان، فوجداني لا أعقل، فدعا بماء فتوضأ، ثم رش علي منه فأفقت. فقلت :كيف أصنع في مالي يا رسول الله ؟ فنزلت " يوصيكم الله في أولادكم ". أخرجاه في الصحيحين. وأخرجه الترمذي وفيه " فقلت يا نبي الله كيف أقسم مالي بين ولدي ؟ فلم يرد علي شيئا فنزلت " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين " الآية. قال :" حديث حسن صحيح ". وفي البخاري عن ابن عباس ( أن نزول ذلك كان من أجل أن المال كان للولد، والوصية للوالدين، فنسخ ذلك بهذه الآيات ). وقال مقاتل والكلبي :نزلت في أم كجة، وقد ذكرناها. السدي :نزلت بسبب بنات عبدالرحمن بن ثابت أخي حسان بن ثابت. وقيل :إن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون إلا من لاقى الحروب وقاتل العدو، فنزلت الآية تبيينا٤ أن لكل صغير وكبير حظه. ولا يبعد أن يكون جوابا للجميع ؛ ولذلك تأخر نزولها. والله أعلم. قال الكيا الطبري :وقد ورد٥ في بعض الآثار أن ما كانت الجاهلية تفعله من ترك توريث الصغير كان في صدر الإسلام إلى أن نسخته هذه الآية، ولم يثبت عندنا اشتمال الشريعة على ذلك، بل ثبت خلافه، فإن هذه الآية نزلت في ورثة سعد بن الربيع. وقيل :نزلت في ورثة ثابت بن قيس بن شماس. والأول أصح عند أهل النقل. فاسترجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الميراث من العم، ولو كان ذلك ثابتا من قبل في شرعنا ما استرجعه. ولم يثبت قط في شرعنا أن الصبي ما كان يعطى الميراث حتى يقاتل على الفرس ويذب عن الحريم. قلت :وكذلك قال القاضي أبو بكر بن العربي قال :ودل نزول هذه الآية على نكتة بديعة، وهو أن ما كانت عليه٦ الجاهلية تفعله من أخذ المال لم يكن في صدر الإسلام شرعا مسكوتا مقرا عليه ؛ لأنه لو كان شرعا مقرا عليه لما حكم النبي صلى الله عليه وسلم على عم الصبيتين برد ما أخذ من مالهما ؛ لأن الأحكام إذا مضت وجاء النسخ بعدها إنما يؤثر في المستقبل فلا ينقض به ما تقدم وإنما كانت ظلامة رفعت٧. قاله ابن العربي.
الرابعة :قوله تعالى :" يوصيكم الله في أولادكم " قالت الشافعية :قول الله تعالى " يوصيكم الله في أولادكم " حقيقة في أولاد الصلب، فأما ولد الابن فإنما يدخل فيه بطريق المجاز، فإذا حلف٨ أن لا ولد له وله ولد ابن لم يحنث، وإذا أوصى لولد فلان لم يدخل فيه ولد ولده. وأبو حنيفة يقول :إنه يدخل فيه إن لم يكن له ولد صلب. ومعلوم أن الألفاظ لا تتغير٩ بما قالوه.
الخامسة :قال ابن المنذر :لما قال تعالى :" يوصيكم الله في أولادكم " فكان الذي يجب على ظاهر الآية أن يكون الميراث لجميع الأولاد، المؤمن منهم والكافر، فلما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :( لا يرث المسلم الكافر علم أن الله أراد بعض الأولاد دون بعض، فلا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم على ظاهر الحديث١٠. قلت :ولما قال تعالى :" في أولادكم " دخل فيهم١١ الأسير في أيدي الكفار، فإنه يرث ما دام تعلم حياته على الإسلام. وبه قال كافة أهل العلم، إلا النخعي فإنه قال :لا يرث الأسير. فأما إذا لم تعلم حياته فحكمه حكم المفقود. ولم يدخل في عموم الآية ميراث النبي صلى الله عليه وسلم لقوله :( لا نورث ما تركنا صدقة ) وسيأتي بيانه في " مريم " ١٢ إن شاء الله تعالى. وكذلك لم يدخل القاتل عمدا لأبيه أو جده أو أخيه أو عمه بالسنة وإجماع الأمة، وأنه لا يرث من مال من قتله ولا من ديته شيئا، على ما تقدم بيانه في البقرة١٣. فإن قتله خطأ فلا ميراث له من الدية، ويرث من المال في قول مالك، ولا يرث في قول الشافعي وأحمد وسفيان وأصحاب الرأي، من المال ولا من الدية شيئا، حسبما تقدم بيانه في البقرة١٤. وقول مالك أصح، وبه قال إسحاق وأبو ثور. وهو قول سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح ومجاهد والزهري والأوزاعي وابن المنذر ؛ لأن ميراث من ورثه الله تعالى في كتابه ثابت لا يستثنى منه إلا بسنة أو إجماع. وكل مختلف فيه فمردود إلى ظاهر الآيات التي فيها المواريث.
السادسة :اعلم أن الميراث كان يستحق في أول الإسلام بأسباب :منها الحلف والهجرة والمعاقدة، ثم نسخ على ما يأتي بيانه في هذه السورة عند قوله تعالى :" ولكل جعلنا موالي " ١٥ [ النساء :٣٣ ]. إن شاء الله تعالى. وأجمع العلماء على أن الأولاد إذا كان معهم من له فرض مسمى أعطيه، وكان ما بقي من المال للذكر مثل حظ الأنثيين ؛ لقوله عليه السلام :( ألحقوا الفرائض بأهلها ) رواه الأئمة. يعني الفرائض الواقعة في كتاب الله تعالى. وهي ستة :النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس. فالنصف فرض خمسة :ابنة الصلب، وابنة الابن، والأخت الشقيقة، والأخت للأب، والزوج. وكل ذلك إذا انفردوا عمن يحجبهم عنه١٦. والربع فرض الزوج مع الحاجب، وفرض الزوجة والزوجات مع عدمه. والثمن فرض الزوجة والزوجات مع الحاجب. والثلثان فرض أربع :الاثنتين١٧ فصاعدا من بنات الصلب، وبنات الابن، والأخوات الأشقاء، أو للأب. وكل هؤلاء إذا انفردن عمن يحجبهن عنه. والثلث فرض صنفين :الأم مع عدم الولد، وولد الابن، وعدم الاثنين فصاعدا من الإخوة والأخوات، وفرض الاثنين فصاعدا من ولد الأم. وهذا هو ثلث كل المال. فأما ثلث ما يبقى فذلك للأم في مسألة زوج أو زوجة وأبوان، فللأم فيها ثلث ما يبقى. وقد تقدم بيانه. وفي مسائل الجد مع الإخوة إذا كان معهم ذو سهم وكان ثلث ما يبقى أحظى له. والسدس فرض سبعة :الأبوان والجد مع الولد وولد الابن، والجدة والجدات إذا اجتمعن، وبنات١٨ الابن مع بنت الصلب، والأخوات للأب مع الأخت الشقيقة، والواحد من ولد الأم ذكرا كان أو أنثى. وهذه الفرائض كلها مأخوذة من كتاب الله تعالى إلا فرض الجدة والجدات فإنه مأخوذ من السنة. والأسباب الموجبة لهذه الفروض بالميراث ثلاثة أشياء :نسب ثابت، ونكاح منعقد، وولاء عتاقة. وقد تجتمع الثلاثة الأشياء فيكون الرجل زوج المرأة ومولاها وابن عمها. وقد يجتمع فيه منها شيئان لا أكثر، مثل أن يكون زوجها ومولاها، أو زوجها وابن عمها، فيرث بوجهين ويكون له جميع المال إذا انفرد :نصفه بالزوجية ونصفه بالولاء أو بالنسب. وم
١ كذا في الدارقطني..
٢ في كشف الخفا: فلا يجدان، وفي ي لا يوجد..
٣ من ز..
٤ في ب: تنبيها..
٥ في ب: روى..
٦ من ب و ج و ي و ط و ز..
٧ في ابن العربي: "وقعت" وفي ي: طامة..
٨ في ي: حلف له..
٩ في ز: لا تعتبر..
١٠ هذا ما عليه الجمهور، وبعض يرى أن المسلم يرث الكافر وبه قضى معاذ ومعاوية حتى قال بعض: ما أحسن ما قضى به معاوية نرث أهل الكتاب ولا يرثونا كما ننكح منهم ولا ينكحون منا. راجع فتح الباري ج ١٢ ص ٤٣ ص بولاق..
١١ في ب و ي: فيهم. وفي غيرهما :فيه..
١٢ راجع ج ١١ص ٧٨..
١٣ راجع ج ١ ص ٤٥٦..
١٤ راجع ج ١ ص ٤٥٦..
١٥ ص ١٦٥ من هذا الجزء..
١٦ من ي، وباقي الأصول: يحجبهن..
١٧ في ب و ج: لابنتين..
١٨ أي واحدة فصاعدا..
السادسة والعشرون :قوله تعالى :" ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين " الخطاب للرجال. والولد هنا بنو الصلب وبنو بنيهم وإن سفلوا، ذكرانا وإناثا واحدا فما زاد بإجماع. وأجمع العلماء على أن للزوج النصف مع عدم الولد أو ولد الولد، وله مع وجوده الربع. وترث المرأة من زوجها الربع مع فقد الولد، والثمن مع وجوده. وأجمعوا على أن حكم الواحدة من الأزواج والثنتين والثلاث والأربع في الربع إن لم يكن له ولد، وفي الثمن إن كان له ولد واحد، وأنهن شركاء في ذلك ؛ لأن الله عز وجل لم يفرق بين حكم الواحدة منهن وبين حكم الجميع، كما فرق بين حكم الواحدة من البنات والواحدة من الأخوات وبين حكم الجميع منهن.
السابعة والعشرون :قوله تعالى :" وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة " الكلالة مصدر من تكلله النسب أي أحاط به. وبه سمي الإكليل، وهي منزلة من منازل القمر لإحاطتها بالقمر إذا احتل بها. ومنه الإكليل أيضا وهو التاج والعصابة المحيطة بالرأس. ( فإذا مات الرجل وليس له ولد ولا والد فورثته كلالة ). هذا قول أبي بكر الصديق وعمر وعلي وجمهور أهل العلم. وذكر يحيى بن آدم عن شريك وزهير وأبي الأحوص عن أبي إسحاق عن سليمان بن عبد قال :ما رأيتهم إلا وقد تواطؤوا وأجمعوا على أن الكلالة من مات ليس له ولد ولا والد. وهكذا قال صاحب كتاب العين وأبو منصور اللغوي وابن عرفة والقتبي وأبو عبيد وابن الأنباري. فالأب والابن طرفان للرجل ؛ فإذا ذهبا تكلله النسب. ومنه قيل :روضة مكللة إذا حفت بالنور. وأنشدوا :
مسكنهُ روضة مكلَّلَةٌ عم بها الأيْهُقَانِ والذُّرَقُ١
يعني نبتين. وقال امرؤ القيس :
أصاح ترى برقا أريك وميضه كلمع اليدين في حَبِيٍّ مكلل٢
فسموا القرابة كلالة ؛ لأنهم أطافوا بالميت من جوانبه وليسوا منه ولا هو منهم، وإحاطتهم به أنهم ينتسبون معه٣. كما قال أعرابي :مالي كثير ويرثني كلالة متراخ نسبهم. وقال الفرزدق :
ورثتم قناة المجد لا عن كلالة عن ابني مناف عبد شمس وهاشم
وقال آخر :
وإن أبا المرء أحمى له ومولى الكلالة لا يغضب٤
وقيل :إن الكلالة مأخوذة من الكلال وهو الإعياء ؛ فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بعد وإعياء. قال الأعشى :
فآليت لا أرثي لها من كلالة ولا من وَجًى٥ حتى تلاقي محمدا
وذكر أبو حاتم والأثرم عن أبى عبيدة قال :الكلالة كل من لم يرثه أب أو ابن أو أخ فهو عند العرب كلالة. قال أبو عمر :ذكر أبي عبيدة الأخ هنا مع الأب والابن في شرط الكلالة غلط لا وجه له، ولم يذكره في شرط الكلالة غيره. وروي عن عمر بن الخطاب أن ( الكلالة من لا ولد له خاصة )، وروي عن أبي بكر ثم رجعا عنه. وقال ابن زيد :الكلالة الحي والميت جميعا. وعن عطاء :الكلالة المال. قال ابن العربي :وهذا قول طريف لا وجه له. قلت :له وجه متبين بالإعراب آنفا٦. وروي عن ابن الأعرابي أن الكلالة بنو العم الأباعد. وعن السدي أن الكلالة الميت، وعنه مثل قول الجمهور. وهذه الأقوال تتبين وجوهها بالإعراب، فقرأ بعض الكوفيين " يورث كلالة " بكسر الراء وتشديدها. وقرأ الحسن وأيوب " يورث " بكسر الراء وتخفيفها، على اختلاف عنهما. وعلى هاتين القراءتين لا تكون الكلالة إلا الورثة أو المال. كذلك حكى أصحاب المعاني، فالأول من ورث، والثاني من أورث. و " كلالة " مفعوله و " كان " بمعنى وقع. ومن قرأ " يورث " بفتح الراء احتمل أن تكون الكلالة المال، والتقدير :يورث وراثة كلالة فتكون نعتا لمصدر محذوف. ويجوز أن تكون الكلالة اسما للورثة وهي خبر كان ؛ فالتقدير :ذا ورثة. ويجوز أن تكون تامة بمعنى وقع، و " يورث " نعت لرجل، و " رجل " رفع بكان، و " كلالة " نصب على التفسير أو الحال ؛ على أن الكلالة هو الميت، التقدير :وإن كان رجل يورث متكلل النسب إلى الميت.
الثامنة والعشرون :ذكر الله عز وجل في كتابه الكلالة في موضعين :آخر السورة وهنا، ولم يذكر في الموضعين وارثا غير الإخوة. فأما هذه الآية فأجمع العلماء على أن الإخوة فيها عني بها الإخوة للأم ؛ لقوله تعالى :" فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ". وكان سعد بن أبي وقاص يقرأ " وله أخ أو أخت من أمه ". ولا خلاف بين أهل العلم أن الإخوة للأب والأم أو الأب ليس ميراثهم كهذا، فدل إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في آخر السورة هم إخوة المتوفى لأبيه وأمه أو لأبيه ؛ لقوله عز وجل " وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين " ٧ [ النساء :١٧٦ ]. ولم يختلفوا أن ميراث الإخوة للأم ليس هكذا ؛ فدلت الآيتان أن الإخوة كلهم جميعا كلالة. وقال الشعبي :( الكلالة ما كان سوى الولد والوالد من الورثة إخوة أو غيرهم من العصبة ). كذلك قال علي وابن مسعود وزيد وابن عباس، وهو القول الأول الذي بدأنا به. قال الطبري :والصواب أن الكلالة هم الذين يرثون الميت من عدا ولده ووالده، لصحة خبر جابر :فقلت يا رسول الله إنما يرثني كلالة، أفأوصي بمالي كله ؟ قال :( لا ).
التاسعة والعشرون :قال أهل اللغة :يقال رجل كلالة وامرأة كلالة. ولا يثنى ولا يجمع ؛ لأنه مصدر كالوكالة والدلالة والسماحة والشجاعة. وأعاد ضمير مفرد في قوله :" وله أخ " ولم يقل لهما. ومضى ذكر الرجل والمرأة على عادة العرب إذا ذكرت اسمين ثم أخبرت عنهما وكانا في الحكم سواء ربما أضافت إلى أحدهما وربما أضافت إليهما جميعا ؛ تقول :من كان عنده غلام وجارية فليحسن إليه وإليها وإليهما وإليهم ؛ قال الله تعالى :" واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة " ٨ [ البقرة :٤٥ ]. وقال تعالى :" إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما " ٩ [ النساء :١٣٥ ] ويجوز أولى بهم ؛ عن الفراء وغيره. ويقال في امرأة :مرأة، وهو الأصل. وأخ أصله أخو، يدل عليه أخوان، فحذف منه وغير على غير قياس. قال الفراء :ضم أول أخت ؛ لأن المحذوف منها واو، وكسر أول بنت ؛ لأن المحذوف منها ياء. وهذا الحذف والتعليل على غير قياس أيضا.
الموفية ثلاثين :قوله تعالى :" فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث " هذا التشريك يقتضي التسوية بين الذكر والأنثى وإن كثروا. وإذا كانوا يأخذون بالأم فلا يفضل الذكر على الأنثى. وهذا إجماع من العلماء، وليس في الفرائض موضع يكون فيه الذكر والأنثى سواء إلا في ميراث الإخوة للأم. فإذا ماتت امرأة وتركت زوجها وأمها وأخاها لأمها فللزوج النصف وللأم الثلث وللأخ من الأم السدس. فإن تركت أخوين وأختين - والمسألة بحالها - فللزوج النصف وللأم السدس وللأخوين والأختين الثلث، وقد تمت الفريضة. وعلى هذا عامة الصحابة ؛ لأنهم حجبوا الأم بالأخ والأخت من الثلث إلى السدس. وأما ابن عباس فإنه لم ير العول ولو جعل للأم الثلث لعالت المسألة، وهو لا يرى ذلك. والعول١٠ مذكور في غير هذا الموضع، ليس هذا موضعه. فإن تركت زوجها وإخوة لأم وأخا لأب وأم ؛ فللزوج النصف، ولإخوتها لأمها الثلث، وما بقي فلأخيها لأمها وأبيها. وهكذا من له فرض مسمى أعطيه، والباقي للعصبة إن فضل. فإن تركت ستة إخوة مفترقين فهذه الحمارية١١، وتسمى أيضا المشتركة. قال قوم :( للإخوة للأم الثلث، وللزوج النصف، وللأم السدس )، وسقط الأخ والأخت من الأب والأم، والأخ والأخت من الأب. روي عن علي وابن مسعود وأبي موسى والشعبي وشريك ويحيى بن آدم، وبه قال أحمد بن حنبل واختاره ابن المنذر ؛ لأن الزوج والأم والأخوين للأم أصحاب فرائض مسماة ولم يبق للعصبة شيء. وقال قوم :( الأم واحدة، وهب أن أباهم كان حمارا ! وأشركوا بينهم في الثلث ) ؛ ولهذا سميت المشتركة والحمارية. روي هذا عن عمر وعثمان وابن مسعود أيضا وزيد بن ثابت ومسروق وشريح، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق. ولا تستقيم هذه المسألة أن لو كان الميت رجلا. فهذه جملة من علم الفرائض تضمنتها الآية، والله الموفق للهداية.
وكانت الوراثة في الجاهلية بالرجولية والقوة، وكانوا يورثون الرجال دون النساء، فأبطل الله عز وجل ذلك بقوله :" للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب " [ النساء :٣٢ ] كما تقدم. وكانت الوراثة أيضا في الجاهلية وبدء الإسلام بالمحالفة، قال الله عز وجل :" والذين عقدت أيمانكم " [ النساء :٣٣ ] على ما يأتي بيانه١٢. ثم صارت بعد المحالفة بالهجرة ؛ قال الله تعالى :" والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا " ١٣ [ الأنفال :٧٢ ] وسيأتي. وهناك يأتي القول في ذوي الأرحام وميراثهم، إن شاء الله تعالى. وسيأتي في سورة " النور١٤ " ميراث ابن الملاعنة١٥ وولد الزنا والمكاتب بحول الله تعالى. والجمهور من العلماء على أن الأسير المعلوم حياته أن ميراثه ثابت ؛ لأنه داخل في جملة المسلمين الذين أحكام الإسلام جارية عليهم. وقد روي عن سعيد بن المسيب أنه قال في الأسير في يد العدو :لا يرث. وقد تقدم ميراث المرتد في سورة " البقرة " ١٦ والحمد لله.
الحادية والثلاثون :قوله تعالى :" غير مضار " نصب على الحال والعامل " يوصي ". أي يوصي بها غير مضار، أي غير مدخل الضرر على الورثة. أي لا ينبغي أن يوصي بدين ليس عليه ليضر بالورثة ؛ ولا يقر بدين. فالإضرار راجع إلى الوصية والدين، أما رجوعه إلى الوصية فبأن يزيد على الثلث أو يوصي لوارث، فإن زاد فإنه يرد، إلا أن يجيزه الورثة ؛ لأن المنع لحقوقهم لا لحق الله تعالى. وإن أوصى لوارث فإنه يرجع ميراثا. وأجمع العلماء على أن الوصية للوارث لا تجوز. وقد تقدم هذا في " البقرة " ١٧. وأما رجوعه إلى الدين فبالإقرار في حالة لا يجوز له فيها ؛ كما لو أقر في مرضه لوارثه أو لصديق ملاطف، فإن ذلك لا يجوز عندنا. وروي عن الحسن أنه قرأ " غير مضار وصية من الله " على الإضافة. قال النحاس :وقد زعم بعض أهل اللغة أن هذا لحن ؛ لأن اسم الفاعل لا يضاف إلى المصدر. والقراءة حسنة على حذف، والمعنى :غير مضار ذي وصية، أي غير مضار بها ورثته في ميراثهم. وأجمع العلماء على أن إمراره بدين لغير وارث حال المرض جائز إذا لم يكن عليه دين في الصحة.
الثانية والثلاثون :فإن كان عليه دين في الصحة ببينة وأقر لأجنبي بدين، فقالت طائفة :يبدأ بدين الصحة ؛ هذا قول النخعي والكوفيين١٨. قالوا :فإذا استوفاه صاحبه فأصحاب الإقرار في المرض يتحاصون١٩. وقالت طائفة :هما سواء إذا كان لغير وارث. هذا قول الشافعي وأبي ثور وأبي عبيد، وذكر أبو عبيد إنه قول أهل المدينة ورواه عن الحسن.
الثالثة والثلاثون :قد مضى في " البقرة " ٢٠ الوعيد في الإضرار في الوصية ووجوهها. وقد روى أبو داود من حديث شهر بن حوشب ( وهو مطعون فيه ) عن أبى هريرة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنه ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار ). قال :وقرأ علي أبو هريرة من ههنا " من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضا
١ الأيهقان: الجرجير البري. والذرق: بقلة وحشيشة كالقث الرطب. في اللسان: قال مرة: الذرق نبات مثل الكراث الجبلي الدقاق له في رأسه قماعل صغار فيها حب أغبر حلو يؤكل رطبا تحبه الرعاء ويأتون بها أهليهم وله نصال صغار لها قشرة سوداء تقشر عن بياض صادقة الحلاوة كثيرة الماء يأكلها الناس. قال المصحح: يسمى في المغرب إجيز يظهر في الخصب..
٢ ومض البرق: لمع. وكلمع اليدين: كإشارة اليدين. والحبي: السحاب المعترض. والمكلل: الذي في جوانبه البرق مثل الإكليل..
٣ من ج و ب وي، وفي أ و ح وط: ينسبون..
٤ أراد أن أبا المرء أغضب له إذا ظلم. وموالي الكلالة وهم الإخوة والأعمام وبنو الأعمام وسائر القرابات لا يغضبون للمرء غضب الأب..
٥ الوجى: الحفى..
٦ في د و ي و ط و ز، وفي ج و هـ أيضا..
٧ راجع ج ٦ ص ٢٨..
٨ راجع ج ١ ص ٣٧١..
٩ راجع ص ٤١٠ من هذا الجزء..
١٠ عالت الفريضة: ارتفعت وزادت سهامها على أصل حسابها الموجب عن عدد وارثيها..
١١ من قولهم: هب أن أبانا كان حمارا، كما سيجيء..
١٢ راجع ص ١٦٥ من هذا الجزء..
١٣ راجع ج ٨ ص ٥٥..
١٤ راجع ج ١٢ ص ١٩٥..
١٥ في أ و ج: ولد. و في ي و ط و ز: ميراث الملاعنة..
١٦ راجع ج ٣ ص ٤٩..
١٧ راجع ج ٢ ص ٢٥٧..
١٨ في ط: والكوفيون..
١٩ في ج: على..
٢٠ راجع ج ٢ ص ٢٧١..
الخامسة والثلاثون :قوله تعالى :" تلك حدود الله " و " تلك " بمعنى هذه، أي هذه أحكام الله قد بينها لكم لتعرفوها وتعملوا بها. " ومن يطع الله ورسوله " في قسمة المواريث فيقر بها ويعمل بها كما أمره الله تعالى " يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار " جملة في موضع نصب على النعت لجنات.
وقوله " ومن يعص الله ورسوله " يريد في قسمة المواريث فلم يقسمها ولم يعمل بها " ويتعد حدوده " أي يخالف أمره " يدخله نارا خالدا فيها ". والعصيان إن أريد به الكفر فالخلود على بابه، وإن أريد به الكبائر وتجاوز أوامر الله تعالى فالخلود مستعار لمدة ما. كما تقول :خلد الله ملكه. وقال زهير :
ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا١
وقد تقدم هذا المعنى في غير موضع. وقرأ نافع وابن عامر " ندخله " بالنون في الموضعين، على معنى الإضافة إلى نفسه سبحانه. الباقون بالياء كلاهما ؛ لأنه سبق ذكر اسم الله تعالى أي يدخله الله.
١ صدره: ألا لا أرى على الحوادث باقيا.
فيه ثمان مسائل :
الأولى :لما ذكر الله تعالى في هذه السورة الإحسان إلى النساء وإيصال صدقاتهن إليهن، وانجر الأمر إلى ذكر ميراثهن مع مواريث الرجال، ذكر أيضا التغليظ عليهن فيما يأتين به من الفاحشة ؛ لئلا تتوهم المرأة أنه يسوغ لها ترك التعفف.
الثانية :قوله تعالى :" واللاتي " " اللاتي " جمع التي، وهو اسم مبهم للمؤنث، وهي معرفة ولا يجوز نزع الألف واللام منه للتنكير، ولا يتم إلا بصلته ؛ وفيه ثلاث لغات كما تقدم. ويجمع أيضا " اللات " بحذف الياء وإبقاء الكسرة ؛ و " اللائي " بالهمزة وإثبات الياء، و " اللاء " بكسر الهمزة وحذف الياء، و " اللا " بحذف الهمزة. فإن جمعت الجمع قلت في اللاتي :اللواتي، وفي اللاء :اللوائي. وقد روي عنهم " اللوات " بحذف الياء وإبقاء الكسرة. قال ابن الشجري. قال الجوهري :أنشد أبو عبيد :
من اللواتي والتي واللات زعمن أن قد كبرت لدات
واللوا بإسقاط التاء. وتصغير التي اللتيا بالفتح والتشديد ؛ قال الراجز :
بعد اللتيا واللتيا والتي١
وبعض الشعراء أدخل على " التي " حرف النداء، وحروف النداء لا تدخل على ما فيه الألف واللام إلا في قولنا :يا الله وحده ؛ فكأنه شبهها به من حيث كانت الألف واللام غير مفارقتين لها. وقال :
من اجلِك يالتي تيمت قلبي وأنت بخيلة بالود عني
ويقال :وقع في اللتيا والتي ؛ وهما اسمان من أسماء الداهية.
الثالثة :قوله تعالى :" يأتين الفاحشة " الفاحشة في هذا الموضع الزنا، والفاحشة الفعلة القبيحة، وهي مصدر كالعاقبة والعافية. وقرأ ابن مسعود " بالفاحشة " بباء الجر.
الرابعة :قوله تعالى :" من نسائكم " إضافة في معنى الإسلام وبيان حال المؤمنات ؛ كما قال " واستشهدوا شهيدين من رجالكم " ٢ [ البقرة :٢٨٢ ] لأن الكافرة قد تكون من نساء المسلمين بنسب ولا يلحقها هذا الحكم.
الخامسة :قوله تعالى :" فاستشهدوا عليهن أربعة منكم " أي من المسلمين، فجعل الله الشهادة على الزنا خاصة أربعة تغليظا على المدعي وسترا على العباد. وتعديل الشهود بالأربعة في الزنا حكم ثابت في التوراة والإنجيل والقرآن. قال الله تعالى :" والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة " ٣ [ النور :٤ ] وقال هنا :" فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ". وروى أبو داود عن جابر بن عبدالله قال :جاءت اليهود برجل وامرأة منهم قد٤ زنيا فقال :النبي صلى الله عليه وسلم٥ ( ائتوني بأعلم رجلين منكم ) فأتوه بابني صوريا فنشدهما :( كيف تجدان أمر هذين في التوراة ؟ ) قالا :نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما. قال :( فما يمنعكما أن ترجموهما ) ؟ قالا :ذهب سلطاننا فكرهنا القتل، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود، فجاؤوا فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة ؛ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما. وقال قوم :إنما كان الشهود في الزنا أربعة ليترتب شاهدان على كل واحد من الزانيين كسائر الحقوق ؛ إذ هو حق يؤخذ من كل واحد منهما، وهذا ضعيف ؛ فإن اليمين تدخل في الأموال واللوث٦ في القسامة ولا مدخل لواحد منهما هنا.
السادسة :ولا بد أن يكون الشهود ذكورا ؛ لقوله :" منكم " ولا خلاف فيه بين الأمة. وأن يكونوا عدولا ؛ لأن الله تعالى شرط العدالة في البيوع والرجعة، وهذا أعظم، وهو بذلك أولى. وهذا من حمل المطلق على المقيد بالدليل، على ما هو مذكور في أصول الفقه. ولا يكونون ذمة٧، وإن كان الحكم على ذمية، وسيأتي ذلك في " المائدة " ٨ وتعلق أبو حنيفة بقوله :" أربعة منكم " في أن الزوج إذا كان أحد الشهود في القذف لم يلاعن. وسيأتي بيانه في " النور " ٩ إن شاء الله تعالى.
السابعة :قوله تعالى :" فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت " هذه أول عقوبات١٠ الزناة ؛ وكان هذا في ابتداء الإسلام، قال عبادة بن الصامت والحسن ومجاهد حتى نسخ بالأذى الذي بعده، ثم نسخ ذلك بآية " النور " وبالرجم في الثيب. وقالت فرقة :بل كان الإيذاء هو الأول ثم نسخ بالإمساك، ولكن التلاوة أخرت وقدمت، ذكره ابن فورك، وهذا الإمساك والحبس في البيوت كان في صدر الإسلام قبل أن يكثر الجناة، فلما كثروا وخشي قوتهم اتخذ لهم سجن. قاله ابن العربي.
الثامنة :واختلف العلماء هل كان هذا السجن حدا أو وعدا بالحد على قولين :أحدهما :أنه توعد بالحد، والثاني :أنه حد. قاله ابن عباس والحسن. زاد ابن زيد :وأنهم منعوا من النكاح حتى يموتوا عقوبة لهم حين طلبوا النكاح من غير وجهه. وهذا يدل على أنه كان حدا بل أشد، غير أن ذلك الحكم كان ممدودا١١ إلى غاية وهو الأذى في الآية الأخرى، على اختلاف التأويلين في أيهما قبل، وكلاهما ممدود إلى غاية وهي قوله عليه السلام في حديث عبادة بن الصامت :( خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ). وهذا نحو قوله تعالى :" ثم أتموا الصيام إلى الليل " ١٢ [ البقرة :١٨٧ ] فإذا جاء الليل ارتفع حكم الصيام لانتهاء غايته لا لنسخه. هذا قول المحققين المتأخرين من الأصوليين، فإن النسخ إنما يكون في القولين المتعارضين من كل وجه اللذين لا يمكن الجمع بينهما، والجمع ممكن بين الحبس والتعيير١٣ والجلد والرجم، وقد قال بعض العلماء :إن الأذى والتعيير١٤ باق مع الجلد ؛ لأنهما لا يتعارضان، بل يحملان على شخص واحد. وأما الحبس فمنسوخ بإجماع، وإطلاق المتقدمين النسخ على مثل هذا تجوز. والله أعلم.
١ هذا صدر بيت للعجاج، وعجزه: إذا علتها نفس تردت.
٢ راجع ج ٣ ص ٣٨٩..
٣ راجع ج ١٢ ص ١٧١..
٤ من أبي داود كما في ابن العربي..
٥ من أبي داود كما في ابن العربي..
٦ اللوث: هو أن يشهد شاهد واحد على إقرار المقتول قبل أن يموت: أن فلانا قتلني، أو يشهد شاهدان على عداوة بينهما أو تهديد منه له، أو نحو ذلك..
٧ في ج: ولا يكونون ذمية وفي ط و ي و ز: ذمة. والمراد المعاهدون. وفي البحر :ولا يكونوا..
٨ راجع ج ٦ ص ٣٤٩ فما بعد..
٩ راجع ج ١٢ ص ١٨٢ فما بعد..
١٠ كذا في ابن عطية والعبارة له. وفي الأصول: عزمات.
١١ كذا في ابن العربي. والأصول: كان محمودا. كلاهما ممدود..
١٢ راجع ج ٢ ص ٣٢١..
١٣ في ج: التعزير..
١٤ في ج: التعزير..
فيه سبع مسائل :
الأولى :قوله تعالى :" واللذان " " اللذان " تثنية الذي، وكان القياس أن يقال :اللذيان كرحيان ومصطفيان وشجيان. قال سيبويه :حذفت الياء ليفرق بين الأسماء المتمكنة والأسماء المبهمات. وقال أبو علي :حذفت الياء تخفيفا، إذ قد أمن اللبس في اللذان ؛ لأن النون لا تنحذف، ونون التثنية في الأسماء المتمكنة قد تنحذف مع الإضافة في رحياك ومصطفيا القوم، فلو حذفت الياء لاشتبه المفرد بالاثنين. وقرأ ابن كثير " اللذان " بتشديد النون، وهي لغة قريش، وعلته أنه جعل التشديد عوضا من ألف " ذا " على ما يأتي بيانه في سورة " القصص " عند قوله تعالى :" فذانك برهانان " ١ [ القصص :٣٢ ]. وفيها لغة أخرى " اللذا " بحذف النون٢. هذا قول الكوفيين. وقال البصريون :إنما حذفت النون لطول الاسم بالصلة. وكذلك قرأ " هذان " و " فذانك برهانان " بالتشديد فيهما. والباقون بالتخفيف. وشدد أبو عمرو " فذانك برهانان " وحدها. و " اللذان " رفع بالابتداء. قال سيبويه :المعنى وفيما يتلى عليكم اللذان يأتيانها، أي الفاحشة " منكم ". ودخلت الفاء في " فآذوهما " لأن في الكلام معنى الأمر ؛ لأنه لما وصل الذي بالفعل تمكن فيه معنى الشرط ؛ إذ لا يقع عليه شيء بعينه، فلما تمكن الشرط والإبهام فيه جرى مجرى الشرط فدخلت الفاء، ولم يعمل فيه ما قبله من الإضمار كما لا يعمل في الشرط ما قبله، فلما لم يحسن إضمار الفعل قبلهما لينصبا رفعا بالابتداء ؛ وهذا اختيار سيبويه. ويجوز النصب على تقدير إضمار فعل، وهو الاختيار إذا كان في الكلام معنى الأمر والنهي نحو قولك :اللذين عندك فأكرمهما.
الثانية :قوله تعالى :" فآذوهما " قال قتادة والسدي :معناه التوبيخ والتعيير. وقالت فرقة :هو السب والجفاء دون تعيير. ابن عباس :النيل باللسان والضرب بالنعال. قال النحاس :وزعم قوم أنه منسوخ.
قلت :رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد قال :" واللاتي يأتين الفاحشة " و " اللذان يأتيانها " كان في أول الأمر فنسختهما الآية التي في " النور " ٣. قال النحاس :وقيل وهو أولى :إنه ليس بمنسوخ، وأنه واجب أن يؤدبا بالتوبيخ فيقال لهما :فجرتما وفسقتما وخالفتما أمر الله عز وجل.
الثالثة :واختلف العلماء في تأويل قوله تعالى :" واللاتي " وقوله :" واللذان " فقال مجاهد وغيره :الآية الأولى في النساء عامة محصنات وغير محصنات، والآية الثانية في الرجال خاصة. وبين لفظ٤ التثنية صنفي الرجال من أحصن ومن لم يحصن، فعقوبة النساء الحبس، وعقوبة الرجال الأذى. وهذا قول يقتضيه اللفظ، ويستوفي نص الكلام أصناف الزناة. ويؤيده من جهة اللفظ قوله في الأولى :" من نسائكم " وفي الثانية " منكم " ؛ واختاره النحاس ورواه عن ابن عباس. وقال السدي وقتادة وغيرهما :الأولى في النساء المحصنات. يريد :ودخل معهن من أحصن من الرجال بالمعنى، والثانية في الرجل والمرأة البكرين. قال ابن عطية :ومعنى هذا القول تام إلا أن لفظ الآية يقلق عنه. وقد رجحه الطبري، وأباه النحاس وقال :تغليب المؤنث على المذكر بعيد ؛ لأنه لا يخرج الشيء إلى المجاز ومعناه صحيح في الحقيقة. وقيل :كان الإمساك للمرأة الزانية دون الرجل، فخصت المرأة بالذكر في الإمساك ثم جمعا في الإيذاء. قال قتادة :كانت المرأة تحبس ويؤذيان جميعا، وهذا لأن الرجل يحتاج إلى السعي والاكتساب.
الرابعة :واختلف العلماء أيضا في القول بمقتضى حديث عبادة الذي هو بيان لأحكام الزناة على ما بيناه، فقال بمقتضاه علي بن أبي طالب لا اختلاف عنه في ذلك، وأنه جلد شراحة الهمدانية مائة ورجمها بعد ذلك، وقال :جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بهذا القول الحسن البصري والحسن بن صالح بن حي وإسحاق. وقال جماعة من العلماء :بل على الثيب الرجم بلا جلد. وهذا يروى عن عمر وهو قول الزهري والنخعي ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وأحمد وأبي ثور ؛ متمسكين بأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا والغامدية٥ ولم يجلدهما، وبقوله عليه السلام لأنيس :( اغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ) ولم يذكر الجلد، فلو كان مشروعا لما سكت عنه. قيل لهم :إنما سكت عنه ؛ لأنه ثابت بكتاب الله تعالى، فليس يمتنع أن يسكت عنه لشهرته والتنصيص عليه في القرآن ؛ لأن قوله تعالى :" الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " [ النور :٢ ] يعم جميع الزناة. والله أعلم. ويبين هذا فعل علي بأخذه عن الخلفاء رضي الله عنهم ولم ينكر عليه فقيل له :عملت بالمنسوخ وتركت الناسخ. وهذا واضح.
الخامسة :واختلفوا في نفي البكر مع الجلد، فالذي عليه الجمهور أنه ينفى مع الجلد ؛ قاله الخلفاء الراشدون :أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وهو قول ابن عمر رضوان الله عليهم أجمعين، وبه قال عطاء وطاوس وسفيان ومالك وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور. وقال بتركه حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن. والحجة للجمهور حديث عبادة المذكور، وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد، حديث العسيف٦ وفيه :فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله أما غنمك وجاريتك فرد عليك ) وجلد ابنه مائة وغربه عاما. أخرجه الأئمة. احتج من لم ير نفيه بحديث أبي هريرة في الأمة، ذكر فيه الجلد دون النفي. وذكر عبدالرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال :غرب عمر ربيعة بن أبي أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر فلحق بهرقل فتنصر ؛ فقال عمر :لا أغرب مسلما بعد هذا. قالوا :ولو كان التغريب حدا لله تعالى ما تركه عمر بعد. ثم إن النص الذي في الكتاب إنما هو الجلد، والزيادة على النص نسخ، فيلزم عليه نسخ القاطع بخبر الواحد. والجواب :أما حديث أبي هريرة فإنما هو في الإماء لا في الأحرار. وقد صح عن عبدالله بن عمر أنه ضرب أمته في الزنا ونفاها. وأما حديث عمر وقوله :لا أغرب بعده مسلما، فيعني في الخمر - والله أعلم - لما رواه نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب. أخرجه الترمذي في جامعه، والنسائي في سننه عن أبي كريب محمد بن العلا الهمداني عن عبدالله بن إدريس عن عبيدالله بن عمر عن نافع٧. قال الدارقطني :تفرد به عبدالله بن إدريس ولم يسنده عنه أحد من الثقات غير أبي كريب، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النفي فلا كلام لأحد معه، ومن خالفته السنة خاصمته. وبالله التوفيق. وأما قولهم :الزيادة على النص نسخ، فليس بمسلم، بل زيادة حكم آخر مع الأصل. ثم هو قد زاد الوضوء بالنبيذ بخبر لم يصح على الماء، واشترط الفقر في القربى٨ إلى غير ذلك مما ليس منصوصا عليه في القرآن. وقد مضى هذا المعنى في البقرة٩ ويأتي.
السادسة :القائلون بالتغريب في يختلفوا في تغريب الذكر الحر، واختلفوا في تغريب العبد والأمة، فممن رأى التغريب فيهما ابن عمر جلد مملوكة له في الزنا ونفاها إلى فدك١٠ وبه قال الشافعي وأبو ثور والثوري والطبري وداود. واختلف قول الشافعي في نفي العبد، فمرة قال :أستخير الله في نفي العبد، ومرة قال :ينفى نصف سنة، ومرة قال :ينفى سنة إلى غير بلده ؛ وبه قال الطبري.
واختلف أيضا قوله في نفي الأمة على قولين. وقال مالك :ينفى الرجل ولا تنفى المرأة ولا العبد، ومن نفي حبس في الموضع الذي ينفى إليه. وينفى من مصر إلى الحجاز١١ وشغب وأسوان ونحوها، ومن المدينة إلى خيبر وفدك، وكذلك فعل عمر بن عبدالعزيز. ونفى علي من الكوفة إلى البصرة. وقال الشافعي :أقل ذلك يوم وليلة. قال ابن العربي :كان أصل النفي أن بني إسماعيل١٢ أجمع رأيهم على أن من أحدث حدثا في الحرم غرب منه، فصارت سنة فيهم يدينون بها ؛ فلأجل ذلك استن الناس إذا أحدث أحد حدثا غرب عن بلده، وتمادى ذلك في الجاهلية إلى أن جاء الإسلام فأقره في الزنا خاصة. احتج من لم ير النفي على العبد بحديث أبي هريرة في الأمة ؛ ولأن تغريبه عقوبة لمالكه تمنعه من منافعه في مدة تغريبه، ولا يناسب ذلك تصرف الشرع، فلا يعاقب غير الجاني. وأيضا فقد سقط عنه الجمعة والحج والجهاد الذي هو حق لله تعالى لأجل السيد، فكذلك التغريب. والله أعلم. والمرأة إذا غربت ربما يكون ذلك سببا لوقوعها فيما أخرجت من سببه وهو الفاحشة، وفي التغريب سبب لكشف عورتها وتضييع لحالها ؛ ولأن الأصل منعها من الخروج من بيتها وأن صلاتها فيه أفضل. وقال صلى الله عليه وسلم :( أعروا النساء يلزمن الحجال )١٣ فحصل من هذا تخصيص عموم حديث التغريب بالمصلحة المشهود لها بالاعتبار. وهو مختلف فيه عند الأصوليين والنظار. وشذت طائفة فقالت :يجمع الجلد والرجم على الشيخ، ويجلد الشاب ؛ تمسكا بلفظ " الشيخ " في حديث زيد بن ثابت أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة " خرجه النسائي١٤. وهذا فاسد ؛ لأنه قد سماه في الحديث الآخر " الثيب ".
السابعة :قوله تعالى :" فإن تابا " أي من الفاحشة. " وأصلحا " يعني العمل فيما بعد ذلك. " فأعرضوا عنهما " أي اتركوا أذاهما وتعييرهما. وإنما كان هذا قبل نزول الحدود. فلما نزلت الحدود نسخت هذه الآية. وليس المراد بالإعراض الهجرة، ولكنها متاركة معرض ؛ وفي ذلك احتقار لهم بسبب المعصية المتقدمة، وبحسب الجهالة في الآية الأخرى. والله تواب أي راجع بعباده عن المعاصي.
١ راجع ج ١٣ ص ٢٨٥..
٢ في ز: اللذا بحذف النون اللذان بفتح النون. كذا..
٣ راجع ج ١٢ ص ١٩٥..
٤ في ج و ط و ي: بلفظ..
٥ الغامدية بالمعجمة، نسبة إلى غامد من جهينة..
٦ العسيف (بالسين المهملة والفاء): الأجير..
٧ هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر؛ يروي عن نافع مولى ابن عمر..
٨ راجع ج ٨ ص ١٢..
٩ راجع ج ٢ ص ٦١..
١٠ فدك (بالتحريك): قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة. (عن معجم البلدان)..
١١ كذا في الأصول. وشغب (بفتح فسكون): منهل بين مصر والشام. (عن القاموس)..
١٢ في الأصول بني إسرائيل. والتصحيح من ابن العربي: وفيه أجمع رأي خيار بني إسماعيل..
١٣ الحجال: جمع حجلة بالتحريك، والمراد البيت، أي جردوهن من ثياب الخروج يلزمن البيوت..
١٤ كذا في الأصول، وهذه رواية البخاري، وفي هامش ب: نسخة: البخاري. وهو الصواب..
فيهما أربع مسائل :
الأولى :قوله تعالى :" إنما التوبة على الله " قيل :هذه الآية عامة لكل من عمل ذنبا. وقيل :لمن جهل فقط، والتوبة لكل من عمل ذنبا في موضع آخر. واتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين ؛ لقوله تعالى :" وتوبوا إلى الله جميعا آيه المؤمنون " ١. [ النور :٣١ ]. وتصح من ذنب مع الإقامة على غيره من غير نوعه خلافا للمعتزلة في قولهم :لا يكون تائبا من أقام على ذنب. ولا فرق بين معصية ومعصية - هذا مذهب أهل السنة. وإذا تاب العبد فالله سبحانه بالخيار إن شاء قبلها، وإن شاء لم يقبلها. وليس قبول التوبة واجبا على الله من طريق العقل كما قال المخالف ؛ لأن من شرط الواجب أن يكون أعلى رتبة من الموجب عليه، والحق سبحانه خالق الخلق ومالكهم، والمكلف لهم، فلا يصح أن يوصف بوجوب شيء عليه، تعالى عن ذلك، غير أنه قد أخبر سبحانه وهو الصادق في وعده بأنه يقبل التوبة عن العاصين من عباده بقوله تعالى :" وهو يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات " ٢ [ الشورى :٢٥ ]. وقوله :" ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده " ٣ [ التوبة :١٠٤ ] وقوله :" وإني لغفار لمن تاب " ٤ [ طه :٨٢ ] فإخباره سبحانه وتعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يقتضي وجوب تلك الأشياء. والعقيدة أنه لا يجب عليه شيء عقلا، فأما السمع فظاهره قبول توبة التائب. قال أبو المعالي وغيره :وهذه الظواهر إنما تعطي غلبة ظن، لا قطعا على الله تعالى بقبول التوبة. قال ابن عطية :وقد خولف أبو المعالي وغيره في هذا المعنى. فإذا فرضنا رجلا قد تاب توبة نصوحا تامة الشروط فقال أبو المعالي :يغلب على الظن قبول توبته. وقال غيره :يقطع على الله تعالى بقبول توبته كما أخبر عن نفسه جل وعز. قال ابن عطية :وكان أبي رحمه الله يميل إلى هذا القول ويرجحه، وبه أقول، والله تعالى أرحم بعباده من أن ينخرم في هذا التائب المفروض معنى قوله :" وهو الذي يقبل التوبة عن عباده " [ الشورى :٢٥ ] وقوله تعالى :" وإني لغفار " [ طه :٨٢ ]. وإذا تقرر هذا فاعلم أن في قوله " على الله " حذفا وليس على ظاهره، وإنما المعنى على فضل الله ورحمته بعباده. وهذا نحو قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ :( أتدري ما حق العباد على الله ) ؟ قال :الله ورسوله أعلم. قال :( أن يدخلهم الجنة ). فهذا كله معناه :على فضله ورحمته بوعده الحق وقوله الصدق. دليله قوله تعالى :" كتب على نفسه الرحمة " ٥ [ الأنعام :١٢ ] أي وعد بها. وقيل :" على " ههنا معناها " عند " والمعنى واحد، التقدير :عند الله، أي إنه وعد ولا خلف في وعده أنه يقبل التوبة إذا كانت بشروطها المصححة لها، وهي أربعة :الندم بالقلب، وترك المعصية في الحال، والعزم على ألا يعود إلى مثلها، وأن يكون ذلك حياء من الله تعالى لا من غيره، فإذا اختل شرط من هذه الشروط لم تصح التوبة. وقد قيل من شروطها :الاعتراف بالذنب وكثرة الاستغفار، وقد تقدم في " آل عمران " كثير من معاني التوبة وأحكامها٦. ولا خلاف فيما أعلمه أن التوبة لا تسقط حدا٧ ؛ ولهذا قال علماؤنا :إن السارق والسارقة والقاذف متى تابوا وقامت الشهادة عليهم أقيمت عليهم الحدود. وقيل :" على " بمعنى " من " أي إنما التوبة من الله للذين ؛ قاله أبو بكر بن عبدوس، والله أعلم. وسيأتي في " التحريم " ٨ الكلام في التوبة النصوح والأشياء التي يتاب منها.
الثانية :قوله تعالى :" للذين يعملون السوء بجهالة " السوء في هذه الآية، و " الأنعام ". " أنه من عمل منكم سوءا بجهالة " ٩ [ الأنعام :٥٤ ] يعم الكفر والمعاصي، فكل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته. قال قتادة :أجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أن كل معصية فهي بجهالة، عمدا كانت أو جهلا. وقال ابن عباس وقتادة والضحاك ومجاهد والسدي. وروي عن الضحاك ومجاهد أنهما قالا :الجهالة هنا العمد. وقال عكرمة :أمور الدنيا كلها جهالة، يريد الخاصة بها الخارجة عن طاعة الله. وهذا القول جار مع قوله تعالى :" إنما الحياة الدنيا لعب ولهو " ١٠ [ محمد :٣٦ ]. وقال الزجاج :يعني قوله " بجهالة " اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية. وقيل :" بجهالة " أي لا يعلمون كنه العقوبة ؛ ذكره ابن فورك. قال ابن عطية :وضعف قوله هذا ورد عليه.
الثالثة :قوله تعالى :" ثم يتوبون من قريب " قال ابن عباس والسدي :معناه قبل المرض والموت. وروي عن الضحاك أنه قال :كل ما كان قبل الموت فهو قريب. وقال أبو مجلز والضحاك أيضا وعكرمة وابن زيد وغيرهم :قبل المعاينة للملائكة والسوق١١، وأن يغلب المرء على نفسه. ولقد أحسن محمود الوراق حيث قال :
قدم لنفسك توبة مرجوة قبل الممات وقبل حبس الألسن
بادر بها غَلْقَ١٢ النفوس فإنها ذخر وغنم للمنيب المحسن
قال علماؤنا رحمهم الله :وإنما صحت التوبة منه في هذا الوقت ؛ لأن الرجاء باق ويصح منه الندم والعزم على ترك الفعل. وقد روى الترمذي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ). قال :هذا حديث حسن غريب. ومعنى ما لم يغرغر :ما لم تبلغ روحه حلقومه ؛ فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به. قال الهروي وقيل :المعنى يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار. والمبادر في الصحة أفضل، وألحق لأمله من العمل الصالح. والبعد كل البعد الموت، كما قال :
وأين مكان البعد إلا مكانيا١٣
وروى صالح المري عن الحسن قال :من عير أخاه بذنب قد تاب إلى الله منه ابتلاه الله به. وقال الحسن أيضا :إن إبليس لما هبط قال :بعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام الروح في جسده. قال الله تعالى :( فبعزتي لا أحجب التوبة عن ابن آدم ما لم تغرغر نفسه ).
١ راجع ج ١٢ ص ٢٣٨..
٢ راجع ج ١٦ ص ٢٥ فما بعد..
٣ راجع ج ٨ ص ٢٥٠..
٤ راجع ج ١١ ص ٢٣١..
٥ راجع ج ٦ ص ٣٩٥..
٦ راجع ج ٤ ص ١٣٠..
٧ راجع ج ٦ ص ١٧٤ ففيها الخلاف في المسألة..
٨ راجع ج ١٨ ص ١٩٧ فما بعد..
٩ راجع ج ٦ ص ٤٣٦..
١٠ راجع ج ١٦ ص ٢٥٧ و ج ٦ ص ٤١٤ و ج ١٧ ص ٢٥٤..
١١ السوق: النزع، كأن روحه تساق لتخرج من بدنه..
١٢ يقال: غلق الرهن إذا لم يقدر على افتكاكه. يريد: بادر بالتوبة قبل ضياع الفرصة..
١٣ هذا عجز بيت لمالك بن الريب المازني، وصدره:
يقولون لا تبعد وهم يدفنوني.

الرابعة :قوله تعالى :" وليست التوبة " نفى سبحانه أن يدخل في حكم التائبين من حضره الموت وصار في حين اليأس، كما كان فرعون حين صار في غمرة الماء والغرق فلم ينفعه ما أظهر من الإيمان ؛ لأن التوبة في ذلك الوقت لا تنفع ؛ لأنها حال زوال التكليف. وبهذا قال ابن عباس وابن زيد وجمهور المفسرين. وأما الكفار يموتون على كفرهم فلا توبة لهم في الآخرة، وإليهم الإشارة بقوله تعالى :" أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما " وهو الخلود. وإن كانت الإشارة بقوله إلى الجميع فهو في جهة العصاة عذاب لا خلود معه، وهذا على أن السيئات ما دون الكفر ؛ أي :ليست التوبة لمن عمل دون الكفر من السيئات، ثم تاب عند الموت، ولا لمن مات كافرا فتاب يوم القيامة. وقد قيل :إن السيئات هنا الكفر، فيكون المعنى وليست التوبة للكفار الذين يتوبون عند الموت، ولا للذين يموتون وهم كفار. وقال أبو العالية :نزل أول الآية في المؤمنين " إنما التوبة على الله ". والثانية في المنافقين. " وليست التوبة للذين يعملون السيئات " يعني قبول التوبة للذين أصروا على فعلهم. " حتى إذا حضر أحدهم الموت " يعني١ الشرق والنزع ومعاينة ملك الموت. " قال إني تبت الآن " فليس لهذا توبة. ثم ذكر توبة الكفار فقال تعالى :" ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما " أي وجيعا دائما. وقد تقدم٢.
١ كذا في أ و ب و ج و ز وح و ط و ي. وفي د: السوق. والشرق بفتح الراء: من شرق الميت بريقه إذا غص به..
٢ راجع ج ١ ص ١٩٨..
فيه ثمان مسائل :
الأولى :قوله تعالى :" لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها " هذا متصل بما تقدم ذكره من الزوجات. والمقصود نفي الظلم عنهن وإضرارهن، والخطاب للأولياء. و " أن " في موضع رفع ب " يحل " ؛ أي لا يحل لكم وراثة النساء. و " كرها " مصدر في موضع الحال. واختلفت الروايات وأقوال المفسرين في سبب نزولها، فروى البخاري عن ابن عباس " يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن " قال :كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك. وأخرجه أبو داود بمعناه. وقال الزهري وأبو مجلز :كان من عادتهم إذا مات الرجل يلقي ابنه من غيرها أو أقرب عصبته ثوبه على المرأة فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا، وإن شاء عضلها لتفتدى منه بما ورثته من الميت أو تموت فيرثها، فأنزل الله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ". فيكون المعنى :لا يحل لكم أن ترثوهن من أزواجهن فتكونوا أزواجا لهن. وقيل :كان الوارث إن سبق فألقى عليها ثوبا فهو أحق بها، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها كانت أحق بنفسها. قاله السدي. وقيل :كان يكون عند الرجل عجوز ونفسه تتوق إلى الشابة فيكره فراق العجوز لمالها فيمسكها ولا يقربها حتى تفتدي منه بمالها أو تموت فيرث مالها. فنزلت هذه الآية. وأمر الزوج أن يطلقها إن كره صحبتها ولا يمسكها كرها، فذلك قوله تعالى :" لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ". والمقصود من الآية إذهاب ما كانوا عليه في جاهليتهم، وألا تجعل النساء كالمال يورثن عن الرجال كما يورث المال. " وكرها " بضم الكاف قراءة حمزة والكسائي، الباقون بالفتح، وهما لغتان. وقال القتبي :الكره ( بالفتح ) بمعنى الإكراه، والكره ( بالضم ) المشقة. يقال :لتفعل ذلك طوعا أو كرها، يعني طائعا أو مكرها. والخطاب للأولياء. وقيل :لأزواج النساء إذا حبسوهن مع سوء العشرة طماعية إرثها، أو يفتدين ببعض مهورهن، وهذا أصح. واختاره ابن عطية قال :ودليل ذلك قوله تعالى :" إلا أن يأتين بفاحشة " وإذا أتت بفاحشة فليس للولي حبسها حتى يذهب بمالها إجماعا من الأمة، وإنما ذلك للزوج، على ما يأتي بيانه في المسألة بعد هذا.
الثانية :قوله تعالى :" ولا تعضلوهن " قد تقدم معنى العضل وأنه المنع في " البقرة " ١. " إلا أن يأتين بفاحشة مبينة " اختلف الناس في معنى الفاحشة ؛ فقال الحسن :هو الزنا، وإذا زنت البكر فإنها تجلد مائة وتنفى سنة، وترد إلى زوجها ما أخذت منه. وقال أبو قلابة :إذا زنت امرأة الرجل فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى تفتدي منه. وقال السدي :إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن. وقال ابن سيرين وأبو قلابة :لا يحل له أن يأخذ منها فدية إلا أن يجد على بطنها رجلا، قال الله تعالى :" إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ". وقال ابن مسعود وابن عباس والضحاك وقتادة :الفاحشة المبينة في هذه الآية البغض والنشوز، قالوا :فإذا نشزت حل له أن يأخذ مالها ؛ وهذا هو مذهب مالك. قال ابن عطية :إلا أني لا أحفظ له نصا في الفاحشة في الآية. وقال قوم :الفاحشة البذاء باللسان وسوء العشرة قولا وفعلا، وهذا في معنى النشوز. ومن أهل العلم من يجيز أخذ المال من الناشز على جهة الخلع ؛ إلا أنه يرى ألا يتجاوز ما أعطاها ركونا إلى قوله تعالى :" لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ". وقال مالك وجماعة من أهل العلم :للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك. قال ابن عطية :والزنا أصعب على الزوج من النشوز والأذى، وكل ذلك فاحشة تحل أخذ المال. قال أبو عمر :قول ابن سيرين وأبي قلابة عندي ليس بشيء ؛ لأن الفاحشة قد تكون البذاء والأذى. ومنه قيل للبذيء :فاحش ومتفحش، وعلى أنه لو أطلع منها على الفاحشة كان له لعانها، وإن شاء طلقها، وأما أن يضارها حتى تفتدي منه بمالها فليس له ذلك، ولا أعلم أحدا قال :له أن يضارها ويسيء إليها حتى تختلع منه إذا وجدها تزني غير أبي قلابة. والله أعلم. وقال الله عز وجل :" فإن خفتم ألا يقيما حدود الله " [ البقرة :٢٢٩ ] يعني في حسن العشرة والقيام بحق الزوج وقيامه بحقها " فلا جناح عليهما فيما افتدت به " ٢ [ البقرة :٢٢٩ ] وقال الله عز وجل :" فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا " ٣ [ النساء :٤ ] فهذه الآيات أصل هذا الباب. وقال عطاء الخراساني :كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها، فنسخ ذلك بالحدود. وقول رابع " إلا أن يأتين بفاحشة مبينة " إلا أن يزنين فيحبسن في البيوت، فيكون هذا قبل النسخ، وهذا في معنى قول عطاء، وهو ضعيف.
الثالثة :وإذا تنزلنا على القول بأن المراد بالخطاب في العضل الأولياء ففقهه أنه متى صح في ولي أنه عاضل نظر القاضي في أمر المرأة وزوجها. إلا الأب في بناته، فإنه إن كان في عضله صلاح فلا يعترض، قولا واحدا، وذلك بالخاطب والخاطبين وإن صح عضله ففيه قولان في مذهب مالك :أنه كسائر الأولياء، يزوج القاضي من شاء التزويج من بناته وطلبه. والقول الآخر - لا يعرض له :
الرابعة :يجوز أن يكون " تعضلوهن " جزما على النهى، فتكون الواو عاطفة جملة كلام مقطوعة من الأولى، ويجوز أن يكون نصبا عطفا على " أن ترثوا " فتكون الواو مشتركة عطفت فعلا على فعل. وقرأ ابن مسعود " ولا أن تعضلوهن " فهذه القراءة تقوي احتمال النصب، وأن العضل مما لا يجوز بالنص.
الخامسة :قوله تعالى :" مبينة " بكسر الياء قراءة نافع وأبي عمرو، والباقون بفتح الياء. وقرأ ابن عباس " مبينة " بكسر الباء وسكون الياء، من أبان الشيء، يقال :أبان الأمر بنفسه، وأبنته وبين وبينته، وهذه القراءات كلها لغات فصيحة.
السادسة :قوله تعالى :" وعاشروهن بالمعروف " أي على ما أمر الله به من حسن المعاشرة. والخطاب للجميع، إذ لكل أحدٍِِ عِشْرَةٌ، زوجا كان أو وليا، ولكن المراد بهذا الأمر في الأغلب الأزواج، وهو مثل قوله تعالى :" فإمساك بمعروف " ٤ [ البقرة :٢٢٩ ]. وذلك توفية حقها من المهر والنفقة، وألا يعبس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون منطلقا في القول لا فظا ولا غليظا ولا مظهرا ميلا إلى غيرها. والعشرة :المخالطة والممازجة. ومنه قول طرفة :
فلئن شَطَّتْ نواها مرةً لعلى عهدِ حبيبٍ مُعْتَشِرْ
جعل الحبيب جمعا كالخليط والغريق. وعاشره معاشرة، وتعاشر القوم واعتشروا. فأمر الله سبحانه بحسن صحبة النساء إذا عقدوا عليهن لتكون أدمة٥ ما بينهم وصحبتهم على الكمال، فإنه أهدأ للنفس وأهنأ للعيش، وهذا واجب على الزوج ولا يلزمه في القضاء. وقال بعضهم :هو أن يتصنع لها كما تتصنع له. وقال يحيى بن عبدالرحمن الحنظلي :أتيت محمد بن الحنفية فخرج إلي في ملحفة حمراء ولحيته تقطر من الغالية٦، فقلت :ما هذا ؟ قال :إن هذه الملحفة ألقتها علي امرأتي ودهنتني بالطيب، وإنهن يشتهين منا ما نشتهيه منهن. وقال ابن عباس رضي الله عنه :إني أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين المرأة٧ لي. وهذا داخل فيما ذكرناه. قال ابن عطية :وإلى معنى الآية ينظر قول النبي صلى الله عليه وسلم :( فاستمتع بها وفيها عوج ) أي لا يكن منك سوء عشرة مع اعوجاجها، فعنها تنشأ المخالفة وبها يقع الشقاق، وهو سبب الخلع.
السابعة :واستدل علماؤنا بقوله تعالى :" وعاشروهن بالمعروف " على أن المرأة إذا كانت لا يكفيها خادم واحد أن عليه أن يخدمها قدر كفايتها، كابنة الخليفة والملك وشبههما ممن لا يكفيها خادم واحد، وأن ذلك هو المعاشرة بالمعروف. وقال الشافعي وأبو حنيفة :لا يلزمه إلا خادم واحد - وذلك يكفيها خدمة نفسها، وليس في العالم امرأة إلا وخادم واحد يكفيها، وهذا كالمقاتل تكون له أفراس عدة فلا يسهم له إلا لفرس واحد ؛ لأنه لا يمكنه القتال إلا على فرس واحد٨.
قال علماؤنا :وهذا غلط ؛ لأن مثل بنات الملوك اللاتي لهن خدمة كثيرة لا يكفيها خادم واحد ؛ لأنها تحتاج من غسل ثيابها لإصلاح مضجعها٩ وغير ذلك إلى ما لا يقوم به الواحد، وهذا بين. والله أعلم.
الثامنة :قوله تعالى :" فإن كرهتموهن " أي لدمامة أو سوء خلق من غير ارتكاب فاحشة أو نشوز، فهذا يندب فيه إلى الاحتمال، فعسى أن يؤول الأمر إلى أن يرزق الله منها أولادا صالحين. و " أن " رفع ب " عسى " وأن والفعل مصدر. قلت :ومن هذا المعنى ما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر ) أو قال ( غيره ). المعنى :أي لا يبغضها بغضا كليا يحمله على فراقها. أي لا ينبغي له ذلك بل يغفر سيئتها لحسنتها ويتغاضى عما يكره لما يحب. وقال مكحول :سمعت ابن عمر يقول :إن الرجل ليستخير الله تعالى فيخار له، فيسخط على ربه عز وجل، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير له. وذكر ابن العربي قال :أخبرني أبو القاسم بن حبيب بالمهدية، عن أبي القاسم السيوري عن أبي بكر بن عبدالرحمن حيث قال :كان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد من العلم والدين في المنزلة والمعرفة. وكانت له زوجة سيئة العشرة وكانت تقصر في حقوقه وتؤذيه بلسانها، فيقال له في أمرها ويعذل بالصبر عليها، فكان يقول :أنا رجل قد أكمل الله علي النعمة في صحة بدني ومعرفتي وما ملكت يميني، فلعلها بعثت عقوبة على ذنبي، فأخاف إن فارقتها أن تنزل بي عقوبة هي أشد منها. قال علماؤنا :في هذا دليل على كراهة الطلاق مع الإباحة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إن الله لا يكره شيئا أباحه إلا الطلاق والأكل، وإن الله ليبغض المِعى إذا امتلأ ).
١ راجع ج ٣ ص ١٥٩..
٢ راجع ج ٣ ص ١٢٥..
٣ راجع ص ٢٣ من هذا الجزء..
٤ راجع ج ٣ ص ١٢٧..
٥ الأدمة: الخلطة..
٦ الغالية: نوع من الطيب مركب من مسك وعنبر وعود ودهن..
٧ من ج، ط، ز، هـ..
٨ من ز..
٩ في ج، هـ، ط، ي: مطبخها..
فيه ست مسائل :
الأولى :لما مضى في الآية المتقدمة حكم الفراق الذي سببه المرأة، وأن للزوج أخذ المال منها عقب ذلك بذكر الفراق الذي سببه الزوج، وبين أنه إذا أراد الطلاق من غير نشوز وسوء عشرة، فليس له أن يطلب منها مالا.
الثانية :واختلف العلماء إذا كان الزوجان يريدان الفراق وكان منهما نشوز وسوء عشرة، فقال مالك رضي الله عنه :للزوج أن يأخذ منها إذا تسببت في الفراق ولا يراعى تسببه هو. وقال جماعة من العلماء :لا يجوز له أخذ المال إلا أن تنفرد هي بالنشوز وتطلبه في ذلك.
