0:00
0:00

﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا { ١ ﴾ }.
﴿ يا أيها الناس ﴾ المراد بهم الموجودون عند الخطاب من بني آدم وهم أهل مكة، يدخل فيه من سيوجد بدليل خارجي وهو الإجماع على أنهم مكلفون بما كلف به الموجودون.
وعند الحنابلة خطاب المشافهة يتناول القاصرين عن درجة التكليف فينتظم في سلكهم من الحادثين بعد ذلك إلى يوم القيامة أو هو بطريق تغليب الموجودين على من لم يوجد كما غلب الذكور على الإناث في قوله ﴿ أتقو الله ربكم ﴾ لاختصاص ذلك وبجمع المذكر وعدم تناول حقيقة للإناث عند غير الحنابلة، وقد تقدم في البقرة معنى التقوى والرب.
﴿ الذي خلقكم ﴾ فإن خلقه تعالى لهم على هذا النمط البديع من أقوى الدواعي إلى الاتقاء من موجبات نقمته، ومن أتم الزواجر عن كفران نعمته وذلك لأنه ينبئ عن قدرة شاملة لجميع المقدورات التي من جملتها عقابهم، وعن نعمة كاملة لا يقادر قدرها.
﴿ من نفس واحدة ﴾ آدم عليه السلام ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ حواء هذا أيضا من موجبات الاحتراز عن الإخلال بمراعاة ما بينهم من حقوق الأخوة، و ( من ) لابتداء الغاية في الموضعين وخلقها منه لم يكن بتوليد كخلق الأولاد من الآباء فلا يلزم منه ثبوت حكم البنتية والأختية فيها، قال كعب ووهب وابن اسحق :خلقت قبل دخول الجنة، وقال ابن مسعود وابن عباس :إنما خلقت في الجنة بعد دخوله إياها.
﴿ وبث ﴾ فرق ونشر ﴿ منهما ﴾ الضمير راجع إلى آدم وحواء المعبر عنهما بالنفس والزوج ﴿ رجالا كثيرا ﴾ وصف مؤكد لما تفيده صيغة الجمع لكونها من جموع الكثرة وقيل هو نعت لمصدر محذوف أي بثا كثيرا ﴿ ونساء ﴾ كثيرة، وترك التصريح به استغناء واكتفاء بالوصف الأول.
﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به ﴾ أي تعاطون به، قال ابن عباس، وقال الربيع تعاقدون وتعاهدون، وقيل تتحالفون به، وقيل تعظمونه، والمعاني متقاربة، وقال البيضاوي :أي يسأل بعضكم بعضا بالله.
﴿ والأرحام ﴾ بالنصب عطفا على محل الجار والمجرور، كقولك مررت بزيد وعمرا، وينصره قراءة ﴿ وبالأرحام ﴾ فإنهم كانوا يقرنون بينهما في السؤال والمناشدة فيقولون أسألك بالله وبالرحم، وأنشدك الله والرحم أو عطفا على الاسم الجليل أي اتقوا الله والأرحام فلا تقطعوها فإنها مما أمر الله به أن يوصل، وهي الأولى.
وقرئ والأرحام بالجر وأنكره البصريون والكوفيون وسيبويه والزجاج، وحكى أبو علي الفارسي أن المبرد قال :لو صليت خلف إمام يقرأ ﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ﴾ بالجر لأخذت نعلي ومضيت.
وقد رد الإمام أبو نصر القشيري ما قاله القادحون في قراءة الجر فقال :ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين لأن القراآت التي قرأ بها أئمة القرآن ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تواترا، ولا يخفى أن دعوى التواتر باطلة، يعرف ذلك من يعرف الأسانيد التي رووها بها، ولكم ينبغي أن يحتج للجواز بورود ذلك في أشعار العرب، ومنه قوله تعالى ﴿ وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين ﴾.
وقيل التقدير :واتقوا قطع مودة الأرحام فإن قطع الأرحام من أكبر الكبائر، وصلة الأرحام باب لكل خير فتزيد في العمر وتبارك في الرزق، وقطعها سبب لكل شر، ولذلك وصل تقوى الرحم بتقوى الله.
وصلة الرحم تختلف باختلاف الناس فتارة يكون عادته من رحمه الصلة بالإحسان، وتارة بالخدمة وقضاء الحاجة، وتارة بالمكاتبة، وتارة بحسن العبارة وغير ذلك.
وقرئ بالرفع على الابتداء والخبر مقدر أي والأرحام صلوها أو والأرحام أهل أن توصل، أو والأرحام كذلك أي ما يتقي أو يتساءل به، وقيل إن الرفع على الإغراء عند من يرفع به، وجوز الواحدي نصبه على الإغراء.
والأرحام اسم لجميع الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره، لا خلاف في هذا بين أهل الشرع واللغة، وقد خصص الإمام أبو حنيفة الرحم بالمحرم في منع الرجوع في الهبة مع موافقته على أن معناها أعم، ولا وجه لهذا التخصيص.
قال القرطبي :اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة وأن قطيعتها محرمة انتهى، وقد وردت بذلك الأحاديث الكثيرة الصحيحة، روى الشيخان عن عائشة قالت :قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله ) ١ وإنما استعير اسم الرحم للقرابة لأن الأقارب يتراحمون ويعطف بعضهم على بعض.
﴿ إن الله كان عليكم رقيبا ﴾ حافظا يعلم السر وأخفى، والرقيب المراقب، وهي صيغة مبالغة من رقب يرقب رقبا ورقوبا إذا أحد النظر لأمر يريد تحقيقه.
١ صحيح مسلم ٢٠٠٠- البخاري٢٠٤٥.
﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أمولهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا { ٢ ﴾ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذاك أدنى ألا تعولوا ﴿ ٣ ﴾ }.
﴿ وآتوا ﴾ أعطوا ﴿ اليتامى أموالهم ﴾ شروع في موارد الاتقاء ومظانه، وتقديم ما يتعلق باليتامى لإظهار كمال العناية بأمرهم وملابستهم للأرحام، والخطاب للأولياء والأوصياء، واليتيم من لا أب له، وقد خصه الشرع بمن لم يبلغ الحلم، وقد تقدم تفسير معناه في البقرة مستوفى.
وأطلق اسم اليتيم عليهم عند إعطاءهم أموالهم مع أنهم لا يعطونها إلا بعد ارتفاع اسم اليتيم بالبلوغ مجازا باعتبار ما كانوا عليه، ويجوز أن يراد باليتامى المعنى الحقيقي. وبالإيتاء ما يدفعه الأولياء والأوصياء إليهم من النفقة والكسوة لا دفعها جميعها، هذه الآية مقيدة بالأخرى وهي قوله تعالى : ﴿ فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ فلا يكون مجرد ارتفاع اليتيم بالبلوغ مسوغا لدفع أموالهم حتى يؤنس عنهم الرشد.
﴿ ولا تتبدلوا الخبيث ﴾ هو مال اليتيم وإن كان جيدا لكونه حراما ﴿ بالطيب ﴾ وهو مال الولي لكونه حلالا وإن كان رديئا فالباء داخلة على المتروك نهي لهم عن أن يصنعوا صنع الجاهلية في أموال اليتامى، فإنهم كانوا يأخذون الطيب من أموال اليتامى ويعوضونه بالرديء من أموالهم، ولا يرون بذلك بأسا.
وقيل المعنى لا تأكلوا أموال اليتامى وهي محرمة خبيثة وتدعوا الطيب من أموالكم وقيل المراد لا تتعجلوا أكل الخبيث من أموالهم وتدعوا انتظار الرزق الحلال من عند الله، والأول أولى فإن تبدل الشيء بالشيء في اللغة أخذ مكانه، وكذلك استبداله ومنه قوله تعالى ﴿ ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل ﴾ وقوله ﴿ أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ﴾ وأما التبديل فقد يستعمل كذلك كما في قوله ﴿ وبدلناهم بجنتيهم جنتين ﴾ وأخرى بالعكس كما في قولك بدلت الحلقة بالخاتم إذا أذبتها وجعلتها خاتما، نص عليه الأزهري.
وذهب جماعة من المفسرين إلى أن المنهي عنه في هذه الآية يعني ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ هو الخلط فيكون الفعل مضمنا معنى الضم أي لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم، وهذا نهي عن منكر آخر كانوا يفعلونه بأموال اليتامى، وخص النهي بالمضموم وإن كان أكل مال اليتيم حراما وإن لم يضم إلى مال الوصي، لأن أكل ماله مع الاستغناء عنه أقبح، فلذلك خص النهي به أو لأنهم كانوا يأكلونه مع الاستغناء عنه، فجاء النهي على ما وقع منهم بالقيد للتشنيع.
وإذا كان التقييد لهذا الغرض لم يلزم القائل بمفهوم المخالفة جواز أكل أموالهم وحدها، قاله الكرخي، ثم نسخ هذا بقوله تعالى ﴿ وإن تخالطوهم فإخوانكم ﴾ وقيل إن إلى بمعنى مع كقوله تعالى ﴿ من أنصاري إلى اللله ﴾ والأول أولى.
﴿ إنه ﴾ أي أكل مال اليتيم من غير حق أو التبديل المفهوم من ﴿ لا تتبدلوا ﴾ أو المراد كلاهما ذهابا بها مذهب اسم الإشارة نحو ﴿ عوان بين ذلك ﴾ والأول أولى لأنه أقرب مذكور ﴿ كان حوبا ﴾ قرئ بضم الحاء وبفتحها، وحابا بالألف لغات في المصدر، والفتح لغة تميم، وهو الإثم، يقال حاب الرجل يحوب حوبا إذا أتم واكتسب الإثم، وأصله الزجر للإبل فسمي الإثم حوبا لأنه يزجر عنه، والحوبة الحاجة والحوب أيضا الوحشة والتحوب التحزن.
عن سعيد ابن جبير قال إن رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له، فلما بلغ اليتيم طلب ماله فمنعه عمه فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت هذه الآية بقول :لا تستبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم. وعن مجاهد قال :لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال الذي قدر لك، ولا تأكلوا أموالهم مع أموالكم تخلطونها فتأكلونها جميعا إنه كان إثما ﴿ كبيرا ﴾ وعن ابن زيد قال :كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا يورثون الصغار، يأخذه الكبير فنصيبه من الميراث طيب، وهذا الذي يأخذ خبيث.
﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ﴾ وجه ارتباط الجزاء بالشرط أن الرجل كان يكفل اليتيمة لكونه وليا لها ويريد أن يتزوجها فلا يقسط لها في مهرها أي لا يعدل فيه ولا يعطيها ما يعطيها غيره من الأزواج، فنهاهم الله أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى ما هو لهن من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن.
فهذا سبب نزول الآية فهو نهي يخص هذه الصورة، قال جماعة من السلف إن هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية وفي أول الإسلام من أن للرجل أ يتزوج من الحرائر ما يشاء فقصرهم بهذه الآية على أربع، فيكون وجه ارتباط الجزاء بالشرط أنهم إذا خافوا أن لا يقسطوا في اليتامى فكذلك يخافون أن لا يقسطوا في النساء، لأنهم كانوا يتحرجون في اليتامى ولا يتحرجون في النساء، والخوف من الأضداد فإن المخوف قد يكون معلوما، وقد يكون مظنونا.
ولهذا اختلف الأئمة في معناه في الآية فقال أبو عبيد :خفتم بمعنى أيقنتم، وقال الآخرون بمعنى ظننتم، قال ابن عطية وهو الذي اختاره الحداق :وإنه على بابه من الظن لا من اليقين.
والمعنى من غلب على ظنه التقصير في العدل لليتيمة فليتركها وينكح غيرها.
والمعروف عند أهل اللغة أن أقسط بمعنى عدل، وقسط بمعنى جار لأن الهمزة تأتي للسلب فيقال أقسط إذا أزال القسط أي الجور والظلم، ولذلك جاء ﴿ وأما القاسطون ﴾ الآية، ﴿ وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ﴾ وجاء قسط قسطا من باب ضرب، وقسوطا جار وعدل فهو من الأضداد، قاله ابن القطاع، والاسم القسط.
و " ما " في قوله ﴿ ما طاب لكم ﴾ موصولة وجاء بما مكان " من " لأنهما قد يتعاقبان فيقع كل واحد منهما مكان الآخر كما في قوله ﴿ والسماء وما بناها ﴾ ﴿ ومنهم من مشي على بطنه ومنهم من يمشي على أربع ﴾.
قال بعضهم :وحسن وقوعها هنا أنها واقعة على النساء وهن ناقصات العقول، وقال البصريون :إن ﴿ ما ﴾ يقع للنعوت كما يقع لما لا يعقل، يقال ما عندك فيقال ظريف وكريم، وقيل هي لنوع من يعقل، فالمعنى فانكحوا النوع الطيب من النساء أي الحلال وما حرمه الله فليس بطيب، وقيل إن ﴿ ما ﴾ هنا مدية أي ما دمتم مستحسنين للنكاح، وضعفه ابن عطية.
قال الفراء :إن ﴿ ما ﴾ ههنا مصدرية، قال النحاس :وهذا بعيد جدا، وقيل إنها نكرة موصوفة أي انكحوا جنسا طيبا وعددا طيبا، والأول أولى، وقرئ فانكحوا من طاب لكم.
وقد اتفق أهل العلم على أن هذا الشرط المذكور في الآية لا مفهوم له، وأنه يجوز لمن لم يخف أن يقسط في اليتامى أن ينكح أكثر من واحدة.
و " من " في قوله ﴿ من النساء ﴾ إما بيانية أو تبعيضية لأن المراد غير اليتائم بشهادة قرينة المقام أي فانكحوا من استطابتها نفوسكم من الأجنبيات، وفي إيثار الأمر بنكاحهن على النهي عن نكاح اليتامى مع أنه المقصود بالذات مزيد لطف في استنزالهم، فإن النفس مجبولة على الحرص على ما منعت منه.
على أن وصف النساء بالطيب على الوجه الذي أشير إليه، فيه مبالغة في الاستمالة إليهن، والترغيب فيهن، وكل ذلك للاعتناء بصرفهم عن نكاح اليتامى وهو السر في توجيهه النهي الضمني إلى النكاح المترقب.
﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ أي اثنتين اثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا، وهذه الألفاظ المعدولة فيها خلاف، وهل يجوز فيها القياس أو يقتصر فيها على السماع، فالأول قول الكوفيين وأبي إسحق وغيره، والثاني قول البصريين.
والمسموع من ذلك أحد عشر لفظا أحاد وموحد، وثناء ومثنى، وثلاث ومثلث، ورباع ومربع، ومخمس وعشار ومعشر، ولم يسمع خماس ولا غيره من بقية العقد. وجمهور النحاة على منع صرفها وأجاز الفراء صرفها وإن كان المنع عنده أولى.
وقد استدل بالآية على تحريم ما زاد على الأربع وبينوا ذلك بأنه خطاب لجميع الأمة، وأن كل ناكح له أن يختار ما أراد من هذا العدد كما يقال للجماعة اقتسموا هذا المال وهو ألف درهم أو هذا المال الذي في البدرة درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة.
وهذا مسلم إذا كان المقسوم قد ذكرت جملته أو عين مكانه، أما لو كان مطلقا كما يقال اقتسموا الدراهم، ويراد به ما كسبوه فليس المعنى هكذا، والآية من الباب الآخر لا من الباب الأول، على أن من قال لقوم يقتسمون مالا معينا كبيرا اقتسموه مثنى وثلاث ورباع فقسموا بعضه بينهم درهمين وبعضه ثلاثة ثلاثة وبعضه أربعة أربعة كان هذا هو المعنى العربي.
ومعلوم أنه إذا قال القائل :جاءني القوم مثنى، وهم مائة ألف كان المعنى أنهم جاءوه اثنين اثنين، وهكذا جاءني القوم ثلاث ورباع.
الخطاب للجميع بمنزلة الخطاب لكل فرد كما في قوله تعالى ﴿ اقتلوا المشركين، أقيموا الصلاة، آتوا الزكاة ﴾ ونحوها.
فمعنى قوله ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ﴾ لينكح كل فرد منكم ما طاب له من النساء اثنتين اثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا، هذا ما يقتضيه لغة العرب. فالآية تدل على خلاف ما استدلوا به عليه.
ويؤيد هذا قوله تعالى في آخر الآية ﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ﴾ فإنه إن كان خطاب للجميع فهو بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد، فالأول أن يستدل على تحريم الزيادة على الأربع بالسنة لا بالقرآن.
وأما استدلال من استدل بالآية على جواز نكاح التسع باعتبار الواو الجامعة، وكأنه قالوا انكحوا مجموع هذا العدد المذكور، فهذا جهل بالمعنى العربي، ولو قال انكحوا اثنتين وثلاثا وأربعا، كان هذا القول له وجه، وأما مع المجيء بصيغة العدل فلا.
وإنما جاء سبحانه بالواو الجامعة دون ( أو ) لأن التخيير يشعر بأنه لا يجوز إلا أحد الأعداد دون غيره، وذلك ليس بمراد من النظم القرآني.
وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وابن ماجة والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم :اختر منهن وفي لفظ امسك منهن أربعا وفارق سائرهن١، وروي هذا الحديث بألفاظ من طرق.
وعن نوفل بن معاوية الديلي قال أسلمت وعندي خمس نسوة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمسك أربعا وفارق الأخرى، أخرجه الشافعي في مسنده.
وأخرج ابن ماجة والنحاس في ناسخه عن قيس بن الحارث الأسدي قال أسلمت وكان تحتي ثمان نسوة فأتيت النبي صلى لله عليه وآله وسلم فأخبرته فقال اختر منهن أربعا وخل سائرهن ففعلت، وهذه شواهد للحديث الأول كما قال البيهقي.
وعن الحكم قال أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أن المملوك لا يجمع من النساء فوق اثنتين، وفي بعض التفاسير هنا خلط وخبط تركناه لأنه تطويل بلا طائل، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.
﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ﴾ بين الزوجات في القسم والنفقة ونحوهما ﴿ فواحدة ﴾ أي فانكحوا واحدة وفيه المنع من الزيادة على الواحدة لمن خاف ذلك.
﴿ أو ﴾ انكحوا واقتصروا على ﴿ ما ملكت أيمانكم ﴾ من السراري وإن كثر عددهن كما يفيده الموصول، إذ ليس لهن من الحقوق ما للزوجات، والمراد نكاحهن بطريق الملك لا بطريق النكاح، وفيه دليل على أنه لا حق للمملوكات في القسم كما يدل على ذلك جعله قسيما للوحدة في الملك إلى اليمين لكونها المباشرة لقبض الأموال وإقباضها ولسائر الأمور التي تنسب إلى الشخص في الغالب.
﴿ ذلك ﴾ أي نكاح الأربعة فقط أو الواحدة أو التسري ﴿ أدنى ﴾ أقرب إلى ﴿ ألا تعولوا ﴾ تجوروا من عال الرجل يعول إذا مال وجار ومنه قولهم عال السهم عن الهدف أي مال عنه، وعال الميزان إذا مال.
والمعنى إن خفتم عدم العدل بين الزوجات فهذه التي أمرتم بها أقرب إلى عدم الجور، وهو قول أكثر المفسرين.
وقال الكسائي يقال عال الرجل يعيل إذا افتقر فصار عالة، ومنه قوله تعالى ﴿ وإن خفتم عيلة ﴾ وقيل المعنى أن لا تضلوا، وقال الشافعي أن لا تكثر عيالكم، قال الثعلبي وما قال هذا غيره، وإنما يقال أعال يعيل إذا كثر عياله.
وذكر ابن العربي أن عال يأتي لسبعة معان ( الأول ) مال ( الثاني ) زاد ( الثالث ) جار ( الرابع ) افتقر ( الخامس ) أثقل ( السادس ) قام بمعونة العيال ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ( وابدأ بمن تعول ) ٢ ( السابع ) غلب ومنه عيل صبري، قال ويقال أعال الرجل كثر عياله، وأما عال بمعنى كثر عياله فلا يصح.
ويجاب على إنكار الثعلبي لما قاله الشافعي، وكذلك إنكار ابن العربي بأنه قد سبق الشافعي إلى القول به زيد بن أسلم وجابر ابن زيد، وهما إمامان من أئمة المسلمين لا يفسران القرآن هما والإمام الشافعي بما لا وجه له في العربية، وقد أخرج ذلك عنهما الدارقطني في سننه.
وقد حكاه القرطبي عن الكسائي وأبي عمرو الدوري وابن الأعرابي، وقال أبو حاتم كان الشافعي أعلم بلغة العرب منا ولعله لغة، وقال الدوري هي لغة حمير.
قال ابن عطية :قول الشافعي نفسه حجة لأنه عربي فصيح، وقال الأزهري :والذي اعترض عليه وخطأه عجل ولم يتثبت فيما قال، ولا ينبغي للحضرمي أن يعجل إلى إنكاره ما لا يحفظه من لغات العرب أه.
وبسط الرازي في هذا المقام من تفسيره. ورد على أبي بكر الرازي ثم قال :الطعن لا يصدر إلا عن كثرة الغباوة وقلة المعرفة.
وقرأ طلحة بن مصرف :أن لا تعيلوا بضم التاء، وهو حجة الشافعي.
وقدح الزجاج في تأويل عال من العيال بأن الله سبحانه قد أباح كثرة السراري، وفي ذلك تكثير العيال، فكيف يكون أقرب إلى أن لا تكثر، وهذا القدح غير صحيح لأن السراري إنما هي مال يتصرف فيه بالبيع، وإنما العيال الحرائر ذوات الحقوق الواجبة.
وقد حكى ابن الأعرابي أن العرب تقول عال الرجل إذا كثر عياله، وكفى بهذا، وقد ورد عال لمعان غير السبعة التي ذكرها ابن العربي منها عال اشتد وتفاقم، حكاه الجوهري، وعال الرجل في الأرض إذا ضرب فيها حكاه الهروي، وعال إذا أعجز حكاه الأحمر، فهذه ثلاث معان غير السبعة، والرابع عال كثر عياله، فحمله معاني عال أحد عشر معنى.
وعن قتادة في الآية قال :يقول إن خفت ألا تعدل في أربع فثلاثا وإلا فاثنتين وإلا فواحدة فإن خفت أن لا تعدل في واحدة فما ملكت يمينك، وعن الربيع مثله، وعن الضحاك قال ألا تعدلوا في المجامعة والحب وفيه نظر، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول ( للهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك ) ٣ يعني في حبه لعائشة، والله تعالى يقول ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ﴾ وعن السدي " أو ملكت أيمانكم " قال :السراري.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ذلك أدنى أن لا تعدلوا ﴾ قال أن لا تجوروا قال ابن أبي حاتم هذا حديث خطأ، والصحيح عن عائشة موقوف، وعن ابن عباس موقوف. ٤
وعن ابن عباس قال أن لا تميلوا، وعن مجاهد وأبي رزين وأبي مالك والضحاك مثله، وعن زيد ابن أسلم أن لا يكثر من تعولوا، وعن سفيان بن عيينة أن لا تفتقروا.
١ الدارقطني ٢/١٤٩٢..
٢ البخاري كتاب الزكاة الباب ١٨..
٣ أبو داود كتاب النكاح الباب٣٨-الترمذي كتاب النكاح الباب٤١..
٤ ابن كثير٢/٤٥١..
﴿ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ( ٤ ) ﴾
﴿ وآتوا ﴾ الخطاب للأزواج وقيل الأولياء ﴿ النساء صدقاتهن ﴾ بضم الدال جمع صدقة كسمرة قال الأخفش وبنو تميم يقولون صدقة والجمع صدقات وإن شئت فتحت وإن شئت أسكنت.
﴿ نحلة ﴾ بكسر النون وضمها لغتان، وأصلها العطاء نحلت فلانا أعطيته، وعلى هذا فهي منصوبة على المصدرية لأن الإيتاء بمعنى الإعطاء وقيل النحلة التدين فمعنى نحلة تدينا قاله الزجاج وعلى هذا فهي منصوبة على المفعول له، وقال قتادة الفريضة، وعل هذا فهي منصوبة على الحال وقيل طيبة النفس، قال أبو عبيد :ولا تكون النحلة إلا عن طيبة نفس، وقال ابن عباس :المهر، قالت عائشة :واجبة، وقال ابن جريج :فريضة مسماة وعن قتادة مثله.
ومعنى الآية على كون الخطاب للأزواج أعطوا النساء اللاتي نكحتموهن مهورهن التي لهن عليكم عطية أو ديانة منكم أو فريضة عليكم أو طيبة من أنفسكم.
ومعناها على كون الخطاب للأولياء أعطوا النساء من قراباتكم التي قبضتم مهورهن من أزواجهن تلك المهور، وقد كان الولي يأخذ مهر قريبته في الجاهلية ولا يعطيها شيئا. حكى ذلك عن أبي صالح والكلبي. والأول أولى وهو الأشبه بظاهر الآية وعليه الأكثر لأن الله تعالى خاطب الناكحين فيما قبله كما تقدم، فهذا أيضا خطاب لهم.
وفي الآية دليل على أن الصداق واجب على الأزواج للنساء، وهو مجمع عليه كما قال القرطبي، قال :وأجمع العلماء على أنه لا حد لكثيره واختلفوا في قليه.
﴿ فإن طبن لكم ﴾ يعني النساء المتزوجات للأزواج ﴿ عن شيء منه ﴾ قال ابن عباس :إذا كان من غير ضرار ولا خديعة فهو هنيء مريء كما قال الله تعالى والضمير في ﴿ منه ﴾ راجع إلى الصدقات، أو إلى المذكور وهو الصداقات، أو هو بمنزلة اسم الإشارة كأنه قال من ذلك.
والمعنى فإنه طبن النساء لكم أيها الأزواج أو الأولياء عن شيء كائن من المهر، و ﴿ من ﴾ فيها وجهان أحدهما أنها للتبعيض ولذلك لا يجوز لها أن تهبه كل الصداق، وإليه ذهب الليث ( والثاني ) أنها للبيان، ولذلك يجوز أن تهبه المهر كله، وفي الكرخي وتذكير الضمير يعود على الصداق المراد به الجنس، قل أو كثر فيكون حملا على المعنى.
﴿ نفسا ﴾ نصب على التمييز لأن نفسا في معنى الجنس، وجيء بالتمييز مفردا إن كان قبله جمعا لعدم اللبس، إذ من المعلوم أن الكل لسن مشتركات في نفس واحدة أي فإن طابت نفوسهن عن شيء من الصداق.
وفي طبن دليل على أن المعتبر في تحليل ذلك منهن لهم إنما هو طيبة النفس لا مجرد ما يصدر منها من الألفاظ التي لا يتحقق معها طيبة النفس، فإذا ظهر منها ما يدل على عدم طيبة النفس نفسها لم يحل للزواج ولا للولي وإن كانت قد تلفظت بالهبة أو النذر أو نحوهما.
وما أقوى دلالة هذه الآية على عدم اعتبار ما يصدر من النساء من الألفاظ المفيدة للتمليك بمجردها لنقصان عقولهن وضعف إدراكهن سرعة انخداعهن وانجذابهن إلى ما يراد منهن بأيسر ترغيب أو ترهيب.
﴿ فكلوه ﴾ أي فخذوا ذلك الشيء الذي طابت به نفوسهن وتصرفوا فيه بأنواع التصرفات وخص الأكل لأنه معظم ما يراد بالمال وإن كان سائر الإنتفاعات به جائز كالأكل ﴿ هنيئا مريئا ﴾ يقال هناه الطعام والشراب يهنيه ومراه وأمراه من الهنا والمرا، والفعل هنا ومرأ أي أتى من غير مشقة ولا غيظ، وقيل هو الطيب الذي لا تنغيص فيه وقيل لمحمود العاقبة الطيب الهضم، وقيل ما لا إثم فيه، والمقصود هنا أنه حلال لهم خالص عن الشوائب.
﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا ( ٥ ) ﴾.
﴿ ولا تؤتوا ﴾ أيها الأولياء ﴿ السفهاء ﴾ المبذرين من الرجال والنساء والصبيان ﴿ أموالكم ﴾ هذا رجوع إلى بقية الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى وقد تقدم الأمر بدفع أموالهم إليهم في قوله ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ فبين سبحانه ههنا أن السفيه وغير البالغ لا يجوز دفع ماله إليه، وقد تقدم في البقرة معنى السفينه لغة.
واختلف أهل العلم في هؤلاء السفهاء من هم فقال سعيد ابن جبير :هم اليتامى لا تؤتوهم أموالهم، قال النحاس :وهذا من أحسن ما قيل في الآية، وقال مالك :هم الأولاد الصغار لا تعطوهم أموالكم فيفسدوها ويبقوا بلا شيء، وقال مجاهد :هم النساء قال النحاس وغيره هذا القول لا يصح إنما تقول العرب سفايه أو سفيهات.
واختلفوا في وجه إضافة الأموال إلى المخاطبين وهي للسفهاء فقيل أضافها إليهم لأدنى ملابسة فإنها بأيديهم وهم الناظرون فيها كقوله ﴿ فاقتلوا أنفسكم ﴾ أي ليسلم بعضكم على بعض وليقتل بعضكم بعضا، وقيل أضافها إليهم لأنها من جنس أموالهم، فإن الأموال جعلت مشتركة بين الخلق في الأصل.
وقيل المراد أموال المخاطبين حقيقة، وبه قال أبو موسى الأشعري وابن عباس والحسن وقتادة، والمراد النهي عن دفعها إلى من لا يحسن تدبيرها كالنساء والصبيان ومن هو ضعيف الإدراك لا يهتدي إلى وجوه النفع التي تحصل المال ولا يتجنب وجوه الضرر التي تهلكه وتذهب به.
﴿ التي جعل الله ﴾ أي صيرها أو خلقها وأوجدها ﴿ لكم ﴾ حال كونها ﴿ قياما ﴾ يعني قوام معايشكم، قال ابن عباس، والقيام والقوام ما يقيمك، يقال فلان قيام أهله وقوام بيته، وهو الذي يقيم شأنه أي يصلحه، وهو منصوب على المصدر أي فيقومون بها قياما.
وقال الأخفش :المعنى قائمة بأموركم فذهب إلى أنها نفع، وقال البصريون :قيما جمع قيمة كديمة وديم أي جعلها الله قيمة للأشياء وخطأ أبو غلي الفارسي هذا القول وقال هي مصدر كقيام وقوام.
والمعنى أنها صلاح للحال وثبات له.
فأما على قول من قال إن المراد أموالهم على ما يقتضيه ظاهر الإضافة فالمعنى واضح، وأما على قول من قال إنها أموال اليتامى فالمعنى أنها من جنس ما تقوم به معايشكم ويصلح به حالكم من الأموال، قال الفراء الأكثر في كلام العرب النساء اللواتي والأموال التي وكذا غير الأموال ذكره النحاس.
﴿ وارزقوهم فيها ﴾ أي أطعموهم منها، قال ابن عباس :أنفقوا عليهم أي اجعلوا لهم فيها رزقا أو افرضوا لهم، وآثر التعبير بفي على من مع أن المعنى عليها إشارة إلى أنه ينبغي للولي أن يتجر لموليه في ماله ويربحه له حتى تكون نفقته عليه من الربح لا من أصل المال، فالمعنى واجعلوها مكانا لرزقهم وكسوتهم بأن تتجروا فيها وتربحوها لها.
﴿ واكسوهم ﴾ هذا فيمن تلزم نفقته وكسوته من الزوجات والأولاد ونحوهم، وأما على قول من قال إن الأموال هي أموال اليتامى فالمعنى اتجروا فيها حتى تربحوا وتنفقوهم من الأرباح، أو جعلوا لهم من أموالهم رزقا ينفقونه على أنفسهم ويكتسون به.
وقد استدل بهذه الآية على جواز الحجر على السفهاء وبه قال الجمهور، وقال أبو حنيفة :لا يحجر على من بلغ عاقلا، واستدل بها أيضا على وجوب نفقة القرابة، والخلاف في ذلك معروف في مواطنه.
﴿ وقولوا لهم قولا معروفا ﴾ أي كلاما لينا تطيب به نفوسهم، وقال مجاهد :أمروا أن يقولوا لهم قولا جميلا في البر والصلة قيل معناه ادعوا لهم بارك الله فيكم وحاطكم وصنع لكم، وقيل معناه :عدوهم وعدا حسنا قاله ابن جريج أي بإعطائهم أموالهم كأن يقول الولي لليتيم مالك عندي وأنا أمين عليه، فإذا بلغت رشدت أعطيتك مالك، ويقول الأب لابنه مالي سيصير إليك، وأنت إن شاء الله تعالى صاحبه ونحو ذلك، وذلك لأجل تطييب خواطرهم، ولأجل أن يجدوا في أسباب الرشد.
والظاهر من الآية ما يصدق عليه مسمى القول الجميل ففيه إرشاد إلى حسن الخلق مع الأهل والأولاد أو مع الأيتام المكفولين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه ( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ) ١ وعن ابن عباس في الآية لا تعمد إلى مالك وما خولك الله وجعله لك معشية فتعطيه امرأتك أو بنتك ثم تضطر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم ورزقهم ومؤنتهم، وعنه لا تسلط السفيه من ولدك على مالك، وأمره أن يرزقه منه ويكسوه، وعنه قال :هم بنوك والنساء.
وعن أبي أمامة مرفوعا عند ابن أبي حاتم أن السفهاء النساء التي أطاعت قيمها. وعن أبي هريرة قال :هم الخدم وهم شياطين الإنس، وقال ابن مسعود :هم النساء والصبيان، وعن حضرمي أن رجلا عمد فدفع ماله إلى امرأته فوضعته في غير الحق فقال الله ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ الآية.
وعن ابن حرير قال :هم اليتامى والنساء وعن عكرمة قال هو مال اليتيم يكون عندك يقول لا تؤته إياه وأنفق عليه حتى يبلغ.
١ صحيح الجامع الصغير ٣٣٠٩..
﴿ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا ( ٦ ) ﴾.
﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ شروع في تعيين وقت تسليم أموال اليتامى إليهم، وبيان شرطه بعد الأمر بإيتائها على الإطلاق، والنهي عنه عند كون أصحابها سفهاء، والابتلاء الاختبار، وقد تقدم تحقيقه، وقد اختلفوا في معنى الاختبار فقيل هو أن يتأمل الوصي أخلاق يتيمه ليعلم بنجابته وحسن تصرفه فيدفع إليه ماله إذا بلغ النكاح وآنس منه الرشد، وقيل معنى الاختبار أن يدفع إليه شيئا من ماله ويأمره بالتصرف فيه حتى يعلم حقيقة حاله.
وقيل معنى الاختبار أن يرد النظر إليه في نفقة الدار ليعرف كيف تدبيره، وإن كانت جارية رد إليها ما يرد إلى ربة البيت من تدبير بيتها، وهذا الخطاب للأولياء، والاختبار واجب على الولي، وقيل نزلت هذه الآية في ثابت بن رفاعة وعمه.
﴿ حتى إذا بلغوا النكاح ﴾ المراد ببلوغ النكاح بلوغ الحلم لقوله تعالى ﴿ وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم ﴾ ومن علامات البلوغ الإنبات، وبلوغ خمس عشر سنة. وقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما لا يحكم لمن لم يحتلم بالبلوغ إلا بعد مضي سبع عشر سنة، وهذه العلامات تعم الذكر والأنثى، وتختص الأنثى بالحبل والحيض.
﴿ فإن آنستم ﴾ أبصرتم ورأيتم، ومنه قوله ﴿ آنس من جانب الطور نارا ﴾ قال الأزهري :تقول العرب اذهب فاستأنس هل ترى أحدا معناه تبصر، وقيل :هو هنا بمعنى وجد وعلم أي فإن وجدتم وعلمتم.
﴿ منهم رشدا ﴾ بضم الراء وفتحها قيل هما لغتان، واختلف أهل العلم في معنى الرشد ههنا فقيل الصلاح في العقل والدين، وقيل في العقل خاصة، قال سعيد ابن جبير والشعبي :إنه لا يدفع إلى اليتيم ماله إذا لم يؤنس رشده وإن كان شيخا، قال الضحاك :وإن كان بلغ مائة سنة.
وجمهور العلماء على أنا الرشد لا يكون إلا بعد البلوغ، وعلى أنه إن لم يرشد بعد بلوغ الحلم لا يزول عنه الحجر، وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى :لا يحجر على الحر البالغ وإن كان أفسق الناس وأشدهم تبذيرا، وبه قال النخعي وزفر.
وظاهر النظم القرآني أنها لا تدفع إليهم أموالهم إلا بعد بلوغ غاية هي بلوغ النكاح مقيدة هذه الغاية بإيناس الرشد، فلا بد من مجموع الأمرين، فلا تدفع إلى اليتامى أموالهم قبل البلوغ وإن كانوا معروفين بالرشد، ولا بعد البلوغ إلا بعد إيناس الرشد منهم، والمراد بالرشد نوعه وهو يتعلق بحسن التصرف في أمواله وعدم التبذير بها ووضعها في مواضعها.
﴿ فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ من غير تأخير إلى حد البلوغ ﴿ ولا تأكلوها ﴾ أيها الأولياء ﴿ إسرافا وبدارا أن يكبروا ﴾ الإسراف في اللغة الإفراط ومجاوزة الحد بغير حق، وقال النضر بن شميل :السرف التبذير، والبدار والمبادرة أي لا تأكلوا أموال اليتامى أكل إسراف وأكل مبادرة لكبرهم أو لا تأكلوا لأجل السرف ولأجل المبادرة أو لا تأكلوها مسرفين ومبادرين لكبرهم، وتقولوا ننفق أموال اليتامى فيما نشتهي قبل أن يبلغوا فينزعونها من أيدينا.
﴿ ومن كان ﴾ من الأولياء ﴿ غنيا فليستعفف ﴾ أي يعف عن مال اليتيم ويمتنع من أكله ﴿ ومن كان فقيرا فليأكل ﴾ منه ﴿ بالمعروف ﴾ بين سبحانه ما يحل لهم من أموال اليتامى، فأمر الغني بالاستعفاف وتوفير مال الصبي عليه وعدم تناوله منه، وسوغ للفقير أن يأكل بالمعروف.
واختلف أهل العلم فيه ما هو فقال قوم هو القرض إذا احتاج إليه، ويقضي متى أيسر الله عليه، وبه قال عمر ابن الخطاب وابن عباس وعبيدة السلماني وابن جرير والشعبي ومجاهد وأبو العالية وقتادة :لا قضاء على الفقير فيما يأكل بالمعروف، وبه قال جمهور الفقهاء وهذا بالنظم القرآني ألصق فإن إباحة الأكل للفقير مشعرة بجواز ذلك له من غير فرض.
والمراد بالمعروف المتعارف به بين الناس فلا يترفه بأموال اليتامى ويبالغ في التنعم بالمؤكول والمشروب والملبوس، ولا يدع نفسه عن سد الفاقة وستر العورة، قال عطاء وعكرمة :يأكل بأطراف أصابعه ولا يسرف ولا يكتسي ولا يلبس الكتان والحلل، ولكن يأكل ما يسد به الجوع ويلبس ما يستر العورة.
وقال الحسن :يأكل من تمر نخله ولبن مواشيه بالمعروف ولا قضاء عليه، فأما الذهب والفضة فلا يأخذ منه شيئا فإن أخذ وجب عليه رده، وقال الكلبي :المعروف هو ركوب الدابة وخدمة الخادم، وليس له أن يأكل من ماله شيئا، وقال قوم :هو أن يأخذ من ماله بقدر قيامه وأجرة عمله، ولا قضاء عليه، وهو قول عائشة وجماعة من أهل العلم، والأول أولى.
وقال ابن عباس في الآية نسختها ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ﴾ الآية والخطاب في هذه الآية لأولياء الأيتام القائمين مما يصلحهم كالأب والجد ووصيهما.
وقال بعض أهل العلم :المراد بالآية اليتيم إن كان غنيا وسع عليه وعف عن ماله، وإن كان فقيرا كان الإنفاق عليه بقدر ما يحصل له، وهذا القول في غاية السقوط.
وعن ابن عباس قال :إن كان فقيرا أخذ من فضل اللبن وأخذ من فضل القوت ولا يجاوزه وما يستر عورته من الثياب، فإن أيسر قضاه وإن أعسر فهو في حل.
أخرج البيهقي وغيره عن عمر بن الخطاب أنه قال :إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة ولي اليتيم إن استغنيت استعففت وإن احتجت أخذت منه بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت.
وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم عن ابن عمر أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ليس لي مال ولي يتيم فقال :كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل مالا ومن غير أن تقي مالك بماله. ١
﴿ فإذا ﴾ حصل مقتضى الدفع و ﴿ دفعتم إليهم أموالهم ﴾ بعد رعاية الشرائط المذكورة : ﴿ فأشهدوا عليهم ﴾ أنهم قد قبضوها منكم لتندفع عنكم التهم، وتأمنوا عاقبة الدعاوي الصادرة منهم، وقيل إن الإشهاد المشروع هو على ما أنفقه عليهم الأولياء قبل رشدهم، وقيل هو على رد ما استقرضه إلى أموالهم.
وظاهر النظم القرآني مشروعية الإجهاد على ما دفع إليهم من أموالهم، وهو يعم الإنفاق قبل الرشد والدفع للجميع إليهم بعد الرشد، وهذا أمر إرشاد وليس للوجوب ﴿ وكفى بالله حسيبا ﴾ لأعمالكم شاهدا عليكم في كل شيء تعملونه، ومن جملة ذلك معاملتكم اليتامى في أموالهم، وفيه وعيد على معنى الأمر إذ التقدير اكتف بالله، وهذا القول سبقه إليه مكي والزجاج.
١ صحيح الجامع الصغير ٤٣٧٣.
.

﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا ( ٧ ) ﴾
﴿ للرجال ﴾ يعني الذكور من أولاد الميت وعصبته ﴿ نصيب ﴾ حظ ﴿ مما ترك ﴾ من الميراث ﴿ الوالدان والأقربون ﴾ المتوفون، لما ذكره سبحانه حكم أموال اليتامى وصلتها بأحكام المواريث وكيفية قسمتها بين الورثة وأفرد سبحانه ذكر النساء بعد ذكر الرجال على الاستقلال لأجل الاعتناء بأمرهن، وللإيذان بأصالتهن في استحقاق الإرث، وللمبالغة في إبطال ما عليه الجاهلية فقال ﴿ للنساء ﴾ أي الإناث من أولاد الميت ﴿ نصيب ﴾ حظ ﴿ مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ أي من المال المخلف عن الميت، وفي ذكر القرابة بيان لعلة الميراث مع التعميم لما يصدق عليه مسمى القربة من دون تخصيص.
﴿ مما قل منه أو كثر ﴾ بدل من قوله ﴿ مما ترك ﴾ بإعادة الجار، والضمير في ﴿ منه ﴾ راجع إلى المبدل منه، وهذا الأمر مراد في الجملة الأولى أيضا محذوف للتعويل على المذكور، وفائدته دفع توهم اختصاص بعض الأموال ببعض الورثة كالخيل وآلة الحرب للرجال، وتحقيق أن لكل الفريقين حقا من كل ما دق وجل.
وقد أجمل سبحانه في هذه المواضع قدر النصيب المفروض، ثم أنزل قوله ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ فبين ميراث كل فرد جعله الله ﴿ نصيبا مفروضا ﴾ وهو دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، والحنفية أيضا قائلون بجواز تأخيره، والفرض ما فرضه الله تعالى وهو آكد من الواجب أو مقطوعا بتسليمه إليهم، فلا يسقط بإسقاطهم، ففي الآية دليل على أن الوارث لو أعرض عن نصيبه لم يسقط حقه بالإعراض، قاله البيضاوي.
﴿ وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا ( ٨ ) وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ( ٩ ) إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ( ١٠ ) ﴾.
﴿ وإذا حضر القسمة ﴾ يعني قسمة الميراث ﴿ أولو القربى ﴾ المراد بالقرابة هنا غير الوارثين لكونه عاصبا محجوبا أو لكونه من ذوي الأرحام ﴿ و ﴾ كذا ﴿ اليتامى والمساكين ﴾ من الأجانب وإنما قدم اليتامى لشدة ضعفهم وحاجتهم ﴿ فارزقوهم منه ﴾ شرع الله سبحانه أنهم حضروا قسمة التركة كان لهم منه رزق فيرضخ لهم المتقاسمون شيئا منها قبل القسمة.
وقد ذهب قوم إلى أن الآية محكمة وأن الأمر للندب، وذهب آخرون إلى أنها منسوخة بقوله تعالى ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ والأول أرجح لأن المذكور في الآية للقرابة غير الوارثين ليس هو من جملة الميراث حتى يقال إنها منسوخة بآية المواريث، إلا أنه إن قيل :إن أولي القربى المذكورين هنا هم الوارثون كان للنسخ وجه.
وقالت طائفة إن هذا الرضخ لغير الوارث من القرابة بمقدار ما تطيب به أنفس الورثة. وهو معنى الأمر الحقيقي فلا يصار إلى الندب إلا لقرينة، والضمير في قوله ﴿ منه ﴾ راجع إلى مال المقسوم المدلول عليه بالقسمة، وقيل راجع إلى ما ترك، وهذا الخطاب للورثة الكاملين.
﴿ و ﴾ قوله ﴿ قولوا ﴾ خطاب لأولياء اليتامى إذا كان الورثة صغارا ﴿ لهم ﴾ أي للأصناف الثلاثة ﴿ قولا معروفا ﴾ وهو القول الجميل الذي ليس فيه من بما صار إليهم من الرضخ ولا أذى، أو أن يعتذروا إليهم عن عدم الإعطاء أصلا، وعن ابن عباس قال :هي محكمة وليست بمنسوخة وقد قضى بها موسى.
وقال مجاهد :هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم، وكذا قال الحسن والزهري، وقال ابن عباس :يرضخ لهم، فإن كان في ماله تقصير اعتذر إليهم فهو قوله ﴿ قولا معروفا ﴾ وعن عائشة أنها لم تنسخ ولكن تهاون الناس في العمل بها، وعن سعيد ابن المسيب قال :إن كانوا كبارا يرضخوا، وإن كانوا صغارا اعتذروا إليهم.
﴿ وليخش ﴾ أي ليخف عن اليتامى ﴿ الذين لو تركوا ﴾ أي قاربوا أن يتركوا ﴿ من خلفهم ﴾ أي بعد موتهم ﴿ ذرية ضعافا ﴾ أولادا صغارا ﴿ خافوا عليهم ﴾ الفقر والضياع، وهذا الخطاب للأوصياء كما ذهب إليه طائفة من المفسرين، وفيه وعظ لهم بأن يفعلوا باليتامى الذين في حجورهم ما يحبون أن يفعل بأولادهم من بعدهم.
وبعضهم جعل الخطاب لمن حضر المريض من العواد عند الإيصاء وإليه ذهب البيضاوي، أو أمر للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب واليتامى والمساكين متصورين أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضعافا مثلهم هل يجوزون حرمانهم، أو أمر للمؤمنين بأن ينظروا فلا يسرفوا في الوصية والأول أولى.
﴿ فليتقوا الله ﴾ يعني في الأمر الذي تقدم ذكره، قالت طائفة :المراد جميع الناس أمروا باتقاء الله في الأيتام وأولاد الناس وإن لم يكونوا في حجورهم، وقال آخرون :إن المراد بهم من يحضر الميت عند موته أمروا بتقوى الله، والتقوى مسببة عن الخوف الذي هو الخشية فلذلك ذكرت فاء السببية، ففي الآية الجمع بين المبدأ والمنتهى ﴿ وليقولوا ﴾ للمحتضر ﴿ قولا سديدا ﴾ صوابا من إرشاده إلى التخلص عن حقوق الله وحقوق بني آدم، وإلى الوصية بالقرب المقربة إلى الله سبحانه، وإلى ترك التبذير بماله وإحرام ورثته كما يخشون على ورثتهم من بعدهم لو تركوهم فقراء عالة يتكففون الناس.
وقال ابن عطية :الناس صنفان يصلح لأحدهما أن يقال له عند موته ما لا يصلح للآخر، وذلك أن الرجل إذا ترك ورثته بأنفسهم أغنياء حسن أن يندب إلى الوصية ويحمل على أن يقدم لنفسه، وإذا ترك ورثته ضعفاء مفلسين حسن أن يندب إلى الترك لهم والاحتياط فإن أجره في قصده ذلك كأجره في المساكين.
قال القرطبي :وهذا التفصيل صحيح والمعنى وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافا وذلك عند احتضارهم خافوا عليهم الضياع من بعدهم لذهاب كافلهم وكاسبهم، ثم أمرهم بتقوى الله والقول السديد للمحتضرين أولا، ولأولادهم من بعدهم على ما سبق.
﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ﴾ استئناف جيء به لتقرير ما فصل من الأوامر والنواهي يتضمن النهي عن ظلم الأيتام من الأولياء والأوصياء ﴿ ظلما ﴾ حراما بغير حق ﴿ إنما يأكلون في بطونهم نارا ﴾ المراد بأكل النار ما يكون سببا للنار تعبيرا بالمسبب عن السبب، وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية، والمعنى سيأكلون يوم القيامة وهذا على المجاز، وقيل بطونهم أوعية للنار بأن يخلق الله لهم نارا يأكلونها في بطونهم، وهذا على الحقيقة، وقيل غير ذلك.
قال السدي :يبعث آكل أموال اليتيم يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه وأذنيه وعينيه وأنفه يعرفه من رآه بأكل مال اليتيم، وإنما خص الآكل بالذكر وإن كان المراد سائر أنواع الإتلافات وجميع التصرفات المتلفة للمال لأن الضرر يحصل بكل ذلك لليتيم، فعبر عن الجميع بالأكل لأنه معظم المقصود، وذكر البطون للتأكيد كقولك رأيت بعيني وسمعت بأذني.
﴿ وسيصلون سعيرا ﴾ بأكلهم أموال اليتامى، وقرئ سيصلون من التصلية لكثرة الفعل مرة بعد أخرى، وقرأ الباقون بفتح الياء من صلى النار يصلاها، والصلا هو التسخن بقرب النار أو بمباشرتها، والسعير الجمر المشتعل، وقيل النار الموقدة.
أخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى والطبراني وابن حبان في صحيحه وابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم نارا فقيل يا رسول الله من هم ؟ قالوا ألم تر أن الله يقول ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ﴾ الآية. ١
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال حدثنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ليلة أسري به قال ( نظرت فإذا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخرا من نار فيقذف في أحدهم حتى يخرج من أسافلهم ولهم خوار وصراخ، فقلت يا جبرائيل من هؤلاء ؟ قال :هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما الآية. ٢ )
وقال زيد ابن أسلم :هذه الآية لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم ويأكلون أموالهم.
١ ابن كثير ١/٤٥٦..
٢ قال السدي: يبعث آكل مال اليتيم ظلما ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه، وأذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه من رآه يأكل مال اليتيم أخرجه ابن جرير٨/٢٦ من طريق أسباط..
﴿ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساءا فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آبائكم وأبنائكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما ( ١١ ) ﴾.
﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ هذا تفصيل لما أجمل في قوله تعالى ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ من أحكام المواريث، وقد استدل بذلك على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهذه الآية بطولها ركن من أركان الدين وعمدة من عمد الأحكام، وأم من أمهات الآيات لاشتمالها على ما يهم من علم الفرائض، وقد كان هذا العلم من أجل علوم الصحابة رضي الله عنهم وأكثر مناظراتهم فيه، وسيأتي بعد كمال تفسير ما اشتمل عليه كلام الله من الفرائض، ذكر بعد فرائض هذا العلم إن شاء الله تعالى.
وبدأ بالأولاد لأنهم أقرب الورثة إلى الميت وأكثر بقاء بعد المورث، والمراد بالوصية في الأولاد الوصية في شأن ميراثهم، وقد اختلفوا هل يدخل أولاد الأولاد أم لا ؟ فقالت الشافعية إنهم يدخلون مجازا لا حقيقة، وقالت الحنفية :إنه يتناولهم لفظ الأولاد حقيقة إذا لم يوجد أولاد الصلب.
ولا خلاف أن بني البنين كالبنين في الميراث مع عدمهم، وإنما هذا الخلاف في دلالة لفظ الأولاد على أولادهم مع عدمهم، ويدخل في لفظ الأولاد من كان منهم كافرا ويخرج بالسنة، وكذلك يدخل القاتل عمدا ويخرج أيضا بالسنة والإجماع، ويدخل فيه الخنثى.
قال القرطبي :وأجمع العلماء أنه يورث من حيث يبول، فإن بال منهما فمن حيث سبق، فإن خرج البول منها من غير سبق أحدهما فله نصف نصيب الذكر، ونصف نصيب الأنثى، وقيل يعطي أقل النصيبين وهو نصيب الأنثى، قال يحيى ابن آدم، وهو قول للشافعي.
وهذه الآية ناسخة لما كان في صدر الإسلام من الموارثة بالحلف والهجرة والمعاقدة، وقد أجمع العلماء على أنه إذا كان مع الأولاد من له فرض مسمى أعطيه وكان ما بقي من المال للذكر مثل حظ الأنثيين للحديث الثابت في الصحيح وغيرهما بلفظ ( ألحقوا الفرائض فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر ) إلا إذا كان ساقطا معهم كالإخوة لأم. ١
﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ جملة مستأنفة لبيان الوصية في الأولاد، فلا بد من تقدير ضمير يرجع إليهم أي يوصيكم الله في أولادكم للذكر منهم مثل حظ الأنثيين، والمراد حال اجتماع الذكور والإناث، وأما حال الإنفراد فللذكر جميع الميراث وللأنثى النصف وللأنثيين الثلثان. ٢
وتخصيص الذكر بالتنصيص على حظه لأن القصد إلى بيان فضله والتنبيه على أن التضعيف كاف في التفضيل فلا يحرمن بالكلية وقد اشتركا في الجهة، وإن فائدة التعصيب أن العاصب إذا انفرد حاز المال كله.
﴿ فإن كن ﴾ الأولاد المتروكات والتأنيث باعتبار الخبر أو البنات أو المولودات ﴿ نساء ﴾ ليس معهن ذكر ﴿ فوق اثنتين ﴾ أي زائدات على إثنتين على أن فوق صفة لنساء أو يكون خبرا ثانيا لكان ﴿ فلهن ثلثا ما ترك ﴾ الميت المدلول عليه بقرينة المقام.
وظاهر النظم القرآني أن الثلثين فريضة الثلاث من البنات فصاعدا، ولم يسم للأنثيين فريضة، ولهذا اختلف أهل العلم في فريضتهما، فذهب الجمهور إلى أن لهما إذا انفردتا عن البنين الثلثين، وذهب ابن عباس إلى أن فريضتهما النصف.
احتج الجمهور بالقياس على الأختين فإن الله سبحانه قال في شأنهما فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان فألحقوا البنتين بالأختين في استحقاقهما الثلثين كما ألحقوا الأخوات إذا زدن على اثنتين بالبنات في الاشتراك في الثلثين.
وقيل في الآية ما يدل على أن للبنتين الثلثين وذلك أنه لما كان للواحدة مع أخيها الثلث كان للابنتين إذا انفردتا الثلثان، هكذا احتج بهذه الحجة إسماعيل بن عياش والمبرد، قال النحاس :وهذا الاحتجاج عند أهل النظر غلط لأن الاختلاف في البنتين إذا انفردتا عن البنين.
وأيضا للمخالف أن يقول إذا ترك بنتين وابنا فللبنتين النصف، فهذا دليل على أن هذا فرضهما ويمكن تأييد ما احتج به الجمهور بأن الله سبحانه لما فرض للبنت الواحدة النصف إذا انفردت بقوله ﴿ وإن كانت واحدة فلها النصف ﴾ كان فرض البنتين إذا انفردتا فوق فرض الواحدة، وأوجب القياس على الأختين الإقتصار للبنتين على الثلثين.
وقيل :إن فوق زائدة والمعنى إن كن نساء اثنتين كقوله تعالى ﴿ فاضربوا فوق الأعناق ﴾ أي الأعناق، ورد هذا النحاس وابن عطية فقالا :هو خطأ لأن الظروف وجميع الأسماء لا يجوز في كلام العرب أن تزداد لغير معنى وقال ابن عطية :ولأن قوله ﴿ فوق الأعناق ﴾ هو الفصيح، وليس فوق زائدة بل هي محكمة المعنى، لأن ضربة العنق إنما يجب أن يكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ كما قال دريد بن الصمة :اخفض عن الدماغ وارفع عن العظم، فهكذا كنت أضرب أعناق الأبطال انتهى.
وأيضا لو كان لفظ فوق زائدا كما قالوا فلهما ثلثا ما ترك ولم يقل فلهن ثلثا ما ترك.
وأوضح ما يحتج به للجمهور ما أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم والبيهقي في سننه عن جابر قال جاءت امرأة سعد ابن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت :يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحد شهيدا وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا، ولا تنكحان إلا ولهما مال، فقال :يقضي الله في ذلك، فأنزلت آية الميراث ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ الآية فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال :أعطي ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك، أخرجوه من طرق عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال الترمذي ولا يعرف إلا من حديثه٣.
﴿ وإن كانت واحدة ﴾ قرئ بالرفع على أن كان تامة بمعنى فإن وجدت بنت واحدة، وقرئ بالنصب، قال النحاس :وهذه قراءة حسنة أي وإن كانت أي المتروكة أو المولودة واحدة ﴿ فلها النصف ﴾ يعني فرضا لها.
﴿ ولأبويه ﴾ أي الميت وهو كناية عن غير مذكور، وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه والمراد بالأبوين الأب والأم والتثنية على لفظ الأب للتغليب، وهذا شروع في إرث الأصول ﴿ لكل واحد منهما السدس مما ترك ﴾ بدل من لأبويه بتكرير العامل، قاله الزمخشري، وفائدة هذا البدل أنه لو قيل ولأبويه السدس لكان ظاهرها اشتراكهما فيه، ولو قيل لأبويه السدسان لأوهم قسمة السدسين عليهما بالسوية وعلى خلافها.
وقد اختلف العلماء في الجد هل هو بمنزلة الأب فيسقط به الأخوة أم لا ؟ فذهب أبو بكر الصديق إلى أنه بمنزلة الأب، ولم يخالفه أحد من الصحابة أيام خلافته، واختلفوا في ذلك بعد وفاته فقال بقول أبي بكر :ابن عباس وعبد الله ابن الزبير وعائشة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وأبو الدرداء وأبو هريرة وعطاء وطاوس والحسن وقتادة وأبو حنيفة وأبو ثور وإسحق، واحتجوا بمثل قوله تعالى ﴿ ملة أبيكم إبراهيم ﴾ وقوله ﴿ يا بني آدم ﴾ وقوله صلى الله عليه وسلم إرموا يا بني إسماعيل.
وذهب علي ابن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن مسعود إلى توريث الجد مع الأخوة لأبوين أو لأب ولا ينقص معهم من الثلث ولا ينقص مع ذوي الفروض من السدس في قول زيد ومالك والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد والشافعي، وقيل يشرك بين الجد والأخوة إلى السدس ولا ينقصه من السدس شيئا مع ذوي الفروض وغيرهم، وهو قول ابن أبي ليلي وطائفة.
وذهب الجمهور على أن الجد يسقط بني الأخوة، وروى الشعبي عن علي أنه أجرى بني الأخوة في المقاسمة مجرى الأخوة.
وأجمع العلماء أن للجدة السدس إذا لم تكن للميت أم، وأجمعوا على أنها ساقطة مع وجود الأم، وأجمعوا على أن الأب لا يسقط الجدة أم الأم.
واختلفوا في توريث الجدة وابنها حي، فروى عن زيد ابن ثابت وعثمان وعلي أنها لا ترث وابنها حي، وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وروى عن عمر وابن مسعود وأبي موسى أنها ترث معه، وروى أيضا عن علي وعثمان وبه قال شريح وأحمد وإسحق وابن المنذر.
﴿ إن كان له ولد ﴾ الولد يقع على الذكر والأنثى لكنه إذا كان الموجود الذكر مع الأولاد وحده أو مع الأنثى منهم فليس للجد إلا الثلث، وإن كان الموجود أنثى كان للجد السدس بالفرض وهو عصبة فيما عدا السدس وأولاد ابن الميت كأولاد الميت.
﴿ فإن لم يكن له ولد ﴾ ولا ولد ابن لما تقدم من الإجماع ﴿ وورثه أبواه ﴾ منفردين عن سائر الورثة أو مع زوج ﴿ فلأمة الثلث ﴾ أي ثلث المال كما ذهب إليه الجمهور من أن الأم لا تأخذ ثلث التركة إلا إذا لم يكن للميت وارث غير الأبوين، أما لو كان معهما أحد الزوجين فليس للأم إلا ثلث الباقي بعد الموجودين من الزوجين.
وروى عن ابن عباس أن للأم ثلث الأصل مع أحد الزوجين وهو يستلزم تفضيل الأم على الأب في مسألة زوج وأبوين مع الاتفاق على أنه أفضل منها عند انفرادهما عن أحد الزوجين.
﴿ فإن كان له إخوة ﴾ يعني ذكورا أو إناثا اثنين فصاعدا ﴿ فلأمه السدس ﴾ يعني لأم الميت سدس التركة إذا كان معها أب، وإطلاق الإخوة يدل على أنه لا فرق بين الإخوة لأبوين أو لأحدهما، وقد أجمع أهل العلم على أن الاثنين من الإخوة يقومان مقام الثلاثة فصاعدا في حجب الأم السدس إلا ما يروي عن ابن عباس أنه جعل الاثنين كالواحد في عدم الحجب، وأجمعوا أيضا أن الأختين فصاعدا كالأخوين في حجب الأم.
﴿ من بعد وصية يوصي بها أو دين ﴾ يعني أن هذه الأنصبة والسهام إنما تقسم بعد قضاء الدين وإنفاذ وصية الميت في ثلثه، قرئ يوصى بفتح الصاد وبكسرها واختار الكسر أبو عبيد وأبو حاتم، لأنه جرى ذكر الميت قبل هذا.
واختلف في وجه تقديم الوصية على الدين مع كونه مقدما عليها بالإجماع فقيل المقصود تقديم الأمرين على الميراث من غير قصد إلى الترتيب بينهما، وقيل لما كانت الوصية أقل لزوما من الدين قدمت اهتماما بها، وقيل قدمت لكثرة وقوعها فصارت كالأمر اللازم لكل ميت وقيل قدمت لكونها حظ المساكين والفقراء، وأخر الدين لكونه حظ غريم يطلبه بقوة وسلطان.
وقيل لما كانت الوصية ناشئة من جهة الميت قدمت بخلاف الدين فإنه ثابت مؤدى ذكر أو لم يذكر، وقيل قدمت لكونها تشبه الميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، فربما يشق على الورثة إخراجها بخلاف الدين فإن نفوسهم مطمئنة بأدائه، وهذه الوصية مقيدة بقوله ﴿ غير مضار ﴾ كما سيأتي.
وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وغيرهم عن علي قال :إنكم تقرءون هذه الآية من بعد وصية يوصي بها أو دين وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية، وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات.
﴿ آباؤكم وأبناؤكم ﴾ قيل خبره مقدر أي هم المقسوم عليهم أو خبره ﴿ لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ﴾ أي نفعه في الدعاء لكم والصدقة عنكم كما في الحديث الصحيح " أو ولد صالح يدعو له " ٤ وقال ابن عباس والحسن قد يكون الابن أفضل فيشفع في أبيه.
وقال بعض المفسرين إن الابن إذا كان أرفع درجة من أبيه في الآخرة سأل الله أن يرفع إليه أباه، وإذا كان الأب أرفع درجة من ابنه سأل الله أن يرفع ابنه إليه، وقيل المراد النفع بالدنيا قاله ابن زيد.
وقيل المعنى أنكم لا تدرون
١ إنما زاد نصيب الرجل في الميراث لما يجب عليه من الأعباء كالمهر والنفقة.
.

