0:00
0:00

سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم

( وبه نستعين ) ١
١ ساقطة من م..

الآية ١ قوله تعالى : ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم ﴾ في ما كان الخطاب للكفرة ذكر الله سبحانه وتعالى على إثره حجج وحدانيته ودلائل ربوبيته لأنهم لم يعرفوا ربهم من نحو ما ذكر ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ الآية وكقوله عز وجل : ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ﴾ الآية ( البقرة ٢١ ) وكقوله عز وجل : ﴿ يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ﴾ ( فاطر ٥ ) وغيره كثير ذكر الحجج والدلائل التي بها يوصل إلى معرفة الصانع وتوحيده ليتفكروا فيعرفوا بها خالقهم وإلههم.
وفي كل ما كان الخطاب للمؤمنين لم يذكر حجج الوحدانية ولا دائل الربوبية لأنهم قد عرفوا ربهم قبل الخطاب ولكن ذكر على إثره نعمه التي أنعمها عليهم وثوابه ( الذي )١ وعد لهم نحو قوله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعا ﴾ ( آل عمران ١٠٢- ١٠٣ ) إلى آخر ما ذكر نعمه التي أنعمها عليهم، وكقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم ﴾ ( الحديد ٢٨ ) إلى ( آخر ) ٢ ما ذكر. على هذا يخرج الخطاب في الأغلب.
وقوله تعالى : ﴿ اتقوا ربكم ﴾ قيل : ﴿ اتقوا ﴾ عذابه ونقمته وقيل : ﴿ اتقوا ﴾ عصيانه في أمره ونهيه وقيل : ﴿ اتقوا ﴾ الله بحقه في أمره ونهيه.
وقوله تعالى : ﴿ الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ أضاف خلقنا إلى آدم إذ الإنسان من النطفة قال :دلت إضافة خلقنا من آدم، وإن لم تكن أنفسنا مستخرجة منه، على أمرين :
أحدهما :جواز إضافة الشيء إلى الأصل الذي إليه المرجع وإن بعد ذلك عن الراجع إليه على التوالد والتتابع.
والثاني :أنا لم نكن بأبداننا فيه وإن أضيف خلقنا إليه، إذ لو كنا فيه لكنا منه بحق الإخراج لا بحق الخلق منه، وذلك يبطل قول من يجعل صورة الإنسان من النطفة ( مع الإحالة أن يكون مضافا إلى٣ التراب أو النطفة ) ٤، إذ هما من الموات٥ الخارج من احتمال الدرك ونحن أحياء٦ دراكون، والله أعلم.
( وقوله تعالى : ﴿ وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ﴾ أي فرق ونشر وأظهر منهما أولادا كثيرا ذكورا وإناثا ) ٧.
وقوله تعالى : ﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ﴾ قوله : ﴿ تساءلون ﴾ أي اتقوا الله الذي تساءلون بعضكم من بعض بالرحم يقول الرجل لآخر :أسألك بالرحم والقرابة أن تعطيني.
وقوله تعالى : ﴿ والأرحام ﴾ روي عن ابن عباس رضي الله عنه يقول : ﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به ﴾ واتقوا في الأرحام وصلوها ) وقرئ بالنصب والخفض٨ : ﴿ والأرحام ﴾ فمن قرأ بالنصب فيقول : ﴿ اتقوا الله ﴾ فلا تعصوه واتقوا الأرحام فلا تقطعوها ومن قرأ بالخفض فيقول : ﴿ واتقوا الله الذي تساء لون به ﴾ والأرحام وروي في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " اتقوا الله وصلوا الأرحام فإنه أتقى لكم في الدنيا وخير لكم في الآخرة " ( ابن جرير الطبري في تفسيره :٤/ ٢٢٧ ) والآية في الظاهر على العظة والتنبيه وكذلك قوله : ﴿ إن الله كان عليكم رقيبا ﴾ هو على التنبيه والإيعاظ.
١ من م..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ في م: في..
٤ من م ساقطة من الأصل...
٥ في م: الموت.
٦ من في الأصل أحيانا.
٧ من م ساقطة من الأصل..
٨ قرأ حمزة والأرحام خفضا وقرأ الباقون ﴿والأرحام﴾ نصبا انظر حجة القراءات ١٨٨ والمحتسب ١/ ١٧٩..
الآية ٢ وقوله تعالى : ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ يحتمل هذا وجهين :
أحدهما :احفظوا أموالهم إلى أن يخرجوا من اليتم فإذا خرجوا من اليتم أعطوهم أموالهم.
والثاني : ١ قوله عز وجل ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ أي أنفقوا عليهم من أموالهم ( ووسعوا ) ٢ عليهم النفقة ولا تضيقوها لتنظروا إلى أموالهم٣ و﴿ وآتوا ﴾ بمعنى وأتوا لوقت٤ الخروج من اليتم أي احفظوا لتؤتوا.
وقوله تعالى : ﴿ ولا تبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ ( أي لا تأخذوا )٥ الخبيث فتتركوا لهم وعد لكم في الآخرة بحفظ أموالهم وقيل :لا تأخذوا الجياد من ماله وتعطوا٦ الردئ منه٧ له فذلك تبديل الخبيث وهو أموال اليتامى وتذروا الطيب وهو أموالكم إشفاقا على أموالكم أن تنفق٨، وقيل :لا تأكلوا الحرام مكان الحلال لأن أكل مال اليتيم حرام وأكل مالكم حلال٩، فنهى أن يبدلوا الخبيث بالطيب ويحتمل :لا تأخذ ماله وهو خبيث فيؤخذ١٠ منك الذي لك وهو طيب ويحتمل :لا تأكلوا ذلك إبقاء لأموالكم التي / ٧٨ –أ/ طيبها الله ( تعالى لكم بما جعل الله لكم طيبا ) ١١ ويحتمل :لا تأكلوا أموالهم في الدنيا فتكون هي نار تأكلونها فتتركوا الموعود لكم في إبقاء الخبيث كقوله : ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ﴾ الآية ( النساء ١٠ ).
وقوله تعالى : ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ يحتمل هذا والله أعلم وجهين :يحتمل قوله :أموالهم إلى أموالكم } أي مع أموالكم أي لا تخلطوا أموالهم مع أموالكم فتأكلوها ففيه نهي عن الخلط والجمع ويحتمل ﴿ أموالهم إلى أموالكم ﴾ أي بأموالكم ففيه النهي عن أكل أموالهم بأموال أنفسهم تبعا، كقوله عز وجل : ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ﴾ ( الأنعام ١٥٢ ) وقوله عز وجل : ﴿ ولا تأكلوا أموالكم ﴾ بمعنى لا تجمعوها إليها فتأكلوها١٢ معا، ويحتمل مع أموالكم، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ إنه كان حوبا كبيرا ﴾ قيل :( جورا وقيل ) ١٣ الحوب الإثم وهو واحد، وقيل خطأ، وقيل :ذنبا كبيرا، وقيل :إثما، وكذلك روي عن ابن عباس رضي الله عنه.
١ في الأصل و م: ويحتمل..
٢ في م: وسعوا ساقطة من الأصل..
٣ أدرج بعدها في الأصل و م: غيرهم..
٤ من م في الأصل: الوقت..
٥ من م في الأصل: وتأخذوا..
٦ في الأصل و م: وتعطى..
٧ في الأصل و م: منهما..
٨ في الأصل و م تبقى..
٩ في الأصل و م: ماله..
١٠ في الأصل ليؤخذ.
١١ في الأصل: لكم طيبا في م: تعالى لكم بما جعل الله لكم خبيثا..
١٢ في الأصل و م: تأكلونها..
١٣ في الأصل: قيل..
وقوله تعالى : ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما أطاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ﴾ اختلف في تأويله قيل :إنهم كانوا يخافون من أموال اليتامى ويتحرجون منها لكثرة ما جاء من الوعيد فيها فنزل هذا :وإن خفتم } وتحرجتهم من أموال اليتامى فكذا فتخرجوا من الزنى ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ الآية.
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت :( نزلت في يتامى من يتامى النساء كن عند الرجال فتكون اليتيمة الشوهاء عند الرجل وهي ذات مال فلا ينكحها لشوهتها ضنا بمالها، لتموت، فيرثها، وإن نكحها أمسكها على غير عدل منه في أداء حقها إليها، والأولى لها سواه يطالبه بحقها، فأنزل الله تعالى : ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ الآية ) وروي عنها أيضا أنها سئلت عن هذه الآية فقالت : ﴿ نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها وينفر من صداقها فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء ) قالت عائشة رضي الله عنها :( واستفتى الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد لك فأنزل الله تعالى :{ ويستفتونك في النساء ﴾ إلى قوله : ﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ ( النساء ١٢٧ ) فأنزل الله تعالى لهم في هذه الآية أن اليتيمة إذ كانت ذات جمال ومال رغبوا فيها في نكاحها وأمسكوا١ في إكمال الصداق وإذا كانت مرغوبا عنها لشوهتها وقلة مالها تركوها وأخذوا غيرها من النساء ) قالت :( فكما يتركونها حتى يرغبوا عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفر من الصداق ).
وقيل :لما أنزل الله تعالى : ﴿ وإن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ﴾ الآية ( النساء ١٠ ) ترك المؤمنون مخالطة اليتامى وتنزهوا عنها فشق ذلك عليهم فاستفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مخالطتهم ( وقال : " يكون ) ٢ عند الرجل عدد من النساء ثم لا يعدل بينهن " ( بمعناه الطبري في تفسيره ٢ :٢٣٤ ) فأنزل الله تعالى : ﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا ﴾ الجور في مخالطة اليتامى فكذلك خافوا جمع النساء وترك التسوية بينهن في النفقة والجماع.
ثم من الناس من يبيح نكاح التسع بقوله تعالى : ﴿ مثنى وثلاث ور باع ﴾ فكذلك تسعة وأما عندنا فإنه لا يحتمل ذلك ( لوجهين :
أحدهما )٣ لأن معنى قوله تعالى : ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ مثنى أو ثلاث أو رباع، لأنه قال : ﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ﴾ استثنى الواحدة إذا خاف ألا يعدل بينهن فلو كان ما ذكر لكان لا معنى لاستثناء واحدة منهن، ولكن يقول : ﴿ فإذا خفتم ألا تعدلوا ﴾ بين التسع ( فثماني أو سبعا أو ستا ) ٤ فلما لم يستثن إلا واحدة دل أن التأويل ما ذكرنا مثنى أو ثلاث أو رباع على الانفراد.
والثاني :ما ذكر في القصة أنه كان عند الرجل عدد من النساء عشرا وأكثر أو أقل فخرج ذلك على بيان ما يحل من العدد وذلك أربعة.
وروي أن رجلا أسلم وتحته ثماني نسوة فأسلمن، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اختر منهن أربعا وفارق البواقي " ( أبو داوود ٢٢٤١ ) والخبر في بيان منتهى ما يحل من العدد دون وجه الحل فاحتمل أن يختار أربعا على استقبال النكاح.
وقوله تعالى : ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ﴾ الآية قيل فيه بوجوه :
أحدهما :أنه قال :إذا خفتم الجور في كفالة اليتامى فاتقيتموه فخافوا في كفالة النساء فلا تكثروا منهن.
والثاني :أنكم٥ إذا خفتم في أموال اليتامى فتحرجتم ضم أموالكم إليكم إشفاقا على أنفسكم أن تأكلوا منها فخافوا النساء مواقعتهن من وجه يحرم عليكم، فانكحوهن.
والثالث :أنكم٦ خفتم في يتامى النساء لو تزوجتموهن من حيث ليس معهن من يمنعكم من ظلمهن فانكحوهن من غيرهن في ما٧ إذا جرتم منعتم من ذلك.
لكنه معلوم أن الحد في عدد النساء لخوف الجور، وبما علم الله من عجز البشر على ما جبل عليه أخبر أنه لا يقوم بوفاء الحق في أكثر مما ذكر.
وقوله تعالى : ﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ﴾ ليس على الحكم والحتم، { ولكنه على الأدب ) ٨، لأنه، وإن خاف ألا يعدل فتزوج أربعا، جار وهو مثل الذي نهى في المراجعة وأمر بالقصد فيها والعدل، فإن فعل ذلك أثم ورجعته صحيحه، وكذلك الأمر بالطلاق في العدة والنهي في غير العدة، ثم إذا أطلق في غير العدة وقع، فكذلك الأول.
وقوله تعالى : ﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا ﴾ في القسم والجماع والنفقة ﴿ فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ﴾ إن خفتم ألا تعدلوا فواحدة لأنه ليس للإماء قبل سادتهن حق الجماع والقسم ؛ ينكح ما شاء كأنه قال هذا لما ليس لأكثر من غاية، فله أن يجمع ما شاء من الإماء في ملكه، وليس له أن يجمع بالنكاح أكثر من أربع. ولو كان التأويل ما ذهب إليه لم يكن لقوله ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ وجه، وفيه إذن بتكثير العيال، ( مع ما أن كثرة العيال )٩ معدودة من الكرم إذا أحسن إليهم لم يحتمل أن يزهد فيه.
وقوله تعالى : ﴿ ذلك أدنى ألا تعولوا ﴾ قال بعض أهل العلم :إن قوله تعالى ﴿ ألا تعولوا ﴾ من كثرة العيال :أعال يعيل إعالة فهو معيل، ولا يقال :عال يعول وإنما يقال ذلك في الجواز.
فإن قيل :روي في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ابدأ بمن تعول " ( البخاري ١٤٢٦ ) لكن تأويله والله أعلم ابدأ بمن تلزمك نفقته أي ابدأ بمن تصير١٠ جائرا بترك النفقة عليه. وكذلك يقال عال يعول عولا إذ أنفق على عياله، وليس عن كثيرة١١ العيال في شيء. ألا ترى أن على الرجل أن يبدأ بمن يعول ؟ فلو كان قوله : ﴿ ذلك أدنى ألا تعولوا ﴾ من العيال لكان المتزوج واحدة ذا عيال، وأن قول الله تعالى : ﴿ ألا تعولوا ﴾ المتزوج واحدة يعولها. فدل بما ذكرنا أن قوله ﴿ ألا تعولوا ﴾ أي لا تجوروا ولا تميلوا على ما قيل.
وعن عائشة رضي الله عنها ﴿ ألا تعولوا ﴾ ألا تميلوا، وعن ابن عباس رضي الله عنه مثله. والعول هو المجاوزة عن الحد، ولذلك سمي الحساب الذي ازداد على أصله عولا لمجاوزته الحد، فعلى ذلك العول ههنا :هو المجاوزة عن الحد الذي جعل له وهو الجور.
وقوله تعالى : ﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ﴾ ليس بشرط منفق العول، ولأنه لا حاجة لمعرفته حد الخوف١٢ الذي يجعل شرطا للجواز، وكل عدل يخاف أدنى خوف، بل جميع أمور الدين هو على الخوف والرجاء، ولأنه يوجب جهل النساء بمن يحل لهن النكاح ويحرم، إذ لا يعرفن ذلك ؛ ومتى حرم عليه حرم عليها، ولا يحتمل أن يجعل للحل شرطا لا يوصل إلى حقيقة ولظهور الجور في الأمة على / ٧٨ –ب/ الإبقاء على النكاح فضلا من خوفه مع ما قوله : ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا ﴾ الآية ( النساء ١٢٩ ) دلالة ظاهرة وكذلك في قوله : ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا ﴾ الآية ( النساء ١٢٨ ) وقوله : ﴿ فإن خفتم ألا يقيما حدود الله ﴾ ( البقرة ٢٢٩ ).
١ في الأصل و م: ونسبتها..
٢ من م في الأصل وكان..
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ في الأصل و م: فثمان أو سبع أو ست..
٥ في الأصل و م: أنهم..
٦ في الأصل و م: أنه..
٧ في الأصل و م: من..
٨ في الأصل أدب ساقطة من م..
٩ من م في الأصل: كثيرة..
١٠ في الأصل و م: تصيره..
١١ في الأصل: كثيرة..
١٢ في م: القذف في الأصل: الحذف..
الآية ٤ وقوله تعالى : ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ﴾ عن ابن عباس رضي الله عنه ﴿ نحلة ﴾ أنه قال :المهر، وقيل النحلة الفريضة أي آتوهن فريضتهن، وقيل : ﴿ نحلة ﴾ أي عطية أي ( لها لا لوليها )١، وهو من النُّحْلى، وقيل :نحلة من نحل٢ الدين أن تؤتوا النساء صداقتهن، ليس على ما كانوا يفعلون في الجاهلية يتزوجون النساء بغير مهورهن ففيه أن لأهل الكفر النكاح بغير مهر.
وقوله تعالى : ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ﴾ في٣ الآية دلالة جواز هبة المرأة لزوجها٤ وفساد قول من لا يجيز هبة المرأة ( مالها تلده وتبقى في بيته بيته سيئة ) ٥ فيجور أمرها. وفي الآية دليل أن المهر لها حين أضاف إحلال الهبة إليهن، بقوله : ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ﴾ وفيه دليل أيضا أن هبة الديون والبراءة منها جائزة كما جازت هبة المرأة مهرها وهو دين.
وقيل :فيه وجه آخر وهو أن الآباء في الجاهلية والأولياء كانوا يأخذون مهور نسائهم فأمرهم عز وجل ألا٦ يأخذوا ذلك وحكم أن المهر للمرأة دون وليها ( إلا أن تهبه لوليها ) ٧، فيحل حينئذ.
وقوله عز وجل : ﴿ فكلوه هنيئا ﴾ لا داء فيه ﴿ مريئا ﴾ لا إثم فيه، الهنيء هو اللذيذ الشهي الذي ( يمتع ) ٨ عند تناوله وسيره، والمريء الذي تحمد عاقبته.
ثم الحكمة في ذكر الهنيء والمريء هنا ( في وجهين ) ٩ :
أحدهما :ما ذكر في الآيات من الوعيد بأخذه منها بقوله١٠ عز وجل : ﴿ فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا ﴾ إلى قوله : ﴿ بعضكم إلى بعض ﴾ ( النساء ٢١-٢١ ) لئلا يمتنعوا عن قبول ذلك الوعيد الذي ذكر في الآيات.
والثاني :أن الامتناع عن قبول ما بذلت الزوجة يحمل١١ على حدوث المكروه ويورث الضغائن، وذلك سبب قطع الزوجية ما في بينهما.
وقيل :قوله عز وجل : ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ﴾ يعني بطيبة أنفسكم، يقول :لا تعطوهن مهورهن وأنتم كارهون، ولكن آتوهن وأنفسكم به طيبة إذ كانت١٢ المهور لهن دونكم.
وقيل :قوله عز وجل :فإن طبن لكم } أي ما طابت به أنفسهن من غير كره هو حلال ؛ وعن علقمة أنه قال لامرأته :أطعمني من الهنيء المريء، وعن علي رضي الله عنه أنه قال :( إذا اشتكى أحدكم فليسأل امرأته ثلاثة دراهم من١٣ صداقها ثم يشتري لها عسلا ثم يشربه بماء السماء فيجمع الله تعالى الهنيء والمريء والشفاء والماء ).
وفي قوله أيضا عز وجل : ﴿ فكلوه هنيئا مريئا ﴾ أن النفقة وإن كانت عليه فهي إذا قامت بها في نفسها لا يخرج هو ؛ لأن نفقتها عليها ليست بأعظم من مالها إذا تطيبت. وصف بالهنيء المريء بما ربما يستثقل١٤ الطبع عن مالها كراهة الامتنان أو بما كان عليه كفايتها أو بما جرى من الوعيد الشديد في منع مهرها أو بما قد تحتشمه فتبذل له أو بما يوهم الطمع في مالها والرغبة في النكاح لذلك، فطيبه الله تعالى حتى وصفه بغاية ما يحتمل المال. وفيه بيان جواز معروفها وترغيب في حسن المعاشرة بينهما حتى أبقى ذلك بعد الفراق بقوله عز وجل : ﴿ إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ﴾ الآية ( البقرة ١٣٧ ) وذلك أخذ ما يورث المحبة والمودة أو يديمها أن جعل الله بينهما ﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ﴾ ( الروم ٢١ ).
مسألة في العبد لا يتزوج أكثر من اثنتين :روي عن عبد الله بن عيينة رضي الله عنه أنه قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه :( ينكح العبد اثنتين ويطلق اثنتين، وتعتد الأمة حيضتين فإن لم يحضن فشهر ونصف )، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ( لا يحل للعبد أن ينكح فوق اثنتين )، وعن عبد الرحمن بن عوف أنه قال ( يتزوج العبد اثنتين )، وعن عمر رضي الله عنه أنه قال لابن مسعود رضي الله عنه :( ما يحل للعبد من النساء ؟ قال :اثنتان١٥ "، قال عمر رضي الله عنه :( ذلك أرى )، وعن الحكم قال :اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين، فهؤلاء ستة نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم١٦ عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وعلي وابن مسعود والفضل بن عباس والأنصاري رضي الله عنهم اتفقوا على أن العبد يتزوج اثنتين ولا يتزوج أكثر من ذلك.
وأيضا عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الأمة تطلق تطليقتين وتعتد حيضتين " ( الموطأ ٢ /٥٨١ ) فإن احتج محتج لعموم الآية :أن الله تعالى قال : ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ ولم يذكر عبدا ولا حرا فهو على عمومه قيل :في الآية دليل أن الخطاب للأحرار وهو قوله سبحانه وتعالى : ﴿ وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ﴾ ( النور ٣٢ ) فكان المخاطب بنكاح العبيد مواليهم، ليس له أن ينكح المرأة إلا بإذن مولاه، ومولاه يزوجه إذا شاء بغير أمره، فإنما الخطاب لمن له أن يتزوج إن شاء، والعبد من ذلك خارج.
