0:00
0:00

(يَا أَيّهَا النَّاس اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ).
يذكر بعض المفسرين أن النداء بـ " يا أيها الناس " يخاطب به أهل مكة، والنداء بـ " يا أيها الذين آمنوا " يخاطب به المؤمنين، وأخذوا ذلك من أن أكثر الآيات التي ابتدئت بـ " يا أيها الناس " نزلت بمكة، وأكثر الآيات التي ابتدأت بـ " يا أيها الذين آمنوأ نزلت بالمدينة، ولا شك في أن " يا أيها الذين آمنوا " خاصة في ندائها بأهل الإيمان؛ لأن صلة الموصول تعيّن ذلك. أما " يا أيها الناس " فتخصيصها بأهل مكة تخصيص بغير مخصص، إنما تسري على عمومها، وهو عموم الخطاب لمن يعقلون، وذلك اللفظ وما هو مضمون النداء عام شامل جميع
الناس، فكلمة الناس تشمل كل بني الإنسان، وما في مضمون النداء من إنذار وتبشير وبيان للحقائق الوجودية والكونية، والأدلة والبراهين أمور عامة لَا تختص بقبيل دون قبيل، ولا بقوم دون قوم. وفي النص الكريم الذي نتكلم فيه يتضمن النداء حقيقة عامة نفسية تجمع بني الإنسان مهما تختلف أجناسهم وألوانهم وألسنتهم، فهو يثبت أن الأصل هو " نفس واحدة " كلهم يرجعون إليها، ويتصلون بها، وهذا النص يشبه قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وقَبَائِلَ لِتَعَارَفوا إِنَّ أَكْرَمَكمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ...).
بيد أن النص الذي نتحدث عنه يثبت أن الذكر والأنثى من طبيعة واحدة، ويثبت في مضمونه الصلة الرحيمة التي تربط الناس جميعا، وما ينبني عليها من تعاطف وتواد وتراحم، والنص الآخر يبين وجوب التعارف الذي هو الطريق للتراحم والتواد، فهنا بيان الغاية، وهنالك بيان طريقها.
نادى الله سبحانه وتعالى الإنسانية، ذلك النداء الخالد ونبههم سبحانه وتعالى إلى الوحدة في أمرين:
أولهما: وحدة الربوبية، فإن ربكم واحد، إذ قال سبحانه وتعالى: (اتقوا ربكم) الذي هو رب الجميع، رب الأبيض والأسود والعربي والأعجمي، والعالم والجاهل، فصلة الجميع به واحدة، وهي صلة الربوبية، وإن هذه الصلة توجب أن يشعر الجميع بأنه لَا فضل لجنس على جنس، ولا للون على لون إلا بمقدار الاتصال الروحي بخالق الخلق، وذلك بالتقوى، فهذه الصلة مقوية للأمر بالتقوى، وأنها مناط التفضيل، وهي سبيل قوة الصلة الرابطة.
والثاني: وحدة التكوين والإنسان، فالكل ينتهي إلى نفس واحدة هي الجنس العام الجامع، مهما يَعْلُ ابن آدم أو ينخفض فإلى هذه النفس ينتمي، وبهذه الأخوة العامة يرتبط.
والأمر بالتقوى في هذا المقام لبيان الصلة التي تربط الإنسان بالرب الذي أنعم بهذا الوجود على كل من في هذا الوجود، وكان ذلك الأمر ممهدا لأمر آخر،
وهو أن يلاحظ كل إنسان تلك الأخوة الرابطة في كل عمل يعمله، وكل غاية يتغياها ويريدها، وما أجود ما قاله الزمخشري في هذا المقام، فقد قال جار الله رضي الله عنه: " أراد بالتقوى تقوى خاصة، وهي أن يتقوه فيما يتصل بحفظ الحقوق بينهم، فلا يقطعوا ما يجب عليهم وصله، فقيل اتقوا ربكم الذي وصل بينكم، حيث جعلكم صنوانا مفرغة من أرومة واحدة فيما يجب على بعضكم لبعض، فحافظوا عليه ولا تغفلوا عنه، وهذا المعنى مطابق لمعاني السورة ".
والنفس الواحدة هي آدم أبو الأناسي في هذا الوجود، والمعنى على هذا الكلام يتطابق مع قول النبي - ﷺ - " كلكم لآدم وآدم من تراب " (١) وهذا نظر الأكثرين من المتقدمين، وهو الذي يتلاقى مع قوله بعد ذلك: (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً).
وقد ذكر الرازي في مثل هذا المقام أنه قد يراد بنفس واحدة أن البشر جميعا متجانسون متحدون في المنشأ ونفوسهم متشابهة متلاقية، فهم جميعا ينتهون إلى نوع من النفوس واحد، وقد ذكر هذا المعنى في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا...)، فقد نقل عن القفال في تأويل هذه الآية أنه تعالى ذكر هذه القصة على سبيل ضرب المثل، والمراد خلق كل واحد منكم من نفس واحدة، وجعل من جنسها زوجها إنسانا يساويه في الإنسانية، وارتضى أن يكون هذا أحد التأويلات.
وعلى هذا الكلام يكون المعنى: إن الله تعالى خلق نفسا واحدة تلتقي عندها كل الأنفس متشابهة متشاكلة، وإن ذلك يقتضي التشابك في كل بني الإنسان، ومع التساوي في الخلق يكون التساوي في الحقوق والواجبات.
(وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) الزوج القرين المجانس أو المقابل غير المجانس، وقد قال في ذلك الأصفهاني: " يقال لكل واحد من القرينين
________
(١) جزء من حديث رواه أحمد (١٠٥٥٥)، والترمذي (٤١٢٧) وحسنه، وأبو داود بنحوه (٥١١١) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
من الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة زوج، ولكل قرينين فيها وفي غيرها زوج، ولكل ما يقترن بآخر مماثلا له أو مضادا زوج. قال تعالى: (فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنثَى)، قال: وزوجك الجنة (١)، وزوجة لغة رديئة، وجمعها زوجات. قال الشاعر: " فشكا بناتي شجوهن وزوجتي ".
وإن كثيرا من المفسرين على أن المراد من الزوج حواء، وقد خلقت من آدم، وقد أخذوا من ظواهر آثار وردت عن الصحابة، وعن تفسير بعض التابعين، ومن ظاهر قوله - ﷺ -: " إن المرأة خلقت من ضلع أعوج وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج " (٢).
وإن كثيرين من المفسرين قالوا إن المراد من جنسها أي من طبيعتها، ومن خواصها، وذلك مثل قوله تعالى:
(وَمِنْ آيَاته أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً...). ومثل قوله تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً...). وقوله تعالى: (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١).
وإذا كانت الزوج من جنس النفس العامة فإنه يسكن إليها ويطمئن عندها كما ذكر في آيات أخرى غير الآية التي هي موضوع كلامنا.
وقد كانت نتيجة ذلك الازدواج النفسي والجسدي، أن كان البشر، ولذلك قال سبحانه: (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كثيرًا وَنِسَاءً). والبث معناه النشر والتفريق، ومن ذلك
________
(١) أي في قوله تعالى في سورة البقرة (٣٥): (وَقلْنَا يَا آدَم اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْخكَ الْجَنًةَ).
(٢) أصح ما ورد في هذا الحديث ما جاء في الصحيحين؛ رواه مسلم: الرضاع - الوصية بالنساء (١٤٦٨)، ولفظه: عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا، كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا "، ورواه البخاري: النكاح - المداراة مع النساء (٥١٨٤).
قوله تعالى: (وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَة)، وإن هذا يدل على أن البشر الذين تفرقوا في هذا الوجود رجالا وإناثا، وانشعبوا قبائل متفرقة في أقصى الأرض وأدناها، كلهم ينتمون إلى هذه النفس الواحدة بلا فرق بينهم في أصل الانتماء، وفوق هذا يدل الكلام على أن طبيعة المرأة من طبيعة الرجل، وأنها ليست من جنس مرذول يجري الشيطان في عروقه ولا يجري في عروق الرجل، وأنها لعنة الله في الأرض كما تجري عبارات بعض المتكلمين في المسائل الدينية من غير المسلمين، وإن الآيات المتضافرة التي تدل على أن الزوج من نفس الزوج فيها إشارة إلى وجوب التجانس النفسي بين الزوجين، وأن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، وكل رجل يكون كنصف دائرة يسبح في الوجود حتى يلتقي بنصف الدائرة الذي يساوي قطره فيكون الالتئام وتتكون الحياة الزوجية الهنيئة.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ) تساءلون أصلها تتساءلون فأدغمت التاء في السين، وقرئ تساءلون بطرح إحدى التاءين، ومعناها يوثق بعضكم مطالبه من أخيه ومسألته له بالله تعالى أي يسأل بعضكم مزكيا مسألته بذكر الله تعالى، وبذكر الأرحام الرابطة بينكم، ووشائج القربى.
والأمر بالتقوى تكرر لتربية المهابة في النفس، ولتوكيد الطلب، ولأن مقام التقوى في الثاني غير مقام التقوى في الأول، فمقام التقوى في الأول هو مقام التقوى التي تتجلى في شكر الرب على ما أنعم، وبقيام الواجب نحو الخلق للصلة الجامعة الوثيقة، فهي تقوى الربوبية والإنعام، ومقام التقوى في الثاني تقوى الألوهية، ولذلك ذكر لفظ الجلالة الدالة على كل معاني الألوهية، فهي تقوى العابد الخائف الراجي رحمته، والأولى تقوى الشاكر المحس بجلائل الإنعام.
والأرحام قرئت بفتح الميم (١)، ويكون المعنى اتقوا الله واتقوا الأرحام، ومعنى اتقاء الأرحام ألا يقطعوها، بأن يجعلوا لها وقاية من المودة الواصلة،
________
(١) قرأها بالجر حمزة، وقرأ الباقون بالنصب. [غاية الاختصار ج ٢، ص ٤٥٩].
والأرحام هنا هي كل الصلات الإنسانية التي وصل بها بين الخلق بخلقهم من نفس واحدة، وبالأولى تدخل الأرحام الخاصة، والقرابات القريبة.
ويصح أن يكون المعنى اتقوا الله الذي تتساءلون به وبالأرحام، وتكون الواو واو المعية، وتتلاقى هذه مع قراءة الكسر (١)، وقراءة الكسر قد تتعارض مع قواعد النحاة الذين قد يقولون إن العطف لَا يكون على ضمير موصول مجرور، ولكن قراءات القرآن المتواترة فوق قواعد النحاة، وهي أصدق في الفصحى.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) هذا ختام للآية الكريمة فيه حث على المبالغة في التقوى ورعاية الرحم، والصلات الإنسانية التي تربط بين الناس بعضهم للوحدة الإنسانية الشاملة، وكان الحث على التقوى لإشعارهم جميعا بقوة رقابة الله سبحانه وتعالى. وقد ذكر العلي القدير رقابته مؤكدة بأوثق توكيد، فأكدها بـ " إنَّ " وبتكرار لفظ الجلالة الذي يربي في نفس المؤمن كل معاني العبودية، وبالتعبير بـ " كان " الدالة على الدوام والاستمرار، وبذكر الفوقية في قوله تعالى (عَلَيْكمْ) وهي دالة على معنى الاطلاع الدائم مع السيطرة والقهر، وأخيرا بصفة المبالغة إذ قال. (رَقِيبًا) وإن الله يؤكد صلة الأرحام بهذا وباقترانها به في الذكر وباقترانها به عند السؤال باسم الله تعالى، ويقول الزمخشري: " وقد آذن عز وجل إذ قرن الأرحام باسمه - أن صلتها منه بمكان كما قال تعالى: (... أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا...)، وعن الحسين: إذا سألك بالله فأعطه، وإذا سألك بالرحم فأعطه ".
* * *
________
(١) هي قراءة حمزة كما سبق بيانه.
(وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ... (٢)
* * *
أوجب سبحانه وتعالى الرحمة العامة في الآية السابقة وأخصها ما كان في الأسرة الواحدة، وقد ابتدأ في هذا بأحق الناس بالرحمة العاطفة، والمودة الواصلة، وهم الذين نزلوا إلى هذا الوجود من غير حامٍ غير الله تعالى يحميهم، ولا قلب يحنو عليهم حنو الوالد الشفيق، وأولئك هم اليتامى، واليتم معناه: (الانفراد) واليتيم هو الصغير الذي مات أبوه، وقد حث الله تعالى على إكرام اليتامى في آيات كثيرة، وأحاديث نبوية
مستفيضة قد تضافرت كلها على وجوب إكرامه ومنع قهره وإذلاله، ذلك أن اليتيم يحتاج إلى إصلاح وعطف ومحبة تعوضه عما فقد من رعاية، وإن العواطف الإنسانية تنمو في الطفل وهو صغير بالمجاوبة النفسية بينه وبين من يحيطون به.
فإذا انقطعت تلك العاطفة في الصغر نفر ونظر إلى الجماعة كلها نظرة العدو إلى عدوّه، فيكون من هؤلاء الذين فقدوا عطف الأبوة ولم يكن ما يعوضها - الشذاذ وقطاع الطرق، وبعبارة عامة من ليس عندهم ضمائر، ولا نفوس لوَّامة.
وقوله تعالى: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) فيه أمر واضح بالرعاية من ناحية المال، فلا يمنعون حقهم المالي، والأمر بالإيتاء أمر لعموم الجماعة الإسلامية بأن تتضافر في تمكين اليتيم من أن يصل إليه ماله، فلا يأكله الورثة وَيُضيعون حقه، وعلى ذلك يكون معنى الإيتاء تخصيص نصيب لليتامى كاملا غير منقوص، فتحفظ لهم حصتهم في أبيهم أو في مورثهم، ويحفظ لهم نصيبهم في كل غلة لأموالهم، ويكون وصف اليتامى على حقيقته؛ لأن ذلك وهم صغار، وفسر بعض العلماء الإيتاء بالإعطاء لهم إذا بلغوا رشدهم، ويكون التعبير عنهم باليتامى باعتبار ما كان.
وقوله تعالى: (وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) معناه: لَا تجعلوا لهم خبيث المال بدل الطيب، ويكون الطيب معناه الجيد، والخبيث معناه الرديء، فعلى هذا يكون المعنى الجملي: لَا تجعلوا رديء المال لهم بدل الجيد، فإذا كانت التركة شاءً فلا تجعلوا لهم الهزيلة، ولكم السمينة، وإذا كانت نقدا فلا تجعلوا لهم الزيوف، وتجعلوا لأنفسكم الجيد، ومعنى التَّبدل، جعل شيء بدل شيء أي يجعلون الرديء بدل الجيد، والباء في مادة التبدل يجوز أن تدخل على المتروك، ويجوز أن تدخل على المأخوذ، وهي هنا على المتروك، لأنه يترك عنهم الجيد، ويؤخذ لهم الرديء وفسر بعضهم الخبيث بالحرام، والطيب بالحلال، ويكون المعنى: لَا تجعلوا الحرام عليكم بدلا عن الحلال، أي لَا تأخذوا الحرام من مالهم وتتركوا الحلال الطيب من أموالكم، وبهذا فسر الزمخشري.
(وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) الكلام السابق كان في تخصيص أنصبة لهم غير منقوصة، وتخير هذه الأنصبة من الطيب دون الخبيث، وهنا الكلام في خلط أموالهم بأموال الأوصياء، ومعنى النص الكريم: لَا تضموا أموالهم إلى أموالكم آكلين لها. والآية صريحة في النهي عن خلط مال القاصر بمال الموصى عليه قاصدا أكله؛ لأن الأكل في ذاته حرام، وهي أيضا تتضمن النهي عن خلط مال القاصر، ولو لم يقصد أكله؛ لأنه قد يؤدي إلى ضياعه وعدم تمييزه، إذ يخشى أن يموت من غير أن يعرف مال اليتيم من ماله، فيؤدي الأمر إلى أكله، وإن لم يكن مقصودا، ولذا يقول الفقهاء: إذا مات الموصى على اليتيم مجهلا مال اليتيم اعتبر مستهلكا له.
(إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا) الضمير يعود إلى النهي عن أكل مال اليتيم بأي طريق كان الأكل، ومعنى " حوبا كبيرا ": إثما كبيرا، فالحوب معناه الإثم، وفلان يتحوب أي يتأثم، والحوباء النفس المرتكبة للإثم، وإن الإثم في هذا كان كبيرا؛ لأنه اعتداء على ضعيف، والاعتداء على الضعيف أكبر الإثم، ولأنه خيانة للأمانة، ولأنه تضييع لنفس بشرية وهي نفس اليتيم؛ لأنه إذا كان يؤكل ماله فمم يأكل؛ ولأن ذلك ينشئ اليتيم على النفرة من المجتمع، وفي ذلك شر مستطير، (ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا).
* * *
(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤) وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)
* * *
بين الله سبحانه وتعالى في الآية السابقة حق اليتيم من العطف والرعاية ومضار إهماله وعدم إصلاحه والعمل على إذلاله، وفي هذه الآيات يبين حق النساء، والأمر فيهن يتلاقى مع أمر اليتيم، لأنهن ضعاف (١)، فهن في حاجة إلى رعاية وإصلاح وعطف، ومعاملة عادلة لَا شطط فيها ولا جور، ولذا قال تعالى:
________
(١) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله - ﷺ - أنه كان يقول على المنبر: " أُحَرِّجُ مَالَ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ ". رواه الحاكم في المستدرك (٧٢٤٥): ج ٤، ص ١٤٣، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِى الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثلاثَ وَرُبَاعَ...).
معنى الإقساط العدل، ومن ذلك قوله تعالى: (... إِنَّ اللَّهَ يحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)، وقوله تعالى: (وتقسطوا إليهم) أي تقيموا العدل بيسر ليصل إليهم من غير مجهود، فمن النقص في العدل ألا يصل العدل إلى صاحبه إلا بمشقة وجهد.
ومعنى " خفتم ": ظننتم، ومعنى " ما طاب لكم ": ما حل. وقد تفسر بمعنى ما تستحسنونه من النساء لدين وخلق ونسب وجمال أو لواحد من هذا، و " ما " هنا في موضع العاقل، وعبر بـ " ما "، وهي في أصل وضعها لغير العاقل، إما لأنه أريد الصفات؛ لأن طاب تدل على أن الوصف أساس الاختيار، وإما لأن جماعة الإناث تعامل في نسق القول معاملة غير العاقلين كما قرر الزمخشري، وإما لأنه عند التعميم يستعمل (ما) في موضع (مَن)، و (مَن) في موضع (ما) كقوله تعالى: (... فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ...)، وذلك هو الذي نختاره. والنكاح هنا معناه العقد، وكلمة النكاح في القرآن الكريم لم تستعمل إلا في موضع العقد، لَا الوطء.
وهنا شرط وجواب، والشرط هو (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطوا فِي الْيَتَامَى) والجواب هو (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ)، وقد تكلم
العلماء في العلاقة بين الشرط وجزائه، وتساءلوا ما العلاقة بين الإقساط في اليتامى، والزواج مثنى وثلاث ورباع، إلى آخر النص الكريم؛ وقد أجيب عن ذلك بعدة إجابات:
أولها: أن الرجل تكون في ولايته يتيمة، فيخشى ألا يتزوجها خشية ظلمها، أو يخشى أن يطلبها من وليها فيكون منه الظلم لضعفها وعدم وجود حام لها، فقال الله تعالى ما معناه إن رغبتم في الزواج من اليتيمات، وخشيتم من تحقيق هذه الرغبة ألا تعدلوا في اليتامى فلا تحققوا هذه الرغبة، وأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، وتكون إباحة التعدد وتقييده قد جاءت عرضا، لا بالقصد الأصلي في البيان، وقد روى المفسرون ذلك عن عائشة رضى الله عنها. وثانيها: أن المعنى: إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فخافوا أيضا ألا تقسطوا في النساء بتزوج أكثر من أربع، أو في دائرة الأربع ولا تعدلوا، أي أنه إذا كان قد تحقق منكم هذا الخوف بالنسبة لليتامى فخافوا بالنسبة للنساء، فلا تتزوجوا أكثر من أربع، وعلى هذا التخريج يكون النص قد سيق لتقدير التعدد لَا لإباحته، وقد قال هذا بعض التابعين.
وثالثها: وقد ذكره الزمخشري، وهو أن يكون المعنى: إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فخافوا الزنا أيضا، وإذا خفتم الزنا فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، والربط بين الزنا وظلم اليتامى أن كليهما فيه إضعاف للنسل، فالزنا إضعاف له بإخراج مولود ليس له ولي أصلا، واليتم فقد الولي، فكلاهما فاقد للنصير، ومن حماية الإنسان من الزنا أن ينكح ما طاب له مثنى وثلاث ورباع، ويكون في هذا التخريج بيان التعدد المباح، وإشارة إلى بعض حكمته.
ورابعها: وهو ما اختاره ابن جرير الطبري، أن المعنى إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فخافوا أيضا ألا تقسطوا في النساء إذا تخلفت العدالة عند التعدد فلا تعددوا، وإذا تخلفت العدالة في الواحدة فمما ملكت أيمانكم، فالآية سيقت للعدالة في التعدد وعدم التعدد، وهو قريب من الثاني، فإن كليهما لمنع ظلم
الفساد، بيد أن الثاني تخريجه على أساس تقييد العدد، أما هذا فسياقه المطالبة بالعدالة، وهما متلاقيان في الجملة.
وعلى كليهما يكون التعدد والعدالة قد سيق الكلام لهما، ولم يكن عرضا، وإنا نختار ذلك، وسياق القول يدل عليه، وذلك أن الكلام في اليتامى قد اختلط بالكلام في النساء، وذلك لأن كليهما ضعيف، وقد كانت حقوق المرأة ضائعة مأكولة كما كانت حقوق اليتيم ضائعة مأكولة، والمرأة في عهد نزول القرآن كانت أسيرة في بيت أبيها وبيت زوجها فأوصى الله برعايتها كما أوصى برعاية اليتيم، ولذلك قيد التعدد بالعدل، وقيد بالقدرة على الإنفاق كما سنبين، وذلك لكيلا يقع ظلم على المرأة.
ولفظ " مثنى " معدول به عن اثنين، اثنين، وثلات معدول به عن ثلاث ثلاث، ورباع معدول به عن أربع أربع، ومعنى جاء الجند مثنى أي جاءوا اثنين اثنين، وجاءوا ثلاث أي ثلاثة ثلاثة، ورباع أي أربعة أربعة، ومعنى الآية على هذا أن لجماعة العاقلين أن يتزوجوا معددين جامعين اثنين أو جامعين ثلاثا، أو جامعين أربعا، والخطاب في قوله تعالى: (فَانكِحُوا) لجماعة المسلمين، أي كونوا أيها المسلمون معددين اثنين أو ثلاثا إلى آخره.
والعطف على نية تكرار العامل، أي انكحوا جامعين اثنين أو انكحوا جامعين ثلاثا أو انكحوا جامعين أربعا، وبهذا النص يستفاد أن الإباحة مقصورة على أربع، وقد ثبت في السنة أن بعض الذين أسلَموا كان معهم في عصمتهم أكثر من أربع فأمرهم النبي - ﷺ - أن يقتصروا على أربع، ويطلقوا الزائد عنهن (١).
وقد قيد التعدد بقيدين أحدهما القدرة على العدالة، والثاني القدرة على الإنفاق، ولذلك قال سبحانه وتعالى بعد ذلك: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا).
________
(١) عن سالم، عن أبيه قال: أسلم غيلان بن سلمة الثقفي وعنده عشر نسوة فأمره النبي - ﷺ - أن يأخذ منهن أربعًا. رواه الحاكم في المستدرك (٢٨٢٩) ج ٢، ص ٢٠٩.
العدالة شرط في كل زواج ولو كان ذا زوجة واحدة، فمن كان غير قادر على العدالة أو على الإنفاق لَا يحل له أن يتزوج، والزواج مطلوب من القادر على العدالة والإنفاق، ولذا قال النبي - ﷺ -: " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة (أي تكاليف الزواج من نفقة وغيرها) فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجَاء " (١) أي إنه قاطع شهواته بالسيطرة عليها، وإذا كانت العدالة مطلوبة في الزواج الواحد، فهي ألزم في تعدد الزوجات، ومعناها يتسع، فتكون العدالة مع كل واحدة بحيث لَا يظلمها في ذاتها، ويجب عليه أن يساويها مع غيرها، والعدل المطلوب هو العدل الظاهر بالتسوية بينهن في المطعم والملبس والمسكن والبيت، فلا يبيت عند واحدة أكثر من غيرها إلا بإذنها، أما العدل الباطن بمعنى التسوية في المحبة القلبية، فهي غير ممكنة وغير مطلوبة، وقد جاء في أحكام القرآن للجصاص: " أمر الله تعالى بالاقتصار على واحدة إذا خاف الجور ومجانبة العدل. إنها إباحة للاثنتين إذا شاء، وللثلاث إن شاء، وللأربع إن شاء، فإن خاف ألا يعدل اقتصر من الأربع على الثلاث، فإن خاف ألا يعدل اقتصر على اثنتين، فإن خاف ألا يعدل اقتصر على واحدة... والعدل المطلوب هو العدل الظاهر، وهو القَسْم بين الزوجين، والمساواة في الإنفاق، والمساواة في المعاملة الظاهرة، وليس هو العدل في المحبة الباطنة فإن ذلك لَا يستطيعه أحد، ولا يكلف الله إلا ما يكون في الوسع، لَا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وكان النبي - ﷺ - لا يسوي بين أزواجه في المحبة القلبية، ولذلك كان يقول عند قَسْمه بين أزواجه: " اللهم إن هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك " (٢).
وقد وفق العلماء بين هذه الآية التي تطالب بالعدل، وبين الآية التي تنفي إمكانه، وهو قوله تعالى: (وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا
________
(١) رواه البخاري: النكاج - من لم يستطع الباءة فليصم (٥٠٦٦).
(٢) روى أبو داود: النكاح - القسم بين الزوجات (٢١٣٤) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ وَيَقُولُ: " اللهُمَ هَذَا قَسْمِي فيمَا أمْلكُ فَلا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلا أمْلِكُ " قَالَ أبُو دَاوُد: يَعْنِي الْقَلْبَ.
تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَروهَا كَالْمُعَلَّقَةِ...)، فقالوا إن العدل المطلوب هو العدل الظاهر والمساواة في المعاملة والعدل المنفي المساواة في المحبة القلبية.
وإنه واضح أنه إذا لم يستطع العدل الظاهري وجب الاقتصار على واحدة، وإن لم يستطع العدل معها اكتفى بالدخول بملك اليمين، أي بالدخول بالجارية التي يملكها، وقد زال الرق، فزالت معه تلك الرخصة، فمن لم يستطع العدالة مع زوجه عليه أن يروض نفسه بالصوم، أو يروض نفسه على العدالة.
وقد قيد التعدد بقيد ثان، وهو القدرة على الإنفاق على النسوة اللائي يتزوجهن، وعلى من سيرزقهم الله منهن، وقد أشار القرآن إلى وجوب مراعاة ذلك، فقد قال تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولوا) أي إن هذا التقييد بهذا العدد المحدود، مع قيد العدالة، ومنها القدرة على الإنفاق، أقرب إلى ألا تعولوا، وعال يعول معناها مال، ومنه عال الميزان أي مال، وفسرها بعض العلماء بمعنى ذلك أدنى ألا تجوروا، وروى ذلك التفسير عن عائشة - رضي الله عنها، ولكن فسرها الإمام الشافعي بألا يكثر عيالكم، وهذا التفسير يؤدي إلى معنى جديد، لم يفهم مما سبق، وقد رجح ذلك الزمخشري بقوله: " والذي يحكى عن الشافعي أنه فسر ألَّا تعولوا: ألَّا تكثر عيالكم فوجهه أن يجعل من قولك عال الرجل عياله يعولهم، كقولهم مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم، لأن من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما يصعب المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب، وكلام مثله من أعلام العلم وأئمة الشرع ورءوس المجتهدين حقيق بالحمل على الصحة والسداد، وألا يظن به تحريف تعيلوا إلى تعُولوا، فقد روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: " لا تظن بكلمة خرجت من فيِّ أخيك سوءا وأنت تجد له محملا "، وكفى بكتابنا " شافي العي، من كلام الشافعي " شاهدا بأنه أعلى كعبا، وأطول باعًا في علم كلام العرب من أن يخفى عليه مثل هذا، ولكن للعلماء طرقا وأساليب، فسلك الشافعي في هذه الكلمة طريق الكنايات ".
ومع أن التعدد مقيد بالعدالة والقدرة على الإنفاق، وهي تدخل في العدالة، لا يعتبر العقد فاسدا إذا لم يتوافر هذان الشرطان ولم يحدث أن قاضيا أو حاكما اشترط لصحة العقد أو نفاذه ذلك الشرط، والإجماع على أنه لَا أثر لفقد الشرطين في العقد، وكل كلام غير ذلك هو بدعة لم تكن عند السلف، وإنما لم يفسد العقد لأن الفساد يكون بأسباب واقعة، لَا بأسباب متوقعة، والعدالة والإنفاق أمران مقدران في المستقبل، فقد يتوب من الظلم، وربما يجعل الله من عسره يسرا، ولأن الظلم أمر نفسي، والفساد والبطلان لَا يكونان لأمور نفسية خفية لَا يجري عليها الإثبات. وإذا سوغ بعض الناس للقاضي ألا يأذن إلا إذا تأكدت العدالة والقدرة على الإنفاق، فقد جعل للقاضي ما لَا سبيل إلى التأكد منه، ثم إن العدالة والقدرة على الإنفاق لازمان في الزواج (١) لزومهما في الزواج الثاني والثالث، فلماذا يسوغان ذلك للقاضي عند التعدد فقط؟! إن ذلك معاندة لشرع الله تعالى الذي أباح التعدد.
والتعدد لَا بد منه عند استحكام الشهوات؛ لأنه إن لم يعدد اتجه إلى الحرام، والحلال على أية صورة خير من الحرام، واتخاذ الحلائل خير من اتخاذ الخلائل، والتعدد قد يكون علاجا اجتماعيا، عندما تأكل الحرب شباب أمة من الأمم ويكون عدد النساء الصالحات للزواج أكثر من الشباب بأضعاف مضاعفة، ولا سبيل لإكثار النسل إلا بالتعدد، وهو في هذه الحال منع للمرأة من الابتذال ووقوعها في البغاء، وإن التعدد في هذه الحال خير للمرأة بلا ريب، فليس التعدد شرا على المرأة في مجموع عددها، وقد تكون الزوجة في حال تستوجب أن يتزوج الزوج بأخرى لمرضها أو يطلقها، والخير لها حينئذ في بقاء الزوجية. ذلك شرع الله. وقد منع الأوربيون التعدد الشرعي، ففتح الناس باب التعدد الحرام، وفسدت الأسرة هنالك وانحلت، والأسرة الإسلامية ما زالت أقوى الأسر استمساكا، ولا تزال كذلك ما استمرت مستمسكة بدينها، معرضة عن الدعوات التي تريد إبعادها عنه.
* * *
________
(١) أي في الزواج الأول، وبعبارة أخرى: في الزواج بواحدة.
(وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً... (٤)
* * *
هذا الكلام في بيان العدالة مع النساء في المعاملة، فلا يصح أن يستهان بحقوقهن التي ينشئها الزواج، وأولها المهر، فالصدقة هنا هي المهر، وسمى صدقة لأن تقديمه يدل على صدق النية، والإخلاص في طلب الزوجة، فمن أخلص في طلب يد امرأة قدم لها ما يليق بمثلها تكريما لمعنى الزوجية، وتشريفا لتلك العلاقة، وقال تعالى: (نِحْلَةً) ومعناها عطاء بطيب نفس، وهي " فِعْلَة " من نَحَلَهُ ينحله بمعنى أعطاه هبة صادق النية، وفسرها بعض العلماء بمعنى فريضة واجبة، وقد فسرها بذلك أبو عبيدة، وقال الزجاج في آتوهن صدقاتهن نحلة (تدينا) أي أن الدين أوجب ذلك، والخطاب لجماعة المؤمنين يوجب أداء المهور صادقي النية طيبي النفوس متدينين بهذا العطاء.
(فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا) الحياة الزوجية لَا تقوم فقط على التكليف الواجب، بل تقوم على المودة الرابطة والتسامح، وقد يجهد الرجل الهر كله، فيقتضي حسن العشرة أن تترك بعض مهرها طيبة النفس، وليست المهور كسائر الديون، إنما هو دين فيه معنى الهدية، ولذلك فتح الشارع الباب لمثل هذه المعاني. ولذلك قال تعالى: (... وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، ومعنى طابت نفسها رضيت من غير تورط، ولا تغرير ولا ضغط ولا إرهاق، وطيبة النفس بالعطاء أرق من الرضا به؛ لأن الرضا قد يتصور مع التورط أما طيبة النفس فلا تتصور إلا بالسماح، بل من غير طلب بالتصريح أو بالإشارة، ومعنى هنيئا، أي لَا ألم في أخذه، ومعنى مريئا حسن العاقبة، وأكل المال أخذه، فلا يراد بالأكل هنا حقيقته، بل يراد الأخذ الذي يؤدي إليه.
وقد كان يحدث أن بعض الناس يرهقون زوجاتهم ليتركوا بعض المهر أو كله، فكان الفقهاء حريصين على أن تتوافر الحرية كاملة في العطاء، ولذا كتب عمر - رضي الله عنه - إلى بعض قضاته: " إن النساء يعطين رغبة ورهبة، فأيما
امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فلها ذلك " وروي أن رجلا أبرأته امرأته من مهرها، ثم طلقها فرجعت (١) فاحتكما إلى عبد الملك بن مروان فحكم لها، وقال شريح في مثل هذه الحال: لو طابت نفسها ما رجعت، وكان الأوزاعي لَا يجيز هبة المهر إلا بعد أن تنجب منه، أو تمضي سنة على زفافها - والنص يشير إلى أنه يحسن ألا تترك له كل المهر، ولذا قال تعالى: (فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شيْءٍ مِّنْهُ) ومن للتبعيض أي عن بعضه، ويظهر أن هذا لتأكيد طيب نفسها، ويجوز الإبراء منه كله.
* * *
________
(١) أي رجعت فيما أبرأت من مهرها.
(وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا... (٥)
* * *
السفهاء جمع سفيه، والسفه اضطراب في الرأي والفكر، وأصله من اضطراب المحسوسات. ويقول الراغب الأصفهاني في مفرداته: " السفه صفة في البدن، ومنه قيل زمان سفيه كثير الاضطراب، وثوب سفيه رديء النسج، واستعمل السفه في صفة النفس لنقصان العقل في الأمور الدنيوية ".
والسفهاء هنا هم الذين لَا يحسنون تدبير الأموال إما لصغر سنهم، وإما لنقص عقولهم، وإما لسوء تدبيرهم وتبذيرهم، والقيام هنا هو الولاية المالية والسلطان، وعبر عن الولاية بالقيام، لأن القيام هو العماد والسناد في اللغة، والولاية المالية المقصود منها أن تكون عمادا وسندا للقاصر المولى عليه، وعلى هذا التفسير يكون معنى السفهاء شاملا لكل العاجزين عن تدبير المال أيا كان سبب العجز. ويكون معنى النص الكريم: لَا تعطوا المال لِلَّذين لَا يحسنون القيام عليه لصغر أو نقص عقل، أو فساد رأى ثابت، والمراد مال هؤلاء، ولكن أضيف المال إلى الأولياء ليحثهم على حفظه وصيانته كأنه مالهم، وقد يكون الخطاب لجميع الأمة بالدعوة إلى المحافظة على أموال العاجزين؛ لأنه من حال الأمة المتضافرة المتعاونة المتكافلة، ورجح الزمخشري أنه خطاب للأولياء، وقال في ذلك: " والخطاب للأولياء وأضاف الأموال إليهم؛ لأنها من جنس ما يقيم به الناس
معايشهم، كما قال: (... وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكمْ...)، والدليل على أنه خطاب للأولياء في أموال اليتامى قوله: (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ) وإنه على أن الخطاب لمجموع الأمة المتكافلة يكون من التكافل رزق اليتامى وعدم قهرهم.
(وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا) معنى الرزق الإنفاق المستمر المنظم على الشخص في طعامه وكسوته، فالكسوة بل المسكن داخلان في ارزقوهم وإنما خص الكسوة بالذكر؛ لأنها كثيرا ما تهمل، وللحث على المبالغة في تكريمهم، ومن مظاهر التكريم الكسوة الحسنة، وقال ارزقوهم فيها واكسوهم، ولمْ يقل ارزقوهم منها للإشارة إلى أن الرزق لَا يقتطع منها، بل يتجر فيها ويعمل فيها ليكون الرزق فيها من الكسب لَا من أصلها، ولهذا قال النبي - ﷺ -: " اتَّجِروا في مال اليتيم حتى لَا تأكله الصدقة " (١) وقد قال الزمخشري في تفسير ارزقوهم فيها: " اجعلوها مكانا لرزقهم بأن تتجروا فيها وتربحوا حتى تكون نفقتهم من الأرباح لَا من صلب المال " وقد أمر الله تعالى بألا يرهق المحجور عليه، ولا يستذلوا ولا يقهروا؛ ولذا قال: (وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْروفًا) أي قولا غير منكر وغير مسترذل، وغير قاهر وغير مضعف لنفوسهم، ولا مذل لهم، وذلك لكيلا يذهب الحجر بعزة نفوسهم، وليشعروا أنه في مصلحتهم، ولكيلا تضعف شخصيتهم، ويمردوا مع الذلة صغارا؛ فيعادوا الناس كبارا، والله هو الولي وهو نعم المولى ونعم النصير.
* * *
________
(١) روى الترمذي: الزكاة - زكاة مال اليتيم (٦٤١) عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيه عَنْ جَده أن النَّبِي - ﷺ - خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: " ألا مَن وَلِيَ؛ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَجِرْ فِيهِ وَلا يَتْرُكْهُ حَتَى تأكُلَهُ الصدَقَةُ ".
(وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦) لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)
* * *
قلنا إن الآيات الكريمات من أول السورة في بيان العلاقات الإنسانية، وقد نظم سبحانه وتعالى العلاقات بين بني الإنسان، وعني ببيان حقوق الضعفاء، وهم اليتامى والنساء، فقد كانت المرأة في الماضي مظنة أن تؤكل حقوقها وتهضم، واليتيم مقهور إلا إذا مَنَّ الله تعالى بكالئ من البشر يحوطه بعنايته، وفي هذه الآيات التالية يبين سبحانه معاملة اليتيم حتى يبلغ، وحقه في الميراث، وكيف تجب حياطته والعناية به وبماله، ولا يدفع إليه ماله إلا إذا رشد.
(وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا) الابتلاء معناه اختبار حال اليتيم من حيث قدرته على التصرف في ماله، ويُمَرَّن على ذلك قبيل البلوغ، حتى لَا يجيء وقت إلا وقد صار في قدرة على إدارتها، وقد قال القرطبي في بيان اختباره: " لا بأس أن يدفع إليه شيئا من ماله يبيح له التصرف فيه، فإن نماه وحسن النظر فيه فقد وقع الاختبار، ووجب على الوصي تسليم جميع ماله إليه (أي بعد بلوغه) وإن أساء النظر فيه وجب عليه إمساك المال عنده "... وقال جماعة من الفقهاء: الصغير لَا يخلو أن يكون غلاما أو جارية، فإن كان غلاما رَدَّ النظر إليه في نفقة الدار شهرا، وأعطاه شيئا نَزْرا ليتصرف فيه، ليعرف كيف تدبيره وتصرفه، وهو مع ذلك يراعيه لئلا يتلفه، فإذا رآه متوخيا سلم إليه ماله عند البلوغ وأشهد عليه، وإن كان جارية رد عليها ما يرد إلى ربة البيت من تدبير بيتها والنظر فيه في الاستغزال والاستقصاء على الغزالات في دفع القطن وأجرته، واستيفاء الغزل وجودته، فإن رآها رشيدة سلم إليها مالها وأشهد عليها وإلا بقيا تحت الحجر.
وإن نهاية اليتيم ببلوغ النكاح، أي بوجود المظاهر التي تدل على الرجولة في الغلام، والتي تدل على مبلغ بلوغ النساء في الفتاة، وإن أقصى مدة البلوغ ذلك المبلغ اختلف الفقهاء فيها، فالجمهور على أن البلوغ بالسن وهو أقصى غاية: لظهور أمارات النكاح ببلوغ خمس عشرة، وأبو حنيفة على أنه سبع عشرة بالنسبة للفتاة وثماني عشرة سنة بالنسبة للصبي... وقوله تعالى: (بَلَغُوا النِّكَاح) كناية واضحة عن ظهور أمارات الرجولة الكاملة، وأمارات الأنوثة؛ لأن الاستعداد للزواج هو كذلك، و " حتى " هنا للغاية، وهي داخلة على الجملة، فهي تبين نهاية الصغر، والجملة التي دخلت عليها ظرفية في معنى الشرط.
ولا يدفع المال بمجرد البلوغ، بل لَا بد من الرشد، ولذلك قال تعالى: (فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَكُلُوهَا إِسْرَافا وَبِدَارًا أَن يَكْبَروا) آنس معناها أبصر، ولذلك قال تعالى: (... آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا...)،
وقيل آنس معناها أَحَسَّ، وعندي أن معنى الإحساس ثابت في آنس، فهو ليس رؤية فقط، بل هو رؤية، اتصل بها إحساسه ووجدانه، ومعنى الرشد الصلاح في العقل والخلق والمال، ونكّر الرشد، فقال (رشْدًا) للإشارة إلى أنه لَا يطلب من الصغير أن يؤتى الرشد الكامل بمجرد البلوغ بل إنه يكتفى بنوع من استئناس الرشد وتوقع الخير منه، ولا يطلب منه الكمال وإلا ما أعطى صغير يبلغ ماله قط؛ لأن الرشد الكامل لَا يكون إلا بالممارسة المستمرة. ومعنى هذا الكلام أنه لَا بد من فترة بعد البلوغ يستأنس فيها الرشد، بعد الاختبار في الصغر، إلا إذا كان الاختبار في الصغر أثبت رشدا، وإذا بلغ غير رشيد ولم يؤنس منه رشد استمر تحت الولاية عند جمهور الفقهاء مهما تبلغ سنه، وذلك لقوله تعالى: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا...)، وقال أبو حنيفة: لَا يدفع إليه ماله حتى يبلغ الخامسة والعشرين، فإذا بلغها عاقلا، ولو غير رشيد فليس لأحد عليه سبيل، وعلى هذا الرأي إبراهيم النخعي.
وقد نهى الله الأوصياء عن أن يأكلوا مال اليتامى، فقال: (وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا) أي لَا تأكلوا في مدة وصايتكم أموال اليتامى مسرفين في الأكل، أو مبادرين بالأخذ خشية أن يكبروا، فالإسراف والبدار مصدران وقعا في موقع الحال، وهما في معنى الوصف، وليس المراد أن لهم أن يأكلوا غير مسرفين ولا مبادرين، بل إن ذلك بيان لأشنع الأحوال التي يقع فيها الأوصياء، وهي أن يأكلوا أموال اليتامى بإسراف مبادرين إلى الأكل خشية أن يكبروا فتؤخذ منهم تلك الأموال وتئول إلى أصحابها.
وقد بين سبحانه جواز الأكل من مال اليتيم عند الضرورة فقال: (وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) قسمت الآية الأوصياء إلى قسمين: غني يقوم برعاية اليتيم من غير أجر حسبة لله تعالى، وقال عنه: (فَلْيَسْتَعْفِفتْ) ومعناها ليُعِفَّ نفسه، وقال الزمخشري: إن الاستعفاف أبلغ
من العفاف؛ لأنه تحري العفاف وبلوغ أقصى غاياته، ومعنى ذلك أنه لَا يأخذ شيئا، لأن طلب أي شيء من غير حاجة طمع في مال اليتيم، يتنافى مع العفاف الذي ينبغي أن يتحلى به الأوصياء.
والقسم الثاني: فقير أذنه الله تعالى بأن يأكل من مال الصغير بالمعروف أي بالقدر الذي لَا يستنكر، فلا يسرف في الأخذ، وقد قال رجل للنبي - ﷺ -: إني فقير ليس لي شيء ولي يتيم، فقال له: " كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل " (١) أي جامع مدخر تتجاوز الحاجة، وقد روي أن عمر بن الخطاب شبه الوالي على المسلمين بالوصي على اليتيم، قال: (ألا إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة الولي من مال اليتيم إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت).
ونرى من هذا أن الآية تشير إلى أنه لَا تفرض أجرة للغني قط، أما الفقير فيأكل بالمعروف، ولا يكون ذلك أجرة لأنه ممنوع من التأثل والادخار " وذلك لأن اليتيم رعايته فرض كفاية على المسلمين ليخرج أليفا مألوفا، ولا يخرج منابذا الجماعة، شرا عليها.
وجمهور الفقهاء قد قرروا جواز فرض أجرة حتى للغني خشية أن يحجم الناس عن ولاية أمر اليتيم، والله سبحانه يتولاه برعايته، ويحفظه بكلاءته.
(فَإِذَا دَفَعْثمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَفمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكفَى بِاللَّهِ حَسِيب) هذا بيان ما يجب القيام به عند انتهاء الوصاية عليه، وهو أن يدفع إليه ماله كاملا، وللاحتياط من الخصومات والمنازعات يُشْهِد على دفعه المال، والشهادة في هذه الحال حجة لازمة ملزمة للمحجور عليه الذي انتهت الوصاية عليه، فهذا إرشاد
________
(١) رواه أحمد: الوصايا: مسند عبد الله بن عمرو بن العاص (٦٧٢٦) ولفظه: عَنْ عَمْرُو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: لَيْسَ لِي مَالٌ، وَلِي يَتِيمٌ؟ فَقَالَ (٤): " كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ " أَوْ قَالَ: " وَلَا تَفْدِي مَالَكَ بِمَالِهِ " "، والنسائي: الوصايا - ما للوصى من مال اليتيم (٣٦٠٨).
عظيم من الله سبحانه وتعالى لمنع المشاحة وَلإِبْرَاءِ الوصيّ، ولكي يكون اليتيم على بينة من أمره، والكلام يتضمن تقديم حساب عن التصرفات التي تصرفها في مال القاصر، وقد كان علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وصيا على يتامى، فلما أعطى إليهم أموالهم حاسبهم وحاسبوه، وكان في ضمن الحساب زكوات أموالهم؛ إذ كان يدفعها من هذه الأموال.
وإنه في هذا الحساب يكتفي أبو حنيفة بيمينه إذا كان هناك خلاف في شأنها؛ لأنه أمين لم تعرف خيانته، إذ لو عرفت لعزل، والأمين يصدق باليمين إذا خولف، والمالكية والشافعية والحنابلة لَا يُقْبل الحساب عندهم إلا بالإقرار من القاصر، أو البينة الكاملة، وهي رجلان أو رجل وامرأتان، وإن حساب الناس قد يغادر الكثير، والأمر في ذلك إلى الضمير الديني، والقلب المخلص، ولذلك كان وراء حساب الناس حساب الله الذي لَا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ولذا قال سبحانه: (وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) والحسيب هو المحاسب المراقب المشاهد الدقيق الحساب الذي لَا يترك شيئا، وكفى أن يكون هذا الحساب، وكأن المعنى: حاسبوا أنفسكم فقدموا الحساب عن مال اليتيم صادقا؛ فإنكم إن أفلتم من حساب الدنيا فلن تفلتوا أبدا من حساب الله المحيط الدقيق، وإن استطعتم الإخفاء والكتمان والتحايل على الناس، فلن تستطيعوا ذلك عند الله تعالى.
* * *
(لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ... (٧)
* * *
هذه قاعدة عامة لأصل التوريث في الإسلام، وهي قاعدة أن الرجال لا يختصون بالميراث، بل للنساء معهم حظ مقسوم، ونصيب مفروض، سواء أكان قليلا أم كان كثيرا، وهذا إبطال لما كان يقع في الجاهلية من حرمان النساء من الميراث وقصره على الرجال. وذكر في هذا الموضع عند الكلام في شئون اليتامى؛ لأن الظلم عليهم كما يقع في أموالهم الثابتة، قد يقع في أموالهم التي تئول إليهم من مُوَرثيهم، فهذا النص أفاد دفع الظلم عن ضعيفين هما المرأة واليتيم، أفاد دفع الظلم عن المرأة بالنص، وأفاد دفع الظلم عن اليتيم بالإشارة، وسيصرح القرآن
الكريم بذلك في قوله سبحانه: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ...). ولقد روى ابن عباس أنه قال: كان أهل الجاهلية لَا يورثون البنات ولا الصغار الذكور حتى يدركوا، فمات رجل من الأنصار يقال له أوس بن ثابت وترك ابنتين وابنا صغيرا، فجاء ابنا عمه - وهما عصبته - فأخذا ميراثه كله، فأتت امرأته رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وذكرت ذلك، فنزل قوله تعالى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ ممَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ والأَقْرَبُونَ) (١).
وقد ذكر سبحانه الحق مرتين، فذكره أولا للرجال فقال: (للرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ والأَقْرَبُونَ) ثم ذكره ثانيا للنساء فقال: (وَلِلنِّسَاءِ) وذلك ليؤكد حقهم، وليبين أنه حق مستقل عن حق الرجل، ثبت لها استقلالا بالقرابة، كما ثبت له استقلالا بالقرابة، حتى لَا يتوهم أحد أن حقها تابع لحقه بأي نوع من أنواع التبعية، ثم أكد سبحانه الحق بقوله:
(مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) هذا تأكيد لحق النساء في التركة، وقد أكده مرتين - أولاهما - أنه يجب في كل تركة قليلة أو كثيرة فليس حقها تسامحا يعطى، ولكنه حق ثابت، لَا يُقَدم حق للرجل، ويؤخر حق المرأة، بل يثبتان معا في القليل والكثير، ولا تسامح في القليل - ثانيهما قوله: (نَصِيبًا مَّفْرُوضًا) وهي منصوبة على الاختصاص، والاختصاص يفيد العناية أي قدرا عناه الله تعالى وقصده (مَّفْروضًا) أي مقطوعا لَا سبيل إلى الهوادة فيه، والاكتفاء ببعضه نزرا يسيرا، أو مقدارا كبيرا، فلا بد من إعطائه كاملا غير منقوص.
* * *
________
(١) أورده السيوطي في الدر المنثور ج ٢، ص ٤٣٧ وقال: أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية لَا يورثون البنات، ولا الصغار الذكور حتى يدركوا.
(وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)
* * *
هذا النص الكريم ورد في الأقارب الذين لَا ميراث لهم كما قال أكثر المفسرين، ولكن القارئ للنص يرى أنه أوسع شمولا؛ لأنه يشمل المساكين واليتامى بإطلاق، وإن لم يكونوا أولي قربى، والمساكين هم الفقراء الذين أسكنتهم الحاجة
وأذلتهم، وليس المراد من حضورهما أن يكونوا مشاهدين للقسمة؛ لأن قسمة الأموال لَا تكون عادة في حضرة هؤلاء الضعفاء، وإنما المراد العلم بهم من مُقَسِّمي التركة علم حضور ومعاينة، ومعنى الرزق إعطاؤهم مالا ينفقون منه، ويسدون منه حاجاتهم بحيث لَا يكونون أثرياء. والأمر في قوله تعالى: (فَارْرقُوهم). قال بعض التابعين: إنه للندب، فعلى الورثة أن يَرْضَخُوا (١) مقدارا من المال ندبا، وحجة هؤلاء في أن الطلب للندب أنه غير مقدر، والفرض الذي يكون لازما من المال لَا بد أن يكون مقدرا، وقد كان الصحابة يفعلون ذلك، حتى إنه يروى أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسم ميراث أبيه، وأم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - على قيد الحياة، فلم يدع في الدار أحدا إلا أعطاه.
وقال بعض التابعين: إن ذلك واجب، وهو للقرابة الفقيرة واليتامى والمساكين في التركات، فهو ثابت كثبوت حق الورثة، لَا يزيد أحدهما على الآخر، وعدم التقدير فيه ليس إجمالا، بل ترك الأمر فيه إلى الورثة، وإلى القاضي الذي يقوم على تنفيذ التركات، وقد ادعى بعض التابعين نسخ الوجوب في الآية فرد قوله سعيد بن جبير، فقال: " إن ناسا يقولون نسخت، والله ما نسخت، ولكنها مما تهاون به الناس ".
وإن الذين قرروا أن الأمر للوجوب قصروا العطاء على (النقود) وما يشبهها كالقمح ونحوه دون العقار، وقد روي أن الحسن والنخعي قالا: " أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات واليتامى والمساكين من العين (أي الذهب والفضة " فإذا قسم الذهب والفضة وصارت القسمة إلى الأرضين والرقيق - قالوا لهم قولا معروفا.
وقد قرر من الفقهاء وجوب العطاء - الظاهرية، فقالوا يجب إعطاء هؤلاء من التركة مقدارا يتناسب مع حال الورثة وجال هؤلاء ومقدار التركة، ويقدره القضاء.
________
(١) رَضَخَ له من ماله يَرْضَخُ رَضْخا: أعطاه.؛ الرَّضْخُ: العطية القليلة. [لسان العرب - رضخ].
والقول المعروف مطلوب: وهو القول الذي لَا يخدش الكرامة، وليس فيه منة العطاء، وقد قال فيه الزمخشري: (وأن يلطفوا لهم القول، ويقولوا خذوا بارك الله عليكم، ويعتذروا إليهم، ويستقلُّوا ما أعطوهم، ولا يستكثروه ولا يمنوا عليهم).
* * *
(وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)
* * *
واضح أن هذا النص وارد في اليتامى، ويحتمل أن يكون المراد الحث على إعطاء اليتامى غير الوارثين مقدارا يعين على إصلاحهم، ويكون تخصيصهم بالذكر للحث على إكرام اليتيم، وذلك سنن القرآن الكريم دائما، ويحتمل وهو الراجح أن يكون الكلام في شأن نصيب اليتامى في التركات، ويكون المخاطبون غير المخاطبين فيما مضى أو هم، ولكن لعمل آخر وهو المحافظة على حق اليتيم في الميراث فلا يضيع، وقد حث سبحانه على المحافظة على حق اليتيم بأبلغ تعبير، فقال ما معناه: على الذين يتحكمون في مال اليتيم فَيُطَفِّفُونَه أو تكون عندهم هذه النية أن يخافوا على أنفسهم، ويخشوا أن يكون لهم من بعدهم ذرية ضعاف أي أولاد لَا حول لهم ولا طول، ويكونوا يتامى كهؤلاء الذين يتحكمون فيهم، وإذا كانوا كذلك، فليتقوا الله في مال اليتيم ولا ينقصوه ولا يضيعوا له حقا؛ فإن القصاص لسيكون في أولادهم، وقد جعل الله تعالى من شعورهم بالحنان على ذرياتهم باعثا لهم على الحنان على أيتامهم، وخير الناس من يجعل من شعوره بالمحافظة على العزيز عنده شعورا مثله لمن يكونون في مثل أمره.
وقد فسر بعضهم القول السديد هنا بما يقارن القول المعروف، ونحن نرى أن القول السديد هو القول المسدد نحو الحق المصيب للهدف، وذلك بأن يقول القول لا تطييبا لليتامى فقط، بل يقوله للمحافظة على حقوقهم، فإن رأى من المقتسمين رغبة في نقصهم سدد القول وقال الحق ومنع الظلم حتى لَا يؤكل نصيب اليتيم في التركة، أو يضيع حقه في أي تصرف من التصرفات.
* * *
(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)
* * *
إن اليتامى مظنة أن يبخسوا في الميراث، فأكل مالهم هنا ظلما هو بخسهم حظهم في الميراث، أو أكل الأوصياء أموالهم والأخذ من مال اليتيم سماه الله تعالى أكلا لما فيه من معنى الأخذ وأن يقصد به تنمية ماله كما ينمي جسمه بالأكل، ولكنها تنمية آثمة مالها البوار " ومن نبت لحمه من حرام فالنار أولى به " (١) وقال سبحانه (ظُلْمًا) لكمال التشنيع على الأكل، إذ هم يظلمون ضعيفا لا يقوى على الانتصاف منهم، وقد ذكر سبحانه إثم ذلك الأكل بقوله: (إِنَّمَا يَأْكلُونَ فِى بُطُونِهِمْ) وهذا تصوير لضرر الأكل عليهم؛ لأنه يكون أكلهم كمن يأكل النار ويضعها في بطنه أي يملأ بطنه بها فهو في ألم دائم حتى يهلك، وكذلك دائما من يأكلون أموال اليتامى لَا يأكلون أكلا هنيئا ولا مريئا، بل هم في وسواس دائم حتى يقضى الله عليهم، وقد رأينا بيوتا خربت لأنها أكلت مال اليتيم. وهذا عقابهم في حاضرهم، أما العقاب الذي ينتظرهم في الآخرة فقال: (وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) أي ستوقد بهم نار شديدة الأوار، يستمرون في بلاء شديد منها. اللهم ارزقنا رزقا حسنا، وجنبنا ما حرمت، وأقنعنا بالحلال الطيب، إنك سميع الدعاء.
* * *
(يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ
________
(١) جاء في كشف الخفا (١٩٧٣): " كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به ". رواه البيهقي وأبو نعيم عن أبي بكر، قال المناوى: وسنده ضعيف، والمشهور على الألسنة: " كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به ".
فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)
* * *
قد بين الله سبحانه وتعالى الواجب بالنسبة لليتامى ورعاية حقوقهم، في الأموال التي يرثونها، والأموال التي تئول إليهم. كما بين سبحانه حق الفقراء والمساكين وذوي القرابة الذين لَا ميراث لهم عند تقسيم التركات. وفي هذه الآية يبين حقوق أكثر الوارثين، وهي تقسيم الله سبحانه وتعالى.
إن الميراث قد تولَّى القرآن بيان أكثر أحكامه، ولم يُفصِّل أحكاما كما فصّل
أحكام الميراث، وقد قال - ﷺ -: " العلم ثلاثة: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة " (١) وقد عده نصف العلم، وهذا العدد دليل على مقدار وجوب العناية به، فقد قال - ﷺ -: " تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنه نصف العلم، وهو أول شيء ينسى، وأول شيء ينتزع من أمتي " (٢).
والميراث هو وصية الله تعالى بتوزيع التركات على مستحقيها، فإنه إذا كان للعبد وصايا في أمواله من بعد وفاته، فالميراث هو وصيته سبحانه وتعالى ووصية الله تعالى أولى بالإيجاب وأحق بالتنفيذ. ولكي تكون وصية الله تعالى لها مكانتها فإنه قد جعل لها الثلثين، ولوصية صاحب المال الثلث، ولذلك قال - ﷺ -: " إن الله تعالى قد تصدق عليكم في آخر أعماركم بثلث أموالكم فضعوه حيث شئتم ". وقد أراد بعض الصحابة أن يوصي بماله كله، فمنعه النبي - ﷺ -، ثم أراد أن يوصي بالثلث فأجازه، وقال: " والثلث كثير، إنك إن تذَر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس "، أو كما قال النبي - ﷺ -.
وفى هذه الآيات كما قلنا بيان حقوق طائفة من الوارثين، وهم الأولاد والآباء، والأزواج وأولاد الأم، وقد مزج بين الآباء والأولاد في الحقوق؛ لأن الأولاد لَا يحجبون الآباء أي لَا يمنعونهم من الميراث، ولذلك يعدون طبقة واحدة، وقد قال تعالى في ذلك:
________
(١) عَنْ عَبْد اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ ان رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " العِلْمُ ثَلاثَةٌ : وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ : آيًةٌ محْكَمَةٌ أوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ أوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ ". [رواه أبو داود: الفرائض - ما جاء في تعليم الفرائض (٢٨٨٥)، وابن ماجه: المقدمة - اجتناب الرأي والقياس (٥٤)، وفي إسناده مقال.
(٢) رواه ابن ماجه: الفرائض - الحث على تعليم الفرائض (٢٧١٩).
(يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ) هذا النص الكريم يبين ميراث الأولاد، وقد ذكر لهم ثلاث أحوال: الحال الأولى إذا كانوا ذكورا وإناثا فإن الميراث بينهم يكون للذكر مثل حظ الأنثيين، والحظ هنا النصيب، والتعبير بالحظ إشارة إلى أن عطاء الأنثى، ولو كان نصف عطاء الرجل، قدر كبير لها فيه حظ، أي عطاء فيه كرم وسخاء؛ لأن التكليفات المالية عليها دون التكليفات المالية على الرجل بقدر كبير يعدّ أكثر من النصف.
الحال الثانية: أن الأولاد إن كن نساء فقط، يكون نصيبهن الثلثين، والنص الكريم يقول: (فَإِن كنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ) يفيد بيان نصيب الأكثر من اثنتين، ولم يبين الاثنتين، ولكن يفهم من آية أخرى أن نصيب الثنتين هو الثلثان أيضا؛ لأن الله تعالى قال في توريث الإخوة والأخوات:
(يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ...).
ففي الأخوات نص على أن نصيب الأختين الثلثان، وبالأولى يكون نصيب البنتين الثلثين؛ لأن البنتين أقوى قرابة وأكثر اتصالا، وأجدر بالرعاية، فماذا كانت الأختان تأخذان الثلثين فأولى أن تأخذ البنتان الثلثين، فما حذف في آية البنات وجد ما يدل عليه في آية الأخوات. وكذلك حذف في آية الأخوات نصيب الأكثر من أختين، وصرح به في آية البنات، ففهم بطريق الأولى أن الأكثر من أختين تأخذان الثلثين؛ لأنه إذا كان أثر من بنتين يأخذ الثلثين فقط، فأولى أن يأخذ الأكثر من أختين الثلثين. والمعنى أنه حذف من آية البنات ما يفهم بالأولى من آية الأخوات، وحذف من آية الأخوات ما يفهم بالأولى من آية البنات، وذلك بلاغة الإيجاز، وهو من سر الإعجاز.
الحال الثالثة: أن يترك الشخص بنتا واحدة، وهي في هذه الحال تستحق النصف بصريح الآية: (وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْف).
هذا توريث الأولاد، ويلاحظ ما يأتي:
أولا: أن نصب الأولاد إذا كانوا ذكورا وإناثا يكون بعد أن يأخذ الأبوان والأجداد والجدات وأحد الزوجين أنصبتهم. فإذا كان للمتوفى أب وزوجة وأبناء وبنات، فإن القسمة للذكر مثل حظ الأنثيين تكون بعد أخذ الأب والزوجة نصيبهما.
ثانيا: أن الأولاد يطلقون على كل فروع الشخص من صلبه، أي أبناؤه وأبناء أبنائه، وبنات أبنائه. أما بنات بناته، فإنهن لَا يكن من أولاده. وقد خالف في ذلك الشيعة فلم يفرقوا في نسبة الأولاد بين من يكون من أولاد الظهور ومن يكون من أولاد البطون، أي لَا يفرقون بين من تتوسط بينه وبين المتوفى أنثى ومن لا تتوسط.
ثالثا: أن أبناء الشخص وبناته يقدمن على أبناء أبنائه وبنات ابنه، أي أن الطبقة الأولى تمنع من يليها.
رابعا: إن بنات الابن يأخذن حكم البنات تماما إذا لم يكن للشخص أولاد قط، لَا ذكور ولا إناث، بل إن جمهور الفقهاء يجعل لبنات الابن السدس، وإذا كان للمتوفى بنت واحدة تأخذ النصف، وذلك لحديث ابن مسعود الذي سئل فيه عن رجل توفى عن بنته وبنت ابن ابنه وأخته... فأعطى البنت النصف، وبنت الابن السدس، والأخت الباقي، وقال: ذلك قضاء رسول الله - ﷺ - (١).
________
(١) روى البخاري: الفرائض - ميراث ابنة الابن (٦٧٣٦) عن هُزَيْلَ بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: سُئِلَ أَبُو مُوسَى عَنْ بِنْتٍ وَابْنَةِ ابْنٍ وَأُخْتٍ، فَقَالَ: لِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ، وَأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ، فَسَيُتَابِعُنِي، فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأُخْبِرَ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ المُهْتَدِينَ، أَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِلاِبْنَةِ النِّصْفُ، وَلِابْنَةِ ابْنٍ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ» فَأَتَيْنَا أَبَا مُوسَى فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: لاَ تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الحَبْرُ فِيكُمْ ".
(وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) هذا ميراث الأبوين، وقد ذكر القرآن الكريم حالا يشترك فيها الأب والأم، وهي أن يأخذ كل واحد منهما السدس إذا كان للمتوفى ولد. والمراد من الولد الفرع الذي لَا يتوسط بينه وبين المتوفى أنثى، وذلك عند الجمهور، وعند الشيعة الإمامية: كل من يتصل إلى الميت من الفروع بطريق الإناث أو الذكور فهو ولد.
والأب قد يأخذ مع السدس باقي التركة إذا كان للمتوفى فروع من الإناث فقط، فإنه عند الجمهور يأخذ السدس مع الباقي، والباقي ثبت بقول النبي - ﷺ -: " ما بقي بعد أصحاب الفروض فلأقرب رجل ذكر " (١) فبهذا الحديث يأخذ الباقي، وبنص الآية يأخذ السدس.
وحالا ثانية ذكرها للأم صراحة، وللأب ضمنا، فقال سبحانه: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ) فإن هذا النص يفيد أمرين: أحدهما - أن
الميراث للأبوين إن لم يكن أولاد، وثانيهما - أنه يكون للأم الثلث، وما دام الميراث منحصرا في الأبوين؛ فإنه يكون للمم الثلث والباقي للأب.
وإذا كان معهما زوج أو زوجة، فهل الآية تفيد الحكم؛ ونقول إنها لَا تفيده صراحة، بل تفيده ضمنا، وذلك أنها قررت أنه في حال انحصار الإرث في الأبوين يكون نصيب الأم الثلث، ونصيب الأب الثلثين فهذه الآية قد حددت النسبة، أي أن نصيب الام يكون على النصف من نصيب الأب، وبتطبيق ذلك على حال وجود أحد الزوجين، فإن أحدهما يأخذ فرضه وتأخذ الأم ثلث الباقي، ويأخذ الأب ثلثيه، وهذا رأى ابن مسعود وزيد، وعلي، على أرجح الروايتين عنه، وعمر وعثمان، وهو الذي اختاره الأئمة الأربعة وأكثر فقهاء الأمصار.
________
(١) عَنْ ابْنِ عَباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَن النَبِي - ﷺ - قَالَ: " ألْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأوْلَى رَجُل ذَكَرِ " [رواه البخاري: الفرائض - ميراث الرجل من أبيه وأمه (٦٧٣٢)، ومسلم: الفرائض - ألحقوا الفرائض (١٦١٥)].
وهناك رأيان آخران أحدهما - أنها تأخذ ثلث التركة كلها، وقد أخذ هذا القول من صريح الآية، وهو يؤدي إلى ألا يكون نصيب الأم على النصف من نصيب الأب، بل يؤدي إلى أن الأب يأخذ أقل من الأم، كأن يكون زوج وأم وأب، فإن الزوج يأخذ النصف والأم تأخذ الثلث، والأب يأخذ الباقي وهو السدس، أي أن الأب يأخذ نصف نصيب الأم، وهذا الرأي رأى الإمامية، وفيه شذوذ كما ترى، وقد نسب إلى ابن عباس، وقيل إنه روي عن علي ومعاذ بن جبل. والثاني - أنها تأخذ ثلث الكل في حال ما إذا كانت زوجة وأب وأم، وتأخذ ثلث الباقي إذا كانت المسألة فيها زوج بدل الزوجة، وذلك لكي لَا يأخذ الأب أقل من الأم. وأسلم الآراء أولها، وهو أوضحها وأعدلها.
وحالا ثالثة بالنسبة للأم أنها تأخذ السدس إذا كان هناك إخوة أو أخوات زادوا على واحد، فإنها تأخذ السدس، وهذه الحال خاصة بالأم، لأن الأب لا يؤثر في نصيبه على الإخوة والأخوات، بل إنهم لَا يرثون معه.
هذا ميراث الأولاد والأبوين، وقد بين - سبحانه وتعالى - حكمة ذلك وأكد تقسيمه بقوله سبحانه:
(آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) يبين الله أن هذه قسمته، ولا يصح أن تحكِّموا أهواءكم في أموالكم بعد وفاتكم، فإنكم لَا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا، آباؤكم أو أبناؤكم، لأنه عند حكم الهوى يففد العقل تقديره وميزانه فلا يدري أين يكون النفع، وقد صدر الآية بذكر الآباء والأبناء لقوة قرابتهم واتحاد اتصالهم، ومع ذلك لَا يعلمون النافع منهم. وقد أكد الله معنى هذا التقسيم بتأكيدين: أحدهما - قوله سبحانه (فَرِيضَةَ مِّنَ اللَّهِ) أي فرض الله ذلك فريضة وقدره تقديرا فلا يجوز خلافه، لأنه تقدير الله وقسمته، وليس لأحد أن يخالف قسمة الله جلت قدرته - التأكيد الثاني: قوله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا). فإن الله تعالى ذيل النص الكريم بهذه الآية تأكيدا للنفع في هذا التقسيم؛ لأن الله هو الذي قسَّم تلك القسمة العادلة، وهو
كان دائما عليما حكيما، يعلم كل شيء ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض، وهو يدبر الأمر على مقتضى هذا العلم، وبحكمته سبحانه، وهو العزيز الحكيم.
* * *
(وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ... (١٢)
* * *
هذا بيان أحوال ميراث الزوج، فإنه يكون له النصف إن لم يكن للمتوفاة ولد، والمراد من الولد أولاد الظهور أي الفروع الذين لَا يتوسط بينهم وبين المتوفاة أنثى، خلافا للشيعة، وإن كان للمتوفاة ولد فإن الزوج يكون له الربع.
(وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَد فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم) وهذا بيان ميراث الزوجة تأخذ الربع إذا لم يكن للمتوفى ولد، وقد بيَّنا معنى الولد، وتأخذ الثمن إن كان للمتوفى ولد. ونرى من هذا أن الزوجة على النصف في التقدير من الزوج، وهو قاعدة عامة في قسمة الميراث بالنسبة للرجل والمرأة، ولم يستثن إلا الإخوة لأم. (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ) هذا النص في ميراث الإخوة والأخوات لأم، وقد عبر عنهم بالكلالة، والكلالة هم القرابة من غير الأصول والفروع، وقد قيل إن الكلالة مشتقة من الإكليل، وهو الذي يحيط بالرأس من جوانبه، وقرابة الكلالة وهي غير الأصول والفروع تحيط بالشخص من جوانبه، وليست في أصله ولا فرعه، ومعنى (يُورَثُ كَلالَةَ) أي يورث من غير أصوله أو فروعه، وعلى ذلك يكون ميراث المذكورين في الآية شرطه ألا يكون أصول ولا فروع. والميراث بالكلالة ذكر في موضعين: أحدهما هذا الموضع، والثاني قوله تعالى في آخر هذه السورة: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ...).
وقد أجمع الصحابة على أن المراد من الإخوة والأخوات هنا الإخوة لأم والأخوات لأم، كما أجمعوا على أن المراد بالإخوة في آخر السورة الأشقاء ثم لأب. وقد سئل النبي - ﷺ - عن الكلالة في هذه الآية فذكر أنها أولاد الأم، وبهذا يتبين أن هذا النص الكريم فيه أحوال ميراث الإخوة والأخوات لأم، وقد ذكر لهم حالين: إحداهما - أن يأخذ الواحد أو الواحدة السدس، والثانية أن يأخذ الأكثر من واحدة أو واحد الثلث يشتركون فيه بالسوية بلا فرق بين الذكر والأنثى، لأن الله تعالى يقول: (فَهُمْ شرَكَاء فِى الثّلُثِ) والشركة الأصل فيها التسوية حتى يذكر النص الدال على التفاوت، ولم يوجد في النص ما يدل على التفاوت. وهناك حال فهمت من التعبير بالكلالة، وهي أن هؤلاء لَا يرثون إلا إذا لم يكن فروع ولا أصول.
هذا، ومرتبة الورثة في التقسيم بعد سداد الديون، وبعد تنفيذ الوصايا، فالتركة لَا تقسم إلا بعد سداد الديون، ولا تميز أنصبة كل وارث إلا بعد تنفيذ الوصايا التي لَا تتجاوز الثلث. فنصيب الورثة دائما لَا يكون إلا في الباقي بعد الوصايا، ولذا قال سبحانه في كل قسمة إنها بعد تنفيذ الوصية والدين، فقال بعد ميراث الأبوين والأولاد: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا)، وقال بعد ميراث الزوج: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا) وقال بعد ميراث الزوجة: (مِّنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ توصونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ).
وهنا أمران تجب الإشارة إليهما:
أولهما: أنه كرر في كل حال حق الدائنين والموصى لهم، تبرئة لذمة المتوفى وتأكيدا لحقهم. وهو دليل على أن حق الدائنين والوصايا هو حق للميت نفسه، فهو أولى من غيره. وقدم الوصايا في الذكر، مع أنها مؤخرة عن الدين في السداد، وذلك للتشديد في تنفيذها؛ لأنها مظنة الإهمال أو مظنة الإخفاء، فكان من الأسلوب الحكيم العناية بتنفيذها، وكان من العناية تقديمها في الذكر.
الأمر الثاني: أنه ذكر عند ميراث أولاد الأم التحريض على الأداء، فقال تعالى: (غَيْرَ مُضارٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ) فكان التحريض مرتين، مرة بمنع المضارة، ومرة أخرى بتأكيد أن هذه وصية الله، فمن خالفها فقد تمرد على وصية الله العليم الحليم الذي يعلم كل شيء وإن لم ينزل العقاب فور الجريمة. وكان ذلك في أولاد الأم؛ لأن حقوقهم مظنة الضياع والإهمال، ولا يزال الناس إلى الان يكادون يهملون نصيب أولاد الأم، وإذا ذكروا به، كان ذلك بمنزلة التذكير بأمر غريب، فكان التأكيد لهذا.
وقد كانت أحكام المواريث مظنة التلاعب في الماضي، ولا تزال حقوق النساء فيها موضع التلاعب إلى اليوم، ولذلك أكد الله سبحانه حق الميراث بقوله:
* * *
(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)
* * *
أي أن الميراث حدّ رسمه الله تعالى، فمن أطاع الله تعالى فقد فاز فوزا عظيما. وإن ذكر الجنات في هذا المقام له موضعه؛ لأن هذا الذي يترك التوزيع لله تعالى، ويتغلب على هوى نفسه فيمن يحب أو يكره يجزيه الله تعالى جنات تجري من تحتها الأنهار، وهذا الجزاء هو الفوز العظيم؛ لأن فيه النجاة وفيه النعيم، فمن فعله فقد نال الحسنيين، فإذا كان قد تغلب على منازع الدنيا، فقد نال نعيم الآخرة، ومن ينظر إلى مآل ماله عليه أن ينظر قبل كل شيء إلى مآل شخصه.
* * *
(وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)
* * *
هذا جزاء من يخالف حكم الله وخصوصا في الميراث، فهو عاص لله سبحانه، وقد تعدى ما رسمه الله من حدود في ماله. وإن جزاءه أن يدخل النار ويخلد فيها، وله عذاب مهين أبلغ إهانة في الآخرة، فهو قد باع آخرته بدنيا غيره، وإذا كان أراد السعادة الدنيوية لغيره بهذا المال فقد نال الشقاء الأخروي بعمله، وإذا كان قد أراد إعزاز بعض من يحب فقد أهان نفسه، والله هو الذي يبين الحق، ويهدي إلى الرشد، كما قال تعالى: (يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم).
* * *
(وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)
* * *
ابتدئت سورة النساء ببيان العلاقة الإنسانية التي تربط الناس بعضهم ببعض، وتثبت أن الناس جميعا أمة واحدة بحكم الخلق والتكوين، وكان ذلك هو الذي ينبغي، ولكنهم اختلفوا من بعد. وبعد الإشارة إلى هذا المعنى الإنساني الجامع، بين - سبحانه - حق الضعفاء على المجموع، ثم أخذ يبين سبحانه حقهمْ في الأسرة، ووجوب رعايتهم.
وفى هذه - الآيات التي نتلوها، يتجه النص الكريم إلى إقامة دعائم الأسرة، التي هي خلية التكوين الإنساني، وخلية البناء الاجتماعي، والمهد الذي يتربى فيه.