٢ مسلم١٦١٥ البخاري٢٤٩٦..
٣ المستدرك كتاب الفرائض ٤/٣٣٤..
٤ صحيح الجامع الصغير٨٠٥..
﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركتن إن لم يكن لكم ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم ( ١٢ ) ﴾.
﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد ﴾ منكم أو من غيركم، الخطاب هنا للرجال والمراد بالولد ولد الصلب أو ولد الولد، ذكرا كان أو أنثى لما قدمنا من الإجماع ﴿ فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن ﴾ وهذا مجمع عليه لم يختلف أهل العلم في أن للزوج مع عدم الولد النصف ومع وجوده وإن سفل الربع ﴿ من بعد وصية يوصين بها أو دين ﴾ الكلام فيه كما تقدم أي حالة كونهن غير مضارات في الوصية، وألحق بالولد في ذلك ولد الابن بالإجماع وهذا ميراث الأزواج من الزوجات.
وقال تعالى في ميراث الزوجات من الأزواج ﴿ ولهن ﴾ أي الزوجات تعددن أولا ﴿ الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد ﴾ منهن أو من غيرهن ﴿ فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم ﴾ هذا النصيب مع الولد والنصيب مع عدمه تنفرد به الواحدة من الزوجات ويشترك فيه الأكثر عن الواحدة، لا خلاف في ذلك.
يعني أن الواحدة من النساء لها الربع أو الثمن، وكذلك لو كان أربع زوجات فإنهن يشتركن مع الربع أو الثمن، واسم الولد يطلق على الذكر والأنثى ولا فرق بين الولد والأنثى ولا فرق بين الولد وولد الابن، وولد البنت في ذلك، وسواء كان الولد للرجل من الزوجة أو من غيرها ﴿ من بعد وصية توصون بها أو دين ﴾ أي من بعد أحد هذين منفردا أو مضمونا إلى الآخر حال كونكم غير مضارين في الوصية، والكلام في الوصية والدين كما تقدم.
﴿ وإن كان رجل ﴾ ميت ﴿ يورث ﴾ على البناء للمفعول من ورث لا من أورث ﴿ كلالة ﴾ مصدر من تكلله النسب أي أحاط به وبه سمي الإكليل لإحاطته بالرأس وهو الميت الذي لا ولد له ولا والد، هذا قول أبي بكر الصديق وعمر وعلي وجمهور أهل العلم، وبه قال صاحب كتاب العين وأبو منصور اللغوي وابن عرفة والقتيبي وأبو عبيد وابن الأنباري، وقد قيل إنها إجماع، وقال ابن كثير :وبه يقول أهل المدينة والكوفة والبصرة وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف بل جميعهم، وقد حكى الإجماع غير واحد وورد فيه حديث مرفوع انتهى. ١
وقال في الجمل هذا أحسن ما قيل في تفسير الكلالة، ويدل على صحته أن اشتقاق الكلالة من كلت الرحم بين فلان وفلان إذا تباعدت القرابة بينهما فسميت القرابة البعيدة كلالة من هذا الوجه.
وروى أبو حاتم والأثرم عن أبي عبيدة قال :الكلالة كل من لم يرثه أب أو ابن أو أخ فهو عند العرب كلالة، قال أبو عمرو وبن عبد البر ذكر أبي عبيدة الأخ هنا مع الأب والإبن في شرط الكلالة غلط لا وجه له ولم يذكره في شرط الكلالة فقد رجعا عنه.
وقال زيد الكلالة :الحي والميت جميعا وإنما سموا القرابة كلالة لأنهم أطافوا بالميت من جوانبه وليسوا منه ولا هم منهم بخلاف الابن والأب، فإنهما طرفان له، فإذا ذهبا تكلله النسب.
وقيل أن الكلالة مأخوذة من الإكلال وهو الإعياء فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بعد وإعياء، قال ابن الأعرابي :إن الكلالة بنو العم الأباعد.
وبالجملة من قرأ يورث كلالة بكسر الراء مشددة وهو بعض الكوفيين أو مخففة وهو الحسن أيوب جعل الكلالة القرابة. ومن قرأ يورث بفتح الراء وهم الجمهور احتمل أن يكون الكلالة الميت واحتمل أن تكون القرابة.
وقد روى عن علي وابن مسعود وزيد ابن ثابت وابن عباس والشعبي أن الكلالة ما كان سوى الولد والوالد من الورثة.
قال الطبري :الصواب أن الكلالة هم الذين يرثون الميت من عدا ولده ووالده لصحة خبر جابر قلت يا رسول الله إنما يرثني كلالة أفأوصي بمالي كله قال لا. انتهى.
وروى عن عطاء أنه قال الكلالة المال، وقال ابن الأعرابي وهذا قول ضعيف لا وجه له.
وقال صاحب الكشاف إن الكلالة تطلق على ثلاثة :على من لا يخلف ولدا ولا والدا، وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين، وعلى القرابة من غير جهة الولد والوالد انتهى.
وفي السمين :هذه الآية مما ينبغي أن يطول فيها القول لإشكالها واضطراب أقوال الناس فيها ثم قال بعد ذكر الاختلاف فيها فقد تخلص مما تقدم أنها إما لميت الموروث أو الورثة أو المال المورث أو الإرث أو القرابة، ثم تكلم في اشتقاقها وإعرابها والذي ذكرناه هو أحسن ما قيل فيها.
﴿ أو امرأة ﴾ معطوف على رجل مقيد بما قيد به أي كانت المرأة المورثة خالية من الوالد والولد ﴿ وله أخ أو أخت ﴾ قرأ سعد بن أبي وقاص وابن مسعود ﴿ من أم ﴾ والقراءة الشاذة كخبر الآحاد لأنها ليست من قبل الرأي، وأطلق الشافعي الاحتجاج بها فيما حكاه البويطي عنه في باب الرضاع وباب تحريم الجمع وعليه جمهور أصحابه لأنها منقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يلزم من انتفاء خصوص قرآنيتها انتفاء خصوص خبريتها، قاله الكرخي.
قال القرطبي :أجمع العلماء على أن الأخوة ههنا هم الأخوة لأم، قال :ولا خلاف بين أهل العلم أن الأخوة المذكورين في قوله تعالى ﴿ وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ هم الإخوة لأبوين أو لأب.
وأفراد الضمير في قوله ﴿ وله أخ وأخت ﴾ لأن المراد كل واحد منهما كما جرت بذلك عادة العرب إذا ذكروا اسمين مستويين في الحكم فإنهم قد يذكرون الضمير الراجع إليهما مفردا كما في قوله تعالى : ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة ﴾ وقوله : ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ﴾ وقد يذكرونه مثنى كما في قوله ﴿ إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ﴾ وقد قدمنا في هذا كلاما أطول من المذكور هنا.
﴿ فلكل واحد منها السدس ﴾ مما ترك المورث ﴿ فإن كانوا أكثر من ذلك ﴾ الأخ المفرد والأخت المفردة بواحد وذلك بأن يكون الموجود اثنين فصاعدا ذكرين أو أنثيين أو ذكرا وأنثى، وقد استدل بذلك على أن الذكر كالأنثى من الأخوة لأم لأن الله شريك بينهم في الثلث ولم يذكر فضل الذكر على الأنثى كما ذكره في البنين والأخوة لأبوين أو لأب، قال القرطبي :وهذا أجمل.
ودلت الآية على أن الإخوة لأم إذا استكملت بهم المسألة كانوا أقدم من الإخوة للأبوين أو لأب، ذلك في المسألة المسماة بالحمارية، وهي إذا تركت الميتة زوجا وأما وأخوين لأم وأخوة لأبوين، فإن للزوج النصف وللأم السدس وللأخوين لأم الثلث ولا شيء للأخوة لأبوين.
ووجه ذلك أنه قد وجه الشرط الذي يرث عنده الإخوة من الأم وهو كون الميت كلالة ويؤيد هذا حديث ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فالأول رجل ذكر وهو في الصحيحين وغيرهما، وقد كرر الشوكاني دلالة الآية والحديث على ذلك في الرسالة التي سماها المباحث الدرية في المسائل الحمارية، وفي هذه المسألة خلاف بين الصحابة فمن بعدهم بمعروف.
﴿ فهم شركاء في الثلث ﴾ يستوي فيهم ذكرهم وأنثاهم لإدلائهم بمحض الأنوثة ﴿ من بعد وصية يوصي بها أو دين ﴾ الكلام فيه كما تقدم، وظاهر الآية يدل على جواز الوصية بكل المال وببعضه، ولكن ورد في السنة ما يدل على تقييد هذا المطلق وتخصيصه وهو قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سعد ابن أبي وقاص قال ( الثلث والثلث كثير ) أخرجه البخاري ومسلم، ٢ ففي هذا دليل على أن الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث وأن النقصان عن الثلث جائز.
﴿ غير مضار ﴾ أي حال كونه غير مضار لورثته بوجه من وجوه الإضرار كأن يقر بالشيء ليس عليه أن يوصي لوارث مطلقا أو لغيره بزيادة على الثلث ولم يجزه الورثة، وهذا القيد راجع إلى الوصية والدين المذكورين فهو قيد لهما فما صدر من الإقرارات بالديون أو الوصايا المنهي عنها أو التي لا مقصد لصاحبها إلا المضارة لورثته فهو باطل مردود لا ينفذ منه شيء لا الثلث ولا دونه.
قال القرطبي :وأجمع على أن الوصية للوارث لا تجوز انتهى.
قال أبو السعود في تفسيره وتخصيص القيد بهذا المقام لما أن الورثة مظنة لتفريط الميت في حقهم.
أخرج أحمد وعبد ابن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه ابن ماجة واللفظ له والبيقهي عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة ) ثم يقول أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم ﴿ تلك حدود الله إلى قوله عذاب مهين ﴾ وفي إسناده شهر بن حوشب وفيه مقال معروف. ٣
وأخرج ابن ماجة عن أنس قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من قطع ميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة يوم القيامة ).
وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه أتاه يعوده في مرضه فقال :إن لي مالا كثيرا وليس يرثني إلا ابنة لي أفتأصدق بالثلثين، قال لا قال فالشطر، قال لا، قال فالثلث، قال :الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس. ٤
وأخرج ابن أبي شيبة عن معاذ بن جبل قال إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة في حسناتكم، يعني الوصية.
وفي الصحيحين عن ابن عباس قال وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلث، كبير، وقال عمر بن الخطاب الثلث وسط لا بخس ولا شطط.
وعن علي قال :لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحب إلي أن أوصي بالثلث ومن أوصى بالثلث لم يترك.
﴿ وصية من الله ﴾ نصب على المصدر المؤكد أي يوصيكم بذلك وصية كائنة من الله، قال ابن عطية :ويصح أن يعمل فيها مضار، والمعنى أن يقع الضرر بها أو بسببها فأوقع عليها تجوزا فيكون وصية على هذا وفعولا به لأن اسم الفاعل قد اعتمد على ذي الحال أو لكونه منفيا معنى.
وفي كون هذه الوصية من الله سبحانه دليل على أنه قد أوصى عباده بهذه التفاصيل المذكورة في الفرائض، وإن كل وصية من عباده يخالفها فهي مسبوقة بوصية الله وذلك كالوصايا المتضمنة لتفضيل بعض الورثة على بعض أو المشتملة على الضرار بوجه من الوجوه ﴿ والله عليم حليم ﴾ قال الخطابي :الحليم ذو الصفح والأناة الذي لا يستفزه غضب، ولا يستخفه جهل جاهل. ٥
١ ابن كثير١/٤٦٠..
٢ مسلم١٦٢٩- البخاري١٣١٨..
٣ صحيح الجامع الصغير١٦١٩. وفي راية "إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار" وقرأ أبو هريرة ها هنا: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار حتى بلغ الفوز العظيم﴾.
٤ مسلم١٦٢٩- البخاري١٣١٨..
٥ جاء في كتاب الكبائر للإمام الذهبي/٢٣٤.
قال بن عباس: يريد ما أحل الله من الميراث (ومن يطع الله ورسوله) في شأن المواريث (يدخل جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم. ومن يعص الله ورسوله) قال مجاهد فيما فرض الله من المواريث.
وقال عكرمة وابن عباس من لم يرض يقسم الله ويتعد ما قال الله (يدخله نارا).
وقال الكلبي يعني يكفر بقسمة الله المواريث ويتعدى حدوده استحلالا ﴿يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين﴾.
وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من فر بميراث وارث قطع الله ميراثه من الجنة).
وقال عليه الصلاة والسلام: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" صححه الترمذي..

﴿ تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ( ١٣ ) ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدود الله يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب أليم ( ١٤ ) ﴾.
والإشارة بقوله ﴿ تلك حدود الله ﴾ إلى الأحكام المتقدمة من مال اليتامى والوصايا والأنكحة والمواريث، وسماها حدودا لكونها لا تجوز مجاوزتها ولا يحل تعديها.
﴿ ومن يطع الله ورسوله ﴾ في قسمة المواريث وغيرها من الأحكام الشرعية كما يفيد عموم اللفظ ﴿ يدخله ﴾ بالياء والنون ﴿ جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم ﴾ الذي لا فوز وراءه
وهكذا قوله ﴿ ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ﴾ بالوجهين ﴿ نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ﴾ أي وله بعد إدخاله النار عذاب ذو إهانة لا يعرف كنهه.
روعي في الضمائر في الآيتين وفي خالد لفظ ( من ) وفي خالدين معناها، قال الضحاك :والمعصية هنا الشرك.
وقال ابن عباس في معنى الآية :ومن لم يرض بقسمة الله ويتعد ما حده، وقال الكلبي :يكفر بقسمة المواريث فإذا كفر كان حكمه حكم الكفار في الخلود في النار إذا لم يتب قبل موته وإذا مات وهو مصر على ذلك كان مخلدا في النار، فلا دليل في الآية للمعتزلة على أن العصاة والفساق من أهل الإيمان يخلدون في النار.
وقد ورد في الترغيب في تعلم الفرائض وتعليمها ما أخرجه الحاكم، والبيهقي في سننه عن ابن مسعود قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( تعلموا الفرائض وعلموها الناس وإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يقضي بها. ) ١
وأخرجا عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تعلموا الفرائض وعلموها فإنه نصف العلم وأنه ينسى وهو أول ما ينزع من أمتي )، وأخرجه ابن ماجه والدارقطني ولفظهما هو أول علم ينسى وهو أول شيء ينزع من أمتي. ٢
قد روي عن عمرو وابن مسعود وأنس آثار في الترغيب في الفرائض، وكذلك روي عن جماعة من التابعين ومن بعدهم.
وهذا العلم من أعظم العلوم قدرا وأشرفها ذخرا وأفضلها ذكرا، وهو ركن من أركان الشريعة، وفرع من فروعها في الحقيقة، اشتغل الصدر الأول من الصحابة بتحصيلها وتكلموا في فروعها وأصولها، ويكفي في فضلها أن الله تولى قسمتها بنفسه وأنزلها في كتابه مبينة في محل قدسه، وقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعليمها كما ذكرنا.
وقد ذكر بعض المفسرين أحكام الفرائض وأسباب الإرث في هذا المقام من تفسيره وإنما محلها كتب الفروع، وذكروا من تخاريج هذا العلم ما لم يكن له مستند إلا محض الرأي وليس مجرد الرأي مستحقا للتدوين. فلكل عالم رأيه واجتهاده مع عدم الدليل ولا حجة في اجتهاد بعض أهل العلم على البعض الآخر، ويكفيك منها ما ثبت في الكتاب والسنة وما عرض لك وما لم يكن فيهما فاجتهد فيه برأيك عملا بحديث معاذ المشهور. ٣
والسهام المحدودة في كتاب الله العزيز ستة :النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس كما تقدم تفسيره آنفا، والذي وردت به السنة المطهرة أنه يجب الابتداء بذوي الفروض المقدرة وما بقي فللعصبة والأخوات مع البنات عصبة، ولبنت الابن مع البنت السدس تكملة للثلثين، وكذا الأخت لأب مع الأخت لأبوين وللجدة أو الجدات السدس مع عدم الأم، وهو للجد مع من لا يسقطه ولا ميراث للإخوة والأخوات مطلقا مع الابن أو ابن الابن أو الأب، وفي ميراثهم مع الجد خلاف، ويرثون مع البنات إلا الإخوة للأم ويسقط الأخ لأب مع الأخ لأبوين.
وأولو الأرحام يتوارثون وهم أقدم من بيت المال، فإن تزاحمت الفرائض فالعول، ولا يرث ولد الملاعنة والزانية إلا من أمه وقرابتها والعكس، ولا يرث المولود إلا إذا استهل، وميراث العتيق لمعتقه ويسقط بالعصبات وله الباقي بعد ذوي السهام، ويحرم بيع الولاء وهبته، ولا توارث بين أهل ملتين ولا يرث القاتل من المقتول.
هذا جميع ما ثبت بالسنة فاشدد عليك يدك. ٤
١ المستدرك كتاب الفرائض ٤/٣٣٣.
.

٢ المستدرك كتاب الفرائض ٤/٣٣٢- الدارقطني كتاب الفرائض ٤/٦٧،.
٣ المسند ٥/٢٣٠.
.

٤ حدثنا عبد الله: حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبي عون عن الحرث بن عمر وبن أخي المغيرة بن شعبة عن أناس من أصحاب معاذ من أهل حمص عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن فقال كيف تصنع أن عرض لك قضاء؟ قال أقضي بما في كتاب الله قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال أجتهد رأيي ولا آلو قال فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسول اله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم..
﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ( ١٥ ) واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما ( ١٦ ) ﴾
﴿ واللاتي يأتين الفاحشة ﴾ لما ذكر سبحانه في هذه السورة الإحسان إلى النساء وإيصال صدقاتهن وميراثهن مع الرجال، ذكر التغليظ عليهن فيما يأتين من الفاحشة لئلا يتوهمن أنه يسوغ لهن ترك التعفف.
واللاتي جمع التي بحسب المعنى دون اللفظ وفيه لغات ويقال في جمع الجمع اللواتي واللائي واللوات واللواء، والفاحشة الفعلة القبيحة وهي مصدر كالعافية والعاقبة، والمراد بها هنا الزنا خاصة، وإتيانها فعلها ومباشرتها.
﴿ من نسائكم ﴾ هن المسلمات ﴿ فاستشهدوا عليهن أربعة ﴾ خطاب للأزواج أو للحكام، قال عمر بن الخطاب إنما جعل الله الشهود أربعة سترا يستركم به دون فواحشكم ﴿ منكم ﴾ المراد به الرجال المسلمون.
﴿ فإن شهدوا ﴾ عليهن بها ﴿ فأمسكوهن ﴾ احبسوهن ﴿ في البيوت ﴾ وامنعوهن من مخالطة الناس، لأن المرأة إنما تقع في الزنا عند الخروج والبروز إلى الرجال، فإذا حبست في البيت لم تقدر على الزنا، عن ابن عباس قال :كانت المرأة إذا فجرت حبست في البيت فإن ماتت ماتت، وإن عاشت عاشت حتى نزلت الآية في سورة النور ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا ﴾ فجعل الله لهن سبيلا فمن عمل شيئا جلد وأرسل، وقد روي عنه من وجوه. ١
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الحبس المذكور وكذلك الأذى باقيان مع الجلد لأنه لا تعارض بينهما بل الجمع ممكن، قال الخطابي :ليست منسوخة لأن قوله ﴿ فأمسكوهن ﴾ يدل على أن إمساكهن في البيوت ممتد إلى غاية هي قوله ﴿ حتى ﴾ أي إلى أن ﴿ يتوفاهن الموت ﴾ أي ملائكة الموت عند انقضاء آجالهن ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلا ﴾ وذلك السبيل كان مجملا، فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم٢ رواه مسلم من حديث عبادة، صار هذا الحديث بيانا لتلك الآية لا نسخا له.
١ أخرجه ابن جرير ٨/٨٤ وأبو داود٤/٢٠٢، وقد كان الرجم من الأمم التي سبقتنا..
٢ مسلم ١٦٩٠. ورواه أحمد ٥/٣١٨ والشافعي في الرسالة ١٢٩/٢٤٧ ومسلم ٣/١٣١٦ وأبو داود ٤/٢٠٢ باختلاف في الروايات..
﴿ واللذان يأتيانها منكم ﴾ أي الفاحشة وهي الزنا واللواط، وهذان قولان للمفسرين وسيرجح الثاني بأمور، واللذان تثنية الذي، وكان القياس أن يقال اللذيان، قال سيبوية :حذفت الياء ليفرق بين الأسماء الممكنة وبين الأسماء المبهمة.
والمراد ﴿ باللذان ﴾ هنا الزاني والزانية تغليبا، وقيل الآية الأولى في النساء خاصة محصنات وغير محصنات، والثانية في الرجال خاصة وجاء بلفظ التثنية لبيان صنفي الرجال من أحصن ومن لم يحصن، فعقوبة النساء وعقوبة الرجال الأذى، واختار هذا النحاس ورواه عن ابن عباس ورواه القرطبي عن مجاهد وغيره واستحسنه.
وقال السدي وقتادة وغيرهما :الآية الأولى في النساء المحصنات ويدخل معهن الرجال المحصنون، والآية الثانية في الرجل والمرأة البكرين، ورجحه الطبري وضعفه النحاس، وقال تغليب المؤنث على المذكر البعيد.
وقال ابن عطية :إن معنى هذا القول تام إلا أنم لفظ الآية يضيق عنه وقيل كان الإمساك للمرأة الزانية دون الرجل، فخصت المرأة بالذكر في الإمساك ثم جمعا في الإيذاء، قال قتادة كانت المرأة تحبس ويؤذيان جميعا.
﴿ فآذوهما ﴾ واختلف المفسرون في تفسير الأذى فقيل التوبيخ والتعبير وقيل السب والجفاء من دون تعيير وتقريع، وقيل النيل باللسان والضرب بالنعال وقد ذهب قوم إلى أن الأذى منسوخ بالحد كالحبس إن أريد به الزنا وكذا إن أريد اللواط عند الشافعي، لكن المفعول به لا يرجم عنده وإن كان محصنا بل يجلد ويغرب، وأما الفاعل فيرجم إن كان محصنا، وإرادة اللواط أظهر بدليل تثنية الضمير، وقيل ليس بمنسوخ كما تقدم في الحبس، وقد قال بالنسخ جماعة من التابعين كمجاهد وقتادة والحسن وسعيد بن جبير والسدي.
﴿ فإن تابا ﴾ من الفاحشة ﴿ وأصلحا ﴾ العمل فيما بعد ﴿ فأعرضوا عنهما ﴾ أي اتركوهما وكفوا عنهما الأذى ﴿ إن الله كان توابا رحيما ﴾ وهذا كان قبل نزول الحدود في ابتداء الإسلام على ما تقدم من الخلاف، فثبت الجلد على البكر بنص الكتاب وثبت الرجم على الثيب بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا وكان قد أحصن.
﴿ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما ( ١٧ ) ﴾
﴿ إنما التوبة على الله ﴾ استئناف لبيان أن التوبة ليست بمقبولة على الإطلاق كما ينبئ عنه قوله ﴿ توابا رحيما ﴾ بل إنما يقبل من البعض دون البعض كما بينه النظم القرآني ههنا، وقيل المعنى إنما التوبة على فضل الله ورحمته لعباده.
وقيل المعنى إنما التوبة واجبة على الله، وهذا على مذهب المعتزلة لأنهم يوجبون على الله عز وجل واجبات من جملتها قبول توبة التائبين.
وقال أهل المعاني :المعنى أوجب على نفسه من غير إيجاب أحد عليه لأنه يفعل ما يريد، وقيل على هنا بمعنى عند، وقيل بمعنى من.
وقد اتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين لقوله تعالى ﴿ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ﴾ وذهب الجمهور إلى أنها تصح من ذنب دون ذنب خلافا للمعتزلة.
وقيل إن قوله ﴿ على الله ﴾ هو الخبر، وقوله الآتي ﴿ للذين ﴾ متعلق بما تعلق به الخبر، إلا أن الذي يقتضيه المقام ويستدعيه النظام هو كون للذين خبرا، وقال أبو حيان التقدير إنما قبول التوبة مترتب على فضل الله، فتكون ﴿ على ﴾ هنا باقية على أصلها.
﴿ للذين يعملون السوء ﴾ أي العمل السيء والمعصية متصفين ﴿ بجهالة ﴾ أو جاهلين إذا عصوا، قال أبو العالية هذه للمؤمنين، وقد حكى القرطبي عن قتادة أنه قال :أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل معصية بجهالة عمدا كانت أم جهلا، وحكى عن الضحاك ومجاهد أن الجهالة هنا العمد.
وقال عكرمة :أمورنا الدنيا كلها جهالة، ومنه قوله تعالى ﴿ إنما الحياة الدنيا لعب ولهو ﴾ وقال الزجاج :معنى بجهالة اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية، وقيل معناه أنهم لا يعلمون كنة العقوبة، ذكره ابن فورك وضعفه ابن عطية.
وعن أبي العالية أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون كل ذنب أصابه عبد فهو جهالة، وعن ابن عباس قال :من عمل السوء فهو جاهل من جهالته عمل السوء.
﴿ ثم يتوبون من قريب ﴾ معناه قبل أن يحضرهم الموت كما يدل عليه قوله ﴿ حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ﴾ وبه قال أبو مجلز الضحاك وعكرمة وغيرهم، وقيل المراد قبل المعاينة للملائكة وغلبة المرء على نفسه.
ومن للتبعيض أي يتوبون بعض زمان قريب، وهو ماعدا وقت حضور الموت، وإنما كان الزمن الذي بين فعل المعصية وبين وقت الغرغرة قريبا ولو كان سنين لأن كل ما هو آت قريب وإن طال قليل.
وفيه تنبيه على أن الإنسان ينبغي له أن يتوقع في كل ساعة نزول الموت به، وقيل معناه قبل المرض وهو ضيف بل باطل لما قدمنا ولما أخرجه أحمد والترمذي وحسنه ابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر١.
وقيل معناه يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار، قال ابن عباس :في الحياة والصحة، وقال الضحاك :كل شيء قبل الموت فهو قريب له التوبة ما بينه وبين أن يعاين ملك الموت، فإذا تاب حين ينظر ملك الموت فليس له ذلك، وقال الحسن القريب ما لم يغرغر.
وقد وردت أحاديث كثيرة في قبول توبة العبد ما لم يغرغر ذكرها ابن كثير في تفسيره، ومنها الحديث الذي قدمنا ذكره، والغرغرة أن يجعل المشروب في فم المريض فيرده في الحلق ولا يصل إلى جوفه، ولا يقدر على بلعه. وذلك عند بلوغ الروح إلى الحلقوم. وقيل الغرغرة تردد الروح في الحلق.
﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ وهو وعد منه سبحانه بأنه يتوب عليهم ويقبل توبتهم بعد بيانه أن التوبة لهم مقصورة عليهم ﴿ وكان الله عليما ﴾ بما في قلوبهم من التصديق فحكم بالتوبة قبل الموت ولو بقدر فواق ناقة، وقيل علم أنه أتى بتلك المعصية باستيلاء الشهوة والجهالة عليه فحكم بالتوبة لمن تاب عنها وأناب عن قريب ﴿ حكيما ﴾ في صنعه. ٢
١ صحيح الجامع الصغير١٨٩٩. زاد المسير٥/٣٧..
٢ وقد وردت الأحاديث في التوبة كثيرة منها:
عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون "رواه الترمذي وابن ماجة والدارمي وإسناده حسن".
عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب واستغفر صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه فذلكم الران ذكره الله تعالى، رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وقال الترمذي حديث حسن صحيح..

﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما ( ١٨ ) ﴾
﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات ﴾ الذنوب، فيه تصريح بما فهم من حصر التوبة فيما سبق على من عمل السوء بجهالة ثم تاب عن قريب، قال أبو العالية :هذه لأهل النفاق وبه قال سعيد ابن جبير، قال ابن عباس :يريد أهل الشرك أي الكفار، وقال الثوري :هم المسلمون. ألا ترى أنه قال ولا الذين يموتون وهم كفار.
﴿ حتى ﴾ حرف ابتداء، وجملة ﴿ إذ حضر أحدهم الموت ﴾ غاية لما قبلها، وهذا وجه حسن وحضور الموت حضور علاماته وبلوغ المريض إلى حالت السياق ومصيره مغلوبا على نفسه مشغولا بخروجها من بدنه، وهو وقت الغرغرة المذكورة في الحديث السابق وهي بلوغ روحه حلقومه، قاله الهروي.
﴿ قال ﴾ عند مشاهدة ما هو فيه ﴿ إني تبت الآن ﴾ أي وقت حضور الموت حين لا يقبل من كافر إيمان ولا من عاص توبة، قال تعالى ﴿ فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ﴾ قيل قرب الموت لا يمنع من قبول التوبة بل المانع من قبولها مشاهدة الأحوال التي لا يمكن معها الرجوع إلى الدنيا بحال، ولذلك لم تقبل توبة فرعون ولا إيمانه حين أدركه الغرق.
﴿ ولا الذين يموتون وهم كفار ﴾ إذا تابوا في الآخرة عند معاينة العذاب، قال أبو العالية لأهل الشرك وروى عن الربيع مثله مع أنه لا توبة لهم رأسا، وإنما ذكروا مبالغة في بيان عدم قبول توبة من حضرهم الموت، وإن وجودها كعدمها أي ليست التوبة لهؤلاء ولا لهؤلاء ﴿ أولئك اعتدنا لهم ﴾ أي أحضرنا وهيأنا وأعددنا ﴿ عذابا أليما ﴾ مؤلما.
﴿ يا أيا الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ( ١٩ ) ﴾
﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم ﴾ أيها الأولياء ﴿ أن ترثوا النساء ﴾ أي ذاتهن ﴿ كرها ﴾ بالفتح والضم لغتان أي مكروهين على ذلك، هذا متصل بما تقدم من ذكر الزوجات، المقصود نفي الظلم عنهن، ومعنى الآية يتضح بمعرفة سبب نزولها وهو ما أخرجه البخاري وغيره عن ابن عباس قال " كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها فنزلت " ١.
وفي لفظ لأبي داود عنه في هذه الآية كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، وفي لفظ لابن جرير وابن حاتم عنه فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها.
وقد روى هذا السبب بألفاظ فمعناها لا يحل لكم أن تأخذوهن بطريق الإرث فتزعمون أنكم أحق بهن من غيركم وتحبسوهن لأنفسكم.
﴿ ولا ﴾ يحل لكم أن ﴿ تعضلوهن ﴾ عن أن يتزوجهن غيركم ضرارا ﴿ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ أي لتأخذوا ميراثهن إذا متن أو ليدفعن إليكم صداقهن إذا أذنتم لهن بالنكاح، وقيل الخطاب لأزواج النساء إذا حبسوهن مع سوء العشرة طمعا في إرثهن أو يفتدين ببعض مهورهن، واختاره ابن عطية، وأصل العضل المنع أي لا تمنعوهن من الأزواج ودليل ذلك قوله :
﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ فإنها إذا أتت بفاحشة فليس للولي حبسها حتى يذهب بما لها إجماعا من الأمة، وإنما ذلك للزوج، قال الحسن :إذا زنت البكر فإنها تجلد مائة وتنفى ويرد إلى زوجها ما أخذت منه، وقال أبو قلابة إذا زنت امرأة الرجل فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى تفتدي منه، وقال السدي :إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن.
وقال قوم الفاحشة البذاء باللسان وسوء العشرة قولا وفعلا، وقال مالك وجماعة من أهل العلم للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك.
هذا كله على أن الخطاب في قوله ﴿ ولا تعضلوهن ﴾ للأزواج، وقد عرفت ما قدمناه في سبب النزول أن الخطاب في قوله ﴿ ولا تعضلوهن ﴾ لمن خوطب بقوله ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ﴾ فيكون المعنى ولا يحل لكم أن تمنعوهن من الزواج لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن أي ما آتاهن من ترثونه إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فحينئذ يجوز لكم حبسهن عن الأزواج.
ولا يخفى ما في هذا من التعسف مع عدم جواز حبس من أتت بفاحشة عن أن تتزوج وتستعف من الزنا.
وكما أن جعل قوله : ﴿ ولا تعضلوهن ﴾ خطابا للأولياء فيه التعسف، كذلك جعل قوله ﴿ ولا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ﴾ خطابا للأزواج فيه تعسف ظاهر مع مخالفته بسبب نزول الآية الذي ذكرناه.
والأول أن يقال أن الخطاب في قوله : ﴿ ولا يحل لكم ﴾ للمسلمين أي لا يحل لكم معاشر المسلمين أن ترثوا النساء كرها كما كانت تفعله الجاهلية، ولا يحل لكم معاشر المسلمين أن تعضلوا أزواجكم أي تحبسوهن عندكم مع عدم رغبتكم فيهن، بل لقصد أن تذهبوا ببعض ما آتيتموهن من المهور يفتدين به من الحبس والبقاء تحتكم وفي عقيدتكم مع كراهتكم لهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فحينئذ يجوز لكم مخالعتهن ببعض ما آتيتموهن٢.
والاستثناء من أعم الأحوال والأوقات أو من أعم العلل أي لا يحل لكم عضلهن في حال أو وقت أو لعلة إلا في حال أو وقت أو لأجل إتيانهن بها فإن السبب حينئذ يكون من جهتهن وأنتم معذورون في طلب الخلع.
وقال الكرخي :الاستثناء متصل وعليه جرى القاضي كالكشاف وهو استثناء من زمان عام أو من علة عامة، وهذا أولى لأن الأول يحتاج إلى حذف زمان مضاف، وقيل منقطع واختاره الكواشي كأبي البقاء.
والمبينة قرئ بفتح الياء وكسرها أي بينت بينها من يدعيها وأوضحها وأظهرها أو هي بينة أي الزنا والنشوز، وقرأ ابن عباس :بكسر الموحدة من أبان الشيء فهو مبين.
﴿ وعاشروهن بالمعروف ﴾ أي بما هو معروف في هذه الشريعة وبين أهلها من حسن المعاشرة والإجمال في القول والنفقة والمبيت، وهو خطاب للأزواج أو لما هو أعم، وذلك مختلف باختلاف الأزواج في الغنى والفقر والرفاعة والوضاعة، قال السدي :عاشروهن أي خالطوهن، وقال ابن جرير صحفه بعد الرواة وإنما هو خالقوهن، وعن عكرمة حقها عليك الصحبة الحسنة والكسوة والرزق المعروف.
﴿ فإذا كرهتموهن ﴾ بسبب من الأسباب من غير ارتكاب فاحشة ولا نشوز فعسى أن يؤول الأمر إلى ما تحبونه من ذهاب الكراهة وتبدلها بالمحبة فيكون في ذلك خير كثير من استدامة الصحبة، وحصول الأولاد، فيكون الجزاء على هذا محذوفا مدلولا عليه بعلته أي فإن كرهتموهن فاصبروا ولا تفارقوهن بمجرد هذه النفرة.
﴿ فعسى أن تكر هوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ﴾ عن ابن عباس قال :الخير الكثير أن يعطف عليها فيرزق ولدها، ويجعل الله في ولدها خيرا كثيرا، وعن السدي نحوه، وقال مقاتل :يطلقها فتتزوج من بعده رجلا فيجعل الله له منها ولدا، ويجعل الله في تزويجها خيرا كثيرا، وعن الحسن ونحوه.
وقيل في الآية ندب إلى إمساك المرأة مع الكراهة لها لأنه إذا كره صحبتها وتحمل ذلك المكروه طلبا للثواب، وأنفق عليها وأحسن هو صحبتها استحق الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة٣.
١ الأثر رواه البخاري في صحيحه ٨/١٨٦ ولفظه: "كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، وهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك" ورواه ابن جرير ٨/١٠٤، وأبو داود في سننه ٢/٣١٠. أخرجه ابن جرير ٨/١٠٥ وبن مردويه، ورجال إسناده ثقات..
٢ اختار الإمام أبو جعفر الطبري في "تفسيره" ٨/١١٣ قول من قال: نهى الله جل ثناؤه زوج المرأة عن التضييق عليها، والإضرار بها، وهو لصحبتها كاره ولفراقها محب، لتفتدي منه ببعض ما آتاها من الصداق. وإنما قلنا: ذلك أولى بالصحة، لأنه لا سبيل لأحد إلى عضل امرأة إلا لأحد رجلين: إما لزوجها بالتضييق عليها، وحبسها على نفسه وهو لها كاره، مضارة منه لها بذلك، ليأخذ منها ما أتاه بافتدائها منه نفسها بذلك، أو لوليها الذي إليه إنكاحها، وإذا كان لا سبيل إلى عضلها لأحد غيرهما، وكان الولي معلوما أنه ليس مما أتاها شيئا، فقال: إن عضلها عن النكاح: "عضلها ليذهب ببعض ما آتاها" كان معلوما أن الذي عنى الله تبارك وتعالى بنهيه عن عضلها، وهو زوجها الذي له السبيل إلى عضلها ضرارا لتفتدي منه..
٣ في صحيح مسلم ٢/١٠٩ عن أبي هريرة مرفوعا "لا يفرك مؤمن مؤمنه إن كره منها خلقا رضي منها آخر، وقال: غيره والفرك: البغض..
﴿ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ( ٢٠ ) ﴾
﴿ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ﴾ الخطاب للرجال وأراد بالزوج الزوجة، قيل لما ذكر الله في الآية الأولى مضارة الزوجات إذا آتين بفاحشة وهي إما النشوز أو الزنا، بين في هذه الآية تحريم المضارة إن لم يكن من قبلها نشوز ولا زنا، ونهى عن بخس الرجل حق المرأة إذا أراد طلاقها واستبدال غيرها.
﴿ و ﴾ قد ﴿ آتيتم إحداهن ﴾ وهي المرغوب عنها والمراد بالإيتاء والإلتزام والضمان كما في قوله ﴿ إذا سلمتم ما آتيتم ﴾ أي ما التزمتم وما ضمنتم فلا يرد أن حرمة الأخذ ثابتة وإن لم يكن قد آتاها المسمى، بل كان في ذمته أو يده، والواو للحال، وقيل للعطف وليس بظاهر.
﴿ قنطارا ﴾ قد تقدم بيانه في آل عمران والمراد به هنا المال الكثير، وفي الآية دليل على جواز المغالاة في المهور ﴿ فلا تأخذوا منه شيئا ﴾ قيل هي محكمة وقيل هي منسوخة بقوله تعالى في سورة البقرة ﴿ ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله ﴾ والأولى أن الكل محكم والمراد هنا غير المختلعة فلا يحل أن يأخذ مما آتاها شيئا.
وقال ابن عباس :إن كرهت امرأتك وأعجبك غيرها فطلقت هذه وتزوجت تلك فأعط هذه مهرها وإن كان قنطارا، أخرج سعيد بن منصور وأبو يعلى قال السيوطي بسند جيد :إن عمر نهى الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فاعترضت له امرأة من قريش فقالت أما سمعت ما أنزل الله يقول ﴿ وآتيتم إحداهن قنطارا ﴾ فقال اللهم غفرا كل الناس أفقه من عمر، فركب المنبر فقال أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب، قال أبو يعلى :وأظنه قال فمن طابت نفسه فليفعل، قال ابن كثير إسناده جيد قوي، وقد رويت هذه القصة بألفاظ مختلفة هذا أحدها١.
وقيل المعنى لو جعلتكم ذلك القدر لهن صداقا فلا تأخذوا منه شيئا وذلك أن سوء العشرة إما أن يكون من قبل الزوج أو من قبل الزوجة، فإن كان من قبل الزوج وأراد طلاق المرأة فلا يحل له أن يأخذ شيئا من صداقها، وإن كان النشوز من قبل المرأة جاز له ذلك.
﴿ أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ﴾ الاستفهام للإنكار والتقريع، والجملة مقررة للجملة الأولى المشتملة على النهي. ٢
١ ابن كثير ١/٤٦٧.
وخطب عمر رضي الله عنه فقال: ألا لا تغالوا في صدقات النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر، يعطينا الله وتحرمنا؟ أليس الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا﴾ فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر. وفي رواية فأطرق عمر ثم قال: كل الناس أفقه منك يا عمر. وفي أخرى: امرأة أصابت ورجل أخطأ وترك الإنكار. أخرجه أبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي العجفاء السلمي قال: خطب عمر الناس، فذكره إلى قوله: اثنتي عشر أوقية، ولم يذكر: "فقامت إليه امرأة إلى آخره". وأخرجه ابن ماجة في سننه عن أبي العجفاء.
.

٢ وروى ابن العاص ٥/١٠١ القرطبي..
﴿ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا ( ٢١ ) ﴾
﴿ وكيف ﴾ كلمة تعجب ﴿ تأخذونه ﴾ إنكار بعد إنكار مشتمل على العلة التي تقتضي منع الأخذ وهي الإفضاء، والمعنى لأي وجه تفعلون مثل هذا الفعل، وكيف يليق بالعاقل أن يسترد شيئا بذله لزوجته عن طيب نفس، وقيل هو استفهام معناه التوبيخ والتعظيم لأخذ المهر بغير حله.
ثم ذكر السبب فقال ﴿ وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ قال الهروي والكلبي :وهو إذا كان في لحاف واحد جامع أو لم يجامع، وقال الفراء :الإفضاء أن يخلو الرجل والمرأة وإن لم يجامعها وبه قال أبو حنيفة، وقال ابن عباس ومجاهد والسدي واختاره الزجاج :أن الإفضاء في هذه الآية الجماع ولكن الله يكنى وبه قال الشافعي.
وأصل الإفضاء في اللغة المخالطة يقال للشيء المختلط فضاء ويقال القوم فوضا وفضاء أي مختلطون لا أمير عليهم، وقيل الوصول :يقال أفضى إليه أي وصل.
﴿ وأخذن منكم ﴾ وهذا الإسناد مجاز عقلي لأن الآخذ للعهد حقيقة هو الله لكن بولغ فيه حتى جعل كأنهن الآخذات له ﴿ ميثاقا غليظا ﴾ وهو عقد النكاح ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ( فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ) ١ وقيل هو قوله تعالى ﴿ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ قاله ابن عباس، وقيل هو الأولاد.
كان ابن عمر إذا نكح قال :نكحتك على ما أمر الله به إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، قال قتادة :وقد كان ذلك يؤخذ عند عقد النكاح الله عليك لتمسكن بمعروف أو لتسرحن بإحسان، وعن أنس بن مالك نحوه، وعلى هذا هو قول العاقد وعلى الأول هو كلمة النكاح المعقودة على الصداق.
١ أبو داود كتاب المناسك باب ٥٦- الإمام أحمد٥/٧٢..
﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ( ٢٢ ) ﴾
﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ﴾ نهى عما كانت عليه الجاهلية من نكاح النساء آبائهم إذا ماتوا، وهو شروع في بيان من يحرم نكاحه من النساء ومن لا يحرم، وإنما خص هذا النكاح بالنهي ولم ينتظم في سلك نكاح المحرمات الآتية مبالغة في الزجر عنه حيث كانوا مصرين على تعاطيه.
ومن المعلوم أن المحرمات بالمصاهرة أربع :زوجة الأب وزوجة الابن وأم الزوجة وبنت الزوجة، وكلها يحصل فيه التحريم بمجرد العقد وإن لم يحصل دخول إلا الربيبة فلا تحريم إلا بشرط الدخول بأمها وهذا يستفاد من الآيات فإنها لم تقيد بالدخول إلا في الربيبة على ما سيأتي والمراد آباؤكم من نسب أو رضاع.
﴿ إلا ما قد سلف ﴾ استثناء منقطع لأن الماضي لا يستثنى من المستقبل أي لكن ما قد سلف وقيل المعنى ولا ما سلف، وقيل هو استثناء متصل من قوله ما نكح آباؤكم يفيد المبالغة في التحريم بإخراج الكلام مخرج التعليق بالمحال، يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوا فلا يحل لكم غيره. وقيل معناه إلا ما سلف من الأب في الجاهلية من الزنا بامرأة فإنه يجوز للإبن تزوجها قال ابن زيد والأول أولى.
ثم بين سبحانه وجه النهي عنه وقال ﴿ إنه كان فاحشة ومقتا ﴾ هذه الجملة تدل على أنه من أشد المحرمات وأقبحها، وقد كانت الجاهلية تسميه بنكاح المقت، قال ثعلب سألت ابن الأعرابي عن نكاح المقت فقال :هو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا طلقها أو مات عنها ويقال لهذا الضيزن، وأصل المقت البغض من مقته يمقته مقتا فهو ممقوت ومقيت، والعرب تسمي ولد الرجل من امرأة أبيه مقيتا، وكان منهم الأشعث بن قيس وأبو معيط بن أبي عمرو ابن أمية١.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والحاكم وصححه والبيقهي في سننه عن البراء قال :لقيت خالي ومعه الراية قلت أين تريد قال :بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله.
﴿ وساء سبيلا ﴾ أي ساء سبيل ذلك النكاح لأنه يؤدي إلى مقت الله، وقيل التقدير ساء سبيله وقيل مقولا في حقه ساء سبيلا فإن ألسنة الأمم كافة لم تنزل ناطقة بذلك في الأمصار والأعصار، وقيل مراتب القبح ثلاث :وقد وصف الله هذا النكاح بكل ذلك، فقوله ﴿ فاحشة ﴾ مرتبة قبحه العقلي، وقوله ﴿ مقتا ﴾ مرتبة قبحه الشرعي، وقوله ﴿ ساء سبيلا ﴾ مرتبة قبحه العادي، وما اجتمعت فيه هذه المراتب فقد بلغ أقصى مراتب القبح.
١ وكانت هذه السيرة في الأنصار لازمة، وكانت في قريش مباحة مع التراضي. ألا ترى أن عمرو ابن أمية خلف على امرأة أبيه بعد موته فولدت له مسافرا وأبا معيط، وكان لها من أمية أبو العيص وغيره، فكان بنو أمية إخوة مسافر وأبي معيط وأعمامهما. ومن ذلك صفوان بن أمية بن خلف تزوج بعد أبيه امرأته فأخته بنت الأسود بن المطلب بن أسد، وكان أمية قتل عنها ومن ذلك منظور بن زبان خلف على مليكة بنت خارجة، وكانت تحت أبيه زبان بن سيار. ومن ذلك حصن ابن أبي قيس تزوج امرأة أبيه كبيشة بنت معن. والأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه. وقال الأشعث ابن سوار: توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار فخطب ابنه امرأة أبيه فقالت: إني أعدك ولدا، ولكن آتي رسول اله صلى الله عليه وسلم أستأمره، فأتته فأخبرته فأنزل الله هذه الآية..
﴿ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم التي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيم ( ٢٣ ) ﴾
قد بين الله سبحانه في هذه الآية ما يحل وما يحرم من النساء، فحرم سبعا من النسب وستا من الرضاع والصهر، وألحقت السنة المتواترة تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، ووقع عليه الإجماع.
والسبع المحرمات من النسب الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت.
والمحرمات بالصهر والرضاع :الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة وأمهات النساء والربائب وحلائل الأبناء والجمع بين الأختين، فهؤلاء ست، والسابعة منكوحات الآباء والثامنة الجمع بين المرأة وعمتها.
قال الطحاوي :وكل هذا من المحكم المتفق عليه، وغير جائز نكاح واحدة منهن بالإجماع إلا أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهن أزواجهن فإن جمهور السلف ذهبوا إلى أن الأم تحرم بالعقد على الابنة، ولا تحرم الابنة إلا بالدخول بالأم، وقال بعض السلف الأم والربيبة سواء لا تحرم واحدة منهما إلا بالدخول بالأخرى.
قالوا ومعنى قوله وأمهات نسائكم أي اللاتي دخلتم بهن وزعموا أن قيد الدخول راجع إلى الأمهات والربائب جميعا، رواه خلاس عن علي بن أبي طالب، وروي عن ابن عباس وجابر وزيد بن ثابت وابن الزبير ومجاهد.
قال القرطبي :ورواية خلاس عن علي لا تقوم به الحجة ولا تصح روايته عند أهل الحديث، والصحيح عنه مثل قول الجماعة وقد أجيب عن قولهم إن قيد الدخول راجع إلى الأمهات والربائب بأن ذلك لا يجوز من جهة الإعراب أن يكون اللاتي دخلتم بهن نعتا لهما جميعا لأن الخبرين مختلفان.
قال ابن المنذر :والصحيح قول الجمهور لدخول جميع أمهات النساء في قوله وأمهات نسائكم.
ومما يدل على ما ذهب إليه الجمهور ما أخرجه عبد الرزاق وعبد ابن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالابنة أم لم يدخل، وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج الابنة ) ١.
قال ابن كثير في تفسيره مستدلا للجمهور :وقد روي في ذلك خبر، غير أن في إسناده نظرا فذكر هذا الحديث، ثم قال وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه فإن الإجماع حجة على صحة القول به يغني على الاستشهاد على صحته بغيره٢.
وقال في الكشاف :وقد اتفقوا على أن تحريم أمهات النساء مبهم دون تحريم الربائب على ما عليه ظاهر كلام الله تعالى انتهى، ودعوى الإجماع مدفوعة بخلاف من تقدم.
واعلم أنه يدخل في لفظ الأمهات أمهاتهن وجداتهن وأم الأب وجداته وإن علون لأن كلهن أمهات لمن ولده من ولدنه وإن سفل، ويدخل في لفظ البنات بنات الأولاد وإن سفلن، والأخوات تصدق على الأخت لأبوين أو لأحدهما والعمة اسم لكل أنثى شاركت أباك أو جدك في أصليه أو أحدهما، وقد تكون العمة من جهة الأم وهي أخت أب الأم.
والخالة اسم لكل أم أنثى شاركت أمك في أصليها أو إحداهما وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك، وبنت الأخ اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة بواسطة ومباشرة وإن بعدت، وكذلك بنت الأخت وأمهات الرضاعة مطلق مقيد بما ورد في السنة، من كون الرضاعة في الحولين إلا في مثل قصة إرضاع سالم مولى أبي حذيفة.
ظاهر النظم القرآني أنه يثبت حكم الرضاع بما يصدق عليه مسمى الرضاع لغة وشرعا، ولكنه قد ورد تقييده بخمس رضعات في أحاديث صحيحة عن جماعة من الصحابة وتقرير ذلك وتحقيقه يطول، وقد استوفاه الشوكاني في مصنفاته وقرر ما هو الحق في كثير من مباحث الرضاع.
والأخت من الرضاع هي التي أرضعتها أمك بلبان أبيك سوء أرضعتها معك أو مع من قبلك أو بعدك من الإخوة والأخوات، ويلحق بذلك بالسنة البنات منها وهن من أرضعتهن موطوآته والعمات والخالات وبنات الأخت منها لحديث :( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) رواه البخاري ومسلم٣.
والأخت من الأم هي التي أرضعتها أمك بلبان رجل آخر وأمهات النساء من نسب أو رضاع قد تقدم الكلام عليها على اعتبار الدخول وعدمه.
والربيبة بنت امرأة الرجل من غيره سميت بذلك لأنه يربيها في حجره فهي مربوبة فعيلة بمعنى مفعولة.
قال القرطبي :واتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أمها دخل بالأم وإن لم تكن الربيبة في حجره، وشذ بعض المتقدمين وأهل الظاهر فقالوا :لا تحرم الربيبة إلا أن تكون في حجر المتزوج، فلو كانت في بلد آخر وفارق الأم فله أن يتزوج بها، وقد روى ذلك عن علي.
قال ابن المنذر والطحاوي لم يثبت ذلك عن علي لأن رواية إبراهيم بن عبيد عن مالك بن أوس عن علي، وإبراهيم هذا لا يعرف، وقال ابن كثير في تفسيره بعد إخراج هذا عن علي :وهذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب على شرط مسلم.
والحجور جمع حجر بفتح الحاء وكسرها مقدم الثوب، والمراد لازم الكون في الحجور وهو الكون في تربيتهم، والمراد أنهن في حضانة أمهاتهن تحت حماية أزواجهم كما هو الغالب، وقيل المراد بالحجور البيوت أي في بيوتكم، حكاه الأثرم عن أبي عبيدة وقيل هي صفة موافقة للغالب فلا مفهوم لها.
والباء في دخلتم بهن للتعدية أي دخلتم الخلوة بهن، والمراد لازمه العادي وهو الوطء أي جامعتموهن، فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم في نكاح الربائب إذا فارقتموهن أو متن، وهو تصريح بما دل عليه مفهوم ما قبله.
وقد اختلف أهل العلم في معنى الدخول الموجب لتحريم الربائب، فروى عن ابن عباس أنه قال :الدخول الجماع وهو قول طاوس وعمرو بن دينار وغيرهما، وقال مالك الثوري وأبو حنيفة والأوزاعي والليث :إن الزوج إذا لمس الأم بشهوة حرمت عليه ابنتها، وهو أحد قول الشافعي، قال أبو السعود معنى الدخول بهن إدخالهن الستر والباء للتعدية وهي كناية عن الجماع كقولهم بنى عليها وضرب عليها الحجاب، وفي حكمه اللمس ونظائره انتهى ورجحه الخفاجي.
ورد على البيضاوي في قوله ردا على أبي حنيفة تصريح بعد إشعار دفعا للقياس بأن تصريح الآية غير مراد قطعا بل اشتهر من معناها الكنائي.
وقال ابن جرير الطبري :وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأته لا تحرم ابنتها عليه إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها وقبل النظر إلى فرجها بشهوة ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع انتهى.
وهكذا حكى الإجماع القرطبي فقال :وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها حل له نكاح ابنتها، واختلفوا في النظر فقال الكوفيون إذا نظر إلى فرجها للشهوة كان بمنزلة اللمس للشهوة وكذا قال الثوري ولم يذكر الشهوة، وقال ابن أبي ليلي :لا تحرم بالنظر حتى يلمس وهو قول الشافعي.
والذي ينبغي التعويل عليه في مثل هذا الخلاف هو النظر في معنى الدخول شرعا أو لغة فإنه كان خاصا بالجماع فلا وجه لإلحاق غيره به من لمس أو نظر أو غيرهما، وإن كان معناه أوسع من الجماع بحيث يصدق على ما حصل فيه نوع استمتاع كان مناط التحريم هو ذلك.
وأما الربيبة في ملك اليمين فقد روي عن عمر ابن الخطاب أنه كره ذلك وقال ابن عباس :أحلتهما آية وحرمتهما آية ولم أكن لأفعله، وقال بن عبد البر لا خلاف بين العلماء أنه لا يحل أن يطأ امرأة وابنتها من ملك اليمين لأن الله حرم ذلك في النكاح قال ﴿ وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم ﴾ وملك اليمين عندهم تبع للنكاح إلا ما روى عن عمر وابن عباس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم انتهى.
والحلائل جمع حليلة وهي الزوجة سميت بذلك لأنها تحل مع الزوج حيث حل فهي فعيلة بمعنى فاعلة، وذهب الزجاج وقوم إلى أنها من لفظة الحلال فهي حليلة بمعنى محللة وقيل لأن كل واحد منهما يحل إزار صاحبه.
وقد أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء وما عقد عليه الأبناء على الآباء سواء كان مع العقد وطء أم لم يكن لقوله تعالى ﴿ ولا تنكحوا ما نكح أبائكم من النساء ﴾ وقوله ﴿ وحلائل أبنائكم ﴾ واختلف الفقهاء في العقد إذا كان فاسدا هل يقتضي التحريم أم لا كما هو مبين في كتب الفروع.
قال ابن المنذر :أجمع كل من يحفظ عنه العلم من علماء الأمصار أن الرجل إذ وطء امرأة بنكاح فاسد أنها تحرم على أبيه وابنه وعلى أجداده، وأجمع العلماء على أن عقد الشراء على الجارية لا يحرمها على أبيه وابنه، فإذا اشترى جارية فلمس أو قبل حرمت على أبيه وابنه، لا أعلمهم يختلفون فيه فوجب تحريم ذلك تسليما لهم، ولما اختلفوا في تحريمها بالنظر دون اللمس لم يجز ذلك لاختلافهم، قال :ولا يصح عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلناه.
وقوله ﴿ الذين من أصلابكم ﴾ وصف للأبناء أي دون من تبنيتم من أولاد غيركم كما كانوا يفعلونه في الجاهلية، ومنه قوله تعالى ﴿ فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا ﴾ ومنه قوله تعالى ﴿ وما جعل أدعياءكم أبناءكم ﴾ ومنه ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ﴾ فلكم نكاح حلائلهم.
وأما زوجة الابن من الرضاع فقد ذهب الجمهور إلى أنها تحرم على أبيه، وقد قيل أنها إجماع مع أن الابن من الرضاع ليس من أولاد الصلب، ووجهه ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله :( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) ٤ وإن كان مقتضى مفهوم الآية تحليلهن، ولا خلاف في أن أولاد الأولاد وإن سفلوا بمنزلة أولاد الصلب في تحريم نكاح نسائهم على آبائهم.
وقد اختلف أهل العلم في وطء الزنا هل يقتضي التحريم أم لا، فقال أكثر أهل العلم إذا أصاب رجل امرأة بزنا لم يحرم عليه نكاحها بذلك، وكذلك لا تحرم عليه امرأته إذا زنى بأمها أو ابنتها، وحسبه أن يقام عليه الحد، وكذلك يجوز له عندهم أن يتزوج بأم من زنى بها وبابنتها.
وقال طائفة من أهل العلم :إن الزنا يقتضي التحريم، وحكى ذلك عن عمران بن حصين والشعبي وعطاء والحسن والثوري وأحمد وإسحق وأصحاب الرأي، وحكى ذلك عن مالك والصحيح عنه كقول الجمهور، احتج الجمهور بقوله تعالى ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ وبقوله ﴿ وحلائل أبنائكم ﴾ والموطوأة بالزنا لا يصدق عليها أنها من نسائهم ولا من حلائل أبنائهم.
وقد أخرج الدارقطني عن عائشة قالت :سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل زنى بامرأة فأراد أن يتزوجها أو ابنتها فقال :لا يحرم الحرام الحلال.
واحتج المحرمون بما روي في قصة جريج الثابتة في الصحيح أنه قال :يا غلام من أبوك ؟ فقال فلان الراعي فنسب الابن نفسه إلى أبيه من الزنا. وهكذا احتجاج ساقط، واحتجوا أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم :( لا ينظر الله إلى رجل نظر في فرج امرأة وابنتها ) ولم يفصل بين الحلال والحرام ويجاب عنه بأن هذا مطلق مقيد بما ورد من الأدلة الدالة على أن الحرام لا يحرم الحلال.
ثم اختلفوا في اللواط هل يقتضي التحريم أم لا ؟ فقال الثوري إذا لاط بالصبي حرمت عليه أمه وهو قول أحمد بن حنبل قال إذا
١ الترمذي كتاب النكاح باب ٢٥..
٢ ابن كثير ١/٤٧١.
.

٣ مسلم ١٤٤٤، البخاري١٢٨٥.
.

٤ مسلم ١٤٤٤- البخاري ١٢٨٥- الدارقطني كتاب النكاح ٣/٢٦٨..
﴿ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد فريضة إن الله كان عليما حكيما ( ٢٤ ) ﴾
﴿ والمحصنات من النساء ﴾ عطف على المحرمات المذكورات أي وحرمت عليكم ذوات الأزواج، وأصل التحصن التمنع ومنه قوله تعالى ﴿ ليحصنكم من بأسكم ﴾ أي ليمنعكم، ومنه الحصان بكسر الحاء للفرس لأنه يمنع صاحبه من الهلاك، والحصان بفتح الحاء المرأة العفيفة لمنعها نفسها والمصدر الحصانة بفتح الحاء.
والمراد بالمحصنات هنا الأزواج. وقد ورد الإحصان في القرآن لمعان أحدها التزوج كما في هذه الآية وكما في قوله ﴿ محصنين غير مسافحين ﴾ والثاني يراد به الحرية، ومنه قوله تعالى ﴿ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ﴾ وقوله ﴿ المحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أتوا الكتاب من قبلكم ﴾ والثالث يراد به العفة، ومنه قوله تعالى ﴿ محصنات غير مسافحات ﴾ والرابع الإسلام ومنه قوله تعالى ﴿ فإذا أحصن ﴾ أي أسلمن.
وقد اختلف أهل العلم في تفسير هذه الآية فقال ابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو قلابة وكحول الزهري :والمراد بالمحصنات هنا المسبيات ذوات الأزواج خاصة أي هن محرمات بفتح الصاد وكسرها فالفتح على أن الأزواج أحصنوهن، والكسر على أنهن أحصن فروجهن من غير أزواجهن أو أحصن أزواجهن.
﴿ إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ بالسبي من أرض الحرب فإن تلك حلال لكم وطؤهن وإن كان لها زوج في دار الحرب بعد الإستبراء وهو قول الشافعي، أي أن السباء يقطع العصمة، وبه قال ابن وهب وابن عبد الحكم وروياه عن مالك، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحق وأبو ثور.
والاستثناء متصل لأن المستثنى المزوجات، لكن فيه شائبة انقطاع من حيث أن المستثنى منه نكاح المتزوجات، والمستثنى وطء الزوجات، وقد صرح السمين بأنه منقطع، واختلفوا في استبرائها بماذا يكون كما هو مدون في كتب الفروع.
وقالت طائفة :المحصنات في هذه الآية العفائف، وبه قال أبو العالية وعبيدة السلماني وطاوس وسعيد ابن جبير وعطاء، ورواه عبيدة عن عمر، ومعنى الآية عندهم كل النساء حرام إلا ما ملكت أيمانكم أي تملكون عصمتهن بالنكاح وتملكون الرقبة بالشراء، وحكى ابن جرير الطبري :أن رجلا قال لسعيد ما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية فلم يقل فيها شيئا فقال كان ابن عباس لا يعلمها.
وروى ابن جرير أيضا عن مجاهد أنه قال :لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل انتهى، ومعنى الآية والله أعلم أوضح لا سترة به أي وحرمت عليكم المحصنات من النساء أي المزوجات أعم من أن يكن مسلمات أو كافرات إلا ما ملكت أيمانكم منهن إما بسبي فإنها تحل وإن كانت ذات زوج، أو بشراء فإنها تحل ولو كانت مزوجة وينفسخ النكاح الذي كان عليها بخروجها عن ملك سيدها الذي زوجها، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
﴿ كتاب الله عليكم ﴾ أي كتب ذلك كتابا وفرضه فرضا، وقيل لزموا كتاب الله أوعليكم كتاب الله، وروي عن عبيدة السلماني أن قوله هذا إشارة إلى قوله تعالى ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ وهو بعيد جدا، بل هو إشارة إلى التحريم المذكور في قوله ﴿ حرمت عليكم ﴾ إلى آخر الآية.
وفي قوله ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ دلالة على أنه يحل لهم نكاح ما سوى المذكورات، وهذا عام مخصوص بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، ومن ذلك نكاح المعتدة، ومن ذلك أن من كان في نكاحه حرة لا يجوز له الأمة، ومن ذلك القادر على الحرة لا يجوز له نكاح الأمة، ومن ذلك من عنده أربع زوجات لا يجوز له نكاح خامسة، ومن ذلك الملاعنة فإنها محرمة على الملاعن أبدا.
وقيل لا حاجة للتنبيه على هذا لأن الكلام في التحريم على التأييد، وما ذكره من الأقسام لا يحرم مؤبدا بل لعارض يزول، نعم يظهر ما قالوه في الملاعنة لأن تحريمها مؤبد، وقد أبعد من قال إن تحريم الجمع بين المذكورات مأخوذ من الآية هذه لأنه حرم الجمع بين الأختين فيكون ما في معناه في حكمه، وهو الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، وكذلك يحرم نكاح الأمة لمن يستطيع نكاح حرة فإنه يخصص هذا العموم.
لأجل ﴿ أن تبتغوا بأموالكم ﴾ النساء اللاتي أحلهن الله لكم ولا تبتغوا بها الحرام فتذهب، وقيل هو بدل من ﴿ ما ﴾ في قوله ﴿ ما وراد ذلكم ﴾ والأول أولى. وأراد سبحانه بالأموال المذكورة ما يدفعونه في مهور الحرائر وأثمان الإماء ﴿ محصنين ﴾ الإحصان العفة وتحصين النفس عن الوقوع فيما يوجب اللوم والعقاب أي حال كونكم متزوجين ومتسرين متعففين عن الزنا ﴿ غير مسافحين ﴾ أي غير زانين، والسفاح الزنا وهو مأخوذ من سفح الماء أي صبه وسيلانه، فكأنه سبحانه أمرهم بأن يطلبوا بأموالهم النساء على وجه النكاح لا على وجه السفاح.
﴿ فما استمتعتم به منهن ﴾ قد اختلف أهل العلم في معنى الآية فقال الحسن ومجاهد وغيرهما :فما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الشرعي، وعلى هذا فالآية واردة في النكاح الصحيح وأن الزوج متى وطئها ولو مرة وجب عليه مهرها المسمى أو مهر المثل، ولكن يرد على هذا أنها تتكرر مع قوله سابقا ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن ﴾ وقال الجمهور :إن المراد بهذه الآية نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام حيث كان الرجل ينكح المرأة وقتا معلوما ليلة أو ليلتين أو أسبوعا بثوب أو غيره ويقضي منها وطره ثم يسرحها، ويؤيد ذلك قراءة أبي بن كعب وابن عباس وسعيد ابن جبير ﴿ فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى ﴾ ثم نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم كما صح ذلك من حديث علي قال :نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خبير١، وهو في الصحيحين وغيرهما.
وفي صحيح مسلم من حديث سبرة بن معبد الجهني عن النبي صلى الله عليه سلم أنه قال :يوم فتح مكة :يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، والله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا٢، وفي لفظ لمسلم أن ذلك في حجة الوداع، فهذا هو الناسخ، وقال سعيد ابن جبير نسختها آية الميراث إذ المتعة لا ميراث فيها.
وقالت عائشة والقاسم بن محمد في تحريمها ونسخها في القرآن، وذلك قوله تعالى ﴿ والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، فإنهم غير ملومين ﴾ وليست المنكوحة بالمتعة من أزواجهم ولا ما ملكت أيمانهم، فإن من شأن الزوجة أن ترث وتورث، وليست المستمتع بها كذلك والأحاديث في تحليل المتعة ثم تحريمها وهل كان نسخها مرة أو مرتين في كتب الحديث، وقد روى عن ابن عباس أنه قال بجواز المتعة وأنها باقية لم تنسخ، وروى عنه أنه رجع عن ذلك أن بلغه الناسخ، وقد قال بجوازها جماعة من الروافض، ولا اعتبار بأقوالهم، وقد أتعب نفسه بعض المتأخرين بتكثير الكلام على هذه المسألة وتقوية ما قاله المجوزون لها، وليس هذا المقام مقام بيان بطلان كلامه، وقد طول الشوكاني البحث ودفع الشبهة الباطلة التي تمسك بها المجوزون لها في شرحه للمنتقى فليرجع إليه.
وقال ابن العربي :وأما متعة النساء فهي من غرائب الشريعة لأنها أبيحت في صدر الإسلام ثم حرمت يوم خيبر ثم أبيحت في غزوة أوطاس ثم حرمت بعد ذلك، واستقر الأمر على التحريم، وليس لها أخت في الشريعة إلا مسألة القبلة، فإن النسخ طرأ عليها مرتين ثم استقرت حكاه القرطبي عنه.
﴿ فآتوهن أجورهن ﴾ أي مهورهن التي فرضتم لهن، وإنما سمي المهر أجرا لأنه بدل المنفعة لا عن العين ﴿ فريضة ﴾ أي مفروضة مسماة، وقد كمل بهذا الوصف ما قبله ودخل به على ما بعده فهي مصدر مؤكد أو حال من أجورهن.
﴿ ولا جناح عليكم ﴾ ولا عليهن ﴿ فيما تراضيتم به ﴾ أنتم وهم ﴿ من بعد الفريضة ﴾ أي من زيادة ونقصان في المهر، فإن ذلك سائغ عند التراضي.
هذا عند من قال إن الآية في النكاح الشرعي، وأما عند الجمهور القائلين بأنها المتعة فالمعنى التراضي في زيادة مدة المتعة أو نقصانها أو في زيادة ما دفعه إليها مقابل الاستمتاع بها أو نقصانه، وقيل ما تراضيتم به من الإبراء من المهر والافتداء والاعتياض، وقال الزجاج :معناه لا جناح عليكم أن تهب المرأة للزوج مهرها وأن يهب الرجل للمرأة التي لم يدخل بها نصف المهر الذي لا يجب عليه.
﴿ إن الله كان عليما ﴾ بما يصلحكم في مناكحكم وغيرها من سائر أموالكم أو عليما بالأشياء قبل خلقها ﴿ حكيما ﴾ فيما دبر لكم من التدبير وفيما يأمركم وينهاكم عنه ولا يدخل حكمه خلل ولا زلل أو فيما فرض لكم من عقد النكاح الذي به حفظت الأنساب.
١ مسلم ١٤٠٧- البخاري١٩٠٨.
.