ألا ترى أنه قال عز وجل : ﴿ أو ما ملكت إيمانكم ﴾ والعبد لا يملك ملك اليمين ؟ فدل أن الخطاب راجع إلى الأحرار دون العبيد، فإن قيل :قد جعلتم للعبد أن يطلق الحرة ثلاثا فجعلتم له من الطلاق مثل ما جعلتموه للحر فيجب أن تجعلوا له من تزوج النساء مثل الذي يجوز للحر، قيل :الفرق بينهما أن الطلاق عندنا بالنساء لأن الحر يطلق امرأة الأمة تطليقتين فتحرم عليه، والتزويج بالرجال لا ينظر فيه إلى النساء. فللعبد أن يتزوج النصف من تزويج الحر، كما أن عدة الأمة وطلاقها على النصف من عدة الحرة على ما روينا من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يكون للعبد في امرأتين شيء١٧ نصف ما للحر من الأربع.
وروي ( عن ) ١٨ الحسن أنه قال في قوله تعالى : ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ ( النساء ٥ ) يعني الكفار، وقيل ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ فيكونوا قياما عليكم، ولكن أنتم قياما عليهم، وقيل :لا تؤتوهم أموالكم فيكونوا أربابا عليكم وكونوا أربابا بأموالكم عليهم.
ومن صرف التأويل إلى اليتامى جعل معنى قوله عز وجل : ﴿ أموالكم ﴾ كقوله : ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ ( النساء ٢٩ ) وكقوله : ﴿ فسلموا على أنفسكم ﴾ ( النور ٦١ ) يريد ( من ) ١٩ ترونه في البيوت فعلى ذلك إضافة أموال اليتامى إلى الأولياء.
١ في الأصل و م: هي وليها..
٢ في الأصل و م: نحلة..
٣ في الأصل: وفي..
٤ في الأصل و م: من زوجها..
٥ في الأصل و م: بمالها تلد أو تبقى في بيته سنة ولده: خصمه (اللسان)..
٦ في الأصل و م: أن..
٧ من م ساقطة من الأصل..
٨ ساقطة من الأصل و م..
٩ في الأصل و م: وجهان..
١٠ من م في الأصل: يقول..
١١ في الأصل و م: يحتمل..
١٢ في الأصل و م: كان..
١٣ أدرج بعدها في م: ما طابت به أنفسهن من غير كره فهو حلال..
١٤ في م: يشتغل..
١٥ في الأصل و م: اثنتين.
١٦ في الأصل و م: منهم.
١٧ في الأصل و م: شيئا..
١٨ من م ساقطة من الأصل..
١٩ ساقطة من الأصل و م..
الآية ٥ وقوله عز وجل : ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ الآية :السفيه١ في الحقيقة من يعمل عمل الجهال ( أو لما ) ٢ قد يلقب العالم به إذا ضيع الحدود وتعاطى الأفعال الذميمة، وعلى ذلك ما جاء الكتاب بتسفيه علماء أهل الكتاب، ثم قد يسمي الجهال به لما الجهل هو السبب الباعث على فعل السفه.
فقوله تعالى : ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ يحتمل ذلك الوجهين وأي الأمرين كان ففيه التحذير للمعنى الذي بين من قوله : ﴿ التي جعل الله لكم قياما ﴾ ( سواء ) ٣ كانت قياما للمعاش أم٤ للمعاد أو لهما.
وطريق الإنفاق في الوجهين والإمساك لهما التدبر ومراعاة الشرع / ٧٩ –أ/ وتعاهد الأسباب. والوجهان جميعا يمنعان الوفاء بما جعلت له الأمور، فحذر من أنعم بها من تضييع ذلك بالتسليم إلى من ذكر مع ما يكون في ذلك اتباع من يستحق أن يكون متبوعا لمن حقه أن يجعل تابعا، وذلك خارج عن حد الحكم وما يحمده العقل.
ثم قد صرفت الآية إلى النساء بما جعل من إليه التدبير، وهو الذي أنشأهن تحت أيدي الرجال في الأمور مع وصف الرجال أنهم ﴿ قوامون على النساء ﴾ ( النساء ٣٤ وصرفت أيضا على الصغار بما ضمن حفظ مثلهم الكبار، وجعلوا مكفولين عند البالغين، فأموال البالغين أحق بذلك، وحقيقة السفه ما ذكرت.
وجائز أن يكون المقصود بالذكر من ذكر الصغار والنساء بما خاطب من حذر بالدفع إلى من ذكر رزق أولئك وكسوتهم، ولا يجب رزق الجهال والسفهاء على غيرهم فيكون ما ذكروا أولى بمراد الآية، وإن كان للمعنى الذي قصد بالآية التي ذكرتهم قد استحقوا، ولما غلبت تلك الأحوال على هؤلاء جعل من ذكرت قواما عليهم.
وقد ذكرت عن الحسن أنه صرف الآية إلى الكفار، فكأنه تأول في القيام القيام بأمر الدين، والكفار لا يجوز الاستعانة بهم ولا٥ جعل المال عندهم٦، مع ما كره العلماء تسليط ( الكفرة على العقود ) ٧ لجهلهم بحق شرع الإسلام فيها، فمثله دفع الأموال إليهم.
وقوله تعالى : ﴿ التي جعل الله لكم ( قياما ﴾ عن ابن عباس رضي الله عنه ﴿ التي جعل الله لكم قياما ﴾ يعني قوام أمركم ومعيشتكم، وهو كذا جعل الله هذه الأموال ( أغذية للخلق، بها يقوم دينهم وأبدانهم.
وقوله تعالى : ﴿ وارزقوهم فيها واكسوهم ﴾ يقول :لا تؤتوهم ولكن ارزقوهم أنتم واكسوهم وقيل :يقول أنفقوا عليهم منها وأطعموهم وقيل :لما أضاف الأموال ) ٨ إلى الدافعين لا ( إلى ) ٩ المدفوعة إليهم دل على وجوب نفقة الولد وكسوته على الرجل.
وقوله تعالى : ﴿ وقولوا لهم قولا معروفا ﴾ قيل :عدة حسنة جميلة :سأفعل وسأكسوه، وقيل١٠ مروهم بالمعروف ( وانهوهم )١١ عن المنكر، وقيل علموهم الأدب والدين، وقولوا لهم كلام البر واللين واللطف.
١ في الأصل و م: فالسفيه..
٢ في الأصل و م: في الحقيقة أولا لما..
٣ في الأصل و م: فأما إن..
٤ فغي الأصل و م: أو..
٥ في الأصل و م: وله..
٦ في الأصل و م: عنده..
٧ في الأصل: الكفر العقود في م: الكفر العقوبة..
٨ ساقطة من م..
٩ ساقطة من الأصل..
١٠ الواو ساقطة من الأصل و م..
١١ في الأصل و م: وانهوا..
الآية ٦ :وقوله تعالى : ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح ﴾ اختلف فيه :فقال ( بعضهم ) ١ قوله :عز وجل : ﴿ حتى ﴾ صلة٢، وتأويله :وابتلوا اليتامى إذا بلغوا النكاح وهو قول الشافعي رحمه الله :يجعل الابتلاء بعد البلوغ، ويحتمل أن يكون المراد بالابتلاء قبل البلوغ لوجهين :
أحدهما :أن يبتلي الأيتام قبل البلوغ٣ بأنواع العبادات ليعتادوا بها ويتأدبوا٤ ليعرفوا حقوق الله وفرائضه، إذ لا سبيل إلى القيام بها وقت٥ البلوغ. فأمر الأولياء أن يبتلوهم قبل البلوغ حتى إذا بلغوا بلغوا عارفين لما عليهم من العبادات والحقوق حافظين لها.
ألا ترى إلى ما روي في الخبر أنه أمر الأب٦ أن يأمر ولده بالصلاة إذا كان ابن سبع وأمره٧ بالضرب والتأدب إذا كان ابن تسع والتفريق في المضاجع وهو من حقوق الخلق ؟ فهذا ليعتادوا، ويأخذوا الآداب٨ قبل البلوغ حتى إذا بلغوا عرفوا ما عليهم وهان القيام بها، وإذا لم يعودوا قبل ذلك يشتد عليهم القيام بإقامة العبادات وأداء الحقوق فعلى ذلك الأول.
والثاني٩ " أن تبتلى عقولهم بشيء من أموالهم يتجرون بها ويتقلبون١٠ فيها لينظروا هل يقدرون على حفظ أموالهم عند حدوث الحوادث والنوائب ؟ ففيه دليل جواز الإذن في التجارة حال الصغر لأنه لا يظهر ذلك إلا بالتجارة.
وإن كان المراد بالابتلاء بعد البلوغ والكبر فهو أيضا يحتمل وجهين :يحتمل العلم بها نفسه، ويحتمل العلم بها والعمل، فلا يضعونها١١ في غير موضعها.
وقوله إن حرف ﴿ حتى ﴾ صلة أنه لو جاز له أن يجعل هذا صلة لجاز لغيره أن يجعل ﴿ رشدا ﴾ صلة فيه، إذ لا فرق بين هذا وبين الأول أن يجعل صلة.
ثم اختلف في قوله تعالى : ﴿ فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ قال بعضهم :هو أن يصير هو من أهل الشهادة، فحينئذ يدفع إليه المال فعلى قوله :يجيء أن تنتزع الأموال من أيدي الفساق لأنه لا شهادة لهم ومن قوله :إن اليتيم من أهل الكفر لا يدفع إليه المال إلا بعد استئناس الرشد منه، فلو كان شرط الرشد هو شهادة لكان لا يدفع إليه لما لا يقبل الشهادة ما لزم الكفر على أحد. دل أن الرشد ليس ما ذكر ولكن ما قيل من العقل والحفظ لماله ( والإصلاح فيه )١٢.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى : ﴿ فإن آنستم منهم رشدا ﴾ قال :إن أدرك بحلم وعقل ووقار. وهو يقول أيضا في قوله تعالى : ﴿ منهم رشدا ﴾ إن الله سبحانه وتعالى يقول :اختبروا اليتامى من عند الحلم ؛ فإن عرفتم منهم رشدا في حالهم والإصلاح في أموالهم فادفعوا١٣ إليهم أموالهم.
وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه فإن حسبتم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم، وفي حرف حفصة وابتلوا اليتامى في أموالهم حتى إذا بلغوا النكاح بعد كبرهم.
ثم لا يخلو منع الأموال منهم من أوجه ثلاثة ؛ إما أن تمنع لفرط البذل والإنفاق جودا وسخاوة وحسن الظن بالله أنه عز وجل يرزقهم، ويعطيهم خلف نفقتهم. وهذا لا يحتمل لأن هذا من أخلاق الأنبياء، صلوات الله عليهم، وسيرتهم، فلا يحتمل النهي عند ذلك. ( وإما أن )١٤ تمنع لغلبة ولقضاء وطرهم وحاجتهم، ينفقون الأموال ليصلوا إلى ذلك ؛ فإنهم إن منعوا عن أموالهم يتناولوا١٥ من أموال غيرهم ويتعاطوا١٦ ما لا يحل ويحسن، فلا يحتمل أن يمنعوا لذلك، وإما١٧ أن تمنع عنهم الأموال لآفة في عقلهم ونقص في لبهم فإن كان لهذا١٨ تمنع أموالهم عنهم فيجب أن تمنع أبدا لا وقت في ذلك ولا مدة إلا بعد ارتفاع ذلك وزواله عنهم وهو الوجه ( الذي ) ١٩ يمنع منه حتى يؤنس الرشد.
ثم جعل إدراكه وبلوغه بالاحتلام لأن كل جارحة من جوارح الإنسان يجوز استعمالها إلا الجارحتين منها ؛ فإنه لا يقدر على استعمالهما٢٠ إلا صاحبهما فجعل الاحتلام علما لبلوغه وإدراكه لذلك ؛ ولهذا ما لم يعمل الإكراه عليهما نحو من أكره بالزنى فزنى فإن عليه الحد لأن الإكراه لا يعمل عليه فإنما كان يفعل منه إلا الوالي فإنه إذا أكره آخر بالزنى ففعل لم يقم عليه الحد لما جعلنا ذلك كالعلم بالسبب الذي يحل. وكذلك لو أكره حتى وطئ امرأة لزمه العفو ولا يرجع على المكرَه، ولو أكره على إتلاف مال من أمواله ففعل لرجع٢١ على المكره للمعنى الذي وصفنا. ولهذا ما وقع طلاق المكرَه ونكاحه وعتاقه لأن٢٢ هذه الأشياء إنما تقع باللسان، واللسان مما لا يعمل عليه الإكراه، لذلك جاز والله أعلم.
وأما البيوع والأشربة والعقود كلها سوى هؤلاء يكون التسليم والقبض ( بها ) ٢٣ دون النطق باللسان والتكلم بها فالإكراه مما يعمل عليها ما أمكن استعمالها غيره لذلك افتراقا.
ولهذا ما قلنا :إن الإيمان يكون بالقلب دون اللسان لأنه أكره حتى يكفر فأجرى كلمة الكفر على لسانه وكان قلبه مطمئنا٢٤ بالإيمان لم يكفر ؛ فإذا اطمأن قلبه بالكفر كفر ؛ لأن لا يعمل على القلب ولا يصير المكرِه مستعملا له إنما المستعمل هو لا غير لذلك كان الجواب ما ذكرنا.
ومعنى الاحتلام بلوغا هو استعمال سائر الجوارح دونه يعني الفرج إلا بعد الكبر. وما كان المعروف من الآباء والأولاد، وما كان يجري الأمر بابتغاء المكنون٢٥ من الولد يكون بعد البلوغ ؛ وبعيد ذلك إلا في الوقت الذي لو ابتغى لوجد ولعذر عليه وكذلك ذلك إلا في خروج الماء للشهوة ثم يكون في المتعارف الاحتلام / ٧٩- ب/ عن ذلك فجعل علما له ولذلك قيل : ﴿ حتى إذا بلغوا النكاح ﴾ ثم فرق في حق الكتاب بين اللسان وغيره من حيث لا يملك أحد قهر لسان آخر حتى ينطق دون صاحبه فيه، يظهر سبب جري القلم من الأفراد بالبلوغ وهذا ما جعل سببه بما لا يعلمه غيره ليكون أول أحوال البلوغ وقوع قوله بحق٢٦ البلوغ مع ما كان النطق فعل من يجري في جنسه الخطاب، وكأنه اتصل أمره بالسبب الذي خص به الممتحن من العقل ؛ إذ العقل يعرف بالمحنة والاحتلام لا.
فأمرنا بالابتلاء من حيث المعقول، ولم نؤمر من حيث الاحتلام، بل يقبل قوله في ذلك.
ودل قبول قول من بلغ بالإخبار عن احتلامه، وبه يجري القلم عليه وتلزم الحقوق أن يقبله يجوز في ذلك الوقت وبخاصة على قول من يرى الابتلاء بعد الإدراك أنه لو لم يقبل فيم يبتليه ؟
ثم إذ جاز قوله لزم كل أمر علق به وعلى ما ذكرت من أول ما علق به القول في حق البلوغ دليل اتصال حكم القول بالعقل وتمام العقل بالبلوغ إذ يجري من امتناع اللسان عن سلطان غير صاحبه عليه على لزوم كل حق متعلق به على الإكراه ؛ إذ لا يلزم بغيره، وهو لا يجري عليه ثم كل أمر يكون لأنه يصير اللسان سببا فيه كالمعلم عنه، وهو ما يجري عليه القلم، وتعلم قوته به فيبطل، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ ولا تأكلوها إسرافا و بدارا ﴾ الإسراف هو أكل ما نهى عنه، وقيل :الإسراف هو أكل في غير حق وكان الإسراف هو المجاوزة عن الحد وهو كقوله : ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ﴾ ( الفرقان ٦٧ ) وكان المقتر مذموما. فعلى ذلك الإسراف في النفقة في مال اليتيم.
وقوله تعالى : ﴿ إسرافا و بدارا ﴾ قيل :البدار هو المبادرة وكلاهما لغتان كالجدال والمجادلة وهو أن يبادر بأكل مال اليتيم خشية أن يتكبر، فيحول بينه وبين ماله، وهو قول ابن عابس رضي الله عنه وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه ولا تأكلوها إسرافا و بدارا خشية أن يكبروا.
وقوله تعالى : ﴿ ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ﴾ أطلق الله تعالى لولي اليتيم بظاهر الآية إذا كان فقيرا أن يأكل بالمعروف من غير إسراف، وذلك هو الوسط منها، وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا سأله فقال :ليس لي مال ولي يتيم فقال :( كل مال يتيمك غير مسرف ولا متأثل٢٧ مالك بماله ).
وفيه دليل أن الغني لا يجوز أن يأكل مال اليتيم، وأن الفقير إذا أكل منه أنفق نفقة لا إسراف فيها. وعن عمر رضي الله عنه أنه قال :( إني نزلت في نفسي مال٢٨ الله منزلة مال اليتيم إن استغنيت استعففت وإن احتجت أكلت بالمعروف فإذا أيسرت قضيت ) وروي عن ابن عباس رضي الله عنه انه قال :( الوصي إن احتاج وضع يده مع أيديهم ولا يكتسي عمامته ) وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت في قوله تعالى : ﴿ ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ﴾ ( يأكل ولي اليتيم من مال اليتيم إذا كان يقوم له على ماله ويصلح، إذا كان محتاجا ) وقيل :يأكل قرضا ( ثم يرد عليه ) ٢٩ إذا أيسر، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه، وقيل :يأكل بالمعروف أي من مال نفسه حتى لا يفضي٣٠ إلى مال اليتيم، وقيل :يأكل إذا كان يعمل له ويقوم عليه، وقيل :يأكل قرضا ألا ترى إلى قوله تعالى : ﴿ فأشهدوا عليهم ﴾ أمر بالإشهاد عليهم عند الدفع ؟ ولو كان أمانة في يده لم يحتج إلى الإشهاد في الدفع، ولكن يجوز أن يأمر بالإشهاد لمكان الوصي نفسه، ولكن لا يجوز أن يحدث بينه وبين ورثة الوصي خصومه فيشهد ليدفع تلك الخصومة عنهم، وقيل :الأكل بالمعروف هو ما يسد به جوعه ويواري عورته.
وقوله تعالى : ﴿ وكفى بالله حسيبا ﴾ قيل :شهيدا بما أخذ من ماله وأنفق، ويحتمل قوله : ﴿ حسبيا ﴾ يحاسبه في الآخرة إذا لم يحاسبه اليتيم في الدنيا.
١ من م ساقطة من الأصل..
٢ أدرجها قبلها في الأصل و م: إذا صرف..
٣ في الأصل و م: بلوغ..
٤ في الأصل و م: ويتأدبون..
٥ في الأصل و م: حتى..
٦ من م في الأصل: الأدب (أبو داوود: ٤٩٥)..
٧ في الأصل و م: وأمر..
٨ في الأدب..
٩ في الأصل و م: ووجه آخر..
١٠ من م في الأصل يتقلبون..
١١ في الأصل ولا تضعوها في م: ولا تضعوها..
١٢ في الأصل و م: والاصطلاح فيها..
١٣ من م في الأصل: لي ادفعوا..
١٤ في الأصل و م أو..
١٥ في الأصل و م: يتناولون..
١٦ في الأصل و م: يتعاطون..
١٧ في الأصل: في أو..
١٨ في م: لهذا ما..
١٩ ساقطة من الأصل و م..
٢٠ في الأصل و م: استعمالها..
٢١ في الأصل و م: ليرجع..
٢٢ في الأصل و م: لأنه..
٢٣ ساقطة من الأصل و م.
٢٤ في الأصل و م: مطمئن..
٢٥ في الأصل و م: المكتوب.
٢٦ في الأصل و م: بحيث.
٢٧ أثل ماله: عظمه..
٢٨ في الأصل و م: من ماله..
٢٩ ساقطة من م..
٣٠ أفضى: اتسع..
الآية ٧ وقوله تعالى : ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب ﴾ يحتمل أن تكون الآية، والله أعلم، نزلت بسبب ما لم يكن يورث أهل الجاهلية الإناث والنساء والصغار ويجعلون المواريث لذوي١ الأسنان من الرجال الذين٢ يصلون للحرب ويحرزون الغنيمة، فنزلت الآية بتوريث الرجال والنساء جميعا، ويقال :إن الآية نزلت في شأن رجل يقال :أوس بن ثابت الأنصاري توفي وترك بنات وامرأة، فقام رجلان من بني عمه، وهما وصيان، فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئا، فجاءت امرأة أوس بن ثابت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت، وأخبرت بالقصة، فقال لها : " ارجعي إلى بيتك حتى أنظر ما يحدث الله في ذلك " ( السيوطي في الدر المنثور ٢/٤٣٨ ) فانصرفت، فنزل قوله تعالى : ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ الآية. وقيل :نزلت الآية في شأن امرأة من بني ( سعد بن الربيع ) ٣ استشهد بأحد وترك ابنتين وامرأة فاحتوى أخو سعد على مال سعد، ولم يعط المرأة ولا الابنتين شيئا، فاختصمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته بالقصة، فقال لها : " لم ينزل الله علي فيكم شيئا " ثم نزلت الآية فأخذ من عمهما ثلثي المال ورده إليهما، ودفع الثمن إلى المرأة، وترك البقية للعم، والله أعلم في من كان نزولها ( أبو داوود ٢٨٩١ ).
وفي٤ هذا الخبر دليل أن للابنتين الثلثين٥ كما للثلاث فصاعدا ليس كما قال بعض الناس :إن لهما النصف٦ لأن الله تعالى إنما جعل ( الثلثين للثلاث ) ٧.
ثم تحتمل الآية وجهين بعد هذا :تحتمل أن يكون المراد الأولاد خاصة لا غير، فيدخل كل ولد ( من )٨ ولد البنات وولد البنين لأنهم كلهم أولاده، وتحتمل أن يكون المراد منها الرجال والنساء فيدخل ذوو٩ الأرحام في ذلك، فلما لم يدخل بنات البنات في ذلك وهم أولاده دل أنه أراد النساء والرجال جميعا لا الأولاد خاصة.
وفيه دلالة نسخ الوصية للوارث، لأنه قال عز وجل : ﴿ للرجال نصيب ﴾ إلى قوله : ﴿ مفروضا ﴾ أي معلوما بما أوجب في كل قليل ثم قال في قوله : ﴿ نصيبا مفروضا ﴾ قيل :ذا يرجع إلى ما بين فرضه، وهم١٠ أصحاب الفرائض دون العصبات، فيكون على ما أشار إلى حقه من حيث الاسم في القرآن.
