0:00
0:00

﴿ يا أَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً وَاتّقُواْ اللّهَ الّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾.
قال أبو جعفر :يعني بقوله تعالى ذكره : ﴿ يا أيّها النّاسُ اتّقُوا رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ :احذروا أيها الناس ربكم في أن تخالفوه فيما أمركم، وفيما نهاكم، فيحلّ بكم من عقوبته ما لا قِبَل لكم به. ثم وصف تعالى ذكره نفسه بأنه المتوحد بخلق جميع الأنام من شخص واحد، وعرّف عباده كيف كان مبتدأ إنشائه ذلك من النفس الواحدة، ومنبههم بذلك على أن جميعهم بنو رجل واحد وأمّ واحدة، وأن بعضهم من بعض، وأن حقّ بعضهم على بعض واجب وجوب حقّ الأخ على أخيه، لاجتماعهم في النسب إلى أب واحد وأم واحدة. وأن الذي يلزمهم من رعاية بعضهم حقّ بعض، وإن بعد التلاقي في النسب إلى الأب الجامع بينهم، مثل الذي يلزمهم من ذلك في النسب الأدنى. وعاطفا بذلك بعضهم على بعض، ليتناصفوا، ولا يتظالموا، وليبذل القويّ من نفسه للضعيف حقه بالمعروف، على ما ألزمه الله له، فقال : ﴿ الّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ يعني من آدم. كما :
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ :أما ﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ :فمن آدم صلى الله عليه وسلم.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد بن زريع، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ يا أيّها النّاسُ اتّقُوا رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ يعني :آدم صلى الله عليه وسلم.
حدثنا سفيان بن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد : ﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ قال :آدم.
ونظير قوله : ﴿ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ والمعنيّ به رجل، قول الشاعر :
أبوكَ خليفَةٌ وَلَدتْهُ أُخْرَى وأنتَ خليفةٌ ذاكَ الكَمالُ
فقال : «ولدته أخرى »، وهو يريد الرجل، فأنث للفظ الخليفة. وقال تعالى ذكره : ﴿ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ لتأنيث «النفس » والمعنى. «من رجل واحد » ولو قيل : «من نفس واحد »، وأخرج اللفظ على التذكير للمعنى كان صوابا.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيرا وَنِساءً ﴾.
يعني بقوله جلّ ثناؤه : ﴿ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها ﴾ وخلق من النفس الواحدة زوجها¹ يعني ب «الزوج » الثاني لها وهو فيما قال أهل التأويل :امرأتها، حوّاء. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، قال :حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : ﴿ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها ﴾ قال :حوّاء من قُصَيْرَى آدم وهو نائم، فاستيقظ فقال : «أثا » بالنبطية امرأة.
حدثنا المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة : ﴿ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها ﴾ يعني حوّاء خلقت من آدم، من ضلع من أضلاعه.
حدثني موسى بن هارون، قال :أخبرنا عمرو بن حماد، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ، قال :أسكن آدم الجنة، فكان يمشي فيها وَحِشا ليس له زوج يسكن إليها¹ فنام نومة، فاستيقظ فإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه، فسألها ما أنتِ ؟ قالت امرأة، قال :ولم خلقتِ ؟ قالت :لتسكن إلي.
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال :ألقي على آدم صلى الله عليه وسلم السّنة فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم، عن عبد الله بن العباس وغيره، ثم أخذ ضِلعا من أضلاعه من شقه الأيسر، ولأم مكانه، وآدم نائم لم يهبّ من نومته، حتى خلق الله تبارك وتعالى من ضلعه تلك زوجته حوّاء، فسوّاها امرأة ليسكن إليها، فلما كُشفت عنه السّنة وهبّ من نومته رآها إلى جنبه، فقال فيما يزعمون والله أعلم :لحمي ودمي وزوجتي ! فسكن إليها.
حدثني محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن المفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السدّي : ﴿ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها ﴾ جعل من آدم حوّاء.
وأما قوله : ﴿ وَبَثّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيرا وَنِساء ﴾ فإنه يعني ونشر منهما يعني من آدم وحواء ﴿ رِجَالاً كَثِيرا وَنِسَاءً ﴾ قد رآهم، كما قال جلّ ثناؤه : ﴿ كالفَرَاشِ المَبْثُوثِ ﴾. يقال منه :بثّ الله الخلق وأبثهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن المفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ وَبَثّ مِنْهَما رِجالاً كَثِيرا وَنِساءً ﴾ وبثّ :خَلَق.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحام ﴾.
اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه عامة قراء أهل المدينة والبصرة : «تَسّاءَلُونَ » بالتشديد، بمعنى :تتساءلون، ثم أدغم إحدى التاءين في السين، فجعلهما سينا مشددة. وقرأه بعض قراء الكوفة : ﴿ تَسَاءَلُونَ ﴾ بالتخفيف على مثال «تَفَاعَلُونَ »، وهما قراءتان معروفتان، ولغتان فصيحتان، أعني التخفيف والتشديد في قوله : ﴿ تَساءَلُونَ بِهِ ﴾، وبأيّ ذلك قرأ القارىء أصاب الصواب فيه، لأن معنى ذلك بأيّ وجهيه قرىء غير مختلف.
وأما تأويله : ﴿ وَاتّقُوا اللّهَ ﴾ أيها الناس، الذي إذا سأل بعضكم بعضا سأل به، فقال السائل للمسؤول :أسألك بالله، وأنشدك بالله، وأعزم عليك بالله، وما أشبه ذلك. يقول تعالى ذكره :فكما تعظّمون أيها الناس ربكم بألسنتكم، حتى تروا أن من أعطاكم عهده فأخفركموه، فقد أتى عظيما، فكذلك فعظموه بطاعتكم إياه فيما أمركم، واجتنابكم ما نهاكم عنه، واحذروا عقابه من مخالفتكم إياه فيما أمركم به أو نهاكم عنه. كما :
حدثني المثنى، قال :حدثنا إسحاق، قال :حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله : ﴿ وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ ﴾ قال :يقول :اتقوا الله الذي تعاقدون وتعاهدون به.
حدثني المثنى، قال :حدثنا إسحاق، قال :حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع : ﴿ وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ ﴾ يقول :اتقوا الله الذي به تعاقدون وتعاهدون.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، مثله.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :أخبرنا حجاج، عن ابن جريج، قال :قال ابن عباس : ﴿ تَساءَلُونَ بِهِ ﴾ قال :تعاطفون به.
وأما قوله : ﴿ والأرْحامَ ﴾ فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم :معناه :واتقوا الله الذي إذا سألتم بينكم، قال السائل للمسؤول :أسألك به وبالرحم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن إبراهيم : ﴿ وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ ﴾ يقول :اتقوا الله الذي تعاطفون به والأرحام. يقول :الرجل يسأل بالله وبالرحم.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال :حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال :هو كقول الرجل :أسألك بالله، أسألك بالرحم. يعني قوله : ﴿ وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ ﴾.
حدثنا محمد بن بشار، قال :حدثنا عبد الرحمن، قال :حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم : ﴿ وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ الأرْحامَ ﴾ قال :يقول :أسألك بالله وبالرحم.
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، هو كقول الرجل :أسألك بالرحم.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا عبد الرحمن، قال :حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ ﴾ قال :يقول :أسألك بالله وبالرحم.
حدثني المثنى، قال :حدثنا الحماني، قال :حدثنا شريك، عن منصور أو مغيرة، عن إبراهيم في قوله : ﴿ وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ وَالأرْحامَ ﴾ قال :هو قول الرجل :أسألك بالله والرحم.
حدثني المثنى، قال :حدثنا سويد، قال :أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن الحسن، قال :هو قول الرجل :أنشدك بالله والرحم.
قال محمد :وعلى هذا التأويل قول بعض من قرأ قوله : «والأرْحامِ » بالخفض عطفا بالأرحام على الهاء التي في قوله «به »، كأنه أراد :واتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام، فعطف بظاهر على مكنيّ مخفوض. وذلك غير فصيح من الكلام عند العرب لأنها لا تنسق بظاهر على مكني في الخفض إلا في ضرورة شعر، وذلك لضيق الشعر¹ وأما الكلام فلا شيء يضطرّ المتكلم إلى اختيار المكروه من المنطق والرديء في الإعراب منه. ومما جاء في الشعر من ردّ ظاهر على مكنيّ في حال الخفض قول الشاعر :
نُعَلّقُ فِي مِثْلِ السّوَارِي سُيُوفَنا وَما بينها وَالكَعْبِ غُوطٌ نَفانِفُ
فعطف «الكعب » وهو ظاهر على الهاء والألف في قوله «بينها » وهي مكنية.
وقال آخرون :تأويل ذلك : ﴿ وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ ﴾ واتقوا الأرحام أن تقطعوها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن المفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ في قوله : ﴿ وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ وَالأرْحامَ ﴾ يقول :اتقوا الله، واتقوا الأرحام لا تقطعوها.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد عن قتادة : ﴿ وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ إنّ اللّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبا ﴾ ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : «اتّقُوا اللّهَ وَصِلُوا الأرْحامَ، فإنّهُ أبْقَى لَكُمْ فِي الدّنيْا، وَخَيْرٌ لَكُمْ فِي الاَخِرَةِ ».
حدثني عليّ بن داود، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قول الله : ﴿ وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ ﴾ يقول :اتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوا الله في الأرحام فصلوها.
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا هشيم، عن منصور، عن الحسن في قوله : ﴿ وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ ﴾ قال :اتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوه في الأرحام.
حدثنا سفيان، قال :حدثنا أبي، عن سفيان، عن خصيف، عن عكرمة في قول الله : ﴿ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ ﴾ قال :اتقوا الأرحام أن تقطعوها.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله : ﴿ وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ ﴾ قال :هو قول الرجل :أنشدك بالله والرحم.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة :أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : «اتّقُوا اللّهَ وَصِلُوا الأرْحامَ ».
حدثني المث
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَآتُواْ الْيَتَامَىَ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطّيّبِ وَلاَ تَأْكُلُوَاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىَ أَمْوَالِكُمْ إِنّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً ﴾.
قال أبو جعفر :يعني بذلك تعالى ذكره أوصياء اليتامى، يقول لهم :وأعطوا يا معشر أوصياء اليتامى أموالهم، إذا هم بلغوا الحلم وأونس منهم الرشد. ﴿ وَلا تَتَبَدّلُوا الخَبِيثَ بالطّيّبِ ﴾ يقول :ولا تستبدلوا الحرام عليكم من أموالهم بأموالكم الحلال لكم. كما :
حدثنا محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، قال :حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى : ﴿ وَلا تَتَبَدّلُوا الخَبِيثَ بالطّيّبِ ﴾ قال :الحلال بالحرام.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني سفيان، قال :حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : ﴿ وَلا تَتَبَدّلُوا الخَبِيثَ بالطّيّبِ ﴾ قال :الحرام مكان الحلال.
قال أبو جعفر :ثم اختلف أهل التأويل في صفة تبديلهم الخبيث بالطيب الذي نهوا عنه ومعناه، فقال بعضهم :كان أوصياء اليتامى يأخذون الجيد من ماله والرفيع منه، ويجعلون مكانه لليتيم الرديء والخسيس، فذلك تبديلهم الذي نهاهم الله تعالى عنه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم : ﴿ وَلا تَتَبَدّلُوا الخَبِيثَ بالطّيّبِ ﴾ قال :لا تعط زيفا وتأخذ جيدا.
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن السديّ، وعن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب ومعمر، عن الزهري، قالوا :يعطي مهزولاً ويأخذ سمينا.
وبه عن سفيان، عن رجل، عن الضحاك، قال :لا تعط فاسدا وتأخذ جيدا.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن المفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ وَلا تَتَبَدّلُوا الخَبِيثَ بالطّيّبِ ﴾ كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم، ويجعل مكانها الشاة المهزولة، ويقول :شاة بشاة. ويأخذ الدرهم الجيد، ويطرح مكانه الزيف، ويقول :درهم بدرهم.
وقال آخرون :معنى ذلك :لا تستعجل الرزق الحرام فتأكله قبل أن يأتيك الذي قدّر لك من الحلال. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ وَلا تَتَبَدّلُوا الخَبِيثَ بالطّيّبِ ﴾ قال :لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال الذي قدّر لك.
وبه عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالح مثله.
وقال آخرون :معنى ذلك كالذي :
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ وَلا تَتَبَدّلُوا الخَبِيثَ بالطّيّبِ ﴾ قال :كان أهل الجاهلية لا يورّثون النساء، ولا يورّثون الصغار يأخذه الأكبر. وقرأ : ﴿ وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنّ ﴾ قال :إذا لم يكن لهم شيء، ﴿ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدَانِ ﴾ لا يورثوهم، قال، فنصيبه من الميراث طيب، وهذا الذي أخذه خبيث.
قال أبو جعفر :وأولى هذه الأقوال بتأويل الاَية قول من قال :تأويل ذلك :ولا تتبدّلوا أموال أيتامكم أيها الأوصياء الحرام عليكم الخبيث لكم، فتأخذوا رفائعها وخيارها وجيادها «بالطيب الحلال لكم من أموالكم » ﴿ وتجعلوا ﴾ الرديء الخسيس بدلاً منه. وذلك أن تَبَدّل الشيء بالشيء في كلام العرب أخذ شيء مكان آخر غيره، يعطيه المأخوذ منه، أو يجعله مكان الذي أخذ. فإذا كان ذلك معنى التبديل والاستبدال، فمعلوم أن الذي قاله ابن زيد من أن معنى ذلك :هو أخذ أكبر ولد الميت جميع مال ميته ووالده دون صغارهم إلى ماله، قول لا معنى له، لأنه إذا أخذ الأكبر من ولده جميع ماله دون الأصاغر منهم، فلم يستبدل مما أخذ شيئا. فما التبدّل الذي قال جلّ ثناؤه : ﴿ وَلا تَتَبَدّلُوا الخَبِيثَ بالطّيّبِ ﴾ ولم يبدّل الاَخذ مكان المأخوذ بدلاً ؟ وأما الذي قاله مجاهد وأبو صالح من أن معنى ذلك لا تتعجل الرزق الحرام قبل مجيء الحلال، فإنهما أيضا إن لم يكونا أرادا بذلك نحو القول الذي روي عن ابن مسعود أنه قال :إن الرجل ليحرم الرزق بالمعصية يأتيها، ففساده نظير فساد قول ابن زيد، لأن من استعجل الحرام فأكله، ثم آتاه الله رزقه الحلال فلم يبدّل شيئا مكان شيء، وإن كانا أرادا بذلك أن الله جلّ ثناؤه نهى عباده أن يستعجلوا الحرام فيأكلوه قبل مجيء الحلال، فيكون أكلهم ذلك سببا لحرمان الطيب منه، فذلك وجه معروف، ومذهب معقول يحتمله التأويل، غير أن الأشبه في ذلك بتأويل الاَية ما قلنا، لأن ذلك هو الأظهر من معانيه، لأن الله جلّ ثناؤه إنما ذكر ذلك في قصة أموال اليتامى وأحكامها، فلا يكون ذلك من جنس حكم أوّل الاَية، فأخرجها من أن يكون من غير جنسه.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوَالَهُمْ إلى أمْوَالِكُمْ ﴾.
قال أبو جعفر :يعني بذلك تعالى ذكره :ولا تخلطوا أموالهم يعني :أموال اليتامى بأموالكم فتأكلوها مع أموالكم. كما :
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : ﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوَالهُمْ إلى أمْوَالِكُمْ ﴾ يقول :لا تأكلوا أموالكم وأموالهم، تخلطوها فتأكلوها جميعا.
حدثنا المثنى، قال :حدثنا إسحاق، قال :حدثنا أبو زهير، عن مبارك، عن الحسن، قال :لما نزلت هذه الاَية في أموال اليتامى، كرهوا أن يخالطوهم، وجعل وليّ اليتيم يعزل مال اليتيم عن ماله، فشكوا ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله : ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اليَتامَى قُلْ إصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإنْ تُخالِطُوهُمْ فاخْوَانُكُمْ ﴾ قال :فخالطوهم واتّقوا.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ إنّهُ كانَ حُوبا كَبِيرا ﴾.
قال أبو جعفر :يعني تعالى ذكره ( بقوله ) : ﴿ إنّهُ كانَ حُوبا كَبِيرا ﴾ إن أكلكم أموال أيتامكم مع أموالكم حوب كبير. والهاء في قوله «إنّهُ » دالة على اسم الفعل، أعني الأكل. وأما الحُوب :فإنه الإثم، يقال منه :حاب الرجل يحوب حَوْبا وَحُوبا وحيابة، ويقال منه :قد تحوّب الرجل من كذا، إذا تأثم منه. ومنه قول أمية بن الأسكر الليثي :
وإنّ مُهاجِرَيْنِ تَكَنّفاهُ غَدَاتَئِذٍ لقَدْ خَطِئا وَحابا
ومنه قيل :نزلنا بَحوْبة من الأرض وبحيبة من الأرض :إذا نزلوا بموضع سَوء منها. والكبير :العظيم، فمعنى ذلك :إن أكلكم أموال اليتامى مع أموالكم، إثم عند الله عظيم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو وعمرو بن عليّ، قالا :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : ﴿ حُوبا كَبِيرا ﴾ قال :إثما.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو صالح، قال :ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ إنّهُ كانَ حُوبا كَبِيرا ﴾ قال :إثما عظيما.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن المفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ كانَ حُوبا ﴾ أما حوبا :فإثما.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : ﴿ حُوبا ﴾ قال :إثما.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد بن زريع، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة : ﴿ إنّهُ كانَ حُوبا كَبِيرا ﴾ يقول :ظلما كبيرا.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :سمعت ابن زيد، يقول في قوله : ﴿ إنّهُ كانَ حُوبا كَبِيرا ﴾ قال :ذنبا كبيرا، وهي لأهل الإسلام.
حدثنا عمرو بن عليّ، قال :حدثنا يحيى بن سعيد، قال :حدثنا قرة بن خالد، قال :سمعت الحسن يقول : ﴿ حُوبا كَبِيرا ﴾ قال :إثما والله عظيما.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَىَ فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النّسَآءِ مَثْنَىَ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَىَ أَلاّ تَعُولُواْ ﴾.
قال أبو جعفر :اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم :معنى ذلك :وإن خفتم يا معشر أولياء اليتامى ألا تقسطوا في صداقهنّ فتعدلوا فيه، وتبلغوا بصداقهنّ صدقات أمثالهنّ، فلا تنكحوهنّ، ولكن انكحوا غيرهنّ من الغرائب اللواتي أحلهنّ الله لكم وطيبهنّ من واحدة إلى أربع. وإن خفتم أن تجوروا إذا نكحتم من الغرائب أكثر من واحدة، فلا تعدلوا، فانكحوا منهنّ واحدة، أو ما ملكت أيمانكم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة : ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ ﴾ فقالت :يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن ينكحها بأدنى من سنة صداقها، فنهوا أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا لهنّ في إكمال الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما سواهنّ من النساء.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال :أخبرني عروة بن الزبير، أنه سأل عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم، عن قول الله تبارك وتعالى : ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ ﴾ قالت :يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها، تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى سنتهنّ في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال يونس بن يزيد :قال ربيعة في قول الله : ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى ﴾ قال :يقول :اتركوهنّ فقد أحللت لكم أربعا.
حدثنا الحسن بن الجنيد وأبو سعيد بن مسلمة، قالا :أنبأنا إسماعيل بن أمية، عن ابن شهاب، عن عروة، قال :سألت عائشة أمّ المؤمنين، فقلت :يا أمّ المؤمنين أرأيت قول الله : ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ ﴾ ؟ قالت :يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن يتزوّجها بأدنى من سنة صداق نسائها، فنهوا عن ذلك أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا فيكملوا لهنّ الصداق، ثم أمروا أن ينكحوا سواهنّ من النساء إن لم يكملوا لهنّ الصداق.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو صالح، قال :ثني الليث، قال :ثني يونس، عن ابن شهاب، قال :ثني عروة بن الزبير، أنه سأل عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم، فذكر مثل حديث يونس، عن ابن وهب.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، مثل حديث ابن حميد، عن ابن المبارك.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت :نزل، يعني قوله : ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى ﴾. . . الاَية، في اليتيمة تكون عند الرجل، وهي ذات مال، فلعله ينكحها لمالها، وهي لا تعجبه، ثم يضرّ بها، ويسيء صحبتها، فوعظ في ذلك.
قال أبو جعفر :فعلى هذا التأويل جواب قوله : ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا ﴾ قوله : ﴿ فانْكِحُوا ﴾.
وقال آخرون :بل معنى ذلك :النهي عن نكاح ما فوق الأربع، حذرا على أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم، وذلك أن قريشا، كان الرجل منهم يتزوّج العشر من النساء، والأكثر، والأقلّ، فإذا صار معدما، مال على مال يتيمه الذي في حجره، فأنفقه، أو تزوّج به، فنهوا عن ذلك¹ وقيل لهم :إن أنتم خفتم على أموال أيتامكم أن تنفقوها، فلا تعدلوا فيها من أجل حاجتكم إليها، لما يلزمكم من مؤن نسائكم، فلا تجاوزوا فيما تنكحون من عدد النساء على أربع، وإن خفتم أيضا من الأربع ألا تعدلوا في أموالهم فاقتصروا على الواحدة، أو على ما ملكت أيمانكم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن المثنى، قال :حدثنا محمد بن جعفر، قال :حدثنا شعبة، عن سماك، قال :سمعت عكرمة يقول في هذه الاَية : ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى ﴾ قال :كان الرجل من قريش يكون عنده النسوة، ويكون عنده الأيتام، فيذهب ماله، فيميل على مال الأيتام. قال :فنزلت هذه الاَية : ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ ﴾.
حدثنا هناد بن السريّ، قال :حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة في قوله : ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُباعَ فإنْ خِفْتُمْ ألاّ تَعِدِلُوا فَوَاحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيمانُكُمْ ﴾ قال :كان الرجل يتزوّج الأربع والخمس والستّ والعشر، فيقول الرجل :ما يمنعني أن أتزوّج كما تزوّج فلان، فيأخذ مال يتيمه فيتزوّج به، فنهوا أن يتزوّجوا فوق الأربع.
حدثنا سفيان بن وكيع، قال :حدثنا أبيّ، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، عن ابن عباس، قال :قصر الرجال على أربع من أجل أموال اليتامى.
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى ﴾ فإن الرجل كان يتزوّج بمال اليتيم ما شاء الله تعالى، فنهى الله عن ذلك.
وقال آخرون :بل معنى ذلك :أن القوم كانوا يتحوّبون في أموال اليتامى ألا يعدلوا فيها، ولا يتحوّبون في النساء ألا يعدلوا فيهنّ، فقيل لهم :كما خفتم أن لا تعدلوا في اليتامى، فكذلك فخافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهنّ، ولا تنكحوا منهنّ إلا من واحدة إلى الأربع، ولا تزيدوا على ذلك، وأن خفتم ألا تعدلوا أيضا في الزيادة على الواحدة، فلا تنكحوا إلا ما لا تخافون أن تجوروا فيهنّ من واحدة أو ما ملكت أيمانكم. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال :حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، قال :كان الناس على جاهليتهم، إلا أن يؤمروا بشيء أو ينهوا عنه. قال :فذكروا اليتامى، فنزلت : ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُباعَ فإنْ خِفْتُمْ ألاّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيمانُكُمْ ﴾ قال :فكما خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا أن لا تقسطوا في النساء.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى ﴾ إلى : ﴿ أيمَانُكُمْ ﴾ كانوا يشدّدون في اليتامى، ولا يشدّدون في النساء، ينكح أحدهم النسوة، فلا يعدل بينهنّ¹ فقال الله تبارك وتعالى :كما تخافون أن لا تعدلوا بين اليتامى فخافوا في النساء، فانكحوا واحدة إلى الأربع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد بن زريع، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ ﴾ حتى بلغ : ﴿ أدْنَى ألاّ تَعُولُوا ﴾ يقول :كما خفتم الجور في اليتامى وهمّكم ذلك، فكذلك فخافوا في جمع النساء. وكان الرجل في الجاهلية يتزوّج العشرة فما دون ذلك، فأحلّ الله جلّ ثناؤه أربعا، ثم الذي صيرهنّ إلى أربع قوله : ﴿ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُباعَ فإنْ خِفْتُمْ ألاّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ﴾ يقول :إن خفت ألا تعدل في أربع فثلاث، وإلا فثنتين، وإلا فواحدة¹ وإن خفت ألا تعدل في واحدة، فما ملكت يمينك.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، قوله : ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ ﴾ يقول :ما أحل لكم من النساء، ﴿ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُباعَ ﴾ فخافوا في النساء مثل الذي خفتم في اليتامى ألا تقسطوا فيهن.
حدثني المثنى، قال :حدثنا الحجاج بن المنهال، قال :حدثنا حماد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، قال جاء الإسلام، والناس على جاهليتهم، إلا أن يؤمروا بشيء فيتبعوه أو ينهوا عن شيء فيجتنبوه، حتى سألوا عن اليتامى، فأنزل الله تبارك وتعالى : ﴿ فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُباعَ ﴾.
حدثنا المثنى، قال :حدثنا أبو النعمان عارم، قال :حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، قال :بعث الله تبارك وتعالى محمدا صلى الله عليه وسلم، والناس على أمر جاهليتهم، إلا أن يؤمروا بشيء أو ينهوا عنه، وكانوا يسألونه عن اليتامى، فأنزل الله تبارك وتعالى : ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُباعَ ﴾ قال :فكما تخافون ألا تقسطوا في اليتامى فخافوا ألا تقسطوا وتعدلوا في النساء.
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس :قوله : ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى ﴾ قال :كانوا في الجاهلية ينكحون عشرا من النساء الأيامى، وكانوا يعظمون شأن اليتيم، فتفقدوا من دينهم شأن اليتيم، وتركوا ما كانوا ينكحون في الجاهلية، فقال : ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُباعَ ﴾ ونهاهم عما كانوا ينكحون في الجاهلية.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال :سمعت أبا معاذ، قال :حدثنا عبيد بن سليمان، قال :سمعت الضحاك يقول في قوله : ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ ﴾ كانوا في جاهليتهم لا يرزءون من مال اليتيم شيئا، وهم ينكحون عشرا من النساء، وينكحون نساء آبائهم، فتفقدوا من دينهم شأن النساء، فوعظهم الله في اليتامى وفي النساء، فقال في اليتامى : ﴿ وَلا تَتَبَدّلُوا الخَبِيثَ بالطّيّبِ ﴾. . . إلى : ﴿ إنّهُ كانَ حُوبا كَبِيرا ﴾ ووعظهم في شأن النساء، فقال : ﴿ فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ ﴾. . . الاَية، وقال : ﴿ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النّساءِ ﴾.
حُدثت عن عمار عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله : ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى ﴾. . . إلى : ﴿ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ ﴾ يقول :فإن خفتم الجور في اليتامى وغمكم ذلك، فكذ
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَآتُواْ النّسَآءَ صَدُقَاتِهِنّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مّرِيئاً ﴾.
قال أبو جعفر :يعني بذلك تعالى ذكره :وأعطوا النساء مهورهنّ عطية واجبة، وفريضة لازمة¹ يقال منه :نحل فلان فلانا كذا، فهو يَنْحَلُه نِحْلَةً ونُحْلاً. كما :
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد بن زريع، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ وآتُوا النّساءَ صَدُقاتِهِنّ نحْلَةً ﴾ يقول :فريضة.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو صالح، قال :أخبرني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ وآتُوا النّساءَ صَدُقاتِهِنّ نحْلَةً ﴾ يعني بالنحلة :المهر.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله : ﴿ وآتُوا النّساءَ صَدُقاتِهِنّ نحْلَةً ﴾ قال :فريضة مسماة.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :سمعت ابن زيد يقول في قوله : ﴿ وآتُوا النّساءَ صَدُقاتِهِنّ نحْلَةً ﴾ قال :النحلة في كلام العرب :الواجب، يقول :لا ينكحها إلا بشيء واجب لها صدقة، يسميها لها واجبة، وليس ينبغي لأحد أن ينكح امرأة بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا بصداق واجب، ولا ينبغي أن يكون تسمية الصداق كذبا بغير حقّ.
وقال آخرون :بل عنى بقوله : ﴿ وآتُوا النّساءَ صَدُقاتِهِنّ نحْلَةً ﴾ أولياء النساء، وذلك أنهم كانوا يأخذون صدقاتهن. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا عمرو بن عون، قال :حدثنا هشيم، عن سيار، عن أبي صالح، قال :كان الرجل إذا زوّج أيمة أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله تبارك وتعالى عن ذلك، وَنزلت : ﴿ وآتُوا النّساءَ صَدُقاتِهِنّ نِحْلَةً ﴾.
وقال آخرون :بل كان ذلك من أولياء النساء، بأن يعطي الرجل أخته الرجل، على أن يعطيه الاَخر أخته، على أن لا كثير مهر بينهما، فنهوا عن ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال :حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال :زعم حضرميّ أن أناسا كانوا يعطي هذا الرجل أخته ويأخذ أخت الرجل، ولا يأخذون كثير مهر، فقال الله تبارك وتعالى : ﴿ وآتُوا النّساءَ صَدُقاتِهِنّ نِحْلَةً ﴾.
قال أبو جعفر :وأولى التأويلات التي ذكرناها في ذلك التأويل الذي قلناه، وذلك أن الله تبارك وتعالى ابتدأ ذكر هذه الاَية بخطاب الناكحين النساء، ونهاهم عن ظلمهنّ والجور عليهنّ، وعرفهم سبيل النجاة من ظلمهنّ¹ ولا دلالة في الاَية على أن الخطاب قد صرف عنهم إلى غيرهم. فإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الذين قيل لهم : ﴿ فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُباعَ ﴾ هم الذين قيل لهم : ﴿ وآتُوا النّساءَ صَدُقاتِهِنّ ﴾ وأن معناه :وآتوا من نكحتم من النساء صدقاتهنّ نحلة، لأنه قال في الأوّل : ﴿ فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ ﴾ ولم يقل :فانكحوا، فيكون قوله : ﴿ وآتُوا النّساءَ صَدُقاتِهِنّ ﴾ مصروفا إلى أنه معنيّ به أولياء النساء دون أزواجهنّ، وهذا أمر من الله أزواج النساء المدخول بهنّ والمسمى لهنّ الصداق أن يؤتوهنّ صدقاتهنّ دون المطلقات قبل الدخول ممن لم يسمّ لها في عقد النكاح صداق.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ فإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسا فَكُلُوهُ هَنِيئا مَرِيئا ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه :فإن وهب لكم أيها الرجال نساؤكم شيئا من صدقاتهنّ، طيبة بذلك أنفسهنّ، فكلوه هنيئا مريئا. كما :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال :حدثنا بشر بن المفضل، قال :حدثنا عمارة، عن عكرمة : ﴿ فإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسا ﴾ قال :المهر.
حدثنا محمد بن المثنى، قال :ثني حرمي بن عمارة، قال :حدثنا شعبة، عن عمارة، عن عكرمة، عن عمارة في قول الله تبارك وتعالى : ﴿ فإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسا ﴾ قال :الصدقات.
حدثني المثنى، قال :ثني الحماني، قال :حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد : ﴿ فإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسا ﴾ قال :الأزواج.
حدثني المثنى، قال :حدثنا عمرو بن عون، قال :أخبرنا هشيم، عن عبيدة، قال :قال لي إبراهيم :أكلتَ من الهنيء المريء ! قلت :ما ذاك ؟ قال :امرأتك أعطتك من صداقها.
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، قال :دخل رجل على علقمة وهو يأكل من طعام بين يديه، من شيء أعطته امرأته من صداقها أو غيره، فقال له علقمة :ادْنُ، فكل من الهنيء المريء !
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : ﴿ فإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسا فَكُلُوهُ هَنِيئا مَرِيئا ﴾ يقول :إذا كان غير إضرار ولا خديعة، فهو هنيء مريء كما قال الله جلّ ثناؤه.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج : ﴿ فإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسا ﴾ قال :الصداق، ﴿ فَكُلُوهُ هَنِيئا مَرِيئا ﴾.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :سمعت ابن زيد يقول في قوله : ﴿ فإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسا ﴾.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال :حدثنا المعتمر، عن أبيه، قال :زعم حضرميّ أن أناسا كانوا يتأثمون أن يرجع أحدهم في شيء مما ساق إلى امرأته، فقال الله تبارك وتعالى : ﴿ فإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسا فَكُلُوهُ هَنِيئا مَرِيئا ﴾.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة : ﴿ فإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسا فَكُلُوهُ هَنِيئا مَرِيئا ﴾ يقول :ما طابت به نفسا في غير كره أو هوان، فقد أحلّ الله لك ذلك أن تأكله هنيئا مريئا.
وقال آخرون :بل عُني بهذا القول :أولياء النساء، فقيل لهم :إن طابت أنفس النساء اللواتي إليكم عصمة نكاحهنّ بصدقاتهنّ نفسا، فكلوه هنيئا مريئا. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال :حدثنا هشيم، قال :حدثنا سيار، عن أبي صالح في قوله : ﴿ فإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسا ﴾ قال :كان الرجل إذا زوّج ابنته عمد إلى صداقها فأخذه، قال :فنزلت هذه الاَية في الأولياء : ﴿ فإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسا فَكُلُوهُ هَنِيئا مَرِيئا ﴾.
قال أبو جعفر :وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، التأويل الذي قلنا وأن الاَية مخاطب بها الأزواج¹ لأن افتتاح الاَية مبتدأ بذكرهم، وقوله : ﴿ فإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسا ﴾ في سياقه.
وإن قال قائل :فكيف قيل :فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا، وقد علمت أن معنى الكلام :فإن طابت لكم أنفسهن بشيء ؟ وكيف وحدت النفس والمعنى للجميع، وذلك أنه تعالى ذكره قال : ﴿ وآتُوا النّساءَ صَدُقاتِهِنّ نحْلَةً ﴾ ؟ قيل :أما نقل فعل النفوس إلى أصحاب النفوس، فإن ذلك المستفيض في كلام العرب من كلامها المعروف :ضِقْتُ بهذا الأمر ذراعا وذرعا، وَقَرِرْت بهذا الأمر عينا، والمعنى :ضاق به ذرعي، وقرّت به عيني، كما قال الشاعر :
إذا التّيازُ ذُو العَضَلاتِ قُلْنا إليكَ إليكَ ضَاقَ بِها ذِرَاعا
فنقل صفة الذراع إلى ربّ الذراع، ثم أخرج الذراع مفسرة لموقع الفعل. وكذلك وحد النفس في قوله : ﴿ فإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسا ﴾ إذ كانت النفس مفسرة لموقع الخبر. وأما توحيد النفس من النفوس، لأنه إنما أراد الهوى، والهوى يكون جماعة، كما قال الشاعر :
بِها جِيَفُ الحَسْرَى فَأمّا عِظامُها فبِيضٌ وأمّا جلدُها فَصَلِيبُ
وكما قال الاَخر :
*** فِي حَلْقِكمْ عَظْمٌ وقد شجِينَا ***
وقال بعض نحويي الكوفة :جائز في النفس في هذا الموضع الجمع والتوحيد¹ فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا وأنفسا، وضقت به ذراعا وذرعا وأذرعا، لأنه منسوب إليك، وإلى من تخبر عنه، فاكتفى بالواحد عن الجمع لذلك، ولم يذهب الوهم إلى أنه ليس بمعنى جمع لأن قبله جمعا.
قال أبو جعفر :والصواب من القول في ذلك عندنا أن النفس وقع موقع الأسماء التي تأتي بلفظ الواحد مؤدّية معناه إذا ذكر بلفظ الواحد، وأنه بمعنى الجمع عن الجمع. وأما قوله : ﴿ هَنِيئا ﴾ فإنه مأخوذ من هنأت البعير بالقطران :إذا جرب فعولج به، كما قال الشاعر :
مُتَبَذّلاً تَبْدُو مَحَاسِنُهُ يَضَعُ الهِنَاءَ مَوَاضِعَ النّقْبِ
فكان معنى قوله : ﴿ فَكُلُوهُ هَنِيئا مَرِيئا ﴾ :فكلوه دواء شافيا، يقال منه :هنأني الطعام ومرأني :أي صار لي دواء وعلاجا شافيا، وهنئني ومرئني بالكسر، وهي قليلة، والذين يقولون هذا القول يقولون يهنأني ويمرأني، والذين يقولون هنأني، يقولون :يهنئني ويمرئني، فإذا أفردوا، قالوا :قد أمرأني هذا الطعام إمراء، ويقال :هنأت القوم :إذا عُلتهم، سمع من العرب من يقول :إنما سميت هانئا لتهنأ، بمعنى :لتعول وتكفى.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ السّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ الّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مّعْرُوفاً ﴾. .
قال أبو جعفر :اختلف أهل التأويل في السفهاء الذين نهى الله جلّ ثناؤه عباده أن يؤتوهم أموالهم، فقال بعضهم :هم النساء والصبيان. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال :حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال :حدثنا إسرائيل، عن عبد الكريم، عن سعيد بن جبير، قال :اليتامى والنساء.
حدثنا المثنى، قال :حدثنا عمرو بن عون، قال :حدثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن في قوله : ﴿ وَلا تُؤْتُوا السّفَهاءَ أمْوَالَكمْ ﴾ قال :لا تعطوا الصغار والنساء.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا عبد الرحمن، قال :حدثنا يزيد بن زريع، عن يونس، عن الحسن، قال :المرأة والصبيّ.
حدثني المثنى، قال :حدثنا عمرو بن عون، قال :أخبرنا هشيم، عن شريك، عن أبي حمزة، عن الحسن قال :النساء والصغار، والنساء أسفه السفهاء.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :حدثنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله : ﴿ وَلا تُؤْتُوا السّفَهاءَ أمْوَالَكمْ ﴾ قال :السفهاء :ابنك السفيه وامرأتك السفيهة، وقد ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : «اتّقوا اللّهَ في الضّعِيفَيْنِ :اليتيم، والمرأة ».
حدثنا المثنى، قال :حدثنا الحماني، قال :حدثنا حميد، عن عبد الرحمن الرؤاسي، عن السديّ قال :يردّه إلى عبد الله قال :النساء والصبيان.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ وَلا تُؤْتُوا السّفَهاءَ أمْوَالَكمْ ﴾ أما السفهاء :فالولد والمرأة.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال :سمعت أبا معاذ يقول :أخبرنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك، قوله : ﴿ وَلا تُؤتُوا السّفَهاءَ أمَوالَكمْ ﴾ يعني بذلك :ولد الرجل وامرأته، وهي أسفه السفهاء.
حدثني يحيى بن أبي طالب، قال :حدثنا يزيد، قال :أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله : ﴿ وَلا تُؤتُوا السّفَهاءَ أمْوَالَكم ﴾ قال :السفهاء :الولد والنساء أسفه السفهاء، فيكونوا عليكم أربابا.
حدثنا أحمد بن حازم الغفاريّ، قال :حدثنا أبو نعيم، قال :حدثنا سفيان، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك، قال :أولادكم ونساؤكم.
حدثني المثنى، قال :حدثنا الحماني، قال :حدثنا أبي، عن سلمة، عن الضحاك، قال :النساء والصبيان.
حدثنا أحمد بن حازم، قال :حدثنا أبو نعيم، قال :حدثنا سفيان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد : ﴿ وَلا تُؤْتُوا السّفَهاءَ أمْوَالَكُمْ ﴾ قال :النساء والولدان.
حدثنا أحمد، قال :حدثنا أبو نعيم، قال :حدثنا ابن أبي عنبسة، عن الحكم : ﴿ وَلا تُؤْتُوا السّفَهاءَ أموالكم ﴾ قال :النساء والولدان.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ وَلا تُؤْتُوا السّفَهاءَ أمْوَالَكُم الّتي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِياما ﴾ أمر الله بهذا المال أن يخزن فيحسن خزانته، ولا يملكه المرأة السفيهة والغلام السفيه.
حدثني المثنى، قال :حدثنا الحمانّي، قال :حدثنا ابن المبارك، عن إسماعيل، عن أبي مالك، قال :النساء والصبيان.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو صالح، قال :ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : ﴿ ولا تُؤْتُوا السّفَهاءَ أمْوَالَكُمْ ﴾ قال :امرأتك وبنيك، وقال :السفهاء :الولدان والنساء أسفه السفهاء.
وقال آخرون :بل السفهاء :الصبيان خاصة. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا سويد بن نصر، قال :أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير، في قوله : ﴿ ولاَ تؤْتوا السّفَهاءَ أمْوَالَكُمُ ﴾ قال :هم اليتامى.
حدثنا ابن وكيع، قال :ثني أبي، عن شريك، عن سالم، عن سعيد، قال : ﴿ السفهاء ﴾ :اليتامى.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا هشيم، قال :أخبرنا يونس، عن الحسن، في قوله : ﴿ وَلا تُؤْتُوا السّفَهاءَ أمْوَالَكمْ ﴾ يقول :لا تنحلوا الصغار.
وقال آخرون :بل عنى بذلك السفهاء من ولد الرجل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال :أخبرنا ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي مالك، قوله : ﴿ وَلا تُؤْتُوا السّفَهاءَ أمْوَالَكُمُ ﴾ قال :لا تعط ولدك السفيه مالك فيفسده الذي هو قوامك بعد الله تعالى.
حدثنا محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : ﴿ وَلا تُؤْتُوا السّفَهاءَ أمْوَالَكُمْ ﴾ يقول :لا تسلط السفيه من ولدك. فكان ابن عباس يقول :نزل ذلك في السفهاء، وليسوا اليتامى من ذلك في شيء.
حدثنا محمد بن المثنى، قال :حدثنا محمد بن جعفر، قال :حدثنا شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري أنه قال :ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم :رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل أعطى ماله سفيها وقد قال الله : ﴿ وَلا تُؤْتُوا السّفَهاءَ أمْوَالَكُمُ ﴾، ورجل كان له على رجل دين، فلم يُشهد عليه.
حدثنا يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :سمعت ابن زيد : ﴿ وَلا تُؤْتوا السّفَهاءَ أمْوَالَكُمُ ﴾. . . الاَية، قال :لا تعط السفيه من ولدك رأسا ولا حائطا ولا شيئا هو لك قيما من مالك.
وقال آخرون :بل السفهاء في هذا الموضع :النساء خاصة دون غيرهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال :حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال :زعم حضرميّ أن رجلاً عمد فدفع ماله إلى امرأته فوضعته في غير الحقّ، فقال الله تبارك وتعالى : ﴿ وَلا تُؤتُوا السّفَهاءَ أمْوَالَكُمُ ﴾.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا عبد الرحمن، قال :حدثنا سفيان، عن حميد، عن مجاهد : ﴿ وَلا تؤتوا السّفَهاءَ أمْوَالَكمْ ﴾ قال :النساء.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :حدثنا سفيان، عن الثوري، عن حميد، عن قيس، عن مجاهد في قوله : ﴿ وَلا تُؤتُوا السّفَهاءَ أمْوَالَكُمْ ﴾ قال :هنّ النساء.
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تبارك وتعالى : ﴿ وَلا تُؤتُوا السّفَهاءَ أمْوَالَكُمُ الّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِياما ﴾ قال :نهى الرجال أن يعطوا النساء أموالهم، وهن سفهاء مَنْ كُنّ أزواجا أو أمهات أو بنات.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا عبد الأعلى، قال :حدثنا هشام، عن الحسن، قال :المرأة.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا هشيم، قال :أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قال :النساء من أسفه السفهاء.
حدثني المثنى، قال :حدثنا سويد، قال :أخبرنا ابن المبارك، عن أبي عوانة، عن عاصم، عن مورق قال :مرّت امرأة بعبد الله بن عمر لها شارة وهيئة، فقال لها ابن عمر : ﴿ وَلا تؤتوا السّفَهاءَ أمْوَالَكُمُ الّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِياما ﴾.
قال أبو جعفر :والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا أن الله جلّ ثناؤه عمّ بقوله : ﴿ وَلا تؤْتُوا السّفَهاءَ أمْوَالَكُمُ ﴾ فلم يخصص سفيها دون سفيه، فغير جائز لأحد أن يؤتي سفيها ماله صبيا صغيرا كان أو رجلاً كبيرا ذكرا كان أو أنثى، والسفيه الذي لا يجوز لوليه أن يؤتيه ماله، هو المستحقّ الحجر بتضييعه ماله وفساده وإفساده وسوء تدبيره ذلك.
وإنا قلنا ما قلنا من أن المعنيّ بقوله : ﴿ وَلا تُؤْتُوا السّفَهاءَ ﴾ هو من وصفنا دون غيره، لأن الله جلّ ثناؤه قال في الاَية التي تتلوها : ﴿ وَابْتَلُوا اليَتَامى حتى إذَا بَلَغُوا النّكاحَ فإنْ آنَسْتمْ مِنْهمْ رُشْدا فادْفَعوا إلَيْهِمْ أمْوَالَهُمْ ﴾ فأمر أولياء اليتامى بدفع أموالهم إليهم إذا بلغوا النكاح وأونس منهم الرشد، وقد يدخل في اليتامى الذكور والإناث، فلم يخصص بالأمر يدفع مالهم من الأموال الذكور دون الإناث، ولا الإناث دون الذكور. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الذين أمر أولياؤهم بدفعهم أموالهم إليهم، وأجيز للمسلمين مبايعتهم، ومعاملتهم غير الذين أمر أولياؤهم بمنعهم أموالهم، وحظر على المسلمين مداينتهم ومعاملتهم، فإذ كان ذلك كذلك، فبين أن السفهاء الذين نهى الله المؤمنين أن يؤتوهم أموالهم، هم المستحقون الحجر، والمستوجبون أن يولى عليهم أموالهم، وهم من وصفنا صفتهم قبل، وأن من عدا ذلك، فغير سفيه، لأن الحجر لا يستحقه من قد بلغ، وأونس رشده. وأما قول من قال :عنى بالسفهاء النساء خاصة، فإنه جعل اللغة على غير وجهها، وذلك أن العرب لا تكاد تجمع فعيلاً على فعلاء، إلا في جمع الذكور، أو الذكور والإناث¹ وأما إذا أرادوا جمع الإناث خاصة لا ذكران معهم، جمعوه على فعائل وفعيلات، مثل غريبة تجمع غرائب وغريبات¹ فأما الغرباء فجمع غريب.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : ﴿ أمْوَالَكُمْ الّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِياما وَارْزُقُوهُم فِيها وَاكْسُوهُمْ ﴾ فقال بعضهم :عنى بذلك :لا تؤتوا السفهاء من النساء والصبيان على ما ذكرنا من اختلاف من حكينا قوله قبل أيها الرشداء أموالكم التي تملكونها، فتسلطوهم عليها فيفسدوها ويضيعوها، ولكن ارزقوهم أنتم منها، إن كانوا ممن تلزمكم نفقته، واكسوهم، وقولوا لهم قولاً معروفا. وقد ذكرنا الرواية عن جماعة ممن قال ذلك :منهم أبو موسى الأشعري، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، قتادة، وحضرميّ، وسنذكر قول الاَخرين الذين لم يذكر قولهم فيما مضى قبل.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن المفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السدي : ﴿ وَلا تُؤْتُوا السّفَهاءَ أمْوَالَكُمْ الّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِياما وَارْزُقوهُمْ فِيها ﴾ يقول :لا تعط امرأتك وولدك مالك، فيكونوا هم الذين يقومون عليك، وأطعمهم من مالك واكسهم.
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : ﴿ وَلا تُؤْتُوا السّفَهاءَ أمْوَالَكُمْ الّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِياما وَارْزُقوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفا ﴾ يقول :لا تسلط السفيه من ولدك على مالك، وأمره أن يرزقه منه ويكسوه.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ وَلا تَؤْتُوا السفَهاءَ أمْوَالَكُمُ ﴾ قال :لا تعط السفيه من مالك شيئا هو لك.
وقال آخرون :بل معنى ذلك :ولا تؤتوا السفهاء أموالهم¹ ولكنه أضيف إلى الولاة لأنهم قُوّامها ومدبّروها. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا سويد بن نصر، قال :حدثنا ابن المبارك، عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير في قوله : ﴿ وَلا تُؤْتُوا السّفَهاءَ أمْوَالَكُمُ ﴾.
وقد يد
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَابْتَلُواْ الْيَتَامَىَ حَتّىَ إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَىَ بِاللّهِ حَسِيباً ﴾.
يعني تعالى ذكره بقوله : ﴿ وَابْتَلُوا اليَتَامى ﴾ :واختبروا عقول يتاماكم في أفهامهم، وصلاحهم في أديانهم، وإصلاحهم أموالهم. كما :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة والحسن في قوله : ﴿ وَابْتَلُوا اليَتَامى ﴾ قالا :يقول :اختبروا اليتامى.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن المفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ :أما ابتلوا اليتامى :فجرّبوا عقولهم.
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، قال :حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : ﴿ وَابْتَلُوا اليَتَامى ﴾ قال :عقولهم.
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ وَابْتَلُوا اليَتَامَى ﴾ قال :اختبروهم.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ وَابْتَلُوا اليَتَامَى حتى إذَا بَلَغُوا النّكاحَ ﴾ قال :اختبروه في رأيه وفي عقله كيف هو إذا عرف أنه قد أُنس منه رشد دفع إليه ماله. قال :وذلك بعد الاحتلام.
قال أبو جعفر :وقد دللنا فيما مضى قبل على أن معنى الابتلاء :الاختبار، بما فيه الكفاية عن إعادته.
وأما قوله : ﴿ إذَا بَلَغُوا النّكاحَ ﴾ فإنه يعني :إذا بلغوا الحلم. كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : ﴿ حتى إذَا بَلَغُوا النّكاحَ ﴾ :حتى إذا احتلموا.
حدثني عليّ بن داود قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس : ﴿ حتى إذَا بَلَغُوا النّكاحَ ﴾ قال :عند الحلم.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ حتى إذَا بَلَغُوا النكاحَ ﴾ قال :الحلم.
القول في تأويل قوله : ﴿ فإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدا ﴾.
يعني قوله : ﴿ فإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدا ﴾ :فإن وجدتم منهم وعرفتم. كما :
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو صالح، قال :ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : ﴿ فإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدا ﴾ قال :عرفتم منهم.
يقال :آنست من فلان خيرا وبِرّا بمدّ الألف إيناسا، وأنست به آنسُ أُنْسا بقصر ألفها :إذا ألفه. وقد ذكر أنها في قراءة عبد الله : «فإنْ أحْسَيْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدا » بمعنى :أحسستم :أي وجدتم.
واختلف أهل التأويل في معنى الرشد الذي ذكره الله في هذه الاَية، فقال بعضهم :معنى الرشد في هذا الموضع :العقل والصلاح في الدين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن المفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ فإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدا ﴾ عقولاً وصلاحا.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة : ﴿ فإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدا ﴾ يقول :صلاحا في عقله ودينه.
وقال آخرون :معنى ذلك :صلاحا في دينهم، وإصلاحا لأموالهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال :ثني أبي، عن مبارك، عن الحسن، قال :رشدا في الدين وصلاحا وحفظا للمال.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو صالح، قال :ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : ﴿ فإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدا ﴾ في حالهم، والإصلاح في أموالهم.
وقال آخرون :بل ذلك العقل خاصة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال :حدثنا عبد الرحمن، قال :حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال :لا ندفع إلى اليتيم ماله، وإن أخذ بلحيته، وإن كان شيخا، حتى يؤنس منه رشده :العقل.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد : ﴿ فإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدا ﴾ قال :العقل.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال :حدثنا هشيم، قال :أخبرنا أبو شبرمة، عن الشعبي، قال :سمعته يقول :إن الرجل ليأخذ بلحيته وما بلغ رشده.
وقال آخرون :بل هو الصلاح والعلم بما يصلحه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج : ﴿ فإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدا ﴾ قال :صلاحا وعلما بما يصلحه.
قال أبو جعفر :وأولى هذه الأقوال عندي بمعنى الرشد في هذا الموضع :العقل وإصلاح المال¹ لإجماع الجميع على أنه إذا كان كذلك لم يكن ممن يستحقّ الحجر عليه في ماله، وحوز ما في يده عنه، وإن كان فاجرا في دينه. وإذ كان ذلك إجماعا من الجميع، فكذلك حكمه إذا بلغ وله مال في يدي وصي أبيه أو في يد حاكم قد ولي ماله لطفولته، واجب عليه تسليم ماله إليه، إذا كان عاقلاً بالغا، مصلحا لماله، غير مفسد¹ لأن المعنى الذي به يستحقّ أن يولي على ماله الذي هو في يده، هو المعنى الذي به يستحقّ أن يمنع يده من ماله الذي هو في يد وليّ، فإنه لا فرق بين ذلك. وفي إجماعهم على أنه غير جائز حيازة ما في يده في حال صحة عقله وإصلاح ما في يده، الدليلُ الواضح على أنه غير جائز منع يده مما هو له في مثل ذلك الحال، وإن كان قبل ذلك في يد غيره لا فرق بينهما. ومن فرق بين ذلك عكس عليه القول في ذلك، وسئل الفرق بينهما من أصل أو نظير، فلن يقول في أحدهما قولاً إلا ألزم في الاَخر مثله. فإن كان ما وصفنا من الجميع إجماعا، فبين أن الرشد الذي به يستحقّ اليتيم إذا بلغ فأونس منه دفع ماله إليه، ما قلنا من صحة عقله وإصلاح ماله.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ وَلا تَأكُلُوها إسْرَافا ﴾.
يعني بذلك تعالى ذكره :ولاة أموال اليتامى، يقول الله لهم :فإذا بلغ أيتامكم الحلم، فآنستم منهم عقلاً وإصلاحا لأموالهم، فادفعوا إليهم أموالهم، ولا تحبسوها عنهم.
وأما قوله : ﴿ وَلا تأْكُلُوها إسْرَافا ﴾ يعني :بغير ما أباحه الله لكم. كما :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة والحسن : ﴿ وَلا تأْكُلُوها إسْرَافا ﴾ يقول :لا تسرف فيها.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ وَلا تَأْكُلُوها إسْرَافا ﴾ قال :يسرف في الأكل.
وأصل الإسراف :تجاوز الحدّ المباح إلى ما لم يبح، وربما كان ذلك في الإفراط، وربما كان في التقصير، غير أنه إذا كان في الإفراط، فاللغة المستعملة فيه أن يقال :أسرف يُسرف إسرافا، وإذا كان كذلك في التقصير، فالكلام منه :سَرِفَ يَسْرَفُ سَرَفا، يقال :مررت بكم فسرفتكم، يراد منه :فسهوت عنكم وأخطأتكم، كما قال الشاعر :
أعْطَوْا هُنَيْدَةَ يَحْدُوها ثمَانِيَةٌ ***ما فِي عَطائِهِمْ مَنّ وَلا. سَرَفُ
يعني بقوله :ولا سرف :لا خطأ فيه، يراد به :أنهم يصيبون مواضع العطاء فلا يخطئونها.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وَبِدَارا أنْ يَكْبَرُوا ﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ وَبِدارا ﴾ ومبادرة¹ وهو مصدر من قول القائل :بادرت هذا الأمر مبادرة وبدارا. وإنما يعني بذلك جلّ ثناؤه :ولاة أموال اليتامى، يقول لهم :لا تأكلوا أموالهم إسرافا، يعني :ما أباح الله لكم أكله، ولا مبادرة منكم بلوغهم، وإيناس الرشد منهم حذرا أن يبلغوا فيلزمكم تسليمه إليهم. كما :
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو صالح، قال :ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ إسْرافا وَبِدَارا ﴾ يعني :أكل مال اليتيم مبادرا أن يبلغ فيحول بينه وبين ماله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة والحسن : ﴿ وَلا تَأْكُلُوها إسْرَافا وَبِدَارا ﴾ يقول :لا تسرف فيها، ولا تبادر.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ وَبِدَارا ﴾ تبادرا أن يكبروا، فيأخذوا أموالهم.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد في قوله : ﴿ إسْرَافا وَبِدَارا ﴾ قال :هذه لوليّ اليتيم خاصة، جعل له أن يأكل معه إذا لم يجد شيئا يضع يده معه، فيذهب بوجهه، يقول :لا أدفع إليه ماله، وجعلتَ تأكله تشتهي أكله، لأنك إن لم تدفعه إليه لك فيه نصيب، وإذا دفعته إليه فليس لك فيه نصيب.
وموضع «أن » في قوله : «أن يكبروا » نصبٌ بالمبادرة، لأن معنى الكلام :لا تأكلوها مبادرة كبرهم.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وَمَنْ كانَ غَنِيّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرا فَلْيَأْكُلْ بالمَعْرُوفِ ﴾.
يعني بقوله جلّ ثناؤه : ﴿ وَمَنْ كانَ غَنِيّا ﴾ من ولاة أموال اليتامى على أموالهم، ﴿ فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ بماله عن أكلها بغير الإسراف والبدار أن يكبروا، بما أباح الله له أكلها به. كما :
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا أبو أحمد، قال :حدثنا سفيان، عن الأعمش وابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَمَنْ كانَ غَنِيّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ قال :لغناه من ماله، حتى يستغني عن مال اليتيم.
وبه قال :حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم في قوله : ﴿ وَمَنْ كانَ غَنِيّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ بغناه.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال :حدثنا ابن علية، عن ليث، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَمَنْ كانَ غَنِيّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرا فَلْيَأْكُلْ بالمَعْرُوفِ ﴾ قال :من مال نفسه، ومن كان فقيرا منهم إليها محتاجا فليأكل بالمعروف.
قال أبو جعفر :ثم اختلف أهل التأويل في المعروف الذي أذن الله جلّ ثناؤه لولاة أموالهم أكلها به إذا كانوا أهل فقر وحاجة إليها، فقال بعضهم :ذلك هو القرض يستقرضه من ماله ثم يقضيه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا وكيع، عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرّب، قال :قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه :إني أنزلت مال الله تعالى مني بمنزلة مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت.
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا ابن عطية، عن زهير، عن العلاء بن المسيب، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَمَنْ كانَ فَقِيرا فَلْيَأْكُلْ بالمَعْرُوفِ ﴾ قال :هو القرض.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال :حدثنا المعتمر، قال :سمعت يونس، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، أنه قال في هذه الاَية : ﴿ وَمَنْ كانَ غَنيّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرا فَلْيَأْكُلْ بالمَعْرُوفِ ﴾ قال :الذي ينفق من مال اليتيم يكون عليه قرضا.
حدثني يعقوب ب
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَلِلنّسَآءِ نَصِيبٌ مّمّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمّا قَلّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مّفْرُوضاً ﴾.
يعني بذلك تعالى ذكره :للذكور من أولاد الرجل الميت حصة من ميراثه وللإناث منهم حصة منه، من قليل ما خلف بعده وكثيره حصة مفروضة واجبة معلومة مؤقتة. وذكر أن هذه الاَية نزلت من أجل أن أهل الجاهلية كانوا يورثون الذكور دون الإناث. كما :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة، قال :كانوا لايورثون النساء، فنزلت : ﴿ وَللنّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ ﴾.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قال :نزلت في أم كُحة وابنة كحة وثعلبة وأوس بن سويد، وهم من الأنصار، كان أحدهم زوجها، والاَخر عمّ ولدها، فقالت :يا رسول الله توفي زوجي وتركني وابنته، فلم نورّث، فقال عمّ ولدها :يا رسول الله لا تركب فرسا، ولا تحمل كلاّ، ولا تنكأ عدوّا يكسب عليها، ولا تكتسب. فنزلت : ﴿ للرّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأقْرَبُونَ وللنّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأقْرَبُونَ مِمّا قَلّ مِنْهُ أوْ كَثُرَ نَصِيبا مَفُرُوضا ﴾.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ للرِجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأقْرَبُونَ ﴾ قال :كان النساء لا يرثن في الجاهلية من الاَباء، وكان الكبير يرث ولا يرث الصغير وإن كان ذكرا، فقال الله تبارك وتعالى : ﴿ للرّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ﴾ إلى قوله : ﴿ نَصِيبا مَفرُوضا ﴾.
قال أبو جعفر :ونصب قوله : ﴿ نَصِيبا مَفْرُوضا ﴾ وهو نعت للنكرة لخروجه مخرج المصدر، كقول القائل :لك عليّ حقّ واجبا، ولو كان مكان قوله : ﴿ نَصِيبا مَفْرُوضا ﴾ اسم صحيح لم يجز نصبه، لا يقال :لك عندي حقّ درهما، فقوله : ﴿ نَصِيبا مَفُرُوضا ﴾ كقوله :نصيبا فريضة وفرضا، كما يقال :عندي درهم هبة مقبوضة.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مّعْرُوفاً ﴾.
قال أبو جعفر :اختلف أهل التأويل في حكم هذه الاَية، هل هو محكم، أو منسوخ ؟ فقال بعضهم :هو محكم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال محكمة، وليست منسوخة، يعني قوله : ﴿ وإذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُرْبَى ﴾. . . الاَية.
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا الأشجعي، عن سفيان، عن الشيباني، عن عكرمة عن ابن عباس، مثله.
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم والشعبي قالا :هي محكمة.
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال :واجب، ما طابت به أنفس أهل الميراث.
وحدثنا أبو كريب، قال :حدثنا الأشجعي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : ﴿ وَإذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُرْبَى وَاليَتامَى والمَساكِينُ ﴾ قال :هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم.
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا الأشجعي، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم والشعبي، قالا :هي محكمة ليست بمنسوخة.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا يحيى بن عبد الرحمن، عن سفيان، وثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال :هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال :حدثنا هشيم، قال :أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، أنه سئل عن قوله : ﴿ وَإذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُرْبَى واليَتامَى وَالَمساكِينُ فارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفا ﴾ فقال سعيد :هذه الاَية يتهاون بها الناس. قال :وهما وليان :أحدهما يرث والاَخر لا يرث، والذي يرث هو الذي أمر أن يرزقهم، قال :يعطيهم¹قال :والذي لا يرث هو الذي أمر أن يقول لهم قولاً معروفا. وهي محكمة وليست بمنسوخة.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال :حدثنا هشيم، قال :أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم بنحو ذلك، وقال :هي محكمة وليس بمنسوخة.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن مطرف، عن الحسن، قال :هي ثابتة، ولكن الناس بخلوا وشحّوا.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا هشيم، قال :أخبرنا منصور والحسن، قالا :هي محكمة وليست بمنسوخة.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا عباد بن العوّام، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال :هي قائمة يعمل بها.
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : ﴿ وإذا حَضَرَ الِقْسمَةَ أُولُوا القُرْبَى وَاليَتَامَى والمَساكِينُ فارْزُقُوهُمْ مِنْهُ ﴾ ما طابت به الأنفس حقا واجبا.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن الحسن والزهري، قالا في قوله : ﴿ وإذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُرْبَى واليَتامى والمَساكينُ فارْزُقُوهُمْ مِنهُ ﴾ قال :هي محكمة.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا هشيم، قال :أخبرنا منصور، عن قتادة، عن يحيى بن يعمر، قال :ثلاث آيات محكمات مدنيات تركهن الناس :هذه الاَية :وآية الاستئذان : ﴿ يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الّذِينَ مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ ﴾، وهذه الاَية : ﴿ يا أيّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذكَرٍ وأُنْثَى ﴾.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قال :كان الحسن يقول :هي ثابتة.
وقال آخرون :منسوخة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، قالا :حدثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد أنه قال في هذه الاَية : ﴿ وَإذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَساكِينُ ﴾ قال :كانت هذه الاَية قسمة قبل المواريث، فلما أنزل الله المواريث لأهلها جعلت الوصية لذوي القرابة الذين يحزنون ولا يرثون.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا عبد الرحمن، قال :حدثنا قرة بن خالد، عن قتادة، قال :سألت سعيد بن المسيب، عن هذه الاَية : ﴿ وإذَ احَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القرْبَى واليَتَامَى والمَساكِينُ ﴾ قال :هي منسوخة.
حدثنا بشر، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال :كانت هذه قبل الفرائض وقسمة الميراث، فلما كانت الفرائض والمواريث نسخت.
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن السديّ، عن أبي مالك، قال :نسختها آية الميراث.
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا الأشجعي، عن سفيان، عن السديّ، عن أبي مالك، مثله.
حدثنا محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :حدثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : ﴿ وإذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولوا القُرْبَى واليَتامى ﴾. . . الاَية، إلى قوله : ﴿ قَوْلاً مَعْرُوفا ﴾، وذلك قبل أن تنزل الفرائض، فأنزل الله تبارك وتعالى بعد ذلك الفرائض، فأعطى كلّ ذي حقّ حقه، فجعلت الصدقة فيما سمّى المتوفَى.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا هشيم، قال :أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قال :نسختها المواريث.
وقال آخرون :هي محكمة وليست بمنسوخة، غير أن معنى ذلك :وإذا حضر القسمة، يعني بها :قسمة الميت ماله بوصيته لمن كان يوصي له به. قالوا :وأمر بأن يجعل وصيته في ماله لمن سماه الله تعالى في هذه الاَية. ذكر من قال ذلك :
حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال :حدثنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد :أن عبد الله بن عبد الرحمن قسم ميراث أبيه وعائشة حية، فلم يدع في الدار أحدا إلا أعطاه. وتلا هذه الاَية : ﴿ وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولوا القُرْبَى وَاليَتامَى وَالمَساكِينُ فارْزُقُوهُمْ مِنْهُ ﴾ قال القاسم :فذكرت ذلك لابن عباس، فقال :ما أصاب إنما هذه الوصية. يريد الميت، أن يوصي لقرابته.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا ابن جريج، قال :أخبرني ابن أبي مليكة، أن القاسم بن محمد أخبره أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسم، فذكر نحوه.
حدثنا عمران بن موسى الصفار، قال :حدثنا عبد الوار ث بن سعيد، قال :حدثنا داود، عن سعيد بن المسيب في قوله : ﴿ وَإذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُرْبَى وَاليَتامَى وَالمَساكِينُ ﴾ قال :أمر أن يوصي بثلثه في قرابته.
حدثنا ابن المبارك، قال :حدثنا عبد الأعلى، قال :حدثنا داود، عن سعيد بن المسيب، قال :إنما ذلك عند الوصية في ثلثه.
حدثنا ابن المثنى، قال :حدثنا عبد الوهاب، قال :حدثنا داود، عن سعيد بن المسيب : ﴿ وَإذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولوا القرْبَى وَاليَتامَى وَالمَساكِينُ فارْزُقُوهُمْ مِنْهُ ﴾ قال :هي الوصية من الناس.
حدثنا يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ وَإذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القرْبَى وَاليَتامَى وَالمَساكِينُ ﴾ قال :القسمة :الوصية، كان الرجل إذا أوصى قالوا :فلان يقسم ماله، فقال :ارزقوهم منه، يقول :أوصوا لهم، يقول للذي يوصي : ﴿ وَقُولُوا لَهُمْ قَولاً مَعْرُوفا ﴾ فإن لم توصوا لهم، فقولوا لهم خيرا.
قال أبو جعفر :وأولى الأقوال في ذلك بالصحة قول من قال :هذه الاَية محكمة غير منسوخة، وإنما عنى بها :الوصية لأولي قربى الموصي، وعنى باليتامى والمساكين أن يقال لهم قول معروف.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة من غيره لما قد بينا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره، أن شيئا من أحكام الله تبارك وتعالى التي أثبتها في كتابه أو بينها على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم غير جائز فيه أن يقال له ناسخ لحكم آخر، أو منسوخ بحكم آخر، إلا والحكمان اللذان قضى لأحدهما بأنه ناسخ، والاَخر بأنه منسوخ ناف كل واحد منهما صاحبه، غير جائز اجتماع الحكم بهما في وقت واحد بوجه من الوجوه، وإن كان جائزا صرفه إلى غير النسخ، أو يقوم بأن أحدهما ناسخ والاَخر منسوخ، حجة يجب التسليم لها. وإذ كان ذلك كذلك لما قد دللنا في غير موضع، وكان قوله تعالى ذكره : ﴿ وَإذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولوا القُرْبَى وَاليَتامَى وَالمَساكِينُ فارْزُقُوهُمْ مِنْهُ ﴾ محتملاً أن يكون مرادا به :وإذا حضر قسمة مال قاسم ماله بوصية، أولو قرابته واليتامى والمساكين، فارزقوهم منه، يراد :فأوصوا لأولي قرابتكم الذين لا يرثونكم منه، وقولوا لليتامى والمساكين قولاً معروفا، كما قال في موضع آخر : ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرا الوَصِيّةُ للْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِين بالمَعْرُوفِ حَقّا على المُتّقِينَ ﴾ ولا يكون منسوخا بآية الميراث لم يكن لأحد صرفه إلى أنه منسوخ بآية الميراث، إذ كان لا دلالة على أنه منسوخ بها من كتاب أو سنة ثابتة، وهو محتمل من التأويل ما بينا. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل قوله : ﴿ وَإذَا حَضَرَ القِسْمَةَ ﴾ قسمة الموصي ماله بالوصية أولو قرابته واليتامى والمساكين، فارزقوهم منه، يقول :فاقسموا لهم منه بالوصية، يعني :فأوصوا لأولي القربى من أموالكم، وقولوا لهم، يعني الاَخرين وهم اليتامى والمساكين، قولاً معروفا، يعني :يدعى لهم بخير، كما قال ابن عباس وسائر من ذكرنا قوله قبل. وأما الذين قالوا :إن الاَية منسوخة بآية المواريث، والذين قالوا :هي محكمة والمأمور بها ورثة الميت، فإنهم وجهوا قوله : ﴿ وَإذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُرْبَى وَاليَتامَى وَالمَساكِينُ فارْزُقُوهُمْ مِنْهُ ﴾ يقول :فأعطوهم منه، وقولوا لهم قولاً معروفا. وقد ذكرنا بعض من قال ذلك، وسنذكر بقية من قال ذلك ممن لم نذكره.
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله : ﴿ وَإذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَساكِينُ ﴾ أمر الله جلّ ثناؤه المؤمنين عند قسمة مواريثهم أن يصلوا أرحامهم ويتاماهم من الوصية إن كان أوصى، وإن لم تكن وصية وصل إليهم من مواريثهم.