٢ مسلم ١٤٠٦..
﴿ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخذان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم ( ٢٥ ) ﴾
﴿ ومن ﴾ شرطية أو موصلة ﴿ لم يستطع منكم طولا ﴾ الطول الغنى والسعة قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي وأبو زيد ومالك والشافعي وأحمد وإسحق وأبو الثور وجمهور أهل العلم، وإنما سمي الغنى طولا لأنه ينال به من المراد ما لا ينال مع الفقر، والطول كناية عما يصرف إلى المهر والنفقة يقال طال طولا في الأفضال والقدرة، وفلان ذو طول أي ذو قدرة في ماله، والطول بالضم ضد القصر، وقال قتادة والنخعي وعطاء والثوري :إن الطول الصبر.
ومعنى الآية عندهم أن كمن كان يهوى أمة حتى صار لذلك لا يستطيع أن يتزوج غيرها فإن له أن يتزوجها إذا لم يملك نفسه، وخاف أن يبغي بها، وإن كان يجد سعة في المال لنكاح حرة، وقال أبو حنيفة وهو يروي عن مالك :إن الطول المرأة الحرة فمن كان تحته حرة لم يحل له أن ينكح الأمة ومن لم يكن تحته حرة جاز له أن يتزوج أمة ولو كان غنيا، وبه قال أبو يوسف واختاره ابن جرير واحتج له.
والقول الأول هو المطابق لمعنى الآية ولا يخلو ما عداه عن تكلف، فلا يجوز للرجل أن يتزوج بالأمة إلا إذا كان لا يقدر على أن يتزوج بالحرة لعدم وجود ما يحتاج إليه في نكاحها من مهر وغيره.
﴿ أن ينكح المحصنات ﴾ الحرائر ﴿ المؤمنات ﴾ هو جري على الغالب فلا مفهوم له، ومعنى الآية فمن لم يستطع منكم غنى وسعة في ماله يقدر بها على نكاح المحصنات المؤمنات ﴿ فمما ﴾ فلينكح مما ﴿ ملكت أيمانكم ﴾ يعني جارية أخيك المؤمن، ودخلت الفاء في قوله ﴿ فمما ملكت ﴾ لتضمن المبتدأ معنى الشرط وقد عرفت أنه لا يجوز للرجل الحر أن يتزوج بالمملوكة إلا بشرط عدم القدرة على الحرة كما ذهب الشافعي، والشرط الثاني ما سيذكره الله سبحانه آخر الآية من قوله ﴿ ذلك لمن خشي العنت منكم ﴾ فلا يحل للفقير أن يتزوج بالمملوكة إلا إذا كان يخشى على نفسه العنت.
والمراد هنا الأمة المملوكة للغير، وأما أمة الإنسان فقد وقع الإجماع على أنه لا يجوز له أ يتزوجها وهي تحت ملكه لتعارض الحقوق واختلافها.
﴿ من فتياتكم المؤمنات ﴾ وقد استدل بهذه الآية على أنه لا يجوز نكاح الأمة الكتابية، وبه قال أهل الحجاز وجوزه أهل العراق، والفتيات جمع فتات وهي الشابة من النساء والعرب تقول للمملوك فتى وللمملوكة فتاة، وفي الحديث الصحيح :لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي ولكن ليقلن فتاي وفتاتي١.
﴿ والله أعلم بإيمانكم ﴾ فيه تسلية لمن ينكح الأمة إذا اجتمع فيه الشرطان المذكوران أي كلكم بنو آدم وأكرمكم عند الله أتقاكم فلا تستنكفوا من الزواج بالإماء عند الضرورة فربما كان إيمان بعض الإيماء أفضل من إيمان بعض الحرائر، والجملة اعتراضية تفيد أن الإيمان كاف في نكاح الأمة المؤمنة ولو بظاهر، ولا يشترط في ذلك أن يعلم إيمانها علما يقينا فإن في ذلك لا يطلع عليه إلا الله تعالى.
﴿ بعضكم من ﴾ جنس ﴿ بعض ﴾ أي أنهم متصلون في الأنساب، لأنهم جميعا بنو آدم في الدين لأنهم جميعا أهل ملة واحدة وكتابهم واحد ونبيهم واحد، والمراد بهذا توطية نفوس العرب لأنهم كانوا يستهجنون أولاد الإمام ويستصغرونهم ويغضون منهم ويسمون ابن الأمة الهجين، فأعلم الله أن ذلك أمر لا يلتفت إليه فلا يتداخلنكم شموخ وأنفة من التزويج بالإمام فإنكم متساوون في النسب إلى آدم.
وقال ابن عباس :يريد أن المؤمنين بعضهم أكفاء بعض، أي فلا يترفع الحر عن نكاح الأمة عند الحاجة إليه.
﴿ فانكحوهن بإذن أهلهن ﴾ أي بإذن المالكين لهن ومواليهن لأن منافعهن لهم لا يجوز لغيرهم أن ينتفع بشيء إلا بإذن من هي له، واتفق أهل العلم على أن نكاح الأمة بغير إذن سيدها باطل لأن الله تعالى جعل إذن السيد شرطا في جواز نكاح الأمة.
﴿ وآتوهن أجورهن بالمعروف ﴾ أي أدوا إليهن مهورهن بما هو المعروف في الشرع من غير مطل ولا نقص ولا ضرار، وقيل مهور أمثالهن، وقد استدل بهذا من قال إن الأمة أحق بمهرها من سيدها، وإليه ذهب مالك وذهب الجمهور إلى أن المهر للسيد وإنما أضافها إليهن لأن التأدية إليهن تأدية إلى سيدهن لكونهن ماله.
﴿ محصنات ﴾ عفائف حال ﴿ غير مسافحات ﴾ زانيات جهرا أي غير معلنات بالزنا، وهذا الشرط على سبيل الندب بناء على المشهور من جواز نكاح الزواني ولو كن إماء، قاله الخطيب.
﴿ ولا متخذات أخدان ﴾ أخلاء يزنون بهن سرا، والأخدان الأخلاء، والخدن والخدين والمخادن أي المصاحب، وقيل ذات الخدن هي التي تزني سرا فهو مقبل للمسافحة، وهي التي تجاهر بالزنا وقيل المسافحة المبذولة وذات الخدن التي تزني بواحد. وكانت العرب تعيب الإعلان بالزنا ولا تعيب اتخاذ الأخدان، ثم رفع الإسلام جميع ذلك فقال الله ﴿ ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ﴾ وقال أبو زيد الأخدان الأصدقاء على الفاحشة.
﴿ فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾ المراد بالإحصان هنا الإسلام، روى ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وأنس والأسود ابن زيد. وزر بن حبيس وسعيد بن جبير وعطاء والنخعي والشعبي والسدي، وروى عن عمر ابن الخطاب بإسناد منقطع وهو الذي نص عليه الشافعي، وبه قال الجمهور، وقال ابن عباس وأبو الدرداء ومجاهد وعكرمة وطاوس والحسن وقتادة وغيرهم أنه التزويج، وروى عن الشافعي.
فعلى القول الأول لا حد على الأمة الكافرة، وعلى الثاني لا حد على الأمة التي لم تتزوج، وقال القاسم :وسالم إحصانها إسلامها وعفافها، وقال ابن جرير :إن معنى القراءتين مختلف، فمن قرأ أحصن بضم الهمزة فمعناه التزويج، ومن قرأ بفتح الهمزة فمعناه الإسلام.
قال قوم إن الإحصان المذكور في الآية هو التزوج ولكن الحد واجب على الأمة المسلمة إذا زنت قبل أ تتزوج بالسنة، وبعه قال الزهري.
قال ابن عبد البر :ظاهر قول الله عز وجل يقتضي أنه لا حد على الأمة وإن كانت مسلمة إلا بعد التزويج، ثم جاءت السنة بجلدها وإن لم تحصن وكان ذلك زيادة بيان.
قال القرطبي :ظهر المسلم حمى لا يستباح إلا بيقين ولا يقين مع الاختلاف لولا ما جاء في صحيح السنة من الجلد.
قال ابن كثير في تفسيره :والأظهر والله أعلم أن المراد بالإحصان هنا التزويج لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول سبحانه ﴿ ومن لم يستطع منكم طولا إلى قوله فإذا أحصن ﴾ الآية فالسياق كله في الفتيات المؤمنات، فتعين أن المراد بقوله ﴿ فإذا أحصن ﴾ أي تزوجن كما فسره ابن عباس ومن تبعه٢.
قال وعلا كلا القولين إشكال على مذهب الجمهور لأنهم يقولون إن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة سواء كانت مسلمة أو كافرة مزوجة أو بكرا مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لا حد على غير المحصنة من الإماء، قد اختلفت أجوبتهم عن ذلك.
ثم ذكر أن منهم من أجاب وهم الجمهور بتقديم منطوق الأحاديث على هذا المفهوم، ومنهم من عمل على مفهوم الآية وقال إذا زنت ولم تحصن فلا حد عليها، وإنما تضرب تأديبا قال وهو المحكي عن ابن عباس وإليه ذهب طاوس وسعيد بن جبير وأبو عبيد وداود الظاهري في رواية عنه.
فهؤلاء قدموا مفهوم الآية على العموم، وأجابوا عن مثل حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، قال :إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير٣، فإن المراد بالجلد هنا التأديب وهو تعسف.
وأيضا قد ثبت في الصحيحين من حديث أبو هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم إن زنت فليجلدها الحد )، الحديث٤.
ولمسلم عن حديث علي :يا أيها الناس أقيموا على أرقادكم الحد من أحصن ومن لم يحصن، فإن أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها، الحديث.
وأما ما أخرجه سعيد ابن منصور وابن خزيمة والبيهقي عن ابن عباس قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ( وليس على الأمة حد حتى تحصن بزوج فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات من العذاب ) فقد قال ابن الخزيمة والبيقهي إن رفعه خطأ والصواب وقفه.
والفاحشة هنا الزنا فعليهن نصف ما على المحصنات أي الحرائر الأبكار إذا زنين، لأن الثيب عليها الرجم، وهو لا يبعض، وقيل المراد بالمحصنات هنا المزوجات لأن عليها الجلد والرجم، والرجم لا يتبعض فصار عليهن نصف ما عليهن من الجلد، فيجلدن خمسين ويغربن نصف سنة.
والمراد بالعذاب هنا الجلد، وإنما نقص حد الإماء عن حد الحرائر لأنهن أضعف، وقيل لأنهن لا يصلن إلى مرادهن كما تصل الحرائر، وقيل لأن العقوبة تجب على قدر النعمة كما في قوله تعالى ﴿ يضاعف لها العذاب ضعفين ﴾ ولم يذكر الله سبحانه في هذه الآية العبيد وهم لاحقون بالإماء بطريق القياس كما يكون على الإماء والعبيد نصف الحد في الزنا كذلك يكون عليهم نصف الحد في القذف والشرب.
﴿ ذلك ﴾ أي نكاح المملوكات عند عدم الطول ﴿ لمن خشي العنت ﴾ العنت الوقوف في الإثم وقيل الزنا وأصله في اللغة انكسار العظم بعد الجبر ثم استعير لكل مشقة، وأريد به هنا ما يجر إليه الزنا من العقاب الدنيوي والأخروي، والمعنى ذلك لمن خاف أن تحمله شدة الشبق والغلمة والشهوة على الزنا.
وإنما سمي الزنا بالعنت لما يعقبه من المشقة وهي شدة العزوبة فأباح الله تعالى نكاح الأمة بثلاث شروط :عدم القدرة على نكاح الحرة وخوف العنت وكون الأمة مؤمنة، وفي القاموس العنت الفساد والإثم والهلاك ودخول المشقة على الإنسان ولقاء الشدة والزنا والوهي والانكسار واكتساب المآثم، وأعنته غيره وعنته تعنيتا شدد عليه وألزمه ما يصعب عليه٥.
﴿ منكم ﴾ بخلاف من لا يخالفه من الأحرار فلا يحل له نكاحها، وكذا من استطاع طول حرة، وعليه الشافعي وكذا مالك وأحمد.
﴿ أن تصبروا ﴾ أي صبركم عن نكح الإماء ﴿ خير لكم ﴾ من نكاحهم لأن نكاحهن يفضي إلى إرقاق الولد والغض من النفس ﴿ والله غفور رحيم ﴾ هذا كالتأكيد لما تقدم٦.
١ مسلم٢٢٤٩- البخاري١٢٥١..
٢ ابن كثير١/٤٧٦..
٣ مسلم١٧٠٣- البخاري١٠٨٨..
٤ مسلم١٧٠٣- البخاري١٠٨٨..
٥ وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: أيما حر تزوج بأمة فقد أرق نصفه. يعني يصير ولده رقيقا، فالصبر عن ذلك أفضل لكيلا يرق الولد. وقال سعيد ابن جبير: ما نكاح الأمة من الزنا إلا قريب، قال الله تعالى: ﴿وأنم تصبروا خير لكم﴾ أي عن نكاح الإماء، وفي سنن ابن ماجه عن الضحاك بن مزاحم قال: سمعت أنس بن مالك يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أراد أن يلقى الله مطهرا فليتزوج الحرائر"، ورواه أبو إسحاق الثعلبي من حديث يونس بن مرداس، وكان خادما لأنس، وزاد: فقال أبو هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت أو قال: فساد البيت"..
٦ قال القرطبي: والصواب من القول في قوله ﴿ذلك لمن خشي العنت منكم﴾ ذلكن لمن خاف منكم ضررا في دينه وبدنه..
﴿ يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم ( ٢٦ ) والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما ( ٢٧ ) يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ( ٢٨ ) ﴾
﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ استئناف مسوق لتقرير ما سبق من الأحكام وبيان كونها جارية على مناهج المهتدين من الأنبياء والصالحين، واللازم هنا لام كي التي تعاقب أن، ومنه ﴿ يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ﴾ ﴿ وأمرت لأعدل بينكم وأمرنا لنسلم لرب العالمين ﴾ وهذا مذهب الكوفيين، وخطأ الزجاج هذا القول.
وقيل اللام زائدة لتأكيد معنى الاستقبال أو لتأكيد إرادة التبيين، وبه قال الزمخشري والسمين ومعنى الآية يريد الله أن يبين لكم مصالح دينكم وما يحل لكم وما يحرم عليكم، وقيل يبين لكم ما يقربكم منه، وقيل يبين أن الصبر عن نكاح الأمة خير لكم.
﴿ ويهديكم سنن الذين من قبلكم ﴾ أي طرقهم في تحريم الأمهات والبنات والأخوات فإنها كانت محرمة على من قبلكم وهم الأنبياء وأتباعهم لتقتدوا بهم ﴿ و ﴾ يريد أن ﴿ يتوب عليكم ﴾ يرجع بكم عن معصيته التي كنتم عليها إلى طاعته فتوبوا إليه وتلافوا ما فرط منكم بالتوبة يغفر لكم ذنوبكم ﴿ والله عليم ﴾ بمصالح عباده في أمر دينهم ودنياهم ﴿ حكيم ﴾ فيما دبر أمورهم.
﴿ والله يريد أن يتوب عليكم ﴾ هذا تأكيد لما قد فهم من قوله ويتوب عليكم المتقدم، وقيل الأول معناه الإرشاد إلى الطاعات، والثاني فعل أشباهها.
وقيل إن الثاني لبيان كمال منفعة إرادته سبحانه، وكمال ضرر ما يريده الذين يتبعون الشهوات، وليس المراد به مجرد إرادة التوبة حتى يكون من باب التكرير للتأكيد.
قيل هذه الإرادة منه سبحانه في جميع أحكام الشرع، وقيل في نكاح الأمة فقط، وقال ابن عباس :معناه يريد أن يخرجكم من كل ما يكره إلى ما يحب ويرضى، وقيل معناه يدلكم على ما يكون سببا لتوبتكم التي يغفر لكم بها ما سلف من ذنوبكم، وقيل معناه إن وقع منك تقصير في دينه فيتوب عليكم ويغفر لكم.
﴿ ويريد الذين يتبعون الشهوات ﴾ المراد بالشهوات هنا ما حرمه الشرع دون ما أحله، اختلف في تعيين متبعي الشهوات فقيل هم الزناة وقيل اليهود والنصارى وقيل اليهود خاصة، وقيل هم المجوس لأنهم أرادوا أن يتبعهم المسلمون في نكاح الأخوات من الأب وبنت الأخ، والأول أولى.
﴿ وأن تميلوا ﴾ تعدلوا عن الحق وقصد السبيل بالمعصية فتكونوا مثلهم ﴿ ميلا عظيما ﴾ يعني بإتيانكم ما حرم الله عليكم، والميل المعدول عن طريق الاستواء، ووصف الميل بالعظيم بالنسبة إلى ميل من اقترف خطيئة نادرا.
﴿ يريد الله أن يخفف ﴾ يسهل ﴿ عنكم ﴾ أحكام الشرع بما مر من الترخيص أو بكل ما فيه من تخفيف عليكم ﴿ وخلق الإنسان ضعيفا ﴾ عاجزا غير قادر على ملك نفسه ودفعها عن شهوتها قليل الصبر عن النساء، فلا صبر له عنهن وفاء بحق التكليف. فهو محتاج من هذه الحيثية إلى التخفيف، فلهذا أراد الله سبحانه التخفيف، وقيل هو ضعيف في أصل الخلقة لأنه خلق من ماء مهين، وقيل أنه لضعفه يستميله الهوى فهو ضعيف العزم عن الهوى.
﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ( ٢٩ ) ﴾
﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ شروع في بيان بعض المحرمات المتعلقة بالأموال والأنفس إثر بيان المحرمات المتعلقة بالإبضاع ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ يعني بالحرام الذي لا يحل في الشرع، والباطل ما ليس بحق، ووجوه ذلك كثيرة كالربا والقمار والغضب والسرقة والخيانة وشهادة الزور، وأخذ الأموال باليمين الكاذبة ونحو ذلك، ومن الباطل البيوعات التي نهى عنها الشرع.
وإنما خص الأكل بالذكر ونهى عنه تنبيها على غيره من جميع التصرفات الواقعة على وجه الباطل، لأن معظم المقصود من المال الأكل، وقيل يدخل فيه أكل مال نفسه بالباطل ومال غيره، أما أكل ماله بالباطل فهو إنفاقه في المعاصي، وأما أكل مال غيره فقد تقدم معناه، وقيل يدخل في أكل المال بالباطل جميع العقود الفاسدة.
﴿ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ﴾ التجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة، وهذا الاستثناء منقطع أي لكن أموال تجارة صادرة عن تراض منكم وطيب نفس جائزة بينكم ولكم أن تأكلوها، أو لكن كون تجارة عن تراض منكم حلالا لكم لأن التجارة ليست من جنس أكل المال بالباطل، ولأن الاستثناء وقع على الكون، والكون معنى من المعاني ليس مالا من الأموال، فكان إلا هنا بمعنى لكن.
وقوله عن تراض صفة لتجارة أي كائنة عن تراض، وإنما نص الله سبحانه على التجارة دون سائر أنواع المعاوضات كالهبة والصدقة لكونها أكثرها وأغلبها، ولأن أسباب الرزق متعلقة بها غالبا، ولأنها أرفق بذوي المروآت بخلاف الإيهاب وطلب الصدقات.
وتطلق التجارة على جزاء الأعمال من الله على وجه المجاز، ومنه قوله تعالى ﴿ هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ﴾ وقوله تعالى ﴿ يرجون تجارة لن تبور ﴾.
واختلف العلماء في التراضي فقالت طائفة تمام وجوده بافتراق الأبدان بعد عقد البيع أو بأن يقول أحدهما لصاحبه اختر، وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي والثوري والليث وابن عيينة وإسحق وغيرهم، وقال مالك وأبو حنيفة :تمام البيع هو أن يعقد البيع بالألسنة فيرتفع بذلك الخيار.
وأجابوا عن الحديث بما لا طائل تحته.
وقرئ تجارة بالرفع على أن كان تامة وبالنصب على أنها ناقصة.
وروى الطبراني وابن حاتم قال السيوطي بسند صحيح عن ابن مسعود قال :إنها يعني هذه الآية محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة. وعن عكرمة والحسن قالا :كان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بعدما نزلت هذه الآية التي في النور ﴿ ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم ﴾ الآية.
وأخرج ابن ماجه وابن المنذر عن أبي سعيد قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إنما البيع عن تراض ) ١.
﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ أي لا يقتل بعضكم أيها المسلمون بعضا إلا بسبب أثبته الشرع، وإنما قال أنفسكم لأنهم أهل دين واحد فهم كنفس واحدة، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع :( ألا لا ترجعوا بعدي كفارا بضرب بعضكم رقاب بعض ) ٢.
وقيل إن هذا نهي للإنسان عن قتل نفسه بارتكاب ما يؤدي إلى هلاكها، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه أي يضرب بها نفسه في نار جهنم مخلدا فيها أبدا٣، وفي الباب أحاديث.
أو لا تقتلوا أنفسكم باقتراف المعاصي يعني لا يفعل شيئا يستحق به القتل أن يقتل فيقتل به فيكون هو الذي تسبب في قتل نفسه بكسب الجريمة، وقيل لا تقتلوا بأكل المال بالباطل وقيل لا تهلكوا أنفسكم بأن تعملوا عملا ربما أدى إلى قتلها، أو المراد النهي عن أن يقتل الإنسان نفسه حقيقة.
ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه المعاني، ومما يدل على ذلك احتجاج عمرو بن العاص بها حين لم يغتسل بالماء البارد حين أجنب في غزوة ذات السلاسل فقرر النبي صلى الله عليه وسلم احتجاجه، وهو في مسند أحمد وسنن أبي داود وغيرهما.
﴿ إن الله كان بكم رحيما ﴾ ومن رحمته بكم أن نهاكم عن كل شيء تستوجبون به مشقة أو محنة، وقيل إن الله تعالى أمر بني إسرائيل بقتل أنفسهم ليكون ذلك توبة لهم، وكان بكم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم رحيما حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الصعبة.
١ صحيح الجامع الصغير ٢٣١٩..
٢ مسلم٢٢- البخاري٨٩٤..
٣ مسلم١٠٩- البخاري٧٢١..
﴿ ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما وفسقا نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا ( ٣٠ ) إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ( ٣١ ) ﴾
﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ أي القتل خاصة أو أكل أموال الناس باطلا، وقيل هو إشارة إلى كل ما نهى عنه في هذه السورة، وقال ابن جرير :إنه عائد على ما نهى عنه من آخر وعيد وهو قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ﴾ لأن كل ما نهى عنه من أول السورة، قرن به وعيد إلا من قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم ﴾ فإنه لا وعيد بعده إلا قوله ذلك.
﴿ عدوانا ﴾ على الغير ﴿ وظلما ﴾ على النفس لا جهلا ونسيانا وسفها، وعلى هذا لا يرد أنه كيف قدم الأخص على الأعم إذ التجاوز عن العدل جوز ثم الطغيان ثم تعد، والكل ظلم، والعدوان تجاوز الحد. والظلم وضع الشيء في غير موضعه، وقيل إن معنى العدوان والظلم واحد، وتكريره لقصد التأكيد إلا أن يقال إن العطف باعتبار التغاير في المفهوم كما تقدم، وخرج بقيد العدوان والظلم ما كان من القتل بحق، كالقصاص وقتل المرتد وسائر الحدود الشرعية وكذلك القتل الخطأ.
﴿ فسوف نصليه ﴾ أي ندخله في الآخرة ﴿ نارا ﴾ عظيمة يحترق فيها، وقرئ نصليه بفتح النون وهو على هذا منقول من صلى ومنه شاة مصلية ﴿ وكان ذلك ﴾ أي إصلاؤه النار ﴿ على الله يسيرا ﴾ هينا لأنه لا يعجزه شيء.
﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ أي الذنوب التي نهاكم الله عنها، وفي الكلام حذف وتفعلوا الطاعات ﴿ نكفر عنكم ﴾ أصل التكفير الستر والتغطية وفي الشرع إماطة المستحق من العقاب بثواب أزيد أو بتوبة أي نغفر لكم ﴿ سيأتيكم ﴾ أي ذنوبكم التي هي صغائر، فالتكفير ليس مرتبا على الاجتناب وحده.
وحمل السيئات على الصغائر هنا متعين لذكر الكبائر قبلها. وجعل اجتنابها شرط لتكفير السيآت :واجتناب الشيء المباعدة عنه وتركه جانبا، والكبيرة ما كبر وعظم من الذنوب وعظمت عقوبته.
وقد اختلف أهل الأصول في تحقيق معنى الكبائر ثم في عددها فأما تحقيقها فقيل :إن الذنوب كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها كما يقال الزنا صغيرة بالإضافة إلى الكفر، والقبلة المحرمة صغيرة بالإضافة إلى الزنا، وقد روى نحو هذا عن الأسفرايني والجويني والقشيري وغيرهم.
قالوا المراد بالكبائر التي يكون اجتنابها سببا لتكفير السيئات هي الشرك، واستدلوا على ذلك بقراءة من قرأ إن تجتنبوا كبير ما تنهون عنه، وعلى قراءة الجمع فالمراد أجناس الكفر واستدلوا على ما قالوه بقوله تعالى ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ قالوا فهذه الآية مقيدة لقوله إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه.
وقال ابن عباس :الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، وقال ابن مسعود :الكبائر ما نهى الله عنه في هذه السورة إلى ثلاث وثلاثين آية، قال سعيد ابن جبير :كل ذنب نسبه الله إلى النار فهو كبيرة.
وقال جماعة من أهل الأصول الكبائر كل ذنب رتب الله عليه الحد أو صرح بالوعيد فيه وقيل غير ذلك مما لا فائدة في التطويل بذكره، وقد ذكر الشوكاني جل ذلك في نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، وقد ذكر رضي الله عنه في إرشاد الفحول من النصوص عليها فوق ثلاثين.
وأما الاختلاف في عددها فقيل إنها سبع وقيل سبعون وقيل سبعمائة وقيل غير منحصرة ولكن بعضها أكبر من بعض، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا وما هي يا رسول الله ؟ قال :الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ) ١.
وثبت في الصحيحن وغيرهما من حديث أبي بكر قال :قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قلنا بلى يا رسول الله قال :الإشراك بالله وعقوق الوالدين كان متكئا فجلس وقال ألا وقول الزور وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت ) ٢.
وفي لفظ عند البخاري عن ابن عمروا عنه صلى الله عليه وسلم واليمين الغموس.
وأخرج الشيخان وغيرهما عن ابن عمرو قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قالوا وكيف يلعن الرجل والديه ؟ قال يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه ) ٣.
وعن ابن مسعود قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أي الذنب أعظم عند الله ؟ قال :أن تجعل لله ندا، وهو خلقك، قلت إن ذلك لعظيم٤ ثم أي ؟ قال :أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قلت ثم أي ؟ قال :أن تزاني حليلة جارك )، أخرجه البخاري والأحاديث في تعداد الكبائر وتعيينها كثيرة جدا فمن رام الوقوف على ما ورد في ذلك فعليه بكتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر فإنه قد جمع فأوعى.
وقد ثبت من الأدلة المتقدمة أن من الذنوب كبائر وصغائر، وإليه ذهب الجمهور.
واعلم أنه لا بد من تقييد ما في هذه الآية من تكفير السيآت بمجرد اجتناب الكبائر بما أخرجه النسائي وابن ماجه وابن جرير وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة وأبي سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر ثم قال :( والذي نفسي بيده ما من عبد يصلي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويؤدي الزكاة ويتجنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يوم القيامة حتى إنها لتصفق، ثم تلا هذه الآية ) ٥.
وعن ابن مسعود قال أن في سورة النساء خمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها، لقد علمت أن العلماء إذا مروا بها يعرفونها، قوله تعالى ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ الآية وقوله تعالى ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ الآية وقوله تعالى ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ وقوله تعالى ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك ﴾ الآية وقوله تعالى ﴿ ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ﴾ الآية.
﴿ وندخلكم مدخلا كريما ﴾ يعني حسنا شريفا مرضيا أي مدخلا تكرمون فيه، والمراد بالمدخل بضم الميم وفتحها كما قرئ بهما في الآية مكان الدخول وهو الجنة ويجوز أن يكون مصدرا.
١ مسلم ٨٩-البخاري ١٣٢٥..
٢ مسلم ٨٧- البخاري ١٢٩١..
٣ مسلم ٩٠- البخاري ٢٣١٠..
٤ البخاري كتاب التفسير سورة ٢..
٥ المستدرك كتاب الصلاة ١/٢٠٠..
﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن وسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما ( ٣٢ ) ﴾
﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ التمني نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل كالتلهف نوع منها يتعلق بالماضي، فنهى الله سبحانه المؤمنين عن التمني لأن فيه تعلق البال ونسيان الآجال، قال القرطبي، وفيه النهي عن أن يتمنى الإنسان ما فضل الله به غيره من الناس عليه، فإن ذلك نوع من عدم الرضا بالقسمة التي قسمها الله بين عباده على مقتضى إرادته وحكمته البالغة، وفيه أيضا نوع من الحسد المنهي عنه إذا صحبه إرادة زوال تلك النعمة عن الغير.
وعبارة القرطبي فيدخل فيه أن يتمنى الرجل حال الآخر من دين أو دنيا على أن يذهب ما عند الآخر، وهذا هو الحسد بعينه، وهو الذي ذمه الله تعالى أيضا، ويدخل فيه خطبة الرجل على خطبة أخيه وبيعه على بيعه لأنه داعية إلى الحسد والمقت انتهى.
قد اختلف العلماء في الغبطة هل تجوز أم لا ؟ وهي أن يكون له حال مثل حال صاحبه من دون أن يتمنى زوال ذلك الحال عن صاحبه فذهب الجمهور إلى جواز ذلك، واستدلوا بالحديث الصحيح ( لا حسد إلا في اثنتين رجل أتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل أتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار )، وقد بوب عليه البخاري باب الاغتباط في العلم والحكم١.
وعموم لفظ الآية يقتضي تحريم تمني ما وقع به التفضيل سواء كان مصحوبا بما يصير به من جنس الحسد أم لا، وما ورد في السنة من جواز ذلك في أمور معينة يكون مخصصا لهذا العموم، ومن الناس من منع من الغبطة أيضا كالإمام مالك قال لأن تلك النعمة ربما كانت مفسدة في حقه في الدين أو الدنيا.
ونحوه قال الحسن :وسبب نزول الآية ما قال قتادة أن النساء قلن لو جعل أنصباؤنا في الميراث كأنصباء الرجال، وقال الرجال إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث، ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ﴾ فيه تخصيص بعد التعميم، ورجوع ما يتضمنه سبب نزول الآية من أن أم سلمة قالت :يا رسول الله تغزو الرجال ولا نغزو ولا نقاتل فنستشهد، وإنما لنا نصف الميراث فنزلت، أخرجه عبد الرزاق وابن المنصور وابن حميد والترمذي والحاكم والبيهقي وابن جرير وابن المنذر وغيرهم. وقد روي نحو هذا السبب من طرق بألفاظ مختلفة٢.
والمعنى في الآية أن الله تعالى جعل لكل من الفريقين نصيبا على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته، وعبر على ذلك المجهول لكل فريق من فريقي النساء والرجال بالنصيب مما اكتسبوا على طريق الاستعارة التبعية، شبه اقتضاء حال كل فريق لنصيبه باكتسابه إياه.
قال قتادة :للرجال نصيب مما اكتسبوا من الثواب والعقاب، وللنساء كذلك وللمرأة الجزاء على الحسنة بعشر أمثالها كما للرجال، وقال ابن عباس :المراد بذلك الميراث والاكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة للذكر مثل حظ الأنثيين، فنهى الله عن التمني على هذا الوجه لما فيه من دواعي الحسد لأن الله أعلم بمصالحهم منهم فوضع القسمة بينهم للتفاوت على علم من مصالحهم٣.
﴿ واسألوا الله من فضله ﴾ هذا الأمر يدل على وجوب سؤال الله سبحانه كما قاله جماعة من أهل العلم، وعن مجاهد قال :ليس بعرض الدنيا، وعن سعيد ابن جبير قال :العباد ليس من أمر الدنيا، وأخرج الترمذي عن ابن مسعود قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل ) ٤ قال ابن عباس :الفضل الرزق. وقيل الفضل خزائن نعمه التي لا نفاذ لها ﴿ إن الله كان بكل شيء عليما ﴾ أي بما يكون صلاحا للسائلين فليقتصر السائل على المجمل في الطلب.
١ مسلم ٧١٦- البخاري٩/٦٥.
.

٢ زاد المسير ٦٨..
٣ رواه الترمذي وفي رواية "فإنه يحب أن يسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج". وروى ابن ماجه عن أبي هريرة من لم يسأل الله غضب عليه. .
٤ رواه الإمام أحمد في "المسند"٦/٣٢٢ والترمذي٢/١٢٧ والحاكم٣٠٥/٢، عن سفيان عن بن أبي نجيح عن مجاهد عن أم سلمة. قال الحاكم: هذا الحديث على شرط الشيخين إن كان سمع مجاهد من أم سلمة، ووافقه الذهبي على تصحيحه. قال الشيخ أحمد شاكر: وأما حكم الترمذي في روايته من طريق بن عيينة بأنه حديث مرسل، فإنه جزم بلا دليل، ومجاهد أدرك أم سلمة يقينا وعاصرها.
فإنه ولد سنة٢١، وأم سلمة ماتت بعد سنة٢٠ على اليقين، والمعاصرة من الراوي الثقة تحمل على الاتصال إلا أن يكون الراوي مدلسا، ولم يزعم أحدا أن مجاهدا مدلس إلا كلمة قالها القطب الحلبي في "شرح البخاري" حكاها عنه الحافظ في "التهذيب" ١٠/٤٤، ثم عقب عليها بقوله: ولم أر من نسبه إلى التدليس. وقال الحافظ أيضا في الفتح: ٦/١٩٤ ردا على زعم أن مجاهد لم يسمع من عبد الله ابن عمرو: لكن سماع مجاهد من عبد الله بن عمرو ثابت وليس بمدلس.
قال ابن كثير: وقال علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية، قال: ولا يتمنى الرجل فيقول: ليت أن لي مال فلان وأهله، فنهى الله عن ذلك ولكن ليسأل الله من فضله. وقال الحسن ومحمد بن سيرين وعطاء والضحاك نحو ذلك، وهو الظاهر من الآية، ولا يرد على هذا ما ثبت في صحيح البخاري٩/٦٥ "لا حسد إلا من اثنتين، رجل أتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، فيقول رجل: لو أن لي مثل مال فلان لعملت مثله" فإن هذا الشيء غير ما نهت عنه الآية، وذلك أن الحديث حض على تمني مثل هذا، والآية نهت عن تمني وعين نعمة هذا..

﴿ ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهن نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا ( ٣٣ ) ﴾
﴿ ولكل ﴾ من الرجال والنساء مفعول ثان قدم لتأكيد الشمول ﴿ جعلنا موالي ﴾ يلون ميراثهم وهو جمع مولى يطلق على المعتق والمعتق والناصر وابن العم والجار، والمراد هنا العصبة أي ولكل أحد جعلنا عصبة يرثون ما أبقت الفرائض، فلا حق للحليف فيها وهم يرثون ﴿ مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ من ميراثهم وهم الموروثون وقيل هم الوارثون، والأول أولى لأنه مروي عن ابن عباس وغيره.
وهذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها أي ليتبع كل واحد ما قسم الله له من الميراث ولا يتمنى ما فضل الله به غيره عليه، وقد قيل إن هذه الآية منسوخة لقوله تعالى ﴿ والذين عقدت أيمانكم ﴾ وقيل العكس كما روى ذلك ابن جرير، وذهب الجمهور إلى أن الناسخ لقوله تعالى ﴿ والذين عقدت أيمانكم ﴾ قوله تعالى ﴿ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ﴾.
﴿ والذين عقدت أيمانكم ﴾ أي الحلفاء الذين عاهدتموهم في الجاهلية على النصر والإرث فالمراد به موالي الموالاة فقد كان الرجل من أهل الجاهلية يعاقد الرجل أي يحالفه فيستحق منه ميراثه نصيبا، ثم ثبت في صدر الإسلام بهذه الآية ثم نسخ بقوله ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ﴾ وهذا أحد قولين في معنى الآية.
والآخر ما أخرج البخاري وأبو داود والنسائي عن ابن عباس ولكل جعلنا موالي ورثة والذين عقدت أيمانكم، قال المهاجرون :لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت ﴿ ولكل جعلنا موالي ﴾ نسخت ثم قال ﴿ والذين عقدت أيمانكم ﴾ ١.
﴿ فآتوهم نصيبهم ﴾ من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصي له، وفي الباب أحاديث بطرق وألفاظ، وفي الجلالين نصيبهم حظوظهم من الميراث وهو السدس وهو منسوخ كما تقدم، وقرئ عقدت بتشديد القاف على التكثير أي والذين عقدت لهم أيمانكم الحلف أو عقدت عهودهم أيمانكم والتقدير على قراءة الجمهور والذين عاقدت لهن أيمانكم، والأيمان جمع يمين يحتمل أن يراد به القسم أو اليد أو هما جميعا، ونسبة المعاقدة أو العقد إلى الأيمان مجاز، وقيل التقدير ذوو أيمانكم والمعاقدة المحالفة والمعاهدة٢.
﴿ إن الله كان على كل شيء شهيدا ﴾ قال عطاء :يريد أنه لم يغب عنه علم ما خلق وبرأ، فعلى هذا الشهيد بمعنى الشاهد والمراد منه علمه بجميع الأشياء، وقيل الشهيد هو الشاهد على الخلق يوم القيامة بكل ما عملوه، فعلى هذا الشاهد بمعنى المخبر وفيه وعد للطائعين ووعيد للعصاة المخالفين.
١ أخرجه البخاري٨/١٨٦ وأبو داود، والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في "سننه" عن ابن عباس وتمام الحديث: "فلما نزلت: ولكل جعلنا موالي" نسخت ثم قال: "والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم" من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له..
٢ وروى مسلم في صحيحه٤/١٩٦١، والإمام أحمد في المسند٤/٨٣، وأبو داود وابن جرير، والنسائي، عن جبير ابن مطعم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا حلف في الإسلام" وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة" قال القرطبي في المفهوم معنى: لا حلف، لا يتحالف أهل الإسلام كما كان أهل الجاهلية، كانوا يتحالفون، وذلك أن المتحالفين كانا يتناصران في كل شيء فيمنع الرجل حليفه وإن كان ظالما، ويقوم دونه، ويدفع عنه بكل ممكن حتى يمنع الحقوق، وينتصر به على الظلم والفساد، ولما جاء الشرع بالانتصاف من الظالم، وأنه يؤخذ ما عليه من الحق لا يمنعه أحد من ذلك، وحد الحدود، وبين الأحكام، أبطل ما كانت الجاهلية عليه من ذلك..
﴿ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله والتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا ( ٣٤ ) ﴾
﴿ الرجال قوامون ﴾ مسلطون ﴿ على النساء ﴾ كلام مستأنف سيق لبيان سبب استحقاق الرجال الزيادة في الميراث تفصيلا إثر بيان تفاوت استحقاقهم إجمالا، وعلى ذلك بأمرين ( أولهما ) وهبي والثاني كسبي، والمعنى أنهم يقومون بالذب عنهن كما يقوم الحكام والأمراء بالذب عن الرعية، وهم أيضا يقومون بما يحتجن إليه من النفقة والكسوة والمسكن.
وجاء بصيغة المبالغة لتدل على أصالتهم في هذا الأمر، وهو جمع قوام وهو القائم بالمصالح والتدبير والتأديب، يشير به إلى أن المراد قيام الولاة على الرعايا قال ابن عباس :أمروا عليهن فعلى المرأة أن تطيع زوجها في طاعة الله.
﴿ بما ﴾ الباء سببية وما مصدرية ﴿ فضل الله ﴾ والضمير في قوله ﴿ بعضهم على بعض ﴾ للرجال والنساء أي إنما استحقوا هذه المزية لتفضيل الله إياهم عليهن بما فضلهم به من كون فيهم الأنبياء والخلفاء والسلاطين والحكام والأئمة والغزاة، وزيادة العقل والدين والشهادة والجمعة والجماعات، وأن الرجل يتزوج بأربع نسوة ولا يجوز للمرأة غير زوج واحد، وزيادة النصيب والتعصيب في الميراث، وبيده الطلاق والنكاح والرجعة وإليه الانتساب، وغيره ذلك من الأمور، فكل هذا يدل على فضل الرجال على النساء.
﴿ وبما أنفقوا ﴾ أي وبسبب الإنفاق وبما دفعوه في مهورهن ﴿ من أموالهم ﴾ وكذلك ما ينفقونه في الجهاد وما يلزمهم في العقل والدية، وقد استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على جواز فسخ النكاح إذا عجز الزوج عن نفقة زوجته وكسوتها، وبه قال مالك والشافعي وغيرهما.
﴿ فالصالحات ﴾ أي المحسنات العاملات بالخير من النساء ﴿ قانتات ﴾ أي مطيعات لله بما يجب عليهن من حقوق الله وحقوق أزواجهن ﴿ حافظات للغيب ﴾ لما يجب حفظه عند غيبة أزواجهن عنهن من حفظ نفوسهن وفروجهن وحفظ أموالهن.
و ﴿ ما ﴾ في قوله ﴿ بما حفظ الله ﴾ مصدرية أي بحفظ الله إياهن ومعونته وتسديده أو حافظات له بما استحفظن من أداء الأمانة إلى أزواجهن على الوجه الذي أمر الله به، أو حافظات له بحفظ الله لهن بما أوصى به الأزواج في شأنهن من حسن العشرة.
وقريء بما حفظ الله بنصب الاسم الشريف والمعنى بما حفظن أمر الله أو دينه فحذف الضمير الراجع إليهن للعلم به، وما على هذه القراءة مصدرية أو موصلة كالقراءة الأولى، أي بحفظهن الله أو بالذي حفظن الله به وقال السدي :تحفظ على زوجها ماله وفرجها حتى يرجع كما أمرها الله.
﴿ واللاتي تخافون نشوزهن ﴾ هذا خطاب للأزواج، قيل الخوف هنا على بابه وهو حالة تحدث في القلب عند حدوث أمر مكروه أو عند ظن حدوثه، وقيل المراد بالخوف هنا العلم، والنشوز العصيان وقد تقدم بيان أصل معناه في اللغة.
قال ابن فارس :يقال نشزت المرأة استصعبت على بعلها، ونشز بعلها عليها إذا ضربها وجفاها، ودلالات النشوز تكون بالقول وبالفعل بأن رفعت صوتها عليه ولم تجبه إذا دعاها، ولم تبادر إلى أمره إذا أمرها، أو لا تخضع له إذا خاطبها أو لا تقوم له إذا دخل عليها.
﴿ فعظوهن ﴾ أي ذكروهن بما أوجبه الله عليهن من الطاعة وحسن المعاشرة ورغبوهن ورهبوهن إذا ظهر منهن أمارات النشوز وهو أن يقول لها اتقي الله وخافيه فإن لي عليك حقا، وارجعي عما أنت عليه في المضجع كما قال تعالى :
﴿ واهجروهن في المضاجع ﴾ يقال هجره أي تباعد منه، والمضاجع جمع مضجع وهو محل الاضطجاع أي تباعدوا عن مضاجعتهن ولا تدخلوهن تحت ما تجعلونه عليكم حال الاضطجاع من الثياب، وقيل هو أن يوليها ظهره عند الاضطجاع في الفراش، وقيل هو كناية عن ترك جماعها، وقيل لا تبيت معه في البيت الذي يضطجع فيه.
﴿ واضربوهن ﴾ إن لم ينزعن بالهجران ضربا غير مبرح ولا شائن، وظاهر النظم القرآني أنه يجوز للزوج أن يفعل جميع هذه الأمور عند مخافة النشوز، وقيل حكم الآية مشروع على الترتيب وإن دل ظاهر العطف بالواو على الجمع لأن الترتيب مستفاد من قرينة المقام، وسوق الكلام للرفق في إصلاحهن وإدخالهن تحت الطاعة.
فالأمور الثلاثة مرتبة أي لأنها لدفع الضرر كدفع الصائل فاعتبر فيها الأخف وقيل إنه لا يهجرها إلا بعد عدم تأثير الوعظ فإن أثر الوعظ لم ينتقل إلى الهجر، وإن كفاه الهجر لم ينتقل إلى الضرب، وقال الشافعي :الضرب مباح وتركه أفضل، وفي الجمل :إن كلا من الهجر والضرب مقيد بعلم النشوز، ولا يجوز بمجرد الظن.
﴿ فإن أطعنكم ﴾ كما يجب وقمن لواجب حقكم وتركن النشوز ﴿ فلا تبغوا عليهن سبيلا ﴾ أي لا تتعرضوا لهن بشيء مما يكرهن لا بقول ولا بفعل، وقيل المعنى لا تكلفوهن الحب لكم فإنه لا يدخل تحت اختيارهن ﴿ إن الله كان عليا كبيرا ﴾ إشارة إلى الأزواج بخفض الجناح ولين الجانب أو وإن كنتم تقدرون عليهن فاذكروا قدرة الله عليكم فإنها فوق كل قدرة وهو بالمرصاد لكم.
عن ابن عباس قال :تلك المرأة تنشز وتستخف بحق زوجها ولا تطيع أمره، فأمره الله أن يعظها ويذكرها بالله ويعظم حقه عليها فإن قبلت وإلا هجرها في المضجع ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها شديد فإن رجعت وإلا ضربها ضربا غير مبرح ولا يكسر لها عظما ولا يجرح لها جرحا فإن أطاعتك فلا تجني عليها العلل، وعنه قال يهجرها بلسانه ويغلظ لها بالقول ولا يدع الجماع، وسئل عن ضرب غير مبرح فقال :بالسواك ونحوه.
وقد أخرجه الترمذي وصححه النسائي وابن ماجه عن عمرو بن الأحوص أنه شهد خطبة الوداع مع رسول اله صلى الله عليه وسلم وفيها أنه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :ألا واستوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا١.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن زمعة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أيضرب أحدكم امرأته كما يضرب العبد ثم يجامعها في آخر اليوم ) ٢.
وفي هذا دليل على أن الأولى ترك الضرب للنساء فإن احتاج فلا يوالي بالضرب على موضع واحد من بدنها وليتق الوجه لأنه مجمع لمحاسن، ولا يبلغ بالضرب عشرة أسواط، وقيل ينبغي أن يكون الضرب بالمنديل واليد، ولا يضرب بالسواط والعصا٣.
وبالجملة فالتخفيف بأبلغ شيء أولى في هذا الباب، قيل حكم الآية مشروع على الترتيب مراعى عند خوف النشوز، وأما عند تحقق النشوز فلا بأس بالجمع بين الكل والأول أولى، وعن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته ) أخرجه أبو داود٤.
١ الترمذي كتاب الرضاع..
٢ ولطم رجل زوجته فاستعدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، الخبر في الأصول كلها معزو لابن عباس، وقد بحثت في كتب "التفسير" فلم أجد أحدا عزاه إليه، ولا نقله عنه، وقد ذكره ابن جرير ٧/٢٩١عن الحسن، وابن جريج، والسدي، وفي "الدر المنثور" ٢/١٥١، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أشعت بن عبد الملك، وعبد بن حميد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن مردوديه من طريق جرير بن حازم، عن الحسن. وأخرج ابن مردوديه عن علي قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم..
٣ البخاري كتاب النكاح باب٩٣..
٤ وذكر ابن جرير٨/٢٩١ عن الحسن وابن جريج والسدي، وفي الدر المنثور٢/١٥١ وابن أبي حاتم وعبد بن عبد الحميد وابن المنذر وغيرهم...عن علي أن رجلا لطم زوجته لطمة فاستعدت عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت هذه الآية ﴿الرجال قوامون﴾.
ورواه الترمذي القرطبي٥/١٧٣. ورواه أبو داود/التفاح/٤٢..

﴿ وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا ( ٣٥ ) ﴾
﴿ وإن خفتم شقاق بينهما ﴾ قد تقدم معنى الشقاق في البقرة وأصله أن كل واحد منهما يأخذ شقا غير شق صاحبه أي ناحية غير ناحيته، وأضيف الشقاق إلى الظرف لإجرائه مجرى المفعول به كقوله تعالى ﴿ بل مكر الليل والنهار ﴾ وقولهم يا سارق الليلة أهل الدار، والضمير في بينهما للزوجين لأنه قد تقدم ذكر ما يدل عليهما وهو ذكر الرجال والنساء.
﴿ فابعثوا ﴾ إلى الزوجين برضاهما، قيل المخاطب بذلك الإمام أو نائبه لأن تنفيذ الأحكام الشرعية إليه. وقيل كل أحد من صالحي الأمة وقيل هو خطاب للزوجين ﴿ حكما ﴾ رجلا عدلا ﴿ من أهله ﴾ أقاربه ﴿ وحكما من أهلها ﴾ أي من يصلح للحكم بينهما، من يصلح لذلك عقلا ودينا وإنصافا، وإنما نص الله سبحانه على أن الحكمين يكونان من أهل الزوجين لأنهما أقدر بمعرفة أحوالهما، فإذ لم يوجد الحكمان منهم كانا من غيرهم.
وهذا إذا أشكل أمرهما، ولم يتبين من هو المسيء منهما فأما إذا عرف المسيء فإنه يأخذ لصاحبه الحق منه، والبعث واجب وكون الحكمين من أهلهما مندوب.
﴿ إن يريدا إصلاحا ﴾ أي الحكمان وقيل الزوجان والأول أولى، أي على الحكمين أن يسعيا في إصلاح ذات البين جهدهما، فإن قدرا على ذلك عملا عليه، وإن أعياهما إصلاح حالهما ورأيا التفريق بينهما جاز لهما ذلك من دون أمر من الحاكم في البلد ولا توكيل بالفرقة من الزوجين، وبه قال مالك والأوزاعي وإسحق، وهو مروي عن عثمان وعلي وابن عباس والشعبي والنخعي والشافعي، وحكاه ابن كثير عن الجمهور قالوا لأن الله تعالى قال ﴿ فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ﴾ وهذا نص من الله سبحانه أنهما قاضيان لا وكيلان ولا شاهدان١.
وقال الكوفيون وعطاء وابن زيد والحكم وهو أحد قولي الشافعي :إن التفريق هو إلى الإمام أو الحاكم في البلد لا إليهما ما لم يوكلهما الزوجان، أو يأمرهما الإمام الحاكم، لأنهما رسولان شاهدان، فليس إليهما التفريق، ويرشد إلى هذا قوله إن يريدا أي الحكمان إصلاحا يوفق الله بينهما لاقتصاره على ذكر الإصلاح دون التفريق.
ومعنى إن يريدا إصلاحا ﴿ يوفق الله بينهما ﴾ أي يوقع الألفة والموافقة بين الزوجين حتى يعودا إلى الألفة وحسن المعاشرة، ومعنى الإرادة خلوص نيتهما لصلاح الحال بين الزوجين.
وقيل إن الضمير في قوله بينهما للحكمين كما في قوله ﴿ إن يريدا إصلاحا ﴾ أي يوفق بين الحكمين في اتحاد كلمتهما وحصول مقصودهما، وقيل كلا الضميرين للزوجين أي إن يريدا إصلاح ما بينهما من الشقاق أوقع الله به بينهما الألفة والوفاق.
وإذا اختلف الحكمان لم ينفذ حكمهما ولا يلزم قبول قولهما بلا خلاف، وعن ابن عباس قال :بعثت أنا ومعاوية حكمين فقيل لنا إن رأيتما أن تجمعا جمعتما وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، والذي بعثهما عثمان.
﴿ إن الله كان عليما خبيرا ﴾ يعلم كيف يوفق بين المختلفين ويجمع بين المتفرقين، وفيه وعيد شديد للزوجين والحكمين إن سلكوا غير طريق الحق.
١ ابن كثير١/٤٩٣..
﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ( ٣٦ ) ﴾
﴿ واعبدوا الله ﴾ يعني وحدوه وأطيعوه، وعبادة الله عبارة عن كل فعل يأتي به العبد لمجرد الله ويدخل فيه جميع أعمال القلوب وأفعال الجوارح ﴿ ولا تشركوا به ﴾ العطف للتأسيس و ﴿ شيئا ﴾ إما مفعول به أي شيئا من الإشراك من غير فرق بين حي أو ميت وجماد وحيوان، وإما مصدر أي شيئا من الإشراك من غير فرق بين الشرك الأكبر والأصغر، والواضح والخفي.
﴿ و ﴾ أحسنوا ﴿ بالوالدين إحسانا ﴾ برا ولين جانب، وقد ذل ذكر الإحسان إليهما بعد الأمر بعبادة الله والنهي عن الإشراك به على عظم حقهما، ومثله ﴿ أن أشكر لي ولوالديك ﴾ فأمر سبحانه بأن يشكرا معه وهو أن يقوم بخدمتهما ولا يرفع صوته عليهما ويسعى في تحصيل مرادهما والإنفاق عليهما بقدر القدرة، وقد وردت أحاديث كثيرة في حقوقهما وهي معروفة.
﴿ بذي القربى ﴾ أي صاحب القرابة وهو من يصح إطلاق اسم القربى عليه وإن كان بعيدا، وقيل ذو رحمة من قبل أمه وأبيه، وعن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه ) أخرجه البخاري ومسلم١، وقد تقدم نظيره في البقرة إلا أنه هنا قال بإعادة الباء وذلك لأنها في حق الأمة فالاعتناء بها أكثر، وإعادة الباء تدل على زيادة التأكيد فناسب ذلك هنا بخلاف آية البقرة فإنها في حق بني إسرائيل.
﴿ واليتامى والمساكين ﴾ وقد تقدم تفسيرهم، والمعنى وأحسنوا إليهم إلى آخر ما هو مذكور في هذه الآية، إنما أمر بالإحسان إليهم لأن اليتيم مخصوص بنوعين من العجز :الصغر وعدم المشفق، والمسكين هو الذي ركبه ذل الفاقة والفقر فتمسكن لذلك.
وعن سهل ابن سعد قال :قال رسول اله صلى اله عليه وسلم ( أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما شيئا ) أخرجه البخاري٢.
وعن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الساعي على الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله وأحسبه قال :وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم لا يفطر ) أخرجه الشيخان٣.
﴿ والجاري ذي القربى ﴾ أي القريب منك جواره وقيل هو من له مع الجوار في الدر قرب في النسب أو الدين ﴿ والجار الجنب ﴾ يستوي فيه المفرد والمثنى والمجموع مذكرا كان أو مؤنثا، قاله السمين أي المجانب وهو مقابل للجار ذي القربى والمراد من يصدق عليه مسمى الجوار مع كون داره بعيدة.
وفي ذلك دليل على تعميم الجيران بالإحسان إليهم سواء كانت الديار متقاربة أو متباعدة، وعلى أن الجوار حرمة مرعية مأمور بها.
وفيه رد على من يظن أن الجار مختص بالملاصق دون من بينه وبينه حائل، أو مختص بالقريب دون البعيد.
وقيل المراد بالجار الجنب هنا هو الغريب، وقيل هو الأجنبي الذي لا قرابة بينه وبين المجاور له، وقرئ الجنب بفتح الجيم وسكون النون أي ذي الجنب وهو الناحية، وقيل المراد بالجار ذي القربى المسلم، وبالجار الجنب اليهودي والنصراني.
وقد اختلف أهل العلم في المقدار الذي عليه يصدق مسمى الجوار ويثبت صاحبه الحق فوري عن الأوزاعي والحسن أنه إلى حد أربعين دارا من كل ناحية وروي عن الزهري نحوه، وقيل من سمع إقامة الصلاة، وقيل إذا جمعتهما محلة وقيل من سمع النداء.
والأول أن يرجع في معنى الجار إلى الشرع فإن وجد فيه ما يقتضي بيانه وأنه يكون جار إلى حد كذا من الدور أو من مسافة الأرض، كان العمل عليه متعينا، وإن لم يوجد رجع إلى معناه لغة أو عرفا، ولم يأت في الشرع ما يفيد أن الجار هو الذي بينه وبين جاره مقدار كذا، ولا ورد في لغة العرب أيضا ما يفيد ذلك، بل المراد بالجار في اللغة المجاور ويطلق على معان.
قال في القاموس :الجار المجاور، والذي أجرته من أن يظلم، والمجير والمستجير والشريك في التجارة وزوج المرأة وهي جارته، وفرج المرأة وما قرب من المنازل والإست كالجارة والمقاسم والحليف والناصر انتهى.
قال القرطبي في تفسيره :وروى أن رجلا جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال :إني نزلت محلة قوم وإن أقربهم إلي جوار أشدهم لي أذى فبعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعليا يصيحون على أبواب المساجد ألا إن أربعين دارا جار، ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه أه.
قال الشوكاني :ولو ثبت هذا لكان مغنيا عن غيره، ولكنه رواه كما ترى من غير عزو له إلى أحد كتب الحديث المعروفة، وهو إن كان إماما في علم الرواية فلا تقوم الحجة بما يرويه بغير سند مذكور، ولا نقل عن كتاب مشهور، ولا سيما وهو يذكر الواهيات كثيرا كما يفعل في تذكرته انتهى.
أقول هذا الحديث بلفظه أخرجه الطبراني كما ذكر في الترغيب والترهيب وروى السيوطي في الجامع الصغير " الجوار أربعون دارا " أخرجه البيهقي عن عائشة. قال المناوي في شرحه :وروي عن عائشة أوصاني جبريل بالجار إلى أربعين دارا، وكلاهما ضعيف٤، والمعروف المرسل الذي أخرجه أبو داود، وهكذا نقل عن السيوطي ثم قال :
ولفظ مرسل أبي داود حق الجوار أربعون دارا هكذا وهكذا، وأشار قداما ويمينا وخلفا، قال الزركشي :سنده صحيح. قال ابن حجر :رجاله ثقات، ورواه أبو يعلى عن أبي هريرة مرفوعا باللفظ المذكور ولكن سنده كما قال الزركشي ضعيف، قال ابن حجر :فيه عبد السلام بن أبي الحبوب منكر الحديث انتهى.
فهذا يؤيد أصل ما نقله القرطبي والله أعلم.
وقد ورد في القرآن ما يدل على أن المساكنة في مدينة مجاورة، قال الله تعالى ﴿ لئن لم ينته المنافقون إلى قوله ثم لا يجارونك فيها إلا قليلا ﴾ فجعل اجتماعهم في المدينة جوارا، وأما الأعراف في مسمى الجوار فهي تختلف باختلاف أهلها، ولا يصح حمل القرآن على أعراف متعارفة واصطلاحات متواضعة.
﴿ والصاحب بالجنب ﴾ الباء بمعنى ﴿ في ﴾ أو على بابها وهو الأولى ومعناه الملابسة أي حال كونه ملتبسا بالجنب أي بالقرب بجنبه، قيل هو الرفيق في السفر قاله ابن عباس وسعيد ابن جبير وعكرمة ومجاهد والضحاك، وقال علي هو الذي يصحبك ويلزمك رجاء نفعك.
وقال زيد ابن أسلم :هو جليسك في الحضر، ورفيقك في السفر وامرأتك التي تضاجعك، ولا يبعد أن تتناول الآية جميع ما في هذه الأقوال مع زيادة عليها وهو كل من صدق عليه أنه صاحب بالجنب أي بجنبك كمن يقف بجنبك في تحصيل علم أو تعلم صناعة أو مباشرة تجارة أو نحو ذلك، فإنه صحبك وحصل بجنبك، ومنهم من قعد في مسجد أو مجلس أو غير ذلك مع أدنى صحبة بينك وبينه.
﴿ وابن السبيل ﴾ قال مجاد :هو لذي يجتاز بك مارا، والسبيل الطريق فنسب المسافر إليه لمروره عليه ولزومه إياه، فالأول تفسيره بمن هو على سفر، فإن على المقيم أن يحسن إليه، وقيل هو المنقطع به في سفره للحج أو للغزو أو مطلقا، والأظهر أن يقول المسافر من غير قيد الانقطاع، وقيل هو الضيف قاله القارئ، وقد وردت أحاديث صحيحة في إكرام الضيف وجائزته ثلاثة أيام في الصحيحين وغيرهما.
﴿ و ﴾ أحسنوا إلى ﴿ ما ملكت أيمانكم ﴾ من الأرقاء إحسانا، وهم العبيد والإماء، وقيل أعم فيشمل الحيوانات وهي غير الأرقاء أكثر في يد الإنسان منهم فغلب جانب الكثرة، وأمر الله بالإحسان إلى كل مملوك آدمي وغيره قاله القارئ، والأول أولى.
وقد أمر النبي صلى الله ليه وسلم بأنهم يطمعون مما يطعم مالكهم، ويلبسون مما يلبس قال مجاهد :فما خولك الله فأحسن صحبته، كل هذا أوصى الله به، وعن مقاتل نحوه.
والإحسان إليهم أن لا يكلفهم ما لا يطيقونه ولا يؤذيهم بالكلام الخشن، وأن يعطيهم من الطعام والكسوة ما يحتاجون إليه بقدر الكفاية، وعن علي ابن أبي طالب قال :كان آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الصلاة واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم٥ ) وقد ورد مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بر الوالدين وفي صلة القرابة وفي الإحسان إلى اليتامى والجار، وفي القيام بما يحتاج إليه المماليك أحاديث كثيرة قد اشتملت عليها كتب السنة لا حاجة بنا إلى بسطها هنا.
وقوله ﴿ إن الله ﴾ علة لمحذوف تقديره ولا تفتخروا عليهم لأن الله ﴿ لا يحب من كان مختالا ﴾ ذا الخيلاء وهو الكبر والتيه اسم فاعل لمن اختال يختال أي تكبر وأعجب بنفسه أي لا يحب من كان متكبر تائها على الناس ﴿ فخورا ﴾ مفتخرا عليهم، والفخر والمدح للنفس والتطاول وتعديد المناقب والمحاسن.
وخص هاتين الصفتين لأنهما يحملان صاحبهما على الأنفة مما ندب الله إليه في هذه الآية يعني يأنف من أقاربه الفقراء ومن جيرانه الضعفاء وغيرهم، ولا يلتفت إليهم، ومن كان متكبرا لا يقوم بحقوق الناس، وقد ورد في ذم الاختيال والفخر والكبر ما هو معروف.
١ مسلم٢٥٥٨- البخاري١٠٤٤..
٢ كتاب الطلاق باب٢٥..
٣ مسلم٢٩٨٢ البخاري٢١٧٠..
٤ ولعل الحديث المروي عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر إذا طبخت مرقة، فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك" رواه مسلم٤/٢٠٥٢..
٥ روى مسلم عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للعبد المملوك المصلح أجران" والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك. وروي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله فله أجره مرتين"..
﴿ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ( ٣٧ ) ﴾
﴿ الذين يبخلون ﴾ البخل المذموم في الشرع هو الامتناع عن أداء ما وقعوا فيه من البخل الذي هو أشر خصال الشر، ما هو أقبح منه وأدل على سقوط نفس فاعله وبلوغه في الرذالة إلى غايتها ﴿ و ﴾ هو أنهم مع بخلهم بأموالهم وبما منحوا به وكتمهم لما أنعم الله به عليهم من فضله ﴿ يأمرون الناس بالبخل ﴾ كأنهم يجدون في صدورهم من جود غيرهم بماله حرجا ومضاضة، فلا كثر الله في عباده من أمثالكم.
هذه أموالكم قد بخلتم بها لكونكم تظنون انتقاصها بإخراج بعضها في مواضعه فما بالكم بخلتم بأموال غيركم مع أنه لا يلحقكم في ذلك ضرر، وهل هذا إلا غاية اللؤم ونهاية الحمق والرقاعة وقبح لطباع وسوء الاختيار، وقد قيل أن المراد بهذه الآية اليهود فإنهم جمعوا بين الاختيال والفخر والبخل بالمال، وكتمان ما أنزل الله في التوراة، وفي البخل أربع لغات فتح الباء والخاء وضمهما وفتح الباء مع سكون الخاء وقرئ بها جميعا، وقرأ الجمهور بالأخيرة.
﴿ ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ﴾ من صفة محمد أو من علم أو الغنى، قيل المراد بها المنافقون ولا يخفى أن اللفظ أوسع من ذلك وأكثر شمولا وأعم فائدة ﴿ وأعتدنا للكافرين ﴾ يعني الجاحدين لنعمة الله عليهم ﴿ عذابا مهينا ﴾ في الآخرة، وعن أبي سعيد الخدري قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( خصلتان لا تجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق ) أخرجه الترمذي واستغربه.
﴿ والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا ( ٣٨ ) ﴾
﴿ والين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ﴾ عطف على قوله ﴿ الذين يبخلون ﴾ ووجه ذلك أن الأولين قد فرطوا بالبخل وبأمر الناس به وبكتم ما آتاهم الله من فضله، وهؤلاء أفرطوا ببذل أموالهم في غير مواضعها لمجرد الرياءة والسمعة، وليقال ما أسخاهم وما أجودهم كما يفعله من يريد أن يتسامع الناس بأنه كريم، ويتطاول على غيره بذلك ويشمخ بأنفه عليه، مع ما ضم إلى هذا الإنفاق الذي يعود عليه بالضرر مع عدم الإيمان بالله واليوم الآخر لا يصدقون بتوحيد الله ولا بالمعاد الذي فيه جزاء الأعمال أنه كائن.
وكررت لا وكذلك الباء إشعارا بأن الإيمان بكل منهما منتف على حد، قيل نزلت في اليهود، وقيل في المنافقين، وقيل في مشركي مكة.
﴿ ومن يكن الشيطان له قرينا ﴾ في الكلام إضمار والتقدير ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر فقرينهم الشيطان، ومن يكن الخ، والقرين المقارن وهو الصاحب والخليل فعيل بمعنى مفاعل كالخليط والجليس، والقرين الحبل لأنه يقرن به بين البعيرين، والمعنى من قبل الشيطان في الدنيا فقد قارنه فيها أو فهو قرينه في النار ﴿ فساء ﴾ الشيطان ﴿ قرينا ﴾ وبئس الصاحب وبئس الخليل هو.
وفيه تقريع لهم على طاعة الشيطان، وقيل هذا في الآخرة يجعل الله الشياطين قرناءهم في النار يقرن مع كل كافر شيطان في سلسلة من النار، والأول أولى وألصق بظاهر الآية.
﴿ وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما ( ٣٩ ) إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ( ٤٠ ) فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ( ٤١ ) يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا ( ٤٢ ) ﴾
﴿ وماذا عليهم ﴾ أي على هذه الطوائف ﴿ لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله ﴾ ابتغاء لوجهه وامتثالا لأمره، أي وماذا يكون عليهم من ضرر ووبال لو فعلوا ذلك ﴿ وكان الله بهم عليما ﴾ فيه وعيد لهم وتهديد وتوبيخ على الجهل بمكان المنفعة.
﴿ إن الله لا يظلم مثقال ﴾ مفعال من الثقل كالمقدار من القدر أي لا يظلم شيئا مقدار ﴿ ذرة ﴾ واحدة الذر وهي النمل الصغير، وقيل رأس النملة، وقيل الخردلة، وقيل كل جزء من أجزاء الهباء الذي يظهر فيما يدخل من الشمس من كوة أو غيرهما من ذرة، والأول هو المعنى اللغوي الذي يجب حمل القرآن عليه.
والمراد من هذا الكلام أن الله لا يظلم كثيرا ولا قليلا أي لا يبخسهم من ثواب أعمالهم ولا يزيد في عقاب ذنوبهم وزن ذرة فضلا عما فوقها، ومناسبة هذه الآية لما قبلها واضحة.
﴿ وإن تك حسنة ﴾ قرأ أهل الحجاز بالرفع أي أن توجد حسنة على أن كان هي التامة لا الناقصة، وقرأ من عداهم بالنصب أي إن تك فعلته حسنة وحذفت منه النون من غير قياس تشبيها بحرف العلة وتخفيفا لكثرة الاستعمال.
وقال الزجاج :الأصل في ﴿ تك ﴾ تكون فسقطت الضمة للجزم والواو لسكونها وسكون النون، وسقوط النون لكثرة الاستعمال تشبيها بحرف اللين لأنها ساكنة فحذفت استخفافا، وقيل إن التقدير إن يك مثقال ذرة حسنة ﴿ يضاعفها ﴾ أنث ضمير المثقال لكونه مضافا إلى المؤنث، والأول أولى.
وقرأ الحسن ﴿ نضاعفها ﴾ بالنون والباقون بالياء وهي الأرجح، وقد تقدم الكلام في المضاعفة والمراد مضاعفة ثواب الحسنة لأن مضاعفة نفس الحسنة بأن تجعل الصلات الواحدة صلاتين مما لا يعقل.
عن سعيد ابن جبير :وإن يك حسنة وزن ذرة زادت على سيآته يضاعفها، فأما المشرك فيخفف بها عنه العذاب ولا يخرج من النار أبدا، قال قتادة :لأن تفضل حسناتي على سيآتي بمثقال ذرة أحب إلي من الدنيا وما فيها، وفي الباب أحاديث يطول ذكرها وهذا عند الحساب.
﴿ ويؤت ﴾ أي يعط صاحبها ﴿ من لدنه ﴾ أي من عنده على نهج التفضل زائدا على ما وعده في مقابلة العمل ﴿ أجرا عظيما ﴾ يعني الجنة، قال أبو هريرة :إذا قال الله أجرا عظيما فمن يقدر قدره.
﴿ فكيف ﴾ يكون حال هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين أو حال كفار قريش خاصة يوم القيامة ؟ هذا الاستفهام معناه التوبيخ والتقريع ﴿ إذا جئنا من كل أمة بشهيد ﴾ قال ابن عباس :إنه يؤتى بنبي كل أمة يشهد عليها ولها ﴿ وجئنا بك على هؤلاء ﴾ أي الأنبياء أو جميع الأمم أو المنافقين أو المشركين، وقيل على المؤمنين ﴿ شهيدا ﴾.
عن ابن مسعود قال :قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :اقرأ علي القرآن قلت :يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ قال :نعم إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ﴾ قال حسبك الآن، فإذا عيناه تذرفان، أخرجه الشيخان واللفظ للبخاري وأخرجه الحاكم وصححه من حديث عمرو بن حريث١.
١ رواه الإمام أحمد في مسنده٣٥٥٠ والباخاري٩/٨١ عن عبد الله بن مسعود. وفي رواية رفعت رأسي أو غمزني رجل إلى جنبي فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل وهذا لفظ مسلم١/٥٥١ والمستدرك٣/٣١٩.
.