الثالثة :قوله تعالى :" وآتيتم إحداهن قنطارا " فيها دليل على جواز المغالاة في المهور ؛ لأن الله تعالى لا يمثل إلا بمباح. وخطب عمر رضي الله عنه فقال :ألا لا تغالوا في صدقات النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله، ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته١ فوق اثنتي عشرة أوقية. فقامت إليه امرأة فقالت :يا عمر، يعطينا الله وتحرمنا ! أليس الله سبحانه وتعالى يقول :" وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا " ؟ فقال عمر :أصابت امرأة وأخطأ عمر. وفي رواية فأطرق عمر ثم قال :كل الناس أفقه منك يا عمر !. وفي أخرى :امرأة أصابت ورجل أخطأ. وترك الإنكار. أخرجه أبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي العجفاء السلمي قال :خطب عمر الناس، فذكره إلى قوله :اثنتي عشرة أوقية، ولم يذكر :فقامت إليه امرأة. إلى آخره. وأخرجه ابن ماجه في سننه عن أبي العجفاء، وزاد بعد قوله :أوقية. وأن الرجل ليثقل صدقة امرأته حتى تكون لها عداوة في نفسه، ويقول :قد كلفت إليك علق القربة - أو عرق القربة، وكنت رجلا عربيا مولدا٢ ما أدري ما علق القربة أو عرق القربة. قال الجوهري :وعلق القربة لغة في عرق القربة. قال غيره :ويقال علق القربة عصامها الذي تعلق به. يقول :كلفت إليك حتى عصام القربة. وعرق القربة ماؤها. يقول :جشمت إليك حتى سافرت واحتجت إلى عرق القربة، وهو ماؤها في السفر. ويقال :بل عرق القربة أن يقول :نصبت لك وتكلفت حتى عرقت عرق القربة، وهو سيلانها. وقيل :إنهم كانوا يتزودون الماء فيعلقونه على الإبل يتناوبونه فيشق على الظهر ؛ ففسر به اللفظان :العرق والعلق. وقال الأصمعي :عرق القربة كلمة معناها الشدة. قال :ولا أدري ما أصلها. قال الأصمعي :وسمعت ابن أبي طرفة وكان من أفصح من رأيت يقول :سمعت شيخاننا يقولون :لقيت من فلان عرق القربة، يعنون الشدة. وأنشدني لابن الأحمر :
ليست بمَشْتَمَةٍ تُعَدُّ وعفوُها عَرَقُ السقاء على القَعُودِ اللاَّغِبِ
قال أبو عبيد :أراد أنه يسمع الكلمة تغيظه وليست بشتم فيؤاخذ صاحبها بها، وقد أبلغت إليه كعرق القربة، فقال :كعرق السقا لما لم يمكنه الشعر، ثم قال :على القعود اللاغب، وكان معناه أن تعلق القربة على القعود في أسفارهم.
وهذا المعنى شبيه بما كان الفراء يحكيه، زعم أنهم كانوا في المفاوز في أسفارهم يتزودون الماء فيعلقونه على الإبل يتناوبونه، فكان في ذلك تعب ومشقة على الظهر. وكان الفراء يجعل هذا التفسير في علق القربة باللام. وقال قوم :لا تعطى الآية جواز المغالاة بالمهور ؛ لأن التمثيل بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة ؛ كأنه قال :وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد. وهذا كقوله :( من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة٣ بنى الله له بيتا في الجنة ). ومعلوم أنه لا يكون مسجد كمفحص قطاة. وقد قال صلى الله عليه وسلم لابن أبي حدرد وقد جاء يستعينه في مهره، فسأله عنه فقال :مائتين، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :( كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة٤ أو جبل ). فاستقرأ بعض الناس من هذا منع المغالاة بالمهور، وهذا لا يلزم، وإنكار النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الرجل المتزوج ليس إنكارا لأجل المغالاة والإكثار في المهور، وإنما الإنكار لأنه كان فقيرا في تلك الحال فأحوج نفسه إلى الاستعانة والسؤال، وهذا مكروه باتفاق. وقد أصدق عمر أم كلثوم بنت علي من فاطمة رضوان الله عليهم أربعين ألف درهم.
وروى أبو داود عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل :( أترضى أن أزوجك فلانة ) ؟ قال :نعم. وقال للمرأة :( أترضين أن أزوجك فلانا ) ؟ قالت :نعم. فزوج أحدهما من صاحبه فدخل بها الرجل ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا، وكان ممن شهد الحديبية وله سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال :إن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجني فلانة ولم أفرض لها صداقا ولم أعطها شيئا، وإني أشهدكم أني قد أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهمها فباعته بمائة ألف.
وقد أجمع العلماء على ألا تحديد في أكثر الصداق ؛ لقوله تعالى :" وآتيتم إحداهن قنطارا " واختلفوا في أقله، وسيأتي عند قوله تعالى :" أن تبتغوا بأموالكم " [ النساء :٢٤ ]. ومضى القول في تحديد القنطار في " آل عمران٥ ". وقرأ ابن محيصن " وآتيتم احداهن " بوصل ألف " إحداهن " وهي لغة، ومنه قول الشاعر :
وتسمع من تحت العجاج لها ازْمَلاَ٦
وقول الآخر :
إن لم أقاتل فالبِسوني بُرقُعَا
الرابعة :قوله تعالى :" فلا تأخذوا منه شيئا " قال بكر بن عبدالله المزني :لا يأخذ الزوج من المختلعة شيئا ؛ لقول الله تعالى :" فلا تأخذوا "، وجعلها ناسخة لآية " البقرة ". وقال ابن زيد وغيره :هي منسوخة بقوله تعالى في سورة البقرة " ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا " ٧ [ البقرة :٢٢٩ ]. والصحيح أن هذه الآيات محكمة وليس فيها ناسخ ولا منسوخ وكلها يبنى بعضها على بعض. قال الطبري :هي محكمة، ولا معنى لقول بكر :إن أرادت هي العطاء، فقد جوز النبي صلى الله عليه وسلم لثابت أن يأخذ من زوجته ما ساق إليها. " بهتانا " مصدر في موضع الحال " وإثما " معطوف عليه " مبينا " من نعته.
١ في ابن ماجه: ولا أصدقت امرأة من بناته الخ..
٢ في ج و ي: مولدا لأبي عبيد. وليس في ابن ماجه ويبدو أن لفظ أبي عبيد مقحم من شرح أبي عبيد اللفظة كما في التاج فليراجع في: عرق..
٣ مفحص القطاة: موضعها الذي تجثم فيه وتبيض..
٤ الحرة: أرض ذات حجارة نخرة سود..
٥ راجع ج ٤ص ٣٠..
٦ الأزمل: الصوت..
٧ راجع ج ٣ ص ١٣٦..
الخامسة :قوله تعالى :" وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض " تعليل لمنع الأخذ مع الخلوة. وقال بعضهم :الإفضاء إذا كان معها في لحاف واحد جامع أو لم يجامع. حكاه الهروي وهو قول الكلبي. وقال الفراء :الإفضاء أن يخلو الرجل والمرأة وأن يجامعها. وقال ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم :الإفضاء في هذه الآية الجماع. قال ابن عباس :ولكن الله كريم يكنى. وأصل الإفضاء في اللغة المخالطة، ويقال للشيء المختلط :فضا. قال الشاعر :
فقلت لها يا عمتي لك ناقتي وتَمْرٌ فَضًا في عيبتي وزبيب١
ويقال :القوم فوضى فضا، أي مختلطون لا أمير عليهم. وعلى أن معنى " أفضى " خلا وإن لم يكن جامع، هل يتقرر المهر بوجود الخلوة أم لا ؟ اختلف علماؤنا في ذلك على أربعة أقوال :يستقر بمجرد الخلوة. لا يستقر إلا بالوطء. يستقر بالخلوة في بيت الإهداء. التفرقة بين بيته وبيتها.
والصحيح استقراره بالخلوة مطلقا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، قالوا :إذا خلا بها خلوة صحيحة يجب كمال المهر والعدة دخل بها أو لم يدخل بها ؛ لما رواه الدارقطني عن ثوبان قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من كشف خمار امرأة ونظر إليها وجب الصداق ). وقال عمر :إذا أغلق بابا وأرخى سترا ورأى عورة فقد وجب الصداق وعليها العدة ولها الميراث. وعن علي :إذا أغلق بابا وأرخى سترا ورأى عورة فقد وجب الصداق. وقال مالك :إذا طال مكثه معها مثل السنة ونحوها، واتفقا على ألا مسيس وطلبت المهر كله كان لها. وقال الشافعي :لا عدة عليها ولها نصف المهر. وقد مضى في " البقرة " ٢.
السادسة :قوله تعالى :" وأخذن منكم ميثاقا غليظا " فيه ثلاثة أقوال. قيل :هو قوله عليه السلام :( فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ). قاله عكرمة والربيع. الثاني :قوله تعالى :" فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " [ البقرة :٢٢٩ ] قاله الحسن وابن سيرين وقتادة والضحاك والسدي. الثالث :عقدة النكاح قول الرجل :نكحت وملكت عقدة٣ النكاح، قاله مجاهد وابن زيد. وقال قوم :الميثاق الغليظ الولد. والله أعلم.
١ العيبة: زبيل من أدم ينقل فيه الزرع المحصود إلى الجرين وما يجعل فيه الثباب..
٢ راجع ج ٣ ص ٢٠٥..
٣ من ج و ي و ط و ز و هـ..
فيه أربع مسائل :
الأولى :قوله تعالى :" ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء " يقال :كان الناس يتزوجون امرأة الأب برضاها بعد نزول قوله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها " [ النساء :١٩ ] حتى نزلت هذه الآية :" ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم " فصار حراما في الأحوال كلها ؛ لأن النكاح يقع على الجماع والتزوج، فإن كان الأب تزوج امرأة أو وطئها بغير نكاح حرمت على ابنه ؛ على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
الثانية :قوله تعالى :" ما نكح " قيل :المراد بها النساء. وقيل :العقد، أي نكاح آباؤكم الفاسد المخالف لدين الله ؛ إذ الله قد أحكم وجه النكاح وفصل شروطه. وهو اختيار الطبري. ف " من " متعلقة ب " تنكحوا " و " ما نكح " مصدر. قال :ولو كان معناه ولا تنكحوا النساء اللاتي نكح آباؤكم لوجب أن يكون موضع " ما " " من ". فالنهي على هذا إنما وقع على ألا ينكحوا مثل نكاح آبائهم الفاسد. والأول أصح، وتكون " ما " بمعنى " الذي " و " من ". والدليل عليه أن الصحابة تلقت الآية على ذلك المعنى، ومنه استدلت على منع نكاح الأبناء حلائل الآباء. وقد كان في العرب قبائل قد اعتادت أن يخلف ابن الرجل على امرأة أبيه، وكانت هذه السيرة في الأنصار لازمة، وكانت في قريش مباحة مع التراضي. ألا ترى أن عمرو بن أمية خلف على امرأة أبيه بعد موته فولدت له مسافرا وأبا معيط، وكان لها من أمية أبو العيص وغيره، فكان بنو أمية إخوة مسافر وأبي معيط وأعمامهما. ومن ذلك صفوان بن أمية بن خلف تزوج بعد أبيه امرأته فاختة بنت الأسود بن المطلب بن أسد، وكان أمية قتل عنها. ومن ذلك منظور بن زبان خلف على مليكة بنت خارجة، وكانت تحت أبيه زبان بن سيار. ومن ذلك حصن بن أبي قيس تزوج امرأة أبيه كبيشة بنت معن. والأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه. وقال الأشعث بن سوار :توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار فخطب ابنه قيس امرأة أبيه فقالت :إني أعدك ولدا، ولكني آتي وسول الله صلى الله عليه وسلم استأمره، فأتته فأخبرته فأنزل الله هذه الآية. وقد كان في العرب من تزوج ابنته، وهو حاجب بن زرارة تمجس وفعل هذه الفعلة، ذكر ذلك النضر بن شميل في كتاب المثالب. فنهى الله المؤمنين عما كان عليه آباؤهم من هذه السيرة.
الثالثة :قوله تعالى :" إلا ما قد سلف " أي تقدم ومضى. والسلف من تقدم من آبائك وذوي قرابتك. وهذا استثناء منقطع، أي لكن ما قد سلف فاجتنبوه ودعوه. وقيل :" إلا " بمعنى بعد، أي بعد ما سلف، كما قال تعالى :" لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى " [ الدخان :٥٦ ] أي بعد الموتة الأولى١. وقيل :" إلا ما قد سلف " أي ولا ما سلف ؛ كقوله تعالى :" وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ " ٢ [ النساء :٩٢ ] يعني ولا خطأ. وقيل :في الآية تقديم وتأخير، معناه :ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا إلا ما قد سلف. وقيل :في الآية إضمار لقوله " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء " فإنكم إن فعلتم تعاقبون وتؤاخذون إلا ما قد سلف.
الرابعة :قوله تعالى :" إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا " عقب بالذم البالغ المتتابع، وذلك دليل على أنه فعل انتهى من القبح إلى الغاية.
قال أبو العباس :سألت ابن الأعرابي عن نكاح المقت فقال :هو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا طلقها أو مات عنها ؛ ويقال لهذا الرجل :الضيزن٣. وقال ابن عرفة :كانت العرب إذا تزوج الرجل امرأة أبيه فأولدها قيل للولد :المقتي. وأصل المقت البغض :من مقته يمقته مقتا فهو ممقوت ومقيت. فكانت العرب تقول للرجل من امرأة أبيه :مقيت ؛ فسمى تعالى هذا النكاح " مقتا " إذ هو ذا مقت يلحق فاعله. وقيل :المراد بالآية النهي عن أن يطأ الرجل امرأة وطئها الآباء، إلا ما قد سلف من الآباء في الجاهلية من الزنى بالنساء لا على وجه المناكحة فإنه جائز لكم زواجهن. وأن تطؤوا بعقد النكاح ما وطئه آباؤكم من الزنى. قاله ابن زيد. وعليه فيكون الاستثناء متصلا، ويكون أصلا في أن الزنى لا يحرم على ما يأتي بيانه. والله أعلم.
١ راجع ج ١٦ص ١٥٤..
٢ راجع ص ٣١١ من هذا الجزء..
٣ الضيزن: الذي يزاحم أباه في امرأته..
فيه إحدى وعشرون مسألة :
الأولى :قوله تعالى :" حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم " أي نكاح أمهاتكم ونكاح بناتكم ؛ فذكر الله تعالى في هذه الآية ما يحل من النساء وما يحرم، كما ذكر تحريم حليلة الأب. فحرم الله سبعا من النسب وستا١ من رضاع وصهر، وألحقت السنة المتواترة سابعة، وذلك الجمع بين المرأة وعمتها، ونص عليه الإجماع. وثبتت الرواية عن ابن عباس قال :حرم من النسب سبع ومن الصهر سبع، وتلا هذه الآية. وقال عمرو بن سالم مولى الأنصار مثل ذلك، وقال :السابعة قوله تعالى :" والمحصنات ". فالسبع المحرمات من النسب :الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات، وبنات الأخ وبنات الأخت. والسبع المحرمات بالصهر والرضاع :الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة، وأمهات النساء والربائب٢ وحلائل الأبناء والجمع بين الأختين، والسابعة " ولا تنكحوا ما نكح آبائكم ". قال الطحاوي :وكل هذا من المحكم المتفق عليه، وغير جائز نكاح واحدة منهن بإجماع إلا أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهن أزواجهن، فإن جمهور السلف ذهبوا إلى أن الأم تحرم بالعقد على الابنة، ولا تحرم الابنة إلا بالدخول بالأم ؛ وبهذا قول جمعي أئمة الفتوى بالأمصار. وقالت طائفة من السلف :الأم والربيبة سواء، لا تحرم منهما واحدة إلا بالدخول بالأخرى. قالوا :ومعنى قوله :" وأمهات نسائكم " أي اللاتي دخلتم بهن. " وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ". وزعموا أن شرط الدخول راجع إلى الأمهات والربائب جميعا. رواه خلاس٣ عن علي بن أبي طالب. وروي عن ابن عباس وجابر وزيد بن ثابت، وهو قول ابن الزبير ومجاهد. قال مجاهد :الدخول مراد في النازلتين، وقول الجمهور مخالف لهذا وعليه الحكم والفتيا، وقد شدد أهل العراق فيه حتى قالوا :لو وطئها بزنى أو قبلها أو لمسها بشهوة حرمت عليه ابنتها. وعندنا وعند الشافعي إنما تحرم بالنكاح الصحيح. والحرام لا يحرم الحلال على ما يأتي. وحديث خلاس عن علي لا تقوم به حجة، ولا تصح روايته عند أهل العلم بالحديث، والصحيح عنه مثل قول الجماعة. قال ابن جريج :قلت لعطاء الرجل ينكح المرأة ثم لا يراها ولا يجامعها حتى يطلقها أو تحل له أمها ؟ قال :لا، هي مرسلة دخل بها أو لم يدخل. فقلت له :أكان ابن عباس يقرأ :" وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن " ؟ قال :لا لا. وروى سعيد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى :" وأمهات نسائكم " قال :هي مبهمة لا تحل بالعقد على الابنة، وكذلك روى مالك في موطئه عن زيد بن ثابت، وفيه :" فقال زيد لا، الأم مبهمة ليس فيها شرط٤ وإنما الشرط في الربائب ". قال ابن المنذر :وهذا هو الصحيح ؛ لدخول جميع أمهات النساء في قوله تعالى :" وأمهات نسائكم ". ويؤيد هذا القول من جهة الإعراب أن الخبرين إذا اختلفا في العامل لم يكن نعتهما واحدا، فلا يجوز عند النحويين مررت بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات، على أن تكون " الظريفات " نعتا لنسائك ونساء زيد، فكذلك الآية لا يجوز أن يكون " اللاتي " من نعتهما جميعا ؛ لأن الخبرين مختلفان، ولكنه يجوز على معنى أعني. وأنشد الخليل وسيبويه :
إن بها أَكْتَلْ أو رِزَامَا خُوَيْرَبَيْنِ ينقفان الهَامَا٥
خويربين يعني لصين، بمعنى أعني. وينقفان :يكسران، نقفت رأسه كسرته. وقد جاء صريحا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم :( إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج البنت ) أخرجه٦ في الصحيحين.
الثانية :وإذا تقرر هذا وثبت فاعلم أن التحريم ليس صفة للأعيان، والأعيان ليست موردا للتحليل والتحريم ولا مصدرا، وإنما يتعلق التكليف بالأمر والنهي بأفعال المكلفين من حركة وسكون، لكن الأعيان لما كانت موردا للأفعال أضيف الأمر والنهي والحكم إليها وعلق بها مجازا على معنى الكناية بالمحل عن الفعل الذي يحل به.
الثالثة :قوله تعالى :" أمهاتكم " تحريم الأمهات عام في كل حال لا يتخصص بوجه من الوجوه ؛ ولهذا يسميه أهل العلم المبهم، أي لا باب فيه ولا طريق إليه لانسداد التحريم وقوته، وكذلك تحريم البنات والأخوات ومن ذكر من المحرمات. والأمهات جمع أمهة ؛ يقال :أم وأمهة بمعنى واحد، وجاء القرآن بهما. وقد تقدم في الفاتحة٧ بيانه. وقيل :إن أصل أم أمهة على وزن فعلة مثل قبرة وحمرة لطيرين، فسقطت وعادت في الجمع. قال الشاعر :
أمَّهَتي خندفٌ والدوس٨ أبي
وقيل :أصل الأم أمة، وأنشدوا :
تقبلتها عن أُمَّةٍ لك طالما تثوب إليها في النوائب أجمعا
ويكون جمعها أمات. قال الراعي :
كانت نجائب مُنْذِرٍ ومُحَرِّقٍ أمَّاتِهنَّ وطَرْقُهُنَّ فَحِيلاَ
فالأم اسم لكل أنثى لها عليك ولادة، فيدخل في ذلك الأم دِنْيَةً٩، وأمهاتها وجداتها وأم الأب وجداته وإن علون. والبنت اسم لكل أنثى لك عليها ولادة، وإن شئت قلت :كل أنثى يرجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو درجات، فيدخل في ذلك بنت الصلب وبناتها وبنات الأبناء وإن نزلن. والأخت اسم لكل أنثى جاورتك في أصليك أو في أحدهما والبنات جمع بنت، والأصل بنية، والمستعمل ابنة وبنت. قال الفراء :كسرت الباء من بنت لتدل الكسرة على الياء، وضمت الألف من أخت لتدل على حذف الواو، فإن أصل أخت أخوة، والجمع أخوات. والعمة اسم لكل أنثى شاركت أباك أو جدك في أصليه أو في أحدهما. وإن شئت قلت :كل ذكر رجع نسبه إليك فأخته عمتك. وقد تكون العمة من جهة الأم، وهي أخت أب أمك. والخالة اسم لكل أنثى شاركت أمك في أصليها أو في أحدهما. وإن شئت قلت :كل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة فأختها خالتك. وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك. وبنت الأخ اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة بواسطة أو مباشرة، وكذلك بنت الأخت. فهذه السبع المحرمات من النسب. وقرأ نافع - في رواية أبي بكر بن أبي أويس - بتشديد الخاء من الأخ إذا كانت فيه الألف واللام مع نقل الحركة.
الرابعة :قوله تعالى :" وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم " وهي في التحريم مثل من ذكرنا ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ). وقرأ عبدالله " وأمهاتكم اللائي " بغير تاء، كقوله تعالى :" واللائي يئسن من المحيض " ١٠ [ الطلاق :٤ ] قال الشاعر :
من اللاء لم يحجُجْنَ يبغين حسبة١١ ولكن ليقتلن البريء المُغَفَّلاَ
" أرضعنكم " فإذا أرضعت المرأة طفلا حرمت عليه لأنها أمه، وبنتها لأنها أخته، وأختها لأنها خالته، وأمها لأنها جدته، وبنت زوجها صاحب اللبن لأنها أخته، وأخته لأنها عمته، وأمه لأنها جدته، وبنات بنيها وبناتها لأنهن بنات إخوته وأخواته.
الخامسة :قال أبو نعيم عبيدالله بن هشام الحلبي :سئل مالك عن المرأة أيحج معها أخوها من الرضاعة ؟ قال :نعم. قال أبو نعيم :وسئل مالك عن امرأة تزوجت فدخل بها زوجها. ثم جاءت امرأة فزعمت أنها أرضعتهما ؟ قال :يفرق بينهما، وما أخذت من شيء له فهو لها، وما بقي عليه فلا شيء عليه. ثم قال مالك :إن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن مثل هذا فأمر بذلك، فقالوا :يا رسول الله، إنها امرأة ضعيفة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( أليس يقال إن فلانا تزوج أخته ) ؟
السادسة :التحريم بالرضاع إنما يحصل إذا اتفق الإرضاع في الحولين، كما تقدم في " البقرة " ١٢. ولا فرق بين قليل الرضاع وكثيره عندنا إذا وصل إلى الأمعاء ولو مصة واحدة. واعتبر الشافعي في الإرضاع شرطين :أحدهما خمس رضعات ؛ لحديث عائشة قالت :كان فيما أنزل الله عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما١٣ يقرأ من القرآن. موضع الدليل منه أنها أثبتت أن العشر نسخن بخمس، فلو تعلق التحريم بما دون الخمس لكان ذلك نسخا للخمس. ولا يقبل على هذا خبر واحد ولا قياس ؛ لأنه لا ينسخ بهما. وفي حديث سهلة١٤ ( أرضعيه خمس رضعات يحرم بهن ). الشرط الثاني :أن يكون في الحولين، فإن كان خارجا عنهما لم يحرم ؛ لقوله تعالى :" حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة " ١٥ [ البقرة :٢٣٣ ]. وليس بعد التمام والكمال شيء. واعتبر أبو حنيفة بعد الحولين ستة أشهر. ومالك الشهر ونحوه. وقال زفر :ما دام يجتزئ باللبن ولم يفطم فهو رضاع وإن أتى عليه ثلاث سنين. وقال الأوزاعي :إذا فطم لسنة واستمر فطامه فليس بعده رضاع. وانفرد الليث بن سعد من بين العلماء إلى أن رضاع الكبير يوجب التحريم، وهو قول عائشة رضي الله عنها، وروي عن أبي موسى الأشعري، وروي عنه ما يدل على رجوعه عن ذلك، وهو ما رواه أبو حصين عن أبي عطية قال :قدم رجل بامرأته من المدينة فوضعت وتورم ثديها، فجعل يمصه ويمجه، فدخل في بطنه جرعة منه ؛ فسأل أبا موسى فقال :بانت منك، وأت ابن مسعود فأخبره، ففعل، فأقبل بالأعرابي إلى أبي موسى الأشعري وقال :أرضيعا ترى هذا الأشمط١٦ ! إنما يحرم من الرضاع ما ينبت اللحم والعظم. فقال الأشعري :لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر بين أظهركم. فقوله :" لا تسألوني " يدل على أنه رجع عن ذلك. واحتجت عائشة بقصة سالم مولى أبي حذيفة وأنه كان رجلا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لسهلة بنت سهيل :( أرضعيه ) خرجه الموطأ وغيره. وشذت طائفة فاعتبرت عشر رضعات ؛ تمسكا بأنه كان فيما أنزل :عشر رضعات. وكأنهم لم يبلغهم الناسخ. وقال داود :لا يحرم إلا بثلاث رضعات، واحتج بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تحرم الإملاجة والإملاجتان )١٧. خرجه مسلم. وهو مروى عن عائشة وابن الزبير، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد، وهو تمسك بدليل الخطاب، وهو مختلف فيه. وذهب من عدا هؤلاء من أئمة الفتوى إلى أن الرضعة الواحدة تحرم إذا تحققت كما ذكرنا، متمسكين بأقل ما ينطلق عليه اسم الرضاع. وعضد هذا بما وجد من العمل عليه بالمدينة وبالقياس على الصهر ؛ بعلة أنه معنى طارئ يقتضي تأبيد التحريم فلا يشترط فيه العدد كالصهر. وقال الليث بن سعد :وأجمع المسلمون على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم في المهد ما يفطر الصائم. قال أبو عمر. لم يقف الليث على الخلاف في ذلك. قلت :وأنص ما في هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم :( لا تحرم المصة ولا المصتان ) أخرجه مسلم في صحيحه. وهو يفسر معنى قوله تعالى :" وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم " أي أرضعنكم ثلاث رضعات فأكثر ؛ غير أنه يمكن أن يحمل على ما إذا لم يتحقق وصوله إلى جوف الرضيع ؛ لقوله :" عشر رضعات معلومات. وخمس رضعات معلومات ". فوصفها بالمعلومات إنما هو تحرز مما يتوهم أو يشك في وصوله إلى الجوف. ويفيد دليل خطابه أن الرضعات إذا كانت غير معلومات لم تحرم. والله أعلم.
وذكر الطحاوي أن حديث الإملاجة والإملاجتين لا يثبت ؛ لأنه مرة يرويه ابن الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومرة يرويه عن عائشة، ومرة يرويه عن أبيه، ومثل هذا الاضطراب يسقطه. وروي عن عائشة أنه لا يحرم إلا سبع رضعات. وروي عنها أنها أمرت أختها " أم
١ في ج: من بين رضاع..
٢ الربائب: واحدتها ربيبة، وربيبة الرجل: بنت امرأته من غيره..
٣ خلاس (بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام). ابن عمرو الهجري..
٤ زيادة عن الموطأ..
٥ أكتل ورزام: رجلان وخويربان أي خاربان، وهما أكتل ورزام..
٦ في ي: أخرجه مسلم..
٧ راجع ج ١ ص ١١٢..
٨ كذا في الأصول. في اللسان والسمين: والياس أبي. والبيت لقصي. وخندف أصل قريش..
٩ يقال: هو ابن عمي دنية ودنيا، منون وغير منون، ودنيا بضم وقصر إذا كان ابن عمه لحا، أي لاصق النسب..
١٠ راجع ج ١٨ ص ١٦٢..
١١ في ج: خشية..
١٢ راجع ج ٣ ص ١٦١..
١٣ في ج و ط: فيما..
١٤ هي سهلة بنت سهيل، امرأة أبي حذيفة بن عتبة. تبنى "سالما" مولى أبي حذيفة؛ فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، كما نرى سالما ولدا، وكان يدخل علي وأنا فضل (أي في ثوب واحد وبعض جسدها منكشف) وليس لنا إلا بيت واحد. فقال لها الرسول صلوات الله عليه: "أرضعيه... الخ". راجع الموطأ..
١٥ راجع ج ٣ ص ١٦٠..
١٦ الشمط: بياض شعر الرأس يخالط سواده. وقيل: اللحية..
١٧ الإملاجة: المرة من الإرضاع. يعنى أن المصة والمصتان لا يحرمان ما يحرمه الرضاع الكامل..
فيه أربع عشرة مسألة :
الأولى :قوله تعالى :" والمحصنات " عطف على المحرمات والمذكورات قبل. والتحصن :التمنع، ومنه الحصن لأنه يمتنع فيه، ومنه قوله تعالى :" وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم " ١ [ الأنبياء :٨٠ ] أي لتمنعكم، ومنه الحصان للفرس ( بكسر الحاء ) لأنه يمنع صاحبه من الهلاك. والحصان ( بفتح الحاء ) :المرأة العفيفة لمنعها نفسها من الهلاك. وحصنت المرأة تحصن فهي حصان، مثل :جبنت فهي جبان. وقال حسان في عائشة رضي الله عنها :
حصان رزان ما تُزَّنُّ بريبة وتصبح غَرْثَى من لحوم الغوافل٢
والمصدر الحصانة ( بفتح الحاء ) والحصن كالعلم٣. فالمراد بالمحصنات ههنا ذوات الأزواج، يقال :امرأة محصنة أي متزوجة، ومحصنة أي حرة، ومنه " والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب " ٤ [ المائدة :٥ ]. ومحصنة أي عفيفة. قال الله تعالى :" محصنات غير مسافحات " [ النساء :٢٥ ] وقال :" محصنين غير مسافحين ". ومحصنة ومحصنة وحصان أي عفيفة، أي ممتنعة من الفسق، والحرية تمنع الحرة مما يتعاطاه العبيد. قال الله تعالى :" والذين يرمون المحصنات " ٥ [ النور :٤ ] أي الحرائر، وكان عرف الإماء في الجاهلية الزنى، ألا ترى إلى قول هند بنت عتبة للنبي صلى الله عليه وسلم حين بايعته :" وهل تزني الحرة " ؟ والزوج أيضا يمنع زوجه من أن تزوج غيره ؛ فبناء ( ح ص ن ) معناه المنع كما بينا. ويستعمل الإحصان في الإسلام ؛ لأنه حافظ ومانع، ولم يرد في الكتاب وورد في السنة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :( الإيمان قيد الفتك )٦. ومنه قول الهذلي :
فليس كعهد الدار يا أم مالك ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل
وقال الشاعر :
قالت هلم إلى الحديث فقلت لا يأبى عليك الله والإسلام
ومنه قول سحيم :
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا٧
الثانية :إذا ثبت هذا فقد اختلف العلماء في تأويل هذه الآية، فقال ابن عباس وأبو قلابة وابن زيد ومكحول والزهري وأبو سعيد الخدري :المراد بالمحصنات هنا المسبيات ذوات الأزواج خاصة، أي هن محرمات إلا ما ملكت اليمين بالسبي من أرض الحرب، فإن تلك حلال للذي تقع في سهمه وإن كان لها زوج. وهو قول الشافعي في أن السباء يقطع العصمة، وقال ابن وهب وابن عبدالحكم ورياه عن مالك، وقال به أشهب. يدل عليه ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس٨ فلقوا العدو فقاتلوهم وظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله عز وجل في ذلك٩ " والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ". أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن. وهذا نص صحيح١٠ صريح في أن الآية نزلت بسبب تحرج أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن وطء المسبيات ذوات الأزواج، فأنزل الله تعالى في جوابهم " إلا ما ملكت أيمانكم ". وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى.
واختلفوا في استبرائها بماذا يكون ؟ فقال الحسن :كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستبرئون المسبية بحيضة، وقد روي ذلك من حديث أبي سعيد الخدري في سبايا أوطاس ( لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض ). ولم يجعل لفراش الزوج السابق أثرا حتى يقال :أن المسبية مملوكة ولكنها كانت زوجة زال نكاحها فتعتد عدة الإماء، على ما نقل عن الحسن بن صالح قال :عليها العدة حيضتان إذا كان لها زوج في دار الحرب. وكافة العلماء رأوا استبراءها واستبراء التي لا زوج لها واحدا في أن الجميع بحيضة واحدة. والمشهور من مذهب مالك أنه لا فرق بين أن يسبى الزوجان مجتمعين أو متفرقين. وروى عنه ابن بكير أنهما إن سبيا جميعا واستبقي الرجل أقرا علي نكاحهما، فرأى في هذه الرواية أن استبقاءه إبقاء لما يملكه ؛ لأنه قد صار له عهد وزوجته من جملة ما يملكه، فلا يحال بينه وبينها، وهو قول أبي حنيفة والثوري، وبه قال ابن القاسم ورواه عن مالك. والصحيح الأول ؛ لما ذكرناه ؛ ولأن الله تعالى قال :( إلا ما ملكت أيمانكم ) فأحال على ملك اليمين وجعله هو المؤثر فيتعلق الحكم به من حيث العموم والتعليل جميعا، إلا ما خصه الدليل. وفي الآية قول ثان قاله عبدالله بن مسعود وسعيد بن المسيب والحسن بن أبي الحسن وأبي بن كعب وجابر بن عبدالله وابن عباس في رواية عكرمة :أن المراد بالآية ذوات الأزواج، أي فهن حرام إلا أن يشتري الرجل الأمة ذات الزوج فإن بيعها طلاقها والصدقة بها طلاقها، وأن تورث طلاقها وتطليق الزوج طلاقها. قال ابن مسعود :فإذا بيعت الأمة ولها زوج فالمشتري أحق ببضعها وكذلك المسبية، كل ذلك موجب للفرقة بينها وبين زوجها. قالوا :وإذا كان كذلك فلا بد أن يكون بيع الأمة طلاقا لها ؛ لأن الفرج محرم على اثنين في حال واحدة بإجماع من المسلمين. قلت :وهذا يرده حديث بريرة ؛ لأن عائشة رضى الله عنها اشترت بريرة وأعتقتها ثم خيرها النبي صلى الله عليه وسلم وكانت ذات زوج، وفي إجماعهم على أن بريرة قد خيرت تحت زوجها مغيث بعد أن اشترتها عائشة فأعتقتها لدليل١١ على أن بيع الأمة ليس طلاقها١٢ ؛ وعلى ذلك جماعة فقهاء الأمصار من أهل الرأي والحديث، وألا طلاق لها إلا الطلاق. وقد احتج بعضهم بعموم قوله :إلا ما ملكت أيمانكم " وقياسا على المسبيات. وما ذكرناه من حديث بريرة يخصه ويرده، وأن ذلك إنما هو خاص بالمسبيات على حديث أبي سعيد، وهو الصواب والحق إن شاء الله تعالى.
وفي الآية قول ثالث :روى الثوري١٣ عن مجاهد عن إبراهيم قال ابن مسعود في قوله تعالى :" والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم " قال :ذوات الأزواج من المسلمين والمشركين. وقال علي بن أبي طالب :ذوات الأزواج من المشركين. وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب " والمحصنات من النساء " هن ذوات الأزواج، ويرجع ذلك إلى أن الله حرم الزنى. وقالت طائفة :المحصنات في هذه الآية يراد به العفائف، أي كل النساء حرام. وألبسهن اسم الإحصان من كان منهن ذات زوج أو غير ذات زوج ؛ إذ الشرائع في أنفسها تقتضي ذلك.
قوله تعالى :" إلا ما ملكت أيمانكم " قالوا :معناه بنكاح أو شراء. هذا قول أبي العالية وعبيدة السلماني وطاوس وسعيد بن جبير وعطاء، ورواه عبيدة عن عمر، فأدخلوا النكاح تحت ملك اليمين، ويكون معنى الآية عندهم في قوله تعالى :" إلا ما ملكت أيمانكم " يعني تملكون عصمتهن بالنكاح وتملكون الرقبة بالشراء، فكأنهن كلهن ملك يمين وما عدا ذلك فزنى، وهذا قول حسن. وقد قال ابن عباس :" المحصنات " العفائف من المسلمين ومن أهل الكتاب. قال ابن عطية :وبهذا التأويل يرجع معنى الآية إلى تحريم الزنى ؛ وأسند الطبري أن رجلا قال لسعيد بن جبير :أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية فلم يقل فيها شيئا ؟ فقال سعيد :كان ابن عباس لا يعلمها. وأسند أيضا عن مجاهد أنه قال :لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل :قوله " والمحصنات " إلى قوله " حكيما ". قال ابن عطية :ولا أدري كيف نسب هذا القول إلى ابن عباس ولا كيف انتهى مجاهد إلى هذا القول ؟
الثالثة :قوله تعالى :" كتاب الله عليكم " نصب على المصدر المؤكد، أي حرمت هذه النساء كتابا من الله عليكم.
ومعنى " حرمت عليكم " كتب الله عليكم. وقال الزجاج والكوفيون :هو نصب على الإغراء، أي الزموا كتاب الله، أو عليكم كتاب الله. وفيه نظر على ما ذكره أبو علي، فإن الإغراء لا يجوز فيه تقديم المنصوب على حرف الإغراء، فلا يقال :زيدا عليك، أو زيدا دونك، بل يقال :عليك زيدا ودونك عمرا، وهذا الذي قاله صحيح على أنه منصوبا ب " عليكم " إشارة إلى ما ثبت في القرآن من قوله تعالى :" مثنى وثلاث ورباع " [ النساء :٣ ] وفي هذا بعد ؛ والأظهر أن قوله :" كتاب الله عليكم " إنما هو إشارة إلى التحريم الحاجز بين الناس وبين ما كانت العرب تفعله.
الرابعة :قوله تعالى :" وأُحِلَّ لكم ما وراء ذلكم " قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص " وأحل لكم " ردا على " حرمت عليكم ". الباقون بالفتح ردا على قوله تعالى :" كتاب الله عليكم ". وهذا يقتضي ألا يحرم من النساء إلا من ذكر، وليس كذلك، فإن الله تعالى قد حرم على لسان نبيه من لم يذكر في الآية فيضم إليها، قال الله تعالى :" وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " ١٤ [ الحشر :٧ ]. روى مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها ). وقال ابن شهاب :فنرى خالة أبيها وعمة أبيها بتلك المنزلة، وقد قيل :إن تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها متلقى من الآية نفسها ؛ لأن الله تعالى حرم الجمع بين الأختين، والجمع بين المرأة وعمتها في معنى الجمع بين الأختين ؛ أو لأن الخالة في معنى الوالدة والعمة في معنى الوالد. والصحيح الأول ؛ لأن الكتاب والسنة كالشيء الواحد ؛ فكأنه قال :أحللت لكم ما وراء ما ذكرنا في الكتاب، وما وراء ما أكملت به البيان على لسان محمد عليه السلام. وقول ابن شهاب :" فنرى خالة أبيها وعمة أبيها بتلك المنزلة " إنما صار إلى ذلك لأنه حمل الخالة والعمة على العموم وتم له ذلك ؛ لأن العمة اسم لكل أنثى شاركت أباك في أصليه أو في أحدهما والخالة كذلك كما بيناه. وفي مصنف أبي داود وغيره عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أخيها ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها ولا تنكح الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى ). وروى أبو داود أيضا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كره أن يجمع بين العمة والخالة وبين العمتين والخالتين. الرواية " لا يجمع " برفع العين على الخبر على المشروعية فيتضمن النهي عن ذلك، وهذا الحديث مجمع على العمل به في تحريم الجمع بين من ذكر فيه بالنكاح. وأجاز الخوارج الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وخالتها١٥، ولا يعتد بخلافهم لأنهم مرقوا من الدين وخرجوا منه، ولأنهم مخالفون للسنة الثابتة. وقوله :( لا يجمع بين العمتين والخالتين ) فقد أشكل على بعض أهل العلم وتحير في معناه حتى حمله على ما يبعد أو لا يجوز ؛ فقال :معنى بين العمتين على المجاز، أي بين العمة وبنت أخيها، فقيل لهما :عمتان، كما قيل :سنة العمرين أبي بكر وعمر ؛ قال :وبين الخالتين مثله. قال النحاس :وهذا من التعسف الذي لا يكاد يسمع بمثله، وفيه أيضا مع التعسف أنه يكون كلاما مكررا لغير فائدة ؛ لأنه إذا كان المعنى نهى أن يجمع بين العمة وبنت أخيها وبين العمتين يعني به العمة وبنت أخيها صار الكلام مكررا لغير فائدة، وأيضا فلو كان كما قال لوجب أن يكون وبين الخالة، وليس كذلك الحديث ؛ لأن الحديث ( نهى أن يجمع بين العمة والخالة ). فالواجب على لفظ الحديث ألا يجمع بين امرأتين إحداهما عمة الأخرى والأخرى خالة الأخرى. قال النحاس :وهذا يخرج على معنى صحيح، يكون رجل وابنه تزوجا
١ راجع ج ١١ ص ٣٢٠..
٢ تزن: تتهم. وغرثى: جائعة. والمراد أنها لا تغتاب غيرها..
٣ في كتب اللغة أنه مثلث الحاء..
٤ راجع ج ٦ ص ٧٥..
٥ راجع ج ١٢ ص ٢٠٩..
٦ الفتك: أن يأتي الرجل صاحبه وهو غار غافل فيشد عليه فيقتله. النهاية..
٧ صدره في الديوان:
عميرة ودع إن تجهزت غاديا
وسيأتي في ج ١٥ ص ٥٢: عن أبي بكر: هريرة ودع..

٨ أوطاس: واد بديار هوازن..
٩ من ب و د و ط و ز..
١٠ من ب و ي..
١١ كذا في د..
١٢ كذا في ب..
١٣ كذا في أ و ي و ح و ز. وفي ب و ج و د و ط: الترمذي عن مجاهد الخ وكلاهما يجانب الصواب إذ مجاهد يروي عن عبد الله لا عن إبراهيم وليست في الترمذي في الآية رواية مجاهد. في الطبري وابن كثير: الأعمش عن إبراهيم عن عبد الله. وفي الطبري أيضا: حماد عن إبراهيم عن عبد الله..
١٤ راجع ج ١٨ ص ١٠..
١٥ لا يصح هذا عنهم لأنه رد للنصوص وهو كفر، إن عنى الإباضية على عادته في إدماجهم في الخوارج وهم برءاء. فالقاعدة عندهم سلفا وخلفا: كل امرأتين لو كانت إحداهما ذكرا لا تحل له الأخرى يحرم الجمع بينهما في العصمة. كما في "كتاب النيل وشرحه" والحديث الأصل في هذا صحيح وأصل عندهم والله يقول: ﴿فتبينوا﴾. راجع الجصاص ج ٢ ص ١٣٤ ففيه خلاف هذا..
فيه إحدى عشرون مسألة :
الأولى :قوله تعالى :" ومن لم يستطع منكم طولا " نبه تعالى على تخفيف في النكاح١ وهو نكاح الأمة لمن لم يجد الطول. واختلف العلماء. في معنى الطول على ثلاثة أقوال :الأول :السعة والغنى. قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي وابن زيد ومالك في المدونة. يقال :طال يطول طولا في الإفضال والقدرة. وفلان ذو طول أي ذو قدرة في مال ( بفتح الطاء ). وطولا ( بضم الطاء ) في ضد القصر. والمراد ههنا القدرة على المهر في قول أكثر أهل العلم، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور. قال أحمد بن المعذل :قال عبدالملك :الطول كل ما يقدر به على النكاح من نقد أو عرض أو دين على ملي. قال :وكل ما يمكن بيعه وإجارته فهو طول. قال :وليست الزوجة ولا الزوجتان ولا الثلاثة طولا. وقال :وقد سمعت ذلك من مالك رضي الله عنه. قال عبدالملك :لأن الزوجة لا ينكح بها ولا يصل بها إلى غيرها إذ ليست بمال. وقد سئل مالك عن رجل يتزوج أمة وهو ممن يجد الطول، فقال :أرى أن يفرق بينهما. قيل له :إنه يخاف العنت. قال :السوط يضرب به. ثم خففه بعد ذلك. القول الثاني :الطول الحرة. وقد اختلف قول مالك في الحرة هل هي طول أم لا ؛ فقال في المدونة :ليست الحرة بطول تمنع من نكاح الأمة، إذا لم يجد سعة لأخرى وخاف العنت. وقال في كتاب محمد ما يقتضي أن الحرة بمثابة الطول. قال اللخمي :وهو ظاهر القرآن. وروي نحو هذا عن ابن حبيب، وقال أبو حنيفة. فيقتضي هذا أن من عنده حرة فلا يجوز له نكاح الأمة لأن عدم السعة وخاف العنت ؛ لأنه طالب شهوة وعنده امرأة، وقال به الطبري واحتج له.
قال أبو يوسف :الطول هو وجود الحرة تحته، فإذا كانت تحته حرة فهو ذو طول، فلا يجوز له نكاح الأمة.
القول الثالث :الطول الجلد والصبر لمن أحب أمة وهويها حتى صار لذلك لا يستطع أن يتزوج غيرها، فإن له أن يتزوج الأمة إذا لم يملك هواها وخاف أن يبغي بها وإن كان يجد سعة في المال لنكاح حرة، هذا قول قتادة والنخعي وعطاء وسفيان الثوري. فيكون قوله تعالى :" لمن خشي العنت " على هذا التأويل في صفة عدم الجلد. وعلى التأويل الأول يكون تزويج الأمة معلقا بشرطين :عدم السعة في المال، وخوف العنت، فلا يصح إلا باجتماعهما. وهذا هو نص مذهب مالك في المدونة من رواية ابن نافع وابن القاسم وابن وهب وابن زياد. قال مطرف وابن الماجشون :لا يحل للرجل أن ينكح أمة، ولا يقران إلا أن يجتمع الشرطان كما قال الله تعالى. وقال أصبغ. وروي هذا القول عن جابر بن عبدالله وابن عباس وعطاء وطاوس والزهري ومكحول، وبه قال الشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق، واختاره ابن المنذر وغيره. فإن وجد المهر وعدم النفقة فقال مالك في كتاب محمد :لا يجوز له أن يتزوج أمة. وقال أصبغ :ذلك جائز ؛ إذ نفقة الأمة على أهلها إذا لم يضمها إليه.
وفي الآية قول رابع :قال مجاهد :مما وسع الله على هذه الأمة نكاح الأمة والنصرانية، وإن كان موسرا. وقال بذلك أبو حنيفة أيضا، ولم يشترط خوف العنت، إذا لم تكن تحته حرة. قالوا :لأن كل مال يمكن أن يتزوج به الأمه يمكن أن يتزوج به الحرة، فالآية على هذا أصل في جواز نكاح الأمة مطلقا. قال مجاهد :وبه يأخذ سفيان، وذلك أني سألته عن نكاح الأمة فحدثني عن ابن أبي ليلى عن المنهال عن عباد بن عبدالله عن علي رضي الله عنه قال :إذا نكحت الحرة على الأمة كان للحرة يومان وللأمة يوم. قال :ولم ير علي به بأسا. وحجة هذا القول عموم قوله تعالى :" وأحل لكم ما وراء ذلكم " [ النساء :٢٤ ]. وقوله تعالى :" ومن لم يستطع منكم طولا " إلى قوله :" ذلك لمن خشي العنت منكم " [ النساء :٢٥ ] ؛ لقوله عز وجل :" فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة " [ النساء :٣ ]. وقد اتفق الجميع على أن للحر أن يتزوج أربعا وإن خاف ألا يعدل. قالوا :وكذلك له تزوج الأمة وإن كان واجدا للطول غير خائف للعنت. وقد روي عن مالك في الذي يجد طولا لحرة أنه يتزوج أمة مع قدرته على طول الحرة، وذلك ضعيف من قوله. وقد قال مرة أخرى :ما هو بالحرام البين، وأجوزه. والصحيح أنه لا يجوز للحر المسلم أن ينكح أمة غير مسلمة بحال، ولا له أن يتزوج بالأمة المسلمة إلا بالشرطين المنصوص عليهما كما بينا. والعنت الزنى، فإن عدم الطول ولم يخش العنت لم يجز له نكاح الأمة، وكذلك إن وجد الطول وخشي العنت.
فإن قدر على طول حرة كتابية وهي المسألة :
الثانية :فهل يتزوج الأمة، اختلف علماؤنا في ذلك، فقيل :يتزوج الأمة فإن الأمة المسلمة لا تلحق بالكافرة، فأمة مؤمنة خير من حرة مشركة. واختاره ابن العربي. وقيل :يتزوج الكتابية ؛ لأن الأمة وإن كانت تفضلها بالإيمان فالكافرة مفضلها بالحرية وهي زوجة. وأيضا فإن ولدها يكون حرا لا يسترق، وولد الأمة يكون رقيقا، وهذا هو الذي يتمشى على أصل المذهب.
الثالثة :واختلف العلماء في الرجل يتزوج الحرة على الأمة ولم تعلم بها، فقالت طائفة :النكاح ثابت. كذلك قال سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وروي عن علي. وقيل :للحرة الخيار إذا علمت. ثم في أي شيء يكون لها الخيار، فقال الزهري وسعيد بن المسيب ومالك وأحمد وإسحاق في أن تقيم معه أو تفارقه. وقال عبدالملك :في أن تقر نكاح الأمة أو تفسخه. وقال النخعي :إذا تزوج الحرة على الأمة فارق الأمة إلا أن يكون له منها ولد ؛ فإن كان لم يفرق بينهما. وقال مسروق :يفسخ نكاح الأمة ؛ لأنه أمر أبيح للضرورة كالميتة، فإذا ارتفعت الضرورة ارتفعت الإباحة.
الرابعة :فإن كانت تحته أمتان علمت الحرة بواحدة منهما ولم تعلم بالأخرى فإنه يكون لها الخيار. ألا ترى لو أن حرة تزوج عليها أمة فرضيت، ثم تزوج عليها أمة فرضيت، ثم تزوج عليها أخرى فأنكرت كان ذلك لها ؛ فكذلك هذه إذا لم تعلم بالأمتين وعلمت بواحدة. قال ابن القاسم :قال مالك :وإنما جعلنا الخيار للحرة في هذه المسائل لما قالت العلماء قبلي. يريد سعيد بن المسيب وابن شهاب وغيرهما. قال مالك :ولولا ما قالوه لرأيته حلالا ؛ لأنه في كتاب الله حلال. فإن لم تكفه الحرة واحتاج إلى أخرى ولم يقدر على صداقها جاز له أن يتزوج الأمة حتى ينتهي إلى أربع بالتزويج بظاهر القرآن. رواه ابن وهب عن مالك. وروى ابن القاسم عنه :يرد نكاحه. قال ابن العربي :والأول أصح في الدليل، وكذلك هو في القرآن، فإن من رضي بالسبب المحقق رضي بالمسبب المرتب عليه، وألا يكون لها خيار ؛ لأنها قد علمت أن له نكاح الأربع، وعلمت أنه إن لم يقدر على نكاح حرة تزوج أمة، وما شرط الله سبحانه عليها كما شرطت على نفسها، ولا يعتبر في شروط الله سبحانه وتعالى علمها. وهذا غاية التحقيق في الباب والإنصاف فيه.
الخامسة :قوله تعالى :" المحصنات " يريد الحرائر ؛ يدل عليه التقسيم بينهن وبين الإماء في قوله :" من فتياتكم المؤمنات ". وقالت فرقة :معناه العفائف. وهو ضعيف ؛ لأن الإماء يقعن تحته فأجازوا نكاح إماء أهل الكتاب، وحرموا البغايا من المؤمنات والكتابيات. وهو قول ابن ميسرة والسدي. وقد اختلف العلماء فيما يجوز للحر الذي لا يجد الطول ويخشى العنت من نكاح الإماء، فقال مالك وأبو حنيفة وابن شهاب الزهري والحارث العكلي٢ :له أن يتزوج أربعا. وقال حماد بن أبي سليمان :ليس له أن ينكح من الإماء أكثر من اثنتين. وقال الشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق :ليس له أن ينكح من الإماء إلا واحدة. وهو قول ابن عباس ومسروق وجماعة، واحتجوا بقوله تعالى :" ذلك لمن خشي العنت منكم " وهذا المعنى يزول بنكاح واحدة.
السادسة :قوله تعالى :" فمن ما ملكت أيمانكم " أي فليتزوج بأمة الغير. ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز له أن يتزوج أمة نفسه ؛ لتعارض الحقوق واختلافها.
السابعة :قوله تعالى :" من فتياتكم " أي المملوكات، وهي جمع فتاة. والعرب تقول للمملوك :فتى، وللمملوكة فتاة. وفي الحديث الصحيح :( لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي ولكن ليقل فتاي وفتاتي ) وسيأتي.
ولفظ الفتى والفتاة يطلق أيضا٣ على الأحرار في ابتداء الشباب، فأما في المماليك فيطلق في الشباب وفي الكبر.
الثامنة :قوله تعالى :" المؤمنات " بين بهذا أنه لا يجوز التزوج بالأمة الكتابية، فهذه الصفة مشترطة عند مالك وأصحابه، والشافعي وأصحابه، والثوري والأوزاعي والحسن البصري والزهري ومكحول ومجاهد. وقالت طائفة من أهل العلم منهم أصحاب الرأي :نكاح الأمة الكتابية جائز.
قال أبو عمر :ولا أعلم لهم سلفا في قولهم، إلا أبا ميسرة عمرو بن شرحبيل فإنه قال :إماء أهل الكتاب بمنزلة الحرائر منهن. قالوا :وقوله " المؤمنات " على جهة الوصف الفاضل وليس بشرط ألا يجوز غيرها ؛ وهذا بمنزلة قوله تعالى :" فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة " فإن خاف ألا يعدل فتزوج أكثر من واحدة جاز، ولكن الأفضل ألا يتزوج ؛ فكذلك هنا الأفضل ألا يتزوج إلا مؤمنة، ولو تزوج غير المؤمنة جاز. واحتجوا بالقياس على الحرائر، وذلك أنه لما لم يمنع قوله :" المؤمنات " في الحرائر من نكاح الكتابيات فكذلك لا يمنع قوله :" المؤمنات " في الإماء من نكاح إماء الكتابيات. وقال أشهب في المدونة :جائز للعبد المسلم أن يتزوج أمة كتابية. فالمنع عنده أن يفضل الزوج في الحرية والدين معا. ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز لمسلم نكاح مجوسية ولا وثنية، وإذا كان حراما بإجماع نكاحهما فكذلك وطؤهما بملك اليمين قياسا ونظرا.
وقد روي عن طاوس ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار أنهم قالوا :لا بأس بنكاح الأمة المجوسية بملك اليمين. وهو قول شاذ مهجور لم يلتفت إليه أحد من فقهاء الأمصار٤. وقالوا :لا يحل أن يطأها حتى تسلم. وقد تقدم القول في هذه المسألة في " البقرة " ٥ مستوفى. والحمد لله.
التاسعة :قوله تعالى :" والله أعلم بإيمانكم " المعنى أن الله عليم ببواطن الأمور ولكم ظواهرها، وكلكم بنو آدم وأكرمكم عند الله أتقاكم، فلا تستنكفوا من التزوج بالإماء عند الضرورة، وإن كانت حديثة عهد بسباء، أو كانت خرساء وما أشبه ذلك. ففي اللفظ تنبيه على أنه ربما كان إيمان أمة أفضل من إيمان بعض الحرائر.
العاشرة :قوله تعالى :" بعضكم من بعض " ابتداء وخبر، كقولك زيد في الدار. والمعنى أنتم بنو آدم. وقيل :أنتم مؤمنون. وقيل :في الكلام تقديم وتأخير ؛ المعنى :ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فلينكح بعضكم من بعض :هذا فتاة هذا، وهذا فتاة هذا. فبعضكم على هذا التقدير مرفوع بفعله وهو فلينكح. والمقصود بهذا الكلام توطئة نفوس العرب التي كانت تستهجن ولد الأمة وتعيره وتسميه الهجين٦، فلما جاء الشرع بجواز نكاحها علموا أن ذلك التهجين لا معنى له، وإنما انحطت الأمة فلم يجز للحر التزوج بها إلا عند الضرورة ؛ لأنه تسبب إلى إرقاق الولد، وأن الأمة لا تفرغ للزوج على الدوام، لأنها مشغولة بخدمة المولى.
الحادية عشرة :قوله تعالى :" فانكحوهن بإذن أهلهن " أي بولاية أربابهن المالكين وإذنهم. وكذلك العبد لا ينكح إلا بإذن س
١ في ب و د و ط و ز و ي: المناكح. وهو جمع كمقعد ومقاعد. وفي ج و أ و ح. النكاح..
٢ العكلى: بالضم والسكون نسبة إلى عكل بطن من تميم..
٣ في ج و ط و ي: في الأحرار..
٤ في ج و ط: من الفقهاء في الأمصار..
٥ راجع ج ٣ ص ٦٩..
٦ الهجين: الذي أبوه عربي وأمه أمة غير محصنة، المبرد: ولد العربي من غير العربية..
أي ليبين لكم أمر دينكم ومصالح أمركم، وما يحل لكم وما يحرم عليكم. وذلك يدل على امتناع خلو واقعة عن حكم الله تعالى، ومنه قوله تعالى :" ما فرطنا في الكتاب من شيء " ١ [ الأنعام :٣٨ ] على ما يأتي. وقال بعد هذا :" يريد الله أن يخفف عنكم " [ النساء :٢٨ ] فجاء هذا " بأن " والأول باللام. فقال الفراء :العرب تعاقب بين لام كي وأن، فتأتي باللام التي على معنى " كي " في موضع " أن " في أردت وأمرت، فيقولون :أردت أن تفعل، وأردت تفعل ؛ لأنهما يطلبان المستقبل. ولا يجوز ظننت لتفعل ؛ لأنك تقول ظننت أن قد قمت. وفي التنزيل " وأمرت لأعدل بينكم " ٢ [ الشورى :١٥ ] " وأمرنا لنسلم لرب العالمين " ٣ [ الأنعام :٧١ ]. " يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم " ٤ [ الصف :٨ ]. " يريدون أن يطفئوا نور الله " ٥ [ التوبة :٣٢ ]. قال الشاعر٦ :
أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثَّلُ لي ليلَى بكل سبيل
يريد أن أنسى. قال النحاس :وخطأ الزجاج هذا القول وقال :لو كانت اللام بمعنى " أن " لدخلت عليها لام أخرى، كما تقول :جئت كي تكرمني، ثم تقول جئت لكي تكرمني. وأنشدنا :
أردت لكيما يعلم الناس أنها سراويل قيس والوفودُ شهودُ٧
قال :والتقدير إرادته ليبين لكم. قال النحاس :وزاد الأمر على هذا حتى سماها بعض القراء لام أن. وقيل :المعنى يريد الله هذا من أجل أن يبين لكم.
قوله تعالى :" ويهديكم سنن الذين من قبلكم " أي من أهل الحق. وقيل :معنى " يهديكم " يبين لكم طرق الذين من قبلكم من أهل الحق وأهل الباطل. وقال بعض أهل النظر :في هذا دليل على أن كل ما حرم الله قبل هذه الآية علينا فقد حرم على من كان قبلنا. قال النحاس :وهذا غلط ؛ لأنه يكون المعنى ويبين لكم أمر من كان قبلكم ممن كان يجتنب ما نهي عنه، وقد يكون ويبين لكم كما بين لمن كان قبلكم من الأنبياء فلا يومي به إلى هذا بعينه. ويقال :إن قوله " يريد الله " ابتداء القصة، أي يريد الله أن يبين لكم كيفية طاعته. " ويهديكم " يعرفكم " سنن الذين من قبلكم " أنهم لما تركوا أمري كيف عاقبتهم، وأنتم إذا فعلتم ذلك لا أعاقبكم٨ ولكني أتوب عليكم. " والله عليم " بمن تاب " حكيم " بقبول التوبة.
١ راجع ج ٦ ص ٤٢٠ و ج ٧ ص ١٩..
٢ راجع ج ١٦ ص ١٣..
٣ راجع ج ٦ ص ٤٢٠ و ج ٧ ص ١٩..
٤ راجع ج ١٨ ص ٨٥..
٥ راجع ج ٨ ص ١٢١..
٦ هو كثير عزة..
٧ البيت لقيس بن عبادة، وبعده:
وألا يقولوا غاب قيس وهذه *** سراويل عادي نمته ثمود
قال ابن سيده: بلغنا أن قيسا طاول روميا بين يدي معاوية أو غيره من الأمراء فتجرد من سراويله وألقاها إلى الرومي ففضلت عنه، فقال هذين البيتين يعتذر من إلقاء سراويله في المشهد المجموع. (عن اللسان مادة "سرل")..

٨ في ج: إذ فعلتم ذلك أعاقبكم. وفي ي: لا أكافيكم..
قوله تعالى :" والله يريد أن يتوب عليكم " ابتداء وخبر. و " أن " في موضع نصب ب " يريد "
وكذلك " يريد الله أن يخفف عنكم " ؛ ف " أن يخفف " في موضع نصب ب " يريد " والمعنى :يريد توبتكم، أي يقبلها فيتجاوز عن ذنوبكم ويريد التخفيف عنكم. قيل :هذا في جميع أحكام الشرع، وهو الصحيح. وقيل :المراد بالتخفيف نكاح الأمة، أي لما علمنا ضعفكم عن الصبر عن النساء خففنا عنكم بإباحة الإماء قاله مجاهد وابن زيد وطاوس. قال طاوس :ليس يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء. واختلف في تعيين المتبعين للشهوات، فقال مجاهد :هم الزناة. السدي :هم اليهود والنصارى. وقالت فرقة :هم اليهود خاصة ؛ لأنهم أرادوا أن يتبعهم المسلمون في نكاح الأخوات من الأب. وقال ابن زيد :ذلك على العموم، وهو الأصح. والميل :العدول عن طريق الاستواء ؛ فمن كان عليها أحب أن يكون أمثاله عليها حتى لا تلحقه معرة١.
قوله تعالى :" وخلق الإنسان ضعيفا " نصب على الحال، والمعنى أن هواه يستميله وشهوته وغضبه يستخفانه، وهذا أشد الضعف فأحتاج إلى التخفيف. وقال طاوس :ذلك في أمر النساء خاصة. وروي عن ابن عباس أنه قرأ " وخلق الإنسان ضعيفا " أي وخلق الله الإنسان ضعيفا، أي لا يصبر عن النساء. قال ابن المسيب :لقد أتى علي ثمانون سنة وذهبت إحدى عيني وأنا أعشو٢ بالأخرى وصاحبي أعمى أصم - يعني ذكره - وإني أخاف من فتنة النساء. ونحوه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال عبادة :ألا تروني لا أقوم إلا رفدا٣ ولا آكل إلا ما لوق لي - قال يحيى :يعني لين وسخن - وقد مات صاحبي منذ زمان - قال يحيى :يعني ذكره - وما يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي، وأن لي ما تطلع عليه الشمس مخافة أن يأتيني الشيطان فيحركه علي، إنه لا سمع له ولا بصر.
١ في ط و ي: وفي معناه قيل: ثم بياض في ي. ولم يأت بمقول القول، ولعله أراد أن يقول: "وخلق الإنسان" الآية جملة حالية..
٢ في البحر :وأنا أعشق..
٣ أي إلا أن أعان على القيام..
فيه تسع مسائل :
الأولى :قوله تعالى :" بالباطل " أي بغير حق. ووجوه ذلك تكثر على ما بيناه، وقد قدمنا معناه في البقرة١. ومن أكل المال بالباطل٢ بيع العربان، وهو أن يأخذ منك السلعة أو يكتري منك الدابة ويعطيك درهما فما فوقه، على أنه إن اشتراها أو ركب الدابة فهو من ثمن السلعة أو كراء الدابة ؛ وإن ترك ابتياع السلعة أو كراء الدابة فما أعطاك فهو لك. فهذا لا يصلح ولا يجوز عند جماعة فقهاء الأمصار من الحجازيين والعراقيين ؛ لأنه من باب بيع القمار والغرر والمخاطرة، وأكل المال بالباطل بغير عوض ولا هبة، وذلك باطل بإجماع. وبيع العربان مفسوخ٣ إذا وقع على هذا الوجه قبل القبض وبعده، وترد السلعة إن كانت قائمة، فإن فاتت رد قيمتها يوم قبضها. وقد روي عن قوم منهم ابن سيرين ومجاهد ونافع بن عبدالحارث وزيد بن أسلم أنهم أجازوا بيع العربان على ما وصفنا. وكان زيد بن أسلم يقول :أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو عمر :هذا لا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه يصح، وإنما ذكره عبدالرزاق عن الأسلمي عن زيد بن أسلم مرسلا، وهذا ومثله ليس حجة. ويحتمل أن يكون بيع العربان الجائز على ما تأوله مالك والفقهاء معه ؛ وذلك أن يعربنه ثم يحسب عربانه من الثمن إذا اختار تمام البيع. وهذا لا خلاف في جوازه عن مالك وغيره.
وفي موطأ مالك عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نهى عن بيع العربان ). قال أبو عمر :قد تكلم الناس في الثقة عنده في هذا الموضع، وأشبه ما قيل فيه :أنه أخذه عن ابن لهيعة أو عن ابن وهب عن ابن لهيعة ؛ لأن ابن لهيعة سمعه من عمرو بن شعيب ورواه عنه. حدث به عن ابن لهيعة ابن وهب وغيره، وابن لهيعة أحد العلماء إلا أنه يقال :إنه احترقت كتبه فكان إذا حدث بعد ذلك من حفظه غلط. وما رواه عنه ابن المبارك وابن وهب فهو عند بعضهم صحيح. ومنهم من يضعف حديثه كله، وكان عنده علم واسع وكان كثير الحديث، إلا أن حاله عندهم كما وصفنا.
الثانية :قوله تعالى :" إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم " هذا استثناء منقطع، أي ولكن تجارة عن تراض. والتجارة هي البيع والشراء ؛ وهذا مثل قوله تعالى :" وأحل الله البيع وحرم الربا " [ البقرة :٢٧٥ ] على ما تقدم٤. وقرئ " تجارة "، بالرفع أي إلا أن تقع تجارة، وعليه أنشد سيبويه :
فِدىً لبني ذهل بن شيبان ناقتي إذا كان يوم ذو كواكب أشهب
وتسمى هذه كان التامة ؛ لأنها تمت بفاعلها ولم تحتج إلى مفعول. وقرئ " تجارة " بالنصب، فتكون كان ناقصة ؛ لأنها لا تتم بالاسم دون الخبر، فاسمها مضمر فيها، وإن شئت قدرته، أي إلا أن تكون الأموال أموال تجارة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقد تقدم هذا ؛ ومنه قوله تعالى :" وإن كان ذو عسرة " ٥ [ البقرة :٢٨٠ ].
الثالثة :قوله تعالى :" تجارة " التجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة، ومنه الأجر الذي يعطيه البارئ سبحانه العبد عوضا عن الأعمال الصالحة التي هي بعض من فعله ؛ قال الله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم " ٦ [ الصف :١٠ ]. وقال تعالى :" يرجون تجارة لن تبور " ٧ [ فاطر :٢٩ ]. وقال تعالى :" إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم " ٨ [ التوبة :١١١ ] الآية. فسمى ذلك كله بيعا وشراء على وجه المجاز، تشبيها بعقود الأشرية والبياعات التي تحصل بها الأغراض، وهي نوعان :تقلب في الحضر من غير نقلة ولا سفر، وهذا تربص واحتكار قد رغب عنه أولو الأقدار، وزهد فيه ذوو الأخطار.
والثاني تقلب المال بالأسفار ونقله إلى الأمصار، فهذا أليق بأهل المروءة، وأعم جدوى ومنفعة، غير أنه أكثر خطرا وأعظم غررا. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إن المسافر وماله لعلى قَلَتٍِ٩ إلا ما وقى الله ). يعني على خطر. وقيل :في التوراة يا ابن آدم، أحدث سفرا أحدث لك رزقا. الطبري :وهذه الآية أدل دليل على فساد قول١٠.
الرابعة :اعلم أن كل معاوضة تجارة على أي وجه كان العوض إلا أن قوله " بالباطل " أخرج منها كل عوض لا يجوز شرعا من ربا أو جهالة أو تقدير عوض فاسد كالخمر والخنزير وغير ذلك. وخرج منها أيضا كل عقد جائز لا عوض فيه، كالقرض والصدقة والهبة لا للثواب. وجازت عقود التبرعات بأدلة أخرى مذكورة في مواضعها. فهذان طرفان متفق عليهما. وخرج منها أيضا دعاء أخيك إياك إلى طعامه. روى أبو داود عن ابن عباس في قوله تعالى :" لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم " فكان الرجل يحرج أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الآية، فنسخ ذلك بالآية الأخرى التي في " النور "، فقال :" ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم " [ النور :٦١ ] إلى قوله " أشتاتا " ١١ ؛ فكان الرجل الغني يدعو الرجل من أهله إلى طعامه فيقول :إني لأجنح أن آكل منه - والتجنح الحرج ويقول :المسكين أحق به مني. فأحل في ذلك أن يأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، وأحل طعام أهل الكتاب.