النوع تربية يكون بها الإلف والائتلاف مع المجتمع الذي ينشأ فيه. وقد ابتدأ بإبعاد ما من شأنه إفساد بناء الأسرة، وهو الفاحشة، فإن مثل من يبني الأسرة كمثل من يبني قصرا مشيدا، ينَقى أولا مواد البناء من العناصر التي لَا تجعله قويا متماسكا، أو تكون مواد تنقض بناءه، ولذا قال سبحانه وتعالى:
(وَاللَّاتِى يَأتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ) فحش معناها زاد، وأطلق على الزيادة التي لَا تسر، وأطلق على القبيح من الأفعال، لأنه انحراف عن الفطرة. وقد جاء في مفردات الراغب: " الفُحش والفحشاء والفاحشة ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال "، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُر بِالْفَحْشَاءِ). (وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْى).
(مَن يَأتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مبَيّنَةٍ)، (إِنَّ الَّذِين يُحِبُّونَ أَنِ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا)، (إِنَّمَا حَرَّم رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ)، (إِلَّا أَن يَأْتينَ بِفَاحِشَةٍ مبَيِّنَةٍ)، كناية عن الزنا، وكذلك قوله تعالى: (وَاللَّاتِي يًأتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ).
فالفاحشة هنا هي الزنا، والله سبحانه وتعالى يعبر عن هذه المعاني التي لا تألفها النفس الكريمة بعبارات تسترها، فتكون الكناية بدل التصريح، وذلك من تأديب الله لنا في التعبير.
وقد ذكر سبحانه وتعالى علاج النساء اللائي وقعن في ذلك الأمر المنكر، وقد سماه بهذا الاسم كما سماه بأنه " إدّ " (١)، فكان علاجهن بأمرين أحدهما - يختص بهن، والثاني - يشتركن مع الرجال فيه، فأما الذي يختص بهن فهو إمساكهن في البيوت، وليس الإمساك معناه الحبس والتضييق المجرد، بل الإمساك
________
(١) أي سمى الله تعالى الأمر المنكر بالفاحشة، كم سماه (أي الأمر المنكر بالإد) قال الرازي في تفسيره سورة النساء (١٥): " قوله: (يَأتِينَ الْفَاحِشةَ " أي يفعلنها يقال: أتيت أمرا قبيحا، أي فعلته قال تعالى: (لَقَدْ جِئْتِ شَيْئا فَرِيًّا) (مريم: ٢٧) وقال: (لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (مريم: ٨٩) ". وفى لسان العرب (أدد) الإد هو العجَبُ والأمر الفظيع العظيم والداهية.
معناه الحفظ والصيانة والرعاية، ويتضمن ذلك معنى الإرشاد والتوجيه والوعظ، ولذا قال الراغب: إمساك الشيء التعلق به وحفظه، قال تعالى: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ...)، وقال: (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ...)، أي يحفظها. فمعنى الإمساك في البيوت الحفظ فيها والرعاية والتهذيب بعطف؛ وذلك لأن المرأة تزل إذا فقدت التهذيب، وحرمت من الصيانة فتنطلق غير مقيدة، إذا لم يكن لها هاد مرشد وإذا كان ذلك سبب الزلل، فعلاج الانحراف بالإمساك في البيوت مع الحفظ والرعاية. ويستمر الإمساك حتى الوفاة، أو حتى الزواج، كما قال: (فَأمْسِكُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَاهنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا)، أي طريقا واضحا لمنع الزَّلل والابتعاد عنه، وذلك بتحصين نفسها بالزواج.
والرمي بالزنا أفحش ما ترمى به المرأة والرجل، وكثيرات من النساء يمُنَّ فريسة لشائعات كاذبة، ولذلك شدد الله تعالى في إثبات الزنا أبلغ ما يكون التشديد، فقرر أن يكون بشهادة أربعة من الرجال بحيث لَا تقبل في ذلك شهادة النساء، وقرر أن تكون الشهادة بالمعاينة لَا بالسماع، ولذا قال: (فَإِن شَهِدُوا) أي إن ذكروا أنهم عاينوا وشهدوا (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ)، ولحماية الشارع لعرض المرأة من أن يكون مضغة في الأفواه - قرر عقوبة شديدة لمن يرمي النساء والرجال من غير أن يكون أربعة يشهدون، فقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤).
هذا هو العلاج الوقائي الذي خص القرآن به المرأة، حتى لَا تستمر في غيها، وذلك هو طريق الإثبات، أما العلاج الذي يشمل الرجل والمرأة، فهو ما جاء في قوله تعالى:
* * *
(وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا... (١٦)
* * *
هذا حكم الذكر والأنثى إذا أتيا تلك الفاحشة، وهي الأمر الإدُّ، وهي المنكر الذي تنكره العقول. والعلاج في هذه الحال ليس علاجا نفسيا لهما فقط، بل هو
زجر اجتماعي ليرتدع غيرهما، وهذا العلاج هو العقوبة الشديدة المؤذية في البدن وفي النفس، وكانت هذه علاجا نفسيا؛ لأن النفس المنحرفة لَا تقوَّم إلا بشدة كالعود المعوج لَا يقوَّم إلا بعمل شديد ليس بسهل، ولكن يلاحظ ألا ينكسر العود، وألا تنكسر النفس وتهون، ولذا كان العلاج بالإمساك والحفظ والرعاية.
ولقد ذكرت العقوبة هنا مجملة غير واضحة المقدار، بل كانت مجرد الإيذاء، وذكرت بعد ذلك مفصلة بينة المقدار في قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣).
ففي هذا النص عقوبتان مؤدبتان: إحداهما الجلد، والثانية منع الزواج من الزاني والزانية، وذلك ليحملهما على التوبة. وقد يقول قائل: إن الله تعالى ذكر علاجا تهذيبيا للمرأة، وهو الإمساك والرعاية في البيت، ولم يذكر علاجا تهذيبيا للرجل. نقول إنه ذُكر له علاج تهذيبي، وهو منع الزواج منه كالمرأة، وذكر علاج له في السنة وهو التغريب سنة (١)، لأن التغريب سنة يبعده عن الجو الذي عاش فيه آثما وأعلن فيه إثمه، وإنه في ذلك سيكون تحت رقابة الحاكم ورعايته، فهذا التغريب يقابل الإمساك في البيوت. ولم يعاقب الرجل بالحبس؛ لأن الرجل مطلوب منه الكدح والعمل لنفقته ونفقة من يعوله، فكان التهذيب مدة معلومة أنسب له، والإمساك في البيوت أليق بالمرأة.
وإذا تكررت الجريمة تكرر العقاب، إلى أن تكون التوبة والإقلاع عن ذلك المنكر، ولذا قال تعالى:
________
(١) عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أنهُ أمَرَ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بِجَلْدِ مِائَةٍ وَتَغْرِيبِ عَام ". [رواه البخاري: الشهادات - شهادة القاذف والسارق والزاني (٢٦٤٩)].
(فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا) عالج الإسلام نفس المذنب ليتوب، ودعا إلى التوبة دعوة صريحة بفتح باب المغفرة. وفي هذه الجريمة التي تعد من أكبر الكبائر، كما أنه قد عالج نفس المذنب، بالإمساك في البيوت للحفظ والرعاية والصيانة، وبالتغريب بالنسبة للرجل ليسترد كرامته التي هانت بالجريمة والعقوبة المعلنة، وبمنع الزواج من الزاني والزانية حتى تكون التوبة. فإذا تم العلاج، وشفي المذنب من الداء، وكانت التوبة الصحيحة، وكان من الواجب الإعراض عنهما وعدم تذكيرهما بالجريمة، فالإعراض هنا ليس معناه الصُّدُودَ والاستنكار بل معناه ألا يذكَّرا بجريمتهما، وأن يعاملا معاملة الأطهار الأبرار، وأن يكون لهما كل تقدير واعتبار، فإن الإصرار على وصف الجريمة يجعل النفس تهون، وإذا هانت سهل عليها الهوان، وأغراها الشيطان بالمعاودة. ويروى أن النبي - ﷺ - عاقب شاربا للخمر بعقوبة الشرب، وبعد تمامها قال له بعض الحاضرين: " أخزاك الله "، فقال النبي - ﷺ -: " لا تعينوا عليه الشيطان " (١)؛ لأن الخزي يشعر النفس بالصغار، ومع الصغار يسهل الإجرام. وقد ذكر سبحانه وتعالى مع التوبة الإصلاح، فقال: (فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا)، والإصلاح هو إصلاح النفس، وصلاح العمل، وذلك دليل التوبة الصادقة، وقد قرن الله تعالى التوبة دائما بالعمل الصالح، مما يدل على أن العمل دليل الإقلاع؛ لأن النفس إذا انحرفت، وأحاطت بها الخطيئة، لَا يكون الخروج من دائرتها بالقول فقط، بل بالقول والنية والعمل وإن الله تعالى حينئذ يقبل التوبة، ولذا ذيل الله تعالى الآية بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا) أي أن الله تعالى يقبل التوبة عن عباده دائما. وقد أكد ذلك بـ " إن "، وبـ " كان " التي تدل على الدوام، وبصيغة المبالغة " توابا "، وأشار سبحانه
________
(١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ، قَالَ: «اضْرِبُوهُ» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ بَعْضُ القَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ، قَالَ: «لاَ تَقُولُوا هَكَذَا، لاَ تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ ". [رواه البخاري: الحدود - الضرب بالجريد والنعال (٦٧٧٧)، كما رواه أبو داود وأحمد].
إلى أن ذلك من رحمته التي وسعت كل شيء، ولقد سبقت رحمته عذابه، وإن الله تعالى ليفرح بتوبة العبد أكثر من فرح العبد بإقلاعه عن ذنبه.
* * *
(إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ... (١٧)
* * *
التوبة هي الرجوع إلى الله تعالى وإلى أوامر دينه بعد الانحراف عنها، ويعرف الأصفهاني التوبة في الشرع بأنها ترك الذنب لقبحه والندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما يمكنه تداركه من الأعمال بالإعادة، والتوبة على هذا النحو أعلى درجات الاعتذار، وذلك أن الاعتذار على أنواع ثلاثة، أحدها: وهو أدناها إنكار الوقوع، وهذا لَا يتأتي بالنسبة للعلام الخبير الذي لا تخفى عليه خافية في السماء ولا في الأرض، وثانيها: تبرير الفعل، وذلك أيضا لَا يمكن أن يكون أمام الله تعالى، وثالثها: وهو أعلاها الاعتراف بالوقوع وبأنه لَا مبرر له، وأنه يرجو الصفح والغفران، وأنه مقلع عما ارتكب، وذلك هو التوبة.
والتوبة إذا كانت قريبة من وقوع الذنب فقد وعدنا الله تعالى، ووعده الصدق الحق، بأن الله تعالى يقبلها. وتفضل الله سبحانه وتعالى تأكيدا للوعد، وحثا على التوبة، فعبر سبحانه بأن الغفران حق عليه، ولذا عبر سبحانه بلفظ " على " فقال: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ) أي أن قبول التوبة حق على الله تعالى، وذلك أبلغ درجات الصفح والغفران، سبحانك إنك التواب الرحيم، غفار للذنوب.
وعبر سبحانه وتعالى بـ " إنما " الدالة على الحصر، أي لَا يكون قبول التوبة حقا على الله تعالى إلا بتحقق شروط ثلاثة: أولها: أن يكون ذنبه ليس كثيرا ولم يُحِط بنفسه وقلبه، ولذلك قال تعالى: (يَعْمَلُونَ السُّوءَ) أي يقع منهم ما يسيء من غير أن تُرْكَس نفسه في السيئات وتحيط بها. وثانيها: أن يكون الفعل (بِجَهَالَة) أي أنه وقع في حال غَفْوَةِ الضمير والضعف النفسي، ومن غير إدراك للعواقب، ولا قصد للنتائج، وقد قال السلف: إن كل ذنب على هذا النحو يكون
بجهالة. وثالثها: أنهم (يَتُوبُونَ مِن قَرِيب)، بحيث لَا يسترسل في الشر استرسالا، ويستمرئه ويكرره ويستمر عليه، وهؤلاء ممن قال الله تعالى فيهم: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ).
وذلك لأن من يفعل الذنب على ذلك النحو لَا يستغرق قلبه، وقد ورد في الأثر " إن المذنب إذا أذنب نُكِتَتْ نُكْتَةٌ سوداء في قلبه، ثم تتوالى النكَت السوداء حتى يَرْبَدَّ قلبه "، ومن يعمل السوء بجهالة ثم يتوب من قريب ليس كذلك، وقد أكد الله قبول التوبة فقال: (فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا).
أي هؤلاء الذين أرتكبوا عن جهالة بعض الذنوب، ولم تَرْبَدَّ قلوبهم بتكرار الذنوب وتعددها واستمرائها والاستمرار عليها، يتوب الله عليهم أي يقبل توبتهم، ويأخذ بأيديهم إلى الهداية ويطهر نفوسهم من أرْجاس الذنوب، وهذا ما تضمنه النص السامي (يتُوبُ اللَّهُ) أي يسبغ التوبة عليهم، وهي تتضمن معنى الاهتداء والاتجاه إليه سبحانه، وإسباغ التوبة عليهم هو إلقاء الطهر عليهم فتتطهر نفوسهم، وقد بين سبحانه أن ذلك مقتضى علمه وحكمته، فقال: (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) أي أن الله تعالى يعلم النفوس وحركاتها وخلجاتها وسكناتها وميولها وانحرافاتها، ويعلم ما يطهرها، وما يركسها، وما يهديها وما يغويها، وهو بحكمته يعالج أدواءها. وقبول التوبة أبلغ علاج، والصفح في أكثر أحواله دواء للأسقام التي تعرض للنفوس، ولم تستقر فيها استقرارا.
* * *
(وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ... (١٨)
* * *
بعد أن بين سبحانه الذين أخذ العهد أن يقبل توبتهم، وهم الذين قد كانت حالهم ما ذكره سبحانه، بين حال الذين لَا تقبل توبتهم، فقال تعالت كلماته: (وَلَيْسَتِ التَوْبَةُ) هنا نفي لوقوع التوبة؛ لأن حقيقة التوبة كما بينا تقتضي أن يكون العبد في فسحة من الوقت تمكنه من معاودة الخير، فمن يقول عند حضور الموت: (إِنِّي تُبْت الآنَ) ليس بتائب.
وإذا لم تتحقق منه التوبة فإنه لَا يستحق من الله تعالى القبول؛ إذ لَا موضوع له.
ومن هم أولئك الذين لَا توجد منهم التوبة، حتى لَا يتصور قبولها؛ ذكر الله فريقين: فريق العصاة من المسلمين، وفريق الذين يموتون وهم كفار، أما فريق العصاة من المسلمين فقد ذكر لهم وصفين أو أمرين: أحدهما - أنهم يعملون السيئات، أي تتعدد أنواع السوء، وتكثر وتشيع في النفوس، حتى يَرْبَدَّ القلب بها وَيَسْوَدَّ، وهم الذين قال الله تعالى في أمثالهم: (بَلَى مَن كَسَبَ سيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، فالفرق بين هؤلاء ومن سبقوا أن الأولين ارتكبوا في غفوة من الضمير، ولم يمت. وأما هؤلاء فقد مات وجدانهم الديني، كأولئك الذين نراهم سادرين في الفساد وقد استهانوا بكل المحرمات الدينية والتكليفات الربانية. والوصف الثاني أنهم لَا ينطقون بالتوبة في وقت الاختيار، بل ينطقون بها في وقت الاضطرار؛ ولذا قال سبحانه: (حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ).
أي أنهم يستمرون في غيهم يعمهون، لَا يستيقظ لهم ضمير، ولا يقلعون عن معصية، حتى إذا أزفت الآزفة، وحضر الموت، ولم يكن مناص من أخذهم، قال قائلهم: إني تبت الآن، ولم يقل سبحانه عن حالهم إنهم تابوا، بل حكى قول أحد: (إِنِّي تُبْتُ الآنَ) مما يدل على أنهم لم تقع منه توبة قط، وقوله لا يعد توبة في حقيقته، وإن سماه هو توبة.
وقد ذكر سبحانه من عصاة المسلمين فريقين:
أحدهما: الفريق الذي يتوب من قريب وقد ارتكب السوء بجهالة، وقد وعد سبحانه بأنه يقبل التوبة منه، وتفضل سبحانه فجعل القبول حقا عليه، وهو فوق عباده.
والفريق الثاني: أولئك الذين استمروا في غيهم حتى أدركهم الموت. وبقي ثالث لم يذكره سبحانه، وهو الذي لم يتب من قريب، ولكنه تاب قبل أن يحضره الموت، فما شأن هذا الفريق الثاك؛ قال مفسرو السلف إنه يعدُّ قد تاب من قريب، وإن تأخر في الزمان بالنسبة لأجله، ما دام قد تاب قبل أن يحضره
الموت، وكان في فسحة من الوقت، وقد رووا في ذلك آثارا عن النبي - ﷺ -، منها ما روي عن عبد الله بن عمرو أن النبي - ﷺ - قال: " ما من عبد يتوب قبل الموت بشهر إلا قبل الله منه " (١). فمقياس القرب هو ألا تكون التوبة وقت حضور الموت، ووقته علمه بأنها دنت، أما إذا كانت التوبة وهو صحيح يرجو الحياة، فإنها مقبولة، وأجل الإنسان كله قرِيب. وقد بين سبحانه بعد ذلك الذين لَا تقبل توبتهم من غير المسلمين فقال: (ولا الَّذِينَ يَمُوتونَ وَهُمْ كُفَّارٌ).
أي أن الله تعالى لَا يعتبر توبة الكفار عن ذنوبهم توبة لأنهم لم يؤمنوا، فأساس الطاعات الإيمان. وإن تابوا قبل أن يموتوا وهم في فسحة من الوقت، فإن توبتهم غير مقبولة، وإنما تكون مقبولة إذا آمنوا ولم تكن من قبيل قول فرعون عند الغرق: (... آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ).
(أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) أي أولئك الذين لم يتوبوا، هيأنا لهم عذابا مؤلما وجيعا، وهذا يشمل عصاة المؤمنين، والذين ماتوا وهم كفار، غير أن الكفار خالدون في النار، وأما عصاة المؤمنين فبمقدار ذنوبهم.. اللهم نجنا من عذاب النار واقبل توبتنا، (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ...).
* * *
________
(١) عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، يَقُولُ: «مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ عَامًا تِيبَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ تِيبَ عَلَيْهِ»، حَتَّى قَالَ: «يَوْمًا»، حَتَّى قَالَ: «سَاعَةً»، حَتَّى قَالَ: «فُوَاقًا»، قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ مُشْرِكًا أَسْلَمَ؟ قَالَ: إِنَّمَا أُحَدِّثُكُمْ كَمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ. [رواه أحمد: مسند المكثرين (٦٨٨١)].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)
* * *
الكلام في الأسرة، وإن حماية الأسرة تكون بحماية ضعفائها، ومن لا يستطيع الذود عن نفسه، ولذلك تكلم القرآن الكريم في شأن اليتامى، ثم في شأن النساء. وقد تكلم سبحانه في الميراث وتقسيمه العادل، وفي هذه الآيات التالية يشير سبحانه إلى نوع من الميراث ظالم، كان من عادات بعض أهل الجاهلية، لم يكن موضوع الميراث فيه مالا، ولا حقا يقبل التوريث، بل كان موضوع الميراث في زعمهم حق امرأة المتوفى في نفسها، فقد زعموا أن من يموت زوجها، لا تكون مالكة لأمر نفسها بموته بل يكون أمر زواجها بيد أوليائه الذين يرثون ماله، فإنهم يرثون مع ماله الولاية على زوجه، فلا تتزوج إلا بإذنهم أو تزويجهم، ولذا قال سبحانه:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا).
صدر النص السامي بالنداء للذين آمنوا، للإشارة إلى أن ذلك لَا يتفق مع الإيمان، بل إنه من مظالم الجاهلية. وإذا كان مثله يصدر عن أهل الشرك، فإنه لا يسوغ مع الإيمان، ولا يليق أن يصدر عن المؤمنين؛ لأن حقوق الأشخاص لا تورث، وليست المرأة ولا حق زواجها متاعا يقبل التوريث.
ولقد روى الزهري أنه كان من عادات أهل الجاهلية أنه إذا مات الرجل يُلْقِي ابنه من غيرها أو أقرب عصبته ثوبه على المرأة، فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها، ولم يُعْطِها شيئا، وإن شاء عضلها من الزواج، أي منعها منعا مشدَّدا لتفتدي نفسها بما ورثته من الميت أو تموت فيرثها!!
ومغزى هذه الرواية أنهم يجدون لهم حقا في إمساكها ومنعها من الزواج، بما كان قد دفع لها زوجها من صداق، وبما كان له عليها من حق الإمساك. ونهى القرآن الكريم عن ذلك بقوله: (لا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا)، ومعنى النص الكريم على هذا أنه لَا يصح أن يرث أولياء الميت حق تزويج نساء المتوفين كرها عنهن من غير توكيل، فليس الميراث هو ميراث ذات المرأة كزوجة، بحيث يملك زواجها بغير عقد، بل المراد حق تزويجها من نفسه أو من غيره، من غير أن تكون لها إرادة حرة في الزواج.
وبعض العلماء فهم أن المراد من الميراث هو ميراث الزوجية نفسها، بحيث تكون المرأة زوجا من غير عقد، كما فهم آخرون أن المراد لَا يحل أن ترثوا أموالهن. ولكن الظاهر من مجموع الروايات، أن المراد بالميراث هو ميراث حق التزويج، وميراث ما أعطيت من صداق. وقد عبر الله سبحانه وتعالى - ولكلامه المثل الأعلى - عن النهي عن هذا العمل بقوله تعالى: (لا يَحِلُّ) بدل لَا ترثوا للإشارة إلى أنه أمر غير مستحسن في ذاته، فهو في ذاته غير حلال وغير لائق، فلا يحتاج في نفي الحل إلى نهي ينشئ التحريم، بل إن الفطرة السليمة تدرك عدم
حله، وقد كان الجاهليون في ضلال مبين وظلم شديد، إذ كانوا يفعلونه، ولذلك استنكره كثيرون منهم، وكان العمل من بعضهم، لَا من كلهم.
(وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) العضل هنا معناه التضييق والتشديد لمنع الزواج، أو الظلم الشديد من الأزواج، وقد قال الراغب في معنى العضل: " العَضَلة كل لحم صلب في عصب الرجل، ورجل عَضِلٌ مكتنز اللحم، وعَضَلْتُه شددته بالعَضَل نحو عصبته، وَتُجُوِّزَ به في كل معنى شديد " قال تعالى: (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) والمراد هنا التضييق الشديد، والخطاب هنا إما أن يكون لأولياء الميت، وتكون (لا تَعْضُلُوهُنَّ) معطوفة على (أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ) وتكون (لا) لتأكيد النفي، والمعنى على هذا: لَا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها، ولا تعضلوهن وتمنعوهن من الزواج لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن، أي لتضيقوا عليهن حتى يتركن حقهن في المهر الذي أخذنه، أو بقي لهن، ومعنى (لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) تضيعون حقوقهن، إذ يقال ذهب بالأمر أو بالحق: أضاعه، ومن ذلك قوله تعالى: (.. ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ).
هذا احتمال في النص الكريم، وهناك احتمال آخر في توجيه الخطاب، وهو أن يكون ذلك نهيا مستأنفا، محمولا في النسق على نفي الحل السابق، ويكون الخطاب للأزواج، فيكون المعنى على هذا: لَا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها، فتتزوجوهن أو تزوجوهن بغير رضاهن، وكذلك لَا تعضلوهن بأن تضيقوا عليهن وتظلموهن وترهقوهن وهن زوجات، لتكرهوهن على طلب التفريق في نظير أن تأخذوا بعض ما آتيتموهن. وإذا كان التضييق لأخذ بعض المهر منهيا عنه، فأولى أن يكون في موضع النهي التضييق عليهن لأخذ المهر كله.
وإنا نختار أن يكون الخطاب موجها للأزواج، ويكون النص السامي قد اشتمل على بيان التحريم في موضعين: أولهما - إكراه المرأة على زواج لَا تريده، وذلك بدعوى حقهم في ميراث حق تزويجها. والثاني - النهي عن إكراه المرأة
على طلب التفريق حتى يضيع عليها بعض حقها في المهر، وبالأولى إكراهها حتى يضيع حقها كله، والمؤدى في الأمرين هو حماية المرأة من أن يتحكم فيها أولياء زوجها ببطشهم، أو يتحكم فيها الزوج بسلطان الغلب والزوجية.
ولكن قد تكون المرأة ظالمة لزوجها، فهل يحل أخذ شيء من مهرها لأنها أفسدت الحياة الزوجية؛ قد بين النص الكريم أنه يحل ذلك بقوله تعالى: (إِلَّا أَن يَأْتينَ بِفَاحِشَةٍ مبَيِّنَةٍ).
الاستثناء هنا منقطع، معناه لكن إن يأتين بفاحشة مبينة يحل أخذ المهر الذي أوتينه أو بعضه، ومؤدى هذا الكلام تحريم وتحليل، أما التحريم فهو ما بين في الكلام السابق، وهو أنه لَا يصح أن يعضل امرأته ظالما لها كارها، ويريد طلاقها ويفعل ذلك ليكرهها على طلب الطلاق في نظير ما أعطى كله أو بعضه. وأما التحليل فهو إباحة أن يطلقها في نظير بعض ما قدم لها أو كله، إذا كانت ظالمة له مفسدة للحياة الزوجية. والفاحشة المبينة هي الفاحشة الواضحة المعلنة التي تعلن نفسها، وتكشف أمرها؛ لأن المُبيِّن يكون بيَّنا دائما، فعبر عن البيِّن بلفظ المُبين مبالغة في وضوحه وبيانه وإعلانه. وما هي الفاحشة؛ قال بعض العلماء هي الزنا، والمعنى أنه يباح في هذه الحال، استرداد المهر كله، ولو بغير رضاها، وقد قال الإمام مالك ذلك. والتعبير عن الزنا بلفظ الفاحشة تعبير يجري في القرآن كثيرا، وأصل الفحش الأمر السيئ الذي يزيد عن كل معقول مقبول، فالعقول تمجه في كل صوره ولا شيء أكثر من الزنا في ذلك.
وقال بعضهم: الفاحشة هي النشوز وإفساد الحياة الزوجية بكل طرق العناد والمشاكسة والمباغضة. وقال آخرون: البذاءة والفحش في القول والعمل والمكارهة بالعبارات والفعل. وفي الحق إن الفاحشة البينة الواضحة تشمل كل هذا، وهي في كل صورها إفساد المرأة للحياة الزوجية، وقد اتفق العلماء على أنه في هذه الحال يحل للزوج أن يأخذ كل ما أعطى أو بعضه.
وهذا هو موضوع قوله تعالى: (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا...).
هذا، وإن الرجل هو الراعي، وهو المسئول عن هذه الرعية، ولذلك خاطب الله تعالى الأزواج بقوله تعالى:
(وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أمر الله سبحانه وتعالى الأزواج بالعشرة الحسنة، بالمعروف، وإن العشرة هي المخالطة والممازجة بحيث تلتقي النفسان، ومن طبيعتها أن تكون في ألفة لَا في نفرة، وقد أطلقت العشرة على المعاملة، والمراد بالمعروف أن يعامل الرجال أزواجهم معاملة تليق بأمثالهن من غير أن يكون منهم ما يستنكر عقلا أو شرعا، أو عادة، فهو يؤنسها ولا ينفرها، ويقربها ولا يبعدها، وكان الأمر بالعشرة الحسنة بعد الإشارة إلى ما قد يكون منهن من نشوز وبذاءة وفحش في القول، لبيان أنه لَا يسوغ لرجل أن يفترق لمجرد ظهور النشوز منها، بل يعالجها بالرفق، وإزالة أسباب النفرة إن أمكن. وإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعاشرون أزواجهم على أكمل ما تكون العشرة، ويقربونهن بكل وسائل التقريب، حتى إن ابن عباس كان يقول: إني أتزين لامرأتي كما تتزين لي. وقد يكون سبب النفرة من الرجل نفسه، وإنه ليروى في ذلك أن امرأة ذهبت إلى الإمام عمر بن الخطاب رضي الله عنه تطلب الفراق من زوجها، فرأى عمر الزوج، وإذا هو أشعث أغبر خَلِق الثياب مستطيل الشر، فأدرك بثاقب نظره أن النفرة من هذه الحال، فأخلها وأرسله إلى المغتسل فاغتسل، وألبسه ثيابا حسنة، وأزال شعثه، ثم ناداها، فسألها: أمُصِرة على ما تطلب؟ فلما رأت زوجها على حاله الجديدة عدلت عن طلب الطلاق.
وإن معاملة المرأة بالحسنى دليل على كمال الرجولة والْخُلقُ، ولذا قال النبي - ﷺ -: " خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلى " (١).
________
(١) رواه ابن ماجه: النكاح - حسن معاشرة النساء (١٩٧٧).
ثم بين سبحانه وتعالى أنه لَا يصح للرجل أن يسترسل في كراهيته إن عرضت له أسباب الكراهية، بل يتعرف المحاسن، ولا يقتصر على النظر إلى المساوئ، ولذا قال تعالى: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا).
إن العشرة الحسنة مطلوبة ولو في حال كراهية الزوج لزوجته، فإنه لو أظهر الكره لكانت المباغضة، ولاسترسل في غواية تضله، فيصر على الكراهية، وقد كان في الإمكان أن يرى فيها السرة بدل المضرة، وأسباب المحبة بدل البغض.
وإن النص الكريم يشير إلى معنى سليم، ويدعو إلى إدراك معان مختلفة كثيرة: أولها - أن ينظر إلى الحياة الزوجية من جميع نواحيها، لَا من ناحية واحدة منها، وهي البغض والحب، فينظر إلى مصلحة أولاده، وإلى نظام بيته، وإلى محاسنها بدل أن ينظر إلى مساويها. وثانيها - أن يفكر في من يعقبها: أهي خير منها أم لَا؛ وثالثها - أن ينظر في شأن العلاقة بعين العقل والمصلحة المشتركة لا بعين الهوى المسيطر الجامح. ورابعها - وهو أعظمها أن ينظر إلى المسألة بالقلب الديني، وأن يتذكر في وقت الكراهية العشرة الحلوة السابقة، ولذا قال الله سبحانه وتعالى: (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)، والخير الكثير يتكشف للرجل في الأمر المكروه بإحدى حالين: إما بالنظر الثاقب الذي يتغلب فيه العقل على الهوى، وإما بعد فوات الوقت، فيعرف الخير الذي فاته بفعله، فلا يمكن التدارك، ويكون الندم المرير، ولات حين مَنْدمَ.
وإن هذا النص يشير إلى معنى جليل عام لَا يخص الحياة الزوجية وحدها،
وهو ألا يبت في الأمور تحت تأثير الكراهة، فإنها عارض وجداني قد يزول، وقد يكون في المكروه الخير الكثير الذي غاب عنه في وقت إدراكه، فيفوته النفع العظيم تحت تأثير الكراهية التي قد يبعث عليها أمر حسي عارض. وفي الحديث الصحيح. " لا يَفْرَك مؤمن مؤمنة، إن سخط منها خلقا رضي منها آخر " (١) والفَرَكُ
________
(١) رواه مسلم: الرضاع - الوصية بالنساء (١٤٦٩)، وأحمد: باقي مسند المكثرين (٨١٦٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
البغض الكلي الذي تنسى فيه كل المحاسن. وروى مكحول عن ابن عمر أنه كان يقول: " إن الرجل ليستخير الله تعالى فَيُخَار له، فيسخط على ربه عز وجل، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو قد خير له ".
* * *
(وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا... (٢٠)
* * *
بين سبحانه في النصوص الكريمة السابقة حال أخذ الرجل بعض ما آتاه إذا أتت المرأة بفاحشة بينة واضحة تعلن نفسها، وذكر سبحانه علاج الرجل لنفسه إذا أحس بكراهية، لكي يتجنب الطلاق الذي قال فيه النبي - ﷺ -: " ما أحَلَّ الله شيئا أبغضه كالطلاق " (١)، فإذا استرسل في الكراهية، واختار أبغض الحلال، فإنه لا يصح أن يسترد منها أي مقدار أعطاها إياه ولو كان قنطارا من فضة أو ذهب، فالتفريق هنا بمجرد إرادته لَا بسبب من جانبها، ولذا قال: (وَإِنْ أَرَدْتُّمُ) وعبر في التعليق بـ " إن " وهي لَا تكون لوقوع الفعل مؤكدا، لينبه إلى أن الإرادة قد تكون غير سليمة، وغير مبنية على أسباب قوية، والاستبدال طلب البدل، بأن يطلق واحدة ويتزوج أخرى. وقوله تعالى: (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا) لبيانه أنه لَا يُسترد شيء مهما يكن كبيرا؛ إذ القنطار أقصى ما يتصور من مهور. والقنطار أصله من قَنْطَرْتُ الشيء إذا رفعته، ومنه القنطرة؛ لأنها بناء مرتفع مشيد، وقد قال الشاعر:
كَقَنْطَرَةِ الرُّومِى أقْسَمَ رَبُّهَا... لَتكْتَنفَنْ حَتَّى تُشَادَ بِقَرْمَدِ (٢)
وخلاصة المعنى أنه لَا يصح أن يأخذ شيئا ما دام التفريق بإرادته وبسبب من جانبه، ولم يكن لها فيه أي عمل، وهذا لَا يتعارض مع قوله تعالى: (... وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ...)، فإن الآية التي نتكلم فيها كان الطلاق بسبب من جانبه وهو إرادته
________
(١) عَنْ مُحَارِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " مَا أحَل اللَّهُ شَيْئًا أبْغضَ إِلَيْهِ مِنْ الطَلاقِ ". رواه أبو داود: الطلاق - كراهية الطلاق (٢١٧٧).
(٢) البيت قاله طرفه بن العبد البكري في معلقته وهو تشبيه للناقة. والقرمد والقرمدة: الآجر.
الاستبدال، وأما الآية الأخرى، فإنها عند ما تريد المرأة ذاتها التفريق غير مَعْضولةٍ ولا مبخوسة أي حق من حقوق الزوجية المفروضة على الزوج.
وقد وبخ سبحانه وتعالى على الأخذ عند إرادة الاستبدال بنصين كريمين: أولهما قوله تعالى:
(أتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) هذا توبيخ واستنكار للأخذ، والبهتان هو الكذب غير المعقول الذي يتحير فيه العقل، ويطلق على كل أمر يتحير العقل في إدراك سببه، أو لَا يعرف مبررا لوقوعه، كمن يعتدي على الناس من غير عداوة سابقة ولا نفع مجلوب، ولا غرض مقصود. والإثم الذنب العظيم، والمبين الواضح الذين يعلن نفسه ووضوحه، ويكشف عن مقدار الأذى فيه. وقد قال العلماء: إن البهتان والإثم مصدران قصد بهما الوصف، أي أتأخذونه باهتين فاعلين فعلا تتحير العقول في سببه، آثمين بفعله إثما واضحا معلن الوضوح مستنكر الوقوع، ويصح أن يكون المصدران مفعولين لأجله، ويكون ذلك توبيخا أشد، ويكون المعنى عليه: أتأخذونه لأجل البهتان والإثم المبين؛ ويكون في التعليل توبيخ أشد، وهذا هو الذي نراه.
هذا، هو النص الأول الموبِّخ، والنص الثاني هو قوله تعالى:
* * *
(وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)
* * *
الإفضاء معناه الخلوص، أي يخلص كل واحد للآخر، وفسر بأنه الخلوة بين الرجل وزوجه ليس معهما أحد، لأن الفضاء هو الذي يكون بينهما. والاستنكار هنا للحال الواقعة، فالأول كان استنكارا لذات الأخذ، وهنا الاستنكار لما أحاط بالأخذ من أحوال. والمؤدى أن الأخذ عند إرادة الاستبدال أمر مستنكر في ذاته، ثم هو مستنكر لأجل الأحوال التي كانت بين الزوجين. وقد ذكر سبحانه وتعالى سببين للاستنكار: أحدهما - الإفضاء وخلوص زوج لنفس صاحبه حتى صارا كأنهما نفس واحدة. وثانيهما - الميثاق الغليظ أي الشديد القوي الثابت الذي هو عهد ثقيل لَا يصح منه التخلص. وذلك الميثاق، هو الارتباط بين الزوجين أمدا
صارت فيه نفس كل واحد قطعة من الآخر، وهو أمر الله تعالى إذ يقول: (... فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ...)، وليس الأخذ من التسريح بإحسان، وهو المودة التي تظل بين الزوجين في مدة الحياة الزوجية التي صورها الله سبحانه وتعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١).
هذا، وقبل أن نختم الكلام في هذه الآيات نقرر أمرين:
أحدهما - أن الرجل في افتراقه عن زوجه لَا يحل له دينا أن يأخذ منها شيئا إذا كان النشوز من جانبه، ولا يحل أن يأخذ أكثر مما أعطى إذا كان النشوز من جانبها، وما أخذ في غير ذلك يكون كسبا خبيثا، وقد اتفق على ذلك العلماء.
ثانيهما - أن قوله تعالى: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا) تدل على أنه ليس للمهر حد أعلى، وقد استدلت بذلك امرأة أمام أمير المؤمنين عمر عندما قال: (ألا لَا تغالوا في صَدُقات النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله - ﷺ -؛ ما أمهر قط امرأة من بناته ولا نسائه فوق اثنتي عشرة أوقية). وجعل رضي الله عنه ذلك حدا أعلى، فقالت امرأة: (يعطينا الله وتحرمنا)، وتلت الآية، فقال الإمام العادل: (أخطأ عمر وأصابت امرأة)، ولكن عمر كان ينظر بنور الله وروح الإسلام، فإن أخطأ في الحد بمقدار، فإنه لم يخطئ في منع المغالاة في المهور، ولله عاقبة الأمور.
* * *
(وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)
* * *
كانت الآيات السابقة في بيان تحريم ظلم المرأة في حال الزوجية وظلمها بعد وفاة زوجها، وظلمها عند إرادة الافتراق عنها. وفي هذه الآيات يبين الله سبحانه من يحل من النساء الزواج بهن، ومن لَا يحل، وإذا كانت الآيات السابقة لدعم الأسرة بمنع الظلم؛ لأن العدل به قوام الأسرة وقوتها، ومنع الظلم تقوية سلبية، فالآيات التي تبين المحرمات من النساء تبين أسباب قوة الأسرة من ناحية المودة التي تربط بين الزوجين برباط الرحمة والمحبة، وتجعل الزواج مثمرا ثمراته الطيبة من العلاقة الزوجية التي لَا تُرنّقَها علاقة أخرى. وقد ابتدأ سبحانه ببيان تحريم زوجة
الآباء إذا افترقوا عنها، فكما أن الرجل لَا يحل له أن يرث حق تزويج زوجة أصله كذلك لَا يحل له أن يتزوجها. وقد ابتدأ بهذا النوع من التحريم لتناسبه مع منعِ ميراث حق التزويج للنساء. ولذلك قال سبحانه:
(وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ).
كان فاشيا بين العرب في الجاهلية أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا مات عنها أبوه، وكان ذلك يؤدي إلى منعها من حرية الاختيار في الزواج، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك في الماضي من الآيات الكريمات، وهنا يمنع تزوج الولد ممن كانت زوجة أبيه، بل ممن كانت زوجة آبائه على وجه العموم، وذلك لأن كلمة " آباؤكم " تشمل كل الأصول من الرجال أي تشمل الأجداد جميعا سواء كانوا من جهة أبيه أم كانوا من جهة أُمه، وذلك من قبيل الإطلاق المجازي.
والنكاح هو عقد الزواج، وهو لَا يستعمل في القرآن إلا على الزواج، وقد يطلق على المباشرة نفسها، ولكنه لم يطلق في القرآن إلا على العقد، ولذلك قال الشافعي وكثيرون من الفقهاء، إن النكاح حقيقة في العقد، وإذا أريد به المباشرة كان ذلك مجازا من قبيل إطلاق السبب وإرادة المسبب، وذلك أنه لَا يكون إلا في المباشرة الحلال، والحنفية قالوا إنه حقيقة في المباشرة مجاز في العقد. والذي يتفق مع تعبير القرآن هو رأي الشافعي.
ولما كان ذلك النوع من الزواج كثيرا في الجاهلية، وربما وقع فيه بعض المؤمنين في الجاهلية قبل الإسلام، أشار سبحانه إلى أن ما كان في الجاهلية هو موضع عفو لَا يعاقب الله تعالى عليه، ولذا قال سبحانه: (إِلا ما قد سلف) أي أنكم لَا تؤاخذون على ما قد مضى منكم في الجاهلية، والاستثناء هنا منقطع، و " إلا " بمعنى " لكن "، والمعنى: لكن ما قد سلف لَا تؤاخذون عليه، والله يعفو عنكم، وهو ينتهي بهذا التحريم، فمن كان متزوجا ممن كانت امرأة أبيه، فإنها حرام عليه من وقت نزول ذلك النص الكريم، وعفا الله عما سلف، ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام.
والتحريم له حكمته. فإنه يتنافى فيما للآباء من وقار، وما يجب لهم من حسن صحبة، ولأن امرأة الأب لَا تحتشم على الابن، فلو كانت تحل له بعد الفراق لتطلعت النفس إليها، وقد ترغب فيه، فتفارق الأب أو تغاضبه طمعا في ابنه، ولا إساءة إلى الأب أبلغ من هذا، فكان المنع لأجل الرحم والمودة في القربى، وحسن الصحبة. والعقد ذاته سبب التحريم، فإذا عقد الأب أو الجد فإنها تكون حراما على الأبناء والأحفاد، ولو لم يدخل بها، لأن ذلك ما يقتضيه الإحسان إلى الوالدين.
وفى النص إشارة إلى أنه لَا عقوبات من غير نص محرِّم، وهؤلاء كانوا يرتكبون ما يرتكبون مستحلين له، فلما جاء النص القاطع الحرم كان العقاب، ولا عقاب قبل النص الحرم.
وإن ذلك النوع من النكاح سيئ في ذاته، لَا يقدم عليه كريم، ولذا قال سبحانه وتعالى فيه:
(إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا) هذه أوصاف ثلاثة وصف الله بها ذلك النوع من العقود: أولها أنه فاحشة، أي أمر زائد في القبح شرعا وخلقا، والفحش هو الأمر الزائد زيادة قبيحة، فهو زيادة قبيحة على موجب الفطرة المستقيمة. والوصف الثاني أنه مقت، وهو مصدر وصف به أي أنه ممقوت من ذوي المروءات لَا يقبلونه ولا يرضونه. والثالث أنه أسوأ سبيل لطلب الولد؛ إذ يكون ابنه أخا لأخيه من أبيه وبنته أختا لأخيه أو لأخته من أبيه، وذلك نوع من المجوسية، فهو لذلك كان سبيلا سيئا.
وقد قال الزمخشري في هذا النص: " كانوا ينكحون روابهم (أي تنكح المرأة ربيبها)، وناس منهم كانوا يمقتونه من ذوي مروءاتهم ويسمونه نكاح المقت، وكان المولود عليه يقال له المقتي، ومن ثم قيل (ومَقتا)، كأنه قيل إنه فاحشة في دين الله بالغة في القبح، قبيح ممقوت في المروءة، ولا مزيد على ما يجمع القبحين ".
بعد ذلك بين سبحانه وتعالى الحرمات من الأقارب فقال تعالى:
* * *
(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ)
* * *
هذا النص الكريم لبيان تحريم أربع طوائف من القرابة، فمعنى حرمت عليكم أمهاتكم، أي حرم عليكم نكاح أمهاتكم.
والطوائف الأربع أولاهن: الأمهات والجدات، لأن الأمهات يراد بهن الأصول، إذ الأم تطلق على الأصل، كما قال تعالى: (... وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)، ويصح أن يراد من الأمهات الصُّلبيات، ولكن يثبت تحريم الجدات بطريق الأولى، لأنه إذا كانت العمة والخالة حراما، فأولى أن تكون الجدة حراما، لأن الأمّ هي طريق الوصول في القرابة إلى هؤلاء، وقد أجمع المسلمون على تحريم الجدات.
والطائفة الثانية: الفروع من النساء، وذلك ثبت بقوله تعالى: (وَبَنَاتُكُمْ) بالعطف على (أُمَّهَاتُكُمْ)، وقد ثبت تحريم البنات بالنص، وبقية الفروع من النساء ثبت تحريمهن بالأولى، لأن النص يحرم بنت الأخ وبنت الأخت، وإذا كانت بنت الأخ والأخت، حراما، فأولى بالتحريم بنت البنت وبنت الابن، لأن البنت أقرب من الأخت.
والابن أقرب من الأخ، فأولادهما أولى بالتحريم، وقد انعقد الإجماع على تحريم الفروع من النساء مهما تكن طبقتهنّ.
والطائفة الثالثة: فروع الأبوين، وهن الأخوات، وبنات الإخوة والأخوات، وثبت تحريمهن بقوله تعالى: (وَأَخَوَاتكُمْ) ثم قوله تعالى: (وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ)، وذلك يشمل الأخوات شقيقات أو لأب أو لأم، كما يشمل فروع الإخوة والأخوات جميعا؛ لأن كلمة (بنات الإخوة والأخوات) تشمل كل الفروع على سبيل المجاز، ولأن التحريم يثبت بالأولى، لأن عمة الجد حرام بالنص فأولى بالتحريم بنت ابن الأخ، وبنت بنت الأخ أو الأخت؛ لأنهن أقرب، وقد انعقد الإجماع على تحريمهن.
والطائفة الرابعة: العمات والخالات، وقد ثبت التحريم بقوله تعالى: (وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ) بالعطف على الأمهات من حيث التحريم، والعمات والخالات، يشملن عمات الأب والأم وخالات الأب والأم، وعمات الجد والجدة، وخالات الجد والجدة؛ لأن هؤلاء يطلق عليهن عرفا اسم العمة والخالة، واللغة لا تمنع ذلك، وقد انعقد الإجماع على ذلك. والنص على تحريم العمة والخالة والاقتصار على ذلك يدل على أنه لَا يكون تحريما لبنت العم وبنت الخال والخالة، أيا كانت طبقة العمومة والخئولة، فبنت عم الأب حلال، وبنت خال الجد حلال أيضا.
وإن هؤلاء المحرمات قد ثبت تحريمهن في الشرائع السماوية كلها؛ لأن تحريمهن مشتق من الفطرة، وفي الزواج بهن إيجاد نسل غير قوي، لأن التجارب العلمية أثبتت أن التلاقح بين سلائل مختلفة الأرومة ينتج نسلا قويا، والتلاقح بين حيوانات متحدة الأرومة ينتج نسلا ضعيفا، وعلى ذلك يكون التزاوج بين القرابة القريبة منتجا نسلا ضعيفا. ولقد ضعف آل السائب؛ لأنهم كانوا لَا يتزاوجون إلا فيما بينهم، فقال لهم الإمام عمر: (قد أضويتم يا آل السائب فانكحوا النوابغ). وإن الزواج من القرابة القريبة يفسد علاقة القرابة والعواطف الشريفة التي تربط بينهم، فعلاقة الأمومة والبنوة والأخوة والعمومة والخئولة يفسدها الزواج بما يكون بين الزوجين من مباسطات أو منافرات أحيانا، والحياة الزوجية على القبض والبسط، والرضا والسخط، والمداعبة والهجر أحيانا، وكل ذلك يفسد القرابة.
(وَأُمَّهَاتكُمُ اللَّاتِى أَرْضعْنَكمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ) الأم الرضاعية هي التي أرضعته، والأخت الرضاعية هي التي أرضعتها أمه، أو رضعت من ظئر رضع هو منها، أو بعبارة عامة التقيا على ثدي واحدة، ولا يشترط أن تكون الرضاعة من لبنه أو لبنها، بل إن كل من ترضع ولدا تحرم عليه بناتها جميعا صغيرة أو كبيرة.
وقد قرر جمهور الفقهاء أنه يعتبر من الأخوات الرضاعيات كل من رضعت من امرأة أبيه إذا كان اللبن الذي رضعته كان أبوه هو السبب فيه. وهذه العلاقة
الرضاعية نشأت من قبل أبيه لَا من قبل أمه، فمن رضعت من لبن أخيه لأبيه أو أخته لأبيه تعد أختا رضاعية له.
والأمهات الرضاعيات يشملن الأم التي أرضعته وجداته اللائي كانت العلاقة بينه وبينهن رضاعية، في أي طبقة من الطبقات، سواء اكن جدات رضاعيات له من جهة أبيه أم من جهة أمه.
وإنه يلاحظ أنه لَا يحرم بالرضاعة الأمهات والأخوات فقط، بل البنات والعمات والخالات، وبنات الأخ والأخت، وإن نزلت درجاتهن في القرابة. وقد فهم كثيرون من المفسرين تحريم هذا كله من الآية الكريمة؛ وذلك لأنه سبحانه وتعالى لما سمى المرضع أما، وابنة المرضع أختا، فقد نبه بذلك إلى أنه أجرى الرضاعة مجرى النسب، ففهم بفحوى الخطاب باقي المحرمات رضاعا اللائي يعتبرن نظيرا للقريبات، وإنه قد نص على تحريم الأخت رضاعا، وليست الأخت أقرب من بنت البنت الرضاعية، فتحرم عليه بالأولى، ولقد جاءت السنة موضحة ذلك المعنى، فقد روى أنه لما طُلِبَ إليه عليه الصلاة والسلام أن يتزوج ابنة عمه حمزة قال: " لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب " (١) وروى أن عائشة كانت قد رضعت من امرأة أبي القُعَيْس، فجاء أخوه أفلح يستأذن عليها، فقالمت: أرضعتني امرأة أخيه، فلا آذن له، حتى أستأذن رسول الله - ﷺ -، فلما ذكرت ذلك لرسول الله قال: " ائذني له فإنه عمك تَربت يداك " (٢)، وذلك لأنها لما رضعت من امرأة أخيه على ولد أخيه اعتبر أبا رضاعيا لها، فيكون هو عمها.
________
(١) رواه بهذا اللفظ مسلم: الرضاع - تحريم ابنة الأخ من الرضاعة (١٤٧٧) عن سعيد بن أبي عروبة، وبنحوه رواه البخاري: الشهادات - الشهادة على الأنساب (٢٦٤٥) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي القُعَيْسِ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الحِجَابُ، فَقُلْتُ: لاَ آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ فِيهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ أَخَاهُ أَبَا القُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي =
والرضاعة المحرمة عند مالك وأبي حنيفة هي كل مقدار قل أو كثر، وعند الشافعي وأحفد لَا يحرم إلا خمس رضعات مشبعات ليمكن أن يكون الولد جزءا ممن أرضعته؛ إذ يكون قد أخذ منها غذاء يوم كامل. ولا بد أن تكون الرضاعة في الصغر، لقوله عليه الصلاة والسلام: " إنما الرضاعة من المجاعة " (١) وذلك يكون في السنتين الأوليين من حياة المولود، ولذا قال سبحانه: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ...). وقال أبو حنيفة: إن الرضاعة المحرمة هي ما تكون في الثلاثين شهرا التي أعقبت الولادة.
والحكمة من التحريم بالرضاعة أن المولود يتكون جسمه من جسم التي أرضعته فيكون جزءا منها، كما هو جزء من أمه، التي حملته، وإذا كانت هذه غذته بدمها في بطنها، فتلك غذته بلبنها في حجرها، وربما تكون مدة الإقامة في حجرها أطول كثيرا من مدة الحمل، فكان لابد أن يثبت لهذه الأم الرضاعية ما يثبت للأم النسبية من حُرْمَة وكرامة، وإن تكريم المرضعات بذلك التحريم الذي يكون للأمهات الحقيقيات يشجع النساء على الرضاعة، فلا يضيع الأطفال الذين فقدوا أمهاتهم، وفي هذا التحريم فوق ذلك تنبيه إلى أن يتخير الآباء من يرضعن أولادهم؛ لأنهم إذا علموا أن أولادهم ستتكون أجزاؤهم ممن يرضعنهم تخيروهن من ذوات الأجسام القوية، والدماء النقية التي لَا يدنسها مرض ينتقل بالوراثة، ولقد كان العرب والسلف الصالح يتخيرون مراضع أولادهم لهذه المعاني..
(وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) هذه النصوص تعرضت للمحرمات بسبب المصاهرة، وهي تتم ما ابتدأه سبحانه
_________
= امْرَأَةُ أَبِي القُعَيْسِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي القُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا مَنَعَكِ أَنْ تَأْذَنِي عَمُّكِ؟»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي القُعَيْسِ، فَقَالَ: «ائْذَنِي لَهُ فَإِنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ. [رواه البخاري واللفظ له: النسب - قول النبي - ﷺ -: تربت يمينك (٦١٥٦)، ومسلم مختصرا (١٤٤٥)].
(١) متفق عليه: رواه البخاري (٢٥٩٥) كتاب الشهادات - باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض، ومسلم: إنما الرضاعة من المجاعة (٣٥٦١). من حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها.
بقوله تعالى؛ (وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ) التي تعرضنا لذكر أحكامها في ابتداء القول في المحرمات، وهذه النصوص شملت ثلاث طوائف.
أولاها: (أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) وأمهات من كانت زوجة للشخص يكُن حراما سواء أكن أمهات صلبيات أم جدات، فيشمل النص كل الجدات، لما ذكرنا من أن كلمة الأمهات تشمل الجدات، ولإجماع الفقهاء على ذلك، ولبيان النبي - ﷺ -.
وأما من عقد عليها وافترق تحرم عليه، سواء أدخل بها أم لم يدخل؛ لأن الأم توحش صدر ابنتها إذا تزوجت من مطلقها، ولأن الأم لَا يليق بها أن تتطلع إلى الزواج ممن كان زوج ابنتها، ولو لم يدخل بها، فإن ذلك مخل بكرامة الأمومة وشرفها وحنانها، وهو سبيل لقطع رحمها، وشيوع ذلك يؤدي إلى الفساد.
والطائفة الثانية بينها الله تعالى بقوله: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِى حُجُورِكُم مِّن نّسَائِكُمُ اللَّاتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ).
والربيبة هي ابنة الزوجة لأن الزوج في أكثر الأحوال يَرُبُّهَا أي يربيها ويعطف عليها، وهي في غالب الأحوال تكون في حجره، أي في بيته وتحت رعايته، فقوله تعالى: (اللَّاتِي فِى حُجُورِكُم) كناية عن الرعاية والحياطة والعطف، وغيرها من أنواع البر التي يحوط بها أولاد زوجته من غيره إن كان رجلا عطوفا كريما، وهذا الوصف جار مجرى العادة، والتعبير فيه مجازي لبيان قبح من يتزوج بنات امرأته، وقد اشترط للتحريم أن يكون قد دخل بزوجته التي افترق عنها، وأراد أن يتزوج ابنتها، ولذلك صرح سبحانه وتعالى بالحل، إن لم يكن قد دخل بالام وافترق عنها وأراد الزواج بالبنت، إذ قال سبحانه: (فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكمْ) أي لَا إثم عليكم في أن تعقدوا عليهن، وإن المعاني التي من أجلها حرم الزواج بالأم عند العقد على البنت ليست قوية في حال التزوج بالبنت بعد الافتراق عن الأم، فالأم لها من الحنان والعطف والشفقة ما يجعلها تغفر لابنتها تزوجها ممن كان زوجها إذا لم يكن دخول، ولأن البنت ليس
فيها من الكرامة والاحترام والشرف ما للأم الرءوم العطوف، لذلك اشترط في التحريم الدخول بها.
والحكمة في التحريم واضحة، لأنه لو كانت الإباحة، فيباح للرجل أن يطلق الأم المدخول بها ويتزوج ابنتها، ويطلق البنت ويتزوجها، لأدى ذلك إلى إلى تقطيع الأرحام بين الأم والبنت، ولأدى إلى التضييق في الأسرة، فلا يباح للرجل أن يضم إليه أولاد امرأته، ولا يباح له أن يعطف على بناتها، ويؤويهن عنده إن كن في حاجة إلى إيواء، خشية أن يؤدي ذلك إلى الرغبة في الزواج بواحدة منهن.
والطائفة الثالثة بين سبحانه وتعالى تحريمها بقوله: (وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) والحلائل جمع حليلة وهي الزوجة التي تحل، والأبناء يشملون الأولاد من الطبقة الأولى والطبقات الأخرى، وقد انعقد الإجماع على ذلك، فمن كانت زوجة ابنه أو ابن ابنه أو ابن بنته لَا تحل له لأنها كانت حليلة لأحد هؤلاء، والتحريم ثابت سواء أدخل بها فرعه أم لم يدخل، وقوله تعالى (مِنْ أَصْلابِكُمْ) - معناها من ظهوركم، وكان في ذكر كلمة (أبنائكم) ما قد يغني عن ذكر (أَصْلابِكُمْ)، ولكنها ذكرت ليخرج الذين يُتَبَنَّوْنَ، فقد كان العرب يعتبرون المتبنَّى ولدا له كل حقوق الأولاد، ويحرمون على أنفسهم الزواج من أزواج التبنين، وقد سماهم القرآن أدعياء، ولذلك قال الله تعالى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥).
ومن أجل إباحة الزواج بمن كانت زوجة المتبنى أمر الله نبيه بأن يتزوج امرأة زيد بعد أن يطلقها لأنه كان متبنى للنبي - ﷺ - في الجاهلية، ولذا قال سبحانه عند الأمر بزواجها: (فَلَمَّا قَضي زَيْدٌ فِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
حَرَج فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا).
(وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) هذا نوع جديد من التحريم المؤقت، وهو ألا يجمع الرجل بين امرأة وأختها في عصمته، فلا يصح أن يتزوج أخت زوجته، وهي في عصمته، أو يكون قد افترق عنها وعدتها لم تنته، فإن ذلك حرام؛ لأنه يؤدي إلى قطع الرحم بينهما، ومثل الجمع بين الأختين الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها وابنة أخيها وابنة أختها، وقد ثبت تحريم الجمع بين هؤلاء لقول النبي - ﷺ - فيما رواه أبو هريرة: " لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا المرأة على ابنة أخيها، ولا ابنة أختها "، وزاد في بعض الروايات: " إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم " (١)، وقد انعقد إجماع من يعتدّ بإجماعهم على ذلك. وقد قال بعض المفسرين: إن تحريم الجمع بين هؤلاء يثبت من نص القرآن في قوله تعالى: (وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَينِ)؛ ذلك لأن التحريم لخشية إيحاش قلب الأختين بالعداوة، ويكون بينهما ما بين الضرائر من مبادلة الأذى، وإن ذلك أظهر في الجمع بين المرأة وخالتها أو عمتها، فأولى أن يكون التحريم في الجمع بينهما، ولأن العمة والخالة بمنزلة الأم.
(إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) يظهر أن هذا كان يقع من العرب في الجاهلية، ومنهم بعض الذين آمنوا، ولذلك بين الله سبحانه أن ذلك موضع
________
(١) رواه أصحاب السنن، وما اتفق عليه البخاري: النكاح (٥١٠٨)، ومسلم: النكاح - تحريم الجمع بين المرأة (٨ْ ٢٤) إلى قوله: " ولا على خالتها "، ورواه أبو داود (٢٠٦٥) وأحمد (٩٣٦٩) وغيرهما: عَنْ أبِي هرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " لا تُنْكَحُ الْمَرأةُ عَلَى عَمًتِهَا وَلا الْعَمَّةُ عَلَى بِنْت أخِيهَا وَلا الْمَرأةُ عَلَى خَالَتِهَا وَلا الْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أخْتِهَا وَلا تُنْكَح الْكبْرَى عَلَى الصُغْرَى وَلا الصغْرَى عَلَى الْكُبْرَى ". وأما هذه الزيادة وهو قوله: " فَإِنًكم إنْ فَعَلْتُم ذَلِكَ قَطَعْتُم أرحامكُم ".
فمن رواية الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما، وروى أبو داود في مراسيله عن عيسى بن طلحة: قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة. [راجع مرقاة المفاتيح - ج ٣ ص ٩٣٩، نصب الراية للزيلعي: فصل في بيان المحرمات - الحديث الرابع].
عفو الله تعالى، ولذا قال سبحانه: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) والاستثناء هنا منقطع، و (إلا) بمعنى (لكن) والمعنى: لكن ما قد سلف منكم في جاهليتكم قبل ذلك التحريم موضع عفو الله تعالى، وذلك لأن الله تعالى غفور رحيم، فقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفورًا رَّحِيمًا) في موضع التعليل لعفو الله في هذا الاستثناء المنقطع، والمعنى أن الله يعفو، لأنه سبحانه وتعالى كان وما زال غفارًا للذنوب رحيما بعباده، ومن رحمته بعباده ألا يعذبهم من غير نذير، وألا يؤاخذهم على ما اكتسبوا إلا بعد بيان واضح، وإن كان العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها، والله سبحانه وتعالى بكل شيء عليم.
* * *
(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)
* * *
قوله تعالى (وَالْمُحْصَنَاتُ) بالضم معطوف على أمهاتكم في آية التحريم السابقة التي صدرت بقوله تعالى: (حرِّمَتْ عَلَيْكمْ أُمَّهَاتُكُمْ)، فهذه الآيات تتمّة لبيان المحرمات. ثم بعد ذلك بيَنت المحللات من النساء بعبارة جامعة، ثم بعبارة مفصلة لحل الإماء. وأحْصَنْ متلاقية في المعنى مع كلمة الحصن، وهو المكان المحكم الذي يُتقى به أذى العدو، فمعنى أحْصَنَ المرأة جعلها في حصن الفضيلة، وقد جاء في مفردات الأصفهاني: (يقال حصان للعفيفة، ولذات حرمة، وقال
تعالى: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا...). وقال تعالى: (وَفَإِذَا أُحْصِنَّ...)، أي تزوجن، و " أُحْصِنَّ " زُوِّجن، والحَصَان في الجملة المحصنة إما بعفتها أو بتزوجها أو بمانع من شرفها وحريتها).
وبهذا يتبين أن المرأة المحْصَنة هي التي صانت نفسها وتحصنت بحصن الفضيلة والبعد عن الفحشاء، وإحصانها بزواجها، أو بعفافها المجرد، أو بحريتها وشرفها، ولذلك تطلق كلمة المحصَنَات، ويراد بها أحيانا العفيفات، وتطلق بمعنى الحرائر، وفي هذه الآيات استعملت كلمة المحصنات بالمعاني الثلاثة، فقوله (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ) المراد المتزوجات، وقوله تعالى (الْمُحْصَنَات الْمُؤْمنَات)، المراد الحرائر، وقوله (مُحْصَنَاتً غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ)، المراد العفيفات، وقوله تعالى: (فَعَلَيْهِنَّ نِصْف مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِن الْعَذَابِ) المراد بهن الحرائر.
(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكمْ) المحصنات هنا المتزوجات اللائي يكنّ في عصمة أزواجهن، ويدخل في عموم المحصنات المعتدات، فزوجة الغير ومعتدته لَا تجوز، وتحريمهن ثابت بمقتضى الفطرة والطبيعة الإنسانية، وسنَّة الله تعالى في الخلق والتكوين، ولكن استثني من ذلك الدخولُ بغير الزوجات المملوكات، فإنه يجوز الدخول بهن، والاستثناء هنا منقطع بمعنى لكن،، لأن الكلام في العقد لَا في الدخول، إذ إن قوله تعالى: (حُرِّمتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتكُمْ) إلى قوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ) كل هذا في تحريم العقد، لَا في تحريم الدخول فقط، فالاستثناء بعد ذلك في الدخول بملك اليمين، لَا يكون على منهاج الاستثناء المتصل، وقد قرر العلماء أن السبايا اللائي يدخلن في الرق لَا يلتفت إلى زواجهن السابق، بل تصير ملكا يحل للمالك أن يدخل بها بمقتضى الملك، لقوله تعالى: (وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)، وهذا متفق عليه، وهو مما ينطبق عليه النص الكريم، فقط ينتظر حتى تستبرئ رحمها من الحمل.
وهناك صورة أخرى قد اختلف فيها الفقهاء، وهي الأمة التي تكون مملوكة ثم عُقِد عَقْد زواجها، وبعد ذلك باعها مالكها: أيلزم المشترى الجديد بهذا الزواج، قال بعض العلماء إنه يفرق بينهما بعد هذا الشراء؛ لأن الذي عقد هو وليها الأول، ولا يلزم بعقده الثاني، وقال بعض الفقهاء: يلزم الثاني؛ لأن الزواج سابق على الشراء، فيكون قد اشتراها ملتزما بما كان من قبل. ويظهر أنه من المتفق عليه أن مالكها إذا زوجها فهو ملزم بهذا الزواج لَا يبطل بإبطاله، لأنه التزم به، فلا ينقض أمرا تم من جهته. ومن المقررات الفقهية أن من سعى في نقض ما تم من جهته فسعيه مردود عليه.
ويتبين من هذا أن الاستثناء الخاص بالدخول بملك اليمين مقصور على حال السبى بالاتفاق، وقد قيل إن الآية نزلت في ذلك، وادعى بعض الفقهاء أنها تشمل حال المشتراة التي سبق زواجها.
(كتَابَ اللَّه عَلَيْكُمْ) جاء هذا النص بعد بيان المحرمات من قوله تعالى:
(حرِّمَتَْ عَلَيْكُمَْ أمَّهَاتُكُمْ) إلى قوله: (وَالْمُحْصَنَات) وكان سياقه لتأكيد التحريم وتوثيقه، و " كتاب الله "، لها في الإعراب تخريجان، كل واحد منهما يشير إلى معنى مستقيم: أولهما - أن يكون (كتاب) مصدر كتب، والمعنى: كتب الله تعالى التحريم كتابا مفروضا بأحكامه عليكم، فليس لكم أن تتخلوا عنه. وثانيهما - أن يكون المراد القرآن، والمعنى: الزموا كتاب الله الذي هو حجة عليكم إلى يوم القيامة، وهو الذي بين شريعة تحريم المحرمات فأطيعوه.
فكلا التخريجين يؤدي إلى توثيق التحريم وتوكيده بنسبته إلى الله تعالى، إما باعتباره كَتَبَه وفَرَضه هو، وإما لأنه نص عليه في كتابه الخالد الباقي إلى يوم القيامة، ولم يترك بيانه لرسول أو نبي.
(وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) في الآيات السابقة بيان المحرمات، وفي هذا النص الكريم يشير بلفظ عام إلى الحلال من النساء، فـ (ما) هنا المراد بها النساء، وقالوا تكون لما لَا يعقل و (من) تكون لمن يعقل؛ وهي هنا لمن يعقل، لأن العموم
يعبر عنه بها. وفي الحق أن المستقرئ لاستعمال القرآن يتبين له أن (مَا) و (مَنْ) يتبادلان من يعقل وما لَا يعقل، فمن استعمال (ما) لمن يعقل هذا النص، ومن استعمال (من) لما لَا يعقل قوله تعالى: (فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ)، ولذلك أرى أنه لَا ضرورة لتعيين إحداهما للعقلاء والأخرى لغير العقلاء، ثم التمحّل (١) من بعد ذلك، فكتاب الله تعالى هو حجته الفصحى، وليس من حجة تقاربه.
وكلمة (وراء) المراد بها غير هؤلاء، وهي في أصل استعمالها للخَلْف، وكأن المعنى أن المحرمات مقدمات إلى الأمام، والمحللات خلفهن، وفي ذلك إشارة إلى أن التحريم كان للتكريم والتشريف، وملاحظة المودة، فليس التحريم إيذاء، ولكنه تكريم. وقد قيل إن الآيات السابقة لم تشمل كل المحرمات، فالجمع بين المرأة وخالتها أو عمتها، حرام، ولم ينص عليه في المحرمات، فكأن الجمع جائز بينهن، ولقد فهم هذا بعض الذين لَا يأخذون بالسنة المشهورة، وقد أجيب عن ذلك بإجابتين:
الأولى: أن هذا النص جاء بصدد بيان المحللات بذواتهن، بخلاف التحريم - لعارض الجمع فقد بينته السثُنة، فإن الخالة وحدها حلال (٢)، وبنت الأخت وحدها، وكذلك بنت الأخ والعمة، كل واحدة حلال بذاتها، إنما التحريم هو في الجمع، والنص بين المحللات لذواتهن، وهذه الإجابة بينها الشافعي في الرسالة.
الثانية: أن التحريم ثابت في الجمع بالنص السابق، لأن النص السابق قال الله فيه سبحانه فحرم الجمع بين الأختين بالنص، وثبت تحريم الجمع بين الخالة وبنت أختها والعمة وبنت أخيها بالأولى، لأن الخالة صِنْوُ الأم، وكذلك العمة،
________
(١) تمحل للأمر: احتال له [القاموس - محل].
(٢) أي خالة المرأة وحدها حلال، وهكذا عمتها.
فإذا كان الجمع بين الأختين حراما، فأولى بالتحريم الجمع بين البنت ومن هي بمنزلة أمها، وقد انعقد الإجماع على ذلك.
(أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) هذا بيان ضرورة المهر لشرف المحل، ولإعزاز المرأة وتكريمها، ولتستعين به فيما تتأهل به للزواج، ومعنى النص الكريم أن الإحلال يقتضي أن تبتغوا، أي أن تطلبوا الزواج أشد الطلب، وأن ترغبوا فيه أشد الرغبة، متقدمين في ذلك بأموالكم، فإن المال يكون دليل الرغبة.
ثم أشار سبحانه إلى فرق ما بين الزواج والفاحشة، فقال: (مُّحْصنينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) أي ابتغوا الزواج واطلبوه حالة أنكم تحصِّنون به أنفسكم، ونُطَفكم، وتحفظون به أولادكم، فمعنى الإحصان هنا الإعفاف، وما يتضمنه من حفظ النطف والولد. وجعل في مقابل الذين يحصنون أنفسهم ونطفهم الذين يسافحون، والسفاح من سفح الماء أو الدم أساله، ومنه قوله تعالى: (أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا...)، والزاني يسفح النطفة ويلقيها ويسيلها على تراب الرذيلة. فالسفاح على هذا إلقاء للنطفة الإنسانية، وهي الجوهر المادي للإنسان، والزواج تحصين لهذه النطفة، ووضع لها في حرْثها الذي أعده الله تعالى لها.
(فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) الاستمتاع الاستيلاء على ما فيه متعة وخير ومتاع، وقد كان الرجل في الجاهلية يتزوج المرأة، ويستمتع بها، ثم يتركها خالية الوفاض (١)، فذكر الله تعالى ضرورة إعطاء المهور التي فرضت وقدرت وقت العقد، وقد سماها الله تعالى هنا أجرا، والأجر هو الجزاء على ما قدم الإنسان من عمل، وقد يطلق على معنى العطاء، كما هو ظاهر قوله تعالى: (فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنون)؛ لأن اقتران كلمة الأجر بعدم المَن يرشح لأن يكون المراد بها العطاء، إذ هو الذي يجري فيه المن والأذى، وعلى أي حال فإن الظاهر في كلمة الأجر هنا هو الجزاء، وقد يقال: لماذا عبر هنا بالأجر، وفي
________
(١) أصل الوِفَاض الجلدة التي توضع تحت الرحى [لسان العرب - وفض]. فخلوُّها إذن كناية عن الفقر.
أصل فرضية المهر بما يفيد أنه عطاء، فقد قال تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً)؟ والجواب عن ذلك أن الآيات التي بينت أصل الوجوب تبين القصد من الشرعية، وهو كونه هدية واجبة لبيان شرف العلاقة بين الرجل والمرأة، وللمعاني التي شرع من أجلها المهر، أما الآيات التي سمَّت أجرا (١) فهي لبيان الأداء بعد أن تأخر عن ميقاته، فلتأكيد الأداء سمي أجرا، وأصبح المُؤَدِّي غير جدير بأن يسمى معطيا أو ناحلا أو مانحا.
وهذا النص قد تعلق به بعض المفسرين الذين لم يفهموا معنى العلاقات المحرمة بين الرجل والمرأة، فادعوا أنه يبيح المُتْعَة، وهي عقد بين الرجل والمرأة يستمتع بها مدة معلومة في نظير مهر معلوم، أو في نظير أجرة معلومة، ولو تخلفت المرأة في بعض المدة ولم تسلم نفسها نقص من مهرها، أو بالأحرى من أجرتها والنص بعيد عن هذا المعنى الفاسد بُعْدَ من قالوه عن الهداية، لأن الكلام كله في عقد الزواج، فسابقه ولاحقه في عقد الزواج، والمتعة حتى على كلامهم لا تسمى عقد نكاح أبدا، وقد تعلقوا مع هذا بعبارات رواها مسلم عن النبي - ﷺ - أنه أباح المتعة في غزوات ثم نسخها، وبأن عبد الله بن عباس كان يبيحها في الغزوات (٢)، وهذا الاستدلال باطل، لأن النبي - ﷺ - نسخها، فكان عليهم عند تعلقهم برواية مسلم أن يأخذوا بها جملة أو يتركوها، وجملتها تؤدي إلى النسخ لا إلى البقاء، وإذا قالوا: إنا نتفق معكم على الإباحة ونخالفكم في النسخ فنأخذ المجمع عليه ونترك غيره، قلنا لهم: إن النصوص التي أثبتت الإباحة هي التي أثبتت النسخ، وما اتفقنا معكم على الإباحة، لأننا نقرر نسخ الإباحة، على أننا نقول إن ترك النبي - ﷺ - المتعة لهم قبل الأمر الجازم بالمنع ليس من قبيل الإباحة، بل هو من قبيل الترك حتى تستأنس القلوب بالإيمان، وتترك عادات الجاهلية،
________
(١) أي سمت المهر أجرا.
(٢) عن الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ، وَقَالَ: «أَلَا إِنَّهَا حَرَامٌ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَانَ أَعْطَى شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ ". [رواه مسلم: النكاح - نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ (١٤٠٦)].
وقد كان شائعا بينهم اتخاذ الأخدان، وهو ما نسميه اتخاذ الخلائل، وهذه هي متعتهم، فنهى القرآن الكريم والنبي - ﷺ - عنها (١). وإن الترك مدة لَا يسمى إباحة، إنما يسمى عفوا، حتى تخرج النفوس من جاهليتها، والذين يستبيحونها باقون على الجاهلية الأولى. ومثل ذلك الخمر، فما أبيحت، ولكن تركت عفوا حتى جاء النص القاطع بالتحريم، وابن عباس رضي الله عنه قد رجع عن فتواه، بعد أن قال له إمام الهدى علي كرم الله وجهه: " إنك امرؤ تائه، لقد نسخها النبي - ﷺ -، والله لَا أُوتي بِمسْتَمْتِعَين إلا رجمتهما " (٢).
(وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) الجنوح معناه الميل، والجناح الإثم، والفريضة المهر المقدر، والتراضي من بعده إما على زيادته، وإما على نقصه، والمعنى لَا ميل إلى الإثم في الأمر الذي تتراضون عليه من بعد المهر الذي سميتموه وفرضتموه على أنفسكم، وعليكم أن تلتزموا بما التزمتم من بعد العقد، قليلا كان أو كثيرا، مع ملاحظة أن المرأة إذا تركت بعض مهرها من بعد الفريضة فيجب أن يكون ذلك بطيب نفسها، كما قال تعالى: (فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا)، فلابد من طيب النفس، وقد ذكرنا ذلك من قبل.
________
(١) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ، وَعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ» قال أبو عيسى: «حَدِيثُ عَلِيٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»، «وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَغَيْرِهِمْ» وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ شَيْءٌ مِنَ الرُّخْصَةِ فِي المُتْعَةِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ حَيْثُ أُخْبِرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [الترمذي: النكاح - ما جاء في تحريم نكاح المتعة بل قد روى الترمذي (١١٢٢) عَنْ ابْنِ عَثاسِ قَالَ: إئمَا كَانَتْ الْمُتْعَةُ فِى أوَلِ الإِسلام، كَانَ الرَّجُلُ يَقْدُمُ الْبَلْدَةَ لَيْسَ لَهُ بِهَا مَعْرِفَةٌ فَيَتَزَوَجُ الْمَراةً بِقَدْرِ مَا يَرَى أنهُ يُقيمُ فَتَحْفَظُ لَهُ مَتَاعَهُ وَتُصْلِحُ لَهُ شَيْئَهُ حَتَى إِذَا نَزَلَتْ الآيَةُ: (إِلا عَلَى أزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلكت أيْمَانُهُمْ) قَالَ ابْنُ عَباس: فكل فَرْج سِوَى هَذَيْنِ فَهُوَ حَرَامٌ.
