0:00
0:00

سورة النساء، مدنية، وهي مائة وست وسبعون آية.

﴿ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمانِ الرَّحِيم ﴾ ﴿ يا أَيُّهَا الناس ﴾ خطابٌ يعمُّ حكمُه جميعَ المكلفين عند النزولِ ومَنْ سينتظِمُ في سلكهم من الموجودين حينئذٍ والحادثين بعد ذلك إلى يوم القيامةِ عند انتظامِهم فيه لكنْ لا بطريق الحقيقةِ فإن خطابَ المشافهةِ لا يتناول القاصرين عن درجة التكليفِ إلا عند الحنابلةِ بل إما بطريق تغليبِ الفريقِ الأولِ على الأخيرين وإما بطريق تعميمِ حُكمِه لهما بدليل خارجيَ فإن الإجماعَ منعقدٌ على أن آخِرَ الأمةِ مكلفٌ بما كُلّف به أولُها كما ينبىء عنه قولُه عليه السلام : «الحلالُ ما جرى على لساني إلى يوم القيامةِ والحرامُ ما جرى على لساني إلى يوم القيامة » وقد فُصل في موضعه وأما الأممُ الدارجةُ قبل النزولِ فلا حظَّ لهم في الخطاب لاختصاص الأوامرِ والنواهي بمن يُتصوَّر منه الامتثالُ، وأما اندراجُهم في خطاب ما عداهما مما له دخلٌ في تأكيد التكليفِ وتقويةِ الإيجابِ فستعرِفُ حالَه، ولفظُ النَّاسِ ينتظمُ الذكورَ والإناثَ حقيقةً، وأما صيغةُ جمعِ المذكرِ في قوله تعالى : ﴿ اتقوا رَبَّكُمُ ﴾ فواردةٌ على طريقة التغليب لعدم تناولِها حقيقةً للإناث عند غيرِ الحنابلة، وأما إدخالهن في الأمر بالتقوى بما ذُكر من الدليل الخارجيِّ وإن كان فيه مراعاةُ جانبِ الصيغةِ لكنه يستدعي تخصيصَ لفظِ النَّاسِ ببعض أفرادِه. والمأمورُ به إما مطلقُ التقوى التي هي التجنبُ عن كل ما يؤثِمُ من فعلٍ أو تركٍ وإما التقوى فيما يتعلق بحقوق أبناءِ الجنسِ أي اتقوه في مخالفة أوامره ونواهيه على الإطلاق أو في مخالفة تكاليفه الواردةِ هاهنا.
وأيًّا ما كان فالتعرضُ لعنوان الربوبيةِ المنبئةِ عن المالكية والتربيةِ مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لتأييد الأمرِ وتأكيدِ إيجابِ الامتثالِ به على طريقة الترغيبِ والترهيبِ، وكذا وصفُ الرب بقوله تعالى : ﴿ الذى خَلَقَكُمْ من نَّفْسٍ واحدة ﴾ فإن خلْقَه تعالى إياهم على هذا النمطِ البديعِ لإنبائه عن قدرة شاملةٍ لجميع المقدوراتِ التي من جُملتها عقابُهم على معاصيهم وعن نعمة كاملةٍ لأقدارها -من أقوى الدواعي إلى الاتقاء من موجبات نقمتهِ وأتمِّ الزواجرِ عن كُفران نعمته، وكذا جعلُه تعالى إياهم صِنواناً مُفرَّعةً من أرومةٍ واحدة هي نفسُ آدمَ عليه السلام من موجبات الاحترازِ عن الإخلال بمراعاة ما بينهم من حقوق الأخوةِ. وتعميمُ الخطابِ في ربّكم وخلقَكم للأمم السالفة أيضاً- مع اختصاصه فيما قبلُ بالمأمورين بناءً على أن تذكيرَ شمولِ ربوبيته تعالى وخلقِه للكل من مؤكِّدات الأمرِ بالتقوى وموجباتِ الامتثالِ به -تفكيك للنظم الكريمِ مع الاستغناء عنه، لأن خلقَه تعالى للمأمورين من نفس آدم عليه السلام حيث كان بواسطة ما بينهم وبينه عليه السلام من الآباء والأمهاتِ كان التعرّضُ لخلقهم متضمِّناً للتعرّض لخلق الوسايطِ جميعاً، وكذا التعرضُ لربوبيته تعالى لهم متضمِّنٌ للتعرض لربوبيته تعالى لأصولهم قاطبةً لاسيما وقد نطقَ بذلك قوله عز وجل : ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ فإنه مع ما عُطف عليه صريحٌ في ذلك وهو معطوفٌ إما على مقدر ينبىءُ عنه سَوقُ الكلامِ لأن تفريغَ الفروعِ من أصل واحد يستدعي إنشاءَ ذلك الأصلِ لا محالة، كأنه قيل خلقكم من نفس واحدةٍ خلقها أولاً وخلق منها زوجَها إلخ وهو استئنافٌ مَسوقٌ لتقرير وَحدةِ المبدأ وبيانِ كيفيةِ خلْقِهم منه وتفصيلِ ما أُجمل أولاً، أو صفةٌ لنفسٍ مفيدةٌ لذلك، وإما على خلقَكم داخلٌ معه في حيز الصلةِ مقررٌ ومبينٌ لما ذكر، وإعادةُ الفعلِ مع جواز عطفِ مفعوله على مفعول الفعلِ الأول كما في قوله تعالى : ﴿ ياأيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ الذى خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ ﴾ [ البقرة، الآية ٢١ ] الخ لإظهار ما بين الخلقين من التفاوت، فإن الأولَ بطريق التفريعِ من الأصل والثاني بطريق الإنشاءِ من المادة، فإنه تعالى خلقَ حواءَ من ضِلْعِ آدمَ عليه السلام. روي أنه عز وجل لما خلقه عليه السلام وأسكنه الجنة ألقى عليه النومَ فبينما هو بين النائمِ واليقظانِ خَلَق حواءَ من ضِلْع من أضلاعه اليسرى فلما انتبه وجدها عنده، وتأخيرُ ذكرِ خلقِها عن ذكر خلقِهم لما أن تذكيرَ خلقهم أدخلُ في تحقيق ما هو المقصودُ من حملهم على الامتثال بالأمر بالتقوى من تذكير خلقها، وتقديمُ الجار والمجرور للاعتناء ببيان مبدئيتهِ عليه السلام لها مع ما فيه من التشويق إلى المؤخر كما مر مراراً، وإيرادُها بعنوان الزوجيةِ تمهيدٌ لما بعده من التناسل. ﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا ﴾ أي نشرَ من تلك النفس وزوجها المخلوقةِ منها بطريقِ التوالدِ والتناسلِ ﴿ رِجَالاً كَثِيراً ﴾ نعتٌ لرجالاً مؤكّدٌ لما أفادَهُ التنكيرُ من الكثرةِ والإفرادِ باعتبار معنى الجمع أو العددِ وقيلَ هو نعتٌ لمصدرٍ مؤكدٍ للفعل أي بثاً كثيراً ﴿ وَنِسَاء ﴾ أي كثيرة، وتركُ التصريحِ بها للاكتفاء بالوصف المذكورِ، وإيثارُهما على ذكوراً وإناثاً لتأكيد الكثرةِ والمبالغةِ فيها بترشيح كلِّ فردٍ من الأفراد المبثوثةِ لمبدئيّة غيره، وقرئ وخالقٌ وباثٌّ على حذف المبتدأ أي وهو خالقٌ وباث ﴿ واتقوا الله الذى تَسَاءلُونَ بِهِ ﴾ تكريرٌ للأمر وتذكيرٌ ببعض آخَرَ من موجبات الامتثالِ به فإن سؤالَ بعضِهم بعضاً بالله تعالى بأن يقولوا أسألُك بالله وأنشُدك اللَّهَ على سبيل الاستعطافِ يقتضي الاتقاءَ من مخالفة أوامرِه ونواهيه، وتعليقُ الاتقاءِ بالاسمِ الجليلِ لمزيد التأكيدِ والمبالغةِ في الحمل على الامتثال بتربية المهابةِ وإدخالِ الروعةِ، ولوقوع التساؤل به لا بغيره من أسمائه تعالى وصفاته وتساءلون أصلُه تتساءلون فطُرحت إحدى التاءين تخفيفاً، وقرئ بإدغام تاءِ التفاعلِ في السين لتقاربهما في الهمس وقرئ تَسْألون من الثلاثي أي تسألون به غيرَكم، وقد فسِّر به القراءةُ الأولى والثانية، وحملُ صيغةِ التفاعلِ على اعتبار الجمعِ كما في قولك رأيت الهلال وتراءياه وبه فسر عم يتساءلون على وجه وقرئ تَسَلون بنقل حركةِ الهمزةِ إلى السين. ﴿ والارحام ﴾ بالنصب عطفاً على محل الجارِّ والمجرور كقولك مررتُ بزيد وعمراً وينصره قراءةُ تساءلون به وبالأرحام فإنهم كانوا يقرُنونها في السؤال والمناشدةِ بالله عز وجل، ويقولون أسألك بالله وبالرَّحمِ، أو عطفاً على الاسم الجليلِ أي اتقوا اللَّهَ والأرحامَ وصِلوها ولا تقطعوها فإن قطعيتها مما يجب أن يُتقّى وهو قولُ مجاهدٍ وقتادة والسدي والضحاك والفراءِ والزجاج، وقد جَوّز الواحديُ نصبَه على الإغراء أي والزَموا الأرحامَ وصِلوها وقرئ بالجر عطفاً على الضمير المجرورِ وبالرفع على أنه مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ تقديره :والأرحامُ كذلك أي مما يُتقى أو يُتساءلُ به، وقد نبه سبحانه وتعالى حيث قرنها باسمه الجليلِ على أن صلتَها بمكان منه كما في قوله تعالى : ﴿ أَن لاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إياه وبالوالدين إحسانا ﴾ [ الإسراء، الآية ٢٣ ] وعنه عليه السلام : «الرحِمُ معلقةٌ بالعرش تقول :مَنْ وَصَلني وصله اللَّهُ ومَنْ قَطَعني قَطَعَهُ اللَّه » ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾ أي مراقباً، وهي صيغةٌ من رقَب يرقُب رَقْباً ورُقوباً ورُقباناً إذا أحدّ النظرَ لأمر يريد تحقيقَه، أي حافظاً مطلعاً على جميع ما يصدُر عنك من الأفعال والأقوالِ وعلى ما في ضمائركم من النيات مُريداً لمجازاتكم بذلك، وهو تعليلٌ للأمر ووجوبِ الامتثالِ به، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ لتأكيده وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ لرعاية الفواصل.
﴿ وَآتُوا اليتامى أموالهم ﴾ شروعٌ في تفصيل مواردِ الاتقاءِ ومظانّةِ بتكليف ما يقابلها أمراً ونهياً عَقيبَ الأمرِ بنفسِه مرة بعد أخرى، وتقديمُ ما يتعلق باليتامى لإظهار كمالِ العنايةِ بأمرهم ولملابستهم بالأرحام إذ الخِطابُ للأولياء والأوصياءِ وقلما تُفوَّض الوصايةُ إلى الأجانب، واليتيمُ من مات أبوه، من اليُتم وهو الانفرادُ ومنه الدرةُ اليتيمةُ، وجمعُه على يتامى إما أنه لما جرى مَجرى الأسماءِ جُمع على يتائِمَ ثم قُلب فقيل :يتامى، أو لأنه لما كان من وادي الآفاتِ جُمع على يَتْمى ثم جُمع يَتمى على يتامى، والاشتقاقُ يقتضي صحةَ إطلاقِه على الكبار أيضاً، واختصاصُه بالصغار مبنيٌّ على العُرف، وأما قولُه عليه السلام : «لا يُتمَ بعد الحُلُم »، فتعليمٌ للشريعة لا تعيينٌ لمعنى اللفظِ أي لا يجري على اليتيم بعده حكمُ الأيتام. والمرادُ بإيتاء أموالِهم قطعُ المخاطَبين أطماعَهم الفارغةَ عنها وكفُّ أكُفِهم الخاطفةِ عن اختزالها، وتركُها على حالها غيرَ مُتعرَّضٍ لها بسوء حتى تأتيَهم وتصلَ إليهم سالمةً كما ينبىء عنه ما بعده عن النهي عن التبدّل والأكلِ لا الإعطاءِ بالفعل فإنه مشروطٌ بالبلوغ وإيناسِ الرُشدِ على ما ينطِق به قوله تعالى : ﴿ حتى إِذَا بَلَغُوا ﴾ [ النساء، الآية ٦ ] الآية، وإنما عبّر عما ذُكر بالإيتاء مجازاً للإيذان بأنه ينبغي أن يكونَ مرادُهم بذلك إيصالاً إليهم لا مجردَ تركِ التعرّضِ لها، فالمرادُ بهم إما الصغارُ على ما هو المتبادرُ، والأمرُ خاصٌّ بمن يتولى أمرَهم من الأولياء والأوصياءِ وشمولُ حكمِه لأولياء مَن كان بالغاً عند نزولِ الآيةِ بطريق الدِلالةِ دون العبارة، وأما من جرى عليه اليتمُ في الجملة مجازاً أعمُّ من أن يكون كذلك عند النزولِ، أو بالغاً فالأمرُ شاملٌ لأولياء الفريقين صيغة موجب عليهم ما ذكر من حفظ أموالِهم والتحفظِ عن إضاعتها مطلقاً، وأما وجوبُ الدفعِ إلى الكبار فمستفادٌ مما سيأتي من الأمر به، وقيل :المرادُ بهم الصغارُ وبالإيتاء الإعطاءُ في الزمان المستقبلِ، وقيل :أُطلق اسمُهم على الكبار بطريق الاتساعِ لقرب عهدِهم باليتم حثاً للأولياء على المسارعة إلى دفع أموالِهم إليهم أولَ ما بلغوا قبل أن يزولَ عنهم اسمُهم المعهودُ، فالإيتاءُ بمعنى الإعطاءِ بالفعل، ويأباهما ما سيأتي من قوله تعالى : ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ [ النساء، الآية ٦ ] الخ، فإن ما فيه من الأمر بالدفع واردٌ على وجه التكليفِ الابتدائيِّ لا على وجه تعيينِ وقتِه أو بيانِ شرطِه فقط كما هو مقتضى القولين، وأما تعميمُ الاسمِ للصغار والكبارِ مجازاً بطريق التغليبِ مع تعميم الإيتاءِ للإيتاء حالاً وللإيتاء مآلاً وتعميمِ الخطابِ لأولياء كِلا الفريقين على أن مَنْ بلغ منهم فوليُّه مأمورٌ بالدفع إليه بالفعل وأن من لم يبلُغْ بعدُ فوليُّه مأمورٌ بالدفع إليه عند بلوغِه الرشدَ، فمع ما سبق تكلفٌ لا يخفي، فالأنسبُ ما تقدم من حمل إيتاءِ أموالِهم إليهم على ما يؤدي إليه من ترك التعرضِ لها بسوءٍ كما يلوحُ من التعبير عن الإعطاء بالفعل بالدفع سواءٌ أريد باليتامى الصغارُ أو ما يعمُّ الصغارَ والكبارَ حسبما ذُكر آنفاً. وأما ما روي من أن رجلاً من غطَفان كان معه مال كثيرٌ لابن أخٍ له فلما بلغ طلب منه مالَه فمنعه فنزلت فلما سمِعها قال :أطعنا الله وأطعنا الرسولَ نعوذ بالله من الحُوب الكبير، فغيرُ قادحٍ في ذلك لما أن العبرةَ بعموم اللفظِ لا بخصوص السببِ. ﴿ وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الخبيث بالطيب ﴾ نهيٌ عن أخذ مالِ اليتيمِ على الوجه المخصوصِ بعد النهي الضِّمني عن أخذه على الإطلاق. وتبدلُ الشيء بالشيء واستبدالُه به أخذُ الأول بدلَ الثاني بعد أن كان حاصلاً له أو في شرف الحصولِ يُستعملان أبداً بإفضائهما إلى الحاصل بأنفسهما وإلى الزائل بالياء كما في قوله تعالى : ﴿ وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان ﴾ [ البقرة، الآية ١٠٨ ] الخ، وقوله تعالى : ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ الذى هُوَ أدنى بالذى هُوَ خَيْرٌ ﴾ [ البقرة، الآية ٦١ ] وأما التبديلُ فيستعمل تارة كذلك كما في قوله تعالى : ﴿ وبدّلناهم بجنتيهم جَنَّتَيْنِ ﴾ [ سبأ، الآية ١٦ ] الخ، وأخرى بالعكس كم في قولك :بدّلت الحلقةَ بالخاتم إذا أذبتَها وجعلتَها خاتماً نص عليه الأزهري، وتارة أخرى بإفضائه إلى مفعوليه بنفسه كما في قوله تعالى : ﴿ يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات ﴾ [ الفرقان، الآية ٧٠ ] والمرادُ بالخبيث والطيبِ إن كان هو الحرامُ والحلالُ فالمنهيُّ عنه استبدالُ مالِ اليتيمِ بمال أنفسِهم مطلقاً كما قال الفراءُ والزجاجُ، وقيل :معناه لا تذَروا أموالَكم الحلالَ وتأكُلوا الحرامَ من أموالهم فالمنهيُّ عنه أكلُ مالِه مكانَ مالِهم المحقّقِ أو المقدّرِ، وقيل :هو اختزالُ مالِه مكان حفظِه، وأياً ما كان فإنما عبّر عنهما بهما تنفيراً عما أخذوه وترغيباً فيما أُعْطوُه وتصويراً لمعاملتهم بصورة ما لا يصدُر عن العاقل، وإن كان هو الرديءُ والجيدُ فموردُ النهي ما كانوا عليه من أخذ الجيّدِ من مال اليتيمِ وإعطاءِ الرديءِ من مال أنفسِهم وبه قال سعيدُ بنُ المسيِّب والنخعيُّ والزُّهري والسدي، وتخصيصُ هذه المعاملةِ بالنهي لخروجها مَخرجَ العادةِ لا لإباحة ما عداها، وأما التعبيرُ عنها بتبدُّل الخبيثِ بالطيب مع أنها تبديلُه به أو تبدلُ الطيبِ بالخبيث فللإيذان بأن الأولياءَ حقُّهم أن يكونوا في المعاوضات عاملين لليتيم لا لأنفسهم مُراعين لجانبه قاصدين لجلب المجلوبِ إليه مشترىً كان أو ثمناً لا لسَلَب المسلوبِ عنه ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ نهيٌ عن منكر آخرَ كانوا يتعاطَوْنه أي لا تأكلوها مضمومةً إلى أموالكم ولا تُسوّوا بينهما وهذا حلالٌ وذاك حرامٌ وقد خُصَّ من ذلك مقدارُ أجرِ المِثلِ عند كونِ الولي فقيراً ﴿ إِنَّهُ ﴾ أي الأكلُ المفهومُ من النهي ﴿ كَانَ حُوباً ﴾ أي ذنباً عظيماً، وقرئ بفتح الحاء وهو مصدرُ حاب حَوْباً وقرئ حاباً وهو أيضاً مصدرٌ كقال قولاً وقالا : ﴿ كَبِيراً ﴾ مبالغةٌ في بيان عِظَمِ ذنبِ الأكلِ المذكورِ كأنه قيل :من كبار الذنوبِالعظيمةِ لا من أفنائها.
﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُوا في اليتامى ﴾ الإقساطُ العدلُ وقرئ بفتح التاء فقيل :هو مِنْ قَسَط أي جار و " لا " مزيدةٌ كما في قوله تعالى : ﴿ لِئَلاَّ يَعْلَمَ ﴾ [ الحديد :الآية، ٢٩ ] وقيل :هو بمعنى أقسطَ فإن الزجاجَ حَكى أن قسَط يُستعمل استعمالَ أقسطَ، والمرادُ بالخوف العلمُ كما في قوله تعالى : ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا ﴾ [ البقرة، الآية ١٨٢ ] عبّر عنه بذلك إيذاناً بكون المعلومِ مَخوفاً محذوراً لا معناه الحقيقي لأن الذي عُلّق به الجوابُ هو العلمُ بوقوع الجَورِ المَخوفِ لا الخوفُ منه وإلا لم يكنِ الأمرُ شاملاً لمن يُصِرُّ على الجور ولا يخافه، وهذا شروعٌ في النهي عن منكر آخَرَ كانوا يباشرونه متعلقٌ بأنفس اليتامى أصالةً وبأموالهم تبعاً عَقيبَ النهي عما يتعلق بأموالهم خاصةً، وتأخيرُه عنه لقلة وقوعِ المنهيِّ عنه بالنسبة إلى الأول ونزولِه منه بمنزلة المركّبِ من الفرد وذلك أنهم كانوا يتزوّجون من تحِلُّ لهم من اليتامى اللاتي يلُونهنّ لكن لا لرغبة فيهن بل في مالهن ويُسيئون في الصحبة والمعاشرةِ ويتربّصون بهن أن يمُتْنَ فيرِثوهن، وهذا قولُ الحسنِ وقيل :هي اليتيمةُ التي تكونُ في حِجْر وليِّها فيرغب في مالها وجمالِها ويريد أن ينكِحَها بأدنى مِنْ مَهر نسائِها فنُهوا أن ينكِحوهن إلا أن يُقسِطوا لهن في إكمال الصَّداقِ، وأُمروا أن ينكِحوا ما سواهن من النساء، وهذا قولُ الزهري روايةً عن عروةَ عن عائشة رضي الله عنها، وأما اعتبارُ اجتماعِ عددِ كثيرٍ منهن كما أطبق عليه أكثرُ أهلِ التفسيرِ -حيث قالوا :كان الرجلُ يجد اليتيمةَ لها مالٌ وجمالٌ ويكون وليَّها فيتزوجها ضَناً بها عن غيره فربما اجتمعت عنده عشرٌ منهن الخ- فلا يساعده الأمرُ بنكاح غيرِهن فإن المحذورَ حينئذ يندفع بتقليل عددِهن، أي وإن خفتم أن لا تعدِلوا في حق اليتامى إذا تزوجتم بهن بإساءة العِشرةِ أو بنقصِ الصَّداق ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ ﴾ ﴿ مَا ﴾ موصولةٌ أو موصوفةٌ، ما بعدها صلتُها أو صفتُها أُوثِرَت على –مَنْ- ذهاباً إلى الوصف وإيذاناً بأنه المقصودُ بالذات والغالبُ في الاعتبار لا بناءً على أن الإناثَ من العقلاء يجرين مَجرى غيرِ العقلاءِ لإخلاله بمقام الترغيبِ فيهن، وقرأ ابنُ أبي عَبْلةَ :من طاب. و ﴿ مِنْ ﴾ في قوله تعالى : ﴿ منَ النساء ﴾ بيانيةٌ وقيل :تبعيضيةٌ والمرادُ بهن غيرُ اليتامى بشهادة قرينةِ المقامِ أي فانكِحوا مَن استطابَتْهن نفوسُكم من الأجنبيات، وفي إيثار الأمرِ بنكاحهن على النهي عن نكاح اليتامى مع أنه المقصودُ بالذات مزيدُ لطفٍ في استنزالهم عن ذلك، فإن النفسَ مجبولةٌ على الحِرص على ما مُنِعت منه كما أن وصفَ النساءِ بالطيب على الوجه الذي أشير إليه فيه مبالغةٌ في الاستمالة إليهن والترغيبِ فيهن، وكلُّ ذلك للاعتناء بصَرْفهم عن نكاح اليتامى، وهو السرُّ في توجيه النهي الضمنيِّ إلى النكاح المُتَرقَّبِ مع أن سببَ النزولِ هو النكاحُ المحققُ لما فيه من المسارعة إلى دفع الشرِّ قبل وقوعِه فرب واقعٍ لا يُرفع، والمبالغةِ في بيان حالِ النكاحِ المحققِ فإن محظوريةَ المترقَّبِ حيث كانت للجَور المترقَّبِ فيه فمحظوريةُ المحقِّقِ مع تحقق الجَوْر فيه أولى.
وقيل :المرادُ بالطيب الحِلُّ أي ما حل لكم شرعاً لأن ما استطابوه شاملٌ للمحرمات، ولا مخصصَ له بمن عداهن وفيه فِرارٌ من محذور ووقوعٍ فيما هو أفظعُ منه لأن ما حل لهم مُجملٌ، وقد تقرر أن النصَّ إذا تردد بين الإجمالِ والتخصيصِ يُحمل على الثاني لأن العامَّ المخصوصَ حجةٌ في غير محلّ التخصيصِ والمُجملُ ليس بحجة قبل ورودِ البيانِ أصلاً، ولئن جُعل قوله تعالى : ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ﴾ [ النساء، الآية ٢٣. وسورة المائدة، الآية ٣ ] الخ، دالاً على التفصيل بناءً على ادعاء تقدّمِه في التنزيل فلْيُجْعل دالاً على التخصيص ﴿ مثنى وثلاث وَرُبَاعَ ﴾ معدولةٌ عن أعداد مكررةٍ غيرُ منصرفةٍ لما فيها من العدْلين :عدلِها عن صِيَغها وعدلِها عن تكرُّرِها، وقيل :للعدل والصفةِ، فإنها بُنيت صفاتٍ وإن لم تكن أصولُها كذلك. وقرئ وثُلَثَ ورُبَعَ على القصر من ثلاثَ ورُباعَ ومحلُّهن النصبُ على أنها حالٌ من فاعل طاب مؤكدةٌ لما أفاده وصفُ الطيّبِ من الترغيب فيهن والاستمالةِ إليهن بتوسيع دائرةِ الإذْنِ، أي فانكِحوا الطيباتِ لكم معدوداتٍ هذا العددَ ثنتين ثنتين وثلاثاً ثلاثاً وأربعاً أربعاً حسبما تريدون على معنى أن لكل واحدٍ منهم أن يختار أيَّ عددٍ شاء من الأعداد المذكورةِ لأن بعضَها لبعض منهم وبعضَها لبعض آخرَ كما في قولك :اقتسِموا هذه البَدْرةَ درهمينِ درهمينِ وثلاثةً ثلاثةً وأربعةً أربعة، ولو أُفردت لفُهم منه تجويزُ الجمعِ بين تلك الأعدادِ دون التوزيعِ، ولو ذكرت بكلمة –أو- لفات تجويزُ الاختلافِ في العدد.
هذا وقد قيل في تفسير الآيةِ الكريمةِ لما نزلت الآية في اليتامى وما في أكل أموالِهم من الحُوب الكبيرِ :أخذ الأولياءُ يتحرّجون من ولايتهم خوفاً من لُحوق الحُوب بترك الإقساطِ مع أنهم كانوا لا يتحرّجون من ترك العدلِ في حقوق النساءِ حيث كان تحت الرجلِ منهم عشرٌ منهن فقيل لهم :إن خفتم تركَ العدلِ في حقوق اليتامى فتحرّجتم منها فخافوا أيضاً تركَ العدلِ بين النساءِ فقلِّلوا عددَ المنكوحاتِ لأن من تحرّج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكبٌ مثلَه فهو غيرُ متحرِّجٍ ولا تائبٍ عنه وقيل :كانوا لا يتحرجون من الزنى وهم يتحرّجون من ولاية اليتامى، فقيل :إن خفتم الجَوْرَ في حق اليتامى فخافوا الزنى فانكِحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حولَ المحرَّماتِ، ولا يخفي أنه لا يساعدهما جزالةُ النظمِ الكريمِ لبنائهما على تقدّم نزولِ الآيةِ الأولى وشيوعِها بين الناسِ مع ظهور توقفِ حُكمِها على ما بعدها من قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تُؤْتُوا السفهاء أموالكم ﴾ [ النساء، الآية ٥ ] إلى قوله تعالى : ﴿ وكفي بالله حَسِيباً ﴾ [ النساء، الآية ٦ ]. ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تَعْدِلُوا ﴾ أي فيما بينهن ولو في أقل الأعدادِ المذكورةِ كما خِفتُموه في حق اليتامى أو كما لم تعدِلوا في حقهن أو كما لم تعدِلوا فيما فوق هذه الأعدادِ ﴿ فواحدة ﴾ أي فالزَموا أو فاختاروا واحدةً وذروا الجمعَ بالكلية، وقرئ بالرفع أي فالمُقنِعُ واحدةٌ أو فحسبُكم واحدةٌ ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ أي من السراري بالغةً ما بلغت من مراتب العددِ وهو عطفٌ على واحدةً على أن اللزومَ والاختيارَ فيه بطريق التسرِّي لا بطريق النكاحِ كما فيما عُطف عليه لاستلزامه ورودَ ملكِ النكاحِ على ملك اليمينِ بموجب اتحادِ المخاطَبين في الموضعين بخلاف ما سيأتي من قوله تعالى : ﴿ وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات فَمِنْ ما مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ [ النساء، الآية ٢٥ ] فإن المأمورَ بالنكاح هناك غيرُ المخاطَبين بملك اليمين وإنما سُوِّي في السهولة واليُسرِ بين الحرةِ الواحدةِ وبين السراري من غير حصرٍ في عددٍ لقلةِ تَبِعتِهن وخِفةِ مؤنتِهن وعدمِ وجوبِ القَسْمِ بينهن. وقرئ ﴿ أَوْ ما مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ [ النساء، الآية :٣ ] وما في القراءة المشهورةِ للإيذان بقصور رتبتِهن عن رتبة العقلاءِ ﴿ ذلك ﴾ إشارةٌ إلى اختيار الواحدةِ والتسرّي ﴿ أدنى أَن لا تَعُولُوا ﴾ العَول الميلُ من قولهم :عال الميزانُ عَوْلاً إذا مال، وعال في الحكم أي جار، والمرادُ هنا الميلُ المحظورُ المقابلُ للعدل أي ما ذُكر من اختيار الواحدةِ والتسرّي أقربُ بالنسبة إلى ما عداهما من أن لا تميلوا ميلاً محظوراً لانتفائه رأساً بانتفاء محلِّه في الأول وانتفاءِ خطرِه في الثاني بخلاف اختيارِ العددِ في المهائر فإن الميلَ المحظورَ متوقَّعٌ فيه لتحقق المحلِّ والخطرِ.
ومن هاهنا تبين أن مدارَ الأمرِ هو عدمُ العولِ لا تحققُ العدلِ كما قيل، وقد فُسِّر بأن لا يكثُر عيالُكم على أنه من عال الرجلُ عيالَه يعولُهم أي مانَهم، فعبر عن كثرة العيالِ بكثرة المَؤُونةِ على طريقة الكتابةِ ويؤيده قراءةُ أن تُعيلوا من أعال الرجلُ إذا كثُر عيالُه، ووجهُ كونِ التسري مَظِنَّةَ قلةِ العِيالِ مع جواز الاستكثارِ من السراري أنه يجوز العزلُ عنهن بغير رضاهن ولا كذلك المهائرُ، والجملةُ مستأنفةٌ جارية مما قبلها مَجرى التعليلِ.
﴿ وَآتُوا النساء ﴾ أي اللاتي أُمر بنكاحهن ﴿ صدقاتهن ﴾ جمعُ صَدُقة كسمُرة وهي المَهرُ وقرئ بسكون الدالِ على التخفيف وبضم الصادِ وسكونِ الدال جمعُ صُدْقة كغرفة، وبضمهما على التوحيد وهو تثقيلُ صُدْقة كظُلُمة في ظُلْمة ﴿ نِحْلَةً ﴾ قال ابن عباس وقتادة وابن جريج وابن زيد :فريضةً من الله تعالى لأنها مما فرضه الله في النِحْلة أي المِلةِ والشِرْعة والديانةِ، فانتصابُها على الحالية من الصَّدُقات أي أعطوهن مهورَهن حالَ كونِها فريضةً منه تعالى، وقال الزجاجُ :تديُّناً فانتصابُها على أنها مفعولٌ له أي أعطوهن ديانةً وشِرْعيةً، وقال الكلبي :نحلةً أي هِبةً وعطيةً من الله وتفضّلاً منه عليهن فانتصابُه على الحالية منها أيضاً وقيل :عطيةً من جهة الأزواجِ من نَحَله كذا إذا أعطاه إياه ووهبَه له عن طِيبةٍ من نفسه نِحْلةً ونُحْلاً، والتعبير عن إيتاء المهورِ بالنِّحلة مع كونها واجبةً على الأزواج لإفادة معنى الإيتاءِ عن كمال الرضا وطيبِ الخاطرِ، وانتصابُها على المصدرية لأن الإيتاءَ والنحلةَ بمعنى الإعطاءِ، كأنه قيل :وانحَلوا النساءَ صَدُقاتِهن نِحْلةً أي أعطوهن مهورَهن عن طيبةِ أنفسِكم، أو على الحالية من ضمير ﴿ آتوا ﴾ أي آتوهن صَدُقاتِهن ناحلين طيِّبي النفوسِ بالإعطاء أو من الصَّدُقات أي منحولةً مُعطاةً عن طيبة الأنفسِ، فالخطابُ للأزواج وقيل :للأولياء لأنهم كانوا يأخُذون مهورَ بناتِهم وكانوا يقولون :هنيئاً لك النافجةُ، لِمَن يولدُ له بنتٌ، يعنون تأخُذ مَهرَها فتنفج به مالَك أي تعظّمه ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيء منهُ ﴾ الضميرُ للصدُقات وتذكيرُه لإجرائه مُجرى ذلك فإنه يشار به إلى المتعدد كما في قوله عز وجل : ﴿ قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ من ذلكم ﴾ [ آل عمران، الآية ١٥ ] بعد ذكر الشهواتِ المعدودةِ وقد رُوي عن رؤبةَ أنه حين قيل له في قوله : [ الرجز ]
فيها خطوطٌ من سوادٍ وبَلَق كأنه في الجِلْد تَوليعُ البَهَقْ١
إن أردت الخطوطَ ينبغي أن تقول :كأنها وإن أردت السوادَ والبلَقَ ينبغي أن تقول :كأنهما، قال :لكني أردتُ كأن ذلك. أو للصَّداق الواقعِ موقعَه صدُقاتِهن كأنه قيل :وآتوا النساءَ صَداقَهن كما في قوله تعالى : ﴿ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن ﴾ [ المنافقين، الآية ١٠ ] حيث عَطفَ أكنْ على ما دل عليه المذكورُ ووقع موقعَه، كأنه قيل :إن أخرتني أصَّدقْ وأكنْ، واللامُ متعلقةٌ بالفعل وكذا عن لكن بتضمينه معنى التجافي والتجاوزِ، ومن متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لشيء أي كائنٍ من الصَّداق، وفيه بعثٌ لهن على تقليل الموهوبِ ﴿ نَفْساً ﴾ تمييزٌ والتوحيدُ لما أن المقصودَ بيانُ الجنسِ أي إن وهَبْن لكم شيئاً من الصَّداق متجافياً عنه نفوسُهن طيباتٍ غيرَ مُخْبثاتٍ بما يَضطرُّهن إلى البذل من شكاسة أخلاقِكم وسوءِ معاشرتِكم لهن، عَدَل عن لفظ الهبةِ والسماحةِ إلى ما عليه النظمُ الكريمُ إيذاناً بأن العُمدة في الأمر إنما هو طيبُ النفسِ وتجافيها عن الموهوب بالمرة ﴿ فَكُلُوهُ ﴾ أي فخذوا ذلك الشيءَ الذي طابت به نفوسُهن وتصرفوا فيه تملُّكاً، وتخصيصُ الأكلِ بالذكر لأنه معظمُ وجوهِ التصرفاتِ المالية ﴿ هَنِيئاً مَرِيئاً ﴾ صفتان من هنُؤَ الطعامُ ومرُؤَ إذا كان سائغاً لا تنغيصَ فيه، وقيل :الهنيءُ الذي يلَذُّه الآكِلُ والمريءُ ما يُحمد عاقبتُه، وقيل :ما ينساغ في مجراه الذي هو المريءُ وهو ما بين الحُلْقوم إلى فم المعِدةِ سُمِّي بذلك لمروءِ الطعامِ فيه أي انسياغِه، ونصبُهما على أنهما صفتانِ للمصدر أي أكلاً هنيئاً مريئاً أو على أنهما حالانِ من الضمير المنصوبِ أن كُلوه وهو هنيءٌ مريءٌ وقد يوقف على كلوه، ويبتدأ هنيئاً مريئاً على الدعاء وعلى أنهما صفتان أقيمتا مُقامَ المصدرين، كأنه قيل :هنْأً ومَرْأً، وهذه عبارةٌ عن التحليل والمبالغةِ في الإباحة وإزالةِ التبعة. روي أن ناساً كانوا يتأثمون أن يَقْبل أحدُهم من زوجته شيئاً مما ساقه إليها فنزلت.
١ سبق تخريجه وهو لرؤبة في ديوانه ص ١٠٤ وأساس البلاغة ص ٥٠٩ (ولع) والأشباه والنظائر ٥/٦٣ وتخليص الشواهد ص ٥٣ وخزانة الأدب ١/٨٨ ولسان العرب ٨/٤١١ (ولع) ١٠/٢٩ (بهق) وبلا نسبة في شرح شواهد المغني ٢/٩٥٥..
﴿ وَلاَ تُؤْتُوا السفهاء أموالكم ﴾ رجوعٌ إلى بيان بقيةِ الأحكامِ المتعلقةِ بأموال اليتامى، وتفصيلُ ما أُجمل فيما سبق من شرط إيتائِها ووقتِه وكيفيتِه إثرَ بيانِ بعضِ الأحكامِ المتعلقةِ بأنفسهن، أعني نكاحَهن وبيانِ بعضِ الحقوقِ المتعلقةِ بغيرهن من الأجنبيات من حيث النفسُ ومن حيث المالُ استطراداً، والخطابُ للأولياء، نُهوا أن يؤتوا المبذرين من اليتامى أموالَهم مخافةَ أن يضيِّعوها وإنما أضيفت إليهم وهي لليتامى لا نظراً إلى كونها تحتَ ولايتِهم كما قيل فإنه غيرُ مصحِّحٍ لاتصافها بالوصف الآتي بل تنزيلاً لاختصاصها بأصحابها منزلةَ اختصاصِها بالأولياء، فكأن أموالَهم عينُ أموالِهم لما بينهم وبينهم من الاتحاد الجنسيِّ والنَّسَبي مبالغةً في حملهم على المحافظة عليها كما في قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ﴾ [ النساء، الآية ٢٩ ] أي لا يقتُلْ بعضُكم بعضاً حيث عبّر عن بني نوعِهم بأنفسهم مبالغةً في زجرهم عن قتلهم فكأن قتلَهم قتلُ أنفسِهم، وقد أيد ذلك حيث عبّر عن جعلها مناطاً لمعاشِ الأولياء فقيل : ﴿ التى جَعَلَ الله لَكُمْ قياما ﴾ أي جعلها الله شيئاً تقومون به وتنتعشون على حذف الأولِ، فلو ضيَّعتُموه لضِعْتم ثم زيد في المبالغة حتى جُعل ما به القيامُ قياماً فكأنها في أنفسها قيامُكم وانتعاشُكم، وقيل :إنما أضيفت إلى الأولياء لأنها من جنس ما يقيم به الناسُ معايشَهم حيث لم يُقصَدْ بها الخصوصيةُ الشخصيةُ بل الجنسيةُ التي هي معنى ما يقام به المعاشُ وتميل إليه القلوبُ ويُدّخر لأوقات الاحتياج، وهي بهذا الاعتبارِ لا تختص باليتامى، وأنت خبيرٌ بأن ذلك بمعزل من حمل الأولياءِ على المحافظة المذكورةِ كيف لا والوحدةُ الجنسيةُ الماليةُ ليست مختصّةً بما بين أموال اليتامى وأموالِ الأولياءِ بل هي متحققةٌ بين أموالِهم وأموالِ الأجانبِ، فإذن لا وجهَ لاعتبارها أصلاً وقرئ اللاتي واللواتي وقرئ قَيْماً بمعنى قياماً كما جاء عَوْذاً بمعنى عِياذاً وقرئ قِواماً بكسر القاف وهو ما يقام به الشيءُ، أو مصدرُ قاوم وقرئ بفتحها ﴿ وارزقوهم فِيهَا واكسوهم ﴾ أي واجعلوها مكاناً لرزقهم وكسوتِهم بأن تتّجروا وتربحوا حتى تكون نفقاتُهم من الأرباح لا من صُلْب المالِ، وقيل :الخطابُ لكل أحدٍ كائناً مَنْ كان، والمرادُ نهيُه عن أن يفوِّض أمرَ مالِه إلى من لا رُشدَ له من نسائه وأولادِه ووكلائِه وغير ذلك، ولا يخفي أن ذلك مُخِلٌّ بجزالة النظمِ الكريم ﴿ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ﴾ أي كلاماً ليناً تطيب به نفوسُهم، وعن سعيد بن جبير ومجاهد وابن جريج :عِدوْهم عِدةً جميلةً بأن تقولوا إذا صلَحتم ورشَدتم سلَّمْنا إليكم أموالَكم، وكلُّ ما سكَنت إليه النفسُ لحسنه شرعاً أو عقلاً من قول أو عمل فهو معروفٌ وما أنكَرَتْه لقُبحه شرعاً أو عقلاً فهو منكر.
﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ شروعٌ في تعيين وقتِ تسليمِ أموالِ اليتامى إليهم وبيانِ شرطِه بعد الأمرِ بإيتائها على الإطلاق والنهيِ عنه عند كونِ أصحابِها سفهاءَ، أي واختبروا من ليس منهم بيِّن السَّفَهِ قبل البلوغِ بتتبُّع أحوالِهم في صلاح الدينِ والاهتداءِ إلى ضبط المالِ وحسنِ التصرفِ فيه، وجرِّبوهم بما يليق بحالهم فإن كانوا من أهل التجارةِ فبأن تعطوهم من المال ما يتصرفون فيه بيعاً وشراءً وإن كانوا ممن له ضِياعٌ وأهلٌ وخدَمٌ فبأن تعطوهم منه ما يصرفونه إلى نفقة عبيدِهم وخدمِهم وأُجَرائِهم وسائرِ مصارفِهم حتى تتبين لكم كيفيةُ أحوالِهم ﴿ حتى إِذَا بَلَغُوا النّكَاحَ ﴾ بأن يحتلموا لأنهم يصلُحون حينئذ للنكاح ﴿ فإن آنستم ﴾ أي شاهدتم وتبينتم وقرئ أحَسْتم بمعنى أحسستم كما في قول من قال : [ الوافر ]
خلا أن العتاقَ من المطايا أحَسْنَ به وهنّ إليه شوُسُ١
﴿ مِنْهُمْ رُشْداً ﴾ أي اهتداءً إلى وجوه التصرفاتِ من غير عجز وتبذيرٍ، وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على المفعول للاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، أو للاعتداد بمبدئيته له. والتنوينُ للدِلالة على كفاية رُشدٍ في الجملة وقرئ بفتح الراء والشين وبضمهما ﴿ فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم ﴾ من غير تأخيرٍ عن حد البلوغِ، وفي إيثار الدفعِ على الإيتاء الواردِ في أول الأمرِ إيذانٌ بتفاوتهما بحسب المعنى كما أشير إليه فيما سلف، ونظم الآية الكريمة أن حتى هي التي تقع بعدها الجملُ كالتي في قوله : [ الطويل ]
فما زالت القتلى تمُجُّ دماءَها بدِجلةَ حتى ماءُ دِجلةَ أشكلُ٢
وما بعدها جملةٌ شرطيةٌ جُعلت غايةً للابتلاء، وفعلُ الشرطِ ﴿ بَلَغُوا ﴾ وجوابُه الشرطيةُ الثانيةُ كأنه قيل :وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغِهم واستحقاقِهم دفعَ أموالِهم إليهم بشرط إيناسِ الرُشدِ منهم، وظاهرُ الآيةِ الكريمةِ أن من بلغ غيرَ رشيدٍ إما بالتبذير أو بالعجز لا يدفع إليه مالُه أبداً وبه أخذ أبو يوسفَ ومحمدٌ، وقال أبو حنيفة :ينتظر إلى خمس وعشرين سنةً لأن البلوغ بالسن ثماني عشرة سنةً فإذا زادت عليها سبعُ سنين -وهي مدةٌ معتبرةٌ في تغير أحوالِ الإنسانِ لما قاله عليه الصلاة والسلام : «مروهم بالصلاة لسبع » دفع إليه مالَه أُونِسَ منه أو لم يُؤْنَس ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُوا ﴾ أي مسرفين ومبادرين كِبرَهم أو لإسرافكم ومبادرتِكم كِبرَهم تفرِّطون في إنفاقها وتقولون :نُنفق كما نشتهي قبل أن يكبَرَ اليتامى فينتزعوها من أيدينا، والجملة تأكيدٌ للأمر بالدفع وتقريرٌ لها وتمهيدٌ لما بعدها من قوله تعالى : ﴿ وَمَن كَانَ غَنِياً فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ الخ، أي من كان من الأولياء والأوصياءِ غنياً فليتنزَّهْ عن أكلها وليقنَعْ بما آتاه الله تعالى من الغنى والرزقِ إشفاقاً على اليتيم وإبقاءً على ماله ﴿ وَمَن كَانَ ﴾ من الأولياء والأوصياءِ ﴿ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف ﴾ بقدْر حاجتِه الضروريةِ وأُجرةِ سعيِه وخِدمتِه، وفي لفظ الاستعفافِ والأكلِ بالمعروف ما يدل على أن للوصيّ حقاً لقيامه عليها. عن النبي عليه الصلاة والسلام أن رجلاً قال له :إن في حِجري يتيماً أفآكلُ من ماله ؟ قال : «بالمعروف غيرَ متأثِّلٍ مالاً ولا واقٍ مالَك بماله » وعن ابن عباس رضي الله عنهما إن وليَّ يتيمٍ قال له :أفأشرب من لبن إبلِه ؟ قال : «إن كنت تبغي ضالّتَها وتلوطُ حوضَها وتهنأ جَرْباها وتسقيها يوم ورودِها فاشرَبْ غير مُضِرٍ بنسل ولا ناهكٍ في الحلب » وعن محمد بن كعب يتقرَّمُ كما تتقرّم البهيمة ويُنزِل نفسَه منزلةَ الأجيرِ فيما لابد منه. وعن الشعبي :يأكلُ من ماله بقدر ما يُعين فيه. وعنه :كالميتة يتناول عند الضرورة. وعن مجاهد :يستسلف فإذا أيسرَ أدّى. وعن سعيد بن جبير :إن شاء شرِب فضلَ اللبن وركِبَ الظهرَ ولبس ما يستُره من الثياب وأخَذَ القوتَ ولا يجاوزُه فإن أيسر قضاه وإن أعسر فهو في حل. وعن عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه :إني أنزلت نفسي من مال الله تعالى منزلةَ وليَّ اليتيمِ إن استغنيتُ استعففتُ وإن افتقرتُ أكلتُ بالمعروف وإذا أيسرتُ قضيت. واستعفَّ أبلغُ من عفّ كأنه يطلب زيادةَ العفة ﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم ﴾ بعد ما راعيتم الشرائطَ المذكورةَ وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على المفعول الصريحِ للاهتمام به ﴿ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ﴾ بأنهم تَسَلَّموها وقبضوها وبرِئَتْ عنها ذممُكم لما أن ذلك أبعدُ من التهمة وأنفي للخصومة وأدخَلُ في الأمانة وبراءةِ الساحةِ وإن لم يكن ذلك واجباً عند أصحابنا، فإن الوصيَّ مُصدِّقٌ في الدفع مع اليمين خلافاً لمالكٍ والشافعيِّ رحمهما الله ﴿ وكفي بالله حَسِيباً ﴾ أي محاسباً فلا تُخالفوا ما أمركم به ولا تُجاوزوا ما حَدَّ لكم.
١ وهو لأبي زبيد الطائي في ديوانه ص ٩٦، ولسان العرب ٦/٤٩ (حسس)؛ ٤/١٧٨ (حسا) وبلا نسبة في شرح المفصّل ١٠/١٥٤ ولسان العرب ٦/٢١٩ والشاهد فيه قوله: "أحسن" في "أحسسن"..
٢ وهو لجرير في ديوانه ص ١٤٣ وخزانة الأدب ٩/٤٧٧، ٤٧٩ وشرح شواهد المغني ١/٣٧٧ وشرح المفصل ٨/١٨ وللأخطل في الحيوان ٥/٣٣٠ والثابت أنه لجرير ونسبته للأخطل لعلها سهو من الجاحظ أو من نسّاخ كتابه وبلا نسبة في الدرر ٤/١١٢ ولسان العرب ١١/٣٥٧ (شكل)..
﴿ للرّجَالِ نَصيِبٌ ممَّا تَرَكَ الوالدان والاقربون ﴾ شروعٌ في بيان أحكامِ المواريثِ بعد بيانِ أحكامِ أموالِ اليتامى المنتقلةِ إليهم بالإرث، والمرادُ بالأقربين المتوارثون منهم، ومِنْ في مما متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لنصيبٌ أي لهم نصيبٌ كائنٌ مما ترَك، وقد جُوِّز تعلُّقها بنصيب ﴿ وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ ممَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون ﴾ إيرادُ حكمِهن على الاستقلال دون الدرْجِ في تضاعيف أحكامِهم بأن يقالَ للرجال والنساءِ الخ، للاعتناء بأمرهن والإيذانِ بأصالتهن في استحقاق الإرثِ والإشارةِ من أول الأمرِ إلى تفاوت ما بين نصيبَي الفريقين والمبالغةِ في إبطال حكمِ الجاهليةِ فإنهم لم يكونوا يُورِّثون النساءَ والأطفالَ ويقولون :إنما يرث مَنْ يحارِبُ ويذُبُّ عن الحَوْزة. روي أن أوسَ بنَ ثابت الأنصاريَّ خلّف زوجتَه أمَّ كجة وثلاثَ بناتٍ فزوى أبناءُ عمِّه سويدٌ وعرفطةُ أو قتادةُ وعَرْفجةُ ميراثَه عنهن على سنة الجاهلية فجاءت أمُّ كجةَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه فقال : «ارجِعي حتى أنظُر ما يُحدِثه الله تعالى » فنزلت، فأرسل إليهما إن الله قد جعل لهن نصيباً ولم يبيِّنْ فلا تُفرِّقا من مال أوسٍ شيئاً حتى يبين فنزل يوصيكم الله الخ، فأعطى أمَّ كجةَ الثمنَ والبناتِ الثلثين والباقي لابني العمِّ وهو دليلٌ على جواز تأخيرِ البيانِ عن الخطاب، وقولُه تعالى : ﴿ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ﴾ بدلٌ من ﴿ مَا ﴾ الأخيرةِ بإعادة الجارِّ وإليها يعود الضميرُ المجرورُ، وهذا البدلُ مرادٌ في الجملة الأولى أيضاً محذوفٌ للتعويل على المذكور، وفائدتُه دفعُ توهُّمِ تخصيصِ بعضِ الأموالِ ببعض الورثةِ كالخيل وآلاتِ الحربِ للرجال، وتحقيقُ أن لكلَ من الفريقين حقاً من كل ما جلّ ودقّ ﴿ نَصِيباً مَفْرُوضاً ﴾ نُصب على أنه مصدرٌ مؤكّدٌ كقوله تعالى : ﴿ فَرِيضَةً منَ الله ﴾ [ النساء، الآية ١١. والتوبة، الآية ٦٠ ] كأنه قيل :قسمةً مفروضةً أو على الحالية إذ المعنى ثبَت لهم نصيبٌ كائنٌ مما ترك الوالدان والأقربون حالَ كونِه مفروضاً، أو على الاختصاص أي أعني نصيباً مقطوعاً مفروضاً واجباً لهم، وفيه دليلٌ على أن الوارثَ لو أعرض عن نصيبه لم يسقُطْ حقُّه.
﴿ وَإِذَا حَضَرَ القسمة ﴾ أي قسمةَ التركةِ، وإنما قُدّمت مع كونها مفعولاً لأنها المبحوثُ عنها ولأن في الفاعل تعدداً فلو رُوعي الترتيبُ يفوتُ تجاوبُ أطرافِ الكلام ﴿ أُوْلُوا القربى ﴾ ممن لا يرث ﴿ واليتامى والمساكين ﴾ من الأجانب ﴿ فارزقوهم منهُ ﴾ أي أعطوهم شيئاً من المال المقسومِ المدلولِ عليه بالقسمة، وقيل :الضميرُ لما وهو أمرُ ندبٍ كُلف به البالغون من الورثة تطييباً لقلوب الطوائفِ المذكورةِ وتصدقاً عليهم، وقيل :أمرُ وجوبٍ ثم اختلف في نَسْخه ﴿ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ﴾ وهو أن يدعوا لهم ويستقِلّوا ما أعطَوْهم ويعتذروا من ذلك ولا يُمنّوا عليهم.
﴿ وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا خَافُوا عَلَيْهِمْ ﴾ أمرٌ للأوصياء بأن يخشَوا الله تعالى ويتقوه في أمر اليتامى فيفعلوا بهم ما يُحبون أن يُفعلَ بذراريهم الضعافِ بعد وفاتِهم، أو لمن حضر المريضَ من العُواد عند الإيصاء بأن يخشَوا ربَّهم أو يخشوا أولادَ المريضِ ويُشفقوا عليهم شفقتَهم على أولادهم فلا يتركوه أن يُضِرَّ بهم بصرف المالِ عنهم، أو للورثة بالشفقة على من حضَر القسمةَ من ضعفاء الأقاربِ واليتامى والمساكينِ متصوّرين أنهم لو كانوا أولادَهم بقُوا خلفهم ضِعافاً مثلَهم هل يجوّزون حِرمانَهم ؟ أو للموصين بأن ينظُروا للورثة فلا يُسرِفوا في الوصية. و ﴿ لَوْ ﴾ بما في حيزها صلةٌ للذين على معنى وليخشَ الذين حالُهم وصفتُهم أنهم لو شارفوا أن يخلّفوا ورثةً ضِعافاً خافوا عليهم الضياعَ، وفي ترتيب الأمرِ عليه إشارةٌ إلى المقصود منه، والعلةِ فيه وبعثٌ على التراحم وأن يُحب لأولاد غيرِه ما يحب لأولاد نفسِه، وتهديدٌ للمخالف بحال أولادِه، وقرئ ضعفاءَ وضعافي وضعافي ﴿ فَلْيَتَّقُواّ الله ﴾ في ذلك، والفاءُ لترتيب ما بعدَها على ما قبلَها ﴿ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ﴾ أمرهم بالتقوى التي هي غايةُ الخشيةِ بعد ما أمرهم بها مراعاةً للمبدأ والمنتهى إذ لا نفعَ للأول بدون الثاني، . ثم أمرهم بأن يقولوا لليتامى مثلَ ما يقولون لأولادهم بالشفقة وحُسنِ الأدبِ، أو للمريض ما يصُده عن الإسراف في الوصية وتضييعِ الورثةِ يذكّره التوبةَ وكلمةَ الشهادةِ أو لحاضري القسمةِ عذراً ووعداً حسناً أو يقولوا في الوصية ما لا يؤدّي إلى تجاوز الثلث.
وقوله تعالى : ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً ﴾ أي على وجه الظلمِ أو ظالمين، استئنافٌ جيء به لتقرير مضمونِ ما فُصِّل من الأوامر والنواهي ﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ ﴾ أي ملءَ بطونِهم ﴿ نَارًا ﴾ أي ما يُجرُّ إلى النار ويؤدِّي إليها، وعن أبي برزة أنه صلى الله عليه وسلم قال : «يبعث الله تعالى قوماً من قبورهم تتأجّج أفواهُهم ناراً » فقيل :من هم ؟ فقال عليه السلام : «ألم تر أن الله يقول : ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾ » ﴿ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ﴾ أي سيدخُلون ناراً هائلةً مبْهمةَ الوصفِ وقرئ بضم الياء مخففاً ومشدداً من الإصلاء والتصلية، يقال :صِليَ النار قاسى حرَّها وصلَيتُه وشويتُه وأصليتُه وصلّيتُه ألقيته فيها. والسعير فعيل بمعنى مفعول من سعَرتُ النارَ إذا ألهبتُها. روي أن آكلَ مالِ اليتيم يبعث يوم القيامةِ والدخانُ يخرج من قبره ومِنْ فيه وأنفِه وأُذنيه وعينيه فيعرف الناسُ أنه كان يأكلُ مالَ اليتيمِ في الدنيا. وروي أنه لما نزلت هذه الآيةُ ثقُل ذلك على الناس فاحترزوا عن مخالطة اليتامى بالكلية فصعب الأمرُ على اليتامى فنزل قوله تعالى : ﴿ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ ﴾ [ البقرة، الآية ٢٢٠ ] الآية.
﴿ يُوصِيكُمُ الله ﴾ شروعٌ في تفصيل أحكامِ المواريثِ المُجملةِ في قوله تعالى : ﴿ للرّجَالِ نَصِيبٌ ﴾ [ النساء، الآية ٧ و٣٢ ] الخ، وأقسامُ الورثةِ ثلاثةٌ :قسمٌ لا يسقُط بحال وهو الآباءُ والأولادُ والأزواج فهؤلاء قسمانِ والثالثُ الكلالة. أي يأمركم ويعهَدُ إليكم ﴿ فِي أولادكم ﴾ أولاد كلِّ واحدٍ منكم أي في شأن ميراثِهم. بُدىءَ بهم لأنهم أقربُ الورثةِ إلى الميتِ وأكثرُهم بقاءً بعد المورِّث ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ جيء بها لتبيين الوصيةِ وتفسيرِها، وقيل :محلُّها النصبُ بيوصيكم على أن المعنى يفرِض عليكم ويشرَع لكم هذا الحُكمَ، وهذا قريبٌ مما رآه الفراءُ فإنه يجري ما كان بمعنى القولِ من الأفعال مَجراه في حكاية الجملةِ بعدَه، ونظيرُه قولُه تعالى : ﴿ وَعَدَ الله الذين آَمنُوا وَعَمِلُوا الصالحات لَهُم مَغْفِرَةٌ ﴾ [ المائدة، الآية ٩ ]، وقولُه تعالى : ﴿ لِلذّكرِ ﴾ لابد له من ضمير عائدٍ إلى الأولاد محذوفٍ ثقةً بظهوره كما في قولهم :السمنُ مَنَوانِ بدرهم. أي للذكر منهم، وقيل :الألفُ واللامُ قائمٌ مقامَه، والأصلُ لذكرهم، ومِثلُ صفةٌ لموصوف محذوفٍ أي للذكر منهم حظُّ الأنثيين، والبَداءةُ ببيان حكمِ الذكرِ لإظهار مَزيّتِه على الأنثى، كما أنها المناطُ في تضعيف حظِّه، وإيثارُ اسمَي الذكرِ والأنثى على ما ذُكر أولاً من الرجال والنساءِ للتنصيص على استواء الكبارِ والصغارِ من الفريقين في الاستحقاق من غير دخلٍ للبلوغ والكِبَرِ في ذلك أصلاً كما هو زعمُ أهلِ الجاهليةِ حيث كانوا لا يورِّثون الأطفالَ كالنساء. ﴿ فَإِن كُنَّ ﴾ أي الأولادُ والتأنيثُ باعتبار الخبرِ وهو قوله تعالى : ﴿ نِسَاء ﴾ أي خُلَّصاً ليس معهن ذكرٌ ﴿ فَوْقَ اثنتين ﴾ خبرٌ ثانٍ أو صفةٌ لنساءً أي نساءً زائداتٍ على اثنتين ﴿ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾ أي المتوفى المدلولُ عليه بقرينة المقامِ ﴿ وَإِن كَانَتْ ﴾ أي المولودةُ ﴿ واحدة ﴾ أي امرأةً واحدةً ليس معها أخٌ ولا أختٌ. وعدمُ التعرّضِ للموصوف لظهوره مما سبق ﴿ فَلَهَا النصف ﴾ مما ترك، وقرئ واحدةٌ على كان التامة. واختلف في الثنتين فقال ابنُ عباس :حكمُهما حكمُ الواحدةِ لأنه تعالى جعل الثلثين لما فوقهما، وقال الجمهورُ :حكمُهما حكمُ ما فوقهما لأنه تعالى لما بيّن أن حظَّ الذكرِ مثلُ حظِّ الأنثيين إذا كان معه أنثى وهو الثلثان اقتضى ذلك أن فرضَهما الثلثان، ثم لما أوهم ذلك أن يُزاد النصيبُ بزيادة العددِ رُدَّ ذلك بقوله تعالى : ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين ﴾ ويؤيد ذلك أن البنتَ الواحدةَ لما استحقَّت الثُلُثَ مع أخيها الأقوى منها في الاستحقاق فلأَنْ تستحِقَّه مع مثلها أولى وأحرى وأن البنتين أمسُّ رَحِماً من الأختين وقد فرض الله لهما الثلثين حيث قال تعالى : ﴿ فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ ﴾. ﴿ وَلأَبَوَيْهِ ﴾ أي لأبوي الميت. غُيِّر النظمُ الكريمُ لعدم اختصاصِ حُكمِه بما قبله من الصور ﴿ لِكُلّ واحد منْهُمَا ﴾ بدلٌ منه بتكرير العاملِ، وُسِّط بين المبتدأ الذي هو قوله تعالى : ﴿ السدس ﴾ وبين خبرِه الذي هو لأبويه، ونُقل الخبريةُ إليه تنصيصاً على استحقاق كلَ منهما السدسَ وتأكيداً له بالتفصيل بعد الإجمالِ وقرئ السدْسُ بسكون الدال تخفيفاً، وكذلك الثلْثُ والربْعُ والثمْنُ ﴿ ممَّا تَرَكَ ﴾ متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من السدس، والعاملُ الاستقرارُ المعتبرُ في الخبر أي كائناً مما ترك المتوفى ﴿ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ أو ولدُ ابنٍ ذكراً كان أو أنثى واحداً أو متعدداً غير أن الأبَ في صورة الأنوثةِ بعد ما أخذ فرضَه المذكورَ يأخذ ما بقيَ من ذوي الفروضِ بالعصوبة ﴿ فَإِن لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ ﴾ ولا ولدُ ابنٍ ﴿ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ ﴾ فحسْبُ ﴿ فَلأمّهِ الثلث ﴾ مما ترك والباقي للأب، وإنما لم يُذكَرْ لعدم الحاجةِ إليه لأنه لما فُرض انحصارُ الوارثِ في أبويه، وعُيِّن نصيبُ الأم عُلمَ أن الباقيَ للأب، وتخصيصُ جانبِ الأمِّ بالذِكر وإحالةُ جانبِ الأبِ على دَلالة الحالِ -مع حصولِ البيانِ بالعكس أيضاً- لما أنَّ حظَّها أخصَرُ واستحقاقَه أتمُّ وأوفرُ، أو لأن استحقاقَه بطريق العصوبةِ دون الفرضِ هذا إذا لم يكن معهما أحدُ الزوجين أما إذا كان معهما ذلك فللأم ثلثُ ما بقيَ بعد فرضِ أحدِهما لا ثلثُ الكلِّ كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما فإنه يُفضي إلى تفضيل الأمِّ على الأب مع كونه أقوى منها في الإرث بدليل إضعافِه عليها عند انفرادِهما عن أحد الزوجين وكونِه صاحبَ فرضٍ وعصبةٍ وذلك خلافُ وضعِ الشرع. ﴿ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ ﴾ أي عددٌ ممن له أخوةٌ من غير اعتبارِ التثليثِ سواءٌ كانت من جهة الأبوين أو من جهة أحدِهما وسواءٌ كانوا ذكوراً أو إناثاً أو مختلِطين وسواءٌ كان لهم ميراثٌ أو كانوا محجوبين بالأب ﴿ فَلأمهِ السدس ﴾ أما السدسُ الذي حجبوها عنه فهو للأب عند وجودِه ولهم عند عدمِه وعليه الجمهورُ، وعند ابنِ عباس رضي الله عنهما أنه لهم على كلِّ حالٍ خلا أن هذا الحجبَ عنده لا يتحقق بما دون الثلاثِ وبالأخوات الخُلَّص، وقرئ فلإِمِّه بكسر الهمزةِ إتْباعاً لما قبلها ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ ﴾ خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ، والجملةُ متعلقةٌ بما تقدم جميعاً لا بما يليها وحدَه، أي هذه الأنصباءُ للورثة من بعد إخراجِ وصيةٍ ﴿ يُوصِى بِهَا ﴾ أي الميتُ وقرئ مبنياً للمفعول مخففاً ومبنياً للفاعل مشدداً يوصّي، وفائدةُ الوصفِ الترغيبُ في الوصية والندبُ إليها ﴿ أَوْ دَيْنٍ ﴾ عطفٌ على وصيةٍ إلا أنه غيرُ مقيدٍ بما قُيدتْ به من الوصف بل هو مُطلقٌ يتناول ما ثبت بالبينة أو الإقرارِ في الصحةِ، وإيثارُ ﴿ أَوْ ﴾ المفيدةِ للإباحة على الواو للدِلالة على تساويهما في الوجوب وتقدُّمِهما على القِسْمة مجموعَيْن أو منفردَيْن، وتقديمُ الوصيةِ على الديْن ذكراً مع تأخّرها عنه حُكماً لإظهار كمالِ العنايةِ بتنفيذها لكونها مظِنةً للتفريط في أدائها ولاطّرادها بخلاف الدَّين ﴿ آباؤكم وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ الخطابُ للورثة فآباؤكم مبتدأ وأبناؤكم عطفٌ عليه ولا تدرون خبرُه وأيُّهم مبتدأٌ وأقربُ خبرُه، ونفعاً نُصب على التمييز منه، وهو منقول من الفاعلية كأنه قيل :أيُّهم أقربُ لكم نفعُه ؟ والجملةُ في حيز النصبِ بلا تدرون، والجملةُ الكبيرةُ اعتراضيةٌ مؤكِّدةٌ لوجوب تنفيذِ الوصيةِ أي أصولُكم وفروعُكم الذين يُتَوَفَّون لا تدرون أيُّهم أنفعُ لكم أمَنْ يوصي ببعض مالِه فيُعرِّضَكم لثواب الآخرةِ بتنفيذ وصيتِه أم مَنْ لا يوصي بشيء فيوفرَ عليكم عَرَضَ الدنيا ؟ وليس المرادُ بنفي الدرايةِ عنهم بيانَ اشتباهِ الأمرِ عليهم وكونَ أنفعيةِ كلَ من الأول والثاني في حيز الاحتمال عندهم من غير رجحانِ أحدِهما على الآخر كما في قوله عليه الصلاة والسلام : «مثلُ أمتي مثلُ المطرِ لا يدرى أولُه خيرٌ أمْ آخرُه » فإن ذلك بمعزل من إفادة التأكيدِ المذكورِ والترغيبِ في تنفيذ الوصيةِ بل تحقيقَ أنفعيةِ الأولِ في ضمن التعريضِ بأن لهم اعتقاداً بأنفعية الثاني مبنياً على عدم الدراية، وقد أشير إلى ذلك حيث عبّر عن الأنفعية بأقربيّة النفعِ تذكيراً لمناط زعمِهم وتعييناً لمنشأ خطئِهم ومبالغةً في الترغيب المذكورِ بتصوير الثوابِ الآجلِ بصورة العاجلِ لأن الطباعَ مجبولةٌ على حب الخيرِ الحاضرِ كأنه قيل :لا تدرون أيُّهم أنفعُ لكم فتحكُمون نظراً إلى ظاهر الحالِ وقربِ المنالِ بأنفعية الثاني مع أن الأمرَ بخلافه، فإن ثوابَ الآخرةِ -لتحقق وصولِه إلى صاحبه ودوامِ تمتّعِه به مع غاية قصْرِ مدةِ ما بينهما من الحياة الدنيا- أقربُ وأحضرُ، وعرَضُ الدنيا -لسرعة نفادِه وفنائِه- أبعدُ وأقصى. وقيل :الخطابُ للمورِّثين، والمعنى لا تعلمون من أنفعُ لكم ممن يرِثُكم من أصولكم وفروعِكم عاجلاً وآجلاً فتحَرَّوا في شأنهم ما أوصاكم الله تعالى به ولا تعمِدوا إلى تفضيلِ بعضٍ وحرمانِ بعض. روي أن أحدَ المتوالدين إذا كان أرفعَ درجةً من الآخر في الجنة سأل الله تعالى أن يرفعَ إليه صاحبَه فيُرفعُ إليه بشفاعته. قيل :فالجملةُ الاعتراضيةُ حينئذ مؤكدةٌ لأمر القِسْمةِ وأنت خبيرٌ بأنه مُشعرٌ بأن مدارَ الإرثِ ما ذُكر من أقربية النفعِ أنه العلاقةُ النسبية ﴿ فَرِيضَةً منَ الله ﴾ نُصِبت نصْبَ مصدرٍ مؤكدٍ لفعل محذوفٍ أي فرض الله ذلك فرضاً أو لقوله تعالى : ﴿ يُوصِيكُمُ الله ﴾ فإنه في معنى يأمركم ويفرِض عليكم ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً ﴾ أي بالمصالح والرُّتَب ﴿ حَكِيماً ﴾ في كل ما قضى وقدر فيدخُل فيه الأحكامُ المذكورةُ دخولاً أولياً.
﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم ﴾ من المال. شروعٌ في بيان أحكامِ القِسمِ الثاني من الورثة، ووجهُ تقديمِ حكمِ ميراثِ الرجالِ مما لا حاجة إلى ذكره ﴿ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ﴾ أي ولدٌ وارثٌ من بطنها أو من صُلْب بنيها أو بني بنيها وإن سفَلَ ذكراً كان أو أنثى واحداً كان أو متعدداً لأن لفظ الولدِ ينتظِمُ الجميعَ منكم أو من غيركم، والباقي لورثتهن من ذوي الفروضِ والعِصاباتِ أو غيرِهم، ولبيت المالِ إن لم يكن لهن وارثٌ آخرُ أصلاً ﴿ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ ﴾ على نحو ما فُصِّل والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن ذِكرَ تقديرِ عدمِ الولدِ وبيانِ حكمِه مستتبِعٌ لتقدير وجودِه وبيانِ حكمِه ﴿ فَلَكُمُ الربع مِمَّا تَرَكْنَ ﴾ من المال والباقي لباقي الورثةِ ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ ﴾ متعلق بكلتا الصورتين لا بما يليه وحده ﴿ يُوصِينَ بِهَا ﴾ في محل الجرِّ على أنه صفةٌ لوصيةٍ، وفائدتُها ما مر من ترغيب الميتِ في الوصية وحثِّ الورثةِ على تنفيذها ﴿ أَوْ دَيْنٍ ﴾ عطفٌ على وصيةٍ سواءٌ كان ثبوتُه بالبينة أو بالإقرار، وإيثارُ ﴿ أَوْ ﴾ على الواو لما مر من الدِلالة على تساويهما في الوجوب والتقدمِ على القسمة، وكذا تقديمُ الوصيةِ على الدين ذِكْراً من إبراز كمالِ العنايةِ بتنفيذها ﴿ وَلَهُنَّ الربع مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ ﴾ على التفصيل المذكورِ آنفاً والباقي لبقية ورثتِكم من أصحاب الفروضِ والعصباتِ أو ذوي الأرحامِ إو لبيت المالِ إن لم يكن لكم وارثٌ آخرُ أصلاً ﴿ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ ﴾ على النحو الذي فُصل ﴿ فَلَهُنَّ الثُّمن مِمَّا تَرَكْتُم ﴾ من المال والباقي للباقين ﴿ من بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ الكلامُ فيه كما فُصِّل في نظيرَيْه، فُرض للرجل بحق الزواجِ ضعفُ ما فرض للمرأة كما في النسب لمزيَّته عليها وشرفِه الظاهِرِ، ولذلك اختُص بتشريف الخطابِ، وهكذا قياسُ كلِّ رجلٍ وامرأةٍ اشتركا في الجهة والقُرب، ولا يستثنى منه إلا أولادُ الأمِّ والمُعتِقُ والمعتقةُ، وتستوي الواحدةُ والعددُ منهن في الربع والثمن. ﴿ وَإِن كَانَ رَجُلٌ ﴾ شروع في بيان أحكامِ القسمِ الثالثِ من الورثة المحتمِلِ للسقوط، ووجهُ تأخيرِه عن الأولَيْن بيِّنٌ، والمرادُ بالرجل الميتُ وقوله تعالى : ﴿ يُورَثُ ﴾ على البناء للمفعول من ورِث لا من أَوْرث، خبر كان أي يورث منه ﴿ كلالة ﴾ الكلالةُ في الأصل مصدرٌ بمعنى الكَلالِ وهو ذهابُ القوةِ من الإعياء، استُعيرت للقرابة من غير جهة الوالدِ والولدِ لضَعفهما بالإضافة إلى قرابتهما، وتُطلق على من لم يخلِّفْ ولداً ولا والداً وعلى مَن ليس بوالد ولا ولد من المخلفين بمعنى ذي كلالة، كما تطلق القَرابةُ على ذوي القرابة، وقد جُوِّز كونُها صفةً كالهَجاجَة والفَقَاقة للأحمق، فنصبُها إما على أنها مفعولٌ له أي يورثُ منه لأجل القرابةِ المذكورةِ أو على أنها حالٌ من ضمير يورث أي حالَ كونِه ذا كلالةٍ أو على أنها خبرٌ لكان ويورث صفةٌ لرجل أي إن كان رجلٌ موروثٌ ذا كلالةٍ ليس له والدٌ ولا ولدٌ وقرئ يُورِّثُ على البناء للفاعل مخففاً ومشدداً، فانتصابُ كلالةً إما على أنها حالٌ من ضمير الفعلِ والمفعولُ محذوفٌ أي يُورِثُ وارثَه حال كونِه ذا كلالةً وإما على أنها مفعولٌ به أي يورِّث ذا كلالةً وإما على أنه مفعولٌ له أي يورَث لأجل الكلالة ﴿ أَو امرأة ﴾ عطف على رجلٌ مقيدٌ بما قُيِّد به أي أو امرأةٌ تورث كذلك، ولعل فَصْلَ ذكرِها عن ذكره للإيذان بشرفه وأصالتِه في الأحكام ﴿ وَلَهُ ﴾ أي للرجل ففيه تأكيدٌ للإيذان المذكورِ حيث لم يتعرَّضْ لها بعد جَرَيانِ ذكرِها أيضاً، وقيل :الضميرُ لكل منهما ﴿ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ﴾ أي من الأم فحسب وقد قرئ كذلك فإن أحكامَ بني الأعيانِ والعَلاّتِ هي التي ذُكرت في آخر السورةِ الكريمةِ والجملةُ في محل النصبِ على أنها حالٌ من ضمير يورَث أو من رجلٌ على تقدير كونِ ﴿ يُورَثُ ﴾ صفةً، وسيقت لتصوير المسألةِ، وذكرُ الكَلالةِ لتحقيق جريانِ الحكمِ المذكورِ وإن كان مع مَنْ ذُكر ورَثةٌ أخرى بطريق الكلالة، وأما جرَيانُه في صورة وجودِ الأمِّ أو الجدةِ مع أن قرابتَهما ليست بطريق الكَلالة فبإجماعٍ ﴿ فَلِكُلّ واحد منْهُمَا ﴾ من الأخ والأختِ ﴿ السدس ﴾ من غير تفضيلٍ للذكر على الأنثى لأن الإدلاء إلى الميت بمحض الأنوثة.