﴿ يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول ﴾ فيما أمرهم به من التوحيد ﴿ لو تسوى بهم الأرض ﴾ وقرئ تسوى بفتح التاء وتشديد السين وبفتحها وتخفيف السين أي أن الأرض هي التي تسوى بهم أي أنهم تمنوا لو انفتحت لهم الأرض فساخوا فيها، وقيل بهم بمعنى عليهم، وعلى القراءة الأولى أي بالبناء للمفعول معناه لو سوى الله بهم الأرض فيجعلهم والأرض سواء حتى لا يبعثوا.
﴿ ولا يكتمون الله حديثا ﴾ أي أنهم لا يقدرون على الكتم في مواطن دون مواطن، قال ابن عباس لا يكتمون أي بجوارحهم ولا يقدرون على ذلك يعني تشهد عليهم الجوارح والأعضاء والزمان والمكان فلم يستطيعوا الكتمان، قال الزجاج :هذا كلام مستأنف لأن ما علموه ظاهر عند الله لا يقدرون على كتمانه، وقال بعضهم :المعنى يودون أن الأرض سويت بهم وأنهم لم يكتموا حديثا لأنه ظهر كذبهم.
﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا ( ٤٣ ) ﴾
﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ جعل الخطاب خاصا بالمؤمنين لأنهم يقربون الصلاة حال السكر، وأما الكفار فهم لا يقربونها سكارى، قال أهل اللغة :إذا قيل لا تقرب بفتح الراء كان معناه لا تتلبس بالفعل، وإذا كان بضم الراء كان معناه لا تدن منه.
والمراد هنا النهي عن التلبس بالصلاة وغشيانها، وبه قال جماعة من المفسرين، وإليه ذهب أبو حنيفة، وقال آخرون المراد مواضع الصلاة وبه قال الشافعي، وعلى هذا فلا بد من تقدير مضاف، ويقوي هذا قوله ﴿ ولا جنبا إلا عابري السبيل ﴾.
وقالت طائفة :المراد الصلاة ومواضعها معا لأنهم كانوا حينئذ لا يأتون المسجد إلا للصلاة ولا يصلون إلا مجتمعين، فكانا متلازمين، وسكارى جمع سكران مثل كسالى جمع كسلان، وقرئ سكران بالفتح وهو تكسير سكران، وقرأ الأعمش :سكرى كحبلى.
والسكر لغة السد، ومنه قيل لما يعرض للمرء من شرب المسكر لأنه يسد ما بين المرء وعقله وأكثر ما يقال السكر لإزالة العقل بالمسكر، وقد يقال ذلك لإزالته بغضب ونحوه من عشق وغيره، والسكر بالفتح وسكون الكاف حبس الماء وبالكسر نفس الموضع المسدود، وأما السكر بفتحها فما يسكر به من المشروب ومنه ﴿ سكرا ورزقا حسنا ﴾ وقد ذهب العلماء كافة إلى أن المراد بالسكر هنا سكر الخمر إلا الضحاك فإنه قال سكر النوم، وقال ابن عباس :النعاس، وسيأتي سبب نزول الآية وبه يندفع ما يخالف الصواب من هذه الأقوال.
﴿ حتى تعلمون ما تقولون ﴾ هذا غاية النهي عن قربان الصلاة في حال السكر أي حتى يزول عنكم أثر السكر وتعلمون ما تقولونه وتصحوا وتفيقوا من السكر. فإن السكران لا يعلم ما يقوله.
وقد تمسك بهذا من قال إن طلاق السكران لا يقع، لأنه إذا لم يعلم ما يقوله انتفى القصد، وبه قال عثمان ابن عفان وابن عباس وطاوس وعطاء والقاسم وربيعة وهو قول الليث بن سعد وإسحق وأبي ثور والمزني واختاره الطحاوي وقال :أجمع العلماء على أن طلاق المعتوه لا يجوز والسكران معتوه كالموسوس.
وأجازت طائفة وقوع طلاقه وهو محكي عن عمر ابن الخطاب ومعاوية وجماعة من التابعين، وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي. واختلف قول الشافعي في ذلك. وقال مالك :يلزمه الطلاق والقود في الجراح والقتل ولا يلزمه النكاح والبيع.
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه النسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والضياء في المختارة عن علي ابن أبي طالب قال :صنع لنا عبد الرحمان بن عوف طعاما وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون، فأنزل الله هذه الآية، وأخرج ابن جرير وابن المنذر أن الذي صلى بهم عبد الرحمن. وروى بألفاظ من طرق١.
﴿ ولا جنبا إلا عابري سبيل ﴾ الجنب لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع لأنه ملحق بالمصدر كالبعد والقرب، قال الفراء :جنب الرجل وأجنب من الجنابة وهو المشهور في اللغة والفصيح وبه جاء القرآن، وقيل يجمع الجنب في لغة على أجناب مثل عنق وأعناق وطنب وأطناب.
والمعنى جنبا بإيلاج وإنزال ونصبه على حال، والاستثناء مفرغ أي لا تقربوها في حال من الأحوال إلا في حال عبور السبيل، والمراد به هنا السفر، فإنه يجوز لكم أن تصلوا بالتيمم. وهذا قول علي وابن عباس وابن جبير ومجاهد والحكم وغيرهم قالوا :لا يصح لأحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال إلا المسافر فإنه يتيمم، لأن الماء قد يعدم في السفر لا في الحضر، فإن الغالب أنه لا يعدم.
وقال ابن مسعود وعكرمة، والنخعي وعمر بن دينار ومالك والشافعي :" عابر السبيل " هو المجتاز في المسجد وهو مروي عن ابن عباس، فيكون معنى الآية على هذا لا تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد في حال الجنابة إلا أن تكونوا مجتازين فيها من جانب إلى جانب.
وفي القول الأول قوة من جهة كون الصلاة فيه باقية على معناها الحقيقي، وضعف من جهة ما في حمل عابر السبيل على المسافر، وأن معناه أنه يقرب الصلاة عند عدم الماء بالتيمم، فإن هذا الحكم يكون في الحاضر إذا عدم الماء كما يكون في المسافر.
وفي القول الثاني قوة من جهة عدم التكلف في معنى قوله ﴿ إلا عابري سبيل ﴾ وضعف من جهة حمل الصلاة على مواضعها.
وبالجملة فالحال الأولى أعني قوله ﴿ وأنتم سكارى ﴾ تقوي بقاء الصلاة على معناها الحقيقي من دون تقدير مضاف، وسبب نزول الآية كما سبق يقوي ذلك، وقوله ﴿ إلا عابري سبيل ﴾ يقوي تقدير المضاف أي لا تقربوا مواضع الصلاة.
ويمكن أن يقال إن بعض قيود النهي أعني لا تقربوا وهو قوله ﴿ وأنتم سكارى ﴾ يدل على أن المراد بالصلاة معناها الحقيقي، وبعض قيود النهي وهو قوله ﴿ إلا عابري سبيل ﴾ يدل على أن المراد مواضع الصلاة، ولا مانع من اعتبار كل واحد منهما مع قيده الدال عليه يكون ذلك بمنزلة نهيين مقيد كل واحد منهما بقيد وهما لا تقربوا الصلاة التي هي ذات الأذكار والأركان وأنتم سكارى ولا تقربوا مواضع الصلاة حال كونكم جنبا إلى حال عبوركم المسجد من جانب إلى جانب آخر.
وغاية ما يقال في هذا أنه من الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو جائز بتأويل مشهور، وقال ابن جرير بعد حكايته للقولين :والأولى قوله من قال : ﴿ ولا جنبا إلا عابري سبيل ﴾ إلا مجتازي طريق فيه، وذلك أنه بين حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب في قوله ﴿ وإن كنتم مرضى أو على سفر ﴾ الآية فكان معلوما بذلك أي أن قوله ﴿ ولا جنبا إلا عابري سبيل ﴾ لو كان معنيا به المسافر لم يكن لإعادة ذكره في قوله ﴿ وإن كنتم مرضى أو على سفر ﴾ معنى مفهوم، وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك.
فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الآية :يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها وأنتكم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا تقربوها أيضا جنبا حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل، قال :وعابر السبيل المجتاز مرا وقطعا، يقال منه عبرت هذا الطريق فأنا أعبره عبرا عبورا ومنه قيل عبر فلان النهر إذا قطعه وجاوزه ومنه قال للناقة القوية هي عبر أسفار لقوتها على قطع الأسفار.
قال ابن كثير :وهذا الذي نصره يعني ابن جرير هو قول الجمهور، وهو الظاهر من الآية انتهى٢.
﴿ حتى تغتسلوا ﴾ غاية للنهي عن قربان الصلاة أو مواضعها حال الجنابة، والمعنى لا تقربوها حال الجنابة حتى تغتسلوا إلا حال عبوركم السبيل، وعن علي قال نزلت في المسافر تصيبه الجنابة فيتيمم ويصلي، وقال ابن عباس إن لم تجدوا الماء فقد أحللت أن تمسحوا بالأرض، وعن مجاهد قال لا يمر الجنب ولا الحائض في المسجد، وإنما أنزلت ﴿ ولا جنبا إلا عابري سبيل ﴾ للمسافر يتيمم ثم يصلي.
﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ المرض عبارة عن خروج البدن عن حد الاعتدال والاعتياد إلى الاعوجاج والشذوذ، وهو على ضربين :كبير ويسير، والمراد هنا أن يخاف على نفسه التلف أو الضرر باستعمال الماء أو كان ضعيفا في بدنه لا يقدر على الوصول إلى موضع الماء، وروى عن الحسن أنه يتطهر وإن مات، وهذا باطل يدفعه قوله تعالى ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ وقوله ﴿ ولا تقتلون أنفسكم ﴾ وقوله ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾.
﴿ أو على سفر ﴾ فيه جواز التيمم لمن صدق عليه اسم المسافر، والخلاف مبسوط في كتب الفقه وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يشترط أن يكون سفر قصر، وقال قوم لابد من ذلك، وقد أجمع العلماء على جواز التيمم للمسافر، واختلفوا في الحاضر فذهب مالك وأصحابه وأبو حنيفة ومحمد على أنه يجوز في الحضر والسفر، وقال الشافعي :لا يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم إلا أن يخاف التلف.
﴿ أو جاء أحد منكم من الغائط ﴾ هو المكان المنخفض المطمئن من الأرض، والمجيء منه كناية عن الحدث والجمع الغيطان والأغواط، وكانت العرب تقصد هذا الصنف من المواضع لقضاء الحاجة تسترا عن أعين الناس، ثم يسمى الحدث الخارج من الإنسان غائطا توسعا من باب تسمية الشيء باسم مكانه، ويدخل في الغائط جميع الأحداث الناقضة للوضوء.
﴿ أو لامستم النساء ﴾ وقرئ لمستم قيل المراد بما في القراءتين الجماع، وقيل المراد به مطلق المباشرة، وقيل إنه يجمع الأمرين جميعا وقال المبرد الأولى في اللغة أن يكون ﴿ لامستم ﴾ بمعنى قبلتم ونحوه ﴿ ولمستم ﴾ بمعنى غشيتم.
واختلف العلماء في معنى ذلك على أقوال :فقالت فرقة الملامسة هنا مختصة باليد دون الجماع قالوا :والجنب لا سبيل له إلى التيمم بل يغتسل أو يدع الصلاة حتى يجد الماء، وقد روى هذا عن عمر وابن مسعود، قال ابن عبد البر لم يقل بقولهما في هذه المسألة أحد من فقهاء الأمصار من أهل الرأي وحملة الآثار انتهى.
وأيضا الأحاديث الصحيحة تدفعه وتبطله كحديث عمار وعمران بن حصين وأبي ذر في تيمم الجنب، وقالت طائفة هو الجماع كما في قوله ﴿ ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ وقوله ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ وهو يروي عن علي وأبي كعب وابن عباس ومجاهد وطاوس والحسن وعبيد بن عمير وسعيد ابن جبير والشعبي وقتادة ومقاتل بن حيان وأبي حنيفة.
وقال مالك الملامس بالجماع يتيمم، والملامس باليد يتيمم إذا التذ، فإن لمسها بغير شهوة فلا وضوء، وبه قال أحمد وإسحق، وقال الشافعي :إذا أفضى الرجل بشيء من بدنه إلى بدن المرأة سواء كان باليد أو بغيرها من أعضاء الجسد انتقضت به الطهارة وإلا فلا، وحكاه القرطبي عن ابن مسعود وابن عمر والزهري وربيعة.
قال الأوزاعي :إذا كان اللمس باليد نقض الطهر، وإن كان بغير اليد لم ينقضه لقوله تعالى ﴿ فلمسوه بأيديهم ﴾.
وقد احتجوا بحجج تزعم كل طائفة أن حجتها تدل على أن الملامسة المذكورة في الآية هي ما ذهبت إليه، وليس الأمر كذلك، فقد اختلفت الصحابة ومن بعدهم في معنى الملامسة المذكورة في الآية، وعلى فرض أنها ظاهرة في الجماع فقد ثبتت القراءة المروية عن حمزة والكسائي بلفظ أو لمستم وهي محتملة بلا شك ولا شبهة، ومع الاحتمال فلا تقوم الحجة بالمحتمل.
وهذا الحكم تعم به البلوى وثبت له التكليف العام فلا يحل إثباته بمحتمل قد وقع النزاع في مفهومه.
وإذا عرفت هذا فقد ثبتت السنة الصحيحة بوجوب التيمم على من أجنب ولم يجد الماء فكان الجنب داخلا في هذا الحكم بهذا الدليل، وعلى فرض عدم دخوله فالسنة تكفي في ذلك، وأما وجوب الوضوء أو التيمم على من لمس المرأة بيده أو بشيء من بدنه فلا يصح القول به استدلالا بهذه الآية لما عرفت من الاحتمال.
وأما ما استدلوا به من أنه صلى الله عليه وسلم أتاه رجل فقال يا رسول الله ما تقول في رجل لقي امرأته لا يعرفها وليس يأتي الرجل من امرأته شيئا إلا قد أتاه منها غير أنه لم يجامعها ؟ فأنزل الله ﴿ أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيآت ذلك ذكرى للذاكرين ﴾ أخرجه أحمد والترمذي والنسائي من حديث معاذ، قالوا فأمره بالوضوء لأنه لمس المرأة ولم يجامعها، فلا يخافك أنه لا دلالة لهذا الحديث على محل النزاع فإن النبي صلى الله عليه وس
١ أخرجه أبو داود٣/٤٤٥ والترمذي ٢/١٢٨ وابن جرير٨/٣٧٦ والإمام أحمد١/٣٧٩..
٢ ابن كثير١/٥٠٢..
﴿ ألم تر الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل ( ٤٤ ) والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا ( ٤٥ ) ﴾
﴿ ألم تر ﴾ كلام مستأنف مسوق لتعجيب المؤمنين من سوء حال اليهود والتحذير من موالاتهم لكل من تتأتى منه الرؤية من المسلمين، وتوجيهه إليه صلى الله عليه وسلم هنا مع توجيهه فيما بعد إلى الكل معا للإيذان بكمال شهرة شناعة حالهم، وأنها بلغت من الظهور إلى حيث يتعجب منها كل من يراها، والرؤية هنا بصرية.
﴿ إلى الذين أوتوا نصيبا ﴾ حظا ﴿ من الكتاب ﴾ التوراة والمراد أحبار اليهود ﴿ يشترون الضلالة ﴾ وهي البقاء على اليهودية بالهدى أي بعد وضوح الحجة على صحة نبوة نبينا صلى الله عليه سلم، وقيل يأخذون الرشا ويحرفون التوراة.
﴿ ويريدون أن تضلوا السبيل ﴾ عطف على قوله يشترون مشارك له في بيان سوء صنيعهم وضعف اختيارهم، أي لم يكتفوا ما جنوه على أنفسهم من استبدال الضلالة بالهدى، بل أرادوا مع ضلالهم أن يتوصلوا بكتمهم وجحدهم إلى أن تضلوا أنتم أيها المؤمنون السبيل المستقيم الذي هو سبيل الحق، قال تعالى ﴿ ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ﴾.
﴿ والله أعلم ﴾ منكم ﴿ بأعدائكم ﴾ أيها المؤمنون، وما يريدونه بكم من الإضلال فيخبركم بهم لتجتنبوهم، والجملة اعتراضية ﴿ وكفى بالله وليا ﴾ متوليا أمركم وقائما به حافظا لكم منهم، ومن كان الله وليه لم يضره أحد ﴿ وكفى بالله نصيرا ﴾ ينصركم في مواطن الحرب ويمنعكم من كيدهم، فاكتفوا بولايته ونصره ولا تتولوا غيره ولا تستنصروه.
﴿ من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خير لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ( ٤٦ ) ﴾
﴿ من الذين هادوا ﴾ قوم ﴿ يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ وقال الفراء التقدير من الذين هادوا من يحرفون كقوله ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم ﴾ أي من له مقام، وأنكره المبرد والزجاج وقيل بيان لقوله ﴿ الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ﴾ والتحريف الإمالة والإزالة أي يميلونه ويزيلونه عن مواضعه ويجعلون مكانه غيره، أو المراد أنهم يتأولونه على غير تأويله، وإليه ذهبت طائفة من الفقهاء والمحدثين.
وقال ابن عباس :يحرفون حدود الله في التوراة، وقال مجاهد :تبديل اليهود التوراة، وذمهم الله عز وجل بذلك لأنهم يفعلونه عنادا وبغيا وإيثارا لعرض الدنيا.
قال الحافظ ابن القيم رحمه الله في إغاثة اللهفان :وقد اختلف في التوراة التي بأيديهم هل هي مبدلة أم التبديل وقع في التأويل دون التنزيل ؟ على ثلاثة أقوال قالت طائفة :كلها أو أكثرها مبدل، وغلا بعضهم حتى قال يجوز الاستجمار بها، وقالت طائفة من أئمة الحديث والفقه والكلام إنما وقع التبديل في التأويل.
قال البخاري في صحيحه يحرفون يزيلون، وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله ولكنهم يتأولونه على غير تأويله، وهو اختيار الرازي أيضا، وسمعت شيخنا يقول :وقع النزاع بين الفضلاء فأجاز هذا المذهب ووهى غيره، فأنكر عليه فأظهر خمسة عشر نقلا به.
ومن حجة هؤلاء أن التوراة قد طبقت مشارق الأرض ومغاربها وانتشرت جنوبا وشمالا، ولا يعلم عدد نسخها إلا الله فيمتنع التواطؤ على التبديل والتغيير في جميع تلك النسخ حتى لا تبقى في الأرض نسخة إلا مبدلة، وهذا ما يحيله العقل، قالوا :وقد قال الله لنبيه : ﴿ قل فآتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ﴾ قالوا :وقد اتفقوا على ترك فريضة الرجم ولم يمكنهم تغييرها من التوراة ولذا لما قرأها على النبي صلى الله عليه وسلم وضع القارئ يده على آية الرجم، فقال له عبد الله بن سلام ارفع يدك فرفعها فإذا هي تلوح تحتها.
وتوسطت طائفة فقالوا :قد زيد فيها وغير أشياء يسيرة جدا، واختاره شيخنا في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، قال وهذا كما في التوراة عندهم أن الله سبحانه قال لإبراهيم :اذبح ابنك أو وحيدك إسحق.
قلت والزيادة باطلة من وجوه عشرة الأول :أن بكره ووحيده إسماعيل باتفاق الملل الثلاث.
الثاني :أنه سبحانه أمر إبراهيم أن ينقل هاجر وابنها إسماعيل عن سارة ويسكنها في برية مكة لئلا تغار سارة فأمره بإبعاد السرية وولدها عنها فكيف يؤمر بعد هذا أن يذبح ابن سارة وإبقاء ابن سرية، وهذا مما لا تقتضيه الحكمة.
الثالث :أن قصة الذبح كانت بمكة قطعا ولذا جعل الله سبحانه ذبح الهدايا والقرابين بمكة تذكيرا للأئمة بما كان من إبراهيم وولده هناك.
الرابع :أن الله بشر سارة أم إسحق بإسحق ومن ورائه يعقوب فبشرها بهما جميعا فكيف يأمر بعد ذلك بذبح إسحق وقد بشر أبويه بولد ولده.
الخامس :أن الله لما ذكر قصة الذبح وتسليمه نفسه لله وإقدام إبراهيم على ذبحه وفرغ من قصته قال بعدها وبشرناها بإسحق نبيا من الصالحين، فشكر الله له استسلامه وبذل ولده له، وجعل من آياته على ذلك أن أتاه إسحق فنجى إسماعيل من الذبح وزاد عليه إسحق.
السادس :أن إبراهيم عليه السلام سأل ربه فأجاب دعاءه وبشره به فلما بلغ معه السعي أمره بذبحه قال تعالى ﴿ وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين. رب هب لي من الصالحين. فبشرنا بغلام حليم ﴾ فهذا دليل أن هذا الولد إنما بشر به بعد دعائه وسؤاله ربه أن يهب له ولدا وهذا المبشر به هو المأمور بذبحه قطعا بنص القرآن، وأما إسحق فإنه بشر به من غير دعوة منه بل على كبر السن وكون مثله لا يولد له، وإنما كانت البشارة به لامرأته سارة، ولذا تعجبت من حصول الولد منها.
السابع :أن إبراهيم لم يقدم بإسحق إلى مكة البتة، ولم يفرق بينه وبين أمه، وكيف يأمر الله أن يذهب بابن امرأته فيذبحه بموضع ضرتها وفي بلدها ويدع ابن ضرتها.
الثامن :أن الله لما اتخذ إبراهيم خليلا، والخلة تتضمن أن يكون قلبه كله متعلقا بربه ليس فيه سعة لغيره، فلما سأل الولد وهب له إسماعيل فتعلق به شعبة من قلبه، فأراد خليله أن تخلص تلك الشعبة له فامتحنه بذبح ولده، فلما امتثل خلصت تلك الخلة فنسخ الأمر بذبحه لحصول الغرض وهو العزم وتوطين النفس على الامتثال، والمعلوم أن هذا إنما يكون في أول الأولاد لا في آخرها، فلما حصل هذا المقصود مع الولد الأول لم يحتج إلى مثله مع الولد الآخر، فإنه لو زاحمت محبة الولد الآخر لكان قد أقره في الأول على مزاحمة الخلة به مدة طويلة، ثم أمره بما يزيل المزاحم بعد ذلك وهو خلاف مقتضى الحكمة فليتأمل.
التاسع :أن إبراهيم إنما رزق إسحق على الكبر، وإسماعيل رزقه في عنفوان شبابه، والعادة أن القلب أعلق بالأول.
العاشر :إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتخر بأنه ابن الذبيحين يعني أباه عبد الله وجده إسماعيل، والمقصود أن هذه اللفظة مما زاده في التوراة انتهى ملخصا.
قال الخفاجي :في العناية في تفسير الفاتحة وأما الإنجيل ففيه تبديل وتحريف في بعض ألفاضه ومعانيه وهو مختلف النسخ، والأناجيل أربعة كما فصله بعضهم في كتاب عقده لذلك سماه في التوحيد انتهى.
﴿ ويقولون سمعنا ﴾ قولك ﴿ وعصينا ﴾ أمرك ﴿ واسمع ﴾ حال كونك ﴿ غير مسمع ﴾ كلاما أصلا بصمم أو موت يحتمل أن يكون دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى اسمع لا سمعت أو غير مسمع كلاما ترضاه.
ويحتمل أن يكون المعنى اسمع منا غير مسمع جوابا كانوا يخاطبون به النبي صلى الله عليه وسلم استهزاء به مظهرين له إرادة المعنى الأخير، وهم مضمرون في أنفسهم المعنى الأول، وقال ابن عباس :غير مقبول.
وقد تقدم الكلام في ﴿ وراعنا ﴾ أي يريدون بذلك نسبته إلى الرعونة وقيل معناه ارعنا سمعك، ومثل ذلك لا يخاطب به الأنبياء، وهي كلمة سب بلغتهم.
ومعنى ﴿ وليا بألسنتهم ﴾ أنهم يلوون عن الحق أي يميلونها إلى ما في قلوبهم، وأصل اللي الفتل بها وصرفا للكلام عن نهجه إلى نسبة السب حيث وضعوا ﴿ غير مسمع ﴾ موضع لا سمعت مكروها، وأجروا راعنا المشابهة لراعنا مجرى انظرنا أو قتلا بها وضما لما يظهرونه من الدعاء والتوقير إلى ما يضمرونه من السب والتحقير١.
﴿ وطعنا ﴾ أي قدحا ﴿ في الدين ﴾ بقولهم لو كان نبيا لعلم أنا نسبه، فأطلع الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك ﴿ ولو أنهم قالوا سمعنا ﴾ قولك ﴿ وأطعنا ﴾ أمرك ﴿ واسمع ﴾ ما نقول ﴿ وانظرنا ﴾ أي أفهمنا لا تعجل علينا أي لو قالوا هذا مكان قولهم سمعنا وعصينا وراعنا بلسان المقال أو الحال ﴿ لكان خيرا لهم ﴾ مما قالوه ﴿ وأقوم ﴾ أي أعدل وأولى من قولهم الأول وهو قولهم سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا لما في هذا من المخالفة وسوء الأدب واحتمال الذم في راعنا.
﴿ ولكن ﴾ لم يسلكوا ذلك المسلك الحسن، ولم يأتوا بما هو خير لهم وأقوم، بل استمروا على كفرهم ﴿ فلا يؤمنون ﴾ بعد ذلك ﴿ إلا ﴾ إيمانا ﴿ قليلا ﴾ وهو الإيمان ببعض الكتب دون بعض، وببعض الرسل دون بعض، وقيل هو اعترافهم بأن الله خلقهم ورزقهم وقيل إلا نفر قليل كعبد الله بن سلام، وعبر الزمخشري وابن عطية عن هذا القليل بالعدم يعني أنهم لا يؤمنون ألبتة.
١ في "مشكل القرآن" ٢٩١: هؤلاء قوم من اليهود كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم إذا حدثهم وأمرهم: سمعنا، ويقولون في أنفسهم: عصينا، وإن أرادوا أن يكلموه في شيء قالوا له: اسمع يا أبا القاسم، ويقولون في أنفسهم: لا سمعت، ويقولون له: راعنا، ويوهمونه في ظاهر اللفظ أنهم يريدون: انتظرنا، حتى نكلمك بما نريد، كما تقول العرب: أعرني سمعك وراعني، أي: انتظرني وترفق بي وتلوم علي، هذا ونحوه، وإنما يريد سبه بالرعونة في لغتهم، فقال الله سبحانه: ﴿من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ ويقولون كذا وكذا، ويقولون: ﴿راعنا ليا بألسنتهم﴾ أي: قلبا للكلام بهما، ﴿وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا: سمعنا وأطعنا﴾ مكان قولهم: سمعنا وعصينا وقالوا: واسمع، مكان قولهم: لا سمعت، وانظرنا، مكان قولهم: راعنا لكان خيرا لهم وأقوم..
﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا ( ٤٧ ) ﴾
﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب ﴾ الخطاب لليهود، ولم يقل هنا أوتوا نصيبا من الكتاب لأن المقصود فيما سبق بيان خطئهم في التحريف، وهو إنما وقع في بعض التوراة والمقصود هنا بيان خطئهم في عدم إيمانهم بالقرآن وهو مصدق لجميع التوراة فناسب التعبير هنا بإيتاهم الكتاب ﴿ آمنوا بما نزلنا ﴾ يعني القرآن ﴿ مصدقا لما معكم ﴾ يعني التوراة ومعنى تصديقه إياها نزوله حسبما نعت لهم فيها أو كونه موافقا لها في القصص والمواعيد والدعوة إلى التوحيد والعدل بين الناس والنهي عن المعاصي والفواحش.
وأما من يتراءى من مخالفته لها في جزيئات الأحكام بسبب تفاوت الأمم والأعصار فليس بمخالفة في الحقيقة، بل هو عين الموافقة من حيث أن الكلام منها حق بالإضافة إلى عصره، متضمن للحكمة التي عليها يدور فلك التشريع حتى لو تأخر نزول المتقدم لنزل على وفق المتأخر، ولو تقدم نزول المتأخر لوافق المتقدم، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم :( لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي ).
ثم قرن بهذا الأمر الوعيد الشديد الوارد على أبلغ وجه وأكده فقال ﴿ من قبل أن نطمس وجوها ﴾ أصل الطمس استئصال أثر الشيء بالمحو وإزالة الأعلام، ومنه ﴿ فإذا النجوم طمست ﴾ يقال طمس الأثر أي محاه كله ومنه ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ أي أهلكها، ويقال مطموس البصر ومنه ﴿ ولو نشاء لطمسنا على أعينهم ﴾ أي أعميناهم.
واختلف العلماء في المعنى المراد بهذه الآية هل هو حقيقة فيجعل الوجه كالقفا فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين وهو محو تخطيط صور الوجوه، قال ابن عباس يجعلها كخف البعير، وقيل نعيمها فيكون المراد بالوجه العين، أو ذلك عبارة عن الضلالة في قلوبهم وسلبهم التوفيق، فذهب إلى الأول طائفة، وإلى الآخر آخرون، وفي تنكير الوجوه المفيد للتكثير تهويل للخطب، وفي إبهامها لطف بالمخاطبين وحسن استدعاء لهم إلى الإيمان.
وعلى الأول فالمراد بقوله ﴿ فنردها على أدبارها ﴾ نجعلها أقفاء أي نذهب بآثار الوجه وتخطيطه حتى يصير على هيئة القفا. وقيل أنه بعد الطمس يردها إلى مواضع القفا والقفا إلى مواضعها، وهذا هو ألصق بالمعنى الذي يفيده قوله ﴿ فنردها على أدبارها ﴾.
فإن قيل كيف جاز أن يهددهم بطمس الوجوه إن لم يؤمنوا ولم يفعل ذلك بهم، فقيل :إنه لما آمن هؤلاء ومن اتبعهم رفع الوعيد عن الباقين، وقال المبرد الوعيد باق منتظر، وقال لابد من طمس في اليهود ومسخ قبل يوم القيامة، وقيل هو مختص بيوم القيامة، وقيل المراد طمس القلب والبصيرة وقيل حيث جاؤوا، والأول أولى.
والضمير في ﴿ أو نلعنهم ﴾ عائد إلى أصحاب الوجوه ﴿ كما لعنا أصحاب السبت ﴾ وكان لعن أصحاب السبت مسخهم قردة وخنازير، وقيل المراد نفس اللعنة، وهم ملعونون بكل لسان، والمراد وقوع أحد الأمرين إما الطمس أو اللعن، وقد وقع اللعن، ولكنه يقوي الأول تشبيه هذا اللعن بلعن أهل السبت ﴿ وكان أمر الله مفعولا ﴾ أي كائنا موجودا لا محالة إن لم يؤمنوا أو يراد بالأمر المأمور، والمعنى أنه متى أراده كان كقوله ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ﴾.
﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ( ٤٨ ) ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا ( ٤٩ ) ﴾
﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ هذا الحكم يشمل جميع طوائف الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، ولا يختص بكفار أهل الحرب، لأن اليهود قالوا عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، وقالوا ثالث ثلاثة.
ولا خلاف بين المسلمين أن المشرك إذا مات على شركه لم يكن من أهل المغفرة التي تفضل الله بها على غير أهل الشرك حسبما تقتضيه مشيئته، وأما غير أهل الشرك من عصاة المسلمين فداخلون تحت المشيئة يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء.
قال ابن جرير قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة في مشيئة الله عز وجل إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه ما لم تكن كبيرته شركا بالله عز وجل، وظاهره أن المغفرة منه سبحانه تكون لمن اقتضته مشيئته تفضلا منه ورحمة وإن لم يقع من ذلك المذنب توبة، وقيد ذلك المعتزلة بالتوبة.
وقد تقدم قوله تعالى ﴿ وإن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيآتكم ﴾ وهي تدل على أن الله سبحانه يغفر سيآت من اجتنب الكبائر فيكون مجتنب الكبائر ممن قد شاء الله غفران سيآته.
عن ابن عمر بسند صحيح قال :كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم ﴿ إن الله لا يغفر ﴾ الآية وقال :إني ادخرت دعوتي وشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا.
وعن ابن عباس قال في هذه الآية :إن الله حرم المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته فلم يؤيسهم عن المغفرة وأخرج الترمذي وحسنه عن علي قال :ما في القرآن أحب إلي من هذه الآية ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ الآية.
وعن جابر قال :جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :يا رسول الله ما الموجبتان قال :من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك به دخل النار، أخرجه مسلم١.
﴿ ومن يشرك بالله ﴾ يعني يجعل معه شريكا غيره، إظهار في موضع الإضمار لإدخال الروع ﴿ فقد افترى ﴾ أي اختلق وفعل، لأن الافتراء كما يطلق على القول حقيقة يطلق على الفعل مجازا كما صححه التفتازاني ﴿ إثما عظيما ﴾ يعني ذنبا كبيرا غير مغفور إن مات عليه.
١ روي عن أبي ذر قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة...).
﴿ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ﴾ أي يمدحونها، تعجيب من حالهم، وقد اتفق المفسرون على أن المراد اليهود، واختلفوا في معنى الذي زكوا به أنفسهم فقال الحسن وقتادة :هو قولهم ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ وقولهم ﴿ لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ﴾.
وقال الضحاك، هو قولهم لا ذنوب لنا ونحن كالأطفال، وقيل قولهم إن آباءهم يشفعون لهم، وقيل ثناء بعضهم على بعض، ومعنى التزكية التطهير والتنزيه فلا يبعد صدقها على جميع هذه التفاسير وعلى غيرها، واللفظ يتناول كل من زكى نفسه بحق أو بباطل من اليهود وغيرهم، وكل من ذكر نفسه بصلاح أو وصفها بزكاء العمل أو بزيادة الطاعة والتقوى أو بزيادة الزلفى عند الله.
ويدخل في هذا التلقب بالألقاب المتضمنة للتزكية كمحي الدين وعز الدين وسلطان العارفين ونحوها، فهذه الأشياء لا يعلمها إلا الله تعالى فلهذا قال ﴿ بل الله يزكي من يشاء ﴾ أي بل ذلك إليه سبحانه، فهو العالم بمن يستحق التزكية من عباده ومن لا يستحقها، فليدع العباد تزكية أنفسهم ويفوضوا أمر ذلك إلى الله سبحانه، فإن تزكيتهم لأنفسهم مجرد دعاوى فاسدة تحمل عليها محبة النفس وطلب العلو والترفع والتفاخر، ومثل هذه الآية قوله تعالى ﴿ فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ﴾.
﴿ ولا يظلمون ﴾ هؤلاء المزكون أنفسهم من أعمالهم ﴿ فتيلا ﴾ هو الخيط الذي في نواة الثمر، وقيل القشرة التي حول النواة وقيل هو ما يخرج بين أصبعيك أو كفيك من الوسخ إذا فتلتهما فهو فتيل بمعنى مفتول، والمراد هنا الكناية عن الشيء الحقير، ومثله لا يظلمون نقيرا، وهو النكتة التي في ظهر النواة.
والمعنى أن هؤلاء الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكيتهم لأنفسهم بقدر هذا الذنب، ولا يظلمون بالزيادة على ما يستحقون، ويجوز أن يعود الضمير إلى ( من شاء ) أي لا يظلم هؤلاء الذين يزكيهم الله فتيلا مما يستحقونه من الثواب.
وقد ضربت العرب المثل في القلة بأربعة أشياء اجتمعت في النواة وهي الفتيل والنقير وهو النقرة التي في ظهر النواة، والقطمير وهو القشر الرقيق فوقها، وهذه الثلاثة واردة في الكتاب العزيز، والثفروق وهو ما بين النواة والقمع الذي يكون في رأس الثمرة كالعلاقة بينهما.
﴿ انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا ( ٥٠ ) ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ( ٥١ ) أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ( ٥٢ ) ﴾
ثم عجب النبي صلى الله عليه وسلم من تزكيتهم لأنفسهم فقال ﴿ انظر كيف يفترون على الله الكذب ﴾ في قولهم ذلك، والافتراء الاختلاق ومنه افترى فلان على فلان أي رماه بما ليس فيه، وفريت الشيء قطعته، والافتراء والكذب متقاربان معنى أو معناهما واحد.
وفي قوله ﴿ وكفى به إثما مبينا ﴾ من تعظيم الذنب وتهويله ما لا يخفى أي كفى بالافتراء وحده وبالأولى إذا انضم إلى التزكية، والتنكير في إثما للتشديد.
﴿ ألم تر ﴾ تعجيب من حالهم بعد التعجيب الأول ﴿ إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ﴾ هم اليهود ﴿ يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴾ اختلف المفسرون في معنى الجبت والطاغوت فقال ابن عباس وابن جبير وأبو العالية الجبت الساحر بلسان الحبشة والطاغوت الكاهن، وروي عن عمر ابن الخطاب أن الجبت السحر والطاغوت الشيطان.
وروي عن ابن مسعود أن الجبت والطاغوت هنا كعب بن الأشرف، وقال قتادة الجبت الشيطان والطاغوت الكاهن، وروي عن مالك أن الطاغوت ما عبد من دون الله، والجبت الشيطان، وقيل هما كل معبود من دون الله أو مطاع في معصية الله، وقيل هما صنمان كانا لقريش وهما اللذان سجد اليهود لهما لمرضاة قريش.
وأصل الجبت الجبس وهو الذي لا خير فيه فأبدلت التاء من السين قاله قطرب، وقيل إبليس والطاغوت أولياؤه، وعن قطن بن قبيصة عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( العيافة والطيرة والطرق من الجبت ) أخرجه أبو داود١، وقال الطرق الزجر والعيافة الخط.
وقيل العيافة هي زجر الطير، والطرق هو ضرب الحجارة والحصى على طريق الكهانة، والطيرة هو أنه يتطير بالشيء فيرى الشؤم فيه والشر منه، وقيل هو من التطير وهو زجر الطير، والخط هو ضرب الرمل لاستخراج الضمير.
﴿ ويقولون ﴾ أي اليهود ﴿ للذين كفروا ﴾ كأبي سفيان وأصحابه، واللام للتبليغ أو للعلة كنظائرها ﴿ هؤلاء ﴾ أي أنتم ﴿ أهدى من الذين آمنوا ﴾ بمحمد ﴿ سبيلا ﴾ أي أقوم دينا وأرشد طريقا.
١ وروى ابن جرير٨/٤٦٦ عن ابن عباس، قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت له قريش: أنت خير أهل المدينة وسيدهم؟ قال: نعم. قالوا: ألا ترى إلى هذا الصنبور المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل السياقة؟ قال: أنتم خير منه. قال: فأنزلت: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ (الكوثر: ٣) وأنزلت ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ إلى قوله: ﴿فلن تجد نصيرا﴾ وإسناده صحيح. وزاد السيوطي نسبته في "الدر" ٢/١٧١ لأحمد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. وقولهم: "ألم تر إلى هذا الصنبور الأبتر" في "النهاية" الصنبور: سعفات تنبت في جذع النخلة، لا في الأرض، ثم قالوا: للرجل الفرد الضعيف الذليل الذي لا أهل له ولا عقب ولا ناصر "صنبور"..
﴿ أولئك ﴾ القائلون ﴿ الذين لعنهم الله ﴾ أي طردهم وأبعدهم من رحمته ﴿ ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ﴾ يدفع عنه ما نزل به من عذاب الله وسخطه، وفي الآية وعد للمؤمنين بأنهم المنصورون عليهم فإن المؤمنين بضد هؤلاء فهم الذين قربهم الله ومن يقربه الله فلن تجد له خاذلا.
﴿ أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يأتون الناس نقيرا ( ٥٣ ) أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما ( ٥٤ ) فمنهم من آمن ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ( ٥٥ ) ﴾
﴿ أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا ﴾ أم منقطعة والاستفهام للإنكار يعني ليس من الملك، والفاء للسببية الجزائية لشرط محذوف أي إن جعل لهم نصيب فإذن لا يعطون نقيرا منه لشدة بخلهم وقوة حسدهم.
وهذا ذم لهم بالبخل بعد أن ذمهم بالجهل، لعدم جريهم على مقتضى العلم، وسيأتي ذمهم بالحسد، والأول قوة عملية والثاني علمية، والأول مقدم كما بينه الفخر، وقيل المعنى بل لهم نصيب من الملك على أن معنى أم الإضراب عن الأول والاستئناف للثاني، وقيل التقدير أهم أولى بالنبوة ممن أرسلته أم لهم نصيب الآية.
والنقير النقطة والنقرة في ظهر النواة، وقيل ما نقر الرجل بأصبعه كما ينقر الأرض، والنقير أيضا خشبة تنقر وينبذ فيها.
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النقير كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، والنقير الأصل يقال فلان كريم النقير أي كريم الأصل، والمراد هنا المعنى الأول والمقصود به المبالغة في الحقارة كالقطمير والفتيل، والنقير يضرب به المثل في الشيء الحقير التافه الذي لا قيمة له، وفي القلة والحقارة.
وإذن هنا ملغاة غير عاملة لدخول فاء العطف عليها، ولو نصب جاز قال سيبوية :إذن في عوامل الأفعال بمنزلة أظن في عوامل الأسماء التي تلغى إذا لم يكن الكلام معتمدا عليها، فإن كانت في أول الكلام وكان الذي بعدها مستقبلا نصبت.
﴿ أم ﴾ منقطعة مفيدة للانتقال عن توبيخهم بأمر إلى توبيخهم بآخر أي بل ﴿ يحسدون الناس ﴾ يعني اليهود يحسدون النبي صلى الله عليه وسلم فقط
فهو عام أريد به الخاص وأطلق عليه لفظ الناس لأنه جمع كل الخصال الحميدة التي تفرقت في الناس على حد قول القائل :أنت الناس كل الناس أيها الرجل.
وليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد
أو يحسدونه هو وأصحابه وأصل الحسد تمني زوال النعمة عمن هو مستحق لها، وربما يكون ذلك مع سعي في زوالها وهو أقبح مما قبلها لأن البخل منع لما في أيديهم، والحسد منع لما عند الله واعتراض عليه، والاستفهام للإنكار أي لا ينبغي ذلك.
﴿ على ما آتاهم الله من فضله ﴾ من النبوة والنصر وقهر الأعداء، وقيل حسدوه على ما أحل الله له من النساء، وكانت له يومئذ تسع نسوة والأول أولى.
﴿ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة ﴾ هذا إلزام لليهود بما يعترفون به ولا ينكرونه وهو مسلم عندهم أي ليس ما آتينا محمدا وأصحابه من فضلنا بأبدع حتى تحسدهم اليهود على ذلك فهم يعلمون بما آتينا آل إبراهيم وهم أسلاف محمد صلى الله عليه سلم وأبناء وأعمامه.
وفيه حسم لمادة حسدهم واستبعادهم المبنيين على توهم عدم استحقاق المحسود ما أوتيه من الفضل ببيان استحقاقه له بطريق الوراثة كابرا عن كابر، وإجرام الكلام على سنن الكبرياء بطريق الالتفات لإظهار كمال العناية بالأمر، وقد تقدم تفسير الكتاب والحكمة يعني التوراة والنبوة وقد حصل في آل إبراهيم جماعة كثيرة جمعوا بين الملك والنبوة مثل داود وسليمان.
﴿ وآتيناهم ملكا عظيما ﴾ فلم يشغلهم ذلك عن أمر النبوة، ومن فسر الفضل بكثرة النساء قال :الملك العظيم في حق داود وسليمان بكثرة النساء، فإنه كان لداود مائة امرأة ولسليمان ألف امرأة ثلاثمائة حرة وسبعمائة سرية، ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ إلا تسع نسوة، وقيل هو ملك سليمان واختاره ابن جرير وهو الأولى١.
١ قال ابن جرير٨/٤٧٩: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب قول قتادة وابن جريج الذي ذكرناه قبل، أن معنى "الفضل" في هذا الموضع: النبوة التي فضل الله بها محمدا، وشرف بها العرب، إذ أتاها رجلا منهم دون غيرهم، لما ذكرنا من أن الأدلة ظاهر هذه الآية تدل على أنها تفريط للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، رحمة الله عليهم، على ما قد بينا قبل، وليس النكاح وتزويج النساء وإن كان من فضل الله جل ثناؤه الذي أتاه عباده بتقريظ لهم ومدح..
﴿ فمنهم ﴾ أي من اليهود ﴿ من آمن به ﴾ أي النبي صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام وأصحابه، وقيل الضمير في به راجع إلى ما ذكر من حديث آل إبراهيم ﴿ ومنهم من صد ﴾ أعرض ﴿ عنه ﴾ ولم يؤمن، وقيل الضمير يرجع إلى الكتاب، والأول أولى ﴿ وكفى بجهنم سعيرا ﴾ أي نارا مستعرة لمن لا يؤمن. وهو إشارة لقياس طويت فيه الكبرى أي هؤلاء صدوا عنه ومن صد عنه كفى بجهنم سعيرا لهم، ينتج هؤلاء كفى بجهنم سعيرا لهم.
﴿ إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما ( ٥٦ ) ﴾
وقوله ﴿ إن الذين كفروا ﴾ تقرير لهذا وبيان لكيفية عذابهم وعذاب جميع من كفر ﴿ بآياتنا ﴾ الظاهر عدم تخصيصه ببعض الآيات دون بعض ﴿ سوف ﴾ كلمة تذكر للتهديد، قال سيبوية وتنوب عنها السين ﴿ نصليهم ﴾ أي ندخلهم ﴿ نارا ﴾ يحترقون فيها.
﴿ كلما نضجت ﴾ أي احترقت ﴿ جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ﴾ أي أعطيناهم مكان كل جلد محترق جلدا آخر غير محترق، فإن ذلك أبلغ من العذاب للشخص لأن إحساسه لعمل النار في الجلد الذي لم يحترق أبلغ من إحساسه لعملها في الجلد المحترق.
وقيل المراد بالجلود السرابيل التي ذكرها الله في قوله ﴿ سرابيلهم من قطران ﴾ ولا موجب لترك المعنى الحقيقي ههنا، وإن جاز إطلاق الجلود على السرابيل مجازا، وقيل المعنى أعدنا الجلد الأول جديدا، ويأبى ذلك معنى التبديل، قال ابن عمر :يبدلون جلودا بيضاء أمثال القراطيس.
وقال معاذ :تبدل في ساعة مائة مرة فقال عمر هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه الطبراني بسند ضعيف، والبغوي بغير سند، وقال كعب عشرين ومائة مرة وعن ابن مسعود أن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا وقال الحسن، تأكلهم النار في كل يوم سبعين ألف مرة.
﴿ ليذوقوا العذاب ﴾ أي ليحصل لهم الذوق الكامل لذلك التبديل ويقاسوا شدته، وقيل معناه ليدوم لهم العذاب ولا ينقطع ﴿ إن الله كان عزيزا ﴾ في انتقامه ممن ينتقم من خلقه لا يغلبه شيء ولا يمنع عليه أحد ﴿ حكيما ﴾ في تدبيره وقضائه وأنه لا يفعل إلا ما هو الصواب.
﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا ( ٥٧ ) إن الله يأمركم أن تأدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ( ٥٨ ) ﴾
ثم أتبع وصف حال الكفار بوصف المؤمنين فقال ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ وهو لف ونشر مشوش على حد قوله ﴿ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾ وعلى عادته تعالى من ذكر الوعيد مع الوعد وعكسه ﴿ سندخلهم ﴾ أي يوم القيامة ﴿ جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ﴾ قد تقدم تفسير الجنات وجري الأنهار من تحتها، وذلك الخلود بغير نهاية ولا انقطاع وليس المراد طول المكث.
﴿ لهم فيها أزواج مطهرة ﴾ من الأدناس التي تكون في نساء الدنيا ومن كل قذر وسوء الخلق ﴿ وندخلهم ظلا ظليلا ﴾ الظل الظليل الذي لا يدخله ما يدخل ظل الدنيا من الحر والسموم ونحو ذلك، وقيل هو مجموع ظل الأشجار والقصور. وقيل الظل الظليل هو الدائم الذي لا يزول، واشتقاق الصفة من لفظ الموصوف للمبالغة كما يقال ليل أليل، قال الربيع ابن أنس :هو ظل العرش الذي لا يزول، وقيل هو ظل الجنة والأول أولى.
﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ هذه الآية من أمهات الآيات المشتملة على كثير من أحكام الشرع، لأن الظاهر أن الخطاب يشمل جميع الناس قاطبة في جميع الأمانات، وقد روى عن علي وزيد بن أسلم وشهر ابن حوشب أنها خطاب لولاة المسلمين والأول أظهر، وورودها على سبب كما سيأتي لا ينافي ما فيها من العموم فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في الأصول.
قال الواحدي :أجمع المفسرون عليه، انتهى، ويدخل الولاة في هذا الخطاب دخولا أوليا فيجب عليهم تأدية ما لديهم من الأمانات ورد الظلامات، وتحري العدل في أحكامهم، ويدخل غيرهم من الناس في الخطاب فيجب عليهم رد ما لديهم من الأمانات والتحري في الشهادات والأخبار.
وممن قال بعموم هذا الخطاب البراء بن عازب وابن مسعود وابن عباس وأبي ابن كعب، واختار جمهور المفسرين ومنهم ابن جرير، وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها الأبرار منهم والفجار كما قال ابن المنذر.
والأمانات جمع أمانة وهي مصدر بمعنى المفعول.
وقد أخرج ابن مردوديه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة وقبض مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة فنزل جبريل عليه السلام برد المفتاح فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن طلحة فرده إليه وقرأ هذه الآية١.
وعن ابن جريج أن هذه الآية نزلت في عثمان بن طلحة لما قبض منه صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة فدعاه ودفعه إليه. وقال هاك خالدة تالدة أي مستمرة إلى آخر الزمان قديمة متأصلة، وقد روى هذا المعنى بطرق كثيرة.
وأخرج أبو داود والترمذي والحاكم والبيقهي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( أد الأمانة لمن ائتمنتك ولا تخن من خانك٢ )، وقد ثبت في الصحيح أن من خان إذا اؤتمن ففيه خصلة من خصال النفاق٣.
﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾ هو فصل الحكومة على ما في كتاب الله سبحانه وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا الحكم بالرأي المجرد، فإن ذلك ليس من الحق في شيء إلا إذا لم يوجد دليل تلك الحكومة في كتاب الله ولا في سنة رسوله فلا بأس باجتهاد الرأي من الحاكم الذي يعلم بحكم الله ورسوله، وبما هو أقرب إلى الحق عند عدم وجود النص.
وأما الحاكم الذي لا يدري بحكم الله ورسوله ولا بما هو أقرب إليهما فهو لا يدري ما هو العدل لأنه لا يعقل الحجة إذا جاءته، فضلا عن أن يحكم بها بين عباد الله.
عن علي قال :حق على الإمام أن يحكم بما أنزل وأن يؤدي الأمانة فإذا فعل ذلك فحق على الناس أن يسمعوا وأن يطيعوا وأن يجيبوا إذا دعوا وأصل العدل هو المساواة في الأشياء، فكل ما خرج عن الظلم والاعتداء سمي عدلا.
قيل :ينبغي العدل بين الخصمين في خمسة أشياء في الدخول عليه والجلوس بين يديه والإقبال عليهما والاستماع منهما والحكم بالحق فيما لهما وعليهما فيجب على الحاكم أن يأخذ الحق ممن وجب عليه لمن وجب له، ويكون مقصوده بحكمه إيصال الحق إلى مستحقه، وأن لا يمتزج ذلك بغرض آخر، وقد ورد في فضل العادلين من الولاة أحاديث.
﴿ إن الله نعما يعظكم به ﴾ أي نعم الشيء الذي يعظكم به وهو أداء الأمانات والحكم بالعدل على وفق السنة والكتاب دون الرأي البحت والعقل الصرف تقليدا للأحبار والرهبان من غير حجة نيرة وبرهان واضح، وإذا أديتم الأمانة فهو يبصر فعلكم.
١ قال السيوطي في "الدر المنثور"٢/١٧٤: أخرجه ابن مردوديه من طريق الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس مطولا. قلت: والكلبي وأبو صالح ضعيفان لا يحتج بهما..
٢ قال ابن كثير في تفسير الآية: يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وفي حديث الحسن عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" رواه الإمام أحمد وأهل السنن..
٣ صحيح الجامع الصغير١٦..
﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ( ٥٩ ) ﴾
﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ﴾ لما أمر الله سبحانه القضاة والولاة إذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالحق أمر الناس بطاعتهم هنا، وطاعة الله عز وجل هي امتثال أوامره ونواهيه وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم هي فيما أمر به ونهى عنه، وأولوا الأمر :هم الأئمة والسلاطين والقضاة وأمراء الحق ولاة العدل كالخلفاء الراشدين ومن يقتدي بهم من المهتدين، وكل من كانت له ولاية شرعية لا ولاية طاغوتية.
والمراد طاعتهم فيما يأمرون به وينهون عنه ما لم تكن معصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الله كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال جابر ابن عبد الله ومجاهد :إن أولي الأمر هم أهل القرآن والعلم، وبه قال مالك والضحاك، وروي عن مجاهد أنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وقال ابن كيسان :هم أهل العقل والرأي، وعن ابن عباس قال :هم الفقهاء والعلماء الذين يعلمون الناس معالم دينهم وهو قول الحسن والضحاك ومجاهد، والراجح القول الأول لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان لله وللمسلمين مصلحة فإذا زال عن الكتاب والسنة فلا طاعة له، وإنما تجب طاعته فيما وافق الحق.
عن ابن عباس قال نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية وقصته معروفة١.
قال عطاء طاعة الله والرسول إتباع الكتاب والسنة، وأولي الأمر، قال أولي الفقه والعلم، وعن أبي هريرة قال :أولو الأمر هم الأمراء وفي لفظ هم أمراء السرايا وقال جابر بن عبد الله :هم أهل العلم وعن مجاهد وأبي العالية نحوه.
وقد وردت أحاديث كثيرة في طاعة الأمراء ثابتة في الصحيحين وغيرهما مقيدة، بأن يكون ذلك في المعروف وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله.
ومن جملة ما استدل به المقلدة هذه الآية قالوا :وأولوا الأمر هم العلماء، والجواب أن للمفسرين في تفسيرها قولين أحدهما أنهم الأمراء، والثاني أنهم العلماء كما تقدم ولا يمتنع إرادة الطائفتين من الآية الكريمة، ولكن أين هذا من الدلالة على مراد المقلدين فإنه لا طاعة لأحدهما إلا إذا أمروا بطاعة الله على وفق سنة رسوله وشريعته.
وأيضا العلماء إنما ارشدوا غيرهم إلى ترك تقليدهم ونهوهم عن ذلك كما روي عن الأئمة الأربعة وغيرهم فطاعتهم ترك تقليدهم٢ ولو فرضنا أن في العلماء من يرشد الناس إلى التقليد ويرغبهم فيه لكان يرشد إلى معصية الله، ولا طاعة له بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإنما قلنا إنه يرشد إلى معصية الله لأن من أرشد هؤلاء العامة الذين لا يعقلون الحجج ولا يعرفون الصواب من الخطأ إلى التمسك بالتقليد، كان هذا الإرشاد منه مستلزما لإرشادهم إلى ترك العمل بالكتاب والسنة إلا بواسطة آراء العلماء الذين يقلدونهم، فما عملوا به عملوا به وما لم يعملوا به، لم يعملوا به ولا يلتفتون إلى كتاب وسنة بل من شرط التقليد الذي أصيبوا به أن يقبل من إمامه رأيه ولا يعول على روايته ولا يسأله عن كتاب ولا سنة، فإن سأله عنهما خرج عن التقليد لأنه صار مطالبا بالحجة.
ومن جملة ما يجب فيه طاعة أولى الأمر تدبير الحروب التي تدهم الناس والانتفاع بآرائهم فيها وفي غيرها من تدبير أمر المعاش وجلب المصالح ودفع المفاسد الدنيوية، ولا يبعد أن تكون الطاعة في هذه الأمور التي ليست من الشريعة هي المراد بالأمر بطاعتهم لأنه لو كان المراد طاعتهم في الأمور التي شرعها الله ورسوله لكان ذلك داخلا تحت طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ولا يبعد أيضا أن تكون طاعة لهم في الأمور الشرعية في مثل الواجبات المخيرة وواجبات الكفاية، فإذا أمروا بواجب من الواجبات المخيرة أو ألزموا بعض الأشخاص الدخول في واجبات الكفاية لزم ذلك، فهذا أمر شرعي وجب فيه الطاعة.
وبالجملة فهذه الطاعة لأولي الأمر المذكورة في الآية هي الطاعة التي ثبتت في الأحاديث المتواترة في طاعة الأمراء ما لم يأمروا بمعصية الله أو يروي المأمور كفرا بواحا، فهذه الأحاديث مفسرة في الكتاب العزيز، وليس ذلك من التقليد في شيء بل في طاعة الأمراء الذين غالبهم الجهل والبعد عن العلم في تدبير المحاربات وسياسة الأجناد وجلب مصالح العباد، وأما الأمور الشرعية المحضة فقد أغنى عنها كتاب الله العزيز وسنة رسوله المطهرة صلى الله عليه وسلم.
هذا الذي سقناه هو عمدة أدلة المجوزين للتقليد وقد أبطلناه كما عرفت، ولهم شبه غير ما حررناه.
﴿ فإن تنازعتم ﴾ المنازعة المجاذبة والنزع الجذب كأن كل واحد ينتزع حجة الآخر ويجذبها والمراد بالاختلاف المجادلة، والظاهر أنه خطاب مستقل مستأنف موجه للمجتهدين، ولا يصح أن يكون لأولي الأمر إلا على طريق الالتفات، وليس المراد فإن تنازعتم أيها الرعايا مع أولي الأمر المجتهدين لأن المقلد ليس له أن ينازع المجتهد في حكمه، قال أبو السعود على ما في الجمل، والأول ما قدمناه.
وظهر قوله ﴿ في شيء ﴾ يتناول أمور الدين والدنيا ولكنه لما قال ﴿ فردوه إلى الله والرسول ﴾ تبين به أن الشيء المتنازع فيه يختص بأمور الدين دون أمور الدنيا، والمعنى في شيء غير منصوص نصا صريحا من الأمور المختلف فيها كندب الوتر وضمان العارية ونحوهما، والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه العزيز، والرد إلى الرسول هو الرد إلى سنته المطهرة بعد موته، وأما في حياته فالرد إليه سؤاله.
هذا معنى الرد إليهما، وقيل معنى الرد أن يقول لما لا يعلم " الله ورسوله أعلم " وهو قول ساقط وتفسير بارد، وليس الرد في هذه الآية إلا الرد المذكور في قوله تعالى ﴿ ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾.
والرد إلى كتاب الله وسنة رسوله واجب، فإن وجد ذلك في كتاب الله أخذ به، فإن لم يوجد فيه ففي سنة رسوله، فإن لم يوجد فيها فسبيله الاجتهاد، ولا يلتفت عند وجود الحكم فيهما أو في أحدهما إلى غيرهما من آراء الرجال وغيرهم فإنه مشاقة لله ولرسوله من بعد ما تبين له الهدى.
وفي قوله ﴿ إن كنتم تؤمنون ﴾ دليل على أن هذا الرد متحتم على المتنازعين وأنه شأن من يؤمن ﴿ بالله واليوم الآخر ﴾ وفي الآية دليل على أن من لا يعتقد وجوب متابعة الكتاب والسنة والحكم بالنصوص القرآنية والأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر.
﴿ ذلك ﴾ أي الرد المأمور به ﴿ خير وأحسن تأويلا ﴾ أي مرجعا وأحمد عاقبة من الأول يقال آل يؤول إلى كذا أي صار إليه، والمعنى أن ذلك الرد خير لكم في حد ذاته من غير اعتبار فضله على شيء يشاركه في أصل الخيرية من التنازع والقول بالرأي وأحسن مآلا مرجعا ترجعون إليه، ويجوز أن يكون المعنى أن الرد أحسن تأويلا من تأويلكم الذي صرتم إليه عند التنازع، وقال قتادة :ذلك أحسن ثوابا وخير عاقبة، وقال مجاهد :أحسن جزاء.
وأعلم أن هذه الآية الشريفة مشتملة على أكثر علم أصول الفقه لأن الفقهاء زعموا أن أصول الشريعة أربع الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وهذه الآية مشتملة على تقرير هذه الأصول الأربعة بهذا الترتيب.
أما الكتاب والسنة فقد وقعت الإشارة إليهما بقوله تعالى ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ فدلت على وجوب متابعة الكتاب والسنة، وقوله تعالى ﴿ وأولي الأمر منكم ﴾ يدل على أن إجماع الأمة حجة لأن الله تعالى أمر بطاعتهم على سبيل الجزم، وهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والمراد بهم أهل الحل والعقد، وذلك يوجب القطع بأن إجماع الأمة حجة.
وقوله ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ يدل على أن القياس حجة.
وهذه الآية دالة على أن الكتاب والسنة مقدمان على القياس مطلقا فلا يجوز ترك العمل بهما بسبب القياس، ولا يجوز تخصيصهما بسبب القياس ألبتة سواء كان القياس جليا أو خفيا، وسواء كان النص مخصوصا قبل ذلك أم لا.
ومما يدل عليه أن قوله أطيعوا الله وأطيعوا الرسول أمر بطاعة الكتاب والسنة وهذا الأمر مطلق فثبت أن متابعتهما سواء حصل قياس يعارضهما أو يخصصهما أو لم يوجد واجب.
ومما يؤكد ذلك وجوه أخرى ( أحدها ) أن كلمة ﴿ إن ﴾ على قول الأكثرين للاشتراط وعلى هذا كان قوله ﴿ فإن تنازعتم ﴾ صريحا في أنه لا يجوز العدول إلى القياس إلا عند فقدان الأصول ﴿ الثاني ﴾ أنه تعالى أخر ذكر القياس عن ذكر الأصول الثلاثة وهذا مشهر بأن العمل به مؤخر عن الأصول الثلاثة.
( الثالث ) أنه صلى الله عليه وسلم اعتبر هذا الترتيب في قصة معاذ حيث أخر الاجتهاد عن الكتاب، وعلق جوازه على عدم وجدان الكتاب والسنة بقوله " فإن لم تجد ".
( الرابع ) أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم ثم إن إبليس لم يدفع هذا النص بالكلية بل خصص نفسه عن ذلك العموم بقياس، ثم أجمع العقلاء على أنه جعل القياس مقدما على النص وصار بذلك السبب ملعونا، وهذا يدل على أن تخصيص النص بالقياس تقديم للقياس على النص وأنه غير جائز.
( الخامس ) أن القرآن مقطوع في متنه لأنه ثبت بالتواتر، والقياس ليس كذلك بل هو مظنون من جميع الجهات، والمقطوع راجع على المظنون.
( السادس ) قوله تعالى ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ﴾ وإذا وجدنا عموم الكتاب حاصلا في الواقعة ثم إنا لا نحكم به بل حكمنا بالقياس لزم الدخول تحت هذا العموم.
( السابع ) قوله تعالى ﴿ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ﴾ إلى قوله ﴿ إن تتبعون إلا الظن ﴾ جعل إتباع الظن من صفات الكفار، ومن الموجبات القوية في مذمتهم، فهذا يقتضي أن لا يجوز العمل بالقياس ألبتة ترك هذا النص لما بينا أنه يدل على جواز العمل بالقياس، لكنه إنما دل على ذلك عند فقدان النصوص فوجب عند وجدانها أن يبقى على الأصل.
( التاسع ) أن القرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والقياس عقل الإنسان الضعيف وكل من له عقل صحيح علم أن الأول أقوى بالمتابعة وأحرى.
وأيضا هذه الآية دالة على أن ما سوى هذه الأصول الأربعة مردود باطل وليس للمكلف أن يتمسك بشيء سوى هذه الأصول، فالقول بالاستحسان الذي يقول به أبو حنيفة، والقول بالاستصلاح الذي يقول به مالك إن كان المراد به أحد هذه الأمور الأربعة فهو تغيير عبارة ولا فائدة فيه، وإن كان مغايرا لهذه الأربعة كان القول به باطلا قطعا لدلالة هذه الآية على بطلانه.
والأمر في قوله تعالى ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ للوجوب وبه زعم كثير من الفقهاء واعترض عليه المتكلمون بما لا يغني عن جوع، وهذه الآية دالة على أن ظاهر الأمر للوجوب ولا شك أنه أصل معتبر في الشرع.
وفي الآية دلالة على أن شرط الاستدلال بالقياس في المسألة أن لا يكون فيها نص من الكتاب والسنة لأن قوله ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه ﴾ مشعر بهذا الاشتراط، ومعنى تنازعتم اختلفتم، قال الزجاج :أي قال كل فريق القول قولي والمنازعة عبارة عن مجاذبة كل واحد من الخصمين لحجة مصححة لقوله أو محاولة جذب قوله ونزعه إياه عما يفسده، وآخر الآية يقتضي أن من لم يطع الل
١ أنظر البخاري٨/١٩٠ ومسلم ٣/١٤٦٥ وأحمد٢/٦٢٢..
٢ البخاري: ٨/١٩٠، ومسلم: ٣/١٤٦٥. قال الحافظ في "الفتح": كذا ذكره أي البخاري مختصرا والمعنى: نزلت في قصة عبد الله ابن حذافة، أي المقصود منها في قصته قوله: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله﴾ الآية. قلت/ وقصة حذافة بطولها رواها الإمام أحمد٢/٦٢٢، والبخاري ١٣/١٠٩، ومسلم٣/١٤٦٩ عن علي رضي الله عنه، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية، واستعمل عليهم رجلا من الأنصار، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأغضبوه في شيء فقال: اجمعوا لي حطبا، فجمعوا له، ثم قال: أوقدوا نارا، فأوقدوا، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها، قال، فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار، فكانوا كذلك، وسكن غضبه، وطفئت النار، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف"..
﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ( ٦٠ ) ﴾
﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ﴾ فيه تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم من حال هؤلاء الذين ادعوا لأنفسهم أنهم قد جمعوا بين الإيمان بما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القرآن، وما أنزل على من قبله من الأنبياء، فجاءوا بما ينقض عليهم هذه الدعوى ويبطلها من أصلها، ويوضح أنهم ليسوا على شيء من ذلك أصلا وهو إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت وقد أمروا فيما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى من قبله أن يكفروا به.
وقد تقدم تفسير الطاغوت والاختلاف في معناه، وبسند قال السيوطي :صحيح عن ابن عباس قال كان برزة الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر ناس إليه من المسلمين فأنزل هذه الآية.
وعنه كان الجلاس بن الصامت قبل توبته ومعتب بن قشير ورافع ابن زيد كانوا يدعون الإسلام فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعوهم إلى الكهان حكام الجاهلية فنزلت الآية، وبذلك يتضح معناها.
﴿ ويريد الشيطان أن يضلهم ﴾ عن طريق الهدى والحق ﴿ ضلالا بعيدا ﴾ مستمرا إلى الموت.
﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ( ٦١ ) فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ( ٦٢ ) ﴾
﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ﴾ تكملة لمادة التعجب ببيان إعراضهم صريحا عن التحاكم إلى كتاب الله ورسوله إثر بيان إعراضهم عن ذلك في ضمن التحاكم إلى الطاغوت ﴿ رأيت المنافقين ﴾ أي أبصرتهم كما هو الظاهر ﴿ يصدون عنك صدودا ﴾ اسم للمصدر وهو الصد عند الخليل وعند الكوفيين أنهما مصدران أي يعرضون عنك وعن حكمك إعراضا وأي إعراض، وإنما أعرضوا لأنهم علموا أنه يحكم بالحق الصريح ولا يقبل الرشا.
﴿ فكيف ﴾ بيان لعاقبة أمرهم وما صار إليه حالهم أي كيف يكون حالهم ﴿ إذا أصابتهم مصيبة ﴾ أي وقت إصابتهم فإنهم يعجزون عند ذلك ولا يقدرون على الدفع والمراد ﴿ بما قدمت أيديهم ﴾ ما فعلوه من المعاصي التي من جملتها التحاكم إلى الطاغوت ﴿ ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ﴾ أي يعتذرون عن فعلهم، وهو عطف على " أصابتهم " ويحلفون ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك إلا الإحسان لا الإساءة والتوفيق بين الخصمين لا المخالفة لك١.
١ قال أبو جعفر في تفسير الآية: يعني بذلك جل ثنائه، فكيف بهؤلاء الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وهم يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك ﴿إذا أصابتهم مصيبة﴾ يعني إذا نزلت بهم نقمة من الله ﴿بما قدمت أيديهم﴾ يعني بذنوبهم التي سلفت منهم، ﴿ثم جاءوك يحلفون بالله﴾ يقول: ثم جاءوك يحلفون بالله كذبا وزورا ﴿إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا﴾ وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المنافقين أنهم لا يردعهم عن النفاق العبر والنقم، وأنهم إن تأتهم عقوبة من الله تعالى على تحاكمهم إلى الطاغوت لم ينيبوا ولم يتوبوا، ولكنهم يحلفون بالله كذبا وجرأة على الله: ما أردنا باحتكامنا إليه إلا الإحسان من بعضنا إلى بعض، والصواب فيما احتكمنا فيه إليه..
﴿ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ( ٦٣ ) ﴾
وقال ابن كسيان :معناه ما أردنا إلا عدلا وحقا مثل قوله ﴿ وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى ﴾ فكذبهم الله بقوله ﴿ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ﴾ من النفاق والعداوة للحق، وكذبهم في عذرهم، قال الزجاج :معناه قد علم الله أنهم منافقون ﴿ فأعرض عنهم ﴾ أي عن عقابهم بالصفح، وقيل عن قبول اعتذارهم، وقيل أعرض عنهم في الملا، وقل لهم في الخلا، لأنه في السر أنجع، وقيل هذا الإعراض منسوخ بآية القتال.
﴿ وعظهم ﴾ أي خوفهم من النفاق والكفر والكذب والكيد وعذاب الآخرة باللسان ﴿ وقل لهم في أنفسهم ﴾ أي في حق أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المنطوية على الشرور التي يعلمها الله، وقيل معناه قل لهم خاليا بهم ليس معهم غيرهم ﴿ قولا بليغا ﴾ أي بالغا في وعظهم ومؤثرا فيهم، واصلا إلى كنهه المراد مطابقا لما سيق له من المقصود، وذلك بأن يوعدهم بسفك دمائهم وسبي نسائهم وسلب أموالهم، والإيذان بأن ما في قلوبهم من مكنونات الشر والنفاق غير خاف على الله تعالى، وأن ذلك مستوجب لأشد العقوبات.
والبلاغة إيصال المعنى إلى الفهم في أحسن صورة من اللفظ، وقيل حسن العبارة مع صحة المعنى، وقيل سرعة الإيجاز مع الإفهام وحسن التصرف من غير إضجار، وقيل ما قل لفظه وكثر معناه، وقيل ما طابق لفظه معناه ولم يكن لفظه إلى السمع أسبق من معناه على القلب.
وقيل المراد بالقول البليغ ما كان مشتملا على الترغيب والترهيب والإعذار والإنذار والوعد والوعيد، وإن كان كذلك عظم وقعه في القلوب وأثر في النفوس.
﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ( ٦٤ ) ﴾.
﴿ وأما أرسلنا من رسول ﴾ من زائدة للتوكيد قاله الزجاج، والمعنى وما أرسلنا رسولا ﴿ إلا ليطاع ﴾ فيما أمر به ونهى عنه، وهذه لام كي، والاستثناء مفرغ أي ما أرسلنا لشيء من الأشياء إلا للطاعة ﴿ بإذن الله ﴾ بعلمه وقيل بأمره وقيل بتوفيقه، وفيه توبيخ وتقريع للمنافقين الذين تركوا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضوا بحكم الطاغوت.
﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ﴾ بترك طاعتك والتحاكم إلى غيرك من الطاغوت وغيره، ﴿ جاءوك ﴾ متوسلين إليك تائبين من النفاق متنصلين عن جناياتهم ومخالفاتهم ﴿ فاستغفروا الله ﴾ لذنوبهم بالتوبة والإخلاص وتضرعوا إليك حتى قمت شفيعا لهم فاستغفرت لهم، وإنما قال ﴿ واستغفر لهم الرسول ﴾ على طريقة الالتفات لقصد التفخيم لشأن الرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيما لاستغفاره وإجلالا للمجيء إليه ﴿ لوجدوا الله توابا رحيما ﴾ أي كثير التوبة عليهم والرحمة لهم.
وهذا المجيء يختص بزمان حياته صلى الله عليه وسلم، وليس المجيء إليه يعني إلى مرقده المنور بعد وفاته صلى الله عليه وسلم مما تدل عليه الآية كما قرره في ( الصارم المنكى١ ) ولهذا لم يذهب إلى هذا الاحتمال البعيد أحد من سلف الأمة وأئمتها لا من الصحابة ولا من التابعين ولا ممن تبعهم بالإحسان.
١ البخاري٥/٢٦، ومسلم٤/١٨٣٠، ولفظه عن عروة، عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما..
﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكمون فيها شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيتم ويسلموا تسليما ( ٦٥ ) ﴾
قال ابن جرير :قوله ﴿ فلا ﴾ رد على ما تقدم ذكره تقديره فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ثم استأنف القسم بقوله ﴿ وربك لا يؤمنون ﴾ وقيل إنه قدم ( لا ) على القسم اهتماما بالنفي وإظهارا لقوته ثم كرره بعد القسم تأكيدا، وقيل ( لا ) مزيدة لتأكيد معنى القسم لا لتأكيد معنى النفي، قاله الزمخشري، والتقدير :فوربك لا يؤمنون كما في قوله : ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾.
﴿ حتى ﴾ غاية أن ينتفى عنهم الإيمان إلى أن ﴿ يحكموك ﴾ أي يجعلوك حكما بينهم في جميع أمرهم، لا يحكمون أحدا غيرك وقيل معناه يتحاكموا إليك، ولا ملجئ لذلك ﴿ فيما شجر ﴾ أي اختلف ﴿ بينهم ﴾ واختلط ومنه الشجر لاختلاف أغصانه، ومنه تشاجر الرياح أي اختلافها.
﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ﴾ قيل هو معطوف على مقدر ينساق إليه الكلام أي فتقضي بينهم ثم لا يجدوا، والحرج الضيق وقيل الشك، ومنه قيل للشجر الملتف حرج وحرجة وجمعها حراج وقيل الحرج الإثم أي لا يجدون في أنفسهم إثما بإنكارهم ما قضيت به ﴿ ويسلموا تسليما ﴾ أي ينقادوا لأمرك وقضائك انقيادا لا يخالفونه في شيء بظاهرهم وباطنهم، قال الزجاج :تسليما مصدر مؤكد أي ويسلمون لحكمك تسليما لا يدخلون على أنفسهم شكا ولا شبهة فيه.
والظاهر أن هذا شامل لكل فرد في كل حكم كما يؤيد ذلك قوله ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ﴾ فلا يختص بالمقصودين بقوله ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ﴾ وهذا في حياته صلى الله عليه وسلم، وأما بعد موته فتحكيم الكتاب والسنة تحكم الحاكم بما فيهما من الأئمة والقضاة إذا كان لا يحكم بالرأي المجرد مع وجود الدليل في الكتاب والسنة أو في أحدهما، وكان يعقل ما يرد عليه من حجج الكتاب والسنة بأن يكون عالما باللغة العربية وما يتعلق بها من نحو وتصريف ومعاني وبيان، عارفا بما يحتاج إليه من علم الأصول بصيرا بالسنة المطهرة غير متعصب لمذهب من المذاهب ولا لنحلة من النحل، ورعا لا يحيف ولا يميل في حكمه.
فمن كان هكذا فهو قائم في مقام النبوة، مترجم عنها، حاكم بأحكامها، وفي هذا الوعيد الشديد ما تقشعر له الجلود، وترجف له الأفئدة فإنه أولا أقسم سبحانه بنفسه مؤكدا لهذا القسم بحرف النفي بأنهم لا يؤمنون فنفى عنهم الإيمان الذي هو رأس مال صالحي عباد الله حتى تحصل لهم غاية هي تحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم لم يكتف سبحانه بذلك حتى قال ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ﴾ فضم إلى التحكيم أمرا آخر هو عدم وجود حرج أي حرج في صدورهم، فلا يكون مجرد التحكيم والإذعان كافيا حتى يكون من صميم القلب عن رضا واطمئنان، وانثلاج قلب وطيب نفس.
ثم لم يكتف بهذا كله بل ضم إليه قوله ﴿ ويسلموا ﴾ أي يذعنوا وينقادوا ظاهرا وباطنا.
ثم لم يكتف بذلك بل ضم إليه المصدر المؤكد فقال ﴿ تسليما ﴾ فلا يثبت الإيمان لعبد حتى يقع منه هذا التحكيم ثم لا يجد الحرج في صدره بما قضى عليه ويسلم لحكمه وشرعه تسليما لا يخالطه رد، ولا تشوبه مخالفة.
قال الرازي :ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس، لأنه يدل على أنه يجب متابعة قوله وحكمه على الإطلاق، وأنه لا يجوز العدول منه إلى غيره.
ومثل هذه المبالغة المذكورة في هذه الآية قلما يوجد في شيء من التكاليف، وذلك يوجب تقديم القرآن والخبر على حكم القياس.
وقوله ﴿ ثم لا يجدوا ﴾ إلى آخره مشعر بذلك لأنه متى خطر بباله قياس يفضي إلى نقيض مدلول النص فهناك يحصل الحرج في النفس، فبين تعالى أنه لا يكمل إيمانه إلا بعد أن لا يلتفت إلى ذلك الحرج ويسلم للنص تسليما كليا وهذا الكلام قوي حسن لمن أنصف انتهى.
أخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن عبد الله بن الزبير أن الزبير خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من الحرة وكانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاري :سرح الماء يمر، فأبى عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الأنصاري وقال يا رسول الله إن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال :اسق يا زبير ثم أحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ثم أرسل الماء إلى جارك١.
واستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ٢ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصاري استوعى للزبير حقه في صريح الحكم، فقال الزبير ما أحسب هذه الآية نزلت إلا لذلك.
وأخرج البخاري ابن أبي حاتم وابن مردوديه من طريق ابن لهيعة عن الأسود أن سبب نزول الآية أنه اختصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان فقضى بينهما فقال المقضي عليه ردنا إلى عمر، فردهما فقتل عمر الذي قال :ردنا، ونزلت الآية فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم دم المقتول، وأخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن مكحول فذكر نحوه، وبين أن الذي قتله عمر كان منافقا، وهما مرسلان والقصة غريبة، وابن لهيعة فيه ضعف٣.
١ سبق ذكره..
٢ أي أغضب..
٣ وفي سبب نزول الآية أربع أقوال:
أحدهما: أنها نزلت في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف، فأبى اليهودي، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى لليهودي، فلما خرجا، قال المنافق: ننطلق إلى عمر بن الخطاب، فأقبلا إليه، فقصا عليه القصة، فقال: رويدا حتى أخرج إليكما، فدخل البيت، فاشتمل على السيف، ثم خرج فضرب به المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله ورسوله، فنزلت هذه الآية. رواه أبو صالح، عن ابن عباس.
والثاني: أن أبا بردة الأسلمي كان كاهنا يقضي بين اليهود، فتنافر إليه ناس من المسلمين، فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة، عن ابن عباس.
والثالث: أن يهوديا ومنافقا كانت بينهما خصومة، فدعا اليهودي المنافق إلى النبي، لأنه لا يأخذ الرشوة، ودعا المنافق إلى حكامهم، لأنهم يأخذون الرشوة، فلما اختلفا اجتمعا أن يحكما كاهنا فنزلت هذه الآية، هذا قول الشعبي.
والرابع: أن رجلا من بني النضير قتل رجلا من بني قريظة، فاختصموا، فقال المنافقون منهم: انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن، فقال المسلمون من الفريقين: بل إلى النبي فأبى المنافقون فأتوا الكاهن..