ويحتمل ما بين، وقد جرى فيه ذكر حقين :
أحدهما :حق العصبة كما ذكر في الأب والإخوة والأولاد.
( والثاني :حق ) ١١ أصحاب الفرائض، ولو كان على ذلك فقد يتضمن الفرض ما يعلم بالإشارة إليه والدلالة لأن أكثر من يوصي بحق العصبة هو ما لا نص فيه. والذي فيه النص هو في الأولاد والإخوة خاصة والوالد، وقيل :يتضمن كل الأقرباء على اختلاف الدرجات فيكون منصوصا وأيضا مدلولا عليه ويؤيد هذا التأويل قوله : ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ﴾
ثم من المؤمنين والذين هاجروا أولئك هم البعداء الذين هم١٢ إخوة الدين والهجرة، فإذا بقي أحد لم يصرف ذلك إلى المؤمنين، وقد قدم حقهم على المؤمنين والمهاجرين بالرحم لذلك هم أولى مع ما للإمام صرف ذلك بحق الإيمان إليهم فيصير الدفع بحق الجوار وإلى غيرهم شك عند قيامهم فالدفع إليهم أولى لوجهين :أحدهما :عموم الكتاب على تحقيق حق لكل آية منها دون إدخال حكم أنه في حكم آخرين بلا ضرورة والثاني :الإجماع من الوجه الذي ٨٠- أ/ ذكرت مع اتفاق أكثر الصحابة رضي الله عنهم والفتوى إلى يومنا هذا.
١ في الأصل و م: لذي..
٢ في الأصل و م:الذي..
٣ في الأصل و م: سعدان..
٤ الواو ساقطة من م..
٥ في الأصل و م: الثلثان..
٦ من م في الأصل نصف..
٧ في الأصل و م: الثلاثين للثلاثة..
٨ ساقطة من الأصل و م..
٩ في الأصل و م: ذوي..
١٠ في الأصل و م: وهو..
١١ في الأصل و م: وحق..
١٢ في الأصل و م: لهم..
الآية ٨ وقوله تعالى ﴿ وإذا حضر القسمة أولوا القربى ﴾ قيل فيه :بوجهين :قيل :أراد بالقسمة قسمة المواريث بين الورثة بعد موت الميت، وقيل :أراد به قسمة الموصي، وهو الإيصاء يوصي ويبر من١ ذكر من الأقرباء واليتامى والمساكين بشيء، فالخطاب للموصي، ومن قال بقسمة المواريث فالخطاب للورثة إن كانوا كبارا يعطوا٢ لهؤلاء شيئا، ويبروهم٣ بشيء، وإن كانوا صغارا يقولوا٤ لهم قولا معروفا أي ( يعدوا لهم عدة ) ٥ حسنة إلى وقت خروج الأنزال أو إلى وقت البيع إن باعوها.
ثم اختلف المتأولون فيها قال بعضهم :هي منسوخة، وقال آخرون :هي محكمة وهو قول ابن عباس رضي الله عنه، ومن قال :هي منسوخة، قال :نسخها آية المواريث قوله عز وجل : ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ الآية ( النساء ١١ ) لأنهم كانوا يوصون للأولاد والآباء والأمهات كقوله عز وجل : ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ﴾ ( البقرة ١٨٠ ) نسخت آية المواريث وصية الموصي. ومن قال هي محكمة متقنة فهو ابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم لأنه المعروف والبر والإحسان وذلك ما لا يحتمل النسخ.
وقيل :إن عبد الله بن عبد الرحمن قسم ميراث أبيه وعائشة حية فلم يدع مسكينا ولا ذا القرابة إلا قسم له من ميراث أبيه، وتلا هذه الآية : ﴿ وإذا حضر القسمة ﴾ الآية فذكر ذلك لابن عباس رضي الله عنه، فقال :ما أصاب ليس ذلك له، إنما ذلك في الوصية، يريد الميت أن يوصي لهم.
وقوله تعالى : ﴿ فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا ﴾ قيل :إذا كان المال كثيرا رضخ٦ وأعطى شيئا، وإذا كان قليلا اعتذر إليهم، وهو قول ابن عابس رضي الله عنه، وقيل :أمر من يرث أن يرضخ ويعطي لمن لا يرث شيئا، وهو قول الحسن، ويقول٧ لهم قولا معروفا، والقول المعروف يحتمل ما ذكرنا :أن يعطي لهم إن كانوا كبارا أعني الورثة، ويعد لهم عدة، إن كان المال ضياعا إلى وقت خروج الأنزال والغلات أو إلى وقت خروج الثمن أو يعطي الورثة إن كانوا كبارا أو يعتذر إليهم الوصي إن كانوا صغارا.
١ في الأصل و م: لمن..
٢ في الأصل و م: يعطون..
٣ في الأصل و م: يبرونهم..
٤ في الأصل و م: يقول..
٥ في الأصل و م: يعد لهم..
٦ رضخ: أعطى عطاء غير كثير..
٧ في الأصل و م: ويقال..
الآية ٩ وقوله تعالى : ﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم ﴾ قيل :هو الرجل يحضره الموت وله وُلْد صغار فيقول له آخر :أوص بكذا أو اعتق كذا أو افعل كذا و لو كان هو الميت لأحب أن يترك لولده، فخوف هذا القائل بقوله : ﴿ فليتقوا الله ﴾ وأمر أن يقولوا له مثل ما يحب أن يقال له في ولده بالعدل، بقوله عز وجل : ﴿ وليقولوا قولا سديدا ﴾ وهو قول ابن عباس رضي الله عنه، وقيل :هو الرجل يحضره الموت فيقول له من يحضره :اتق الله أمسك عليك لولدك الصغار والضعفاء، ليس أحد أحق بمالك منهم، ولا توص من مالك شيئا، فنهى أن يقال له لما لو كان الموصي، وله صغار ضعفاء، أحب أن١ يقال له ذلك، فكذلك لا يقول هو له، والأول أشبه.
وقوله تعالى : ﴿ وليقولوا قولا سديدا ﴾ قيل :عدلا ؛ يأمر أن يوصي بما عليه من الدين والوصية، ولا يجوز في الوصية، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال :( نهى من حضر منهم مريضا عند الموت أن يأمره أن ينفق ماله في العتق والصدقة أو في سبيل الله ولكن أمره أن يبين ما له وما عليه من دين ( أو حق ) ٢.
١ في الأصل و م: بأن..
٢ في الأصل و م: أحق..
وقوله تعالى : ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ﴾ أي استحلالا، فإذا استحل كفر. فذلك الوعيد له، وقيل : ﴿ ظلما ﴾ أي غصبا والأكل هو عبارة عن الأخذ كقوله : ﴿ لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ﴾ ( آل عمران ٢٧٥ ) إنما هو نهي عن أخذه وكذلك قوله : ﴿ الذين يأكلون الربا ﴾ ( البقرة ١٧٥ ) وقوله ﴿ وذروا ما بقي من الربا ﴾ ( البقرة ٢٧٨ ) إنما هو نهي عن قبض الربا فعلى ذلك الأكل في هذه الآية عبارة عن الأخذ والاستحلال.
ومن حمل الآية على الغصب جعل الوعيد عليه، إلا أن يتوب، إذ لله العذاب من شاء من ارتكب من عباده جرما كما جعل الوعيد على المستحل إلا أن يتوب، وقيل :إنه على التمثيل أن الذي يأكل من مال اليتيم كأنه يأكل نارا لخبثه وشدته.
وعن قتادة أنه قال :ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " اتقوا الله في الضعيفين "، قيل :ومن هما يا رسول الله ؟ قال : " اليتيم والمرأة، فإن الله أيتمه، وأوصى به، وابتلاه، وابتلى به " ( ( ابن جرير الطبري في تفسيره ٥/ ٢٤٥ ) وقيل :في قوله : ﴿ فليتقوا الله وليقولوا ﴾ للميت إذا جلسوا١ إليه : ﴿ قولا سديدا ﴾ أي عدلا في وصيته ولا يجور من عدل في وصيته عند موته، فكأنما وجه ماله في سبيل الله.
قال٢ سعد بن أبي وقاص :( فسئل٣ النبي صلى الله عليه وسلم :بكم٤ يوصي الرجل من ماله ؟ فقال : " الثلث والثلث كثير، لأن تدع عيالك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس " ( البخاري ٢٧٤٣ و٢٧٤٢ ) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم ( زيادة في أعمالكم }٥ عند وفاتكم " ) ( أحمد ٦/٤٤١ ).
١ في الأصل و م: جلس..
٢ في الأصل و م: فقال..
٣ في الأصل و م: فسأل..
٤ في الأصل و م: وكم..
٥ من م..
الآية١١ وقوله تعالى : ﴿ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ قيل : ﴿ يوصيكم الله ﴾ ( أي يفرضكم الله ) ١ وقد سمى الله تعالى الميراث فريضة في غير آية من القرآن بقوله : ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب ﴾ ثم قال : ﴿ نصيبا مفروضا ﴾ ( النساء ٧ ) وقال أيضا في آخر وهذه الآية : ﴿ فريضة من الله ﴾، ولأنه شيء تولى الله إيجابه من غير اكتساب أهله فهو كالفرائض التي أوجبها الله على عباده من غير اكتساب أهلها، فعلى ذلك سمى هذه فريضة لأن الله تعالى أوجبه والله أعلم.
وقيل :قوله : ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ إلى آخر ما ذكر، فيه٢ نسخ الوصية للوالدين والأقربين في قوله : ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ﴾ ( البقرة ١٨٠ ) ودليل نسخه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله تعالى أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث " ( الترمذي ٢١٢١ ) ثم قيل :إن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون٣ النساء ولا الصغار من الأولاد والإناث، وإنما كانوا يورثون الرجل ولم يجوزوا ) ٤ الغنيمة فنزل قوله : ﴿ للرجال نصيب مما ترك ﴾ الآية ( النساء ٨ ) فالآية في بيان الحق للإناث في الميراث، وكذلك قوله ﴿ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ فيه بيان حق الميراث جميعا.
وقيل :تأويل هذه الآية ما بين في ذوي الأرحام، وإن كانوا مختلفين في سبب ذلك وأن الآيات التي بعدها من قوله : ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ إلى آخر الآيات التي فيها ذكر المواريث فسر بها مبلغ النصيب الذي أوجبه الله للنساء والرجال في الآية الأولى مجملا، وأجمعوا أن الرجل إذا مات وترك ولدا ذكورا وإناثا فالمال بينهم ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ ويحتمل قوله : ﴿ في أولادكم ﴾ أولاد٥ موتاكم وهذا جائز في اللغة لأنه لا يجوز أن يفرض على الرجل قسمة الميراث في أولاده وهو حي، دل أنه أراد أولاد الموتى أو يحتمل ما ذكرنا لأنهم٦ كانوا لا يورثون٧ الإناث من الأولاد والصغار منهم، فخاطب الجملة بذلك لئلا يحرموا الإناث من الأولاد والصغار.
وفي قوله أيضا : ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ أي في أولاد من مات منكم إذ لا يحتمل خطاب الحي ما ذكر في ولده، فهذا عن كان تأويل :يوصي :يفرض أو يأمر، وإن كان تأويل ذلك :يبين فذلك جائز بعد أن يجيز الحي ما يبين الله في أولاده بعد موته في ماله، وذلك يمنع الوصية لأنه يزيل حق البيان ولما يمكن رفع القسمة وتحصيل / ٨٠ –ب/ الوصية على بعض لبعض وذلك بعيد إذ لا يملك في غيرهم.
ثم من الناس من رأى نسخ الوصية للوارث بقوله : ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان ﴾ الآية ( النساء ٧ ) لأن٨ الآية أوجبت٩ الميراث في ما قل أو أكثر، فلو كانت الوصية تجب للوالدين بقوله تعالى : ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ﴾ الآية ( البقرة ١٨٠ ) لكان الميراث لا يجب في ما قل منه وإنما يجب في ما يفضل منه لكن الآية إذا لم تمنع الوصية للأجنبي وهو يصرف السهم المفروض إلى ما يفضل من الوصية فمثله للوارث لكن في الآية دلالة على رفع الكتاب إذ في الأولى أنها كتبت فلما أوجب الحق في كل قليل وكثير لم يبق معه الفرض والوجوب ولكن يجب الفضل.
ثم كان حق الوالدين ومن ذكر بحق اللزوم وقد سقط ذلك وبه كان يجوز فلما سقط الحق قد جاء في الخبر أن " فلا وصية لوارث " وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " ( الترمذي ٢١٢١ ) فسقط الحق بالآية من الوجه الذي يثبت والنقل ( بقوله :عليه السلام ) ١٠ " فلا وصية لوارث ".
فمن هذا الوجه الذي ذكرت يسقط حق الوصية بالقرآن لكن قد ذكر للمرأة لا بحرف الوجوب بقوله : ﴿ متاعا إلى الحول ﴾ ( البقرة ٢٤٠ ) ثم سقط أيضا بالخبر فيه نظر، إذ ليس في الآية ذكر المرأة بما ذكر فيها ميراث الأولاد والأقربين، وقد بقي حق المتاع، إذ له أن يوصي لغير الورثة لكن في ميراث المرأة وصية، كقوله : ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم ﴾ ( البقرة ٢٤٠ ) ﴿ وصية من الله ﴾ ( النساء ١٢ ). والوصية مكتوبة على ما للوالدين والأقربين. ثم أشرك الزوجين في ميراث الوالدين والأقربين مما قل أو كثر كقوله : ﴿ النصف ﴾ ( النساء ١١ ) و﴿ الربع ﴾ ( النساء ١٢ ) و﴿ الثمن ﴾ ( النساء ١٢ ) مما ترك وقد بينا أن الآية نسخت ما ذكرت فصارت ناسخة للأمرين جميعا.
فهذا من جهة الاستخراج في حق النسخ على أنها١١ على مذهبنا ( أهل ) ١٢ السنة كافية في بيان نسخ الحكم الذي بينه الكتاب إذ هو بيان منتهى الحكم من الوقت وقد جعل الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بحيث البيان مما في القرآن.
وقوله تعالى : ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ ( فيه )١٣ دلالة أن المال كله للذكر من الوالد إذا لم يكن ثمة أنثى لأنه جعل للذكر مثلي ( ما ) ١٤ جعل للأنثى و﴿ يوصيكم ﴾ ( النساء ١١ ) إذا لم يكن معها ذكر لقوله تعالى : ﴿ وإن كانت واحدة فلها النصف ﴾ ( النساء ١١ ) فدل أن للذكر من الولد ( مثلي ما )١٥ جعل للأنثى عند الجمع، له ذلك بحق الكل ففي حال الإنفراد له الكل.
وقوله تعالى : ﴿ فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ﴾ قال بعضهم :بين الحق لما فوق اثنتين، ولم يبين للاثنتين، ولهما النصف الذي ذكر للواحدة وهو قول ابن عباس رضي الله عنه.
وأما عندنا فإن للاثنتين ما للثلاث فصاعدا فيكون بيان الحق للثلاث بيانه١٦ للاثنتين لأن الله تعالى جعل حق ميراث الواحدة من الأخوات النصف بقوله تعالى : ﴿ وله أخت فلها نصف ما ترك ﴾ ( النساء ١٧٦ ) كما جعل حق الابنة النصف إذا لم يكن معها ذكر بقوله : ﴿ وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس ﴾ ( النساء ١١ ) ثم جعل للأختين الثلثين بقوله : ﴿ فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك ﴾ ( النساء ١٧٦ ).
فإذا نزلت الأخوات منزلة البنات في استحقاق النصف إذا كانت واحدة، واستحقاق الثلثين إذا كانتا اثنتين فصاعدا فعلى ذلك نزل بيان الحكم في الأختين منزلة بيان الحكم في الابنتين وقيل :يفوق اثنتين فما فوقهما وقيل :يبين الكتاب الاستواء بين الابنة الواحدة والأخت الواحدة ليعلم استواء حق الوالد ووالد الأب.
ثم بين ( الحكم )١٧ في الأخوات للبنتين١٨ ﴿ الثلثان ﴾ ( النساء ١٧٦ ) وفي البنات لما فوقهما ليكون الذي في الأختين دليلا على الابنتين، وفي ما كثر من البنات على ما ذكر من الأخوات وأيد ذلك أمر الاجتماع بين البنين١٩ والبنات وإن كثروا بالإخوة والأخوات وإن كثروا مع ما كان معلوما أن بنات الرجل أحق من بنات أبيه٢٠ أيد ذلك أن بنات ابنه قد يرثن وبنات أبيه لا، فلا يجوز أن تكون الأختان٢١ أكثر حقا من الابنتين، وفي الأغلب أن يجعل لهن ميراث من هؤلاء، وعلى ما ذكر ما دام يوجد في الأولاد من له فرض أو فضل لم يصرف إلى أولاد الأب ثبت أنهم بمعنى الخلف من هؤلاء وعلى ما ذكر جاءت الآثار واجتمع أهلب الفتوى.
وقوله تعالى : ﴿ ولأبويه لكل واحد منهما السدس ﴾ ﴿ وإن كان ولد ﴾ اختلف فيه قال بعضهم :أراد بالولد الذكور خاصة لأنه جعل للأبوين لكل واحد السدس إذا كان الولد ذكرا أما إذا كان الولد أنثى فللأب يكون الثلث.
وأما عندنا فإن اسم الولد يجمع الذكور والإناث جميعا فإنه إن كان الولد ههنا ذكرا أو٢٢ أنثى ينظر٢٣ إن كان ذكرا يكون لكل واحد من الأبوين السدس والباقي للولد وإن كان أنثى فلها النصف وللأبوين السدسان٢٤ والباقي للأب على ما جاء في الخبر : " ما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر " ( البخاري ٦٧٣٢ ).
وقالت الروافض :الباقي للابنة ذهبوا في ذلك إلى أن الذي يقابل الابنة هو الابن والذي يقابل الأب هي الأم فالذي يقابل الابنة هو أولى بإحراز الميراث من الذي يقابل الأم وهو الأب فعلى ذلك الذي يقابل الابن وهي الابنة أولى بذلك من الذي يقابل الأم وهو الأب.
وأما عندنا فإن الأب أولى بذلك من الابنة لأن للأب حقين :حق فريضة وحق عصبة، أما حق الفريضة ( فهو ) ٢٥ بقوله : ﴿ ولأبويه لكل واحد منهما السدس ﴾ وأما حق العصبة ( فهو ) ٢٦ بقوله عز وجل : ﴿ وورثه أبواه فلأمه الثلث ﴾ جعل الباقي له، فذو حقين أولى بذلك من ذي حق واحد والابنة ليس لها حق الفريضة لذلك كان الأب أولى وفي الخبر دلالة أن حكم الابنتين وما فوقهما سواء وهو الثلثان ما روي عن جابر بن عبد الله أنه قال :جاءت امرأة ثابت بن قيس بابنتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله هاتان ابنتا ثابت بن قيس أصيب يوم أحد وقد أخذ عمهما مالهما ولم يدع لهما شيئا إلا أخذه فما ترى يا رسول الله فو الله لا تنكحان إلا ولهما مال فنزل قوله تعالى ﴿ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعم الجارتين : " أعطهما الثلثين وأعط أمهما الثمن ولك ما بقي " ٢٧ ( أبو داوود ٢٨٩١ ).
ثم في الآية دلائل :أحدهما٢٨ يخرج الخطاب على العموم والمراد منه خاص لأنه ذكر الأولاد والولد قد يكون على غير دينه فلا يرث وقد يكون مملوكا فلا يرث على ما روي في الخبر : " لا يتوارث أهل ملتين " ( الترمذي ٢١٠٨ ) وما روي : " لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم إلا العبد مولاه " ( الحاكم في المستدرك ٤ /٣٤٥ ) وذلك في الحقيقة ليس بميراث ولكن للعبد يكون لمولاه وفي هذا دليل جواز الاستثناء من غير نوعه استثنى العبد وذلك في الحقيقة ليس بميراث٢٩.
وفي الآية دليل٣٠ جواز القياس والفكر فيها والاعتبار لأن ميراث الابنتين مستدل عليه٣١ غير منصوص، وكذلك ميراث الذكور من الأولاد بالانفراد مستدل عليه غير منصوص، وما يحرز الأب من الميراث لحق العصبة مستدل عليه لا منصوص، وما يستحق بالفريضة فهو منصوص عليه، وهكذا كل من يستحق / ٨١ –أ/ شيئا بحق الفريضة فهو منصوص عليه، فدل أن ما ترك ذكره إنما ترك للاجتهاد والتفكر فيه والاعتبار.
وفيه دليل٣٢ أنه يجوز ألا يطلع الله عباده على الأشياء بقوله تعالى : ﴿ آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب نفعا ﴾ إذ لم يبين أيهم٣٣ أقرب نفعا دل قوله : ﴿ وورثه أبواه فلأمه الثلث ﴾ إذ ذكر وراثتهما ولم يبين حق الأب أنه جعله عصبة يرد إليه الفضل فيظهر للأب في هذه الآية في قوله عز وجل ﴿ يوصيكم ﴾ على آخرها أمران :
أحدهما :حق العصبة.
والثاني :حق الفرض بقوله : ﴿ للواحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ﴾.
ثم بعد هذا فيه أمران :
أحدهما :أنه إذا ثبت له حق العصبة وقد بين الله تعالى نصيب الابنة أنه النصف ونصيب الأب مع الولد أنه له السدس، فزعمت الشيعة أن الفضل يرد إلى الابنة لأنها ولد، ولم تذكر له مع الولد إلا السدس.
وعندنا يرد إلى الأب لأنه لم يذكر للابنة إلا النصف ثم قد جعل الأب عصبة في ما له حق الفضل عن المفروض ولم يجعل الابنة لذلك كان الرد إلى الأب أحق مع ما يحتمل إن كان له ولد ذكر ثم حرمت الأم بالابنة إذ هي تحرم بالأخوات فالبنات أحق إذ هن أقرب.