﴿ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذلك ﴾ أي أكثرَ من الأخ أو الأختِ المنفردَيْن بواحد أو بأكثرَ، والفاءُ لما مر أن ذكرَ احتمالِ الانفرادِ مستتبِعٌ لذكر احتمالِ التعدد ﴿ فَهُمْ شُرَكَاء في الثلث ﴾ يقتسمونه بالسوية والباقي لبقية الورثةِ من أصحاب الفروضِ والعَصَباتِ. هذا وأما جوازُ أن يكون يُورَث في القراءة المشهورة مبنياً للمفعول من أورث -على أن المرادَ به الوراثُ، والمعنى وإن كان رجلٌ يجعل وارثاً لأجل الكلالةِ أو ذا كلالةٍ أي غيرَ والدٍ أو ولدٍ، ولذلك الوارث أخٌ أو أختٌ فلكل واحدٍ من ذلك الوارثِ وأخيه أو أختِه السدسُ فإن كانوا أكثرَ من ذلك أي من الاثنين بأن كانوا ثلاثةً أو أكثرَ فهم شركاءُ في الثلث المُوزَّعِ للاثنين لا يزاد عليه شيءٌ- فبمعزل من السَّداد، أما أولاً :فلأن المعتبرَ على ذلك التقديرِ إنما هو الأخوةُ بين الوارثِ وبين شريكِه في الإرث من أخيه أو أختِه لا ما بينه وبين مورِّثه من الأخوة التي عليها يترتبُ حكمُ الإرثِ وبها يتِمُّ تصويرُ المسألةِ، وإنما المعتبرُ بينهما الوراثةُ بطريق الكلالةِ وهي عامةٌ لجميع صورِ القَراباتِ التي لا تكون بالولادة فلا يكون نصيبُه ولا نصيبُ شريكِه مما ذكر بعينه، ومن ادَّعى اختصاصَها بالإخوة لأمٍّ متمسكاً بالإجماع على أن المرادَ بالكلالة هاهنا أولادُ الأمِّ فقد اعترف ببطلان رأيه من حيث لا يحتسب، كيف لا ومبناه إنما هو الإجماعُ على أن المرادَ بالإخوة في قوله تعالى : ﴿ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ﴾ هو الإخوةُ لأم خاصةً حسبما شهِدت به القراءةُ المحْكيةُ والآيةُ الآتيةُ في آخر السورةِ الكريمةِ، ولولا أن الرجلَ عبارةٌ عن الميت والأُخوّةُ معتبرةٌ بينه وبين ورثتِه لما أمكن كونُ الكلِّ أولادَ الأمِّ، ثم إن الكلالةَ كما نبّهتُ عليه باقيةٌ على إطلاقها ليس فيها شائبةُ اختصاصٍ بأولاد الأمِّ فضلاً عن الإجماع على ذلك، وإلا لاقتصر البيانُ على حكم صورةِ انحصارِ الورثةِ فيهم، وإنما الإجماعُ فيما ذكر من أن المرادَ بالأخ والأختِ مَنْ كان لأمَ خاصةً، وأنت خبير بأن ذلك في قوة الإجماعِ على أن يُورَثَ من ورِث لا من أَورَثَ فتدبر، وأما ثانياً :فلأنه يقتضي أن يكون المعتبرُ في استحقاق الورثةِ في الفرض المذكورِ إخوةً بعضَهم لبعض من جهة الأمِّ فقط لما ذُكر من الإجماع مع ثبوت الاستحقاقِ على تقدير الأُخوةِ من الجهتين، وأما ثالثاً :فلأن حُكمَ صورةِ انفرادِ الوارثِ عن الأخ والأختِ يبقى حينئذ غيرَ مُبيِّنٍ، وليس من ضرورة كونِ حظِّ كلَ منهما السدسَ عند الإجماع كونُه كذلك عند الانفراد، ألا يرى أن حظ كلَ من الأختين الثلثُ عند الاجتماعِ والنصفُ عند الانفراد ؟ وأما رابعاً :فلأن تخصيصَ أحدِ الورثةِ بالتوريث وجعلَ غيرِه تبعاً له فيه مع اتحادِ الكلِّ في الإدلاءِ إلى المُورِّث مما لا عهدَ به. ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ الكلامُ فيه كالذي مر في نظائره خلا أن الدَيْن هاهنا موصوفٌ بوصف الوصيةِ جرياً على قاعدة تقييدِ المعطوفِ مما قُيِّد به المعطوفُ عليه لاتفاق الجمهورِ على اعتبار عدمِ المُضارَّةِ فيه أيضاً وذلك إنما يتحقق فيما يكون ثبوتُه بالإقرار في المرض، كأنه قيل أو دينٍ يوصى به ﴿ غَيْرَ مُضَارٍّ ﴾ حال من فاعل فعلٍ مُضمر يدل عليه المذكورُ وما حُذف من المعطوف اعتماداً عليه كما أنّ رجالٌ في قوله تعالى : ﴿ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والاصال، رِجَالٌ ﴾ [ النور، الآية ٣٦ و٣٧ ] على قراءة المبنيِّ للمفعول فاعل لفعل ينبىء عنه المذكورُ ومن فاعل الفعلِ المذكورِ والمحذوفِ اكتفاءً به على قراءة البناءِ للفاعل، أي يوصى بما ذكر من الوصية والدَّيْن حالَ كونِه غيرَ مضارَ للورثة، أي بأن يوصيَ بما زاد على الثلث أو تكونُ الوصية لقصد الإضرارِ بهم دون القُربةِ وبأن يُقِرَّ في المرض بدَين كاذباً، وتخصيصُ هذا القيدِ بهذا المقام لما أن الورثةَ مَظِنةٌ لتفريط الميتِ في حقهم ﴿ وَصِيَّةً منَ الله ﴾ مصدرٌ مؤكدٌ لفعل محذوفٍ وتنوينُه للتفخيم، ومن متعلقةٌ بمضمر وقع صفةً له مؤكدةً لفخامته الذاتية بالفخامة الإضافية، أي يوصيكم بذلك وصيةً كائنةً من الله كقوله تعالى : ﴿ فَرِيضَةً منَ الله ﴾ [ النساء، الآية ١١. وسورة التوبة، الآية ٦٠ ] ولعل السرَّ في تخصيص كلَ منهما بمحله الإشعارُ بما بين الأحكامِ المتعلقةِ بالأصول والفروعِ وبين الأحكامِ المتعلّقةِ بغيرهم من التفاوت حسب تفاوُتِ الفريضةِ والوصية وإن كانت كلتاهما واجبة المراعاةِ، أو منصوبٌ بغيرَ مُضارٍّ على أنه مفعولٌ به فإنه اسمُ فاعلٍ معتمدٍ على ذي الحالِ، أو منفيٌّ معنىً فيعمل في المفعول الصريحِ، ويعضُده القراءةُ بالإضافة أي غيرَ مضارٍ لوصية اللَّهِ، وعهدُه لا في شأن الأولادِ فقط كما قيل إذ لا تعلقَ لهم بالمقام بل في شأن الورثةِ المذكورةِ هاهنا، فإن الأحكامَ المفصَّلةَ كلَّها مندرجةٌ تحت قوله تعالى : ﴿ يُوصِيكُمُ الله ﴾ [ النساء، الآية ١١ ] جاريةٌ مَجرى تفسيرِه وبيانه، ومُضارّتُها الإخلالُ بحقوقهم ونقصُها بما ذُكر من الوصية بما زاد على الثلث والوصيةِ لقصد الإضرارِ دون القُربةِ والإقرارِ بالدين كاذباً، وإيقاعُها على الوصية مع أنها واقعةٌ على الورثة حقيقةً كما في قوله :
يا سارقَ اللَّيلةِ أهلَ الدارِ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للمبالغة في الزجر عنها بإخراجها مُخرجَ مُضارَّةِ أمرِ اللَّهِ تعالى ومضادَّتهِ، وجعلُ الوصيةِ عبارةً عن الوصية بالثلث فما دونه يقتضي أن يكونَ ( غيرَ مضارٍّ ) حالاً من ضمير الفعلِ المتعلقِ بالوصية فقط وذلك يؤدي إلى الفصل بين الحالِ وعاملِها بأجنبيٍّ هو المعطوفُ على وصية مع أنه لا تنحسِمُ به مادةُ المُضارّةِ لبقاء الإقرارِ بالدين عن إطلاقه ﴿ والله عَلِيمٌ ﴾ بالمُضارِّ وغيرِه ﴿ حَلِيمٌ ﴾ لا يعاجل بالعقوبة فلا يَغترَّ بالإمهال، وإيرادُ الاسمِ الجليلِ مع كفاية الإضمارِ لإدخال الروعةِ وتربيةِ المهابة.
﴿ تِلْكَ ﴾ إشارةٌ إلى الأحكام التي تقدمت في شؤون اليتامى والمواريثِ وغيرِ ذلك ﴿ حُدُودُ الله ﴾ أي شرائعُه المحدودةُ التي لا تجوز مجاوزتُها ﴿ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ في جميع الأوامرِ والنواهي التي من جملتها ما فُصّل هاهنا، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ لما ذكر آنفاً ﴿ يُدْخِلْهُ جنات ﴾ نُصب على الظرفية عند الجمهورِ وعلى المفعولية عند الأخفشِ ﴿ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار ﴾ صفةٌ لجنات منصوبة حسب انتصابِها ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ حالٌ مقدرةٌ من مفعول يدخِلْه، وصيغةُ الجمعِ بالنظر إلى جمعية ( مَنْ ) بحسب المعنى كما أن إفرادَ الضميرِ بالنظر إلى إفراده لفظاً ﴿ وَذَلِكَ ﴾ إشارةٌ إلى ما مر من دخول الجناتِ الموصوفةِ على وجه الخلودِ، وما فيه من معنى البُعدِ للإيذان بكمال علوِّ درجتِه ﴿ الفوز العظيم ﴾ الذي لا فوزَ وراءَه. وُصف الفوزُ وهو الظفرُ بالخير بالعظيم إما باعتبار مُتعلّقِه أو باعتبار ذاتهِ فإن الفوزَ بالعظيم عظيمٌ والجملةُ اعتراض.
﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ ولو في بعض الأوامرِ والنواهي قال مجاهد فيما اقتُصَّ من المواريث وقال عكرمة عن ابن عباس من لم يرضَ بقَسْم اللَّهِ تعالى ويتعدَّ ما قال اللَّهُ تعالى، وقال الكلبي يعني ومن يكفرْ بقسمة اللَّهِ المواريثَ ويتعدَّ حدودَه استحلالاً. والإظهارُ في موقع الإضمارِ للمبالغة في الزجر بتهويل الأمرِ وتربيةِ المهابة ﴿ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ ﴾ شرائعَه المحدودة في جميع الأحكامِ فيدخُل فيها ما نحن فيه دخولاً أولياً ﴿ يُدْخِلْهُ ﴾ وقرئ بنون العظمةِ في الموضعين ﴿ نَارًا ﴾ أي عظيمةً هائلةً لا يقادَرُ قدرُها ﴿ خَالِداً فِيهَا ﴾ حال كما سبق، ولعل إيثارَ الإفرادِ هاهنا نظراً إلى ظاهر اللفظِ، واختيارُ الجمعِ هناك نظراً إلى المعنى للإيذان بأن الخلودَ في دار الثوابِ بصفة الاجتماعِ أجلبُ للأنس كما أن الخلودَ في دار العذاب بصفة الانفرادِ أشدُّ في استجلاب الوحشة ﴿ وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ أي وله مع عذاب الحريقِ الجُسماني عذابٌ آخرُ مُبهمٌ لا يعرف كُنهُه، وهو العذابُ الروحاني كما يُؤْذِنُ به وصفُه والجملةُ حالية.
﴿ واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة مِن نّسَائِكُمْ ﴾ شروعٌ في بيان بعضٍ آخَرَ من الأحكام المتعلقةِ بالنساءِ إثرَ بيانِ أحكامِ المواريثِ، واللاَّتي جمعُ التي بحسب المعنى دون اللفظِ وقيل جمعٌ على غير قياسٍ، والفاحشةُ الفَعلةُ القبيحةُ أريد بها الزنا لزيادة قُبحِه، والإتيانُ الفعلُ والمباشرةُ يقال أتى الفاحشةَ أي فعلها وباشرها وكذا جاءها ورهَقها وغشِيَها، وقرئ بالفاحشة، فالإتيانُ بمعناه المشهورِ، و( من ) متعلقةٌ بمحذوف وقعَ حالاً من فاعل يأتي أي اللاَّتي يفعلْن الزنا كائناتٍ من نسائكم أي من أزواجكم كما في قوله تعالى : ﴿ والذين يظاهرون مِن نّسَائِهِمْ ﴾ [ المجادلة، الآية ٣ ] وقوله تعالى : ﴿ من نِسَائِكُمُ اللاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ [ النساء، الآية ٢٣ ] وبه قال السدي ﴿ فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً منْكُمْ ﴾ خبرٌ للموصول، والفاءُ للدلالة على سببية ما في حيز الصلةِ للحكم، أي فاطلبوا أن يشهَدَ عليهن بإتيانها أربعةٌ من رجال المؤمنين وأحرارِهم. ﴿ فَإِن شَهِدُوا ﴾ عليهن بذلك ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ في البيوت ﴾ أي فاحبِسوهن فيها واجعلوها سِجْناً عليهن ﴿ حتى يَتَوَفَّاهُنَّ ﴾ أي إلى أن يستوفيَ أرواحَهن ﴿ الموت ﴾ وفيه تهويلٌ للموت وإبرازٌ له في صورة من يتولى قبضَ الأرواحِ ويتوفاها، أو يتوفاهن ملائكةُ الموتِ ﴿ أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ أي يشرع لهن حكماً خاصًّا بهن ولعل التعبيرَ عنه بالسبيل للإيذان بكونه طريقاً مسلوكاً فليس فيه دَلالةٌ على كونه أخفَّ من الحبس كما قاله أبو مسلم.
﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ هما الزاني والزانيةُ تغليباً، قال السدي أُريد بهما البِكْران منهما كما ينبىء عنه كونُ عقوبتهِما أخفَّ من الحبس المخلّد وبذلك يندفع التكرارُ إلا أنه يبقى حكمُ الزاني المحصَنِ مبهماً لاختصاص العقوبةِ الأولى بالمحصنات، وعدمِ ظُهورِ إلحاقهِ بأحد الحكمين دلالةٌ لخفاء الشِرْكة في المناط ﴿ فَآذُوهُمَا ﴾ أي بالتوبيخ والتقريعِ، وقيل بالضرب بالنعال أيضاً والظاهرُ أن إجراءَ هذا الحكمِ أيضاً إنما يكون بعد الثبوتِ لكنْ ترك ذكره تعويلاً على ما ذكر آنفاً ﴿ فَإِن تَابَا ﴾ عما فعلا من الفاحشة بسبب ما لقيا من زواجرِ الأذيةِ وقوارعِ التوبيخِ كما ينبىء عنه الفاء ﴿ وَأَصْلَحَا ﴾ أي أعمالهما ﴿ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا ﴾ بقطع الأذيةِ والتوبيخِ فإن التوبةَ والصلاحَ مما يمنع استحقاقَ الذمِّ والعقابِ. وقد جُوِّز أن يكون الخطابُ للشهود الواقفين على هَناتهما، ويراد بالإيذاء ذمُّهما وتعنيفُهما وتهديدُهما بالرفع إلى الولاة، وبالإعراض عنهما تُرك التعرُّضُ لهما بالرفع إليهم. قيل كانت عقوبةُ الفريقين المذكورين في أوائل الإسلامِ على ما مر من التفصيل ثم نُسخ بالحدّ لما روي أن النبيّ عليه الصلاة والسلام قال : «خُذوا عني خُذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً الثيبُ تُرجم والبِكرُ تُجلد ». وقيل هذه الآية سابقة على الأولى نزولاً وكانت عقوبةُ الزناةِ الطلقاءِ الأذى ثم الحبسُ ثم الجلدُ ثم الرجمُ، وقد جُوِّز أن يكون الأمرُ بالحبس غيرَ منسوخٍ بأن يُتركَ ذكرُ الحدِّ لكونه معلوماً بالكتاب والسنة ويوصى بإمساكهن في البيوت بعد إقامةِ الحدِّ صيانةً لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروجِ من البيوت والتعرُّضِ للرجال. ولا يخفي أنه مما لا يساعده النظمُ الكريمُ وقال أبو مسلم وعزاه إلى مجاهد :إن الأولى في السّحّاقات وهذه في اللوّاطين وما في سورة النورِ في الزناة والزواني متمسكاً بأن المذكورَ في الأولى صيغةُ الإناثِ خاصةً وفي الثانية صيغةُ الذكورِ ولا ضرورةَ للمصير إلى التغليب على أنه لا إمكانَ له في الأولى ويأباه الأمرُ باستشهاد الأربعةِ فإنه غيرُ معهودٍ في الشرع فيما عدا الزنا ﴿ إِنَّ الله كَانَ تَوَّاباً ﴾ مبالغاً في قبول التوبةِ ﴿ رَّحِيماً ﴾ واسعَ الرَّحمةِ وهو تعليلٌ للأمر بالإعراض.
﴿ إِنَّمَا التوبةُ عَلَى الله ﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لبيان أن قبولَ التوبةِ من الله تعالى ليس على إطلاقه كما ينبىء عنه وصفُه تعالى بكونه تواباً رحيماً بل هو مقيدٌ بما سينطِق به النصُّ الكريمُ، فقولُه تعالى التوبةُ مبتدأٌ وقوله تعالى : ﴿ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السوء ﴾ خبرُه، وقولُه تعالى على الله متعلقٌ بما تعلق به الخبرُ من الاستقرار، فإن تقديمَ الجارِّ والمجرورِ على عامله المعنويِّ مما لا نزاعَ في جوازه وكذا الظرفُ، أو بمحذوف وقع حالاً من ضمير المبتدإ المستكنِّ فيما تعلق به الخبرُ على رأي من جوَّز تقديمَ الحالِ على عاملها المعنويِّ عند كونِها ظرفاً أو حرفَ جر كما سبق في تفسير قوله تعالى : ﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت ﴾ [ آل عمران، الآية ٩٧ ] وأيًّا ما كان فمعنى كونِ التوبةِ عليه سبحانه صدورُ القَبولِ عنه تعالى، وكلمةُ على للدِلالة على التحقق ألبتةَ بحكم جري العادةِ وسبْقِ الوعدِ حتى كأنه من الواجبات عليه سبحانه، وهذا مُراد مَنْ قال :كلمةُ على بمعنى مِنْ وقيل هي بمعنى عند، وعن الحسن يعني التوبةَ التي يقبلُها اللَّهُ تعالى وقيل هي التوبةُ التي أوجب اللَّهُ تعالى على نفسه بفضله قبولَها، وهذا يشير إلى أن قوله تعالى : ﴿ عَلَى الله ﴾ صفةٌ للتوبة بتقديرِ مُتعلَّقِه معرفةً على رأي من جوّز حذفَ الموصولِ مع بعض صلتِه أي إنما التوبةُ الكائنةُ على الله، والمرادُ بالسوء المعصيةُ صغيرةً كانت أو كبيرة، وقيل الخبرُ على الله وقوله تعالى للذين متعلقٌ بما تعلق به الخبرُ أو بمحذوف وقع حالاً من الضمير المستكنِّ في مُتعلَّق الخبر، وليس فيه ما في الوجه الأولِ من تقديم الحال على العامل المعنويِّ إلا أن الذي يقتضيه المقامُ ويستدعيه النظامُ هو الأولُ لما أن ما قبله من وصفه تعالى بكونه تواباً رحيماً إنما يقتضي بيانَ اختصاصِ قبولِ التوبةِ منه تعالى بالمذكورين وذلك إنما يكونُ بجعل قولهِ تعالى للذين الخ خبراً، ألا ترى إلى قوله عز وجل : ﴿ وَلَيْسَتِ التوبة الذين يَعْمَلُونَ السيئات ﴾ [ النساء، الآية :١٨ ] الخ فإنه ناطقٌ بما قلنا كأنه قيل إنما التوبةُ لهؤلاء لا لهؤلاء ﴿ بِجَهَالَةٍ ﴾ متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من فاعل يعملون أي يعملون السوءَ متلبّسين بها أي جاهلين سفهاءَ، أو بيعملون على أن الباءَ سببيةٌ أي يعملونه بسبب الجهالةِ لأن ارتكابَ الذنبِ مما يدعو إليه الجهلُ، وليس المرادُ به عدمَ العلمِ بكونه سوءاً بل عدمَ التفكرِ في العاقبة كما يفعله الجاهلُ قال قتادة :اجتمع أصحابُ الرسولِ صلى الله عليه وسلم فرأوْا أن كلَّ شيء عصى به ربَّه فهو جهالةٌ عمداً كان أو خطأ. وعن مجاهد من عصى الله تعالى فهو جاهلٌ حتى ينزِعَ عن جهالته وقال الزجاج يعني بقوله ( بجهالة ) اختيارَهم اللذة الفانيةَ على اللذة الباقية ﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾ أي من زمان قريب وهو ما قبلَ حضورِ الموتِ كما ينبىء عنه ما سيأتي من قوله تعالى : ﴿ حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت ﴾ [ النساء، الآية :١٨ ] الخ فإنه صريح في أن وقتَ الاحتضارِ هو الوقتُ الذي لا تقبل فيه التوبةُ فبقيَ ما وراءَه في حيِّز القَبول. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قبل أن ينزِلَ به سلطانُ الموتِ وعن الضحاك كلُّ توبةٍ قبل الموتِ فهو قريبٌ. وعن إبراهيمَ النَخَعيِّ :ما لم يُؤخَذْ بكَظَمِه وهو مجرى النفَس، وروى أبو أيوبَ عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن اللَّهَ تعالى يقبل توبةَ العبدِ ما لم يُغرغِرْ » وعن عطاءٍ لو قبل موته بفُواق ناقة، وعن الحسن أن إبليسَ قال حين أُهبط إلى الأرض وعزتِك لا أفارق ابنَ آدمَ ما دام روحُه في جسده، فقال تعالى : «وعزتي لا أُغلق عليه بابَ التوبةِ ما لم يُغرغِرْ » ومن تبعيضيةٌ أي يتوبون بعضَ زمانٍ قريبٍ كأنه سُمِّي ما بين وجودِ المعصيةِ وبين حضورِ الموتِ زماناً قريباً ففي أي جُزءٍ تاب من أجزاء هذا الزمانِ فهو تائب ﴿ فَأُوْلَئِكَ ﴾ إشارةٌ إلى المذكورين من حيث اتصافُهم بما ذكر، وما فيه من معنى البُعد باعتبار كونِهم بانقضاء ذكرِهم في حكم البعيدِ، والخطابُ للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلُح للخطاب وهو مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى : ﴿ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ ﴾ وما فيه من تكرير الإسنادِ لتقوية الحكم وهذا وعدٌ بقَبول توبتهم إثرَ بيانِ أن التوبة لهم والفاءُ للدِلالة على سببيتها للقَبول ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ﴾ مبالِغاً في العلم والحِكمةِ فيبني أحكامَه وأفعالَه على أساس الحِكمةِ والمصلحةِ والجملةُ اعتراضيةٌ مقرِّرةٌ لمضمون ما قبلَها، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موضع الإضمارِ للإشعار بعلة الحُكمِ، فإن الألوهية أصلٌ لاتصافه تعالى بصفات الكمالِ.
﴿ وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات ﴾ تصريحٌ بما فُهم من قصر القَبولِ على توبة من تاب من قريب، وزيادةُ تعيينٍ له ببيان أن توبةَ مَنْ عداهم بمنزلة العدمِ، وجمعُ السيئاتِ باعتبار تكررِ وقوعِها في الزمان المديدِ لا لأن المرادَ بها جميعُ أنواعِها وبما مرّ من السوء نوعٌ منها ﴿ حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ إِنّي تُبْتُ الان ﴾ حتى حرفُ ابتداءٍ والجملةُ الشرطيةُ بعدها غايةٌ لما قبلها أي ليس قبولُ التوبةِ للذين يعملون السيئاتِ إلى حضور موتِهم وقولهم حينئذٍ إني تبتُ الآنَ، وذكرُ الآن لمزيد تعيينِ الوقتِ، وإيثارُ قال على تاب لإسقاط ذلك عن درجة الاعتبارِ والتحاشي عن تسميته توبةً ﴿ وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ عطفٌ على الموصول الذي قبله أي ليس قبولُ التوبةِ لهؤلاء ولا لهؤلاء وإنما ذُكر هؤلاء مع أنه لا توبةَ لهم رأساً مبالغةً في بيان عدمِ قبولِ توبةِ المُسوِّفين وإيذاناً بأن وجودَها كعدمها بل في تكرير حرفِ النفيِ في المعطوف إشعارٌ خفيٌّ بكون حالِ المسوِّفين في عدم استتباعِ الجدوى أقوى من حال الذين يموتون على الكفر، والمرادُ بالموصولَيْن إما الكفارُ خاصةً وإما الفساقُ وحدهم، وتسميتُهم في الجملة الحاليةِ كفاراً للتغليظ كما في قوله تعالى : ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين ﴾ [ آل عمران، الآية ٩٧ ]، وأما ما يعمُّ الفريقين جميعاً فالتسميةُ حينئذٍ للتغليب، ويجوز أن يراد بالأول الفسقَةُ وبالثاني الكفرةُ، ففيه مبالغةٌ أخرى ﴿ أولئك ﴾ إشارةٌ إلى الفريقين، وما فيه من معنى البُعدِ للإيذان بترامي حالهم في الفظاعة وبُعدِ منزلتِهم في السوء، وهو مبتدأٌ خبرُه ﴿ أَعْتَدْنَا لَهُمْ ﴾ أي هيأنا لهم ﴿ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ تكريرُ الإسناد لما مر من تقوية الحُكمِ، وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على المفعول الصريحِ لإظهار الاعتناءِ بكون العذابِ مُعدًّا لهم ووصفُه للتفخيم الذاتي والوصفي.
﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النساء كَرْهاً ﴾ كان الرَّجلُ إذا مات قريبُه يُلْقي ثوبَه على امرأته أو على خِبائها ويقول أَرِثُ امرأته كما أرث مالَه فيصير بذلك أحقَّ بها من كل أحدٍ ثم إن شاء تزوّجها بلا صَداقٍ غيرَ الصَّداقِ الأولِ وإن شاء زوَّجَها غيرَه وأخذ صَداقَها ولم يُعْطِها منه شيئاً وإن شاء عضَلها لتفتديَ نفسها بما ورِثَتْ من زوجها، وإن ذهبت المرأةُ إلى أهلها قبل إلقاءِ الثوبِ فهي أحقُّ بنفسها فنُهوا عن ذلك، وقيل لهم لا يحِلُّ لكم أن تأخُذوهن بطريق الإرثِ على زعمكم كما تُحازُ المواريثُ وهن كارهاتٌ لذلك أو مُكْرهاتٌ عليه، وقيل كانوا يُمسِكونهن حتى يَمُتْن ويرِثوا منهن فقيل لهم لا يحل لكم ذلك وهن غيرُ راضياتٍ بإمساككم، وقرئ لا تحِلُّ بالتاء الفوقيةِ على أنّ ( أنْ ترثوا ) بمعنى الوراثة، وقرئ كُرْهاً بضم الكاف وهي لغة كالضَّعْف والضُّعف، وكان الرجلُ إذا تزوج امرأةً ولم تكن من حاجته حَبَسها مع سوء العِشرةِ والقهرِ وضيَّقَ عليها لتفتديَ نفسَها منه بمالها وتختلِعَ فقيل لهم ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ عطفاً على ترِثوا و( لا ) لتأكيد النفْي، والخطابُ للأزواج، والعضْلُ الحبسُ والتضييقُ ومنه عضَلت المرأةُ بولدها إذا اختنقت رحِمُها فخرج بعضُه وبقيَ بعضُه أي ولا أن تُضَيِّقوا عليهن ﴿ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ أي من الصَّداق بأن يدفعن إليكم بعضَه اضطراراً فتأخُذوه منهن، وإنما لم يُتعرَّضْ لفعلهن إيذاناً بكونه بمنزلة العدمِ لصدوره عنهن اضطراراً، وإنما عُبّر عن ذلك بالذهاب به لا بالأخذ ولا بالإذهاب للمبالغة في تقبيحه ببيان تضمُّنِه لأمرين كلٌّ منهما محظورٌ شنيعُ الأخذِ والإذهابِ منهن، لأنه عبارةٌ عن الذهاب مستصحباً به ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيّنَةٍ ﴾ على صيغة الفاعلِ من بيَّن بمعنى تَبيَّن، وقرئ على صيغة المفعولِ وعلى صيغة الفاعل من أبان بمعنى تبين أي بيِّنةِ القُبحِ :من النشوز وشكاسةِ الخلُقِ وإيذاءِ الزوجِ وأهلِه بالبَذاء والسَّلاطةِ، ويعضُده قراءة أُبي إلا أن يُفْحِشْن عليكم، وقيل الفاحشة الزنا، وهو استثناءٌ من أعم الأحوالِ أو أعمِّ الأوقاتِ أو أعمِّ العللِ أي ولا يحلِ لكم عضْلُهن في حال من الأحوال أو في وقت من الأوقات أو لعلة من العِللِ إلا في حال إتيانِهن بفاحشة أو إلا في وقت إتيانِهن أو إلا لإتيانهن بها فإن السببَ حينئذٍ يكون من جهتهن وأنتم معذورون في طلب الخُلْع. ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف ﴾ خطابٌ للذين يُسيئون العِشرةَ معهن، والمعروفُ ما لا يُنكِرُه الشرعُ والمروءةُ، والمرادُ هاهنا النَّصَفَةُ في المبيت والنفقةُ والإجمالُ في القول ونحو ذلك ﴿ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ ﴾ وسئِمْتم صُحبتَهن بمقتضى الطبيعةِ من غير أن يكون من قِبَلهن ما يوجب ذلك من الأمور المذكورةِ فلا تفارِقوهن بمجرد كراهةِ النفسِ واصبِروا على معاشرتهن ﴿ فعسى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾ علةٌ للجزاء أُقيمت مُقامه للإيذان بقوة استلزامِها إياه، كأنه قيل فإن كرِهتُموهن فاصبِروا عليهن مع الكراهة فلعل لكم فيما تكرَهونه خيراً كثيراً ليس فيما تُحبّونه، وعسى تامةٌ رافعةٌ لما بعدها مُستغنيةٌ عن تقدير الخبرِ، أي فقد قرَّبتْ كراهتُكم شيئاً وجعل اللَّهُ فيه خيراً كثيراً، فإن النفسَ ربما تكره ما هو أصلحُ في الدين وأحمدُ عاقبةً وأدنى إلى الخير، وتحبُّ ما هو بخلافه فليكنْ نظرُكم إلى ما فيه خيرٌ وصلاحٌ دون ما تهوى أنفسُكم، وذكرُ الفعلِ الأولِ مع الاستغناء عنه وانحصارُ العلية في الثاني للتوسل إلى تعميم مفعولِه ليُفيدَ أن ترتيبَ الخيرِ الكثيرِ من الله تعالى ليس مخصوصاً بمكروه دون مكروهٍ بل هو سنةٌ إلهية جاريةٌ على الإطلاق حسَبَ اقتضاءِ الحكمةِ، وأن ما نحن فيه مادةٌ من موادّها، وفيه من المبالغة في الحمل على ترك المفارقةِ وتعميمِ الإرشادِ ما لا يخفي. وقرئ ويجعلُ مرفوعاً على أنه خبرٌ لمبتدإٍ محذوفٍ، والجملةُ حاليةٌ تقديرُه وهو أي ذلك الشيءُ يجعل اللَّهُ فيه خيراً كثيراً، وقيل تقديرُه واللَّهُ يجعل بوضع المُظهر موضِعَ المُضمرِ، وتنوينُ خيراً لتفخيمه الذاتي ووصفُه بالكثرة لبيان فخامتِه الوصفيةِ والمرادُ بها هاهنا الولدُ الصالحُ وقيل الأُلفةُ والمحبة.
﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ ﴾ أي تزوُّجَ امرأةٍ ترغبون فيها ﴿ مَكَانَ زَوْجٍ ﴾ ترغبون عنها بأن تُطلقوها ﴿ وآتيتُمْ إحْدَاهُنَّ ﴾ أي إحدى الزوجاتِ فإن المرادَ بالزوج هو الجنسُ، والجملةُ حاليةٌ بإضمار قد لا معطوفةٌ على الشرط أي وقد آتيتم التي تريدون أن تطلقوها ﴿ قِنْطَاراً ﴾ أي مالاً كثيراً ﴿ فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ ﴾ أي من ذلك القنطارِ ﴿ شَيْئاً ﴾ يسيراً فضلاً عن الكثير ﴿ أَتَأْخُذُونَهُ بهتانا وَإِثْماً مُبِيناً ﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لتقرير النهْي والتنفيرِ عن المنهيِّ عنه، والاستفهامُ للإنكار والتوبيخِ، أي أتأخذونه باهتين وآثمين، أو للبهتان والإثم، فإن أحدَهم كان إذا تزوج امرأةً بَهَت التي تحته بفاحشة حتى يُلجِئَها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرِفه إلى تزوج الجديدةِ فنُهوا عن ذلك، والبهتانُ الكذبُ الذي يبهَتُ المكذوبَ عليه ويُدهِشه، وقد يستعمل في الفعل الباطلِ ولذلك فُسِّر هاهنا بالظلم.
وقوله عز وجل : ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ ﴾ إنكارٌ لأخذه إثرَ إنكارٍ وتنفيرٌ عنه بعد تنفيرٍ، وقد بولغ فيه حيث وُجّه الإنكارُ إلى كيفية الأخذِ إيذاناً بأنه مما لا سبيل له إلى التحقق والوقوعِ أصلاً لأن ما يدخُل تحت الوجودِ لابد أن يكون على حال من الأحوال فإذا لم يكن لشيء حالٌ أصلاً لم يكن له حظٌّ من الوجود قطعاً، وقوله عز وجل : ﴿ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ ﴾ حالٌ من فاعل تأخُذونه مفيدةٌ لتأكيد النكيرِ وتقريرِ الاستبعادِ، أي على أي حالٍ أو في أي حالٍ تأخُذونه والحالُ أنه قد جرى بينكم وبينهن أحوالٌ منافيةٌ له من الخَلْوة وتقرُّرِ المَهرِ وثبوتِ حقِّ خِدْمتِهن لكم وغير ذلك ﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثاقا غَلِيظاً ﴾ عطفٌ على ما قبله داخلٌ في حكمه أي أخذْنَ منكم عهداً وثيقاً وهو حقُّ الصحبةِ والمعاشرةِ أو ما وثّق اللَّهُ تعالى عليهم في شأنهن بقوله تعالى : ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان ﴾ [ البقرة، الآية ٢٢٩ ] أو ما أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام : «أخذتُموهن بأمانةِ اللَّهِ واستحللتم فروجَهن بكلمة الله تعالى ».
﴿ وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ ﴾ شروعٌ في بيان من يحْرُم نكاحُها من النساء ومَنْ لا يحرُم، وإنما خُصَّ هذا النكاحُ بالنهي ولم يُنْظَمْ في سلك نكاحِ المحرِّماتِ الآتيةِ مبالغةً في الزجر عنه حيث كانوا مُصِرِّين على تعاطيه قال ابنُ عباسٍ وجمهورُ المفسِّرين :كان أهلُ الجاهليةِ يتزوّجون بأزواج آبائِهم فنُهوا عن ذلك، واسمُ الآباءِ ينتظِمُ الأجدادَ مجازاً فتثبُت حرمةُ ما نكحوها نصاً وإجماعاً، ويستقِلُّ في إثبات هذه الحُرمةِ نفس النكاحِ إذا كان صحيحاً وأما إذا كان فاسداً فلابد في إثباتها من الوطء أو ما يجري مجراه من التقبيل والمسِّ بشهوة ونحوِهما، بل هو المثبِتُ لها في الحقيقة حتى لو وقع شيءٌ من ذلك بحكم مِلكِ اليمينِ أو بالوجه المحرَّمِ تثبتُ به الحُرمةُ عندنا خلافاً للشافعي في المحرّم أي لا تنكحوا التي نكحها آباؤكم، وإيثارُ ( ما ) على مَنْ للذهاب إلى الوصف، وقيل ما مصدريةٌ على إرادة المفعولِ من المصدر ﴿ منَ النساء ﴾ بيانٌ لما نُكِح على الوجهين ﴿ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ استثناءٌ مما نكَحَ مفيدٌ للمبالغة في التحريم بإخراج الكلامِ مُخرَجَ التعليقِ بالمُحال على طريقةِ قولهِ : [ الطويل ]
ولا عيبَ فيهم غيرَ أن سيوفَهم بهنّ فُلولٌ من قراع الكتائبِ١
والمعنى لا تنكِحوا حلائلَ آبائِكم إلا من ماتت منهن، والمقصودُ سدُّ طريقِ الإباحةِ بالكلية ونظيرُه قوله تعالى : ﴿ حتى يَلِجَ الجمل في سَمّ الخياط ﴾ [ الأعراف، الآية ٤٠ ] وقيل :هو استثناء مما يستلزِمُه النهي ويستوجبه مباشرةً المنهيُّ عنه كأنه قيل :لا تنكِحوا ما نكح آباؤكم من النساء فإنه موجبٌ للعقاب إلا ما قد مضى فإنه معفوٌّ عنه، وقيل :هو استثناءٌ منقطعٌ معناه لكنْ ما قد سلف لا مؤاخذةَ عليه لا أنه مقرَّرٌ، ويأباهما قولُه تعالى : ﴿ إِنَّهُ كَانَ فاحشة وَمَقْتاً ﴾ فإنه تعليلٌ للنهي وبيانٌ لكون المنهيِّ عنه في غاية القُبحِ مبغوضاً أشدَّ البُغضِ وأنه لم يزَلْ في حكم الله تعالى وعلمِه موصوفاً بذلك ما رَخَّص فيه لأمة من الأمم فلا يلائم أن يُوسَّطَ بينهما ما يُهوِّن أمرَه من ترك المؤاخذةِ على ما سلفَ منه ﴿ وَسَاء سَبِيلاً ﴾ في كلمة ﴿ سَاء ﴾ قولانِ :أحدُهما أنها جاريةٌ مَجرى بئسَ في الذم والعملِ ففيها ضميرٌ مُبْهمٌ يفسِّره ما بعده والمخصوصُ بالذم محذوفٌ تقديرُه وساء سبيلاً سبيلُ ذلك النكاحِ كقوله تعالى : ﴿ بِئْسَ الشراب ﴾ [ الكهف، الآية ٢٩ ] أي ذلك الماءُ، وثانيهما أنها كسائر الأفعالِ وفيها ضميرٌ يعود إلى ما عاد إليه ضميرُ ﴿ أَنَّهُ ﴾، وسبيلاً تمييز، والجملةُ إما مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب أو معطوفةٌ على خبر كان محكيةٌ بقول مُضْمرٍ هو المعطوفُ في الحقيقة تقديرُه ومقولاً في حقه ساء سبيلاً، فإن ألسنةَ الأممِ كافةً لم تزَلْ ناطقةً بذلك في الأعصار والأمصار. قيل :مراتبُ القُبحِ ثلاثٌ :القبحُ الشرعيُّ والقبحُ العقليُّ والقبحُ العاديُّ، وقد وصف الله تعالى هذا النكاحَ بكل ذلك، فقولُه تعالى : ﴿ فاحشةً ﴾ مرتبةُ قُبحِه العقليِّ وقولُه تعالى : ﴿ وَمَقْتاً ﴾ مرتبةُ قبحِه الشرعيِّ وقولُه تعالى : ﴿ وَسَاء سَبِيلاً ﴾ مرتبةُ قبحِه العاديِّ، وما اجتمع فيه هذه المراتبُ فقد بلغَ أقصى مراتبِ القُبحِ.
١ ورد تخريجه في مكان آخر وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص ٤٤ والأزهية ص ١٨٠ وخزانة الأدب ٣/٣٢٧، ٣٣١، ٣٣٤؛ والدرر ٣/١٧٣؛ وشرح شواهد المغني ص ٣٤٩ وبلا نسبة في لسان العرب ٨/٥٦٥ (قرع)؛ ١١/٥٣٠ (فلل) ومغني اللبيب ص ١١٤ والشاهد فيه نصب "غير" على الاستثناء المنقطع، لأن ما بعدها ليس من جنس ما قبلها وساقه صاحب الهمع على طريق الاستشهاد بأن "بيد" تكون بمغنى "غير"..
﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وَبَنَاتُ الأخ الأخ وَبَنَاتُ الأخت ﴾ ليس المرادُ تحريمَ ذواتِهن بل تحريمَ نكاحِهن وما يُقصد به من التمتع بهن وبيانَ امتناعِ ورودِ مِلكِ النكاحِ عليهن وانتفاءِ محلِّيتِهن له أصلاً، وأما حرمةُ التمتُّع بهن بملك اليمينِ في الموادّ التي يُتصور فيها قرارُ المِلكِ كما في بعض المعطوفاتِ على تقدير رِقِّهن فثابتةٌ بدِلالة النصِّ لاتحاد المدارِ الذي هو عدمُ مَحلّيةِ أبضاعِهن للمِلْك لا بعبارته بشهادة سباقِ النظمِ الكريمِ وسياقِه، وإنما لم يوجب المدارُ المذكورُ امتناعَ ورودِ مِلكِ اليمينِ عليهن رأساً، ولا حرمةَ سببِه الذي هو العقدُ أو ما يجري مَجراه كما أوجب حرمةَ عقدِ النكاحِ وامتناعَ ورودِ حُكمِه عليهن لأن مورِدَ مِلكِ اليمينِ ليس هو البُضعَ الذي هو مورِدُ ملكِ النكاحِ حتى يفوتَ بفوات مَحلِّيتِه له كملك النكاحِ فإنه حيث كان موردُه ذلك فات بفوات محلّيتِه له قطعاً، وإنما مورِدُه الرقبةُ الموجودةُ في كل رقيق فيتحقق بتحقق محلِّه حتماً ثم يزول بوقوع العِتقِ في المواد التي سببُ حرمتِها محضُ القرابةِ النَّسَبية كالمذكورات ويبقى في البواقي على حاله مستتبِعاً لجميع أحكامِه المقصودةِ منه شرعاً، وأما حلُّ الوطءِ فليس من تلك الأحكامِ فلا ضيرَ في تخلُّفه عنه كما في المجوسية. والأمهاتُ تعُمُّ الجداتِ وإن عَلَوْن، والبناتُ تتناول بناتِهن وإن سفَلْن والأخواتُ ينتظِمْن الأخواتِ من الجهات الثلاثِ وكذا الباقياتُ، والعمةُ كلُّ أنثى ولدَها مَنْ وَلدَ والدَك، والخالةُ كلُّ أنثى ولدَها مَنْ ولدَ والدتَك قريباً أو بعيداً، وبناتُ الأخِ وبناتُ الأختِ تتناول القريبةَ والبعيدةَ ﴿ وأمهاتكم الْلاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وأخواتكم منَ الرضاعة ﴾ نزّل الله تعالى الرَّضاعة منزلةَ النَسَب حتى سمَّى المُرضِعةَ أماً للرضيع والمُرْضَعة أختاً، وكذلك زوجُ المرضعةِ أبوه وأبواه جدّاه، وأختُه عمتُه، وكلُّ ولدٍ وُلد له من غير المُرْضِعة قبلَ الرّضاعِ وبعده فهم إخوتُه وأخواتُه لأبيه، وأمُّ المرضعةِ جدتُه وأختُها خالتُه، وكلٌّ مِنْ ولدِها من هذا الزوجِ فهم إخوتُه وأخواتُه لأبيه وأمه، ومِنْ ولدها من غيره فهم إخوتُه وأخواتُه لأمه، ومنه قولُه عليه السلام : «يحرُم من الرَّضاع ما يحرُم من النَسَب » وهو حكمٌ كليٌّ جارٍ على عمومه، وأما أمُّ أخيه لأب وأختُ ابنِه لأم وأمُّ أمِّ ابنِه وأمُّ عمِّه وأمُّ خالِه لأب فليست حرمتُهن من جهة النسبِ حتى يحِلَّ بعمومه ضرورةَ حلِّهن في صور الرضاعِ بل من جهة المصاهرةِ ألا يرى أن الأولى موطوءةُ أبيه والثانيةَ بنتُ موطوءتِه والثالثةَ أمُّ موطوءتِه والرابعةَ موطوءةُ جدِّه الصحيحِ والخامسةَ موطوءةُ جدِّه الفاسد ! ﴿ وأمهات نِسَائِكُمْ ﴾ شروعٌ في بيان المحرَّماتِ من جهة المصاهرةِ إثرَ بيان المحرَّماتِ من جهة الرَّضاعةِ التي لها لُحمةٌ كلُحمةِ النَسبِ، والمرادُ بالنساء المنكوحاتُ على الإطلاق سواءٌ كن مدخولاً بهن أو لا وعليه جمهورُ العلماء. روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال في رجل تزوج امرأةً ثم طلقها قبل أن يدخُلَ بها إنه لا بأس بأن يتزوجَ ابنتَها ولا يحِلُّ له أن يتزوجَ أمَّها. وعن عمرَ وعِمرانَ بنِ الحصين رضي الله عنهما :أن الأمَّ تحرُم بنفس العقدِ، وعن مسروقٍ :هي مُرسلةٌ فأرسِلوا ما أرسلَ الله. وعن ابن عباس :أبهِموا ما أبهم الله، خلا أنه روي عنه وعن علي وزيد وابنِ عمرَ وابنِ الزبيرِ رضي الله عنهم أنهم قرَؤا وأمهاتُ نسائِكم اللاتي دخلتم بهن، وعن جابر روايتان وعن سعيدِ بنِ المسيِّبَ عن زيد أنه إذا ماتت عنده فأخذ ميراثَها كُره أن يخلُفَ على أمها وإذا طلقها قبل أن يدخُل بها فإن شاء فَعَل، أقام الموتَ في ذلك مُقام الدخولِ كما قام مقامَه في باب المهرِ والعِدّةِ، ويُلحقُ بهن الموطوءاتُ بوجه من الوجوه المعدودةِ فيما سبَق والممسوساتُ ونظائرُهن. والأمهاتُ تعم المرضِعاتِ كما تعم الجداتِ حسبما ذكر ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتي في حُجُورِكُمْ ﴾ الربائبُ جمعُ ربيبة فعيل بمعنى مفعول، والتاء للنقل إلى الاسمية والربيبُ ولدُ المرأةِ من آخَرَ سمي به لأنه يرُبُّه غالباً كما يرُبُّ ولدَه وإن لم يكن ذلك أمراً مطَّرِداً، وهو المعنيُّ بكونهن في الحُجور فإن شأنهن الغالبَ المعتادَ أن يكنّ في حضانة أمهاتِهن تحت حمايةِ أزواجِهن لا كونُهن كذلك بالفعل، وفائدةُ وصفِهن بذلك تقويةُ عِلةِ الحُرمةِ وتكميلُها كما أنها هي النُّكتةُ في إيرادهن باسم الربائبِ دون بناتِ النساءِ فإن كونَهن بصدد احتضانِهم لهن وفي شرف التقلّبِ في حجورهم وتحت حمايتِهم وتربيتِهم مما يقوِّي الملابسةَ والشبَهَ بينهن وبين أولادِهم ويستدعي إجراءَهن مُجرى بناتِهم، لا تقييدُ الحرمةِ بكونهن في حجورهم بالفعل، كما روي عن علي رضي الله عنه وبه أخذ داودُ، ومذهبُ جمهورِ العلماءِ ما ذكر أولاً بخلاف ما في قوله تعالى : ﴿ من نِّسَائِكُمُ اللاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ فإنه لتقييدها به قطعاً فإن كلمةَ مِنْ متعلقةٌ بمحذوف وقع حالاً من ربائبكم اللاتي استقرَرْنَ في حجوركم كائناتٍ من نسائكم الخ، ولا مساغَ لجعله حالاً من أمهاتُ أو مما أضيفت هي إليه خاصةً وهو بيِّنٌ لا سِترةَ به ولا مع ما ذكر أو لا ضرورةَ أن حاليتَه من ربائبكم أو من ضميرها تقتضي كونَ كلمةِ مِنْ ابتدائيةً وحاليتُه من أمهاتُ أو من نسائكم تستدعي كونَها بيانيةً، وادعاءُ كونِها اتصاليةً منتظمةٌ لمعنى الابتداءِ والبيان، وجعلُ الموصولِ صفةً للنساءَيْنِ مع اختلاف عاملَيْهما مما يجب تنزيهُ ساحةِ التنزيلِ عن أمثاله مع أنه سعيٌ في إسكات ما نطَق به النبيُّ عليه الصلاة والسلام واتفق عليه الجمهورُ حسبما ذُكر فيما قبلُ، وأما ما نقل من القراءة فضعيفةُ الروايةِ وعلى تقدير الصحةِ محمولةٌ على النسخ ومعنى الدخولِ بهن إدخالُهن السِّترَ، والباءُ للتعدية وهي كنايةٌ عن الجماع كقولهم :بنى عليها وضرَب عليها الحجابَ وفي حكمه اللمسُ ونظائرُه كما مر ﴿ فَإِن لَمْ تَكُونُوا ﴾ أي فيما قبل ﴿ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ أصلاً ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي في نكاح الربائبِ، وهو تصريحٌ بما أَشعَرَ به ما قبله، والفاءُ الأولى لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن بيانَ حكمِ الدخولِ مستتبِعٌ لبيانِ حكمِ عدمِه ﴿ وحلائل أَبْنَائِكُمُ ﴾ أي زوجاتُهم، سُمّيت الزوجةُ حليلةً لحِلّها للزوج أو لحلولها في محله، وقيل :لَحِلّ كلَ منهما إزارَ صاحبِه، وفي حكمهن مزْنياتُهم ومَن يجرين مَجراهن من الممسوسات ونظائرِهن، وقولُه تعالى : ﴿ الذين مِنْ أصلابكم ﴾ لإخراج الأدعياءِ دون أبناءِ الأولادِ والأبناءِ من الرَّضاع فإنهم وإن سفَلوا في حكم الأبناءِ الصُلْبيين ﴿ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأختين ﴾ في حيز الرفعِ عطفاً على ما قبله من المحرمات، والمرادُ به جمعُهما في النكاح لا في مِلك اليمينِ، وأما جمعُهما في الوطء بملك اليمينِ فملحقٌ به بطريق الدِلالةِ لاتحادهما في المدار ولقوله عليه الصلاة والسلام : «مَنْ كان يؤمن بالله واليومِ الآخرِ فلا يجمَعَنّ ماءَه في رحم أختين » بخلاف نفسِ ملكِ اليمينِ فإنه ليس في معنى النكاحِ في الأفضاء إلى الوطء ولا مستلزِماً له، ولذلك يصَحُّ شراءُ المجوسيةِ دون نكاحِها حتى لو وطِئهما لا يحِلّ له وطءُ إحداهما حتى يحرُمَ عليه وطءُ الأخرى بسبب من الأسباب، وكذا لو تزوج أختَ أَمَتِه الموطوءةِ لا يحل له وطءُ إحداهما حتى يحرُم عليه الأخرى، لأن المنكوحةَ موطوءةٌ حكماً فكأنه جمعهما وطئاً، وإسنادُ الحرمةِ إلى جمعهما لا إلى الثانية منهما بأن يقال :وأخواتُ نسائِكم للاحتراز عن إفادة الحُرْمةِ المؤبدةِ كما في المحرماتِ السابقاتِ ولكونه بمعزل من الدِلالة على حرمة الجمعِ بينهما على سبيل المعية، ويسترك في هذا الحكمِ الجمعُ بين المرأةِ وعمتِها ونظائرِها، فإن مدارَ حرمةِ الجمعِ بين الأختين إفضاؤُه إلى قطع ما أمر الله بوصله وذلك متحققٌ في الجمع بين هؤلاءِ بل أولى، فإن العمةَ والخالةَ بمنزلة الأمِّ فقوله عليه السلام : «لا تُنكحُ المرأةُ على عمتها ولا على خالتها ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أختها » من قبيل بيان التفسيرِ لا بيانِ التغييرِ، وقيل :هو مشهورٌ يجوز به الزيادةُ على الكتاب ﴿ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ استثناءٌ منقطعٌ أي لكن ما قد مضى لا تؤاخذون به ولا سبيل إلى جعله متصلاً بقصد التأكيدِ والمبالغةِ كما مر فيما سلف لأن قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ تعليلٌ لما أفاده الاستثناءُ فيتحتم الانقطاعُ، وقال عطاء والسدي :معناه إلا ما كان من يعقوبَ عليه السلام فإنه قد جمع بين ليا أمِّ يهوذا وبين راحيلَ أمِّ يوسفَ عليه الصلاة والسلام، ولا يساعده التعليلُ لأن ما فعله يعقوبُ عليه السلام كان حلالاً في شريعته، وقال ابن عباس رضي الله عنهما :كان أهلُ الجاهليةِ يحرِّمون ما حرم الله تعالى إلا امرأةَ الأبِ والجمعَ بين الأختين. وروى هشامُ بنُ عبدِ اللَّه عن محمد بنِ الحسنِ أنه قال :كان أهلُ الجاهلية يعرِفون هذه المحرماتِ إلا اثنتين :نكاحَ امرأةِ الأبِ والجمعَ بين الأختين، ألا يُرى أنه قد عُقِّب النهيُ عن كل منهما بقوله تعالى : ﴿ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ وهذا يُشير إلى كون الاستثناءِ فيهما على سَنن واحدٍ ويأباه اختلافُ التعليلين.
﴿ والمحصنات ﴾ بفتح الصاد وهن ذواتُ الأزواجِ أحصنهنّ التزوجُ أو الأزواجُ أو الأولياءُ أي أَعَفَّهن عن الوقوع في الحرام، وقرئ على صيغة اسمِ الفاعلِ فإنهن أحصَنَّ فزوجَهن عن غير أزواجِهن، أو أحصَنَّ أزواجَهن. وقيل :الصيغةُ للفاعل على القراءة الأولى أيضاً وفتحُ الصادِ محمولٌ على الشذوذ كما في نظيريه مُلقَح ومسهَب من ألقح وأسهب، قيل :قد ورد الإحصانُ في القرآن على أربعة معانٍ، الأولُ :التزوجُ كما في هذه الآية الكريمةِ، والثاني :العفةُ كما في قوله تعالى : ﴿ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين ﴾ [ النساء، الآية ٢٤ ]، الثالث :الحريةُ كما في قوله تعالى : ﴿ وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات ﴾ [ سورة النساء، الآية ٢٥ ] والرابع :الإسلامُ كما في قوله تعالى : ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ ﴾ [ سورة النساء، الآية ٢٥ ] قيل في تفسيره :أي أسلمن وهي معطوفةٌ على المحرمات السابقة، وقوله تعالى : ﴿ منَ النساء ﴾ متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً منها أي كائناتٍ من النساء، وفائدتُه تأكيدُ عمومِها في دفع توهُّمِ شمولِها للرجال بناءً على كونها صفةً للأنفس كما تُوهِّم ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم ﴾ استثناءٌ من المحصَنات استثناءَ النوعِ من الجنس، أي ملكتُموه، وإسنادُ المِلكِ إلى الأَيْمان لما أن سببَه الغالبَ هو الصفةُ الواقعةُ بها وقد اشتهر ذلك في الإرِقاء، لاسيما في إناثهم وهن المراداتُ هاهنا رعايةً للمقابلة بينه وبين مِلكِ النكاحِ الواردِ على الحرائر، والتعبيرُ عنهن بما لإسقاطهن بما فيهن من قصور الرقِّ عن رتبة العقلاءِ، وهي إما عامةٌ حسب عمومِ صلتِها فالاستثناءُ حينئذ ليس لإخراج جميعِ أفرادِها من حكم التحريمِ بطريق شمولِ النفي بل بطريق نفيِ الشمولِ المستلزِمِ لإخراج بعضِها أي حُرمت عليكم المحصَناتُ على الإطلاق إلا المحصناتِ اللاتي ملكتُموهن فإنهن لسن من المحرمات على الإطلاق بل فيهن من لا يحرُم نكاحُهن في الجملة وهن المسْبياتُ بغير أزواجِهن أو مطلقاً حسب اختلافِ الرأيين، وإما خاصةٌ بالمذكورات فالمعنى :حُرمت عليكم المحصناتُ إلا اللاتي سُبِين فإن نكاحَهن مشروعٌ في الجملة أي لغير مُلاّكِهن، وأما حِلُّهن لهم بحكم ملكِ اليمينِ فمفهومٌ بدِلالة النصِّ لاتحاد المَناطِ لا بعبارته لما عرفت من أن مَساقَ النظمِ الكريمِ لبيان حرمةِ التمتعِ بالمحرمات المعدودةِ بحكم ملكِ النكاحِ، وإنما ثبوتُ حرمةِ التمتعِ بهن بحكم مِلكِ اليمينِ بطريق دِلالةِ النصِّ وذلك مما لا يجري فيه الاستثناءُ قطعاً، وأما عدُّهن من ذوات الأزواج مع تحقق الفُرقةِ بينهن وبين أزواجِهن قطعاً بالتبايُن أو بالسبْي على اختلاف الرأيين فمبنيٌّ على اعتقاد الناسِ حيث كانوا حينئذ غافلين عن الفُرقة، ألا ترى إلى ما رُوي عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه من أنه قال :أصبْنا يومَ أوطاس سبايا لهن أزواجٌ فكرِهْنا أن نقَع عليهن فسألنا النبيَّ عليه السلام. وفي رواية عنه قلنا :يا رسولَ الله كيف نقَع على نساءٍ قد عرَفنا أنسابَهن وأزواجَهن ؟ فنزلت، والمحصناتُ من النساء إلا ما ملكت إيمانُكم فاستحللناهن. وفي رواية أخرى عنه ونادى منادي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم :ألا لا توطأَ حاملٌ حتى تضَعَ ولا حائلٌ حتى تحيضَ فأباح وطأَهن بعد الاستبراءِ، وليس في ترتيب هذا الحكمِ على نزول الآيةِ الكريمةِ ما يدل على كونها مَسوقةً له فإن ذلك إنما يتوقف على إفادتها له بوجه من وجوه الدِلالةِ لا على إفادتها بطريق العبارةِ أو نحوِها. هذا وقد روي عن أبي سعيد رضي الله عنه أنه قال :إنها نزلت من نساءٍ كنّ يهاجِرْن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهن أزواجٌ فيتزوجُهن بعضُ المسلمين ثم يقدَمُ أزواجُهن مهاجرين فنهى عن نكاحهن، فالمحصناتُ حينئذ عبارةٌ عن المهاجرات اللاتي يَتَحقق أو يُتوقع من أزواجهن الإسلامُ والمهاجَرَة، ولذلك لم يزُلْ عنهن اسمُ الإحصانِ، والنهيُ للتحريم المحقق، وتعرُّفِ حالِ المتوقعِ، وإلا فما عداهن بمعزل من الحُرمة واستحقاقِ إطلاقِ الاسمِ عليهن، كيف لا وحين انقطعت العلاقةُ بين المَسْبيةِ وزوجِها مع اتحادهما في الدين فلأَنْ تنقطِعَ ما بين المهاجِرَةِ وزوجِها أحقُّ وأولى كما يُفصح عنه قولُه عز وجل : ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مؤمنات فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾ [ الممتحنة، الآية ١٠ ] الآية. ﴿ كتاب الله ﴾ مصدرٌ مؤكّدٌ أي كتَبَ الله ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ تحريمَ هؤلاءِ كتاباً وفرضه فرضاً، وقيل :منصوبٌ على الإغراء بفعل مضمرٍ أي الزَموا كتابَ الله وعليكم متعلقٌ إما بالمصدر وإما بمحذوف وقع حالاً منه وقيل :هو إغراءٌ آخَرُ مؤكدٌ لما قبله قد حُذف مفعولُه لدِلالة المذكورِ عليه أو بنفس عليكم على رأي من جوّز تقديمَ المنصوبِ في باب الإغراءِ كما في قوله : [ الرجز ]
يا أيها المائحُ دَلْوي دونكا إني رأيتُ الناسَ يحمَدونكا١
وقرئ كُتُبُ الله بالجمع والرفع أي هذه فرائضُ الله عليكم وقرئ كتَبَ الله بلفظ الفعل ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ ﴾ عطفٌ على حُرّمت عليكم الخ، وتوسيطُ قوله تعالى : ﴿ كتاب الله عَلَيْكُمْ ﴾ بينهما للمبالغة في الحمل على المحافظة عن المحرمات المذكورةِ، وقرئ على صيغة المبنيِّ للفاعل فيكون معطوفاً على الفعل المقدّرِ، وقيل :بل على حرمت الخ، فإنهما جملتانِ متقابلتانِ مؤسِّستانِ للتحريم والتحليلِ المنوطَيْن بأمر الله تعالى ولا ضير في اختلاف المُسندِ إليه بحسب الظاهِرِ لاسيما بعد ما أُكّدت الأولى بما يدل على أن المحرِّمَ هو الله تعالى ﴿ مَا وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكر من المحرمات المعدودةِ أي أُحِلَّ لكم نِكاحُ ما سواهن انفراداً وجمعاً، ولعل إيثارَ اسمِ الإشارةِ المتعرِّضِ لوصف المشارِ إليه وعنوانِه على الضمير المتعرِّضِ للذات فقط لتذكير ما في كل واحدةٍ منهن من العنوان الذي يدور عليه حُكمُ الحرمةِ فيُفهم مشاركةُ مَنْ في معناهن لهن فيها بطريق الدلالةِ فإن حرمةَ الجمعِ بين المرأةِ وعمتِها وبينها وبين خالتِها ليست بطريق الدِلالةِ كما سلف، وقيل :ليس المرادُ بالإحلالِ مطلقاً أي على جميع الأحوالِ حتى يردَ أنه يلزمُ منه حِلُّ الجمعِ بين المرأةِ وعمتِها وبينها وبين خالتِها، بل إنما هو إحلالُهن في الجملة أي على بعض الأحوالِ ولا ريب في حل نكاحِهن بطريق الانفرادِ، ولا يقدَحُ في ذلك حرمتُه بطريق الجمعِ، ألا ترى أن حرمةَ نكاحِ المعتدّةِ والمطلقةِ ثلاثاً والخامسةِ ونكاحِ الأمةِ على الحرة ونكاحِ الملاعنةِ لا تقدَحُ في حل نكاحِهن بعد العدةِ، وبعد التحليلِ، وبعد تطليقِ الرابعةِ وانقضاءِ العدةِ، وبعد تطليقِ الحرةِ، وبعد إكذابِ الملاعِنِ نفسَه ! وأنت خبير بأن الحلَّ يجب أن يتعلق هاهنا بما تعلق به الحرمةُ فيما سلف وقد تعلق هناك بالجمع فلابد أن يتعلق الحِلُّ هاهنا به أيضاً ﴿ أَن تَبْتَغُوا ﴾ متعلقٌ بالمفعولين المذكورين على أنه مفعولٌ له لكن لا باعتبار ذاتِهما بل باعتبار بيانِهما وإظهارِهما أي بيّن لكم تحريمَ المحرماتِ المعدودةِ وإحلالَ ما سواهن إرادةَ أن تبتغوا بأموالكم، والمفعولُ محذوفٌ أي تبتغوا النساءَ، أو متروكٌ أي تفعلوا الابتغاءَ ﴿ بأموالكم ﴾ بصَرْفها إلى مهورهن، أو بدلُ اشتمالٍ مما وراءَ ذلكم بتقدير ضميرِ المفعولِ ﴿ مُحْصِنِينَ ﴾ حالٌ من فاعل تبتغوا والإحصانُ العفةُ وتحصينُ النفسِ عن الوقوع فيما يوجب اللومَ والعِقابَ ﴿ غَيْرَ مسافحين ﴾ حالٌ ثانيةٌ منه أو حالٌ من الضمير محصِنين، والسِفاحُ الزنا والفجورُ من السَّفْح الذي هو صبُّ المنيِّ، سُمّي به لأنه الغرضُ منه، ومفعولُ الفعلين محذوفٌ أي محصِنين فروجَكم غيرَ مسافحين الزّواني، وهي في الحقيقة حالٌ مؤكدةٌ لأن المحصَنَ غيرُ مسافحٍ ألبتةَ، وما في قوله تعالى : ﴿ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ ﴾ إما عبارةٌ عن النساء أو عما يتعلق بهن من الأفعال، وعلى التقديرين فهي إما شرطيةٌ ما بعدها شرطُها، وإما موصولةٌ ما بعدها صلتُها، وأياً ما كان فهي مبتدأٌ خبرُها على تقدير كونِها شرطيةً :إما فعلُ الشرطِ أو جوابُه أو كلاهما على الخلاف المعروفِ، وعلى تقدير كونِها موصولةً قولُه تعالى : ﴿ فآتوهنَّ أجورهُنَّ ﴾ والفاءُ لتضمُّن الموصولِ معنى الشرطِ ثم على تقدير كونِها عبارةً عن النساء فالعائدُ إلى المبتدأ هو الضميرُ المنصوبُ في فآتوهن، سواءٌ كانت شرطيةً أو موصولةً، ومن بيانيةٌ أو تبعيضيةٌ محلُّها النصبُ على الحالية من الضمير المجرورِ في به، والمعنى فأيُّ فردٍ استمتعتم به أو فالفردُ الذي استمتعتم به حالَ كونِه من جنس النساءِ أو بعضِهن فآتوهن، وقد روعيَ تارةً جانبُ اللفظِ فأُفرِدَ الضميرُ أولاً، وأخرى جانبُ المعنى فجمع ثانياً وثالثاً، وأما على تقدير كونِها عبارةً عما يتعلق بهن فمن ابتدائيةٌ متعلقةٌ بالاستمتاع والعائدُ إلى المبتدأ محذوفٌ والمعنى أيُّ فعلٍ استمتعتم به من جهتهن من نكاح أو خلوةٍ أو نحوِهما، أو فالفعلُ الذي استمتعتم به من قِبَلهن من الأفعال المذكورةِ فآتوهن أجورَهن لأجله أو بمقابلته والمرادُ بالأجور المهورُ فإنها أجورُ أبضاعِهن. ﴿ فَرِيضَةً ﴾ حالٌ من الأجور بمعنى مفروضةً أو نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي إيتاءً مفروضاً أو مصدرٌ مؤكدٌ أي فُرض ذلك فريضةً أي لهن عليكم ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ ﴾ أي لا إثمَ عليكم فيما تراضيتم به من الحط عن المهر أو الإبراءِ منه على طريقة قولِه تعالى : ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيء منهُ نَفْساً فَكُلُوهُ ﴾ [ النساء، الآية ٤ ] إثرَ قولِه تعالى : ﴿ وَآتُوا النساء صدقاتهن ﴾ [ النساء، الآية ٤ ] وقوله تعالى : ﴿ إَّلا أَن يَعْفُونَ ﴾ [ البقرة، الآية ٢٣٧ ] وتعميمُه للزيادة على المسمى لا يساعدُه رفعُ الجُناحِ عن الرجال لأنها ليست مَظِنةَ الجُناحِ إلا أن يُجعلَ الخِطابُ للأزواج تغليباً فإن أخذَ الزيادةِ على المسمّى مظِنةُ الجُناحِ على الزوجة، وقيل :فيما تراضيتم به من نفقة ونحوِها، وقيل :من مقام أو فِراقٍ، ولا يساعدُه قوله تعالى : ﴿ مِن بَعْدِ الفريضة ﴾ إذ لا تعلقَ لهما بالفريضة إلا أن يكون الفِراقُ بطريق المخالعةِ، وقيل :نزلت في المتعة التي هي النكاحُ إلى وقت معلومٍ من يوم أو أكثرَ، سُمِّيت بذلك لأن الغرضَ منها مجردُ الاستمتاعِ بالمرأة واستمتاعِها بما يُعطى، وقد أبيحت ثلاثةَ أيامٍ حين فُتحت مكةُ شرَّفها الله تعالى ثم نُسخت لما روي أنه عليه السلام أباحها ثم أصبح يقول : «ياأيها الناسُ إني كنتُ أمرتُكم بالاستمتاع من هذه النساءِ ألا أنَّ الله حَرَّمَ ذَلِكَ إلى يومِ القَيامَةِ » وقيل :أُبيح مرتين وحُرِّم مرتين، ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رجَع عن القول بجوازه عند موتِه، وقال : «اللهم إني أتوبُ إليك من قولي بالمتعة وقولي في الصرْف » ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً ﴾ بمصالح العبادِ ﴿ حَكِيماً ﴾ فيما شرَع لهم من الأحكام ولذلك شرَع ل
١ وهو لجارية من بني مازن في الدرر ٥/٣٠١ والمقاصد النحوية ٤/٣١١ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/٣٤٤ وأوضح المسالك ٤/٨٨ وخزانة الأدب ٦/٢٠٠، ٢٠١، ٢٠٦؛ وشرح شذور الذهب ص ٥٢٢ ولسان العرب ٢/٦٠٩ (ميح) ومغني اللبيب ٢/٦٠٩ وقد ورد في المعجم بألفاظ الشطر الأول دون الشطر الثاني..
﴿ وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ ﴾ مَنْ إما شرطيةٌ ما بعدها شرطُها، أو موصولةٌ ما بعدها صلتُها والظرفُ متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من فاعل يستطِعْ أي حالَ كونِه منكم وقوله تعالى : ﴿ طَولاً ﴾ أي غنىً وسعة أي اعتلاءً ونيلاً، وأصلُه الزيادةُ والفضلُ، مفعولٌ ليستطِعْ وقوله عز وجل : ﴿ أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات ﴾ إما مفعولٌ صريح لطَولاً، فإن أعمالَ المصدرِ المنوَّنِ شائعٌ ذائعٌ كما في قوله تعالى : ﴿ أَوْ إِطْعَامٌ في يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ ﴾ [ البلد، الآية ١٤، ١٥ ] كأنه قيل :ومن لم يستطعْ منكم أن ينال نكاحَهن، وإما بتقدير حرفِ الجرِّ أي ومن لم يستطعْ منكم غِنىً إلى نكاحهن أو لنكاحهن، فالجارُّ في محل النصبِ صفةٌ لطولاً أي طَوْلاً مُوصِلاً إليه أو كائناً له أو على نكاحهن، على أن الطَولَ بمعنى القُدرة. في القاموس الطَّوْلُ والطائلُ والطائلةُ الفَضْلُ والقُدْرَةُ والغِنَى والسَّعَةُ، ومحلُّ أن بعد حذفِ الجارِّ نَصْبٌ عند سيبويهِ والفراءِ وجرٌّ عند الكسائيِّ والأخفشِ، وإما بدلٌ من طولاً لأن الطَوْلَ فضلٌ والنكاحُ قدرةٌ، وإما مفعولٌ ليستطِعْ وطَوْلاً مصدرٌ مؤكدٌ له لأنه بمعناه، إذ الاستطاعةُ هي الطَّوْلُ، أو تمييزٌ، أي ومن لم يستطع منكم نكاحَهن استطاعةً أو من جهة الطَوْل والغِنى أي لا من جهة الطبيعةِ والمزاجِ فإن عدمَ الاستطاعةِ من تلك الجهةِ لا تعلقَ له بالمقام، والمرادُ بالمحصنات الحرائرُ بدليل مقابلتِهن بالمملوكات، فإن حريتَهن أحصَنَتْهن عن ذل الرقِّ والابتذالِ وغيرِهما من صفات القصورِ والنقصان. وقوله عز وجل : ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ إما جوابٌ للشرط أو خبرٌ للموصول، والفاءُ لتضمُّنه معنى الشرطِ، والجارُّ متعلقٌ بفعل مقدرٍ حُذف مفعولُه، وما موصولةٌ أي فلينكِح امرأةً أو أمةً من النوع الذي ملكتْه أيمانُكم وهو في الحقيقة متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لذلك المفعولِ والمحذوفِ، ومِنْ تبعيضيةٌ أي فلينكِح امرأةً كائنةً من ذلك النوعِ، وقيل :مِنْ زائدةٌ والموصولُ مفعولٌ للفعل المقدر أي فلينكِحْ ما ملكتْه أيمانُكم وقولُه تعالى : ﴿ من فتياتكم المؤمنات ﴾ في محل النصبِ على الحالية من الضمير المقدر في ملكت الراجعِ إلى ما، وقيل :هو المفعولُ للفعل المقدر على زيادة ومما ملكتْ متعلقٌ بنفس الفعلِ ومن لابتداء الغايةِ، أو بمحذوف وقع حالاً من فتياتكم ومِنْ للتبعيض أي فلينكِحْ فتياتِكم كائناتٍ بعضَ ما ملكت أيمانُكم والمؤمناتِ صفةٌ لفتياتكم على كل تقدير، وقيل :هو المفعولُ للفعل المقدرِ ومما ملكت على ما تقدم آنفاً ومن فتياتكم حالٌ من العائد المحذوفِ. وظاهرُ النظمِ الكريمِ يفيد عدمَ جوازِ نكاحِ الأمةِ الكتابيةِ أصلاً كما هو رأيُ أهلِ الحجازِ، وقد جوزهما أبو حنيفة رحمه الله تعالى متمسكاً بالعمومات فمَحْمَلُ الشرطِ والوصفِ هو الأفضليةُ ولا نِزاعَ فيها لأحد، وقد رُوي عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنه قال :ومما وسع الله على هذه الأمةِ نكاحُ الأمةِ واليهوديةِ والنصرانيةِ وإن كان موسِراً وقوله تعالى : ﴿ والله أَعْلَمُ بإيمانكم ﴾ جملةٌ معترضةٌ جيء بها لتأنيسهم بنكاح الإماءِ واستنزالِهم من رتبة الاستنكافِ منه ببيان أن مناطَ التفاضُل ومدارَ التفاخُرِ هو الإيمانُ دون الأحساب والأنسابِ على ما نطَق به قولُه عز قائلاً : ﴿ يا أَيُّهَا الناس إِنَّا خلقناكم من ذَكَرٍ وأنثى وجعلناكم شُعُوباً وَقَبَائِلَ لتعارفوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم ﴾ [ الحجرات، الآية ١٣ ] والمعنى أنه تعالى أعلمُ منكم بمراتبكم في الإيمان الذي به تنتظِمُ أحوالُ العبادِ وعليه يدور فلَكُ المصالحِ في المعاش والمعادِ ولا تعلّقَ له بخصوص الحريةِ والرقِّ، فرُبّ أمةً يفوق إيمانُها إيمانَ الحرائرِ، وقولُه تعالى : ﴿ بَعْضُكُم من بَعْضٍ ﴾ إن أريد به الاتصالُ من حيث الدينُ فهو بيانٌ لتناسبهم من تلك الحيثيةِ إثرَ بيانِ تفاوتِهم في ذلك، وإن أريد به الاتصالُ من حيث النسبُ فهو اعتراضٌ آخرُ مؤكدٌ للتأنيس من جهة أخرى، والخطابُ في الموضعين إما لمن كما في الخطاب الذي يعقُبه قد روعيَ فيما سبق جانبُ اللفظِ وهاهنا جانبُ المعنى، والالتفاتُ للاهتمام بالترغيب والتأنيس وإما لغيرهم من المسلمين كالخِطابات السابقةِ لحصول الترغيبِ بخطابهم أيضاً، وأياً ما كان فإعادةُ الأمرِ بالنكاح على وجه الخطابِ في قوله تعالى : ﴿ فانكحوهن ﴾ مع انفهامه من قوله تعالى : ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ [ النساء، الآية ٢٥ ] حسبما ذُكر لزيادة الترغيبِ في نكاحهن، وتقييدُه بقوله تعالى : ﴿ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾ وتصديرُه بالفاء للإيذان بترتبه على ما قبله أي وإذْ قد وقفتم على جلية الأمرِ فانكِحوهن بإذن مواليهن ولا تترفعوا عنهن، وفي اشتراط إذنِ الموالي دون مباشرتِهم للعقد إشعارٌ بجواز مباشرتِهن له ﴿ وآتوهنَّ أجُورَهُنَّ ﴾ أي مهورَهن ﴿ بالمعروف ﴾ متعلقٌ بآتوهن أي أدّوا إليهن مهورَهن بغير مَطْلٍ وضِرارٍ وإلجاءٍ إلى الاقتضاء واللزِّ حسبما يقتضيه الشرعُ والعادةُ ومن ضرورته أن يكون الأداءُ إليهن بإذن الموالي فيكونُ ذكرُ إيتائِهن لبيان جوازِ الأداءِ إليهن لا لكون المهورِ لهن، وقيل :أصلُه آتُوا موالِيَهن فحُذف المضافُ وأُوصل الفعلُ إلى المضاف إليه ﴿ محصَنات ﴾ حال من مفعول فانكِحوهن أي حال كونِهن عفائفَ عن الزنا. ﴿ غَيْرَ مسافحات ﴾ حالٌ مؤكدةٌ أي غيرَ مجاهراتٍ به ﴿ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ﴾ عطفٌ على مسافحات و ﴿ لا ﴾ لتأكيد ما في ﴿ غَيْرَ ﴾ من معنى النفي، والخِدْنُ :الصاحُب، قال أبو زيد :الأخدانُ الأصدقاءُ على الفاحشة والواحد خِدنٌ وخَدين والجمعُ للمقابلة بالانقسام على معنى ألا يكونَ لواحدة منهن خِدنٌ لا على معنى ألا يكونَ لها أخدانٌ، أي غيرَ مجاهراتٍ بالزنا ولا مُسِرّاتٍ له وكان الزنا في الجاهلية منقسماً إلى هذين قسمين ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ ﴾ أي بالتزويج وقرئ على البناء للفاعل أي أحصَنَّ فزوجَهن أو أزواجَهن ﴿ فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة ﴾ أي فعلْن فاحشةً وهي الزنا ﴿ فَعَلَيْهِنَّ ﴾ وجبَ عليهن شرعاً ﴿ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات ﴾ أي الحرائرِ الأبكارِ ﴿ منَ العذاب ﴾ من الحد الذي هو جَلدُ مائةٍ فنصفُه خمسون كما هو كذلك قبل الإحصانِ، فالمرادُ بيانُ عدمِ تفاوتِ حدِّهن بالإحصان كتفاوت حدِّ الحرائرِ، فالفاءُ في ﴿ فَإِنْ أَتَيْنَ ﴾ جواب إذا، والثانيةُ جوابُ إنْ والشرطُ الثاني مع جوابه مترتبٌ على وجود الأولِ كما في قولك :إذا أتيتَني فإنْ لم أكرِمْك فعبدي حرٌّ ﴿ ذلك ﴾ أي نكاحُ الإماءِ ﴿ لِمَنْ خَشِي العنت مِنْكُمْ ﴾ أي لمن خاف وقوعَه في الإثم الذي تؤدّي إليه غلبةُ الشهوةِ، وأصلُ العنَتِ انكسارُ العظْمِ بعد الجبْرِ فاستُعير لكل مشقةٍ وضررٍ يعتري الإنسانَ بعد صلاحِ حالِه ولا ضررَ أعظمُ من مُواقَعة المآثمِ بارتكاب أفحشِ القبائحِ وقيل :أريد به الحدُّ لأنه إذا هَوِيَها يخشى أن يواقِعَها فيُحَدَّ. والأولُ اللائقُ بحال المؤمنِ دون الثاني لإيهامه أن المحذورَ عنده الحدُّ لا ما يوجبه ﴿ وَأَن تَصْبِرُوا ﴾ أي عن نكاحهن متعفِّفين كآفّين أنفسَكم عما تشتهيه من المعاصي ﴿ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ من نكاحهن وإن سبَقَت كلمةُ الرُّخصةِ فيه لما فيه من تعريض الولدِ للرق، قال عمرُ رضي الله عنه : «أيُّما حرٍّ تزوّج بأمة فقد أرَقَّ نصفَه ». وقال سعيد بن جبير : «ما نكاحُ الأمةِ من الزنا إلا قريبٌ ». ولأن حقَّ المولى فيها أقوى فلا تخلُصُ للزوج خُلوصَ الحرائرِ ولأن المولى يقدِرُ على استخدامها كيفما يريد في السفر والحضَرِ وعلى بيعها للحاضرِ والبادي وفيه من اختلال حالِ الزوجِ وأولادِه ما لا مزيدَ عليه، ولأنها مُمتهنةٌ مبتذَلةٌ خرّاجةٌ ولاّجةٌ، وذلك كلُّه ذلٌّ ومهانةٌ ساريةٌ إلى الناكح، والعزةُ هي اللائقةُ بالمؤمنين ولأن مَهرَها لمولاها فلا تقدِر على التمتع به ولا على هِبته للزوج فلا ينتظم أمرُ المنزلِ وقد قال عليه السلام : «الحرائِرُ صلاحُ البيتِ والإماءُ هلاكُ البيتِ » ﴿ والله غَفُورٌ ﴾ مبالِغٌ في المغفرة فيغفرُ لمن لم يصبِرْ عن نكاحهن ما في ذلك من الأمور المنافيةِ لحال المؤمنين ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ مبالغٌ في الرحمة ولذلك رَخّص لكم في نكاحهن.