﴿ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليلا منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ( ٦٦ ) وإذا لأتيناهم من لدنا أجرا عظيما ( ٦٧ ) ولهديناهم صراطا مستقيما ( ٦٨ ) ﴾
﴿ ولو أنا كتبنا عليهم ﴾ أي على هؤلاء الموجودين من اليهود والمنافقين كما كتبنا على بني إسرائيل١ ﴿ أن اقتلوا أنفسكم أو أخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ﴾ والمعنى لو كتب ذلك على المسلمين ما فعله إلا القليل منهم، والضمير في فعلوه راجع إلى المكتوب الذي دل عليه كتبنا أو إلى القتل والخروج المدلول عليهما بالفعلين، وتوحيد الضمير في مثل هذا قدمنا وجهه، وقرئ قليل بالرفع على البدل وبالنصب على الاستثناء والرفع عند النحاة أجود.
﴿ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ﴾ من إتباع الشرع والانقياد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ لكان ﴾ ذلك ﴿ خيرا لهم ﴾ وأنفع في الدنيا والآخرة من غيره على تقدير أن الغير فيه خير، وهذا إذا كان من بابه، ويحتمل أنه معنى أصل الفعل أي لحصل لهم خيرهما ﴿ وأشد تثبيتا ﴾ لإقدامهم على الحق فلا يضطربون في أمر دينهم.
١ ابن جريج٨/٥٢٦ ونقله ابن كثير عن ابن أبي حاتم أيضا..
﴿ وإذا ﴾ أي وقت فعلهم لما يوعظون به ﴿ لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ﴾ أي ثوابا وافرا جزيلا وهو الجنة
﴿ ولهديناهم صراطا مستقيما ﴾ لا عوج فيه ليصلوا إلى الخير الذي يناله من امتثل ما أمر به وانقاد لمن يدعوه إلى الحق، قال ابن عباس :يعني دين الإسلام وقيل الأعمال الصالحة المؤدية إلى الصراط الذي يمر عليه الناس إلى الجنة.
﴿ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ( ٦٩ ) ﴾
﴿ ومن يطع الله والرسول ﴾ كلام مستأنف لبيان فضل طاعة الله والرسول فيما أمر به إيجاب أمر أو ندب، أو فيما نهيا عنه نهي تحريم أو كراهة، فالمراد بالطاعة الانقياد التام لجميع الأوامر والنواهي.
والإشارة بقوله ﴿ فأولئك ﴾ أي المطيعين كما يفيده من ﴿ مع الذين أنعم الله عليهم ﴾ بدخول الجنة والوصول إلى ما أعد الله لهم ﴿ من النبيين ﴾ بيان للذين، وفي الآية سلوك طريق التدلي فإن منزلة كل واحد من الأصناف الأربعة من منزلة ما بعده.
﴿ والصديقين والشهداء والصالحين ﴾ الصديق المبالغ في الصدق كما تفيده الصيغة، وقيل هم فضلا، أتباع الأنبياء، والشهداء من ثبت لهم الشهادة في سبيل الله أو الذين استشهدوا يوم أحد والأول أولى، والصالحون أهل الأعمال الصالحة، وقيل المراد بالنبيين محمد صلى الله عليه وسلم، وبالصديقين أبو بكر، وبالشهداء عمر وعثمان وعلي وبالصالحين سائر الصحابة، والعموم أولى ولا وجه للتخصيص.
﴿ وحسن أولئك ﴾ الأصناف الأربعة وفيه معنى التعجب كأنه قال :وما أحسن أولئك ﴿ رفيقا ﴾ في الجنة، والرفيق مأخوذ من الرفق وهو لين الجانب والمراد به المصاحب لارتفاقك بصحبته، ومنه الرفقة لارتفاق بعضهم ببعض، وإنما وحد الرفيق وهو صفة الجمع لأن العرب تعبر به عن الواحد والجمع.
وقيل معناه :وحسن كل واحد من أولئك رفيقا في الجنة بأن يستمتع فيها برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم وإن كان مقرهم في الدراجات العالية بالنسبة إلى غيرهم.
وأخرج الطبراني وابن مردوديه وأبو النعيم في الحلية والضياء المقدسي في صفة الجنة وحسنه عن عائشة قالت :جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :يا رسول الله إنك لأحب إلي من نفسي وإنك لأحب إلي من ولدي وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وأني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل جبريل بهذه الآية١.
وقيل نزلت في ثوبان مولى٢ رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه.
وعن أنس أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال :( متى الساعة ؟ قال :وما أعددت لها ؟ قال :لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله فقال :أنت مع من أحببت )، قال أنس :فما فرحنا بشيء أشد فرحا بقول النبي صلى الله عليه وسلم أنت مع من أحببت، قال أنس فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل بأعمالهم، أخرجه الشيخان.
أقول :وأنا أيضا أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأتباعهم وأهل بيته وسلف الأمة وأئمتها سيما المحدثين منهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين حبا شديدا وأرجو أن يجمعني الله معهم في دار رحمته وكرامته بمنه ولطفه، فإنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير.
١ ابن جرير٨/٥٣٤ وأبو نعيم في الحلية٨/١٢٥..
٢ ذكره الو احدي في أسباب النزول..
﴿ ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما ( ٧٠ ) يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ( ٧١ ) وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذا لم أكن معهم شهيدا ( ٧٢ ) ﴾
﴿ ذلك ﴾ أي ما ذكر من وصف الثواب أو كونكم مع من ذكر ﴿ الفضل ﴾ كائن ﴿ من الله ﴾ يعني الذي أعطى الله المطيعين من الأجر العظيم فضل تفضل به عليهم لا أنهم نالوه بطاعتهم ﴿ وكفى بالله عليما ﴾ بجزاء من أطاعه، أو بعباده فهو يوفقهم لطاعته، فثقوا بما أخبركم به ولا ينبئك مثل خبير.
وفيه دليل على أنهم لم ينالوا تلك الدرجة بطاعتهم، بل إنما نالوه بفضل الله ورحمته، ويدل عليه ما روي عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يدخل أحد منكم عمله الجنة قيل :ولا أنت يا رسول الله قال :ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة أخرجه البخاري، ولمسلم نحوه١.
١ مسلم٢٨١٦- البخاري٣٥..
﴿ يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ﴾ هذا الخطاب لخلص المؤمنين وأمر لهم بجهاد الكفار والخروج في سبيل الله، والحذر والحذر لغتان كالمثل والمثل قال الفرا :أكثر الكلام الحذر، والحذر مسموع أيضا يقال خد حذرك أي احذر وتيقظ له، قيل معنى الآية الأمر لهم بأخذ السلاح حذرا لأن به الحذر.
﴿ فانفروا ﴾ نفر ينفر بكسر الفاء نفيرا ونفرت الدابة تنفر بضم الفاء نفورا، والمعنى انهضوا لقتال العدو، أو النفير اسم للقوم الذين ينفرون. وأصله من النفار والنفور وهو الفزع، ومنه قوله تعالى ﴿ ولوا على أدبارهم نفورا ﴾ أي نافرين، يقال نفر إليه فزع، والنفر الجماعة كالقوم والرهط والاسم النفر بفتحتين.
وقوله ﴿ ثبات ﴾ جمع ثبة أي جماعة من الرجال فوق العشرة وقيل فوق الاثنين، والمعنى انفروا جماعات متفرقات سرية بعد سرية ﴿ أو انفروا جميعا ﴾ أي مجتمعين جيشا واحد، ومعنى الآية الأمر لهم بأن ينفروا على أحد الوصفين ليكون ذلك أشد على عدوهم، وليؤمنوا من أن يختطفهم الأعداء إذا نفر كل واحد منهم وحده أو نحو ذلك.
وقيل إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى ﴿ انفروا خفافا وثقالا ﴾ وبقوله ﴿ إلا تنفروا يعذبكم ﴾ والصحيح أن الآيتين جميعا محكمتان ( إحداهما ) في الوقت الذي يحتاج فيه إلى نفور الجميع، ( والأخرى ) عند الاكتفاء بنفور البعض دون بعض١.
١ قال أبو سليمان الدمشقي والأمر في ذلك بحسب ما يراه الإمام وليس في هذا المنسوخ بذلك..
﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾ التبطئة والإبطاء التأخر، والمراد المنافقون كانوا يقعدون عن الخروج ويقعدون غيرهم، والمعنى أن من دخلائكم وجنسكم ومن أظهر إيمانه لكم نفاقا من يبطئ المؤمنين ويثبطهم، واللام في قوله ( لمن ) لام توكيد للابتلاء، وفي قوله ﴿ ليبطئن ﴾ لام جواب القسم١.
﴿ فإن أصابتكم مصيبة ﴾ من قتل أو هزيمة أو ذهاب مال ﴿ قال ﴾ هذا المنافق ﴿ قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا ﴾ أي حاضر الوقعة يصيبني ما أصابهم.
١ قال ابن الجوزي أنها نزلت في المنافقين كانوا يتأملون عن الجهاد..
﴿ ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ( ٧٣ ) فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ( ٧٤ ) ﴾
﴿ ولئن ﴾ لام قسم ﴿ أصابكم فضل من الله ﴾ أي غنيمة أو فتح ونسبة إضافة الفضل إلى جانب الله تعالى دون إصابة المصيبة من العادات الشريفة التنزيلية، كما في قله ﴿ وإذا مرضت فهو يشفين ﴾ وتقديم الشرطية الأولى لما لأن مضمونها لمقصدهم أوفق، وأثر نفاقهم فيها أظهر.
﴿ ليقولن ﴾ هذا المنافق قول نادم حاسد ﴿ كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ﴾ أي معرفة وصداقة حقيقية، وإلا فالمودة الظاهرة حاصلة بالفعل جملة معترضة، وقيل إن في الكلام تقديما وتأخيرا، وقيل المعنى كأن لم نعاقدكم على الجهاد ﴿ يا ﴾ للتنبيه لا للنداء لدخولها على الحرف ﴿ ليتني كنت معهم ﴾ أي في تلك الغزوة التي فيها المؤمنون ﴿ فأفوز ﴾ معهم ﴿ فوزا عظيما ﴾ أفوز بالنصب على جواب التمني، وقرأ الحسن بالرفع أي فآخد نصيبا وافرا من الغنيمة.
﴿ فليقاتل في سبيل اله ﴾ قدم الظرف على الفاعل للاهتمام به ﴿ الذين ﴾ يشرون الحياة الدنيا بالآخرة } أي يبيعونها بها وهم المؤمنون، فالفاء جواب شرط مقدر أي إن أبطأ وتأخر هؤلاء عن القتال فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم في طلب الآخرة أو الذين يشرونها ويختارونها على الآخرة وهم المبطئون، والمعنى حثهم على ترك ما حكى عنهم.
﴿ ومن يقاتل في سبيل الله ﴾ لإعلاء دينه ﴿ فيقتل ﴾ أي فيستشهد ﴿ أو يغلب ﴾ يعني يظفر بعدوه من الكفار، وذكر هذين الأمرين للإشارة إلى أن حق المجاهد أن يوطن نفسه على أحدهما ولا يخطر بباله القسم الثالث وهو مجرد أخذ المال ﴿ فسوف نؤتيه ﴾ في كلتا الحالتين الشهادة أو الظفر ﴿ أجرا عظيما ﴾ يعني ثوابا وافرا.
وعد الله المقاتلين في سبيله بأنه سيؤتيهم أجرا عظيما لا يقادر قدره، وذلك أنه إذا قتل فاز بالشهادة التي هي أعلى درجات الأجور، وإن غلب وظفر كان له أجر من قاتل في سبيل الله مع من قد ناله من العلو في الدنيا والغنيمة، وظاهر هذا يقتضي التسوية بين من قتل شهيدا أو انقلب غانما.
وربما يقال إن التسوية بينهما إنما هي إيتاء الأجر العظيم، ولا يلزم أن يكون أجرهما مستويا فإن كون الشيء عظيما هو من الأمور النسبية التي يكون بعضها عظيما بالنسبة إلى ما هو دونه، وحقيرا بالنسبة إلى ما فوقه.
وعن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو على ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة، أخرجه الشيخان واللفظ لمسلم١.
١ قال ابن عطية: المنافق يعاطي المؤمنين المودة، ويعاهد على التزام كلف الإسلام، ثم يتخلف نفاقا وشكا وكفرا بالله ورسوله، ثم يتمنى عندما يكشف الغيب الظفر للمؤمنين فعلى هذا يجيء قوله تعالى: ﴿كأن لم تكن بينكم وبينه مودة﴾ إلتفاتة بليغة، واعتراضا بين القائل والمقول بلفظ يظهر الزيادة في قبح فعلهم "البحر المحيط"٣/٢٩٣..
﴿ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا ( ٧٥ ) الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا ( ٧٦ ) ﴾
﴿ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ﴾ خطاب للمؤمنين المأمورين بالقتال على طريق الالتفات ﴿ و ﴾ سبيل ﴿ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ﴾ حتى تخلصوهم من الأسر وتريحوهم مما هم فيه من الجهد، ويجوز أن يكون منصوبا على الاختصاص أي وأخص المستضعفين فإنهم من أعظم ما يصدق عليه سبيل الله، واختار الأول الزجاج والأزهري.
وقال محمد ابن يزيد اختار أن يكون المعنى وفي المستضعفين فيكون عطفا على السبيل لا على الجلالة وإن كانت أقرب على ما في تفسير الكواشي، لأن خلاص المستضعفين من أيدي المشركين سبيل الله لا سبيلهم.
والمراد بالمستضعفين هنا من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال الكفار، وهم الذين كانوا يدعو لهم النبي صلى الله عليه وسلم فيقول :اللهم أنج الوليد بين الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين كما في الصحيح.
وفيه دليل على أن الجهاد واجب، والمعنى لا عذر في ترك الجهاد وقد بلغ حال المستضعفين ما بلغ من الضعف والأذى.
وقد أخرج البخاري عن ابن عباس قال :أنا وأمي من المستضعفين وفي رواية قال :كنت أنا وأمي ممن عذر الله وأنا من الولدان وأمي من النساء، ولا يبعد أن يقال إن لفظ الآية أوسع من هذا، والاعتبار بعموم اللفظ لولا تقييده بقوله ﴿ الذين يقولون ﴾ داعين ﴿ ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ﴾ فإنه يشعر باختصاص ذلك المستضعفين الكائنين في مكة لأنه قد أجمع المفسرون على أن المراد بالقرية الظالم أهلها مكة ﴿ واجعل لنا من لدنك وليا ﴾ يوالينا ويقوم بمصالحنا ويحفظ علينا ديننا وشرعنا ﴿ واجعل لنا من لدنك نصيرا ﴾ ينصرنا على أعدائنا.
وقد استجاب الله دعائهم وجعل لهم من لدنه خير ولي وخير ناصر، وهو محمد صلى الله عليه وسلم فتولى أمرهم ونصرهم واستنقذهم من أيدي المشركين يوم فتح مكة، وقال السيوطي :يسر لبعضهم الخروج وبقي بعضهم إلى أن فتحت مكة، وولى صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد فأنصف مظلومهم من ظالمهم انتهى، وكان ابن ثماني عشر سنة قال الخازن :فكان يأخذ للضعيف من القوي وينصر المظلومين على الظالمين.
﴿ الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ﴾ يعني في طاعة الله وإعلاء كلمته، وابتغاء مرضاته، وهذا ترغيب للمؤمنين وتنشيط لهم بأن قتالهم لهذا المقصد لا لغيره ﴿ والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ﴾ أي الشيطان أو الكهان أو الأصنام وتفسير الطاغوت هنا بالشيطان أولى لقوله ﴿ فقاتلوا أولياء الشيطان ﴾ وهم الكفار ﴿ إن كيد الشيطان ﴾ أي مكره ومكر من اتبعه من الكفار ﴿ كان ضعيفا ﴾ فلا يقاوم نصر الله وتأييده.
وعن ابن عباس قال :إذا رأيتم الشيطان فلا تخافوه واحملوا عليه إن كيده كان ضعيفا واهيا، وقال مجاهد كان الشيطان يتراءى لي في الصلاة فكنت أذكر قول ابن عباس فأحمل عليه فيذهب عني، والكيد السعي في الفساد على جهة الاحتيال.
﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أوأشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا ( ٧٧ ) ﴾
﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ قيل هم جماعة من الصحابة أمروا بترك القتال في مكة بعد أن تسرعوا إليه فلما كتب عليهم بالمدينة ثبطوا عن القتال من غير شك في الدين بل خوفا من الموت وفزعا من هول القتل، وقال مجاهد :إنها نزلت في اليهود، وقيل في المنافقين أسلموا قبل فرض القتال، فلما فرض كرهوه، وهذا أشبه بالسياق لقوله ﴿ وقالوا ربنا- إلى قوله - قريب ﴾ وقوله إن تصبهم حسنة الآية، ويبعد صدور مثل هذا من الصحابة، وفيه دليل على أن فرض الصلاة والزكاة كان قبل فرض الجهاد.
﴿ فلما كتب عليهم القتال ﴾ أي فرض عليهم جهاد المشركين وأمروا بالخروج إلى بدر ﴿ إذا فريق منهم ﴾ أي جماعة من الذين سألوا أن يفرض عليهم الجهاد ﴿ يخشون الناس ﴾ أي يخافوا مشركي مكة ﴿ كخشية الله أو أشد خشية ﴾ أو للتنويع على أن معنى خشية بعضهم كخشية الله وخشية بعضهم أشد منها ﴿ وقالوا ﴾ جزعا من الموت ﴿ ربنا لم كتبت علينا القتال ﴾ أي لم فرضت علينا الجهاد ﴿ لا ﴾ هلا ﴿ أخرتنا ﴾ يريدون المهلة ﴿ إلى أجل ﴾ أي وقت آخر ﴿ قريب ﴾ من الوقت الذي فرض عليهم فيه القتال.
والقائلون لهذا القول هم المنافقون، وقيل قاله بعض المؤمنين خوفا وجبنا لا اعتقادا ثم تابوا منه، وقال السدي :إلى أجل يعني إلى موت، فأمره الله سبحانه بأن يجيب عليهم فقال ﴿ قل متاع الدنيا ﴾ أي منفعتها والاستمتاع بها ﴿ قليل ﴾ سريع الفناء زائل لا يدوم لصاحبه آيل إلى الفناء ﴿ والآخرة ﴾ أي ثوابها ﴿ خير ﴾ من المتاع القليل ﴿ لمن اتقى ﴾ الشرك والمعصية منكم ورغب في الثواب الدائم ﴿ ولا تظلمون فتيلا ﴾ أي قدر قشرة يعني شيئا حقيرا يسيرا وقد تقدم تفسير الفتيل قريبا.
وإذا كنتم توفون أجوركم ولا تنقضون شيئا منها فكيف ترغبون عن ذلك، وتشتغلون بمتاع الدنيا مع قلته وانقطاعه ؟
أخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس أن عبد الرحمان بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا :يا نبي الله كنا في عزة ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة فقال :إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم، فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا فأنزل الله هذه الآية١ وعن قتادة نحوه.
١ ذكره الواحدي عن الكلبي، وروى ابن جرير٨/٥٤٩ عن ابن عباس: أن عبد الرحمان بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة. فقال: إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا، فلما حوله الله إلى المدينة، أمر بالقتال فكفوا، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم﴾ الآية، وإسناده جيد، ورواه الحاكم في "المستدرك" مع اختلاف في لفظه، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي..
﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ( ٧٨ ) ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا ( ٧٩ ) ﴾
﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ﴾ كلام مبتدأ مسوق من قبله تعالى بطريق تلوين الخطاب وصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المخاطبين اعتناء بإلزامهم إثر بيان حقارة الدنيا وعلو شأن الآخرة، وفيه حث لمن قعد عن القتال خشية الموت، وبيان لفساد ما خالطه من الجبن وخامره من الخشية، فإن الموت إذا كان كائنا لا محالة، فمن لم يمت بالسيف مات بغيره ﴿ ولو كنتم في بروج ﴾ جمع برج وهو البناء المرتفع ﴿ مشيدة ﴾ من شاد القصر إذا رفعه وطلاه بالشيد وهو الجص.
وقد اختلف في هذه البروج ما هي فقيل الحصون والقلاع التي في الأرض وقيل هي القصور المحصنة الرفيعة، قال الزجاج والقتبي :معنى مشيدة مطولة وقيل المراد بالبروج بروج في سماء الدنيا مبنية حكاه مكي عن مالك، وقال :ألا ترى إلى قوله ﴿ والسماء ذات البروج ﴾ ﴿ وجعل فيها بروجا ﴾ ﴿ ولقد جعلنا في السماء بروجا ﴾ وقيل إن المراد بالبروج المشيدة هنا قصور من حديد.
﴿ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله ﴾ هذا وما بعده مختص بالمنافقين أي إن تصبهم نعمة نسبوها إلى الله تعالى ﴿ وإن تصبهم سيئة ﴾ أي بلية ونقمة ﴿ يقولوا هذه من عندك ﴾ أي نسبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد الله ذلك عليهم بقوله ﴿ قل كل ﴾ من النعمة والبلية ﴿ من عند الله ﴾ وإيجادا من غير أن يكون له مدخل في وقوع شيء منها بوجه من الوجوه وليس كما تزعمون، فأما الحسنة فإنعام من الله وأما السيئة فابتلاء منه.
ثم نسبهم إلى الجهل وعدم الفهم فقال ﴿ فما لهؤلاء القوم ﴾ أي فما بال هؤلاء المنافقين أو ما شأن اليهود الذين قالوا ما قالوا ﴿ لا يكادون ﴾ لا يقاربون ﴿ يفقهون حديثا ﴾ من الأحاديث أصلا أو معاني القرآن، وأن الأشياء كلها من الله.
﴿ ما أصابك من حسنة ﴾ هذا الخطاب إما لكل من يصلح له من الناس أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي ما أصابك من خصب ورخاء وخير ونعمة وصحة وسلامة ﴿ فمن الله ﴾ بفضله ورحمته إحسانا منه إليك، وتفضلا منه عليك ﴿ وما أصابك من سيئة ﴾ أي جهد وبلاء وشدة ومكروه ومشقة وأذى ﴿ فمن نفسك ﴾ أي بذنب أتيته وخطيئة اكتسبتها نفسك فعوقبت عليه، وقيل هذا من كلام الذين لا يفقهون حديثا، وقيل إن ألف الاستفهام مضمرة أي أفمن نفسك ومثله قوله تعالى ﴿ وتلك نعمة تمنها على ﴾ والمعنى أو تلك نعمة ومثله قوله تعالى ﴿ فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي ﴾ أي أهذا ربي.
وقد ورد في الكتاب العزيز ما يفيد هذه الآية كقوله تعالى ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ﴾ وقوله ﴿ أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ﴾.
وقد يظن أن قوله ﴿ وما أصابك من سيئة فمن نفسك ﴾ مناف لقوله ﴿ كل من عند الله ﴾ ولقوله ﴿ وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله ﴾ وقوله ﴿ نبلوكم بالشر والخير والفتنة ﴾ وقوله ﴿ وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ﴾.
وليس الأمر كذلك فالجمع ممكن فإضافة الأشياء كلها إلى الله حقيقة، وإلى فعل العبد مجازية، قال قتادة :حسنة أي نعمة وسيئة أي مصيبة ﴿ كل من عند الله ﴾ أي النعم والمصائب، وعن أبي العالية قال :إن تصبهم حسنة هذه في السراء والضراء ﴿ وما أصابك من حسنة ﴾ قال :هذه في الحسنات والسيآت.
وعن ابن عباس قال :الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك وأما السيئة فابتلاه بها، وما أصابك من سيئة قال :ما أصابه يوم أحد أن شج وجهه وكسرت رباعيته.
وقد تعلق بظاهر هذه الآية القدرية وقالوا نفى الله السيئة عن نفسه، ونسبها إلى الإنسان ولا متعلق لهم بها لأنه ليس المراد منها الكسب، بل ما يصيب الناس من النعم والمحن، ولو كانت على ما يقول أهل القدر لقال أصبت من حسنة وما أصبت من سيئة ولم يقل ما أصابك، وقال ابن الأنباري :الفعلان راجعان إلى الله يعني ما أصابك الله به من حسنة ومن سيئة.
﴿ وأرسلناك للناس رسولا ﴾ فيه البيان لعموم رسالته صلى الله عليه وسلم إلى الجميع كما يفيده التأكيد بالمصدر والعموم في الناس ومثله قوله ﴿ وما أرسلناك إلا كافة للناس ﴾ وقوله ﴿ يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ﴾ وفيه جلالة منصبه ومكانته عند الله وبيان بطلان زعمهم الفاسد في حقه بناء على جهلهم بشأنه الجليل.
﴿ وكفى بالله شهيدا ﴾ على ذلك أو على أن الحسنة والسيئة منه، والأول أولى، والمعنى شهيدا على إرسالك للناس أو على تبليغك ما أرسلت به إلى الناس.
﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ( ٨٠ ) ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ( ٨١ ) أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ( ٨٢ ) ﴾
﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ فيه أن طاعة الرسول طاعة لله، وفي هذه من النداء بشرف رسول الله وعلو شأنه وارتفاع مرتبته ما لا يقادر قدره ولا يبلغ مداه.
ووجهه أن الرسول لا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا ينهي إلا ما نهى الله عنه، ولولا بيانه صلى الله عليه وسلم ما كنا نعرف كل فريضة في كتاب الله كالحج والصلاة والزكاة والصوم كيف نأتيها، وقال الحسن :جعل الله طاعة رسوله طاعته وقامت به الحجة على المسلمين.
﴿ ومن تولى ﴾ أي أعرض عن طاعته ﴿ فما أرسلناك عليهم حفيظا ﴾ أي حافظا لأعمالهم، إنما عليك البلاغ، قيل وقد نسخ هذا بآية السيف.
﴿ ويقولون ﴾ أمرنا أو شأننا ﴿ طاعة ﴾ أو نطيع طاعة، وهذه في المنافقين في قول أكثر المفسرين أي يقولون إذا كانوا عند طاعة أي آمنا بك وصدقناك ﴿ فإذا برزوا ﴾ أي خرجوا ﴿ من عندك بيت ﴾ أي زور ﴿ طائفة منهم ﴾ أي من هؤلاء القائلين وهم رؤساؤهم، ومن للتبعيض والتبييت يقال بيت الرجل الأمر إذا دبره ليلا ومنه قوله تعالى ﴿ إذا بيتوا ما لا يرضى من القول ﴾.
﴿ غير الذي تقول ﴾ لهم أنت وتأمرهم به أو غير الذي تقول لك هي من الطاعة لك وقيل معناه غيروا وبدلوا وحرفوا قولك فيما عهدت إليهم ﴿ والله يكتب ﴾ أي يثبت في صحائف أعمالهم ﴿ ما يبيتون ﴾ أي ما يزورون ويغيرون ويقدرون، قال ابن عباس :ما يسرون من النفاق ليجازيهم عليه ويحفظه عليهم، وقال الزجاج :المعنى ينزله عليك في الكتاب.
﴿ فأعرض عليهم ﴾ أي دعهم وشأنهم حتى يمكن الانتقام منهم وقيل معناه لا تخبر بأسمائهم وقيل لا تعاقبهم، وقيل لا تغتر بإسلامهم، ﴿ وتوكل على الله ﴾ أي ثق به وفوض أمرك إليه في شأنهم ﴿ وكفى بالله وكيلا ﴾ ناصرا لك عليهم، أمره بالتوكل عليه والثقة به في النصر على عدوه، قيل وهذا منسوخ بآية السيف.
﴿ أفلا يتدبرون القرآن ﴾ الهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر أي يعرضون عن القرآن فلا يتدبرون يقال تدبرت الشيء تفكرت في عاقبته وتأملته ثم استعمل في كل تأمل، والتدبر أي يدبر الإنسان أمره كأنه ينظر إلى ما يصير إليه عاقبته.
ودلت هذه الآية وقوله تعالى ﴿ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ﴾ على وجوب التدبر للقرآن ليعرف معناه، والمعنى أنهم لو تدبروا حق تدبره لوجدوه مؤتلفا غير مختلف، صحيح المعاني قوي المباني، بالغا في البلاغة إلى أعلا درجاتها، قال ابن عباس :أفلا يتفكرون فيرون تصديق بعض لبعض وما فيه من المواعظ والذكر والأمر والنهي، وأن أحدا من الخلق لا يقدر عليه.
﴿ ولو كان من عند غير الله ﴾ كما يزعمون ﴿ لوجدوا فيه اختلافا ﴾ أي تفاوتا وتناقصا ﴿ كثيرا ﴾ قاله ابن عباس، ولا يدخل في هذا الاختلاف مقادير الآيات والسور لأن المراد اختلاف التناقض والتفاوت وعدم المطابقة للواقع، وهذا شأن كلام البشر لا سيما إذا طال وتعرض قائله للإخبار بالغيب فإنه لا يوجد منه صحيحا مطابقا للواقع إلا القليل النادر. عن قتادة يقول :أن قول الله لا يختلف وهو حق ليس فيه باطل وإن قول الناس يختلف.
﴿ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ( ٨٣ ) ﴾
﴿ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ﴾ يقال أذاع الشيء وأذاع به إذا أفشاه وأظهره، وهؤلاء جماعة من ضعفة المسلمين كانوا إذا سمعوا شيئا من أمر المسلمين فيه أمن نحو ظفر المسلمين وقتل عدوهم، أو فيه خوف نحو هزيمة المسلمين وقتلهم أفشوه وهم يظنون أنه لا شيء عليهم في ذلك، وقيل هم المنافقون كانوا يستخبرون عن حالهم ثم يشيعونه قبل أن يحدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
﴿ ولو ردوه إلى الرسول ﴾ حتى يكون هو الذي يتحدث به ويظهره ﴿ وإلى أولي الأمر منهم ﴾ وهم أهل العلم والبصيرة والعقول الراجحة الذين يرجعون إليهم في أمورهم أو هم الولاة عليهم ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ أي يستخرجونه بتدبرهم وصحة عقولهم.
والمعنى أنهم لو تركوا إذاعة الأخبار حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يذيعها، أو يكون أولو الأمر منهم هم الذين يتولون ذلك لأنهم يعلمون بما ينبغي أن يفشى ويكتم، والاستنباط مأخوذ من ماء البئر عند حفرها، وقيل إن هؤلاء الضعفة كانوا يسمعون إرجافات المنافقين على المسلمين فيذيعونها فتحصل بذلك مفسدة.
وفي الآية إشارة إلى جواز القياس، وأن من العلم ما يدرك بالنص وهو الكتاب والسنة ومنه ما يدرك بالاستنباط وهو القياس عليهما.
﴿ ولولا فضل الله ﴾ أي ما تفضل الله به ﴿ عليكم ورحمته ﴾ من إرسال رسوله وإنزال كتابه ﴿ لاتبعتم الشيطان ﴾ فيما يأمركم به فبقيتم على كفركم ﴿ إلا قليلا ﴾ منكم أو إلا إتباعا قليلا، وقيل أذاعوا به إلا قليلا منهم فإنه لم يذع ولم يفش، قاله الكسائي والأخفش والفراء وأبو عبيدة وأبو حاتم وابن جرير، وقيل المعنى لعلمه الذين يستنبطونه إلا قليلا منهم، قاله الزجاج وبه قال الحسن وقتادة واختاره ابن قتيبة والأول أولى١.
١ قوله تعالى: ﴿إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف﴾ في سبب نزولها قولان.
أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اعتزل نساءه، دخل عمر المسجد، فسمع الناس يقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، فدخل على النبي عليه السلام فسأله أطلقت نسائك؟ قال: "لا" فخرج فنادى: ألا إن رسول الله لم يطلق نساءه. فنزلت هذه الآية. فكان هو الذي استنبط الأمر. انفرد بإخراجه مسلم، من حديث ابن عباس، عن عمر.
مسلم١/١١٠٥ وهو حديث طويل فيه فوائد عظيمة، وتوجيهات قيمة، فارجع إليه.
والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث سرية من السرايا فغلبت أو غلبت، تحدثوا بذلك وأفشوه، ولم يصبروا حتى يكون النبي هو المتحدث به. فنزلت هذه الآية. رواه أبو صالح، عن ابن عباس.
وقد نص كلامه في "جامع البيان"٨/٥٦٨-٥٧١: وإذا جاءهم خبر عن سرية للمسلمين غازية بأنهم أمنوا من عدوهم بغلبتهم إياهم (أو الخوف) يقول: أو تخوفهم من عدوهم بإصابة عدوهم منهم، ﴿أذاعوا به﴾ يقول: أفشوه وبثوه في الناس قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل ما أتى سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو ردوا الأمر الذي نالهم من عدوهم والمسلمين إلى رسول الله عليه وسلم، وإلى أولي أمرهم، يعني وإلى أمرائهم وسكتوا فلم يذيعوا ما جاءهم من الخبر حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ذووا أمرهم هم الذين يتولون الخبر عن ذلك، بعد أن ثبت عندهم صحته، أو بطوله، فيصححوه إن كان صحيحا أو يبطلوه إن كان باطلا، لعلم حقيقة ذلك الخبر الذي جاءهم به، الذين يبحثون عنه..

﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا ( ٨٤ ) من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا ( ٨٥ ) ﴾
﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ﴾ الفاء في قوله فقاتل قيل هي متعلقة بقوله ﴿ ومن يقاتل في سبيل الله ﴾ إلى آخره أي من أجل هذا فقاتل، وقيل متعلقة بقوله ﴿ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله فقاتل ﴾ وقيل تقديره إذا كان الأمر ما ذكر من عدم طاعة المنافقين فقاتل، أو إذا أفردوك أو تركوك فقاتل.
قال الزجاج :أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد وإن قاتل وحده لأنه قد ضمن له النصر، قال ابن عطية :هذا ظاهر اللفظ إلا أنه لم يجئ فيه خبر قط أن القتال فرض عليه دون الأمة، والمعنى والله أعلم أنه خطاب له في اللفظ، وفي المعنى له ولأمته أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك يقال له فقاتل في سبيل الله لا تكلف غير نفسك ولا تلزم فعل غيرك وهو استئناف مقرر لما قبله، لأن اختصاص تكليفه بفعل نفسه من موجبات مباشرته للقتال وحده.
وقرئ لا تكلف بالجزم على النهي وقرئ بالنون.
وفي الآية دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أشجع الناس وأعلمهم بأمور القتال، إذ لو لم يكن كذلك لما أمره بذلك، ولقد اقتدى به أبو بكر الصديق رضي الله عنه في قتال أهل الردة على الخروج ولو وحده.
﴿ وحرض المؤمنين ﴾ أي وحضهم على القتال والجهاد يقال حرضت فلانا على كذا إذا أمرته به وحارض فلان على الأمر وأكب عليه وواظب عليه بمعنى واحد، والمعنى ليس عليك في شأنهم إلا التحريض والترغيب في الثواب فحسب لا التعنيف بهم.
﴿ عسى الله أن يكف ﴾ فيه إطماع للمؤمنين بكف ﴿ بأس الذين كفروا ﴾ عنهم، والإطماع من الله عز وجل واجب فهو وعد منه سبحانه ووعده كائن لا محالة ﴿ والله أشد ﴾ أي أعظم ﴿ بأسا ﴾ أي صولة وسلطانا وشدة وقوة ﴿ وأشد تنكيلا ﴾ عقوبة وعذابا يقال نكلت بالرجل تنكيلا من النكال وهو العذاب والمنكل الشيء الذي ينكل بالإنسان.
﴿ من يشفع شفاعة حسنة ﴾ أصل الشفاعة والشفعة ونحوهما من الشفع وهو الزوج ومنه الشفيع لأنه يصير مع صاحب الحاجة شفعا، ومنه ناقة شفوع إذا جمعت بين محلبين في حلبة واحدة، وناقة شفيع إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها، والشفع ضم واحد إلى واحد، والشفعة ضم ملك الشريك إلى ملكك فالشفاعة ضم غيرك إلى جاهلك ووسيلتك فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع وإيصال منفعة إلى المشفوع له، والشفاعة الحسنة هي في البر والطاعة فمن شفع في الخير لينفع١.
﴿ يكن له نصيب ﴾ حظ ﴿ منها ﴾ أي من أجرها، وقد بين النصيب في حديث من دعا لأخيه بظهر الغيب استجيب له، وقال له الملك آمين ولك مثل " هذا٢ " فهذا بيان لمقدار النصيبب الموعود به قاله أبو السعود، وعن أبي موسى قال :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا فجاء رجل يسأل فأقبل علينا بوجهه وقال :اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان رسول ما شاء أخرجه الشيخان.
﴿ ومن يشفع شفاعة سيئة ﴾ الظاهر أن إطلاق الشفاعة هنا من قبيل المشاكلة لأن حقيقتها اللغوية تقتضي أنها لا تكون إلا في الخير، قال الخازن :هي النميمة والغيبة ونقل الحديث لإيقاع العداوة بين الناس، وقيل المراد دعاء اليهود على المسلمين وقيل معناه من يشفع كفره بقتال المؤمنين.
﴿ يكن له كفل منها ﴾ أي من وزرها والكفل الوزر، واشتقاقه من الكساء الذي يجعله الراكب على سنام البعير لئلا يسقط، يقال اكتفلت البعير إذا أدرت على سنامه كساء وركبت عليه لأنه لم يستعمل الظهر كله بل استعمل نصيبا منه، ويستعمل في النصيب من الخير والشر، ومن استعماله في الخير قوله تعالى ﴿ يؤتكم كفلين من رحمته ﴾.
﴿ وكان الله على كل شيء مقيتا ﴾ أي مقتدرا قاله الكسائي، وقال الفراء :المقيت الذي يعطي كل إنسان قوته، يقال قته أقوته قوتا وأقته قوتا إقاتة فأنا قائت ومقيت، وحكى الكسائي :أقات يقيت وقال أبو عبيدة :المقيت الحافظ، قال النحاس :وقول أبي عبيدة أولى لأنه مشتق من القوت والقوت معناه مقدار ما يحفظ الإنسان، وقال ابن فارس في المجمل :المقيت المقتدر والحفظ والشاهد، قوال مجاهد :مقيتا أي شهيدا حسيبا حفيظا، وقال سعيد ابن جرير وابن زيد قادرا قديرا وعن الضحاك المقيت الرزاق٣.
١ القرطبي٥/٢٩٦..
٢ القرطبي٥/٢٩٦..
٣ والشافع يؤجر فيما يجوز وإن لم يشفع، لأنه تعالى قال: ﴿من يشفع﴾ ولم يقل يشفع. وفي صحيح مسلم "اشفعوا تؤجروا وليقض الله علس لسان نبيه ما أحب".
وجاء في الحديث: "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت" و"يقيت" ذكره الثعلبي: وحكى ابن فارس في المجمل: المقيت المقتدر، والمقيت الحافظ، وما عنده قيت ليلة وقوت ليلة. والله أعلم..

﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا ( ٨٦ ) الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا ( ٨٧ ) ﴾
﴿ وإذا حييتم بتحية ﴾ ترغيب في فرد شائع من أفراد الشفاعة الحسنة بعد الترغيب فيها على الإطلاق، فإن تحية السلام شفاعة من الله للمسلم عليه، وأصل التحية تفعلة من حييت، والأصل تحية مثل ترضية وأصلها الدعاء بالحياة والتحية السلام.
وهذا المعنى هو المراد هنا ومثله قوله تعالى ﴿ وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ﴾ وإلى هذا ذهب جماعة من المفسرين، وروى عن مالك أن المراد بالتحية تشميت العاطس، وقال أصحاب أبي حنيفة التحية هنا الهدية لقوله ﴿ أو ردوها ﴾ ولا يمكن رد السلام بعينه وهذا فاسد لا ينبغي الالتفات إليه.
والمراد بقوله ﴿ فحيوا بأحسن منها ﴾ أي بأن يزيد في الجواب على ما قاله المبتدئ بالتحية، فإذا قال المبتدئ السلام عليكم قال المجيب وعليكم السلام ورحمة الله، وإذا زاد المبتدئ لفظا زاد المجيب على جملة ما جاء به المبتدئ لفظا أو ألفظا نحو وبركاته وتحياته ومرضاته.
قال القرطبي :أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سنة مرغب فيها ورده فريضة لقوله ﴿ فحيوا بأحسن منها ﴾ وإنما اختار الشرع لفظ السلام على لفظ حياك الله لأنه أتم وأحسن وأكمل ولأن السلام من أسمائه تعالى.
﴿ أو ردوها ﴾ أي ردوا عليه كما سلم عليكم واقتصروا على مثل اللفظ الذي جاء به المبتدئ فظاهر الآية أنه لو رد عليه بأقل مما سلم عليه به أنه لا يكفي، وظاهر كلام الفقهاء أنه يكفي، وحملوا الآية على أنه الأكمل.
واختلفوا إذا رد واحد من جماعة هل يجزئ أولا ؟ فذهب مالك والشافعي إلى الإجزاء وذهب الكوفيون إلى أنه لا يجزئ عن غيره، ويرد عليهم حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم١، أخرجه أبو داود وفي إسناده سعيد بن خالد الخزاعي المدني وليس به بأس، وقد ضعفه بعضهم، وقد حسن الحديث ابن عبد البر.
وقد ورد في السنة المطهرة في تعيين من يبتدئ بالسلام ومن يستحق التحية ومن لا يستحقها وفي فضل السلام والحث عليه وكيفية السلام وما له من الأحكام ما يغني عن البسط ههنا.
١ وفي صحيحي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خلق الله عز وجل آدم على صورته طوله ستون ذراعا فلما خلق قال اذهب فسلم على أولئك النفر وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك قال: فذهب فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله قال: فكل من يدخل الجنة على صورة آدم وطوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن"..
﴿ إن الله كان على كل شيء حسيبا ﴾ يحاسبكم على كل شيء وقيل معناه مجازيا وقيل كافيا من قولهم أحسبني كذا أي كفاني ومثله حسبك.
﴿ الله لا إله إلا هو ليجمعنكم ﴾ بالحشر ﴿ إلى ﴾ حساب ﴿ يوم القيامة ﴾ أي يوم القيامة من القبور، وقيل إلى بمعنى في واختاره القاضي كالكشاف وقيل إنها زائدة، ﴿ لا ريب فيه ﴾ أي في يوم القيامة أو في الجمع أي جمعا لا ريب فيه، وهذه الآية نزلت في منكري البعث ﴿ ومن أصدق من الله حديثا ﴾ إنكار لأن يكون أحد أصدق منه سبحانه، والصاد الأصل وقد تبدل زايا لقرب مخرجها منها، ولهذا قرأ حمزة والكسائي ومن أزدق بالزاي.
﴿ فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ( ٨٨ ) ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا ( ٨٩ ) ﴾
﴿ فما لكم ﴾ الاستفهام للإنكار أي شيء كائن لكم ﴿ في المنافقين ﴾ أي في أمرهم وشأنهم، قال القرطبي :والمراد بهم هنا عبد الله بن أبي وأصحابه الذين خذلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا كما تقدم في آل العمران، حال كونكم ﴿ فئتين ﴾ في ذلك وحاصله الإنكار على المخاطبين لأن يكون لهم شيء يوجب اختلافهم في شأن المنافقين.
وسبب نزول الآية به يتضح المعنى فقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين، فرقة تقول نقتلهم وفرقة تقول لا فأنزل الله ﴿ فما لكم في المنافقين ﴾ الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :إنها طيبة وأنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة١، هذا أصح ما روى في سبب نزول الآية وقد رويت أسباب غير ذلك.
﴿ والله أركسهم ﴾ حكى الفراء والنضر بن شميل والكسائي أركسهم وركسهم أي ردهم إلى الكفر ونكسهم، فالركس والنكس قلب الشيء على رأسه أو رده إلى آخره والمنكوس المركوس ﴿ بما كسبوا ﴾ الباء للسببية أي أركسهم بسبب كسبهم وهو لحوقهم بدار الكفر.
والاستفهام في قوله ﴿ أتريدون ﴾ للتقريع والتوبيخ ﴿ أن تهدوا من أضل الله ﴾ وهذا خطاب للفئة التي دافعت عن المنافقين، وفيه دليل على أن من أضله الله لا ينجع فيه هداية البشر ﴿ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ ﴿ ومن يضلل الله ﴾ عن الهدى ﴿ فلن تجد له سبيلا ﴾ أي طريقا إلى الهدية.
١ زاد المسير٢/١٥٣..
﴿ ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ﴾ هذا كلام مستأنف يتضمن بيان حال هؤلاء المنافقين، وإيضاح أنهم يودون أن يكفر المؤمنون كما كفروا، ويتمنون ذلك عنادا وغلوا في الكفر وتماديا في الضلال، وقيل ودوا كفركم ككفرهم، وودوا مساواتكم لهم.
﴿ فلا تتخذوا منهم أولياء ﴾ أي إذا كان حالهم ما ذكر من ودادة كفركم فلا تتخذوهم أولياء، وجمع الأولياء لمراعاة جمعية المخاطبين، فالمراد النهي عن أن يتخذ منهم ولي ولو واحدا.
﴿ حتى يهاجروا في سبيل الله ﴾ هجرة صحيحة تحقق إيمانهم، والمراد بالهجرة هنا الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال في سبيله مخلصين صابرين محتسبين قال عكرمة :هي هجرة أخرى١.
﴿ فإن تولوا ﴾ عن الهجرة للقتال في سبيل الله ﴿ فخذوهم ﴾ إذا قدرتم عليهم ﴿ واقتلوهم حيث وجدتموهم ﴾ في الحل والحرم، فإن حكمهم حكم سائر المشركين قتلا وأسرا ﴿ ولا تتخذوا منهم وليا ﴾ توالونه ﴿ ولا نصيرا ﴾ تستنصرون به.
١ "المسند" ٥/١٨٤، والبخاري: ٨/١٩٣ ومسلم٤/٢١٤٢. قال الحافظ في "الفتح" وهذا هو الصحيح في سبب نزولها. وفي "الفتح": وقوله: "رجع ناس ممن خرج معه" يعني عبد الله بن أبي وأصحابه، وقد ورد ذلك صريحا في رواية موسى بن عقبة في "المغازي"، وأن عبد الله بن أبي كان وافق رأيه رأي النبي صلى الله عليه وسلم على الإقامة بالمدينة، فلما أشار غيره بالخروج، وأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم فخرج، قال عبد الله ابن أبي: أطاعهم وعصاني، علام نقتل أنفسنا، فرجع بثلث الناس..
﴿ إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ( ٩٠ ) ﴾
﴿ إلا الذين ﴾ هذا مستثنى من الأخذ والقتل فقط، وأما الموالاة فحرام مطلقا لا تجوز بحال ﴿ يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ بالجوار والحلف فلا تقتلوهم لما بينكم وبينهم عهد وميثاق، فإن العهد يشملهم، هذا أصح ما قيل في معنى الآية، وقيل الاتصال هنا هو اتصال النسب، والمعنى إلا الذين ينتسبون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، قاله أبو عبيدة١.
وقد أنكر ذلك عليه أهل العلم لأن النسب لا يمنع من القتال بالإجماع فقد كان بين المسلمين وبين المشركين أنساب ولم يمنع ذلك من القتال.
وقد اختلف في هؤلاء القوم الذين كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ميثاق، فقيل هم قريش كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ميثاق، والذين يصلون إلى قريش هم بنو مدلج وقيل نزلت في هلال ابن عويم وسراقة بن جعثم وخزيمة بن عامر بن عبد مناف كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد، وقيل خزاعة، وقيل بنو بكر بن زيد.
﴿ أو جاءوكم حصرت صدورهم ﴾ والحصر الضيق والانقباض، وقال محمد بن يزيد المبرد :هو دعاء عليهم كما تقول لعن الله الكافر، وضعفه بعض المفسرين، وقيل أو بمعنى الواو ﴿ أن يقاتلوكم ﴾ مع قومهم ﴿ أو يقاتلوا قومهم ﴾ معكم فضاقت صدورهم عن قتال الطائفتين وكرهوا ذلك.
﴿ ولو شاء الله لسلطهم عليكم ﴾ ابتلاء منه لكم واختبارا كما قال سبحانه : ﴿ ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ﴾ أو تمحيصا لكم أو عقوبة بذنوبكم، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك فألقى في قلوبهم الرعب ﴿ فلقاتلوكم ﴾ يذكر الله منته على المسلمين بكف بأس المعاهدين٢.
﴿ فإن اعتزلوكم ﴾ عن قتالكم ﴿ فلم يقاتلوكم ﴾ أي لم يعترضوا لقتالكم ﴿ وألقوا إليكم السلم ﴾ أي استسلموا لكم وانقادوا ﴿ فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ﴾ أي طريقا فلا يحل لكم قتلهم ولا أسرهم ولا نهب أموالهم، فهذا الاستسلام يمنع ذلك ويحرمه، قيل هذا منسوخ بآية القتال، وقيل محكمة محمولة على المعاهدين وهذا هو الظاهر٣.
١ زاد المسير ٢/١٥٧و١٥٨..
٢ قال ابن كثير رحمه الله: ثم استثنى الله سبحانه من هؤلاء فقال: (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق) أي: إلا الذين لجئوا إلى قوم بينكم وبينهم مهادنة، أو عقد ذمة، فاجعلوا حكمهم كحكمهم، وهذا قول السدي، وابن زيد، وابن جرير وانظر تفصيل القول في "المغني" ١٠/٥١٣، و"نيل الأوطار"٨/١٧٦.
.