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : ﴿ وَإذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُرْبَى ﴾. . . الاَية، يعني :عند قسمة الميراث.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن هشام بن عروة :أن أباه أعطاه من ميراث المصعب حين قسم ماله.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا هشيم، قال :أخبرنا عوف، عن ا
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَلْيَخْشَ الّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتّقُواّ اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : ﴿ ولْيَخْشَ ﴾ :ليخف الذين يحضرون موصيا يوصي في ماله أن يأمره بتفريق ماله وصية به فيمن لا يرثه، ولكن ليأمره أن يبقي ماله لولده، كما لو كان هو الموصي، يسرّه أن يحثه من يحضره على حفظ ماله لولده، وأن لا يدعهم عالة مع ضعفهم وعجزهم عن التصرف والاحتيال. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ بن داود، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ وَلْيَخْشَ الّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيّةً ضِعافا خافُوا عَلَيْهِمْ ﴾. . . إلى آخر الاَية. فهذا في الرجل يحضره الموت فيسمعه يوصي بوصية تضرّ بورثته، فأمر الله سبحانه الذي يسمعه أن يتقي الله ويوفقه ويسدّده للصواب، ولينظر لورثته كما كان يحب أن يصنع لورثته إذا خشي عليهم الضيعة.
حدثنا عليّ، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ وَلْيَخْشَ الّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيّةً ضِعافا خافُوا عَلَيْهِمْ ﴾ يعني :الذي يحضره الموت، فيقال له :تصدّق من مالك، وأعتق، وأعط منه في سبيل الله، فنهوا أن يأمروه بذلك. يعني :أن من حضر منكم مريضا عند الموت، فلا يأمره أن ينفق ماله في العتق أو الصدقة أو في سبيل الله، ولكن يأمره أن يبين ماله، وما عليه من دين، ويوصي في ماله لذوي قرابته الذين لا يرثون، ويوصي لهم بالخمس أو الربع. يقول :أليس يكره أحدكم إذا مات وله ولد ضعاف يعني صغار أن يتركهم بغير مال، فيكونوا عيالاً على الناس ؟ فلا ينبغي أن تأمروه بما لا ترضون به لأنفسكم ولا أولادكم ولكن قولوا الحقّ من ذلك.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ وَلْيَخْشَ الّذِينَ لَوْ تَركُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيّةً ضِعافا ﴾ قال :يقول :من حضر ميتا فليأمره بالعدل والإحسان، ولينهه عن الحيف والجور في وصيته، وليخش على عياله ما كان خائفا على عياله لو نزل به الموت.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله : ﴿ ولِيخْشَى الّذِينَ لَوْ تَركُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيّةً ضِعافا ﴾ قال :إذا حضر ت وصية ميت، فمره بما كنت آمرا نفسك بما تتقرّب به إلى الله، وخف في ذلك ما كنت خائفا على ضعفتك لو تركتهم بعدك. يقول :فاتق الله وقل قولاً سديدا، إنْ هو زاغ.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن المفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ ولْيَخْشَ الّذِينَ لَوْ تَركُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيةً ضِعافا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتّقُوا اللّهَ وليْقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا ﴾ الرجل يحضره الموت، فيحضره القوم عند الوصية، فلا ينبغي لهم أن يقولوا له :أوص بمالك كله وقدم لنفسك، فإن الله سيرزق عيالك، ولا يتركوه يوصي بماله كله، يقول للذين حضروا : ﴿ ولْيَخْش الّذِينَ لَوْ تَركُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيّةً ضِعافا خافُوا عَلَيْهِمْ ﴾ فيقول كما يخاف أحدكم على عياله لو مات إذ يتركهم صغارا ضعافا لا شيء لهم الضيعة بعده، فليخف ذلك على عيال أخيه المسلم، فيقول له القول السديد.
حدثنا محمد بن بشار، قال :حدثنا عبد الرحمن، قال :حدثنا سفيان، عن حبيب، قال :ذهبت أنا والحكم بن عيينة إلى سعيد بن جبير، فسألناه عن قوله : ﴿ ولْيَخْش الّذِين لَوْ تَركُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيّةً ضِعافا ﴾. . . الاَية، قال :قال الرجل يحضره الموت، فيقول له من يحضره :اتق الله، صلهم، أعطهم، برّهم، ولو كانوا هم الذين يأمرهم بالوصية لأحبوا أن يبقوا لأولاهم.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير في قوله : ﴿ ولْيَخْش الّذِين لَوْ تَركُوا مِنْ خَلْفِهمْ ذُرّيّةً ضِعافا ﴾ قال :يحرضهم اليتامى فيقولون :اتق الله وصلهم وأعطهم، فلو كانوا هم لأحبوا أن يبقوا لأولادهم.
حدثني يحيى بن أبي طالب، قال :أخبرنا يزيد، قال :أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله : ﴿ وَلْيَخْشَ الّذِينَ لَوَ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيّةً ضِعافا ﴾. . . الاَية، يقول :إذا حضر أحدكم من حضره الموت عند وصيته، فلا يقل :أعتق من مالك وتصدّق، فيفرّق ماله ويدع أهله عُيّلاً، ولكن مروه فليكتب ماله من دين وما عليه، ويجعل من ماله لذوي قرابته خمس ماله، ويدع سائره لورثته.
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، قال :حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : ﴿ وَلْيَخْشَ الّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيّةً ضِعافا خافُوا عَلَيْهِمْ ﴾. . . الاَية. قال :هذا يفرق المال حين يقسم، فيقول الذين يحضرون :أقللت زد فلانا ! فيقول الله تعالى : ﴿ وَلْيَخْشَ الّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ فليخش أولئك وليقولوا فيهم مثل ما يحبّ أحدهم أن يقال في ولده بالعدل إذا أكثر :أبق على ولدك.
وقال آخرون :بل معنى ذلك :وليخش الذين يحضرون الموصي وهو يوصي، الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا فخافوا عليهم الضيعة من ضعفهم وطفولتهم، أن ينهوه عن الوصية لأقربائه، وأن يأمره بإمساك ماله والتحفظ به لولده، وهم لو كانوا من أقرباء الموصي لسرّهم أن يوصي لهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال :حدثنا عبد الرحمن، قال :حدثنا سفيان، عن حبيب، قال :ذهبت أنا والحكم بن عيينة، فأتينا مقسما، فسألناه، يعني عن قوله : ﴿ وَلْيَخْشَ الّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيّةً ضِعافا ﴾. . . الاَية، فقال :ما قال سعيد بن جبير ؟ فقلنا :كذا وكذا. فقال :ولكنه الرجل يحضره الموت، فيقول له من يحضره :اتق الله وأمسك عليك مالك، فليس أحد أحقّ بمالك من ولدك ! ولو كان الذي يوصي ذا قرابة لهم، لأحبوا أن يوصي لهم.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت قال :قال مقسم :هم الذين يقولون :اتق الله وأمسك عليك مالك، فلو كان ذا قرابة لهم لأحبوا أن يوصي لهم.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال :حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال :زعم حضرميّ، وقرأ : ﴿ وَلْيَخْشَ الّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيّةً ضِعافا ﴾ قال :قالوا حقيق أن يأمر صاحب الوصية بالوصية لأهلها، كما أن لو كانت ذرّية نفسه بتلك المنزلة لأحبّ أن يوصي لهم، وإن كان هو الوارث فلا يمنعه ذلك أن يأمره بالذي يحقّ عليه، فإن ولده لو كانوا بتلك المنزلة أحبّ أن يحثّ عليه، فليتق الله هو، فليأمره بالوصية وإن كان هو الوارث، أو نحوا من ذلك.
وقال آخرون :بل معنى ذلك أمر من الله ولاة اليتامى أن يلوهم بالإحسان إليهم في أنفسهم وأموالهم، ولا يأكلوا أموالهم إسرافا وبدارا أن يكبروا، وأن يكونوا لهم كما يحبون أن يكون ولاة ولده الصغار بعدهم لهم بالإحسان إليهم لو كانوا هم الذين ماتوا وتركوا أولادهم يتامى صغارا. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : ﴿ وَلْيَخْشَ الّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيّةً ضِعافا خافُوا عَلَيْهِمْ ﴾ يعني بذلك :الرجل يموت وله أولاد صغار ضعاف يخاف عليهم العيلة والضيعة، ويخاف بعده أن لا يحسن إليه من يليهم، يقول :فإن ولي مثل ذريته ضعافا يتامى، فليحسن إليهم، ولا يأكل أموالهم إسرافا وبدارا خشية أن يكبروا، فليتقوا الله، وليقولوا قولاً سديدا.
وقال آخرون :معنى ذلك :وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم، فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديدا، يكفيهم الله أمر ذرّيتهم بعدهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا إبراهيم بن عطية بن دريج بن عطية، قال :ثني عمي محمد بن دريج، عن أبيه، عن الشيباني، قال :كنا بالقسطنطينية أيام مسلمة بن عبد الملك، وفينا ابن محيريز وابن الديلمي وهانىء بن كلثوم، قال :فجعلنا نتذاكر ما يكون في آخر الزمان، قال :فضقت ذرعا بما سمعت، قال :فقلت لابن الديلمي :يا أبا بشر بودّي أنه لا يولد لي ولد أبدا ! قال :فضرب بيده على منكبي وقال :يا ابن أخي لا تفعل، فإنه ليست من نسمة كتب الله لها أن تخرج من صلب رجل، إلا وهي خارجة إن شاء وإن أبى. قال :ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجاك الله منه، وإن تركت ولدك من بعدك حفظهم الله فيك ؟ قال :قلت بلى، قال :فتلا عند ذلك هذه الاَية : ﴿ وَلْيَخْشَ الّذِينَ لَوْ تَركُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرْيّةً ضِعافا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا ﴾.
قال أبو جعفر :وأولى التأويلات بالاَية قول من قال :تأويل ذلك :وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم العيلة لو كانوا فرّقوا أمولهم في حياتهم، أو قسموها وصية منهم بها لأولي قرابتهم وأهل اليتم والمسكنة، فأبقوا أموالهم لولدهم خشية العيلة عليهم بعدهم مع ضعفهم وعجزهم عن المطالب، فليأمروا من حضروه، وهو يوصي لذوي قرابته وفي اليتامى والمساكين وفي غير ذلك بماله بالعدل، وليتقوا الله، وليقولوا قولاً سديدا، وهو أن يعرّفوه ما أباح الله له من الوصية وما اختاره المؤمنون من أهل الإيمان بالله وبكتابه وسنته.
وإنما قلنا ذلك بتأويل الاَية أولى من غيره من التأويلات لما قد ذكرنا فيما مضى قبل، من أن معنى قوله : ﴿ وَإذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُرْبَى وَاليَتامَى وَالمَساكِينْ فارْزُقوهُمْ منه وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفا ﴾ وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فأوصوا لهم، بما قد دللنا عليه من الأدلة. فإذا كان ذلك تأويل قوله : ﴿ وَإذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُرْبَى وَاليَتَامى وَالمَساكِينُ ﴾. . . الاَية، فالواجب أن يكون قوله تعالى ذكره : ﴿ وَلْيَخْشَ الّذِينَ لَوْ تَركُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ تأديبا منه عباده في أمر الوصية بما أذنهم فيه، إذ كان ذلك عقيب الاَية التي قبلها في حكم الوصية، وكان أظهر معانيه ما قلنا، فإلحاق حكمه بحكم ما قبله أولى مع اشتباه معانيهما من صرف حكمه إلى غيره بما هو له غير مشبه.
وبمعنى ما قلنا في تأويل قوله : ﴿ ولْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا ﴾ قال من ذكرنا قوله في مبتدأ تأويل هذه الاَية، وبه كان ابن زيد يقول.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ ولْيَخْش الّذِينَ لَوْ تَركُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرْيّةً ضِعافا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتّقُوا اللّهَ ولْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا ﴾ قال :يقول قولاً سديدا، يذكر هذا المس
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ إِنّ الّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىَ ظُلْماً إِنّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه : ﴿ إنّ الّذِينَ يأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْما ﴾ يقول :بغير حقّ، ﴿ إنمَا يأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارا ﴾ يوم القيامة، بأكلهم أموال اليتامى ظلما في الدنيا، نارَ جهنم. ﴿ وسَيَصْلَوْنَ ﴾ بأكلهم ﴿ سَعِيرا ﴾. كما :
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ إنّ الّذِينَ يأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْما إنّمَا يأْكُلُونَ في بُطُونهِمْ نارا ﴾ قال :إذا قام الرجل يأكل مال اليتيم ظلما، يبعث يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه ومن أذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه من رآه بأكل مال اليتيم.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، قال :أخبرني أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال :حدثنا النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ليلة أُسْرِيَ به، قال : «نَظَرْتُ فإذا أنا بِقَوْمٍ لَهُمْ مَشافِرُ كمَشافِرِ الإبِلِ وقَدْ وُكّلِ بِهِمْ مِنْ يأْخُذُ بِمَشافِرِهِمْ، ثُمّ يجْعَل فِي أفْواهِهِمْ صخْرا مِنْ نارٍ يخْرُجُ مِنْ أسافِلِهِمْ، قُلْتُ :يا جِبرِيلُ مَنْ هَؤُلاءِ ؟ قال :هَؤُلاءِ الّذِينَ يأْكُلُونَ أمْوال اليَتامى ظُلْما إنّمَا يأْكَلُونَ في بُطُونِهمْ نارا ».
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ إنّ الّذِينَ يأْكُلُون أمْوالَ اليَتَامى ظُلْما إنّمَا يأْكُلُون في بُطُونِهِمْ نارا وَسَيصْلَوْنَ سَعِيرا ﴾ قال :قال أبي :إن هذه لأهل الشرك حين كانوا لايورثونهم ويأكلون أموالهم.
وأما قوله : ﴿ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرا ﴾ فإنه مأخوذ من الصّلا، والصّلا :الاصطلاء بالنار، وذلك التسخن بها، كما قال الفرزذق :
وَقاتَلَ كَلْبُ الحَيّ عَنْ نارِ أهْلِهِ ***لِيَرْبِضَ فِيها وَالصّلا مُتَكَنّفُ
وكما قال العجاج :
*** وَصَالِيَانِ للِصّلاَ صُلِيّ ***
ثم استعمل ذلك في كل من باشر بيده أمرا من الأمور، من حرب أو قتال أو خصومة أو غير ذلك، كما قال الشاعر :
لَمْ أكُنْ مِنْ جُناتِها عَلِمَ اللّ ***هُ وإنّي بحَرّها اليَوْمَ صَالِي
فجعل ما باشر من شدّة الحرب وإجراء القتال، بمنزلة مباشرة أذى النار وحرّها.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والعراق : ﴿ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرا ﴾ بفتح الياء على التأويل الذي قلنا. وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض الكوفيين : ﴿ وَسَيُصْلَوْنَ سَعِيرا ﴾ بضم الياء، بمعنى يحرقون من قولهم :شاة مَصْلِيّة، يعني :مشوية.
قال أبو جعفر :والفتح بذلك أولى من الضمّ لإجماع جميع القرّاء على فتح الياء في قوله : ﴿ لا يَصْلاها إلاّ الأشْقَى ﴾ ولدلالة قوله : ﴿ إلاّ مَنْ هُوَ صالِ الجَحِيمِ ﴾ على أن الفتح بها أولى من الضم. وأما السعير :فإنه شدة حرّ جهنم، ومنه قيل :استعرت الحرب :إذا اشتدت، وإنما هو مسعور، ثم صرف إلى سعير، قيل :كف خضيب، ولحية دهين، وإنما هي مخضوبة صرفت إلى فعيل.
فتأويل الكلام إذًا :وسيصلون نارا مسعرة :أي موقودة مشعلة، شديدا حرّها.
وإنما قلنا إن ذلك كذلك، لأن الله جلّ ثناؤه قال : ﴿ وَإذَا الجَحِيمُ سُعّرَتْ ﴾ فوصفها بأنها مسعورة، ثم أخبر جلّ ثناؤه أن إكلة أموال اليتامى يصلونها، وهي كذلك، فالسعير إذًا في هذا الموضع صفة للجحيم على ما وصفنا.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ فِيَ أَوْلاَدِكُمْ لِلذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الاُنْثَيَيْنِ فَإِن كُنّ نِسَآءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النّصْفُ وَلأبَوَيْهِ لِكُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا السّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لّمْ يَكُنْ لّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلاُمّهِ الثّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلاُمّهِ السّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مّنَ اللّهِ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ ﴾ :بعهد الله إليكم، ﴿ فِي أوْلاَدِكُمْ للذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ يقول يعهد إليكم ربكم إذا مات الميت منكم، وخلف أولادا ذكورا وإناثا، فلولده الذكور والإناث ميراثه أجمع بينهم، للذكر منهم مثل حظّ الأنثيين، إذا لم يكن له وارث غيرهم، سواء فيه صغار ولده وكبارهم وإناثهم في أن جميع ذلك بينهم للذكر مثل حظّ الأنثيين ورفع قوله : «مثل »، بالصفة، وهي اللام التي في قوله : ﴿ للذّكَرِ ﴾ ولم ينصب بقوله : ﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ ﴾ لأن الوصية في هذا الموضع عهد وإعلام بمعنى القول، والقول لا يقع على الأسماء المخبر عنها، فكأنه قيل :يقول الله تعالى ذكره :لكم في أولادكم للذكر منهم مثل حظّ الأنثيين. وقد ذكر أن هذه الاَية نزلت على النبيّ صلى الله عليه وسلم تبيينا من الله الواجب من الحكم في ميراث من مات وخلف ورثة على ما بيّن، لأن أهل الجاهلية كانوا لا يقسمون من ميراث الميت لأحد من ورثته بعده ممن كان لا يلاقي العدوّ ولا يقاتل في الحروب من صغار ولده، ولا للنساء منهم، وكانو يخصون بذلك المقاتلة دون الذرية، فأخبر الله جلّ ثناؤه أن ما خلفه الميت بين من سمى وفرض له ميراثا في هذه الاَية وفي آخر هذه السورة، فقال في صغار ولد الميت وكبارهم وإناثهم :لهم ميراث أبيهم إذا لم يكن له وارث غيرهم، للذكر مثل حظّ الأنثيين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ في أوْلادِكُمْ للذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ كان أهل الجاهلية لا يورّثون الجواري، ولا الصغار من الغلمان، لا يرث الرجلَ من ولده إلا من أطاق القتال. فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر، وترك امرأة يقال لها أم كُحة وترك خمس أخوت، فجاءت الورثة يأخذون ماله، فشكت أم كحة ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الاَية : ﴿ فإنْ كُنّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنّ ثُلُثا ما تَركَ وإنْ كانَتْ واحِدةً فَلَها النّصْفُ ﴾ ثم قال في أم كحة : ﴿ ولهُنّ الرّبعُ مِمّا تَركْتُمْ إنْ لمْ يَكنْ لَكُمْ ولَدٌ فإنْ كان لَكُمْ ولَدٌ فلَهُنّ الثمنٌ ﴾.
حدثنا محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : ﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ في أوْلادِكُمْ للذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ وذلك أنه لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين كرهها الناس أو بعضهم، وقالوا :تعطى المرأة الربع والثمن، وتعطى الابنة النصف، ويعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم ولا يحوز الغنيمة ! اسكتوا عن هذا الحديث، لعلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينساه، أو نقول له فيغيره ! فقال بعضهم :يا رسول الله، أنعطي الجارية نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفرس، ولا تقاتل القوم، ونعطي الصبيّ الميراث، وليس يغني شيئا ؟ وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، لا يعطون الميراث إلا من قاتل، ويعطونه الأكبر فالأكبر.
وقال آخرون :بل نزل ذلك من أجل أن المال كان للولد قبل نزوله، وللوالدين الوصية، فنسخ الله تبارك وتعالى ذلك بهذه الاَية. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أو عطاء، عن ابن عباس في قوله : ﴿ يُوصِيكمُ اللّهُ في أوْلادِكُمْ ﴾ قال :كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله من ذلك ما أحبّ، فجعل للذكر مثل حظّ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس مع الولد، وللزوج الشطر والربع، وللزوجة الربع والثمن.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ في أوْلادِكُمْ للذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ قال :كان ابن عباس يقول :كان المال وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسح الله تبارك وتعالى من ذلك ما أحبّ، فجعل للذكر مثل حظّ الأنثيين، ثم ذكر نحوه.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس مثله. ورُوي عن جابر بن عبد الله ما :
حدثنا به محمد بن المثنى، قال :حدثنا وهب بن جرير، قال :حدثنا شعبة، عن محمد بن المنكدر، قال :سمعت جابر بن عبد الله، قال :دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض، فتوضأ ونضح عليّ من وَضوئه فأفقت، فقلت :يا رسول الله إنما يرثني كلالةٌ، فكيف بالميراث ؟ فنزلت آية الفرائض.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، قال :ثني محمد بن المنكدر عن جابر، قال :عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه في بني سملة يمشيان، فوجداني لا أعقل، فدعا بوضوء فتوضأ، ثم رشّ عليّ فأفقت، فقلت :يا رسول الله كيف أصنع في مالي ؟ فنزلت ﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ في أوْلادِكمْ ﴾. . . الاَية.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ فإنْ كُنّ نِساءً فَوْق اثْنَتَيْنِ فَلَهُنّ ثُلثا ما تَركَ ﴾.
يعني بقوله : ﴿ فإنْ كُنّ ﴾ فإن كان المتروكات نساء فوق اثنتين. ويعني بقول نِساء :بنات الميت فوق اثنتين، يقول :أكثر في العدد من اثنتين. ﴿ فَلهُنّ ثُلُثا ما تَرَكَ ﴾ يقول :فلبناته الثلثان مما ترك بعده من ميراثه دون سائر ورثته إذا لم يكن الميت خلف ولدا ذكرا معهن.
واختلف أهل العربية في المعنيّ بقوله : ﴿ فإنْ كُنّ نِساءً ﴾ فقال بعض نحويي البصرة بنحو الذي قلنا :فإن كان المتروكات نساء، وهو أيضا قول بعض نحويي الكوفة.
وقال آخرون منهم :بل معنى ذلك :فإن كان الأولاد نساء. وقال :إنما ذكر الله الأولاد، فقال : ﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ في أوْلادِكُمْ ﴾ ثم قسم الوصية، فقال : ﴿ فإنْ كُنّ نِساءً ﴾ وإن كان الأولاد واحدة ترجمة منه بذلك عن الأولاد.
قال أبو جعفر :والقول الأوّل الذي حكيناه عمن حكيناه عنه من البصريين أولى بالصواب في ذلك عندي، لأن قوله : «وإن كنّ »، لو كان معنيا به الأولاد، لقيل :وإن كانوا، لأن الأولاد تجمع الذكور والإناث، وإذا كان كذلك، فإنما يقال :كانوا لا كنّ.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وإنْ كانَتْ واحِدةً فَلَها النّصْفُ ولأبَويْهِ لِكُلّ واحِدٍ مِنْهُما السّدُسُ مِمّا تَرك إنْ كان لَهُ وَلَدٌ ﴾.
يعني بقوله :وإن كانت المتروكة ابنة واحدة، فلها النصف، يقول :فلتلك الواحدة نصف ما ترك الميت من ميراثه إذا لم يكن معها غيرها من ولد الميت ذكر ولا أنثى.
فإن قال قائل :فهذا فرض الواحدة من النساء، وما فوق الاثنتين، فأين فريضة الاثنتين ؟ قيل :فريضتهم بالسنة المنقولة نقل الوراثة التي لا يجوز فيها الشكّ. وأما قوله : ﴿ وَلأَبَوَيْهِ ﴾ فإنه يعني :ولأبوي الميت لكل واحد منهما السدس من تركته وما خلف من ماله سواء فيه الوالدة والوالد، لا يزداد واحد منهما على السدس إن كان له ولد ذكرا كان الولد أو أنثى، واحدا كان أو جماعة.
فإن قال قائل :فإذ كان كذلك التأويل، فقد يجب أن لا يزاد الوالد مع الابنة الواحدة على السدس من ميراثه عن ولده الميت، وذلك إن قلته قول خلاف لما عليه الأمة مجمعون من تصييرهم باقي تركة الميت مع الابنة الواحدة بعد أخذها نصيبها منها لوالده أجمع ؟ قيل :ليس الأمر في ذلك كالذي ظننت، وإنما لكلّ واحد من أبوي الميت السدس من تركته مع ولده ذكرا كان الولد أو أنثى، واحدا كان أو جماعة، فريضة من الله له مسماة، فإن زيد على ذلك من بقية النصف مع الابنة الواحدة إذا لم يكن غيره وغير ابنة للميت واحدة فإنما زيدها ثانيا لقرب عصبة الميت إليه، إذ كان حكم كل ما أبقته سهام الفرائض، فلأولي عصبة الميت وأقربهم إليه بحكم ذلك لها على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الأب أقرب عصبة ابنة وأولاها به إذا لم يكن لابنه الميت ابن.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ فإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أبَوَاهُ فلأُمّهِ الثّلُثُ ﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ فإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ﴾ :فإن لم يكن للميت ولد ذكر ولا أنثى، وورثه أبواه دون غيرهما من ولد وارث¹ ﴿ فلاّمّهِ الثّلُثُ ﴾ يقول :فلأمه من تركته وما خلف بعده ثلث جميع ذلك.
فإن قال قائل :فمن الذي له الثلثان الاَخران ؟ قيل له الأب. فإن قال قائل :بماذا ؟ قلت :بأنه أقرب أهل الميت إليه، ولذلك ترك ذكر تسمية من له الثلثان الباقيان، إذ كان قد بين على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم لعباده أن كل ميت فأقرب عصبته به أولى بميراثه بعد إعطاء ذوي السهام المفروضة سهامهم من ميراثه. وهذه العلة هي العلة التي من أجلها سمى للأم ما سمى لها، إذا لم يكن الميت خلف وارثا غير أبويه، لأن الأم ليست بعصبة في حال للميت، فبين الله جلّ ثناؤه لعباده ما فرض لها من ميراث ولدها الميت، وترك ذكر من له الثلثان الباقيان منه معها، إذ كان قد عرّفهم في جملة بيانه لهم من له بقايا تركة الأموال بعد أخذ أهل السهام سهامهم وفرائضهم، وكان بيانه ذلك معينا لهم على تكرير حكمه مع كل من قسم له حقا من ميراث ميت وسمّى له منه سهما.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ فإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فلأُمّهِ السّدُسُ ﴾.
إن قال قائل :وما المعنى الذي من أجله ذكر حكم الأبوين مع الإخوة، وترك ذكر حكمهما مع الأخ الواحد ؟ قلت :اختلاف حكمهما مع الإخوة الجماعة والأخ الواحد، فكان في إبانة الله جلّ ثناؤه لعباده حكمهما فيما يرثان من ولدهما الميت مع إخوته غنى، وكفاية عن أن حكمهما فيما ورثا منه غير متغير عما كان لهما، ولا أخ للميت، ولا وارث غيرهما، إذ كان معلوما عندهم أن كل مستحقّ حقا بقضاء الله ذلك له، لا ينتقل حقه الذي قضى به له ربه جلّ ثناؤه، عما قضى به له إلى غيره، إلا بنقل الله ذلك عنه إلى من نقله إليه من خلقه، فكان في فرضه تعالى ذكره للأم ما فرض، إذا لم يكن لولدها الميت وارث غيرها وغير والده، لوائح الدلالة الواضحة للخلق أن ذلك المفروض هو ثلث مال ولدها الميت حقّ لها واجب، حتى يغير ذلك الفرض من فرض لها، فلما غير تعالى ذكره ما فرض لها من ذلك مع الإخوة الجماعة وترك تغييره مع الأخ الواحد، علم ب
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لّمْ يَكُنْ لّهُنّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنّ الرّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِن لّمْ يَكُنْ لّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنّ الثّمُنُ مِمّا تَرَكْتُم مّن بَعْدِ وَصِيّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا السّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي الثّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيّةٍ يُوصَىَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرّ وَصِيّةً مّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه :ولكم أيها الناس نصف ما ترك أزواجكم بعد وفاتهن من مال وميراث إن لم يكن لهنّ ولد يوم يحدث لهنّ الموت لا ذكر ولا أنثى. ﴿ فإنْ كَانَ لهُنّ وَلَدٌ ﴾ أي فإن كان لأزواجكم يوم يحدث لهنّ الموت ولد ذكر أو أنثى، فلكم الربع مما تركن من مال وميراث، ميراثا لكم عنهنّ، ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيّةٍ يُوصِينَ بها أو دَيْنٍ ﴾ يقول :ذلكم لكم ميراثا عنهنّ مما يبقى من تركاتهنّ وأموالهنّ من بعد قضاء ديونهنّ التي يمتن وهي عليهن، ومن بعد إنفاذ وصاياهنّ الجائزة إن كنّ أوصين بها.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ ولهُنّ الرّبُعُ مِمّا تَركْتُمْ إنْ لمْ يَكُنْ لَكُمْ ولَدٌ فإنْ كانَ لَكُمْ ولَدٌ فَلَهُنّ الثّمُنُ مِمّا تَركْتُمْ مِنْ بَعْدِ وِصّيةٍ تُوصُون بِها أوْ ديْنٍ ﴾ :
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ ولهُنّ الرّبُعُ مِمّا تَركْتُمْ إنْ لمْ يَكُنْ لَكُمْ ولَدٌ ﴾ :ولأزواجكم أيها الناس ربع ما تركتم بعد وفاتكم من مال وميراث إن حدث بأحدكم حدث الوفاة ولا ولد له ذكر ولا أنثى. ﴿ فإنْ كانَ لَكُمْ ولَدٌ ﴾ يقول :فإن حدث بأحدكم حدث الموت وله ولد ذكر أو أنثى، واحدا كان الولد أو جماعة، ﴿ فَلَهُنّ الثّمُنُ مِمّا تَركْتُمْ ﴾ يقول :فلأزواجكم حينئذ من أموالكم وتركتكم التي تخلفونها بعد وفاتكم الثمن من بعد قضاء ديونكم التي حدث بكم حدث الوفاة وهي عليكم، ومن بعد إنفاذ وصاياكم الجائزة التي توصون بها. وإنما قيل : ﴿ مِنْ بَعْدِ وِصّيةٍ تُوصُون بِها أوْ ديْنٍ ﴾ فقدّم ذكر الوصية على ذكر الدين، لأن معنى الكلام :إن الذي فرضت لمن فرضت له منكم في هذه الاَيات إنما هو له من بعد إخراج أيّ هذين كان في مال الميت منكم، من وصية أو دين. فلذلك كان سواء تقديم ذكر الوصية قبل ذكر الدين، وتقديم ذكر الدين قبل ذكر الوصية، لأنه لم يرد من معنى ذلك إخراج أحد الشيئين :الدين والوصية من ماله، فيكون ذكر الدين أولى أن يبدأ به من ذكر الوصية.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وإنْ كان رجُلٌ يُورثُ كَلالَةً أوِ امْرأةٌ ﴾.
يعني بذلك جل ثناؤه :وإن كان رجل أو امرأة يورث كلالة.
ثم اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأ ذلك عامة قراء أهل الإسلام : ﴿ وإنْ كان رجُلٌ يُورثُ كَلالَةً ﴾ يعني :وإن كان رجل يورَث متكلل النسب. فالكلالة على هذا القول مصدر من قولهم :تكلله النسب تكللاً وكلالة، بمعنى :تعطف عليه النسب. وقرأه بعضهم : «وإنْ كان رجُلٌ يُورثُ كَلالَةً » بمعنى :وإن كان رجل يورث من يتكلله، بمعنى :من يتعطف عليه بنسبه من أخ أو أخت.
واختلف أهل التأويل في الكلالة، فقال بعضهم :هي ما خلا الوالد والولد. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الوليد بن شجاع السكوني، قال :ثني عليّ بن مسهر، عن عاصم، عن الشعبي، قال :قال أبو بكر رضي الله عنه :إني قد رأيت في الكلالة رأيا، فإن كان صوابا فمن الله وحده لا شريك له، وإن يكن خطأً فمني والشيطان، والله منه بريءٌ¹ إنّ الكلالة ما خلا الولد والوالد. فلما استخلف عمر رضي الله عنه، قال :إني لأستحيي من الله تبارك وتعالى أن أخالف أبا بكر في رأي رآه.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال :حدثنا هشيم، قال :أخبرنا عاصم الأحول، قال :حدثنا الشعبي :أن أبا بكر رضي الله عنه، قال في الكلالة :أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله :هو ما دون الولد والوالد. قال :فلما كان عمر رضي الله عنه، قال :إني لأستحيي من الله أن أخالف أبا بكر.
حدثنا أبو بشر بن عبد الأعلى، قال :أخبرنا سفيان، عن عاصم الأحول، عن الشعبي :أن أبا بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما قالا :الكلالة من لا ولد له ولا والد.
حدثنا ابن وكيع، قال :ثني أبي، عن عمران بن حدير، عن السميط، قال :كان عمر رجلاً أيسر، فخرج يوما وهو يقول بيده هكذا، يديرها، إلا أنه قال :أتى عليّ حينٌ ولست أدري ما الكلالة، ألا وإن الكلالة :ما خلا الولد والوالد.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن عامر، عن أبي بكر، قال :الكلالة ما خلا الولد والوالد.
حدثني يونس، قال :أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد، عن ابن عباس، قال :الكلالة من لا ولد له ولا والد.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :سمعت ابن جريج يحدّث عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد، عن ابن عباس، قال :الكلالة من لا ولد له ولا والد.
حدثنا محمد بن بشار، قال :حدثنا مؤمل، قال :حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد ابن الحنفية، عن ابن عباس، قال :الكلالة :ما خلا الولد والوالد.
حدثنا ابن بشار وابن وكيع، قالا :حدثنا عبد الرحمن، قال :حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سليم بن عبد، عن ابن عباس، بمثله.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سليم بن عبد السلولي، عن ابن عباس، قال :الكلالة :ما خلا الولد والوالد.
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ وإنْ كان رجُلٌ يُورثُ كَلالَةً أوِ امْرأةٌ ﴾ قال :الكلالة :من لم يترك ولدا ولا والدا.
حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال :حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سليم بن عبد، قال :ما رأيتهم إلا قد اتفقوا أن ما مات ولم يدع ولدا ولا والدا أنه كلالة.
حدثنا تميم بن المنتصر، قال :حدثنا إسحاق بن يوسف، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن سليم بن عبد، قال :ما رأيتهم إلا قد أجمعوا أن الكلالة :الذي ليس له ولد ولا والد.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا عبد الرحمن، قال :حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن سليم بن عبد، قال :الكلالة :ما خلا الولد والوالد.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن أبي إسحاق، عن سليم بن عبد، قال :أدركتهم وهم يقولون :إذا لم يدع الرجل ولدا ولا والدا وُرِثَ كلالة.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد بن زريع، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ وإنْ كان رجُلٌ يُورثُ كَلالَةً أوِ امْرأةٌ ﴾ والكلالة :الذي لا ولد له ولا والد، لا أب ولا جدّ ولا ابن ولا ابنة، فهولاء الإخوة من الأم.
حدثني محمد بن المثنى، قال :حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، قال في الكلالة :ما دون الولد والوالد.
حدثنا يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد :الكلالة كل من لا يرثه والد ولا ولد، وكل من لا ولد له ولا والد فهو يورث كلالة من رجالهم ونسائهم.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة والزهري وأبي إسحاق، قال :الكلالة :من ليس له ولد ولا والد.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا محمد بن محمد، عن معمر، عن الزهري وقتادة وأبي إسحاق، مثله.
وقال آخرون :الكلالة :ما دون الولد. وهذا قول عن ابن عباس، وهو الخبر الذي ذكرناه قبل من رواية طاوس عنه أنه ورث الإخوة من الأم السدس مع الأبوين.
وقال آخرون :الكلالة :ما خلا الوالد. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن المثنى، قال :حدثنا سهل بن يوسف، عن شعبة، قال :سألت الحكم عن الكلالة ؟ قال :فهو ما دون الأب.
واختلف أهل العربية في الناصب للكلالة¹ فقال بعض البصريين :إن شئت نصبت كلالة على خبر كان، وجعلت «يورث » من صفة الرجل، وإن شئت جعلت «كان » تستغني عن الخبر نحو :وقع، وجعلت نصب كلالة على الحال :أي يورث كلالة، كما يقال :يضرب قائما. وقال بعضهم :قوله «كلالة »، خبر «كان »، لا يكون الموروث كلالة، وإنما الوارث الكلالة.
قال أبو جعفر :والصواب من القول في ذلك عندي :أن الكلالة منصوب على الخروج من قوله ﴿ يُورَثُ ﴾ وخبر «كان » «يورث ». والكلالة وإن كانت منصوبة بالخروج من يورث، فليست منصوبة على الحال، ولكن على المصدر من معنى الكلام، لأن معنى الكلام وإن كان رجل يورث متكلله النسب كلالة، ثم ترك ذكر متكلله اكتفاء بدلالة قوله : «يورث » عليه.
واختلف أهل العلم في المسمى كلالة، فقال بعضهم :الكلالة :الموروث، وهو الميت نفسه، سمي بذلك إذا ورثه غير والده وولده. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن المفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ قولهم في الكلالة، قال :الذي لا يدع والدا ولا ولدا.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا ابن عيينة، عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس، قال :كنت آخر الناس عهدا بعمر رضي الله عنه، فسمعته يقول ما قلت، قلت :وما قلت ؟ قال :الكلالة :من لا ولد له.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي ويحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سليم بن عبد، عن ابن عباس، قال :الكلالة :من لا ولد له ولا والد.
وقال آخرون :الكلالة :هي الورثة الذين يرثون الميت إذا كانوا إخوة أو أخوات أو غيرهم إذا لم يكونوا ولدا ولا والدا على ما قد ذكرنا من اختلافهم في ذلك.
وقال آخرون :بل الكلالة :الميت والحيّ جميعا. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد :الكلالة :الميت الذي لا ولد له ولا والد، والحيّ كلهم كلالة، هذا يرث بالكلالة، وهذا يورث بالكلالة.
قال أبو جعفر :والصواب من القول في ذلك عندي ما قاله هؤلاء، وهو أن الكلالة الذين يرثون الميت من عدا ولده ووالده، وذلك لصحة الخبر الذي ذكرناه عن جابر بن عبد الله أنه قال :قلت يا رسول الله، إنما يرثني كلالة، فكيف بالميراث ؟ وبما :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال :حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن عمرو بن سعيد، قال :كنا مع حميد بن عبد الرحمن في سوق الرقيق، قال :فقام من عندنا ثم رجع، فقال :هذا آخر ثلاثة من بني سعد حدثوني هذا الحديث، قالوا :مرض سعد بمكة مرضا شديدا، قال :فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده، فقال :يا رسول الله لي مال كثير، وليس لي وارث إلا كلالة، فأوصي بمالي كله ؟ فقال : «لا ».
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال :حدثنا ابن علية، قال :حدثنا إسحاق بن سويد، عن العلاء بن زياد، قال :جاء شيخ إلى عمر رضي الله عنه، فقال :
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾.
قال أبو جعفر :اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ ﴾، فقال بعضهم :يعني به :تلك شروط الله. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ ﴾ يقول :شروط الله.
وقال آخرون :بل معنى ذلك :تلك طاعة الله. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو صالح، قال :حدثنا معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ ﴾ يعني :طاعة الله، يعني :المواريث التي سمّى الله.
وقال آخرون :معنى ذلك :تلك سنة الله وأمره.
وقال آخرون :بل معنى ذلك :تلك فرائض الله.
قال أبو جعفر :وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما نحن مبيّنوه، وهو أن حدّ كلّ شيء ما فصل بينه وبين غيره، ولذلك قيل لحدود الدار وحدود الأرضين :حدود، لفصولها بين ما حدّ بها وبين غيره، فكذلك قوله : ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ ﴾ معناه :هذه القسمة التي قسمها لكم ربكم، والفرائض التي فرضها لأحيائكم من موتاكم في هذه الاَية على ما فرض وبين في هاتين الاَيتين حدود الله، يعني :فصول ما بين طاعة الله ومعصيته في قسمكم مواريث موتاكم، كما قال ابن عباس. وإنما ترك طاعة الله، والمعنيّ بذلك حدود طاعة الله اكتفاء بمعرفة المخاطبين بذلك بمعنى الكلام من ذكرها. والدليل على صحة ما قلنا في ذلك قوله : ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ ﴾. . . والاَية التي بعدها : ﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ ﴾.
فتأويل الاَية إذا :هذه القسمة التي قسم بينكم أيها الناس عليها ربكم مواريث موتاكم، فصول فصل بها لكم بين طاعته ومعصيته، وحددو لكم تنتهون إليها فلا تتعدّوها، وفصل منكم أهل طاعته من أهل معصيته فيما أمركم به من قسمة مواريث موتاكم بينكم، وفيما نهاكم عنه منها. ثم أخبر جلّ ثناؤه عما أعدّ لكلّ فريق منهم، فقال لفريق أهل طاعته في ذلك : ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ في العمل بما أمره به والانتهاء إلى ما حدّه له في قسمة المواريث وغيرها، ويجتنب ما نهاه عنه في ذلك وغيره¹ ﴿ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهارُ ﴾، فقوله : ﴿ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ ﴾ يعني :بساتين تجري من تحت غروسها وأشجارها الأنهار. ﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ يقول :باقين فيها أبدا، لا يموتون فيها، ولا يفنون، ولا يخرجون منها. ﴿ وَذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ يقول :وإدخال الله إياهم الجنان التي وصفها على ما وصف من ذلك الفوز العظيم يعني :الفَلَح العظيم.
وبنحو ما قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد : ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ ﴾. . . الاَية، قال :في شأن المواريث التي ذكر قبل.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ ﴾ التي حدّ لخلقه وفرائضه بينهم من الميراث والقسمة، فانتهوا إليها ولا تعدوها إلى غيرها.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مّهِينٌ ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه : ﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ في العمل بما أمراه به من قسمة المواريث على ما أمراه بقسمة ذلك بينهم وغير ذلك من فرائض الله مخالفا أمرهما إلى ما نهياه عنه، ﴿ ويتعدّ حدودهُ ﴾ يقول :ويتجاوز فصول طاعته التي جعلها تعالى فاصلة بينها وبين معصيته إلى ما نهاه عنه من قسمة تركات موتاهم بين ورثته، وغير ذلك من حدوده. ﴿ يدخلهُ نارا خالدا فيهَا ﴾ يقول :باقيا فيها أبدا لا يموت ولا يخرج منها أبدا. ﴿ ولهُ عذابٌ مهينٌ ﴾ يعني :وله عذاب مذلّ من عُذّب به مخز له.
وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : ﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدّ حُدُودَهُ ﴾. . . الاَية في شأن المواريث التي ذكر قبل. قال ابن جريج :ومن يعص الله ورسوله، قال :من أصاب من الذنوب ما يعذّب الله عليه.
فإن قال قائل :أو يخلد في النار من عصى الله ورسوله في قسمة المواريث ؟ قيل :نعم، إذا جمع إلى معصيتهما في ذلك شكا في أن الله فرض عليه ما فرض على عباده في هاتين الاَيتين، أو علم ذلك، فحاد الله ورسوله في أمرهما على ما ذكر ابن عباس من قول من قال حين نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قول الله تبارك وتعالى : ﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أوْلادِكُمُ للذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأُنْثَيَيْنِ ﴾. . . إلى تمام الاَيتين :أيورث من لا يركب الفرس، ولا يقاتل العدوّ، ولا يحوز الغنيمة نصف المال أو جميع المال ؟ استنكارا منهم قسمة الله ما قسم لصغار ولد الميت ونسائه وإناث ولده، ممن خالف قسمة الله ما قسم من ميراث أهل الميراث بينهم، على ما قسمه في كتابه، وخالف حكمه في ذلك وحكم رسوله، استنكارا منه حكمهما، كما استنكره الذين ذكر أمرهم ابن عباس ممن كان بين أظهر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين الذين فيهم نزلت وفي أشكالهم هذه الاَية، فهو من أهل الخلود في النار، لأنه باستنكاره حكم الله في تلك يصير بالله كافرا ومن ملة الإسلام خارجا.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنّ أَرْبَعةً مّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنّ فِي الْبُيُوتِ حَتّىَ يَتَوَفّاهُنّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً ﴾.
يعني بقوله جلّ ثناؤه : ﴿ وَاللاّتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ ﴾ والنساء اللاتي يأتين بالزنا :أي بزنين. ﴿ مِنْ نِسائِكُمْ ﴾ وهن محصنات ذوات أزواج، أو غير ذوات أزواج. ﴿ فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنّ أرْبَعَةً مِنْكُمْ ﴾ يقول :فاستشهدوا عليهنّ بما أتين من الفاحشة أربعة رجال من رجالكم، يعني :من المسلمين. ﴿ فإنْ شَهِدُوا ﴾ عليهن، ﴿ فَأمْسِكُوهُنّ فِي البُيُوتِ ﴾ يقول :فاحبسوهنّ في البيوت، ﴿ حتى يَتَوَفّاهُنّ المَوْتُ ﴾ يقول :حتى يمتن، ﴿ أوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً ﴾ يعني :أو يجعل الله لهنّ مخرجا وطريقا إلى النجاة مما أتين به من الفاحشة.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو هشام الرفاعي محمد بن يزيد، قال :حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن ابن جريج، عن مجاهد : ﴿ وَاللاّتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنّ أرْبَعَةً مِنْكُمْ فإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنّ فِي البُيُوتِ ﴾ أمر بحبسهن في البيوت حتى يمتن ﴿ أوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً ﴾ قال :الحدّ.
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : ﴿ وَاللاّتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ ﴾ قال :الزنا، كان أمر بحبسهنّ حين يشهد عليهن أربعة حتى يمتن¹ ﴿ أوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً ﴾ والسبيل :الحدّ.
حدثنا المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :حدثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس، قوله : ﴿ وَاللاّتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ ﴾ إلى : ﴿ أوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً ﴾ فكانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، ثم أنزل الله تبارك وتعالى بعد ذلك : ﴿ الزّانِيَةُ وَالزّانِي فاجْلِدُوا كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ﴾ فإن كانا محصنين رُجما، فهذه سبيلهما الذي جعل الله لهما.
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : ﴿ أوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً ﴾ فقد جعل الله لهنّ، وهو الجلد والرجم.
حدثني بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ وَاللاّتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ ﴾ حتى بلغ : ﴿ أوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً ﴾ كان هذا من قبل الحدود، فكانا يؤذيان بالقول جميعا، وبحبس المرأة. ثم جعل الله لهنّ سبيلاً، فكان سبيل من أحصن جلد مائة ثم رمي بالحجارة، وسبيل من لم يحصن جلد مائة ونفي سنة.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال :قال عطاء بن أبي رباح وعبد الله بن كثير :الفاحشة :الزنا، والسبيل :الرجم والجلد.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السدي : ﴿ وَاللاّتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنّ أرْبَعَةً مِنْكُمْ ﴾ إلى : ﴿ أوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً ﴾ هؤلاء اللاتي قد نكحن وأحصن، إذا زنت المرأة فإنها كانت تحبس في البيت ويأخذ زوجها مهرها فهو له، فذلك قوله : ﴿ وَلا يَحِلّ لَكُمْ أنْ تَأْخُذوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنّ شَيْئا إلاّ أنْ يَأْتِينَ بفاحِشةٍ مُبَيّنَةٍ ﴾ ﴿ وَعاشِرُوهُنّ بالمَعْرُوفِ ﴾ حتى جاءت الحدود فنسختها، فجلدت ورجمت، وكان مهرهَا ميراثا، فكان السبيل هو الجلد.
حُدثت، عن الحسين بن الفرج، قال :سمعت أبا معاذ يقول :أخبرنا عبيد بن سلمان، قال :سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله : ﴿ أوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً ﴾ قال :الحد، نسخ الحد هذه الاَية.
حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال :حدثنا يحيى، عن إسرائيل، عن خصيف، عن مجاهد : ﴿ أوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً ﴾ قال :جلد مائة، الفاعل والفاعلة.
حدثنا الرفاعي، قال :حدثنا يحيى، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال :الجلد.
حدثنا محمد بن بشار، قال :حدثنا معاذ بن هشام، قال :حدثنا أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت :أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الوحي نكس رأسه، ونكس أصحابه رءوسهم¹ فلما سُرّيَ عنه رفع رأسه، فقال : «قَدْ جَعَلَ الله لَهُنّ سَبِيلاً، الثّيّبُ بالثّيّبِ، والبِكْرُ بالبِكْرِ¹ أما الثّيّبُ فتُجْلَدُ ثم تُرْجَمُ¹ وأما البِكْرُ فتُجْلَدُ ثم تُنْفَى ».
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا عبد الأعلى، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، عن حطان بن عبد الله، عن عبادة بن الصامت، قال :قال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم : «خُذُوا عَنّي قَدْ جَعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً¹ الثّيّبُ بالثّيّبِ تُجْلَدُ مِائَةً وَتُرْجَمُ بالحِجارَةِ، وَالبِكْرُ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ ».
حدثنا بشر، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله أخي بني رقاش، عن عبادة بن الصامت :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك وتربّد له وجهه، فأنزل الله عليه ذات يوم، فلقي ذلك فلما سُري عنه قال : «خُذُوا عَنّي قَد جَعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً¹ الثّيّبُ بالثّيّبِ جَلْدُ مِائَةٍ ثُمّ رَجْمٌ بالحِجارَةِ، وَالبِكْرُ بالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ ثُمّ نَفْيُ سَنَةٍ ».
حدثنا يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال :ابن زيد في قوله : ﴿ وَاللاّتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ، فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنّ أرْبَعَةً مِنْكُمْ فإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنّ فِي البُيُوتِ حتى يَتَوَفّاهُنّ المَوْتُ أوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً ﴾ قال :يقول :لا تنكحوهنّ حتى يتوفاهنّ الموت، ولم يخرجهن من الإسلام. ثم نسخ هذا، وجعل السبيل التي ذكر أن يجعل لهن سبيلاً، قال :فجعل لها السبيل إذا زنت وهي محصنة رجمت وأخرجت، وجعل السبيل للبكر جلد مائة.
حدثني يحيى بن أبي طالب، قال :أخبرنا يزيد، قال :أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله : ﴿ حتى يَتَوَفّاهُنّ المَوْتُ أوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً ﴾ قال :الجلد والرجم.
حدثنا المثنى، قال :حدثنا محمد بن أبي جعفر، قال :حدثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت، قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «خُذُوا عَنّي قَدْ جَعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً :الثّيّبِ بالثّيّبِ وَالبِكْرُ بالبِكْرِ، الثّيّبُ تُجْلَدُ وَتُرْجَمُ والبِكرُ تُجْلَدُ وَتُنْفَى ».
حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال :حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن إسماعيل بن مسلم البصري، عن الحسن، عن عبادة بن الصامت، قال :كنا جلوسا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم إذ احمّر وجهه، وكان يفعل ذلك إذا نزل عليه الوحي، فأخذه كهيئة الغَشْي لما يجد من ثِقل ذلك، فلما أفاق قال : «خُذُوا عَنّي قَدْ جَعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً، والبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ ويُنْفَيانِ سَنَةً، والثّيّبانِ يُجْلَدَانِ وَيُرْجَمانِ ».
قال أبو جعفر :وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله : ﴿ أوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً ﴾ قول من قال السبيل التي جعلها الله جلّ ثناؤه للثيبين المحصنين الرجم بالحجارة، وللبكرين جلد مائة، ونفي سنة لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم ولم يجلد¹ وإجماع الحجة التي لا يجوز عليها فيما نقلته مجمعة عليه الخطأ والسهو والكذب¹ وصحة الخبر عنه، أنه قضى في البكرين بجلد مائة، ونفي سنة، فكان في الذي صحّ عنه من تركه، جلد من رجم من الزناة في عصره دليل واضح على وهي الخبر الذي روي عن الحسن عن حطان عن عبادة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال :السبيل للثيب المحصن :الجلد والرجم. وقد ذكر أن هذه الاَية في قراءة عبد الله :واللاتي يأتين بالفاحشة من نسائكم، والعرب تقول :أتيت أمرا عظيما، وبأمر عظيم، وتكلمت بكلام قبيح، وكلاما قبيحا.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَاللّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ إِنّ اللّهَ كَانَ تَوّاباً رّحِيماً ﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ واللّذّانِ يأْتِيانها مِنْكُمْ ﴾ :والرجل والمرأة اللذان يأتيانها، يقول :يأتيان الفاحشة والهاء والألف في قوله : ﴿ يأْتِيانها ﴾ عائدة على الفاحشة التي في قوله : ﴿ وَاللاّتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ ﴾ والمعنى :واللذان يأتيان منكم الفاحشة فآذوهما.
ثم اختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله : ﴿ واللّذّانِ يأْتِيانها مِنْكُمْ فآذُوهُما ﴾ فقال بعضهم :هما البكران اللذان لم يحصنا، وهما غير اللاتي عنين بالاَية قبلها. وقالوا :قوله : ﴿ وَاللاّتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ ﴾ معنيّ به الثيبات المحصنات بالأزواج، وقوله : ﴿ واللّذّانِ يأْتِيانِها مِنْكُمْ ﴾ يعني به :البكران غير المحصنين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن المفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ :ذكر الجواري والفتيان اللذين لم ينكحوا، فقال : ﴿ واللّذّانِ يأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما ﴾.
حدثنا يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ واللّذّانِ يأْتِيانها مِنْكُمْ ﴾ البكران فآذوهما.
وقال آخرون :بل عُني بقوله : ﴿ واللّذّانِ يأْتِيانِها مِنْكُمْ ﴾ الرجلان الزانيان. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال :حدثنا يحيى، عن ابن جريج، عن مجاهد : ﴿ واللّذّانِ يأْتِيانها مِنْكُمْ فَآذُوهُما ﴾ قال :الرجلان الفاعلان لا يكْني.
حدثنا محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : ﴿ واللّذّانِ يأْتِيانِها مِنْكُمْ ﴾ :الزانيان.
وقال آخرون :بل عني بذلك الرجل والمرأة، إلا أنه لم يقصد به بكر دون ثيب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال :حدثنا يحيى، عن ابن جريج، عن عطاء : ﴿ واللّذّانِ يأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما ﴾ قال :الرجل والمرأة.
حدثنا محمد بن حميد، قال :حدثنا يحيى بن واضح، قال :حدثنا الحسين، عن يزيد النحويّ، عن عكرمة والحسن البصريّ، قالا : ﴿ وَاللاّتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ ﴾ إلى قوله : ﴿ أوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً ﴾ فذكر الرجل بعد المرأة ثم جمعهما جميعا، فقال : ﴿ واللّذّانِ يأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فإنْ تَابا وأصْلَحا فأْعَرِضُوا عَنْهُما إنّ اللّهَ كانَ تَوّابا رَحِيما ﴾.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، قال :قال عطاء وعبد الله بن كثير، قوله : ﴿ واللّذّانِ يأْتِيانها مِنْكُمْ ﴾ قال :هذه للرجل والمرأة جميعا.
قال أبو جعفر :وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله : ﴿ واللّذّانِ يأْتِيانها مِنْكُمْ ﴾ قول من قال :عني به البكران غير المحصنين إذا زنيا وكان أحدهما رجلاً والاَخر امرأة، لأنه لو كان مقصود بذلك قصد البيان عن حكم الزناة من الرجال كما كان مقصودا بقوله : ﴿ وَاللاّتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ ﴾ قصد البيان عن حكم الزواني، لقيل :والذين يأتونها منكم فآذوهم، أو قيل :والذي يأتيها منكم، كما قيل في التي قبلها : ﴿ وَاللاّتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ ﴾ فأخرج ذكرهنّ على الجمع، ولم يقل :واللتان يأتيان الفاحشة. وكذلك تفعل العرب إذا أرادت البيان على الوعيد على فعل أو الوعد عليه، أخرجت أسماء أهله بذكر الجمع أو الواحد، وذلك أن الواحد يدلّ على جنسه، ولا تخرجها بذكر اثنين، فتقول :الذين يفعلون كذا فلهم كذا، والذي يفعل كذا فله كذا، ولا تقول :اللذان يفعلان كذا فلهما كذا، إلا أن يكون فعلاً لا يكون إلا من شخصين مختلفين كالزنا لا يكون إلا من زان وزانية. فإذا كان ذلك كذلك، قيل بذكر الاثنين، يراد بذلك الفاعل والمفعول به، فإما أن يذكر بذكر الاثنين والمراد بذلك شخصان في فعل قد ينفرد كلّ واحد منهما به أو في فعل لا يكونان فيه مشتركين فذلك ما لا يعرف في كلامها. وإذا كان ذلك كذلك، فبيّن فساد قول من قال :عُني بقوله : ﴿ واللّذّانِ يأْتِيانها مِنْكُمْ ﴾ الرجلان، وصحة قول من قال :عني به الرجل والمرأة وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أنهما غير اللواتي تقدم بيان حكمهنّ في قوله : ﴿ وَاللاّتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ ﴾ لأن هذين اثنان وأولئك جماعة. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الحبس كان للثيبات عقوبة حتى يتوفين من قبل أن يجعل لهنّ سبيلاً، لأنه أغلظ في العقوبة من الأذى الذي هو تعنيف وتوبيخ أو سبّ وتعيير، كما كان السبيل التي جعلت لهنّ من الرجم أغلظ من السبيل التي جعلت للأبكار من جلد المائة ونفي السنة.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ فَآذُوهُما فإنْ تابا وأصْلَحا فأعْرِضُوا عَنْهُما إنّ اللّهَ كانَ تَوّابا رَحِيما ﴾.
اختلف أهل التأويل في الأذى الذي كان الله تعالى ذكره جعله عقوبة للذين يأتيان الفاحشة من قبل أن يجعل لهما سبيلاً منه، فقال بعضهم :ذلك الأذى، أذى بالقول واللسان، كالتعيير والتوبيخ على ما أتيا من الفاحشة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة : ﴿ فَآذُوهُما ﴾ قال :كانا يؤذيان بالقول جميعا.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ فَآذُوهُما فإنْ تابا وأصْلَحا فأعْرِضُوا عَنْهُما ﴾ فكانت الجارية والفتى إذا زنيا يعنفان ويعيران حتى يتركا ذلك.
وقال آخرون :كان ذلك الأذى، أذى اللسان، غير أنه كان سبّا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ فَآذُوهُما ﴾ يعني :سبّا.
وقال آخرون :بل كان ذلك الأذى باللسان واليد. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ واللّذّانِ يأْتِيانها مِنْكُمْ فَآذُوهُما ﴾ فكان الرجل إذا زنى أوذي بالتعيير، وضرب بالنعال.
قال أبو جعفر :وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال :إن الله تعالى ذكره كان أمر المؤمنين بأذى الزانيين المذكورين إذا أتيا ذلك وهما من أهل الإسلام، والأذى قد يقع بكل مكروه نال الإنسان من قول سيىء باللسان أو فعل، وليس في الاَية بيان أن ذلك كان أمر به المؤمنون يومئذ، ولا خبر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من نقل الواحد ولا نقل الجماعة الموجب مجيئها قطع العذر. وأهل التأويل في ذلك مختلفون، وجائز أن يكون ذلك أذى باللسان واليد، وجائز أن يكون كان أذى بأيهما، وليس في العلم بأيّ ذلك كان من أيّ نفعٌ في دين ولا دنيا ولا في الجهل به مضرّة، إذ كان الله جلّ ثناؤه قد نسخ ذلك من محكمه بما أوجب من الحكم على عباده فيهما وفي اللاتي قبلهما¹ فأما الذي أوجب من الحكم عليهم فيهما فما أوجب في سورة النور بقوله : ﴿ الزّانِيَةُ والزّاني فاجْلِدُوا كُلّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدةٍ ﴾ وأما الذي أوجب في اللاتي قبلهما، فالرجم الذي قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما وأجمع أهل التأويل جميعا على أن الله تعالى ذكره قد جعل لأهل الفاحشة من الزناة والزواني سبيلاً بالحدود التي حكم بها فيهم.
وقال جماعة من أهل التأويل :إن الله سبحانه نسخ بقوله : ﴿ الزّانِيَةُ والزّاني فاجْلِدُوا كُلّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدةٍ ﴾ قوله : ﴿ واللّذّانِ يأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما ﴾. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ واللّذّانِ يأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما ﴾ قال :كل ذلك نسخته الاَية التي في النور بالحدّ المفروض.
حدثنا أبو هشام، قال :حدثنا يحيى، عن ابن جريج، عن مجاهد : ﴿ واللّذّانِ يأْتِيانها مِنْكُمْ فَآذُوهُما ﴾. . . الاَية، قال :هذا نسخته الاَية في سورة النور بالحد المفروض.
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا أبو تميلة، قال :حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري، قالا في قوله : ﴿ واللّذّانِ يأْتِيانها مِنْكُمْ فَآذُوهُما ﴾. . . الاَية، نسخ ذلك بآية الجلد، فقال : ﴿ الزّانِيَةُ والزّاني فاجْلِدُوا كُلّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدةٍ ﴾.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو صالح، قال :ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ واللّذّانِ يأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما ﴾ فأنزل الله بعد هذا : ﴿ الزّانِيَةُ والزّاني فاجْلِدُوا كُلّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدةٍ ﴾ فإن كانا محصنين رجما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ واللاّتِي يأْتِينَ الفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ ﴾. . . الاَية¹ جاءت الحدود فنسختها.
حدثت عن الحسين بن الفرج، قال :سمعت أبا معاذ، يقول :أخبرنا عبيد بن سليمان، قال :سمعت الضحاك يقول :نسخ الحدّ هذه الاَية.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة : ﴿ فأمْسِكُوهُنّ في البُيُوتِ ﴾. . . الاَية، قال :نسختها الحدود، وقوله : ﴿ واللّذّانِ يأْتِيانِها مِنْكُمْ ﴾ نسختها الحدود.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ واللّذّانِ يأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما ﴾. . . الاَية، ثم نسخ هذا وجعل السبيل لها إذا زنت وهي محصنة رجمت وأخرجت، وجعل السبيل للذكر جلد مائة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله : ﴿ فَأمْسِكُوهُنّ فِي البُيُوتِ حتى يَتَوَفّاهُنّ المَوْتُ ﴾ قال :نسختها الحدود.
وأما قوله : ﴿ فإنْ تابا وأصْلَحا فَأعْرِضُوا عَنْهُما ﴾ فإنه يعني به جلّ ثناؤه :فإن تابا من الفاحشة التي أتيا، فراجعا طاعة الله بينهما وأصلحا، يقول :وأصلحا دينهما بمراجعة التوبة من فاحشتهما والعمل بما يرضي الله، فأعرضوا عنهما، يقول :فاصفحوا عنهما، وكفوا عنهما الأذى الذي كنت أمرتكم أن تؤذوهما به، عقوبة لهما على ما أتيا من الفاحشة، ولا تؤذوهما بعد توبتهما.
وأما قوله : ﴿ إنّ اللّهَ كانَ تَوّابا رَحِيما ﴾ فإنه يعني :أن الله لم يزل راجعا لعبيده إلى ما يحبون إذا هم راجعوا ما يحب منهم من طاعته رحيما بهم، يعني :ذا رحمة ورأفة.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ إِنّمَا التّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلّذِينَ يَعْمَلُونَ السّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلََئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾.
يعني بقوله جلّ ثناؤه : ﴿ إنّمَا التّوْبَةُ على اللّهِ للّذِينَ يَعْمَلُونَ السّوء بِجَهالَةٍ ﴾ :ما التوبة على الله لأحد من خلقه، إلا للذين يعملون السوء من المؤمنين بجهالة. ﴿ ثُمّ يَتُوبُون مِنْ قَرِيبٍ ﴾ يقول :ما الله براجع لأحد من خلقه إلى ما يحبه من العفو عنه والصفح عن ذنوبه التي سلفت منه، إلا للذين يأتون ما يأتونه من ذنوبهم جهالة منهم وهم بربهم مؤمنون، ثم يراجعون طاعة الله ويتوبون منه إلى ما أمرهم الله به من الندم عليه والاستغفار وترك العود إلى مثله من قبل نزول الموت بهم. وذلك هو القريب الذي ذكره الله تعالى ذكره، فقال : ﴿ ثُمّ يَتُوبُون مِنْ قَرِيبٍ ﴾.
وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك، قال أهل التأويل غير أنهم اختلفوا في معنى قوله : ﴿ بِجَهالَةٍ ﴾ فقال بعضهم في ذلك بنحو ما قلنا فيه، وذهب إلى أن عمله السوء هو الجهالة التي عناها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي العالية :أنه كان يحدّث أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا يقولون :كل ذنب أصابه عبد فهو بجهالة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة قوله : ﴿ للّذِينَ يَعْمَلُونَ السّوء بِجَهالَةٍ ﴾ قال :اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأوا أن كل شيء عصي به فهو جهالة، عمدا كان أو غيره.
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، قال :حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : ﴿ للّذِينَ يَعْمَلُونَ السّوء بِجَهالَةٍ ﴾ قال :كل من عصى ربه فهو جاهل، حتى ينزع عن معصيته.
حدثنا المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : ﴿ إنّمَا التّوْبَةُ على اللّهِ للّذِينَ يَعْمَلُونَ السّوء بِجَهالَةٍ ﴾ قال :كل من عمل بمعصية الله فذاك منه بجهل حتى يرجع عنه.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ إنّمَا التّوْبَةُ على اللّهِ للّذِينَ يَعْمَلُونَ السّوء بِجَهالَةٍ ﴾ ما دام يعصي الله فهو جاهل.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، عن أبي النضر، عن أبي صالح عن ابن عباس : ﴿ إنّمَا التّوْبَةُ على اللّهِ للّذِينَ يَعْمَلُونَ السّوء بِجَهالَةٍ ﴾ قال :من عمل السوء فهو جاهل، من جهالته عمل السوء.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثظني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال :من عصى الله فهو جاهل، حتى ينزع عن معصيته. قال ابن جريج :وأخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال :كل عامل بمعصية فهو جاهل حين عمل بها. قال ابن جريج :وقال لي عطاء بن أبي رباح نحوه.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قول الله : ﴿ إنّمَا التّوْبَةُ على اللّهِ للّذِينَ يَعْمَلُونَ السّوء بِجَهالَةٍ ثُمّ يَتُوبُون مِنْ قَرِيبٍ ﴾ قال :الجهالة :كل امرىء عمل شيئا من معاصي الله فهو جاهل أبدا حتى ينزع عنها. وقرأ : ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعْلْتُمْ بِيُوسُف وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُون ﴾ وقرأ : ﴿ وإلاّ تَصْرِفْ عنّي كَيْدهُنّ أصْبُ إلَيْهِنّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ قال :من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته.
وقال آخرون :معنى قوله : ﴿ للّذِينَ يَعْمَلُونَ السّوء بِجَهالَةٍ ﴾ :يعملون ذلك على عمد منهم له. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا الثوري، عن مجاهد : ﴿ يَعْمَلُونَ السّوء بِجَهالَةٍ ﴾ قال :الجهالة :العمد.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد، مثله.
حدثني المثنى، قال :حدثنا إسحاق، قال :حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك : ﴿ إنّمَا التّوْبَةُ على اللّهِ للّذِينَ يَعْمَلُونَ السّوء بِجَهالَةٍ ﴾ قال :الجهالة :العمد.
وقال آخرون :معنى ذلك :إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء في الدنيا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا معتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، قوله : ﴿ إنّمَا التّوْبَةُ على اللّهِ للّذِينَ يَعْمَلُونَ السّوء بِجَهالَةٍ ﴾ قال :الدنيا كلها جهالة.
قال أبو جعفر :وأولى هذه الأقوال بتأويل الاَية قول من قال :تأويلها :إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء، وعملهم السوء هو الجهالة التي جهلوها عامدين كانوا للإثم، أو جاهلين بما أعدّ الله لأهلها. وذلك أنه غير موجود في كلام العرب، تسمية العامد للشيء الجاهل به، إلا أن يكون معنيا به أنه جاهل بقدر منفعته ومضرّته، فيقال :هو به جاهل، على معنى جهله بمعنى :نفعه وضرّه¹ فأما إذا كان عالما بقدر مبلغ نفعه وضرّه قاصدا إليه، فغير جائز من غير قصده إليه أن يقال هو به جاهل¹ لأن الجاهل بالشيء هو الذي لا يعلمه ولا يعرفه عند التقدم عليه، أو يعلمه فيشبه فاعله، إذ كان خطأ ما فعله بالجاهل الذي يأتي الأمر وهو به جاهل فيخطىء موضع الإصابة منه، فيقال :إنه لجاهل به، وإن كان به عالما لإتيانه الأمر الذي لا يأتي مثله إلا أهل الجهل به. وكذلك معنى قوله : ﴿ يَعْمَلُونَ السّوءَ بِجَهالَةٍ ﴾ قيل فيهم :يعملون السوء بجهالة وإن أتوه على علم منهم بمبلغ عقاب الله أهله، عامدين إتيانه، مع معرفتهم بأنه عليهم حرام، لأن فعلهم ذلك كان من الأفعال التي لا يأتي مثله إلا من جهل عظيم عقاب الله عليه أهله في عاجل الدنيا وآجل الاَخرة، فقيل لمن أتاه وهو به عالم :أتاه بجهالة، بمعنى :أنه فعل فعل الجهال به، لا أنه كان جاهلاً.
وقد زعم بعض أهل العربية أن معناه :أنهم جهلوا كنه ما فيه من العقاب، فلم يعلموه كعلم العالم، وإن علموه ذنبا، فلذلك قيل : ﴿ يَعْمَلُونَ السّوءَ بِجَهالَةٍ ﴾. ولو كان الأمر على ما قال صاحب هذا القول لوجب أن لا تكون توبة لمن علم كنه ما فيه. وذلك أنه جلّ ثناؤه قال : ﴿ إنّمَا التّوْبَةُ على اللّهِ للّذِينَ يَعْمَلُونَ السّوء بِجَهالَةٍ ثُمّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ﴾ دون غيرهم. فالواجب على صاحب هذا القول أن لا يكون للعالم الذي عمل سوءا على علم منه بكنه ما فيه ثم تاب من قريب¹ توبة، وذلك خلاف الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن كل تائب عسى الله أن يتوب عليه، وقوله : «بابُ الّتْوبَةِ مَفْتُوحٌ ما لَمْ تَطْلُعِ الشّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها »، وخلاف قول الله عزّ وجلّ : ﴿ إلاّ مَنْ تابَ وآمَنَ وَعمِلَ عَمَلاً صَالِحا ﴾.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ ثُمّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ﴾.