الخامسة :لو اشتريت من السوق شيئا، فقال لك صاحبه قبل الشراء :ذقه وأنت في حل، فلا تأكل منه ؛ لأن إذنه بالأكل لأجل الشراء، فربما لا يقع بينكما شراء١٢ فيكون ذلك شبهة، ولكن لو وصف لك صفة فاشتريته فلم تجده على تلك الصفة فأنت بالخيار.
السادسة :والجمهور على جواز الغبن في التجارة، مثل أن يبيع رجل ياقوتة بدرهم وهي تساوي مائة فذلك جائز، وأن المالك الصحيح الملك جائز له أن يبيع ماله الكثير بالتافه اليسير، وهذا ما لا اختلاف فيه بين العلماء إذا عرف قدر ذلك، كما تجوز الهبة لو وهب. واختلفوا فيه إذا لم يعرف قدر ذلك، فقال قوم :عرف قدر ذلك أو لم يعرف فهو جائز إذا كان رشيدا حرا بالغا. وقالت فرقة :الغبن إذا تجاوز الثلث مردود، وإنما أبيح منه المتقارب المتعارف في التجارات، وأما المتفاحش الفادح فلا. وقال ابن وهب من أصحاب مالك رحمه الله. والأول أصح ؛ لقوله عليه السلام في حديث الأمة الزانية. ( فليبعها ولو بضفير ) وقوله عليه السلام لعمر :( لا تبتعه يعني القرس - ولو أعطاكه بدرهم واحد ) وقوله عليه السلام :( دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض ) وقوله عليه السلام :( لا يبغ حاضر لباد )١٣ وليس فيها تفصيل١٤ بين القليل والكثير من ثلث ولا غيره.
السابعة :قوله تعالى :" عن تراض منكم " أي عن رضى، إلا أنها جاءت من المفاعلة إذ التجارة من اثنين. واختلف العلماء في التراضي، فقالت طائفة :تمامه وجزمه بافتراق الأبدان بعد عقدة البيع، أو بأن يقول أحدهما لصاحبه :اختر، فيقول :قد اخترت، وذلك بعد العقدة أيضا فينجزم أيضا وإن لم يتفرقا. قاله جماعة من الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي والثوري والأوزاعي والليث وابن عيينة وإسحاق وغيرهم. قال الأوزاعي :هما بالخيار ما لم يتفرقا، إلا بيوعا ثلاثة :بيع السلطان المغانم، والشركة في الميراث، والشركة في التجارة، فإذا صافقه في هذه الثلاثة فقد وجب البيع وليسا فيه بالخيار. وقال :وحد التفرقة أن يتوارى كل واحد منهما عن صاحبه، وهو قول أهل الشام. وقال الليث :التفرق أن يقوم أحدهما. وكان أحمد بن حنبل يقول :هما بالخيار أبدا ما لم يتفرقا بأبدانهما، وسواء قالا :اخترنا أو لم يقولاه حتى يفترقا بأبدانهما من مكانهما، وقال الشافعي أيضا. وهو الصحيح في هذا الباب للأحاديث الواردة في ذلك. وهو مروي عن ابن عمر وأبي برزة وجماعة من العلماء. وقال مالك وأبو حنيفة :تمام البيع هو أن يعقد البيع بالألسنة فينجزم العقد بذلك ويرتفع الخيار. قال محمد بن الحسن :معنى قوله في الحديث ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ) أن البائع إذا قال :قد بعتك، فله أن يرجع ما لم يقل المشتري قد قبلت. وهو قول أبي حنيفة، ونص مذهب مالك أيضا، حكاه ابن خويز منداد. وقيل :ليس له أن يرجع. وقد مضى في " البقرة " ١٥. واحتج الأولون بما ثبت من حديث سمرة بن جندب وأبي برزة وابن عمر وعبدالله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وحكيم بن حزام وغيرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه اختر ). رواه أيوب عن نافع عن ابن عمر ؛ فقوله عليه السلام في هذه الرواية :( أو يقول أحدهما لصاحبه اختر ) هو معنى الرواية الأخرى ( إلا بيع الخيار ) وقوله :( إلا أن يكون بيعهما عن خيار ) ونحوه. أي يقول أحدهما بعد تمام البيع لصاحبه :اختر إنفاذ البيع أو فسخه، فإن اختار إمضاء البيع تم البيع بينهم وإن لم يتفرقا. وكان ابن عمر وهو راوي الحديث إذا بايع أحدا وأحب أن ينفذ البيع مشى قليلا ثم رجع. وفي الأصول :إن من روى حديثا فهو أعلم بتأويله، لا سيما الصحابة إذ هم أعلم بالمنال وأقعد بالحال. وروى أبو داود والدارقطني عن أبي الوضيء١٦ قال :كنا في سفر في عسكر فأتى رجل معه فرس فقال له رجل منا :أتبيع هذا الفرس بهذا الغلام ؟ قال :نعم، فباعه ثم بات معنا، فلما أصبح قام إلى فرسه، فقال له صاحبنا :مالك والفرس ! أليس قد بعتنيها ؟ فقال :ما لي في هذا البيع من حاجة. فقال :مالك ذلك، لقد بعتني. فقال لهما القوم :هذا أبو برزة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتياه ؛ فقال لهما :أترضيان بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالا :نعم. فقال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ) وإني لا أراكما افترقتما. فهذان صحابيان قد علما مخرج الحديث وعملا بمقتضاه، بل هذا كان عمل الصحابة. قال سالم :قال ابن عمر :كنا إذا تبايعنا كان كل واحد منا بالخيار ما لم يفرق المتبايعان. قال :فتبايعت أنا وعثمان فبعته مالي بالوادي بمال له بخيبر ؛ قال :فلما بعته طفقت أنكص القهقرى، خشية أن يرادني عثمان البيع قبل أن أفارقه. أخرجه الدارقطني ثم قال :إن أهل اللغة فرقوا بين فرقت مخففا وفرقت مثقلا ؛ فجعلوه بالتخفيف في الكلام وبالتثقيل في الأبدان. قال أحمد بن يحيى ثعلب :أخبرني ابن الأعرابي عن المفضل قال :يقال فرقت بين الكلامين مخففا فافترقا وفرقت بين اثنين مشددا فتفرقا ؛ فجعل الافتراق في القول، والتفرق في الأبدان. احتجت المالكية بما تقدم بيانه في آية الدين، وبقوله تعالى :" أوفوا بالعقود " ١٧ [ المائدة :١ ] وهذان قد تعاقدا. وفي هذا الحديث إبطال الوفاء بالعقود. قالوا :وقد يكون التفرق بالقول كعقد النكاح ووقوع الطلاق الذي قد سماه الله فراقا ؛ قال الله تعالى :" وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته " ١٨ [ النساء :١٣٠ ] وقال تعالى :" ولا تكونوا كالذين تفرقوا١٩ " [ آل عمران :١٠٥ ] وقال عليه السلام :( تفترق أمتي ) ولم يقل بأبدانها. وقد روى الدارقطني وغيره عن عمرو بن شعيب قال :سمعت شعيبا يقول :سمعت عبدالله بن عمرو يقول :سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :( أيما رجل ابتاع من رجل بيعة فإن كل واحد منهما بالخيار حتى يتفرقا من مكانهما إلا أن تكون صفقة خيار فلا يحل لأحدهما أن يفارق صاحبه مخافة أن يقيله ). قالوا :فهذا يدل على أنه قد تم البيع بينه
١ راجع ج ٢ ص ٣٣٨..
٢ من ب و ط و ج ود..
٣ كذا في ي وفي غيرها: منسوخ..
٤ راجع ج ٣ ص ٣٥٦ و ص ٣٧١..
٥ راجع ج ٣ ص ٣٥٦ و ص ٣٧١..
٦ راجع ج ١٨ ص ٨٦..
٧ راجع ج ١٤ ص ٣٤٥..
٨ راجع ج ٨ ص ٢٦٦..
٩ نسب صاحب اللسان هذه العبارة إلى أعرابي. راجع مادة (قلت). والقلت بالتحريك الهلاك..
١٠ بياض بالأصول. وفي الطبري: "ففي هذه الآية إبانة من الله تعالى ذكره عن تكذيب قول المتصوفة المنكرين طلب الأقوات بالتجارات والصناعات والله تعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم" اكتسابا أحل ذلك لها. راجع الطبري في تفسير الآية وسيأتي في ص ١٥٦.
١١ راجع ج ١٢ ص ٣١١..
١٢ في ط و ج: بيع..
١٣ الحاضر: المقيم في المدن والقرى، والبادي: المقيم بالبادية. والمنهي عنه أن يأتي البدوي البلدة ومعه قوت يبغي التسارع إلى بيعه رخيصا، فيقول له الحضري: اتركه عندي لأغالي في بيعه. فهذا الصنيع محرم لما فيه من الإضرار بالغير. والبيع إذا جرى مع المغالاة منعقد. وسئل ابن عباس عن معنى الحديث فقال: لا يكون له سمسارا (عن ابن الأثير)..
١٤ في ط و ي و ب: تفضيل..
١٥ راجع ج ٣ ص ٣٥٧..
١٦ أبو الوضيء (بفتح الواو وكسر المعجمة المخففة مهموز): عباد بن نسيب. (عن التهذيب)..
١٧ راجع ج ٦ ص ٣١..
١٨ راجع ص ٤٠٨ من هذا الجزء..
١٩ راجع ج ٤ ص ١٦٦..
قوله :" ذلك " إشارة إلى القتل ؛ لأنه أقرب مذكور ؛ قاله عطاء. وقيل :هو عائد إلى أكل المال بالباطل وقتل النفس ؛ لأن النهي عنهما جاء متسقا مسرودا، ثم ورد الوعيد حسب النهي. وقيل :هو عام على كل ما نهى عنه من القضايا، من أول السورة إلى قوله تعالى :" ومن يفعل ذلك ". وقال الطبري :" ذلك " عائد على ما نهى عنه من آخر وعيد، وذلك قوله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها " [ النساء :١٩ ] لأن كل ما نهى عنه من أول السورة قرن به وعيد، إلا من قوله :" يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم " فإنه لا وعيد بعده إلا قوله :" ومن يفعل ذلك عدوانا " [ النساء ١٠ ]. والعدوان تجاوز الحد. والظلم وضع الشيء في غير موضعه، وقد تقدم١. وقيد الوعيد بذكر العدوان والظلم ليخرج منه فعل السهو والغلط، وذكر العدوان والظلم مع تقارب معانيهما لاختلاف ألفاظهما، وحسن ذلك في الكلام كما قال :وألفى قولها كذبا ومينا٢
وحسن العطف لاختلاف اللفظين، يقال :بعدا وسحقا ؛ ومنه قول يعقوب :" إنما أشكو بثي وحزني إلى الله " ٣ [ يوسف :٨٦ ]. فحسن ذلك لاختلاف اللفظ. و " نصليه " معناه نمسه حرها. وقد بينا معنى الجمع بين هذه الآي وحديث أبي سعيد الخدري في العصاة وأهل الكبائر لمن أنفذ عليه الوعيد، فلا معنى لإعادة ذلك. وقرأ الأعمش والنخعي " نصليه " بفتح النون، على أنه منقول من صلي نارا، أي أصليته، وفي الخبر " شاة مصلية ". ومن ضم النون منقول بالهمزة، مثل طعمت وأطعمت.
١ راجع المسألة الثالثة عشرة ج ١ ص ٣٠٩..
٢ هذا عجز بيت لعدي بن زيد، وصدره:
فقددت الأديم لراهشيه.

٣ راجع ج ٩ ص ٢٤٩..
فيه مسألتان :
الأولى :لما نهى تعالى في هذه السورة عن آثام هي كبائر، وعد على اجتنابها التخفيف من الصغائر، ودل هذا على أن في الذنوب كبائر وصغائر. وعلى هذا جماعة أهل التأويل وجماعة الفقهاء، وأن اللمسة والنظرة تكفر باجتناب الكبائر قطعا بوعده الصدق وقوله الحق، لا أنه يجب عليه ذلك. ونظير الكلام في هذا ما تقدم بيانه في قبول التوبة في قوله تعالى :" إنما التوبة على الله " [ النساء :١٧ ]، فالله تعالى يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، لكن بضميمة أخرى إلى الاجتناب وهي إقامة الفرائض.
روى مسلم عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر. وروى أبو حاتم البستي إلى صحيح مسنده عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر ثم قال :( والذي نفسي بيده ) ثلاث مرات، ثم سكت فأكب كل رجل منا يبكي حزينا ليمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال :( ما من عبد يؤدي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له ثمانية أبواب من الجنة يوم القيامة حتى إنها لتصفق ) ثم تلا " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ". فقد تعاضد الكتاب وصحيح السنة بتكفير الصغائر قطعا كالنظر وشبهه. وبينت السنة أن المراد ب " تجتنبوا " ليس كل الاجتناب لجميع الكبائر. والله أعلم.
وأما الأصوليون فقالوا :لا يجب على القطع تكفير الصغائر باجتناب الكبائر، وإنما محمل ذلك على غلبة الظن وقوة الرجاء والمشيئة ثابتة. ودل على ذلك أنه لو قطعنا لمجتنب الكبائر وممتثل الفرائض تكفير صغائره قطعا لكانت له في حكم المباح الذي يقطع بألا تباعة فيه، وذلك نقض لعرى الشريعة. ولا صغيرة عندنا.
قال القشيري عبدالرحيم :والصحيح أنها كبائر ولكن بعضها أعظم وقعا من بعض، والحكمة في عدم التمييز أن يجتنب العبد جميع المعاصي.
قلت :وأيضا فإن من نظر إلى نفس المخالفة كما قال بعضهم :- لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر من عصيت - كانت الذنوب بهذه النسبة كلها كبائر، وعلى هذا النحو يخرج كلام القاضي أبي بكر بن الطيب والأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني وأبي المعالي وأبي نصر عبدالرحيم القشيري وغيرهم ؛ قالوا :وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال الزنى صغيرة بإضافته إلى الكفر، والقبلة المحرمة صغيرة بالنسبة إلى الزنى، ولا ذنب عندنا يغفر باجتناب ذنب آخر، بل كل ذلك كبيرة ومرتكبه في المشيئة غير الكفر، لقوله تعالى :" إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " [ النساء :٤٨ ] واحتجوا بقراءة من قرأ " إن تجتنبوا كبير ما تنهون عنه " على التوحيد، وكبير الإثم الشرك. قالوا :وعلى الجمع فالمراد أجناس الكفر. والآية التي قيدت الحكم فترد إليها هذه المطلقات كلها قوله تعالى :" ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ". واحتجوا بما رواه مسلم وغيره عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة ) فقال له رجل :يا رسول الله، وإن كان شيئا يسيرا ؟ قال :( وإن كان قضيبا من أراك ). فقد جاء الوعيد الشديد على اليسير كما جاء على الكثير. وقال ابن عباس :الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب١ أو لعنة أو عذاب. وقال ابن مسعود :الكبائر ما نهى الله عنه في هذه السورة إلى ثلاث وثلاثين آية، وتصديقه قوله تعالى :" إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ". وقال طاوس :قيل لابن عباس الكبائر سبع ؟ قال :هي إلى السبعين أقرب. وقال سعيد بن جبير :قال رجل لابن عباس الكبائر سبع ؟ قال :هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار. وروي عن ابن مسعود أنه قال :الكبائر أربعة :اليأس من روج الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، والشرك بالله، دل عليها القرآن. وروي عن ابن عمر :هي تسع :قتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، ورمي المحصنة، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، والسحر، والإلحاد في البيت الحرام. ومن الكبائر عند العلماء :القمار والسرقة وشرب الخمر وسب السلف الصالح وعدول الحكام عن الحق واتباع الهوى واليمين الفاجرة والقنوط من رحمة الله وسب الإنسان أبويه - بأن يسب رجلا٢ فيسب ذلك الرجل أبويه - والسعي في الأرض فسادا -، إلى غير ذلك مما يكثر تعداده حسب ما جاء بيانها في القرآن، وفي أحاديث خرجها الأئمة، وقد ذكر مسلم في كتاب الإيمان منها جملة وافرة. وقد اختلف الناس في تعدادها وحصرها لاختلاف الآثار فيها.
والذي أقول :إنه قد جاءت فيها أحاديث كثيرة صحاح وحسان لم يقصد بها الحصر، ولكن بعضها أكبر من بعض بالنسبة إلى ما يكثر ضرره، فالشرك أكبر ذلك كله، وهو الذي لا يغفر لنص الله تعالى على ذلك، وبعده اليأس من رحمة الله ؛ لأن فيه تكذيب القرآن ؛ إذ يقول وقوله الحق :" ورحمتي وسعت كل شيء " ٣ [ الأعراف :١٥٦ ] وهو يقول :لا يغفر له ؛ فقد حجر واسعا. هذا إذا كان معتقدا لذلك ؛ ولذلك قال الله تعالى :" إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون " ٤ [ يوسف :٨٧ ]. وبعده القنوط ؛ قال الله تعالى :" ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون " ٥ [ الحجر :٥٦ ]. وبعده الأمن من مكر الله فيسترسل في المعاصي ويتكل على رحمة الله من غير عمل. قال الله تعالى :" أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون " ٦ [ الأعراف :٩٩ ]. وقال تعالى :" وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين " ٧ [ فصلت :٢٣ ]. وبعده القتل ؛ لأن فيه إذهاب النفوس وإعدام الوجود، واللواط فيه قطع النسل، والزنى فيه اختلاط الأنساب بالمياه، والخمر فيه ذهاب العقل الذي هو مناط التكليف، وترك الصلاة والأذان فيه ترك إظهار شعائر الإسلام، وشهادة الزور فيها استباحة الدماء والفروج والأموال، إلى غير ذلك مما هو بين الضرر، فكل ذنب عظم الشرع التوعد عليه بالعقاب وشدده، أو عظم ضرره في الوجود كما ذكرنا فهو كبيرة وما عداه صغيرة. فهذا يربط لك هذا الباب ويضبطه، والله أعلم.
الثانية :قوله تعالى :" وندخلكم مدخلا كريما " قرأ أبو عمرو وأكثر الكوفيين " مدخلا " بضم الميم، فيحتمل أن يكون مصدرا، أي إدخالا، والمفعول محذوف أي وندخلكم الجنة إدخالا. ويحتمل أن يكون بمعنى المكان فيكون مفعولا. وقرأ أهل المدينة بفتح الميم، فيجوز أن يكون مصدر دخل وهو منصوب بإضمار فعل، التقدير وندخلكم فتدخلون مدخلا، ودل الكلام عليه. ويجوز أن يكون اسم مكان فينتصب على أنه مفعول به٨، أي وندخلكم مكانا كريما وهو الجنة. وقال أبو سعيد بن الأعرابي :سمعت أبا داود السجستاني يقول :سمعت أبا عبدالله أحمد بن حنبل يقول :المسلمون كلهم في الجنة، فقلت له :وكيف ؟ قال :يقول الله عز وجل :" إن تجتبوا كبائر ما تنهون، عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما " يعني الجنة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم :( ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ). فإذا كان الله عز وجل يغفر ما دون الكبائر والنبي صلى الله عليه وسلم يشفع في الكبائر فأي ذنب يبقى على المسلمين. وقال علماؤنا :الكبائر عند أهل السنة تغفر لمن أقلع عنها قبل الموت حسب ما تقدم. وقد يغفر لمن مات عليها من المسلمين كما قال تعالى :" ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " [ النساء :٤٨ ] والمراد بذلك من مات على الذنوب، فلو كان المراد من تاب قبل الموت لم يكن للتفرقة بين الإشراك وغيره معنى ؛ إذ التائب من الشرك أيضا مغفور له. وروي عن ابن مسعود أنه قال :خمس آيات من سورة النساء هي أحب إلي من الدنيا جميعا، قوله تعالى :" إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه " وقوله " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر " ٩ [ النساء :٤٨ ] الآية، وقوله تعالى :" ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه " [ النساء :١١٠ ]الآية، وقوله تعالى :" وإن تك حسنة يضاعفها " [ النساء :٤٠ ]، وقوله تعالى :" والذين آمنوا بالله ورسله " ١٠ [ النساء :١٥٢ ]. وقال ابن عباس :ثمان آيات في سورة النساء، هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت :" يريد الله ليبين لكم " [ النساء :٢٦ ]، " والله يريد أن يتوب عليكم " [ النساء :٢٧ ]، " يريد الله أن يخفف عنكم " [ النساء :٢٨ ]، " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم " [ النساء :٣١ ]، الآية، " إن الله لا يغفر أن يشرك به "، " إن الله لا يظلم مثقال ذرة " [ النساء :٤٠ ]، " ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه "، " ما يفعل الله بعذابكم " ١١ [ النساء :١٤٧ ]الآية.
١ في ط: أو غضبه أو لعنته..
٢ كذا في الأصول. وتحقيقه: أن يسب أبوي رجل. كما في الحديث والبحر..
٣ راجع ج ٧ ص ٢٩٦ وص ٢٥٤..
٤ راجع ج ٩ ص ٢٥١..
٥ راجع ج ١٠ ص ٣٦..
٦ راجع ج ٧ ص ٢٩٦ و ص ٢٥٤..
٧ راجع ج ١٥ ص ٣٥٣..
٨ من ب و ج و ط ود..
٩ راجع ص ٢٤٥ من هذا الجزء وص ٣٧٩ و ١٩٥..
١٠ راجع ج ٦ ص ٦..
١١ راجع ص ٤٢٦ من هذا الجزء..
فيه أربع مسائل :
الأولى :روى الترمذي عن أم سلمة أنها قالت :يغزو الرجال ولا يغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث، فأنزل الله تعالى :" ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ". قال مجاهد :وأنزل فيها " إن المسلمين والمسلمات " ١ [ الأحزاب :٣٥ ]، وكانت أم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة. قال أبو عيسى :هذا حديث مرسل، ورواه بضعهم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، مرسل٢ أن أم سلمة قالت كذا٣. وقال قتادة :كان الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان، فلما ورثوا وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين تمنى النساء أن لو جعل أنصباؤهن كأنصباء الرجال. وقال الرجال :إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث ؛ فنزلت، " ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ".
الثانية :قوله تعالى :" ولا تتمنوا " التمني نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل، كالتلهف نوع منها يتعلق بالماضي ؛ فنهى الله سبحانه المؤمنين عن التمني ؛ لأن فيه تعلق البال ونسيان الأجل. وقد اختلف العلماء هل يدخل في هذا النهي الغبطة، وهي أن يتمنى الرجل أن يكون له حال صاحبه وإن لم يتمن زوال حاله. والجمهور على إجازة ذلك :مالك وغيره ؛ وهي المراد عند بعضهم في قوله عليه السلام ( لا حسد إلا في اثنتين رجل أتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل أتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ). فمعنى قوله :" لا حسد " أي لا غبطة أعظم وأفضل من الغبطة في هذين الأمرين. وقد نبه البخاري على هذا المعنى ؛ حيث بوب على هذا الحديث ( باب الاغتباط في العلم والحكمة ) قال المهلب :بين الله تعالى في هذه الآية ما لا يجوز تمنيه، وذلك ما كان من عرض الدنيا وأشباهها. قال ابن عطية :وأما التمني في الأعمال الصالحة فذلك هو الحسن، وأما إذا تمنى المرء على الله من غير أن يقرن أمنيته بشيء مما قدمنا ذكره فذلك جائز، وذلك موجود في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قول :( وددت أن أحيا ثم أقتل ). قلت :هذا الحديث هو الذي صدر به البخاري كتاب التمني في صحيحه، وهو يدل على تمني الخير وأفعال البر والرغبة فيها، وفيه فضل الشهادة على سائر أعمال البر ؛ لأنه عليه السلام تمناها دون غيرها، وذلك لرفيع منزلتها وكرامة أهلها، فرزقه الله إياها ؛ لقوله :( ما زالت أكلة خيبر تعادني الآن أوان قطعت أبهري )٤. وفي الصحيح :( إن الشهيد يقال له تمن فيقول أتمنى أن أرجع إلى الدنيا حتى أقتل في سبيلك مرة أخرى ). وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمنى إيمان أبي طالب وإيمان٥ أبي لهب وصناديد قريش مع علمه بأنه لا يكون ؛ وكان يقول :( واشوقاه إلى إخواني الذين يجيئون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني ). وهذا كله يدل على أن التمني لا ينهى عنه إذا لم يكن داعية إلى الحسد والتباغض، والتمني المنهي عنه في الآية من هذا القبيل، فيدخل فيه أن يتمنى الرجل حال الآخر من دين أو دنيا على أن يذهب ما عند الآخر، وسواء تمنيت مع ذلك أن يعود إليك أو لا. وهذا هو الحسد بعينه، وهو الذي ذمه الله تعالى بقوله :" أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله " ٦ [ النساء : ] ويدخل فيه أيضا خطبة الرجل على خطبة أخيه وبيعه على بيعه ؛ لأنه داعية الحمد والمقت. وقد كره بعض العلماء الغبطة وأنها داخلة في النهي، والصحيح جوازها على ما بينا، وبالله توفيقنا. وقال الضحاك :لا يحل لأحد أن يتمنى مال أحد، ألم تسمع الذين قالوا :" يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون " ٧ [ القصص : ] إلى أن قال :" وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس " [ القصص : ] حين خسف به وبداره وبأمواله " لولا أن من الله علينا لخسف بنا " [ القصص : ] وقال الكلبي :لا يتمن الرجل مال أخيه ولا امرأته ولا خادمه ولا دابته ؛ ولكن ليقل :اللهم ارزقني مثله. وهو كذلك في التوراة، وكذلك قوله في القرآن " واسألوا الله من فضله ". وقال ابن عباس :نهى الله سبحانه أن يتمنى الرجل مال فلان وأهله، وأمر عباده المؤمنين أن يسألوه من فضله. ومن الحجة للجمهور قوله صلى الله عليه وسلم :( إنما الدنيا لأربعة نفر :رجل أتاه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل به رحمه ويعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل، ورجل أتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو صادق النية يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء ) الحديث. . . وقد تقدم. خرجه الترمذي وصححه. وقال الحسن :لا يتمن أحدكم المال وما يدريه لعل هلاكه فيه، وهذا إنما يصح إذا تمناه للدنيا، وأما إذا تمناه للخير فقد جوزه الشرع، فيتمناه العبد ليصل به إلى الرب، ويفعل الله ما يشاء.
الثالثة :قوله تعالى :" للرجال نصيب مما اكتسبوا " يريد من الثواب والعقاب " وللنساء " كذلك ؛ قاله قتادة. فللمرأة الجزاء على الحسنة بعشر أمثالها كما للرجال. وقال ابن عباس :المراد بذلك الميراث. والاكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة، للذكر مثل حظ الأنثيين، فنهى الله عز وجل عن التمني على هذا الوجه لما فيه من دواعي الحسد ؛ ولأن الله تعالى أعلم بمصالحهم منهم، فوضع القسمة بينهم على التفاوت على ما علم من مصالحهم.
الرابعة :قوله تعالى :" واسألوا الله من فضله " روى الترمذي عن عبدالله قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( سلوا الله من فضله فإنه يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج ) وخرج أيضا ابن ماجة عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من لم يسأل الله يغضب عليه ). وهذا يدل على أن الأمر بالسؤال لله تعالى واجب، وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى فنظمه فقال :
الله يغضب إن تركت سؤاله وبُنِيُّ آدم حين يسأل يغضب
وقال أحمد بن المعذل أبو الفضل الفقيه المالكي فأحسن :
التمس الأرزاق عند الذي ما دونه إن سِيلَ من حاجب
من يبغض التارك تَسْأَلَهُ جودا ومن يرضى عن الطالب
ومن إذا قال جرى قوله بغير توقيع إلى كاتب
وقد أشبعنا القول في هذا المعنى في كتاب " قمع الحرص بالزهد والقناعة ". وقال سعيد بن جبير :" واسألوا الله من فضله " العبادة، ليس من أمر الدنيا. وقيل :سلوه التوفيق للعمل بما يرضيه. وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت :سلوا ربكم حتى الشبع، فإنه إن لم ييسره الله عز وجل لم يتيسر. وقال سفيان بن عيينة :لم يأمر بالسؤال إلا ليعطي. وقرأ الكسائي وابن كثير :" وسلوا الله من فضله " بغير همز في جميع القرآن. الباقون بالهمز. " واسألوا الله ". وأصله بالهمز إلا أنه حذفت الهمزة للتخفيف. والله أعلم.
١ راجع ج ١٤ ص ١٨٥..
٢ كذا ورد بالرفع في جميع نسخ الأصل وصحيح الترمذي..
٣ في الترمذي: قالت كذا وكذا..
٤ الأكلة (بالضم) اللقمة. وتعادني: تراجعني ويعاودني ألم سمها في أوقات معلومة. والأبهر: عرق مستبطن في الصلب والقلب متصل به، فإذا انقطع لم تكن معه حياة. وحديث الشاة المسمومة وأكله صلى الله عليه وسلم منها مذكور في غزوة خيبر، فليراجع..
٥ من ج..
٦ راجع ص ٢٥٠ من هذا الجزء..
٧ راجع ج ١٣ ص ٣١٦..
فيه خمس مسائل :
الأولى :بين تعالى أن لكل إنسان ورثة وموالي ؛ فلينتفع كل واحد بما قسم الله له من الميراث، ولا يتمن مال غيره. وروى البخاري في كتاب الفرائض من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس :" ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت١ أيمانكم " قال :كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث الأنصاري المهاجري دون ذوي رحمه ؛ للأخوة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت " ولكل جعلنا موالي " قال :نسختها " والذين عاقدت أيمانكم ". قال أبو الحسن بن بطال :وقع في جميع النسخ " ولكل جعلنا موالي " قال :نسختها " والذين عاقدت أيمانكم ". والصواب أن الآية الناسخة " ولكل جعلنا موالي " والمنسوخة " والذين عاقدت أيمانكم "، وكذا رواه الطبري في روايته. وروي، عن جمهور السلف أن الآية الناسخة لقوله :" والذين عاقدت أيمانكم " قوله تعالى في " الأنفال " :" وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض " ٢ [ الأنفال :٧٥ ]. روي هذا عن ابن عباس وقتادة والحسن البصري ؛ وهو الذي أثبته أبو عبيد في كتاب " الناسخ والمنسوخ " له. وفيها قول آخر رواه الزهري عن سعيد بن المسيب قال :أمر الله عز وجل الذين تبنوا غير أبنائهم في الجاهلية وورثوا في الإسلام أن يجعلوا لهم نصيبا في الوصية ورد الميراث إلى ذوي الرحم والعصبة. وقالت طائفة :قوله تعالى :" والذين عاقدت أيمانكم " محكم وليس بمنسوخ، وإنما أمر الله المؤمنين أن يعطوا الحلفاء أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ذلك. ذكره الطبري عن ابن عباس. " والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم " من النصرة والنصيحة والرفادة٣ ويوصي لهم وقد ذهب الميراث ؛ وهو قول مجاهد والسدي. قلت :واختاره النحاس، ورواه عن سعيد بن جبير، ولا يصح النسخ، فإن الجمع ممكن كما بينه ابن عباس فيما ذكره الطبري، ورواه البخاري عنه في كتاب التفسير. وسيأتي ميراث " ذوي الأرحام " في " الأنفال " ٤ إن شاء الله تعالى.
الثانية :قوله :" كل " في كلام العرب معناها الإحاطة والعموم. فإذا جاءت مفردة فلا بد أن يكون في الكلام حذف عند جميع النحويين، حتى أن بعضهم أجاز مررت بكل، مثل قبل وبعد. وتقدير الحذف :ولكل أحد جعلنا موالي، يعني ورثة. " والذين عاقدت أيمانكم " يعني بالحلف، عن قتادة. وذلك أن الرجل كان يعاقد الرجل فيقول :دمي دمك، وهدمي هدمك٥، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف ثم نسخ.
الثالثة :قوله تعالى :" موالي " أعلم أن المولى لفظ مشترك يطلق على وجوه ؛ فيسمى المعتق مولى والمعتق مولى. ويقال٦ :المولى الأسفل والأعلى أيضا. ويسمى الناصر المولى، ومنه قوله تعالى :" وأن الكافرين لا مولى لهم " ٧ [ محمد :١١ ]. ويسمى ابن العم مولى والجار مولى. فأما قوله تعالى :" ولكل جعلنا موالي " يريد عصبة ؛ لقوله عليه السلام :( ما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر ). ومن العصبات المولى الأعلى لا الأسفل، على قول أكثر العلماء ؛ لأن المفهوم في حق المعتق أنه المنعم على المعتق، كالموجد له، فاستحق ميراثه لهذا المعنى. وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أن المولى الأسفل يرث من الأعلى، واحتج فيه بما روي أن رجلا أعتق عبدا له لهذا الحديث ولم يترك إلا المعتق فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه للغلام المعتق. قال الطحاوي :ولا معارض لهذا الحديث، فوجب القول به ؛ ولأنه إذا أمكن إثبات الميراث للمعتق على تقدير أنه كان كالموجد له، فهو شبيه بالأب، والمولى الأسفل شبيه بالابن، وذلك يقتضي التسوية بينهما في الميراث، والأصل أن الاتصال يعم. وفي الخبر ( مولى القوم منهم ). والذين خالفوا هذا، وهم الجمهور قالوا :الميراث. يستدعي القرابة ولا قرابة، غير أنا أثبتنا للمعتق الميراث بحكم الإنعام على المعتق، فيقتضي مقابلة الإنعام بالمجازاة، وذلك لا ينعكس في المولى الأسفل. وأما الابن فهو أولى الناس بأن يكون خليفة أبيه وقائما مقامه، وليس المعتق صالحا لأن يقوم مقام معتقه، وإنما المعتق قد أنعم عليه فقابله الشرع بأن جعله أحق بمولاه المعتق، ولا يوجد هذا في المولى الأسفل ؛ فظهر الفرق بينهما والله أعلم.
الرابعة :قوله تعالى :" والذين عقدت أيمانكم " روى علي بن كبشة٨ عن حمزة " عقَّدت " بتشديد القاف على التكثير. والمشهور عن حمزة " عقدت أيمانكم " مخففة القاف، وهي قراءة عاصم والكسائي، وهي قراءة بعيدة ؛ لأن المعاقدة لا تكون إلا من اثنين فصاعدا، فبابها فاعل. قال أبو جعفر النحاس :وقراءة حمزة تجوز على غموض في العربية، يكون التقدير فيها والذين عقدتهم أيمانكم الحلف، وتعدى إلى مفعولين، وتقديره :عقدت لهم أيمانكم الحلف، ثم حذفت اللام مثل قوله تعالى :" وإذا كالوهم " ٩ [ المطففين :٣ ] أي كالوا لهم. وحذف المفعول الثاني، كما يقال :كلتك أي كلت لك برا. وحذف المفعول الأول لأنه متصل في الصلة.
الخامسة :قوله تعالى :" فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا " أي قد شهد معاقدتكم إياهم، وهو عز وجل يحب الوفاء.
١ عاقدت قراءة نافع كما هو رسم الأصول، وستأتي قراءة غيره..
٢ راجع ج ٨ ص ٥٨..
٣ الرفد (بكسر الراء): العطاء والصلة..
٤ راجع ج ٨ ص ٥٨..
٥ قوله: هدمي هدمك، أي نحن شيء واحد في النصرة تغضبون لنا ونغضب لكم..
٦ في و و ج و ز: كمثل ويقال. وفي ط: كمثل المولى الأسفل..
٧ راجع ج ١٦ ص ٢٣٤..
٨ كذا في ابن عطية والبحر والأصول إلا: د. فابن كيسة وهو على ابن يزيد بن كيسة. ولعله الصواب كما في طبقات القراء والتاج..
٩ راجع ج ١٩ ص ٢٥٠..
فيه إحدى عشرة مسألة :
الأولى :قوله تعالى :" الرجال قوامون على النساء " ابتداء وخبر، أي يقومون بالنفقة عليهن والذب عنهن، وأيضا فإن فيهم الحكام والأمراء ومن يغزو، وليس ذلك في النساء. يقال :قوام وقيم. والآية نزلت في سعد بن الربيع١ نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن خارجة بن أبي زهير فلطمها ؛ فقال أبوها :يا رسول الله، أفرشته كريمتي فلطمها ! فقال عليه السلام :( لتقتص من زوجها ). فانصرفت مع أبيها لتقتص منه، فقال عليه السلام :( ارجعوا هذا جبريل أتاني ) فأنزل الله هذه الآية، فقال عليه السلام :( أردنا أمرا وأراد الله غيره ). وفي رواية أخرى :( أردت شيئا وما أراد الله خير ). ونقض الحكم الأول. وقد قيل :إن في هذا الحكم المردود نزل " ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه " [ طه :١١٤ ]. ذكر إسماعيل بن إسحاق قال :حدثنا حجاج بن المنهال وعارم بن الفضل - واللفظ. لحجاج - قال حدثنا جرير بن حازم قال :سمعت الحسن يقول :إن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت :إن زوجي لطم وجهي. فقال :( بينكما القصاص )، فأنزل الله تعالى :" ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه " ٢. وأمسك النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل :" الرجال قوامون على النساء ". وقال أبو روق :نزلت في جميلة بنت٣ أبي وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس. وقال الكلبي :نزلت في عميرة بنت محمد بن مسلمة وفي زوجها سعد بن الربيع. وقيل :سببها قول أم سلمة المتقدم. ووجه النظم أنهن تكلمن في تفضيل الرجال على النساء في الإرث، فنزلت " ولا تتمنوا " الآية. ثم بين تعالى أن تفضيلهم عليهن في الإرث لما على الرجال من المهر والإنفاق، ثم فائدة تفضيلهم عائدة إليهن. ويقال :إن الرجال لهم فضيلة في زيادة العقل والتدبير، فجعل لهم حق القيام عليهن لذلك. وقيل :للرجال زيادة قوة في النفس والطبع ما ليس للنساء ؛ لأن طبع الرجال غلب عليه الحرارة واليبوسة، فيكون فيه قوة وشدة، وطبع النساء غلب عليه الرطوبة والبرودة، فيكون فيه معنى اللين والضعف ؛ فجعل لهم حق القيام عليهن بذلك، وبقوله تعالى :" وبما أنفقوا من أموالهم ".
الثانية :ودلت هذه الآية على تأديب الرجال نساءهم، فإذا حفظن حقوق الرجال فلا ينبغي أن يسيء الرجل عشرتها. و " قوام " فعال للمبالغة، من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد. فقيام الرجال على النساء هو على هذا الحد، وهو أن يقوم بتدبيرها وتأديبها وإمساكها في بيتها ومنعها من البروز، وأن عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن معصية، وتعليل ذلك بالفضيلة والنفقة والعقل والقوة في أمر الجهاد والميراث والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد راعى بعضهم في التفضيل اللحية - وليس بشيء ؛ فإن اللحية قد تكون وليس معها شيء مما ذكرنا. وقد مضى الرد على هذا في " البقرة " ٤.
الثالثة :فهم العلماء من قوله تعالى :" وبما أنفقوا من أموالهم " أنه متى عجز عن نفقتها لم يكن قواما عليها، وإذا لم يكن قواما عليها كان لها فسخ العقد ؛ لزوال المقصود الذي شرع لأجله النكاح. وفيه دلالة واضحة من هذا الوجه على ثبوت فسخ النكاح عند الإعسار بالنفقة والكسوة، وهو مذهب مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة :لا يفسخ ؛ لقوله تعالى :" وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة " ٥ [ البقرة :٢٨٠ ] وقد تقدم القول في هذا في هذه السورة.
الرابعة :قوله تعالى :" فالصالحات قانتات حافظات للغيب " هذا كله خبر، ومقصوده الأمر بطاعة الزوج والقيام بحقه في ماله وفي نفسها في حال غيبة الزوج. وفي مسند أبي داود الطيالسي عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( خير النساء التي إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك ) قال :وتلا هذه الآية " الرجال قوامون على النساء " إلى آخر الآية. وقال صلى الله عليه وسلم لعمر :( ألا أخبرك بخير ما يكنزه المرء المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته " أخرجه أبو داود. وفي مصحف ابن مسعود " فالصوالح قوانت حوافظ " ٦. وهذا بناء يختص بالمؤنث. قال ابن جني :والتكسير أشبه لفظا بالمعنى ؛ إذ هو يعطي الكثرة وهي المقصود ههنا. و " ما " في قوله :" بما حفظ الله " مصدرية، أي بحفظ الله لهن. ويصح أن تكون بمعنى الزي، ويكون العائد في " حفظ " ضمير نصب. وفي قراءة أبي جعفر " بما حفظ الله " بالنصب. قال النحاس :الرفع أبين، أي حافظات لمغيب أزواجهن بحفظ الله ومعونته وتسديده٧. وقيل :بما حفظهن الله في مهورهن٨ وعشرتهن. وقيل :بما استحفظهن الله إياه من أداء الأمانات إلى أزواجهن. ومعنى قراءة النصب :بحفظهن الله، أي بحفظهن أمره أو دينه. وقيل في التقدير :بما حفظن الله، ثم وحد الفعل ؛ كما قيل :
فإن الحوادث أودى بها٩
وقيل :المعنى بحفظ الله، مثل حفظت الله.
الخامسة :قوله تعالى :" واللاتي تخافون نشوزهن " اللاتي جمع التي وقد تقدم. قال ابن عباس :تخافون بمعنى تعلمون وتتيقنون. وقيل هو على بابه. والنشوز العصيان، مأخوذ من النشز، وهو ما ارتفع من الأرض. يقال :نشز الرجل ينشز وينشز إذا كان قاعدا فنهض قائما، ومنه قوله عز وجل :" وإذا قيل انشزوا فانشزوا " ١٠ [ المجادلة :١١ ] أي ارتفعوا وانهضوا إلى حرب أو أمر من أمور الله تعالى. فالمعنى :أي تخافون عصيانهن وتعاليهن عما أوجب الله عليهن من طاعة الأزواج. وقال أبو منصور اللغوي :النشوز كراهية كل واحد من الزوجين صاحبه. يقال :نشزت تنشز فهي ناشز بغير هاء. ونشصت تنشص، وهي السيئة للعشرة. وقال ابن فارس :ونشزت المرأة استصعبت على بعلها، ونشز بعلها عليها إذا ضربها وجفاها. قال ابن دريد :نشزت المرأة ونشست ونشصت بمعنى واحد.
السادسة :قوله تعالى :" فعظوهن " أي بكتاب الله ؛ أي ذكروهن ما أوجب الله عليهن من حسن الصحبة وجميل العشرة للزوج، والاعتراف بالدرجة التي له عليها، ويقول :إن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ). وقال :( لا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب )١١. وقال :( أيما امرأة باتت هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح ) في رواية ( حتى تراجع وتضع يدها في يده ). وما كان مثل هذا.
السابعة :قوله تعالى :" واهجروهن في المضاجع " وقرأ ابن مسعود والنخعي وغيرهما " في المضجع " على الإفراد، كأنه اسم جنس يؤدي عن الجمع. والهجر في المضاجع هو أن يضاجعها ويوليها ظهره ولا يجامعها ؛ عن ابن عباس وغيره. وقال مجاهد :جنبوا مضاجعهن ؛ فيتقدر١٢ على هذا الكلام حذف، ويعضده " اهجروهن " من الهجران، وهو البعد ؛ يقال :هجره أي تباعد ونأى عنه. ولا يمكن بعدها إلا بترك مضاجعتها. وقال معناه إبراهيم النخعي والشعبي وقتادة والحسن البصري، ورواه ابن وهب وابن القاسم عن مالك، واختاره ابن العربي وقال :حملوا الأمر على الأكثر الموفي. ويكون هذا القول كما تقول :اهجره في الله. وهذا أصل مالك. قلت :هذا قول حسن، فإن الزوج إذا أعرض عن فراشها فإن كانت محبة للزوج فذلك يشق عليها فترجع للصلاح، وإن كانت مبغضة فيظهر النشوز منها ؛ فيتبين أن النشوز من قبلها. وقيل :" اهجروهن " من الهجر وهو القبيح من الكلام، أي غلظوا١٣ عليهن في القول وضاجعوهن للجماع وغيره ؛ قال معناه سفيان، وروي عن ابن عباس. وقيل :أي شدوهن وثاقا في بيوتهن، من قولهم :هجر البعير أي ربطه بالهجار، وهو حبل يشد به البعير، وهو اختيار الطبري وقدح في سائر الأقوال. وفي كلامه في هذا الموضع نظر. وقد رد عليه القاضي أبو بكر بن العربي في أحكامه فقال :يا لها من هفوة من عالم بالقرآن والسنة ! والذي حمله على هذا التأويل حديث غريب رواه ابن وهب عن مالك أن أسماء بنت أبي بكر الصديق امرأة الزبير بن العوام كانت تخرج حتى عوتب في ذلك. قال :وعتب عليها وعلى ضرتها، فعقد شعر واحدة بالأخرى ثم ضربهما ضربا شديدا، وكانت الضرة أحسن اتقاء، وكانت أسماء لا تتقي فكان الضرب بها أكثر، فشكت إلى أبيها أبي بكر رضي الله عنه فقال لها :أي بنية اصبري فإن الزبير رجل صالح، ولعله أن يكون زوجك في الجنة، ولقد بلغني أن الرجل إذا ابتكر بامرأة تزوجها في الجنة. فرأى الربط والعقد مع احتمال اللفظ مع فعل الزبير فأقدم على هذا التفسير.
وهذا الهجر غايته عند العلماء شهر، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين أسر إلى حفصة فأفشته إلى عائشة، وتظاهرتا عليه. ولا يبلغ به الأربعة الأشهر التي ضرب الله أجلا عذرا للمولي.
الثامنة :قوله تعالى :" واضربوهن " أمر الله أن يبدأ النساء بالموعظة أولا ثم بالهجران، فإن لم ينجعا فالضرب، فإنه هو الذي يصلحها له ويحملها على توفية حقه. والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب غير المبرح، وهو الذي لا يكسر عظما ولا يشين جارحة كاللكزة ونحوها ؛ فإن المقصود منه الصلاح لا غير. فلا جرم إذا أدى إلى الهلاك وجب الضمان، وكذلك القول في ضرب المؤدب غلامه لتعليم القرآن والأدب. وفي صحيح مسلم :( اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح ) الحديث. أخرجه من حديث جابر الطويل في الحج، أي لا يدخلن منازلكم أحدا ممن تكرهونه من الأقارب والنساء الأجانب١٤. وعلى هذا يحمل ما رواه الترمذي وصححه عن عمرو بن الأحوص أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ فقال :( ألا واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان١٥ عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ألا إن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم من تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن ). وقال :هذا حديث حسن صحيح. فقوله :" بفاحشة مبينة " [ النساء :١٩ ] يريد لا يدخلن من يكرهه أزواجهن ولا يغضبنهم. وليس المراد بذلك الزنى ؛ فإن ذلك محرم ويلزم عليه الحد. وقد قال عليه الصلاة والسلام :( اضربوا النساء إذا عصينكم في معروف ضربا غير مبرح ). قال عطاء :قلت لابن عباس ما الضرب غير المبرح ؟ قال بالسواك ونحوه. وروي أن عمر رضي الله عنه ضرب امرأته فعذل في ذلك فقال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( لا يسأل الرجل فيم ضرب أهله ).
التاسعة :قوله تعالى :" فإن أطعنكم " أي تركوا النشوز. " فلا تبغوا عليهن سبيلا " أي لا تجنوا عليهن بقول أو فعل. وهذا نهي عن ظلمهن بعد تقرير الفضل عليهن والتمكين من أدبهن. وقيل :المعنى لا تكلفوهن الحب لكم فإنه ليس إليهن.
العاشرة :قوله تعالى :" إن الله كان عليا كبيرا " إشارة إلى الأزواج بخفض الجناح ولين الجانب، أي إن كنتم تقدرون عليهن فتذكروا قدرة الله ؛ فيده بالقدرة فوق كل يد. فلا يستعلي أحد على امرأته فالله بالمرصاد ؛ فلذلك
١ هو سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرىء القيس الخزرجي عقبي بدري وكان أحد فقهاء الأنصار وكان له زوجتان. (عن أسد الغابة)..
٢ راجع ج ١١ ص ٢٥٠..
٣ في ب و ج و ز و ط: جميلة بنت عبد الله بن أبي. قال في أسد الغابة: وقيل كانت ابنة عبد الله وهو وهم..
٤ راجع ج ٣ ص ١٢٤..
٥ راجع ج ٣ ص ٣٧١..
٦ وفي الشواذ لابن خالويه هي قراءة طلحة بن مصرف..
٧ تسديده في ج و ب و ز و د. من السداد..
٨ كذا في الأصول جميعها، وهو ما ذهب إليه الزجاج كما في الألوسي. وفي النحاس: في أمورهن..
٩ يريد أو دين بها. البحر..
١٠ راجع ج ١٧ ص ٢٩٩..
١١ القتب (محركة) للبعير كالإكاف –برذعة- لغيره. ومعناه الحث لهن على مطاوعة أزواجهن، وأنه لا يسعهن الامتناع في هذه الحال فكيف في غيرها..
١٢ في ج و ز و ي: فيتقرر..
١٣ كذا في الأصول..
١٤ في أ و ح و ز: والأجانب..
١٥ واحدة العواني: الأسيرات أي إنما هن عندكم بمنزلة الأسرى..
فيه خمس مسائل :
الأولى :قوله تعالى :" وإن خفتم شقاق بينهما " قد تقدم معنى الشقاق في " البقرة " ١. فكأن كل واحد من الزوجين يأخذ شقا غير شق صاحبه، أي ناحية غير ناحية صاحبه. والمراد إن خفتم شقاقا بينهما ؛ فأضيف المصدر إلى الظرف كقولك :يعجبني سير الليلة المقمرة، وصوم يوم عرفة. وفي التنزيل :" بل مكر الليل والنهار " ٢ [ سبأ :٣٣ ]. وقيل :إن " بين " أجري مجرى الأسماء وأزيل عنه الظرفية ؛ إذ هو بمعنى حالهما وعشرتهما، أي وإن خفتم تباعد عشرتهما وصحبهما " فابعثوا ". و " ختم " على الخلاف المتقدم٣. قال سعيد بن جبير :الحكم أن يعظها أولا، فإن قبلت وإلا هجرها، فإن هي قبلت وإلا ضربها، فإن هي قبلت وإلا بعث الحاكم حكما من أهله وحكما من أهلها، فينظران ممن الضرر، وعند ذلك يكون الخلع. وقد قيل :له أن يضرب قبل الوعظ. والأول أصح لترتيب ذلك في الآية.
الثانية :والجمهور من العلماء على أن المخاطب بقوله :" وإن خفتم " الحكام والأمراء. وأن قول :" إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما " يعني الحكمين، في قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما. أي إن يرد الحكمان إصلاحا يوفق الله بين الزوجين. وقيل :المراد الزوجان ؛ أي إن يرد الزوجان إصلاحا وصدقا فيما أخبرا به الحكمين " يوفق الله بينهما ". وقيل :الخطاب للأولياء. يقول :" إن خفتم " أي علمتم خلافا بين الزوجين " فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها " والحكمان لا يكونان إلا من أهل الرجل والمرأة ؛ إذ هما أقعد بأحوال الزوجين، ويكونان من أهل العدالة وحسن النظر والبصر بالفقه٤. فإن لم يوجد من أهلهما من يصلح لذلك فيرسل٥ من غيرهما عدلين عالمين ؛ وذلك إذا أشكل أمرهما ولم يدر ممن الإساءة منهما. فأما إن عرف الظالم فإنه يؤخذ له الحق من صاحبه ويجبر على إزالة الضرر. ويقال :إن الحكم من أهل الزوج يخلو به ويقول له :أخبرني بما في نفسك أتهواها أم لا حتى أعلم مرادك ؟ فإن قال :لا حاجة لي فيها خذ لي منها ما استطعت وفرق بيني وبينها، فيعرف أن من قبله النشوز. وإن قال :إني أهواها فأرضها من مالي بما شئت ولا تفرق بيني وبينها، فيعلم أنه ليس بناشز. ويخلو الحكم من جهتها٦ بالمرأة ويقول لها :أتهوين زوجك أم لا ؟ فإن قالت :فرق بيني وبينه وأعطه من مالي ما أراد، فيعلم أن النشوز من قبلها. وإن قالت :لا تفرق بيننا ولكن حثه على أن يزيد في نفقتي ويحسن إلي، علم أن النشوز ليس من قبلها. فإذا ظهر لهما الذي كان النشوز من قبله يقبلان عليه بالعظة والزجر والنهى ؛ فذلك قوله تعالى :" فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ".
الثالثة :قال العلماء :قسمت هذه الآية النساء تقسيما عقليا ؛ لأنهن إما طائعة وإما ناشز، والنشوز إما أن يرجع إلى الطواعية أو لا. فإن كان الأول تركا ؛ لما رواه النسائي أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فكان إذا دخل عليها تقول :يا بني هاشم، والله لا يحبكم قلبي أبدا ! أين الذين أعناقهم كأباريق الفضة ! ترد أنوفهم قبل شفاههم، أين عتبة بن ربيعة، أين شيبة بن ربيعة ؛ فيسكت عنها، حتى دخل عليها يوما وهو برم فقالت له :أين عتبة بن ربيعة ؟ فقال :على يسارك في النار إذا دخلت ؛ فنشرت عليها ثيابها، فجاءت عثمان فذكرت له ذلك، فأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال ابن عباس :لأفرقن بينهما. وقال معاوية :ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف. فأتياهما فوجداهما قد سدا عليهما أبوابهما وأصلحا أمرهما. فإن وجداهما قد اختلفا ولم يصطلحا وتفاقم أمرهما سعيا في الألفة جهدهما، وذكرا بالله وبالصحبة. فإن أنابا ورجعا تركاهما، وإن كانا غير ذلك ورأيا الفرقة فرقا بينهما. وتفريقهما جائز على الزوجين ؛ وسواء وافق حكم قاضي البلد أو خالفه، وكلهما الزوجان بذلك أو لم يوكلاهما. والفراق في ذلك طلاق بائن. وقال قوم :ليس لهما الطلاق ما لم يوكلهما الزوج في ذلك، وليعرفا الإمام، وهذا بناء على أنهما رسولان شاهدان. ثم الإمام يفرق إن أراد ويأمر الحكم بالتفريق. وهذا أحد قولي الشافعي، وبه قال الكوفيون، وهو قول عطاء وابن زيد والحسن، وبه قال أبو ثور. والصحيح الأول ؛ لأن للحكمين التطليق دون توكيل، وهو قول مالك والأوزاعي وإسحاق وروي عن عثمان وعلي وابن عباس، وعن الشعبي والنخعي، وهو قول الشافعي ؛ لأن الله تعالى قال :" فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها " وهذا نص من الله سبحانه بأنهما قاضيان لا وكيلان ولا شاهدان. وللوكيل اسم في الشريعة ومعنى، وللحكم اسم في الشريعة ومعنى ؛ فإذا بين الله كل واحد منهما فلا ينبغي لشاذ - فكيف لعالم - أن يركب معنى أحدهما على الآخر !. وقد روى الدارقطني من حديث محمد بن سيرين عن عبيدة في هذه الآية " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها " قال :جاء رجل وامرأة إلى علي مع كل واحد منهما فئام٧ من الناس فأمرهم فبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، وقال للحكمين :هل تدريان ما عليكما ؟ عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما. فقالت المرأة :رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي. وقال الزوج :أما الفرقة فلا. فقال علي :كذبت، والله لا تبرح حتى تقر بمثل الذي أقرت به. وهذا إسناد صحيح ثابت روي عن علي من وجوه ثابتة عن ابن سيرين عن عبيدة، قال أبو عمر :فلو كانا وكيلين أو شاهدين لم يقل لهما :أتدريان ما عليكما ؟ إنما كان يقول :أتدريان بما وكلتما ؟ وهذا بين. احتج أبو حنيفة بقول علي رضي الله عنه للزوج :لا تبرح حتى ترضى بما رضيت به. فدل على أن مذهبه أنهما لا يفرقان إلا برضا الزوج، وبأن الأصل المجتمع عليه أن الطلاق بيد الزوج أو بيد من جعل ذلك إليه. وجعله مالك ومن تابعه من باب طلاق السلطان على المولى والعنين.
الرابعة :فإن اختلف الحكمان لم ينفذ قولهما ولم يلزم من ذلك شيء إلا ما اجتمعا عليه. وكذلك كل حكمين حكما في أمر، فإن حكم أحدهما بالفرقة ولم يحكم بها الآخر، أو حكم أحدهما بمال وأبى الآخر فليسا بشيء حتى يتفقا. وقال مالك في الحكمين يطلقان ثلاثا قال :تلزم٨ واحدة وليس لهما الفراق بأكثر من واحدة بائنة ؛ وهو قول ابن القاسم. وقال ابن القاسم أيضا :تلزمه الثلاث إن اجتمعا عليها، وقال المغيرة وأشهب وابن الماجشون وأصبغ. وقال ابن المواز :إن حكم أحدهما بواحدة والآخر بثلاث فهي واحدة. وحكى ابن حبيب عن أصبغ أن ذلك ليس بشيء.
الخامسة :ويجزئ إرسال الواحد ؛ لأن الله سبحانه حكم في الزنى بأربعة شهود، ثم قد أرسل. النبي صلى الله عليه وسلم إلى المرأة الزانية أنيسا وحده وقال له :( إن اعترفت فأرجمها ) وكذلك قال عبدالملك في المدونة. قلت :وإذا جاز إرسال الواحد فلو حكم الزوجان واحدا لأجزأ، وهو بالجواز أولى إذا رضيا بذلك، وإنما خاطب الله بالإرسال الحكام دون الزوجين. فإن أرسل الزوجان حكمين وحكما نفذ حكمهما ؛ لأن التحكيم عندنا جائز، وينفذ فعل الحكم في كل مسألة. هذا إذا كان كل واحد منهما عدلا، ولو كان غير عدل قال عبدالملك :حكمه منقوض ؛ لأنهما تخاطرا بما لا ينبغي من الغرر. قال ابن العربي :والصحيح نفوذه ؛ لأنه إن كان توكيلا ففعل الوكيل نافذ، وإن كان تحكيما فقد قدماه على أنفسهما وليس الغرر بمؤثر فيه كما لم يؤثر في باب التوكيل، وباب القضاء مبني على الغرر كله، وليس يلزم فيه معرفة المحكوم عليه بما يؤول إليه الحكم. قال ابن العربي :مسألة الحكمين نص الله عليها وحكم بها عند ظهور الشقاق بين الزوجين، واختلاف ما بينهما. وهي مسألة عظيمة اجتمعت الأمة على أصلها في البعث، وإن اختلفوا في تفاصيل ما ترتب عليه. وعجبا لأهل بلدنا حيث غفلوا عن موجب الكتاب والسنة في ذلك وقالوا :يجعلان على يدي أمين، وفي هذا من معاندة النص ما لا يخفى عليكم، فلا بكتاب الله ائتمروا ولا بالأقيسة اجتزؤوا. وقد ندبت إلى ذلك فما أجابني إلى بعث الحكمين عند الشقاق إلا قاض واحد، ولا بالقضاء باليمين مع الشاهد إلا آخر، فلما ملكني الله الأمر أجريت السنة كما ينبغي. ولا تعجب لأهل بلدنا لما غمرهم٩ من الجهالة، ولكن أعجب لأبي حنيفة ليس للحكمين عنده خبر، بل أعجب مرتين للشافعي فإنه قال :الذي يشبه ظاهر الآية أنه فيما عم الزوجين معا حتى يشتبه فيه حالاهما. قال :وذلك أني وجدت الله عز وجل أذن في نشوز الزوج بأن يصطلحا وأذن في خوفهما ألا يقيما حدود الله بالخلع وذلك يشبه أن يكون برضا المرأة. وحظر أن يأخذ الزوج مما أعطى شيئا إذا أراد استبدال زوج مكان زوج، فلما أمر فيمن خفنا الشقاق بينهما بالحكمين دل على أن حكمهما غير حكم الأزواج، فإذا كان كذلك بعث حكما من أهله وحكما من أهلها، ولا يبعث الحكمين إلا مأمونين برضا الزوجين وتوكيلهما بأن يجمعا أو يفرقا إذا رأيا ذلك. وذلك يدل على أن الحكمين وكيلان للزوجين.
قال ابن العربي :هذا منتهى كلام الشافعي، وأصحابه يفرحون به وليس فيه ما يلتفت إليه ولا يشبه نصابه في العلم، وقد تولى الرد عليه القاضي أبو إسحاق ولم ينصفه في الأكثر. أما قوله :" الذي يشبه ظاهر الآية أنه فيما عم الزوجين " فليس بصحيح بل هو نصه، وهي من أبين آيات القرآن وأوضحها جلاء، فإن الله تعالى قال :" الرجال قوامون على النساء " [ النساء :٣٤ ] - ومن خاف من امرأته نشوزا وعظها، فإن أنابت وإلا هجرها في المضجع، فإن ارعوت وإلا ضربها، فإن استمرت في غلوائها مشى الحكمان إليهما. وهذا إن لم يكن نصا فليس في القرآن بيان. ودعه لا يكون نصا، يكون ظاهرا، فأما أن يقول الشافعي :يشبه الظاهر فلا ندري ما الذي١٠ أشبه الظاهر ؟. ثم قال :" وأذن في خوفهما ألا يقيما حدود الله بالخلع وذلك يشبه أن يكون برضا المرأة، بل يجب أن يكون كذلك وهو نصه ". ثم قال :" فلما أمر بالحكمين علمنا أن حكمهما غير حكم الأزواج، ويجب أن يكون غيره بأن ينفذ عليهما من غير اختيارهما فتتحقق الغيرية. فأما إذا أنفذا عليهما ما وكلاهما به فلم يحكما بخلاف أمرهما فلم تتحقق الغيرية ". وأما قوله " برضى الزوجين وتوكيلهما " فخطأ صراح، فإن الله سبحانه خاطب غير الزوجين إذا خاف الشقاق بين الزوجين بإرسال الحكمين، وإذا كان المخاطب غيرهما كيف يكون ذلك بتوكيلهما، ولا يصح لهما حكم إلا بما اجتمعا عليه.
هذا وجه الإنصاف والتحقيق في الرد عليه. وفي هذه الآية دليل على إثبات التحكيم، وليس كما تقول الخوارج إنه ليس التحكيم لأحد سوى الله تعالى. وهذه كلمة حق ولكن١١ يريدون بها الباطل.
١ راجع ج ١ ص ٤٦٤ و ج ٢ ص ١٤٣..
٢ راجع ج ١٤ ص ٣٠١..
٣ في ص ١١ من هذا الجزء..
٤ في ط: والفقه..
٥ كذا في الأصول فالضمير للحاكم أو الولي..
٦ زيادة من البحر لازمة..
٧ الفئام: الجماعة..
٨ في ط و ج و ي: تكون..
٩ كذا في ابن العربي. وفي الأصول: لما عندهم..
١٠ في د: ما الذي ما أشبه الظاهر..
١١ من ج و ط، ز، د. يريدون ما حكم الله فيه لا غير..
فيه ثمان عشرة مسألة :
الأولى :أجمع العلماء على أن هذه الآية من المحكم المتفق عليه، ليس منها شيء منسوخ. وكذلك هي في جميع الكتب. ولو لم يكن كذلك لعرف ذلك من جهة العقل، وإن لم ينزل به الكتاب. وقد مضى معنى العبودية وهي التذلل والافتقار، لمن له الحكم والاختيار ؛ فأمر الله تعالى عباده بالتذلل له والإخلاص فيه، فالآية أصل في خلوص الأعمال لله تعالى وتصفيتها من شوائب الرياء وغيره. قال الله تعالى " فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " ١ [ الكهف :١١٠ ] حتى لقد قال بعض علمائنا :إنه من تطهر تبردا أو صام محميا لمعدته، ونوى مع ذلك التقرب لم يجزه ؛ لأنه مزج في نية التقرب نية دنياوية وليس لله إلا العمل الخالص، كما قال تعالى :" ألا لله الدين الخالص " ٢ [ الزمر :٣ ]. وقال تعالى :" وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " ٣ [ البينة :٥ ]. وكذلك إذا أحس الرجل بداخل في الركوع وهو إمام لم ينتظره ؛ لأنه يخرج ركوعه بانتظاره عن كونه خالصا لله تعالى. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( قال الله تبارك وتعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ). وروى الدارقطني عن أنس بن مالك قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يجاء يوم القيامة بصحف مختمة فتنصب بين يدي الله تعالى فيقول الله تعالى للملائكة :القوا هذا واقبلوا هذا فتقول الملائكة وعزتك ما رأينا إلا خيرا فيقول الله عز وجل - وهو أعلم - إن هذا كان لغيري ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما كان ابتغي به وجهي ). وروي أيضا عن الضحاك بن قيس الفهري قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الله تعالى يقول أنا خير شريك فمن أشرك معي شريكا فهو لشريكي يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله تعالى فإن الله لا يقبل إلا ما خلص له ولا تقولوا هذا لله وللرحم فإنها للرحم وليس لله منها شيء ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم فإنها لوجوهكم وليس لله تعالى منها شيء ).
مسألة :إذا ثبت هذا فاعلم أن علماءنا رضي الله عنهم قالوا :الشرك على ثلاث مراتب وكله محرم. وأصله اعتقاد شريك لله في ألوهيته، وهو الشرك الأعظم وهو شرك الجاهلية، وهو المراد بقوله تعالى :" إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ". [ النساء :٤٨ ]. ويليه في الرتبة اعتقاد شريك لله تعالى في الفعل، وهو قول من قال :إن موجودا ما غير الله تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده وإن لم يعتقد كونه إلها كالقدرية مجوس هذه الأمة، وقد تبرأ منهم ابن عمر كما في حديث جبريل عليه السلام. ويلي هذه الرتبة الإشراك في العبادة وهو الرياء، وهو أن يفعل شيئا من العبادات التي أمر الله بفعلها له لغيره. وهذا هو الذي سيقت الآيات والأحاديث لبيان تحريمه، وهو مبطل للأعمال وهو خفي لا يعرفه كل جاهل غبي. ورضي الله عن المحاسبي فقد أوضحه في كتابه " الرعاية " وبين إفساده للأعمال. وفي سنن ابن ماجة عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري وكان من الصحابة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمل عمله لله عز وجل أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك ). وفيه عن أبي سعيد الخدري قال :خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر المسيخ الدجال فقال :( ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيخ الدجال ؟ ) قال :فقلنا بلى يا رسول الله. فقال :( الشرك الخفي أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل ). وفيه عن شداد بن أوس قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن أخوف ما أتخوف على أمتي الإشراك بالله أما إني لست أقول يعبدون شمسا ولا قمرا ولا وثنا ولكن أعمالا لغير الله وشهوة خفية ) خرجه الترمذي الحكيم. وسيأتي في آخر الكهف٤، وفيه بيان الشهوة الخفية. وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال :سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهوة الخفية فقال :( هو الرجل يتعلم العلم يحب أن يجلس إليه ). قال سهل بن عبدالله التستري رضي الله عنه :الرياء على ثلاثة وجوه :
أحدها :أن يعقد في أصل فعله لغير الله ويريد به أن يعرف أنه لله، فهذا صنف من النفاق وتشكك في الإيمان.
والآخر :يدخل في الشيء لله فإذا اطلع عليه غير الله نشط، فهذا إذا تاب يزيد أن يعيد جميع ما عمل.
والثالث :دخل في العمل بالإخلاص وخرج به لله فعرف بذلك ومدح عليه وسكن إلى مدحهم، فهذا الرياء الذي نهى الله عنه. قال سهل :قال لقمان لابنه :الرياء أن تطلب ثواب عملك في دار الدنيا، وإنما عمل القوم للآخرة. قيل له :فما دواء الرياء ؟ قال :كتمان العمل، قيل له :فكيف يكتم العمل ؟ قال :ما كلفت إظهاره من العمل فلا تدخل فيه إلا بالإخلاص، وما لم تكلف إظهاره أحب ألا يطلع عليه إلا الله. قال :وكل عمل اطلع عليه الخلق فلا تعده من العمل. وقال أيوب السختياني :ما هو بعاقل من أحب أن يعرف مكانه من عمله.