٣ وقال ابن كثير١/٥٣٣: وروي ابن أبي حاتم، حدثنا أبو سلمة حدثنا حماد بن سلمة، عن علي ابن زيد بن جدعان، عن الحسن أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم، قال: لما ظهر يعني النبي صلى الله عليه وسلم على أهل بدر وأحد، وأسلم من حولهم، قال سراقة: بلغني أنه يريد أن يبعث خالد ابن الوليد إلى قومي بني مدلج، فأتيته فقلت: أنشدك النعمة. فقالوا: صه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم دعوه ما تريد؟ قال: بلغني أنك تريد أن تبعث قومي، وأنا أريد أن توادعهم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد خالد ابن الوليد، فقال: اذهب معه فافعل ما يريد، فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن أسلمت قريش أسلموا، فأنزل الله ﴿ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونوا سواء فلا تتخذوا منهم أولياء﴾..
﴿ ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا ( ٩١ ) ﴾
﴿ ستجدون آخرين ﴾ والسين للاستمرار لا للاستقبال كقوله تعالى سيقول السفهاء قال الفاقسي :والحق أنها للاستقبال في الاستمرار للفعل لا في ابتدائه ﴿ يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم ﴾ فيظهرون لكم الإسلام ويظهرون لقومهم الكفر ليأمنوا من كلا الطائفتين، وهم قوم من أهل تهامة طلبوا الأمان من رسول صلى الله عليه وسلم ليأمنوا عنده وعند قومهم، وقيل هم قوم من أهل مكة.
وقيل نزلت في نعيم بن مسعود فإنه كان يأمن المسلمين والمشركين، وقيل في قوم من المنافقين، وقيل في أسد وغطفان.
﴿ كلما ردوا إلى الفتنة ﴾ أي دعاهم قومهم إليها وطلبوا منهم قتال المسلمين ﴿ أركسوا فيها ﴾ أي قلبوا فرجعوا إلى قومهم وقاتلوا المسلمين ومعنى الارتكاس الانتكاس.
﴿ فإن لم يعتزلوكم ﴾ يعني هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم، لم يكفوا عن قتالكم حتى يسيروا إلى مكة ﴿ ويلقوا إليكم السلم ﴾ أي يستسلمون لكم ويدخلون في عهدكم وصلحكم وينسلخون عن قومهم ﴿ ويكفوا أيديهم ﴾ عن قتالكم ﴿ فخذوهم ﴾ يعني أسرى ﴿ واقتلوهم حيث ثقفتموهم ﴾ أي حيث وجدتموهم وتمكنتم منهم.
﴿ وأولئكم ﴾ الموصوفون بتلك الصفات ﴿ جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا ﴾ أي حجة واضحة تتسلطون بها عليهم وتقهرونهم بها بسبب ما في قلوبهم من المرض وما في صدورهم من الدغل وارتكاسهم في الفتنة بأيسر عمل وأقل سعي.
﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما ( ٩٢ ) ﴾
﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ﴾ هذا النفي هو بمعنى النهي المقتضي للتحريم كقوله تعالى ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ﴾ ولو كان هذا النفي على معناه لكان خبرا وهو يستلزم صدقه فلا يوجد مؤمن قتل مؤمنا قط، وقيل المعنى ما كان له ذلك في عهد الله، وقيل ما كان له ذلك فيما سلف كما ليس له الآن ذلك بوجه.
ثم استثنى منه استثناء منقطعا فقال ﴿ إلا خطأ ﴾ أي :ما كان له أن يقتله ألبتة لكن خطأ فعليه كذا، هذا قول سيبويه والزجاج، وقيل هو استثناء متصل، والمعنى وما ثبت ولا وجد ولا ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ إذ هو مغلوب حينئذ، وقيل المعنى ولا خطأ.
قال النحاس :ولا يعرف ذلك في كلام العرب ولا يصح في المعنى لأن الخطأ لا يحظر، وقيل المعنى لا ينبغي أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده فيكون قوله ﴿ خطأ ﴾ منتصبا بأنه مفعول له.
ووجوه الخطأ كثيرة ويضبطها عدم القصد، والخطأ اسم من أخطأ خطأ إذا لم يتعمد، أخرج ابن جرير عن عكرمة قال كان الحارث بن يزيد من بني عامر بن لؤي يعذب عياش بن أبي جهل، ثم خرج مهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعني الحرث، فلقيه عياش بالحرة فعلاه بالسيف وهو يحسب أنه كافر، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فنزلت.
﴿ وما كان لمؤمن ﴾ الآية فقرأها النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال له :قم فحرر، أخرجه ابن جرير وابن المنذر عن السدي بأطول من هذا، وقد روي من طرق غير هذه، وقال ابن زيد نزلت في رجل قتله أبو الدرداء كان في سرية فحمل عليه بالسيف فقال لا إله إلا الله فضربه.
﴿ ومن قتل مؤمنا خطأ ﴾ بأن قصد رمي غيره كصيد أو شجرة فأصابه أو ضربه بما لا يقتل غالبا ﴿ فتحرير ﴾ أي فعليه تحرير ﴿ رقبة ﴾ أي نسمة ﴿ مؤمنة ﴾ يعتقها كفارة عن قتل الخطأ، وعبر بالرقبة عن جميع الذات.
واختلف العلماء في تفسير الرقبة المؤمنة فقيل هي التي صلت وعقلت الإيمان فلا تجزئ الصغيرة، وبه قال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي وقتادة وغيرهم، وقال عطاء بن أبي رباح إنها تجزئ الصغيرة المولودة بين المسلمين.
وقال جماعة منهم مالك والشافعي يجزئ كل من حكم له بوجوب الصلاة عليه إن مات، ولا يجزئ في قوله جمهور العلماء أعمى ولا مقعد ولا أشل، ويجزئ عند الأكثر الأعرج والأعور، قال مالك :إلا أن يكون عرجا شديدا، ولا يجزئ عند أكثرهم المجنون، وفي المقام تفاصيل طويلة مذكورة في علم الفروع.
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والبيهقي عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء فقال :يا رسول الله إن علي عتق رقبة مؤمنة فقال لها :أين الله، فأشارت إلى السماء بأصبعها فقال :فمن أنا فأشارت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى السماء أي أنت رسول الله فقال أعتقها فإنها مؤمنة١، وقد روى من طرق وهو في صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي.
﴿ ودية ﴾ هي ما يعطى عوضا عن دم المقتول إلى ورثته ﴿ مسلمة ﴾ أي مدفوعة مؤداة ﴿ إلى أهله ﴾ المراد بهم الورثة، وأجناس الدية وتفاصيلها قد بينتها السنة المطهرة، وقد وردت أحاديث في تقدير الدية، وفي الفرق بين دية الخطأ ودية شبه العمد، ودية المسلم ودية الكافر، وهي معروفة فلا حاجة لنا في ذكرها في هذا الموضوع.
﴿ إلا أن يصدقوا ﴾ أي إلا أن يتصدق أهل المقتول على القاتل بالدية بأن يعفوا عنها، فسمى العفو عنها ترغيبا فيه، وهذه الجملة المستثناة متعلقة بقوله ﴿ ودية مسلمة ﴾ أي فعليه دية مسلمة إلا أن يقع العفو من الورثة عنها.
﴿ فإن كان ﴾ المقتول ﴿ من قوم عدو لكم ﴾ وهم الكفار الحربيون ﴿ وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ هذه مسألة المؤمن الذي يقتله المسلمون في بلاد الكفار الذين كان منهم ثم أسلم ولم يهاجر، وهم يظنون أنه لم يسلم، وأنه باق على دين قومه فلا دية على قاتله، بل عليه تحرير رقبة مؤمنة.
واختلفوا في وجه سقوط الدية فقيل وجهه أن أولياء القتيل كفار لا حق لهم في الدية، وقيل وجهه أن هذا الذي آمن ولم يهاجر حرمته قليلة لقول الله تعالى ﴿ والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء ﴾ وقال بعض أهل العلم :إن ديته واجبة لبيت المال.
﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ أي عهد مؤقت أو مؤبد كأهل الذمة، وقرأ وهو مؤمن ﴿ فدية ﴾ أي فعلى قاتله دية ﴿ مسلمة ﴾ مؤداة ﴿ إلى أهله ﴾ من أهل الإسلام وهم ورثته وهي ثلث دية المؤمن إن كان يهوديا أو نصرانيا، وثلثا عشرها إن كان مجوسيا ﴿ وتحرير رقبة مؤمنة ﴾ على قاتله كما تقدم٢.
﴿ فمن لم يجد ﴾ أي الرقبة ولا اتسع ماله لشرائها ﴿ فصيام ﴾ أي فعليه صيام ﴿ شهرين متتابعين ﴾ لم يفصل بين يومين من أيام صومها إفطار في نهار، فلو أفطر استأنف، هذا قول الجمهور، وأما الإفطار لعذر شرعي كالحيض ونحوه فلا يوجب الاستئناف، واختلف في الإفطار لعروض المرض، ولم يذكر الله سبحانه الانتقال على الطعام كالظهار، وبه أخذ الشافعي.
﴿ توبة ﴾ أي شرع ذلك لكم قبولا لتوبتكم أو تاب عليكم توبة أو حال كونه ذا توبة كائنة من الله، قال سعيد بن جبير :يعني تجاوزا من الله لهذه الأمة حيث جعل في قتل الخطأ الكفارة ﴿ وكان الله عليما ﴾ بمن قتل خطأ ﴿ حكيما ﴾ فيما حكم به عليه من الدية والكفارة، وأحكام الديات محلها كتب الفروع فلا نطول بذكرها.
١ مسلم٥٣٧..
٢ في "الكافي"٣/٧٨: ودية الكتابي نصف دية المسلم، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ودية المعاهد نصف دية المسلم" رواه أبو داود. وروي عنه: أن ديته ثلث الدية، لما روي عن عمر/ جعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، إلا أنه رجع عن هذه الرواية، وقال: كنت أذهب إلى أن دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، فأنا اليوم أذهب إلى نصف دية المسلم، قلت: أما حديث عمرو بن شعيب فرواه أيضا أحمد والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن ماجه، وهو حديث حسن. وأما أثر عمر فقد رواه عنه سعيد بن المسيب، وهو منقطع، لأن سعيدا لم يسمع من عمر..
﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه وأعد له عذابا عظيما ( ٩٣ ) ﴾
﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا ﴾ أي قاصدا لقتله، لما بين سبحانه حكم القاتل خطأ بين حكم القاتل عمدا، وقد اختلف العلماء في معنى العمد فقال عطاء والنخعي وغيرهما :هو قتل بحديدة كالسيف والخنجر وأسنان الرمح ونحو ذلك من المحدود، أو بما يعلم أن فيه الموت من ثقال الحجارة ونحوهما١.
وقال الجمهور :إنه كل قتل من قاتل قاصد للفعل بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بغير ذلك، وقيده بعض أهل العلم بأن يكون بما يكون بما يقتل مثله في العادة.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن القتل ينقسم إلى ثلاثة أقسام :عمد وشبه عمد وخطأ، واستدلوا على ذلك بأدلة ليس هذا مقام بسطها.
وذهب آخرون إلى أنه ينقسم إلى قسمين عمد وخطأ، ولا ثالث لهما، واستدلوا بأنه ليس في القرآن إلا القسمان، ويجاب على ذلك بأن اقتصار القرآن على القسمين لا ينفي ثبوت قسم ثالث بالسنة وقد ثبت ذلك بالسنة.
﴿ فجزاؤه جهنم خالدا فيها ﴾ أي فجعل جزاؤه ذلك بكفره وارتداده أو حكم عليه بها، وهو الذي استثناه النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة عمن أمنه من أهلها فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة ﴿ وغضب الله عليه ﴾ لأجل كفره وقتله المؤمن متعمدا ﴿ ولعنه ﴾ طرده عن رحمته ﴿ وأعد له عذابا عظيما ﴾ في النار.
وقد جاءت هذه الآية بتغليظ عقوبة القاتل عمدا فجمع الله له فيها بين كون جهنم جزاء له أي يستحقها بسبب هذا الذنب، وبين كونه خالدا فيها، وبين غضب الله ولعنته له وإعداده له عذابا عظيما، وليس وراء هذا التشديد تشديد، ولا هذا الوعيد وعيد.
وقد اختلف العلماء هل لقاتل العمد من توبة أم لا ؟ فروى البخاري عن سعيد ابن جبير قال :اختلف فيها علماء أهل الكوفة فرحلت فيها إلى ابن عباس فسألته عنها فقال :نزلت هذه الآية ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا ﴾ وهي آخر ما نزل وما نسخها شيء، وقد روى النسائي عنه وعن زيد بن ثابت نحوه.
وممن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف أبو هريرة وعبد الله بن عمرو وأبو سلمة وعبيد بن عمير والحسن وقتادة والضحاك بن مزاحم نقله ابن أبي حاتم عنه.
وذهب الجمهور إلى أن التوبة منه مقبولة واستدلوا بمثل قوله تعالى ﴿ وإن الحسنات يذهبن السيآت ﴾ وقوله ﴿ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ﴾ وقوله ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ وقوله ﴿ وإني لغفار لمن تاب ﴾.
قالوا أيضا :والجمع ممكن بين آية النساء هذه وآية الفرقان فيكون الموجب وهو التوعد بالعقاب.
واستدلوا أيضا بالحديث المذكور في الصحيحين عن عبادة بن الصامت أنه صلى الله عليه وسلم قال :( تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) ثم قال :فمن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه٢، وبحديث أبو هريرة الذي أخرجه مسلم في صحيحه وغيره في الذي قتل مائة نفس.
وذهب جماعة منهم أبو حنيفة وأصحابه والشافعي إلى أن القاتل عمدا داخل تحت المشيئة تاب أولم يتب، وقد أوضح الشوكاني في شرحه على المنتقى متمسك كل فريق، والحق أن باب التوبة لم يغلق دون كل عاص بل هو مفتوح لكل من قصده ورام للدخول منه، وإذا كان الشرك وهو أعظم الذنوب وأشدها تمحوه التوبة إلى الله ويقبل من صاحبه الخروج منه والدخول في باب التوبة فكيف بما دونه من المعاصي التي من جملتها القتل عمدا.
لكن لا بد في توبة قاتل العمد من الاعتراف بالقتل وتسليم نفسه للقصاص إن كان واجبا أو تسليم الدية إن لم يكن القصاص واجبا وكان القاتل غنيا متمكنا من تسليمها أو بعضها، وأما مجرد التوبة من القاتل عمدا وعزمه على أن لا يعود إلى قتل أحد من دون اعتراف ولا تسليم نفس فنحن لا نقطع بقبولها، والله أرحم الراحمين هو الذي يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون.
وقد تعلقت المعتزلة وغيرهم بهذه الآية على أن الفاسق يخلد في النار، والجواب أن الآية نزلت في كافر قتل مسلما، وهو مقيس بن ضبابة، وهي على هذا مخصوصة، وقيل المعنى من قتل مسلما مستحلا لقتله وهو كفر، وعن أبي مجلز قال :هي جزاؤه فإن شاء الله أن يتجاوز عن جزائه فعل، أخرجه أبو داود.
وقيل الخلود لا يقتضي التأبيد بل معناه طول المكث، قاله البيضاوي.
وقد ثبت في أحاديث الشفاعة الصحيحة إخراج جميع الموحدين من النار، قال الكرخي :الظاهر أنه أراد التشديد والتخويف والزجر العظيم عن قتل المؤمن لا أنه أراد بعدم قبول توبته عدمه حقيقة، وظاهره أن الآية من المحكم لأنه لا يقع النسخ إلا في الأمر والنهي ولو بلفظ الخبر، أما الخبر الذي ليس بمعنى الطلب فلا يدخله نسخ ومنه الوعد والوعيد قاله الجلال في الإتقان.
قال أبو السعود :في الآية الكريمة من التهديد والتشديد والوعيد الأكيد وفنون الإبراق والإرعاد ما تراه، وقد تأيدت بما روى من الأخبار الشداد، كقوله صلى الله عليه وسلم ( والذي نفسي بيده لزوال الدنيا عند الله أهون من قتل المؤمن٣ ) وقوله :( لو أن رجلا قتل بالمشرق وآخر رضي بالمغرب لأشرك في دمه ) وقوله :( من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله٤ ) ونحو ذلك من القوارع.
ولا متمسك للمعتزلة لأن المراد بالخلود هو المكث الطويل لا الدوام، وقد روي مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( هو جزاؤه إن جازاه ).
قال الواحدي :والأصل في ذلك أن الله عز وجل يجوز أن يخلف الوعيد، وإن امتنع أن يخلف الوعد، وبهذا وردت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم قال ( من وعده الله على عمله ثوابا فهو منجزه له، ومن أوعده على عمله عقابا فهو بالخيار ).
والتحقيق أنه لا ضرورة إلى تفريع ما نحن فيه على الأصل المذكور، لأنه إخبار منه تعالى بأن جزاءه ذلك لا بأنه يجزيه بذلك، كيف وقد قال الله تعالى ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ ولو كان هذا إخبارا بأنه تعالى يجزي كل سيئة بمثلها لعارضة قوله تعالى ﴿ ويعفوا عن كثير ﴾ انتهى كلام أبي السعود ملخصا.
١ زاد المسير٢/١٦٦..
٢ مسلم١٧٠٩- البخاري١٨..
٣ صحيح الجامع الصغير٤٩٥٤..
٤ ضعيف الجامع الصغير٥٤٥٥..
﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا ( ٩٤ ) ﴾
﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ﴾ هذا متصل بذكر الجهاد والقتال، والضرب السير في الأرض، تقول العرب ضربت في الأرض إذا سرت لتجارة أو غزو أو غيرهما، وتقول ضربت الأرض بدون في، إذا قصدت قضاء حاجة الإنسان ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يخرج الرجلان يضربان الغائط ).
والتبين هو التأمل وهي قراءة الجماعة، إلا حمزة فإنه قرأ ﴿ فتثبتوا ﴾ من التثبت، واختار القراءة الأولى أبو عبيدة وأبو حاتم قالا :لأن من أمر بالتبين فقد أمر بالتثبت، وإنما خص السفر بالأمر بالتبين مع أن التبين والتثبت في أمر القتل واجبان حضرا وسفرا بلا خلاف لأن الحادثة التي هي سبب نزول الآية كانت في السفر١.
﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام ﴾ وقريء السلم ومعناهما واحد، واختار أبو عبيد ﴿ السلام ﴾ وخالفه أهل النظر فقالوا السلم هنا أشبه لأنه بمعنى الانقياد والتسليم، والمراد هنا لا تقولوا لمن ألقى بيده إليكم واستسلم ﴿ لست مؤمنا ﴾ فالسلم والسلام كلاهما بمعنى الاستسلام وقيل هما بمعنى الإسلام أي لا تقولوا لمن ألقى إليكم الإسلام أي كلمته وهي الشهادة لست مؤمنا.
وقيل هما بمعنى التسليم وهو تحية أهل الإسلام أي لا تقولوا لمن ألقى إليكم التسليم فقال السلام عليكم لست مؤمنا، وإنما قلت هذا تقية لنفسك ومالك، والمراد نهي المسلمين على أن يهملوا ما جاء به الكافر مما يستدل به على إسلامه ويقولوا إنما جاء بذلك تعوذا وتقية.
ومؤمنا من أمنته إذا أجرته فهو مؤمن، وقيل المعنى لست من أهل الإيمان.
وقد استدل بهذه الآية على أن من قتل كافرا بعد أن قال لا إله إلا الله قتل به لأنه قد عصم بهذه الكلمة دمه وماله وأهله، وإنما أسقط القتل عمن وقع منه ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم تأولوا فظنوا أن من قالها خوفا من السلاح لا يكون مسلما ولا يصير بها دمه معصوما، وأنه لا بد أن يقول هذه الكلمة وهو مطمئن غير خائف.
وفي حكم التكلم بكلمة الإسلام إظهار الانقياد بأن يقول أنا مسلم أو أنا على دينكم، لما عرفت من أن معنى الآية الاستسلام والانقياد، وهو يحصل بكل ما يشعر بالإسلام من قول أو عمل، ومن جملة ذلك كلمة الشهادة وكلمة التسليم، فالقولان الآخران في معنى الآية داخلان تحت القول الأول.
وقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال :لحق ناس من المسلمين رجلا معه غنيمة له فقال السلام عليكم فقتلوه وأخذوا غنيمته، فنزلت هذه الآية، وفي سبب النزول روايات كثيرة وهذا الذي ذكرناه أحسنها.
﴿ تبتغون عرض الحياة الدنيا ﴾ أي لا تقولوا تلك المقالة طالبين الغنيمة، على أن يكون النهي راجعا إلى القيد والمقيد لا إلى القيد فقط، وسمي متاع الدنيا عرضا لأنه عارض زائل غير ثابت.
قل أبو عبيدة :يقال جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء، وأما العرض بسكون الراء فهو ما سوى الدنانير والدراهم، فكل عرض بالسكون عرض بالفتح، وليس كل عرض بالفتح عرضا بالسكون، وفي كتاب العين :العرض ما نيل من الدنيا ومنه قوله تعالى ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾ وجمعه عروض.
وفي المجمل لابن فارس :والعرض ما يعترض للإنسان من مرض ونحوه وعرض الدنيا ما كان فيها من مال قل أو أكثر، والعرض من الأثاث ما كان غير نقد.
﴿ فعند الله ﴾ هو تعليل للنهي أي عند الله مما هو حلال لكم من دون ارتكاب محظور ﴿ مغانم كثيرة ﴾ تغنمونها وتستغنون بها عن قتل من قد استسلم وانقاد وإغنام ماله، وقيل فعنده ثواب كثير لمن اتقى قتل المؤمن، والمغانم جمع مغنم، إطلاقا للمصدر على اسم المفعول نحو ضرب الأمير.
﴿ كذلك كنتم من قبل ﴾ أي كنتم مثل الرجل المذكور في مبادئ الإسلام كفارا فحقنت دماؤكم لما تكلمتم بكلمة الشهادة أو كذلك كنتم من قبل تخفون إيمانكم عن قومكم خوفا على أنفسكم حتى من الله عليكم بإعزاز دينه فأظهرتم الإيمان وأعلنتم به.
﴿ فمن الله عليكم ﴾ يعني بالإسلام والهداية فلا تقتلوا من قال لا إله إلا الله أو من عليكم بإعلان الإسلام بعد الاختفاء، وقيل بالتوبة ﴿ فتبينوا ﴾ ولا تعجلوا بقتل مؤمن، وكرر الأمر بالتبين للتأكيد عليهم لكونه واجبا لا فسحة فيه ولا رخصة ﴿ إن الله كان بما تعملون خبيرا ﴾ فلا تتهافتوا في القتل وكونوا محترزين محتاطين في ذلك.
١ ضعيف الجامع الصغير٦٣٥١..
﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ( ٩٥ ) ﴾
﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين، غير أولي الضرر، والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ﴾.
التفاوت بين الدرجات من قعد عن الجهاد من غير عذر، ودرجات من جاهد في سبيل الله بماله ونفسه وإن كان معلوما لكن أراد سبحانه بهذا الإخبار تنشيط المجاهدين ليرغبوا، وتبكيت القاعدين ليأنفوا، ونحوه قوله تعالى ﴿ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ﴾ فهو تحريك لطالب العلم، وتوبيخ على الرضا بالجهل.
وغير أولي الضرر بالرفع على أنه صفة للقاعدين كما قال الأخفش لأنهم لا يقصد بهم قوم بأعيانهم فصاروا كالنكرة فجاز وصفهم بغير وبكسر الراء على أنه وصف للمؤمنين وبفتحها على الاستثناء من القاعدين أو من المؤمنين أي إلا أولي الضرر فإنهم يستوون مع المجاهدين.
ويجوز أن يكون منتصبا على الحال من القاعدين أي لا يستوي القاعدون الأصحاء في حال صحتهم، وجازت الحال منهم لأن لفظهم لفظ المعرفة.
قال العلماء :أهل الضرر هم أهل الأعذار من مرض أو عاهة من عمى أو عرج أو زمانة أو نحوها لأنها أضرت بهم حتى منعتهم عن الجهاد، وظاهر النظم القرآني أن صاحب العذر يعطى مثل أجر المجاهد، وقيل يعطى أجره من غير تضعيف فيفضله المجاهد بالتضعيف لأجل المباشرة.
قال القرطبي :والأول أصح إن شاء الله للحديث الصحيح في ذلك ( إن بالمدينة رجالا ما قطعتم واديا ولا سرتم مسيرا إلا كانوا معكم أولئك قوم حبسهم العذر١ ) قال وفي هذا المعنى ما ورد في الخبر إذا مرض العبد قال الله تعالى اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ أو أقبضه إلي.
وقد أخرج البخاري وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ﴾ فجاء ابن أم مكتوم وهو يميلها علي فقال :يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان أعمى، فأنزل الله على رسول الله صلى اله عليه وسلم وفخذه على فخذي ﴿ غير أولي الضرر ﴾ وأخرجه أيضا سعيد بن منصور وأحمد وأبو داود وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه من حديث خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه.
وعن ابن عباس قال : ﴿ غير أولي الضرر ﴾ المتخلفون عن بدر، والخارجون إلى بدر، وعنه قال :نزلت في قوم كانت تشغلهم أمراض وأوجاع فأنزل الله عذرهم من السماء، وعن أنس بن مالك قال :نزلت هذه الآية في ابن أم مكتوم، ولقد رأيته في بعض مشاهد المسلمين معه اللواء.
﴿ وفضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ﴾ هذا بيان لما بين الفريقين من التفاضل المفهوم من ذكر عدم الاستواء إجمالا، والمراد هنا غير أولي الضرر حملا للمطلق على المقيد.
وقال هنا ﴿ درجة ﴾ وقال فيما بعد ﴿ درجات ﴾ فقال قوم التفضيل بالدرجة ثم بالدرجات إنما هو مبالغة وبيان وتأكيد، وقال آخرون :فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر بدرجة واحدة، وفضل الله المجاهدين على القاعدين من غير أولي الضرر بدرجات، قاله ابن جريج والسدي وغيرهما، وقيل إن معنى درجة علوا أي ذكرهم ورفعهم بالثناء والمدح٢.
﴿ وكلا ﴾ مفعول أول لقوله ﴿ وعد الله ﴾ قدم عليه لإفادة القصر أي كل واحد من المجاهدين والقاعدين وعده الله ﴿ الحسنى ﴾ أي المثوبة وهي الجنة، قاله قتادة ﴿ وفضل الله المجاهدين على القاعدين ﴾ الذين لا عذر لهم ولا ضرر ﴿ أجرا عظيما ﴾ أي ثوابا جزيلا.
١ صحيح الجامع٢٠٣٢ عن جابر..
٢ قال زيا بن ثابت. إني لقاعد إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ غشيته السكينة، ثم سري عنه، فقال: "اكتب" ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون﴾ الآية، فقام بن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد؟ فوالله ما قضى كلامه حتى غشيت رسول الله السكينة، ثم سري عنه، فقال: اقرأ فقرأت لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿غير أولي الضرر﴾ فألحقتها.
"المسند"٥/١٨٤، والبخاري٨/١٩٥، وأبو داود٣/١٧ والترمذي٤/٩٢ والنسائي٦/٩، ولفظه عند البخاري عن ابن شهاب قال: حدثني سهل بن سعد الساعدي أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد، فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن ابن زيد بن ثابت أخبره النبي صلى الله عليه وسلم أملى عليه ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله﴾ فجاء ابن أم مكتوم وهو يملها علي فقال: يا رسول الله والله لو أستطيع الجهاد معك لجاهدت وكان أعمى، فأنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفخذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سري عنه، فأنزل الله ﴿غير أولي الضرر﴾.
ويملها: بضم أوله وكسر الراء، قال: لما نزلت ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم، فشكا ضرارته، فأنزل الله ﴿غير أولي الضرر﴾..

﴿ درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما ( ٩٦ ) إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ( ٩٧ ) ﴾
ثم فسر ذلك بقوله ﴿ درجات منه ﴾ أي من الأجر أو من الله يعني منازل بعضها فوق بعض من الكرامة، قال ابن زيد الدرجات هن سبع ذكرها الله في سورة براءة يعني قوله ﴿ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة إلى قوله إلا كتب لهم ﴾.
وعن ابن جرير قال :كان يقال الإسلام درجة، والهجرة في الإسلام درجة، والجهاد في الهجرة درجة والقتل في الهجرة درجة.
وعن ابن محيريز قال :الدرجات سبعون درجة ما بين الدرجتين عدو الفرس الجواد المضمر سبعين سنة.
وأخرج البخاري والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة١.
﴿ ومغفرة ﴾ لذنوبهم يسترها ويصفح عنها ﴿ ورحمة ﴾ رأفة بهم، والمعنى غفر لهم مغفرة ورحمهم رحمة ﴿ وكان الله غفورا ﴾ لذنوبهم بتكفير العذر ﴿ رحيما ﴾ بهم بتوفير الأجر، وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكى عن ربه عز وجل قال :( أيما عبد من عبادي خرج مجاهدا في سبيل الله ابتغاء مرضاتي ضمنت له إن أرجعته بما أصاب من أجر أو غنيمة وإن قبضته غفرت له ورحمته ) ٢، أخرجه النسائي.
١ أخرجه الترمذي٣/٣٢٦ والحاكم١/٨٠ وأحمد٥/٣١٦و٣٢١ وابن ماجة٢/٥٩٠..
٢ النسائي٣١٢٦. زاد السير١٧٥..
﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ﴾ يحتمل أن يكون ماضيا وحذفت منه علامة التأنيث لأن تأنيث الملائكة غير حقيقي، ويحتمل أن يكون مستقبلا، والأصل تتوفاهم، عن الحسن أن المعنى تحشرهم إلى النار وقيل تقبض أرواحهم، وهو الأظهر.
والمراد بالملائكة ملك الموت وحده، وإنما ذكره بلفظ الجمع على سبيل التعظيم لقوله تعالى ﴿ قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ﴾ وقيل ملك الموت وأعوانه، وعلى الأول يكون المراد بالملائكة الزبانية الذين يلون تعذيب الكفار.
﴿ ظالمي أنفسهم ﴾ بالمقام مع الكفار وترك الهجرة، نزل فيمن أسلم ولم يهاجر حين كانت الهجرة فريضة وخرج مع المشركين إلى بدر مرتدا فقتل كافرا ﴿ قالوا فيم كنتم ﴾ سؤال توبيخ أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم قيل المعنى أكنتم في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو كنتم مشركين، قاله القرطبي.
وقيل :إن معنى السؤال التقريع لهم بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين، قال أبو حيان :أي في أي حالة كنتم بدليل الجواب أي في حالة قوة أو ضعف.
﴿ قالوا ﴾ على وجه الكذب معتذرين ﴿ كنا مستضعفين ﴾ عاجزين عن الهجرة ﴿ في الأرض ﴾ مكة لأن سبب النزول من أسلم بها ولم يهاجر، وهذا اعتذار غير صحيح إذا كانوا يستطيعون الحيلة ويهتدون السبيل.
ثم أوقفتهم الملائكة على ذنبهم وألزمتهم الحجة وقطعت معذرتهم حيث ﴿ قالوا ألم تكن أرض الله واسعة ﴾ قيل المراد بهذه الأرض المدينة والأولى العموم اعتبارا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو الحق، فيراد بالأرض كل بقعة من بقاع الأرض تصلح للهجرة إليها، ويراد بالأرض الأولى كل أرض ينبغي الهجرة منها.
﴿ فتهاجروا فيها ﴾ وتخرجوا من بين أظهر المشركين، قال الواحدي :فيه أن الله لم يرض بإسلام أهل مكة حتى يهاجروا ﴿ فأولئك مأواهم ﴾ أي منزلهم ﴿ جهنم وساءت ﴾ أي جهنم ﴿ مصيرا ﴾ أي مكانا يصيرون إليه.
والآية تدل على أن من لم يتمكن من إقامة دينه في بلد كما يجب بأي سبب كان وعلم أنه يتمكن من إقامته في غيره، حقت عليه الهجرة، وفي الباب أحاديث ذكرناها في جواب سؤال عن الهجرة من أرض الهند اليوم بالفارسية فليرجع إليه.
﴿ إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ( ٩٨ ) فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا ( ٩٩ ) ﴾
﴿ إلا المستضعفين ﴾ الذين صدقوا في استضعافهم ﴿ من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ﴾ استثناء من الضمير في مأواهم، وقيل هو استثناء منقطع لعدم دخول المستضعفين في الموصول وضميره، والمراد بهم الرجال الزمناء ونحوهم، والولدان كعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام.
وإنما ذكر الولدان مع عدم التكليف لهم لقصد المبالغة في أمر الهجرة، وإبهام أنها تجب لمن استطاعها غير المكلف فكيف من كان مكلفا، وقيل أراد بالولدان المراهقين والمماليك.
والحيلة لفظ عام لأنواع أسباب التخلص، أي لا يجدون حيلة في الخروج منها لفقرهم وعجزهم، ولا طريقا إلى ذلك، وقيل السبيل سبيل المدينة، عن ابن جريج في قوله ﴿ حيلة ﴾ قال قوة، وعن عكرمة قال نهوضا إلى المدينة وسبيلا أي طريقا إليها.
﴿ فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا ( ٩٩ ) ﴾
﴿ فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ﴾ إشارة إلى المستضعفين الموصوفين بما ذكر وجيء بكلمة الإطماع لتأكيد أمر الهجرة حتى يظن أن تركها ممن لا تجب عليه يكون ذنبا يجب طلب العفو عنه، وقال الكرخي :يعفو عن خطر الهجرة بحيث يحتاج المعذور إلى العفو، قال ابن عباس كنت أنا وأمي من المستضعفين أنا من الولدان وأمي من النساء.
﴿ وكان الله عفوا غفورا ﴾ مبالغا في المغفرة لهم ما فرط منهم من الذنوب التي من جملتها القعود عن الهجرة إلى وقت الخروج.
﴿ ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مرغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما ( ١٠٠ ) ﴾
﴿ ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا ﴾ هذه الجملة متضمنة للترغيب في الهجرة والتنشيط إليها، وفيه دليل على أن الهجرة لا بد أن تكون بقصد صحيح، ونية خالصة غير مشوبة بشيء من أمور الدنيا، ومنه الحديث الصحيح ( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه١ ).
وقد اختلف في معنى الآية فقال ابن عباس وجماعة من التابعين ومن بعدهم المراغم المتحول والمذهب من أرض إلى أرض، وقال مجاهد :المراغم المتزحزح عما يكره، وقال ابن زيد :المراغم المهاجر، وبه قال أبو عبيدة :قال النحاس :هذه الأقوال متفقة المعاني، فالمراغم المذهب والمتحول وهو الموضع الذي يراغم فيه وهو مشتق من الرغام وهو التراب، ورغم أنف فلان أي لصق بالتراب، وراغمت فلانا أي هجرته وعاديته، ولم أبال أن رغم أنفه.
وهذا من الأمثال التي جرت في كلامهم بأسماء الأعضاء ولا يراد أعيانها بل وضعوها لمعان غير معاني الأسماء الظاهرة، ولا حظ لظاهر الأسماء من طريق الحقيقة، ومن قولهم :كلامه تحت قدمي، وحاجته خلف ظهري، يريدون الإهمال وعدم الاحتفال.
وقيل إنما سمي المهاجر مراغما لأن الرجل كان إذا أسلم عادى قومه وهجرهم فسمي خروجا مراغما، وسمي مسيره إلى النبي صلى الله عليه وسلم هجرة، والحاصل في معنى الآية أن المهاجر يجد في الأرض مكانا يسكن فيه على رغم أنف قومه الذين هاجرهم أي على ذلهم وهوانهم.
﴿ وسعة ﴾ أي في البلاد وقيل بالرزق وقال عطاء سعة أي رخاء، وقيل في إظهار الدين أو في تبدل الخوف بالأمن أو من الضلال إلى الهدى، ولا مانع من حمل السعة على ما هو أعم من ذلك.
﴿ ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ﴾ أي إلى حيث أمر الله ورسوله، قالوا كل هجرة في غرض ديني من طلب علم أو حج أو جهاد أو نحو ذلك فهي هجرة إلى الله ورسوله ﴿ ثم يدركه الموت ﴾ قبل أن يصل إلى مطلوبه وهو المكان الذي قصد الهجرة إليه أو الأمر الذي قصد الهجرة له.
﴿ فقد وقع أجره على الله ﴾ أي ثبت ذلك عنده ثبوتا لا يتخلف، يعني وجب أجر هجرته عليه بإيجابه على نفسه بحكم الوعد والتفضل والكرم، لا وجوب استحقاق، قيل ويدخل فيه من قصد فعل الطاعة ثم عجز عن إتمامها كتب الله له ثواب تلك الطاعة كاملا ﴿ وكان الله غفورا رحيما ﴾ أي كثير المغفرة كثير الرحمة.
وقد استدل بهذه الآية على أن الهجرة واجبة على كل من كان بدار الشرك أو بدار فيها بمعاصي الله جهارا إذا كان قادرا على الهجرة، ولم يكن من المستضعفين لما في هذه الآية الكريمة من العموم وإن كان السبب خاصا كما تقدم، وظاهرها عدم الفرق بين مكان ومكان وزمان وزمان.
وقد ورد في الهجرة أحاديث، وورد ما يدل على أن لا هجرة بعد الفتح، وقد أوضح الشوكاني ما هو الحق في شرحه على المنتقى.
عن ابن عباس بسند رجاله ثقات قال :خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجرا فقال لقومه :احملوني فأخرجوني من أرض الشرك إلى رسول الله صلى الله عليه سلم فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزل الوحي أي هذه الآية٢.
وأخرج بن سعد وأحمد والحاكم وصححه عبد الله بن عتيك قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( من خرج من بيته مجاهدا في سبيل الله وأين المجاهدون في سبيل الله، فخر عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله، أو لدغته دابة فمات فقد وقع أجره على الله، أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره عند الله، يعني بحتف أنفه على فراشه، والله إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن قتل قعصا فقد استوجب الجنة ) ٣.
وأخرج أبو يعلى والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من خرج حاجا فمات كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيا في سبيل الله فمات كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة، قال ابن كثير وهذا حديث غريب من هذا الوجه٤.
١ جزء من حديث طويل سبق ذكره..
٢ زاد السير١٨٠..
٣ المستدرك ٢/٨٨..
٤ مشكاة المصابيح٢٥٣٩..
﴿ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا ( ١٠١ ) ﴾
﴿ وإذا ضربتم في الأرض ﴾ هذا شروع في بيان كيفية الصلاة عند الضرورات من السفر ولقاء العدو والمرض والمطر، وفيه تأكيد لعزيمة المهاجر على الهجرة وترغيب له فيها لما فيه من تخفيف المؤنة أي إذا سافرتم أي مسافرة كانت، ولذلك لم تقيد بما قيد به المهاجرة وقد تقدم تفسير الضرب في الأرض قريبا.
﴿ فبيس عليكم جناح ﴾ أي وزر ولا حرج في ﴿ أن تقصروا من الصلاة ﴾ يعني من أربع ركعات إلى ركعتين وذلك في صلاة الظهر والعصر والعشاء، وأصل القصر في اللغة التضييق وقيل هو ضم الشيء على أصله، وفسر ابن الجوزي القصر بالنقص، ولم أره لأحد من أهل التفسير واللغة، ومن للتبعيض.
وفي الآية دليل على أن القصر ليس بواجب إليه ذهب الجمهور، وذهب الأقلون إلى أنه واجب ومنهم عمر بن عبد العزيز والكوفيون والقاضي إسماعيل وحماد بن أبي سليمان، وهو مروي عن مالك، واستدلوا بحديث عائشة الثابت في الصحيح ( فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيدت في الحضر وأقرت في السفر ) ولا يقدح في ذلك مخالفتها لما روت، فالعمل على الرواية الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومثله حديث يعلى بن أمية قال سألت عمر بن الخطاب قلت : ﴿ ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ وقد أمن الناس فقال لي عمر عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال :( صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ) أخرجه أحمد ومسلم وأهل السنن١.
وظاهر قوله ( فاقبلوا صدقته ) أن القصر واجب، وظاهر هذا الشرط أعني ﴿ إن خفتم أن يفتنكم ﴾ أي يغتالكم ويقتلكم في الصلاة ﴿ الذين كفروا ﴾ أن القصر لا يجوز في السفر إلا مع خوف الفتنة من الكافرين لا مع الأمن، ولكنه قد تقرر بالسنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر مع الأمن كما عرفت.
فالقصر مع الخوف ثابت بالكتاب، والقصر مع الأمن ثابت بالسنة، ومفهوم الشرط لا يقوى على معارضة ما تواتر عنه صلى الله عليه وسلم من القصر مع الأمن.
وقد قيل إن الشرط خرج مخرج الغالب، لأن الغالب على المسلمين إذ ذاك القصر للخوف في الأسفار، ولهذا قال يعلى بن أمية لعمر كما تقدم.
وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن هذه الآية إنما هي مبيحة للقصر في السفر للخائف من العدو، فمن كان آمنا فلا قصر له، وإليه ذهب داود الظاهري.
وذهب آخرون إلى أن قوله ﴿ إن خفتم ﴾ ليس متصلا بما قبله، وأن الكلام تم عند قوله ﴿ من الصلاة ﴾ ثم افتتح فقال ﴿ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ فأقم لهم يا محمد صلاة الخوف.
قال الفراء أهل الحجاز يقولون فتنت الرجل، وربيعة وقيس وأسد وجميع أهل نجد يقولون أفتنت الرجل، وفرق الخليل وسيبويه بينهما فقالا :فتنته جعلت فيه فتنة مثل كحلته، أفتنته جعلته مفتنا، وزعم الأصمعي أنه لا يعرف أفتنته، والمراد بالفتنة القتال والتعرض بما يكره ﴿ وإن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا ﴾ معترض ذكر معنى هذا الجرجاني والمهدوي وغيرهما، ورده القشيري والقاضي أبو بكر بن العربي.
١ صحيح الجامع٣٦٥٦ وصحيح أبو داود١٠٨٣..
﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ( ١٠٢ ) ﴾
وقد حكى القرطبي عن ابن عباس معنى ما ذكره الجرجاني ومن معه، ومما يرد هذا ويدفعه الواو في قوله الآتي ﴿ وإذا كنتم فيه ﴾ وقد تكلف بعض المفسرين فقال :إن الواو زائدة وأن الجواب للشرط المذكور أعني قوله ﴿ إن خفتم ﴾ هو قوله ﴿ فلتقم طائفة ﴾.
وذهب قوم إلى أن ذكر الخوف منسوخ بالسنة وهي حديث عمر الذي قدمنا ذكره وما ورد في معناه، وعن أمية أنه سأل ابن عمر أرأيت قصر الصلاة في السفر، إنا لا نجدها في كتاب الله إنما نجد ذكر صلاة الخوف، فقال :يا ابن أخي إن الله أرسل محمدا ولا نعلم شيئا، فإنما نفعل كما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، وقصر الصلاة في السفر سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه النسائي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي.
وعن حارثة أن وهب الخزاعي قال :صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر بمنى أكثر ما كان الناس وآمنه ركعتين، أخرجه الشيخان وغيرهما، وعن ابن عباس قال :صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف شيئا ركعتين، أخرجه الترمذي وصححه النسائي.
﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ﴾ هذا خطاب النبي صلى الله عليه وسلم ولمن بعده من أهل الأمر حكمه كما هو معروف في الأصول، ومثله قوله تعالى ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ ونحوه، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء.
وشد أبو يوسف وإسماعيل بن علية فقالا :لا تصلي صلاة الخوف بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأن هذا الخطاب خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم قالا :ولا يلحق غيره به لما له صلى الله عليه وسلم من المزية العظمى.
وهذا مدفوع فقد أمرنا الله باتباع رسوله والتأسي به وقد قال صلى الله عليه وسلم :صلوا كما رأيتموني أصلي١، والصحابة أعرف بمعاني القرآن وقد صلوها بعد موته في غير مرة كما ذلك معروف.
والمعنى إذا كنت يا محمد في أصحابك وشهدت معهم القتال وأردت إقامة الصلاة بهم كقوله ﴿ وإذا قمتم إلى الصلاة ﴾ وقوله ﴿ إذا قرأت القرآن ﴾ وقال السمين :الضمير المجرور يعود على الضاربين في الأرض، وقيل على الخائفين وهما محتملان.
﴿ فلتقم طائفة منهم معك ﴾ يعني أن تجعلهم طائفتين :طائفة تقف بإزاء العدو، وطائفة تقوم منهم معك إلى الصلاة، وإنما لم يصرح به لظهوره ﴿ وليأخذوا أسلحتهم ﴾ أي الطائفة التي تصلي معك، وقيل الضمير راجع إلى الطائفة التي بإزاء العدو الأول أظهر، لأن الطائفة القائمة بإزاء العدو لا بد أن تكون قائمة بأسلحتها، وإنما يحتاج إلى الأمر بذلك من كان في الصلاة لأنه يظن أن ذلك ممنوع منه حال الصلاة، فأمره الله بأن يكون آخذا لسلاحه أي غير واضع له.
وليس المراد الأخذ باليد، بل المراد أن يكونوا حاملين لسلاحهم ليتناولوه من قرب إذا احتاجوا إليه، وليكون ذلك أقطع لرجاء عدوهم من إمكان فرصة فيهم.
وقد قال بإرجاع الضمير على الطائفة القائمة بإزاء العدو ابن عباس، قال :لأن المصلية لا تحارب، وقد قال غيره :إن الضمير راجع إلى المصلية، وجوز الزجاج والنحاس أن يكون ذلك أمرا للطائفتين جميعا لأنه أرهب للعدو.
وقد أوجب أخذ السلاح في هذه الصلاة أهل الظاهر للأمر على الوجوب، وذهب أبو حنيفة إلى أن المصلين لا يحملون السلاح وأن ذلك يبطل الصلاة وهو مدفوع بما في هذه الآية وبما في الأحاديث الصحيحة، والسلاح ما يقاتل به وجمعه أسلحة، وهو مذكر وقيل مؤنث باعتبار الشوكة يقال سلاح كحمار وسلح كضلع، وسلح كصرد، وسلحان كسلطان، قاله أبو بكر بن زيد.
﴿ فإن سجدوا ﴾ أي القائمون في الصلاة ﴿ فليكونوا ﴾ أي الطائفة القائمة بإزاء العدو ﴿ من ورائكم ﴾ أي من وراء المصلين، ويحتمل أن يكون المعنى فإذا سجد المصلون معه أي أتموا الركعة تعبيرا بالسجود عن جميع الركعة أو عن جميع الصلاة فليكونوا من ورائكم أي فلينصرفوا بعد الفراغ إلى مقابلة العدو للحراسة.
﴿ ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا ﴾ وهي القائمة في مقابلة العدو التي تصل ﴿ فليصلوا معك ﴾ على الصفة التي كانت عليها الطائفة الأولى ﴿ وليأخذوا ﴾ أي هذه الطائفة الأخرى ﴿ حذرهم ﴾ أي ما يتحرزون به من العدو كالدرع ونحوها ﴿ وأسلحتهم ﴾ زيادة التوصية للطائفة الأخرى بأخذ الحذر مع أخذ السلاح، قيل وجهه أن هذه المرة مظنة لوقوف الكفرة على كون الطائفة القائمة مع النبي صلى الله عليه وسلم في شغل شاغل، وأما في المرة الأولى فربا يظنونهم قائمين للحرب، وقيل لأن العدو لا يؤخر قصده عن هذا الوقت لأنه أخر الصلاة.
ولم يبين في الآية الكريمة كم تصلي كل طائفة من الطائفتين، وقد وردت صلاة الخوف في السنة المطهرة على أنحاء مختلفة، وصفات متعددة وكلها صحيحة مجزية، من فعل واحدة منها فقد أبعد الصواب، وقد أوضحنا هذا في شرحنا لبلوغ المرام وفي شرحنا للدرر البهية.
﴿ ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ﴾ هذه الجملة متضمنة للعلة التي لأجلها أمرهم الله بالحذر وأخذ السلاح أي ودوا غفلتكم من أخذ السلاح وعن الحذر إذا قمتم إلى الصلاة ليصلوا إلى مقصودهم وينالوا فرصتهم فيشدون عليكم شدة واحدة ويحملون عليكم حملة واحدة، والأمتعة ما يتمتع به في الحرب، ومنه الزاد والراحلة، والخطاب للفريقين بطريق الالتفات.
﴿ ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم ﴾ رخص لهم سبحانه في وضع السلاح إذا نالهم أذى من مطر، وفي حال المرض لأنه يصعب مع هذين الأمرين حمل السلاح، وعن ابن عباس قال :نزلت في عبد الرحمن بن عوف كان جريحا، أخرجه البخاري وغيره.
ثم أمرهم بأخذ الحذر فقال ﴿ وخذوا حذركم ﴾ لئلا يأتيكم العدو على غرة وهم غافلون، والمعنى راقبوا عدوكم ولا تغفلوا عنه، أمرهم بالتحفظ والتحرز والاحتياط، وهذا يفيد إيجاب حملها عند عدم العذر وهو أحد القولين للشافعي، والثاني أنه سنة ورجحه الشيخان ﴿ إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ﴾ يهانون به أخبر أنه يهين عدوهم لتقوى قلوبهم وليعلموا أن الأمر بالحذر ليس لتوقع غلبتهم وإنما هو تعبد من الله.
١ المشكاة ١١٦٠..
﴿ فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ( ١٠٣ ) ﴾
﴿ فإذا قضيتم الصلاة ﴾ أي فرغتم من صلاة الخوف وهو أحد معاني القضاء، ومثله ﴿ فإذا قضيتم مناسككم ﴾ و ﴿ فإذا قضيتم الصلاة فانتشروا في الأرض ﴾ ﴿ فاذكروا الله ﴾ الأمر للندب لأنه في الفضائل ﴿ قياما وقعودا وعلى جنوبكم ﴾ في جميع الأحوال حتى حال القتال، قال ابن عباس بالليل والنهار وفي البر والبحر وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة والسر والعلانية وعلى كل حال.
وعن ابن مسعود أنه بلغه أن قوما يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، فقال إنما هذه إذا لم يستطع الرجل أن يصلي قائما صلى قاعدا، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن هذا الذكر المأمور به إنما هو إثر صلاة الخوف أي فإذا فرغتم من الصلاة فاذكروا الله في هذه الأحوال، وقيل معناها إذا صليتم فصلوا قياما وقعودا وعلى جنوبكم حسبما تقتضيه الحال عند ملاحمة القتال، فهي مثل قوله ﴿ فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ﴾.
والمعنى أن ما أنتم عليه من الخوف جدير بالمواظبة على ذكر الله والتضرع إليه، وعن عائشة قالت :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله في كل أحيانه أخرجه الشيخان.
﴿ فإذا اطمأننتم ﴾ أي أمنتم بعد ما وضعت الحرب أوزارها وسكنت قلوبكم، والطمأنينة سكون النفس من الخوف ﴿ فأقيموا الصلاة ﴾ أي فأتوا بالصلاة التي دخل وقتها على الصفة المشروعة من الأذكار والأركان، ولا تفعلوا ما أمكن فإن ذلك إنما هو في حال الخوف، وقيل المعنى في الآية أنهم يقضون ما صلوه في حال المسايفة لأنها حالة قلق وانزعاج وتقصير في الأذكار والأركان، وهو مروي عن الشافعي، والأول أرجح وقال مجاهد :فإذا اطمأننتم أي إذا خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة فأقيموا الصلاة، قال أتموها أربعا من غير قصر، وعن قتادة وابن المنذر نحوه١.
﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ﴾ أي فرضا محدودا معينا، والكتاب هنا بمعنى المكتوب يعني مؤقتة في أوقات محدودة فلا يجوز إخراجها عن أوقاتها على أي حال كان من خوف أو أمن، وقيل المعنى فرضا واجبا مقدرا في الحضر أربع ركعات وفي السفر ركعتين، يقال وقته فهو موقوت ووقته فهو مؤقت.
والمقصود أن الله افترض على عباده الصلوات وكتبها عليهم في أوقاتها المحدودة لا يجوز لأحد أن يأتي بها في غير ذلك الوقت إلا لعذر شرعي من نوم أو سهو أو نحوهما، قال ابن عباس :موقوتا مفروضا، والموقوت الواجب، فلا بد أن تؤدى في كل وقت حسبما قدر فيه.
١ القرطبي ٣٧٤..
﴿ ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون وكان الله عليما حكيما ( ١٠٤ ) ﴾
﴿ ولا تهنوا في ابتغاء القوم ﴾ من وهن بالكسر في الماضي أو من وهن بالفتح أي لا تضعفوا في طلبهم وقتالهم وأظهروا القوة والجلد، وقريء تهانوا من الإهانة مبنيا للمفعول أي لا تتعاطوا من الجبن والخور ما يكون سببا في إهانتكم.
﴿ إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ﴾ تعليل للنهي المذكور قبله أي ليس ما تجدون من ألم الجراح ومزاولة القتال مختصا بكم، بل هو أمر مشترك بينكم وبينهم، فليسوا بأولى منكم بالصبر على حر القتال ومرارة الحرب.
ومع ذلك فلكم عليهم مزية لا توجد فيهم ﴿ و ﴾ هي أنكم ﴿ ترجون من الله ﴾ من الأجر وعظيم الجزاء ﴿ مالا يرجون ﴾ لكفرهم وجحودهم فأنتم أحق بالصبر منهم وأولى بعدم الضعف منهم، فإن أنفسكم قوية لأنها ترى الموت مغنما وهم يرونه مغرما، ونظير هذه الآية قوله تعالى ﴿ إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ﴾.
وقيل :إن الرجاء هنا بمعنى الخوف لأن من رجا شيئا فهو غير قاطع بحصوله فلا يخلو من خوف ما يرجو، وقال الفراء والزجاج :لا يطلق الرجاء بمعنى الخوف إلا مع النفي كقوله تعالى ﴿ ما لكم لا ترجون لله وقارا ﴾ أي لا تخافون له عظمة.
﴿ وكان الله عليما حكيما ﴾ لا يأمركم بشيء إلا وهو يعلم أنه مصلحة لكم.
﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما ( ١٠٥ ) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما ( ١٠٦ ) ﴾
﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب ﴾ أي القرآن ﴿ بالحق ﴾ أي متلبسا به، والحق الصدق أو الأمر والنهي والفصل بين الناس ﴿ لتحكم بين الناس بما أراك ﴾ أي أعلمك ﴿ الله ﴾ إما بوحي أو بما هو جار على سنن ما قد أوحي إليك به، وليس المراد هنا رؤية العين لأن الحكم لا يرى بل المراد ما عرفه الله به وأرشده إليه، وإنما سمي العلم اليقيني رؤية لأنه جرى مجرى الرؤية في قوة الظهور.
روي عن عمر أنه قال :لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني الله، فإن الله لم يجعل ذلك لنبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن ليجهد رأيه لأن الرأي من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مصيبا لأن الله كان يريه إياه، وإن رأى أحدنا يكون ظنا ولا يكون علما، وقد دلت هذه الآية على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يحكم إلا بالوحي الإلهي.
﴿ ولا تكن للخائنين ﴾ أي لأجلهم ﴿ خصيما ﴾ مخاصما عنهم مجادلا للمحقين بسببهم، وفيه دليل على أنه لا يجوز أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق، ونزلت هذه الآية في بني الأبيرق، وقد رويت هذه القصة مختصرة ومطولة عن جماعة من التابعين عند أهل السنن وغيرهم لا نطول بذكرها١.
١ روى ابن مردوديه من طريق العوفي عن ابن عباس أن نفرا من الأنصار غزوا مع رسول الله صلى الله عيه وسلم في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم فأظن بها رجل من الأنصار، فأتى صاحب الدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أن طعمة بن أبيرق سرق درعي، فلما رأى السارق ذلك عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء وقال لنفر من عشيرته إني غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان، وستوجد عنده، فانطلقوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ليلا فقالوا يا نبي الله إن صاحبنا بريء وإن صاحب الدرع_ فلان وقد أحطنا بذلك علما فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس وجادل عنه فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فبرأه وعذره على رؤوس الناس فأنزل الله ﴿إنا أنزلنا الكتاب بالحق ليحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما﴾ ورواه الترمذي والحاكم وابن جرير وغيرهم بأطول من هذا قلت إسناده ضعيف جدا..
﴿ واستغفر الله ﴾ أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستغفار، قال ابن جرير :إن المعنى استغفر الله من ذنبك في خصامك للخائنين، وقيل المعنى واستغفر الله للمذنبين من أمتك والمخاصمين بالباطل والأول أرجح ﴿ إن الله كان غفورا رحيما ﴾.
وقد تمسك بهذه الآية من يرى جواز صدور الذنب من الأنبياء وقالوا لم يقع منه صلى الله عليه وسلم ذنب لما أمر بالاستغفار، والجواب عنه بوجوه ذكرها الخازن في تفسيره١.
١ لا شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يتحدث أو يعمل كرسول، أي مبلغا أو داعيا فهو معصوم، أما إذا كان يتحدث أو يعمل من عند نفسه في الأمور العامة التي ليست جزاءا من الرسالة فهو بشر، يمكن أن يخطئ، ويغلب أن يصيب، وقد وضح الرسول ذلك بقوله في الحديث الذي رواه رافع ابن خديج "إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من أمر دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فأنا بشر" وكان الصحابة يفرقون بين محمد النبي ومحمد الإنسان، يتضح ذلك في المثال الذي حدث في غزوة بدر، فإن الرسول اختار مكانا ليهيئ فيه جنده للقتال، فسأله أحدهم: هل هذا الاختيار وحي من الله أو اجتهاد من عندك؟ فأجابه صلى الله عليه وسلم: بل هو اجتهاد من عندي، فقال الرجل هناك مكان أصلح من هذا، فانتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إليه..
﴿ ولا تجدل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما ( ١٠٧ ) يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون مالا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا ( ١٠٨ ) ﴾
﴿ ولا تجادل ﴾ أي لا تحاجج ﴿ عن الذين يختانون ﴾ أي يخونون ﴿ أنفسهم ﴾ بالمعاصي، والمجادلة مأخوذ من الجدل وهو الفتل، وقيل مأخوذ من الجدالة وهي وجه الأرض لأن كل واحد من الخصمين يريد أن يلقي صاحبه عليها، وسمى ذلك خيانة لأنفسهم لأن ضرر معصيتهم راجع إليهم ﴿ إن الله لا يحب ﴾ عدم المحبة كناية على البغض، وإنما قال ﴿ من كان خوانا أثيما ﴾ على المبالغة لأنه تعالى علم منه الإفراط في الخيانة وركوب المآثم.
﴿ يستخفون من الناس ﴾ أي يستترون منه كقوله ﴿ ومن هو مستخف بالليل ﴾ أي مستتر قيل معناه يستحيون من الناس ﴿ ولا يستخفون من الله ﴾ أي لا يستترون ولا يستحيون منه ﴿ هو ﴾ أي والحال أنه ﴿ معهم ﴾ بالعلم والقدرة في جميع أحوالهم، عالم بما فيه فكيف يستخفون منه، وكفى بذلك زجرا للإنسان عن ارتكاب الذنوب.
وكفى بهذه الآية ناعية على ما هم من قلة الحياء والخشية من ربهم مع علمهم أنهم في حضرته لا سترة ولا غيبة ﴿ إذ يبيتون ﴾ أي يدبرون الرأي بينهم، وسماه تبيينا لأن الغالب أن تكون إدارة الرأي بالليل ﴿ مالا يرضى من القول ﴾ أي من الرأي الذي أداروه بينهم وسماه قولا لأنه لا يحصل إلا بعد المقاولة بينهم ﴿ وكان الله بما يعلمون محيطا ﴾ عالما علم إحاطة لا يخفى عليه شيء من أسرار عباده وهو مطلع عليهم، لا تخفى عليه خافية.
﴿ ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا ( ١٠٩ ) ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ( ١١٠ ) ﴾
﴿ ها أنتم هؤلاء ﴾ يعني القوم الذين جادلوا عن صاحبهم السارق، قال الزجاج :أولاء بمعنى الذين، والخطاب هنا طريق الالتفات للإيذان بأن تعديد جناياتهم يوجب مشافهتهم بالتوبيخ والتقريع ﴿ جادلتم ﴾ أي خاصمتم ﴿ عنهم ﴾ وحاججتم، وأصل الجدال شدة الفتل لأن كل واحد من الخصمين يريد أن يفتل صاحبه عما هو عليه.
﴿ في الحياة الدنيا فمن يجادل عنهم يوم القيامة ﴾ الاستفهام للإنكار والتوبيخ أي فمن يخاصم ويجادل عنهم عند تعذيبهم بذنوبهم ﴿ أم من يكون عليهم وكيلا ﴾ أي مجادلا ومخاصما، الوكيل في الأصل القائم بتدبير الأمور، والمعنى من ذاك يقوم بأمرهم إذا أخذهم الله بعذابه، ومن يكون محاميا عنهم من بأس الله إذا نزل بهم.
﴿ ومن يعمل سوءا ﴾ هذا من تمام القصة السابقة والمراد بالسوء القبيح الذي يسوء به غيره ﴿ أو يظلم نفسه ﴾ بفعل معصية من المعاصي أو ذنب من الذنوب التي لا تتعدى إلى غيره ﴿ ثم يستغفر الله ﴾ يطلب منه أن يغفر له ما قارفه من الذنب ﴿ يجد الله غفورا ﴾ لذنبه ﴿ رحيما ﴾ به وفيه ترغيب لمن وقع منه السرق من بني أبريق أن يتوب إلى الله ويستغفره وأنه غفور لمن يستغفره رحيم به.
وقال الضحاك :إن هذه الآية نزلت في شأن وحشي قاتل حمزة أشرك بالله وقتل حمزة ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال هل لي من توبة فنزلت، وعلى كل حال فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فهي لكل عبد من عباد الله أذنب ثم استغفر الله سبحانه.
وعن ابن عباس قال :أخبر الله عباده بحلمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنبا صغيرا كان أو كبيرا ثم استغفر الله يجد الله غفورا رحيما ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال، وعن ابن مسعود من قرأ هاتين الآيتين من سورة النساء ثم استغفر الله غفر له ﴿ ومن يعمل سوءا ﴾ الآية ﴿ ولو أنهم ظلموا أنفسهم ﴾ الآية.
وقد ورد في قبول الاستغفار وأنه يمحو الذنب أحاديث كثيرة مدونة في كتب السنة، وفي هذه الآية دليل على حكمين.
( أحدهما ) أن التوبة مقبولة عن جميع الذنوب الكبائر والصغائر.
( والثاني ) أن مجرد الاستغفار كاف كما هو ظاهر الآية وقيل :إنه مقيد بالتوبة١. ١١١
١ روى الإمام أحمد في "المسند"١/١٧٤ عن علي رضي الله عنه قال: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يذنب ذنبا ثم يتوضأ فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله تعالى لذلك الذنب إلا غفر له" وقرأ هاتين الآيتين: ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما﴾ ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة، أو ظلموا أنفسهم...﴾ الآية (آل عمران: ١٣٥) ورواه الترمذي: ٢/٢٥٧، وابن حبان في "صحيحه" وهو حديث حسن. وقد ذكر في "التهذيب"١/٢٦٨ تحسينه عن ابن عدي..
﴿ ومن يكسب إثما فإنه يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما ( ١١١ ) ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ( ١١٢ ) ﴾
﴿ ومن يكسب إثما ﴾ من الآثام بذنب يذنبه وهو إجمال بعد تفصيل ﴿ فإنما يكسبه على نفسه ﴾ أي فعاقبته عائده عليه ولا يضر غيره، والكسب ما يجر به الإنسان إلى نفسه نفعا أو يدفع ضررا، ولهذا لا يسمى فعل الرب كسبا، قاله القرطبي ﴿ وكان الله عليما ﴾ بما في قلب عبده عند إقدامه على التوبة ﴿ حكيما ﴾ لا يعاقب بالذنب غير فاعله ويتجاوز عن التائب ويغفر له ويقبل توبته.
﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثما ﴾ قيل هما بمعنى واحد كرر للتأكيد، وقال الطبري إن الخطيئة الصغيرة، والإثم الكبيرة، وقيل الأول ذنب بينه وبين ربه والثاني ذنب في مظالم العباد، وقيل الخطيئة هي المختصة بفاعله والإثم المتعدي إلى الغير.
﴿ ثم يرم به بريئا ﴾ منه، توحيد الضمير لكون العطف بأو، أو لتغليب الإثم على الخطيئة وقيل إنه يرجع إلى الكسب ﴿ فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ﴾ لما كانت الذنوب لازمة لفاعلها كانت كالثقل الذي يحمل، ومثله ﴿ وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ﴾ والبهتان مأخوذ من البهت وهو الكذب على البرئ بما يتبهت له ويتحير منه.
يقال بهته بهتا وبهتانا إذا قال عليه ما لم يقل، ويقال بهت الرجل بالكسر إذا دهش وتحير، وبهت بالضم ومنه ﴿ فبهت الذي كفر ﴾ والمبين الواضح.
﴿ ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ( ١١٣ ) ﴾
﴿ ولولا فضل الله عليك ورحمته ﴾ خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد بهذا الفضل والرحمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نبهه على الحق في قصة بني أبريق وقيل المراد بهما العصمة والنبوة ﴿ لهمت طائفة منهم ﴾ أي من الجماعة الذين عضدوا بني أبيرق يعني من بني ظفر، وهم قوم طعمة ﴿ أن يضلوك ﴾ عن القضاء الحق وتوخي طريق العدل أو يخطئوك في الحكم ويلبسوا عليك الأمٍر.
﴿ وما يضلون إلا أنفسهم ﴾ لأن وبال ذلك عائد عليهم بسبب تعاونهم على الإثم ﴿ وما يضرونك من شيء ﴾ لأن الله سبحانه هو عاصمك من الناس، ولأنك عملت بالظاهر فلا ضرر عليك في الحكم به قبل نزول الوحي، ومن زائدة.
﴿ وأنزل الله عليك الكتاب ﴾ قيل هذا ابتداء كلام وقيل الواو للحال أي وما يضرونك من شيء حال إنزال الله عليك القرآن أو مع إنزال الله ذلك عليك، فالجملة في معنى العلة لما قبله ﴿ والحكمة ﴾ أي القضاء بها ﴿ وعلمك ﴾ أي بالوحي من أحكام الشرع وأمور الدين أو علم الغيب وخفيات الأمور أو من أحوال المنافقين وكيدهم أو من ضمائر القلوب ﴿ ما لم تكن تعلم ﴾ من الوحي، وقال قتادة :علمه الله بيان الدنيا والآخرة وبين حلاله وحرامه ليحتج بذلك على خلقه وقال الضحاك :علمه الخير والشر.
﴿ وكان فضل الله عليك عظيما ﴾ فيما علمك وأنعم عليك لأنه لا فضل أعظم من النبوة التامة، والرسالة العامة، وفيه تنبيه منه سبحانه لرسوله على ما حباه من ألطافه، وما شمله من فضله وإحسانه ليقوم بواجب حقه.
﴿ لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ( ١١٤ ) ﴾
﴿ لا خير في كثير من نجواهم ﴾ النجوى السر بين الاثنين أو الجماعة، تقول ناجيت فلانا ونجاء وهم يتنجون ويتناجون ونجوت فلانا أنجوه نجوى أي ناجيته، فنجوى مشتقة من نجوت الشيء أنجوه أي خلصته وأفردته والنجوة من الأرض المرتفع لانفراده بارتفاعه عما حوله، فالنجوى المسارة مصدر، وقد يسمى به الجماعة كما يقال قوم عدل قال الله تعالى ﴿ وإذ هم نجوى ﴾ وقيل النجوى جمع نجي، نقله الكرماني.
وقد قال جماعة من المفسرين :إن النجوى كلام الجماعة أو الاثنين سواء كان ذلك سرا أو جهرا، وبه قال الزجاج، والآية عامة في حق جميع الناس كما اختاره البغوي والكواشي كالواحدي وقيل عائد إلى قوم طعمة، والأول أولى.
﴿ إلا من أمر بصدقة ﴾ أي حث عليها، والظاهر أنها صدقة التطوع وقيل إنها صدقة الفرض والأول أولى، والاستثناء متصل كما اختاره القاضي كالكشاف وقيل منقطع لأن ﴿ من ﴾ للأشخاص وليست من جنس التناجي فيكون بمعنى لكن في لغة الحجاز.
﴿ أو معروف ﴾ لفظ عام يشمل جميع أنواع الجميل وفنون أعمال البر، وقال مقاتل :المعروف هنا الفرض، والأول أولى، ومنه الحديث كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وقيل المعروف إغاثة الملهوف والقرض وإعانة المحتاج وأعمال البر كلها معروف لأن العقول تعرفها.
﴿ أو إصلاح بين الناس ﴾ عطف خاص على عام قاله أبو حيان، وفيه أنه لا يكون بأو، وهو عام في الدماء والأعراض والأموال وفي كل شيء يقع التداعي فيه.
وقد أخرج عبد الله بن حميد والترمذي وابن ماجة وغيرهم عن أم حبيبة قالت :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( كلام بن آدم كله عليه لا له إلا أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو ذكر الله عز وجل١ ).
قال سفيان الثوري هذا في كتاب الله يعني هذه الآية وقوله تعالى ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ﴾ وقوله ﴿ والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ﴾.
وقد وردت أحاديث صحيحة في الصمت والتحذير عن آفات اللسان والترغيب في حفظه وفي الحث على الإصلاح بين الناس، ولعل وجه تخصيص هذه الثلاثة بالذكر، أن عمل الخير المتعدي للناس إما إيصال منفعة أو دفع مضرة، والمنفعة إما جسمانية وإليه الإشارة بالأمر بالمعروف، ودفع الضرر أشير إليه بقوله أو إصلاح بين الناس قاله أبو السعود.
﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ إشارة إلى الأمور المذكورة، جعل مجرد الأمر بها خيرا ثم رغب في فعلها بقوله هذا لأن فعلها أقرب إلى الله من مجرد الأمر بها إذ خيرية الأمر بها إنما هي لكونه وسيلة إلى فعلها أو أراد ومن يأمر بذلك، فعبر عن الأمر بالفعل لأن الأمر بالفعل أيضا فعل من الأفعال.
﴿ ابتغاء مرضات الله ﴾ علة للفعل لأن من فعلها لغير ذلك فهو غير مستحق لهذا المدح والجزاء بل قد يكون ناج من الوزر، وإنما الأعمال بالنيات ﴿ فسوف نؤتيه ﴾ في الآخرة إذا فعل ذلك ابتغاء لمرضات الله ﴿ أجرا عظيما ﴾ لا حد له ولا يعلم قدره إلا الله.
وأخرج أبو نصر في الإنابة عن أنس قال :جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الله أنزل على القرآن يا أعرابي ﴿ لا خير في كثير من نجواهم ﴾ إلى قوله ﴿ عظيما ﴾ يا أعرابي الأجر العظيم الجنة )، قال الأعرابي :الحمد لله الذي هدانا للإسلام.
١ ابن ماجة كتاب الفتن باب١٢..
﴿ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ( ١١٥ ) ﴾
﴿ ومن يشاقق الرسول ﴾ المشاقة المعاداة والمخالفة ﴿ من بعد ما تبين ﴾ أي وضح وظهر ﴿ له الهدى ﴾ بأن يعلم صحة الرسالة بالبراهين الدالة على ذلك ثم يفعل المشاقة ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴾ أي غير طريقهم وهو ما هم عليه من دين الإسلام والتمسك بأحكامه في الاعتقاد والعمل والقول ﴿ نوله ما تولى ﴾ أي نجعله واليا لما تولاه واختاره من الضلال بأن نخلي بينه وبينه في الدنيا ونتركه وما اختاره لنفسه.
﴿ ونصله ﴾ أي نلزمه وندخله في الآخرة، وأصله من الصلى وهو لزوم النار وقت الاستدفاء ﴿ جهنم وساءت مصيرا ﴾ مرجعا هي، وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على حجية الإجماع لقوله ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴾.
ولا حجة في ذلك عندي لأن المراد بغير سبيل المؤمنين هنا هو الخروج من دين الإسلام إلى غيره كما يفيده اللفظ ويشهد به السبب، فلا يصدق على عالم من علماء هذه الملة الإسلامية اجتهد في بعض مسائل الدين فأداه اجتهاده إلى مخالفة من بعصره من المجتهدين، فإنه إنما رام السلوك في سبيل المؤمنين وهو الدين القويم والملة الحنيفية، ولم يتبع غير سبيلهم.
وقد أخرج الترمذي والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عمر قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا يجمع الله هذه الأمة على الضلالة أبدا، ويد الله على الجماعة فمن شذ شذ في النار١ )، وأخرجه الترمذي والبيهقي أيضا عن ابن عباس مرفوعا.
١ الترمذي كتاب الفتن٧..
﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا ( ١١٦ ) إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا ( ١١٧ ) ﴾
﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ هذا نص صريح بأن الشرك غير مغفور إذا مات صاحبه عليه لقوله ﴿ قل للذين كفروا ﴾ الآية ﴿ ويغفر ما دون ذلك ﴾ أي ما دون الشرك ﴿ لمن يشاء ﴾ من أهل التوحيد وهذه المشيئة فيمن لم يتب من ذنوبه من الموحدين فإن شاء غفر له وإن شاء عذبه.
﴿ ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا ﴾ أي ذهب عن طريق الهدى وحرم الخير كله إذا مات على شركه، لأن الشرك أعظم أنواع الضلال وأبعدها من الصواب والاستقامة، كما أنه افتراء وإثم عظيم ولذلك جعل الجزاء في هذه الشرطية ﴿ فقد ضل ﴾ وفيما سبق ﴿ فقد افترى إثما عظيما ﴾ حسبما يقتضيه سياق النظم الكريم وسياقه.
وفي السمين ختمت الآية المتقدمة بقوله فقد افترى وهذه بقوله فقد ضل لأن الأولى في شأن أهل الكتاب وهم عندهم علم بصحة نبوته وأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع، ومع ذلك فقد كابروا في ذلك وافتروا على الله، وهذه في شأن قوم مشركين ليس لهم كتاب ولا عندهم علم، فناسب وصفهم بالضلال.
وأيضا قد تقدم هنا ذكر الهدى وهو ضد الضلال ١ه.
وقد تقدم تفسير هذه الآية وتكريرها بلفظها في موضعين من هذه السورة للتأكيد وقيل كررت هنا لأجل قصة بني أبريق، وقيل :إنها نزلت هنا بسبب غير قصة بني أبيرق وهو ما رواه الثعلبي والقرطبي في تفسيرها عن الضحاك أن شيخا من الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :يا رسول الله إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا إلا أني لم أشرك بالله شيئا مذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه وليا ولم أوقع المعاصي جرأة على الله ولا مكابرة له وإني لنادم وتائب ومستغفر فما حالي عند الله فأنزل الله تعالى هذه الآية أخرجه الترمذي، عن علي أنه قال ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية قال الترمذي حسن غريب.
﴿ وإن يدعون من دونه إلا إناثا ﴾ تعليل لما قبلها أي ما يدعون من دون الله إلا أصناما لها أسماء مؤنثة كاللات والعزى ومناة قاله ابن عباس، قال الزجاج :الموات كلها يخبر عنها كما يخبر عن المؤنث تقول هذه الحجر تعجبني، وهذه الدرهم تنفعني وقد يطلق الأنثى على الجمادات.
وقيل المراد بالإناث الملائكة لقولهم الملائكة بنات الله قال الضحاك :اتخذوهم أربابا وصوروهن صور الجواري فحلوا وقلدوا وقالوا هؤلاء يشبهن بنات الله الذي نعبده يعنون الملائكة، وقرئ إلا وثنا بضم الواو والثاء جمع وثن، رويت هذه عن عائشة، وقرأ بن عباس :إلا أثنا جمع وثن أيضا وقرأ الحسن إلا أنثا جمع أنيث كغدير وغدر، وحكى الطبري أنه جمع أناث كثمار وثمر.
وعلى جميع هذه القراآت فهذا الكلام خارج مخرج التوبيخ للمشركين والإزراء عليهم، والتضعيف لعقولهم لكونهم عبدوا من دون الله نوعا ضعيفا، وقال الحسن :كان لكل حي من أحياء العرب صنم يعبدونها يسمونها أنثى بني فلان فأنزل الله هذه الآية.
﴿ وإن ﴾ ما ﴿ يدعون ﴾ من دون الله ﴿ إلا شيطانا مريدا ﴾ وهو إبليس لعنه الله، لأنهم إذا أطاعوه فيما سول لهم فقد عبدوه، وتقدم اشتقاق لفظ الشيطان المريد المتمرد العاتي من مرد إذا عتا، قال الأزهري :المريد الخارج عن الطاعة وقد مرد الرجل مرودا إذا عتا وخرج عن الطاعة فهو مارد ومريد ومتمرد.
وقال ابن عرفة :هو الذي ظهر شره يقال شجرة مرداء إذا تساقط ورقها وظهرت عيدانها، ومنه قيل للرجل أمرد أي ظاهر مكان الشعر من عارضيه، وقال ابن عباس :لكل صنم شيطان يدخل في جوفه ويتراءى للسدنة والكهنة ويكلمهم والأول أولى.
﴿ لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ( ١١٨ ) ولأضلنهم ولأمنينهم ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولأمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا ( ١١٩ ) ﴾
﴿ لعنه الله ﴾ قيل مستأنفة وقيل دعاء عليه، أصل اللعن الطرد والإبعاد، وقد تقدم تفسيره وهو في العرف إبعاد مقترن بسخط ﴿ وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ﴾ معطوف على قوله لعنه الله والجملتان صفة لشيطان أي شيطانا مريدا جامعا بين لعنة الله له وبين هذا القول الشنيع، أو حال على إضمار قد أي وقد قال، أو استئناف، ولأتخذن جواب قسم محذوف، والنصيب المفروض هو المقطوع المقدر أي لأجعلن قطعة مقدرة من عباد الله تحت غوايتي وفي جانب إضلالي حتى أخرجهم من عبادة الله إلى الكفر به.
عن مقاتل ابن حيان قال هذا إبليس يقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد في الجنة، وعن الربيع ابن أنس مثله.
قلت :وهذا صحيح معنى ويعضد، قوله تعالى لآدم يوم القيامة أخرج من ذريتك بعث النار فيقول يا رب وما بعث النار ؟ فيقول الله تعالى أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فعند ذلك تشيب الأطفال من شدة الهول، أخرجه مسلم.
فنصيب الشيطان هو بعث النار، والمعنى لأتخذن منهم حظا مقدرا معلوما فكل ما أطيع فيه إبليس فهو نصيبه ومفروضه، وأصل الفرض القطع، وهذا النصيب هم الذين يتبعون خطواته ويقبلون وساوسه.
﴿ ولأضلنهم ﴾ اللام جواب قسم محذوف، والإضلال الصرف عن طريق الهداية إلى طريق الغواية والمراد به التزيين والوسوسة وإلا فليس إليه من الإضلال شيء، قال بعضهم لو كان الإضلال على إبليس لأضل جميع الخلق وهكذا اللام في قوله ﴿ ولأمنينهم ﴾ والمراد بالأماني التي يمينهم بها الشيطان هي الأماني الباطلة الناشئة عن تسويله ووسوسته قال ابن عباس يريد تسويف التوبة وتأخيره.
قال الكلبي :أمنيهم أنه لا جنة ولا نار ولا بعث، وقيل إدراك الجنة مع المعاصي وقيل أزين لهم ركوب الأهواء والأهوال الداعية إلى العصيان وقيل طول البقاء في الدنيا ونعيمها ليؤثروها على الآخرة، ولا مانع من حمل اللفظ على الجميع.
﴿ ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ﴾ أي ولأمرنهم بتبتيك آذانها أي تقطيعها فليبتكنها بموجب أمري والبتك القطع ومنه سيف باتك يقال بتكة وبتكة مخففا ومشددا، وقد فعل الكفار ذلك امتثالا لأمر الشيطان وإتباعا لرسمه فشقوا آذان البحائر والسوائب١ كما لك معروف، قال قتادة :التبتيك في البحيرة والسائبة يبتكون آذانها لطواغيتهم ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ بموجب أمري لهم.
واختلف العلماء في هذا التغيير ما هو فقالت طائفة :هو الخصي وفقء العين وقطع الأذن، وقال آخرون :إن المراد هو أن سبحانه خلق الشمس والقمر والأحجار والنار ونحوها من المخلوقات لما خلقها له فغيرها الكفار بأن جعلوها آلهة معبودة وبه قال الزجاج، وقيل المراد تغيير الفطرة التي فطر الله الناس عليها وقيل نفي الأنساب واستلحاقها أو بتغيير الشيب بالسواد أو بالتحريم والتحليل أو بالتخنث أو بتغيير دين الإسلام، ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه الأمور حملا شموليا أو بدليا.
وقد رخص طائفة من العلماء في خصي البهائم إذا قصد بذلك زيادة الانتفاع به لسمن أو غيره، وكره ذلك آخرون وأما خصي بني آدم فحرام، وقد كره قوم شراء الخصي، قال القرطبي :لم يختلفوا أن خصي بني آدم لا يحل ولا يجوز وأنه مثلة، وتغيير لخلق الله، وكذلك قطع سائر أعضائهم في غير حد ولا قود قاله أبو عمرو بن عبد البر.
أخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن عمر قال :نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خصي البهائم والخيل، وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صبر الروح وإخصاء البهائم.
وعن ابن عباس فليغيرن خلق الله قال دين الله، وعن الضحاك وسعيد ابن جبير مثله، وعن الحسن قال الوشم ووصل الشعر، وهذه الجمل الخمسة المحكية عن اللعين مما نطق به لسانه مقالا أو حالا، وما فيها من اللامات الخمس للقسم كما تقدم.
﴿ ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله ﴾ بإتباعه وامتثال ما يأمر به وإيثار ما يدعو إليه من دون إتباع لما أمر الله به ولا امتثال له، وقيل الولي من الموالاة وهو الناصر ﴿ فقد خسر ﴾ بتضييع رأس ماله الفطري ﴿ خسرانا مبينا ﴾ أي واضحا ظاهرا لأن طاعة الشيطان توصله إلى نار جهنم المؤبدة عليه وهي غاية الخسران.
١ البحيرة هي الناقة تشق أذنها وتخلى للطواغيت إذا ولدت خمسة أبطن آخرها ذكر والسائبة هي الناقة تسيب للأصنام لنحو برء من مرض أو نجاة في حرب..
﴿ يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ( ١٢٠ ) أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا ( ١٢١ ) والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا ( ١٢٢ ) ﴾
﴿ يعدهم ﴾ المواعيد الباطلة كطول العمر ﴿ ويمنيهم ﴾ الأماني العاطلة في الدنيا، عطف خاص للاهتمام، ﴿ وما يعدهم الشيطان ﴾ أي بما يوقعه في خواطرهم من الوساوس الفارغة ﴿ إلا غرورا ﴾ يغرهم به ويظهر لهم فيه النفع وهو ضرر محض، قال ابن عرفة :الغرور ما رأيت له ظاهرا تحبه وله باطن مكروه وهذه الجملة اعتراضية.
﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى أولياء الشيطان بمراعاة معنى ( من ) وهذا مبتدأ وقوله ﴿ مأواهم ﴾ مبتدأ ثان وقوله ﴿ جهنم ﴾ خبر للثاني والجملة خبر للأول ﴿ ولا يجدون عنها محيصا ﴾ أي معدلا من حاص يحيص، وقيل منجى ومخلصا ومحيدا ومهربا وقيل الحيص هو الروغان بنفور والمحيص اسم مكان أو مصدر.
﴿ الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ بيان لوعد الله المؤمنين عقب بيان وعد الشيطان للكافرين ﴿ سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ أي من تحت المساكن والغرف ﴿ خالدين فيها أبدا ﴾ بلا انتهاء ولا غاية، والأبد عبارة عن مدة الزمان الممتد الذي لا انقطاع له.
﴿ وعد الله حقا ﴾ قال في الكشاف مصدران الأول مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره، ووجهه أن الأول مؤكد لمضمون الجملة الاسمية ومضمونها وعد، والثاني مؤكد لغير أي حق ذلك حقا ﴿ ومن أصدق من الله قيلا ﴾ هذه الجملة مؤكدة لما قبلها، والقيل مصدر قال كالقول والقال والاستفهام بمعنى النفي أي لا أحد أصدق قولا من الله عز وجل، وقيل إن قيلا اسم لا مصدر، وإنه منتصب على التمييز قاله ابن السكيت.
﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ( ١٢٣ ) ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ( ١٢٤ ) ﴾
﴿ ليس ﴾ دخول الجنة أو الفضل أو القرب من الله أو الأمر منوطا ﴿ بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ﴾ بل بالعمل الصالح والإيمان كما يدل على ذلك سبب نزول الآية، وقيل الضمير يعود إلى ما وعد الله وهو بعيد، ومن أماني أهل الكتاب قولهم لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، وقولهم ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ وقولهم ﴿ لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ﴾.
وعن مسروق قال :تفاخر النصارى وأهل الإسلام فقال هؤلاء نحن أفضل منكم، وقال هؤلاء نحن أفضل منكم، فنزلت وقد ورد في معنى هذه الرواية من طرق كثيرة مختصرة ومطولة، والأماني جمع أمنية أفعولة من التمنية، والتمني تقدير الشيء في النفس وتصويره فيها والأمنية هي الصورة الحاصلة في النفس، وقيل الخطاب للمسلمين ولليهود والنصارى وقيل مشركي مكة في قولهم لا نبعث ولا نحاسب.
﴿ من يعمل سوءا يجز به ﴾ قال الحسن :هذا في حق الكفار، ولا وجه له، وقال ابن عباس :هي عامة في كل من عمل سوءا.
وفي هذه الجملة ما ترجف له القلوب من الوعيد الشديد وقد كان لها في صدور المسلمين عند نزولها موقع عظيم كما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة قال لما نزلت ﴿ من يعمل سوءا يجز به ﴾ بلغت من المسلمين مبلغا شديدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها والشوكة يشاكها ) ١.
أخرج عبد بن حميد والترمذي وابن المنذر عن أبي بكر الصديق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له لما نزلت هذه الآية :أما أنت وأصحابك يا أبا بكر فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله ليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع لهم ذلك حتى يجزوا به يوم القيامة٢.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر الله به من سيآته٣ وقد ورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة ﴿ ولا يجد له من دون الله ﴾ أي غيره ﴿ وليا ﴾ يحفظه ﴿ ولا نصيرا ﴾ يمنعه منه.
١ مسلم٢٥٧٤..
٢ ضعيف الجامع ١٣٣٥..
٣ مسلم ٢٥٧٣ والبخاري٢٢٣٥..
﴿ ومن يعمل من ﴾ من للتبعيض أي بعض ﴿ الصالحات ﴾ وهي الفرائض قاله ابن عباس، وقال الطبري من زائدة عند قوم وهو ضعيف لأن المكلف لا يطيق عمل كل الصالحات، حال كونه ﴿ من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ﴾ أي حال كونه مؤمنا، والحال الأول لبيان من يعمل، والحال الأخرى لإفادة اشتراط الإيمان في كل عمل صالح، وفيه إشارة إلى أن الأعمال ليست من الإيمان.
﴿ فأولئك ﴾ إشارة إلى العامل المتصف بالإيمان، قرئ ﴿ يدخلون الجنة ﴾ على البناء للمجهول وللمعلوم والجمع باعتبار معنى ( من ) كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظها ﴿ ولا يظلمون نقيرا ﴾ أي قدر النقير وهو النقرة في ظهر النواة ومنها تنبت النخلة، وهذا على سبيل المبالغة في نفي الظلم ووعد بتوفية جزاء أعمالهم من غير نقصان، كيف والمجازي أرحم الراحمين.
﴿ ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا ( ١٢٥ ) ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا ( ١٢٦ ) ﴾
﴿ ومن ﴾ أي لا أحد فهو استفهام إنكاري ﴿ أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن ﴾ أي أخلص نفسه له حال كونه محسنا أي عاملا للحسنات، وقيل معنى أسلم فوض أمره إلى الله، وقال ابن عباس :هو محسن يريد هو موحد لله عز وجل لا يشرك به شيئا، وإنما خص الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء فإذا انقاد لله فقد انقاد له جميع الأعضاء لأنها تابعة له.
﴿ واتبع ملة إبراهيم حنيفا ﴾ أي اتبع دين إبراهيم حال كون المتبع مائلا عن الأديان الباطلة إلى دين الحق وهو الإسلام، وخص إبراهيم للإتفاق على مدحه حتى من اليهود والنصارى ﴿ واتخذ الله إبراهيم خليلا ﴾ أي جعله صفوة له وخصه بكرامته، وفيه إظهار في مقام الإضمار لتفخيم شأنه، والتنصيص على أنه متفق على مدحه.
وفائدة هذه الجملة تأكيد وجوب إتباع ملته لأن من بلغ الزلفى عند الله أن اتخذه خليلا كان جديرا بأن يتبع ملته، قال ثعلب إنما سمي الخليل خليلا لأن محبته تتخلل القلب فلا تدع فيه خللا إلا ملأته، وخليل فعيل بمعنى فاعل كالعليم بمعنى العالم، وقيل هو بمعنى المفعول كالحبيب بمعنى المحبوب، وقد كان إبراهيم عليه السلام محبوبا لله ومحبا له، وقيل الخليل من الاختصاص، فالله سبحانه اختص إبراهيم برسالته في ذلك الوقت واختاره لها، واختار هذا النحاس.
قال الزجاج :معنى الخليل الذي ليس في محبته خلل، أخرج الحاكم وصححه عن جندب أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يتوفى :( إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا١ ) وأخرج الحاكم أيضا وصححه عن ابن عباس قال :أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم٢، وفي تعريف الخلة والسبب الذي من أجله اتخذ الله إبراهيم خليلا أقوال ذكرها أهل التفسير٣.
١ المستدرك ٥٥٠/٢..
٢ المستدرك ٤٦٩/٢..
٣ روى عبد الله ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يا جبريل لم أتخذ الله إبراهيم خليلا؟ قال: "لإطعامه الطعام" رواه السيوطي في الدر٢٠/٢٣٠ ونسبه للبيهقي في شعب الإيمان.
وفي رواية أن الناس أصابتهم سنة فأقبلوا إلى باب إبراهيم عليه السلام يطلبون الطعام، وكانت له ميرة من صديق له بمصر في كل سنة.
فبعث غلمانه بالإبل إلى صديقه فلم يعطهم شيئا، فقالوا: لو احتملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة فملؤوا الغرائر رملا، ثم أتوا إبراهيم عليه السلام فاعلموه، فاهتم إبراهيم لأجل الخلق، فنام وجاءت سارة وهي لا تعلم ما كان ففتحت الغرائر فإذا دقيق حواري فأمرت الخبازين فخبزوا، وأطعموا الناس، فاستيقظ إبراهيم فقال من أين هذا الطعام فقالت: من عند خليلك المصري فقال: لا بل من عند خليلي الله عز وجل فيومئذ أتخذ الله خليلا انتهى. قال ابن كثير في صحيحه هذا ووقوعه نظر وغايته أن يكون خبرا إسرائيليا لا يصدق ولا يكذب..