(٢) رواه البيهقي في الكبرى (١٤٣٦٢) ج ١٠، ص ٤٧٩، كما رواه الطبراني في الأوسط عن محمد ابن الحنفية ورجاله رجال الصحيح. راجع مجمع الزوائد (١٩٣٧).
وقد ذيل الله سبحانه وتعالى آيات المحرمات بقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) لبيان أن ما شرعه هو مقتضى علمه الذي أحاط بكل شيء، ومقتضى حكمته التي تضع كل شيء في موضعه، وهي مقتضى جلاله تبارك وتعالى، ومقتضى ألوهيته، ولذا صدّر الكلام بلفظ الجلالة. وقد أكد الله وصفه سبحانه بالعلم والحكمة بـ " إن "، وبلفظ الجلالة، وبـ " كان " الدالة على الدوام والاستمرار، فعلينا أن نعلم حكمة الله تعالى فيما شرع، وفيما أمر ونهى، فهو أعلم بمصلحتنا منا، ولنخضع لما أمر، ولا نحاول أن نخلع الربقة (١)، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
* * *
________
(١) الرِّبْقُ، بالكسر: حَبْلُ فيه عِدَّةُ عُرى، يُشَدُّ به البَهْمُ، كُل عُرْوَةٍ: رِبْقَةٌ، بالكسر والفتح. القاموس المحيط - ربق.
(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)
* * *
(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) المحصنات الحرائر، والفتيات الإماء، فإن الإسلام لا يعبر عن العبد إذا أضيف إلى مولاه بالعبد، بل يعبر عنه بالفتى، وهذا من أدب الإسلام وتكريم الإنسان، ولذا ورد في الحديث الصحيح: " لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي ولكن ليقل فتاي وفتاتي " (١). كما نهى النبيّ العبد عن أن يقول: سيدي وسيدتي، بل يقول: مولاي ومولاتي. والطَّول: القدرة والسعة في المال والجسم، ومعنى ملك اليمين، أن تكون في ملكه، وعبر باليمين لإفادة السلطان، فإن يمين الرجل مظهر قوته، وبها يكون الصَّفْق في البياعات، فأضيف الملك إليها لأنها سببه. والآية بمضمونها أفادت أنه لَا يحل الزواج من الإماء إلا إذا لم يكن في طوله أن يتزوج حرة. وقد اختلف الفقهاء في حدود الطول والقدرة، فقال أبو حنيفة: الطَّول أن يكون متزوجا حرة، فمن كان عنده حرة لَا يجوز أن يتزوج أمة، وإن عقد كان عقده باطلا. وقال مالك: الطول السعة والقدرة على المهر والنفقة، فمن عجز عن مهر الحرة ونفقتها وهو قادر على الزواج من أمة فإنه يجوز له زواج الأمة، ولو كانت عنده حرة. وقال الشافعي، وهو قول عند مالك: إنه يجوز له زواج الأمة بشرطين، أحدهما: عدم القدرة على زواج الحرة، والثاني: أن يخشى العنت أي المشقة الشديدة إن لم يتزوجها. وفسر بعض العلماء عدم الطَّول بأن يتعلق بها وتهواها نفسه، بحيث يخشى على نفسه أن يقع معها في زنا إن لم يتزوجها.
واشترط الشافعي ومالك وأحمد لإباحة زواج الأمة أن تكون مؤمنة كنص الآية، وأبو حنيفة أباح الزواج من الأمة الكتابية إن لم يكن عنده حرة. وشدد الإسلام في إباحة الزواج من الإماء لحمل المالكين على عتقهن، فمن رغب في أمة فليشترها، وليعتقها ثم يتزوجها؛ ولأن الولد يتبع أمه في الرق، فلمنع كثرة الرقيق
________
(١) متفق عليه، رواه البخاري: العتق - كراهية التطاول على العبيد (٢٥٥٢)، ومسلم: الألفاظ من الأدب وغيرها (٢٢٤٩) عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: " لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ وَضِّئْ رَبَّكَ، اسْقِ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي مَوْلاَيَ، وَلاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي أَمَتِي، وَلْيَقُلْ: فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلاَمِي ".
قيد الزواج من الإماء بحيث لَا يدخل بهمت إلا أولياؤهن فيكون الولد حرا، ويعتق أمه، كما هو مدون في الفقه، أو تعتق ثم يكون الزواج منها.
(وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) هذه جملة معترضة بين إباحة نكاح الفتيات المؤمنات، وصورة العقد عليهن. وهذه الجملة السامية فيها فائدتان: أولاهما: التفتيش النفسي عن القلب، وما تخفيه الصدور بحيث يكون الشخص دائم التفتيش عن عيوبه؛ لأن الله تعالى أعلم بإيماننا منا، وهو سيحاسبنا على ما يعلم، وأفعل التفضيل في قوله تعالى: " أعلم " على بابه، فهو أعلم منا بأنفسنا، أو نقول إنه للعلم المطلق الذي لَا يصل علم مهما يكن إلى مقداره، فيكون أفعل التفضيل على غير بابه. والفائدة الثانية: بيان أن الناس جميعا من دم واحد وأنه لا يصح أن يستعلي حر على عبد، ولا حرة على أمة، فإن بعضنا من بعض، فقوله تعالى: (بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) أي أنكم جميعا تضمكم إنسانية واحدة، وكل له حقوقها وعليه واجباتها. فالعبيد من الأحرار؛ لأنهم من أصل حر، والأحرار قد يكونون من العبيد، والله سبحانه وتعالى فوق الجميع بالعدل، فلا يظلم بعضكم بعضا.
(فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْروفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ) النكاح العقد ولا يستعمل في القرآن إلا بهذا المعنى، والمعنى: فاعقدوا عليهن عقد الزواج بإذن أهلهن، وأهلهن في هذا المقام هم المالكون لهن. وعبر عن المالكين بالأهل حملا للناس على الأدب في التعبير، ولأنه يجب أن تكون العلاقة بين العبد ومالكه علاقة أهل لَا علاقة رق، ولذا يجب عليه أن يعطيه كل حقوق قرابته من مأكل ومسكن وملبس، ولذا قال النبي - ﷺ -: " إخوانكم خَوَلكُم (أي مكنكم الله من رقابهم) قد ملككم الله إياهم، ولو شاء لملكهم إياكم، أطعموهم مما تطعمون، واكسوهم مما تكسون " (١). وأمر
________
(١) رواه بلفظ مقارب البخاري: الإيمان (٢٥٤٥)، ومسلم (١٦٦١) عن أبي ذر رضي الله عنه، كما رواه غيرهما من أصحاب السنن، وليس في هذه الرواية عندهم ذكر الملك.
سبحانه وتعالى بإعطاء المهور، وشدد في ذلك، وقال (بِالْمَعْرُوفِ) أي بالقدر الذي لَا يستنكره العرف، فلا يتخذ من كونها أمة سبيلا لغمط حقها، وتصغير شأنها. وبين أن إعطاء الأجر يكون للأمة نفسها، وهذا يدل على أنها تملكه وهو حقها، وهي تحتاج إليه في إعداد نفسها للزواج، وبذلك يثبت أن العبيد أهل للملكية، وقد أثبتت الملكية للعبيد والإماء - الظاهرية، وذلك ظاهر القرآن الكريم، كما تدل الآية الكريمة، إذ فرقت الآية بين العقد والمهر، فالعقد يتولاه المولى، والمهر تعطاه هي.
- وقوله: (مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ) حال من قوله: (فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ)، وهنا وصف بالإَحصان، أي العفة، الزوجات دون الأزواج، وذلك لأن الزوجات من الإماء، وهن مظنة الانزلاق، إذ الرق والضعف وفقدان الحرية يكون معها الهوان، وحيث كان الهوان كانت الرذيلة قريبة؛ لأنه لَا شيء كالهوان يفتحِ السبيل للشيطان، ولذلك طالبهن الله تعالى وقد كرمهن بالزواج أن يُحَصِّن أنفسهن به، وأن يباعدن السفاح، ولهذا المعنى كانت الجريمة من الإماء أقل شأنا من الجريمة من الحرائر، وكانت العقوبة عليهن أقل. ومعنى اتخاذ الأخدان اتخاذ الخليل الملازم من غير زواج، ولو باتفاق على مهر ونفقة، فالخدن هو الخليل، وهذه هي المتعة التي حرمها القرآن والنبي - ﷺ -.
(فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) معنى الإحصان هنا الزواج، فمعنى قوله تعالى: (فَإِذَا أُحْصِنَّ) إذا تزوجن.
وجاء الشرط بـ " إذا " الدالة على تحقق الشرط، لوقوع ذلك الإحصان وللترغيب فيه، والفاحشة هنا الزنا، والعذاب هو الحد، والمحصنات هنا الحرائر، وعبر سبحانه في جانب شرط الفاحشة بـ " إن " في قوله (فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ)، و " إن " تدل على الشك في وقوع الشرط؛ لأن الفاحشة غير متوقعة وهي أمر منفور منه غير متصور أن يكون مرغوبا فيه، وخصوصا من زوجة حرة أو غير حرة.
ومرمى النص الكريم أن الأمة إذا ارتكبت الفحشاء تكون عقوبتها نصف عقوبة الحرة؛ لأن الجريمة تهون بهوان مرتكبها وتعلو بعلو مرتكبها. وإذا علَتْ
الجريمة علت معها العقوبة، وإذا نقصت نقصمت معها العقوبة، وهذا دليل على عدل الشريعة، وعلو الأحكام الإسلامية عن القانون الروماني وغيره من قوانين أهل الدنيا، ففي القانون الروماني كان العبد إذا زنا بحرة قتل، وإذا زنا الشريف حكم عليه بغرامة، فكان هذا ظلمًا، ولكن الإسلام قال إن عقوبة العبد على النصف من عقوبة الحر، فإذا زنا الحر الشريف جلد مائة أو رجم، وإذا زنا العبد عوقب بخمسين جلدة (١).
وإن الزواج من الإماء هو عند خشية العنت والمشقة، ولذلك قال سبحانه:
(ذَلِكَ لِمَنْ خَشِي الْعَنَتَ مِنكُمْ وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رحِيمٌ) العنت المشقة الشديدة التي يخشى منها التلف أو الوقوع في الزنا، والإشارة في قوله تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ) للزواج من الإماء المنوه عنه بقوله تعالى: (وَمن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ) و (خشي) معناها خاف من أمر متوقع هو قريب من الواقع، فالرق بين الخوف والخشية أن الخشية تكون من أمر متوقع قريب الوقوع أو واقع بالفعل، فكان زواج الإماء لَا يباح إلا للضرورة أو للحاجة الشديدة، ومع ذلك فالصبر أولى، ولذا قال: (وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لكُمْ) فتحملوا مشقة الحرمان أولى من زواج الإماء؛ لأن الولد يكون رقيقا، وفي ذلك تكثير للرق، ولأنه لَا يمكنه أن يقوم على تربيته وشئونه، ولأنها لَا يتكون منها مع بقائها على رقها بيت زوجية صالحة؛ إذ ستكون مطالبة بخدمة وليها، فالحياة
________
(١) قال الآلوسي: (فَإنْ أتَينَ بفَاحشَة) أي فإن فعلن فاحشة وهي الزنا وثبت ذلك. (فَعَلَيْهن أي فثابت عليهن شرعا (نصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَات) أي الحرائر الأبكار (منَ الْعَذَاب) أي الحد الذي هو جلد مائة، فنصفه خمسون ولا رجم عليهن لأنه لَا يتنصف. وقال ابن كثير: وقوله: نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) يدل على أن المراد من العذاب الذي يمكن تنصيفه وهو الجلد لَا الرجم، والله أعلم. وقال الثعالبي: و (المُحْصَنَاتُ) في هذه الآية: الحَرَائِرُ؛ إذ هي الصفَةُ المَشْرُوطة في الحد الكامِلِ، والرجمُ لَا يتنصف، فلم يُرَدْ في الآية بإجماع.
الزوجية لَا تكون كاملة، ولذا روى أبو هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: " الحرائر صلاح البيت، والإماء هلاك البيت " (١).
ومن هذا يكون السبيل للزواج بهن شراءهن وإعتاقهن، وبذلك يقل الرقيق، ويكثر الأحرار، وإذا دخل بها مولاها كان ابنه حرا وكان سبيلا لحريتها ومنع بيعها، فيكثر الأحرار. وقد ختم الله سبحانه الآية بقوله: (وَاللَّه غَفورٌ رحِيم) للإشارة إلى عظيم رحمته بعبادِه فيما شرع، وإلى عظيم غفرانه لمن يرتكب إثما ثم يتوب، وإلى أن غفرانه من رحمته، إنه غفار لمن اهتدى. فاللهم اجعلنا من التوّابين الذين ينالون مغفرتك، إنك أنت التوَّاب الرحيم.
* * *
(يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)
* * *
بين سبحانه في الآيات السابقة المحرمات، ونبه إلى ما كان يقع فيه أهل الجاهلية من استباحة بعض هذه المحرمات، كزواجهم ممن كانوا أزواجا لآبائهم،
________
(١) مسند الفردوس عن أبي هريرة مرفوعا، رواه الديلمي والثعلبي عن أبي هريرة وضعفه السخاوي [تنقيح القول الحثيث بشرح لباب الحديث - الباب الخامس والعشرون، وجاء في كشف الخفا (١١٢٣) ج ٤، ص ٤٠. رواه الثعلبي بسند فيه أحمد بن محمد اليماني - متروك - عن يونس بن مرداس خادم أنس - وهو مجهول - أنه قال: كنت بين أنس وأبي هريرة، فقال أنس: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " من أحب أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر "، فقال أبو هريرة: سمعته يقول: " الحرائر صلاح البيت، والإماء فساد البيت "، أو قال: " هلاك البيت ".
وكاستباحتهم الجمع بين المرأة وأختها. وفي هذا النص الكريم يبين سبحانه أن ما قرره هو الهداية، وهو سنة الفطرة، وهو شريعة النبيين أجمعين. ثم بين سبحانه بالإشارة والعبارة أن تحصين الفروج مطلب ديني سام، وأن الإحصان حماية لمعنى الإنسانية وترفع عن الحيوانية. وفي هذا النص يبين سبحانه أن الذين يدعون إلى اتباع الأهواء والشهوات لَا يريدون بأهل الإيمان الخير، ولكن يريدون أن تتحكم الأهواء والشهوات، وتسيطر وتدفع إلى العبث والحيوانية. وقد قال سبحانه:
(يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) معنى هذا النص الكريم أن الله تعالى يريد، بما شرع من أحكام، وما ذكر من محرمات، أن يبين ما فيه خيركم، وما فيه صلاح مجتمعكم، وما يعلو بكم من دَرْكَةِ الحيوان إلى سمو الإنسان، وما يحمل العلاقة بين الرجل والأنثى علاقة معنوية روحية، ولا تكون مادية حيوانية فقط، وما يحفظ النوع الإنساني متدرجا في سبيل الرقي، والسمو الروحي. ويريد سبحانه أن يبين سُنَنَ الذين من قبلكم، أي الطريقة المثلى التي كانت تسير عليها المجتمعات الفاضلة قبلكم، وما جاء به النبيون، وهدى إليه المرسلون، فيبين أن هذا هو سنن الذين من قبلكم وهو سنة الفطرة. ولم يصرِح بأن ذلك هو ما جاء به النبيون، وإن كان ذلك مفهوما، بل صرح بأن هذا هو سُنن الذين من قبلكم للإشارة إلى أنه أمر مشتق من الفطرة الإنسانية. وأن من يخالفه إنما يشذ عن مقتضى الفطرة وحكم العقل، وسنة الإنسانية. فبعض الملوك أو الأمم الذين استباحوا المحرمات كانوا في حكم الأجيال الإنسانية من الشذاذ؛ لأنهم خرجوا عن سنة الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
وفى النص القرآني الكريم مباحث لغوية لابد من الإشارة إليها لتقريب المعنى السامي:
أولها - معنى اللام في قوله تعالى: (يرِيدُ اللَّه لِيبَيِّنَ)، فإن له تخريجات مختلفة، منها أن المعنى: يريد الله تعالى ذكر ما ذكر من محرمات ويقصد إليه ليبين لكم، فاللام على هذا تكون للتعليل، و " أن " مضمرة بعدها - ومنها أن اللام
زائدة، وأن النصب بـ " أنْ " المحذوفة، وزيدت اللام لبيان أحكام إرادة الله سبحانه وتعالى في بيان ما يبين توثيق هذا البيان، وهذا ما اختاره الزمخشري في الكشاف - ومنها أن اللام هي الناصبة للفعل، وأنها بمعنى أنْ. فإن اللام قد تقوم مقام أن، وذلك إذا كان الفعل قبلها يدل على الإرادة أو الأمر، ومن ذلك قوله تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْوَاهِهِمْ...)، وفي معناه في نصف آخر: (يُرِيدونَ أَن يُطْفِئوا نُورَ اللَّه بِأَفْوَاهِهِمْ...)، وفي الأول ذكرت اللام بدل " أن ". وقوله تعالى: (وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)، وفي معنى قريب منه: (وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ...)، وقوله تعالى: (وَأُمِرْت لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ...)، وهذا التخريج الأخير هو عند الكوفيين، والأولان عن البصريين، ونسب ثانيهما لسيبويه. وإن مفعول " يبين " محذوف، وقد دل عليه السياق، والمعنى يبين لكم ما فيه مصلحتكم، وتكوين جماعتكم الفاضلة العفيفة النَّزِهة الطيبة.
وثانيها - قوله تعالى: (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم)، نرى أن " هَدَى " قد تعدت بنفسها هنا، ولم تعدب " إلى " ولا باللام، وإن ذلك جائز، فالفعل " هدى " يتعدى بنفسه كما في هذا النص، وباللام كما في قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا...)، وقوله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)، ويتعدى بـ " إلى " كما في قوله تعالى: (وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطِ مُّسْتَقِيمٍ)، وقوله تعالى: (وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مسْتَقِيمٍ)، وقوله تعالى: (أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ...). وفي الواقع أن اختيار القرآن الكريم للتعبيرات المختلفة من حيث إنه يعبر أحيانا بالتعدية بـ " إلى "، وأخرى باللام، وثالثة بنفسها، يكون لمعان اقتضاها المقام. ويصح أن يقال إنها تعدت هنا بنفسها لتضمنها معنى البيان وقبول الفطرة السليمة لهذا البيان، فمعنى يهديكم سنن الذين من قبلكم: بينها لكم بيانا مشفوعا بالقبول منكم لأنه الفطرة.
وثالثها: معنى سن الذين من قبلكم: السنة هي الطريقة، وفي أكثر استعمالها تكون للطريقة المثلى الهادية إلى الحق، وسق الذين من قبلكم قيل هي شرائع النبيين، والذي نراه هو أن السن هي طرائق الذين سبقوكم من الأمم التي سارت على الفطرة، فحرمت هذه المحرمات بوصايا الأنبياء السابقين، وأحكام العقل المستقيم والطبع السليم.
(وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) قرن سبحانه وتعالى التوبة بعد هذا البيان لسببين:
أحدهما - أن يبين أن الله تعالى فاتح باب التوبة دائما، فمن تاب من الذنوب صغيرة أو كبيرة، فإن الله يتوب عليه، ويغفر له ما تقدم من ذنبه إذا كانت توبته نصوحا.
وثانيهما - أن الآيات السابقة تتضمن تحريما لأمور كان أهل الجاهلية يستبيحونها، فقد كانوا يستبيحون نكاح زوجات الآباء، ويستبيحون الجمع بين المحارم، ويستبيحون اتخاذ الأخدان، وهو ما يسمى اتخاذ الخلائل في عصرنا، وكانوا يثبتون بذلك النسب، فبين الله حرمة هذا كله، ولا تزال تطلع على طائفة من الناس يعيشون عيشة أهل الجاهلية في اتخاذ الأخدان، ويستبيحونها، وقد ذكر سبحانه وتعالى لهذا أن الله بين الحلال والحرام، وعلى المرتكب لأي محرِم أن يقلع، وإن الله تعالى يتوب عليه، والتعبير عن قبول التوبة في كل المواضع (يتوبَ عَلَيْكُمْ) في التعدي بـ " على "؛ للإشارة إلى ما يتضمنه معنى قبول التوبة من ستر للذنوب، ومنع لكشفها، فهي غطاء على المعاصي يمنعها من الظهور، حتى يذهب تأثيرها في النفس، وقد ختم الله سبحانه وتعالى الآية الكريمة بقوله تعالى: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) للإشارة إلى أن الله ذا الجلال والإكرام والإنعام المستحق وحده للعبودية مطلع على كل ما يعمل الإنسان من خير وشر، وهو يعلم الذنوب التي يقع فيها العباد، وهو الذي يغفرها عند التوبة، وإنه سبحانه وتعالى حكيم يضع الأمور في مواضعها، فيغفر ويقبل التوبة من عباده إذا أخلصوا النية، واعتزموا الخير وأقلعوا عن الشر. وقد بين سبحانه محبته للتوبة فقال:
* * *
(وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ... (٢٧)
* * *
" هذا النص يفيد إرادة الله سبحانه وتعالى قبول توبة عباده، وستر ذنوبهم وغفرانها، وذلك إذا أقلعوا عن هذه الذنوب، وتابوا إلى الله توبة نصوحا؛ لأن الله تعالى يريد التوبة من عباده عما أسلفوا من ذنوب، وقد بين لهم طريق الحق، والوصول إليه، وأن الماضي من الذنوب لَا يعوق عن الاتجاه إلى الله ولا يكون سببا للقنوط من رحمته، كما قال تعالى: (قُلْ يَا عبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنًّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، وعلى ذلك تكون إرادة الله تعالى للتوبة عليهم متضمنة بيان الهداية لهم، ووجوب سلوك طريق الفطرة المستقيمة، وتسهيل الرجوع إليه سبحانه لتتطهر نفوسهم وتصغي إلى الحق أفئدتهم، وغفران الذنب إن أحسنوا التوبة وأخلصوا النية، واعتزموا السير في طريق الحق، وإنه في الوقت الذي يريد الله للناس الهداية والتوبة - يوجد - من إخوان إبليس من يحرضون على الغواية، ولذا قال سبحانه:
(وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) هذه إشارة إلى كمال المباينة بين دعوة الحق التي يدعو إليها الله سبحانه وتعالى، ويبين سبلها، ودعوة أولياء الشيطان، فإن دعوة الله تعالى هي دعوة إلى الفطرة السليمة التي لم تنحرف، ولم تخرج عن النجد السوي، ليس فيها تحريم للطيبات ومتع الحياة وليس فيها انطلاق إلى الأهواء والشهوات والخروج عن سنن الفطرة المستقيمة.
وأما دعوة أولياء الشيطان، فهي دعوة إلى الانحراف، والميل إلى جانب الشهوة ميلا عظيما، ينحرف به عن سبيل الإنسانية المهذبة. وهذا الكلام يدل على أن الناس في كل عصر يوجد فيهم داعيتان: أحدهما إلى الحق والاعتدال، وأولئك يدعون بدعاية الرحمن، وهداية الأديان لَا تحرم ما أحل الله من طيبات، ولكن بقدر لَا اعتداء فيه ولا انحراف، وآخرون هم داعية الشيطان، وهؤلاء يكونون بأعمالهم وأقوالهم وأشعارهم في الماضي وصحفهم في الحاضر داعين إلى الانحراف، وعبر عن هؤلاء سبحانه بقوله: (وَيُرِيدُ الَّذِين يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ) أي
أنهم، بسبب استغراق الشهوات لنفوسهم وصيرورتها قائدا لهم يتبعونه، قد أصبحوا يريدون أن يكون الناس على شاكلتهم من الانحراف. وقد بين سبحانه إرادتهم للمهتدين فقال: (أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا)، والميل أصله الانحراف من الوسط إلى جانب من الجوانب، ولما كان الاعتدال فيه العدل أطلق الميل على الجور والاعتداء، وهؤلاء لَا يكتفون بمجرد اليل يريدون الناس عليه، بل يريدون أن يميلوا ميلا عظيما، أي يريدون أن ينحرفوا انحرافا مطلقا فيبتعدوا عن الاعتدال إلى أقصى الانحراف.
سبحانك ربي، ما أصدق بيانك وأحكم قرآنك! إننا نجد الآن كما كان في الماضي الذين يتبعون الشهوات ويريدون من أهل الحق أن يميلوا ميلا عظيما، فهؤلاء الآن يدعون إلى مجونهم، مرة باسم الوجودية، وأخرى باسم التحرر، وثالثة باسم الحرية، وقد كتبوا في ذلك كتبا، ونشروا قصصا مثيرة يدعون إلى أن يميل الناس كل الميل، واسترسلوا في ذلك استرسالا بكل وسائل الدعاية، فمن خيَّالة تُرِي المناظر المثيرة، ومناظر في الطرقات تحرض على الفسق والمجون، ومن استباحة علنية لكل ما يخالف الدين والخلق لتتحقق إرادتهم، ولكن إرادة الله تعالى غالبة بعونه سبحانه.
* * *
(يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ... (٢٨)
* * *
يريد الله تعالى بهذه الأحكام التي ليست فيها شدة تنوء بها القوى الإنسانية، وليس فيها حرمان من الطبائع البشرية، كما أنها لا تفتح باب الشهوات والعبث والمجون، يريد سبحانه أن يخفف عنكم، فلا يكون فيكم الحرمان من متع الحياة، ولا يكون فيكم الانطلاق الذي يحل جماعتكم، ويسلط عليكم الأهواء والشهوات، فترديكم، وتذهب ريحكم، فشرع الله تعالى إباحة الطيبات، ومن حرمها فقد خالف أمر ربه إذ قال سبحانه: (لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ...)، وقال تعالى: (قُلْ مَنْ حرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ...)، وقال - ﷺ -: " كلوا
واشربوا والبسوا من غير سرف ولا مخيلة " (١)، وليس في الإسلام رهبانية، ولا انقطاع عن النساء، ولكن ليس فيه إباحة مطلقة، وكان ذلك التخفيف في التكليف ليسهل على الإنسان الاحتمال، وقد قال تعالى:
(وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا) أي خلق الله تعالى الإنسان والضعف ملازم له، وليس الضعف المذكور هو الضعف البدني فقط، بل يشمل الضعف النفسي، فالتكليفات يلاحظ فيها ذلك الضعف، ولذلك كانت كل التكليفات يسهل تعويد النفس عليها، ولا يصعب احتمالها والمداومة عليها، وقد حث الإسلام على السهل من الأعمال التي تمكن المداومة عليها، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: " أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ " (٢)، ولضعف الإنسان أبيح له من الشهوات ما لَا يجعله عبدا لشهوته، بل يكون سيدا عليها، وإن أبرز مظاهر الضعف الإنساني يكون أمام النساء، ولذا أبيح له مثنى وثلاث ورباع، من غير بغي ولا ظلم.، ولقد قال سعيد بن المسيب: ما أيس الشيطان من بني آدم قط إلا آتاهم من قبل النساء، فقد أتى عليَّ ثمانون سنة، وذهبت إحدى عيني، وأنا أعشو بالأخرى، وإن أخوف ما أخاف عليَّ فتنة النساء (٣)! وقانا الله تعالى شر ضعف نفوسنا، وقوى عزائمنا وهدانا إلى الحق، والله سبحانه وتعالى يتولانا برحمته.
* * *
________
(١) ذكره البخاري تعليقا، وسبق تخريجه من رواية النسائي وابن ماجه وأحمد عن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
(٢) عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ ". رواه البخاري: الرقاق - القصد والمداومة على العمل (٦٤٦٤).
(٣) عَنْ أسَامَةَ بْنِ زَيْد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَبِي - ﷺ - قَالَ: " مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَة أضَرَّ عَلَى الرجالِ مِنْ النسَاءِ " [رواه البخاري: النكاح - ما يتقى من شؤم المرأة (٥٠٦٩)، ومسلم: الذكر والدعاء - أكثر أهل الجنة الفقراء (٢٧٤٠)].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)
* * *
في الآيات السابقة بين سبحانه وتعالى الأسس التي يقوم عليها بناء الأسرة، وكيف يختار كل واحد من الزوجين صاحبه، وبين الآفات التي قد تعتري الأسرة في ابتداء تكونها، وبين أن دعائم الأسرة التي يقيمها عليها هي من الفطرة، وهي سنن الذين كانوا قبل الإسلام. وبعد هذا انتقل إلى العلاقات الاجتماعية العامة، وذلك تدرج من الخاص إلى العام، فالعلاقات في الأسرة خاصة والعلاقات بالمعاملات المالية علاقة عامة، ولذا قال:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) أكل المال معناه أخذه، وأطلق الأكل وأريد به الأخذ للإشارة إلى الأصل في وظيفة المال الإنسانية وهو أن يكون وسيلة لمتع الحياة التي أخصها الأكل، وإذا تحول المال من كونه وسيلة لنيل المطاعم إلى أن يقصد لذاته ليكون متعة مطلوبة كالأكل، فعندئذ يكون الشح
والحرص والتنازع على طلبه بِحِل أو بغير حل، وهذا شأن من يأخذون الباطل يستمتعون به كما يستمتع الآكل بالطعام. وعبَّر بأموالكم للإشارة إلى أن مال آحاد الأمة مال الأمة موزعا بين آحادها بتوزيع الله تعالى الذي قسم الأرزاق، وأن المال كله في حماية المجتمع، ولو كان مملوكا ملكا خاصا. وذكر كلمة (بَيْنَكُم) للإشارة إلى أن التبادل بين الآحاد يكون على أساس من الحق، ولا يكون بالباطل، والباطل هو الطرق الحرمة لجمع المال كالربا والرشوة والسرقة والغصب والنصب والتزوير والغش والتدليس والاحتكار الآثم، وغير هذا من الأساليب التي لا تبيحها شريعة ولا يبيحها قانون.
(إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ منكُمْ) الاستثناء هنا منقطع، والمعنى لكن يباح لكم أخذ المال بالتجارة الناشئة عن تراض، فلا يحل مال امرئ إلا عن طيب نفس أخيه (١)، كما ورد في بعض الآثار عن النبي - ﷺ -. وقد يسأل سائل: لماذا جاء هذا بعد النهي عن أكل مال الناس بالباطل؟ والجواب عن ذلك أن بعض ما يستباح مما حرمه الله يشّبه بالتجارة، فالذين يأكلون الربا يشبهون الزيادة بالكسب الذي يجيء من البيع والشراء، ولذلك حكى الله سبحانه عن المشركين أنهم قالوا: (... إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْل الرِّبَا...)، ورد الله قولهم: (... وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا...)، وبهذا بيّن الله سبحانه وتعالى حل التجارة حتى لَا يتوهم أحد أن مكاسب التجارة من أكل أموال الناس بالباطل، فإنها مال حلال ما دام أساسها التراضي وطيب النفس.
والتراضي أساس العقود عامة وأساس المبادلات المالية خاصة، فلا بيع من غير تراض ولا شراء ولا إجارة ولا شركة ولا غيرها من عقود التجارة ما لم يتحقق الرضا. وقد وسع الفقهاء الباب للرضا، فأباحوا للعاقد أن يفسخ العقد إذا خفيت العيوب ولم تظهر، لأن الرضا لم يكن على أساس سليم، وأباحوا للعاقد
________
(١) " إِنهُ لَا يَحِل مَالُ امْرِئٍ إِلا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ " جزء من حديث رواه أحمد (٢٠١٧٢): أول مسند البصريين عن عم أبي حرة الرقاشي.
أن يشترط لنفسه حق الفسخ، ومن الفقهاء من أباح له الفسخ طول مدة مجلس العقد، ولو أعلن الرضا، وذلك كله للاحتياط، ولكي يكون الرضا على أساس من العلم الصحيح والجزم القاطع، والبَتِّ القائم على بينة ومعرفة.
وهل التراضي أساس حر للتعاقد من غير قيد يقيده إلا التحريم؛ بمعنى أن كل ما يشترط ويتعاقد عليه المتعاقدون يكون حلالا ملزما للعاقدين ولو لم يرد به نص خاص؛. للفقهاء في ذلك منهاجان مختلفان أحدهما: أن التراضي أساس للإلزام والالتزام ولو لم يرد نص لكل عقد وشرط ما دام لَا نص يمنع، فكل ما يشترطه العاقدان ويتراضيان عليه يكون لازما لَا يصح نقضه، إذا لم يكن نص يحرمه، ولقد قال في ذلك عمر - رضي الله عنه -: مقاطع الحقوق عند الشروط. وأكثر الحنابلة وبعض المالكية على ذلك المنهاج. والمنهاج الثاني: أنه لا يلزم من الشروط والعقود إلا ما جاء الدليل على وجوب احترامه، وهذا منهاج الشافعية والحنفية فعندهم لَا يلزم الشرط إلا إذا قام الدليل على وجوب الوفاء به.
والتجارة باب من أبواب الكسب الطيب وفيها فائدة للناس، وهي تنقل ما فيه الحاجة الإنسانية من مكان إلى مكان، وبهذا النقل تتغير قيمة الأشياء، وزيادة القيمة بهذا النقل تقارب زيادة الأشياء بالزرع، وزيادة قيم الأشياء بالتحويل الصناعي، فإن الحديد مثلا إذا تحول إلى آلة زادت قيمته بما زادت الصناعة فيه، فكذلك بنقل البضائع من مكان إلى مكان تزيد القيمة بهذا النقل.
وإن علماء المسلمين كانوا يرحبون بالتجارة التي تنقل البضائع من بلد إلى بلد ومن إقليم إلى إقليم، ولا يرحبون بالتجارة في البلد الواحد؛ لأن هذا ليس فيه طلب للأرزاق، ولأنه قد يؤدي إلى الاحتكار، وقد جاء في القرطبي: " والبياعات التي تحصل بها الأغراض نوعان: تقلب في الحضر من غير نقلة ولا سفر، وهذا تربص واحتكار، قد رغب عنه أولو الأقدار، وزهد فيه ذوو الأخطار.
والثاني: تقلب المال بالأسفار، ونقله إلى الأمصار، وهذا أليق بأهل المروءة وأعم جدوى ومنفعة " (١).
وإن النبي - ﷺ - قد حث على الاتجار بالنقل من بلد إلى بلد، ومنع الاحتكار وما يؤدي إليه، فقال النبي - ﷺ -: " المحتكر خاطئ والجالب مرزوق " (٢).
(وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) جاء هذا بعد النهي عن أكل أموال الناس بالباطل؛ لأن المال عند الناس بمنزلة النفس أو قريب منها، وقد اختلف العلماء في معنى قوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفسَكمْ) فقال بعضهم: معناه لا يقتل أحدكم نفسه، فإن ذلك إثم، ومن قتل نفسه فقد اعتدى على نفس حرّم الله قتلها، وهذا تأويل غير متفق مع السياق، وإن كان ظاهر اللفظ ربما يفيده، وقال بعضهم: إن المعنى ولا يقتل بعضكم بعضا، فإن قتل واحد منكم للآخر قتل لأنفسكم، وتحريض على الدماء بينكم، وقتل نفس كقتل الناس جميعا، ومن ذلك قوله تعالى: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعَا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)، وإن السياق على هذا يكون فيه ترقٍّ في النهي عن الاعتداء، ابتدأ بمنع الاعتداء على المال، ثم بمنع الاعتداء على النفس، فهو انتقال من الكبيرة إلى أكبر منها. وقال بعضهم إن المعنى لَا تقتلوا أنفسكم بأكل بعضكم أموال بعض، وبارتكاب المعاصي، فإن ذلك مفرق لجماعتكم مفسد لأمركم مذهب لوحدتكم، وبذلك تقتل الأمم والجماعات، وقد ارتضى هذا ابن بشير فقال: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفسَكُمْ) أي بارتكاب محارم الله تعالى ومعاصيه، واكل أموالكم بينكم. وإن هذا هو الذي نرتضيه، وهو يتضمن في ثناياه النهي عن القتل بكل ضروبه لأنه داخل في محارم الله.
________
(١) راجع الجامع لأحكام القرآن: تفسير سورة النساء (٢٩). الجزء ٥، ص ٣١.
(٢) روى مسلم في صحيحه: المساقاة - تحريم الاحتكار في الأقوات (١٦٠٥) أنه كَانَ سَعِيدُ بْنُ
المُسَيَّبِ يُحَدِّثُ أنَّ مَعْمَرًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " مَن احْتكَرَ فَهُوَ خَاطِئ ".
ومعنى الاحتكار: إمساك السلعة وعدم بيعها حتى يرتفع ثمنها.
وقد ذيل الله سبحانه وتعالى النص بقوله تعالت كلماته: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) للإشارة إلى أن الله نهى عن هذه المحرمات وأباح هذه المباحات من التجارة بكل أنواعها رحمة بكم، فكل شرع الله رحمة، وكل شرع صادر عنِ رحمة الله التي هي شأن من شئونه (١)، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةَ لِّلْعَالَمِينَ).
* * *
________
(١) قال ابن جرير الطبري - ج ٥، ص ٢٠: " فإنه يعني أن الله تبارك وتعالى لم يزل رحيما بخلقه، ومن رحمته بكم كفَّ بعضكم عن قتل بعض أيها المؤمنون، بتحريم دماء بعضكم على بعض إلا بحقها، وحظر أكل مال بعضكم على بعض بالباطل، إلا عن تجارة يملك بها عليه برضاه وطيب نفسه، لولا ذلك هلكتم وأهلك بعضكم بعضا قتلا وسلبا وغصبا " اه
(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا... (٣٠)
* * *
الإشارة هنا إلى الأمرين: أكل أموال الناس بالباطل وما يتضمنه من معاصٍ وطرق للشر مختلفة، والثاني ما يترتب عليه من قتل نخوة الأمة وتفرق أمرها، وذهاب وحدتها وتمكن أعدائها منها. والنص تهديد شديد، والعدوان في أصل اللغة معناه مجاوزة الحد المشروع قصدا، والظلم وضع الشيء في غير موضعه، وهما متلاقيان في المعنى، والجمع بينهما كان ليشمل العذاب كل أحوال الارتكاب، وليخرج ما كان غير مقصود، فمن الظلم ما لَا يكون مقصودا لمن يتلف مال غيره غير قاصد، فإنه ظالم ويعوض ما تلف، ولكن لَا يكون له ذلك العذاب الشديد.
وقوله: (فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا) وإن إنزال ذلك العذاب الشديد ليس أمرا على الله عسيرا، ولكنه على الله تعالى يسير سهل، ولذلك قال: (وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) فكل ما في الكون ما غاب منه وما ظهر هو في قبضة يده، وإن بيان يسر هذا العذاب فيه تهديد أشد، وفيه بيان لقوة الله تعالى وعظمته في العقاب وفي الثواب معا.
* * *ـ.
(إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ... (٣١)
* * *
بعد أن أنذر سبحانه وتعالى ذلك الإنذار الشديد فتح باب التوبة حتى لَا ييئس العباد من رحمته، ولا
يقنطوا من العودة إليه سبحانه فقال: (إِن تَجْتَنِبُوا)، والاجتناب معناه البعد، حتى تكون المعاصي في جانب وهو في جانب، ولا يتلاقيا قط، ومعنى التكفير ستر السيئات أو إبعادها وإماطة أذاها عن النفس، فإن التوبة الصادقة النصوح كالماء الطهور تطهر النفس. وفي النص إشارة إلى أن المعاصي قسمان كبائر وصغائر، وسمى الصغائر هنا سيئات لأنها تسوء صاحبها وتؤلمه وتسوء في ذاتها، ولا تتعدى في كثير من الأحيان، وسماها في آية أخرى اللَّمم، فقال تعالى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْم وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ...) أي ما يلم به الإنسان من غير إصرار عليه، ولا استمرار فيه، ومن هذين الوصفين نستطيع أن نعرف صغائر الذنوب بأنها ما تسوء في ذاتها من غير تعد ويرتكبها الشخص من غير إصرار، فإن الإساءة تتعدى وتفحش، وإن كان ثمة إصرار فليست صغيرة.
وبتعريف الصغائر نستهدي إلى تعرف الكبائر، وقد روي في الصحيحين أن رسول الله - ﷺ - قال: " اجتنبوا السبع الموبقات "، قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: " الشرك بالله، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات " (١)، ولا شك أن هذا الحديث لا يدل على الإحصاء للكبائر، فقد ذكر في أحاديث أخرى أن منها عقوق الوالدين، وشرب الخمر، وقد جاء في حديث آخر أن من أكبر الكبائر الزنا، وأفحشه ما كان بحليلة الجار (٢). وقد قيل لابن عباس: الكبائر سبع، فقال رضي
________
(١) متفق عليه؛ رواه البخاري: الوصايا - قول الله تعالى (إن الذين يأكلون أموال (٢٧٦٧)، ومسلم: الإيمان - بيان الكبائر وأكبرها. عَنْ أبِي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللًه عَنْهُ عَنْ النَبِي - ﷺ - قَالَ: " اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ ".
(٢) يؤيده ما رواه البخارَى ومسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»
. قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ». قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ ". رواه البخاري: تفسير القرآن.
الله عنه: هي إلى سبعمائة أقرب. لأنه لَا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار.
وإننا إذا تتبعنا الكبائر التي ذكرها النبي - ﷺ - من غير إحصاء، نرى أنها قد اتسمت بسمتين - إحداهما: أنها تهدم أمرا ضروريا من ضروريات المجتمع، فالزنا يهدم الأسرة، والقذف يهدمها ويشيع الفاحشة، وشرب الخمر يفسد العقل وهو ضروري للمجتمع، والسحر يفسد العلاقات الإنسانية، وعقوق الوالدين ينقض بناء الأسرة من قواعده، وهكذا - والسمة الثانية: أن الاعتياد عليها يميت الضمير، ويجعل النفس تمرن على الشر.
ولذلك نقول: إن الكبائر هي المفاسد التي تهدم بناء المجتمع الفاضل، والمعاصي التي يصر عليها الشخص ومن شأنها أن تفسده أو تفسد غيره، ولو كانت في ذاتها هينة؛ لأن استمراء النفس للمعصية الصغيرة يسهل الكبيرة (١).
(وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا) وعد الله الذين يباعدون الكبائر عن نفوسهم بأن يكفر عنهم سيئاتهم، وإنه ليس بعد زوال السيئات إلا الثواب، ولذلك قال تعالى: (وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا). " المُدْخَل " اسم مكان من " أدْخَل "، وعبر بالإدخال للإشارة إلى أن ذلك تفضل من الله ورحمة، إذ لم يملكوا الأسباب والمفاتيح إلا بتفضل منه ورحمة، ووصف المكان بالكرم للإشارة إلى أمرين: أحدهما: أنه مكان طيب، ينعم المقيم فيه، ويستطيب الإقامة، والثاني: أن من يحل فيه يكرمه. الله تعالى، ويفيض عليه برضوانه، فهو مكان كريم في ذاته، ولا يدخله إلا كريم مكرَّم يفيض الله تعالى عليه بكرمه ومنَّته.
* * *
________
(١) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - قالَ: " إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ " وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا: كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلَاةٍ، فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ، فَيَجِيءُ بِالْعُودِ، وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ، حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا، فَأَجَّجُوا نَارًا، وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا.
(وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ... (٣٢)
* * *
التمني تصور ما لَا حقيقة له وطلب ما لم تتخذ الأسباب لتحصيله، ويتضمن معنى الطمع فيما في يد الغير، والحسد له، وإن ذلك يؤدي إلى شقاء النفس وفساد الخلق والدين، وإن الله تعالى فضل بعض الناس بالعقل والذكاء، وبعضهم بالجاه، وبعضهم بالقدرة على إدارة شئون الدولة، وبعضهم بفضل من المال. والفضل معناه الزيادة لَا ترتيب الدرجات، فقد يكون المفضول أعلى درجة عند الله ممن زاد عليه. ومعنى النص الكريم: لَا تتمنوا ولا تطمعوا وتتطلعوا إلى ما زاد الله به بعضكم على بعض في المال أو الجاه أو العمل أو الجهاد، فإن ذلك يجعلكم في اضطراب وبلبال مستمر وقلق دائم يزعجكم ويزعج المجتمع بكم، وما كانت الانقلابات الاجتماعية والفتن المخربة إلا بسبب تطلع كل إنسان لما أعطاه الله غيره من فضل ليس عنده، فذو المال يحسد ذا العقل والتدبير، والفقير يحسد ذا المال، وهكذا يكون كل إنسان في انزعاج بسبب تمنيه وتطلعه لما لَا يستطيع.
وإن الله سبحانه وتعالى قد سهل عمل الخير لكل إنسان، وله من نتائج عمله الجزاء على قدر العمل، وإن التكليف على قدر الطاقة وعلى مقتضى التكوين الإلهي للأشخاص والأنواع، ولذلك قال سبحانه:
(لِّلرِّجَالِ نَصيبٌ ممَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ ممَّا اكتَسَبْنَ) إن للرجال حظا مما اكتسبوا من أعمال قاموا بها من جهاد في سبيله، وإدارة لشئون المسلمين، وفصل في الخصومات، وقيام بالتكليفات العامة، وللرجال حظ من الأموال بمقدار ما يكلفون من أعمال اجتماعية، وللنساء نصيب وأجر مما اكتسبن، فلهن جزاء على آلام الحمل وآلام الوضع، وآلام التربية والسهر على الطفل والرعاية لشئونه، والصبر على هذه الرعاية، ولهن الجزاء الأوفى على القيام على مملكة البيت التي هي راعيتها، ولهن من المال في الميراث بمقدار ما يكلفن من تكليفات اجتماعية، فليرض كل من الرجال والنساء بحظهم الذي يتفق مع تكوينهم وكل له جزاؤه في الواجبات العامة لكلا الصنفين، والواجبات الخاصة بأحدهما، ولا يتمنَ أحد ما ليس له.
(وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ) أي لَا تتمنوا ولا تتطلعوا إلى ما لم تتخذوا الأسباب له، واتجهوا إلى الله تعالى علام الغيوب الرزاق ذي القوة المتين، واسألوه ما يتفضل به عليكم، وما يزيدكم به من حظوظ الدنيا والآخرة، فإنكم عندئذ تطمئنون وتستقر نفوسكم، ويبعد عنكم القلق والانزعاج، والله سبحانه هو المعطى الوهاب.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) إن الله تعالى ذو الفضل العظيم وهو يعطي من فضله بمقدار علمه وبمقدار تكوينه للأشياء وتقديره لما يصلح، وإنه سبحانه وزع الأرزاق والمواهب بمقتضى علمه، فجعل من الناس الغني والفقير؛ إذ لو كان الناس سواء في الغنى والفقر ما كان من يعمل بيده ويزرع الأرض، ويقيم العمران وينمي الزرع والحرث، ولو كان الناس جميعا ذوي مواهب عالية ما وجد من ينفذ ما يفكر فيه أولئك العلماء، ولو كان الناس جميعا ساسة ما وجد من يسوسونه، ولكان الاختلاف ولا يكون الناس أمة واحدة، وإن الناس كهرم قاعدته أوْسَعه ساحة، ثم يعلو حتى يضيق أعلاه، والقاعدة هي أساس البناء، وإن ذلك التنظيم هو مقتضى العلم ومقتضى النظر، اللهم إليك الأمبر والنهي والتقدير، قد فوضنا كل أمورنا إليك، وإنك نعم المولى ونعم النصير.
* * *
(وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣) الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ
نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)
* * *
في الآيات السابقة ذكر سبحانه وتعالى أنه جعل لكل من الذكور والإناث حظه مما اكتسب، رجالا ونساءً، فليس لأحد أن يتمنى ما فضل به غيره عليه، وإلا عبث الشيطان بعقله وقلبه، فالأماني الكاذبة مطايا الشيطان دائما.
وفى هذا النص الكريم يبين أنه جعل كذلك حظوظ الميراث بما قدر سبحانه وتعالى، وقد جعله في الأولياء النصراء الذين كان يستنصر بهم في حياته، ويأمن بهم من الاعتداء والجور، ففي ظلهم وقربهم كان كسبه، فيكون لهم بعد وفاته ما قدره العليم بكل شيء. وقد قدر سبحانه الميراث بنوع القرابة وقربها، لَا بآحادها كالشأن في كل الشرائع والقوانين، تقدر أحكامها بالأنواع لَا بالآحاد، ولذا قال تعالى:
(وَلِكلّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكمْ) المولى هو النصير؛ الصديق والقريب، ويقول الأصفهاني في مفرداته: " الولاء والتوالى أن يحصل شيئان فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد "، وأقرب المعاني هنا أن يكون الموالى هم الذين يخلفون الشخص في ماله وشخصه، فتكون حياتهم امتدادا لحياته، وهم الوارثون. والمعنى كما يبدو من النص الكريم: ولكل أحد ممن يتركون هذه الحياة
الدنيا إلى الحياة العليا جعلنا خلفاء له في ماله من أقرب الناس له، وأكثرهم نصرة، ويكون لكل من هؤلاء الأولياء حظ من ماله يأخذه، وهؤلاء هم أبناؤه وأقاربه والذين عقدت أيمانكم. وفي النص الكريم بعض مباحث لفظية ومعنوية.
فالنص يشير أولا إلى أن الذين يخلفون الآباء والأقربين والذين عقدت الأيمان هم النصراء والأقارب الأدنون؛ لأنهم شاركوه في الجهد بنصرتهم وقرابتهم، ولأن بقاء شخصه يكون ببقائهم، والنص يشير ثانيا إلى أن المال الذي يتركه موزع بين هؤلاء لايستبد به قريب دون قريب، إذا اتحدت درجة القرابة وقوتها؛ لأن الميراث يتبع الاقربية، فهو للأقرب فالأقرب. ويشير ثالثا إلى سبب الميراث، وهو القرابة ويدخل فيها الزوجية هنا، لأن الزواج يوجد ارتباطا نفسيا يكون كالقرابة، بل يكون أقوى من بعضها، فتصير المرأة بضعة من الرجل.
والسبب الثاني هو عقد اليمين، ويقال عَقَدَتْ الأيمان لكل عقد قوى موثق، والأيمان هنا هي الأيدي جمع يمين، وهي اليد اليمنى، لأن العقد الموثق يضع فيه يده في يد الآخر عند عقده، ولذلك يقال للبياعات الصفقات؛ لأن كل عاقد يصفق بيمينه على يمين الآخر. ومن هم (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) كما جاء في النص؛. لقد نسب إلى الأستاذ الشيخ محمد عبده أنه قال: إن المراد الأزواج؛ لأن سبب الميراث هو عقد الزواج والقرابة، والأكثرون بل الجميع من المتقدمين على أن المراد عقد الولاء، وهو أن يعقد الشخص مع رجل أقوى منه نصيرا على أن تكون له نصرته، وأن يرثه إذا لم يكن له وارث، فالأقوى ينصر الأضعف، ويرثه إذا مات، وقد كان ذلك واقعًا. وقال بعض الفقهاء: إنه نسخ الميراث به، كما نسخ الميراث بالإخاء، وقال الحنفية ومعهم بعض الفقهاء: إنه ما زال باقيا لم ينسخ، وهذا ما نميل إليه، ونحن بهذا نخالف ما نسب إلى الأستاذ الشيخ محمد عبده، ونخالف من ادعوا النسخ، ووجهتنا في الأول أن القرآن الكريم لم يعبر عن أحد الزوجين بمن عقدت أيمانكم، لأن الحياة الزوجية ليست العلاقة فيها مجرد تعاقد بين الرجل والمرأة، بل هي بعد استقرارها تكون ازدواجا نفسيا، فتكون هي قطعة
منه ويكون هو قطعة منها وتكون بينهما لُحمة أقوى من لُحمة النسب، إذا أعقبا أولادا يتكونون من أجزائهما، فيريان فيهم شخصيهما قد اندمجا، فكانا ذلك الحي الذي هو خِلْبُ الكبد. وأما وجهتنا في عدم نسخ الميراث بالولاء، فهي أنه لا يوجد دليل ناسخ، وما وجد من السنة هو ظني أولا، والظني لَا ينسخ القطعي، وقد ورد في نسخ الإخاء، وقد حلت القرابة محل الإخاء، والميراث بالولاء لا يتعارض مع الميراث بالقرابة؛ لأنه يكون إذا لم يكن الشخص أحد من الأقارب قط، وبذلك لَا يكون للولاء قوة القرابة، ولكن تكون له قوة الوصية التي تتأخر عن القرابة والزوجية، وإن أقصى ما يدل عليه عقد الولاء أن يقدم على بيت المال، وهو مؤخر عن الوصايا الصريحة إذا كانت لَا تزيد على الثلث، وبذلك تكون النصرة الخاصة مقدمة على النصرة العامة؛ إذ عَقْدُ الولاء سبب للنصرة الخاصة والأمة هي النصير العام، وإن بيت المال يأخذ المال الضائع، وما دام قد جعل المال لواحد من بعده فإنه لَا يعد ضائعا.
(فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا) إذا كان توزيع التركات بِجَعْل الله تعالى وتقديره، فيجب أن يؤتى كل واحد حظه منه، إذ هو نصيب لم يكن بمنحة من أحد، ولكن بعطية من الله تعالى، فليس لأحد أن يمنع ذا حق حقه، إذا كان ذلك الحق قد قرره مالك الملك، فلا يجوز للذكور أن يحرموا الإناث من نصيبهم فإن ذلك يكون ظلما مبينا، ولا يجوز للقوي من الوارثين أن يُطَفِّفَ من نصيب الآخرين، كما أنه لَا يجوز لحاكم أن يغير ميراث الله تعالى، ولا أن يمنعه، فكل من ملك مالا أو حقا فلورثته، كما قال النبي - ﷺ -: " من ترك مالا أو حقا فلورثته " (١). وقد أكد الله سبحانه وتعالى أمره بمنع الظلم في الميراث بقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدًا) أي أن الله تعالى ذا الجلال والإكرام
________
(١) رواه البخاري الاستقراض وأداء الديون - الصلاة على من ترك دينا (٢٣٩٨)، ومسلم: الجمعة - تخفيف الصلاة والخطبة (٨٦٧)، وغيرهما ولفظه عَن أبِى هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللًهُ عَنْهُ عَن النَبِي - ﷺ - قَالَ: " مَنْ تَرَكَ مَالا فَلِوَرَثَتِهِ وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَاِلَيْنَا! ".
يشاهد كل شيء، ويشهد عليه، فيعرف الظالم الذي يأخذه ومآله معرفة الشاهد المعاين، فمن أراد إخفاء مال، أو أكل الحق من صاحبه، فليعلم أن الله تعالى سيأخذه أخذ عزيز مقتدر.
* * *
(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ... (٣٤)
* * *
يقال قام على الشيء وهو قائم عليه وقوام عليه، إذا كان يرعاه ويحفظه ويتولاه بعنايته والمحافظة عليه، وليست القوامة مطلق الرياسة، بل إن الرياسة تسمى قوامة إذا كان الرئيس يقوم على رعاية المرءوس والمحافظة على حقوقه وواجباته، ومن هذا المعنى قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) فإن المعنى أن الرجال يقومون على شئون النساء بالحفظ والرعاية والكلاءة والحماية، فيقوم الآباء على رعاية بناتهم والمحافظة على أنفسهن وأخلاقهن ودينهن، والأزواج يقومون على شئون زوجاتهم بالحفظ والرعاية والحماية والصيانة، ومن هنا تجيء الرياسة، بل إني أقرر أن قيام الرجل على شئون الزوجة ليس فيه رياسة، إنما فيه حماية ورعاية وهو من قبيل توزيع التكليفات، فإذا كان للرجل رياسة عامة، فللمرأة أيضا رياسة نوعية، ولذا قال النبي - ﷺ -: " الرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها " (١).
وقد ذكر سبحانه وتعالى سبب تكليف الرجل هذه الرعاية دون المرأة، فبين سببين: أولهما: قال فيه (بِمَا فَضَّلَ اللَّهَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)، والتفضيل هو الزيادة في القوة الجسمية والمعرفة، واختصاص الرجال بالرسالة الإلهية، والولايات الكبرى، وقد تبع هذا تكليفات كثيرة على الرجل، منها الجهاد ودفع الأعداء، وما عرف التاريخ أن امرأة قادت الحروب، ومهما يكن من عمل للمرأة في الحروب فهو من قبيل الأعمال الثانوية، لَا الأعمال الأصلية، والتفضيل هو تفضيل الجنس
________
(١) عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» قَالَ: - وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ - «وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ".
أرواه البخاري: الجمعة - الجمعة في القرى والمدن (٨٩٣)، ومسلم بنحوه: الإمارة (١٨٢٩)].
على الجنس، لَا تفضيل آحاد، فمن النساء من هي أقوى من الرجال عقلا، ومعرفة، بل قوة جسم في بعض الأحيان، وقال: (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) ولم يقل: بما فضلهم الله عليهن أولا للإشارة إلى البعضية المشتركة، وأن الرجال من النساء والنساء من الرجال، فاللحمة الواصلة واحدة، وللإشارة إلى أن ذلك التفضيل لصالح الجميع، وكلٌّ يؤدي عمله الذي خلقه الله سبحانه وتعالى له.
والسبب الثاني في القوامة والرعاية والحفظ والصيانة هو ما عبر الله سبحانه وتعالى عنه بقوله: (وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)، وذلك لأن تكليف الرجل بالإنفاق، وجعله حقا للمرأة عليه، يجعله مكلفا أيضا أن يرعاها ويصونها؛ إذ إن ذلك التكليف استوجب أن يكون عمل المرأة داخل المنزل، وعمل الرجل خارجه؛ فهي عاكفة على شئون الأطفال وإعداد البيت ليكون جنة الحياة، وهو مكلف رعاية الجنة وحمايتها وصيانتها.
(فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ للْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّه) إن رعاية الرجل للمرأة والعمل على صيانتها وحفظها تختلف باختلاف المرأة، والمرأة المتزوجة نوعان: إحداهما الصالحة، والثانية من ليست كذلك، وهنا يبين هذا النوع. ومعنى الصالحة النافعة المستقيمة في خلقها ودينها، فهي صالحة في نفسها وزوجيتها، وقد وصفها الله سبحانه وتعالى بوصفين ظاهرين يميزانها، ويكشفان عن صلاحها، في نفسها ودينها: أحدهما أنها قانتة. وقانتة معناها مطيعة عن طيب نفس، واطمئنان قلب، لَا عن قسر وإكراه، وهي مطيعة لله تعالى في كل مظاهرها، ومن طاعة الله تعالى طاعة زوجها في غير معصية. ولم يبين في اللفظ من تطيعه للإشارة إلى أن من طبيعتها الطاعة لصاحب الطاعة. وصاحبها هو الله، وهو مصدر الطاعات كلها. والوصف الثاني أنها حافظة للرجل في غيبه، وقد عبر الله سبحانه عن ذلك بقوله: (حَافِظَاتٌ للْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّه) أي يحفظن الأمور المغيبة المستترة، فلا يفشين ما يكون بينهن وأزواجهن، ولا يكتمن ما خلق الله في
أرحامهن، ولا يعتدين عليه، ولا يضعن في الوديعة التي أودعها الله إليهن ما لا يجوز أن يكون فيها، وقوله تعالى: (بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) (ما) إما مصدرية وإما موصولة، والمعنى على أنها مصدرية: حافظات للغيب بحفظه تعالى، أي بالصورة التي حفظ الله بها ذلك الأمر وجعله غيبا مكنونا. وعلى أنها موصولة: حافظات للأمور الغيبية الستورة بالأمر الذي حفظها الله تعالى في تكوينه وشرعه.
والخلاصة على التخريجين أن المرأة الفاضلة الصالحة مع طاعتها لزوجها تحفظ غيبه وستره وعرضه، وقد جاء الوصفان في قول النبي - ﷺ -: " خير النساء من إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته " (١).
هذا هو القسم الأول من النساء المتزوجات، والقسم الثاني ما بينه بقوله:
(وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُن وَاهْجُروهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ) ذلك القسم هو غير الطائع وغير الصالح بلا ريب، والنشوز خروج الزوجة عما توجبه الحياة الزوجية من طاعة الزوجة لزوجها، وقيامها على شئون بيتها، وأصل النشوز مأخوذ من النشز بمعنى الارتفاع في وسط الأرض السهلة المنبسطة ويكون شاذا فيها، فيكون نشوز المرأة ترفعا أو إعراضا عن الحياة الزوجية الطيبة وشذوذا فيها، وقال سبحانه، (تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ) ولم يقل " ينشزن " للإشارة إلى أمرين: أولهما علاج الداء قبل أن يستفحل، وذلك بأن يكون العلاج عند وقوع بوادر النشوز وظهور أماراته، حتى لَا يصل إلى أقصى درجاته، وهو أن تهجر الزوج، وتخرج من منزله، لأن ذلك العلاج يكون وهي في ظل العُش الزوجي لم تغادره - والأمر الثاني استكثار وقوع النشوز بالفعل، وهو أن تترك البيت على من فيه وما فيه، وكأنه لَا يتصور أن تقع زوجة في ذلك، ولو لم تسم في لغة الشرع زوجة صالحة. وقد ذكر الله لهذا النوع من النساء ثلاثة أنواع من العلاج:
________
(١) مسند الطيالسي عن أبي هريرة رضي الله عنهما، وروى أبو داود: الزكاة - في حقوق المال (١٦٦٤) عن ابن عباس مرفوعا.
أولها - ما ذكره سبحانه بقوله تعالى: (فَعِظُوهُن) " الفاء " هنا واقعة في خبر الموصول؛ لأنه في معنى الشرط فدخلت الفاء في خبره الطلبي، كما تدخل في جزاء الشرط إذا كان طلبا. والوعظ القول الذي يؤثر في النفس ويوجهها إلى الخير، وقد قال الخليل بن أحمد: " الوعظ هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب " فالوعظ توجيه إلى الخير بذكر نتائج الشر، وهو مراتب أعلاها التوبيخ، وهو أيضا مراتب. ولكل امرأة من النساء ما يليق بمثلها، فذات الإحساس الرقيق إذا كان منها ما لَا يستحسنه، يقال مثلا: أفعلت هذا؛ كأنه ينكر أن يكون حدث منها، أو يقول: ما تصورت أن يكون هذا من مثلك. ثم يذكرها بشرف أسرتها، ثم يذكرها بحق الله تعالى، ثم يوبخها، ومنه اللوم، وهو في كل هذا لَا يقسو ولا يعنف. والثاني - الهجر في المضجع، والمضجع في المجاز هو المسكن كله، والهجر المطلوب هو الهجر الجميل، وهو الهجر من غير جفوة. والهجر مراتب: أدناها أن يكون الهجر في موضع النوم، وهو المضجع الحقيقي، والآخر مجازي بأن يدير لها ظهره ولا ينام، فإن علا نام في منام آخر، فإن علا ترك حجرة النوم إلى حجرة أخرى من غير مجافاة ولا مخاصمة، ولكل حال نوعها من النساء ونوع من أمارات النشوز وعلاماته التي تكشف عن توقعه إن ترك حبلها على غاربها.
الثالث - من دواء النشوز، الضرب، وهو أقصاها، ولا يلجأ إليه إلا عند فشل الدواءين السابقين. وقد ثبت أن الضرب المباح يكون عندما تبلغ الحياة الزوجية درجة يخشى عليها من النشوز والافتراق، وقد قيدته السنة بقيدين. أحدهما: أن يكون غير مبرح، وأن يكون غير مشين بألا يضرب الوجه، فقد صرحت بذلك السُّنة (١)، وسئل ابن عباس عن الضرب غير المبرح، فقال: هو
________
(١) عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟، قَالَ: «أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، أَوِ اكْتَسَبْتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ [ص:٢٤٥] إِلَّا فِي الْبَيْتِ " رواه أبو داود: النكاح - حق المرأة على زوجها (٢١٤٢)، وابن ماجه: النكاح - حق المرأة على الزوج (١٨٥٠)، وأحمد: أول مسند البصريين (١٩٥٠٩).
الضرب بالسواك أو مثله. وهذا هو الضرب المباح، فهو رمز لاستحقاق الضرب، وليس بضرب. وقد نص في مذهب مالك على أن الزوج إذا ظلم زوجته وشكته إلى القاضي، وعظه، فإن تكررت الشكوى حكم لها بالنفقة ولم يحكم له بالطاعة زمنا، فإن شكته بعد ذلك عزره بالضرب ليستقيم، وهذه عقوبات ثلاث تقابل عقاب الزوج لزوجته، ولكنها أشد وأعنف، فالضرب لَا يكون غير مبرح.
(فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) البغي الطلب الشديد، ومعنى النص الكريم: فإن أطاعت الزوجات فلا تطلبوا طريقا من طرق العقاب أيا كان باغين عليهن به ظالمين، والمغزى أن كل عقاب مع الطاعة ظلم وبغى لَا يقصد ولا يطلب، بل يقصد الزوج إلى اسْتِدْنَاء مودتها بالرحمة والعطف والتقريب والتحبب بكل أساليبه. وقد ذيل الله سبحانه وتعالى الآية بقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)، للإشارة إلى قوته القاهرة، وأنه إذا استعلى الرجل على امرأته فالله العلي الكبير فوقه، وهو مؤاخذه وآخذه بعذاب أليم.
* * *
(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)
* * *
هذه حال ثالثة للحياة الزوجية، وهي حال خوف الشقاق، وهي غير حال خوف النشوز، لأن خوف النشوز يكون والزوجة في بيت زوجها له نوع سلطان عليها، وهناك مودة بينهما، فتكون تلك المودة من سبل العلاج، ولذلك كان من العلاج الهجر الجميل، إذ لَا يصلح عقابًا إلا عند قيام المحبة، أما الشقاق فإنه يكون عندما تنشعب المودة، ويكون كل واحد من الزوجين في شق، وهذه حال لَا يتولى إصلاحها الزوج؛ لأن القلوب تنافر ودها، ولهذا كان العلاج لَا بد أن يكون من طريق آخر، وقد بينه الله تعالى بقوله: (فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَأ، والبعث معناه الإثارة، وهو هنا الإثارة مع التخير؛ لأنه ليس كل إنسان يصلح طبيبَا معالجا للنفوس المتنافرة، والحكم من له حق الحكم والفصل، وعمل الحكم يتجه إلى أحد أمرين: أحدهما الإصلاح بينهما ورد النفوس الشاردة إلى مستقر الحياةَ الزوجية، وإن ذلك يقتضي
أن يكون عند الزوجين نية إزالة الخلاف أو على الأقل لَا يمانعان فيه، ولذا قال تعالى: (إِن يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) أي إذا كان كلا الزوجين مع وجود النفرة يرغب في إزالتها. فإن الله موفق بينهما، بأن يجعل كل قلب يلتقي مع الآخر، والتوفيق يقتضي أن يفتح كل واحد جزءا من قلبه ليدخل فيه أو يلتحم معه القلب الثاني.
والأمر الثاني التفريق بينهما، وقد كان الخلاف بين الفقهاء في جوازه، فقال أبو حنيفة والشافعي؛ لَا يجوز ذلك إلا بتوكيل من الزوج، لأن النص بيّن أن عملهما في الإصلاح، فإن عجزا عنه فقد انتهت مهمتهما، ولأن الطلاق حق الزوج وحده، ولا يتولاه غيره إلا بالنيابة عنه، وقال مالك وأحمد: لهما التفريق إن عجزا عن الإصلاح؛ لأن الله تعالى سماهما حكمَيْن، والحكم هو الذي يحسم الخلاف، فإن عجزا عن الإصلاح حسما الخلاف بالتفريق، ولأن عليا - رضي الله عنه - عندما بُعِثَ حكمان لحسم الخلاف بين عقيل بن أبي طالب وامرأته قال: أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما. وعليٌّ أحق من فسَّر القرآن. وبعث الحكمين يكون بأمر القاضي، والبعث يكون عند خوف الشقاق؛ لأن الشقاق يكون بالانفصال التام، والخوف قبله. وقد ذيل الله الآية الكريمة بقوله تعالت كلماته: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) أي أنه متصف بصفة العلم الدقيق المحيط الذي يعلم أحوال النفوس وطرف علاجها، ويعلم ما يقوم به الناس، ويعلم ما تخفي الصدور، وعنده الجزاء والعقاب وهو على كل شيء قدير.
* * *
(وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ
وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)
* * *
في الآيات السابقة من أول السورة وردت أحكام الأسرة، وواجبات الأقوياء فيها بالنسبة لضعفائها، والدعائم التي تقوم عليها، والحقوق المتبادلة بين آحادها، وأشير إلى الآفات التي قد تعروها، ثم بينت عناصر تكوينها سليمة، وأشير إلى المعاملات المالية بينها من غير تفضيل، ثم بُيِّن علاج ما يكون بين الزوجين من أسباب النزاع التي قد تهدد المودة الواصلة بينهما بالقطع، وفي هذه الآيات ذكر سبحانه الأسس التي تقوم عليها المعاملات العامة والخاصة، وذكر وجوب الإحسان إلى كل من يتصل بالشخص بقرابة أو جوار، ثم بين حال الذين يقطعون العلاقات بين الناس، وبين سبحانه وتعالى أن أساس التعامل الفاضل هو عبادة الله تعالى وحده، من غير إشراك، وأن أساس التعامل الفاسد هو أن يريد الشخص بعبادته غرضا من أغراض الدنيا من غير اتجاه إليه سبحانه، ومراعاة حق الناس عليه.
ولذا قال سبحانه:
(وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) هذا أول الخط الذي يسير فيه الفاضل في علاقته بالله وبالناس، وهو أول الخط المستقيم، والعبادة معناها خلوص النفس لله تعالى، والاتجاه إليه وحده، والإخلاص في كل ما يعمل
لله تعالى، وهي بهذا المعنى تشمل العبادات من صلاة وحج وصوم، وصدقات. والصلاة لب العبادة، وهي ذات صور مختلفة في الديانات، ولكنها في صميمها لا تكون صلاة إلا إذا تحققت فيها الضراعة التامة، والاتجاه إلى الله وحده، وعدم الانشغال عنه سبحانه بأي عرض من أعراض الدنيا. وهذه هي العبادات المفروضة، وبعدها يكون الاتجاه إلى الله تعالى في كل مقصد وعمل، ولا يحس بالالتجاء إلا له، فالدعاء له وحده، لَا يشرك معه أحدا في دعائه، ولذلك ورد عن النبي - ﷺ - أنه قال: " الدعاء مخ العبادة " (١). ويلي هذه المرتبة في سمو العبادة ألا يفعل الأعمال إلا لله، ولا يحب إلا في الله ولا يبغض إلا في الله. وهذه المرتبة يصورها قول النبي - ﷺ -: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب الشيء لا يحبه إلا لله " (٢).
هذه هي العبادة، أو إشارات إلى أنواعها ومراتبها. وإن الأخذ بها يجعل كل الأعمال في دائرة الفضيلة، وينير البصيرة، وإن نقيض العبادة الخالصة لله تعالى الشرك، وهو منهي عنه. وكما أن العبادة مراتب فالشرك مراتب أيضا، أعلاها الشرك الأعظم، وهو اعتقاد شريك لله تعالى في ألوهيته واستحقاقه للعبودية، وهو الذي ذكره الله تعالى في قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ...)، ويليه أن يعتقد أن أحدا ينفع ويضر من دون الله، والالتجاء إلى غير الله والخضوع لغير الله وبغير ما أمر الله تعالى.
والمرتبة الثالثة الإشراك في القُرُبات، بأن يصلي مرائيا، أو يزكي مباهيا، أو يصوم متعاليا، ولا يقصد وجه الله بصومه، وقد قال - ﷺ -: " من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك " (٣)، ويسمى هذا النوعُ الشركَ الخفي. وقد روى الترمذي أن رسول الله - ﷺ - قال: " إن أخوف ما أتخوف
________
(١) رواه الترمذي: الدعوات عن أنس بن مالك رضي الله عنه. وقد سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه من رواية أحمد عن شداد بن أوس بن ثابت.
أمتي: الإشراك بالله، أما إني لست أقول يعبدون شمسا ولا قمرا ولا وثنا، ولكن أعمالا لغير الله وشهوة خفية " (١).
وإن النهي عن الشرك يشمل الإشراك بالله في أي شيء أو أي حال، ولذا قال تعالى (وَلا تُشْرِكُوا بِه شَيْئًا)، أي شيء وعلى أي نحو كان، سواء أكان شركا ظاهرا أم كان شركا خفيا. وإن الإشراك في كل صوره يضعف الضمير، والإيمان بالله يقوي الضمير، وإن أول مظاهر قوة الضمير التي توجدها عبادة الله وحده، البر بالناس، ولذا عقب طلب البر والإحسان بالنهي عن الإشراك فقال تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ) وقد قرن الله سبحانه وتعالى النهي عن الإشراك بالإحسان إلى الوالدين، ومن وليهما، وقد جاء في آيات أخرى ذكر الإحسان بالوالدين فقط بعد النهي عن الإشراك، كما قال تعالى: (وَقَضي رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، لأن أحق من يستحق الإرضاء بعد الله الوالدان، ولا يستحق غيرهما بعد الله الشكر، ولذا قال تعالى: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ...)، وقال عليه الصلاة والسلام: " رضاء الرب من رضا الوالدين، وسخطه في سخط الوالدين " (٢)، والإحسان إلى الوالدين بالصحبة الكريمة، وسد حاجتهما، والقول الحسن، وعدم التململ من حياتهما إن بلغا الكبر، وتعبا تعب الشيخوخة، وصارت حياتهما عبئا على أولادهما، ولذا قال سبحانه وتعالى: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤).
والإحسان إلى ذي القربى من هذا الصنف، فعلى القريب أن يحسن بقريبه، بسد حاجته، ويكرم صحبته، ويصله ولو قاطعه، ولذا قال النبي - ﷺ -: " ليس
________
(١) رواه بهذا اللفظ ابن ماجه: الزهد - الرياء والسمعة (٤٢٠٥) عن شداد بن أوس رضي الله عنه.
(٢) رواه البزار عن عبد الله بن عمرو. الترغيب والترهيب ٣/ ٢٢١.
الواصل بالمكافئ إنما الواصل من يصل رحمه عند القطيعة " (١)، ويكون في عونه دائما في دفع الملمات، والمواساة في الشدائد.
والإحسان باليتيم، يكون بإيوائه، والعطف الذي يقوم مقام عطف أبيه، وسد حاجاته، والاختلاط به بالرحمة، فيجعله مع أولاده مختلطا بهم، مؤتنسا معهم، ويسوّي بينهم وبينه، لكي ينشأ أليفا مألوفا مع المجتمع الذي يعيش فيه، وقد ورد في الأثر: " إن خير بيوت المسلمين بيت يكرم فيه يتيم، وشر بيت من بيوت المسلمين بيت يقهر فيه يتيم " (٢)، وإن قهر اليتيم وإذلاله ينشئه نافرا شاذا، فيكون عدوا للجماعة لَا يألفها، ويكون منه الإجرام، والإيذاء، وقد قال الله تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ).
والمساكين هم الفقراء والذين لَا طاقة لهم على عمل، لمرض مزمن أو شيخوخة فانية، أو آفة في جسمهم تجعلهم غير قادرين، أو تعطُّل لَا يجدون معه عملا يعملون، والإحسان بهم سد حاجاتهم، وكفالة الراحة لهم.
وبعد أن بين سبحانه الإحسان اللازم المطلوب الذي لَا مناص عنه، وهو دفع الآفات الاجتماعية، اتجه إلى الإحسان إلى المجتمع القريب، والإحسان في المعاملة بشكل عام، فقال:
(وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى) هو الجار الذي يتصل بالإنسان بصلة الرحم والقرابة، وهذا له مع حق الجوار حق الرحم، فقد ثبت له الإحسان من ناحيتين:
________
(١) (رواه البخاري: الأدب - ليس الواصل بالمكافئ (٥٩٩١)، والترمذي: البر والصلة - ما جاء في صلة الرحم (١٩٠٨)، وأبو داود: الزكاة - في صلة الرحم (١٦٩٧)، وأحمد: مسند المكثرين (٦٤٨٨).
(٢) سبق تخريجه، وقد أخرجه ابن ماجه في الأدب - حق اليتيم (٣٦٧٩) مرفوعا بلفظ: " خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه " وأخرجه البخاري في الأدب المفرد، وأبو نعيم في الحلية. عن أبي هريرة رضي الله عنه.
إحداهما: من ناحية القرابة، فهو داخل في ذي القربى، والثانية: الجوار، وقد يقول قائل: لماذا أمر بالإحسان به في الجوار مع أنه مذكور في القرابة؟ والجواب عن ذلك أن الجوار قد يوجد احتكاكا، تكون معه الشحناء، فللحرص على بقاء المودة الواصلة، نبّه - سبحانه - إلى أن الجوار يوثق الإحسان ولا يباعده، فهو يجعله أوجب وألزم.