قلت :قول سهل " والثالث دخل في العمل بالإخلاص " إلى آخره، إن كان سكونه وسروره إليهم لتحصل منزلته في قلوبهم فيحمدوه ويجلوه ويبروه وينال ما يريده منهم من مال أو غيره فهذا مذموم ؛ لأن قلبه مغمور فرحا باطلاعهم عليه، وإن كانوا قد اطلعوا عليه بعد الفراغ. فأما من أطلع الله عليه خلقه وهو لا يحب إطلاعهم عليه فيسر بصنع الله وبفضله عليه فسروره بفضل الله طاعة ؛ كما قال تعالى :" قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون " ٥ [ يونس :٥٨ ]. وبسط هذا وتتميمه في كتاب " الرعاية للمحاسبي "، فمن أراده فليقف عليه هناك. وقد سئل سهل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم ( أني أسر العمل فيطلع عليه فيعجبني ) قال :يعجبه من جهة الشكر لله الذي أظهره الله عليه أو نحو هذا. فهذه جملة كافية في الرياء وخلوص الأعمال. وقد مضى في " البقرة " ٦. حقيقة الإخلاص. والحمد لله.
الثانية :قوله تعالى :" وبالوالدين إحسانا " قد تقدم في صدر هذه السورة أن من الإحسان إليهما عتقهما، ويأتي في " سبحان " ٧ [ الإسراء :١ ] حكم برهما معنى مستوفى. وقرأ ابن أبي عبلة " إحسان " بالرفع أي واجب الإحسان إليهما. الباقون بالنصب، على معنى أحسنوا إليهما إحسانا. قال العلماء :فأحق الناس بعد الخالق المنان بالشكر والإحسان والتزام البر والطاعة له والإذعان من قرن الله الإحسان إليه بعبادته وطاعته وشكره بشكره وهما الوالدان ؛ فقال تعالى :" أن اشكر لي ولوالديك٨. [ لقمان :١٤ ]. وروى شعبة وهشيم الواسطيان عن يعلي بن عطاء عن أبيه عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( رضى الرب في رضى الوالدين وسخطه في سخط الوالدين ".
الثالثة :قوله تعالى :" وبذي القربى واليتامى والمساكين " وقد مضى الكلام فيه في ( البقرة )٩.
الرابعة :قوله تعالى :" والجار ذي القربى والجار الجنب " أما الجار فقد أمر الله تعالى بحفظه والقيام بحقه والوصاة برعي ذمته في كتابه وعلى لسان نبيه. ألا تراه سبحانه أكد ذكره بعد الوالدين والأقربين فقال تعالى :" والجار ذي القربى " أي القريب. " والجار الجنب " أي الغريب ؛ قال ابن عباس، وكذلك هو في اللغة. ومنه فلان أجنبي، وكذلك الجنابة البعد. وأنشد أهل اللغة :
فلا تحرِمَّنِي نائلا عن جنابة فإني امرؤ وسط القباب غريب١٠
وقال الأعشى :
أتيت حُرَيْثاً زائرا عن جنابة فكان حريث١١ عن عطائي جامدا
وقرأ الأعمش والمفضل " والجار الجنب " بفتح الجيم وسكون النون وهما لغتان، يقال :جنب وجنب وأجنب وأجنبي إذا لم يكن بينهما قرابة، وجمعه أجانب. وقيل :على تقدير حذف المضاف، أي والجار ذي الجنب أي ذي الناحية. وقال نوف الشامي :" الجار ذي القربى " المسلم " والجار الجنب " اليهودي والنصراني.
قلت :وعلى هذا فالوصاة بالجار مأمور بها مندوب إليها مسلما كان أو كافرا، وهو الصحيح. والإحسان قد يكون بمعنى المواساة، وقد يكون بمعنى حسن العشرة وكف الأذى والمحاماة دونه. روى البخاري عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ). وروي عن أبي شريح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن ) قيل :يا رسول الله ومن ؟ قال :( الذي لا يأمن جاره بوائقه ) وهذا عام في كل جار. وقد أكد عليه السلام ترك إذايته بقسمه ثلاث مرات، وأنه لا يؤمن الكامل من أذى جاره. فينبغي للمؤمن أن يحذر أذى جاره، وينتهي عما نهى الله ورسوله عنه، ويرغب فيما رضياه وحضا العباد عليه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( الجيران ثلاثة :فجار له ثلاثة حقوق وجار له حقان وجار له حق واحد، فأما الجار الذي له ثلاثة حقوق فالجار المسلم القريب له حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام، والجار الذي له حقان فهو الجار المسلم فله حق الإسلام وحق الجوار، والجار الذي له حق واحد هو الكافر له حق الجوار ).
الخامسة :روى البخاري عن عائشة قالت :قلت يا رسول الله، إن لي جارين فإلى أيهما أهدي، قال :( إلى أقربهما منك بابا ). فذهب جماعة من العلماء إلى أن هذا الحديث يفسر المراد من قوله تعالى :" والجار ذي القربى " وأنه القريب المسكن منك. " والجار الجنب " هو البعيد المسكن منك. واحتجوا بهذا على إيجاب الشفعة للجار، وعضدوه وبقوله عليه السلام :( الجار أحق بصقبه )١٢. ولا حجة في ذلك، فإن عائشة رضي الله عنها إنما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عمن تبدأ به من جيرانها في الهدية فأخبرها أن من قرب بابه فإنه أولى بها من غيره. قال ابن المنذر :فدل هذا الحديث على أن الجار يقع على غير اللصيق. وقد خرج أبو حنيفة عن ظاهر هذا الحديث فقال :إن الجار اللصيق إذا ترك الشفعة وطلبها الذي يليه وليس له جدار إلى الدار ولا طريق لا شفعة فيه له. وعوام العلماء يقولون :إن أوصى الرجل لجيرانه أعطي اللصيق وغيره، إلا أبا حنيفة فإنه فارق عوام العلماء وقال :لا يعطى إلا اللصيق وحده.
السادسة :واختلف الناس في حد الجيرة، فكان الأوزاعي يقول :أربعون دارا من كل ناحية، وقال ابن شهاب. وروي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :إني نزلت محلة قوم وإن أقربهم إلي جوارا أشدهم لي أذى، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعليا يصيحون على أبواب المساجد :ألا إن أربعين دارا جار ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه١٣. وقال علي بن أبي طالب :من سمع النداء فهو جار. وقالت فرقة :من سمع إقامة الصلاة فهو جار ذلك المسجد. وقالت فرقة :من ساكن رجلا في محلة أو مدينة فهو جار. قال الله تعالى :" لئن لم ينته المنافقون " [ الأحزاب :٦٠ ] إلى قوله :" ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا " ١٤ فجعل تعالى اجتماعهم في المدينة جوارا. والجيرة مراتب بعضها الصق من بعض، أدناها الزوجة ؛ كما قال :
أيا جارتا بيني فإنك طالقة١٥
السابعة :ومن إكرام الجار ما رواه مسلم عن أبي ذر قال :قال رسول الله صلى الله عليه و
١ راجع ج ١١ ص ٦٤..
٢ راجع ج ١٥ ص ٢٣٢..
٣ راجع ج ٢٠ ص ١٤٤..
٤ راجع ج ١١ ص ٦٩..
٥ راجع ج ٨ ص ٣٥٣..
٦ راجع ج ٢ ص ١٤٦..
٧ راجع ج ١٠ ص ٢٣٦..
٨ راجع ج ١٤ ص ٦٣..
٩ راجع ج ٢ ص ١٤..
١٠ البيت لعلقمة بن عبدة يخاطب به الحارث بن جبلة يمدحه، وكان قد أسر أخاه شأسا، وأراد بالنائل إطلاق أخيه شأسا من سجنه فأطلقه ومن أسر معه من بني تميم. (عن اللسان)..
١١ كذا في ز، وديوان الأعشى ط أوربا ص ٤٩، وفي تفسير الطبري:
فكان حريث في عطائي جاهدا
وفي باقي الأصول: عن عطائي حامدا..

١٢ الصقب: الملاصقة والقرب، والمراد به الشفعة..
١٣ بوائقه: أي غوائله وشروره، واحدها بائقة، وهي الداهية..
١٤ راجع ج ١٤ ص ٢٤٥..
١٥ هذا صدر بيت للأعشى وعجزه:
كذاك أمور الناس غاد وطارقه.

فيه مسألتان :
الأولى :قوله تعالى :" الذين يبخلون " " الذين " في موضع نصب على البدل من " من " في قوله :" من كان " ولا يكون صفة ؛ لأن " من " و " ما " لا يوصفان ولا يوصف بهما. ويجوز أن يكون في موضع رفع بدلا من المضمر الذي في فخور. ويجوز أن يكون في موضع رفع فيعطف عليه١. ويجوز أن يكون ابتداء والخبر محذوف، أي الذين يبخلون، لهم كذا، أو يكون الخبر " إن الله لا يظلم مثقال ذرة " [ النساء :٤٠ ]. ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار أعني، فتكون الآية في المؤمنين، فتجيء الآية على هذا التأويل أن الباخلين منفية عنهم محبة الله، فأحسنوا أيها المؤمنون إلى من سمي فإن الله لا يحب من فيه الخلال المانعة من الإحسان.
الثانية :قوله تعالى :" يبخلون ويأمرون الناس بالبخل " البخل المذموم في الشرع هو الامتناع من أداء ما أوجب الله تعالى عليه. وهو مثل قوله تعالى :" ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله " [ آل عمران :١٨٠ ] الآية. وقد مضى في " آل عمران " القول في البخل وحقيقته، والفرق بينه وبين الشح مستوفى٢. والمراد بهذه الآية في قول ابن عباس وغيره اليهود، فإنهم جمعوا بين الاختيال والفخر والبخل بالمال وكتمان ما أنزل الله من التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل :المراد المنافقون الذي كان إنفاقهم وإيمانهم تقية، والمعنى إن الله لا يحب كل مختال فخور، ولا الذين يبخلون، على ما ذكرنا من إعرابه.
قوله تعالى :" وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا " فصل تعالى توعد المؤمنين الباخلين من توعد الكافرين بأن جعل الأول عدم المحبة والثاني عذابا مهينا.
١ أي فيعطف عليه قوله تعالى: ﴿والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس﴾ كما في إعراب القرآن للنحاس..
٢ راجع ج ٤ ص ٢٩٠..
فيه مسألتان :
الأولى :قوله تعالى :" والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس " الآية. عطف تعالى على " الذين يبخلون " [ آل عمران :١٨٠ ] :" الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ". وقيل :هو عطف على الكافرين، فيكون في موضع خفض. ومن رأى زيادة الواو أجاز أن يكون الثاني عنده خبرا للأول.
قال الجمهور نزلت في المنافقين :لقوله تعالى :" رئاء الناس " والرئاء من النفاق. مجاهد :في اليهود. وضعفه الطبري ؛ لأنه تعالى نفى عن هذه الصنفة١ الإيمان بالله واليوم الآخر، واليهود ليس كذلك. قال ابن عطية :وقول مجاهد متجه على المبالغة والإلزام ؛ إذ إيمانهم باليوم الآخر كالإيمان من حيث لا ينفعهم. وقيل :نزلت في مطعمي يوم بدر، وهم رؤساء مكة، أنفقوا على الناس ليخرجوا إلى بدر. قال ابن الحربي :ونفقة الرئاء تدخل في الأحكام من حيث إنها لا تجزئ. قلت :ويدل على ذلك من الكتاب قوله تعالى :" قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم " [ التوبة :٥٣ ] وسيأتي٢.
الثانية :قوله تعالى :" ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا " في الكلام إضمار تقديره " ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر " فقرينهم الشيطان " ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا ". والقرين :المقارن، أي الصاحب والخليل وهو فعيل من الإقران ؛ قال عدي بن زيد :
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي٣
والمعنى :من قبل من الشيطان في الدنيا فقد قارنه. ويجوز أن يكون المعنى من قرن به الشيطان في النار " فساء قرينا " أي فبئس الشيطان قرينا، وهو نصب على التمييز.
١ الصنفة (بكسر الصاد وسكون النون) :الطائفة من القبيلة. وقيل: طائفة من كل شيء..
٢ راجع ج ٨ ص ١٦١..
٣ في ب و ج و ز و ط: فإن القرين. وفي د و ط: وأبصر قرينه. وهي رواية. وروى هذا البيت لطرفة..
قوله :" ما " في موضع رفع بالابتداء و " ذا " خبره، وذا بمعنى الذي. ويجوز أن يكون ما وذا اسما واحدا. فعلى الأول تقديره وما الذي عليهم، وعلى الثاني تقديره وأي شيء عليهم " لو آمنوا بالله واليوم الآخر "، أي صدقوا بواجب الوجود، وبما جاء به الرسول من تفاصيل الآخرة، " وأنفقوا مما رزقهم الله ". " وكان الله بهم عليما " تقدم معناه في غير موضع.
قوله تعالى :" إن الله لا يظلم مثقال ذرة " أي لا يبخسهم ولا ينقصهم من ثواب عملهم وزن ذرة بل يجازيهم بها ويثيبهم عليها. والمراد من الكلام أن الله تعالى لا يظلم قليلا ولا كثيرا، كما قال تعالى :" إن الله لا يظلم الناس شيئا " ١ [ يونس :٤٤ ]. والذرة :النملة الحمراء ؛ عن ابن عباس وغيره، وهي أصغر النمل. وعنه أيضا رأس النملة. وقال يزيد بن هارون :زعموا أن الذرة ليس لها وزن. ويحكى أن رجلا وضع خبزا حتى علاه الذر مقدار ما يستره ثم وزنه فلم يزد على وزن الخبز شيئا. قلت :والقرآن والسنة يدلان على أن للذرة وزنا، كما أن للدينار ونصفه وزنا. والله أعلم. وقيل :الذرة الخردلة ؛ كما قال تعالى :" فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها " ٢ [ الأنبياء :٤٧ ]. وقيل غير هذا، وهي في الجملة عبارة عن أقل الأشياء وأصغرها. وفي صحيح مسلم عن أنس قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله بها في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها ).
قوله تعالى :" وإن تكن حسنة يضاعفها ويؤت " أي يكثر ثوابها. وقرأ أهل الحجاز " حسنة " بالرفع، والعامة بالنصب ؛ فعلى الأول " تك " بمعنى تحدث، فهي تامة. وعلى الثاني هي الناقصة، أي إن تك فعلته حسنة. وقرأ الحسن " نضاعفها " بنون العظمة. والباقون بالياء، وهي أصح ؛ لقوله " ويؤت ". وقرأ أبو رجاء " يضعفها "، والباقون " يضاعفها " وهما لغتان معناهما التكثير. وقال أبو عبيدة :" يضاعفها " معناه يجعله أضعافا كثيرة، " ويضاعفها " بالتشديد يجعلها ضعفين. " من لدنه " من عنده. وفيه أربع لغات٣ :لدن ولدن ولد ولدى ؛ فإذا أضافوه إلى أنفسهم سددوا النون، ودخلت عليه " من " حيث كانت " من " الداخلة لابتداء الغاية و " لدن " كذلك، فلما تشاكلا حسن دخول " من " عليها ؛ ولذلك قال سيبويه في لدن :إنه الموضع الذي هو أول الغاية. " أجرا عظيما " يعني الجنة. وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري الطويل - حديث الشفاعة - وفيه :( حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون فيقال لهم :أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون :ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به فيقول جل وعز :ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون :ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به، ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون :ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدا ثم يقول :ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون :ربنا لم نذر فيها خيرا ). وكان أبو سعيد الخدري يقول :إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم " إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما " وذكر الحديث. وروي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( يؤتى بالعبد يوم القيامة فيوقف وينادي مناد على رؤوس الخلائق هذا فلان بن فلان من كان له عليه حق فليأت إلى حقه ثم يقول :آت هؤلاء حقوقهم فيقول يا رب من أين لي وقد ذهبت الدنيا عني ؟ فيقول الله تعالى للملائكة انظروا إلى أعماله الصالحة فأعطوهم منها، فإن بقي مثقال ذرة من حسنة قالت الملائكة :يا رب - وهو أعلم بذلك منهم - قد أعطي لكل ذي حق حقه وبقي مثقال ذرة من حسنة فيقول الله تعالى للملائكة :ضعفوها لعبدي وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة. ومصداقه " إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها " - وإن كان عبدا شقيا قالت الملائكة :إلهنا فنيت حسناته وبقيت سيئاته وبقي طالبون كثير فيقول تعالى خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم صكوا له صكا إلى النار ). فالآية على هذا التأويل في الخصوم، وأنه تعالى لا يظلم مثقال ذرة للخصم على الخصم يأخذ له منه، ولا يظلم مثقال ذرة تبقى له بل يثيبه عليها ويضعفها له، فذلك قوله تعالى :" وإن تك حسنة يضاعفها ". وروى أبو هريرة قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( إن الله سبحانه يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة ) وتلا " إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ". قال عبيدة :قال أبو هريرة :وإذا قال الله " أجرا عظيما " فمن الذي يقدر قدره ! وقد تقدم عن ابن عباس وابن مسعود :أن هذه الآية إحدى الآيات التي هي خير مما طلعت عليه الشمس.
١ راجع ج ٨ ص ٣٤٦..
٢ راجع ج ١١ ص ٢٩٣..
٣ في كتب اللغة أكثر من أربع، منها مع المذكور: لَدْن ولَدِن..
قوله تعالى : ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ﴾
فتحت الفاء لالتقاء الساكنين " وإذا " ظرف زمان والعامل فيه " جئنا " ذكر أبو الليث السمرقندي :حدثنا الخليل بن أحمد١ قال :حدثنا ابن منيع قال :حدثنا أبو٢ كامل قال :حدثنا فضيل عن يونس بن محمد بن فضالة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم في بني ظفر٣ فجلس على الصخرة التي في بني ظفر ومعه ابن مسعود ومعاذ وناس من أصحابه فأمر قارئا يقرأ حتى إذا أتى على هذه الآية " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اخضلت وجنتاه، فقال :( يا رب هذا على من أنا بين ظهرانيهم فكيف من لم أرهم )٤. وروى البخاري عن عبدالله قال. قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :( اقرأ علي ) قلت :اقرأ عليك وعليك أنزل ؟ قال :( إني أحب أن أسمعه من غيري ) فقرأت عليه سورة " النساء " حتى بلغت " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " قال :( أمسك ) فإذا عيناه تذرفان. وأخرجه مسلم وقال بدل قوله ( أمسك ) :فرفعت رأسي - أو غمزني رجل إلى جنبي - فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل. قال علماؤنا :بكاء النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان لعظيم ما تضمنته هذه الآية من هول المطلع وشدة الأمر ؛ إذ يؤتى بالأنبياء شهداء على أممهم بالتصديق والتكذيب، ويؤتى به صلى الله عليه وسلم يوم القيامة شهيدا. والإشارة بقوله " على هؤلاء " إلى كفار قريش وغيرهم من الكفار، وإنما خص كفار قريش بالذكر ؛ لأن وظيفة العذاب أشد عليهم منها على غيرهم ؛ لعنادهم عند رؤية المعجزات، وما أظهره الله على يديه من خوارق العادات. والمعنى فكيف يكون حال هؤلاء الكفار يوم القيامة " إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " أمعذبين أم منعمين ؟ وهذا استفهام معناه التوبيخ. وقيل :الإشارة إلى جميع أمته. ذكر ابن المبارك أخبرنا رجل من الأنصار عن المنهال بن عمر وحدثه أنه سمع سعيد بن المسيب يقول :ليس من يوم إلا تعرض على النبي صلى الله عليه وسلم أمته غدوة وعشية فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم. يقول الله تبارك وتعالى " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد " يعني بنبيها " وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ". وموضع " كيف " نصب بفعل مضمر، التقدير فكيف يكون حالهم، كما ذكرنا. والفعل المضمر قد يسد مسد " إذا "، والعامل في " إذا " " جئنا ". و " شهيدا " حال. وفي الحديث من الفقه جواز قراءة الطالب على الشيخ والعرض عليه، ويجوز عكسه. وسيأتي بيانه في حديث أبي في سورة " لم يكن " ٥، إن شاء الله تعالى. و " شهيدا " نصب على الحال٦.
١ الخليل بن أحمد لعله الأصبهاني..
٢ من ز و ط و ي. وفي غيرها: ابن كامل..
٣ بنو ظفر (محركة) بطن في الأنصار، وبطن في بني سليم..
٤ في ابن كثير: هذا شهدت على من أنا بين ظهرانيهم فكيف بمن لم أرهم"..
٥ راجع ج ٢٠ ص ١٤٢ ولم يأت بشيء..
٦ هذه الزيادة من ج و د و ي..
ضمت الواو في " عصوا ". لالتقاء الساكنين، ويجوز كسرها. وقرأ نافع وابن عامر " تسوى " بفتح التاء والتشديد في السين. وحمزة والكسائي كذلك إلا أنهما خففا السين. والباقون ضموا التاء وخففوا السين، مبنيا للمفعول والفاعل غير مسمى. والمعنى لو يسوي الله بهم الأرض. أي يجعلهم والأرض سواء. ومعنى آخر :تمنوا لو لم يبعثهم الله وكانت الأرض مستوية عليهم ؛ لأنهم من التراب نقلوا. وعلى القراءة الأولى والثانية فالأرض فاعلة، والمعنى تمنوا لو انفتحت لهم الأرض فساخوا فيها ؛ قاله قتادة. وقيل :الباء بمعنى على، أي لو تسوى عليهم أي تنشق فتسوى عليهم، عن الحسن. فقراءة التشديد على الإدغام، والتخفيف على حذف التاء. وقيل :إنما تمنوا هذا حين رأوا البهائم تصير ترابا وعلموا أنهم مخلدون في النار، وهذا معنى قوله تعالى :" ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا " ١ [ النبأ :٤٠ ]. وقيل :إنما تمنوا هذا حين شهدت هذه الأمة للأنبياء على ما تقدم في " البقرة " عند قوله تعالى :" وكذلك جعلناكم أمة وسطا " ٢ [ البقرة :١٤٣ ] الآية. فتقول الأمم الخالية :إن فيهم الزناة والسراق فلا تقبل شهادتهم فيزكيهم النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول المشركون :" والله ربنا ما كنا مشركين٣ " [ الأنعام :٢٣ ] فيختم على أفواههم وتشهد أرجلهم وأيديهم بما كانوا يكسبون ؛ فذلك قوله تعالى :" يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض " يعني تخسف بهم. والله أعلم.
قوله تعالى :" ولا يكتمون الله حديثا " قال الزجاج :قال بعضهم :" ولا يكتمون الله حديثا " مستأنف ؛ لأن ما عملوه ظاهر عند الله لا يقدرون على كتمانه. وقال بعضهم :هو معطوف، والمعنى يود لو أن الأرض سويت بهم وأنهم لم يكتموا الله حديثا ؛ لأنه ظهر كذبهم. وسئل ابن عباس عن هذه الآية، وعن قوله تعالى :" والله ربنا ما كنا مشركين " فقال :لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام قالوا :" والله ربنا ما كنا مشركين " فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم فلا يكتمون الله حديثا. وقال الحسن وقتادة :الآخرة مواطن يكون هذا في بعضها وهذا في بعضها. ومعناه أنهم لما تبين لهم وحوسبوا لم يكتموا. وسيأتي لهذا مزيد بيان في " الأنعام " ٤ إن شاء الله تعالى.
١ راجع ج ١٩ ص ١٨٣..
٢ راجع ج ٢ ص ١٥٣..
٣ راجع ج ٦ ص ٤٠١..
٤ راجع ج ٦ ص ٤٠١..
فيه أربع وأربعون مسألة :
الأولى :قوله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " خص الله سبحانه وتعالى بهذا الخطاب المؤمنين ؛ لأنهم كانوا يقيمون الصلاة وقد أخذوا من الخمر وأتلفت عليهم أذهانهم فخصوا بهذا الخطاب ؛ إذ كان الكفار لا يفعلونها صحاة ولا سكارى. روى أبو داود عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال :لما نزل تحريم الخمر قال عمر :اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في البقرة " يسألونك عن الخمر والميسر " ١ [ البقرة :٢١٩ ] قال :فدعي عمر فقرئت عليه فقال :اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في النساء " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة ينادي :ألا لا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه فقال :اللهم بين لنا في الخمر٢ بيانا شافيا، فنزلت هذه الآية :" فهل أنتم منتهون٣ " [ المائدة :٩١ ] قال عمر :انتهينا. وقال سعيد بن جبير :كان الناس على أمر جاهليتهم حتى يؤمروا أو ينهوا، فكانوا يشربونها أول الإسلام حتى نزلت :" يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس " [ البقرة :٢١٩ ]. قالوا :نشربها للمنفعة لا للإثم، فشربها رجل فتقدم يصلي بهم فقرأ :قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، فنزلت :" يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ". فقالوا :في غير عين الصلاة. فقال عمر :اللهم أنزل علينا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت :" إنما يريد الشيطان " [ المائدة :٩١ ] الآية. فقال عمر :انتهينا، انتهينا. ثم طاف منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم :ألا إن٤ الخمر قد حرمت، على ما يأتي بيانه في " المائدة " إن شاء الله تعالى :وروى الترمذي عن علي بن أبي طالب قال :صنع لنا عبدالرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت :" قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون " [ الكافرون :١ - ٢ ] ونحن نعبد ما تعبدون. قال :فأنزل الله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ". قال أبو عيسى :هذا حديث حسن صحيح. ووجه الاتصال والنظم بما قبله أنه قال سبحانه وتعالى :" واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا " [ النساء :٣٦ ]. ثم ذكر بعد الإيمان الصلاة التي هي رأس العبادات ؛ ولذلك يقتل تاركها ولا يسقط فرضها، وانجر الكلام إلى ذكر شروطها التي لا تصح إلا بها.
الثانية :والجمهور من العلماء وجماعة الفقهاء على أن المراد بالسكر سكر الخمر ؛ إلا الضحاك فإنه قال :المراد سكر النوم ؛ لقوله عليه السلام :( إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإنه لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه ). وقال عبيدة السلماني :" وأنتم سكارى " يعني إذا كنت حاقنا٥ ؛ لقوله عليه السلام :( لا يصلين أحدكم وهو حاقن ) في رواية ( وهو ضام بين فخذيه ). قلت :وقول الضحاك وعبيدة صحيح المعنى، فإن المطلوب من المصلي الإقبال على الله تعالى بقلبه وترك الالتفات إلى غيره، والخلو عن كل ما يشوش عليه من نوم وحقنة وجوع، وكل ما يشغل البال ويغير الحال. قال صلى الله عليه وسلم :( إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة٦ فابدؤوا بالعشاء ). فراعى صلى الله عليه وسلم زوال كل مشوش يتعلق به الخاطر، حتى يقبل على عبادة ربه بفراغ قلبه وخالص لبه، فيخشع في صلاته. ويدخل في هذه الآية :" قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون " ٧ [ المؤمنون :١ - ٢ ] على ما يأتي بيانه. وقال ابن عباس :إن قوله تعالى :يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " منسوخ بآية المائدة :" إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا " [ المائدة :٦ ] الآية. فأمروا على هذا القول بألا يصلوا سكارى، ثم أمروا بأن يصلوا على كل حال، وهذا قبل التحريم. وقال مجاهد :نسخت بتحريم الخمر. وكذلك قال عكرمة وقتادة، وهو الصحيح في الباب لحديث علي المذكور. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال :أقيمت الصلاة فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقربن الصلاة سكران، ذكره النحاس. وعلى قول الضحاك وعبيدة الآية محكمة لا نسخ فيها.
الثالثة :قوله تعالى :" لا تقربوا " إذا قيل :لا تقرب٨ بفتح الراء كان معناه لا تلبس بالفعل، وإذا كان بضم الراء كان معناه لا تدن منه. والخطاب لجماعة الأمة الصاحين. وأما السكران إذا عدم الميز لسكره فليس بمخاطب في ذلك الوقت لذهاب عقله، وإنما هو مخاطب بامتثال ما يجب عليه، وبتكفير ما ضيع في وقت سكره من الأحكام التي تقرر تكليفه إياها قبل السكر.
الرابعة :قوله تعالى :" الصلاة " اختلف العلماء في المراد بالصلاة هنا، فقالت طائفة :هي العبادة المعروفة نفسها، وهو قول أبي حنيفة ؛ ولذلك قال " حتى تعلموا ما تقولون ". وقالت طائفة :المراد مواضع الصلاة، وهو قول الشافعي، فحذف المضاف. وقد قال تعالى " لهدمت صوامع وبيع وصلوات " ٩ [ الحج :٤٠ ] فسمى مواضع الصلاة صلاة. ويدل على هذا التأويل قوله تعالى :" ولا جنبا إلا عابري سبيل " هذا يقتضي جواز العبور للجنب في المسجد لا الصلاة فيه. وقال أبو حنيفة :المراد بقوله تعالى :" ولا جنبا إلا عابري سبيل " المسافر إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم ويصلي ؛ وسيأتي بيانه. وقالت طائفة :المراد الموضع والصلاة معا ؛ لأنهم كانوا حينئذ لا يأتون المسجد إلا للصلاة ولا يصلون إلا مجتمعين، فكانا متلازمين.
الخامسة :قوله تعالى :" وأنتم سكارى " ابتداء وخبر، جملة في موضع الحال من " تقربوا ". و " سكارى " جمع سكران ؛ مثل كسلان وكسالى. وقرأ النخعي " سكرى " بفتح السين على مثال فعلى، وهو تكسير سكران، وإنما كسر على سكرى ؛ لأن السكر آفة تلحق العقل فجرى مجرى صرعى وبابه. وقرأ الأعمش " سكرى " كحبلى فهو صفة مفردة، وجاز الإخبار بالصفة المفردة عن الجماعة على ما يستعملونه من الإخبار عن الجماعة بالواحد. والسكر :نقيض الصحو، يقال :سكر يسكر مسكرا، من باب حمد يحمد. وسكرت عينه تسكر أي تحيرت، ومنه قوله تعالى :" إنما سكرت أبصارنا " ١٠ [ الحجر :١٥ ]. وسكرت الشق١١ سددته. فالسكران قد انقطع عما كان عليه من العقل.
السادسة :وفي هذه الآية دليل بل نص على أن الشرب كان مباحا في أول الإسلام حتى ينتهي بصاحبه إلى السكر. وقال قوم :السكر محرم في العقل وما أبيح في شيء من الأديان، وحملوا السكر في هذه الآية على النوم. وقال القفال :يحتمل أنه كان أبيح لهم من الشراب ما يحرك الطبع إلى السخاء والشجاعة والحمية. قلت :وهذا المعنى موجود في أشعارهم ؛ وقد قال حسان.
ونشربها فتتركنا ملوكا
وقد أشبعنا هذا المعنى في " البقرة " ١٢. قال القفال :فأما ما يزيل العقل حتى يصير صاحبه في حد الجنون والإغماء فما أبيح قصده، بل لو اتفق من غير قصد فيكون مرفوعا عن صاحبه. قلت :هذا صحيح، وسيأتي بيانه في " المائدة " إن شاء الله تعالى في قصة حمزة١٣. وكان المسلمون لما نزلت هذه الآية يجتنبون الشرب أوقات الصلوات، فإذا صلوا العشاء شربوها، فلم يزالوا على ذلك حتى نزل تحريمها في " المائدة " في قوله تعالى :" فهل أنتم منتهون " ١٤ [ المائدة :٩١ ].
السابعة :قوله تعالى :" حتى تعلموا ما تقولون " أي حتى تعلموه متيقنين فيه من غير غلط. والسكران لا يعلم ما يقول ؛ ولذلك قال عثمان بن عفان رضي الله عنه :إن السكران لا يلزمه طلاقه. وروي عن ابن عباس وطاوس وعطاء والقاسم وربيعة، وهو قول الليث بن سعد وإسحاق وأبي ثور والمزنى، واختاره الطحاوي وقال :أجمع العلماء على أن طلاق المعتوه لا يجوز، والسكران معتوه كالموسوس معتوه بالوسواس. ولا يختلفون أن من شرب البنج فذهب عقله أن طلاقه غير جائز ؛ فكذلك من سكر من الشراب. وأجازت طائفة طلاقه، وروي عن عمر بن الخطاب ومعاوية وجماعة من التابعين، وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي، واختلف فيه قول الشافعي. وألزمه مالك الطلاق والقود في الجراح والقتل، ولم يلزمه النكاح والبيع. وقال أبو حنيفة :أفعال السكران وعقوده كلها ثابتة كأفعال الصاحي، إلا الردة فإنه إذا ارتد فإنه١٥ لا تبين منه امرأته إلا استحسانا. وقال أبو يوسف :يكون مرتدا في حال سكره، وهو قول الشافعي إلا أنه لا يقتله في حال سكره ولا يستتيبه. وقال الإمام أبو عبدالله المازري :وقد رويت عندنا١٦ رواية شاذة أنه لا يلزم طلاق السكران. وقال محمد بن عبدالحكم :لا يلزمه طلاق ولا عتاق. قال ابن شاس :ونزل الشيخ أبو الوليد الخلاف على المخلط الذي معه بقية من عقله إلا أنه لا يملك الاختلاط من نفسه فيخطئ ويصيب. قال :فأما السكران الذي لا يعرف الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة، فلا اختلاف في أنه كالمجنون في جميع أفعال وأحواله فيما بينه وبين الناس، وفيما بينه وبين الله تعالى أيضا، إلا فيما ذهب وقته من الصلوات، فقيل :إنها لا تسقط عنه بخلاف المجنون، من أجل أنه بإدخاله السكر على نفسه كالمتعمد لتركها حتى خرج وقتها. وقال سفيان الثوري :حد السكر١٧ اختلال العقل، فإذا استقرئ فخلط في قراءته وتكلم بما لا يعرف جلد. وقال أحمد :إذا تغير عقله عن حال الصحة فهو سكران، وحكي عن مالك نحوه. قال ابن المنذر :إذا خلط في قراءته فهو سكران، استدلالا بقول الله تعالى :" حتى تعلموا ما تقولون ". فإذا كان بحيث لا يعلم ما يقول تجنب١٨ المسجد مخافة التلويث، ولا تصح صلاته وإن صلى الله عليه وسلم قضى. وإن كان بحيث يعلم ما يقول فأتى بالصلاة فحكمه حكم الصاحي.
الثامنة :قوله تعالى :" ولا جنبا " عطف على موضع الجملة المنصوبة في قوله :" حتى تعلموا " أي لا تصلوا وقد أجنبتم. ويقال :تجنبتم وأجنبتم وجنبتم بمعنى. ولفظ الجنب لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع ؛ لأنه على وزن المصدر كالبعد والقرب. وربما خففوه فقالوا :جنب، وقد قرأه كذلك قوم. وقال الفراء :يقال جنب الرجل وأجنب من الجنابة. وقيل :يجمع الجنب في لغة على أجناب ؛ مثل عنق وأعناق، وطنب وأطناب. ومن قال للواحد جانب قال في الجمع :جناب، كقولك :راكب وركاب. والأصل البعد ؛ كأن الجنب بعد بخروج الماء الدافق عن حال الصلاة ؛ قال :
فلا تحرمنِّي نائلا عن جنابة فإني امرؤ وسط القباب غريب١٩
ورجل جنب :غريب. والجنابة٢٠ مخالطة الرجل المرأة.
التاسعة :والجمهور من الأمة على أن الجنب هو غير الطاهر من إنزال أو مجاوزة ختان. وروي عن بعض الصحابة ألا غسل إلا من إنزال ؛ لقوله عليه السلام :( إنما الماء من الماء ) أخرجه مسلم. وفي البخاري عن أبي بن كعب أنه قال :يا رسول الله، إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل ؟ قال :( يغسل ما مس المرأة من ثم يتوضأ ويصلي ). قال أبو عبدالله٢١ :الغسل أحوط، وذلك الآخر٢٢ إنما بيناه لاختلافهم. وأخرجه مسلم في صحيحه بمعناه، وقال في آخره :قال أبو العلاء بن الشخير كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينسخ حديثه بعضه بعضا كما ينسخ القرآن بعضه بعضا. قال أبو إسحاق :هذا منسوخ. وقال الترمذي :كان هذا الحكم في أول الإسلام ثم نسخ
١ راجع ج ٣ ص ٥١..
٢ من ج..
٣ راجع ج ٦ ص ٢٧٥..
٤ كذا في ج، وفي ط و ز و ي: ألا إنما..
٥ الحاقن: المجتمع بوله كثيرا..
٦ في ج و ط و ي: العشاء. وهي رواية. راجع كشف الخفاء. ج ١ ص ٨٧. ففيه بسط..
٧ راجع ج ١٢ ص ١٠٢..
٨ في ج: تقربوا، تلبسوا، تدنوا..
٩ راجع ج ١٢ ص ٦٨..
١٠ راجع ج ١٠ ص ٨..
١١ في الأصول: سكرت السد سددته، وفي ابن عطية: سكرت الماء سددته..
١٢ راجع ج ٣ ص ٥٥ فما بعدها..
١٣ راجع ج ٦ ص ٢٨٧..
١٤ راجع ج ٦ ص ٢٨٧..
١٥ من ج و ط و ي..
١٦ عندنا ساقط في ط..
١٧ في ط و ي: السكران..
١٨ في ز: يجنب. في ي: يجتنب..
١٩ راجع ص ١٨٣ من هذا الجزء..
٢٠ في ي: المجانبة. وهو المتبادر..
٢١ أبو عبد الله: كنية البخاري..
٢٢ قوله : ﴿وذلك الآخر﴾ أي ذلك الوجه الآخر، أو الحديث الآخر الدال على عدم الغسل..
قوله تعالى :" ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب " إلى قوله تعالى :" فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه " الآية١. نزلت في يهود المدينة وما والاها. قال ابن إسحاق :وكان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء يهود، إذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه وقال :أرعنا سمعك٢ يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه فأنزل الله عز وجل " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب " إلى قوله " قليلا ". ومعنى " يشترون " يستبدلون فهو في موضع نصب على الحال، وفي الكلام حذف تقديره يشترون الضلالة بالهدى، كما قال تعالى :" أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى٣ " [ البقرة :١٦ ] قاله القتبي وغيره. " ويريدون أن تضلوا السبيل " عطف عليه، والمعنى تضلوا طريق الحق. وقرأ الحسن :" تضلوا " بفتح الضاد أي عن السبيل.
١ في ج، ط..
٢ في ج، ط: سمعا..
٣ راجع ج ١ ص ٢١٠..
قوله تعالى :" والله أعلم بأعدائكم " يريد منكم، فلا تستصحبوهم فإنهم أعداؤكم. ويجوز أن يكون " أعلم " بمعنى عليم ؛ كقوله تعالى :" وهو أهون عليه١ " [ الروم :٢٧ ] أي هين. " وكفى بالله وليا " الباء زائدة، زيدت لأن المعنى اكتفوا بالله فهو يكفيكم أعداءكم. و " وليا " و " نصيرا " نصب على البيان، وإن شئت على الحال.
١ راجع ج ١٤ ص ٢٠..
قوله تعالى :" من الذين هادوا " قال الزجاج :إن جعلت " من " متعلقة بما قبل فلا يوقف على قول " نصيرا "، وإن جعلت منقطعة فيجوز الوقف على " نصيرا " والتقدير من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم، ثم حذف. وهذا مذهب سيبويه، وأنشد النحويون :
لو قلت ما في قومها لم تِيثَمِ١ يفضُلها في حسب ومَبْسِمِ
قالوا :المعنى لو قلت ما في قومها أحد يفضلها، ثم حذف. وقال الفراء :المحذوف " من " المعنى :من الذين هادوا من يحرفون. وهذا كقوله تعالى :" وما منا إلا له مقام معلوم " ٢ [ الصافات :١٦٤ ] أي من له. وقال ذو الرمة :
فظلوا ومنهم دمعه سابق٣ له وآخر يُذْرِي٤ عَبْرَةَ العين بالهَمْلِ
يريد ومنهم من دمعه، فحذف الموصول. وأنكره المبرد والزجاج ؛ لأن حذف الموصول كحذف بعض الكلمة. " يحرفون " يتأولونه على غير تأويله. وذمهم الله تعالى بذلك لأنهم يفعلونه متعمدين. وقيل :" عن مواضعه " يعني صفة النبي صلى الله عليه وسلم. " ويقولون سمعنا وعصينا " أي سمعنا قولك وعصينا أمرك. " واسمع غير مسمع " قال ابن عباس :كانوا يقولون النبي صلى الله عليه وسلم :اسمع لا سمعت، هذا مرادهم - لعنهم الله - وهم يظهرون أنهم يريدون اسمع غير مسمع مكروها ولا أذى. وقال الحسن ومجاهد :معناه غير مسمع منك، أي مقبول ولا مجاب إلى ما تقول. قال النحاس :ولو كان كذلك لكان غير مسموع منك. وتقدم القول في " راعنا " ٥. ومعنى " ليا بألسنتهم " أي يلوون ألسنتهم عن الحق أي يميلونها إلى ما في قلوبهم. وأصل اللي الفتل، وهو نصب على المصدر، وإن شئت كان مفعولا من أجله. وأصله لويا ثم أدغمت الواو في الياء. " وطعنا " معطوف عليه أي يطعنون في الدين، أي يقولون لأصحابهم لو كان نبيا لدرى أننا نسبه، فأظهر الله تعالى نبيه على ذلك فكان من علامات نبوته، ونهاهم عن هذا القول. ومعنى " أقوم " أصوب لهم في الرأي. " فلا يؤمنون إلا قليلا " أي إلا إيمانا قليلا لا يستحقون به اسم الإيمان. وقيل :معناه لا يؤمنون إلا قليلا منهم ؛ وهذا بعيد لأنه عز وجل قد أخبر عنهم أنه لعنهم بكفرهم.
١ تيثم (بكسر التاء): وهي لغة لبعض العرب، وذلك أنهم يكسرون حروف المضارعة في نحو نعلم وتعلم، فلما كسروا التاء انقلبت الهمزة ياء. والمبسم (بوزن المجلس)" الثغر..
٢ راجع ج ١٥ ص ١٣٧..
٣ في ديوان ذي الرمة: "غالب" و ""يثني ". وهملان العين فيضانها بالدمع. ويذري: يصيب..
٤ في ديوان ذي الرمة: "غالب" و ""يثني ". وهملان العين فيضانها بالدمع. ويذري: يصيب..
٥ راجع ج ٢ ص ٥٧..
قوله تعالى :" يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا " قال ابن إسحاق :كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود منهم عبدالله بن صوريا الأعور وكعب بن أسد فقال لهم :( يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به الحق ) قالوا :ما نعرف ذلك يا محمد. وجحدوا ما عرفوا وأصروا على الكفر ؛ فأنزل الله عز وجل فيهم " يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها " إلى آخر الآية.
قوله تعالى :" مصدقا لما معكم " نصب على الحال. " من قبل أن نطمس وجوها " الطمس استئصال أثر الشيء، ومنه قوله تعالى :" فإذا النجوم طمست١ " [ المرسلات :٨ ]. ونطمس ونطمس بكسر الميم وضمها في المستقبل لغتان. ويقال في الكلام :طسم يطسم ويطسم بمعنى طمس، يقال :طمس الأثر وطسم أي أمحى، كله لغات ؛ ومنه قوله تعالى :" ربنا اطمس على أموالهم٢ " [ يونس :٨٨ ] أي أهلكها ؛ عن ابن عرفة. ويقال :طمسته فطمس لازم ومتعد. وطمس الله بصره، وهو مطموس البصر إذا ذهب أثر العين ؛ ومنه قوله تعالى :" ولو نشاء لطمسنا على أعينهم٣ " [ يس :٦٦ ] يقول أعميناهم. واختلف العلماء في المعنى المراد بهذه الآية ؛ هل هو حقيقة فيجعل الوجه كالقفا، فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين. أو ذلك عبارة عن الضلال في قلوبهم وسلبهم التوفيق ؟ قولان. روي عن أبي بن كعب أنه قال :" من قبل أن نطمس " من قبل أن نضلكم إضلالا لا تهتدون بعده. يذهب إلى أنه تمثيل وأنهم إن لم يؤمنوا فعل هذا بهم عقوبة. وقال قتادة :معناه من قبل أن نجعل الوجوه أقفاء. أي يذهب بالأنف والشفاه والأعين والحواجب ؛ هذا معناه عند أهل اللغة. وروي عن ابن عباس وعطية العوفي :أن الطمس أن تزال العينان خاصة وترد في القفا، فيكون ذلك ردا على الدبر ويمشي القهقرى. وقال مالك رحمه الله :كان أول إسلام كعب الأحبار أنه مر برجل من الليل وهو يقرأ هذه الآية :" يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا " فوضع كفيه على وجهه ورجع القهقرى إلى بيته فأسلم مكانه وقال :والله لقد خفت ألا أبلغ بيتي حتى يطمس وجهي. وكذلك فعل عبدالله بن سلام، لما نزلت هذه الآية وسمعها أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله وأسلم وقال :يا رسول الله، ما كنت أدرى أن أصل إليك حتى يحول وجهي في قفاي. فإن قيل :كيف جاز أن يهددهم بطمس الوجه إن لم يؤمنوا ثم لم يؤمنوا٤ ولم يفعل ذلك بهم، فقيل :إنه لما آمن هؤلاء ومن اتبعهم رفع الوعيد عن الباقين. وقال المبرد :الوعيد باق منتظر. وقال :لا بد من طمس في اليهود ومسخ قبل يوم القيامة.
قوله تعالى :" أو نلعنهم " أي أصحاب الوجوه " كما لعنا أصحاب السبت " أي نمسخهم قردة وخنازير، عن الحسن وقتادة. وقيل :هو خروج من الخطاب إلى الغيبة " وكان أمر الله مفعولا " أي كائنا موجودا. ويراد بالأمر المأمور فهو مصدر وقع موقع المفعول، فالمعنى أنه متى أراده أوجده. وقيل :معناه أن كل أمر أخبر بكونه فهو كائن على ما أخبر به.
١ راجع ج ١٩ ص ١٥٢..
٢ راجع ج ٨ ص ٣٧٣..
٣ راجع ج ١٥ ص ٤٨..
٤ في ج..
قوله تعالى :" إن الله لا يغفر أن يشرك به " روي أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا :" إن الله يغفر الذنوب جميعا١ " [ الزمر :٥٣ ] فقال له رجل :يا رسول الله والشرك ! فنزل " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ". وهذا من المحكم المتفق عليه الذي لا اختلاف فيه بين الأمة. " ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " من المتشابه الذي قد تكلم العلماء فيه. فقال محمد بن جرير الطبري :قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه ذنبه، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شركا بالله تعالى. وقال بعضهم :قد بين الله تعالى ذلك بقول :" إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم " [ النساء :٣١ ] فاعلم أنه يشاء أن يغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر ولا يغفرها لمن أتى الكبائر. وذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذه الآية ناسخة للتي في آخر " الفرقان٢ ". قال زيد بن ثابت :نزلت سورة " النساء " بعد " الفرقان " بستة أشهر، والصحيح أن لا نسخ ؛ لأن النسخ في الأخبار يستحيل. وسيأتي بيان٣ الجمع بين الآي في هذه السورة وفي " الفرقان٤ " إن شاء الله تعالى. وفي الترمذي عن علي بن أبي طالب قال :ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " قال :هذا حديث حسن غريب.
١ راجع ج ١٥ ص ٢٦٧..
٢ راجع ص ١٥٨ من هذا الجزء..
٣ من ج و ط..
٤ راجع ج ١٣ ص ٧٧..
فيه ثلاث مسائل :
الأولى :قوله تعالى :" ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم " هذا اللفظ عام في ظاهره ولم يختلف أحد من المتأولين في أن المراد اليهود. واختلفوا في المعنى الذي زكوا به أنفسهم، فقال قتادة والحسن :ذلك قولهم :" نحن أبناء الله وأحباؤه "، وقولهم :" لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى " وقال الضحاك والسدي :قولهم لا ذنوب لنا وما فعلناه نهارا غفر لنا ليلا وما فعلناه ليلا غفر لنا نهارا، ونحن كالأطفال في عدم الذنوب. وقال مجاهد وأبو مالك وعكرمة :تقديمهم الصغار للصلاة ؛ لأنهم لا ذنوب عليهم. وهذا يبعد من مقصد الآية. وقال ابن عباس :ذلك قولهم آباؤنا الذين ماتوا يشفعون لنا ويزكوننا. وقال عبدالله بن مسعود :ذلك ثناء بعضهم على بعض. وهذا أحسن ما قيل، فإنه الظاهر من معنى الآية، والتزكية :التطهير والتبرية١ من الذنوب.
الثانية :هذه الآية وقوله تعالى :" فلا تزكوا أنفسكم٢ " [ النجم :٣٢ ] يقتضي الغض من المزكي لنفسه بلسانه، والإعلام بأن الزاكي المزكى من حسنت أفعاله وزكاه الله عز وجل فلا عبرة بتزكية الإنسان نفسه، وإنما العبرة بتزكية الله له. وفي صحيح مسلم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال :سميت ابنتي برة، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة :إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا الاسم، وسميت برة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم ) فقالوا :بم نسميها ؟ فقال :( سموها زينب ). فقد دل الكتاب والسنة على المنع من تزكية الإنسان نفسه، ويجري هذا المجرى ما قد كثر في هذه الديار المصرية من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية، كزكي الدين ومحي الدين وما أشبه ذلك، لكن لما كثرت قبائح المسمين بهذه الأسماء ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها٣ فصارت لا تفيد شيئا.
الثالثة :فأما تزكية الغير ومدحه له، ففي البخاري من حديث أبي بكرة أن رجلا ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( ويحك قطعت عنق صاحبك - يقوله مرارا - إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك وحسيبه الله ولا يزكي على الله أحدا ) فنهى صلى الله عليه وسلم أن يفرط في مدح الرجل بما ليس فيه فيدخله في ذلك الإعجاب والكبر، ويظن أنه في الحقيقة بتلك المنزلة فيحمله ذلك على تضييع العمل وترك الازدياد من الفضل ؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم :( ويحك قطعت عنق صاحبك ). وفي الحديث الآخر ( قطعتم ظهر الرجل ) حين وصفوه بما ليس فيه. وعلى هذا تأول العلماء قوله صلى الله عليه وسلم :( احثوا التراب في وجوه المداحين ) إن المراد به المداحون في وجوههم بالباطل وبما ليس فيهم، حتى يجعلوا ذلك بضاعة يستأكلون به الممدوح ويفتنونه، فأما مدح الرجل بما فيه من الفعل الحسن والأمر المحمود ليكون منه ترغيبا له في أمثاله وتحريضا للناس على الاقتداء به في أشباهه فليس بمداح، وإن كان قد صار مادحا بما تكلم به من جميل القول فيه. وهذا راجع إلى النيات " والله يعلم المفسد من المصلح ". وقد مدح في الشعر والخطب والمخاطبة ولم يحث في وجوه المداحين التراب، ولا أمر بذلك. كقول أبي طالب :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمالُ اليتامى عصمة للأرامل
وكمدح العباس وحسان له في شعرهما، ومدحه كعب بن زهير، ومدح هو أيضا أصحابه فقال :( إنكم لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع ). وأما قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح الحديث :( لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم وقولوا :عبدالله ورسوله ) فمعناه لا تصفوني بما ليس في من الصفات تلتمسون بذلك مدحي، كما وصفت النصارى عيسى بما لم يكن فيه، فنسبوه إلى أنه ابن الله فكفروا بذلك وضلوا. وهذا يقتضي أن من رفع أمرا فوق حده وتجاوز مقداره بما ليس فيه فمعتد آثم ؛ لأن ذلك لو جاز في أحد لكان أولى الخلق بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله تعالى :" ولا يظلمون فتيلا " الضمير في " يظلمون " عائد على المذكورين ممن زكى نفسه وممن يزكيه الله عز وجل. وغير هذين الصنفين علم أن الله تعالى لا يظلمه من غير هذه الآية. والفتيل الخيط الذي في شق نواة التمرة، قال ابن عباس وعطاء ومجاهد. وقيل :القشرة التي حول النواة بينها وبين البسرة. وقال ابن عباس أيضا وأبو مالك والسدي :هو ما يخرج بين أصبعيك أو كفيك من الوسخ إذا فتلتهما ؛ فهو فعيل بمعنى مفعول. وهذا كله يرجع إلى كناية عن تحقير الشيء وتصغيره، وأن الله لا يظلمه شيئا. ومثل هذا في التحقير قوله تعالى :" ولا يظلمون نقيرا٤ " [ النساء :١٢٤ ] وهو النكتة التي في ظهر النواة، ومنه تنبت النخلة، وسيأتي. قال الشاعر يذم بعض الملوك :
تجمع الجيش ذا الألوف وتغزو ثم لا ترزأ العدو فتيلا
١ في ز: التنزبه..
٢ راجع ج ١٧ ص ١٠٥..
٣ في ج: أهلها..
٤ راجع ص ٣٩٩ من هذا الجزء..
ثم عجب النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال :" انظر كيف يفترون على الله الكذب " في قولهم :نحن أبناء الله وأحباؤه. وقيل :تزكيتهم لأنفسهم، عن ابن جريج. وروي أنهم قالوا :ليس لنا ذنوب إلا كذنوب أبنائنا يوم تولد. والافتراء الاختلاق، ومنه افترى فلان على فلان أي رماه بما ليس فيه. وفريت الشيء قطعته. " وكفى به إثما مبينا " نصب على البيان. والمعنى تعظيم الذنب وذمه. العرب تستعمل مثل ذلك في المدح والذم.
قوله تعالى :" ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب " يعني اليهود " يؤمنون بالجبت والطاغوت " اختلف أهل التأويل في تأويل الجبت والطاغوت ؛ فقال ابن عباس وابن جبير وأبو العالية :الجبت الساحر بلسان الحبشة، والطاغوت الكاهن. وقال الفاروق عمر رضي الله عنه :الجبت السحر والطاغوت الشيطان. ابن مسعود :الجبت والطاغوت ههنا كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب. عكرمة :الجبت حيي بن أخطب والطاغوت كعب بن الأشرف، دليله قوله تعالى :" يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت " [ النساء :٦٠ ]. قتادة :الجبت الشيطان والطاغوت الكاهن. وروى ابن وهب عن مالك بن أنس :الطاغوت ما عبد من دون الله. قال :وسمعت من يقول إن الجبت الشيطان ؛ ذكره النحاس. وقيل :هما١ كل معبود من دون الله، أو مطاع في معصية الله، وهذا حسن. وأصل الجبت الجبس وهو الذي لا خير فيه، فأبدلت التاء من السين. قاله قطرب. وقيل :الجبت إبليس والطاغوت أولياؤه. وقول مالك في هذا الباب حسن، يدل عليه قوله تعالى :" أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت٢ " [ النحل :٣٦ ] وقال تعالى :" والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها٣ " [ الزمر :١٧ ]. وروى قطن٤ بن المخارق عن أبيه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الطرق والطيرة والعيافة من الجبت ). الطرق الزجر، والعيافة الخط٥ ؛ خرجه أبو داود في سننه. وقيل :الجبت كل ما حرم الله، الطاغوت كل ما يطغي الإنسان. والله أعلم.
قوله تعالى :" ويقولون للذين كفروا " أي يقول اليهود لكفار قريش أنتم أهدى سبيلا من الذين آمنوا بمحمد. وذلك أن كعب بن الأشرف خرج في سبعين راكبا من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشا على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دور قريش فتعاقدوا وتعاهدوا ليجتمعن على قتال محمد، فقال أبو سفيان :إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى سبيلا وأقرب إلى الحق. نحن أم محمد ؟ فقال كعب :أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد.
١ في ج: هو..
٢ راجع ج ١٠ ص ١٠٣..
٣ راجع ج ١٥ ص ٢٤٣..
٤ قطن بن قبيصة الخ- التهذيب..
٥ في سنن أبي داود: "قال عوف: العيافة زجر الطير والطرق الخط يخط في الأرض". والذي في اللسان: "الطرق الضرب بالحصى: وقيل: هو الخط في الرمل. والطيرة: بوزن العنبة وقد تسكن الياء، وهو ما يتشاءم به من الفأل الردىء. والعيافة: زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها وهو من عادة العرب كثيرا"..
قوله تعالى :" أم لهم نصيب من الملك " أي ألهم ؟ والميم صلة. " نصيب " حظ " من الملك " وهذا على وجه الإنكار، يعني ليس لهم من الملك شيء، ولو كان لهم منه شيء لم يعطوا أحدا منه شيئا لبخلهم وحسدهم. وقيل :المعنى بل ألهم نصيب، فتكون أم منقطعة ومعناها الإضراب عن الأول والاستئناف للثاني. وقيل :هي عاطفة على محذوف ؛ لأنهم أنفوا من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم. والتقدير :أهم أولى بالنبوة ممن أرسلته أم لهم نصيب من الملك ؟. " فإذا لا يؤتون الناس نقيرا " أي يمنعون الحقوق. خبر الله عز وجل عنهم بما يعلمه منهم. والنقير :النكتة في ظهر النواة ؛ عن ابن عباس وقتادة وغيرهما. وعن ابن عباس أيضا :النقير :ما نقر الرجل بأصبعه كما ينقر الأرض. وقال أبو العالية :سألت ابن عباس عن النقير فوضع طرف الإبهام على باطن السبابة ثم رفعهما وقال :هذا النقير. والنقير :أصل خشبة ينقر وينبذ فيه، وفيه جاء النهي ثم نسخ. وفلان كريم النقير أي الأصل. و " إذا " هنا ملغاه غير عاملة لدخول فاء العطف عليها، ولو نصب لجاز. قال سيبويه :" إذا " في عوامل الأفعال بمنزلة " أظن " في عوامل الأسماء، أي تلغى إذا لم يكن الكلام معتمدا عليها، فإن كانت في أول الكلام وكان الذي بعدها مستقبلا نصبت ؛ كقولك :أنا١ أزورك فيقول مجيبا لك :إذا أكرمك. قال عبدالله بن عنتمة الضبي :
اردد حمارك لا يرتع بروضتنا إذن يُرَدُّ وقَيْدُ العَيْر مكروب٢
نصب لأن الذي قبل " إذن " تام فوقعت ابتداء كلام. فإن وقعت متوسطة بين شيئين كقولك. زيد إذا يزورك ألغيت، فإن دخل عليها فاء العطف أو واو العطف فيجور فيها الإعمال والإلغاء، أما الأعمال فلأن ما بعد الواو يستأنف على طريق عطف الجملة على الجملة، فيجوز في غير القرآن فإذا لا يؤتوا. وفي التنزيل " وإذا لا يلبثون٣ " [ الإسراء :٧٦ ] وفي مصحف أبي " وإذا لا يلبثوا ". وأما الإلغاء فلأن ما بعد الواو لا يكون إلا بعه كلام يعطف عليه، والناصب للفعل عند سيبويه " إذا " لمضارعتها " أن "، وعند الخليل أن مضمرة بعد إذا٤. وزعم الفراء أن إذا تكتب بالألف وأنها منونة. قال النحاس :وسمعت علي بن سليمان يقول :سمعت أبا العباس محمد بن يزيد يقول :أشتهي أن أكوي يد من يكتب إذاً بالألف ؛ إنها مثل لن وإن، ولا يدخل التنوين في الحروف.
١ من ز و ط..
٢ كربت القيد إذا ضيقته على المقيد. والمعنى: لا تعرض لشتمنا فإنا قادرون على تقييد هذا العير ومنعه من التصرف. (اللسان)..
٣ راجع ج ١٠ ص ٣٠١..
٤ في ج: إذن..
فيه أربع مسائل :
الأولى :قوله تعالى :" أم يحسدون " يعني اليهود. " الناس " يعني النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما. حسدوه على النبوة وأصحابه على الإيمان به. وقال قتادة :" الناس " العرب، حسدتهم اليهود على النبوة. الضحاك :حسدت اليهود قريشا ؛ لأن النبوة فيهم. والحسد مذموم وصاحبه مغموم وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الحسن :ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد، نفس دائم، وحزن لازم، وعبرة لا تنفد. وقال عبدالله بن مسعود :لا تعادوا نعم الله. قيل له :ومن يعادي نعم الله ؟ قال :الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، يقول الله تعالى في بعض الكتب :الحسود عدو نعمتي متسخط لقضائي غير راض بقسمتي. ولمنصور الفقيه :
ألا قل لمن ظل لي حاسدا *** أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في حكمه *** إذا أنت لم ترض لي ما وهب
ويقال :الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، وأول ذنب عصي به في الأرض ؛ فأما في السماء فحسد إبليس لآدم، وأما في الأرض فحسد قابيل لهابيل. ولأبي العتاهية في الناس :
فيا رب إن الناس لا ينصفونني *** فكيف ولو أنصفتهم ظلموني
وإن كان لي شيء تصدَّوْا لأخذه *** وإن شئت أبغي شيئهم منعوني
وإن نالهم بذلي فلا شكر عندهم *** وإن أنا لم أبذل لهم شتموني
وإن طرقتني نكبةٌ فكهوا بها *** وإن صحبتني نعمة حسدوني
سأمنع قلبي أن يحن إليهمو *** وأحجب عنهم ناظري وجفوني
وقيل :إذا سرك أن تسلم من الحاسد فغم عليه أمرك. ولرجل من قريش :
حسدوا النعمة لما ظهرت *** فرموها بأباطيل الكلم
وإذا ما الله أسدى نعمة *** لم يضرها قول أعداء النعم
ولقد أحسن من قال :
اصبر على حسد الحسو *** د فإن صبرك قاتله
فالنار تأكل بعضها *** إن لم تجد ما تأكله
وقال بعض أهل التفسير في قول الله تعالى :" ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين١ " [ فصلت :٢٩ ]. إنه إنما أراد بالذي٢ من الجن إبليس والذي من الإنس قابيل، وذلك أن إبليس كان أول من سن الكفر، وقابيل كان أول من سن القتل، وإنما كان أصل ذلك كله الحسد. وقال الشاعر :
إن الغراب وكان يمشي مشية *** فيما مضى من سالف الأحوال
حسد القطاة فرام يمشي مشيها *** فأصابه ضرب من التَّعْقَالِ
الثانية :قوله تعالى :" فقد آتينا " ثم أخبر تعالى أنه آتى آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتاهم ملكا عظيما. قال همام بن الحارث :أيدوا بالملائكة. وقيل :يعني ملك سليمان، عن ابن عباس. وعنه أيضا :المعنى أم يحسدون محمدا على ما أحل الله له من النساء فيكون الملك العظيم على هذا أنه أحل لداود تسعا وتسعين امرأة ولسليمان أكثر من ذلك. واختار الطبري أن يكون المراد ما أوتيه سليمان من الملك وتحليل النساء. والمراد تكذيب اليهود والرد عليهم في قولهم :لو كان نبيا ما رغب في كثرة النساء ولشغلته النبوة عن ذلك، فأخبر الله تعالى بما كان لداود وسليمان يوبخهم، فأقرت اليهود أنه اجتمع عند سليمان ألف امرأة، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم :ألف امرأة ؟ قالوا :نعم ثلاثمائة مهرية، وسبعمائة سرية، وعند داود مائة امرأة. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم :( ألف عند رجل ومائة عند رجل أكثر أو تسع نسوة ) ؟ فسكتوا. وكان له يومئذ تسع نسوة.
الثالثة :يقال :إن سليمان عليه السلام كان أكثر الأنبياء نساء. والفائدة في كثرة تزوجه أنه كان له قوة أربعين نبيا، وكل من كان أقوى فهو أكثر نكاحا. ويقال :إنه أراد بالنكاح كثرة العشيرة ؛ لأن لكل امرأة قبيلتين قبيلة من جهة الأب وقبيلة من جهة الأم، فكلما تزوج امرأة صرف وجوه القبيلتين إلى نفسه فتكون عونا له على أعدائه. ويقال :إن كل من كان أتقى فشهوته أشد ؛ لأن الذي لا يكون تقيا فإنما يتفرج بالنظر والمس، ألا ترى ما روى في الخبر :( العينان تزنيان واليدان تزنيان ). فإذا كان في النظر والمس نوع من قضاء الشهوة قل الجماع، والمتقي لا ينظر ولا يمس فتكون الشهوة مجتمعة في نفسه فيكون أكثر جماعا. وقال أبو بكر الوراق :كل شهوة تقسي القلب إلا الجماع فإنه يصفي القلب ؛ ولهذا كان الأنبياء يفعلون ذلك.
١ راجع ج ١٥ ص ٣٥٧..
٢ في ج: اللذين..
الرابعة :قوله تعالى :" فمنهم من آمن به " يعني بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه تقدم ذكره وهو المحسود. " ومنهم من صد عنه " أعرض فلم يؤمن به. وقيل :الضمير في " به " راجع إلى إبراهيم. والمعنى :فمن آل إبراهيم من آمن به ومنهم من صد عنه. وقيل :يرجع إلى الكتاب. والله أعلم.
قد تقدم معنى الإصلاء أول السورة١. وقرأ حميد بن قيس " نصليهم " بفتح النون أي نشويهم. يقال :شاة مصلية. ونصب " نارا " على هذه القراءة بنزع الخافض تقديره بنار. " كلما نضجت جلودهم " يقال :نضج الشيء نضجا٢ ونضجا، وفلان نضيج الرأي محكمه. والمعنى في الآية :تبدل الجلود جلودا أخر. فإن قال من يطعن في القرآن من الزنادقة :كيف جاز أن يعذب جلدا لم يعصه ؟ قيل له :ليس الجلد بمعذب ولا معاقب، وإنما الألم واقع على النفوس ؛ لأنها هي التي تحس وتعرف فتبديل الجلود زيادة في عذاب النفوس. يدل عليه قوله تعالى :" ليذوقوا العذاب " وقوله تعالى :" كلما خبت زدناهم سعيرا٣ " [ الإسراء :٩٧ ]. فالمقصود تعذيب الأبدان وإيلام الأرواح. ولو أراد الجلود لقال :ليذقن العذاب. مقاتل :تأكله النار كل يوم سبع مرات. الحسن :سبعين ألف مرة كلما أكلتهم قيل لهم :عودوا فعادوا كما كانوا. ابن عمر :إذا احترقوا بدلت لهم جلود بيض كالقراطيس. وقيل :عنى بالجلود٤ السرابيل ؛ كما قال تعالى :" وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد سرابيلهم من قطران٥ " [ إبراهيم :٤٩ - ٥٠ ] سميت جلودا للزومها جلودهم على المجاورة، كما يقال للشيء الخاص بالإنسان :هو جلدة ما بين عينيه. وأنشد ابن عمر رضي الله عنه :
يلومونني في سالم وألومهم وجلدة بين العين والأنف سالم
فكلما احترقت السرابيل أعيدت. قال الشاعر :
كسا اللؤمُ تيما خضرةً في جلودها فويل لتيم من سرابيلها الخضر
فكنى عن الجلود بالسرابيل. وقيل :المعنى أعدنا الجلد الأول جديدا، كما تقول للصائغ :صغ لي من هذا الخاتم خاتما غيره، فيكسره ويصوغ لك منه خاتما. فالخاتم المصوغ هو الأول إلا أن الصياغة تغيرت والفضة واحدة. وهذا كالنفس إذا صارت ترابا وصارت لا شيء ثم أحياها الله تعالى. وكعهدك بأخ لك صحيح٦ ثم تراه بعد ذلك٧ سقيما مدنفا فتقول له :كيف أنت ؟ فيقول :أنا غير الذي عهدت. فهو هو، ولكن حاله تغيرت. فقول القائل :أنا غير الذي عهدت، وقوله تعالى :" غيرها " مجاز. ونظيره قوله تعالى :" يوم تبدل الأرض غير الأرض٨ " [ إبراهيم :٤٨ ] وهي تلك الأرض بعينها إلا أنها تغير آكامها وجبالها وأنهارها وأشجارها، ويزاد في سعتها ويسوى ذلك منها ؛ على ما يأتي بيانه في سورة " إبراهيم٩ " عليه السلام. ومن هذا المعنى قول الشاعر :
فما الناس بالناس الذين عهدتهم ولا الدار بالدار التي كنت أعرف
وقال الشعبي :جاء رجل إلى ابن عباس فقال :ألا ترى ما صنعت عائشة. ذمت دهرها، وأنشدت بيتي لبيد :
ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف١٠ كجلد الأجرب
يتلذذون مَجَانَةً ومَذَلَّةً ويعاب قائلهم وإن لم يَشْغَبِ
فقالت :رحم الله لبيدا فكيف لو أدرك زماننا هذا ! فقال ابن عباس :لئن ذمت عائشة دهرها لقد ذمت " عاد " دهرها ؛ لأنه وجد في خزانة " عاد " بعدما هلكوا بزمن طويل كأطول ما يكون من رماح ذلك الزمن عليه مكتوب :
بلاد بها كنا ونحن بأهلها١١ إذ الناس ناس والبلاد بلاد
البلاد باقية كما هي إلا أن أحوالها وأحوال أهلها تنكرت وتغيرت.