﴿ يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ ﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لتقرير ما سبق من الأحكام وبيانِ كونِها جاريةً على مناهج المهتدين من الأنبياء والصالحين، قيل :أصلُ النظمِ الكريمِ يُريد الله أن يبين لكم فزيدت اللامُ لتأكيد معنى الاستقبالِ اللازمِ للإرادة، ومفعولُ يبين محذوفٌ ثقةً بشهادة السباقِ والسياقِ، أي يريد الله أن يبين لكم ما هو خفيٌ عنكم من مصالحكم وفضائلِ أعمالِكم أو ما تعبَّدَكم به من الحلال والحرامِ، وقيل :مفعولُ يريد محذوفٌ تقديرُه يريد الله تشريعَ ما شرَع من التحريم والتحليلِ لأجل التبيينِ لكم، وهذا مذهبُ البصريين ويعزى إلى سيبويهِ، وقيل :إن اللامَ بنفسها ناصبةٌ للفعل من غير إضمارِ أن وهي وما بعدها مفعولٌ للفعل المتقدمِ فإن اللامَ قد تقام مَقامَ أن في فعل الإرادةِ والأمرِ فيقال :أردت لأذهبَ وأن أذهبَ وأمرتك لتقومَ وأن تقوم، قال تعالى : ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ الله ﴾ [ الصف، الآية ٨ ] وفي موضع : ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا ﴾ [ التوبة، الآية ٣٢ ] وقال تعالى : ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ ﴾ [ الأنعام، الآية ٧١ ] وفي موضع : ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أُسلمَ ﴾ [ غافر، الآية ٦٦ ] وفي آخر : ﴿ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ [ الشورى، الآية ١٥ ] أي أن أعدل بينكم وهذا مذهبُ الكوفيين، ومنعه البصريون وقالوا :إن وظيفةَ اللامِ هي الجرُّ والنصبُ فيما قالوا بإضمار أن أي أُمِرنا بما أمرنا لنُسلم ويريدون ما يريدون ليطفئوا، وقيل :يؤوّل الفعلُ الذي قبل اللامِ بمصدر مرفوعِ بالابتداء ويُجعل ما بعده خبراً له، كما في : «تَسْمَعُ بالمُعَيْديّ خيرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ » أي أن تسمَعَ به، ويُعزى هذا الرأيُ إلى بعض البصْريين ﴿ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ ﴾ من الأنبياء والصالحين لتقتدوا بهم ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ إذا أنبتم إليه تعالى عما يقع منكم من التقصير والتفريطِ في مراعاة ما كُلّفتموه من الشرائع فإن المكلفَ قلما يخلو من تقصير يستدعي تلافِيَه بالتوبة، ويغفرُ لكم ذنوبَكم أو يُرشدُكم إلى ما يردعكم عن المعاصي ويحثُكم على التوبة أو إلى ما يكون كفارةً لسيئاتكم وليس الخطابُ لجميع المكلفين حتى يتخلفَ مرادُه تعالى عن إرادته فيمن لم يتُبْ منهم بل لطائفة معينةٍ حصَلت لهم هذه التوبةُ ﴿ والله عَلِيمٌ ﴾ مبالِغٌ في العلم بالأشياء التي من جملتها ما شرَع لكم من الأحكام ﴿ حَكِيمٌ ﴾ مُراعٍ في جميع أفعالِه الحكمةَ والمصلحةَ.
﴿ والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ جملةٌ مبتدأةٌ مَسوقةٌ لبيان كمالِ منفعةِ ما أراده الله تعالى وكمالِ مضرّةِ ما يريد الفَجَرةُ لا لبيان إرادتِه تعالى لتوبته عليهم حتى يكونَ من باب التكريرِ للتقرير، ولذلك غُيّر الأسلوبُ إلى الجملة الاسميةِ دلالةً على دوام الإرادةِ ولم يُفعلْ ذلك في قوله تعالى : ﴿ وَيُرِيدُ الذين يَتَّبِعُونَ الشهوات ﴾ للإشارة إلى الحدوثِ وللإيماء إلى كمالِ المباينةِ بين مضموني الجملتين كما مر في قوله تعالى : ﴿ الله وَلِيُّ الذين آمَنُوا ﴾ [ البقرة، الآية ٢٥٧ ] الآية، والمراد بمتّبعي الشهواتِ الفَجَرةُ فإن اتّباعَها الائتمارُ بها، وأما المتعاطي لما سوّغه الشرعُ من المشتهَيات دون غيرِه فهو متّبعٌ له لا لها، وقيل :هم اليهودُ والنصارى، وقيل :هم المجوسُ حيث كانوا يُحِلون الأخواتِ من الأب وبناتِ الأخِ وبناتِ الأختِ فلما حرَّمهن الله تعالى قالوا :فإنكم تُحِلون بنتَ الخالةِ مع أن العمةَ والخالةَ عليكم حرامٌ فانكِحوا بناتِ الأخِ والأختِ فنزلت ﴿ أَن تَمِيلُوا ﴾ عن الحق بموافقتهم على اتباع الشهواتِ واستحلالِ المحرماتِ وتكونوا زناةً مثلَهم، وقرئ بالياء التحتانية والضميرُ للذين يتبعون الشهواتِ ﴿ مَيْلاً عَظِيماً ﴾ أي بالنسبة إلى ميل من اقترف خطيئةً على نُدرة بلا استحلالٍ.
﴿ يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ ﴾ بما مر من الرُخَص فيما في عهدتكم من مشاقّ التكاليفِ، والجملةُ مستأنفةٌ لا محل لها من الإعراب ﴿ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً ﴾ عاجزاً عن مخالفة هواه غيرَ قادرٍ على مقابلة دواعيه وقواه حيث لا يصبِرُ عن اتباع الشهواتِ ولا يستخدم قواه في مشاقِّ الطاعاتِ. وعن الحسن أن المرادَ ضَعفُ الخِلْقةِ، ولا يساعده المقام، فإن الجملةَ اعتراضٌ تذييليٌّ مَسوقٌ لتقرير ما قبله من التخفيف بالرُخصة في نكاح الإماءِ، وليس لضعف البُنيةِ مدخلٌ في ذلك، وإنما الذي يتعلق به التخفيفُ في العبادات الشاقةِ. وقيل :المراد به ضعفُه في أمر النساءِ خاصة حيث لا يصبِرُ عنهن، وعن سعيد بن المسيِّب :ما أيِسَ الشيطانُ من بني آدمَ قطُّ إلا أتاهم من قبل النساءِ فقد أتى عليَّ ثمانون سنةً وذهبت إحدى عينيَّ وأنا أعشو بالأخرى وإن أخوفَ ما أخاف على نفسي فتنةُ النساءِ. وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما وخَلَق الإنسانَ على البناء للفاعل والضميرُ لله عز وجل، وعنه رضي الله عنه :ثماني آياتٍ في سورة النساء هنّ خيرٌ لهذه الأمةِ مما طلعت عليه الشمسُ وغربت ﴿ يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ ﴾ [ النساء، الآية ٢٦ ] ﴿ والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ [ النساء، الآية ٢٧ ] ﴿ يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ ﴾ [ النساء، الآية ٢٨ ] ﴿ إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾ [ النساء، الآية ٣١ ] ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ [ النساء، ٤٨ ] ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يضاعفها ﴾ [ النساء، الآية ٤٠ ] ﴿ وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ﴾ [ النساء، الآية ١١٠ ] ﴿ ما يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ ﴾ [ النساء، الآية ١٤٧ ].
﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل ﴾ شروعٌ في بيان بعضِ الحرماتِ المتعلقةِ بالأموال والأنفسِ إثرَ بيانِ الحرماتِ المتعلقةِ بالأبضاع، وتصديرُ الخطابِ بالنداء والتنبيهِ لإظهار كمالِ العنايةِ بمضمونه والمرادُ بالباطل ما يخالف الشرعَ كالغصب والسرقةِ والخيانةِ والقِمارِ وعقودِ الربا وغيرُ ذلك مما لا يُبِحْه الشرعُ، أي لا يأكلْ بعضُكم أموالَ بعض بغير طريقٍ شرعي ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة عَن تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ استثناءٌ منقطِعٌ، وعن متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لتجارةً أي إلا أن تكون التجارةُ تجارةً صادرةً عن تراض كما في قوله : [ الطويل ]
[ بني أسدٍ هل تعلمون بلاءنا ] إذا كان يوماً ذا كواكِبَ أشْعَنا١
أي إذا كان اليومُ يوماً الخ، أو إلا أن تكون الأموالُ أموالَ تجارة، وقرئ تجارةٌ بالرفع على أنّ كان تامةٌ أي ولكن اقصِدوا كونَ تجارةً عن تراض أي وقوعَها، أو ولكن وجودَ تجارةً عن تراض غيرِ منهيٍّ عنه، وتخصيصُها بالذكر من بين سائرِ أسبابِ المُلكِ لكونها معظَمَها وأغلبَها وقوعاً وأوفقَها لذوي المروءاتِ، والمرادُ بالتراضي مراضاةُ المتبايعَيْن فيما تعاقدا عليه في حال المبايعةِ وقتَ الإيجابِ والقبولِ عندنا، وعند الشافعيِّ رحمه الله حالةَ الافتراقِ عن مجلس العقد. ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ﴾ أي مَنْ كان من جنسكم من المؤمنين فإن كلَّهم كنفس واحدةٍ، وعن الحسن :لا تقتُلوا إخوانَكم، والتعبيرُ عنهم بالأنفس للمبالغة في الزجر عن قتلهم بتصويره بصورة ما لا يكاد يفعلُه عاقلٌ، أو لا تُهلِكوا أنفسَكم بتعريضها للعقاب باقتراف ما يُفضي إليه فإنه القتلُ الحقيقيُّ كما يُشعِرُ به إيرادُه عَقيبَ النهي عن أكل الحرامِ فيكونُ مقرَّراً للنهي السابقِ، وقيل :لا تقتلوا أنفسَكم بالبخْع كما يفعله بعضُ الجهلةِ، أو بارتكاب ما يؤدي إلى القتل من الجنايات، وقيل :بإلقائها في التهلُكة، وأُيِّد بما رُوي عن عمْرو بنِ العاص أنه تأوله بالتيمم لخوف البردِ فلم يُنْكر عليه النبي عليه الصلاة والسلام، وقرئ ولا تُقتِّلوا بالتشديد للتكثير، وقد جُمع في التوصية بين حفظِ النفسِ وحفظِ المالِ لما أنه شقيقُها من حيث إنه سببٌ لقِوامها وتحصيلِ كمالاتِها واستيفاءِ فضائلِها، وتقديمُ النهي عن التعرض له لكثرة وقوعِه ﴿ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾ تعليل للنهي بطريق الاستئنافِ أي مبالغاً في الرحمة والرأفةِ، ولذلك نهاكم عما نهاكم عنه، فإن في ذلك رحمةً عظيمةً لكم بالزجر عن المعاصي وللذين هم في معرِض التعرُّض لهم بحفظ أموالِهم وأنفسِهم، وقيل :معناه إنه كان بكم يا أمةَ محمدٍ رحيماً حيث أمرَ بني إسرائيلَ بقتلهم أنفسَهم ليكون توبةً لهم وتمحيصاً لخطاياهم ولم يكلِّفْكم تلك التكاليفَ الشاقةَ.
١ وهو لعمرو بن شأس في الأزهية ص ١٨٦ وخزانة الأدب ٨/٥٢١ ولحصين بن حمام في المعاني الكبير ص ٩٧٣ وبلا نسبة في لسان العرب ١/٥٠٩ (شهب) ويروى "أشهبُ" مكان "أشنعا"..
﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك ﴾ إشارةٌ إلى القتل خاصةً أو لما قبله من أكل الأموالِ، وما فيه من معنى البُعدِ للإيذان ببُعْد منزلتِهم في الفساد ﴿ عدوانا وَظُلْماً ﴾ أي إفراطاً في التجاوز عن الحد وإتياناً بما لا يستحقّه، وقيل :أُريد بالعدوان التعدّي على الغير وبالظلم الظلمُ على النفس بتعريضها للعقاب، ومحلُّهما النصبُ على الحالية أو على التعليل، أي متعدياً وظالماً أو للعدوان والظلم، وقرئ عِدواناً بكسر العين ﴿ فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ﴾ جوابٌ للشرط أي ندخلُه، وقرئ بالتشديد من صلّى وبفتح النون من صَلاه يَصْليه ومنه شاةٌ مَصْليةٌ، ويُصليه بالياء والضمير لله تعالى أو لذلك من حيث أنه سببٌ للصَّلْي ﴿ نَارًا ﴾ أي ناراً مخصوصةً هائلةً شديدةَ العذابِ ﴿ وَكَانَ ذلك ﴾ أي إصلاؤُه النار ﴿ عَلَى الله يَسِيراً ﴾ لتحقق الداعي وعدمِ الصارفِ، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ بطريق الالتفاتِ لتربية المهابةِ وتأكيدِ استقلالِ الاعتراضِ التذييليِّ.
﴿ إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾ أي كبائرَ الذنوبِ التي نهاكم الشرعُ عنها مما ذكر هاهنا وما لم يُذكرْ، وقرئ كبيرَ على إرادة الجنسِ ﴿ نُكَفّرْ عَنْكُمْ ﴾ بنون العظمةِ على طريقة الالتفاتِ، وقرئ بالياء بالإسنادِ إليه تعالى، والتكفيرُ إماطةُ المستحَقِّ من العقاب بثوابٍ أُريد أو بتوبة أي نغفِرْ لكم ﴿ سَيئَاتِكُمْ ﴾ صغائرَكم ونمحُها عنكم، قال المفسرون : «الصلاةُ إلى الصلاة والجمعةُ إلى الجمعة ورمضانُ إلى رمضانَ مكفِّراتٌ لما بينهن من الصغائر إذا اجتُنِبَت الكبائرُ ». واختلف في الكبائر والأقربُ أن الكبيرةَ كلُّ ذنبٍ رتّب الشارعُ عليه الحدَّ أو صرح بالوعيد فيه، وقيل :ما عُلم حرمتُه بقاطع، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنها سبعٌ :الإشراكُ بالله تعالى وقتلُ النفسِ التي حرمها الله تعالى وقذفُ المحصناتِ وأكلُ مالِ اليتيمِ والربا والفِرارُ من الزحف وعقوقُ الوالدين. وعن علي رضي الله عنه :التعقيبُ بعد الهجرةِ مكان عقوقِ الوالدين، وزاد ابنُ عمر رضي الله عنهما :السحرَ واستحلالَ البيتِ الحرامِ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً قال له :الكبائر سبعٌ، قال :هي إلى سبعمائةٍ أقربُ منها إلى سبع، وروي عنه إلى سبعين إذْ لا صغيرةَ مع الإصرار ولا كبيرةَ مع الاستغفار، وقيل :أريد به أنواعُ الشركِ لقوله تعالى : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ وقيل :صِغرُ الذنوب [ وكِبَرُها ] بالإضافة إلى ما فوقها وما تحتها وبحسب فاعلِها [ فقط ] بل بحسب الأوقاتِ والأماكنِ أيضاً، فأكبرُ الكبائرِ الشركُ وأصغرُ الصغائرِ حديثُ النفسِ، وما بينهما وسائطُ يصدُق عليه الأمران فمن له أمرانِ منهما ودعت نفسُه إليهما بحيث لا يتمالك فكفّها عن أكبرهما كُفّر عنه ما ارتكبه لِما استحق على اجتناب الأكبرِ من الثواب ﴿ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً ﴾ بضم الميم اسمُ مكانٍ هو الجنة ﴿ كَرِيماً ﴾ أي حسَناً مَرْضياً أو مصدرٌ ميميٌّ أي إدخالاً مع كرامةً، وقرئ بفتح الميم وهو أيضاً يحتمل المكانَ والمصدر، ونصبُه على الثاني بفعل مقدرٍ مطاوِعٍ للمذكور أي ندخلكم فتدخلون مدخلاً أو دخولاً كريماً كما في قوله : [ الطويل ]
وعضّةُ دهرٍ يا ابنَ مروانَ لم تَدَع من المال إلا مُسْحَتٌ أو مُجلّفُ١
أي لم تدع فلم يبْقَ إلا مسحتٌ الخ.
١ ذكر في المعجم المفصّل بلفظ "وعضّ الزمان" محل "وعضّة دهر" وهو للفرزدق في ديوانه ٢/٢٦ وجمهرة أشعار العرب ص ٨٨٠ ولسان العرب ٢/٤١ (سحت)، ٩/٣١ (جلف)، ٨/٣٨٢ (ورع) وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٤٨٧ وشرح المفصّل ١/٣٩، ١٠/١٠٣..
﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ ﴾ أي عليكم، ولعل إيثارَ الإبهامِ عليه للتفادي عن المواجهة بما يشُقُّ عليهم. قال القفال :لما نهاهم الله تعالى عن أكل أموالِ الناسِ بالباطل وقتلِ الأنفسِ عقّبه بالنهي عما يؤدّي إليه من الطمع في أموالهم وتمنّيها، وقيل :نهاهم أولاً عن التعرض لأموالهم بالجوارح ثم عن التعرّض لها بالقلب على سبيل الحسدِ لتطهير أعمالِهم الظاهرةِ والباطنةِ فالمعنى لا تتمنَّوْا ما أعطاه الله تعالى بعضَكم من الأمور الدنيويةِ كالجاه والمالِ وغيرِ ذلك مما يجري فيه التنافسُ دونكم فإن ذلك قسمةٌ من الله تعالى صادرةٌ عن تدبير لائقٍ بأحوال العبادِ مترتبٍ على الإحاطة بجلائلِ شؤونِهم ودقائقِها فعلى كلّ أحدٍ من المفضّل عليهم أن يرضى بما قسم الله له ولا يتمنى حظَّ المفضَّلِ ولا يحسُده عليه لما أنه معارَضةٌ لحكمِ القدرِ المؤسسِ على الحِكَم البالغةِ لا لأن عدمَه خيرٌ له ولا لأنه لو كان خلافَه لكان مفسدةً له كما قيل إذ لا يساعدُه ما سيأتي من الأمر بالسؤال من فضله تعالى فإنه ناطِقٌ بأن المنهيَّ عنه تمنِّي نصيبِ الغيرِ لا تمنِّي ما زاد على نصيبه مطلقاً. هذا وقد قيل :لما جعل الله تعالى في الميراث للذكر مثلَ حظِّ الأنثيين قالت النساءُ :نحن أحوجُ أن يكون لنا سهمانِ وللرجال سهمٌ واحد لأنا ضعفاءُ وهم أقوياءُ وأقدرُ على طلب المعاشِ منا فنزلت وهذا هو الأنسبُ بتعليل النهي بقوله عز وجل : ﴿ للرّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكتسبوا وَلِلنسَاء نَصِيبٌ ممَّا اكتسبن ﴾ فإنه صريحٌ في جريان التمني بين فريقي الرجالِ والنساءِ، ولعل صيغةَ المذكرِ في النهي بالبعض والمعنى لكلَ من الفريقين في الميراث نصيبٌ معينُ المقدارِ مما أصابه بحسَب استعدادِه، وقد عُبّر عنه بالاكتساب على طريقة الاستعارةِ التبعيةِ المبنيةِ على تشبيه اقتضاءِ حالِه لنصيبه باكتسابه إياه تأكيداً لاستحقاق كلَ منهما لنصيبه وتقويةً لاختصاصه به بحيث لا يتخطاه إلى غيره فإن ذلك مما يوجبه الانتهاءُ عن التمني المذكور. وقوله تعالى : ﴿ واسألوا الله مِن فَضْلِهِ ﴾ عطفٌ على النهي، وتوسيطُ التعليلِ بينهما لتقرير الانتهاءِ مع ما فيه من الترغيب في الامتثالِ بالأمر كأنه قيل :لا تتمنَّوا ما يختصُّ بغيركم من نصيبه المكتَسبِ له واسألوا الله تعالى من خزائن نِعمِه التي لا تنفَذُ، وحُذف المفعولُ الثاني للتعميم، أي واسألوه ما تريدون فإنه تعالى يعطيكُموه، أو لكونه معلوماً من السياق أي واسألوه مثلَه، وقيل :مِنْ زائدةٌ والتقديرُ واسألوه فضلَه وقد جاء في الحديث : «لا يتمنّينّ أحدُكم مالَ أخيه ولكن ليقل :اللهم ارزُقني اللهم أعطِني مثلَه » وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال : «سَلُوا الله مِنْ فَضْلِهِ فإنَّهُ يُحِبُّ أن يُسألَ، وأفضلُ العبادةِ انتظارُ الفرجِ ». وحملُ النصيبِ على الأجر الأُخرويِّ وإبقاءُ الاكتسابِ على حقيقته -بجعل سببِ النزولِ ما رُوي أن أمَّ سلَمةَ رضي الله عنها قالت : «ليت الله كتب علينا الجهادَ كما كتبه على الرجال فيكونَ لنا من الأجر مثلُ ما لَهم » على أن المعنى لكلَ من الفريقين نصيبٌ خاصٌّ به من الأجر مترتبٌ على عمله، فللرجال أجرٌ بمقابلة ما يليق بهم من الأعمال كالجهاد ونحوِه فلا تَتَمنَّ النساءُ خصوصيةَ أجرِ الرجالِ ولْيَسألْنَ من خزائن رحمتِه تعالى ما يليق بحالهن من الأجر- لا يساعده سياقُ النظمِ الكريمِ المتعلق بالمواريث وفضائلِ الرجالِ ﴿ إِنَّ الله كَانَ بِكُلّ شَيء عَلِيماً ﴾ ولذلك جعل الناسَ على طبقات ورفَع بعضَهم على بعض درجاتٍ حسب مراتبِ استعداداتِهم الفائضةِ عليهم بموجب المشيئةِ المبنيةِ على الحِكَم الأبية.
﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِي مِمَّا تَرَكَ الوالدان والاقربون ﴾ جملةٌ مبتدأةٌ مقرِّرةٌ لمضمون ما قبلها، ولكلَ مفعولٌ ثانٍ لجعلنا قُدّم عليه لتأكيد الشمولِ ودفعِ توهُّمِ تعلقِ الجعلِ بالبعض دون البعض كما في قوله تعالى : ﴿ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا ﴾ [ المائدة، الآية ٤٨ ] أي ولكل تركةٍ جعلنا ورثة متفاوتةً في الدرجة يلونها ويُحرِزون منها أنصباءَهم بحسب استحقاقِهم المنوطِ بما بينهم وبين المورِّثِ من العلاقة، ومما ترك بيانٌ لكلٍّ قد فُصل بينهما بما عَمِل فيه كما فُصِل في قوله تعالى : ﴿ قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السماوات والأرض ﴾ [ الأنعام، الآية ١٤ ] بين لفظِ الجلالةِ وبين صفتِه بالعامل فيما أضيف إليه أعني غيرَ، أو لكل قومٍ جعلناهم مواليَ أي وارثٍ نصيبٌ معينٌ مغايرٌ لنصيب قومٍ آخرين مما ترك الوالدان والأقربون، على أن جعلنا مواليَ صفةٌ لكلَ، والضميرُ الراجعُ إليه محذوفٌ والكلامُ مبتدأٌ وخبرٌ على طريقة قولك :لكلِّ مَنْ خلقه الله إنساناً من رزق الله أي حظٌّ منه. وأما ما قيل من أن المعنى لكل أحدٍ جعلنا موالي مما ترك أي وُرّاثاً منه -على أن مِنْ صلةُ موالي لأنه في معنى الوارثِ وفي ترَك ضميرٌ مستكنٌّ عائدٌ إلى كل، وقولُه تعالى : ﴿ الوالدان والأقربون ﴾ استئنافٌ مفسرٌ للموالي كأنه قيل :مَنْ هم ؟ فقيل :الوالدانِ -ففيه تفكيكٌ للنظم الكريمِ لأن ببيان الموالي بما ذُكر يفوتُ الإبهامُ المصحِّحُ لاعتبار التفاوتِ بينهم وبه يتحقق الانتظامُ كما أشير إليه في تقرير الوجهين الأولَيْن مع ما فيه من خروج الأولادِ من الموالي، إذ لا يتناولهم الأقربون كما لا يتناول الوالدين. ﴿ والذين عَقَدَتْ أيمانكم ﴾ هم موالي الموالاةِ، كان الحليفُ يرِثُ السدسَ من مال حليفِه فنُسخ بقوله تعالى : ﴿ وَأُوْلُو الارحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ ﴾ [ الأنفال، الآية ٧٥. وسورة الأحزاب، الآية ٦ ] وعند أبي حنيفة رحمه الله إذا أسلم رجلٌ على يد رجلٍ وتعاقدا على أن يرثَه ويعقِلَ عنه صح وعليه عقْلُه وله إرثُه إن لم يكن له وارثٌ أصلاً، وإسنادُ العقدِ إلى الأَيْمان لأن المعتادَ هو المماسحةُ بها عند العقدِ، والمعنى عقَدَتْ أَيمانُكم عهودَهم فحُذف العهودُ وأقيم المضافُ إليه مُقامَه ثم حُذف، وقرئ عقّدتْ بالتشديد وعاقدَتْ بمعنى عاقدتْهم أيمانُكم وماسحتُموهم وهو مبتدأٌ متضمِّنٌ لمعنى الشرطِ، ولذلك صُدِّر الخبرُ أعني قولَه تعالى : ﴿ فآتوهم نصيبهم ﴾ بالفاء، أو منصوبٌ بمضمر يفسّره ما بعده كقولك :زيداً فاضرِبْه، أو مرفوعٌ معطوفٌ على الوالدان والأقربون، وقوله تعالى : ﴿ فَآتُوهُمْ ﴾ الخ، جملةٌ مبيِّنةٌ للجملة قبلها ومؤكِّدةٌ لها والضميرُ للموالي ﴿ إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَيء ﴾ من الأشياء التي من جملتها الإيْتاءُ والمنعُ ﴿ شَهِيداً ﴾ ففيه وعدٌ ووعيد.
﴿ الرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النساء ﴾ كلامٌ مُستأنفٌ مَسوقٌ لبيان سببِ استحقاقِ الرجالِ الزيادةَ في الميراث تفصيلاً إثرَ بيانِ تفاوتِ استحقاقِهم إجمالاً، وإيرادُ الجملةِ اسميةً والخبرِ على صيغة المبالغةِ للإيذان بعراقتهم في الاتصاف بما أُسند إليهم ورسوخِهم فيه، أي شأنُهم القيامُ عليهن بالأمر والنهْي قيامَ الولاةِ على الرعية، وعلل ذلك بأمرين :وهبيٌّ وكسبيٌّ فقيل : ﴿ بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ﴾ الباءُ سببيةٌ متعلقةٌ بقوامون أو بمحذوف وقع حالاً من ضميره وما مصدريةٌ والضميرُ البارزُ لكِلا الفريقين تغليباً أي قوامون عليهن بسبب تفضيلِ الله تعالى إياهم عليهن أو ملتبسين بتفضيله تعالى الخ، ووضعُ البعضِ موضِعَ الضميرين للإشعار بغاية ظهورِ الأمرِ وعدمِ الحاجةِ إلى التصريح بالمفضّل والمفضّل عليه أصلاً ولذلك لم يصرَّحْ بما به التفضيلُ من صفات كمالِه التي هي كمالُ العقلِ وحسنُ التدبيرِ ورزانةُ الرأي ومزيدُ القوة في الأعمال والطاعاتِ ولذلك خُصّوا بالنبوة والإمامةِ والولايةِ وإقامةِ الشعائرِ والشهادةِ في جميع القضايا ووجوبِ الجهادِ والجمعةِ وغير ذلك ﴿ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أموالهم ﴾ الباءُ متعلقةٌ بما تعلقت به الأولى وما مصدريةٌ وموصولةٌ حُذف عائدُها من الصلة، ومِنْ تبعيضيةٌ أو ابتدائيةٌ متعلقةٌ بأنفقوا أو بمحذوف وقع حالاً من العائد المحذوفِ أي وبسبب إنفاقِهم من أموالِهم أو بسبب ما أنفقوه من أموالهم أو كائناً من أموالهم وهو ما أنفقوه من المَهر والنفقة. روي أن سعدَ بنَ الربيعِ أحدَ نقباءِ الأنصارِ رضي الله عنهم نشَزَت عليه امرأتُه حبيبةُ بنتُ زيدِ بنِ أبي زُهير فلَطَمها فانطلق بها أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا فقال عليه السلام : «لتقتصَّ منه » فنزلت فقال عليه السلام : «أردْنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراده الله خيرٌ ». ﴿ فالصالحات ﴾ شروعٌ في تفصيل أحوالِهن وبيانِ كيفية القيامِ عليهن بحسب اختلافِ أحوالِهن أي فالصالحاتُ منهن ﴿ قانتات ﴾ أي مطيعاتٌ لله تعالى قائماتٌ بحقوق الأزواج ﴿ حافظات لِلْغَيْبِ ﴾ أي لِمَواجب الغيبِ أي لما يجب عليهن حفظُه في حال غيبةِ الأزواجِ من الفروج والأموال. عن النبي صلى الله عليه وسلم : «خيرُ النساءِ امرأةٌ إن نظَرتَ إليها سرّتْك وإن أمرتها أطاعتْك وإذا غِبت عنها حفِظَتْك في مالها ونفسها » وتلا الآية، وقيل :لأسرارهم وإضافةُ المالِ إليها للإيذان بأن مالَه في حق التصرفِ في حكم مالِها كما في قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تُؤْتُوا السفهاء أموالكم ﴾ [ النساء، الآية ٥ ] الآية ﴿ بِمَا حَفِظَ الله ﴾ ما مصدرية أي بحفظه تعالى إياهن بالأمر بحفظ الغيبِ والحثِّ عليه بالوعد والوعيد والتوعيدِ والتوفيقِ له، أو موصولةٌ أي بالذي حفِظَ الله لهن عليهم من المَهر والنفقةِ والقيامِ بحفظهن والذبِّ عنهن وقرئ بما حفِظ الله بالنصب على حذف المضافِ أي بالأمر الذي حفِظ حقَّ الله تعالى وطاعتَه وهو التعففُ والشفقة على الرجال. ﴿ واللاتي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ خطابٌ للأزواج وإرشادٌ لهم إلى طريق القيامِ عليهم. والخوفُ حالةٌ تحصُل في القلب عند حدوثِ أمرٍ مكروهٍ أو عند الظنِّ أو العلمِ بحدوثه وقد يُراد به أحدُهما أي تظنون عِصيانَهن وترفُّعَهن عن مطاوعتكم من النشَز وهو المرتفع من الأرض ﴿ فَعِظُوهُنَّ ﴾ فانصحوهن بالترغيب والترهيب ﴿ واهجروهن ﴾ بعد ذلك إن لم ينفَع الوعظُ والنصيحةُ ﴿ في المضاجع ﴾ أي في المراقد فلا تُدْخِلوهن تحت اللحف ولا تباشِروهن فيكون كنايةً عن الجماع، وقيل :المضاجعُ المبايتُ أي لا تبايتوهن، وقرئ في المضْجَع وفي المُضْطجع ﴿ واضربوهن ﴾ إن لم ينجَعْ ما فعلتم من العظة والهُجران ضرباً غيرَ مبرِّحٍ ولا شائنٍ ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ ﴾ بذلك كما هو الظاهرُ لأنه منتهى ما يعد زاجراً ﴿ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ﴾ بالتوبيخ والأذيةِ أي فأزيلوا عنهن التعرّضَ واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن فإن التائبَ من الذنب كمن لا ذنب له. ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ﴾ فاحذَروه فإنه تعالى أقدرُ عليكم منكم على مَنْ تحت أيديكم أو أنه تعالى على علو شأنِه يتجاوز عن سيئاتكم ويتوبُ عليكم عند توبتِكم فأنتم أحقُّ بالعفو عن أزواجكم عند إطاعتِهن لكم أو أنه يتعالى ويكبُر أن يظلمَ أحداً أو ينقُصَ حقَّه، وعدمُ التعرضِ لعدم إطاعتِهن لهم للإيذان بأن ذلك ليس مما ينبغي أن يتحققَ أو يُفرضَ تحققُه وأن الذي يُتوقع منهن ويليق بشأنهن لاسيما بعدما كان ما كان من الزواجر هو الإطاعةُ ولذلك صُدِّرت الشرطيةُ بالفاء المُنْبئةِ عن سببية ما قبلها لما بعدها.
﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى الحكام واردٌ على بناء الأمرِ على التقدير المسكوتِ عنه أعني عدمَ الإطاعةِ المؤدِّي إلى المخاصمة والمرافعةِ إليهم. والشقاقُ المخالفةُ إما لأن كلاً منهما يريد أن يشُق على الآخر وإما لأن كلاً منهما في شِق أي جانبٍ غيرِ شقِ الآخَر، والخوفُ هاهنا بمعنى العلم قاله ابن عباس، والجزمُ بوجود الشقاقِ لا ينافي بعثَ الحَكَمين لأنه لرجاء إزالتِه لا لتعرُّفِ وجودِه بالفعل وقيل :بمعنى الظنِّ وضميرُ التثنيةِ للزوجين وإن لم يجْرِ ذكرُهما لجري ما يدل عليهما، وإضافةُ الشقاقِ إلى الظرف إما على إجرائه مُجرى المفعولِ به كما في قوله :يا سارقَ الليلةِ أو مُجرى الفاعل كما في قولك :نهارُه صائمٌ أي إن علمتم أو ظننتم تأكّدَ المخالفةِ بحيث لا يقدِر الزوجُ على إزالتها ﴿ فابعثوا ﴾ أي إلى الزوجين لإصلاح ذاتِ البَينِ ﴿ حُكْمًا ﴾ رجلاً وسطاً صالحاً للحكومة والإصلاحِ ﴿ منْ أَهْلِهِ ﴾ من أهل الزوج ﴿ وَحَكَماً ﴾ آخرَ على صفة الأولِ ﴿ منْ أَهْلِهَا ﴾ فإن الأقاربَ أعرفُ ببواطن الأحوالِ وأطلبُ للصلاح وهذا على وجه الاستحبابِ فلو نُصِبا من الأجانب جاز واختلف في أنهما هل يليان الجمعَ والتفريقَ إن رأيا ذلك فقيل :لهما ذلك وهو المروي عن علي رضي الله عنه وبه قال الشعبيُّ، وعن الحسن :يَجمعان ولا يفرِّقان وقال مالكٌ :لهما أن يتخالعا إن كان الصلاحُ فيه ﴿ إِن يُرِيدَا ﴾ أي الحَكَمان ﴿ إصلاحا ﴾ أي إن قصدا إصلاحَ ذاتِ البينِ وكانت نيتُهما صحيحةً وقلوبُهما ناصحةً لوجه الله تعالى ﴿ يُوَفّقِ الله بَيْنَهُمَا ﴾ يوقِع بين الزوجين الموافقةَ والأُلفةَ وألقى في نفوسهما المودةَ والرأفةَ، وعدمُ التعرضِ لذكر عدمِ إرادتِهما الإصلاحَ لما ذُكر من الإيذان بأن ذلك ليس مما ينبغي أن يُفرَضُ صدورُه عنهما وأن الذي يليق بشأنهما ويُتوَقّعُ صدورُه عنهما هو إرادةُ الإصلاحِ، وفيه مزيدُ ترغيبٍ للحَكَمين في الإصلاح وتحذيرٌ عن المساهلة لكيلا يُنسَبَ اختلالُ الأمرِ إلى عدم إرادتِهما فإن الشرطيةَ الناطقةَ بدَوَران وجودِ التوفيقِ على وجود الإرادةِ منبئةٌ عن دوران عدمِه على عدمها، وقيل :كلا الضميرين للحكَمين أي إن قصدا الإصلاحِ يوفقِ الله بينهما فتتّفقَ كلمتُهما ويحصُلَ مقصودُهما، وقيل :كلاهما للزوجين أي إن أرادا إصلاحَ ما بينَهما من الشقاق أوقع الله تعالى بينهما الأُلفةَ والوِفاقَ وفيه تنبيهٌ على أن من أصلح نيتَه فيما يتوخاه وفقه الله تعالى لمبتغاه ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ﴾ بالظواهر والبواطنِ فيعلم كيف يرفعُ الشقاقَ ويوقعُ الوفاقَ.
﴿ واعبدوا الله وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ﴾ كلامٌ مبتدأٌ مسوقٌ لبيان الأحكامِ المتعلقةِ بحقوق الوالدين والأقاربِ ونحوِهم إثرَ بيانِ الأحكامِ المتعلقةِ بحقوق الأزواجِ، صُدِّر بما يتعلق بحقوق الله عز وجل التي هي آكَدُ الحقوقِ وأعظمُها تنبيهاً على جلالة شأنِ حقوقِ الوالدين بنظمها في سلكها في سائر المواقعِ وشيئاً نُصب على أنه مفعول أي لا تشركوا به شيئاً من الأشياء صنماً أو غيرَه أو على أنه مصدرٌ أي لا تشركوا به شيئاً من الإشراك جلياً أو خفياً ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ أي أحسنوا إليهما إحساناً ﴿ وَبِذِي القربى ﴾ أي بصاحب القرابةِ من أخ أو عمَ أو خالٍ أو نحو ذلك ﴿ واليتامى والمساكين ﴾ من الأجانب ﴿ والجار ذِي القربى ﴾ أي الذي قرُب جوارُه وقيل له :مع الجِوار قُربٌ واتصالٌ بنسب أو دِين وقرئ بالنصب على الاختصاص تعظيماً لحق الجارِ ذي القربى ﴿ والجار الجنب ﴾ أي البعيدِ أو الذي لا قرابةَ له وعنه عليه الصلاة والسلام : «الجيرانُ ثلاثةٌ، فجارٌ له ثلاثةُ حقوقٍ :حقُّ الجِوارِ وحقُّ القرابةِ وحق الإسلامِ وجارٌ له حقان :حقُّ الجوارِ وحقُّ الإسلام وجارٌ له حقٌّ واحدٌ وهو حقُّ الجِوارِ وهو الجارُ من أهل الكتابِ » وقرئ والجار الجنب ﴿ والصاحب بالجنب ﴾ أي الرفيقِ في أمر حسنٍ كتعلُّم وتصرُّف وصناعةٍ وسفرٍ فإنه صحِبَك وحصل بجانبك، ومنهم من قعد بجنبك في مسجد أو مجلسٍ أو غيرِ ذلك من أدنى صحبةٍ التَأَمَتْ بينك وبينه. وقيل :هي المرأةُ ﴿ وابن السبيل ﴾ هو المسافرُ المنقطِعُ به أو الضيفُ ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ من العبيد والإماءِ ﴿ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً ﴾ أي متكبراً يأنف عن أقاربه وجيرانِه وأصحابِه ولا يلتفت إليهم ﴿ فَخُوراً ﴾ يتفاخرُ عليهم، والجملةُ تعليلٌ للأمر السابق.
﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبُخل ﴾ بضم الباءِ وسكون الخاءِ وقرئ بفتح الأولِ وبفتحهما وبضمِّهما، والموصولُ بدلٌ من قوله تعالى : ﴿ مَن كَانَ ﴾ أو نصبٌ على الذم أو رفعٌ عليه أي هم الذين أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ تقديرُه الذين يبخلون ويفعلون ويصنعون أحقّاءُ بكل مَلامةٍ ﴿ وَيَكْتُمُونَ مَا آتاهم الله مِن فَضْلِهِ ﴾ أي من المال والغِنى، أو من نعوته عليه السلام التي بيّنها لهم في التوراة وهو أنسبُ بأمرهم للناس بالبخل، فإن أحبارَهم كانوا يكتُمونها ويأمرون أعقابَهم بكتمها ﴿ وَأَعْتَدْنَا للكافرين عَذَاباً مُهِيناً ﴾ وُضع الظاهرُ موضعَ المُضمرِ إشعاراً بأن مَنْ هذا شأنُه فهو كافرٌ بنعمة الله تعالى ومن كان كافراً بنعمة الله تعالى فله عذابٌ يُهينُه كما أهان النعمةَ بالبخل والإخفاءِ، والآيةُ نزلت في طائفة من اليهود كانوا يقولون للأنصار بطريق النصيحةِ :لا تُنفِقوا أموالَكم فإنا نخشى عليكم الفقرَ، وقيل :في الذين كتموا نعتَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، والجملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لما قبلها.
﴿ والذين يُنْفِقُونَ أموالهم رِئَاء الناس ﴾ أي للفَخار وليقالَ :ما أسخاهم وما أجْودَهم لا ابتغاءَ وجهِ الله تعالى، وهو عطفٌ على الذين يبخلون أو على الكافرين وإنما شاركوهم في الذم والوعيدِ لأن البخل والسَّرَفَ الذي هو الإنفاقُ فيما لا ينبغي من حيث إنهما طرفا تفريطٍ وإفراطٍ سواءٌ في القُبح واستتباعِ اللائمةِ والذمِّ، ويجوز أن يكون العطفُ بناءً على إجراء التغايُرِ الوصفيِّ مُجرى التغايُرِ الذاتي كما في قوله : [ المتقارب ]
إلى الملك القَرْمِ وابنِ الهُمام وليثِ الكتائبِ في المزْدَحَمْ١
أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ يدل عليه قوله تعالى : ﴿ وَمَن يَكُن ﴾ الخ، كأنه قيل :والذين ينفقون أموالَهم رئاءَ الناسِ ﴿ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر ﴾ ليتحرَّوْا بالإنفاق مراضِيَه تعالى وثوابَه وهم مشركو مكةَ المنفقون أموالَهم في عداوة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وقيل :المنافقون ﴿ وَمَن يَكُنِ الشيطان لَهُ قَرِيناً فَسَاء قرِيناً ﴾ أي فقرينُهم الشيطانُ وإنما حُذف للإيذان بظهوره واستغنائِه عن التصريح به، والمرادُ به إبليسُ وأعوانُه حيث حَمَلوهم على تلك القبائحِ وزيَّنوها لهم كما في قوله تعالى : ﴿ إِنَّ المبذّرين كَانُوا إخوان الشياطين ﴾ [ الإسراء، الآية ٢٧ ] ويجوز أن يكون وعيداً لهم بأن الشيطانَ يُقرَنُ بهم في النار.
١ وهو بلا نسبة في خزانة الأدب ١/٤٥١، ٥/١٠٧، ٦/٩١ وشرح قطر الندى ص ٢٩٥..
﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ ﴾ أي على من ذُكر من الطوائف ﴿ لَوْ آمَنُوا بالله واليوم الاخر وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ الله ﴾ أي ابتغاءَ وجهِ الله تعالى وإنما لم يصرَّحْ به تعويلاً على التفصيل السابقِ واكتفاءً بذكر الإيمانِ بالله واليومِ الآخرِ فإنه يقتضي أن يكون الإنفاقُ لابتغاء وجهِه تعالى وطلَبِ ثوابه الْبتةَ أي وما الذي عليهم أو وأي تَبعةٍ ووبالٍ عليهم في الإيمان بالله والإنفاقِ في سبيله، وهو توبيخٌ لهم على الجهل بمكان المنفعةِ والاعتقادِ في الشيء بخلاف ما هو عليه وتحريضٌ على التفكر لطلب الجوابِ لعله يؤدّي بهم إلى العلم بما فيه من الفوائد الجليلةِ والعوائدِ الجميلةِ وتنبيه على أن المدعوَّ إلى أمر لا ضررَ فيه ينبغي أن يُجيبَ إليه احتياطاً فكيف إذا كان فيه منافعُ لا تحصى. وتقديمُ الإيمانِ بهما لأهميته في نفسه ولعدم الاعتدادِ بالإنفاق بدونه، وأما تقديمُ إنفاقِهم رئاءَ الناسِ على عدم إيمانِهم بهما مع كون المؤخَّرِ أقبحَ من المقدَّمِ فلرعاية المناسبةِ بين إنفاقِهم ذلك وبين ما قبله من بُخلهم وأمرِهم للناس به ﴿ وَكَانَ الله بِهِم ﴾ وبأحوالهم المحقّقةِ ﴿ عَلِيماً ﴾ فهو وعيدٌ لهم بالعقاب أو بأعمالهم المفروضةِ، وبيانٌ لإثابته تعالى إياهم ولو كانوا قد آمنوا وأنفقوا. كما يُنْبئ عنه قولُه تعالى : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾
﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ المثقالُ مِفعالٌ من الثِقْل كالمقدار من القدْر وانتصابُه على أنه نعتٌ للمفعول قائمٌ مَقامَه سواءٌ كان الظلمُ بمعنى النقصِ أو بمعنى وضعِ الشيءِ في غير موضعِه أي لا ينقُص من الأجر ولا يزيد في العقاب شيئاً مقدارَ ذرةٍ، أو على أنه نعتٌ للمصدر المحذوفِ نائبٌ منابَه أي لا يظلم ظلماً مقدارَ ذرةٍ وهي النملةُ الصغيرةُ أو كلُّ جزءٍ من أجزاء الهَباءِ في الكُوَّة وهو الأنسبُ بمقام المبالغةِ فإن قِلَّته في الثقل أظهرُ من قلة النملة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أدخَلَ يدَه في التراب ثم نفَخ فيه فقال :كلُّ واحدة من هؤلاء ذرة. ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً ﴾ أي وإن تك مثقالَ ذرةٍ حسنةً، أنَّث لتأنيث الخبرِ أو لإضافته إلى الذرة، وحُذِف النونُ من غير قياسٍ تشبيهاً بحروف العلةِ وتخفيفاً لكثرة الاستعمالِ، وقرئ حسَنةٌ بالرفع على أن كان تامةٌ ﴿ يضاعفها ﴾ أي يضاعفْ ثوابَها، جعل ذلك مضاعفةً لنفس الحسَنةِ تنبيهاً على كمال الاتصالِ بينهما كأنهما شيءٌ واحدٌ، وقرئ يُضْعِفْها وكلاهما بمعنى واحد، وقرئ نُضاعِفْها بنون العظمةِ على طريقة الالتفات. عن عثمانَ النهدي أنه قال لأبي هريرة رضي الله عنه :بلغني عنك أنك تقول :سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول : «إن الله تعالى يعطي عبدَه المؤمنَ بالحسنة ألفَ ألفِ حسنةٍ » قال أبو هريرة :لا بل سمعتُه صلى الله عليه وسلم يقول : «يُعطيه ألفَيْ ألفِ حسنةٍ » ثم تلا هذه الآيةَ، والمرادُ الكثرةُ لا التحديد ﴿ وَيُؤْتِ مِن لَدُنْهُ ﴾ ويعطِ صاحِبَها من عنده على نهج التفضُّلِ زائداً على ما وعده في مقابلة العملِ ﴿ أَجْراً عَظِيماً ﴾ عطاء جزيلاً وإنما سماه أجراً لكونه تابعاً للأجر مَزيداً عليه.
﴿ فَكَيْفَ ﴾ محلُّها إما الرفعُ على أنها خبرٌ لمبتدإ محذوفٍ وإما النصبُ بفعل محذوفٍ على التشبيه بالحال كما هو رأيُ سيبويهِ أو على التشبيه بالظرف كما هو رأيُ الأخفش أي كيف حالُ هؤلاءِ الكفرةِ من اليهود والنصارى وغيرِهم، أو كيف يصنعون ﴿ إِذَا جِئْنَا ﴾ يومَ القيامة ﴿ مِن كُلّ أمَّةٍ ﴾ من الأمم ﴿ بِشَهِيدٍ ﴾ يشهَدُ عليهم بما كانوا عليه من فساد العقائدِ وقبائحِ الأعمالِ، وهو نبيُّهم كما في قوله تعالى : ﴿ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ ﴾ [ المائدة، الآية ١١٧ ] والعاملُ في الظرف مضمونُ المبتدأ والخبرِ من هول الأمرِ وعِظَمِ الشأنِ أو الفعلُ المقدرُ ومِنْ متعلقةٌ بجئنا ﴿ وَجِئْنَا بِكَ ﴾ يا محمد ﴿ على هَؤُلاء ﴾ إشارةٌ إلى الشهداء المدلولِ عليهم بما ذكر ﴿ شَهِيداً ﴾ تشهَدُ على صدقهم لعلمك بعقائدهم لاستجماع شرعِك لمجامعِ قواعدِهم، وقيل :إلى المكذبين المستفهَمِ عن حالهم تشهد عليهم بالكفر والعصيانِ كما يشهد سائرُ الأنبياءِ على أممهم، وقيل :إلى المؤمنين كما في قوله تعالى : ﴿ لتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [ البقرة، الآية ١٤٣ ].
﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُوا وَعَصَوُا الرسول ﴾ استئنافٌ لبيان حالِهم التي أُشير إلى شدتها وفظاعتها بقوله تعالى : ﴿ فَكَيْفَ ﴾ فإن أريد بهم المكذبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم فالتعبيرُ عنهم بالموصول لاسيما بعد الإشارةِ إليهم بهؤلاء لذمِّهم بما في حيِّز الصلةِ والإشعارِ بعلة ما اعتراهم من الحال الفظيعةِ والأمرِ الهائلِ، وإيرادُه عليه السلام بعنوان الرسالةِ لتشريفه وزيادةِ تقبيحِ حالِ مكذّبيه فإن حقَّ الرسولِ أن يؤمَنَ به ويُطاعَ لا أن يُكفَرَ به ويعصى وإن أريد بهم جنسُ الكفرَةِ فهم داخلون في إمرتهم دخولاً أولياً، والمرادُ بالرسول حينئذ الجنسُ المنتظِمُ للنبي عليه السلام انتظاماً أولياً، وأياً ما كان ففيه من تهويل الأمرِ وتفظيعِ الحالِ ما لا يقادَر قدرُه وقوله تعالى : ﴿ وَعَصَوُا ﴾ عطفٌ على كفروا داخلٌ معه في الصلة، والمرادُ معاصيهم المغايرةُ لكفرهم ففيه دلالةٌ على أن الكفارَ مخاطَبون بفروع الشرائعِ في حق المؤاخذةِ، وقيل :حالٌ من ضمير كفروا، وقيل :صلةٌ لموصول آخرَ أي يودّ في ذلك اليومِ الذين جمعوا بين الكفرِ وعصيانِ الرسولِ، أو الذين كفروا وقد عصَوُا الرسولَ أو الذين كفروا والذين عصَوُا الرسول. و ﴿ لَوْ ﴾ في قوله تعالى : ﴿ لَوْ تُسوّى بِهِمُ الأرض ﴾ إن جُعلت مصدريةً فالجملةُ مفعولٌ ليوَدّ أي يودون أن يُدفنوا فتُسوَّى بهم الأرضُ كالموتى، وقيل :يودّون أنهم لم يُبْعثوا أو لم يُخلَقوا وكأنهم والأرضَ سواءٌ، وقيل :تصير البهائمُ تراباً فيودّون حالَها، وإن جُعلت على بابها فالمفعولُ محذوفٌ لدِلالة الجملةِ عليه أي يودون تسويةَ الأرضِ بهم، وجوابُ لو أيضاً محذوفٌ إيذاناً بغاية ظهورِه أي لسُرُّوا بذلك، وقوله تعالى : ﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً ﴾ عطف على يود أي ولا يقدِرون على كتمانه لأن جوارحَهم تشهد عليهم، وقيل :الواو للحال أي يودون أن يُدفنوا في الأرض وهم لا يكتُمون منه تعالى حديثاً ولا يكذبونه بقولهم : ﴿ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ [ الأنعام، الآية ٢٣ ]. ( إذ رُوي أنهم إذا قالوا ذلك ختمَ الله على أفواههم فتشهدُ عليهم جوارحُهم فيشتد الأمرُ عليهم فيتمنَّوْن أن تُسوَّى بهم الأرضُ ) وقرئ تَسَّوَّى على أن أصله تتسوى فأُدغم التاءُ في السين وقرئ تَسَوَّى بحذف التاء الثانية، يقال :سوّيتُه فتَسوَّى.
﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصلاة وَأَنتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾ لما نُهوا فيما سلف عن الإشراك به تعالى نُهوا هاهنا عما يؤدِّي إليه من حيث لا يحتسبون فإنه ( روي أن عبدَ الرحمان بنَ عوفٍ رضي الله عنه صنع طعاماً وشراباً حين كانت الخمرُ مباحةً فدعا نفراً من الصحابة رضي الله عنهم فأكلوا وشربوا حتى ثمِلوا وجاء وقتُ صلاةِ المغربِ فتقدم أحدُهم ليصليَ بهم فقرأ أعبُدُ ما تعبدون فنزلت ). وتصديرُ الكلامِ بحرفَي النداءِ والتنبيهِ للمبالغة في حملهم على العمل بموجب النهي وتوجيهُ النهي إلى قُرب الصلاةِ مع أن المرادَ هو النهيُ عن إقامتها للمبالغة في ذلك، وقيل :المرادُ النهيُ عن قُربان المساجدِ لقوله عليه السلام : «جنِّبوا مساجدَكم صِبيانَكم ومجانينَكم » ويأباه قوله تعالى : ﴿ حتى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾ [ النساء، الآية :٤٣ ] فالمعنى لا تُقيموها في حالة السُكرِ حتى تعلموا قبل الشروعِ ما تقولونه، إذْ بتلك التجرِبةِ يظهر أنهم يعلمون ما سيقرؤونه في الصلاة. وحملُ ما تقولون على ما في الصلاة يستدعي تقدُّمَ الشروعِ فيها على غاية النهي، وحملُ العلمِ على ما بالقوة على معنى حتى تكونوا بحيث تعلمون ما ستقرؤونه في الصلاة تطويلٌ بلا طائل لأن تلك الحيثيةِ إنما تظهرُ بما ذُكر من التجربة، على أن إيثارَ ما تقولون على ما تقرؤون حينئذ يكون عارياً عن الداعي، وقيل :المرادُ بالسكر سُكرُ النعاسِ وغلبةُ النوم، وأياً ما كان فليس مرجِعُ النهي هو المقيدُ مع بقاء القيدِ مُرخصاً بحاله بل إنما هو القيدُ مع بقاء المقيدِ على حاله ﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ﴾ [ النساء، الآية ١٠٣ ] كأنه قيل :يا أيها الذين آمنوا لا تسْكَروا في أوقات الصلاة، وقد روي أنهم كانوا بعد ما نزلت الآيةُ لا يشربون الخمرَ في أوقات الصلاة فإذا صلَّوُا العِشاءَ شرِبوها فلا يُصْبحون إلا وقد ذهب عنهم السكرُ وعلموا ما يقولون. ﴿ وَلاَ جُنُباً ﴾ عطفٌ على قوله تعالى : ﴿ وَأَنتُمْ سكارى ﴾ [ النساء، الآية ٤٧ ] فإنه في حيز النصبِ كأنه قيل :لا تقرَبوا الصلاةَ سكارى ولا جنباً والجنبُ من أصابه الجنابةُ يستوي فيه المذكرُ والمؤنثُ والواحدُ والجمع لجَرَيانه مجرى المصدر ﴿ إِلاَّ عَابِرِي سبِيلِ ﴾ استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأحوالِ محلُّه النصبُ على أنه حالٌ من ضمير لا تقربوا باعتبار تقيُّدِه بالحال الثانيةِ دون الأولى، والعاملُ فيه فعلُ النهي أي لا تقربوا الصلاةَ جُنباً في حال من الأحوال إلا حالَ كونِكم مسافرين على معنى أن في حالة السفرِ ينتهي حكمُ النهي لكن لا بطريق شمولِ النفْي لجميع صورِها بل بطريق نفي الشمّولِ في الجملة من غير دَلالةٍ على انتفاء خصوصيةِ البعضِ المنتفي ولا على بقاء خصوصيةِ البعضِ الباقي ولا على ثبوت نقيضِه لا كلياً ولا جزئياً، فإن الاستثناءَ لا يدل على ذلك عبارةً. نعم يشير إلى مخالفة حكمِ ما بعده لما قبله إشارةً إجماليةً يكتفي بها في المقامات الخِطابيةِ لا في إثبات الأحكامِ الشرعيةِ فإن مَلاكَ الأمرِ في ذلك إنما هو الدليلُ وقد ورد عَقيبَه على طريقة البيانِ، وقيل :هو صفةٌ لجنُباً على أن إلا بمعنى غير، أي ولا جُنُباً غيرَ عابري سبيل، ومن حَملَ الصلاةَ على مواضعها فسَّر العُبورَ بالاجتياز بها وجوّز للجنب عُبورَ المسجدِ وبه قال الشافعيُّ رحمه الله وعندنا لا يجوز ذلك إلا أن يكون الماءُ أو الطريقُ فيه، وقيل :إن رجالاً من الأنصار كانت أبوابُهم في المسجد وكان يُصيبهم الجنابةُ ولا يجدون ممرّاً إلا في المسجد فرُخِّص لهم ذلك ﴿ حتى تَغْتَسِلُوا ﴾ غايةٌ للنهي عن قُربان الصلاةِ حالةَ الجنابةِ ولعل تقديمَ الاستثناءِ عليه للإيذان من أول الأمرِ بأن حكمَ النهي في هذه الصورةِ ليس على الإطلاق كما في صورة السُّكرِ تشويقاً إلى البيان ورَوْماً لزيادة تقرّرِه في الأذهان، وفي الآية الكريمةِ إشارةٌ إلى أن المصلِّي حقُّه أن يتحرَّزَ عما يُلْهيه ويشغَلُ قلبَه وأن يزكيَ نفسَه عما يدنّسها ولا يكتفي بأدنى مراتبِ التزكية عند إمكان أعاليها. ﴿ وَإِنْ كُنتُم مرضى ﴾ شروعٌ في تفصيل ما أُجملَ في الاستثناء وبيانِ ما هو في حكم المستثنى من الأعذار، والاقتصارُ فيما قبلُ على استثناء السفرِ مع مشاركة الباقي له في حكم الترخيصِ للإشعار بأنه العذرُ الغالبُ المُنْبئ عن الضرورة التي عليها يدور أمرُ الرُخصةِ، كأنه قيل :ولا جنباً إلا مضْطرين، وإليه مرجِعُ ما قيل من أنه جُعل عابري سبيلٍ كنايةً عن مطلق المعذورين، والمرادُ بالمرض ما يمنع من استعمال الماءِ مطلقاً سواءٌ كان ذلك بتعذر الوصولِ إليه أو بتعذر استعمالِه، ﴿ أَوْ على سَفَرٍ ﴾ عطفٌ على مرضى أي أو كنتم على سفر ما طال أو قصُر، وإيرادُه صريحاً مع سبق ذكرُه بطريق الاستثناءِ لبناء الحكمِ الشرعيِّ عليه وبيانِ كيفيتِه فإن الاستثناءَ كما أشير إليه بمعزل من الدِلالة على ثبوته فضلاً عن الدِلالة على كيفيته، وتقديمُ المرضِ عليه للإيذان بأصالته واستقلالِه بأحكام لا توجد في غيره كالاشتداد باستعمال الماءِ ونحوِه ﴿ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِنْكُمْ من الغائط ﴾ هو المكانُ الغائرُ المطمئنُّ، والمجيءُ منه كنايةٌ عن الحدث لأن المعتادَ أو مَنْ يريدُه يذهب إليه ليُوارِيَ شخصَه عن أعين الناسِ، وإسنادُ المجيءِ منه إلى واحد منهم من المخاطبين دونهم للتفادي عن التصريح بنسبتهم إلى ما يُستحيا منه أو يُستهجن التصريحُ به وكذلك إيثارُ الكنايةِ فيما عُطف عليه من قوله عز وجل : ﴿ أَوْ لامستم النساء ﴾ على التصريح بالجِماع ونظمُهما في سلك سَبَبَيْ سقوطِ الطهارةِ والمصيرُ إلى التيمم مع كونهما سببَيْ وجوبِها ليس باعتبار أنفسِهما بل باعتبار قيدِهما المستفادِ من قوله تعالى : ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً ﴾ بل هو السببُ في الحقيقة وإنما ذُكرا تمهيداً له وتنبيهاً على أنه سببٌ للرخصة بعد انعقادِ سببِ الطهارةِ الصغرى والكبرى، كأنه قيل :أوْ لم تكونوا مرضى أو مسافرين بل كنتم فاقدين للماء بسبب من الأسباب مع تحقق ما يوجب استعمالَه، وتخصيصُ ذكرِه بهذه الصورة -مع أنه معتبرٌ في صورة المرضِ والسفرِ أيضاً لنُدرة وقوعِه فيها واستغنائِهما عن ذكره- إما لأن الجنايةَ معتبرةٌ فيهما قطعاً فيُعلم من حكمها حكمُ الحدثِ الأصغرِ بدِلالة النصِّ لأن تقديرَ النظمِ :لا تقربوا الصلاةَ في حال الجنابةِ إلا حالَ كونِكم مسافرين فإن كنتم كذلك أو كنتم مرضى الخ، وإما لما قيل من أن عمومَ إعوازِ الماءِ في حق المسافرِ غالبٌ، والعجزُ عن استعمال الماءِ القائمِ مَقامَ عدمِه في حق المريض مغنٍ عن ذكره لفظاً، وما قيل من أن هذا القيدَ راجعٌ إلى الكل وأن قيدَ وجوبِ التطهرِ المُكنّى عنه بالمجيء من الغائط والملامسةِ معتبرٌ في الكل -مما لا يساعده النظمُ الكريم. ﴿ فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيّباً ﴾ فتعمَّدوا شيئاً من وجه الأرضِ طاهراً، قال الزجاجُ :الصعيدُ وجهُ الأرضِ تراباً أو غيرَه وإن كان صخراً لا ترابَ عليه لو ضرب المتيممُ يدَه عليه ومسَحَ لكان ذلك طَهورَه وهو مذهبُ أبي حنيفةَ رحمه الله، وعند الشافعيِّ رحمه الله لابد أن يعلَقَ باليد شيءٌ من التراب ﴿ فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ﴾ أي إلى المِرْفقين لما روي أنه عليه السلام تيمّم ومسح يديه إلى مِرْفقيه. ولأنه بدلٌ من الوضوء فيُقدّر بقَدَره ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً ﴾ تعليلٌ للترخيص والتيسيرِ وتقريرٌ لهما فإن مَنْ عادتُه المستمرَّةُ أن يعفوَ عن الخاطئين ويغفرَ للمذنبين لابد أن يكون ميسِّراً لا معسراً، وقيل :هو كنايةٌ عنهما فإن الترفيهَ والمسامحةَ من روادف العفوِ وتوابعِ الغُفران.
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُوا نَصِيبًا منَ الكتاب ﴾ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لتعجب المؤمنين من سوء حالِهم والتحذيرِ عن موالاتهم، والخطابُ لكل من يتأتّى منه الرؤيةُ من المؤمنين وتوجيهُه فيما بعدُ إلى الكل معاً للإيذان بكمال شهرةِ شناعةِ حالِهم وأنها بلغت من الظهور إلى حيث يتعجّبُ منها كلُّ منْ يراها والرؤيةُ بَصَريةٌ أي ألم تنظُرْ إليهم فإنهم أحِقّاءُ أن تشاهِدَهم وتتعجب من أحوالهم، وتجويزُ كونِها قلبيةً على أن ﴿ إلى ﴾ تتضمن معنى الانتهاءِ لما فعلوه يأباه مقامُ تشهيرِ شنائعِهم ونظمِها في سلك الأمورِ المشاهدةِ والمرادُ بهم أحبارُ اليهود. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في حَبْريْنِ من أحبار اليهودِ كانا يأتيان رأسَ المنافقين عبدَ اللَّه بنَ أُبيّ ورهطَه يُثبِّطانِهم عن الإسلام. وعنه رضي الله عنه أيضاً أنها نزلت في رُفاعةَ بنِ زيدٍ ومالكِ بنِ دخشم كانا إذا تكلم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لَوَيا لسانَهما وعاباه. والمرادُ بالكتاب هو التوراةُ وحملُه على جنس الكتابِ المنتظِمِ لها انتظاماً أولياً تطويلٌ للمسافة، وبالذي أوتوه ما بُيِّن لهم فيها من الأحكام والعُلومِ التي من جملتها ما علِموه من نُعوت النبيِّ صلى الله عليه وسلم وحقِّيةِ الإسلامِ، والتعبيرُ عنه بالنصيب المنبىءِ عن كونه حقاً من حقوقهم التي يجب مراعاتُها والمحافظةُ عليها للإيذان بكمال ركاكةِ آرائِهم حيث ضيّعوه تضييعاً، وتنوينُه تفخيميٌّ مؤيدٌ للتشنيع عليهم والتعجيبِ من حالهم، فالتعبيرُ عنهم بالموصول للتنبيه بما في حيز الصلةِ على كمال شناعتِهم والإشعارِ بمكان ما طُويَ ذكرُه في المعاملة المَحْكيةِ عنهم من الهدى الذي هو أحدُ العِوَضَيْنِ، وكلمةُ ﴿ مِنْ ﴾ متعلقةٌ إما بأُوتوا أو بمحذوف وقع صفةً لنصيباً مبينةً لفخامته الإضافيةِ إثرَ بيانِ فخامتِه الذاتيةِ أي نصيباً كائناً من الكتاب وقوله تعالى : ﴿ يَشْتَرُونَ الضلالة ﴾ قيل :هو حالٌ مقدرةٌ من واوِ ﴿ أُوتُوا ﴾ ولا ريب في أن اعتبارَ تقديرِ اشترائِهم المذكورِ في الإيتاء مما لا يليقُ بالمقام، وقيل :هو حالٌ من الموصولِ أي ألم تنظُرْ إليهم حال اشترائِهم، وأنت خبيرٌ بأنه خالٍ عن إفادة أن مادةَ التشنيعِ والتعجيبِ هو الاشتراءُ المذكورُ وما عطف عليه، والذي تقتضيه جزالةُ النظمِ الكريمِ أنه استئنافٌ مبينٌ لمناط التشنيعِ ومدارِ التعجيبِ المفهومَيْن من صدر الكلامِ على وجه الإجمالِ والإبهامِ، مبنيٌّ على سؤال نشأ منه كأنه قيل :ماذا يصنعون حتى يُنظَرَ إليهم ؟ فقيل :يأخذون الضلالةَ ويترُكون ما أُوتوه من الهداية، وإنما طُويَ ذكرُ المتروك لغاية ظهورِ الأمرِ لاسيما بعد الإشعارِ المذكورِ، والتعبيرُ عن ذلك بالاشتراء الذي هو عبارةٌ عن استبدال السلعةِ بالثمن أي أخذِها بدلاً منه أخذاً ناشئاً عن الرغبة فيها والإعراضِ عنه للإيذان بكمال رغبتِهم في الضلالة التي حقُّها أن يُعرَضَ عنها كلَّ الإعراضِ، وإعراضِهم عن الهداية التي يتنافس فيها المتنافسون، وفيه من التسجيل على نهاية سخافةِ عقولِهم وغايةِ ركاكةِ آرائِهم ما لا يخفى حيث صُوِّرت حالُهم بصورة ما لا يكاد يتعاطاه أحدٌ ممن له أدنى تمييزٍ، وليس المرادُ بالضلالة جنسَها الحاصلَ لهم من قبلُ حتى يُخِلَّ بمعنى الاشتراءِ المنبىءِ عن تأخُّرِها عنه بل هو فردُها الكاملُ وهو عنادُهم وتماديهم في الكفر بعد ما علموا بشأن النبيِّ عليه السلام وتيقنوا بحقِّية دينه وأنه هو النبيُّ العربيُّ المبشَّرُ به في التوراة، ولا ريب في أن هذه الرتبةَ لم تكن حاصلةً لهم قبل ذلك وقد مر في أوائل سورة البقرة. ﴿ وَيُرِيدُونَ ﴾ عطفٌ على يشترون شريكٌ له في بيان محلِّ التشنيعِ والتعجبِ، وصيغةُ المضارعِ فيهما للدِلالة على الاستمرار التجدّدي، فإن تجددَ حُكمِ اشترائِهم المذكورِ وتكررَ العملِ بموجبه في قوة تجدّدِ نفسِه وتكرُّرِه، أي لا يكتفون بضلال أنفسِهم بل يريدون بما فعلوا من كتمان نعوتِه عليه السلام ﴿ أَن تَضِلُّوا ﴾ أنتم أيضاً أيها المؤمنون ﴿ السبيل ﴾ المستقيمَ الموصِلَ إلى الحق.
﴿ والله أَعْلَمُ ﴾ أي منكم ﴿ بِأَعْدَائِكُمْ ﴾ جميعاً ومن جملتهم هؤلاءِ وقد أخبركم بعداوتهم لكم وما يريدون بكم لتكونوا على حذر منهم ومن مخالطتهم أو هو أعلمُ بحالهم ومآلِ أمرِهم، والجملةُ معترضةٌ لتقرير إرادتِهم المذكورةِ ﴿ وكفى بالله وَلِيّاً ﴾ في جميع أمورِكم ومصالِحِكم ﴿ وكفى بالله نَصِيراً ﴾ في كل المواطنِ فثِقوا به واكتفُوا بولايته ونُصرتِه ولا تتولَّوْا غيرَه، أو لا تُبالوا بهم وبما يسومونَكم من السوء فإنه تعالى يكفيكم مكرَهم وشرَّهم ففيه وعدٌ ووعيدٌ، والباءُ مزيدةٌ في فاعل كفى لتأكيد الاتصالِ الإسناديِّ بالاتصال الإضافيِّ، وتكريرُ الفعلِ في الجملتين مع إظهار الجلالةِ في مقام الإضمارِ لاسيما في الثاني لتقوية استقلالِهما المناسبِ للاعتراض، وتأكيدِ كفايتِه عز وجل في كلَ من الولاية والنُّصرةِ والإشعارِ بعلّيتهما، فإن الألوهية من موجباتهما لا محالة.