(وَالْجَارِ الْجُنُبِ) هو الجار الذي يكون مسكنه أو متجره، أو مزرعته بجنبك، والإحسان إليه بألا يكون منه أذى له بأي نوع من أنواع الأذى، فلا يزعجه في أمنه، ولا يمنع الماء عنه، ولا يرسل إليه الماء غير الصالح، ويلقى عليه مزابل بيته. ثم من الإحسان به مواساته في شدائده، ومعاونته في حاجاته، وأن يحفظ سره، ولا يكشف عورته، ولا يعلن منه ما يخفى على الناس. ومن الإحسان إليه أن يهدي إليه ما يعجز عن شرائه لأولاده من حلوى وفاكهة ونحو ذلك. وإن الإحسان إلى الجار هو الأمر الذي يدعو إليه التآلف الإسلامي في المجتمعات الصغيرة، وقد أكثر النبي - ﷺ - من الحث على الإحسان بالجار (١).
(وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) هو الصاحب الذي يكون بجنبك في عمل أو سفر، أو طريق، أو مركب، وقد قال جار الله الزمخشري في ذلك: " الصاحب بالجنب هو الذي صحبك بأن حصل بجنبك إما رفيقا في سفر، وإما شريكا في تعلم علم أو حرفة، وإما قاعدا إلى جنبك في مجلس أو مسجد، أو غير ذلك من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه. فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإحسان " وإن من الإحسان إلى الصاحب الذي يكون بجنبك، ألا تؤذيه بمنظر كريه أو ريح كريهة، وأن تحافظ على الحياء في مجلسك،
________
(١) من ذلك ما رواه البخاري: الأدب - الوصية بالجار (٦٠٤١)، ومسلم: البر والصلة - الوصية بالجار (٢٦٢٤) عَن عَائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنْ النَّبِي - ﷺ - قَالَ: (مَا زَالَ يُوصينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَى ظَنَنْتُ أنهُ سَيُوَرَثُهُ ".
فلا تجعل نعلك يحف بثيابه أو بحيث يؤذيه، وأن تعاونه إن كان محتاجا إلى معاونتك.
(وَابْنِ السَّبِيلِ) هو المنقطع عن أهله ولا مال له، فكأن الطريق تبناه، والإحسان إليه بإيوائه وإطعامه وتسهيل الحياة له حتى يعود إلى أهله. وقد أوجب الإسلام إعداد مأوى لهؤلاء من بيت مال الزكاة، وإمدادهم بالطعام والكساء حتى يثوبوا إلى أهلهم.
(وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) هم العبيد والإماء الذين ملكت رقابهم في الحروب العادلة، فهم في سيطرة المالك لهم، وكأن رقابهم في يمينه يسيرها كما شاء. والإحسان إليهم يكون من مالكهم بالإطعام والكساء والمأوى، وعدم إيذائهم بأي نوع من أنواع الأذى، فلا يضربون، ولا يلطمون، وقد قال عليه الصلاة والسلام: " من كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم من العمل ما يغلبهم، فإنْ كلفتموهم فأعينوهم عليه " (١).
وفى سبيل الإحسان بهم نهى النبي عن أن يقول المالك عبدي وأمتي، فقال: " لا يقل أحدكم عبدي وأمتي، بل ليقل فتاي وفتاتي " (٢)، ونهى عن ضربهم: " من لطم عبده فكفارته عتقه " (٣)، وقال بعض الحنابلة: إنه بمجرد اللطم يكون عتيقا.
________
(١) عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلاَمِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ ". [رواه البخاري: الإيمان - المعاص من أمر الجاهلية (٣٠)، ومسلم بنحوه: الأيمان (١٦٦١)].
(٢) سبق تخريجه.
(٣) رواه مسلم في صحيحه: الأيمان - صحبة المماليك وكفارة من لطم عبده (١٦٥٧) وتمامه: عَنْ زَاذَانَ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، دَعَا بِغُلَامٍ لَهُ فَرَأَى بِظَهْرِهِ أَثَرًا، فَقَالَ لَهُ: أَوْجَعْتُكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَأَنْتَ عَتِيقٌ، قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الْأَرْضِ، فَقَالَ: مَا لِي فِيهِ مِنَ الْأَجْرِ مَا يَزِنُ هَذَا، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ ضَرَبَ غُلَامًا لَهُ حَدًّا لَمْ يَأْتِهِ، أَوْ لَطَمَهُ، فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ " وَفِى حَدِيثِ وَكِيع: " مَن لَطَمَ عَبْدَهُ.. " وَلَمْ يَذكُرْ الْحَدَّ " كما رواه أبو داود: الأدب (٥١٦٨)، وأحمد: مسند المكثرين (٤٧٦٩).
وهنا بحث لفظي في الكلمة السامية: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، فقد قالوا: إن " أحسن " تتعدى بنفسها وذلك بالنسبة للأعمال، ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَملُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا)، وقول النبي - ﷺ -: " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يحسنه " (١) وقول عليّ رضي الله عنه: (الناس أبناء ما يحسنون). ويتعدى بالباء، وبإلى وباللام، وتكون بمعنى الإنعام والإكرام. وقالوا: إنها في تعديها بالباء تكون بمعنى الإكرام مع الاتصال والمودة والقرب ممن أحسن إليه.
(إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) المختال هو ذو الخيلاء أي الكبر، وذلك لأن المتكبر يتخيل لنفسه من الصفات والسجايا والأفعال ما ليس فيه، فيستعلي على الناس، والفخور هو الذي يكثر من ذكر مزاياه ويبالغ فيها، ويحب أن يحمد بما لم يفعل. وإن هذين الوصفين يتلازمان، فحيث كان الكبر كان الفخر الكاذب، والله تعالى لَا يحب هؤلاء، لأنهم يستنكفون عن الاتصال بالناس، ويغمطون حقوق الناس، ولا يقومون بحق النعمة التي أنعم الله بها عليهم، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: " الكبر بطر النعمة وغمط الناس " (٢).
وكان ذكر ذلك النص الكريم بعد طلب الإحسان للإشارة إلى أن المتصف بهاتين الصفتين لَا يمكن أن يكون محسنا لأحد - هو إيذاء بصفاته وبأفعاله، وهو مصدر الشر والتفرق في الجماعات، وقد بين الله سبحانه وتعالى حقيقتهم بأوصافهم، وذكرها سبحانه وتعالى صفة صفة، فقال:
* * *
________
(١) في مجمع الزوائد (٦٤٦): وفيه: مُصعب بن ثابت، وثقه ابن حبَّان، وضعفه جماعة. والحديث رواه البيهقي وابن عساكر بلفظ مقارب
(٢) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» قَالَ رَجُلٌ : إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ ". [رواه مسلم: الإيمان - تحريم الكبر وبيانه (٩١)، والترمذي: البر والصلة (١٩٩٩)، ورواه أحمد في مسند المكثرين (٣٧٩٧) بنحوه.
(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ... (٣٧)
* * *
وإن من صفة هؤلاء المختالين أنهم بخلاء، ويحرضون الناس على البخل، ويكتمون ما أعطاهم الله من فضله. والبخل أن يضن الشخص في مواضع الخير، فليس البخل مرادفا للاستمساك بالمال، إذ إن الإنفاق في الشر والضنّ على الخير يسمى بخلا في لسان الشرع والعقل، كما أن الإنفاق في سبيل البر مهما يكثر لَا يكون إسرافا، فتبرع أبي بكر بكل ماله في الحرب لَا يسمى إسرافا، ومثل ذلك تبرع عمر رضي الله عنه بالشطر من ماله، وكذلك تبرع عثمان بالأموال الضخمة للمسلمين، ولهذا روي عن عبد الله بن عباس: " درهم في الشر إسراف وألف في الخير ليس بإسراف " فلا غرابة إذن إذا وجدنا المختالين، ينفقون الألوف في المظاهر والاستعلاء، ومع ذلك وصفهم الله تعالى بالبخل، ولا تناقض بين وصفهم بالبخل، وكونهم مثل الذين ينفقون رئاء الناس؛ لأن كلا الوصفين ينبع من نفس واحدة، وهي الشح في الخير.
ودأب هؤلاء أن يبخلوا وأن يحرضوا على طريقهم الذي سلكوه، ويسخروا ممن يؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة، لأنهم في طبيعتهم لَا يحسون إلا بأنفسهم، ولا يؤمنون بحق الغير عليهم.
وقوله تعالى: (وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)، المراد بها كتمان المال في موضع البر، فهم أشحة على الخير يحسبونه مفنيا لمالهم، فيكتمون ما أعطاهم الله من مال بفضله، وعلى هذا سار بعض المفسرين، وحجته أن الكلام في المال، فالكتمان فيه.
وقال آخرون: إن المراد كتمان العلم الذي أُوتُوه بفضل الله عليهم، وإرسال رسل كثيرين فيهم، ويكون النص في اليهود لأنهم يتصفون بكل هذا، ويرشح لذلك قوله تعابى في ختام الآية: (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِين عَذَابًا مُّهِينًا) وأرى أن يفسر الكتمان تفسيرا عاماً يشمل العلم والمال.
وقوله تعالى: (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) معناه: وهيأنا للجاحدين لرسالة محمد - ﷺ - ولوحدانية الله تعالى عذابا يهينهم ويذلهم، فإذا كانوا قد استكبروا وطغوا واستعلوا واختالوا في الدنيا، وهي متاع قليل، فالذل الدائم والهوان المستمر لهم في الآخرة.
وتعقيب هذا النص السامي للأوصاف السابقة يشير إلى أن تلك الأوصاف أوصاف الكافرين الجاحدين بنعيم الله، لَا أوصاف المؤمنين المقربين بأنعمه، وقد وصف سبحانه أمثال هؤلاء بقوله:
* * *
(وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ... (٣٨)
* * *
الرئاء مصدر راءى يرائي مراءاة، ورياء، ورئاء، وهو أن يعمل العمل، أو ينفق المال يظهر للناس أنه يقصد الخير، وهو يقصد بذلك الظهور أمام الناس والشهرة بالخير، وهو من صنف مماثل للبخلاء أو هو منهم؛ لأنه ينفق لنفسه لَا لغيره، فكأن أولئك المختالين الفخورين صنفان: صنف لَا ينفق على الناس قط، ولا يعين بأي نوع من العون في طريق البر، وصنف يعطي في سبل النفع، ولكن لَا يقصد وجه الله تعالى، بل يقصد ما عند الناس، من رجاء مَحْمَدَة، أو تفاخر، أو استعلاء، أو طلب جاه لدى ذي جاه، كأولئك الذين ينفقون النفقات العظيمة، ويتصدقون بالصدقات الكبيرة، تملُّقا لذوي الجاه، أو رجاء لما عندهم، وإن هذا النوع يكون إنفاقه إلى بوار عليه، ولا ثواب عليه، ولو كان من أهل الإسلام.
وقد قال عليه الصلاة والسلام في المرائين الذين ينفقون رياء: " يقول صاحب المال يوم القيامة لربه: ما تركت من شيء تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت في سبيلك، فيقول الله تعالى: كذبت إنما أردت أن يقال جواد، فقد قيل " (١)!.
________
(١) جزء من حديث رواه مسلم: الإمارة - من قاتل للرياء (١٩٠٥)، والترمذي في الزهد - ما جاء في الرياء والسمعة (٢٣٨٢)، والنسائي: الجهاد - من قاتل ليقال فلان جريء (٣١٣٧) وأحمد: باقي مسند المكثرين (٨٠٧٨). عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وقد ذكر سبحانه بجوار الإنفاق رياءً عَدم الإيمان، فقال في أوصافهم: (وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ) وهذا وصف يعم الذين يراءون، ويشمل الكافرين، وهو حقيقي في الكافرين الذين لَا يذعنون للحق، فيؤمنون بالله واليوم الآخر، ودائم معهم بدوام كفرهم، وبالنسبة للمرائين من أهل القبلة ثابت لهم وقت رئائهم؛ لأن من يتصدق راجيا ما عند العباد من جاه أو ملق أو استعلاء، لا يؤمن بحق الله عليه وقت تبرعه، ولا يؤمن بأن وجه الله هو الذي يقصد، ولا ينظر إلا إلى متاع الدنيا، ولا يؤمن في عمله هذا باليوم الآخر، ولو كان يؤمن بالله في عمله هذا لقصد وجهه الكريم، وما يكون من ثواب مضاعف على فعله، وإن هذا كله من عمل الشيطان.
(وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا) الشيطان هنا كل ما يحرض على الشر من وسوسة نفس، وصاحب مفسد، ومن تسلط على عباد الله تعالى لإغوائهم، وفي النص القرآني إيجاز بالحذف معجز، إذ المعنى: وقد دفع هؤلاء إلى الرياء في إنفاقهم وإلى البخل والكتمان قرناء السوء من شياطين الإنس والجن، والقرين هو الصاحب اللازم الذي يخلط نفسك بنفسه، ويقرنها بها حتى تصيرا كأنهما شيء واحد، ومعنى قوله: (وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا) من يكن الشيطان صاحبا ملازما له قد اختلط به ومازج نفسه، فما أسوأه من قرين محرض على الشر يدفع إليه بصحبته، وملازمته وإغوائه، والعدوى التي تسري إليه. وفي النص إشارة إلى أن قرناء السوء يفسدون الأخلاق؛ لأن عدوى الأخلاق تصل بالمجاورة كما تصل عدوى الأمراض.
* * *
(وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ... (٣٩)
* * *
هذا النص توبيخ للذين يؤثرون رضا الناس على رضا الله، فلا يبتغون ما عنده، ويبتغون ما عند الناس، فيراءون ويمنعون الخير لذات الخير. والمعنى: ماذا يكون عليهم من مغبة أو تبعة أو ضرر، لو أنهم آمنوا بالله حق الإيمان وباليوم الآخر الذي يكون فيه الجزاء الحقيقي، ولم يأخذهم زخرف الحياة الدنيا فلا يرعوا سواها؛ إنه لَا ضرر
بلا شك في الاتجاه إلى الله، وإنفاق بعض رزقه الذي أعطاه إياهم؛ إذ لَا ينفقون إلا بعض ما أعطى، ومع عدم الضرر هناك نفع عظيم جليل، وهو رضا الله، وثواب يوم القيامة، وصلاح حالهم صلاحا حقيقيا في الدنيا. وبمقارنة ذلك بما عليه حالهم من رياء أو بخل أو كتمان، يتبين أنهم اختاروا الصفقة الخاسرة؛ لأن في انفاقهم لأجل الرياء أو بخلهم، إغضابا لله، وتعرضا لعقابه وإفسادا لمجتمعهم، وما ينالون من نفع ضئيل بجوار ما ينالهم من ضرر خطير. ولم يذكر سبحانه وتعالى ما ينالون من نقع في دنياهم؛ لأنه لَا يعد في حقيقة الأمر نفعا، فضررهم مؤكد، ولا نفع، وإذا اتجهوا إلى الله فالنفع ثابت ولا ضرر.
(وَكَانَ اللَّهً بِهِمْ عَلِيمًا) هذه إشارة إلى الضرر الذي ينالهم، وهو عقاب الله تعالى لهم، وهو عليم بأحوالهم يعلم سرهم وما يخفى من شئونهم، وإنه سيجافلهم بعملهم، فالعقاب لاحق بهم لَا محالة، وقانا الله تعالى شر نفوسنا،
وجعلنا لله لَا لأحد سواء.
* * *
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)
* * *
فى الآيات السابقة بين سبحانه وتعالى وجوب إفراد الله تعالى بالعبادة، سواء أكانت هذه العبادة في التكليفات التي خصصت للعبادة ذاتها، أم كانت من المعاملات بين الناس التي لابد من نية القربة فيها. فالإنفاق لابد أن يخلص لله تعالى، كالصلاة لابد أن تكون خالصة لله. فالنية في الأقوال والأفعال أساس الجزاء من عقاب وثواب.
وفى هذه الآية الكريمة بين الجزاء الأوفى من خير أو شر، وأن الشر لا يجازى إلا بمثله، وأن الحسنة تكون بأضعافها، ولذا قال سبحانه؛
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) المثقال - معناه المقدار الذي له ثقل يحتمل أن يوزن، والذرّة الغبار الذي لَا يرى في أكثر الأحوال، والمعنى اللفظي أن الله لا ينقص عاملا حقا وزن ذرة، وهي لَا تعلى الميزان ولا تخفضه، إلا أن يكون ميزانا دقيقا جدا، وهذا النوع من الموازين لَا يوجد في الدنيا، ولكن يوجد في الآخرة، فعندئذ تكون الموازين القسط التي لَا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا قومتها. ومعنى النص في مرماه أن الله سبحانه وتعالى، لَا ينقص أحدا من ثواب عمله أي مقدار ولو ضؤل، فهذا الكلام فيه استعارة مؤداها أنه لَا ينقص عمل عامل، لقوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨).
وإن النص عام يشمل المؤمن وغير المؤمن في ظاهره، ولذا تكلم العلماء في أعمال الخير التي تقع من الكافر إذا قصد بها وجه الله تعالى مع كفره وضلاله، وقال الأكثرون إن الله لَا يغفر الشرك، ويعطي الكافر ثواب الخير في الدنيا، أما المسلم فيؤتيه ثواب الخير في الدنيا والآخرة، واستندوا في ذلك إلى ما رواه مسلم في صحيحه عن أنس، أن رسول الله - ﷺ - قال: " إن الله لَا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى بها إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها " (١).
________
(١) رواه مسلم: صفة القيامة والجنة والنار (٢٨٠٨) عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
وإن ذلك نظر حسن يفسره ما نراه للكافرين من نعم مادية في الدنيا تجري عليهم، فلعلها ثمرة لما عملوا من بعض الخيرات في التعاون الإنساني، وثمرة لاتخاذهم أسباب الرزق على وجه كامل.
ويميل الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده إلى أن الكافر إن عمل خيرا يقصد به وجه الله أو سبيل الخير المجردة، لَا يضيعه الله تعالى عليه يوم القيامة، ولكن ينقصبه من سيئاته، غير الكفر والإشراك فإن هذين لَا يكفرهما شيء. ويؤيد نظره هذا بأن الآثار قد وردت بأنه يخفف عن أبي طالب لكفالته النبي - ﷺ -، وحمايته له (١)، وقد كان في ذلك حماية للدولة الإسلامية.
وقد روى أيضا أنه يخفف عن أبي لهب لعتقه ثُوَيْبَة حين بشرت بمولد النبي - ﷺ - (٢)، وأبو لهب هذا هو الذي قال الله تعالى فيه وفي امرأته: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) إلى قوله (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥).
فحسنات الكفار تكفر السيئات التي دون الشرك والكفر، على هذا النظر، فالكفر لَا يغفر، ويذهب من السيئات الأخرى بمقدار الحسنات، ونحن لا نرى في ذلك خروجا عن حكم الإسلام، وهو معقول في ذاته يتفق مع عموم النصوص، وإن كنا نميل إلى الأول.
________
(١) قَالَ العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: «هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلاَ أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ " [رواه البخاري: المناقب - قصة أبي طالب (٣٨٨٣)، ومسلم: الإيمان - شفاعة النبي - ﷺ - لأبي طالب (٢٠٩). والضحضاح من النار: موضع لَا عمق له يبلغ كعبيه تغلي منه دماغه، كما فسرته الروايات الأخرى في صحيح البخاري.
(٢) قَالَ عُرْوَةُ، وثُوَيْبَةُ مَوْلاَةٌ لِأَبِي لَهَبٍ: كَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا، فَأَرْضَعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ، قَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ؟ قَالَ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ ". رواه البخاري: النكَاح (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) (٥١٥١). وشر حيبة: على أسوأ حالة من الهم والحزن.
(وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) وإن الله سبحانه وتعالى عفوٌّ غفور رحيم بعباده، لَا يكتفي بمنع الظلم عمن يحسن، بل إنه يضاعف الأجر لمن يحسن، و " تَكُ " أصلها " تكن " حذفت النون و " كان " هنا ناقصة، والمعنى: وإن تكن الفعلة حسنة تكون مضاعفة، ومعنى يضاعفها أي يكون بدلها أمثالا كثيرة لها. وقد قيل: إن الفرق بين المضاعفة والتضعيف أن المضاعفة تكون بأضعاف كثيرة، والتضعيف يكون بضعفين اثنين، والمؤدى أن الحسنة تكون بأمثال كثيرة لها كقوله تعالى:
(مَن ذَا الَّذِي يقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً)، وقوله تعالى: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْر أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)، فالله سبحانه وتعالى لَا ينقص من عمل الخير شيئا بل يضاعفه في الآخرة، وإن الله سبحانه وتعالى فوق هذا الجزاء المضاعف أضعافا كثيرة يزيد المحسن من عطائه، ولذا قال سبحانه: (وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) أي أن الله تعالى يعطي عطاءً كثيرا، غير ملاحظ فيه المثلية والمضاعفة، بل إنه سبحانه فوق مضاعفة الحسنة بأمثالها، يعطي عطاءً سمحا غير مقيد بالمضاعفة، بل إنه يكون سماحا، وكرما من الله تعالى. وسمى ذلك العطاء أجرا، وهو في الحقيقة ليس في مقابل عمل؛ لأن مقابلة العمل كانت بالأمثال السابقة؛ لأن الأجر قد يطلق على مطلق العطاء، وإن لم يكن له مقابل، وتفضل الله تعالى في كرمه فسماه أجرا، وإن لم يكن له نظير، فهو أجر غير ممنون.
وقد عظم الله سبحانه وتعالى ذلك العطاء غير المنون بوصفين.
أحدهما: أنه عظيم في ذاته ذو جلال وشأن، فهو رضوان الله تعالى، ونعيم مقيم، وجنات فيها ما لَا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
والثاني: أنه عطاء من لدن الله تعالى، فهو قد نال شرفا إضافيا بأنه من الله تعالى.
وكانت عظمة العطاء على ذلك الوجه ليقدم المؤمن على العمل الصالح.
وقد بين الله سبحانه وتعالى أن كل ما يكون يوم القيامة من حساب، أدلته ثابتة من نطق الجوارح بما صنعت، ومن شهادة الأنبياء بالتبليغ والبيان، فالجرائم معها دليل وقوعها، والقانون الذي نظم العقاب وجرمها قائم بشهادة الذين أعلنوه وبينوه، ولذا قال تعالى:
* * *
(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)
* * *
الاستفهام هنا للتنبيه، وبيان ما سيكون يوم القيامة من حساب يتبعه عقاب عادل، أو ثواب يتبعه جزاء سابغ وعطاء غير ممنون. والمعنى تنبهوا أيهؤلاء الذين يجحدون الأدلة القائمة، والرسالات الثابتة، وتصوروا حالكم، وأعمالكم تنطق بها ألسنتكم وجوارحكم، ومعكم النبيون يشهدون عليكم بالتبليغ والبيان، وأنه لم يكن لكم حجة في كفر، ولا معذرة في جحود. والشهيد هو الشاهد الناطق بالحق، المتحري المستقصي الذي لَا يترك حقا لم يبينه. ومعنى قوله تعالى:
(وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) أنه يؤتى لكل أمة من الأمم بشهيد منها هو نبيها الذي بعث فيها ودعاها إلى الحق، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، فكل نبي يشهد على قومه بالتبليغ والبيان. وما من أمة إلا كان لها نذير، فقد قال تعالى: (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فيهَا نَذِيرٌ)، وقال تعالى: (... وَمَا كنَّا مُعَذّبينَ حتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).
وقد اختلف في الإشارة في قوله تعالى: (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا)، فقال بعض المفسرين: إن الإشارة في هؤلاء إلى النبيين السابقين، فالنبي - ﷺ - باعتباره خاتم النبيين، وأن رسالته خالدة إلى يوم القيامة، ولتكريم الله تعالى، يكون شاهدا على كل النبيين السابقين، والشهادة عليهم بمعنى أداء الشهادة بأنهم بلغوا، وكانت التعدية بعلى للإشارة إلى معنى المحافظة على أصول الشرائع السابقة لاشتمال القرآن الكريم عليها، ونشرها خالصة سائغة واضحة بينة للأجيال.
هذا هو القول الأول - والقول الثاني أن المشار إليهم في النص الكريم هم أمة محمد - ﷺ -، وهي أكثر الأمم عددا؛ لأن محمدا - ﷺ - أكثر الأنبياء تابعا؛ إذ دينه لم يحرف ولم يبدل، فقد حفظت أصوله في القرآن الكريِم، وهو نور الله تعالى الباقي إلى يوم القيامة، كما قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، وإن الكثيرين على الأول، لأن النبي - ﷺ - شهادتان إحداهما شهادته للرسالات السابقة بالصدق والبيان، وقد اطلع على هذه الشهادة المسلمون ببيان القرآن، والثانية شهادته على أمته، وقد جمع الشهادتين قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)، وإن تلك منزلة عالية للنبي - ﷺ - والمؤمنين به إيمانا صادقا الذين يذعنون للحق دائما، وكان النبي - ﷺ - يستعظم أمر هذه الشهادة، فقد روى أحمد في مسنده، والبخاري في صحيحه، والترمذي والنسائي في سننهما، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: " قال رسول الله - ﷺ -: اقرأ عليَّ، قلت: يا رسول الله، أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: " نعم أحب أن أسمع من غيري "، فقرأت سورة النساء، حتى أتيت إلى هذه الآية: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا)، فقال: " أمسك "، وفي رواية: " حسبك الآن "، فإذا عيناه تذرفان (١). وكأن رسول الله - ﷺ - لفرط إيمانه بالله تعالى تخوف يوم الحساب والعقاب، واستعظم تلك الشهادة التي وضعت في عنقه، وهي أعظم أمانة، فسالتْ عبرات عينيه - ﷺ - (٢).
* * *
________
(١) متفق عليه، وهذا الفظ في صحيح البخاري: تفسير القرآن - (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) (٥٤٨٢)، فضائل القرآن - قول المقرى للقارئ: حسبك (٥٠٥٠)، ورواه مسلم: صلاة المسافرين - فضل استماع القرآن (٨٠٠). عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(٢) وفي البحر المحيط ج ٣، ص ٦٤٢: وبكاؤه - والله أعلم - هو إشفاق على أمته ورحمة لهم من هول ذلك اليوم. وقال الآلوسي ج هـ، ص ٣٣: " فإذا كان هذا الشاهد تفيض عيناه لهول هذه المقالة وعظم تلك الحالة، فماذا لعمري يصنع المشهود عليه؟! وكأنَّه بالقيامة وقد أناخت لديه.. ".
وفى الدر المنثور ج ٢، ٥٤٠: وأخرج ابن أبي حاتم والبغوي في معجمه والطبراني بسند حسن =
يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ... (٤٢)
* * *
يومئذ - هي ظرف مضاف إلى الظرف، ودخله التنوين على غير ما يقرره قياس النحويين، لبيان عظم ذلك الزمان الثاني وهوله، وأضيف الظرف إلى الظرف لتأكيد وجود ذلك الزمان، فهو يوم مؤكد الوقوع وهو على الكافرين عسير، ولشدته يحب ويتمنى الذين كفروا وعصوُا الرسول محمدًا - ﷺ - أو عصحوا أي رسول بعث إليهم - وتكون اللام للاستغراق - أن يكونوا ترابا كالأرض؛ كما قال تعالى: (وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ ترَابًا)، وهذا معنى تسويته بالأرض. ويصح أن يكون المعنى أن يدفنوا ويعودوا إلى القبور، وتسوى بهم الأرض كما كانوا من قبل. ويصح أن يكون المراد ألا يبعثوا وأن يستمروا مقبورين، والأرض مسوّاة عليهم. والباء في قوله تعالى " بهم " على التخريجات السابقة التي تنتهي إلى معنى واحد، للملاصقة، أي يستمرون ملاصقين للأرض على أنهم جزء منها أو في داخلها.
وإن هذا التمني الذي تدل عليه " لو " سببه عصيانهم وكفرهم بالأنبياء، وشهادة النبيين عليهم بالتبليغ وشهادة جوارحهم عليهم بالارتكاب، وقد قال سبحانه من بعد ذلك:
________
= عن محمد بن فضالة الأنصاري - وكان ممن صحب النبي - ﷺ - أن رسول الله - ﷺ - أتاهم في نبي ظفر ومعه ابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وناس من أصحابه، فأمر قارئا فقرأ فأتى على هذه الآية (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) فبكى حتى اضطرب لحياه وجنباه، وقال: " يا رب هذا شهدت على من أنا بين ظهريه فكيف بمن لم أره؟ ".
فائدة: في بكاء النبي - ﷺ - من زاد المعاد ج ١، ص ١٣٤: وأما بكاؤه، فكان مِن جنس ضحكه، لم يكن بشهيقٍ ورفع صوت كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن كانت تدمَعُ عيناه حتى تَهْمُلا، ويُسمع لِصدره أزيز. وكان بكاؤه تارة رحمة للميت، وتارة خوفا على أمته وشفقة عليها، وتارة مِن خشية الله، وتارة عند سماع القرآن، وهو بكاء اشتياق ومحبة وإجلال، مصاحب للخوف والخشية.
(وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) أي لَا يكتمون يوم القيامة حديثا من أحاديث أنفسهم، فكل ما يجول بخاطرهم تنطق به ألسنتهم وجوارحهِم، وإذا كذبت الألسنة صدقت الجوارح. وقوله تعالى: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) عطف على (يَوَدُّ) في النص السابق، والمعنى أنهم يودون لو تُسوَّى بهم الأرض، ولا يكتمون مع ذلك حديثا، أي حال التمني هذه ربما كانت تسوغ لهم الكذب، ولكنهم مع ذلك لَا يتمكنون منه، وإن كذبت الألسنة شهدت سائر الأعضاء.
وقيل إن الواو في قوله تعالى: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) للحال، والمعنى على هذا: أنهم يودون لو تسوَّى بهم الأرض، والحال أنهم مع ذلك لَا يكتمون حديثا من أحوالهم في الدنيا. والمؤدى على التخريجين واحد، فلا مناص من ثبوت جرائمهم. وشهادة الأنبياء بالتبليغ. اللهم إنا نضرع إليك أن تجنبنا الزلل، وأن تغفر لنا خطايانا، وأن تغمرنا برحمتك يوم المطلع والحساب والعقاب، كما غمرتنا بها في الدنيا، فإنك الغفور الرحيم.
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)
* * *
أمر الله سبحانه وتعالى فيما سبق من قول حكيم بعبادته وحده، وألا يشرك العبد به شيئا، ثم أمر بعد ذلك بحسن المعاملة، بالأقربين، ثم بالناس أجمعين،
وبالأخذ بيد الضعيف، وبإخلاص النية له سبحانه في القول والعمل، وأن الرياء ينافي الاتجاه إلى الله وحده. وفي هذه الآية الكريمة بين طريق المعاملة الكريمة، وتربية الإخلاص له سبحانه وتعالى، وهي الصلاة، وقد ذكرها بذكر ما يجب من مقدماتها، وهو تطهير الجسم والقلب، فقال سبحانه وتعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)
يذكر المفسرون في معنى لَا تقربوا الصلاة تأويلين: أحدهما: أن المعنى لَا تقوموا بها، أو لَا تغشوها واجتنبوها وأنتم سكارى، كما قال سبحانه: (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيم)، وكما قال تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّه كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا).
والثاني: أن معنى قرب الصلاة قرب مواضعها، أي لَا تقربوا مواضع الصلاة وأنتم سكارى، وإذا كان النهي عن قرب الموضع قائما، فهو بلا ريب متضمن النهي عن الفعل نفسه، فهذا التأويل يزيد المعنى فيه عن الأول بالنهي عن دخول السكران المسجد حتى يستفيق، وفي ذلك احترام للمسجد وتكريمٌ لبيوت أذن الله تعالى أن يرفع ذكره فيها. والنهي هنا نهى عن الصلاة في حال السكر؛ لأن ذلك يتنافى مع الخشوع والقصد وإخلاص النية في كل جزء من أجزائها لله تعالى. وقد حُدَّ النهي بنهاية معينة، وهي الاستفاقة وفهم ما يقول، ولذا قال سبحانه: (حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) أي حتى تقصدوا قصدا حقيقيا بنية خالصة، عالمين موقفكم من الله تعالى، وعالمين بما يشير إليه لفظ التكبير، ولفظ التسبيح، ومعاني الفاتحة التي هي دعاء القرآن وضراعة المؤمن لربه، ومعاني الآيات التي تتلى في الصلاة، فهذا هو ما يقال في الصلاة. فليس العلم الذي هو الغاية التي ينتهي عندها هو مجرد الإدراك والفهم، وذهاب غيبوبة السكْر، بل العلم هو هذا اليقين والإدراك العالي الذي به تقام الصلاة، ويكون حسن إقامتها.
وقد يقال: كيف يخاطب السكران بهذا النهي؟ والجواب عن ذلك أنه خطاب له وهو في وعيه بحيث يعمل على تجنب السكر في وقت الصلاة، ولا
قُرْبَ وقتها، " فكان النهي يتضمن الأمر بتجنب الشرب في أوقات الصلاة وما قبلها، بحيث يتحرى ألا يجيء وقت الصلاة إلا وهو مدرك إدراكا تاما. وإنه يؤيد هذا قوله: (وَأَنتمْ سُكَارَى) فإن هذا التعبير يفيد النهي عن القرب من الصلاة وهم بهذه الحال، فهو يفيد النهي عن السكر قبلها، حتى يكون صاحيا وقتها.
وإنه يترتب على هذا مراعاة أن يكون السكر في غير أوقات الصلاة، وأن يتأكد أن وقت الصلاة لَا يدركه إلا وهو يعلم ما يقول، فلا يسكر الشخص قط في أثناء النهار، لأنه لَا يمكن أن يضمن الصحو في وقت الصلاة، إذا شرب مسكرا في أثناء اليوم. ولا يتمكن من السكر إلا بعد العشاء، وإنه يجب أن يعلم أن الصحابة الذين كان يقع منهم الشرب أحيانا قبل التحريم الشافي، منهم من كان يتهجد في الليل، وإذا تردد بين الشرب والتهجد آثر صلاة الليل.
وإن ذلك كله قبل التحريم القاطع المنهى لحال العفو عن الشرب، وقد قالوا: إن ذلك قبيل كان من التدرج حتى يألفوا اجتناب الخمر، ويستأنسوا بتحريمها تحريما قاطعا.
(وَلا جُنُبًا إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) والجنب هو من أتى النساء ولم يغتسل، وتكون المرأة أيضا جنبا، وهو يستعمل وصفا، وأصله مصدر، ولذلك يطلق على المفرد والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، ولفظ جنب هنا المراد به الجمع، وهو عطف على الحال، وهو: (وَأَنتُمْ سُكَارَى).
والمعنى: النهي عن قرب الصلاة جنبا، كالنهي عن قرب الصلاة (وهم سكارى). وإذا كان النهي في الأول مؤداه الأمر بتجنب السكر وقت الصلاة.
فكذلك الأمر هنا مؤاده تجنب ما يكون سببا للجنابة وقت الصلاة.
وقوله تعالى: (إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ)، قال بعضهم: إنه المسافر، لأن المسافر يعبر الطريق ولا يتوقف بل يسير. وقد استبعد الأستاذ الشيخ محمد عبده أن يعبر عن المسافر بـ " عابر سبيل " بل التعبير القرآني الشائع هو كلمة " على سفر ". وقالوا
إن تفسير عابر السبيل بالمسافر هو على منهاج من يفسر (لا تَقْرَبوا الصَّلاةَ) بقربها هي. وأما من قال إن المراد من قرب الصلاة قرب موضعها، المتضمن النهي عنها، فإنه يكون معنى عابر السبيل الذي يمر من المسجد لحاجة، فإن الجنب محرم عليه دخول المسجد إلا أن يكون عابر طريق فيه لحاجة، ولا يمكنه الوصول إلى حاجته إلا إذا مر من المسجد. وقد مر أن النهي عن قرب مكان الصلاة وهو جنب نهي ضمني عن الصلاة ذاتها، ولذا أشرنا باختياره، ولقد روي أن عائشة رضي الله عنها قالت: " جاء رسول الله - ﷺ - ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: " وجهوا هذه البيوت عن المسجد " (١)، فقبل توجيه البيوت كان بعض الذين بيوتهم تجاور المسجد لَا ينفذون إلى الطريق إلا منه، وبعض فقراء الصحابة كانوا يقيمون في المسجد، ولهذا استثنى عابر السبيل منه لحاجته، لكيلا يكون على المؤمن حرج.
وقوله تعالى: (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) بيان لغاية المنع بالنسبة للجنب، فكما أن المخ بالنسبة لمن هو في حال سكر هو أن يعلم ما يقول، فكذلك النهي لمن هو في حال جنابة نهايته هو الاغتسال. والاغتسال تعميم الجسم كله بالماء، وإن الاغتسال بعد الجنابة طهارة حسية، ونفسية، وتعويض بدني، وإنعاش للأعصاب بعد أن أنهكت أو أجهدت. وإن الطهارة النفسية بالاغتسال لما في الاغتسال والاستعداد به للصلاة من تذكر لله تعالى وقت أن استحكمت الشهوة وتحكمت ونفذت، فتخلص نفسه من المادية التي كانت فيها وسيطرت عليها، وإذا تذكر الله طلب الولد والنسل والذرية الطيبة من زوجه الطاهرة. وأما الإنعاش للأعصاب، والتعويض البدني، فإن هذين الأمرين يؤيدهما الحس والتجربة، ولا ينكرهما الطب.
وإن بعض الناس يكون مريضا يشق عليه استعمال الماء، أو يكون على سفر يشق عليه الحصول على الماء، ولذلك شرع له التيمم، وهو طهارة روحية فقط، إذا عجز عن الطهارة الحسية بالماء، ولذا قال سبحانه:
________
(١) روأه أبو داود (٢٣٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤٣٥٦)، وفي صحيح ابن خزيمة (١٣٢٧)، وفى مسند إسحاق بن راهويه (١٧٨٠) عن عائشة رضي الله عنها.
(وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) هذا النص اشتمل على الأعذار التي تسوغ التيمم، وأول هذه الأعذار المرض، وهو الذي يضر معه استعمال الماء، أو يزيده الماء، أو يبطئ برءه، فإن الله يرخص لهذا المريض أن يتيمم بدل أن يتوضأ، أو يغتسل إذا كان الموجب لاستعمال الماء هو الجنابة. وثاني هذه الأعذار السفر، والسفر عادة يقل فيه الماء، فإذا لم يجده أصلا، أو كان ما معه من ماء يبقيه ليتقى به العطش في مجاهل الأرض، فإنه يكون له أن يتيمم بدل الوضوء والاغتسال، كل في موضعه وعند تحقق سببه. والثالث عدم وجود الماء في الحضر من غير سفر، فإنه يسوغ التيمم.. ومثل حال المرض ما إذا كان الماء باردا بردا شديدا، ولا يوجد معه ما يدفئ به الماء، ليتقى ضرره، فإنه يسوغ التيمم، وقد أقر النبي - ﷺ - ذلك، فقد كان عمرو بن العاص على سفر في غزوة، فأصابهم ما أوجب الاغتسال، وكان البرد شديدا، والماء شديد البرد، فتيمم خشية من استعمال الماء الشديد البرودة، وأبلغ ذلك للنبي فأقره (١) وإنه إذا كان المرض يجيز التيمم فتوقعه المؤكد أو الذي يغلب على الظن يبيح التيمم أيضا.
وبيَّن سبحانه بالإشارة أسباب الوضوء أو التيمم فقال: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ منكم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُم النِّسَاءَ)، والغائط من الغيط، الأصل في معناه ما انخفض من الأرض، والجمع غيطان وأغواط، ولما كان ما يلفظ من باطن الإنسان عن طريقه
________
(١) عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟» فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. [رواه أبو داود: الطهارة - إذا خاف الجنب البرد أيتيمم، وأحمد: مسند الشاميين (١٧٣٥٦) وذكره البخاري تعليقا: كتاب التيمم، فقال: بَاب إِذَا خَافَ الجُنُبً عَلَى نَفْسِه الْمَرَضَ أوْ الْمَوْتَ أوْ خَافَ الْعَطَشَ تَيَممَ، وَيُذْكَرُ أن عَمرو بْنَ الْعَاصِ أجْنَبَ فِى لَيْلَةِ بَارِدَة فَتَيَممَ وَتَلا: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) فَذَكَرَ لِلنًبِي - ﷺ - فَلَمْ يُعنفْ.
الطبيعي يكون في غوط الأرض عند الكثيرين من أهل البادية أطلق عليه ذلك الاسم، من قبيل إطلاق اسم المكان على ما يحل فيه، وهذا مجاز عربي اشتهر حتى صار حقيقة عرفية، والمجاز إذا اشتهر صار كالحقيقة لَا يبحث له عن أصل، ولا عن علاقة، فصار يطلق ولو كان ذلك الملفوظ لَا يلقى في غوط الأرض أو منخفضها.
وقوله تعالى: (أَوْ لامَسْتمُ)، في قراءة: (أوْ لامَسْتم النِّسَاءَ) (١) كناية عن الدخول بهن، فهو لَا يعبر عن هذا المعنى إلا بهذه الكناية الظاهرة، ومثله المس يعبر به عن الدخول، فقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا). وقال تعالى: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً)، ففي هذه العبارات السامية وأمثالها، يكون المس المراد به الدخول. وقد جوز الشافعي الجمع بين الحقيقة والمجاز، فلم يمنع أن يراد باللمس معناه الحقيقي وهو مس بشرة الجسم، ومعناه المجازي أو الكنائي، وهو الدخول بالمرأة، ولذا نقض الوضوء عنده بمطلق لمس امرأة ليست ذات رحم محرم ما دامت قد بلغت البلوغ الطبيعي.
و (أو) في قوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ منكُم مِّنَ الْغَائِطِ) قال بعض العلماء إنها بمعنى الواو، والمعنى على ذلك: وإن كنتم مرضى، أو على سفر، وجاء أحد منكم من الغائط، أو جامعتم النساء، فتيمموا صعيدا طيبا. والأولى أن تكون على معناها، ويكون الكلام على تقدير محذوف دل عليه ما بعده، وتأويل القول هكذا: وإن كنتم مرضى أو على سفر، وأصابتكم جنابة، أو ما ينقض الوضوء، فتيمموا. أو أصابكم ما ينقض الوضوء أو ما يحدث جنابة فلم تجدوا ماء فتيمموا.
ويكون في الكلام تقسيم حسن أوله التيمم لأجل المرض أو السفر وشح الماء،
________
(١) قرأها (لمستم) بغير ألف: حمزة والكسائي وخلف، والمفضل عن عاصم، وقرأ الباقون " لامستم ". غاية الاختصار - ج ٢، ص ٤٦٤. تحقيق د. أشرف محمد فؤاد طلعت. التوعية الإسلامية.
والثاني التيمم في حال الإقامة إذا لم يوجد الماء، ويكون قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) متصلا بحال السلامة والإقامة، وهو معقول، إذ المرض يسوغ التيمم، ولو كان ماء، والمسافر قد يجد الماء ولكن يحتاج إليه للشرب، والإقامة التي لَا يكون فيها الماء، ويكون فقده هو المبرر وحده.
(فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) التيمم معناه في اللغة القصد، وأطلق شرعا على القصد إلى التراب لمسح الوجه واليدين به، ولذا قال: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا)، أي اقصدوا ترابا على ظاهر الأرض طاهرا. فالصعيد هو سطح الأرض، والتيمم من التراب الثابت فيه، ومعنى الطيب الطاهر، فمادة التيمم تراب طاهر، والتيمم عبادة يتقدم بها إلى الصلاة، والأمر فيها تعبدي، لَا يبحث عن علته، ولكن الطاعة فيه تدل على قوة الإيمان، وهو كيفما كان رمز لخلوص القلب وصفاء النفس بالاتجاه إلى الله تعالى. وينقض التيمم ما ينقض الوضوء، كما ينقضه وجود الماء والقدرة على استعماله قبل انتهاء وقت الصلاة أو قبل أدائها به، فإجماع العلماء أن على من وجد الماء أو قدر على استعماله قبل أداء الصلاة - نقض تيممه ووجب عليه الوضوء.
وقد بين سبحانه وتعالى أركان التيمم فقال: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) أي امسحوا وجوهكم وأيديكم بالتراب. وقد اتفقوا على ضرورة مسح الوجه كله كالوضوء، والأكثرون على أن مسح اليدين إلى المرفقين، وهو المنصوص عليه في القرآن بالنسبة للوضوء، فقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)، والأكثرون بالنسبة للتيمم على أنه من ضربتين: إحداهما للوجه، والأخرى لليدين، ومسح اليدين يكون ظهرا وبطنا، ليعم المسح أجزاءهما.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) ذيل الله سبحانه وتعالى الآية بهذا النص الكريم لبيان أن الله تعالى متصف بالعفو، فلا يختار لعباده إلا السهل اليسير الذي يسهل عليهم أداؤه من غير مشقة مرهقة، ويعفو عن التقصير في الواجبات الأصلية
للأعذار، ويفتح باب الرخص، ويجب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه، ويجعل كل ما هو شاق مرهق في مرتبة العفو دائما، وهو الغفار كثير المغفرة لمن يتوب إليه، وقد أكد سبحانه هذين الوصفين بثلاثة أمور: أولا: (إنَّ) فهي من أقوى ألفاظ التوكيد، و (كان) فهي تدل على استمرار عفوه ومغفرته سبحانه، وبالجملة الاسمية فلها فضل توكيد في المعنى الذي اشتملت عليه. اللهم اعف عنا واغفر لنا وارحمنا وأنت أرحم الراحمين.
* * *
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)
* * *
في الآيات السابقة بين سبحانه وتعالى وجوب الإخلاص لله سبحانه وتعالى فيما يؤدي العبد من فرائض، وما يقوم به من صدقات، وأشار إلى أن الرياء يمحق فعل الخير، ويقرب العبد من الشرك، بل إن الرياء في العبادات هو الشرك الخفي، ثم بين سبحانه وتعالى مقام أهل الإيمان ممن سبقوهم، ومقام صاحب الرسالة في الشهادة على كل من سبقوه، فرسالته هي الحق، وأنه لَا يصح لمؤمن أن يستمع لما يكذب به الضالون من أهل الكتاب، وقال سبحانه في ذلك:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ)
(أَلَمْ تَرَ) هذا تعبير قرآني قد تكرر في كثير من آي القرآن الكريم، وأصل الصيغة للاستفهام، وهو موجه إلى عدم الرؤية، والاستفهام إنكاري لنفي وقوع ما دخل عليه، فإذا قال القائل: أفعلَ فلان كذا..؟! يستنكر نسبة الفعل إليه، فمعناه نفي الفعل مع توبيخ من نسب إليه ذلك، أو تنبيه السامع إلى النفي؛ لأن معناه حينئذ: ما وقع من فلان هذا الفعل، وما كان يُعقل أن يقع منه. والاستفهام هنا متجه إلى أمر منفي، ويقول العلماء إن نفي النفي إثبات، فيكون معنى النص: قد رأيت ونظرت ببصيرتك وبصرك إلى عمل الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، وفي هذا التعبير تنبيه إلى تأكد العلم بحال هؤلاء الذين تراهم من أهل الكتاب، وقد وصفهم الله تعالى بأنهم أوتوا نصيبا أي مقدارا من الكتاب ولم يؤتوا الكتاب كله؛ لأنهم نسوا حظا مما ذكروا به، ولأن الأحداث التي توالت عليهم من غارات التتار ومظالم الرومان، قد جعلت أجزاء من كتبهم تتقطع سلسلة سندها، ويذهب عنهم علمها، وهم فوق ذلك لم يعملوا بأحكام ما وصل إليهم، فهم قد وصل إليهم بعض الكتاب، وحرفوا ذلك الذي وصل إليهم، وأوَّلوه على غير معناه، وأهملوا العمل بأكثره، فهم لم يؤتوا علما وتفسيرا وعملا إلا أقله!.
وموضع التنبيه والغرابة ليس هو وصفهم، وإن كان في ذاته أمرا أعجبا، إنما موضعه أنهم يبتغون الضلالة ويطلبونها ولو دفعوا فيها أغلى الأثمان، وهو الهُدى، ولا يطلبونها لأنفسهم، بل يريدون أن يكون غيرهم مثلهم في ضلالهم، ولذا قال سبحانه وتعالى: (يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ) أي تبعدوا عن الطريق المستقيم الذي هو صراط الله تعالى الذي قال فيه تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَبِعُوهُ وَلا تَتَبِعوا السُّبُلَ فَتَفَرقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ).
وهنا يرد بحثان لغويان: أحدهما أنه ذكر هنا المطلوب وهو الضلالة، ولم يذكر المتروك كما في بعض الآيات الكريمة: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى)، والجواب عن ذلك أن ذكر المطلوب وهو الضلالة من غير ذكر
المتروك وهو الهدى، أو ذكر المبيع من غير ذكر الثمن، فيه ما يدل على أنهم يطلبون الضلالة في ذاتها، فالبعد عن الحق مطلب لهم وغاية، لأنهم مَرَدُوا على الباطل لَا يستمرئون غيره ولا يبتغون سواه!! ويدل على هذا أن هناك قراءة بالياء (١) في (أن تضلوا) وتكون الآية على هذه القراءة: (ويريدون أن يضلوا) أي أنهم يبتغون الباطل ويريدونه ولا يقعون فيه عن جهل وعماية، بل عن قصد وإرادة، وذلك شر ما تبتلى به النفس.
البحث اللغوي الثاني: أن " ال " في السبيل للعهد، لَا للاستغراق، والسبيل الحق معروف بيِّن لَا عوج فيه، وهو وحده الموصل إلى الحق، لأنه الطريق المستقيم، ولأنه صراط العزيز الحميد.
وإن هؤلاء هم أعداء أهل الإبمان حقا وصدقا؛ لأنهم يبتغون الضلالة لأنفسهم، ويبتغون الضلالة لغيرهم من المؤمنين، ولقد قال سبحانه مقررا عداوتهم:
* * *
________
(١) ليست في العشر المتواترة.
(وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥)
* * *
في هذا النص السادس تحذير للمؤمنين من هؤلاء الذين أُوتوا حظا من الكتاب، وهم يطلبون الضلالة ويبتغونها لأنفسهم وللمؤمنين، لأنهم يحسدونهم، ولأنهم يريدون لهم الخذلان والضلال وأن يكونوا قوما بورا،! وقد أشار بالنص الكريم إلى أنهم أعداء المؤمنين، وإن كانوا يخفون ما لَا يبدون، ولذا قال سبحانه وتعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ) أي أن الله جلّت قدرته أعلم منكم بأعدائكم، لأنكم تعلمون ما يبدو من أفعالهم وما يظهر على ألسننهم، والله سبحانه وتعالى يعلم ما تخفي الصدور، وقد قال تعالى في آية أخرى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ
مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠).
ومع أن هؤلاء أعداؤكم فلا تخافوهم ولكن احذروهم، ولا تتخذوا منهم أولياء توالونهم، بأن تتخذوا ولايتهم ولاية لكم بأن تنضووا تحتها، ولا تستنصروا بهم لأنهم يريدون لكم الخذلان لَا النصر، ومن اعتز بغير الله ذل، ومن استنصر بعدوه خذل، وقال سبحانه: (وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا) ويكفي المؤمن في الاعتزاز أن يكون الله وليّه، لَا ينضوي إلا تحت لواء أهل دينه، ولا يدخل في ولاية غير ولايتهم، كما قال تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا). وكما أنه يكفي المؤمن أن يكون الله وليّه، فإنه يكفيه أيضا أن يكون الله تعالى ناصره: (إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالبَ لَكُمْ وَإِدْ يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنونَ).
وهنا بحثان لغويان: أولهما: أن النحويين يقررون أن الباء في قوله تعالى: (وَكَفَى بِاللَّهِ) زائدة في الإعراب، ولكن ليست زائدة في المعنى؛ إذ هي تشير إلى تضمن الاكتفاء بولاية الله وعونه ونصرته، وكان المعنى: اكتفوا بولاية الله ونصرته، وكفاكم الله الولاية والنصرة والمعونة.
والبحث الثاني: تكرار كلمة (وَكَفَى بِاللَّهِ) وذلك لإلقاء الاطمئنان في قلوب المؤمنين، فإن التكرار فيه توكيد، وفيه الإشعار بعظمة الله جل جلاله الذي يتولى ولايتهم ونصرتهم.
* * *
(مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ... (٤٦)
* * *
هذه طائفة من أعمال اليهود في استماعهم لدعوة النبي إلى الحق، وإلى صراط الله المستقيم، وقد ذكر سبحانه أن منهم فريقا يحرفون الكلم عن مواضعه، فقوله تعالى: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُون) فيه مبتدأ محذوف يقدر بفريق، والتحريف معناه الإمالة وجعل الكلام محتملا غير معناه.
جاء في مفردات الراغب الأصفهاني: تحريف الكلام أن جعله على حرف من الاحتمال يمكن حمله على الوجهين. قال عز وجل: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) ومن بعد مواضعه: (... وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ منْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).
وهذا الفريق ليس تحريفه هو التحريف العام الذي وقع من اليهود في تأويل كتبهم وإهمال كثير منها، وإخفائهم التبشير بالنبي - ﷺ -، إنما تحريفهم هو حمل كلام النبي - ﷺ - على غير وجهه، وجعله يحتمل ما لَا يراد به، كما سنبين، هذا الفريق هو الذي قال الله تعالى فيه: (وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ منْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).
فهذا الفريق لَا يكتفي بما فعله أسلافه وما يتحمل وزره الذين يعلمون الكتاب المنزل من قبل ويكتمونه، بل إنه يجعل كلام النبي - ﷺ - منحرفا في أذهانهم الملتوية عن حقيقة معناه، ويتهكمون عليه، ويحمَّلونه بأغراضهم الفاسدة ما لا يحتمل من المعاني، ولا يكتفون بذلك التحريف، بل يجمعون معه النطق بالعصيان عند السماع، وقد قال الله سبحانه عن تلقيهم لأحكام الشرع التي يبينها النبي - ﷺ -:
(وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعِ) وإن حال هؤلاء الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، كما حرف أسلافهم كتبهم، إنهم إذا سمعوا ما أنزل على الرسول لَا يستمعون ليتبعوا الحق إن ظهرت بيناته، بل يستمعون على نية الرد، والاستمرار في العناد، وسد كل أبواب الهداية لكيلا تصل إلى قلوبهم، فإذا سمعوا الرسول يدعو إلى الحق، وإلى صراط مستقيم، جمجموا في أنفسهم (١) أو غمزوا به فيما بينهم قائلين: (سَمِعْنَا وَعَصيْنَا) أي سمعنا قولك ووعيناه، وعصينا ما تدعونا إليه، وإن كان الحق الذي لَا مِرْيةَ فيه، ولا توجد نفس أوغلت في
________
(١) والجَمْجَمَةُ: ان لَا يُبَينَ كلامَه من غير عِيَ، وفي التهذيب: ألا تُبين كلامك من عِيَ.
العناد بأكثر من ذلك وإنهم يردفون ذلك القول العاصي الذي يرددونه فيما بينهم بكلام من جنسه فيقولون: (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمعٍ)، وقولهم (وَاسْمَعْ) المراد به اسمع صدى دعوتك لنا وردنا عليها، وقد ذكر الزمخشري أن كلمة (غَيْرَ مسْمعٍ) تحتمل ثلاثة وجوه: أولها: أن يكون المعنى الدعاء على النبي الكريم بأن يصاب بالصمم فلا يسمع، أو لَا يسمع خيرا قط. والوجه الثاني: أن يكون المعنى غير مُسْمَع كلامُك فلا يجاب ولا يقبل. والوجه الثالث: ما ذكره بقوله رضي الله عنه: " ويجوز أن يكون غير مسمع مفعول اسمع أي اسمع كلاما غير مسمع إياك؛ لأن أذنيك لَا تعيه نبوا عنه "، وإنّا نختار ما عليه أكثر المفسرين، وهو أن يكون مرادهم لعنهم الله الدعوة عليه، عليه الصلاة والسلام بعدم السماع، وذلك هو الذي يتفق مع ما عرف عنهم من حقد وحسد للناس على ما آتاهم الله من فضل، وما أُودعت نفوسهم من بغض للناس وكره لهم، لحسبانهم أنهم المستحقون للتكريم والرفعة وحدهم بزعمهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، زادهم الله خزيًا في الدنيا، وعذابا في الآخرة، وزاد الله محمدأ - ﷺ - وشريعته رفعة وتكريما وإعزازا. وإن هؤلاء لعنهم الله يلوون ألسنتهم طعنا في الدين، ولذلك حكى الله عنهم ذلك فقال:
(وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) بدل أن يعبروا في خطابهم بقولهم: " انظرنا " نظرة رعاية ومحبة طالبين منه الإقبال عليهم، وإن كان ذلك موجودا، يقولون (وَرَاعِنَا) يفتلون بها ألسنتهم ويحولونها عن المعنى الظاهر لها إلى معنى غير قويم ولا مستقيم، وهو رمى النبي - ﷺ - بالرعونة والسفه، ويطعنون بذلك في الدين الذي يدعو إليه، والحق الذي ينفذه. وقد جاء في مفردات الراغب في تفسير قولهم: (وَرَاعنَا): قال الله تعالى: (... لَا تَقُولُوا رَاعنَا...)، (وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) كان ذلك قولاً للنبي - ﷺ - على سبيل التهكم يقصدون رميه بالرعونة، ويوهمون أنهم يقولون: (راعنا) أي (احفظنا) فهم ينطقون بالكلمة على أن النون من بنية الكلمة، وليس ضمير المتكلمين، وذلك لَيُّ اللسان وفتله، والطعن في الدين.
(وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهمْ وَأَقْوَمَ) هذا بيان لما كان ينبغي، والمعنى: لو ثبت لهم أنهم قالوا سمعنا الحق واتبعناه، وكلام الرسول وأطعناه، ولو قالوا للرسول اسمع إجابتنا دعوة الحق، وانظر إلينا نظرة إقبال وعطف ورعاية من غير أن يلووا السنتهم، ويحرِّفوا القول عن موضعه، وما يدل عليه بظاهره، لكان ذلك خيرا لهم؛ إذ يفتح باب الهداية في قلوبهم ولا يطمس عليها، ولا يكون ذلك الخزي والذل في الدنيا، أدامه الله تعالى عليهم وبدلهم من أمنهم خوفا، إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحاً، ولكان ذلك خيرا لهم (وَأَقْوَمَ) أي كان هذا هو الأمر القويم الذي يجب أن يسلكه العقلاء طلاب الهداية. وأفعل التفضيل ليس على بابه، ومعناه أن يكونوا بلغوا من الاستقامة أقصاه، ولكنهم ضلوا ضلالا بعيدا، ولذلك قال سبحانه:
(وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) استدراك مما كان ينبغي لهم، أي أنهم لم يفعلوا ما ينبغي؛ لأن الله تعالى لعنهم بأن طردهم من رحمته، فبعدوا عن الهداية بسبب إصرارهم على الكفر، وهم بذلك دخلوا في الكفر بإرادتهم، وأوغلوا فيه حتى صار الكفر بالنبوات ديدنهم، فغلقت أبواب الحق عليهم وطمس الله على بصائرهم، فلم تر الحق ولم تذعن له، فلا يؤمنون، أي ليس الإيمان من شأنهم بعد أن كان منهم ما كان، ولكن الله تعالى بعدله وحكمته لَا ينفي الإيمان عنهم نفيا مطلقا، بل يقرر أن منهم من يؤمن، ولكنه عدد قليل، ولذا قال سبحانه وتعالى: (فَلا يُؤْمنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) أي إلا عددا قليلا لَا يدخل في عموم اللعنة التي كتبها الله تعالى عَليهم في جملتهم، وهذا كقوله في آية: (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) - هدانا الله تعالى إلى الحق.
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)
* * *
يقرن الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم طلب التوبة والإيمان بحال المذنبين ولو كانوا قد أسرفوا على أنفسهم، كما قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا)، فباب الإيمان والتوبة مفتوح للعصاة والكافرين، وإن يَنتهوا يُغفر لهم ما قد سلف. وإن أولئك اليهود الذين كانوا في عصر النبي - ﷺ -، ولا يزالون على عهدهم، قد أسرفوا في عصيانهم، ولجوا حتى لقد كان قائلهم يقول إذا سمع دعوة الحق: (... سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا...)، ويلوون ألسنتهم استهزاءً عند سماع الهدى النبوي!! ولا لجاجة في الكفر أكثر من الاستهزاء بالداعي إلى الإيمان! ومع هذه الحال فيهم وجه الله سبحانه وتعالى الدعوة إلى الإيمان منذرا لمن لَا يجيب، ومرغبا من يجد باب الهداية مفتوحا في قلبه، فقال:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم) النداء لأهل الكتاب كما ترى، والتعبير بالموصول للإشارة إلى أن إعطاء علم الكتاب لهم كان يوجب أن يؤمنوا، لَا أن يعرضوا ويعاندوا ويلجوا في العناد. وفي النص الكريم تحريض على الإيمان بثلاثة أمور:
أولها: أنهم أوتوا علم الكتاب وعلم النبوات، وأنهم يعلمون الوحي الإلهي، والكتاب الذي نزل على نبيهم، والأنبياء قبله، وإن ذلك كله يوجب المسارعة إلى تلبية داعي الحق إذا دعوا، وألا تأخذهم العصبية الدينية، كما تأخذ أهل الشرك العصبية الجاهلية.
وثانيها: أن هذا الإيمان هو التصديق بما نزل الله تعالى على نبيه، والله هو الذي أنزل على نبيكم أو أنبيائكم شرائعه، وهو الذي نزل الشريعة التي تدعوكم إلى الإيمان، ووحدة المنزل توجب الإيمان بكل ما أنزل، وإلا كنتم تؤمنون ببعض وتكفرون ببعض.
وثالثها: أن هذا الذي يدعوكم رب العالمين إلى الإيمان به، هو يصدق ما معكم من الحق؛ لأن البشارة برسوله عندكم، وقد كنتم تستفتحون به على الذين كفروا، ولأن الفضائل الدينية والاجتماعية قد اتفقت فيما يدعو إليه النبي مع ما دعا إليه أنبياؤكم من قبل، فالوحدة الدينية قائمة بوحدة المُنزل، وبوحدة الحق الذي يدعوكم إليه رب العالمين.
وقد يقول قائل: في الآيات السابقة، ذكر سبحانه في غير هذا المقام أنهم أُوتوا نصيبا من الكتاب، وأنهم نسوا حظا مما ذكروا به، وفي هذه الآية يناديهم بأنهم " أوتوا الكتاب "؛ ونقول في الإجابة عن ذلك: إن نسيانهم حظا مما ذكروا به، وتركهم نصيبا منه، لَا يمنع الحكم بأنهم أوتوا الكتاب؛ لأنه نزل على أنبيائهم السابقين كاملا غير منقوص، فهم أعطوه ثم نقصوه، والخطاب لهم على أساس ما أوتوه، لَا ما حرفوه، ولعله كان من أحبارهم من يعلم علم الكتاب كله، بل إن ذلك يشير إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠).
وقد يكون معنى الكتاب هنا جنسه، وهو يشمل ما بقي عندهم معلنا معرفا، وإن كان ناقصا محرفا.
(من قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ) هذا إنذار بسوء العاقبة في الدنيا والآخرة إن لم يؤمنوا، وقد جاء في مفردات الأصفهاني في معنى الطمس ما نصه: (الطمس إزالة الأثر بالمحو، قال تعالى: (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ) (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ...)، أي أزل صورتها، (وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ...)، أي أزلنا ضوءها وصورتها كما يطمس الأثر. وقوله تعالى: (مِّن قَبْلِ أَن نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ)، منهم من قال عنى ذلك في الدنيا، وهو أن يصير على وجوههم الشعر، فتصير صورهم كصور القردة والكلاب، ومنهم من قال ذلك هو في الآخرة إشارة إلى ما قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ)، وهو أن تصير عيونهم في قفاهم. وقيل معناه يردهم عن الهداية إلى الضلال، كقوله تعالى: (وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ).
وقيل عنى بالوجوه الأعيان والرؤساء، ومعناه نجعل رؤساءهم أذنابا وذلك أعظم البوار!.
هذا هو التفسير اللغوي لمعنى الطمس، وقد حاول الأصفهاني تخريج الآية التي نتكلم في معناها على ما ارتأى من وجوه، فصرنا حيارى في أيها نختار، لو اقتصرنا على ما قال، وقبل أن نبين ما نراه معنى للنص الكريم نبين معنى الأدبار وردها: الأدبار جمع مفرده " دُبُر "، هو الخلف، أو ما اشتملت عليه أجزاء الجسم الخلفية، والارتداد على الأدبار يكون في القتال يوم الزحف يجعل الوجوه في موضع الأدبار فرارا أو جبنا، بمعنى أنه كان يجب أن يستقبل المقاتلين بوجهه فينقلب إلى جهة دبره. وقد يكون الارتداد على الأدبار معنويا كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ).
وإن الذي يبدو لنا من ظاهر النص أنه يراد به سحقهم في القتال، وحملهم على أن يولوا الأدبار، فتكون وجوههم غير بادية بصورها، بعد أن كانوا مقبلين بها، فأزالها السيف والخوف، وجعل صورتها مختفية، وأقفيتهم هي البادية الواضحة، فكأن صورة الوجوه قد زالت وحلت محلها صورة الأدبار.
وعلى ذلك يكون المعنى أنكم استرسلتم في غيكم وضلالكم، ومع ذلك نطالبكم بالهداية والإيمان قبل أن ينزل الله سبحانه وتعالى غضبه عليكم في الدنيا إذ تماديتم، وذلك بتسليط المؤمنين بالحق عليكم، فيذيقونكم بأس القتال فتفرون، وتختفي وجوهكم، وترد إلى مواضع الأدبار، فلا ترى إلا أدباركم. وإذا لم يكتب الله سحقكم وحملكم على تولى الأدبار، فإنكم ستلعنون كما لعن أصحاب السبت، وتطردون من رحمته، ويكتب عليكم الذل إلى يوم القيامة.
(أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) اللعن الطرد من الرحمة وإنزال العذاب، وقد كان في شريعة بني إسرائيل ألا يعملوا في يوم السبت ليستريحوا وينصرفوا للعبادة، والتعاون الاجتماعي، ولكن رغبتهم في المال وشرههم إليه كان يحمل بعضهم على العمل، فإنه كانت قرية كبيرة تطل على البحر، قد اختبرها الله تعالى، فكانت في يوم السبت تأتيهم الحيتان ظاهرة في هذا اليوم الذي ينقطعون فيه عن العمل، ولا تأتيهم في اليوم الذي يعملون فيه، ليحملهم الله تعالى على الطاعة للأوامر الإلهية، وليدركوا سر الله في خلق الكون، وأنه فعال لما يريد، وهذا قوله تعالى: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣):
وقال سبحانه: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ)، فالله سبحانه عاقب الذين اعتدوا في السبت بأن سلط عليهم نزوات أهوائهم وشهواتهم، وبها ضربت عليهم الذلة، ولعنهم الله تعالى، فكذلك هؤلاء الذين عاندوا وكفروا. وذلك أمر قدره الله عليهم فهم ملعونون في كل الأجيال
والأزمان، ولذا قال سبحانه: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعولًا) أي قد ثبت وتقرر أن أمر الله تعالى فيما يخبر به، مقدر واقع لَا محالة، فلا مناص منه، فهؤلاء الذين عاندوا النبي - ﷺ - لهم أحد العذابين: إما سحقُهم بالقتال الذي يولون فيه الأدبار، وإما ضرب الذلة عليهم ولعنهم من الناس أجمعين. وإن ذلك محقق بعون الله، وقد قال الزمخشري في هذا المقام: قد حصل اللعن، فهم ملعونون بكل لسان! والظاهر اللعن المتعارف دون المسخ، ألا ترى إلى قوله تعالى: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ).
* * *
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ... (٤٨)
* * *
اشتملت الآية السابقة على دعوة أهل الكتاب، وأنه إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف، وعلى إنذار شديد في الدنيا بإجلائهم وقتلهم، أو لعنهم من الناس أجمعين، وفي هذا النص الكريم فتح لباب المغفرة التي كتبها الله على نفسه لعباده؛ لأنه كتب على نفسه الرحمة، ومعنى النص: إن الله تعالى ليس من شأنه أن يغفر لمن يشرك به في العبادة أو في الربوبية؛ لأن الشرك انحراف شديد لَا يقبل الغفران، إلا أن يعود إلى التوحيد المطلق بعد الإشراك. والإشراك نوعان: إشراك في الإنشاء والتكوين أو العبادة، كأولئك الذين يعتقدون أن الكواكب لها دخل في الإنشاء، وكأولئك الذين يعبدون غير - الله، وإن كانوا يعتقدون أن الله تعالى وحده هو الذي خلق وأنشأ وكوَّن، ويعبدون الأوثان لأنها في زعمهم تقربهم إلى الله زلفى. والنوع الثاني من الإشراك أن يتركوا كتب الله تعالى، ويعرضوا عنها، ويتخذوا دينهم من الأحبار، ولو غيروا فيه وبدلوا، زاعمين أنهم لَا يتكلمون إلا عن الله تعالى، وإن كان الكتاب يخالف قولهم، ومن هؤلاء من أشار الله تعالى إليهم بقوله تعالى: (اتَّخَذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكونَ).
فهذا نوع من الإشراك لَا يقل خطرا عن الشرك في العبادة؛ لأن الله وحده هو الذي أنشأ الكون، وهو وحده الذي يشرع لعباده، وبين لهم أوامره ونواهيه، وليس لأحد أن يتكلم عنه إلا أن يكون رسولا منه إلى العالمين، فمن اتخذ غير الرسول طريقا لمعرفة شرع الله من غير كتاب الرسول وكلامه فقد أشرك بالله.
وقد ذكر سبحانه أنه لَا يغفر ذلك، وأكد عدم الغفران لهذه الحال بـ (إنَّ) التي تفيد التوكيد، فلا يرجو مشرك غفرانا، أيا كان نوع الشرك، إلا أن يقلع عنه، فإن الله تعالى غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا.
وقد ذكر سبحانه أنه يغفر ما دون الشرك لمن يشاء، وما دون الشرك يكون من مرتكب الكبيرة أو الصغيرة من أمة محمد - ﷺ -، ومن آمن بالأنبياء السابقين قبل أن تنسخ شريعتهم بالشريعة المحمدية، فإن هؤلاء قد وعد سبحانه وتعالى فضلا منه ومنَّة على عباده أن يغفر لهم ما يشاء لمن يشاء من عباده. ذلك أن من يرتكب الكبيرة إن تاب عنها غفرها الله تعالى، وإن لم يتب ولم تحط الخطايا بنفسه، وله حسنات، فإن الحسنات يذهبن السيئات. وفي ميزان الله تعالى العادل يوم القيامة توزن الحسنات والسيئات، فمن ثقلت كفة حسناته فأولئك هم المفلحون.
ومشيئة الله تعالى هي مشيئة الحكيم الخبير، الذي يضع كل أمر في موضعه، ولا يظلم ربك أحدًا.
(وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) الافتراء هنا معناه الكذب الشديد الذي يؤدي إلى الفساد. جاء في مفردات الراغب: الفرى قطع الجلد للخرز والإصلاح، والإفراء للإفساد، والافتراء فيهما، وفي الإفساد أكثر، وكذلك استعمل في القرآن في الكذب والشرك والظلم نحو: (وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) فمعنى (فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) فقد كذب كذبا فيه ظلم وفيه إفساد وضلال، وكان ذلك كله إثما عظيما.
فالشرك يتضمن الكذب على الله تعالى بادعاء شريك له تعالى، ويتضمن ظلما؛ لأنه اعتداء على المستحق للعبادة وحده، وهو فساد في النفوس. و (افترى) هنا تضمن قولا كذبا، وفعلا ظالما، وتضمن أعظم ذنب في الوجود؛ لأنه اعتداء على رب العالمين. وقد يقول قائل إن الافتراء أكثر ما يكون باللسان، فكيف يقال " فقد افترى إثما عظيما "؟ والجواب عن ذلك أن الافتراء بالنسبة للشرك لما تضمنه من أفعال، اعتبر في ذاته ارتكابا لأعظم ذنب في الوجود. اللهم جنبنا الشرك ما ظهر منه وما خفي، واجعلنا من عبادك المخلصين.
* * *
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)
* * *
كانت الآيات السابقة تدعو أهل الكتاب إلى الإيمان، وتذكرهم بعاقبة الكفر، وهي الذل في الدنيا والخزي في الآخرة، واللعن من الرحمن، والهوان.
وبين سبحانه وتعالى لهم ولغيرهم أن باب التوبة والمغفرة مفتوح لكل من يذعن لرسالة الله تعالى، ولا يكفر بها، وذلك لكيلا يسرفوا على أنفسهم، ويوغلوا في معاصيهم. وفي هذه الآيات يبين سببا من أسباب ضلال اليهود ومن على شاكلتهم، فقال تعالى:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ).
(أَلَمْ تَرَ)، هذا تعبير قرآني فيه استفهام دخل على النفي، وهو استفهام إنكاري يتضمن معنى النفي، فهو نفي داخل نفي. ومؤدى الكلام: قد نظرت إلى الذين يزكون أنفسهم متعجبا من حالهم مستغربا أمرهم. ورأى هنا معناه نظر، ولذلك تعدت بـ " إلى ". وتزكية النفس تطلق بمعنى تطهيرها وإبعادها عن دنس المعصية، وقد تطلق على الفعل المحمود. والمراد هنا أنهم يصفون أنفسهم بالأفعال الحسنة، وليسوا بمستحقيها، وقد يدعون أنهم يطهرون أنفسهم، ويبعدونها عن الدنس في نظرهم، وليسوا كذلك. وأصل التزكية كما ترى من زكاء النفس جاء في مفردات الراغب: (زكاء النفس طهارتها، يصير الإنسان بحيث يستحق في الدنيا الأوصاف المحمودة، وفي الآخرة الأجر والمثوبة، وهو بأن يتحرى الإنسان ما فيه تطهيره، وذلك ينسب تارة إلى العبد لكونه مكتسبا لذلك، نحو (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا)، وتارة ينسب إليه تعالى لكونه فاعلا لذلك في الحقيقة نحو (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ).
وتزكية اليهود والنصارى لأنفسهم تحتمل أمرين: أولهما: أنهم يصفون أنفسهم بالطهارة والتقوى، وتحري ما يربي التقوى في النفس، ويستطيلون على الناس بذلك. والأمر الثاني: أن يدَّعوا أنهم بأعمالهم واتخاذهم ما هم عليه مذهبا يطهر النفس، أي يدعون أنهم يسلكون سبيل الهداية وتطهير النفس. والأمر الأول هو الذي عليه جمهور المفسرين، وهو أوضح ويتفق مع المأثور من أسباب النزول، فقد تضافرت المرويات عن التابعين على أنهم كانوا يدعون أنهم المغفور لهم دائما. وقال الضحاك والسُّدِّي إنهم كانوا يقولون: (لا ذنوب لنا، وما فعلناه نهارا غفر لنا ليلا. وما فعلناه ليلا غفر لنا نهارا، ونحن كالأطفال). وقد رد الله تعالى ذلك بقوله: (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا).
على تفسير تزكيتهم أنفسهم بمعنى أنهم يدعون أنهم بأفعالهم يطهرونها، يكون المعنى أن الله تعالى رد عليهم ادعاءهم أن ما هم عليه تطهير لأنفسهم. فبين أن الله تعالى هو الذي يطهر النفوس ويزكيها، لأنه هو الذي يبين طريق الهداية،
وقد بين، فما أنتم عليه ضلال في ضلال. وعلى الاحتمال الراجح، وهو أنهم يصفون أنفسهم بالأوصاف الحميدة، وأنهم أهل المغفرة، (وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى...)، وقولهم: (... نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)، على هذا الاحتمال يكون المعنى أن الله تعالى هو وحده الذي يصف أفعال عباده بالخير أو الشر، لأنه وحده الذي رسم طريق الخير وطريق الشر. وإن تزكيته سبحانه تقتضي رحمته وغفرانه، وأن يجزى الجزاء الأوفى. فليصفوا أنفسهم بما شاءوا، وليمنوا أنفسهم الأماني بأنهم لَا ذنوب لهم، أو أنها تمحى فور ارتكابها، فكل ذلك من مزاعمهم، والله وحده هو الذي يصف الأفعال المحمودة والأفعال المذمومة، ويعطي عليها الثواب أو العقاب، ولذلك قال سبحانه من بعد ذلك (وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا)، أي لَا ينقصون أي قدر مهما ضؤل ولو كان بقدر الفتيل، وهو الخيط الذي يكون في شق نواة التمر، وقيل القشرة التي تكون حول النواة ويطلق على ما يفتل من خيوط دقيقة، والمعنى: لَا ينقصون أي قدر من أعمالهم، ولو كان كأصغر الأشياء التي لَا يلتفت إليها، ولا يتجه النظر نحوها، ولكن الله تعالى عليم بكل شيء وكل شيء في كتاب (... لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا...)، (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨).