" إن الله كان عزيزا " أي لا يعجزه شيء ولا يفوته. " حكيما " في إيعاده عباده.
١ راجع المسألة الثانية ص ٥٣ من هذا الجزء..
٢ في ج و ط و ز: نضاجا، ولم نقف عليه..
٣ راجع ج ١٠ص ٣٣٣..
٤ في ج: المراد..
٥ راجع ج ٩ ص ٣٨٢، ٣٨٥..
٦ في أ و ح: صحيحا..
٧ من ج و ط..
٨ راجع ج ٩ ص ٣٨٢، ٣٨٥..
٩ راجع ج ٩ ص ٣٨٢، ٣٨٥..
١٠ الخلف (بسكون اللام) :الأردياء الأخساء. والمجانة: ألا يبالي الإنسان بما صنع وما قيل له. ويروى: يتحدثون مخانة وملاذة. والمخانة مصدر من الخيانة والميم زائدة. ويشغب: يميل عن الطريق والقصد..
١١ في ج و ط و ز: من أهلها..
وقوله في صفة أهل الجنة :" وندخلهم ظلا ظليلا " يعني كثيفا لا شمس فيه. الحسن :وصف بأنه ظليل ؛ لأنه لا يدخله ما يدخل ظل الدنيا من الحر والسموم ونحو ذلك. وقال الضحاك :يعني ظلال الأشجار وظلال قصورها الكلبي :" ظلا ظليلا " يعني دائما.
فيه مسألتان :
الأولى :قوله تعالى :" إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات " هذه الآية من أمهات الأحكام تضمنت جميع الدين والشرع. وقد اختلف من المخاطب بها، فقال علي بن أبى طالب وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب وابن زيد :هذا خطاب لولاة المسلمين خاصة، فهي للنبي صلى الله عليه وسلم وأمرائه، ثم تتناول من بعدهم. وقال ابن جريج وغيره :ذلك خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة في أمر مفتاح الكعبة حين أخذه من عثمان بن أبي طلحة الحجبي العبدري من بني عبدالدار ومن ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وكانا كافرين وقت فتح مكة، فطلبه العباس بن عبدالمطلب لتنضاف له السدانة إلى السقاية، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة فكسر ما كان فيها من الأوثان، وأخرج مقام إبراهيم ونزل عليه جبريل بهذه الآية. قال عمر بن الخطاب :وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية، وما كنت سمعتها قبل منه، فدعا عثمان وشيبة فقال :( خذاها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم ). وحكى مكي :أن شيبة أراد ألا يدفع المفتاح، ثم دفعه، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم :خذه بأمانة الله. وقال ابن عباس :الآية في الولاة خاصة في أن يعظوا النساء في النشوز ونحوه ويردوهن إلى الأزواج. والأظهر في الآية أنها عامة في جميع الناس فهي تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال ورد الظلامات والعدل في الحكومات. وهذا اختيار الطبري. وتتناول من دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرز في الشهادات وغير ذلك، كالرجل يحكم في نازلة ما ونحوه، والصلاة والزكاة وسائر العبادات أمانة الله تعالى. وروي هذا المعنى مرفوعا من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها ) أو قال :( كل شيء إلا الأمانة١ - والأمانة في الصلاة والأمانة في الصوم والأمانة في الحديث وأشد ذلك الودائع ). ذكره أبو نعيم الحافظ في الحلية. وممن قال إن الآية عامة في الجميع البراء بن عازب وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب قالوا :الأمانة في كل شيء في الوضوء والصلاة والزكاة والجنابة والصوم والكيل والوزن والودائع، وقال ابن عباس :لم يرخص الله لمعسر ولا لموسر أن يمسك الأمانة. قلت :وهذا إجماع. وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها الأبرار منهم والفجار. قاله ابن المنذر. والأمانة مصدر بمعنى المفعول فلذلك جمع. ووجه النظم بما تقدم أنه تعالى أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وقولهم :إن المشركين أهدى سبيلا، فكان ذلك خيانة منهم فانجر الكلام إلى ذكر جميع الأمانات، فالآية شاملة بنظمها لكل أمانة وهي أعداد كثيرة كما ذكرنا. وأمهاتها في الأحكام :الوديعة واللقطة والرهن والعارية. وروى أبي بن كعب قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ). أخرجه الدارقطني. ورواه أنس وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم في " البقرة٢ " معناه. وروى أبو أمامة قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع :( العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضي والزعيم غارم ). صحيح أخرجه الترمذي وغيره. وزاد الدارقطني :فقال رجل :فعهد الله ؟ قال :( عهد الله أحق ما أدي ). وقال بمقتضى هذه الآية والحديث في رد الوديعة وأنها مضمونة على كل حال كانت مما يغاب عليها أو لا يغاب تعدي فيها أو لم يتعد - عطاء والشافعي وأحمد وأشهب. وروي أن ابن عباس وأبا هريرة رضي الله عنهما ضمنا الوديعة. وروى ابن القاسم عن مالك أن من استعار حيوانا أو غيره مما لا يغاب عليه فتلف عنده فهو مصدق في تلفه ولا يضمنه إلا بالتعدي. وهذا قول الحسن البصري والنخعي، وهو قول الكوفيين والأوزاعي قالوا :ومعنى قول عليه السلام :( العارية مؤداة ) هو كمعنى قوله تعالى :" إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ". فإذا تلفت الأمانة لم يلزم المؤتمن غرمها لأنه مصدق فكذلك العارية إذا تلفت من غير تعد ؛ لأنه لم يأخذها على الضمان، فإذا تلفت بتعديه عليها لزمه قيمتها لجنايته عليها. وروي عن علي وعمر وابن مسعود أنه لا ضمان في العارية. وروى الدارقطني عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( لا ضمان على مؤتمن ). واحتج الشافعي فيما استدل به بقول صفوان للنبي صلى الله عليه وسلم لما استعار منه الأدراع :أعارية مضمونة أو عارية مؤداة ؟ فقال :( بل عارية مؤداة ).
الثانية :قوله تعالى :" وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " قال الضحاك :بالبينة على المدعي واليمين على من أنكر. وهذا خطاب للولاة والأمراء والحكام، ويدخل في ذلك بالمعنى جميع الخلق كما ذكرنا في أداء الأمانات. قال صلى الله عليه وسلم :( إن المقسطين يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ). وقال :( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته والرجل راع على أهله وهو مسؤول عنهم والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسؤولة عنه والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ). فجعل في هذه الأحاديث الصحيحة كل هؤلاء رعاة :وحكاما على مراتبهم، وكذلك العالم الحاكم ؛ لأنه إذا أفتى٣ حكم وقضى وفصل بين الحلال والحرام، والفرض والندب، والصحة والفساد، فجميع ذلك أمانة تؤدى وحكم يرضى. وقد تقدم في ( البقرة )٤ القول في " نعما ".
قوله تعالى :" إن الله كان سميعا بصيرا " وصف الله تعالى نفسه بأنه سميع بصير يسمع ويرى، كما قال تعالى :" إنني معكما أسمع وأرى٥ " [ طه :٤٦ ] فهذا طريق السمع. والعقل يدل على ذلك، فإن انتفاء السمع والبصر يدل على نقيضهما من العمى والصمم، إذ المحل القابل للضدين لا يخلو من أحدهما، وهو تعالى مقدس عن النقائص ويستحيل صدور الأفعال الكاملة من المتصف، بالنقائص، كخلق السمع والبصر ممن ليس له سمع ولا بصر. وأجمعت الأمة على تنزيهه تعالى عن النقائص وهو أيضا دليل سمعي يكتفى به مع نص القرآن في مناظرة من تجمعهم كلمة الإسلام. جل الرب تبارك وتعالى عما يتوهمه المتوهمون ويختلقه المفترون الكاذبون " سبحان ربك رب العزة عما يصفون٦ " [ الصافات :١٨٠ ].
١ تقدم الحديث "القتل في سبيل الله يكفر كل شيء تقدم الحديث "القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين" راجع ص ٢٧٢ ج ٤ فما بعد..
٢ راجع ج ٣ ص ٤٠٦ فما بعدها..
٣ في ج و ط و ز: إذا حكم أفتى..
٤ راجع ج ٣ ص ٣٣٢..
٥ راجع ج ١١ ص ٢٠١..
٦ راجع ج ١٥ ص ١٤٠..
فيه ثلاث مسائل :
الأولى :لما تقدم إلى الولاة في الآية المتقدمة وبدأ بهم فأمرهم بأداء الأمانات وأن يحكموا بين الناس بالعدل، تقدم في هذه الآية إلى الرعية فأمر بطاعته جل وعز أولا، وهي امتثال أوامره واجتناب نواهيه، ثم بطاعة رسوله ثانيا فيما أمر به ونهى عنه، ثم بطاعة الأمراء ثالثا، على قول الجمهور وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم. قال سهل بن عبدالله التستري :أطيعوا السلطان في سبعة :ضرب الدراهم والدنانير، والمكاييل والأوزان، والأحكام والحج والجمعة والعيدين والجهاد. قال سهل :وإذا نهى السلطان العالم أن يفتي فليس له أن يفتي، فإن أفتى فهو عاص وإن كان أميرا جائرا. وقال ابن خويز منداد :وأما طاعة السلطان فتجب فيما كان له فيه طاعة، ولا تجب فيما كان لله فيه معصية ؛ ولذلك قلنا :إن ولاة زماننا لا تجوز طاعتهم ولا معاونتهم ولا تعظيمهم، ويجب الغزو معهم متى غزوا، والحكم من قولهم، وتولية الإمامة والحسبة، وإقامة ذلك على وجه الشريعة. وإن صلوا بنا وكانوا فسقة من جهة المعاصي جازت الصلاة معهم، وإن كانوا مبتدعة لم تجز الصلاة معهم إلا أن يخافوا فيصلي معهم تقية وتعاد الصلاة. قلت :روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال :حق على الإمام أن يحكم بالعدل، ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك وجب على المسلمين أن يطيعوه ؛ لأن الله تعالى أمرنا بأداء الأمانة والعدل، ثم أمر بطاعته. وقال جابر بن عبدالله ومجاهد :" أولو الأمر " أهل القرآن والعلم، وهو اختيار مالك رحمه الله، ونحوه قول الضحاك قال :يعني الفقهاء والعلماء في الدين. وحكي عن مجاهد أنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة. وحكى عن عكرمة أنها إشارة إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما خاصة. وروى سفيان بن عيينة عن الحكم بن أبان أنه سأل عكرمة عن أمهات الأولاد فقال :هن حرائر. فقلت بأي شيء ؟ قال بالقرآن. قلت :بأي شيء في القرآن ؟ قال :قال الله تعالى :" أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " وكان عمر من أولي الأمر قال :عتقت ولو بسقط.
وسيأتي هذا المعنى مبينا في سورة " الحشر " عند قوله تعالى :" وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا١ " [ الحشر :٧ ]. وقال ابن كيسان :هم أولو العقل، الرأي الذين يدبرون أمر الناس.
قلت :وأصح هذه الأقوال الأول والثاني، أما الأول فلأن أصل الأمر منهم والحكم إليهم. وروى الصحيحان عن ابن عباس قال :نزل " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " في عبدالله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية. قال أبو عمر :وكان في عبدالله بن حذافة دعابة معروفة، ومن دعابته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره على سرية فأمرهم أن يجمعوا حطبا ويوقدوا نارا، فلما أوقدوها أمرهم بالتقحم فيها، فقال لهم :ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم بطاعتي ؟ ! وقال :( من أطاع أميري فقد أطاعني ). فقالوا :ما آمنا بالله واتبعنا رسوله إلا لننجو من النار ! فصوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلهم وقال :( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق قال الله تعالى :" ولا تقتلوا أنفسكم٢ " [ النساء :٢٩ ] ). وهو حدث صحيح الإسناد مشهور. وروى محمد بن عمرو بن علقمة عن عمر بن الحكم٣ بن ثوبان أن أبا سعيد الخدري قال :كان عبدالله بن حذافة بن قيس، السهمي من أصحاب بدر وكانت فيه دعابة. وذكر الزبير قال :حدثني عبدالجبار بن سعيد عن عبدالله بن وهب عن الليث بن سعد قال :بلغني أنه حل حزام راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، حتى كاد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع. قال ابن وهب :فقلت لليث ليُضْحِكه ؟ قال :نعم كانت فيه دعابة. قال ميمون بن مهران ومقاتل والكلبي :" أولوا الأمر " أصحاب السرايا. وأما القول الثاني فيدل على صحته قوله تعالى " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ". فأمر تعالى برد المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وليس لغير العلماء معرفة كيفية الرد إلى الكتاب والسنة، ويدل هذا على صحة كون سؤال العلماء واجبا، وامتثال فتواهم لازما. قال سهل بن عبدالله رحمه الله :لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء، فإذا عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإذا استخفوا بهذين أفسد دنياهم وأخراهم. وأما القول الثالث فخاص، وأخص منه القول الرابع. وأما الخامس فيأباه ظاهر اللفظ وإن كان المعنى صحيحا، فإن العقل لكل فضيلة أس، ولكل أدب ينبوع، وهو الذي جعله الله للدين أصلا وللدنيا عمادا، فأوجب الله التكليف بكمال، وجعل الدنيا مدبرة بأحكامه ؛ والعاقل أقرب إلى ربه تعالى من جميع المجتهدين بغير عقل وروي هذا المعنى عن ابن عباس. وزعم قوم أن المراد بأولي الأمر علي والأئمة المعصومون. ولو كان كذلك ما كان لقوله :" فردوه إلى الله والرسول " معنى، بل كان يقول فردوه إلى الإمام وأولي الأمر، فإن قوله عند هؤلاء هو المحكم على الكتاب والسنة. وهذا قول مهجور مخالف لما عليه الجمهور. وحقيقة الطاعة امتثال الأمر، كما أن المعصية ضدها وهي مخالفة الأمر. والطاعة مأخوذة من أطاع إذا انقاد، والمعصية مأخوذة من عصى إذا اشتد. و " أولو " واحدهم " ذو " على غير قياس كالنساء والإبل والخيل، كل واحد اسم الجمع ولا واحد له من لفظه. وقد قيل في واحد الخيل :خائل وقد تقدم٤.
الثانية :قوله تعالى :" فإن تنازعتم في شيء " أي تجادلتم واختلفتم، فكأن كل واحد ينتزع حجة الآخر ويذهبها. والنزع الجذب. والمنازعة مجاذبة الحجج ؛ ومنه الحديث ( وأنا أقول ما لي ينازعني القرآن )٥. وقال الأعشى :
نازعتم قضب الريحان متكئا وقهوةً مُزَّةً راووقها٦ خَضِل
الخضل النبات الناعم والخضيلة الروضة٧ " في شيء " أي من أمر دينكم. " فردوه إلى الله والرسول " أي ردوا ذلك الحكم إلى كتاب الله أو إلى رسوله بالسؤال في حياته، أو بالنظر في سنته بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، هذا قول مجاهد والأعمش وقتادة، وهو الصحيح. ومن لم ير هذا اختل إيمانه ؛ لقوله تعالى :" إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ". وقيل :المعنى قولوا الله ورسوله أعلم ؛ فهذا هو الرد. وهذا كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه :الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. والقول الأول أصح ؛ لقول علي رضي الله عنه :ما عندنا إلا ما في كتاب الله وما في هذه الصحيفة، أو فهم أعطيه رجل مسلم. ولو كان كما قال هذا القائل لبطل الاجتهاد الذي خص به هذه الأمة والاستنباط الذي أعطيها، ولكن تضرب الأمثال ويطلب المثال حتى يخرج الصواب. قال أبو العالية :وذلك قوله تعالى :" ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم " [ النساء :٨٣ ]. نعم، ما كان مما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه فذلك الذي يقال فيه :الله أعلم. وقد استنبط علي رضي الله عنه مدة أقل الحمل - وهو ستة أشهر - من قوله تعالى :" وحمله وفصاله ثلاثون شهرا٨ " [ الأحقاف :١٥ ] وقوله تعالى :" والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين٩ " [ البقرة :٢٣٣ ] فإذا فصلنا الحولين من ثلاثين شهرا بقيت ستة أشهر، ومثله كثير. وفي قوله تعالى :" وإلى الرسول " دليل على أن سنته صلى الله عليه وسلم يعمل بها ويمتثل ما فيها. قال صلى الله عليه وسلم :( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم ) أخرجه مسلم. وروى أبو داود عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ). وعن العرباض بن سارية أنه حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس وهو يقول :( أيحسب أحدكم متكئا١٠ على أريكته قد يظن أن الله لم يحرم شيئا إلا ما في هذا القرآن ألا وإني والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر ). وأخرجه الترمذي من حديث المقدام بن معديكرب بمعناه وقال :حديث حسن غريب. والقاطع قوله تعالى :" فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة١١ " [ النور :٦٣ ] الآية. وسيأتي.
الثالثة :قوله تعالى :" ذلك خير " أي ردكم ما اختلفتم فيه إلى الكتاب والسنة خير من التنازع. " وأحسن تأويلا " أي مرجعا، من آل يؤول إلى كذا أي صار. وقيل :من ألت الشيء إذا جمعته وأصلحته. فالتأويل جمع معاني ألفاظ أشكلت بلفظ لا إشكال فيه، يقال :أول الله عليك أمرك أي جمعه. ويجوز أن يكون المعنى وأحسن من تأويلكم.
١ راجع ج ١٨ ص ١٠ فما بعدها..
٢ تقدم في ص ١٤٩..
٣ عمر بن الحكم بن ثوبان أبو حفص المدني..
٤ راجع ج ٤ ص ٢٢..
٥ في نهاية ابن الأثير ولسان العرب: ﴿مالي أنازع القرآن﴾. وينازعني :يجاذبني في القراءة، ذلك أن بعض المأمومين جهر خلفه فنازعه قراءته فشغله، فنهاه عن الجهر بالقراءة في الصلاة خلفه..
٦ الراووق: المصفاة..
٧ الزيادة في ج..
٨ راجع ج ١٦ ص ١٩٢..
٩ راجع ج ٣ ص ١٦٠..
١٠ قوله: "متكئا على أريكته": جالسا على سريره المزين، وهذا بيان لحماقته وسوء أدبه كما هو أدب المتنعمين المغرورين بالمال. وقال الخطابي: أراد به أصحاب الترفه والدعة الذين لزموا البيوت ولم يطلبوا بالأسفار الحديث من أهله فيرده حيث لا يوافق هواه (عن ابن ماجه)..
١١ راجع ج ١٢ ص ٣٢٢..
روى يزيد بن زريع عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال :كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فدعا اليهودي المنافق إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة. ودعا المنافق اليهودي إلى حكامهم ؛ لأنه علم أنهم يأخذون الرشوة في أحكامهم ؛ فلما اجتمعا على أن يحكما كاهنا في جهينة، فأنزل الله تعالى في ذلك :" ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك " يعني المنافق. " وما أنزل من قبلك " يعني اليهودي. " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت " إلى قوله :" ويسلموا تسليما " وقال الضحاك :دعا اليهودي المنافق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف وهو " الطاغوت " ورواه أبو صالح عن ابن عباس قال :كان بين رجل من المنافقين يقال له بشر وبين يهودي خصومة ؛ فقال اليهودي :انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق :بل إلى كعب بن الأشرف وهو الذي سماه الله " الطاغوت " أي ذو الطغيان فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى ذلك المنافق أتى معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي. فلما خرجا قال المنافق :لا أرضى، انطلق بنا إلى أبي بكر، فحكم لليهودي فلم يرض ذكره الزجاج وقال :انطلق بنا إلى عمر، فأقبلا على عمر فقال اليهودي :إنا صرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إلى أبي بكر فلم يرض، فقال عمر للمنافق :أكذلك هو ؟ قال :نعم. قال :رويدكما حتى أخرج إليكما. فدخل وأخذ السيف ثم ضرب به المنافق حتى برد١، وقال :هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله، وهرب اليهودي، ونزلت الآية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أنت الفاروق ). ونزل جبريل وقال :إن عمر فرق بين الحق والباطل، فسمي الفاروق. وفي ذلك نزلت الآيات كلها إلى قوله :" ويسلموا تسليما " [ النساء :٦٥ ] وانتصب :" ضلالا " على المعنى، أي فيضلون ضلالا، ومثله قوله تعالى :" والله أنبتكم من الأرض نباتا٢ " [ نوح :١٧ ]. وقد تقدم هذا المعنى مستوفى٣. و " صدودا " اسم للمصدر عند الخليل، والمصدر الصد. والكوفيون يقولون :هما مصدران.
١ برد (بفتح الموحدة والراء): أي مات..
٢ راجع ج ١٨ ص ٣٠٥..
٣ راجع ج ٤ ص ٦٩..
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٠: روى يزيد بن زريع عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال :كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فدعا اليهودي المنافق إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة. ودعا المنافق اليهودي إلى حكامهم ؛ لأنه علم أنهم يأخذون الرشوة في أحكامهم ؛ فلما اجتمعا على أن يحكما كاهنا في جهينة، فأنزل الله تعالى في ذلك :" ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك " يعني المنافق. " وما أنزل من قبلك " يعني اليهودي. " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت " إلى قوله :" ويسلموا تسليما " وقال الضحاك :دعا اليهودي المنافق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف وهو " الطاغوت " ورواه أبو صالح عن ابن عباس قال :كان بين رجل من المنافقين يقال له بشر وبين يهودي خصومة ؛ فقال اليهودي :انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق :بل إلى كعب بن الأشرف وهو الذي سماه الله " الطاغوت " أي ذو الطغيان فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى ذلك المنافق أتى معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي. فلما خرجا قال المنافق :لا أرضى، انطلق بنا إلى أبي بكر، فحكم لليهودي فلم يرض ذكره الزجاج وقال :انطلق بنا إلى عمر، فأقبلا على عمر فقال اليهودي :إنا صرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إلى أبي بكر فلم يرض، فقال عمر للمنافق :أكذلك هو ؟ قال :نعم. قال :رويدكما حتى أخرج إليكما. فدخل وأخذ السيف ثم ضرب به المنافق حتى برد١، وقال :هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله، وهرب اليهودي، ونزلت الآية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أنت الفاروق ). ونزل جبريل وقال :إن عمر فرق بين الحق والباطل، فسمي الفاروق. وفي ذلك نزلت الآيات كلها إلى قوله :" ويسلموا تسليما " [ النساء :٦٥ ] وانتصب :" ضلالا " على المعنى، أي فيضلون ضلالا، ومثله قوله تعالى :" والله أنبتكم من الأرض نباتا٢ " [ نوح :١٧ ]. وقد تقدم هذا المعنى مستوفى٣. و " صدودا " اسم للمصدر عند الخليل، والمصدر الصد. والكوفيون يقولون :هما مصدران.
١ برد (بفتح الموحدة والراء): أي مات..
٢ راجع ج ١٨ ص ٣٠٥..
٣ راجع ج ٤ ص ٦٩..

أي " فكيف " يكون حالهم، أو " فكيف " يصنعون " إذا أصابتهم مصيبة " أي ترك الاستعانة بهم، وما يلحقهم من الذل في قوله :" فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا١ " [ التوبة :٨٣ ]. وقيل :يريد قتل صاحبهم " بما قدمت أيديهم " وتم الكلام. ثم ابتدأ يخبر عن فعلهم، وذلك أن عمر لما قتل صاحبهم جاء قومه يطلبون ديته ويحلفون ما نريد بطلب ديته إلا الإحسان وموافقة الحق. وقيل :المعنى ما أردنا بالعدول عنك في المحاكمة إلا التوفيق بين الخصوم، والإحسان بالتقريب في الحكم. ابن كيسان :عدلا وحقا، نظيرها " وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى٢ " [ التوبة :١٠٧ ].
١ راجع ج ٨ ص ٢١٧..
٢ راجع ج ٨ ص ٢٥٢ فما بعدها..
فقال الله تعالى مكذبا لهم :" أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم " قال الزجاج :معناه قد علم الله أنهم منافقون. والفائدة لنا :اعلموا أنهم منافقون. " فأعرض عنهم " قيل :عن عقابهم. وقيل :عن قبول اعتذارهم " وعظهم " أي خوفهم. قيل في الملأ. " وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا " أي ازجرهم بأبلغ الزجر في السر والخلاء. الحسن :قل لهم إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلتكم. وقد بلغ القول بلاغة ؛ ورجل بليغ يبلغ بلسانه كنه ما في قلبه. والعرب تقول :أحمق بَلْغٌ وبِلْغٌ، أي نهاية في الحماقة. وقيل :معناه يبلغ ما يريد وإن كان أحمق. ويقال :إن قوله تعالى :" فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم " نزل في شأن الذين بنوا مسجد الضرار١، فلما أظهر الله نفاقهم، وأمرهم بهدم المسجد حلفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم دفاعا عن أنفسهم :ما أردنا ببناء المسجد إلا طاعة الله وموافقة الكتاب.
١ هو مسجد بقباء، وهي قرية على بعد ميلين من المدينة على يسار القاصد إلى مكة، وهذا المسجد يتطوع العوام بهدمه. (معجم البلدان)..
قوله تعالى :" وما أرسلنا من رسول " " من " زائدة للتوكيد. " إلا ليطاع " فيما أمر به ونهى عنه. " بإذن الله " بعلم الله. وقيل :بتوفيق الله. " ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول " روى أبو صادق١ عن علي قال :قدم علينا أعرابي بعد ما دفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحثا على رأسه من ترابه، فقال :قلت يا رسول الله فسمعنا قولك، ووعيت عن الله فوعينا عنك، وكان فيما أنزل الله عليك " ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم " الآية، وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي. فنودي من القبر أنه قد غفر لك. " لوجدوا الله توابا رحيما " أي قابلا لتوبتهم، وهما مفعولان لا غير.
١ الأزدي الكوفي أرسل عن علي..
فيه خمس مسائل :
الأولى :قال مجاهد وغيره :المراد بهذه الآية من تقدم ذكره ممن أراد التحاكم إلى الطاغوت وفيهم نزلت. وقال الطبري :قوله " فلا " رد على ما تقدم ذكره ؛ تقديره فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، ثم استأنف القسم بقوله :" وربك لا يؤمنون ". وقال غيره :إنما قدم " لا " على القسم اهتماما بالنفي وإظهارا لقوته، ثم كرره بعد القسم تأكيدا للتهمم بالنفي، وكان يصح إسقاط " لا " الثانية ويبقى أكثر الاهتمام بتقديم الأولى، وكان يصح إسقاط الأولى ويبقى معنى النفي ويذهب معنى الاهتمام. و " شجر " معناه اختلف واختلط ؛ ومنه الشجر لاختلاف أغصانه. ويقال لعصي الهودج :شجار ؛ لتداخل بعضها في بعض. قال الشاعر :
نفسي فداؤك والرماح شواجر والقوم ضُنك للقاءِ قيام
وقال طرفة :
وهم الحكام أرباب الهدى وسعاة الناس في الأمر الشَّجِر
وقالت طائفة :نزلت في الزبير مع الأنصاري، وكانت الخصومة في سقي بستان ؛ فقال عليه السلام للزبير :( اسق أرضك ثم أرسل الماء إلى أرض جارك ). فقال الخصم :أراك تحابي ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال للزبير :( اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر )١ ونزل :" فلا وربك لا يؤمنون ". الحديث ثابت صحيح رواه البخاري عن علي بن عبدالله عن محمد بن جعفر عن معمر، ورواه مسلم عن قتيبة كلاهما عن الزهري. واختلف أهل هذا القول في الرجل الأنصاري، فقال بعضهم :هو رجل من الأنصار من أهل بدر. وقال مكي والنحاس :هو حاطب بن أبي بلتعة. وقال الثعلبي والواحدي والمهدوي :هو حاطب. وقيل :ثعلبة بن حاطب. وقيل غيره :والصحيح القول الأول ؛ لأنه غير معين ولا مسمى، وكذا في البخاري ومسلم أنه رجل من الأنصار. واختار الطبري أن يكون نزول الآية في المنافق واليهودي. كما قال مجاهد، ثم تتناول بعمومها قصة الزبير. قال ابن العربي :وهو الصحيح، فكل من اتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحكم فهو كافر، لكن الأنصاري زل زلة فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم وأقال عثرته لعلمه بصحة يقينه، وأنها كانت فلتة وليست لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم. وكل من لم يرض بحكم الحاكم وطعن فيه ورده فهي ردة٢ يستتاب. ( أما إن طعن في الحاكم نفسه لا في الحكم فله تعزيره وله أن يصفح عنه وسيأتي بيان هذا في آخر سورة " الأعراف " ٣ إن شاء الله تعالى.
الثانية :وإذا كان سبب نزول هذه الآية ما ذكرناه من الحديث ففقهها أنه عليه السلام سلك مع الزبير وخصمه مسلك الصلح فقال :( اسق يا زبير ) لقربه من الماء ( ثم أرسل الماء إلى جارك ). أي تساهل في حقك ولا تستوفه وعجل في إرسال الماء إلى جارك. فحضه على المسامحة والتيسير، فلما سمع الأنصاري هذا لم يرض بذلك وغضب ؛ لأنه كان يربد ألا يمسك الماء أصلا، وعند ذلك نطق بالكلمة الجائرة المهلكة الفاقرة فقال :آن كان ابن عمتك ؟ بمد همزة " أن " المفتوحة على جهة الإنكار، أي أتحكم له علي لأجل أنه قرابتك ؟. فعند ذلك تلون وجه النبي صلى الله عليه وسلم غضبا عليه، وحكم للزبير باستيفاء حقه من غير مسامحة له. وعليه لا يقال :كيف حكم في حال غضبه وقد قال :( لا يقضى القاضي وهو غضبان ) ؟ فإنا نقول :لأنه معصوم من الخطأ في التبليغ والأحكام، بدليل العقل الدال على صدقه فيما يبلغه عن الله تعالى فليس مثل غيره من الحكام. وفي هذا الحديث إرشاد الحاكم إلى الإصلاح بين الخصوم وإن ظهر الحق. ومنعه مالك، واختلف فيه قول الشافعي. وهذا الحديث حجة واضحة على الجواز، فإن اصطلحوا وإلا استوفى لذي الحق حقه وثبت الحكم.
الثالثة :واختلف أصحاب مالك في صفة إرسال الماء الأعلى إلى الأسفل، فقال ابن حبيب :يدخل صاحب الأعلى جميع الماء في حائطه ويسقي به، حتى إذا بلغ الماء من قاعة الحائط إلى الكعبين من القائم فيه أغلق مدخل الماء، وصرف ما زاد من الماء على مقدار الكعبين إلى من يليه، فيصنع به مثل ذلك حتى يبلغ السيل إلى أقصى الحوائط. وهكذا فسره لي مطرف وابن الماجشون. وقاله ابن وهب. وقال ابن القاسم :إذا انتهى الماء في الحائط إلى مقدار الكعبين أرسله كله إلى من تحته ولا يحبس منه شيئا في حائطه. قال ابن حبيب :وقول مطرف وابن الماجشون أحب إلي وهم أعلم بذلك ؛ لأن المدينة دارهما ومها كانت القضية وفيها جرى العمل.
الرابعة :روى مالك عن عبدالله بن أبي بكر أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في سيل مهزور ومذينب٤ :( يمسك حتى الكعبين ثم يرسل الأعلى على الأسفل ). قال أبو عمر :" لا أعلم هذا الحديث يتصل عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه من الوجوه، وأرفع أسانيده ما ذكره محمد بن إسحاق عن أبي مالك بن ثعلبة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه أهل مهزور، فقضى أن الماء إذا بلغ الكعبين لم يحبس الأعلى. وذكر عبدالرزاق عن أبي حازم القرطبي عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم٥ قضى في سيل مهزور أن يحبس على كل حائط حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل. وغيره من السيول كذلك. وسئل أبو بكر البزار عن حديث هذا الباب فقال :لست أحفظ فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا يثبت. قال أبو عمر :في هذا المعنى - وإن لم يكن بهذا اللفظ حديث ثابت مجتمع على صحته. رواه ابن وهب عن الليث بن سعد ويونس بن يزيد جميعا عن ابن شهاب أن عروة بن الزبير حدثه أن عبدالله بن الزبير حدثه عن الزبير أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج٦ الحرة كانا يسقيان بها كلاهما النخل، فقال الأنصاري :سرح الماء، فأبى عليه، فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم " وذكر الحديث. قال أبو عمر :وقوله في الحديث :( يرسل ) وفي الحديث الآخر ( إذا بلغ الماء الكعبين لم يحبس الأعلى ) يشهد لقول ابن القاسم. ومن جهة النظر أن الأعلى لو لم يرسل إلا ما زاد على الكعبين لا يقطع ذلك الماء في أقل مدة، ولم ينته حيث ينتهي إذا أرسل الجميع، وفي إرسال الجميع بعد أخذ الأعلى منه ما بلغ الكعبين أعم فائدة وأكثر نفعا فيما قد جعل الناس فيه شركاء، فقول ابن القاسم أولى على كل حال. هذا إذا٧ لم يكن أصله ملكا للأسفل مختصا به، فإن ما استحق بعمل أو بملك صحيح أو استحقاق قديم وثبوت ملك فكل على حقه على حسب ما كان من ذلك بيده وعلى أصل مسألته. وبالله التوفيق.
الخامسة :قوله تعالى :" ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت " أي ضيقا وشكا، ومنه قيل للشجر الملتف :حرج وحرجة، وجمعها حراج. وقال الضحاك :أي إثما بإنكارهم ما قضيت. " ويسلموا تسليما " أي ينقادوا لأمرك في القضاء. وقال الزجاج :" تسليما " مصدر مؤكد، فإذا قلت :ضربت ضربا فكأنك قلت لا أشك فيه، وكذلك " ويسلموا تسليما " أي ويسلموا لحكمك تسليما لا يدخلون على أنفسهم شكا.
١ الجدر: وهو ما رفع حول المزرعة كالجدار..
٢ عبارة ابن العربي: وكل من لم يرض بحكم الحاكم بعده فهو عاص آثم..
٣ راجع ج ٧ ص ٣٤٤ فما بعدها..
٤ مهزور ومذينب: واديان بالمدينة يسيلان بماء المطر خاصة..
٥ الزيادة عن كتاب "التمهيد" لأبي عمر بن عبد البر..
٦ شراج: بشين معجمة مكسورة آخره جيم جمع شرجة بفتح فسكون، وهي مسايل الماء بالحرة (بفتح فتشديد) وهي أرض ذات حجارة سود..
٧ في ج و ط: هذا ما لم يكن..
سبب نزولها ما روى أن ثابت بن قيس بن شماس تفاخر هو ويهودي، فقال اليهودي :والله لقد كتب علينا أن نقتل أنفسنا فقتلنا، وبلغت القتلى سبعين ألفا، فقال ثابت :والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم لفعلنا. وقال أبو إسحاق السبيعي :لما نزلت " ولو أنا كتبنا عليهم " الآية، قال رجل :لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :( إن من أمتي رجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي ). قال ابن وهب قال مالك :القائل ذلك هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه ؛ وهكذا ذكر مكي أنه أبو بكر. وذكر النقاش أنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وذكر عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال :لو كتب علينا ذلك لبدأت بنفسي وأهل بيتي. وذكر أبو الليث السمرقندي :أن القائل منهم عمار بن ياسر وابن مسعود وثابت بن قيس، قالوا :لو أن الله أمرنا أن نقتل أنفسنا أو نخرج من ديارنا لفعلنا ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( الإيمان أثبت في قلوبنا الرجال من الجبال الرواسي ). و " لو " حرف يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره ؛ فأخبر الله سبحانه أنه لم يكتب ذلك علينا رفقا بنا لئلا تظهر معصيتنا. فكم من أمر قصرنا عنه مع خفته فكيف بهذا الأمر مع ثقله ! لكن أما والله لقد ترك المهاجرون مساكنهم خاوية وخرجوا يطلبون بها عيشة راضية. " ما فعلوه " أي القتل والخروج " إلا قليل منهم " " قليل " بدل من الواو، والتقدير ما فعله أحد إلا قليل. وأهل الكوفة يقولون :هو على التكرير ما فعلوه ما فعله إلا قليل منهم. وقرأ عبدالله بن عامر وعيسى بن عمر " إلا قليلا " على الاستثناء. وكذلك هو في مصاحف أهل الشام. الباقون بالرفع، والرفع أجود عند جميع النحويين. وقيل :انتصب على إضمار فعل، تقديره إلا أن يكون قليلا منهم. وإنما صار الرفع أجود لأن اللفظ أولى من المعنى، وهو أيضا يشتمل على المعنى. وكان من القليل أبو بكر وعمر وثابت بن قيس كما ذكرنا. وزاد الحسن ومقاتل وعمار وابن مسعود وقد ذكرناهما. " ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم " أي في الدنيا والآخرة. " وأشد تثبيتا " أي على الحق.
" وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما " أي ثوابا في الآخرة. وقيل :اللام لام الجواب، و " إذا " دالة على الجزاء، والمعنى لو فعلوا ما يوعظون به لآتيناهم.
أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ عَنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ خَاصَمَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شِرَاجِ «١» الْحَرَّةِ كَانَا يَسْقِيَانِ بِهَا كِلَاهُمَا النَّخْلَ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: سَرِّحِ الْمَاءَ، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: (يُرْسِلُ) وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ (إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ الْكَعْبَيْنِ لَمْ يَحْبِسِ الْأَعْلَى) يَشْهَدُ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّ الْأَعْلَى لَوْ لَمْ يُرْسِلْ إِلَّا مَا زَادَ عَلَى الْكَعْبَيْنِ لَا يَقْطَعُ ذَلِكَ الْمَاءَ فِي أَقَلِّ مُدَّةٍ، وَلَمْ يَنْتَهِ حَيْثُ يَنْتَهِي إِذَا أَرْسَلَ الْجَمِيعَ، وَفِي إِرْسَالِ الْجَمِيعِ بَعْدَ أَخْذِ الْأَعْلَى مِنْهُ مَا بَلَغَ الْكَعْبَيْنِ أَعَمُّ فَائِدَةً وَأَكْثَرُ نَفْعًا فِيمَا قَدْ جُعِلَ النَّاسُ فِيهِ شُرَكَاءَ، فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْلَى عَلَى كُلِّ حَالٍ. هَذَا إِذَا «٢» لَمْ يَكُنْ أَصْلُهُ مِلْكًا لِلْأَسْفَلِ مُخْتَصًّا بِهِ، فَإِنَّ مَا اسْتَحَقَّ بِعَمَلٍ أَوْ بِمِلْكٍ صَحِيحٍ أَوِ اسْتِحْقَاقٍ قَدِيمٍ وَثُبُوتِ مِلْكٍ، فَكُلٌّ عَلَى حَقِّهِ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ بِيَدِهِ وَعَلَى أَصْلِ مَسْأَلَتِهِ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. الْخَامِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ) أَيْ ضِيقًا وَشَكًّا، وَمِنْهُ قِيلَ لِلشَّجَرِ الْمُلْتَفِّ: حَرَجٌ وَحَرَجَةٌ، وَجَمْعُهَا حِرَاجٌ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَيْ إِثْمًا بِإِنْكَارِهِمْ مَا قَضَيْتَ. (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) أَيْ يَنْقَادُوا لِأَمْرِكَ في القضاء. وقال الزجاج: (تَسْلِيماً) مصدر مؤكدو، فَإِذَا قُلْتَ: ضَرَبْتُ ضَرْبًا فَكَأَنَّكَ قُلْتَ لَا أَشُكُّ فِيهِ، وَكَذَلِكَ (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) أَيْ وَيُسَلِّمُوا لِحُكْمِكَ تَسْلِيمًا لَا يُدْخِلُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ شَكًّا.
[سورة النساء (٤): الآيات ٦٦ الى ٦٨]
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (٦٧) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٦٨)
(١). شراج: بشين معجمة مكسورة آخره جيم جمع شرجة بفتح فسكون، وهى مسايل الماء بالحرة (بفتح فتشديد) وهى أرض ذات حجارة سود.
(٢). في ج وط: هذا ما لم يكن. [..... ]
سَبَبُ نُزُولِهَا مَا رُوِيَ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ تَفَاخَرَ هُوَ وَيَهُودِيٌّ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَاللَّهِ لَقَدْ كُتِبَ عَلَيْنَا أَنْ نَقْتُلَ أَنْفُسَنَا فَقَتَلْنَا، وَبَلَغَتِ الْقَتْلَى سَبْعِينَ أَلْفًا، فَقَالَ ثَابِتٌ : وَاللَّهِ لَوْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْنَا أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ لَفَعَلْنَا. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ: لَمَّا نَزَلَتْ (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ) الْآيَةَ، قَالَ رَجُلٌ : لَوْ أُمِرْنَا لَفَعَلْنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانَا. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (إِنَّ مِنْ أُمَّتِي رِجَالًا الْإِيمَانُ أَثْبَتُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي). قَالَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ مَالِكٌ : الْقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهَكَذَا ذَكَرَ مَكِّيٌّ أَنَّهُ أَبُو بَكْرٍ. وَذَكَرَ النَّقَّاشُ أَنَّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَذُكِرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ كُتِبَ عَلَيْنَا ذَلِكَ لَبَدَأْتُ بِنَفْسِي وَأَهْلِ بَيْتِي. وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ: أَنَّ الْقَائِلَ مِنْهُمْ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، قَالُوا: لَوْ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا أَنْ نَقْتُلَ أَنْفُسَنَا أَوْ نَخْرُجَ مِنْ دِيَارِنَا لَفَعَلْنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْإِيمَانُ أَثْبَتُ فِي قلوب الرجال من الجبال الرواسي). و (لَوْ) حَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ الشَّيْءِ لِامْتِنَاعِ غَيْرِهِ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ ذَلِكَ عَلَيْنَا رِفْقًا بِنَا لِئَلَّا تَظْهَرَ مَعْصِيَتُنَا. فَكَمْ مِنْ أَمْرٍ قَصَّرْنَا عَنْهُ مَعَ خِفَّتِهِ فَكَيْفَ بِهَذَا الْأَمْرِ مَعَ ثِقَلِهِ! لَكِنْ أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ تَرَكَ الْمُهَاجِرُونَ مَسَاكِنَهُمْ خَاوِيَةً وَخَرَجُوا يَطْلُبُونَ بِهَا عِيشَةً رَاضِيَةً. (مَا فَعَلُوهُ) أَيِ الْقَتْلَ وَالْخُرُوجَ (إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ) (قَلِيلٌ) بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ، وَالتَّقْدِيرُ مَا فَعَلَهُ أَحَدٌ إِلَّا قَلِيلٌ. وَأَهْلُ الْكُوفَةِ يَقُولُونَ: هُوَ عَلَى التَّكْرِيرِ مَا فَعَلُوهُ مَا فَعَلَهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ. وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ (إِلَّا قَلِيلًا) عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ. وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الشَّامِ. الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ، وَالرَّفْعُ أَجْوَدُ عِنْدَ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ. وَقِيلَ: انْتَصَبَ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ، تَقْدِيرُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا مِنْهُمْ. وَإِنَّمَا صَارَ الرَّفْعُ أَجْوَدَ لِأَنَّ اللَّفْظَ أَوْلَى مِنَ الْمَعْنَى، وَهُوَ أَيْضًا يَشْتَمِلُ عَلَى الْمَعْنَى. وَكَانَ مِنَ الْقَلِيلِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ كَمَا ذَكَرْنَا. وَزَادَ الْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ وعمارا وَابْنَ مَسْعُودٍ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا. (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ) أفي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. (وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً) أَيْ عَلَى الْحَقِّ. (وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً) أَيْ ثَوَابًا فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: اللَّامُ لَامُ الْجَوَابِ، و (إِذاً) دَالَّةٌ عَلَى الْجَزَاءِ، وَالْمَعْنَى لَوْ فَعَلُوا مَا يوعظون به لاتيناهم.
فيه ثلاث مسائل :
الأولى :قوله تعالى :" ومن يطع الله والرسول " لما ذكر تعالى الأمر الذي لو فعله المنافقون حين وعظوا به وأنابوا إليه لأنعم عليهم، ذكر بعد ذلك ثواب من يفعله. وهذه الآية تفسير قوله تعالى :" اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم١ " [ الفاتحة :٦ - ٧ ] وهي المراد في قوله عليه السلام عند موته ( اللهم الرفيق الأعلى ). وفي البخاري عن عائشة قالت :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة ) كان في شكواه الذي مرض فيه أخذته بحة٢ شديدة فسمعته يقول :( مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ) فعلمت أنه خير. وقالت طائفة :إنما نزلت هذه الآية لما قال عبدالله بن زيد بن عبدربه الأنصاري - الذي أري الأذان - :يا رسول الله، إذا مت ومتنا كنت في عليين لا نراك ولا نجتمع بك، وذكر حزنه على ذلك فنزلت هذه الآية. وذكر مكي عن عبدالله هذا وأنه لما مات النبي صلى الله عليه وسلم قال :اللهم أعمني حتى لا أرى شيئا بعده، فعمي مكانه٣. وحكاه القشري فقال :اللهم أعمني فلا أرى شيئا بعد حبيبي حتى ألقى حبيبي، فعمي مكانه. وحكى الثعلبي :أنها نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه، يعرف في وجهه الحزن، فقال له :( يا ثوبان ما غير لونك ) فقال :يا رسول الله ما بي ضر ولا وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة وأخاف ألا أراك هناك ؛ لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين وأني إن دخلت الجنة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل فذلك حين لا أراك أبدا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ذكره الواحدي عن الكلبي. وأسند عن مسروق قال :قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم :ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا، فإنك إذا فارقتنا رفعت فوقنا، فأنزل الله تعالى :" ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ". وفي طاعة الله طاعة رسوله ولكنه ذكره تشريفا لقدره وتنويها باسمه صلى الله عليه وسلم وعلى آله. " فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم " أي هم معهم في دار واحدة ونعيم واحد يستمتعون برؤيتهم والحضور معهم، لا أنهم يساوونهم في الدرجة، فإنهم يتفاوتون لكنهم يتزاورون للاتباع في الدنيا والاقتداء. وكل من فيها قد رزق الرضا بحاله، وقد ذهب عنه اعتقاد أنه مفضول. قال الله تعالى :" ونزعنا ما في صدورهم من غل٤ " [ الأعراف :٤٣ ]. والصديق فعيل، المبالغ في الصدق أو في التصديق، والصديق هو الذي يحقق بفعله ما يقول بلسانه. وقيل :هم فضلاء أتباع الأنبياء الذين يسبقونهم إلى التصديق كأبي بكر الصديق. وقد تقدم في البقرة اشتقاق الصديق٥ ومعنى الشهيد. والمراد هنا بالشهداء عمر وعثمان وعلي، والصالحين سائر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. وقيل " الشهداء " القتلى في سبيل الله. " والصالحين " صالحي أمة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت :واللفظ يعم كل صالح وشهيد، والله أعلم. والرفق لين الجانب. وسمي الصاحب رفيقا لارتفاقك بصحبته، ومنه الرفقة لارتفاق بعضهم ببعض. ويجوز " وحسن أولئك رفقاء ". قال الأخفش :" رفيقا " منصوب على الحال وهو بمعنى رفقاء ؛ وقال :انتصب على التمييز فوحد لذلك، فكأن المعنى وحسن كل واحد منهم رفيقا. كما قال تعالى :" ثم نخرجكم طفلا٦ " [ الحج :٥ ] أي نخرج كل واحد منكم طفلا. وقال تعالى :" ينظرون من طرف خفي٧ " [ الشورى :٤٥ ] وينظر معنى هذه الآية قوله صلى الله عليه وسلم :( خير الرفقاء أربعة ) ولم يذكر الله تعالى هنا إلا أربعة فتأمله.
الثانية :في هذه الآية دليل على خلافة أبي بكر رضي الله عنه ؛ وذلك أن الله تعالى لما ذكر مراتب أوليائه في كتابه بدأ بالأعلى منهم وهم النبيون، ثم ثنى بالصديقين ولم يجعل بينهما واسطة. وأجمع المسلمون على تسمية أبى بكر الصديق رضي الله عنه صديقا، كما أجمعوا على تسمية محمد عليه السلام رسولا، وإذا ثبت هذا وصح أنه الصديق وأنه ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجز أن يتقدم بعده أحد. والله أعلم.
١ راجع ج ١ ص ١٤٦..
٢ البحة (بالضم): غلظ في الصوت وخشونة..
٣ من ج..
٤ راجع ج ٧ ص ٢٠٨ و ج ١٠ ص ٣٣..
٥ راجع ج ١ ص ٢٣٣. وج ٢ ص ١٧٣. و ج ٤ ص ٢٦٨..
٦ راجع ج ١٢ ص ١١..
٧ راجع ج ١٦ ص ٤٥. ينظر: يقابل؛ تقول العرب: دور آل فلان تنظر إلى دور آل فلان، أي هي بإزائها ومقابلة لها..
الثالثة :قوله تعالى :" ذلك الفضل من الله " أخبر تعالى أنهم لم ينالوا الدرجة١. بطاعتهم بل نالوها بفضل الله تعالى وكرمه. خلافا لما قالت المعتزلة :إنما ينال العبد ذلك بفعله. فلما امتن الله سبحانه على أوليائه بما آتاهم من فضله، وكان لا يجوز لأحد أن يثني على نفسه بما لم يفعله دل ذلك على بطلان قولهم. والله أعلم.
١ من ج و ط و ز، أي الدرجة التي هي المعية مع الذين الخ بدليل قوله :نالوها. وفي أ و ح و و: لم ينالوا الفضل. ولا يصح..
فيه خمس مسائل :
الأولى :قوله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم " هذا خطاب للمؤمنين المخلصين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأمر لهم بجهاد الكفار والخروج في سبيل الله وحماية الشرع. ووجه النظم والاتصال بما قبل أنه لما ذكر طاعة الله وطاعة رسوله، أمر أهل الطاعة بالقيام بإحياء دينه وإعلاء دعوته، وأمرهم ألا يقتحموا على عدوهم على جهالة حتى يتحسسوا إلى ما عندهم، ويعلموا كيف يردون عليهم، فذلك أثبت لهم فقال :" خذوا حذركم " فعلمهم مباشرة الحروب. ولا ينافي هذا التوكل بل هو مقام١ عين التوكل كما تقدم في " آل عمران٢ " ويأتي. والحِذْرُ والحَذَرُ لغتان كالمثل والمثل. قال القراء :أكثر الكلام الحذر، والحذر مسموع أيضا، يقال :خذ حذرك، أي احذر. وقيل :خذوا السلاح حذرا ؛ لأنه به الحذر والحذر لا يدفع القدر.
الثانية :خلافا للقدرية في قولهم :إن الحذر يدفع ويمنع من مكائد الأعداء، ولو لم يكن كذلك ما كان لأمرهم بالحذر معنى. فيقال لهم :ليس في الآية دليل على أن الحذر ينفع من القدر شيئا، ولكنا تعبدنا بألا نلقي بأيدينا إلى التهلكة ؛ ومنه الحديث ( اعقلها وتوكل ). وإن كان القدر جاريا على ما قضى، ويفعل الله ما يشاء، فالمراد منه طمأنينة النفس، لا أن ذلك ينفع من القدر وكذلك أخذ الحذر. الدليل على ذلك أن الله تعالى أثنى على أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله :" قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا٣ " [ التوبة :٥١ ] فلو كان يصيبهم غير ما قضى عليهم لم يكن لهذا الكلام معنى.
الثالثة :قوله تعالى :" فانفروا ثبات " يقال :نفر ينفر ( بكسر الفاء ) نفيرا. ونفرت الدابة تنفر ( بضم الفاء ) نفورا، المعنى :انهضوا لقتال العدو. واستنفر الإمام الناس دعاهم إلى النفر، أي للخروج إلى قتال العدو. والنفير اسم للقوم الذين ينفرون، وأصله من النفار والنفور وهو الفزع، ومنه قوله تعالى :" ولوا على أدبارهم نفورا٤ " [ الإسراء :٤٦ ] أي نافرين. ومنه نفر الجلد أي ورم. وتخلل رجل بالقصب فنفر فمه أي ورم. قال أبو عبيد :إنما هو من نفار الشيء من الشيء وهو تجافيه عنه وتباعده منه. قال ابن فارس :النفر عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة. والنفير النفر أيضا، وكذلك النفر والنفرة، حكاها الفراء بالهاء. ويوم النفر :يوم ينفر الناس عن منى. " ثبات " معناه جماعات متفرقات. ويقال :ثبين يجمع جمع السلامة في التأنيث والتذكير. قال عمرو بن كلثوم :
فأما يوم خشيتِنا عليهم فتصبح خيلنا عُصَبا٥ ثُبِينَا
كناية عن السرايا، الواحدة ثبة وهي العصابة من الناس. وكانت في الأصل الثبية. وقد ثبيت الجيش جعلتهم ثبة ثبة. والثبة :وسط الحوض الذي يثوب إليه الماء أي يرجع قال النحاس :وربما توهم الضعيف في العربية أنهما واحد، وأن أحدهما من الآخر، وبينهما فرق، فثبة الحوض يقال في تصغيرها :ثويبة ؛ لأنها من ثاب يثوب. ويقال في ثبة٦ الجماعة :ثيبة. قال غير :فثبة الحوض محذوفة الواو وهو عين الفعل، وثبة الجماعة معتل اللام من ثبا يثبو مثل خلا يخلو. ويجوز أن يكون الثبة بمعنى الجماعة من ثبة الحوض ؛ لأن الماء إذا ثاب اجتمع ؛ فعلى هذا تصغر به الجماعة ثوبية فتدخل إحدى الياءين في الأخرى. وقد قيل :إن ثبة الجماعة إنما اشتقت من ثبيت على الرجل إذا أثنيت عليه في حياته وجمعت محاسن ذكره فيعود إلى الاجتماع.
الرابعة :قوله تعالى :" أو انفروا جميعا " معناه الجيش الكثيف مع الرسول عليه السلام ؛ قاله ابن عباس وغيره. ولا تخرج السرايا إلا بإذن الإمام ليكون متجسسا لهم، عضدا من ورائهم، وربما احتاجوا إلى درئه. وسيأتي حكم السرايا وغنائمهم وأحكام الجيوش ووجوب النفير في " الأنفال٧ " و " براءة٨ " [ التوبة ] إن شاء الله تعالى.
الخامسة :ذكر ابن خويز منداد :وقيل إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى :" انفروا خفافا وثقالا " وبقوله :" إلا تنفروا يعذبكم " [ التوبة :٣٩ ] ؛ ولأن يكون " انفروا خفافا وثقالا " [ التوبة :٤١ ] منسوخا بقوله :" فانفروا ثبات أو انفروا جميعا " و بقوله :" وما كان المؤمنون لينفروا كافة " [ التوبة :١٢٢ ] أولى ؛ لأن فرض الجهاد تقرر على الكفاية، فمتى سد الثغور بعض المسلمين أسقط الفرض عن الباقين. والصحيح أن الآيتين جميعا محكمتان، إحداهما في الوقت الذي يحتاج فيه إلى تعين الجميع، والأخرى عند الاكتفاء بطائفة دون غيرها.
١ في ج و ط و ز..
٢ راجع ج ٤ ص ١٨٩..
٣ راجع ج ٨ ص ١٥٩..
٤ راجع ج ١٠ ص ٢٧١..
٥ العصب (جمع عصبة): الجماعات..
٦ من النحاس..
٧ راجع ج ٧ ص ٣٨٠ و ص ٤٠ فما بعد ج ٨..
٨ راجع ج ٨ ص ١٤٠ فما بعد، وص ٢٦٦ فما بعد، وص ٢٩٣ فما بعد..
قوله تعالى :" وإن منكم لمن ليبطئن " يعني المنافقين. والتبطئة والإبطاء التأخر، تقول :ما أبطأك عنا، فهو لازم. ويجوز بطأت فلانا عن كذا أي أخرته، فهو متعد. والمعنيان مراد في الآية، فكانوا يقعدون عن الخروج ويقعدون غيرهم. والمعنى إن من دخلائكم وجنسكم١ وممن أظهر إيمانه لكم. فالمنافقون في ظاهر الحال من أعداد المسلمين بإجراء أحكام المسلمين عليهم. واللام في قوله " لمن " لام توكيد، والثانية لام قسم، و " من " في موضع نصب، وصلتها " ليبطئن " لأن فيه معنى اليمين، والخبر " منكم ". وقرأ مجاهد والنخعي والكلبي " وإن منكم لمن ليبطئن " بالتخفيف، والمعنى واحد. وقيل :المراد بقوله " وإن منكم لمن ليبطئن " بعض المؤمنين ؛ لأن الله خاطبهم بقوله :" وإن منكم " وقد فرق الله تعالى بين المؤمنين والمنافقين بقوله " وما هم منكم٢ " [ التوبة :٥٦ ] وهذا يأباه مساق الكلام وظاهره. وإنما جمع بينهم في الخطاب من جهة الجنس والنسب كما بينا لا من جهة الإيمان. هذا قول الجمهور وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، والله أعلم. يدل عليه قوله " فإن أصابتكم مصيبة " أي قتل وهزيمة " قال قد أنعم الله علي " يعني بالقعود، وهذا لا يصدر إلا من منافق، لا سيما في ذلك الزمان الكريم، بعيد أن يقول مؤمن. وينظر إلى هذه الآية ما رواه الأئمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إخبارا عن المنافقين ( إن أثقل صلاة عليهم صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ) الحديث. في رواية ( ولو علم أحدهم أنه يجد عظما سمينا لشهدها ) يعني صلاة العشاء. يقول :لو لاح شيء من الدنيا يأخذونه وكانوا على يقين منه لبادروا إليه.
١ في ج: جيشكم..
٢ راجع ج ٨ ص ١٦٤..
وهو معنى قوله :" ولئن أصابكم فضل من الله " أي غنيمة وفتح " ليقولن " هذا المنافق قول نادم حاسد " يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما " " كأن لم يكن بينكم وبينه مودة١ " فالكلام فيه تقديم وتأخير. وقيل :المعنى " ليقولن كأن لم يكن بينكم وبينه مودة " أي كأن لم يعاقدكم على الجهاد. وقيل :هو في موضع نصب على الحال. وقرأ الحسن " ليقولن " بضم اللام على معنى " من " ؛ لأن معنى قوله " لمن ليبطئن " ليس يعني رجلا بعينه. ومن فتح اللام أعاد فوحد الضمير على لفظ " من ". وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم " كأن لم تكن " بالتاء على لفظ المودة. ومن قرأ بالياء جعل مودة بمعنى الود. وقول المنافق " يا ليتني كنت معهم " على وجه الحسد أو الأسف على فوت الغنيمة مع الشك في الجزاء من الله. " فأفوز " جواب التمني ولذلك نصب. وقرأ الحسن " فأفوز " بالرفع على أنه تمنى الفوز، فكأنه قال :يا ليتني أفوز فوزا عظيما. والنصب على الجواب ؛ والمعنى إن أكن معهم أفز. والنصب فيه بإضمار " أن " لأنه محمول على تأويل المصدر، التقدير يا ليتني كان لي حضور ففوز.
١ قرأ نافع بالياء وهي ما في الأصول..
فيه ثلاث مسائل :
الأولى :قوله تعالى :" فليقاتل في سبيل الله " الخطاب للمؤمنين، أي فليقاتل في سبيل الله الكفار١ " الذين يشرون " أي يبيعون، أي يبذلون أنفسهم وأموالهم لله عر وجل " بالآخرة " أي بثواب الآخرة.
الثانية :قوله تعالى :" ومن يقاتل في سبيل الله " شرط. " فيقتل أو يغلب " عطف عليه، والمجازاة " فسوف نؤتيه أجرا عظيما ". ومعنى " فيقتل " فيستشهد. " أو يغلب " يظفر فيغنم. وقرأت طائفة " ومن يقاتل " " فليقاتل " بسكون لام الأمر. وقرأت فرقة " فليقاتل " بكسر لام الأمر. فذكر تعالى غايتي حالة المقاتل واكتفى بالغايتين عما بينهما، ذكره ابن عطية.
الثالثة :ظاهر الآية٢ يقتضي التسوية بين من قتل شهيدا أو انقلب غانما. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد٣ في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي٤ فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة ) وذكر الحديث. وفيه عن عبدالله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم ). فقوله :( نائلا ما نال من أجر أو غنيمة ) يقتضي أن لمن يستشهد من المجاهدين أحد الأمرين، إما الأجر إن لم يغنم، وإما الغنيمة ولا أجر، بخلاف حديث عبدالله بن عمرو، ولما كان هذا قال قوم :حديث عبدالله بن عمرو ليس بشيء ؛ لأن في إسناده حميد بن هانئ وليس بمشهور، ورجحوا الحديث الأول عليه لشهرته. وقال آخرون :ليس بينهما تعارض ولا اختلاف. و " أو " في حديث أبي هريرة بمعنى الواو، كما يقول الكوفيون وقد دلت عليه رواية أبي داود فإنه قال فيه :( من أجر وغنيمة ) بالواو الجامعة. وقد رواه بعض رواة مسلم بالواو الجامعة أيضا. وحميد بن هانئ مصري سمع أبا عبدالرحمن الحبلى وعمرو بن مالك، وروى عنه حيوة بن شريح وابن وهب، فالحديث الأول محمول على مجرد النية والإخلاص في الجهاد، فذلك الذي ضمن الله له إما الشهادة، وإما رده إلى أهله مأجورا غانما، ويحمل الثاني على ما إذا نوى الجهاد ولكن مع نيل المغنم، فلما انقسمت نيته انحط أجره ؛ فقد دلت السنة على أن للغانم أجرا كما دل عليه الكتاب فلا تعارض. ثم قيل :إن نقص أجر الغانم على من يغنم إنما هو بما فتح الله عليه من الدنيا فتمتع به وأزال عن نفسه شظف عيشه، ومن أخفق فلم يصب شيئا بقي على شظف عيشه والصبر على حالته، فبقي أجره موفرا بخلاف الأول. ومثله قوله في الحديث الآخر :( فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئا - منهم مصعب بن عمير - ومنا من أينعت له تمرته فهو يهدبها )٥.
١ في ج و ز..
٢ في ج و ط: القرآن..
٣ في مسلم: جهادا. إيمانا. تصديقا. قال النووي: مفعول له..
٤ في ج: رسولي..
٥ هدب التمرة تهديبا واهتدبها: جناها. الظاهر أن منهم مصعب الخ من الراوي كما في أسد الغابة..
فيه ثلاث مسائل :
الأولى :قوله تعالى :" وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله " حض على الجهاد. وهو يتضمن تخليص المستضعفين من أيدي الكفرة المشركين الذين يسومونهم سوء العذاب، ويفتنونهم عن الدين، فأوجب تعالى الجهاد لإعلاء كلمته وإظهار دينه واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده، وإن كان في ذلك تلف النفوس. وتخليص الأسارى واجب على جماعة المسلمين إما بالقتال وإما بالأموال، وذلك أوجب لكونها دون النفوس إذ هي أهون منها. قال مالك :واجب على الناس أن يفدوا الأسارى بجميع أموالهم. وهذا لا خلاف فيه ؛ لقوله عليه السلام ( فكوا العاني ) وقد مضى في " البقرة " ١. وكذلك قالوا :عليهم أن يواسوهم فإن المواساة دون المفاداة. فإن كان الأسير غنيا فهل يرجع عليه الفادي أم لا ؟ قولان للعلماء، أصحهما الرجوع.
الثانية :قوله تعالى :" والمستضعفين " عطف على اسم الله عز وجل، أي وفي سبيل المستضعفين، فإن خلاص المستضعفين من سبيل الله. وهذا اختيار الزجاج وقال الزهري. وقال محمد بن يزيد :أختار أن يكون المعنى وفي المستضعفين فيكون عطفا على السبيل ؛ أي وفي المستضعفين لاستنقاذهم ؛ فالسبيلان مختلفان. ويعني بالمستضعفين من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال كفرة قريش وأذاهم وهم المعنيون بقوله عليه السلام :( اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين ). وقال ابن عباس :كنت أنا وأمي من المستضعفين. في البخاري عنه " إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان " فقال :كنت أنا وأمي ممن عذر الله، أنا من الولدان وأمي من النساء.
الثالثة :قوله تعالى :" من هذه القرية الظالم أهلها " القرية هنا مكة بإجماع من المتأولين. ووصفها بالظلم وإن كان الفعل للأهل لعلقة الضمير. وهذا كما تقول :مررت بالرجل الواسعة داره، والكريم أبوه، والحسنة جاريته. وإنما وصف الرجل بها للعلقة اللفظية بينهما وهو الضمير، فلو قلت :مررت بالرجل الكريم عمر ولم تجز المسألة ؛ لأن الكرم لعمرو فلا يجوز أن يجعل صفة لرجل إلا بعلقة وهي الهاء. ولا تثنى هذه الصفة ولا تجمع، لأنها تقوم مقام الفعل، فالمعنى أي التي ظلم أهلها ولهذا لم يقل الظالمين. وتقول :مررت برجلين كريم أبواهما حسنة جاريتاهما، وبرجال كريم آباؤهم حسنة جواريهم. " واجعل لنا من لدنك " أي من عندك. " وليا " أي من يستنقذنا " واجعل لنا من لدنك نصيرا " أي ينصرنا عليهم.
١ راجع ج ٢ ص ٢١..
قوله تعالى :" الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله " أي في طاعته. " والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت " قال أبو عبيدة والكسائي :الطاغوت يذكر ويؤنث. قال أبو عبيد :وإنما ذكر وأنث ؛ لأنهم كانوا يسمون الكاهن والكاهنة طاغوتا. قال :حدثنا حجاج عن ابن جريج قال :حدثنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبدالله وسئل عن الطاغوت التي كانوا يتحاكمون إليها فقال :كانت في جهينة واحدة وفي أسلم واحدة، وفي كل حي واحدة. قال أبو إسحاق :الدليل على أنه الشيطان قوله عز وجل :" فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا " أي مكره ومكر من اتبعه. ويقال :أراد به يوم بدر حين قال للمشركين " لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم " [ الأنفال :٤٨ ] على ما يأتي١.
١ راجع ج ٨ ص ٢٦..