﴿ منَ الذين هَادُوا ﴾ قيل :هو بيانٌ لأعدائكم وما بينهما اعتراضٌ، وفيه أنه لا وجهَ لتخصيص علمِه سبحانه بطائفة من أعدائهم لاسيما في معرِض الاعتراضِ الذي حقُّه العمومُ والإطلاقُ وانتظامُ ما هو المقصودُ في المقام انتظاماً أولياً كما أشير إليه، وقيل :هو صلةٌ لنصيراً أي ينصرُكم من الذين هادوا كما في قوله تعالى : ﴿ فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ الله ﴾ [ هود، الآية ٦٣ ] وفيه ما فيه من تحجير واسعِ نُصرتِه عز وجل مع أنه لا داعيَ إلى وضع الموصولِ موضِعَ ضميرِ الأعداءِ لأن ما في حيز الصلةِ ليس بوصفٍ ملائمٍ للنصر، وقيل :هو خبرُ مبتدإٍ محذوف وقع وقوله تعالى : ﴿ يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه ﴾ صفةٌ له أي من الذين هادوا قومٌ أو فريق يحرفون الخ، وفيه أنه يقتضي كونَ الفريقِ السابقِ بمعزل من التحريف الذي هو المصداقُ لاشترائهم في الحقيقة، فالذي يليق بشأن التنزيلِ الجليلِ أنه بيانٌ للموصول الأولِ المتناولِ بحسب المفهومِ لأهل الكتابين قد وُسِّط بينهما ما وسط لمزيد الاعتناءِ ببيان محلِّ التشنيعِ والتعجيبِ والمسارعةِ إلى تنفير المؤمنين منهم وتحذيرِهم عن مخالطتهم والاهتمامِ بحملهم على الثقة بالله عز وجل، والاكتفاءِ بولايته ونُصرتِه، وأن قولَه تعالى : ﴿ يُحَرّفُونَ ﴾ وما عُطف عليه بيانٌ لاشترائهم المذكورِ وتفصيلٌ لفنون ضلالتِهم، وقد رُوعيت في النظم الكريمِ طريقةُ التفسير بعد الإبهامِ والتفصيلِ إثرَ الإجمالِ رَوْماً لزيادة تقريرٍ يقتضيه الحالُ. والكَلِمُ اسمُ جنسٍ واحدُه كلِمةٌ كتَمْر وتمرة، وتذكيرُ ضميرِه باعتبار إفرادِه لفظاً، وجمعيةُ مواضعِه باعتبار تعدُّدِه معنى، وقرئ بكسر الكاف وسكون اللام جمع كِلْمة تخفيف كَلِمة وقرئ يحرِّفون الكلامَ والمرادُ به هاهنا إما ما في التوراة خاصةً وإما ما هو أعمُّ منه ومما سيُحكى عنهم من الكلمات المعهودةِ الصادرةِ عنهم في أثناء المحاروةِ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مساغَ لإرادة تلك الكلماتِ خاصة بأن يُجعلَ عطفُ قولِه تعالى : ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ الخ، على ما قبله عطفاً تفسيرياً لما ستقف على سره، فإن أريد به الأولُ كما هو رأيُ الجمهورِ فتحريفُه إزالتُه عن مواضعه التي وضعه الله تعالى فيها من التوراة كتحريفهم في نعت النبيِّ عليه السلام ( أسمرُ رَبعةٌ ) عن موضعه في التوراة بأن وضعوا مكانه آدمُ طُوالٌ وكتحريفهم الرجمَ بوضعهم بدله الحدَّ أو صرفِه عن المعنى الذي أنزله الله تعالى فيه إلى ما لا صِحةَ له بالتأويلات الزائغةِ الملائمةِ لشهواتهم الباطلةِ، وإن أُريد به الثاني فلابد من أن يُرادَ بمواضعه ما يليق به مطلقاً سواءٌ كان ذلك بتعيينه تعالى صريحاً كمواضِعِ ما في التوراة، أو بتعيين العقلِ أو الدين كمواضعِ غيرِه، وأياً ما كان فقولُهم : ﴿ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ ينبغي أن يجريَ على إطلاقه من غير تقييدٍ بزمان أو مكانٍ ولا تخصيصٍ بمادة دون مادةٍ، بل وأن يُحمَلَ على ما هو أعمُّ من القول الحقيقيِّ ومما يُترجِم عنه عِنادُهم ومكابَرتُهم ليندرجَ فيه ما نَطقَتْ به ألسنةُ حالِهم عند تحريفِ التوراةِ فإن من لا يتفوّه بتلك العظيمةِ لا يكاد يتجاسرُ على مثل هذه الجنايةُ، وإلا فحملُه على ما قالوه في مجلس النبيِّ صلى الله عليه وسلم من القبائح خاصةً يستدعي اختصاصَ حُكمِ الشرطيةِ الآتيةِ وما بعدها بهن من غير تعرُّضٍ لتحريفهم التوراةَ مع أنه معظمُ جناياتِهم المعدودةِ، ومن هاهنا انكشف لك السرُّ الموعودُ فتأمل. أي يقولون في كل أمرٍ مخالفٍ لأهوائهم الفاسدةِ سواءٌ كان بمحضر النبيِّ صلى الله عليه وسلم أوْ لا، بلسان المقالِ أو الحال :سمعنا وعصينا عِناداً وتحقيقاً للمخالفة وقوله تعالى : ﴿ واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ عطف على سمِعنا وعصينا داخلٌ تحت القولِ أي ويقولون ذلك في أثناء مخاطبتِه عليه السلام خاصةً وهو كلامٌ ذو وجهين محتمِلٌ للشر بأن يُحملَ على معنى اسمَعْ حالَ كونِك غيرَ مسمَعٍ كلاماً أصلاً بصمم أو موت أي مدعواً عليك بلا سمِعْتَ أو غيرَ مسمَعٍ كلاماً ترضاه، فحينئذ يجوز أن يكون نصبُه على المفعولية، وللخير بأن يُحمل على اسمَعْ منا غيرَ مسمَعٍ مكروهاً. كانوا يخاطبون به النبيَّ صلى الله عليه وسلم استهزاءً به مُظْهرين له عليه السلام إرادةَ المعنى الأخيرِ وهم مضمِرون في أنفسهم المعنى الأولَ مطمئنون به ﴿ وراعنا ﴾ عطفٌ على اسمَعْ غيرَ مسمَعٍ، أي ويقولون في أثناء خِطابِهم له عليه السلام هذا أيضاً، يوردون كلاًّ من العظائمِ الثلاثِ في مواقعها. وهي أيضاً كلمةٌ ذاتُ وجهينِ محتملة للخير بحملها على معنى ارقُبْنا وانظُرْنا نُكلّمْك، وللشر بحملها على السبّ بالرُّعونة أي الحَمق، أو بإجرائها مجرى ما يُشبِهُها من كلمة عبرانيةٍ أو سريانية كانوا يتسابُّون بها وهي راعينا كانوا يخاطبونه عليه السلام بذلك ينوون الشتيمةَ والإهانةَ ويُظهرون التوقيرَ والاحترامَ، ومصيرُهم إلى مسلك النفاقِ في القولين الأخيرَين مع تصريحهم بالعصيان في الأول لما قالوا من أن جميعَ الكفرةِ كانوا يواجهونه بالكفر والعصيانِ ولا يواجهونه بالسبِّ ودُعاءِ السوءِ وقيل :كانوا يقولون الأولَ فيما بينهم، وقيل :يجوز أن لا ينطِقوا بذلك ولكنهم لمّا لم يؤمنوا به صاروا كأنهم نطَقوا به. ﴿ لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ ﴾ أي فتْلاً بها وصرفاً للكلام عن نهجه إلى نسبة السبِّ حيث وضعوا غيرَ مُسمَعٍ لا أن سمعت مكروهاً وأجْرَوا راعِنا المشابِهةَ لراعينا مُجْرى انظُرنا أو فتلاً بها وضمّاً لما يُظهرونه من الدعاء والتوقير إلى ما يُضمِرونه من السبِّ والتحقير ﴿ وَطَعْناً في الدين ﴾ أي قدحاً فيه بالاستهزاءِ والسُّخريةِ، وانتصابُهما على التعليل ليقولون باعتبار تعلّقِه بالقولين الأخيرين أي يقولون ذلك لصرف الكلامِ عن وجهه إلى السب والطعن في الدين، أو على الحالية أي لاوِينَ طاعِنين في الدين ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ ﴾ عندما سمعوا شيئاً من أوامر الله تعالى ونواهيه ﴿ قَالُوا ﴾ بلسان المقالِ أو بلسان الحالِ مكانَ قولِهم :سمعنا وعصَينا ﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ إنما أعيد سمِعْنا مع أنه متحقِّقٌ في كلامهم وإنما الحاجةُ إلى وضْعِ أطعنا مكانَ عصينا لا للتنبيه على عدم اعتبارِه بل على اعتبار عدمه كيف لا وسماعُهم سماعُ الردِّ ومُرادُهم بحكايته الإعلامُ بأن عِصيانَهم للأمر بعد سماعِه والوقوفِ عليه فلابد من إزالته وإقامةِ سماعِ القَبول مُقامَه. ﴿ واسمع ﴾ أي لو قالوا عند مخاطبةِ النبي عليه الصلاة والسلام بدلَ قولِهم اسمَعْ غيرَ مُسمَعٍ :اسمع ﴿ وانظُرنا ﴾ أي ولو قالوا ذلك بدلَ قولِهم :راعِنا ولم يدُسّوا تحت كلامِهم شراً وفساداً، أي لو ثبت أنهم قالوا هذا مكانَ ما قالوا من الأقوال ﴿ لَكَانَ ﴾ قولُهم ذلك ﴿ خَيْراً لَهُمْ ﴾ مما قالوا ﴿ وَأَقْوَمُ ﴾ أي أعدلَ وأسدَّ في نفسه، وصيغةُ التفضيلِ إما على بابها واعتبارِ أصلِ الفضلِ في المفضَّلِ عليه بناءً على اعتقادهم أو بطريق التهكمِ، وإما بمعنى اسمِ الفاعلِ وإنما قُدّم في البيان حالُه بالنسبة إليهم على حاله في نفسه لأن هِممَهم مقصورةٌ على ما ينفعهم. ﴿ وَلَكِن لَعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ ﴾ أي ولكن لم يقولوا ذلك واستمرُّوا على كفرهم فخذلهم الله تعالى وأبعدَهم عن الهدى بسبب كفرِهم بذلك ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ بعد ذلك ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ قيل :أي إلا إيماناً قليلاً لا يُعبأ به وهو الإيمانُ ببعض الكتُبِ والرسلِ أو إلا زماناً قليلاً وهو زمانُ الاحتضارِ فإنهم يؤمنون حين لا ينفعهم الإيمانُ، قال تعالى : ﴿ وَإِن منْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ [ النساء، الآية ١٥٩ ] وكلاهما ليس بإيمان قطعاً، وقد جُوِّز أن يراد بالقِلة العدمُ بالكلية على طريقة قوله تعالى : ﴿ لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الاولى ﴾ [ الدخان، الآية ٥٦ ] أي إن كان الإيمانُ المعدومُ إيماناً فهم يُحدِثون شيئاً من الإيمان فهو في المعنى تعليقٌ بالمحال وأنت خبيرٌ بأن الكلَّ يأباه ما يعقُبه من الأمر بالإيمان بالقرآنِ الناطقِ بهذا لإفضائه إلى التكليف بالمُحال الذي هو إيمانُهم بعدم إيمانِهم المستمرِّ، أما على الوجه الأخيرِ فظاهرٌ وأما على الأولين فلاِءَن أمرَهم بالإيمان المُنْجَزِ بجميع الكتبِ والرسلِ تكليفٌ لهم بإيمانهم ببعض الكتبِ والرسلِ وبعدم إيمانِهم إلى وقت الاحتضارِ، فالوجهُ أن يُحملَ القليلُ على مَنْ يؤمنون لإفضائه إلى وقوعِ إيمانِ مَنْ لعنه الله تعالى وخَذَله مع ما فيه من نسبة القراء إلى الاتفاق على غير المختارِ بل بجعله ضميرَ المفعولِ في لعنهم أي ولكن لعنهم الله إلا فريقاً قليلاً فإنه تعالى لم يلعنْهم فلم ينسَدَّ عليهم بابُ الإيمانِ وقد آمن بعد ذلك فريقٌ من الأحبار كعبد اللَّه بنِ سلام وكعبٍ وأضرابِهما كما سيأتي.
﴿ يَا أَيُّهَا الذين أُوتُوا الكتاب ﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إما إلى من حُكِيتْ أحوالُهم وأقوالُهم خاصةً بطريق الالتفاتِ، ووصفُهم تارةً بإيتاء الكتابِ أي التوراةِ وأخرى بإيتاء نصيبٍ منها لتوفية كلَ من المقامَين حقَّه، فإن المقصودَ فيما سبق بيانُ أخذِهم الضلالةَ وإزالةُ ما أُوتوه بمقابلتها بالتحريف، وليس ما أزالوه بذلك كلَّها حتى يوصَفوا بإيتائه، بل هو بعضُها فوُصِفوا بإيتائه، وأما هاهنا فالمقصودُ تأكيدُ إيجابِ الامتثالِ بالأمر الذي يعقُبه والتحذيرُ عن مخالفته من حيث أن الإيمانَ بالمصدَّق موجِبٌ للإيمان بما يصدِّقه، والكفرَ بالثاني مقتضٍ للكفر بالأول قطعاً، ولا ريب في أن المحذورَ عندهم إنما هو لزومُ الكفرِ بالتوراة نفسِها لا ببعضها، وذلك إنما يتحقق بجعب القرآنِ مصدِّقاً لكلها وإن كان مناطُ التصديقِ بعضاً منها ضرورةَ أن مصدِّقَ البعضِ مصدَّقٌ للكل المتضمِّن له حتماً، وإما إليهم وإلى غيرهم قاطبةً وهو الأظهرُ، وأياً ما كان فتفصيلُ ما فُصّل لمّا كان من مظانّ إقلاعِ كل من الفريقين عما كانوا عليه من الضلالة عقّب ذلك بالأمر بالمبادرة إلى سلوك محَجّة الهدايةِ مشفوعاً بالوعيد الشديدِ على المخالفة فقال : ﴿ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا ﴾ من القرآن، عبّر عنه بالموصولِ تشريفاً له بما في حيز الصلةِ وتحقيقاً لكونه من عنده عز وعلا ﴿ مُصَدّقاً لِمَا مَعَكُمْ ﴾ من التوراة، عبّر عنها بذلك للإيذان بكمالِ وقوفِهم على حقيقة الحالِ فإن المعيَّةَ المستدعِيةَ لدوام تلاوتِها وتكرُّر المراجعةِ إليها من موجبات العثور على ما في تضاعيفها المؤدّي إلى العلم بكون القرآنِ مصدِّقاً لها، ومعنى تصديقِه إياها نزولُه حسبما نُعِتَ لهم فيها أو كونُه موافقاً لها في القصص والمواعيدِ والدعوةِ إلى التوحيد والعدلِ بين الناس والنهي عن المعاصي والفواحِشِ، وأما ما يتراءى من مخالفته لها في جزئيات الأحكامِ بسبب تفاوتِ الأممِ والأعصارِ فليست بمخالفة في الحقيقة بل هي عينُ الموافقة من حيث أن كلاًّ منها حقٌّ بالإضافة إلى عصره متضمِّنٌ للحكمة التي عليها يدور فَلَكُ التشريعِ حتى لو تأخر نزولُ المتقدِّم لنزل على وَفق المتأخِّرِ، ولو تقدم نزولُ المتأخرِ لوافق المتقدّمَ قطعاً، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : «لو كان موسى حياً لما وسِعَه إلا اتّباعي » ﴿ من قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ متعلقٌ بالأمر مفيدٌ للمسارعة إلى الامتثال به والجِدِّ في الانتهاء عن مخالفته بما فيه من الوعيد الشديدِ الواردِ على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه، حيث لم يعلَّقْ وقوعُ المتوعَّدِ به بالمخالفة ولم يصرَّحْ بوقوعه عندها تنبيهاً على أن ذلك أمرٌ محقَّقٌ غنيٌّ عن الإخبار به وأنه على شرف الوقوعِ متوجِّهٌ نحوَ المخاطَبين، وفي تنكير الوجوهِ المفيدِ للتكثير تهويلٌ للخطب وفي إبهامها لطفٌ بالمخاطَبين وحسنُ استدعاءٍ لهم إلى الإيمان، وأصلُ الطمسِ محوُ الآثارِ وإزالةُ الأعلام، أي آمنوا من قبل أن نمحُوَ تخطيطَ صورِها ونزيلَ آثارَها، قال ابن عباس رضي الله عنهما :نجعلها كخُفّ البعيرِ أو كحافر الدابةِ، وقال قتادة والضحاك :نُعْميها كقوله تعالى : ﴿ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ ﴾ [ القمر، الآية ٣٧ ] وقيل :نجعلها منابتَ الشعرِ كوجوه القِردة. ﴿ فَنَرُدَّهَا على أدبارها ﴾ فنجعلَها على هيئة أدبارِها وأقفائِها مطموسةً مثلَها، فالفاءُ للتسبيب أو نُنَكّسَها بعد الطمسِ فنردَّها إلى موضع الأقفاءِ، والأقفاءَ إلى موضعها، وقد اكتُفيَ بذكر أشدِّهما فالفاءُ للتعقيب، وقيل :المرادُ بالوجوه الوجهاءُ على أن الطمْسَ بمعنى مُطلقِ التغييرِ، أي من قبل أن نغيِّرَ أحوالَ وُجَهائِهم فنسلُبَ إقبالَهم ووجاهتَهم ونكسُوَهم صَغاراً وإدباراً، أو نردَّهم من حيث جاءوا منه، وهي أذرِعاتُ الشام، فالمرادُ بذلك إجلاءُ بني النضيرِ، ولا يخفي أنه لا يساعدُه مقامُ تشديدِ الوعيدِ وتعميمِ التهديدِ للجميع، فالوجهُ ما سبق من الوجوه، وقد اختُلف في أن الوعيدَ هل كان بوقوعه في الدنيا أو في الآخرة ؟ فقيل :كان بوقوعه في الدنيا. ويؤيده ما رُوي أن عبدَ اللَّهِ بنَ سلامٍ رضي الله تعالى عنه لما قدِم من الشام وقد سمع هذه الآيةَ أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتيَ أهلَه فأسلم، وقال :يا رسولَ الله ما كنت أرى أن أصِلَ إليك حتى يتحوّلَ وجهي إلى قفايَ. وفي رواية جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام ويدُه على وجهه وأسلم وقال ما قال. وكذا ما رُوي أن عمرَ رضي الله عنه قرأ هذه الآيةَ على كعب الأحبارِ، فقال كعبٌ :يا رب آمنتُ يا ربِّ أسلمتُ مخافةَ أن يصيبَه وعيدُها، ثم اختلفوا فقيل :إنه مُنتَظَرٌ بعْدُ، ولابد من طمسٍ في اليهود ومسخٍ، وهو قولُ المبرِّد. وفيه أن انصرافَ العذابِ الموعودِ عن أوائلهم -وهم الذين باشروا أسبابَ نزولِه وموجباتِ حلولِه حيث شاهدوا شواهد النبوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذبوها وفي التوراة فحرّفوها وأصرُّوا على الكفر والضلالةِ وتعلَّقَ بهم خِطابُ المشافهةِ بالوعيد ثم نزولَه على من وُجد بعد مئاتٍ من السنين من أعقابهم الضالّين بإضلالهم العالَمين بما مهّدوا من قوانين الغِوايةِ- بعيدٌ من حكمة الله تعالى العزيزِ الحكيم، وقيل :أو وقوعَه كان مشروطاً بعدمِ الإيمانِ وقد آمن من أحبارهم المذكورانِ وأضرابُهما فلم يقعْ، وفيه أن إسلامَ بعضِهم إن لم يكن سبباً لتأكد نزولِ العذابِ على الباقين -لتشديدهم النكيرَ والعِنادَ بعد ازديادِ الحقِّ وضوحاً وقيامِ الحجةِ عليهم بشهادة أماثلِهم العدولِ- فلا أقلَّ من ألا يكونَ سبباً لرفعه عنهم، وقيل :كان الوعيدُ بوقوع أحدِ الأمرين كما ينطِقُ به قوله تعالى : ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أصحاب السبت ﴾ فإن لم يقعِ الأمرُ الأولُ فلا نزاعَ في وقوع الثاني، كيف لا وهم ملعونون بكل لسانٍ في كل زمانٍ، وتفسيرُ اللعن بالمسخ ليس بمقرَّرٍ الْبتّةَ، وأنت خبير بأن المتبادرَ من اللعن المشبَه بلعن أصحابِ السبت هو المسخُ وليس في عطفه على الطمس والردِّ على الأدبارِ شائبةُ دلالةٍ على عدم إرادةِ المسخِ لضرورة أنه تغييرٌ مغايرٌ لما عُطف عليه، على أن المتوعَّدَ به لابد أن يكون أمراً حادثاً مترتباً على الوعيد محذوراً عندهم، ليكون مَزْجرةً عن مخالفة الأمرِ ولم يُعهَدْ أنه وقع عليهم لعنٌ بهذا الوصف، إنما الواقعُ عليهم ما تداولته الألسنةُ من اللعن المستمرِّ الذي ألِفُوه وهو بمعزل من صلاحية أن يكونَ حكماً لهذا الوعيدِ أو مزجرةً للعنيد، وقيل :إنما كان الوعيدُ بوقوع ما ذُكر في الآخرة عند الحشرِ وسيقع فيها لا محالةَ أحدُ الأمرين أو كلاهما على سبيل التوزيعِ، وأما ما روي عن عبد اللَّه بنِ سلامٍ وكعبٍ فمبنيٌّ على الاحتياط اللائقِ بشأنهما. والحق أن النظمَ الكريمَ ليس بنص في أحد الوجهين، بل المتبادرُ منه بحسب المقامِ هو الأولُ لأنه أدخلُ في الزجر وعليه مبنيٌّ ما روي عن الحَبْرين، لكن لمّا لم يتضِحْ وقوعُه عُلم أن المرادَ هو الثاني، والله تعالى أعلم وأياً ما كان فلعل السرَّ في تخصيصهم بهذه العقوبةِ من بين العقوباتِ مراعاةُ المشاكلةِ بينهما وبين ما أوجبها من جنايتهم التي هي التحريفُ والتغييرُ والله هو العليمُ الخبير ﴿ وَكَانَ أَمْرُ الله ﴾ أي ما أمر به كائناً ما كان أو أمرُه بإيقاع شيءٍ ما من الأشياء ﴿ مَفْعُولاً ﴾ نافذاً كائناً لا محالة فيدخُل فيه ما أُوعِدْتم به دخولاً أولياً، فالجملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لما سبق، ووضعُ الاسمِ الجليلِ موضعَ الضميرِ بطريق الالتفاتِ لتربية المهابةِ وتعليلِ الحُكمِ وتقويةِ ما في الاعتراض من الاستقلال.
﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ كلامٌ مستأنفٌ مَسوقٌ لتقرير ما قبله من الوعيد وتأكيدِ وجوبِ الامتثالِ بالأمر بالإيمان ببيان استحالةِ المغفرةِ بدونه فإنهم كانوا يفعلون ما يفعلون من التحريف ويطمَعون في المغفرة كما في قوله تعالى : ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الكتاب يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى ﴾ [ الأعراف، الآية ١٦٩ ] أي على التحريف ﴿ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ﴾ [ الأعراف، الآية ١٦٩ ] والمرادُ بالشرك مُطلقُ الكفرِ المنتظمِ لكفر اليهودِ انتظاماً أولياً فإن الشرْعَ قد نص على إشراك أهلِ الكتابِ قاطبةً وقضى بخلود أصنافِ الكفرةِ في النار، ونزولُه في حق اليهود كما قال مقاتل وهو الأنسبُ بسباق النظمِ الكريم وسياقِه لا يقتضي اختصاصَه بكفرهم بل يكفي اندراجُه فيه قطعاً، بل لا وجهَ له أصلاً لاقتضائه جوازَ مغفرةِ ما دون كفرِهم في الشدة من أنواع الكفرِ أي لا يغفِرُ الكفرَ لمن اتصف به بلا توبةٍ وإيمانٍ لأن الحكمةَ التشريعيةَ مقتضيةٌ لسدّ بابِ الكفرِ، وجوازُ مغفرتِه بلا إيمان مما يؤدّي إلى فتحه ولأن ظلماتِ الكفرِ والمعاصي إنما يسترها نورُ الإيمانِ فمن لم يكن له إيمانٌ لم يغفَرْ له شيءٌ من الكفر والمعاصي ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ ﴾ عطفٌ على خبر إن، وذلك إشارةٌ إلى الشرك، وما فيه من معنى البُعدِ مع قُربه في الذكر للإيذان ببُعدِ درجتِه وكونِه في أقصى مراتبِ القُبحِ، أي ويغفر ما دونه في القبح من المعاصي صغيرةً كانت أو كبيرةً تفضلاً من لدنه وإحساناً من غير توبةٍ عنها لكن لا لكل أحدٍ بل ﴿ لِمَن يَشَاء ﴾ أي لمن يشاء أن يغفرَ له ممن اتصف به فقط لا بما فوقه، فإن مغفرتَهما لمن اتصف بهما سواءٌ في استحالة الدخولِ تحت المشيئةِ المبْنيةِ على الحكمةِ التشريعيةِ، فإن اختصاصَ مغفرةِ المعاصي من غير توبةٍ بأهل الإيمانِ من متمِّمات الترغيبِ فيه والزجْرِ عن الكفر، ومن علق المشيئةَ بكلا الفعلين وجعل الموصولَ الأولَ عبارةً عمن لم يتُبْ والثاني عمن تاب فقد ضل سواءَ السبيلِ، كيف لا وإن مساقَ النظمِ الكريمِ لإظهار كمالِ عِظَمِ جريمةِ الكفرِ وامتيازِه عن سائر المعاصي ببيان استحالةِ مغفرتِه وجوازِ مغفرتِها، فلو كان الجوازُ على تقدير التوبةِ لم يظهَرْ بينهما فرقٌ، للإجماع على مغفرتها بالتوبة، ولم يحصُلْ ما هو المقصودُ من الزجر البليغِ عن الكفر والطغيانِ والحملِ على التوبة والإيمان. ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بالله ﴾ إظهارُ الاسمِ الجليلِ في موضع الإضمارِ لزيادة تقبيحِ الإشراكِ وتفظيعِ حالِ من يتصف به [ ولإظهار المهابةِ من الكفر ] ﴿ فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً ﴾ أي افترى واختلق، مرتكباً إثماً لا يقادَر قدْرُه ويُستحقر دونه جميعُ الآثامِ فلا تتعلق به المغفرةُ قطعاً.
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾ تعجيبٌ من حالهم المنافيةِ لما هم عليه من الكفر والطغيانِ، والمرادُ بهم اليهودُ الذين يقولون :نحن أبناءُ الله وأحبّاؤُه، وقيل :( ناسٌ من اليهود جاءوا بأطفالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا :هل على هؤلاء ذنبٌ ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : «لا » قالوا :ما نحن إلا كهيئتهم ما عمِلنا بالنهار كُفّر عنا بالليل وما عمِلنا بالليل كُفّر عنا بالنهار ) أي انظُر إليهم فتعجَّبْ من ادعائهم أنهم أزكياءُ عند الله تعالى مع ما هم عليه من الكفر والإثمِ العظيمِ أو من ادعائهم التكفيرَ مع استحالة أن يُغفرَ للكافر شيءٌ من كفره أو معاصيه، وفيه تحذيرٌ من إعجاب المرءِ بنفسه وبعمله ﴿ بَلِ الله يُزَكّي مَن يَشَاء ﴾ عطفٌ على مقدَّر ينساقُ إليه الكلامُ كأنه قيل :هم لا يزكونها في الحقيقة لكَذِبهم وبُطلان اعتقادِهم، بل الله يزكي من يشاء تزكيتَه ممن يستأهِلُها من المرتَضَيْن من عباده المؤمنين، إذ هو العليمُ الخبيرُ بما ينطوي عليه البشرُ من المحاسن والمساوي وقد وصفهم الله بما هو متصفون به من القباح. وأصلُ التزكيةِ نفيُ ما يُستقبح بالفعل أو بالقول ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ ﴾ عطفٌ على جملةٍ قد حُذفت تعويلاً على دِلالة الحالِ عليها وإيذاناً بأنها غنيةٌ عن الذكر أي يعاقَبون بتلك الفَعلةِ القبيحةِ ولا يظلمون في ذلك العقاب ﴿ فَتِيلاً ﴾ أي أدنى ظُلمٍ وأصغرَه، وهو الخيطُ الذي في شِقّ النواةِ يُضرب به المثلُ في القِلة والحَقارةِ، وقيل :التقديرُ يثاب المزكّون ولا يُنقص من ثوابهم شيءٌ أصلاً، ولا يساعده مقامُ الوعيد.
﴿ انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ ﴿ كَيْفَ ﴾ نُصب إما تشبيهاً بالظرف أو بالحال على الخلاف المشهورِ بين سيبويه والأخفشِ، والعاملُ يفترون وبه تتعلق ﴿ على ﴾ أي في أي حالٍ، أو على أي حالٍ يفترون عليه تعالى الكَذِب، والمرادُ بيان شناعةِ تلك الحالِ وكمالُ فظاعتِها، والجملةُ في محل النصبِ بعد نزعِ الخافض والنظرُ متعلقٌ بهما، وهو تعجيبٌ وتنبيهٌ على أن ما ارتكبوه متضمِّنٌ لأمرين عظيمين موجبين للتعجب :إدعاؤُهم الاتصافَ بما هم متّصفون بنقيضه، وافتراؤُهم على الله سبحانه. فإن ادعاءهم الزكاةَ عنده تعالى متضمِّنٌ لادعائهم قبولَ الله وارتضاءَه إياهم، تعالى عن ذلك علواً كبيراً، ولكون هذا أشنعَ من الأول جُرماً وأعظمَ قبحاً لما فيه من نسبته سبحانه وتعالى إلى ما يستحيل عليه بالكلية من قَبول الكفرِ وارتضائِه لعباده ومغفرةِ كفرِ الكافرِ وسائرِ معاصيه، وُجِّه النظرُ إلى كيفيته تشديداً للتشنيع وتأكيداً للتعجيب. والتصريحُ بالكذب مع أن الافتراءَ لا يكون إلا كذباً للمبالغة في تقبيح حالِهم. ﴿ وكفى بِهِ ﴾ أي بافترائهم هذا من حيث هو افتراءٌ عليه تعالى مع قطع النظرِ عن مقارنته لتزكية أنفسِهم وسائرِ آثامِهم العظامِ ﴿ إِثْماً مُبِيناً ﴾ ظاهراً بيّناً كونُه [ أشدَّ ] إثماً، والمعنى كفي ذلك وحدَه في كونهم أشدَّ إثماً من كل كَفارٍ أثيم، أو في استحقاقهم لأشدِّ العقوباتِ لما مر سرُّه، وجعلُ الضميرِ لزعمهم مما لا مساغَ له لإخلاله بتهويل أمرِ الافتراءِ فتدبرْ.
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُوا نَصِيبًا منَ الكتاب ﴾ تعجبٌ من حال أخرى لهم، ووصفُهم بما ذكر من إيتاء النصيبِ لما مر من منافاته لما صدَر عنهم من القبائح، وقولُه عز وجل : ﴿ يُؤْمِنُونَ بالجبت والطاغوت ﴾ استئنافٌ مُبينٌ لمادة التعجب مبنيٌّ على سؤال ينساق إليه الكلامُ كأنه قيل :ماذا يفعلون حين يُنظَر إليهم ؟ فقيل :يؤمنون الخ، والجبتُ الأصنامُ وكلُّ ما عُبد من دون الله تعالى فقيل :أصلُه الجِبسُ وهو الذي لا خير عنده فأُبدل السنُ تاءً، وقيل :الجبتُ الساحرُ بلغة الحبشة، والطاغوتُ الشيطانُ، قيل :هو في الأصل كل ما يُطغي الإنسان. روي ( أن حُيَيَّ بنَ أخطبَ وكعبَ بنَ الأشرف اليهوديين خرجا إلى مكةَ في سبعين راكباً من اليهود ليحالفوا قريشاً على محاربة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وينقُضوا العهدَ الذي كان بينهم وبينه عليه السلام فقالوا :أنتم أهلُ كتابٍ وأنتم أقربُ إلى محمد منكم إلينا فلا نأمن مكرَكم فاسجُدوا لآلهتنا حتى نطمئنَّ إليكم ففعلوا ) فهذا إيمانُهم بالجبت والطاغوتِ لأنهم سجَدوا للأصنام وأطاعوا إبليسَ فيما فعلوا، وقال أبو سفيانَ لكعبٍ :إنك امرُؤٌ تقرأ الكتابَ وتعلم، ونحن أُميون لا نعلم فأيُنا أهدى طريقاً نحن أم محمدٌ ؟ فقال :ماذا يقول محمد ؟ قال :يأمر بعبادة الله وحدَه وينهي عن الشرك، قال :وما دينُكم ؟ قالوا :نحن ولاةُ البيتِ نسقي الحاجَّ ونَقْري الضيفَ ونفُكّ العانيَ، وذكروا أفعالَهم فقال :أنتم أهدى سبيلاً. وذلك قولُه تعالى : ﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أي لأجلهم وفي حقّهم ﴿ هَؤُلاء ﴾ يعنُونهم ﴿ أهدى من الذين آمنوا سبيلا ﴾ أي أقومُ ديناً وأرشدُ طريقةً، وإيرادُهم بعنوان الإيمانِ ليس من قِبلَ القائلين بل من جهة الله تعالى تعريفاً لهم بالوصف الجميلِ وتخطئةً لمن رجّح عليهم المتصفين بأقبحِ القبائحِ.
﴿ أولئك ﴾ إشارةٌ إلى القائلين، وما فيه من معنى البُعْد مع قربهم في الذكر للإشعار ببُعد منزلتِهم في الضلال، وهو مبتدأٌ خبرُه قولُه تعالى : ﴿ الذين لَعَنَهُمُ الله ﴾ أي أبعدهم عن رحمته وطردهم، والجملةُ مستأنفةٌ لبيان حالِهم وإظهارِ مصيرِهم ومآلِهم ﴿ وَمَن يَلْعَنِ الله ﴾ أي يُبعده عن رحمته ﴿ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ﴾ يدفع عنه العذابَ دنيوياً كان أو أخروياً لا بشفاعة ولا بغيرها، وفيه تنصيصٌ على حِرمانهم مما طلبوا من قريش، وفي كلمة لن وتوجيهِ الخطابِ إلى كل أحد ممن يتسنى له الخطابُ وتوحيدِ النصيرِ مُنكّراً والتعبيرِ عن عدمه بعدم الوُجدانِ المُنْبئ عن سبق الطلبِ مُسنداً إلى المخاطبَ العامِّ من الدِلالة على حِرمانهم الأبديِّ بالكلية ما لا يخفى.
﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ منَ الملك ﴾ شروعٌ في تفصيل بعضٍ آخرَ من قبائحهم، وأمْ منقطعةٌ وما فيها من بل للإضراب والانتقالِ من ذمهم بتزكيتهم أنفسَهم وغيرِها مما حُكي عنهم إلى ذمهم بادّعائهم نصيباً من الملك وبُخلِهم المفرِطِ وشحِّهم البالغِ، والهمزةُ لإنكار أن يكون لهم ما يدّعونه وإبطالِ ما زعموا أن المُلك سيصير إليهم، وقولُه تعالى : ﴿ فَإذاً لاَّ يُؤْتُونَ الناس نَقِيراً ﴾ بيانٌ لعدم استحقاقِهم له بل لاستحقاقهم الحِرمانَ منه بسبب أنهم من البخل والدناءةِ بحيث لو أوتوا شيئاً من ذلك لما أعطَوا الناسَ منه أقلَّ قليلٍ، ومن حق مَنْ أوتي المُلكَ أن يُؤثِرَ الغيرَ بشيء منه، فالفاءُ للسببية الجزائيةِ لشرط محذوفٍ، أي إن جُعل لهم نصيبٌ منه فإذن لا يؤتون الناسَ مقدارَ نقيرٍ وهو ما في ظهر النواة من النُقرة، يُضرب به المثلُ في القِلة والحقارةِ، وهذا هو البيانُ الكاشفُ عن كُنه حالِهم، وإذا كان شأنُهم كذلك وهم مُلوكٌ فما ظنُّك بهم وهم أذلاءُ متفاقرون. ويجوز أن لا تكون الهمزةُ لإنكار الوقوعِ بل لإنكار الواقعِ والتوبيخِ عليه، أي لعدِّه مُنكراً غيرَ لائقٍ بالوقوع، على أن الفاءَ للعطف، والإنكارُ متوجهٌ إلى مجموع المعطوفَين على معنى ألهمْ نصيبٌ وافرٌ من الملك حيث كانوا أصحابَ أموالٍ وبساتينَ وقصورٍ مَشيدةٍ كالملوك فلا يؤتون الناسَ مع ذلك نقيراً كما تقول لغنيَ لا يراعي أباه :ألك هذا القدرُ من المال فلا تُنفقُ على أبيك شيئاً ؟ وفائدةُ إذن تأكيدُ الإنكارِ والتوبيخِ حيث يجعلون ثبوتَ النصيبِ سبباً للمنع مع كونِه سبباً للإعطاء، وهي مُلغاةٌ عن العمل كأنه قيل :فلا يؤتون الناسَ إذن، وقرئ فإذن لا يُؤتوا بالنصب على إعمالها.
﴿ أمْ يَحْسُدُونَ الناس ﴾ منقطعةٌ أيضاً مفيدةٌ للانتقال من توبيخهم بما سبق إلى توبيخهم بالحسد الذي هو شرُّ الرذائلِ وأقبحُها لاسيما على ما هم بمعزل من استحقاقه، واللام في الناس للعهد والإشارةِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وحملُه على الجنس -إيذاناً بحيازتهم للكمالات البشريةِ قاطبةً فكأنهم هم الناسُ لا غيرُ لا يلائمه ذكرُ حديثِ آلِ إبراهيمَ فإن ذلك لتذكير ما بين الفريقين من العلاقة الموجبةِ لاشتراكهما في استحقاق الفضلِ، والهمزةُ لإنكار الواقعِ واستقباحِه فإنهم كانوا يطمعون أن يكون النبيُّ الموعودُ منهم فلما خصَّ الله تعالى بتلك الكرامةِ غيرَهم حسدوهم أي بل أيحسُدونهم ﴿ على مَا آتاهم الله مِن فَضْلِهِ ﴾ يعني النبوةَ والكتابَ وازديادَ العزِّ والنصرِ يوماً فيوماً، وقولُه تعالى : ﴿ فَقَدْ آتَيْنَا ﴾ تعليلٌ للإنكار والاستقباحِ وإلزامٌ لهم بما هو مُسلَّمٌ عندهم وحسمٌ لمادة حسَدِهم واستبعادِهم المبنيَّيْن على توهّم عدمِ استحقاقِ المحسودِ لِما أوتيَ من الفضل ببيان استحقاقِه له بطريق الوراثةِ كابراً عن كابر، وإجراءُ الكلامِ على سَنن الكبرياءِ بطريق الالتفاتِ لإظهار كمالِ العنايةِ بالأمر، والمعنى أن حسدَهم المذكورَ في غاية القبحِ والبُطلانِ فإنا قد آتينا من قبلِ هذا ﴿ آل إبراهيم ﴾ الذين هم أسلافُ محمدٍ عليه الصلاة والسلام أو أبناءُ أعمامِه ﴿ الكتاب والحكمة ﴾ أي النبوة ﴿ وآتيناهم ﴾ مع ذلك ﴿ مُلْكاً عَظِيماً ﴾ لا يقادَر قدرُه فكيف يستبعدون نبوتَه عليه الصلاة والسلام ويحسُدونه على إيتائها، وتكريرُ الإيتاءِ لما يقتضيه مقامُ التفضيلِ مع الإشعار بما بين النبوةِ والمُلكِ من المغايرة، فإن أريد به الإيتاءُ بالذات فالمرادُ بآل إبراهيمَ أنبياؤهم خاصة، والضميرُ المنصوبُ في الفعل الثاني لبعضهم إما بحذف المضافِ أو بطريق الاستخدامِ لما أن المُلكَ لم يُؤتَ كلَّهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما :الملكُ في آل إبراهيمَ مُلكُ يوسفَ وداودَ وسليمانَ عليهم السلام إن أريد به ما يعُمّه وغيرَه من الإيتاء بالواسطةِ وهو اللائقُ بالمقام والأوفقُ لما قبله من نسبة إيتاءِ الفضلِ إلى الناس، فالمرادُ بآل إبراهيمَ كلُّهم فإن تشريفَ البعضِ بما ذُكر من إيتاء النبوةِ والمُلكِ تشريفٌ للكل لاعتنائهم بآثاره واقتباسِهم من أنواره، وفي تفصيل ما أُوتوه وتكريرِ الفعلِ ووصفِ المُلكِ بالعِظَم وتنكيرِه التفخيميِّ -مع تأكيد الإلزامِ وتشديدِ الإنكارِ- ما لا يخفى.
هذا هو المتبادرُ من النظم الكريمِ وإليه جنحَ جمهورُ أئمةِ التفسيرِ لكن الظاهرَ حينئذ أن يكون قولُه تعالى : ﴿ فَمِنْهُمْ منْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَن صَدَّ عَنْهُ ﴾ حكايةً لما صدر عن أسلافهم عَقيبَ وقوعِ المحكيِّ من غير أن يكون له دخْلٌ في الإلزام الذي سيق له الكلامُ أي فمن جنس هؤلاءِ الحاسدين وآبائِهم مَن آمن بما أوتي آلُ إبراهيمَ ومنهم من أعرضَ عنه، وأما جعلُ الضميرين لما ذُكر من حديث آلِ إبراهيمَ فيستدعي تراخيَ الآيةِ الكريمةِ عما قبلها نزولاً، كيف لا وحكايةُ إيمانِهم الحديث المذكورِ وإعراضِهم عنه بصيغة الماضي إنما يُتصوّر بعد وقوع الإيمانِ والإعراضِ المتأخِّرَين عن سماع الحديثِ المتأخرِ عن نزوله، وكذا جعلُهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذِ الظاهرُ بيانُ حالِهم بعد هذا الإلزامِ. وحملُه على حكاية حالِهم السابقةِ لا تساعده الفاءُ المرتبةُ لما بعدها على ما قبلها، ولا يبعُد كلَّ البعدِ أن تكون الهمزةُ لتقرير حسدِهم وتوبيخِهم بذلك ويكونَ قولُه تعالى : ﴿ فَقَدْ آتَيْنَا ﴾ [ النساء، الآية :٥٤ ]، تعليلاً له بدِلالته على إعراضهم عما أوتي آلُ إبراهيم وإن لم يُذكرْ كونُه بطريق الحسدِ كأنه قيل :بل أيحسُدون الناسَ على ما آتاهم الله من فضله ولا يؤمنون به ؟ وذلك دِيدنُهم المستمرُّ فإنا قد آتينا آلَ إبراهيمَ ما آتينا، فمنهم أي من جنسهم مَنْ آمن بما آتيناهم ومنهم من أعرض عنه ولم يؤمن به والله سبحانه أعلمُ، وفيه تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ﴿ وكفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ﴾ ناراً مسعرةً يعذّبون بها، والجملةُ تذييلٌ لما قبلها.
﴿ إِنَّ الذين كَفَرُوا بآياتنا ﴾ إن أريد بهم الذين كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم فالمرادُ بالآيات إما القرآنُ أو ما يعُمّ كلَّه وبعضَه أو ما يعم سائرَ معجزاتِه أيضاً وإن أريد بهم الجنسُ المتناولُ لهم تناولاً أولياً فالمرادُ بالآيات ما يعم المذكوراتِ وسائرَ الشواهدِ التي أوتيَها الأنبياءُ عليهم السلام ﴿ سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً ﴾ قال سيبويهِ :سوف كلمةٌ تُذكر للتهديد والوعيدِ وينوبُ عنها السينُ، وقد يُذكران في الوعد فيفيدانِ التأكيدِ أي نُدخلهم ناراً عظيمةً هائلة ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ﴾ أي احترقت، وكلما ظرفُ زمانٍ والعامل فيه ﴿ بدّلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا ﴾ من قَبيل بدّله بخوفه أمناً، لا من قبيل يبدل الله سيئاتِهم حسناتٍ أي أعطيناهم مكانَ كلِّ جلدٍ محترقٍ عند احتراقِه جلداً جديداً مغايراً للمحترق صورةً وإن كان عينَه مادةً بأن يُزالَ عنه الاحتراقُ ليعودَ إحساسُه للعذاب، والجملةُ في محل النصبِ على أنها حالٌ من ضمير نُصليهم، وقد جُوِّز كونُها صفةً لناراً على حذف العائدِ أي كلما نضِجت فيها جلودُهم، فمعنى قولِه تعالى : ﴿ لِيَذُوقُوا العذاب ﴾ ليدومَ ذَوْقُهم ولا ينقطِعَ، كقولك للعزيز :أعزَّك الله، وقيل :يخلُق مكانَه جلداً آخرَ، والعذابُ للنفس العاصيةِ لا لآلة إدراكِها. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما :يُبدَّلون جلوداً بيضاءَ كأمثال القراطيسِ، وروي أن هذه الآيةَ قُرئت عند عمرَ رضي الله تعالى عنه فقال للقارئ :أعِدْها فأعادها وكان عنده معاذُ بنُ جبلٍ، فقال معاذٌ :عندي تفسيرُها :يُبَدّل في ساعةٍ مائةَ مرةٍ، فقال عمر رضي الله عنه :هكذا سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول. وقال الحسنُ :تأكلُهم النارُ كلَّ يومٍ سبعين ألفِ مرةٍ كلما أكلتْهم قيل لهم :عودوا فيعودون كما كانوا. وروى أبو هريرةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أن بين منكِبَي الكافرِ مسيرةَ ثلاثةِ أيامٍ للراكبِ المسرعِ، وعن أبي هريرة أنه قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «ضِرْسُ الكافرِ أو نابُ الكافرِ مثلُ أحُدٍ، وغِلَظُ جلدِه مسيرةُ ثلاثةِ أيامٍ ». والتعبيرُ عن إدراك العذابِ بالذوق ليس لبيان قلّتِه بل لبيان أن إحساسَهم بالعذاب في كل مرةٍ كإحساس الذائقِ بالمذوق من حيث إنه لا يدخُله نقصانٌ بدوام الملابَسةِ إو للإشعار بمرارة العذابِ مع إيلامه أو للتنبيه على شدة تأثيرِه من حيث إن القوةَ الذائقةَ أشدُّ الحواسِّ تأثراً أو على سِرايته للباطن، ولعل السرَّ في تبديل الجلودِ -مع قدرتِه تعالى على إبقاء إدراكِ العذابِ وذوقِه بحاله مع الاحتراق أو مع إبقاء أبدانِهم على حالها مَصونةً عن الاحتراق- أن النفسَ ربما تتوهّم زوالَ الإدراكِ بالاحتراق ولا تستبعد كلَّ الاستبعادِ أن تكون مصونةً عن التألم والعذابِ صيانةَ بدنِها عن الاحتراق. ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً ﴾ لا يمتنع عليه ما يريده ولا يمانعه أحدٌ ﴿ حَكِيماً ﴾ يعاقِب مَنْ يعاقبه على وَفق حكمتِه، والجملةُ تعليلٌ لما قبلها من الإصلاء والتبديلِ، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ بطريق الالتفاتِ لتهويل الأمرِ وتربية المهابةِ وتعليلِ الحكم، فإن عنوانَ الألوهيةِ مناطٌ لجميع صفاتِ كمالِه تعالى.
﴿ والذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات ﴾ عُقِّب بيانُ سوءِ حالِ الكفرةِ ببيان حُسنِ حالِ المؤمنين تكميلاً لِمَساءة الأولين ومسرَّةِ الآخَرين، أي الذين آمنوا بآياتنا وعمِلوا بمقتضياتها، وهو مبتدأٌ خبرُه قولُه تعالى : ﴿ سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار ﴾ وقرئ سيُدخِلُهم بالياء رداً على الاسم الجليلِ، وفي السين تأكيدٌ للوعد ﴿ خالدين فِيهَا أَبَداً ﴾ حالٌ مقدّرةٌ من الضمير المنصوبِ في سندخلهم وقوله عز وعلا : ﴿ لَهُمْ فِيهَا أزواج مُطَهَّرَةٌ ﴾ أي مما في نساء الدنيا من الأحوال المستقذَرةِ البدنية والأدناسِ الطبيعية، في محل النصبِ على أنه حالٌ من جناتٍ أو حالٌ ثانيةٌ من الضمير المنصوبِ أو على أنه صفةٌ لجناتٍ بعد صفةٍ، أو في محل الرفعِ على أنه خبرٌ للموصول بعد خبرٍ ﴿ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً ﴾ أي فيْناناً لا جَوْبَ فيه دائماً لا تنسَخُه شمسٌ اللهم ارزُقنا ذلك بفضلك وكرمِك يا أرحمَ الراحمين، والظليلُ صفةٌ مشتقةٌ من لفظ الظلِّ للتأكيد كما في ليلٌ ألْيلُ ويومٌ أيومٌ وقرئ يُدخلهم بالياء وهو عطفٌ على سيُدخِلهم لا على أنه غيرُ الإدخالِ الأولِ بالذات بل بالعنوان كما في قوله تعالى : ﴿ وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا والذين آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ منَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ منْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ [ هود، الآية ٥٨ ].
﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأمانات إِلَى أَهْلِهَا ﴾ في تصدير الكلامِ بكلمة التحقيقِ وإظهارِ الاسمِ الجليلِ وإيرادِ الأمرِ على صورة الإخبارِ -من الفخامة وتأكيدِ وجوبِ الامتثال به والدِلالةِ على الاعتناء بشأنه- ما لا مزيدَ عليه، وهو خطابٌ يعُمّ حكمُه المكلّفين قاطبة كما أن الأماناتِ تعمُّ جميعَ الحقوقِ المتعلقةِ بذمهم من حقوق الله تعالى وحقوقِ العبادِ سواءٌ كانت فعليةً أو قوليةً أو اعتقاديةً وإن ورد في شأن عثمانَ بنِ طلحةَ بنِ عبدِ الدارِ سادنِ الكعبةِ المعظمةِ وذلك أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكةَ يوم الفتح أغلق عثمانُ رضي الله عنه بابَ الكعبةِ وصعِدَ السطحَ وأبى أن يدفعَ المِفتاحَ إليه وقال :لو علمت أنه رسولُ الله لم أمنعْه فلوى علي بنُ أبي طالبٍ يدَه وأخذه منه وفتح ودخل النبيُّ صلى الله عليه وسلم وصلى ركعتين فلما خرج سأله العباسُ أن يُعطِيَه المفتاحَ ويجمعَ له السِقاية والسِدانة فنزلت فأمر علياً أن يُردَّه إلى عثمانَ ويعتذرَ إليه فقال عثمان لعليّ :أكرهتَ وآذيتَ ثم جئت ترفو فقال :لقد أنزل الله تعالى في شأنك قرآناً فقرأ عليه الآية فقال عثمانُ :أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فهبَط جبريلُ عليه الصلاة والسلام وأخبر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن السِّدانةَ في أولاد عثمانَ أبداً. وقرئ الأمانةَ على التوحيد والمرادُ الجنسُ لا المعهودُ، وقيل :هو أمرٌ للولاة بأداء الحقوقِ المتعلقةِ بذمهم من المناصب وغيرِها إلى مستحقيها كما أن قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس أَن تَحْكُمُوا بالعدل ﴾ أمرٌ لهم بإيصال الحقوقِ المتعلقةِ بذمم الغيرِ إلى أصحابها، وحيث كان المأمورُ به هاهنا مختصاً بوقت المرافعةِ قُيِّد به بخلاف المأمورِ به أو لا فإنه لما لم يتعلَّقْ بوقت دون وقت أُطلق إطلاقاً فقوله تعالى : ﴿ أَن تَحْكُمُوا ﴾ عطفٌ على أن تؤدوا قد فُصِل بين العاطفِ والمعطوفِ بالظرف المعمولِ له عند الكوفيين، والمقدرُ يدل هو عليه عند البصريين لأن ما بعد أن لا يعمل فيما قبلها عندهم أي وإن تحكموا إذا حكمتم الخ، وقولُه تعالى : ﴿ بالعدل ﴾ متعلقٌ بتحكموا أو بمقدر وقع حالاً من فاعله أي ملتبسين بالعدل والإنصاف ﴿ إِنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِه ﴾ ﴿ مَا ﴾ إما منصوبةٌ موصوفةٌ بيعظكم به أو مرفوعةٌ موصولةٌ به كأنه قيل :نعم شيئاً يعظكم به أو نعم الشيءُ الذي يعظكم به والمخصوصُ بالمدح محذوفٌ أي نِعِمّاً يعظكم به ذلك وهو المأمورُ به من أداء الأماناتِ والعدلِ في الحكومات، وقرئ نَعِمّاً بفتح النون، والجملةُ مستأنفةٌ مقرِّرةٌ لما قبلها متضمنةٌ لمزيد لُطفٍ بالمخاطبين وحسنِ استدعاءٍ لهم إلى الامتثال بالأمر، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ لتربية المهابةِ [ في القلوب ] ﴿ إِنَّ الله كَانَ سَمِيعاً ﴾ لأقوالكم ﴿ بَصِيراً ﴾ بأفعالكم فهو وعدٌ ووعيدٌ. وإظهارُ الجلالةِ لما ذُكر آنفاً فإن فيه تأكيداً لكلٍّ من الوعد والوعيد.
﴿ يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بعد ما أمر الولاةَ بطريق العمومِ أو بطريق الخصوصِ بأداء الأماناتِ والعدلِ في الحكومات أمرَ سائرَ الناسِ بطاعتهم لكن لا مطلقاً بل في ضمن طاعةِ الله تعالى وطاعةِ رسولِه صلى الله عليه وسلم حيث قيل : ﴿ أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرسول وَأُوْلِي الامر مِنْكُمْ ﴾ وهم أمراءُ الحقِّ وولاةُ العدلِ كالخلفاء الراشدين ومَنْ يقتدي بهم من المهتدين، وأما أمراءُ الجَوْرِ فبمعزل من استحقاق العطفِ على الله تعالى والرسولِ عليه الصلاة والسلام في وجوب الطاعةِ لهم وقيل :هم علماءُ الشرعِ لقوله تعالى : ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ [ النساء، الآية ٨٣ ] ويأباه قوله تعالى : ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ في شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى الله ﴾ إذ ليس للمقلد أن ينازعَ المجتهدَ في حكمه، إلا أن يُجعلَ الخطابُ لأولي الأمر بطريق الالتفاتِ وفيه بُعدٌ، وتصديرُ [ إن ] الشرطية بالفاء لترتبها على ما قبلها فإن بيانَ حكمِ طاعةِ أولي الأمرِ عند موافقتِها لطاعة الله تعالى وطاعةِ الرسولِ عليه السلام يستدعي بيانَ حكمِها عند المخالفةِ أي إن اختلفتم أنتم وأولوا الأمرِ منكم في أمر من أمور الدِّين فراجعوا فيه إلى كتاب الله ﴿ والرسول ﴾ أي إلى سننه وقد استدل به مُنكِروا القياسِ وهو في الحقيقة دليلٌ على حجيته كيف لا وردُّ المختلَفِ فيه إلى المنصوص عليه إنما يكون بالتمثيل والبناءِ عليه وهو المَعنيُّ بالقياس، ويؤيده الأمرُ به بعد الأمرِ بطاعة الله تعالى وبطاعة رسولِه عليه الصلاة والسلام فإنه يدل على أن الأحكامَ ثلاثةٌ :ثابتٌ بالكتاب وثابتٌ بالسنة وثابتٌ بالرد إليهما بالقياس ﴿ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر ﴾ متعلقٌ بالأمر الأخيرِ الواردِ في محل النزاعِ إذ هو المحتاجُ إلى التحذير من المخالفة، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ عند جمهورِ البصريين ثقةً بدِلالة المذكورِ عليه أي إن كنتم تؤمنون بالله واليومِ الآخرِ فردوه الخ، فإن الإيمانَ بهما يوجب ذلك أما الإيمانُ بالله تعالى فظاهرٌ، وأما الإيمانُ باليوم الآخرِ فلما فيه من العقاب على المخالفة ﴿ ذلك ﴾ أي الرد المأمورُ به ﴿ خَيْرٌ ﴾ لكم وأصلح ﴿ وَأَحْسَنُ ﴾ في نفسه ﴿ تَأْوِيلاً ﴾ أي عاقبةً ومآلاً، وتقديمُ خيْريّتِه لهم على أحسنيته في نفسه لما مر من تعلق أنظارِهم بما ينفعهم، والمرادُ بيانُ اتصافِه في نفسه بالخيرية الكاملةِ والحُسْنِ الكاملِ في حد ذاتِه من غير اعتبار فضلِه على شيء يشاركه في أصل الخيريةِ والحسنِ كما ينبئ عنه التحذيرُ السابق.
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجيباً له من حال الذين يخالفون ما مرَّ من الأمر المحتومِ ولا يطيعون الله ولا رسولَه، ووصفُهم بادعاء الإيمانِ بالقرآن وبما أنزل من قبله -أعني التوراةَ- لتأكيد التعجيبِ وتشديدِ التوبيخِ والاستقباحِ بإظهار كمالِ المبايَنةِ بين دعواهم وبين ما صدر عنهم، وقرئ الفعلانِ على البناء للفاعل، وقولُه عز وجل : ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطاغوت ﴾ استئنافٌ سيق لبيان محلِّ التعجيبِ مبنيٌّ على سؤال نشأ من صدر الكلامِ، كأنه قيل :ماذا يفعلون ؟ فقيل :يريدون الخ. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن منافقاً خاصَم يهودياً فدعاه اليهوديُّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافِقُ إلى كعب بنِ الأشرف، ثم إنهما احتكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرضَ بقضائه فقال عمرُ للمنافق :أهكذا ؟ قال :نعم، فقال عمرُ :مكانَكما حتى أخرُجَ إليكما فدخل فاشتمل على سيفه ثم خرج فضربَ به عُنقَ المنافق حتى بَرَد، ثم قال :هكذا أقضي لمن لم يرضَ بقضاء الله وقضاء رسولِه فنزلت فهبَط جبريلُ عليه الصلاة والسلام وقال :إن عمرَ فرَّق بين الحقِّ والباطلِ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «أنت الفاروقُ »، فالطاغوتُ كعبُ بنُ الأشرفِ سُمِّيَ به لإفراطه في الطغيان وعداوةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أو على التشبيه بالشيطان والتسميةِ باسمه، أو جُعل اختيارُ التحاكمِ إلى غير النبيِّ صلى الله عليه وسلم -على التحاكم إليه- تحاكماً إلى الشيطان. وقال الضحاك :المرادُ بالطاغوت كَهَنةُ اليهودِ وسَحَرتُهم. وعن الشعبي :أن المنافقَ دعا خصمَه إلى كاهن من جُهَينةَ فتحاكما إليه. وعن السدي :أن الحادثةَ وقعت في قتيلٍ بين بني قُريظةَ والنَّضِير، فتحاكم المسلمون من الفريقين إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبى المنافقون منهما إلا التحاكمَ إلى أبي بُرْدةَ الكاهنِ الأسلميِّ، فتحاكموا إليه، فيكون الاقتصارُ حينئذ في معرِض التعجيبِ والاستقباحِ على ذِكر إرادةِ التحاكمِ دون نفسِه مع وقوعِه أيضاً للتنبيه على أن إرادتَه مما يقضي منه العجَبَ، ولا ينبغي أن يدخُلَ تحت الوقوعِ فما ظنُّك بنفسه ! وهذا أنسبُ بوضف المنافقين بادّعاء الإيمانِ بالتوراة فإنه كما يقتضي كونَهم من منافقي اليهودِ يقتضي كونَ ما صدَرَ عنهم من التحاكم ظاهِرَ المنافاةِ لادعاء الإيمانِ بالتوراة، وليس التحاكمُ إلى كعب بن الأشرف بهذه المثابةِ من الظهور، وأيضاً فالمتبادِرُ من قوله تعالى : ﴿ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ ﴾ كونُهم مأمورين بكفره في الكتابين وما ذاك إلا الشيطانُ وأولياؤُه المشهورون بولايته كالكَهنة ونظائرِهم لا مَنْ عداهم ممن لم يشتهِرْ بذلك، وقرئ ﴿ أَن يَكْفُرُوا بِهَا ﴾ على أن الطاغوتَ جمعٌ كما في قوله تعالى : ﴿ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت يُخْرِجُونَهُم ﴾ [ البقرة، الآية ٢٥٧ ] والجملةُ حال من ضمير يريدون مفيدةٌ لتأكيد التعجيبِ وتشديد الاستقباحِ كالوصف السابقِ، وقولُه عز وعلا : ﴿ وَيُرِيدُ الشيطان أَن يُضِلَّهُمْ ضلالا بَعِيداً ﴾ عطفٌ على يريدون داخلٌ في حكم التعجيبِ فإن اتّباعَهم لمن يريد إضلالَهم وإعراضَهم عمن يريد هدايتَهم أعجبُ من كل عجيب. وضلالاً إما مصدرٌ مؤكّدٌ للفعل المذكورِ بحذف الزوائدِ كما في قوله تعالى : ﴿ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ﴾ [ آل عمران، الآية ٣٧ ] أي إضلالاً بعيداً وإما مصدرٌ مؤكِّدٌ لفعله المدلولِ عليه بالفعل المذكورِ أي فيَضِلّوا ضلالاً، وأياً ما كان فوصفُه بالبُعد الذي نُعِت موصوفُه للمبالغة.
وقولُه تعالى : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلى مَا أَنزَلَ الله وَإِلَى الرسول ﴾ تكملةٌ لمادة التعجيبِ ببيان إعراضِهم صريحاً عن التحاكم إلى كتاب الله تعالى ورسولِه إثرَ بيانِ إعراضِهم عن ذلك في ضمن التحاكُمِ إلى الطاغوت، وقرئ تعالوا بضم اللام على أنه حذفُ لامِ الفعلِ تخفيفاً كما في قولهم :ما باليت بالةً أصلُها بالِية كعافية وكما قالوا في آية أن أصلُها آيِيَة فحُذفت اللام ووقعت واوُ الجمعِ بعد اللامِ في تعالَ فضُمت فصار تعالُوا ومنه قول أهلِ مكةَ للمرأة :تعالِي بكسر اللام وعليه قولُ أبي فراس الحمداني : [ الطويل ]
أيا جارتى ما أنصف الدهرُ بيننا تعالَيْ أُقاسمْك الهمومَ تعالِي١
﴿ رَأَيْتَ المنافقين ﴾ إظهارُ المنافقين في مقام الإضمارِ للتسجيل عليهم بالنفاق وذمّهم به والإشعارِ بعلة الحُكمِ، والرؤيةُ بصَريةٌ وقوله تعالى : ﴿ يَصُدُّونَ عَنكَ ﴾ حالٌ من المنافقين، وقيل :الرؤيةُ قلبيةٌ والجملةُ مفعولٌ ثانٍ لها والأولُ هو الأنسبُ بظهور حالِهم، وقولُه تعالى : ﴿ صُدُوداً ﴾ مصدرٌ مؤكدٌ لفعله أي يُعرِضون عنك إعراضاً وأيَّ إعراضٍ، وقيل :هو اسمٌ للمصدر الذي هو الصدُّ والأظهرُ أنه مصدرٌ لصدَّ اللازمِ، والصدُّ مصدرٌ للمتعدي يقال :صَدَّ عنه صُدوداً أي أعرض عنه وصدَّه عنه صداً أي منعه منه.
١ ورد في ديوان أبي فراس ص ٢٤٦ وبلا نسبة في شرح شذور الذهب ص ٢٩ وشرح قطر الندى ص ٣٢ والشاهد فيه قوله: "تعالي" حيث كسر اللام ضرورة والقياس فتحها وقيل الكسر لغة..
وقوله تعالى : ﴿ فَكَيْفَ ﴾ شروعٌ في بيان غائلةِ جناياتِهم المَحْكيةِ ووخامةِ عاقبتِها أي كيف يكون حالُهم ﴿ إِذَا أصابتهم مُصِيبَةٌ ﴾ أي وقتَ إصابةِ المصيبةِ إياهم بافتضاحهم بظهور نفاقِهم ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ بسبب ما عمِلوا من الجنايات التي من جُملتها التحاكمُ إلى الطاغوت والإعراضُ عن حكمك ﴿ ثُمَّ جَاءوكَ ﴾ للاعتذار عما صنعوا من القبائح، وهو عطفٌ على أصابتهم، والمرادُ تفظيعُ حالِهم وتهويلُ ما دَهَمهم من الخطب واعتراهم من شدة الأمرِ عند إصابةِ المصيبةِ وعند المجيء للاعتذار ﴿ يَحْلِفُونَ بالله ﴾ حالٌ من فاعل جاؤوك ﴿ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً ﴾ أي ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك إلا الفصلَ بالوجه الحسَنِ والتوفيقِ بين الخصمين ولم نُرِدْ مخالفةً لك ولا لحكمك فلا تؤاخِذْنا بما فعلنا، وهذا وعيدٌ لهم على ما فعلوا وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعُهم الندمُ ولا يغني عنهم الاعتذارُ. وقيل :جاء أولياءُ المنافقِ يطلُبون بدمه وقد أهدره الله تعالى فقالوا :ما أردنا أي ما أراد صاحبُنا المقتولُ بالتحاكم إلى عمرَ رضي الله تعالى عنه إلا أن يُحسِن إليه ويوفِّقَ بينه وبين خصمِه.
﴿ أولئك ﴾ إشارةٌ إلى المنافقين، وما فيه من معنى البُعد للتنبيه على بُعد منزلتِهم في الكفر والنفاقِ، وهو مبتدأٌ خبرُه ﴿ الذين يَعْلَمُ الله مَا في قُلُوبِهِمْ ﴾ أي من فنون الشرورِ والفسادِ المنافيةِ لما أظهروا لك من الأكاذيب. ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ جوابُ شرطٍ محذوفٍ أي إذا كان حالُهم كذلك فأعرِضْ عن قَبول معذرتِهم وقيل :عن عقابهم لمضلحة في استبقائهم، ولا تُظهِرْ لهم علمَك بما في بواطنهم ولا تهتِكْ سترَهم حتى يبقَوْا على وجَلٍ وحذر ﴿ وَعِظْهُمْ ﴾ أي ازجُرْهم عن النفاق والكيد ﴿ وَقُل لَهُمْ في أَنفُسِهِمْ ﴾ في حق أنفسِهم الخبيثةِ وقلوبِهم المُنْطويةِ على الشرور التي يعلمها الله تعالى، أو في أنفسهم خالياً بهم ليس معهم غيرُهم مُسارّاً بالنصيحة لأنها في السرّ أنجَعُ ﴿ قَوْلاً بَلِيغاً ﴾ مؤثراً واصِلاً إلى كُنه المرادِ مطابقاً لما سيق له من المقصود، فالظرفُ على التقديرين متعلقٌ بالأمر، وقيل :متعلقٌ ببليغاً على رأي من يُجيز تقديمَ معمولِ الصفةِ على الموصوف أي قل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم مؤثراً في قلوبهم يغتمّون به اغتماماً ويستشعرون منه الخوفَ استشعاراً وهو التوعُّدُ بالقتل والاستئصالِ، والإيذانُ بأن ما في قلوبهم من مكنونات الشرِّ والنفاقِ غيرُ خافٍ على الله تعالى وأن ذلك مستوجِبٌ لأشد العقوباتِ، وإنما هذه المكافأةُ والتأخيرُ لإظهارهم الإيمانَ والطاعةَ وإضمارِهم الكفرَ، ولئن أظهروا الشقاقَ وبرَزوا بأشخاصهم من نفق النفاقِ لَيَمسَّنهم العذابُ إن الله شديدُ العقاب.
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله ﴾ كلامٌ مبتدأٌ جيء به تمهيداً لبيان خطئِهم في الاشتغال بسَتر جنايتِهم بالاعتذار بالأباطيل وعدمِ تلافيها بالتوبة، أي وما أرسلنا رسولاً من الرسل لشيء من الأشياء إلا ليُطاعَ بسبب إذنِه تعالى في طاعته، وأمرِه المرسلَ إليهم بأن يُطيعوه ويتبعوه لأنه مؤدٍّ عنه تعالى فطاعتُه طاعةُ الله تعالى ومعصيتُه معصيتُه تعالى ﴿ منْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ﴾ [ النساء، الآية ٨٠ ] أو بتيسير الله تعالى وتوفيقِه في طاعته. ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ ﴾ وعرَّضوها لعذاب [ زائد ] على عذاب النفاقِ بترك طاعتِك والتحاكمِ إلى غيرك ﴿ جَاءوكَ ﴾ من غير تأخيرٍ كما يُفصح عنه تقديمُ الظرفِ متوسِّلين بك في التنصُّل عن جناياتهم القديمةِ والحادثةِ ولم يزدادوا جنايةً على جناية بالقصد إلى سترها بالاعتذار الباطلِ والأَيْمانِ الفاجرة ﴿ فاستغفروا الله ﴾ بالتوبة والإخلاصِ وبالغوا في التضرُّع إليك حتى انتصبْتَ شفيعاً إلى الله تعالى واستغفرْتَ لهم وإنما قيل : ﴿ واستغفر لَهُمُ الرسول ﴾ على طريقة الالتفاتِ تفخيماً لشأن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وتعظيماً لاستغفاره وتنبيهاً على أن شفاعتَه في حيِّز القَبول ﴿ لَوَجَدُوا الله تَوَّاباً رَحِيماً ﴾ لعَلِموه مبالغاً في قَبول توبتهم والتفضّل عليهم بالرحمة، وإن فُسّر الوُجدانُ بالمصادفة كان قوله تعالى : ﴿ تَواباً ﴾ حالاً و ﴿ رَحِيماً ﴾ بدلاً منه، أو حالاً من الضمير فيه، وأياً ما كان ففيه فضلُ ترغيبٍ للسامعين في المسارعة إلى التوبة والاستغفارِ ومزيدُ تنديمٍ لأولئك المنافقين على ما صنعوا لما أن ظهورَ تباشيرِ قَبولِ التوبةِ وحصولَ الرحمةِ لهم ومشاهدتَهم لآثارهما نعمةٌ زائدةٌ عليهما موجبةٌ لكمال الرغبةِ في تحصيلها وتمامِ الحسرةِ على فواتها.
﴿ فَلاَ وَرَبّكَ ﴾ أي فوربِّك ولا مزيدةٌ لتأكيد معنى القَسَمِ لا لتأكيد النفيِ في جوابه أعني قولَه ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ لأنها تزادُ في الإثبات أيضاً كما في قوله تعالى : ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بمواقع النجوم ﴾ [ الواقعة، الآية :٧٥ ] ونظائرِه ﴿ حتى يُحَكّمُوكَ ﴾ أي يتحاكموا إليك ويترافعوا إليك، وإنما جيء بصيغة التحكيمِ مع أنه عليه الصلاةُ والسلام حاكمٌ بأمر الله سبحانه إيذاناً بأن حقَّهم أن يجعلوه حَكَماً فيما بينهم ويرْضَوا بحكمه وإن قُطع النظرُ عن كونه حاكماً على الإطلاق ﴿ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ أي فيما اختَلف بينهم من الأمور واختَلط ومنه الشجرُ لتداخُل أغصانه ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا ﴾ عطفٌ على مقدر ينساق إليه الكلامُ أي فتقضي بينهم ثم لا يجدوا ﴿ في أَنفُسِهِمْ حَرَجاً ﴾ ضِيقاً ﴿ ممَّا قَضَيْتَ ﴾ أي مما قضيت به أو من قضائك وقيل :شكاً من أجله إذ الشاكُّ في ضيق من أمره ﴿ وَيُسَلّمُوا ﴾ أي ينقادوا لأمرك ويُذعِنوا له ﴿ تَسْلِيماً ﴾ تأكيدٌ للفعل بمنزلة تكريرِه أي تسليماً تاماً بظاهرهم وباطنِهم، يقال :سلّم لأمر الله وأسلم له بمعنىً، وحقيقتُه سلّم نفسَه له وأسلمها إذا جعلها سالمةً له خالصةً، أي ينقادوا لحكمك انقياداً لا شُبهةَ فيه بظاهرهم وباطنِهم، قيل :نزلت في شأن المنافقِ واليهوديِّ [ السابقَين ]، وقيل :في شأن الزبيرِ ورجلٍ من الأنصار حين اختصما إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في شِراجٍ من الحرة كانا يسقيان بها النخلَ فقال عليه الصلاة والسلام : «اسقِ يا زبيرُ ثم أرسلِ الماءَ إلى جارك » فغضِب الأنصاريُّ وقال :لاِءَنْ كان ابنَ عمتِك ! فتغير وجهُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : «اسقِ يا زبيرُ ثم احبِس الماءَ حتى يرجِعَ إلى الجُدُر واستوفِ حقّك ثم أرسلْه إلى جارك »، كان قد أشار على الزبير برأي فيه سعةٌ له ولخصمه فلما أحفظَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم استوعبَ للزبير حقَّه في صريح الحُكم. ثم خرجا فمرّا على المقدادِ بن الأسود فقال :لمن القضاءُ ؟ فقال الأنصاريُّ :قضى لابن عمتِه ولوى شِدْقَه ففطِن يهوديٌّ كان مع المقداد فقال :قاتل الله هؤلاءِ يشهدون أنه رسولُ الله ثم يتّهمونه في قضاء يقضي بينهم وايمُ الله لقد أذنبنا ذنباً مرة في حياة موسى فدعانا إلى التوبة منه وقال :اقتُلوا أنفسَكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في طاعة ربِّنا حتى رضيَ عنا فقال ثابتُ بنُ قيس بنِ شماس :أما والله إن الله ليعلم مني الصدقَ لو أمرني محمدٌ أن أقتُلَ نفسي لقتلتُها. وروي أنه قال ذلك ثابتٌ وابنُ مسعودٍ وعمارُ بن ياسرٍ رضي الله عنهم فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالاً الإيمانُ أثبتُ في قلوبهم من الجبال الرواسي » فنزلت في شأن هؤلاء.
﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخرجوا مِن دياركم ﴾ أي لو أوجبْنا عليهم مثلَ ما أوجبنا على بني إسرائيلَ من قتلهم أنفسَهم أو خروجهم من ديارهم حين استتابتِهم من عبادة العجلِ، و ﴿ أنٍ ﴾ مصدريةٌ أو مفسرةٌ لأنّا كتبنا في معنى أمَرْنا ﴿ ما فَعَلُوهُ ﴾ أي المكتوبَ المدلولَ عليه بكتبْنا أو أحدِ مصدرَي الفعلين ﴿ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ ﴾ أي إلا أناسٌ قليلٌ منهم وهم المخلِصون من المؤمنين، وروي عن عمرَ رضي الله عنه أنه قال :والله لو أمَرَنا ربُّنا لفعلْنا والحمدُ لله الذي لم يفعلْ بنا ذلك، وقيل :معنى اقتُلوا أنفسَكم تعرَّضوا بها للقتل بالجهاد، وهو بعيدٌ وقرئ إلا قليلاً بالنصب على الاستثناء أو إلا فِعلاً قليلاً ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ ﴾ من متابعة الرسولِ عليه الصلاة والسلام وطاعتِه والانقيادِ لما يراه ويحكمُ به ظاهراً وباطناً، وسُمِّيت أوامرُ الله تعالى ونواهيه مواعِظَ لاقترانها بالوعد والوعيد ﴿ لَكَانَ ﴾ أي فعلُهم ذلك ﴿ خَيْراً لَهُمْ ﴾ عاجلاً وآجلاً ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ لهم على الإيمان وأبعدَ من الاضطراب فيه وأشدَّ تثبيتاً لثواب أعمالِهم.
﴿ وَإِذاً لآتيناهم من لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ﴾ جوابٌ لسؤال مقدرٍ كأنه قيل :وماذا يكون لهم بعد التثبيتِ ؟ فقيل :وإذن لو ثبتوا لآتيناهم فإن إذن جوابٌ وجزاءٌ.
﴿ ولهديناهم صراطا مُسْتَقِيماً ﴾ يصِلون بسلوكه إلى عالم القدسِ [ والطهارة ] ويفتح لهم أبوابَ الغيبِ، قال عليه الصلاة والسلام : «من عمِل بما علِم ورَّثه الله تعالى علمَ ما لم يعلَمْ ».