أختلف أهل التأويل في معنى القريب في هذا الموضع، فقال بعضهم :معنى ذلك :ثم يتوبون في صحتهم قبل مرضهم وقبل موتهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ ثُمّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ﴾ والقريب قبل الموت ما دام في صحته.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي النضر، عن أبي صالح، عن ابن عباس : ﴿ ثُمّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ﴾ قال :في الحياة والصحة.
وقال آخرون :بل معنى ذلك :ثم يتوبون من قبل معاينة ملك الموت. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو صالح، قال :حدثنا معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : ﴿ ثُمّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ﴾ والقريب فيما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال :حدثنا المعتمر بن سليمان، قال :سمعت عمران بن حدير، قال :قال أبو مجلز :لا يزال الرجل في توبة حتى يعاين الملائكة.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس، قال :القريب :ما لم تنزل به آية من آيات الله تعالى وينزل به الموت.
حدثني المثنى، قال :حدثنا إسحاق، قال :حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك : ﴿ إنّمَا التّوْبَةُ على اللّهِ للّذِينَ يَعْمَلُونَ السّوء بِجَهالَةٍ ثُمّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ﴾ له التوبة ما بينه وبين أن يعاين ملك الموت، فإذا تاب حين ينظر إلى ملك الموت فليس له ذاك.
وقال آخرون :بل معنى ذلك :ثم يتوبون من قبل الموت. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا الثوري، عن رجل، عن الضحاك : ﴿ ثُمّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ﴾ قال :كل شيء قبل الموت فهو قريب.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا معتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة : ﴿ ثُمّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ﴾ قال :الدنيا كلها قريب.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ ثُمّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ﴾ قبل الموت.
حدثنا محمد بن بشار، قال :حدثنا معاذ بن هشام، قال :ثني أبي، عن قتادة، عن أبي قلابة، قال :ذكر لنا أن إبليس لما لعن وأُنْظِرَ، قال :وعزّتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح ! فقال تبارك وتعالى :وعزتي لا أمنعه التوبة ما دام فيه الروح.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا أبو داود، قال :حدثنا عمران، عن قتادة، قال :كنا عند أنس بن مالك وثَمّ أبو قلابة، فحدّث أبو قلابة قال :إن الله تبارك وتعالى لما لعن إبليس سأله النّظِرَة، فقال :وعزّتك لا أخرج من قلب ابن آدم ! فقال الله تبارك وتعالى :وعزتي لا أمنعه التوبة ما دام فيه الروح.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا عبد الوهاب، قال :حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، قال :إن الله تبارك وتعالى لما لعن إبليس سأله النّظِرَة، فأنظره إلى يوم الدين، فقال :وعزتك لا أَخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح ! قال :وعزتي لا أَحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح.
حدثني ابن بشار، قال :حدثنا محمد بن جعفر، قال :حدثنا عوف، عن الحسن، قال :بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : «إنّ إبْلِيسَ لَمّا رأى آدَمَ أجْوَفَ، قالَ :وعِزّتِكَ لا أخْرُجُ مِنْ جَوْفِهِ ما دَام فِيهِ الرّوحُ ! فَقالَ اللّهُ تَبارَكَ وتَعالى :وعِزّتِي لا أحُولُ بَيْنَهُ وبْينَ التّوْبَةِ ما دَامَ فِيهِ الرّوحُ ».
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا معاذ بن هشام، قال :ثني أبي، قتادة، عن العلاء بن زياد، عن أبي أيوب بُشَيْر بن كعب، أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، قال : «إنّ الله يَقْبَلُ تَوْبَة العَبْدِ ما لمْ يُغَرْغِرْ ».
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا عبد الأعلى، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال¹ فذكر مثله.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا ابن أبي عديّ، عن
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَلَيْسَتِ التّوْبَةُ لِلّذِينَ يَعْمَلُونَ السّيّئَاتِ حَتّىَ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنّي تُبْتُ الاَنَ وَلاَ الّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ أُوْلََئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه :وليست التوبة للذين يعملون السيئات من أهل الإصرار على معاصي الله، حتى إذا حضر أحدهم الموت، يقول :إذا حشرج أحدهم بنفسه، وعاين ملائكة ربه قد أقبلوا إليه لقبض روحه قال :وقد غلب على نفسه، وحيل بينه وبين فهمه بشغله بكرب حشرجته وغرغرته :إني تبت الاَن، يقول فليس لهذا عند الله تبارك وتعالى توبة، لأنه قال ما قال في غير حال توبة. كما :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا الثوري، عن يعلى بن نعمان، قال :أخبرني من سمع ابن عمر يقول :التوبة مبسوطة ما لم يَسُقْ. ثم قرأ ابن عمر : ﴿ وَلَيْسَتِ التّوبَةُ لِلّذِينَ يَعْمَلونَ السّيّئاتِ حتى إذَا حَضَرَ أحَدُهمُ المَوْتُ قالَ إنّي تبْتُ الاَنَ ﴾ ثم قال :وهل الحضور إلا السّوْق.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ وَلَيْسَتِ التّوبَةُ لِلّذِينَ يَعْمَلونَ السّيّئاتِ حتى إذَا حَضَرَ أحَدُهمُ المَوْتُ قالَ إنّي تبْتُ الاَنَ ﴾ قال :إذا تبين الموت فيه لم يقبل الله له توبة.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي النضر، عن أبي صالح، عن ابن عباس : ﴿ وَلَيْسَتِ التّوبَةُ لِلّذِينَ يَعْمَلونَ السّيّئاتِ حتى إذَا حَضَرَ أحَدُهمُ المَوْتُ قالَ إنّي تبْتُ الاَنَ ﴾ فليس لهذا عند الله توبة.
حدثنا محمد بن المثنى، قال :حدثنا محمد بن جعفر، قال :حدثنا شعبة، قال :سمعت إبراهيم بن ميمون، يحدّث عن رجل من بني الحارث، قال :حدثنا رجل منا، عن عبد الله بن عمرو، أنه قال : «مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بعَامٍ تِيبَ عَلَيْهِ »، حتى ذكر شهرا، حتى ذكر ساعة، حتى ذكر فُواقا، قال :فقال رجل :كيف يكون هذا والله تعالى يقول : ﴿ وَلَيْسَتِ التّوبَةُ لِلّذِينَ يَعْمَلونَ السّيّئاتِ حتى إذَا حَضَرَ أحَدُهمُ المَوْتُ قالَ إنّي تبْتُ الاَنَ ﴾ ؟ فقال عبد الله :أنا أحدثك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم، قال :كان يقال :التوبة مبسوطة ما لم يؤخذ بكَظَمِه.
واختلف أهل التأويل فيمن عُني بقوله : ﴿ وَلَيْسَتِ التّوبَةُ لِلّذِينَ يَعْمَلونَ السّيّئاتِ حتى إذَا حَضَرَ أحَدُهمُ المَوْتُ قالَ إنّي تبْتُ الاَنَ ﴾ فقال بعضهم :عُني به أهل النفاق. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا إسحاق، قال :حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع : ﴿ إنّمَا التّوْبَةُ على اللّهِ للّذِينَ يَعْمَلُونَ السّوء بِجَهالَةٍ ثُمّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ﴾ قال :نزلت الأولى في المؤمنين، ونزلت الوسطى في المنافقين، يعني : ﴿ وَلَيْسَتِ التّوبَةُ لِلّذِينَ يَعْمَلونَ السّيّئاتِ ﴾ والأخرى في الكفار، يعني : ﴿ وَلا الّذِينَ يَموتونَ وَهمْ كفّارٌ ﴾.
وقال آخرون :بل عني بذلك أهل الإسلام. ذكر من قال ذلك :
حدثنا المثنى، قال :حدثنا سويد بن نصر، قال :أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، قال :بلغنا في هذه الاَية : ﴿ وَلَيْسَتِ التّوبَةُ لِلّذِينَ يَعْمَلونَ السّيّئاتِ حتى إذَا حَضَرَ أحَدُهمُ المَوْتُ قالَ إنّي تبْتُ الاَنَ ﴾ قال :هم المسلمون، ألا ترى أنه قال : ﴿ وَلا الّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ ﴾ ؟
وقال آخرون :بل هذه الاَية كانت نزلت في أهل الإيمان، غير أنها نسخت. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ وَلَيْسَتِ التّوبَةُ لِلّذِينَ يَعْمَلونَ السّيّئاتِ حتى إذَا حَضَرَ أحَدُهمُ المَوْتُ قالَ إنّي تبْتُ الاَنَ وَلا الّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ ﴾ فأنزل الله تبارك وتعالى بعد ذلك : ﴿ إنّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ﴾ فحرّم الله تعالى المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته، فلم يؤيسهم من المغفرة.
قال أبو جعفر :وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب ما ذكره الثوري أنه بلغه أنه في الإسلام، وذلك أن المنافقين كفار، فلو كان معنيا به أهل النفاق لم يكن لقوله : ﴿ وَلا الّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كفّارٌ ﴾ معنى مفهوم، لأنهم إن كانوا هم والذين قبلهم في معنى واحد من أن جميعهم كفار، فلا وجه لتفريق أحد منهم في المعنى الذي من أجله بطل أن تكون توبة واحد مقبولة. وفي تفرقة الله جلّ ثناؤه بين أسمائهم وصفاتهم بأن سمى أحد الصنفين كافرا، ووصف الصنف الاَخر بأنهم أهل سيئات، ولم يسمهم كفارا ما دلّ على افتراق معانيهم، وفي صحة كون ذلك كذلك صحة ما قلنا، وفساد ما خالفه.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وَلا الّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كفّارٌ أُولَئِكَ أعْتَدْنا لَهُمْ عَذَابا ألِيما ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه :ولا التوبة للذين يموتون وهم كفار فموضع «الذين » خفض، لأنه معطوف على قوله : ﴿ لِلّذِينَ يَعْمَلونَ السّيّئاتِ ﴾. وقوله : ﴿ أُولَئِكَ أعْتَدْنا لَهُمْ عَذَابا ألِيما ﴾ يقول :هؤلاء الذين يموتون وهم كفار، أعتدنا لهم عذابا أليما، لأنهم أبعدهم من التوبة كونهم على الكفر. كما :
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي النضر، عن أبي صالح، عن ابن عباس : ﴿ وَلا الّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كفّارٌ ﴾ أولئك أبعد من التوبة.
واختلف أهل العربية في معنى : ﴿ أعْتَدْنا لَهُمْ ﴾ فقال بعض البصريين :معنى : ﴿ أعْتَدْنا ﴾ :أفعلنا من العتاد، قال :ومعناها :أعددنا. وقال بعض الكوفيين :أعددنا وأعتدنا معناهما واحد، فمعنى قوله : ﴿ أعْتَدْنا لَهُمْ ﴾ أعددنا لهم ﴿ عَذَابا ألِيما ﴾ يقول :مؤلما موجعا.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النّسَآءَ كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنّ إِلاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنّ فَعَسَىَ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾.
يعني تبارك وتعالى ( بقوله ) : ﴿ يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا ﴾ :يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله ﴿ لاَ يحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثوا النّساءَ كَرْها ﴾ يقول :لا يحلّ لكم أن ترثوا نكاح نساء أقاربكم وآبائكم كرها.
فإن قال قائل :كيف كانوا يرثونهن، وما وجه تحريم وراثتهن، فقد علمت أن النساء مورّثات كما الرجال مورثون ؟ قيل :إن ذلك ليس من معنى وراثتهنّ إذا هنّ متن فتركن مالاً، وإنما ذلك أنهن في الجاهلية كانت إحداهنّ إذا مات زوجها كان ابنه أو قريبه أولى بها من غيره ومنها بنفسها، إن شاء نكحها وإن شاء عضلها فمنعها من غيره ولم يزوّجها حتى تموت، فحرّم الله تعالى ذلك على عباده، وحظر عليهم نكاح حلائل آبائهم، ونهاهم عن عضلهنّ عن النكاح.
وبنحو القول الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا أسباط بن محمد، قال :حدثنا أبو إسحاق، يعني الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله : ﴿ يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لاَ يحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها وَلا تَعْضُلُوهُنّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنّ ﴾ قال :كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته، إن شاء بعضهم تزوّجها، وإن شاءوا زوّجوها، وإن شاءوا لم يزوّجوها، وهم أحقّ بها من أهلها، فنزلت هذه الاَية في ذلك.
وحدثني أحمد بن محمد الطوسي، قال :حدثنا عبد الرحمن بن صالح، قال :ثني محمد بن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، قال :لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوّج امرأته، وكان ذلك لهم في الجاهلية، فأنزل الله : ﴿ لاَ يحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثوا النّساءَ كَرْها ﴾.
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحويّ، عن عكرمة والحسن البصري قالا في قوله : ﴿ لاَ يحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها وَلا تَعْضُلُوهُنّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنّ إلاّ أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مبَيّنَةٍ ﴾، وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتى تموت أو تردّ إليه صداقها، فأحكم الله عن ذلك، يعني أن الله نهاكم عن ذلك.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال :حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز في قوله : ﴿ يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لاَ يحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها ﴾ قال :كانت الأنصار تفعل ذلك كان الرجل إذا مات حميمه ورث حميمه امرأته، فيكون أولى بها من وليّ نفسها.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله : ﴿ يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لاَ يحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها ﴾. . . الاَية، قال :كان الرجل إذا مات أبوه أو حميمه، فهو أحقّ بامرأته، إن شاء أمسكها أو يحبسها حتى تفتدي منه بصداقها أو تموت فيذهب بمالها. قال ابن جريج :فأخبرني عطاء بن أبي رباح أن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجل، فترك امرأة، حبسها أهله على الصبيّ يكون فيهم، فنزلت : ﴿ لاَ يحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها ﴾. . . الاَية. قال ابن جريج، وقال مجاهد :كان الرجل إذا توفي أبوه كان أحقّ بامرأته، ينكحها إن شاء إذا لم يكن ابنها، أو ينكحها إن شاء أخاه أو ابن أخيه. قال ابن جريج :وقال عكرمة :نزلت في كبيشة بنت معن بن عاصم من الأوس، توفي عنها أبو قيس بن الأسلت، فجنح عليها ابنه، فجاءت النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالت :يا نبيّ الله، لا أنا ورثت زوجي ولا أنا تركت فأنكح ! فنزلت هذه الاَية.
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : ﴿ يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لاَ يحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها ﴾ قال :كان إذا توفي الرجل كان ابنه الأكبر هو أحقّ بامرأته ينكحها إذا شاء إذا لم يكن ابنها، أو ينكحها من شاء أخاه أو ابن أخيه.
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن عمرو بن دينار مثل قول مجاهد.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، قال :سمعت عمرو بن دينار يقول مثل ذلك.
حدثني محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السدي :أما قوله : ﴿ لاَ يحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها ﴾، فإن الرجل في الجاهلية كان يموت أبوه أو أخوه أو ابنه، فإذا مات وترك امرأته، فإن سبق وارث الميت فألقى عليها ثوبه فهو أحقّ بها أن ينكحها بمهر صاحبه أو ينكحها فيأخذ مهرها، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها فهم أحقّ بنفسها.
حدثت عن الحسين بن الفرج، قال :سمعت أبا معاذ يقول :أخبرنا عبيد بن سليمان الباهلي، قال :سمعت الضحاك يقول في قوله : ﴿ لاَ يحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها ﴾ كانوا بالمدينة إذا مات حميم الرجل وترك امرأة، ألقى الرجل عليها ثوبه، فورث نكاحها، وكان أحقّ بها، وكان ذلك عندهم نكاحا، فإن شاء أمسكها حتى تفتدي منه، وكان هذا في الشرك.
حدثنا يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ لاَ يحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها ﴾ قال :كانت الوراثة في أهل يثرب بالمدينة ههنا، فكان الرجل يموت فيرث ابنه امرأة أبيه، كما يرث أمه لا يستطيع أن يمنع، فإن أحبّ أن يتخذها اتخذها كما كان أبوه يتخذها، وإن كره فارقها، وإن كان صغيرا حبست عليه حتى يكبر، فإن شاء أصابها وإن شاء فارقها، فذلك قول الله تبارك وتعالى : ﴿ لاَ يحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها ﴾.
حدثنا محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله : ﴿ يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها ﴾ وذلك أن رجالاً من أهل المدينة كان إذا مات حميم أحدهم، ألقى ثوبه على امرأته، فورث نكاحها، فلم ينكحها أحد غيرها، وحبسها عنده حتى تفتدي منه بفدية، فأنزل الله عزّ وجلّ : ﴿ يا أيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءع كَرْها ﴾.
حدثني ابن وكيع، قال :ثني أبي، قال :حدثنا سفيان، عن عليّ بن بذيمة، عن مقسم، قال :كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها، فجاء رجل فألقى عليها ثوبه كان أحقّ الناس بها، قال :فنزلت هذه الاَية : ﴿ لاَ يحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها ﴾.
فتأويل الاَية على هذا التأويل :يا أيها الذين آمنوا لا يحلّ لكن أن ترثوا آباءكم وأقاربكم نكاح نسائهم كرها، فترك ذلك الاَباء والأقارب والنكاح، ووجّه الكلام إلى النهي عن وراثة النساء، اكتفاء بمعرفة المخاطبين بمعنى الكلام، إذ كان مفهوما معناه عندهم.
وقال آخرون :بل معنى ذلك :لا يحلّ لكم أيها الناس أن ترثوا النساء تركاتهن كرها، قال :وإنما قيل ذلك لأنهم كانوا يعضلون أياماهن وهن كارهات للعضل حتى يمتن فيرثوهن أموالهن. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها ﴾ قال :كان الرجل إذا مات وترك جارية، ألقى عليها حميمه ثوبه، فمنعها من الناس، فإن كانت جميلة تزوّجها، وإن كانت قبيحة حبسها حتى تموت، فيرثها.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن الزهري في قوله : ﴿ لا يَحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها ﴾ قال :نزلت في ناس من الأنصار كانوا إذا مات الرجل منهم فأملك الناس بامرأته وليه، فيمسكها حتى تموت فيرثها، فنزلت فيهم.
قال أبو جعفر :وأولى القولين بتأويل الاَية، القول الذي ذكرناه عمن قال معناه :لا يحلّ لكن أن ترثوا النساء كرها أقاربكم، لأن الله جل ثناؤه قد بين مواريث أهل المواريث، فذلك لأهله نحو وراثتهم إياه الموروث ذلك عنه من الرجال أو النساء. فقد علم بذلك أنه جلّ ثناؤه لم يحظر على عباده أن يرثوا النساء ما جعله لهم ميراثا عنهن، وأنه إنما حظر أن يكرهن موروثات بمعنى حظر وراثة نكاحهن إذا كان ميتهم الذي ورثوه قد كان مالكا عليهن أمرهن في النكاح ملك الرجل منفعة ما استأجر من الدور والأرضين وسائر ما له منافع، فأبان الله جل ثناؤه لعباده أن الذي يملكه الرجل منهم من بضع زوجته، معناه غير معنى ما يملك أحدهم من منافع سائر المملوكات التي تجوز إجارتها، فإن المالك بضع زوجته إذا هو مات لم يكن ما كان له ملكا من زوجته بالنكاح لورثته بعده، كما لهم من الأشياء التي كان يملكها بشراء أو هبة أو إجارة بعد موته بميراثه ذلك عنه.
وأما قوله تعالى : ﴿ وَلا تَعّضُلُوهُنّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنّ ﴾ فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم :تأويله : ﴿ وَلا تَعْضُلُوهُنّ ﴾ :أي ولا تحبسوا يا معشر ورثة من مات من الرجال أزواجهم عن نكاح من أردن نكاحه من الرجال كيما يمتن فتذهبوا ببعض ما آتيتموهن¹ أي فتأخذوا من أموالهم إذا متن ما كان موتاكم الذين ورثتموهن ساقوا إليهنّ من صدقاتهنّ. وممن قال ذلك جماعة قد ذكرنا بعضهم، منهم ابن عباس، والحسن البصري، وعكرمة.
وقال آخرون :بل معنى ذلك :ولا تعضلوا أيها الناس نساءكم فتحبسوهنّ ضرارا، ولا حاجة لكم إليهن فتضروا بهن ليفتدين منكم بما آتيتموهنّ من صدقاتهن. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ وَلا تَعْضُلُوهُنّ ﴾ يقول :لا تقهروهن، ﴿ لِتَذْهَبوا بِبَعْضِ ما آتَيْتمُوهُنّ ﴾ يعني الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر، فيُضِرّ بها لتفتدي.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله : ﴿ وَلا تَعْضُلُوهُنّ ﴾ يقول :لا يحلّ لك أن تحبس امرأتك ضرارا حتى تفتدي منك. قال :أخبرنا معمر، قال :وأخبرني سماك بن الفضل عن ابن البيلماني، قال :نزلت هاتان الاَيتان، إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في أمر الإسلام.
حدثني المثنى، قال :حدثنا سويد بن نصر، قال :أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، قال :أخبرنا سماك بن الفضل، عن عبد الرحمن بن البيلماني في قوله : ﴿ لا يَحِلّ لَكمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها وَلا تَعْضلُوهُنّ ﴾، قال :نزلت هاتان الاَيتان، إحداهما ف
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَإِنْ أَرَدْتّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مّبِيناً ﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ وَإنْ أرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ ﴾ وإن أردتم أيها المؤمنون نكاح امرأة مكان امرأة لكم تطلقونها ﴿ وآتَيْتمْ إحْدَاهنّ ﴾ يقول :وقد أعطيتم التي تريدون طلاقها من المهر قنطارا، والقنطار :المال الكثير. وقد ذكرنا فيما مضى اختلاف أهل التأويل في مبلغه والصواب من القول في ذلك عندنا. ﴿ فلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا ﴾ يقول :فلا تضرّوا بهنّ إذا أردتم طلاقهنّ ليفتدين منكم بما آتيتموهن. كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : ﴿ وَإنْ أرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ ﴾ :طلاق امرأة مكان أخرى، فلا يحلّ له من مال المطلقة شيء وإن كثر.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ أتأْخُذُونَهُ بُهْتانا وإثْما مبِينا ﴾.
يعني بقوله تعالى : ﴿ أتأْخُذُونَهُ ﴾ :أتأخذون ما آتيتموهنّ من مهورهنّ، ﴿ بُهْتانا ﴾ يقول :ظلما بغير حقّ، ﴿ وإثْما مُبِينا ﴾ يعني :وإثما قد أبان أمر آخذه أنه بأخذه إياه لمن أخذه منه ظالم.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىَ بَعْضُكُمْ إِلَىَ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مّيثَاقاً غَلِيظاً ﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ ﴾ :وعلى أيّ وجه تأخذون من نسائكم ما آتيتموهنّ من صدقاتهنّ إذا أردتم طلاقهنّ واستبدال غيرهنّ بهنّ أزواجا، وقد أفضى بعضكم إلى بعضكم فتباشرتم وتلامستم. وهذا كلام وإن كان مخرجه مخرج الاستفهام فإنه في معنى النكير والتغليظ، كما يقول الرجل لاَخر :كيف تفعل كذا وكذا وأنا غير راض به ؟ على معنى التهديد والوعيد. وأما الإفضاء إلى الشيء فإنه الوصول إليه بالمباشرة له، كما قال الشاعر :
بِلىً. . . أفْضَى إلى كُتْبِةٍ ***بَدَا سيرُها مِنْ باطِنٍ بَعْدَ ظاهِر
يعني بذلك :أن الفساد والبلى وصل إلى الخُرَز. والذي عُني به الإفضاء في هذا الموضع :الجماع في الفرج.
فتأويل الكلام إذ كان ذلك معناه :وكيف تأخذون ما آتيتموهنّ وقد أفضى بعضكم إلى بعض بالجماع ؟.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عبد الحميد بن بيان القناد، قال :حدثنا إسحاق، عن سفيان، عن عاصم، عن بكر بن عبد الله، عن ابن عباس، قال :الإفضاء :المباشرة، ولكن الله كريم يكني عما يشاء.
حدثنا محمد بن بشار، قال :حدثنا أبو عاصم، قال :حدثنا سفيان، عن عاصم، عن بكر، عن ابن عباس قال :الإفضاء :الجماع، ولكن اللّهِ يكني.
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا جرير، عن عاصم بن بكر بن عبد الله المزني، عن ابن عباس، قال :الإفضاء :هو الجماع.
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، قال :حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ وَقَدْ أفْضَى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ ﴾ قال :مجامعة النساء.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن المفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفْضَى بَعْضُكمْ إلى بَعْضٍ ﴾ يعني :المجامعة.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وأخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقا غَلِيظا ﴾.
أما ما وثقت به لهنّ على أنفسكم من عهد، وإقرار منكم بما أقررتم به على أنفسكم، من إمساكهنّ بمعروف، أو تسريحهنّ بإحسان، وكان في عقد المسلمين النكاح قديما، فيما بلغنا أن يقال للناكح :آلله عليك لتمسكنّ بمعروف أو لتسرحنّ بإحسان.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ وأخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقا غَلِيظا ﴾ والميثاق الغليظ الذي أخذه للنساء على الرجال :إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وقد كان في عهد المسلمين عند إنكاحهم :آللّهِ عليك لتمسكنّ بمعروف أو لتسرحنّ بإحسان.
واختلف أهل التأويل في الميثاق الذي عنى الله جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ وأخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقا غَلِيظا ﴾. فقال بعضهم :هو إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال :حدثنا هشيم، قال :أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله : ﴿ وأخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقا غَلِيظا ﴾ قال :إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان.
حدثني المثنى، قال :حدثنا عمرو بن عون، قال :حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، مثله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله : ﴿ وأخَذْن مِنْكُمْ مِيثاقا غَلِيظا ﴾ قال :هو ما أخذ الله تبارك وتعالى للنساء على الرجال، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. قال :وقد كان ذلك يؤخذ عند عقد النكاح.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ :أما ﴿ وأخَذْنَ مِنْكُمْ ميثاقا غَلِيظا ﴾ فهو أن ينكح المرأة فيقول وليها :أنكحناكها بأمانة الله، على أن تمسكها بالمعروف أو تسرّحها بإحسان.
حدثنا عمرو بن عليّ، قال :حدثنا عبد الأعلى، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله : ﴿ وأخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقا غَلِيظا ﴾ قال :الميثاق الغليظ الذي أخذه الله للنساء :إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وكان في عقدة المسلمين عند نكاحهنّ :ايم الله عليك لتمسكنّ بمعروف، ولتسرحنّ بإحسان.
حدثنا عمرو بن عليّ، قال :حدثنا أبو قتيبة، قال :حدثنا أبو بكر الهذلي، عن الحسن، ومحمد بن سيرين في قوله : ﴿ وأخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقا غَلِيظا ﴾ قال :إمساك بمعروف. أو تسريح بإحسان.
وقال آخرون :هو كلمة النكاح التي استحلّ بها الفرج. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد : ﴿ وأخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقا غَلِيظا ﴾ قال :كلمة النكاح التي استحلّ بها فروجهنّ.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا محمد بن بشار، قال :حدثنا يحيى بن سعيد، قال :حدثنا سفيان، عن أبي هاشم المكي، عن مجاهد في قوله : ﴿ وأخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقا غَلِيظا ﴾ قال :قوله نكحت.
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا حكام، قال :حدثنا عنبسة، عن محمد بن كعب القرضي : ﴿ وأخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقا غَلِيظا ﴾ قال :هو قولهم :قد ملكت النكاح.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو نعيم، قال :حدثنا سفيان، عن سالم الأفطس، عن مجاهد : ﴿ وَأخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقا غَلِيظا ﴾ قال :كلمة النكاح.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :ققال ابن زيد في قوله : ﴿ وأخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقا غَلِيظا ﴾ قال :الميثاق :النكاح.
حدثنا عمرو بن عليّ، قال :حدثنا يحيى بن سعيد، قال :حدثنا سفيان، قال :ثني سالم الأفطس، عن مجاهد : ﴿ وأخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقا غَلِيظا ﴾ قال :كلمة النكاح قوله نكحت.
وقال آخرون :بل عنى قول النبيّ صلى الله عليه وسلم : «أخَذْتُمُوهُنّ بأمانَةِ اللّهِ، واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنّ بِكَلِمَةِ اللّهِ ». ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر وعكرمة : ﴿ وأخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقا غَلِيظا ﴾ قالا :أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله.
حدثني المثنى، قال :حدثنا إسحاق، قال :حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع : ﴿ وأخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقا غَلِيظا ﴾ والميثاق الغليظ :أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله.
قال أبو جعفر :وأولى هذه الأقوال بتأويل ذلك قول من قال :الميثاق الذي عني به في هذه الاَية، هو ما أخذ للمرأة على زوجها عند عقدة النكاح، من عهد على إمساكها بمعروف، أو تسريحها بإحسان، فأقرّ به الرجل، لأن الله جلّ ثناؤه بذلك أوصى الرجال في نساءهم وقد بينا معنى الميثاق فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
واختلف في حكم هذه الاَية، أمحكم أم منسوخ ؟ فقال بعضهم :محكم، وغير جائز للرجل أخذ شيء مما آتاها إذا أراد طلاقها، إلا أن تكون هي المريدة الطلاق.
وقال آخرون :هي محكمة، غير جائز له أخذ شيء مما آتاها منها بحال، كانت هي المريدة للطلاق أو هو. وممن حكي عنه هذا القول بكر بن عبد الله بن المزني.
حدثنا مجاهد بن موسى، قال :حدثنا عبد الصمد، قال :حدثنا عقبة بن أبي المهنا، قال :سألت بكرا عن المختلعة أيأخذ منها شيئا ؟ قال :لا ﴿ وأخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقا غَلِيظا ﴾.
وقال آخرون :بل هي منسوخة نسخها قوله : ﴿ وَلا يَحِلّ لَكُمْ أنْ تَأْخُذُوا مما آتيتُمُوهُنّ شَيْئا إلاّ أنْ يَخافا أنْ لا يَقِيما حُدُودَ اللْهِ ﴾ ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ وَإنْ أرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ ﴾ إلى قوله : ﴿ وأخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقا غَلِيظا ﴾ قال :ثم رخص بعد، فقال : ﴿ وَلا يَحِلّ لَكُمْ أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنّ شَيْئَا إلاّ أنْ يَخافا ألاّ يُقِيما حُدُودَ اللّهِ فَإنْ خِفْتُمْ ألاّ يُقِيمَا حُدودَ اللّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ ﴾ قال :فنسخت هذه تلك.
قال أبو جعفر :وأولى الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال :إنها محكمة غير منسوخة، وغير جائز للرجل أخذ شيء مما آتاها إذا أراد طلاقها من غير نشوز كان منها، ولا ريبة أتت بها. وذلك أن الناسخ من الأحكام، ما نفى خلافه من الأحكام، على ما قد بينا في سائر كتبنا، وليس قوله : ﴿ وَإنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ ﴾ نفي حكم قوله : ﴿ فإنْ خِفْتُمْ ألاّ يُقِيما حُدُودَ اللّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ ﴾ لأن الذي حرّم الله على الرجل بقوله : ﴿ وَإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنّ قِنْطارا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا ﴾ أخذ ما آتاها منها إذا كان هو المريد طلاقها.
وأما الذي أباح له أخذه منها بقوله : ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ ﴾ فهو إذا كانت هي المريدة طلاقه، وهو كاره له ببعض المعاني التي قد ذكرنا في غير هذا الموضع، وليس في حكم إحدى الاَيتين نفي حكم الأخرى، وإذا كان ذلك كذلك لم يجز أن يحكم لإحداهما بأنها ناسخة، وللأخرى بأنها منسوخة، إلا بحجة يجب التسليم لها.
وأما ما قاله بكر بن عبد الله المزني من أنه ليس لزوج المختلعة أخذ ما أعطته على فراقه إياها إذا كانت هي الطالبة الفرقة وهو الكاره، فليس بصواب لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه أمر ثابت بن قيس بن شماس بأخذ ما كان ساق إلى زوجته وفراقها إن طلبت فراقه، وكان النشوز من قبلها.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مّنَ النّسَآءِ إِلاّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً ﴾.
قد ذكر أن هذه الاَية نزلت في قوم كانوا يخلفون على حلائل آبائهم، فجاء الإسلام وهم على ذلك، فحرّم الله تبارك وتعالى عليهم المقام عليهن، وعفا لهم عما كان سلف منهم في جاهليتهم وشركهم من فعل ذلك لم يؤاخذهم به إن هم اتقوا الله في إسلامهم وأطاعوه فيه. ذكر الأخبار التي رويت في ذلك :
حدثني محمد بن عبد الله المخرمي، قال :حدثنا قراد، قال :حدثنا ابن عيينة وعمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال :كان أهل الجاهلية يحرّمون ما يحرّم إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين، قال :فأنزل الله : ﴿ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النّساءِ إلاّ ما قَدْ سَلَفَ ﴾ ﴿ وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ ﴾.
حدثنا محمد بن بشار، قال :حدثنا عبد الأعلى، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله : ﴿ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النّساءِ ﴾. . . الاَية، قال :كان أهل الجاهلية يحرّمون ما حرّم الله، إلا أن الرجل كان يخلف على حليلة أبيه، ويجمعون بين الأختين، فمن ثم قال الله : ﴿ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النّساءِ إلاّ ما قَدْ سَلَفَ ﴾.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة في قوله : ﴿ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النّساءِ إلاّ ما قَدْ سَلَفَ ﴾ قال :نزلت في أبي قيس بن الأسلت خلف على أم عبيد بنت ضمرة، كانت تحت الأسلت أبيه، وفي الأسود بن خلف، وكان خلف على بنت أبي طلحة بن عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار، وكانت عند أبيه خلف، وفي فاختة بنت الأسود بن المطلب بن أسد، وكانت عند أمية بن خلف، فخلف عليها صفوان بن أمية، وفي منظور بن رباب، وكان خلف على مليكة ابنة خارجة، وكانت عند أبيه رباب بن سيار.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، قال :قلت لعطاء بن أبي رباح :الرجل ينكح المرأة ثم لا يراها حتى يطلقها، أتحلّ لابنه ؟ قال :هي مرسلة، قال الله تعالى : ﴿ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النّساءِ ﴾ قال :قلت لعطاء :ما قوله : ﴿ إلاّ ما قَدْ سَلَفَ ﴾ ؟ قال :كان الأبناء ينكحون نساء آبائهم في الجاهلية.
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النّساءِ ﴾. . . الاَية، يقول :كل امرأة تزوّجها أبوك وابنك دخل أو لم يدخل فهي عليك حرام.
واختلف في معنى قوله : ﴿ إلاّ ما قَدْ سَلَفَ ﴾ فقال بعضهم :معناه :لكن ما قد سلف فدعوه، وقالوا هو من الاستثناء المنقطع.
وقال آخرون :معنى ذلك :ولا تنكحوا نكاح آبائكم، بمعنى :ولا تنكحوا كنكاحهم كما نكحوا على الوجوه الفاسدة التي لا يجوز مثلها في الإسلام، ﴿ إنّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتا وَسَاءَ سَبِيلاً ﴾ يعني :أن نكاح آبائكم الذي كانوا ينكحونه في جاهليتهم كان فاحشة ومقتا وساء سبيلاً، إلا ما قد سلف منكم في جاهليتكم من نكاح لا يجوز ابتداء مثله في الإسلام، فإنه معفوّ لكم عنه.
وقالوا :قوله : ﴿ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ أباؤُكُمْ مِنَ النّساءِ ﴾ كقول القائل للرجل :لا تفعل ما فعلت، ولا تأكل ما أكلت بمعنى :ولا تأكل كما أكلت، ولا تفعل كما فعلت.
وقال آخرون :معنى ذلك :ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء بالنكاح الجائز كان عقده بينهم، إلا ما قد سلف منهم من وجوه الزنا عندهم، فإن نكاحهنّ لكم حلال كان لأنهنّ لم يكنّ لهم حلائل، وإنما ما كان من آبائكم منهنّ من ذلك فاحشة ومقتا وساء سبيلاً. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ أباؤُكُمْ مِنَ النّساءِ إلاّ ما قَدْ سَلَف ﴾. . . . الاَية، قال :الزنا، إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلاً. فزاد ههنا المقت.
قال أبو جعفر :وأولى الأقوال في ذلك بالصواب على ما قاله أهل التأويل في تأويله، أن يكون معناه :ولا تنكحوا من النساء نكاح آبائكم إلا ما قد سلف منكم، فمضى في الجاهلية، فإنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلاً، فيكون قوله : ﴿ مِنَ النّساءِ ﴾ من صلة قوله : ﴿ وَلا تَنْكِحُوا ﴾ ويكون قوله : ﴿ ما نَكَحَ آباؤكُمْ ﴾ بمعنى المصدر، ويكون قوله : ﴿ إلاّ ما قَدْ سَلَفَ ﴾ بمعنى الاستثناء المنقطع، لأنه يحسن في موضعه :لكن ما قد سلف فمضى، إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلاً.
فإن قال قائل :وكيف يكون هذا القول موافقا قول من ذكرت قوله من أهل التأويل، وقد علمت أن الذين ذكرت قولهم في ذلك، إنما قالوا :أنزلت هذه الاَية في النهي عن نكاح حلائل الاَباء، وأنت تذكر أنهم إنما نهوا أن ينكحوا نكاحهم ؟ قيل له :وإن قلنا إن ذلك هو التأويل الموافق لظاهر التنزيل، إذ كانت ما في كلام العرب لغير بني آدم، وإنه لو كان المقصود بذلك النهي عن حلائل الاَباء دون سائر ما كان من مناكح آبائهم حراما، ابتدىء مثله في الإسلام، بنهي الله جلّ ثناؤه عنه، لقيل :ولا تنكحوا من نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف، لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، إذ كان «من » لبني آدم و«ما » لغيرهم، ولا تقل :ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء، فإنه يدخل في «ما » ما كان من مناكح آبائهم التي كانوا يتناكحونها في جاهليتهم، فحرم عليهم في الإسلام بهذه الاَية نكاح حلائل الاَباء، وكل نكاح سواه، نهى الله تعالى ذكره ابتداء مثله في الإسلام، مما كان أهل الجاهلية يتناكحونه في شركهم.
ومعنى قوله : ﴿ إلاّ ما قَدْ سَلَفَ ﴾ :إلا ما قد مضى، ﴿ إنّهُ كان فاحِشَةً ﴾ يقول :إن نكاحكم الذي سلف منكم، كنكاح آبائكم المحرّم عليكم ابتداء مثله في الإسلام بعد تحريمي ذلك عليكم فاحشة، يقول :معصية ﴿ وَمَقْتا وَساءَ سَبِيلاً ﴾ :أي بئس طريقا ومنهجا ما كنتم تفعلون في جاهليتكم من المناكح التي كنتم تتناكحونها.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأخِ وَبَنَاتُ الاُخْتِ وَأُمّهَاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مّنَ الرّضَاعَةِ وَأُمّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مّن نّسَآئِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنّ فَإِن لّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاخْتَيْنِ إَلاّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رّحِيماً ﴾.
يعني بذلك تعالى ذكره :حرّم عليكم نكاح أمهاتكم، فترك ذكر النكاح اكتفاء بدلالة الكلام عليه.
وكان ابن عباس يقول في ذلك، ما :
حدثنا به أبو كريب، قال :حدثنا ابن أبي زائدة، عن الثوري، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال :حرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع. ثم قرأ : ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمّهاتُكُمْ ﴾ حتى بلغ : ﴿ وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ إلاّ ما قَدْ سَلَفَ ﴾ قال :والسابعة ﴿ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤكُمْ مِنَ النّساءِ ﴾.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا مؤمل، قال :حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال :يحرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع، ثم قرأ : ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمّهاتُكُمْ ﴾. . . إلى قوله : ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ ﴾.
حدثنا ابن بشار مرة أخرى، قال :حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال :حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس، مثله.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا عبد الرحمن، قال :حدثنا سفيان، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري بنحوه.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا عبد الرحمن، قال :حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال :حرم عليكم سبع نسبا وسبع صهرا. ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمّهاتُكُمْ ﴾. . . الاَية.
حدثنا ابن وكيع، قال حدثنا أبي، عن عليّ بن صالح، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وأخَوَاتُكُمْ ﴾ قال :حرّم الله من النسب سبعا، ومن الصهر سبعا، ثم قرأ : ﴿ وأُمّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمْ ﴾. . . الاَية.
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا جرير، عن مطرف، عن عمرو بن سالم مولى الأنصار، قال :حرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع :حرمت عليكم أمهاتكم، وبناتكم، وأخواتكم، وعماتكم، وخالاتكم، وبنات الأخ، وبنات الأخت. ومن الصهر :أمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة، وأمهات نسائكم، وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ، فإن لم تكونوا دخلتم بهن، فلا جناح عليكم، وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم، وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف. ثم قال : ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكتْ أيمَانُكُمْ ﴾، ﴿ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤكُمْ مِنَ النّساءِ ﴾.
فكل هؤلاء اللواتي سماهنّ الله تعالى وبين تحريمهنّ في هذه الاَية محرّمات غير جائز نكاحهنّ لمن حرّم الله ذلك عليه من الرجال، بإجماع جميع الأمة، لا اختلاف بينهم في ذلك، إلا في أمهات نسائنا اللواتي لم يدخل بهنّ أزواجهنّ، فإن في نكاحهنّ اختلافا بين بعض المتقدمين من الصحابة إذا بانت الابنة قبل الدخول بها من زوجها، هل هنّ من المبهات، أم هنّ من المشروط فيهنّ الدخول ببناتهنّ. فقال جميع أهل العلم متقدمهم ومتأخرهم :من المبهمات، وحرام على من تزوّج امرأة أمها دخل بامرأته التي نكحها أو لم يدخل بها، وقالوا :شرط الدخول في الربيبة دون الأم، ، فأما أم المرأة فمطلقة بالتحريم. قالوا :ولو جاز أن يكون شرط الدخول في قوله : ﴿ وَرَبائِبِكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمُ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنّ ﴾ فوضع موصولاً به قوله : ﴿ وأُمّهاتُ نِسائِكُمْ ﴾ جاز أن يكون الاستثناء في قوله : ﴿ وَالمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ ﴾ من جميع المحرّمات بقوله : ﴿ حُرْمَتْ عَلَيْكُمْ ﴾. . . الاَية، قالوا :وفي إجماع الجميع على أن الاستثناء في ذلك إنما هو مما وليه من قوله : ﴿ والمُحْصَناتُ ﴾ أبين الدلالة على أن الشرط في قوله : ﴿ مِنْ نِسائِكُمْ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنّ ﴾ مما وليه من قوله : ﴿ وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي في حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنّ ﴾ دون أمهات نسائنا. وروي عن بعض المتقدمين أنه كان يقول :حلال نكاح أمهات نسائنا اللواتي لم ندخل بهنّ، وإن حكمهنّ في ذلك حكم الربائب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال :حدثنا ابن أبي عدّي وعبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن عليّ رضي الله عنه في رجل تزوّج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها، أيتزوّج أمها ؟ قال :هي بمنزلة الربيبة.
حدثنا حميد بن مسعدة، قال :حدثنا يزيد بن زريع، قال :حدثنا سعيد، قال :حدثنا قتادة، عن خلاس، عن عليّ رضي الله عنه، قال :هي بمنزلة الربيبة.
حدثنا حميد، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، قال :حدثنا قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن زيد بن ثابت أنه كان يقول :إذا ماتت عنده، وأخذ ميراثها، كره أن يخلف على أمها، وإذا طلقها قبل أن يدخل بها، فإن شاء فعل.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا يحيى بن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن زيد بن ثابت، قال :إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فلا بأس أن يتزوّج أمها.
حدثنا القاسم، قال :ثني حجاج، قال :قال ابن جريج، أخبرني عكرمة بن خالد، أن مجاهدا قال له : ﴿ وأُمّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي في حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمْ ﴾ أريد بهما الدخول جميعا.
قال أبو جعفر :والقول الأوّل أولى بالصواب، أعني قول من قال :الأم من المبهمات، لأن الله لم يشرط معهنّ الدخول ببناتهنّ، كما شرط ذلك مع أمهات الربائب، مع أن ذلك أيضا إجماع من الحجة التي لا يجوز خلافها فيما جاءت به متفقة عليه.
وقد رُوي بذلك أيضا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم خبر، غير أن في إسناده نظرا، وهو ما :
حدثنا به المثنى، قال :حدثنا حبان بن موسى، قال :أخبرنا ابن المبارك، قال :أخبرنا المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال : «إذَا نَكَحَ الرّجُلُ المَرأةَ فَلا يَحِلّ لَهُ أنْ يَتَزَوّجَ أُمّها، دَخَلَ بالابْنَةِ أمْ لَمْ يَدْخُلْ، وَإذَا تَزَوّجَ الأُمّ فَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا ثُمّ طَلّقَها، فإنْ شاءَ تَزَوّجَ الابْنَة ».
قال أبو جعفر :وهذا خبر وإن كان في إسناده ما فيه، فإن في إجماع الحجة على صحة القول به مستغنى عن الاستشهاد على صحته بغيره.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، قال لعطاء :الرجل ينكح المرأة لم يرها ولا يجامعها حتى يطلقها، أيحلّ له أمها ؟ قال :لا، هي مرسلة. قلت لعطاء :أكان ابن عباس يقرأ : ﴿ وأُمّهاتُ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنّ ﴾ ؟ قال :لا تبرأ¹ قال حجاج :قلت لابن جريج :ما تبرأ ؟ قال :كأنه قال :لا لا.
وأم الربائب فإنه جمع ربيبة وهي ابنة امرأة الرجل، قيل لها ربيبة لتربيته إياها، وإنما هي مربوبة صرفت إلى ربيبة، كما يقال :هي قبيلة من مقبولة، وقد يقال لزوج المرأة :هو ربيب ابن امرأته، يعني به :هو رابّه، كما يقال :هو جابر وجبير، وشاهد وشهيد.
واختلف أهل التأويل في معنى قوله : ﴿ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنّ ﴾ فقال بعضهم معنى الدخول في هذا الموضع :الجماع. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ مِنْ نِسائِكُمْ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنّ ﴾ والدخول :النكاح.
وقال آخرون :الدخول في هذا الموضع :هو التجريد. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، قال :قال ابن جريج :قلت لعطاء، قوله : ﴿ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنّ ﴾ ما الدخول بهنّ ؟ قال :أن تهدى إليه فيكشف ويعتسّ، ويجلس بين رجليها. قلت :أرأيت إن فعل ذلك في بيت أهلها ؟ قال :هو سواء، وحسبه قد حرم ذلك عليه ابنتها. قلت :تحرم الربيبة ممن يصنع هذا بأمها إلا ما يحرم عليّ من أمتي إن صنعته بأمها ؟ قال :نعم سواء. قال عطاء :إذا كشف الرجل أمته وجلس بين رجليها أنهاه عن أمها وابنتها.
قال أبو جعفر :وأولى القولين عندي بالصواب في تأويل ذلك، ما قاله ابن عباس، من أن معنى الدخول :الجماع والنكاح، لأن ذلك لا يخلو معناه من أحد أمرين :إما أن يكون على الظاهر المتعارف من معاني الدخول في الناس، وهو الوصول إليها بالخلوة بها، أو يكون بمعنى الجماع، وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأته لا يحرّم عليه ابنتها إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها، أو قبل النظر إلى فرجها بالشهوة ما يدلّ على أن معنى ذلك :هو الوصول إليها بالجماع. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الصحيح من التأويل في ذلك ما قلناه.
وأما قوله : ﴿ فإنْ لمْ تَكُونُوا دخَلْتُمْ بِهِنّ فَلا جُناح عَلَيْكُمْ ﴾ فإنه يقول :فإن لم تكونوا أيها الناس دخلتم بأمهات ربائبكم اللاتي في حجوركم، فجامعتموهنّ حتى طلقتموهنّ، ﴿ فلا جُنَاحَ عَلَيْكُم ﴾ يقول :فلا حرج عليكم في نكاح من كان من ربائبكم كذلك.
وأما قوله : ﴿ وَحَلائِلُ أبْنائِكُمْ الّذِينَ مِنْ أصْلابِكُمْ ﴾ فإنه يعني :وأزواج أبنائكم الذين من أصلابكم، وهي جمع حليلة وهي امرأته، وقيل :سميت امرأة الرجل حليلته، لأنها تحلّ معه في فراش واحد. ولا خلاف بين جميع أهل العلم أن حليلة ابن الرجل حرام عليه نكاحها بعقد ابنه عليها النكاح، دخل بها أو لم يدخل بها.
فإن قال قائل :فما أنت قائل في حلائل الأبناء من الرضاع، فإن الله تعالى إنما حرّم حلائئل أبنائنا من أصلابنا ؟ قيل :إن حلائل الأبناء من الرضاع، وحلائل الأبناء من الأصلاب سواء في التحريم، وإنما قال : ﴿ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمْ الّذِين مِنْ أصْلابِكُمْ ﴾ لأن معناه :وحلائل أبنائكم الذين ولدتموهم دون حلائل أبنائكم الذين تبنيتوهم. كما :
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال :قلت لعطاء، قوله : ﴿ وَحَلائِلُ أبْنائِكُمْ الّذِينَ مِنْ أصْلابِكُمْ ﴾ قال :كنا نُحَدّث والله أعلم أنها نزلت في محمد صلى الله عليه وسلم حين نكح امرأة زيد بن حارثة، قال المشركون في ذلك، فنزلت : ﴿ وَحَلائِلُ أبْنائِكمُ الّذِينَ مِنْ أصْلابِكُمْ ﴾، ونزلت :{ وَما ج
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النّسَآءِ إِلاّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلّ لَكُمْ مّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنّ فَآتُوهُنّ أُجُورَهُنّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه :حرّمت عليكم المحصنات من النساء، إلا ما ملكت أيمانكم.
واختلف أهل التأويل في المحصنات التي عناهنّ الله في هذه الاَية، فقال بعضهم :هن ذوات الأزواج غير المسبيات منهنّ. وملكُ اليمين :السبايا اللواتي فرّق بينهنّ وبين أزواجهنّ السباء، فحللن لمن صرن له بملك اليمين من غير طلاق كان من زوجها الحربيّ لها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال :حدثنا عبد الرحمن، قال :حدثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال :كل ذات زوج إتيانها زنا، إلا ما سَبَيْتَ.
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا ابن عطية، قال :حدثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثنى معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله : ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكْتَ أيمَانُكُمْ ﴾ يقول :كل امرأة لها زوج فهي عليك حرام إلا أمة ملكتها ولها زوج بأرض الحرب، فهي لك حلال إذا استبرأتها.
وحدثني المثنى، قال :حدثنا عمرو بن عون، قال :أخبرنا هشيم، عن خالد، عن أبي قلابة في قوله : ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمانُكُمْ ﴾ قال :ما سبيتم من النساء، إذا سَبَيْتَ المرأة ولها زوج في قومها، فلا بأس أن تطأها.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ ﴾ قال :كل امرأة محصنة لها زوج فهي محرمة إلا ما ملكت يمينك من السبي وهي محصنة لها زوج، فلا تحرم عليك به. قال :كان أبي يقول ذلك.
حدثني المثنى، قال :حدثنا عتبة بن سعيد الحمصي، قال :حدثنا سعيد، عن مكحول في قوله : ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ ﴾ قال :السبايا.
واعتلّ قائلوا هذه المقالة بالأخبار التي رُويت أن هذه الاَية نزلت فيمن سُبي من أَوْطاس. ذكر الرواية بذلك :
حدثنا بشر بن معاذ قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي علقمة الهاشمي، عن أبي سعيد الخدريّ :أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس، فلقوا عدوا، فأصابوا سبايا لهنّ أزواج من المشركين، فكان المسلمون يتأثّمون من غشيانهنّ، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الاَية : ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمانُكُمْ ﴾ أي هنّ حلال لكم إذا ما انقضت عِدَدُهن.
حدثنا محمد بن بشار، قال :حدثنا عبد الأعلى، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل :أن أبا علقمة الهاشمي حدّث، أن أبا سعيد الخدريّ حدّث :أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم بعث يوم حنين سرية، فأصابوا حيّا من أحياء العرب يوم أوطاس، فهزموهم وأصابوا لهم سبايا، فكان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأثمون من غشيانهن من أجل أزواجهنّ، فأنزل الله تبارك وتعالى :{ والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ منهنّ، فحلال لكم ذلك.
حدثني عليّ بن سعيد الكناني، قال :حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن أشعث بن سوار، عن عثمان البتي، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري، قال :لما سبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل أوطاس، قلنا :يا رسول الله، كيف نقع على نساء قد عرفنا أنسابهن وأزواجهنّ ؟ قال :فنزلت هذه الاَية : ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ ﴾.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا الثوري، عن عثمان البتي، عن أبي الخليل عن أبي سعيد الخدري، قال :أصبنا نساء من سبي أوطاس لهنّ أزواج، فكرهنا أن نقع عليهنّ ولهن أزواج، فسألنا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فنزلت : ﴿ والمُحْصّناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ ﴾ فاستحللنا فروجهنّ.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أبي الخليل عن أبي سعيد، قال :نزلت في يوم أوطاس، أصاب المسلمون سبايا لهن أزواج في الشرك، فقال : ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ ﴾ يقول :إلا ما أفاء الله عليكم، قال :فاستحللنا بها فروجهنّ.
وقال آخرون ممن قال : «المحصنات ذوات الأزواج في هذا الموضع ». بل هنّ كل ذات زوج من النساء حرام على غير أزواجهنّ، إلا أن تكون مملوكة اشتراها مشتر من مولاها فتحلّ لمشتريها، ويُبطل بيع سيدها إياها النكاحَ بينها وبين زوجها. ذكر من قال ذلك :
حدثني أبو السائب سلم بن جنادة، قال :حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله في قوله : ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ ﴾ قال :كل ذات زوج عليك حرام إلا أن تشتريها، أو ما ملكت يمينك.
حدثني المثنى، قال :حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن مغيرة عن إبراهيم :أنه سئل عن الأمة تباع ولها زوج، قال :كان عبد الله يقول :بيعها طلاقها، ويتلو هذه الاَية : ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ ﴾.
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله في قوله : ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ ﴾ قال :كل ذات زوج عليك حرام، إلا ما اشتريت بمالك¹ وكان يقول :بيع الأمة :طلاقها.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب قوله : ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ ﴾ قال :هنّ ذوات الأزواج حرم الله نكاحهنّ إلا ما ملكت يمينك، فبيعها طلاقها. قال معمر :وقال الحسن مثل ذلك.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا عبد الأعلى، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن في قوله : ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ ﴾ قال :إذا كان لها زوج فبيعها طلاقها.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا عبد الأعلى، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة أن أبيّ بن كعب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك قالوا :بيعها طلاقها.
حدثنا محمد بن المثنى، قال :حدثنا عبد الأعلى، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة أن أبيّ بن كعب وجابرا وابن عباس، قالوا :بيعها طلاقها.
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا عمر بن عبيد، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال :قال عبد الله :بيع الأمة طلاقها.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا عبد الرحمن، قال :حدثنا سفيان، عن منصور ومغيرة والأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله، قال :بيع الأمة طلاقها.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا مؤمّل، قال :حدثنا سعيد، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله. مثله.
حدثنا ابن المثنى، قال :حدثنا محمد بن جعفر، قال :حدثنا شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله مثله.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال :حدثنا ابن عُلَية، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال :طلاق الأمة ستّ :بيعها طلاقها، وعتقها طلاقها، وهبتها طلاقها، وبراءتها طلاقها، وطلاق زوجها طلاقها.
حدثني أحمد بن المغيرة الحمصي. قال :حدثنا عثمان بن سعيد، عن عيسى بن أبي إسحاق، عن أشعث، عن الحسن، عن أبيّ بن كعب :أنه قال :بيع الأمة طلاقها.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا عبد الأعلى، عن عوف، عن الحسن، قال :بيع الأمة طلاقها، وبيعه طلاقها.
حدثنا حميد بن مسعدة، قال :حدثنا بشر بن المفضل، قال :حدثنا خالد، عن أبي قلابة، قال :قال عبد الله :مشتريها أحقّ ببُضْعِها. يعني :الأمة تباع ولها زوج.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال :حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن الحسن، قال :طلاق الأمة بيعها.
حدثنا حميد، قال :حدثنا سفيان بن حبيب، قال :حدثنا يونس، عن الحسن أن أبيّا، قال :بيعها طلاقها.
حدثنا أحمد، قال :حدثنا سفيان، عن خالد، عن أبي قلابة، عن ابن مسعود، قال :إذا بيعت الأمة ولها زوج فسيدها أحقّ بُبْضعها.
حدثنا حميد، قال :حدثنا يزيد بن زريع، قال :ثنى سعيد، عن قتادة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، قال :بيعها طلاقها. قال :فقيل لإبراهيم :فبيعه ؟ قال :ذلك ما لا نقول فيه شيئا.
وقال آخرون :بل معنى المحصنات في هذا الموضع :العفائف. قالوا :وتأويل الاَية :والعفائف من النساء حرام أيضا عليكم، إلا ما ملكت أيمانكم منهنّ بنكاح وصداق وسنة وشهود من واحدة إلى أربع. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثنى حجاج، عن أبي جعفر، عن أبي العالية، قال :يقول :انكحوا ما طاب لكم من النساء :مثَنى، وثلاثَ، ورباع، ثم حرم ما حرم من النسب والصهر، ثم قال : ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ ﴾ قال :فرجع إلى أوّل السورة إلى أربع، فقال :هنّ حرام أيضا، ألا بصداق وسنّة وشهود.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين عن عبيدة، قال :أحلّ الله لك أربعا في أوّل السورة، وحرّم نكاح كلّ محصنة بعد الأربع، إلا ما ملكت يمينك. قال معمر :وأخبرني ابن طاوس عن أبيه :إلا ما ملكت يمينك، قال :فزوجك مما ملكت يمينك، يقول :حرّم الله الزنا، لا يحلّ لك أن تطأ امرأة إلا ما ملكت يمينك.
حدثني عليّ بن مسروق الكندي، قال :حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، قال :سألت عبيدة عن قول الله تعالى : ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ ﴾ قال :أربع.
حدثني عليّ بن سعيد، قال :حدثنا عبد الرحيم، عن أشعث بن سوار، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن عمر بن الخطاب، مثله.
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير في قوله : ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ ﴾ قال :الأربع، فمابعدهنّ حرام.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال :سألت عطاء عنها، فقال :حرّم الله ذوات القرابة، ثم قال : ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ ﴾ يقول :حرّم ما فوق الأربع منهنّ.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن المفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ ﴾ قال :الخامسة حرام كحرمة الأمهات والأخوات.
ذكر من قال :عَنَى
القول في تأويل قوله :
﴿ وَمَن لّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنّ وَآتُوهُنّ أُجُورَهُنّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَآ أُحْصِنّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ ﴾. .
اختلف أهل التأويل في معنى الطول الذي ذكره الله تعالى في هذه الاَية، فقال بعضهم :هو الفضل والمال والسعة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : ﴿ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً ﴾ قال :الغنى.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثنى معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله : ﴿ وَمَنْ لَم يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً ﴾ يقول :من لم يكن له سعة.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً ﴾ يقول :من لم يستطع منكم سعة.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا هشيم، قال :حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، قوله : ﴿ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً ﴾ قال :الطّوْل :الغنى.
حدثني ابن المثنى، قال :حدثنا حبان بن موسى، قال :أخبرنا ابن المبارك، قال :أخبرنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله : ﴿ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً ﴾ قال :الطول :السعة.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن المضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً ﴾ أما قوله طولاً :فسعة من المال.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً ﴾. . . الاَية، قال :طولاً :لا يجد ما ينكح به حرّة.
وقال آخرون :معنى الطول في هذا الموضع :الهَوَى. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :ثنى عبد الجبار بن عمر، عن ربيعة أنه قال في قول الله : ﴿ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً ﴾ قال :الطّوْلُ :الهوى، قال :ينكح الأمة إذا كان هواه فيها.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد :كان ربيعة يلين فيه بعض التليين، كان يقول :إذا خشي على نفسه إذا أحبها أي الأمة وإن كان يقدر على نكاح غيرها فإني أرى أن ينكحها.
حدثني المثنى، قال :حدثنا حبان بن موسى، قال :أخبرنا ابن المبارك، قال :أخبرنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر أنه سئل عن الحرّ يتزوّج الأمة، فقال :إن كان ذا طول فلا. قيل :إن وقع حبّ الأمة في نفسه ؟ قال :إن خشي العنت فليتزوّجها.
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا جرير، عن منصور، عن عبيدة، عن الشعبي، قال :لا يتزوّج الحرّ الأمة إلا أن لا يجد. وكان إبراهيم يقول :لا بأس به.
حدثني المثنى، قال :حدثنا حبان بن موسى، قال :أخبرنا ابن المبارك، قال :أخبرنا ابن جريج، قال :سمعت عطاء يقول :لا نكره أن ينكح ذو اليسار الأمة إذا خشي أن يُسْعَى بها.
قال أبو جعفر :وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال :معنى الطول في هذا الموضع :السعة والغنى من المال، لإجماع الجميع على أن الله تبارك وتعالى لم يحرّم شيئا من الأشياء سوى نكاح الإماء لواجد الطول إلى الحرّة، فأحلّ ما حرّم من ذلك عند غلبته المحرم عليه له لقضاء لذة. فإذ كان ذلك إجماعا من الجميع فيما عدا نكاح الإماء لواجد الطول، فمثله في التحريم نكاح الإماء لواجد الطول :لا يحلّ له من أجل غلبة هوى سرّه فيها، لأن ذلك مع وجوده الطول إلى الحرة منه قضاء لذة وشهوة وليس بموضع ضرورة تدفع ترخصه كالميتة للمضطر الذي يخاف هلاك نفسه فيترخص في أكلها ليحيى بها نفسه، وما أشبه ذلك من المحرّمات اللواتي رخص الله لعباده في حال الضرورة والخوف على أنفسهم الهلاك منه ما حرم عليهم منها فيغيرها من الأحوال. ولم يرخص الله تبارك وتعالى لعبد في حرام لقضاء لذة، وفي إجماع الجميع على أن رجلاً لو غلبه هوى امرأة حرة أو امرأة أنها لا تحلّ له إلا بنكاح أو شراء على ما أذن الله به، ما يوضح فساد قول من قال :معنى الطول في هذا الموضع :الهوى، وأجاز لواجد الطول لحرة نكاح الإماء.
فتأويل الاَية إذ كان الأمر على ما وصفنا :ومن لم يجد منكم سعة من مال لنكاح الحرائر، فلينكح مما ملكت أيمانكم. وأصل الطّوْل :الإفضال، يقال منه :طال عليه يَطُول طَوْلاً في الإفضال، وطال يَطُول طُولاً في الطول الذي هو خلاف القصر.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ إنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمناتِ فَمِمّا مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ ﴾.
يعني بذلك :ومن لم يستطع منكم أيها الناس طولاً، يعني :من الأحرار أن ينكح المحصنات وهنّ الحرائر المؤمنات اللواتي قد صدّقن بتوحيد الله وبما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحقّ.
وبنحو ما قلنا في المحصنات قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثنى معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ ﴾ يقول :أن ينكح الحرائر، فلينكح من إماء المؤمنين.
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : ﴿ أنْ يَنْكَحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِمّا مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ ﴾ قال :المحصنات الحرائر، فلينكح الأمة المؤمنة.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن المفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السدّي :أما فيتاتكم :فإماؤكم.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :أخبرنا هشيم، قال :أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير : ﴿ أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِمّا مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ ﴾ قال :أما من لم يجد ما ينكح به الحرّة فيتزوّج الأمة.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِمّا مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمْ المُؤْمِناتِ ﴾ قال :من لم يجد ما ينكح به حرة فينكح هذه الأمة فيتعفف بها ويكفيه أهلها مؤنتها، ولم يحل الله ذلك لأحد إلا لمن لا يجد ما ينكح به حرّة وينفق عليها، ولم يحلّ له حتى يخشى العنت.
حدثنا المثنى، قال :حدثنا حبان بن موسى، قال :أخبرنا ابن المبارك، قال :أخبرنا سفيان، عن هشام الدستوائي، عن عامر الأحول، عن الحسن :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تنكح الأمة على الحرة وتنكح الحرة على الأمة، ومن وجد طَوْلاً لحرة فلاينكح أمة.
واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته جماعة من قراء الكوفيين والمكيين : ﴿ أنْ يَنْكِحَ المُحْصِناتِ ﴾ بكسر الصاد مع سائر ما في القرآن من نظائر ذلك سوى قوله : ﴿ والمُحْصَناتِ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيَمَانُكُمْ ﴾ فإنهم فتحوا الصاد منها، ووجهوا تأويله إلى أنهنّ محصنات بأزواجهنّ، وأن أزواجهنّ هم أحصنوهنّ. وأما سائر ما في القرآن فإنهم تأوّلوا في كسرهم الصاد منه إلى أن النساءهنّ أحصنّ أنفسهنّ بالعفة. وقرأت عامة قراء المدينة والعراق ذلك كله بالفتح، بمعنى أن بعضهن أحصنّهن أزواجهن، وبعضهن أحضهن حريتهن أو إسلامهن. وقرأ بعض المتقدمين كل ذلك بالكسر، بمعنى أنهن عففن وأحصن أنفسهنّ. وذكرت هذه القراءة أعني بكسر الجميع عن علقمة على الاختلاف في الرواية عنه.
قال أبو جعفر :والصواب عندنا من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار مع اتفاق ذلك في المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب، إلا في الحرف الأوّل من سورة النساء، وهو قوله : ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكمْ ﴾ فإني لا أستجيز الكسر في صاده لاتفاق قراءة الأمصار على فتحها. ولو كانت القراءة بكسرها مستفيضة استفاضتها بفتحها كان صوابا [ القراءة بكسرها مستفيضة استفاضتها بفتحها كان صوابا ] القراءة بها كذلك لما ذكرنا من تصرّف الإحصان في المعاني التي بيناها، فيكون معنى ذلك لو كسر :والعفائف من النساء حرام عليكم، إلا ما ملكت أيمانكم، بمعنى أنهنّ أحصنّ أنفسهنّ بالعفة. وأما الفتيات فإنهنّ جمع فتاة، وهنّ الشواب من النساء، ثم يقال لكل مملوكة ذات سنّ أو شابة فتاة، والعبد فتى.
ثم اختلف أهل العلم في نكاح الفتيات غير المؤمنات، وهل عنى الله بقوله : ﴿ مِنْ فَتَياتِكُمْ المُؤْمناتِ ﴾ تحريم ما عدا المؤمنات منهنّ، أم ذلك من الله تأديب للمؤمنين ؟ فقال بعضهم :ذلك من الله تعالى ذكره دلالة على تحريم نكاح إماء المشركين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال :حدثنا عبد الرحمن، قال :أخبرنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ مِنْ فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ ﴾ قال :لا ينبغي أن يتزوّج مملوكة نصرانية.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ مِنْ فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ ﴾ قال :لا ينبغي للحرّ المسلم أن ينكح المملوكة من أهل الكتاب.
حدثنا عليّ بن سهل، قال :حدثنا الوليد بن مسلم، قال :سمعت أبا عمرو، وسعيد بن عبد العزيز، ومالك ابن أنس، ومالك بن عبد الله بن أبي مريم، يقولون :لا يحلّ لحرّ مسلم ولا لعبد مسلم الأمة النصرانية، لأن الله يقول : ﴿ مِنْ فَتَياتِكُمْ المُؤْمِناتِ ﴾ يعني بالنكاح.
وقال آخرون :ذلك من الله على الإرشاد والندب، لا على التحريم. وممن قال ذلك جماعة من أهل العراق. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا جرير، عن منصور، عن مغيرة، قال :قال أبو ميسرة، أما أهل الكتاب بمنزلة الحرائر.
ومنهم أبو حنيفة وأصحابه. واعتلوا لقولهم بقول الله : ﴿ أُحِلّ لَكُمُ الطّيّباتُ وَطَعامُ الّذِينَ أُوتُو الكِتابَ حِلّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلّ لَهُمْ والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ وَالمُحْصَناتُ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إذَا آتَيْتُمُوهُنّ أُجُورَهُنّ ﴾ قالوا :فقد أحلّ الله محصنات أهل الكتاب عاما، فليس لأحد أن يخصّ منهنّ أمة ولا حرّة. قالوا :ومعنى قوله : ﴿ فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ ﴾ :غير المشركات من عبدة الأ
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ ﴾ حلاله وحرامه، ﴿ وَيهْدِيَكُمْ سُنَنَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ يقول وليسددكم سنن الذين من قبلكم، يعني :سبل من قبلكم من أهل الإيمان بالله وأنبيائه ومناهجهم، فيما حرم عليكم من نكاح الأمهات والبنات والأخوات، وسائر ما حرم عليكم في الاَيتين اللتين بين فيهما ما حرم من النساء. ﴿ ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ يقول :يريد الله أن يرجع بكم إلى طاعته في ذلك مما كنتم عيه من معصيته في فعلكم ذلك قبل الإسلام، وقبل أن يوحي ما أوحى إلى نبيه من ذلك عليكم، ليتجاوز لكم بتوبتكم عما سلف منكم من قبيح ذلك قبل إنابتكم وتوبتكم. ﴿ وَاللّهُ عَلِيمٌ ﴾ يقول :والله ذو علم بما يصلح عباده في أديانهم ودنياهم، وغير ذلك من أمورهم، وبما يأتون ويذرون ما أحلّ أو حرّم عليهم حافظ ذلك كله عليهم، حكيم بتدبيره فيهم في تصريفهم فيما صرفهم فيه.
واختلف أهل العربية في معنى قوله : ﴿ يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ ﴾ فقال بعضهم :معنى ذلك، يريد الله هذا من أجل أن يبين لكم، وقال :ذلك كما قال : ﴿ وَأُمِرْتُ لاِءَعْدِلَ بَيْنُكُمْ ﴾ بكسر اللام، لأن معناه :أمرت بهذا من أجل ذلك.