والثاني :أنه جعل إذ جعل للأب السهم من وجهتين ثم الذي له في أحد الوجهين، صار للجد دون أولاده، وبين لأولاد الأب الحق وإبقاء حق الجد لما بين لوالده. فعلى ذلك ماله من الوجه الثاني، وهو أولى لأن حق العصبات يخرج على إلحاق الأبعدين فيه الأقربين، وحق الفرائض لا حتى تب
١ من م..
٢ في الأصل و م: وفيه..
٣ في الأصل و م: يرثون..
٤ في الأصل م: ومن يجوز..
٥ من م في الأصل: وأولاد..
٦ في الأصل و م: أنهم..
٧ في الأصل و م: يرثون..
٨ في الأصل و م: كان..
٩ في الأصل و م: أوجب..
١٠ من م الأصل: بقول..
١١ في الأصل و م: أنه..
١٢ ساقطة من الأصل و م..
١٣ من م ساقطة من الأصل..
١٤ من م ساقطة من الأصل..
١٥ في الأصل و م: إذا..
١٦ في الأصل و م: بيان..
١٧ ساقطة من الأصل و م:..
١٨ من م في الأصل: للثلثين.
١٩ في الأصل و م: البنتين..
٢٠ من م في الأصل ابنة..
٢١ في الأصل و م: الأختين..
٢٢ في الأصل و م: و..
٢٣ في الأصل و م: فينظر..
٢٤ في الأصل و م: السدس..
٢٥ ساقطة من الأصل و م..
٢٦ ساقطة من الأصل و م..
٢٧ روي مثل هذا الخبر في تأويل الآية (١٨٢) من سورة البقرة في زوجة ابن الربيع وابنتيه..
٢٨ في الأصل و م: أحدهما..
٢٩ من م في الأصل: ميراث..
٣٠ هذا هو الدليل الثاني..
٣١ في الأصل و م: عليهما..
٣٢ هذا هو الدليل الثالث..
٣٣ في الأصل و م: أنهم..
وقوله تعالى : ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد ﴾ إلى آخر ما ذكر فيه يراد الخصوص وإن كان مخرج الخطاب عاما١ لأن الزوج أو الزوجة إذا لم يكن على دين صاحبه وعلى وصفه لم يجز بينهما التوارث دل أن ليس لأحد الاحتجاج بعموم المخرج على ما ذكرنا في الولد والوالد والأم وغيرهم أنه إذا لم يكن بعضهم على وصف بعض لم يجز بينهما التوارث دل أن عموم مخرج الخطاب لا يدل على عموم المراد.
ثم الآية معطوفة على ما سبق من الآيات لأنها ذكرت بحرف العطف والنسق بقوله : ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد ﴾ والربع إن كان لهن ولد ﴿ فلكم الربع مما تركن ﴾ ﴿ ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد ﴾ والثمن إن كان لكم ولد ﴿ فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم ﴾.
بين في الآية الأولى ميراث الأب والأم وميراث الأولاد ولم يبين ميراث الأزواج ثم بين في هذا الآية فنسق على الأول دل أن الأزواج والزوجات إذ كانوا معهم فإن الحكم لا يختلف فيهم :يكون للأم ﴿ الثلث ﴾ إذا لم يكن هنالك( ولد ) ٢ ولا اثنان من الإخوة والأخوات فصاعدا و﴿ السدس ﴾ إن كان له ولد أو اثنان من الأخوة والأخوات يكون لها مع هؤلاء ثلث ما بقي حين نسق هذه على الأولى.
وقوله تعالى : ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة ﴾ اختلف في الكلالة :قال بعضهم الكلالة الميت الذي لا ولد له ولا والد، وعن الحسن رحمه الله عليه أنه قال :( الكلالة الإخوة والأخوات من الأب والأم ) او ( الإخوة والأخوات من الأم ) أو ( الإخوة والأخوات من الأب ) ذهب في ذلك إلى ما ذكر في آية أخرى قوله : ﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد أخت فلها نصف / ٨٢- ب/ ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك ﴾ ( النساء ١٧٦ ) على آخر ما ذكر.
والنصف إنما يكون للأخت من الأب والأم أو الأخت من الأب وذلك تفسير الكلالة دل أنها الإخوة والأخوات من الأب والأم ( أو من الأب )٣ وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال :( الكلالة ما خلا الولد والوالد )، وروي عن عمر رضي الله عنه انه قال :( أتى زمان وما أدري ما الكلالة ؟ ألا إن الكلالة ما لم يكن له ولد ولا والد ) وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال في خطبته ﴿ ألا إن الآية التي أنزلها الله تعالى في أول سورة النساء في مثال الفرائض أنزلها في الولد والوالد٤ والآية الثانية٥ أنزلها في الزوج والمرأة والإخوة من الأم والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الإخوة من الأب والأم والآية التي في سورة الأنفال في :{ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتب الله ﴾ ( الآية ٧٥ ) في ما جرت في الرحم من العصبة ).
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال :( الكلالة اسم يقع على الإخوة من الأب ويقع على الإخوة من الأب والأم ) وهو ما ذكرنا في قول أبي بكر الصديق وعمر رضي الله عنه أن الكلالة ما عدا الولد والوالد فكانوا يذهبون والله أعلم أن الأعمام وبني الأعمام يرجعون في النسب مع الميت إلى جده وقد تكللهم الأب والأم إلا أنهم لما كانوا أبعد في النسب مع الميت إلى جده وقد تكللهم أبو الأم فسبيلهم في ذلك سبيل الإخوة والأخوات الذين تكللهم الأب والأم إلا أنهم لما كانوا أبعد في النسب من الإخوة والأخوات لم يرثوا معهم فأجمعوا أن معنى قوله الله سبحانه وتعالى : ﴿ إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت ﴾ ( النساء ١٧٦ ) في الأخت من الأب والأم ومن الأب إذا مات الرجل ولا ولد له ذكرا أو أنثى تعطى الأخت النصف تسمية.
فقال قوم من الشيعة :الآية تدل على أنه إن ترك ابنة وأختا فإن٦ المال كله للابنة ولا شيء للأخت لأن الله تعالى جعل لها الميراث إذا لم يكن له ولد فسوى الذكر والأنثى من الأولاد وليس الأمر كما قالوا لأنا إذا جعلنا للابنة النصف وجعلنا ما بقي للأخت فلم نعطها ما أعطيناها بالتسمية.
ألا ترى أنه لو كانتا أختين كان لهما عندنا ما بقي ؟ ولو جعلنا ذلك لهما تسمية أعطيناهما الثلثين لأن الله تعالى جعل ( لهما الثلثين بالتسمية وليس سبيل ما تأخذه الأخت بالتسمية لأنه ينقص فيهما شيئا مما تأخذه من الباقي بغير تسمية.
ألا ترى أن )٧ الله تعالى جعل للأبوين السدسين مع الولد ؟ فإن كانت ابنة وأبا فلهما النصف وما بقي للأب فقد أعطينا الأب أكثر مما سمي الله تعالى ولكنا لم نعطه الزيادة بالتسمية فلم يلزمنا الخلاف في زيادته.
فإن خالفونا في ذلك نقل٨ :قد سبق ذلك جواب ما يدل على أن الأب بالباقي أولى من الابنة لذلك لم نذكره في هذا الموضع فإن قال ( قائل ) ٩ الابنة أولى بما زاد على النصف أن الله تعالى قال : ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ) ( الأنفال ٧٥ ) فكانت الابنة أحق بذلك من غيرها قيل له :إن قول الله تعالى :{ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ﴾ إنما أوجب أنهم أولى ببعض من الأجنبيين بين ذلك قوله تعالى : ﴿ من المؤمنين والمهاجرين ﴾ ( الأحزاب ٦ ) لأنهم كانوا يتوارثون بالهجرة، فنسخ الله ذلك وجعل الميراث لذوي القرابة، وليس في الآية دليل أن الغريب أولى بالميراث ممن هو أبعد منه في القرابة.
وقال الله تعالى : ﴿ وهو يرثها إن لم يكن لها ولد ﴾ ( النساء ١٧٦ ) يقول والله أعلم :الأخ من الأب يرث الأخت المال كله إن لم يكن لها ولد وترث من الأخ النصف إذا كان هو الميت وقال الله عز وجل ﴿ فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان بما ترك ﴾ ( النساء ١٧٦ ) فأجمعوا أن الرجل والمرأة إذا مات أحدهما وترك أخا وأختا فما زاد على ذلك من الذكور والإناث كان الميراث بينهم ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ ( النساء ١١ ) فهذا ما نص الله تعالى قال : ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ﴾ ( الأنفال ٧٥ و… ).
فمن زعم أن المال لبيت المال فلم يجعل بعض الأرحام أولى ببعض ( بل الغرباء ( أولى )١٠ بالميت من أولى الأرحام ) ١١ فكان قول المورثين عندنا أولى وهو قول عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وجماعة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين إلا زيد بن ثابت رضي الله عنه فإنه جعل ذلك لبيت المال.
فإن قيل :إن قول الله ( سبحانه وتعالى )١٢ ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ﴾ ( الأنفال ٧٥ و… ) إنما هو في من سواه الله بهم. ما قيل في الخبر دليل أنه في غير الذين سمى الله لهم سهاما :ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى أبقي عبيدة بن الجراح قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الله ورسوله ولي من لا ولي له، والخال وارث من لا وارث له " ( الترمذي ٢١٠٣ ) وروي أيضا أن عمر رضي الله عنه قضى للخالة بالثلث والعمة والثلثين، وعن حبيش عن عمر رضي الله عنه أنه قسم الميراث بين العمة والخالة، وعن عبد الله - رضي الله عنه- أنه قال في العمة ( للعمة الثلثان وللخالة الثلث )، فأخذ علماؤنا في ذلك بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الأجلة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وكان ذلك موافقا لظاهر الآية وعمومها وكان اتباع ذلك عندهم أولى من غيره.
فأما الكلام في العول فإن ابن عباس رضي الله عنه كان ينكره ويقول :( لا تعول الفريضة )، وكان علي رضي الله عنه وعبد الله وزيد بن ثابت يقولون بعول الفرائض وروي عن الحارث ( أنه )١٣ قال :( ما رأيت أحدا قط أحسب من علي رضي الله عنه آتاه آت فقال :يا أمير المؤمنين رجل مات وترك ابنتيه وأبويه وامرأته ؟ قال صار ثمنها تسعا ) وكان ابن عباس رضي الله عنه يكره أن ينقض الأب من السدس وقد يسمي الله تعالى له السدس ثم لم يقض١٤ على هذا الأصل لأنه قال في الابنتين وأبوين وامرأته ( للمرأة الثمن وللأبوين السدسان وما بقي فللابنتين مما سمى فلم كانتا١٥ أولى بالنقصان كله من غيرهما ؟ وسائر الصحابة أدخلوا النقصان على كل وارث بقدر نصيبه لئلا يلحق النقصان على أحد ويأخذ البقية كمال نصيبهم، وجعلوا ذلك كقوم أوصى لهم بوصايا تتجاوز الثلث إذا جمعت فالحكم أن يقسم الثلث بينهم بالحصص، وكقوم صح لهم دين على ميت، وتركته لا تفي بذلك فهم جميعا أسوة يلحق كل واحد منهم النقصان بقدر حصته.
وأما الرد فإن عليا رضي الله عنه ( وعبد الله رضي الله عنه ) ١٦ قالا به على اختلافهما في من يرد عليه، و سبيل ذوي الأرحام لأن ذا الرحم بباقي المال أولى من الأجنبيين بقول الله سبحانه وتعالى : ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ﴾ ( الأنفال ٧٥ و… ) فمن لا رحم له فلا حق له غير سهمه، وليس في الزوج والزوجة خلاف، وبيَّن أهل العلم أنه لا يرد عليهما، ولأن في الآية الرد على غيره من أهل السهام، ومنع الرد عليهما لأنه عز وجل ذكر للأبوين السدسين إذا كان /٨٣ –أ/ له ولد، وسمى للأم الثلث ولم يسم للأب شيئا فيرد الباقي عليه، وكذلك سمى الذكور من الأولاد مع الإناث نصيبا بقوله : ﴿ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ ولم يسم لهم شيئا في حال الانفراد فيرد الكل عليهم، ولم يزل للزوجين ذكر تسمية سهامهما في حال بل ذكر سهامهما في الأحوال كلها :في حال الولد وفي حال الذي لا ولد له فلذلك منع دليل الرد.
وقوله تعالى : ﴿ غير مضار وصية من الله ﴾ ومرة ﴿ فريضة من الله ﴾ حتى يعلم أنهما واحد، ثم ذكر المضارة في ميراث الإخوة والأخوات ولم يذكر في الولد والوالد والزوج والزوجة فهو والله أعلم يحتمل وجهين :يحتمل أنه ذكر في هذا لأنه بهم ختم المواريث فتكون تلك المضارة، كانت كالمذكورة في الأولاد او الوالدين والأزواج إذ بذلك ختم ويحتمل أنه ذكر هننا المضارة ولم يذكر في ما يذكر في ما ذكرنا لما في الطبع يقصد الرجل إلى مضارة الأخ والأخت ومن بعد منه، ولا يقصد في المتعارف إلى مضارة الآباء والأولاد ومن ذكرنا فإذا جاء النهي في مضارة من يقصد الرجل مضارته فلأن ينهى عنها في ما لا يقصد بالطبع أحق.
ثم بيان المضارة في الوصية ما وري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله١٧ : " الثلث والثلث كثير " ( البخاري ٢٧٤٣ ) وقوله : " إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون " ( البخاري ٢٧٤٢ ) وما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قوله١٨ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الرجل ليعمل عمل الخير ستين سنة فإذا أوصى خان في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل الشر سنة فيعدل في وصيته فيختم له عمله فيدخل الجنة " ( أحمد ٢/ ٢٧٨ ) ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه :اقرؤوا إن شئتم : ﴿ تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله ﴾ إلى قوله ﴿ وله عذاب مهين ﴾ ( النساء ١٣ و١٤ ) وما روي :( الثلث حيف ) وما روي عن ابن عباس رضي الله عنه قوله١٩ :( لا ضرار في الوصية من الكفار ) ثم قرأ : ﴿ تلك حدود الله ﴾ ( النساء ١٤ ) إلى ( آخر ما ) ٢٠ قال في الوصية وقوله عز وجل : ﴿ فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه ﴾ ( البقرة :١٨٢ ).
ثم الإضرار قد يكون أيضا :إذا أوصى لوارث ولم يوص للباقين لأنه أضر به بالوصية لبعض ورثته الباقين، فلا فرق ( بين أن يضر بعض الورثة وبين )٢١ أن يضر الورثة كلهم ففيه دليل بطلان الوصية لبعض دون بعض. ثم الإضرار قد يكون بالدين على ما يكون بالوصية لأنه إذا أقر المريض لبعض الورثة بدين فإن إقراره لا يجوز كما لا تجوز وصيته، والإقرار بالدين أحق ألا يجوز من الوصية لأن الإقرار في المرض جوازه بحق الأمانة
١ من م ساقطة من الأصل..
٢ من م ساقطة من الأصل..
٣ ؟؟؟؟؟.
٤ المقصود الآية (١١)..
٥ المقصود الآية (١٢)..
٦ في الأصل و م: أن..
٧ من م ساقطة من الأصل.
٨ في الأصل و م: قيل..
٩ ساقطة من الأصل و م..
١٠ ساقطة من م..
١١ من م ساقطة من الأصل..
١٢ من م في الأصل تعالى..
١٣ ساقطة من الأصل و م..
١٤ في الأصل و م: يمض..
١٥ في الأصل و م: كانت..
١٦ من م ساقطة من الأصل..
١٧ في الأصل و م: قال..
١٨ في الأصل و م: قال..
١٩ في الأصل و م: قال..
٢٠ في الأصل و م: آخره..
٢١ من م ساقطة من الأصل..
الآية ١٣ وقوله تعالى : ﴿ تلك حدود الله ﴾ قيل :فرائض الله التي أمركم بها من قسمة الميراث، وتحتمل ﴿ حدود الله ﴾ ما حد لنا حتى لا تجوز مجاوزتها لا لما فهم من حد الخلق، كيف فهم من قوله : ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ ( الأعراف ٥٤ و. . . ) ﴿ ثم استوى إلى السماء ﴾ ( البقرة ٢٩ ) ما فهم من استواء الخلق فإذا لم يفهم من حدود الله ما فهم من حد الخلق لم يجز أن يفهم من استواء الله ما يفهم من استواء الخلق، كذلك لا يفهم من رؤية الرب ما يفهم من رؤية المخلوق، ولا يفهم من مجيئه مجيء الخلق، ولا من نزوله نزول الخلق على ما لم يفهم من قوله تعالى : ﴿ تلك حدود الله ﴾ حدود الخلق :أنه١ لا فرق بين هذا وبين الأول.
وقوله تعالى : ﴿ تلك حدود الله ﴾ يحتمل وجهين :
احدهما :أوامره ونواهيه وما حرم وأحل.
والثاني٢ :حدود شيء من ذلك فيرجع تأويل الأول إلى نفس العبادات والثاني إلى نهايات العابدات.
والمعروف من الحدود التي تنسب إلى الخلق وجهان :
أحدهما :نهاية المنسوب إليه وذلك حق حد الأعيان.
( والثاني :الأثر )٣ الذي يضاف إليه، وذلك حد الصفات، أن٤ يقال :حد الفعل كذا وحد البصر والسمع يراد به الأثر الذي به يعرف، أو هنالك ما ذكر ثم لم تكن الحدود التي أضيف إلى الله سبحانه وتعالى على حد واحد من الوجهين اللذين يضافان٥ إلى الخلق، إذ قد ثبت بضرورة العقل وحجج السمع تعاليه عن المعاني التي هن معاني خلقه، فعلى ذلك ما أضيف من طريق العقل من الاستواء والمجيء والرؤية لم يجز في ذلك تصوير المعنى في إضافة ذلك إلى الخلق يكون بما في ضرورة العقل والسمع جلاله وكبرياؤه عن ذلك المعنى، وبالله العصمة.
وقوله تعالى : ﴿ ومن يطع الله ورسله ﴾ قيل : ﴿ ومن يطع الله ﴾ في أداء فرائضه وسنة رسوله ﴿ يدخله جنات تجري ﴾ إلى آخر ما ذكر وقيل : ﴿ ومن يطع الله ﴾ في ما أمر ونهى وأطاع رسوله في أمره ونهيه فله ما ذكر، وقيل :إذا أطاع الله فقد أطاع رسوله وإذا أطاع رسوله فقد أطاع الله تعالى وهو واحد، كقوله : ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ ( النساء ٨٠ ).
وقوله تعالى : ﴿ ومن يطع الله ﴾ تعالى في ما أمر ونهى وحرم وأحل ﴿ ورسوله ﴾ في منا بلغ وبين وقيل :ذا٦ ليس بتفريق لكن من الذي يطيع الله هو الذي يطيع رسوله لأنه إلى طاعة الله دعاه ( وفي عبادته رغبه ) ٧، فتكون طاعته كقوله تعالى : ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ ( النساء ٨٠ ) وكقوله سبحانه : ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ﴾ ( آل عمران ٣١ ).
١ في م: إذ..
٢ في الأصل و م: ويحتمل..
٣ في الأصل: والباقي الآت في م: والباقي الأثر..
٤ من م في الأصل: إذ..
٥ في الأصل و م: يضاف..
٦ في الأصل و م: ذي..
٧ في الأصل و م: وعلى عبادته رغب..
الآية ١٤ وقوله تعالى : ﴿ ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده ﴾ وهذا / ٨٣- ب / كذلك أيضا إذا عصى الله فقد تعدى حدوده ومن تعدى فقد عصى الله ومن يعص الله ورسوله في ما لم ير أمره أمرا ونهيه نهيا ويتعد حدوده وشرائعه أي لم يرها حقا ﴿ يدخله نارا خالدا فيها وله ﴾ ما ذكر.
الآيتان ١٥ و١٦ وقوله تعالى : ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ﴾، ﴿ واللذان يأتيانها منكم فآذوهما ﴾ قيل كان هذان الحكمان في أول الإسلام :الأول منهما للمرأة والثاني :للرجل وقيل :إن آية الأذى كانت في الرجل والمرأة، وآية الحبس كانت في حبس المرأة، ويحتمل أن تكون آية الأذى في البكر في الرجل والمرأة جميعا، وآية الحبس في الثيب في الرجل والمرأة، ويحتمل أن تكون آية الأذى في الرجال خاصة في ما يأتي الذكر ذكرا على ما كان من فعل قوم لوط وآية الحبس في الرجال والنساء جميعا.
فإن كانت١ آية الأذى في الرجال خاصة ففيها حجة لأبي حنيفة رضي الله عنه حين لم يوجب على من عمل قوم لوط الحد، ولكن أوجب التعزير والأذى هو منسوخ إن كان في هذا وإن كانت في الأول فهي منسوخة.
ثم اختلف بما به نسخ فقال قوم نسخ بقوله ﴿ الزانية والزاني فاجدلوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴾ ( النور ٢ ) لكن عندنا :هذا يجوز أن يجمع بين حكميهما فكيف يكون به النسخ ؟ ولكن نسخ عندنا بالخبر، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه ) ٢ قال : " خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا :البكر بالبكر والثيب بالثيب، البكر يجلد وينفى، والثيب يجلد ويرجم " ( مسلم ١٦٩٠ ) ففيه دليل حكم نسخ القرآن بالسنة، فإن قيل :في الآية دليل وعد النسخ بقوله : ﴿ أو يجعل لهن سبيلا ﴾ فإنما صار منسوخا بما وعد الله في الآية من النسخ لا٣ بالسنة وقيل :ما من آية أو سنة كان من حكم الله النسخ إلا الوعد فيه النسخ، وإن لم يكن مذكورا لأن الله عز وجل لا يجعل الحكم في الشيء للأبد ثم ينسخ لأنه بدو، وذلك فعل البشر لا فعل الربوبية، فإذا كان ما ذكرنا فلا فرق بين أن ينسخه الوحي٤ يكون قرآنا يتلى ( والسنة فيها ) ٥ أخبار كثيرة روي أنه رجم ماعز إذ أقر بالزنى مرارا، ورجم أيضا غيره ( بما روي أن رجلا عسف آخر فزنى بامرأته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ٦ " سأقضي بينكما بكتاب الله تعالى " وقال ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ٧ " واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن هي اعترفت فارجمها " ( البخاري ٢٦٩٥ و٢٦٩٦ ).