﴿ وَمَن يُطِعِ الله والرسول ﴾ كلامٌ مستأنفٌ فيه فضلُ ترغيبٍ في الطاعة ومزيدُ تشويقٍ إليها ببيان أن نتيجتَها أقصى ما يَنتهي إليه هممُ الأممِ وأرفعُ ما يمتدُّ إليه أعناقُ عزائمِهم من مجاورة أعظمِ الخلائقِ مقداراً وأرفعِهم مناراً، متضمِّنٌ لتفسير ما أُبهم في جواب الشرطيةِ السابقةِ وتفصيل ما أُجمل فيه، والمرادُ بالطاعة هو الانقيادُ التامُّ والامتثالُ الكاملُ لجميع الأوامرِ والنواهي ﴿ فَأُوْلَئِكَ ﴾ إشارةٌ إلى المطيعين، والجمعُ باعتبار معنى مَنْ كما أن الإفرادَ في فعل الشرطِ باعتبار لفظِها، وما فيه من معنى البُعد مع القُرب في الذكر للإيذان بعلوّ درجتِهم وبُعد منزلتِهم في الشرف، وهو مبتدأٌ خبرُه ﴿ مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم ﴾ والجملةُ جوابُ الشرطِ وتركُ ذكرِ المنعَمِ به للإشعار بقصور العبارةِ عن تفصيله وبيانِه ﴿ منَ النبيين ﴾ بيانٌ للمنعَم عليهم، والتعرّضُ لمعيّة سائرِ الأنبياءِ عليهم الصلاةُ والسلام مع أن الكلامَ في بيان حكمِ طاعةِ نبيِّنا عليه الصلاة والسلام لجرَيانِ ذكرِهم في سبب النزولِ مع ما فيه من الإشارة إلى أن طاعتَه عليه الصلاةُ والسلام متضمِّنةٌ لطاعتهم لاشتمالِ شريعتِه على شرائعهم التي لا تتغيرُ بتغيّر الأعصار. رُوي أن نفراً من أصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قالوا :يا نبيَّ الله إن صِرْنا إلى الجنة تفضُلُنا بدرجات النبوةِ فلا نراك. وقال الشعبي :جاء رجلٌ من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فقال : «ما يُبكيك يا فلان ؟ » فقال :يا رسولَ الله بالله الذي لا إله إلا هو لأنت أحبُّ إليّ من نفسي وأهلي ومالي وولدي وإني لأذكرُك وأنا في أهلي فيأخذُني مثلُ الجنونِ حتى أراك وذكرتُ موتي وأنك تُرفع مع النبيين وإني إن أُدخِلْتُ الجنةَ كنتُ في منزلة أدنى من منزلتك، فلم يرُدَّ النبيُّ عليه الصلاة والسلام فنزلتْ. وروي أن ثوبانَ مولى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كان شديدَ الحبِّ له عليه الصلاة والسلام قليلَ الصبرِ عنه فأتاه يوماً وقد تغيّر وجهُه ونحُل جِسمُه وعُرف الحزُنُ في وجهه فسأله رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن حاله فقال :يا رسولَ الله ما بي من وجع غير إني إذا لم أرَك اشتقتُ إليك واستوحشتُ وحشةً شديدةً حتى ألقاك فذكرت الآخرةَ فخِفتُ أن لا أراك هناك لأني عرفتُ أنك ترفع مع النبيين وإن أُدخِلْتُ الجنةَ كنتُ في منزل دون منزلِك وإن لم أُدْخَلْ فذاك حين لا أراك أبداً، فنزلت. فقال عليه الصلاة والسلام : «والذي نفسي بيده لا يؤمنُ عبدٌ حتى أكونَ أحبَّ إليه من نفسه وأبويه وأهلِه وولدِه والناسِ أجمعين ». وحُكي ذلك عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وروي أن أنساً قال :يا رسولَ الله الرجل يحب قوماً ولمّا يلحَقْ بهم، قال عليه الصلاة والسلام : «المرءُ مع من أحبّ ». ﴿ والصّديقين ﴾ أي المتقدمين في تصديقهم المبالغين في الصدق والإخلاصِ في الأقوال والأفعالِ وهم أفاضلُ أصحابِ الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام وأماثلُ خواصِّهم المقربين كأبي بكر الصديقِ رضي الله عنه ﴿ والشهداء ﴾ الذين بذلوا أرواحَهم في طاعة الله تعالى وإعلاءِ كلمتِه ﴿ والصالحين ﴾ الصارفين أعمارَهم في طاعته وأموالَهم في مرضاته، وليس المرادُ بالمعية الاتحادَ في الدرجة ولا مطلقَ الاشتراكِ في دخول الجنةِ بل كونَهم فيها بحيث يتمكن كلُّ واحدٍ منهم من رؤية الآخرَ وزيارتِه متى أراد وإن بعُد ما بينهما من المسافة ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ﴾ الرفيقُ الصاحبُ مأخوذ من الرِّفق وهو لِينُ الجانبِ واللَّطافةُ في المعاشرة قولاً وفعلاً، فإن جُعل ﴿ أولئك ﴾ إشارةً إلى النبيين ومَنْ بعدَهم على أن ما فيه من معنى البُعد لما مر مراراً فرفيقاً إما تمييزٌ أو حالٌ على معنى أنهم وُصفوا بالحُسن من جهة كونِهم رُفقاءَ للمطيعين أو حالَ كونِهم رفقاءَ، وإفرادُه لما أنه كالصِّديق والخليط، والرسولُ يستوي فيه الواحدُ والمتعدد، أو لأنه أريد حُسنُ كلِّ واحدٍ منهم رفيقاً وإن جعل إشارةً إلى المطيعين فهو تمييزٌ على معنى أنهم وُصفوا بحُسن الرفيقِ من النبيين ومَنْ بعدهم لا بنفس الحُسن فلا يجوز دخولُ مَنْ [ بعدهم ] عليه كما يجوز في الوجه الأولِ، والجملةُ تذييلٌ مقرِّرٌ لما قبله مؤكدٌ للترغيب والتشويقِ، قيل :فيه معنى التعجُّبِ كأنه قيل :وما أحسنَ أولئك رفيقاً، ولاستقلاله بمعنى التعجبِ قرئ وحسن بسكون السين.
﴿ ذلك ﴾ إشارةٌ إلى ما للمطيعين من عظيم الأجرِ ومزيدِ الهدايةِ ومرافقةِ هؤلاءِ المُنعَمِ عليهم، أو إلى فضلهم ومزيَّتِهم، وما فيه من معنى البُعدِ للإشعار بعلو رتبتِه وبُعدِ منزلتِه في الشرف، وهو مبتدأ وقولُه تعالى : ﴿ الفضل ﴾ صفتُه وقوله تعالى : ﴿ مِنَ الله ﴾ خبرُه أي ذلك الفضلُ العظيمُ من الله تعالى لا من غيره أو الفضلُ خبرُه و ﴿ مِنَ الله ﴾ متعلق بمحذوف وقعَ حالاً منه والعاملُ فيه معنى الإشارةِ أي ذلك الذي ذُكر فضلٌ كائناً من الله تعالى، لا أن أعمالَ المكلفين موجِبةٌ له ﴿ وكفي بالله عَلِيماً ﴾ بجزاء من أطاعه وبمقادير الفضلِ واستحقاقِ أهلِه.
﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ الحِذْرُ والحذَرُ واحدٌ كالإثرْ والأثَرِ والشِبْهِ والشَّبَهِ أي تيقظوا واحترزوا من العدو ولا تُمْكِنوه من أنفسكم، يقال :أخذ حِذْرَه إذا تيقظ واحترز من المَخُوف، كأنه جعَلَ الحذَرَ آلتَه التي يقي بها نفسَه، وقيل :هو ما يُحذر به من السلاح والحزمِ، أي استعدوا للعدو ﴿ فانفروا ﴾ بكسر الفاءِ وقرئ بضمها أي اخرُجوا إلى الجهاد عند خروجِكم ﴿ ثُبَاتٍ ﴾ جمعُ ثُبةٍ وهي الجماعةُ من الرجال فوق العشَرةِ ووزنها في الأصل فُعَلة كحُطَمة حُذفت لامُها وعوِّض عنها تاءُ التأنيثِ، وهل هي واوٌ أو ياء ؟ فيه قولان، قيل :إنها مشتقةٌ من ثبا يثبو كحلا يحلو أي اجتمعَ، وقيل :من ثبَيْتُ على الرجل إذا أثنيت عليه كأنك جمعتَ محاسنَه ويُجمع أيضاً على ثُبينَ جبراً لما حُذف من عَجْزه، ومحلُّها النصبُ على الحالية أي انفِروا جماعاتٍ متفرقةً سَرِيةً بعد سرية ﴿ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ أي مجتمعين كوكبةً واحدةً ولا تتخاذلوا فتُلقوا بأنفسكم إلى التهلُكة.
﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَيُبَطّئَنَّ ﴾ أي ليتثاقَلَنّ وليتَخَلَّفَنَّ عن الجهاد من بطّأ بمعنى أبطأ كعتّم بمعنى أعتم، والخطابُ لعسكر رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كلِّهم المؤمنين منهم والمنافقين، والمُبَطِّئون منافقوهم الذين تثاقلوا وتخلّفوا عن الجهاد، أو ليبطِّئن غيرَه ويُثَبِّطَنه، مِنْ بطَّأ منقولاً من بطُؤ كثقّل من ثقُل كما بطّأ ابنُ أُبيّ ناساً يوم أُحُد. والأولُ أنسبُ لما بعده واللامُ الأولى للابتداء دخلت على اسم إنّ للفصل بالخبر، والثانيةُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ والقسمُ بجوابه صلةُ مَنْ والراجعُ إليه ما استكنّ في ليبطِّئنَّ، والتقديرُ وإن منكم لمَنْ -أُقسم بالله- ليبطِّئن ﴿ فَإِنْ أصابتكم مُصِيبَةٌ ﴾ كقتل وهزيمة ﴿ قَالَ ﴾ أي المُبَطِّىءُ فرحاً بصنعه وحامداً لرأيه ﴿ قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَىَّ ﴾ أي بالقعود ﴿ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً ﴾ أي حاضراً في المعركة فيصيبني ما أصابهم والفاءُ في الشرطية لترتيب مضمونِها على ما قبلها، فإن ذِكرَ التبطئةِ مستتبعٌ لذكر ما يترتب عليها كما أن نفسَ التبطئةِ مستدعِيةٌ لشيء ينتظر المُبطىءُ وقوعَه.
﴿ وَلَئِنْ أصابكم فَضْلٌ ﴾ كفتح وغنيمة ﴿ مِنَ الله ﴾ متعلقٌ بأصابكم أو بمحذوف وقع صفةً لفضلٌ أي فضلٌ كائنٌ من الله تعالى، ونسبتُه إصابةِ الفضلِ إلى جناب الله تعالى دون إصابةِ المصيبةِ من العادات الشريفةِ التنزيليةِ كما في قوله سبحانه : ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾ [ الشعراء، الآية ٨٠ ] وتقديمُ الشرطيةِ الأولى لِما أن مضمونَها لمقصِدهم أوفقُ وأَثرَ نفاقِهم فيها أظهرُ ﴿ ليَقُولَنَّ ﴾ ندامةً على تَنبُّطه وقعودِه وتهالُكاً على حُطام الدنيا وتحسُّراً على فواته، وقرئ ليقولُنَّ بضم اللام إعادةً للضمير إلى معنى مَنْ وقوله تعالى : ﴿ كَأَن لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ اعتراضٌ وُسِّط بين الفعلِ ومفعولِه الذي هو ﴿ يا ليتنى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾ لئلا يُفهمَ من مطلع كلامِه أن تمنِّيَهُ لمعيّة المؤمنين لنُصرتهم ومظاهَرتِهم حسبما يقتضيه ما في البين من المودة، بل هو للحِرص على المال كما ينطِق به آخِرُه وليس إثباتُ المودةِ في البين بطريق التحقيق بل بطريق التهكّمِ، وقيل :الجملةُ التشبيهيةُ حالٌ من ضمير ليقولَن أي ليقولَنّ مُشَبَّهاً بمَنْ لا مودةَ بينكم وبينه، وقيل :هي داخلةٌ في المقول أي ليقولن المُثبّط لمن يُثبِّطه من المنافقين وضَعَفة المؤمنين -كأن لم تكن بينكم وبين محمدٍ مودةٌ- حيث لم يستصحِبْكم في الغزو حتى تفوزوا بما فاز :يا ليتني كنتُ معهم، وغرضُه إلقاءُ العداوةِ بينهم وبينه عليه الصلاة والسلام وتأكيدُها، وكأنْ مخففةٌ من الثقيلة واسمُها ضميرُ الشأنِ وهو محذوفٌ، وقرئ لم يكن بالياء والمنادى في يا ليتني محذوفٌ أي يا قومُ، وقيل : ﴿ يا ﴾ أُطلق للتنبيه على الاتساع، وقولُه تعالى : ﴿ فَأَفُوزَ ﴾ نُصب على جواب التمني، وقرئ بالرفع على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ أي فأنا أفوزُ في ذلك الوقت أو على أنه معطوفٌ على كنت داخلٌ معه تحت التمني.
﴿ فَلْيُقَاتِلْ في سَبِيلِ الله ﴾ قدِّم الظرفُ على الفاعل للاهتمام به ﴿ الذين يَشْرُونَ الحياة الدنيا بالاخرة ﴾ أي يبيعونها بها وهم المؤمنون فالفاءُ جوابُ شرطٍ مقدرٍ أي إن بطّأ هؤلاءِ عن القتال فليقاتِلِ المُخلِصون الباذلون أنفسَهم في طلب الآخرةِ أو الذين يشترونها ويختارونها على الآخرة، وهم المُبطِّئون فالفاءُ للتعقيب أي لِيترُكوا ما كانوا عليه من التثبُّط والنفاقِ ولْيُبدِّلوه بالقتال في سبيل الله ﴿ وَمَن يقاتل في سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ ﴾ بنون العظمةِ التفاتاً ﴿ أَجْراً عَظِيماً ﴾ لا يقادَرُ قَدْرُه، وتعقيبُ القتالِ بأحد الأمرين للإشعار بأن المجاهدَ حقُّه أن يوطِّن نفسَه بإحدى الحسنيين ولا يُخطِرَ بباله القسمَ الثالثَ أصلاً، وتقديمُ القتلِ للإيذان بتقدّمه في استتباع الأجرِ، روى أبو هريرةَ رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال : «تكفّل الله تعالى لمن جاهد في سبيله لا يُخرِجُه إلا جهادٌ في سبيله وتصديقُ كلمتِه أن يُدخِلَه الجنةَ أو يُرجِعَه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة ».
﴿ وَمَا لَكُمْ ﴾ خطابٌ للمأمورين بالقتال على طريقة الالتفاتِ مبالغةً في التحريض عليه وتأكيداً لوجوبه وهو مبتدأٌ وخبرٌ وقولُه عز وجل : ﴿ لاَ تقاتلون في سَبِيلِ الله ﴾ حالٌ عاملُها ما في الظرف من معنى الفعلِ، والاستفهامُ للإنكار والنفي، أي أيُّ شيءٍ لكم غيرَ مقاتِلين، أي لا عذرَ لكم في ترك المقاتلة ﴿ والمستضعفين ﴾ عطفٌ على اسم الله أي في سبيل المستضعفين وهو تخليصُهم من الأسر وصونُهم عن العدو أو على السبيل بحذف المضافِ أي في خلاص المستضعفين، ويجوز نصبُه على الاختصاص، فإن سبيلَ الله يعُمّ أبوابَ الخيرِ وتخليصُ ضعفاءِ المؤمنين من أيدي الكفرةِ أعظمُها وأخصُّها ﴿ مِنَ الرجال والنساء والولدان ﴾ بيانٌ للمستضعفين أو حالٌ منهم وهم المسلمون الذين بقُوا بمكةَ لصدّ المشركين أو لضعفهم عن الهجرة مستذَلّين ممتَهنين، وإنما ذُكر الوِلْدان معهم تكميلاً للاستعطاف واستجلاباً للرحمة وتنبيهاً على تناهي ظلمِ المشركين بحيث بلغ أذاهم الصبيانَ لإرغام آبائِهم وأمهاتِهم وإيذاناً بإجابة الدعاءِ الآتي واقترابِ زمانِ الخَلاصِ ببيان شِرْكتِهم في التضرّع إلى الله تعالى، كلُّ ذلك للمبالغة في الحث على القتال، وقيل :المرادُ بالوِلدان العبيدُ والإماءُ إذ يقال لهما :الوليدُ والوليدةُ وقد غلَب الذكورُ على الإناث فأُطلق الولدانُ على الولائد أيضاً ﴿ الذين ﴾ محلُّه الجرُّ على أنه صفةٌ للمستضعفين أو لما في حيز البيانِ، أو النصبُ على الاختصاص ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هذه القرية الظالمِ أَهْلُهَا ﴾ بالشرك الذي هو ظلمٌ عظيمٌ، وبأذِيَّة المسلمين، وهي مكةُ والظالمِ صفتُها، وتذكيرُه لما أسند إليه فإن اسمَ الفاعلِ والمفعولِ إذا أُجريَ على غير مَنْ هُوَ له كان كالفعل في التذكير والتأنيثِ بحسب ما عمِل فيه ﴿ واجعل لنَا مِن لدُنْكَ وَلِيّاً ﴾ كلا الجارَّيْنِ متعلقٌ باجْعل لاختلاف معنييهما، وتقديمُ المجرورين على المفعول الصريحِ لإظهار الاعتناءِ بهما وإبرازِ الرغبةِ في المؤخَّر بتقديمِ أحوالِه فإن تأخيرَ ما حقُّه التقديمُ عما هو من أحواله المُرَغّبة فيه -كما يورث شوقَ السامعِ إلى وروده- يُنبئ عن كمال رغبةِ المتكلّمِ فيه واعتنائِه بحصوله لا محالة، وتقديمُ اللام على مِنْ للمسارعة إلى إبراز كونِ المسؤولِ نافعاً لهم مرغوباً فيه لديهم، ويجوزُ أن تتعلقَ كلمةُ مِن بمحذوف وقع حالاً من ولياً قُدِّمت عليه لكونه نكرةً وكذا الكلامُ في قوله تعالى : ﴿ واجعل لَنَا مِن لَدُنْكَ نَصِيراً ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما :أي ولِّ علينا والياً من المؤمنين يوالينا ويقوم بمصالحنا ويحفَظ علينا دينَنا وشَرْعَنا وينصُرنا على أعدائنا ولقد استجاب الله عز وجل دعاءَهم حيث يسّر لبعضهم الخروجَ إلى المدينة وجعل لمن بقيَ منهم خيرَ وليّ وأعزَّ ناصِر، ففتح مكةَ على يدي نبيِّه عليه الصلاة والسلام فتولاهم أيَّ تولٍّ ونصرهم أيةَ نُصرةٍ، ثم استعمل عليهم عتابَ بنَ أسيد ونصرهم حتى صاروا أعزَّ أهلِها، وقيل :المرادُ واجعل لنا من لدنك ولايةً ونُصرةً أي كن أنت وليَّنا وناصِرَنا، وتكريرُ الفعلِ ومتعلِّقَيْه للمبالغة في التضرع والابتهال.
﴿ الَّذِينَ آمَنُوا يقاتلون في سَبِيلِ الله ﴾ كلامٌ مبتدأٌ سيق لترغيب المؤمنين في القتال وتشجيعِهم ببيان كمالِ قوتِهم بإمداد الله تعالى ونُصرتِه وغايةِ ضعفِ أعدائِهم، أي المؤمنون إنما يقاتلون في دين الله الحقِّ الموصِلِ لهم إلى الله عز وجل وفي إعلاء كلمتِه فهو وليُّهم وناصرُهم لا محالة ﴿ والذين كَفَرُوا يقاتلون في سَبِيلِ الطاغوت ﴾ أي فيما يوصِلُهم إلى الشيطان فلا ناصرَ لهم سواه، والفاءُ في قوله تعالى : ﴿ فقاتلوا أَوْلِيَاء الشيطان ﴾ لبيان استتباعِ ما قبلها لما بعدها، وذُكر بهذا العُنوانِ للدِلالة على أن ذلك نتيجةٌ لقتالهم في سبيل الشيطانِ والإشعارِ بأن المؤمنين أولياءُ الله تعالى لما أن قتالَهم في سبيله، وكلُّ ذلك لتأكيد رغبةِ المؤمنين في القتال وتقويةِ عزائمِهم عليه، فإن ولايةِ الله تعالى عَلَمٌ في العزة والقوة كما أن ولايةَ الشيطانِ مَثَلٌ في الذلة والضَّعفِ، كأنه قيل :إذا كان الأمرُ كذلك فقاتلوا يا أولياءَ الله أولياءَ الشيطانِ ثم صرح بالتعليل فقيل : ﴿ إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً ﴾ أي في حد ذاتِه فكيف بالقياس إلى قدرة الله تعالى، ولم يتعرّضْ لبيان قوةِ جنابِه تعالى إيذاناً بظهورها. قالوا :فائدةُ إدخالِ كان في أمثال هذه المواقعِ التأكيدُ ببيان أنه منذ كان كذلك فالمعنى أن كيدَ الشيطانِ منذ كان كان موصوفاً بالضعف.
﴿ أَلَمْ تَرَ الذين قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾ تعجيبٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم من إحجامهم عن القتال مع أنهم كانوا قبل ذلك راغبين فيه حِراصاً عليه بحيث كادوا يباشرونه كما ينبئ عنه الأمرُ بكفّ الأيدي فإن ذلك مُشعرٌ بكونهم بصدد بسطِها إلى العدو بحيث يكادون يسطون بهم، قال الكلبي :إن جماعةً من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام منهم عبدُ الرحمان بنُ عوفٍ الزُّهري والمقداد بنُ الأسودِ الكنديُّ وقُدامةُ بنُ مظعونٍ الجُمَحي وسعدُ بنُ أبي وقاص الزُّهري رضي الله تعالى عنهم كانوا يلقَوْن من مشركي مكةَ قبل الهجرةِ أذى شديداً فيشكون ذلك إلى النبي عليه الصلاة والسلام ويقولون :ائذنْ لنا في قتالهم، فيقول لهم النبي عليه الصلاة والسلام : «كُفّوا أيديَكم ﴿ وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاة ﴾ فإني لم أُومْر بقتالهم »، وبناءُ القولِ للمفعول مع أن القائلَ هو النبيُّ عليه الصلاة والسلام للإيذان بكون ذلك بأمر الله سبحانه وتعالى ولأن المقصودَ بالذات والمعتبرَ في التعجيب إنما هو كمالُ رغبتِهم في القتال وكونُهم بحيث احتاجوا إلى النهي عنه، وإنما ذُكر في حيز الصِّلةِ الأمرُ بكف الأيدي لتحقيقه وتصويرِه على طريقة الكنايةِ فلا يتعلق ببيان خصوصيةِ الأمرِ غرضٌ، وكانوا في مدة إقامتِهم بمكةَ مستمرِّين على تلك الحالةِ فلما هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأُمروا بالقتال في وقعة بدرٍ كرِهَه بعضُهم وشق ذلك عليه لكنْ لا شكّاً في الدين ولا رغبةً عنه بل نفوراً عن الإخطار بالأرواح وخوفاً من الموت بموجَب الجِبِلَّة البشريةِ وذلك قولُه تعالى : ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال ﴾ الخ، وهو عطفٌ على ﴿ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾ [ النساء، الآية :٧٧ ] باعتبار مدلولِه الكنائيِّ إذْ حينئذٍ يتحقق التبايُنُ بين مدلولَي المعطوفَين وعليه يدور أمرُ التعجيبِ كأنه قيل :ألم ترَ إلى الذين كانوا حِراصاً على القتال، فلما كُتب عليهم كرِهَه بعضُهم، وقولُه تعالى : ﴿ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ الناس ﴾ جوابُ لمّا على أن فريقٌ مبتدأٌ، ومنهم متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً له ويخشَوْن خبرُه، وتصديرُه بإذا المفاجَأةِ لبيان مسارعتِهم إلى الخشية آثِرَ ذي أثيرٍ من غير تلعثمٍ وتردد، أي فاجأ فريقٌ منهم أن يخشوا الكفارَ أن يقتلوهم ولعل توجيهَ التعجيبِ إلى الكل مع صدور الخشيةِ عن بعضهم للإيذان بأنه ما كان ينبغي أن يصدُر عن أحدهم ما ينافي حالتَهم الأولى، وقولُه تعالى : ﴿ كَخَشْيَةِ الله ﴾ مصدرٌ مضافٌ إلى المفعولِ محلُّه النصبُ على أنه حال من فاعل يخشَون أي يخشَوْنهم مُشْبِهين لأهل خشيةِ الله تعالى ﴿ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ عطفٌ عليه بمعنى أو أشدَّ خشيةً من أهل خشيةِ الله، أو على أنه مصدرٌ مؤكدٌ على جعل الخشيةِ ذاتَ خشيةٍ مبالغةً كما في جدّ جِدُّه أي يخشَوْنهم خشيةً مثلَ خشيةِ الله أو خشيةً أشدَّ خشيةً من خشية الله. وأياً ما كان فكلمةُ أو إما للتنويع على معنى أن خشيةَ بعضِهم كخشية الله وخشيةَ بعضِهم أشدُّ منها، وإما للإبهام على السامع وهو قريبٌ مما في قوله تعالى : ﴿ وأرسلناه إلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ﴾ [ الصافات، الآية ١٤٧ ] يعني أن من يبصرهم يقول إنهم مائة ألف أو يزيدون ﴿ وَقَالُوا ﴾ عطف على جواب لما أي فلما كتب عليهم القتالُ هلع فريقٌ منهم خشيةَ الناسِ وقالوا : ﴿ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال ﴾ في هذا الوقتِ لا على وجه الاعتراضِ على حكمه تعالى، والإنكارِ لإيجابه، بل على طريق تمنِّي التخفيفِ ﴿ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ استزادةٌ في مُدة الكفِّ واستمهالٌ إلى وقت آخرَ حذراً من الموت، وقد جُوِّز أن يكون هذا مما نَطَقت به ألسنةُ حالِهم من غير أن يتفوهوا به صريحاً. ﴿ قُلْ ﴾ أي تزهيداً لهم فيما يؤمِّلونه بالقعود من المتاع الفاني وترغيباً فيما ينالونه بالقتال من النعيم الباقي ﴿ متاع الدنيا ﴾ أي ما يُتَمتّع ويُنتفع به في الدنيا ﴿ قَلِيلٌ ﴾ سريعُ التقضِّي وشيكُ الانصرامِ وإن أُخِّرتم إلى ذلك الأجلِ ﴿ والآخرة ﴾ أي ثوابُها الذي من جملته الثوابُ المنوطُ بالقتال ﴿ خَيْرٌ ﴾ أي لكم من ذلك المتاعِ القليلِ، لكثرته وعدمِ انقطاعِه وصفائِه عن الكدورات وإنما قيل : ﴿ لِمَنِ اتقى ﴾ حثاً لهم على اتقاءِ العِصيانِ والإخلالِ بمواجب التكليفِ ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ عطفٌ على مقدر ينسحب عليه الكلامُ أي تُجزَوْن فيها ولا تُنقَصون أدنى شيءٍ من أجور أعمالِكم التي من جملتها مسعاكم في شأن القتالِ فلا ترغبوا عنه، والفتيلُ ما في شق النواةِ من الخيط يضرب به المثلُ في القلة والحقارة، وقرئ يظلمون بالياء إعادةً للضمير إلى ظاهر مَنْ.
﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الموت ﴾ كلامٌ مبتدأٌ مَسوقٌ من قِبَله تعالى بطريق تلوينِ الخطابِ وصرفِه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المخاطَبين اعتناءً بإلزامهم إثرَ بيانِ حقارةِ الدنيا وعلوِّ شأنِ الآخرةِ بواسطته عليه الصلاة والسلام فلا محلَّ له من الإعراب أو في محل النصبِ داخلٌ تحت القولِ المأمورِ به أي أينما تكونوا في الحضَر والسفرِ يدركْكم الموتُ الذي لأجله تكرهون القتالَ زعماً منكم أنه من مظانِّه وتُحبُّون القعودَ عنه على زعم أن مَنْجاةٌ منه، وفي لفظ الإدراكِ إشعارٌ بأنهم في الهرب من الموت وهو مُجِدٌّ في طلبهم، وقرئ بالرفع على حذف الفاءِ كما في قوله : [ البسيط ]
[ ألا يذهب العرف عند الله والناس ]١ من يفعلِ الحسناتِ الله يُشكرُها
أو على اعتبار وقوعِ أينما كنتم في موقع أينما تكونوا أو على أنه كلامٌ مبتدأٌ، وأينما تكونوا متصلٌ بلا تظلمون أي لا تُنقَصون شيئاً مما كتب من آجالكم أينما تكونوا في ملاحم الحروبِ ومعاركِ الخطوب. ﴿ وَلَوْ كُنتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ في حصون رفيعةٍ أو قصور مُحصَّنة، وقال السدي وقتادة :بروجُ السماء، يقال :شادَ البناء وشيّده رفعه، وقرئ مُشيِّدةٍ بكسر الياءِ وصفاً لها بفعل فاعلها مجازاً كما في قصيدةٌ شاعرةٌ، ومَشِيدةٍ من شاد القصرَ إذا رفعه أو طلاه بالشِّيدِ وهو الجِصُّ، وجوابُ لو محذوفٌ اعتماداً على دِلالة ما قبله عليه أي لو كنتم في بروج مشيدةٍ يدرككم الموتُ، والجملةُ معطوفةٌ على أخرى مثلِها، أي لو لم تكونوا في بروج مشيدةٍ ولو كنتم الخ، وقد اطَّرد حذفُها لدِلالة المذكورِ عليها دِلالةً واضحةً، فإن الشيءَ إذا تحقق عند وجودِ المانعِ فلأَنْ يتحقَّقَ عند عدمِه أولى، وعلى هذه النكتةِ يدورُ ما في لو الوصليةِ من التأكيد والمبالغةِ وقد مر تحقيقُه في تفسير قوله تعالى : ﴿ أوَلو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يَهْتَدُون ﴾ [ البقرة، الآية ١٧٠ ] ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذه مِنْ عِندِ الله ﴾ كلامٌ مبتدأٌ جيء به عَقيبَ ما حُكي عن المسلمين لِمَا بينهما من المناسبة في اشتمالهما على إسناد ما يكرَهونه إلى بعض الأمورِ وكراهتِهم له بسبب ذلك، والضميرُ لليهود والمنافقين، روي أنه كان قد بُسط عليهم الرزقُ فلما قدِم النبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينةَ فدعاهم إلى الإيمان فكفروا أُمسِك عنهم بعضَ الإمساكِ فقالوا :ما زلنا نعرِف النقصَ في ثمارنا ومَزارِعنا منذ قدمَ هذا الرجلُ وأصحابُه وذلك قوله تعالى : ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُوا هذه مِنْ عِندِكَ ﴾ أي وإن تصبْهم نِعمةٌ ورخاءٌ نسبوها إلى الله تعالى وإن تصبْهم بليةٌ من جَدْب وغلاءٍ أضافوها إليك كما حُكي عن أسلافهم بقوله تعالى : ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بموسى وَمَن مَعَهُ ﴾ [ الأعراف، الآية ١٣١ ] فأُمر النبيُّ عليه الصلاة والسلام بأن يرُدَّ زعمَهم الباطلَ ويُرشِدَهم إلى الحق ويُلقِمَهم حجَراً ببيان إسنادِ الكلِّ إليه تعالى على الإجمال إذ لا يجترئون على معارضة أمر الله عز وجل حيث قيل : ﴿ قُلْ كُلٌّ منْ عِندِ الله ﴾ أي كلُّ واحدةٍ من النعمة والبليةِ من جهة الله تعالى خلقاً وإيجاداً من غير أن يكون لي مَدخَلٌ في قوع شيءٍ منهما بوجه من الوجوه كما تزعُمون، بل وقوعُ الأولى منه تعالى بالذات تفضلاً ووقوعُ الثانية بواسطة ذنوبِ من ابتُليَ بها عقوبةً كما سيأتي بيانُه فهذا الجوابُ المُجملُ في معنى ما قيل رداً على أسلافهم من قوله تعالى : ﴿ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ الله ﴾ [ الأعراف، الآية ١٣١ ] أي إنما سببُ خيرِهم وشرِّهم أو سببُ إصابةِ السيئةِ التي هي ذنوبُهم عند الله تعالى لا عند غيرِه حتى يسندوها إليه ويَطّيّروا به، وقوله تعالى : ﴿ فَمَالِ هَؤُلاء القوم ﴾ الخ، كلام معترضٌ بين المُبينِ وبيانِه مَسوقٌ من جهته تعالى لتعييرهم بالجهل وتقبيحِ حالِهم والتعجيبِ من كمال غباوتِهم، والفاءُ لترتيبه على ما قبله، وقولُه تعالى : ﴿ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ﴾ حالٌ من هؤلاء والعاملُ فيها ما في الظروف من معنى الاستقرارِ، أي وحيث كان الأمرُ كذلك فأيُّ شيءٍ حصل لهم حالَ كونِهم بمعزل من أن يفقَهوا حديثاً ؟ أو استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من الاستفهام كأنه قيل :ما بالُهم وماذا يصنعون حتى يُتعجّبَ منه أو يُسألَ عن سببه ؟ فقيل :لا يكادون يفقهون حديثاً من الأحاديث أصلاً فيقولون ما يقولون، إذ لو فقِهوا شيئاً من ذلك لفهموا هذا النصَّ وما في معناه وما هو أوضحُ منه من النصوص القرآنية الناطقةِ بأن الكلَّ فائضٌ من عند الله تعالى وأن النعمةَ منه تعالى بطريق التفضلِ والإحسانِ، والبليةَ بطريق العقوبةِ على ذنوب العبادِ لاسيما النصُّ الواردُ عليهم في صحف موسى ﴿ وإبراهيم الذى وفى أَلاَّ تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى ﴾ [ النجم، الآية :٣٨ ] ولم يُسنِدوا جنايةَ أنفسِهم إلى غيرهم.
١ وهو للحطيئة في ديوانه ص ١٠٩، والخصائص ٢/٤٨٩، وتاج العروس (الفاء)..
وقولُه تعالى : ﴿ مَا أصابك مِنْ حَسَنَةٍ ﴾ الخ، بيانٌ للجواب المُجْملِ المأمورِ به، وإجراؤُه على لسان النبيِّ عليه الصلاة والسلام ثم سَوْقُ البيانِ من جهته عز وجل بطريق تلوبنِ الخطابِ وتوجيهِه إلى كل واحدٍ من الناس، والالتفاتُ لمزيد الاعتناءِ به والاهتمامُ بردِّ مقالتِهم الباطلةِ والإشعارِ بأن مضمونَه مبنيٌّ على حكمة دقيقةٍ حتى بأن يتولى بيانَها علامُ الغيوبِ، وتوجيهُ الخطابِ إلى كل واحدٍ منهم دون كلِّهم كما في قوله تعالى : ﴿ وَمَا أصابكم من مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ [ الشورى، الآية ٣٠ ] للمبالغة في التحقيق بقطع احتمالِ سببيّة معصيةِ بعضِهم لعقوبة الآخرين أي ما أصابك من نعمة من النعم ﴿ فَمِنَ الله ﴾ أي فهي منه تعالى بالذات تفضُلاً وإحساناً من غير استيجابٍ لها مِنْ قِبَلك، كيف لا وأن كلَّ ما يفعله المرءُ من الطاعات التي يُفرض كونُها ذريعةً إلى إصابة نعمةٍ ما فهي بحيث لا تكاد تكافئ نعمةَ حياتِه المقارنةِ لأدائها، ولا نعمةَ إقدارِه تعالى إياه على أدائها فضلاً عن استيجابها لنعمة أخرى ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : «ما أحدٌ يدخُل الجنة إلا برحمة الله تعالى » قيل :ولا أنت يا رسولَ الله ؟ قال : «ولا أنا ». ﴿ وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ ﴾ أي بلية من البلايا ﴿ فَمِن نفْسِكَ ﴾ أي فهي منها بسبب اقترافِها المعاصيَ الموجبةَ لها، وإن كانت من حيث الإيجادُ منسوبةً إليه تعالى نازلةً من عنده عقوبةً كقوله تعالى : ﴿ وَمَا أصابكم من مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ ﴾ [ الشورى، الآية ٣٠ ] وعن عائشةَ رضي الله عنها : «ما من مسلم يُصيبه وصَبٌ ولا نصَبٌ حتى الشوكةُ يُشاكُها وحتى انقطاعُ شِسْعِ نعلِه إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثرُ »، وقيل :الخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما قبله وما بعده، لكن لا لبيان حالِه عليه الصلاة والسلام بل لبيان حالِ الكفرةِ بطريق التصويرِ، ولعل ذلك لإظهار كمالِ السخطِ والغضبِ عليهم والإشعارِ بأنهم -لفرط جهلِهم وبلادتهم- بمعزل عن استحقاق الخطابِ لاسيما بمثل هذه الحكمةِ الأنيقة ﴿ وأرسلناك لِلنَّاسِ رَسُولاً ﴾ بيانٌ لجلالة منصبِه عليه الصلاة والسلام ومكانتِه عند الله عز وجل بعد بيانِ بُطلانِ زعمِهم الفاسدِ في حقه عليه الصلاة والسلام بناءً على جهلهم بشأنه الجليلِ، وتعريفُ الناسِ للاستغراق، والجارُّ إما متعلقٌ برسولاً قُدّم عليه للاختصاص الناظرِ إلى قيد العمومِ أي مرسَلاً لكل الناس لا لبعضهم فقط كما في قوله تعالى : ﴿ وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً للنَّاسِ ﴾ [ سبأ، الآية ٢٨ ] وإما بالفعل، فرسولاً حالٌ مؤكدةٌ وقد جُوِّز أن يكون مصدراً كما في قوله : [ الطويل ]
لقد كذَب الواشون ما فُهْتُ عندهم بسرٍّ ولا أرسلتُهم برسولِ١
أي بإرسال بمعنى رسالة ﴿ وكفى بالله شَهِيداً ﴾ أي على رسالتك، بنصب المعجزاتِ التي من جملتها هذا النصُّ الناطقُ والوحيُ الصادِقُ، والالتفاتُ لتربية المهابةِ وتقويةِ الشهادة، والجملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ.
١ وهو لكثير في ديوانه ص ١١٠، ولسان العرب ١١/٢٨٣ (رسل) وبلا نسبة في تهذيب اللغة ١٢/٣٩١..
﴿ منْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ﴾ بيانٌ لأحكام رسالتِه عليه الصلاة والسلام إثرَ بيانِ تحقّقِها وثبوتِها وإنما كان كذلك لأن الآمرَ والناهيَ في الحقيقة هو الله تعالى، وإنما هو عليه الصلاة والسلام مبلِّغٌ لأمره ونهيِه فمرجِعُ الطاعةِ وعدمُها هو لله سبحانه. روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : «من أحبّني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاعَ الله » فقال المنافقون :ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل ؟ لقد قارف الشركَ وهو ينهي أن يُعبَدَ غيرُ الله ما يريد إلا أن نتخِذَه رباً كما اتخذت النصارى عيسى فنزلت، والتعبيرُ عنه عليه الصلاة والسلام بالرسول دون الخطابِ للإيذان بأن مناطَ كونِ طاعتِه عليه الصلاة والسلام طاعةً له تعالى ليس خصوصيةَ ذاتِه عليه الصلاة والسلام بل من حيثية رسالتِه، وإظهارُ الجلالةِ لتربية المهابةِ وتأكيدِ وجوبِ الطاعةِ بذكر عنوانِ الألوهيةِ، وحملُ الرسولِ على الجنس المنتظِمِ له عليه الصلاة والسلام انتظاماً أولياً يأباه تخصيصُ الخطابِ به عليه السلام في قوله تعالى : ﴿ وَمَن تولّى فَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾ وجوابُ الشرطِ محذوفٌ والمذكورُ تعليلٌ له أي ومن أعرض عن الطاعة عنه إنما أرسلناك رسولاً مبلِّغاً لا حفيظاً مهيمِناً تحفَظ عليهم أعمالَهم وتحاسِبُهم عليها وتعاقبهم بحسَبها. وحفيظاً حالٌ من الكاف، وعليهم متعلقٌ به، قُدِّم عليه رعايةً للفاصلة، وجمعُ الضميرِ باعتبار معنى مَنْ كما أن الإفراد في تولّى باعتبار لفظِه.
﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ شروعٌ في بيان معاملتِهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم بعد بيانِ وجوبِ طاعتِه، أي يقولون إذا أمرتَهم بشيء ﴿ طَاعَةٌ ﴾ أي أمرُنا وشأنُنا طاعةٌ أو منا طاعةٌ، والأصلُ النصبُ على المصدر، والرفعُ للدِلالة على الثبات كسلام ﴿ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ ﴾ أي خرجوا من مجلسك ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ منْهُمْ ﴾ أي من القائلين المذكورين وهم رؤساؤُهم ﴿ غَيْرَ الذي تَقُولُ ﴾ أي زوَّرتْ طائفةٌ منهم وسوَّتْ خلافَ ما قالت لك من القَبول وضمانِ الطاعةِ، لأنهم مُصِرُّون على الرد والعصيانِ، وإنما يُظهرون ما يُظهرون على وجه النفاقِ، أو خلافَ ما قلتَ لها، والتبييتُ إما من البيتوته لأنه قضاءُ الأمرِ وتدبيرُه بالليل، يقال :هذا أمرٌ بُيِّت بليل، وإما من بيت الشِّعر لأن الشاعر يُدبِّره ويسوِّيه، وتذكيرُ الفعلِ لأن تأنيثَ الطائفةِ غيرُ حقيقيَ، وقرئ بإدغام التاء في الطاء لقُرب المخرَجِ، وإسنادُه إلى طائفة منهم لبيان أنهم المتصدّون له بالذات والباقون أتباعٌ لهم في ذلك لا لأن الباقين ثابتون على الطاعة. ﴿ والله يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ ﴾ أي يكتُبه في جملة ما يوحى إليك فيُطلعُك على أسرارهم فلا يحسَبوا أن مكرَهم يخفى عليكم فيجدون بذلك إلى الإضرار بكم سبيلاً، أو يُثبتُه في صحائفهم فيجازيهم عليه، وأياً ما كان فالجملةُ اعتراضيةٌ ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ أي لا تُبالِ بهم وبما صنعوا، أو تَجافَ عنهم ولا تتصدَّ للانتقام منهم، والفاءُ لسببية ما قبلها لما بعدها. ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الله ﴾ في كل ما تأتي وما تذر لاسيما في شأنهم، وإظهارُ الجلالةِ في مقام الإضمارِ للإشعار بعلة الحُكمِ ﴿ وكفي بالله وَكِيلاً ﴾ فيكفيك مَرَّتَهم وينتقم لك منهم، والإظهارُ هاهنا أيضاً لما مر وللتنبيه على استقلال الجملةِ واستغنائِها عما عداها من كل وجه.
﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن ﴾ إنكارٌ واستقباحٌ لعدم تدبُّرِهم القرآنَ وإعراضِهم عن التأمل فيما فيه من موجبات الإيمانِ، وتدبُّر الشيءِ تأمّلُه والنظرُ في أدباره ما يؤول إليه في عاقبته ومنتهاه، ثم استعمل في كل تفكرٍ ونظرٍ، والفاءُ للعطف على مقدر أي أيُعرِضون عن القرآن فلا يتأملون فيه ليعلموا كونَه من عند الله تعالى بمشاهدة ما فيه من الشواهد التي من جملتها هذا الوحيُ الصادقُ والنصُّ الناطقُ بنفاقهم المحكيِّ على ما هو عليه. ﴿ وَلَوْ كَانَ ﴾ أي القرآنُ ﴿ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله ﴾ كما يزعُمون ﴿ لَوَجَدُوا فِيهِ اختلافاً كَثِيراً ﴾ بأن يكون بعضُ أخبارِه غيرَ مطابقٍ للواقع، إذ لا علمَ بالأمور الغيبيةِ ماضيةً كانت أو مستقبلةً لغيره سبحانه، وحيث كانت كلُّها مطابقةً للواقع تعيَّن كونُه من عنده تعالى. قال الزجاج :ولولا أنه من عند الله تعالى لكان ما فيه من الإخبار بالغيب -مما يُسِرُّه المنافقون وما يُبيِّتونه- مختلفاً، بعضُه حقٌّ وبعضُه باطلٌ، لأن الغيبَ لا يعلمه إلا الله تعالى. وقال أبو بكرٍ الأصمُّ :إن هؤلاءِ المنافقين كانوا يتواطؤون في السر على أنواع كثيرةٍ من الكيد والمكرِ وكان الله تعالى يُطلِعُ الرسولَ عليه الصلاة والسلام على ذلك ويُخبره بها مفصَّلةً فقيل لهم :إن ذلك لو لم يحصُلْ بإخبار الله تعالى لما اطَّردَ الصِّدقُ فيه ولوقع فيه الاختلافُ فلما لم يقَعْ ذلك قطُّ عُلم أنه بإعلامه تعالى، هذا هو الذي يستدعيه جزالةُ النظمِ الكريمِ، وأما حملُ الاختلافِ على التناقض وتفاوُتِ النظمِ في البلاغة بأن كان بعضُه دالاً على معنى صحيحٍ عند علماءِ المعاني وبعضُه على معنى فاسدٍ غيرِ ملتئمٍ وبعضُه بالغاً حدَّ الإعجازِ وبعضُه قاصراً عنه يُمكن معارضتُه -كما جنح إليه الجمهورُ- فما لا يساعده السباقُ ولا السياقُ، ومن رام التقريبَ وقال :لعل ذكرَه هاهنا للتنبيه على أن اختلافَ ما سبق من الأحكام ليس لِتناقضٍ في الحِكَم والمصالحِ المقتضيةِ لذلك فقد بعُد عن الحق بمراحلِ.
﴿ وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ منَ الأمن أَوِ الخوف أَذَاعُوا بِهِ ﴾ يقال :أذاعَ السِّرَّ وأذاع به أي أشاعه وأفشاه، وقيل :معنى أذاعوا به فعلوا به الإذاعةَ وهو أبلغُ من أذاعوه، وهو كلامٌ مسوقٌ لدفع ما عسى يُتوهَّم في بعض الموادِّ من شائبة الاختلافِ بناءً على عدم فهمِ المرادِ ببيان أن ذلك لعدم وقوفِهم على معنى الكلامِ لا لتخلف مدلولِه عنه وذلك أن ناساً من ضَعَفة المسلمين الذين لا خِبرةَ لهم بالأحوال كانوا إذا أخبرهم الرسولُ عليه الصلاة والسلام بما أوحِيَ إليه من وعدٍ بالظفر أو تخويفٍ من الكَفَرة يُذيعونه من غير فهمٍ لمعناه ولا ضبطٍ لفحواه على حسب ما كانوا يفهمونه ويحمِلونه عليه من المحامل، وعلى تقدير الفهمِ قد يكون ذلك مشروطاً بأمور تفوت بالإذاعة فلا يظهر أثرُه المتوقَّعُ فيكون ذلك منشأً لتوهم الاختلافِ فنُعيَ عليهم ذلك وقيل : ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ ﴾ أي ذلك الأمرَ الذي جاءهم ﴿ إِلَى الرسول ﴾ أي عرَضوه على رأيه عليه الصلاة والسلام مستكشفين لمعناه وما ينبغي له من التدبير والالتفاتِ لما أن عنوانَ الرسالةِ من موجبات الردِّ والمراجعةِ إلى رأيه عليه الصلاة والسلام ﴿ وإلى أُوْلِي الامر مِنْهُمْ ﴾ وهم كبراءُ الصحابةِ البصراءِ في الأمور رضي الله تعالى عنهم ﴿ لَعَلِمَهُ ﴾ أي لعلم الرادُّون معناه وتدبيرَه، وإنما وُضع موضِعَ ضميرِهم الموصولُ فقيل : ﴿ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ للإيذان بأنه ينبغي أن يكونَ قصدُهم يردُّه إليهم استكشافُ معناه واستيضاحُ فحواه، أي لعَلِمه أولئك الرادّون الذين يستنبطونه أي يتلَّقوْنه ويستخرجون عليمه وتدبيرَه منهم أي من جهة الرسولِ عليه الصلاة والسلام وأولي الأمرِ من صحابته رِضوانُ الله عليهم أجمعين، ولمّا فعلوا في حقه ما فعلوا فلم يقَعْ من الاشتباه وتوهّمِ الاختلافِ، وقيل :لعَلمه الذين يستخرجون تدبيرَه بفِطَنهم وتجاربِهم ومعرفتِهم بأمور الحربِ ومكايدِها، فكلمةُ مِنْ في ﴿ مِنْهُمْ ﴾ بيانية، وقيل :إنهم كانوا إذا بلغهم خبرٌ عن سرايا رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ أمن وسلامةٍ أو خوفٍ وخللٍ أذاعوا به وكانت إذاعتُهم مفسدةً، ولو ردوا ذلك الخبرَ إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وإلى أولي الأمرِ لعلم تدبيرَ ما أُخبروا به الذين يستنبطونه أي يستخرجون تدبيرَه بفِطَنهم وتجارِبِهم ومعرفتِهم بأمور الحربِ ومكايدِها، وقيل :كانوا يقِفون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولي الأمرِ على أمن ووثوقٍ بالظهور على بعض الأعداءِ، أو على خوف فيُذيعونه فينتشرُ فيبلُغُ الأعداءَ فتعود إذاعتُهم مفسدةً، ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمرِ وفوّضوه إليهم وكانوا كأنْ لم يسمعوا لعَلِم الذين يستنبطون تدبيرَه كيف يُدبِّرونه يأتون وما يذرون فيه، وقيل :كانوا يسمعون من أفواه المنافقين شيئاً من الأخبار عن السرايا مظنوناً غيرَ معلومِ الصِحّةِ فيُذيعونه فيعود ذلك وبالاً على المؤمنين، ولو ردّوه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وإلى أولي الأمرِ وقالوا :نسكُتُ حتى نسمَعَه منهم ونعلمَ هل هو مما يُذاع أو لا يذاع لعَلِم صِحَّتَه وهل هو مما يُذاع أو لا يذاع هؤلاء المذيعون وهم الذين يستنبطونه من الرسول وأولي الأمرِ أي يتلقَّوْنه منهم ويستخرجون عِلمَه من جهتهم فمَساقُ النظمِ الكريمِ حينئذ لبيان جنايةِ تلك الطائفةِ وسوءِ تدبيرِهم إثرَ بيانِ جنايةِ المنافقين ومكرِهم. والخطاب في قوله تعالى : ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ للطائفة المذكورةِ على طريقة الالتفاتِ أي لولا فضلُه تعالى عليكم ورحمتُه بإرشادكم إلى طريق الحقِّ الذي هو المراجعةُ في مظانِّ الاشتباهِ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأولي الأمرِ ﴿ لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان ﴾ وعمِلتم بآراء المنافقين فيما تأتون وما تذرون ولم تهتدوا إلى سُنن الصوابِ ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ وهم أولوا الأمرِ الواقفون على أسرار الكتابِ الراسخون في معرفة أحكامِه، فالاستثناءُ منقطعٌ، وقيل :ولولا فضلُه تعالى عليكم ورحمتُه بإرسال الرسولِ وإنزالِ الكتابِ لاتَّبعتم الشيطانَ وبقِيتم على الكفر والضلالةِ إلا قليلاً منكم قد تفضَّلَ عليه بعقل راجح اهتدى به إلى طريق الحقِّ والصوابِ وعصَمَه من متابعة الشيطانِ كقُسِّ بنِ ساعِدةَ الإياديِّ، وزيدِ بنِ عمْرو بنِ نُفيل، ووَرَقةَ بنِ نوفلٍ وأضرابِهم، فالخطابُ للكل، والاستثناءُ متصلٌ، وقيل :المرادُ بالفضل والرحمة النُصرةُ والظفَرُ بالأعداء، أي لولا حصولُ النصرِ والظفرِ على التواتر والتتابعِ لا تبعتم الشيطانَ وتركتم الدينَ إلا قليلاً منكم وهو أولوا البصائرِ النافذةِ والنياتِ القويةِ والعزائمِ الماضيةِ من أفاضل المؤمنين الواقفين على حقبة الدينِ البالغين إلى درجة حقِّ اليقينِ المستغنين عن مشاهدة آثارِ حقِّيتِه من الفتْح والظفَرِ وقيل :إلا اتباعاً قليلاً.
﴿ فَقَاتِلْ في سَبِيلِ الله ﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق الالتفاتِ، وهو جوابُ شرطٍ محذوفٍ ينساق إليه النظمُ الكريمُ أي إذا كان الأمرُ كما حُكي من عدم طاعةِ المنافقين وكيدِهم وتقصيرِ الآخَرين في مراعاة أحكامِ الإسلامِ فقاتِلْ أنت وحدَك غيرَ مكترثٍ بما فعلوا، وقولُه تعالى : ﴿ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ أي إلا فِعْلَ نفسِكْ، استئنافٌ مقرِّرٌ لما قبله فإن اختصاصَ تكليفِه عليه الصلاة والسلام بفعل نفسِه من موجبات مباشرتِه للقتال وحدَه، وفيه دَلالةٌ على أن ما فعلوا من التثبّط لا يضُرُّه عليه الصلاة والسلام ولا يؤاخَذ به، وقيل :هو حالٌ من فاعل قاتِلْ أي فقاتِلْ غيرَ مُكلَّفٍ إلا نفسَك وقرئ لا تُكَلّفُ بالجزم على النهي، وقيل :على جواب الأمرِ، وقرئ بنون العَظَمةِ أي لا نُكلِّفُك إلا فعلَ نفسِك لا على معنى لا تُكلّفُ أحداً إلا نفسَك ﴿ وَحَرّضِ المؤمنين ﴾ عطفٌ على الأمر السابقِ داخلٌ في حكمه، فإن كونَ حالِ الطائفتين كما حُكي سببٌ للأمر بالقتال وحدَه وبتحريض خُلَّصِ المؤمنين، والتحريضُ على الشيء الحثُّ عليه والترغيبُ فيه. قال الراغبُ :كأنه في الأصل إزالةُ الحرض وهو ما لا خير فيه ولا يُعتدُّ به أي رغِّبْهم في القتال ولا تُعنِّفْ بهم وإنما لم يُذكر المُحرَّضُ عليه لغاية ظهورِه. وقولُه تعالى : ﴿ عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُوا ﴾ عِدَةٌ منه سبحانه وتعالى محقَّقةُ الإنجازِ بكف شدةِ الكفَرَة ومكروهِهِم، فإن ما صدر بلعل وعسى مقرَّرُ الوقوعِ من جهته عز وجل وقد كان كذلك، حيث روي أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم واعد أبا سفيانَ بعد حربِ أُحدٍ موسِمَ بدرٍ الصغرى في ذي القَعدةِ فلما بلغ الميعادَ دعا الناسَ إلى الخروج فكرِهه بعضُهم فنزلت فخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في سبعين راكباً ووافَوا الموعِدَ وألقى الله تعالى في قلوب الذين كفروا الرعبَ فرجعوا من مرِّ الظّهرانِ، وروي أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وافي بجيشه بدراً وأقام بها ثمانيَ ليالٍ وكانت معهم تجاراتٌ فباعوها وأصابوا خيراً كثيراً وقد مر في سورة آل عمران ﴿ والله أَشَدُّ بَأْساً ﴾ أي من قريش ﴿ وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ﴾ أي تعذيباً وعقوبةً تُنكّل مَنْ يشاهدُها عن مباشرة ما يؤدي إليها، والجملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لما قبلها، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ لتربية المهابةِ وتعليلِ الحُكمِ وتقويةِ استقلالِ الجُملة، وتكريرُ الخبرِ لتأكيد التشديدِ.
وقوله تعالى : ﴿ من يَشْفَعْ شفاعة حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ منْهَا ﴾ أي من ثوابها، جملةٌ مستأنفةٌ سيقت لبيان أن له عليه الصلاة والسلام فيما أُمر به من تحريض المؤمنين حظاً موفوراً، فإن الشفاعةَ هي التوسُّطُ بالقول في وصول شخصٍ إلى منفعة من المنافع الدنيويةِ أو الأخروية، أو خلاصِه من مضَرّة ما كذلك، من الشفْع كأن المشفوعَ له كان فرداً فجعله الشفيعُ شَفْعاً، والحسنةُ منها ما كانت في أمر مشروعٍ رُوعي بها حقُّ مسلمٍ ابتغاءً لوجه الله تعالى من غير أن يتضمَّن غرضاً من الأغراض الدنيويةِ، وأيُّ منفعة أجلُّ مما قد حصل للمؤمنين بتحريضه عليه الصلاة والسلام على الجهاد من المنافع الدنيويةِ والأخرويةِ ؟ وأيُّ مضرةٍ أعظمُ مما تخلّصوا منه بذلك من التثبّط عنه ؟ ويندرج فيها الدعاءُ للمسلم فإنه شفاعةٌ إلى الله سبحانه وعليه مَساقُ آيةِ التحيةِ الآتية، روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : «من دعا لأخيه المسلمِ بظهر الغيبِ استُجيب له وقال له المَلَكُ :ولك مثلُ ذلك » وهذا بيانٌ لمقدار النصيبِ الموعود ﴿ وَمَن يَشْفَعْ شفاعة سَيّئَةً ﴾ وهي ما كانت بخلاف الحسنةِ ﴿ يَكُنْ لهُ كِفْلٌ منهَا ﴾ أي نصيب من وِزْرها مساوٍ لها في المقدار من غير أن يَنْقُصَ منه شيءٌ ﴿ وَكَانَ الله على كُلّ شَيء مُقِيتاً ﴾ أي مقتدراً، من أقات على الشيء إذا اقتدر عليه أو شهيداً حفيظاً، واشتقاقُه من القُوت، فإنه يقوِّي البدَنَ ويحفَظُه، والجملةُ تذييلٌ مقرِّرٌ لما قبلها على كلا المعنيين.
﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ ﴾ ترغيبٌ في فرد شائعٍ من أفراد الشفاعةِ الحسنةِ إثرَ ما رُغِّبَ فيها على الإطلاق وحُذِّر عما يقابلها من الشفاعة السيئةِ، وإرشادٌ إلى توفية حقِّ الشفيعِ، وكيفيةِ أدائِه، فإن تحيةَ الإسلامِ من المسلم شفاعةٌ منه لأخيه إلى الله تعالى، والتحيةُ مصدر حيَّا أصلُها تحْيِيَةٌ، كتسمية من سمَّى وأصلُ الأصلِ تَحْيِيٌّ بثلاث ياءاتٍ فحُذفت الأخيرةُ وعُوِّضَ عنها تاءُ التأنيثِ وأُدغمت الأولى في الثانية بعد نقلِ حركتِها إلى الحاء. قال الراغبُ :أصلُ التحية الدعاءُ بالحياة وطولِها ثم استعملت في كل دعاءٍ، وكانت العربُ إذا لقِيَ بعضُهم بعضاً يقول :حياك الله، ثم استعملها الشرعُ في السلام وهي تحيةُ الإسلامِ، وقال تعالى : ﴿ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سلام ﴾ [ إبراهيم، الآية ٢٣ ] وقال : ﴿ فَسَلّمُوا على أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً منْ عِندِ الله ﴾ [ النور، الآية ٦١ ] قالوا :في السلام مزيةٌ على التحية لما أنه دعاءٌ بالسلامة من الآفات الدينيةِ والدنيويةِ، وهي مستلزِمةٌ لطول الحياةِ وليس في الدعاء بطول الحياةِ ذلك، ولأن السلامَ من أسمائه تعالى فالبَداءةُ بذكره مما لا ريبَ في فضله ومزّيتِه، أي إذا سُلِّم عليكم من جهة المؤمنين ﴿ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا ﴾ أي بتحيةٍ أحسنَ منها بأن تقولوا :وعليكم السلامُ ورحمةُ الله إن اقتصر المُسلمُ على الأول وبأن تَزيدوا وبركاتُه إن جمعهما المسلمُ وهي النهايةُ لانتظامها لجميع فنونِ المطالبِ التي هي السلامةُ عن المضارِّ ونيلُ المنافعِ ودوامُها ونماؤُها. ﴿ أَوْ رُدُّوهَا ﴾ أي أجيبوها بمثلها. رُوي أن رجالاً قال أحدُهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم :السلامُ عليك، فقال : «وعليك السلام ورحمةُ الله » وقال الآخرُ :السلامُ عليك ورحمةُ الله، فقال : «وعليك السلامُ ورحمةُ الله وبركاتُه »، وقال الآخرُ :السلامُ عليك ورحمةُ الله وبركاتُه، فقال : «وعليك » فقال الرجل :نقصتَني فأين ما قال الله تعالى ؟ وتلا الآية، فقال عليه الصلاة والسلام : «إنك لم تترُكْ ليَ فضلاً فردَدْتُ عليك مثلَه »، وجوابُ التسليم واجبٌ وإنما التخييرُ بين الزيادةِ وتركِها، وعن النخعيّ :أن السلامَ سنةٌ والردَّ فريضةٌ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : «الردُّ واجبٌ وما من رجل يمُرُّ على قوم مسلمين فيسلّم عليهم ولا يردّون عليه إلا نزَع الله منهم روُحَ القُدسِ وردَّت عليه الملائكة » ولا يردّ في الخُطبة وتلاوةِ القرآنِ جهراً، وروايةِ الحديثِ وعند دراسةِ العلمِ والآذانِ والإقامةِ، ولا يسلّم على لاعب النرْدِ والشطرنج والمغنّي والقاعدِ لحاجته ومُطيِّرِ الحَمام والعاري في الحمّام وغيرِه، قالوا :ويسلم الرجلُ على امرأته لا على الأجنبية، والسُّنةُ أن يسلِّم الماشي على القاعد والراكبُ على الماشي وراكبُ الفرسِ على راكب الحمارِ، والصغيرُ على الكبير والقليلُ على الكثير، وإذا التَقَيا ابتدرا. وعن أبي حنيفةَ رضي الله عنه لا يجهر بالرد يعني الجهرَ الكثيرَ، وعن النبي عليه الصلاة والسلام : «إذا سلَّم عليكُم أهلُ الكتابِ فقولوا :وعليكُم » أي وعليكم ما قلتم حيث كان يقول بعضُهم :السامُ عليكم. وروي ( لا تبدأ اليهوديَّ بالسلام وإذا بدأك فقل :وعليك )، وعن الحسن :أنه يجوز أن يقول للكافر وعليك السلامُ دون الزيادة، وقيل :التحيةُ بالأحسن عند كونِ المسلِّمِ مسلماً وردُّ مثلِها عند كونِه كافراً. ﴿ إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَي حَسِيباً ﴾ فيحاسبكم على كل شيءٍ من أعمالكم التي من جملتها ما أُمرتم به من التحية فحافِظوا على مراعاتها حسبما أُمرتم به.
﴿ اللَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ مبتدأٌ وخبرٌ وقولُه تعالى : ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة ﴾ جوابُ قسمٍ محذوفٍ أي والله ليحشُرنّكم من قبوركم إلى يوم حساب يومِ القيامةِ، وقيل :إلى بمعنى في والجملةُ القسميةُ إما مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب أو خبرٌ ثانٍ للمبتدأ أو هي الخبرُ، و ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ اعتراضٌ وقوله تعالى : ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ أي في يوم القيامةِ أو في الجمع حالٌ من اليوم أو صفةٌ للمصدر أي جمعاً لا ريب فيه ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً ﴾ إنكارٌ لأن يكون أحدٌ أصدقَ منه تعالى في وعده وسائرِ أخبارِه وبيانٌ لاستحالته كيف لا والكذِبُ مُحالٌ عليه سبحانه دون غيرِه.
﴿ فَمَا لَكُمْ ﴾ مبتدأٌ وخبرٌ، والاستفهامُ للإنكار والنفي، والخطابُ لجميع المؤمنين لكنّ ما فيه من معنى التوبيخِ متوجهٌ إلى بعضهم، وقولُه تعالى : ﴿ في المنافقين ﴾ متعلقٌ إما بما تعلق به الخبرُ، أي أيُّ شيءٍ كائنٌ لكم فيهم أي في أمرهم وشأنِهم، فحُذف المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مُقامَه، وإما بما يدل عليه قولُه تعالى : ﴿ فِئَتَيْنِ ﴾ من معنى الافتراقِ أي فما لكم تفترقون في المنافقين، وإما بمحذوف وقع حالاً من فئتين أي كائنتين في المنافقين لأنه في الأصل صفةٌ فلما قُدّمت انتصبت على الحال كما هو شأنُ صفاتِ النكراتِ على الإطلاق، أو من الضمير في تفترقون وانتصابُ فئتين عند البصْريين على الحالية من المخاطَبين والعاملُ ما في لكم من معنى الفعلِ، كما في قوله تعالى : ﴿ فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ ﴾ [ المدثر، الآية ٤٩ ] وعند الكوفيين على خبرية كان مُضمرةً أي فما لكم في المنافقين كنتم فئتين، والمرادُ إنكارُ أن يكون للمخاطبين شيءٌ يصحّح اختلافَهم في أمر المنافقين وبيانِ وجوبِ بتِّ القولِ بكفرهم، وإجرائهم مُجرى المجاهرين بالكفر في جميع الأحكامِ. وذكرُهم بعنوان النفاقِ باعتبار وصفِهم السابق. روي ( أنهم قومٌ من المنافقين استأذنوا رسولَ الله عليه الصلاة والسلام في الخروج إلى البدو معتلين باجتواء المدينةِ فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مَرْحلةً فمرحلة حتى لحِقوا بالمشركين، فاختلف المسلمون في أمرهم ) وقيل :هم قوم هاجروا من مكةَ إلى المدينة ثم بدا لهم فرجعوا وكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا على دينك وما أخرَجَنا إلا اجتواءُ المدينةِ والاشتياقُ إلى بلدنا، وقيل :( هم ناسٌ أظهروا الإسلامَ وقعدوا عن الهجرة )، وقيل :( هم قومٌ خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد ثم رجعوا )، ويأباه ما سيأتي من جعل هِجرتِهم غايةً للنهي عن تولِّيهم، وقيل :هم العُرَنيّون الذين أغاروا على السَّرْح وقتلوا راعيَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ويردّه ما سيأتي من الآيات الناطقةِ بكيفية المعاملة معهم من السلم والحربِ وهؤلاء قد أُخذوا وفُعل بهم ما فُعل من المُثلةِ والقتلِ ولم يُنقلْ في أمرهم اختلافُ المؤمنين. ﴿ والله أَرْكَسَهُمْ ﴾ حال من المنافقين مفيدةٌ لتأكيد الإنكارِ السابقِ واستبعادِ وقوعِ المنكرِ ببيان وجودِ النافي بعد بيانِ عدمِ الداعي، وقيل :من ضمير المخاطبين والرابطُ هو الواو أي أيُّ شيءٍ يدعوكم إلى الاختلاف في كفرهم مع تحقق ما يوجب اتفاقَكم على كفرهم، وهو أن الله تعالى قد ردهم في الكفر كما كانوا ﴿ بِمَا كَسَبُوا ﴾ بسبب ما كسَبوه من الارتداد واللّحوقِ بالمشركين والاحتيالِ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعائدُ إلى الموصول محذوفٌ، وقيل :ما مصدريةٌ أي بكسبهم، وقيل :معنى أركسهم نَكّسهم بأن صيَّرهم للنار وأصلُ الرِّكسِ ردُّ الشيءِ مقلوباً، وقرئ رَكَّسهم مشدداً ورَكَسَهم أيضاً مخففاً ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ الله ﴾ تجريدٌ للخطاب وتخصيصٌ له بالقائلين بإيمانهم من الفئتين وتوبيخٌ لهم على زعمهم ذلك وإشعارٌ بأنه يؤدي إلى محاولة المُحالِ الذي هو هدايةُ من أضله الله تعالى، وذلك بأن الحُكمَ بإيمانهم وادعاءِ اهتدائِهم -وهم بمعزل من ذلك- سعيٌ في هدايتهم وإرادةٌ لها، ووضعُ الموصولِ موضعَ ضميرِ المنافقين لتشديد الإنكارِ وتأكيدِ استحالةِ الهدايةِ بما ذكر في حيز الصلةِ. وتوجيهُ الإنكارِ إلى الإرادة لا إلى متعلَّقها بأن يقالَ :أتهدون الخ، للمبالغة في إنكاره ببيان أنه مما لا يمكن إرادتُه فضلاً عن إمكان نفسِه، وحملُ الهدايةِ والإضلالِ على الحُكم بهما يأباه قوله تعالى : ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾ أي ومن يَخْلُقْ فيه الضلالَ كائناً من كان فلن تجدَ له سبيلاً من السبل فضلاً عن أن تهدِيَه إليه، وفيه من الإفصاح عن كمال الاستحالةِ ما ليس في قوله تعالى : ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ [ الرعد، الآية ٣٣. وسورة الزمر، الآية ٢٣ و٣٦. وسورة غافر، الآية ٣٣ ] ونظائرِه. وحملُ إضلالِه تعالى على حُكمه وقضائِه بالضلال مُخِلٌّ بحسن المقابلة بين الشرطِ والجزاءِ، وتوجيهُ الخطابِ إلى كل واحد من المخاطَبين للإشعار بشمول عدمِ الوجدان للكل على طريق التفصيلِ، والجملةُ إما حالٌ من فاعل تريدون أو تهدوا والرابطُ هو الواو أو اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ للإنكار السابقِ ومؤكدٌ لاستحالة الهدايةِ فحينئذ يجوز أن يكون الخطابُ لكل أحدٍ ممن يصلُح له من المخاطَبين أولاً ومن غيرهم.
﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾ كلامٌ مستأنفٌ لبيان غلوِّهم وتماديهم في الكفر وتصدِّيهم لإضلال غيرِهم إثرَ بيانِ كفرِهم وضلالِهم في أنفسهم، وكلمةُ لو مصدرية غنيةٌ عن الجواب، وهي مع ما بعدها نصبٌ على المفعولية، أي ودّوا أن تكفروا، وقولُه تعالى : ﴿ كَمَا كَفَرُوا ﴾ نُصب على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي كفراً مثلَ كفرِهم، أو حالٌ من ضمير ذلك المصدرِ كما هو رأيُ سيبويهِ وقولُه تعالى : ﴿ فَتَكُونُونَ سَوَاء ﴾ عطفٌ على تكفرون داخلٌ في حكمه أي ودوا أن تكفروا فتكونوا سواءً مستوِين في الكفر والضلالِ، وقيل :كلمةُ لو على بابها، وجوابُها محذوفٌ كمفعول ودّوا لتقدير ودوا كفرَكم لو تكفرون كما كفروا لسخرّوا بذلك.
﴿ فَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاء ﴾ الفاء جوابُ شرطٍ محذوفٍ وجمعُ أولياءَ لمراعاة جمعِ المخاطَبين فإن المرادَ نهيُ أن يتخذ واحدٌ من المخاطبين ولياً واحداً منهم أي إذا كان حالُهم ما ذكر من وِدادة كفرِكم فلا توالوهم ﴿ حتى يُهَاجِرُوا في سَبِيلِ الله ﴾ أي حتى يؤمنوا ويحققوا إيمانَهم بهجرةٍ كائنةٍ لله تعالى ورسولِه عليه الصلاة والسلام لا لغرض من أغراض الدنيا.
﴿ فَإِن تَوَلَّوْا ﴾ أي عن الإيمان المؤيَّدِ بالهجرة الصحيحةِ المستقيمةِ ﴿ فَخُذُوهُمْ ﴾ أي إذا قدَرتم عليهم ﴿ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ من الحِلّ والحرمِ فإن حُكمَهم حكمُ سائرِ المشركين أسراً وقتلاً ﴿ وَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ أي جانبوهم مجانبةً كليةً ولا تقبَلوا منهم وِلايةً ولا نُصرةً إبداً.
﴿ إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق ﴾ استثناءٌ من قوله تعالى : ﴿ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم ﴾ [ النساء، الآية :٨٩ ]، أي إلا الذين يتصلون وينتهون إلى قوم عاهدوكم ولم يحاربوكم وهم الأسلميّون ( كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقتَ خروجِه من مكةَ قد وادَعَ هِلالَ بنَ عُويمِرٍ الأسلميَّ على أنه لا يُعينُه ولا يُعينُ عليه وعلى أن من وَصل إلى هلالٍ ولجأ إليه فله من الجِوار مثلُ الذي لهلال )، وقيل :هم بنو بكرِ بنِ زيدِ مَناةَ، وقيل :هم خُزاعة. ﴿ أَوْ جَاءوكُمْ ﴾ عطفٌ على الصلة أي أو الذين جاءوكم كافّين عن قتالكم وقتالِ قومِهم.
استُثني من المأمور بأخذهم وقتلِهم فريقان :أحدُهما من ترك المحاربين ولحِق بالمعاهَدين، والآخرُ من أتى المؤمنين وكفّ عن قتال الفريقين. أو على صفةِ قومٍ كأنه قيل :إلا الذين يصلون إلى قوم معاهَدين أو إلى قوم كافّين عن القتال لكم والقتالِ عليكم، والأولُ هو الأظهرُ لما سيأتي من قوله تعالى : ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم ﴾ [ النساء، الآية :٩٠ ] الخ، فإنه صريحٌ في أن كفَّهم عن القتال أحدُ سَبَبي استحقاقِهم لنفي التعرُّضِ لهم، وقرئ جاءوكم بغير عاطفٍ على أنه صفةٌ بعد صفةٍ أو بيانٌ ليصِلون أو استئنافٌ.
﴿ حصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ حالٌ بإضمار قد بدليل أنه قرئ حَصِرَةٌ صدورُهم وحَصِراتٌ صدورُهم، وقيل :هو بيانٌ لجاءوكم وهم بنو مَدلج جاءوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم غيرَ مقاتلين، والحصرُ الضيقُ والانقباض ﴿ أن يقاتلوكم أَوْ يقاتلوا قَوْمَهُمْ ﴾ أي من أن يقاتلوكم أي لأَنْ يقاتلوكم أو كراهةَ أن يقاتلوكم الخ ﴿ وَلَوْ شَاء الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ جملةٌ مبتدأةٌ جاريةٌ مجرى التعليلِ لاستثناء الطائفةِ الأخيرةِ من حكم الأخذِ والقتلِ ونظمِهم في سلك الطائفةِ الأولى الجاريةِ مَجرى المعاهَدين مع عدم تعلّقِهم بنا ولا بمن عاهدونا كالطائفة الأولى، أي لو شاء الله لسلطهم عليكم ببسط صدورِهم وتقويةِ قلوبِهم وإزالةِ الرعبِ عنها ﴿ فلقاتلوكم ﴾ عَقيبَ ذلك ولم يكفّوا عنكم، واللامُ جوابُ لو على التكرير أو الإبدالِ من الأُولى، وقرئ فلقَتّلوكم بالتخفيف والتشديد ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم ﴾ ولم يتعرضوا لكم ﴿ فَلَمْ يقاتلوكم ﴾ مع ما علمتم من تمكنهم من ذلك بمشيئة الله عزو وجل ﴿ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السّلم ﴾ أي الانقيادَ والاستسلام وقرئ بسكون اللام ﴿ فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾ طريقاً بالأسر أو بالقتل فإن كفَّهم عن قتالكم وأن يقاتلوا قومَهم أيضاً وإلقاءَهم إليكم السَّلَم وإن لم يعاهدوكم كافيةٌ في استحقاقهم لعدم تعرُّضِكم لهم.
﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ ﴾ هم قومٌ من أسَد وغطَفانَ كانوا إذا أتَوا المدينةَ أسلموا وعاهَدوا ليأْمَنوا المسلمين فإذا رجعوا إلى قومهم ونكَثوا عُهودَهم ليأمَنوا قومَهم، وقيل :هم بنو عبدِ الدارِ وكان ديدنَهم ما ذكر ﴿ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الفتنة ﴾ أي دُعوا إلى الكفر وقتالِ المسلمين ﴿ أُرْكِسُوا فِيِهَا ﴾ قُلبوا فيها أقبحَ قلْبٍ وأشنَعَه وكانوا فيها شراً من كل عدو شرّيرٍ.
﴿ فَإِن لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ﴾ بالكف عن التعرُّض لكم بوجه ما ﴿ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السّلم ﴾ أي لم يُلْقوا إليكم الصُلْحَ والعهدَ بل نَبَذوه إليكم ﴿ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ ﴾ أي لم يكفّوها عن قتالكم ﴿ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ ﴾ أي تمكّنتم منهم.
﴿ وَأُوْلَئِكُمْ ﴾ الموصوفون بما ذُكر من الصفات القبيحةِ ﴿ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سلطانا مُبِيناً ﴾ حُجةً واضحةً في الإيقاع بهم قتلاً وسبْياً لظهور عداوتِهم وانكشافِ حالِهم في الكفر والغدرِ وإضرارِهم بأهل الإسلامِ أو تسلطاً ظاهراً حيث أذِنّا لكم في أخذهم وقتلِهم.