* * *
(انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ... (٥٠)
* * *
انظر أيها الرسول أنت ومن معك كيف تطوع لهم نفوسهم أن يدعوا أنهم بأعمالهم القبيحة، وتكذيبهم للرسل، يزكون أنفسهم ويطهرونها، وأنهم بذلك ممدوحون أمام الله تعالى، وأنهم محبوبون منه، وأنه يغفر لهم كل ما يفعلون! انظر إلى هذه الحال وتعجب! وإنهم بهذا يكذبون على الله تعالى قاطعين في هذا الكذب فيحسبون أنهم مقبولون عند الله محبوبون، وهم يعاندون رسوله، ويبالغون ويكيدون له، فهم يفترون الكذب على الله ورسوله والمؤمنين.
(وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا) أي كفاهم هذا العمل أن يكون إثما بينا واضحا.
والإثم والآثام الأفعال المبطئة عن الخيرات التي يثاب عليها، وهؤلاء قد ارتكبوا بتزكيتهم أنفسهم بغير الحق الأمر البين الذي يبطئهم عن فعل الخيرات ويوقعهم في السوء؛ ذلك أن هؤلاء ضلوا وحسبوا ضلالهم هو الخير، ومن كان شأنه كذلك فإنه لَا يتجه إلى الخير؛ لأن الذين يرتكبون الشر ثلاث مراتب: أدناها أنه يقع فيه عن جهل وسفه وحمق، وهذا قريب التوبة والرجوع إلى الحق، وهو من الذين قال الله تعالى فيهم (إِنَّمَا التَّوْبَة عَلَى اللَّه لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبونَ مِن قَرِيبٍ...). والثانية: أنَ يرتكب السيئات ويوغل فيها، ولكنه يعلم أنها سيئات لَا يمدح فاعلها، بل يذم، وأنها لَا تستحق التزكية، بل تستحق اللوم، وهذا ترجى توبته وعودته إلى الله. والثالثة: أن يزين له سوء أعماله، فيفعل الشر، ويفخر به، وهذا يكون في مرتبة تبطئه أو تبعده إبعادا كليا عن الاتجاه إلى الحق وطلبه.
* * *
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ... (٥١)
* * *
قد رأيت أيها النبي الأمين متعجبا مستغربا حال الذين أوتوا حظا من الكتاب، وعلموا بعض علم الرسالات الإلهية، يؤمنون بأردأ العقائد والأخلاق، وبالطغيان والظلم والاندفاع نحو الشر. فالجبت هنا هو الرديء من الأفكار، أصله الجبس قلبت السين تاء، وهو الرديء من الأشياء، فهؤلاء يؤمنون باردأ الأوهام، ويؤمنون مع ذلك بالطغيان والسيطرة الظالمة، ولذلك يخنعون لكل ذي سلطان، ويضعون ظهورهم لكل رأب، ويطغون على كل عادل لَا يُذل ولا يؤذى!! وعبر هنا بأنهم أوتوا نصيبا من الكتاب، وفي مقام آخر خاطبهم بقوله: (يَا أَيهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم...)، وذلك لأنهم أنزلت عليهم كتب الرسالة الأولى لنبيهم، فبمقتضاها يدعوهم إلى الإيمان، ولذا عبر بالكتاب كله لَا ببعضه، فهم في هذا المقام يخاطبون بمقتضى الكتاب الذي نزل على رسولهم. أما هنا فيذكر حقيقة أمرهم، وهو أنهم نسوا حظا مما ذكروا به.
ومن جهة أخرى فإن نيلهم أقل قدر من علم الكتاب يتنافى مع إيمانهم بأتفه الأوهام، وإيمانهم بالظلم والطغيان، واعتبارهما سبيلا للعيش في الحياة، فهم ظالمون يرضون بالظلم يقع عليهم، ويتنافى علم الكتاب مع ممالأتهم لعبدة الأوثان على أهل التوحيد، فيقولون في المشركين هؤلاء أهدى طريقا من المؤمنين، وهذا قول الله تعالى:
(وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا) والذين كفروا هنا هم المشركون، أي أنهم يقولون لأجل إرضاء الذين كفروا وأشركوا وعبدوا الأوثان: هؤلاء في شركهم وعبادتهم غير الله تعالى أرشد طريقا، وسبيلهم هو سبيل الهداية، أما سبيل الذين آمنوا بالله وحده، ولم يشركوا به غيره، وأذعنوا لأحكام الله تعالى في أوامره ونواهيه، فليس هو سبيل الرشاد.
ويروى أن اليهود عندما بلغ بهم حسدهم للنبي - ﷺ - أقصى مداه، ذهب فريق منهم إلى أهل مكة يحالفونهم على النبي - ﷺ -، فقال لهم المشركون: أنتم أهل كتاب، وأنتم أقرب إلى محمد منكم إلينا، فلا نأمن مكركم، فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم، ففعلوا. وقال أبو سفيان: أنحن أهدى سبيلا أم محمد؟ فقال التحدث باسم اليهود: ماذا يقول محمد؟ قالوا: يأمر بعبادة الله وحده وينهى عن الشرك، وقال: ما دينكم؟ قالوا: نحن ولاة البيت ونسقي الحجيج، ونقري الضيف ونفك المعاني، قال: أنتم أهدى سبيلا.
هذا شأن أولئك اليهود العجب، وهم قد أوتوا بعض علم الكتاب، يدفعهم الهوى والتعصب وفساد النفس إلى أن يجعلوا عبدة الأوثان أهدى من عبدة الديان!.
* * *
(أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)
* * *
أولئك الذين غلب عليهم الهوى، ودفعهم تعصبهم الأعمى إلى أن يحالفوا أولياء الشيطان على أولياء الرحمن ويمالئوهم في القول والعمل، فيسجدوا لأصنامهم، ويزكوا أفعالهم،
ويقولوا إن طريقهم هو طريق الهداية، وطريق أهل التوحيد لَا هداية فيه! بسبب هذا لعنهم الله تعالى بأن طردهم من رحمته، فكتب عليهم بُغض الناس في الدنيا، والذل والمقت فيها، وعذاب الله تعالى في الآخرة. والإشارة في قوله تعالى " أولئك " إشارة إليهم موصوفين بالصفات التي وصفهم الله بها من نفاق، وخداع، وكذب، وتعصب وسيطر؛ الهوى على نفوسهم، وضياع الحقوق بينهم، وهذه الصفات هي سبب الطرد من رحمة الله تعالى. وإذا كانوا مطرودين من رحمة الله قد كتب الله تعالى غضبه عليهم، فلن ينصرهم أحد من أهل الأرض (كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)، فإذا كانوا قد ذهبوا إلى أهل مكة يستنصرون بهم فلن ينصروهم، ولن يثقوا بِهم، ولذلك قال تعالى: (فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا) أي فلن تجد للملعون الذي طرده الله تعالى من رحمته نصيرا ينصره من الناس، و " لن " هنا لتأكيد النفي، ويقول الزمخشري (إن لن تفيد تأكيد النفي أبدا)، أي أنهم لم ينصرهم الله ولن يجدوا أبداً نصيرا من الناس تستمر نصرته، وإذا استطاعوا أن يستنصروا بأمثالهم في هذه الأيام، فإن الخذلان وراءهم إن شاء الله تعالى، وهم أشد مقتا عند الله وعند الناس في هذه الأيام كما كانوا في كل ماضيهم، والله المنتقم الجبار. وقد أخبر الله تعالى نبيه بأنهم إذا كان لهم أحيانا نصيب من الملك غير مستقر ولا دائم، فسيكون ظلما كبيرا ولا يرضي الله لعباده أن يستمر فيهم ظلم.
* * *
(أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ... (٥٣)
* * *
(أم) هنا تفيد الانتقال في القول من التعجب من حالهم في ممالأة المشركين إلى بيان حالهم العجيب إذا أُوتوا أي حظ من السلطان والحكم؛ والمعنى: أثَبتَ أنهم إذا كان لهم حظ من الملك والسلطان ولو كان ضئيلا يحكمون بالعدل، ويقومون بالقسطاس المستقيم؛ والاستفهام لنفي الوقوع، وهو نفي لوقوع العدل منهم إذا أعطوا أي حظ من الحكم؛ ذلك لأن المنافق لَا يمكن أن يكون عادلا؛ لأن العدل والالتواء نقيضان لَا يجتمعان، ولأنهم أهل هوى، ولا عدل مع سيطرة الهوى، ولأنهم غلبت عليهم عصبية دينية جامحة، وكل حكم
يصدر من التعصب لَا يكون عدلا بالنسبة لمن تعصب عليه. ولذا قال سبحانه فيهم إذا حكموا:
(فَإِذًا لَا ئؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا) النقير العلامة السوداء الصغيرة التي تكون في ظهر النواة، وهي الثقبة التي تنبت منها النخلة، ويضرب به المثل في الشيء الصغير البالغ أقصى حدود الصغر. والمعنى: إذا تولى هؤلاء نصيبا من الملك والسلطان، فإنهم لَا يعطون الناس أي قدر من حقوقهم عليهم، ولو كان ضئيلا بالغا أقصى حدود الضآلة؛ ذلك لأن العادل يكون حكمه لمصلحة المحكومين، لا لمصلحته. وهؤلاء لَا ينظرون إلا إلى منافعهم الذاتية. ولأن العادل يحس بأنه من الناس له ما لهم وعليه ما عليهم، وهؤلاء يظنون أنهم صنف في الخليقة ممتاز، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، والناس جميعاً دونهم. ولأنهم يبغضون الناس جميعا؛ لأنهم يظنون أنهم سلبوهم حقوقهم، بمقتضى ما لهم من امتياز بمقتضى التكوين. فهم بهذه الأهواء الواهمة عادوا الناس وأبغضوهم، ويحسبون أنفسهم في حرب مستمرة من البشر! أنقذ الله أهل الإسلام من شرهم، وأرْدَاهم هم ومن يعاونونهم على الغَي والظلم والفساد، وَاللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ.
* * *
(أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ
كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)
* * *
الآية موصولة بما قبلها، فالحديث في اليهود الذين ذهب بهم حقدهم على النبي - ﷺ - والمؤمنين، أن يقولوا وهم أهل كتاب نزل عليهم من السماء وإن حرفوه، إن المشركين أهدى إلى الحق وإلى الصراط المستقيم من المؤمنين الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر والملائكة والنبيين من بعده. وفي هذه الآية يبين سبب انحرافهم، وجزاء الضالين يوم القيامة، ثم جزاء المهتدين. والسبب الباعث على ضلالهم أنهم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولذا قال سبحانه:
(أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) الحسد هو الألم الشديد لما يصيب الناس من خير، وتمنى زواله، ثم العمل على زواله، فهو يبتدئ بألم شديد يحز بالنفس الحاسدة، ثم يصحبه تمنى الزوال، ثم يكون بعد ذلك بخس المحسود حظه وحقه، والنيل منه! والفرق بينه وبين الغبطة أن الغبطة السرور بما ينال الغير من خير، وذلك وصف أهل الإيمان، ولذلك قال النبي - ﷺ -: " المؤمن يغبط والمنافق يحسد " (١)! والحسد يذيب النفس ويذهب بفضائلها، ولقد قال الحسن البصري: " ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد "! وإن من يحسد إنما يعادي الله ويعادي نعمه؛ لأنه كلما آتى الله أحدا نعمة نقمها على صاحبها، فكأنما يعادي الله الذي أعطاها، ويعاديها، ولقد قال عبد الله بن مسعود: (لا تعادوا نعم الله!
________
(١) المؤمن يغبط والمنافق يحسد. من كلام الفضيل بن عياض كما في كشف الخفا للعجلوني (٢٦٩٤).
وفى سير أعلام النبلاء (ج ٥، ص ٤٨٣): " وعن الفضيل قال: المؤمن يَغْبِطُ ولا يحسدُ، الغبطة من الإِيمان، والحسدُ من النفاق.
قيل له ومن يعادي نعم الله؟ قال الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله).
والناس هنا في النص الكريم، قيل العرب، وعندي أنهم النبي - ﷺ - وأصحابه، إن أريد التخصيص، وإن كان التعميم فهي على عمومها. وأولئك اليهود قد أسكن الله تعالى قلوبهم حسدا على الناس، فهم إذا حسدوا النبي والمؤمنين، فلأنهم ناس آتاهم الله تعالى جزءا من فضله، فإن فضله عظيم، فـ " مِن " هنا للبعضية، أو نقول إنها بيانية، فقد كان الإيتاء صادرا عن فضله ومجرد تكرمه. وفي هذا إشارة إلى أن الذين يحسدون من يتكرم عليه الله، فإنما يعاندون الله تعالى. وسبب هذا الحسد الدائم فيهم أنهم يعتقدون أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنهم اختصوا بالنبوة دون غيرهم من الناس، وقد بيَّن اللهُ سبحانه أن ذلك وهم، فقال تعالت كلماته:
(فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) أي إذا كنتم تحسدون الناس لما توهمتم أن النبوة فيكم، وأنكم أهل الوحي دون غيركم، فقد كذبتم على أنفسكم، فإن الله تعالى قد أعطى آل إبراهيم، أي قرابته القريبة من ذريته من إسماعيل وإسحاق الكتاب، أي بعث فيهم النبيين بالكتب من غير تفرقة. والحكمة، أي العلم النافع الذي يصحبه عمل نافع وإصلاح بين الناس، وأعطاهم مع علم النبوة ومع نشر أحكامها ملكا عظيما، أي سلطانا وبسطة في الأرض فلستم مختصين بالنبوة، ولستم مختصين بإبراهيم، فله قرابة غيركم كانوا في العرب، ولم يكن تلقي الناس لذلك الهدى ولهذا السلطان واحدا:
(فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا) أي فمن قرابة إبراهيم وذريته وأوليائه الذين جاءوا، من آمن بما جاء به من هدى، وسار على مقتضاه، وانتفع به انتفاعا كليا، أو نهل من موارده العذبة، أو أخذ بقدر ما تقوى عليه نفسه، وهو في ضمن الهديين، ومنهم من أعرض عنه، وإن ذلك المعرض له جزاؤه، وهو جهنم التي تلتهب نارها، وتستعر، فلم يكن من آل إبراهيم وذريته
مقتضيا أن يصدقوا بالرسائل الإلهية التي نزلت بين ربوعهم وفي أوساطهم، فمن العرب وهم من آل إبراهيم من أشرك بالله وعبد الأوثان، مع أن النبي - ﷺ -، وهو من آل إبراهيم بعث فيهم رحمة للعالمين، وأنتم معشر اليهود كفرتم وكذبتم الرسل من آل إبراهيم وقتلتم بعضهم، ولم ينفعكم أنكم من ذرية إسحاق بن إبراهيم، فلا عبرة بالأنساب، إنما العبرة بالاستجابة للحق، والإيمان به والإذعان لحقائقه.
وهنا بحثان لفظيان: أحدهما - أن (صَدَّ) تستعمل لازمة متعدية، وإذا كانت لازمة فمصدرها الصدود ومعناه الإعراض، وإن كانت متعدية فمصدرها الصد، ومن ذلك قوله تعالى: (... وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ...)، والنص هنا معناه الإعراض عن الهداية التي جاءت إليهم، فهو من اللازم.
والثاني: قوله تعالى: (وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا) لم يذكر فيها من كانت جهنم كفاية لهم، وهو مفهوم من فحوى الكلام، والمعنى كفاهم أن تكون جهنم بسعيرها ولهيبها مصيرا لهم.
وإن هذا مصير كل كافر سواء أكان من اليهود أم كان من غيرهم، ولذا قال سبحانه وتعالى:
* * *
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا... (٥٦)
* * *
الصَّلى معناه إيقاد النار، وصَلِيَ وقع في النار، وأصليناهم نارا: ابتليناهم وعذبناهم بنار، فالتمييز هنا فيه تأكيد لمعنى العذاب بالنار والإيقاع فيها، وإن هذا العذاب الشديد الذي يستقبلهم يوم القيامة يستحقه الكافرون بسبب كفرهم، من غير تفرقة بين ذرية إسحاق وإسماعيل وغيرهم، ولذلك عبر بالموصول، إذ التعبير بالموصول يشعر بأن الصلة سبب الحكم، فهؤلاء حكم عليهم بالعذاب، لأنهم كفروا، ومتى تحقق السبب تحقق الحكم بلا فرق بين قبيل وقبيل، وأن عذاب الكفار دائم، وآلامه مستمرة، وقد أكد وجود العذاب بقوله سبحانه: (سَوْفَ نصْلِيهِمْ نَارًا) فسوف هنا كما قال سيبويه
للتهديد، فهي لتأكيد العذاب المقبل ولو بتراخ، وتراخي العذاب مع تأكيده يجعل النفس في فزع حتى يقع.
(كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقوا الْعَذَابَ) فعذاب هؤلاء الكفار دائم لَا مناص لهم من الاستمرار فيه. فكلما أصاب العذاب موضع الإحساس من الجسم أعاد الله تعالى ذلك الإحساس إليه، وذلك أن موضع الإحساس في الجسم هو الطبقة التي تلاصق اللحم من الجلد، فإذا فسدت هذه الطبقة ذهب الإحساس بالألم، ولقد عبر الله تعالى عن موت الإحساس ثم إعادته بقوله تعالى: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا)، فشبه سبحانه وتعالى حالهم في تعذيبهم بالنار بحال قطع من اللحم تلقى في النار، فإذا تهدأت الجلود من شدة النار حتى صارت لَا تحس بدَّل الله تعالى هذه الجلود بأخرى، فيكون العذاب وآلامه في استمرار دائم! ولا موضع إذن لاعتراض الذين يقولون: كيف يعذب جلد لم يعص لجريمة جلد قد عصى؛ لأن الجسم المعذب واحد، ولكن الكلام تصويري لبيان استمرار الإحساس بآلام العذاب، فلا ينقلبون كقطعة فحم، بل يستمر الإحساس بالألم الدائم، وهذا يتلاقى مع ما روي عن الفضيل في تفسير هذا النص: " يجعل النضج غير نضيج " أي يجعل الجلد مع إصابة موضع الإحساس منه بما يميته لَا يموت، بل يستمر! ومن العلماء من قال: إن الجلد لا يتغير ذاته بل يتغير وصفه، فيخلق فيه هذا الإحساس بعد أن يبلى موضع الإحساس بالنار.
والغاية أن يذوقوا العذاب، أي أن يستمروا في ذوقه والإحساس به، وقد شبه الإحساس بالذوق، للإشارة إلى عظيم الألم، لأنهم يحسون به كمن يحس بذوق المرير من الطعام أو بمن يذوق النار ليأكلهما، واللسان أشد أعضاء الجسم حساسية، فإذا كان العذاب يذاق، فهذا دليل على شدة الإحساس، وحيث اشتد الإحساس كان الألم، وحيث مات الإحساس فلا ألم، وليس لجرح بميت إيلام! وقد ختم الله تعالى الآية بما يبين عظم سلطان الله:
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا) هذا تذييل بلاغي يؤكد التهديد الذي اشتمل عليه، فإن منزل العذاب قوي غالب، هو المسيطر على كل شيء، ولا يسيطر سواه، وليس فوقه أحد، ولا ناصر لأحد من أمره، وهو حكيم يضع الأمور في مواضعها، فلا يعذب محسنا ولا يثيب كافرا وإن كان يعفو عن كثير من دون الكفر.
وقد أكد سبحانه عزته وحكمته بـ " إن "، وبـ " كان " التي تدل على الاستمرار، وإن من مقتضى حكمته أن يثيب الأبرار كما يعاقب الكفار.
* * *
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا... (٥٧)
* * *
وفي مقابل العذاب الذي نزل بالكافرين كان الثواب للمؤمنين.
وإذا كان الكفر هو السبب في العقاب، فإن الإيمان والعمل الصالح هو سبب الثواب، وقد عبر سبحانه وتعالى بالموصول للإشارة إلى أن العلة التي أثبتت الثواب الذي يتفضل الله تعالى به على عباده المؤمنين، هو الإيمان والعمل الصالح، ولا شك أن الإيمان هو الأساس في الجزاء، والعمل الصالح ثمرته، ولا إيمان من غير عمل صالح إلا أن يكون غير مثمر لأعظم ثمراته. ولقد قرر سبحانه وتعالى في وعده أنه سيدخل هؤلاء المؤمنين العاملين جنات تكمل فيها أسباب النعيم، فالأنهار تجري من تحت أشجارها، وهي ليست نعيما وقتيا، بل هي نعيم خالد، وقد أكد الخلود بالتأييد، فكأن الخلود ثابت ثبوتا مؤكدا لَا شبهة فيه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. ويلاحظ هنا أنه في التعبير عن المستقبل عبر بقوله (سندخلهم) أتى بالسين دون سوف، وكلاهما يفيد تأكيد القول في المستقبل، واختيار السين هنا يؤيد سيبويه فيما قاله من أن سوف
قد تكون للتهديد، ويظهر على هذا أن السين عكسها.
وأن كل ما يتصور من نعيم الدنيا يوجد مثله على صورة أعظم وأكمل، ومن أكمل متع الحياة الدنيا الحياة الزوجية:
(لَّهُمْا فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ) من أعظم نعم الدنيا الزواج، فهو ظل المرأة، ومأوى الرجل، ومستقر حياته، ومطمانها ونعيمها، فيه مكاشفة النفس، وفيه الازدواج الروحي والمادي، وفيه المعاونة الإنسانية على أعلى صورها، وإن نعيم الجنة أكمل من نعيم الدنيا، فيه ما فيها من نعيم، ولكن على صورة أعلى وأكمل، والفرق بينهما كبير شاسع، يجتمعان في الاسم ويختلفان في الحقيقة. ولذلك كان في الجنة أزواج، فللنساء أزواج وللرجال أزواج مثلهم، وأزواج الجنة مطهرون من الرجس المادي والرجس المعنوي، فلا حيض، ولا نفاس، ولا أخلاق ذميمة؛ لأنه لا يدخل الجنة وفيه خلق ناقص، من أخلاق أهل الدنيا. وقد تكلم الناس في نوع العلاقة بين الزوجين في الجنة، ولكن القرآن لم يفصل ذلك الجزء، فنتركه على ما تركه الله تعالى:
(وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا) الظل هو ما يحجب الشمس وحرارتها، ويقال ظل الليل وظل الجنة، وقد قال الأصفهاني أنه يعبر عن الظل بالعز والمنعة، وقد قال في ذلك: " ويعبر بالظل عن العز والمنعة وعن الرفاهة، قال تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ...)، أي في عزة ومتاع. قال تعالى: (... أكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا...)، (هُمْ وَأَزْوَاجُهمْ فِي ظِلال...).
وعلى ذلك نقول إن هذا النص السامي: (وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا)، إما أن يراد به الظل الحسي، ومعنى ظليل أنه عميق ساتر لَا يتخلله أي شيء مما يؤذي، ويقول الزمخشري في تعريف الظل الظليل: (هو ما كان فينانا لَا جدب فيه، ودائما لَا تنسخه شمس، وسجسجا لَا حر فيه ولا برد، وليس ذلك إلا ظل الجنة) ويصح أن يراد بالظل المنعة والعزة، ويكون المعنى ندخلهم في عزة ومنعة ورحمة ورعاية كريمة من الله تعالى. اللهم ارزقنا نعمة رضاك ووفقنا للعمل الصالح.
* * *
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)
* * *
ضاع اليهوِد بأمرين: أولهما أنهم كانوا لَا يؤدون الأمانات، كما قال تعالى في أكثرهم: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ...).
الأمر الثاني الذي أضاع بني إسرائيل في الماضي، أنهم لا يقيمون العدل إذا حكموا كما قال سبحانه: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ منَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتونَ النَّاس نَقِيرًا)، فبالظلم ذهب ملكهم في الماضي، وسيذهب في الحاضر إن شاء الله تعالى. وإذا كانت الخيانة قد أفسدت أمرهم، والظلم قد أذهب سلطانهم، فعلى المؤمنين أن يقيموا علاقاتهم على دعائم الأمانة والعدالة؛ ولذا قال سبحانه:
(إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) هذا أمر عام للمؤمنين جميعا، لا يختص به راع دون الرعية، ولا قوي دون ضعيف، ولا غني دون فقير.
وقد أسند الأمر إلى الله تعالى بقوله تعالت كلماته مؤكدا أمره (إِنَّ اللَّهَ يَأمرُكُمْ)، وذلك لتأكيد الأداء فضل تأكيد بهذا التصريح، وذلك أن الأمر من قبل الله سبحانه مضافا إليه أمر مؤكد، كما يقال لتأكيد الأمر للعبد بالطاعة: سيدك
يأمرك بكذا، ولله المثل الأعلى في أوامره ونواهيه، وذلك فوق التأكيد بـ (إنَّ) في صدر النص الكريم.
والأمانة مصدر بمعنى المفعول، فالمراد بالأمانة ما يؤتمن الإنسان عليه، وقد جمعها سبحانه بقوله تعالى (الأَمَانَاتِ) لتشمل كل ما يؤتمن الإنسان عليه من علم، ومال، وودائع، وأسرار، وغير ذلك مما يقع في دائرة الائتمان وتنبغي المحافظة عليه. ومعنى أدائها إلى أهلها توصيلها إلى ذويها كما هي، من غير بخس ولا تطفيف. فالعالم يؤدي أمانة العلم من غير تزيّد عليها، ولا تحريف لها؛ لأن التزيّد طمس لمعالم العلم، والتحريف تبديل للحق. فمن أوتي علما بالقرآن لا يؤوله لهوى في نفسه، بل يقدمه للناس من غير تحريف للكلم عن مواضعه.
والحكم أمانة في أعناق الحكام، عليهم أن يؤدوا الأمانة فيه بإقامة العدل، وتوخي المصلحة، وتجنب الفساد، سواء أكان فسادا معنويا، أم كان فسادا ماديا، والأول أعلى أنواع الفساد، والثاني أدناها. ومن أمانة الحكم ألا يشقوا على الرعية، وألا يفسدوا ضمائرهم، ولا يزعجوهم بالتظنن والتتبع ما داموا مؤمنين مذعنين، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا...). وإذا كانت رعاية الأمانات وأداؤها واجبا مفروضا على الأمة كلها، حاكمها ومحكومها، وأنها متفاوتة المراتب، فإن الحاكم قد اختص بواجب آخر هو العدل، وهو من نوع الأمانة التي اختص بها، ولذا قال سبحانه بعد الأمر بأداء الأمانات:
(وِإذَا حَكَمْتم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) قال بعض العلماء: إن الخطاب في هذا النص موجه إلى الذين يحكمون، وهم الحكام من ولاة وقضاة وغيرهم ممن يلون الحاكم، ولا مانع عندنا من أن يكون الخطاب موجها للأمة كلها؛ لأن الأمة العزيزة غير الذليلة التي تتولى أمور نفسها من غير تحكم من ملك أو طاغ قاهر، هي محكومة ومُحكَّمة، فهي التي تختار حاكمها، وهي في هذا محكّمة،
مطلوب منها العدل، فلا تختار لهوى، أو لعطاء، أو لمصلحة شخصية أيا كان نوعها. وهي محكّمة في حاكمها فلا تقول فيه إلا حقا، ولا تطالبه إلا بما هو حق لا جور فيه، ولا تشتط في نقده، ولا تسكت عن نصيحته. فإن النبي - ﷺ - يقول: " الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " (١).
والعدل معناه في أصل اللغة المثيل، وأطلق في مقام الحكم بمعنى أن يكون الحكم مساويا لما يستوجبه، فماذا ارتكب شخص جرما كان الحكم النازل مساويا للجرم المرتكب، وإذا كان الحكم بدين وجب أن يكون مساويا لما أخذ من غير زيادة، وهكذا. وإن العدل أنواع مختلفة، وله وسائل متباينة، وإذا كان مطلوبا في ذاته فوسائله يجب أن تتحقق فيها العدالة أيضا، وأخص أنواع العدالة عدالة القاضي في حكمه، وهي تتطلب أمورا أربعة: أولها: معرفة حكم الشرع والقانون فيما يقضى فيه. ثانيها؛ معرفة موضوع القضية معرفة متقصٍّ لأطرافها مستوعب لكل أجزائها. وثالثها: أن يبعد الهوى من نفسه، وأن ينظر دائما نظرا غير متحيز.
ورابعها: أن يسوي بين الخصمين في كل شيء، وقد جاء في تفسير فخر الدين الرازي عن الشافعي ما يأتي: " قال الشافعي - رضي الله عنه -: ينبغي للقاضي أن يسوي بين الخصمين في خمسة أشياء: في الدخول عليه، والجلوس بين يديه، والإقبال عليهما، والاستماع منهما، والحكم عليهما.. ولا ينبغي أن يلقن واحدا منهما حجته، ولا شاهدا شهادته؛ لأن ذلك يضر بأحد الخصمين. ولا يلقن المدعي الدعوى والاستخلاف، ولا يلقن المدعَى عليه الإنكار والإقرار، ولا يلقن الشهود أن يشهدوا أو لَا يشهدوا.
وعدالة الحاكم الأكبر تقتضي الرفق بالرعية، وألا يعمل إلا ما فيه مصلحة، وأن يمنع الرشوة، وألا يولي أحدا ممن دونه لهوى أو غرض! فلا يوسّد الحكم لمن
________
(١) سبق تخريجه من رواية مسلم وغيره عن تميم الداري، وذكره البخاري في ترجمة الباب.
دونه إلا لمن هو أهل له، ولقد قال النبي - ﷺ - " إذا وُسِّد الأمر " لغير أهله فانتظروا الساعة " (١)
والأمانة واجبة سواء أكان من ائتمنك عادلا أم كان جائرا، فالنبي - ﷺ - يقول: " أدِّ الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك " (٢). ومن المقررات في الفقه الإسلامي أن الظالم لَا يُظلم.
والعدل مطلوب في ذاته، يستوي في ذلك المسلم وغير المسلم، فقد قال تعالى (... وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى...).
(إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) الوعظ معناه التذكير بالخير والتحذير من الشر، بما يرق له القلب، ويخضع له الوجدان. و (ما) هنا إما نكرة بمعنى شيء، أو موصول، والمعنى واحد، وإن اختلف التخريج النحوي. ومؤدى النص أن الله جلت حكمته وهو العليم بكل شيء يأمركم بالأمانة والعدالة وَلَنِعْمَ هما شيئا خطيرا جليلا ذا أثر عظيم، في حياتكم العامة والخاصة، يذكركم به ويدعوكم إليه، فأداء الأمانات وإقامة العدالة، بهما تقوم الأمم، وعليهما تبنى دعائم العزة والكرامة الإنسانية، فهما ممدوحان دائما، ولا ينتج عنهما إلا خير، ولا ينتج عن تركهما إلا شر.
________
(١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: «أَيْنَ - أُرَاهُ - السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ» قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ ". رواه البخاري: العلم - من سئل علما وهو مشتغل بحديثه فأتم (٥٩)، ورواه أحمد: باقي مسند المكثرين (٨٥١٢) بلفظ: " إذا توسد ". ومعنى وُسِّد: أُسنِد.
(٢) رواه الترمذي: البيوع - النهي للمسلم أن يدفع إلى الذمي الخمر (١٢٦٤). ورواه أبو داود: البيوع - في الرجل يأخذ حقه من تحت يده (٣٥٣٥).
وإن الله تعالى إذ يأمركم بذلك الخير العميم نَفْعُه يراقبكم في تنفيذه، وإنه لن يترككم ولن يخليكم من العقاب إن لم تقوموا به، ولذلك ذيل الآية الكريمة بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا)، أي إن الله تعالى يعلم أحوالكم علم من يسمع، فهو يسمع خطرات نفوسكم وحركات قلوبكم، وعلم من يبصر، فهو يرى أعمالكم. هو إذن يسمع كلمة الحق نطق بها القاضي، وكلمة الرعية يختارون بها راعيهم، بالأمانة والصدق والإخلاص، ويرى عمل الوالي إذا عدل، فيجزيه بالحسنى، وعمله إذا ظلم أو شق على رعيته أو أرهقها من أمرها عسرا، فيأخذه سبحانه بظلمه إن ظلم. ويرى سبحانه الأمة وهي تقصر في حقوقها، ولا ترعى واجب الأمانة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنع الظالم من ظلمه، فيفسد أمرها، ويتحقق فيها قول النبي الأمين: " لَتَأْمُرُن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذنَّ على يدي الظالم ولتأطُرُنَّه على الحق أطرا أو ليضربن قلوب بعضكم ببعض ثم تدعون فلا يستجاب لكم " (١)!.
وإذ كان العَدْل، وجبت الطاعة لولي الأمر مقرونة بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله؛ لأبها مشتقة من طاعتهما، ولذا قال تعالى:
* * *
________
(١) سبق تخريجه من رواية أبي داود: الفتن والملاحم، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ... (٥٩)
* * *
طاعة الله وطاعة رسوله متلازمتان، فمن يطع الرسول فقد أطاع الله، فإطاعة الرسول إطاعة لله، وإطاعة الله إطاعة للرسول أو تقتضيها، فقد قال الله تعالى: (... وَمَا آتَاكمُ الرَّسُولُ فَخُذوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهوا...). وأولو الأمر هم الذين بيدهم الْحَلِّ والعَقْدِ وبيدهم مقاليد الأمة التي يقومون على رعاية مصالحها وشئونها وإرشادها وتوجيهها. وقد قال بعض الحكام إنهم الفقهاء والذين يستطيعون استنباط الأحكام، ولكن الأكثرين على أن ولاة الأمر هم الحكام وأهل الْحَلِّ والعَقْدِ.
ونلاحظ هنا أمرين:
أحدهما - أن القرآن الكريم يصرح بأن ولاة الأمر الذين تجب طاعتهم يجب أن يكونوا من المؤمنين، ولذلك يقول سبحانه " منكم "، فلا طاعة مطلقا لمن يغلبون على شئون المسلمين ممن ليسوا من أهل الإيمان، فأُولئك المنحرفون من بعض أهل الهوى الذين يزعمون أنهم مسلمون، ويزعمون أن الإنجليز أيام حكمهم كانوا من ولاة الأمور الذين يوجب النص طاعتهم - قد ضلوا ضلالا بعيدا، وهم بهذا وبغيره خارجون عن حكم الإسلام.
ثانيهما - أن الله قرن طاعة أولي الأمر بطاعة الله ورسوله، فوجب أن تكون طاعتهما من جنس طاعة الله تعالى ورسوله، بأن تكون في سبيل العدل، ولا تخرج عن حدوده. وإنه باقتران هذه الآية بالآية السابقة يستبين أن ولاة الأمر الذين تجب طاعتهم هم العادلون؛ لأن الأولى أوجبت العدل، والثانية أمرت بالطاعة، فلو كانوا غير عدول لكانت الطاعة مسايرة لهم على الظلم. وقد نهينا عنه. ولقد قال الزمخشري في هذا المقام ما نصه:
" المراد بأولي الأمر منكم أمراء الحق، لأن أمراء الجور - الله ورسوله بريئان منهم - فلا يُعطفون على الله ورسوله في وجوب الطاعة لهم، وإنما يجمع بين الله ورسوله والأمراء الموافقين لهما في إيثار العدل، واختيار الحق، والأمر بهما، والنهي عن أضدادهما، كالخلفاء الراشدين. وكان الخلفاء يقولون: أطيعوني ما عدلت فيكم، فإن خالفت فلا طاعة لي عليكم.
وعن أبي حازم أن سلمة بن عبد الملك قال: ألستم أُمرتم بطاعتنا في قوله تعالى: (وَأولِي الأَمْرِ مِنكمْ) قال: أليس قد نُزِعَتْ عنكم إذا خالفتم الحق بقوله: (فَإِن تَنَازَعْتمْ فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسولِ). وعن النبي - ﷺ - أنه قال:
" من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني " (١).
ولكي تكون طاعة أولياء الأمر في سبيل الحق والعدل، ومقترنة بطاعة الله ورسوله، وجب الرجوع عند الاختلاف إلى الكتاب والسُّنة، ولذا قال سبحانه: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) لقد ثبت بإجماع العلماء الذي لَا مماراة فيه أن طاعة أولياء الأمر إنما تكون فيما فيه طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله الأمين كما نوهنا، وأنه ليس لوليِّ الأمر طاعة في معصية، لقوله - ﷺ -: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " (٢)، ولقوله - ﷺ -: " إنما الطاعة في المعروف " (٣)، والمعصية منكر لَا طاعة فيه، ولقوله عليه الصلاة والسلام: " على المرء المسلم السمع والطاعة، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " (٤)، ولِمَا قررنا من أن طاعة أولي الأمر مقرونة بطاعة الله ورسوله، وأنه
_________
(١) رواه البخاري: الأحكام - قول الله تعالى: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (٣١٣٧)، ومسلم: الإمارة - وجوب طاعة الأمراء في المعصية وتحريمها في المعصية (٨٣٥ ١) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) رواه القضاعي في مسند الشهاب ج ٢، ص ٥٥ (٨٧٣) عن عمران بن حصين رضي الله عنه، والبغوي في شرح السنة عن النواس بن سمعان، كما في مشكاة المصابيح ج ٤، ص ٢٣٨. كما رواه أحمد في مسنده وعن الحكم بن عمرو الغفارى وعمران بن حصين (٢٠١٣٠)، وعن علي رضي الله عنه (١٠٩٨)، ولفظه عَنْ عَلِى عَنْ النَبِي - ﷺ - قَالَ: " لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوق فِى مَعْصِيَةِ اللهِ عَز وَجَل ". وهو عند البخاري بسنده عن علي.
(٣) متفق عليه. وراجع التخريج السابق.
(٤) متفق عليه رواه البخاري: الأحكام - السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية (٧١٤٤)، ومسلم: الإمارة - وجوب طاعة الأمراء في غير معصية (١٨٣٩) ولفظه عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ " ولفظ البخاري عن نَافِع عَن عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أي ابن عمر حيث الرواية عن نافع) عَنْ النَبِي - ﷺ - قَالَ: " السمْعُ وَالطاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِم فِيمَا أحَبَ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةِ فَإِذَا أمِرَ بِمَعصِيَةٍ فَلا سَمع وَلا طَاعَةَ ".
ليس من المعقول أن يفهم من الآية أن ولي الأمر يطاع حيث يعصى الله ورسوله، وهما مقترنتان، وولي الأمر منَّا حقا وصدقا لَا يخالف الله ورسوله، وإلا كان متغلبا طاغيا.
وإذا كانت طاعة ولي الأمر لَا تكون إلا في دائرة الكتاب والسنة، فلا بد أن يكونا هما المرجع في الوفاق والخلاف معا، فإن اتفق أهل الحَل والعقد على أمر مشتق من كتاب الله وسنة رسوله، وغير خارج عنهما ولا عن أصولهما المقررة، فهو الحجة الواضحة، كما كان يفعل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فقد كانا يعرضان الأمر الذي لَا يعرفان له حكما من كتاب ولا سنة على الصحابة، وأحيانا على كل أهل المدينة، فما يثبت أنه ورد فيه قرآن أو سنة خضع الجميع له، وإلا فإنهم ينظرون مجتهدين فيما يكون من جنس ما يأمر به الكتاب أو السُّنَّة، فإن اتفقوا عليه نفذوه. وإذا كان اختلاف، فإنه لَا حكَم في الاختلاف إلا الكتاب والسُّنة أيضا، وهذا موضع قوله تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتمْ) وليس التنازع هو المحاربة، إنما التنازع هو الاختلاف في طلب الحق في الأمر، وقد جاء في تفسير معنى التنازع في مفردات الراغب: " نزع الشيء جذبه.. والتنازع والمنازعة المجاذبة، ويعبر بهما عن المخالفة والمجادلة ". وكأن كل واحد من المختلفين يجذب من الآخر الحجة لدليله، ويجعل الحق في جانبه بجذب الحجة على مخالفه، ومن هذا قول النبي - ﷺ -: " ما لي أنَازعُ القرآن " (١)! وذلك أن بعض المأمومين جهر
________
(١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ: «هَلْ قَرَأَ مَعِيَ أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا؟»، فَقَالَ رَجُلٌ : نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «إِنِّي أَقُولُ مَالِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ؟»، قَالَ: فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِرَاءَةِ مِنَ الصَّلَوَاتِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " َ [رواه الترمذي: الصلاة - ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام (٣١٢)، والنسائي: الافتتاح - ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر به (٩١٩)، وأبو داود: الصلاة - من كره القراءة بفاتحة الكتاب إذا جهر الإمام (٨٢٦)، وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها - إذا قرأ الإمام فأنصتوا (٨٤٩)، وأحمد: مسند المكثرين (٧٢٢٨).
خلفه، فنازعه القراءة فشغله، فنهى - عليه الصلاة والسلام - عن الجهر بالقراءة خلفه في الصلاة.
ويجب بهذا النص عند التنازع الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله، وذلك بالتماس ما يكون من الأحكام متفقا مع المقاصد والغايات التي جاء بها الكتاب والسُّنة، وإن لعلماء الإسلام في ذلك منهاجين: أحدهما: أن يبحث في الأصلين عن حكم منصوص عليه يشبه في سبب الحكم الحادثة التي لَا يجدون فيها نصا، وهذا يسمى القياس الفقهي، وهو ما تسير عليه الكثرة الكبرى من الفقهاء. والمنهاج الثاني. أن ينظر إلى المقاصد العامة للشريعة، وهي مصالح الناس، الثابت الأخذ بها من مجموع النصوص لَا من نص بعينه، فإذا كان في الأمر المتنازع فيه مصلحة ملائمة لمقاصد الشارع، من غير مخالفة أي نص، أخذ بها، وهذا المنهاج أخذ به الإمام مالك، وأحمد، وزَيْد.
ولكن يرد هنا سؤالان: من الذين يجري بينهم التنازع؛ ومن الذين يتولون رد الأمر إلى الكتاب والسُّنَّة؟.
والجواب عن السؤال الأول: أن الذين يجري بينهم الخلاف هم أهل الحَل والعقد، وذلك يقتضي أن تكون هناك جماعة مصطفاة مختارة تتولى سن النظم ووضع القوانين المشتقة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وهم رجال الشورى الذين ترتضيهم الأمة.
والجواب عن السؤال الثاني - أن الذين يردون الأمر المختلف فيه، يجب أن يكونوا على علم بالكتاب والسنة ومقاصد الشريعة وغاياتها، وهم علماء الإسلام المتفقهون في أحكامه. ولذلك يجب أن يكون في أهل الحَل والعقد، أو بجوارهم يعملون معهم، رجال من فقهاء الإسلام المخلصين المؤمنين بحقائقه، الذين لا يغلب عليهم الهوى، ولا يخضعون لهوى الحكام، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه.
وإن الله تعالى يقرر - تعالت كلماته - أن ذلك وهو الرد إلى الكتاب شأن أهل الإيمان بالله حقا وصدقا، والذين لَا تغلبهم الدنيا ومتعها العاجلة، ولذلك يقول (إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) أي إن كنتم تذعنون للحق الذي شرعه الله تعالى لكم وتصدقون وتؤمنون بالآخرة وما فيها من حساب وعقاب، ولم تستول عليكم الدنيا بأهوائها وشهواتها، فإنكم بلا ريب سترجعون إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ -، ذلك أن المؤمن حقا ومصدقا بالله واليوم الآخر لا تستهويه شهوات الدنيا، فيظنها مصالح، بل يذعن لحكم الله دائما، ولا يكون كأولئك الذين قال الله تعالى فيهم: (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠).
وإن اتباع القرآن والسُّنَّة في الحكم فيه الخير وحسن المآب، ولذا قال سبحانه:
(ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا) إن ذلك الرجوع إلى الكتاب والسُّنة، في الفرقان والافتراق، خير لكم في الدنيا؛ لأن فيه مصلحتكم الحقيقية، وفيه بعد عن الهوى، وفيه خضوع لله تعالى. وأحسن تأويلا أي مآلا ونهاية، وفهمًا لأمور هذه الحياة، فإن شئون الحياة معقدة، تختلط فيها الشهوات بالمصالح، فلا يمكن فهمها على حقيقتها إذا تشبابكت إلا بالرجوع إلى شرع الله، ففيه الفهم الصحيح، وفيه الغاية السامية، وفيه المآل الذي لَا شر فيه. فاللهم وفق أمتك للأخذ بِشرعَتِك واجعلنا من الذين لَا يحرِّفون الكلم عن مواضعه، إنك سميع الدعاء.
* * *
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)
* * *
دعت الآيتان السابقتان المؤمنين إلى أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأن يحكموا بالعدل. وقد ذكرت الآية الثانية أن طاعة الله ورسوله واجبة، وأن طاعة أولي الأمر لازمة ما استقاموا على الحق من غير عوج، وأن ذلك سبيل الحق والعدل، واستقرارهما. وفي هذه الآيات يبيّن سبحانه وتعالى حال بعض أهل الكتاب الذين يتركون الأحكام المقررة في الشرائع السماوية، ويستبدلون بها الظلم وحكم الطغيان، ولذا قال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أئزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ)
(أَلَمْ تَرَ) هذا التعبير قرآني، وهو استفهام سيق للتعجب والإنكار، فيه التعجبُ وتوبيخ الذين وقع منهم هذا الفعل. وأداة الاستفهام دخلت على النفي، ونفي النفي إثبات. والمعنى: قد رأيت الأمر العجب المستنكر الذي وقع من أولئك الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. والزعم يكون فيمن يقول قولا لَا يوجد ما يدل على صدقه، والمعنى: قد رأيت حال أولئك الذين يدعون كذبا أنهم يعتقدون وَيُذْعِنُونَ للذي أنزل إليك من شريعة عادلة وحاكمة بين الناس بالعدل، وأنهم يؤمنون بالكتب المنزلة وما اشتملت عليها، ومع ذلك يتركون الحق الواضح البين الذي لَا شبهة فيه، الذي اشتملت عليه شريعتك وما قبلها، ويتحاكمون إلى الطاغوت، وهو الطغيان الكثير، ولعل المراد به هنا الحكْمُ الذي لا يبنى على الحق، ولا يقوم على أساسه، وليس له نظام وقانون مقرر ثابت، يعرف فيه كل واحد من الخصمين ما له من حقوق وما عليه من التزامات.
وواضح من النص الكريم أن هؤلاء متصفون بصفتين: أولاهما - أنهم يدعون الإيمان وليسوا بمؤمنين، إذ قال سبحانه: (يَزْعُمُونَ أَنَّهمْ آمَنُوا).
وثانيتهما - أنهم في الأصل من أهل الكتاب الذين يدعون أنهم آمنوا بما أنزل على موسى والأنبياء قبله. وبهذا النص الكريم يتعين أن يكون أولئك من المنافقين من اليهود الذين كانوا يظهرون الإيمان، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون، أو من الضعفاء الذين ليس عندهم من قوة الإيمان ما يحملهم على الخضوع لأحكام الله تعالى.
وإن المفسرين قد تكلموا في سبب نزول هذه الآيات، ورووا في ذلك روايات مختلفة، وأقربها إلى معنى الآية أن منافقا اختلف مع يهودي، فأراد اليهودي أن يكون الحكم هو النبي لما يعرف عنه من عدالة وامتناع عن رشوة، ولأنه يحكم بقانون ثابت لَا عوج فيه ولا انحراف، وأراد المنافق أن يتحاكما إلى غير النبي - قيل إلى كاهن، وقيل إلى أحد كبار اليهود - وكلا الحكمين لَا يمكن
أن يكون بالنسبة للنبي - ﷺ - إلا ظالما، حكمه فيه طغيان كثير؛ لأنه لَا يعتمد على قانون منظم للحقوق والالتزامات.
(وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) وإذا كان الله تعالى قد أمرهم أن يكفروا بحكم الهوى والغرض والظلم وبحكم الأوهام والكهنة، واختاروا هم الاحتكام إلى طاغية من طغاتهم، أو كاهن من الكهان، فقد كان ذلك بوسوسة الشيطان المضل في نفوسهم، وهو لَا يريد لهم إلا العدول عن الخط المستقيم.
فالضلال هو العدول عن الخط المستقيم، سواء أكان ذلك في المعنويات أم كان في السير الحسي. ومن عدل عن الطريق المستقيم واستمر في غيره، فهو كمن بعُد عن الطريق السوي، وسار في متاهات، كلما أمعن بعد. وهؤلاء قد ابتدأوا بالنفاق، فكلما وسوس لهم شيطانهم بالباطل أبعدهم عن الحق وعن طريقه. فمعنى يضلهم ضلالا بعيدًا يبعدهم عن الحق الذي ابتدأوا باجتنابه، فصاروا كمن يوغلون في متاهات من الأرض، كلما أوغلوا زادوا بعدا عن الطريق المستقيم.
وإن هذا النص يومئ إلى أنه لَا يتفق مع الإيمان الصادق أن يتحاكم المؤمن إلى غير النظام الذي يقرره القرآن والسُّنَّة. ويومئ النص أيضا إلى أن كل تحاكم لغير شريعة الله تعالى وما تقرره من أحكام، هو تحاكم إلى طغيان كبير لَا يقوم الحكم فيه إلا على الهوى. ألم تر كل النظم التي تحكم بغير القرآن لَا تعاقب الزاني، ولا تعتبر فعله جريمة إلا إذا كان فيه اعتداء على الزوجية أو اغتصاب، أو زنى بقاصرة! وأي طغيان وهوى أعظم من ذلك جرما؟!
ويومئ النص كذلك إلى أن من يرفض حكم القرآن يخضع لحكم الشيطان، ويضل به ضلالا، كلما سار فيه بعد عن الحق المبين:
* * *
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)
* * *
إذا قيل لهؤلاء الذين ضعف إيمانهم فلم يذعنوا للحق، ولم يخضعوا لحكم الله: تعالوا وأقبلوا على الخضوع لله تعالى ولحكمه - رأيت الذين اتسموا بالنفاق منهم يعرضون عنك إعراضا شديدا، وذلك لأنهم لمرض النفاق في قلوبهم
ينفرون من العدل والحق نفورهم من الإيمان الصريح الذي لَا دَخَلَ فيه (١)، ومن الطريق المستقيم الخالي من العوج.
وفى الآية الكريمة إشارتان بيانيتان:
إحداهما - التعبير بقوله تعالى: (إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ) فإن هذا يبين لهم أنهم يتركون الحكم المنزل من السماء من عند الله إلى حكم الأرض وأهواء أهلها، ويبين لهم أن الرجوع في الحكم إلى الرسول هو رجوع إلى حكم الله الذي ينطق به رسوله الأمين، وأن امتناعهم عن ذلك إنكار للرسالات الإلهية مع أنهم من أهل الكتاب، الذين يعتزون على العرب بأنهم يؤمنون بشرائع السماء ويخرهم أميون!! ثم يبين ذلك أن الخضوع لحكم الرسول خضوع لحكم الله تعالى وما أنزله الله، فالمعترض على حكم الرسول معترض على الله سبحانه وتعالى.
الثانية - في قوله تعالى: (رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) فإنه يشير إلى أن الذين يعرضون عن حكم الله تعالى وينفرون منه هم المنافقون الذين يسرون ما لَا يظهرون ويخفون ما لَا يبدون، فالإعراض عن حكم الله تعالى سمة من سمات النفاق أو بالأحرى أوضحها وأبينها.
والنص يشير مع هذا إلى أن الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت فريقان: فريق ضعيف الإيمان، وفريق منافق، وأن المنافقين من بينهم شديدو النفرة والإعراض. اللهم إلا أن يقال إن ذلك إظهار في موضع الإضمار، أي أن الذين يزعمون أنهم آمنوا بالله وبالرسول، الذين يرتضون حكم الطاغوت هم منافقون، وهم بسبب نفاقهم يعرضون عن حكم الله إعراضا شديدا، فهم طائفة واحدة!
________
(١) والدَّخَل: ما داخَل الإِنسانَ من فساد في عقل أو جسم، وقد دَخِلَ دَخَلا ودُخِلَ دَخْلاً، فهو مَدْخُول أي في عقله دَخَل. وفي حديث قتادة بن النعمان: وكنت أرى إِسْلامه مَدْخُولا، الدَّخَل، بالتحريك: العيب والغِش والفَساد، يعني أن إِيمانه كان فيه نِفَاق.
وأظهر وصفهم ليعلم أنه علة إعراضهم، وهذا ما نرتضيه، ويتفق مع قوله تعالى من قبل (يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنوا).
* * *
(فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)
* * *
إذا كان أولئك المنافقون يصدون ذلك الصدود، ويعرضون هذا الإعراض، فلينظروا إلى حالهم عندما تصيبهم مصيبة بسبب تركهم التحاكم إلى القانون العادل والحاكم العادل، كيف تكون حالهم عندما تنزل بهم مصيبة الظلم وعدم الخضوع لقانون عادل يرد الحق إلى نصابه! وذلك أن الذي يترك القانون الذي لا يخضع لهوى، والقاضي الذي لَا يخضع لغرض، ولا ينحرف عن الحق لأي غرض من أغراض الدنيا - تنزل به مصيبته لَا محالة، وهي الاضطراب، وعدم الاطمئنان إلى حكم حاكم! والجماعة التي تترك الحكم المستقيم إلى الحكم المعوج الذي يستمد من الطغيان والظلم، لَا بد أن تنزل بها مصيبة التفرق والانقسام، وعدم التواصي بالحق. فالقرآن يشير للمنافقين بهذه النتيجة، بل ينبئهم فيقول لهم: كيف تكون حالكم إذ تصيبكم مصيبة التظالم، وأكل بعضكم مال بعض، ونفرة الرسول منكم، وظهور أمركم وانكشاف حالكم، وذلك بما قدمته أيديكم من ترك للحق وعدم خضوع له! والتعبير " بما قدمت أيديكم " يبين ما سبق من أمرهم، وإن لم يكن باليد؛ لأن اليد مظهر العمل، فهي كناية عن عمل الإنسان، وإن كان باللسان أو القلب.
ثم إنهم بعد أن تصيبهم مصيبة الباطل وانكشاف أمرهم، ونفرتك منهم - جاءوك يعتذرون إليك ويوثقون اعتذارهم بالحلف بالله تعالى قائلين: ما أردنا بالمخاصمة لغيرك إلا إحسان المعاملة والتوفيق بين الخصوم.
والمعنى الجلي للنص السامي: كيف تكون حالهم إذا نزلت بهم النازلة التي تترتب على تركهم حكم الله إلى حكم الطغيان، ثم جاءوا إليك معتذرين عما سبق منهم، قائلين حالفين بالله أنهم ما قصدوا الإعراض، بل أرادوا التوفيق، والمعاملة الحسنة!!.
والتعبير بـ " ثم " في هذا المقام، يشير إلى التباين بين حالهم في الإعراض والصدود، وإقبالهم بالاعتذار والحلف والازدلاف.
* * *
(أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ... (٦٣)
* * *
أولئك النافرون عن حكم الله إلى حكم الطغيان والهوى والشيطان، وهم يزعمون أنهم من أهل الإيمان يعلم الله تعالى ما يستكن في قلوبهم، وما يدفعهم إلى أعمالهم وخروجهم عن حكم الحق إلى حكم الهوى. والإبهام في قوله تعالى (يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ) للإشارة إلى خفائه إذ يخفونه ويبدون غيره، وإلى أنه شيء كثير من الفساد والانحراف النفسي يحكمون إخفاءه، وإلى تنوعه من رغبة في الكيد والأذى، والتفريق بين المؤمنين، وممالأة المشركين، وغير ذلك.
وإذا كان الله يعلم ما في نفوسهم علما دقيقا، لَا يغيب عنه شيء؛ لأنه وحده العليم بذات الصدور الذي لَا يخفى عليه شيء في السماء والأرض، فإنه سبحانه وتعالى مجازيهم في الآخرة بأعمالهم ودوافعها المكنونة في قلوبهم، إن استمروا على حالهم ولكن عليك أنت أيها الرسول أن تبلغهم الحق، وتدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة.
(فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا) أي: إذا كانوا كذلك من السوء فأعرض عنهم. وفي هذا النص بيان لطرق علاج المنحرفين في نفوسهم إذا كانوا صالحين للعلاج، وهذه الطرق ثلاث مراحل متداخلة: أولاها - الإعراض عنهم بألا يقبل عليهم ليشعروا باستنكاره لأعمالهم، وأنه غير راض عنهم، وذلك في غير جفوة؛ لأنه إن كانت الجفوة كان العناد، فلا يمكن أن يصل إلى المرحلة الثانية. وهذه المرحلة الأولى هي التي عبر عنها سبحانه بقوله تعالى: (فَأعْرِضْ عَنْهُمْ).
الثانية - الوعظ، وهو الزجر مع التخويف بسوء العاقبة والمآل ونتائج أعمالهم، فإن ذلك قد يدفعهم إلى التفكير، ومع التفكير في العاقبة ينفتح باب الهداية وسلوك الطريق المستقيم.
الثالثة - الاتجاه إلى جذبهم بقول بليغ يصل إلى قلوبهم، بأن يبين لهم العاقبة الحسنى في العمل بالحق، والخضوع لحكم القرآن المشتمل على شريعة الرحمن. ومعنى قوله تعالى: (قَوْلًا بَلِيغًا) أنه يبلغ إلى كنه ما في قلوبهم، فيصل إلى أعماقها ويوجههم توجيها حسنا إلى ما فيه صلاح في الدنيا والآخرة، وذلك بأن يورد النبي - ﷺ - القول على طريقة تجعلهم يقبلون قوله ولا ينفرون، فيقربهم ويدنيهم، ويأتيهم من قِبَل ما يألفون إن كان حقا.
وإن القول البليغ الذي يصل إلى كنه القلوب، يجب أن تتحقق فيه ثلاثة أوصاف: أولها، أن يكون المطلوب حقا، والثاني، أن يكون اللفظ مستقيما، والمعنى سليما، فلا يصل إلى الحق إلا بالحق، والثالث، أن يكون القول منبعثا من النفس، بحيث يؤمن القائل بصواب ما يقول، فإنه لَا يؤثر إلا المتأثر.
هذه طرق الدعوة إلى الحق، هدانا الله إلى الطيب من القول وهدانا إلى صراط الحميد.
* * *
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)
* * *
ما قبل هذا النص الكريم كان في وجوب إطاعة الله تعالى ورسوله، ووجوب إطاعة أولي الأمر الذين ينفذون حكم الله تعالى ويقومون على رعاية
شرعه، ويرجعون إليه في وفاقهم وفي اختلافهم. وكان فيما سبق أيضا بيان أن من يتركون حكم الله ورسوله، إنما يتحاكمون عند تركه إلى الظلم والطغيان؛ لأن ما جاء به الشرع هو الحق الذي لَا شك فيه، وماذا بعد الحق إلا الضلال، وماذا بعد ترك حكم الله إلا حكم الطغيان!!
وفى الآيات التالية يبين سبحانه أن الالتجاء إلى حكم الله تعالى، عندما يكون الخلاف، هو من الإيمان، فمن ترك حكم الله إلى غيره عامدا مستهينا بحكم الله، أو منكرا عدالته وصلاحيته، لَا يعد مؤمنا ولا يعد آخذا بحكم الرسالة، ولذا قال سبحانه وتعالى:
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسول إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) ومعنى النص السامي: لا نرسل أي رسول في أي أمة، إلا كان من شأنه أن يطاع، وهذه الطاعة اللازمة على من أرسل إليهم هي بإذن الله بطاعته، فالله تعالى هو الذي بأمر بطاعته، ومن عصاه فإنما يعصى الله، ومن أطاعه فقد أطاع الله: (مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ...). وفي الأثر الصحيح: " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني " (١) أي أن من يعصي الأمير المعين من قبل الرسول، أو الذي عين على مقتضى أحكام شريعته، فقد عصى الله، فليس كل أمير يعد أميرا للرسول.
وقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ) يدل على أبلغ عموم وأبلغ استغراق، إذ تأكد الاستغراق بالتنكير وبحرف (من) وبالنفي والإثبات، وإن هذا يدل على أن الطاعة هي مقتضى الرسالة، فأساس الإيمان بالرسالة الإيمان بأن ما يبلغ إنما يبلغ عن الله تعالى، ولقد أيد سبحانه وتعالى هذا المعنى وهو التبليغ عن الله تعالى بقوله: (بِإِذْنِ اللَّهِ)، فكل أمر يأمر به هو من الله تعالى، وكل ما
________
(١) سبق تخريجه قريبا.
ينهى عنه هو من الله تعالى، كما قل تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى). ويجرنا الكلام في هذا إلى الكلام في اجتهاد النبي - ﷺ -: هل طاعته واجبة فيه بإذن من الله، وبعبارة أخرى: أهو لَا يخطئ فتجب الطاعة، ويكون ما ينتهي إليه في الاجتهاد هو كالموحَى به؟ والجواب عن ذلك أنه يجوز الخطأ على النبي - ﷺ - في الاجتهاد في بيان بعض الأحكام، ويجوز الخطأ عليه في القضاء إذا لبَّس الخصوم. والخطأ الأول قد وقع فقد اجتهد مع أصحابه في معاملة الأسرى، وخطأهم الله في اجتهادهم في ذلك الموضع (١). وقد فرض عليه الصلاة والسلام جواز الخطأ في القضاء، فقد قال عليه الصلاة والسلام: " إنكم تختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من البعض الآخر، فمن قضيت له بحق أخيه، فإنما أقتطع له قطعة من النار " (٢). ولكن الخطأ في الأحكام لَا يمكن أن يقره الله تعالى عليه، بل يبينه، لسلامة النقل عن الله تعالى، وليكون كل ما يأمر به النبي - ﷺ - حقا، وليتحقق معنى قوله عليه الصلاة والسلام: " ما أمرتكم به فخذوه، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه " (٣). وكذلك لَا يجتهد النبي - ﷺ - في قضائه
_________
(١) أومأ إمامنا إلى قوله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). قال القرطبي: هذه الآية نزلت يوم بدر، عتابا من الله عر وجل لأصحاب نبيه - ﷺ -. والنبي - ﷺ - لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب، ولا أراد قط عرض الدنيا، وإنما فعله جمهور مباشري الحرب؛ فالتوبيخ والعتاب إنما كان متوجها بسبب من أشار على النبي - ﷺ - بأخذ الفِدية.
(٢) متفق عليه؛ رواه البخاري: الشهادات - من أقام البينة بعد اليمين (٢٦٨٠)، ومسلم: الأقضية - الحكم الظاهر واللحن بالحجة (١٧١٣).
(٣) رواه ابن ماجه: المقدمة - اتباع سنة الرسول - ﷺ - (١) ولفظه: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَخُذُوهُ، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ". وهو في الصحيحين؛ (١٣٣٧) البخاري: الاعتصام بالكتاب والسنة (٧٢٨٨)، ومسلم في الفضائل: ولفظه عند البخاري: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا [ص:٩٥] أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ".
ويكون باطلا؛ لأنه يكون ظلما، ولا يقع امنه عليها الصلاة والسلام، وقوله السابق في هذا من قبيل فرض التقصير في نفسه، كما فرض التقصير في كثير من أمره تنزها عن الغرور، وتوجيها لنا. ولعل قوله عليه الصلاة والسلام لتعليم الناس قول الحق في مجلس القضاء، وليبين لهم أن إثم خطأ القاضي يقع عليهم، والقضاء لا يبرر الباطل ولا يغمط الحق، فإن أخطأ لَا يحل دينا لمن كان الخطأ لمصلحته أن جمل مال أخيه، أو يغمط حقه.
ولقد ذهبت الجرأة ببعض الذين يتكلمون في الفقه إلى أن ما يكون باجتهاد من النبي - ﷺ - لَا يكون حجة. كأن النبي يمكن أن يقر على الخطأ في اجتهاده! وذلك كلام باطل لَا يكون إلا من مستهين بمقام النبوة، وتبليغ الرسالة! ولقد قال بعض المالكية وقولهم الحق: إن كل من لم يرض بحكم النبي - ﷺ - وطعن فيه وردّه، فهي ردّة يستتاب فاعلها. فأولى بهؤلاء أن يصمتوا ولا يتكلموا، فكلامهم تلبيس وأوهام لَا تصدر عن عالم في الدين يفهم حقائقه، ويدرك معانيه!.
طاعة الرسول إذن واجبة في كل ما يأمر به على أنه دين واجب الأخذ به، وكل من يعاند الرسول في حكمه يكون ظالما لنفسه؛ لأنه تمرد على أمر ربه، ولأنه اختار الباطل بدل الحق، ويجب عليه التوبة والاستغفار. ولذا قال تعالى في أولئك الذين يتمردون على أحكام الرسول وقضائه.
(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا) أي: لو ثبت أن أولئك الذين تحاكموا إلى الطغيان والظلم، من اليهود أو المنافقين، وظلموا أنفسهم بخروجهم عن جادة الحق وردهم الحق الثابت، جاءوا إليك تائبين راجعين، فطلبوا غفران الله تعالى، وطلبت لهم ذلك، لعلموا علم اليقين أن الله كثير القبول للتوبة، رحيم بعباده، يفتح باب المغفرة ليدخلوه آمنين مطمئنين إليه، وما سلكوه من طريق الضلال يغفر لهم سلوكه؛ لأن الله تعالى يحب قبول التوبة ويحب المغفرة. وإن مثلهم كمثل الناقة
الشاردة التي يراها صاحبها، يضع لها أسباب التقريب، فإذا عادت إليه فرح بعودتها، بيد أن أحدا من عباد الله لَا ينفعه!.
وهنا إشارات بيانية يجب التنبيه إليها:
أولاها - أن الله تعالى سمى الذين تحاكموا إلى غير الشرع ظالمين لأنفسهم، يستوي في ذلك من حكم له ومن حكم عليه؛ لأن تحكيم الطاغي الظالم هو بث للظلم ونشر له، وإذا شاع الظلم وكثر شاع معه الفساد والاضطراب، ومن فعل ما يؤدي إلى ذلك هو ظالم لنفسه، وظالم لجماعته التي يعيش فيها.
وثانيتها - أن الله تعالى قرن الاستغفار من الرسول بالاستغفار له، ليشير بهذا إلى أن الرسول - ﷺ - لَا يقول من عند نفسه، بل يقول عن الله تعالى، ولتكريم مقام الرسالة ومقام الحاكم العادل، فإن الإعراض عنه استهانة به، والاستهانة بالحاكم العادل تؤدي إلى الفوضى وعدم استقرار الأحكام.
والثالثة - أن قوله تعالى: (وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ) فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة، ويقول الزمخشري في ذلك " لم يقل: (واستغفرت لهم) وعدل عنه إلى طريقة الالتفات، تفخيما لشأن رسول الله - ﷺ -، وتعظيما لاستغفاره. وتنبيها على أن شفاعة من اسمه رسول من الله بمكان ". فالالتفات كما نرى للتنبيه إلى مكانة الرسالة، وتفخيمها، ولبيان أن شفاعة الرسول بمقتضى كونه رسولا، لها مقامها من الله تعالى، وفوق ذلك أن الالتفات يؤدي إلى أن يكون الاستغفار للرسول بوصف أنه رسول، فالباعث على وجوب الاستغفار له هو أنه يبلغ رسالة الله، فترك حكمه استهانة بحكم الله، وهو رسول الله، ورسول الله له حق الكرامة الكاملة.
* * *
(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ... (٦٥)
* * *
(شَجَرَ بَيْنَهُمْ) معناها تنازعوا فيما بينهم، واختلط الحق بالباطل، وتشابكت الأمور كما تتشابك غصون الأشجار، وإن التحاكم يكون في مثل هذه الأمور التي
تتشابك فيها عناصر الحق والباطل، ويلتبس بعضها ببعض، ولا يعرف الحق الصريح الواضح من بينها، ويميزه الحاكم العادل الفاحص، الذي ينظر إلى الأمور بعمق، وتدبر، وقوة فراسة، وعزمة على الحق، وطلبه بإخلاص لَا هوى.
(فَلا وَرَبِّكَ) أيها النبي الكريم، لَا يؤمنون، ولا يعدون في عداد المؤمنين، حتى يحكموك فيما يكون بينهم من خلاف، فإن من أول مظاهر الإيمان والإذعان للحق الرضا بتحكيم الشرع في الخلاف.
وهنا ثلاثة بحوث لفظية:
أولها: (الفاء) في قوله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ) ونقول إنها فاء الإفصاح، لأنها تفصح عن شرط مقدر، ومعنى الكلام: إذا كانت طاعة الرسول واجبة بحكم أنه رسول من عند الله، فإنهم لايؤمنون برسالته حتى يرتضوا التحاكم إليه. ثانيها: (لا) في قوله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ) قال الزمخشري إنها زائدة لتقوية الكلام، فيكون النص كقوله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)، وقد قال الطبري إن " لا " ليست زائدة، وإنما هي رد على ما تقدم ذكره من تحاكمهم إلى الطاغوت وتركهم حكم الشرع، وقد قال في ذلك: " قوله (فَلا) رد على ما تقدم ذكره، تقديره: فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ثم استأنف القسم بقوله (وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنونَ).
ثالثها: أن الله سبحانه وتعالى أقسم بذاته العلية، ولكنه أضاف الربوبية إلى
النبي - ﷺ - فقال: (وَرَبِّكَ) يَا أيُّهَا النبي، تكريما لذات النبي)، وإعالأً لشانه، وجواب القسم هو قوله تعالى: (لا يُؤْمِنُونَ).
ومن هذا النص السامي يتبين أن أول مظهر من مظاهر الإيمان الرضا بحكم الشرع، ولكن الرضا وحده ليس كافيا بل لَا بد من أمرين آخرين، وهما أن يكون الرضا عن طيب نفس من غير حرج ولا ضيق، وثانيهما التسليم والخضوع لحكم الشرع. وقد قال سبحانه وتعالى في ذلك:
(ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ) الحرج الضيق والتململ من الحكم أو الشك في صحته، والمعنى: أن من مظاهر الإيمان أن يقبلوا التحاكم إلى النبي - ﷺ - ابتداء، وإذا صدر الحكم لَا يشكون في صحته، ولا يضيقون ويتبرمون به، بل يتقبلونه بقبول حسن؛ لأن قبول الأحكام على أنها من عند الله ينهي الخصومات، ويلقي بالسلام بعدها؛ لأنهم تحاكموا إلى ذي الجلال والإكرام. وقد تكلم العلماء في العطف بـ " ثَمَّ " بدل الفاء أو الواو، فقال إن " ثُمَّ " تدل على التراخي، وكأن الله يغفر لهم الإثم الذي يصيبهم عند صدمة الحكم لهم بالنطق به، ولكن عليهم أن يروضوا أنفسهم على القبول والإذعان، من غير ضيق ولا تململ، لكي يكون الحكم حاسما للخلاف قاطعا للنزاع.
(وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) هذا هو الوصف الثالث لأهل الإيمان بالنسبة لأحكام الشرع الشريف. والتسليم معناه الانقياد والإذعان التام في المظهر والحس. وإذا كان الوصف الثاني لبيان الخضوع النفسي، فهذا الوصف الثالث لبيان الخضوع الحسي الظاهر. وقد أكد سبحانه وتعالى التسليم بالمصدر فقال " تَسْليما " للإشارة إلى وجوب الإذعان المطلق من غير أن يثيروا أي شبهة حول الحكم، ولا أن يماروا فيه مراءً ظاهرا، فإن المراء قد يثير نزاعا جديدا، والقضاء يجب أن يكون حاسما قاطعا.
وأصل التسليم هو تقديم النفس، وجعلها خالصة لمن يسلم إليه. يقال: سلَّم لأمر الله وأسلم له. إذا جعل نفسه خالصة لله تعالى، ثم أطلق التسليم على الانقياد الظاهري، وعدم المماراة فيما يقرره الشرع من حقوق وواجبات.
ويجب التنبيه إلى أن التحاكم إلى النبي بعد وفاته هو التحاكم إلى كتاب الله تعالى وسنة النبي - ﷺ -، فيجب أن يعلم كل من يُسمى نفسه مسلما أن الله تعالى يقرر أنه لَا يؤمن من لَا يتحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، ثم لَا يجد ضيقا في حكم الشرع، بل يرضى به، وينقاد له انقيادا ظاهرا وباطنا. وإذا كان ذلك ما يقره الشرع، فليعلم المسلمون اليوم مكانهم من الإيمان، وقد ارتضوا حكم القوانين
الأوروبية بدل كتاب الله " وسنة رسوله وإذا دعوا إلى حكم الله ضاقت صدورهم حرجا، وتململوا ولم يسلموا، بل يناوئون ويعاندون؛ إذ هم يؤمنون بما عند الأوروبيين أكثر من إيمانهم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله! ولا حول ولا قوة إلا
بالله.
* * *
(وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)
* * *
الآيات السابقة بينت أحوال المنافقين وصفات الإيمان، وأن مظهر قوة الإيمان إطاعة الله ورسوله، والرجوع إلى الكتاب والسُّنة عند الاختلاف، وتحكيمهما في كل أمور الحياة التي تحتاج إلى حكم وفصل. وأقسم الله بذاته العلية التي خلقت كل ما في الوجود، وقامت عليه بالحفظ، ألا يكون الإيمان الكامل إلا لمن يُحكِّم الله ورسوله في كل الخصومات، ويذعن للحكم من غير تململ، ولا تردد. وفي هذه الآيات يبين أن الذين يذعنون لأمر الله ونهيه، حتى في النفس وترك الأهل، قليلون، وليسوا كثيرين، وهم الذين تقوم عليهم قوة الأمة، ولذا قال سبحانه:
(وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ) معنى قتل النفس تعريضها للتلف من غير أمل في النجاة، ويكون في ذلك إعلاء للحق، ونصر للفضيلة ورفع شأنها، كهذا الذي ينطق بكلمة الحق أمام سلطان جائر ويتأكد أنه سيقتله إن قالها! ولذلك قال النبي - ﷺ -: " سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قال كلمة حق أمام سلطان جائر فقتله " (١)! ومن هذا أيضا أن يحمل على النطق بالكفر، فيمتنع فيقتل! نعم إن الله سبحانه وتعالى قال: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِن بِالإِيمَانِ)، فرخص له بالنطق بكلمة الكفر، ولكن الأفضل ألا يقول، وهو مثوب إذا أصر ولم يقل، ففي هذه الأحوال يكون التعرض للقتل فضيلة مشكورة، لأنه إعلان للناس بأن للحق أنصارا يفتدونه بأنفسهم، وفي ذلك تحريض على تأييده وهو دعوة صارخة له. ومعنى الخروج من الديار: الهجرة من البلد منصرفين للجهاد في سبيل الله تعالى، وذلك إذا لم يكونوا مستضعفين في الأرض، محكومين بغير المسلمين.
ومعنى النص الكريم: لو ثبت أننا فرضنا عليهم أن يعرضوا أنفسهم للتلف من غير أمل في النجاة، أو يخرجوا من موضع استقرارهم وأمنهم في ديارهم، إلى حيث المشقة الشديدة والعمل الكادح، ما استجاب لهذه الفريضة إلا عدد قليل من الناس، وهذا يشير إلى أمرين:
أولهما: أن التكليفات الشرعية لَا تكون إلا فيما يطاق من غير مشقة
مجهدة، لأن الله - تعالى - يقول: (لا يُكَلِّف اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا...)، والتعبير بـ (لو) يدل على أن التكليف لَا يقع على هذا؛ لأن (لوْ) كما يقول العلماء تدل على امتناع الشرط لامتناع الجواب، فالله تعالى لو يكلف ذلك التكليف لثقل التكليف إلا على عدد قليل منهم.
الثاني: أن في كل طائفة عددا يقوم بذلك الأمر الشاق، فهؤلاء المؤمنون الأولون قد صبروا على أذى المشركين في مكة من غير وهن ولا ضعف، ومنهم
________
(١) سبق تخريجه.
من مات تحت حرّ العذاب الشاق، ثم هاجروا وخرجوا من ديارهم، وهؤلاء أصحاب الأخدود الذين آذوا المؤمنين، فصبروا، وهم يلقون في النيران وقد قال سبحانه وتعالى: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨).