وعن عمر رضي الله عنه قال :( خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل :ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. ألا وإن الرجم حق ( على من زنى، إذا أحصن الرجل والمرأة ) ٨ وقامت البينة أو اعترفا٩، وقد قرأناها :الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده ).
وقال قوم :الرجم بين اليهود والنصارى كهو بين المسلمين كالجلد بالآية ولما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم يهوديا قيل :إنما رجم بحكم التوراة. إلا ترى أنه روي أنه دعا بالتوراة فأمرهم أن يقرؤوا عليه ف وضعوا أيديهم على الموضع الذي فيه ذكر الرجم فقرؤوا غيره. قال ابن سلام :إنهم كتموه يا رسول الله ثم قرأ هو :فأمر برجمه١٠ ولا شك أن القرآن نسخ حكم التوراة ذلك لم يقم عليهم الرجم. فإن قال قائل :إن الحد يقام على من عمل عمل قوم لوط بقوله تعالى : ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴾ ( النور ٢ ) قيل :لا يحتمل وجوب الحد ذلك لأنه مختلف حكم من هذا في الحرمة ووجوب الرجم١١ وغير ذلك فلا يحتمل أن يعرف شيء بما١٢ يخالفه في جميع أحكامه وجميع الوجوه.
وقوله تعالى : ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ﴾ في الآية دليل القياس لأنه ذكر الحكم في النساء ولم يذكر في الرجال ذلك الحكم وهما لا يختلفان في هذا الحكم لما يلزم المرأة في ذلك الفعل يلزم الرجل مثله دل ما ترك ذكره في المنصوص والانتزاع منه. وقال قوم :إن على الثيب الجلد والرجم جميعا ذهبوا في ذلك إلى ما روي عن عبادة ابن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه ) ١٣ قال : " خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر يجلد، والثيب بالثيب يجلد ويرجم " ( مسلم ١٦٩٠ أوجب الرجم على الثيب.
وأما عندنا فإنه لا يوجب مع الرجم الجلد لما روينا من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم ماعزا ولم يذكر أنه جلده وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه ) ١٤ قال : " واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها " ( ٢٦٩٥ و٢٦٩٦ ) لم يذكر هنالك جلد والأخبار كثيرة في هذا، وروي انه قال : " من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله الذي ستره عليه فإن من أبدى لنا صفحة أقمنا عليه حد الله " ( مالك في الموطأ ٢/ ٨٢٥ ).
ثم يحتمل قوله صلى الله عليه وسلم : " والثيب يجلد ويرجم " في اختلاف الأحوال :يجلد في حال ويرجم في حال أو يجلد ثيب ويرجم آخر لأنه لا كل ثيب يرجم لأنه إذا كان ثيبا غير محصن لا يرجم دل أنه ما ذكرنا أو يحتمل قوله صلى الله عليه وسلم " البكر بالبكر يجلد وينفى، والثيب بالثيب ( يجلد ويرجم )١٥ " ( مسلم ١٦٩٠ ) أي البكر مع البكر، والثيب مع الثيب، فيكون ثيب يجلد وثيب آخر يرجم.
ثم اختلف أهل العلم في نفي البكر قال قوم :النفي ثابت واجب وعندنا إن كان فهو منسوخ ودليل نسخه ما روي في خبر زيد بن خالد ( الجهني ) ١٦، وكان الرجل بكرا، يذكر أنه نفي، وما وري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه نفى رجلا فارتد ولحق بالروم وقال :لا أنفي بعد هذا أبدا وما روي أنه قال :( كفى بالنفي فتنة ). وإن كان فهو عقوبة وليس بحد كحبس الدعارة وغيره والدليل على أن النفي ليس بحد أن الله سبحانه وتعالى قال في الإماء :{ فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصن من العذاب( النساء ٢٥ ).
والأمة لا تنفى، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال : " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ثم إذا زنت فليجلدها ثم إذا زنت فليبعها ولو بضفر " ( البخاري ٢١٥٢ و٢١٥٤ ) أمر بجلدها ولم يأمر بالنفي ولو كان حدا لأمر به كما أمر بالجلد دل أنه ليس بحد في الحرة١٧ ولأنه أوجب على الإماء نصف ما اوجب على الحرائر ولا نصف للنفي دل أنه ليس بحد ولا يجب ذلك او إن كان فهو حبس وفي الحبس نفي فيحسبان١٨ أو ينفيان لينسيا ما أصاب لأن كل من رآهما يذكر فعلهما فينفيان لذلك لا أنه حد ولكن لينسيا ذلك ولا يذكر١٩.
وقوله تعالى أيضا : ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ﴾ إلى قوله : ﴿ فإن تابا وأصلحا ﴾ ( النساء ١٥ و١٦ ) يخرج على وجهين لو كانت الآيتان في الزنى.
أحدهما :أن يكون في جميع الإناث الحبس وفي الذكور الإيذاء ولذلك جميع من الجميع في الخبر الذي به النسخ فارتفع الحبس والأذى جميعا وذلك تأنيب الرجل به أزجر له، وحبس المرأة أقطع لوجوه الزنى.
والثاني : ٢٠ ان تكون الآية الأولى في المحصنات على تضمن المحصنين بالمعنى والآية الثانية في الذكور والإناث ( على تضمن الإناث ) ٢١ بالمعنى لكن جرى الذكر على ما ظهر من فضل صيانة الأبكار في الإناث إما تدينا أو حياء افتضاح٢٢ أو بما الغالب عليهن الصون من المحارم والحفظ عن قرب الذكور ليس من شيء من ذلك في الذكور ولا في الثيبات من النساء٢٣ على أنه بعيد بلوغ النساء في قلة الحياء إلى أن يعلن حتى يشهده أربعة٢٤ والغالب عليهن ألا يخالطن هذا القدر من العدد.
ثم الدلالة على دخول الكل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا " ذكرهن على ما جرى به الذكر في القرآن ثم جمع في التفسير بين الكل ثبت أن الذكر قد يضمن الكل وذلك يبطل تأويل / ٨٤- أ/ من يصرف الآية إلى الأبكار من الإناث والذكور ومتى يحتمل وجود ( الكل ) ٢٥ مثل ذلك بعد النكاح على إثر خلوة الأزواج بهن والاطلاع على ما فيه المسبة الدائمة والعار اللازم له ثم كشف ذلك لجميع محارمها ثم خوف الانتشار به ظاهر وكيف يحتمل في مثل تلك الحال إلى ممكن من ذكر دون أن ينضم إلى زوجها ؟
فتأويل من وجه الآية إلى الأبكار خارج عن المعروف ثم المروي عن السنة ثم ( ما )٢٦ أجمع عليه أهل التأويل عمد صاحبه على هذا جهله بألا يجوز بيان نسخ حكم بينة الكتاب بالسنة ويحكم على الله تعالى وعلى رسوله بحجر هذا النوع.
وقوله عز وجل : ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا ﴾ الآية ومعلوم أن عقوبة الزناة يتولاها الأئمة فكان الخطاب عليهم خرج ثم قد ثبتت٢٧ الفاحشة منهن ولم يأذن في إقامة عقوبتها حتى يستحضر أربعة فيشهدوا٢٨ بها. فعلى هذا أن ليس للأئمة تولي حد الزناة بعلمهم حتى يكون ثم شهود. وفي ذلك لزوم حق الستر إلى أقصى ما ينتهى إليه الفعلان من الزناة إذ ذلك أمر معلوم في ما يحل ألا يفعل إلا في أحوال الخلوات التي تعلم حقيقته ذلك بالولد يكون فأما من حيث الكون دونه فإنما هو غالب الظن فالذي لا يحل من ذلك أن يكون بحيث لا تعلم حقيقته أبدا. يدل ذلك جميع الأمور التي منها المباح والمحظور إذ المحظور منه أبعد من الظهور والعلم من المباح.
فعلى ذلك أمر هذا مع ما أيد ما جعل من هذا الرمي وجهين :
أحدهما :الزجر عن هتك هذا النوع من الستر حتى خرجت شهادة من رمى بذلك بما هتك ستر الله.
والثاني :فحش الشين بفاعل ذلك لزوم المسبة في صاحب ذلك وذلك معنى لزوم الشين، وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال : " من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله فإنه من أبدى صفحة أقمنا عليه حد الله " ( الموطأ ٢/ ٨٢٥ ) فإذا بلغ العمد الذي حده ما ذكرت من العقوبة من نهاية الستر النهاية من الإعلان حتى ظهر ذلك للجماعة يفعل ما يشينه فعله ما ذكرت استحق ما ذكرت من العقوبة بجرأته على ذلك، وبقلة٢٩ حيائه حين أظهر الذي ذلك حقه الستر عقوبة ذلك الفعل، فألزم من إليه ذلك القيام به لله. ثم جعل الله في ذلك عقوبات مختلفة على اختلاف أوقات الفعل وأهله على ما علم من مصلحة الخلق بها وزجرهم وتفكيرهم بها. ثم إن الله سبحانه وتعالى جعل أول عقوبة الزنى من نوع من الخلق ظاهرا يكسبون به عرض الدنيا في٣٠ ذلك في الإماء حتى قال تعالى : ﴿ ولا تكرهوا فتاتيكم على البغاء ﴾ الآية ( النور ٣٣ ) وحتى كانوا يدعون الأنساب في أولاد الزنى من الإماء حتى بلغ ظهور ذلك إلى أن يمازح به الحرائر في الطرق تعاميا عن حالهن فنزل قوله سبحانه وتعالى : ﴿ يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ﴾ ( الأحزاب ٥٩ ).
وإن كان هذا حالهم في ذلك الوقت فعليهم٣١ خوف مواقعة الزنى وكذلك لكثرة ما يرين٣٢ أو يسمعن وذلك ( في وجهين :
أحدهما ) ٣٣ :معنى يبعث من شرهت نفسه وقل٣٤ تفكره في أمر عاقبته مما ينزل به أو يشينه وقد ركبت هذه الشهوة في كل البشر فخفف الله عقوبته في الابتداء أن جعل في الحبس والإمساك في البيوت ثم صار ذلك إلى الضرب لما يخرج الناس من بيوتهم ويعظم٣٥ ذلك في أعينهم وجعل في الشتم به الحد ليعرفوا عظم موقعه عند الله وينتهوا٣٦ عن فعله.
وقد جعل في ذلك في بعض الأحوال الرجم وهي الحال التي يزول فيها كل وجوه العذر وترتفع جميع معاني الشبه لعظم أمره.
والثاني :أن السبب الباعث على ذلك قرب بعض ببعض ومخالطة بعض ببعض على عظم الشهوة فغلب عليهم الأمر واستعدتهم الشهوة حتى واقعوا ذلك.
ثم في الحبس ( وجوه :
أحدهما ) ٣٧ :الكف عن المعنى الذي يدعو إليه من الاختلاط وتلاقي الأبصار.
وا
١ في الأصل و م: كان..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ من م في الأصل: وإلا..
٤ في الأصل و م: بوحي..
٥ في الأصل و م: وفيه..
٦ في الأصل و م: ما روي عن عسيف الرجل زنى بامرأة وقال انظر المسند ٤/١١٥..
٧ ساقطة من الأصل و م..
٨ في الأصل و م: إذا أحصن الرجل..
٩ في الأصل و م: اعترف..
١٠ في الأصل و م: يرجمهم..
١١ من م في الأصل: المهر..
١٢ في الأصل و م: لما..
١٣ ساقطة من الأصل و م..
١٤ ساقطة من الأصل و م..
١٥ ساقطة من الأصل و م..
١٦ ساقطة من الأصل و م..
١٧ في الأصل و م: الحر..
١٨ في الأصل و م: فيحبس..
١٩ في الأصل و م: يذكر..
٢٠ في الأصل و م: أو..
٢١ من م ساقطة من الأصل..
٢٢ في م الافتضاح..
٢٣ في الأصل و م: الناس..
٢٤ في الأصل و م: أربع..
٢٥ من م ساقطة من الأصل..
٢٦ ساقطة من الأصل و م..
٢٧ في الأصل و م: اثبت..
٢٨ في الأثل و م: فيشهدون..
٢٩ أدرج قبلها في الأصل و م: محله..
٣٠ من م في الأصل و في..
٣١ في الأصل و م: عليهم..
٣٢ في الأصل و م: يدين..
٣٣ ساقطة من الأصل و م..
٣٤ في الأصل و م: وقلة..
٣٥ في الأصل و م عظم..
٣٦ في الأصل و م: وانتهوا..
٣٧ في الأصل و م: وجهان أحدهما.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٥: الآيتان ١٥ و١٦ وقوله تعالى : ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ﴾، ﴿ واللذان يأتيانها منكم فآذوهما ﴾ قيل كان هذان الحكمان في أول الإسلام :الأول منهما للمرأة والثاني :للرجل وقيل :إن آية الأذى كانت في الرجل والمرأة، وآية الحبس كانت في حبس المرأة، ويحتمل أن تكون آية الأذى في البكر في الرجل والمرأة جميعا، وآية الحبس في الثيب في الرجل والمرأة، ويحتمل أن تكون آية الأذى في الرجال خاصة في ما يأتي الذكر ذكرا على ما كان من فعل قوم لوط وآية الحبس في الرجال والنساء جميعا.
فإن كانت١ آية الأذى في الرجال خاصة ففيها حجة لأبي حنيفة رضي الله عنه حين لم يوجب على من عمل قوم لوط الحد، ولكن أوجب التعزير والأذى هو منسوخ إن كان في هذا وإن كانت في الأول فهي منسوخة.
ثم اختلف بما به نسخ فقال قوم نسخ بقوله ﴿ الزانية والزاني فاجدلوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴾ ( النور ٢ ) لكن عندنا :هذا يجوز أن يجمع بين حكميهما فكيف يكون به النسخ ؟ ولكن نسخ عندنا بالخبر، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه ) ٢ قال :" خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا :البكر بالبكر والثيب بالثيب، البكر يجلد وينفى، والثيب يجلد ويرجم " ( مسلم ١٦٩٠ ) ففيه دليل حكم نسخ القرآن بالسنة، فإن قيل :في الآية دليل وعد النسخ بقوله : ﴿ أو يجعل لهن سبيلا ﴾ فإنما صار منسوخا بما وعد الله في الآية من النسخ لا٣ بالسنة وقيل :ما من آية أو سنة كان من حكم الله النسخ إلا الوعد فيه النسخ، وإن لم يكن مذكورا لأن الله عز وجل لا يجعل الحكم في الشيء للأبد ثم ينسخ لأنه بدو، وذلك فعل البشر لا فعل الربوبية، فإذا كان ما ذكرنا فلا فرق بين أن ينسخه الوحي٤ يكون قرآنا يتلى ( والسنة فيها ) ٥ أخبار كثيرة روي أنه رجم ماعز إذ أقر بالزنى مرارا، ورجم أيضا غيره ( بما روي أن رجلا عسف آخر فزنى بامرأته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ٦ " سأقضي بينكما بكتاب الله تعالى " وقال ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ٧ " واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن هي اعترفت فارجمها " ( البخاري ٢٦٩٥ و٢٦٩٦ ).
وعن عمر رضي الله عنه قال :( خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل :ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. ألا وإن الرجم حق ( على من زنى، إذا أحصن الرجل والمرأة ) ٨ وقامت البينة أو اعترفا٩، وقد قرأناها :الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده ).
وقال قوم :الرجم بين اليهود والنصارى كهو بين المسلمين كالجلد بالآية ولما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم يهوديا قيل :إنما رجم بحكم التوراة. إلا ترى أنه روي أنه دعا بالتوراة فأمرهم أن يقرؤوا عليه ف وضعوا أيديهم على الموضع الذي فيه ذكر الرجم فقرؤوا غيره. قال ابن سلام :إنهم كتموه يا رسول الله ثم قرأ هو :فأمر برجمه١٠ ولا شك أن القرآن نسخ حكم التوراة ذلك لم يقم عليهم الرجم. فإن قال قائل :إن الحد يقام على من عمل عمل قوم لوط بقوله تعالى : ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴾ ( النور ٢ ) قيل :لا يحتمل وجوب الحد ذلك لأنه مختلف حكم من هذا في الحرمة ووجوب الرجم١١ وغير ذلك فلا يحتمل أن يعرف شيء بما١٢ يخالفه في جميع أحكامه وجميع الوجوه.
وقوله تعالى : ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ﴾ في الآية دليل القياس لأنه ذكر الحكم في النساء ولم يذكر في الرجال ذلك الحكم وهما لا يختلفان في هذا الحكم لما يلزم المرأة في ذلك الفعل يلزم الرجل مثله دل ما ترك ذكره في المنصوص والانتزاع منه. وقال قوم :إن على الثيب الجلد والرجم جميعا ذهبوا في ذلك إلى ما روي عن عبادة ابن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه ) ١٣ قال :" خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر يجلد، والثيب بالثيب يجلد ويرجم " ( مسلم ١٦٩٠ أوجب الرجم على الثيب.
وأما عندنا فإنه لا يوجب مع الرجم الجلد لما روينا من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم ماعزا ولم يذكر أنه جلده وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه ) ١٤ قال :" واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها " ( ٢٦٩٥ و٢٦٩٦ ) لم يذكر هنالك جلد والأخبار كثيرة في هذا، وروي انه قال :" من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله الذي ستره عليه فإن من أبدى لنا صفحة أقمنا عليه حد الله " ( مالك في الموطأ ٢/ ٨٢٥ ).
ثم يحتمل قوله صلى الله عليه وسلم :" والثيب يجلد ويرجم " في اختلاف الأحوال :يجلد في حال ويرجم في حال أو يجلد ثيب ويرجم آخر لأنه لا كل ثيب يرجم لأنه إذا كان ثيبا غير محصن لا يرجم دل أنه ما ذكرنا أو يحتمل قوله صلى الله عليه وسلم " البكر بالبكر يجلد وينفى، والثيب بالثيب ( يجلد ويرجم )١٥ " ( مسلم ١٦٩٠ ) أي البكر مع البكر، والثيب مع الثيب، فيكون ثيب يجلد وثيب آخر يرجم.
ثم اختلف أهل العلم في نفي البكر قال قوم :النفي ثابت واجب وعندنا إن كان فهو منسوخ ودليل نسخه ما روي في خبر زيد بن خالد ( الجهني ) ١٦، وكان الرجل بكرا، يذكر أنه نفي، وما وري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه نفى رجلا فارتد ولحق بالروم وقال :لا أنفي بعد هذا أبدا وما روي أنه قال :( كفى بالنفي فتنة ). وإن كان فهو عقوبة وليس بحد كحبس الدعارة وغيره والدليل على أن النفي ليس بحد أن الله سبحانه وتعالى قال في الإماء :{ فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصن من العذاب( النساء ٢٥ ).
والأمة لا تنفى، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال :" إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ثم إذا زنت فليجلدها ثم إذا زنت فليبعها ولو بضفر " ( البخاري ٢١٥٢ و٢١٥٤ ) أمر بجلدها ولم يأمر بالنفي ولو كان حدا لأمر به كما أمر بالجلد دل أنه ليس بحد في الحرة١٧ ولأنه أوجب على الإماء نصف ما اوجب على الحرائر ولا نصف للنفي دل أنه ليس بحد ولا يجب ذلك او إن كان فهو حبس وفي الحبس نفي فيحسبان١٨ أو ينفيان لينسيا ما أصاب لأن كل من رآهما يذكر فعلهما فينفيان لذلك لا أنه حد ولكن لينسيا ذلك ولا يذكر١٩.
وقوله تعالى أيضا : ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ﴾ إلى قوله : ﴿ فإن تابا وأصلحا ﴾ ( النساء ١٥ و١٦ ) يخرج على وجهين لو كانت الآيتان في الزنى.
أحدهما :أن يكون في جميع الإناث الحبس وفي الذكور الإيذاء ولذلك جميع من الجميع في الخبر الذي به النسخ فارتفع الحبس والأذى جميعا وذلك تأنيب الرجل به أزجر له، وحبس المرأة أقطع لوجوه الزنى.
والثاني : ٢٠ ان تكون الآية الأولى في المحصنات على تضمن المحصنين بالمعنى والآية الثانية في الذكور والإناث ( على تضمن الإناث ) ٢١ بالمعنى لكن جرى الذكر على ما ظهر من فضل صيانة الأبكار في الإناث إما تدينا أو حياء افتضاح٢٢ أو بما الغالب عليهن الصون من المحارم والحفظ عن قرب الذكور ليس من شيء من ذلك في الذكور ولا في الثيبات من النساء٢٣ على أنه بعيد بلوغ النساء في قلة الحياء إلى أن يعلن حتى يشهده أربعة٢٤ والغالب عليهن ألا يخالطن هذا القدر من العدد.
ثم الدلالة على دخول الكل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا " ذكرهن على ما جرى به الذكر في القرآن ثم جمع في التفسير بين الكل ثبت أن الذكر قد يضمن الكل وذلك يبطل تأويل / ٨٤- أ/ من يصرف الآية إلى الأبكار من الإناث والذكور ومتى يحتمل وجود ( الكل ) ٢٥ مثل ذلك بعد النكاح على إثر خلوة الأزواج بهن والاطلاع على ما فيه المسبة الدائمة والعار اللازم له ثم كشف ذلك لجميع محارمها ثم خوف الانتشار به ظاهر وكيف يحتمل في مثل تلك الحال إلى ممكن من ذكر دون أن ينضم إلى زوجها ؟
فتأويل من وجه الآية إلى الأبكار خارج عن المعروف ثم المروي عن السنة ثم ( ما )٢٦ أجمع عليه أهل التأويل عمد صاحبه على هذا جهله بألا يجوز بيان نسخ حكم بينة الكتاب بالسنة ويحكم على الله تعالى وعلى رسوله بحجر هذا النوع.