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ أي وما صح له ولا لاقَ بحاله ﴿ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً ﴾ بغير حقَ فإن الإيمانَ زاجرٌ عن ذلك ﴿ إِلا خطأ ﴾ فإنه ربما يقع لعدم دخولِ الاحترازِ عنه بالكلية تحت الطاقةِ البشريةِ، وانتصابُه إما على أنه حالٌ أي وما كان له أن يقتلَ مؤمناً في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ أو على أنه المفعولُ له أي وما كان له أن يقتله لعِلّة من العلل إلا للخطأ أو على أنه صفةٌ للمصدر أي إلا قتلاً خطأً، وقيل :إلا بمعنى ولا، والتقديرُ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً عمداً ولا خطأً، وقيل : ﴿ مَا كَانَ ﴾ نفيٌ في معنى النهي، والاستثناءُ منقطِعٌ أي لكنْ إن قتله خطأً فجزاؤُه ما يُذكر، والخطأُ ما لا يقارِنه القصْدُ إلى الفعل أو إلى الشخص، أو لا يُقصد به زُهوقُ الروحِ غالباً أو لا يقصد به محظورٌ كرمي مُسلمٍ في صف الكفارِ مع الجهل بإسلامه، وقرئ خَطاءً بالمد وخَطاً كعصا بتخفيف الهمزة.
روي أن عياشَ بنَ أبي ربيعةَ وكان أخا أبي جهلٍ لأمّه أسلم وهاجر إلى المدينة خوفاً من أهله وذلك قبل هجرةِ النبي عليه الصلاة والسلام فأقسمَتْ أمُّه لا تأكلُ ولا تشربُ ولا يَأْويها سقفٌ حتى يرجِع فخرج أبو جهل ومعه الحارثُ بنُ زيدِ بنِ أبي أنيسةَ فأتياه وهو في أطم ففتل منه أبو جهل في الذُّروة والغارب وقال :أليس محمدٌ يحثُّك على صلة الرحِمِ ؟ انصرِفْ وبَرَّ أمَّك وأنت على دينك حتى نزل وذهب معهما فلما فسَحا من المدينة كتَفاه وجلَده كلُّ واحد منهما مائةَ جلدةٍ فقال للحارثِ :هذا أخي فمن أنت يا حارث ؟ لله علي إن وجدتك خالياً أن أقتلَك، وقدِما به على أمه فحلفت لا يُحَلُّ كِتافُه أو يرتدَّ ففعل بلسانه ثم هاجر بعد ذلك، وأسلم الحارثُ وهاجر فلقِيَه عياشُ بظهر قُباءَ ولم يشعُرْ بإسلامه فأنحى عليه فقتله ثم أُخبر بإسلامه فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال :قتلتُه ولم أشعُرْ بإسلامه فنزلت.
﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ أي فعليه أو فجزاؤُه تحريرُ رقبةٍ أي إعتاقُ نسمةٍ عبّر عنها بها كما يعبّر بالرأس ﴿ مُؤْمِنَةٍ ﴾ أي محكومٌ بإسلامها وإن كانت صغيرة ﴿ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ﴾ مؤدّاةٌ إلى ورثته يقتسِمونها كسائر المواريثِ لقول الضحاك بنِ سفيانَ الكِلابيّ :كتب إليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يأمُرني أن أُورّث امرأةَ أشيمَ الضبابيّ من عقْل زوجِها.
﴿ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا ﴾ أي إلا أن يتصدق أهلُه عليه سمِّي العفوُ عنها صدقةً حثاً عليه وتنبيهاً على فضله، وعن النبي عليه الصلاة والسلام : «كلُّ معروفٍ صدقةٌ » وقرئ إلا أن يتصدقوا وهو متعلقٌ بعليه أو بمُسلّمة أي تجب الديةُ أو يسلّمها إلى أهله إلا وقت تصدقِهم عليه فهو في محل النصبِ على الظرفية أو إلا حالَ كونِهم متصدِّقين عليه فهو حالٌ من الأهل أو القاتلِ ﴿ فَإن كَانَ ﴾ أي المقتولُ ﴿ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ ﴾ كفارٍ محاربين ﴿ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ ولم يَعْلم به القاتلُ لكونه بين أظهُرِ قومِه بأن أسلم فيما بينهم ولم يفارقْهم أو بأن أتاهم بعدما فارقهم لِمُهمٍّ من المهمات.
﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ أي فعلى قاتله الكفارةُ دون الديةِ إذ لا وِراثة بينه وبين أهلِه لأنهم محارَبون ﴿ وَإِن كَانَ ﴾ أي المقتولُ المؤمنُ ﴿ مِن قَوْمٍ ﴾ كفرَة ﴿ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق ﴾ أي عهدٌ مؤقتٌ أو مؤبدٌ ﴿ فَدِيَةٌ ﴾ أي فعلى قاتله ديةٌ ﴿ مُسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ﴾ من أهل الإسلامِ إن وجدوا.
ولعل تقديمَ هذا الحكمِ هاهنا مع تأخيره فيما سلف للإشعار بالمسارعة إلى تسليم الديةِ تحاشياً عن توهّم نقضِ الميثاقِ.
﴿ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةً ﴾ كما هو حكمُ سائرِ المسلمين، ولعل إفرادَه بالذكر مع اندراجه في حكم ما سبق من قوله تعالى : ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خطأ ﴾ خطأ الخ، لبيان أن كونَه فيما بين المعاهَدين لا يمنع وجوبَ الديةِ كما منعه كونُه فيما بين المحارَبين، وقيل :المرادُ بالمقتول الذميُّ أو المعاهَدُ لئلا يلزَمَ التكرارُ بلا فائدةٍ ولا التوريثُ بين المسلمِ والكافر، وقد عرفت عدمَ لزومِهما.
﴿ فَمَن لمْ يَجِدْ ﴾ أي رقبةً ليُحرِّرها بأن لم يملِكْها ولا ما يُتوصّل به إليها من الثمن ﴿ فَصِيَامُ ﴾ أي فعليه صيامُ ﴿ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ﴾ لم يتخللْ بين يومين من أيامهما إفطارٌ ﴿ تَوْبَةً ﴾ نُصب على أنه مفعولٌ له أي شُرع لكم ذلك توبةً أي قَبولاً لها، من تاب الله عليه إذا قبِل توبتَه، أو مصدرٌ مؤكدٌ لفعل محذوفٍ، أي تاب عليكم توبةً، وقيل :على أنه حالٌ من الضمير المجرورِ في عليه بحذف المضافِ أي فعليه صيامُ شهرين حالَ كونِه ذا توبةٍ، وقولُه تعالى : ﴿ مِنَ الله ﴾ متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لتوبةً أي كائنةً منه تعالى.
﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً ﴾ بجميع الأشياءِ التي من جملتها حالُه ﴿ حَكِيماً ﴾ في كل ما شرَع وقضى من الشرائع والأحكامِ التي من جملتها ما شرعه في شأنه.
﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمّداً ﴾ لمّا بيّن حُكمَ القتلِ خطأً وفصَّل أقسامَه الثلاثةَ عقّب ذلك ببيان القتلِ عمداً خلا أن حكمَه الدنيويَّ لما بُيِّن في سورة البقرةِ اقتُصر هاهنا على حُكمه الأخرويِّ. روي أن مِقْيَسَ بنَ صُبَابةَ الكِنانيَّ وكان قد أسلم هو وأخوه هشامٌ وجَد أخاه قتيلاً في بني النجارِ، فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وذكر له القصةَ فأرسل عليه السلام معه زبيرَ بنَ عِياضٍ الفِهريَّ وكان من أصحاب بدرٍ إلى بني النجار يأمرُهم بتسليم القاتلِ إلى مقيسٍ ليقتصَّ منه إن علموه وبأداء الديةِ إن لم يعلموه، فقالوا :سمعاً وطاعةً لله تعالى ولرسوله عليه السلام ما نعلم له قاتلاً ولكنا نؤدّي دِيتَه فأتَوْه بمائة من الإبل فانصَرفا راجعَيْن إلى المدينة حتى إذا كانا ببعض الطريقِ أتى الشيطانُ مِقْيَساً فوسوس إليه فقال :أتقبل دِيةَ أخيك فيكونَ مَسَبَّةً عليك ؟ اقتُل الذي معك فيكونَ نفساً بنفس وفضلَ الديةِ فتغفّل الفِهريَّ فرماه بصخرة فشدَخَه ثم ركِب بعيراً من الإبل واستاق بقيتَها راجعاً إلى مكةَ كافراً وهو يقول : [ الطويل ]
قتلتُ به فِهراً وحمَّلْتُ عَقُلَه سَراةَ بني النجارِ أصحابَ قارعِ١
وأدركتُ ثأري واضطجعتُ موسّدًا وكنت إلى الأوثان أولَ راجعِ
فنزلت، وهو الذي استثناه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتحِ ممن أمّنه فقُتل وهو متعلِّقٌ بأستار الكعبةِ، وقوله تعالى : ﴿ مُتَعَمّداً ﴾ [ النساء، الآية :٩٣ ] حالٌ من فاعل يقتل، وروي عن الكسائي سكونُ التاءِ كأنه فر من توالي الحركات ﴿ فَجَزَاؤُهُ ﴾ الذي يستحقه بجنايته ﴿ جَهَنَّمُ ﴾ وقولُه تعالى : ﴿ خَالِداً فِيهَا ﴾ حالٌ مقدرةٌ من فاعل فعلٍ مقدرٍ يقتضيه المقامُ كأنه قيل :فجزاؤه أن يدخُلَ جهنَّم خالداً فيها، وقيل :هو حالٌ من ضمير يجزاها، وقيل :من مفعول جازاه، وأُيّد ذلك بأنه أنسبُ بعطف ما بعده عليه لموافقته له صيغةً، ولا يخفي أن ما يُقدّر للحال أو للعطف عليه حقُّه أن يكون مما يقتضيه المقامُ اقتضاءً ظاهراً ويدل عليه الكلامُ دَلالةً بينةً، وظاهرٌ أن كونَ جزائِه ما ذُكر لا يقتضي وقوعَ الجزاءِ البتةَ كما ستقف عليه حتى يُقدَّرَ يُجزاها أو جازاه بطريق الإخبارِ عن وقوعه، وأما قولُه تعالى : ﴿ وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ ﴾ فمعطوفٌ على مقدر يدل عليه الشرطيةُ دِلالةً واضحةً كأنه قيل بطريق الاستئنافِ تقريراً وتأكيداً لمضمونها :حكمُ الله بأن جزاءَه ذلك وغضِب عليه أي انتقم منه ﴿ وَلَعَنَهُ ﴾ أي أبعده عن الرحمة بجعل جزائِه ما ذكر، وقيل :هو وما بعده معطوفٌ على الخبر بتقدير أنّ، وحملُ الماضي على معنى المستقبلِ كما في قوله تعالى : ﴿ وَنُفِخَ في الصور ﴾ [ الكهف، الآية ٩٩. ويس، الآية ٥١. والزمر، الآية ٦٨. وق، الآية ] ونظائرِه أي فجزاؤُه جهنمُّ وأن يغضَبَ الله عليه الخ ﴿ وَأَعَدَّ لَهُ ﴾ في جهنم ﴿ عَذَاباً عَظِيماً ﴾ لا يقادَر قَدْرُه ولِما ترى في الآية الكريمةِ من التهديد الشديدِ والوعيد الأكيدِ وفنونِ الإبراق والإرعادِ وقد تأيدت بما رُوي من الأخبار الشِّداد كقوله عليه الصلاة والسلام : «والذي نفسي بيده لَزَوالُ الدُّنيا عند الله أهونُ من قتلِ مؤمن » وقوله عليه الصلاة والسلام : «لو أن رجلاً قُتل بالمشرق وآخَرُ رضِي بالمغرب لأَشرَك في دمه » وقوله عليه الصلاة والسلام : «من أعان على قتل مؤمنٍ ولو بشَطْر كلمةٍ جاء يوم القيامةِ مكتوبٌ بين عينيه آيسٌ من رحمة الله تعالى » وبنحو ذلك من القوارع تمسكت الخوارجُ والمعتزلةُ بها في خلود مَنْ قتل المؤمنَ عمداً في النار ولا مُتمَسَّك لهم فيها إلا لِما قيل من أنها في حق المستحِلِّ كما هو رأيُ عِكرِمةَ وأضرابِه بدليل أنها نزلت في مقيسِ بنِ ضبابةَ الكِناني المرتدِّ حسبما مرت حكايتُه فإن العبرةَ بعموم اللفظِ لا بخصوص السببِ بل لأن المرادَ بالخلود هو المكثُ الطويلُ لا الدوامُ لتظاهر النصوصِ الناطقةِ بأن عصاةَ المؤمنين لا يدوم عذابُهم، وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ( أنه لا توبةَ لقاتل المؤمنِ عمداً ) وكذا ما روي عن سفيانَ أن أهلَ العلم كانوا إذا سُئلوا قالوا :لا توبةَ له -محمول على الاقتداء بسنة الله تعالى في التشديد والتغليظِ وعليه يُحمل ما روي عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : «أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمنِ توبة » كيف لا وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً سأله :ألِقاتلِ المؤمنِ توبةٌ ؟ قال :لا، وسأله آخَرُ ؟ ألقاتل المؤمن توبةٌ ؟ فقال :نعم، فقيل له :قلت لذلك كذا ولهذا كذا، قال :كان الأولُ لم يقتُلْ بعد فقلت ما قلت كيلا يقتُلَ وكان هذا قد قتل فقلت له ما قلت لئلا ييأسَ، وقد روي عنه جوازُ المغفرةِ بلا توبة أيضاً حيث قال في قوله تعالى : ﴿ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾ [ النساء، الآية :٩٣ ]، هي جزاؤُه فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له، ورُوي مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «هو جزاؤُه إن جازاه » وبه قال عونُ بنُ عبدِ اللَّهِ وبكرُ بنُ عبدِ اللَّه المزني وأبو صالح قالوا :قد يقول الإنسانُ لمن يزجُره عن أمر إن فعلتَه فجزاؤُك القتلُ والضربُ ثم إن لم يجازِه بذلك لم يكن ذلك منه كذباً، قال الواحدي :والأصلُ في ذلك أن الله عز وجل يجوزُ أن يُخلِفَ الوعيدَ وإن امتنع أن يُخلِف الوعد. بهذا وردت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أنسٍ رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال : «من وعده الله تعالى على عمله ثواباً فهو مُنجِزُه له، ومن أوعده على عمله عِقاباً فهو بالخيار » والتحقيقُ أنه لا ضرورة إلى تفريع ما نحن فيه على الأصل المذكورِ لأنه إخبارٌ منه تعالى بأن جزاءَه ذلك لا بأنه يجزيه بذلك. كيف لا وقد قال الله تعالى : ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مثْلُهَا ﴾ [ الشورى، الآية ٤٠ ] ولو كان هذا إخباراً بأنه تعالى يجزي كلَّ سيئةٍ بمثلها لعارضه قوله تعالى : ﴿ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ ﴾ [ الشورى، الآية ٣٠. والمائدة، الآية ١٥ ].
١ وهما لمقيس بن ضبابة في لسان العرب ٨/٢٥١ (فرع) وتاج العروس ٢١/٤٨٥ (فرع)..
﴿ يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إثرَ ما بيّن حكمَ القتلِ بقسميه وأن ما يُتصوّر صدورُه عن المؤمن إنما هو القتلُ خطأً شرَعَ في التحذير عما يؤدي إليه من قلة المبالاةِ في الأمور ﴿ إِذَا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ الله ﴾ أي سافرتم في الغزو، ولِمَا في إذا من معنى الشرطِ صُدِّر قولُه تعالى : ﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾ بالفاء، فاطلُبوا بيانَ الأمرِ في كل ما تأتوُن وما تذرون ولا تعجَلوا فيه بغير تدبرٍ ورويّة، وقرئ فتثبّتوا أي اطلُبوا إثباته.
وقوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام ﴾ نهيٌ عما هو نتيجةٌ لترك المأمورِ به وتعيينٌ لمادّة مُهمّةٍ من الموادّ التي يجب فيها التبيينُ، وقرئ السِّلْمَ بغير ألف وبكسر السين وسكون اللام أي لا تقولوا بغير تدبرٍ لمن حياكم بتحية الإسلامِ أو لمن ألقى إليكم مقاليدَ الاستسلام والانقيادِ،
﴿ لَسْتَ مُؤْمِناً ﴾ وإنما أظهرتَ ما أظهرتَ متعوِّذاً بلِ اقبَلوا منه ما أظهره وعاملوه بموجبه، وقرئ مُؤمَناً بالفتح أي مبذولاً لك الأمانُ، وهذا أنسبُ بالقراءتين الأخيرتين، والاقتصارُ على ذكر تحيةِ الإسلامِ في القراءة الأولى مع كونها مقرونةً بكلمتي الشهادةِ كما سيأتي في سبب النزول للمبالغة في النهي والزجرِ والتنبيهِ على كمال ظهورِ خطئِهم ببيان أن تحية الإسلامِ كانت كافيةً في المُكافّة والانزجارِ عن التعرض لصاحبها فكيف وهي مقرونةٌ بهما، وقوله تعالى : ﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياة الدنيا ﴾ حال من فاعل لا تقولوا منبئٌ عما يحمِلُهم على العَجَلة وتركِ التأنّي لكن لا على أن يكون النهيُ راجعاً إلى القيد فقط كما في قولك :لا تطلُبَ العلمَ تبتغي به الجاهَ، بل إليهما جميعاً أي لا تقولوا له ذلك حالَ كونِكم طالبين لمالِه الذي هو حُطامٌ سريعُ النفادِ،
وقولُه تعالى : ﴿ فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ تعليلٌ للنهي عن ابتغاء مالِه بما فيه من الوعد الضِّمني كأنه قيل :لا تبتغوا مالَه فعند الله مغانمُ كثيرةٌ يُغنِمُكموها فيغنيكم عن ارتكاب ما ارتكبتموه، وقولُه تعالى : ﴿ كذلك كُنتُمْ من قَبْلُ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ ﴾ تعليلٌ للنهي عن القول المذكورِ، ولعل تأخيرَه لما فيه من نوع تفصيل ربما يُخِلُّ تقديمُه بتجاوب أطرافِ النظمِ الكريم، مع ما فيه من مراعاة المقارنةِ بين التعليلِ السابقِ وبين ما عُلِّل به كما في قوله تعالى : ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ ﴾ [ آل عمران، الآية ١٠٦ ] الخ، وتقديمُ خبرِ كان للقصر المقيّدِ لتأكيد المشابهةِ بين طرفي التشبيهِ، وذلك إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافِه بما في حيز الصلةِ والفاء في فمن للعطف على كنتم أي مثلَ ذلك الذي ألقى إليكم السلامَ كنتم أيضاً في بدء إسلامِكم لا يظهرُ منكم للناس غيرُ ما ظهر منه لكم من تحية الإسلامِ ونحوِها فمنّ الله عليكم بأن قبل منكم تلك المرتبةَ وعصَم بها دماءَكم وأموالَكم ولم يأمُرْ بالتفحُّص عن سرائركم، والفاءُ في قوله تعالى : ﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾ فصيحةٌ أي إذا كان الأمرُ كذلك فاطلُبوا بيانَ هذا الأمرِ البيِّنِ وقيسوا حالَه بحالكم وافعلوا به ما فُعل بكم في أوائلِ أمورِكم من قَبول ظاهرِ الحالِ من غير وقوفٍ على تواطُؤِ الظاهِرِ والباطنِ، هذا هو الذي تقتضيه جزالةُ التنزيلِ وتستدعيه فخامةُ شأنِه الجليلِ، و ﴿ مَنْ ﴾ حسِبَ أن المعنى أولُ ما دخلتم في الإسلام سُمعت من أفواهكم كلمةُ الشهادةِ فحصَّنَتْ دماءَكم وأموالَكم -من غير انتظارِ الاطلاعِ على مواطأة قلوبِكم لألسنتكم فمنّ الله عليكم بالاستقامة والاشتهارِ بالإيمان والتقدّمِ فيه، وأنْ صِرْتم أعلاماً فيه، فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فُعل بكم وأن تعتبروا ظاهِرَ الإسلامِ في الكف ولا تقولوا الخ- فقد أبعدَ عن الحق، لأن المرادَ كما عرفتَ بيانُ أن تحصينَ الدماءِ والأموالِ حُكمٌ مترتِّبٌ على ما فيه المماثلةُ بينه وبينهم من مجرد التفوُّه بكلمة الشهادةِ وإظهارِ أن ترتُّبَه عليه في حقهم يقتضي ترتبه عليه في حقه أيضاً إلزاماً لهم وإظهاراً لخطئهم، ولا يخفي أن ذلك إنما يتأتّى بتفسيرٍ منه تعالى عليهم المترتب على كونهم مثلَه بتحصين دمائِهم وأموالِهم حسبما ذكر حتى يظهرَ عندهم وجوبُ تحصينِ دمِه ومالِه أيضاً بحكم المشاركةِ فيما يوجبه، وحيث لم يفعل ذلك بل فسّره به لم يبقَ في النظم الكريمِ ما يدل على ترتب تحصينِ دمائِهم وأموالِهم على ما ذكر فمِنْ أين له أن يقول :فحصَّنَتْ دماءَكم وأموالَكم حتى يتأتى البيانُ وارتكابُ تقديرِه بناءً على اقتضاء ما ذُكر في تفسير المنِّ إياه بناءً على أساس واهٍ ؟ كيف لا وإنما ذِكرُه بصدد التفسيرِ وإن كان أمراً متفرعاً على ما فيه المماثلةُ مبنياً عليه في حقهم لكنه ليس بحكم أريد إثباتُه في حقه بناءً على ثبوته في حقهم كالتحصين المذكورِ حتى يستحقَّ أن يُتعرَّض له ولا بأمر له دخلٌ في وجوب اعتبارِ ظاهرِ الإسلامِ من الداخلين فيه حتى يصِحَّ نظمُه في سلك ما فُرِّع عليه قولُه :فعليكم أن تفعلوا الخ. وحملُ الكلامِ على معنى أنكم في أول الأمرِ كنتم مثلَه في قصور الرتبة في الإسلام فمنّ الله عليكم وبلغتم هذه الرتبةَ العاليةَ منه فلا تستقصروا حالتَه نظراً إلى حالتكم هذه بل اعتدّوا بها نظراً إلى حالتكم السابقةِ -يردُّه أن قتلَه لم يكن لاستقصار إسلامِه بل لتوهم عدمِ مطابقةِ قلبِه للسانه فإن الآيةَ الكريمةَ نزلت في شأن مِرْداسِ بنِ نهيكٍ من أهل فدَكٍ وكان قد أسلم ولم يُسلمْ من قومه غيرُه فغزتْهم سريةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم غالبُ بنُ فَضالةَ الليثي فهربوا وبقيَ مرداسٌ لثقته بإسلامه فلما رأى الخيلَ ألجأ غنمَه إلى عاقول من الجبل وصعِد فلما تلاحقوا وكبّروا كبّر وقال :لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله السلامُ عليكم فقتله أسامةُ بنُ زيدٍ واستاق غنمَه فأخبروا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فوجَد وجْداً شديداً وقال : «قتلتموه إرادةَ ما معه » فقال أسامةُ :إنه قال بلسانه دون قلبِه وفي رواية إنما قالها خوفاً من السلاح، فقال عليه الصلاة والسلام : «هلا شقَقْتَ عن قلبه » وفي رواية «أفلا شقَقْتَ عن قلبه » ثم قرأ الآيةَ على أسامةَ فقال :يا رسولَ الله استغفِرْ لي، فقال : «كيف بلا إله إلا الله » قال أسامة :فما زال عليه الصلاة والسلام يعيدُها حتى ودِدتُ أن لم أكن أسلمتُ إلا يومئذ، ثم استغفرَ لي وقال : «أعتِقْ رقبة ». وقيل :نزلت في رجل قال :يا رسول الله كنا نطلُب القومَ وقد هزمهم الله تعالى فقصَدْتُ رجلاً فلما أحسَّ بالسيف قال :إني مسلمٌ فقتلتُه، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم :«أقتلتَ مسلماً ؟ قال :إنه كان متعوّذاً، فقال عليه الصلاة والسلام : «أفلا شقَقْتَ عن قلبه » ﴿ إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ من الأعمال الظاهرةِ والخفيةِ وبكيفياتها ﴿ خَبِيراً ﴾ فيجازيكم بحسبها إن خيراً فخيرٌ وإن شراً فشرٌّ فلا تتهاونوا في القتل واحتاطوا فيه، والجملةُ تعليلٌ لما قبلها بطريق الاستئنافِ وقرئ بفتح إن على أنها معمولُه لِتَبَيَّنوا أو على حذف لامِ التعليل.
﴿ لاَّ يَسْتَوِي القاعدون ﴾ بيانٌ لتفاوت طبقاتِ المؤمنين بحسب تفاوتِ درجاتِ مساعيهم في الجهاد بعد ما مر من الأمر به وتحريضِ المؤمنين عليه ليأنَفَ القاعدُ عنه ويترفَّعَ بنفسه عن انحطاط رتبتِه فيهتزّ له رغبةً في ارتفاع طبقتِه، والمرادُ بهم الذين أُذِن لهم في القعود عن الجهاد اكتفاءً بغيرهم. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما :هم القاعدون عن بدْر والخارجون إليها، وهو الظاهرُ الموافقُ لتاريخ النزولِ لا ما روي عن مقاتل من أنهم الخارجون إلى تبوك، فإنه مما لا يوافقه التاريخُ ولا يساعده الحالُ إذا لم يكن للمتخلّفين يومئذ هذه الرخصةُ. وقولُه تعالى : ﴿ مِنَ المؤمنين ﴾ متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من القاعدين أي كائنين من المؤمنين وفائدتُها الإيذانُ من أول الأمرِ بعدم إخلالِ وصفِ القعودِ بإيمانهم، والإشعارُ بعلة استحقاقِهم لما سيأتي من الحُسنى ﴿ غَيْرُ أُوْلِى الضرر ﴾ صفةٌ للقاعدين لجرَيانه مجرى النكرةِ حيث لم يُقصَدْ به قومٌ بأعيانهم، أو بدلٌ منه، وقرئ بالنصب على أنه حالٌ منه أو استثناء، وبالجر على أنه صفةٌ للمؤمنين أو بدلٌ منه والضررُ المرضُ أو العاهةُ من عمىً أو عرَجٍ أو زَمانةٍ أو نحوها، وفي معناه العجزُ عن الأُهبة. عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه أنه قال :كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشِيَتْه السكينةُ فوقعت فخِذُه على فخذي حتى خشِيتُ أن ترُضَّها ثم سُرِّيَ عنه فقال : «اكتبْ » فكتبتُ ﴿ لاَّ يَسْتَوِي القاعدون مِنَ المؤمنين والمجاهدون ﴾ فقال ابنُ أمِّ مكتومٍ وكان أعمى :يا رسول الله وكيف بمن لا يستطيع الجهادَ من المؤمنين فغشيتْه السكينةُ كذلك ثم سُرِّي عنه فقال : «اكتب » ﴿ لاَّ يَسْتَوِي القاعدون مِنَ المؤمنين غَيْرُ أُوْلِي الضرر ﴾ ﴿ والمجاهدون ﴾ إيرادُهم بهذا العنوانِ دون الخروجِ المقابلِ لوصف المعطوفِ عليه كما وقع في عبارة ابنِ عباس رضي الله تعالى عنهما وكذا تقييدُ المجاهدةِ بكونها ﴿ في سَبِيلِ الله بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ ﴾ لمدحهم بذلك والإشعارِ بعلة استحقاقِهم لعلو المرتبةِ مع ما فيه من حسن موقعِ السبيلِ في مقابلة القعودِ وتقديمِ القاعدين في الذكر، والإيذانِ من أول الأمرِ بأن القصورَ الذي يُنبئ عنه عدمُ الاستواءِ من جهتهم لا من جهة مقابليهم، فإن مفهومَ عدمِ الاستواءِ بين الشيئين المتفاوتين زيادةً ونُقصاناً وإن جاز اعتبارُه بحسب زيادةِ الزائدِ لكن المتبادِرَ اعتبارُه بحسب قصورِ القاصر، وعليه قولُه تعالى : ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الاعمى والبصير أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظلمات والنور ﴾ [ الرعد، الآية ١٦ ] إلى غير ذلك وأما قولُه تعالى : ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [ الزمر، الآية ٩ ] فلعل تقديمَ الفاضلِ فيه لأن صلتَه ملكةٌ لصلة المفضولِ، وقولُه عز وجل : ﴿ فَضَّلَ الله المجاهدين بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القاعدين دَرَجَةً ﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لتفصيل ما بين الفريقين من التفاضل المفهومِ من ذكر عدمِ استوائِهما إجمالاً ببيان كيفيتِه وكمِّيتِه مبنيٌّ على سؤال ينساق إليه المقالُ كأنه قيل :كيف وقع ذلك ؟ فقيل :فضّل الله الخ، وأما تقديرُ ما لهم لا يستوون فإنما يليق بجعل الاستئنافِ تعليلاً لعدم الاستواءِ مَسوقاً لإثباته، وفيه عكسٌ ظاهرٌ فإن الذي يحِقُّ أن يكونَ مقصوداً بالذات إنما هو بيانُ تفاضُلِ الفريقين على درجات متفاوتة، وأما عدمُ استوائِهما فقُصارى أمرِه أن يكون توطئةً لذكره، ولامُ المجاهدين والقاعدين للعهد، فقيدُ كونِ الجهادِ في سبيل الله معتبرٌ في الأول كما أن قيدَ عدمِ الضررِ معتبرٌ في الثاني، و ﴿ دَرَجَةً ﴾ نُصب على المصدرية لوقوعها موقعَ المرَّةِ من التفضيل أي فضل الله تفضيلةً أو على نزع الخافضِ أي بدرجة، وقيل :على التمييز، وقيل :على الحالية من المجاهدين أي ذوي درجةٍ وتنوينُها للتفخيم، وقوله تعالى : ﴿ وَكُلاًّ ﴾ مفعولٌ أولٌ لما يعقُبه قُدّم عليه لإفادة القصرِ تأكيداً للوعد أي كلَّ واحدٍ من المجاهدين والقاعدين ﴿ وَعَدَ الله الحسنى ﴾ أي المثوبةَ الحسنى وهي الجنةُ لا أحدَهما فقط كما في قوله تعالى : ﴿ وأرسلناك لِلنَّاسِ رَسُولاً ﴾ [ النساء، الآية ٧٩ ] على أن اللامَ متعلقةٌ برسولاً والجملةُ اعتراضٌ جيء به تداركاً لما عسى أن يُوهِمَهُ تفضيلُ أحدِ الفريقين على الآخَر من حرمانِ المفضولِ، وقولُه عز وجل : ﴿ وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين ﴾ عطفٌ على قوله تعالى : ﴿ فَضَّلَ الله ﴾ الخ، واللامُ في الفريقين مُغْنيةٌ لهما عن ذكر القيودِ التي تُركت على سبيل التدريجِ وقوله تعالى : ﴿ أَجْراً عَظِيماً ﴾ مصدرٌ مؤكّدٌ لفضّل على أنه بمعنى أَجَر، وإيثارُه على ما هو مصدرٌ من فعله للإشعار بكون ذلك التفضيلِ أجر لأعمالهم، أو مفعولٌ ثانٍ له بتضمينه معنى الإعطاءِ أي أعطاهم زيادةً على القاعدين أجراً عظيماً، وقيل :هو منصوبٌ بنزع الخافضِ أي فضّلهم بأجر عظيم.
وقولُه تعالى : ﴿ درجات ﴾ بدلٌ من أجراً بدلَ الكلِّ مبينٌ لكمية التفضيلِ، وقوله تعالى : ﴿ مِنْهُ ﴾ متعلق بمحذوف وقعَ صفةً لدرجاتٍ دالةً على فخامتها وجلالةِ قدْرِها أي درجاتٍ كائنةً منه تعالى. قال ابن محيريز :هي سبعون درجةً ما بين كلِّ درجتين عدْوُ الفرسِ الجوادِ المُضْمرِ سبعين خريفاً. وقال السدي :هي سبعُمائةِ درجةٍ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : «إنَّ في الجنةِ مائةَ درجةٍ أعدها الله تعالى للمجاهدين في سبيله ما بين الدرجتين كما بين السماءِ والأرضِ » ويجوز أن يكونَ انتصابُ درجاتٍ على المصدرية كما في قولك :ضربه أسواطاً أي ضرباتٍ كأنه قيل :فضّلهم تفضيلاً، وقوله تعالى : ﴿ وَمَغْفِرَةً ﴾ بدلٌ من أجراً بدلَ البعضِ لأن بعضَ الأجرِ ليس من باب المغفرة، أي مغفرةً لما فَرَط منهم من الذنوب التي لا يكفرها سائرُ الحسناتِ التي يأتي بها القاعدون أيضاً حتى تُعدَّ من خصائصهم.
وقولُه تعالى : ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ بدل الكلِّ من أجراً ومثلُه درجاتٍ ويجوز أن يكون انتصابُهما بإضمار فعلِهما أي غَفَر لهم مغفرةً ورحِمَهم رحمة. هذا ولعل تكريرَ التفضيلِ بطريق العطفِ المنبئ عن المغايرة، وتقييدَه تارةً بدرجة وأخرى بدرجاتٍ مع اتحاد المفضّلِ والمفضلِ عليه حسبما يقتضيه الكلامُ ويستدعيه حسنُ النظامِ إما التنزيل الاختلاف العنوانيِّ بين التفضيلين وبين الدرجةِ والدرجاتِ منزلةَ الاختلافِ الذاتي تمهيداً لسلوك طريقِ الإبهامِ ثم التفسيرِ رَوْماً لمزيد التحقيقِ والتقريرِ كما في قوله تعالى : ﴿ وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا والذين آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ منَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ منْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ [ هود، الآية ٥٨ ].
كأنه قيل :فضّل الله المجاهدين على القاعدين درجةً لا يقادَر قدرُها ولا يُبلَغُ كُنهُها وحيث كان تحقّقُ هذا البونِ البعيدِ بينهما مُوهِماً لحِرمان القاعدين قيل :وكلا وعد الله الحسنى ثم أريد تفسيرُ ما أفاده التنكيرُ بطريق الإبهامِ بحيث يقطَعُ احتمالَ كونِه للوِحْدة فقيل ما قيل، ولله درُّ شأنِ التنزيلِ وإما للاختلاف بالذات بين التفضيلين وبين الدرجةِ والدرجاتِ على أن المرادَ بالتفضيل الأولِ ما خوّلهم الله تعالى عاجلاً في الدنيا من الغنيمة والظَّفَر والذِكْرِ الجميلِ الحقيقِ بكونه درجةً واحدةً وبالتفضيل الثاني ما أنعم به في الآخرة من الدرجات العاليةِ الفائتةِ للحصر، كما ينبئ عنه تقديمُ الأولِ وتأخيرُ الثاني وتوسيطُ الوعدِ بالجنة بينهما كأنه قيل :وفضّلهم عليهم في الدنيا درجةً واحدةً، وفي الآخرة درجاتٍ لا تحصى، وقد وُسِّط بينهما في الذكر ما هو متوسِّط بينهما في الوجود أعني الوعدَ بالجنة توضيحاً لحالهما ومسارعةً إلى تسلية المفضولِ والله سبحانه أعلم. هذا ما بين المجاهدين وبين القاعدين غيرِ أولي الضررِ، .
وأما أولو الضررِ فهم مساوون للمجاهدين عند القائلين بمفهوم الصفةِ وبأن الاستثناءَ من النفي إثباتٌ، وأما عند من لا يقول بذلك فلا دِلالة لعبارة النصِّ عليه وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «لقد خلّفتم في المدينة أقواماً ما سِرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم » وهم الذين صحّت نياتُهم ونصَحَتْ جيوبُهم وكانت أفئدتُهم تهوى إلى الجهاد، وبهم ما يمنعهم من المسير من ضرر أو غيره. وبعبارة أخرى «إن في المدينة لأقواماً ما سِرتم من مسير ولا قطعتم من وادٍ إلا كانوا معكم فيه » قالوا :يا رسولَ الله وهم بالمدينة ؟ قال : «نعم وهم بالمدينة حبَسهم العُذرُ » قالوا :هذه المساواة مشروطة بشريطة أخرى سوى الضرر قد ذكرت في قوله تعالى : ﴿ ليْسَ عَلَى الضعفاء وَلاَ على المرضى ﴾ [ التوبة، الآية :٩١ ] إلى قوله : ﴿ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [ التوبة، الآية ٩١ ] وقيل :القاعدون الأُوَلُ هم الأضراءُ والثاني غيرُهم وفيه من تفكيك النظمِ الكريمِ ما لا يخفى، ولا ريب في أن الأضّراءَ أفضلُ من غيرهم درجةً كما لا ريب في أنهم دون المجاهدين بحسب الدرجةِ الدنيوية ﴿ وَكَانَ الله غَفُوراً رَحِيماً ﴾ تذييلٌ مقرِّرٌ لما وَعَد من المغفرة والرحمة.
﴿ إِنَّ الذين توفاهم الملئكة ﴾ بيانٌ لحال القاعدين عن الهجرة بعد بيانِ حالِ القاعدين عن الجهاد، وتوفاهم يحتمل أن يكون ماضياً ويؤيده قراءةُ من قرأ توفتْهم وأن يكون مضارعاً قد حُذف منه إحدى التاءينِ وأصلُه تتوفاهم على حكاية الحالِ الماضيةِ والقصدِ إلى استحضار صورتِها، ويعضُده قراءةُ من قرأ تُوَفاهم على مضارع وُفِّيَتْ بمعنى أن الله تعالى يُوفيّ الملائكةَ أنفسِهم فيتوفّونها أي يمكنهم من استيفائها فيستوفونها ﴿ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ﴾ حالٌ من ضمير تَوَفاهم فإنه وإن كان مضافاً إلى المعرفة إلا أنه نكرةٌ في الحقيقة لأن المعنى على الانفصال وإن كان موصولاً في اللفظ كما في قوله تعالى : ﴿ غَيْرَ مُحِلي الصيد ﴾ [ المائدة، الآية ١ ] و ﴿ هَدْياً بالغ الكعبة ﴾ [ المائدة، الآية ٩٥ ] و ﴿ ثَانِي عطْفِهِ ﴾ [ الحج، الآية ٩ ] أي مُحلّين الصّيدَ وبالغاً الكعبةَ وثانياً عِطْفَه كأنه قيل :ظالمين أنفسَهم وذلك بترك الهجرةِ واختيارِ مجاورةِ الكفارِ الموجبةِ للإخلال بأمور الدينِ فإنها نزلت في ناس من أهل مكةَ قد أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرةُ فريضة ﴿ قَالُوا ﴾ أي الملائكةُ للمُتوفَّيْن تقريراً لهم بتقصيرهم في إظهار إسلامِهم وإقامةِ أحكامِه من الصلاة ونحوها وتوبيخاً لهم بذلك ﴿ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ أي في أي شيءٍ كنتم من أمور دينِكم ﴿ قَالُوا ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من حكاية سؤالِ الملائكةِ، كأنه قيل :فماذا قالوا في الجواب ؟ فقيل :قالوا :متجانِفين عن الإقرار الصريحِ بما هم فيه من التقصير متعلِّلين بما يوجبه على زعمهم ﴿ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرض ﴾ أي في أرض مكةَ عاجزين عن القيام بمواجب الدينِ فيما بين أهلِها ﴿ قَالُوا ﴾ إبطالاً لتعللهم وتبكيتاً لهم ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فتهاجروا فِيهَا ﴾ إلى قطر منها تقدِرون فيه على إقامة أمورِ الدينِ كما فعله من هاجر إلى المدينة وإلى الحبشة، وأما حملُ تعلُّلِهم على إظهار العجزِ عن الهجرة وجعلُ جوابِ الملائكةِ تكذيباً لهم في ذلك فيرده أن سببَ العجز عنها لا ينحصر في فُقدان دار الهجرةِ بل قد يكون لعدم الاستطاعةِ للخروج بسبب الفقرِ أو لعدم تمكينِ الكفَرة منه فلا يكون بيانُ سعةِ الأرضِ تكذيباً لهم ورداً عليهم بل لابد من بيان استطاعتِهم أيضاً حتى يتم التبكيتُ، وقيل :كانت الطائفةُ المذكورةُ قد خرجت مع المشركين إلى بدرٍ منهم قيسُ بنُ الفاكِهِ بنِ المغيرةِ وقيسُ بنُ الوليدِ بنِ المغيرة وأشباهُهما فقُتلوا فيها فضَرَبت الملائكةُ وجوهَهم وأدبارَهم، وقالوا لهم ما قالوا فيكون ذلك منهم تقريعاً وتوبيخاً لهم بما كانوا فيه من مساعدة الكَفَرةِ وانتظامِهم في عسكرهم، ويكون جوابُهم بالاستضعاف تعلّلاً بأنهم مقهورين تحت أيديهم وأنهم أَخرجوهم كارهين فرُدَّ عليهم بأنهم كانوا بسبيل من الخلاص عن قهرهم متمكّنين من المهاجرة ﴿ فَأُوْلَئِكَ ﴾ الذين حُكِيت أحوالُهم الفظيعةُ ﴿ مَأْوَاهُمْ ﴾ أي في الآخرة ﴿ جَهَنَّمُ ﴾ كما أن مأواهم في الدنيا دارُ الكفرِ لتركهم الفريضةَ المحتومةَ فمأواهم مبتدأٌ وجهنمُ خبرُه، والجملةُ خبرٌ لأولئك، وهذه الجملةُ خبرُ إن والفاءُ فيه لتضمُّن اسمِها معنى الشرطِ، وقولُه تعالى : ﴿ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ﴾ [ النساء، الآية :٩٧ ] حالٌ من الملائكة بإضمار قد عند من يشترطه، أو هو الخبرُ والعائدُ منه محذوفٌ أي قالوا لهم، والجملةُ المصدرةُ بالفاء معطوفةٌ عليه مستنتَجَةٌ منه ومما في حيّزه ﴿ وَسَاءتْ مَصِيراً ﴾ أي مصيراً لهم أي جهنم، وفي الآية الكريمةِ إرشادٌ إلى وجوب المهاجرةِ من موضع لا يتمكن الرجلُ من إقامة أمورِ دينِه بأي سبب كان، وعن النبيِّ صلى الله عليه وسلم : «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجبت له الجنة وكان رفيق إبراهيم ونبيّه محمد عليهما الصلاة والسلام ».
﴿ إِلاَّ المستضعفين ﴾ استثناءٌ منقطعٌ لعدم دخولِهم في الموصول وضميرِه والإشارةِ إليه. ومِنْ في قوله تعالى : ﴿ مِنَ الرجال والنساء والولدان ﴾ متعلقةٌ بمحذوف وقع حالاً من المستضعفين أي كائنين منهم، وذِكرُ الوِلدان إن أريد بهم المماليكُ أو المراهقون ظاهرٌ، وأما إن أريد بهم الأطفالُ فللمبالغة في أمر الهجرةِ والإيذانِ بأنها بحيث لو استطاعها غيرُ المكلّفين لوجبت عليهم، والإشعارِ بأنهم لا محيصَ لهم عنها البتةَ تجب عليهم [ إذا ] بلغوا حتى كأنها واجبةٌ عليهم قبل البلوغِ لو استطاعوا أن يهاجروا بهم متى أمكنت، وقوله تعالى : ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ﴾ صفةٌ للمستضعفين فإن ما فيه من اللام ليس للتعريف، أو حالٌ منه أو من الضمير المستكنِّ فيه، وقيل :تفسيرٌ لنفس المستضعفين لكثرة وجوهِ الاستضعافِ، واستطاعةُ الحيلةِ وُجدانُ أسبابِ الهجرةِ ومباديها، واهتداءُ السبيلِ معرفةُ طريقِ الموضعِ المهاجَرِ إليه بنفسه أو بدليل.
﴿ فَأُوْلَئِكَ ﴾ إشارةٌ إلى المستضعفين الموصوفين بما ذُكر من صفات العجزِ ﴿ عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾ جيء بكلمة الإطماعِ ولفظِ العفوِ إيذاناً بأن الهجرةَ من تأكُّدِ الوجوبِ بحيث ينبغي أن يُعدَّ تركُها ممن تحقق عدمُ وجوبِها عليه ذنباً يجب طلبُ العفوِ عنه رجاءً وطمعاً لا جزماً وقطعاً ﴿ وَكَانَ الله عَفُوّاً غَفُوراً ﴾ تذييلٌ مقررٌ لما قبله.
﴿ وَمَن يُهَاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرض مُرَاغَماً كَثِيراً ﴾ ترغيبٌ في المهاجَرَة وتأنيسٌ لها أي يجدْ فيها متحوَّلاً ومهاجَراً وإنما عبّر عنه بذلك تأكيداً للترغيب لما فيه من الإشعار بكون ذلك المتحوَّلِ بحيث يصل فيه المهاجرُ من الخير والنعمةِ إلى ما يكون سبباً لرغم أنفِ قومِه الذين هاجرهم، والرُّغمُ الذلُّ والهوانُ وأصلُه لصوقُ الأنفِ بالرَّغام وهو التراب، وقيل :يجد فيها طريقاً يراغِمُ بسلوكه قومَه أي يفارقهم على رَغم أنوفِهم ﴿ وسعة ﴾ أي من الرزق ﴿ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مهاجرا إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت ﴾ أي قبل أن يصل إلى المقصِد وإن كان ذلك خراجَ بابِه كما ينبئ عنه إيثارُ الخروجِ من بيته على المهاجَرة، وهو عطفٌ على فعل الشرطِ وقرئ بالرفع على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ، وقيل :هو حركةُ الهاءِ نُقلت إلى الكاف على نية الوقفِ، كما في قوله : [ الرجز ]
من عنزيٍّ سبّني إذ لم أضرِبُه عجبتُ والدهرُ كثيرٌ عجبُهْ١
وقرئ بالنصب على إضمار أنْ كما في قوله : [ الوافر ]
[ سأترك منزلي لبني تميم ] وألحقُ بالحجاز فأستريحا٢
﴿ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله ﴾ أي ثبت ذلك عنده تعالى ثبوتَ الأمرِ الواجبِ. روي ( أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لما بَعَث بالآيات المتقدمةِ إلى مسلمي مكةَ قال جُندُبُ بنُ ضَمْرةَ لبنيه وكان شيخاً كبيراً :احمِلوني فإني لستُ من المستضعفين وإني لأهتدي الطريقَ والله لا أبيتُ الليلةَ بمكةَ فحمَلوه على سرير متوجِّهاً إلى المدينة فلما بلغ التنعيمَ أشرفَ على الموت فصفق بيمينه على شماله ثم قال :اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايُعك على ما بايعك رسولُك فمات حميداً فبلغ خبرُه أصحابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالوا :لو تُوفيَ بالمدينة لكان أتمَّ أجراً فنزلت. قالوا :كلُّ هجرةٍ في غرض دينيّ من طلبِ علمٍ أو حجّ أو جهادٍ أو نحو ذلك فهي هجرةٌ إلى الله عز وجل وإلى رسوله عليه الصلاة والسلام. ﴿ وَكَانَ الله غَفُوراً ﴾ مبالِغاً في المغفرة فيغفرُ له ما فَرَط منه من الذنوب التي من جملتها القعودُ عن الهجرة إلى وقت الخروجِ ﴿ رَحِيماً ﴾ مبالِغاً في الرحمة فيرحَمُه بإتمام ثوابِ هجرتِه.
١ وهو لزياد العجم في ديوانه ص ٤٥ والدرر ٦/٣٠٣ ولسان العرب ١٢/٥٥٤ (لمم) وبلا نسبة في شرح عمدة الحافظ ص ٩٧٤ وقد ورد في المعجم المفصّل مقلوبا أي صدره عجزه وعجزه الصدر..
٢ وهو للمغيرة بن حبناء في خزانة الأدب ٨/٥٢٢ والدرر ١/٢٤٠، ٤/٧٩ وشرح شواهد المغني ص ٤٩٧ والمقاصد النحوية ٤/٣٩٠ وبلا نسبة في شرح شذور الذهب ص ٣٨٩ ومغني اللبيب ١/١٧٥ والشاهد فيه قوله: "فأستريحا" حيث نصبه بأن مضمرة بعد فاء السببية دون أن تسبق بنفي أو طلب وهذا ضرورة..
﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ في الأرض ﴾ شروعٌ في بيان كيفيةِ الصلاةِ عند الضروراتِ من السفر ولقاءِ العدوِّ والمرضِ والمطرِ، وفيه تأكيدٌ لعزيمة المهاجِرِ على المهاجَرة وترغيبٌ له فيها لما فيه من تخفيف المؤنةِ، أي إذا سافرتم أيَّ مسافرةٍ كانت ولذلك لم يُقيَّد بما قُيِّد به المهاجَرة ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ﴾ أي لا حرجَ [ ولا ] مأثمَ ﴿ أَن تَقْصُرُوا ﴾ أي في أن تقصُروا، والقصرُ خلافُ المدِّ يقال :قصَرْت الشيءَ أي جعلته قصيراً بحذف بعضِ أجزائِه أو أوصافِه، فمُتعلَّقُ القصرِ حقيقةً إنما هو ذلك الشيءُ لا بعضُه فإنه متعلَّقُ الحذفِ دون القصرِ وعلى هذا فقوله تعالى : ﴿ مِنَ الصلاة ﴾ ينبغي أن يكون مفعولاً لتقصُروا على زيادة مِنْ حسبما رآه الأخفش، وأما على تقدير أن تكون تبعيضيةً ويكونَ المفعولُ محذوفاً كما هو رأيُ سيبويهِ أي شيئاً من الصلاة فينبغي أن يُصارَ إلى وصف الجزءِ بصفة الكلِّ أو يرادَ بالقصر معنى الحبْس، يقال :قصَرتُ الشيءَ إذا حبستْه أو يرادَ بالصلاة الجنسُ ليكون المقصورُ بعضاً منها وهي الرُّباعياتُ، أي فليس عليكم جُناحٌ في أن تقصروا بعضَ الصلاةِ بتنصيفها، وقرئ تُقْصِروا من الإقصار وتُقَصِّروا من التقصير، والكل بمعنى. وأدنى مدةِ السفرِ الذي يتعلق به القصرُ عند أبي حنيفةَ مسيرةَ ثلاثةِ أيام ولياليها بسير الإبلِ، ومشيِ الأقدام بالاقتصاد، وعند الشافعيِّ مسيرةَ يومين، وظاهرُ الآية الكريمة التخييرُ وأفضليةُ الإتمام وبه قال الشافعيّ وبما رُوي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أتم في السفر. وعن عائشة رضي الله عنها أنها أتمت تارةً وقصرت أخرى. وعن عثمانَ رضي الله عنه أنه كان يُتمّ ويَقصُر، وعندنا يجب القصرُ لا محالة خلا أن بعضَ مشايخنا سماه عزيمةً وبعضُهم رُخصةَ إسقاطٍ بحيث لا مَساغَ للإتمام لا رخصةَ ترفيهٍ، إذ لا معنى للتخيير بين الأخفِّ والأثقلِ وهو قولُ عمرَ وعليّ وابن عباس وابنِ عمرَ وجابر رضوانُ الله عليهم وبه قال الحسنُ وعمرُ بنُ عبد العزيز وقتادةُ وهو قول مالك. وقد رُوي عن عمرَ رضي الله عنه ( صلاةُ السفر ركعتانِ تمامٌ غيرُ قصرٍ على لسان نبيِّكم عليه السلام ) وعن أنس رضي الله عنه ( خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكةَ فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة ) وعن عمرانَ بنِ حُصين رضي الله عنه ما رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر إلا ركعتين وصلى بمكةَ ركعتين ثم قال : «أتمُّوا فإنَّا قومٌ سَفْرٌ » وحين سمع ابنُ مسعودٍ أن عثمانَ رضي الله عنه صلى بمِنىً أربعَ ركعاتٍ استرجع ثم قال :صليت مع رسول الله عليه الصلاة والسلام بمنى ركعتين وصليتُ مع أبي بكر رضي الله عنه بمِنىً ركعتين وصليت مع عمرَ رضي الله عنه بمنى ركعتين فليت حظي من أربع ركعاتٍ ركعتان مُتقبَّلتان. وقد اعتذر عثمانُ رضي الله عنه عن إتمامه بأنه تأهّل بمكة، وعن الزهريّ أنه إنما أتمّ لأنه أزمع الإقامةَ بمكة، وعن عائشة رضي الله عنها أولُ ما فُرضت الصلاةُ فُرضتْ ركعتين ركعتين فأُقِرَّت في السفر وزيدت في الحضر. وفي صحيح البخاري أنها قالت :فرضَ الله الصلاةَ حين فرضها ركعتين في الحضَر والسفر، وزيد في صلاة الحضر، وأما ما روي عنها من الإتمام فقد اعتذر عنه وقالت :أنا أمُّ المؤمنين فحيث حللتُ فهي داري، وإنما ورد ذلك بنفي الجُناحِ لما أنهم ألِفوا الإتمامَ فكانوا مظِنةَ أن يخطُر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر فصرح بنفي الجناحِ عنهم لتطيب به نفوسُهم ويطمئنوا إليه كما في قوله تعالى : ﴿ فَمَنْ حَجَّ البيت أَوِ اعتمر فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ﴾ [ البقرة، الآية ١٥٨ ] مع أن ذلك الطوافَ واجبٌ عندنا ركنٌ عند الشافعيِّ. وقوله تعالى : ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُوا ﴾ جوابُه محذوفٌ لدِلالة ما قبله عليه أي إن خفتم أن يتعرّضوا لكم بما تكرهونه من القتال وغيرِه فليس عليكم جُناح الخ، وهو شرطٌ معتبرٌ في شرعية ما يُذكر بعده من صلاة الخوفِ المؤداةِ بالجماعة، وأما في حق مُطلقِ القصرِ فلا اعتبار له اتفاقاً لتظاهُر السننِ على مشروعيته حسبما وقفتَ على تفاصيلها. وقد ذكر الطحاويُّ في شرح الآثارِ مسنداً إلى يعلى بن أميةَ أنه قال :قلت لعمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه إنما قال الله : ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُوا ﴾ [ النساء، الآية :١٠١ ] وقد أمِن الناسُ، فقال عمر رضي الله عنه :عجبتُ مما عجبتَ منه فسألت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال : «صدقةٌ تصدّقَ الله بها عليكم فاقبَلوا صدقتَه ». وفيه دليلٌ على عدم جوازِ الإكمالِ لأن التصدقَ بما لا يحتمل التمليكَ إسقاطٌ محضٌ لا يحتمل الردَّ كما حُقّق في موضعه، ولا يُتَوهّمنّ أنه مخالفٌ للكتاب لأن التقييدَ بالشرط عندنا إنما يدل على ثبوت الحُكمِ عند وجودِ الشرطِ وأما عدمُه عند عدمِه فمسكوتٌ عنه فإن وجدَ له دليلٌ ثبت عنده أيضاً وإلا بقي على حاله لعدم تحققِ دليلِه لا لتحقق دليلِ عدمِه، وناهيك بما سمعتَ من الأدلة الواضحةِ، وأما عند القائلين بالمفهوم فلأنه إنما يدل على نفي الحُكمِ عند عدم الشرط إذا لم يكن له فائدةٌ أخرى وقد خرج الشرطُ هاهنا مخرجَ الأغلبِ كما في قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تُكْرِهُوا فتياتكم عَلَى البغاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ﴾ [ النور، الآية :٣٣ ] بل نقول :إن الآيةَ الكريمةَ مجملةٌ في حق مقدارِ القصرِ وكيفيتِه وفي حق ما يتعلق به من الصلوات وفي مقدار مدةِ الضربِ الذي نيط به القصرُ فكل ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من القصر في حال الأمن وتخصيصِه بالرُباعيات على وجه التنصيف وبالضرب في المدة المعينة بيانٌ لإجمال الكتابِ، وقد قيل :إن قوله تعالى : ﴿ إِنْ خِفْتُمْ ﴾ الخ، متعلقٌ بما بعده من صلاة الخوفِ منفصلٌ عما قبله فإنه روي عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ رضي الله عنه أنه قال :نزل قولُه تعالى : ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ في الأرض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصلاة ﴾ [ النساء، الآية :١٠١ ] ثم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد حولٍ فنزل : ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُوا ﴾ ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ﴾ [ النساء، الآية :١٠١ ] الخ، وقد قرئ من الصلاة أن يفتنكم بغير إن خفتم على أنه مفعول له لما دل عليه الكلام، كأنه قيل :شرُع لكم ذلك كراهةَ أن يفتنكم الخ، فإن استمرارَ الاشتغالِ بالصلاة مَظِنةٌ لاقتدارهم على إيقاع الفتنةِ، وقوله تعالى : ﴿ إِنَّ الكافرين كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً ﴾ تعليلٌ لذلك باعتبار تعلُّلِه بما ذُكر أو لما يُفهم من الكلام من كون فتنتِهم متوقَّعةً فإن كمالَ عداوتِهم للمؤمنين من موجبات التعرُّض لهم بسوء.
وقولُه تعالى : ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ ﴾ بيانٌ لما قبله من النص المُجملِ الواردِ في مشروعية القصرِ بطريق التفريعِ، وتصويرٌ لكيفيته عند الضرورةِ التامةِ. وتخصيصُ البيانِ بهذه الصورة مع الاكتفاء فيما عداها بالبيان بطريق السنةِ لمزيد حاجتِها إليه لما فيها من كثرة التغييرِ عن الهيئة الأصليةِ، ومن هنا ظهر لك أن مورِدَ النصِّ الشريفِ على المقصورة، وحكمُ ما عداها مستفادٌ من حكمها، والخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق التجريدِ، وبظاهره يَتعلّق من لا يرى صلاةَ الخوفِ بعده عليه السلام، ولا يخفى أن الأئمةَ بعده نُوّابُه عليه السلام قُوّامٌ بما كان يقوم به فيتناولهم حكمُ الخطابِ الواردِ له عليه السلام كما في قوله تعالى : ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً ﴾ [ التوبة، الآية ١٠٣ ] وقد روي أن سعيدَ بنَ العاصِ لما أراد أن يصليَ بطَبْرستانَ صلاةَ الخوفِ قال :من شهِد منكم صلاةَ الخوفِ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقام حُذيفةُ بنُ اليمانِ رضي الله عنه فوصف له ذلك فصلى بهم كما وصَف، وكان ذلك بحضرة الصحابةِ رضي الله عنهم فلم يُنْكِرْه أحدٌ فحل محلَّ الإجماعِ. وروي في السنن أنهم غزَوْا معَ عبد الرحمان بنِ سَمُرةَ كابُل فصلى بهم صلاةَ الخوفِ ﴿ فأقمت لهم الصلاة ﴾ أي أردت أن تقيم بهم الصلاة. ﴿ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ منْهُمْ معَكَ ﴾ بعد أن جعلتَهم طائفتين ولتقِف الطائفةُ الأخرى بإزاء العدوِّ ليحرسوكم منهم، وإنما لم يصرَّحْ به لظهوره ﴿ وَلْيَأْخُذُوا ﴾ أي الطائفةُ القائمة معك ﴿ أَسْلِحَتَهُمْ ﴾ أي لا يضعوها ولا يُلْقوها إنما عبّر عن ذلك بالأخذ للإيذان بالاعتناء باستصحابها كأنهم يأخُذونها ابتداءً ﴿ فَإِذَا سَجَدُوا ﴾ أي القائمون معك وأتمّوا الركعة ﴿ فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ ﴾ أي فلينصرِفوا إلى مقابلة العدوِّ للحراسة ﴿ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّوا ﴾ بعدُ، وهي الطائفةُ الواقفة تجاه العدوِّ للحراسة وإنما لم تُعرَفْ لما أنها لم تُذكرْ فيما قبل ﴿ فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ﴾ الركعةَ الباقيةَ، ولم يبيِّنْ في الآية الكريمة حالَ الركعةِ الباقيةِ لكل من الطائفتين، وقد بُيِّن ذلك بالسنة حيث روي عن ابن عمر وابنِ مسعود رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم حين صلى صلاةَ الخوف صلى بالطائفة الأولى ركعةً وبالطائفة الأخرى ركعةً كما في الآية الكريمة، ثم جاءت الطائفةُ الأولى وذهبت هذه إلى مقابلة العدوِّ حتى قضت الأولى الركعة الأخيرةَ بلا قراءة وسلّموا، ثم جاءت الطائفةُ الأخرى وقضَوا الركعةَ الأولى بقراءة حتى صار لكل طائفة ركعتان ﴿ وَلْيَأْخُذُوا ﴾ أي هذه الطائفة ﴿ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ﴾ لعل زيادة الأمرِ بالحذرِ في هذه المرة لكونها مظِنّةً لوقوف الكَفَرة على كون الطائفةِ القائمةِ مع النبي صلى الله عليه وسلم في شغل شاغلً وأما قبلها فربما يظنونهم قائمين للحرب، وتكليفُ كلَ من الطائفتين بما ذكر لما أن الاشتغالَ بالصلاة مظنةٌ لإلقاء السلاحِ والإعراض عن غيرها، ومظِنةٌ لهجوم العدوِّ كما ينطِقُ به قوله تعالى : ﴿ وَدَّ الذين كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحدة ﴾ فإنه استئنافٌ مَسوقٌ لتعليل الأمرِ المذكورِ والخطابُ للفريقين بطريق الالتفاتِ أي تمنَّوا أن ينالوا منكم غِرّةً وينتهزوا فرصةً فيشدّوا عليكم شدةً واحدةً، والمرادُ بالأمتعة ما يُتمتع به في الحرب لا مطلقاً، وهذا الأمرُ للوجوب لقوله تعالى : ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى من مَطَرٍ أَوْ كُنتُم مَرْضَى أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ﴾ حيث رُخّص لهم في وضعها إذا ثقُل عليهم استصحابُها بسبب مطرٍ أو مرضٍ، وأُمروا مع ذلك بالتيقظ والاحتياطِ فقيل : ﴿ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ لئلا يهجُمَ العدوُّ عليكم غِيلةً. روى الكلبي عن أبي صالح أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم غزا محارباً وبني أنمار فنزلوا ولا يرَوْن من العدو أحداً فوضع الناسُ أسلحتَهم وخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لحاجة له وقد وضَع سلاحَه حتى قطع الواديَ والسماءُ ترُشّ فحال الوادي بينه عليه السلام وبين أصحابِه فجلس رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فبصُرَ به غَوْرَثُ بنُ الحارثِ المحاربي فقال :قتلني الله إن لم أقتلْك، ثم انحدر من الجبل ومعه السيفُ فلم يشعُرْ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلا هو قائمٌ على رأسه وقد سل سيفَه من غِمْدِهِ فقال :يا محمد من يعصِمك مني الآن ؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «الله عز وجل » ثم قال : «اللهم اكفِني غَوْرَثَ بنَ الحارث بما شئت » ثم أهوى بالسيفِ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ليضرِبه فأكبَّ لوجهه من زلخة١ زلخها بين كتفيه فبدر سيفه فقام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فأخذه ثم قال : «يا غَوْرَثُ من يمنعك مني الآن ؟ » قال :لا أحد، قال عليه الصلاة والسلام : «تشهدُ أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبدُه ورسولُه وأعطيك سيفَك ؟ »، قال :لا، ولكن أشهد أن لا أقاتِلَك أبداً ولا أُعينَ عليك عدواً، فأعطاه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سيفَه فقال غورثُ :والله لأنت خيرٌ مني، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «أنا أحقُّ بذلك منك » فرجَع غَوْرَثُ إلى أصحابه فقصَّ عليهم قِصتَه فآمن بعضُهم، قال :وسكن الوادي فقطع عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وأخبرهم بالخبر. وقوله تعالى : ﴿ إِنَّ الله أَعَدَّ للكافرين عَذَاباً مُهِيناً ﴾ تعليلٌ للأمر بأخذ الحذرِ أي أعد لهم عذاباً مهيناً بأن يخذُلهم وينصُرَكم عليهم فاهتموا بأموركم ولا تُهمِلوا في مباشرة الأسباب ليحِلَّ بهم عذابُه بأيديكم، وقيل :لما كان الأمرُ بالحذر من العدو مُوهماً لتوقّع غلبتِه واعتزازِه نُفي ذلك الإيهامُ بأن الله تعالى ينصُرهم ويُهين عدوَّهم لتقوى قلوبُهم.
١ زلخة: يقال رمى الله فلانا بالزّلَّخة بضم الزاي وتشديد اللام وفتحها وهو وجع يأخذ في الظهر لا يتحرك الإنسان من شدته واشتقاقها من الزُّلخ، وهو الزّلق ويروى بتخفيف اللام قال الخطابي: ورواه بعضهم خزلج بين كتفيه بالجيم قال: وهو غلط..
﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة ﴾ أي صلاةَ الخوفِ أي أديتموها على الوجه المبيّنِ وفرَغتم منها ﴿ فاذكروا الله قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِكُمْ ﴾ أي فداوموا على ذكر الله تعالى وحافِظوا على مراقبته ومناجاتِه ودعائِه في جميع الأحوالِ حتى في حال المسايفة والقتالِ، كما في قوله تعالى : ﴿ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [ الأنفال، الآية ٤٥ ] ﴿ فَإِذَا اطمأننتم ﴾ سكنَت قلوبُكم من الخوف وأمِنتم بعدما وضعت الحربُ أوزارَها ﴿ فأقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ أي الصلاةَ التي دخل وقتُها حينئذ أي أدُّوها بتعديل أركانِها ومراعاةِ شرائطِها، وقيل :المرادُ بالذكر في الأحوال الثلاثةِ الصلاةُ فيها أي فإذا أردتم أداءَ الصلاةِ فصلّوا قِياماً عند المسايفةِ وقعوداً جاثين على الرّكَب عند المراماةِ وعلى جنوبكم مُثخَنين بالجِراح، فإذا اطمأننتم في الجملة فاقضُوا ما صليتم في تلك الأحوالِ التي هي [ من ] أحوال القلقِ والانزعاجِ، وهو رأيُ الشافعيِّ رحمه الله وفيه من البعد ما لا يخفي. ﴿ إنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً ﴾ أي فرضاً موقتاً، قال مجاهدٌ :وقّته الله عليهم فلابد من إقامتها في حالة الخوفِ أيضاً على الوجه المشروحِ، وقيل :مفروضاً مقدّراً في الحضَر أربَعَ ركعاتٍ وفي السفر ركعتين فلابد أن تؤدى في كل وقتٍ حسبما قُدِّر فيه.
﴿ وَلاَ تَهِنُوا في ابتغاء القوم ﴾ أي لا تضعُفوا ولا تتوانَوا في طلب الكفارِ بالقتال والتعرّضِ لهم بالحِراب، وقوله تعالى : ﴿ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لاَ يَرْجُونَ ﴾ تعليلٌ للنهي وتشجيعٌ لهم، أي ليس ما تقاسونه من الآلام مختصاً بكم بل هو مشترَكٌ بينكم وبينهم، ثم إنهم يصبِرون على ذلك فما لكم لا تصبِرون ؟ مع أنكم أولى به منهم حيث ترجُون من الله من إظهار دينِكم على سائر الأديانِ ومن الثواب في الآخرة ما لا يخطُر ببالهم. وقرئ أن تكونوا بفتح الهمزة أي لا تهِنوا لأن تكونوا تألمون، وقوله تعالى : ﴿ فَإِنَّهُمْ ﴾ تعليلٌ للنهي عن الوهن لأجلهه، والآيةُ نزلت في بدرٍ الصُّغرى ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً ﴾ مبالِغاً في العلم فيعلم أعمالَكم وضمائرَكم ﴿ حَكِيماً ﴾ فيما يأمُر وينهى فجِدُّوا في الامتثال بذلك فإن فيه عواقبَ حميدةً.
﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق ﴾ رُوي ( أن رجلاً من الأنصار يقال له طُعمةُ بنُ أُبيرِقَ من بني ظفَرٍ سرَق دِرعاً من جاره قتادةَ بنِ النعمانِ في جرابِ دقيقٍ فجعل الدقيقُ ينْتثِرُ من خَرْقٍ فيه فخبأها عند زيد بنِ السمين اليهودي فالتمست [ بنو ظفر ] الدرعَ عند طعمةَ فلم توجد، وحلف ما أخذها وما لَه بها علمٌ فتركوه واتبعوا أثرَ الدقيقِ حتى انتهى إلى منزل اليهوديِّ فأخذوها فقال :دفعها إليّ طعمةُ وشهِد له ناسٌ من اليهود، فقالت بنو ظفر :انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وشهِدوا ببراءته وسرقةِ اليهوديِّ فهمّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل فنزلت ). وروي ( أن طعمةَ هرب إلى مكةَ وارتدّ ونقَبَ حائطاً بمكةَ ليسرِقَ أهلَه فسقَط الحائطُ عليه فقتله ). وقيل :( نزل على رجل من بني سليم من أهل مكة يقال له الحجّاجُ بنُ علاط فنقَبَ بيتَه فسقط عليه حجرٌ فلم يستطِع الدخولَ ولا الخروجَ فأخذ ليقتل فقيل :دعه فإنه قد لجأ إليك فتركه وأخرجوه من مكةَ فالتحق بتجارٍ من قضاعةَ نحوَ الشام فنزلوا منزلاً فسرق بعضَ متاعِهم وهرب فأخذوه ورجموه بالحجارة حتى قتلوه ). وقيل ( إنه ركب سفينةً إلى جُدّة فسرَق فيها كيساً فيه دنانيرُ فأُخذ وألقيَ في البحر ).
﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَا أَرَاكَ الله ﴾ أي بما عرّفك وأوحى به إليك ﴿ وَلاَ تَكُنْ للخَائِنِينَ ﴾ أي لأجلهم والذبِّ عنهم وهم طُعمةُ ومن يُعينُه من قومه، أو هو ومن يسير بسيرته ﴿ خَصِيماً ﴾ مخاصماً للبراءة أي لا تخاصِم اليهودَ لأجلهم، والنهيُ معطوفٌ على أمر ينسحب عليه النظمُ الكريمُ كأنه قيل :فاحكم به ولا تكن الخ.
﴿ واستغفر الله ﴾ مما هممتَ به تعويلاً على شهادتهم ﴿ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَحِيماً ﴾ مبالغاً في المغفرة والرحمةِ لمن يستغفره.
﴿ وَلاَ تجادل عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ﴾ أي يخونونها بالمعصية كقوله تعالى : ﴿ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾ [ البقرة، الآية ١٨٧ ] جُعلت معصيةُ العُصاةِ خيانةً منهم لأنفسهم كما جُعلت ظلماً لها لرجوع ضررِها إليهم، والمرادُ بالموصول إما طعمةٌ وأمثالُه وأما هو ومن عاونه وشهد ببراءته من قومه فإنهم شركاءُ في الإثم والخيانةِ ﴿ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً ﴾ مُفرِطاً في الخيانة مُصِراً عليها ﴿ أَثِيماً ﴾ منهمكاً فيه، وتعليقُ عدمِ المحبةِ الذي هو كنايةٌ عن البغضِ والسُّخطِ بالمبالِغ في الخيانة والإثمِ ليس لتخصيصه به، بل لبيان إفراطِ طُعمةَ وقومِه فيهما.
﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الناس ﴾ يستترون منهم حياءً وخوفاً من ضررهم ﴿ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله ﴾ أي لا يستحيون منه سبحانه وتعالى وهو أحقُّ بأن يُستحيا منه ويُخافَ من عقابه ﴿ وَهُوَ مَعَهُمْ ﴾ عالمٌ بهم وبأحوالهم فلا طريقَ إلى الاستخفاء منه سوى تركِ ما يستقبِحُه ويؤاخِذُ به ﴿ إِذْ يُبَيّتُونَ ﴾ يدبرون ويزورون ﴿ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ القول ﴾ مِنْ رَمْي البريءِ والحلِفِ الكاذب وشهادةِ الزور ﴿ وَكَانَ الله بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ من الأعمال الظاهرةِ والخافية ﴿ مُحِيطاً ﴾ لا يعزُب عنه شيءٌ منها ولا يفوت.
﴿ ها أَنتُمْ هؤلاء ﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إليهم بطريق الالتفاتِ إيذاناً بأن تعديد جناياتِهم يوجب مشافهتَهم بالتوبيخ والتقريعِ والجملةُ مبتدأٌ وخبرٌ وقوله تعالى : ﴿ جادلتم عَنْهُمْ في الحياة الدنيا ﴾ جملةٌ مبيِّنةٌ لوقوع أولاءِ خبراً ويجوز أن يكون أولاءِ اسماً موصولاً بمعنى الذين وجادلتم الخ صلة له، والمجادَلةُ أشدُّ المخاصَمَة، والمعنى هَبُوا أنكم خاصمتم عن طُعمةَ وأمثالِه في الدنيا ﴿ فَمَن يجادل الله عَنْهُمْ يَوْمَ القيامة ﴾ فمن يخاصم عنهم يومئذ عند تعذيبهم وعقابِهم ﴿ أَمْ من يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ﴾ حافظاً ومحامياً من بأس الله تعالى وانتقامه.
﴿ وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً ﴾ قبيحاً ليَسوءَ به غيره كما فعلَ طُعمة بقتادةَ واليهوديِّ ﴿ أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ﴾ بما يختص به كالحلِف الكاذبِ، وقيل :السوءُ ما دون الشركِ، وقيل :هما الصغيرةُ والكبيرة ﴿ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله ﴾ بالتوبة الصادقة ﴿ يَجِدِ الله غَفُوراً ﴾ لذنوبه كائنةً ما كانت ﴿ رَحِيماً ﴾ متفضّلاً عليه. وفيه مزيدُ ترغيبٍ لطعمةَ وقومِه في التوبة والاستغفارِ لما أن مشاهَدةَ التائبِ لآثار المغفرةِ والرحمةِ نعمةٌ زائدةٌ كما مر.
﴿ وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً ﴾ من الآثام ﴿ فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ على نَفْسِهِ ﴾ حيث لا يتعدّى ضررُه ووبالُه إلى غيره فليحترز عن تعريضها للعقاب والعذابِ عاجلاً وآجلاً ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً ﴾ مبالغاً في العلم ﴿ حَكِيماً ﴾ مراعياً للحكمة في كل ما قَدَّر وقضى، ولذلك لا تَحمِلُ وازِرَةٌ وزرَ أخرى.