(وَلَوْ أَنَهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) وإذا كان الله سبحانه لَا يكلف ما يشق أداؤه، ولا يمكن احتماله، إلا لعدد من الأقوياء جعلوا منار الهدى أمام الناس في كل العصور، فإنه سبحانه يكلف الناس ما فيه خيرهم وتثبيتهم على الحق.
ومعنى النص السامي (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ): لو ثبت أنهم فعلوا ما يكلفونه من تكليفات محتملة بينت لهم فيها نتائجها وثمراتها، لكان فيها الخير لهم في الدنيا والآخرة، ففي الآخرة يكون الثواب العظيم والنعيم المقيم، وفي الدنيا يكون العدل والفضيلة، والمصلحة الحقيقية، وهذه الأمور هي خير الدنيا. فالشرع الإسلامي بني على هذه الأمور الثلاثة: الأول الفضيلة المهذبة للنفس، الموجهة إلى توثيق العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان، والعبد وربه، والسعي نحو الكمال الإنساني، والمنزلة الرفيعة. والثاني العدالة التي هي الميزان في العلائق الإنسانية التي ينتظم بها معاشهم ومعادهم، والثالث المصلحة الحقيقية، فما من مصلحة حقيقية ليست هوى ملحا ولا شهوة جامحة - إلا دعا إليها الإسلام، وما من حكم جاء به التكليف الإلهي إلا طويت فيه المصلحة، وكانت نتيجة وثمرة للأخذ به.
ومعنى قوله تعالى: (وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) أي يكون في الأخذ بالتكليف الذي يطاق تثبيت على الحق، هو أشد تثبيت وأقواه. وكان في التكليف الذي يطاق تثبيت للحق، لأنه يمكن الاستمرار عليه، والاستمرار على فعل ما هو حق يثبته ويقرب الغاية منه، ولذلك كان النبي - ﷺ - يدعو إلى المداومة على الخير ولو كان
قليلا، وقد قال - ﷺ -: " أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ " (١). وإن الاستمرار على طاعة الله يؤدي إلى مثلها، وإن الاستمرار على السهل يجعل المكلف قادرا على الصعب، ثم على الأصعب، وهكذا حتى يصل إلى أعلى درجات التكليف مشقة، فيكون بعد هذه الخطوات أمرا مستطاعا. وإذا وصل إلى ذلك يكون الأجر العظيم، لذا قال سبحانه:
* * *
________
(١) سبق تخريجه.
(وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧)
* * *
وإنما قام المكلفون بما كلفوا، وأدوا حق الله تعالى، وقد زاد ثباتهم على الحق، ونالوا الخير، فإن لهم مع ذلك جزاء عظيما، لَا حدود لعظمته. وقد تأكدت عظمة الجزاء بأمور ثلاثة: أولها - تنكيره، فهذا التنكير يشير إلى أنه غير محدود بحدود، فهي عظمة أقصى ما يصل إليه الخيال. ثانيها - أنه قال إن ذلك من لدن الله تعالى، وهذا شرف إضافي لهذا الجزاء، وهو جزاء يعلو على كل جزاء من الناس، ثم إنه جزاء يستهان في سبيله كل أذى. وثالثها - الوصف بالعظمة، والذي وصفه بذلك هو الحكيم الخبير، والخلاق العظيم.
* * *
(وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)
* * *
الصراط هو الطريق، والمستقيم هو الذي يوصل إلى غايته أو هدفه، ويقول علماء الهندسة: إن الخط المستقيم هو أقرب خط بين نقطتين، فالصراط المستقيم هو أقرب طريق يوصل إلى الحق، والهداية هنا هي التوفيق لأقرب طريق موصل إلى الله تعالى. ومعنى النص الكريم: من أجاب داعي الحق، وقام بالأوامر والنواهي على وجهها الأكمل، وفقه الله تعالى إلى طريقه المستقيم الذي لَا اعوجاج فيه، ويصل بذلك إلى القرب من الله تعالى، فإن الذي يتقرب إلى الله تعالى بالطاعات يصل إلى إدراك نوراني لحقائق العبودية.
ولقد قال البيضاوي في تفسير هذه الآية: (يصلون بسلوكه جناب القدس، ويفتح عليهم أبواب الغيب، قال النبي - ﷺ -: " من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم
يعلم " (١)، وإنه قد ورد أن العبد يتقرب إلى الله تعالى بنوافل الطاعات حتي يصير الله تعالى بصره الذي يبصر به وسمعه الذي يسمع به).
وإن الأساس في الارتفاع إلى هذه المقامات العليا هو طاعة الله وطاعة رسوله، ولذا قال سبحانه:
* * *
________
(١) أبو نعيم في (الحلية) من حديث أنس بهذا اللفظ. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس مرفوعا: " مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا فَعَمِلَ بِهِ كَانَ حَقا عَلَى الله أنْ يُعَلِّمَهُ مَا لَمْ يكنْ يَعْلَمُ ". وفي كتاب (رواية الكبار عن الصغار) لأبي يعقوب البغدادي عن سفيان: " مَنْ عَمِلَ بِمَا يَعلَمُ وُفَقَ لِمَا لاً يَعْلَمُ ". الدرر المنتثرة ج ١، ص ٧٩٣ برقم (٤٢٢).
(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ... (٦٩)
* * *
ذكر الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة فضل الطاعة وجزاءها، وهو أجر عظيم، وهداية إلى الطريق الذي يوصل إلى القدسية ومرتبة المشاهدة لله تعالى، وعظمته التي ذكرها النبي - ﷺ - في قوله: " اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " (٢) وفي هذه الآية الكريمة يذكر لهم جزاءً آخر، وهو كرم الصحبة في الدنيا والآخرة، فهم إذ يسيرون في الصراط المستقيم الموصل إلى الله يكونون في قافلة الأطهار من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وما أحسنها رفقة طاهرة كريمة طيبة!!.
والإشارة في قوله تعالى: (فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم) إلى أولئك السابقين الذين أعطاهم الله سبحانه الأجر العظيم، وهداهم للوصول إلى مرتبة السُّمُو، ومشاهدة المعاني القدسية، وكرر ذكر الطاعة فقال: (وَمَن يُطِع اللَّهَ وَالرَّسُولَ)، لأن هذه الطاعة هي الأساس في هذه الأجْزِية المجزية، الرافعة السامية الهادية، وفي تكرارها تحريض عليها، ودعوة إليها.
وقد ذكر سبحانه أن النبيين والصديقين والشهداء والصالحين قد أنعم عليهم، وإن ذلك هو الحق الذي لَا ريب فيه، ففيهم جميعا نعم ثلاث قد اختصوا
________
(٢) سبق تخريجه.
بها: أولاها - نعمة الهداية والتوفيق، وتلك هي الأساس. والثانية - نعمة إدراك معاني الربوبية والعبودية، فهم يحسون بعظمة الخالق المنشئ، كما يحسون بعظمة المعبود، ويذوقون طعم الخضوع لله الواحد الأحد الذي ليس بوالد ولا ولد.
والثالثة - نعمة العمل الصالح. وتلك النعم هي معاني الإنسانية العالية التي تسمو عن كل مظاهر الحيوانية، وما بقي منها فإنه تقوى به هذه المعاني العالية، وتلك النعم السامية.
ومن هم أولئك الرفقاء الأطهار؛ إنهم مراتب ودرجات، وهم أربعة: أولهم: النبيون، وهم الذين أنبأهم الله، واختارهم ليخبروا عنه سبحانه، ويبلغوا الناس شرعه ويفسروه، وإن من يبالغ في محبتهم وطاعتهم يكون معهم، لأن النبي - ﷺ - يقول: " المرء مع من أحب " (١).
وقد روى ابن جرير الطبري عن سعيد بن جبير أنه قال: " جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله - ﷺ - وهو محزون فقال: يا رسول الله، شيء فكرت فيه! فقال الرسول: " ما هو "؟ قال: نحن نغدو إليك ننظر إلى وجهك ونجالسك، وغدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك! فنزل قوله تعالى: (وَمن يُطِع اللَّهَ وَالرَّسولَ فَأوْلَئكَ مَعَ الَّذينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم...) الآية. وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أَنها قالت: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال له: " إنك لأحب إليَّ من نفسي، وأحب إليَّ من أهلي، وأحب إليَّ من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك، فما أصبر حتى آتي، فانظر إليك، وإذا ذكرت موتي عرفت أنك إن دخلت الجنة رفعت مع النبيين فخشيت ألا أراك. فنزلت الآية الكريمة " (٢).
والذي يعنينا في هذا أن من يحب الله ورسوله يكون مع حبيب الله محمد - ﷺ - وغيره من الأنبياء الأطهار.
________
(١) متفق عليه؛ رواه البخاري: الأدب - علامة حب الله عز وجل (٦١٦٨)، ومسلم: البر والصلة - المرء مع من أحب (٢٦٤١). عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(٢) رواه الطبراني في الصغير والأوسط ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران العابدي وهو ثقة. عن عائشة رضي الله عنها. مجمع الزوائد (٧٣٩٠١).
والفريق الثاني من قافلة الأبرار، الصديقون، ومرتبتهم تلي مرتبة النبيين، والصديقون جمع صدِّيق، وقد فسر العلماء الصديق بأنه الصادق الذي لَا يكذب، وقد جاء في مفردات الراغب الأصفهاني: الصدِّيق من كثر منه الصدق، وقيل: يقال لمن لَا يكذب قط، وقيل: لمن لَا يتأتي منه الكذب لتعوده الصدق، وقيل: بل لمن صدق بقوله واعتقاده، وحقق صدقه بعمله. قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّه كَانَ صِدّيقًا نَّبيًّا)، وقال: (وَأمُّه صِدِّيقَة...)، وقال: (مِّنَ النَّبِيَّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ).
وان هذه المعاني متلازمة، فمن صدق في قوله لَا يكذب قط؛ إذ يصير الصدق عادة نفسية له، فلا يتأتي منه الكذب، ولقد قال النبي - ﷺ -: " عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا " (١).
وإن الصدق في القول إذا صار عادة نفسية زكت النفس وطهرت، واستقام الفكر والعمل، وصار يدرك الحق لذات الحق، ويتجه إلى طلبه من غير التواء، فيدركه من غير طلب حجة ولا برهان؛ لأن أمارات الحق تلوح له، ويدركها بنور قلبه. وكذلك كان صدِّيق هذه الأمة أبو بكر رضي الله عنه، وقد روى ابن مسعود عن النبي - ﷺ - أنه قال: " ما عرضت الإسلام على أحد إلا كانت له نظرة، غير أبي بكر فإنه لم يتلعثم " (٢).
________
(١) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الصِّدْقَ بِرٌّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ فُجُورٌ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ، حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّابًا ". رواه مسلم: البر والصلة والآداب - قبح الكذب وحسن الصدق وفضله (٢٦٠٧)، كما رواه البخاري بلفظ مقارب. الأدب - قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) (٦٠٩٤)].
(٢) رواه الديلمي عن ابن مسعود. كما في كنز العمال (٣٢٦١٢).
وإن زكاء النفس بمداومة الصدق يؤدي إلى سلامة الاعتقاد، وصحة العمل، وإلى المداومة على تعرف عيوبها، فيكون الصدوق سليم النظر في كل شيء لم يلبس بباطل، وبذلك يكون الصذيق لَا يتأتي منه الكذب، ويسلم قلبه كما سلم لسانه، ويصح اعتقاده كما يصلح عمله.
والفريق الثالث من قافلة البر، هم الشهداء، وهم الذين شهدوا الحق وعلموه علما كعلم المعاينة والمشاهدة، فهؤلاء يشهدون بالحق، ويعلنونه ويدعون إليه، فهم الذين قال الله تعالى في أمثالهم: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)، فهم حضور الحق والشاهدون به والداعون إليه، وإن من أولئك بلا ريب الذين يقتلون في الجهاد في سبيل الله تعالى لإعلاء كلمة الحق، قاصدين وجه الله بقتالهم؛ لأنهم شهدوا الحق وأعلنوه، وضربوا الأمثال على افتدائه بأنفسهم، وشهد الله تعالى لهم بالجنة.
والفريق الرابع الصالحون، وهم من صلحت نفوسهم وأعمالهم، فهم صالحون في الباطن والظاهر.
هذه القافلة المكونة من هذه الطوائف الأربع، هم أهل الإيمان حقا وصدقا، وهم رفقاء الخير، ورفقتهم أحسن النعم، ولذا قال سبحانه:
(وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا) الرفيق هو الصاحب الذي يلازمك في عمل أو سفر، وسمي رفيقا لأنك ترتفق به وتستعين، ويعاون كل منكما صاحبه، ويأتنس به في العمل والسفر والملازمة بشكل عام. والرفيق هنا ذكر مفردا واستعمل في معنى الجمع، فالمعنى: وحسن أولئك رفقاء! وإنما أفرد لأن الحسن في ذات الرفقة، ولأن المصاحبة إفرادية، فكل واحد يصاحب الأحاد والجميع، فهم جميعا في معنى رفيق واحد، لتشاكل النفوس وتوافقها. وقال الزمخشري: إن (حَسُن) في معنى فعل التعجب، فالمعنى: ما أحسن وأطيب رفقة هؤلاء! ولذلك كانت نعمة أنعم الله بها على عباده المخلصين. وهي من فضله.
* * *
(ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)
* * *
الإشارة إلى كل ما ذكر من جزاء على طاعة الله وطاعة الرسول - ﷺ -، من أجر عظيم، وهداية إلى الصراط المستقيم، ورفقته مع الأخيار الأبرار من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، هذا كله فضل من الله تعالى العلي الكبير، وعطاء منه، ورحمة يرحم بها المتقين -، وهو العليم بكل ما يعملون من خير، لَا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع البصير. فقوله تعالى: (وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا) فيه بيان أنه يعلم سبحانه من يستحق فضله وعطاءه ومن لَا يستحق، وفيه إشارة إلى أن الطاعة هي طاعة العالم بكل شيء، فالطاعة فيها مصلحة للعباد؛ وكون الجزاء بفضل الله فيه إشارة إلى أن العمل وحده لَا يستوجب العطاء، إنما هو من فضل الله تعالى. ولقد روى أن النبي - ﷺ - قال: " لن يُنَجِّي أحدا منكم عمله "، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: " ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته. سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة (أي من قيام الليل) والقصد القصد تبلغوا " (١). اللهم اختم لنا بخير ما نعمل، ونجنا بفضل رحمتك من سوء أعمالنا، إنك ذو الفضل العظيم.
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ
________
(١) رواه البخاري: الرقاق - القصد والمداومة على العمل (٦٤٦٣)، ومسلم بنحوه: صفة القيامة والجنة والنار - لن يدخل أحد الجنة بعمله (٢٨١٦). عن أبي هريرة رضي الله عنه.
فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣) فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)
* * *
في الآيات السابقات بين الله سبحانه وتعالى دعائم الحكومة الإسلامية الوثيقة الأركان، فذكر لها ثلاثة أوصاف:
أولها - أن تسودها الأمانة في القول والعمل والمال، فلا تقوم حكومة قويمة إلا إذا كانت الأمانة هي السائدة بين الحكام والسائدة بين الشعب، والسائدة في العلاقات بين الشعب والحكومة. فإذا لم تكن الأمانة فسد أمر الحاكم والمحكوم، وضاعت الأمة.
وثانيها - العدل، فهو ميزان الجماعة وميزان الحكم. ولقد كان العدل شعار الإسلام وسيماه ومعناه، فإذا كان لكل دين سمة واضحة فيه، فسمة الإسلام العدل من العدو والولي على سواء. ولا تقوم أمة إذا لم يقم بينها العدل، واحترام الحقوق التي قررها الله تعالى، ومنحها لعباده.
وثالثها - الرجوع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ -، واتخاذهما الحكم المرضي للحكومة دائما، لَا يأخذ أحد منهما ما يحب ويدع ما لا وإنه يجب أن يكون للأمة مجلس للحل والعقد يستشيره الحاكم ويشير عليه، فإن اختلف أهل الْحَلِّ والعَقْدِ، احتكموا إلى كتاب الله تعالى، يشير إلى ذلك قوله تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْمِ الآخِرِ).
وفى الآيات السابقة أكد الأمر بطاعة الله تعالى، وبين أن أعلى الدرجات أن يطيع المؤمن الله ورسوله، ولو أمره بأن يتقدم لإعلان الحق والنطق به، وهو يعلم أنه سيقتل.
وإذا تكونت الأمة ذلك التكوين العادل الأمين، تقدمت للدفاع عن نفسها، ولذلك جاء بعده أخذ الأهبة للقتال، فقد قال سبحانه وتعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا) يا أيها الذين أذعنوا للحق، واستجابوا لله ولرسوله، خذوا الأهبة بالحذر واتقاء أذى الأعداء، وكونوا متاهبين للقاء دائما، ولا يكن أخذ الحذر والاحتراس بالقعود في الديار، بل بالنفرة والاستعداد لمواجهة الأعداء في الميدان. فعلى المؤمنين أن ينفروا للحرب، جماعة بعد جماعة، تمر بالثغور التي تواجه الأعداء، أو تلاقى من تستطيع لقاءه منهم. أو إذا تكاثف العدو في مكان، وأصبحت لَا تكفيه جماعة الجند العامل، فلينفر الجند كله، وليتقدم للميدان بكلكله (١)، وهذا معنى النص الكريم بالإجمال ولنتجه إلى تحليل بعض العبارات من ناحية اللفظ والمعنى.
وأولى هذه العبارات قوله تعالى: (خُذُوا حِذْرَكمْ)، فقد قال الزمخشري: " إن الحِذْرَ والحَذَرَ معناهما واحد، ويقال: أخذ حذره إذا تيقظ واحترس. ومعنى خذوا حِذركم، أي خذوا ما فيه الاحتياط لكم، ودفع كل مخوف عنكم "، وقد ذكر الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده: " أن مِنْ أخذ الحذر تعرف حال البلاد الإسلامية، وترف حال بلاد الأعداء، أو من يتوقع منهم الاعتداء، وتعرف بلاد المعاهدين وغيرهم، بحيث إذا اضطروا إلى الحرب كانوا عالمين بمواطن قوتها وأماكن ضعفها ". وذكر رضي الله عنه " أنه يدخل في الاستعداد وأخذ الحذر، واتقاء كل مخوف معرفة الأسلحة واستعمالها فإذا كان ذلك يتوقف على معرفة الهندسة والكيمياء والطبيعة وجر الأثقال، فإنه يجب تحصيل ذلك ". ولقد قال الإمام هذا في أول هذا القرن الذي يعيش فيه، وهو ألزم في هذا العصر الذي
________
(١) الكلكل: الصدر من كل شيء. لسان العرب.
كشف ابن الأرض فيه الفضاء، وصارت الحرب لَا تكون بشجاعة الشجعان، بل تكون بالأدوات وغيرها.. ولقد قال أبو بكر لخالد بن الوليد يوم حرب اليمامة: " حاربهم بمثل ما يحاربونك به "! فعلينا أن نعد العدة بمثل ما يعدون، وقد ابتكروا ما يخرب الديار، فعلينا أن نعمل بهذا الابتكار، فإن الشر لَا يدفع إلا بمثله. والله من ورائهم محيط.
والثانية في قوله تعالى: (فَانفِرُوا ثُبَات أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا)، فمعنى انفروا: اخرجوا إلى ميدان القتال أو الحراسة. وقالوا: إن نفر يتفر معناه انزعج وخرج إلى عمل من الأعمال، ومنه قوله تعالى: (فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ منْهُمْ طَائِفةٌ ليَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ)، ومصدره النفر أو النفار أو النفير، والأخير قد يطلق بمعنى الجماعة النافرة. وقالوا إنَّ نَفَرَ يَنْفُر - معناها انزعج عن الشيء، ومنه النفور من الأمور ونفور الدابة. (وثُبَات) جمع ثُبَة، وهي في الأصل ثُبَيَّة، حذفت الياء، ووزنها فعة، ويقال: ثيبت الجيش، جعلته ثبة ثبة، أي جعلته جماعة متفرقة، كل واحدة لها مقصد خاص، وعمل تقوم به، اقتضاه توزيع القوى.
والنفير جماعة جماعة، هو الحال الدائمة المستمرة، فيجب أن تكون حراسة مستمرة للحدود والثغور، وهي المرابطة، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
وأما النفير العام فإنما يكون عند قيام الحرب التي لَا تكفي فيها كتيبة، أو كتيبتان، أو كالتعبير التاريخي في الإسلام: سرية أو سريتان أو أكثر، بل لَا بد من الجيش المحارب كله والأمة من ورائه تؤيده وتؤازره.
ولكن ما المراد من النفير جميعا؛ أهو الجيش المحارب كله، أم نفير الأمة كلها؟ لَا شك أنه إذا لم تغن السرية وجب أن يتقدم الجيش كله، وتقدم الجيش كله هو في معنى نفير الأمة كلها؛ لأن الأمة عليها أن تكوِّن الجيش المقاتل، تؤازره وتؤيده بالمال والقول والعمل، وتكون من وراء ظهره تدفعه إلى العمل وتحميه من
كل خيانة. فإن تكوين جيش مسلح كاف فرض كفاية على كل المسلمين، تأثم الأمة كلها إذا تركت تكوينه. ثم إذا دخل العدو الديار صار الواجب أن ينفر كل قادر من الأمة، وإلا كانت كلها مقصرة، ويكون الخروج فرض عين، وحين ذلك تنفر الأمة كلها حقيقة لا حكما.
إن هذا واجب المخلصين في الأمة، وفي كل أمة معوِّقون يقولون: هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا! ولذا قال سبحانه:
* * *
(وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢)
* * *
وإن ممن يعيشون معكم ويساكنونكم ويرتبطون معكم برحم واصلة، ويعلنون اسم الإيمان لمن يتثاقلون عند الدعوة إلى القتال، فيبطئون ولا يخرجون، يبطئون غيرهم ويثبطونهم. وهؤلاء لَا ينظرون إليكم نظرة الحب الذي يودكم، بل يتوقبون الأمر معكم، فإن أصابتكم هزيمة وقتية، أو استشهد عدد منكم، لا يتألمون، بل يفرحون، ويعتبرون قعودهم نعمة أنعم الله بها عليهم، ويحمدون الله تعالى إذ لم يكونوا حاضرين هذه الحرب!! فمعنى (شَهِيدًا) حاضرا الحرب، يقاتل فَيَقْتُلُ أو يُقْتَلُ.
ومن هم هؤلاء؛ أهم المنافقون، أم ضعاف الإيمان؟ قال أكثر مفسري الرواية: إنهم منافقون، وذلك شأنهم. والتعبير بـ " منكم " يحتاج إلى توفيق بين هذا وقوله تعالى في شأن المنافقين: (مَّا هُم منكُمْ وَلا مِنْهُمْ)، والتوفيق أن يقال هنا إن المراد بقوله منكم، أي من أهلكم وعشيرتكم وتربطكم بهم رحم، فكل منافق كان في قرابته من هو صادق الإيمان، مجاهد في الله حق جهاده. ويزكي هذا قوله تعالى في الآية الآتية: (كَأن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ).
وبعض المفسرين رأى أن المراد ضعاف الإيمان، ومن ليست عندهم عزيمة الجهاد، ذلك موجود في كل جماعة، ففي كل جماعة المؤمن القوي في نفسه ودينه، ومنهم الضعيف في نفسه وهمته ودينه.
والحق أنه يصح أن يشمل التعبير الطائفتين: المنافقين وضعاف الأنفس والإيمان، فكلا الفريقين لَا يهمه إلا نفسه، ولا يندمج إحساسه في إحساس أهل الإيمان، فهو متربص منتظر، فإن وجد هزيمة لَا يألم، بل يسر لأنها لم تصبه؛ إذ لا يعتبر آلام جماعته إيلاما لنفسه، وإن وجد نصرا تألم؛ لأنه لم يكن من الغانمين الذين اشتركوا في المعركة، ونالوا الفوز فيها؛ ولذا قال سبحانه وتعالى في شأن هؤلاء في حال النصر:
* * *
(وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣)
* * *
ولئن نلتم نصرا وغنما بفضل الله تعالى، لَا يفكرون في سروركم ولا يحمدون الله على نصركم، ولكن يفكرون في أمانيهم، ويتمنون أن لو كانوا معكم ليفوزوا الفوز العظيم الذي نلتموه، وهو فوز النصر وفوز الغنيمة، فوز الاطمئنان وأداء الواجب، يفكرون فيما ينالهم من خير يرجونه، أو آلام يتجنبونها، ولا ينظرون إلى آلامكم وسروركم، كان لم يكن بينكم وبينهم أية موفى ة، ولو كانت ضئيلة!! فتنكير المودة لبيان تصغيرها، وهذا شأن الأثر الذي يحب نفسه فقط، ولا يفكر في الجماعة التي يعيش فيها.
وهنا ثلاثة بحوث لفظية ومعنوية:
أولها: التعبير عن هذه الجماعة، المنافقة أو ضعيفة الإيمان، بالمفرد اتباعا للفظ (مَنْ) الذي يجوز عود الضمير عليه مفردا. وفي هذا التعبير إشارة إلى معنى الانفراد في الإحساس الذي اختصوا به، ولم يشاركوا أحدا في إحساسهم بالألم أو السرور.
وثانيها: التعبير بقوله: (أَصَابَكُمْ فَضْلٌ) فإن التعبير بإصابة الخير مع أنهم نالوه، للإشارة إلى أن ذلك إرادة الله تعالى. فإن أصابكم ما يؤلمكم فبإرادته، وإن نلتم من خير فبإرادته وبتفضله.
وثالثها: إن قوله تعالى: (كَأن لَّمْ تَكن بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) جملة معترضة بين القول ومقوله، للإشارة إلى فقدهم الإحساس الاجتماعي فقدًا تاما، الذي
يجعل مودة أيا كان مقدارها بين المتعاشرين أو المتجاورين أو المتجانسين! لقد فقدوا هذا فقدا تاما، وهذا شأن كل من ينفصل عن جماعته بالإحساس والأنانية الخسيسة!!
وفى قوله تعالى: (فَوْزًا عَظِيمًا) إشارة إلى استعظام الخير الذي ينال المؤمنين، شأن الحسود غير المحب.
وإن هؤلاء الذين يعيشون مع جماعة المؤمنين، ولا يحسون بإحساسهم، لا يخرجون إلى قتال، وإنما يخرج للقتال أولئك الذين يؤثرون على أنفسهم، ويقدمونها لله تعالى رجاء ما عنده، فهؤلاء هم القوة، وهم العماد في الحروب والشدائد، ولذا قال سبحانه:
* * *
(فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ... (٧٤)
* * *
إذا كان المخذلّون يتربصون بالمجاهدين، فإنه يجب أن يكون الجهاد للمخلصين، وأن يبعدوا عنهم المعوقين، فإنهم لَا يزيدونهم إلا خبالا واضطرابا! فليتقدم للقتال الذين لَا ينظرون إلى مغنم يبتغونه، ولا مال يريدونه، إنما يبيعون الحياة الدنيا ومتعها وشهواتها، ويطلبون ثمنا هو الآخرة وما فيها من جنات وعيون، ونعيمها ثابت دائم، ومعها رضوان الله تعالى. وسبيل الله التي يجب القتال فيها هي سبيل الحق، وإعلاء دينه، وجعل كلمة الله هي العليا.
و" يَشْرُونَ " هنا معناها يبيعون أنفسهم، وذلك مثل قوله تعالى: (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ)، وقوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ)، وقوله تعالى: (وَشَرَوْهُ بِثَمَن بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدودَة)، أي باعوه. وإن الذي يبيع نفسه لله، ليفتدى الحق وأهله، له جزاؤه وأجره العظيم، ولذا قال سبحانه: (وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).
ومن يتقدم للقتال في سبيل الحق، طالبا رضاه سبحانه، فإن قتل واستشهد في سبيله سبحانه، أو غلب وانتصر بتأييد الله تعالى، ونال السلطان من الله بالغلب، فهو في كلتا حاليه سينال جزاء عظيما. و " سوف " هنا لتأكيد نيل الجزاء في المستقبل، وأكثر استعمالاتها في القرآن هي لتأكيد الوقوع في القابل، ولذا لا تدخل على النفي. وقد وصف الجزاء بالعظم للدلالة على مقداره، ونكِّر للدلالة على أنه لَا يحده تعيين، ولا يبينه تعريف، مهما يكن دقيقا.
وإنما ينال ذلك الجزاء من خرج مجاهدا في سبيل الحق، لَا يبتغي غير رضاء الله، ولا يبغي علوا في الأرض ولا تفاخرا. ولقد قال - ﷺ -: " تَضَمَّن الله لمن خرج في سبيله لَا يخرج إلا جهادا في سبيلي، وإيمانا بي، وتصديقا برسلي، فهو عليَّ ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة " (١).
اللهم هب أمتك روح الجهاد في سبيل الحق، وهبنا رحمة من عندك، إنك أنت الوهاب.
* * *
(وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)
* * *
________
(١) رواه مسلم: الإمارة - فضل الجهاد والخروج في سبيل الله (١٨٧٦)، والبخاري بلفظ: " تكفل الله ": فرض الخمس - أحلت لي الغنائم (٢١٢٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
هذه الآيات، وما يليها من آيات كريمات، للحض على الجهاد في سبيل الله وقد ابتدأ بدعوة المؤمنين لأخذ الأهبة، والنَّفْرَةِ للجهاد في سبيل الله وإعلاء الحق، والحفاظ على جماعتهم، وحماية أنفسهم، وأخذ الحذر لكيلا ينقض عليهم أعداؤهم.
وإنه في سبيل الاستعداد أن يبعدوا عن حسابهم أولئك الذين يثبطون عن القتال ولا يحتسبوا في عدادهم إلا أولئك الذين باعوا أنفسهم لله، وباعوا متع الحياة الدنيا، لينالوا نعيم الآخرة.
وفى هذه الآيات يحض على القتال بتذكيرهم بشرف ما يجاهدون من أجله، وهو رضا الله، وإعلاء كلمة الحق، ويذكرهم بإخوانهم الذين يرهقون بالظلم، ويعيشون مستضعفين أذلاء، لَا يجدون وليا يلي أمرهم، ولا نصيرا ينصرهم ويستنقذهم مما هم فيه من بلاء، ولذلك قال تعالى:
(وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) أي شيء ثبت لكم، حتى صرتم في حال لَا تقاتلون فيها في طريق الله طريق الحق الصحيح، والدين الذي لَا شك فيه، والهداية التي فيها خير الإنسانية في الدنيا، وحسن المآل في الآخرة، ولا تقاتلون في سبيل أولئك الذين استضعفوا لعدم وجود من ينصرهم، فضعفوا، وهانوا على أولئك الظالمين، وإن لم يهونوا عند الله سبحانه وتعالى، وعندكم أنتم أهل الحق والإيمان.
وأولئك المستضعفون الذين أراد المشركون إضعافهم وإذلالهم، منهم الرجال الذين سلبوا كل حول وقوة، وصاروا أذلاء، ومنهم النساء اللائي لَا قدرة لهن بحكم الأنوثة ومنهم الذرية الضعاف.
وهنا بحوث نحوية وبلاغية، لَا بد من الإشارة إليها.
أولها: موضع (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) من الإعراب، وقد قيل: إن (ما) دخلت على فعل محذوف يتضمن الكلام معناه ويقتضي تقديره، ويكون
المؤدى ما يثبت لكم حال كونكم لَا تقاتلون في سبيل الله، فقوله سبحانه: (لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) استفهام إنكاري، وموضع الاستنكار أنهم لَا يقاتلون في سبيل الله مع توافر دواعي القتال من الإيمان وحماية من تجب حمايتهم بحكم الشرف، والكرامة الإنسانية.
ثانيها: قوله تعالى: (وَالْمُسْتَضعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) فإنهم قالوا إن القتال لاستنقاذهم قتال في سبيل الله، فلماذا ذكر بعد القتال في سبيل الله، وهو يشمله؛ وقد أجابوا عن ذلك بأن هذا من قبيل عطف الخاص على العام؛ لأن للخاص مزيد عناية بيانية. ومنهم من قال إن قوله تعالى:
(وَالْمُسْتَضْعَفِينَ) منصوب على الاختصاص، والمعنى: لَا تقاتلون في سبيل الله وخصوصا المستضعفين إلخ. ومهما يكن من التخريج النحوي، فإن المؤدى أن النص على هؤلاء للتحريض على القتال، بحكم الشرف والمروءة، بعد التحريض عليه بحكم الدين والقربى إلى الله سبحانه وتعالى، ذلك أن العربي الكريم المعدن، وإن لم يكن مؤمنا، يرى من المروءة والشرف والنجدة ألا يعتدى على ضعيف، لَا قوة له، وأن من الواجب عليه أن ينصره، وأن يغيثه.
ثالثها: أن النص على النساء والولدان الصغار فيه تحريض أقوى تحريض؛ لأن هؤلاء يعيرون إذا تركوهم في أيدي الأعداء. وذكر الأولاد بالذات، وهم لم يجنوا أي جناية، فيه حث بذاته على القتال، فإذا كان المشركون قد أفحشوا في الاعتداء، فليس للمسلمين أن يخذلوا هؤلاء الضعفاء.
وإن هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والذرية ليسوا مستسلمين للظلم، ولكنهم يريدون دفعه، ويتجهون إلى اللَّه تعالى أن يخرجهم منه، إذ يقولون كما حكى الله سبحانه وتعالى عنهم:
(رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِم أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا) لَا يجدون لهم قوة إلا الدعاء والضراعة إلى الله سبحانه وتعالى يطلبون معونته وإمدادهم، فيقولون مقرين بأن لله وحده حق الربوبية، وبأنه هو
الذي يحوطهم ويكلؤهم، وأنه وحده الذي يملك أمرهم أخرجنا من هذه المدينة الكبيرة، وهي مكة، التي يظلمنا أهلها، والظلم شأن من شئونهم، ويضرعون إليه سبحانه أن يجعل لهم وليا ينتمون إليه، وولاية قوية يشعرون تحت سلطانها بالعزة والكرامة، ويبتعدون عن ولاية الكافرين الظالمة العاتية الباغية، وأن يجعل لهم من ينصرهم، ويخرجهم من نير أهل الكفر، فهاهنا ثلاثة مطالب متلاحقة لهم توجهوا بها إلى ربهم:
أولها: الإخراج من نير الظلم، وحكم الظالمين.
وثانيها: أن يكونوا تابعين لولاية دولة الله، وهي الدولة الإسلامية، فلا يخرجون مشردين لَا دولة تحميهم، ولا ديار تؤويهم.
وثالثها: أن يكون لهم من الله نصير دائم ينصرهم، فلا يتمكن الأعداء وهنا بحوث بلاغية:
أولها - أن المراد من القرية مكة، وقد وصف أهلها بأنهم ظالمون، ولم توصف هي بأنها ظالمة، كما وصف غيرها من القرى مثل قوله تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَة بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا)، وذلك تكريم لمكة، إذ هي حرم الله الآمن، ولم يمكن أن يوصف حرم الله الآمن بالظلم، ولو على سبيل المجاز والتقدير. وقد قال ناصر الدين السكندري في كتابه " الانتصاف " في هذه الآية ما نصه: (ووقفت على نكتة في هذه الآية حسنة، وهي أن كل قرية ذكرت في الكتاب العزيز، فالظلم إليها ينسب بطريق المجاز، كقوله تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَة كَانَتْ آمِنَةً مطْمَئِنَّةً)، إلى قوله تعالى: (فكفرت بأنعم الله)، وقوله تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَة بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا)، وأما هذه القرية في سورة النساء، فينسب الظلم إلى أهلها على الحقيقة، لأن المراد بها مكة، فوُقِّرت عن نسبة الظلم إليها، تشريفا لها، شرفها الله تعالى).
ثانيها - أن النص يفيد أنهم يحسون بأن النصرة لَا تكون إلا من الله، وأن الولاية لَا تكون إلا منه فهم بذلك معتزون مطمئنون، ولو كانوا مستضعفين لا حول لهم ولا طول؛ لأن من التجأ إلى الله تعالى عزيز، ولو كان في أرض الذل.
ثالثها - في التعبير (لَدنكَ) وهي بمعنى (عند)، ولا تكاد تستعمل في القرآن إلا مضافة إلى لفظ الجلالة، وعلى أي حال هي تفترق عن عند بأن (عند) تستعمل للعلو، والانخفاض في العندية، كما تستعمل في التساوي، فيقال فلان عند فلان إذا كانا متساويين في الرتبة أو أحدهما دون الآخر، أما (لدنك) فإنها لا تستعمل إلا إذا كان المضاف إليه عاليا، والمضاف دونه، فهذا التعبير يشير إلى أن أولئك الضعفاء قد لَجأوا إلى الجانب الأعلى الذي لَا يدانيه علو في الأرض ولا في السماء، وإذا كانوا قد لجأوا إلى الله، فإن الله ناصرهم.
* * *
(الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ... (٧٦)
* * *
سبيل الله تعالى هي سبيل الحق الثابت الذي لَا يكون فيه العدل، ولا يكون بغي ولا فحشاء ولا أذى، وفيه قيام المصالح ودفع المفاسد. والطاغوت هو فَعَلُوت من طغى، وهو مجاوزة الحد، والبغي الشديد، وترك الخير، وفعل الشر، والسعي في الأرض بالفساد.
وهنا مقابلة بين قتال أهل الإيمان، وقتال أهل الكفر - بالغاية منهما - فغاية المؤمنين نصرة الحق ودفع الفساد، وغاية الكافرين نشر الظلم والفساد في الأرض، ولو ترك الظالمون من غير أن يقاومهم أهل الحق، لعم الفساد، وذهب الخير، وهدم الحق، كما قال سبحانه: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنً اللَّهُ ذُو فَضلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ). (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠).
وإن السبب في أن يجاهد المؤمنون في سبيل الله، وهي سبيل الحق ورفع الإنسانية، والمحافظة على كرامة الإنسان، هو إيمانهم، فالإيمان يدفع إلى أسمى الغايات والدفاع عنها، وذلك السمو هو سبيل الله تعالى، والكافرون لعدم إيمانهم بالمثل العليا الإنسانية يقاتلون في سبيل الطغيان والسيطرة الظالمة على الأرض.
وإن هذه ظاهرة ثابتة، فالقتال في ظل الدين، والتمسك بمثله العليا، رفعة للإنسانية، ومنع الفساد، ومنع لتحكم الرذيلة في الفضيلة. والماضي ينبئ عن ذلك، فقتال النبي والصحابة من بعده كان فيه حد من طغيان الملوك، وظلم الظالمين، ونشر للواء العدل، ومنع للفتنة في الدين، وتحكم الإنسان في أخيه الإنسان. وقد وصف الله المؤمنين إذا انتصروا، فقال سبحانه وتعالى في أحوالهم: (الَذينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ)، أي أنهم إذا انتصروا رفعوا لواء العدل، وأقاموا مجتمعا فاضلا على أساس من الفضيلة ودفع الرذيلة.
وأما الذين لَا يذعنون للحق، ولا يؤمنون به، ولا يقيمون للفضيلة وزنا، فإن قتالهم في سبيل الغلب، والسلطان الغاشم، والتحكم والسيطرة، وإن الماضي والحاضر يشهدان بصدق ذلك، وإن العيان ليؤيد هذه الشهادة الصادقة. ألم تر إلى أولئك الذين يتحكمون الآن في مصاير العالم، لَا يفكرون إلا في الغلب على قطعة من الأرض يستولون عليها، أو يبسطون نفوذهم فيها، وما ذلك إلا طغيان المتحكمين المسيطرين في بلادهم! وانظر نظرة عميقة إلى أولئك الذين وضعوا أيديهم على أدوات الحرب المخربة، التي إن ألقيت لَا تبقي ولا تذر، وتأكل الأخضر واليابس، فإنهم يتغالبون على النفوذ، ولو استشيرت أمَمُهم فردا فردا، لاستنكروا ما هم مقدمون عليه أو يكادون! فالحروب التي يثيرها الكافرون في هذا الزمان لَا يدفعها إلا طغيان أفراد معدودين، يتحكمون في الشعوب ومصايرها، بطريقة أقسى مما كان يتحكم الملوك من قبل!.
(فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) إذا كان الكافرون يقاتلون في سبيل الطغيان، والظلم والسيطرة والفتنة في الدين، وإكراه الناس، حتى لَا يستمروا على إيمانهم، فإن على المؤمنين أن يقاتلوهم؛ لأنهم نصراء الشيطان، أو الذين دخلوا في ولايته. ومعنى النص السامي: قاتلوا أيها المؤمنون الذين ارتضيتم سبيل الله طريقا، ونصرة الحق منهاجا، الكافرين الذين اتخذوا الشيطان لهم وليا يوالونه، ونصيرا لهم ينصرهم في زعمهم؛ وذلك لأنكم تُعلون الحق، وتدفعون الأذى، وتمنعون الشر والفتنة في الدين، وتحاربون الفساد. ولا تخافوا من هؤلاء الذين يوالون الشيطان، ويزعمون أنه ينصرهم، فإنهم يتبعون تدبير الشيطان لهم، أي يتبعون وساوس أنفسهم، وأهواءها التي يتحكم فيها الشيطان ويسيّرها. وتدبير الشيطان مهما يكن، لَا يكون قويا ينتصر به أهل الكفر والفساد على أهل الحق. وضعف ذلك الكيد والتدبير الذي يدبره الكافرون وإبليس معهم، سببه أنهم تسيطر عليهم الأهواء، والأهواء تفسد الفكر وتفسد الأعمال، وتوجد الشحناء. وأهل الحق لو اتخذوا كل أسباب القوة، واعتزموا أمورهم ودبروا تدبيرهم، وقد جانبوا الهوى والشهوات، هم غالبون لَا محالة، وما يغلب أهل الباطل إلا لعدم اتخاذ أهل الإيمان الأسباب.
وسمى الله سبحانه تدبير الكافرين مع شيطانهم (كَيْدَ)، لأنهم لا يقصدون بالتدبير رفع حق أو خفض باطل، بل الكيد والأذى لأهل الحق.
اللهم اهد المؤمنين إلى أسباب القوة، وأخذ الأهبة، وإعداد العدة للجهاد في سبيلك، سبيل الحق والكرامة والسمّو والعلو.
* * *
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)
* * *
الآيات السابقة في الحض على القتال، وبيان أن القتال دفاع عن العجزة، والنساء، والأطفال، الذين لَا يجدون حيلة للخروج من الهوان والاستكانة للظالمين، ولا يجدون سبيلا لأن يخرجوا من ديار الذل أو يدفعوا عن أنفسهم أوْضَاره وآلامه، ففي القتال دفاع عن هؤلاء، وإخراج لهم. ولكن المسلمين لم يكونوا سواء في تلقي شدائد القتال: فمنهم من يتقدم للميدان لَا يهمه أن يقع على الموت أو يقع عليه، كعلي بن أبي طالب، وغيره من صناديد المؤمنين، ومنهم من يخشاه ويخافه، وهذا الصنف في كل جماعة، ولقد قال الله تعالى فيه:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتوا الزَّكاةَ) تكاثر جمع المؤمنين نسبيا في مكة، وخرجوا مهاجرين، ليقيموا دولة الفضيلة في المدينة، وسكنها النبي - ﷺ - واستقر بها، وأخذ يعقد العقود، وينسق العلاقات بين المقيمين بها وحولها، حتى يكون الاطمئان. ولقد أراد المؤمنون أن يتقدموا لقتال
المشركين، حتى إن النسائي يروى أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي - ﷺ -، فقالوا: يا نبي الله، كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا في ذل!! يريدون أن يأمرهم بقتال المشركين. وسواء أكان الطلب وهم بمكة، أم كان وهم بالمدينة، قبل أن يتقدم النبي - ﷺ - لدفع أذى المشركين بالسيف بعد أن استمادوا وطغوا في الأرض، وأكثروا فيها الفساد. فإن النبي بحكم الله أمرهم بأن يكفوا عن القتال وقتا ينظم فيه الأمر بتقوية أرواحهم، وتوجيهها إلى الله تعالى لتخلص لله وحده، وذلك بإقامة الصلاة، فإن الصلاة فيها تخليص النفس من أدران الماثم، والاتجاه بها إلى الله وحده، وهي إذا أديت على وجهها تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما أمرهم أن يتجهوا في هذه الفترة أيضا إلى تقوية أنفسهم، والربط بين آحادهم بصلات المودة والتعاون، وإزالة ضعف الضعفاء، وذلك بإعطاء الفقراء الزكوات التي كانت مفروضة في أول الإسلام. وإن تقوية الضعفاء سبيل قوة الدولة، كما قال عيم: " ابغوني في ضعفائكم، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم " (١)... حتى إذا استقام أمر الجماعة الإسلامية كتب الله تعالى القتال الذي طلبه من قبل أقوياء الإيمان، ولم يعارضه غيرهم، فكان الطلب من الجميع، كتبه الله تعالى دفاعا عن أهل الإيمان الذين يستذلهم المشركون، ومنعا للفتنة في الدين، وإعلاء لكلمة الحق، ولكي يتقدم للإيمان كل مريد للحق طالب له، غير خائف من صولة الشرك. ولما كتب القتال كان الصادقون الأقوياء آخذين الأهبة، ومستعدين للإقدام، وكان الضعفاء في وجل، ولذا قال سبحانه:
(فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً) الخشية الخوف الشديد مع مهابة الضعيف لمن يخافه، وهذا الفريق الذي خاف القتال مع الهيبة من الأعداء هو من الضعفاء الذين لَا يعلون بإيمانهم.
والتعبير بقوله تعالى في أوصاف هذه الخشية: (يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً)، فيه بعض إشارات بيانية.
________
(١) سبق تخريجه من رواية الترمذي وأبى داود والنسائي.
أولاها - أنه عبر عن الأعْدَاء بقوله (النَّاسَ)، وهو توبيخ أبلغ توبيخ، ذلك لأنهم أناس مثلهم، وليسوا في الفضل مثلهم، وفوق ذلك مع أنهم أناس مثلهم، يجعلون خشيتهم في مقابل خشية الله تعالى ذي الجلال والإكرام القاهر فوق عباده.
الثانية - التعبير بلفظ الجلالة فيه إشارة إلى بيان خورهم وفساد تفكيرهم؛ إذ يجعلون خشية الله - جل جلاله -، في مقابل الخشية من الناس، والله تعالى إذا كان معهم وقاموا بحق الجهاد، فلن يخذلوا أبدا.
الثالثة - في الترديد بين أن تكون خشيتهم من الله بمقدار خشيتهم من الناس، أو أكثر، فيه بيان لحال ضعفهم، واستمكان الضعف، وهو ترق في التوضيح، إذ إنه من المقرر أن المؤمن لَا يليق به أن يخاف الناس، كما يخاف الله، فكيف إذا كان يخاف الناس أكثر من الله؟! ولا شك أن فريقا من أولئك الضعفاء أو المنافقين كان على هذه الحال.
وأولئك الجبناء لَا يكتفون بالخوف والفزع، بل يصل بهم الأمر إلى درجة أن يعترضوا على فرضية القتال.
(وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخرْتَنَا إِلَى أَجَل قَرِيب) قد قالوا لفزعهم: ربنا الذي خلقنا ونمانا وربانا، لأي شيء كتبت علينا القتال وفرضته وألزمتنا به، وهو أمر مخوف مرهوب؟! فمن فرط ذهولهم وجبنهم ينسون العزة والكرامة، وأنهما مطلبان لَا ينالان إلا بالحرب والجهاد؛ وينسون إذلال الكافرين للمؤمنين، والفتنة في الدين، ويسألون عن أسباب القتال!. نعم إن القتال أمر تكرهه النفوس، ولكن إن كان دفعا للذل يصير واجبا، كما قال تعالى: (كتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَن تَكرَفوا شَيئًا وَهُوَ خَيْرٌ لكُمْ).
فيصير القتال أمرا مستمرا لشرف الغاية التي تدعو إليه.
وإذا ذُكر أولئك الضعفاء بالباعث على شرعية القتال لَا يذهب فزعهم، بل يقولون وجلين هلعين: (لَوْلا أَخَّرتَنَا إِلَى أَجَل قَرِيب)، أي: هلا أخرتنا في إجابة
داعي القتال إلى زمن مؤجل قويب؛ فهم بعد أن يعود إليهم رشدهم يطلبون أن يُؤَخروا هم، لَا أن تؤخر الفرضية!. لقد كان كلامهم الأول في شأن الفرضية، ولما أدركوا سوء قولهم، كان كلامهم عن مطالبتهم بتأخير ذهابهم إلى القتال، وذلك ما يدل عليه تعبير الله عنهم بقوله: (لَوْلا أَخَّرْتَنَا)، فهذا الفريق الضعيف الإيمان يريد أن يذهب المجاهدون الأبرار، ويقعدوا هم مع القاعدين!! وقد قال في ذلك القرطبي: (معاذ الله أن يصدر هذا القول من صحابي كريم، يعلم أن الآجال محدودة، والأرزاق مقسومة، بل كانوا لأوامر الله ممتثلين، سامعين طائعين، يريدون الوصول إلى الدار الآجلة خيرا من المقام في الدار العاجلة، على ما هو معروف من سيرتهم، اللهم إلا أن يكون قائله ممن لم يرسخ في الإيمان قدمه، ولا انشرح بالإسلام جنانه، فإن أهل الإيمان متفاضلون؛ فمنهم الكامل، ومنهم الناقص، وهو الذي تنفر نفسه عما يؤمر به، فيما تلحقه فيه المشقة، وتدركه الشدة).
(قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيل وَالآخِرَةُ خَيْر لِّمَنِ اتَّقَى) إن الحرص على الدنيا والتعلق بها، يدفع إلى الرغبة في البقاء على أية صورة كان البقاء، سواء أكان البقاء في عزة أم كان في ذلة. فمطامع المال ومتاع الدنيا تجعل النفس ترضى بالحياة بكل صورها، وقديما قال العرب: (أذل الحرصُ أعناقَ الرجال). فكان لابد لتربية روح الجهاد من تعريف المسلم بقيمة هذه الحياة، ووزنها بالنسبة لما بعدها، ولذلك أمر الله نبيه أن يقول لهؤلاء الذين كانت خشيتهم للناس كخشية الله أو أشد، واضطربوا عندما أمروا بالقتال: إن كل منافع الدنيا ولذاتها قليلة، مهما كبرت في نظركم، فكثيرها قليل إذا كانت في ذلة، ولا يبقى الانتفاع إذا تحكم فيكم الأعداء، وهي فانية لَا تبقى، وكل ما يكون مآله الزوال ضئيل مهما تكاثر في العدد، وإذا وزن متاع الدنيا بمتاع الآخرة الباقي الخالد الدائم، فإنه لَا يكون شيئا مذكورا!! ولذا جاء قول النبي بأمر الله تعالى: (مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْر لِّمَنِ اتَّقَى) والآخرة بما فيها من متاع دائم خير من الدنيا بكل حذافيرها؛ لأنه لَا نزاع
فيها، ولا شر يتحكم ولا مغالبة، بل اطمئنان وهدوء، وسرور مستمر، لمن ينالون جنتها ويبعدهم الله تعالى عن جحيمها، وهي مع ذلك أكلها دائم، ونعيم مقيم، ورضوان من الله أكبر، وإن أعمال الخير في الدنيا، والجهاد في سبيل الحق، هي السبيل لنيل ما في الآخرة من خير وجنات تجري من تحتها الأنهار، ومن عمل عملا صالحا نال جزاءه موفورا، ولذا قال سبحانه وتعالى:
(وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) الفتيل: هو الخيط الدقيق الذي يكون في شق نواة التمر، وهو يضرب مثلا للقلة والتفاهة. والمعنى: إنه إذا كانت الآخرة خيرا من الدنيا وأبقى من متاعها، فإن طريق الآخرة هو الجهاد في سبيل الله، والقيام بطاعته، وإنكم ستنالون الجزاء الأوفى، ولا ينقص من أحد منكم أي قدر من جزائه، ولو كان قدرا ضئيلا لَا تأبهون له في دنياكم، فإذا كان حرصكم هو الذي جعلكم تخشون القتال، وترجئونه، فإنه يجب أن يكون حرصكم كبيرا على ما هو أغلى وأعظم، وما هو مؤكد لَا احتمال فيه، ولقد كان حرصهم وخوفهم من القتال؛ لأنهم يريدون الحياة ويخافون الموت، فبين لهم سبحانه أن الموت آت لا محالة، وأنه لاحق بهم أينما يكونوا:
* * *
(أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ... (٧٨)
* * *
البروج جمع برج، وهو يطلق على الحصن المنيع، ويطلق على القصر العالي الذي لَا يصل إليه أحد، ويبنى للملوك والكبراء لكيلا تصل إليهم الرعايا. مشيدة: أحكم بناؤها، وارتفعت، أو بنيت بالشيد، وهو الملاط القوي الذي تربط به اللبنات بعضها ببعض. ولقد قال طرفة بن العبد:
كأنها برج رومي تكنَّفها... بانٍ بشيد وآجرّ وأحجار
ومعنى النص: إن كنتم تريدون بقعودكم عن الجهاد وطلب إرجائه أن ترجئوا الموت أو تطيلوا الحياة، فقد أخطأتم، فإنه حيثما كنتم يدرككم الموت ولو كنتم في أقوى الحصون، وأمنعها، وأحكمها بناء.
وفى التعبير بكلمة " يدرككم " إشارة إلى أن الموت كأنه يطلب الإنسان ويتبعه حيثما كان، وفي أي وقت كان، فهو طالب لَا بد أن يدرك ولا بد أن يصل؛ لأنه حفيقة محتومة فإن فررتم منه فإنه ملاقيكم، فلا تفروا منه واطلبوا الحق ولو أدى إليه، وما أحسن ما قاله زهير بن أبي سلمى:
ومن هاب أسباب المنايا ينلْنه وإن يَرْقَ أسباب السماء بسلَّم
وإن هؤلاء الذين ضعفت نفوسهم قد يدفعهم اضطرابهم إلى أن تسيطر عليهم الأوهام، فمنهم من يقول كلاما يثير الظنون ويسكت عنه الباقون منهم فكأنهم قالوه، ولذا حكى - سبحانه - القول عن هذا الفريق فقال:
(وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ) أي إن تصبهم حال حسنة تحسن عندهم، من رخاء أو خصب أو ظفر أو غنيمة أو سعة في الرزق، يقولوا: هذه الحال من عند الله تعالى، فإن كان النصر قالوا: من عند الله. وإن يصبهم أمر يسيئهم، كالهزيمة، قالوا: ذلك من محمد، كأنهم ينسبونه إلى سوء تدبيره - عليه الصلاة والسلام -، أو يتشاءمون به، ويهبطون بذلك هبوطا شديدا! فالحسنة ما يحسن عندهم، والسيئة ما يسوؤهم. وذلك التفكير الذين يفكرونه ناشئ من ضعفهم النفسي، وضعفهم الإيماني، وسوء ظنهم بالنبي - ﷺ -، وذلك شأن أهل النفاق ومن يستمعون إليهم من ضعفاء أهل الإسلام:
(قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) أي إذا كنتم تنظرون إلى ما قدره الله تعالى في علمه المكنون، وما يوفق إليه عباده، وما يمدهم به من عون، فإن كل شيء من عند الله، فالشدة والرخاء من عند الله، والغنيمة والهزيمة بتقدير الله عند اتخاذ الأسباب، فلا ينصر الله متخاذلا، ولا يخذل من يريد ما عند الله، ويتجه إلى الجهاد مستعدا بقلبه وعدته وتنظيمه، وبهذا يرد عليهم ما توهموه، أو قالوه.
وقد بين سبحانه أن كلام هؤلاء كلام من لَا يفقه الأمور على وجهها، ولا يدرك معاني الأقوال والأفعال. ولذا قال سبحانه: (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) والمعنى: أن الأمر ثبت لهؤلاء الذين لم يدركوا الأمور حتى كادوا لا يدركون إدراكا حقيقيا أي حديث يتحدثون به، أو أي حديث يلقى إليهم، فلا يعلمون أن الله هو القابض الباسط القادر على كل شيء!. وإنهم لو فهموا ما يتلى عليهم من كتاب الله والحكمة لاهتدوا، وهذا الاستفهام توبيخ لهم وبيان لوصفهم الحقيقي، وهو أنهم لَا يكادون يفهمون معنى ما يسمعون وما يقولون! اللهم اهدنا إلى الطيب من القول، واهدنا إلى الصراط الحميد.
* * *
(مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)
* * *
هذه الآيات تتميم للمعاني التي اشتملت عليها الآيات السابقة، فإن هؤلاء المنافقين وضعاف الإيمان، كانوا يُحمِّلون النبي - ﷺ - تَبِعة الهزيمة إن كانت!. وإن كان ما يحسن في نظرهم قالوا: هذا بفضل الله، ونسوا أن كل شيء بتقدير الله سبحانه وتعالى وتوفيقه، فقد قدر النصر والفوز، كما قدر الضرر والأذى، وكلٌّ من عند الله سبحانه وتعالى. وقد حسب أولئك المنافقون والضعفاء أن البعد عن
القتال يُنجيهم من الموت، فبين الله سبحانه أنه لَا نجاة من الموت، وأنه حيثما كان الشخص فالموت مدركه ولاحِقه.
وفى هذه الآيات يبين سبحانه أن ما يصيبك من أمر يحسن عندك، فإنه بفضل الله تعالى؛ إذ وفقك إلى سببه، وجعل السبب منتهيا بالنتيجة وما أصابك من أمر يسوؤك فبسببك وعمل منك، وأن الرسول لَا يحمل أوزاركم، وأن طاعته واجبة في المنشط والمكره، وأن الذين يظهرون الطاعة بألسنتهم أمامه، ويبيتون العصيان من ورائه، الله بهم عليم، ولذا قال سبحانه:
(مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَة فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَة فَمِن نفْسِكَ) في هذا النص الكريم تخريجان: أحدهما - أن هذا من كلام الله تعالى، والخطاب للنبي - ﷺ -، وهو من بعد ذلك خطاب لكل مكلف مطالب بالعمل بالشرع الشريف.
والمراد بالحسنة ما يكون فيه ما يسر وما يحسن في نظر الإنسان، والسيئة ما يسوء في نظر الإنسان. والمعنى على هذا التخريج: ما أصابكم من أمور حسنة فبتوفيق الله تعالى لكم، وجعل النتائج مترتبة على أعمالكم التي اتخذتم فيها الأسباب، ولم تتقاصروا عن الاتجاه فيها إلى أسباب الظفر. وما يصيبكم مما يسوؤكم وينزل بكم من غم، فلتجنبكم الأسباب الموصلة إلى الغاية، ومخالفتكم أوامر الله ورؤسائكم، كما كان الشأن في أحد، فما كان الأمر الذي ساء إلا من المحاربين الذين امروا فخالفوا، وما كان النصر في بدر إلا من الله، وإطاعتهم الأوامر.
والتوفيق بين النص الكريم، وقوله من قبل: (قُلْ كُل مِّنْ عِندِ اللَّهِ)، هو أن النص الأول كان موضوعه الكلام في تقدير الله، فهم إن انتصر المؤمنون لَا ينسبون للنبي - ﷺ - أي فضل، بل يجردونه من الفضل، ويقولون هو من عند الله!! وما قصدوا التفويض والإيمان بالقدر، بل قصدوا الغض من مقام النبوة!! وإن كان ما يسوء نسبوه إلى النبي إيذاءً وتمردا، فالله قال لهم: كل ذلك بتقدير الله وإرادته. أما هذا النص: (مَا أَصَابَكَ)، فموضوعه اتخاذ الأسباب، ومعناه أن من أخذ الأسباب وتوكل على الله، فالله تعالى يعطيه النتائج، ومن
لا يتخذ الأسباب أو يخالف المنهاج السليم الموصل إلى الثمرة، أو لَا يتوكل على الله تعالى ولا يفوض إليه، فإنه سيناله ما يسوؤه، وبسبب منه، فالأول إيان القَدَر، والثاني لبيان العمل.
وهذا هو التخريج الأول، والتخريج الثاني أن يكون: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسكَ)، من حكاية قول المنافقين والضعفاء في إيمانهم، لأن آخر الآية السابقة: (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا)، ثم ذكر سبحانه حديثهم الذي لم يفقهوه، وهو قولهم: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) إلخ، ويكون الخطاب للنبي - ﷺ -، فهم يقولون: ليس لك من فضل في النصر الذي تناله، فإن ما أصابك من ظفر فمن الله، وما أصابك من هزيمة فمن نفسك! وقد ذكر هذا التخريج القرطبي، وقال: " والمعنى: فمال هؤلاء القوم لَا يكادون يفقهون حديثا، حتى يقولوا: ما أصابك الله من حسنة فمن الله! ".
ويكون ذلك الكلام على هذا التخريج ترديدا لقولهم: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)، ويكون في الأول الحديث عن أنفسهم، وفي الثاني الحديث عن النبي - ﷺ -، ففي الأول معنى التطير والتشاؤم، وفي الثاني تجريد النبي - ﷺ - من كل فضل!.
وهم في الأمرين خارجون عن الطاعة متمردون، وقد رد الله تعالى كلامهم بقوله سبحانه:
(وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) وإنا أيها النبي قد شرفناك برسالتنا، فأرسلناك رسولا فقط، لَا تتكفل بالأرزاق، ولا تهب النصر، ولا تمسك مقاليد الكون، ولست تملك من أمر نفسك شيئا، إنما أنت مكلف بالتبليغ فقط، فإن بلغت فما عليك شيء، وإن اتخذت الأسباب في الحروب للظفر، وتوكلت على الله، فإن الله مانحك النصر، ومعطيك الغلب، وإن خالف من معك ما سننت لهم من منهاج للظفر، فإن الهزيمة واقعة بهم، ولست مسئولا عما يصيبهم
القدر به من أمر يسرهم، ولا أمر يسوؤهم. وفي قوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسولًا) يذكر سبحانه كلمة (رَسولًا) تأكيدا لوصف النبي - ﷺ - بالرسالة، ولبيان أن عمل الرسول ليس هو التحكم في القدر، إنما عمله التبليغ فقط، فإذا بلغ فما عليه من شيء.
وإذا كانوا قد اتهموك وقالوا ما قالوا، فكفاك شهادة الله لك بأنك بلغت وجاهدت، وأن ما يرمونك به باطل، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات.
وإن تصرف أولئك المنافقين ولضعفاء فيه إخلال بواجب الطاعة، وإن الرسالة التي حمل عبئها محمد - ﷺ - توجب عليهم طاعته من غير تمرد، بل مع الإذعان والخضوع لما يطلبه باسم الله، وأن يعلموا أن طاعته فيها طاعة الله، فإن تمردوا عليه أو تشاءموا به، فليعلموا أن ذلك تمرد على الله، ولذا قال سبحانه:
* * *
(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ... (٨٠)
* * *
إن هؤلاء كانوا ينتقصون فضل النبي بنسبة الظفر إلى الله والهزيمة إلى النبي، وقد بين الله تعالى أنه رسوله، فإن تنقصتموه فإنما تتنقصون من أرسله، وإن تمردتم عليه فإنما تتمردون على من أرسله: (مَن يطِعِ الرَّسُولَ). فيما يأمر به، وينهى عنه، وفي دعوته إلى الجهاد، فإنما يطيع الله تعالى، لأنه إنما يتكلم عن الله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)، ولقد روى أن رسول الله - ﷺ - قال: " من أحبني فقد أحب الله، ومن أطاعني فقد أطاع الله "، فقال الذين يشككون في الإسلام من المنافقين: ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل. لقد قارف الشرك، وهو ينهى أن يعبد غير الله! ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه رتا كما اتخذت النصارى، فنزلت هذه الآية: (مَن يطِع الرَّسُولَ) (١) وعندي أن الآية لَا تحتاج إلى سبب نزول في بيانها لأنها واضحة بينة، يشهد لمعناها سابقها ولاحقها، وإن الحديث في ذاته صحيح المعنى، وروى مسلم مثله عن أبي هريرة، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: " من
________
(١) ذكره جماعة من مفسري السلف منهم القرطبي والرازي وأبو السعود والألوسي والبيضاوي والسمرقندي عن قتادة (من التابعين).
أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصني فقد عصى الله، ومن يطع أميري فقد أطاعني، ومن يعص أميري فقد عصاني " (١)، ومن نال فضل طاعة الله ورسوله، فقد نال حظ الدنيا والآخرة، ومن أعرض عن ذلك فعليه تبعة عمله.
والرسول - ﷺ - قد أدى واجبه في التبليغ، ولذا قال سبحانه وتعالى: (وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) ومن عصى أمرك ولم يطعك، وأعرض عن الحق الذي أمرك الله تعالى بتبليغه، فإنه وحده الذي يتحمل تبعة إعراضه عن دين الله، ولا تبعة عليك، إنما عليك التبليغ فقط، وعلى الله تعالى حسابهم يوم الحساب، فلا تكلف نفسك ما لست مكلفه، فما أرسلك الله تعالى إلا مبشرا ونذيرا، وليس عليك أن تحمل الناس على الإيمان، ثم ما أنت مكلف بالمحافظة عليهم ومراقبتهم وتتبعهم حتى يكونوا مهتدين: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ...)، وما أنت بمهيمن عليهم حتى تحاسبهم على الإيمان، إنما الحساب عند الله...
وإن هؤلاء المنافقين يظهرون الطاعة، ويبطنون المخالفة، ولذا قال سبحانه:
* * *
________
(١) متفق عليه، وقد سبق تخريجه.
(وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ... (٨١)
* * *
إنما يقول المسلمون جميعا: أمرُنا معك طاعة وخضوع لما تطلب، فليس لنا إلا أن نطيعك، ولا يجوز أن نخالفك؛ لأن طاعتك هي طاعة الله، فانت فينا المطاع دائما، وقد قصرنا أحوالنا على طاعتك.
هذا قول المسلمين عامة، ولكن المؤمنين يقولون ويذعنون ظاهرا وباطنا، وسرا وإعلانا، والمنافقون يقولون ذلك بظاهر من القول، وهم ينوون المخالفة ويصرون عليها ولا يتركونها، وهم الذين يقول الله تعالى فيهم: (فَإذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ منْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ)، أي فإذا خرجوا من عندك بارزين ظاهرين غير مستخفيت، أخذوا يتدبرون فيما بينهم الأمر الذي يكون مخالفا للطاعة!
والتعبير عن الخروج بالبروز للإشارة إلى تفاوت ما بين أحوالهم! وتضارب مظهرهم مع خبيئتهم. ويقول الزمخشري في المعنى اللغوي للتبييت: (والتبييت إما من البيتوتة؛ لأنه قضاء الأمر وتدبيره بالليل، ويقال: " هذا أمر بُيِّتَ بليل ". وإما من أبيات الشعر؛ لأن الشاعر يدبرها، ويسويها)، وعندي أن هذا المعنى غريب، ولكن الأولى هو الأول مضافا إليه معنى التزوير والتحسين، لأن (بيّت) تتضمن معنى التزوير والتمويه. والمعنى على أي حال أن هذه الطائفة، بعد خروجها من عندك، تدبر أمر مخالفتلث، وتحسن هذه المخالفة وتزينها لنفسها في خفاء، والله يعلم ما يسرون وما يعلنون، ولذا قال:
(وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) والله سبحانه وتعالى يعلم ما يبيتون، فلم يكن خافيا قبل أن يقع، ولم يزدد به علما بعد الوقوع، فهو يعلم ما كان وما يكون إلى يوم الدين. وفي هذه الجملة تهديد لهم وتطمين للنبي - ﷺ -، فإن الله تعالى يبين أن تبييتهم وإخفاء نياتهم لَا يخفى على الله، بل إن علمه به علم ما يكتب وما يسجل عليهم، ليكون مرئيا لهم في صحائف أعمالهم يوم القيامة، وليعلم نبيه بتدبيرهم السيئ ونيتهم، ليتقى شرهم، ويحفظه من أذاهم، فإنه هو ناصره وكافله. وإذا كان الله تعالى يكتب عليهم ما يخفونه، فليس للنبي أن يأبه لهم والله حافظه وكالئه، ولذلك أمره بألا يلتفت إليهم، ولا يأخذه هئم في شأنهم، وليعتمد على الله، وليكل إليه أموره، ولا يكل أموره إلى غيره، وإنه إن توكل على الله حق التوكل، حفظه، وكفاه شرهم، ولذا قال سبحانه وتعالى: (وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا).
والمعنى: يكفيك أن الله تعالى هو الموكل بأمرك، وهو حافظك وكالئك وحاميك، ومن كان الله تعالى وكيله والموكل بأموره، فلن يضيع أبدا.
اللهم هيئ للمسلمين أسباب العزّة، ووفقهم للعمل الصالح، واجعلهم يكلون مآل أمورهم إليك، إنك نعم المولى ونعم النصير.
* * *
(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣) فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤) مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)
* * *
في الآيات السابقة بيَّن الله تعالى لنبيه - ﷺ - أحوال المنافقين، وما هم عليه من لؤم الطبع والمكر والخداع، ثم أمره - ﷺ - بالإعراض عنهم، فهم لن يضروه شيئا مهما كان لؤمهم وخداعهم، وما عليه إلا أن يتوكل على الله، فهو حسبه، وسيكفيه شرهم، ولن يبلغوا منه شيئا.
وفى هذه الآيات لَا يزال الكلام عن المنافقين متصلا، فالله سبحانه وتعالى يعيب عليهم حالهم في عدم تدبر القرآن الكريم والتفكر في معانيه؛ لأن التدبر في القرآن يجعلهم يفكرون في عاقبة أمرهم، ويستيقظون من سباتهم الذي يملك عليهم نفوسهم، ويتجسد أمام بصائرهم ما سوف ينالهم من جزاء يوم القيامة.
وهم لو تدبروا القرآن لرأوا فيه العجب العجاب، ولتبين لهم أن هذا الكتاب منزل من الله رب العالمين، وأن محمدا عبد الله ورسوله.
فالقرآن الكريم يحمل بين جنباته دلائل صدقه، وبراهين أنه من لدن حكيم حميد، إذ لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه تناقضا في القضايا، واختلافا في الألفاظ، وتضاربا في المعاني، ولضربت الآيات بعضها بعضا؛ لأن الإنسان من البشر إذا تكلم بكلام كثير، لابد أن يوجد في كلامه اختلاف، لاختلاف مزاجه بين الحين والحين، ولما يعتوره من الصحة والمرض، ولاختلاف مواقفه في الزمان والمكان، فيظهر ذلك كله في صورة تناقض في اللفظ أو الوصف، أو في المعاني، أو الصدق والكذب إلى غير ذلك من صور الاختلاف.
ولكن القرآن الكريم بين أيديهم، فليتدبروه حق التدبر، فلن يجدوا فيه اختلافا في وصف، ولا ردا في معنى، ولا تناقضا في قضاياه، ولا كذبا فيما يخبر به من أمور الغيب، ولكنهم بإعراضهم عن التدبر، يظلون كالأنعام بل هم أضل، قد أغلقوا قلوبهم عن الهدى، وأصموا آذانهم عن صوت البشير النذير، فما لهم لَا يعقلون، (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا)، فهم لَا يفقهون.
* * *
(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)
* * *
عجبا لأمر هؤلاء المنافقين، إنهم يسارعون في الفتنة، ويتحينون الفرص ليزرعوا الشكوك والظنون في صدور المؤمنين، ويشيعون الأخبار على غير حقيقتها، فإذا سمعوا خبرا عن أمن المسلمين أو انتصارهم، أو عن الخوف عليهم
والإشفاق من تحركاتهم، أسرع هؤلاء المنافقون لإذاعة الشائعات، وأظهروها وتحدثوا بها قبل أن يقفوا على حقيقتها، وقد يكون في ذلك ضرر بالإسلام والمسلمين، ولكنهم لَا يبالون، بل ربما كان ذلك هو ما يبتغون.
وقال بعض المفسرين إن ضعاف المسلمين كانوا يفعلون ذلك أيضا، فقد كان بعضهم يفشي أمر النبي - ﷺ -، دون إذن في ذلك، ويحسبون أنهم لَا يخطئون فيما يفعلون، ويسيئون ويحسبون أنهم يحسنون.
وسواء أكان ذلك من المنافقين أم من ضعاف المسلمين فهو خطأ لَا يجوز أن يحدث، لذلك يجيء الأمر من الله تعالى بألا يسرع المسلم في الحديث بأخبار لم يتحقق منها، ولم يتبين له صدقها من كذبها، ولم يميز من أمرها بين النفع والضرر، بل يجب على هؤلاء وأولئك أن يردوا الأمر إلى النبي - ﷺ -، وينتظروا حتى يكون عليه الصلاة والسلام، هو الذي يتحدث به ويكشف عن صدقه، ويبين نفعه للمسلمين أو ضرره، وهذا الحكم ماضٍ في كل زمان ومكان، فإذا كان النبي - ﷺ - قد انتقل إلى الرفيق الأعلى، فإنه قد ورَّث العلم لطائفة من أمته هم أولو العلم وأولو الأمر، وأهل الفقه في الدين، فيجب على المسلمين أن يردوا مثل هذه الأمور إليهم، لأنهم إذا ردوا الأمر إليهم (لَعَلِمَة الَّذِينَ يَسْتَنيِطُونَهُ مِنْهُم) أي يستخرجون معثاه، ويبينون فحواه، فإذا الأمر معلوم، والحق واضح لَا شبهة فيه، ولا غموض.
والاستنباط هو استخراج الماء من البئر، فشبهت الأفكار التي تدور في خَلَد الإنسان بالماء الذي في البئر، والعلماء يستخرجون هذه الأفكار ويكشفون عن معناها، فيعلمون ما ينبغي أن يقال وما يجب أن يستر ويكتم فلا يشيع بين الناس.
وفى تلك الجملة دليل على جواز اجتهاد العلماء في الأمور الفقهية عن طريق القياس، والحكم بما يبينه ذلك القياس، ما لم يكن هناك نص من القرآن أو السنة، وما لم يكن هناك إجماع.
(وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) لقد أنزل الله الكتب، وأرسل الرسل، وبين طريق الحق من الباطل، والهدى من الضلالة، والرشاد من الغواية، وهذا فضل من الله ورحمة، ولولا هدايتكم للعمل بما جاءت به الرسل، وأنزلت به الكتب، لاتبعتم الشيطان، ولبقيتم على الكفر سائرين في طريق الضلال، إلا قليلا منكم كانوا هم المهتدين، أو لاتبعتم الشيطان في غالب أعمالكم، وكان اتباعكم للرسول وللكتاب اتباعا قليلا، ولغلبت سيئاتكم حسناتكم، وفي ذلك ما فيه من الخسران، والعياذ بالله تعالى.
* * *
(فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ... (٨٤)
* * *
حتى ولو تركوك وحدك منفردا لَا أحد معك، فإن معية الله خير وأبقى، فهو الذي أمرك بالقتال، وهو الذي تكفل بنصرك (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١). في الآية أمر من الله تعالى لرسوله محمد - ﷺ -، بألا يترك جهاد العدو، حتى ولو كان وحده، لأن الله ضمن له النصر، وهناك من يقولون أن الخطاب للأمة كلها، إذ قال ابن عطية في تفسيره: " هذا ظاهر اللفظ، إلا أنه لم يجئ في خبر قط أن القتال قد فرض عليه وحده دون الأمة مدة ما، فالمعنى، والله أعلم، أنه خطاب له في اللفظ، وهو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه، أي أنت يا محمد، وكل واحد من أمتك، هذا الخطاب موجه إليه، وكل إنسان ليس مكلفا إلا عن نفسه، فإن تقدم نفسك للجهاد فإن الله هو ناصرك، وليس الجنود، فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الألوف من الجند، فالنصر أولا وأخيرا من عند الله.
وقيل إن النبي - ﷺ - دعا الناس إلى الخروج للقاء المشركين في معركة بدر الصغرى، وكان أبو سفيان قد واعد الرسول على أن يتلاقوا فيها، فكره بعض الناس أن يخرجوا، فنزلت الآية، وخرج النبي - ﷺ - وليس معه إلا سبعون، ولو لم يخرج معه أحد لخرج وحده، فكان الله سبحانه وتعالى يقول له: يا محمد، إنك لا تكلف إلا نفسك وحدها، فاخرج (وَحَرِّضِ الْمُؤْمنينَ) إذ ليس عليك بالنسبة لهم إلا التحريض، وأمرهم دون تعنيف (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا)
وقد كان، فكف الله بأس الذين كفروا، وهم قريش، الذين تواعدوا مع النبي على اللقاء، فقد غير أبو سفيان رأيه، وخشي عاقبة المعركة، فقال لقومه: إن هذا عام مجدب، لن تقدروا فيه على لقاء محمد وأصحابه، فانتظروا عاما مخصبا، كما تعودتم، لتلاقوا فيه محمدا ومن معه، ووقتها سيكون بأسكم شديدا، وتنكيلكم بمحمد وأصحابه شديدا، ألم يعلموا أن العزة لله جميعا (وَاللَّهُ أَشَدُّ بَاسًا) من قريش (وَأَشَدُّ تَنكِيلًا) من كل أعدائكم. و (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ)، فهو أعظم سلطانا، وأقدر على ما يريد.