﴿ ولله ما في السماوات وما في الأرض ﴾ ملكا وخلقا وعبيدا، فيه إشارة إلى أنه سبحانه اتخذ إبراهيم خليلا لطاعته لا لحاجته ولا للتكثر به والاعتضاد بمخاللته، وإنما قال ﴿ ما ﴾ ولم يقل ( من ) لأنه ذهب به مذهب الجنس والذي يعقل إذا ذكر وأريد به الجنس ذكر بلفظ ﴿ ما ﴾ قيل مستأنفة لتقرير وجوب طاعة الله وقيل لبيان أن الخلة لا تخرج إبراهيم عن رتبة العبودية.
﴿ وكان الله بكل شيء محيطا ﴾ هذه الجملة مقررة لمعنى الجملة التي قبلها أي أحاط بكل شيء علما وقدرة لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
﴿ ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء التي لا تؤتوهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما ( ١٢٧ ) ﴾
﴿ ويستفتونك ﴾ يطلبون منك الفتوى وهي بالواو فتفتح الفاء، وبالياء فتضم وهي اسم من أفتى العالم بين الحكم واستفتيته سألته أن يفتي والجمع الفتاوى فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم إن الله يبين لكم حكم ما سألتم عنه.
وهذه الآية رجوع إلى ما افتتحت به السورة من أمر النساء وكان قد بقيت لهم أحكام لم يعرفوها فسألوا فقيل لهم ﴿ الله يفتيكم ﴾ قال مجاهد كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان شيئا، كانوا يقولون لا يغزون ولا يغنمون خيرا ففرض الله لهن الميراث حقا واجبا.
وعن إبراهيم قال :كانوا إذا كانت الجارية يتيمة دميمة لم يعطوها ميراثها وحبسوها من التزويج حتى تموت فيرثونها فأنزل الله هذا.
﴿ وما يتلى عليكم في الكتاب ﴾ أي القرآن الذي يتلى عليكم يفتيكم فيهن، والمتلو في الكتاب في معنى اليتامى قوله تعالى ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ﴾ وقيل المراد بالكتاب اللوح المحفوظ، والغرض منه تعظيم حال هذه الآية التي تتلى عليكم، وأنها اللوح المحفوظ وأن العدل والإنصاف في حقوق اليتامى من أعظم الأمور عند الله التي يجب مراعاتها وأن المخل بها ظالم.
﴿ وفي يتامى النساء ﴾ فيه خمسة أوجه ( أحدها ) أنه بدل من ﴿ في الكتاب ﴾ وهو بدل اشتمال ولا بد من حذف مضاف أي في حكم يتامى ( الثاني ) أن يتعلق بيتلى قاله أبو البقاء ( الثالث ) أنه بدل من فيهن بإعادة العامل ( الرابع ) أن يتعلق بنفس الكتاب أي فيما كتب في حكم اليتامى ( الخامس ) أنه حال أي كائنا في حكم يتامى والإضافة من باب إضافة الصفة إلى الموصوف إذ الأصل في النساء اليتامى.
﴿ اللاتي لا تؤتوهن ما كتب ﴾ أي فرض ﴿ لهن ﴾ من الميراث وقيل الصداق وغيره وذلك لأنهم كانوا يورثون الرجال دون النساء، والكبار دون الصغار ﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ بجمالهن ومالهن بتقدير ( في ) أو لعدم جمالهن ودمامتهن بتقدير عن، والآية محتملة للوجهين ﴿ والمستضعفين من الولدان ﴾ عطف على قوله ﴿ يتامى النساء ﴾ وما يتلى في حقهن هو قوله ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ الآية.
وقد كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا من كان مستضعفا من الولدان كما سلف، وإنما يورثون الرجال القائمين بالقتال وسائر الأمور.
﴿ و ﴾ يأمركم ﴿ أن تقوموا لليتامى بالقسط ﴾ أي العدل في مهورهن ومواريثهن ﴿ وما تفعلوا من خير ﴾ في حقوق المذكورين أو من شر ففيه اكتفاء ﴿ فإن الله كان به عليما ﴾ يجازيكم بحسب فعلكم من خير وشر.
﴿ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ( ١٢٨ ) ﴾
﴿ وإن امرأة ﴾ مرفوع بفعل يفسره ﴿ خافت ﴾ أي توقعت ما يخاف من زوجها وقيل معناه تيقنت، وهو خطأ ﴿ من بعلها ﴾ أي زوجها، والبعل هو السيد ﴿ نشوزا ﴾ دوام النشوز قاله الزجاج يعني ترفعا عليها بترك مضاجعتها والتقصير في نفقتها لبغضها وطموح عينه إلى أجمل منها ﴿ أو إعراضا ﴾ عنها بوجهه، قال النحاس :الفرق بين النشوز والإعراض أن النشوز التباعد، والإعراض أن لا يكلمها ولا يأنس بها.
﴿ فلا جناح عليكم ﴾ أي لا حرج ولا إثم على الزوج والمرأة قال أبو السعود :الجناح عن الزوج ظاهر لأنه يأخذ شيئا من قبلها، والأخذ مظنة الجناح، ومظنة أن يكون من قبيل الرشوة المحرمة، وأما نفي الجناح عنها مع أن الذي هو من قبلها هو الدفع لا الأخذ فلبيان أن الصلح ليس من قبيل الرشوة المحرمة للمعطى والآخذ ١ه.
﴿ أن يصلحا ﴾ من المصالحة على قراءة الجمهور وظاهر الآية أنها تجوز المصالحة عند مخافة أي نشوز أو أي إعراض، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وظاهرها أنه يجوز التصالح بأي نوع من أنواعه إما بإسقاط التوبة أو بعضها أو بعض النفقة أو بعض المهر.
وقرأ الكوفيون ﴿ أن يصلحا ﴾ من الإصلاح والأول أولى لأن قاعدة العرب أن الفعل إذا كان بين اثنين فصاعدا قيل تصالح الرجلان أو القوم لا أصلح.
﴿ بينهما صلحا ﴾ أي في القسمة والنفقة، قال ابن عباس :فإن صالحته على بعض حقها جاز وإن أنكرت ذلك بعد الصلح كان ذلك لها، ولها حقها ﴿ والصلح ﴾ لفظ عام يقتضي أن الصلح الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف ﴿ خير ﴾ على الإطلاق أو خير من الفرقة أو من الخصومة أو من النشوز والإعراض، وهذه الجملة اعتراضية قاله الزمخشري واللام في الصلح للجنس أو للعهد.
قد أخرج الترمذي وحسنه وابن المنذر والطبراني والبيهقي عن ابن عباس قال :خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت :يا رسول الله لا تطلقني واجعل يومي لعائشة ففعل ونزلت هذه الآية١، قال ابن عباس :فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز.
وأخرج أبو داود والحاكم وصححه البيهقي عن عائشة أن سبب نزول الآية هو قصة سودة المذكورة، وأخرج البخاري وغيره عنها في الآية فقالت :الرجل يكون عند المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول أجعلك من شأني في حل فنزلت فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لها بيوم سودة.
﴿ وأحضرت الأنفس الشح ﴾ أي شدة البخل، وهذا إخبار منه سبحانه بأن الشح في كل واحد منهما بل في كل الأنفس الإنسانية كائن، وأنه جعل كأنه حاضر لها لا يغيب عنها بحال من الأحوال، وأن ذلك بحكم الجبلة والطبيعة فالرجل يشح بما يلزمه للمرأة من حسن العشرة وحسن النفقة ونحو ذلك، والمرأة تشح على الرجل بحقوقها اللازمة للزوج فلا تترك له شيئا منها، وشح الأنفس بخلها بما يلزمها أو يحسن فعله لوجه من الوجوه، ومنه ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ عن ابن عباس :هواه في الشيء يحرص عليه والشح أقبح البخل وحقيقته الحرص على منع الخير.
﴿ وإن تحسنوا ﴾ أيها الأزواج الصحبة والعشرة ﴿ وتتقوا ﴾ ما لا يجوز من النشوز والإعراض في حق المرأة فإنها أمانة عندكم، وقيل المعنى أن تحسنوا بالإقامة معها على الكراهة وتتقوا ظلمها والجور ﴿ فإن الله كان بما تعملون خبيرا ﴾ فيجازيكم الله يا معشر الأزواج بما تستحقونه.
١ زاد المسير٢١٧/٤٩٣..
﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما ( ١٢٩ ) ﴾
﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء١ أخبر سبحانه بنفي استطاعتهم للعدل بين النساء على الوجه الذي لا يميل فيه البتة لما جلبت عليه الطباع البشرية من ميل النفس إلى هذه في المحبة ونقصان هذه، وذلك بحكم الخلقة بحيث لا يملكون قلوبهم ولا يستطيعون توقيف أنفسهم على التسوية، ولهذا كان يقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم اللهم :هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك٢، رواه ابن أبي شيبة وأحمد وأبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن المنذر عن عائشة وإسناده صحيح.
قال ابن مسعود :العدل بين النساء الجماع، وقال الحسن :الحب وكذا المحادثة والمجالسة والنظر إليهن والتمتع ﴿ ولو حرصتم ﴾ يعني على العدل والتسوية بينهن في الحب وميل القلب.
﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ إلى التي تحبونها في القسم والنفقة، ولما كانوا لا يستطيعون ذلك ولو حرصوا عليه وبالغوا فيه نهاهم عز وجل عن أن يميلوا كل الميل، لأن ترك ذلك وتجنب الجور كل الجور في وسعهم وداخل تحت طائفتهم، فلا يجوز لهم أن يميلوا عن إحداهن إلى الأخرى كل الميل.
﴿ فتذروها ﴾ أي الأخرى الممال عنها ﴿ كالمعلقة ﴾ التي ليست ذات زوج ولا مطلقة تشبيها بالشيء هو معلق غير مستقر على شيء لا في السماء ولا في الأرض، أي لا أيما ولا ذات زوج، وقرأ أبي بن كعب فتذروها كالمسجونة لا هي مخلصة فتتزوج، ولا هي ذات بعل فيحسن إليها.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأهل السنن عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :من كانت له امرأتان فمال على إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط٣.
﴿ وإن تصلحوا ﴾ ما أفسدتم من الأمور التي تركتم ما يجب عليكم فيها من عشرة النساء والعدل بينهن في القسم والحب ﴿ وتتقوا ﴾ الجور في القسم وكل الميل الذي نهيتم عنه ﴿ فإن الله كان غفورا رحيما ﴾ بكم لا يؤاخذكم بما فرط منكم من الميل إلى بعضهن دون بعض.
١ يظن بعض الناس أن هذه الآية تمنع تعدد الزوجات وفاته أن آخرها صريح في الإباحة حيث تقول (فلا تميلوا كل الميل) فهذا لا يقال لصاحب الزوجة الواحدة وتضم إلى هذا أن من الثابت أن بعض الصحابة كانوا يتزوجون أكثر من واحدة وقصة حفصة بنت عمر معروفة وهي أنها لما مات زوجها عرضها عمر على عثمان وعمر كان يعلم أن عثمان متزوج..
٢ وكذلك يأخذ بعضهم على الإسلام أنه يبيح الزوجات ويظن أنه بذلك يدافع عن المرأة وأن التعدد ضار بها وقد قرأنا كلمة للأستاذ العقاد جاء فيها (والأمر الذي يغفل عنه الكثيرون أن إباحة تعدد الزوجات في الإسلام إنما هو في حقيقته رخصة للمرأة التي تريده باختيارها، وليس رخصة للرجل إذا أراد فمهما يكن من إرادة الرجل فهو لا يستطيع البناء بامرأة واحدة لا تختاره فضلا عن الجمع بين امرأتين أو أربع على هواه وإذا كان قبول المرأة شرطا واجبا لصحة كل زوج فالرخصة إذا في مصلحة المرأة التي تختاره وترى من أحوالها في الأسرة أنها الرابحة في هذا الاختيار.
ولقد عرفنا نحن كما عرف غيرنا أحوالا غير نادرة كانت المرأة توازن فيها بين جميع الاعتبارات فتخرج من هذه الموازنة بتفضيل تعدد الزوجات على ما عداه)..

٣ صحيح الجامع٦٣٩١ وسلسلة الأحاديث الصحيحة٢٧٧. وأبو داود كتاب النكاح٣٨- النسائي كتاب النساء باب٢..
﴿ وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما ( ١٣٠ ) ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا ( ١٣١ ) ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ( ١٣٢ ) إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا ( ١٣٣ ) ﴾
﴿ وإن يتفرقا ﴾ أي لم يتصالحا بل فارق كل واحد منهما صاحبه بالطلاق ﴿ يغن الله كلا ﴾ منهما أي يجعله مستغنيا عن الآخر بأن يهيئ للرجل امرأة توافقه وتقرعينه، والمرأة رجلا تغتبط بصحبته ويرزقها ﴿ من سعته ﴾ رزقا يغنيهما به عن الحاجة، وفي هذا تسلية لكل واحد من الزوجين بعد الطلاق ﴿ وكان الله واسعا حكيما ﴾ واسع الفضل والرحمة، وقيل القدرة والعلم والرزق صادرة أفعاله على جهة الإحكام والإتقان.
﴿ ولله ما في السماوات وما في الأرض ﴾ هذه جملة مستأنفة لتقرير كمال سعته سبحانه وشمول قدرته لأن من ملكهما لا تفنى خزائنه ﴿ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب ﴾ أي أمرناهم فيما أنزلناه عليكم من الكتب، واللام في الكتاب للجنس، ﴿ من قبلكم ﴾ من اليهود والنصارى وأصحاب الكتب القديمة ﴿ وإياكم ﴾ يا أهل القرآن في كتابكم ﴿ أن اتقوا الله ﴾ أي أمرناهم وأمرناكم بالتقوى، وقال الأخفش بأن اتقوا الله.
ويجوز أن تكون أن مفسرة لأن التوصية في معنى القول وهو أن توحدوه وتطيعوه وتحذروه وتخافوه ولا تخالفوا أمره، والمعنى أن الأمر بتقوى الله شريعة قديمة أوصى الله بها جميع الأمم السالفة في كتبهم على ألسن رسلهم.
﴿ وإن تكفروا ﴾ أي وقلنا لهم ولكم إن تكفروا وتجاحدوا ما أوصاكم به ﴿ فإن لله ما في السماوات وما في الأرض ﴾ خلقا وملكا وعبيدا فلا يضره كفركم، وفائدة هذا التكرير التأكيد ليتنبه العباد على سعة ملكه وينظروا في ذلك ويعلموا أنه غني عن خلقه ﴿ وكان الله غنيا ﴾ عن جميع خلقه ﴿ حميدا ﴾ مستحمدا إليهم قاله ابن عباس، وعن علي مثله.
﴿ ولله ما في السماوات وما في الأرض ﴾ أي عبيدا وملكا قيل تكريرها تعديدا لما هو موجب تقواه لأن التقوى والخشية أصل كل خير، وقيل كلام مبتدأ سيق للمخاطبين توطئة لما بعده من الشرطية غير داخل تحت القول المحكي ﴿ وكفى بالله وكيلا ﴾ أي حفيظا قاله قتادة، وقال ابن عباس شهيدا على أن له فيهن عبيدا وقيل دافعا ومجيرا.
﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ أي يفنكم ﴿ أيها الناس ﴾ ويستأصلكم بالمرة، قال ابن عباس :يريد المشركين والمنافقين ﴿ ويأت ﴾ أي يوجد دفعة مكانكم ﴿ بآخرين ﴾ أي بقوم آخرين من البشر، أو خلقا مكان الإنس غيركم هم خير منكم، وهو كقوله تعالى ﴿ وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ﴾ ﴿ وكان الله على ذلك ﴾ أي على أن يهلك من خلقه ما شاء ويأتي بآخرين من بعدهم ﴿ قديرا ﴾ لا يمتنع شيء أراده ولم يزل ولا يزال موصوفا بالقدرة على جميع الأشياء١.
١ قال ابن كثير رحمه الله: وقوله: ﴿إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا﴾ أي: هو قادر على إذهابكم وتبديلكم بغيركم إذا عصيتموه، كما قال: ﴿وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ (محمد: ٣٨) وقال بعض السلف: ما أهون العباد على الله إذا أضاعوا أمره..
﴿ من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا ( ١٣٤ ) يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلو أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ( ١٣٥ ) ﴾
﴿ من كان يريد ثواب الدنيا ﴾ هو من يطلب بعمله شيئا من الدنيا كالمجاهد يطلب الغنيمة دون الأجر ﴿ فعند الله ﴾ أي فما باله يقتصر على أدنى الثوابين وأحقر الأجرين وهلا طلب بعمله ما عند الله سبحانه وهو ﴿ ثواب الدنيا والآخرة ﴾ فيحرزهما جميعا ويفوز بهما، ظاهر الآية العموم، وقال ابن جرير الطبري :إنها خاصة بالمشركين والمنافقين ﴿ وكان الله سميعا ﴾ أي يسمع ما يقولونه ﴿ بصيرا ﴾ أي يبصر ما يفعلونه، وهذا تذييل بمعنى التوبيخ.
﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين ﴾ صيغة مبالغة أي ليتكرر ويدم منكم القيام ﴿ بالقسط ﴾ وهو العدل في شهادتكم وفي جميع أموركم، ومن عدل مرة أو مرتين لا يكون في الحقيقة قواما ﴿ شهداء ﴾ بالحق، وقيل بالوحدانية جمع شهيد قياسا أو شاهد على غير قياس وهو خبر لكان أوحال، قال ابن عطية :والحال فيه ضعيفة في المعنى لأنها تخصيص القيام بالقسط إلى معنى الشهادة فقط والأول أولى، و ﴿ لله ﴾ أي لمرضاته وثوابه.
﴿ ولو على أنفسكم ﴾ متعلق بشهداء، هذا المعنى هو الظاهر من الآية وهو الإقرار بما عليكم من الحقوق ﴿ أو الوالدين والأقربين ﴾ أي من ذوي رحمه وأقاربه، فأما شهادته على والديه فبأن يشهد عليهما بحق للغير، وكذلك الشهادة على الأقربين، وذكر الأبوين لوجوب برهما وكونهما أحب الخلق إليه.
ثم ذكر الأقربين لأنهم مظنة المودة والتعصب، فإذا شهدوا هؤلاء بما عليهم فالأجنبي من الناس أحرى أن يشهدوا عليه، وقد قيل :إن معنى الشهادة على النفس أن يشهد بحق على من يخشى لحاق ضرر منه على نفسه، وهو بعيد.
﴿ إن يكن ﴾ المشهود عليه من الأقارب أو الأجانب ﴿ غنيا ﴾ فلا يراعي لأجل غنائه استجلابا لنفعه أو استدفاعا لضره فتترك الشهادة عليه ﴿ أو فقيرا ﴾ فلا يراعي لفقره رحمة له وإشفاقا عليه فتترك الشهادة عليه، وقرأ ابن مسعود :إن يكن غني أو فقير على إن كان تامة، وإنما قال : ﴿ فالله أولى بهما ﴾ ولم يقل به مع أن التخيير إنما يدل على الحصول لواحد لأن المعنى فالله أولى بكل واحد منهما.
وقيل رد الضمير إلى المعنى دون اللفظ، وقال الأخفش :تكون أو بمعنى الواو، إنه يجوز ذلك مع تقدم ذكرهما كما في قوله تعالى ﴿ وله أخ أوأخت فلكل واحد منهما السدس ﴾ وقد تقدم في مثل هذا ما هو أبسط مما هنا، وقرأ أبي فالله أولى بهم.
﴿ فلا تتبعوا الهوى ﴾ في الشهادة ﴿ أن تعدلوا ﴾ إما من العدل كأنه قال :فلا تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا بين الناس، واختاره الزمخشري أو من العدول واختاره القاضي كأنه قال :فلا تتبعوا الهوى مخافة أن تعدلوا عن الحق أو كراهة أن تعدلوا عنه.
﴿ وإن تلووا ﴾ ما اللي يقال لويت فلانا حقه دفعت عنه والمراد لي الشهادة ميلا إلى المشهود عليه، وقرأ الكوفيون وإن تلوا من الولاية أي وإن تلوا الشهادة وتتركوا ما يجب عليكم من تأديتها على وجه الحق، وقد قيل أن هذه القراءة تفيد معنيين الولاية والإعراض، والقراءة الأولى تفيد معنى واحدا وهو الإعراض.
وزعم بعض النحويين أن القراءة الثانية غلط ولحن لأنه لا معنى للولاية هنا، قال النحاس :وغيره وليس يلزم هذا ولكن يكون تلوا بمعنى تلووا، والمعنى ما قال ابن عباس :يلوي لسانه بغير الحق ولا يقيم الشهادة على وجهها.
﴿ أو تعرضوا ﴾ عن تأدية الشهادة من الأصل، وقيل معناه التحريف والتبديل في الشهادة، وقيل هو خطاب مع الحكام أن يميلوا مع أحد الخصمين أو يعرضوا عنه بالكلية ﴿ فإن الله كان بما تعملون ﴾ من اللي والإعراض أو من كل عمل ﴿ خبيرا ﴾ وفي هذا وعيد شديد لمن لم يأت بالشهادة كما يجب عليه.
وقد روي أن هذه الآية تعم القاضي والشهود أما الشهود فظاهر، وأما القاضي فذلك بأن يعرض عن أحد الخصمين أو يلوي عن الكلام معه، وقيل هي خاصة باليهود، قال ابن عباس :أمر الله المؤمنين أن يقولوا بالحق ولو على أنفسهم أو آبائهم أو أبنائهم لا يهابون غنيا لغنائه ولا يرحمون مسكينا لمسكنته، وقال الرجلان يجلسان عند القاضي فيكون لي القاضي وإعراضه لأحد الرجلين على الآخر١.
١ وروى ابن جرير٩/٤٠٣ عن السدي "أن فقيرا وغنيا اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكان (ميله) مع الفقير، يرى أن الفقير لا يظلم الغني فنزلت هذه الآية..
﴿ يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا ( ١٣٦ ) إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ( ١٣٧ ) ﴾
﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ خطاب لكافة المسلمين، وذكر عقب الأمر بالعدل لأنه لا يكون العدل إلا بعد الاتصاف بالإيمان، فهو من ذكر السبب بعد المسبب ﴿ آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ﴾ أي اثبتوا على إيمانكم وداوموا عليه، على حد فاعلم أنه لا إله إلا الله، ويا أيها النبي اتق الله، والكتاب هو القرآن واللام للعهد، والكتاب الثاني هو كل كتاب واللام للجنس.
وقيل :إن الآية نزلت في المنافقين، والمعنى يا أيها الذين آمنوا في الظاهر أخلصوا لله، وقيل نزلت في المشركين، والمعنى يا أيها الذين آمنوا باللات والعزى آمنوا بالله، وهما ضعيفان.
﴿ ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ﴾ أي بشيء من ذلك كما جرى عليه القاضي كالكشاف، وذكر الرسول فيما سبق لذكر الكتاب الذي أنزل عليه، وذكر الرسل هنا لذكر الكتب جملة فناسبه ذكر الرسل جملة، وجمع أيضا لما أن الكفر بكتاب أو رسول كفر بالكل، قاله الكرخي.
وتقديم الملائكة على الرسل لأنهم الوسائط بين الله وبين رسله، قال الضحاك :يعني بذلك أهل الكتاب كان الله قد أخذ ميثاقهم في التوراة والإنجيل وأقروا على أنفسهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فلما بعث الله رسوله دعاهم إلى أن يؤمنوا بمحمد والقرآن، وذكرهم الذي أخذ عليهم من الميثاق فمنهم من صدق النبي صلى الله عليه وسلم واتبعه ومنهم من كفر.
﴿ فقد ضل ﴾ عن القصد لأن الكفر ببعضه كفر بكله ﴿ ضلالا بعيدا ﴾ عن الحق بحيث يعسر العود منه إلى سواء الطريق، وقول القاضي :بحيث لا يكاد يعود إلى طريقه، لا يصح إلا إذا كانت الآية في جمع مخصوص علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر ولا يتوبون عنه.
والظاهر أنه يحتاج إلى هذه المبالغة بل المراد ما أشرنا إليه لأن الذين يكفرون بما ذكر قد يسلم بعضهم، وزيادة الملائكة واليوم الآخر في جانب الكفر لما أنه بالكفر بأحدهما لا يتحقق الإيمان أصلا، وجمع الكتب والرسل لما أن الكفر بكتاب أو رسول كفر بالكل.
﴿ إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا ﴾ أخبر الله سبحانه عن هذه الطائفة التي آمنت ثم كفرت ثم آمنت ثم كفرت ثم ازدادت كفرا بعد ذلك كله أنه ﴿ لم يكن الله ﴾ سبحانه ﴿ ليغفر لهم ﴾ ذنوبهم ما أقاموا عليه ﴿ ولا ليهديهم سبيلا ﴾ طريقا يتوصلون به إلى الحق ويسلكونه إلى الخير لأنه يبعد منهم كل البعد أن يخلصوا لله ويؤمنوا إيمانا صحيحا لأن قلوبهم قد تعودت الكفر وتمرنت على الردة، وكان الإيمان عندهم أهون شيء وأدونه، لا أنهم لو أخلصوا الإيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم.
وفي هذا إشارة إلى أن الكفر بعد التوبة مغفور ولو بعد ألف مرة كما قاله الأصفهاني وغيره، وهذا الاضطراب منهم تارة يدعون أنهم مؤمنون، وتارة يمرقون من الإيمان ويرجعون إلى ما هو دأبهم وشأنهم من الكفر المستمر والجحود الدائم، يدل أبلغ دلالة على أنهم متلاعبون بالدين ليست لهم نية صحيحة ولا قصد خالص.
قيل المراد بهؤلاء اليهود، فإنهم آمنوا بموسى والتوراة ثم كفروا بعبادتهم العجل ثم آمنوا به عند عوده إليهم، ثم كفروا بعيسى والإنجيل ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، والمراد بازدياد الكفر أنهم استمروا على ذلك كما هو الظاهر من حالهم، وإلا فالكافر إذا آمن وأخلص إيمانه وأقلع عن الكفر فقد هداه الله السبيل الموجب للمغفرة، والإسلام يجب ما قبله، ولكن لما كان هذا مستبعدا منهم جدا كان غفران ذنوبهم وهدايتهم إلى سبيل الحق مستبعدا١.
وعن قتادة قال :هم اليهود والنصارى آمنت اليهود بالتوراة ثم كفرت وآمنت النصارى بالإنجيل ثم كفرت ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وعن ابن زيد قال :هؤلاء المنافقون آمنوا مرتين ثم كفروا مرتين ثم ازدادوا كفرا بعد ذلك بموتهم على الكفر، وذلك لأن من تكرر منه الإيمان والكفر بعد الإيمان مرات كثيرة دل على أنه لا وقع للإيمان في قلبه، ومن كان كذلك لا يكون مؤمنا بالله إيمانا كاملا صحيحا وازديادهم الكفر هو استهزاؤهم وتلاعبهم بالإيمان.
قال علي :لا تقبل أي توبة مثل هذا التلاعب، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن التوبة مقبولة، وظاهر القرآن مع علي.
١ قال ابن الجوزي: أنها اليهود آمنوا بموسى، ثم كفروا بعد موسى، ثم آمنوا بعزير، ثم كفروا بعده بعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم، هذا قول ابن عباس. وروى عن قتادة قال: آمنوا بموسى، ثم كفروا بعبادة العجل، ثم آمنوا بعده بعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد..
﴿ بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما ( ١٣٨ ) الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا ( ١٣٩ ) ﴾
﴿ بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما ﴾ مؤلما هو عذاب النار، إطلاق البشارة على ما هو شر خالص لهم، تهكم بهم، وقد مر تحقيقه، وقيل البشارة كل خبر تتغير به بشرة الوجه سارا كان ذلك الخبر أو غير سار، والأول أولى وقيل المعنى :إجعل موضع بشارتك لهم العذاب لأن العرب تقول تحيتك الضرب أي هذا يدل من تحيتك.
﴿ الذين يتخذون الكافرين أولياء ﴾ وصف للمنافقين أو منصوب على الذم أي يجعلون الكفار أولياء لهم يوالونهم على كفرهم ويمالئونهم على ضلالهم ﴿ من دون المنافقين ﴾ حال من فاعل يتخذون أي يتخذون الكفرة متجاوزين ولاية المؤمنين لما يتوهمون فيهم من القوة، ولقولهم إن ملك محمد سيزول.
﴿ أيبتغون عندهم العزة ﴾ هذا الاستفهام للتقريع والتوبيخ، والجملة معترضة أي لا يجدونها عندهم ﴿ فإن العزة لله جميعا ﴾ هذه الجملة تعليل لما تقدم من توبيخهم عند الكافرين، وجميع أنواع العزة وأفرادها مختص بالله سبحانه في الدنيا والآخرة، ولا ينالها إلا أولياؤه الذين كتب لهم العزة، وما كان منها مع غيره فهو من فضله وتفضله كما في قوله ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾.
وهذا يقتضي بطلان التعزز بغيره سبحانه واستحالة الانتفاع به، وعزة الكفار ليس معتدا بها بالنسبة إلى عزة المؤمنين لأنه لا يعز إلا من أعز الله، والعزة الغلبة يقال عنه عزا إذا غلبه.
﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا ( ١٤٠ ) ﴾
﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب ﴾ الخطاب لجميع من أظهر الإيمان من مؤمن ومنافق لأن من أظهر الإيمان فقد لزمه أن يمتثل ما أنزل الله، وقيل :إنه خطاب للمنافقين فقط كما يفيده التشديد والتوبيخ، والكتاب هو القرآن والذي أنزله الله عليهم في الكتاب هو قوله تعالى ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ﴾ وهذا نزل بمكة لأنه قد كان جماعة من الداخلين في الإسلام يقعدون مع المشركين واليهود حال سخريتهم بالقرآن واستهزائهم به فنهوا عن ذلك.
ثم إن أحبار اليهود بالمدينة كانوا يفعلون مثل فعل المشركين، وكان المنافقون يجلسون إليهم ويخوضون معهم في الاستهزاء بالقرآن فنهى الله المؤمنين عن القعود معهم بقوله ﴿ أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها ﴾ أي إذا سمعتم الكفر والاستهزاء بآيات الله، فأوقع السماع على الآيات، والمراد سماع الكفر والاستهزاء.
﴿ فلا تقعدوا معهم ﴾ ما داموا كذلك ﴿ حتى ﴾ غاية للنهي ﴿ يخوضوا في حديث غيره ﴾ أي حديث الكفر والاستهزاء.
وفي هذه الآية باعتبار عموم لفظها الذي هو المعتبر دون خصوص السبب دليل على اجتناب كل موقف يخوض فيه أهله بما يفيد التنقص والاستهزاء للأدلة الشرعية، كما يقع كثيرا من أسراء التقليد الذين استبدلوا آراء الرجال بالكتاب والسنة، ولم يبق في أيديهم سوى إمام مذهبنا كذا، وقال فلان من أتباعه بكذا، وإذا سمعوا من يستدل على تلكم المسألة بآية قرآنية أو بحديث نبوي سخروا منه ولم يرفعوا إلى ما قاله رأسا، ولا بالوا به بالة وظنوا أنه قد جاء بأمر فظيع وخطب شنيع، وخالف مذهب إمامهم الذي نزلوه منزلة معلم الشرائع.
بل بالغوا في ذلك حتى جعلوا رأيه القائل، واجتهاده الذي هو عن منهج الحق مائل، مقدما على الله وعلى كتابه وعلى رسوله فإنا لله وإنا إليه راجعون، ما صنعت هذه المذاهب بأهلها، والأئمة الذين انتسب هؤلاء المقلدة إليهم براء من فعلهم فإنهم قد صرحوا في مؤلفاتهم بالنهي عن تقليدهم كما أوضح الشوكاني ذلك في القول المفيد وأدب الطلب، اللهم انفعنا بما علمتنا واجعلنا من المتقيدين بالكتاب والسنة، وباعد بيننا وبين آراء الرجال المبنية على شفا جرف هار، يا مجيب السائلين.
قال ابن عباس :دخل في هذه الآية كل محدث في الدين وكل مبتدع إلى يوم القيامة.
﴿ إنكم إذا مثلهم ﴾ مستأنفة سقيت لتعليل النهي أي أنكم إن فعلتم ذلك وقعدتم معهم ولم تنتهوا فأنتم مثلهم في الكفر واستتباع العذاب١، قيل وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر كما في قول القائل :
*وكل قرين بالمقارن يقتدي*
وهذه الآية محكمة عند جميع أهل العلم إلا ما يروى عن الكلبي فإنه قال :هي منسوخة بقوله تعالى ﴿ وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ﴾ وهو مردود فإن من التقوى اجتناب مجالس هؤلاء الذين يكفرون بآيات الله ويستهزئون بها.
قال أهل العلم :هذا يدل على أن من رضي بالكفر فهو كافر، ومن رضي بمنكر أو خالط أهله كان في الإثم بمنزلتهم إذا رضي به وإن لم يباشره، فإن جلس بمنكر ولم يرض بفعلهم، بل كان ساخطا له وإنما جلس على التقية والخوف فالأمر فيه أهون من المجالسة مع الرضا، وإن جلس مع صاحب بدعة أو منكر ولم يخض في بدعه أو منكره فيجوز الجلوس معه مع الكراهة، وقيل لا يجوز بحال والأول أولى.
﴿ إن الله جامع المنافقين والكافرين ﴾ هذا تعليل لكونهم مثلهم في الكفر، قيل وهم قاعدون والمقعود إليهم عند من جعل الخطاب موجها إلى المنافقين، وعن سعيد ابن جبير قال :إن الله جامع المنافقين من أهل المدينة والمشركين من مكة الذين خاضوا واستهزؤوا بالقرآن ﴿ في جهنم جميعا ﴾ كما اجتمعوا في الدنيا على الكفر والاستهزاء.
١ روى الإمام أحمد٢/١٤٨ بترتيب الساعاتي، والترمذي٤/٢٠ وحسنه، والنسائي١/١٩٨ من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر" وهو حديث صحيح. قال ابن حجر: أخرجه النسائي من حديث جابر مرفوعا وإسناده جيد، قلت: وليس في النسائي الشطر الثاني من حديث، وأخرجه الترمذي من وجه آخر بسند فيه ضعف، وأبو داود في "سننه"٣/٤٧٧ عن ابن عمر بسند فيه انقطاع، وأحمد١/٢١٠ عن عمر بسند فيه مجهول. وفي "القرطبي"٥٢٢/٤١٧ فكل من جلس مجلس معصية، ولم ينكر عليهم أن يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكر عليهم، فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية..
﴿ الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ( ١٤١ ) ﴾.
﴿ الذين يتربصون بكم ﴾ أي ينتظرون بكم ما يتجدد ويحدث لكم من خير أو شر، يقال تربصت الأمر تربصا انتظرته، والربصة وزان غرفة اسم منة، وتربصت الأمر بفلان انتظرت وقوعه به، والخطاب في ( بكم ) للمؤمنين والموصول صفة للمنافقين أو بدل منهم فقط دون الكافرين لأن التربص المذكور هو من المنافقين دون الكافرين، وعليه جرى القاضي كالكشاف ويجوز أن يكون على الذم.
﴿ فإن كان لكم فتح ﴾ هذه الجملة والتي بعدها حكاية لتربصهم أي إن حصل لكم فتح ﴿ من الله ﴾ بالنصر على من يخالفكم من الكفار وبالظفر على عدوكم وغنيمة تنالون منهم ﴿ قالوا ﴾ لكم ﴿ ألم نكن معكم ﴾ في الاتصاف بظاهر الإسلام والتزام أحكامه والمظاهرة والتسويد وتكثير العدد.
﴿ وإن كان للكافرين نصيب ﴾ من الغلب لكم والظفر بكم ﴿ قالوا ﴾ للكافرين ﴿ ألم نستحوذ عليكم ﴾ أي ألم نقهركم ونغلبكم ونتمكن منكم ولكن أبقينا عليكم، وقيل المعنى إنهم قالوا للكفار الذين ظفروا بالمسلمين ألم نستحوذ عليكم حتى هابكم المسلمون وخذلناهم عنكم.
والأول أولى فإن معنى الاستحواذ الغلب يقال استحوذ على كذا أي غلب عليه، ومنه قوله تعالى ﴿ استحوذ عليهم الشيطان ﴾ ولا يصح أن يقال نغلبكم حتى هابكم المسلمون، ولكن المعنى ألم نغلبكم يا معشر الكافرين ونتمكن منكم فتركناكم وأبقينا عليكم حتى حصل لكم هذا الظفر بالمسلمين.
وسمي ظفر المسلمين فتحا، وظفر الكافرين نصيبا تعظيما لشأن المسلمين وتحقيرا لحظ الكافرين لتضمن الأول نصرة دين الله وإعلاء كلمته، ولهذا أضاف الفتح إليه تعالى، وحظ الكافرين في ظفرهم دنيوي سريع الزوال، قاله الكرخي.
﴿ ونمنعكم من المؤمنين ﴾ بتخذيلهم وتثبيطهم عنكم حتى ضعفت قلوبهم عن الدفع لكم وعجزوا عن الانتصاف منكم، والمراد أنهم يميلون إلى من له الغلب والظفر من الطائفتين، ويظهرون لهم أنهم كانوا معهم على الطائفة المغلوبة١.
وهذا شان المنافقين أبعدهم الله وشأن من حذا حذوهم من أهل الإسلام من التظهر لكل طائفة بأنه معها على الأخرى، والميل إلى من معه الحظ من الدنيا في مال أو جاه فيلقاه بالتملق والتودد والخضوع والذلة، ويلقى من لا حظ له من الدنيا بالغلظة وسوء الخلق ويزدري به ويكافحه بكل مكروه، فقبح الله أخلاق أهل النفاق وأبعدها.
﴿ فالله يحكم بينكم ﴾ وبينهم ﴿ يوم القيامة ﴾ بما انطوت عليه ضمائرهم من النفاق والبغض للحق وأهله، ففي هذا اليوم تنكشف الحقائق وتظهر الضمائر، وإن حقنوا في الدنيا دماءهم وحفظوا أموالهم بالتكلم بكلمة الإسلام نفاقا، وقيل يحكم بأن يدخلكم الجنة ويدخلهم النار٢.
﴿ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ﴾ هذا في يوم القيام إذا كان المراد بالسبيل النصر والغلب، أو في الدنيا إن كان المراد به الحجة يعني حجة المؤمنين غالبة في الدنيا على الكافرين وليس لأحد أن يغلبهم بالحجة، قال ابن عطية :قال جميع أهل التأويل :إن المراد بذلك يوم القيامة، وبه قال علي وابن عباس.
قال ابن العربي وهذا ضعيف لعدم فائدة الخبر فيه وسببه توهم من توهم أن آخر الكلام يرجع إلى أوله يعني قوله ﴿ فالله يحكم بينكم يوم القيامة ﴾ وذلك يسقط فائدته إذ يكون تكرارا، هذا معنى كلامه.
وقيل المعنى أن الله لا يجعل للكافرين سبيلا على المؤمنين يمحو به دولتهم بالكلية ويذهب آثارها، ويستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا.
وقيل :إنه سبحانه لا يجعل للكافرين سبيلا على المؤمنين ما داموا عاملين بالحق غير راضين بالباطل، ولا تاركين للنهي عن المنكر، كما قال تعالى ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ﴾ قال ابن العربي :وهذا نفيس جدا وقيل إن الله لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا شرعا فإن وجد فبخلاف الشرع فإن شريعة الإسلام ظاهرة إلى يوم القيامة.
هذا خلاصة ما قاله أهل العلم في هذه الآية وهي صالحة للاحتجاج بها على كثير من المسائل منها أن الكافر لا يرث المسلم، ومنها أن الكافر إذا استولى على مال المسلم لم يملكه، ومنها أن الكافر ليس له أن يشتري عبدا مسلما، ومنها أن المسلم لا يقتل بالذمي إلى غير ذلك من الأحكام.
١ أخرجه عبد الرزاق: ٥١ وابن جرير٩/٣٢٧ بإسناد صحيح، والحاكم ٢/٣٠٩. وصححه ووافقه الذهبي، والسيوطي في "الدر"٢/٢٣٥.
.