وقال آخرون :معنى ذلك :يريد الله أن يبين لكم، ويهديكم سنن الذين من قبلكم¹ وقالوا :من شأن العرب التعقيب بين كي ولام كي وأن، ووضع كل واحدة منهنّ موضع كل واحدة من أختها مع أردت وأمرت، فيقولون :أمرتك أن تذهب ولتذهب، وأردت أن تذهب ولتذهب، كما قال الله جلّ ثناؤه : ﴿ وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبّ الْعَالَمِينَ ﴾، وقال في موضع آخر : «وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوّلَ مَن أسْلَمَ »، وكما قال : ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ ﴾، ثم قال في موضع آخر : ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا ﴾ واعتلوا في توجيههم «أن » مع «أمرت » و«أدت » إلى معنى «كي » وتوجيه «كي » مع ذلك إلى معنى «أن » لطلب «أردت » و«أمرت » الاستقبال، وأنها لا يصلح معها الماضي، لا يقال :أمرتك أن قمت ولا أردت أن قمت. قالوا :فلما كانت «أن » قد تكون مع الماضي في غير «أردت » و«أمرت »، ذكروا لها معنى الاستقبال بما لا يكون معه ماض من الأفعال بحال، من «كي » واللام التي في معنى «كي »¹ قالوا :وكذلك جمعت العرب بينهنّ أحيانا في الحرف الواحد، فقال قائلهم في الجمع :
أرَدْتَ لِكَيْما أنْ تَطِيرَ بِقِرْبَتِي ***فَتَتْرُكَهَا شَنّا بِبَيْدَاءَ بَلْقَعِ
فجمع بينهنّ لاتفاق معانيهنّ واختلاف ألفاظهنّ، كما قال الاَخر :
ذ المَالَ الهِدانُ الجافِي ***بغير لا عَصْفٍ ولا اصْطِرَافِ
فجمع بين «غير » و«لا »، توكيدا للنفي¹ قالوا :وإنما يجوز أن يجعل «أن » مكان كي، وكي مكان أن في الأماكن التي لا يصحب جالب ذلك ماض من الأفعال أو غير المستقبل¹ فأما ما صحبه ماض من الأفعال وغير المستقبل فلا يجوز ذلك. لا يجوز عندهم أن يقال :ظننت ليقوم، ولا أظنّ ليقوم، بمعنى :أظنّ أن يقوم، لأن التي تدخل مع الظن تكون مع الماضي من الفعل، يقال :أظنّ أن قد قام زيد ومع المستقبل ومع الأسماء.
قال أبو جعفر :وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي قول من قال :إن اللام في قوله : ﴿ يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ ﴾ بمعنى :يريد الله أن يبين لكم¹ لما ذكرت من علة من قال إن ذلك كذلك.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الّذِينَ يَتّبِعُونَ الشّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً ﴾. .
يعني بذلك تعالى ذكره :والله يريد أني يراجع بكم طاعته، والإنابة إليه، ليعفو لكم عما سلف من آثامكم، ويتجاوز لكم عما كان منكم في جاهليتكم من استحلالكم ما هو حرام عليكم من نكاح حلائل آبائكم وأبنائكم، وغير ذلك مما كنت تستحلونه وتأتونه، مما كان غير جائز لكم إتيانه من معاصي الله ﴿ ويُرِيدُ الّذِينَ يَتّبِعُونَ الشّهَواتِ ﴾ يقول :يريد الذين يطلبون لذات الدنيا وشهوات أنفسهم فيها، أن تميلوا عن أمر الله تبارك وتعالى، فتجوروا عنه بإتيانكم ما حرّم عليكم وركوبكم معاصيه ﴿ مَيْلاً عَظِيما ﴾ جورا وعدولاً عنه شديدا.
واختلف أهل التأويل في الذين وصفهم الله بأنه يتبعون الشهوات، فقال بعضهم :هم الزناة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : ﴿ ويُرِيدُ الّذِينَ يَتّبعُونَ الشّهَوَاتِ ﴾ قال :الزنا. ﴿ أنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيما ﴾ قال :يريدون أن تزنوا.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ ويُرِيدُ الّذِينَ يَتّبعُونَ الشّهَوَاتِ أنْ تَميلُوا مَيْلاً عَظِيما ﴾ أن تكونوا مثلهم تزنون كما يزنون.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد : ﴿ ويُرِيدُ الّذِينَ يَتّبِعُونَ الشّهَواتِ ﴾ قال :الزنا. ﴿ أنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيما ﴾ قال :يزني أهل الإسلام كما يزنون. قال :هي كهيئة ﴿ وَدّوا لَوْتُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾.
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن ورقاء عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ ويُرِيدُ الّذِينَ يَتّبِعُونَ الشّهَوَاتِ ﴾ قال :الزنا. ﴿ أنْ تَمِيلُوا ﴾ قال :أن تزنوا.
وقال آخرون :بل هم اليهود والنصارى. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ ويُرِيدُ الّذِينَ يَتّبعُونَ الشّهَوَاتِ ﴾ قال :هم اليهود والنصارى¹ ﴿ أنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيما ﴾.
وقال آخرون :بل هم اليهود خاصة، وكانت إرادتهم من المسلمين اتباع شهواتهم في نكاح الأخوات من الأب، وذلك أنهم يحلون نكاحهنّ، فقال الله تبارك وتعالى للمؤمنين :ويريد الذين يحللون نكاح الأخوات من الأب، أن تميلوا عن الحقّ، فتستحلوهنّ كما استحلوا.
وقال آخرون :معنى ذلك :كل متبع شهوة في دينه لغير الذي أبيح له. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :سمعت ابن زيد يقول في قوله : ﴿ ويُرِيدُ الّذِينَ يَتّبِعُونَ الشّهَوَاتِ ﴾. . . الاَية، قال :يريد أهل الباطل وأهل الشهوات في دينهم، ﴿ أنْ تَمِيلُوا ﴾ في دينكم ﴿ مَيْلاً عَظِيما ﴾ تتبعون أمر دينهم، وتتركون أمر الله وأمر دينكم.
قال أبو جعفر :وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال :معنى ذلك :ويريد الذين يتبعون شهوات أنفسهم من أهل الباطل، وطلاب الزنا، ونكاح الأخوات من الاَباء، وغير ذلك مما حرّمه الله أن تميلوا ميلاً عظيما عن الحقّ، وعما أذن الله لكم فيه، فتجوروا عن طاعته إلى معصيته، وتكونوا أمثالهم في اتباع شهوات أنفسكم فيما حرّم الله وترك طاعته، ميلاً عظيما.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الله عزّ وجلّ عمّ بقوله : ﴿ ويُرِيدُ الّذِينَ يَتّبعُونَ الشّهَوَاتِ ﴾ فوصفهم باتباع شهوات أنفسهم المذمومة، وعمهم بوصفهم بذلك من غير وصفهم باتباع بعض الشهوات المذمومة. فإذ كان ذلك كذلك، فأولى المعاني بالاَية ما دلّ عليه ظاهرها دون باطنها الذي لا شاهد عليه من أصل أو قياس. وإذ كان ذلك كذلك كان داخلاً في الذين يتبعون الشهوات اليهود والنصارى والزناة وكل متبع باطلاً، لأن كل متبع ما نهاه الله عنه فمتبع شهوة نفسه. فإذ كان ذلك بتأويل الاَية أولى، وجبت صحة ما اخترنا من القول في تأويل ذلك.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً ﴾. .
يعني جلّ ثناأه بقوله : ﴿ يُرِيدُ الله أن يخَفّفَ عَنْكُمْ ﴾ :يريد الله أن ييسر عليكم بإذنه لكم في نكاح الفتيات المؤمنات إذا لم تستطيعوا طولاً لحرّة. ﴿ وَخُلِقَ الإنْسانُ ضَعيفا ﴾ يقول :يسر ذلك عليكم إذا كنتم غير مستطيعي الطول للحرائر، لأنكم خلقتم ضعفاء عجزة عن ترك جماع النساء قليلي الصبر عنه، فأذن لكم في نكاح فتياتكم المؤمنات، عند خوفكم العنت على أنفسكم، ولم تجدوا طولاً لحرة لئلا تزنوا، لقلة صبركم على ترك جماع النساء.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ يُرِيدُ اللّهُ أنْ يُخَفّفَ عَنْكُمْ ﴾ في نكاح الأمة، وفي كلّ شيء فيه يسر.
حدثنا محمد بن بشار، قال :حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال :حدثنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه : ﴿ وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفا ﴾ قال :في أمر الجماع.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا أبو عاصم، قال :حدثنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه : ﴿ وَخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفا ﴾ قال :في أمر النساء.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه : ﴿ وَخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفا ﴾ قال :في أمور النساء، ليس يكون الإنسان في شيء أضعف منه في النساء.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ يُرِيدُ اللّهُ أنْ يُخَفّفَ عَنْكُمْ ﴾ قال :رخص لكم في نكاح هؤلاء الإماء حين اضطرّوا إليهنّ، ﴿ وَخُلِقَ الإنْسانُ ضَعيفا ﴾ قال :لو لم يرخص له فيها لم يكن إلا الأمر الأول إذا لم يجد حرّة.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوَاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوَاْ أَنْفُسَكُمْ إِنّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾. .
يعني بقوله جلّ ثناؤه : ﴿ يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا ﴾ صَدّقوا الله ورسوله، ﴿ لا تَأْكُلُوا أمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطلِ ﴾ يقول :لا يأكل بعضكم أموال بعض بما حرم عليه من الربا والقمار، وغير ذلك من الأمور التي نهاكم الله عنها، إلا أن تكون تجارة. كما :
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السدّي : ﴿ يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تأْكُلُوا أمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطِلِ، إلاّ أنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنكُم ﴾ نهى عن أكلهم أموالهم بينهم بالباطل وبالربا والقمار والبخس والظلم، إلا أن تكون تجارة، ليربح في الدرهم ألفا إن استطاع.
حدثني محمد بن المثنى، قال :حدثنا أحمد بن المفضل، قال :حدثنا خالد الطحان، قال :أخبرنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى : ﴿ لا تَأْكُلُوا أمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطِلِ ﴾ قال :الرجل يشتري السلعة، فيردّها ويردّ معها درهما.
حدثنا محمد بن المثنى، قال :حدثنا بعد الوهاب، قال :حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس في الرجل يشتري من الرجل الثوب، فيقول :إن رضيته أخذته، وإلا رددته ورددت معه درهما، قال :هو الذي قال الله : ﴿ لا تَأْكُلُوا أمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطِلِ ﴾.
وقال آخرون :بل نزلت هذه الاَية بالنهي عن أن يأكل بعضهم طعام بعض إلا بشراء، فأما قِرًى فإنه كان محظورا بهذه الاَية، حتى نسخ ذلك بقوله في سورة النور : ﴿ لَيْسَ على الأعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعْرجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ وَلا على أنْفُسِكُمْ أنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ ﴾. . . الاَية. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن حميد، قال :حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسن بن واقد، عن يزيد النحويّ، عن عكرمة والحسن البصريّ، قالا في قوله : ﴿ لا تَأْكُلُوا أمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطلِ إلاّ أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَرَاضِ مِنْكُمْ ﴾. . . الاَية، فكان الرجل يتحرّج أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الاَية، فنسخ ذلك بالاَية التي في سورة النور، فقال : «لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتَكُمْ أوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أوْ بُيُوتِ أُمّهاتِكُمْ ». . . إلى قوله : ﴿ جَمِيعا أوْ أشْتاتا ﴾ فكان الرجل الغنيّ يدعو الرجل من أهله إلى الطعام، فيقول :إني لأتجنح والتجنح :التحرّج ويقول :المساكين أحقّ مني به. فأحلّ من ذلك أن يأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، وأحلّ طعام أهل الكتاب.
قال أبو جعفر :وأولى هذين القولين بالصواب في ذلك قول السدي :وذلك أن الله تعالى ذكره حرّم أكل أموالنا بيننا بالباطل، ولا خلاف بين المسلمين أن أكل ذلك حرام علينا، فإن الله لم يحلّ قَطّ أكل الأموال بالباطل، وإذا كان ذلك كذلك فلا معنى لقول من قال :كان ذلك نهيا عن أكل الرجل طعام أخيه قرى على وجه ما أذن له، ثم نسخ ذلك لنقل علماء الأمة جميعا وجها لها أن قرى الضيف، وإطعام الطعام كان من حميد أفعال أهل الشرك والإسلام، التي حمد الله أهلها عليه وندبهم إليها، وإن الله لم يحرّم ذلك في عصر من العصور، بل ندب الله عباده، وحثهم عليه، وإذ كان ذلك كذلك فهو من معنى الأكل بالباطل خارج، ومن أن يكون ناسخا أو منسوخا بمعزل، لأن النسخ إنما يكون لمنسوخ، ولم يثبت النهي عنه، فيجوز أن يكون منسوخا بالإباحة. وإذ كان ذلك كذلك، صحّ القول الذي قلناه، من أن الباطل الذي نهى الله عن أكل الأموال به، هو ما وصفنا مما حرمه على عباده في تنزيله، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وشذّ ما خالفه.
واختلفت القراء في قراءة قوله : ﴿ إلاّ أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ فقرأها بعضهم : ﴿ إلاّ أنْ تَكُونَ تِجاَرةٌ ﴾ رفعا بمعنى :إلا أن توجد تجارة، أو تقع تجارة عن تراض منكم، فيحلّ لكم أكلها حينئذٍ بذلك المعنى. ومذهب من قرأ ذلك على هذا الوجه «أن تكون » تامة ههنا لا حاجة بها إلى خبر على ما وصفت¹ وبهذه القراءة قرأ أكثر أهل الحجاز وأهل البصرة. وقرأ ذلك آخرون، وهم عامة قراء الكوفيين : ﴿ إلاّ أنْ تَكُونَ تِجَارَةً ﴾ نصبا، بمعنى :إلا أن تكون الأمْوَلُ التي تأكلونها بينكم تجارة عن تراض منكم، فيحل لكم هنالك أكلها، فتكون الأموال مضمرة في قوله : ﴿ إلاّ أنْ تَكُونَ ﴾ والتجارة منصوبة على الخبر. وكلتا القراءتين عندنا صواب جائز القراءة بهما، لاستفاضتهما في قراءة الأمصار مع تقارب معانيهما. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن قراءة ذلك بالنصب أعجب إليّ من قراءته بالرفع، لقوّة النصب من وجهين :أحدهما :أنّ في تكون ذكرا من الأموال¹ والاَخر :أنه لو لم يجعل فيها ذكر منها ثم أفردت بالتجارة وهي نكرة، كان فصيحا في كلام العرب النصب، إذ كانت مبنية على اسم وخبر، فإذا لم يظهر معها إلا نكرة واحدة نصبوا ورفعوا، كما قال الشاعر :
*** إذَا كانَ طَعْنا بَيْنَهُمْ وَعِنَاقا ***
ففي هذه الاَية إبانة من الله تعالى ذكره عن تكذيب قول الجهلة من المتصوّفة المنكرين طلب الأقوات بالتجارات والصناعات، والله تعالى يقول : ﴿ يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطلِ إلاّ أنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ :اكتسابا أحلّ ذلك لها. كما :
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة :قوله : ﴿ يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطلِ إلاّ أنْ تَكُون تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ﴾ قال :التجارة رزق من رزق الله، وحلال من حلال الله لمن طلبها بصدقها وبرّها، وقد كنا نحدّث أن التاجر الأمين الصدوق مع السبعة في ظلّ العرش يوم القيامة.
وأما قوله : ﴿ عَنْ تَراضٍ ﴾ فإن معناه كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تبارك وتعالى : ﴿ عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ في تجارة أو بيع أو عطاء يعطيه أحد أحدا.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شيل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ في تجارة أو بيع أو عطاء يعطيه أحد أحدا.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن القاسم، عن سليمان الجعفي، عن أبيه، عن ميمون بن مهران، قال :رسول الله صلى الله عليه وسلم : «البَيْعُ عَنْ تَراضٍ، وَالخيارُ بَعْدَ الصّفْقَةِ، وَلا يَحِلّ لُمسْلمٍ أنْ يَغُشّ مُسْلِما ».
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثنى حجاج، عن ابن جريج، قال :قلت لعطاء :المماسحة بيع هي ؟ قال :لا، حتى يخيره التخيير بعد ما يجب البيع، إن شاء أخذ وإن شاء ترك.
واختلف أهل العلم في معنى التراضي في التجارة، فقال بعضهم :هو أن يخير كل واحد من المتبايعين بعد عقدهما البيع بينهما فيما تبايعا فيه من إمضاء البيع أو نقضه، أو يتفرّقا عن مجلسهما الذي تواجبا فيه البيع بأبدانهما، عن تراض منهما بالعقد الذي تعاقداه بينهما قبل التفاسخ. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار قال :حدثنا معاذ بن هشام، قال :ثنى أبي، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن شريح قال :اختصم رجلان، باع أحدهما من الاَخر بُرْنُسا، فقال :إني بعت من هذا برنسا، فاسترضيته فلم يرضني. فقال :أرضه كما أرضاك ! قال :إني قد أعطيته دراهم ولم يرض. قال :أرضه كما أرضاك ! قال :قد أرضيته فلم يرض. فقال :البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا مؤمل، قال :حدثنا سفيان، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي، عن شريح، قال :البيعان بالخيار ما لم يتفرّقا.
حدثنا محمد بن المثنى، قال :حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، عن شريج، مثله.
حدثنا ابن المثنى، قال :حدثنا محمد، قال :حدثنا شعبة، عن جابر، قال :ثنى أبو الضحى، عن شريح أنه قال :البيعان بالخيار ما لم يتفرّقا. قال :قال أبو الضحى :كان شريح يحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه.
وحدثني الحسن بن يزيد الطحان، قال :حدثنا إسحاق بن منصور، عن عبد السلام، عن رجل، عن أبي حوشب، عن ميمون، قال :اشتريت من ابن سيرين سابريّا فسام عليّ سَوْمَة، فقلت :أحسن ! فقال :إما أن تأخذ وإما أن تدع. فأخذت منه، فلما زنت الثمن وضع الدراهم، فقال :اختر إما الدراهم وإما المتاع ! فاخترت المتاع فأخذته.
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن الشعبي أنه كان يقول في البيعين :إنهما بالخيار ما لم يتفرّقا، فإذا تصادر فقد وجب البيع.
حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال :حدثنا محمد بن عبيد، قال :حدثنا سفيان بن دينار، عن طيسلة، قال :كنت في السوق، وعليّ رضي الله عنه في السوق، فجاءته جارية إلى بَيّعِ فاكهة بدرهم، فقالت :أعطني هذا ! فأعطاها إياه. فقالت :لا أريده أعطني درهمي ! فأبي، فأخذه منه عليّ فأعطاها إياه.
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي أنه أتى في رجل اشترى من رجل برذونا ووجب له، ثم إن المبتاع ردّه قبل أن يتفرّقا، فقضى أنه قد وجب عليه. فشهد عنده أبو الضحى أن شريحا قضى في مثله أن يرده على صاحبه، فرجع الشعبي إلى قضاء شريح.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال :حدثنا هشيم، قال :حدثنا هشام، عن ابن سيرين، عن شريح، أنه كان يقول في البيعين :إذا ادعى المشترى أنه قد أوجب له البيع، وقال البائع :لم أوجب له، قال شاهدان عدلان أنكما افترقتما عن تراض بعد بيع أو تخاير، وإلا فيمين البائع :أنكما ( ما ) افترقتما عن بيع ولا تخاير.
حدثني يعقوب، قال :حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد، قال :كان شريح يقول :شاهدان ذوا عدل أنكما افترقتما عن تراض بعد بيع وتخاير، وإلا فيمينه بالله ما تفرّقتما عن تراض بعد بيع أو تخاير.
حدثنا حميد بن مسعدة، قال :حدثنا بشر بن المفضل، قال :حدثنا ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن شريح أنه كان يقول :شاهدان ذوا عدل أنهما تفرّقا عن تراض بعد بيع أو تخاير.
وعلة من قال هذه المقالة ما :
حدثنا ابن المثنى، قال :حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله، قال :أخبرني نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال : «كُلّ بَيّعَيْنِ فَلا بَيْعَ بَيْنَهُما حتى يَتَفَرّقا إلاّ أنْ يَكُونَ خِيارا ».
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا مروان بن معاوية، قال :ثنى يحيى بن أيوب، قال :كان أبو زرعة إذا بايع رجلاً يقو له :خيّرني ! ثم يقول :قال أبو هريرة :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لا يَفْتَرِقُ اثْنانِ إلاّ عَنْ رِ
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً ﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانا ﴾ فقال بعضهم :معنى ذلك :ومن يقتل نفسه، بمعنى :ومن يقتل أخاه المؤمن عدوانا وظلما ﴿ فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارا ﴾. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثنى حجاج، عن ابن جريج، قال :قلت لعطاء أرأيت قوله : ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانا وَظُلْما فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارا ﴾ في كل ذلك، أو في قوله : ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ ؟ قال :بل في قوله : ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾.
وقال آخرون :بل معنى ذلك :ومن يفعل ما حرّمته عليه من أوّل هذه السورة إلى قوله : ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلكَ ﴾ من نكاح من حرّمت نكاحه، وتعدّى حدوده، وأكل أموال الأيتام ظلما، وقتل النفس المحرّم قتلها ظلما بغير حقّ.
وقال آخرون :بل معنى ذلك :ومن يأكل مال أخيه المسلم ظلما بغير طيب نفس منه وقتل أخاه المؤمن ظلما، فسوف نصليه نارا.
قال أبو جعفر :والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال معناه :ومن يفعل ما حرّم الله عليه من قوله : ﴿ يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها ﴾. . . إلى قوله : ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ من نكاح المحرّمات، وعضل المحرّم عضلها من النساء، وأكل المال بالباطل، وقتل المحرّم قتله من المؤمنين، لأن كل ذلك مما وعد الله عليه أهله العقوبة.
فإن قال قائل :فما منعك أن تجعل قوله : ﴿ ذَلِكَ ﴾ معنيا به جميع ما أوعد الله عليه العقوبة من أول السورة ؟ قيل :منع ذلك أن كل فصل من ذلك قد قرن بالوعيد، إلى قوله : ﴿ أُولَئِكَ أعْتَدْنا لَهُمْ عَذَابا ألِيما ﴾ ولا ذكر للعقوبة من بعد ذلك على ما حرّم الله في الاَي التي بعده، إلى قوله : ﴿ فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارا ﴾. فكان قوله : ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ معنيا به ما قلنا مما لم يقرن بالوعيد مع إجماع الجميع على أن الله تعالى قد توعد على كل ذلك أولى من أن يكون معنيا به ما سلف فيه الوعيد بالنهي مقرونا قبل ذلك.
وأما قوله : ﴿ عُدْوَانا ﴾ فإنه يعني به :تجاوزا لما أباح الله له إلى ما حرّمه عليه، ﴿ وَظُلْما ﴾ يعني :فعلاً منه ذلك بغير ما أذن الله به، وركوبا منه ما قد نهاه الله عنه. وقوله : ﴿ فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارا ﴾ يقول :فسوف نورده نارا يصلي بها فيحترق فيها. ﴿ وكانَ ذلكَ على اللّهِ يَسِيرا ﴾ يعني :وكان إصلاء فاعل ذلك النار وإحراقه بها على الله سهلاً يسيرا، لأنه لا يقدر على الامتناع على ربه مما أراد به من سوء. وإنما يصعب الوفاء بالوعيد لمن توعده على من كان إذا حاول الوفاء به قدر المتوعد من الامتناع منه، فأما من كان في قبضة موعده فيسير عليه إمضاء حكمه فيه والوفاء له بوعيده، غير عسير عليه أمر أراده به.
اختلف أهل التأويل في معنى الكبائر التي وعد الله جلّ ثناؤه عباده باجتنابها تكفير سائر سيئاتهم عنهم، فقال بعضهم :الكبائر التي قال الله تبارك وتعالى : ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَاتِكُمْ ﴾ هي ما تقدم الله إلى عباده بالنهي عنه من أوّل سورة النساء إلى رأس الثلاثين منها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال :ثنا عبد الرحمن، قال :ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، قال :الكبائر من أوّل سورة النساء إلى ثلاثين منها.
حدثنا ابن بشار، قال :ثنا عبد الرحمن، قال :ثنا سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله بمثله.
حدثني المثنى، قال :حجاج، قال :ثنا حماد، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، مثله.
حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال :ثنا وكيع، قال :ثنا الأعمش، عن إبراهيم، قال :ثنى علقمة، عن عبد الله، قال :الكبائر من أوّل سورة النساء، إلى قوله : ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾.
حدثنا الرفاعي، قال :ثنا أبو معاوية وأبو خالد، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال :الكبائر من أوّل سورة النساء، إلى قوله : ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾.
حدثني أبو السائب، قال :ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، قال :سئل عبد الله عن الكبائر، قال :ما بين فاتحة سورة النساء إلى رأس الثلاثين.
حدثنا ابن حميد، قال :ثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، قال :الكبائر :ما بين فاتحة سورة النساء إلى ثلاثين آية منها : ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال :ثنا هشيم، قال :أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله، أنه قال :الكبائر من أوّل سورة النساء إلى الثلاثين منها : ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾.
حدثني يعقوب، قال :ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن إبراهيم، قال :كانوا يرون أن الكبائر فيما بين أول هذه السورة، سورة النساء، إلى هذا الموضع : ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾.
حدثني المثنى، قال :ثنا آدم العسقلاني، قال :ثنا شعبة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زرّ بن حبيش، عن ابن مسعود، قال :الكبائر من أوّل سورة النساء إلى ثلاثين آية منها. ثم تلا : ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً ﴾.
حدثني المثنى، قال :ثنا ابن وكيع، قال :ثنا مسعر، عن عاصم بن أبي النجود، عن زرّ بن حبيش، قال :قال عبد الله :الكبائر :ما بين أوّل سورة النساء إلى رأس الثلاثين.
وقال آخرون :الكبائر سبع. ذكر من قال ذلك :
حدثني تميم بن المنتصر، قال :ثنا يزيد، قال :أخبرنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن سهل بن أبي حثمة، عن أبيه، قال :إني لفي هذا المسجد مسجد الكوفة، وعليّ رضي الله عنه يخطب الناس على المنبر، فقال :يا أيها الناس إن الكبائر سبع ! فأصاخ الناس، فأعادها ثلاث مرات، ثم قال :ألا تسألوني عنها ؟ قالوا ؛ يا أمير المؤمنين ما هي ؟ قال :الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرّم الله، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار يوم الزحف، والتعرّب بعد الهجرة. فقلت لأبي :يا أبت التعرب بعد الهجرة، كيف لحق ههنا ؟ فقال :يا نبيّ، وما أعظم من أن يهاجر الرجل، حتى إذا وقع سهمه في الفيء ووجب عليه الجهاد، خلع ذلك من عنقه فرجع أعرابياً كما كان.
حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال :ثنا أبو الأحوص سلام بن سليم، عن ابن إسحاق، عن عبيد بن عمير، قال :الكبائر سبع ليس منهنّ كبيرة إلا وفيها آية من كتاب الله، الإشراك بالله منهنّ :
﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ ﴾
و ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾
وَ
﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرّبا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسّ ﴾
﴿ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِناتِ ﴾
، والفرار من الزحف :
﴿ النَّارِ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ ﴾
، والتعرّب بعد الهجرة :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّواْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ﴾
، وقتل النفس.
حدثنا ابن حميد، قال :ثنا جرير، عن منصور، عن ابن إسحاق، عن عبيد بن عمير الليثي، قال :الكبائر سبع :الإشراك بالله :
﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾
، وقتل النفس :
﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾
. . الآية، وأكل الربا :
﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرّبا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسّ ﴾
. . الآية، وأكل أموال اليتامى :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتَامَى ظُلْماً ﴾
. . الآية، وقذف المحصنة :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِناتِ ﴾
. . الآية، والفرار من الزحف :
﴿ وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَى فِئَةٍ ﴾
. . الآية. والمرتد أعرابياً بعد هجرته :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّواْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ﴾
الآية.
حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال :ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد، قال :سألت عبيدة عن الكبائر، فقال :الإشراك بالله، وقتل النفس التي حَرَّمَ الله بغير حقها، وفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم بغير حقه، وأكل الربا، والبهتان. قال :ويقولون أعرابية بعد هجرة. قال ابن عون :فقلت لمحمد فالسحر ؟ قال :إن البهتان يجمع شرّاً كثيراً.
حدثنا أبو كريب، قال :ثنا هشيم، قال :أخبرنا منصور وهشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة أنه قال :الكبائر :الإشراك، وقتل النفس الحرام، وأكل الربا، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، والمرتدّ أعرابياً بعد هجرته.
حدثني يعقوب، قال ثنا هشيم، ققال :ثنا هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، بنحوه.
وعلة من قال هذه المقالة ما :
حدثني المثنى، قال :ثنا أبو صالح، قال :أخبرني الليث، قال :ثنى خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر، قال :أخبرني صهيب مولى العتواري أنه سمع من أبي هريرة وأبي سعيد الخدري يقولان :خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فقال : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ؟ " ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثم أكبّ، فأكبّ كل رجل منا يبكي لا يدري على ماذا حلف. ثم رفع رأسه وفي وجهه البشر، فكان أحبّ إلينا من حمر النعم، فقال : " ما مِنْ عَبْدٍ يُصَلّى الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، ويُخْرِجُ الزَّكاةَ، وَيجْتَنِبُ الكَبائِرَ السَّبْعَ، إلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أبْوَابُ الجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ :ادْخُلْ بِسَلام "
حدثني المثنى قال ثنا حذيفة قال ثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن عطاء قال الكبائر سبع :قتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، ورمى المحصنة، وشهادة الزور وعقوق الوالدين والفرار يوم الزحف.
وقال آخرون هي تسع. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ثنا ابن عُلَية قال أخبرنا زياد بن مخراق، عن طيسلة بن مَيَّاس قال كنت مع الحِدْثان، وأصبت ذنوباً لا أراها إلا من الكبائر، فلقيت ابن عمر، فقلت :إني أصيب ذنوباً لا أراها إلا من الكبائر، قال :وما هي ؟ قلت :كذا وكذا، قال ليس من الكبائر، قال أشىء لم يسمعه طيسلة ؟ قال هي تسع وسأعدّهنّ عليك :الإشراك بالله، وقتل النسَمة بغير حِلها، والفِرار من الزحف، وقذف المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم ظلماً، وإلحاد في المسجد الحرام، والذي يستسحر، وبكاء الوالدين من العقوق. قال ابن زياد :وقال طيسلة :لما رأى ابن عمر فرقى، قال :أتخاف النار أن تدخلها ؟ قلت :نعم، قال :وتحبّ أن تدخل الجنة ؟ قلت :نعم، قال أحىّ والداك ؟ قلت :عندي أمي، قال :فوالله لئن أنت أَلَنت لها الكلام، وأطعمتها الطعام، لتدخلن الجنة ما اجتنبت الموجِبات.
حدثنا سليمان بن ثابت الخراز الواسطيّ، قال :أخبرنا سلم بن سلام، قال :أخبرنا أيوب بن عتبة، عن طيسلة بن علي النهديّ قال :أتيت ابن عمر، وهو في ظلّ أراك يوم عرفة، وهو يصبّ الماء على رأسه ووجهه، قال :قلت أخبرني عن الكبائر ؟ قال :هي تسع، قلت :ما هن ؟ قال :الإشراك بالله، وقذف المحصنة، قال قلت قبل القتل ؟ قال :نعم، ورغما، وقت النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، والإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً.
حدثنا سليمان بن ثابت الخراز، قال :أخبرنا سَلْم بن سلام، قال :أخبرنا أيوب بن عتُبة، عن يحيى ابن عبيد، بن عمير، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بمثله، إلا أنه قال :بدأ بالقتل قبل القذف.
وقال آخرون :هي أربع. ذكر من قال ذلك.
حدثناابن حميد، قال :ثنا حكام بن سلم، عن عنبسة، عن مطرّف، عن وَبْرة، عن ابن مسعود، قال :الكبائر الإشراك بالله، والقنوط من رحمة، الله والإياس من رَوح الله، والأمْن من مكر الله.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال :ثنا هشيم، قال أخبرنا مطرف، عن وَبَره بن عبد الرحمن، عن أبي الطفيل، قال :قال عبد الله بن مسعود :أكبر الكبائر :الإشراك بالله، والإياس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمْن من مكر الله.
حدثنا أبو كريب، قال :ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن وَبَرة بن عبد الرحمن، قال :قال عبد الله :إن الكبائر :الشرك بالله، والقنوط من رحمة الله، والأمن مِن مكر الله، والإياس من روح الله.
حدثني أبو كريب وأبو السائب، قالا :ثنا ابن إدريس، قال :سمعت مطرفاً عن وَبَرة، عن أبي الطفيل قال :قال عبد الله :الكبائر أربع :الاشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمْن من مكر الله.
حدثني محمد بن عمارة الأسديّ، قال :ثنا عبد الله، قال :أخبرنا شيبان، عن الأعمش، عن وَبَرة، عن أبي الطفيل، قال سمعت ابن مسعود يقول :أكبر الكبائر :الإشراك بالله.
حدثني محمد بن عمارة، قال :ثنا عبد الله، قال :أخبرنا اسرائيل، عن أبي إسحاق،
القول في تأويل قوله ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبوُا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيماً ﴾
يعني بذلك جلّ ثناؤه :ولا تتشهّوا ما فضّل الله به بعضكم على بعض، وذكر أن ذلك نزل في نساء تَمَنِّين منازل الرجال، وأن يكون لهم ما لهم، فنهى الله عباده عن الأمانيّ الباطلة، وأمرهم أن يسألوه من فضله إذ كانت الأمانيّ تورِث أهلها الحسد، والغي بغير الحقّ.
حدثنا محمد بن بشار، قال :ثنا مؤمل، قال :ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال :قالت أمّ سلمة :يا رسول الله لا نعطى الميراث، ولا نغزو في سبيل الله فنقتل، فنزلت ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْض ﴾.
حدثناأبو كريب، قال :ثنا معاوية بن هشام، عن سفيان الثوريّ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال :قالت أمّ سلمة :يا رسول الله :تغزو الرجال، ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث، فنزلت ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبوُا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾، ونزلت : ﴿ إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ ﴾.
حدثني المثنى، قال :ثنا عبد الله بن صالح، قال :ثنى معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ يقول :لا يتمنى الرجل يقول :ليت أن لي مال فلان وأهله، فنهى الله سبحانه عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله.
حدثني محمد بن عمرو، قال :ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ } قال :قول النساء :ليتنا رجال فنغزو، ونبلغ ما يبلغ الرجال.
حدثني المثنى، قال :ثنا أبو حذيفة، قال :ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ } قول النساء يتمنين، ليتنا رجال فنغزو، ثم ذكر مثل حديث محمد بن عمرو.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا ابن عُيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال :قالت أمّ سلمة :أيْ رسولَ الله، أتغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث، فنزلت وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ }.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن شيخ من أهل مكة، قوله : ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ قال :كان النساء يقلن :ليتنا رجال فنجاهد كما يجاهد الرجال، ونغزو في سبيل الله ! فقال الله : ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :ثنا يزيد، قال :ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، قال :تتمنى مال فلان ومال فلان، وما يدريك لعلّ هلاكه في ذلك المال.
حدثنا القاسم، قال :ثنا الحسين قال :ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة ومجاهد أنهما قالا :نزلت في أمّ سلمة ابنة أبي أمية بن المغيرة.
وبه قال :ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء، قال :هو الإنسان يقول :وددت أن لي مال فلان ! قال :واسألوا الله من فضله، وقول النساء :ليتنا رجال فنغزو، ونبلغ ما يبلغ الرجال.
وقال آخرون :بل معنى ذلك :لا يتمنّ بعضكم ما خصّ الله بعضاً من منازل الفضل. ذكر من قال ذلك :حدثنا محمد بن الحسين، قال :ثنا أحمد بن مفضل، قال :ثنا أسباط، عن السديّ، قوله : ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ فإن الرجال قالوا :نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على أجر النساء، كما لنا في السهام سهمان، فنريد أن يكون لنا في الأجر أجران، وقال النساء :نريد أن يكون لنا أجر مثل الرجال، فأنا لا نستطيع أن نقاتل، ولو كتب علينا القتال لقاتلنا.
فأنزل الله تعالى الآية، وقال لهم :سلوا الله من فضله، يرزقكم الأعمال، وهو خير لكم.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال :ثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد، قال :نهيتم عن الأمانيّ، ودُللتم على ما هو خير منه، واسألوا الله من فضله.
حدثني المثنى، قال :ثنا عارم، قال :ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، قال :كان محمد إذا سمع الرجل يتمنى في الدنيا، قال :قد نهاكم الله عن هذا، ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ ودلكم على خير منه، واسألوا الله من فضله.
قال أبو جعفر :فتأويل الكلام على هذا التأويل :ولا تتمنوا أيها الرجال والنساء الذي فضل الله به بعضكم على بعض من منازل الفضل، ودرجات الخير وليرض أحدكم بما قسم الله له من نصيب، ولكن سلو الله من فضله.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ لّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم :معنى ذلك :للرجال نصيب مما اكتسبوا من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وللنساء نصيب من ذلك مثل ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال :ثنا يزيد، قال :ثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾ كان أهل الجاهلية لا يورثون المرأة شيئاً ولا الصبيّ شيئاً، وإنما يجعلون الميراث لمن يحترف وينفع ويدفع، فلما لحق للمرأة نصيبها وللصبيّ نصيبه، وجعل للذكر مثل حظّ الأنثيين، قال النساء :لو كان جعل أنصباءنا في الميراث كأنصباء الرجال ! وقال الرجال :إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة، كما فضلنا عليهنّ في الميراث ! فأنزل الله : ﴿ لّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾، يقول :المرأة تجزى بحسنتها عشر أمثالها كما يجزي الرجل، قال الله تعالى : ﴿ وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ﴾.
حدثني المثنى، قال :ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، قال :ثنى أبو ليلى، قال :سمعت أبا جرير يقول :لما نزل : ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الاْنْثَيَيْنِ ﴾ قالت النساء :كذلك عليهم نصيبان من الذنوب، كما لهم نصيبان من الميراث ! فأنزل الله : ﴿ لّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾ يعني الذنوب، واسألوا الله يا معشر النساء من فضله.
وقال آخرون :بل معنى ذلك :للرجال نصيب مما اكتسبوا من ميراث موتاهم، وللنساء نصيب منهم.
ذكر من قال ذلك :حدثنا المثنى، قال :ثنا عبد الله بن صالح، قال :ثنى معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ لّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾ يعني :ما ترك الوالدان والأقربون، يقول :
﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأُنْثَيَيْنِ ﴾
حدثنا ابن حميد، قال :ثنا جرير، عن أبي إسحاق، عن عكرمة أو غيره، في قوله : ﴿ بَعْضٍ لّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾ قال :في الميراث كانوا لا يورّثون النساء.
قال أبو جعفر :وأولى القولين في ذلك بتأويل الآية قول من قال معناه :للرجال نصيب من ثواب الله وعقابه مما اكتسبوا، فعملوه من خير أو شرّ، وللنساء نصيب مما اكتسبن من ذلك كما للرجال.
وإنما قلنا إن ذلك أولى بتأويل الآية من قول من قال تأويله :للرجال نصيب من الميراث، وللنساء نصيب منه، لأن الله جلّ ثناؤه أخبر أن لكلّ فريق من الرجال والنساء نصيباً مما اكتسب، وليس الميراث مما اكتسبه الوارث، وإنما هو مال أورثه الله عن ميته بغير اكتساب، وإنما الكسب العمل، والمكتسب :المحترف، فغير جائز أن يكون معنى الآية، وقد قال الله : ﴿ لّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾ للرجال نصيب مما ورثوا، وللنساء نصيب مما ورثن ؛ لأن ذلك لو كان كذلك لقيل :للرجال نصيب مما لم يكتسبوا، وللنساء نصيب مما لم يكتسبن.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وَاسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ﴾. يعني بذلك جلّ ثناؤه :واسألوا الله من عونه وتوفيقه للعمل بما يرضيه عنكم من طاعته، ففضله في هذا الموضع :توفيقه ومعونته. كما :حدثنا محمد بن مسلم الرازي، قال :ثنا أبو جعفر النفيلي، قال :ثنا يحيى بن يمان، عن أشعث، عن سعيد : ﴿ وَاسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ﴾ قال :العبادة ليست من أمر الدنيا.
حدثنا محمد بن مسلم، قال :ثنى أبو جعفر، قال :ثنا موسى، عن ليث، قال :فضله العبادة ليس من أمر الدنيا.
حدثنا ابن حميد، قال :ثنا هشام، عن ليث، عن مجاهد، في قوله : ﴿ وَاسْئَلُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ قال :ليس بعرض الدنيا. حدثنا محمد بن الحسين، قال :ثنا أحمد بن مفضل، قال :ثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ وَاسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ﴾ يرزقكم الأعمال، وهو خير لكم. حدثنا ابن وكيع، قال :ثنا أبي، قال :ثنا إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن رجل لم يسمه، قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سَلُوا اللّهَ مِنْ فَضْلِهِ فإنَّهُ يُحِبُّ أنْ يُسألَ، وإنَّ مِنْ أفْضَلِ العِبادَةِ انْتِظارَالفَرَج "
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلّ شَىْء عَلِيماً ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه :إن الله كان بما يصلح عباده فيما قسم لهم من خير، ورفع بعضهم فوق بعض في الدين والدنيا، وبغير ذلك من قضائه وأحكامه فيهم ﴿ عَلِيماً ﴾ يقول :ذا علم، ولا تتنموا غير الذي قضى لكم، ولكن عليكم بطاعته والتسليم لأمره، والرضا بقضائه ومسئلته من فضله.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَالّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ شَهِيداً ﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوَالِيَ ﴾ :ولكلكم أيها الناس جعلنا موالي، يقول :ورثة من بني عمه وإخوته وسائر عصبته غيرهم. والعرب تسمي ابن العمّ المولى، ومنه قول الشاعر :
وَمَوْلًى رَمَيْنا حَوْلَهُ وَهُوَ مُدْغِلٌ ***بِأعْرَاضِنا والمُنْدِياتُ سُرُوعُ
يعني بذلك :وابن عمّ رمينا حوله. ومنه قول الفضل بن العباس :
مَهْلاً بِنَى عَمّنا مَهْلاً مَوالِينا ***لا تُظْهرِنّ لنَا ما كانَ مَدْفُونا
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا أبو أسامة، قال :حدثنا إدريس، قال :حدثنا طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله : ﴿ وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوَالِيَ ﴾ قال :ورثة.
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثنى معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : ﴿ وَلِكُلّ جَعَلنا مَوَالِيَ مِمّا تَرَكَ الوَالِدَانِ ﴾ قال :الموالي :العصبة، يعني :الورثة.
حدثنا محمد بن بشار، قال :حدثنا مؤمل، قال :حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، في قوله : ﴿ وَلِكُلّ جَعَلنا مَوَالِيَ ﴾ قال :الموالي :العصبة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد قوله : ﴿ وَلِكُلّ جَعَلنا مَوَالِيَ ﴾ قال :هم الأولياء.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة : ﴿ وَلِكُلّ جَعَلنا مَوَالِيَ ﴾ يقول :عصبة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : ﴿ وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوَالِيَ ﴾ قال :الموالي :أولياء الأب أو الأخ أو ابن الأخ أو غيرهما من العصبة.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوَالِيَ ﴾ أما موالي :فهم أهل الميراث.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوَالِيَ ﴾ قال :الموالي :العصبة هم كانوا في الجاهلية الموالي، فلما دخلت العجم على العرب لم يجدوا لهم أسما، فقال الله تبارك وتعالى : ﴿ فإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فإخْوَانُكُمْ فِي الدّينِ وَمَوَالِيكُمْ ﴾ فسموا الموالي. قال :والمولى اليوم موليان :مولى يرث ويورث فهؤلاء ذوو الأرحام، ومولى يورث ولا يرث فهؤلاء العَتَاقة¹ وقال :ألا ترون قول زكرياء : ﴿ وَإنّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِنْ وَرَائي ﴾ ؟ فالموالي ههنا :الورثة ويعني بقوله : ﴿ مِمّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ ﴾ :مما تركه والده وأقرباؤه من الميراث.
فتأويل الكلام :ولكلكم أيها الناس جعلنا عصبة يرثون به مما ترك والده وأقرباؤه من ميراثهم.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وَالّذِينَ عَقَدَتْ أيمَانُكُمْ فآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾.
اختلفت القراءة في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم : ﴿ وَالّذِينَ عَقَدَتْ أيمَانُكُمْ ﴾ بمعنى :والذين عقدت أيمانكم الحلف بينكم وبينهم، وهي قراءة عامة قراء الكوفيين. وقرأ ذلك آخرون : «وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ » بمعنى :والذين عاقدت أيمانكم وأيمانهم الحلِف بينكم وبينهم.
قال أبو جعفر :والذي نقول به في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قراءة أمصار المسلمين بمعنى واحد وفي دلالة قوله : ﴿ أيمَانُكُمْ ﴾ على أنها أيمان العاقدين والمعقود عليهم الحلف، مستغنى عن الدلالة على ذلك بقراءة قوله «عقدت »، «عاقدت »، وذلك أن الذين قرءوا ذلك «عاقدت »، قالوا :لا يكون عقد الحلف إلا من فريقين، ولا بدّ لنا من دلالة في الكلام على أن ذلك كذلك، وأغفلوا موضع دلالة قوله : «أيمانكم »، على أن معنى ذلك :أيمانكم وأيمان المعقود عليهم، وأن العقد إنما هو صفة للأيمان دون العاقدين الحلف، حتى زعم بعضهم أن ذلك إذا قرىء : ﴿ عَقَدَتْ أيمَانُكُمْ ﴾ فالكلام محتاج إلى ضمير صلة في الكلام حتى يكون الكلام معناه :والذين عقدت لهم أيمانكم ذهابا منه عن الوجه الذي قلنا في ذلك من أن الأيمان معنىّ بها أيمان الفريقين وأما «عاقدت أيمانكم »، فإنه في تأويل :عاقدت أيمان هؤلاء أيمان هؤلاء الحلف، فهما متقاربان في المعنى، وإن كانت قراءة من قرأ ذلك : ﴿ عَقَدَتْ أيمَانُكُمْ ﴾ بغير ألف، أصحّ معنى من قراءة من قرأه : «عَاقَدَتْ » للذي ذكرنا من الدلالة على المعنىّ في صفة الأيمان بالعقد على أنها أيمان الفريقين من الدلالة على ذلك بغيره. وأما معنى قوله : ﴿ عَقَدَتْ أيمَانُكُمْ ﴾ فإنه وصلت وشدّتْ ووكّدت أيمانكم، يعني :مواثيقكم التي واثق بعضهم بعضا، فآتوهم نصيبهم.
ثم اختلف أهل التأويل في معنى النصيب الذي أمر الله أهل الحلف أن يؤتي بعضهم بعضا في الإسلام، فقال بعضهم :هو نصيبه من الميراث لأنهم في الجاهلية كانوا يتوارثون، فأوجب الله في الإسلام من بعضهم لبعض بذلك الحلف، وبمثله في الإسلام من الموارثة مثل الذي كان لهم في الجاهلية، ثم نسخ ذلك بما فرض من الفرائض لذوي الأرحام والقرابات. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن حميد، قال :حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسن بن واقد، عن يزيد النحويّ، عن عكرمة والحسن البصريّ، في قوله : ﴿ وَالّذِينَ عَاقَدَتْ أيمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إنّ اللّهَ كانَ على كُلّ شَيْءٍ شَهِيدا ﴾ قال :كان الرجل يحالف الرجل، ليس بنيهما نسب، فيرث أحدهما الاَخر، فنسخ الله ذلك في الأنفال، فقال : ﴿ وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلَى بِبَعضٍ في كِتابِ اللّهِ ﴾.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا محمد بن جعفر، قال :حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قول الله : «وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ » قال :كان الرجال يعاقد الرجل فيرثه، وعاقد أبو بكر رضي الله عنه مولى فورثه.
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، ثني معاوية، عن علي بن طلحة، عن ابن عباس، قوله : «وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ فآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ » فكان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الاَخر، فأنزل الله : ﴿ وأُلُوا الأرْحَامِ بَعْضَهُمُ أوْلَى بِبَعْضِ في كِتَابِ اللّهِ مِنَ المُؤْمِنينَ وَالمُهَاجِرِينَ إلاّ أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكُم مَعْرُوفا ﴾ يقول :إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية فهو لهم جائز ن ثلث مال الميت، وذلك هو المعروف.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : «وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إنّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ شَهِيدا » كان الرجل يعاقد الرجلَ في الجاهلية، فيقول :دمى دمك، وهَدَمي هَدَمُ، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك. فجعل له السدس من جميع المال في الإسلاك، ثم يقسم أهل الميرات ميراثهم، فنسخ ذلك بعد في سورة الأنفال، فقال الله : ﴿ وأولُوا الأرْحَامِ بَعْضَهُمُ أوْلَى بِبَعْضِ في كِتَابِ اللّهِ ﴾.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة : «وَالّذِينَ عَاقَدَتْ أيمَانُكُمْ » قال :كان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول :دمى دمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك¹ فلما جاء الإسلام، بقي منهم ناس، فأمروا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السدس، ثم نسخ ذلك بالميراث، فقال : ﴿ وأولُوا الأرْحَامِ بَعْضَهُمُ أوْلَى بِبَعْضِ ﴾.
حدثني المثنى، قال :حدثنا الحاجاج بن المنهال، قال :حدثنا همام بن يحيى، قال :سمعت قتادة يقول في قوله : «وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ فآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ » وذلك أن الرجل كان يعاقد الرجل في الجاهلية، فيقول :هدمى هدمك، ودمي دمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك. فجعل له السدس من جميع المال، ثم يقتسم أهل الميراث ميراثهم، فنسخ ذلك بعد الأنفال، فقال : ﴿ وأولُوا الأرْحَامِ بَعْضَهُمُ أوْلَى بِبَعْضِ في كِتَابِ اللّهِ ﴾ فصارت المواريث لذوي الأرحام.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة، قال :هذا حلف كان في الجاهلية، كان الرجل يقول للرجل :ترثني وأرثك، وتنصرني وأنصرك، وتعقل عني وأعقل عنك.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال :سمعت أبا معاذ يقول :أخبرنا عبيد بن سليمان، قال :سمعت الضحاك يقول في قوله : «وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ » كان الرجل يتبع الرجل فيعاقده :إن متّ فلك مثل ما يرث بعض ولدي وهذا منسوخ.
حدثني محمد بن سعد، قال :ثنى أبي، قال :ثنى عمي، قال :ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : «وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوَالِيَ مِمّا تَرَكَ الوَالِدانِ والأقْرَبُونَ وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصيبَهُمْ » فإن الرجل في الجاهلية قد كان يلحق به الرجل، فيكون تابعه، فإذا مات الرجل صار لأهله وأقاربه الميراث، وبقي تابعه ليس له شيء، فأنزل الله : «وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ » فكان يعطَى من ميراثه، فأنزل الله بعد ذلك : ﴿ وأُولُوا الأرْحامٍ بَعْضُهُمْ أوْلَى بِبَعْضٍ في كِتاب اللّهِ ﴾.
وقال آخرون :بل نزلت هذه الاَية في الذين آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، فكان بعضهم يرث بعضا بتلك المؤاخات ثم نسخ الله ذلك بالفرائض، وبقوله : ﴿ وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوَالِىَ ممّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأقْرَبُونَ ﴾. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا أبو أسامة، قال :حدثنا إدريس بن يزيد، قال :حدثنا طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله : «وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ » قال :كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه، للأخوّة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت هذه الاَية : ﴿ وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوَالِيَ ﴾ نسخت.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : «وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكْم » الذين عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ﴿ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ إذا لم يأت رحم يحول بينهم، قال :وهو لا يكون اليوم، إنما كان في نفر آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانقطع ذلك، ولا يكون هذا لأحد إلا للنبيّ صلى الله عليه وسلم، كان آخى بين المهاجرين والأنصار واليوم لا يؤاخي بين أحد.
وقال آخرون :بل نزلت هذه الاَية في أهل العقد بالحلف، ولكنهم أمروا أن يؤتي بعضهم بعضا أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ذلك دون الميراث. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا أبو أسا
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ الرّجَالُ قَوّامُونَ عَلَى النّسَآءِ بِمَا فَضّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنّ فَعِظُوهُنّ وَاهْجُرُوهُنّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنّ سَبِيلاً إِنّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ﴾. .
يعني بقوله جلّ ثناؤه : ﴿ الرّجالُ قَوّامُونَ على النّساء ﴾ :الرجال أهل قيام على نسائهم في تأديبهن والأخذ على أيديهن، فيما يجب عليهنّ لله ولأنفسهم¹ ﴿ بِمَا فَضّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ﴾ :يعني بما فضل الله به الرجال على أزواجهم من سوقهم إليهنّ مهورهنّ، وإنفاقهم عليهنّ أموالهم، وكفايتهم إياهن مؤنهن. وذلك تفضيل الله تبارك وتعالى إياهنّ عليهن، ولذلك صاروا قوّاما عليهنّ، نافذي الأمر عليهنّ فيما جعل الله إليهم من أمورهنّ.
وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ الرّجالُ قَوّامُونَ على النّساءِ ﴾ يعني :أمراء عليها أن تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة إلى أهله حافظة لماله وفضله عليها بنفقته وسعيه.
حدثني المثنى، قال :حدثنا إسحاق، قال :حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله : ﴿ الرّجالُ قَوّامُونَ على النّساءِ بِمَا فَضّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ على بَعْض ﴾ يقول :الرجل قائم على المرأة يأمرها بطاعة الله، فإن أبت، فله أن يضربها ضربا غير مبرّح، وله عليها الفضل بنفقته وسعيه.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن المفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ الرّجالُ قَوّامونَ على النّساءِ ﴾ قال :يأخذون على أيديهن ويؤدبونهنّ.
حدثني المثنى، قال :حدثنا حبان بن موسى، قال :أخبرنا ابن المبارك، قال :سمعت سفيان، يقول : ﴿ بِمَا فَضّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ﴾ قال :بتفضيل الله الرجال على النساء.
وذكر أن هذه الاَية نزلت في رجل لطم امرأته، فخوصم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقضى لها بالقصاص. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال :حدثنا عبد الأعلى، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قال :حدثنا الحسن :أن رجلاً لطم امرأته، فأتت النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يقصها منه، فأنزل الله : ﴿ الرّجالُ قَوّامُونَ على النساءِ بِمَا فَضّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وبِمَا أنْفَقُوا مِنْ أمْوَالِهِمْ ﴾ فدعاه النبيّ صلى الله عليه وسلم، فتلاها عليه وقال : «أرَدْتُ أمْرا وأرَادَ اللّه غَيْرَهُ ».
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ الرّجالُ قَوّامُونَ على النّساءِ بِمَا فَضّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وبِمَا أنْفَقُوا مِنْ أمْوَالِهِمْ ﴾ ذكر لنا أن رجلاً لطم امرأّه، فأتت النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر نحوه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : ﴿ الرّجالُ قَوّامُونَ على النّساءِ ﴾ قال :صكّ رجل امرأته، فأتت النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يقيدَها منه، فأنزل الله : ﴿ الرّجالُ قَوّامُونَ على النّساءِ ﴾.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن جرير بن حازم، عن الحسن، أن رجلاً من الأنصار لطم امرأته، فجاءت تلتمس القصاص، فجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم بينهما القصاص، فنزلت :قوله : ﴿ وَلا تَعْجَلْ بالقُرآنِ مِنْ قَبْل أنْ يُقْضَى إلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ ونزلت : ﴿ الرّجالُ قَوّامُونَ على النّساءِ بِمعا فَضّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ على بَعْض ﴾.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، قال :لطم رجل امرأته، فأراد النبيّ صلى الله عليه وسلم القصاص، فبينما هم كذلك، نزلت الاَية.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السدي، أما : ﴿ الرّجالُ قَوّامُونَ على النّساءِ ﴾ فإن رجلاً من الأنصار كان بينه وبين امرأته كلام، فلطمها، فانطلق أهلها، فذكروا ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فأخبرهم : ﴿ الرّجالُ قَوّامُونَ على النّساءِ ﴾. . . الاَية.
وكان الزهري يقول :ليس بين الرجل وامرأته قصاص فيما دون النفس.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، سمعت الزهري، يقول :لو أن رجلاً شجّ امرأته، أو جرحها، لم يكن عليه في ذلك قود وكان عليه العقل، إلا أن يعدو عليها فيقتلها، فيقتل بها.
وأما قوله : ﴿ وبِمَا أنْفَقُوا مِنْ أمْوَالِهِمْ ﴾ فإنه يعني :وبما ساقوا إليهنّ من صداق، وأنفقوا عليهن من نفقة. كما :
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو صالح، قال :ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال :فضله علها بنفقته وسعيه.
حدثني المثنى، قال :حدثنا إسحاق، قال :حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، مثله.
حدثني المثنى، قال :حدثنا حبان بن موسى، قال :أخبرنا ابن المبارك، قال :سمعت سفيان يقول : ﴿ وبِمَا أنْفَقُوا مِنْ أمْوَالِهِمْ ﴾ بما ساقوا من المهر.
فتأويل الكلام إذًا :الرجال قوّامون على نسائهم بتفضيل الله إياهم عليهنّ وبإنفاقهم عليهنّ من أموالهم. و«ما » التي في قوله : ﴿ بِمَا فَضّلَ اللّهُ ﴾ والتي في قوله : ﴿ وبِمَا أنْفَقُوا ﴾ في معنى المصدر.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ للْغَيْب بِما حَفِظَ اللّهُ ﴾.
يعني بقوله جلّ ثناؤه : ﴿ فالصّالِحاتُ ﴾ :المستقيمات الدين، العاملات بالخير. كما :
حدثني المثنى، قال :حدثنا حبان بن موسى، قال :حدثنا عبد الله بن المبارك، قال :سمعت سفيان، يقول :فالصالحات يعملن بالخير.
وقوله : ﴿ قانِتاتٌ ﴾ يعني :مطيعات لله ولأزواجهن. كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :قوله : ﴿ قانِتاتٌ ﴾ قال :مطيعات.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ قانِتاتٌ ﴾ قال :مطيعات.
حدثني عليّ عن داود، قال :حدثنا أبو صالح، قال :ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : ﴿ قانِتاتٌ ﴾ :مطيعات.
حدثنا الحسن بن معاذ، قال :ثا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة : ﴿ قانِتاتٌ ﴾ :أي مطيعات لله ولأزواجهنّ.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة، قال :مطيعات.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ :القانتات :المطيعات.
حدثني المثنى، قال :حدثنا حبان بن موسى، قال :أخبرنا ابن المبارك، قال :سمعت سفيان يقول في قوله : ﴿ قانِتاتٌ ﴾ قال :مطيعات لأزواجهن.
وقد بينا معنى القنوت فيما مضى وأنه الطاعة، ودللنا على صحة ذلك من الشواهد بما أغنى عن إعادته.
وأما قوله : ﴿ حافِظاتٌ للغَيْب ﴾ فإنه يعني :حافظات لأنفسهنّ عند غيبة أزواجهنّ عنهنّ في فروجهن وأموالهم، وللواجب عليهنّ من حقّ الله في ذلك وغيره. كما :
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة : ﴿ حافِظاتٌ للغَيْبِ ﴾ يقول :حافِظات لما استودعهنّ الله من حقه، وحافظات لغيب أزواجهن.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السدي : ﴿ حافِظاتٌ للغَيْبِ بِمعا حَفِظَ اللّهُ ﴾ يقول :تحفظ على زوجها ماله وفرجها، حتى يرجع كما أمرها الله.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، قال :قلت لعطاء :ما قوله : ﴿ حافِظاتٌ للغَيْبِ ﴾ ؟ قال :حافظات للزوج.
حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال :حدثنا حجاج، قال :قال ابن جريج :سألت عطاء، عن﴿ حافِظاتٌ للغَيْبِ ﴾ قال :حافظات للأزواج.
حدثني المثنى، قال :حدثنا حبان بن موسى، قال :أخبرنا ابن المبارك، قال :سمعت سفيان يقول : ﴿ حافِظاتٌ للغَيْبِ ﴾ :حافظات لأزواجهن لما غاب من شأنهنّ.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو صالح، قال :حدثنا أبو معشر، قال :حدثنا سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «خَيْرُ النّساءِ امْرأةٌ إذَا نَظَرْتَ إلَيْها سَرّتْكَ، وإذَا أمَرْتَها أطاعَتْكَ، وَإذَا غِبْتَ عَنْها حَفِظَتْكَ فِي نَفْسِها وَمالِكَ » قال :ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ الرّجالُ قَوّامُونَ على النّساءِ ﴾. . . الاَية.
قال أبو جعفر :وهذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلّ على صحة ما قلنا في تأويل ذلك، وأن معناه :صالحات في أديانهنّ، مطيعات لأزواجهنّ، حافظات لهم في أنفسهنّ وأموالهم.
وأما قوله : ﴿ بِمَا حَفظَ اللّهُ ﴾ فإن القرّاء اختلفت في قراءته، فقرأته عامة القراء في جميع أمصار الإسلام : ﴿ بِما حَفِظَ اللّهُ ﴾ برفع اسم الله على معنى :بحفظ الله إياهنّ إذ صيرهن كذلك. كما :
حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال :حدثنا حجاج، قال :قال ابن جريج :سألت عطاء، عن قوله : ﴿ بِمَا حَفِظَ اللّهُ ﴾ قال :يقول :حفظهنّ الله.
حدثني المثنى، قال :حدثنا حبان بن موسى، قال :أخبرنا ابن المبارك، قال :سمعت سفيان يقول في قوله : ﴿ بِمَا حَفِظَا اللّهُ ﴾ قال :بحفظ الله إياها أنه جعلها كذلك.
وقرأ ذلك أبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني : «بِمَا حَفِظَ اللّهَ » يعني :بحفظهنّ الله في طاعته، وأداء حقه بما أمرهنّ من حفظ غيب أزواجهنّ، كقول الرجل للرجل :ما حفظت الله في كذا وكذا، بمعنى :راقبته ولاحظته.
قال أبو جعفر :والصواب من القراءة في ذلك ما جاءت به قراءة المسلمين من القراءة مجيئا يقطع عذر من بلغه ويثبت عليه حجته، دون ما انفرد به أبو جعفر فشذّ عنهم، وتلك القراءة ترفع اسم الله تبارك وتعالى : ﴿ بِمَا حَفِظَ اللّهُ ﴾ مع صحة ذلك في العربية وكلام العرب، وقبح نصبه في العربية لخروجه عن المعروف من منطق العرب. وذلك أن العرب لا تحذف الفاعل مع المصادر من أجل أن الفاعل إذا حذف معها لم يكّن للفعل صاحب معروف. وفي الكلام متروك استغني بدلالة الظاهر من الكلام عليه من ذكره ومعناه : ﴿ فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ للغَيْب بِمَا حَفِظَ اللّهُ ﴾ فأحسنوا إليهنّ وأصلحوا، وكذلك هو فيما ذكر في قراءة ابن مسعود.
حدثني المثنى، قال :حدثنا إسحاق، قال :حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، قال :حدثنا عيسى الأعمي، عن طلحة بن مصرف، قال :في قراءة عبد الله :«فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ للْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ فأصلحوا إليهنّ واللاّتِي تخافُونَ نُشُوزَه
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً يُوَفّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَآ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ﴾. .
يعني بقوله جلّ ثناؤه : ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما ﴾ وإن علمتم أيها الناس شقاق بينهما، وذلك مشاقة كل واحد منهما صاحبه، وهو إتيانه ما يشقّ عليه من الأمور، فأما من المرأة فالنشوز، وتركها أداء حقّ الله عليها الذي ألزمها الله لزوجها¹ وأما من الزوج فتركه إمساكها بالمعروف، أو تسريحها بإحسان. والشقاق :مصدر من قول القائل :شاق فلان فلانا :إذا أتى كل واحد منهما إلى صاحبه ما يشقّ عليه من الأمور، فهو يشاقه مشاقة وشقاقا¹ وذلك قد يكون عداوة، كما :
حدثنا محمد بن الحسن، قال :حدثنا أحمد بن المفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ، في قوله : ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما ﴾ قال :إن ضربها فأبت أن ترجع وشاقّته، يقول :عادته.
وإنما أضيف الشقاق إلى البين، لأن البين قد يكون اسما، كما قال جلّ ثناؤه : «لَقدْ تقطّعَ بَيْنُكُمْ » في قراءة من قرأ ذلك.
وأما قوله : ﴿ فابْعَثُوا حَكَما مِنْ أهْلِهِ وحَكَما مِنْ أهْلِها ﴾ فإن أهل التأويل اختلفوا في المخاطبين بهذه الاَية من المأمور ببعثة الحكمين، فقال بعضهم :المأمور بذلك :السلطان الذي يرفع ذلك إليه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال :حدثنا عبد الوهاب، قال :حدثنا أيوب، عن سعيد بن جبير أنه قال في المختلعة :يعظها، فإن انتهت وإلا هجرها، فإن انتهت وإلا ضربها، فإن انتهت وإلا رفع أمرها إلى السلطان، فيبعث حكما من أهله وحكما من أهلها، فيقول الحكم الذي من أهلها :يفعل بها كذا، ويقول الحكم الذي من أهله :تفعل به كذا، فأيهما كان الظالم ردّه السلطان وأخذ فوق يديه، وإن كانت ناشزا أمره أن يخلع.
حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال :حدثنا يزيد، قال :أخبرنا جويبر، عن الضحاك :وَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما، فابْعَثُوا حَكَما مِنْ أهْلِهِ وَحَكَما مِنْ أهْلِها } قال :بل ذلك إلى السلطان.
وقال آخرون :بل المأمور بذلك الرجل والمرأة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن المفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ وَإنْ خِفُتمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَما مِنْ أهْلِه وَحَكَما مِنْ أهْلِها ﴾ إن ضربها فإن رجعت فإنه ليس له عليها سبيل، فإن أبت أن ترجع وشاقته، فليبعث حكما من أهله وتبعث حكما من أهلها.
ثم اختلف أهل التأويل فيما يبعث له الحكمان، وما الذي يجوز للحكمين من الحكم بينهما، وكيف وجه بعثهما بينهما ؟ فقال بعضهم :يبعثهما الزوجان بتوكيل منهما إياهما بالنظر بينهما، وليس لهما أن يعملا شيئا في أمرهما إلا ما وكلاهما به، أو وكله كل واحد منهما بما إليه، فيعملان بما وكلهما به من وكلهما من الرجل والمرأة فيما يجوز توكيلهما فيه، أو توكيل من وكل منهما في ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال :حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد، عن عبيدة، قال :جاء رجل وامرأته بينهما شقاق إلى عليّ رضي الله عنه، مع كل واحد منهما فئام من الناس، فقال عليّ رضي الله عنه :ابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، ثم قال للحكمين :تدريان ما عليكما ؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتما أن تفرّقا أن تفرّقا. قالت المرأة :رضيت بكتاب الله بما عليّ فيه ولى. وقال الرجل :أما الفرقة فلا. فقال عليّ رضي الله عنه :كذبتَ، والله لا تنقلب حتى تقرّ بمثل الذي أقرّت به.
حدثنا مجاهد بن موسى، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا هشام بن حسان، وعبد الله بن عون، عن محمد :أن عليا رضي الله عنه أتاه رجل وامرأته، ومع كل واحد منهما فئام من الناس، فأمرهما عليّ رضي الله عنه أن يبعثا حكما من أهله وحكما من أهلها لينظرا. فلما دنا منه الحكمان، قال لهما عليّ رضي الله عنه :أتدريان مالكما ؟ لكما إن رأيتما أن تفرّقا فرّقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما. قال هشام في حديثه :فقالت المرأة :رضيت بكتاب الله لي وعليّ فقال الرجل :أما الفرقة فلا. فقال عليّ :كذبت والله حتى ترضى مثل ما رضيت به. وقال ابن عون في حديثه :كذبت، والله لا تبرح حتى ترضى بمثل ما رضيت به.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا هشيم، قال :أخبرنا منصور وهشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال :شهدت عليا رضي الله عنه، فذكر مثله.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن المفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ، قال :إذا هجرها في المضجع وضربها، فأبت أن ترجع وشاقته، فليبعث حكما من أهله وتبعث حكما من أهلها¹ تقول المرأة لحكمها :قد وليتك أمري، فإن أمرتني أن أرجع رجعت، وإن فرّقت تفرّقنا. وتخبره بأمرها إن كانت تريد نفقة أو كرهت شيئا من الأشياء، وتأمره أن يرفع ذلك عنها وترجع، أو تخبره أنها لا تريد الطلاق. ويبعث الرجل حكما من أهله يوليه أمره، ويخبره يقول له حاجته إن كان يريدها، أو لا يريد أن يطلقها، أعطاها ما سألت وزادها في النفقة، وإلا قال له :خذ لي منها مالها عليّ وطلقها ! فيوليه أمره، فإن شاء طلق، وإن شاء أمسك. ثم يجتمع الحكمان فيخبر كل واحد منهما ما يريد لصاحبه، ويجهد كل واحد منهما ما يريد لصاحبه، فإن اتفق الحكمان على شيء فهو جائز، إن طلقا وإن أمسكا، فهو قول الله : ﴿ فابْعَثُوا حَكَما مِنْ أهْلِهِ وَحَكَما مِنْ أهْلِها إنْ يُرِيدَا إصْلاحا يُوَفّقِ اللّهُ بَيْنَهُما ﴾، فإن بعثت المرأة حكما وأبي الرجل أن يبعث، فإنه لا يقربها حتى يبعث حكما.