* * *
(مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)
* * *
أصل الشفاعة والشفعة ونحوها، من الشفع، وهو الزوج في العدد، ومنه الشفيع لأنه يصير مع صاحب الحاجة شفعا، فالشفاعة إذن هي ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك، للوصول إلى مصلحة ترغبانها، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع، وإيصال المنفعة إلى المشفوع له، والشفاعة الحسنة هي ما تكون في البر والطاعة، والشفاعة السيئة هي ما تكون في المعاصي، فمن شفع شفاعة حسنة ليصلح بين اثنين استوجب الأجر، ومن سعى في غير طاعة، فقد أثم واستوجب العقاب.
يقول الزمخشري في " حقائق التنزيل ": الشفاعة الحسنة هي التي روعي بها حق مسلم، ودُفع بها عنه شر، وابتُغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، وليست في حد من حدود الله ولا في حق من الحقوق، ولكل منها نصيب من الأجر، بقدر ما فيه من طاعة أو معصية.
وقد حث النبي - ﷺ - على الشفاعة لقضاء الحوائج، والتعاون على البر والتقوى، إذ يقول عليه الصلاة والسلام: " اشفعوا فلتؤجروا، وليقض الله على لسان نبيه ما أحب " (١).
________
(١) متفق عليه؛ رواه مسلم: البر والصلة والآداب - استحباب الشفاعة فيما ليس بحرام (٢٦٢٧)، والبخاري بلفظ مقارب: الزكاة - التحريض على الصدقة والشفاعة فيها (١٤٣٢) عن أبي موسى الأشعري عن أبيه، وأبوه هو عبد الله بن قيس بن سلا بن حضار. رضي الله عنهما.
(وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كلِّ شَيْء مُّقِيتًا) المقيت هو الحافظ المقتدر، الذي يعطي كل إنسان قُوتَهُ وقوتهُ، فهو يجازي كل إنسان بقدر ما حفظ له من عمل، وهو يُقيت الجائع، ويعين من استعان به، فالرزق الذي هو القوت من عنده، والعافية التي هي القوة بسلطانه وبامره، وكل شيء عنده بمقدار.
* * *
(وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)
* * *
التحية هي السلام، وأصل التحية الدعاء بالحياة، والتحيات لله هي السلام من الآفات، وإنما يقال " التحيات لله " بصيغة الجمع، ولم يقُل " التحية " بصيغة الإفراد، لأنه كان في الأرض ملوك تؤدي لهم تحيات مختلفات، فيقال لبعضهم: " أبيت اللعن "، ويقال لبعضهم: " اسلم وانعم " فقيل لنا نحن المسلمين، قولوا: " التحيات لله " أي كل الألفاظ التي تدل على تحيات الملوك وتؤدي معانيها، هي الله.
والعلاقة بين هذه الآية وما قبلها أن الله تعالى يقول، إذا خرجتم للجهاد، كما سبق الأمر، فحياكم إنسان بتحية الإسلام، فلا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا، بل ردوا جواب السلام، فإن الأحكام تجري عليهم، وقد أجمع الفقهاء على أن الابتداء بالسلام سنة مرغَّب فيها، ورده فريضة، لقوله تعالى (فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) أو قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا)، فقد قال المفسرون عن ذلك، إن هذه الصفة " الحسيب " حسنت هنا، لأن معنى الآية في أن يزيد الإنسان أو ينقص، أو يوفَّى قدر ما يجيء به، والله سبحانه وتعالى يجازي الإنسان بقدر ما فعله، حتى في لفظ التحية والسلام.
روى النسائي عن عمران بن حصين قال: كنا عند النبي - ﷺ -، فجاء رجل فسلم فقال: السلام عليكم، فرد عليه رسول الله - ﷺ -، وقال: " عشر " ثم جلس، ثم جاء آخر فسلم، فقال: السلام عليكم ورحمة الله. فرد عليه رسول الله - ﷺ -،
وقال " عشرون ". ثم جلس. وجاء آخر فقال: " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " فرد عليه رسول الله - ﷺ -، وقال: " ثلاثون، (١).
وهذا الخبر يعطي تفسيرا بأن من قال لأخيه المسلم " السلام عليكم " كتب له عشر حسنات، فإن قال: " السلام عليكم ورحمة الله " كتبت له عشرون حسنة، فإن قال: " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " كتبت له ثلاثون حسنة، وكذلك من رد التحية له مثل ذلك الأجر.
وللتحية وردها آداب يجب أن يتعلمها المسلم، ويتخذها منهجا وسلوكا، فمنها أن يسلم الراكب على الماشي، والقائم على القاعد، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير، وفي المسألة مسائل فقهية متشعبة، على المسلم أن يتعرف عليها من مظانها، ولا يغفل عنها؛ لأن التحية وإفشاء السلام من الأسباب التي تصل القلوب بعضها ببعض، فتأتلف الأرواح، وتتحاب النفوس، تصديقا لقوله عليه الصلاة والسلام " لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أَوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم " (٢).
ثم عليكم أن تتذكروا في كل شئونكم أنه جل ذكره:
* * *
________
(١) رواه الترمذي: الاسنئذان والآداب - ما ذكر في فضل السلام (٢٦٨٩)، وأبو داود: الأدب - كيف رد السلام (٥١٩٥)، وأحمد: أول مسند البصريين (١٩٤٤٦)، والدارمي: السلام - فضل التسليم ورده (٢٦٤٠). عن عمران بن حصين رضي الله عنه.
(٢) رواه مسلم: الإيمان - بيان أنه لَا يدخل الجنة إلا المؤمنون (٥٤)، والترمذي: الاستئذان والآداب - ما جاء في إفشاء السلام (٢٦٨٨)، وأبو داود: الأدب - في إفشاء السلام (٥١٩٣)، وابن ماجه: المقدمة - في الإيمان (٦٨). عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)
* * *
وقد نزلت هذه الآية في شأن هؤلاء المكذبين الذين يشكون في البعث والحساب، فأقسم الله تعالى لهم بنفسه، والدليل على ذلك القسم هو وجود اللام المتصلة بكلمة ليجمعنكم، ثم نون التوكيد المشددة بعدها، يقول النحاة أن اللام
واقعة في جواب قسم، والتقدير، والله أعلم، أن الله يقسم ليجمعنكم، فهو قسم، يلقيه إلينا رب العزة، بأنه سيجمع الناس وهم أموات تحت الأرض، فكل من يموت سيجمع إلى من سبقوه تحت التراب، وسيظل جمعهم هذا إلى يوم القيامة ثم يبعثون.
وفى رأي آخر أن حرف الجر " إلى " صلة في الكلام، معناه: ليجمعنكم يوم القيامة، وسميت القيامة قيامة؛ لأن الناس يقومون في هذا اليوم لله رب العالمين. قال جل شأنه: (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦).
(وَمَنْ أَصْدَق مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا)، استفهام تقريري، هل هناك من هو أصدق من الله؟ فيكون الجواب تقريرا للحقيقة التي لَا يشك فيها مؤمن: لَا، لَا أحد أصدق من الله، فهو سبحانه، يخاطبنا بما كان، وما سيكون، وكل ما جاء من عنده صدق لَا ريب فيه، فهو جل شأنه لَا يجوز عليه الكذب، لأن الكذب إخبار عن الشيء بغير ما هو عليه، والكاذب لَا يكذب إلا أنه في حاجة للكذب، لكي يستفيد منفعة، أو يدفع مضرة، والله سبحانه وتعالى حكيم غني لَا يجوز عليه الاحتياج، فهو عالم بكل معلوم، منزه عن الكذب، كما هو منزه عن سائر النقائص والقبائح. سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا.
* * *
(فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)
* * *
كان المنافقون في الحروب عنصر فتنة مستمرة، وكانوا في السلم مثيري النزاع والخصام، فهم في الحرب إن رأوا ضعفا استغلوه، وإن لم يجدوا ضعفا ظاهرا أثاروه، ولم يكن النفاق في داخل المدينة فقط، بل كان يمتد كلما قوى المؤمنون في البلاد. ففي أول إقامة الدولة الإسلامية بالمدينة، وانتصار المؤمنين في بدر،
ظهر النفاق فيها خوفا من قوة المؤمنين، وأخذ ينفث سمومه في قوتهم! وكلما عم سلطان الدولة الإسلامية واتسع، ظهر منافقون، فظهر في الأعراب نفاق كما قال تعالى: (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، وظهر نفاق بين مشركي مكة، فكان ناس إذا أرادوا تجارة، وأرادوا أن يأمنوا غارات المؤمنين في الطريق عليهم، أعلنوا أنهم يصدقون بما جاء به محمد، وناقلوه بين الركب وبين الناس، فكان المؤمنون يختلفون في شأنهم، فمنهم من يراهم مؤمنين لَا يقاتلون ولا يغار عليهم، ومنهم من يراهم كفارا منافقين يريدون أن ينجوا بأموالهم، فنزل قوله تعالى:
(فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا) إذا كان المنافقون على ما ترون، من أنهم ينطقون باللسان خشية القوة، وابتغاء الفتنة، ولا يريدون إلا دفع الأذى عن أنفسهم، وإنزاله بكم، فما الذي يسوغ لكم أن تختلفوا في شأنهم فئتين أي طائفتين، إحداهما ترجو الخير فيهم، والثانية ترى الشر يستحكم في قلوبهم، ويبدو في لحن أقوالهم؛ وأنتم ترون أيها المختلفون ضلالهم، ووقوعهم في الفساد، وأنهم لَا يبدو من أعمالهم ما يدل على إيمانهم، بل هم يعملون بالكفر، وينطقون بالإسلام.
والإركاس معناه قلب الشيء على رأسه، ورد مقدمه إلى مؤخره. جاء في مفردات الراغب الأصفهاني: " الركس قلب الشيء على رأسه، ورد أوله إلى آخره، يقال أركسته فركس وارتكس في أمره ".
والمعنى على هذا أن الله سبحانه وتعالى أوقعهم في الضلال فقلب مداركهم، ورد الأول على الآخر في تفكيرهم، بحيث صاروا لَا يستطيعون ترتيب المقدمات الفكرية ونتائجها، وذلك بما كسبوا من الإيغال في الشر بعد ابتغائه وطلبه، فلما ساروا فيه خطوة امتد بهم السير خطوات حتى أوغلوا فيه، وأصبحوا لا يستطيعون الحكم في قول.
ومن هم أولئك المنافقون الذين أركسهم الله تعالى ذلك الإركاس؛ قيل: هم منافقو المدينة، أتباع عبد الله بن أبيّ، ومن معه. وقيل: قوم أقاموا بالمدينة مؤمنين، ثم خرجوا منها منحرفين في اعتقادهم، وأظهروا أن جوها لم يطب لهم! وقيل، كما روي عن ابن عباس: إنهم قوم آمنوا بمكة، وقالوا إن ظهر محمد - ﷺ - فقد عرفنا، وإن ظهر قومنا، فهو أحب إلينا. وعندي أن المنافقين هنا تشمل من اتصفوا بذلك، وتخص الأعراب ومن على شاكلتهم من الذين كانوا يسلمون في قبائلهم، ويعلنون ذلك من غير أن يهاجروا إلى المدينة مناصرين للمؤمنين، ولم يكن من أعمالهم ما يدل على انتمائهم للدولة الإسلامية، وإعلان ولايتها عليهم. والحقيقة أن هؤلاء كانوا يتذرعون بكلمة الإسلام، لكيلا يحكم السيف الإسلامي فيهم. ولذلك ذكرت الآية أن الأمارة القاطعة الدالة على إيمانهم هي أن يهاجروا.
(أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) أيها المؤمنون المختلفون أتريدون أن تحملوا على الإيمان من أضله الله، أي من كتب عليه الضلالة، بسبب أنه سار في طريقها، وانحرف عن جادة الحق وسبيل المؤمنين، فإن من يسير في طريق لَا بد أن ينتهي إلى نهايته، ما دام لم يرجع ولم يعد. ومن يضلل الله، أي من يكتب عليه في لوحه المحفوظ، وقدره المحتوم، أن يكون ضالا، فلن يجد أحد سبيلا إلى هدايته؛ لأن قَدَر الله تعالى لَا يتغير، وقضاءه لَا يتبدل، وحكمه لَا يتخلف، فمن حاول هداية المنافقين الذين حكم عليهم بالضلال، فكانما يحارب قدر الله سبحانه وتعالى.
وإن المؤمنين يحاولون هداية المنافقين، أو الحكم لهم بالإيمان، بينما المنافقون يودون للمؤمنين عكس ذلك.
* * *
(وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً... (٨٩)
* * *
وإن هؤلاء الذين تتمنون هدايتهم أو تحكمون بها عليهم، أو ترجونها لهم، يتمنون أن تكفروا كما كفروا، بحيث تكونون أنتم وهم على سواء؛ ومن تكون هذه حاله لَا يعد مسلما،
ولا يحكم عليه بأن نور الإسلام دخل قلبه، فهو لَا يريد أن تجتمعوا معه على هدى، بل يريد أن تكونوا معه على ضلالة! فإذا كانوا يريدون الاتصال بكم اتصال مودة، فعلى أساس الكفر لَا على أساس الإيمان، وإذا كانوا كذلك، فلا يصح أن تتخذوا منهم أنصارا، أو ترتبطوا معهم بمودة أو صلة، ولذا قال سبحانه وتعالى بعد ذلك: (فَلا تَتخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتي يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) الولي يطلق بمعنى المناصر، ويطلق بمعنى المحب الودود، والنهي منصب على الاثنين، فمانه لَا يصح للمؤمنين أن يتخذوا أولياء من هؤلاء المنافقين، الذين يظهرون الإسلام وهم مقيمون في ديار الأعداء يناصرونهم، وقوتهم لهم على المسلمين، فكيف يكونون مع هذه الحال نصراء أهل الإيمان!! وإذا كان لَا يصح أن يتخذوا منهم نصراء، فإنه لَا يصح أن يقال إنهم منتمون للدولة الإسلامية، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، ولا يجوز لهذا أن يضموا إليها.
وإنه لَا يصح أن يربط بعض المؤمنين معهم مودة؛ لأنهم ببقائهم في ظل الكفر، وقوتهم له، يكونون في ضمن من يحادون الله ورسوله، والله تعالى يقول: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ). وإن أمر القلوب بيد الله سبحانه وتعالى، فلا يصح أن تحكموا عليهم بالإيمان حتى تظهر أماراته، وتبدو معالمه. وإن مظهره الحقيقي في هذا النوع من الناس هو أن ينضموا إلى جماعة المؤمنين بالهجرة إليهم، لتكون قوتهم للمؤمنين لا عليهم، ولذا قيد سبحانه وتعالى ترك ولايتهم بغاية، وهي الهجرة، فقال: (حَتَى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) بأن يخرجوا في سبيل الله تعالى مجاهدين مع المؤمنين ومناصرين ومؤيدين لهم.
(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) أي فإن أعرضوا عن الهجرة، وهي واجبة، فلا تعتبروا إسلامهم؛ لأنهم
لايزالون قوة عليكم، وخذوهم من نواصيهم بالأسر، والترصد لمتاجرهم
وأموالهم، حتى لَا يتخذوا من ذلك ذريعة لتقوية أقوامهم، واقتلوهم حيث وجدتموهم؛ لأنهم أعداء بمعاونتهم أعداء المؤمنين. وإذا كانوا يستطيعون الخروج بمتاجرتهم وغيرها، فإنهم يستطيعون الهجرة إليكم ليكونوا قوة لكم، والهجرة واجبة، وإذا كانوا معكم في حال قتال كمن ينتمون إليهم، فلا تقبلوهم في ولايتكم، ولا توادوهم، ولا تتخذوا منهم نصراء؛ لأن النصير هو الذي يعاونك ويكون معك على أعدائك، وليس هؤلاء منهم، فقوله تعالى: (وَلا تَتَّخِذوا مِنْهمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا)، يدل على النهي عن أمور ثلاثة: أولها - ألا يعتبروهم منهم بالولاية والانتماء، لأنهم لم يعملوا على الانضمام لجماعة المؤمنين. وثانيها - ألا يوادوهم، لأنهم يحادونهم إذ يحادون الله ورسوله، وهم بهذا من حزب الشيطان، لَا من حزب الله تعالى وثالثها ألا يتخذوا منهم نصراء، لأنهم سيخادعون، ومن كانت هذه حالهم لَا يؤتمنون، فنصرهم خذلان، والاستعانة بهم استعانة بغير أهل الإيمان.
وإن السياق يدل على أن المنافقين الذين تتحدث عنهم الآية - وإن كان اللفظ عاما - هم من الذين يظهرون الإسلام في قبائلهم، ولا يخرجون إلى المسلمين ليكونوا معهم، فإن زمان إنشاء الدولة الإسلامية يحتاج إلى التجمع، ليكون المؤمنون قوةً واحدة، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤).
والخلاصة أن أولئك المنافقين يعاملون معاملة الذين ينتمون إلى دولة أخرى، فإذا كانت دولتهم تقاتل المؤمنين قوتلوا وقتلوا، وإن كانت دولتهم تسالم المؤمنين بميثاق، فلا يقاتلون احتراما للعهد والميثاق، ولذا قال تعالى:
* * *
(إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ... (٩٠)
* * *
الاستثناء هنا منفصل بمعنى " لكن "، وهو من الأمر بالأخذ بالنواصي، والقتل حيثما وجدوا. والمعنى: لكن لا تأخذوا ولا تقتلوا أحدا من هؤلاء الذين يصلون بالانتماء أو الرعوية إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد موثق، لَا يصح النكث فيه، ولا الخروج على أحكامه، أو
التمرد على مقتضاه، فهؤلاء يعاملون كالدولة التي ينتمون إليها، والأقوام الذين يصلون أمورهم بهم، ولا يصح أن يقتلوا أو يؤسروا؛ لأن قتلهم أو أسوهم نقف للعهد الذي وثق وأكد، والله تعالى يقول: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهدَ كَانَ مَسْئُولًا)، ويقول: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١).
وإن قوله تعالى: (يَصِلُونَ إلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ)، يدخل في مضمونه طائفتان:
أولاهما - طائفة تكون رعية لدولة بينكم وبينهم عهد وميثاق، فإنه لا يشترط لنجاتهم أن يخرجوا إليكم مهاجرين، فإنهم آمنون بمقتضى العهد والميثاق، فإن أعلنوا الإسلام، لَا يستراب في أمرهم.
والثانية - من يتصلون بعهد أو ميثاق أو ولاء ممن كان بينكم وبينهم عهد، فإن لهم حكم من يكونون رعية لمعاهديكم. وإن هذا الصنف يصح أن ينطبق على من لَا يظهرون الإسلام ولكن يعلنون السلام.
وهناك صنف لَا ينتمي لقوم ذوي عهد، ولكنه لَا يقاتل قومه لعذر عنده، ويخرج إلى المؤمنين مخلصا لله الدين أو ملقيا بالسلام، وهم الذين قال الله سبحانه وتعالى فيهم:
(أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُذورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكئم أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ) هذا فريق آخر ممن يعلنون الإسلام في وسط أقوامهم أو لايعلنونه ولا يقاتلون مع المؤمنين، وهؤلاء ينتمون إلى قوم يقاتلون المؤمنين، وهم في حال حرب، فهؤلاء يعلنون إسلامهم ويجيئون إلى المسلمين معلنين الإسلام، ولكنهم يكونون في ضيق وحرج، فلا يستطيعون قتال أقوامهم، خشية على ذرياتهم أو ذوي أرحامهم أو أموالهم، ويريدون أن يتذرّعوا بالامتناع عن قتال قومهم، فإنه يقبل منهم الاعتزال. ومعنى (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) ضاقت. وقد قال الراغب: (الحصر التضييق. قال الله عز وجل: (فخذوهُم واحصروهُم) أي ضيقوا عليهم، وقال
تعالى: (وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا)، وقوله تعالى: (أَوْ جَاءُوكُمْ حصِرَتْ صُدُورُهُمْ) أي ضاقت).
ويظهر أن مادة (حصر) تكون من باب نصر ومن باب فرح، وإذا كانت من باب نصر تكون دالة على التضييق على الغير تضييقا حسيا، وإن كانت من باب فرح تكون لازمة ودالة على ضيق النفس. والمعنى على هذا أن هؤلاء ضاقت نفوسهم، وصاروا في حرج لَا يستطيعون قتال المسلمين، ولا يستطيعون قتال أقوامهم، فهؤلاء مسالمون، لأن الله كفى المؤمنين أمرهم، ولأنهم لَا يعدون منافقين، ولقد حرض الله سبحانه المؤمنين على مسالمتهم رغبة في السلام، فقال سبحانه:
(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ) أي أنه من رحمة الله بكم أن قلل أعداءكم، وأضعف شأن الذين يقاتلونكم، بأن يخرج من بين صفوفهم من يسالمونكم، وإن الله ناصركم في هذا بأمرين: بتقوية جمعكم، وإضعاف شأن عدوكم، ولو شاء سبحانه أن يكونوا جميعا عليكم ولا يخرج منهم من يسالمكم، وجعل أولئك الذين يمدون يد السلام مسلطين عليكم بالقتل والقتال، لكان ذلك، وليس في مصلحتكم، فاختاروا ما أمركم الله به، وهو مسالمة أولئك الذين يسالمونكم، وقد خرجوا من بين أقوامهم.
ولقد أكد سبحانه هذا المعنى بقوله تعالى:
(فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) أي فاقبلوا من هؤلاء المسالمة، إن اعتزلوا قتالكم، ولم يكونوا مع أعداثكم عليكم، ولم يريدوا أيضا أن يكونوا معكم على أقوامهم، وألقوا إليكم السلام غير معاندين، ولا مخالفين، فاقبلوا ذلك منهم، ولا تحاربوهم، لأنهم لا يقاتلونكم ولا يؤلبون عليكم، ولا يعتدون، والله تعالى يقول: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِين يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحبُّ الْمُعْتَدِينَ)،، وما داموا لا يقاتلون لَا يحل قتالهم، وإلا كنا معتدين. والقتال في الإسلام شرع
لدفع الاعتداء، فإذا كانوا كذلك فما جعل الله لكم في شرعه وأحكامه سبيلا لقتالهم.
وفى النص الكريم إشارتان لفظيتان: أولاهما - قوله سبحانه: (فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا)، إذ التعبير بـ " عليهم " يومئ إلى أن قتالهم اعتداء عليهم، وما جعل الله لكم حق الاعتداء، فالمعنى: ما جعل الله سبحانه لكم سبيلا للاعتداء بـ " عليهم ". الثانية - التعبير بلفظ السلم بدل السلام للإشارة إلى معنى التسليم، لَا مجرد الأمن والسلام؛ لأن السلم يفيد معنى التسليم، فهم ألقوا إليكم الأمن وتسليم القيادة لكم.
وهناك صنف آخر غير هؤلاء المسالمين، وهم قوم يخادعون، لَا يكفون عن القتال، وقد قال سبحانه فيهم:
* * *
(سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا... (٩١)
* * *
هذا صنف أخير يتجه إلى أن يأمن قومه، فلا يقاتلهم، ويأمن المؤمنين حتى لَا يقتلوه، ولكنه لَا يمدّ يد الأمان، ولا يسلم القياد، وهؤلاء إذا دعوا إلى القتال، ولم يعترضوا منفردين لأذى المؤمنين، استجابوا للقتال في صفوف المشركين، فهم يظهرون الأمان، أو يظهرون الإسلام، ليأمنوا جانب المؤمنين، فإن لاحت لهم فرصة الانضمام لأعداء الله قاتلوا معهم، وهذا مرمى قوله تعالى: (كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا)، أي كلما ردوا إلى قومهم مفتونين بعصبيتهم وكفرهم، قلبت نفواسهم أقبح قلب، فأركسوا في فتنة الكفر والحصبية، وهؤلاء أوجب الإسلام قتالهم إذا لم يعتزلوا أقوامهم ويكفوا أيديهم عن قتال المسلمين، ولذا قال سبحانه:
(فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) أي إن لم يعتزلوا قتالكم،
ويمتنعوا عن حربكم، ويلقوا إليكم بالأمان مع تسليم أنفسهم منقادين، ويكفوا أيديهم عن القتال، فقد حل دمهم، وزالت عصمتهم، فخذوهم بالنواصي أسرى،
واقتلوهم حيث وجدتموهم، فمعنى (ثَقِفْتُمُوهُمْ) وجدتموهم. وعبر عن الامتناع عن القتال بقوله (وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ)، لأن اليد هي الأداة الأولى للقتال؛ وإن الله بهذا قد جعل للمسلمين سلطانا أي سيطرة تمكنهم من قتالهم، وهذا معنى قوله: (وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) أي أولئك بأوصافهم من الغدر، وقتالهم للمؤمنين، وفتنتهم، جعل الله لكم كليهم سلطانا مسوّغا لقتالهم، واضحا بينا لا شك فيه، فقاتلوهم من غير استرابة ولا شك ولا تلكؤ. اللهم أعز الإسلام وانصرنا على القوم الكافرين.
* * *
(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)
* * *
كان الكلام في الآيات السابقة في المنافقين الذين يعملون على نقض بناء الدولة الإسلامية، ويعملون على إلقاء الريب في قلوب أهل الايمان، وفي وجوب قتل الكافرين الذين ينقضون العهد والميثاق، والذين يظهرون الإيمان بين قبائلهم، ولا يعملون عملا للإسلام، فإنهم منافقون يريدون أن يتخذوا من مظهر الإيمان
وقاية لهم، إن اشتدت الشديدة على أقوامهم! وإنه لَا يحمى دم هؤلاء في القتال إلا إذا كانوا قد ألقوا السلام، واعتزلوا القتال مع أقوامهم، أو كانوا يصلون إلى قوم قد ارتبط المسلمون معهم بميثاق عدم اعتداء، وإن التفرقة بين هذه العناصر قد يقع معها الخطأ، ولذا ذكر القرآن الكريم الخطأ في هذه الأحوال الثلاث: وهي قتل المؤمن الخطأ لمؤمن قائم مع المؤمنين، وقتل الخطأ لمؤمن من قوم أعداء، وقتل الخطأ من قوم لهم ميثاق، حتى إذا وقع الخطأ كان الحكم بيّنا، ولذا قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقتلَ مؤْمِنًا إِلَّا خَطَئًا) " ما كان " النفي هنا ليس لنفي الوقوع، أي نفي أن يقع قتل خطأ، وإلا ما وقع ذلك أبدا، لكنه يقع، بل النفي بمعنى عدم الجواز والنهي عنه، مثل قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَن تَنكِحُوا أَزواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا)، ومثل قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦).
والمعنى على ذلك ما ساغ ولا جاز ولا أبيح أن يقتل مؤمن مؤمنا قط، فإن ذلك أمر محرم تحريما قاطعا، لكن إن كان خطأ، فإن ذلك قد يكون معذرة يعتذر بها؛ لأن الله تعالى رمع عن أمة محمد إثم الخطأ، إذ قال عليه الصلاة والسلام: " رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (١)، وليس على المؤمن إثم القتل إن قتل خطأ، وإن كان يجب الاحتراز من الخطأ. وإن التقصير لَا يخلو من مؤاخذة، ولذلك قال الزيلعي من فقهاء الحنفية: " وبهذا النوع من القتل (أي الخطأ) لَا يأثم إثم القتل، وإنما يأثم إثم ترك التحرز، والمبالغة في التثبت؛ لأن الأفعال المباحة لَا تجوز مباشرتها إلا بشرط ألا تؤذي أحدا، فإذا آذى أحدا فقد تحقق ترك التحرز ".
والقتل الخطأ يتصور في ثلاث صور: أولاها - أن يرمي هدفا، فيصيب إنسانا معصوم الدم، بأن تنحرف الرمية.
________
(١) رواه بهذا اللفظ الطبراني عن ثوبان رضي الله عنه، كما في الفتح الكبيرج ٢، ص ١٢١، برقم (٦٦١٩)، والجامع للسيوطي جـ ٤، ص ٤٠١ برقم (١٢٥٦).
والثانية - أن يقصد هدفا معينا، على أنه حيوان مفترس مثلا، فيتبين أنه إنسان معصوم الدم. والثالثة - أن يقتل إنسانا على أنه من الأعداء، فيتبين أنه معصوم الدم، تحت هذه الصور صور كثيرة: منها أن يقتل من قال: لَا إله إلا الله، زاعما أنه قالها تحت حد السيف، وغير ذلك من أخطاء القتال.
وقد ذكر الزمخشري في سبب نزول هذه الآية أنه " روى أن عياش بن أبي ربيعة، وكان أخا أبي جهل لأمه، أسلم وهاجر خوفا من قومه إلى المدينة، وذلك قبل هجرة الرسول - ﷺ -، فأقسمت أمه ألا تأكل ولا تشرب، ولا يؤويها سقف حتى يرجع، فخرج أبو جهل ومعه الحارث بن زيد، فقال أبو جهل: أليس محمد يحثك على صلة الرحم؛ انصرف وبرّ أمّك وأنت على دينك! حتى نزل وذهب معهما، وقدما به على أمه، فلما أبعدا عن المدينة كتفاه، وجلده كل واحد مائة جلدة، فقال عياش للحارث: هذا أخي، فمن أنت يا حارث، لله عليَّ إن وجدتك خاليا أن أقتلك، وقدما به على أمه، فحلفت لَا يحل كتافه أو يرتد، ففعل، ثم هاجر بعد ذلك وأسلم الحارث، وهاجر، فلقيه عياش بظهر قباء ولم يشعر بإسلامه، وأنحى عليه وقتله، ثم أخبر بإِسلامه فأتى رسول الله - ﷺ -، فقال: قتلته، ولم أشعر بإسلامه، فنزلت الآية ".
وسواء أصح هذا سببا للنزول أم لم يصح، فإن الآية عامة تعم كل قتل خطأ. والقتل الخطأ يوجب كفارة، ويوجب دية تسلم إلى أهله، أي أنه يجب تعويض أهل الإيمان، إن أمكن، ويجب تعويض أسرة القتيل. وتعويض أهل الإيمان يكون بإعتاق رقبة مؤمنة، وتعويض أسرة القتيل. إن كانت غير منتمية لقوم عدو للمؤمنين يكون بالدية. وقد ذكرت أحوال ثلاثة للدية، تجب في حالين، ولا تجب في حال أخرى: أما الحالان اللتان تجب فيهما، فهما إذا كان القتل حدث على رجل مؤمن يعيش بين المؤمنين، والثانية إذا كان المقتول من قوم بينهم وبين المسلمين ميثاق عدم اعتداء، وقد ذكر سبحانه الحال الأولى في قوله تعالت كلماته:
(وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِير رَقَبَةٍ مؤْمِنَة وَدِيَةٌ مسَلَمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا) التحرير جعله حرا طليقا لوجه الله تعالى، بعد أن كان عبدا رقيقا، والتعبير عن العتق بالتحرير، للإشارة إلى أن الحرية مقصد من مقاصد الشارع الإسلامي، وأن العقوبة ليس المقصود بها إيذاء القاتل، إنما المقصود بها نفع العبد، وكذلك كل عقوبة تكون بعتق رقبة لَا يقصد بها الإيلام، إنما يقصد بها تحرير الرقاب، وقد أخطأ بعض الفقهاء فأشار على ملك من ملوك المسلمين قد جامع في رمضان بأن يصوم شهرين متتابعين، مع أن النص يقرر أن الصيام إنما هو بالنسبة لمن لَا يملك رقابا، وكان خطؤه من ناحيتين: إحداهما - أنه أعمل الرأي في موضع النص، وذلك لَا يجوز، والثانية أنه لم يفهم مقصود الشارع ابتداء، وهو نفع العبيد بالإعتاق.
وعبر عن نفس الحر بكلمة الرقبة، للإشارة إلى أن الرق غل معنوي في الرقاب، وأن المؤمن الصادق لَا يجوز له أن يَغُلَّ رقاب العباد، إلا لضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، ولذلك عبر سبحانه وتعالى عن العتق بفك الرقبة في آية أخرى، فقال سبحانه وجلت كلماته: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣).
والدية التي قدرها النبي - ﷺ - هي مائة من الإبل لمن يملك إبلا، وألف دينار من الذهب لمن لَا يملك إبلا، وعشرة ألاف درهم لمن يملك فضة، وقيل اثنا عشر ألف درهم: وقال الشافعي: إن الدية في الأصل مائة من الإبل، ومن لَا يجد مائة من الإبل تكون عليه قيمتها من الذهب أو الفضة، بالغة ما بلغت، قليلة كانت أو كبيرة.
وإن الدية تسلم إلى ورثة المقتول، وقد كان رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: لَا تسلم الدية إلا إلى عصبته، فلا يسلم جزء منها لزوجته مع أنها وارثة، فيروى أنه قضى بدية المقتول، فجاءت امرأته تطلب ميراثها، فقال: لا أعلم لك شيئا إنما الدية للعصبة، فقام الضحاك بن سفيان الكلابي وقال: " كتب
إليَّ رشول الله - ﷺ - يأمرني أن أورث امرأة أشيم الضبابي من عقل (أي دية) زوجها أشيم " فورَّثها عمر بعد أن علم بقضاء النبي - ﷺ - في هذا، وما كان له أن يخالفه (١).
والدية عند الأكثرين تجب على عصبة القاتل، ليكون ذلك دليلا على تضافر الأسرة كلها، وإذا كان فقيرا وأسرته فقيرة، فإن دية المقتول تكون على بيت مال المسلمين؛ لأنه وارث من لَا وارث له، فيجب عليه ما كان يجب على الوارث؛ ولأنه لَا يطل دم في الإسلام، ولأنه إذا كانت الأسرة الصغرى قد عجزت عن دفع الدية، فإنها تجب على أسرته الكبرى، وهي الأمة. وهنا بحثان لفظيان: أولهما: التعبير عن أداء الدية بقوله: (مُسَلَّمَة إِلَى أَهْلِهِ). فإن هذا التعبير يومئ إلى وجوب حسن الأداء، بألا يكلفوا أسرة المقتول شطط التقاضي والمطالبة، فيجمعوا عليها ألم الفقد، ومضاضة الشكوى والتظلم، وهذا مثل قوله تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ).
والبحث الثاني: قوله تعالى (إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا)، أي إلا أن يتبرع أهل القتيل، وفي التعبير بكلمة " يصدقُوا " إشارة إلى أن ذلك أمر مرغوب فيه محبب، وأنه صدقة لها ثوابها، إذا كان أولياء القاتل وعصبته يرهقون بأدائها، أو كان العطاء من بيت المال فيتركونها صدقة لجماعة المسلمين، وإن ذلك يكون إذا كانوا هم في ثروة لَا يحتاجون معها إلى هذه الدية، وفي الجملة يكون لها كل أحكام الصدقة، ولا صدقة إلا عن ظهر غنى.
بقي أن نبين الحكمة في هذه العقوبة: لماذا كانت العقوبة أولاً؟ ولماذا كانت بهذا الشكل؟! أما عن شرعية العقوبة، فحكمتها واضحة وهي تربية الناس على
________
(١) رواه الترمذي وصححه: الديات - في المرأة هل ترث من دية زوجها (١٤١٥)، وأبو داود: الفرائض (٢٩٢٧)، وابن ماجه: الديات (٢٦٤٢)، وأحمد: مسند المكيين - مسند الضحاك بن سفيان رضي الله عنه (١٥٣١٨) عن سعيد بن المسيب والضحاك بن سفيان الكلابي رضي الله عنهما.
الاحتراز وصيانة الأنفس، وحسبك مثلا في عصرنا أننا نرى استهانة سائقي السيارات بالأنفس لنقص العقوبة على جريمة القتل الخطأ، فكان التقصير في تحرزهم واضحا، ولأن من المقررات الشرعية ألا يذهب دم في الأرض الإسلامية هدرا، وقد قال في ذلك الزيلعي من فقهاء الحنفية: الضمان في الخطأ بضرورة صون الدم من الإهدار، ولولا ذلك لتخاطأ كثير من الناس، وأدى إلى التفاني؛ ولأن النفس محترمة، فلا تسقط بعذر التخاطؤ، فيجب المال صيانة لها من الإهدار.
وأما السبب في كون العقوبة على هذا النحو، فقد أشرنا من قبل إلى أنه قد اعتدى على الجماعة بتقصيره في التحرز، فوجب عليه أن يعوض الجماعة الإسلامية عما فقدت، واعتدى على الأسرة فثكلت عائلها أو وليها، فكان لَا بد من تعويضهما، فأما تعويض أماعة فبإعتاق رقبة مؤمنة، لأن تحرير العبد كأنه إحياء له، إذ الحرية هي الحياة، ولأنه أفقد الجماعة عنصرا عاملا فيها، فكان لابد من تعويضها بعنصر عامل لها، والعبد عمله لسيده، أما الحر فعمله لجماعته، واعتداؤه على الأسرة كان تعويضها عنه ذلك المال المدفوع.
هذه حال الاعتداء بالخطأ على المؤمن في دولة الإيمان. أما إذا كان المؤمن ينتمي إلى الأعداء فإن الدية لَا تدفع. قال تعالى:
(وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مؤْمِنَةٍ)
أي أنه إذا كان ينتمي إلى الأعداء، فإن الدية لَا تدفع. لأن أموال الأعداء وأرواحهم غير مصونة، ولأن إرسال الدية إلى قومه تقوية لهم على المؤمنين، فلا تعوض أسرة القتيل، ولكن تعوض الجماعة الإسلامية بالحرية التي تمنح لواحد منها تعويضا عما فقدت.
والحال الثالثة: إذا كان المقتول من قوم بينهم وبين المؤمنين عهد وميثاق، وفى هذا تدفع الدية إلى أهله، ولذا قال سبحانه: (وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهم مِّيثَاقٌ فَدِيَة مّسَلَّمَة إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)، والذين لهم ميثاق فريقان: فريق
يعيش بين المؤمنين، وفريق يعيش في دولة أخرى بينها وبين المسلمين عهد، فأما الفريق الأول فهم الذين لهم ذمة رسول الله - ﷺ - وعهده، وهذا أقوى عهد موثق ومؤكد، وبمقتضى حكم الإسلام لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، ويسمون ذميين. ولقد قال النبي - ﷺ -: " من آذي ذميا فأنا خصمه يوم القيامة، ومن خاصمته خصمته " (١)! ولقد كان الراشدون رضي الله عنهم يعْنَوْن بأمرهم، ويقيمون العدالة فيهم. وأما الفريق الثاني فإنهم أقوام لهم دولة قائمة، وبينهم وبين المسلمين عهد موثق بعدم الاعتداء وإقامة السلم فيما بينهم وبين المسلمين، وقد يكون بينهم وبين المسلمين حلف على التناصر إذا حصل اعتداء.
وهنا إشارة بيانية تؤكد حرص الشرع على دفع الدية لأهل المقتول ولو كانوا غير مسلمين، وهي تقديم الدية على الكفارة؛ لأنها نفيت في حال القاتل الذي ينتمي إلى الأعداء، فكان لابد من توكيدها حتى لَا يتردد القاتل في دفعها إلى غير المسلمين، إن كان بينهم وبين المسلمين ميثاق بمنع الاعتداء.
وقد قال بعض العلماء. إن الدية ذُكرت منكّرة ولم تذكر معرّفة، فلم يقل تعالت كلماته: الدية تسلم لأهله؛ وهي قد ذكرت منكرة في الحالين اللتين وجبت فيهما، واستنبط من هذا أنها لو ذكرت معرفة لكان تقدير النبي - ﷺ - بيانا لمعناها في القرآن، وما جاز تقديرها بغير تقديره، ولا الاتفاق على غيرها.
ونحن نؤيد هذا الاستنباط بشرط ألا يكون تفاوت في تقدير الدية من حيث الجنس أو اللون، أو القوة والضعف، أو العلم والجهل، أو التحضر والتَّبَدِي، فإن هذا شأن الجاهلية، ولا يقره الإسلام، ولا يصح أن يترك الأمر ليستغل القوي ضعف الضعيف.
وهنا يجب أن نذكر فرعين: أحدهما - إذا قتل المؤمن ذميا أو معاهدا غير مسلم، فهل تجب الدية والكفارة؟ والجواب عن ذلك أن الدية واجبة الأداء باتفاق
________
(١) رواه الخطيب عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا كما في الفتح الكبير: ج ٦، ص ٤٨١ برقم (٢٠٠٣٨).
العلماء، أما الكفارة فهي موضع نظر، وأميل إلى وجوبها، لأن التحرز عن دم الذمي أو المعاهد كالتحرز من دم المسلم، لأنه معصوم الدم كالمؤمن على سواء، وموجبات الأمن لأهل الدولة الواحدة ثابتة، ولأن الكفارة عبادة، وعتق أهل الإيمان أمر مرغوب فيه.
الفرع الثاني: إذا قتل الذمي ذميا، فإن الدية بلا ريب واجبة؛ لأنها تعويض لأسرة القتيل، ولأنها في معنى القصاص من القاتل قتلا خطأ، وأما الكفارة فإنها عبادة، فلا تجب على غير المسلم، وخصوصا أن فيها صوم شهرين متتابعين، والصوم عبادة إسلامية، والأمر فيه بين العبد وربه، والصوم يكون حيث لَا توجد الرقبة.
(فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) أي فمن لم يجد رقبة مؤمنة يعتقها، فالواجب في الكفارة، حيث تجب، صيام شهرين متصلين في أيامهما، لَا يفرق بينها فطر، بحيث لو أفطر يوما فيها استأنف من جديد ابتداء الشهرين، إلا أن يكون إفطار اليوم لعذر كمرض أو سفر مضطر إليه، وخالف في ذلك أبو حنيفة والشافعي، وقررا وجوب الاستئناف من جديد، ولو كان الإفطار لعذر قاهر. والآية تصرح بأن سبب الكفارة هو التوبة والرجوع إلى الله تعالى من تقصير في التقدير. وقد يقال: إذا لم يكن إثم فمن أي شيء تكون التوبة، مع أنه باتفاق العلماء لَا إثم في الخطأ؛ ونقول: إن إثم القتل لَا يتحقق عند الخطأ كما نقلنا من قبل، ولكن التقصير قد يكون ثابتا، والتوبة إنما هي من هذا التقصير، والحمل على الاحتياط والتحرز في المستقبل، والكفارة مذكر مستمر بالتقصير حتى لَا يتكرر من بعد.
وقد ذيل الله تعالى النص الكريم بذكر اتصافه بأنه عليم بكل شيء، عليم بالنفوس وحركاتها ومداها، وعليم بما يقع من الأعمال، ويجول في النفوس والخواطر، وهو المدبر لكل شيء بحكمته، والذي يشرع الأحكام على مقتضى المصلحة الإنسانية العالية.
* * *
(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)
* * *
في الآية السابقة بيَّن - سبحانه وتعالى - حكم القتل الخطأ، وفصل القول فيه تفصيلا؛ فذكر الحكم إذا كان المقتول من قوم أعداء للمؤمنين، والحكم إذا كان من قوم بينهم وبين المسلمين ميثاق، والحكم إذا كان المقتول من المؤمنين الذين ينتمون إلى الدولة الإسلامية. وفي هاتين الايتيق يبين سبحانه أمريق: أولهما - حكم قتل المؤمن متعمدا، وثانيهما - وجوب تجنب الخطأ عند الجهاد، فإن الجهاد والضرب في الأوض مظنة قتل غير القاتل، أو غير المعتدي، وفي حاق قتل غير المعتدي يكون القتل عمدا، ولكن على أساس وصف من الأوصاف المسوغة للقتال، فوجب الاحتواز منه. ولأن فيه نوعا من القصد والتعمد، جاء بعد حكم القتل المتعمد، الذي بينه سبحانه وتعالى بقوله:
(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا) تبين تلك الجيلة السامية عظم الجرم في القتل المتعمد المقصود، سواء أكان بآلة من شأنها أن تقتل كالرصاصة أو السيف أو السكين، أم كان بآلة ليس من شأنها أن تقتل، ولكن قصد بها القتل، وكان الضرب في مقتل، فإن القتل في كلتا الحالين مقصود متعمد، يعلم الله تعمده وقصده. والتفرقة بين ما يكون بآلة تقتل، وأخرى لا تقتل، هي تفرقة في الأحكام الدنيوية. والآية هنا تبين الحكم الأخروي، وهو الدخول في جهنم. أما الحكم الدنيوي، وهو القصاص الذي ثبت بآية القصاص، وقال فيه سبحانه: (وَفِي الْقِصَاصِ حَيَاة)، فهو الذي فرق فيه بعض الفقهاء بين القتل الذي يكون بآلة من شأنها أن تقتل، والقتل بآلة لا
تقتل، ومع ذلك لم يفرق في الحكم مالك إمام دار الهجرة بين الأمرين، ما دام قد ثبت العدوان والقصد إلى القتل.
وإن الجزاء الأخروي صارم قاطع، فهو جهنم والمكث فيها. على الدوام، إن كان قد استباح ذلك، ولم يؤمن بحرمته، ولم يتب عن جريمته، ولا نجد قاتلا يقتل غيره إلا وهو مستحل لدمه مستبيح له! أفلا يستحق بهذا أن يخلد في النار ما لم يتب ويقدم رقبته، أو يعفو عنه أولياء المقتول؛ والمعتزلة الذين يقولون: إن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ويخلد في النار، يستدلون بهذه الآية. ونحن نقول: إن خلوده في النار ليس لمجرد الفعل، بل لاستباحة القتل، وإنكاره التحريم. ولا يوجد قاتل عند ارتكابه تلك الجريمة التي تعد أكبر جريمة في الوجود، لَا يستبيح فعله؛ فكانت العقوبة على الاستباحة، والنبي - ﷺ - يقول فيما يُروى عنه: " لزوال السماوات والأرض أهون عند الله من قتل امرئٍ مسلم بغير حق " (١).
(وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) هاتان عقوبتان معنويتان، وثالثة مادية، أما المعنويتان فهما الطرد من رحمته الذي عبر عنه سبحانه وتعالى بقوله " وَلَعَنَهُ "، وأي عقوبة أعظم من الطرد من رحمة الله تعالى، ونفحاته القدسية، ووادي رحمته المشرق المنير؛ والعقوبة المعنوية الثانية هي غضب الله تعالى، وغضب الله من أشد عقابه، كما أن رضوانه أعظم ثوابه، وكيف لا رب العالمين من يهدم ما بناه سبحانه في خلق الإنسان الذي سواه وعدَّله في أحسن تقويم؟!.
وأما العقوبة المادية، فقد أشار إليها سبحانه وتعالى بقوله: (وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا)، وهذه إشارة إلى عظم الجريمة، لأن العقوبة العظيمة لَا تكون إلا لجرم عظيم، وأي جرم أعظم من هدم بناء الإنسان الذي سجد له الملائكة، ولعن من
________
(١) رواه بهذا اللفظ الترمذي: الديات - ما جاء في تشديد قتل المؤمن (١٣٩٥) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه مرفوعا وموقوفا وقال: والموقوف أصح من المرفوع، كما رواه النسائي: تحريم الدم - تعظيم الدم (٣٩٨٧) مرفوعا.
أجله إبليس وطرد من رحمة الله؛ حتي لقد قال بعض العلماء: إن من قتل قتل عمدا لَا تقبل له توبة، ونحن نخالف في ذلك ونقول: تقبل التوبة بحقها، وهي أن يقدم رقبته جزاء جريمته، أو يعفو ولي الدم.
وأما العذاب العظيم، فهو ما قرره سبحانه وتعالى في الدنيا من قصاص، وفى الآخرة من نيران شديدة، وقد يقال: أليس هذا تكرارا لقوله تعالى: (فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا)؛ ونقول، لَا تكرار؛ لأن هذا الجزاء في مقابل جزاء من قتل خطأ وفي هذا الجزء الأخير بين سبحانه أن هذا الجزاء معد بالفعل يوم القيامة، فبين سبحانه وتعالى العقوبة وتنفيذها، وأنها لَا هوادة فيها، ولا تسامح بالنسبة لمرتكبها.
وإن القتل الخطأ الذي بين القرآن الكريم أحكامه في الآيات السابقة، قد يكون سببه أن يقتل مُحرم الدم، على أساس أنه مباح الدم، كمن يلقى طائفة من الناس في بادية يحسبهم من الأعداء الذين يباح دمهم، لاعتدائهم على المسلمين، فيقتل منهم أحدا، فيكون الخطأ: ولذا نبَّه سبحانه إلى توقِّي المجازفة في القتل، فلا يسارع المؤمن إليه؛ لأن الأصل في الدماء أنها محرمة، ولا تباح إلا عند الاعتداء؛ ولذا قال سبحانه بعد الآية السابقة.
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)
بعد أن بين سبحانه وتعالى في الآيات السابقة أحكام القتل الخطأ، نبه سبحانه إلى توقِّي المجازفة في القتل، فلا يسارع المؤمن إليه، لأن الأصل في الدماء أنها محرمة، ولا تباح إلا عند الاعتداء. ولذا قال جل جلاله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتم فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنوا) الضرب في الأرض معناه السير فيها، والضرب في سبيل الله معناه السير مجاهدا في سبيله تعالى، وكل جهاد في الإسلام لَا يعتبر جهادا إلا إذا كان في سبيل الله تعالى، أي لإعلاء كلمة الحق والدين، ورد المعتدين. فسبيل الله هي سبيل الحق، وكل دعوة إلى الخير هي سبيل الله تعالى ومعنى " تبينوا ": تثبتوا، وهناك قراءة نصها: " فَتَثَبَّتوا " (١).
ومعنى النص الكريم: يا أيها الذين أذعنوا للحق وصدقوا به، وخرجوا مجاهدين في سبيل الله، إذا سرتم في جهادكم، فتعرقوا من يحاربكم ومن يعاديكم، ولا تضعوا السيف في موضع البرء والسقم، في المقاتل وغير المقاتل، في المحارب وغير المحارب، ولا تتعجلوا بالقتل عند الشك في أن من تقتلونه عدو أو ولي، أو عند احتمال ألا يكون عدوا؛ فإن الأصل في الدماء التحريم، وكل شك يمنع القتل؛ إذ القتل إنما هو لدفع الاعتداء، فلا يقتل إنسان إلا عند تأكد الاعتداء منه، أو نيته عنده، ومن لم يتثبت، فقد خالف أمر الله واعتدى.
وروى في سبب نزول هذه الآية روايات مختلفة، كلها يتلاقى عند معنى واحد، وهو أن المجاهدين الأطهار قتلوا رجلا نطق بالشهادتين: " لا إله إلا الله، محمد رسول الله "، بعد أن استمكن المسلمون من رقبته، أو قال للمجاهدين: السلام عليكم، فقتلوه، وقد جاء في (أحكام القرآن) للقرطبي: في سنن ابن ماجة عن عمران بن حصين، قال: بعث رسول الله - ﷺ - من المسلمين إلى المشركين بعثا، فقاتلوهم قتالا شديدا، فمنحوهم أكتافهم، فحمل رجل على رجل من المشركين، فلما غشيه قال: أشهد أن لَا إله إلا الله، إني مسلم، فطعنه فقتله،
________
(١) وبها قرأ حمزة والكسائي، وخلف، وقرأ الباقون (فتبينوا). غاية الاختصار، ج ٢، ص ٤٦٦.
فأتى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، هلكت! قال: " وما الذي صنعت، مرة أو مرتين "؛ فأخبره بالذي صنع، فقال رسول الله - ﷺ -: " فهلا شققت عن بطنه، فعلمت ما في قلبه... فلا أنت قبلت ما تكلم به ولا أنت تعلم ما في قلبه "!. (١)
ويروى مثل، ذلك بالنسبة لأسامة بن زيد، فقد قتل رجلا نطق بالشهادتين، فلامه النبي - ﷺ -، فقال أسامة: لقد قالها تحت حرِّ السيف، فقال النبي - ﷺ -: " هلَّا شققت عن قلبه " (٢)!.
ولعل وقائع قد وقعت من هذا الصنف، والقتال شديد، وقد حمي الوطيس، فجاء الأمر الكريم بالتثبت.
وليس النطق بالشهادتين فقط هو الذي يحقق الدم، بل إعلان السَّلام وحده كاف لمنع القتل، ولذا قال سبحانه:
(وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) السلام معناه الأمن، وقد أطلق على اللفظ الذي يدل عليه، وهو تحية الإسلام: " السلام عليكم ". وأطلق على استسلام العبد لربه. و " ألقى السلام "، معناه: قاله، أو قدمه. والنص الكريم جاء للنهي عن قتل من ألقى السلام وقدمه بالاستسلام، سواء أكان مؤمنا، أم غير
________
(١) سنن ابن ماجه: الفتن - الكف عمن قال لَا إله إلا الله (٣٩٣٠) عن عمران بن حصين رضي الله عنه.
(٢) عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - وَهَذَا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ - قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِيَّةٍ، فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَقَتَلْتَهُ؟» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ، قَالَ: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟» فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: فَقَالَ سَعْدٌ : وَأَنَا وَاللهِ لَا أَقْتُلُ مُسْلِمًا حَتَّى يَقْتُلَهُ ذُو الْبُطَيْنِ يَعْنِي أُسَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ : أَلَمْ يَقُلِ اللهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]؟ فَقَالَ سَعْدٌ : قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَأَنْتَ وَأَصْحَابُكَ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ ". [رواه مسلم: الإيمان - تحريم قتل الكافر بعد أن قال لَا إله إلا الله (٩٦)، وبنحوه البخاري: الديات (٦٨٧٢)، كما رواه أبو داود: الجهاد - على ما يقاتل المشركون (٢٦٤٣)، وأحمد: مسند الأنصار - حديث أسامة بن زيد (٢١٢٩٥).
مؤمن، وسواء أنطق بالشهادتين مع ذلك، أم لم ينطق. والنهي عن قتل بالنهى عن رد الكلام الذي قاله معلنا السلام،؛ ورد الفعل الذي يدل الاستسلام، فمعنى النص الكريم لَا تردوا إلقاء السلام وفعله الذي يدل عليه، قائلين: لست مؤمنا، أي لست مصدقا للشهادتين. إن نطقت بها، أو لست من صقوف المؤمنين حتي يحرم أنفسنا قَتلك. فمعنى (لَسْتَ مُؤْمِنًا) على هذا يشمل أمرين: أحدهما إنكار الإيمان إذا ادعاه، والثاني أن يقال له مع استسلامه، وإن لم يعلن إسلامه: نقتلك لأنك لست من قومنا، أو من صفوفنا!. وبذلك ينهى الإسلام عن القتل ما دام قد منع الاعتداء. ولقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ينهى عن قتل من أعلن الاستسلام ولو بالإشارة، فقد أرسل إلى قائد جيشه الذي كان يفاتل في فارس، ينهى عن أن يقتل أحد أشار بالاستسلام، ويحذر من يقتله بأنه سيقتله به؛ لأنه اعتدى، والإسلام ينهى عن الاعتداء، ولو في القتال، ولذا قال سبحانه: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠).
وإن الذين يقتلون من يطلب الأمان مستسلما، أو من يعلق الإسلام مسلما، يخرج قتالهم عن معنى الجهاد في سبيل الله تعالى إلى معنى آخر يجافيه، وهو أن يبتغوا عرض الدنيا بالمال يطلبونه، أو بإعلان قوتهم، وليس ذلك مقصد الإسلام من القتال، إنما مقصده إعلاء كلمة الله تعالى، وبيان كلمة الحق، ولذلك قال سبحانه:
(تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ) الابتغاء الطلب الشديد، والرغبة الملحة. وعرض الدنيا، جميع متاعها، وسمي متاع الدنيا عَرَضا؛ لأنه مهما يكن زائل غير ثابت، فهو عارض لَا يدوم، ومنه قول - رضي الله عنه: " الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البَرُّ والفاجر " (١)! ومنه ما روي في صحيح
________
(١) عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ يَأْكُلُ مِنْهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَإِنَّ الْآخِرَةَ وَعَدٌ صَادِقٌ، يَحْكُمُ فِيهَا مَلِكٌ قَادِرٌ، يُحِقُّ بِهَا الْحَقَّ، وَيُبْطِلُ الْبَاطِلَ ". رواه البيهقي ج ٤، ص: ٤٦٥ (٥٨٣٧)، كما رواه الطبراني في الكبير.
مسلم عن النبي - ﷺ - أنه قال " ليس الغِنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس " (١) وقد أخذ بعض العلماء الشعراء هذا المعنى، وضمنه بيتين من الشعر فقال:
تقنع بما يكفيك واسْتعمِل الرضا فإنك لَا تدري أتصبحُ أم تمسي
فليس الغِنَى عن كثرةِ المالِ إنما يكونُ الغِنَى والفقر من قِبَل النفس ومعنى النهي في النص السابق مع هذا النص الكريم: لَا تنكروا السلام والأمن على من يلقيه إليكم، مبتغين متاع الدنيا؛ لأنكم خرجتم بذلك عن الجهاد في سبيل الله تعالى إلى طلب المال والدنيا، وما لأجل ذلك كان القتال، بل قاتلوا في سبيل الله بالحق، واطلبوا الله بفعالكم، واطلبوا ما عنده سبحانه، فإنه إذا كان ذلك كانت المغانم الحلال، وإنها لكثيرة، ولذا قال سبحانه بعد ذلك النهي: (فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِم كثِيرَةٌ) والمغانم جمع مغنم، وهو ما يصل إلى الإنسان من طريق حلال، ويطلق في القتال على ما يأخذه المحاربون من أعدائهم، غالبين لهم بهذا الأخذ، فهو يطلق على ما يؤخذ في أثناء القتال، أو في أعقابه، قبل أن تنتهي الحرب، ويتم الصلح أو الغلب النهائي. وهذا وعد من الله تعالى بكثرة المغانم، ولكن وعد الله مشروط بالصدق في القتال، وطلب ما عنده سبحانه.
وقد أكد سبحانه وتعالى النهي عن قتل من أعلن الإسلام أو الاستسلام بقوله سبحانه:
(كذَلكَ كنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا) بهذه الحال التي ترونها في المشركين الآن، من جحود بالحق وكفر به، كنتم من قَبْلُ، حتى هداكم الله تعالى، وإذا كنتم كذلك، فتبينوا حال الذين تقاتلونهم، عسى أن يكونوا قد هدى الله بعضهم كما هداكم، وأن يكون قد مَنَّ عليهم كما مَنَّ عليكم، فلا تستكثروا على مشرك أن يُؤْمِنَ، ولو كان ذلك في حومة الوغى، فنور الهداية مفتوح في كل
________
(١) متفق عليه؛ رواه مسلم: الزكاة - ليس الغنى عن كثرة العرض (١٠٥١)، والبخاري: الغنى غنى النفس (٦٤٤٦) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
مكان لَا يغلق باب دونه، والله يهدي من يشاء بإذنه. وفوق ذلك، فإنه كان يتصور منكم من قبل في الوقت الذي كنتم فيه كافرين أن تعتدوا على المؤمنين، وتضطركم حال القتال، إلى أن تستسلموا طالبين الرحمة، فارحموا من وقع في مثل هذه الحال.
وقد كرر الأمر بالتبين؛ لأنه في الأول كان عاما يستدعي التثيت قبل القتال، وفى أثنائه وبعده، فلا يهاجمون إلا من يتأكدون منه الاعتداء، والأمر هنا يتضمن تبين حالهم في الماضي، وحال الكافرين في الحاضر، كما يتضمن التثبت عند الاستسلام، وعند إعلان الإسلام. فالتبين لمعرفة الحال قبل القتال وبعده وفي أثنائه يتضمن الموازنة، ويتضمن التبين عند القتال وبعده فقط فبينهما أمر مشترك، وكلاهما ينفرد بتبين خاص. وفوق ذلك، فإن التبين هنا اقترن بتذكير وإنذار إذا لم يكن، ولذا قال تعالى:
(إِنَّ اللَّهَ كانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) أي أنَّ الله تعالى متصف بالعلم الدقيق، الذي لَا يغادر صغيرة ولا كبيرة، فالخبرة هي العلم الدقيق بالأشياء. وقد اقترن ذلك الوصف بأعمال المؤمنين المخاطبين بذلك الخطاب لبيان مراقبة الله تعالى الدائمة لأعمالهم، دقيقها وجليلها، ولأحوال نفوسهم ما ظهر منها وما بطن، وأنه لا تخفى عليه خافية في السماء ولا في الأرض. وقدم سبحانه وتعالى لفظ " بما تعملون " على الوصف العام، ليراقبوا أنفسهم، فقد علموا أن الله تعالى يراقبهم، وأنهم إذا لم يراقبوه في تصرفاتهم مع خلقه فهو تعالى يراقبهم. اللهم إنا نضرع إليك ألا تمكننا من ظلم أحد من عبادك، إنك على كل شيء قدير.
* * *
(لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)
* * *
في الآيات السابقة كانت الدعوة إلى الجهاد، وتخللت هذه الدعوة آيات في وجوب الحذر من المنافقين،، وفي بعض العلاقات الدولية، وأحكام الخطأ إذا كان المقتول معصوم الدم، ثم جاء في السياق قتل المؤمن عمدا، وعظم الجرم فيه، وإنزال العقاب الشديد بمن يرتكب ذلك الجرم. وكان هذا بمثابة التمهيد لوجوب الاحتراس من قتل المؤمن إذا استعرت الحرب واشتد أوارها، فكان على المؤمنين إذا ضربوا في الأرض ألا يضعوا السيف في موضع البرء والسقم. وفي هذه الآيات الكريمات يبين سبحانه - وجوب الخروج للجهاد إن وجدت دواعيه، وأن الأجر اللذين يخرجون مجاهدين، وأنه لَا يصح أن يقعد مؤمن عن الجهاد، وهو قادر عليه، فقال تعالى:
(لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) الجهاد مصدر جاهد مجاهدة وجهادا، وهو بذل أقصى الجهد فى مقابلة من يبذلون أقصى الجهد للاعتداء، فهو مبادلة لارتكاب المشاق، وهو في سبيل الله لَا يكون إلا لنصرة الحق وتأييده والدفاع عنه، وأكثر ما يطلق في لغة القرآن والحديث وعرف أحل الإسلام، يكون على القتال في سبيل الدين. والجهاد أعم من القتال، وأخص منه، فبينهما عموم وخصوص من وجه كما يقول المناطقة، فهما يجتمعان في القتال الدفاع عن الحق. والقتال قد يكون في البغي
على الحق، ولا يكون الجهاد بمقتضى العرف الإسلامى إلا ردا للاعتداء. والجهاد لا يكون بالقتال وحده، بل يكون ببذل المال في تأييد الحق، وبالبيان في الدعوة إليه، ولذلك يقول النبي - ﷺ -: " - جاهدوا المشركين بأنفسكم، وأموالكم، وألسنتكم " (١). ومعنى النص الكريم: لَا يسستوي الذين قعدوا عن الجهاد لإعلاء كلمة الحق، ولم يخرجوا مناصرين له بأنفسهم وأموالهم، مع الذين قعدوا عن ذلك، من غير ضرر ملاؤم لهم، كمرض مزمن أو عمى أو شلل أو عربي، أو الذين لَا يجدون ما ينفقون منه في إعداد العدة، ولا يوجد من يقدم لهم السيف والزاد والراحلة. وقد بين الله سبحانه وتعالى أولي الضرر في آية أخرى، وقال: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢).
ونجد في هذا النص الكريم أن الإخلاص مع الاستعداد وعدم القدرة على التتفيذ قد يغني عن الجهاد، أو علي الأقل يسقط المؤاخذة، ولذا قال تعالى (إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) أي أخلصوا، وبذلوا في سبيل الله ما يستطيعون بذله.
ونجد في النص الكويم إشارة إلى أن الجههاد بالمال جهاد، وإلى أن القعود نوعان: أولهما قعود مادي حسي، بمعنى ألا يخرج من الدار والعدو متأهب لمنازلة أهل الإسلام، أو غزوهم في عقر دارهم، وما غزى قوم في عقر دارهم، إلا ذلوا، كما قال فارس الإسلام عليٌّ - رضي الله عنه -، والثاني. قعود عن
________
(١) رواه أبو داود: الجهاد - كراهية ترك الغزو (٢٥٠٤)، وأحمد: باقي مسند المكثرين (١١٨٣٧)، والدارمي: الجهاد - جهاد المشركين باللسان واليد، كما رواه النسائي: الجهاد - وجوب الجهاد (٣٠٩٦) ولفظه عند النسائي: " جَاهِدُوا المشركِينَ بِأموَالهُمْ وَأيْدِيكئم وَألسنتكمْ " كلهم عن أنس ابن مالك رضي الله عنه.
البذل والإنفاق في سبيل الحرب، وهذا قعود عن الجهاد بالمال، وهو لَا يقل خطرا عن القعود والعدو قد أخذ الأهبة، ولذلك عَدَّ القرآن الكريم البخل في هذه الحال مؤديا إلى التهلكة، ولذلك قال تعالى: (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
ولا شك أن أكمل الجهاد ما كان بالمال والنفس، كما هو الشأن في جهاد كثير من الصحابة، كأبي بكر وعمر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وغيرهم من كبار الصحابة الذين كان لهم مال بذلوه، وكان لهم بلاء في ميدان القتال، فقاتلوا في سبيل الله بأنفسهم.
والآية تشير إلى وجوب إعداد الشباب في الأمة للجهاد، بأن يتربوا منذ طفولتهم على أساليب الحرب والنزال، فإنه لَا يسوغ استنفار طائفة إن حملت السلاح لَا تستطيع الضرب، ولذلك وردت الآثار بتعليم الشباب الرماية، والدربة على القتال، ويعدُّ ذلك ضَرُوريا من ضروريات التعليم الديني. وإذا كان الإسلام قد منع العكوف في الصوامع للعبادة وحدها، فقد أمر الأمة كلها بالجهاد في سبيله، أو الاستعداد له، وقد قال النبي - ﷺ -: " رَهبانيةُ أمَّتي الجهاد في سبيل الله " (١).
وإذا كانت المساواة بين القاعد والمجاهد غير سائغة في حكم العقل والشرع، فالفضل في الدرجة للمجاهدين؛ ولذا قال سبحانه:
(فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) وإذا كان التساوي بين المجاهدين والقاعدين من غير ضرر يمنعهم غير مستساغ، فإن الله تعالى فضَّل المجاهدين بالمال والنفس على القاعدين ذوي الضرر، وجعلهم في درجة أعلى من القاعدين لعذر، والمراد بالدرجة أن يكون لهم فضل أعظم، ومكانتهم عند الله أكرم من ذوي الأعذار؛ وذلك لأن جهاد
________
(١) سبق تخريجه.
هؤلاء عملي إيجابي، وموقف ذوي الأضرار سلبي، وهم يعرضون أنفسهم للتلف، وأولئك لم يتعرضوا له، ويقدمون النفيس من المال، وأولئك لم يقدموه، ومع ذلك فإن الله تعالى وعد كلا من الفريقين الحسنى، أي العاقبة الحسنة، حيث لا يكون ثمة عقاب يوم القيامة، بل يكون النعيم المقيم لهما معا. والله تعالى يثيب المرء بمقدار نيته، وقد قال النبي - عليه الصلاة والسلام -: " إن بالمدينة رجالا ما قطعتم واديا ولا سرتم مسيرا إلا كانوا معكم، أولئك قوم حبسهم العذر " (١)، وقد كان النبي - ﷺ - يقيم عبد الله ابن أم مكتوم على المدينة، وهو أعمى، لكي ينتفع بكل القوى، وليكون لذوي الأعذار فضل العمل.
وإن تفضيل الدرجة على القاعدين ذوي الضرر لكي يسير القادر ولو نسبيا، فلا يقعد لضرر وهمي، أو عذر غير قهري، فكثير من الناس يتوهمون أعذارا، حيث لَا عذر.
هذا فضل المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين ذوي الضرر، وقد رحم الله الضعفاء، فجعل لهم الحسنى كالمجاهدين، وإن كانوا دونهم فضلا، أما الذين قعدوا من غير عذر، فقد بين سبحانه فضل المجاهدين عليهم بأنه درجات، فقال سبحانه: (وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا).
كان التفضيل الأول بالدرجة الواحدة، وذلك النص في تفضيل الذين يجاهدون بأموالهم وأنفسهم على القاعدين من غير ضرر. فالمجاهدون بأموالهم وأنفسهم مفضلون عليهم بأجر عظيم، وأنَّى يكون من قعد بين أهله آمنا في سربه، كمن ارتكب المشقة وترك الأهل والولد!.
________
(١) رواه البخاري: المغازى - نزول النبي - ﷺ - الحجر (٤٤٢٣)، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، كما رواه مسلم وغيره عن جابر رضي الله عنه بلفظ مقارب، ولفظ مسلم: الإمارة - ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر (١٩١١) عَنْ جَابِرِ قَالَ: كُنا مَعَ النَبِى - ﷺ - فِى غَزَاةٍ فَقَالَ: " إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا، إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ) وفي رواية: " إِلاً شَركُوكُمْ فِى الأجْرِ ".
ونجد النص الكريم لم يذكر الذين قعدوا بمذمة صريحة، وفي هذا إشارة إلى أن الغزو والخروج للجهاد فرض كفاية، وليس فرض عين، وذلك إذا لم يكن المسلمون في حاجة إلى كل القادرين. ومهما يكن، فالخارجون للجهاد لهم الفضل الأعظم. وقد بين سحانه عظيم الأجر بأنه يرفع المجاهد درجات عند الله تعالى، فقال سبحانه مبينا ذلك:
* * *
(دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)
* * *
هذا بيان للأجر العظيم الذي يعلو به المجاهد بنفسه وماله عن القاعد كسلا أو تراخيا، أو لأنه سبقه غيره إلى الجهاد. وهذا الأجر مكون من عناصر ثلاثة: أولها: أن الله تعالى يرفعه دوجات، ويقربه إليه سبحانه منازل يوم القيامة، فيكون في مرتبة الصديقين والأنبياء والصالحين؛ إذ إن الشهداء الذين أخلصوا النية في جهادهم، والمجاهدين الذين تعرضوا لشرف الاستشهاد لهم المنازل العليا، والمقامات الكبرى. ونُكِّرت الدرجات لبيان أنها لَا يحدها الحصر، ولا يعيِّنها المقدار، بل هي شرف عظيم لَا يناله إلا المقربون الأبرار.
ثانيها: أن الله تعالى يغفر له ما تقدم من ذنبه، فإن الحسنات يذهبن السيئات، وأي حسنات أعظم من تقديم النفس والنفيس.
ثالثها: الرحمة تنزل بالمجاهد، فإنه يكون مغمورا برحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة: ففي الدنيا براحة الضمير وأداء الواجب، والإحساس بأنه كان سببا للرحمة بالمؤمنين، إذ وقاهم شر العدو، ومنعه من أن يتحكم فيهم، ودفع عنهم الفتنة في دينهم، وجعل الدين خالصا لوجهه الكريم، ومنع الفساد في الأرض.
وفى الآخرة بالثواب العظيم.
وقد ختم الله تعالى النص بأن الغفران والرحمة وصفان دائمان لذاته العلية، لا ينفصلان عنها، وفي ذلك دعوة لكل من يكسل عن الجهاد لأن يعمل، وللعاصي ليتوب، فإن باب المغفرة مفتوح قد فتحه الغفور، وباب الرحمة متسع قد وسَّعه الرحيم. اللهم اكتبنا في عبادك التائبين، واغفر لنا، إنك أنت الغفور الرحيم.
* * *
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)
* * *
في الآيات السابقة ذكر سبحانه خروج المؤمنين مجاهدين، وما يجب أن يكون عليه المجاهد من حذر، فلا يثق بخائن أو منافق، ولا يضع سيفه على من يلقى إليه السلام، وذكر أن الخروج للجهاد واجب، وأن القعود لَا يجوز إلا عند عدم الحاجة أو المعذرة. والتعود قسمان: قعود عن الجهاد، وقعود عن الهجرة.
وإذا كان القعود الأول فيه ملامة إن لم يكن لمعذرة، فالقعود الثاني فيه ذلة، وفيه إثم الرضا بالذلة، ولذا قال تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا) معنى توفَّاهم الملائكة: تتوفاهم فهو فعل ماض أريد به المستقبل لتأكد وقوعه، كقوله تعالى: (أَتَى أَمْر اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)، والمعنى: أن الذين تتوفاهم الملائكة الذين نيط بهم قبض الأرواح، قد توفوا في حال ظلمهم لأنفسهم، بسبب رضاهم بالذل والهوان، باستمرار إقامتهم في أرض لم يستطيعوا إقامة دينهم فيها، أو لم ينضموا إلى أهل الإسلام ليكثر بهم المسلمون، ويعظم جهادهم. وقد روى البخاري أنها نزلت في ناس من المسلمين لم يهاجروا، فكانوا مع المشركين يكثر
بهم سوادهم، وكانوا يخرجونهم معهم في القتال، فيصيبهم المسلمون بسهامهم أو سيوفهم.
ومهما يكن سبب النزول، فالعبرة بعموم اللفظ، لَا بخصوص السبب، فإن كل مؤمن يعيش في أرض يستذل فيها، أو لَا يستطيع إقامة حق دينه فيها، أو يعامل بغير الأحكام الإسلامية يكون من الواجب عليه أن يهاجر إلى الأرض التي يكثر فيها سواد المسلمين. وقد فهم هذا المعنى العام " الزمخشري "، فقد قال في ذلك: (وهذا دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لَا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب، لبعض الأسباب، والعوائق عن إقامة الدين لَا تنحصر، أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق الله تعالى، وأدوم على العبادة، حقت عليه المهاجرة. وعن النبي - ﷺ -: " من فر بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبرا من الأرض، استوجب الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم، ونبيه محمد " (١)، وقد ذكر الزمخشري أنه فعل ذلك - ﷺ - إذ جاور بيت الله الحرام، وقال جار الله الزمخشري داعيا ربه: (اللهم إن كنت تعلم أن هجرتي إليك لم تكن إلا للفرار بديني، فاجعلها سببا في خاتمة الخير ودرك المرجو من فضلك، والمبتغى من رحمتك، وصل جواري لك بعكوفي عند بيتك بجوارك في دار كرامتك يا واسع المغفرة) (٢).
هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم بالإقامة في دار لَا تحكم بالإسلامِ، ولا يكون فيها قوة لأهل الحق - تسألهم الملائكة يوم القيامة، فيقولون لهم: (فِيم كُنتمْ)، ويقول الزمخشري إن المعنى: في أي شيء كنتم من أمر دينكم؟ والسؤال للتوبيخ، ومؤداه إنكم لم تكونوا مستطيعين إقامة شئون دينكم، فكيف ترضون بذلك؟ وعندي أن معنى النص: (فِيمَ كُنتمْ)؛ في أي حال كنتم؟ أكنتم في عزة أم في ذلة؟ وكيف ترضون لأنفسكم الهوان، ولدينكم الدنية؟. والاستفهام للتوبيخ أيضا كما قرر الزمخشري.
________
(١) أخرجه الثعلبي من طريق الحسن مرسلا، وقد ذكر ذلك الآلوسي ج ٥، ص ١٢٥.
(٢) ذكره الزمخشري ج ١ ص ٥٥٦ من الكشاف.
وقد أجابوا عن ذلك بما حكاه الله سبحانه وتعالى عنهم بقوله: (قَالُوا كنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ)، ومعنى مستضعفين أنهم أريد ضعفهم وإذلالهم وعدم تمكينهم من إقامة الحق؛ لأن السين والتاء تدلان على طلب الضعف لهم من غيرهم، فهم يعتذرون بأن أعداء الدين أو المسيطرين عليهم أرادوا بهم هذا الضعف، وألزموهم إياه، فلم يستطيعوا عنه حولا!. وهذا اعتذار غير سليم، لأنهم كانوا في ذات أنفسهم ضعفاء، إذْ رضوا بالذل والهوان، ولذلك قالت لهم الملائكة: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِروا فِيهَا) والاستفهام هنا إنكاري أيضا، ومعناه: لقد كانت أرض الله تعالى واسعة، فلماذا لم تهاجروا إلى تلك الأرض الواسعة، حيث العزة، وحيث الجهاد، وحيث يكثر سواد المسلمين، ويعتز أهل الإيمان، ويكون المؤمنون بعضهم لبعض، ويكونون في الجهاد كالبنيان المرصوص المتماسك، كما قال النبي - ﷺ -: " المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضُه بعضا " (١).