وقوله عز وجل : ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا ﴾ الآية ومعلوم أن عقوبة الزناة يتولاها الأئمة فكان الخطاب عليهم خرج ثم قد ثبتت٢٧ الفاحشة منهن ولم يأذن في إقامة عقوبتها حتى يستحضر أربعة فيشهدوا٢٨ بها. فعلى هذا أن ليس للأئمة تولي حد الزناة بعلمهم حتى يكون ثم شهود. وفي ذلك لزوم حق الستر إلى أقصى ما ينتهى إليه الفعلان من الزناة إذ ذلك أمر معلوم في ما يحل ألا يفعل إلا في أحوال الخلوات التي تعلم حقيقته ذلك بالولد يكون فأما من حيث الكون دونه فإنما هو غالب الظن فالذي لا يحل من ذلك أن يكون بحيث لا تعلم حقيقته أبدا. يدل ذلك جميع الأمور التي منها المباح والمحظور إذ المحظور منه أبعد من الظهور والعلم من المباح.
فعلى ذلك أمر هذا مع ما أيد ما جعل من هذا الرمي وجهين :
أحدهما :الزجر عن هتك هذا النوع من الستر حتى خرجت شهادة من رمى بذلك بما هتك ستر الله.
والثاني :فحش الشين بفاعل ذلك لزوم المسبة في صاحب ذلك وذلك معنى لزوم الشين، وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال :" من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله فإنه من أبدى صفحة أقمنا عليه حد الله " ( الموطأ ٢/ ٨٢٥ ) فإذا بلغ العمد الذي حده ما ذكرت من العقوبة من نهاية الستر النهاية من الإعلان حتى ظهر ذلك للجماعة يفعل ما يشينه فعله ما ذكرت استحق ما ذكرت من العقوبة بجرأته على ذلك، وبقلة٢٩ حيائه حين أظهر الذي ذلك حقه الستر عقوبة ذلك الفعل، فألزم من إليه ذلك القيام به لله. ثم جعل الله في ذلك عقوبات مختلفة على اختلاف أوقات الفعل وأهله على ما علم من مصلحة الخلق بها وزجرهم وتفكيرهم بها. ثم إن الله سبحانه وتعالى جعل أول عقوبة الزنى من نوع من الخلق ظاهرا يكسبون به عرض الدنيا في٣٠ ذلك في الإماء حتى قال تعالى : ﴿ ولا تكرهوا فتاتيكم على البغاء ﴾ الآية ( النور ٣٣ ) وحتى كانوا يدعون الأنساب في أولاد الزنى من الإماء حتى بلغ ظهور ذلك إلى أن يمازح به الحرائر في الطرق تعاميا عن حالهن فنزل قوله سبحانه وتعالى : ﴿ يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ﴾ ( الأحزاب ٥٩ ).
وإن كان هذا حالهم في ذلك الوقت فعليهم٣١ خوف مواقعة الزنى وكذلك لكثرة ما يرين٣٢ أو يسمعن وذلك ( في وجهين :
أحدهما ) ٣٣ :معنى يبعث من شرهت نفسه وقل٣٤ تفكره في أمر عاقبته مما ينزل به أو يشينه وقد ركبت هذه الشهوة في كل البشر فخفف الله عقوبته في الابتداء أن جعل في الحبس والإمساك في البيوت ثم صار ذلك إلى الضرب لما يخرج الناس من بيوتهم ويعظم٣٥ ذلك في أعينهم وجعل في الشتم به الحد ليعرفوا عظم موقعه عند الله وينتهوا٣٦ عن فعله.
وقد جعل في ذلك في بعض الأحوال الرجم وهي الحال التي يزول فيها كل وجوه العذر وترتفع جميع معاني الشبه لعظم أمره.
والثاني :أن السبب الباعث على ذلك قرب بعض ببعض ومخالطة بعض ببعض على عظم الشهوة فغلب عليهم الأمر واستعدتهم الشهوة حتى واقعوا ذلك.

ثم في الحبس ( وجوه :

أحدهما ) ٣٧ :الكف عن المعنى الذي يدعو إليه من الاختلاط وتلاقي الأبصار.
وا
١ في الأصل و م: كان..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ من م في الأصل: وإلا..
٤ في الأصل و م: بوحي..
٥ في الأصل و م: وفيه..
٦ في الأصل و م: ما روي عن عسيف الرجل زنى بامرأة وقال انظر المسند ٤/١١٥..
٧ ساقطة من الأصل و م..
٨ في الأصل و م: إذا أحصن الرجل..
٩ في الأصل و م: اعترف..
١٠ في الأصل و م: يرجمهم..
١١ من م في الأصل: المهر..
١٢ في الأصل و م: لما..
١٣ ساقطة من الأصل و م..
١٤ ساقطة من الأصل و م..
١٥ ساقطة من الأصل و م..
١٦ ساقطة من الأصل و م..
١٧ في الأصل و م: الحر..
١٨ في الأصل و م: فيحبس..
١٩ في الأصل و م: يذكر..
٢٠ في الأصل و م: أو..
٢١ من م ساقطة من الأصل..
٢٢ في م الافتضاح..
٢٣ في الأصل و م: الناس..
٢٤ في الأصل و م: أربع..
٢٥ من م ساقطة من الأصل..
٢٦ ساقطة من الأصل و م..
٢٧ في الأصل و م: اثبت..
٢٨ في الأثل و م: فيشهدون..
٢٩ أدرج قبلها في الأصل و م: محله..
٣٠ من م في الأصل و في..
٣١ في الأصل و م: عليهم..
٣٢ في الأصل و م: يدين..
٣٣ ساقطة من الأصل و م..
٣٤ في الأصل و م: وقلة..
٣٥ في الأصل و م عظم..
٣٦ في الأصل و م: وانتهوا..
٣٧ في الأصل و م: وجهان أحدهما.

الآية ١٧ وقوله تعالى : ﴿ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ﴾ يحتمل قوله : ﴿ إنما التوبة على الله للذين ﴾ كذا، أي توفيق التوبة وهدايته على الله سبحانه وتعالى إذا كانت نفسه ترغب فيها وتميل إليها، على الله توفيقه١ على ذلك إذا علم الله منه أنه يتوب ويحتمل قوله : ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ سبحانه وتعالى إذا تاب ورجع عما كان فيه وارتكبه.
وفي قوله أيضا : ﴿ إنما التوبة على الله للذين ﴾ ( لمن ذكر ) ٢ يحتمل قبولها ( بوجهين :
الأول ) ٣ :بمعنى أن الذي لا يسوف التوبة ولا ينتظر بها وقت المنع عن وجوب ما عنه يتوب والإياس من إمكان العود إلى ما عنه يتوب لله٤ فالله يقبلها إذا كان ذلك دأبه وعادته وإن بلغ ذلك الضيق بأمر دفع إليه أو كان يتوب من قريب من الذنب بألا يستخف به فيترك الرجوع لقلة مبالاته به فلا يقبلها ممن وصف توبته وحال استخفافه بالذنب.
والثاني :أن يكون توفيق التوبة والهداية إليه ممن يفزعه ذنبه على الرجوع إلى الله والتعرض لرحمته وإحسانه. ولا يوفق من لا يبالي بالذي يذكر ولا يتضرع إليه. وقيل :( حال )٥ الأول في الصغائر والثاني :في الكبائر والثالث٦ في الكفر فإن صاحب الصغير ة أرق قلبا وأخلص٧ ذكرا له ورجوعا إلى ربه، وصاحب الكبيرة أقسى قلبا من الأول وأظلم فهو لا يندم إلا بعد شدة وبعد طول المحنة وضيق القلب، قيل٨ فليس على الله قبول توبة من يتوب في تلك الحال ولا توبة من بان منه ما يأمله بالذي عليه قبول ذلك، ولكن يقبل ويوفق له بما كان منه من الخيرات والحسنات التي هن أسباب التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، والكافر لا يقبلها إذ هو لا يتوب حتى يموت فيستيقن بالعذاب والله أعلم.
ويحتمل أن تكون هذه الآخرة في الكفار فيكون فيهم من يظهر التوبة عند الضرورة والدفع إلى الحال يزول عنه وضع الإمكان ويأس من الإمهال ويصل إلى ماله كان يذنب فالله لا يقبل توبته إذ ليست في الحقيقة توبة متمكن٩ بل توبة مضطر أو توبة دفع ما حل به، إذ هو وقت يشغل عن الاستدلال وعن الوقوف على الأسباب من جهة التأمل والنظر ولا يرى غير الذي أقبل عليه يظن أن له الخلاص بالذي يبدل، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ يعلمون السوء بجهلة ﴾ هذا أيضا يحتمل وجهين :يحتمل جهل الفعل فيقع فيه من غير قصد ويحتمل قصد الفعل والجهل بموقع الفعل. والعمل بجهالة يخرج على وجوه :يكون عن غلبة تغلب عليه شهوته فيعمل ذلك العمل على طمع منه انه سيتوب من بعد ويصير رجلا صالحا على ما فعل إخوة يوسف حين قالوا : ﴿ اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين ﴾ ( يوسف ٩ ) ثم سماهم جهلة بذلك في آية أخرى حيث قال لهم : ﴿ قال هل علمتم / ٨٥- أ/ ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ﴾ ( يوسف ٨٩ ). د
ويحتمل العمل بجهالة جهالة عقوبة عمله على ذلك. وكذلك الخطأ والنسيان ( الخطأ )١٠ على وجهين :خطأ الفعل وهو الذي ليس بصواب ولا رشد، وخطأ القصد عند الفعل وهو الذي قصد أمرا١١ فأصاب غيره النسيان على وجهين أيضا :نسيان ترك وهو الذي يجوز أن يضاف إلى الله سبحانه وتعالى من هذا الوجه ( و نسيان عمد ) ١٢.
وقيل :نزل قوله تعالى : ﴿ إنما التوبة على الله الذين يعملون السوء بجهلة ﴾ الآية في المؤمنين وقوله تعالى : ﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات ﴾ على آخر الآية ( النساء ١٨ ) في الكافرين وقيل :إنهما جميعا في المؤمنين، والثالثة١٣ في الكفار. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال :( إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه ) ١٤ قال : " من تاب قبل أن تغرغر نفسه ويعاين الملائكة قبل الله توبته " ( أحمد ٥/ ٣٦٢ ).
والأصل في هذا أن توبة الكافر ( تقبل إذا كانت ) ١٥ توبة اختيار. وأما إذا كانت توبته اضطرارا ودفع فإنها لا تقبل أبدا كقوله تعالى : " لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل } ( الأنعام ١٥٨ ) إذا كان إيمانه إيمان دفع واضطرار عند معاينة العذاب فإنه لا يقبل أبدا وهو أيضا كإيمان فرعون حين قال : ﴿ حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إلاه إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ الآية ( يونس ٩٠ ) لم يقبل إيمانه لأنه إيمان دفع واضطرار.
فعلى ذلك كل إيمان دفع واضطرار، فإنه لا يقبل أبدا ( وهو كقوله ) ١٦ ﴿ فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ﴾ ( غافر ٨٤ ).
١ في الأصل و م: يوفقه..
٢ من م ساقطة من الأصل..
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ في الأصل و م: الله..
٥ ساقطة من الأصل و م..
٦ المقصود حال الكفر.
٧ في الأصل و م: وأخص..
٨ في الأصل و م: مثل..
٩ في الأصل و م: ممكن..
١٠ ساقطة من الأصل و م:.
١١ ساقطة من الأصل و م أحدا.
١٢ ساقطة من الأصل و م..
١٣ المقصود فوله تعالى: ﴿ولا الذين يموتون وهم كفارا﴾ (النساء ١٨)..
١٤ ساقطة من الأصل و م..
١٥ في الأصل و م كان توبته..
١٦ في الأصل و م: وكقوله..
الآية ١٨ وقوله١ تعالى : ﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ﴾ هم الذين يتوبون عند معاينتهم الموت أخبر انه لا يقبل توبتهم لأنهم يتوبون في الآخرة دفع العذاب عن أنفسهم، كقوله تعالى : ﴿ ما أشركنا ﴾ ( الأنعام ١٤٨ ) وكقوله٢ : ﴿ ما كنا مشركين ﴾ ( الأنعام ٢٣ ).
١ في الأصل و م: وقيل..
٢ في الأصل و م: وقوله..
الآية ١٩ وقوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ﴾ قال بعضهم :كان يجوز لهم أن يرثوا النساء طوعا لأنه إنما نهى أن يرثوهن كرها فكان فيه دليل جواز وراثتهن طوعا. وأما عندنا فإنه ليس فيه دليل جواز وراثتهن طوعا. وإن كان النهي فإنما١ كان في حال الكره، لأن الأصل عندنا أن ليس في حظر الحكم في حال :دليل إباحته أخرى، ولا في إباحته في حال دليل حظره في حال أخرى، ولا في حله في حال :دليل حرمته في حال أخرى، ولا في حرمته في حال دليل حله في حال أخرى. دليل ذلك قوله تعالى : ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ﴾ ( الإسراء ٣١ ) ليس على أن لهم أن يقتلوهم إذا لم يخشوا الإملاق وقوله٢ تعالى : ﴿ إنا أحللنا لك أزواجك التي آتيت أجورهن ﴾ ( الأحزاب ٥٠ ) وقوله تعالى : ﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ﴾ ( النساء ٣ ).
والقصة في الآية ما قيل :إن الرجل إذا ما ترك امرأة كان أولياؤه أحق بامرأته من تولي٣ نفسها، إن شاؤوا زوجوها وإن شاؤوا لم يزوجوها فنزلت الآية في ذلك وقيل أيضا :كانوا في أول الإسلام إذا مات الرجل ( أقبل ) ٤ أقرب الناس منه فيلقي على امرأته ثوبا حدث نكاحها طوعا وكرها فنزلت الآية في ذلك والآية عندنا خرجت مخرج بيان التحريم على ما كانوا يفعلون دليل ذلك قوله تعالى : ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف ﴾ ( النساء ٢٢ ) نهى الأبناء أن ينكحوا ما نكح آباؤكم من النساء فدل أن النهي كان في الحالين جميعا في حال الكره والرضا والله أعلم.
وفي قوله : ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ﴾ الآية تحتمل حرمة وراثتهن أبدا وإن ذكره ﴿ كرها ﴾ لأوجه :
أحدهما :أن ليس في ذكر الحرمة في وجه أو ذكر الحرمة دلالة تخصيص الحال كقوله سبحانه وتعالى : ﴿ ولا تقاتلوا أولادكم خشية إملاق ﴾ ( الإسراء ٣١ ) وقوله تعالى : ﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ﴾ ( النساء ٣ ). وقوله عز وجل : ﴿ إنا أحللنا لك أزواجك التي آتيت أجورهن ﴾ ( الأحزاب ٥٠ ) إنهن ( لا يحللن إن )٥ لم يؤتين أجورهن وإذا لم يصر ذلك شرطا صار كأنه قال الله عز وجل :يحل لكم أن ترثوا النساء كرها والله أعلم.
والثاني :أن تكون الوراثة٦ أبدا كرها ويجب الميراث سواء ٧ من فيه، وله أولاد، إذا كان هذا وجه الوراثة فذكره ذلك وغير ذكره سواء.
و الثالث :أنهم يتوارثون النكاح وهو أمر لا يحتمل ( الانقسام ولا عند الاستمتاع فكان ذلك على تراض منهم لواحد أو أن يكون في ما كانت الوراثة ترجع إلى واحد فيكون ذلك بحق النكاح لا الميراث فإذا حرم النكاح )٨ في حق من يرث من الذكور وهم الآباء والأبناء فبطل الميراث لو كان يجوز أن يورث.
ثم دلت هذه الآية على قطع وراثة منافع الإبضاع ( وملك الإبضاع ) ٩أدوم من ملك الإجارات فيجب أن يكون قطع الإجارات أولى.
ودليل آخر على بطلان الوراثة أن المرأة قد ترث الميراث فتكون وراثة بعض نفسها فبطل من حيث يراد إثباته.
وقوله تعالى : ﴿ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ اختلف فيه قال بعضهم هو معطوف على ما تقدم وهو ما ذكرنا من الوراثة نهى أن يعضلوهن ليذهبوا بما آتاهن ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ قيل :لم يكن يومئذ عقوبة إذا أتت المرأة ب فاحشة سوى أخذ المهور منها وكانوا يمسكونها على الوراثة فإذا أتت بفاحشة١٠ أخذ ما أ تاها ثم يسرحها فإن قيل :إنما نهاها عن الوراثة لأن الولي إذا ورثها ورثت هي نفسها فيبطل بذلك فالنهي لذلك قيل :لو كان لذلك فالمرأة إن كانت ممن لا ترث عن الزوج مملوكة يجيء أن يحل ذلك إذ لا وراثة ثمة فإذا لم يخر دل أنها خرجت على بيان التحريم واله أعلم.
وقيل في قوله : ﴿ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ على الابتداء ليست على الأول نهى الزوج أن يأخذ منها ما آتاها من المهر ﴿ إلا ان يأتين بفاحشة مبينة ﴾.
ثم اختلف في قوله تعالى : ﴿ بفاحشة ﴾ قال بعضهم هو الزنى وهو ما ذكرنا وقال آخرون :الفاحشة ههنا هو النشور أي إذا نشزت فلا بأس أن يأخذ منها ما آتاها وقيل :هو ما ذكره عز وجل في آية أخرى : ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يق يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ﴾ ( البقرة ٢٢٩ ) نهى الأزواج أن يأخذوا منهن ﴿ شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ﴾ فحينئذ أباح أخذ ﴿ فيها افتدت به ﴾ فعلى ذلك قوله تعالى : ﴿ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن غلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ وما ذكرنا من النشوز خوف ترك إقامة حدود الله ف عند ذلك أباح لهم أخذ ما آتاها والله أعلم.
وقوله تعالى :وعاشروهن وبالمعروف } اختلف فيه :قيل :هو كقوله : ﴿ فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهم بمعروف ﴾ يحتمل بالفضل ويحتمل كما لو فعل بك مثل ذلك لم تنكره بل تعرفه وتقبله.
وقوله تعالى : ﴿ فإن كرهتموهن ﴾ بوجهين :قيل :كرهتم صحبتهن من قبحهن ودمامتهن او سوء خلقهن فصبرتم على ذلك ﴿ ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ﴾ قيل :يهب لكم منهن أولادا تقر بهم أعينكم أو يعطي لكم في الآخرة ثوابا جزيلا بصحبتك إياهن. وقيل في قوله عز وجل : ﴿ فإن كرهتموهن ﴾ أي كرهتم فراقهن يجعل١١ الله تعالى في الفراق ﴿ خيرا كثيرا ﴾ كقوله تعالى : ﴿ وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ﴾ ( النساء١٣٠ ).
١ في الأصل إنما..
٢ في الأصل و م: وكقوله..
٣ في الأصل و م: ولي..
٤ من م ساقطة من الأصل.
٥ في الأصل و م: يحللن وإن..
٦ أدرج بعدها في الأصل و م: يكون..
٧ في الأصل و م: ساء..
٨ من م ساقطة من الأصل..
٩ من م ساقطة من الأصل..
١٠ أدرج بعدها في م: ليذهبوا بما آتوهن على..
١١ في الأصل و م: ويجعل..
الآية ٢٠ وقوله تعالى : ﴿ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا ﴾ من الذهب وعن ابن عباس ضري الله عنه أنه قال :( إن كرهت امرأتك أو أعجبتك غيرها فطلقت هذه وتزوجت تلك فأعط هذه مهرها وإن كان قنطارا( والقنطار اثنا عشر أ و ألف دينار ( وقيل والقنطار ألف ومئتا دينار )١ فهذا على التمثيل ليس على التقدير.
ووجه النهي والوعيد في ذلك والله أعلم ما وري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن النساء عندكم عوان اتخذتموهن بأمانة الله تعالى واستحللتم فروجهن /٨٥- ب/ بكلمة الله تعالى " ( ابن جرير الطبري في تفسيره ٤/ ٣١١ ) توعد عز وجل الأزواج في غير آية من القرآن عن أخذ مهور النساء وغيرها من الأموال لضعفهن في أنفسهن والرجال هم القوامون عليهم لئلا يبسط الأزواج في أموالهن إشفاقا عليهن أي إذا أخذ مهور النساء وغيرها من الأموال لضعفهن في أنفسهن والرجال هم القوامون عليهن لئلا يبسط الأزواج في أموالهن إشفاقا عليهن أي لما إذا اخذ منها مهرها بقيت له المنفعة بلا بدل. لكنه أجيز له ذلك لأنه تقلب في الملك وكل من تقلب في ملكه ببدل جاز له ذلك.
وقوله تعالى : ﴿ أتأخذونه بهتانا ﴾ قيل :ظلما بغير حق وقيل :إذا أراد طلاقها لا يضارها بكذب لتفتدي منه مهرها ﴿ وإثما مبينا ﴾ ويحتمل أن يكون البهتان والإثم واحدا.
١ من م ساقطة من الأصل..
الآية ٢١ وقوله تعالى : ﴿ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ وقيل :هو الجماع والأشبه أن يكون الإفضاء الاجتماع لانه أضاف إليهما جميعا فهو الاجتماع أشبه وإليه أقرب فيجب المهر بالاجتماع والخلوة بها والجماع فعل الزوج يضاف غليه خاصة.