روى عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أن عبدالرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا :يا نبي الله، كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة ؟ فقال :( إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم ). فلما حول الله تعالى إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فنزلت الآية. أخرجه النسائي في سننه، وقاله الكلبي. وقال مجاهد :هم يهود. قال الحسن :هي في المؤمنين ؛ لقوله :" يخشون الناس " أي مشركي مكة " كخشية الله " فهي على ما طبع عليه البشر من المخافة لا على المخالفة. قال السدي :هم قوم أسلموا قبل فرض القتال فلما فرض كرهوه. وقيل :هو وصف للمنافقين، والمعنى يخشون القتل من المشركين كما يخشون الموت من الله. " أو أشد خشية " أي عندهم وفي اعتقادهم. قلت :وهذا أشبه بسياق الآية، لقوله :" وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب " أي هلا، ولا يليها إلا الفعل. ومعاذ الله أن يصدر هذا القول من صحابي كريم يعلم أن الآجال محدودة والأرزاق مقسومة، بل كانوا لأوامر الله ممتثلين سامعين طائعين، يرون الوصول إلى الدار الآجلة خيرا من المقام في الدار العاجلة، على ما هو معروف من سيرتهم رضي الله عنهم. اللهم إلا أن يكون قائله ممن لم يرسخ في الإيمان قدمه، ولا انشرح بالإسلام جنانه، فإن أهل الإيمان متفاضلون فمنهم الكامل ومنهم الناقص، وهو الذي تنفر نفسه عما يؤمر به فيما تلحقه فيه المشقة وتدركه فيه الشدة. والله أعلم.
قوله تعالى :" قل متاع الدنيا قليل " ابتداء وخبر. وكذا " والآخرة خير لمن اتقى " أي المعاصي، وقد مضى القول في هذا في " البقرة " ١ ومتاع الدنيا منفعتها والاستمتاع بلذاتها وسماه قليلا لأنه لا بقاء له. وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( مثلي ومثل الدنيا كراكب قال قيلولة٢ تحت شجرة ثم راح وتركها ) وقد تقدم هذا المعنى في " البقرة " مستوفى.
١ راجع ج ١ ص ١٦١..
٢ القيلولة: النوم في الظهيرة. وقيل: الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر وإن لم يكن مع ذلك نوم..
فيه أربع مسائل :
الأولى :قوله تعالى :" أينما تكونوا يدرككم الموت " شرط ومجازاة، و " ما " زائدة وهذا الخطاب عام وإن كان المراد المنافقين أو ضعفة المؤمنين الذين قالوا :" لولا أخرتنا إلى أجل قريب " أي إلى أن نموت بآجالنا، وهو أشبه المنافقين كما ذكرنا، لقولهم لما أصيب أهل أحد، قالوا :" لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا١ " [ آل عمران :١٥٦ ] فرد الله عليهم " أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة " قال ابن عباس في رواية أبي صالح عنه. وواحد البروج برج، وهو البناء المرتفع والقصر العظيم. قال طرفة يصف ناقة :
كأنها برج روميٍّ تكفّفها بانٍ بشيد٢ وآجُرٍّ وأحجار
وقرأ طلحة بن سليمان " يدرككم " برفع الكاف على إضمار الفاء، وهو قليل لم يأت إلا في الشعر نحو قوله :
من يفعل الحسنات اللهُ يشكرها
أراد فالله يشكرها. واختلف العلماء وأهل التأويل في المراد بهذه البروج، فقال الأكثر وهو الأصح. إنه أراد البروج في الحصون التي في الأرض المبنية ؛ لأنها غاية البشر في التحصن والمنعة، فمثل الله لهم بها. وقال قتادة :في قصور محصنة. وقاله ابن جريج والجمهور، ومنه قول عامر بن الطفيل للنبي صلى الله عليه وسلم :هل لك في حصن حصين ومنعة ؟ وقال مجاهد :البروج القصور. ابن عباس :البروج الحصون والآطام والقلاع. ومعنى " مشيدة " مطولة، قاله الزجاج والقتبي. عكرمة :المزينة٣ بالشيد وهو الجص. قال قتادة :محصنة. والمشيد والمشيد سواء، ومنه " وقصر مشيد٤ " [ الحج :٤٥ ] والتشديد للتكثير. وقيل المشيد المطول، والمشيد المطلي بالشيد. يقال :شاد البنيان وأشاد بذكره. وقال السدي :المراد بالبروج بروج في السماء الدنيا مبنية. وحكى هذا القول مكي عن مالك وأنه قال ألا ترى إلى قوله تعالى :" والسماء ذات البروج٥ " [ البروج :١ ] و " جعل في السماء بروجا٦ " [ الفرقان :٦١ ] " ولقد جعلنا في السماء بروجا٧ " [ الحجر :١٦ ]. وحكاه ابن العربي أيضا عن ابن القاسم عن مالك. وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال :" في بروج مشيدة " معناه في قصور من حديد. قال ابن عطية :وهذا لا يعطيه ظاهر اللفظ.
الثانية :هذه الآية ترد على القدرية في الآجال، لقوله تعالى :" أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة " فعرفهم بذلك أن الآجال متى انقضت فلا بد من مفارقة الروح الجسد، كان ذلك بقتل أو موت أو غير ذلك مما أجرى الله العادة بزهوقها به. وقالت المعتزلة :إن المقتول لو لم يقتله القاتل لعاش. وقد تقدم الرد عليهم في " آل عمران٨ " ويأتي فوافقوا بقولهم هذا الكفار والمنافقين.
الثالثة :اتخاذ البلاد وبناؤها ليمتنع بها في حفظ الأموال والنفوس، وهي سنة الله في عباده. وفي ذلك أدل دليل على رد قول من يقول :التوكل ترك الأسباب، فإن اتخاذ البلاد من أكبر الأسباب وأعظمها وقد أمرنا بها، واتخذها الأنبياء وحفروا حولها الخنادق عدة وزيادة في التمنع. وقد قيل للأحنف :ما حكمة السور ؟ فقال :ليردع السفيه حتى يأتي الحكيم٩ فيحميه.
الرابعة :وإذا تنزلنا على قول مالك والسدي في أنها بروج السماء، فبروج الفلك اثنا عشر برجا مشيدة من الرفع، وهي الكواكب العظام. وقيل للكواكب بروج لظهورها، من برج يبرج إذا ظهر وارتفع، ومنه قوله :" ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى١٠ " [ الأحزاب :٣٣ ] وخلقها الله تعالى منازل للشمس والقمر وقدره١١ فيها، ورتب الأزمنة عليها، وجعلها جنوبية وشمالية دليلا على المصالح وعلما على القبلة، وطريقا إلى تحصيل آناء الليل وآناء النهار لمعرفة أوقات التهجد غير ذلك من أحوال المعاش.
قوله تعالى :" وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله " أي إن يصب المنافقين خصب قالوا :هذا من عند الله. " وإن تصبهم سيئة " أي جدب ومحل قالوا :هذا من عندك، أي أصابنا ذلك بشؤمك وشؤم أصحابك. وقيل :الحسنة السلامة والأمن، والسيئة الأمراض والخوف. وقيل :الحسنة الغنى، والسيئة الفقر. وقيل :الحسنة النعمة والفتح والغنيمة يوم بدر، والسيئة البلية والشدة والقتل يوم أحد. وقيل :الحسنة السراء، والسيئة الضراء. هذه أقوال المفسرين وعلماء التأويل - ابن عباس وغيره - في الآية. وأنها نزلت في اليهود والمنافقين، وذلك أنها لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة عليهم قالوا :ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا مذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه. قال ابن عباس :ومعنى " من عندك " أي بسوء تدبيرك. وقيل :" من عندك " بشؤمك، كما ذكرنا، أي بشؤمك الذي لحقنا، قالوه على جهة التطير. قال الله تعالى :" قل كل من عند الله " أي الشدة والرخاء والظفر والهزيمة من عند الله، أي بقضاء الله وقدره. " فمال هؤلاء القوم " يعني المنافقين " لا يكادون يفقهون حديثا " أي ما شأنهم لا يفقهون أن كلا من عند الله.
١ راجع ج ٤ ص ٤٦٢..
٢ الشيد (بالكسر): كل ما طلى به الحائط من جص أو بلاط..
٣ في ج: المبنية..
٤ راجع ج ١٢ ص ٧٤..
٥ راجع ج ١٩ ص ٢٨١..
٦ راجع ج ١٣ ص ٦٥..
٧ راجع ج ١٠ ص ٩..
٨ راجع ج ٤ ص ٢٢٦..
٩ في ج و ز وط: الحليم..
١٠ راجع ج ١٤ ص ١٧٨..
١١ في ج و ط و ز: قدره. أي القمر. كقوله تعالى: قدرناه منازل..
قوله تعالى :" ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك " أي ما أصابك يا محمد من خصب ورخاء وصحة وسلامة فبفضل الله عليك وإحسانه إليك، وما أصابك من جدب وشدة فبذنب أتيته عوقبت عليه. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد أمته. أي ما أصابكم يا معشر الناس من خصب واتساع رزق فمن تفضل الله عليكم، وما أصابكم من جدب وضيق رزق فمن أنفسكم، أي من أجل ذنوبكم وقع ذلك بكم. قاله الحسن والسدي وغيرهما، كما قال تعالى :" يا أيها النبي إذا طلقتم النساء١ " [ الطلاق :١ ]. وقد قيل :الخطاب للإنسان والمراد به الجنس، كما قال تعالى :" والعصر إن الإنسان لفي خسر٢ " [ العصر :١ - ٢ ] أي إن الناس لفي خسر، ألا تراه استثنى منهم فقال " إلا الذين آمنوا " ولا يستثنى إلا من جملة أو جماعة. وعلى هذا التأويل يكون قوله " ما أصابك " استئنافا. وقيل :في الكلام حذف تقديره يقولون، وعليه يكون الكلام متصلا، والمعنى فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا حتى يقولوا ما أصابك من حسنة فمن الله. وقيل :إن ألف الاستفهام مضمرة، والمعنى أفمن نفسك ؟ ومثله قوله وتعالى :" وتلك نعمة تمنها علي " ٣ والمعنى أو تلك نعمة ؟ وكذا قوله تعالى :" فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي٤ " [ الأنعام :٧٧ ] أي أهذا ربي ؟ قال أبو خراش الهذلي :
رموني وقالوا٥ يا خويلد لم تُرع فقلت وأنكرت الوجوه همُ همُ
أراد " أهم " فأضمر ألف الاستفهام وهو كثير وسيأتي. قال الأخفش " ما " بمعنى الذي. وقيل :هو شرط. قال النحاس :والصواب قول الأخفش ؛ لأنه نزل في شيء بعينه من الجدب، وليس هذا من المعاصي في شيء ولو كان منها لكان وما أصبت من سيئة. وروى عبدالوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس وأبي وابن مسعود " ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك " فهذه قراءة على التفسير، وقد أثبتها بعض أهل الزيغ من القرآن، والحديث بذلك عن ابن مسعود وأبي منقطع ؛ لأن مجاهدا لم ير عبدالله ولا أبيا. وعلى قول من قال :الحسنة الفتح والغنيمة يوم بدر، والسيئة ما أصابهم يوم أحد ؛ أنهم٦ عوقبوا عند خلاف الرماة الذين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحموا ظهره ولا يبرحوا من مكانهم، فرأوا الهزيمة على قريش والمسلمون يغنمون أموالهم فتركوا مصافهم، فنظر خالد بن الوليد وكان مع الكفار يومئذ ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انكشف من الرماة فأخذ سرية من الخيل٧ ودار حتى صار خلف المسلمين وحمل عليهم، ولم يكن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرماة إلا صاحب الراية، حفظ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف حتى استشهد مكانه، على ما تقدم في " آل عمران٨ " بيانه. فأنزل الله تعالى نظير هذه الآية وهو قوله تعالى :" أولما أصابتكم مصيبة " [ آل عمران :١٦٥ ] يعني يوم أحد " قد أصبتم مثليها " يعني يوم بدر " قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ". ولا يجوز أن تكون الحسنة ههنا الطاعة والسيئة المعصية كما قالت القدرية ؛ إذ لو كان كذلك لكان ما أصبت كما قدمنا ؛ إذ هو بمعنى الفعل عندهم والكسب عندنا، وإنما تكون الحسنة الطاعة والسيئة المعصية في نحو قوله :" من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها٩ " [ الأنعام :١٦٠ ] وأما في هذه الآية فهي كما تقدم شرحنا له من الخصب والجدب والرخاء والشدة على نحو ما جاء في آية " الأعراف " وهي قوله تعالى :" ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون " [ الأعراف :١٣٠ ]. " بالسنين " بالجدب سنة بعد سنة، حبس المطر عنهم فنقصت ثمارهم وغلت أسعارهم. " فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه " أي يتشاءمون بهم ويقولون هذا من أجل أتباعنا لك وطاعتنا إياك ؛ فرد الله عليهم بقوله :" ألا إنما طائرهم عند الله " [ الأعراف :١٣١ ] يعني أن طائر البركة وطائر الشؤم من الخير والشر والنفع والضر من الله تعالى لا صنع فيه لمخلوق ؛ فكذلك قوله تعالى فيما أخبر عنهم أنهم يضيفونه للنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال :" وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله " كما قال :" ألا إنما طائرهم عند الله " وكما قال تعالى :" وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله " [ آل عمران :١٦٦ ] أي بقضاء الله وقدره وعلمه، وآيات الكتاب يشهد بعضها لبعض. قال علماؤنا :ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يشك في أن كل شيء بقضاء الله وقدره وإرادته ومشيئته، كما قال تعالى :" ونبلوكم بالشر والخير فتنة١٠ " [ الأنبياء :٣٥ ] وقال تعالى :" وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال١١ " [ الرعد :١١ ]. مسألة :وقد تجاذب بعض جهال أهل السنة هذه الآية واحتج بها، كما تجاذبها القدرية واحتجوا بها، ووجه احتجاجهم بها أن القدرية يقولون :إن الحسنة ههنا الطاعة، والسيئة المعصية ؛ قالوا :وقد نسب المعصية في قوله تعالى :" وما أصابك من سيئة فمن نفسك " إلى الإنسان دون الله تعالى ؛ فهذا وجه تعلقهم بها. ووجه تعلق الآخرين منها قوله تعالى :" قل كل من عند الله " قالوا :فقد أضاف الحسنة والسيئة إلى نفسه دون خلقه. وهذه الآية إنما يتعلق بها الجهال من الفريقين جميعا ؛ لأنهم بنوا ذلك على أن السيئة هي المعصية، وليست كذلك لما بيناه. والله أعلم. والقدرية إن قالوا " ما أصابك من حسنة " أي من طاعة " فمن الله " فليس هذا اعتقادهم ؛ لأن اعتقادهم الذي بنوا عليه مذهبهم أن الحسنة فعل المحسن والسيئة فعل المسيء. وأيضا فلو كان لهم فيها حجة لكان يقول :ما أصبت من حسنة وما أصبت من سيئة ؛ لأنه الفاعل للحسنة والسيئة جميعا، فلا يضاف إليه إلا بفعله لهما لا بفعل غيره. نص على هذه المقالة الإمام أبو الحسن١٢ شبيب بن إبراهيم بن محمد بن حيدرة في كتابه المسمى بحز الغلاصم في إفحام المخاصم.
قوله تعالى :" وأرسلناك للناس رسولا " مصدر مؤكد، ويجوز أن يكون المعنى ذا رسالة " وكفى بالله شهيدا " نصب على البيان والباء زائدة، أي كفى الله شهيدا على صدق رسالة نبيه وأنه صادق.
١ راجع ج ١٨ ص ١٤٧ فما بعدها..
٢ راجع ج ٢٠ ص ١٧٨..
٣ راجع ج ١٣ ص ٩٣..
٤ راجع ج ٧ ص ٢٧..
٥ في اللسان مادة "رفأ":
رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع
ورفوت الرجل: سكنته، يقول: سكنوني. وقال ابن هانىء: يريد رفئوني فألقى الهمزة؛ قال: والهمزة لا تلقى إلا في الشعر، وقد ألقاها في هذا البيت، ومعناه: إني فزعت فطار قلبي فضموا بعضي إلى بعض..

٦ في ج، ط، ز: وكأنهم..
٧ من ج، ط، ز..
٨ راجع ج ٤ ص ٢٣٧ فما بعد..
٩ راجع ج ٧ ص ١٥٠-١٥١..
١٠ راجع ج ١١ ص ٢٨٧..
١١ راجع ج ٩ ص ٢٩٤..
١٢ في أ، ح: أبو الحسين، وفي ج، ط، ز: أبو الحسن شبيب. والذي في البحر: "أبو الحسن شيب"..
قوله تعالى :" من يطع الرسول فقد أطاع الله " أعلم الله تعالى أن طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم طاعة له. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني ) في رواية. ( ومن أطاع أميري، ومن عصى أميري ).
قوله تعالى :" ومن تولى " أي أعرض " فما أرسلناك عليهم حفيظا " أي حافظا ورقيبا لأعمالهم، إنما عليك البلاغ. وقال القتبي :محاسبا، فنسخ الله هذا بآية السيف وأمره بقتال من خالف الله ورسوله.
قوله تعالى :" ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون " أي أمرنا طاعة، ويجوز " طاعة " بالنصب، أي نطيع طاعة، وهي قراءة نصر بن عاصم والحسن والجحدري. وهذا في المنافقين في قول أكثر المفسرين، أي يقولون إذا كانوا عندك :أمرنا طاعة، أو نطيع طاعة، وقولهم هذا ليس بنافع ؛ لأن من لم يعتقد الطاعة ليس بمطيع حقيقة ؛ لأن الله تعالى لم يحقق طاعتهم بما أظهروه، فلو كانت الطاعة بلا اعتقاد حقيقة لحكم بها لهم، فثبت أن الطاعة بالاعتقاد مع وجودها. " فإذا برزوا " أي خرجوا " من عندك بيت طائفة منهم " فذكر الطائفة ؛ لأنها في معنى رجال. وأدغم الكوفيون التاء في الطاء ؛ لأنهما من مخرج واحد، واستقبح ذلك الكسائي في الفعل وهو عند البصريين غير قبيح. ومعنى " بيت " زور وموه. وقيل :غير وبدل وحرف ؛ أي بدلوا قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما عهده إليهم وأمرهم به. . والتبييت التبديل ؛ ومنه قول الشاعر١ :
أتوني فلم أرض ما بيَّتوا *** وكانوا أتوني بأمر نُكُرْ
لأنكح أيمهم منذرا *** وهل ينكح العبد حرٌّ لحُرْ
آخر٢ :
بيَّت قولي عبدالملي *** ك قاتله الله عبدا كفورا
وبيت الرجل الأمر إذا دبر ليلا ؛ قال الله تعالى :" إذ يبيتون ما لا يرضى من القول٣ " [ النساء :١٠٨ ]. والعرب تقول :أمر بيت بليل إذا أحكم. وإنما خص الليل بذلك لأنه وقت يتفرغ فيه. قال الشاعر :
أجمعوا أمرهم بليل فلما *** أصبحوا أصبحت لهم ضَوضَاء
ومن هذا بيت الصيام. والبيوت :الماء يبيت ليلا. والبيوت :الأمر يبيت عليه صاحبه مهتما به ؛ قال الهذلي٤ :
وأجعل فِقْرتها عُدةً *** إذا خِفْتُ بيوت أمرٍ عُضَالِ
والتبييت والبيات أن يأتي العدو ليلا. وبات يفعل كذا إذا فعله ليلا، كما يقال :ظل بالنهار. وبيت الشيء قدر. فإن قيل :فما وجه الحكمة في ابتدائه بذكر جملتهم ثم قال :" بيت طائفة منهم " ؟ قيل :إنما عبر عن حال من علم أنه بقي على كفره ونفاقه، وصفح عمن علم أنه سيرجع عن ذلك. وقيل :إنما عبر عن حال من شهد وحار في أمره، وأما من سمع وسكت فلم يذكره. والله أعلم. " والله يكتب ما يبيتون " أي يثبته في صحائف أعمالهم ليجازيهم عليه. وقال الزجاج :المعنى ينزله عليك في الكتاب. وفي هذه الآية دليل على أن مجرد القول لا يفيد شيئا كما ذكرنا، فإنهم قالوا :طاعة، ولفظوا بها ولم يحقق الله طاعتهم ولا حكم لهم بصحتها ؛ لأنهم لم يعتقدوها. فثبت أنه لا يكون المطيع مطيعا إلا باعتقادها مع وجودها.
قوله تعالى :" فأعرض عنهم " أي لا تخبر بأسمائهم، عن الضحاك، يعني المنافقين. وقيل :لا تعاقبهم. " وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا " ثم أمره بالتوكل عليه والثقة به في النصر على عدوه. ويقال :إن هذا منسوخ بقوله تعالى :" يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين٥ " [ التوبة :٧٣ ]
١ هو الأسود بن يعفر، كما في اللسان مادة "نكر"..
٢ هو الأسود بن عامر الطائي يعاتب رجلا كما في الطبري ج ٥ ص ١٧٤ طبع بولاق، في البحر: وتبيت قولي. قاتلك الخ..
٣ راجع ص ٣٧٩ من هذا الجزء..
٤ راجع ديوان الهذليين ج ٢ ص ١٩٠ طبع دار الكتب..
٥ راجع ج ٨ص ٢٠٤..
قوله تعالى :" أفلا يتدبرون القرآن " ثم عاب المنافقين بالإعراض عن التدبر في القرآن والتفكر فيه وفي معانيه. تدبرت الشيء فكرت في عاقبته. وفي الحديث ( لا تدابروا ) أي لا يولي بعضكم بعضا دبره. وأدبر القوم مضى أمرهم إلى آخره. والتدبير أن يدبر الإنسان أمره كأنه ينظر إلى ما تصير إليه عاقبته. ودلت هذه الآية وقوله تعالى :" أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها١ " [ محمد :٢٤ ] على وجوب التدبر في القرآن٢ ليعرف معناه. فكان في هذا رد على فساد قول من قال :لا يؤخذ من تفسيره إلا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنع أن يتأول على ما يسوغه لسان العرب. وفيه دليل على الأمر بالنظر والاستدلال وإبطال التقليد، وفيه دليل على إثبات القياس.
قوله تعالى :" ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " أي تفاوتا وتناقضا، عن ابن عباس وقتادة وابن زيد. ولا يدخل في هذا اختلاف ألفاظ القراءات وألفاظ الأمثال والدلالات ومقادير السور والآيات. وإنما أراد اختلاف٣ التناقض والتفاوت. وقيل :المعنى لو كان ما تخبرون به من عند غير الله لاختلف. وقيل :إنه ليس من متكلم يتكلم كلاما كثيرا إلا وجد في كلامه اختلاف كثير ؛ إما في الوصف٤ واللفظ، وإما في جودة المعنى، وإما في التناقض، وإما في الكذب. فأنزل الله عز وجل القرآن وأمرهم بتدبره ؛ لأنهم لا يجدون فيه اختلافا في وصف٥ ولا ردا له في معنى، ولا تناقضا ولا كذبا فيما يخبرون به من الغيوب وما يسرون.
١ راجع ج ١٦ ص ٢٤٥..
٢ في ط و ج: للقرآن..
٣ كذا في الأصول، والإضافة للبيان وفي ابن عطية..... وظهر فيه التناقض والتنافي..
٤ في ج: الرصف. هو الكلام الثابت المحكم..
٥ في ج: الرصف. هو الكلام الثابت المحكم..
قوله تعالى :" وإذا جاءهم أمر من الأمن " في " إذا " معنى الشرط ولا يجازى بها وإن زيدت عليها " ما " وهي قليلة الاستعمال. قال سيبويه. والجيد ما قال كعب بن زهير :
وإذا ما تشاء تبعث منها مغرب الشمس ناشطا مذعورا١
يعني أن الجيد لا يجزم بإذا ما كما لم يجزم في هذا البيت، وقد تقدم في أول " البقرة " ٢. والمعنى أنهم إذا سمعوا شيئا من الأمور فيه أمن نحو ظفر المسلمين وقتل عدوهم " أو الخوف " وهو ضد هذا " أذاعوا به " أي أفشوه وأظهروه وتحدثوا به قبل أن يقفوا على حقيقته. فقيل :كان هذا من ضعفة المسلمين، عن الحسن ؛ لأنهم كانوا يفشون أمر النبي صلى الله عليه وسلم ويظنون أنهم لا شيء عليهم في ذلك. وقال الضحاك وابن زيد :هو في المنافقين فنهوا عن ذلك لما يلحقهم من الكذب في الإرجاف.
قوله تعالى :" ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم " أي لم يحدثوا به ولم يفشوه حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يحدث به ويفشيه. أو أولو الأمر وهم أهل العلم والفقه ؛ عن الحسن وقتادة وغيرهما. السدي وابن زيد :الولاة. وقيل :أمراء السرايا. " لعلمه الذين يستنبطونه منهم " أي يستخرجونه، أي لعلموا ما ينبغي أن يفشى منه وما ينبغي أن يكتم. والاستنباط مأخوذ من استنبطت الماء إذا استخرجته. والنبط :الماء المستنبط أول ما يخرج من ماء البئر أول ما تحفر. وسمي النبط نبطا لأنهم يستخرجون ما في الأرض. والاستنباط في اللغة الاستخراج، وهو يدل على الاجتهاد إذا عدم النص والإجماع كما تقدم.
قوله تعالى :" ولولا فضل الله عليكم ورحمته " رفع بالابتداء عند سيبويه، ولا يجوز أن يظهر الخبر عنده. والكوفيون يقولون :رفع بلولا. " لاتبعتم الشيطان إلا قليلا " في هذه الآية ثلاثة أقوال :قال ابن عباس وغيره :المعنى أذاعوا به إلا قليلا منهم لم يذع ولم يفش. وقاله جماعة من النحويين :الكسائي والأخفش وأبو عبيد وأبو حاتم والطبري. وقيل :المعنى لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا منهم، عن الحسن وغيره، واختاره الزجاج قال :لأن هذا الاستنباط الأكثر يعرفه ؛ لأنه استعلام خبر. واختار الأول الفراء قال :لأن علم السرايا إذا ظهر علمه المستنبط وغيره، والإذاعة تكون في مضى دون بعض. قال الكلبي عنه :فلذلك استحسنت الاستثناء من الإذاعة. قال النحاس :فهذان قولان على المجاز، يريد أن في الكلام تقديما وتأخيرا. وقول ثالث بغير مجاز :يكون المعنى ولولا فضل الله عليكم ورحمته بأن بعث فيكم رسولا أقام فيكم الحجة لكفرتم وأشركتم إلا قليلا منكم فإنه كان يوحد. وفيه قول رابع - قال الضحاك :المعنى لاتبعتم الشيطان إلا قليلا، أي إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حدثوا أنفسهم بأمر من الشيطان إلا قليلا، يعني الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى. وعلى هذا القول يكون قوله " إلا قليلا " مستثنى من قوله " لاتبعتم الشيطان ". قال المهدوي :وأنكر هذا القول أكثر العلماء ؛ إذ لولا فضل الله ورحمته لاتبع الناس كلهم الشيطان.
١ وصف ناقته بالنشاط والسرعة بعد سير النهار كله، فشبهها في انبعاثها بناشط قد ذعر من صائد أو سبع. والناشط: الثور يخرج من بلد إلى بلد، فذلك أوحش له وأذعر. (عن شرح الشواهد)..
٢ راجع ج ١ ص ٢٠١..
قوله تعالى :" فقاتل في سبيل الله " هذه الفاء متعلقة بقوله " ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما " [ النساء :٧٤ ] " فقاتل في سبيل الله " أي من أجل هذا فقاتل. وقيل :هي متعلقة بقوله :" وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله. فقاتل ". كأن هذا المعنى١ :لا تدع جهاد العدو والاستنصار عليهم للمستضعفين من المؤمنين ولو وحدك ؛ لأنه وعده بالنصر. قال الزجاج :أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد وإن قاتل وحده ؛ لأنه قد ضمن له النصرة. قال ابن عطية :" هذا ظاهر اللفظ، إلا أنه لم يجئ في خبر قط أن القتال فرض عليه دون الأمة مدة ما، فالمعنى والله أعلم أنه خطاب له في اللفظ، وهو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه، أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له، " فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ". ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يجاهد ولو وحده، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم :( والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي )٢. وقول أبي بكر وقت الردة :ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي. وقيل :إن هذه الآية نزلت في موسم بدر الصغرى، فإن أبا سفيان لما انصرف من أحد واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم موسم بدو الصغرى، فلما جاء الميعاد خرج إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين راكبا فلم يحضر أبو سفيان ولم يتفق قتال. وهذا على معنى ما قاله مجاهد كما تقدم في " آل عمران " ٣. ووجه النظم على هذا والاتصال بما قبل أنه وصف المنافقين بالتخليط وإيقاع الأراجيف، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم وبالجد في القتال في سبيل الله وإن لم يساعده أحد على ذلك.
قوله تعالى :" لا تكلف إلا نفسك " " تكلف " مرفوع لأنه مستقبل، ولم يجزم لأنه ليس علة للأول. وزعم الأخفش أنه يجوز جزمه. " إلا نفسك " خبر ما لم يسم فاعله، والمعنى لا تلزم فعل غيرك ولا تؤاخذ به.
فيه ثلاث مسائل :
الأولى :قوله تعالى :" وحرض المؤمنين " أي حضهم على الجهاد والقتال. يقال :حرضت فلانا على كذا إذا أمرته به٤. وحارض فلان على الأمر وأكب وواظب بمعنى واحد.
الثانية :قوله تعالى :" عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا " إطماع، والإطماع من الله عز وجل واجب. على أن الطمع قد جاء في كلام العرب على الوجوب، ومنه قوله تعالى :" والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين٥ " [ الشعراء :٨٢ ]. وقال ابن مقبل :
ظني بهم كعسى وهم بتنوفة٦ يتنازعون جوائز٧ الأمثال
قوله تعالى :" والله أشد بأسا " أي صولة وأعظم سلطانا وأقدر بأسا على ما يريده. " وأشد تنكيلا " أي عقوبة، عن الحسن وغيره. قال ابن دريد :رماه الله بنكلة، أي رماه بما ينكله. قال :ونكلت بالرجل تنكيلا من النكال. والمنكل الشيء الذي ينكل بالإنسان. قال :
وارم على أقفائهم بمنكل٨
الثالثة :إن قال قائل :نحن نرى الكفار في بأس وشدة، وقلتم :إن عسى بمعنى اليقين فأين ذلك الوعد ؟ قيل له :قد وجد هذا الوعد ولا يلزم وجوده على الاستمرار والدوام، فمتى وجد ولو لحظة مثلا فقد صدق الوعد، فكف الله بأس المشركين ببدر الصغرى، وأخلفوا ما كانوا عاهدوه من الحرب والقتال " وكفى الله المؤمنين القتال٩ " [ الأحزاب :٢٥ ] وبالحديبية أيضا عما راموه من الغدر وانتهاز الفرصة، ففطن بهم المسلمون فخرجوا فأخذوهم أسرة، وكان ذلك والسفراء يمشون بينهم في الصلح، وهو المراد بقوله تعالى :" وهو الذي كف أيديهم عنكم١٠ " [ الفتح :٢٤ ] على ما يأتي. وقد ألقى الله في قلوب الأحزاب الرعب وانصرفوا من غير قتل ولا قتال، كما قال تعالى " وكفى الله المؤمنين القتال ". وخرج اليهود من ديارهم وأموالهم بغير قتال المؤمنين لهم، فهذا كله بأس قد كفه الله عن المؤمنين، مع أنه قد دخل من اليهود والنصارى العدد الكثير والجم الغفير تحت الجزية صاغرين وتركوا المحاربة داخرين١١، فكف الله بأسهم عن المؤمنين. والحمد لله رب العالمين.
١ في ج و ط و ز: كأن المعنى..
٢ أي حتى أموت. والسالفة: صفحة العنق، وكنى بانفرادها عن الموت، لأنها لا تنفرد عما يليها إلا به..
٣ راجع ج ٤ ص ٢٧٧..
٤ كذا في الأصول. وفي البحر: أمره تعالى بحث المؤمنين على القتال وتحريك هممهم إلى الشهادة..
٥ راجع ج ١٣ ص ١١١..
٦ التنوفة: القفر من الأرض..
٧ كذا في ز، واللسان مادة عسا، وفي الأصول الأخرى: "خزائن الأموال"..
٨ هذا صدر بيت، وعجزه:
بصخرة أو عرض جيش جحفل.

٩ راجع ج ١٤ ص ١٦٠..
١٠ راجع ج ١٦ ص ٢٨٠..
١١ الداخر: الذليل المهين..
فيه ثلاث مسائل :
الأولى :قوله تعالى :" من يشفع " أصل الشفاعة والشفعة ونحوها من الشفع وهو الزوج في العدد، ومنه الشفيع ؛ لأنه يصير مع صاحب الحاجة شفعا. ومنه ناقة شفوع إذا جمعت بين محلبين في حلبة واحدة. وناقة شفيع١ إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها. والشفع ضم واحد إلى واحد. والشفعة ضم ملك الشريك إلى ملكك ؛ فالشفاعة إذا ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع وإيصال المنفعة إلى المشفوع له.
الثانية :واختلف المتأولون في هذه الآية، فقال مجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم هي في شفاعات الناس بينهم في حوائجهم، فمن يشفع لينفع فله نصيب، ومن يشفع ليضر فله كفل. وقيل :الشفاعة الحسنة هي في البر والطاعة، والسيئة في المعاصي. فمن شفع شفاعة حسنة ليصلح بين اثنين استوجب الأجر، ومن سعى بالنميمة والغيبة أثم، وهذا قريب من الأول. وقيل :يعني بالشفاعة الحسنة الدعاء للمسلمين، والسيئة الدعاء عليهم. وفي صحيح الخبر :( من دعا بظهر الغيب استجيب له وقال الملك آمين ولك بمثل )٢. هذا هو النصيب، وكذلك في الشر ؛ بل يرجع شؤم دعائه عليه. وكانت اليهود تدعو على المسلمين. وقيل :المعنى من يكن شفعا لصاحبه في الجهاد يكن له نصيبه من الأجر، ومن يكن شفعا لآخر في باطل يكن له نصيبه من الوزر. وعن الحسن أيضا :الحسنة ما يجوز في الدين، والسيئة ما لا يجوز فيه. وكأن هذا القول جامع. والكفل الوزر والإثم، عن الحسن وقتادة. السدي وابن زيد هو النصيب. واشتقاقه من الكساء٣ الذي يحويه راكب البعير على سنامه لئلا يسقط. يقال :اكتفلت البعير إذا أدرت على سنامه كساء وركبت عليه. ويقال له :اكتفل لأنه لم يستعمل الظهر كله بل استعمل نصيبا من الظهر. ويستعمل في النصيب من الخير والشر، وفي كتاب الله تعالى " يؤتكم كفلين من رحمته٤ " [ الحديد :٢٨ ]. والشافع يؤجر فيما يجوز وإن لم يشفع ؛ لأنه تعالى قال " من يشفع " ولم يقل يشفع. وفي صحيح مسلم ( اشفعوا تؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما أحب ).
الثالثة :قوله تعالى :" وكان الله على كل شيء مقيتا " " مقيتا " معناه مقتدرا، ومنه قول الزبير بن عبدالمطلب :
وذي ضغن كففت النفس عنه وكنت على مساءته مُقيتا
أي قديرا. فالمعنى إن الله تعالى يعطي كل إنسان قوته، ومنه قوله عليه السلام :( كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقيت ). على من رواه هكذا، أي من هو تحت قدرته وفي قبضته من عيال وغيره، ذكره ابن عطية. يقول منه :قته أقوته قوتا، وأقته أقيته إقاتة فأنا قائت ومقيت. وحكى الكسائي :أقات يقيت. وأما قول الشاعر٥ :
. . . إني على الحساب مقيت
فقال فيه الطبري :إنه من غير هذا المعنى المتقدم، وإنه بمعنى الموقوف. وقال أبو عبيدة :المقيت الحافظ. وقال الكسائي :المقيت المقتدر. وقال النحاس :وقول أبي عبيدة أولى لأنه مشتق من القوت، والقوت معناه مقدار ما يحفظ الإنسان. وقال الفراء :المقيت الذي يعطي كل رجل قوته. وجاء في الحديث :( كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت ) و " يقيت " ذكره الثعلبي :وحكى ابن فارس في المجمل :المقيت المقتدر، والمقيت الحافظ والشاهد، وما عنده قيت ليلة وقوت ليلة. والله أعلم.
١ كذا في الأصول والذي في كتب اللغة: وناقة شافع الخ وشاة شفوع وشافع شفعها ولدها..
٢ كذا في الأصول، والحديث "من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكل به آمين ولك بمثل" رواية مسلم وفي رواية "استجيب له"..
٣ وفي البحر: مستعار من كفل البعير وهو كساء. الخ..
٤ راجع ج ١٧ ص ٢٦٦..
٥ هو السموءل بن عادياء، والبيت بتمامه:
ألي الفضل أم علي إذا حو *** سبت إني على الحساب مقيت.

فيه اثنتا عشرة مسألة :
الأولى :قوله تعالى :" وإذا حييتم بتحية " التحية تفعلة من حييت ؛ الأصل تحيية مثل ترضية وتسمية، فأدغموا الياء في الياء. والتحية السلام. وأصل التحية الدعاء بالحياة. والتحيات لله، أي السلام من الآفات. وقيل :الملك. قال عبدالله بن صالح العجلي :سألت الكسائي عن قوله " التحيات لله " ما معناه ؟ فقال :التحيات مثل البركات ؛ فقلت :ما معنى البركات ؟ فقال :ما سمعت فيها شيئا. وسألت عنها محمد بن الحسن فقال :هو شيء تعبدالله به عباده. فقدمت الكوفة، فلقيت عبدالله بن إدريس فقلت :إني سألت الكسائي ومحمدا عن قول " التحيات لله " فأجاباني بكذا وكذا ؛ فقال عبدالله بن إدريس :إنهما لا علم لهما بالشعر وبهذه الأشياء ؟ ! التحية الملك، وأنشد١ :
أؤم بها أبا قابوس حتى *** أنيخَ على تحيته بجندي
وأنشد ابن خويز منداد :
أسير به إلى النعمان حتى *** أنيخ على تحيته بجندي
يريد على ملكه. وقال آخر٢ :
ولكل ما نال الفتى *** قد نلته إلا التحية
وقال القتبي :إنما قال " التحيات لله " على الجمع ؛ لأنه كان في الأرض ملوك يحيون بتحيات مختلفات ؛ فيقال لبعضهم :أبيت اللعن، ولبعضهم :اسلم وانعم، ولبعضهم :عش ألف سنة. فقيل لنا :قولوا التحيات لله، أي الألفاظ التي تدل على الملك، ويكنى بها عنه لله تعالى. ووجه النظم بما قبل أنه قال :إذا خرجتم للجهاد كما سبق به الأمر فحييتم في سفركم بتحية الإسلام، فلا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا، بل ردوا جواب السلام، فإن أحكام الإسلام تجري عليهم.
الثانية :واختلف العلماء في معنى الآية وتأويلها، فروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك أن هذه الآية في تشميت العاطس والرد على المشمت. وهذا ضعيف ؛ إذ ليس في الكلام دلالة على ذلك، أما الرد على المشمت فمما يدخل بالقياس في معنى رد التحية، وهذا هو منحى مالك إن صح ذلك عنه. والله أعلم. وقال ابن خويز منداد :وقد يجوز أن تحمل هذه الآية على الهبة إذا كانت للثواب، فمن وهب له هبة على الثواب فهو بالخيار إن شاء ردها وإن شاء قبلها وأثاب عليها قيمتها. قلت :ونحو هذا قال أصحاب أبي حنيفة، قالوا :التحية هنا الهدية ؛ لقوله تعالى :" أو ردوها " ولا يمكن رد الإسلام بعينه. وظاهر الكلام يقتضي أداء التحية بعينها وهي الهدية، فأمر بالتعويض إن قبل أو الرد بعينه، وهذا لا يمكن في السلام. وسيأتي بيان حكم الهبة للثواب والهدية في سورة " الروم " عند قوله :" وما آتيتم من ربا٣ " [ الروم :٣٩ ] إن شاء الله تعالى. والصحيح أن التحية ههنا السلام ؛ لقوله تعالى :" وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله٤ " [ المجادلة :٨ ]. وقال النابغة الذبياني :
تحييهم بيض الولائد بينهم *** وأكسية الإضريج فوق المشاجِبِ٥
أراد :ومسلم عليهم. وعلى هذا جماعة المفسرين. وإذا ثبت هذا وتقرر ففقه الآية أن يقال :أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سنة مرغب فيها، ورده فريضة ؛ لقوله تعالى :" فحيوا بأحسن منها أو ردوها ". واختلفوا إذا رد واحد من جماعة هل يجزئ أو لا ؟ فذهب مالك والشافعي إلى الإجزاء، وأن المسلم قد رد عليه مثل قوله. وذهب الكوفيون إلى أن رد السلام من الفروض المتعينة، قالوا :والسلام خلاف الرد ؛ لأن الابتداء به تطوع ورده فريضة. ولو رد غير المسلم عليهم لم يسقط ذلك عنهم فرض الرد، فدل على أن رد السلام يلزم كل إنسان بعينه ؛ حتى قال قتادة والحسن :إن المصلي يرد السلام كلاما إذا سلم عليه ولا يقطع ذلك عليه صلاته ؛ لأنه فعل ما أمر به. والناس على خلافه. احتج الأولون بما رواه أبو داود عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( يجزئ من الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم ). وهذا نص في موضع الخلاف. قال أبو عمر :وهو حديث حسن لا معارض له، وفي إسناده سعيد بن خالد، وهو سعيد بن خالد الخزاعي مدني ليس به بأس عند بعضهم، وقد ضعفه بعضهم منهم أبو زرعة وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة وجعلوا حديثه هذا منكرا ؛ لأنه انفرد فيه بهذا الإسناد ؛ على أن عبدالله بن الفضل لم يسمع من عبيدالله بن أبي رافع، بينهما الأعرج في غير ما حديث. والله أعلم. واحتجوا أيضا بقوله عليه السلام :( يسلم القليل على الكثير ). ولما أجمعوا على أن الواحد يسلم على الجماعة ولا يحتاج إلى تكريره على عداد الجماعة، كذلك يرد الواحد عن الجماعة وينوب عن الباقين كفروض الكفاية. وروى مالك عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( يسلم الراكب على الماشي وإذا سلم واحد من القوم أجزأ عنهم ). قال علماؤنا :وهذا يدل على أن الواحد يكفي في الرد ؛ لأنه لا يقال أجزأ عنهم إلا فيما قد وجب. والله أعلم. قلت :هكذا تأول علماؤنا هذا الحديث وجعلوه حجة في جواز رد الواحد، وفيه قلق.
الثالثة :قوله تعالى :" فحيوا بأحسن منها أو ردوها " رد الأحسن أن يزيد فيقول :عليك السلام ورحمة الله، لمن قال :سلام عليك. فإن قال :سلام عليك ورحمة الله، زدت في ردك :وبركاته. وهذا هو النهاية فلا مزيد. قال الله تعالى مخبرا عن البيت الكريم " رحمة الله وبركاته " [ هود :٧٣ ] على ما يأتي بيانه٦ إن شاء الله تعالى. فإن انتهى بالسلام غايته، زدت في ردك الواو في أول كلامك فقلت :وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. والرد بالمثل أن تقول لمن قال السلام عليك :عليك السلام، إلا أنه ينبغي أن يكون السلام كله بلفظ الجماعة، وإن كان المسلم عليه واحدا. روى الأعمش عن إبراهيم النخعي قال :إذا سلمت على الواحد فقل :السلام عليكم، فإن معه الملائكة. وكذلك الجواب يكون بلفظ الجمع ؛ قال ابن أبي زيد :يقول المسلم السلام عليكم، ويقول الراد وعليكم السلام، أو يقول السلام عليكم كما قيل له، وهو معنى قوله " أو ردوها " ولا تقل في ردك :سلام عليك.
الرابعة :والاختيار في التسليم والأدب فيه تقديم اسم الله تعالى على اسم المخلوق ؛ قال الله تعالى :" سلام على إل ياسين " [ الصافات :١٣٠ ]. وقال في قصة إبراهيم عليه السلام :" رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت " [ هود :٧٣ ]. وقال مخبرا عن إبراهيم :" سلام عليك " [ مريم :٤٧ ]. وفي صحيحي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( خلق الله عز وجل آدم على صورته٧ طوله ستون ذراعا فلما خلقه قال :اذهب فسلم على أولئك النفر وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك - قال - فذهب فقال :السلام عليكم فقالوا :السلام عليك ورحمة الله - قال - فزادوه ورحمة الله - قال - فكل من يدخل الجنة على صورة آدم وطوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن ). قلت :فقد جمع هذا الحديث مع صحته فوائد سبعا :الأولى :الإخبار عن صفة خلق آدم. الثانية :أنا ندخل الجنة عليها بفضله. الثالثة :تسليم القليل على الكثير. الرابعة :تقديم اسم الله تعالى. الخامسة :الرد بالمثل لقولهم :السلام عليكم. السادسة :الزيادة في الرد. السابعة :إجابة الجميع بالرد كما يقول الكوفيون. والله أعلم.
الخامسة :فإن رد فقدم اسم المسلم عليه لم يأت محرما ولا مكروها ؛ لثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ حيث قال للرجل الذي لم يحسن الصلاة وقد سلم عليه :( وعليك السلام أرجع فصل فإنك لم تصل ). وقالت عائشة :وعليه السلام ورحمة الله، حين أخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل يقرأ عليها السلام. أخرجه البخاري. وفي حديث عائشة من الفقه أن الرجل إذا أرسل إلى رجل بسلامه فعليه أن يرد. كما يرد عليه إذا شافهه. وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :إن أبي يقرئك السلام ؛ فقال :( عليك وعلى أبيك السلام ). وقد روى النسائي وأبو داود من حديث جابر بن سليم قال :لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت :عليك السلام يا رسول الله، فقال :( لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الميت، ولكن قل السلام عليك ). وهذا الحديث لا يثبت، إلا أنه لما جرت عادة العرب بتقديم اسم المدعو عليه في الشر كقولهم :عليه لعنة الله وغضب الله. قال الله تعالى :" وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين٨ ". [ ص :٧٨ ]. وكان ذلك أيضا دأب الشعراء وعادتهم في تحية الموتى، كقولهم :
عليك سلام الله قيس بن عاصم *** ورحمته ما شاء أن يترحما
وقال آخر وهو الشماخ :
عليك سلام من أمير وباركت *** يد الله في ذاك الأديم الممزق
نهاه عن ذلك، لا أن ذاك هو اللفظ المشروع في حق الموتى ؛ لأنه عليه السلام ثبت عنه أنه سلم على الموتى كما سلم على الأحياء فقال :( السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ). فقالت عائشة :قلت يا رسول الله، كيف أقول إذا دخلت المقابر ؟ قال :( قولي السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين ) الحديث، وسيأتي في سورة " ألهاكم " ٩ [ التكاثر ] إن شاء الله تعالى. قلت :وقد يحتمل أن يكون حديث عائشة وغيره في السلام على أهل القبور جميعهم إذا دخلها وأشرف عليها، وحديث جابر بن سليم خاص بالسلام على المرور المقصود بالزيارة. والله أعلم.
السادسة :من السنة تسليم الراكب على الماشي، والقائم على القاعد، والقليل على الكثير، هكذا جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة. قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يسلم الراكب ) فذكره فبدأ بالراكب لعلو مرتبته، ولأن ذلك أبعد له من الزهو، وكذلك قيل في الماشي مثله. وقيل :لما كان القاعد على حال وقار وثبوت وسكون فله مزية بذلك على الماشي ؛ لأن حاله على العكس من ذلك. وأما تسليم القليل على الكثير فمراعاة لشرفية جمع المسلمين وأكثريتهم. وقد زاد البخاري في هذا الحديث ( ويسلم الصغير على الكبير ). وأما تسليم الكبير على الصغير فروى أشعث عن الحسن أنه كان لا يرى التسليم على الصبيان، قال :لأن الرد فرض والصبي لا يلزمه الرد فلا ينبغي أن يسلم عليهم. وروي عن ابن سيرين أنه كان يسلم على الصبيان ولكن لا يسمعهم. وقال أكثر العلماء :التسليم عليهم أفضل من تركه. وقد جاء في الصحيحين عن سيار قال :كنت أمشي مع ثابت فمر بصبيان فسلم عليهم، وذكر أنه كان يمشي مع أنس فمر بصبيان فسلم عليهم، وحدث أنه كان يمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بصبيان فسلم عليهم. لفظ مسلم. وهذا من خلقه العظيم صلى الله عليه وسلم، وفيه تدريب للصغير وحض على تعليم السنن ورياضة لهم على آداب الشريعة فيه، فلتقتد.
السابعة :وأما التسليم على النساء فجائز إلا على الشابات منهن خوف الفتنة من مكالمتهن بنزعة شيطان أو خائنة عن. وأما المتجالات١٠ والعجز فحسن للأمن فيما ذكرناه ؛ هذا قول عطاء وقتادة، وإليه ذهب مالك وطائفة من العلماء. ومنعه الكوفيون إذا لم يكن منهن ذوات محرم وقالوا :لما سقط عن النساء الأذان والإقامة والجهر بالقراءة في الصلاة سقط عنهن رد السلام فلا يسلم عليهن.
والصحيح الأول لما خرجه البخاري عن سهل بن سعد قال :كنا نفرح بيوم الجمعة. قلت ولم١١ ؟ قال :كانت لنا عجوز ترسل إلى بضاعة - قال ابن مسلمة :نخل بالمدينة - فتأخذ من أصول السلق١٢ فتطرحه في القدر وتكركر حبات من شعير،
١ البيت لعمرو بن معدي كرب، وقبله:
وكل مفاضة بيضاء زعف *** وكل معاود الغارات جلد.

٢ هو زهير بن جناب الكلبي..
٣ راجع ج ١٤ ص ٣٦..
٤ راجع ج ١٧ ص ٢٩٢..
٥ الولائد: الإماء، والإضريج: الخز الأحمر، وقيل: هو الخز الأصفر. والمشاجب (جمع مشجب بكسر الميم): عيدان بضم رءوسها ويفرج بين قوائمها وتوضع عليها الثياب..
٦ راجع ج ٩ ص ٧٠..
٧ قال النووي: "هذه الرواية ظاهرة في أن الضمير في صورته عائد إلى آدم، وأن المراد أنه خلق في أول نشأته على صورته التي كان عليها في الأرض وتوفي عليها"..
٨ راجع ج ١٥ ص ٢٢٨..
٩ راجع ج ٢٠ ص ١٦٨..
١٠ المتجالة: الهرمة المسنة..
١١ في ز: قيل..
١٢ السلق (بكسر السين) :نبت له ورق طوال وأصل ذاهب في الأرض وورقه رخص يطبخ..
قوله تعالى :" الله لا إله إلا هو " ابتداء وخبر. واللام في قول " ليجمعنكم " لام القسم، نزلت في الذين شكوا في البعث فأقسم الله تعالى بنفسه. وكل لام بعدها نون مشددة فهو لام القسم. ومعناه في الموت وتحت الأرض " إلى يوم القيامة لا ريب فيه " وقال بعضهم :" إلى " صلة في الكلام، معناه ليجمعنكم يوم القيامة. وسميت القيامة قيامة لأن الناس يقومون فيه لرب العالمين جل وعز ؛ قال الله تعالى :" ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم. يوم يقوم الناس لرب العالمين١ " [ المطففين :٤ - ٦ ]. وقيل :سمي يوم القيامة ؛ لأن الناس يقومون من قبورهم إليها ؛ قال الله تعالى :" يوم يخرجون من الأجداث سراعا٢ " [ المعارج :٤٣ ] وأصل القيامة الواو. " ومن أصدق من الله حديثا " نصب على البيان، والمعنى لا أحد أصدق من الله. وقرأ حمزة والكسائي " ومن أزدق " بالزاي. الباقون :بالصاد، وأصله الصاد إلا أن لقرب مخرجها جعل مكانها زاي.
١ راجع ج ١٩ ص ٢٥٢..
٢ راجع ج ١٨ ص ٢٩٦..
قوله تعالى :" فما لكم في المنافقين فئتين " " فئتين " أي فرقتين مختلفتين. روى مسلم عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد فرجع ناس ممن كان معه، فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين ؛ فقال بعضهم :نقتلهم. وقال بعضهم :لا، فنزلت " فما لكم في المنافقين فئتين ". وأخرجه الترمذي فزاد :وقال :( إنها طيبة ) وقال :( إنها١ تنفي الخبيث كما تنفي النار خبث الحديد ) قال :حديث حسن صحيح. وقال البخاري :( إنها طيبة تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة ). والمعني بالمنافقين هنا عبدالله بن أبي وأصحابه الذين خذلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا، كما تقدم في " آل عمران " ٢. وقال ابن عباس :هم فوم بمكة آمنوا وتركوا الهجرة، قال الضحاك :وقالوا إن ظهر محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد عرفنا، وإن ظهر قومنا فهو أحب إلينا. فصار المسلمون فيهم فئتين قوم يتولونهم وقوم يتبرؤون منهم، فقال الله عز وجل :" فما لكم في المنافقين فئتين ". وذكر أبو سلمة بن عبدالرحمن عن أبيه أنها نزلت في قوم جاؤوا إلى المدينة وأظهروا الإسلام ؛ فأصابهم وباء المدينة وحماها ؛ فأركسوا فخرجوا من المدينة، فاستقبلهم نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا :ما لكم رجعتم ؟ فقالوا :أصابنا وباء المدينة فاجتويناها٣ ؛ فقالوا :ما لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة ؟ فقال بعضهم :نافقوا. وقال بعضهم :لم ينافقوا، هم مسلمون، فأنزل الله عز وجل :" فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا " الآية. حتى جاؤوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون، ثم ارتدوا بعد ذلك، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها، فاختلف فيهم المؤمنون فقائل يقول :هم منافقون، وقائل يقول :هم مؤمنون، فبين الله تعالى نفاقهم وأنزل هذه الآية وأمر بقتلهم. قلت :وهذان القولان يعضدهما سياق آخر الآية من قوله تعالى :" حتى يهاجروا " [ النساء :٨٩ ]، والأول أصح نقلا، وهو اختيار البخاري ومسلم والترمذي. و " فئتين " نصب على الحال، كما يقال :مالك قائما ؟ عن الأخفش. وقال الكوفيون :هو خبر " ما لكم " كخبر كان وظننت، وأجازوا إدخال الألف واللام فيه وحكى الفراء :" أركسهم، وركسهم " أي ردهم إلى الكفر ونكسهم ؛ وقال٤ النضر بن شميل والكسائي :والركس والنكس قلب الشيء على رأسه، أو رد أوله على آخره، والمركوس المنكوس. وفي قراءة عبدالله وأبي رضي الله عنهما " والله ركسهم ". وقال ابن رواحة :
أُرْكِسُوا في فتنة مظلمة كسواد الليل يتلوها فتن
أي نكسوا. وارتكس فلان في أمر كان نجا منه. والركوسية٥ قوم بين النصارى والصابئين. والراكس الثور وسط البيدر٦ والثيران حواليه حين الدياس. " أتريدون أن تهدوا من أضل الله " أي ترشدوه إلى الثواب بأن يحكم لهم بحكم المؤمنين. " فلن تجد له سبيلا " أي طريقا إلى الهدى والرشد وطلب الحجة. وفي هذا رد على القدرية وغيرهم القائلين بخلق هداهم وقد تقدم٧.
١ في ج، ط، ي: والترمذي..
٢ راجع ج ٤ ص ٢٣٩ فيما بعد..
٣ اجتويت البلد: إذا كرهت المقام فيها وإن كنت في نعمة..
٤ كذا في ط و ز: وفيها: فالركس الخ..
٥ وفي اللسان: الركوسية قوم لهم دين. الخ..
٦ البيدر (بوزن خيبر): الموضع الذي يداس فيه الطعام..
٧ راجع ج ١ ص ١٤٩..
فيه خمس مسائل :
الأولى :قوله تعالى :" ودوا لو تكفرون " أي تمنوا أن تكونوا كهم في الكفر والنفاق شرعا سواء ؛ فأمر الله تعالى بالبراءة منهم فقال :" فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا " ؛ كما قال تعالى :" ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا١ " [ الأنفال :٧٢ ].
والهجرة أنواع :منها الهجرة إلى المدينة لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت هذه واجبة أول الإسلام حتى قال :( لا هجرة بعد الفتح ). وكذلك هجرة المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغزوات، وهجرة من أسلم في دار الحرب فإنها واجبة، وهجرة المسلم ما حرم الله عليه، كما قال صلى الله عليه وسلم :( والمهاجر من هجر ما حرم الله عليه ). وهاتان الهجرتان ثابتتان الآن. وهجرة أهل المعاصي حتى يرجعوا تأديبا لهم فلا يكلمون ولا يخالطون حتى يتوبوا، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع كعب وصاحبيه٢. " فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم " يقول :إن أعرضوا عن التوحيد والهجرة فأسروهم واقتلوهم. " حيث وجدتموهم " عام في الأماكن من حل وحرم. والله أعلم.
١ راجع ج ٨ ص ٥٥ و ص ٢٨٢..
٢ راجع ج ٨ ص ٢٨٢..
ثم استثنى وهي :
الثانية :فقال تعالى :" إلا الذين يصلون " استثناء أي يتصلون بهم ويدخلون فيما بينهم من الجوار والحلف، المعنى :فلا تقتلوا قوما بينهم وبين من بينكم وبينهم عهد فإنهم على عهدهم، ثم انتسخت العهود فانتسخ هذا. هذا قول مجاهد وابن زيد وغيرهم، وهو أصح ما قيل في معنى الآية. قال أبو عبيد :يصلون ينتسبون، ومنه قول الأعشى :
إذا اتصلت قالت لبكر بن وائل وبكرٌ سَبَتْهَا والأنوف رواغم
يريد إذا انتسبت. قال المهدوي :وأنكره العلماء ؛ لأن النسب لا يمنع من قتال الكفار وقتلهم. وقال النحاس :وهذا غلط عظيم ؛ لأنه يذهب إلى أن الله تعالى حظر أن يقاتل أحد بينه وبين المسلمين نسب، والمشركون قد كان بينهم وبين السابقين الأولين أنساب، وأشد من هذا الجهل بأنه كان ثم نسخ ؛ لأن أهل التأويل مجمعون على أن الناسخ له " براءة " وإنما نزلت " براءة " بعد الفتح وبعد أن انقطعت الحروب. وقال معناه الطبري. قلت :حمل بعض العلماء معنى ينتسبون على الأمان ؛ أي إن المنتسب إلى أهل الأمان آمن إذا أمن الكل منهم، لا على معنى النسب الذي هو بمعنى القرابة. واختلف في هؤلاء الذين كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ميثاق ؛ فقيل :بنو مدلج. عن الحسن :كان بينهم وبين قريش عقد، وكان بين قريش وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد. وقال عكرمة :نزلت في هلال بن عويمر وسراقة بن جعشم وخزيمة بن عامر بن عبد مناف كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد. وقيل :خزاعة. وقال الضحاك عن ابن عباس :أنه أراد بالقوم الذين بينكم وبينهم ميثاق بني بكر بن زيد بن مناة، كانوا في الصلح والهدنة.
الثالثة :في هذه الآية دليل على إثبات الموادعة بين أهل الحرب وأهل الإسلام إذا كان في الموادعة مصلحة للمسلمين، على ما يأتي بيانه في " الأنفال١ وبراءة٢ " إن شاء الله تعالى.
الرابعة :قوله تعالى :" أو جاؤوكم حصرت صدورهم " أي ضاقت. وقال لبيد :
أسهلْت وانتصبت كجذع مُنِيفة جرداءَ يحصًُر دونها جُرَّامُها٣
أي تضيق صدورهم من طول هذه النخلة، ومنه الحصر في القول وهو ضيق الكلام على المتكلم. والحصر الكتوم للسر، قال جرير :
ولقد تَسَقَّطَنِي الوشاةُ فصادفوا حَصِرًا بسرِّك يا أميم ضَنينا
ومعنى " حصرت " قد حصرت فأضمرت قد ؛ قال الفراء :وهو حال من المضمر المرفوع في " جاؤوكم " كما تقول :جاء فلان ذهب عقله، أي قد ذهب عقله. وقيل :هو خبر بعد خبر قاله الزجاج. أي جاؤوكم ثم أخبر فقال :" حصرت صدورهم " فعلى هذا يكون " حصرت " بدلا من " جاؤوكم " كما قيل :" حصرت " في موضع خفض على النعت لقوم. وفي حرف أبي " إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق حصرت صدورهم " ليس فيه " أو جاؤوكم " ٤. وقيل :تقديره أو جاؤوكم رجالا أو قوما حصرت صدورهم، فهي صفة موصوف منصوب على الحال. وقرأ الحسن " أو جاؤوكم حصرة صدورهم " نصب على الحال، ويجوز رفعه على الابتداء والخبر. وحكى " أو جاؤوكم حصرت صدورهم "، ويجوز الرفع. وقال محمد بن يزيد :" حصرت صدورهم " هو دعاء عليهم، كما تقول :لعن الله الكافر، وقاله المبرد٥. وضعفه بعض المفسرين وقال :هذا يقتضي ألا يقاتلوا قومهم، وذلك فاسد ؛ لأنهم كفار وقومهم كفار. وأجيب بأن معناه صحيح، فيكون عدم القتال في حق المسلمين تعجيزا لهم، وفي حق قومهم تحقيرا لهم. وقيل :" أو " بمعنى الواو، كأنه يقول :إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق وجاؤوكم ضيقة صدورهم عن قتالكم والقتال معكم فكرهوا قتال الفريقين. ويحتمل أن يكونوا معاهدين على ذلك فهو نوع من العهد، أو قالوا نسلم ولا نقاتل ؛ فيحتمل أن يقبل ذلك منهم في أول الإسلام حتى يفتح الله قلوبهم للتقوى ويشرحها للإسلام. والأول أظهر. والله أعلم. " أو يقاتلوا٦ " في موضع نصب ؛ أي عن أن يقاتلوكم.
الخامسة :قوله تعالى :" ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم " تسليط الله تعالى المشركين على المؤمنين هو بأن يقدرهم على ذلك ويقويهم إما عقوبة ونقمة عند إذاعة المنكر وظهور المعاصي، وإما ابتلاء واختبارا كما قال تعالى :" ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم " ٧ [ محمد :٣١ ]، وإما تمحيصا للذنوب كما قال تعالى :" وليمحص الله الذين آمنوا٨ " [ آل عمران :١٤١ ] ولله أن يفعل ما يشاء ويسلط من يشاء على من يشاء إذا شاء. ووجه النظم والاتصال بما قبل أي اقتلوا المنافقين الذين اختلفتم فيهم إلا أن يهاجروا٩، وإلا أن يتصلوا بمن بينكم وبينهم ميثاق فيدخلون فيما دخلوا فيه فلهم حكمهم، وإلا الذين جاؤوكم قد حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم فدخلوا فيكم فلا تقتلوهم.
١ راجع ج ٨ ص ٥٥..
٢ راجع ج ٨ ص ٧١ فما بعدها..
٣ جرام (جمع جارم) وهو الذي يصرم التمر ويجذه..
٤ كذا في الأصول وابن عطية. والذي في البحر والدر المصون والكشاف والألوسي: "جاءوكم بغير أو"..
٥ كذا في الأصول ومحمد بن يزيد هو المبرد، كما في البحر وابن عطية وغيرهما. ولا يبعد أن يكون ابن يزيد هو العجلي الكوفي إذ هو أسبق من المبرد بكثير..
٦ في ط و ز: من أن..
٧ راجع ج ١٦ ص ٢٥٣..
٨ راجع ج ٤ ص ٢١٩..
٩ في ج و ط: إن لم..
قوله تعالى :" ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم " معناها معنى الآية الأولى. قال قتادة :نزلت في قوم من تهامة طلبوا الأمان من النبي صلى الله عليه وسلم ليأمنوا عنده وعند قومهم. مجاهد :هي في قوم من أهل مكة. وقال السدي :نزلت في نعيم بن مسعود كان يأمن المسلمين والمشركين. وقال الحسن :هذا في قوم من المنافقين. وقيل :نزلت في أسد وغطفان قدموا المدينة فأسلموا ثم رجعوا إلى ديارهم فأظهروا الكفر.
قوله تعالى :" كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها " قرأ يحيى بن وثاب والأعمش " ردوا " بكسر الراء ؛ لأن الأصل " رددوا " فأدغم وقلبت الكسرة على الراء. " إلى الفتنة " أي الكفر " أركسوا فيها ". وقيل :أي ستجدون من يظهر لكم الصلح ليأمنوكم، وإذا سنحت لهم فتنة كان مع أهلها عليكم. ومعنى " أركسوا فيها " أي انتكسوا عن عهدهم الذين عاهدوا١. وقيل :أي إذا دعوا إلى الشرك رجعوا وعادوا إليه.
١ كذا في الأصول. ولعل صحة العبارة: عهدهم الذي. وفي ج: الذين عاهدوكم. إلا أن يكون على لغة البدل من الواو..
فيه عشرون مسألة :
الأولى :قوله تعالى :" وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ " هذه آية من أمهات الأحكام. والمعنى ما ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ، فقوله :" وما كان " ليس على النفي وإنما هو على التحريم والنهي، كقوله :" وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله١ " [ الأحزاب :٥٣ ] ولو كانت على النفي لما وجد مؤمن قتل مؤمنا قط ؛ لأن ما نفاه الله فلا يجوز٢ وجوده، كقوله تعالى :" ما كان لكم أن تنبتوا شجرها٣ " [ النمل :٦٠ ]. فلا يقدر العباد أن ينبتوا شجرها أبدا. وقال قتادة :المعنى ما كان له ذلك في عهد الله. وقيل :ما كان له ذلك فيما سلف، كما ليس له الآن ذلك بوجه، ثم استثنى استثناء منقطعا ليس من الأول وهو الذي يكون فيه " إلا " بمعنى " لكن " والتقدير ما كان له أن يقتله البتة لكن إن قتله خطأ فعليه كذا، هذا قول سيبويه والزجاج رحمهما الله. ومن الاستثناء المنقطع قوله تعالى :" ما لهم به من علم إلا اتباع الظن٤ " [ النساء :١٥٧ ] :وقال النابغة :
وقفت فيها أُصيلانا٥ أسائلها *** عيت جوابا وما بالربع من أحد
إلا الأوَارِيَّ لأيًا ما أبينها *** والنُّؤْيُ كالحوض بالمظلومة الجلد٦
فلما لم تكن " الأواري " من جنس أحد حقيقة لم تدخل في لفظه. ومثله قول الآخر :
أمسى سُقَامٌ خلاءً لا أنيس به *** إلا السباعَ ومر الريح بالغَرَفِ٧
وقال آخر :
وبلدة ليس بها أنيس *** إلا اليعافير وإلا العيس٨
وقال آخر :
وبعض الرجال نخلةٌ لا جَنَى لها *** ولا ظل إلا أن تُعَدَّ من النخل
أنشده سيبويه، ومثله كثير، ومن أبدعه قول جرير :
من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ *** على الأرض إلا ذيلَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ٩
كأنه قال :لم تطأ على الأرض إلا أن تطأ ذيل البرد.
ونزلت الآية بسبب قتل عياش بن أبي ربيعة الحارث بن يزيد بن أبي أنيسة١٠ العامري لحنة١١ كانت بينهما، فلما هاجر الحارث مسلما لقيه عياش فقتله ولم يشعر بإسلامه، فلما أخبر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :يا رسول الله، إنه قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت، ولم أشعر بإسلامه حتى قتلته فنزلت الآية. وقيل :هو استثناء متصل، أي وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ولا يقتص منه إلا أن يكون خطأ، فلا يقتص منه، ولكن فيه كذا وكذا. ووجه آخر وهو أن يقدر كان بمعنى استقر ووجد، كأنه قال :وما وجد وما تقرر وما ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ إذ هو مغلوب فيه أحيانا، فيجيء الاستثناء على هذين التأويلين غير منقطع.