٢ ذكر القرطبي في "تفسيره" ٥/٤١٩ للآية التأويل الثالث: وهو أن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا منه إلا أن يتواصوا بالباطل ولا يتناهوا عن المنكر، ويتقاعدوا عن التوبة، فيكون تسليط العدو من قبلهم..
﴿ إن المنافقين يخدعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا ( ١٤٢ ) ﴾
﴿ إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ﴾ هذا كلام مبتدأ يتضمن بيان بعض قبائح المنافقين وفضائحهم، وقد تقدم معنى الخدع في البقرة ومخادعتهم لله هي أنهم يفعلون فعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطان الكفر ليدفعوا عنهم أحكامه الدنيوية.
ومعنى كون الله خادعهم أنه صنع بهم صنع من يخادع من خادعه وذلك بأنه تركهم على ما هم عليه من التظهر بالإسلام في الدنيا فعصم به أموالهم ودماءهم، وأخر عقوبتهم إلى الدار الآخرة فجازاهم على خداعهم بالدرك الأسفل من النار.
قل في الكشاف :والخادع اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه وقال الحسن :في قوله ﴿ يخادعون الله ﴾ يلقى على كل مؤمن ومنافق نور يمشون به يوم القيامة حتى إذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين ومضى المؤمنين بنورهم، فتلك خديعة الله إليهم، وعن السدي ومجاهد وسعيد بن جبير نحوا نحوه ولا أدري من أين جاء لهم هذا التفسير فإن مثله لا ينقل إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
﴿ وإذا قاموا إلى الصلاة ﴾ مع المؤمنين ﴿ قاموا كسالى ﴾ جمع كسلان والمراد أنهم يصلون وهم متكاسلون متثاقلون لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا، وقرئ كسلى والكسل الفتور والتواني وأكسل إذا جامع ولم ينزل وفتر.
﴿ يراؤون الناس ﴾ أي لا يقومون إلى الصلاة إلا لأجل الرياء والسمعة لا لأجل الدين، قال قتادة :والله لولا الناس ما صلى منافق، والرياء إظهار الجميل ليراه الناس لا لإتباع أمر الله وقد تقدم بيانه، والمراآة المفاعلة قاله الزمخشري والجملة حال وقيل استئناف وقيل بدل وفيه نظر.
﴿ ولا يذكرون الله إلا ﴾ ذكرا ﴿ قليلا ﴾ أو لا يصلون إلا صلاة قليلة، ووصف الذكر بالقلة لعدم الإخلاص أو لكونه غير مقبول أو لكونه قليلا في نفسه، لأن الذي يفعل الطاعة لقصد الرياء إنما يفعلها في المجامع ولا يفعلها خاليا كالمخلص، قال ابن عباس :إنما قل ذلك لأنهم يفعلونه رياء سمعة ولو أرادوا بذلك القليل وجه الله لكان كثيرا.
عن ابن جريج في الآية قال نزلت في عبد الله بن أبي وأبي عامر بن النعمان، وقد ورد في الأحاديث الصحيحة وصف صلاة المنافق وأنه يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا١.
١ أخرج الإمام مسلم١/٤٥١ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوها ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجل فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار"، وفي "المسند" عن أبي هريرة رضي الله عنه "ولولا ما في البيوت من النساء والذرية لأقمت صلاة العشاء، وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار" وروى الإمام مالك في "الموطأ" ١/٢٢٠ عن أنس ابن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا" ورواه مسلم١/٤٣٤، والترمذي١/٣٠١، والنسائي١/٢٥٤..
﴿ مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ( ١٤٣ ) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ( ١٤٤ ) ﴾
﴿ مذبذبين بين ذلك ﴾ أي بين الإيمان والكفر المعلومين من المقام، والمذبذب المتردد بين أمرين والذبذبة الاضطراب، يقال ذبذبه فتذبذب، قال ابن جني :المذبذب القلق الذي لا يثبت على حال، فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين، لا مخلصين ولا مصرحين بالكفر.
قال في الكشاف :وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين مرة بعد أخرى أي يذاد ويدفع فلا يقر في جانب واحد، إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب كأن المعنى كلما مال إلى جانب ذب عنه انتهى، وانتصاب مذبذبين إما على الحال أو على الذم.
﴿ لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ﴾ أي لا منسوبين إلى المؤمنين ولا إلى الكافرين، قال مجاهد :هم المنافقون لا إلى هؤلاء أي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولا إلى هؤلاء أي اليهود.
وثبت في الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة فلا تدري أيهما تتبع١ ) العائرة بالعين المهملة المتحيرة المترددة، ومعنى تعير تتردد وتذهب يمينا وشمالا، مرة إلى هذه ومرة إلى هذه لا تدري إلى أين تذهب.
﴿ ومن يضلل الله ﴾ أي يخذله ويسلبه التوفيق ﴿ فلن تجد له سبيلا ﴾ أي طريقا توصله إلى الحق.
١ صحيح الجامع الصغير٥٧٢٩. زاد السير/٢٣٢..
﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ خطاب للمؤمنين الخلص ﴿ لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ﴾ أي لا تجعلوهم خاصة لكم وبطانة توالونهم من دون إخوانكم من المؤمنين كما فعل المنافقون من موالاتهم للكافرين.
﴿ أتريدون ﴾ الاستفهام للتقريع والتوبيخ، وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون متعلقها بأن يقال أتجعلون للمبالغة في إنكاره وتهويل أمره ببيان أنه لا ينبغي أن يصدر عن العاقل إرادته فضلا عن صدور نفسه ﴿ أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ﴾ أي حجة بينة يعذبكم بها بسبب ارتكابكم لما نهاكم عنه من موالاة الكافرين١.
قال قتادة :إن لله السلطان على خلقه ولكنه يقول عذرا مبينا، وعن ابن عباس قال :كل سلطان في القرآن فهو حجة والله سبحانه أعلم، والسلطان يذكر ويؤنث فتذكيره البرهان، وتأنيثه باعتبار الحجة إلا أن التأنيث أكثر عند الفصحاء، وقال الفراء :التذكير أشهر وهي لغة القرآن.
١ رواه الإمام أحمد٧/١٢٩، ومسلم ٤/٢١٤٦ وبن جرير٩/٣٣٣. والشاة العائرة: هي المترددة بين قطيعين لا تدري أيهما تتبع، من قولهم: عار الفرس والكلب وغيرهما يعير عيارا، إذا ذهب كأنه منفلت من صاحبه، فهو يتردد هنا وهنا، وقوله: تعير إلى هذه مرة. أي: تذهب في ترددها إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة..
﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا ( ١٤٥ ) إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما ( ١٤٦ ) ﴾
﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴾ أي في الطبق الذي في قعر جهنم، قرئ الدرك بسكون الراء وتحريكها، قال أبو علي :هما لغتان والجمع أدراك وقيل الجمع بين المحرك أدراك مثل جمل وأجمال، وجمع الساكن أدرك مثل فلس وأفلس، قال النحاس :والتحريك أفصح.
والدرك الطبقة والنار دركات سبع بعضها فوق بعض، وسميت طبقاتها دركات لأنها متداركة متتابعة، فالمنافق في الدرك الأسفل منها وهي الهاوية لغلظ كفره وكثرة غوائله، وأعلى الدركات جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية، وقد يسمى جميعها باسم الطبقة العليا أعاذنا الله من عذابها.
وقيل الدرك بيت مقفل عليهم تتوقد فيه النار من فوقهم ومن تحتهم، وإنما كان المنافق أشد عذابا من الكافر لأنه أمن السيف في الدنيا فاستحق الدرك الأسفل في الآخرة تعديلا، ولأنه مثله في الكفر وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله.
قال ابن مسعود :الدرك الأسفل توابيت من حديد مقفلة عليهم، وفي لفظ مبهمة عليهم، أي مغلقة لا يهتدي لمكان فتحها، وعن أبي هريرة نحوه١.
﴿ ولن تجد لهم نصيرا ﴾ يخلصهم من ذلك الدرك،
١ زاد المسير٢٣٤..
والخطاب لكل من يصلح له أو للنبي صلى الله عليه وسلم ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ من النفاق ﴿ وأصلحوا ﴾ ما أفسدوا من أحوالهم وأعمالهم ﴿ واعتصموا بالله ﴾ أي تمسكوا بعهده ووثقوا به، والاعتصام به التمسك به والوثوق بوعده ﴿ وأخلصوا دينهم لله ﴾ أي جعلوه خالصا له غير مشوب بطاعة غيره، فهذه الأمور الأربعة إذا حصلت فقد كمل الإيمان وذلك قوله١.
﴿ فأولئك ﴾ الذين اتصفوا بالصفات السابقة الأربعة والإشارة بما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد المنزلة وعلو الطبقة ﴿ مع المؤمنين ﴾ فيما يؤتونه، قال الفراء :أي المؤمنين يعني الذين لم يصدر منهم نفاق أصلا.
قال القتيبي :حاد عن كلامهم غضبا عليهم فقال أولئك مع المؤمنين ولم يقل هم المؤمنون انتهى، والظاهر أن معنى ﴿ مع ﴾ معتبر هنا أي فأولئك مصاحبون للمؤمنين في أحكام الدنيا والآخرة ثم بين ما أعد الله للمؤمنين الذين هؤلاء معهم فقال :
﴿ وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما ﴾ في الآخرة وحذفت الياء من ﴿ يؤتى ﴾ في الخط كما حذفت في اللفظ لسكونها وسكون اللام بعدها، ومثله ﴿ يوم يدع الداع، وسندع الزبانية، ويوم يناد المناد ﴾ ونحوها فإن الحذف في الجميع لالتقاء الساكنين، فجاء الرسم تابعا للفظ، والقراء يقفون عليه دون ياء إتباعا للخط الكريم إلا يعقوب والكسائي وحمزة فإنهم يقفون بالياء نظرا إلى الأصل.
١ قال السيوطي في "الدر"٢/٢٣٦ رواه ابن أبي شيبة وهناد، وابن أبي الدنيا، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في صفة الناس عن ابن مسعود. قلت: وفي سنده انقطاع، لأن خيثمة بن عبد الرحمن الراوي عن ابن مسعود لم يسمع منه، ذكر الإمام أحمد، ورواه ابن أبي حاتم من طريق حماد ابن سلمة: أخبرنا علي بن زيد عن القاسم بن عبد الرحمن أن ابن مسعود... وعلي بن يزيد ضعيف، والقاسم بن عبد الرحمن صدوق يرسل كثيرا وفي "الطبري" ٩/٣٣٩ عن أبي هريرة (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) قال: "في توابيت ترتج عليهم" وفي تفسير ابن كثير١/٥٧٠: ورواه ابن أبي حاتم بسند حسن، ولفظه: "الدرك الأسفل: بيوت لها أبواب تطبق عليهم، فتوقد من تحتهم ومن فوقهم"..
﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما ( ١٤٧ ) لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما ( ١٤٨ ) إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا ( ١٤٩ ) ﴾
﴿ ما يفعل الله بعذابكم ﴾ هذه الجملة متضمنة لبيان أنه لا غرض له سبحانه في التعذيب إلا مجرد المجازاة للعصاة، والاستفهام للتقرير والمعنى أي منفعة له في عذابكم ﴿ إن شكرتم وآمنتم ﴾ فإن ذك لا يزيد في ملكه كما أن ترك عذابكم لا ينقص من سلطانه ﴿ وكان الله شاكرا عليما ﴾ أي يشكر عباده على طاعته فيثيبهم عليها، ويتقبلها منهم، والشكر في اللغة الظهور، يقال دابة شكور إذا ظهر سمنها فوق ما تعطى من العلف.
﴿ لا يحب الله ﴾ نفي الحب كناية عن البغض أي يبغض ﴿ الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ﴾ قرئ على البناء للمجهول وعلى البناء للمعلوم، واختلف أهل العلم في كيفية الجهر بالسوء الذي يجوز لمن ظلم فقيل هو أن يدعو على من ظلمه، وقيل لا بأس بأن يجهر بالسوء من القول على من ظلمه بأن يقول فلان ظلمني أو هو ظالم أو نحو ذلك، وقيل معناه إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول من كفر أو نحوه فهو مباح له، والآية على هذا في الإكراه وكذا قال قطرب.
والظاهر من الآية أنه يجوز لمن ظلم أن يتكلم بالكلام الذي هو من السوء في جانب من ظلمه، ويؤيده الحديث الثابت في الصحيح بلفظ ( لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته ).
وأما على القراءة الثانية فالاستثناء منقطع أي إلا من ظلم في فعل أو قول فاجهروا له بالسوء من القول في معنى النهي عن فعله والتوبيخ له.
وقال قوم معنى الكلام لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول، لكن من ظلم فإنه يجهر بالسوء ظلما وعدوانا وهو ظالم في ذلك، وهذا شأن كثير من الظلمة فإنهم مع ظلمهم يستطيلون بألسنتهم على من ظلموه وينالون من عرضه.
وقال الزجاج :يجوز أن يكون المعنى إلا من ظلم فقال سوءا فإنه ينبغي أن يأخذوا على يديه، وعن ابن عباس قال :لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوما فإنه رخص له أن يدعو على من ظلمه، وإن يصبر فهو خير له.
وقد أخرج ابن أبي شيبة والترمذي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( من دعا على من ظلمه فقد انتصر ) ١، وقد أخرج أبو داود من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( المتسابان ما قالاه فعلى البادي منهما ما لم يعتد المظلوم ) ٢.
قال الحسن :هو الرجل يظلم الرجل فلا يدع ولكن ليقل اللهم أعني عليه اللهم استخرج لي حقي، اللهم حل بيني وبين ما يريد ونحوه من الدعاء.
وقيل نزلت في الضيف إذا نزل بقوم فلم يقروه فله أن يشكو ما صنع به، وبه قال مجاهد والأول أولى٣.
وقال مقاتل :نزلت في أبي بكر الصديق وذلك أن رجلا نال منه والنبي حاضر فسكت عنه أبو بكر مرارا ثم رد عليه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر :يا رسول الله شتمني فلم تقل له شيئا حتى إذا رددت عليه قمت، قال :إن ملكا كان يجيب عنك فلما رددت عليه ذهب الملك وجاء الشيطان فقمت٤ ونزلت الآية.
﴿ وكان الله سميعا عليما ﴾ هذا تحذير للظالم بأن الله يسمع ما يصدر منه ويعلم به.
١ ضعيف الجامع/٥٥٨٨..
٢ مسلم ٢٥٨٧..
٣ ابن جرير ٩/٣٤٧ ونسبه السيوطي في "الدر" للفريابي وعبد بن حميد وجاء في "تفسير ابن كثير"١/٥٧٠: قال ابن عباس في تفسير الآية: يقول: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوما، فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله ﴿إلا من ظلم﴾ وإن صبر فهو خير له وروى أبو داود ٢/١٠٧، عن عائشة قالت: سرق لها شيء، فجعلت تدعوا عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تسبخي عنه" (قال الخطابي: لا تسبخي عنه، أي لا تخففي عنه بدعائك) وقال الحسن البصري: لا يدع عليه، وليقل: اللهم أعني عليه، واستخرج حقي منه. وقال عبد الكريم بن مالك الجزري في هذه الآية: هو الرجل يشتمك فتشتمه لكن إذا افترى عليك فلا تفتر عليه، لقوله: ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾ وروى أبو داود ٤/٣٧٧ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم" قلت: ورواه أحمد في المسند١٤/١٩٤ والبخاري في "الأدب المفرد" ١/٥١٢، ومسلم٤/٢٠٠٠، والترمذي٣/١٣٩..
٤ مسند أحمد٢/٤٢٦..
ثم بعد أن أباح للمظلوم ى أن يجهر بالسوء ندب إلى ما هو الأولى والأفضل فقال :
﴿ إن تبدوا خيرا أو تخفوه ﴾ يدخل في هاتين الكلمتين جميع أعمال البر وجميع دفع الضرر ﴿ أو تعفوا عن سوء ﴾ تصابون به ﴿ فإن الله كان عفوا ﴾ عن عباده ﴿ قديرا ﴾ على الانتقام منهم بما كسبت فاقتدوا به سبحانه فإنه يعفوا مع القدرة.
﴿ إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا ( ١٥٠ ) ﴾
﴿ إن الذين يكفرون بالله ورسله ﴾ لما فرغ سبحانه عن ذكر المشركين والمنافقين، ذكر الكفار من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى لأنهم كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فكان ذلك كالكفر بجميع الرسل والكتب المنزلة والكفر بذلك كفر بالله.
وينبغي حمل هذه الآية على أنه استلزم ذلك كفرهم ببعض الكتب والرسل لا أنهم كفروا بالله ورسله جميعا، فإن أهل الكتاب لم يكفروا بالله، ولا بجميع رسله لكنهم لما كفروا بالبعض كان ذلك كفرا بالله وبجميع الرسل.
﴿ ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ﴾ يعني أنهم كفروا بالرسل بسبب كفرهم ببعضهم وآمنوا بالله فكان ذلك بين الله وبين رسله ﴿ ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ﴾ وهم اليهود آمنوا بموسى وكفروا بعيسى ومحمد، وكذلك النصارى آمنوا بعيسى وكفروا بمحمد ﴿ ويريدون أن يتخذوا بين ذلك ﴾ أي الإيمان والكفر ﴿ سبيلا ﴾ أي دينا متوسطا بينهما.
قال قتادة :أولئك أعداء الله اليهود والنصارى آمنت اليهود بالتوراة وبموسى، وكفروا بالإنجيل وعيسى، وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى، وكفروا بالقرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم، اتخذوا اليهودية والنصرانية وهما بدعتان ليستا من الله، وتركوا الإسلام وهو دين الله الذي بعث به رسله، وعن السدي وابن جريج نحوه.
﴿ أولئك هم الكافرون حقا واعتدنا للكافرين عذابا مهينا ( ١٥١ ) والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما ( ١٥٢ ) ﴾
﴿ أولئك هم الكافرون ﴾ أي الكاملون في الكفر ﴿ حقا ﴾ مصدر مؤكد لمضمون الجملة أي حق ذلك حقا أو بمعنى كفرا حقا، وقال أبو البقاء :كافرون من غير شك، وقد طعن الواحدي في هذا التوجيه فقال الكفر لا يكون حقا بوجه من الوجوه، والجواب أن الحق هنا ليس يراد به ما يقابل الباطل بل المراد أنه كائن لا محالة وأن كفرهم مقطوع به.
﴿ وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ﴾ يهانون فيه في الآخرة وهو عذاب النار، وإنما أظهر في مقام الإضمار ذما لهم وتذكيرا لوصفهم أو المراد جميع الكافرين.
﴿ والذين آمنوا بالله ورسله ﴾ كلهم ﴿ ولم يفرقوا بين أحدهم ﴾ أي من الرسل بل آمنوا بجميعهم ولم يقولوا نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ودخول ﴿ بين ﴾ على أحد لكونه عاما في المفرد مذكرا ومؤنثا ومثناهما وجمعهما، وقد تقدم تحقيقه.
﴿ أولئك ﴾ يعني من هذه صفتهم ﴿ سوف يؤتيهم أجورهم ﴾ يعني جزاء إيمانهم بالله وبجميع كتبه ورسله وثواب أعمالهم ﴿ وكان الله غفورا رحيما ﴾ يستر بالسيآت ويقبل الحسنات، والآية تدل على بطلان قول المعتزلة في تخليد مرتكب الكبيرة ممن آمن بالله ورسله.
﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم أخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا ( ١٥٣ ) ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ( ١٥٤ ) ﴾
﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء ﴾ هم اليهود سألوه صلى الله عليه وسلم أن يرقى إلى السماء وهم يرونه فينزل عليهم كتابا مكتوبا فيما يدعيه يدل على صدقه دفعة واحدة كما أتى موسى بالتوراة، تعنتا منهم أبعدهم الله ﴿ فقد سألوا موسى ﴾ سؤالا ﴿ أكبر من ذلك ﴾ السؤال ﴿ فقالوا أرنا الله جهرة ﴾ أي عيانا، وقد تقدم معناه في البقرة، وجهرة نعت لمصدر محذوف أي رؤية جهرة.
﴿ فأخذتهم الصاعقة ﴾ هي النار التي نزلت عليهم من السماء فأهلكتهم ﴿ بظلمهم ﴾ في سؤالهم الباطل لامتناع الرؤية عيانا في هذه الحالة، وذلك لا يستلزم امتناعها يوم القيامة، فقد جاءت بذلك الأحاديث المتواترة، ومن استدل بهذه الآية على امتناع الرؤية يوم القيامة غلط غلطا بينا.
ثم لم يكتفوا بهذا السؤال الباطل الذي نشأ منهم بسبب ظلمهم بعد ما رأوا المعجزات بل ضموا إليه ما هو أقبح منه وهو عبادة العجل ﴿ ثم اتخذوا العجل ﴾ إلها، وفي الكلام تقدير أي فأحييناهم فاتخذوا العجل ﴿ من بعد ما جاءتهم البينات ﴾ البراهين والدلائل والمعجزات الواضحات من اليد والعصا وفلق البحر وغيرها لا التوراة لأنها لم تنزل عليهم بعد.
﴿ فعفونا عن ذلك ﴾ أي عما كان منهم من التعنت وعبادة العجل، وفيه استدعاء لهم إلى التوبة كأنه قيل إن أولئك الذين أجرموا قد تابوا فعفونا عنهم، فتوبوا أنتم حتى نعفو عنكم، ﴿ وآتينا موسى سلطانا مبينا ﴾ أي حجة بينة وهي الآيات التي جاء بها، وسميت سلطانا لأن من جاء بها قهر خصمه، ومن ذلك أمر الله سبحانه بأن يأمرهم بقتل أنفسهم توبة عن معصيتهم فإنه من جملة السلطان الذي قهرهم به، والسلاطة القهر.
﴿ ورفعنا فوقهم الطور ﴾ أي الجبل المسمى بالطور ﴿ بميثاقهم ﴾ الباء للسببية أي بسبب ميثاقهم ليعطوه لأنه روي أنهم امتنعوا من قبول شريعة موسى فرفع الله عليهم الطور فقبلوها، وقيل إن المعنى بسبب نقضهم ميثاقهم الذي أخذ عليهم وهو العمل بما في التوراة، وقد تقدم رفع الجبل في البقرة، وكذلك تفسير قوله :
﴿ وقلنا لهم ﴾ على لسان موسى والطور مظل عليهم، قاله الجلال وأبو السعود والنسفي والخازن والبيضاوي، وهذا التضييق سبق قلم لأن قصة فتح القرية كانت بعد خروجهم من التيه وقصة رفع الجبل فوق رؤوسهم كانت عقب نزول التوراة قبل دخولهم التيه.
﴿ ادخلوا الباب ﴾ أي باب القرية، قال قتادة :كنا نحدث أنه باب من أبواب بيت المقدس، وقيل هو إيلياء وقيل هو أريحاء وقيل هو اسم القرية، وقيل باب القبة التي كانوا يصلوا إليها، فإنهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى عليه السلام.
﴿ سجدا ﴾ فخالفوا ودخلوا وهم يزحفون على أستاههم ﴿ وقلنا لهم لا تعدوا ﴾ أي لا تعتدوا فهو من الاعتداء بدليل إجماع السبعة على اعتدوا منكم ﴿ في السبت ﴾ فتأخذوا ما أمرتم بتركه فيه من الحيتان، وقد تقدم تفسير ذلك ﴿ وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ﴾ هو العهد الذي أخذه عليهم في التوراة، وقيل إنه عهد مؤكد باليمين فسمي غليظا لذلك.
﴿ فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ( ١٥٥ ) وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما ( ١٥٦ ) ﴾
﴿ فبما نقضهم ميثاقهم ﴾ التقدير فبنقضهم ميثاقهم لعناهم وسخطنا عليهم وفعلنا بهم ما فعلنا، وما مزيدة للتوكيد والباء للسببية، وقال الكيسائي :وهو متعلق بما قبله، والمعنى فأخذتهم الصاعقة بسبب نقضهم ميثاقهم وما بعده، وأنكر ذلك ابن جرير الطبري وغير لأن الذين أخذتهم الصاعقة كانوا على عهد موسى، والذين قتلوا الأنبياء ورموا مريم بالبهتان كانوا بعد موسى بزمان، فلم تأخذ الصاعقة الذين أخذتهم برميهم بالبهتان.
قال المهدوي وغيره :وهذا لا يلزم لأنه يجوز أن يخبر عنهم والمراد آباؤهم وقال الزجاج :المعنى فبنقضهم ميثاقهم حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، لأن هذه القصة ممتدة إلى قوله ﴿ فبظلمهم من الذين هادوا حرمنا ﴾ ونقضهم الميثاق أنه أخذ عليهم أن يبينوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل المعنى فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم كذا طبع الله على قلوبهم، وقيل المعنى فبنقضهم لا يؤمنون إلا قليلا.
﴿ وكفرهم بآيات الله ﴾ أي كتبه التي حرفوها وجحودهم بآياته الدالة على صدق أنبيائه ﴿ وقتلهم الأنبياء ﴾ يعني بعد قيام الحجة والدلالة على صحة نبوتهم، والمراد بالأنبياء يحيى وزكريا ﴿ بغير حق ﴾ أي بغير استحقاق لذلك القتل ﴿ وقولهم قلوبنا غلف ﴾ جمع أغلف وهو المغطى بالغلاف أي قلوبنا في أغطية فلا نفقه ما تقول.
وقيل إن غلف جمع غلاف والمعنى أن قلوبهم أوعية للعلم فلا حاجة لهم إلى علم غير ما قد حوته قلوبهم، وهو كقولهم ﴿ قلوبنا أكنة ﴾ وغرضهم بهذا رد حجة الرسل.
﴿ بل طبع الله عليها بكفرهم ﴾ هذا إضراب عن الكلام الأول أي ليس عدم قبولهم للحق بسبب كونها غلفا بحسب مقصدهم الذي يردونه بل بحسب الطبع من الله عليها، والطبع الختم، وقد تقدم إيضاح معناه في البقرة وهي مطبوع من الله عليها بسبب كفرهم فلا تعي وعظا، أي أحدث عليها صورة مانعة عن وصول الحق إليها، وقيل الباء للآلة.
﴿ فلا يؤمنون إلا ﴾ إيمانا أو زمانا ﴿ قليلا ﴾ أو إلا قليلا منهم كعبد الله بن سلام ومن أسلم منهم معه وجرى عليه البيضاوي وغيره.
﴿ وبكفرهم ﴾ هذا التكرير لإفادة أنهم كفروا كفرا بعد كفر، وقيل :إن المراد بهذا الكفر كفرهم بالمسيح فحذف لدلالة ما بعده عليه، وذلك أنهم أنكروا قدرة الله على خلق الولد من غير أب والمنكر لها كافر، وهو معطوف على ﴿ فبما نقضهم ﴾ أو على بكفرهم الذي بعد طبع، وقد أوضح الزمخشري ذلك غاية الإيضاح، واعترض وأجاب أحسن جواب.
﴿ وقولهم على مريم بهتانا ﴾ هو الكذب المفرط الذي يتعجب منه، وهو هنا رميها بيوسف النجار، وكان من الصالحين، وقال ابن عباس :رموها بالزنا وإنما سموه ﴿ عظيما ﴾ لأنه قد ظهر عند ولادة مريم من المعجزات ما يدل على براءتها من ذلك.
﴿ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه به من علم إلا إتباع الظن وما قتلوه يقينا ( ١٥٧ ) ﴾
﴿ وقولهم إنا قتلنا المسيح ابن مريم ﴾ وهو جملة جناياتهم، وذنوبهم لأنهم كذبوا بأنهم قتلوه وافتخروا بقتله، قال أبو حيان :لم نعلم كيفية القتل ولا من ألقي علي الشبه ولم يصح بذلك حديث.
﴿ رسول الله ﴾ ذكروه بالرسالة استهزاء لأنهم ينكرونها ولا يعترفون بأنه نبي، أو هذا من كلامه تعالى لمدحه وتنزيهه عن مغالاتهم فيه، وما ادعوه من أنهم قتلوه قد اشتمل على بيان صفته وإيضاح حقيقة الإنجيل وما فيه هو من تحريف النصارى أبعدهم الله فقد كذبوا وصدق الله القائل في كتابه العزيز :
﴿ وما قتلوه وما صلبوه ﴾ جملة حالية ﴿ ولكن شبه لهم ﴾ أي ألقي شبه عيسى على غيره حتى قتل وصلب وقيل لم يكونوا يعرفون شخصه وقتلوا الذي قتلوه وهم شاكون فيه.
أخرج سعيد بن منصور والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردوديه عن ابن عباس قال :لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج إلى أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين فخرج عليهم من عين في النبت ورأسه يقطر ماء فقال :إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال :أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي فقام شاب من أحدثهم سنا فقال له :اجلس ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال :اجلس، ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال :أنا فقال :أنت ذاك فألقي عليه شبه عيسى ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء.
قال :وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه فكفر به بعضهم اثنتي عشر مرة بعد أن آمن به.
وافترقوا ثلاث فرق فقالت طائفة كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء فهؤلاء اليعقوبية، وقالت فرقة :كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه وهؤلاء النسطورية، وقلت فرقة :كان فينا عبد الله ورسوله وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عليه ﴿ فآمنت طائفة من بني إسرائيل ﴾ يعني الطائفة التي آمنت في زمن عيسى ﴿ وكفرت طائفة ﴾ يعني التي كفرت في زمن عيسى ﴿ فأيدنا الذين آمنوا ﴾ في زمن عيسى بإظهار محمد دينهم على دين الكافرين.
قال ابن كثير بعد أن ساقه بهذا اللفظ عند ابن أبي حاتم قال حدثنا أحمد ابن سنان حدثنا معاوية عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكره، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس١.
وصدق ابن كثير فهؤلاء كلهم من رجال الصحيح، وأخرجه النسائي من حديث أبي كريب عن أبي معاوية بنحوه، وقد رويت قصته عليه السلام من طرق بألفاظ مختلفة، وساقها عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر على صفة قريبة مما في الإنجيل.
﴿ وإن الذين اختلفوا فيه ﴾ أي في شأن عيسى وهم النصارى فقال بعضهم قتلناه، وقال من عاين إلى السماء ما قتلناه.
وقيل إن الاختلاف بينهم هو أن النسطورية من النصارى قالوا :صلب عيسى من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته، وقالت الملكانية وقع القتل والصلب على المسيح بكمال ناسوته ولاهوته، ولهم من جنس هذا الاختلاف كلام طويل لا أصل له ولهذا قال الله ﴿ وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ﴾ أي في تردد من قتله لا يخرج إلى حيز الصحة ولا إلى حيز البطلان في اعتقادهم، بل هم مترددون مرتابون في شكهم يعمهون وفي جهلهم يتحيرون.
﴿ وما لهم به من علم ﴾ من زائدة لتوكيد نفي العلم ﴿ إلا إتباع الظن ﴾ الاستثناء منقطع وهو الصحيح الذي لم يذكر الجمهور غيره، وهي لغة الحجاز أي لكنهم يتبعون الظن في قتله ولم يعرفوا حقيقة ذلك المقتول هل هو عيسى أو غيره، لأن الظن واتباعه ليس من جنس العلم الذي هو اليقين، إذ الظن الطرف الراجح، وقيل استثناء مما قبله والأول أولى.
قال أبو البقاء إنه متصل لأن العلم والظن يجمعهما مطلق الإدراك انتهى، لا يقال إن إتباع الظن ينافي الشك الذي أخبر الله عنهم بأنهم فيه لأن المراد هنا بالشك التردد كما قدمناه، والظن نوع منه، وليس المراد به هنا ترجح أحد الجانبين.
﴿ وما قتلوه يقينا ﴾ أي قتلا يقينا، وهذا على أن الضمير في قتلوه لعيسى، وقيل :إنه يعود إلى الظن، قاله ابن عباس، والمعنى ما قتلوا ظنهم يقينا، قال أبو عبيدة :ولو كان المعنى وما قتلوا عيسى يقينا لقال وما قتلوه فقط، وقيل إن المعنى وما قتلوا الذي شبه لهم، وقيل المعنى بل رفعه الله إليه يقينا، وهو خطأ لأنه لا يعمل ما بعد بل فيما قبلها.
وذكر السمين فيه خمسة أوجه ولا وجه لهذه الأقوال، والضمائر قبل قتلوه وبعده لعيسى، وذكر اليقين هنا لقصد التهكم بهم لإشعاره بعلمهم في الجملة.
١ تفسير ابن كثير/٥٧٤..
﴿ بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما ( ١٥٨ ) وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ( ١٥٩ ) ﴾
﴿ بل رفعه الله ﴾ أي إلى موضع لا يجري فيه حكم غير حكم الله كما في الفخر، وهذا الموضع هو السماء الثالثة كما في حديث الجامع الصغير، وفي بعض المعاريج أنه في السماء الثانية، رد عليهم وإثبات لما هو صحيح، وقد تقدم ذكر رفعه عليه السلام في آل عمران بما فيه كفاية ﴿ وكان الله عزيزا حكيما ﴾ في إنجاء عيسى وتخليصه من اليهود وانتقامه منهم ورفعه إليه.
﴿ وإن من أهل الكتاب ﴾ أي اليهود والنصارى، والمعنى وما منهم أحد ﴿ إلا ﴾ والله ﴿ ليؤمنن ﴾ والضمير في ﴿ به ﴾ راجع إلى عيسى، وبه قال ابن عباس وأكثر المفسرين، وفي ﴿ قبل موته ﴾ راجع إلى ما دل عليه الكلام وهو لفظ أحد المقدر أو الكتابي المدلول عليه بأهل الكتاب، وقال ابن عباس :قبل موت عيسى، وعنه أيضا قال :قبل موت اليهودي، وفيه دليل على أنه لا يموت يهودي ولا نصراني إلا وقد آمن بالمسيح.
وقيل كلا الضميرين لعيسى، والمعنى أنه لا يموت عيسى حتى يؤمن به كل كتابي في عصره، وقيل الضمير الأول لله وإلى محمد صلى الله عليه وسلم، وبه قال عكرمة وهذا القول لا وجه له لأنه لم يجر للنبي صلى الله عليه وسلم ذكر قبل هذه الآية حتى يرجع الضمير إليه.
وقد اختار كون الضميرين لعيسى ابن جرير، وبه قال جماعة من السلف وهو الظاهر لأنه تقدم ذكر عيسى فكان عود الضمير إليه أولى، والمراد بالإيمان به حين يعاين ملك الموت فلا ينفعه إيمان.
قال شهر بن حوشب :اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة وجهه ودبرة، ويقال يا عدو الله أتاك عيسى نبيا فكذبت به فيقول آمنت بأنه عبد الله ورسوله، ويقال للنصراني أتاك عيسى نبيا فزعمت أنه الله وابن الله فيقول آمنت أنه عبد الله، فأهل الكتاب يؤمنون حيث لا ينفعهم ذلك الإيمان.
أو عند نزوله في آخر الزمان كما وردت بذلك الأحاديث المتواترة قال ابن عباس :سيدرك أناس من أهل الكتاب عيسى حين يبعث فيؤمنون به، وعنه قال :ليس يهودي يموت أبدا حتى يؤمن بعيسى، قيل لابن عباس أرأيت أن خر من فوق بيت قال :تكلم به في الهواء، فقيل إن ضربت عنق أحدهم، قال :يتلجلج بها لسانه، وقد روى نحو هذا عنه من طرق، وقال به جماعة من التابعين.
وذهب كثير من التابعين فمن بعدهم إلى أن المراد قبل موت عيسى كما روي عن ابن عباس قبل هذا، وقيده كثير منهم بأنه يؤمن به من أدركه عند نزوله إلى الأرض حتى تصير الملة كلها إسلامية.
وقال الزجاج :هذا القول بعيد لعموم قوله تعالى ﴿ وإن من أهل الكتاب ﴾ والذين يبقون يومئذ يعني نزوله شرذمة قليلة منهم.
وأجيب بأن المراد بهذا العموم الذين يشاهدون ذلك الوقت ويدركون نزوله فيؤمنون به، وصحح الطبري هذا القول، وقد تواترت الأحاديث بنزول عيسى حسبما أوضح ذلك الشوكاني في مؤلف مستقل يتضمن ذكر ما ورد في المنتظر والدجال والمسيح، وغيره في غيره.
﴿ يوم القيامة يكون ﴾ عيسى ﴿ عليهم ﴾ أي على أهل الكتاب ﴿ شهيدا ﴾ يشهد على اليهود بالتكذيب له والطعن فيه، وعلى النصارى بالغلو فيه حتى قالوا :هو ابن الله، وقال قتادة :يكون شهيدا على أن بلغ رسالة ربه وأقر على نفسه بالعبودية.
﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا ( ١٦٠ ) ﴾
﴿ فبظلم ﴾ الباء للسببية، والتنكير، والتنوين للتعظيم، أي بسبب ظلم عظيم لا بسبب شيء آخر كما زعموا أنها كانت محرمة على من قبلهم ﴿ من الذين هادوا ﴾ لعل ذكرهم بهذا العنوان للإيذان بكمال ظلمهم بتذكير وقوعه بعدما هادوا أي تابوا ورجعوا عن عبادة العجل ﴿ حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ﴾ الطيبات المذكورة هي ما نصه الله تعالى في سورة الأنعام ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ﴾ الآية.
قال الواحدي :وأما وجه تحريم الطيبات عليهم كيف ومتى كان وعلى لسان من حرم فلم أجد فيه شيئا أنتهي إليه فتركته، قال الخازن :ولقد أنصف الواحدي فيما قال فإن هذه الآية في غاية الإشكال انتهى.
قلت :ولهذا لم يذكر الرازي والشوكاني في تفسيرهما ما ذكره المفسرون في معنى الظلم المذكور في الآية وذكرا لها تفسيرا إجماليا، فكانوا كلما ارتكبوا معصية من المعاصي التي اقترفوها يحرم الله عليهم نوعا من الطيبات التي كانت حلالا لهم ولمن تقدمهم من أسلافهم عقوبة لهم، وكانوا مع ذلك يفترون على الله سبحانه ويقولون لسنا بأول من حرمت عليه، وإنما كانت محرمة على إبراهيم ونوح ومن بعدهما حتى انتهى الأمر إلينا فكذبهم الله تعالى في مواضع كثيرة وبكتهم بقوله ﴿ كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ﴾ الآية قاله أبو السعود.
﴿ وبصدهم ﴾ أنفسهم وغيرهم ﴿ عن سبيل الله ﴾ وهو إتباع محمد صلى الله عليه وسلم وبتحريفهم وقتلهم الأنبياء وما صدر منهم من الذنوب المعروفة ﴿ كثيرا ﴾ أي بصدهم ناسا كثيرا أو صدا كثيرا أو زمانا كثيرا، والأول أولى.
﴿ وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما ( ١٦١ ) لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنين بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما ( ١٦٢ ) ﴾
﴿ وأخذهم الربا ﴾ أي معاملتهم فيما بينهم بالربا وأكلهم له وهو محرم عليهم ﴿ وقد نهوا عنه ﴾ في التوراة ﴿ وأكلهم أموال الناس بالباطل ﴾ كالرشوة والسحت الذي كانوا يأخذونه، وهذه الذنوب الأربعة هي التي شدد عليهم بسببها في الدنيا والآخرة، أما التشديد في الدنيا فهو ما تقدم من تحريم الطيبات وأما التشديد في الآخرة فهو المراد بقوله ﴿ وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما ﴾ وإنما قال منهم لأن الله علم أن قوما منهم سيؤمنون فيأمنون من العذاب.
﴿ لكن الراسخون في العلم منهم ﴾ استدراك من قوله تعالى ﴿ واعتدنا ﴾ الآية أو من الذين هادوا، وبيان لكون بعضهم على خلاف حالهم عاجلا وآجلا وذلك أن اليهود أنكروا وقالوا :إن هذه الأشياء كانت حراما في الأصل وأنت تحلها فنزل ﴿ لكن الراسخون ﴾ والراسخ هو المبالغ في علم الكتاب الثابت فيه، والرسوخ الثبوت وقد تقدم الكلام عليه في آل عمران والمراد بهم عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ونحوهما.
﴿ والمؤمنون ﴾ بالله ورسوله، والمراد أما من آمن من أهل الكتاب أو من المهاجرين والأنصار أو من الجميع ﴿ يؤمنون بما أنزل إليك ﴾ أي القرآن ﴿ وما أنزل من قبلك ﴾ أي سائر الكتب المنزلة على الأنبياء ﴿ والمقيمين الصلاة ﴾ قرأ جماعة المقيمون على العطف على ما قبله، وكذا في مصحف ابن مسعود تنزيلا للتغاير العنواني منزلة التغاير الذاتي، ونصب مقيمين على قراءة الجمهور هو على المدح والتعظيم عند سيبويه وهو أول الأعاريب.
وقال الخليل والكسائي :وهو معطوف على قوله ﴿ بما أنزل إليك ﴾ واستبعده الأخفش، ووجهه محمد بن يزيد المبرد.
وعن عائشة أنها سئلت عن المقيمين وعن قوله إن هذا لساحران والصابئون في المائدة فقالت :يا ابن أخي الكتاب أخطأوا، وروي عن عثمان بن عفان أنه لما فرغ من المصحف أتى به قال :أرى فيه شيئا من لحن ستقيمه العرب بألسنتها، فقيل له ألا تغيره فقال دعوه فإنه لا يحل حراما ولا يحرم حلالا١.
قال ابن الأنباري :وما روي عن عثمان لا يصح لأنه متصل ومحال أن يؤخر عثمان شيئا فاسدا ليصلحه غيره، ولأن القرآن منقول بالتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه.
وقال الزمخشري في الكشاف :ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوع لحن في خط المصحف وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب، يعني كتاب سيبويه ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم من النصب على الاختصاص والمدح من الافتنان وهو باب واسع قد ذكره سيبويه على أمثلة وشواهد، وربما خفي عليه أن السابقين الأولين كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذب الطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب الله عز وجل ثلمة يسدها من بعدهم، وخرقا يرفوه من يلحق بهم انتهى.
وقد رجح سيبويه كثير من أئمة النحو والتفسير واختاره الزجاج، ورجح قول الخليل والكسائي ابن جرير الطبري والقفال.
﴿ والمؤتون الزكاة ﴾ عطف على المؤمنون، لأن من صفتهم ﴿ والمؤمنون ﴾ يؤمنون، ﴿ بالله واليوم الآخر ﴾ هم مؤمنوا أهل الكتاب وصفوا أولا بالرسوخ في العلم ثم الإيمان بكتب الله وأنهم يقيمون الصلاة ويأتون الزكاة ويؤمنون بالله واليوم الآخر، وقيل المراد بهم المؤمنون من الأنصار والمهاجرين من هذه الأمة كما سلف وأنهم جامعون بين هذه الأوصاف.
﴿ أولئك ﴾ أي الراسخون، وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو درجتهم في الفضل ﴿ سنؤتيهم ﴾ أي سنعطيهم على ما كان منهم من طاعة الله واتباع أمره، والسين لتأكيد الوعد ﴿ أجرا ﴾ ثوابا ﴿ عظيما ﴾ وهو الجنة، والتنكير للتفخيم، وهذا الإعراب أنسب بتجاوب طرفي الاستدراك حيث وعد الأولون بالعذاب الأليم، ووعد الآخرون بالأجر العظيم.
١ قال السخاوي: هذا الأثر ضعيف، والإسناد فيه اضطراب وانقطاع، لأن عثمان رضي الله عنه جعل للناس إماما يقتدون به، فكيف يرى فيه لحنا ويتركه لتقيمه العرب بألسنتها؟ وقد كتب مصاحف سبعة، وليس فيها اختلاف قط إلا فيما هو من وجوه القراءات، وإذا لم يقمه هو ومن باشر الجمع، كيف يقيمه غيرهم؟ وقد نقل بن هشام في شرح "شذور الذهب": ٥٠ عن الإمام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية رحمه الله أنه قال: وقد زعم قوم أن قراءة من قرأ (إن هذان) لحن، وأن عثمان رضي الله عنه قال: إن في المصحف لحنا ستقيمه العرب بألسنتها، وهذا خبر باطل لا يصح من وجوه:
أحدها: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتسارعون إلى إنكار أدنى النكرات، فكيف يقرؤون اللحن في القرآن مع أنهم لا كلفة عليهم في إزالته.
والثاني: أن العرب كانت تستقبح اللحن غاية الاستقباح في الكلام، فكيف لا يستقبحون بقاءه في المصحف.
والثالث: أن الاحتجاج بأن العرب ستقيمه بألسنتها غير مستقيم، لأن المصحف الكريم يقف عليه العربي والعجمي.
والرابع: أنه قد ثبت في "الصحيح" أن زيد ابن ثابت أراد أن يكتب (التابوت) بالهاء على لغة الأنصار، فمنعوه من ذلك، ورفعوه إلى عثمان رضي الله عنه، فأمرهم أن يكتبوه بالتاء على لغة قريش.
قال ابن عباس: قال عدي بن زيد، وسكين: يا محمد ما نعلم الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى، فنزلت هذه الآية. سيرة ابن هشام١/٥٦٢، وابن جرير٩/٤٠٠ عن ابن عباس، وفي سنده محمد ابن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال الذهبي: لا يعرف. وسكين بن أبي سكين، وعدي بن زيد من بني قينقعان، ذكرهم ابن هشام في "السيرة" في الأعداء من يهود..

﴿ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيئين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ( ١٦٣ ) ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما ( ١٦٤ ) ﴾
﴿ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ﴾ هذا متصل بقوله يسألك أهل الكتاب، والمعنى أن أمر محمد صلى الله عليه وسلم كأمر من تقدمه من الأنبياء، فما بالكم تطلبون منه ما لم يطلبه أحد من المعاصرين للرسل، والوحي إعلام في خفاء، يقال وحي إليه بالكلام وحيا وأوحى يوحي إيحاء.
وخص نوحا لكونه أول نبي شرعت على لسانه الشرائع وأول نذير على الشرك وأول من عذبت أمته لردهم دعوته، وأهلك أهل الأرض بدعائه، وكان أبا البشر كآدم وأطول الأنبياء عمرا، وصبرا على أذى قومه طول عمره، وقيل غير ذلك أي إيحاء مثل إيحائنا إلى نوح أو حال كونه مشتبها بإيحائنا إلى نوح.
﴿ والنبيين من بعده ﴾ كهود وصالح وشعيب وغيرهم ﴿ وأوحينا إلى إبراهيم ﴾ وهو ابن تارخ واسم تارخ آزر ﴿ و ﴾ بعث بعده ﴿ إسماعيل ﴾ فمات بمكة ﴿ وإسحق ﴾ أي ثم بعث أخاه إسحق فمات بالشام ﴿ ويعقوب ﴾ وهو إسرائيل ابن إسحق ثم يوسف بن يعقوب ثم شعيب بن نويب ثم هود بن عبد الله ثم صالح بن أسف ثم موسى وهارون ابن عمران ثم أيوب ثم الخضر ثم داود بن ايشا ثم سليمان بن داود ثم يونس بن متى ثم إلياس، ثم ذا الكفل واسمه عويديا وهو من سبط يهوذا بن يعقوب وبين موسى بن عمران ومريم بنت عمران ألف سنة وسبعمائة سنة.
قال الزبير بن بكار :كل نبي ذكر في القرآن فهو من ولد إبراهيم غير إدريس ونوح وهود ولوط وصالح، ولم يكن من العرب الأنبياء إلا خمسة هود وصالح وإسماعيل وشعيب ومحمد صلى الله عليه وسلم، وإنما سموا عربا لأنه لم يتكلم بالعربية غيرهم، ذكره القرطبي.
﴿ والأسباط ﴾ هم أولاد يعقوب وكانوا اثني عشر، ومنهم يوسف نبي رسول باتفاق، وفي البقية خلاف ﴿ وعيسى وأيوب ويونس ﴾ فيه ست لغات أفصحها واو خالصة ونون مضمونة وهي لغة الحجاز ﴿ وهارون وسليمان ﴾ وخص هؤلاء بالذكر بعد دخولهم في لفظ النبيين تشريفا لهم كقوله ﴿ وملائكته ورسله وجبريل ﴾.
وقدم عيسى على أيوب ومن بعده مع كونهم في زمان قبل زمانه ردا على اليهود الذين كفروا به، وأيضا فالواو ليست إلا لمطلق الجمع، والمعنى أن الله تعالى أوحي إلى هؤلاء الأنبياء المذكورين في هذه الآية وأنتم يا معشر اليهود معترفون بذلك، وما أنزل الله على أحد من هؤلاء كتابا جملة واحدة، فلما لم يكن ذلك قادحا في نبوتهم فكذلك لم يكن إنزال القرآن مفرقا على محمد قادحا في نبوته بل قد أنزل عليه كما أزل عليهم.
﴿ وآتينا داود زبورا ﴾ أي كتابا مزبورا يعني مكتوبا، والزبور بالفتح كتاب داود، قال القرطبي :وهو مائة وخمسون سورة فيها حكم ولا حلال ولا حرام وإنما هي حكم ومواعظ انتهى.
قلت :هو مائة وخمسون مزمورا، والمزمور فصل يشتمل على كلام لداود يستغيث بالله من خصومه ويدعو الله عليهم ويستنصره، وتارة يأتي بمواعظ وكان يقول ذلك في الغالب في الكنيسة، ويستعمل مع تكلمه بذلك في كثير من تلك المزمورات، والزبر والكتابة، والزبور بمعنى الزبور أي المكتوب كالرسل والحلوب والركوب.
وقرأ حمزة زبورا بضم الزاي جمع زبر كفلس وفلوس، والزبر بمعنى المزبور، والأصل في الكلمة التوثيق يقال بئر مزبورة أي مطوية بالحجارة والكتاب سمي زبورا لقوة الوثيقة به.
عن أبي موسى الأشعري قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقراءتك لقد أعطيت مزمارا من مزامير آل داود، أخرجه الشيخان١، قال الحميدي :زاد البرقاني قلت :والله يا رسول الله لو علمت أنك نسمع لقراءتي لحبرها لك تحبيرا، والتحبير تحسين الصوت بالقراءة، وإنما لم يذكر في هذه الآية لأن الله تعالى أنزل عليه التوراة جملة واحدة٢.
١ مسلم ٧٩٣ والبخاري/٢٠٩٧..
٢ قال ابن عباس: قال عدي بن زيد، وسكين: يا محمد ما نعلم الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى، فنزلت هذه الآية سيرة ابن هشام١/٥٦٢، وابن جريج ٩/٤٠٠ عن ابن عباس، وفي سنده محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال الذهبي: لا يعرف. وسكين بن أبي سكين، وعدي بن زيد بني قينقعان، ذكرهم ابن هشام في "السيرة" في الأعداء من اليهود..
﴿ و ﴾ أرسلنا ﴿ رسلا ﴾ وقرأ أبي :رسل بالرفع على تقدير منهم ﴿ قد قصصناهم عليك ﴾ أي سميناهم لك في القرآن وعرفناك أخبارهم، وإلى من بعثوا من الأمم وما حصل لهم من قومهم، ومعنى ﴿ من قبل ﴾ أنه قصهم عليه من قبل هذه السورة أو من قبل هذا اليوم ﴿ ورسلا لم نقصصهم عليك ﴾ أي لم نسمهم لك ولم نعرفك أخبارهم.
وقيل إنه لما قص في كتابه بعض أسماء أنبيائه ولم يذكر أسماء بعض قالت اليهود :ذكر محمد الأنبياء ولم يذكر موسى فنزل ﴿ وكلم الله موسى ﴾ بلا واسطة أي أزال عنه الحجاب حتى سمع كلام الله سبحانه، والمعنى أن التكليم بغير واسطة منتهى مراتب الوحي خص به موسى من بينهم، ولم يكن ذلك قادحا في نبوة سائر الأنبياء، فكيف يتوهم أن نزول التوراة جملة قادح في نبوة من أنزل عليه الكتاب مفصلا.
قرأ الجمهور برفع الاسم الشريف على أن الله هو الذي كلم موسى، وقرأ النخعي ويحيى بن وثاب بنصب الاسم على أن موسى هو الذي كلم الله سبحانه، و ﴿ تكليما ﴾ مصدر مؤكد، وفائدة التأكيد دفع توهم كون التكليم مجازا كما قال الفراء أن العرب تسمي ما وصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل ما لم يؤكد بالمصدر، فإذا أكد لم يكن إلا حقيقة الكلام.
قال النحاس :وأجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر ولم يكن مجازا، وفيه رد على من يقول إن الله خلق كلاما في محل فسمع موسى ذلك الكلام.
أخرج عبد بن حميد والحكيم والترمذي في نوادر الأصول وابن حبان في صحيحه والحاكم وابن عسكر عن أبي ذر قال :قلت يا رسول الله كم الأنبياء ؟ قال :مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، قلت كم الرسل منهم قال :ثلثمائة وثلاثة عشر جم غفير، وأخرج نحوه ابن حاتم عن أبي أمامة مرفوعا إلا أنه قال :والرسل ثلثمائة وخمسة عشر١.
وأخرج أبو يعلى والحاكم بسند ضعيف عن أنس قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :كان فيمن خلا من إخواني الأنبياء ثمانية آلاف نبي ثم كان عيسى ثم كنت أنا من بعده٢.
١ مسند أحمد٥/١٩٨..
٢ المستدرك ٢/٥٩٨..
﴿ رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما ( ١٦٥ ) ﴾
﴿ رسلا مبشرين ﴾ لأهل الطاعات بالجنة ﴿ ومنذرين ﴾ لأهل المعاصي بالعذاب ﴿ لئلا ﴾ اللام كي وتتعلق بمنذرين على المختار للبصريين، وبمبشرين عند الكوفيين، فإن المسألة من باب التنازع، والأول أولى، وله في القرآن نظائر، وقيل تتعلق بمحذوف أي أرسلناهم كيلا :
﴿ يكون للناس على الله حجة ﴾ أي معذرة يعتذرون بها كما في قوله تعالى : ﴿ ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ﴾ وسميت المعذرة حجة مع أنه لم يكن لأحد من العباد على الله حجة تنبيها على أن هذه المعذرة مقبولة لديه تفضلا منه ورحمة.
﴿ وبعد ﴾ إرسال ﴿ الرسل ﴾ وإنزال الكتب وفيه دليل على أنه لو لم يبعث الرسل لكان للناس عليه حجة في ترك التوحيد والطاعة، وعلى أن الله لا يعذب الخلق قبل بعثه الرسل كما قال تعالى ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ﴾ وفيه حجة لأهل السنة على أن معرفة الله لا تثبت إلا بالسمع ﴿ وكان الله عزيزا ﴾ لا يغالبه مغالب ﴿ حكيما ﴾ في أفعاله التي من جملتها إرسال الرسل.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين، وفي لفظ مسلم ولا شخص أحب إليه العذر من الله، الحديث١.
١ مسلم ٢٧٥٠ والبخاري٢٠٠٣..
﴿ لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا ( ١٦٦ ) إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا ( ١٦٧ ) ﴾
﴿ لكن الله يشهد بما أنزل إليك ﴾ هذا الاستدراك من محذوف مقدر كأنهم قالوا ما نشهد لك يا محمد بهذا أي الوحي والنبوة فنزل ﴿ لكن الله يشهد ﴾ وشهادة الله إنما عرفت بسبب أنه أنزل هذا القرآن البالغ في الفصاحة والبلاغة إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن المعارضة والإتيان بمثله فكان ذلك معجزا، وإظهار المعجزة شهادة بكون المدعي صادقا لا جرم قال الله تعالى ذلك.
﴿ أنزله بعلمه ﴾ جملة حالية أي متلبسا بعلمه الذي لا يعلمه غيره من كونك أهل لما اصطفاك الله له من النبوة وأنزله عليك من القرآن واستعدادك لاقتباس الأنوار القدسية، وفيه نفي قول المعتزلة في إنكار الصفات فإنه أثبت لنفسه العلم، وقيل العلم هنا بمعنى المعلوم أي بمعلومه مما يحتاج إليه الناس في معاشهم ومعادهم.
﴿ والملائكة يشهدون ﴾ بأن الله تعالى أنزله عليك ويشهدون بتصديقك، وإنما عرفت شهادة الملائكة لأن الله تعالى إذا شهدت الملائكة به، ﴿ وكفى بالله شهيدا ﴾ على صحة نبوتك حيث نصب لها معجزات باهرة وحججا ظاهرة مغنية عن الاستشهاد بغيرها وإن لم يشهد معه أحد.
وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن شهادة أهل الكتاب له، وشهادة الله سبحانه هي ما نصبه من المعجزات الدالة على صحة النبوة فإن وجود هذه المعجزات شهادة للنبي صلى الله عليه وسلم بصدق ما أخبر به من هذا أو غيره، عن ابن عباس قال :دخل جماعة من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم :إني والله أعلم أنكم تعلمون أني رسول الله، قالوا :ما نعلم ذلك فأنزل الله هذه الآية١.
١ سيرة ابن هشام٢/٢١١ وابن جريج٩/٤٩ عن ابن عباس قال: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من يهود، فقال لهم: "إني أعلم والله أنكم لتعلمون أني رسول الله" فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل الله عز وجل: ﴿ولكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا﴾ وزاد السيوطي نسبته في "الدر" ٢/٢٤٨ إلى ابن المنذر، والبيهقي في"الدلائل". قلت: وفي سنده محمد مولى زيد بن ثابت وهو مجهول كما تقدم.
تفسيره ابن كثير١/٥٨٩..

﴿ إن الذين كفروا ﴾ بالله وبكل ما يجب الإيمان به أو بهذا الأمر الخاص، وهو ما في هذا المقام ﴿ وصدوا ﴾ الناس ﴿ عن سبيل الله ﴾ وهو دين الإسلام بإنكارهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبقولهم ما نجد صفته في كتابنا وإنما النبوة في ولد هارون وداود، وبقولهم إن شرع موسى لا ينسخ.
﴿ قد ضلوا ضلالا بعيدا ﴾ عن الحق والصواب بما فعلوا لأنهم مع كفرهم منعوا غيرهم عن الحق، فجمعوا بين الضلال والإضلال ولأن المضل يكون أغرق في الضلال وأبعد من الانقطاع منه.
﴿ إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا ( ١٦٨ ) إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا ( ١٦٩ ) يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما ( ١٧٠ ) ﴾.
﴿ إن الذين كفروا ﴾ بجحدهم ﴿ وظلموا ﴾ غيرهم بصدهم عن السبيل أو ظلموا محمدا :كتمانهم نبوته أو ظلموا أنفسهم بكفرهم، ويجوز الحمل على جميع هذه المعاني ﴿ لم يكن الله ليغفر لهم ﴾ إذا استمروا على كفرهم وماتوا كافرين ﴿ ولا ليهديهم طريقا ﴾ من الطرق
﴿ إلا طريق جهنم ﴾ لكونهم اقترفوا ما يوجب لهم ذلك بسوء اختيارهم وفرط شقائهم وجحدوا الواضح وعاندوا البين أي يدخلهم جهنم، والاستثناء متصل لأنه من جنس الأول والأول عام لأنه نكرة في سياق النفي وإن أريد به طريق خاص أي عمل صالح، فالاستثناء منقطع قاله الكرخي.
﴿ خالدين فيها ﴾ وهي حال مقدرة ﴿ أبدا ﴾ منصوب على الظرفية توكيد خالدين وهو لدفع احتمال أن الخلود هنا يراد به المكث الطويل ﴿ وكان ذلك ﴾ أي تخليدهم في جهنم أو ترك المغفرة والهداية مع الخلود في جهنم ﴿ على الله يسيرا ﴾ لأنه سبحانه لا يصعب عليه شيء من مراداته إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.
﴿ يا أيها الناس ﴾ خطاب عام يدخل فيه جميع الكفار من اليهود والنصارى وعبدة الأصنام وغيرهم، وقيل هو خطاب لمشركي مكة والعبرة بمفهوم اللفظ وهو عام ﴿ قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم ﴾ أي محمد صلى الله عليه وسلم بدين الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده، أو بالقرآن الذي هو الحق من عند ربكم وهو تكرير للشهادة وتقرير لحقية المشهود به، وتمهيد لما بعده من الأمر بالإيمان.
﴿ فآمنوا ﴾ قال سيبويه والخليل أي اقصدوا أو آتوا ﴿ خيرا لكم ﴾ وقال الفراء :فآمنوا إيمانا خيرا لكم، وقال أبو عبيدة والكسائي :فآمنوا يكن الإيمان خيرا لكم، وأقوى هذه الأقوال الثالث ثم الأول ثم الثاني على ضعف فيه.
﴿ وإن تكفروا ﴾ أي وإن تستمروا على كفركم وتجحدوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وتكذبوا بما جاءكم به من الحق ﴿ فإن لله ما في السماوات والأرض ﴾ من مخلوقاته وأنتم من جملتهم، ومن كان خالقا لكم ولها فهو قادر على مجازاتكم بقبيح أفعالكم.
ففي هذه الجملة وعيد لهم مع إيضاح وجه البرهان وإماطة الستر عن الدليل بما يوجب عليهم القبول والإذعان، لأنهم يعترفون بأن الله خالقهم ﴿ ولئن سألتم من خلقهم ليقولن الله ﴾ وهو يعم ما اشتملتا عليه وما تركبتا منه ﴿ وكان الله عليما ﴾ بمن يؤمن ومن يكفر ﴿ حكيما ﴾ لا يسوي بينهما في الجزاء.
﴿ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ( ١٧١ ) ﴾
﴿ يا أهل الكتاب ﴾ قيل نزلت في النصارى وقيل فيهم وفي اليهود ﴿ لا تغلوا في دينكم ﴾ الغلو هو التجاوز في الحد، ومنه غلا السعر يغلو غلاء وغلا الرجل في الأمر غلوا، وغلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فتجاوزت لداتها، والمراد بالآية النهي عن الإفراط تارة والتفريط أخرى.
فمن الإفراط غلو النصارى في عيسى حتى جعلوه ربا، ومن التفريط غلو اليهود فيه عليه السلام حتى جعلوه لغير رشدة، وما أحسن قول الشاعر :
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميم
﴿ ولا تقولوا على الله إلا الحق ﴾ وهو ما وصف به نفسه ووصفته به رسله، ولا تقولوا الباطل كقول اليهود عزير ابن الله وقول النصارى المسيح ابن الله، وهذا الاستثناء مفرغ ﴿ إنما المسيح عيسى ابن مريم ﴾ الجملة تعليل للنهي، وقد تقدم الكلام على المسيح في آل عمران والمعنى ليس له نسب غير هذا، وأنه ﴿ رسول الله ﴾ فمن زعم غير هذا فقد أشرك وكفر.
﴿ وكلمته ﴾ أي كونه بقوله كن فكان بشرا من غير أب، وقيل كلمته بشارة الله مريم ورسالته إليها على لسان جبريل بقوله ﴿ إذا قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه ﴾ وقيل الكلمة ههنا بمعنى الآية ومنه ﴿ وصدقت بكلمات ربها ﴾ وقوله ما نفذت كلمات الله ﴿ ألقاها إلى مريم ﴾ أي أوصلها إليها ﴿ وروح ﴾ أي ذو روح ﴿ منه ﴾ وسمي روحا لأنه حصل من الريح الحاصل من نفخ جبريل، أي أرسل جبريل فنفخ في جيب درع مريم فحملت بإذن الله، وهذه الإضافة للتفضيل والتشريف وإن كان جميع الأرواح من خلقه تعالى.
وقيل قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحا ويضاف إلى الله فيقال هذا روح من الله أي من خلقه كما يقال في النعمة أنها من الله.
وقيل روح منه أي من خلقه كما قال تعالى ﴿ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ﴾ أي من خلقه، وقيل رحمة منه، وقيل برهان منه، وكان عيسى برهانا وحجة على قومه.
والمعنى روح كائنة منه وجعلت الروح منه سبحانه وإن كانت بنفخ جبريل لكونه تعالى الآمر لجبريل بالنفخ، والمعنى ليس هو كما زعمتم ابن الله وإلها معه أو ثالث ثلاثة لأن ذا الروح مركب، والإله منزه عن التركيب وعن نسبة المركب إليه.
وعن أبي موسى أن النجاشي قال لجعفر :ما يقول صاحبك في ابن مريم ؟ قال :يقول فيه قول الله، هو روح الله وكلمته أخرجه من البتول العذراء لم يقربها بشر، فتناول عودا من الأرض فرفعه فقال يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه.
وعن ابن مسعود بأطول من هذا. وأخرج البخاري عن عمر قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله١.
وعن عبادة بن الصامت قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان له من العمل أخرجه الشيخان٢.
﴿ فآمنوا بالله ورسله ﴾ أي لأنه سبحانه إله واحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وبأن رسله صادقون مبلغون عن الله ما أمرهم بتبليغه، ولا تكذبوهم ولا تغلوا فيهم فتجعلوا بعضهم آلهة ﴿ ولا تقولوا ثلاثة ﴾ قال الزجاج أي لا تقولوا آلهتنا ثلاثة.
وقال الفراء وأبو عبيد أي لا تقولوا هم ثلاثة كقوله سيقولون ثلاثة، وقال أبو علي الفارسي :لا تقولوا هو ثالث فحذف المبتدأ المضاف، والنصارى مع تفرق مذاهبهم متفقون على التثليث، ويعنون بالثلاثة الثلاثة الأقانيم فيجعلونه سبحانه جوهرا واحدا وله ثلاثة أقانيم ويعنون بالأقانيم أقنوم الوجود وأقنوم الحياة وأقنوم العلم، وإنما يعبرون عن الأقانيم بالأب والابن وروح القدس، فيعنون بالأب الوجود وبالروح الحياة وبالابن المسيح، وقيل المراد بالآلهة الثلاثة سبحانه وتعالى ومريم والمسيح.
وقد اختبط النصارى في هذا اختباطا طويلا، ووقفنا في الأناجيل الأربعة التي يطلق عليها اسم الإنجيل عندهم على اختلاف كثير في عيسى، فتارة يوصف بأنه ابن الإنسان وتارة يوصف بأنه ابن الله وتارة يوصف بأنه ابن الرب، وهذا تناقض ظاهر وتلاعب بالدين.
والحق ما أخبرنا الله به في القرآن، وما خالفه في التوراة والإنجيل أو الزبور فهو من تحريف المحرفين وتلاعب المتلاعبين.
ومن أعجب ما رأيناه أن الأناجيل الأربعة كل واحد منها منسوب إلى واحد من أصحاب عيسى عليه السلام، وحاصل ما فيها جميعا أن كل واحد من هؤلاء الأربعة ذكر سيرة عيسى من عند أن بعثة الله إلى أن رفعه الله، وذكر ما جرى له من المعجزات والمراجعات لليهود ونحوهم، فاختلفت ألفاظهم، واتفقت معانيها، وقد يزيد بعضهم على بعض بحسب ما يقتضيه الحفظ والضبط، وذكر ما قاله عيسى وقيل له، وليس فيها من كلام الله سبحانه شيء ولا أنزل على عيسى من عنده كتابا، بل كان عيسى عليه السلام يحتج عليهم بما في التوراة ويذكر أنه لم يأت بما يخالفها.
وهكذا الزبور فإنه من أوله إلى آخره من كلام داود عليه السلام.
وكلام الله أصدق وكتابه أحق، وقد أخبرنا أن الإنجيل كتابه أنزله على عبده ورسوله عيسى ابن مريم وأن الزبور كتابه آتاه وأنزله عليه.
﴿ انتهوا خيرا لكم ﴾ أي انتهوا عن التثليث ولا تقولوا الآلهة ثلاثة وانتصاب خيرا هنا فيه الوجوه الثلاثة التي قدمت في قوله فآمنوا خيرا لكم.
﴿ إنما الله إله واحد ﴾ لا شريك له ولا صاحبة ولا ولد ﴿ سبحانه ﴾ أي أسبحه تسبيحا عن ﴿ أن يكون ولد ﴾ لأن الولد جزء من الأب، وهو متعال عن التجزئة وصفات الحدوث ولكن جعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور.
﴿ له ما في السماوات وما في الأرض ﴾ ملكا وخلقا وعبيدا، وما جعلتموه له شريكا أو ولدا هو من جملة ذلك والمملوك المخلوق لا يكون شريكا ولا ولدا ﴿ وكفى بالله وكيلا ﴾ مستقلا بتدبير خلقه يكل الخلق أمورهم إليه، لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا فلا حاجة إلى ولد يعينه، وقيل شهيدا على ذلك.
١ صحيح الجامع٧٢٤٠..
٢ صحيح الجامع ٦١٩٦..
﴿ لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا ( ١٧٢ ) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا ( ١٧٣ ) ﴾
﴿ لن يستنكف ﴾ أي لا يتكبر ولا يأنف ﴿ المسيح ﴾ الذي زعمتم أنه إله عن ﴿ أن يكون عبدا لله ﴾ أصل يستنكف نكف، وباقي الحروف زائدة، يقال نكفت الشيء واستنكفت منه أنكفته أن نزهته عما يستنكف منه.
قال الزجاج :استنكف أي أنف مأخوذ من نكفت الدمع إذا نحيته بأصبعك عن خذيك، وقيل هو من النكف وهو العيب يقال ما عليه في هذا الأمر نكف ولا كف أي عيب، ومعنى الأول لن يأنف عن العبودية ولن يتنزه عنها، ومعنى الثاني لن يعيب العبودية ولن ينقطع عنها.
﴿ ولا الملائكة المقربون ﴾ أي ولن يستنكف حملة العرش وأفاضل الملائكة مثل جبريل وغيره عن أن يكونوا عبادا لله، وهذا من أحسن الاستطراد، ذكر للرد على من زعم أنها آلهة أو بنات الله كما رد بما قبله على النصارى الزاعمين ذلك المقصود خطابهم.
وقد استدل بهذا القائلون بتفضيل الملائكة على الأنبياء، وقرر صاحب الكشاف وجه الدلالة بما لا يسمن ولا يغني من جوع، وادعى أن الذوق قاض بذلك، ونعم الذوق العربي إذا خالطه محبة المذهب، وشابه شوائب الجمود كان هكذا.
وكل من يفهم لغة العرب يعلم أن من قال :لا يأنف من هذه المقالة إمام ولا مأموم أو لا كبير ولا صغير أو لا جليل ولا حقير لم يدل هذا على أن المعطوف أعظم شأنا من المعطوف عليه، وعلى كل حال فما أبرد الاشتغال بهذه المسألة وما أقل فائدتها وما أبعدها عن أن تكون مركزا من المراكز الدينية وجسرا من الجسور الشرعية.
﴿ ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر ﴾ أي يأنف تكبرا ويعد نفسه كبيرا على العبادة ﴿ فسيحشرهم إليه جميعا ﴾ المستنكف وغيره فيجازي كلا بعمله، لا يملكون لنفسهم شيئا، وترك ذكر غير المستنكف هنا لدلالة أول الكلام عليه ولكون الحشر لكلا الطائفتين.
﴿ فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فيوفيهم أجورهم ﴾ أي ثواب أعمالهم من غير أن يفوتهم منها شيء ﴿ ويزيدهم من فضله ﴾ ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب البشر، أي على وجه التفصيل وإحاطة العلم بها، وإلا فسائر نعيم الجنان يخطر على قلوبنا ونسمعه من السنة لكن على وجه الإجمال.
وأخرج ابن المنذر وغيره بسند ضعيف عن ابن مسعود قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :أجورهم يدخلهم الجنة ويزيدهم من فضله الشفاعة فيمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا، وقد ساقه ابن كثير في تفسيره ثم قال هذا إسناد لا يثبت وإذا روي عن ابن مسعود موقوفا فهو جيد١.
﴿ وأما الذين استنكفوا واستكبروا ﴾ عن عبادته ﴿ فيعذبهم ﴾ بسبب استنكافهم واستكبارهم ﴿ عذابا أليما ﴾ هو عذاب النار ﴿ ولا يجدون لهم من دون الله وليا ﴾ يواليهم ﴿ ولا نصيرا ﴾ ينصرهم.
١ ابن كثير١/٥٩٢..
﴿ يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا ( ١٧٤ ) فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما ( ١٧٥ ) ﴾
﴿ يا أيها الناس ﴾ خطاب للكافة ﴿ قد جاءكم برهان من ربكم ﴾ بما أنزله عليكم من كتبه وبمن أرسله إليكم من رسله، وما نصبه لهم من المعجزات. والبرهان ما يبرهن به على المطلوب، قال قتادة :البرهان البينة، وقال مجاهد :الحجة وقيل محمد صلى الله عليه وسلم والتقدير كائن من ربكم أو من الحجة وقيل ربكم، وقيل لإبتداء الغاية.
﴿ وأنزلنا إليكم نورا مبينا ﴾ وهو القرآن وسماه نورا لأنه يهتدي به من ظلمة الظلال.
﴿ فأما ﴾ أي فمنكم من آمن ومنكم من كفر فأما ﴿ الذين آمنوا بالله ﴾ أي صدقوا بوحدانيته وبما أرسل من رسول وأنزل من كتاب، وترك الشق الآخر إشارة إلى إهمالهم لأنهم في حيز الطرح ﴿ واعتصموا به ﴾ أي بالله أو بالقرآن وقيل بالنور المذكور ﴿ فسيدخلهم في رحمة منه ﴾ يرحمهم بها، قال ابن عباس :الرحمة الجنة سميت باسم محلها.
﴿ وفضل ﴾ يتفضل به عليهم بعد إدخالهم الجنة كالنظر إلى وجهه الكريم وغيره من مواهب الجنة ﴿ ويهديهم إليه ﴾ أي إلى امتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه الله سبحانه وتعالى باعتبار مصيرهم إلى جزائه وتفضله، قال أبوعلي الفارسي :الهاء في إليه راجعة إلى ما تقدم من إسم الله، وقيل إلى القرآن وقيل إلى الفضل وقيل إلى الرحمة والفضل لأنهما بمعنى الثواب، وأخر هذا مع أنه سابق في الوجود الخارجي على ما قبله تعجيلا للمسرة والفرح على حد :سعد في دارك.
﴿ صراطا ﴾ أي طريقا يسلكونه إليه ﴿ مستقيما ﴾ لا عوج فيه وهو التمسك بدين الإسلام وترك غيره من الأديان.
﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرأ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساءا فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم ( ١٧٦ ) ﴾
﴿ يستفتونك ﴾ ختم السورة بذكر الأموال كما أنه افتتحها بذلك لتحصل المشاكلة بين المبدأ والختام، وجملة ما في هذه السورة من آيات المواريث ثلاثة
الأولى :في بيان إرث الأصول والفروع.
والثانية :في بيان إرث الزوجين والأخوة والأخوات من الأم.
والثالثة :وهي هذه في إرث الأخوة والأخوات الأشقاء أو لأب، وأما أولو الأرحام فمذكورون في آخر الأنفال، والمستفتي عن الكلالة هو جابر كما سيأتي، وعن قتادة أن الصحابة أهمهم شأن الكلالة فسألوا عنها النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية.
﴿ قل الله يفتيكم في الكلالة ﴾ قد تقدم الكلام في الكلالة في أول هذه السورة واسم الكلالة يقع على الوارث وعلى الموروث، فإن وقع على الأول فهم من سوى الوالد والولد، وإن وقع على الثاني فهو من مات ولا يرثه أحد الأبوين ولا أحد الأولاد.
قد أخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن جابر بن عبد الله قال :دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعقل فتوضأ ثم صب علي فعقلت فقلت :إنه لا يرثني إلا الكلالة فكيف الميراث فنزلت آية الفرائض، وعنه عند ابن سعد وابن أبي حاتم بلفظ أنزلت في قل الله يفتيكم في الكلالة.
وعن عمر أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تورث الكلالة فأنزل الله هذه الآية، وأخرج مالك ومسلم وابن جرير والبيهقي عن عمر قال :ما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء أكثر مما سألته في الكلالة حتى طعن بأصبعه في صدري وقال :ما يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء.
وأخرج البخاري وغيرهما عن عمر قال :ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إلينا فيهم عهدا ننتهي إليه :الجد والكلالة وأبواب من أبواب الربا، وقد أوضحنا الكلام لغة وخلافا واستدلالا وترجيحا في شأن الكلالة في أوائل هذه السورة فلا نعيده.
﴿ إن امرؤ هلك ﴾ أي إن هلك امرؤ، هلك كما تقدم في قوله : ﴿ وإن امرأة خافت ﴾ والمعنى مات وسمي الموت هلاكا في الحقيقة ﴿ ليس له ولد ﴾ إما صفة لامرؤ أو حال كما قاله صاحب الكشاف، ولا وجه للمنع من كونه حالا والأول رجحه الكرخي.
والولد يطلق على الذكر والأنثى، واقتصر على عدم الولد هنا مع أن عدم الوالد معتبر في الكلالة اتكالا على ظهور ذلك، قيل والمراد هنا الابن وهو أحد معنيي المشترك لأن البنت لا تسقط الأخت.
﴿ وله أخت ﴾ المراد بالأخت هنا هي الأخت لأبوين أو لأب لا لأم فإن فرضها السدس كما ذكر سابقا ﴿ فلها ﴾ أي لأخت الميت ﴿ نصف ما ترك ﴾.
وقد ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أن الأخوات لأبوين أو لأب عصبة للبنات وإن لم يكن معهن أخ، وذهب ابن عباس إلى أن الأخوات لا يعصبن البنات، وإليه ذهب داود الظاهري وطائفة، وقالوا إنه لا ميراث للأخت لأبوين أو لأب مع البنت، واحتجوا بظاهر هذه الآية فإنه جعل عدم الولد المتناول للذكر والأنثى قيدا في ميراث الأخت.
وهذا استدلال صحيح لو لم يرد في السنة ما يدل على ثبوت ميراث الأخت مع البنت، وهو ما ثبت في الصحيح أن معاذا قضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في بنت وأخت فجعل للبنت النصف، وللأخت النصف، وكذا صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بنت وبنت ابن وأخت فجعل للبنت النصف ولبنت الابن السدس وللأخت الباقي، فكانت هذه السنة مقتضية لتفسير الولد بالابن دون البنت.
﴿ وهو ﴾ أي الأخ ﴿ يرثها ﴾ أي كذلك يرث الأخت جميع ما تركت ﴿ إن لم يكن لها ولد ﴾ ذكر، إن كان المراد بإرثه لها حيازته لجميع ما تركته، وإن كان المراد ثبوت ميراثه لها فالجملة أعم من يكون كلا أو بعضا صح تفسير الولد بما يتناول الذكر والأنثى، فإن كان لها ولد ذكر فلا شيء له أو أنثى فله ما فضل عن نصيبها، ولو كانت الأخت أو الأخ من أم ففرضه السدس كما تقدم في أول السورة.
واقتصر سبحانه في هذه الآية على نفي الولد مع كون الأب يسقط الأخ كما يسقطه الولد الذكر لأن المراد بيان سقوط الأخ مع الولد فقط هنا، وأما سقوطه مع الأب فقد تبين بالسنة كما ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر، والأب أولى من الأخ١.
﴿ فإن كانتا ﴾ أي فإن كان من يرث بالأخوة ﴿ اثنتين ﴾ أي أختين فصاعدا لأنها نزلت في جابر وقد مات عن أخوات سبع أو تسع والعطف على الشرطية والتأنيث والتثنية وكذلك الجمع في قوله وإن كانوا أخوة باعتبار الخبر ﴿ فلها الثلثان مما ترك ﴾ الأخ إن لم يكن له ولد كما سلف، وما فوق الاثنتين من الأخوات يكون لهن الثلثان بالأولى.
﴿ وإن كانوا ﴾ أي من يرث بالإخوة ﴿ إخوة ﴾ أي وأخوات فغلب الذكور على الإناث أو فيه اكتفاء بدليل ﴿ رجالا ونساء ﴾ أي مختلطين ذكورا وإناثا ﴿ فللذكر ﴾ منهم ﴿ مثل حظ الأنثيين ﴾ تعصيبا ﴿ يبين الله لكم ﴾ حكم الكلالة وسائر الأحكام كراهة ﴿ أن تضلوا ﴾ هكذا حكاه القرطبي عن البصريين وبه قال الكشاف وتبعه القاضي ورجحه.
وقال الكسائي :المعنى لئلا تضلوا، ووافقه الفراء وغيره من الكوفيين قال أبو عبيد :رويت للكسائي حديث ابن عمر لا يدعوا أحدكم على ولده أن يوافق من الله ساعة إجابة فاستحسنه أي لئلا يوافق ﴿ والله بكل شيء ﴾ من الأشياء التي هذه الأحكام المذكورة منها ﴿ عليم ﴾ أي كثير العلم يعلم مصالح العباد، في المبدأ والمعاد، وفيها كلفهم من الأحكام.
وهذه السورة اشتمل أولها على كمال تنزه الله وسعة قدرته، وآخرها اشتمل على بيان كمال العلم وهذان الوصفان بهما تثبت الربوبية والألوهية والجلال والعزة، وبهما يجب أن يكون العبد منقادا للتكاليف، قاله أبو حيان.
روى الشيخان عن البراء أنهال آخر آية نزلت من الفرائض، وروي عن ابن عباس :آخر آية نزلت آية الربا، وآخر سورة نزلت إذا جاء نصر الله والفتح وروي أنه صلى الله عليه وسلم بعد ما نزلت سورة النصر عاش عاما ونزلت بعدها براءة وهي آخر سورة نزلت كاملة، فعاش صلى الله عليه وسلم بعدها ستة أشهر، ثم نزلت في طريق حجة الوداع ﴿ يستفتونك ﴾ الآية فسميت آية الصيف لأنها نزلت في الصيف، ثم نزلت وهو واقف بعرفة ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ فعاش بعدها واحدا وثمانين يوما ثم نزلت آية الربا ثم نزلت ﴿ واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ﴾ فعاش بعدها واحدا وعشرين يوما.
١ مسلم/١٦١٥ والبخاري/٢٤٩٦..
السورة التالية
Icon