وإن هذا النص الكريم يدل على أن المؤمن محاسب إذا رضي بالذل والدعة والعيش الناعم في غير أرض الإسلام، وأنه خير له أن يعيش في ظل الإسلام وفي خشن العيش مع العزة، من أن يعيش في نعيم مع الذلة، ولذا قال تعالى في عقاب هؤلاء المنقطعين عن الإسلام:
(فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) أي إن هؤلاء الذين رضوا بالذل وظلموا أنفسهم، أو رضوا بأن يكونوا في قوة أعداء الإسلام، ولم يكونوا مع المسلمين، مدَّعين أن الضعف هو الذي أقعدهم - إذا كانوا قد ارتضوا الإقامة في مكان الهوان في الدنيا، فإن مأواهم الذي يأوون إليه في الآخرة هو جهنم، وهي مصيرهم الذي يصيرون إليه، ونهايتهم التي ينتهون إليها، وما أسوأ جهنم مآلا ونهاية ومأوى لمن يسيرون في طريقها، فأُولئك جمعوا على أنفسهم هوان الدنيا وعذاب الآخرة!.
________
(١) متفق عليه؛ رواه البخاري: الصلاة - تشبيك الأصابع (٤٨١)، ومسلم: البر والصلة والآداب - تراحم المؤمنين وتعاطفهم (٢٥٨٥). عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
وإن هذا النص يوجب على المؤمن أن يعيش عزيزا كريما، تكون قوته للمؤمنين، وعليه أن يجاهد في ذلك، وإن لم يفعل فقد جنى على نفسه مرتين: إحداهما بهوان الدنيا، والثانية بعذاب الآخرة.
* * *
(إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)
* * *
هذا استثناء من المصير الذي سيئول إليه هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم، وهؤلاء هم ضعفاء حقا، فقد استضعفهم الأعداء وأرهقوهم، ولم تكن عندهم قوة تمكنهم من الإفلات من بقائهم في أرضهم وخروجهم إلى أرض الإسلام.
وهؤلاء ثلاثة أصناف:
أولهم: ضعفاء الرجال من الشيوخ الفانين، والمرضى وذوي العاهات، ونحوهم، ومن هؤلاء من كان لَا يرضى بالذلة ولو فني بالطريق! ويروى أنه لما نزلت هذه الآية بعث بها رسول الله - ﷺ - إلى مسلمي مكة، فقال ضمرة بن جندب لبنيه: احملوني، فإني لست من المستضعفين، وإني لأهتدي إلى الطريق، والله لا أبيت ليلة بمكة!. فحملوه على سرير متوجها إلى المدينة، وكان شيخا كبيرا، فمات في الطريق!.
والصنف الثاني: النساء اللائي لَا يستطعن الخروج، إما لثقلهن بالأولاد، وإما لخشية أمن الطريق، وإما لعدم وجود زوج يصحبها، ولا ذي رحم محرم يكون معها في الطريق.
والصنف الأخير: الولدان، وقد قال بعض المفسرين: إنهم العبيد ونحوهم، وذلك القول ليس بشيء، والأصح أنهم الصبيان، ويقول الزمخشري: إنهم الذين تجاوزوا الحلم قريبا. ويصح أن يكون المراد هؤلاء والأولاد الذين يتبعون آباءهم، أو الذين ليس لهم آباء يتبعونهم، وهم بهذا الضعف غير مسئولين، واستثناؤهم لعدم تكليفهم أو لأنهم لَا قوة لهم على تفسير الزمخشري، إذ إن ضعف الصبا لا يزال بهم، إذا كانوا قد بلغوا الحلم، ولم يدخلوا في دور الرجولة.
وقد ذكر سبحانه الوصف الذي استوحب استثناءهم، فقال سبحانه: (لا يَستطِيعُونَ حيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سبِيلًا)، والحيلة المواد بها التحول من حالهم التي هم عليها إلى غيرها أي لَا يستطيعون تحولا ولا انتقالا لعجزهم المطلق بمرض أو زمانة أو شيخوخة، أو يستطيعون التحول، ولكن لَا يهتدون إلى الطريق الموصل كالصبيان الفريبي العهد بالبلوغ، بحيث لو خرجوا هلكوا.
* * *
(فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)
* * *
إن هؤلاء الذين استضعفوا حقا وصدقا بسبب ضعفهم، عسى أن يعفو الله عنهم، أي يرجى أن يكونوا محل عفو الله تعالى، فلا يؤاخذهم برضاهم بالبقاء في أرض الذل، فالفاء هنا هي فاء السببية، أي أن السبب في أنهم محل عفو الله، ورجاء العفو لهم، هو ضعفهم. وهنا بحثان تشير إليهما الآية الكريمة:
أولهما - أن الهجرة هي الأمر المفروض الذي لَا مناص منه إلا عند العذر الشديد، وإن الأعذار يقدرها أصحابها. ومع وجودها يرجى لهم العفو، ويرجونه، ويقول الزمخشري: إن هذا يدل على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه، حتى إن المضطر البين الاضطرار من حقه أن يقول: عسى الله أن يعفو عني. وهذا كله معناه أن الأصل هو الهجرة "
ثانيهما - أن الأمور التي يرخص بها في مقابل واجب مفروض، لَا تكون مباحة في ذاتها، بل تكون في مرتبة العفو، لأن المباح يكون مطلوبا على وجه التخيير، وهذه لَا طلب فيها، بل رخص بها في الترك، والأصل وجوب الهجرة.
وقد ختم سبحانه وتعالى الآية بأنه كثير العفو عن عباده في الرخص التي يرخص لهم بها، كثير المغفرة لمن تاب وأناب، والله سبحانه وتعالى رحيم بعباده.
* * *
(وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠) وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)
* * *
في الآيات السابقة كان بيان حال الذين رضوا بالذل والهوان والضيق، وأنهم مؤاخذون لذلك، إلا إذا كانوا عاجزين عن الانتقال. وفي هذه الآيات يرغب سبحانه في الهجرة عند الضيق كما ألزم بها عند الذل، فقال تعالى:
(وَمَن يهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) يقال: أرغمه، إذا أوقعه في الرغام، وهو تراب الأرض، ورَغِمَ أنفه إذا نزل إلى التراب، وذلك كناية عن الذل بعد الكبرياء. وأرغم أنفه،، إذا أنزل به. وراغمه، إذا حاول كل واحد منهما أن يرغم الآخر. والمُراغَم مكان المراغمة، وقد أطلق على مواضع طلب المعيشة، والطريق في الأرض، وذلك إذا كان يصل إليه بعد مشقة، أو جهد غير معتاد، وهذا هو الذي يقال في معنى النص الكريم. فالمعنى على هذا: ومن يهاجر ويترك دار إقامته في سبيل الله تعالى طالبا ما عنده يجد طرائق كثيرة في الحياة، وإن كان لَا ينالها إلا ببعض المشقة، فإنها قنطرة للراحة، وكذلك ينال سعة في رزقه وحياته ودينه، فلا يُضَيَّق في دينه عليه، ولا يعيش في ذلة وهوان، أو مقترا عليه في الرزق.
والآية تحث على الهجرة إذا توافرت أسبابها، وتشير إلى أن المهاجر، إن ترك محل العيش الرتيب، فإنه سيجد في النهاية مذاهب مختلفة للرزق، وسعة في الحياة، وعدم ضيق، فهو معوض بلا ريب.
وتكون الهجرة في سبيل الله تعالى: إذا كانت للفرار من الفتنة في الدين، أو لدفع الذل وطلب العزة، أو للخروج من أرض ليست تحت ولاية الإسلام إلى أرض فيها ولاية الإسلام، أو من أرض فيها ظلم سائد واقع على الأبدان أو المال ولو كانت من ولاية الإسلام، أو كانت الهجرة لتكثير سواد المسلمين في إقليم قلَّ فيه عددهم، وهي الانتقال من أرض إسلامية مزدحمة بالسكان قد اكتظت بأهلها إلى أرض إسلامية خالية من السكان، فإنها تكون مظنة أن يأخذها أعداء المسلمين، فتكون قوة لهم على المسلمين. ففي كل هذه الأحوال تكون الهجرة في سبيل الله تعالى:
(وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رَحِيمًا) المهاجر في سبيل الله تعالى ينتقل من حمى الناس إلى حمى الله تعالى، فهو مهاجر منتقل إلى جانب الله تعالى ورسوله، فإذا كان يترك بيته وأهله وعشيرته، وجيرانه الذين عاش بينهم وعاشرهم، فهو يتركهم إلى جانب أعظم، ورحاب أوسع، وهو جانب الله تعالى ورسوله ورحابهما. وإن المهاجر إلى الله تعالى في سبيل تحقيق مقصد من مقاصد دينه التي نوهنا عنها سابقا ينال إحدى الحسنيين: إما الظفر بالسعة والعزة، والمال، وإما الظفر بالأجر العظيم، وذلك إذا أدركه الموت، وهو في الطريق الى الله.
وهذا قد قال فيه سبحانه: (فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)، أي فقد حق له الأجر العظيم عند الله تعالى. وقد تفضل سبحانه، فاعتبر ذلك الاجر حقا عليه - سبحانه، ولذا عبر بـ " على " في قوله: (عَلَى اللَّهِ) ووقع هنا معناه ثبت وتقرر، وكأنَّه صار وثيقة على الله تعالى وذلك كله تأكيد لتحقق الأجر بهذه الهجرة. وإن ذلك الأجر غفران لما مضى من ذنبه، ورحمة به بالنعيم المقيم في الآخرة، ولذلك قال تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) أي أن الوصف الدائم الثابت لله تعالى في الأزل أنه كثير المغفرة، ومن شأنه الرحمة بعباده، فبمقتضى
رحمته فتح باب الهجرة وحثَّ عليه، وبمقتضى رحمته مكَّن للمهاجر من السعة والعمل في الأرض، وبمقتضى رحمته اعتبر نية الهجرة إذا صاحبها العمل كافية للثواب والأجر العظيم.
اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وبدلمهم من بعد خَوفهِم أمنا، ومن بعد ضعفهم قوة، واهدهم للعمل بكتابك وسنة نبيك، إنك سميع الدعاء.
وبعد أن ذكر أن الهجرة فيها عزة، وأن المهاجر يجد سعة من الرزق، يذكر سبحانه ما سهله تعالى للمهاجر أو المسافر من عبادة تيسيرا له، وتشجيعا على السفر، فقال سبحانه:
* * *
(وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ... (١٠١)
* * *
الضرب في الأرض هنا هو السفر، وأطلق الضرب في الأرض على السفر، لأن المسافر يضرب برجله وبراحلته وبمتوكئه على الأرض في حركة مستمرة جزءا من النهار، فكان التعبير عن الضرب في الأرض بالسفر في موضعه، وهو مجاز واضح في علاقته.
ونجد التعبير في هذا النص الكريم يختلف عن قوله تعالى: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) في الآية السابقة في أمرين: أحدهما: أنه في الآية السابقة عبر عن السفر بالهجرة: والهجرة تقتضي الانتقال على غير عودة، وعلى نية الإقامة في مكان آخر يتخذه موطنا ومستقرا ومقاما دائما له، وفي هذا النص عبر عن السفر بالضرب في الأرض، أي أنه سفر على نية العودة غالبا، ولا يريد به اتخاذ مكان آخر موطنا له.
والثاني: أن الآية الأولى تنص على الهجرة في سبيل الله تعالى، والخروج من أرض الذل إلى أرض العزة، حيث يمكن أن تكون بالهجرة نصرة للمسلمين، يعد في سبيل الله؛ أما في هذه الآية، فإن السفر عام يشمل ما يكون في سبيل إفامة الدين، وما يكون في طلب الرزق، وزيارة ذوي الأرحام، وغير ذلك مما يعد قربة أو أمرا مباحا.
والنص الكريم يبيح قصر الصلاة، ووردت السنة بأن الصلوات التي عدد ركعاتها أربع ركعات يقصر إلى اثنين، وهي صلاة الظهر والعصر والعشاء، والنص الكريم قد اقترن القصر فيه بشرط مخافة العدو أن يفتن المؤمنين في سفرهم، بأن يكون المؤمنون غير آمنين من أن يدهمهم عدو في سفرهم، فهم يقصرون الصلاة، حتى يكونوا في حال استعداد مستمر، ولا تشغلهم الصلاة عن الحذر منه. وقد قوى هذا بأن الآية الكريمة التي أعقبت هذه الآية كانت خاصة بصلاة الخوف التي تكون في الميدان، فبمقتضى ظاهر النص يكون القصر عند الخوف من العدو، وأن القصر مع صلاة الخوف يكون عند لقاء العدو.
ومعنى الفتنة هنا هو إنزال الأذى بالمؤمنين، بأن يجعلهم في حال شدة، وينزل بهم كارثة بمداهمتهم وقتلهم أو الانقضاض عليهم، وهم ليسوا في حال استعداد للقتال.
وبهذا يكون قد ثبت بالنص القرآني قصر الصلاة، في حال خوف الفتنة من الذين كفروا، وصاروا في عداوة مستمرة للمؤمنين بسب كفرهم. ولكن ثبت بالسنة القصر في الصلوات التي عدد ركعاتها أربع في حال سفر، ولو لم يكن السفر في موضع مخوف، وقد ثبت هذا بالسنة المتواترة عن النبي - ﷺ -، والتي أجمعِ الصحابة عليها (١). ويصح أن نقول أن قوله تعالى: (إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِين كَفَروا) لم يكن إلا في بيان القصر في حال خوف الفتنة من الذين كفروا؛ لأن السياق كله كان في الجهاد، ولكن يمنع ذلك الفرض أن النص جاء في مطلق سفر، لَا لأجل الجهاد.
________
(١) من ذلك ما رواه مسلم في صحيحه: صلاة المسافرين وقصرها (٦٨٦)، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ، إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ، فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتُ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ ".
ومهما يكن فقد ثبت النص القرآني في القصر في حال خوف الانقضاض من العدو، وبالسنة القصر في عموم أحوال السفر. ولما كان ذلك هو موضع النص، يل النص الكريم بما يدل على وجوب الحذر دائما من الأعداء الكافرين، فقال:
(إِنْ خِفْتمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَروا) هذا النص لتأكيد الحذر من الكفار دائما؛ لأن عداوتهم مستمكنة في قلوبهم، وقد أكد سبحانه وتعالى هذه العداوة بمؤكدات أربعة: أولها - " إنَّ " الدالة على التوكيد، مع وصف الذين كفروا بالكفر، وجعله شأنا لهم، ومن كان جمود الحقائق شأنه لَا يؤمن على شيء. وثانيها - التعبير بـ " كان " الدالة على الدوام والاستمرار. وثالثها - وصف الكافرين بالعداوة؛ لأن العدو يطلب لعدوه دائما الشر، ويترقب مواضع غفلته لينقض عليه، فلا تنتظر منه رحمة أو حلم، أو نسيان للحقد. ورابعها - وصف العداوة بأنها ظاهرة بينة لا خفاء فيها، فالمغرور من يأمن عواقبه.
وقد تكلم العلماء في السفر المسوغ لقصر الصلاة: ما مقداره؟ وما حكم القصر؟ أهو واجب أم سنة؟ ونوع السفر الذي يجوز فيه القصر؟.
أما بالنسبة لمسافة السفر التي يجوز فيها القصر، فالفقهاء اختلفوا فيها على أقوال ثلاثة:
أولها - قول أهل الظاهر أن القصر يكون في كل ما يسمى سفرا، سواء أكان قصيرا أم كان طويلا، لأنه لم يثبت عن النبي - ﷺ - مقدار محدود يمنع القصر فيما عداه، فبقيت كلمة السفر على إطلاقها، من غير تقييد بمدة معلومة ولا مسافة محدودة.
وثانيها - قول الحنفية، أن السفر الذي يُسوِّغ القصر مسيرة ثلاثة أيام بلياليها، بالسير المعتاد، وهو سير الإبل، مع أخذ الراحة الواجبة في السفر، فلا يسير المدة كلها، بل يسير في الزمن الذي يعتاد فيه السفر؛ وذلك لأن عرف العرب أن الرجل كان لَا يعتبر مسافرا إلا إذا تجاوز موطنه بسير نحو ثلاثة أيام.
وثالثها - قول أكثر الأئمة أنه يوم وليلة، وقيل يوم فقط؛ وذلك لأن النبي - ﷺ - قال: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم منها " (١)، وروي الحديث مرة يوما وليلة (٢)، وروي ثلاثة أيام (٣)، ففيه الأوجه الثلاثة. والتوفيق أن كل رواية كانت إجابة لحال خاص، فسئل عليه الصلاة والسلام عن يوم، وعن يوم ليلة، وعن ثلاثة.
وبالنسبة لكون القصر واجبا أو مخيرا فيه، فالمذهب الشافعي أنه مخير فيه، وروى أنه سنة، ومن اختار القصر صلى قصرا بالنية، ومن اختار التمام صلى تماما بالنية، ويكون الفرض في حقه بعد أن ينوي التمام أربعا. وبقية الأئمة تقريبا على أن القصر واجب، وما يصلي فوق القصر يكون نافلة، وحجتهم ما تواتر عن الصحابة من أنهم يقصرون كلما كان سفر، وقدره يوم للإمام عثمان إذ لم يقصر عندما حج، وقال أصحاب هذا الرأي أن الفرض شرع اثنين، ثم بقي في السفر كذلك ثم زيد في الحضر. وحجة الرأي الأول قوله تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُروا مِنَ الصَّلاةِ)، ونفي الإثم يقتضي التخيير. وقد أجاب عن ذلك الزمخشري بأن ذلك للتيسير والتسهيل. وفي الحق أن كلمة " لا جناح " استعملت في السعي بين الصفا والمروة، ومع ذلك كان السعي بينهما واجبا، فالله تعالى يقول: (إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيم).
وبالنسبة لنوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة، فقد أجمع الفقهاء على أن السفر للجهاد أو الحج أو العمرة أو صلة الرحم أو القيام بواجب، يجيز القصر أو يوجبه. والأكثرون على أن السفر للتجارة والأعمال المباحة يكون فيه القصر.
________
(١) رواه مسلم: الحج - سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره (١٣٣٩) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) من ذلك ما رواه البخاري: الجمعة - في كم يقصر الصلاة (١٠٨٨).
(٣) من ذلك ما رواه البخاري: الجمعة - في كم يقصر الصلاة (١٠٨٧)، ومسلم: الحج - سفر المرأة (١٣٣٨).
وروي عن مالك أنه قال: إن خرج للصيد، لَا لمعاشه، أو لمشاهدة بلد متنزها ومتلذذا، لم يقصر. وجمهور العلماء على أنه لَا يقصر للصلاة من سافر في معصية، وروي عن أبي حنيفة والأوزاعي، أنه يقصر؛ لأنه يتحقق فيها معنى السفر، وقد كان القصر في مطلق سفر، وروى مثل ذلك عن مالك - رضي الله عنه.
وفقنا الله تعالى لإقامة الصلاة عمود الدين، وفيها برد المتقين.
* * *
(وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)
* * *
في الآيات السابقة بين الله سبحانه وتعالى وجوب الهجرة على المؤمن للجهاد في سبيل الله تعالى، ولطلب الرزق، إن ضاقت أرضه التي نشأ فيها، ثم
ذكر سبحانه وتعالى ما سهَّل به على المسافر من قصر الصلاة. وفي هذا النص الكريم بيَّن سبحانه حال الصلاة إذا كان المسافر في حال جهاد، وهو ما يسمى في عرف الفقهاء بصلاة الخوف، أي الصلاة التي تكون في حال الخوف من العدو، بأن يكونوا في حال حرب معه. فالمراد بالخوف هو الحذر من مباغتة العدو. ولذا قال سبحانه:
(وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ) هذا النص الكريم فيه بيان الصلاة حال القتال، بأن يجمع المؤمنون بين الصلاة التي بها تطهير القلوب من كل الأدناس والأرجاس وبين الاستعداد للقاء العدو، والحذر منه.
ومعنى النص السامي: إذا كنت أيها الرسول في المؤمنين، فأردت إقامة الصلاة على وجهها في هذا المقام، فلتقم طائفة منهم معك، بأن تبتدئ بالصلاة معها، على أن يكون معها السلاح، وهي في حال الصلاة، حتى يكونوا على أهبة القتال دائما. وحمل السلاح في الصلاة لَا يبطلها، ولا يؤثر في حال الخشوع، وخصوصا إذا كان حمل السلاح لإعلاء كلمة الله تعالى وخفض الباطل، فهو عبادة من أعظم العبادات، فكان النبي - ﷺ - يقسم المؤمنين المجاهدين صفين، صفا يبتدئ بالصلاة معه، فإذا سجدوا للصلاة وقد ألقوا وجوههم على الأرض، لا يرون شيئا ولا يستحضرون إلا عظمة الله تعالى، فإن الصف الثاني يكون من وراء هؤلاء، يدفع عنهم أذى الكفار، والاعتداء على أهل الحق والايمان، وهذا معنى قوله تعالى: (فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ)، أي فليكن الصف الآخر، أو الطائفة الأخرى من ورائكم، حامية لظهوركم، مانعة نزول الأذى بكم، ومن بعد ذلك تجيء الطائفة الحارسة، وتكون من بعد ذلك في محل المصلية، وتذهب الأخرى حارسة، وهذا قوله تعالى: (وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ).
أى إذا صلت الطائفة الأولى، والنبي - ﷺ - لم يُنه صلاته، جاءت الأخرى فصلى بها النبي - ﷺ -، وقد أمر الله بأن تكون معها أسلحتها، وشدد في الأمر بأن أمرها مع ذلك بأخذ الحذر والاحتراس، وقدم الأمر بأخذ الحذر على أخذ الأسلحة؛ لأن أخذ الأسلحة من الحذر، ولأن الحذر عند انتقال الصفوف واجب، خشية أن يباغتهم العدو، وهم يغيرون صفوفهم؛ لأن هذا يشبه التغيير في الخطط وقت القتال، وهو لَا يخلو من خطورة يجب معها الحذر، ولأن الطائفة الأولى عند سجودها، عسى أن يتنبه العدو لحالها فيطمع، وخصوصا إذا رأى الصفوف تتغير، وتتحرك في داخل الجيش نفسه.
اتفق الفقهاء على أن صلاة الخوف تقتضي أن يصلي النبي - ﷺ - بطائفة، ثم يصلي بالأخرى التي تكون أمام العدو ابتداءً، وتحل الأولى محلها، ولكن اختلفوا بعد ذلك في كيفية صلاة الخوف تبعا لما فهموا من اختلاف الروايات في صلاة النبي - ﷺ -، وها هي ذي الروايات ومن اختاروها:
الرواية الأولى - رواية عبد الله بن مسعود التي أخرجها أبو داود والدارقطني، وخلاصتها أن الصلاة في هذه الحال ركعتان إن كانت رباعية، ويقسم النبي المجاهدين إلى صفين: أحدهما يصلي به ركعة، ثم يقوم، حتى تجيء الطائفة الأخرى فيصلي بها الركعة الثانية، حيث تكون الأولى في مواجهة العدو، ثم يسلم، وتأتي الأولى فتتم صلاتها بغير قراءة، لأنها كما يعبر الحنفية لاحقة، أي كأنها وراء الإمام حكما طول الصلاة، ولا قراءة وراء الإمام، فإذا أتمت جاءت الثانية فصلت بقراءة، لأنها تكون مسبوقة، إذ تكون كمن أدرك آخر صلاة الإمام وفاتته ركعة، فتكون القراءة واجبة. وبهذه الرواية أخذ أبو حنيفة وأصحابه.
الرواية الثانية - هي ما رواه الإمام مالك في موطَّئه، أن صلاة الخوف أن يصلي الإمام بالطائفة الأولى ركعة ولا يسلم، وتتم هي الصلاة وحدها، فإذا أتمتها جاءت الأخرى، فصلى الإمام معها الركعة الأخرى وسلم، وهم يتمون الركعة، وبذلك تقل الحركات عن الرواية الأولى. وبهذه الرواية أخذ الإمام مالك، وروي
أن الإمام لَا يسلم إلا بعد أن تنتهي الثانية من صلاتها، وبهذا أخذ الشافعي رضي الله عنه، واختاره أحمد، وإن كان يجوز غيره، كما سنبين موقفه من هذه الروايات.
الرواية الثالثة - أن الرسول صلى بالطائفة ركعة، وبها تتم صلاتها، ثم قام حتى تجيء الثانية، فصلى بها الركعة الثانية، وسلم، وبها تتم صلاتها فتكون صلاة الخوف على هذه الرواية ركعة واحدة بالنسبة للمأموم، وركعتين للإمام، وبهذا أخذ بعض الفقهاء.
الرواية الرابعة - أن النبي - ﷺ - صلى ركعتين بالأولى ولم يسلم، وذهبت، وجاءت الثانية فصلى بها اثنتين أخريين، ثم سلم معها. وفي رواية أنه سلم بينهما، فسلم مع الأولى، وسلم مع الثانية. وقد اختار بعض الفقهاء هذه الرواية الأخيرة.
ولقد قال الإمام أحمد بن حنبل، وهو عالم السنة الأول في عصره: " لا أعلم أنه روي في صلاة الخوف إلا حديث ثابت، وهي كلها صحاح ثابتة، فعلى أي حديث صلى منها المصلي صلاة الخوف أجزأه، إن شاء الله ".
وإن كل هذه الروايات تتفق مع النص الكريم، واختلاف الرواية الصحيحة يدل على أن النبي - ﷺ - صلاها بكل هذه الوجوه المختلفة، لبيان أنها جائزة بكل وجه من هذه الوجوه.
وبعض العلماء قالوا: إن صلاة الخوف خاصة بما إذا كان النبي - ﷺ - مع المجاهدين، أي أنها خاصة بعصر النبي - ﷺ -، وبشرط أن يكون هو قائد الجند، وحجتهم في ذلك أن الخطاب خاص بالنبي - ﷺ -، إذ يقول: (وَإذَا كنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ)، فالكيفية مقيدة بشرط، وهو إقامته فيهم، وليست كل التكليفات التي يوجه فيها الخطاب للنبي - ﷺ -، على أن يكون موجها لكل الأمة، مشروطا فيها هذا الشرط، فالتكليف مقيد بالشرط، وليس بمطلق، وليس أحد بعده يقوم في الفضل مقامه عليه الصلاة والسلام. وقال الجمهور: أُمرنا باتباعه،
والتأسِّي به في كثير من الأحاديث وَآيات القرآن الكريم، وقال - ﷺ - " صلوا كما رأيتموني أصلي " (١)، وإن كثيرا من المطالب التكليفية يكون الخطاب فيها للنبي - ﷺ - ثم لأمته، وإن الصحابة جميعا فهموا عموم الرخصة في صلاة الخوف، فَعَدَّوْها إلى كل إمام في الجيش، وهو أعلم بمقاصد الإسلام؛ لأنهم تلقوا علمهم عن النبي - ﷺ -، وأن الإمام القائم بالجهاد هو خليفة النبي - ﷺ - على أمته، ولأن المعنى في صلاة الخوف لَا يتحقق فقط مع النبي - ﷺ - بل يتحقق مع كل أمير جهاد، ولأن صلاة الخوف هي من نوع الحذر، والجمع بين المُضي في القتال، والمُضي في الصلاة التي هي عماد الدين، والحذر مطلوب دائما، وقد بين الله سببها فقال: (وَدَّ الَّذِين كَفَروا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ).
هذا، ولا بد من التنبيه لأمرين: أحدهما - صلاة المغرب، فقد كانت الصلاة التي تكلم فيها الفقهاء هي الصلاة الثنائية بالأصالة، وهي الفجر، أو الثنائية بالقصر، وهي صلاة الظهر والعصر، والعشاء. وأما المغرب فقد روي عن النبي - ﷺ - فيها روايتان: إحداهما أنه صلى بالطائفة الأولى ثلاثا، وبالثانية مثلها، وبهذه الرواية أخذ الحسن البصري. والرواية الثانية أنه صلى بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية واحدة، وهذا قول أبي حنيفة ومالك. وروى أن الشافعي قال: يصلي بالأولى واحدة، وبالثانية اثنتين.
الأمر الثاني - أنه لَا يلزم الاتجاه إلى القبلة إذا خيف أن يأخذ العدو المؤمنين على غرة، وذلك في حال الالتحام الشديد، وإذا خيف فوات الوقت يصلي متى أمكن له أن يصلي، وبذلك قال مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وقال غيرهم: يصلون بالإيماء، ولا يتركون الوقت.
والسبب في شرعية صلاة الخوف هو الحذر، والخوف من المباغتة، ولذا كرر الله الأمر بأخذ الأسلحة والحذر، وبين ما يوده الكفار فقال: (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً).
________
(١) جزء من حديث سبق تخريجه من رواية البخاري وغيره عن مالك بن الحويرث.
في هذا النص الكريم إشارة إلى السبب في صلاة الخوف، وهو ترقب العدو لحال المسلمين، عساهم يجدون منفذا ينفذون منه إلى صفوفهم، أو ثغرة يدخلون منها، أو غفلة ينتهزونها، فكان الحذر أن تسد عليهم كل المنافذ التي ينفذون منها لتحقيق مآربهم، فلا يصح للمسلمين أن يغفلوا بالعبادة عن الجهاد، ولا يتركوا العبادة.
ومعنى: (وَدَّ الذِينَ كفَرُوا) تمنى الذين كفروا، وهم أعداؤكم الذين نصبوا راية العداوة لكم، أن تأخذكم الغفلة عن أسلحتكم التي بها شوكتكم وقوتكم، وعن أمتعتكم التي فيها زادكم وبها تستمرون على القتال من غير أن يصيبكم جوع أو عُري. وأنهم يريدون هذه الغفلة ليميلوا بقوتهم وَكَلكِلِهم عليكم، فيكونوا ثقلاء الوطأة، ويضربونكم الضربة القاصمة الفاصلة، فيما يتوهمون ويزعمون! وهذا معنى قوله سبحانه: (فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً)، أي يثقلون الوطأة عليكم ويضربونكم الضربة المستأصلة في زعمهم ووهمهم!!.
وفى هذه النصوص كلها نجد الأمر المتكرر بوجوب أخذ الأهبة دائما، وحمل السلاح باستمرار. ولكن قد يتعسر حمل السلاح، وهنا يرخص في عدم حمله، مع أخذ الحذر، بحيث يكون في مكان قريب، كي يعمل عند أول صيحة، ولذا قال سبحانه:
(وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ) لَا إثم عليكم في أن تضَعُوا أسلحتكم في أغْمِدَتِها، إذا كان في الميدان مطرٌ شديد يعوق استعمالها ولقاء الأعداء، فإنها إن لم توضع تعرضت للصدأ، ووراء ذلك تلفها، والاحتياط لسلامتها في الميدان واجب، وكذلك من يكون به مرض يغمد سلاحه حتى يستطيع استعماله، فإن تركه من غير استعمال يفسده، فلا يصلح عند وجوبه، وقوله تعالى: (أَوْ كُنتُم مَرْضَى) الخطاب للجميع، ويراد به البعض من وجه؛ لأنه يبعد أن يكون جميع الجيش مريضا، فالله تعالى يرخص للمريض في أن يدع القتال حتى يشفى، فليس على المريض
حرج، وهو خطاب للجميع من جهة أخرى؛ إذ على الجماعة أن توفر للمريض راحته، فتغنيه عن حمل السلاح وهو مريض، وتحمل هي عنه العبء.
ومع أنه لَا إثم في وضع السلاح عند المطر المعوِّق الذي يعد أذى، ولا يعد غيثا، والترخيص للمريض في غمد سلاحه، فلابد من الحذر، فيترقبون من العدو دائما انتهازه للفرصة، ومن ذلك أن يتقلدوا السيوف (١)، ولو أنها في أغمدتها، ووضع الرقباء، وبث العيون على العدو ليعرفوا حاله، فعسى أنه يحاول الهجوم من ثغرة أو طريق سهلة عليه، وإن ذلك لأن الله تعالى يريد أن تعلو كلمة الإيمان في الدنيا، وتنخفض كلمة الكفر، ولذا قال سبحانه:
(إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا) أي إن الله أعد للجاحدين به وبالحق عذابا مذلا لهم في الدنيا والآخرة، ففي الآخرة بالعذاب الشديد الذي لَا نجاة منه، وفى الدنيا بالغلب عليهم، وإذهاب صولتهم، ودولتهم، وذلك يكون بأخذ الأهبة والحذر، والاعتماد على الله تعالى، وقد أكد سبحانه العذاب المهين الذي ينزل بهم في الآخرة بثلاثة مؤكدات: بحرف (إن)، وبأن الله تعالى هو الذي ينزله، وما أراده الله تعالى لابد واقع، وبالتعبير بكلمة (أعَدَّ)، فإنها تفيد أنه هيئ لهم فعلا، وهو يستقبلهم، وهم صائرون إليه لَا محالة.
* * *
________
(١) أو ما في معناها من عدة الحرب.
(فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ... (١٠٣)
* * *
أي إذا أديتم الصلاة على حال الخوف، فإن العبادة لم تنته، بل إن معناها قائم مطلوب منكم، وهو أن تذكروا الله تعالى في كل أحوالكم، قائمين في الميدان، أو غادين ورائحين، أو قاعدين مستريحين، أو نائمين على جنوبكم، فإن ذكر الله تعالى هو العبادة المستمرة التي بها تطمئن القلوب، كما قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنوا وَتَطْمَئِنّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقلُوبُ).
وإن التعبير عن صلاة الخوف بقوله: (فَإِذَا قَضَيْتمُ) في مقابل قوله تعالى عند الاطمئنان: (فَأقِيمُوا الصَّلاةَ) فيه إشارة إلى أنها بدل عن الصلاة الكاملة تؤدي معناها، وإن لم تكن مثلها في الصورة الظاهرة.
(فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) أي إذا ذهب الخوف، وعادت القضب إلى أجفانها (١)، ورجعتم إلى مساكنكم، فأقيموا الصلاة أي أدُّوها كاملة، مستقبلين القبلة، موصولة من غير فاصل بين أجزائها. والكمال هنا كمال الصورة، وإلا فالمعنى يتحقق في صلاة الخوف بمقدار لا يقل عن كماله في الإقامة، إذ إنها عبادة في عبادة، هي عبادة الصلاة في عبادة الجهاد، وهو أشق عبادة، ولا شاغل قد يشغل المصلِّي عن صلاته إلا هذه العبادة العالية، وفي الإقامة قد تشغله بعض أعراض الدنيا. وقد بين سبحانه مكان الصلاة في الإسلام، فقال سبحانه: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا)، أي الصلاة مكتوبة على المؤمنين مؤقتة بأوقاتها، وهذا تأكيد لفرضيتها، وقد أكدت الفرضية بأربعة مؤكدات: أولها " إنَّ " التي للتوكيد. وثانيها " كانت " التي تدل على الدوام والاستمرار في الماضي والمستقبل، وثالثها. التعبير عن فرضية الصلاة بأنها (كتاب) فهو تعبير عن الوصف بالمصدر، وفيه فضل توكيد، ورابعها. التعبير بقوله تعالى: (عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)، فإن ذلك يفيد الإلزام والحتمية. اللهم وفقنا لإقامة الصلاة، وإقامة الحق، والعمل على إعلاء شأن الإسلام، إنك سميع الدعاء.
* * *
________
(١) أي السيوف إلى أغمادها. وسيفٌ قاضِبٌ وقضيب: قطاع (مقاييس اللغة)، وأجفان السيوف وجفونها أغمادُها، واحدها جَفن. (لسان العرب).
(وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)
* * *
في الآيات السابقة كان بيان ما يتبعه المؤمنون من الصلاة عند الخوف، ولقاء العدو، ومن قبل ذلك ذكر الله سبحانه وتعالى ما ينبغي أن يتبعه المؤمنون المغلوبون على أمرهم في دولة غير إسلامية من الهجرة. فالآيات كلها في وجوب الجهاد، وما حول الجهاد، وذلك أكد سبحانه طلبه بقوله تعالى:
(وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْم) قال بعض العلماء: إن ذلك الأمر المرشد بعد غزوة أحد، ورويت في ذلك روايات إن صحت لم تعين أن يكون هذا النص في موضعها، ولكن الذي يتفق مع السياق، إن هذا النص بعد صلاة الخوف يدل على وجوب الاستمرار في القتال من غير وهَن ولا ضعف، وجوب الاستمرار في طلب مواطن الضعف في الأعداء، ليكون الغلب لكلمة الحق وكلمة الله سبحانه وتعالى، فالسياق على هذا يكون: إنكم إذا أديتم الصلاة، فاتجهوا من بعدها، وقد تسلحتم بذكر الله، إلى القتال.
ومعنى النص الكريم: لَا يصيبكم وهن، أي ضعف في همتكم وعزيمتكم، في ابتغاء العدو وطلبه، وتحرِّي موضع ضعفه والنيل منه، ولا تقعد بكم آلام الحرب عن متابعته، واللحاق به، فإن تكونوا قد أصابتكم جراح فقد أصابته، ولذا قال سبحانه:
(إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) مرمى النص الكريم أنه لَا يصح أن تكون الجراح، وويلات الحرب وآلامها مثبطة لكم عن الاستمرار في طلب المعتدين وملاقاتهم؛ لأنه إن أصابكم من الجراح والآلام ما أصابهم، فهم يجرحون ويألمون من غير رجاء في الآخرة، ولم يوعدوا بالنصر المؤزر الباقي في الدنيا، ولا بالنعيم في الآخرة، فهم يألمون في غير أمل مرجو، وأنتم إن ألمتم، فلرجاء النصر ولرجاء النعيم، فأنتم أحق بالصبر، وأولى بأن تطلبوهم، ولا تهنوا وتضعفوا في طلبهم.
ويسوق الزمخشري النص الكريم مساقا فيه شبه لوم للمؤمنين، فيقول في تفسير قوله تعالى: (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ): (أي ليس ما تكابدون من الألم بالجرح والقتل مختصا بكم، إنما هو أمر مشترك بينكم وبينهم، يصيبهم كما يصيبكم، ثم إنهم يصبرون عليه، ويتشجعون، فما لكم لَا تصبرون مثل صبرهم؛ لأنكم ترجون من الله ما لَا يرجون من إظهار دينكم على سائر الأديان، ومن الثواب العظيم في الآخرة).
ونحن نرى أن النص فيه تحريض على الصبر، ولا لوم فيه ولا شبه لوم، فما كان عند المشركين صبر كصبر المؤمنين، حتى يوازَنوا بهم ويحرصوا على مثل ما هم عليه.
وفى جعل رجاء المؤمنين من الله، في قوله تعالى: (وَتَرْجونَ مِنَ اللَّهِ)، إشعار للمؤمنين بأنهم في جانب الله تعالى، وأن رجاءهم عنده، وهو يجيب رجاء المؤمن ودعاءه، ويؤيده بنصره: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِن عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم)، وليس للمشركين من يرجون إلا أن يكون أصناما لَا تضر ولا تنفع!.
وإذا كان الرجاء من الله، فهو رجاء من العليم بكل شيء، الحكيم الذي يضع الأمور في مواضعها، وينصر من ينصره بحكمته، ولذا قال سبحانه: (وَكَانَ اللَّه عَلِيمًا حَكِيمًا) أي ثبت وتقرر أن العلم والحكمة من أسماء الله تعالى الحسنى،
جلت قدرته، وإذا كان الله سبحانه وتعالى عليما حكيما، فإنه يعلم جهاد المؤمنين للحق، واعتداد المشركين بالباطل، وبمقتضى حكمته، لَا يستوي الصالح والمفسد، والمحق والمبطل، ولا يستوي عنده الذين يعلمون والذين لَا يعلمون، فالمؤِمنون إذ يرجون ما عنده، ويطلبون رضاه، يجدون العليم الحكيم: (واللَّهُ يؤَيِّدُ بِنصْرِه مَن يَشَاءُ...)، (كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا ورسُلِي...).
وإن العليم الحكيم هو الذي أنزل القرآن مشتملا على شريعته، ليكون القسطاس المستقيم، والحكم العدل، ولذا قال سبحانه:
* * *
(إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ... (١٠٥)
* * *
يذكر العلماء في سبب نزول هذه الآية ما رواه الترمذي والحاكم وغيرهما عن قتادة بن النعمان، قال: كان أهل بيت منا، يقال لهم بنو أبيرق، ثلاثة: بشر وبشير ومبشر، وكان بشير منافقا، وقد كان طعام وسلاح لعمي رفاعة، كان قد ابتاعه فسُرِق منه، فقال: يا ابن أخي، قد عُدي علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مَشْربتنا (أي غرفتنا) وذهب بطعامنا وسلاحنا، فتحسسنا وسألنا، فقيل لنا: إن بني أبيرَق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نراهم إلا على بعض طعامكم.. ويسترسل قتادة في القصة، فيذكر أن بني أبيرق اتهموا رجلا له صلاح وإسلام، وهو لبيد بن سهل، فغضب وهدد بالسيف... فذهب قتادة إلى النبي - ﷺ -، فقال: " سأنظر في ذلك "، فلما سمع بنو أبيرق، أتوا رجلا يقال له أسيد بن عروة، فكلموه في ذلك، فاجتمع بأناس، فقالوا: يا رسول الله، إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا، أهل إسلام وصلاح، يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت، ويقول قتادة: فأتيت رسول الله - ﷺ -، فقال: " عمدت إلى أهل بيت إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة على غير ثبت وبينة "!. فرجعت فأخبرت عمي، فلم يلبث أن نزل القرآن: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا)، وقد كشف أمر بشير فلحق بالمشركين مرتدا! (١).
________
(١) رواه الترمذي: تفسير القرآن - ومن سورة النساء (٣٠٣٦) عن قتادة بن النعمان.
وسواء أصح ذلك الخبر سببا للنزول أم لم يصح، فإن الآية لها صفة العموم، وتفسر بعمومها، لَا بخصوص سببها، ومعنى النص الكريم على ذلك: إن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن الكريم المكتوب المسجل ليحكم النبي - ﷺ - بما توجبه نصوصه، وبما يريه الله تعالى وينير قلبه لإدراك الحق.
وهنا ثلاث إشارات بيانية:
الأولى - أن الله تعالى عبر عن القرآن بـ " الكتاب " للإشارة إلى أنه مكتوب مسجل مدون، باق إلى يوم القيامة.
الثانية - كلمة " بالحق "، والباء تدل على الملابسة والاتصال والمعية، فهو مع الحق، وبالحق، وناطق بالحق، ومشتمل عليه، ولا شيء في هذا الكتاب إلا ما هو حق، ولا يخالفه إلا ما هو باطل.
الثالثة - قوله تعالى (بمَا أَرَاكَ اللَّهُ)، فإنها مقابلة لقوله تعالى: (إِنَّا أنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ)، وهذه المقابلة تقتضي أن تكون كلمة (بِمَا أَرَاكَ اللَّه) لها معنى خاص، وهو النظر بنور الله تعالى في الأقضية التي يقضى فيها، فالقاضي لكي يكون قضاؤه عدلا لابد من أمرين: أحدهما - قانون عادل هو الحق من كل نواحيه، وهو هنا الكتاب الكريم، الذي لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه - والثاني - أن يكون فحصه للقضية ببصيرة نيرة نافذة، وقلب مشرق مدرك، وهذا يكون بنور الله، وهو للنبي ما عبر عنه بقوله تعالى: (بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ).
ولكن نور الحق لَا يكون إلا إذا نظر القاضي فيما يعرض عليه نظرة غير متحيزة، ولا منحرفة، وهذا هو ما نهى الله عنه نبيه، والنهي لعموم أمته، ولذا قال تعالى:
(وَلا تَكُن للْخَائنينَ خَصيمًا) تبادر إلى النبي - ﷺ - في القصة السابقة أن من فيه صلاح وإسلام يكون علي الحق، فانحاز فكره ككل البشر، فالله سبحانه وتعالى نبهه، تعليما لأمته، ولكل قاض من بعده، إلى أنه لَا يجوز أن ينحاز فكره إلى أحد الخصمين، فعسى أن يكون هو الخائن، وغيره هو البريء، ولابد أن يسمع البينات، ويجعلها هي الحاكمة. والخصيم بمعنى المخاصم، كالجليس بمعنى
المجالس، والمعنى على هذا: ولا تكن أيها الرسول الأمين مخاصما لأجل الخائنين، بأن تجعل فكرك ينحاز إليهم قبل سماع البينات الهادية المرشدة إلى الحق.
وسُمي هؤلاء خائنون؛ لأنهم في علم الله كانوا كذلك، وهو يخبر النبي - ﷺ - بخيانتهم، والله تعالى خير شاهد.
وهذا إرشاد لكل قاض أن ينظر إلى المتخاصمين نظرا غير متحيز، لكي يستمع إلى البينات منصفا مقدرا، ويجعل الأدلة توجهه إلى الحق، ولا يوجهها.
وإن على كل قاض أن يستغفر الله دائما في أقضيته؛ لأنه لَا يدري: لعله أصاب الباطل! والعصمة لله تعالى وحده، ولأنبيائه، ولذا قال سبحانه:
* * *
(وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)
* * *
الأمر في ظاهره للنبي - ﷺ -، وهو في عمومه لكل أمته، ولكل قاض يفصل بين الناس. وطلب الاستغفار دائم يوجهه الله تعالى إلى النبي، وإلى كل مؤمن تقي، لأن الاستغفار إنابة، وعبادة، وهي مطلوبة. وإذا كانت القصة قد ذكرت أن النبي - ﷺ - تبادر إلى ذهنه براءة خائن، فإن هذا ليس بذنب، ولكنه يوجب الاستغفار من الرسول، فإن علو مقامه يجعل مثل هذه التي لَا تعتبر ذنبا من الناس، موجبة للاستغفار، على حد قول العلماء: (حسنات الأبرار سيئات المقربين).
وفوق ذلك فإن طلب الاستغفار، مع ما فيه من القنوت والطاعة، حث لكل قاض يفصل بين الناس على الاستغفار في كل قضية، وقد بين سبحانه أن هذا الاستغفار الضارع يقبله الله تعالى؛ لأنه سبحانه قد ثبت واستقر له أن المغفرة بأقصى درجاتها، والرحمة بأوسع معانيها، صفتان له سبحانه، وهذا معنى قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا).
وقد أكد سبحانه اتَصافه تعالى بهاتين الصفتين بأربعة مؤكدات: أولها - (إنَّ) التي تفيد التوكيد، وثانيها - (كان) التي تفيد الاستمرار، وثالثها - صيغة المبالغة في غفور ورحيم، ورابعها - الجملة الاسمية.
اللهم لَا تجعلنا في جانب الخائنين والعصاة، واجعلنا مع الأبرار الأتقياء.
* * *
(وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)
* * *
الكلام مستمر في نهي المؤمنين عن أن يدافعوا عن رجل يظهر غير ما يبطن، أو يرتكب أمرا، ويحمِّل غيره وزره، فهو يرتكب الشر مرتين، ويتحمل إثمين: إثم الارتكاب وإثم رمي الأبرياء، والتدليس ولبس الحق بالباطل، وكان النهي موجها إلى النبي - ﷺ -، ليبين وجوب الاحتراس على كل مؤمن، حتى لَا يقع في الدفاع عن الآثمين الخاطئين؛ لأنه إذا كان النبي - ﷺ -، وهو الذي ينزل عليه الوحي، إن اعتمد على نظره، قد يلبس الأمر عليه، فالاحتراس عن هذا أولى بكل مؤمن وأجدر، وقد قال سبحانه:
(وَلا تجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانونَ أَنفُسَهُمْ) الجدال هنا الدفاع وإقامة الدليل لمصلحة الخائنين، وذلك للاسترسال في حسن الظن بالمظهر، وترك ما يختفي ولا يستبين، فإن ذلك إن جاز في السياسة لَا يجوز في القضاء، وإن جاز في حقوق الله تعالى لَا يجوز في حقوق العباد، ليعطي كل ذي حق حقه، ولكيلا تذهب الأموال والأنفس والدماء هدرا، فلا بد لإظهارها من تكشف المستور، وإظهار المخبوء.
والجدال في أصل معناه اللغوي مشتق من الجدْل بمعنى الفتل، أي تقوية الحجة، ويكون المجادل كمن يفتل الحبل ويقويه. وقيل إنه مأخوذ من الجدالة، والجدالة هي الأرض، فكل واحد من الخصمين يكون كالمصارع يريد أن يلقى صاحبه على الأرض. وإطلاق الجدالة على الأرض منه قولهم: تركته مُجَدَّلا، أي مطروحا على الأرض.
والاختيان، الذي هو مصدر (يَخْتَانونَ أَنفُسَهُمْ)، يُعَرِّفه الأصفهاني في مفرداته بأنه: " تحرك شهوة الإنسان لتحري الخيانة "، وتحرك الشهوة لتحري الخيانة قصد إليها وَتَعَمُّد لها، وعمل على إحكامها. والخيانة والنفاف باب واحد، موضعهما من النفس واحد.
ومعنى قوله تعالى: (الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ): الذين يقصدون خيانة أنفسهم، ويتحرونها، ويحكمون إخفاء المستور من جرائمهم. وأضيفت الخيانة للنفس؛ لأن الذين يصنعون ذلك إنما يحدثون في الأمة ذعرا عاما، يعود ضرره على الجماعة، ويعود عليهم أنفسهم، إذ يعيشون في جماعة قد فسد أمرها، وارتابت في شئونها، وضَلَّ عن الناس معرفة الحق، وغاب عنهم لبُّه!! وكذلك لأن تلك الخيانة مغبتها على أنفسهم شديدة أمام الله تعالى، وسيحاسبهم عليها من لَا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولأن هؤلاء الخائنين الذين يتحرون الخيانة، إنما يحلون فطرهم السليمة عن الفطرة التي فطرهم الله عليها، فيصيب الفساد نفوسهم، وتنحل كل العُرَا فيها، وبذلك تضطرب، وتكون في بلبال مستمر:
(إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) إذا كان الخائنون الذين تحروا الخيانة وقصدوها، وانحرفوا بفطرهم عن أصلها، ينالون العذاب في الدنيا بالحكم عليهم، وإعراض أهل الفضل عن معاونتهِم، فإنهم لَا ينالون حب الله تعالى، والمعنى الظاهر للنص: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ من كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) هو أن الله تعالى العلي الحكيم، الذي لَا تُرجى محبةَ سِواه، لَا يحب من كانت الخيانة وصفا
من أوصافه، وشأنا من شئونه، وخلقا من أخلاقه، ومن صار الإثم عادة له، حتى صار يوصف بأنه خوَّان، وأثيم. فكلمة خوان صيغة مبالغة معناها أن الخيانة صارت وصفا ملازما له، وكلمة أثيم صيغة مبالغة من إثم، تفيد أن الإثم صار وصفا ملازما!. وأن محبة الله تعالى شأن من شئونه سبحانه تليق بذاته الكريمة، وهي تتضمن معنى الرضوان، وتستلزم فيض رحمته ومنح غفرانه، فمن فقد محبة الله تعالى، فقد حرم من الرضوان، وحرم من رحمة الله تعالى التي تكون للتوابين، وحرم غفرانه؛ لأنه لَا يكون إلا لمن أحاطت به خطيئته، حتى لَا ينتقل إلا من إثم إلى إثم!!.
وقد أكد سبحانه نفي محبته لهؤلاء الذين أرْكسَت نفوسهم في الخيانة، ودنَّس الإثم نفوسهم، حتى أصبحوا لَا يعيشون إلا في آثام، بالجملة الاسمية المصدرة بحرف " إن " الدال على التوكيد.
وهنا إشارة معنوية: وهي أنه تعالى وصف الذين حرموا محبته بأنهم خوانون أثيمون؛ وذلك له معناه لأن اختيان النفس، وتعودها الخيانة يجرها إلى آثام كثيرة، فمن خان يسرق ويكذب، ويأكل أموال الناس بالباطل، ولا يتحرج عن إثم، فكأن الخيانة جاذبة معها كل الآثام!.
* * *
(يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ... (١٠٨)
* * *
إن أولئك الخوانين الأثيمين لا تنالهم محبة الله تعالى، ولا رحمته ولا مغفرته، ومن شأنهم أن يكونوا بعداء عن الناس غير ملتقين بهم، فهم دائما يستخفون من الناس ليدبروا ما يدبرون، ولأنهم في جفوة مستمرة، ولا يحبون الناس ولا يألفونهم، ولا يحبون لقاءهم، وإذا لقوهم أظهروا غير ما يكتمون، وأبدوا غير ما يخفون!. فالخائن لمجتمعه وأمته يتسم بسمة تجمع عيوبا ثلاثة: هذه السمة هي الاستخفاء، وهذه العيوب هي الجفوة التي تحمله على ألا يظهر، وكتمانه أمره حتى لَا يكشف، وتدبيره السوء في استخفائه! والباعث على ذلك كله الأنانية الظالمة، والأثَرة القاطعة!.
وإنهم إذ يستخفون من الناس لَا يشعرون برقابة الله على أعمالهم، لأن ذلك الشعور ينبعث من ضمير حي قوي موجه للنفس، والوجدان الديني القوي لا يكون في قلب جاف قاس، قد ترك الناس ولم يألفهم، وهذا معنى قوله تعالى: (وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ)، فهو مطلع عليهم، وإن كانوا لَا يشعرون، وعليم بأمرهم، وإن كانوا يستخفون من الناس، ويبتعدون عنهم.
والاستخفاء المبالغة في طلب الخفاء، والابتعاد، وذلك ليتسنى لهم تدبير ما يريدون، والله سبحانه معهم إذ يدبرون السوء، لذا قال سبحانه تعالت كلماته وجلت قدرته:
(وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) هؤلاء الذين يستخفون من الناس مجافين لهم، ولا يشعرون برقابة الله تعالى عليهم، والله مطلع على أقوالهم وأعمالهم، اطلاع من يصاحبهم في غدوهم ورواحهم، وهو معهم عندما يدبرون الأعمال في خفية من الناس والأقوال التي لا يرضي الله عنها. فالتبييت تدبير الأمر في البيات، أي الليل، وأطلق على كل ما يدبر بعيدا عن الناس، ويقول الزمخشري في معنى النص الكريم: " يدبرون ويزورون - وأصله أن يكون بالليل - ما لَا يرضي من القول... فإن قلت: كيف سمى التدبير قولا، وإنما هو معنى في النفس؛ قلت: لما حدَّث بذلك نفسه سمى قولا على المجاز ".
فالتبييت معناه التدبير في الخفاء مطلقا، سواء أكان تدبير قول يسترون به عملهم، ويزينون به مظهرهم، أم ترتيب عمل يخفونه، ويقومون به، فإن أعمال المنافقين جميعها تدبَّر بليل، وتنفذ بليل، حتى تظهر آثارها في الجماعة، ولكن الله سبحانه وتعالى ذكر القول فقط، فقال: " ما لَا يرضي من القول "، فلماذا ذكر القول وحده؛ لقد وجه الزمخشري سؤالا قريبا من هذا، وأجاب عنه، ونحن نقول: إنَّه ذكر القول وحده مقترنا بعدم رضا الله تعالى، لأن أقصى ما يتستر به المنافق قول مزخرف يضل، ولذلك بَيَّن النبي - ﷺ - أن عليم اللسان منافق القلب هو
أخوف من يخافه على أمته (١)، فعناية المنافق بالقول الذي يستر به عمله هي الجزء الأكبر من تدبيره، وإن عمل الليل سهل، ولكن إخفاءه بزخرف القول صعب عند ظهور آثاره. وفوق ذلك فإن القول إذا كان لَا رضى، فالعمل أبعد عن الرضا.
وقد عبر سبحانه عن فعلهم وقولهم بأنه لَا يرضاه، للإشارة إلى مقته لهم، وحسابهم عليه. وإذا كان الله تعالى عليما بما لَا يرضى من القول علم من يصاحبهم عند التدبير والتبييت، فهو بعملهم عليم أيضا، وهو أيضا لَا يرضى عنه، ولذا قال سبحانه:
(وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) فإذا كان الله تعالى مصاحبهم في قولهم الذي لَا يرضيه، فهو محيط دائم بكل عملهم إحاطة الدائرة بقطرها، لَا يغيب عنه شيء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة منه. والتعبير عن علم الله تعالى لأعمالهم بالإحاطة، فيه إشارة إلى أمور ثلاثة: أولها - أن علمه كامل لَا ينقصه شيء، فهو علم إحاطة واستغراق. وثانيها - أن الله معاقب بقدر ما ارتكبوا. وثالثها - أن الله واضع أعمالهم في دائرة، فلا يمكن أن يصل إلى أهل الحق أذاهم؛ لأن الله محيط بهم وبما يعملون:
* * *
________
(١) عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ. رواه أحمد: مسند العشرَة - أول مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ... (١٠٩)
* * *
يستطيع أهل النفاق بحلو قولهم، وقدرتهم على تزوير الكلام وتحسينه، أن يجدوا لهم أنصارا من أهل الحق، يخدعون بمظهرهم، ولطف مداخلهم، فيظنون بهم الخير، ويندفعون للدفاع عنهم، والله سبحانه وتعالى يبين أن هذا الدفاع إن أجدى في الدنيا لهم، فهو جداء يؤدي إلى إيغالهم في الشر والفجور، وإذا كان ينجيهم من عذاب الدنيا، فلن ينجيهم من عذاب الآخرة، إذ لَا يكون العقاب إلا من علام الغيوب الذي لَا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، والجدال عنهم في الدنيا أمام البشر، أما الجدال عنهم في الآخرة، فهو أمام الله تعالى العليم
الحكيم، والشهود في يوم القيامة عليهم كثيرة متعددة، فإنه تشهد عليهم أيديهم وأرجلهم وألسنتهم بما كانوا يفعلون.
وهنا أربع إشارات بيانية:
أولها - التنبيه إلى مجادلة المؤمنين عن المنافقين، ووقوعها في الماضي، وتوقعها في القابل، وذلك للإشارة إلى حسن ظن المؤمنين بالناس. وقد قرر سبحانه التنبيه إلى ذلك في قوله تعالى: (هَا أَنتُمْ هَؤلاءِ)، فتكررت هاء التنبيه، وذكر اسم الإشارة الذي هو تنبيه ثالث، وذلك التنبيه إلى الواقع والمتوقع للتنبيه إلى الاحتراس، ومراقبة أنفسهم عندما يفرطون في الثقة بمن ليس بها جديرا.
ثانيها - التعبير بالماضي في قوله تعالى (جَادَلْتُمْ) مع أن النهي منصب على المستقبل، لبيان تحقق وقوع المجادلة عن المنافقين مع توقع وقوعها، إذ النهي لا يكون إلا عن أمر محتمل الوقوع في المستقبل، والصيغة تتضمن اللوم على الواقع، والنهي عما يمكن أن يقع.
ثالثها - الإشارة إلى أن المجادلة في الحياة الدنيا، إنما سببها الجهل بالقلوب، وعدم تحري ما تنطوي عليه، وأن حالهم ستنجلي يوم القيامة، فإذا كانوا يخدعون أهل الدنيا، فالله سبحانه كاشفهم وخادعهم يوم القيامة.
رابعها - أن الله سبحانه وتعالى نبَّه إلى أن المجادلة عنهم نوع من المحاماة عن الرذيلة، والدفاع عنها، ولذا قال سبحانه:
(أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) ومعنى النص الكريم: إذا كانوا يحامون عنهم، ويجادلون عنهم في الدنيا، فسيلقون ربهم يوم القيامة غير راض عنهم ولا محب لهم، فلا يُرحمون في ذلك اليوم، ولا يُغفر لهم؛ لأنهم لم يتوبوا، واستغرقت نفوسهم الخطيئة، ولا منجاة لهم من العذاب، ولا مخاصم عنهم أمام الله!! اللهم ارحم أمتك من نفاق المنافقين واجعلنا من عبادك المخلصين.
* * *
(وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)
* * *
في الآيات السابقة ذكر سبحانه أحوال المنافقين والذين يختانون أنفسهم، وأشار إلى الذين يرتكبون الشر، ويرمون به غيرهم، وما يجب أن يكون عليه القاضي المنصف الذي يرد الحقوق إلى أصحابها، وتكون عنده المقاسم الحقيقية للحق والباطل، وكل ذلك في الأحكام الدنيوية. وفي هذا النص يبين الله سبحانه مراتب العصاة أمام الله تعالى فذكر ثلاث مراتب: المرتبة الأولى مرتبة التوابين، والثانية مرتبة الذين لَا تتعدى آثامهم أنفسهم أو لَا يرمون بها غيرهم، والثالثة، وهي التي تنال أشد الجزاء الأخروى بعد الخزي الدنيوي، هي التي ترتكب الشر وترمي به غيرها. وقد بين الله سبحانه الرتبة الأولى بقوله تعالى:
(وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) السوء هو الأمر الذي يحدث غما وألما، سواء أكان لفاعله، أم كان لغير فاعله، ولكن بمقابلته بقوله تعالى:
(أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) لَا بد من أن تفسر الكلمتان بمعنيين متغايرين، وقد تكلم في ذلك المفسرون، وأحسن ما رأينا هو ما قاله الزمخشري من أن السوء هو ما يكون فيه أذى للغير، كالقذف والشتم والسب، ونحو ذلك، وأما ما يكون فيه ظلم للنفس، فهو ما لَا يكون فيه أذى مباشر للغير ابتداء، كالفاحشة، وشرب الخمر، وترك الصلاة والصوم والحج، وغير ذلك من المعاصي التي لَا تتجاوز غير صاحبها مباشرة وابتداء، وإن كانت في مآلها تتعدى إذا تفشت الأمة وكثرت فيها.
ولا بد أن نذكر بإجمال عبارات في بعض الإشارات البيانية القرآنية: الأولى - عن التعبير بقوله تعالى: (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا) فإن هذا التعبير يشير إلى أن نفسه لم تركس في الشر، ولم يستغرقها، بل إنه عمل عارض، ولذا كان التعبير (يَعْمَلْ)، وهذا في مقابل قوله في الطبقة الثانية: (يَكْسِبْ)، فإن الكسب كما تبين يشير إلى تدنس النفس، وارتكاسها في الشر، أما العمل ففي ظاهر الأمر إنه لَا يتجاوز الجوارح؛ ولذا كانت التوبة قريبة، وكان الاستغفار غير بعيد.
الثانية - أن التعبير عن المعاصي الشخصية التي لَا تتعدى صاحبها ابتداء بظلم النفس، فيه معان واضحة، فهي تفيد أن كل ما نهى الله عنه فلمصلحة العبد، فإن تجاوز حدود ما نهى الله عنه فقد وقع في ضرر مؤكد. وفيه تنبيه إلى أن المعاصي، سواء أكانت إيجابية كشرب الخمر، أم سلبية كترك الصلاة والصوم، مغبة وقوعها تكون على العبد ابتداء، ثم تكون على غيره من بعد.
وفى الحق أن كل ما نهى الله عنه، وما أمر به فهو لمصلحة الجماعة، ومخالفة أمر الله فيه ظلم للنفس وإساءة للمجتمع، بيد أن بعضه يكون أثره مباشرا، إما على الغير كالقتل والاعتداء بكل أنواعه، أو يكون أثره المباشر على شخص المرتكب، ثم يتعدى إلى المجتمع من وراء ذلك، حتى أن مَنْ ظَلَمَ النفس عده الله تعالى اعتداء على حقه تعالى، كالزنا وشرب الخمر، وكونه ظلما للنفس لا يمنع أنه اعتداء على حق الله تعالى وذلك للمآل والآثار، لَا بالمباشرة.
الثالثة - أن التعبير بـ " ثم " في قوله تعالى: (ثم يستغفر الله) - للإشارة إلى تفاوت ما بين المعصية والاستغفار، فالتراخي الذي دلت عليه كلمة " ثم " تفاوت معنوي، وليس بتراخ زمني لأن من يعمل السوء أو يظلم نفسه من غير أن يحيط بالنفس، توبته قريبة، كما قال تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧).
والاستغفار هو طلب المغفرة، وذلك يقتضي الإقلاع عن الذنب، والندم على ما كان منه، والالتجاء إلى الله تعالى فالاستغفار هو التوبة النصوح، ومن مقتضيات هذه التوبة أن يرد الحقوق إلى أصحابها، ويطلب العفو ممن أساء إليه؛ لأن حقوق العباد لَا تتحقق فيها التوبة إلا إذا ردت إلى أصحابها، أو كان العفو منهم.
وقوله تعالى: (يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا)، يفيد استجابة طلب الغفران إن تحققت شرائطه، ولم يصب النفس بدنس، فالمعنى إن استغفر وتاب وأناب استحق المغفرة، لأنه يعلم وصف الله تعالى لذاته العلية بأنه المتصف بصفة الغفران والرحمة، وكان من رحمته أن يقبل توبة التائب، ويعاقب العاصي المصر. ثم ذكر سبحانه المرتبة الثانية في المعاصي بقوله:
* * *
(وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١)
* * *
الكسب معناه طلب ما يرغبه الإنسان، ويطلق الكسب على ما يناله الإنسان من أمور الدنيا، وما تناله النفس من حظوظها أو ما تراه حظا لها، وقد ورد الكسب في القرآن بمعنى طلب الرزق، وورد بمعنى فعل الخير، وورد بمعنى فعل الإثم.
ولاحظنا في تعبيرات القرآن عن كسب الآثام أنها تقرن بما تدل على استمراء النفس للشر، وتأثرها به، فقد قال تعالى: (... أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ...)، أي تمنع من الخير بسبب ما كسبته من ذنوب، وقال تعالى: (... أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا...)، وقال تعالى: (... إِن الَّذِينَ
يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ)، وغير ذلك. ولذلك يصح أن نفسر كسب الإثم بأن يتحراه وتَتَدرَّن به نفسه، حتى يصير كسبا رديئا لهأ وذلك أن الشر إذا ارتكبه الإنسان خط في النفس خطا، فإذا تكرر ذلك كثرت الخطوط السوداء، حتى يَرَبدَّ القلب، وبذلك يكون قد كسب الإثم، وهو الذنب المبطئ عن الله تعالى.
ومن وصل الشر في نفسه إلى هذا الحد، فإن ذلك الذي اكتسبه لَا يعود بالشر ابتداء إلا على نفسه، لأنه أفسد فطرتها، وحولها عن طريق الانتفاع بها إلى أركاسها في الشر. وخسارة الشرير في نفسه أكثر من خسارة الناس فيه، ولأنه يصير من الشُذَّاب الذين تلفظهم الجماعات الإنسانية، ولأن عذاب الله يستقبله، ولذا قال سبحانه مهددا بأنه عالم بما يرتكب، ولو أخفاه، حكيم، يضع لكل امرئ ما يستحق، فلا يتساوى عنده المسيء مع المحسن وهو وحده المتصف بأعلى درجات العلم والحكمة.
ويلاحظ في الفرق بين التعبير في الآية السابقة وهذه الآية أمران: أولهما - أنه عبر في الأولى عن مرتكب الشرب " يعمل " وقد بينا ما فهمناه من ذلك، وفي هذه الآية عبر بـ " يكسب "، للإشارة التي تدنس النفس بالشر، واسوداد القلب به، حتى اربدَّ، وأصبح لَا نور فيه.
ثانيهما - أنه لم يعبر عن الشر الذي وقع في الأولى بالإثم، بل عبر بالسوء أو الظلم للنفس، وهنا عبر بالإثم المبطئ المبعد عن الله تعالى، لأن الشخص في الحال السابقة قريب من الخير بالتوبة القريبة، أما هنا فحاله حال من تبطؤ توبته. وقد قال سبحانه في المرتبة الكبرى من الشر:
* * *
(وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا... (١١٢)
* * *
الخطأ هو العدول عن الجهة، وقد قال في تفسيره الأصفهاني في مفرداته: (الخطأ العدول عن الجهة، وذلك أضرب: أحدها - أن يريد غير ما تَحسُن إرادته، وهو الخطأ التام المأخوذ به الإنسان، يقال خطئ
يخطأ خِطئا، وخطأة، قال تعالى: (... إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا)، وقال تعالى: (... وَإِن كنَّا لَخَاطِئِينَ). والثاني - أن يريد ما يحسن فعله، ولكن يقع منه خلاف ما يريد، فيقال: أخطأ، إخطاءً، فهو مخطئ، وهذا قد أصاب في الإرادة، وأخطأ في الفعل، وهذا هو المعنى بقوله عليه الصلاة والسلام: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " (١)، وبقوله عليه الصلاة والسلام: " من اجتهد فأخطأ فله أجره " (٢)، وقوله تعالى: (... وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ...)، والثالث - أن يريد ما لَا يحسن فعله، فيقع خلافه، فهذا يخطئ في الإرادة ومصيب في الفعل).
ومنها يتبين أن الخطأ الكامل ما يكون انحرافا في الإرادة، بأن يريد ما لا تصح إرادته، ويأثم بهذه الإرادة، ومن ذلك كلمة " خطيئة " فإنها تستعمل في كثير من آي القرآن فيمن يرتكب الشر، منحرف النفس،، حتى أنه يصدر عنه من غير تكلف، ولا معاناة، ومن ذلك قوله تعالى: (بَلَى من كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بهِ خَطِيئَتُة...)، وقوله تعالى أيضا: (... وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا (٢٤) مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا...)، وكانت الخاطئة هي الذنب العظيم، ومن ذلك قوله تعالى: (... وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ).
وعلى ضوء هذه المعاني نقول: إن الخطيئة هنا في قوله تعالى: (وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً) هي الذنب العظيم، الذي تمرست به النفس، حتى صار وصفا من أوصافها، يصدر عنها من غير قصد، بل هو انحراف النفس التي أحاطت بها ظلمات الشر، والإثم هو الذنب المبطئ عن الاتجاه إلى الله بالاستغفار.
________
(١) سبق تخريجه.
(٢) عَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ ". [البخاري: الاعتصام بالكتاب والسنة - أجر الحاكم إذا اجتهد (٧٣٥٢)، ومسلم: الأقضية - أجر الحاكم. (١٧١٦)،
وإن جريمة هؤلاء جريمتان: إحداهما ارتكاب الشر والإيغال فيه، والثانية أنهِم يرمون البرآء به، ولذا قال تعالى: (ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينَا).
وإن هذه الجريمة تتضمن هي الأخرى في ثناياها جريمتين: إحداهما - البهتان، وهو الكذب الذي لَا يتصور عند أهل الخير وقوعه، والثانية - إثم واضح، وهو إلقاء التبعة على الغير، إذ إنه كذب حير البريء وأذْهله.
وإن هؤلاء، مع هذه الذنوب التي يرتكبونها، منافقون يظهرون غير ما يبطنون، وهم شر الجماعة الذين يسعون بالفساد في الأرض، وأن السعاية التي يرتكبونها بنفاقهم توجب قطعهم عن الأمة، ولقد أوجب بعض الفقهاء عقابهم. وإن هؤلاء يفسدون الحكام على شعوبهم، ويسعون في الأرض فسادا بجرمهم، وإن الله يحذر نبيه من أمثالهم، وهو قدوة حسنة لكل الحكام.
* * *
(وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ... (١١٣)
* * *
الضمير في قوله تعالى: (لَهَمَّت طَائِفَةٌ منْهُمْ) يعود على ما يفهم ضمنا من حال هؤلاء الذين أُرِكست نفوسهم في الخطايا، حتى أصبحوا يقدمون عليها من غير قصد خاص إليها، كأن ذلك حال من أحوالهم، فهم منافقون يبتغون الفتنة في الذين آمنوا، وأول فتنة وأقوى فتنة هي التي تجيء في الحكام، فتبعد ما بينهم وبين الأخيار من الأمة، ويتقرب بها الأشرار الذين يرتكبون الشر، ويرمون به الأبرياء. ومعنى النص الكريم: إن أولئك المنافقين العصاة جريئون على رمي الأبرياء وتضليل الحكام. ولولا أن الله تعالى مَنَّ عليك بفضله العميم، ورحمته الواسعة، لهمت طائفة منهم أن يجعلوك في ضلال بالنسبة لمن تحكمهم وتهديهم، فهم لم يهموا بذلك؛ لأنهم يعلمون فضل الله تعالى عليه بالوحي الذي يبين له الحق، ورحمته الواسعة التي يمن بها عليه وعلى قومه، فلا يكون منهم ما يعنتهم، كما قال تعالى في وصف نبيه عليه الصلاة والسلام: (... عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رحِيمٌ)
وإن هؤلاء إذا حاولوا هذه المحاولة أو لم يحاولوها، واستمروا في غيهم يعمهون، فإنهم باستمرارهم في هذه الغواية يسيرون إلى أقصى المدى في الشر، فيبعدون عن الهداية، ولذلك لَا يُضلون إلا أنفسهم، فإن النبي - ﷺ - لن يضل أبدا، وإنهم لَا يضرونه بأي قدر من الضرر، ولا بأي نوع منه؛ لأن الله حافظه، وحافظ من اتبعوه إلى يوم القيامة. وقد بين الله حصانه نبيه، إذ قال: (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) هداية كاملة بالرسالة، بينها الله سبحانه وتعالى بأن الكتاب أنزل عليه مبينا به الشريعة الحق التي لَا يأتيها الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو يحكم بقانون القرآن، وعلَّمه الرسالة، وأنزل عليه الحكمة، وهي الفهم الصحيح، وفقه الوقائع، والمسائل: فلا يقضى إلا بالحق. وقد فسر الإمام الشافعي الحكمة بالسنة، وإن هذا التفسير له موضعه من الحق، فالله تعالى أنزل عليه الوحي بالسنة، فما كان ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
وإنه يعلم القرآن، وبالحكمة التي أنزلها على قلبه، قد أنار الله بصيرته، فعلمه علما كثيرا لم يكن يعلمه، وكان فضله بهذه الرسالة، وبهذا القرآن، وبهذه الحكمة، وبهذا العلم النوراني الذي علمه إياه، عظيما لَا حدود لعظمته. وإن هؤلاء الذين يَسعَوْن في الأرض فسادا، كانوا يحاولون أن يضلوا النبي، لولا كتاب الله الذي أنزل عليه، وحكمته التي أوحى بها إليه، وما علمه من علم، وأن أمثالهم في كل زمان، وهم أجرأ على الحكام؛ إذ لَا هداية من السماء تنزل على الحاكمين، فلا حواجز تحجزهم عن السعاية بالشر، فعلى الحكام أن يأخذوا حذرهم منهم، ولا يجعلوا منهم ألسنة تحكي حال غيرهم، بل عليهم أن يقطعوها، والله من ورائهم محيط.
* * *
(لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)
* * *
في آخر الآيات السابقة، أشار سبحانه إلى أن هناك طائفة تدبر التدابير للإخلال والإضرار، وأن الله تعالى مبطل مكرهم وتدبيرهم الشر، وفي هذا النص الكريم يشير إلى أن الشر لَا يدبر إلا في خفاء، ولا يكون في إعلان، وأن الناس يعلنون خيرهم ويخفون شرهم. والإسرار بمقتضى الطبيعة البشرية لَا يكون إلا فيما يُخشى إعلانه، ويتقى اطلاع الناس عليه، ولكن مع ذلك قد يكون من الخير الإسرار في بعض الأمور، ولذا قال تعالى:
(لا خَيْرَ فِي كنِيرٍ من نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) يقول الأصفهاني في مفرداته في بيان النجوى: إن أصل هذه المادهَ الانفصال عن الشيء، والنجوة والنجاة المكان المرتفع، والنجوى عنده اسم مصدر للمناجاة، وهي المُسَارَّة، وهي عنده أن تخلو بإنسان وتخاطبه كأنك تسر إليه شيئا، ولا خير في كثير من هذه المناجاة، إلا أن تكون أمرًا بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس. فالأمر الأول من التناجي المحمود هو الأمر بالصدقة، والصدقة هي التبرع والتطوع بفعل الخير، من إنفاق مال، أو مساعدة ضعيف، أو إنظار مدين معسر، أو ترك الدين والعفو عنه، يقول تعالى: (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لكُمْ..).
وقال عليه الصلاة والسلام: " ما تأكله العافية فهو صدقة " (١)، أي ما يقدمه الإنسان من قوة بدنية فهو صدقة، فمعونة الضعيف على حمل ما يحمل صدقة، وبهذا التفسير العام لكلمة الصدقة نقول: كل ما يقدم من معونة إنسا