وقال آخرون :إن الذي يبعث الحكمين هو السلطان، غير أنه إنما يبعثهما ليعرفا الظالم من المظلوم منهما، ليحملهما على الواجب لكلّ واحد منهما قِبَل صاحبه لا التفريق بينهما. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال :حدثنا عبد الأعلى، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، وهو قول قتادة، إنهما قالا :إنما يبعث الحكمان ليصلحا ويشهدا على الظالم بظلمه¹ وأما الفرقة فليست في أيديهما، ولم يملكا ذلك، يعني : ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَما مِنْ أهْلِهِ وَحَكَما مِنْ أهْلِها ﴾.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد بن زريع، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَما مِنْ أهْلِه وَحَكَما مِنْ أهْلِها ﴾. . . الاَية، إنما يبعث الحكمان ليصلحا، فإن أعياهما أن يصلحا شهدا على الظالم ولبس بأيديهما فرقة، ولا يملّكان ذلك.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن قيس بن سعد، قال :سألت عن الحكمين، قال :ابعثوا حكما من أهله وحكما من أهله، فما حكم الحكمان من شيء فهو جائز¹ يقول الله تبارك وتعالى : ﴿ إن يُرِيدا إصْلاحا يُوَفّقِ اللّهُ بَيْنَهُما ﴾ قال :يخلو حكم الرجل بالزوج، وحكم المرأة بالمرأة، فيقول كل واحد منهما لصاحبه :اصدُقني ما في نفسك ! فإذا صدق كل واحد منهما صاحبه اجتمع الحكمان وأخذ كل واحد منهما على صاحبه ميثاقا لتصدقني الذي قال لك صاحبك، ولأصدقنك الذي قال لي صاحبي ! فذاك حين أرادا الإصلاح يوفق الله بينهما، فإذا فعلا ذلك اطلع كل واحد منهما على ما أفضى به صاحبه ليه، فيعرفان عند ذلك من الظالم والناشز منهما، فأتيا عله، فحكما عليه. فإن كانت المرأة قالا :أنت الظالمة العاصية، لا ينفق عليك حتى ترجعي إلى الحقّ وتطيعي الله فيه. وإن كان الرجل هو الظالم، قالا :أنت الظالم المضارّ لا تدخل لها بيتا حتى تنفق عليها وترجع إلى الحقّ والعدل. فإن كانت هي الظالمة العاصية أخذ منها مالها، وهو له حلال طيب، وإن كان هو الظالم المسيء إليها المضارّ لها طلقها، ولم يحلّ له من مالها شيء، فإن أمسكها أمسكها بما أمر الله وأنفق عليها وأحسن إليها.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي، قال :كان عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يبعث الحكمين :حكما من أهله وحكما من أهلها، فيقول الحكم من أهلها :يا فلان ما تنقم من زوجتك ؟ فيقول :أنقم منها كذا وكذا. قال :فيقول :أفرأيت إن نَزَعَتْ عما تكره إلى ما تحبّ، هل أنت متقي الله فيها ومعاشرها بالذي يحقّ عليك في نفقتها وكسوتها ؟ فإذا قال نعم، قال الحكم من أهله :يا فلانة ما تنقمين من زوجك فلان ؟ فتقول مثل ذلك، فإن قالت :نعم، جمع بينهما. قال :وقال عليّ رضي الله عنه :الحكمان بهما يجمع الله وبهما يفرّق.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، قال :قال الحسن :الحكمان يحكمان في الاجتماع، ولا يحكمان في الفرقة.
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثنى عمي، قال :ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : ﴿ واللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنّ فَعِظُوهُنّ ﴾ وهي المرأة التي تنشز على زوجها، فلزوجها أن يخلعها حين يأمر الحكمان بذلك، وهو بعد ما تقول لزوجها :والله لا أبرّ لك قسما، ولاَذننّ في بيتك بغير أمرك. ويقول السلطان :لا نجيز لك خلعا. حتى تقول المرأة لزوجها :والله لا أغتسل لك من جنابة، ولا أقيم لك صلاة، فعند ذلك يقول السلطان :اخلع المرأة.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ واللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنّ فَعِظُوهُنّ ﴾ قال :تعظها، فإن أبت وغلبت فاهجرها في مضجعها. فإن غلبت هذا أيضا فاضربها. فإن غلبت هذا أيضا، بُعث حكم من أهله حكم من أهلها. فإن غلبت هذا أيضا وأرادت غيره، فإنّ أبي كان يقول :ليس بيد الحكمين من الفرقة شيء، إن رأيا الظلم من ناحية الزوج قالا :أنت يا فلان ظالم، انزع ! فإن أبى رفعا ذلك إلى السلطان، ليس إلى الحكمين من الفراق شيء.
وقال آخرون :بل إنما يبعث الحكمين السلطان على أن حكمهما ماض على الزوجين في الجمع والتفريق. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَما مِنْ أهْلِهِ وَحَكَما مِنْ أهْلِها ﴾ فهذا الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما، فأمر الله سبحانه أن يبعثوا رجلاً صالحا من أهل الرجل، ومثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قصروها على زوجها، ومنعوها النفقة. فإن اجتمع رأيهما على أن يفرّقا أو يجمعا، فأمرهما جائز. فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره ذلك الاَخر ثم مات أحدهما، فإن الذي رضي يرث الذي كره، ولا يرث الكاره الراضي، وذلك قوله : ﴿ إنْ يُرِيدَا إصْلاحا ﴾ قال :هما الحك
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىَ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه :وذلّوا لله بالطاعة، واخضعوا له بها، وأفردوه بالربوبية، وأخلصوا له الخضوع والذلة، بالانتهاء إلى أمره، والانزجار عن نهيه، ولا تجعلوا له في الربوبية والعبادة شريكا تعظمونه تعظيمكم إياه. ﴿ وَبالوَالِدَيْنِ إحْسانا ﴾ يقول :وأمركم بالوالدين إحسانا، يعني برّا بهما¹ ولذلك نصب الإحسان، لأنه أمر منه جلّ ثناؤه بلزوم الإحسان إلى الوالين على وجه الإغراء. وقد قال بعضهم :معناه :واستوصوا بالوالدين إحسانا، وهو قريب المعنى مما قلناه.
وأما قوله : ﴿ وَبِذِي القُرْبَى ﴾ فإنه يعني :وأمر أيضا بذي القربى، وهم ذوو قرابة أحدنا من قبل أبيه أو أمه ممن قربت منه قرابته برحمه من أحد الطرفين إحسانا بصلة رحمه. وأما قوله : ﴿ واليَتَامى ﴾ فإنهم جمع يتيم، وهو الطفل الذي قد مات والده وهلك. ﴿ وَالمَساكِينِ ﴾ وهو جمع مسكين، وهو الذي قد ركبه ذلّ الفاقة والحاجة، فتمسكن لذلك. يقول تعالى ذكره :استوصوا بهؤلاء إحسانا إليهم، وتعطفوا عليهم، والزموا وصيتي في الإحسان إليهم.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ والجارِ ذِي القُرْبَي ﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم :معنى ذلك والجار ذي القرابة والرحم منك. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ والجارِ ذِي القُرْبَي ﴾ يعني :الذي بينك وبينه قرابة.
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : ﴿ والجارِ ذي القُرْبَي ﴾ يعني :ذا الرحم.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة وابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : ﴿ والجارِ ذِي القُرْبَي ﴾ قال :جارك هو ذو قرابتك.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة ومجاهد في قوله : ﴿ والجارِ ذِي القُرْبَي ﴾ قالا :القرابة.
حدثني المثنى، قال :حدثنا عمرو بن عون، قال :حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله : ﴿ والجارِ ذِي القُرْبَي ﴾ قال :جارك الذي بينك وبينه قرابة.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ والجارِ ذِي القُرْبَي ﴾ جارك ذو القرابة.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة : ﴿ والجارِ ذِي القُرْبَي ﴾ إذا كان له جار له رحم، فله حقان اثنان :حقّ القرابة، وحقّ الجار.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد، في قوله : ﴿ والجارِ ذِي القُرْبَي ﴾ قال :الجار ذو القربى :ذو قرابتك.
وقال آخرون :بل هو جار ذي قرابتك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا عبد الرحمن، قال :حدثنا جرير، عن ليث، عن ميمون بن مهران، في قوله : ﴿ والجارِ ذِي القُرْبَي ﴾ قال :الرجل يتوسل إليك بجوار ذي قرابتك.
قال أبو جعفر :وهذا القول قول مخالف المعروف من كلام العرب، وذلك أن الموصوف بأنه ذو القرابة في قوله : ﴿ والجارِ ذِي القُرْبَي ﴾ الجار دون غيره، فجعله قائل هذه المقالة جار ذي القرابة، ولو كان معنى الكلام كما قال ميمون بن مهران لقيل :وجار ذي القربى، ولم يقل :والجار ذي القربي، فكان يكون حينئذً إذا أضيف الجار إلى ذي القرابة الوصية ببرّ جار ذي القرابة دون الجار ذي القربي. وأما والجار بالألف واللام فغير جائز أن يكوى «ذي القربى » إلا من صفة الجار. وإذا كان ذلك كذلك كانت الوصية من الله في قوله : ﴿ والجارِ ذِي القُرْبَي ﴾ ببرّ الجار ذي القربى دون جار ذي القرابة، وكان بينا خطأ ما قال ميمون بن مهران في ذلك.
وقال آخرون :معنى ذلك :والجار ذي القربي منكم بالإسلام. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال¹ حدثنا عبيد الله بن موسى، قال :حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن نوف الشامي : ﴿ والجارِ ذِي القُرْبَي ﴾ المسلم.
وهذا أيضا مما لا معنى له، وذلك أن تأويل كتاب الله تبارك وتعالى غير جائز صرفه إلا إلى الأغلب من كلام العرب، الذين نزل بلسانهم القرآن المعروف فيهم دون الأنكر الذي لا تتعارفه، إلا أن يقوم بخلاف ذلك حجة يجب التسليم لها. وإذا كان ذلك كذلك، وكان معلوما أن المتعارف من كلام العرب إذا قيل فلان ذو قرابة، إنما يعني به :إنه قريب الرحم منه دون القرب بالدين، كان صرفه إلى القرابة بالرحم أوّلَى من صرفه إلى القرب بالدين.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ والجارِ الجُنُبِ ﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم :معنى ذلك :والجار البعيد الذي لا قرابة بينك وبينه. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو صالح، قال :ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : ﴿ والجارِ الجُنُبِ ﴾ الذي ليس بينك وبينه قرابة.
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : ﴿ والجارِ الجُنُبِ ﴾ يعني :الجار من قوم جنب.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة : ﴿ والجارِ الجُنُبِ ﴾ :الذي ليس بينهما قرابة وهو جار، فله حقّ الجوار.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن المفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ والجاره الجُنُبِ ﴾ الجار الغريب يكون من القوم.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة وابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ والجارِ الجُنُبِ ﴾ جارك من قوم آخرين.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ والجارِ الجُنُبِ ﴾ :جارك لا قرابة بينك وبينه، البعيد في النسب وهو جار.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة ومجاهد، في قوله : ﴿ والجارِ الجُنُبِ ﴾ قال :المجانب.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ والجارِ الجُنُبِ ﴾ :الذي ليس بينك وبينه وجه ولا قرابة.
حدثني يحيى بن أبي طالب، قال :حدثنا يزيد، قال :أخبرنا جويبر، عن الضحاك : ﴿ والجارِ الجُنُبِ ﴾ قال :من قوم آخرين.
وقال آخرون :هو الجار المشرك. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمارة الأسديّ، قال :حدثنا عبيد الله بن موسى، قال :حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن نوف الشامي ﴿ والجارِ الجُنُبِ ﴾ قال :اليهودي والنصرانيّ.
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال :معنى الجنب في هذا الموضع :الغريب البعيد، مسلما كان أو مشركا، يهوديا كان أو نصرانيا¹ لما بينا قبل أن الجار ذي القربى :هو الجار ذو القرابة والرحم، والواجب أن يكون الجار ذو الجنابة الجار البعيد، ليكون ذلك وصية بجميع أصناف الجيران، قريبهم وبعيدهم. وبعد فإن الجُنب في كلام العرب البعيد كما قال أعشى بني قيس :
أتَيْتُ حُرَيْثا زَائِرا عَنْ جَنابَةٍ ***فكانَ حُرَيْثٌ فِي عَطائيَ جامِدَا
يعني بقوله : «عن جنابة » :عن بعد وغربة، ومنه قيل :اجتنب فلان فلانا :إذا بعد منه. وتجنبه غيره :إذا منعه إياه¹ ومنه قيل للجنب :جُنُب، لاعتزاله الصلاة حتى يغتسل. فمعنى ذلك :والجار المجانب للقرابة.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وَالصّاحِب بالجَنْبِ ﴾.
اختلف أهل التأويل في المعنيّ بذلك، فقال بعضهم :هو رفيق الرجل في سفره. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : ﴿ وَالصّاحِب بالجَنْبِ ﴾ :الرفيق في السفر.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا :حدثنا سفيان، عن أبي بكير، قال :سمعت سعيد ابن جبير، يقول : ﴿ وَالصّاحِبِ بالجَنْبِ ﴾ :الرفيق في السفر.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة وابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : ﴿ وَالصّاحِب بالجَنْب ﴾ :صاحبك في السفر.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة : ﴿ وَالصّاحِب بالجَنْب ﴾ وهو الرفيق في السفر.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ وَالصّاحِب بالجَنْب ﴾ :الرفيق في السفر، منزله منزلك، وطعامه طعامك، ومسيره مسيرك.
حدثنا سفيان، قال :حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة ومجاهد : ﴿ وَالصّاحِب بالجَنْب ﴾ قالا :الرفيق في السفر.
حدثني المثنى، قال :حدثنا الحماني، قال :حدثنا شريك، عن جابر، عن عامر، عن عليّ وعبد الله، قال : ﴿ الصّاحِب بالجَنْب ﴾ :الرفيق الصالح.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، قال :أخبرني سليم، عن مجاهد، قال : ﴿ وَالصّاحِب بالجَنْب ﴾ :رفيقك في السفر الذي يأتيك ويده مع يدك.
حدثني المثنى، قال :حدثنا سويد بن نصر، قال :أخبرنا ابن المبارك قراءة على ابن جريج، قال :أخبرنا سليم أنه سمع مجاهدا يقول : ﴿ والصّاحبِ بالجنْب ﴾ فذكر مثله.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن المفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ وَالصّاحِبِ بالجَنْبِ ﴾ :الصاحب في السفر.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو دكين، قال :حدثنا سفيان، عن أبي بكير، عن سعيد بن جبير : ﴿ وَالصّاحِبِ بالجَنْبِ ﴾ :الرفيق الصالح.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا الثوري، عن أبي بكير، عن سعيد بن جبير، مثله.
حدثني المثنى، قال :حدثنا عمرو بن عون، قال :أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله : ﴿ وَالصّاحِبِ بالجَنْبِ ﴾ قال :الرفيق في السفر.
حدثني يحيى بن أبي طالب، قال :حدثنا يزيد، قال :أخبرنا جويبر، عن الضحاك، مثله.
وقال آخرون :بل هو امرأة الرجل التي تكون معه إلى جنبه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن عامر أو القاسم، عن عليّ وعبد الله : ﴿ وَالصّاحِبِ بالجَنْبِ ﴾ قالا :هي المرأة.
حدثني المثنى، قال :حدثنا عمرو بن عون، قال :حدثنا هشيم، عن بعض أصحابه، عن جابر، عن عليّ وعبد الله، مثله.
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن بيه، عن ابن عباس : ﴿ وَالصّاحِبِ بالجَنْبِ ﴾ يعني الذي معك في منزلك.
حدثنا محمد بن المثنى، قال :حدثنا محمد بن جعفر، قال :حدثنا شعبة، عن هلال، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال في هذه الاَية : ﴿ وَالصّاحِبِ بالجَنْبِ ﴾ قال :هي
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ الّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مّهِيناً ﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه :إن الله لا يحبّ المختال الفخور، الذي يبخل ويأمر الناس بالبخل. ف «الذين » يحتمل أن يكون في موضع رفع ردّا على ما في قوله ﴿ فَخُورا ﴾ من ذمّ، ويحتمل أن يكون نصبا على النعت ل «مَنْ ». والبخل في كلام العرب منع الرجل سائله ما لديه وعنده من فضل عنه. كما :
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، عن ابن طاوس عن أبيه في قوله : ﴿ الّذِينَ يَبْخَلُونَ ويأْمُرُونَ النّاسَ بالبُخْلِ ﴾ قال :البخل :أن يبخل الإنسان بما في يديه، والشحّ :أن يشحّ على ما في أيدي الناس. قال :يحبّ أن يكون له ما في أيدي الناس بالحلّ والحرام لا يقنع.
واختلف القراء في قراءة قوله : ﴿ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بالبُخْلِ ﴾ فقرأته عامة قراء أهل الكوفة : «بالبَخَل » بفتح الباء والخاء. وقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض البصريين بضم الباء : ﴿ بالبُخْلِ ﴾. وهما لغتان فصيحتان بمعنى واحد، وقراءتان معروفتان غير مختلفتي المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فهو مصيب في قراءته. وقد قيل :إن الله جلّ ثناؤه عنى بقوله : ﴿ الّذِينَ يَبْخَلُونَ ويأْمُرُونَ النّاسَ بالبُخْلِ ﴾ :الذين كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم وصفته من اليهود، ولم يبينوه للناس، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال :حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحضرميّ : ﴿ الّذِينَ يَبْخَلُونَ ويأْمُرُونَ النّاسَ بالبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمْ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ قال :هم اليهود بخلوا بما عندهم من العلم وكتموا ذلك.
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، قال :حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : ﴿ الّذِينَ يَبْخَلُونَ ويأْمُرُونَ النّاسَ بالبُخْلِ ﴾. . . إلى قوله : ﴿ وكانَ اللّهُ بِهِمْ عَلِيما ﴾ ما بين ذلك في يهود.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ الّذِينَ يَبْخَلُونَ ويأْمُرُونَ النّاسَ بالبُخْلِ ﴾ وهم أعداء الله أهل الكتاب، بخلوا بحقّ الله عليهم، وكتموا الإسلام ومحمدا صلى الله عليه وسلم، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ، أما : ﴿ الّذِينَ يَبْخَلُونَ ويأْمُرُونَ النّاسَ بالبُخْلِ ﴾ فهم اليهود، ﴿ وَيكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ اسم محمد صلى الله عليه وسلم. أو ﴿ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بالبُخْلِ ﴾ :يبخلون باسم محمد صلى الله عليه وسلم، ويأمر بعضهم بعضا بكتمانه.
حدثنا محمد بن مسلم الرازي، قال :ثني أبو جعفر الرازي، قال :حدثنا يحيى، عن عارم، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، في قوله : ﴿ الّذِينَ يَبْخَلُونَ ويأْمُرُونَ النّاسَ بالبُخْلِ ﴾ قال :هذا للعلم، ليس للدنيا منه شيء.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ الّذِينَ يَبْخَلُونَ ويأْمُرُونَ النّاسَ بالبُخْلِ ﴾ قال :هؤلاء يهود، وقرأ : ﴿ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمْ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ قال :يبخلون بما آتاهم الله من الرزق، ويكتمون ما آتاهم الله من الكتب، إذا سئلوا عن الشيء وما أنزل الله كتموه. وقرأ : ﴿ أمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فإذا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرا ﴾ من بخلهم.
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال :كان كردم بن زيد حليف كعب بن الأشرف، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبحري بن عمرو، وحيّ بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت، يأتون رجالاً من الأنصار، وكانوا يخالطونهم، يتنصحون لهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون لهم :لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون ! فأنزل الله فيهم : ﴿ الّذِينَ يَبْخَلُونَ ويأْمُرُونَ النّاسَ بالبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ :أي من النبوّة التي فيها تصديق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿ وأعْتَدنْا للْكافِرِينَ عَذَابا مُهِينا ﴾. . . إلى قوله : ﴿ وكانَ اللّهُ بِهِمْ عَلِيما ﴾.
فتأويل الاَية على التأويل الأوّل :والله لا يحبّ ذوي الخيلاء والفخر الذين يبخلون بتبيين ما أمرهم الله بتبيينه للناس من اسم محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وصفته التي أنزلها في كتبه على أنبيائه، وهم به عالمون، ويأمرون الناس الذين يعلمون ذلك، مثل علمهم بكتمان ما أمرهم الله بتبيينه له، ويكتمون ما آتاهم الله من علم ذلك ومعرفته من حرم الله عليه كتمانه إياه.
وأما على تأويل ابن عباس وابن زيد :إن الله لا يحبّ من كان مختالاً فخورا، الذين يبخلون على الناس بفضل ما رزقهم الله من أموالهم. ثم سائر تأويلهما وتأويل غيرهما سواء.
وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما قاله الذين قالوا :إن الله وصف هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في هذه الاَية بالبخل، بتعريف من جهل أمر محمد صلى الله عليه وسلم أنه حقّ، وأن محمدا لله نبيّ مبعوث، وغير ذلك من الحقّ الذي كان الله تعالى ذكره قد بينه فيما أوحى إلى أنبيائه من كتبه، فبخل بتبيينه للناس هؤلاء، وأمروا من كانت حاله حالهم في معرفتهم به أن يكتموه من جهل ذلك، ولا يبينوه للناس.
وإنما قلنا :هذا القول أولى بتأويل الاَية¹ لأن الله جلّ ثناؤه وصفهم بأنهم يأمرون الناس بالبخل، ولم يبلغنا عن أمة من الأمم أنها كانت تأمر الناس بالبخل ديانة ولا تخلقا، بل ترى ذلك قبيحا، ويُذمّ فاعله، ولا يمتدح¹ وإن هي تخلقت بالبخل واستعملته في أنفسها، فالسخاء والجود تعدّه من مكارم الأفعال، وتحثّ عليه¹ ولذلك قلنا :إن بخلهم الذي وصفهم الله به إنما كان بخلاً بالعلم الذي كان الله آتاهموه، فبخلوا بتبيينه للناس، وكتموه دون البخل بالأموال. إلا أن يكون معنى ذلك الذين يبخلون بأموالهم التي ينفقونها في حقوق الله وسبله، ويأمرون الناس من أهل الإسلام بترك النفقة في ذلك، فيكون بخلهم بأموالهم وأمرهم الناس بالبخل. فهذا المعنى على ما ذكرنا من الرواية عن ابن عباس، فيكون لذلك وجه مفهوم في وصفهم بالبخل وأمرهم به.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وأعْتَدنْا للكافِرِينَ عَذَابا مُهِينا ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه ﴿ وأعْتَدنْا ﴾ :وجعلنا للجاحدين نعمة الله التي أنعم بها عليهم من المعرفة بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، المكذّبين به بعد علمهم به، الكاتمين نعته وصفته مَنْ أَمَرَهم الله ببيانه له من الناس، ﴿ عَذَابا مُهِينا ﴾ يعني :العقاب المذلّ من عذّب بخلوده فيه عتادا له في آخرته، إذا قدم على ربه وجده بما سلف منه من جحوده فَرْضَ الله الذي فرض عليه.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَالّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَآءَ النّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَمَن يَكُنِ الشّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً ﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه :وأعتدنا للكافرين بالله من اليهود الذين وصف الله صفتهم عذابا مهينا. ﴿ وَالّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النّاسِ ﴾ «والذين » في موضع خفض عطفا على «الكافرين ». وقوله : ﴿ رِئَاءَ النّاسِ ﴾ يعني :ينفقه مراءاة الناس في غير طاعة الله أو غير سبيله، ولكن في سبيل الشيطان. ﴿ وَلا يُؤْمِنُونَ باللّهِ وَلا باليَوْمِ الاَخِرِ ﴾ يقول :ولا يصدّقون بواحدنية الله ولا بالميعاد إليه يوم القيامة، الذي فيه جزاء الأعمال أنه كائن. وقد قال مجاهد :إن هذا من صفة اليهود، وهو صفة أهل النفاق الذين كانوا أهل شرك فأظهروا الإسلام تقية من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان به، وهم على كفرهم مقيمون أشبه منهم بصفة اليهود¹ لأن اليهود كانت توحد الله وتصدّق بالبعث والمعاد، وإنما كان كفرها تكذيبها بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم. وبعد ففي فصل الله بين صفة الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاَخر، وصفة الفريق الاَخر الذين وصفهم في الاَية قبلها، وأخبر أن لهم عذابا مهينا، بالواو الفاصلة بينهم ما ينبىء عن أنهما صفتان من نوعين من الناس مختلفي المعاني، وإن كان جميعهم أهل كفر بالله. ولو كانت الصفتان كلتماهما صفة نوع من الناس لقيل إن شاء الله :وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا، الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس. ولكن فصل بينهم بالواو لما وصفنا.
فإن ظنّ ظانّ أن دخول الواو غير مستنكر في عطف صفة على صفة لموصوف واحد في كلام العرب ؟ قيل :ذلك وإن كان كذلك، فإن الأفصح في كلام العرب إذا أريد ذلك ترك إدخال الواو، وإذا أريد بالثاني وصف آخر غير الأوّل أدخل الواو. وتوجيه كلام الله إلى الأفصح الأشهر من كلام من نزل بلسانه كتابه أولى بنا من توجيهه إلى الأنكر من كلامهم.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وَمَنْ يَكُنِ الشّيْطانُ لَهُ قَرِينا فَساءَ قَرِينا ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه :ومن يكن الشيطان له خليلاً وصاحبا يعمل بطاعته ويتبع أمره ويترك أمر الله في إنفاقه ماله رئاء الناس في غير طاعته، وجحوده وحدانية الله والبعث بعد الممات¹ ﴿ فساءَ قرِينا ﴾ يقول :فساء الشيطان قرينا. وإنما نصب القرين، لأن في «ساء » ذكرا من الشيطان، كما قال جلّ ثناؤه : ﴿ بِئْسَ للظّالِمِينَ بَدَلاً ﴾، وكذلك تفعل العرب في ساء ونظائرها، ومنه قول عديّ بن زيد :
عَنِ المَرْءِ لا تَسألْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ ***فَكُلّ قَرِينٍ بالمُقارِنِ يَقْتَدِي
يريد بالقرين :الصاحب والصديق.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَأَنْفَقُواْ مِمّا رَزَقَهُمُ اللّهُ وَكَانَ اللّهُ بِهِم عَلِيماً ﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه :أيّ شيء على هؤلاء الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الاَخر، لو آمنوا بالله واليوم الاَخر، لو صدّقوا بأن الله واحد لا شريك له، وأخلصوا له التوحيد، وأيقنوا بالبعث بعد الممات، وصدّقوا بأن الله مجازيهم بأعمالهم يوم القيامة ﴿ وأنفقُوا ممّا رزقهُم اللّهُ ﴾ يقول وأدّوا زكاة أموالهم التي رزقهم الله، وأعطاهموها طيبة بها أنفسهم، ولم ينفقوها رئاء الناس التماس الذكر والفخر عند أهل الكفر بالله، والمحمدة بالباطل عند الناس، وكان الله بهؤلاء الذين وصف صفتهم أنهم ينفقون أموالهم رئاء الناس نفاقا، وهم بالله واليوم الاَخر مكذّبون، عليما، يقول :ذا علم بهم وبأعمالهم وما يقصدون ويريدون بانفاقهم، وما ينفقون من أموالهم، وأنهم يريدون بذلك الرياء والسمعة والمحمدة في الناس، وهو حافظ عليهم أعمالهم، لا يخفى عليه شيء منها حتى يجازيهم بها جزاءهم عنا معادهم إليه.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ إِنّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه :وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الاَخر، وأنفقوا مما رزقهم الله، فإن الله لا يبخس أحدا من خلقه أنفق في سبيله مما رزقه من ثواب نفقته في الدنيا ولا من أجرها يوم القيامة ﴿ مِثْقَالَ ذَرّةٍ ﴾ أي ما يزنها ويكون على قدر ثقلها في الوزن، ولكنه يجازيه به، ويثيبه عليه. كما :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة أنه تلا : ﴿ إنّ اللّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرّةٍ وَإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْها ﴾ قال :لأن تفضل حسناتي ما يزن ذرّة أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قال :كان بعض أهل العلم يقول :لأن تفضل حسناتي على سيئاتي ما يزن ذرّة أحبّ إليّ من أن تكون لي الدنيا جميعا.
وأما الذرّة، فإنه ذكر عن ابن عباس أنه قال فيها، كما :
حدثني إسحاق بن وهب الواسطي، قال :حدثنا أبو عاصم، قال :حدثنا شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله : ﴿ مِثْقالَ ذَرّةٍ ﴾ قال :رأس نملة حمراء.
قال لي إسحاق بن وهب :قال يزيد بن هارون :زعموا أن هذه الدودة الحمراء ليس لها وزن. وبنحو الذي قلنا في ذلك صحت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار، قالا :حدثنا أبو داود، قال :حدثنا عمران، عن قتادة، عن أنس :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : «إنّ اللّهَ لا يَظْلِمُ المُؤْمِنَ حَسَنَةً، يُثابُ عَلَيْها الرّزْقَ فِي الدّنْيا وُيجْزَى بها فِي الاَخِرَةِ¹ وأمّا الكافِرُ فَيُطْعَمُ بها فِي الدّنْيا، فإذَا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ لَمْ تَكُنْ لَه حَسَنَةً ».
حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال :حدثنا جعفر بن عون، قال :حدثنا هشام بن سعد، قال :أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار : «وَالّذِي نَفْسي بِيَدِهِ ما أحَدُكُمْ بِأشَدّ مُناشَدَةً فِي الحَقّ يَرَاه مُصيبا لَه، مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي إخْوَانِهِمْ إذَا رأوْا أنْ قَدْ خَلَصُوا مِنَ النّار يَقُولُونَ :أيْ رَبّنا إخْوَانُنا كانُوا يُصَلّونَ مَعَنا وَيَصُومُونَ مَعَنا وَيحُجّونَ مَعَنا ويُجاهِدُونَ مَعَنا، قَدْ أخَذَتْهُمُ النّارُ ! فَيَقُولُ اللّهُ لَهُمْ :اذْهَبُوا فَمَنْ عَرَفْتُمْ صورَتَه فأخْرِجُوه ! ويحَرّمُ صورَتهُمْ على النّارِ، فَيَجِدونَ الرّجُلَ قَدْ أخَذَتْه النّارُ إلى أنْصَاف ساقَيْهِ وإلى رُكْبَتَيْهِ وإلى حَقْوَيْهِ، فَيُخْرِجُونَ مِنْها بَشَرا كَثِيرا، ثُمّ يَعُودُونَ فَيَتَكَلّمُونَ، فَيَقُولُ :اذْهَبُوا لِمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقالَ قِيرَاطِ خَيْرٍ فأخْرِجُوهُ ! فَيُخْرِجُونَ مِنْها بَشَرا كَثِيرا، ثُمّ يَعُودُونَ فَيَتَكَلّمُونَ، فَلا يَزَالُ يَقولُ لَهُمْ ذَلِكَ حتى يَقُولَ :اذْهَبُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقالَ ذَرّةٍ فأخْرِجُوهُ ! » فكان أبو سعيد إذا حدّث بهذا الحديث، قال :إن لم تصدّقوا فاقرءوا : ﴿ إنّ اللّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرّةٍ وَإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْها وَيُؤتِ مِنْ لَدُنْهُ أجْرا عظيما ﴾ فيقولون : «رَبّنا لم نَذَرْ فيها خَيْرا ».
وحدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال :ثني أبي وشعيب بن الليث، عن الليث عن خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه.
وقال آخرون في ذلك. بما :
حدثني به المثنى، قال :حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال :حدثنا صدقة بن أبي سهل، قال :حدثنا أبو عمرو، عن زاذان، قال :أتيت ابن مسعود، فقال :إذا كان يوم القيامة جمع الله الأوّلين والاَخرين، ثم نادى مناد من عند الله : «ألا من كان يطلب مظلمة، فليجىءْ إلى حقه فليأخذه ! » قال :فيفرح والله الصبيّ أن يذوب له الحقّ على والده أو ولده أو زوجته، فيأخذه منه وإن كان صغيرا. ومصداق ذلك في كتاب الله تبارك وتعالى : ﴿ فإذَا نُفِخَ فِي الصّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ ﴾ فيقال له : «آت هؤلاء حقوقهم » أي أعطهم حقوقهم. فيقول :أي ربّ من أين وقد ذهبت الدنيا ؟ فيقول الله لملائكته :أي ملائكتي انظروا في أعماله الصالحة، وأعطوهم منها ! فإن بقي مثقال ذرة من حسنة، قالت الملائكة وهو أعلم بذلك منها :يا ربنا أعطيْنا كلّ ذي حقّ حقه، وبقي له مثقال ذرّة من حسنة. فيقول للملائكة :ضعّفوها لعبدي، وأدخلوه بفضل رحمتى الجنة ! ومصداق ذلك في كتاب الله : ﴿ إنّ اللّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرّةٍ وَإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْها وَيُؤتِ مِنْ لَدُنْهُ أجْرا عَظِيما ﴾ :أي الجنة يعطيها. وإن فنيت حسناته وبقيت سيئاته، قالت الملائكة وهو أعلم بذلك :إلهنا فنيت حسناته وبقي سيئاته، وبقي طالبون كثير ! فيقول الله :ضعوا عليها من أوزارهم واكتبوا له كتابا إلى النار ! قال صدقة : «أو صكّا إلى جهنم »، شكّ صدقة أيتهما قال.
وحُدثت عن محمد بن عبيد، عن هارون بن عنترة، عن عبد الله بن السائب، قال :سمعت زاذان يقول :قال عبد الله بن مسعود :يأخذ بيد العبد والأمة يوم القيامة، فينادي منادٍ على رؤوس الأوّلين والاَخرين :هذا فلان ابن فلان، من كان له حقّ فليأت إلى حقه ! فتفرح المرأة أن يذوب لها الحقّ على أبيها، أو على ابنها، أو على أخيها، أو على زوجها، ثم قرأ ابن مسعود : ﴿ فَلا أنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ ﴾ فيغفر الله تبارك وتعالى من حقه ما شاء، ولا يغفر من حقوق الناس شيئا، فينصب للناس فيقول :آتوا إلى الناس حقوقهم ! فيقول :ربّ فنيت الدنيا من أين أوتيهم حقوقهم ؟ فيقول :خذوا من أعماله الصالحة، فأعطوا كل ذي حقّ حقه بقدر مظلمته، فإن كان وليا لله، ففضل له مثقال ذرّة ضاعفها له حتى يدخله بها الجنة ! ثم قرأ علينا : ﴿ إنّ اللّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرّةٍ ﴾ وإن كان عبدا شقيا قال الملك :ربّ فنيت حسناته، وبقي طالبون كثير. فيقول :خذوا من سيئاتهم، فأضيفوها إلى سيئاته، ثم صُكّوا له صَكّا إلى النار.
قال أبو جعفر :فتأويل الاَية على تأويل عبد الله هذا :إن الله لا يظلم عبدا وجب له مثقال ذرّة قِبَل عبد له آخر في معاده ويوم لقائه فما فوقه فيتركه عليه فلا يأخذه للمظلوم من ظالمه، ولكنه يأخذه منه له، ويأخذ من كل ظالم لكل مظلوم تَبِعَتَهُ قِبَلَهُ. ﴿ وَإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْها ﴾ يقول :وإن توجد له حسنة يضاعفها، بمعنى :يضاعف له ثوابها وأجرها. ﴿ وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أجْرا عَظِيما ﴾ يقول :ويعطه من عنده أجرا عظيما. والأجر العظيم :الجنة على ما قاله عبد الله.
ولكلا التأويلين وجه مفهوم، أعنى التأويل الذي قاله ابن مسعود والذي قاله قتادة. وإنما اخترنا التأويل الأوّل لموافقته الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع دلالة ظاهر التنزيل على صحته، إذ كان في سياق الاَية التي قبلها، التي حثّ الله فيها على النفقة في طاعته، وذمّ النفقة في طاعة الشيطان، ثم وصل ذلك بما وعد المنافقين في طاعته بقوله : ﴿ إنّ اللّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرّةٍ وَإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْها وَيُؤتِ مِنْ لَدُنْهُ أجْرا عَظِيما ﴾.
واختلفت القراء في قراءة قوله : ﴿ وَإنْ تَكُ حَسَنَةً ﴾. فقرأت ذلك عامة قرّاء العراق : ﴿ وَإنْ تَكُ حَسَنَةً ﴾ بنصب الحسنة، بمعنى :وإن تك زنة الذرّة حسنة يضاعفها. وقرأ ذلك عامة قراء المدينة : «وَإنْ تَكُ حَسَنَةٌ » برفع الحسنة، بمعنى :وإن توجد حسنة على ما ذكرت عن عبد الله بن مسعود من تأويل ذلك. وأما قوله : ﴿ يُضَاعِفْها ﴾ فإنه جاء بالألف، ولم يقل : «يضعفها »، لأنه أريد به في قول بعض أهل العربية :يضاعفها أضعافا كثيرة¹ ولو أريد به في قوله يضعف ذلك ضعفين لقيل : «يضعّفها » بالتشديد.
ثم اختلف أهل التأويل في الذين وعدهم الله بهذه الاَية ما وعدهم فيها، فقال بعضهم :هم جميع أهل الإيمان بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم. واعتلوا في ذلك بما :
حدثنا الفضل بن الصباح، قال :حدثنا يزيد بن هارون، عن مبارك بن فضالة، عن عليّ بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، قال :لقيت أبا هريرة فقلت له :إنه بلغني أنك تقول :إن الحسنة لتضاعف ألف ألف حسنة ! قال :وما أعجبك من ذلك ؟ فوالله لقد سمعته يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول : «إنّ اللّهَ لَيُضَاعِفُ الحَسَنَةَ ألْفَيْ ألْفِ حَسَنَةَ ».
وقال آخرون :بل ذلك المهاجرون خاصة دون أهل البوادي والأعراب. واعتلوا في ذلك بما :
حدثني محمد بن هارون أبو نشيط، قال :حدثنا يحيى بن أبي بكير، قال :حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن عبد الله بن عمر، قال :نزلت هذه الاَية في الأعراب : ﴿ مَنْ جاءَ بالحسَنةِ فَلهُ عَشْرُ أمْثالِهَا ﴾ قال :فقال رجل :فما للمهاجرين ؟ قال : «ما هُوَ أعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ : ﴿ إنّ اللّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرّةٍ وَإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْها وَيُؤتِ مِنْ لَدُنْهُ أجْرا عَظِيما ﴾ وإذَا قال الله لشيءٍ عَظِيمٌ فهَوُ عَظِيم ».
قال أبو جعفر :وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال :عنى بهذه الاَية المهاجرين دون الأعراب. وذلك أنه غير جائز أن يكون في أخبار الله أو أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء يدفع بعضه بعضا، فإذا كان صحيحا وعد الله من جاء من عباده المؤمنين بالحسنة من الجزاء عشر أمثالها، ومن جاء بالحسنة منهم أن يضاعفها له، وكان الخبران اللذان ذكرناهما عنه صلى الله عليه وسلم صحيحين، كان غير جائز إلا أن يكون أحدهما مجملاً والاَخر مفسرا، إذ كانت أخباره صلى الله عليه وسلم يصدّق بعضها بعضا. وإذا كان ذلك كذلك صحّ أن خبر أبي هريرة معناه :إن الحسنة لتضاعف للمهاجرين من أهل الإيمان ألفي ألف حسنة، وللأعراب منهم عشر أمثالها، على ما رَوَى ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم¹ وأن قوله : ﴿ مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِهَا ﴾ يعني :من جاء بالحسنة من أعراب المؤمنين فله عشر أمثالها، ومن جاء بالحسنة من مهاجريهم يضاعف له، ويؤته الله من لدنه أجرا، يعني :يعطه من عنده أجرا عظيما، يعني :عوضا من حسنته عظيما. وذلك العوض العظيم :الجنة¹ كما :
حدثني المثنى، قال :حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال :حدثنا صدقة بن أبي سهل، قال :حدثنا أبو عمرو، عن زاذان، عن ابن مسعود : ﴿ وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أجْرا عَظِيما ﴾ :أي الجنة يعطها.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، قال :أخبرني عباد بن أبي صالح، عن سعيد بن جبير، قوله : ﴿ وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أجْرا عَظِيما ﴾ قال :الأجر العظيم :الجنة.
حدثني يونس، قال :
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىَ هََؤُلآءِ شَهِيداً ﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه :إن الله لا يظلم عباده مثقال ذرّة، فكيف بهم ﴿ إذا جِئْنَا مِنْ كُلّ أُمّةٍ بَشِهيدٍ ﴾ يعني :بمن يشهد عليها بأعمالها، وتصديقها رسلها، أو تكذيبها، ﴿ وجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاءِ شَهِيدا ﴾ يقول :وَجِئْنَا بك يا محمد على هؤلاء :أي على أمتك شهيدا، يقول :شاهدا. كما :
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السدّي : ﴿ فَكَيْفَ إذَا جِئْنَا مِنْ كُلّ أُمّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاءِ شَهِيدا ﴾ قال :إن النبيين يأتون يوم القيامة، منهم من أسلم معه من قومه الواحد والاثنان والعشرة وأقلّ وأكثر من ذلك، حتى يؤتى بقوم لوط صلى الله عليه وسلم لم يؤمن معه إلا ابنتاه، فيقال لهم :هل بلغتم ما أرسلتم به ؟ فيقولون :نعم، فيقال :من يشهد ؟ فيقولون :أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فيقال لهم :أتشهدون أن الرسل أوْدَعوا عندكم شهادة، فبم تشهدون ؟ فيقولون :ربنا نشهد أنهم قد بلغوا كما شهدوا في الدنيا بالتبليغ ! فيقال :من يشهد على ذلك ؟ فيقولون :محمد صلى الله عليه وسلم. فيدعى محمد عليه الصلاة والسلام، فيشهد أن أمته قد صدقوا، وأن الرسل قد بلّغوا. فذلك قوله : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمّةً وَسَطا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ على النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا ﴾.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، قال :قال ابن جريج :قوله : ﴿ فَكَيْفَ إذَا جِئْنَا مِنْ كُلّ أُمّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ قال :رسولها، فيشهد عليها أن قد أبلغهم ما أرسله الله به إليهم¹ ﴿ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاءِ شَهِيدا ﴾ قال :كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا أتى عليها فاضت عيناه.
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا يحيى بن واضح، قال :حدثنا الحسن، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، في قوله : ﴿ وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ﴾ قال :الشاهد محمد، والمشهود :يوم الجمعة. فذلك قوله : ﴿ فَكَيْفَ إذَا جِئْنَا مِنْ كُلّ أُمّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاءِ شَهِيدا ﴾.
حدثني عبد الله بن محمد الزهري، قال :حدثنا سفيان، عن المسعودي، عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه، عن عبد الله : ﴿ فَكَيْفَ إذَا جِئْنَا مِنْ كُلّ أُمّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاءِ شَهِيدا ﴾ قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «شَهِيدا عَلَيْهِمْ ما دُمْتُ فِيهِمْ، فَلَمّا تَوَفّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأنْتَ على كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ».
حدثنا محمد بن المثنى، قال :حدثنا إبراهيم بن أبي الوزير، قال :حدثنا سفيان بن عيينة، عن المسعودي، عن القاسم :أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود : «اقْرأْ عَليّ ! » قال :أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ قال : «أنّي أُحِبّ أنْ أسَمعه مِنْ غيرِي ». قال :فقرأ ابن مسعود النساء، حتى بلغ : ﴿ فَكَيْفَ إذَا جِئْنَا مِنْ كُلّ أُمّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاءِ شَهِيدا ﴾ قال :قال استعبر النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكفّ ابن مسعود. قال المسعودي :فحدثني جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه :أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال : «شَهِيدا عَلَيْهِمْ ما دُمْتُ فِيهِمْ، فإذَا تَوَفّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأنْتَ على كُلْ شَيْءٍ شَهِيدٌ ».
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرّسُولَ لَوْ تُسَوّىَ بِهِمُ الأرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً ﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه :يوم نجيء من كل أمة بشهيد، ونجيء بك على أمتك يا محمد شهيدا، ﴿ يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يقول :يتمنى الذين جحدوا وحدانية الله وعصوا رسوله، لو تسوّى بهم الأرض.
واختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل الحجاز ومكة والمدينة : «لَوْ تَسّوّى بِهِمُ الأرْضُ » بتشديد السين والواو وفتح التاء، بمعنى :لو تَتَسوّى بهم الأرض، ثم أدغمت التاء الثانية في السين، يراد به :أنهم يودّون لو صاروا ترابا، فكانوا سواء هم والأرض. وقرأ آخرون ذلك : «لَوْ تَسَوّى بِهِمُ الأرْضُ » بفتح التاء وتخفيف السين، وهي قراءة عامة قراء أهل الكوفة بالمعنى الأوّل، غير أنهم تركوا تشديد السين، واعتلوا بأن العرب لا تكاد تجمع بين تشديدين في حرف واحد. وقرأ ذلك آخرون : ﴿ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ﴾ بمعنى :لو سوّاهم الله والأرض، فصاروا ترابا مثلها بتصييره إياهم، كما يفعل ذلك بمن ذكر أنه يفعله به من البهائم. وكل هذه القراءات متقاربات المعنى، وبأيّ ذلك قرأ القارىء فمصيب، لأن من تمنى منهم أن يكون يومئذ ترابا إنما يتمنى أن يكون كذلك بتكوين الله إياه كذلك، وكذلك من تمنى أن يكون الله جعله كذلك فقد تمنى أن يكون ترابا. على أن الأمر وإن كان كذلك، فأعجب القراءة إليّ في ذلك : «لَوْ تَسَوّى بِهِمُ الأرْضُ » بفتح التاء وتخفيف السين، كراهية الجمع بين تشديدين في حرف واحد، وللتوفيق في المعنى بين ذلك وبين قوله : ﴿ وَيَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابا ﴾ فأخبر الله عنهم جلّ ثناؤه أنهم يتمنون أن كانوا ترابا، ولم يخبر عنهم أنهم قالوا :يا ليتني كنت ترابا، فكذلك قوله : «لَوْ تَسَوّى بِهِمُ الأرْضُ » فيسوّوا هم، وهي أعجب إليّ ليوافق ذلك المعنى الذي أخبر عنهم بقوله : ﴿ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابا ﴾.
وأما قوله : ﴿ وَلا يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثا ﴾ فإن أهل التأويل تأوّلوه، بمعنى :ولا تكتم الله جوارحهم حديثا وإن جحدت ذلك أفواههم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا حكام، قال :حدثنا عمرو عن مطرف، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال :أتى رجل ابن عباس، فقال :سمعت الله يقول : ﴿ وَاللّهِ رَبّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ وقال في آية أخرى : ﴿ وَلا يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثا ﴾. فقال ابن عباس :أما قوله : ﴿ وَاللّهِ رَبّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ فإنهم لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام قالوا :تعالوا فلنجحد، فقالوا :والله ربنا ما كنا مشركين ! فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم، فلا يكتمون الله حديثا.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن رجل، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال :جاء رجل إلى ابن عباس، فقال :أشياء تختلف عليّ في القرآن ؟ فقال :ما هو ؟ أشكّ في القرآن ؟ قال :ليس بالشك، ولكنه اختلاف. قال :فهات ما اختلف عليك ! قال :أسمع الله يقول : ﴿ ثُمّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إلاّ أنْ قالُوا وَاللّهِ رَبّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ وقال : ﴿ وَلا يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثا ﴾ وقد كتموا ! فقال ابن عباس :أما قوله : ﴿ ثُمّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إلاّ أنْ قالُوا وَاللّهِ رَبّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن الله يغفر لأهل الإسلام ويغفر الذنوب ولا يغفر شركا ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره جحد المشركون، فقالوا :والله ربنا ما كنا مشركين، رجاء أن يغفر لهم، فختم على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك ﴿ يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهمُ الأرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثا ﴾.
حدثني المثنى، قال :حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال :حدثنا القاسم، قال :حدثنا الزبير، عن الضحاك :أن نافع ابن الأزرق أتى ابن عباس فقال :يا ابن عباس، قول الله تبارك وتعالى : ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهمُ الأرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثا ﴾، وقوله : ﴿ وَاللّهِ رَبّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ ؟ فقال له ابن عباس :إني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت :ألقى عليّ ابن عباس متشابه القرآن، فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله جامع الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فيقول المشركون إن الله لا يقبل من أحد شيئا إلا ممن وحّده، فيقولون :تعالوا نجحد ! فيسألهم، فيقولون :والله ربنا ما كنا مشركين، قال :فيختم على أفواههم، ويستنطق جوارحهم، فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سوّيت بهم، ولا يكتمون الله حديثا.
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :حدثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهمُ الأرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثا ﴾ يعني :أن تُسوّى الأرض بالجبال عليهم.
فتأويل الاَية على هذا القول الذي حكيناه عن ابن عباس :يَوْمَئِذٍ يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهمُ الأرْضُ ولَمْ يَكْتُمُوا اللّهَ حَدِيثا. كأنهم تمنوا أنهم سوّوا مع الأرض، وأنهم لم يكونوا كتموا الله حديثا.
وقال آخرون :معنى ذلك يومئذ لا يكتمون الله حديثا، ويودّون لو تسوّى بهم الأرض. وليس بمنكتم عن الله من شيء حديثهم، لعلمه جلّ ذكره بجميع حديثهم وأمرهم، فإنهم إن كتموه بألسنتهم فجحدوه، لا يخفى عليه شيء منه.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىَ حَتّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِنْ كُنْتُمْ مّرْضَىَ أَوْ عَلَىَ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمّمُواْ صَعِيداً طَيّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً ﴾. .
يعني بقوله جلّ ثناؤه : ﴿ يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا ﴾ صدّقوا الله ورسوله ﴿ لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ ﴾ :لا تصلوا ﴿ وأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾ وهو جمع سكران، ﴿ حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ﴾ في صلاتكم، وتقرءون فيها مما أمركم الله به، أو ندبكم إلى قيله فيها مما نهاكم عنه وزجركم.
ثم اختلف أهل التأويل في السكر الذي عناه الله بقوله : ﴿ لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وأنْتُمْ سُكارَى ﴾ فقال بعضهم :عنى بذلك :السكر من الشراب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال :حدثنا عبد الرحمن، قال :حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن علي :أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر شربوا الخمر، فصلى بهم عبد الرحمن، فقرأ : «قُلْ يا أيّها الكافِرُونَ » فخلط فيها، فنزلت : ﴿ لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وأنْتُمْ سُكارَى ﴾.
حدثني المثنى، قال :حدثنا الحجاج بن المنهال، قال :حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حبيب :أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما وشرابا، فدعا نفرا من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأكلوا وشربوا حتى ثملوا، فقدّموا عليّا يصلي بهم المغرب، فقرأ :قل يا أيها الكافرون، أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، وأنا عابد ما عبدتم، لكم دينكم ولي دين. فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الاَية : ﴿ لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وأنْتُمْ سُكارَى حتى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ﴾.
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : ﴿ يا أيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وأنْتُمْ سُكارَى ﴾ قبل أن تحرم الخمر، فقال الله : ﴿ يا أيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وأنْتُمْ سُكارَى ﴾. . . الاَية.
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي رزين في قوله : ﴿ يا أيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وأنْتُمْ سُكارَى ﴾ قال :نزل هذا وهم يشربون الخمر، فقال :وكان هذا قبل أن ينزل تحريم الخمر.
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي رزين، قال :كانوا يشربون بعد ما أنزلت التي في البقرة، وبعد التي في النساء، فلما أنزلت التي في المائدة تركوها.
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : ﴿ وأنْتُمْ سُكارَى حتى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ﴾ قال :نهوا أن يصلوا وهم سكارى، ثم نسخها تحريم الخمر.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله : ﴿ لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وأنْتُمْ سُكارَى ﴾ قال :كانوا يجتنبون السكر عند حضور الصلوات، ثم نسخ بتحريم الخمر.
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي وائل وأبي رزين وإبراهيم في قوله : ﴿ يا أيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وأنْتُمْ سُكارَى ﴾ و﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ للنّاسِ وإثمُهُما أكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ﴾، وقوله : ﴿ تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا وَرِزْقا حَسَنا ﴾ قالوا :كان هذا قبل أن ينزل تحريم الخمر.
وقال آخرون :معنى ذلك :لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وأنْتُمْ سُكارَى من النوم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك : ﴿ لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وأنْتُمْ سُكارَى ﴾ قال :سكر النوم.
حدثنا أحمد بن حازم الغفاريّ، قال :حدثنا أبو نعيم، قال :حدثنا سلمة، عن الضحاك : ﴿ يا أيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وأنْتُمْ سُكارَى ﴾ قال :لم يعن بها سكر الخمر، وإنما عنى بها سكر النوم.
قال أبو جعفر :وأولى القولين في ذلك بتأويل الاَية، تأويل من قال ذلك :نهى من الله المؤمنين عن أن يقربوا الصلاة وهم سكارى من الشراب قبل تحريم الخمر، للأخبار المتظاهرة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ذلك كذلك نهي من الله، وأن هذه الاَية نزلت فيمن ذكرت أنها نزلت فيه.
فإن قال لنا قائل :وكيف يكون ذلك معناه، والسكران في حال زوال عقله نظير المجنون في حال زوال عقله، وأنت ممن تُحِيل تكليف المجانين لفقدهم الفهم بما يؤمر وينهى ؟ قيل له :إن السكران لو كان في معنى المجنون لكان غير جائز أمره ونهيه، ولكن السكران هو الذي يفهم ما يأتي ويذر، غير أن الشراب قد أثقل لسانه وأحرّ جسمه وأخدره، حتى عجز عن إقامة قراءته في صلاته وحدودها الواجبة عليه فيها من غير زوال عقله، فهو بما أمر به ونهي عنه عارف فهِم، وعن أداء بعضه عاجز بخدر جسمه من الشراب. وأما من صار إلى حدّ لا يعقل ما يأتي ويذر، فذلك منتقل من السكر إلى الخبل، ومعدود في المجانين، وليس ذلك الذي خوطب بقوله : ﴿ لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ ﴾ لأن ذلك مجنون، وإنما خوطب به السكران، والسكران ما وصفنا صفته.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حتى تَغْتَسِلُوا ﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم :معنى ذلك :لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها جنبا إلا عابري سبيل، يعني :إلا أن تكونوا مجتازى طريق :أي مسافرين حتى تغتسلوا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، قال :حدثنا محمد بن جعفر، قال :حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي مجلز، عن ابن عباس، في قوله : ﴿ وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ قال :المسافر. وقال ابن المثنى :لفي السفر.
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : ﴿ وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ يقول :لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب، إذا وجدتم الماء، فإن لم تجدوا الماء، فقد أحللت لكم أن تمسّحوا بالأرض.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن عباد بن عبد الله، أو عن زرّ، عن عليّ رضي الله عنه : ﴿ وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ قال :إلا أن تكونوا مسافرين فلا تجدوا الماء فتيمموا.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا عبد الرحمن، قال :حدثنا سفيان، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير في قوله : ﴿ وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ قال :المسافر.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا عبد الرحمن، قال :حدثنا هشام، عن قتادة، عن أبي مجلز، عن ابن عباس، بمثله.
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله، عن عليّ رضي الله عنه، قال :نزلت في السفر : ﴿ وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ وعابر السبيل :المسافر إذا لم يجد ماء تيمم.
حدثنا ابن المثنى، قال :حدثنا هارون، عن ابن مجاهد، عن أبيه : ﴿ وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ قال :المسافر إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم فيصلي.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، في قوله : ﴿ وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ قال :هو الرجل يكون في السفر فتصيبه الجنابة فيتيمم ويصلي.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ قال :مسافرين لا يجدون ماء فيتيممون صعيدا طيبا، حتى يجدوا الماء فيغتسلوا.
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : ﴿ وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ قال :مسافرين لا يجدون ماء.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن مسعر، عن بكير بن الأخنس، عن الحسن بن مسلم، في قوله : ﴿ وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ قال :إلا أن يكونوا مسافرين، فلا يجدوا الماء فيتيمموا.
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا حكام عن عمرو، عن منصور، عن الحكم : ﴿ وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ قال :المسافر تصيبه الجنابة، فلا يجد ماء فيتيمم.
حدثني المثنى، قال :حدثنا سويد بن نصر، قال :أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير، وعن منصور، عن الحكم في قوله : ﴿ وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ قالا :المسافر الجنب لا يجد الماء فيتيمم فيصلي.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو نعيم، قال :حدثنا سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جبير : ﴿ وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ إلا أن يكون مسافرا.
حدثنا المثنى، قال :حدثنا أبو نعيم، قال :حدثنا سفيان، عن منصور، عن الحكم، نحوه.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، قال :كنا نسمع أنه في السفر.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد، في قوله : ﴿ وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ قال :هو المسافر الذي لا يجد الماء فلا بدّ له من أن يتيمم ويصلي، فهو يتيمم ويصلي. قال :كان أبي يقول هذا.
وقال آخرون :معنى ذلك :لا تقربوا المصلى للصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوه جنبا حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل، يعني :إلا مجتازين فيه للخروج منه. فقال أهل هذه المقالة :أقيمت الصلاة مقام المصلّى والمسجد، إذ كانت صلاة المسلمين في مساجدهم أيامئذ لا يتخلفون عن التجميع فيها، فكان في النهي عن أن يقربوا الصلاة كفاية عن ذكر المساجد والمصلّى الذي يصلون فيه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن عبد الكريم الجزري عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن أبيه في قوله : ﴿ وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ قال :هو الممرّ في المسجد.
حدثنا أحمد بن حازم، قال :حدثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر الرازي، عن زيد بن أسلم، عن ابن يسار، عن ابن عباس : ﴿ وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ قال :لا تقرب المسجد إلا أن يكون طريقك فيه، فتمرّ مرّا ولا تجلس.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا معاذ بن هشام، قال :حدثنا أبي، عن قتادة، عن سعيد في الجنب يمرّ في المسجد مجتازا وهو قائم لا يجلس وليس بمتوضىء، وتلا هذه الاَية : ﴿ وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ ﴾.
حدثنا ابن حميد، قال :حد
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلّواْ السّبِيلَ ﴾. .
اختلف أهل التأويل في معنى قوله جلّ ثناؤه : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ ﴾ فقال قوم :معناه :ألم تخبر. وقال آخرون :معناه :ألم تعلم. والصواب من القول في ذلك :ألم تر بقلبك يا محمد علما إلى الذين أوتوا نصيبا. وذلك أن الخبر والعلم لا يجليان رؤية، ولكنه رؤية القلب بالعلم لذلك كما قلنا فيه.
وأما تأويل قوله : ﴿ إلَى الّذِينَ أُوتُوا نَصِيبا مِنَ الكِتَابِ ﴾ فإنه يعني :إلى الذين أُعطوا حظّا من كتاب الله، فعلموه. وذكر أن الله عنى بذلك طائفة من اليهود الذين كانوا حوالي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ أُوتُوا نَصِيبا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرونَ الضّلالَةَ ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلّوا السّبِيلَ ﴾ فهم أعداء الله اليهود، اشتروا الضلالة.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ أوتُوا نَصِيبا مِنَ الكِتابِ ﴾ إلى قوله : ﴿ يحَرّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ قال :نزلت في رفاعة بن زيد بن السائب اليهودي.
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال :ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال :ثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال :كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظمائهم يعني :من عظماء اليهود إذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه وقال :راعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك ! ثم طعن في الإسلام وعابه، فأنزل الله : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ أوتُوا نَصِيبا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضّلالَةَ ﴾. . . إلى قوله : ﴿ فَلا يُؤْمِنُونَ إلاّ قَلِيلاً ﴾.
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق بإسناده عن ابن عباس، مثله.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ يَشْتَرونَ الضّلالَةَ ويُرِيدونَ أنْ تَضِلّوا السّبِيلَ واللّهُ أعْلَمُ بأعْدَائِكُمْ وكَفَى باللّهِ وَلِيّا وكَفَى باللّهِ نَصِيرا ﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ يَشْتَرُونَ الضّلالَةَ ﴾ :اليهود الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يختارون الضلالة، وذلك الأخذ على غير طريق الحق وركوب غير سبيل الرشد والصواب، مع العلم منهم بقصد السبيل ومنهم الحقّ. وإنما عنى الله بوصفهم باشترائهم الضلالة مقامهم على التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم وتركهم الإيمان به، وهم عالمون أن السبيل الحقّ الإيمان به وتصديقه بما قد وجدوا من صفته في كتبهم التي عندهم.
وأما قوله : ﴿ ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلّوا السّبِيلَ ﴾ يعني بذلك تعالى ذكره :ويريد هؤلاء اليهود الذين وصفهم جلّ ثناؤه بأنهم أوتوا نصيبا من الكتاب أن تضلوا أنتم يا معشر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم المصدّقين به أن تضلوا السبيل، يقول :أن تزولوا عن قصد الطريق، ومحجة الحقّ، فتكذبوا بمحمد، وتكونوا ضلالاً مثلهم. وهذا من الله تعالى ذكره تحذير منه عباده المؤمنين أن يستنصحوا أحدا من أعداء الإسلام في شيء من أمر دينهم، أو أن يسمعوا شيئا من طعنهم في الحقّ.
ثم أخبر الله جلّ ثناؤه عن عداوة هؤلاء اليهود الذين نهى المؤمنين أن يستنصحوهم في دينهم إياهم، فقال جلّ ثناؤه : ﴿ وَاللّهُ أعْلَمُ بأعْدَائِكُمْ ﴾ يعني بذلك تعالى ذكره :والله أعلم منكم بعداوة هؤلاء اليهود أيها المؤمنون، يقول :فانتهوا إلى طاعتي عما نهيتكم عنه من استنصاحهم في دينكمم، فإني أعلم بما هم عليه لكم من الغشّ والعداوة والحسد وأنهم إنما يبغونكم الغوائل، ويطلبون أن تضلوا عن محجة الحقّ فتهلكوا.
وأما قوله : ﴿ وكَفَى باللّهِ وَليّا وكَفَى باللّهِ نَصِيرا ﴾ فإنه يقول :فبالله أيها المؤمنون فثقوا، وعليه فتوكلوا، وإليه فارغبوا دون غيره، يكفكم مهمكم وينصركم على أعدائكم. ﴿ وكَفَى باللّهِ وَليّا ﴾ يقول :وكفاكم وحسبكم بالله ربكم وليا يليكم ويلي أموركم بالحياطة لكم والحراسة من أن يستفزّكم أعداؤكم عن دينكم أو يصدّوكم عن اتباع نبيكم. ﴿ وكَفَى باللّهِ نَصِيرا ﴾ يقول :وحسبكم بالله ناصرا لكم على أعدائكم وأعداء دينكم، وعلى من بغاكم الغوائل، وبغي دينكم العوج.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ مّنَ الّذِينَ هَادُواْ يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن مّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدّينِ وَلَوْ أَنّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً ﴾. .
ولقوله جلّ ثناؤه : ﴿ مِنَ الّذِينَ هادُوا يُحَرّفُونَ الكَلِمَ ﴾ وجهان من التأويل :أحدهما :أن يكون معناه :ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من الذين هادوا يحرّفون الكلم. فيكون قوله : ﴿ مِنَ الّذِينَ هادُوا ﴾ من صلة «الذين ». وإلى هذا القول كانت عامة أهل العربية من أهل الكوفة يوجهون. قوله : ﴿ مِنَ الّذِينَ هادُوا يُحَرّفُونَ ﴾. والاَخر منهما :أن يكون معناه :من الذين هادوا من يحرّف الكلم عن مواضعه. فتكون «من » محذوفة من الكلام اكتفاء بدلالة قوله : ﴿ مِنَ الّذِينَ هادُوا ﴾ عليها، وذلك أن «مِن » لو ذكرت في الكلام كانت بعضا ل «مَنْ »، فاكتفى بدلالة «مِنْ » عليها، والعرب تقول :منا من يقول ذلك، ومنا لا يقوله، بمعنى :منا من يقول ذاك، ومنا من لا يقوله، فتحذف «من » اكتفاء بدلالة من عليه، كما قال ذو الرمة :
فَظَلّوا وَمِنْهُمْ دَمْعُهُ سابِقٌ لَهُ ***وآخَرُ يُذْرِي دَمْعَةَ العْينِ بالمَهْلِ
يعني :ومنهم من دمعه. وكما قال الله تبارك وتعالى : ﴿ وَما مِنّا إلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ﴾، وإلى هذا المعنى كانت عامة أهل العربية من أهل البصرة يوجهون تأويل قوله : ﴿ مِنَ الّذِينَ هادُوا يُحَرّفُونَ الكَلِمَ ﴾ غير أنهم كانوا يقولون :المضمر في ذلك «القوم »، كأن معناه عندهم :من الذين هادوا قوم يحرّفون الكلم، ويقولون :نظير قول النابغة :
كأنّكَ مِنْ جِمالِ بني أُقَيْشٍ ***يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيهِ بِشَنّ
يعني :كأنك جمل من جمال أقيشٍ.
فأما نحويو الكوفة، فينكرون أن يكون المضمر مع «مِن » إلا «مَن«أو ما أشبهها.
والقول الذي هو أولى بالصواب عندي في ذلك قول من قال قوله : ﴿ مِنَ الذِينَ هادُوا ﴾ من صلة الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، لأن الخبرين جميعا والصفتين من صفة نوع واحد من الناس، وهم اليهود الذين وصف الله صفتهم في قوله : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ أُوتُوا نَصِيبا مِنَ الكِتابِ ﴾. وبذلك جاء تأويل أهل التأويل، فلا حاجة بالكلام إذ كان الأمر كذلك إلى أن يكون فيه متروك.
وأما تأويل قوله : ﴿ يُحَرّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ فإنه يقول :يبدّلون معناها ويغيرونها عن تأويله، والكلم جماع كلمة. وكان مجاهد يقول :عنى بالكلم :التوراة.
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : ﴿ يُحَرّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ :تبديل اليهود التوراة.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
وأما قوله : ﴿ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ فإنه يعني :عن أماكنه ووجوهه التي هي وجوهه.
وأما تأويل قوله : ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه :من الذين هادوا يقولون :سمعنا يا محمد قولك، وعصينا أمرك. كما :
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة عن مجاهد، في قوله : ﴿ سَمِعْنا وَعَصَيْنا ﴾ قال :قالت اليهود :سمعنا ما تقول، ولا نطيعك.
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ سَمعنا وَعَصَيْنا ﴾ قالوا :قد سمعنا، ولكن لا نطيعك.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وَاسمَعْ غيرَ مُسْمَعٍ ﴾.
وهذا خبر من الله جلّ ثناؤه عن اليهود الذين كانوا حوالى مهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم في عصره، أنهم كانوا يسبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤذونه بالقبيح من القول، ويقولون له :اسمع منا غير مسمع، كقول القائل للرجل يسبه :اسمع لا أسمعك الله. كما :
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ وَاسمَعْ غيرَ مُسْمَعٍ ﴾ قال :هذا قول أهل الكتاب يهود، كهيئة ما يقول الإنسان :اسمع لاسمعت، أذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وشتما له واستهزاء.
حُدثت عن المنجاب، قال :حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس : ﴿ وَاسمَعْ غيرَ مُسْمَعٍ ﴾ قال :يقولون لك :واسمع لاسمعت.
وقد رُوي عن مجاهد والحسن أنهما كانا يتأوّلان في ذلك بمعنى :واسمع غير مقبول منك. ولو كان ذلك معناه لقيل :واسمع غير مسموع، ولكن معناه :واسمع لاتسمع، ولكن قال الله تعالى ذكره : ﴿ لَيّا بألْسِنَتِهِمْ وَطَعْنا فِي الدّينِ ﴾ فوصفهم بتحريف الكلام بألسنتهم والطعن في الدين بسبّ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وأما القول الذي ذكرته عن مجاهد : ﴿ وَاسمَعْ غيرَ مُسْمَعٍ ﴾ يقول :غير مقبول ما تقول، فهو كما :
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد : ﴿ وَاسمَعْ غيرَ مُسْمَعٍ ﴾ قال :غير مستمع. قال ابن جريج عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد : ﴿ وَاسمَعْ غيرَ مُسْمَعٍ ﴾ :غير مقبول ما تقول.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله : ﴿ وَاسمَعْ غيرَ مُسْمَعٍ ﴾ قال :كما تقول :اسمع غير مسموع منك.
وحدثنا موسى بن هارون، قال :حدثنا عمرو، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ، قال :كان ناس منهم يقولون : ﴿ وَاسمَعْ غيرَ مُسْمَعٍ ﴾ كقولك :اسمع غير صاغ.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وَرَاعِنا لَيّا بألْسِنَتِهِمْ وَطَعْنا فِي الدّينِ ﴾.
يعني بقوله : ﴿ وَرَاعِنا ﴾ :أي راعنا سمعك، افهم عنا وأفهمنا. وقد بينا تأويل ذلك في سورة البقرة بأدلته بما فيه الكفاية عن إعادته.
ثم أخبر الله جلّ ثناؤه عنهم أنهم يقولون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ لَيّا بألْسِنَتِهِمْ ﴾ يعني :تحريكا منهم بألسنتهم بتحريف منهم لمعناه إلى المكروه من معنييه، واستخفافا منهم بحقّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ﴿ وَطَعْنا فِي الدّين ﴾. كما :
حدثني الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، قال :قال قتادة :كانت اليهود يقولون للنبيّ صلى الله عليه وسلم :راعنا سمعك ! يستهزئون بذلك، فكانت اليهود قبيحة، فقال :راعنا سمعك ليّا بألسنتهم¹ والليّ :تحريكهم ألسنتهم بذلك، ﴿ وطَعْنا في الدّينِ ﴾.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال :سمعت أبا معاذ يقول :حدثنا عبيد بن سليمان، قال :سمعت الضحاك يقول في قوله : ﴿ رَاعِنا لَيّا بألْسِنَتِهِمْ ﴾ كان الرجل من المشركين يقول :أرعني سمعك ! يلوي بذلك لسانه، يعني :يحرّف معناه.
حدثنا محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : ﴿ مِنَ الّذِينَ هادُوا يُحَرّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾. . . إلى : ﴿ وَطَعْنا فِي الدّينِ ﴾ فإنهم كانوا يستهزئون ويلوون ألسنتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويطعنون في الدين.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد : ﴿ وَرَاعِنا لَيّا بألْسِنَتِهِمْ وَطَعْنا فِي الدّينِ ﴾ قال : «راعنا » طعنهم في الدين، وليهم بألسنتهم ليبطلوه ويكذبوه. قال :والراعن :الخطأ من الكلام.
حُدثت عن المنجاب، قال :حدثنا بشر، أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله : ﴿ لَيّا بألْسِنَتِهِمْ ﴾ قال :تحريفا بالكذب.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وَلَوْ أنّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وَاسمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْرا لَهُمْ وأقُوَمَ ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه :ولو أن هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم قالوا لنبيّ لله :سمعنا يا محمد قولك، وأطعنا أمرك، وقبلنا ما جئتنا به من عند الله، واسمع منا، وانظرنا ما نقول، وانتظرنا نفهم عنك ما تقول لنا، ﴿ لَكَانَ خَيْرا لَهُمْ وأَقْوَمَ ﴾ يقول :لكان ذلك خيرا لهم عند الله وأقوم، يقول :وأعدل وأصوب في القول. وهو من الاستقامة من قول الله : ﴿ وَأقْوَمَ قِيلاً ﴾ بمعنى :وأصوب قيلاً. كما :
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ وَلَوْ أنّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وَاسمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْرا لَهُمْ ﴾ قال :يقولون :اسمع منا فإنا قد سمعنا وأطعنا، وانظرنا فلا تعجل علينا.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرمة ومجاهد، قوله : ﴿ وَانظُرْنا ﴾ قال :اسمع منا.
حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد : ﴿ وَانْظُرْنا ﴾ قال :أفهمنا.
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، قال :حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ وَانْظُرْنا ﴾ قال :أفهمنا.
قال أبو جعفر :وهذا الذي قاله مجاهد وعكرمة من توجيههما معنى : ﴿ وَانْظُرْنا ﴾ إلى :اسمع منا، وتوجيه مجاهد ذلك إلى :أفهمنا، ما لا نعرف في كلام العرب، إلا أن يكون أراد بذلك من توجيهه إلى أفهمنا :انتظرنا نفهم ما تقول، أو انتظرنا نقل حتى تسمع منا، فيكون ذلك معنى مفهوما وإن كان غير تأويل الكلمة ولا تفسير لها، فلا نعرف «انظرنا » في كلام العرب إلا بمعنى :انتظرنا وانظر إلينا، فأما «انظرنا » بمعنى انتظرنا، فمنه قول الحطيئة :
وَقَدْ نَظَرْتُكُمْ لَوْ أنّ دِرّتَكُمْ ***يَوْما يَجِيءُ بِها مَسْحِي وَإبْساسِي
وأما انظرنا بمعنى :انظر إلينا، فمنه قول عبد الله بن قيس الرقيات :
ظاهِرَاتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنْظُرْ ***نَ كمَا يَنْظُرُ الأرَاكَ الظّباءُ
بمعنى كما ينظر إلى الأراك الظباء.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلاّ قَلِيلاً ﴾.
يعني بذلك :ولكن الله تبارك وتعالى أخزى هؤلاء اليهود الذين وصف صفتهم في هذه الاَية فأقصاهم وأبعدهم من الرشد، واتباع الحقّ بكفرهم، يعني بجحودهم نبوّة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وما جاءهم به من عند ربهم من الهدى والبينات ﴿ فلا يُؤْمِنُونَ إلاّ قَلِيلاً ﴾ يقول :فلا يصدّقون بمحمد صلى الله عليه وسلم، وما جاءهم به من عند ربهم، ولا يقرّون بنبوّته إلا قليلاً، يقول :لا يصدّقون بالحقّ الذي جئتهم به يا محمد إلا إيمانا قليلاً. كما :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :{ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ يَا أَيّهَآ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزّلْنَا مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ مّن قَبْلِ أَن نّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدّهَا عَلَىَ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنّآ أَصْحَابَ السّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً ﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ يا أيّها الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ :اليهود من بني إسرائيل الذين كانوا حوالي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله لهم :يا أيها الذين أنزل إليهم الكتاب فأعطوا العلم به، ﴿ آمِنُوا ﴾ يقول :صدّقوا بما أنزلنا إلى محمد من الفرقان، ﴿ مُصَدّقا لما مَعَكُمْ ﴾ يعني :محققا للذي معكم من التوراة التي أنزلتها إلى موسى بن عمران، ﴿ مِنْ قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوها فَنَرُدّها على أدْبارِها ﴾.
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم :طمسه إياه :محوه آثارها حتى تصير كالأقفاء. وقال آخرون :معنى ذلك :أن نطمس أبصارها فنصيرها عمياء، ولكن الخبر خرج بذكر الوجه، والمراد به بصره. ﴿ فَنُردّها على أدْبَارِهَا ﴾ :فنجعل أبصارها من قبل أقفائها. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :حدثنا عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : ﴿ يا أيّها الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا ﴾. . . إلى قوله : ﴿ مِنْ قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوها ﴾ وطمسها أن تعمى فنردّها على أدبارها، يقول :أن نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم فيمشون القهقري ونجعل لأحدهم عينين في قفاه.
حدثني أبو العالية إسماعيل بن الهيثم العبديّ، قال :حدثنا أبو قتيبة، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي في قوله : ﴿ مِنْ قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوها فَنَرُدّها على أدْبارِها ﴾ قال :نجعلها في أقفائها فتمشي على أعقابها القهقرى.
حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال :حدثنا عبيد الله بن موسى، قال :حدثنا فضيل بن مرزوق عن عطية بنحوه، إلا أنه قال :طمسها أن يردّها على أقفائها.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة : ﴿ فَنَرُدّها عَلى أدْبارِها ﴾ قال :نحوّل وجوهها قبل ظهورها.
وقال آخرون :معنى ذلك من قبل أن نعمي قوما عن الحقّ، فنردّها على أدبارها في الضلالة والكفر. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : ﴿ أنْ نَطْمِسَ وُجُوها فَنَرُدّها على أدْبارِها ﴾ :فنردّها عن الصراط الحقّ، ﴿ فَنَرُدّها عَلى أدْبارِها ﴾ قال :في الضلالة.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ أنْ نَطْمِسَ وُجُوها ﴾ عن صراط الحقّ، ﴿ فَنَرُدّها عَلى أدْبارِهَا ﴾ في الضلالة.
حدثني المثنى، قال :حدثنا سويد، قال :أخبرنا ابن المبارك قراءة عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، قال الحسن : ﴿ نَطْمِسَ وُجُوها ﴾ يقول :نطمسها عن الحقّ، ﴿ فَنَرُدّها عَلى أدْبارِها ﴾ :على ضلالتها.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ يا أيّها الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾. . . إلى قوله : ﴿ كمَا لَعَنّا أصحَابَ السّبْتِ ﴾ قال :نزلت في مالك بن الصيّف ورفاعة بن زيد بن التابوت من بني قينقاع. أما ﴿ أنْ نَطْمِسَ وُجُوها فَنَرُدّها على أدْبارِها ﴾ يقول :فنعميها عن الحقّ، ونرجعها كفارا.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال :سمعت أبا معاذ يقول :أخبرنا عبيد بن سليمان، قال :سمعت الضحاك يقول في قوله : ﴿ مِنْ قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوها فَنَرُدّها على أدْبارِها ﴾ يعني :أن نردّهم عن الهدى والبصيرة، فقد ردّهم على أدبارهم فكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به.
وقال آخرون :معنى ذلك :من قبل أن نمحو آثارهم من وجوههم التي هم بها وناحيتهم التي هم بها، فنردّها على أدبارها من حيث جاءوا منه بدءا من الشام. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ مِنْ قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوها فَنَرُدّها على أدْبارِها ﴾ قال :كان أبي يقول :إلى الشام.
وقال آخرون :معنى ذلك :من قبل أن نطمس وجوها فنمحو آثارها ونسوّيها، فنردّها على أدبارها بأن نجعل الوجوه منابت الشعر، كما وجوه القردة منابت للشعر، لأن شعور بني آدم في أدبار وجوههم، فقالوا :إذا أنبت الشعر في وجوههم، فقد ردّها على أدبارها بتصييره إياها كالأقفاء وأدبار الوجوه.
قال أبو جعفر :وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال :معنى قوله : ﴿ مِنْ قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوها ﴾ :من قبل أن نطمس أبصارها ونمحو آثارها فنسوّيها كالأقفاء، فنردّها على أدبارها، فنجعل أبصارها في أدبارها، يعني بذلك :فنجعل الوجوه في أدبار الوجوه، فيكون معناه :فنحوّل الوجوه أقفاء، والأقفاء وجوها، فيمشون القهقري، كما قال ابن عباس وعطية ومن قال ذلك.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الله جلّ ثناؤه خاطب بهذه الاَية اليهود الذين وصف صفتهم بقوله : ﴿ ألَمْ تَرَ إلَى الّذِينَ أُوتُوا نَصِيبا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضّلالَةَ ﴾ ثم حذّرهم جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ يا أيّها الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بمَا نَزّلْنا مُصَدّقا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوها فَنَرُدّها على أدْبارِها ﴾. . . الاَية، بأَسه وسطوَتَه، وتعجيل عقابه لهم إن هم لم يؤمنوا بما أمرهم بالإيمان به، ولا شكّ أنهم كانوا لما أمرهم بالإيمان به يومئذ كفارا. وإذ كان ذلك كذلك، فبّين فساد قول من قال :تأويل ذلك أن نعميها عن الحقّ فنردّها في الضلالة، فما وجه ردّ من هو في الضلالة فيها ؟ وإنما يرد في الشيء من كان خارجا منه، فأما من هو فيه فلا وجه لأن يقال :يردّه فيه. وإذ كان ذلك كذلك، وكان صحيحا أن الله قد تهدّد الذين ذكرهم في هذه الاَية بردّه وجوههم على أدبارهم، كان بينا فساد تأويل من قال :معنى ذلك يهدّدهم بردّهم في ضلالتهم.
وأما الذين قالوا :معنى ذلك :من قبل أن نجعل الوجوه منابت الشعر كهيئة وجوه القردة، فقول لقول أهل التأويل مخالف، وكفى بخروجه عن قول أهل العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الخالفين على خطئه شاهدا.
وأما قول من قال :معناه :من قبل أن نطمس وجوههم التي هم فيها فنردّهم إلى الشام من مساكنهم بالحجاز ونجد، فإنه وإن كان قولاً له وجهٌ كما يدلّ عليه ظاهر التنزيل بعيد، وذلك أن المعروف من الوجوه في كلام العرب التي هي خلاف الأقفاء، وكتاب الله يوجه تأويله إلى الأغلب في كلام من نزل بلسانه حتى يدلّ على أنه معنيّ به غير ذلك من الوجوه التي ذكرت دليل يجب التسليم له. وأما الطمس :فهو العفو والدثور في استواء¹ ومنه يقال :طمست أعلام الطريق تَطْمِسُ طُمُوسا، إذا دثرت وتعفت فاندفنت واستوت بالأرض، كما قال كعب بن زهير :
منْ كُلّ نَضّاخَةِ الذّفْرَى إذَا عَرقَتْ ***عُرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَجْهُولُ
يعني بطامس الأعلام :داثر الأعلام مندفنها. ومن ذلك قيل للأعمى الذي قد تعفيّ غَرّ ما بين جفني عينيه فدثر :أعمى مطموس وطميس، كما قال الله جلّ ثناؤه : ﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا على أعْيُنهِمْ ﴾.
قال أبو جعفر :الغَرّ :الشقّ الذي بين الجفنين.
فإن قال قائل :فإن كان الأمر كما وصفت من تأويل الاَية، فهل كان ما توعدهم به ؟ قيل :لم يكن لأنه آمن منهم جماعة، منهم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسد بن سعية، وأسد بن عبيد، ومخيرق، وجماعة غيرهم، فدفع عنهم بإيمانهم.
ومما يبين عن أن هذه الاَية نزلت في اليهود الذين ذكرنا صفتهم، ما :
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا يونس بن بكير، وحدثنا ابن حميد، قال :حدثنا سلمة جميعا، عن ابن إسحاق، قال :ثني محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، قال :ثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس، قال :كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود، منهم عبد الله بن صوريا وكعب بن أسد، فقال لهم : «يا مَعْشَرَ يهود اتّقُوا الله وأسْلِمُوا ! فوالله إنكم لَتَعْلَمُونَ أنّ الّذي جِئْتُكُمْ به لحقّ » فقالوا :ما نعرف ذلك يا محمد. وجحدوا ما عرفوا، وأصرّوا على الكفر، فأنزل الله فيهم : ﴿ يا أيّها الّذينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بمَا نَزّلْنا مُصَدّقا لمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوها فَنَرُدّها على أدْبارِها ﴾. . . الاَية.
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا جابر بن نوح، عن عيسى بن المغيرة، قال :تذاكرنا عند إبراهيم إسلام كعب، فقال :أسلم كعب في زمان عمر أقبل وهو يريد بيت المقدس، فمرّ على المدينة، فخرج إليه عمر، فقال :يا كعب أسلم ! قال :ألستم تقرءون في كتابكم : ﴿ مَثَلُ الّذِينَ حُمّلُوا التّوْرَاةَ ثُمّ لَمْ يَحْمِلوها كمَثَل الحمارِ يَحْمِلُ أسْفارا ﴾ ؟ وأنا قد حملت التوراة. قال :فتركه ثم خرج حتى انتهى إلى حمص، قال :فسمع رجلاً من أهلها حزينا، وهو يقول : ﴿ يا أيّها الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِمَا نَزّلْنا مُصَدّقا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوها فَنَرُدّها على أدْبارِها ﴾. . . الاَية، فقال كعب :يا ربّ أسلمت ! مخافة أن تصيبه الاَية، ثم رجع فأتى أهله باليمن، ثم جاء بهم مسلمين.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ أوْ نَلْعَنَهُمْ كمَا لَعَنّا أصحَابَ السّبْتِ وكانَ أمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً ﴾.
يعني بقوله جلّ ثناؤه : ﴿ أوْ نَلْعَنَهُمْ ﴾ :أو نلعنكم، فنخزيكم، ونجعلكم قردة، ﴿ كما لَعَنّا أصْحَابَ السّبْتِ ﴾ يقول :كما أخزينا الذين اعتدوا في السبت من أسلافكم، قيل ذلك على وجه الخطاب في قوله : ﴿ آمِنُوا بمَا نَزّلْنا مُصَدّقا لمَا مَعَكُمْ ﴾ كما قال : ﴿ حتى إذَا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهمْ بِريحٍ طَيّبَةٍ وَفَرِحُوا بها ﴾. وقد يحتمل أن يكون معناه :من قبل أن نطمس وجوها فنردّها على أدبارها أو نلعن أصحاب الوجوه، فجعل الهاء والميم في قوله : ﴿ أوْ نَلْعَنَهُمْ ﴾ من ذكر أصحاب الوجوه، إذ كان في الكلام دلالة على ذلك.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ يا أيّها الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾. . . إلى قوله : ﴿ أوْ نَلْعَنَهُمْ كمَا لَعَنّا أصحَابَ السّبْتِ ﴾ أي نحوّلهم قردة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن الحسن : ﴿ أوْ نَلْعَنَهُمْ كمَا لَعَنّا أصحَابَ السّبْتِ ﴾ يقول :أو نجعلهم قردة.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ أوْ نَلْعَنَهُمْ كمَا لَعَنّا أصحَابَ السّبْتِ ﴾ إو نجعلهم قردة.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ إِنّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَىَ إِثْماً عَظِيماً ﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه :يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزّلنا مصدّقا لمِا معكم، وإن الله لا يغفر أن يشرك به، فإن الله لا يغفر الشرك به والكفر، ويغفر ما دون ذلك الشرك لمن يشاء من أهل الذنوب والاَثام. وإذ كان ذلك معنى الكلام، فإن قوله : ﴿ أنْ يُشْركَ بهِ ﴾ في موضع نصب بوقوع يغفر عليها وإن شئت بفقد الخافض الذي كان يخفضها لو كان ظاهرا، وذلك أن يوجه معناه :إلى أن الله لا يغفر بأن يشرك به على تأويل الجزاء، كأنه قيل :إن الله لا يغفر ذنبا مع شرك أو عن شرك¹ وعلى هذا التأويل يتوجه أن تكون «أن » في موضع خفض في قول بعض أهل العربية. وذكر أن هذه الاَية نزلت في أقوام ارتابوا في أمر المشركين حين نزلت : ﴿ يا عِبادِيَ الّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ إنّ اللّهَ يَغْفِرُ الذّنُوبَ جمِيعا إنّهُ هُوَ الغَفُورُ الرّحِيمُ ﴾. ذكر الخبر بذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا إسحاق، قال :حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال :ثني محبر، عن عبد الله بن عمر، أنه قال :لما نزلت : ﴿ يا عِبادِيَ الّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسهِمْ ﴾. . . الاَية، قام رجل فقال :والشرك يا نبيّ الله. فكره ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال : ﴿ إنّ اللّهِ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ باللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إثما عَظِيما ﴾.
حُدثت عن عمار، قال :حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله : ﴿ إنّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ﴾ قال :أخبرني محبر، عن عبد الله بن عمر أنه قال :لما نزلت هذه الاَية : ﴿ يا عِبادِيَ الّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ ﴾. . . الاَية، قام رجل فقال :والشرك يا نبيّ الله. فكره ذلك النبيّ، فقال : ﴿ إنّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ﴾.
حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال :حدثنا آدم، قال :حدثنا الهيثم بن حماد، قال :حدثنا بكر بن عبد الله المزني، عن ابن عمر، قال :كنا معشر أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم لا نشكّ في قاتل النفس، وأكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم، حتى نزلت هذه الاَية : ﴿ إنّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ﴾ فأمسكنا عن الشهادة.
وقد أبانت هذه الاَية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرة شركا بالله.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وَمَنْ يُشْرِكُ باللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إثما عَظِيما ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه :ومن يشرك بالله في عبادته غيره من خلقه، فقد افترى إثما عظيما، يقول :فقد اختلق إثما عظيما. وإنما جعله الله تعالى ذكره مفتريا، لأنه قال زورا وإفكا بجحوده وحدانية الله وإقراره بأن لله شريكا من خلقه وصاحبة أو ولدا، فقائل ذلك مفتر، وكذلك كلّ كاذب فهو مفتر في كذبه مختلق له.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ يُزَكّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكّي مَن يَشَآءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه :ألم تر يا محمد بقلبك الذين يزكون أنفسهم من اليهود فيبرّئونها من الذنوب، ويطرونها.
واختلف أهل التأويل في المعنى الذي كانت اليهود تزكي به أنفسها، فقال بعضهم :كانت تزكيتهم أنفسهم قولهم : ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللّهِ وأحِبّاؤُه ﴾. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يُزَكّونَ أنْفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتيلاً ﴾ وهم أعداء الله اليهود زكوا أنفسهم بأمر لم يبلغوه، فقالوا :نحن أبناء الله وأحباؤه، وقالوا :لا ذنوب لنا.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يُزَكّونَ أنْفُسَهُمْ ﴾ قال :هم اليهود والنصارى، قالوا : ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللّهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ وقالوا : ﴿ لَنْ يَدْخُلَ الجَنّةَ إلاّ مَنْ كانع هُودا أوْ نَصَارَى ﴾.
وحدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك، قال :قالت يهود :ليست لنا ذنوب إلا كذنوب أولادنا يوم يولدون، فإن كات لهم ذنوب، فإن لنا ذنوبا، فإنما نحن مثلهم، قال الله تعالى ذكره : ﴿ انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ على اللّهِ الكَذِبَ وكَفَى بِهِ إثما مُبِينا ﴾.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يُزكّونَ أنْفُسَهُمْ ﴾ قال :قال أهل الكتاب : ﴿ لَنْ يَدْخُلَ الجَنّةَ إلاّ مَن كانَ هُودا أوْ نَصَارَى ﴾ وقالوا : ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللّهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ وقالوا :نحن على الذي يحبّ الله. فقال تبارك وتعالى : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يُزَكّونَ أنْفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكّي مَنْ يَشاءُ ﴾ حين زعموا أنهم يدخلون الجنة، وأنهم أبناء الله وأحباؤه وأهل طاعته.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يُزكّونَ أنْفُسَهُم بَلِ اللّهُ يُزَكّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ نزلت في اليهود، قالوا :إنا نعّلم أبناءنا التوراة صغارا فلا تكون لهم ذنوب، وذنوبنا مثل ذنوب أبنائنا، ما عملنا بالنهار كُفّر عنا بالليل.
وقال آخرون :بل كانت تزكيتهم أنفسهم تقديمهم أطفالهم لإماتهم في صلاتهم زعما منها أنهم لا ذنوب لهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : ﴿ يُزَكّونَ أنْفُسَهُمْ ﴾ قال :يهود كانوا يقدّمون صبيانهم في الصلاة فيؤمونهم، يزعمون أنهم لا ذنوب لهم. فتلك التزكية.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، عن الأعرج، عن مجاهد، قال :كانوا يقدمون الصبيان أمامهم في الدعاء والصلاة يؤمونهم ويزعمون أنهم لا ذنوب لهم، فتلك تزكية. قال ابن جريج :هم اليهود والنصارى.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن سفيان، عن حصين، عن أبي مالك في قوله : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يُزَكُونَ أنْفُسَهُمْ ﴾ قال :نزلت في اليهود كانوا يقدّمون صبيانهم يقولون :ليست لهم ذنوب.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن أبي مكين، عن عكرمة، في قوله : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يُزَكّونَ أنْفُسَهُمْ ﴾ قال :كان أهل الكتاب يقدمون الغلمان الذين لم يبلغوا الحنث يصلون بهم، يقولون ليس لهم ذنوب، فأنزل الله : ﴿ ألَمْ تَرع إلى الّذِينَ يُزَكُونَ أنْفُسَهُمْ ﴾. . . الاَية.
وقال آخرون :بل تزكيتهم أنفسهم كات قولهم :إن أبناءنا سيشفعون لنا ويزكوننا. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يُزَكّونَ أنْفُسَهُمْ ﴾ وذلك أن اليهود قالوا :إن أبناءنا قد توفوا وهم لنا قربة عند الله، وسيشفعون ويزكوننا. فقال الله لمحمد : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يُزَكّونَ أنْفُسَهُمْ ﴾. . . إلى ﴿ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾.
وقال آخرون :بل ذلك كان منهم تزكية من بعضهم لبعض. ذكر من قال ذلك :
حدثني فيحيى بن إبراهيم المسعودي، قال :حدثنا أبي، عن أبيه، عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال :قال عبد الله :إن الرجل ليغدو بدينه، ثم يرجع وما معه منه شيء ! يلقى الرجل ليس يملك له نفعا ولا ضرّا، فيقول :والله إنك لذيت وذيت، ولعلّه أن يرجع، ولم يحل من حاجته بشيء، وقد أسخط الله عليه. ثم قرأ : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يُزَكّونَ أنْفُسَهُمْ ﴾. . . الاَية.
قال أبو جعفر :وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال :معنى تزكية القوم الذين وصفهم الله بأنهم يزكون أنفسهم وصفهم إياها بأنها لا ذنوب لها ولا خطايا، وأنهم لله أبناء وأحباء، كما أخبر الله عنهم أنهم كانوا يقولونه، لأنه ذلك هو أظهر معانيه لإخبار الله عنهم أنها إنما كانوا يزكون أنفسهم دون غيرها.
وأما الذين قالوا :معنى ذلك :تقديمهم أطفالهم للصلاة، فتأويل لا تدرك صحته إلا بخبر حجة يوجب العلم. وأما قوله جلّ ثناؤه : ﴿ بَلِ اللّهُ يُزَكّي مَنْ يَشاءُ ﴾ فإنه تكذيب من الله المزكين أنفسهم من اليهود والنصارى، المبرئيها من الذنوب، يقول الله لهم :ما الأمر كما زعمتم أنه لا ذنوب لكم ولا خطايا، وإنكم برآء مما يكرهه الله، ولكنكم أهل فرية وكذب على الله، وليس المزكي من زكى نفسه، ولكنه الذي يزكيه الله، والله يزكي من يشاء من خلقه، فيطهره ويبرئه من الذنوب بتوفيقه لاجتناب ما يكرهه من معصاصيه إلى ما يرضاه من طاعته.
وإنما قلنا إن ذلك كذلك لقوله جلّ ثناؤه : ﴿ انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ على اللّهِ الكَذِبَ ﴾ وأخبر أنهم يفترون على الله الكذب بدعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن الله قد طهرهم من الذنوب.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه :ولا يظلم الله هؤلاء الذين أخبر عنهم أنهم يزكون أنفسهم ولا غيرهم من خلقه، فيبخسهم في تركه تزكيتهم، وتزكية من ترك تزكيته، وفي تزكية من زكى من خلقه شيئا من حقوقهم ولا يضع شيئا في غير موضعه، ولكنه يزكي من يشاء من خلقه، فيوفقه، ويخذل من يشاء من أهل معاصيه¹ كل ذلك إليه وبيده، وهو في كل ذلك غير ظالم أحدا ممن زكاه أو لم يزكه فتيلاً.
واختلف أهل التأويل في معنى «الفتيل »، فقال بعضهم :هو ما خرج من بين الإصبعين والكفين من الوسخ إذا فتلت إحداهما بالأخرى. ذكر من قال ذلك :
حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال :حدثنا أبو كدينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال :الفتيل :ما خرج من بين أصبعيك.
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق الهمداني، عن التيمي، قال :سألت ابن عباس، عن قوله : ﴿ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ قال :ما فتلت بين أصبعيك.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن زيد بن درهم أبي العلاء، قال :سمعت أبا العالية، عن ابن عباس : ﴿ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ قال :الفتيل :هو الذي يخرج من بين إصبعي الرجل.
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : ﴿ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ والفتيل :هو أن تدلك بين أصبعيك، فما خرج بينهما فهو ذلك.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال :حدثنا هشيم، قال :خبرنا حصين، عن أبي مالك، في قوله : ﴿ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ قال :الفتيل :الوسخ الذي يخرج من بين الكفين.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ، قال :الفتيل :ما فتلت به يديك فخرج وسخ.
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله : ﴿ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ قال :ما تدلكه في يديك فيخرج بينهما.
وأناس يقولون :الذي يكون في بطن النواة. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس، قوله : ﴿ فَتِيلاً ﴾ قال :الذي في بطن النواة.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، قال :الفتيل :الذي في بطن النواة.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :ثني طلحة بن عمرو، أنه سمع عطاء بن أبي رباح يقول، فذكر مثله.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، قال :قال ابن جريج :أخبرني عبد الله بن كثير، أنه سمع مجاهدا يقول :الفتيل :الذي في شقّ النواة.
حدثنا محمد بن بشار، قال :حدثنا محمد بن سعيد، قال :حدثنا سفيان بن سعيد، عن منصور، عن مجاهد، قال :الفتيل :في النوى.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : ﴿ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ قال :الفتيل :الذي في شقّ النواة.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال :سمعت أبا معاذ يقول :حدثنا عبيد بن سليمان، قال :سمعت الضحاك يقول :الفتيل :شِقّ النواة.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد :الفتيل :الذي في بطن النواة.
حدثني يحيى بن أبي طالب، قال :أخبرنا يزيد، قال :أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قال :الفتيل :الذي يكون في شقّ النواة.
حدثنا المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ :فتيل النواة.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا أبو عامر، قال :حدثنا قرّة، عن عطية، قال :الفتيل :الذي في بطن النواة.
قال أبو جعفر :وأصل الفتيل :المفتول، صرف من فمفعول إلى فعيل، كما قيل :صريع ودهين من مصروع ومدهون. وإذ كان ذلك كذلك، وكان الله جلّ ثناؤه إنما قصد بقوله : ﴿ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ الخبر عن أنه لا يظلم عباده أقلّ الأشياء التي لا خطر لها، فكيف بما له خطر، وكان الوسخ الذي يخرج من بين أصبعي الرجل أو من بين كفيه إذا فتل إحداهما على الأخرى، كالذي هو في شقّ النواة وبطنها، وما أشبه ذلك من الأشياء التي هي مفتولة، مما لا خطر له ولا قيمة، فواجب أن يكون كل ذلك داخلاً في معنى الفتيل، إلا أن يخرج شيئا من ذلك ما يجب التسليم له مما دلّ عليه ظاهر التنزيل.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَىَ بِهِ إِثْماً مّبِيناً ﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه :انظر يا محمد كيف يفتري هؤلاء الذين يزكون أنفسهم من أهل الكتاب القائلون :نحن أبناء الله وأحباؤه، وإنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، الزاعمون أنه لا ذنوب لهم الكذب والزور من القول، فيختلفونه على الله. ﴿ وكَفَى بِهِ ﴾ يقول :وحسبهم بقيلهم ذلك الكذب والزور على الله ﴿ إثْما مُبِينا ﴾ يعني :إنه يبين كذبهم لسامعيه، ويوضح لهم أنهم أفكة فجرة. كما :
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يُزَكّونَ أنْفُسَهُمْ ﴾ قال :هم اليهود والنصارى ﴿ انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ على اللّهِ الكَذِبَ ﴾.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاءِ أَهْدَىَ مِنَ الّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً ﴾. .
يعني بذلك جل ثناؤه :ألم تر بقلبك يا محمد إلى الذين أعطوا حظا من كتاب الله فعلموه يؤمنون بالجبت والطاغوت، يعني :يصدّقون بالجبت والطاغوت ويكفرون بالله، وهم يعلمون أن الإيمان بهما كفر والتصديق بهما شرك.
ثم اختلف أهل التأويل في معنى الجبت والطاغوت، فقال بعضهم :هما صنمان كان المشركون يعبدونهما من دون الله. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، قال :أخبرني أيوب، عن عكرمة أنه قال :الجبت والطاغوت :صنمان.
وقال آخرون :الجبت :الأصنام، والطاغوت :تراجمة الأصنام. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : ﴿ ألَمْ تَرَ إلَى الّذِينَ أُوتُو نَصِيبا مِن الكِتابِ يُؤمِنُونَ بالجِبْتِ وَالطّاغُوتِ ﴾ الجبت :الأصنام، والطاغوت :الذين يكونون بين أيدي الأصنام يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس.
وزعم رجال أن الجبت :الكاهن والطاغوت :رجل من اليهود يدعى كعب بن الأشرف، وكان سيد اليهود.
وقال آخرون :الجبت :السحر، والطاغوت :الشيطان. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن المثنى، قال :حدثنا محمد بن أبي عديّ، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد، قال :قال عمر رضي الله عنه :الجبت :السحر، والطاغوت :الشيطان.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا ابي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد العنسي، عن عمر مثله.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال :حدثنا هشيم، قال :أخبرنا عبد الملك، عمن حدثه، عن مجاهد، قال :الجبت :السحر، والطاغوت :الشيطان.
حدثني يعقوب، قال :أخبرنا هشيم، قال :أخبرنا زكريا، عن الشعبي، قال :الجبت :السحر، والطاغوت :الشيطان.
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : ﴿ يُؤْمِنُونَ بالجِبْتِ وَالطّاغُوتِ ﴾ قال :الجبت :السحر، والطاغوت :الشيطان في صورة إنسان يتحاكمون إليه، وهو صاحب أمرهم.
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا جرير، عن عبد الملك، عن قيس، عن مجاهد، قال :الجبت :السحر، والطاغوت :الشيطات والكاهن.
وقال آخرون :الجبت :الساحر، والطاغوت :الشيطان. ذكر من قال ذلك :
حدثنا يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد :كان أبي يقول :الجبت :الساحر، والطاغوت :الشيطان.
وقال آخرون :الجبت :الساحر، والطاغوت :الكاهن. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا محمد بن جعفر، قال :حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الاَية :{ الجبت والطاغوت »، قال :الجبت :الساحر بلسان الحبشة، والطاغوت :الكاهن.
حدثنا ابن المثنى، قال :عبد الأعلى، قال :حدثنا داود، عن رفيع، قال :الجبت :الساحر، والطاغوت :الكاهن.
حدثنا ابن المثنى، قال :ثني عبد الأعلى، قال :حدثنا داود، عن أبي العالية، أنه قال :الطاغوت :الساحر، والجبت :الكاهن.
حدثني المثنى، قال :حدثنا عمرو بن عون، قال :أخبرنا هشيم، عن داود، عن أبي العالية في قوله : ﴿ الجِبْتِ وَالطّاغُوتِ ﴾ قال :أحدهما السحر، والاَخر الشيطان.
وقال آخرون :الجبت :الشيطان، والطاغوت :الكاهن. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد بن زريع، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة :قوله : ﴿ يُؤْمِنُونَ بالجِبْتِ وَالطّاغُوتِ ﴾ كنا نحدّث أن الجبت شيطان، والطاغوت الكاهن.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ، قال :الجبت :الشيطان، والطاغوت :الكاهن.
وقال آخرون :الجبت :الكاهن، والطاغوت :الشيطان. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن سعيد بن جبير، قال :الجبت :الكاهن :والطاغوت :الساحر.
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا حماد بن مسعدة، قال :حدثنا عوف، عن محمد، قال في الجبت والطاغوت، قال :الجبت :الكاهن، والاَخر :الساحر.
وقال آخرون :الجبت :حيي بن أخطب، والطاغوت :كعب بن الأشرف. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية بن صالح، عن عليّ، عن ابن عباس قوله : ﴿ يُؤْمِنُونَ بالجِبْتِ وَالطّاغُوتِ ﴾ الطاغوت :كعب بن الأشرف، والجبت :حيي بن أخطب.
حدثني المثنى، قال :حدثنا إسحاق، قال :حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قال :الجبت :حيي بن أخطب، والطاغوت :كعب بن الأشرف.
حدثني يحيى بن أبي طالب، قال :أخبرنا يزيد، قال :أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله : ﴿ الجِبْتِ والطّاغُوتِ ﴾ قال :الجبت :حيي بن أخطب، والطاغوت. كعب بن الأشرف.
وقال آخرون :الجبت :كعب بن الأشرف، والطاغوت :الشيطان. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، قال :الجبت كعب بن الأشرف، والطاغوت :الشيطان كان في صورة إنسان.
قال أبو جعفر :والصواب من القول في تأويل : ﴿ يُؤْمِنُونَ بالجبْتِ وَالطّاغُوتِ ﴾ أن يقال :يصدّقون بمعبودين من دون الله يعبدونهما من دون الله، ويتخذونهما إلهين. وذلك أن الجبت والطاغوت اسمان لكل معظم بعبادة من دون الله، أو طاعة أو خضوع له، كائنا ما كان ذلك المعظم من حجر أو إنسان أو شيطان.
وإذ كان ذلك كذلك وكانت الأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها كانت معظمة بالعبادة من دون الله فقد كانت جبوتا وطواغيت، وكذلك الشياطين التي كانت الكفار تطيعها في معصية الله، وكذلك الساحر والكاهن اللذان كان مقبولاً منهما ما قالا في أهل الشرك بالله، وكذلك حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف، لأنهما كانا مطاعين في أهل ملتهما من اليهود في معصية الله والكفر به وبرسوله، فكانا جبتين وطاغوتين. وقد بينت الأصل الذي منه قيل للطاغوت طاغوت، بما أغني عن إعادته في هذا الموضع.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وَيَقُولُونَ للّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدَى مِن الّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه :ويقولون للذين جحدوا وحدانية الله ورسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم : ﴿ هَؤلاء ﴾ يعني بذلك :هؤلاء الذين وصفهم الله بالكفر ﴿ أهْدَى ﴾ يعني أقوم وأعدل ﴿ مِنَ الّذِينَ آمَنُوا ﴾ يعني من الذين صدّقوا الله ورسوله وأقرّوا بما جاءهم به نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ سَبِيلاً ﴾ يعني :طريقا. وإنما ذلك مثل، ومعنى الكلام :إن الله وصف الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من اليهود بتعظيمهم غير الله بالعبادة والإذعان له بالطاعة في الكفر بالله ورسوله ومعصيتهما، وأنهم قالوا :إن أهل الكفر بالله أولى بالحق من أهل الإيمان به، وإن دين أهل التكذيب لله ولرسوله أعدل وأصوب من دين أهل التصديق لله ولرسوله، وذكر أن ذلك من صفة كعب بن الأشرف، وأنه قائل ذلك. ذكر الاَثار الواردة بما قلنا :
حدثنا محمد بن المثنى، قال :حدثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال :لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت له قريش :أنت خير أهل المدينة وسيدهم ؟ قال :نعم. قالوا :ألا ترى إلى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية ؟ قال :أنتم خير منه. قال :فأنزلت : ﴿ إنّ شانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ﴾، وأنزلت : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ أُوتُوا نَصِيبا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بالجبْتِ والطّاغُوتِ ﴾. . . إلى قوله : ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرا ﴾.
حدثنا ابن المثنى، قال :حدثنا عبد الوهاب، قال :حدثنا داود، عن عكرمة في هذه الاَية : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ أُوتُوا نَصيبا مِنَ الكِتاب ﴾ ثم ذكر نحوه.
وحدثني إسحاق بن شاهين، قال :أخبرنا خالد الواسطي، عن داود، عن عكرمة، قال :قدم كعب بن الأشرف مكة، فقال له المشركون :احكم بيننا وبين هذا الصنبور الأبتر، فأنت سيدنا وسيد قومك. فقال كعب :أنتم والله خير منه. فأنزل الله تبارك وتعالى : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذينَ أُوتُوا نَصيبا مِنَ الكِتاب ﴾. . . إلى آخر الاَية.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، قال :أخبرنا أيوب، عن عكرمة :أن كعب بن الأشرف انطلق إلى المشركين من كفار قريش، فاستجاشهم على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأمرهم أن يغزوه، وقال :إنا معك نقاتله، فقالوا :إنكم أهل كتاب، وهو صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما ! ففعل. ثم قالوا :نحن أهدى أم محمد ؟ فنحن ننحر الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونصل الرحم، ونقري الضيف، ونطوف بهذا البيت، ومحمد قطع رحمه، وخرج من بلده. قال :بل أنتم خير وأهدى ! فنزلت فيه : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ أُوتُو نَصِيبا مِنَ الكِتاب يُؤْمِنُونَ بالجِبْتِ والطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ للّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدَى مِنَ الّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً ﴾.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ، قال :لما كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واليهود بني النضير ما كان حين أتاهم يستعينهم في دية العامريين، فهمّوا به وبأصحابه، فأطلع الله ورسوله على ما همّوا به من ذلك، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فهرب كعب بن الأشرف حتى أتى مكة، فعاهدهم على محمد، فقال له أبو سفيان :يا أبا سعد، إنكم قوم تقرءون الكتاب، وتعلمون، ونحن قوم لا نعلم، فأخبرنا :ديننا خير أم دين محمد ؟ قال كعب :اعرضوا عليّ دينكم ! فقال أبو سفيان :نحن قوم ننحر الكوماء، ونسقي الحجيج الماء، ونقري الضيف، ونعمر بيت ربنا، ونعبد آلهتنا التي كان يعبد آباؤنا، ومحمد يأمرنا أن نترك هذا ونتبعه. قال :دينكم خير من دين محمد، فاثبتوا عليه ! ألا ترون أن محمدا يزعم أنه بعث بالتواضع، وهو ينكح من النساء ما شاء ؟ وما نعلم ملكا أعظم من ملك النساء ! فذلك حين يقول : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ أُوتُوا نَصِيبا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنونَ بالجبتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدَى مِنَ الّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً ﴾.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال :نزلت في كعب بن الأشرف وكفار قريش قال :كفار قريش أهدى من محمد عليه الصلاة والسلام. قال ابن جريج :قدم كعب بن الأشرف، فجاءته قريش فسألته عن محمد فص
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ أُوْلََئِكَ الّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله :أولئك هؤلاء الذين وصف صفتهم أنهم أوتوا نصيبا من الكتاب وهم يؤمنون بالجبت والطاغوت، هم الذين لعنهم الله، يقول :أخزاهم الله فأبعدهم من رحمته بإيمانهم بالجبت والطاغوت وكفرهم بالله ورسوله، عنادا منهم لله ولرسوله، وبقولهم : ﴿ للّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدَى مِنَ الّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً ﴾. ﴿ وَمَنْ يَلْعَنِ اللّهُ ﴾ يقول :ومن يخزه الله فيبعده من رحمته، ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرا ﴾ يقول :فلن تجد له يا محمد ناصرا ينصره من عقوبة الله ولعنته التي تحلّ به فيدفع ذلك عنه¹ كما :
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قال :قال كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب ما قالا، يعني من قولهما : «هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً »، وهما يعلمان أنهما كاذبان، فأنزل الله : ﴿ أُولَئِكَ الّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرا ﴾.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لاّ يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيراً ﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه : ﴿ أمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ ﴾ أم لهم حظّ من الملك، يقول :ليس لهم حظّ من الملك. كما :
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السدي : ﴿ أمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ ﴾ يقول :لو كان لهم نصيب من الملك إذا لم يؤتوا محمدا نقيرا.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا حجاج، قال :قال ابن جريج :قال الله : ﴿ أمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ ﴾ قال :فليس لهم نصيب من الملك، ﴿ فإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرا ﴾ ولو كان لهم نصيب وحظّ من الملك، لم يكونوا إذًا يعطون الناس نقيرا من بخلهم.
واختلف أهل التأويل في معنى النقير، فقال بعضهم :هو النقطة التي في ظهر النواة. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :ثني عبد الله، قال :ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ نَقِيرا ﴾ يقول :النقطة التي في ظهر النواة.
حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال :حدثنا محمد بن الصلت، قال :حدثنا أبو كدينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال :النقير الذي في ظهر النواة.
حدثني جعفر بن محمد الكوفي المروزي، قال :حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس، قال :النقير :وسط النواة.
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : ﴿ فإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرا ﴾ النقير :نقير النواة :وسطها.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السدي، قوله : ﴿ أمْ لَهُمْ نَصيبٌ مِنَ المُلْك فإذًا لا يُؤتُونَ النّاس نَقِيرا ﴾ يقول :لو كان لهم نصيب من الملك إذًا لم يؤتوا محمدا نقيرا، والنقير :النقطة التي في وسط النواة.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :ثني طلحة بن عمرو أنه سمع عطاء بن أبي رباح، يقول :النقير :الذي في ظهر النواة.
حدثني يحيى بن أبي طالب، قال :أخبرنا يزيد، قال :أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قال :النقير :النقرة التي تكون في ظهر النواة.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال :حدثنا هشيم، قال :أخبرنا حصين، عن أبي مالك، قال :النقير :الذي في ظهر النواة.
وقال آخرون :النقير :الحبة التي تكون في وسط النواة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : ﴿ نَقِيرا ﴾ قال :النقير :حبة النواة التي في وسطها.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ فإذًا لا يُؤْتونَ النّاسَ نَقِيرا ﴾ قال :النقير :حبة النواة التي في وسطها.
حدثنا محمد بن بشار، قال :حدثنا يحيى بن سعيد، قال :حدثنا سفيان بن سعيد، عن منصور، عن مجاهد قال :النقير في النوي.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، قال :قال ابن جريج :أخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول :النقير :نقير النواة الذي في وسطها.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال :سمعت أبا معاذ يقول :أخبرنا عبيد بن سليمان، قال :سمعت الضحاك بن مزاحم يقول :النقير :نقر النواة الذي يكون في وسط النواة.
وقال آخرون :معنى ذلك :نقر الرجل الشيء بطرف أصابعه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن يزيد بن درهم أبي العلاء، قال :سمعت أبا العالية، ووضع ابن عباس طرف الإبهام على ظهر السبابة ثم رفعهما وقال :هذا النقير.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال :إن الله وصف هؤلاء الفرقة من أهل الكتاب بالبخل باليسير من الشيء الذي لا خطر له، ولو كانوا ملوكا وأهل قدرة على الأشياء الجليلة الأقدار. فإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بمعنى النقير أن يكون أصغر ما يكون من النقر، وإذا كان ذلك أولى به، فالنقرة التي في ظهر النواة من صغار النقر، وقد يدخل في ذلك كل ما شاكلها من النقر. ورفع قوله : ﴿ لا يُؤْتُونَ النّاسَ ﴾ ولم ينصب ب«إذا »، ومن حكمها أن تنصب الأفعال المستقبلة إذا ابتدىء الكلام بها¹ لأن معها فاء، ومن حكمها إذا دخل فيها بعض حروف العطف أن توجه إلى الابتداء بها مرّة وإلى النقل عنها إلى غيرها أخرى، وهذا الموضع مما أريد بالفاء فيه النقل عن إذًا إلى ما بعدها، وأن يكون معنى الكلام :أم لهم نصيب فلا يؤتون الناس نقيرا إذًا.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلَىَ مَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مّلْكاً عَظِيماً ﴾. .
يعني بقوله جلّ ثناؤه : ﴿ أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ ﴾ أم يحسد هؤلاء الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من اليهود. كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : ﴿ أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ ﴾ قال :اليهود.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة مثله.
وأما قوله : ﴿ النّاسَ ﴾ فإن أهل التأويل اختلفوا فيمن عنى الله به، فقال بعضهم :عنى الله بذلك محمدا صلى الله عليه وسلم خاصة. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا عمرو، قال :حدثنا أسباط، قال :أخبرنا هشيم، عن خالد، عن عكرمة في قوله : ﴿ أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ على ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ قال :الناس في هذا الموضع :النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة.
حدثني محمد بن الحسين، قال :ثني أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ أمْ يَحْسُدونَ النّاسَ على ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ يعني :محمدا صلى الله عليه وسلم.
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس مثله.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد : ﴿ أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ على ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ قال :الناس :محمد صلى الله عليه وسلم.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال :سمعت أبا معاذ يقول :أخبرنا عبيد بن سليمان، قال :سمعت الضحاك يقول :فذكر نحوه.
وقال آخرون :بل عَنَى الله به العربَ. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ على ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ أولئك اليهود حسدوا هذا الحيّ من العرب على ما آتاهم الله من فضله.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال :إن الله عاتب اليهود الذين وصف صفتهم في هذه الاَيات، فقال لهم في قيلهم للمشركين من عبدة الأوثان إنهم أهدى من محمد وأصحابه سبيلاً على علم منهم بأنهم في قيلهم ما قالوا من ذلك كذبة :أم يحسدون محمدا على آتاهم الله من فضله.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن ما قبل قوله : ﴿ أم يَحْسُدُونَ النّاسَ على ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ مضى بذمّ القائلين من اليهود للذين كفروا : ﴿ هَؤُلاء أهْدَى مِنَ الّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً ﴾، فإلحاق قوله : ﴿ أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ على ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ بذمهم على ذلك، وتقريظ الذين آمنوا الذين قيل فيهم ما قيل أشبه وأولى، ما لم يأت دلالة على انصراف معناه عن معنى ذلك.
واختلف أهل التأويل في تأويل الفضل الذي أخبر الله أنه آتى الذين ذكرهم في قوله : ﴿ أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ على ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ فقال بعضهم :ذلك الفضل هو النبوّة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة : ﴿ أم يَحْسُدُونَ النّاسَ على ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ :حسدوا هذا الحيّ من العرب على ما آتاهم الله من فضله، بعث الله منهم نبيا فحسدوهم على ذلك.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، قال :قال ابن جريج : ﴿ عَلى ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ قال :النبوّة.
وقال آخرون :بل ذلك الفضل الذي ذكر الله أنه آتاهموه :هو إباحته ما أباح لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم من النساء، ينكح منهنّ ما شاء بغير عدد. قالوا :وإنما يعني بالناس :محمدا صلى الله عليه وسلم على ما ذكرت قبل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : ﴿ أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ على ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾. . . الاَية، وذلك أن أهل الكتاب قالوا :زعم محمد أنه أُوتي ما أُوتي في تواضع وله تسع نسوة، ليس همه إلا النكاح، فأيّ ملك أفضل من هذا ؟ فقال الله : ﴿ أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ على ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾.
حدثني محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ أمْ يَحْسُدُونَ النّاس على ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ يعني محمدا أن ينكح ما شاء من النساء.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال :سمعت الضحاك يقول في قوله : ﴿ أمْ يُحْسُدُونَ النّاسَ على ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ وذلك أن اليهود قالوا :ما شأن محمد أعطي النبوّة كما يزعم وهو جائع عار، وليس له همّ إلا نكاح النساء ؟ فحسدوه على تزويج الأزواج، وأحلّ الله لمحمد أن ينكح منهنّ ما شاء أن ينكح.
وأولى التأويلين في ذلك بالصواب قول قتادة وابن جُريج الذي ذكرناه قبلُ أن معنى الفضل في هذا الموضع النبوّة التي فضل الله بها محمدا، وشرّف بها العرب إذ آتاها رجلاً منهم دون غيرهم، لما ذكرنا من أن دلالة ظاهر هذه الاَية تدلّ على أنها تقريظ للنبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، على ما قد بينا قبل، وليس النكاح وتزويج النساء، وإن كان من فضل الله جلّ ثناؤه الذي آتاه عباده بتقريظ لهم ومدح.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْرَاهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهُمْ مُلْكا عَظِيما ﴾.
يعني :بذلك جلّ ثناؤه :أم يحسد هؤلاء اليهود الذين وصف صفتهم في هذه الاَيات، الناسَ على ما آتاهم الله من فضله، من أجل أنهم ليسوا منهم، فكيف لا يحسدون آل إبراهيم، فقد آتيناهم بالكتاب ؟ ويعني بقوله : ﴿ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْرَاهِيمَ ﴾ :فقد أعطينا آل إبراهيم، يعني :أهله وأتباعه على دينه ﴿ الكِتَابَ ﴾ يعني :كتاب الله الذي أوحاه إليهم، وذلك كصحف إبراهيم وموسى والزبور، وسائر ما آتاهم من الكتب. وأما الحكمة، فما أوحى إليهم مما لم يكن كتابا مقروءا. ﴿ وآتَيْناهُمْ مُلْكا عَظِيما ﴾.
واختلف أهل التأويل في معنى المُلْكِ العظيم الذي عناه الله في هذه الاَية، فقال بعضهم :هو النبوّة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا المثنى، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : ﴿ أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ ﴾ قال :يهود، ﴿ على ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ فقد آتينا آل آبراهيم الكتاب وليسوا منهم، والحكمة، ﴿ وآتَيْنَاهُمْ مُلْكا عَظِيما ﴾ قال :النبوّة.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال : ﴿ مُلْكا ﴾ :النبوّة.
وقال آخرون :بل ذلك تحليل النساء¹ قالوا :وإنما عنى الله بذلك :أم يحسدون محمدا على ما أحلّ الله له من النساء، فقد أحلّ الله مثل الذي أحله له منهنّ لداود وسليمان وغيرهم من الأنبياء، فكيف لم يحسدوهم على ذلك وحسدوا محمدا عليه الصلاة والسلام ؟ ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ فقدْ آتيْنا آلَ إبراهيمَ ﴾ :سليمان وداود ﴿ الحِكْمَةَ ﴾ يعني :النبوّة. ﴿ وآتَيْنَاهُمْ مُلْكَا عَظِميا ﴾ في النساء، فما باله حلّ لأولئك وهم أنبياء أن ينكح داود تسعا وتسعين امرأة، وينكح سليمان مائة، ولا يحلّ لمحمد أن ينكح كما نكحوا !.
وقال آخرون :بل معنى قوله : ﴿ وآتَيْنَاهُمْ مُلْكا عَظِيما ﴾ الذي آتى سليمان بن داود. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : ﴿ وآتَيْنَاهُمْ مُلْكا عَظِيما ﴾ يعني :ملك سليمان.
وقال آخرون :بل كانوا أُيّدُوا بالملائكة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أحمد بن حازم الغفاري، قال :حدثنا أبو نعيم، قال :حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن همام بن الحارث : ﴿ وآتَيْناهُمْ مُلْكا عَظِيما ﴾ قال :أُيدوا بالملائكة والجنود.
وأولى هذه الأقوال بتأويل الاَي، وهي قوله : ﴿ وآتَيْناهُمْ مُلْكا عَظِيما ﴾ القول الذي رُوي عن ابن عباس أنه قال :يعني :ملك سليمان¹ لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، دون الذي قال :إنه ملك النُبوّة، ودون قول من قال :إنه تحليل النساء والملك عليهنّ. لأن كلام الله الذي خوطب به العرب غير جائز توجيهه إلا إلى المعروف المستعمل فيهم من معانيه، إلا أن تأتي دلالة أو تقوم حجة على أن ذلك بخلاف ذلك يجب التسليم لها.
القول في تأويل قوله تعالى
﴿ فَمِنْهُمْ مّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مّن صَدّ عَنْهُ وَكَفَىَ بِجَهَنّمَ سَعِيراً ﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه :فمن الذين أوتوا الكتاب من يهود بني إسرائيل الذين قال لهم جلّ ثناؤه : ﴿ آمِنوا بِمَا نَزّلْنا مُصَدّقا لمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوها فنرُدّها على أدْبارِها { مَنْ آمَنَ بِهِ ﴾ يقول :من صدّق بما أنزلنا على محمد صلى الله عليه وسلم مصدّقا لما معهم. ﴿ ومِنْهُمْ مَنْ صَدّ عَنْهُ ﴾ ومنهم من أعرض عن التصديق به. كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ ﴾ قال :بما أنزل على محمد من يهود ﴿ ومِنْهُمْ مَنْ صَدّ عَنْهُ ﴾.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
وفي هذه الاَية دلالة على أن الذين صدّوا عما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل الذين كانوا حوالي مهاجَرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما رفع عنهم وعيد الله الذي توعدهم به، في قوله : ﴿ آمِنُوا بِمَا نَزّلْنا مُصَدّقا لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوها فَنرُدّها على أدْبارِها أوْ نَلْعَنَهُمْ كمَا لَعَنّا أصحَابَ السّبْتِ وكانَ أمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً ﴾ في الدنا، وأخرت عقوبتهم إلى يوم القيامة، لإيمان من آمن منهم. وإن الوعيد لهم من الله بتعجيل العقوبة في الدنيا إنما كان على مقام جميعهم على الكفر بما أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم، فلما آمن بعضهم خرجوا من الوعيد الذي توعده في عاجل الدنيا، وأخّرت عقوبة المقيمين على التكذيب إلى الاَخرة، فقال لهم :كفاكم بجهنم سعيرا.
ويعني قوله : ﴿ وكَفَى بِجَهَنّمَ سَعِيرا ﴾ :وحسبكم أيها المكذّبون بما أنزلت على محمد نبيي ورسولي بجهنم سعيرا، يعني :بنار جهنم تُسَعّر عليكم :أي توقد عليكم. وقيل : ﴿ سعيرا ﴾ أصله مسعورا، من سعرت تسعر فهي مسعورة، كما قال الله : ﴿ وَإذَا الجَحِيمُ سُعّرَتْ ﴾ ولكنها صرفت إلى فعيل، كما قيل :كفّ خضيب ولحية دهين، بمعنى مخضوبة ومدهونة، والسعير :الوقود.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنّ اللّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾. .
هذا وعيد من الله جلّ ثناؤه للذين أقاموا على تكذيبهم بما أنزل الله على محمد من يهود بني إسرائيل وغيرهم من سائر الكفار برسوله. يقول الله لهم :إن الذين جحدوا ما أنزلت على رسولي محمد صلى الله عليه وسلم من آياتي، يعني من آيات تنزيله ووحي كتابه، وهي دلالاته وحججه على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يصدّقوا به من يهود بني إسرائيل وغيرهم من سائر أهل الكفر به¹ ﴿ سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارا ﴾ يقول :سوف ننضجهم في نار يَصْلُوْن فيها :أي يشوون فيها. ﴿ كُلّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ﴾ يقول :كلما انْشَوَتْ بها جلودهم فاحترقت، ﴿ بَدّلْناهُمْ جُلودا غيرَها ﴾ يعني :غير الجلود التي قد نضجت فانشوت. كما :
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا جرير، عن الأعمش، عن ثوير، عن ابن عمر : ﴿ كُلّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدّلْناهُمْ جُلُودا غيرَها ﴾ قال :إذا احترقت جلودهم بدلناهم جلودا بيضا أمثال القراطيس.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ إنّ الّذِينَ كَفَرُوا بآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارا كُلّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدّلْناهُمْ جُلُودا غيرَها ﴾ يقول :كلما احترقت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها.
حدثني المثنى، قال :حدثنا إسحاق، قال :حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله : ﴿ كُلّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ﴾ قال :سمعنا أنه مكتوب في الكتاب الأوّل أن جلد أحدهم أربعون ذراعا، وسنّه سبعون ذراعا، وبطنه لو وضع فيه جبل لوَسِعَهُ، فإذا أكلت النار جلودهم بُدّلوا جلودا غيرها.
حدثني المثنى، قال :حدثنا سويد بن نصر، قال :أخبرنا ابن المبارك، قال :بلغني عن الحسن : ﴿ كُلّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدّلْناهُمْ جُلُودا غيرَها ﴾ قال :نُنضجهم في اليوم سبعين ألف مرّة.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا أبو عبيدة الحداد، عن هشام بن حسان، عن الحسن، قوله : ﴿ كُلّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدّلْناهُمْ جُلُودا غيرَها ﴾ قال :تنضج النار كل يوم سبعين ألف جلد، وغلظ جلد الكافر أربعون ذراعا، والله أعلم بأيّ ذراع.
فإن سأل سائل، فقال :وما معنى قوله جلّ ثناؤه : ﴿ كُلّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدّلْناهُمْ جُلودا غيرَها ﴾ ؟ وهل يجوز أن يبدّلوا جلودا غير جلودهم التي كات لهم في الدنيا، فيعذّبوا فيها ؟ فإن جاز ذلك عندك، فأجز أن يبدّلوا أجساما وأرواحا غير أجسامهم وأوراحهم التي كانت لهم في الدنيا فتعذّب ! وإن أجزت ذلك، لزمك أن يكون المعذّبون في الاَخرة بالنار غير الذين أوعدهم الله العقاب على كفرهم به ومعصيتهم إياه، وأن يكون الكفار قد ارتفع عنهم العذاب ! قيل :إن الناس اختلفوا في معنى ذلك، فقال بعضهم :العذاب إنما يصل إلى الإنسان الذي هو غير الجلد واللحم، وإنما يحرق الجلد ليصل إلى الإنسان ألم العذاب، وأما الجلد واللحم فلا يألمان. قالوا :فسواء أعيد على الكافر جلده الذي كان له في الدنيا، أو جلد غيره، إذ كانت الجلود غير آلمة ولا معذّبة، وإنما الاَلمة المعذّبة النفس التي تحسّ الألم، ويصل إليها الوجع. قالوا :وإذا كان ذلك كذلك، فغير مستحيل أن يخلق لكل كافر في النار في كل لحظة وساعة من الجلود ما لا يُحْصَى عدده، ويحرق ذلك عليه، ليصل إلى نفسه ألم العذاب، إذ كانت الجلود لا تألم.
وقال آخرون :بل الجلود تألم، واللحم وسائر أجزاء جِرْمِ بني آدم، وإذا أحرق جلده أو غيره من أجزاء جسده، وصل ألم ذلك إلى جميعه. قالوا :ومعنى قوله : ﴿ كُلّما نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدّلْناهُم جُلُودا غيرَها ﴾ :بدلناهم جلودا غير محترقة، وذلك أنها تعاد جديدة، والأولى كانت قد احترقت فأعيدت غير محترقة، فلذلك قيل غيرها، لأنها غير الجلود التي كانت لهم في الدنيا التي عصوا الله وهي لهم. قالوا :وذلك نظير قول العرب للصائغ إذا استصاغته خاتما من خاتم مصوغ، بتحويله عن صياغته التي هو بها إلى صياغة أخرى :صغ لي من هذا الخاتم خاتما غيره ! فيكسره ويصوغ له منه خاتما غيره والخاتم المصوغ بالصياغة الثانية هو الأوّل، ولكنه لما أعيد بعد كسره خاتما قيل هو غيره. قالوا :فكذلك معنى قوله : ﴿ كُلّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بدّلْناهُمْ جُلُودا غيرَها ﴾ لما احترقت الجلود ثم أعيدت جديدة بعد الاحتراق، قيل هي غيرها على ذلك المعنى.
وقال آخرون :معنى ذلك : ﴿ كُلّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ﴾ سرابيلهم، بدلناهم سرابيل من قطران غيرها. فجعلت السرابيل القطران لهم جلودا، كما يقال للشيء الخاصّ بالإنسان :هو جلدة ما بين عينيه ووجهه لخصوصه به. قالوا :فكذلك سرابيل القطران التي قال الله في كتابه : ﴿ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النّارُ ﴾ لما صارت لهم لباسا لا تفارق أجسامهم جُعلت لهم جلودا، فقيل :كلما اشتعل القطران في أجسامهم واحترق بدّلوا سرابيل من قطران آخر. قالوا :أوما جلود أهل الكفر من أهل النار فإنها لا تحرق، لأن في احتراقها إلى حال إعادتها فناءها، وفي فنائها راحتها. قالوا :وقد أخبرنا الله تعالى ذكره عنها أنهم لا يموتون ولا يخفف عنهم من عذابها. قالوا :وجلود الكفار أحد أجزاء أجسامهم، ولو جاز أن يحترق منها شيء فيفنى ثم يعاد بعد الفناء في النار، جاز ذلك في جميع أجزائها، وإذا جاز ذلك وجب أن يكون جائزا عليهم الفناء ثم الإعادة والموت ثم الإحياء، وقد أخبر الله عنهم أنهم لا يموتون. قالوا :وفي خبره عنهم أنهم لا يموتون دليل واضح أنه لا يموت شيء من أجزاء أجسامهم، والجلود أحد تلك الأجزاء.
وأما معنى قوله : ﴿ لِيَذُوقُوا العَذَابَ ﴾ فإنه يقول :فعلنا ذلك بهم ليجدوا ألم العذاب وكربه وشدّته بما كانوا في الدنيا يكذّبون آيات الله ويجحدونها.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ إنّ اللّهَ كانَ عَزِيزا حَكِيما ﴾.
يقول :إن الله لم يزل عزيزا في انتقامه ممن انتقم منه من خلقه، لا يقدر على الامتناع منه أحد أراده بضرّ، ولا الانتصار منه أحد أحلّ به عقوبة، حكيما في تدبيره وقضائه.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً لّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مّطَهّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاّ ظَلِيلاً ﴾. .
يعني بقوله جلّ ثناؤه : ﴿ وَالّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ :والذين آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وصدّقوا بما أنزل الله على محمد مصدّقا لما معهم من يهود بني إسرائيل وسائر الأمم غيرهم. ﴿ وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ ﴾ يقول :وأدّوا ما أمرهم الله به من فرائضه، واجتنبوا ما حرّم الله عليهم من معاصيه، وذلك هو الصالح من أعمالهم. ﴿ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهارُ ﴾ يقول :سوف يدخلهم الله يوم القيامة جناتٍ، يعني :بساتين ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأَنْهَارُ ﴾ يقول :تجري من تحت تلك الجنات الأنهار. ﴿ خالِدِينَ فِيها أبَدا ﴾ يقول :باقين فيها أبدا بغير نهاية ولا انقطاع، دائم ذلك لهم فيها أبدا. ﴿ لَهُمْ فِيها أزْوَاجٌ ﴾ يقول :لهم في تلك الجنات التي وصف صفتها ﴿ أزْوَاجٌ مُطَهّرَةٌ ﴾ يعني :بريئات من الأدناس والريب الحيض والغائط والبول والحبل والبصاق، وسائر ما يكون في نساء أهل الدنيا.
وقد ذكرنا ما في ذلك من الأثار فيما مضى قبل، وأغنى ذلك عن إعادتها. وأما قوله : ﴿ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاّ ظَلِيلاً ﴾ فإنه يقول :وندخلهم ظلاّ كنينا، كما قال جلّ ثناؤه : ﴿ وَظِلّ مَمْدُودٍ ﴾. وكما :
حدثنا ابن بشار، قال :حدثنا عبد الرحمن، وحدثنا ابن المثنى، قال :حدثنا محمد بن جعفر، قالا جميعا، حدثنا شعبة، قال :سمعت أبا الضحاك يحدّث عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال : «إنّ فِي الجَنّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرّاكِبُ فِي ظِلّها مائَةَ عامٍ لا يَقْطَعُها، شَجَرَةُ الخُلْدِ ».
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ إِنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدّواْ الأمَانَاتِ إِلَىَ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنّ اللّهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾. .
اختلف أهل التأويل فيمن عُني بهذه الاَية، فقال بعضهم :عُني بها :ولاةُ أمور المسلمين. ذكر من قال ذلك :
حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال :حدثنا أبو أسامة، عن أبي مكين، عن زيد بن أسلم، قال :نزلت هذه الاَية : ﴿ إنّ اللّهَ يأمْرُكُمْ أنْ تُؤَدّوا الأمانَاتِ إلى أهْلِها ﴾ في ولاة الأمر.
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا ابن إديس، قال :حدثنا ليث، عن شهر، قال :نزلت في الأمرء خاصة ﴿ إنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تُؤَدّوا الأماناتِ إلى أهْلِها وَإذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بالْعَدْلِ ﴾.
٨٧٧٧ حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا إدريس، قال :حدثنا إسماعيل، عن مصعب بن سعد، قال :قال عليّ رضي الله عنه :كلمات أصاب فيهنّ حقّ على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدّى الأمانة، وإذا فعل ذلك فحقّ على الناس أن يسمعوا وأن يطيعوا وأن يجيبوا إذا دعوا.
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا جابر بن نوح، قال :حدثنا إسماعيل عن مصعب بن سعد، عن عليّ بنحوه.
حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال :حدثنا موسى بن عمير، عن مكحول، في قول الله : ﴿ وأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾ قال :هم أهل الاَية التي قبلها : ﴿ إنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أن تُؤَدّوا الأماناتِ إلى أهْلِها ﴾. . . إلى آخر الاَية.
حدثني يونس، قال¹ أخبرنا ابن وهب، قال :أخبرنا ابن زيد، قال :قال أبي :هم الولاة، أمرهم أن يؤدّوا الأمانات إلى أهلها.
وقال آخرون :أمر السلطان بذلك أن يعطوا الناس. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ إنّ اللّهَ يأْمُرُكُمْ أنْ تُؤَدّوا الأماناتِ إلى أهْلِها ﴾ قال :يعني :السلطان يعطون الناس.
وقال آخرون :الذي خُوطِبَ بذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم في مفاتيح الكعبة أُمِرَ بردّها على عثمان بن طلحة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله : ﴿ إنّ اللّهَ يأْمُرُكُمْ أنْ تُؤَدّوا الأماناتِ إلى أهْلِها ﴾ قال :نزلت في عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، قبض منه النبيّ صلى الله عليه وسلم مفاتيح الكعبة، ودخل بها البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الاَية، فدعا عثمان فدفع إليه المفتاح. قال :وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو هذه الاَية :فداؤه أبي وأمي ! ما سمعته يتلوها قبل ذلك.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا الزنجي بن خالد، عن الزهري، قال :دفعه إليه وقال :أعينوه.
وأولى هذه الأقوال بالصوااب في ذلك عندي قول من قال :هو خطاب من الله ولاة أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من ولّوا في فيئهم وحقوقهم، وما ائتمنوا عليه من أمورهم بالعدل بينهم في القضية. والقسم بينهم بالسوية، يدلّ على ذلك ما وعظ به الرعية في : ﴿ أطِيعُوا اللّهَ وأطِيعُوا الرّسُولَ وأُولي الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾ فأمرهم بطاعتهم، وأوصى الراعي بالرعية، وأوصى الرعية بالطاعة. كما :
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللّهَ وأطِيعُوا الرّسُولَ وأُولي الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾ قال :قال أبي :هم السلاطين. وقرأ ابن زيد : ﴿ تُؤْتي المُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمّنْ تَشاءُ ﴾ ألا ترى أنه أمر فقال : ﴿ إنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تُؤَدّوا الأماناتِ إلى أهْلِها ﴾ ؟ والأمانات :هي الفيء الذي استأمنهم على جمعه وقسمه، والصدقات التي استأمنهم على جمعها وقسمها. ﴿ وَإذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بالعَدْل ﴾. . . الاَية كلها فأمر بهذا الولاة، ثم أقبل علينا نحن، فقال : ﴿ يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللّهَ وأطِيعُوا الرّسُول وأُولي الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾.
وأما الذي قال ابن جريج من أن هذه الاَية نزلت في عثمان بن طلحة فإنه جائز أن تكون نزلت فيه، وأريد به كلّ مؤتمن على أمانة فدخل فيه ولاة أمور المسلمين وكل مؤتمن على أمانة في دين أو دنيا، ولذلك قال من قال :عني به قضاء الدين وردّ حقوق الناس. كالذي :
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : ﴿ إنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تُؤَدّوا الأماناتِ إلى أهْلِها ﴾ فإنه لم يرخص لموسر ولا معسر أن يمسكها.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ إنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تُؤَدّوا الأماناتِ إلى أهْلِها ﴾ عن الحسن :أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : «أدّ الأمانةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَنْ خانَكَ ».
فتأويل الاَية إذًا، إذ كان الأمر على ما وصفنا :إن الله يأمركم يا معشر ولاة أمور المسلمين أن تؤدّوا ما ائتمنتكم عليه رعيتكم من فيئهم وحقوقهم وأموالهم وصدقاتهم إليهم على ما أمركم الله، بأداء كلّ شيء من ذلك إلى من هو له بعد أن تصير في أيديكم، لا تظلموها أهلها ولا تستأثروا بشيء منها ولا تضعوا شيئا منها في غير موضعه، ولا تأخذوها إلا ممن أذن الله لكم بأخذها منه قبل أن تصير في أيديكم¹ ويأمركم إذا حكمتم بين رعيتكم أن تحكموا بينهم بالعدل والإنصاف، وذلك حكم الله الذي أنزله في كتابه وبينه على لسان رسوله، لا تَعْدوا ذلك فتجوروا عليهم.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ إنّ اللّهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ إنّ اللّهَ كانَ سَمِيعا بَصِيرا ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه :يا معشر ولاة أمور المسلمين إنّ الله نَعِمّ الشيء يعظكم به، ونِعِمّت العظة يعظكم بها في أمره إياكم، أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها، وأن تحكموا بين الناس بالعدل ﴿ نّ اللّهَ كَانع سَمِيعا ﴾ يقول :إن الله لم يزل سميعا بما تقولون وتنطقون، وهو سميع لذلك منكم إذا حكمتم بين الناس ولم تحاوروهم به، ﴿ بَصِيرا ﴾ بما تفعلون فيما ائتمنتكم عليه من حقوق رعيتكم وأموالهم، وما تقضون به بينهم من أحكامكم بعدل تحكمون أو جور، لا يخفى عليه شيء من ذلك، حافظ ذلك كله، حتى يجازي محسنكم بإحسانه ومسيئكم بإساءته، أو يعفو بفضله.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرّسُولَ وَأُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه :يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ربكم فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، وأطيعوا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، فإن في طاعتكم إياه لربكم طاعة، وذلك أنكم تطيعونه لأمر الله إياكم بطاعته. كما :
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ أطاعَنِي فَقَدْ أطاعَ اللّهَ وَمَنْ أطاعَ أمِيري فَقَدْ أطاعَنِي، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللّهَ وَمَنْ عَصَا أمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي ».
واختلف أهل التأويل في معنى قوله : ﴿ أطِيعُوا اللّهَ وأطِيعُوا الرّسُولَ ﴾ فقال بعضهم :ذلك أمر من الله باتباع سنّته. ذكر من قال ذلك :
حدثنا المثنى، قال :حدثنا عمرو، قال :حدثنا هشيم، عن عبد الملك، عن عطاء، في قوله : ﴿ أطِيعُوا اللّهَ وأطِيعُوا الرّسُولَ ﴾ قال :طاعة الرسول :اتّباع سنته.