وتتضمن الآية على هذا إعظام العمد وبشاعة شأنه، كما تقول :ما كان لك يا فلان أن تتكلم بهذا إلا ناسيا ؟ إعظاما للعمد والقصد مع حظر الكلام به البتة. وقيل :المعنى ولا خطأ. قال النحاس :ولا يجوز أن تكون " إلا " بمعنى الواو، ولا يعرف ذلك في كلام العرب ولا يصح في المعنى ؛ لأن الخطأ لا يحظر. ولا يفهم من دليل خطابه جواز قتل الكافر المسلم فإن المسلم محترم الدم، وإنما خص المؤمن بالذكر تأكيدا لحنانه وأخوته وشفقته وعقيدته. وقرأ الأعمش " خطاء " ممدودا في المواضع الثلاثة. ووجوه الخطأ كثيرة لا تحصى يربطها عدم القصد ؛ مثل أن يرمي صفوف المشركين فيصيب مسلما. أو يسعى بين يديه من يستحق القتل من زان أو محارب أو مرتد فطلبه ليقتله فلقي غيره فظنه هو فقتله فذلك خطأ. أو يرمي إلى غرض فيصيب إنسانا أو ما جرى مجراه، وهذا مما لا خلاف فيه. والخطأ اسم من أخطأ خطأ وإخطاء إذا لم يصنع عن تعمد، فالخطأ الاسم يقوم مقام الإخطاء. ويقال لمن أراد شيئا ففعل غيره :أخطأ، ولمن فعل غير الصواب :أخطأ. قال ابن المنذر :قال الله تبارك وتعالى :" وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ " إلى قوله تعالى :" ودية مسلمة إلى أهله " فحكم الله جل ثناؤه في المؤمن يقتل خطأ بالدية، وثبتت السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وأجمع أهل العلم على القول به.
الثانية :ذهب داود إلى القصاص بين الحر والعبد في النفس، وفي كل ما يستطاع القصاص فيه من الأعضاء، تمسكا بقوله تعالى :" وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس١٢ " [ المائدة :٤٥ ] إلى قوله تعالى :" والجروح قصاص " [ المائدة :٤٥ ]، وقوله عليه السلام :( المسلمون تتكافأ دماؤهم ) فلم يفرق بين حر وعبد، وهو قول ابن أبي ليلى. وقال أبو حنيفة وأصحابه :لا قصاص بين الأحرار والعبيد إلا في النفس فيقتل الحر بالعبد، كما يقتل العبد بالحر، ولا قصاص بينهما في شيء من الجراح والأعضاء. وأجمع العلماء على أن قوله تعالى :" وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ " أنه لم يدخل فيه العبيد، وإنما أريد به الأحرار دون العبيد، فكذلك قوله عليه السلام :( المسلمون تتكافأ دماؤهم ) أريد به الأحرار خاصة. والجمهور على ذلك وإذا لم يكن قصاص بين العبيد والأحرار فيما دون النفس فالنفس أحرى بذلك، وقد مضى هذا في " البقرة " ١٣.
الثالثة :قوله تعالى :" فتحرير رقبة مؤمنة " أي فعليه تحرير رقبة، هذه الكفارة التي أوجبها الله تعالى في كفارة القتل والظهار أيضا على ما يأتي١٤.
واختلف العلماء فيما يجزئ منها، فقال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي وقتادة وغيرهم :الرقبة المؤمنة هي التي صلت وعقلت الإيمان، لا تجزئ في ذلك الصغيرة، وهو الصحيح في هذا الباب، قال عطاء بن أبي رباح :يجزئ الصغير المولود بين مسلمين، وقال جماعة منهم مالك والشافعي :يجزئ كل من حكم له بحكم في الصلاة عليه ودفنه إن مات، وقال مالك :من صلى وصام أحب إلي.
ولا يجزئ في قول كافة العلماء أعمى ولا مقعد ولا مقطوع اليدين أو الرجلين ولا أشلهما، ويجزئ عند أكثرهم الأعرج والأعور. قال مالك :إلا أن يكون عرجا شديدا. ولا يجزئ عند مالك والشافعي وأكثر العلماء أقطع إحدى اليدين أو إحدى الرجلين، ويجزئ عند أبي حنيفة وأصحابه. ولا يجزئ عند أكثرهم المجنون المطبق ولا يجزئ عند مالك الذي يجن ويفيق، ويجزئ عند الشافعي. ولا يجزئ عند مالك المعتق إلى سنين، ويجزئ عند الشافعي. ولا يجزئ المدبر عند مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي، ويجزئ في قول الشافعي وأبي ثور، واختاره ابن المنذر. وقال مالك :لا يصح من أعتق بعضه ؛ لقوله تعالى :" فتحرير رقبة ". ومن أعتق البعض لا يقال حرر رقبة وإنما حرر بعضها. واختلفوا أيضا في معناها فقيل :أوجبت تمحيصا وطهورا لذنب القاتل، وذنبه ترك الاحتياط والتحفظ حتى هلك على يديه امرؤ محقون الدم. وقيل :أوجبت بدلا من تعطيل حق الله تعالى في نفس القتيل، فإنه كان له في نفسه حق وهو التنعم بالحياة والتصرف فيما أحل له تصرف الأحياء. وكان لله سبحانه فيه حق، وهو أنه كان عبدا من عباده يجب له من أمر العبودية صغيرا كان أو كبيرا حرا كان أو عبدا مسلما كان أو ذميا ما يتميز به عن البهائم والدواب، ويرتجى مع ذلك أن يكون من نسله من يعبد الله ويطيعه، فلم يخل قاتله من أن يكون فوت منه الاسم الذي ذكرنا، والمعنى الذي وصفنا، فلذلك ضمن الكفارة. وأي واحد من هذين المعنيين كان، ففيه بيان أن النص وإن وقع على القاتل خطأ فالقاتل عمدا مثله، بل أولى بوجوب الكفارة عليه منه، على ما يأتي بيانه، والله أعلم.
الرابعة :قوله تعالى :" ودية مسلمة " الدية ما يعطى عوضا عن دم القتيل إلى وليه. " مسلمة " مدفوعة مؤداة، ولم يعين الله في كتابه ما يعطى في الدية، وإنما في الآية إيجاب الدية مطلقا، وليس فيها إيجابها على العاقلة أو على القاتل، وإنما أخذ ذلك من السنة، ولا شك أن إيجاب المواساة على العاقلة خلاف قياس الأصول في الغرامات وضمان المتلفات، والذي وجب على العاقلة لم يجب تغليظا، ولا أن وزر القاتل عليهم ولكنه مواساة محضة. واعتقد أبو حنيفة أنها باعتبار النصرة فأوجبها على أهل ديوانه١٥. وثبتت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الدية مائة من الإبل، ووداها صلى الله عليه وسلم في عبدالله بن سهل المقتول بخيبر لحويصة١٦ ومحيصة وعبدالرحمن، فكان ذلك بيانا على لسان نبيه عليه السلام لمجمل كتابه. وأجمع أهل العلم عل أن على أهل الإبل مائة من الإبل واختلفوا فيما يجب على غير أهل الإبل ؛ فقالت طائفة :على أهل الذهب ألف دينار، وهم أهل الشام ومصر والمغرب ؛ هذا قول مالك وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي والشافعي في أحد قوليه في القديم. وروي هذا عن عمر وعروة بن الزبير وقتادة. وأما أهل الورق فاثنا عشر ألف درهم، وهم أهل العراق وفارس وخراسان، هذا مذهب مالك على ما بلغه عن عمر أنه قوم الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم. وقال المزني :قال الشافعي الدية الإبل، فإن أعوزت فقيمتها بالدراهم والدنانير على ما قومها عمر، ألف دينار على أهل الذهب واثنا عشر ألف درهم على أهل الورق. وقال أبو حنيفة ( أصحابه والثوري :الدية من الورق عشرة آلاف درهم. رواه الشعبي عن عبيدة عن عمر أنه جعل الدية على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألف شاة، وعلى أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل الحلل مائتي حلة. قال أبو عمر :في هذا الحديث ما يدل على أن الدنانير والدراهم صنف من أصناف الدية لا على وجه البدل والقيمة، وهو الظاهر من الحديث عن عثمان وعلي وابن عباس. وخالف أبو حنيفة ما رواه عن١٧ عمر في البقر والشاء والحلل. وبه قال عطاء وطاوس وطائفة من التابعين، وهو قول الفقهاء السبعة المدنيين. قال ابن المنذر :وقالت طائفة :دية الحر المسلم مائة من الإبل لا دية غيرها كما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا قول الشافعي وبه قال طاوس. قال ابن المنذر :دية الحر المسلم مائة من الإبل في كل زمان، كما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم. واختلفت الروايات١٨ عن عمر رضي الله عنه١٩ في أعداد الدراهم وما منها شيء يصح عنه لأنها مراسيل، وقد عرفتك مذهب الشافعي وبه نقول.
الخامسة :واختلف الفقهاء في أسنان دية الإبل ؛ فروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن من قتل خطأ فديته مائة من الإبل :ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون٢٠، وثلاثون حقة، وعشر بني لبون. قال الخطابي :هذا الحديث لا أعرف أحدا قال به من الفقهاء، وإنما قال أكثر العلماء :دية الخطأ أخماس. كذا قال أصحاب الرأي والثوري، وكذلك مالك وابن سيرين وأحمد بن حنبل إلا أنهم اختلفوا في الأصناف، قال أصحاب الرأي وأحمد :خمس بنو مخاض، وخمس بنات مخاض، وخمس بنات لبون، وخمس حقاق، وخمس جذاع. وروي هذا القول عن ابن مسعود. وقال مالك والشافعي :خمس حقاق، وخمس جذاع، وخمس بنات لبون، وخمس بنات مخاض، وخمس بنو لبون. وحكي هذا القول عن عمر بن عبدالعزيز وسليمان بن يسار والزهري وربيعة والليث بن سعد. قال الخطابي :ولأصحاب الرأي فيه أثر، إلا أن راويه٢١ عبدالله بن خشف بن مالك وهو مجهول لا يعرف إلا بهذا الحديث. وعدل الشافعي عن القول به. لما ذكرنا من العلة في راويه، ولأن فيه بني مخاض ولا مدخل لبني مخاض في شيء من أسنان
١ راجع ج ١٤ ص ٢٢٣..
٢ من ج و ز وط..
٣ راجع ج ١٣ ص ٢١٩..
٤ راجع ج ٦ ص ٩..
٥ أصيلان: مصغرا أصلان جمع الأصيل وهو ما بعد العصر إلى المغرب..
٦ الأواري، جمع آرى، وهو حبل تشد به الدابة في محبسها. اللأي: الشدة. والنؤي: حفرة تجعل حول البيت والخيمة لئلا يصل إليها الماء. والمظلومة: الأرض التي حفر فيها حوض لم تستحق ذلك، يعني أرضا مروا بها في برية فتحوضوا سقوا فيه إبلهم وليست بموضع تحويض. والجلد: الأرض التي يصعب حفرها..
٧ البيت لأبي خراش الهذلي. وسقام: واد بالحجاز. الغرف (بالتحريك وبالفتح والسكون): شجر يدبغ به..
٨ اليعافير: الظباء واحدها يعفور. والعيس: بقر الوحش لبياضها، والعيس البياض وأصله في الإبل فاستعاره للبقر..
٩ المرحل: ضرب من برود اليمن، سمى مرحلا لأن عليه تصاوير رحل. في ز، ج، ط، :برد مرجل وليس بصحيح..
١٠ يقال فيه: الحارث بن زيد، كما يقال: ابن أنسية راجع ترجمته في كتاب "الإصابة"..
١١ الحنة والإحنة: الحقد. في ط: الحقد..
١٢ راجع ج ٦ ص ١٩١..
١٣ راجع ج ٢ ص ٢٤٦..
١٤ راجع ج ١٧ ص ٢٧٢..
١٥ الديوان يطلق على سجل الجندية والعطية وكل مجلس مجتمع فيه لإقامة المصالح والنظر فيها: قال الجصاص في أحكامه: ويجعل ذلك في أعطياتهم إذا كانوا من أهل الديوان، راجع ج ٢ ص ٢٢٥ من الأحكام، ففيه توضيح. وسيأتي ص ٣٢١ أنهم أهل الناحية الذين هم يد..
١٦ حويصة ومحيصة (بضم ففتح ثم ياء مشددة مكسورة، ومخففة ساكنة والأشهر التشديد)..
١٧ في ج و ط و ي..
١٨ في ط: الأخبار..
١٩ في ط..
٢٠ في شرح الموطأ للباجي: "قال محمد بن عيسى الأعشى في المزنية: بنت مخاض وهي تتبع أمها وقد حملت أمها. وبنت اللبون وهي التي تتبع أمها أيضا وهي ترضع. والحقة وهي التي تستحق الحمل. وأما الجذعة من الإبل فهي ما كان من فوق أربعة وعشرين شهرا"..
٢١ كذا في الأصل، والراوي خشف كما هو في الدارقطني، فعبد الله مقحم، كما يأتي..
فيه سبع مسائل :
الأولى :قوله تعالى :" ومن يقتل " " من " شرط، وجوابه " فجزاؤه " وسيأتي. واختلف العلماء في صفة المتعمد في القتل، فقال عطاء والنخعي وغيرهما :هو من قتل بحديدة كالسيف والخنجر وسنان الرمح ونحو ذلك من المشحوذ١ المعد للقطع٢ أو بما يعلم أن فيه الموت من ثقال الحجارة ونحوها. وقالت فرقة :المتعمد كل من قتل بحديدة كان القتل أو بحجر أو بعصا أو بغير ذلك، وهذا قول الجمهور.
الثانية :ذكر الله عز وجل في كتابه العمد والخطأ ولم يذكر شبه العمد وقد اختلف العلماء في القول به، فقال ابن المنذر :أنكر ذلك مالك، وقال :ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ. وذكره الخطابي أيضا عن مالك وزاد :وأما شبه العمد فلا نعرفه.
قال أبو عمر :أنكر مالك والليث بن سعد شبه العمد، فمن قتل عندهما بما لا يقتل مثله غالبا كالعضة واللطمة وضربة السوط والقضيب وشبه ذلك فإنه عمد وفيه القود. قال أبو عمر :وقال بقولهما جماعة من الصحابة والتابعين. وذهب جمهور فقهاء الأمصار إلى أن هذا كله شبه العمد. وقد ذكر عن مالك وقال ابن وهب وجماعة من الصحابة والتابعين. قال ابن المنذر :وشبه العمد يعمل به عندنا. وممن أثبت شبه العمد الشعبي والحكم وحماد والنخعي وقتادة وسفيان الثري وأهل العراق والشافعي، وروينا ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما. قلت :وهو الصحيح ؛ فإن الدماء أحق ما احتيط لها إذ الأصل صيانتها في أهبها٣، فلا تستباح إلا بأمرين لا إشكال فيه، وهذا فيه إشكال ؛ لأنه لما كان مترددا بين العمد والخطأ حكم له بشبه العمد، فالضرب مقصود والقتل غير مقصود، وإنما وقع بغير القصد فيسقط القود وتغلظ الدية. وبمثل هذا جاءت السنة، روى أبو داود من حديث عبدالله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها ). وروى الدارقطني عن ابن عباس قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( العمد قود اليد والخطأ عقل لا قود فيه ومن قتل في عمية٤ بحجر أو عصا أو سوط فهو دية مغلظة في أسنان الإبل ). وروي أيضا من حديث سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( عقل شبه العمد مغلظ مثل قتل العمد ولا يقتل صاحبه ). وهذا نص. وقال طاوس في الرجل يصاب في ماء الرميا٥ في القتال بالعصا أو السوط أو الترامي بالحجارة يودي ولا يقتل به من أجل أنه لا يدرك، من قاتله. وقال أحمد بن حنبل :العميا هو الأمر الأعمى٦ للعصبية لا تستبين ما وجهه. وقال إسحاق :هذا في تحارج٧ القوم وقتل. بعضهم بعضا. فكأن أصله من التعمية وهو التلبيس، ذكره الدارقطني.
مسألة :واختلف القائلون بشبه العمد في الدية المغلظة، فقال عطاء والشافعي :هي ثلاثون حقة٨ وثلاثون جذعة وأربعون خلفة. وقد روي هذا القول عن عمر وزيد بن ثابت والمغيرة بن شعبة وأبي موسى الأشعري، وهو مذهب مالك حيث يقول بشبه العمد، ومشهور مذهبه أنه لم يقل به إلا في مثل قصة المدلجي بابنه حيث ضربه بالسيف. وقيل :هي مربعة ربع بنات لبون، وربع حقاق، وربع جذاع، وربع بنات مخاض. هذا قول النعمان ويعقوب، وذكره أبو داود عن سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي. وقيل :هي مخمسة :عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة، هذا قول أبي ثور. وقيل :أربعون جذعة إلى بازل عامها وثلاثون حقة، وثلاثون بنات لبون. وروي عن عثمان بن عفان وبه قال الحسن البصري وطاوس والزهري. وقيل :أربع وثلاثون خلفة إلى بازل عامها، وثلاث وثلاثون حقة، وثلاث وثلاثون جذعة، وبه قال الشعبي والنخعي، وذكره أبو داود عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي.
الثالثة :واختلفوا فيمن تلزمه دية شبه العمد، فقال الحارث العكلي وابن أبي ليلى وابن شبرمة وقتادة وأبو ثور :هو عليه في ماله. وقال الشعبي والنخعي والحكم والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي :هو على العاقلة. قال ابن المنذر :قول الشعبي أصح ؛ لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل دية الجنين على عاقلة الضاربة.
الرابعة :أجمع العلماء على أن العاقلة لا تحمل دية العمد وأنها في مال الجاني ؛ وقد تقدم ذكرها في " البقرة " ٩. وقد أجمعوا على أن على القاتل خطأ الكفارة، واختلفوا فيها في قتل العمد ؛ فكان مالك والشافعي يريان على قاتل العمد الكفارة كما في الخطأ. قال الشافعي :إذا وجبت الكفارة في الخطأ فلأن تجب في العمد أولى. وقال :إذا شرع السجود في السهو فلأن يشرع في العمد أولى، وليس ما ذكره الله تعالى في كفارة العمد بمسقط ما قد وجب في الخطأ. وقد قيل :إن القاتل عمدا إنما تجب عليه الكفارة إذا عفي عنه فلم يقتل، فأما إذا قتل قودا فلا كفارة عليه تؤخذ من ماله. وقيل تجب. ومن قتل نفسه فعليه الكفارة في ماله. وقال الثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي :لا تجب الكفارة إلا حيث أوجبها الله تعالى. قال ابن المنذر :وكذلك نقول ؛ لأن الكفارات عبادات ولا يجوز التمثيل. وليس يجوز لأحد أن يفرض فرضا يلزمه عباد الله إلا بكتاب أو سنة أو إجماع، وليس مع من فرض على القاتل عمدا كفارة حجة من حيث ذكرت.
الخامسة :واختلفوا في الجماعة يقتلون الرجل خطأ ؛ فقالت طائفة :على كل واحد منهم الكفارة، كذلك قال الحسن وعكرمة والنخعي والحارث العكلي ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي. وقالت طائفة :عليهم كلهم كفارة واحدة، هكذا قال أبو ثور، وحكي ذلك عن الأوزاعي. وفرق الزهري بين العتق والصوم، فقال في الجماعة يرمون بالمنجنيق فيقتلون رجلا :عليهم كلهم عتق رقبة، وإن كانوا لا يجدون فعلى كل واحد منهم صوم شهرين متتابعين.
السادسة :روى النسائي :أخبرنا الحسن بن إسحاق المروزي - ثقة قال :حدثنا خالد بن خداش قال :حدثنا حاتم بن إسماعيل عن بشير بن المهاجر عن عبدالله بن بريدة عن أبيه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا ). وروي عن عبدالله قال :قال رسول الله :( أول ما يحاسب به العبد الصلاة وأول ما يقضى بين الناس في الدماء ). وروى إسماعيل بن إسحاق عن نافع بن جبير بن مطعم عن عبدالله بن عباس أنه سأل سائل فقال :يا أبا العباس، هل للقاتل توبة ؟ فقال له ابن عباس كالمتعجب من مسألته :ماذا تقول ! مرتين أو ثلاثا. ثم قال ابن عباس :ويحك ! أنى١٠ له توبة ! سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول :( يأتي المقتول معلقا رأسه بإحدى يديه متلببا قاتله بيده الأخرى تشخب أوداجه دما حتى يوقفا فيقول المقتول لله سبحانه وتعالى رب هذا قتلني فيقول الله تعالى للقاتل :تعست ويذهب به إلى النار ). وعن الحسن قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ما نازلت ربي في شيء ما نازلته١١ في قتل المؤمن فلم يجبني ).
السابعة :واختلف العلماء في قاتل العمد هل له من توبة ؟ فروى البخاري عن سعيد بن جبير قال :اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت فيها إلى ابن عباس، فسألته عنها فقال :نزلت هذه الآية " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم " هي آخر ما نزل وما نسخها شيء. وروى النسائي عنه قال :سألت ابن عباس هل لمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة ؟ قال :لا. وقرأت عليه الآية التي في الفرقان :" والذين لا يدعون مع الله إلها آخر١٢ " [ الفرقان :٦٨ ] قال :هذه آية مكية نسختها آية مدنية " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزائه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ".
وروي عن زيد بن ثابت نحوه، وإن آية النساء نزلت بعد آية الفرقان بستة أشهر، وفي رواية بثمانية أشهر، ذكرهما النسائي عن زيد بن ثابت. وإلى عموم هذه الآية مع هذه الأخبار عن زيد وابن عباس ذهبت المعتزلة وقالوا :هذا مخصص عموم قوله تعالى :" ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " [ النساء :٤٨ ] ورأوا أن الوعيد نافذ حتما على كل قاتل، فجمعوا بين الآيتين بأن قالوا :التقدير ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء إلا من قتل عمدا. وذهب جماعة من العلماء منهم. عبدالله بن عمر - وهو أيضا مروي عن زيد وابن عباس - إلى أن له توبة. روى يزيد بن هارون قال :أخبرنا أبو مالك الأشجعي عن سعد بن عبيدة قال :جاء رجل إلى ابن عباس فقال ألمن قتل مؤمنا متعمدا توبة ؟ قال :لا، إلا النار، قال :فلما ذهب قال له جلساؤه :أهكذا كنت تفتينا ؟ كنت تفتينا أن لمن قتل توبة مقبولة، قال :إني لأحسبه رجلا مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا. قال :فبعثوا في إثره فوجدوه كذلك. وهذا مذهب أهل السنة وهو الصحيح، وإن هذه الآية مخصوصة، ودليل التخصيص آيات وأخبار. وقد أجمعوا على أن الآية نزلت في مقيس بن ضبابة١٣ ؛ وذلك أنه كان قد أسلم هو وأخوه هشام بن ضبابة، فوجد هشاما قتيلا في بني النجار فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فكتب له إليهم أن يدفعوا إليه قاتل أخيه وأرسل معه رجلا من بني فهر، فقال بنو النجار :والله ما نعلم له قاتلا ولكنا نؤدي الدية، فأعطوه مائة من الإبل، ثم انصرفا راجعين إلى المدينة فعدا مقيس على الفهري فقتله بأخيه وأخذ الإبل وانصرف إلى مكة كافرا مرتدا ؛ وجعل ينشد :
قتلت به فِهرا وحملت عقله سُراة بني النجار أرباب فارع١٤
حللتُ به وَتْرِي وأدركت ثورتي وكنت إلى الأوثان أول راجع
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا أؤمنه في حل ولا حرم ). وأمر بقتله يوم فتح مكة وهو متعلق بالكعبة. وإذا ثبت هذا بنقل أهل التفسير وعلماء الدين فلا ينبغي أن يحمل على المسلمين، ثم ليس الأخذ بظاهر الآية بأولى من الأخذ بظاهر قوله :" إن الحسنات يذهبن السيئات١٥ " [ هود :١١٤ ] وقوله تعالى :" وهو الذي يقبل التوبة عن عباده١٦ " [ الشورى :٢٥ ] وقوله :" ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " [ النساء :٤٨ ]. والأخذ بالظاهرين تناقض فلا بد من التخصيص. ثم إن الجمع بين آية " الفرقان " وهذه الآية ممكن فلا نسخ ولا تعارض، وذلك أن يحمل مطلق آية " النساء " على مقيد آية " الفرقان " فيكون معناه فجزاؤه كذا إلا من تاب، لا سيما وقد اتحد الموجب وهو القتل والموجب وهو التواعد بالعقاب. وأما الأخبار فكثيرة كحديث عبادة بن الصامت الذي قال فيه :( تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب شيئا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه )١٧. رواه الأئمة أخرجه الصحيحان. وكحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي قتل مائة نفس. أخرجه مسلم في صحيحه وابن ماجة في سننه وغيرهما إلى غير ذلك من الأخبار الثابتة. ثم إنهم قد أجمعوا معنا في الرجل يشهد عليه بالقتل، ويقر بأنه قتل عمدا، ويأتي السلطان الأولياء فيقام عليه الحد ويقتل قودا، فهذا غير متبع في الآخرة، والوعيد غير نافذ عليه إجماعا على مقتضى حديث عبادة، فقد انكسر عليهم ما تعلقوا به من عموم قوله تعالى :" ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم " ودخ
١ في ط: المحدد..
٢ زيادة عن ابن عطية..
٣ الأهب (بضمتين جمه الإهاب): الجلد..
٤ العمية (بكسر العين والميم وتشديد الياء) أي في حال يعمى أمره ولا يتبين قاتله ولا حال قتله..
٥ الرميا: بكسر وتشديد وقصر، بوزن الهجيري من الرمى، مصدر يراد به المبالغة..
٦ في ج: العمى..
٧ كذا في ج، ط: أي وقعوا في حرج. وفي ي: تخارج..
٨ قال أبو داود في صحيحه: "قال أبو عبيدة وغير واحد: إذا دخلت الناقة في السنة الرابعة فهو حق والأنثى حقة، لأنه يستحق أن يحمل عليه ويركب، فإذا دخل في الخامسة فهو جذع وجذعة، فإذا دخل في السادسة وألقى ثنيته فهو ثني، فإذا دخل في السابعة فهو رباع ورباعية، فإذا دخل في الثامنة وألقى السن الذي بعد الرباعية فهو سديس وسدس، فإذا دخل في التاسعة فطرنا به وطلع فهو بازل، فإذا دخل في العاشرة فهو مخلف، ثم ليس له اسم ولكن يقال: بازل عام وبازل عامين، ومخلف عام ومخلف عامين إلى ما زاد. وقال النضر بن شميل: ابنة مخاض لسنة وابنة لبون لسنتين، وحقة لثلاث وجذعة لأربع والثني لخمس ورباع لست وسديس لسبع وبازل لثمان..
٩ راجع ج ٢ ص ٢٥٢..
١٠ في ز: أله توبة؟..
١١ نازلت ربي: راجعته وسألته مرة بعد أخرى..
١٢ راجع ج ١٣ ص ٧٥..
١٣ كذا في ج والطبري والعسقلاني. وفي أ، ط، ز، ي وابن عطية: صبابة. وفي القاموس وشرحه: حبابة بالحاء..
١٤ فارع: حصن بالمدينة..
١٥ راجع ج ٩ ص ١٠٨..
١٦ راجع ج ١٦ ص ٢٥ و ج ٨ ص ٢٥٠..
١٧ الحديث أثبتناه كما في صحيح مسلم..
فيه إحدى عشرة مسألة :
الأولى :قوله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله " هذا متصل بذكر القتل والجهاد. والضرب :السير في الأرض، تقول العرب :ضربت في الأرض إذا سرت لتجارة أو غزو أو غيره، مقترنة بفي. وتقول :ضربت الأرض دون " في " إذا قصدت قضاء حاجة الإنسان، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :( لا يخرج الرجلان يضربان الغائط يتحدثان كاشفين عن فرجيهما فإن الله يمقت على ذلك ).
وهذه الآية نزلت في قوم من المسلمين مروا في سفرهم١ برجل معه جمل وغنيمة يبيعها فسلم على القوم وقال :لا إله إلا الله محمد رسول الله، فحمل عليه أحدهم فقتله. فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم شق عليه ونزلت
وأخرجه البخاري عن عطاء عن ابن عباس قال :قال ابن عباس :كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون فقال :السلام عليكم ؛ فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله تعالى ذلك إلى قوله :" عرض الحياة الدنيا " تلك الغنيمة. قال :قرأ ابن عباس " السلام ". في غير البخاري :وحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته إلى أهله ورد عليه غنيماته. واختلف في تعيين القاتل والمقتول في هذه النازلة، فالذي عليه الأكثر وهو في سير ابن إسحاق ومصنف أبي داود والاستيعاب لابن عبدالبر أن القاتل محلم بن جثامة، والمقتول عامر بن الأضبط، فدعا عليه السلام على محلم فما عاش بعد ذلك إلا سبعا ثم دفن فلم تقبله الأرض ثم دفن فلم تقبله ثم دفن ثالثة فلم تقبله، فلما رأوا أن الأرض لا تقبله ألقوه في بعض تلك الشعاب، وقال عليه السلام :( إن الأرض لتقبل من هو شر منه ). قال الحسن :أما إنها تحبس من هو شر منه ولكنه وعظ القوم ألا
وفي سنن ابن ماجة عن عمران بن حصين قال :بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا٢ من المسلمين إلى المشركين فقاتلوهم قتالا شديدا، فمنحوهم أكتافهم فحمل رجل من لحمتي على رجل من المشركين بالرمح فلما غشيه قال :أشهد أن لا إله إلا الله ؛ إني مسلم، فطعنه فقتله، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :يا رسول الله، هلكت ! قال :( وما الذي صنعت ) ؟ مرة أو مرتين، فأخبره بالذي صنع. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :( فهلا شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه ) فقال :يا رسول الله لو شققت بطنه أكنت أعلم ما في قلبه ؟ قال :( لا فلا أنت قبلت ما تكلم به ولا أنت تعلم ما في قلبه ). فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات فدفناه، فأصبح على وجه الأرض. فقلنا :لعل عدوا نبشه، فدفناه ثم أمرنا غلماننا يحرسونه فأصبح على ظهر الأرض. فقلنا :لعل الغلمان نعسوا، فدفناه ثم حرسناه بأنفسنا فأصبح على ظهر الأرض، فألقيناه في بعض تلك
وقيل :إن القاتل أسامة بن زيد والمقتول مرداس بن نهيك الغطفاني ثم الفزاري من بني مرة من أهل فدك. وقال ابن القاسم عن مالك. وقيل :كان مرداس هذا قد أسلم من الليلة وأخبر بذلك أهله، ولما عظم النبي صلى الله عليه وسلم الأمر على أسامة حلف عند ذلك ألا يقاتل رجلا يقول :لا إله إلا الله. وقد تقدم القول فيه. وقيل :القاتل أبو قتادة. وقيل :أبو الدرداء. ولا خلاف أن الذي لفظته الأرض حين مات هو محلم الذي ذكرناه. ولعل هذه الأحوال جرت في زمان متقارب فنزلت الآية في الجميع.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رد على أهل المسلم الغنم والجمل وحمل ديته على طريق الائتلاف والله أعلم. وذكر الثعلبي أن أمير تلك السرية رجل يقال له غالب بن فضالة الليثي. وقيل :المقداد حكاه السهيلي.
الثانية :قوله تعالى :" فتبينوا " أي تأملوا. و " تبينوا " قراءة الجماعة، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، وقالا :من أمر بالتبين فقد أمر بالتثبيت، يقال :تبينت الأمر وتبين الأمر بنفسه، فهو متعد ولازم. وقرأ حمزة " فتثبتوا " من التثبت بالثاء مثلثة وبعدها باء بواحدة " وتبينوا " في هذا أوكد ؛ لأن الإنسان قد يتثبت ولا يبين. وفي " إذا " معنى الشرط، فلذلك دخلت الفاء في قوله " فتبينوا ". وقد يجازى بها كما قال :
وإذا تصبك خصاصة فتجمل٣
والجيد ألا يجازى بها كما قال الشاعر :
والنفس راغبة إذا رغَّبتها وإذا تُرَدُّ إلى قليل تقنع
والتبين التثبت في القتل واجب حضرا وسفرا ولا خلاف فيه، وإنما خص السفر بالذكر ؛ لأن الحادثة التي فيها نزلت الآية وقعت في السفر.
الثالثة :قوله تعالى :" ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا " السلم والسلم، والسلام واحد، قال البخاري. وقرئ بها كلها. واختار أبو عبيد القاسم بن سلام " السلام ". وخالفه أهل النظر فقالوا :" السلم " ههنا أشبه ؛ لأنه بمعنى الانقياد والتسليم٤، كما قال عز وجل :" فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء٥ " [ النحل :٢٨ ] فالسلم الاستسلام والانقياد. أي لا تقولوا لمن ألقى بيده واستسلم لكم وأظهر دعوتكم٦ لست مؤمنا. وقيل :السلام قول السلام عليكم، وهو راجع إلى الأول ؛ لأن سلامه بتحية الإسلام مؤذن بطاعته وانقياده، ويحتمل أن يراد به الانحياز والترك. قال الأخفش :يقال فلان٧ سلام إذا كان لا يخالط أحدا. والسلم ( بشد السين وكسرها وسكون اللام ) الصلح٨.
الرابعة :وروي عن أبي جعفر أنه قرأ " لست مؤمَنا " بفتح الميم الثانية، من آمنته إذا أجرته فهو مؤمن.
الخامسة :والمسلم إذا لقي الكافر ولا عهد له جاز له قتله، فإن قال :لا إله إلا الله لم يجز قتله ؛ لأنه قد اعتصم بعصام الإسلام المانع من دمه وماله وأهله :فإن قتله بعد ذلك قتل به. وإنما سقط القتل عن هؤلاء لأجل أنهم كانوا في صدر الإسلام وتأولوا أنه قالها متعوذا وخوفا من السلاح، وأن العاصم قولها مطمئنا، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه عاصم كيفما قالها ؛ ولذلك قال لأسامة :( أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا ) أخرجه مسلم. أي تنظر٩ أصادق هو في قوله أم كاذب ؟ وذلك لا يمكن فلم يبق إلا أن يبين عنه لسانه. وفي هذا من الفقه باب عظيم، وهو أن الأحكام تناط بالمظان والظواهر لا على القطع واطلاع السرائر.
السادسة :فإن قال :سلام عليكم فلا ينبغي أن يقتل أيضا حتى يعلم ما وراء هذا ؛ لأنه موضع إشكال. وقد قال مالك في الكافر يوجد فيقول :جئت مستأمنا أطلب الأمان :هذه أمور مشكلة، وأرى أن يرد إلى مأمنه ولا يحكم له بحكم الإسلام ؛ لأن الكفر قد ثبت له فلا بد أن يظهر منه ما يدل على قوله، ولا يكفي أن يقول أنا مسلم ولا أنا مؤمن ولا أن يصلي حتى يتكلم بالكلمة العاصمة التي علق النبي صلى الله عليه وسلم الحكم بها عليه في قوله :( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ).
السابعة :فإن صلى أو فعل فعلا من خصائص الإسلام فقد اختلف فيه علماؤنا، فقال ابن العربي :نرى أنه لا يكون بذلك مسلما، أما أنه يقال له :ما وراء هذه الصلاة ؟ فإن قال :صلاة مسلم، قيل له :قل لا إله إلا الله١٠ ؛ فإن قالها تبين صدقه، وإن أبى علمنا أن ذلك تلاعب، وكانت عند من يرى إسلامه ردة، والصحيح أنه كفر أصلي ليس بردة. وكذلك هذا الذي قال :سلام عليكم، يكلف١١ الكلمة، فإن قالها تحقق رشاده، وإن أبى تبين عناده وقتل. وهذا معنى قوله :" فتبينوا " أي الأمر المشكل، أو " تثبتوا " ولا تعجلوا المعنيان سواء. فإن قتله أحد فقد أتى منهيا عنه. فإن قيل :فتغليظ النبي صلى الله عليه وسلم على محلم، ونبذه من قبره كيف مخرجه ؟ قلنا :لأنه علم من نيته أنه لم يبال بإسلامه فقتله متعمدا لأجل الحنة التي كانت بينهما في الجاهلية.
الثامنة :قوله تعالى :" تبتغون عرض الحياة الدنيا " أي تبتغون أخذ ماله :ويسمى متاع الدنيا عرضا لأنه عارض زائل غير ثابت. قال أبو عبيدة :يقال جميع متاع الحياة١٢ الدنيا عرض بفتح الراء ؛ ومنه١٣ :( الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر ). والعرض ( بسكون الراء ) ما سوى الدنانير والدراهم، فكل عرض عرض، وليس كل عرض عرضا. وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم :( ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس ). وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى فنظمه :
تقنَّع بما يكفيك واستعمل الرضا فإنك لا تدري أتصبح أم تمسي
فليس الغنى عن كثرة المال إنما يكون الغنى والفقر من قبل النفس
وهذا يصحح قول أبي عبيدة :فإن المال يشمل كل ما يتمول. وفي كتاب العين :العرض ما نيل من الدنيا، ومنه قوله تعالى :" تريدون عرض الدنيا١٤ " [ الأنفال :٦٧ ] وجمعه عروض. وفي المجمل لابن فارس :والعرض ما يعترض الإنسان من مرض أو نحوه١٥ وعرض الدنيا ما كان فيها من مال قل أو كثر. والعرض من الأثاث ما كان غير نقد. وأعرض الشيء إذا ظهر وأمكن. والعرض خلاف الطول.
التاسعة :قوله تعالى :" فعند الله مغانم كثيرة " عدة من الله تعالى بما يأتي به على وجهه ومن حله دون ارتكاب محظور، أي فلا تتهافتوا. " كذلك كنتم من قبل " أي كذلك كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم خوفا منكم على أنفسكم حتى من الله عليكم بإعزاز الدين وغلبة المشركين، فهم الآن كذلك كل واحد منهم في قومه متربص أن يصل إليكم، فلا يصلح إذ وصل إليكم أن تقتلوه حتى تتبينوا أمره. وقال ابن زيد :المعنى كذلك كنتم كفرة " فمن الله عليكم " بأن أسلمتم فلا تنكروا أن يكون هو كذلك ثم يسلم لحينه حين لقيكم فيجب أن تتثبتوا في أمره.
العاشرة :استدل بهذه الآية من قال :إن الإيمان هو القول، لقوله تعالى :" ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ". قالوا :ولما منع أن يقال لمن قال لا إله إلا الله لست مؤمنا منع من قتلهم بمجرد القول. ولولا الإيمان الذي هو هذا القول١٦ لم يعب قولهم. قلنا :إنما شك القوم في حالة أن يكون هذا القول منه تعوذا فقتلوه، والله لم يجعل لعباده غير الحكم بالظاهر، وقد قال صلى الله عليه وسلم :( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ) وليس في ذلك أن الإيمان هو الإقرار فقط، ألا ترى أن المنافقين كانوا يقولون هذا القول وليسوا بمؤمنين حسب ما تقدم بيانه في " البقرة١٧ " وقد كشف البيان في هذا قوله عليه السلام :( أفلا شققت عن قلبه ) ؟ فثبت أن الإيمان هو الإقرار وغيره، وأن حقيقته التصديق بالقلب، ولكن ليس للعبد طريق إليه إلا ما سمع منه فقط. واستدل بهذا أيضا من قال :إن الزنديق تقبل توبته إذا أظهر الإسلام ؛ قال :لأن الله تعالى لم يفرق بين الزنديق وغيره متى أظهر الإسلام. وقد مضى القول في هذا في أول البقرة. وفيها رد على القدرية، فإن الله تعالى أخبر أنه من على المؤمنين من بين جميع الخلق بأن خصهم بالتوفيق، والقدرية تقول :خلقهم كلهم للإيمان. ولو كان كما زعموا لما كان لاختصاص المؤمنين بالمنة من بين الخلق معنى.
الحادية عشرة :قوله تعالى :" فتبينوا " أعاد الأمر بالتبيين للتأكيد. " إن الله كان بما تعملون خبيرا " تحذير عن مخالفة أمر الله، أي احفظوا أنفسكم وجنبوها الزلل الموبق لكم.
١ من ج، ط، ز..
٢ من ج و ط و ز..
٣ هذا عجز بيت وصدره:
واستغن ما أغناك ربك بالغنى* في ط و ز وي: فتحمل بالمهملة وهي رواية..

٤ من ي..
٥ راجع ج ١٠ ص ٩٩..
٦ في أ و ج دعوته..
٧ من ابن عطية..
٨ من ابن عطية و ج و ط و ز و ي. وفي ا و ح: الصفح. فهو تصحيف..
٩ في ج و ط و ي: انتظر..
١٠ في ابن العربي: لا إله إلا الله محمد رسول الله..
١١ في ا و ح: تكلف. تكلف الشيء: تجشمه على مشقة وعلى خلاف عادته..
١٢ من ج..
١٣ أي الحديث..
١٤ راجع ج ٨ ص ٤٥..
١٥ من الأصول..
١٦ في ج: ولولا الإيمان الذي ظهر لم يعب..
١٧ راجع ج ١ ص ١٩٣..
فيه خمس مسائل :
الأولى :قوله تعالى :" لا يستوي القاعدون من المؤمنين " قال ابن عباس :لا يستوي القاعدون عن بدر والخارجون إليها. ثم قال :" غير أولي الضرر " والضرر الزمانة. روى الأئمة واللفظ لأبي داود عن زيد بن ثابت قال :كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة فوقعت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فما وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سري عنه فقال :( اكتب ) فكتبت في كتف١ " لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله " إلى آخر الآية ؛ فقام ابن أم مكتوم - وكان رجلا أعمى - لما سمع فضيلة المجاهدين فقال :يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين ؟ فلما قضى كلامه غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينة فوقعت فخذه على فخذي، ووجدت من ثقلها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :( اقرأ يا زيد ) فقرأت " لا يستوي القاعدون من المؤمنين " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" غير أولي الضرر " الآية كلها. قال زيد :فأنزلها الله وحدها فألحقتها، والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في كتف.
وفي البخاري عن مقسم مولى عبدالله بن الحارث أنه سمع ابن عباس يقول :" لا يستوي القاعدون من المؤمنين " عن بدر والخارجون إلى بدر. قال العلماء :أهل الضرر هم أهل الأعذار إذ قد أضرت بهم حتى منعتهم الجهاد. وصح وثبت في الخبر أنه عليه السلام قال - وقد قفل من بعض غزواته :( إن بالمدينة رجالا ما قطعتم واديا ولا سرتم مسيرا إلا كانوا معكم أولئك قوم حبسهم العذر ). فهذا يقتضي أن صاحب العذر يعطى أجر الغازي، فقيل :يحتمل أن يكون أجره مساويا وفي فضل الله متسع، وثوابه فضل لا استحقاق، فيثيب على النية الصادقة مالا يثيب على الفعل. وقيل :يعطى أجره من غير تضعيف فيفضله الغازي بالتضعيف للمباشرة. والله أعلم.
قلت :والقول الأول أصح - إن شاء الله - للحديث الصحيح في ذلك ( إن بالمدينة رجالا ) ولحديث أبي كبشة الأنماري قوله عليه السلام ( إنما الدنيا لأربعة نفر ) الحديث وقد تقدم في سورة " آل عمران " ٢. ومن هذا المعنى ما ورد في الخبر ( إذا مرض العبد قال الله تعالى اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ أو أقبضه إلي ).
الثانية :وقد تمسك بعض العلماء بهذه الآية بأن أهل الديوان أعظم أجرا من أهل التطوع ؛ لأن أهل الديوان لما كانوا متملكين بالعطاء، ويصرفون في الشدائد، وتروعهم٣ البعوث والأوامر، كانوا أعظم من المتطوع ؛ لسكون جأشه ونعمة باله في الصوائف٤ الكبار ونحوها. قال ابن محيريز :أصحاب العطاء أفضل من المتطوعة لما يروعون. قال مكحول :روعات البعوث تنفي روعات القيامة.
الثالثة :وتعلق بها أيضا من قال :إن الغنى أفضل من الفقر ؛ لذكر الله تعالى المال الذي يوصل به إلى صالح الأعمال. وقد اختلف الناس في هذه المسألة مع اتفاقهم أن ما أحوج من الفقر مكروه، وما أبطر من الغنى مذموم ؛ فذهب قوم إلى تفضيل الغني ؛ لأن الغني مقتدر والفقير عاجز، والقدرة أفضل من العجز.
قال الماوردي :وهذا مذهب من غلب عليه حب النباهة. وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر ؛ لأن الفقير تارك والغني ملابس، وترك الدنيا أفضل من ملابستها. قال الماوردي :وهذا مذهب من غلب عليه حب السلامة. وذهب آخرون إلى تفضيل التوسط بين الأمرين بأن يخرج عن حد الفقر إلى أدنى مراتب الغنى ليصل إلى فضيلة الأمرين، وليسلم من مذمة الحالين. قال الماوردي :وهذا مذهب من يرى تفضيل الاعتدال وأن ( خير الأمور أوسطها ). ولقد أحسن الشاعر الحكيم حيث قال :
ألا عائذا بالله من عدم الغنى ومن رغبة يوما إلى غير مرغب
الرابعة :قوله تعالى :" غير أولي الضرر " قراءة أهل الكوفة وأبو عمرو " غير " بالرفع ؛ قال الأخفش :هو نعت للقاعدين ؛ لأنهم لم يقصد بهم قوم بأعيانهم فصاروا كالنكرة فجاز وصفهم بغير، والمعنى لا يستوي القاعدون غير أولي الضرر، أي لا يستوي القاعدون الذين هم غير أولي الضرر. والمعنى لا يستوي القاعدون الأصحاء، قاله الزجاج. وقرأ أبو حيوة " غير " جعله نعتا للمؤمنين، أي من المؤمنين الذين هم غير أولي الضرر من المؤمنين الأصحاء. وقرأ أهل الحرمين " غير " بالنصب على الاستثناء من القاعدين أو من المؤمنين، أي إلا أولي الضرر فإنهم يستوون مع المجاهدين. وإن شئت على الحال من القاعدين ؛ أي لا يستوي القاعدون من الأصحاء أي في حال صحتهم، وجازت الحال منهم ؛ لأن لفظهم لفظ المعرفة، وهو كما تقول :جاءني زيد غير مريض. وما ذكرناه من سبب النزول يدل على معنى النصب، والله أعلم.
الخامسة :قوله تعالى :" فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة " وقد قال بعد هذا :" درجات منه ومغفرة ورحمة " فقال قوم :التفضيل بالدرجة ثم بالدرجات إنما هو مبالغة وبيان وتأكيد. وقيل :فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر بدرجة واحدة، وفضل الله المجاهدين على القاعدين من غير عذر درجات، قاله ابن جريج والسدي وغيرهما. وقيل :إن معنى درجة علو، أي أعلى ذكرهم ورفعهم بالثناء والمدح والتقريظ. فهذا معنى درجة، ودرجات يعني في الجنة. قال ابن محيريز :سبعين درجة بين كل درجتين حضر الفرس الجواد سبعين سنة. و " درجات " بدل من أجر وتفسير له، ويجوز نصبه أيضا على تقدير الظرف، أي فضلهم بدرجات، ويجوز أن يكون توكيدا لقول " أجرا عظيما " لأن الأجر العظيم هو الدرجات والمغفرة والرحمة، ويجوز الرفع، أي ذلك درجات. و " أجرا " نصب ب " فضل " وإن شئت كان مصدرا وهو أحسن، ولا ينتصب ب " فضل " لأنه قد استوفى مفعوليه وهما قوله :" المجاهدين " و " على القاعدين "، وكذا " درجة ". فالدرجات منازل بعضها أعلى من بعض. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ). " وكلا وعد الله الحسنى " " كلا " منصوب ب " وعد " و " الحسنى " الجنة، أي وعد الله كلا الحسنى. ثم قيل :المراد ( بكل ) المجاهدون خاصة. وقيل :المجاهدون وأولو الضرر. والله أعلم.
١ الكتف: عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم..
٢ راجع ج ٤ ص ٢١٥. وراجع ج ٨ ص ٢٩٢..
٣ في نسخ الأصل اختلاف في هذه العبارة والذي أثبتناه هو ما في ابن عطية وهو الواضح..
٤ الصائفة: الغزوة في الصيف..
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٥: فيه خمس مسائل :
الأولى :قوله تعالى :" لا يستوي القاعدون من المؤمنين " قال ابن عباس :لا يستوي القاعدون عن بدر والخارجون إليها. ثم قال :" غير أولي الضرر " والضرر الزمانة. روى الأئمة واللفظ لأبي داود عن زيد بن ثابت قال :كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة فوقعت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فما وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سري عنه فقال :( اكتب ) فكتبت في كتف١ " لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله " إلى آخر الآية ؛ فقام ابن أم مكتوم - وكان رجلا أعمى - لما سمع فضيلة المجاهدين فقال :يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين ؟ فلما قضى كلامه غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينة فوقعت فخذه على فخذي، ووجدت من ثقلها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :( اقرأ يا زيد ) فقرأت " لا يستوي القاعدون من المؤمنين " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" غير أولي الضرر " الآية كلها. قال زيد :فأنزلها الله وحدها فألحقتها، والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في كتف.
وفي البخاري عن مقسم مولى عبدالله بن الحارث أنه سمع ابن عباس يقول :" لا يستوي القاعدون من المؤمنين " عن بدر والخارجون إلى بدر. قال العلماء :أهل الضرر هم أهل الأعذار إذ قد أضرت بهم حتى منعتهم الجهاد. وصح وثبت في الخبر أنه عليه السلام قال - وقد قفل من بعض غزواته :( إن بالمدينة رجالا ما قطعتم واديا ولا سرتم مسيرا إلا كانوا معكم أولئك قوم حبسهم العذر ). فهذا يقتضي أن صاحب العذر يعطى أجر الغازي، فقيل :يحتمل أن يكون أجره مساويا وفي فضل الله متسع، وثوابه فضل لا استحقاق، فيثيب على النية الصادقة مالا يثيب على الفعل. وقيل :يعطى أجره من غير تضعيف فيفضله الغازي بالتضعيف للمباشرة. والله أعلم.
قلت :والقول الأول أصح - إن شاء الله - للحديث الصحيح في ذلك ( إن بالمدينة رجالا ) ولحديث أبي كبشة الأنماري قوله عليه السلام ( إنما الدنيا لأربعة نفر ) الحديث وقد تقدم في سورة " آل عمران " ٢. ومن هذا المعنى ما ورد في الخبر ( إذا مرض العبد قال الله تعالى اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ أو أقبضه إلي ).
الثانية :وقد تمسك بعض العلماء بهذه الآية بأن أهل الديوان أعظم أجرا من أهل التطوع ؛ لأن أهل الديوان لما كانوا متملكين بالعطاء، ويصرفون في الشدائد، وتروعهم٣ البعوث والأوامر، كانوا أعظم من المتطوع ؛ لسكون جأشه ونعمة باله في الصوائف٤ الكبار ونحوها. قال ابن محيريز :أصحاب العطاء أفضل من المتطوعة لما يروعون. قال مكحول :روعات البعوث تنفي روعات القيامة.
الثالثة :وتعلق بها أيضا من قال :إن الغنى أفضل من الفقر ؛ لذكر الله تعالى المال الذي يوصل به إلى صالح الأعمال. وقد اختلف الناس في هذه المسألة مع اتفاقهم أن ما أحوج من الفقر مكروه، وما أبطر من الغنى مذموم ؛ فذهب قوم إلى تفضيل الغني ؛ لأن الغني مقتدر والفقير عاجز، والقدرة أفضل من العجز.
قال الماوردي :وهذا مذهب من غلب عليه حب النباهة. وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر ؛ لأن الفقير تارك والغني ملابس، وترك الدنيا أفضل من ملابستها. قال الماوردي :وهذا مذهب من غلب عليه حب السلامة. وذهب آخرون إلى تفضيل التوسط بين الأمرين بأن يخرج عن حد الفقر إلى أدنى مراتب الغنى ليصل إلى فضيلة الأمرين، وليسلم من مذمة الحالين. قال الماوردي :وهذا مذهب من يرى تفضيل الاعتدال وأن ( خير الأمور أوسطها ). ولقد أحسن الشاعر الحكيم حيث قال :
ألا عائذا بالله من عدم الغنى ومن رغبة يوما إلى غير مرغب
الرابعة :قوله تعالى :" غير أولي الضرر " قراءة أهل الكوفة وأبو عمرو " غير " بالرفع ؛ قال الأخفش :هو نعت للقاعدين ؛ لأنهم لم يقصد بهم قوم بأعيانهم فصاروا كالنكرة فجاز وصفهم بغير، والمعنى لا يستوي القاعدون غير أولي الضرر، أي لا يستوي القاعدون الذين هم غير أولي الضرر. والمعنى لا يستوي القاعدون الأصحاء، قاله الزجاج. وقرأ أبو حيوة " غير " جعله نعتا للمؤمنين، أي من المؤمنين الذين هم غير أولي الضرر من المؤمنين الأصحاء. وقرأ أهل الحرمين " غير " بالنصب على الاستثناء من القاعدين أو من المؤمنين، أي إلا أولي الضرر فإنهم يستوون مع المجاهدين. وإن شئت على الحال من القاعدين ؛ أي لا يستوي القاعدون من الأصحاء أي في حال صحتهم، وجازت الحال منهم ؛ لأن لفظهم لفظ المعرفة، وهو كما تقول :جاءني زيد غير مريض. وما ذكرناه من سبب النزول يدل على معنى النصب، والله أعلم.
الخامسة :قوله تعالى :" فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة " وقد قال بعد هذا :" درجات منه ومغفرة ورحمة " فقال قوم :التفضيل بالدرجة ثم بالدرجات إنما هو مبالغة وبيان وتأكيد. وقيل :فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر بدرجة واحدة، وفضل الله المجاهدين على القاعدين من غير عذر درجات، قاله ابن جريج والسدي وغيرهما. وقيل :إن معنى درجة علو، أي أعلى ذكرهم ورفعهم بالثناء والمدح والتقريظ. فهذا معنى درجة، ودرجات يعني في الجنة. قال ابن محيريز :سبعين درجة بين كل درجتين حضر الفرس الجواد سبعين سنة. و " درجات " بدل من أجر وتفسير له، ويجوز نصبه أيضا على تقدير الظرف، أي فضلهم بدرجات، ويجوز أن يكون توكيدا لقول " أجرا عظيما " لأن الأجر العظيم هو الدرجات والمغفرة والرحمة، ويجوز الرفع، أي ذلك درجات. و " أجرا " نصب ب " فضل " وإن شئت كان مصدرا وهو أحسن، ولا ينتصب ب " فضل " لأنه قد استوفى مفعوليه وهما قوله :" المجاهدين " و " على القاعدين "، وكذا " درجة ". فالدرجات منازل بعضها أعلى من بعض. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ). " وكلا وعد الله الحسنى " " كلا " منصوب ب " وعد " و " الحسنى " الجنة، أي وعد الله كلا الحسنى. ثم قيل :المراد ( بكل ) المجاهدون خاصة. وقيل :المجاهدون وأولو الضرر. والله أعلم.
١ الكتف: عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم..
٢ راجع ج ٤ ص ٢١٥. وراجع ج ٨ ص ٢٩٢..
٣ في نسخ الأصل اختلاف في هذه العبارة والذي أثبتناه هو ما في ابن عطية وهو الواضح..
٤ الصائفة: الغزوة في الصيف..

المراد بها جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا وأظهروا للنبي صلى الله عليه وسلم الإيمان به، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم أقاموا مع قومهم وفتن منهم جماعة فافتتنوا، فلما كان أمر بدر خرج منهم قوم مع الكفار، فنزلت الآية. وقيل :إنهم لما استحقروا عدد المسلمين دخلهم شك في دينهم فارتدوا فقتلوا على الردة، فقال المسلمون :كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا على الخروج فاستغفروا لهم، فنزلت الآية. والأول أصح. روى البخاري عن محمد بن عبدالرحمن قال :قطع على أهل المدينة بعث١ فاكتتبت فيه فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثم قال :أخبرني ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على عهد٢ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم فيرمى به فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب فيقتل، فأنزل الله تعالى :" إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ".
قوله تعالى :" توفاهم الملائكة " يحتمل أن يكون فعلا ماضيا لم يستند بعلامة تأنيث، إذ تأنيث لفظ الملائكة غير حقيقي، ويحتمل أن يكون فعلا مستقبلا على معنى تتوفاهم ؛ فحذفت إحدى التاءين. وحكى ابن فورك عن الحسن أن المعنى تحشرهم إلى النار. وقيل :تقبض أرواحهم ؛ وهو أظهر. وقيل :المراد بالملائكة ملك الموت ؛ لقوله تعالى :" قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم٣ " [ السجدة :١١ ]. و " ظالمي أنفسهم " نصب على الحال، أي في حال ظلمهم أنفسهم، والمراد ظالمين أنفسهم فحذف النون استخفافا وأضاف٤ ؛ كما قال تعالى :" هديا بالغ الكعبة٥ " [ المائدة :٩٥ ]. وقول الملائكة " فيم كنتم " سؤال تقريع وتوبيخ، أي أكنتم في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أم كنتم مشركين ! وقول هؤلاء :" كنا مستضعفين في الأرض " يعني مكة، اعتذار غير صحيح ؛ إذ كانوا يستطيعون الحيل ويهتدون السبيل، ثم وقفتهم الملائكة على دينهم بقولهم " ألم تكن أرض الله واسعة ". ويفيد هذا السؤال والجواب أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم الهجرة، وإلا فلو ماتوا كافرين لم يقل لهم شيء من هذا، وإنما أضرب عن ذكرهم في الصحابة لشدة ما واقعوه، ولعدم تعين أحدهم بالإيمان، واحتمال ردته. والله أعلم.
ثم استثنى تعالى منهم من الضمير الذي هو الهاء والميم في " مأواهم " من كان مستضعفا حقيقة من زمنى الرجال وضعفة النساء والولدان، كعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام وغيرهم الذين دعا لهم الرسول صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس :كنت أنا وأمي ممن عنى الله بهذه الآية، وذلك أنه كان من الولدان إذ ذاك، وأمه هي أم الفضل بنت الحارث واسمها لبابة، وهي أخت ميمونة، وأختها الأخرى لبابة الصغرى، وهن تسع أخوات قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهن :( الأخوات مؤمنات )٦ ومنهن سلمى والعصماء وحفيدة ويقال في حفيدة :أم حفيد، واسمها هزيلة. هن ست شقائق وثلاث لأم، وهن سلمى، وسلامة، وأسماء. بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب، ثم امرأة أبي بكر الصديق، ثم امرأة علي رضى الله عنهم أجمعين.
قوله تعالى :" فيم كنتم " سؤال توبيخ، وقد تقدم. والأصل " فيما " ثم حذفت الألف فرقا بين الاستفهام والخبر، والوقف عليها ( فيمه ) لئلا تحذف الألف والحركة. والمراد بقوله :" ألم تكن أرض الله واسعة " المدينة ؛ أي ألم تكونوا متمكنين قادرين على الهجرة والتباعد ممن كان يستضعفكم ! وفي هذه الآية دليل على هجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي. وقال سعيد بن جبير :إذا عمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها، وتلا " ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ". وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام ). " فأولئك مأواهم جهنم " أي مثواهم النار. وكانت الهجرة واجبة على كل من أسلم. " وساءت مصيرا " نصب على التفسير.
١ أي ألزموا بإخراج جيش لقتال أهل الشام في خلافة عبد الله بن الزبير على مكة (عن شرح القسطلاني)..
٢ كذا في كل الأصول. والذي في البخاري على العسقلاني: يكثرون سواد المشركين على رسول الله..
٣ راجع ج ١٤ ص ٩٢..
٤ الأولى: فحذفت، وأضيف :تأدبا مع الله سبحانه..
٥ راجع ج ٦ ص ٣١٤..
٦ في تهذيب التهذيب حرف اللام: (الأخوات الأربع مؤمنات). وفي ط: الأخوات المؤمنات..
وقوله تعالى :" لا يستطيعون حيلة " الحيلة لفظ عام لأنواع أسباب التخلص. والسبيل سبيل المدينة ؛ فيما ذكر مجاهد والسدي وغيرهما، والصواب أنه عام في جميع السبل.
وقوله تعالى :" فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم " هذا الذي لا حيلة له في الهجرة لا ذنب له حتى يعفى عنه، ولكن المعنى أنه قد يتوهم أنه يجب تحمل غاية المشقة في الهجرة، حتى أن من لم يتحمل تلك المشقة يعاقب فأزال الله ذلك الوهم ؛ إذ لا يجب تحمل غاية المشقة، بل كان يجوز ترك الهجرة عند فقد الزاد والراحلة. فمعنى الآية :فأولئك لا يستقصى عليهم في المحاسبة ؛ ولهذا قال :" وكان الله عفوا غفورا " والماضي والمستقبل في حقه تعالى واحد، وقد تقدم.
فيه خمس مسائل :
الأولى :قوله تعالى :" ومن يهاجر في سبيل الله يجد " شرط وجوابه. " في الأرض مراغما " اختلف في تأويل المراغم، فقال مجاهد :المراغم المتزحزح. وقال ابن عباس والضحاك والربيع وغيرهم :المراغم المتحول والمذهب. وقال ابن زيد :والمراغم المهاجر، وقاله أبو عبيدة. قال النحاس :فهذه الأقوال متفقة المعاني. فالمراغم المذهب والمتحول في حال هجرة، وهو اسم الموضع الذي يراغم فيه، وهو مشتق من الرغام. ورغم أنف فلان أي لصق بالتراب. وراغمت فلانا هجرته وعاديته، ولم أبال إن رغم أنفه. وقيل :إنما سمي مهاجرا ومراغما لأن الرجل كان إذا أسلم عادى قومه وهجرهم، فسمى خروجه مراغما، وسمى مصيره إلى النبي صلى الله عليه وسلم هجرة. وقال السدي :المراغم المبتغي للمعيشة. وقال ابن القاسم :سمعت مالكا يقول :المراغم الذهاب في الأرض. وهذا كله تفسير بالمعنى، وكله قريب بعضه من بعض ؛ فأما الخاص باللفظة فإن المراغم موضع المراغمة كما ذكرنا، وهو أن يرغم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده، فكأن كفار قريش أرغموا أنوف المحبوسين بمكة، فلو هاجر منهم مهاجر لأرغم أنوف قريش لحصوله في منعة منهم، فتلك المنعة هي موضع المراغمة. ومنه قول النابغة.
كطود يُلاَذ بأركانه عزيزِ المُرَاغَمِ والمَهْرَبِ
الثانية :قوله تعالى :" وسعة " أي في الرزق ؛ قاله ابن عباس والربيع والضحاك. وقال قتادة :المعنى سعة من الضلالة إلى الهدى ومن العلة إلى الغنى. وقال مالك :السعة سعة البلاد. وهذا أشبه بفصاحة العرب، فإن بسعة الأرض وكثرة المعاقل تكون السعة في الرزق، واتساع الصدر لهمومه وفكره وغير ذلك من وجوه الفرج. ونحو هذا المعنى قول الشاعر :
وكنت إذا خليل رام قطعي وجدت وراي منفسحا عريضا
آخر :
لكان لي مضطربٌ واسعٌ في الأرض ذات الطول والعرض
الثالثة :قال مالك :هذه الآية دالة على أنه ليس لأحد المقام بأرض يسب فيها السلف ويعمل فيها بغير الحق. وقال :والمراغم الذهاب في الأرض، والسعة سعة البلاد على ما تقدم. واستدل أيضا بعض العلماء بهذه الآية على أن للغازي إذا خرج إلى الغزو ثم مات قبل القتال له سهمه وإن لم يحضر الحرب، رواه ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أهل المدينة. وروي ذلك عن ابن المبارك أيضا.
الرابعة :قوله تعالى :" ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله " قال عكرمة مولى ابن عباس :طلبت اسم هذا الرجل أربع عشرة سنة حتى وجدته. وفي قول عكرمة هذا دليل على شرف هذا العلم قديما، وأن الاعتناء به حسن والمعرفة به فضل، ونحو منه قول ابن عباس :مكثت سنين أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما يمنعني إلا مهابته. والذي ذكره عكرمة هو ضمرة بن العيص أو العيص بن ضمرة بن زنباع، حكاه الطبري عن سعيد بن جبير. ويقال فيه :ضميرة أيضا. ويقال :جندع بن ضمرة من بني ليث، وكان من المستضعفين بمكة وكان مريضا، فلما سمع ما أنزل الله في الهجرة قال :أخرجوني، فهيئ له فراش ثم وضع عليه وخرج به فمات في الطريق بالتنعيم١، فأنزل الله فيه " ومن يخرج من بيته مهاجرا " الآية. وذكر أبو عمر أنه قد قيل فيه :خالد بن حزام بن خويلد ابن أخي خديجة، وأنه هاجر إلى أرض الحبشة فنهشته حية في الطريق فمات قبل أن يبلغ أرض الحبشة، فنزلت فيه الآية، والله أعلم. وحكى أبو الفرج الجوزي أنه حبيب بن ضمرة. وقيل :ضمرة بن جندب الضمري، عن السدي. وحكي عن عكرمة أنه جندب بن ضمرة الجندعي. وحكي عن ابن جابر٢ أنه ضمرة بن بغيض الذي من بني ليث. وحكى المهدوي أنه ضمرة بن ضمرة بن نعيم. وقيل :ضمرة بن خزاعة، والله أعلم. وروى معمر عن قتادة قال :لما نزلت " إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم " الآية، قال رجل من المسلمين وهو مريض :والله ما لي من عذر ! إني لدليل في الطريق، وإني لموسر فاحملوني. فحملوه فأدركه الموت في الطريق، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم :لو بلغ إلينا لتم أجره، وقد مات بالتنعيم. وجاء بنوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه بالقصة، فنزلت هذه الآية " ومن يخرج من بيته مهاجرا " الآية. وكان اسمه ضمرة بن جندب، ويقال :جندب بن ضمرة على ما تقدم. " وكان الله غفورا " لما كان منه من الشرك. " رحيما " حين قبل توبته.
الخامسة :قال ابن العربي :قسم العلماء رضي الله عنهم الذهاب في الأرض قسمين :هربا وطلبا، فالأول ينقسم إلى ستة أقسام :الأول :الهجرة وهي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضا في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة، والتي انقطعت بالفتح هي القصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان٣، فإن بقي في دار الحرب عصى، ويختلف في حاله. الثاني :الخروج من أرض البدعة، قال ابن القاسم :سمعت مالكا يقول :لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يسب فيها السلف. قال ابن العربي :وهذا صحيح، فإن المنكر إذا لم تقدر أن تغيره فزل عنه، قال الله تعالى :" وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم " إلى قوله " الظالمين٤ " [ الأنعام :٦٨ ]. الثالث :الخروج من أرض غلب عليها الحرام :فإن طلب الحلال فرض على كل مسلم. الرابع :الفرار من الأذية في البدن، وذلك فضل من الله أرخص فيه، فإذا خشي على نفسه فقد أذن الله في الخروج عنه والفرار بنفسه ليخلصها من ذلك المحذور. وأول من فعله إبراهيم عليه السلام، فإنه لما خاف من قومه قال :" إني مهاجر إلى ربي٥ " [ العنكبوت :٢٦ ]، وقال :" إني ذاهب إلى ربي سيهدين٦ " [ الصافات :٩٩ ]. وقال مخبرا عن موسى :" فخرج منها خائفا يترقب٧ " [ القصص :٢١ ]. الخامس :خوف المرض في البلاد الوخمة والخروج منها إلى الأرض النزهة. وقد أذن صلى الله عليه وسلم للرعاة حين استوخموا المدينة أن يخرجوا إلى المسرح فيكونوا فيه حتى يصحوا. وقد استثنى من ذلك الخروج من الطاعون، فمنع الله سبحانه منه بالحديث الصحيح عن نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم بيانه في " البقرة " ٨. بيد أن علماءنا قالوا :هو مكروه. السادس :الفرار خوف الأذية في المال، فإن حرمة مال المسلم كحرمة دمه، والأهل مثله وأوكد.
وأما قسم الطلب فينقسم قسمين :طلب دين وطلب دنيا.