﴿ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً ﴾ صغيرة أو ما لا عمْدَ فيه من الذنوب وقرئ ومن يَكِسِّبْ بكسر الكاف وتشديد السين وأصله يكتسب ﴿ أَوْ إِثْماً ﴾ كبيرةً أو ما كان عن عمد ﴿ ثُمَّ يَرْمِ بِهِ ﴾ أي يقذِفْ به ويُسنده [ إليه ]، وتوحيدُ الضميرِ مع تعدد المرجِعِ لمكان ﴿ أَوْ ﴾ وتذكيره لتغليب الإثم على الخطيئة كأنه قيل :ثم يرم بأحدهما، وقرئ يرمِ بهما، وقيل :الضمير للكسبِ المدلولِ عليه بقوله تعالى : ﴿ يَكْسِبْ ﴾، وثم للتراخي في الرتبة ﴿ بَرِيئاً ﴾ أي مما رماه به ليُحمِّلَه عقوبتَه العاجلةَ كما فعله طعمةُ بزيدٍ ﴿ فَقَدِ احتمل ﴾ أي بما فعل من تحميل جريرتِه على البريء ﴿ بهتانا ﴾ وهو الكذِبُ على الغير بما يُبَهتُ منه ويُتَحيَّر عند سَماعِه لفظاعته وهولِه، وقيل :هو الكذبُ الذي يُتحيَّر في عِظَمه ﴿ وَإِثْماً مبِيناً ﴾ أي بيناً فاحشاً وهو صفة لإثماً وقد اكتُفي في بيان عِظَمِ البهتانِ بالتنكير التفخيميّ كأنه قيل :بهتاناً لا يقادَرُ قدرُه وإثماً مبيناً على أن وصفَ الإثمِ بما ذُكر بمنزلة وصفِ البهتانِ به لأنهما عبارةٌ عن أمر واحد هو رميُ البريءِ بجناية نفسِه، قد عبّر عنه بهما تهويلاً لأمره وتفظيعاً لحاله، فمدارُ العِظَم والفخامةِ كونُ المرميِّ به للرامي فإن رميَ البريءِ بجناية ما -خطيئةً كانت أو إثماً- بهتانٌ وإثمٌ في نفسه، أما كونُه بهتاناً فظاهرٌ وأما كونُه إثماً فلأن كونَ الذنبِ بالنسبة إلى مَنْ فعله خطيئةً لا يلزم منه كونُه بالنسبة إلى مَنْ نسبه إلى البريءِ منه أيضاً كذلك بل لا يجوزُ ذلك قطعاً، كيف لا وهو كذِبٌ محرَّمٌ في جميع الأديانِ فهو في نفسه بهتانٌ وإثمٌ لا محالةَ وبكون تلك الجنايةِ للرامي يتضاعفُ ذلك شدةً ويزداد قُبحاً لكنْ لا لانضمام جنايتِه المكسوبةِ إلى رمي البريءِ وإلا لكان الرميُ بغير جنايةٍ مع تبرئةِ نفسِه كذلك في العِظَم، بل لاشتماله على قصد تحميلِ جنايتِه على البريء وإجراءِ عقوبتِها عليه كما يُنبىءُ عنه إيثارُ الاحتمالِ على الاكتساب ونحوِه لما فيه من الإيذان بانعكاس تقديرِه مع ما فيه من الإشعار بثِقَل الوِزرِ وصعوبةِ الأمرِ. نعم بما ذُكر من انضمام كسبِه وتبرئةِ نفسِه إلى رمي البريءِ تزداد الجنايةُ قبحاً لكنّ تلك الزيادةَ وصفٌ للمجموع لا للإثم.
﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ ﴾ بإعلامك ما هم عليه بالوحي وتنبيهِك على الحق، وقيل :بالنبوة والعِصمة ﴿ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ منهُمْ ﴾ أي من بني ظفَر وهم الذابّون عن طُعمةَ، وقد جُوِّز أن يكون المرادُ بالطائفة كلَّهم، ويكونُ الضميرُ راجعاً إلى الناس وقيل :هم وفدُ بني ثقيفٍ قدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا :جئناك لنبايعَك على أن لا تكسِرَ أصنامَنا ولا تعشِّرَنا فردّهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ﴿ أَن يُضِلُّوكَ ﴾ أي بأن يضلوك عن القضاء بالحق مع علمهم بكُنه الأمرِ، والجملةُ جوابُ لولا وإنما نفى همَّهم مع أن المنفيَّ إنما هو تأثيرُه فقط إيذاناً بانتفاء تأثيرِه بالكلية، وقيل :المرادُ هم الهمُّ المؤثّر، ولا ريب في انتفائه حقيقةً، وقيل :الجوابُ محذوفٌ أي لأضلوك، وقوله تعالى : ﴿ لَهَمَّتْ ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ أي لقد همت طائفة الخ ﴿ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ ﴾ لاقتصار وبالِ مكرِهم عليهم من غير أن يُصيبَك منه شيءٌ والجملةُ اعتراضٌ، وقوله تعالى : ﴿ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيء ﴾ عطفٌ عليه ومحلُّ الجارِّ والمجرور النصبُ على المصدرية أي وما يضرونك شيئاً من الضرر لما أنه تعالى عاصمُك، وأما ما خطرَ ببالك فكان عملاً منك بظاهر الحالِ ثقةً بأقوال القائلين من غير أن يخطُر ببالك أن الحقيقةَ على خلاف ذلك ﴿ وَأَنزَلَ الله عَلَيْكَ الكتاب والحكمة ﴾ أي القرآنَ الجامعَ بين العنوانين، وقيل :المرادُ بالحكمة السنة ﴿ وَعَلَّمَكَ ﴾ بالوحي من خفيّات الأمورِ التي من جملتها وجوهُ إبطالِ كيدِ المنافقين، أو من أمور الدين وأحكامِ الشرع ﴿ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ﴾ ذلك إلى وقت التعليم ﴿ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾ إذ لا فضلَ أعظمُ من النبوة العامةِ والرياسة التامّة.
﴿ لا خَيْرَ في كَثِيرٍ من نجْوَاهُمْ ﴾ أي في كثير من تناجي الناسِ ﴿ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ ﴾ أي إلا في نجوى مَنْ أمرَ ﴿ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ ﴾ وقيل :المرادُ بالنجوى المتناجون بطريق المجازِ، وقيل :النجوى جمع نُجا نقله الكرماني وأياً ما كان فالاستثناءُ متصلٌ ويجوز الانقطاعُ أيضاً على معنى لكنْ مَنْ أمر بصدقة الخ، ففي نجواه الخير. والمعروفُ كلُّ ما يستحسنه الشرعُ ولا يُنكره العقلُ فينتظم أصنافَ الجميلِ وفنونَ أعمالِ البِرِّ، وقد فُسِّر هاهنا بالقَرْض وإغاثةِ الملهوف وصدقةِ التطوعِ على أن المرادَ بالصدقة الصدقةُ الواجبة ﴿ أَوْ إصلاح بَيْنَ الناس ﴾ عند وقوعِ المُشاقّةِ والعِداءِ بينهم من غير أن يجاوزَ في ذلك حدودَ الشرعِ الشريفِ، وبين إما متعلقٌ بنفس إصلاحٍ، يقال :أصلحتُ بين القوم أو بمحذوف هو صفةٌ له أي كائنٍ بين الناسِ. عن أبي أيوبَ الأنصاري رضي الله تعالى عنه ( أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال له : «ألا أدلك على صدقةٍ خيرٍ لك من حُمْرِ النَّعَم »، قال :بلى يا رسول الله، قال : «تُصلح بين الناسِ إذا تفاسدوا وتُقرِّب بينهم إذا تباعدوا »، قالوا :ولعل السرَّ في إفراد هذه الأقسامِ الثلاثةِ بالذكر أن عملَ الخيرِ المتعدِّي إلى الناس إما لإيصال المنفعةِ أو لدفع المضرَّةِ، والمنفعةُ إما جُسمانية كإعطاء المالِ وإليه الإشارةُ بقوله تعالى : ﴿ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ ﴾ [ النساء، الآية :١١٤ ] وإما روحانيةٌ وإليه الإشارةُ بالأمر بالمعروف، وأما دفعُ الضرر فقد أشير إليه بقوله تعالى : ﴿ أَوْ إصلاح بَيْنَ الناس ﴾ [ النساء، الآية :١١٤ ]. ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك ﴾ إشارةٌ إلى الأمور المذكورةِ أعني الصدقةَ والمعروفَ والإصلاحَ فإنه يشار به إلى متعدد، وما فيه من معنى البُعدِ مع قُرب العهدِ بها للإيذان ببُعد منزلتِها ورفعةِ شأنِها، وترتيبُ الوعدِ على فعلها إثرَ بيانِ خيريةِ الأمرِ بها لما أن المقصودَ الأصليَّ هو الترغيبُ في الفعل وبيانُ خيريةِ الأمرِ به للدِلالة على خيريته بالطريق الأولى لما أن مدارَ حُسنِ الأمرِ وقُبحِه حسنُ المأمورِ به وقبحُه فحيث ثبت خيريةُ الأمرِ بالأمور المذكورةِ فخيريةُ فعلِها أثبتُ، وفيه تحريضٌ للأمر بها على فعلها أو إشارةٌ إلى الأمر بها كأنه قيل :ومن يأمْر بها، والكلامُ في ترتيب الوعدِ على فعلها كالذي مر في الخيرية فإن استتباعَ الأمرِ بها الأجر العظيمِ إنما هو لكونه ذريعةً [ وسبباً ] إلى فعلها فاستتباعُه له أولى وأحقُّ. ﴿ ابتغاء مَرْضَاة الله ﴾ علةٌ للفعل، والتقييدُ به لأن الأعمالَ بالنيات وأن من فعل خيراً لغير ذلك لم يستحِقَّ به غيرَ الحِرْمان ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ ﴾ بنون العظمةِ على الالتفاتِ وقرئ بالياء ﴿ أَجْراً عَظِيماً ﴾ يقصُر عنه الوصفُ.
﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرسول ﴾ التعرُّض لعنوان الرسالةِ لإظهار كمالِ شناعةِ ما اجترأوا عليه من المُشاقة والمخالفةِ، وتعليلِ الحُكمِ الآتي بذلك ﴿ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهدى ﴾ ظهر له الحق بالوقوف على المعجزات الدالة على ثبوته ﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين ﴾ أي غيرَ ما هم مستمرون عليه من عقد وعمل وهو الدين القيم ﴿ نُوَلّهِ مَا تولّى ﴾ أي نجعله والياً لِمَا تولّى من الضلال ونخذُله بأن نُخلِّيَ بينه وبين ما اختاره ﴿ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ﴾ أي نُدخله إياها، وقرئ بفتح النون من صَلاه ﴿ وَسَاءتْ مَصِيراً ﴾ أي جهنم، وفيها دِلالةٌ على حجية الإجماعِ وحُرمةِ مخالفتِه.
﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ قد مر تفسيرُه فيما سبق، وهو تكريرٌ للتأكيد والتشديد، أو لقصة طُعمةَ وقد مرّ موتُه كافراً. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ( أن شيخاً من العرب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :إني شيخٌ منهمِكٌ في الذنوب إلا أني لم أشرِكْ بالله شيئاً منذ عرفتُه وآمنتُ به ولم أتخذ من دونه ولياً ولم أواقع المعاصيَ جراءةً على الله تعالى وما توهّمتُ طرفةَ عينٍ أني أُعجِزُ الله هرباً وإني لنادم تائبٌ مستغفرٌ فما ترى حالي عند الله تعالى فنزلت ) ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضلالاً بَعِيداً ﴾ عن الحق فإن الشركَ أعظمُ أنواعِ الضلالةِ وأبعدُها عن الصواب والاستقامةِ كما أنه افتراءٌ وإثمٌ عظيمٌ، ولذلك جُعل الجزاءُ في هذه الشرطيةِ فقد ضل الخ، فيما سبق فقد افترى إثماً عظيماً حسبما يقتضيهِ سباقُ النظمِ الكريم وسياقُه.
﴿ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ﴾ أي ما يعبدون من دونه عز وجل ﴿ إِلاَّ إناثا ﴾ يعني اللاتَ والعُزَّى ومناةَ ونحوَها. عن الحسن أنه لم يكن من أحياء العربِ حيٌّ إلا كان لهم صنمٌ يعبُدونه يسمُّونه أنثى بني فلان، قيل :لأنهم كانوا يقولون في أصنامهم هن بناتُ الله، وقيل :لأنهم كانوا يُلْبِسونها أنواعَ الحَلْي ويُزيِّنونها على هيئات النِّسوانِ، وقيل :المرادُ الملائكةُ، لقولهم :الملائكةُ بناتُ الله، وقيل :تسميتُها إناثاً لتأنيث أسمائِها أو لأنها في الأصل جمادٌ والجماداتُ تؤنَّثُ من حيث أنها ضاهت الإناثَ لانفعالها، وإيرادُها بهذا الاسم للتنبيه على فرط حماقةِ عَبَدتِها وتناهي جهلِهم، والإناثُ جمع أنثى كرِباب وربّى وقرئ على التوحيد، وأُنُثاً أيضاً على أنه جمع أنيث كقليب وقلُب، أو جمع أَنَثٍ كثمار وثمر وقرئ وثنا واثنا بالتخفيف والتثقيل جمع وثن كقولك :أسد وأسد وآسد على الأصل وقلبِ الواو ألفاً نحو أُجوه في وجوه ﴿ وَإِن يَدْعُونَ ﴾ وما يعبدون بعبادتها ﴿ إِلاَّ شيطانا مرِيداً ﴾ إذ هو الذي أمرهم بعبادتها وأغراهم عليها فكانت طاعتُهم له عبادةً والمَريد والمارد هو الذي لا يتعلق بخير، وأصلُ التركيبِ للملاسة ومنه صرحٌ مُمرّد وشجرةٌ مرداءُ للتي تناثر ورقُها.
﴿ لَعَنَهُ الله ﴾ صفةٌ ثانيةٌ لشيطاناً ﴿ وَقَالَ لاَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ﴾ عطفٌ على الجملة المتقدمةِ أي شيطاناً مريداً جامعاً بين لعنةِ الله وهذا القولِ الشنيعِ الصادرِ عنه عند اللعنِ ولقد برهن على أن عبادةَ الأصنام غايةُ الضلال بطريق التعليلِ بأن ما يعبدونها ينفعل ولا يفعل فعلاً اختيارياً وذلك ينافي الألوهيةَ غايةَ المنافاةِ ثم استُدل عليه بأن ذلك عبادةٌ للشيطان وهو أفظعُ الضلالِ من وجوه ثلاثةٍ :الأولُ منهمكٌ في الغي لا يكاد يعلَق بشيء من الخير والهدى فتكون طاعتُه ضلالاً بعيداً عن الحق، والثاني أنه ملعونٌ لضلاله فلا تستتبعُ مطاوعتُه سوى اللعنِ والضلالِ، والثالثُ أنه في غاية السعي في إهلاكهم وإضلالِهم، فموالاةُ مَنْ هذا شأنُه غايةُ الضلالِ فضلاً عن عبادته، والمفروضُ :المقطوعُ أي نصيباً قُدّر لي وفُرض، من قولهم :فرَضَ له في العطاء.
﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأمَنّيَنَّهُمْ ﴾ الأمانيَّ الباطلةَ كطول الحياةِ وألاّ بعْثَ ولا عقابَ ونحوَ ذلك ﴿ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ آذَانَ الأنعام ﴾ أي فلَيقْطَعُنَّها بموجب أمري ويشُقُّنّها من غير تلعثم في ذلك ولا تأخير وذلك ما كانت العربُ تفعله بالبحائر والسوائب ﴿ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ ﴾ ممتثلين به ﴿ خَلْقَ الله ﴾ عن نهجه صورةً أو صفةً وينتظم فيه ما قيل من فقءِ عين الحامي وخِصاءِ العبيدِ والوشمِ والوشْرِ ونحوِ ذلك، وعمومُ اللفظِ يمنع الخِصاءَ مطلقاً لكن الفقهاء رخّصوا في البهائم لمكان الحاجةِ وهذه الجملُ المحكيةُ عن اللعين مما نطق به لسانُه مقالاً أو حالاً وما فيها من اللامات كلَّها للقَسَم، والمأمورُ به في الموضعين محذوفٌ ثقةً بدلالة النظمِ عليه ﴿ وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً من دُونِ الله ﴾ بإيثار ما يدعو إليه على ما أمر الله تعالى به ومجاوزتِه عن طاعة الله تعالى إلى طاعته ﴿ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً ﴾ لأن ضيَّع رأسَ مالِه بالكلية واستبدل بمكانه من الجنة مكانَه من النار.
﴿ يَعِدُهُمْ ﴾ أي ما لا يكاد يُنجِزُه ﴿ وَيُمَنّيهِمْ ﴾ أي الأمانيَّ الفارغةَ أو يفعل لهم الوعدَ والتمنيةَ على طريقة فلان يُعطي ويمنَعُ والضميران لمن والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد في يتخذ وخسر باعتبار لفظها. ﴿ وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً ﴾ وهو إظهارُ النفعِ فيما فيه الضررُ، وهذا الوعدُ إما بإلقاء الخواطرِ الفاسدةِ أو بألسنة أوليائِه، وغروراً إما مفعولٌ ثانٍ للوعد أو مفعولٌ لأجله أو نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي وعداً ذا غرورٍ أو مصدرٌ على غير لفظ المصدرِ لأنّ ﴿ يَعِدُهُمْ ﴾ في قوة يغرّهم بوعده، والجملةُ اعتراضٌ وعدمُ التعرّضِ للتمنية لأنها بابٌ من الوعد.
﴿ أولئك ﴾ إشارةٌ إلى أولياء الشيطان، وما فيه من معنى البُعد للإشعار ببُعد منزلتِهم في الخُسران، وهو مبتدأٌ وقوله تعالى : ﴿ مَأْوَاهُمْ ﴾ مبتدأٌ ثانٍ وقولُه تعالى : ﴿ جَهَنَّمُ ﴾ خبرٌ للثاني والجملةُ من الثاني [ وخبره ] خبرٌ للأول ﴿ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً ﴾ أي معدِلاً ومهرَباً من حاص الحمارُ إذا عدَل، وقيل :خلَص ونجا، وقيل :الحَيْصُ هو الرَّوَغانُ بنفور، و ﴿ عَنْهَا ﴾ متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من محيصاً أي كائناً عنها، ولا مَساغَ لتعلُّقه بمحيصاً، أما إذا كان اسمَ مكانٍ فظاهرٌ، وأما إذا كان مصدراً فلأنه لا يعمل فيما قبله.
﴿ والذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات ﴾ مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى : ﴿ سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَداً ﴾ قرَن وعيدَ الكفرةِ بوعد المؤمنين زيادةً لمَسرَّة هؤلاءِ ومَساءةِ أولئك ﴿ وَعْدَ الله حَقّا ﴾ أي وعَده وعداً وحقَّ ذلك حقاً، فالأولُ مؤكدٌ لنفسه لأن مضمونَ الجملةِ الاسميةِ وعدٌ، والثاني مؤكدٌ لغيره ويجوز أن ينتصِبَ الموصولُ بمضمر يفسِّره ما بعده وينتصب ﴿ وَعدَ الله ﴾ بقوله تعالى : ﴿ سَنُدْخِلُهُمْ ﴾ لأنه في معنى نعِدُهم إدخالَ جناتٍ الخ، وحقاً على أنه حال من المصدر ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً ﴾ جملةٌ مؤكدةٌ بليغةٌ، والمقصودُ من الآية معارضَةُ مواعيدِ الشيطانِ الكاذبةِ لقرنائه بوعد الله الصادقِ لأوليائه والمبالغةُ في تأكيده ترغيباً للعباد في تحصيله، والقيلُ مصدرٌ كالقول والقال، وقال ابنُ السِّكِّيتِ :القيلُ والقالُ اسمانِ لا مصدرانِ ونصبُه على التمييز وقرئ بإشمام الصادِ، وكذا كلُّ صادٍ ساكنةٍ بعدها دالٌ.
﴿ ليْسَ بأمانيكم وَلا أَمَانِيّ أَهْلِ الكتاب ﴾ أي ليس ما وعد الله تعالى من الثواب يحصُل بأمانيكم إيها المسلمون ولا بأمانيِّ أهلِ الكتابِ وإنما يحصُل بالإيمان والعملِ الصالحِ، ولعل نظمَ أمانيِّ أهلِ الكتابِ في سلك أمانيِّ المسلمين مع ظهور حالِها للإيذان بعدم إجداءِ أمانيِّ المسلمين أصلاً كما في قوله تعالى : ﴿ وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ [ النساء، الآية ١٨ ] كما سلف، وعن الحسن ليس الإيمانُ بالتمنِّي ولكنْ ما وقر في القلب وصدّقه العملُ، إن قوماً ألهتْهم أمانيُّ المغفرةِ حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنةَ لهم وقالوا :نُحسِنُ الظنَّ بالله وكذَبوا لو أحسنوا الظنَّ به لأحسنوا العملَ. وقيل :( إن المسلمين وأهلَ الكتاب افتخروا فقال أهلُ الكتاب :نبيُّنا قبل نبيِّكم وكتابُنا قبل كتابِكم فنحن أولى بالله تعالى منكم، فقال المسلمون :نحنُ أولى منكم نبيُّنا خاتمُ النبيين وكتابُنا يقضي على الكتب المتقدمةِ فنزلت ). وقيل :( الخطابُ للمشركين ) ويؤيده تقدّمُ ذكرِهم أي ليس الأمرُ بأمانيِّ المشركين وهو قولُهم :لا جَنةَ ولا نارَ، وقولُهم :إن كان الأمرُ كما يزعُم هؤلاء لنكونَنّ خيراً منهم وأحسنَ حالاً، وقولُهم :لأوتين مالاً وولداً، ولا أمانيِّ أهلِ الكتاب، وهو قولُهم : ﴿ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى ﴾ [ البقرة، الآية ١١١ ] وقولُهم ﴿ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً ﴾ [ البقرة، الآية ٨٠ ] ثم قرر ذلك بقوله تعالى : ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ عاجلاً أو آجلاً ( لما روي أَنَّهُ لما نزلت قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه :فمن ينجو مع هذا يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أما تحزنُ أو تمرَضُ أو يصيبُك البلاء ؟ » قال :بلى يا رسول الله، قال : «هو ذاك » ﴿ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله ﴾ أي مجاوزاً لموالاة الله ونُصرتِه ﴿ وَلِيّاً ﴾ يواليه ﴿ وَلاَ نَصِيراً ﴾ ينصُره في دفع العذاب عنه.
﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات ﴾ أي بعضَها أو شيئاً منها فإن كلَّ أحدٍ لا يتمكن من كلها وليس مكلَّفاً بها ﴿ من ذَكَرٍ أَوْ أنثى ﴾ في موضع الحالِ من المستكنّ في ﴿ يَعمل ﴾ ومن للبيان أو من الصالحات فمن للابتداء أي كائنةً من ذكر الخ، ﴿ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ حالٌ، شرَط اقترانَ العملِ بها في استدعاء الثوابِ المذكورِ تنبيهاً على أنه لا اعتدادَ به دونه ﴿ فَأُوْلَئِكَ ﴾ إشارةٌ إلى ﴿ من ﴾ بعنوان اتصافِه بالإيمان والعملِ الصالحِ، والجمعُ باعتبار معناها كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظِها وما فيه من معنى البُعد لما مر غيرَ مرةٍ من الإشعار بعلوّ رُتبةِ المُشار إليه وبُعد منزلتِه في الشرف ﴿ يَدْخُلُونَ الجنة ﴾ وقرئ يُدخَلون مبنياً للمفعول من الإدخال ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾ أي لا يُنقصون شيئاً حقيراً من ثواب أعمالِهم فإن النقيرَ عَلَم في القلة والحَقارةِ وإذا لم يُنقص ثوابُ المطيعِ فلأَنْ لا يزادَ عقابُ العاصي أولى وأحرى، كيف لا والمجازي [ هو ] أرحمُ الراحمين، وهو السرُّ في الاقتصار على ذكره عَقيبَ الثواب.
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله ﴾ أي أخلص نفسَه له تعالى لا يعرِف له رباً سواه، وقيل :بذل وجهَه له في السجود، وقيل :أخلصَ عملَه له عز وجل، وقيل :فوّض أمرَه إليه تعالى، وهذا إنكارٌ واستبعادٌ لأن يكون أحدٌ أحسنَ ديناً ممن فعل ذلك أو مساوياً له وإن لم يكن سبكُ التركيبِ متعرِّضاً لإنكار المساواةِ، ونفيُها يُرشِدُك إليه العُرفُ المطّردُ والاستعمالُ الفاشي، فإنه إذا قيل :مَنْ أكرمُ من فلان أو لا أفضلَ من فلان، فالمرادُ به حتماً أنه أكرمُ من كل كريم وأفضلُ من كل فاضلٍ، وعليه مساقُ قوله تعالى : ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى ﴾ [ العنكبوت، الآية ٦٨ ] ونظائرِه، وديناً نُصب على التمييز من أحسنُ منقولٌ من المبتدأ، والتقديرُ ومن دينُه أحسنُ من دين مَنْ أسلم الخ، فالتفضيلُ في الحقيقة جارٍ بين الدينين لا بين صاحبيهما ففيه تنبيه على أن ذلك أقصى ما تنتهي إليه القوةُ البشرية ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ أي آتٍ بالحسنات تاركٌ للسيئات، أو آتٍ بالأعمال الصالحة على الوجه اللائقِ الذي هو حسنُها الوصفيُّ المستلزِمُ لحسنها الذاتي، وقد فسره عليه الصلاة والسلام بقوله : «أن تعبُدَ الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك » والجملةُ حال من فاعل أسلم ﴿ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبراهيم ﴾ الموافقةُ لدين الإسلامِ المتّفق على صحتها وقبولِها ﴿ حَنِيفاً ﴾ مائلاً عن الأديان الزائغةِ وهو حال من فاعل اتبع أو [ حال ] من إبراهيم. ﴿ واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً ﴾ اصطفاه وخصَّه بكرامات تُشبه كراماتِ الخليلِ عند خليلِه، وإظهارُه عليه الصلاة والسلام في موقع الإضمار لتفخيم شأنِه والتنصيصِ على أنه الممدوحُ، وتأكيدِ استقلالِ الجملةِ الاعتراضية، والخُلّةُ من الخِلال فإنه ودٌّ تخلّل النفسَ وخالطَها. وقيل :من الخَلَل فإن كل واحد من الخليلين يسد خلَلَ الآخَر، أو من الخل وهو الطريقُ في الرمل فإنهما يتوافقان في الطريقة أو من الخَلّة بمعنى الخَصْلة فإنهما يتوافقان في الخِصال، وفائدةُ الاعتراضِ جَمّةٌ من جملتها الترغيبُ في اتباع ملتِه عليه السلام فإن من بلغ من الزُّلفي عند الله تعالى مَبْلغاً مصحِّحاً لتسميته خليلاً حقيقٌ بأن يكون اتباعُ طريقتِه أهمَّ ما يمتد إليه أعناقُ الهِمم وأشرفَ ما يَرمُق نحوه أحداقُ الأُمم، قيل :( إنه عليه الصلاة والسلام بَعث إلى خليل له بمصرَ في أزمة أصابت الناسَ يمتارُ منه، فقال خليلُه :لو كان إبراهيمُ يطلب المِيرةَ لنفسه لفعلت، ولكنه يُريدها للأضياف، وقد أصابنا ما أصاب الناسَ من الشدة، فرجَع غِلمانُه عليه الصلاة والسلام فاجتازوا ببطحاءَ لينة فملأوا منها الغرائرَ حياءً من الناس وجاءوا بها إلى منزل إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام وألقَوْها فيه وتفرّقوا وجاء أحدُهم فأخبر إبراهيمَ بالقصة فاغتم لذلك غماً شديداً لاسيما لاجتماع الناسِ ببابه رجاءَ الطعام فغلبته عيناه وعمَدت سارةُ إلى الغرائر فإذا فيها أجودُ ما يكون من الحُوَّارَى فاختبزت، وفي رواية فأطعمت الناسَ وانتبه إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام فاشتم رائحةَ الخبزِ فقال :من أين لكم، قالت سارة :من خليلك المِصريِّ، فقال :بل من عند خليلي الله عز وجل فسماه الله تعالى خليلاً ).
﴿ وَللَّهِ مَا في السماوات وَمَا فِي الأرض ﴾ جملةٌ مبتدأةٌ سيقت لتقرير وجوبِ طاعة الله تعالى على أهل السماوات والأرضِ ببيانِ أن جميعَ ما فيهما من الموجودات له تعالى خلقاً ومُلكاً لا يخرُج عن مَلَكوته شيءٌ منها فيجازي كلاًّ بموجب أعمالِه خيراً أو شراً، وقيل :لبيان أن اتخاذَه عز وجل لإبراهيمَ عليه السلام خليلاً ليس لاحتياجه سبحانه إلى ذلك في شأنٍ من شؤونه كما هو دأبُ الآدميين فإن مدار خُلَّتِهم افتقارُ بعضِهم إلى بعض في مصالحهم، بل لمجرد تكرمتِه وتشريفِه عليه السلام، وقيل :لبيان أن الخُلة لا تخرجه عن رتبة العبوديةِ، وقيل :لبيان أن اصطفاءَه عليه السلام للخُلّة بمحض مشيئتِه تعالى أي له تعالى ما فيهما جميعاً يختار منهما ما يشاء لمن يشاء وقوله عز وجل : ﴿ وَكَانَ الله بِكُلّ شَيء مُحِيطاً ﴾ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله على الوجوه المذكورةِ فإن إحاطتَه تعالى علماً وقُدرةً بجميع الأشياءِ التي من جملتها ما فيهما من المكلفين وأعمالِهم مما يقرِّرُ ذلك أكملَ تقرير.
﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ في النساء ﴾ أي في حقهن على الإطلاق كما ينبئ عنه الأحكامُ الآتية لا في حق ميراثِهن خاصة فإنه صلى الله عليه وسلم قد سُئل عن أحوال كثيرةٍ مما يتعلق بهن، فما بُيِّن حكمُه فيما سلف أحيل بيانُه على ما ورد في ذلك من الكتاب، وما لم يُبيَّن حُكمُه بعدُ بُيِّن هاهنا، وذلك قوله تعالى : ﴿ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ في الكتاب ﴾ بإسناد الإفتاءِ الذي هو بيانُ المُبهم وتوضيحُ المُشكلِ إليه تعالى وإلى ما تُليَ من الكتاب فيما سبق باعتبارين على طريقة قولِك :أغناني زيدٌ وعطاؤُه بعطف ﴿ مَا ﴾ على المبتدأ أو ضميرِه في الخبر لمكان الفصلِ بالمفعول والجارِّ والمجرور، وإيثارُ صيغة المضارعِ للإيذان باستمرار التلاوةِ ودوامِها و ﴿ في الكتاب ﴾ إما متعلقٌ بيُتلى أو بمحذوف وقع حالاً من المستكنّ فيه أي يتلى كائناً فيه ويجوز أن يكون ما يتلى عليكم مبتدأً وفي الكتاب خبرُه على أن المرادَ به اللوحُ المحفوظُ، والجملةُ معترضةٌ مسوقةٌ لبيان عِظَمِ شأن المتلوِّ عليهم وأن العدلَ في الحقوق المبنيّة فيه من عظائم الأمورِ التي يجب مراعاتُها والمحافظةُ عليها فيما يتلى حينئذ متناولٌ لما تُليَ وما سيتلى ويجوز أن يكون مجروراً على القسم المُنبئ عن تعظيم المقسَم به وتفخيمِه كأنه قيل :قل الله يُفتيكم فيهن وأُقسِم بما يتلى عليكم في الكتاب، فالمرادُ بقوله تعالى : ﴿ يُفْتِيكُمْ ﴾ بيانُه السابقُ واللاحقُ ولا مساغَ لعطفه على المجرور من فيهن لاختلاله لفظاً ومعنى، وقولُه تعالى : ﴿ في يتامى النساء ﴾ على الوجه الأولِ وهو الأظهرُ متعلقٌ بيتلى أي ما يتلى عليكم في شأنهن، وعلى الأخيرين بدلٌ من فيهن، وهذه الإضافةُ بمعنى من لأنها إضافةُ الشيءِ إلى جنسه وقرئ ييامى بقلب همزةِ أيامى ياءً. ﴿ اللاتي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ ﴾ أي ما فُرض لهن من الميراث وغيره ﴿ وَتَرْغَبُونَ ﴾ عطفٌ على الصلة عطفَ جملةٍ مُثبتةٍ على جملة منفية، وقيل :حال من فاعل تؤتونهن بتأويل وأنتم ترغبون، ولا ريب في أنه لا يظهر -لتقييدِ عدمِ الإيتاءِ بذلك- فائدةٌ إلا إذا أريد بما كُتب لهن صَداقُهن ﴿ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ أي في أن تنكِحوهن لا لأجل التمتعِ بهن بل لأكل مالِهن أو في أن تنكوحهن بغير إكمالِ الصَّداقِ وذلك ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها من أنها اليتيمةُ تكون في حِجْر وليِّها فيرغب في مالها وجمالِها ويرد أن ينكِحَها بأدنى من سُنة نسائِها فنُهوا أن ينكِحوهن إلا أن يُقسِطوا لهن في إكمال الصَّداقِ أو عن أن تنكِحوهن، وذلك ما روي عنها رضي الله عنها أنها يتيمةٌ يرغب وليُّها عن نكاحها ولا يُنكِحُها فيعضُلها طمعاً في ميراثها، وفي رواية عنها رضي الله عنها هو الرجلُ يكون عنده يتيمةٌ هو وليُّها ووارثُها وشريكُها في المال حتى في العِذْق فيرغب أن ينكِحَها ويكره أن يزوِّجَها رجلاً فيَشرُكَه في ماله بما شرَكَتْه فيعضُلها، فالمرادُ بما كُتب لهن على الوجه الأولِ والأخير ميراثُهن وبما يتلى في حقهن قولُه تعالى : ﴿ وَآتُوا اليتامى أموالهم ﴾ [ النساء، الآية ٢ ] وقولُه تعالى : ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوهَا ﴾ [ النساء، الآية ٦ ] ونحوُهما من النصوص الدالةِ على عدم التعرّضِ لأموالهم وعلى الوجه الثاني صَداقُهن وبما يتلى فيهن قوله تعالى : ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا في اليتامى ﴾ [ النساء، الآية :٣ ] الآية. ﴿ والمستضعفين مِنَ الولدان ﴾ عطفٌ على يتامى النساءِ وما يتلى في حقهم وقولِه تعالى : ﴿ يُوصِيكُمُ الله ﴾ [ النساء، الآية ١١ ] الخ، وقد كانوا في الجاهلية لا يورِّثونهم كما لا يورِّثون النساءَ، وإنما يورِّثون الرجالَ القوّامين بالأمور. رُوي أن عيينةَ بنَ حصنٍ الفزاريَّ جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :أُخبرنا بأنك تعطي الابنةَ النصفَ والأختَ النصفَ وإنما كنا نورِّث من يشهدُ القِتالَ ويجوز الغنيمة، فقال عليه الصلاة والسلام : «كذلك أُمِرْتُ » ﴿ وَأَن تَقُومُوا لليتامى بالقسط ﴾ بالجر عطفٌ على ما قبله، وما يتلى في حقهم قولُه تعالى : ﴿ وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الخبيث بالطيب وَلاَ تَأْكُلُوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ [ النساء، الآية :٢ ] ونحوُ ذلك مما لا يكاد يحصُر هذا على تقدير كونِ ﴿ في يتامى النساء ﴾ [ النساء، الآية :١٢٧ ] متعلقاً بيتلى، وأما على تقدير كونِه بدلاً من فيهن فالوجهُ نصبُه عطفاً على موضع ﴿ فِيهِنَّ ﴾ أي يفتيكم أن تقوموا ويجوز نصبُه بإضمار فعلٍ، أي ويأمركم، وهو خطابٌ للولاة أو الأولياء والأوصياءِ ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا ﴾ في حقوق المذكورين ﴿ منْ خَيْرٍ ﴾ حسبما أُمرتم به أو ما تفعلوه من خير على الإطلاق، فيندرجُ فيه ما يتعلق بهم اندراجاً أولياً ﴿ فَإِنَّ الله كَانَ بِهِ عَلِيماً ﴾ فيجازيكم بحسبه.
﴿ وَإِنِ امرأة خافت ﴾ شروعٌ في بيان ما لم يُبيَّن فيما سلف من الأحكام أي إن توقعت امرأةٌ ﴿ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً ﴾ أي تجافياً عنها وترفّعاً عن صحبتها كراهةً لها ومنعاً لحقوقها ﴿ أَوْ إِعْرَاضاً ﴾ بأن يُقِلَّ محادثَتَها ومؤانستَها لما يقتضي ذلك من الدواعي والأسباب ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ حينئذ ﴿ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً ﴾ أي في أن يصلحا بينهما بأن تحُطَّ عنه المَهرَ أو بعضَه أو القَسْمَ كما فعلت سَودةُ بنتُ زَمعةٍ حين كرِهت أن يفارِقَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فوهَبت يومَها لعائشة رضي الله عنها أو بأن تهَبَ له شيئاً تستميلُه، وقرئ يَصّالحا من يتصالحا ويصَّلِحا من يصطلحا ويُصالِحا من المفاعلة، وصُلحاً إما منصوبٌ بالفعل المذكورِ على كل تقديرٍ على أنه مصدرٌ منه بحذف الزوائدِ، وقد يُعبّر عنه باسم المصدرِ كأنه قيل :إصلاحاً أو تصَالُحاً أو اصطلاحاً حسبما قرئ الفعل أو بفعل مترتبٍ على المذكور أي فيُصلِح حالَهما صلحاً، وبينهما ظرفٌ للفعل أو حال من صُلحاً، والتعرُّضُ لنفي الجُناحِ عنهما مع أنه ليس من جنابها الأخذُ الذي هو المَظِنَّةُ للجُناح لبيان أن هذا الصلحَ ليس من قبيل الرَّشوةِ المحرمة للمعطي والآخذ. ﴿ والصلح خَيْرٌ ﴾ أي من الفُرقة أو من سوء العِشرةِ أو من الخصومة فاللامُ للعهد أو هو خيرٌ من الخيور فاللامُ للجنس والجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لما قبله وكذا قوله تعالى : ﴿ وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح ﴾ أي جعلت حاضرةً له مطبوعةً عليه لا تنفك عنه أبداً، فلا المرأةُ تسمح بحقوقها من الرجل ولا الرجلُ يجود بحسن المعاشرةِ مع دمامتها فإن فيه تحقيقاً للصلح وتقريراً له بحثِّ كلَ منهما عليه لكنْ لا بالنظر إلى حال نفسِه فإن ذلك يستدعي التماديَ في المماسكة والشقاقِ بل بالنظر إلى حال صاحبِه فإن شحَّ نفسِ الرجلِ وعدمَ ميلِها عن حالتها الجِبِلِّية بغير استمالةٍ مما يحمِل المرأةَ على بذل بعض حقوقِها إليه لاستمالته وكذا شحُّ نفسِها بحقوقها مما يحمل الرجلَ على أن يقتنع من قِبَلها بشيء يسير ولا يُكلّفَها بذلَ الكثيرِ فيتحقق بذلك الصلح ﴿ وَإِن تُحْسِنُوا ﴾ في العِشرة ﴿ وَتَتَّقُوا ﴾ النشوزَ والإعراضَ مع تعاضُد الأسبابِ الداعيةِ إليهما وتصبِروا على ذلك مراعاةً لحقوق الصُّحبةِ ولم تَضْطَرُّوهن إلى بذل شيءٍ من حقوقهن ﴿ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ أي من الإحسان والتقوى أو بما تعملون جميعاً فيدخُل ذلك فيه دخولاً أولياً ﴿ خَبِيراً ﴾ فيجازيكم ويثبتُكم على ذلك البتةَ لاستحالة أن يُضيِّعَ أجرَ المحسنين. وفي خطاب الأزواجِ بطريق الالتفاتِ والتعبيرِ عن رعاية حقوقِهن بالإحسان ولفظِ التقوى المنبئ عن كون النشوزِ والإعراض مما يُتوقى منه وترتيبِ الوعدِ الكريمِ عليه من لطف الاستمالةِ والترغيب في حسن المعاملةِ -ما لا يخفى. روي أنها نزلت في عَمرةَ بنتِ محمدِ بنِ مَسلمةَ وزوجِها سعدِ بنِ الربيع تزوّجها وهي شابةٌ فلما علاها الكِبَرُ تزوج شابةً وآثرها عليها وجفاها ؛ فأتت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وشكت إليه ذلك، وقيل :نزلت في أبي السائب، كانت له امرأةٌ قد كبِرَت وله منها أولادٌ فأراد أن يطلقَها ويتزوجَ غيرَها فقالت :لا تُطلِّقَني ودعني على أولادي فاقسِمْ لي من كل شهرين وإن شئت فلا تقسِمْ لي، فقال :إن كان يصلُح ذلك فهو أحبُّ إلي فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فنزلت.
﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النساء ﴾ أي مُحال أن تقدِروا على أن تعدِلوا بينهن بحيث لا يقع ميلٌ ما إلى جانب إحداهن في شأن من الشؤون البتةَ وقد كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقسِمُ بين نسائِه فيعدِلُ ثم يقول : «اللهم هذا قَسْمي فيما أملِك فلا تؤاخِذْني فيما تملِكُ ولا أملِكُ » وفي رواية «وأنت أعلم بما لا أملك » يعني فرطَ محبتِه لعائشة رضي الله عنها ﴿ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾ أي على إقامة العدلِ وبالغتم في ذلك ﴿ فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الميل ﴾ أي فلا تجوروا على المرغوب عنها كلَّ الجَوْرِ واعدِلوا ما استطعتم فإن عجْزَكم عن حقيقة العدلِ إنما يصحح عدمَ تكليفِكم بها لا بما دونها من المراتب الداخلةِ تحت استطاعتِكم ﴿ فَتَذَرُوهَا ﴾ أي التي مِلْتم عنها ﴿ كالمعلّقة ﴾ التي ليست ذاتَ بعلٍ أو مطلقة وقرئ كالمسجونة وفي الحديث : «مَنْ كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحدُ شِقَّيه مائلٌ » ﴿ وَإِن تُصْلِحُوا ﴾ ما كنتم تُفسِدون من أمورهن ﴿ وَتَتَّقُوا ﴾ الميلَ فيما يستقبل ﴿ فَإِنَّ الله كَانَ غَفُوراً ﴾ يغفرُ لكم ما فرَط منكم من الميل ﴿ رَحِيماً ﴾ يتفضل عليكم برحمته.
﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا ﴾ وقرئ يتفارقا أي وإن يفارقْ كلٌّ منهما صاحبَه بأن لم يتفِقْ بينهما وِفاقٌ بوجه ما من الصلح وغيرِه ﴿ يُغْنِ الله كُلاًّ ﴾ منهما أي يجعلْه مستغنياً عن الآخَر ويُكْفِه مُهمّاتِه ﴿ من سَعَتِهِ ﴾ من غناه وقُدرته، وفيه زجرٌ لهما عن المفارقة رُغماً لصاحبه ﴿ وَكَانَ الله واسعا حَكِيماً ﴾ مقتدراً متْقِناً في أفعاله وأحكامِه.
وقولُه تعالى : ﴿ وَللَّهِ مَا في السماوات وَمَا فِي الأرض ﴾ أي من الموجودات كائناً ما كان من الخلائق وأرزاقُهم وغيرُ ذلك، جملةٌ مستأنفةٌ منبّهةٌ على كمال سعتِه وعِظَم قدرتِه ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُوا الكتاب مِن قَبْلِكُمْ ﴾ أي أمرناهم في كتابهم وهم اليهودُ والنصارى ومَنْ قبلهم من الأمم، واللامُ في الكتاب للجنس، و ﴿ منْ ﴾ متعلقة بوصّينا أو بأوتوا ﴿ وإياكم ﴾ عطف على الموصول ﴿ أَنِ اتقوا الله ﴾ أي وصينا كلاًّ منكم ومنهم بأن اتقوا الله على أنّ أنْ مصدريةٌ حُذف منها الجارُّ ويجوز أن تكون مفسِّرةً، لأن التوصيةَ في معنى القولِ فقوله تعالى : ﴿ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ للَّهِ مَا في السماوات وَمَا فِي الأرض ﴾ حينئذ من تتمة القولِ المحكيِّ أي ولقد قلنا لهم ولكم :اتقوا الله وإن تكفروا إلى آخلا الآية، وعلى تقدير كونِ أنْ مصدرية مبني الكلام وإرادة القول أي أمرناهم وإياكم بالتقوى وقلنا لهم ولكم :إن تكفروا الآية، وقيل :هي جملةٌ مستأنفةٌ خوطب بها هذه الأمةُ، وأياً ما كان فالمترتبُ على كفرهم ليس مضمونَ قولِه تعالى : ﴿ فَإِنَّ الله ﴾ [ النساء، الآية :١٢٩ ] الآية، بل هو الأمرُ بعلمه كأنه قيل :وإن تكفروا فاعلَموا أن لله ما في السماوات وما في الأرض من الخلائق قاطبةً مفتقرون إليه في الوجود وسائرِ النعمِ المتفرِّعةِ عليه لا يستغنون عن فيضه طرفةَ عينٍ فحقُّه أن يُطاع ولا يُعصى ويتقى عقابُه ويرجى ثوابُه وقد قرر ذلك بقوله تعالى : ﴿ وَكَانَ الله غَنِيّاً ﴾ أي عن الخلق وعبادتِهم ﴿ حَمِيداً ﴾ محموداً في ذاته حمِدوه أو لم يحْمَدوه فلا يتضرر بكفرهم ومعاصيهم كما لا ينتفع بشكرهم وتقواهم وإنما وصّاهم بالتقوى لرحمته لا لحاجته.
﴿ وَللَّهِ مَا في السماوات وَمَا فِي الأرض ﴾ كلامٌ مبتدأٌ مسوقٌ للمخاطبين توطئةً لما بعده من الشرطية غيرُ داخلٍ تحت القول المحكيِّ أي له سبحانه ما فيهما من الخلائق خلقاً ومُلكاً يتصرف فيهم كيفما يشاء إيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتة. ﴿ وكفى بالله وَكِيلاً ﴾ في تدبير أمورِ الكلِّ وكلِّ الأمور فلابد من أن يُتوكلَ عليه لا على أحد سواه.
﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس ﴾ أي يُفْنِكم ويستأصِلْكم بالمرة ﴿ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ ﴾ أي ويوجِدْ دفعةً مكانكم قوماً آخرين من البشر أو خلقاً آخرين مكانَ الإنسِ، ومفعولُ المشيئةِ محذوفٌ لكونه مضمونَ الجزاءِ أي إن يشأ إفناءَكم وإيجادَ آخرين يذهبْكم الخ، يعني أن إبقاءَكم على ما أنتم عليه من العصيان إنما هو لكمال غناه عن طاعتكم ولعدم تعلقِ مشيئتِه المبنيةِ على الحِكَم البالغةِ بإفنائكم لا لعجزه سبحانه، تعالى عن ذلك علواً كبيراً ﴿ وَكَانَ الله على ذلك ﴾ أي على إفنائكم بالمدة وإيجاد آخرين دفعة مكانكم ﴿ قَدِيراً ﴾ بليغَ القدرةِ فيه -لاسيما في توسط الخطابِ بين الجزاءِ وما عُطف عليه من تشديد التهديد- ما لا يخفى، وقيل :خطاب لمن عادى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من العرب، أي إن يشأ يُمِتْكم ويأتِ بأناس آخرين يوالونه فمعناه هو معنى قوله تعالى : ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أمثالكم ﴾ [ محمد صلى الله عليه وسلم، الآية ٣٨ ] ويروى أنها لما نزلت ضرب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بيده على ظهر سلمانَ وقال : «إنهم قومُ هذا يريد أبناءَ فارسَ ».
﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا ﴾ كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة ﴿ فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والآخرة ﴾ أي فعنده تعالى ثوابُهما له إن أراده فما له يطلُب أخسَّهما فليطلُبْهما كمن يقول :ربنا آتِنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً أو لِيَطلُبْ أشرفَهما فإن من جاهد خالصاً لوجه الله تعالى لم تُخطِئْه الغنيمةُ وله في الآخرة ما هي في جنبه كَلاَ شيءٍ أي فعند الله ثوابُ الدارين فيعطي كلاًّ ما يريده كقوله تعالى : ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ﴾ [ الشورى، الآية ٢٠ ] الآية، ﴿ وَكَانَ الله سَمِيعاً بَصِيراً ﴾ عالماً بجميع المسموعاتِ والمُبصَرات فيندرج فيها ما صدَر عنهم من الأقوال والأعمالِ المتعلقةِ بمراداتهم اندراجاً أولياً.
﴿ يا أيها الذين آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بالقسط ﴾ مبالِغين في العدْل وإقامةِ القسطِ في جميع الأمورِ مجتهدين في ذلك حقَّ الاجتهاد ﴿ شُهَدَاء الله ﴾ بالحق تقيمون شهاداتِكم لوجه الله تعالى وهو خبرٌ ثانٍ وقيل :حال ﴿ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ ﴾ أي لو كانت الشهادةُ على أنفسكم بأن تُقِرُّوا عليها على أن الشهادةَ عبارةٌ عن الإخبار بحق الغيرِ سواءٌ كان ذلك عليه أو على ثالث بأن تكونَ الشهادةُ مستتبِعةً لضرر ينالكم من جهة المشهودِ عليه ﴿ أَوِ الوالدين والأقربين ﴾ أي ولو كانت على والدِيكم وأقاربِكم ﴿ إِن يَكُنَّ ﴾ أي المشهودُ عليه ﴿ غَنِيّاً ﴾ يُبتغى في العادة رضاه ويتقى سَخَطُه ﴿ أَوْ فَقَيراً ﴾ يُترحّم عليه غالباً، وقرئ إن يكن غنيٌّ أو فقيرٌ على أن كان تامةٌ وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالة قوله تعالى : ﴿ فالله أولى بِهِمَا ﴾ عليه فلا يمتنعوا عنها طلباً لرضا الغِنى أو ترحماً على الفقير فإن الله تعالى أَولى بجنسي الغنيِّ والفقير المدلولِ عليهما بما ذكر ولو أن الشهادةَ عليهما مصلحةٌ لهما لما شرَعها وقرئ أَوْلى بهم ﴿ فَلاَ تَتَّبِعُوا الهوى أَن تَعْدِلُوا ﴾ أي مخافةَ أن تعدِلوا عن الحق فإن اتباعَ الهوى من مظانِّ الجَوْرِ الذي حقُّه أن يُخافَ ويُحذر، وقيل :كراهةَ أن تعدِلوا بين الناسِ أو إرادةَ أن تعدِلوا بين الناسِ أو إرادةَ أن تعدِلوا عن الحق ﴿ وَإِن تَلْوُوا ﴾ أي ألسنتَكم عن شهادة الحقِّ أو حكومةِ العدلُ بأن تأتوا بها لا على وجهها، وقرئ وإن تلُوا من الولاية والتصدي أي وإن وَلِيتم إقامةَ الشهادة ﴿ أَوْ تُعْرِضُوا ﴾ أي عن إقامتها رأساً ﴿ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ مِن لَيِّ الألسنةِ والإعراضِ بالكلية أو من جميعِ الأعمالِ التي من جُملتها ما ذكر ﴿ خَبِيراً ﴾ فيجازيكم لا محالة على ذلك فهو على القراءة المشهورةِ وعيدٌ محضٌ وعلى القراءة الأخيرةِ متضمِّنٌ للوعيد.
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمنُوا ﴾ خطابٌ لكافة المسلمين فمعنى قولِه تعالى : ﴿ آمنُوا بالله وَرَسُولِهِ والكتاب الذي نَزَّلَ على رَسُولِهِ والكتاب الذي أَنَزلَ مِن قَبْلُ ﴾ اثبُتوا على الإيمان بذلك ودُوموا عليه وازدادوا فيه طُمأْنينةً ويقيناً أو آمِنوا بما ذُكر متصلاً بناء على أن إيمانَ بعضِهم إجماليٌّ، والمرادُ بالكتاب الثاني الجنسُ المنتظِمُ لجميع الكتب السماوية لقوله تعالى : ﴿ وَكُتُبِهِ ﴾ [ البقرة :٢٨٥، النساء :١٣٦، التحريم :١٢ ] وبالإيمان به الإيمانُ بأن كلَّ كتاب من تلك الكتبِ مُنزَّلٌ منه تعالى على رسول معينٍ لإرشاد أمتِه إلى ما شرَع لهم من الدين بالأوامر والنواهي لكن لا على أن مدارَ الإيمانِ بكل واحدٍ من تلك الكتبِ خصوصيةُ ذلك الكتابِ، ولا على أن أحكامَ تلك الكتبِ وشرائعَها باقيةٌ بالكلية ولا على أن الباقيَ منها معتبرٌ بالإضافة إليها بل على أن الإيمانَ بالكل مندرجٌ تحت الإيمانِ بالكتاب المنزلِ على رسوله وأن أحكامَ كلَ منها كانت حقةً ثابتةً إلى ورود ما نسخها وأن ما لم ينسَخْ منها إلى الآن من الشرائع والأحكامِ ثابتةٌ من حيث إنها من أحكام هذا الكتابِ الجليلِ المصونِ عن النسخ والتبديلِ كما مر في تفسير خاتمةِ سورة البقرةِ، وقرئ نُزل وأُنزل على البناء للمفعول، وقيل :( هو خطابٌ لمؤمني أهلِ الكتابِ لما أن عبدَ اللَّه بنَ سلام وابنَ أختِه سلامةَ وابنَ أخيه سَلَمةَ وأسَداً وأُسيداً بنيْ كعبٍ وثعلبةَ بنَ قيسٍ ويامينَ بنَ يامينَ أتَوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وقالوا :يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراةِ وعزيرٍ، ونكفر بما سواه من الكتب والرسُلِ، فقال عليه السلام : «بل آمِنوا بالله ورسولِه محمدٍ وكتابه القرآنِ وبكل كتابٍ كان قبله »، فقالوا :لا نفعل فنزلت ) فآمنوا كلُّهم فأمرهم بالإيمان بالكتاب المتناوِلِ للتوراة مع أنهم مؤمنون بها من قبلُ ليس لكون المرادِ بالإيمان ما يعُمّ إنشاءَه والثباتَ عليه ولا لأن متعلَّقَ الأمر حقيقةً هو الإيمانُ بما عداها كأنه قيل :آمِنوا بالكل ولا تخُصُّوه بالبعض بل لأن المأمورَ له إنما هو الإيمانُ بها في ضمن الإيمانِ بالقرآن على الوجه الذي أشير إليه آنفاً لا إيمانُهم السابقُ، ولأن فيه حملاً لهم على التسوية بينها وبين سائر الكتبِ في التصديق لاشتراك الكلِّ فيما يوجبه وهو النزولُ من عند الله تعالى، وقيل :خطابٌ لأهل الكتابين فالمعنى آمنوا بالكل لا ببعض دون بعضٍ وأمرٌ لكل طائفةٍ بالإيمان بكتابه في ضمن الأمرِ بالإيمان بجنس الكتابِ لما ذكر، وقيل :هو للمنافقين، فالمعنى آمِنوا بقلوبكم لا بألسنتكم فقط ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بالله وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ واليوم الآخر ﴾ أي بشيء من ذلك ﴿ فَقَدْ ضَلَّ ضلالاً بَعِيداً ﴾ عن المقصِد بحيث لا يكاد يعود إلى طريقه، وزيادةُ الملائكةِ واليومِ الآخرِ في جانب الكفرِ لما أنه بالكفر بأحدهما لا يتحقق الإيمانُ أصلاً، وجمعُ الكتبِ والرسلِ لما أن الكفرَ بكتاب أو برسول كفرٌ بالكل، وتقديمُ الرسولِ فيما سبق لذكر الكتابِ بعنوان كونِه منزلاً عليه، وتقديمُ الملائكة والكتبِ على الرسل لأنهم وسائطُ بين الله عز وجل وبين الرسلِ في إنزال الكتب.
﴿ إِنَّ الذين آمَنُوا ﴾ قال قتادة :هم اليهودُ آمنوا بموسى ﴿ ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ بعبادتهم العجلَ ﴿ ثُمَّ آمنوا ﴾ عند عَودِه إليهم ﴿ ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ بعيسى والإنجيل ﴿ ثُمَّ ازدادوا كُفْراً ﴾ بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل :هم قومٌ تكررَ منهم الارتدادُ وأصرّوا على الكفر وازدادوا تمادياً في الغي ﴿ لمْ يَكُن الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ﴾ لما أنه يُستبعد منهم أن يتوبوا عن الكفر ويثبُتوا على الإيمان فإن قلوبَهم قد ضربت بالكفر وتمرّنت على الرِّدة، وكان الإيمانُ عندهم أهونَ شيء وأدونَه لا أنهم لو أخلصوا الإيمانَ لم يُقبل منهم ولم يغفَرْ لهم، وخبرُ كان محذوفٌ أي مريداً ليغفر لهم.
وقولُه عز وجل : ﴿ بَشّرِ المنافقين بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ يدل على أن المرادَ بالمذكورين الذين آمنوا في الظاهر نِفاقاً وكفروا في السر مرةً بعد أخرى ثم ازدادوا كفراً ونفاقاً، ووضعُ التبشيرِ موضعَ الإنذار تهكماً بهم.
﴿ الذين يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَاء ﴾ في محل نصبٍ أو الرفعُ على الذم بمعنى أريد بهم الذين، أو هم الذين، وقيل :نُصب على أنه صفةٌ للمنافقين وقوله تعالى : ﴿ مِن دُونِ المؤمنين ﴾ حال من فاعل يتخذون أي يتخذون الكفرةَ أنصاراً متجاوزين ولايةَ المؤمنين وكانوا يوالونهم ويقول بعضُهم لبعض :لا يتم أمرُ محمدٍ عليه الصلاة والسلام فتولَّوا اليهود ﴿ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة ﴾ إنكارٌ لرأيهم وإبطالٌ له وبيانٌ لخيبة رجائِهم وقطعٌ لأطماعهم الفارغةِ، والجملةُ معترضةٌ مقررةٌ لما قبلها أي أيطلُبون بموالاة الكَفرةِ القوةَ والغلبة ؟ قال الواحدي :أصلُ العزة الشدةُ ومنه قيل للأرض الشديدة الصُلبة :عَزازٌ، وقوله تعالى : ﴿ فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً ﴾ تعليلٌ لما يفيده الاستفهامُ الإنكاريُّ من بطلان رأيِهم وخَيبةُ رجائهم فإن انحصارَ جميعِ أفرادِ العزةِ في جنابه عز وعلا بحيث لا ينالها إلا أولياؤُه الذين كُتب لهم العزةُ والغَلَبةُ، قال تعالى : ﴿ وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [ المنافقون، الآية ٨ ] يقضي ببطلان التعززِ بغيره سبحانه وتعالى واستحالةِ الانتفاعِ به، وقيل :هو جوابُ شرط محذوفٍ كأنه قيل :إن يبتغوا عندهم العزةَ فإن العزةَ لله، وجميعاً حال من المستكنّ في قوله تعالى : ﴿ لِلَّهِ ﴾ لاعتماده على المبتدأ.
﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ ﴾ خطابٌ للمنافقين بطريق الالتفاتِ مفيدٌ لتشديد التوبيخِ الذي يستدعيه تعدادُ جناياتِهم وقرئ مبنياً للمفعول من التنزيل والإنزالِ ونزَلَ أيضاً مخففاً والجملةُ حال من ضمير يتخذون أيضاً مفيدةٌ لكمال قباحةِ حالِهم ونهاية استعصائِهم عليه سبحانه ببيان أنهم فعلوا ما فعلوا من موالاة الكفرة مع تحقق ما يمنعهم من ذلك وهو ورودُ النهي الصريحِ عن مجالستهم المستلزمِ للنهي عن موالاتهم على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه إثرَ بيانِ انتفاءِ ما يدعوهم إليه بالجملة المعترضة، كأنه قيل :تتخذونهم أولياءَ والحالُ أنه تعالى قد نزّل عليكم قبل هذا بمكة ﴿ في الكتاب ﴾ أي القرآنِ الكريم ﴿ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيات الله يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حتى يخوضوا في حديث غيره ﴾ وذلك قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آياتنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ [ الأنعام، الآية ٦٨ ] الآية، وهذا يقتضي الانزجارَ عن مجالستهم في تلك الجالةِ القبيحةِ فكيف بموالاتهم والاعتزازِ بهم ؟. وأنْ هي المخففةُ من أنّ وضميرُ الشأنِ الذي هو اسمُها محذوفٌ، والجملةُ الشرطية خبرُها، وقولُه تعالى : ﴿ يَُكفرُ بِهَا ﴾ حالٌ من آيات الله، وقوله تعالى : ﴿ وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا ﴾ عطفٌ عليه داخلٌ في حكم الحاليةِ، وإضافةُ الآياتِ إلى الاسم الجليلِ لتشريفها وإبانةِ خطرِها وتهويلِ أمر الكفرِ بها، أي نزل عليكم في الكتاب أنه إذا سمعتم آياتِ الله مكفوراً بها ومستهزَأً بها، وفيه دِلالةٌ على أن المنزلَ على النبي عليه السلام وإن خوطب به خاصةً منزلٌ على الأمة وأن مدارَ الإعراضِ عنهم هو العلمُ بخوضهم في الآيات ولذلك عبّر عن ذلك تارةً بالرؤية وأخرى بالسماع، وأن المرادَ بالإعراض إظهارُ المخالفةِ بالقيام عن مجالسهم لا الإعراضُ بالقلب أو بالوجه فقط والضميرُ في معهم للكفرة المدلولِ عليهم بقوله تعالى : ﴿ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا ﴾. ﴿ إِنَّكُمْ أَذِنَ مِثْلُهُمْ ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ سيقت لتعليل النهي غيرُ داخلةٍ تحت التنزيلِ وإذن ملغاةٌ عن العمل لوقوعها بين المبتدأ والخبر، أي لا تقعدوا معهم في ذلك الوقتِ إنكم إن فعلتموه كنتم مثلَهم في الكفر واستتباعِ العذابِ، وإفرادُ المثلِ لأنه كالمصدر أو للاستغناء بالإضافة إلى الجمع وقرئ شاذاً مثلَهم بالفتح لإضافته إلى غير متمكّن كما في قوله تعالى : ﴿ مثلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ﴾ [ الذاريات، الآية ٢٣ ] وقيل :هو منصوب على الظرفية أي في مثل حالهم وقوله تعالى : ﴿ إِنَّ الله جَامِعُ المنافقين والكافرين في جَهَنَّمَ جَمِيعاً ﴾ تعليلٌ لكونهم مثلَهم في الكفر ببيان ما يستلزمه من شِرْكتهم لهم في العذاب والمرادُ بالمنافقين إما المخاطَبون وقد وُضع موضِعَ ضميرِهم الظاهِرِ تسجيلاً بنفاقهم وتعليلاً للحكم بمأخذ الاشتقاقِ، وإما الجنسُ وهم داخلون تحته دخولاً أولياً، وتقديمُ المنافقين على الكافرين لتشديد الوعيدِ على المخاطبين ونصبُ جميعاً مثلُ ما قبله.
﴿ الذين يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى المؤمنين بتعديد بعضٍ آخرَ من جنايات المنافقين وقبائحِهم وهو إما بدلٌ من الذين يتخذون أو صفةٌ للمنافقين فقط إذ هم المتربصون دون الكافرين، أو مرفوعٌ أو منصوب على الذم أي ينتظرون أمرَكم وما يحدُث لكم من ظفَر أو إخفاقٍ، والفاء في قوله تعالى : ﴿ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ منَ الله ﴾ لترتيب مضمونِه على ما قبلها فإن حكايةَ تربُّصِهم مستتبعةٌ لحكاية ما يقع بعد ذلك كما أن نفس التربُّص يستدعي شيئاً ينتظر المتربَّصُ وقوعَه. ﴿ قَالُوا ﴾ أي لكم ﴿ أَلَمْ نَكُن معَكُمْ ﴾ أي مُظاهرين لكم فأسهموا لنا في الغنيمة ﴿ وَإِن كَانَ للكافرين نَصِيبٌ ﴾ من الحرب فإنها سِجالٌ ﴿ قَالُوا ﴾ أي للكفرة ﴿ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ﴾ أي ألم نغلِبْكم ونتمكنْ من قتلكم وأسرِكم فأبقَينا عليكم ﴿ وَنَمْنَعْكُمْ منَ المؤمنين ﴾ بأن ثبّطناهم عنكم وخيّلنا لهم ما ضَعُفَت به قلوبُهم ومرِضوا في قتالكم وتوانَينا في مظاهرتهم وإلا لكنتم نُهبةً للنوائب فهاتوا نصيباً لنا مما أصبتم، وتسميةُ ظفرِ المسلمين فتحاً وما للكافرين نصيباً لتعظيم شأنِ المسلمين وتحقيرِ حظِّ الكافرين، وقرئ ونمنعَكم بإضمار أن ﴿ فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة ﴾ حكماً يليق بشأن كلٍّ منكم من الثواب والعقاب، وأما في الدنيا فقد أُجريَ على من تفوه بكلمة الإسلام حُكمُه ولم يضع السيفَ على من تكلم بها نفاقاً ﴿ وَلَن يَجْعَلَ الله للكافرين عَلَى المؤمنين سَبِيلاً ﴾ حينئذ كما قد يجعل ذلك في الدنيا بطريق الابتلاءِ والاستدراجِ أو في الدنيا على أن المرادَ بالسبيل الحجة.
﴿ إِنَّ المنافقين يخادعون الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ كلام مبتدأٌ سيق لبيان طرفٍ آخرَ من قبائح أعمالِهم أي يفعلون ما يفعل المخادِعُ من إظهار الإيمانِ وإبطانِ نقيضِه والله فاعلٌ بهم ما يفعل الغالبُ في الخدّاع حيث تركهم في الدنيا معصومي الدماء والأموالِ وأعد لهم في الآخرة الدركَ الأسفلَ من النار، وقد مر التحقيقُ في صدر سورة البقرةِ، وقيل :يُعطَوْن على الصراط نوراً كما يعطى المؤمنون فيمضون بنورهم ثم يُطفأ نورُهم ويبقى نورُ المؤمنين فينادون انظُرونا نقتبِسْ من نوركم. ﴿ وإذا قَامُوا إلَى الصَّلاةِ قَامُوا كسالى ﴾ متثاقلين كالمكره على الفعل، وقرئ بفتح الكاف وهما جَمْعا كَسْلانَ ﴿ يُرَاءونَ الناس ﴾ ليحسَبوهم مؤمنين والمراءاةُ مفاعلة بمعنى التفعيل كنَعِم وناعم أو للمقابلة فإن المرائيَ يُري غيرَه عملَه وهو يُريه استحسانَه، والجملةُ إما استئنافٌ مبني على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل :فماذا يريدون بقيامهم إليها كُسالى ؟ فقيل :يراءون الخ، أو حالٌ من ضمير قاموا ﴿ وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ عطف على يراءون أي لا يذكرونه سبحانه إلا ذكراً قليلاً وهو ذكرُهم باللسان فإنه بالإضافة إلى الذكر بالقلب قليلٌ أو إلا زماناً قليلاً أو لا يصلّون إلا قليلاً لأنهم لا يصلّون إلا بمرأى من الناس وذلك قليلٌ، وقيل :لا يذكرونه تعالى في الصلاة إلا قليلاً عند التكبيرِ والتسليمِ.
﴿ مذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك ﴾ حال من فاعل يراءون أو منصوبٌ على الذمِّ وذلك إشارةٌ إلى الإيمان والكفرِ المدلولِ عليهما بمعونة المقامِ أي متردّدين بينهما متحيرين قد ذبذبهم الشيطانُ، وحقيقةُ المذبذبِ ما يُذَبّ ويُدفع عن كِلا الجانبين مرةً بعد أخرى، وقرئ بكسر الذالِ أي مذَبْذِبين قلوبَهم أو رأيَهم أو دينَهم أو بمعنى متذبذبين كما جاء صَلْصَل بمعنى تَصَلْصَل وفي مصحف ابن مسعودٍ رضي الله عنه متذبذبين وقرئ مدبدبين بالدال غير المعجمة وكأن المعنى أخذ بهم تارة في دُبَّةٍ أي طريقة وأخرى في أخرى. ﴿ لاَ إلى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء ﴾ أي لا منسوبين إلى المؤمنين ولا منسوبين إلى الكافرين أوْ لا صائرين إلى الأولين ولا إلى الآخَرين فمحلُّه النصبُ على أنه حالٌ من ضمير مذبذبين، أو على أنه بدلٌ منه أو بيانٌ وتفسيرٌ له ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله ﴾ لعدم استعدادِه للهداية والتوفيق ﴿ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾ موصِلاً إلى الحق والصواب فضلاً عن أن تهديَه إليه، والخطابُ لكل من يصلُح له كائناً من كان.
﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين ﴾ نُهوا عن موالاة الكفرةِ صريحاً وإن كان في بيان حالِ المنافقين زجرٌ عن ذلك مبالغةً في الزجر والتحذير ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً ﴾ أي أتريدون بذلك أن تجعلوا لله عليكم حجةً بيّنةً على أنكم منافقون فإن موالاتَهم أوضحُ أدلةِ النفاقِ أو سلطاناً يُسلِّط عليكم عقابَه. وتوجيهُ الإنكارِ إلى الإرادة دون متعلَّقِها بأن يقال :أتجعلون الخ، للمبالغة في إنكارِه وتهويلِ أمرِه ببيان أنه مما لا يصدُر عن العاقل إرادتُه فضلاً عن صدور نفسِه كما في قوله عز وجل : ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْألُوا رَسُولَكُمْ ﴾ [ البقرة، الآية ١٠٨ ].
﴿ إنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ﴾ وهو الطبقة التى في قعر جهنم، وإنما كان كذلك لأنهم أخبث الكفرة حيث ضموا إلى الكفر الاستهزاء بالإسلام وأهله وخداعهم وأما قوله عليه السلام «ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان » ونحوه فمن باب التشديد والتهديد والتغليظ مبالغة في الزجر، وتسمية طبقاتها السبع دركات لكونها متداركة متتابعة بعضها تحت بعض، وقرئ بفتح الراء وهو لغة كالسَّطْر والسطَر ويعضده أن جمعه أدراك ﴿ ولن تجد لهم نصيراً ﴾ يخلصهم منه والخطاب كما سبق.
﴿ إلا الذين تابوا ﴾ أي عن النفاق وهو استثناء من المنافقين بل من ضميرهم في الخبر ﴿ وأصلحوا ﴾ ما أفسدوا من أحوالهم في حال النفاق ﴿ واعتصموا بالله ﴾ أى وثقوا به وتمسكوا بدينه ﴿ وأخلصوا دينهم ﴾ أي جعلوه خالصاً ﴿ لله ﴾ لا يبتغون بطاعتهم إلا وجهه ﴿ فأولئك ﴾ إشاة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد المنزلة وعلوّ الطبقة ﴿ مع المؤمنين ﴾ أى المؤمنين المعهودين الذين لم يصدر عنهم نفاق أصلا منذ آمنوا وإلا فهم أيضاً مؤمنون أي معهم في الدرجات العالية من الجنة وقد بين ذلك قوله تعالى ﴿ وسوف يُؤت الله المؤمنين أجراً عظيماً ﴾ لا يقادر قدره فيساهمونهم فيه.
﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ﴾ استئناف مسوق لبيان أن مدار تعذيبهم وجوداً وعدماً إنما هو كفرهم لا يء آخر، فيكون مقرراً لما قبله من إثابتهم عند توبتهم، و﴿ ما ﴾ استفهامية مفيدةٌ للنفي على أبلغ وجه وآكده أي أيّ شيء يفعل الله سبحانه بتعذيبكم أيتشفّى به من الغيظ أم يدرك به الثأر أم يستجلب به نفعاً أم يستدفع به ضرراً ؟ كما هو شأن الملوك وهو الغنيّ المتعالي عن أمثال ذلك ؟ وإنما هو أمر يقتضيه كفركم فإذا زال ذلك بالإيمان والشكر انتفى التعذيب لا محالة، وتقديم الشكر على الإيمان لما أنه طريق موصل إليه فإنه يدرك أولا ما عليه من النعم الأنفسية والآفاقية فيشكر شكراً مبهماً ثم يترقى إلى معرفة المنعم فيؤمن به، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه ﴿ وكان الله شاكراً ﴾ الشكر من الله سبحانه هو الرضا باليسير من طاعة عباده وأضعاف الثواب بمقابلته ﴿ عليماً ﴾ مبالغاً في العلم بجميع المعلومات التي من جملتها شكركم وإيمانكم فيستحيل أن لا يوفيكم أجوركم.
﴿ لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول ﴾ عدمُ محبتِه تعالى لشيء كنايةٌ عن سَخَطه والباءُ متعلقةٌ بالجهر، ومِنْ بمحذوف وقع حالاً من السوء أي لا يحب الله تعالى أن يجهرَ أحدٌ بالسوء كائناً من القول ﴿ إلاَّ مَن ظُلمَ ﴾ أي إلا جهرَ مَن ظُلم بأن يدعُوَ على ظالمه أو يَتظلَّمَ منه ويذكرَه بما فيه من السوء فإن ذلك غيرُ مسخوط عنده سبحانه، وقيل :هو أن يبدأ بالشتيمة فيردَّ على الشاتم ﴿ وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ ﴾ [ الشورى، الآية ٤١ ]، وقيل :( ضافَ رجلٌ قوماً فلم يُطعِموه فاشتكاهم فعوتب على الشكاية فنزلت ). وقرئ إلا من ظَلَم على البناء للفاعل فالاستثناءُ منقطِعٌ أي ولكنِ الظالمُ يرتكب ما لا يُحبه الله تعالى فيجهر بالسوء ﴿ وَكَانَ الله سَمِيعاً ﴾ لجميع المسموعاتِ فيندرجُ فيها كلامُ المظلومِ والظالم ﴿ عَلِيماً ﴾ بجميع المعلوماتِ التي من جملتها حالُ المظلومِ والظالم، فالجملةُ تذييلٌ مقرِّرٌ لما يفيده الاستثناء.
﴿ إِن تُبْدُوا خَيْراً ﴾ أيَّ خيرٍ كان من الأقوال والأفعالِ ﴿ أَوْ تُخْفُوهْ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوء ﴾ مع ما سُوِّغ لكم من مؤاخذة المسيءِ والتنصيفِ عليه مع اندراجه في إبداء الخيرِ وإخفائه لما أنه الحقيقُ بالبيان، وإنما ذُكر إبداءُ الخير وإخفاؤه بطريق التسبيب له كما ينبئ عنه قوله عز وجل : ﴿ فَإِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً ﴾ فإن إيرادَه في معرِض جوابِ الشرطِ يدل على أن العُمدة هو العفوُ مع القدرة أي كان مبالِغاً في العفو مع كمال قدرتِه على المؤاخذة. وقال الحسن :يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسُنة الله تعالى، وقال الكلبي :هو أقدر على عفو ذنوبِكم منكم على عفو ذنوبِ مَنْ ظلمكم، وقيل :عفُوّاً عمن عفا قديراً على إيصال الثوابِ إليه.
﴿ إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بالله وَرُسُلِهِ ﴾ أي يؤدِّي إليه مذهبُهم ويقتضيه رأيُهم لا أنهم يصرِّحون بذلك كما ينبئ عنه قولُه تعالى : ﴿ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُوا بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ ﴾ أي بأن يؤمنوا به تعالى ويكفُروا بهم لكن لا بأن يصرِّحوا بالإيمان به تعالى وبالكفر بهم قاطبةً بل بطريق الاستلزامِ كما يحكيه قوله تعالى : ﴿ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ أي نؤمن ببعض الأنبياءِ ونكفُر ببعضهم كما قالت اليهودُ بموسى والتوراةِ وعزيرٍ، ونكفر بما وراء ذلك وما ذاك إلا كفرٌ بالله تعالى ورسُلِه وتفريقٌ بين الله تعالى ورسُله في الإيمان لأنه تعالى قد أمرهم بالإيمان بجميع الأنبياءِ عليهم السلام وما من نبيَ من الأنبياء إلا وقد أخبر قومَه بحقية دينِ نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم وعليهم أجمعين، فمن كفر بواحد منهم فقد كفر بالكل وبالله تعالى أيضاً من حيث لا يحتسب ﴿ وَيُرِيدُونَ ﴾ بقولهم ذلك ﴿ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلك ﴾ أي بين الإيمان والكفرِ ﴿ سَبِيلاً ﴾ يسلُكونه مع أنه لا واسطةَ بينهما قطعاً إذِ الحقُّ لا يتعدد وماذا بعد الحقِّ إلا الضلال.