حدثني المثنى، قال :حدثنا إسحاق، قال :حدثنا يعلى بن عبيد، عن عبد الملك، عن عطاء : ﴿ أطِيعُوا اللّهَ وأطِيعُوا الرّسُولَ ﴾ قال :طاعة الرسول :اتباع الكتاب والسنة.
وحدثني المثنى، قال :حدثنا سويد، قال :أخبرنا ابن المبارك، عن عبد الملك، عن عطاء، مثله.
وقال آخرون :ذلك أمر من الله بطاعة الرسول في حياته. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ أطِيعُوا اللّهَ وأطِيعُوا الرّسُولَ ﴾ إن كان حيّا.
والصواب من القول في ذلك أن يقال :هو أمر من الله بطاعة رسوله في حياته فيما أمر ونهى، وبعد وفاته في اتباع سنته¹ وذلك أن الله عمّ بالأمر بطاعته ولم يخصص ذلك في حال دون حال، فهو على العموم حتى يخصّ ذلك ما يجب التسليم له.
واختلف أهل التأويل في أولي الأمر الذين أمر الله عباده بطاعتهم في هذه الاَية، فقال بعضهم هم الأمراء. ذكر من قال ذلك :
حدثني أبو السائب سلم بن جنادة، قال :حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في قوله : ﴿ أطِيعُوا اللّهَ وأطِيعُوا الرّسُولَ وأُولى الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾ قال :هم الأمراء.
حدثنا الحسن بن الصباح البزار، قال :حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال :أخبرني يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه قال : ﴿ يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللّهَ وأطِيعُوا الرّسُولَ وأُولي الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾، نزلت في رجل بعثه النبيّ صلى الله عليه وسلم على سرية.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبيد الله بن مسلم بن هرمز، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس :أن هذه الاَية نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي إذ بعثه النبيّ صلى الله عليه وسلم في السرية.
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، قال :سأل مسلمة ميمون بن مهران، عن قوله : ﴿ أطِيعُوا اللّهَ وأطِيعُوا الرّسُولَ وأُولى الأمْره مِنْكُمْ ﴾ قال :أصحاب السرايا على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللّهَ وأطِيعُوا الرّسُولَ وأُولي الأمْر مِنْكُمْ ﴾ قال :قال أبي :هم السلاطين. قال :وقال ابن زيد في قوله : ﴿ وأُولي الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾ قال أبي :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الطّاعَة الطّاعة ! وفي الطّاعَةِ بلاءٌ ». وقال : «ولو شَاء اللّه لَجَعَلَ الأَمْرَ في الأنْبِيَاءِ »، يعني :لقد جعل إليهم والأنبياء معهم، ألا ترى حين حكموا في قتل يحيى بن زكريا ؟.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ أطِيعُوا اللّهَ وأطِيعُوا الرّسُولَ وأُولى الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾ قال :بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها خالد ابن الوليد، وفيها عمار بن ياسر، فساروا قَبِلَ القوم الذين يريدون، فلما بلغوا قريبا منهم عَرّسوا، وأتاهم ذو العيينتين، فأخبرهم فأصبحوا وقد هربوا غير رجل أمر أهله، فجمعوا متاعهم. ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل، حتى أتى عسكر خالد، فسأل عن عمار بن ياسر فأتاه، فقال :يا أبا اليقظان، إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وإن قومي لما سمعوا بكم هربوا، وإني بقيت فهل إسلامي نافعي غدا وإلا هربت ؟ قال عمار :بل هو ينفعك، فأقم ! فأقام. فلما أصبحوا أغار خالد، فلم يجد أحدا غير الرجل، فأخذه وأخذ ماله، فبلغ عمارا الخبر، فأتى خالدا فقال :خلّ عن الرجل فإنه قد أسلم، وهو في أمان مني ! فقال خالد :وفيم أنت تجير ؟ فاستّبا وارتفعا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأحاز أمان عمار ونهاه أن يجير الثانية على أمير. فاستّبا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال خالد :يا رسول الله أتترك هذا العبد الأجدع يسبني ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يا خالِدُ لا تَسُبّ عَمّارا، فإنّهُ مَنْ سَبّ عَمّارا سَبّهُ اللّهُ، وَمَنْ أبْغَضَ عَمّارا أبْغَضَهُ اللّهُ، وَمَنْ لَعَنَ عَمّارا لَعَنَهُ اللّهُ ». فغضب عمار، فقام فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر إليه، فرضي عنه، فأنزل الله تعالى قوله : ﴿ أطِيعُوا اللّهَ وأطِيعُوا الرّسُولَ وأُولى الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾.
وقال آخرون :هم أهل العلم والفقه. ذكر من قال ذلك :
حدثني سفيان بن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن عليّ بن صالح، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله. . . قال :حدثنا جابر بن نوح، عن الأعمش، عن مجاهد، في قوله : ﴿ أطِيعُوا اللّهَ وأطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولى الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾ قال :أولي الفقه منكم.
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا ابن إدريس، قال :أخبرنا ليث، عن مجاهد، في قوله : ﴿ أطِيعُوا اللّهَ وأطِيعُوا الرّسُولَ وأُولي الأمْر مِنْكُمْ ﴾ قال :أولي الفقه والعلم.
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح : ﴿ وأُولي الأمْر مِنْكُمْ ﴾ قال :أولي الفقه في الدين والعقل.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ أطِيعُوا اللّهَ وأطِيعُوا الرّسُولَ وأُولي الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾ يعني :أهل الفقه والدين.
حدثني أحمد بن حازم، قال :حدثنا أبو نعيم، قال :حدثنا سفيان، عن حصين، عن مجاهد : ﴿ وأُولي الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾ قال :أهل العلم.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال :حدثنا هشيم، قال :أخبرنا عبد الملك، عن عطاء بن السائب في قوله : ﴿ أطِيعُوا اللّهَ وأطِيعُوا الرّسُولَ وأُولي الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾ قال :أولي العلم والفقه.
حدثني المثنى، قال :حدثنا عمرو بن عون، قال :حدثنا هشيم، عن عبد الملك، عن عطاء : ﴿ وأُولي الأمْر مِنْكُمْ ﴾ قال :الفقهاء والعلماء.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله : ﴿ وأُولي الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾ قال :هم العلماء.
قال :وأخبرنا عبد الرزاق، عن الثّوْرِيّ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله : ﴿ وَأُولي الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾ قال :هم أهل الفقه والعلم.
حدثني المثنى، قال :حدثنا إسحاق، قال :حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله : ﴿ وأولي الأمْر مِنْكُمْ ﴾ قال :هم أهل العلم، ألا ترى أنه يقول : ﴿ وَلَوْ رَدّوهُ إلى الرّسُولِ وَإلى أُولِي الأمْر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ ؟.
وقال آخرون :هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال :حدثنا ابن علية، قال :حدثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : ﴿ { أطِيعُوا اللّهَ وأطيعُوا الرّسُولَ وَأُولي الأمْر مِنْكُمْ ﴾ قال :كان مجاهد يقول :أصحاب محمد. قال :وربما قال :أولي الفضل والفقه ودين الله.
وقال آخرون :هم أبو بكر وعمر رضي الله عنه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أحمد بن عمرو البصري، قال :حدثنا حفص بن عمر العدني، قال :حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة : ﴿ أطِيعُوا اللّهَ وأطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولي الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾ قال :أبو بكر وعمر.
وأوْلَي الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال :هم الأمراء والولاة، لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان طاعة وللمسلمين مصلحة. كالذي :
حدثني عليّ بن مسلم الطوسي قال :حدثنا ابن أبي فديك، قال :ثني عبد الله بن محمد بن عروة، عن هشام بن عروة، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم : «سيَليكُمْ بَعْدِي وُلاةٌ، فَيَلِيكُمْ البَرّ بِبرّة والفَاجِرِ بِفُجُوره، فاسمَعُوا لَهُمْ وأطِيعُوا فِي كلّ ما وَافَقَ الحَقّ، وَصَلّوا وَرَاءَهُمْ فإنْ أحْسَنُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ، وَإنْ أساءوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ ».
حدثنا ابن المثنى، قال :حدثنا يحيى عن عبيد الله، قال :أخبرني نافع، عن عبد الله، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال : «على المَرْء المُسْلِم الطّاعَةُ فِيما أحَبّ وكَرهَ، إلاّ أنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصَيَةٍ فَمَنْ أُمرَ بِمَعْصِيَةِ فَلا طاعَةَ ».
حدثني ابن المثنى، قال :ثني خالد عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، نحوه.
فإذا كان معلوما أنه لا طاعة واجبة لأحد غير الله أو رسوله أو إمام عادل، وكان الله قد أمر بقوله : ﴿ أطِيعُوا اللّهَ وأطِعُوا الرّسُولَ وأولي مِنْكُمْ ﴾ بطاعة ذوي أمرنا، كان معلوما أن الذين أمر بطاعتهم تعالى ذكره من ذوي أمرنا هم الأئمة ومن ولاّه المسلمون دون غيرهم من الناس، وإن كان فرضا القبول من كل من أمر بترك معصية الله، ودعا إلى طاعة الله، وأنه لا طاعة تجب لأحد فيما أمر ونهى فيما لم تقم حجة وجوبه إلا للأئمة الذين ألزم الله عباده طاعتهم فيما أمروا به رعيتهم مما هو مصلحة لعامة الرعية، فإنّ على من أمروه بذلك طاعتهم، وكذلك في كل ما لم يكن لله معصية. وإذ كان ذلك كذلك كان معلوما بذلك صحة ما اخترنا من التأويل دون غيره.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ فإنْ تَنازَعْتمْ فِي شَيْءٍ فَرُدّوهُ إلى اللّهِ وَالرّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ باللّهِ وَاليَوْم الاَخِرِ ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه :فإن اختلفتم يها المؤمنون في شيء من أمر دينكم أنتم فيما بينكم أو أنتم وولاة أمركم فاشت
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوَاْ إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوَاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشّيْطَانُ أَن يُضِلّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً ﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه :ألم تر يا محمد بقلبك فتعلم إلى الذين يزعمون أنهم صدّقوا بما أنزل إليك من الكتاب، وإلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قلبك من الكتب : ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاَكَمُوا ﴾ في خصومتهم ﴿ إلى الطّاغُوتِ ﴾ يعني :إلى من يعظمونه، ويصدرون عن قوله، ويرضون بحكمه من دون حكم الله. ﴿ وَقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ﴾ يقول :وقد أمرهم الله أن يكذّبوا بما جاءهم به الطاغوت الذي يتحاكون إليه، فتركوا أمر الله، واتبعوا أمر الشيطان. ﴿ وَيُريدُ الشّيْطانُ أنْ يُضِلّهُمْ ضَلالاً بَعِيدا ﴾ يعني أن الشيطان يريد أن يصدّ هؤلاء المتحاكمين إلى الطاغوت عن سبيل الحق والهدى، فيضلهم عنها ضلالاً بعيدا، يعني :فيجوز بهم عنها جورا شديدا. وقد ذكر أن هذه الاَية نزلت في رجل من المنافقين دعا رجلاً من اليهود في خصومة كانت بينهما إلى بعض الكهان ليحكم بينهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن المثنى، قال :حدثنا عبد الوهاب، قال :حدثنا داود، عن عامر في هذه الاَية : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أنّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ ﴾ قال :كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فكان المنافق يدعو إلى اليهود لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة، وكان اليهودي يدعو إلى المسلمين لأنه يعلم أنهم لا يقبلون الرشوة، فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جُهينة، فأنزل الله فيه هذه الاَية : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أنّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾. . . حتى بلغ : ﴿ وَيُسّلمُوا تَسْلِيما ﴾.
حدثنا ابن المثنى، قال :حدثنا عبد الأعلى، قال :حدثنا داود، عن عامر في هذه الاَية : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يَزَعمُونَ أنّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ فذكر نحوه، وزاد فيه :فأنزل الله ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يَزْعَمُونَ أنّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ يعني المنافقين ﴿ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ يعني اليهود ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ ﴾ يقول :إلى الكاهن ﴿ وَقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ﴾ أمر هذا في كتابه، وأمر هذا في كتابه أن يكفر بالكاهن.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال :حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي، قال :كانت بين رجل ممن يزعم أنه مسلم، وبين رجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي :أحاكمك إلى أهل دينك، أو قال :إلى النبيّ¹ لأنه قد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأخذ الرشوة في الحكم. فاختلفا، فاتفقا على أن يأتيا كاهنا في جهينة، قال :فنزلت : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أنّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ يعني :الذي من الأنصار ﴿ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ يعني :اليهودي ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكمُوا إلى الطّاغُوتِ ﴾ إلى الكاهن ﴿ وَقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ﴾ يعني :أمر هذا في كتابه، وأمر هذا في كتابه. وتلا : ﴿ ويُرِيدُ الشّيْطانُ أنْ يُضِلّهُمْ ضَلالاً بَعِيدا ﴾، وقرأ : ﴿ فَلاَ وَرَبّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ إلى : ﴿ وَيُسَلّمُلأا تَسْلِيما ﴾.
حدثنا محمد بن الأعلى، قال :حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال :زعم حضرميّ أن رجلاً من اليهود كان قد أسلم، فكانت بينه وبين رجل من اليهود مدارأة في حقّ، فقال اليهودي له :انطلق إلى نبيّ الله ! فعرف أنه سيقضي عليه. قال :فأبى، فانطلقا إلى رجل من الكهان، فتحاكما إليه. قال الله : ﴿ ألَمَ تَرَ إلى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أنّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ ﴾.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يَزْعَمُونَ أنّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾. . . الاَية، حتى بلغ : ﴿ ضَلالاً بَعِيدا ﴾ ذكر لنا أن هذه الاَية نزلت في رجلين :رجل من الأنصار يقال له بشر، وفي رجل من اليهود في مدارأة كان بيهما في حقّ، فتدارءا بينهما فيه، فتنافرا إلى كاهن بالمدينة يحكم بينهما، وتركا نبيّ الله صلى الله عليه وسلم. فعاب الله عزّ وجلّ ذلك. وذُكر لنا أن اليهودي كان يدعوه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهما، وقد علم أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم لن يجور عليه، فجعل الأنصاري يأبي عليه وهو يزعم أنه مسلم ويدعوه إلى الكاهن، فأنزل الله تبارك وتعالى ما تسمعون، فعاب ذلك على الذي زعم أنه مسلم، وعلى اليهودي الذي هو من أهل الكتاب، فقال : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أنّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾. . . إلى قوله : ﴿ صُدُودا ﴾.
حدثنا محمد بن السحين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أنّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكمُوا إلى الطّاغُوتِ ﴾ قال :كان ناس من اليهود قد أسلموا ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قُتل الرجل من بني النضير قتلته بنو قريظة قتلوا به منهم، فإذا قُتل الرجل من بني قريظة قتلته النضير، أعطوا دينه ستين وَسْقا من تمر. فلما أسلم ناس من بني قريظة والنضير، قتل رجل من بني النضير رجلاً من بني قريظة، فتحاكموا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال النضيري :يا رسول الله إنا كنا نعطيهم في الجاهلية الدية، فنحن نعطيهم اليوم ذلك. فقالت قريظة :لا، ولكنا إخوانكم في النسب والدين، ودماؤنا مثل دمائكم، ولكنكم كنتم تغلبوننا في الجاهلية، فقد جاء الله بالإسلام فأنزل الله يعيرهم بما فعلوا. فقال : ﴿ وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيها أنّ النّفْسَ بالنّفْسِ ﴾ فعيرهم، ثم ذكر قول النضيري :كنا نعطيهم في الجاهلية ستين وسقا ونقتل منهم ولا يقتلون، فقال : ﴿ أفحُكْمَ الجَاهِليّةِ يَبْغُونَ ﴾. وأخذ النضيريّ فقتله بصاحبه. فتفاخرت النضير وقريظة، فقالت النضير :نحن أكرم منكم، وقالت قريظة :نحن أكرم منكم، ودخلوا المدينة إلى أبي برزة الكاهن الأسلميّ، فقال المنافق من قريظة والنضير :انطلقوا إلى أبي برزة ينفّر بيننا ! وقال المسلمون من قريظة والنضير :لا، بل النبي صلى الله عليه وسلم ينفر بيننا، فتعالوا إليه ! فأبي المنافقون، وانطلقا إلى أبي برزة فسألوه، فقال :أعظموا اللقمة ! يقول :أعظموا الخطر. فقالوا :لك عشرة أوساق، قال :لا، بل مائة وسق ديتي، فإني أخاف أن أنفر النضير تقتلني قريظة، أو أنفر قريظة فتقتلني النضير. فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوساق، وأبي أن يحكم بينهم، فأنزل الله عزّ وجلّ : ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ ﴾ وهو أبو برزة، وقد أمروا أن يكفروا به، إلى قوله : ﴿ وَيُسَلّمُوا تَسْلِيما ﴾.
وقال آخرون :الطاغوت في هذا الموضع :هو كعب بن الأشرف. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : ﴿ يُريدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوت وَقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ﴾ والطاغوت :رجل من اليهود كان يقال له كعب بن الأشرف، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا :بل نحاكمكم إلى كعب¹ فذلك قوله : ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوت ﴾. . . الاَية.
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أنّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ قال :تنازع رجل من المنافقين ورجل من اليهود، فقال المنافق :اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف ! وقال اليهودي :اذهب بنا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ! فقال الله تبارك وتعالى : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يَزْعُمُونَ ﴾. . . الاَية والتي تليها فيهم أيضا.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أنّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ فذكر مثله، إلا أنه قال :وقال اليهودي :اذهب بنا إلى محمد.
حدثنا المثنى، قال :حدثنا إسحاق، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أنّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾. . . إلى قوله : ﴿ ضَلالاً بَعِيدا ﴾ قال :كان رجلان من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم بينهما خصومة، أحدهم مؤمن، والاَخر منافق. فدعاه المؤمن إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، فأنزل الله : ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمْ تَعالُوْا إلى ما أنْزَلَ اللّهُ وَإلى الّرسُولِ رأيْتُ المُنافِقِينَ يَصُدّونَ عَنْكَ صُدُودا ﴾.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أنّهُمْ آمَنُوا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ ﴾ قال :تنازع رجل من المؤمنين ورجل من اليهود، فقال اليهودي :اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف، وقال المؤمن :اذهب بنا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال الله : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أنّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾. . . إلى قوله : ﴿ صُدُودا ﴾.
قال ابن جريج :يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، قال :القرآن، وما أنزل من قبلك، قال :التوراة. قال :يكون بين المسلم والمنافق الحقّ، فيدعوه المسلم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ليحاكمه إليه، فيأبي المنافق ويدعوه إلى الطاغوت. قال ابن جريج :قال مجاهد :الطاغوت :كعب بن الأشرف.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال :سمعت أبا معاذ يقول :أخبرنا عبيد بن سليمان، قال :سمعت الضحاك يقول في قوله : ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ ﴾ هو كعب بن الأشرف.
وقد بينا معنى الطاغوت في غير هذا الموضع، فكرهنا إعادته.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىَ مَآ أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدّونَ عَنكَ صُدُوداً ﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه :ألم تر يا محمد إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك من المنافقين، وإلى الذي يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قبلك من أهل الكتاب، يريدون أن يتحاكموا إلى الطّاغوت، ﴿ وإذَا قِيلَ لهم تَعَالوْا إلى ما أَنْزَلَ الله ﴾ يعني بذلك :وإذا قيل لهم :تعالوا هلموا إلى حكم الله الذي أنزله في كتابه، ﴿ وإلى الرّسُولِ ﴾ ليحكم بيننا، ﴿ رَأَيْتَ المُنَافِقِينَ يَصُدّونَ عَنْكَ ﴾ يعني بذلك :يمتنعون من المصير إليك لتحكم بينهم، ويمنعون من المصير إليك كذلك غيرهم صدودا.
وقال ابن جريج في ذلك بما :
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج : ﴿ وَإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللّهُ وَإلى الّرسُولِ ﴾ قال :دعا المسلم المنافق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم، قال :رأيت المنافقين يصدّون عنك صدودا.
وأما على تأويل قول من جعل الداعي إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم اليهوديّ والمدعو إليه المنافق على ما ذكرت من أقوال من قال ذلك في تأويل قوله : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أنّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ فإنه على ما بينت قبل.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مّصِيبَةٌ بِمَا قَدّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً ﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه :فكيف بهؤلاء الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وهم يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ﴿ إذَا أصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ ﴾ يعني :إذا نزلت بهم نقمة من الله، ﴿ بِمَا قَدّمَتْ أيْدِيهِمْ ﴾ يعني :بذنوبهم التي سلفت منهم، ﴿ ثُمّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بالله ﴾ يقول :ثم جاءوك يحلفون بالله كذبا وزُورا، ﴿ إنْ أَرَدْنا إلاّ إحْسَانا وَتَوْفِيقا ﴾. وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المنافقين أنهم لا يردعهم عن النفاق العبر والنقم، وأنهم وإن تأتهم عقوبة من الله على تحاكمهم إلى الطاغوت، لم يُنيبوا ولم يتوبوا، ولكنهم يحلفون بالله كذبا وجرأة على الله ما أردنا باحتكامنا إليه إلا الإحسان من بعضنا إلى بعض، والصواب فيما احتكمنا فيه إليه.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ أُولََئِكَ الّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لّهُمْ فِيَ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ أولئك ﴾ هؤلاء المنافقون الذين وصفت لك يا محمد صفتهم، يعلم الله مّا في قلوبهم في احتكامهم إلى الطاغوت، وتركهم الاحتكام إليك، وصدودهم عنك من النفاق والزيغ، وإن حلفوا بالله ما أردنا إلا إحسانا وتوفيقا، ﴿ فأعْرِضْ عَنْهُمْ وعِظْهُمْ ﴾ يقول :فدعهم فلا تعاقبهم في أبدانهم وأجسامهم، ولكن عظهم بتخويفك إياهم بأس الله أن يحلّ بهم، وعقوبته أن تنزل بدارهم، وحَذّرْهُمْ من مكروه ما هم عله من الشكّ في أمر الله وأمر رسوله. ﴿ وقُلْ لَهُمْ في أَنْفُسَهِمْ قَوْلاً بَلِيغا ﴾ يقول :مرهم باتقاء الله والتصديق به وبرسوله ووعده ووعيده.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رّسُولٍ أِلاّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنّهُمْ إِذ ظّلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوّاباً رّحِيماً ﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه :لم نرسل يا محمد رسولاً إلا فرضت طاعته على من أرسلته إليه، يقول تعالى ذكره :فأنت يا محمد من الرسل الذين فرضت طاعتهم على من أرسلته إليه. وإنما هذا من الله توبيخ للمحتكمين من المنافقين الذين كانوا يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما اختصموا فيه إلى الطاغوت، صدودا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول لهم تعالى ذكره :ما أرسلت رسولاً إلا فرضت طاعته على من أرسلته إليه، فمحمد صلى الله عليه وسلم من أولئك الرسل، فمن ترك طاعته والرضا بحكمه واحتكم إلى الطاغوت، فقد خالف أمري وضيع فرضي. ثم أخبر جلّ ثناؤه أن من أطاع رسله، فإنما يطيعهم بإذنه، يعني بتقديره ذلك وقضائه السابق في علمه ومشيئته. كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، في قول الله : ﴿ إلاّ لِيُطاعَ بإذْنِ اللّهِ ﴾ واجب لهم أن يطيعه من شاء الله، ولا يطيعهم أحد إلا بإذن الله.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني المثنى، قال :حدثنا سويد بن نصر، قال :أخبرنا ابن المبارك، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
وإنما هذا تعريض من الله تعالى ذكره لهؤلاء المنافقين بأن تركهم طاعة الله وطاعة رسوله والرضا بحكمه، إنما هو للسابق لهم من خذلانه وغلبة الشقاء عليهم، ولولا ذلك لكانوا ممن أذن له في الرضا بحكمه والمسارعة إلى طاعته.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وَلَوْ أنّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّابا رَحِيما ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه :ولو أن هؤلاء المنافقين الذين وصف صفتهم في هاتين الاَيتين، الذين إذا دعوا إلى حكم الله وحكم رسوله صدّوا صدودا، إذ ظلموا أنفسهم باكتسابهم إياها العظيم من الإثم في احتكامهم إلى الطاغوت وصدودهم عن كتاب الله وسنة رسوله، إذا دعوا إليها جاءوك يا محمد حين فعلوا ما فعلوا من مصيرهم إلى الطاغوت راضين بحكمه دون حكمك، جاءوك تائبين منيبين، فسألوا الله أن يصفح لهم عن عقوبة ذنبهم بتغطيته عليهم، وسأل لهم الله رسوله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك. وذلك هو معنى قوله : ﴿ فاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرّسُولُ ﴾.
وأما قوله : ﴿ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّابا رَحِيما ﴾ فإنه يقول :لو كانوا فعلوا ذلك فتابوا من ذنوبهم لوجدوا الله توّابا، يقول :راجعا لهم مما يكرهون إلى ما يحبون، رحيما بهم في تركه عقوبتهم على ذنبهم الذي تابوا منه. وقال مجاهد :عني بذلك :اليهودي والمسلم اللذان تحاكما إلى كعب بن الأشرف.
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : ﴿ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾. . . إلى قوله : ﴿ وَيُسَلّمُوا تَسْلِيما ﴾ قال :إن هذا في الرجل اليهودي والرجل المسلم اللذين تحاكما إلى كعب بن الأشرف.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتّىَ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لاَ يَجِدُواْ فِيَ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مّمّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً ﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ فلا ﴾ فليس الأمر كما يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إليك، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدّون عنك إذا دعو إليك يا محمد. واستأنف القسَمَ جلّ ذكره، فقال : ﴿ وَربّكَ ﴾ يا محمد ﴿ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ أي لا يصدّقون بي وبك، وبما أنزل إليك، ﴿ حَتّى يُحَكّمُوكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ يقول :حتى يجعلوك حكما بينهم فيما اختلط بينهم من أمورهم، فالتبس عليهم حكمه، يقال :شَجَرَ يشجُر شُجُورا وشَجْرا، وتشاجر القوم إذا اختلفوا في الكلام والأمر مشاجرة وشِجَارا ﴿ ثُم لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجا مما قَضَيْتَ ﴾ يقول :لا يجدوا في أنفسهم ضيقا مما قضيت، وإنما معناه :ثم لا تحرج أنفسهم مما قضيت :أي لا تأثم بإنكارها ما قضيت وشكها في طاعتك وأن الذي قضيت به بينهم حق لا يجوز لهم خلافه. كما :
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ حَرَجا مما قَضَيْتَ ﴾ قال :شكّا.
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله : ﴿ حَرَجا مما قَضَيْتَ ﴾ يقول :شَكّا.
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، قال :حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال :أخبرنا يزيد، قال :أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله : ﴿ ثُمّ لا يَجِدُوا فِي أنْفُسهِمْ حَرَجا مِمّا قَضَيْتَ ﴾ قال :إثما ﴿ وَيُسَلّمُوا تَسْلِيما ﴾ يقول :ويسلموا لقضائك وحكمك، إذعانا منهم بالطاعة، وإقرارا لك بالنبوّة تسليما.
واختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الاَية وفيمن نزلت، فقال بعضهم :نزلت في الزبير بن العوّام وخصم له من الأنصار، اختصما إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور. ذكر الرواية بذلك :
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :أخبرني يونس والليث بن سعد، عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير حدثه، أن عبد الله بن الزبير حدثه، عن الزبير بن العوّام :أنه خاصم رجلاً من الأنصار قد شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من الحرّة كانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاريّ :سرّح الماء يمرّ ! فأبي عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اسْق يا زُبَيْرُ ثُمّ أرْسِل المَاءَ إلى جاركَ ! » فغضب الأنصاريّ وقال :يا رسول الله، أن كان ابن عمتك ؟ فتلوّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال : «اسْق يا زُبَيْرُ ثُمّ احْبِسِ المَاءَ حتى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ ثُمّ أرْسِلِ المَاءَ إلى جارِكَ ! » واستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه قال أبو جعفر :والصواب : «استوعب ». وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه الشفقة له وللأنصاريّ، فلما أحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصاري استوعب للزبير حقه في صريح الحكم. قال :فقال الزبير :ما أحسب هذه الاَية نزلت إلا في ذلك : ﴿ فَلا وَرَبّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾. . . الاَية.
حدثني يعقوب، قال :حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، قال :خاصم الزبير رجل من الأنصار في شرج من شراج الحرّة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يا زُبَيْرُ، اشْرَبْ ثُمّ خَلّ سَبِيلَ المَاءِ ! » فقال الذي من الأنصار :اعدل يا نبيّ الله وإن كان ابن عمتك ! قال :فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف أن قد ساءه ما قال، ثم قال : «يا زُبَيْرُ احْبِس المَاءَ إلى الجُدُر أوْ إلى الكَعْبَيْن، ثُمّ خَلّ سَبِيلَ المَاء ! »، قال :ونزلت : ﴿ فَلا وَرَبّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾.
حدثني عبد الله بن عمير الرازي، قال :حدثنا عبد الله بن الزبير، قال :حدثنا سفيان، قال :حدثنا عمرو بن دينار، عن سلمة رجل من ولد أمّ سلمة، عن أمّ سلمة :أن الزبير خاصم رجلاً إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير، فقال الرجل لما قضى للزبير :أن كان ابن عمتك ؟ فأنزل الله : ﴿ فَلا وَرَبّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لا يَجِدُوا فِي أنْفُسهِمْ حَرَجا ممّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُوا تَسْلِيما ﴾.
وقال آخرون :بل نزلت هذه الاَية في المنافق واليهودي اللذين وصف الله صفتهما في قوله : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أنّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكع يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ ﴾. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : ﴿ فَلا وَرَبّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لا يَجِدُوا فِي أنْفُسِهِمْ حَرَجا مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُوا تَسْلِيما ﴾ قال :هذا الرجل اليهودي والرجل المسلم اللذان تحاكما إلى كعب بن الأشرف.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني يعقوب، قال :حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي بنحوه، إلا أنه قال :إلى الكاهن.
قال أبو جعفر :وهذا القول أعني قول من قال :عني به المحتكمان إلى الطاغوت اللذان وصف الله شأنهما في قوله : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أنّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَما أنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ أولى بالصواب، لأن قوله¹ ﴿ فَلا وَرَبّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ في سياق قصة الذين ابتدأ اللّه الخبر عنهم بقوله : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أنّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾، ولا دلالة تدلّ على انقطاع قصتهم، فإلحاق بعض ذلك ببعض ما لم تأت دلالة على انقطاعه أَوْلَى.
فإن ظنّ ظانّ أن في الذي رُوي عن الزبير وابن الزبير من قصته وقصة الأنصاري في شراج الحرّة، وقول من قال في خبرهما، فنزلت : ﴿ فَلا ورَبّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ ما ينبيء عن انقطاع حكم هذه الاَية وقصتها من قصة الاَيات قبلها، فإنه غير مستحيل أن تكون الاَية نزلت في حصة المحتكمين إلى الطاغوت، ويكون فيها بيان ما احتكم فيه الزبير وصاحبه الأنصاريّ، إذ كانت الاَية دالة على ذك. وإذ كان ذلك غير مستحيل، كان إلحاق معنى بعض ذلك ببعض أولى ما دام الكلام متسقة معانيه على سياق واحد، إلا أن تأتي دلالة على انقطاع بعض ذلك من بعض، فيعدل به عن معنى ما قبله. وأما قوله : ﴿ وَيُسَلّمُوا ﴾ فإنه منصوب عطفا على قوله : ﴿ ثُمّ لا يَجِدُوا فِي أنْفُسِهِمْ ﴾. قوله : ﴿ ثُمّ لا يَجِدُوا فِي أنْفُسِهِمْ ﴾ نصب عطفا على قوله : ﴿ حتى يُحكّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهمْ ﴾.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَلَوْ أَنّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوَاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مّا فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ وَلَوْ أَنّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لّهُمْ وَأَشَدّ تَثْبِيتاً ﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْكُمْ أن اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ :ولو أنا فرضنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك المحتكمين إلى الطاغوت أن يقتلوا أنفسهم، وأمرناهم بذلك، أو أن يخرجوا من ديارهم مهاجرين منها إلى دار أخرى سواها ما فعلوه، يقول :ما قتلوا أنفسهم بأيديهم، ولا هاجروا من ديارهم فيخرجوا عنها إلى الله ورسوله طاعة لله ولرسوله، إلا قليل منهم.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى : ﴿ وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ هم يهود يعني :والعرب كما أمر أصحاب موسى عليه السلام.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ أوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ﴾ كما أمر أصحاب موسى أن يقتل بعضهم بعضا بالخناجر لم يفعلوا إلا قليل منهم.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ وَلَوْ أنّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ أوِ اخْرُجُوا مِنْ دِياركُمْ ما فَعَلُوهُ إلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ ﴾ افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من يهود، فقال اليهودي :والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم، فقتلنا أنفسنا ! فقال ثابت :والله لو كتب علينا أن اقتلوا أنفسكم لقتلنا أنفسنا ! فأنزل الله في هذا : ﴿ وَلَوْ أنّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرا لَهُمْ وأشَدّ تَثْبِيتا ﴾.
حدثني المثنى، قال :حدثنا إسحاق، قال :حدثنا أبو زهير، عن إسماعيل، عن أبي إسحاق السبيعي، قال :لما نزلت : ﴿ وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ أوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ ﴾ قال رجل :لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا ! فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال : «إنّ مِنْ أُمّتِي لَرِجالاً الإيمَانُ أثْبَتُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الجِبالِ الرّوَاسِي ».
واختلف أهل العربية في وجه الرفع في قوله : ﴿ إلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ ﴾ فكان بعض نحويي البصرة يزعم أنه رفع «قليل » لأنه جعل بدلاً من الأسماء المضمرة في قوله : ﴿ ما فَعَلُوهُ ﴾ لأن الفعل لهم. وقال بعض نحويي الكوفة :إنما رفع على نية التكرير، كأن معناه :ما فعلوه ما فعله إلا قليل منهم، كما قال عمرو بن معد يكرب :
وكُلّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ***لَعَمْرُ أبيكَ إلاّ الفَرْقَدَانَ
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال :رفع «القليل » بالمعنى الذي دلّ عليه قوله : ﴿ ما فَعَلُوهُ إلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ ﴾ وذلك أن معنى الكلام :ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعله إلا قليل منهم. فقيل : «ما فعلوه » على الخبر عن الذين مضى ذكرهم في قوله : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أنّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾، ثم استثنى القليل، فرُفع بالمعنى الذي ذكرنا، إذ كان الفعل منفيّا عنه. وهي في مصاحف أهل الشام : «ما فَعَلُوهُ إلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ ». وإذا قرىء كذلك، فلا مردّ به على قارئه في إعرابه، لأنه المعروف في كلام العرب، إذ كان الفعل مشغولاً بما فيه كناية من قد جرى ذكره، ثم استثني منهم القليل.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وَلَوْ أنّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرا لَهُمْ وأشَدّ تَثْبِيتا ﴾.
يعني جلّ ثناؤه بذلك :ولو أن هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدّون عنك صدودا، ﴿ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ ﴾ يعني :ما يذكرون به من طاعة الله والانتهاء إلى أمره، ﴿ لَكَانَ خَيْرا لهم ﴾ في عاجل دنياهم وآجل معادهم، ﴿ وأشَدّ تَثْبِيتا ﴾ وأثبت لهم في أمورهم، وأقوم لهم عليها. وذلك أن المنافق يعمل على شكّ، فعمله يذهب باطلاً، وغناؤه يضمحلّ فيصير هباء، وهو بشكه يعمل على وناء وضعف، ولو عمل على بصيرة لاكتسب بعمله أجرا ولكان له عند الله ذخرا وكان على عمله الذي يعمل أقوى لنفسه وأشدّ تثبيتا لإيمانه بوعد الله على طاعته وعمله الذي يعمله. ولذلك قال من قال :معنى قوله : ﴿ وأشَدّ تَثْبِيتا ﴾ :تصديقا. كما :
حدثني محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ لَكانَ خَيْرا لَهُمْ وأشَدّ تَثْبِيتا ﴾ قال :تصديقا، لأنه إذا كان مصدّقا كان لنفسه أشدّ تثبيتا ولعزمه فيه أشدّ تصحيحا.
وهو نظير قوله جلّ ثناؤه : ﴿ وَمَثَلُ الّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضَاةِ اللّهِ وَتَثْبِيتا مِنْ أنْفُسِهِمْ ﴾ وقد أتينا على بيان ذلك في موضعه بما فيه كفاية من إعادته.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَإِذاً لآتيناهم مّن لدنا أَجْراً عَظِيماً * لهديناهم صِرَاطاً مّسْتَقِيماً ﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه : ﴿ ولَوْ أنّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرا لَهُمْ ﴾ لإيتائنا إياهم على فعلهم ما وعظوا به من طاعتنا والانتهاء إلى أمرنا ﴿ أَجْرا ﴾ يعني :جزاء وثوابا عظيما، وأشدّ تثبيتا لعزائمهم وآرائهم، وأقوى لهم على أعمالهم لهدايتنا إياهم صراطا مستقيما، يعني :طريقا لا اعوجاج فيه، وهو دين الله القويم الذي اختاره لعباده وشرعه لهم، وذلك الإسلام.
ومعنى قوله : ﴿ وَلَهَدَيْناهُمْ ﴾ ولوفقناهم للصراط المستقيم.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٧: القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَإِذاً لآتيناهم مّن لدنا أَجْراً عَظِيماً * لهديناهم صِرَاطاً مّسْتَقِيماً ﴾..
يعني بذلك جلّ ثناؤه : ﴿ ولَوْ أنّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرا لَهُمْ ﴾ لإيتائنا إياهم على فعلهم ما وعظوا به من طاعتنا والانتهاء إلى أمرنا ﴿ أَجْرا ﴾ يعني :جزاء وثوابا عظيما، وأشدّ تثبيتا لعزائمهم وآرائهم، وأقوى لهم على أعمالهم لهدايتنا إياهم صراطا مستقيما، يعني :طريقا لا اعوجاج فيه، وهو دين الله القويم الذي اختاره لعباده وشرعه لهم، وذلك الإسلام.
ومعنى قوله : ﴿ وَلَهَدَيْناهُمْ ﴾ ولوفقناهم للصراط المستقيم.

ثم ذكر جلّ ثناؤه ما وعد أهل طاعته وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام من الكرامة الدائمة لديه والمنازل الرفيعة عنده. فقال :وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرّسُولَ فَأُولَئكَ مَعَ الّذِينَ أنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النّبِيّينَ وَالصّدّيقِينَ والشّهَداءِ وَالصّالِحينَ }. . . الاَية.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرّسُولَ فَأُوْلََئِكَ مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مّنَ النّبِيّينَ وَالصّدّيقِينَ وَالشّهَدَآءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولََئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَىَ بِاللّهِ عَلِيماً ﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه :ومن يطع الله والرسول بالتسليم لأمرهما، وإخلاص الرضا بحكمهما، والانتهاء إلى أمرهما، والانزجار عما نهيا عنه من معصية الله، فهو مع الذين أنعم الله عليهم بهدايته والتوفيق لطاعته في الدنيا من أنبيائه وفي الاَخرة إذا دخل الجنة. ﴿ والصّدّيقِينَ ﴾ وهم جمع صدّيق.
واختلف في معنى الصدّيقين، فقال بعضهم :الصدّيقون :تُبّاعُ الأنبياء الذين صدّقوهم واتبعوا منهاجهم بعدهم حتى لحقوا بهم. فكأن «الصدّيق فعيل » على مذهب قائلي هذه المقالة من الصدق، كما يقال رجل سكّير من السكر، إذا كان مدمنا على ذلك، وشِرّيب وخِمّير.
وقال آخرون :بل هو فعيل من الصدقة. وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو تأويل من قال ذلك¹ وهو ما :
حدثنا به سفيان بن وكيع، قال :حدثنا خالد بن مخلد، عن موسى بن يعقوب، قال :أخبرتني عمتي قريبة بنت عبد الله بن وهب بن زمعة، عن أمها كريمة بنت المقداد، عن ضباعة بنت الزبير، وكانت تحت المقداد عن المقداد، قال :قلت للنبيّ صلى الله عليه وسلم :شيء سمعته منكْ شككت فيه ! قال : «إذَا شَكّ أَحَدُكُمْ فِي الأمْرِ فَلْيَسأَلْني عنه ! » قال :قلت قولك في أزواجك :إني لأرجو لهنّ من بعدي الصدّيقين ؟ قال : «مَنْ تَعْنُونَ الصّدّيقين ؟ » قلت :أولادنا الذين يهلكون صغارا. قال : «لا، وَلِكنِ الصّدّيقين هُمُ المُصَدّقُونَ ».
وهذا خبر لو كان إسناده صحيحا لم نستجز أن نعدوه إلى غيره، ولو كان في إسناده بعض ما فيه. فإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بالصدّيق أن يكون معناه المصدّق قوله بفعله، إذ كان الفعيل في كلام العرب إنما يأتي إذا كان مأخوذا من الفعل بمعنى المبالغة، إما في المدح وإما في الذمّ، ومنه قوله جلّ ثناؤه في صفة مريم : ﴿ وأمّهُ صِدّيقَةٌ ﴾. وإذا كان معنى ذلك ما وصفنا، كان داخلاً من كان موصوفا بما قلنا في صفة المتصدّقين والمصدّقين¹ ﴿ والشّهَدَاءِ ﴾ وهم جمع شهيد :وهو المقتول في سبيل الله، سمي بذلك لقيامه بشهادة الحقّ في جنب الله حتى قتل. ﴿ والصّالِحِينَ ﴾ وهم جمع صالح :وهو كلّ من صلحت سريرته وعلانتيه.
وأما قوله جلّ ثناؤه : ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقا ﴾ فإنه يعني :وحسن هؤلاء الذين نعتهم ووصفهم رفقاء في الجنة. والرفيق في لفظ الواحد بمعنى الجميع، كما قال الشاعر :
نَصَبْنَ الهَوَى ثُمّ ارْتَمَيْنَ قُلوبَنا ***بأسْهُمِ أعْدَاءٍ وَهُن صَدِيقُ
بمعنى :وهنّ صدائق. وأما نصيب «الرفيق » فإن أهل العربية مختلفون فيه، فكان بعض نحويي البصرة يرى أنه منصوب على الحال، ويقول :هو كقول الرجل :كرم زيد رجلاً، ويعدل به عن معنى :نعم الرجل، ويقول :إنّ نعم لا تقع إلى على اسم فيه ألف ولام أو على نكرة. وكان بعض نحويي الكوفة يرى أنه منصوب على التفسير وينكر أن يكون حالاً، ويستشهد على ذلك بأن العرب تقول :كرم زيد من رجل، وحسن أولئك من رفقاء¹ وأن دخول «مِن » دلالة على أن الرفيق مفسره. قال :وقد حكي عن العرب :نعمتم رجالاً، فدلّ على أن ذلك نظير قوله :وحَسنُتم رفقاء. وهذا القول أولى بالصواب للعلة التي ذكرنا لقائليه. وقد ذكر أن هذه الاَية نزلت لأن قوما حزنوا على فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم حذرا أن لا يروه في الاَخرة. ذكر الرواية بذلك :
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، قال :جاء رجل من الأنصار إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو محزون، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم : «يا فُلانُ مالي أرَاكَ مَحْزُونا » ؟ قال :يا نبيّ الله شيء فكرت فيه. فقال : «ما هُوَ ؟ » قال :نحن نغدو عليك ونروح، ننظر في وجهك ونجالسك، غدا ترفع مع النبيين فلا تصل إليك ! فلم يردّ النبيّ صلى الله عليه وسلم شيئا. فأتاه جبريل عليه السلام بهذه الاَية :{ وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الّذِينَ أنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النّبِيّينَ وَالصّديقِينَ وَالشّهَدَاءِ وَالصّالِحينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقا قال :فبعث إليه النبيّ صلى الله عليه وسلم فبشّره.
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال :قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم :يا رسول الله ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا، فإنك لو قد متّ رُفعت فوقنا فلم نرك ! فأنزل الله : ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرّسُولَ ﴾. . . الاَية.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللّه وَالرّسُلَ فَأُولَئِكَ مَعَ الّذِينَ أنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النّبِيّينَ ﴾ ذكر لنا أن رجالاً قالوا :هذا نبيّ الله نراه في الدنيا، فأما في الاَخرة فيرفع فلا نراه ! فأنزل الله : ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرّسُولَ ﴾. . . إلى قوله : ﴿ رَفِيقا ﴾.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الّذِينَ أنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ ﴾. . . الاَية، قال :قال ناس من الأنصار :يا رسول الله، إذا أدخلك الله الجنة فكنت في أعلاها ونحن نشتاق إليك، فكيف نصنع ؟ فأنزل الله : ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرّسُولَ ﴾.
حدثني المثنى، قال :حدثنا إسحاق، قال :حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله : ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ والرّسُولَ ﴾. . . الاَية، قال :إن أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم قالوا :قد علمنا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم له فضل على من آمن به في درجات الجنة ممن اتبعه وصدّقه، فكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضا ؟ فأنزل الله في ذلك فقال :إن الأعلين ينحدرون إلى من هم أسفل فيجتمعون في رياضها، فيذكرون ما أنعم الله عليهم، ويُثْنون عليه، وينزل لهم أهل الدرجات، فيسعون عليهم بما يشتهون وما يدّعون به، فهم في روضة يحبرون ويتنعمون فيه.
وأما قوله : ﴿ ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللّهَ ﴾ فإنه يقول :كون من أطاع الله والرسول مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، ﴿ الفَضْلُ مِنَ الله ﴾ يقول ذلك عطاء الله إياهم وفضله عليهم، لا باستجابهم ذلك لسابقة سبقت لهم.
فإن قال قائل :أو ليس بالطاعة وصلوا إلى ما وصلوا إليه من فضله ؟ قيل له :إنهم لم يطيعوه في الدنيا إلا بفضله الذي تفضل به عليهم فهداهم به لطاعته، فكل ذلك فضل منه تعالى ذكره.
وقوله : ﴿ وكَفَى باللّهِ عَلِيما ﴾ يقول :وحسب العباد بالله الذي خلقهم عليما بطاعة المطيع منهم ومعصية العاصي، فإنه لا يَخْفَى عليه شيء من ذلك ولكنه يحصيه عليهم ويحفظه حتى يجازي جميعهم، فيجزي المحسن منهم بالإحسان، والمسيء منهم بالإساءة، ويعفو عمن شاء من أهل التوحيد.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُواْ جَمِيعاً ﴾. .
يعني بقوله جلّ ثناؤه : ﴿ يا أيّها الذين آمَنُوا ﴾ صدّقوا الله ورسوله، ﴿ خُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ :خذوا جُنتكم وأسلحتكم التي تتقون بها من عدوّكم لغزوهم وحربهم. ﴿ فانْفِرُوا ﴾ إليهم ﴿ ثُباتٍ ﴾ وهي جمع ثبة، والثبة :العصبة¹ ومعنى الكلام :فانفروا إلى عدوّكم جماعة بعد جماعة متسلحين، ومن الثّبة قول زهير :
وَقدْ أغْدُوا على ثُبَةٍ كِرَامٍ ***نَشاوَى وَاجِدينَ لِمَا نَشاءُ
وقد تجمع الثبة على ثُبِين.
﴿ أوِ انْفِرُوا جَمِيعا ﴾ يقول :أو انفروا جميعا مع نبيكم صلى الله عليه وسلم لقتالهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :حدثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ خُذُوا حِذْرَكُمْ فانْفِرُوا ثُباتٍ ﴾ يقول :عصبا، يعني :سرايا متفرّقين، { أوِ انْفِرُوا جَمِيعا يعني كلكم.
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : ﴿ فانْفِرُوا ثُباتٍ ﴾ قال :فرقا قليلاً قليلاً.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ فانْفِرُوا ثُباتٍ ﴾ قال :الثبات :الفرق.
حدثنا الحسين بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.
حدثني محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ فانْفِرُوا ثُباتٍ ﴾ فهي العصبة، وهي الثبة. ﴿ أوِ انْفِرُوا جَمِيعا ﴾ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال :سمعت أبا معاذ، يقول :أخبرنا عبيد بن سليمان، قال :سمعت الضحاك يقول في قوله : ﴿ فانْفِرُوا ثُباتٍ ﴾ يعني :عصبا متفرّقين.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَإِنّ مِنْكُمْ لَمَن لّيُبَطّئَنّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مّعَهُمْ شَهِيداً ﴾. .
وهذا نعت من الله تعالى ذكره للمنافقين، نعتهم لنبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه ووصفهم بصفتهم، فقال : ﴿ وإنّ مِنْكُمْ ﴾ أيها المؤمنون، يعني :من عدادكم وقومكم ومن يتشبه بكم ويظهر أنه من أهل دعوتكم وملتكم، وهو منافق يبطىء من أطاعه منكم عن جهاد عدوّكم وقتالهم إذا أنتم نفرتم إليهم. ﴿ فإنْ أصَابَتْكُمْ مُصِيَبةٌ ﴾ يقول :فإن أصابتكم هزيمة، أو نالكم قتل أو جراح من عدوّكم، قال :قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيدا، فيصيبني جراح أو ألم أو قتل، وسرّه تخلفه عنكم شماتة بكم، لأنه من أهل الشكّ في وعد الله الذي وعد المؤمنين على ما نالهم في سبيله من الأجر والثواب وفي وعيده، فهو غير راج ثوابا ولا خائف عقابا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : ﴿ وَإنّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطّئَنّ فَإنْ أصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ﴾. . . إلى قوله : ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرا عَظِيما ﴾ ما بين ذلك في المنافقين.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة : ﴿ وَإنّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطّئَنّ ﴾ عن الجهاد والغزو في سبيل الله. ﴿ فَإنْ أصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قال قَدْ أنْعَمَ اللّهُ عليّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدا ﴾ قال :هذا قول مكذّبٍ.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا حجاج، قال :قال ابن جريج :المنافق يبطىء المسلمين عن الجهاد في سبيل الله، قال الله : ﴿ فَإنْ أصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ﴾ قال :بقتل العدوّ من المسلمين، ﴿ قَالَ قَدْ أنْعَمَ اللّهُ عَليّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدا ﴾ قال :هذا قول الشامت.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ فَإنْ أصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ﴾ قال :هزيمة.
ودخلت اللام في قوله ﴿ لَمَنْ ﴾ وفتحت لأنها اللام التي تدخل توكيدا للخبر مع «إن »، كقول القائل :إن في الدار لمن يكرمك، وأما اللام الثانية التي في : ﴿ لَيُبَطَّئَنّ ﴾ فدخلت لجواب القسم، كأن معنى الكلام :وإن منكم أيها القوم لمن والله لبطئن.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله لَيَقُولَنّ كَأَن لّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدّةٌ يَلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾. .
يقول جلّ ثناؤه : ﴿ وَلَئِنْ أصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللّهِ ﴾ :ولئن أظفركم الله بعدوّكم، فأصبتم منهم غنيمة¹ ﴿ لَيَقُولَنّ ﴾ هذا المبطىء المسلمين عن الجهاد معكم في سبيل الله المنافق ﴿ كأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَودّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأفُوزَ ﴾ بما أصيب معهم من الغنيمة ﴿ فَوْزا عَظِيما ﴾. وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المنافقين أن شهودهم الحرب مع المسلمين إن شهدوها لطلب الغنيمة، وإن تخلفوا عنها فللشكّ الذي في قوبلهم، وأنهم لا يرجون لحضورها ثوابا ولا يخافون بالتخلف عنها من الله عقابا. وكان قتادة وابن جريج يقولان :إنما قال من قال من المنافقين إذا كان الظفر للمسلمين :يا ليتني كنت معهم، حسدا منهم لهم.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ وَلَئِنْ أصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللّهِ لَيَقُولَنّ كأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فأفُوزَ فَوْزا عَظِيما ﴾ قال :قول حاسد.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله : ﴿ وَلَئِنْ أصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللّهِ ﴾ قال :ظهور المسلمين على عدوّهم، فأصابوا الغنيمة ﴿ لَيَقُولَنّ ﴾ ﴿ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأفُوزَ فَوْزا عَظِيما ﴾ قال :قول الحاسد.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدّنْيَا بِالاَخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾. .
وهذا حضّ من الله المؤمنين على جهاد عدوّه من أهل الكفر به على أحايينهم غالبين كانوا أو مغلوبين، والتهاون بأحوال المنافقين في جهاد من جاهدوا من المشركين، وقع جهادهم إياهم مغلوبين كانوا أو غالبين¹ منزلة من الله رفيعة. يقول الله لهم جلّ ثناؤه : ﴿ فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ﴾ يعني :في دين الله والدعاء إليه والدخول فيما أمر به أهل الكفر به، ﴿ الّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدّنْيا بالاَخِرَةِ ﴾ يعني :الذين يبيعون حياتهم الدنيا بثواب الاَخرة وما وعد الله أهل طاعته فيها. وبيعهم إياها بها، إنفاقهم أموالهم في طلب رضا الله، كجهاد من أمر بجهاده من أعدائه وأعداء دينه، وبذلهم مهجهم له في ذلك. أخبر جلّ ثناؤه بما لهم في ذلك إذا فعلوه، فقال : ﴿ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيْقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرا عَظِيما ﴾ يقول :ومن يقاتل في طلب إقامة دين الله وإعلاء كلمة الله أعداء الله، فيقتل، يقول :فيقتله أعداء الله أو يغلبهم، فيظفر بهم¹ ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرا عَظِيما ﴾ يقول :فسوف نعطيه في الاَخرة ثوابا وأجرا عظيما. وليس لما سمي جلّ ثناؤه عظيما مقدار يعرف مبلغه عباد الله. وقد دللنا على أن الأغلب على معنى «شريت » في كلام العرب «بعت » بما أغنى. وقد :
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدّنْيا بالاَخِرَةِ ﴾ يقول :يبيعون الحياة الدنيا بالاَخرة.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد : ﴿ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدّنْيَا بالاَخِرَةِ ﴾ فيشري :يبيع، ويشري :يأخذ، وإن الحمقى باعوا الدنيا بالاَخرة.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجَالِ والنساء وَالْوِلْدَانِ الّذِينَ يَقُولُونَ ربَنا أَخْرِجْنَا مِنْ هََذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لّنَا مِن لّدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لّنَا مِن لّدُنْكَ نَصِيراً ﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه :وما لكم أيها المؤمنون لا تقاتلون في سبيل الله، وفي المستضعفين، يقول :عن المستضعفين منكم من الرجال والنساء والولدان. فأما من الرجال فإنهم كانوا قد أسلموا بمكة، فغلبتهم عشائرهم على أنفسهم بالقهر لهم وآذوهم ونالوهم بالعذاب والمكاره في أبدانهم، ليفتنوهم عن دينهم. فحضّ الله المؤمنين على استنقاذهم من أيدي من قد غلبهم على أنفسهم من الكفار، فقال لهم :وما شأنكم لا تقاتلون في سبيل الله وعن مستضعفي أهل دينكم وملتكم الذين قد استضعفهم الكفار فاستذلوهم ابتغاء فتنتهم وصدّهم عن دينهم من الرجال والنساء ؟ والولدان جمع ولد :وهم الصبيان. ﴿ الّذِينَ يَقُولونَ رَبّنا أخْرِجْنا مِنَ هذهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها ﴾ يعني بذلك أن هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان يقولون في دعائهم ربهم بأن ينجيهم من فتنة من قد استضعفهم من المشركين :يا ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها والعرب تسمي كلّ مدينة قرية يعني :التي قد ظلمتنا وأنفسها وأهلها. وهي في هذا الموضع فيما فسر أهل التأويل مكة وخفض الظالم، لأنه من صفة الأهل، وقد عادت الهاء والألف اللتان فيه على القرية، وكذلك تفعل العرب إذا تقدمت صفة الاسم الذي معه عائد لاسم قبلها أتبعت إعرابها إعراب الاسم الذي قبلها كأنها صفة له، فتقول :مررت بالرجل الكريم أبوه. ﴿ وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّا ﴾ يعني أنهم يقولون أيضا في دعائهم :يا ربنا واجعل لنا من عندك وليّا، يلي أمرنا بالكفاية مما نحن فيه من فتنة أهل الكفر بك. ﴿ وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصيرا ﴾ يقولون :واجعل لنا من عندك من ينصرنا على من ظلمنا من أهل هذه القرية الظالم أهلها، بصدّهم إيانا عن سبيلك، حتى تظفرنا بهم ونُعلي دينك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : ﴿ مِنَ الرّجالِ والنّساءِ وَالوِلْدانِ الّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنا أخْرِجْنا مِنْ هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها ﴾ قال :أمر المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفي المؤمنين كانوا بمكة.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ وَالمْسْتَضْعفِينَ مِنَ الرّجالِ وَالنّساءِ والوِلْدانِ ﴾ الصبيان ﴿ الّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنا أخْرِجْنا مِنْ هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها ﴾ مكة، أمر المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفين مؤمنين كانوا بمكة.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجالِ والنّساءِ وَالوِلْدانِ الّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنا أخْرِجْنا مِنْ هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها ﴾ يقول :وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي المستضعفين، وأما القرية :فمكة.
حدثني المثنى، قال :حدثنا سويد بن نصر، قال :أخبرنا المبارك، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله : ﴿ وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ ﴾ قال :وفي المستضعفين.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، قال :أخبرني عبد الله بن كثير، أنه سمع محمد بن مسلم بن شهاب يقول : ﴿ وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجال وَالنّساءِ وَالوِلْدَانِ ﴾ قال :في سبيل الله وسبيل المستضعفين.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن الحسن وقتادة، في قوله : ﴿ أَخْرِجْنا مِنْ هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها ﴾ قالا :خرج رجل من القرية الظالمة إلى القرية الصالحة، فأدركه الموت في الطريق، فنأي بصدره إلى القرية الصالحة، فاحتجّت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمروا أن يقدّروا أقرب القريتين إليه، فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر. وقال بعضهم :قرّب الله إليه القرية الصالحة، فتوفته ملائكة الرحمة.
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : ﴿ وَالُمسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجالِ وَالنّساءِ وَالوِلْدانِ ﴾ هم أناس مسلمون كانوا بمكة لا يستطيعون أن يخرجوا منها ليهاجروا، فعذرهم الله، وفيهم نزل قوله : ﴿ رَبّنا أخْرِجْنا مِنْ هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها ﴾ فهي مكة.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجالِ والنّساءِ وَالوِلْدانِ الّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنا أخْرِجْنا مِنْ هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها ﴾ قال :وما لكم لا تفعلون، تقاتلون لهؤلاء الضعفاء المساكين الذين يدعون الله بأن يخرجهم من هذه القرية الظالم أهلها، فهم ليس لهم قوّة ؟ فما لكم لا تقاتلون حتى يسلم لله هؤلاء ودينهم ؟ قال :والقرية الظالم أهلها :مكة.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ الّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقَاتِلُوَاْ أَوْلِيَاءَ الشّيْطَانِ إِنّ كَيْدَ الشّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ﴾. .
يعني تعالى ذكره :الذين صدّقوا الله ورسوله وأيقنوا بموعود الله لأهل الإيمان به، ﴿ يقاتلونَ فِي سبيلِ اللّهِ ﴾ يقول :في طاعة الله ومنهاج دينه وشريعته التي شرعها لعباده. ﴿ وَالّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبيلِ الطّاغُوتِ ﴾ يقول :والذين جحدوا وحدانية الله وكذّبوا رسوله وما جاءهم به من عند ربهم، ﴿ يُقَاتِلُونَ في سَبِيلِ الّطاغُوتِ ﴾ يعني :في طاعة الشيطان وطريقه ومنهاجه الذي شرعه لأوليائه من أهل الكفر بالله. يقول الله مقوّيا عزم المؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحرّضهم على أعدائه وأعداء دينه من أهل الشرك به. ﴿ فَقاتِلُوا ﴾ أيها المؤمنون ﴿ أوْلِيَاءَ الشّيْطَانِ ﴾ يعني بذلك :الذين يتولونه ويطيعون أمره في خلاف طاعة الله والتكذيب به، وينصرونه. ﴿ وإنّ كيدَ الشّيْطَانِ كانَ ضعِيفا ﴾ يعني بكيده :ما كاد به المؤمنين من تحزيبه أولياءه من الكفار بالله على رسوله وأوليائه أهل الإيمان به. يقول :فلا تهابوا أولياء الشيطان، فإنما هم حزبه وأنصاره، وحزب الشيطان أهل وهن وضعف. وإنما وصفهم جلّ ثناؤه بالضعف، لأنهم لا يقاتلون رجاء ثواب، ولا يتركون القتال خوف عقاب، وإنما يقاتلون حمية أو حسدا للمؤمنين على ما آتاهم الله من فضله، والمؤمنون يقاتل من قاتل منهم رجاء العظيم من ثواب الله، ويترك القتال إن تركه على خوف من وعيد الله في تركه، فهو يقاتل على بصيرة بما له عند الله إن قتل، وبما له من الغنيمة والظفر إن سلم. والكافر يقاتل على حذر من القتل، وإياس من معاد، فهو ذو ضعف وخوف.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفّوَاْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلآ أَخّرْتَنَا إِلَىَ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدّنْيَا قَلِيلٌ والآخرة خَيْرٌ لّمَنِ اتّقَىَ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾. .
ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا قد آمنوا به وصدّقوه قبل أن يفرض عليهم الجهاد، وقد فرض عليهم الصلاة والزكاة، وكانوا يسألون الله أن يفرض عليهم القتال، فلما فرض عليهم القتال شقّ عليهم ذلك وقالوا ما أخبر عنهم في كتابه.
فتأويل قوله : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفّوا أيْدِيَكُمْ ﴾ :ألم تر بقلبك يا محمد فتعلم إلى الذين قيل لهم من أصحابك حين سألوك أن تسأل ربك أن يفرض عليهم القتال :كفوا أيديكم، فأمسكوها عن قتال المشركين وحربهم. ﴿ وَأقِيمُوا الصّلاةَ ﴾ يقول :وأدوا الصلاة التي فرضها الله عليكم بحدودها. ﴿ وآتُوا الزّكاةَ ﴾ يقول :وأعطوا الزكاة أهلها، الذين جعلها الله لهم من أموالكم، تطهيرا لأبدانكم وأموالكم¹ كرهوا ما أمروا به من كفّ الأيدي عن قتال المشركين، وشقّ ذلك عليهم. ﴿ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ ﴾ يقول :فلما فرض عليهم القتال الذي كانوا سألوا أن يفرض عليهم، ﴿ إذَا فرِيقٌ مِنْهُمْ ﴾ يعني :جماعة منهم ﴿ يَخْشَوْنَ النّاسَ ﴾ يقول :يخافون الناس أن يقاتلوهم، ﴿ كخَشْيَةِ اللّهِ أوْ أشَدّ خَشْيَةً ﴾ أو أشدّ خوفا. ﴿ وَقَالُوا ﴾ جزعا من القتال الذي فرض الله عليهم : ﴿ لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ ﴾ :لم فرضت علينا القتال، ركونا منهم إلى الدنيا، وإيثارا للدعة فيها والخَفْضَ، على مكروه لقاء العدوّ، ومشقة حربهم وقتالهم. ﴿ لَوْلا أخّرْتَنا ﴾ يخبر عنهم، قالوا :هلا أخرتنا ﴿ إلى أجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ يعني :إلى أن يموتوا على فرشهم وفي منازلهم.
وبنحو الذي قلنا إن هذه الاَية نزلت فيه قال أهل التأويل. ذكر الاَثار بذلك، والرواية عمن قاله :
حدثنا محمد بن عليّ بن الحسن بن شقيق، قال :سمعت أبي، قال :أخبرنا الحسين بن واقد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس :أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا :يا رسول الله، كنا في عزّ ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة ! فقال : «إنّى أُمِرْتُ بالعَفْوِ فَلا تُقاتِلُوا » فلما حوّله الله إلى المدينة أمر بالقتال فكفوا، فأنزل الله تبارك وتعالى : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفّوا أيْدِيَكُمْ ﴾. . . الاَية.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفّوا أيْدِيَكُمْ ﴾ عن الناس، ﴿ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ ﴾ نزلت في أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن جريج :وقوله : ﴿ وَقالُوا رَبّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ قال :إلى أن نموت موتا هو الأجل القريب.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة :قوله : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفّوا أيْدِيَكُمْ وأقِيمُوا الصّلاةَ ﴾ فقرأ حتى بلغ : ﴿ إلى أجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ قال :كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يومئذ بمكة قبل الهجرة، تسرعوا إلى القتال، فقالوا لنبيّ الله صلى الله عليه وسلم :ذرنا نتخذ معاول فنقاتل بها المشركين بمكة ! فنهاهم نبيّ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قال : «لم أؤمَرْ بذَلِكَ ». فلما كانت الهجرة وأمر بالقتال، كره القوم ذلك، فصنعوا فيه ما تسمعون، فقال الله تبارك وتعالى : ﴿ قُلْ مَتاعُ الدّنْيا قَلِيلٌ والاَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفّوا أيْدِيَكُمْ وأقِيمُوا الصّلاةَ وآتُوا الزّكاةَ ﴾ قال :هم قوم أسلموا قبل أن يفرض عليهم القتال، ولم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال¹ ﴿ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كخَشْيَةِ اللّهِ أوْ أشَدّ خَشْيَةً ﴾. . . الاَية، إلى : ﴿ ألى أجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ وهو الموت، قال الله : ﴿ قُلْ مَتاعُ الدّنْيا قَلِيلٌ والاَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَن اتّقَى ﴾.
وقال آخرون :نزلت هذه وآيات بعدها في اليهود. ذكر من قال ذلك :
حدثنا المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفّوا أيْدِيَكُمْ وأقِيمُوا الصّلاةَ ﴾. . . إلى قوله : ﴿ لاتّبَعْتُمُ الشّيْطانَ إلاّ قَلِيلاً ﴾ ما بين ذلك في اليهود.
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : ﴿ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذَا فَرِيقٌ منْهُمْ ﴾. . . إلى قوله : ﴿ لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ ﴾ :نهى الله تبارك وتعالى هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ قُلْ مَتاعُ الدّنْيا قَلِيلٌ والاَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾.
يعني بقوله جلّ ثناؤه : ﴿ قُلْ مَتاعُ الدّنْيا قَلِيلٌ ﴾ :قل يا محمد لهؤلاء القوم الذين قالوا ﴿ رَبّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ عيشكم في الدنيا وتمتعكم بها قليل، لأنها فانية، وما فيها فان، ﴿ والاَخِرَةُ خَيْرٌ ﴾ يعني :ونعيم الاَخرة خير، لأنها باقية، ونعيمها باق دائم. وإنما قيل :والاَخرة خير ومعنى الكلام ما وصفت من أنه معنى به نعيمها، لدلالة ذكر الاَخرة بالذي ذكرت به على المعنى المراد منه ﴿ لمن اتّقَى ﴾ يعني :لمن اتقى الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، فأطاعه في كل ذلك. ﴿ وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ يعني :ولا ينقصكم الله من أجور أعمالكم فتيلاً¹ وقد بينا معنى الفتيل فيما مضى بما أغنى عن إعادته ههنا.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مّشَيّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هََذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هََذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلّ مّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لهؤلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه :حيثما تكونوا ينلكم الموت فتموتوا، ﴿ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيّدَةٍ ﴾ يقول :لا تجزعوا من الموت ولا تهربوا من القتال وتضعفوا عن لقاء عدوّكم حذرا على أنفسكم من القتل والموت، فإن الموت بإزائكم أين كنتم، وواصل إلى أنفسكم حيث كنتم ولو تحصنتم منه بالحصون المنيعة.
واختلف أهل التأويل في معنى قوله : ﴿ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيّدَةٍ ﴾ فقال بعضهم :يُعْنَى به :قصور محصنة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة : ﴿ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيّدَةٍ ﴾ يقول :في قصور محصنة.
حدثني عليّ بن سهل، قال :حدثنا مؤمل بن إسماعيل، قال :حدثنا أبو همام، قال :حدثنا كثير أبو الفضل، عن مجاهد، قال :كان فيمن قبلكم امرأة، وكان لها أجير، فولدت جارية فقالت لأجيرها :اقتبس لنا نارا ! فخرج فوجد بالباب رجلاً، فقال له الرجل :ما ولدت هذه المرأة ؟ قال :جارية، قال :أما إن هذه الجارية لا تموت حتى تبغي بمائة، ويتزوّجها أجيرها، ويكون موتها بالعنكبوت. قال :فقال الأجير في نفسه :فأنا أريد هذه بعد أن تفجر بمائة. فأخذ شفرة فدخل، فشقّ بطن الصبية. وعولجت فبرئت، فشبت، وكانت تبغي، فأتت ساحلاً من سواحل البحر، فأقامت عليه تبغي. ولبث الرجل ما شاء الله، ثم قدم ذلك الساحل ومعه مال كثير، فقال لامرأة من أهل الساحل :أبغيني امرأة من أجمل امرأة في القرية أتزوّجها ! فقالت :ههنا امرأة من أجمل الناس، ولكنها تبغي. قال :ائتِني بها ! فأتتها فقالت :قد قدم رجل له مال كثير، وقد قال لي كذا، فقلت له كذا. فقالت :إني قد تركت البغاء، ولكن إن أراد تزوّجته. قال :فتزوّجها، فوقعت منه موقعا، فبينا هو يوما عندها، إذ أخبرها بأمره، فقالت :أنا تلك الجارية وأرته الشقّ في بطنها وقد كنت أبغي، فما أدري بمائة أو أقلّ أو أكثر¹ قال :فإنه قال لي :يكون موتها بالعنكبوت. قال :فبني لها برجا بالصحراء وشيده. فبينما هما يوما في ذلك البرج، إذا عنكبوت في السقف فقالت :هذا يقتلني ؟ لا يقتله أحد غيري ! فحركته فسقط، فأتته فوضعت إبهام رجلها عليه فشدخته، وساح سمه بين ظفرها واللحم، فاسودّت رجلها فماتت، فنزلت هذه الاَية : ﴿ إيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيّدَةٍ ﴾.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج : ﴿ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيّدَةٍ ﴾ قال :قصور مشيدة.
وقال آخرون :معنى ذلك :قصور بأعيانها في السماء. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ إيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيّدَةٍ ﴾ وهي قصور بيض في سماء الدنيا مبنية.