فأما طلب الدين فيتعدد بتعدد أنواعه إلى تسعة أقسام :الأول :سفر العبرة، قال الله تعالى :" أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم٩ " [ الروم :٩ ] وهو كثير. ويقال :إن ذا القرنين إنما طاف الأرض١٠ ليرى عجائبها. وقيل :لينفذ الحق فيها. الثاني :٣ سفر الحج. والأول وإن كان ندبا فهذا فرض. الثالث :سفر الجهاد وله أحكامه. الرابع :سفر المعاش ؛ فقد يتعذر على الرجل معاشه مع الإقامة فيخرج في طلبه لا يزيد عليه. من صيد أو احتطاب أو احتشاش، فهو فرض عليه. الخامس :سفر التجارة والكسب الزائد على القوت، وذلك جائز بفضل الله سبحانه وتعالى، قال الله تعالى :" ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم " ١١ [ البقرة :١٩٨ ] يعني التجارة، وهي نعمة من الله بها في سفر الحج، فكيف إذا انفردت. السادس :في طلب العلم وهو مشهور. السابع :قصد البقاع، قال صلى الله عليه وسلم :( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ). الثامن :الثغور للرباط بها وتكثير سوادها للذب عنها. التاسع :زيارة الإخوان في الله تعالى :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( زار رجل أخا له في قرية فأرصد الله له ملكا على مدرجته١٢ فقال أين تريد ؟ فقال :أريد أخا لي في هذه القرية قال :هل لك من نعمة تربها١٣ عليه ؟ قال :لا، غير أني أحببته في الله عز وجل قال :فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه ). رواه مسلم وغيره.
١ التنعيم: موضع قرب مكة في الحل، يعرف بمسجد عائشة. منه يحرم بالعمرة المعتمر..
٢ كذا في ابن عطية والأصول إلا جف: جابر. ولعل ابن جابر هو عبد الرحمن بن جابر بن عتيك الأنصاري أو أخوه محمد..
٣ كذا في الأصول. والذي في ابن العربي: "حيث كان أسلم في دار الحرب وجب عليه الخروج إلى دار الإسلام"..
٤ راجع ج ٧ ص ١٢..
٥ راجع ج ١١ ص ٦٤، و ص ٢٢٩، وص ٢٨٧..
٦ راجع ج ١٥ ص ٩٧..
٧ راجع ج ١١ ص ٦٤، و ص ٢٢٩، وص ٢٨٧..
٨ راجع ج ٣ ص ٢٣٠..
٩ راجع ج ١٤ ص ٩..
١٠ الزيادة عن ابن العربي..
١١ راجع ج ٢ ص ٤١٣..
١٢ أرصده: أقعده يرقبه. والمدرجة (بفتح الميم والراء): الطريق..
١٣ رببت الأمر: أصلحته ومتنته..
فيه عشر مسائل :
الأولى :قوله تعالى :" ضربتم " سافرتم، وقد تقدم. واختلف العلماء في حكم القصر في السفر ؛ فروي عن جماعة أنه فرض. وهو قول عمر بن عبدالعزيز والكوفيين والقاضي إسماعيل وحماد بن أبي سليمان، واحتجوا بحديث عائشة رضي الله عنها ( فرضت الصلاة ركعتين ركعتين الحديث، ولا حجة فيه لمخالفتها له، فإنه كانت تتم في السفر وذلك يوهنه. وإجماع فقهاء الأمصار على أنه ليس بأصل يعتبر في صلاة المسافر خلف المقيم، وقد قال غيرها من الصحابة كعمر وابن عباس وجبير بن مطعم :( إن الصلاة فرضت في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة ) رواه مسلم عن ابن عباس. ثم إن حديث عائشة قد رواه ابن عجلان عن صالح بن كيسان عن عروة عن عائشة قالت :فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة ركعتين ركعتين. وقال فيه الأوزاعي عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت :فرض الله الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ركعتين ؛ الحديث، وهذا اضطراب. ثم إن قولها :( فرضت الصلاة ) ليس على ظاهره، فقد خرج عنه صلاة المغرب والصبح، فإن المغرب ما زيد فيها ولا نقص منها. وكذلك الصبح، وهذا كله يضعف متنه لا سنده. وحكى ابن الجهم أن أشهب روى عن مالك أن القصر فرض، ومشهور مذهبه وجل أصحابه، وأكثر العلماء من السلف والخلف أن القصر سنة، وهو قول الشافعي، وهو الصحيح على ما يأتي بيانه إن شاء الله. ومذهب عامة البغداديين من المالكيين أن الفرض التخيير، وهو قول أصحاب الشافعي. ثم اختلفوا في أيهما أفضل، فقال بعضهم :القصر أفضل، وهو قول الأبهري وغيره. وقيل :إن الإتمام أفضل، وحكي عن الشافعي. وحكى أبو سعيد الفروي المالكي أن الصحيح على ما يأتي مذهب مالك التخيير للمسافر في الإتمام والقصر.
قلت :وهو الذي يظهر من قوله سبحانه وتعالى :" فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة " إلا أن مالكا رحمه الله يستحب له القصر، وكذلك يرى عليه الإعادة في الوقت إن أتم. وحكى أبو مصعب في " مختصره " عن مالك وأهل المدينة قال :القصر في السفر للرجال والنساء سنة. قال أبو عمر :وحسبك بهذا في مذهب مالك، مع أنه لم يختلف فول :أن من أتم في السفر يعيد ما دام في الوقت، وذلك استحباب عند من فهم، لا إيجاب. وقال الشافعي :القصر في غير الخوف بالسنة، وأما في الخوف مع السفر فبالقرآن والسنة، ومن صلى أربعا فلا شيء عليه، ولا أحب لأحد أن يتم في السفر رغبة عن السنة. وقال أبو بكر الأثرم :قلت لأحمد بن حنبل للرجل أن يصلي في السفر أربعا ؟ قال :لا، ما يعجبني، السنة ركعتان. وفي موطأ مالك عن ابن شهاب عن رجل من آل خالد بن أسيد، أنه سأل عبدالله بن عمر فقال :يا أبا عبد الرحمن إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن ولا نجد صلاة السفر ؟ فقال عبدالله بن عمر :يا ابن أخي إن الله تبارك وتعالى بعث إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئا، فإنا نفعل كما رأيناه يفعل. ففي هذا الخبر١ قصر الصلاة في السفر من غير خوف ستة لا فريضة ؛ لأنها لا ذكر لها في القرآن، وإنما القصر المذكور في القرآن إذا كان سفرا وخوفا واجتمعا ؛ فلم يبح القصر في كتابه إلا مع هذين الشرطين. ومثله في القرآن :" ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح٢ " [ النساء :٢٥ ] الآية، وقد تقدم.
ثم قال تعالى :" فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة " [ النساء :١٠٣ ] أي فأتموها، وقصر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أربع إلى اثنتين إلا المغرب في أسفاره كلها آمنا لا يخاف إلا الله تعالى، فكان ذلك سنة مسنونة منه صلى الله عليه وسلم، زيادة في أحكام الله تعالى كسائر ما سنة وبينه، مما ليس له في القرآن ذكر. وقوله :" كما رأيناه يفعل " مع حديث عمر حيث سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القصر في السفر من غير خوف ؛ فقال :( تلك صدقة تصدق الله بها عليكم فأقبلوا صدقته )٣ يدل على أن الله تعالى قد يبيح الشيء في كتابه بشرط ثم يبيح ذلك الشيء على لسان نبيه من غير ذلك الشرط. وسأل حنظلة ابن عمر عن صلاة السفر فقال :ركعتان. قلت :فأين قوله تعالى :" إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا " ونحن آمنون ؛ قال :سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا ابن عمر قد أطلق عليها سنة، وكذلك قال ابن عباس. فأين المذهب عنهما ؟ قال أبو عمر :ولم يقم مالك إسناد هذا الحديث ؛ لأنه لم يسم الرجل الذي سأل ابن عمر، وأسقط من الإسناد رجلا، والرجل الذي لم يسمه هو أمية بن عبدالله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، والله أعلم.
الثانية :واختلف العلماء في حد المسافة التي تقصر فيها الصلاة ؛ فقال داود :تقصر في كل سفر طويل أو قصير، ولو كان ثلاثة أميال من حيث تؤتى الجمعة ؛ متمسكا بما رواه مسلم عن يحيى بن يزيد الهنائي قال :سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة فقال :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ - شعبة الشاك٤ - صلى ركعتين. وهذا لا حجة فيه ؛ لأنه مشكوك فيه، وعلى تقدير أحدهما فلعله حد المسافة التي بدأ منها القصر، وكان سفرا طويلا زائدا على ذلك، والله أعلم.
قال ابن العربي :وقد تلاعب قوم بالدين فقالوا :إن من خرج من البلد إلى ظاهره قصر وأكل، وقائل هذا أعجمي لا يعرف السفر عند العرب أو مستخف بالدين، ولولا أن العلماء ذكروه لما رضيت أن ألمحه بمؤخر عيني، ولا أفكر فيه بفضول قلبي. ولم يذكر حد السفر الذي يقع به القصر٥ لا في القرآن ولا في السنة، وإنما كان كذلك لأنها كانت لفظة عربية مستقر علمها عند العرب الذين - خاطبهم الله تعالى بالقرآن، فنحن نعلم قطعا أن من برز عن الدور لبعض الأمور أنه لا يكون مسافرا لغة ولا شرعا٦، وإن مشى مسافرا ثلاثة أيام فإنه مسافر قطعا. كما أنا نحكم على أن من مشى يوما وليلة كان مسافرا ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم :( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم منها ) وهذا هو الصحيح ؛ لأنه وسط بين الحالين وعليه عول مالك، ولكنه لم يجد هذا الحديث متفقا عليه، وروي مرة ( يوما وليلة ) ومرة ( ثلاثة أيام ) فجاء إلى عبدالله بن عمر فعول على فعله، فإنه كان يقصر الصلاة إلى رئم٧، وهي أربعة برد ؛ لأن ابن عمر كان كثير الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
قال غيره :وكافة العلماء على أن القصر إنما شرع تخفيفا، وإنما يكون في السفر الطويل الذي تلحق به المشقة غالبا، فراعى مالك والشافعي وأصحابهما والليث والأوزاعي وفقهاء أصحاب الحديث أحمد وإسحاق وغيرهما يوما تاما. وقول مالك يوما وليلة راجع إلى اليوم التام، لأنه لم يرد بقول :مسيرة يوم وليلة أن يسير النهار كله والليل كله، وإنما أراد أن يسير سيرا يبيت فيه بعيدا عن أهله ولا يمكنه الرجوع إليهم. وفي البخاري :وكان ابن عمر وابن عباس يفطران ويقصران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخا، وهذا مذهب مالك.
وقال الشافعي والطبري :ستة وأربعون ميلا. وعن مالك في العتبية فيمن خرج إلى ضيعته على خمسة وأربعين ميلا قال :يقصر، وهو أمر متقارب. وعن مالك في الكتب المنثورة :أنه يقصر في ستة وثلاثين ميلا، وهي تقرب من يوم وليلة. وقال يحيى بن عمر :يعيد أبدا. ابن عبدالحكم :في الوقت٨ !. وقال الكوفيون :لا يقصر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام، وهو قول عثمان وابن مسعود وحذيفة. وفي صحيح البخاري عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم ). قال أبو حنيفة :ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل ومشي الأقدام. وقال الحسن والزهري :تقصر الصلاة في مسيرة يومين، وروي هذا القول عن مالك، ورواه أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لا تسافر المرأة مسيرة ليلتين إلا مع زوج أو ذي محرم ). وقصر ابن عمر في ثلاثين ميلا، وأنس في خمسة عشر ميلا. وقال الأوزاعي :عامة العلماء في القصر على اليوم التام، وبه نأخذ. قال أبو عمر :اضطربت الآثار المرفوعة في هذا الباب كما ترى في ألفاظها ؛ ومجملها عندي - والله أعلم - أنها خرجت على أجوبة السائلين، فحدث كل واحد بمعنى ما سمع، كأنه قيل له صلى في وقت ما :هل تسافر المرأة مسيرة يوم بغير محرم ؟ فقال :لا. وقيل له في وقت آخر :هل تسافر المرأة يومين بغير محرم ؟ فقال :لا. وقال له آخر :هل تسافر المرأة مسيرة٩ ثلاثة أيام بغير محرم ؟ فقال :لا. وكذلك معنى الليلة والبريد على ما روي، فأدى كل واحد ما سمع على المعنى، والله أعلم. ويجمع معاني الآثار في هذا الباب - وإن اختلفت ظواهرها - الحظر على المرأة أن تسافر سفرا يخاف عليها فيه الفتنة بغير محرم، قصيرا كان أو طويلا. والله أعلم.
الثالثة :واختلفوا في نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة، فأجمع الناس على الجهاد والحج والعمرة وما ضارعها من صلة رحم وإحياء نفس. واختلفوا فيما سوى ذلك، فالجمهور على جواز القصر في السفر المباح كالتجارة ونحوها. وروي عن ابن مسعود أنه قال :لا تقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد. وقال عطاء :لا تقصر إلا في سفر طاعة وسبيل من سبل الخير. وروي عنه أيضا :تقصر في كل السفر المباح مثل قول الجمهور. وقال مالك :إن خرج للصيد لا لمعاشه ولكن متنزها، أو خرج لمشاهدة بلدة متنزها ومتلذذا يقصر. والجمهور من العلماء على أنه لا قصر في سفر المعصية، كالباغي وقاطع الطريق وما في معناهما. وروي عن أبي حنيفة والأوزاعي إباحة القصر في جميع ذلك، وروي عن مالك. وقد تقدم في " البقرة١٠ " واختلفوا عن أحمد، فمرة قال بقول الجمهور، ومرة قال :لا يقصر إلا في حج أو عمرة. والصحيح ما قال الجمهور ؛ لأن القصر إنما شرع تخفيفا عن المسافر للمشقات اللاحقة فيه، ومعونته على ما هو بصدده مما يجوز، وكل الأسفار في ذلك سواء ؛ لقوله تعالى :" وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح " أي إثم " أن تقصروا من الصلاة " فعم. وقال عليه السلام ( خير عباد الله الذين إذا سافروا قصروا وأفطروا ). وقال الشعبي١١ :إن الله يحب أن يعمل برخصه كما يحب أن يعمل بعزائمه. وأما سفر المعصية فلا يجوز القصر فيه ؛ لأن ذلك يكون عونا له على معصية الله. والله تعالى يقول :" وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان١٢ " [ المائدة :٢ ]
الرابعة :واختلفوا متى يقصر، فالجمهور على أن المسافر لا يقصر حتى يخرج من بيوت القرية، وحينئذ هو ضارب في الأرض، وهو قول مالك في المدونة. ولم يحد مالك في القرب حدا. وروي عنه إذا كانت قرية تجمع أهلها فلا يقصر أهلها حتى يجاوزوها بثلاثة أميال، وإلى ذلك في الرجوع. وإن كانت لا تجمع أهلها قصروا إذا جاوزوا بساتينها. وروي عن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرا فصلى بهم ركعتين في منزله، وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد أصحاب ابن مسعود، وبه قال عطاء بن أبي رباح وسليمان بن موسى.
قلت :ويكون معنى الآية على هذا :" وإذا ضربتم في الأرض " أي إذا عزمتم على الضرب في الأرض. والله أعلم. وروي عن مجاهد أنه قال :لا يقصر المسافر يومه الأول حتى الليل. وهذا شاذ، وقد ثبت من حديث أنس بن
١ في ج و ط: الحديث..
٢ راجع ص ١٣٥ من هذا الجزء..
٣ نص الحديث "صدقة تصدق الله بها عليكم.." الحديث كما في الصحاح والطبري والجصاص، وغيرها وسيأتي. وفي الأصول: "تلك صدقة.." وفي ج: "تصدق الله بها على عباده"..
٤ أحد رواة سند هذا الحديث..
٥ في ج، ز: يقع به الفرق..
٦ في ط: شرعا فيه..
٧ رئم (بكسر أوله وهمز ثانيه وسكونه وقيل بالياء من غير همز): واد بالمدينة..
٨ كذا في كل الأصول..
٩ من ج و ط..
١٠ راجع ج ٢ ص ٢٧٧..
١١ هذا حديث رواه أحمد والبيهقي بلفظ "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه"..
١٢ راجع ج ٦ ص ٣٧..
فيه إحدى عشرة مسألة :
الأولى :قوله تعالى :" وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة " روى الدارقطني عن أبي عياش الزرقي قال :كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، فاستقبلنا المشركون، عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر، فقالوا :قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، قال :ثم قالوا تأتي الآن عليهم صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، قال :فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآية بين الظهر والعصر " وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ". وذكر الحديث. وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى. وهذا كان سبب إسلام خالد رضي الله عنه. وقد اتصلت هذه الآية بما سبق من ذكر الجهاد. وبين الرب تبارك وتعالى أن الصلاة لا تسقط بعذر السفر ولا بعذر الجهاد وقتال العدو، ولكن فيها رخص على ما تقدم في " البقرة١ " وهذه السورة، بيانه من اختلاف العلماء. وهذه الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو يتناول الأمراء بعده إلى يوم القيامة، ومثله قوله تعالى :" خذ من أموالهم صدقة٢ " [ التوبة :١٠٣ ] هذا قول كافة العلماء. وشذ أبو يوسف وإسماعيل بن علية فقالا :لا نصلي صلاة الخوف بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الخطاب كان خاصا له بقوله تعالى :" وإذا كنت فيهم " وإذا لم يكن فيهم لم يكن ذلك لهم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ليس كغيره في ذلك، وكلهم كان يحب أن يأتم به ويصلي خلفه، وليس أحد بعده يقوم في الفضل مقامه، والناس بعده تستوي أحوالهم وتتقارب ؛ فلذلك يصلي الإمام بفريق ويأمر من يصلي بالفريق الآخر، وأما أن يصلوا بإمام واحد فلا.
وقال الجمهور :إنا قد أمرنا باتباعه والتأسي به في غير ما آية وغير حديث، فقال تعالى :" فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة٣. . . " [ النور :٦٣ ] وقال صلى الله عليه وسلم :( صلوا كما رأيتموني أصلي ). فلزم اتباعه مطلقا حتى يدل دليل واضح على الخصوص، ولو كان ما ذكروه دليلا على الخصوص للزم قصر الخطابات على من توجهت له، وحينئذ كان٤ يلزم أن تكون الشريعة قاصرة على من خوطب بها، ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين اطرحوا توهم الخصوص في هذه الصلاة وعدوه إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم، وهم أعلم بالمقال وأقعد بالحال. وقد قال تعالى :" وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره٥ " [ الأنعام :٦٨ ] وهذا خطاب له، وأمته داخلة فيه، ومثله كثير. وقال تعالى :" خذ من أموالهم صدقة " [ التوبة :١٠٣ ] وذلك لا يوجب الاقتصار عليه وحده، وأن من بعده يقوم في ذلك مقامه ؛ فكذلك في قوله :" وإذا كنت فيهم ". ألا ترى أن أبا بكر الصديق في جماعة الصحابة رضي الله عنهم قاتلوا من تأول في الزكاة مثل ما تأولتموه في صلاة الخوف. قال أبو عمر :ليس في أخذ الزكاة التي قد استوى فيها النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده من الخلفاء ما يشبه صلاة من صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم وصلى خلف غيره٦ ؛ لأن أخذ الزكاة فائدتها توصيلها للمساكين، وليس فيها فضل للمعطى كما في الصلاة فضل للمصلي خلفه.
الثانية :قوله تعالى :" فلتقم طائفة منهم معك " يعني جماعة منهم جماعة منهم تقف معك في الصلاة. " ليأخذوا أسلحتهم " يعني الذين يصلون معك. ويقال :" وليأخذوا أسلحتهم " الذين هم بإزاء العدو، على ما يأتي بيانه. ولم يذكر الله تعالى في الآية لكل طائفة إلا ركعة واحدة، ولكن روي في الأحاديث أنهم أضافوا إليها أخرى، على ما يأتي. وحذفت الكسرة من قوله :" فلتقم " و " فليكونوا " لثقلها. وحكى الأخفش والقراء والكسائي أن لام الأمر ولام كي ولام الجحود يفتحن. وسيبويه يمنع من ذلك لعلة موجبة، وهى الفرق بين لام الجر ولام التأكيد. والمراد من هذا الأمر الانقسام، أي وسائرهم وجاه٧ العدو حذر من توقع حملته. وقد اختلفت الروايات في هيئة صلاة الخوف، واختلف العلماء لاختلافها، فذكر ابن القصار أنه صلى الله عليه وسلم صلاها في عشرة مواضع. قال ابن العربي :روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة الخوف أربعا وعشرين مرة. وقال الإمام أحمد بن حنبل، وهو إمام أهل الحديث والمقدم في معرفة علل النقل فيه :لا أعلم أنه روى في صلاة الخوف إلا حديث ثابت. وهي كلها صحاح ثابتة، فعلى أي حديث صلى منها المصلي صلاة الخوف أجزأه إن شاء الله. وكذلك قال أبو جعفر الطبري. وأما مالك وسائر أصحابه إلا أشهب فذهبوا في صلاة الخوف إلى حديث سهل بن أبي حثمة، وهو ما رواه في موطئه عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات الأنصاري أن سهل بن أبي حثمة حدثه أن صلاة الخوف أن يقوم الإمام ومعه طائفة من أصحابه وطائفة مواجهة العدو، فيركع الإمام ركعة ويسجد بالذين معه ثم يقوم، فإذا استوى قائما ثبت، وأتموا لأنفسهم الركعة الباقية ثم يسلمون وينصرفون والإمام قائم، فيكونون وجاه العدو، ثم يقبل الآخرون الذين لم يصلوا فيكبرون وراء الإمام فيركع بهم الركعة ويسجد ثم يسلم، فيقومون ويركعون لأنفسهم الركعة الباقية ثم يسلمون.
قال ابن القاسم صاحب مالك :والعمل عند مالك على حديث القاسم بن محمد عن صالح بن خوات. قال ابن القاسم :وقد كان يأخذ بحديث مزيد بن رومان ثم رجع إلى هذا. قال أبو عمر :حديث القاسم وحديث يزيد بن رومان كلاهما عن صالح بن خوات :إلا أن بينهما فصلا في السلام، ففي حديث القاسم أن الإمام يسلم بالطائفة الثانية ثم يقومون فيقضون لأنفسهم الركعة، وفي حديث يزيد بن رومان أنه ينتظرهم ويسلم بهم. وبه قال الشافعي وإليه ذهب، قال الشافعي :حديث يزيد بن رومان عن صالح بن خوات هذا أشبه الأحاديث في صلاة الخوف بظاهر كتاب الله، وبه أقول. ومن حجة مالك في اختياره حديث القاسم القياس على سائر الصلوات، في أن الإمام ليس له أن ينتظر أحدا سبقه بشيء منها، وأن السنة المجتمع عليها أن يقضي المأمومون ما سبقوا به بعد سلام الإمام. وقول أبي ثور في هذا الباب كقول مالك، وقال أحمد كقول الشافعي في المختار عنده، وكان لا يعيب من فعل شيئا من الأوجه المروية في صلاة الخوف. وذهب أشهب من أصحاب مالك إلى حديث ابن عمر قال :صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك ثم صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم ركعة ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة. وقال ابن عمر :فإذا كان خوف أكثر من ذلك صلى راكبا أو قائما٨ يومئ إيماء، أخرجه البخاري ومسلم ومالك وغيرهم. وإلى هذه الصفة ذهب الأوزاعي، وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبدالبر، قال :لأنه أصحها إسنادا، وقد ورد بنقل أهل المدينة وبهم الحجة على من خالفهم، ولأنه أشبه بالأصول ؛ لأن الطائفة الأولى والثانية لم يقضوا الركعة إلا بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة، وهو المعروف من سنته المجتمع عليها في سائر الصلوات. وأما الكوفيون :أبو حنيفة وأصحابه إلا أبا يوسف القاضي يعقوب فذهبوا إلى حديث عبدالله بن مسعود، أخرجه أبو داود والدارقطني قال :صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فقاموا صفين، صفا خلف النبي صلى الله عليه وسلم وصفا مستقبل العدو، فصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم ركعة، وجاء الآخرون فقاموا مقامهم، واستقبل هؤلاء العدو فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سلم، فقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا ثم ذهبوا فقاموا مقام أولئك مستقبلين العدو، ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا. وهذه الصفة والهيئة هي الهيئة المذكورة في حديث ابن عمر إلا أن بينهما فرقا ؛ وهو أن قضاء أولئك في حديث ابن عمر يظهر أنه في حالة واحدة ويبقى الإمام كالحارس وحده، وههنا قضاؤهم متفرق على صفة صلاتهم. وقد تأول بعضهم حديث ابن عمر على ما جاء في حديث ابن مسعود. وقد ذهب إلى حديث ابن مسعود الثوري - في إحدى الروايات الثلاث عنه - وأشهب بن عبدالعزيز فيما ذكر أبو الحسن اللخمي عنه، والأول ذكره أبو عمر وابن يونس وابن حبيب عنه. وروى أبو داود من حديث حذيفة وأبي هريرة وابن عمر أنه عليه السلام صلى بكل طائفة ركعة ولم يقضوا، وهو مقتضى حديث ابن عباس " وفي الخوف ركعة ". وهذا قول إسحاق. وقد تقدم في " البقرة٩ " الإشارة إلى هذا، وأن الصلاة أولى بما١٠ احتيط لها، وأن حديث ابن عباس لا تقوم به حجة، وقوله في حديث حذيفة وغيره :" ولم يقضوا " أي في علم من روى ذلك ؛ لأنه قد روي أنهم قضوا ركعة في تلك الصلاة بعينها، وشهادة من زاد أولى. ويحتمل أن يكون المراد لم يقضوا، أي لم يقضوا إذا أمنوا، وتكون فائدة أن الخائف إذا أمن لا يقضي ما صلى على تلك الهيئة من الصلوات في الخوف، قال جميعه أبو عمر. وفي صحيح مسلم عن جابر أنه عليه الصلاة والسلام صلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين. قال :فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان. وأخرجه أبو داود والدارقطني من حديث الحسن عن أبي بكرة، وذكرا فيه أنه سلم من كل ركعتين. وأخرجه الدارقطني أيضا عن الحسن عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم ركعتين ثم سلم، ثم صلى بالآخرين ركعتين ثم سلم. قال أبو داود :وبذلك كان الحسن يفتي، وروي عن الشافعي. وبه يحتج كل من أجاز اختلاف نية الإمام والمأموم في الصلاة، وهو مذهب الشافعي والأوزاعي وابن علية وأحمد بن حنبل وداود. وعضدوا هذا بحديث جابر :أن معاذا كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ثم يأتي فيؤم قومه، الحديث. وقال الطحاوي :إنما كان هذا في أول الإسلام إذ كان يجوز أن تصلي الفريضة مرتين ثم نسخ ذلك، والله أعلم. فهذه أقاويل العلماء في صلاة الخوف.
الثالثة :وهذه الصلاة المذكورة في القرآن إنما يحتاج إليها والمسلمون مستدبرون القبلة ووجه العدو القبلة، وإنما اتفق هذا بذات الرقاع، فأما بعسفان والموضع الآخر فالمسلمون كانوا في قبالة القبلة. وما ذكرناه من سبب النزول في قصة خالد بن الوليد لا يلائم تفريق القوم إلى طائفتين، فإن في الحديث بعد قوله :" فأقمت لهم الصلاة " قال :فحضرت الصلاة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا السلاح وصفنا خلفه صفين، قال :ثم ركع فركعنا جميعا، قال :ثم رفع فرفعنا جميعا، قال :ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالصف الذي يليه قال :والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم، قال :ثم تقدم هؤلاء في مصاف هؤلاء وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، قال :ثم ركع فركعوا جميعا، ثم رفع فرفعوا جميعا، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم والصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم فلما جلس الآخرون سجدوا ثم سلم عليهم. قال :فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين :مرة بعسفان ومرة في أرض بني سليم. وأخرجه أبو داود من حديث أبي عياش الزرقي وقال :وهو قول الثوري وهو أحوطها. وأخرجه أبو عيسى ال
١ راجع ج ٣ ص ٢٢٣..
٢ راجع ج ٨ ص ٢٤٤..
٣ راجع ج ١٢ ص ٣٢٢..
٤ من ج و ط و ز..
٥ راجع ج ٧ ص ١٢..
٦ كذا في ج. والذي في ا و ح و ط و ز وي: وصلى غيره خلف غيره..
٧ وجاه (مثلث الواو) أي مقابلتهم وحذاءهم..
٨ في ي: فصل راكبا أو قائما تومىء إيماء..
٩ راجع ج ٣ ص ١٢٣..
١٠ من ي..
فيه خمس مسائل :
الأولى :قوله تعالى :" قضيتم " معناه فرغتم من صلاه الخوف وهذا يدل على أن القضاء يستعمل فيما قد فعل قي وقته ؛ ومنه قوله تعالى :" فإذا قضيتم مناسككم " [ البقرة :٢٠٠ ] وقد تقدم١.
الثانية :قوله تعالى :" فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم " ذهب الجمهور إلى أن هذا الذكر المأمور به. إنما هو إثر صلاة الخوف ؛ أي إذا فرغتم من الصلاة فاذكروا الله بالقلب واللسان، على أي حال كنتم " قياما وقعودا وعلى جنوبكم " وأديموا ذكره بالتكبير والتهليل والدعاء بالنصر لا سيما في حال القتال. ونظيره " إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون٢ " [ الأنفال :٤٥ ]. ويقال :" فإذا قضيتم الصلاة " بمعنى إذا صليتم في دار الحرب فصلوا على الدواب، أو قياما أو قعودا أو على جنوبكم إن لم تستطيعوا القيام، إذا كان خوفا أو مرضا ؛ كما قال تعالى في آية أخرى :" فإن خفتم فرجالا أو ركبانا٣ " [ البقرة :٢٣٩ ] وقال قوم :هذه الآية نظيرة التي في " آل عمران٤ "، فروي أن عبدالله بن مسعود رأى الناس يضجون في المسجد فقال :ما هذه الضجة ؟ قالوا :أليس الله تعالى يقول " فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم " ؟ قال :إنما يعني بهذا الصلاة المكتوبة إن لم تستطع قائما فقاعدا، وإن لم تستطع٥ فصل على جنبك. فالمراد نفس الصلاة ؛ لأن الصلاة ذكر الله تعالى، وقد اشتملت على الأذكار المفروضة والمسنونة ؛ والقول الأول أظهر. والله أعلم.
الثالثة :قوله تعالى :" فإذا اطمأننتم " أي أمنتم. والطمأنينة سكون النفس من الخوف. " فأقيموا الصلاة " أي فأتوها بأركانها وبكمال هيئتها في السفر، وبكمال عددها في الحضر. " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " أي مؤقتة مفروضة. وقال زيد بن أسلم :" موقوتا " منجما، أي تؤدونها في أنجمها، والمعنى عند أهل اللغة :مفروض لوقت بعينه، يقال :وقته فهو موقوت. ووقته فهو مؤقت. وهذا قول زيد بن أسلم بعينه. وقال :" كتابا " والمصدر مذكر ؛ فلهذا قال :" موقوتا ".
١ راجع ج ٦ ص ٢٤٣..
٢ راجع ج ٨ ص ٢٣..
٣ راجع ج ٣ ص ٢٢٣..
٤ راجع ج ٤ ص٢١٦..
٥ زيادة لازمة..
الرابعة :قوله تعالى :" ولا تهنوا " أي لا تضعفوا، وقد تقدم في " آل عمران " ١. " في ابتغاء القوم " طلبهم. قيل :نزلت في حرب أحد حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج في آثار المشركين، وكان بالمسلمين جراحات، وكان أمر ألا يخرج معه إلا من كان في الوقعة، كما تقدم في " آل عمران " وقيل :هذا في كل جهاد.
الخامسة :قوله تعالى :" إن تكونوا تألمون " أي تتألمون مما أصابكم من الجراح فهم يتألمون أيضا مما يصيبهم، ولكم مزية وهي أنكم ترجون ثواب الله وهم لا يرجونه، وذلك أن من لا يؤمن بالله لا يرجون من الله شيئا. ونظير هذه الآية " إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله " [ آل عمران :١٤٠ ] وقد تقدم٢. وقرأ عبدالرحمن الأعرج " أن تكونوا " بفتح الهمزة، أي لأن وقرأ منصور بن المعتمر " إن تكونوا تألمون " بكسر التاء. ولا يجوز عند البصريين كسر التاء لثقل الكسر فيها. ثم قيل :الرجاء هنا بمعنى الخوف ؛ لأن من رجا شيئا فهو غير قاطع بحصوله فلا يخلو من خوف٣ فوت ما يرجو. وقال الفراء والزجاج :لا يطلق الرجاء بمعنى الخوف إلا مع النفي، كقوله تعالى :" ما لكم لا ترجون لله وقارا٤ " [ نوح :١٣ ] أي لا تخافون لله عظمة. وقوله تعالى :" للذين لا يرجون أيام الله٥ " [ الجاثية :١٤ ] أي لا يخافون. قال القشيري :ولا يبعد ذكر الخوف من غير أن يكون في الكلام نفي، ولكنها ادعيا أنه لم يوجد ذلك إلا مع النفي. والله أعلم.
١ راجع ج ٤ ص ٢١٦..
٢ راجع ج ٤ ص ٢١٧..
٣ من ج..
٤ راجع ج ١٨ ص ٣٠٣..
٥ راجع ج ١٦ ص ١٦٠..
فيه أربع مسائل :
الأولى :في هذه الآية تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم وتكريم وتعظيم وتفويض إليه، وتقويم أيضا على الجادة في الحكم، وتأنيب على ما رفع إليه من أمر بني أبيرق ! وكانوا ثلاثة إخوة :بشر وبشير ومبشر، وأسير بن عروة ابن عم لهم ؛ نقبوا مشربة١ لرفاعة بن زيد في الليل وسرقوا أدراعا له وطعاما، فعثر على ذلك. وقيل إن السارق بشير وحده، وكان يكنى أبا طعمة أخذ درعا، قيل :كان الدرع في جراب فيه دقيق، فكان الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى داره، فجاء ابن أخي رفاعة واسمه قتادة بن النعمان يشكوهم٢ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فجاء أسير بن عروة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :يا رسول الله، إن هؤلاء عمدوا إلى أهل بيت هم أهل صلاح ودين فأنبوهم بالسرقة ورموهم بها من غير بينة ؛ وجعل يجادل عنهم حتى غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتادة ورفاعة، فأنزل الله تعالى :" ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم " [ النساء :١٠٧ ] الآية. وأنزل الله تعالى :" ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا " [ النساء :١١٢ ] وكان البريء الذي رموه بالسرقة لبيد بن سهل. وقيل :زيد بن السمين وقيل :رجل من الأنصار. فلما أنزل الله ما أنزل، هرب ابن أبيرق السارق إلى مكة، ونزل على سلافة بنت سعد بن شهيد ؛ فقال فيها٣ حسان بن ثابت بيتا يعرض فيه بها، وهو :
وقد أنزلته بنت سعد وأصبحت ينازعها جلدَ آستها وتنازعه
ظننتم بأن يخفي الذي قد صنعتمو وفينا نبي عنده الوحي واضعه
فلما بلغها قالت :إنما أهديت لي شعر حسان، وأخذت رحله فطرحته خارج المنزل، فهرب إلى خيبر وارتد. ثم إنه نقب بيتا ذات ليلة ليسرق فسقط الحائط عليه فمات مرتدا. ذكر هذا الحديث بكثير من ألفاظه الترمذي وقال :حديث حسن غريب، لا نعلم أحدا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني. وذكره الليث والطبري بألفاظ مختلفة. وذكر قصة موته يحيى بن سلام في تفسيره، والقشري كذلك وزاد ذكر الردة. ثم قيل :كان زيد بن السمين ولبيد بن سهل يهوديين. وقيل :كان لبيد مسلما. وذكره المهدوي، وأدخله أبو عمر في كتاب الصحابة له، فدل ذلك على إسلامه عنده. وكان بشير رجلا منافقا يهجو أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وينحل الشعر غيره، وكان المسلمون يقولون :والله ما هو إلا شعر الخبيث. فقال شعرا يتنصل فيه ؛، فمنه قوله :
أو كلما قال الرجال قصيدة نُحلت وقالوا ابنُ الأبيرق قالها
وقال الضحاك :أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع يده وكان مطاعا، فجاءت اليهود شاكين في السلاح فأخذوه وهربوا به، فنزل " ها أنتم هؤلاء " [ النساء :١٠٩ ] يعني اليهود. والله أعلم.
الثانية :قوله تعالى :" بما أراك الله " معناه على قوانين الشرع، إما بوحي ونص، أو بنظر جار على سنن الوحي. وهذا أصل في القياس، وهو يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى شيئا أصاب ؛ لأن الله تعالى أراه ذلك، وقد ضمن الله تعالى لأنبيائه العصمة، فأما أحدنا إذا رأى شيئا يظنه فلا قطع فيما رآه، ولم يرد رؤية العين هنا ؛ لأن الحكم لا يرى بالعين. وفي الكلام إضمار، أي بما أراكه الله، وفيه إضمار آخر، وامض الأحكام على ما عرفناك من غير اغترار باستدلالهم٤.
الثالثة :قوله تعالى :" ولا تكن للخائنين خصيما " اسم فاعل، كقولك :جالسته فأنا جليسه، ولا يكون فعيلا هنا بمعنى مفعول، يدل على ذلك " ولا تجادل " فالخصيم هو المجادل وجمع الخصيم خصماء. وقيل :خصيما مخاصما اسم فاعل أيضا. فنهى الله عز وجل رسول عن عضد أهل التهم والدفاع عنهم بما يقوله خصمهم من الحجة. وفي هذا دليل على أن النيابة عن المبطل والمتهم في الخصومة لا تجوز. فلا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق. ومشى الكلام في السورة على حفظ أموال اليتامى والناس، فبين أن مال الكافر محفوظ عليه كمال المسلم، إلا في الموضع الذي أباحه الله تعالى.
المسألة الرابعة :قال العلماء :ولا ينبغي إذا ظهر للمسلمين نفاق قوم أن يجادل فريق منهم فريقا عنهم ليحموهم ويدفعوا عنهم، فإن هذا قد وقع على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم نزل قوله تعالى :" ولا تكن للخائنين خصيما " وقوله :" ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم " [ النساء :١٠٧ ]. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد منه الذين كانوا يفعلونه من المسلمين دونه لوجهين :أحدهما :أنه تعالى أبان ذلك بما ذكره بعد بقوله :" ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا " [ النساء :١٠٩ ]. والآخر :أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حكما فيما بينهم، ولذلك كان يعتذر إليه ولا يعتذر هو إلى غيره، فدل على أن القصد لغيره.
١ المشربة (بفتح الراء وضمها)..
٢ في ج و ي ط. وفي ا و ح و ز: يشكوه..
٣ من ج و ي و ط..
٤ كذا في ز. وفي ج و ي و ط: استزلالهم..
فيه مسألة واحدة :
ذهب الطبري إلى أن المعنى :استغفر الله من ذنبك في خصامك للخائنين، فأمره بالاستغفار لما هم بالدفع عنهم وقطع يد اليهودي. وهذا مذهب من جوز الصغائر على الأنبياء، صلوات الله عليهم. قال ابن عطية :وهذا ليس بذنب ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما دافع على الظاهر وهو يعتقد براءتهم. والمعنى :واستغفر الله للمذنبين من أمتك والمتخاصمين بالباطل، ومحلك من الناس أن تسمع من المتداعيين وتقضي بنحو ما تسمع، وتستغفر للمذنب. وقيل :هو أمر بالاستغفار على طريق التسبيح، كالرجل يقول :استغفر الله، على وجه التسبيح من غير أن يقصد توبة من ذنب. وقيل :الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد بنو أبيرق، كقوله تعالى :" يا أيها النبي اتق الله١ " [ الأحزاب :١ ]، " فإن كنت في شك٢ " [ يونس :٩٤ ].
١ راجع ج ١٤ ص ١١٣..
٢ راجع ج ٨ ص ٣٨٢..
أي لا تحاجج عن الذين يخونون أنفسهم، نزلت في أسير بن عروة كما تقدم. والمجادلة المخاصمة، من الجدل وهو الفتل، ومنه رجل مجدول١ الخلق، ومنه الأجدل للصقر. وقيل :هو من الجدالة وهي وجه الأرض، فكل واحد من الخصمين يريد أن يلقي صاحبه عليها، قال العجاج :
قد أركب الحالة بعد الحَالَهْ وأترك العاجز بالجَدَالَهْ
*مُنْعَفِرًا ليست له محاله*
الجدالة الأرض، من ذلك قولهم :تركته مجدلا ؛ أي مطروحا على الجدالة.
" إن الله لا يحب " أي لا يرضى عنه ولا ينوه بذكر. " من كان خوانا أثيما " خائنا. ( وخوانا ) أبلغ ؛ لأنه من أبنية المبالغة، وإنما كان ذلك لعظم قدر تلك الخيانة٢. والله أعلم.
١ مجدول الخلق: لطيف القصب محكم الفتل..
٢ كذا في ج، ط، و في ا و ح، ز و ي: الجناية..
قال الضحاك :لما سرق الدرع اتخذ حفرة في بيته وجعل الدرع تحت التراب ؛ فنزلت " يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله " يقول :لا يخفى مكان الدرع على الله " وهو معهم "
أي رقيب حفيظ عليهم. وقيل :" يستخفون من الناس " أي يستترون، كما قال تعالى :" ومن هو مستخف بالليل١ " [ الرعد :١٠ ] أي مستتر. وقيل :يستحيون من الناس، وهذا لأن الاستحياء سبب الاستتار. ومعنى " وهو معهم " أي بالعلم والرؤية والسمع، هذا قول أهل السنة. وقالت الجهمية والقدرية والمعتزلة :هو بكل مكان، تمسكا بهذه الآية وما كان مثلها، قالوا :لما قال " وهو معهم " ثبت أنه بكل مكان ؛ لأنه قد أثبت كونه معهم تعالى الله عن قولهم، فإن هذه صفة الأجسام والله تعالى متعال عن ذلك ألا ترى مناظرة بِشْرٍ في قول الله عز وجل :" ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم٢ " [ المجادلة :٧ ] حين قال :هو بذاته في كل مكان فقال له خصمه :هو في قلنسوتك وفي حشوك٣ وفي جوف حمارك. تعالى الله عما يقولون ! حكى ذلك وكيع رضي الله عنه. ومعنى " يبيتون " يقولون. قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. " ما لا يرضى من القول " أي ما لا يرضاه الله لأهل طاعته. " من القول " أي من الرأي والاعتقاد، كقولك :مذهب مالك الشافعي. وقيل :" القول " بمعنى المقول ؛ لأن نفس القول لا يبيت.
١ راجع ٩ ص ٢٩٠..
٢ راجع ج ١٧ ص ٢٨٩..
٣ في ط و ز و ي: حشك. وفي ج، جيبك..
قوله تعالى :" ها أنتم هؤلاء " يريد قوم بشير السارق لما هربوا به وجادلوا عنه. قال الزجاج :" هؤلاء " بمعنى الذين. " جادلتم " حاججتم. " في الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة " استفهام معناه الإنكار والتوبيخ. " أم من يكون عليهم وكيلا " الوكيل :القائم بتدبير الأمور، فالله تعالى قائم بتدبير خلقه. والمعنى :لا أحد يقوم بأمرهم إذا أخذهم الله بعذابه وأدخلهم النار.
قال ابن عباس :عرض الله التوبة على بني أبيرق بهذه الآية، أي " ومن يعمل سوءا " بأن يسرق " أو يظلم نفسه " بأن يشرك " ثم يستغفر الله " يعني بالتوبة، فإن الاستغفار باللسان من غير توبة لا ينفع، وقد بيناه في " آل عمران " ١. وقال الضحاك :نزلت الآية في شأن وحشي قاتل حمزة أشرك بالله وقتل حمزة، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :إني لنادم فهل لي من توبة ؟ فنزل :" ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه " الآية. وقيل :المراد بهذه الآية العموم والشمول لجميع الخلق. وروى سفيان عن أبي إسحاق عن الأسود وعلقمة قالا :قال عبدالله بن مسعود من قرأ هاتين الآيتين من سورة " النساء " ثم استغفر له :" ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ". " ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما " [ النساء :٦٤ ]. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال :كنت إذا سمعت حديثا من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعني الله به ما شاء، وإذا سمعته من غيره حلفته٢، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر قال :ما من عبد يذنب ذنبا ثم يتوضأ ويصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر له، ثم تلا هذه الآية " ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ".
١ راجع ج ٤ ص ٣٨..
٢ كذا في أ و ج، ز، ط، ي. وفي ج: خلفته..
قوله تعالى :" ومن يكسب إثما " أي ذنبا " فإنما يكسبه على نفسه " أي عاقبته عائدة عليه. والكسب ما يجر به الإنسان إلى نفسه نفعا أو يدفع عنه به ضررا ؛ ولهذا لا يسمى فعل الرب تعالى كسبا.
قوله تعالى :" ومن يكسب خطيئة أو إثما " قيل :هما بمعنى واحد كرر لاختلف اللفظ تأكيدا. وقال الطبري :إنما فرق بين الخطيئة والإثم أن الخطيئة تكون عن عمد وعن غير عمد، والإثم لا يكون إلا عن عمد. وقيل :الخطيئة ما لم تتعمده خاصة١ كالقتل بالخطأ. وقيل :الخطيئة الصغيرة، والإثم الكبيرة، وهذه الآية لفظها عام يندرج تحته أهل النازلة وغيرهم.
قوله تعالى :" ثم يرم به بريئا " قد تقدم اسم البريء في البقرة٢. والهاء في " به " للإثم أو للخطيئة. لأن معناها الإثم، أولهما جميعا. وقيل :ترجع إلى الكسب. " فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا " تشبيه ؛ إذ الذنوب ثقل ووزر فهي كالمحمولات. وقد قال تعالى :" وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم٣ " [ العنكبوت :١٣ ]. والبهتان من البهت٤، وهو أن تستقبل أخاك بأن تقذفه بذنب وهو منه بريء. وروى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( أتدرون ما الغيبة ) ؟ قالوا :الله ورسوله أعلم ؛ قال :( ذكرك أخاك بما يكره ). قيل :أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال :( إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته ). وهذا نص ؛ فرمي البريء بهت له. يقال :بهته بهتا وبهتا وبهتانا إذا قال عليه ما لم يفعله. وهو بهات والمقول له مبهوت. ويقال :بهت الرجل ( بالكسر ) إذا دهش وتحير. وبهت ( بالضم ) مثله، وأفصح منهما بهت، كما قال الله تعالى :" فبهت الذي كفر٥ " [ البقرة :٢٥٨ ] لأنه يقال :رجل مبهوت٦ ولا يقال :باهت ولا بهيت، قاله الكسائي.
١ كذا في ا وفي ج و ز و ط و ي: ما لم يتعمد خاصة. و في ح: ما لم تتعمد..
٢ من ج راجع ج ١ ص ٤٠٢..
٣ راجع ج ١٣ ص ٣٣٠..
٤ البهت الدهش والتحير من فظاعة ما رمى به من كذب..
٥ راجع ج ٣ ص ٢٨٦..
٦ في ج: بهوت..
قوله تعالى :" ولولا فضل الله عليك ورحمته " ما بعد " لولا " مرفوع بالابتداء عند سيبويه، والخبر محذوف لا يظهر، والمعنى :" ولولا فضل الله عليك ورحمته " بأن نبهك على الحق، وقيل :بالنبوءة والعصمة. " لهمت طائفة منهم أن يضلوك " عن الحق ؛ لأنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبرئ ابن أبيرق من التهمة ويلحقها اليهودي، فتفضل الله عز وجل على رسوله عليه السلام بأن نبهه على ذلك وأعلمه إياه. " وما يضلون إلا أنفسهم " لأنهم يعملون عمل الضالين، فوباله لهم١ راجع عليهم. " وما يضرونك من شيء " لأنك معصوم. " وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة " هذا ابتداء كلام. وقيل :الواو للحال، كقولك :جئتك والشمس طالعة ؛ ومنه قول امرئ القيس :
وقد أغتدي والطير في وكناتها
فالكلام متصل، أي ما يضرونك من شيء مع إنزال الله عليك القرآن. " والحكمة " القضاء بالوحي. " وعلمك ما لم تكن تعلم " يعني من الشرائع والأحكام وكان فضله عليك كبيرا. و " تعلم " في موضع نصب ؛ لأنه خبر كان. وحذفت الضمة من النون للجزم، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين.
١ من ج..
أراد ما تفاوض به قوم بني أبيرق من التدبير، وذكروه النبي صلى الله عليه وسلم. والنجوى :السر بين الاثنين، تقول :ناجيت فلانا مناجاة ونجاء وهم ينتجون ويتناجون. ونجوت فلانا أنجوه نجوا، أي ناجيته، فنجوى مشتقة من نجوت الشيء أنجوه، أي خلصته وأفردته، والنجوة من الأرض المرتفع لانفراده بارتفاعه عما حوله، قال الشاعر :
فمن بنَجْوَته كمن بِعَقْوَتِه *** والمُسْتَكِنّ كمن يمشي بقِرْواحِ١
فالنجوى المسارة، مصدر، وقد تسمى به الجماعة، كما يقال :قوم عدل ورضا. قال الله تعالى :" وإذ هم نجوى٢ " [ الإسراء :٤٧ ] فعلى الأول يكون الأمر أمر استثناء من غير الجنس. وهو الاستثناء المنقطع. وقد تقدم، وتكون " من " في موضع رفع، أي لكن من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ودعا إليه ففي نجواه خير. ويجوز أن تكون " من " في موضع خفض ويكون التقدير :لا خير في كثير من نجواهم إلا نجوى من أمر بصدقة ثم حذف. وعلى الثاني وهو أن يكون النجوى اسما للجماعة المنفردين، فتكون " من " في موضع خفض على البدل، أي لا خير في كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة. أو تكون في موضع نصب على قول من قال :ما مررت بأحد إلا زيدا. وقال بعض المفسرين منهم الزجاج :النجوى كلام الجماعة المنفردة أو الاثنين كان ذلك سرا أو جهرا، وفيه بعد. والله أعلم.
والمعروف :لفظ يعم أعمال البر كلها. وقال مقاتل :المعروف هنا الفرض، والأول أصح. وقال صلى الله عليه وسلم :( كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق ). وقال صلى الله عليه وسلم :( المعروف كاسمه وأول من يدخل، الجنة يوم القيامة المعروف وأهله ). وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه :لا يزهدنك في المعروف كفر من كفره، فقد يشكر الشاكر بأضعاف جحود الكافر. وقال الحطيئة :
من يفعل الخير لا يعدم جوازيَه٣ *** لا يذهب العرف بين الله والناس
وأنشد الرياشي :
يد المعروف غُنْمٌ حيث كانت *** تحملها كفور أو شكور
ففي شكر الشكور لها جزاء *** وعند الله ما كفر الكفور
وقال الماوردي :" فينبغي لمن يقدر على إسداء المعروف أن يعجله حذار فواته، ويبادر به خيفة عجزه، وليعلم أنه من فرص زمانه، وغنائم إمكانه، ولا يهمله ثقة بالقدرة عليه، فكم من واثق بالقدرة فاتت فأعقبت ندما، ومعول على مكنة زالت فأورثت خجلا، كما قال الشاعر :
ما زلت أسمع كم من واثق خجل *** حتى ابتليت فكنت الواثق الخجلا
ولو فطن لنوائب دهره، وتحفظ من عواقب أمره لكانت مغانمه مذخورة، ومغارمه مجبورة، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( من فتح عليه باب من الخير فلينتهزه فإنه لا يدري متى يغلق عنه ). وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :( لكل شيء ثمرة وثمرة المعروف السراح )٤. وقيل لأنوشروان :ما أعظم المصائب عندكم ؟ قال :أن تقدر على المعروف فلا تصطنعه حتى يفوت. وقال عبدالحميد :من أخر الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها. وقال بعض الشعراء :
إذا هبت رياحك فاغتنمها *** فإن لكل خافقة سكون
ولا تغفل عن الإحسان فيها *** فما تدري السكون متى يكون
وكتب بعض ذوي الحرمات إلى والٍ قصَّر في رعاية حرمته :
أعلى الصراط تريد رِعْيَة حرمتي *** أم في الحساب تمنّ بالإنعام
للنفع في الدنيا أريدك، فانتبه *** لحوائجي من رقدة النوام
وقال العباس رضي الله عنه :لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال :تعجيله وتصغيره وستره، فإذا عجلته هنأته، وإذا صغرته عظمته، وإذا سترته أتممته. وقال بعض الشعراء :
زاد معروفك عندي عظما *** أنه عندك مستور حقير
تتناساه كأن لم تأته *** وهو عند الناس مشهور خطير
ومن شرط المعروف ترك الامتنان به، وترك الإعجاب بفعله، لما فيهما من إسقاط الشكر وإحباط الأجر. وقد تقدم في " البقرة٥ " بيانه.
قوله تعالى :" أو إصلاح بين الناس " عام في الدماء والأموال والأعراض، وفي كل شيء يقع التداعي والاختلاف فيه بين المسلمين، وفي كل كلام يراد به وجه الله تعالى. وفي الخبر :( كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر الله تعالى ). فأما من طلب الرياء والترؤس فلا ينال الثواب. وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه :رد الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل٦ القضاء يورث بينهم الضغائن. وسيأتي في " المجادلة٧ " ما يحرم من المناجاة وما يجوز إن شاء الله تعالى. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال، :من أصلح بين أثنين أعطاه الله بكل كلمة عتق رقبة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي أيوب :( ألا أدلك على صدقة يحبها الله ورسوله، تصلح بين أناس إذا تفاسدوا، وتقرب بينهم إذا تباعدوا ). وقال الأوزاعي :ما خطوة أحب إلى الله عز وجل من خطوة في إصلاح ذات البين، ومن أصلح بين اثنين كتب الله له براءة من النار. وقال محمد بن المنكدر :تنازع رجلان في ناحية المسجد فملت إليهما، فلم أزل بهما حتى اصطلحا، فقال أبو هريرة وهو يراني :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( من أصلح بين اثنين استوجب ثواب شهيد ). ذكر هذه الأخبار أبو مطيع مكحول بن المفضل النسفي في كتاب اللؤلئيات له، وجدته بخط المصنف في وريقة ولم ينبه على موضعها رضي الله عنه. و( ابتغاء ) نصب على المفعول من أجله.
١ البيت لأوس بن حجر. ويروى لعبيد. والعقوة: الساحة وما حول الدار والمحلة. والقرواح: البارز الذي ليس يستره من السماء شيء. في ي حاشية: الناقة الطويلة وكذلك النخلة الطويلة، يقال لها قرواح..
٢ راجع ج ١٠ ص ٢٧٢..
٣ في كل الأصول: جوائزه..
٤ السراح: التعجيل..
٥ راجع ج ٣ ص ٣١١..
٦ من ج، ط، ي، ز..
٧ راجع ج ١٧ ص ٢٩٤ فما بعد..
فيه مسألتان :
الأولى :قال العلماء :هاتان الآيتان نزلتا بسبب ابن أبيرق السارق، لما حكم النبي صلى الله عليه وسلم عليه بالقطع وهرب إلى مكة وارتد، قال سعيد بن جبير :لما صار إلى مكة نقب بيتا بمكة فلحقه المشركون فقتلوه، فأنزل الله تعالى :" إن الله لا يغفر أن يشرك به " إلى قوله :" فقد ضل ضلالا بعيدا ". وقال الضحاك :قدم نفر من قريش المدينة وأسلموا ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين فنزلت هذه الآية " ومن يشاقق الرسول ". والمشاقة المعاداة. والآية وإن نزلت في سارق الدرع أو غيره فهي عامة في كل من خالف طريق المسلمين. و " الهدى " :الرشد والبيان، وقد تقدم١. وقوله تعالى :" نوله ما تولى " يقال :إنه نزل فيمن ارتد، والمعنى :نتركه وما يعبد. عن مجاهد، أي نكله إلى الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، وقاله مقاتل. وقال الكلبي :نزل قوله تعالى :" نوله ما تولى " في ابن أبيرق، لما ظهرت حاله وسرقته هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطا لرجل بمكة يقال له :حجاج بن علاط، فسقط فبقي في النقب حتى وجد على حاله، وأخرجوه من مكة، فخرج إلى الشام فسرق بعض أموال القافلة فرجموه وقتلوه، فنزلت " نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ". وقرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو " نولِهْ " " ونصلِهْ " بجزم الهاء، والباقون بكسرها، وهما لغتان.
الثانية :قال العلماء في قوله تعالى :" ومن يشاقق الرسول " دليل على صحة القول بالإجماع.
١ راجع ج ١ ص ١٦٠..
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١٥: فيه مسألتان :
الأولى :قال العلماء :هاتان الآيتان نزلتا بسبب ابن أبيرق السارق، لما حكم النبي صلى الله عليه وسلم عليه بالقطع وهرب إلى مكة وارتد، قال سعيد بن جبير :لما صار إلى مكة نقب بيتا بمكة فلحقه المشركون فقتلوه، فأنزل الله تعالى :" إن الله لا يغفر أن يشرك به " إلى قوله :" فقد ضل ضلالا بعيدا ". وقال الضحاك :قدم نفر من قريش المدينة وأسلموا ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين فنزلت هذه الآية " ومن يشاقق الرسول ". والمشاقة المعاداة. والآية وإن نزلت في سارق الدرع أو غيره فهي عامة في كل من خالف طريق المسلمين. و " الهدى " :الرشد والبيان، وقد تقدم١. وقوله تعالى :" نوله ما تولى " يقال :إنه نزل فيمن ارتد، والمعنى :نتركه وما يعبد. عن مجاهد، أي نكله إلى الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، وقاله مقاتل. وقال الكلبي :نزل قوله تعالى :" نوله ما تولى " في ابن أبيرق، لما ظهرت حاله وسرقته هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطا لرجل بمكة يقال له :حجاج بن علاط، فسقط فبقي في النقب حتى وجد على حاله، وأخرجوه من مكة، فخرج إلى الشام فسرق بعض أموال القافلة فرجموه وقتلوه، فنزلت " نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ". وقرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو " نولِهْ " " ونصلِهْ " بجزم الهاء، والباقون بكسرها، وهما لغتان.
الثانية :قال العلماء في قوله تعالى :" ومن يشاقق الرسول " دليل على صحة القول بالإجماع.
١ راجع ج ١ ص ١٦٠..


وفي قوله تعالى :" إن الله لا يغفر أن يشرك به " رد على الخوارج ؛ حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر. وقد تقدم القول في هذا المعنى. وروى الترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال :ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية :" إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " قال :هذا حديث غريب. قال ابن فورك :وأجمع أصحابنا على أنه لا تخليد إلا للكافر، وأن الفاسق من أهل القبلة إذا مات غير تائب فإنه إن عذب بالنار فلا محالة أنه يخرج منها بشفاعة الرسول، أو بابتداء رحمة من الله تعالى. وقال الضحاك :إن شيخا من الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :يا رسول الله، إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا، إلا أني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به، فما حالي عند الله ؟ فأنزل الله تعالى :" إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " الآية.
قوله تعالى :" إن يدعون من دونه " أي من دون الله " إلا إناثا " ؛ نزلت في أهل مكة إذ عبدوا الأصنام. و " إن " نافية بمعنى " ما ". و " إناثا " أصناما، يعني اللات والعزى ومناة. وكان لكل حي صنم يعبدونه ويقولون :أنثى بني فلان، قال الحسن وابن عباس، وأتى مع كل صنم شيطانه يتراءى١ للسدنة والكهنة ويكلمهم، فخرج الكلام مخرج التعجب ؛ لأن الأنثى من كل جنس أخسه ؛ فهذا جهل ممن يشرك بالله جمادا فيسميه أنثى، أو يعتقده أنثى. وقيل :" إلا إناثا " مواتا ؛ لأن الموات لا روح له، كالخشبة والحجر. والموات يخبر عنه كما يخبر عن المؤنث لا تضاع المنزلة، تقول :الأحجار تعجبني، كما تقول :المرأة تعجبني. وقيل :" إلا إناثا " ملائكة ؛ لقولهم :الملائكة بنات الله، وهي شفعاؤنا عند الله، عن الضحاك. وقراءة ابن عباس " إلا وثنا " بفتح الواو والثاء على إفراد اسم الجنس، وقرأ أيضا " وثنا " بضم الثاء والواو، جمع وثن. وأوثان أيضا جمع وثن مثل أسد وآساد. النحاس :ولم يقرأ به فيما علمت.
قلت :قد ذكر أبو بكر الأنباري - حدثنا أبي حدثنا نصر بن داود حدثنا أبو عبيد حدثنا حجاج عن ابن جريج عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها أنها كانت تقرأ :" إن يدعون من دونه إلا أوثانا ". وقرأ ابن عباس أيضا " إلا أثنا " كأنه جمع وثنا على وثان، كما تقول :جمل وجمال، ثم جمع أوثانا على وثن ؛ كما٢ تقول :مثال ومثل، ثم أبدل من الواو همزة لما انضمت، كما قال عز وجل :" وإذا الرسل أقتت٣ " [ المرسلات :١١ ] من الوقت، فأثن جمع الجمع. وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم :" إلا أثنا " جمع أثين، كغدير وغدر. وحكى الطبري أنه جمع إناث كثمار وثمر. حكى هذه القراءة عن النبي صلى الله عليه وسلم أبو عمرو الداني، قال :وقرأ بها ابن عباس والحسن وأبو حيوة.
قوله تعالى :" وإن يدعون إلا شيطانا مريدا " يريد إبليس ؛ لأنهم إذا أطاعوه فيما سول لهم فقد عبدوه، ونظيره في المعنى :" اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " ٤ [ التوبة :٣١ ] أي أطاعوهم فيما أمروهم به، لا أنهم عبدوهم. وسيأتي. وقد تقدم اشتقاق لفظ الشيطان٥. والمريد :العاتي المتمرد، فعيل من مرد إذا عتا. قال الأزهري :المريد الخارج عن الطاعة، وقد مرد الرجل يمرد مرودا إذا عتا وخرج عن الطاعة، فهو مارد ومريد ومتمرد. ابن عرفة هو الذي ظهر شره، ومن هذا يقال :شجرة مرداء إذا تساقط ورقها فظهرت عيدانها، ومنه قيل للرجل :أمرد، أي ظاهر مكان الشعر من عارضيه.
١ من ج: وأتى مع كل منهم شيطان يتزايا الخ. وفي ط: شيطانة تتزايا. وفي ز: "شيطانة تغر" أي السدنة الخ..
٢ من ج و ط..
٣ راجع ج ١٩ ص ١٥٥..
٤ راجع ج ٨ ص ١١٩..
٥ راجع ج ١ ص ٩٠..
قوله تعالى :" لعنه الله " أصل اللعن الإبعاد، وقد تقدم١. وهو في العرف إبعاد مقترن بسخط وغضب، فلعنة الله على٢ إبليس - عليه لعنة الله - على التعيين جائزة، وكذلك سائر٣ الكفرة الموتى كفرعون وهامان وأبي جهل، فأما الأحياء فقد مضى الكلام فيه في " البقرة " ٤.
قوله تعالى :" وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا " أي وقال الشيطان، والمعنى :لاستخلصنهم بغوايتي وأضلنهم بإضلالي، وهم الكفرة والعصاة. وفي الخبر ( من كل ألف واحد لله والباقي للشيطان ). قلت :وهذا صحيح معنى، يعضده قوله تعالى لآدم يوم القيامة :( ابعث بعث النار فيقول :وما بعث النار ؟ فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين ). أخرجه مسلم. وبعث النار هو نصيب الشيطان والله أعلم وقيل :من النصيب طاعتهم إياه في أشياء منها أنهم كانوا يضربون للمولود مسمارا عند ولادته، ودورانهم به يوم أسبوعه، يقولون :ليعرفه العمَّار٥.
١ راجع ج ٢ ص ٢٥..
٢ من ط..
٣ من ج و ط..
٤ راجع ج ٢ ص ١٨٨..
٥ عمار البيوت: سكانها من الجن. وفي ابن عطية: المفروض معناه في هذا الموضع: المنحاز، من الفرض وهو الحز في العود وغيره..
فيه تسع مسائل :
الأولى :قوله تعالى :" ولأضلنهم " أي لأصرفنهم عن طريق الهدى. " ولأمنينهم " أي لأسولن لهم، من التمني، وهذا لا ينحصر إلى واحد من الأمنية ؛ لأن كل واحد في نفسه إنما يمنيه بقدر رغبته وقرائن حاله. وقيل :لأمنينهم طول الحياة الخير والتوبة والمعرفة مع الإصرار. " ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام " البتك القطع، ومنه سيف باتك. أي أحملهم على قطع آذان البحيرة والسائبة ونحوه. يقال :بتكه وبتكه، ( مخففا ومشددا ) وفي يده قطعة، والجمع بتك، قال زهير١ :
*طارت وفي كفه من ريشها بتك*
الثانية :قوله تعالى :" ولآمرنهم فليغيرن خلق الله " اللامات كلها للقسم. واختلف العلماء في هذا التغيير٢ إلى ماذا يرجع، فقالت طائفة :هو الخصاء وفقء الأعين وقطع الآذان، قال معناه ابن عباس وأنس وعكرمة وأبو صالح. وذلك كله تعذيب للحيوان، وتحريم وتحليل بالطغيان، وقول بغير حجة ولا برهان. والآذان في الأنعام جمال ومنفعة، وكذلك غيرها من الأعضاء، فلذلك رأى الشيطان أن يغير [ بها ]٣ خلق الله تعالى. وفي حديث عياض بن حمار المجاشعي :( وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإن الشياطين أتتهم فاجتالتهم٤ عن دينهم فحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا وأمرتهم أن يغيروا خلقي ). الحديث، أخرجه القاضي إسماعيل ومسلم أيضا. وروى إسماعيل قال :حدثنا أبو الوليد وسليمان بن حرب قالا حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن أبيه قال :أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قشف الهيئة، قال :( هل لك من مال ) ؟ [ قال ]٥ قلت :نعم. قال ( من أي المال ) ؟ قلت :من كل المال، من الخيل والإبل والرقيق - قال أبو الوليد :والغنم - قال :( فإذا أتاك الله مالا فلير عليك أثره ) ثم قال :( هل تنتج إبل٦ قومك صحاحا آذانها فتعمد إلى موسى فتشق آذانها وتقول هذه بمر وتشق جلودها وتقول هذه صرم٧ لتحرمها عليك وعلى أهلك ) ؟ قال :قلت أجل. قال :( وكل ما آتاك الله حل وموسى الله أحد من موسك، وساعد الله أشد من ساعدك ). قال قلت :يا رسول الله، أرأيت رجلا نزلت به فلم يقرني ثم نزل بي أفأقريه أم أكافئه ؟ فقال :( بل أقره ).
الثالثة :ولما كان هذا من فعل الشيطان وأثره أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن نستشرف٨ العين والأذن ولا نضحي بعوراء ولا مقابلة ولا مدابرة ولا خرقاء ولا شرقاء ) أخرجه أبو داود عن علي قال :أمرنا، فذكره. المقابلة :المقطوعة طرف الأذن. والمدابرة المقطوعة مؤخر الأذن. والشرقاء :مشقوقة الأذن. والخرقاء التي تخرق أذنها السمة. والعيب في الأذن مراعى عند جماعة العلماء. قال مالك والليث :المقطوعة الأذن أو جل الأذن لا تجزئ، والشق للميسم يجزئ، وهو قول الشافعي وجماعة الفقهاء. فإن كانت سكاء، وهى التي خلقت بلا أذن فقال مالك والشافعي :لا تجوز. وإن كانت صغيرة الأذن أجزأت، وروي عن أبي حنيفة مثل ذلك.
الرابعة :وأما خصاء البهائم فرخص فيه جماعة من أهل العلم إذا قصدت فيه المنفعة إما لس