وقوله تعالى : ﴿ وأخذن منكم ميثاقا غليظا ﴾ قيل :عقدة النكاح وقيل :هو ما ذكرنا في قوله : ﴿ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ ( البقرة ٢٢٩ ) وقيل :الميثاق الغليظ ما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول " اتقوا الله في النساء فإنكم إنما اتخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله وإنهن عندكم عوان لا يملكن من ام رهن شي ئا " مسلم ١٢١٨ ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم " يا أيها الناس إن لكم على نسائكم حقا وغن من حقكم عليهن أن لا يوطين فرشكم ( أحدا )١ ولا يأذن ( في ) ٢ بيوتكم لأحد تكرهونه ولا يأتين بفاحشة مبينة. فإن هن فعلن ذلك فقد أحل الله لكم أن تضربوهن ضربا غير مبرح " يعني غير شائن. " وإن من حقهن عليكم الكسوة والنفقة بالمعروف " ( مسلم ١٢١٨ ) وقيل :عن رجلا سأل رسول الله عليه وسلم :ماذا يحل لنا من نسائنا ؟ وماذا يحرم علينا منهن ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حرثك فاته أني شئت ولا تضرب الوجه ولا تقبحه ولا تهجرها إلا بيتها وأطعمها إذا أكلت واكسها إذا اكتسيت " ( أحمد ٤/ ٤٤٧ و٥/٣ ).
وقيل :الميثاق الغليظ ما أقروا به قول الله : ﴿ فانكحوهن بمعروف ﴾ ( البقرة ٢٣١ ).
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ ساقطة من الأصل و م..
الآية ٢٢ وقوله تعالى ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ﴾ حرم الله تعالى على الأبناء نكاح نساء الآباء وذلك أنهم كانوا يعملون في الجاهلية ما قيل في القصة :إن أبا قيس ( بن الأسلت )١ توفي فعمد ابنه يقال له :محصن ف تزوج امرأة أبيه فنهى الله تعالى عن ذلك فقال عز وجل : ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من نساء ﴾ وقيل :عن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج سالا سيفه فقيل له :ما شأنك ؟ فقال :عن رجلا تزوج بامرأة أبيه فهذا إذا تزوجها مستحلا لها فهو يكفر لذلك كان قصد قتله وكذلك٢ حرم الله سبحانه وتعالى على الآباء بنكاح نساء الأبناء بقوله تعالى : ﴿ وحلائل أبنائكم ﴾ ( النساء ٢٣ ).
وقوله تعالى : ﴿ إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا و ساء سبيلا ﴾ أي إنكم انتهيتم عن ذلك في الائتناف٣ يغفر لكم ﴿ ما قد سلف ﴾ إنه ﴿ كان فاحشة ﴾ في الإسلام ﴿ ومقتا ﴾ قيل :بغضا ﴿ وساء سبيلا ﴾ أي بئس المسلك تزوج نساء الآباء ويحتمل أن تكون الآية في الطلاق إذا كان الرجل يطلق امرأته ثم يندم على طلاقها فيتزوجها ابنه فيمقت ذلك الأب ويبغض.
وقوله تعالى : ﴿ وساء سبيلا ﴾ أي بئس السبيل نكاح امرأة أبيه :المسلك.
١ ساقطة من الأصل و م انظر تفسير الطبري ٤/ ٣١٨..
٢ في الأصل و م: ولذلك..
٣ في م: الإتيان..
الآية ٢٣ وقوله تعالى : ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم ﴾ على آخره يحتمل وجهين :أي حرم عليكم الاستمتاع بأمهاتكم وبناتكم أخواتكم وما ذكر والجماع بهن ويحتمل حرمة النكاح أي حرم عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم فإن كان هذا أراد فلا يحرم النكاح ولكن يحرم النكاح لما به يوصل إلى الاستمتاع بالنساء وإليه يقصد فدل الجمع بين الأختين في الاستمتاع في ملك اليمين ولا يحرم الجمع بينهما في العقد.
ثم الحرمة في الأمهات والبنات والأخوات ولم يذكرها١ في الجدات فهن محرمات وإن علون ولم يذكرها٢ في بنات البنات فهم محرمات وإن سفلن فعندنا أن ذكر الحرمة في الأمهات والبنات ذكر في الجدات وإن علون في بنات البنات وإن سفلن لأنه ذكر الحرمة في العمات والخالات والعمات من ولد الجد والخالات من ولد الجدات فإنما ذكرت الأولاد والحرمة في الأخوات والإخوة، فعلى ذلك الحرمة في الأمهات ذكر الحرمة في البنات وبنات البنات لما ذكرنا. أو يقال :إن بنات البنات وإن سفلن دخلن٣ في ذكر الحرمة نصا وكذلك أم الأم وإن علت دخلت٤ في الخطاب.
وقوله تعالى : ﴿ وأمهاتكم التي أرضعناكم وأخواتكم من الرضاعة ﴾ ذكر الأخوات ولم يذكر البنات قال :إنما يذكر ﴿ من الرضاعة ﴾ لأنه لا يمكن ﴿ من الرضاعة ﴾ البنات لذلك لم يذكر ( البنات ) ٥ وذلك اختلاف بيننا في لبن الفحل فعندنا لبن الفحل محرم وعند البشر لا يحرم لبن الفحل.
ذكر الله سبحانه وتعالى :الحرمة في النسب وبين بيان إحاطته وحقيقته وذكر الحرمة في الرضاع وبين بيان كفاية لا بيان إحاطة فأما إن ترك للاجتهاد والاستنباط من الذكور وقد أجمعوا جميعا أن البنات الإخوة والأخوات من الرضاعة ( كالذكور في أولادهم ) ٦ فعلى ذلك يجب أن يكون ذكر الحرمة في الأمهات من الرضاعة ذكر ) ٧ في بنتها أو ترك بيان ذلك للسنة.
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه ) ٨ قال : " يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب " ( البخاري ٢٦٤٥ ) وما روي عن عائشة رضي الله عنها ( أنها ) ٩ قالت :( جاء عمي من الر ضاعة فاستأذن علي فأبيت أن آذن له حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فقال :إنه عمك فأذني له فقلت :يا رسول الله إنما ( أرضعتني المرأة ولم يرضعني ) ١٠ الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنه عمك فليلج عليك " ( البخاري ٥٢٣٩ ) فقالت عائشة رضي الله عنها :( وذلك بعد أن ضرب علينا الحجاب ).
وعن ابن عباس رضي الله عنه سئل عن رجل له امرأتان أو جارية وامرأة فأرضعت هذه جارية وهذه غلاما هل يصلح للغلام أن يتزوج الجارية ؟ فقال :( لا اللقاح واحد ).
وعمرة ( بنت عبد الرحمن ) ١١ عن عائشة رضي الله عنها انها أخبرتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندها وأنها سمعت رجلا يستأذن في بيت حفصة رضي الله عنها قالت عائشة رضي الله عنها ( فقلت :يا رسول الله هذا رجل يستأذن بيتك ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أراه فلانا ( إنه ) ١٢ لعل حفصة من الرضاعة " ( البخاري ٢٦٤٦ ) فقالت عائشة رضي الله عنها ( يا رسول الله لو كان فلان حيا ( وهو عمها ) ١٣ من الرضاعة ( أأدخله علي ) ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :نعم عن الرضاعة ) ١٤ تحرم ما تحرم الولادة " ( البخاري ٢٦٤٦ ).
وعن علي رضي الله عنه :( لا تنكح من أرضعته امرأة أبيك ولا امرأة ابنك ).
وعن عائشة رضي الله عنها :( أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن عليها وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجاب قالت :فأبيت ان آذن له فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته بالذي صنعت فأمرني بأن آذن له علي ).
وحجة أخرى من النظر بأن الله تعالى حرم الابنة على أبيها وعلى جدها والابنة حدثت عن ماء الأب بعينه ولم تحدث عن ماء الجد ولكن الجد سبب ماء الأب الذي حدثت عنه الابنة. قال فالبن وإن كان حدوثه من الأم /٨٦- أ/ فإن سبب كونه هو الأب فيجب أن تحرم المرأة التي أرضعتها امرأته عليه إذا كان سببا لذلك اللبن كما يحرم المرضع إذا كان سببا على الذي أرضعته.
ثم بقيت مسألتان :إحداهما في التقدير والأخرى في الحد أما في التقدير فعموم قوله سبحانه وتعالى ﴿ وأمهاتكم التي أرضعناكم وأخواتكم من الرضاعة ﴾ لم يخص قدرا دون قدر وروي عن علي وعبد الله ( رضي الله عنه أنه )١٥ قال : " الرضعة الواحدة تحرم " ( لا تحرم عند مسلم ٢/١٠٧٤ أحكام القرآن للجصاص ٣/ ٦٧ ) فإن قيل :روي عن عائشة رضي الله عنها ( أنها قالت :( كان في ما أنزل )١٦ عشر رضعات ثم صرن إلى خمس فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم ( وهن في ما يقرأ من القرآن ) قيل :) ١٧ لسنا نجد في القرآن آية الناسخ ( ولا آية المنسوخ ) ١٨ ولا يجوز أن يقال من القرآن شيء فلا نترك ما نجده ثابتا في القرآن محفوظه برواية ما غلظت فيها.
وري عنها أنها قالت :( يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم والدم ) وروي عنها أيضا أنها قالت :( لا تحرم المصة والمصتان ولا الإملاجة والإملاجتان ) قيل١٩ذلك لابن عمر رضي الله عنه فقال :( حكم الله أولا وخيرا ( من حكمها وكلام نحو هذا ) ٢٠.
وعن عمر بن دينار قال :سألت ابن عمر رضي الله عنه فذكر شيئا من الرضاع فقال :( لا نعلم إلا أن الله حرم الأختين من الرضاعة ) قال فقلت :إن أمير المؤمنين ابن الزبير يقول :( لا تحرم المصة والمصتان ولا الإملاجة والغملاجتان لما لم يتحقق بالمصة والمصتين أن اللبن قد صار في جوف الصبي ووصل غليه لم يحرم به ).
وأما المسألة في الحد فإن٢١ الرضاع في الكبر لا يحرم عندنا وما روي في خبر عائشة رضي الله عنها ( أنه صلى الله عليه وسلم فقال :من هذا ؟ قالت :إنه أخي٢٢ من الرضاعة ) فقال : " انظر من ترضعن فإنما ) ٢٣ الرضاعة من الجماعة " ( البخاري ٢٦٤٧ ) وما وري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه ) ٢٤ قال : " الرضاع ما فتق الأمعاء " ( الترمذي ١١٥٢ ) إنما يكون في الصغر لأن أمعاء الصبي تكون ضيقة٢٥ لا تحتمل الطعام لضيقها وأما فتقه بالبن ( فهو )٢٦ على ما وصفه عز وجل :لبنا خالصا سائغا للشاربين ) ( النحل ٢٢ ) فإذا كان غداؤه إنما يكون باللبن للمعنى الذي وصنا كانت كفاية مجاعته به وكان هذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " إنما الرضاعة من المجاعة " وكذلك ما روي عنه ( صلى الله عليه وسلم ) ٢٧ " ما أنبت اللحم وأنشز العظم " ( أحمد ١/٤٣٢ ) وفي الكبر لا ينبت الحم ولا ينشز العظم.
وروي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :الجرعة تحرم كما يحرم حولان كاملان " فإن ثبت هذا فهو الأصل في ذلك والمعتد عليه فإن عورض بما في خبر سالم ( بن حذيفة ) ٢٨ حين قال ( لسهلة بنة سهيل ابن عمرو ) ٢٩ " أرضعني سالما خمس رضعات تحرمني عليه " ( أحمد ٦/ ٢٠١ ) ( فإنه يقال ) ٣٠ هذا يحتمل أن يكون ذلك لسالم خاصة دون غيره من الناس فإذا كان كذلك لا يقاس عليه غيره ويحتمل أن يكون منسوخا بما روينا من الأخبار المرفوعة والموقوفة بإيجاب الحرمة بالقليل منه والكثير.
وقوله تعالى وأمهات نسائكم وربابيكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن } الآية اجتمع أهل العلم في القريبة على أنها لا تحرم على الرجل كان قد تزوج أمها وطلقها قبل الدخول أو مات وإنما تحرم عليه إذا دخل بها.
واختلف في أم المرأة إذا لم يدخل بالابنة حتى بانت منه قال أصحابنا رحمهم الله :هي حرام عليه كان دخل بالأم أم لم يدخل وقال آخرون :بشرط الدخول في آخر القصة راجع إل ى الريبة والأم جميعا فما لم يدخل بواحدة منهما حل له أن٣١ يتزوج بالأخرى إذ فارقها وهو القياس الظاهر في الكتاب في أمر الشرط والثنيا أن يكون الشرط فيهما جميعا لأنه قال الله تعالى : ﴿ وأمهات نسائكم وربابيكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن ﴾ ذكر أمهات النساء وربائب النساء ثم شرط الدخول بهن فيجب أن يكون الشرط لاح قا بهما جميعا. وكلذك روي عن علي رضي الله عنه ( أنه ) ٣٢ قال :( هي بمنزلة الربيبة ) وعن جابر ( أنه )٣٣ قال :( ينكح أمها لإن شاء ) وعن ابن مسعود رضي الله نه أنه أفتى في امرأة تزوجها رجل فطلقها قبل أن يدخل بها أو ماتت قال { لا بأس أن يتزوج أمها ) ف لما أتى المدينة رجع فأتاهم فنهاهم عن ذلك فقيل :إنها ولدت أولادا فقال :( لو ولدت ) إلى هذا يذهب٣٤ أولئك وهو الظاهر من الآية.
واحتج بعض أصحابنا في ذلك أن الثنيا الملحق في آخر الكلام ربما يلحق الكل على ما تقدم من الكلام وربما يقع على ما يليه فلما كان غير ملحق على من المذكور وقع على ما يليه فإن قيل :يلحق على ما تقدم من الذكر ما لا يحتمل ( فهو ) ٣٥ ليس على ما لا يحتمل ألا ترى أن الله تعالى قال : ﴿ حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ﴾ إلى قوله : ﴿ وما أكل السبع إلا ما ذكيتم ﴾ ( المائدة ٣ ) ثم ألحق الكل ولا أوقع على ما يليه خاصة ولكنه ألحق على ما احتمل عليه ؟ فعلى ذلك في هذا لم يلحق الكل لأنه لا يحتمل وأوقع على الأم والريبة لأنه يحتمل.
واحتج أصحابنا رحمهم الله أيضا أن الحرمة ثبتت لقوله عز وجل : ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ﴾ إلى قوله تعالى :وأمهاتكم التي أرضعناكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم } فلا تستحل بالشك وفي الريبة لم تثبت إلا بالشرط فلا تحرم بالشك.
وقيل أيضا :عن الدخول لو كان شرطا في الأم والريبة جميعا لأكتفي بذكر النساء :الأمهات والربائب فنقول : ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ من ربابيبكم ﴿ التي دخلتم بهن ﴾ ولم يحتج إلى أن يذكر ﴿ وربابيبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن ﴾ على ما اكتفى بذكر الحرمة في الأنساب والرضاع في الأصول عن الشعوب فلما لم يكتف بذلك دل أن الربائب مخصوصات بالشرط دون الأمهات ومما يبين ذلك أن الريبة لو لم تذكر لم يجز أن يبقى من الكلام ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ اللاتي دخلتم بهن ولو لم يذكر الأمهات فبقي من الكلام ﴿ وربابيبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن ﴾ كان كلاما تاما. فدل ذلك على أن قوله تعالى : ﴿ من نسائكم ﴾ غنما هو في الربيائب دون الأمهات.
واصله ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أي ما رجل تزوج امرأة فطل قها قبل أن يدخل بها أو ماتت عنده فلا بأس بأن يتزوج ابنتها " و " أي ما رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها او ماتت عنده فلا يحل له أن يتزوج أمها " ( البيهقي في الكبرى ٧/ ١٦٠ ).
وعن عباس وعمران بن حصين في ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ ( أنهما ) ٣٦ قالا :( هي مبهمة ).
وقال أكثر أهل العلم :إذا تزوج الرجل امرأة ودخل بها لم يجز له ان يتزوج ابنتها وإن لم تكن ربيبته وفي بيته وحجره وهي في ذلك بمنزلتها لو كانت في حجرتها يربيها وأجمعوا جميعا بين المرأة وأمها وابنتها في الجماع في ( ملك )٣٧ اليمين حرام وكذلك روي عن عمر رضي الله عنه أنه سئل عن ذلك فقال :( ما أحب ذلك ) فإن قال قائل :إن الخطاب كما ذكرت ( الآية ) ٣٨ يدل على شرط في الدخول بالأمهات إنما هو سبب الربائب فما تنكره أن يكون حكم الأمهات حكم الربائب كما كان حكم حلائل الأبناء حكم نساء الآباء قيل :لا يجوز أن تقاس المنصوصات بعضها على بعض وإنما يقاس ما لا نص فيه على
١ في الأصل و م: يذكر..
٢ في الأصل و م: يذكر..
٣ في الأصل و م: فدخلن..
٤ في الأصل و م: فدخلت..
٥ ساقطة من الأصل و م..
٦ في الأصل و م: كالذكر في أولادها..
٧ في الأصل و م: ذكر..
٨ ساقطة من الأصل و م..
٩ ساقطة من الأصل و م..
١٠ في الأصل و م أرضعتني انظر أحكام القرآن (٢/ ١٢٦).
١١ ساقطة من الأصل و م..
١٢ ساقطة من الأصل و م..
١٣ في الأصل و م: لعمها..
١٤ ساقطة من الأصل و م: انظر المسند (٦/ ١٧٨..
١٥ في الأصل: رض الله تعالى عنه ساقطة من م..
١٦ في الأصل و م: قالت كمان فيما ترك..
١٧ في الأصل و م: وهو فيما يقرأ قيل انظر الجامع لأحكام القرآن (٥/١٠٩)..
١٨ من م ساقطة من الأصل..
١٩ في الأصل و م: قال..
٢٠ في الأصل و م: وكلام نحو هذا من حكمها..
٢١ فقي الأصل و م: أن..
٢٢ في الأصل و م: عمي..
٢٣ في الأصل و م: انظري ما الرضاعة أنما انظر المسند (٦/٢١٤)..
٢٤ ساقطة من الأصل و م..
٢٥ في الأصل و م: ضيقا..
٢٦ ساقطة من الأصل و م..
٢٧ ساقطة منم الأصل و م..
٢٨ ساقطة من الأصل و م انظر المسند (٦/ ٢٠١)..
٢٩ ساقطة من الأصل و م: انظر المصدر السابق..
٣٠ في الأصل و م: قيل..
٣١ من م في الأصل إنه..
٣٢ ساقطة من الأصل و م..
٣٣ ساقطة من الأصل و م..
٣٤ في الأصل و م: يذهبون..
٣٥ ساقطة من الأصل و م..
٣٦ ساقطة من الأصل و م..
٣٧ من م ساقطة من الأصل..
٣٨ ساقطة من الأصل و م..
الآية ٢٤ وقوله تعالى : ﴿ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ايمانكم ﴾ اختلف في تأويله :
قال ابن مسعود رضي الله عنه : ﴿ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت إيمانكم ﴾ قال :( ذوات١ الأزواج من المشركين ).
وقال علي رضي الله عنه ( ذوات ٢ الأزواج من المشركين ).
ذهب ( عبد الله ) ٣ بن مسعود إلى أن بيع الأمة طلاقها، يحل للمشتري وطأها، وأسر الكتابية والمشركة يحلها لموالها وإن كان لها زوج في دار الحرب، وذهب علي رضي الله عنه إلى أن الآية نزلت في المشركات.
وعن ابن عباس رضي الله عنه ( أنه ) ٤ قال :( كل ذات زوج إتيانها زني إلا ما سبيت ).
وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ( أنه ) ٥ قال :( وقعت في سهمي يوم أوطاس٦ جارية فبينا أنا أسوقها إذ رفعت رأسها إلى الحل فقالت :ذلك زوجي، فأنزل الله سبحانه وتعالى : ﴿ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت إيمانكم ﴾ الآية، قال أبو سعيد رضي الله عنه :فاستحللنا فروجهن بها )، بين أبو سعيد الخدري رضي الله عنه في حديثه أن الآية نزلت في المشركات ذوات٧ الأزواج، وكان حديثه يقوي قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومن وافقه.
وقيل أيضا في تأويل الآية : ﴿ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ قيل٨ : ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ حرام على الرجال ﴿ إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ ( أيمانهم قيل٩ ) ملك يمينه امرأته.
وعن أبي قلابة قال :( ما سبيتم من النساء ) إذا سبيتم المرأة ولها زوج من قومها فلا بأس أن يطأها.
وعن ابن عباس رضي الله عنه : ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ قال :( لا يحل له ان يتزوج فوق أربع نسوة، وما زاد عليهن وهو عليه حرام، كأمه وابنته وأخته ﴿ إلا ما ملكت إيمانكم ﴾ الإماء، فإنه ( زيادة ) ١٠ على أربع ( وأكثر من أربع ) ١١.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : ﴿ إلا ما ملكت إيمانكم ﴾ ( هن نساؤكم. ( قال كان النساء يأتينا ) ١٢ يهاجرن ولا يهاجر أزواجهن فمنعناهن في هذه الآية. ثم أنزل الله عز وجل في الممتحنة : ﴿ ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ ( الممتحنة ١٠ ) ( فقوله تعالى )١٣ ﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ أحلهن١٤ لنا بعد أن تزوجهن. وفيه نهى عن الزنى، وأباح ( التزوج فجعل ) ١٥ ملك اليمين التزوج. ١٦
وأصح ( التأويلات وأولاها ) ١٧ ما وري عن علي رضي الله عنه، ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وظاهر القرآن يدل على أن ذلك هو الحق، لأن الله تعالى قد فصل في غير ( هذا ) ١٨ الموضع بين التزوج وملك اليمين، فجعل ملك اليمين الإماء، ألا ترى إلى قوله تعالى : ﴿ إلا على أزواجهم أو ما ملكت إيمانهم ﴾ ( المؤمنون ٦ والمعارج ٣٠ ) ؟ قال :لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج فهاتان١٩ الآيتان تدلان على أن قول الله سبحانه وتعالى في آية ﴿ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ على غير الزوجات٢٠ كما روي عن الجماعة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين الذين ذكرناهم.