حدثني المثنى، قال :حدثنا إسحاق، قال :حدثنا عبد الرحمن بن سعد، قال :أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع في قوله : ﴿ إيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيّدَةٍ ﴾ يقول :ولو كنتم في قصور في السماء.
واختلف أهل العربية في معنى المشيدة، فقال بعض أهل البصرة منهم :المشيدة :الطويلة. قال :وأما المَشيد بالتخفيف، فإنه المزين.
وقال آخرون منهم نحو ذلك القول، غير أنه قال :المَشيد بالتخفيف :المعمول بالشّيد، والشّيد :الجصّ. وقال بعض أهل الكوفة :المَشِيد والمُشيّد أصلهما واحد، غير أن ما شدّد منه فإنما يشدّد لتردد الفعل فيه في جمع مثل قولهم :هذه ثياب مصبغة، وغنم مذبحة، فشدد لأنها جمع يفرّق فيها الفعل، وكذلك مثله قصور مُشيّدة، لأن القصور كثيرة تردّد فيها التشييد، ولذلك قيل :بروج مشيدة، ومنه قوله : ﴿ وَغَلّقَتِ الأبْوَابَ ﴾ وكما يقال :كسّرت العود :إذا جعلته قطعا، أي قطعة بعد قطعة. وقد يجوز في ذلك التخفيف، فإذا أفرد من ذلك الواحد، فكان الفعل يتردّد فيه ويكثر تردّده في جمع منه، جاز التشديد عندهم والتخفيف، فيقال منه :هذا ثوب مخّرق وجلد مقطّع، لتردّد الفعل فيه وكثرته بالقطع والخرق. وإن كان الفعل لا يكثر فيه ولا يتردّد لم يجيزوه إلا بالتخفيف، وذلك نحو قولهم :رأيت كبشا مذبوحا، ولا يجيزون فيه «مذبّحا »، لأن الذبح لا يتردّد فيه تردّد التخرّق في الثوب. وقالوا :فلهذا قيل :قصر مَشيد، لأنه واحد، فجعل بمنزلة قولهم :كبش مذبوح. وقالوا :جائز في القصر أن يقال قصر مُشيّد بالتشديد، لتردّد البناء فيه والتشييد، ولا يجوز ذلك في «كبش مذبوح » لما ذكرنا.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وَإنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَإنْ تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عْنِدِكَ ﴾.
يعني بقوله جلّ ثناؤه : ﴿ وَإنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللّهِ ﴾ :وإن ينلهم رخاء وظفر وفتح ويصيبوا غنيمة يقولوا هذه من عند الله، يعني :من قِبَل الله ومن تقديره، وإنْ تصبهم سيئة، يقول :وإن تنلهم شدّة من عيش وهزيمة من عدوّ وجراح وألم، يقولوا لك يا محمد :هذه من عندك بخطئك التدبير. وإنما هذا خبر من الله تعالى ذكره عن الذين قال فيهم لنبيه : ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفّوا أيْدِيَكُمْ ﴾.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا إسحاق، قال :حدثنا عبد الرحمن بن سعد وابن أبي جعفر قالا :حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله : ﴿ وَإنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَإنْ تُصبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ﴾ قال :هذه في السرّاء والضرّاء.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية مثله.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ وَإنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَإنْ تُصبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ﴾ فقرأ حتى بلغ : ﴿ وأرْسَلْناكَ للنّاسِ رَسُولاً ﴾ قال :إن هذه الاَيات نزلت في شأن الحرب. فقرأ : ﴿ يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعا ﴾ فقرأ حتى بلغ : ﴿ وَإنْ تُصبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ ﴾ من عند محمد عليه الصلاة والسلام، أساء التدبير وأساء النظر، ما أحسن التدبير ولا النظر.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ قُلْ كُلّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ ﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ قُلْ كُلّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ ﴾ قل يا محمد لهؤلاء القائلين إذا أصابتهم حسنة هذه من عند الله، وإذا أصابتهم سيئة هذه من عندك :كل ذلك من عند الله دوني ودون غيري، من عنده الرخاء والشدّة، ومنه النصر والظفر، ومن عنده القتل والهزيمة. كما :
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة : ﴿ قُلْ كُلّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ ﴾ النعم والمصائب.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد، في قوله : ﴿ قُلْ كُلّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ ﴾ النصر والهزيمة.
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ قُلْ كُلّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثا ﴾ يقول :الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ فَمَالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثا ﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ فَمَالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ ﴾ فما شأن هؤلاء القوم الذين إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله، وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك، ﴿ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثا ﴾ يقول :لا يكادون يعلمون حقيقة ما تخبرهم به من أن كلّ ما أصابهم من خير أو شرّ أو ضرّ وشدة أو رخاء، فمن عند الله، لا يقدر على ذلك غيره، ولا يصيب أحدا سيئة إلا بتقديره، ولا ينال رخاء ونعمة إلا بمشيئته. وهذا إعلام من الله عباده أن مفاتح الأشياء كلها بيده، لا يملك شيئا منها أحد غيره.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ مّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيّئَةٍ فَمِن نّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنّاسِ رَسُولاً وَكَفَىَ بِاللّهِ شَهِيداً ﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ ما أصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَما أصَابَكَ مِنْ سَيّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾ :ما يصيبك يا محمد من رخاء ونعمة وعافية وسلامة، فمن فضل الله عليك يتفضل به عليك إحسانا منه إليك. وأما قوله : ﴿ وَما أصَابَكَ مِنْ سَيّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾ يعني :وما أصابك من شدّة ومشقة وأذى ومكروه، فمن نفسك، يعني :بذنب استوجبتها به اكتسبته نفسك. كما :
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن المفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ ما أصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَما أصَابَكَ مِنْ سَيّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾ أما من نفسك، فيقول :من ذنبك.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة : ﴿ ما أصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَما أصَابَكَ مِنْ سَيّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾ عقوبة يا ابن آدم بذنبك. قال :وذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : «لا يُصِيبُ رَجُلاً خَدْشُ عُودٍ وَلا عَثْرَةُ قَدَمٍ وَلا اخْتِلاجُ عِرْقٍ إلاّ بِذَنْبٍ، وَما يَعْفُوا اللّهُ أكْثَرُ ».
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله، قال :ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ ما أصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَما أصَابَكَ مِنْ سَيّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾ يقول :الحسنة :ما فتح الله عليه يوم بدر وما أصابه من الغنيمة والفتح، والسيئة :ما أصابه يوم أُحد أن شجّ في وجهه وكسرت رباعيته.
حدثني المثنى، قال :حدثنا إسحاق، قال :حدثنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة : ﴿ ما أصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَما أصَابَكَ مِنْ سَيّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾ يقول :بذنبك. ثم قال : ﴿ كُلّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ ﴾ النعم والمصيبات.
حدثني المثنى، قال :حدثنا إسحاق، قال :حدثنا عبد الرحمن بن سعد وابن أبي جعفر، قالا :حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قوله : ﴿ ما أصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَما أصَابَكَ مِنْ سَيّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾ قال :هذه في الحسنات والسيئات.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية مثله.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج : ﴿ وَما أصَابَكَ مِنْ سَيّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾قال :عقوبة بذنبك.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ ما أصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَما أصَابَكَ مِنْ سَيّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾ بذنبك، كما قال لأهل أُحد : ﴿ أوَ لَمّا أصَابَتْكُمْ مُصِيَبةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أنْفُسِكُمْ ﴾ بذنوبكم.
حدثني يونس، قال :حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله : ﴿ ماأصَابَكَ مِنْ سَيّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾ قال :بذنبك، وأنا قدرتها عليك.
حدثنا محمد بن بشار، قال :حدثنا يحيى، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله : ﴿ ما أصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَما أصَابَكَ مِنْ سَيّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾ وأنا الذي قدرتها عليك.
حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال :حدثنا محمد بن بشر، قال :حدثنيه إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح، بمثله.
قال أبو جعفر :فإن قال قائل :وما وجه دخول «من » في قوله : ﴿ ما أصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ ﴾ و﴿ مِنْ سَيّئَةٍ ﴾ ؟ قيل :اختلف في ذلك أهل العربية، فقال بعض نحويي البصرة :أدخلت «من »، لأن «من » تحسن مع النفي، مثل :ما جاءني من أحد. قال :ودخول الخبر بالفاء لازما بمنزلة «مَنْ ». وقال بعض نحويي الكوفة :أدخلت «مِنْ » مع «ما »، كما تدخل على «إن » في الجزاء لأنهما حرفا جزاء، وكذلك تدخل مع «مَن » إذا كانت جزاء، فتقول العرب :مَنْ يزرك مِنْ أحد فتكرمه، كما تقول :إنْ يزرك مِنْ أحد فتكرمه. قال :وأدخلوها مع «ما » و«مَنْ »، ليعلم بدخولها معهما أنهما جزاء. قالوا :وإذا دخلت معهما لم تحذف، لأنها إذا حذفت صار الفعل رافعا شيئين، وذلك أن «ما » في قوله : ﴿ ما أصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ ﴾ رفع بقوله : ﴿ أصَابَكَ ﴾ فلو حذفت «مِنْ » رفع قوله : ﴿ أصَابَكَ ﴾ السيئة، لأن معناه :إن تصبك سيئة، فلم يجز حذف «من » لذلك، لأن الفعل الذي هو على فعَل أو يَفعل لا يرفع شيئين، وجاز ذلك مع «مَنْ »، لأنها تشتبه بالصفات، وهي في موضع اسم، فأما «إن »، فإن «من » تدخل معها وتخرج، ولا تخرج مع «أيّ » لأنها تعرب فيبين فيها الإعراب، ودخلت مع «ما » لأن الإعراب لا يظهر فيها.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وأرْسَلْناكَ للنّاسِ رَسُولاً وكَفَى باللّهِ شَهيدا ﴾.
يعني بقوله جل ثناؤه : ﴿ وأرْسَلْناكَ للنّاسِ رَسُولاً ﴾ :إنما جعلناك يا محمد رسولاً بيننا وبين الخلق تبلغهم ما أرسلناك به من رسالة، وليس عليك غير البلاغ وأداء الرسالة إلى من أرسلت، فإن قبلوا ما أرسلت به فلأنفسهم، وإن ردوا فعليها. ﴿ وكَفَى بالله ﴾ عليك وعليهم ﴿ شَهِيدا ﴾ يقول :حسبك الله تعالى ذكره شاهدا عليك في بلاغك ما أمرتك ببلاغه من رسالته ووحيه، وعلى من أرسلت إليه في قبولهم منك ما أرسلت به إليهم، فإنه لا يخفى عليه أمرك وأمرهم، وهو مجازيك ببلاغك ما وعدك، ومجازيهم ما عملوا من خير وشر جزاء المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ مّنْ يُطِعِ الرّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلّىَ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾. .
وهذا إعذار من الله إلى خلقه في نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى ذكره لهم :من يطع منكم أيها الناس محمدا، فقد أطاعني بطاعته إياه، فاسمعوا قوله، وأطيعوا أمره، فإنه مهما يأمركم به من شيء فمن أمري يأمركم، وما نهاكم عنه من شيء فمن نهيي، فلا يقولن أحدكم :إنما محمد بشر مثلنا يريد أن يتفضل علينا ! ثم قال جل ثناؤه لنبيه :ومن تولى عن طاعتك يا محمد، فأعرض عنه، فإنا لم نرسلك عليهم حفيظا، يعني حافظا لما يعملون محاسبا، بل إنما أرسلناك لتبين لهم ما نزل إليهم، وكفى بنا حافظين لأعمالهم ولهم عليها محاسبين. ونزلت هذه الاَية فيما ذكر قبل أن يؤمر بالجهاد. كما :
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :سألت ابن زيد عن قول الله : ﴿ فَمَا أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظا ﴾ قال :هذا أول ما بعثه، قال : ﴿ إنْ عَلَيْكَ إلاّ البَلاغُ ﴾، قال :ثم جاء بعد هذا يأمره بجهادهم والغلظة حتى يسلموا.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيّتَ طَآئِفَةٌ مّنْهُمْ غَيْرَ الّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَىَ بِاللّهِ وَكِيلاً ﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ وَيَقُولُونَ طاعَةٌ ﴾ يعني :الفريق الذي أخبر الله عنهم أنهم لما كتب عليهم القتال، خشوا الناس كخشية الله وأشدّ خشية، يقولون لنبيّ الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم بأمر :أمرك طاعة، ولك منا طاعة فيما تأمرنا به وتنهانا عنه ! ﴿ فَإذَا بَرزُوا مِنْ عِنْدِكَ ﴾ يقول :فإذا خرجوا من عندك يا محمد ﴿ بيّتَ طائفةٌ منهمْ غيرَ الذِي تقولُ ﴾ يعني بذلك جلّ ثناؤه :غيّر جماعة منهم ليلاً الذي تقول لهم. وكلّ عَمل عُمل ليلاً فقد بُيّت، ومن ذلك بَيّتَ العدوّ وهو الوقوع بهم ليلاً، ومنه قول عبيدة ابن همام :
أتَوْنِي فَلَمْ أرْضَ ما بَيّتُوا ***وكانُوا أتَوْنِي بِشَيْءٍ نُكُرْ
لاِنْكِحَ أيّمَهُمْ مُنْذِرا ***وَهلْ يُنْكِحُ العَبْدَ حُرّ لِحُرّ
يعني بقوله : «فلم أرض ما بيتوا ليلاً » :أي ما أبرموه ليلاً وعزموا عليه. ومنه قول النمر بن تولب العكليّ :
هَبّتْ لِتَعْذُلَنِي بلَيْلٍ اسْمَعِ ! ***سَفَها تُبَيّتُكِ المَلامةُ فاهْجَعي !
يقول الله جلّ ثناؤه : ﴿ وَاللّه يَكْتُبُ ما يُبَيّتُونَ ﴾ يعني بذلك جلّ ثناؤه :والله يكتب ما يغيرون من قولك ليلاً في كتب أعمالهم التي تكتبها حفظته.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فإذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيّتَ طائِفَةٌ مِنْهُم غيرَ الّذِي تَقُولُ ﴾ قال :يغيرون ما عهد نبيّ الله صلى الله عليه وسلم.
حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال :حدثنا يوسف بن خالد، قال :حدثنا نافع بن مالك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله : ﴿ بَيّتَ طائِفَةٌ مِنْهُم غيرَ الّذِي تَقُولُ ﴾ قال :غيّر أولئك ما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :ثني أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فإذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيّتَ طائِفَةٌ مِنْهُم غيرَ الّذِي تَقُولُ ﴾ قال :غيّر أولئك ما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن المفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فإذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيّتَ طائِفَةٌ مِنْهُم غيرَ الّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيّتُونَ ﴾ قال :هؤلاء المنافقون الذين يقولون إذا حضروا النبيّ صلى الله عليه وسلم فأمرهم بأمر قالوا :طاعة، فإذا خرجوا من عنده غيّرت طائفة منهم ما يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم. ﴿ وَاللّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيّتُونَ ﴾ يقول :ما يقولون.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، قال :قال ابن عباس :قوله : ﴿ وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فإذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيّتَ طائِفَةٌ مِنْهُم غيرَ الّذِي تَقُولُ ﴾ قال :يغيّرون ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : ﴿ وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فإذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيّتَ طائِفَةٌ مِنْهُم غيرَ الّذِي تَقُولُ ﴾ وهم ناس كانوا يقولون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنا بالله ورسوله ليأمنوا على دمائهم وأموالهم، فإذا برزوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خالفوا إلى غير ما قالوا عنده¹ فعابهم الله، فقال : ﴿ بَيّتَ طائِفَةٌ مِنْهُم غيرَ الّذِي تَقُولُ ﴾ يقول :يغيّرون ما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال :سمعت أبا معاذ، يقول :أخبرنا عبيد بن سليمان، قال :سمعت الضحاك يقول في قوله : ﴿ بَيّتَ طائِفَةٌ مِنْهُم غيرَ الّذِي تَقُولُ ﴾ :هم أهل النفاق.
وأما رفع «طاعة » فإنه بالمتروك الذي دلّ عليه الظاهر من القول، وهو :أمرك طاعة، أو منا طاعة. وأما قوله : ﴿ بَيّتَ طائِفَةٌ ﴾ فإن التاء من بيّت تحركها بالفتح عامة قراء المدينة والعراق وسائر القراء، لأنها لام فعل. وكان بعض قراء العراق يسكنها ثم يدغمها في الطاء لمقاربتها في المخرج.
قال أبو جعفر :والصواب من القراءة في ذلك، ترك الإدغام، لأنها أعني التاء والطاء من حرفين مختلفين¹ وإذا كان كذلك كان ترك الإدغام أفصح اللغتين عند العرب، واللغة الأخرى جائزة أعني الإدغام في ذلك محكية.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ فأعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكّلْ على اللّهِ وكَفَى باللّهِ وَكِيلاً ﴾.
يقول جلّ ثناؤه لمحمد صلى الله عليه وسلم :فأعرض يا محمد عن هؤلاء المنافقين الذين يقولون لك فيما تأمرهم :أمرك طاعة، فإذا برزوا من عندك خالفوا ما أمرتهم به وغيّروه إلى ما نهيتهم عنه، وخلّهم وما هم عليه من الضلالة، وارض لهم بي منتقما منهم، وتوكل أنت يا محمد على الله. يقول :أي وحسبك بالله وكيلاً :أي فيما يأمرك، ووليّا لها، ودافعا عنك وناصرا.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ أَفَلاَ يَتَدَبّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ أفَلا يَتَدَبّرُونَ القُرآنَ ﴾ أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم يا محمد كتاب الله، فيعلموا حجة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك، وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم، لاتساق معانيه وائتلاف أحكامه وتأييد بعضه بعضا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق¹ فإن ذلك لو كان من عند غَير الله لاختلفت أحكامه وتناقضت معانيه وأبان بعضه عن فساد بعض. كما :
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ أفَلا يَتَدَبّرُونَ القُرآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غيرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافا كَثِيرا ﴾ :أي قول الله لا يختلف، وهو حقّ ليس فيه باطل، وإن قول الناس يختلف.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد :إن القرآن لا يكذّب بعضه بعضا، ولا ينقض بعضه بعضا، ما جهل الناس من أمره فإنما هو من تقصير عقولهم وجهالتهم. وقرأ : ﴿ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غيرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافا كَثِيرا ﴾ قال :فحقّ على المؤمن أن يقول :كلّ من عند الله، ويؤمن بالمتشابه، ولا يضرب بعضه ببعض¹ وإذا جهل أمرا ولم يعرف أن يقول :الذي قال الله حقّ، ويعرف أن الله تعالى لم يقل قولاً وينقضه، ينبغي أن يؤمن بحقية ما جاء من الله.
حدثني يحيى بن أبي طالب، قال :حدثنا يزيد، قال :أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قوله : ﴿ أفلا يَتدبّرون القرآن ﴾ قال :يتدبرون النظر فيه.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مّنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدّوهُ إِلَى الرّسُولِ وَإِلَىَ أُوْلِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتّبَعْتُمُ الشّيْطَانَ إِلاّ قَلِيلاً ﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ وَإذَا جاءَهُمْ أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أو الخَوْفِ إذَاعُوا بِه ﴾ وإذا جاء هذه الطائفة المبيتة غير الذي يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر من الأمن. فالهاء والميم في قوله : ﴿ وَإذَا جاءَهُمْ ﴾ من ذكر الطائفة المبيتة. يقول جلّ ثناؤه :وإذا جاءهم خبر عن سرية للمسلمين غازية بأنهم قد أمنوا من عدوّهم بغلبتهم إياهم ﴿ أو الخَوْفِ ﴾ يقول :أو تخّوفهم من عدوّهم بإصابة عدوّهم منهم ﴿ أذَاعُوا بِهِ ﴾ يقول :أفشوه وبثوه في الناس قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل أمراء سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم. والهاء في قوله : ﴿ أذَاعُوا بِهِ ﴾ من ذكر الأمر وتأويله :أذاعوا بالأمر من الأمن أو الخوف الذي جاءهم، يقال :منه أذاع فلان بهذا الخبر وأذاعه، ومنه قول أبي الأسود :
أذَاعَ بِه في النّاسِ حتى كأنّهُ ***بعَلْياءَ نارٌ أُوقِدَتْ بثَقُوبِ
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد بن زريع، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ وَإذَا جاءَهُمْ أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أو الخَوْفِ إذَاعُوا بِهِ ﴾ يقول :سارعوا به وأفشوه.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ وَإذَا جاءَهُمْ أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أو الخَوْفِ إذَاعُوا بِهِ ﴾ يقول :إذا جاءهم أمر أنهم قد أمنوا من عدوّهم، أو أنهم خائفون منهم، أذاعوا بالحديث حتى يبلغ عدوّهم أمرهم.
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : ﴿ وَإذَا جاءَهُمْ أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أو الخَوْفِ إذَاعُوا بِهِ ﴾ يقول :أفشوه وشنعوا به.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج : ﴿ وَإذَا جاءَهُمْ أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أو الخَوْفِ إذَاعُوا بِهِ ﴾ قال :هذا في الأخبار إذا غزت سرية من المسلمين خُبّر الناس عنها، فقالوا :أصاب المسلمون من عدوّهم كذا وكذا، وأصاب العدوّ من المسلمين كذا وكذا. فأفشوه بينهم من غير أن يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم هو الذي يخبرهم به. قال ابن جريج :قال ابن عباس :قوله ﴿ أذَعُوا بِهِ ﴾ قال :أعلنوه وأفشوه.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ أذَاعُوا بِهِ ﴾ قال :نشروه. قال :والذين أذاعوا به قوم، إما منافقون، وإما آخرون ضعفاء.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال :سمعت أبا معاذ يقول :أفْشَوْه وشنعوا به، وهم أهل النفاق.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وَلَوْ رَدّوهُ إلى الرّسُولِ وإلى أُولي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقوله :ولو ردّوه :الأمر الذي نالهم من عدوّهم والمسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى أولي أمرهم، يعني :وإلى أمرائهم، وسكتوا فلم يذيعوا ما جاءهم من الخبر، حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ذوو أمرهم هم الذين يقولون الخبر عن ذلك، بعد أن ثبتت عندهم صحته أو بُطُوله، فيصححوه إن كان صحيحا، أو يبطلوه إن كان باطلاً. ﴿ لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ يقول :لعلم حقيقة ذلك الخبر الذي جاءهم به الذين يبحثون عنه، ويستخرجونه منهم، يعني :أولي الأمر. والهاء والميم في قوله : ﴿ مِنْهُمْ ﴾ من ذكر أولي الأمر. يقول :لعلم ذلك من أولي الأمر من يستنبطه. وكل مستخرج شيئا كان مستترا عن أبصار العيون أو عن معارف القلوب، فهو له مستنبط، يقال :استنبطت الركية :إذا استخرجت ماءها، ونَبَطتها أنبطها، والنبط :الماء المستنبط من الأرض، ومنه قول الشاعر :
قَرِيبٌ ثراهُ ما يَنالُ عَدُوّهُ ***لَهُ نَبَطا آبي الهَوَانِ قَطُوبُ
يعني بالنبط :الماء المستنبط.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ وَلَوْ رَدّوهُ إلى الرّسُولِ وإلى أُولي الأمْرِ مِنْهُمْ ﴾ يقول :ولو سكتوا وردّوا الحديث إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وإلى أولى أمرهم حتى يتكلم هو به، ﴿ لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ ﴾ يعني عن الأخبار، وهم الذين ينقّرون عن الأخبار.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة : ﴿ وَلَوْ رَدّوهُ إلى الرّسُولِ وإلى أُولي الأمْرِ مِنْهُمْ ﴾ يقول :إلى علمائهم، ﴿ لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ لعلمه الذين يَفْحصُون عنه، ويهمهم ذلك.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج : ﴿ وَلَوْ رَدّوهُ إلى الرّسُولِ ﴾ حتى يكون هو الذي يخبرهم، ﴿ وإلى أُولي الأمْرِ مِنْهُمْ ﴾ :أولي الفقه في الدين والعقل.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية : ﴿ وَلَوْ رَدّوهُ إلى الرّسُولِ وإلى أُولي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ :يتتبعونه ويتحسسونه.
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا ابن إدريس، قال :أخبرنا ليث، عن مجاهد : ﴿ لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ قال :الذين يسألون عنه ويتحسسونه.
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : ﴿ يَسْتَنْبِطُونَهُ ﴾ قال :قولهم :ما كان ؟ ماذا سمعتم ؟
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية : ﴿ الّذِينَ يسْتَنبِطونَهُ ﴾ قال :يتحسسونه.
حدثني محمد بن سيعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :حدثني أبي، عن أبيه عن ابن عباس : ﴿ لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ يقول :لعلمه الذين يتحسسونه منهم.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال :سمعت أبا معاذ يقول :أخبرنا عبيد بن سليمان، قال :سمعت الضحاك يقول في قوله : ﴿ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ قال :يتتبعونه.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ وَإذَا جاءَهُمْ أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أو الخَوْفِ أذَاعُوا بِه ﴾. . . حتى بلغ : ﴿ وإلى أُولي الأمْرِ مِنْهُمْ ﴾ قال :الولاة الذين يكونون في الحرب عليهم الذين يتفكرون فينظرون لما جاءهم من الخبر أصدق أم كذب ؟ أباطل فيبطلونه، أو حقّ فيحقونه ؟ قال :وهذا في الحرب، وقرأ : ﴿ أذَاعُوا بِهِ وَلَوْ ﴾ فعلوا غير هذا و﴿ رَدّوهُ ﴾ إلى الله و﴿ إلى الرّسُولِ وإلى أُولي الأمْرِ مِنْهُمْ ﴾. . . الاَية.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتّبَعْتُمْ الشّيْطانَ إلاّ قَلِيلاً ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه :ولولا إنعام الله عليكم أيها المؤمنون بفضله وتوفيقه ورحمته، فأنقذكم مما ابتلى هؤلاء المنافقين به، الذين يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم بأمر :طاعة، فإذا برزوا من عنده بيّت طائفة منهم غير الذي تقول، لكنتم مثلهم، فاتبعتم الشيطان إلا قليلاً، كما اتبعه الذين وصف صفتهم. وخاطب بقوله تعالى ذكره : ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتّبَعْتُمْ الشّيْطانَ ﴾ الذين خاطبهم بقوله جلّ ثناؤه : ﴿ يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعا ﴾.
ثم اختلف أهل التأويل في القليل الذي استثناهم في هذه الاَية، من هم، ومن أيّ شيء من الصفات استثناهم ؟ فقال بعضهم :هم المستنبطون من أولي الأمر، استثناهم من قوله : ﴿ لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ ونفي عنهم أن يعلموا بالاستنباط ما يعلم به غيرهم من المستنبطين من الخبر الوارد عليهم من الأمن أو الخوف. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قال :إنما هو لعلمه الذين يستنبطونه منهم، إلا قليلاً منهم، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله : ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتّبَعْتُمْ الشّيْطانَ إلاّ قَلِيلاً ﴾ يقول :لاتبعتم الشيطان كلكم. وأما قوله : ﴿ إلاّ قَلِيلاً ﴾ فهو كقوله : ﴿ لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ إلا قليلاً.
حدثني المثنى، قال :حدثنا سويد بن نصر، قال :أخبرنا ابن المبارك قراءة عن سعيد، عن قتادة : ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتّبَعْتُمْ الشّيْطانَ إلاّ قَلِيلاً ﴾ قال :يقول :لاتبعتم الشيطان كلكم¹ وأما ﴿ إلاّ قَلِيلاً ﴾ فهو كقوله : ﴿ لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ. . . إلاّ قَلِيلاً ﴾.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا حجاج، عن ابن جريج نحوه، يعني نحو قول قتادة، وقال :لعلموه إلا قليلاً.
وقال آخرون :بل هم الطائفة الذين وصفهم الله أنهم يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم طاعة، فإذا برزوا من عنده بيتوا غير الذي قالوا. ومعنى الكلام :وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، إلا قليلاً منهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتّبَعْتُمْ الشّيْطانَ ﴾ فانقطع الكلام، وقوله : ﴿ إلاّ قَلِيلاً ﴾ فهو في أوّل الاَية يخبر عن المنافقين، قال : ﴿ وَإذَا جاءَهُمْ أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذَاعُوا بِهِ ﴾ إلا قليلاً، يعني بالقليل المؤمنين، يقول الحَمْدُ لله الّذِي أنْزَلَ الكِتَابَ عدلاً قِيما، ولم يجعل له عوجا.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد :هذه الاَية مقدمة ومؤخرة، إنما هي :أذاعوا به إلا قليلاً منهم، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لم ينج قليل ولا كثير.
وقال آخرون :بل ذلك استثناء من قوله : ﴿ لاتّبَعْتُمُ الشّيْطانَ ﴾ وقالوا :الذين استثنوا هم قوم لم يكونوا همّوا بما كان الاَخرون همّوا به من اتباع الشيطان، فعرّف الله الذين أنقذهم من ذلك موقع نعمته منهم، واستثنى الاَخرين الذين لم يكن منهم في ذلك ما كان من الاَخرين. ذكر من قال ذلك :
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال :سمعت أبا معاذ يقول :أخبرنا عبيد
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلّفُ إِلاّ نَفْسَكَ وَحَرّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفّ بَأْسَ الّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدّ بَأْساً وَأَشَدّ تَنكِيلاً ﴾. .
يعني بقوله جلّ ثناؤه : ﴿ فقَاتِلْ في سَبِيلِ الله لا تُكَلّفُ إلاّ نَفْسَكَ ﴾ :فجاهد يا محمد أعداء الله من أهل الشرك به في سبيل الله، يعني :في دينه الذي شرعه لك، وهو الإسلام، وقاتلهم فيه بنفسك. فأما قوله : ﴿ لا تُكَلّفُ إلاّ نَفْسَكَ ﴾ فإنه يعني :لا يكلفك الله فيما فرض عليك من جهاد عدوّه وعدوّك، إلا ما حملك من ذلك دون ما حمل غيرك منه :أي إنك إنما تتبع بما اكتسبته دون ما اكتسبه غيرك، وإنما عليك ما كلفته دون ما كلفه غيرك. ثم قال له : ﴿ وَحَرّضِ المُؤْمِنِينَ ﴾ يعني :وحضهم على قتال من أمرتك بقتالهم معك. ﴿ عَسَى اللّهُ أنْ يَكُفّ بَأْسَ الّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يقول :لعلّ الله أن يكفّ قتال من كفر بالله وجحد وحدانيته، وأنكر رسالتك عنك وعنهم ونكايتهم. وقد بينا فيما مضى أن «عسى » من الله واجبة بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. ﴿ واللّهُ أشَدّ بَأْسا وأشَدّ تَنْكِيلاً ﴾ يقول :والله أشدّ نكاية في عدوّه من أهل الكفر به منهم فيك يا محمد وفي أصحابك، فلا تنكُلَنّ عن قتالهم، فإني راصدهم بالبأس والنكاية والتنكيل والعقوبة، لأوهن كيدهم وأضعف بأسهم وأعلي الحقّ عليهم. والتنكيل مصدر من قول القائل :نكلت بفلان، فأنا أنكّل به تنكيلاً :أذا أوجعته عقوبة. كما :
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد بن زريع، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ وأشَدّ تَنْكِيلاً ﴾ :أي عقوبة.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ مّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيّئَةً يَكُنْ لّهُ كِفْلٌ مّنْهَا وَكَانَ اللّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ مّقِيتاً ﴾. .
يعني بقوله جلّ ثناؤه : ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها ﴾ من يَصِرْ يا محمد شفعا لوتر أصحابك، فيشفعهم في جهاد عدوّهم وقتالهم في سبيل الله¹ وهو الشفاعة الحسنة ﴿ يَكُنْ له نَصِيبٌ مِنْها ﴾ يقوله :يكن له من شفاعته تلك نصيب، وهو الحظّ من ثواب الله، وجزيل كرامته. ﴿ وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيّئَةً ﴾ يقول :ومن يشفع وتر أهل الكفر بالله على المؤمنين به، فيقاتلهم معهم، وذلك هو الشفاعة السيئة ﴿ يَكُنْ له كِفْلٌ مِنْها ﴾ يعني :بالكفل النصيب والحظّ من الوزر والإثم. وهو مأخوذ من كِفْل البعير والمركب، وهو الكساء أو الشيء يهيأ عليه شبيه بالسرج على الدابة، يقال منه :جاء فلان مكتفلاً :إذا جاء على مركب قد وُطّىءَ له على ما بينا لركوبه. وقد قيل :إنه عنى بقوله : ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها ﴾. . . الاَية، شفاعة الناس بعضهم لبعض. وغير مستنكر أن تكون الاَية نزلت فيما ذكرنا، ثم عمّ بذلك كل شافع بخير أو شرّ.
وإنما اخترنا ما قلنا من القول في ذلك لأنه في سياق الاَية التي أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم فيها بحضّ المؤمنين على القتال، فكان ذلك بالوعد لمن أجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والوعيد لمن أبى إجابته أشبه منه من الحثّ على شفاعة الناس بعضهم لبعض التي لم يجر لها ذكر قبل ولا لها ذكر بعد. ذكر من قال ذلك في شفاعة الناس بعضهم لبعض :
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيّئَةً ﴾ قال :شفاعة بعض الناس لبعض.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حُدثت عن ابن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، قال :من يُشَفّع شفاعة حسنة كان له فيها أجران، ولأن الله يقول : ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها ﴾ ولم يقل :يُشَفّع.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن الحسن، قال :من يشفع شفاعة حسنة كتب له أجرها ما جرت منفعتها.
حدثنا يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :سئل ابن زيد، عن قول الله : ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها ﴾ قال :الشفاعة الصالحة التي يشفع فيها وعمل بها هي بينك وبينه هما فيها شريكان. ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها ﴾ قال :هما شريكان فيها كما كان أهلها شريكين. ذكر من قال ذلك :الكفل النصيب :
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها ﴾ :أي حظّ منها. ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها ﴾ والكفل :هو الإثم.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ، قوله : ﴿ يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها ﴾ أما الكفل :فالحظّ.
حدثني المثنى، قال :حدثنا إسحاق، قال :حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع : ﴿ يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها ﴾ قال :حظّ منها، فبئس الحظّ.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد :الكفل والنصيب واحد. وقرأ : ﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وكانَ اللّهُ على كُلّ شَيْءٍ مُقِيتا ﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : ﴿ وكانَ اللّهُ على كُلّ شَيْءٍ مُقِيتا ﴾ فقال بعضهم :تأويله :وكان الله على كل شيء حفيظا وشهيدا. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا عبد الله بن صالح، قال :ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : ﴿ وكانَ اللّهُ على كُلّ شَيْءٍ مُقِيتا ﴾ يقول :حفيظا.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ مُقِيتا ﴾ شهيدا.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل اسمه مجاهد، عن مجاهد، مثله.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد : ﴿ مُقِيتا ﴾ قال :شهيدا، حسيبا، حفيظا.
حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم، قال :حدثنا عبد الرحمن بن شريك، قال :حدثنا أبي، عن خصيف، عن مجاهد أبي الحجاج : ﴿ وكانَ اللّهُ على كُلّ شَيْءٍ مُقِيتا ﴾ قال :المقيت :الحسيب.
وقال آخرون :معنى ذلك :القائم على كل شيء بالتدبير. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، قال :قال عبد الله بن كثير : ﴿ وكانَ اللّهُ على كُلّ شَيْءٍ مُقِيتا ﴾ قال :المقيت :الواصب.
وقال آخرون :هو القدير. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ وكانَ اللّهُ على كُلّ شَيْءٍ مُقِيتا ﴾ أما المقيت :فالقدير.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ وكانَ اللّهُ على كُلّ شَيْءٍ مُقِيتا ﴾ قال :على كل شيء قديرا. المقيت :القدير.
قال أبو جعفر :والصواب من هذه الأقوال، قول من قال :معنى المقيت :القدير، وذلك أن ذلك فيما يذكر كذلك بلغة قريش، وينشد للزبير بن عبد المطلب عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم :
وَذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النّفسَ عنْهُ ***وكُنْتُ على مَساءَتِهِ مُقيتا
أي قديرا. وقد قيل :إن منه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم : «كَفَى بالمَرْءِ إثْما أنْ يُضَيّعَ مَنْ يُقِيتُ » في رواية من رواها : «يُقيت » :يعني من هو تحت يديه في سلطانه من أهله وعياله، فيقدر له قوته. يقال منه :أقات فلان الشيء يقتيه إقاتة، وقاته يقوته قياتة وقُوتا، والقوت الاسم. وأما المُقِيتُ في بيت اليهودي الذي يقول فيه :
لَيْتَ شِعْرِي وأشْعُرَنّ إذَا مَا ***قَرّبُوها مَنْشُورَةً وَدُعِيتُ
ألِيَ الفَضْلُ أمْ عَليّ إذَا حُو ***سِبْتُ إنّي على الحِسابِ مُقِيتُ
فإن معناه :فإني على الحساب موقوف، وهو من غير هذا المعنى.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدّوهَآ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ حَسِيباً ﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ وَإذَا حُيّيُتمْ بِتَحِيّةٍ ﴾ :إذا دعي لكم بطول الحياة والبقاء والسلامة. ﴿ فَحَيّوا بأحْسَنَ مِنْها أوْرُدّوها ﴾ يقول :فادعوا لمن دعا لكم بذلك بأحسن مما دعا لكم، ﴿ أوْرُدّوها ﴾ يقول :أوردّوا التحية.
ثم اختلف أهل التأويل في صفة التحية التي هي أحسن مما حيا به المحيى، والتي هي مثلها، فقال بعضهم :التي هي أحسن منها أن يقول المسلّم عليه إذا قيل : «السلام عليكم » :وعليكم السلام ورحمة الله، ويزيد على دعاء الداعي له¹ والردّ أن يقول :السلام عليكم مثلها، كما قيل له، أو يقول :وعليكم السلام، فيدعو للداعي له مثل الذي دعا له. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ وَإذَا حُيّيُتمْ بِتَحِيّةٍ فَحَيّوا بأحْسَنَ مِنْها أوْ رُدّوها ﴾ يقول :إذا سلم عليك أحد، فقل أنت : «وعليك السلام ورحمة الله »، أو تقطع إلى «السلام عليك »، كما قال لك.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء، قوله : ﴿ وَإذَا حُيّيُتمْ بِتَحِيّةٍ فَحَيّوا بأحْسَنَ مِنْها أوْ رُدّوها ﴾ قال :في أهل الإسلام.
حدثني المثنى، قال :حدثنا سويد، قال :أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج فيما قرىء عليه، عن عطاء، قال :في أهل الإسلام.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن شريح، أنه كان يردّ : «السلام عليكم »، كما يسلم عليه.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن ابن عون وإسماعيل بن أبي خالد، عن إبراهيم، أنه كان يردّ :السلام عليكم ورحمة الله.
حدثنا ابن وكيع، قال :حدثنا أبي، عن سفيان، عن عطية، عن ابن عمر أنه كان يردّ :وعليكم.
وقال آخرون :بل معنى ذلك :فحيوا بأحسن منها أهل الإسلام، أو ردّوها على أهل الكفر. ذكر من قال ذلك :
حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، قال :حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن الحسن بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال :من سلم عليك من خلق الله، فاردد عليه وإن كان مجوسيّا، فإن الله يقول : ﴿ وَإذَا حُيّيُتمْ بِتَحِيّةٍ فَحَيّوا بأحْسَنَ مِنْها أوْ رُدّوها ﴾.
حدثنا محمد بن بشار، قال :حدثنا سالم بن نوح، قال :حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، في قوله : ﴿ وَإذَا حُيّيُتمْ بِتَحِيّةٍ فَحَيّوا بأحْسَنَ مِنْها ﴾ للمسلمين، ﴿ أوْ رُدّوها ﴾ على أهل الكتاب.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله : ﴿ وَإذَا حُيّيُتمْ بِتَحِيّةٍ فَحَيّوا بأحْسَنَ مِنْها ﴾ للمسلمين، ﴿ أوْ رُدّوها ﴾ على أهل الكتاب.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ وَإذَا حُيّيُتمْ بِتَحِيّةٍ فَحَيّوا بأحْسَنَ مِنْها ﴾ يقول :حيوا أحسن منها :أي على المسلمين ﴿ أوْ رُدّوها ﴾ أي على أهل الكتاب.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد في قوله : ﴿ وَإذَا حُيّيُتمْ بِتَحِيّةٍ فَحَيّوا بأحْسَنَ مِنْها أوْ رُدّوها ﴾ قال :قال أبي :حقّ على كل مسلم حُيّي بتحية أن يحيي بأحسن منها، وإذا حياه غير أهل الإسلام أن يردّ عليه مثل ما قال.
قال أبو جعفر :وأولى التأويلين بتأويل الاَية قول من قال ذلك في أهل الإسلام، ووجه معناه إلى أنه يردّ السلام على المسلم إذا حياه تحية أحسن من تحيته أو مثلها. وذلك أن الصحاح من الاَثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه واجب على كل مسلم ردّ تحية كل كافر أحسن من تحيته، وقد أمر الله بردّ الأحسن¹ والمثل في هذه الاَية من غير تمييز منه بين المستوجب ردّ الأحسن من تحيته عليه والمردود عليه مثلها بدلالة يعلم بها صحة قول من قال :عنى بردّ الأحسن المسلم، وبردّ المثل :أهل الكفر.
والصواب إذْ لم يكن في الاَية دلالة على صحة ذلك ولا بصحته أثر لازم عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أن يكون الخيار في ذلك إلى المسلّم عليه بين ردّ الأحسن أو المثل إلا في الموضع الذي خصّ شيئا من ذلك سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون مسلما لها. وقد خصت السنة أهل الكفر بالنهي عن ردّ الأحسن من تحيتهم عليهم أو مثلها، إلا بأن يقال : «وعليكم »، فلا ينبغي لأحد أن يتعدّى ما حدّ في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما أهل الإسلام، فإن لمن سلم عليه منهم في الردّ من الخيار ما جعل الله له من ذلك. وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تأويل ذلك بنحو الذي قلنا خبر¹ وذلك ما :
حدثني موسى بن سهل الرملي، قال :حدثنا عبد الله بن السريّ الأنطاكي، قال :حدثنا هشام بن لاحق، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهديّ، عن سلمان الفارسي، قال :جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال :السلام عليك يا رسول الله ! فقال : «وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللّهِ ! ». ثم جاء آخر فقال :السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله ! فقال له رسول الله : «وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ ! ». ثم جاء آخر فقال :السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته ! فقال له : «وَعَلَيْكَ ! » فقال له الرجل :يا نبيّ الله بأبي أنت وأمي، أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما أكثر مما رددت عليّ ؟ فقال : «أنّكَ لَمْ تَدَعْ لَنا شَيْئا، قال الله ﴿ وَإذَا حُيّيُتمْ بِتَحِيّةٍ فَحَيّوا بأحْسَنَ مِنْها أوْ رُدّوها ﴾ فرددناها عَلَيْكَ ».
فإت قال قائل :أفواجب ردّ التحية على ما أمر الله به في كتابه ؟ قيل :نعم، وبه كان يقول جماعة من المتقدمين. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا سويد، قال :أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج، قال :أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول :ما رأيته إلا يوجبه قوله : ﴿ وَإذَا حُيّيُتمْ بِتَحِيّةٍ فَحَيّوا بأحْسَنَ مِنْها أوْ رُدّوها ﴾.
حدثني المثنى، قال :حدثنا سويد بن نصر، قال :أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن رجل، عن الحسن، قال :السلام :تطوّع، والردّ فريضة.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ أنّ اللّهَ كانَ على كُلّ شَيْءٍ حَسِيبا ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه :إن الله كان على كل شيء مما تعملون أيها الناس من الأعمال من طاعة ومعصية حفيظا عليكم، حتى يجازيكم بها جزاءه. كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، قال :حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :حسيبا، قال :حفيظا.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
وأصل الحسيب في هذا الموضع عندي فَعِيل من الحساب الذي هو في معنى الإحصاء، يقال منه :حاسبت فلانا على كذا وكذا، وفلان حاسبه على كذا وهو حسيبه، وذلك إذا كان صاحب حسابه. وقد زعم بعض أهل البصرة من أهل اللغة أن معنى الحسيب في هذا الموضع :الكافي، يقال منه :أحسبني الشيء يُحسبني أحسابا، بمعنى :كفاني، من قولهم :حسبي كذا وكذا. وهذا غلط من القول وخطأ، وذلك أنه لا يقال في أحسبت الشيء :أحسبت على الشيء فهو حسيب عليه، وإنما يقال :هو حسبه وحسيبه، والله يقول : ﴿ إنّ اللّهَ كانَ على كُلّ شَيْءٍ حَسِيبا ﴾.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ اللّهُ لآ إِلََهَ إِلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنّكُمْ إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً ﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ اللّهُ لا إلَهَ إلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنّكُمْ ﴾ المعبود الذي لا تنبغي العبودة إلا له هو، الذي له عبادة كل شيء وطاعة كل طائع. وقوله : ﴿ لَيَجَمَعَنّكُمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ يقول :ليبعثنكم من بعد مماتكم، وليحشرنكم جميعا إلى موقف الحساب الذي يجازي الناس فيه بأعمالهم، ويقضي فيه بين أهل طاعته ومعصيته وأهل الإيمان به والكفر. ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ يقول :لا شكّ في حقيقة ما أقول لكم من ذلك وأخبركم من خبري :أنّي جامعكم إلى يوم القيامة بعد مماتكم. ﴿ وَمَنْ أصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثا ﴾ يعني بذلك :واعلموا حقيقة ما أخبركم من الخبر، فإني جامعكم إلى يوم القيامة للجزاء والعرض والحساب والثواب والعقاب يقينا، فلا تشكوا في صحته، ولا تمتروا في حقيته، فإن قولي الصدق الذي لا كذب فيه، ووعدى الصدق الذي لا خلف له. ﴿ وَمَنْ أصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثا ﴾ يقول :وأيّ ناطق أصدق من الله حديثا ؟ وذلك أن الكاذب إنما يكذب ليجتلب بكذبه إلى نفسه نفعا أو يدفع به عنها ضرّا، والله تعالى ذكره خالق الضرّ والنفع، فغير جائز أن يكون منه كذب، لأنه لا يدعوه إلى اجتلاب نفع إلى نفسه، أو دفع ضرّ عنها سواه تعالى ذكره، فيجوز أن يكون له في استحالة الكذب منه نظيرا، ومن أصدق من الله حديثا وخبرا.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوَاْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ :فما شأنكم أيها المؤمنون في أهل النفاق فئتين مختلفتين، ﴿ وَاللّهُ أرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ﴾ يعني بذلك :والله ردّهم إلى أحكام أهل الشرك في إباحة دمائهم وسبي ذراريهم. والإركاس :الردّ، ومنه قول أمية بن أبي الصلت :
فأُرْكِسُوا فِي حَمِيمِ النّارِ إنّهُمُ ***كانُوا عُصَاةً وقالوا الإفْكَ وَالزّورَا
يقال منه :أركسهم وركسهم. وقد ذُكر أنها في قراءة عبد الله وأبيّ : «والله ركسهم » بغير ألف.
واختلف أهل التأويل في الذين نزلت فيهم هذه الاَية، فقال بعضهم :نزلت في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد، وانصرفوا إلى المدينة، وقالوا لرسول الله عليه الصلاة والسلام ولأصحابه : ﴿ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتّبَعْنَاكُمْ ﴾. ذكر من قال ذلك :
حدثني الفضل بن زياد الواسطي، قال :حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن عديّ بن ثابت، قال :سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاريّ يحدّث عن زيد بن ثابت :أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى أُحد، رجعت طائفة ممن كان معه، فكان أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين، فرقة تقول :نقتلهم، وفرقة تقول :لا. فنزلت هذه الاَية : ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا ﴾. . . الاَية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة : «أنّها طَيّبَةٌ وإنّها تَنْفِي خَبَشَها كمَا تَنْفِي النّارُ خَبَثَ الفِضّةِ ».
حدثنا أبو كريب، قال :حدثنا أبو أسامة، قال :حدثنا شعبة، عن عديّ بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن زيد بن ثابت، قال :خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه.
حدثني زريق بن السخت، قال :حدثنا شبابة، عن عديّ بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن زيد بن ثابت، قال :ذكروا المنافقين عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال فريق :نقتلهم، وقال فريق :لا نقتلهم فأنزل الله تبارك وتعالى : ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾. . . إلى آخر الاَية.
وقال آخرون :بل نزلت في اختلاف كان بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا قدموا المدينة من مكة، فأظهروا للمسلمين أنهم مسلمون، ثم رجعوا إلى مكة وأظهروا لهم الشرك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْن ﴾ قال :قوم خرجوا من مكة حتى أتوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون، ثم ارتدّوا بعد ذلك، فاستأذنوا النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها. فاختلف فيهم المؤمنون، فقائل يقول :هم منافقون، وقائل يقول :هم مؤمنون. فبين الله نفاقهم، فأمر بقتالهم. فجاءوا ببضائعهم يريدون المدينة، فلقيهم هلال بن عويمر الأسلمي، وبينه وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم حلف، وهو الذي حصِر صدره أن يقاتل المؤمنين أو يقاتل قومه، فدفع عنهم بأنهم يؤمنون هلالاً، وبينه وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم عهد.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله بنحوه، غير أنه قال :فبين الله نفاقهم، وأمر بقتالهم فلم يقاتلوا يومئذ، فجاءوا ببضائعهم يريدون هلال بن عويمر الأسلمي، وبينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف.
وقال آخرون :بل كان اختلافهم في قوم من أهل الشرك كانوا أظهروا الإسلام بمكة، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْن ﴾ وذلك أن قوما كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام، وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا :إن لقينا أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام، فليس علينا منهم بأس ! وأن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة، قالت فئة من المؤمنين :اركبوا إلى الخبثاء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوّكم ! وقالت فئة أخرى من المؤمنين :سبحان الله أو كما قالوا أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به ؟ من أجل أنهم لم يهاجروا ويتركوا ديارهم تستحلّ دماؤهم وأموالهم لذلك ! فكانوا كذلك فئتين، والرسول عليه الصلاة والسلام عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين عن شيء¹ فنزلت : ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَنْ أضَلّ اللّهُ ﴾. . . الاَية.
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْن ﴾. . . الاَية، ذكر لنا أنهما كانا رجلين من قريش كانا مع المشركين بمكة، وكانا قد تكلما بالإسلام، ولم يهاجرا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. فلقيهما ناس من أصحاب نبيّ الله وهما مقبلان إلى مكة، فقال بعضهم :إن دماءهما وأموالهما حلال، وقال بعضهم :لا تحلّ لكم. فتشاجروا فيهما، فأنزل الله في ذلك : ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللّهُ أرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ﴾ حتى بلغ : ﴿ وَلَوْ شاءَ اللّهُ لَسَلّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُم ﴾.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا أبو سفيان، عن معمر بن راشد، قال :بلغني أن ناسا من أهل مكة كتبوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم أنهم قد أسلموا، وكان ذلك منهم كذبا. فلقوهم، فاختلف فيهم المسلمون، فقالت طائفة :دماؤهم حلال، وقالت طائفة :دماؤهم حرام¹ فأنزل الله : ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ﴾.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال :سمعت أبا معاذ، يقول :أخبرنا عبيد بن سلمان، قال :سمعت الضحاك يقول في قوله : ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْن ﴾ هم ناس تخلفوا عن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، وأقاموا بمكة، وأعلنوا الإيمان، ولم يهاجروا. فاختلف فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتولاهم ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبرأ من ولايتهم آخرون، وقالوا :تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يهاجروا. فسماهم الله منافقين، وبرأ المؤمنين من ولايتهم، وأمرهم أن لا يتولوهم حتى يهاجروا.
وقال آخرون :بل كان اختلافهم في قوم كانوا بالمدينة أرادوا الخروج عنها نفاقا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ﴾ قال :كان ناس من المنافقين أرادوا أن يخرجوا من المدينة، فقالوا للمؤمنين :إنا قد أصابنا أوجاع في المدينة واتّخَمْناها، فلعلنا أن نخرج إلى الظّهْر حتى نتماثل ثم نرجع، فإنا كنا أصحاب برية. فانطلقوا¹ واختلف فيهم أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالت طائفة :أعداء الله المنافقون، وددنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لنا فقاتلناهم ! وقالت طائفة :لا، بل إخواننا تخمتهم المدينة فاتّخموها. فخرجوا إلى الظهر يتنزّهون، فإذا برءوا رجعوا. فقال الله : ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ يقول :ما لكم تكونون فيهم فئتين ﴿ والله أرْكَسَهُمْ بمَا كَسبوا ﴾.
وقال آخرون :بل نزلت هذه الاَية في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر أهل الإفك. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ﴾ حتى بلغ : ﴿ فَلا تَتّخِذُوا مِنْهُمْ أوْلِياءَ حتى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ ﴾ قال :هذا في شأن ابن أبيّ حين تكلم في عائشة بما تكلم. فقال سعد بن معاذ :فإنى أبرأ إلى الله وإلى رسوله منه ! يريد عبد الله بن أبيّ ابن سلول.
قال أبو جعفر :وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال :نزلت هذه الاَية في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا ارتدّوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب¹ لأن اختلاف أهل ذلك إنما هو على قولين :التأويل في أحدهما أنهم قوم كانوا من أهل مكة على ما قد ذكرنا الرواية عنهم، والاَخر أنهم قوم كانوا من أهل المدينة، وفي قول الله تعالى ذكره : ﴿ فَلا تَتّخِذُوا مِنْهُمْ أوْلِياءَ حتى يُهاجِرُوا ﴾ أوضح الدليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة لأن الهجرة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر، فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيما من المنافقين وأهل الشرك، فلم يكن عليه فرض هجرة، لأنه في دار الهجرة كان وطنه ومقامه.
واختلف أهل العربية في نصب قوله : ﴿ فِئَتَيْنِ ﴾ فقال بعضهم :هو منصوب على الحال، كما تقول :ما لك قائما، يعني ما لك في حال القيام. وهذا قول بعض البصريين¹ وقال بعض نحويي الكوفيين :هو منصوب على فعل «ما لك »، قال :ولا يُبالَى كان المنصوب في مالك معرفة أو نكرة. قال :ويجوز في الكلام أن يقول :ما لك السائر معنا، لأنه كالفعل الذي ينصب بكان وأظنّ وما أشبههما. قال :وكل موضع صلحت فيه «فعل » و«يفعل » من المنصوب جاز نصب المعرفة منه والنكرة، كما ينصب كان وأظنّ لأنهنّ نواقص في المعنى وإن ظننت أنهنّ تامات. وهذا القول أولى بالصواب في ذلك، لأن المطلوب في قول القائل : «ما لك قائما » القيام، فهو في مذهب كان وأخواتها وأظنّ وصواحباتها.
القول في تأويل قوله عزّ وجلّ : ﴿ وَاللّهُ أرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : ﴿ وَاللّهُ أرْكَسَهُمْ ﴾ فقال بعضهم :معناه :ردّهم¹ كما قلنا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس : ﴿ وَاللّهُ أرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ﴾ ردّهم.
وقال آخرون :معنى ذلك :والله أوقعهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :ثني عبد الله، قال :ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : ﴿ وَاللّهُ أرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ﴾ يقول :أوقعهم.
وقال آخرون :معنى ذلك :أضلّهم وأهلكهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة : ﴿ وَاللّهُ أرْكَسَهُمْ ﴾ قال :أهلكهم.
حدثني المثنى، قال :حدثنا إسحاق، قال :حدثنا عبد الرزاق، عن معمر
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ وَدّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً فَلاَ تَتّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِنْ تَوَلّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتّمُوهُمْ وَلاَ تَتّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ وَدّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كمَا كَفَرُوا ﴾ :تمنى هؤلاء المنافقون الذين أنتم أيها المؤمنون فيهم فئتان أن تكفروا فتجحدوا وحدانية ربكم وتصديق نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿ كما كَفَرُوا ﴾ يقوله :كما جحدوا هم ذلك. ﴿ فَتَكُونُونَ سَوَاءً ﴾ يقول :فتكونون كفارا مثلهم، وتستوون أنتم وهم في الشرك بالله. ﴿ فَلا تَتّخِذُوا مِنْهُمْ أوْلِياءَ حتى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ ﴾ يقول :حتى يخرجوا من دار الشرك ويفارقوا أهلها الذين هم بالله مشركون إلى دار الإسلام وأهلها ﴿ في سَبِيل الله ﴾ يعني في ابتغاء دين الله، وهو سبيله، فيصيروا عند ذلك مثلكم، ويكون لهم حينئذ حكمكم. كما :
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : ﴿ وَدّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتّخِذُوا مِنْهُمْ أوْلِياءَ حتى يُهاجِرُوا ﴾ يقول :حتى يصنعوا كما صنعتم، يعني :الهجرة في سبيل الله.
القول في تأويل قوله : ﴿ فإنْ تَوَلّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّا وَلا نَصِيرا ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه :فإن أدبر هؤلاء المنافقون عن الإقرار بالله ورسوله، وتولوا عن الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام، ومن الكفر إلى الإسلام، فخذوهم أيها المؤمنون، واقتلوهم حيث وجدتموهم من بلادهم وغير بلادهم، أين أصبتموهم من أرض الله. ﴿ ولا تَتّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّا ﴾ يقوله :ولا تتخذوا منهم خليلاً يواليكم على أموركم، ولا ناصرا ينصركم على أعدائكم، فإنهم كفار لا يألونكم خبالاً، ودّوا ما عنتّم. وهذا الخبر من الله جلّ ثناؤه إبانة عن صحة نفاق الذين اختلف المؤمنون في أمرهم، وتحذير لمن دافع عنهم عن المدافعة عنهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : ﴿ فإنْ تَوَلّوْا فخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ ﴾ :فإن تولوا عن الهجرة فخذوهم واقتلوهم.
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ فإنْ تَوَلّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾ يقول :إذا أظهروا كفرهم فاقتلوهم حيث وجدتموهم.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ إِلاّ الّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُونَكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَسَلّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ إلاّ الّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ﴾ :فإن تولّى هؤلاء المنافقون الذين اختلفتم فيهم عن الإيمان بالله ورسوله، وأبوا الهجرة، فلم يهاجروا في سبيل الله، فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، سوى من وصل منهم إلى قوم بينكم وبينهم موادعة وعهد وميثاق، فدخلوا فيهم وصاروا منهم ورضوا بحكمهم، فإن لمن وصل إليهم فدخل فيهم من أهل الشرك راضيا بحكمهم في حقن دمائهم بدخوله فيهم، أن لا تسبى نساؤهم وذراريهم، ولا تُغنم أموالهم. كما :
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ إلاّ الّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ﴾ يقول :إذا أظهروا كفرهم فاقتلوهم حيث وجدتموهم، فإن أحد منهم دخل في قوم بينكم وبينهم ميثاق، فأجروا عليه مثل ما تجرون على أهل الذمة.
حدثني يونس، عن ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ إلاّ الّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ﴾ يصلون إلى هؤلاء الذين بينكم وبينهم ميثاق من القوم، لهم من الأمان مثل ما لهؤلاء.
حدثنا القاسم، قال :حدثنا الحسين، قال :ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله : ﴿ إلاّ الّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ﴾ قال :نزلت في هلال بن عويمر الأسلمي وسراقة بن مالك بن جعشم وخزيمة بن عامر بن عبد مناف.
وقد زعم بعض أهل العربية، أن معنى قوله : ﴿ إلاّ الّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ ﴾ :إلا الذين يتصلون في أنسابهم لقوم بينكم وبينهم ميثاق¹ من قولهم :اتّصل الرجل، بمعنى :انتمى وانتسب، كما قال الأعشى في صفة امرأة انتسبت إلى قوم :
إذا اتّصَلَتْ قالَتْ أبَكْرَ بْنَ وَائِلٍ ***وَبَكْرٌ سَبَتْها والأُنُوفُ رَوَاغِمُ
يعني بقوله :اتصلت :انتسبت. ولا وجه لهذا التأويل في هذا الموضع، لأن الانتساب إلى قوم من أهل الموادعة أو العهد لو كان يوجب للمنتسبين إليهم ما لهم إذا لم يكن لهم من العهد والأمان ما لهم، لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقاتل قريشا، وهم أنسباء السابقين الأوّلين. ولأهل الإيمان من الحقّ بإيمانهم أكثر مما لأهل العهد بعهدهم، وفي قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركي قريش بتركها الدخول فيما دخل فيه أهل الإيمان منهم، مع قرب أنسابهم من أنساب المؤمنين منهم، الدليل الواضح أن انتساب من لا عهد له إلى ذي العهد منهم، لم يكن موجبا له من العهد ما لذي العهد من انتسابه.
فإن ظنّ ذو غفلة أن قتال النبيّ صلى الله عليه وسلم من قاتل من أنسباء المؤمنين من مشركي قريش إنما كان بعد ما نسخ قوله : ﴿ إلاّ الّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ﴾ فإن أهل التأويل أجمعوا على أن ذلك نسخ قراءة نزلت بعد فتح مكة ودخول قريش في الإسلام.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ أوْ جاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أنْ يُقاتِلُوكُمْ أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ ﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ﴿ أوْ جاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أنْ يُقاتِلُوكُمْ أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ ﴾ فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، أو :إلا الذين جاءوكم منهم قد حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم فدخلوا فيكم. ويعني بقوله : ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ ضاقت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو أن يقاتلوا قومهم، والعرب تقول لكل من ضاقت نفسه عن شيء من فعل أو كلام قد حصر، ومنه الحصر في القراءة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ : ﴿ أوْ جاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ يقول :ضاقت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم.
وفي قوله : ﴿ أوْ جاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أنْ يُقاتِلُوكُمْ أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ ﴾ متروك ترك ذكره لدلالة الكلام عليه، وذلك أن معناه :أو جاءوكم قد حصرت صدورهم، فترك ذكر «قد » لأن من شأن العرب فعل مثل ذلك، تقول :أتاني فلان ذهب عقله، بمعنى :قد ذهب عقله¹ ومسموع منهم :أصحبت نظرت إلى ذات التنانير، بمعنى :قد نظرت. ولإضمار «قد » مع الماضي جاز وضع الماضي من الأفعال في موضع الحال، لأن قد إذا دخلت معه أدنته من الحال وأشبه الأسماء. وعلى هذه القراءة، أعني : ﴿ حَصِرَتْ ﴾ قرأ القرّاء في جميع الأمصار، وبها يقرأ لإجماع الحجة عليها. وقد ذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك : «أوْ جاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ » نصبا، وهي صحيحة في العربية فصيحة، غير أنه غير جائز القراءة بها عندي لشذوذها وخروجها عن قراءة قراء الإسلام.
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿ وَلَوْ شاءَ اللّهُ لَسَلّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فإنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وألْقَوْا إلَيْكُمُ السّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾.
يعني جلّ ثناؤه : ﴿ ولو شَاءَ الله لَسلّطُهمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ﴾ :ولو شاء الله لسلط هؤلاء الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، فيدخلون في جوارهم وذمتهم، والذين يجيئونكم قد حصرت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم عليكم أيها المؤمنون، فقاتلوكم مع أعدائكم من المشركين، ولكن الله تعالى ذكره كفهم عنكم. يقول جلّ ثناؤه :فأطيعوا الذي أنعم عليكم بكفهم عنكم مع سائر ما أنعم به عليكم فيما أمركم به من الكفّ عنهم إذا وصلوا إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، أو جاءوكم حصرت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم. ثم قال جلّ ثناؤه : ﴿ فإنِ اعْتَزَلُوكُمْ ﴾ يقول :فإن اعتزلكم هؤلاء الذين أمرتكم بالكفّ عن قتالهم من المنافقين بدخولهم في أهل عهدكم أو مصيرهم إليكم، حصرت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم، فلم يقاتلوكم، ﴿ وأَلْقَوْا إلَيْكُمْ السّلَمَ ﴾ يقول :وصالحوكم. والسلم :هو الاستسلام، وإنما هذا مثل كما يقول الرجل للرجل :أعطيتك قيادي وألقيت إليك خطامي، إذا استسلم له وانقاد لأمره، فكذلك قوله : ﴿ وألْقَوْا إلَيْكُمْ السّلَمَ ﴾ إنما هو :ألقوا إليكم قيادهم واستسلموا لكم صلحا منهم لكم وسلما. ومن السلم قول الطرماح :
وَذاكَ أنّ تَمِيما غادَرَتْ سَلَما ***للأُسْدِ كُلّ حَصَانٍ وَعْثَةِ اللّبَدِ
يعني بقوله سلما :استسلاما.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال :حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع : ﴿ فإنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وألْقَوْا إلَيْكُمُ السّلَمَ ﴾ قال :الصلح.
وأما قوله : ﴿ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾ فإنه يقول :إذا استسلم لكم هؤلاء المنافقون الذين وصف صفتهم صلحا منهم لكم، فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً :أي فلم يجعل الله لكم على أنفسهم وأموالهم وذراريهم ونسائهم طريقا إلى قتل أو سباء أو غنيمة، بإباحة منه ذلك لكم ولا إذن، فلا تعرضوا لهم في ذلك إلا سبيل خير. ثم نسخ الله جميع حكم هذه الاَية والتي بعدها بقوله تعالى ذكره : ﴿ فإذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾. . . إلى قوله : ﴿ فَخَلّوا سَبِيلَهُمْ إنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. ذكر من قال في ذلك مثل الذي قلنا :
حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة والحسن، قالا :قال : ﴿ فَإنْ تَوَلّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقُتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتمُوهُمْ وَلا تَتّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّا وَلا نَصِيرا إلاّ الّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَومٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ﴾. . . إلى قوله : ﴿ وأُولَئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانا مُبِينا ﴾. وقال في الممتحنة : ﴿ لا يَنْهاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدّينِ وَلمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أنْ تَبَرّوهُمْ وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنّ اللّهَ يُحِبّ المُقْسِطِينَ ﴾ وقال فيها : ﴿ إنّمَا يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنه الّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدّينِ وأخْرَجُوكُمْ مِنْ دِياركُمْ ﴾. . . إلى : ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ﴾. فنسخ هؤلاء الاَيات الأربعة في شأن المشركين، فقال : ﴿ بَرَاءَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إلى الّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكينَ فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَاْعْلَمُوا أنّكُمْ غيرُ مُعْجزِي اللّهِ وأنّ اللّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ ﴾ فجعل لهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض، وأبطل ما كان قبل ذلك. وقال في التي تليها : ﴿ فإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلّ مَرْصد ﴾ ثم نسخ واستثنى فقال : ﴿ فإنْ تابُوا وأقامُوا الصّلاةَ وآتَوْا الزّكاةَ ﴾. . . إلى قوله : ﴿ ثُمّ أبْلِغْهُ مأْمَنَهُ ﴾.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال :أخبرنا عبد الرزاق، قال :أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله : ﴿ فإنِ اعْتَزَلُوكُمْ ﴾ قال :نسختها : ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتمُوهُمْ ﴾.
حدثني المثنى، قال :حدثنا الحجاج بن المنهال، قال :حدثنا همام بن يحيى، قال :سمعت قتادة يقول في قوله : ﴿ إلاّ الّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ﴾. . . إلى قوله : ﴿ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾ ثم نسخ ذلك بعد في براءة، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقاتل المشركين بقوله : ﴿ اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلّ مَرْصَدٍ ﴾.
حدثني يونس، قال :أخبرنا ابن وهب، قال :قال ابن زيد في قوله : ﴿ إلاّ الّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ﴾. . . الاَية، قال :نُسخ هذا كله أجمع، نسخه الجهاد، ضرب لهم أجل أربعة أشهر، إما أن يسلموا وإما أن يكون الجهاد.
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلّ مَا رُدّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوَاْ إِلَيْكُمُ السّلَمَ وَيَكُفّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلََئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مّبِيناً ﴾. .
وهؤلاء فريق آخر من المنافقين كانوا يظهرون الإسلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليأمنوا به عندهم من القتل والسباء وأخذ الأموال وهم كفار، يعلم ذلك منهم قومهم، إذا لقوهم كانوا معهم وعبدوا ما يبعدونه من دون الله ليأمنوهم على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وذراريهم، يقول الله : ﴿ كُلّما رُدّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا ﴾ يعني :كلما دعاهم إلى الشرك بالله ارتدوا فصاروا مشركين مثلهم.
واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الاَية، فقال بعضهم :هم ناس كانوا من أهل مكة أسلموا على ما وصفهم الله به من التقية وهم كفار، ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم وذراريهم ونسائهم، يقول الله : ﴿ كُلّما رُدّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا ﴾ يعني :كلما دعاهم إلى الشرك بالله ارتدوا، فصاروا مشركين مثلهم ليأمنوا عند هؤلاء وهؤلاء. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال :حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ﴿ يُرِيدونَ أنْ يأْمَنُوكُمْ ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ ﴾ قال ناس كانوا يأتون النبيّ صلى الله عليه وسلم، فيسلمون رياء، ثم يرجوعن إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا.
حدثني المثنى، قال :حدثنا أبو حذيفة، قال :حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني محمد بن سعد، قال :ثني أبي، قال :ثني عمي، قال :ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكُمْ ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلّما رُدّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها ﴾ يقول :كلما أرادوا أن يخرجوا من فتنة أركسوا فيها. وذلك أن الرجل كان يوحد قد تكلم بالإسلام، فيقرّب إلى العود والجحر وإلى العقرب والخنفساء، فيقول المشركون لذلك المتكلم بالإسلام :قل هذا ربي، للخنفساء والعقرب.
وقال آخرون :بل هم قوم من أهل الشرك كانوا طلبوا الأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأمنوا عنده وعند أصحابه وعند المشركين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال :حدثنا يزيد، قال :حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرينَ يُريدُونَ أنْ يَأْمَنُوكُمْ ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ ﴾ قال :حيّ كانوا بتهامة، قالوا :يا نبيّ الله لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا، وأرداوا أن يأمنوا نبيّ الله ويأمنوا قومهم. فأبي الله ذلك عليهم، فقال : ﴿ كُلّما رُدّوا إلى الفِتْنَة أُرْكِسُوا فِيها ﴾ يقول :كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه.
وقال آخرون :نزلت هذه الاَية في نعيم بن مسعود الأشجعي. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال :حدثنا أحمد بن مفضل، قال :حدثنا أسباط، عن السديّ، قال :ثم ذكر نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان يأمن في المسلمين والمشركين، ينقل الحديث بين النبيّ صلى الله عليه وسلم. فقال : ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُريدُونَ أنْ يَ