﴿ أولئك ﴾ الموصوفون بالصفات القبيحةِ ﴿ هُمُ الكافرون ﴾ الكاملون في الكفر لا عبرةَ بما يدّعونه ويسمونه إيماناً أصلاً ﴿ حَقّاً ﴾ مصدرٌ مؤكدٌ لمضمون الجملةِ أي حَقَّ ذلك أي كونُهم كاملين في الكفر حقاً، أو صفةٌ لمصدر الكافرين أي هم الذين كفروا كفراً حقاً أي ثابتاً يقيناً لا ريب فيه ﴿ وَأَعْتَدْنَا للكافرين ﴾ أي لهم وإنما وُضع المُظهرُ مكان المُضمرِ ذماً لهم وتذكيراً لوصفهم أو لجميع الكافرين وهم داخلون في زُمرتهم دخولاً أولياً ﴿ عَذَاباً مهِيناً ﴾ سيذوقونه عند حُلولِه.
﴿ والذين آمَنُوا بالله وَرُسُلِهِ ﴾ أي على الوجه الذي بُيّن في تفسير قولِه تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُوا آمِنُوا بالله وَرَسُولِهِ ﴾ [ النساء، الآية ١٣٦ ] الآية، ﴿ وَلَمْ يُفَرّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ﴾ بأن يؤمنوا ببعضهم ويكفروا بآخَرين كما فعله الكفرة، ودخولُ ﴿ بَيْنَ ﴾ على أحد قد مر تحقيقه في سورة البقرة بما لا مزيدَ عليه ﴿ أولئك ﴾ المنعوتون بالنعوت الجليلةِ المذكورةِ ﴿ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ﴾ الموعودةَ لهم وتصديرُه بسوف لتأكيد الوعدِ والدلالةِ على أنه كائنٌ لا محالةَ وإنْ تراخى، وقرئ نُؤتيهم بنون العظمة ﴿ وَكَانَ الله غَفُوراً ﴾ لما فرَط منهم ﴿ رَحِيماً ﴾ مبالغاً في الرحمة بتضعيف حسناتِهم.
﴿ يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كتابا منَ السماء ﴾ نزلت ( في أحبار اليهودِ حين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم :إن كنت نبياً فأتِنا بكتاب من السماء جملةً كما أتى به موسى عليه الصلاة والسلام ) وقيل :كتاباً محرَّراً بخطٍّ سماويٍّ على اللوح كما نزلت التوراةُ، أو كتاباً نُعايِنُه حين يَنزِل، أوْ كتاباً إلينا بأعياننا بأنك رسولُ الله، وما كان مقصِدُهم بهذه العظيمة إلا التحكمَ والتعنّتَ. قال الحسنُ :ولو سألوه لكي يتبيَّنوا الحقَّ لأعطاهم وفيما آتاهم كفاية ﴿ فَقَدْ سَأَلُوا موسى أَكْبَرَ مِن ذلك ﴾ جوابُ شرطٍ مقدّر، أي إن استكبرتَ ما سألوه منك فقد سألوا موسى شيئاً أكبرَ منه، وقيل :تعليلٌ للجواب أي فلا تُبالِ بسؤالهم فقد سألوا موسى أكبرَ منه، وهذه المسألةُ وإن صدَرت عن أسلافهم لكنهم لما كانوا مقتدين بهم في كل ما يأتون وما يذرون أُسنِدت إليهم، والمعنى أن لهم في ذلك عِرْقاً راسخاً وأن ما اقترحوه عليك ليس أولَ جهالاتِهم ﴿ فَقَالُوا أَرِنَا الله جَهْرَةً ﴾ أي أرِناه نَرَهُ جهرةً أي عِياناً أو مجاهرين معاينين له، والفاءُ تفسيريةٌ ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة ﴾ أي النارُ التي جاءتهم من السماء فأهلكتهم، وقرئ الصعقةُ ﴿ بِظُلْمِهِمْ ﴾ أي بسبب ظلمِهم وهو تعنتُهم وسؤالُهم لما يستحيل في تلك الحالةِ التي كانوا عليها، وذلك لا يقتضي امتناعَ الرؤيةِ مطلقاً ﴿ ثُمَّ اتخذوا العجل مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات ﴾ أي المعجزاتِ التي أظهرها لفرعون من العصا واليدِ البيضاءِ وفلْقِ البحر وغيرِها، لا التوراةُ، لأنها لم تنزلْ عليهم بعد ﴿ فَعَفَوْنَا عَن ذلك ﴾ ولم نستأصِلْهم وكانوا أحقاءَ به. قيل :هذا استدعاءٌ لهم إلى التوبة كأنه قيل :إن أولئك الذين أجرموا تابوا فعفونا عنهم فتوبوا أنتم أيضاً حتى نعفوَ عنكم. ﴿ وآتينا موسى سلطانا مبيناً ﴾ سلطاناً ظاهراً حيث أمرهم بأن يقتُلوا أنفسَهم توبةً عن معصيتهم.
﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطور بميثاقهم ﴾ أي بسبب ميثاقِهم ليُعطوه على ما روي أنهم هموا بنقضه فرفع الله تعالى عليهم الجبلَ فجاؤوا وأقلعوا عن النقض وهو الأنسبُ بما سيأتي من قوله عز وجل : ﴿ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غَلِيظاً ﴾ [ الأحزاب :٩، والنساء :١٥٤ ] ﴿ وَقُلْنَا لَهُمُ ﴾ على لسان موسى عليه السلام والطورُ يظلِّلهم ﴿ ادخلوا الباب ﴾ قال قتادة :كنا نحدَّث أنه بابٌ من أبواب بيتِ المقدس، وقيل :هو إيليا، وقيل :هو أريحا، وقيل :هو اسمُ قريةٍ، وقيل :بابُ القُبةِ التي كانوا يصلون إليها فإنهم لم يدخُلوا بيتَ المقدسِ في حياة موسى عليه السلام ﴿ سُجَّدًا ﴾ أي متطامنين خاضعين ﴿ وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُوا ﴾ أي لا تظلِموا باصطياد الحيتانِ ﴿ في السبت ﴾ وقرئ لا تعتدوا ولا تعَدّوا بفتح العين وتشديد الدال على أن أصله تعتدوا فأدغمت التاءُ في الدال لتقاربهما في المخرج بعد نقل حركتها إلى العين ﴿ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ﴾ على الامتثال بما كلّفوه ﴿ ميثاقا غَلِيظاً ﴾ مؤكداً وهو العهدُ الذي أخذه الله عليهم في التوراة، قيل :إنهم أعطَوا الميثاقَ على أنهم إن همّوا بالرجوع عن الدين فالله تعالى يعذِّبهم بأي أنواع العذاب أراد.
﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم ﴾ ما مزيدةٌ للتأكيد أو نكرةٌ تامةٌ ونقضُهم بدلٌ منها والباءُ متعلقةٌ بفعل محذوفٍ أي فسبب نقضِهم ميثاقَهم ذلك فعلْنا بهم ما فعلنا من اللعن والمسخِ وغيرِهما من العقوبات النازلةِ عليهم أو على أعقابهم. روي أنهم اعتَدَوا في السبت في عهد داودَ عليه السلام فلُعنوا ومُسِخوا قِردةً، وقيل :متعلقةٌ بحَرَّمْنا على أن قوله تعالى : ﴿ فَبِظُلْم ﴾ [ النساء :١٥٣ ] بدل من قوله تعالى : ﴿ فَبِمَا ﴾ وما عطف عليه فيكون التحريمُ معلّلاً بالكل، ولا يخفى أن قولَهم :إنا قتلنا المسيحَ وقولَهم على مريمَ البهتانُ متأخرٌ عن التحريم ولا مساغ لتعلّقها بما دل عليه قوله تعالى : ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾ [ النساء :١٥٥ ] لأنه رد لقولهم : ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ [ النساء، ١٥٥ ] فيكون من صلة قولِه تعالى : ﴿ وَقَوْلِهِمْ ﴾ المعطوفِ على المجرور فلا يعمل في جاره ﴿ وَكُفْرِهِم بآيات الله ﴾ أي بالقرآن أو بما في كتابهم ﴿ وَقَتْلِهِمُ الأنبياء بِغَيْرِ حَقّ ﴾ كزكريا ويحيى عليهما السلام ﴿ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ جمعُ أغلفَ أي هي مغشاةٌ بأغشية جِبِلِّيةٍ لا يكاد يصل إليها ما جاء به محمدٌ صلى الله عليه وسلم أو هو تخفيفُ غُلُفٌ جمع غِلاف أي هي أوعيةٌ للعلوم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره قاله ابن عباس وعطاء، وقال الكلبي :يعنون أن قلوبَنا بحيث لا يصل إليها حديثٌ إلا وعتْه ولو كان في حديثك خيرٌ لوعتْه أيضاً ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾ كلامٌ معترِضٌ بين المعطوفَين جيء به على وجه الاستطرادِ مسارعةً إلى رد زعمِهم الفاسدِ أي ليس كفرُهم وعدمُ وصولِ الحقِّ إلى قلوبهم لكونها غُلفاً بحسب الجِبِلّة بل الأمرُ بالعكس حيث ختم الله عليها بسبب كفرهم أو ليست قلوبُهم كما زعموا بل هي مطبوعٌ عليها بسبب كفرِهم ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ منهم كعبد اللَّهِ بن سلام وأضرابِه أو إلا إيماناً قليلاً لا يُعبأ به.
﴿ وَبِكُفْرِهِمْ ﴾ أي بعيسى عليه السلام، وهو عطفٌ على ﴿ قولهم ﴾ وإعادةُ الجارِّ لطول ما بينهما بالاستطراد، وقد جُوِّز عطفُه على بكفرهم فيكون هو وما عُطف عليه من أسباب الطبعِ، وقيل :هذا المجموعُ معطوفٌ على مجموع ما قبلَه، وتكريرُ ذكر الكفرِ للإيذان بتكرُّر كفرِهم حيث كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد عليهم الصلاة والسلام ﴿ وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بهتانا عَظِيماً ﴾ لا يقادَر قدرُه حيث نسبوها إلى ما هي عنه بألف منزل.
﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ الله ﴾ نظمُ قولِهم هذا في سلك جناياتِهم التي نُعيت عليهم ليس لمجرد كونِه كذباً بل لتضمُّنه لابتهاجهم بقتل النبيِّ عليه السلام والاستهزاءِ به فإن وصفَهم له عليه السلام بعنوان الرسالةِ إنما هو بطريق التهكّم به عليه السلام كما في قوله تعالى : ﴿ وَقَالُوا يا أَيُّهَا الذي نُزّلَ عَلَيْهِ الذّكرُ ﴾ [ الحجر، الآية ٦ ] الخ، ولإنبائه عن ذكرهم له عليه السلام بالوجه القبيحِ على ما قيل من أن ذلك وُضِع للذكر الجميلِ من جهته تعالى مدحاً له ورفعاً لمحله عليه السلام، وإظهاراً لغاية جَراءتِهم في تصدِّيهم لقتله ونهايةِ وقاحتِهم في افتخارهم بذلك ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ﴾ حالٌ أو اعتراض. ﴿ ولكن شُبّهَ لَهُمْ ﴾ ( رُوي أن رهطاً من اليهود سبُّوه عليه السلام وأُمَّه فدعا عليهم فمسخهم الله تعالى قردةً وخنازيرَ فأجمعت اليهودُ على قتله فأخبره الله تعالى بأنه سيرفعه إلى السماء فقال لأصحابه :أيُّكم يرضى بأن يُلقى عليه شبَهي فيُقتلَ ويصْلَبَ ويدخُلَ الجنة ؟ فقال رجل منهم :أنا، فألقَى الله تعالى عليه شبَهَه فقتل وصُلب )، وقيل :كان رجل ينافق عيسى عليه السلام فلما أرادوا قتلَه قال :أنا أدلُّكم عليه فدخل بيتَ عيسى عليه السلام فرُفعَ عيسى عليه السلام وأُلقي شبَهُه على المنافق فدخلوا عليه وقتلوه وهم يظنون أنه عيسى عليه السلام. وقيل :إن ططيانوسَ اليهوديَّ دخل بيتاً كان هو فيه فلم يجده وألقى الله تعالى عليه شبَهه فلما خرج ظُن أنه عيسى عليه السلام فأُخذ وقُتل، وأمثالُ هذه الخوارقِ لا تستبعد في عصر النبوةِ، وقيل :إن اليهودَ لما همّوا بقتله عليه السلام فرفعه الله تعالى إلى السماء خاف رؤساءُ اليهودِ من وقوع الفتنةِ بين عوامِّهم فأخذوا إنساناً وقتلوه وصلبوه ولبّسوا على الناس وأظهروا لهم أنه هو المسيحُ وما كانوا يعرفونه إلا بالاسم لعدم مخالطتِه عليه السلام لهم إلا قليلاً، وشُبّه مسندٌ إلى الجار والمجرور كأنه قيل :ولكن وقع لهم التشبيهُ بين عيسى عليه السلام والمقتولِ، أو في الأمر على قول من قال :لم يُقتَلْ أحدٌ ولكنِ أُرجِفَ بقتله فشاع بين الناسِ، أو إلى ضمير المقتولِ لدِلالة ﴿ إِنَّا قَتَلْنَا ﴾ [ النساء، الآية :١٥٧ ] على أن ثمَّ مقتولاً. ﴿ وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ ﴾ أي في شأن عيسى عليه السلام فإنه لما وقعت تلك الواقعةُ اختلف الناسُ فقال بعضُ اليهودِ :إنه كان كاذباً فقتلناه حتماً، وتردد آخرون فقال بعضُهم :إن كان عيسى فأين صاحبُنا، وقال بعضُهم :الوجهُ وجهُ عيسى والبدنُ بدنُ صاحبِنا، وقال مَنْ سمِع منه عليه السلام إن الله يرفعني إلى السماء :إن رُفع إلى السماء، وقال قوم :صُلب الناسوتُ وصعِدَ اللاهوت [ وقد مر ] ﴿ لَفي شَكّ منهُ ﴾ لفي تردد، والشكُ كما يطلق على ما لم يترجح أحدُ طرفيه يُطلق على مطلق الترددِ وعلى ما يقابل العلم ولذلك أكد بقوله تعالى : ﴿ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن ﴾ استثناءٌ منقطعٌ أي لكنهم يتبعون الظن، ويجوز أن يفسَّر الشكُ بالجهل والعلمُ بالاعتقاد الذي تسكن إليه النفسُ جزماً كان أو غيرَه فالاستثناءُ حينئذ متصلٌ ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً ﴾ أي قتلاً يقيناً كما زعموا بقولهم :إنا قتلنا المسيحَ، وقيل :معناه وما علموه يقيناً كما في قول من قال :
كذاك تُخبِرُ عنها العالماتُ بها وقد قَتَلْتُ بعلمي ذلكم يقَنا
من قولهم :قتلتُ الشيءَ علماً ونحَرتُه علماً إذا تَبالغَ علمُك فيه، وفيه تهكمٌ بهم لإشعاره بعلمهم في الجملة وقد نُفيَ ذلك عنهم بالكلية.
﴿ بَل رَفَعَهُ الله إِلَيْهِ ﴾ ردٌّ وإنكارٌ لزعمهم قتلَه وإثباتٌ لرفعه ﴿ وَكَانَ الله عَزِيزاً ﴾ لا يغالَب فيما يريده ﴿ حَكِيماً ﴾ في جميع أفعالِه فيدخُل فيها تدبيراتُه تعالى في أمر عيسى عليه السلام دخولاً أولياً.
﴿ وَإِن منْ أَهْلِ الكتاب ﴾ أي من اليهود والنصارى، وقوله تعالى : ﴿ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ جملةٌ قَسَمية وقعت صفةً لموصوف محذوفٍ إليه يرجع الضميرُ الثاني والأول لعيسى عليه السلام، أي وما من أهل الكتاب أحدٌ إلا ليؤمِنَنّ بعيسى عليه السلام -قبل أن تَزهَقَ روحُه- بأنه عبدُ الله ورسولُه ولاتَ حينَ إيمانٍ لانقطاع وقتِ التكليفِ، ويعضُده أنه قرئ ليؤمِنُنّ به قبل موتهم بضم النون لِما أن أحداً في معنى الجمعِ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ( أنه فسّره كذلك فقال له عِكرِمة :فإن أتاه رجلٌ فضَرَبَ عُنقَه ؟ قال :لا تخرُجُ نفسُه حتى يُحرِّك بها شفتيه. قال :فإن خرَّ من فوق بيت أو احترق أو أكله سبُعٌ ؟ قال :يتكلم بها في الهواء ولا تخرُجُ روحُه حتى يؤمِنَ به ). وعن شهرِ بنِ حَوْشبَ ( قال لي الحجاج :آيةٌ ما قرأتُها إلا تَخالَج في نفسي شيءٌ منها يعني هذه الآيةَ، وقال :إني أوتى بالأسير من اليهود والنصارى فأضربُ عُنقَه فلا أسمعُ منه ذلك، فقلت :إن اليهوديَّ إذا حضره الموتُ ضربت الملائكةُ دُبُرَه ووجهَه وقالوا :يا عدوَّ الله أتاك عيسى عليه السلام نبياً فكذبتَ به، فيقول :آمنتُ أنه عبدٌ نبيٌّ، وتقول للنصراني :أتاك عيسى عليه السلام نبياً فزعمتَ أنه الله أو ابنُ الله فيؤمنُ أنه عبدُ الله ورسولُه حيث لا ينفعه إيمانُه، قال :وكان متكئاً فاستوى جالساً فنظر إليَّ وقال :ممن سمعتَ هذا ؟ قلت :حدثني محمدُ بنُ عليٍّ بنِ الحنفيةِ فأخذ ينكُث الأرضَ بقضيبه ثم قال :لقد أخذتُها من عين صافية )، والإخبارُ بحالهم هذه وعيدٌ لهم وتحريضٌ على المسارعة إلى الإيمان به قبل أن يُضْطروا إليه مع انتفاء جدواه، وقيل :كلا الضميرين لعيسى، والمعنى وما من أهل الكتابِ الموجودين عند نزولِ عيسى عليه السلام أحدٌ إلا ليؤمِنَنّ به قبل موته. رُوي ( أنه عليه السلام ينزِلُ من السماء في آخر الزمانِ فلا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب إلا يؤمنُ به حتى تكونَ الملةُ واحدةً وهي ملةُ الإسلام، ويُهلك الله في زمانه الدجالَ وتقعُ الأمنة حتى ترتعَ الأسودُ مع الإبلِ والنمورُ مع البقر، والذئابُ مع الغنمِ ويلعب الصبيانُ بالحيّاتِ ويلبث في الأرض أربعين سنةً ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفِنونه )، وقيل :الضميرُ الأولُ يرجِعُ إلى الله تعالى، وقيل :إلى محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَيَوْمَ القيامة يَكُونُ ﴾ أي عيسى عليه السلام ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ على أهل الكتاب ﴿ شَهِيداً ﴾ فيشهد على اليهود بالتكذيب وعلى النصارى بأنهم دعَوْه ابنَ الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
﴿ فَبِظُلْمٍ منَ الذين هَادُوا ﴾ لعل ذكرَهم بهذا العنوانِ للإيذان بكمالِ عِظَمِ ظلمهم بتذكير وقوعِه بعد ما هادُوا أي تابوا من عبادة العجلِ مثلَ تلك التوبةِ الهائلةِ المشروطةِ ببخْع النفوسِ إثرَ بيانِ عِظَمِه في حد ذاتِه بالتنوين التفخيميِّ، أي بسبب ظلمٍ عظيمٍ خارجٍ عن حدود الأشباهِ والأشكالِ صادرٍ عنهم ﴿ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ ولِمن قبلَهم لا بشيء غيرِه كما زعموا فإنهم كانوا كلما ارتكبوا معصيةً من المعاصي التي اقترفوها يُحرَّم عليهم نوعٌ من الطيبات التي كانت محلَّلةً لهم ولمن تقدّمهم من أسلافهم عُقوبةً لهم، وكانوا مع ذلك يفترون على الله سبحانه [ الكذب ] ويقولون :لسنا بأولِ مَنْ حُرّمت عليه وإنما كانت محرمةً على نوح وإبراهيمَ ومَنْ بعدهم حتى انتهى الأمرُ إلينا فكذبهم الله عز وجل في مواقعَ كثيرةٍ وبكّتهم بقوله تعالى : ﴿ كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِي إسرائيل إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسرائيل على نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة فاتلوها إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ [ آل عمران، الآية ٩٣ ] أي في ادعائكم أنه تحريم قديم. روي أنه عليه السلام لما كلفهم إخراجَ التوراةِ لم يجسُرْ أحدٌ على إخراجها لِما أن كونَ التحريمِ بظلمهم كان مسطوراً فيها فبُهتوا وانقلبوا صاغرين ﴿ وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ الله كَثِيراً ﴾ أي ناساً كثيراً أو صداً كثيراً.
﴿ وَأَخْذِهِمُ الربا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ ﴾ فإن الربا كان محرَّماً عليهم كما هو محرَّمٌ علينا، وفيه دليلٌ على أن النهيَ يدل على حرمة المنهيِّ عنه ﴿ وَأَكْلِهِمْ أموال الناس بالباطل ﴾ بالرّشوة وسائرِ الوجوهِ المحرَّمةِ ﴿ وَأَعْتَدْنَا للكافرين مِنْهُمْ ﴾ أي للمُصِرِّين على الكفر لا لمن تاب وآمن من بينهم ﴿ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ سيذوقونه في الآخرة كما ذاقوا في الدنيا عقوبةَ التحريم.
﴿ لكن الراسخون في العلم مِنْهُمْ ﴾ استدراكٌ من قوله تعالى : ﴿ وَأَعْتَدْنَا ﴾ الخ، وبيانٌ لكون بعضِهم على خلاف حالِهم عاجلاً وآجلاً أي لكن الثابتون في العلم منهم المُتقِنون المستبصِرون فيه غيرُ التابعين للظن كأولئك الجَهَلة والمرادُ بهم عبدُ اللَّهِ بنُ سلام وأصحابُه ﴿ والمؤمنون ﴾ أي منهم وُصفوا بالإيمان بعدما وُصِفوا بما يوجبُه من الرسوخ في العلم بطريق العطفِ المنبئ عن المغايرة بين المعطوفَين تنزيلاً للاختلاف العنواني منزلةَ الاختلافِ الذاتي، وقوله تعالى : ﴿ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ حالٌ من المؤمنين مبيِّنةٌ لكيفية إيمانِهم، وقيل :اعتراضٌ مؤكدٌ لما قبله، وقوله عز وجل : ﴿ والمقيمين الصلاة ﴾ قيل :نُصب بإضمار فعلٍ تقديرُه وأعني المقيمين الصلاةَ على أن الجملةَ معترضةٌ بين المبتدأ والخبر، وقيل :هو عطفٌ على ما أُنزل إليك على أن المرادَ بهم الأنبياءُ عليهم السلام أي يؤمنون بالكتب وبالأنبياء أو الملائكة. قال مكي :أي ويؤمنون بالملائكة الذين صِفتُهم إقامةُ الصلاةِ لقوله تعالى : ﴿ يُسَبّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ ﴾ [ الأنبياء، الآية ٢٠ ] وقيل :عطفٌ على الكاف في إليك أي يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاةَ وهم الأنبياءُ، وقيل :على الضمير المجرورِ في منهم أي لكنِ الراسخون في العلم منهم ومِن المقيمين الصلاةَ، وقرئ بالرفع على أنه معطوفٌ على المؤمنون بناءً على ما مر من تنزيل التغايُرِ العنوانيِّ منزلة التغايُر الذاتيِّ وكذا الحالُ فيما سيأتي من المعطوفَين فإن قوله تعالى : ﴿ والمؤتون الزكاة ﴾ عطفٌ على المؤمنون مع اتحاد الكلِّ ذاتاً، وكذا الكلامُ في قوله تعالى : ﴿ والمؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ فإن المرادَ بالكل مؤمنوا أهلِ الكتابِ قد وُصِفوا أولاً بكونهم راسِخين في علم الكتابِ إيذاناً بأن ذلك موجبٌ للإيمان حتماً وأن مَنْ عداهم إنما بقُوا مُصرِّين على الكفر لعدم رسوخِهم فيه ثم بكونهم مؤمنين بجميع الكتبِ المنزلةِ على الأنبياء ثم بكونهم عاملين بما فيها من الشرائع والأحكامِ، واكتُفي من بينها بذكر إقامةِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ المستتبعين لسائر العباداتِ البدنيةِ والماليةِ ثم بكونهم مؤمنين بالمبدأ والمعادِ تحقيقاً لحيازتهم الإيمانَ بفطرته وإحاطتِهم به من طرفيه وتعريضاً بأن مَنْ عداهم من أهل الكتابِ ليسوا بمؤمنين بواحد منهما حقيقةً فإنهم مشركون بالله سبحانه بقولهم :عزيرٌ ابنُ الله، وبقولهم :لن تمسنا النارُ إلا أياماً معدودةً كافرون باليوم الآخِرِ، وقولُه تعالى : ﴿ أولئك ﴾ إشارةٌ إليهم باعتبار اتصافِهم بما عُدِّد من الصفات الجميلةِ، وما فيه من معنى البُعدِ للإشعار بعلو درجتِهم وبُعدِ منزلتِهم في الفضل، وهو مبتدأ وقوله تعالى : ﴿ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ﴾ خبرُه، والجملةُ خبرٌ للمبتدأ الذي هو الراسخون وما عطف عليه، والسينُ لتأكيد الوعدِ، وتنكيرُ الأجرِ للتفخيم وهذا أنسبُ بتجاوُبِ طرَفي الاستدراكِ حيث أُوعِد الأولون بالعذاب الأليم ووُعِد الآخَرون بالأجر العظيم، كأنه قيل إثر قولِه تعالى : ﴿ وَأَعْتَدْنَا للكافرين مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ [ النساء، الآية :١٦١ ] لكنِ المؤمنون منهم سنؤتهم أجراً عظيماً. وأما ما جنَح إليه الجمهورُ من جعل قوله تعالى : ﴿ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ [ البقرة، الآية ٤ ] الخ، خبراً للمبتدأ ففي كمالِ السَّداد أنه غيرُ متعرِّض لتقابُلِ الطرفين وقرئ سيؤتيهم بالياء مراعاةً لظاهر قولِه تعالى : ﴿ والمؤمنون بالله ﴾.
﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ والنبيين مِن بَعْدِهِ ﴾ جوابٌ لأهل الكتابِ عن سؤالهم رسولَ الله عليه الصلاة والسلام أن ينزلَ عليهم كتاباً من السماء، واحتجاجٌ عليهم بأنه ليس بِدْعاً من الرسل وإنما شأنُه في حقيقة الإرسالِ وأصلِ الوحي كشأن سائرِ مشاهيرِ الأنبياءِ الذين لا ريب لأحد في نبوَّتهم، والكافُ في محل نصبٍ على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي إيحاءً مثلَ إيحائِنا إلى نوح، أو على أنه حالٌ من ذلك المصدرِ المقدر معرّفاً كما هو رأيُ سيبويهِ أي أوحينا الايحاءَ حال كونِه مشبهاً لإيحائنا الخ، ومن بعدِه متعلقٌ بأوحينا وإنما بُدىء بذكر نوحٍ لأنه أبو البشر وأولُ نبيّ شرَع الله تعالى على لسانه الشرائعَ والأحكامَ وأولُ نبيَ عُذّبت أمتُه لردهم دعوتَه وقد أهلك الله بدعائه أهلَ الأرضِ ﴿ وَأَوْحَيْنَا إلى إبراهيم ﴾ عطفٌ على أوحينا إلى نوح داخلٌ معه في حكم التشبيهِ أي وكما أوحينا إلى إبراهيم ﴿ وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَالاسْبَاط ﴾ وهم أولادُ يعقوبَ عليهم السلام ﴿ وعيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وهارون وسليمان ﴾ خُصوا بالذكر مع ظهور انتظامِهم في سلك النبيين تشريفاً لهم وإظهاراً لفضلهم كما في قوله تعالى : ﴿ مَن كَانَ عَدُو الله وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال ﴾ [ البقرة، الآية ٩٨ ] وتصريحاً بمن ينتمي إليهم اليهودُ من الأنبياء، وتكريرُ الفعلِ لمزيد تقريرِ الإيحاء والتنبيهِ على أنهم طائفةٌ خاصةٌ مستقلةٌ بنوع مخصوصٍ من الوحي. ﴿ وَآتَيْنَا دَاوُودُ زَبُوراً ﴾ قال القرطبي :كان فيه مائةٌ وخمسون سورةً ليس فيها حكم من الأحكام وإنما هي حِكَمٌ ومواعظُ وتحميدٌ وتمجيدٌ وثناءٌ على الله تعالى، وقرئ بضم الزاءِ وهو جمعُ زِبْرٍ بمعنى مزبور، والجملةُ عطف على أوحينا داخلٌ في حكمه لأن إيتاءَ الزبورِ من باب الإيحاءِ أي وكما آتينا داودَ زبوراً، وإيثارُه على أَوْحَيْنَا إلى دَاوُود لتحقيق المماثلة في أمر خاصٍّ هو إيتاءُ الكتابِ بعد تحقيقِها في مطلق الإيحاء.
ثم أشير إلى تحقيقها في أمر لازمٍ لهما لزوماً كلياً وهو الإرسالُ فإن قوله تعالى : ﴿ وَرُسُلاً ﴾ نُصب بمضمر يدل عليه أوحينا معطوفٍ عليه داخلٍ معه في حُكم التشبيهِ كما قبله أي وكما أرسلنا رسلاً لا بما يفسِّره قولُه تعالى : ﴿ قَدْ قصصناهم عَلَيْكَ ﴾ أي وقصصنا رسلاً كما قالوا وفرّعوا عليه أن قولَه تعالى : ﴿ قَدْ قصصناهم ﴾ على الوجه الأول منصوبٌ على أنه صفةٌ لرسلاً وعلى الوجه الثاني لا محل له من الإعراب فإنه مما لا سبيلَ إليه كما ستقف عليه، وقرئ برفع رسلٌ وقولُه تعالى : ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ متعلقٌ بقصصنا أي قصصنا من قبلِ هذه السورةِ أو اليوم. ﴿ وَرُسُلاً لمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ﴾ عطفٌ على رسلاً منصوبٌ بناصبه، وقيل :كلاهما منصوبٌ بنزع الخافضِ والتقديرُ كما أوحينا إلى نوحٍ وإلى رسل الخ، والحقُّ أن يكون انتصابُهما بأرسلنا فإن فيه تحقيقاً للمماثلة بين شأنِه عليه الصلاةُ والسلام وبين شؤونِ من يعترفون بنبوته من الأنبياء عليهم السلام في مطلق الإيحاءِ ثم إيتاءِ الكتابِ ثم في الإرسال، فإن قوله تعالى : ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ [ النساء، الآية :١٦٢ ] منتظِمٌ لمعنى آتيناك وأرسلناك حتماً، كأنه قيل :إنا أوحينا إليك إيحاءً مثلَ ما أوحينا إلى نوح ومثلَ ما أوحينا إلى إبراهيمَ ومَنْ بعده، وآتيناك الفرقانَ إيتاءً مثلَ ما آتينا داودَ زبوراً وأرسلناك إرسالاً مثلَ ما أرسلنا رسلاً قد قصصناهم عليك من قبلُ ورسلاً آخَرين لم نقصُصْهم عليك من غير تفاوتٍ بينك وبينهم في حقيقة الإيحاءِ، وأصلِ الإرسالِ، فما للكفرة يسألونك شيئاً لم يُعطَه أحدٌ من هؤلاء الرسلِ عليهم السلام ؟ ومن هاهنا اتضح أن رسلاً لا يمكن نصبُه بقصصنا فإن ناصبَه يجب أن يكون معطوفاً على أوحينا داخلاً معه في حُكم التشبيهِ الذي يدور فلَكُ الاحتجاجِ على الكفرة ولا ريب في أن قصصنا لا تعلُّقَ له بشيء من الإيحاء والإيتاءِ حتى يمكنَ اعتبارُه في ضمن قولِه تعالى : ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ ثم يعتبرُ بينه وبين المذكورِ مماثلةٌ مصحِّحةٌ للتشبيه على أن تقديرَه في رسلاً الأوّلِ يقتضي تقديرَ نفيِه في الثاني وذلك أشدُّ استحالةً وأظهرُ بطلاناً. ﴿ وَكَلَّمَ الله موسى ﴾ برفع الجلالةِ ونصبِ موسى، وقرئ على القلب، وقوله تعالى : ﴿ تَكْلِيماً ﴾ مصدرٌ مؤكدٌ رافعٌ لاحتمال المجازِ. قال الفراء :العربُ تسمِّي ما وصل إلى الإنسان كلاماً بأي طريقٍ وصل ما لم يؤكَّدْ بالمصدر فإذا أُكّد به لم يكنْ إلا حقيقةُ الكلامِ، والجملةُ إما معطوفةٌ على قوله تعالى : ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ [ النساء، الآية :١٦٣ ] عطفَ القصةِ على القصة لا على آتينا وما عطف عليه، وإما حالٌ بتقدير قد كما ينبئ عنه تغييرُ الأسلوبِ بالالتفات، والمعنى أن التكليمَ بغير واسطةٍ منتهى مراتبِ الوحي خُصَّ به موسى من بينهم فلم يكن ذلك قادحاً في نبوة سائرِ الأنبياءِ عليهم السلام فكيف يُتوهّم كونُ نزولِ التوراة عليه عليه السلام –جملةً- قادحاً في صحة نبوةِ من أنزل عليه الكتابُ مفصلاً مع ظهور أن نزولَها كذلك لحِكَمٍ مقتضيةٍ لذلك من جملتها أن بني إسرائيلَ كانوا في العِناد وشدةِ الشكيمة بحيث لو لم يكن نزولُها كذلك لما آمنوا بها، ومع ذلك ما آمنوا بها إلا بعد اللّتيا والتي وقد فضل الله تعالى نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم بأن أعطاه مثلَ ما أعطى كلَّ واحدٍ منهم صلى الله عليهم وسلم تسليماً كثيراً.
﴿ رُسُلاً مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾ نُصب على المدح أو بإضمار أرسلنا أو على الحال بأن يكون رسلاً موطئاً لما بعده أو على البدلية من رُسلاً الأولِ أي مبشرين لأهل الطاعةِ بالجنة ونذرين للعُصاة بالنار، ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ ﴾ أي مَعذرةٌ يعتذرون بها قائلين :لولا أرسلتَ إلينا رسولاً فيبينَ لنا شرائعَك ويُعلّمنا ما لم نكن نعلم من أحكامك، لقصور القوةِ البشريةِ عن إدراك جزئياتِ المصالحِ وعجْزِ أكثرِ الناسِ عن إدراك كلياتِها كما في قوله عز وجل : ﴿ وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ من قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتك ﴾ [ طه، الآية ١٣٤ ] الآية، وإنما سُمِّيت حجةً مع استحالة أن يكون لأحد عليه سبحانه حجةٌ في فعل من أفعاله بل له أن يفعلَ ما يشاء كما يشاء للتنبيه على أن المعذرةَ في القَبول عنده تعالى بمقتضى كرمِه ورحمتِه لعباده بمنزلة الحجةِ القاطعةِ التي لا مرد لها ولذلك قال تعالى : ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ [ الأسراء، الآية ١٥ ] قال النبي صلى الله عليه وسلم : «ما أحدٌ أغيرُ مِنَ الله تعالى، ولذلك حرَّم الفواحشَ ما ظهر منها وما بطن، وما أحدٌ أحبُّ إليه المدحُ من الله تعالى ولذلك مدح نفسَه، وما أحدٌ أحبُّ إليه الإعذارُ من الله تعالى ولذلك أرسلَ الرسلَ وأنزلَ الكتُب » فاللامُ متعلقةٌ بأرسلنا، وقيل :بقوله تعالى : ﴿ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾ [ النساء، الآية :١٦٥ ] وحجةٌ اسمُ كان وللناس خبرُها وعلى الله متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من حجةٌ أي كائنةً على الله أو هو الخبرُ وللناس حالٌ على الوجه المذكور، ويجوز أن يتعلق كلٌّ منهما بما تعلق به الآخرُ الذي هو الخبرُ ولا يجوز التعلقُ بحجة لأن معمولَ المصدرِ لا يتقدم عليه، وقوله تعالى : ﴿ بَعْدَ الرسل ﴾ أي بعد إرسالِهم وتبليغِ الشرائعِ إلى الأمم على ألسنتهم، متعلقٌ بحجة أو بمحذوف وقع صفةً لها لأن الظلاروفَ يوصف بها الأحداثُ كما يُخبر بها عنها نحو القتالُ يومُ الجمعة ﴿ وَكَانَ الله عَزِيزاً ﴾ لا يغالَب في أمر من أموره ومن قضيته الامتناعُ عن الإجابة إلى مسألة المتعنّتين ﴿ حَكِيماً ﴾ في جميع أفعالِه التي من جملتها إرسالُ الرسلِ وإنزالُ الكتبِ فإن تعددَ الرسلِ والكتبِ واختلالَها في كيفية النزولِ وتغايُرَها في بعض الشرائعِ والأحكامِ إنما هو لتفاوت طبقاتِ الأممِ في الأحوال التي عليها يدور فلكُ التكليفِ، فكما أنه سبحانه وتعالى برَأَهم على أنحاءَ شتى وأطوارٍ متباينةٍ حسبما تقتضيه الحِكمةُ التكوينيةُ كذلك تعبّدهم بما يليق بشأنهم وتقتضيه أحوالُهم المتخالفةُ واستعداداتُهم المتغايرةُ من الشرائع والأحكامِ حسبما تستدعيه الحِكمةُ التشريعيةُ، وراعى في إرسال الرسلِ وإنزالِ الكتبِ وغيرِ ذلك من الأمور المتعلقةِ بمعاشهم ومعادِهم ما فيه مصلحتُهم، فسؤالُ تنزيلِ الكتابِ جملةً اقتراحٌ فاسدٌ إذ حينئذ تتفاقم التكاليفُ فيثقُل على المكلَّف قَبولُها والخروجُ عن عُهدتها، وأما التنزيلُ المُنَجَّم الواقعُ حسب الأمورِ الداعيةِ إليه فهو أيسرُ قَبولاً وأسهلُ امتثالاً.
﴿ لكن الله يَشْهَدُ ﴾ بتخفيف النون ورفع الجلالة، وقرئ بتشديد النونِ ونصبِ الجلالةِ، وهو استدراك عما يُفهم مما قبله كأنهم لما تعنّتوا عليه بما سبق من السؤال واحتَجّ عليهم بقوله تعالى : ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا ﴾ [ النساء، الآية :١٦٣ ] الخ، قيل :إنهم لا يشهدون بذلك لكنَّ الله يشهد ﴿ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ﴾ على البناء للفاعل، وقرئ على البناء للمفعولِ والباءُ صلةٌ للشهادة أي يشهد بحقية ما أنزل إليك من القرآن المعجزِ الناطِقِ بنبوتك، وقيل :( لما نزل قوله تعالى : ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ [ النساء، الآية :١٦٣ ] قالوا :ما نشهد لك بذلك فنزل ) لكنِ الله يشهد. ﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ أي ملتبساً بعلمه الخاصِّ الذي لا يعلمه غيرُه وهو تأليفُه على نمط بديعٍ يَعجِز عنه كلُّ بليغٍ، أو بعلمه بحال مَنْ أنزله عليه واستعدادِه لاقتباس الأنوارِ القدسية، أو بعلمه الذي يحتاج إليه الناسُ في معاشهم ومعادِهم، فالجارُّ والمجرورُ على الأولين حال من الفاعل وعلى الثالث من المفعولِ، والجملةُ في موقع التفسيرِ لما قبلها وقرئ نزّله، وقولُه تعالى : ﴿ والملئكة يَشْهَدُونَ ﴾ أي بذلك، مبتدأٌ وخبرٌ والجملةُ عطفٌ على ما قبلها، وقيل :حالٌ من مفعول أنزله، أي أنزله والملائكةُ يشهدون بصدقه وحقِّيتِه ﴿ وكفي بالله شَهِيداً ﴾ على صحة نُبوّتِك حيث نصَبَ لها معجزاتٍ باهرةً وحججاً ظاهرةً مغْنيةً عن الاستشهاد بغيرها.
﴿ إِنَّ الذين كَفَرُوا ﴾ أي بما أنزل الله تعالى وشهِد به أو بكل ما يجب الإيمانُ به وهو داخلٌ فيه دخولاً أولياً، والمرادُ بهم اليهودُ حيث كفروا به ﴿ وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ الله ﴾ -وهو دينُ الإسلام- مَنْ أراد سلوكَه بقولهم :ما نعرِف صفةَ محمدٍ في كتابنا، وقرئ صُدُّوا مبنياً للمفعول ﴿ قَدْ ضَلُّوا ﴾ بما فعلوا من الكفر والصدِّ عن طريق الحق ﴿ ضلالاً بَعِيداً ﴾ لأنهم جمعوا بين الضلال والإضلالِ ولأن المُضِل يكون أعرقَ في الضلال وأبعدَ من الإقلاع عنه.
﴿ إِنَّ الذين كَفَرُوا ﴾ أي بما ذكر آنفاً ﴿ وَظَلَمُوا ﴾ أي محمداً صلى الله عليه وسلم بإنكار نبوّتِه وكتمانِ نعوتِه الجليلةِ ووضعِ غيرِها مكانَها، أو الناسَ بصدهم عما فيه صلاحُهم في المعاش والمعاد ﴿ لَمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ لاستحالة تعلّقِ المغفرةِ بالكافر ﴿ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً ﴾.
﴿ إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ ﴾ لعدم استعدادِهم للهداية إلى الحق والأعمالِ الصالحةِ التي هي طريقُ الجنةِ، والمرادُ بالهداية المفهومةِ من الاستثناء بطريق الإشارةِ خلقُه تعالى لأعمالهم السيئة المؤديةِ بهم إلى جهنمَ عند صرفِ قدرتِهم واختيارِهم إلى اكتسابها، أو سوقُهم إليها يوم القيامة بواسطة الملائكةِ والطريقُ على عمومه، والاستثناءُ متصل، وقيل :خاصٌّ بطريق الحقِّ والاستثناءُ منقطع ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ حالٌ مقدرةٌ من الضمير المنصوب والعاملُ فيها ما دل عليه الاستثناءُ دلالةً واضحةً كأنه قيل :يُدخلهم جهنمَ خالدين فيها الخ، وقوله تعالى : ﴿ أَبَدًا ﴾ نصبٌ على الظرفية رافعٌ لاحتمال حملِ الخلودِ على المكث الطويل ﴿ وَكَانَ ذلك ﴾ أي جعلهم خالدين في جهنم ﴿ عَلَى الله يَسِيراً ﴾ لاستحالة أن يتعذّر عليه شيءٌ من مراداته تعالى.
﴿ يا أَيُّهَا الناس ﴾ بعد ما حكَى لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعللَ اليهودِ بالأباطيل واقتراحَهم الباطلَ تعنتاً وردّ عليهم ذلك بتحقيق نبوتِه عليه الصلاة والسلام وتقريرِ رسالتِه ببيان أن شأنَه عليه الصلاة والسلام في أمر الوحي والإرسالِ كشؤون من يعترفون بنبوته من مشاهير الأنبياءِ عليهم السلام وأكد ذلك بشهادته سبحانه وشهادةِ الملائكة - أمرَ المكلّفين كافةً على طريق تلوينِ الخطابِ بالإيمان بذلك أمراً مشفوعاً بالوعد بالإجابة، والوعيدِ على الرد تنبيهاً على أن الحجةَ قد لزِمَت ولم يبقَ بعد ذلك لأحد عذرٌ في عدم القَبول، وقولُه عز وجل : ﴿ قَدْ جَاءكُمُ الرسول بالحق مِن رَبّكُمْ ﴾ تكريرٌ للشهادة وتقريرٌ لحقية المشهودِ به وتمهيدٌ لما يعقُبه من الأمر بالإيمانِ، وإيرادُه عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالةِ لتأكيد وجوبِ طاعتِه، والمرادُ بالحق هو القرآنُ الكريمُ، والباء متعلقةٌ بجاءكم فهي للتعدية أو بمحذوف وقع حالاً من الرسول أي ملتبساً بالحق، ومِنْ أيضاً متعلقةٌ إما بالفعل وإما بمحذوف هو حالٌ من الحق، أي جاءكم به من عنده تعالى أو جاءكم بالحق كائناً من عنده تعالى، والتعرُّضُ لعنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضمير المخاطَبين للإيذان بأن ذلك لتربيتهم وتبليغِهم إلى كمالهم اللائقِ بهم ترغيباً لهم في الامتثال بما بعده من الأمر، والفاء في قوله عز وجل : ﴿ فَآمِنُوا ﴾ للدِلالة على إيجاب ما قبلها لما بعدها أي فآمنوا به وبما جاء به من الحق، وقولُه تعالى : ﴿ خَيْراً لكُم ﴾ منصوبٌ على أنه مفعولٌ لفعل واجبِ الإضمار كما هو رأيُ الخليل وسيبويهِ، أي اقصِدوا أو ائتوا أمراً خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر، أو على أنه نعت لمصدر محذوف كما هو رأي الفراء أي آمنوا إيماناً خيراً لكم أو على أنه خبر كان المضمرةِ الواقعةِ جواباً للأمر لا جزاءً للشرط الصناعيّ وهو رأيُ الكسائي وأبي عبيدةَ أي يكنِ الإيمانُ خيراً لكم ﴿ وَإِن تَكْفُرُوا ﴾ أي أن تُصِرُّوا وتستمروا على الكفر به ﴿ فَإِنَّ للَّهِ مَا في السماوات والأرض ﴾ من الموجودات سواء كانت داخلةً في حقيقتهما -وبذلك يُعلم حالُ أنفسِهما على أبلغ وجهٍ وآكَدِه- أو خارجةً عنهما مستقرةً فيهما من العقلاء وغيرِهم فيدخلُ في جملتهم المخاطَبون دخولاً أولياً، أي كلُّها له عز وجل خلقاً ومُلكاً وتصرفاً لا يخرُج من ملكوته وقهرِه شيءٌ منها. فمَنْ هذا شأنُه فهو قادرٌ على تعذيبكم بكفركم لا محالة أو فمن كان كذلك فهو غنيٌّ عنكم وعن غيركم لا يتضرّر بكفركم ولا ينتفع بإيمانكم، وقيل :فمَنْ كان كذلك فله عبيدٌ يعبُدونه وينقادون لأمره ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً ﴾ مبالِغاً في العلم فهو عالمٌ بأحوال الكلِّ فيدخُل في ذلك علمُه تعالى بكفرهم دخولاً أولياً ﴿ حَكِيماً ﴾ مراعياً للحِكمة في جميع أفعالِه التي من جملتها تعذيبُه تعالى إياهم بكفرهم.
﴿ يا أَهْلِ الكتاب ﴾ تجريدٌ للخطاب وتخصيصٌ له بالنصارى زجراً لهم عما هم عليه من الكفر والضلال ﴿ لاَ تَغْلُوا في دِينِكُمْ ﴾ بالإفراط في رفع شأنِ عيسى عليه السلام وادعاءِ ألوهيتِه، وأما غلوُّ اليهودِ في حط رتبتِه عليه السلام ورميِهم له بأنه وُلد لغير رَشْدةٍ فقد نعى عليهم ذلك فيما سبق ﴿ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى الله إِلاَّ الحق ﴾ أي لا تصِفوه بما يستحيل اتصافُه به من الحلول والاتحادِ واتخاذِ الصاحبةِ والولدِ، بل نزّهوه عن جميع ذلك ﴿ إِنَّمَا المسيح ﴾ قد مر تفسيرُه في سورة آلِ عمرانَ، وقرئ بكسر الميم وتشديد السين كالسِّكّيت على صيغة المبالغة وهو مبتدأٌ، وقوله تعالى : ﴿ عِيسَى ﴾ بدلٌ منه أو عطفُ بيانٍ له، وقولُه تعالى : ﴿ ابنُ مَرْيَمَ ﴾ صفةٌ له مفيدةٌ لبطلان ما وصفوه عليه السلام به من بُنوَّته لله تعالى، وقوله تعالى : ﴿ رَسُولُ الله ﴾ خبرٌ للمبتدأ، والجملةُ مستأنفةٌ مسوقةٌ لتعليل النهي عن القول الباطلِ المستلزِم للأمر بضده، أعني الحقَّ، أي إنه مقصورٌ على رتبة الرسالةِ لا يتخطاها ﴿ وَكَلِمَتُهُ ﴾ عطف على رسولُ الله أي مُكوَّن بكلمته وأمرِه الذي هو كنْ من غير واسطةِ أبٍ ولا نطفة ﴿ ألقاها إلى مَرْيَمَ ﴾ أي أوصلها إليها وجعلها فيها بنفخ جبريلَ عليه السلام، وقيل :أعلمها إياها وأخبرَها بها بطريق البِشارةِ وذلك قولُه تعالى : ﴿ إِنَّ الله يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ منْهُ اسمه المسيح عِيسَى بنُ مَرْيَمَ ﴾ [ آل عمران، الآية ٤٥ ] وقيل :الجملةُ حالٌ من ضميره عليه السلام المستكنِّ فيما دل عليه وكلمتُه من معنى المشتق الذي هو العاملُ فيها وقد مقدَّرة معها. ﴿ وَرُوحٌ منهُ ﴾ قيل :هو الذي نفخ جبريلُ عليه السلام في دِرْع مريم فحملت بإذن الله تعالى، سُمِّي النفخُ روحاً لأنه ريحٌ تخرج من الروح، ومِنْ لابتداء الغايةِ مجازاً لا تبعيضية كما زعمت النصارى. يُحكى أن طبيباً حاذقاً نصرانياً للرشيد ناظر عليَّ بنَ حسين الواقديَّ المَرْوِذيَّ ذاتَ يوم فقال له :إن في كتابكم ما يدلُّ على أن عيسى عليه السلام جزءٌ منه تعالى وتلا هذه الآية فقرأ الواقديُّ : ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ ما في السماوات والأرض جَمِيعاً منهُ ﴾ [ الجاثية، الآية ١٣ ] فقال :إذن يلزم أن يكونَ جميعُ تلك الأشياءِ جزءاً منه، تعالى علواً كبيراً، فانقطع النصرانيُّ فأسلم وفرِح الرشيدُ فرحاً شديداً، ووصل الواقديَّ بصلة فاخرة. وهي متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لروح أي كائنةٌ من جهته تعالى جعلت منه تعالى وإن كانت بنفخ جبريلَ عليه السلام لكون النفخِ بأمره سبحانه، وقيل :سُمِّي روحاً لإحيائه الأمواتَ، وقيل :لإحيائه القلوبَ، كما سمي به القرآنُ لذلك في قوله تعالى : ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً منْ أَمْرِنَا ﴾ [ الشورى، الآية ٥٢ ] وقيل :أريد بالروح الوحيُ الذي أُوحيَ إلى مريمَ بالبشارة، وقيل :جرت العادةُ بأنهم إذا أرادوا وصفَ شيءٍ بغاية الطهارة والنظافة قالوا :إنه روحٌ، فلما كان عيسى عليه السلام متكوِّناً من النفخ لا من النطفة وُصِف بالروح، وتقديمُ كونِه عليه السلام رسولَ الله في الذكر من تأخّره عن كونه كلمتَه تعالى وروحاً منه في الوجود لتحقيق الحقِّ من أول الأمرِ بما هو نصٌّ فيه غيرُ محتملٍ للتأويل، وتعيينُ مآلِ ما يحتمله وسدِّ بابِ التأويلِ الزائغ. ﴿ فآمِنُوا باللهِ ﴾ وخُصّوه بالألوهية ﴿ وَرُسُلِهِ ﴾ أجمعين وصِفوهم بالرسالة ولا تُخرجوا بعضَهم عن سلكهم بوصفه بالألوهية ﴿ وَلاَ تَقُولُوا ثلاثةٌ ﴾ أي الألهةُ ثلاثةٌ :الله والمسيحُ ومريمُ كما ينبئ عنه قوله تعالى : ﴿ أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمي إلهين مِن دُونِ الله ﴾ [ المائدة، الآية ١١٦ ] أو الله ثلاثةٌ إن صح أنهم يقولون :الله جوهرٌ واحدٌ ثلاثةُ أقانيمَ :أقنومُ الأبِ وأقنومُ الابنِ وأُقنومُ روحِ القدس، وأنهم يريدون بالأول الذاتَ، وقيل :الوجودَ وبالثاني العلمَ وبالثالث الحياةَ ﴿ انتهوا ﴾ أي عن التثليث ﴿ خَيْراً لكُم ﴾ قد مر وجوهُ انتصابِه ﴿ إِنَّمَا الله إله واحد ﴾ أي بالذات مُنزَّه عن التعدد بوجهٍ من الوجوه، فالله مبتدأٌ وإله خبرُه وواحدٌ نعتٌ أي منفردٌ في ألوهيته ﴿ سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ أي أسبّحه تسبيحاً من أن يكون له ولد أو سبِّحوه تسبيحاً من ذلك فإنه إنما يُتصوَّر فيمن يماثله شيءٌ ويتطرق إليه فناء، والله سبحانه منزّه عن أمثاله، وقرئ إنْ يكونُ أي سبحانه ما يكون له ولد، وقوله تعالى : ﴿ لهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مسوقةٌ لتعليل التنزيهِ وتقريرِه، أي له ما فيهما من الموجودات خلقاً وملكاً وتصرفاً لا يخرُج عن ملكوته شيءٌ من الأشياء التي من جملتها عيسى عليه السلام فكيف يُتوَّهم كونُه ولداً له تعالى ؟ ﴿ وكفى بالله وَكِيلاً ﴾ إليه يكِلُ الخلقُ أمورَهم وهو غني عن العالمين فأنّى يُتصوَّر في حقه اتخاذُ الولدِ الذي هو شأنُ العَجَزة المحتاجين -في تدبير أمورِهم- إلى من يَخلُفهم ويقوم مقامهم.
﴿ لن يَسْتَنكِفَ المسيح ﴾ استئنافٌ مقررٌ لما سبق من التنزيه، والاستنكافُ الأنَفةُ والترفعُ من نكفتَ الدمعَ إذا نحيتَه عن وجهك بالأصبع أي لن يأنف ولن يترفع ﴿ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ ﴾ أي عن أن يكون عبداً له تعالى مستمراً على عبادته وطاعتِه حسبما هو وظيفةُ العبودية، كيف وإن ذلك أقصى مراتبِ الشرفِ، والاقتصارُ على ذكر عدمِ استنكافِه عليه السلام عنه مع أن شأنه عليه السلام المباهاةُ به كما يدل عليه أحوالُه ويُفصِحُ عنه أقوالُه، ألا يُرى أن أولَ مقالةٍ قالها للناس قولُه : ﴿ إِنّي عَبْدُ الله آتَانِي الكتاب وَجَعَلَنِي نبيا ﴾ [ مريم، الآية ٣٠ ]، لوقوعه في موقع الجوابِ عما قاله الكفرة. روي ( أن وفد نجرانَ قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم :لِمَ تَعيبُ صاحبَنا، قال : «ومن صاحبُكم ؟ » قالوا :عيسى، قال : «وأيُّ شيء أقول ؟ » قالوا :تقول له عبدُ الله، قال : «إنه ليس بعار أن يكون عبداً لله »، قالوا :بلى فنزلت )، وهو السرُّ في جعل المستنكَفِ عنه كونَه عليه السلام عبداً له تعالى دون أن يقال عن عبادة الله ونحوُ ذلك مع إفادة فائدةٍ جليلةٍ هي كمالُ نزاهتِه عليه السلام عن الاستنكافِ بالكلية فإن كونَه عبداً له تعالى حالةٌ مستمرةٌ مستتبِعةٌ لدوام العبادةِ قطعاً، فعدمُ الاستنكافِ عنه مستلزِمٌ لعدم الاستنكافِ عن عبادته تعالى كما أشير إليه بخلاف عبادتِه تعالى فإنها حالةٌ متجدِّدة غيرُ مستلزِمةٍ للدوام يكفي في اتّصاف موصوفِها بما يُحققها مرةً، فعدمُ الاستنكافِ عنها لا يستلزِمُ عدمَ الاستنكافِ عن دوامها. ﴿ وَلاَ الملائكة المقرّبون ﴾ عطفٌ على المسيح أي ولا يستنكف الملائكةُ المقربون أن يكونوا عبيداً لله تعالى، وقيل :أن أريد بالملائكة كلُّ واحد منهم لم يُحتَجْ إلى التقدير، واحتَجّ بالآية من زعم فضلَ الملائكةِ على الأنبياء عليهم السلام وقال :مَساقُه لرد النصارى في رفع المسيحِ عن مقام العبوديةِ، وذلك يقتضي أن يكون المعطوفُ أعلى درجةً من المعطوف عليه حتى يكون عدمُ استنكافِهم مستلزماً لعدم استنكافِه عليه السلام، وأجيب بأن مناطَ كفرِ النصارى ورفعِهم له عليه السلام عن رتبة العبوديةِ لمّا كان اختصاصُه عليه السلام وامتيازُه عن سائر أفرادِ البشرِ بالولادة من غير أبٍ وبالعلم بالمُغيِّبات وبالرفع إلى السماء عُطف على عدم استنكافِه عن عبوديته تعالى عدمُ استنكافِ مَنْ هو أعلى درجةً منه فيما ذكر، فإن الملائكةَ مخلوقون من غير أبٍ ولا أمٍّ، وعالمون بما لا يعلمه البشرُ من المغيبات، ومَقارُّهم السماواتُ العلا، ولا نزاعَ لأحد في علو درجتِهم من هذه الحيثيةِ وإنما النزاعُ في علوّها من حيث كثرةُ الثوابِ على الطاعات، وبأن الآيةَ ليست للرد على النصارى فقط بل على عبَدة الملائكةِ أيضاً فلا اتجاه لما قالوا حينئذ وإنْ سَلِم اختصاصُها بالرد على النصارى فلعله أُريد بالعطف المبالغةُ باعتبار التكثيرِ والتفصيلِ لا باعتبار التكبيرِ والتفضيلِ، كما في قولك :أصبح الأميرُ لا يخالفه رئيسٌ ولا مرؤوسٌ، ولئن سُلّم إرادةُ التفضيلِ فغايةُ الأمرِ الدلالةُ على أفضلية المقربين منهم، وهم الكروبيون الذين حول العرشِ أو من هو أعلى منهم رتبةً من الملائكة عليهم السلام على المسيح من الأنبياء عليهم السلام وليس يلزم من ذلك فصلُ أحدِ الجنسين على الآخر مطلقاً، وهل التشاجرُ إلا فيه ؟ ﴿ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ ﴾ أي عن طاعته فيشمل جميعَ الكفرةِ لعدم طاعتِهم له تعالى مما لا سبيلَ لهم إلى إنكار اتصافِهم به. إن قيل :لم عبّر عن عدم طاعتِهم له تعالى بالاستنكاف عنها مع أن ذلك منهم كان بطريق إنكارِ كونِ الأمرِ من جهته تعالى لا بطريق الاستنكافِ، قلنا :لأنهم كانوا يستنكفون عن طاعة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهل هو إلا استنكافٌ عن طاعة الله تعالى ؟ إذ لا أمرَ له عليه الصلاة والسلام سوى أمرِه تعالى ﴿ من يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ﴾ [ النساء، الآية ٨٠ ] ﴿ وَيَسْتَكْبِرْ ﴾ الاستكبارُ الأنَفةُ عما لا ينبغي أن يُؤنَفَ عنه وأصلُه طلبُ الكِبْر لنفسه بغير استحقاقٍ له لا بمعنى طلب تحصيلِه مع اعتقاد عدمِ حصولِه فيه بل بمعنى عدِّ نفسِه كبيراً واعتقادِه كذلك، وإنما عبّر عنه بما يدل على الطلب للإيذان بأن مآلَه محضُ الطلبِ بدون حصولِ المطلوب وقد عبر عن مثل ذلك بنفس الطلب في قوله تعالى : ﴿ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ﴾ [ الأعراف، الآية ٤٥. وسورة هود، الآية ١٩ ] فإنهم ما كانوا يطلبون ثبوتَ العِوِجِ لسبيل الله مع اعتقادهم لاستقامتها بل كانوا يعدّونها ويعتقدونها مُعْوجّةً ويحكمون بذلك ولكن عبّر عن ذلك بالطلب لِما ذكر من الإشعار بأن ليس هناك شيءٌ سوى الطلبِ والاستكبارِ دون الاستنكافِ المنبئ عن توهم لُحوقِ العارِ والنقصِ من المستنكَفِ عنه. ﴿ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً ﴾ أي المستنكِفين ومقابليهم المدلولَ عليهم، ذُكر عدمُ استنكافِ المسيحِ والملائكةِ عليهم السلام، وقد تُرك ذكرُ أحدِ الفريقين في المفصل -تعويلاً على إنباء التفصيلِ عنه وثقةً بظهور اقتضاءِ حشرِ أحدِهما لحشر الآخرِ ضرورةَ عمومِ الحشرِ للخلائق كافةً، كما تُرك ذكرُ أحدِ الفريقين في التفصيل عند قوله تعالى : ﴿ فَأَمَّا الذين آمَنُوا بالله ﴾ [ النساء، الآية ١٧٥ ] الآية، مع عموم الخطابِ لهما اعتماداً على ظهور اقتضاءِ إثابةِ أحدِهما لعقاب الآخر ضرورةَ شمولِ الجزاءِ للكل، وقيل :الضميرُ للمستنكِفين وهناك مقدَّرٌ معطوفٌ عليه، والتقديرُ فسيحشرهم إليه يوم يحشرُ العبادَ لمجازاتهم، وفيه أن الأنسبَ بالتفصيلِ الآتي اعتبارُ حشرِ الكلِّ في الإجمال على نهج واحدٍ، وقرئ فسِيحشُرهم بكسر السين وهي لغة وقرئ فسنحشرهم بنون العظمةِ بطريق الالتفات.
﴿ فَأَمَّا الذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات ﴾ بيانٌ لحال الفريقِ المنويِّ ذكرُه في الإجمال، قُدّم على بيان حالِ ما يقابله إبانةً لفضله ومسارعةً إلى بيان كونِ حشرِه أيضاً معتبراً في الإجمال، وإيرادُه بعنوان الإيمانِ والعمل الصالحِ لا بوصفِ عدمِ الاستنكافِ المناسبِ لما قبله وما بعده للتنبيه على أنه المستتبِعُ لما يعقبُه من الثمرت ﴿ فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ ﴾ من غير أن ينقُص منها شيئاً أصلاً ﴿ وَيَزِيدَهُم من فَضْلِهِ ﴾ بتضعيفها أضعافاً مضاعفةً وبإيفاء ما لا عين رأتْ ولا أُذنٌ سمعت ولا خطَر على قلب بشر ﴿ وَأَمَّا الذين استنكفوا ﴾ أي من عبادته عز وجل ﴿ واستكبروا فَيُعَذّبُهُمْ ﴾ بسبب استنكافِهم واستكبارِهم ﴿ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ لا يُحيط به الوصف ﴿ وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ من دُونِ الله وَلِيّاً ﴾ يلي أمورَهم ويدبّر مصالحَهم ﴿ وَلاَ نَصِيراً ﴾ ينصُرهم من بأسه تعالى وينجِّيهم من عذابه.
﴿ يَا أَيُّهَا الناس ﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ إلى كافة المكلفين إثرَ بيانِ بطلانِ ما عليه الكفرةُ من فنون الكفرِ والضلالِ وإلزامِهم بالبراهين القاطعةِ التي تخِرُّ لها صُمُّ الجبالِ، وإزاحةِ شُبَهِهم الواهيةِ بالبينات الواضحةِ، وتنبيهٌ لهم على أن الحجةَ قد تمت [ عليهم ] فلم يبقَ بعد ذلك علةٌ لمتعلِّلٍ ولا عُذرٌ لمعتذر. ﴿ قَدْ جَاءكُمُ ﴾ أي وصل إليكم وتقرَّرَ في قلوبكم بحيث لا سبيلَ لكم إلى الإنكار ﴿ بُرْهَانٌ ﴾ البرهانُ ما يُبرهَنُ به على المطلوب، والمرادُ به القرآنُ الدالُّ على صحة نبوةِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام المُثبِتُ لما فيه من الأحكام التي من جملتها ما أشير إليه مما أثبتته الآياتُ الكريمةُ من حقية الحقِّ وبُطلانِ الباطل. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام عبَّر عنه به لما معه من المعجزات التي تشهد بصدقه، وقيل :هو المعجزاتُ التي أظهرها، وقيل :هو دينُ الحقِّ الذي أتى به، وقوله تعالى : ﴿ من رَبِّكُمْ ﴾ إما متعلق بجاءكم أو بمحذوف وقع صفةً مشرّفةً لبرهانٌ مؤكدةً لما أفاده التنوينُ من الفخامة الذاتيةِ بالفخامة الإضافيةِ أي كائنٌ منه تعالى، على أن مِنْ لابتداء الغايةِ مجازاً، وقد جُوِّز على الثاني كونُها تبعيضيةً بحذف المضافِ أي كائنٌ من براهينِ ربِّكم. والتعرضُ لعنوان الربوبيّة مع الإضافة إلى ضمير المخاطَبين لإظهار اللُّطفِ بهم والإيذانِ بأن مجيئَه إليهم لتربيتهم وتكميلِهم ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ﴾ أريد به أيضاً القرآنُ الكريمُ، عبّر عنه تارة بالبُرهان لما أشير إليه آنفاً وأخرى بالنور النيِّرِ بنفسه المنوَّرِ لغيره إيذاناً بأنه بيِّنٌ بنفسه مستغنٍ في ثبوت حقِّيتِه وكونِه من عند الله تعالى بإعجازه، غيرُ محتاجٍ إلى غيره مبينٌ لغيره من الأمور المذكورةِ وإشعاراً بهدايته للخلق وإخراجِهم من ظلمات الكفرِ إلى نور الإيمانِ، وقد سلك به مسلك العطفِ المبنيِّ على تغايُر الطرفين تنزيلاً للمغايرة العُنوانيةِ منزلةَ المغايَرَةِ الذاتية، وعبِّر عن لابسته للمخاطَبين تارةً بالمجيء المسنَدِ إليه المنبئ عن كمال قوتِه في البرهانية كأنه يجيء بنفسه فيُثبِتُ أحكامَه من غير أن يجيءَ به أحدٌ، ويجيءُ على شُبَه الكفرةِ بالإبطال وأخرى بالإنزال الموُقَعِ عليه الملائمِ لحيثية كونِه نوراً توفيراً له باعتبار كلِّ واحدٍ من عنوانية حظِّه اللائقِ به، وإسنادُ إنزالِه إليه تعالى بطريق الالتفاتِ لكمال تشريفِه، هذا على تقدير كونِ البرهانِ عبارةً عن القرآن العظيمِ، وأما على تقدير كونِه عبارةً عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو عن المعجزات الظاهرةِ على يده أو عن الدينِ الحقِّ فالأمرُ هيِّنٌ، وقولُه تعالى : ﴿ إِلَيْكُمْ ﴾ متعلقٌ بأنزلنا فإن إنزالَه بالذات -وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لكنه منزلٌ إليهم أيضاً بواسطته عليه الصلاة والسلام، وإنما اعتُبر حالُه بالواسطة دون حالِه بالذات- كما في قوله تعالى : ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس ﴾ [ النساء، الآية ١٠٥ ] ونظائرِه - لإظهار كمالِ اللطفِ بهم والتصريحِ بوصوله إليهم مبالغةً في الإعذار، وتقديمُه على المفعول الصريح مع أن حقَّه التأخرُ عنه لما مر غير مرة من الاهتمام بما قُدّم والتشويقِ إلى ما أُخِّر، وللمحافظة على فواصلِ الآي الكريمة.
﴿ فَأَمَّا الذين آمَنُوا بالله ﴾ حسبما يوجبُه البرهانُ الذي أتاهم ﴿ واعتصموا بِهِ ﴾ أي عصَموا به أنفسَهم مما يُرديها من زيغ الشيطانِ وغيره ﴿ فَسَيُدْخِلُهُمْ في رَحْمَةٍ منهُ وَفَضْلٍ ﴾ قال ابنُ عباس رضي الله تعالى عنهما :هي الجنةُ وما يُتفضَّل عليهم [ به ] مما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمِعت ولا خطَر على قلب بشر. وعبّر عن إفاضة الفضلِ بالإدخال على طريقةِ قوله : [ الرجز ]
علفتُها تبناً وماءً بارداً١ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وتنوينُ رحمةً وفضلٍ تفخيميٌّ ومنه متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً مشرِّفة لرحمة ﴿ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ ﴾ أي إلى الله عز وجل، وقيل :إلى الموعود، وقيل :إلى عبادته ﴿ صراطا مُسْتَقِيماً ﴾ هو الإسلامُ والطاعةُ في الدينا وطريقُ الجنةِ في الآخرة. وتقديمُ ذكرِ الوعد بإدخال الجنةِ على الوعد بالهداية إليها على خلاف الترتيبِ في الوجود بين الموعودَين للمسارعة إلى التبشير بما هو المقصِدُ الأصليُّ. قيل :انتصابُ صِراطاً على أنه مفعولٌ لفعلٍ محذوف يُنبئ عنه يهديهم أي يعرِفهم صراطاً مستقيماً.
١ يليه:
حتى شتت همالة عيناها ***................
وهو بلا نسبة في لسان العرب ٢/٢٨٧ (زجج)، ٣/٣٦٧ (قلد)، ٩/٢٥٥ (علف)، وتاج العروس ٢٤/١٨٢ (علف)..

﴿ يَسْتَفْتُونَكَ ﴾ أي في الكلالة، استُغني عن ذكره بوروده في قوله تعالى : ﴿ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ في الكلالة ﴾ وقد مر تفسيرُها في مطلع السورة الكريمةِ، والمستفتي جابرُ بنُ عبد اللَّه رضي الله تعالى عنه، يروى أنه أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في طريق مكةَ عام حَجةِ الوداعِ فقال :إن لي أختاً فكم آخذُ من ميراثها إن ماتت ؟، وقيل :( كان مريضاً فعاده رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال :إني كَلالةٌ فكيف أصنع في مالي ؟ ). وروي عنه رضي الله عنه أنه قال :( عادني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريضٌ لا أعقِل، فتوضأ وصبَّ من وَضوئه عليَّ فعقَلْت فقلت :يا رسولَ الله لمن الميراثُ وإنما يرثني كلالةٌ فنزلت ) وقولُه تعالى : ﴿ إِن امرؤ هَلَكَ ﴾ استئنافٌ مبينٌ للفُتيا، وارتفع امرؤٌ بفعل يفسّره المذكورُ، وقوله تعالى : ﴿ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ صفةٌ له، وقيل :حال من الضمير في هلَك. ورُدّ بأنه مفسِّرٌ للمحذوف غيرُ مقصودٍ في الكلام أي إن هلَك امرؤٌ غيرُ ذي ولدٍ ذكراً كان أو أنثى واقتُصر على ذكر عدمِ الولدِ مع أن عدمَ الوالدِ أيضاً معتبرٌ في الكلالة ثقةً بظهور الأمرِ ودَلالةِ تفضيلِ الورثةِ عليه، وقوله تعالى : ﴿ وَلَهُ أُخْتٌ ﴾ عطفٌ عُطف على قوله تعالى : ﴿ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ أو حالٌ والمرادُ بالأخت من ليست لأم فقط فإن فرضَها السدسُ، وقد مر بيانُه في صدر السورةِ الكريمة ﴿ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ﴾ أي بالفرض والباقي للعَصَبة، أو لها بالرد إن لم يكن عَصَبة ﴿ وَهُوَ ﴾ أي المرءُ المفروضُ ﴿ يَرِثُهَا ﴾ أي أختَه المفروضةَ إن فُرض هلاكُها مع بقائه ﴿ إِن لمْ يَكُنْ لهَا وَلَدٌ ﴾ ذكراً كان أو أنثى، فالمرادُ بإرثه لها إحرازُ جميعِ ما لها إذ هو المشروطُ بانتفاء الولدِ بالكلية لا إرثُه لها في الجملة فإنه يتحقق مع وجود بنتِها، وليس في الآية ما يدل على سقوط الإخوةِ بغير الولدِ ولا على عدمِ سقوطِهم، وإنما دلت السنةُ الشريفةُ على سقوطهم في الأب ﴿ فَإِن كَانَتَا اثنتين ﴾ عطفٌ على الشرطية الأولى أي اثنتين فصاعداً ﴿ فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ ﴾ الضميرُ لمن يرث بالأخُوّة، والتأنيثُ والتثنيةُ باعتبار المعنى، قيل :وفائدةُ الإخبارِ عنها باثنتين مع دَلالة ألفِ التثنية على الاثْنَيْنِيّة التنبيهُ على أن المعتبرَ في اختلاف الحُكْمِ هو العددُ دون الصِغَر والكِبَر وغيرِهما ﴿ وَإِن كَانُوا ﴾ أي من يرث بطريق الأخُوّة ﴿ إِخْوَةً ﴾ أي مختلطة ﴿ رجَالاً وَنِسَاء ﴾ بدلٌ من إخوةٍ والأصلُ وإن كانوا إخوةً وأخواتٍ فغلَبَ المذكرُ على المؤنث ﴿ فَلِلذَّكَرِ ﴾ أي فللذكر منهم ﴿ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ يقتسمون التركةَ على طريقة التعصيبِ، وهذا آخر ما أُنزل من كتاب الله تعالى في الأحكام، رُوي أن الصديقَ رضي الله تعالى عنه قال في خطبته :ألا إن الآيةَ التي أنزلها الله تعالى في سورة النساءِ في الفرائض فأولُها في الولد والوالد وثانيها في الزوج والزوجة والأخُوَّة من الأم والآيةُ التي خَتَم بها السورةَ في الأخوة والأخوات لأبوين أو لأب والآيةُ التي خَتَم بها سورةَ الأنفالِ أنزلها في أولي الأرحام.
﴿ يُبَيّنُ الله لَكُمْ ﴾ أي حكمَ الكلالةِ أو أحكامَه وشرائعَه التي من جملتها حِكَمُها ﴿ أَن تَضِلُّوا ﴾ أي كراهةَ أن تضلوا في ذلك وهذا رأيُ البصريين صرّح به المبرَّدُ، وذهب الكسائيُّ والفراءُ وغيرُهما من الكوفيين إلى تقدير اللام ولا في طرفي أن، أي لئلا تضِلوا، وقال الزجاج :هو مثلُ قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ ﴾ [ فاطر، الآية :٤١ ] وقال أبو عبيد :رويتُ للكسائي حديثَ ابنِ عمرَ رضي الله تعالى عنهما وهو لا يدعُوَنّ أحدُكم على ولده أن يوافقَ من الله إجابةً أي لئلا يوافقَ، فاستحسنه وليس ما ذكر من الآية والحديثِ نصاً فيما ذهب إليه الكسائي وأضرابُه فإن التقديرَ فيهما عند البصْريين كراهةَ أن تزولا وكراهةَ أن يوافِقَ الخ، وقيل :ليس هناك حذفٌ ولا تقديرٌ وإنما هو مفعولُ يبيِّن أي يُبين لكم ضلالَكم الذي هو من شأنكم إذا خُلِّيتم وطباعَكم لتحترزوا عنه وتتحرَّوا خلافَه. وأنت خبير بأن ذلك إنما يليقُ بما إذا كان بيانُه تعالى التعيينَ، على طريقة مواقع الخطأ والضلالِ من غير تصريح بما هو الحقُّ والصواب وليس كذلك.
﴿ والله بِكُلّ شَيء ﴾ من الأشياء التي من جملتها أحوالُكم المتعلقةُ بمحياكم ومماتِكم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ مبالِغٌ في العلم فيبيِّنُ لكم ما فيه مصلحتُكم ومنفعتُكم. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورةَ النساءِ فكأنما تصدّق على كل مؤمنٍ ومؤمنةٍ ورِث ميراثاً، وأُعطي من الأجر كمن اشترى محرَّراً أو برِئ من الشرك وكان في مشيئة الله تعالى من الذين يُتجاوز عنهم » والله أعلم.
السورة التالية
Icon