ثم الكلام بين علي وأبي سعيد رضي الله عنه، ونحن نعلم أن أبا مسعود رضي الله عنه أوجب على الأمة إذا باعها مولاها ولها زوج العدة إذا كان قد دخل بها، وأنها عنده لا تحل لمولاها حتى تنقضي عدتها، فلم يجعلها حلالا للمولى الثاني بملكه إياها، فكان قول علي رضي الله عنه أشبه بظاهر الآية، لأنه تأول الآية متزوجة تحل بالملك لمولاها في حال الملك من قول عبد الله ( بن مسعود )، ٢١ إذ جعلها محرمة وإن كانت مملوكة حتى تنقضي٢٢ عدتها.
وفي ذلك وجه آخر وهو أن الله تعالى ( في قوله ) ٢٣ : ﴿ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت إيمانكم ﴾ يحرمها٢٤ على البائع ويحللها للمشتري، ولم يخص الله تعالى أحدا من المالكين. روي عن علي رضي الله عنه حمل الآية على امرأة كافرة متزوجة سبيت فأحلها / ٨٨- أ / فلم تعزل، من احل المملوكة هذا مع موافقة الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه.
وظاهر الآية يدل على أن المأسورة ذات الزوج لا عدة عليها، وهو قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ﴾ إلى قوله : ﴿ ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ ( الممتحنة ١٠ ) فأمر ألا يردوهن٢٥ وينكحن فلما جاز أن يتزوج الحرة إذا خرجت مسلمة ولا عدة عليها حلت إذا سبيت فملكت.
قيل :( فيه وجوه :
أحدها ) ٢٦ تعتد.
والثاني :إنما كانت حرة فأبطل السبي حكم الزوجية فكذلك يبطل حكم العدة. هذا كله إذا سبيت ولم يكن معها زوجها، فإما سبيت وزجها معها فإن الفرقة لا تقع بينهما، لأنها لو ( بانت من زوجها ) ٢٧ بانت للرق، والرق لا يمنع ابتداء النكاح، كيف يعمل في فسخ نكاح ثابت ؟ ولكن اختلاف الدارين هو الموقع في ما بينهما الفرقة لفوت الاجتماع بينهما، وإذا فات الاجتماع بين الزوجين والإياس من الانتفاع وقعت الفرقة في ما بينهما. وهذا يبطل قول من يقول :تقع٢٨ الفرقة في ما بينهما للرق.
والثالث :إن العدة حق من حقوق الزوج، يبين ذلك قوله تعالى : ﴿ فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ﴾ ( الأحزاب ٤٩ ) فلا يجوز ان يبقى للحربي على أن المسلمة الخارجة إلى ادر الإسلام حق. فإذا لم يكن عليها العدة لها أن تتزوج، وسبيل الأمة المسبية تزوجها ووطؤها، لولاها إن رسل الله صلى الله عليه وسلم تزوج صيفة بنة حيي بن أخطب في رجوعه من خيبر قبل أن يصل إلى المدينة، ومعلوم أنها كان لها زوج كبير، وأن عدتها منه لو كانت واجبة لم تنقض في تلك المدة، فهذا يبين أن لا عدة على مسبية من زوجها المقيم دار الحرب، ولا على مسلمة إذا خرجت من دار الحرب وأقام زوجها هنالك.
وقوله تعالى : ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ الآية قيل فيه بأوجه أربعة٢٩ :
أحدها :في ( المسبيات ذوات ) ٣٠ الأزواج، وكذلك روي عن علي وأبي سعد الخدري رضي الله عنهما، فيكون فيه أمر ان :
أحدهما الحرمة على الأزواج.
والثاني :ارتفاع العدة، إذ هما حقان للحربي، وحقه في نفسه لا يمنع الاسترقاق، ولو كانت حرمة الاستمتاع فمثله في زوجته لكن يدخل على سبي الزوج :أن الرق قد يثبت فيهما ولم يبطل النكاح، فيجاب لهذا بوجهين :
أحدهما :الاستحسان من حيث يلزم المولى حق الإنكاح بقوله : ﴿ وانكحوا الأيامى منكم والصالحين ﴾ الآية ( النور ٣٢ ) ولم يبطل عليه التجديد. ليس هذا في سبي الزوجة، إذ لا تعفف لها به ( وهو )٣١ في دار الحرب.
والثاني :ان يكون الزوج وحق الرق إنما يجب إذا خرج المرء من يد نفسه، والمملوك قد يكون له يد في النكاح، فكأنها لم تخرج من يده إذا سبي معها، وإذا لم يسب٣٢ لا يكون لمن في دار الحرب يد في دار الإسلام.
وفي حق الآية عبارة٣٣ أخرى ؛ أنها إذا سبيت دونه انقطعت عنها عصمة بسبب حل غيره بقوله٣٤ تعالى : ﴿ إذا جاءكم المؤمنات ﴾ إلى قوله : ﴿ ولا جناح عليكم أن تنكحوهن ﴾ ( الممتحنة ١٠ )، وقد جعل ذلك في الزوج سببا لقطع عصمته بقوله : ﴿ ولا تمسكوا بعصم الكوافر ﴾ ( الممتحنة ١٠ )، وعصمة الزوجين عصمة مشركة، أيهما٣٥ خرج مسلما خرج لئلا يعود، وكذلك المختلف يختلف لئلا يخرج، فتبطل العصمة بينهما، فأحل التناكح، ولو خرجا معا لا، فمثله أمر السبي.
وتأويل آخر٣٦ أن قوله تعالى : ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ الآية قوله : ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ الآية ( النساء ٣ ) على ألا يحل وراء الأربع إلا ما ملك يمين. وعلى هذا في غير ذوات٣٧ الأزواج، وقد روي مثله عن ابن عباس رضي الله عنه، ويكون في ذلك بيان ما كانت حرمته من حيث كانت حرمة العدد يختص في النكاح. فإن كان النكاح وملك اليمين في ما كانت الحرمة من حيث المنكوحة يستوي من حيث كانت العدد بحيث العقد بما فيه من الحقوق التي لا يقوم لها إلا بشر قد عصم وقد ملك اليمين وما كانت الحرمة بحيث نفس امرأة يستوي لاستواء الملكين في حق الحل والحرمة.
ووجه آخر٣٨ :قيل :المحصنات هن الحرائر وما ملكت أيمانكم بالنكاح، فذهب من يقول بهذا إلى ما لو يذكر أيمان وبكن قال : ﴿ والمحصنات من النساء إلا ( ما ملكت أيمانكم ﴾ ) ٣٩ فيكون التحريم في غير النكاح، لكنه بعيد على المعهود من الكلام :أنه لا يتكلم به إلا في ملك اليمين خاصة، ويجوز الأمرين في الإماء على حظر وطء الزانيات على المولى واختيار المتعففات منهن لمكان الأولاد.
وقوله تعالى : ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ قيل : ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ ما ذكر مما هؤلاء الإناث. وقال الكسائي نصب ﴿ كتاب الله ﴾ على قوله :حرم كذا وأحل كذا : ﴿ كتاب الله ﴾ ﴿ عليكم ﴾ على الأمر ( يقول ) ٤٠ عليكم كتاب الله دونكم كتاب الله اتبعوا كتاب الله في نحو هذا المعنى وقيل : ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ يقول :هذا حرام الله عليكم في الكتاب. وقيل :هذا التحريم من النكاح قضاء الله عليكم في الكتاب.
وقوله تعالى : ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ اختلف فيه :
قيل : ﴿ ما وراء ذلكم ﴾ أي :ما سوى ذلكم، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه، دليله قوله : ﴿ ويكفرون بما وراء ﴾ ( البقرة ٩١ ) أي سواه.
وقيل :ما وراء ذلكم } أي ما قبله وأمامه، وهو كقوله : ﴿ وكان وراءهم ملك ﴾ ( الكهف ٧٩ ) وهو كان أمامهم.
وقيل :وراء ذلك أي :بعد ذلك وخلفه، وهو ظاهر. وقال :من سوى ذلكم الذي حرم عليكم ما لم يسم لكم.
ومن قال : ﴿ ما وراء ذلكم ﴾ أمام ذلك وقبله، وهو ما ذكر قبل هذه المحرمات، قوله : ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ﴾ ( النساء ٣ ).
ومن قال : ﴿ ما وراء ﴾ بعد أي :بعد أربعة الأصناف المحرمة بالنسب والمحرمات بالرضاع والمحرمات بالصهر والمحرمات بالجمع، يقول :أحل لكم ما بعد هؤلاء أربعة الأصناف.
وقيل :في قوله : ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ هن المتعففات من الإماء : ﴿ إلا ما ملكت إيمانكم ﴾ من الإماء المسافحات الزانيات كأنه قال :فاستمتعوا بالمتعففات منهن ولا تستمتعوا بالزانيات، لأنه يلبس عليكم النسب، وهم كقوله : ﴿ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن محصنا ﴾ ( النور ٣٣ ).
وقوله تعالى : ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ﴾ بين الله تعالى أن النكاح لا يكون إلا ( ببدل يكون مالا ) ٤١ لأنه قال : ﴿ بأموالكم ﴾ وفي الآية دلالة أيضا أم ما يملك لا يقع عليه اسم المال لا يكفين مهرا لأنه قال :إن تبتغوا بأموالكم } ولا يسمى الدانق والحبة مالا ولو كانت الحبة ما لا كانت٤٢ التمرة مالا، فثبت بما وصفنا من دلالة الآية أن المهور لا تكون إلا من الأملاك فإن قيل :روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل : " قد زوجتكما بما معك من القرآن " ( البخاري ٥٠٢٩ ) فقل٤٣ :تأويله عندنا والله أعلم " بما معك " بسبب ما معك من القرآن ولا يجوز أن تكون السورةمهرا بدليل الكتاب لأنها ليست بمال. وكذلك كل شيء ليس بمال ولا يكون له قيمة فلا يجوز أن يكون مهرا وكذلك قوله سبحانه وتعالى : ﴿ فنصف ما فرض تم ﴾ ( البقرة ٢. ٧ ) يدل على أن السورة وما ( لا ) ٤٤ لا يتمول لا يكون مهرا.
وروي عن أنس أن عبد الرحمن ابن ع وف رضي الله عنه تزوج على وزن نوا ة من الذهب يكون دينارا فإن قيل :قد بين في الخبر فقيمتها :ثلاثة دراهم وثلث لكن لا ندري من كان المقيم للنواة ؟ ولا يجوز أن يجعل تقييم ذلك المقيم وتفسيره٤٥ حجة على علمائنا حتى نعلم ذلك ما ق
١ في الأصل و م: ذات..
٢ في الأصل و م: ذات..
٣ ساقطة من الأصل و م.
٤ ساقطة من الأصل و م..
٥ ساقطة من الأصل و م..
٦ أوطاس: واد بديار هوازن..
٧ في الأصل و م: ذات..
٨ في الأصل و م: قال..
٩ في الأصل و م: يمينك..
١٠ ساقطة من الأصل و م..
١١ من م ساقطة من الأصل..
١٢ من م في الأصل: يصبن. نظر تفسير الطبري (٨/١٦٤)..
١٣ ساقطة من الأصل و م..
١٤ في الأصل و م: فاحللن..
١٥ في الأصل و م: التزويج فجعلوا..
١٦ في الأصل و م: التزويج..
١٧ في الأصل و م: التأويلين وأولاهما..
١٨ ساقطة من الأصل و م..
١٩ في الأصل فهذان..
٢٠ في الأصل و م: الأزواج..
٢١ ساقطة من الأصل و م.
٢٢ في الأصل و م: تبقى..
٢٣ ساقطة من الأصل و م..
٢٤ أدرج قبلها في الأصل و م: وعند الله..
٢٥ في الأصل و م يردهن..
٢٦ ساقطة من الأصل و م:.
٢٧ ساقطة من الأصل و م:.
٢٨ أدرج قبلها في الأصل و م: إنه..
٢٩ في الأصل و م: ثلاثة..
٣٠ في الأصل و م: المسبية ذات..
٣١ ساقطة من الأصل و م..
٣٢ في الأصل و م: مسبيا..
٣٣ هذا هو الوجه الثاني من الوجوه الأربعة التي أ شار إليها المؤلف في قوله تعالى ﴿والمحصنات من النساء﴾..
٣٤ في الأصل و م: لقوله..
٣٥ في الأصل و م: أيها..
٣٦ هذا هو الوجه الثالث من الوجوه الأربعة الآنفة الذكر..
٣٧ في الأصل و م: ذات..
٣٨ هذا هو الوجه الرابع والأخير من الوجوه الأربعة السابقة الذكر..
٣٩ في الأصل و م: ما ملكتم..
٤٠ من م ساقطة من الأصل..
٤١ من م ساقطة من الأصل..
٤٢ في الأصل و م: وكان..
٤٣ في الأصل و م: قيل..
٤٤ من م، ساقطة من الأصل..
٤٥ في الأصل و م: وتفسير..
الآية ٢٥ وقوله تعالى : ﴿ ومن لم يستطع منكم طولا ان ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت إيمانكم ﴾ وقال عز وجل :( في الآية نفسها ) ١ : ﴿ لمن خشى العنت منكم ﴾ فقال بعض أهل العلم :لا يجوز تزوج الأمة حتى يعجز عن نكاح الحرة، ويخشى مع ذلك العنت. فإذا اجتمع الأمران فحينئذ يجوز أن يتزوج الأمة. ولا يجوز أن يكون تأويل الآية في هذا وذلك أن الإماء أعز وجودا اليوم من الحرائر، ويجد الرجل حرة يتزوجها بأدنى شيء ما لم يجد بمثله الأمة لا أن يقال :الإماء في ذلك الزمان أوجد وإن الحرائر عز وإن مؤنة الإماء ومهورهن أقل فخرج الخطاب على ذلك.
وإنه لما نزل قوله سبحانه وتعالى :ب :وأنكحوا اليماني منكم والصالحين من عبادتكم وإمائكم } ( النور ٣٢ ) رغب السادات في تزوج٢ الإماء بشيء يسير فعند ذلك نزل قوله تعالى : ﴿ ومن لم يستطع منكم طولا ﴾ الآية وإلا الأمر الظاهر ما ذكرنا أنهن أعز وجودا من الحرائر وأكثر مؤنة وان الحرائر أهون وجودا ومؤمنتهن أقل أو أن تكون الآية في الإنفاق عليهن ليس في ابتداء النكاح. وهو أن الرجل إذا تزوج حرة لزمه أن ينفق عليها شاء، أو أبى. فإذا عجز عن الإنفاق عليها يطلقها ويتزوج بأمة إذ نفقة الأمة على سيدها، ونفقة الحرة عليه، فأمر أن يطلق الحرة التي نفقتها عليه، ويتزوج أمة تكون نفقتها على سيدها. هذا أشبه والله أعلم بما قاله أولئك. أو أن يقال :إنه أ راد بالنكاح الوطء لا العقد والتزوج٣ على ما قال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه :( والنكاح اسم للوطء والتزوج٤ جميعا ).
قال الله تعالى : ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ﴾ ( النور٣ ) وتأويله :الواطئ فكذلك الأول. ومعنى قول علي رضي الله عنه حين حمل الآية على الوطء لأنه يتزوج الأمة على الحرة :كأنه منعه من ذلك أنه٥ قادر على وطء الحرة، ويتزوج الحرة على الأمة ؛ ي قول :يتزوج الأمة، ولم يكن قادرا على وطء الحرة، فجاز نكاحه. أو إن كانت الآية في ابتداء النكاح والتزوج٦ على ما قالوا فليس فيها حظر نكاح الإماء وبطلانه في حال الطول والقدرة لأنه نكاحهن في حال عدم الطول والقدرة.
ومن أصلنا أن ليس في إباحة الشيء وحله في حال دلالة حظره ومنعه في حال أخرى دليله قوله تعالى : ﴿ أزواجك التي آتيت أجورهن ﴾ ( الأحزاب ٥٠ ليس فيه أنه لا يحل له إذا لم يؤت أجورهن وقوله تعالى : ﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت إيمانكم ﴾ ( النساء ٣ ) ليس فيه حظر الأربع وغن خاف ألا يعدل فهذا يدل على أن حظر الشيء ومنعه ( في حال )٧ لا يوجب الحظر في حال أخرى وإباحة الشيء في حال وحلة لا يوجب منعه وحرمته في حال أخرى.
على أن المخالفة لما لم يجعل الإيمان المذكور في الآية شرطا لقوله تعالى : ﴿ أن ينكح المحصنات المؤمنات ﴾ فإذا لم يصر الإيمان شركا في حال نكاح الإماء كيف صار الطول والقدرة شرطا فيه ؟ إذ من قوله ليس له أن ينكح الأمة إذا كان له طول نكاح المحصنة الكتابية لانه يقول :لأن الله تعالى فيهن الإيمان بقوله ﴿ من فتياتكم المؤمنات ﴾ فإذا لم يصر الإيمان شرطا في المحصنات كيف كان شرطا في الإماء ؟ وذلك كله عندنا ليس بشرط.
فإن قال قائل :إن قول الله تعالى ﴿ فمن لم يستطع فإطعام ﴾ ( المجادلة ٤ ) كذا ليس ذلك شرطا حتى لا يجوز غيره إذا كان له طول العتاق وقدرة الصوم ما ينكر أن يكون الأول فبمثله قيل صار ذلك شرطا فيه لأنه فرض لزمه بشريطة لم يكن له الخروج والتعدي إلى غيره.
وأما النكاح فليس هو بفرض لزمه بوجود الطول والقدرة والعتاق وما ذكر فرض لزمه بوجود الطول والقدرة عليه ويجوز الطعام لكن لم يسقط الفرض الذي لزمه عنه لذلك صار شرطا فيه والأول لم يصر.
فغن قال :ما معنى الآية إذن ؟ قيل :معنى الآية على الاختيار والأدب، او على الإنفاق الذي ذكرنا أو ألا يختار نكاح الأمة على نكاح الحرة إذا كان له طول الحرة على ما جاء عن عمر رضي الله عنه ( أنه ) ٨ قال :( أي ما حر تزوج فقد أرق نصفه، وأي ما عبد تزوج فقد أعتق نصفه، لا يختار نكاح الأمة، وله إلى طول الحرة سبيل ). ويجيء أن يكون قوله تعالى : ﴿ ذلك لمن خشي العنت منكم ﴾ ألا يحمل على الزنى ولكن يحمل على مخالطتهن الناس واسترقاق الأولاد. فإذا أمنة السيد عن استرقاق الولد وعن ترك الاختلاط بالناس، فعند ذلك يتزوجها ؛ إذ قلوب الناس لا تحتمل اختلاط أزواجهن بالناس واسترقاق الأولاد، فحمل العنت على هذا أسبه من الزنى.
ومن الدليل أيضا على ألا يعتبر الطول على التزوج على ما قالوا :إذا تزوج أمة، ثم قدر على تزوج الحرة لم يفسد نكاح الأمة، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه فعلى ذلك طوله في الابتداء على نكاح الحرة لا يمنع جواز نكاح الأمة، والله أعلم على ان عدم الطول في الأصل لا يمنع نكاح الحرة إذ شيء يلزم الذمة، وعدم النفقة يمنع الإمساك عنده. فدل أن الآية لعدم نفقة الحرة في الابتداء على ما ذكرنا.
والأصل إن كان أمر يجوز بشرط الاضطرار فإن ارتفاع الضرورة يمنع البقاء. فإذا لم يمنع بان أنه لا على الحل بالضرورة وعلى ذلك يختار لمن تحته حرة مفارقة الأمة ؛ إذ بإمساكها رق لاولد الذي يقبح في العقل اختياره ومخالطة الزوجة في الطبع نفارا منه فمثله في الابتداء، والله اعلم مع ما قال الله تعالى : ﴿ وأن تصبروا خير لكم ﴾ وليس عن الذي فيه الضرورة شرط الصبر. ثم القول واحد فيهن بملك المال، وهو غائب عنه، يخشى العنت إلى أن يبلغ ذلك أنه لا يمنع النكاح وجميع ما له الحرمة يستوي غيبه / ٨٩- ب / ذلك وحضرته كنكاح الأمة على الحرة والأخت على الأخت ونحو ذلك مع ما لو كانت خشية العنت تصير سببا للحل في شيء لكان ملك الحرة التي هي عنه غائبة إذا لم تصر الضرورة مبيحة. فإذن لان ان الحرمة لنفس النكاح في الوجود، والحل لعدمه لا للسبيل على ذلك وغير السبيل.
ثم قوله عز وجل : ﴿ ذلك لمن خشي العنت ﴾ إنما هو الضيق كقوله :ولو شاء الله لأعنتكم } ( البقرة ٢٢٠ ) أي يضيق عليكم مخالطة الأيتام أو الإثم وكقوله٩ سبحانه وتعالى : ﴿ عزيز عليه ما عنتم ﴾ ( التوبة ١٢٨ ) وكل رجل فيه وسع الاستمتاع فهو يخشى الإثم فيجيء أن يباح له على كل حال أو يرجع إلى الضيق، فيكون المقصود منه الإمساك دون العقد والله أعلم.
ثم خشية الزنى ان يحتمل أن يصير شرطا للحل، وقد حصل له عقوبة، فيها أبلغ الزجر لمن غفل عن رجم أو حد، بل يقرض عليه إبقاء ذلك بكل وجوه الإمكان. ومعلوم أن الله قد جعل عنه بغير النكاح سبيلا في الامتناع أيضا.
وقد جاء أيضا الأمر بالصيام بأنه١٠ لو وجاء، فغنما خشية ذلك خشية خطر لا حقيقة فلم يجز أن يجعل عذرا لرفع الحرمات ويقدر عليه بالمباح من الصيام.
القول في قوله : ﴿ ومن لم يستطع منكم طولا ان ينكح المحصنات ﴾ الآية :نقول، وبالله التوفيق، تحتمل الآية وجوها :
أحدهما :طول عقد النكاح مذكور أيضا في نكاح الأمة ب قوله : ﴿ وآتوهن أجورهم بالمعروف ﴾ ومعلوم وجود الحرة بالمهر الذي يوصف في المعروف من المهور، بل لعل ذلك في الحرائر أوجد ؛ إذ قد جاز نكاح الحرائر بالأشياء الضعيفة. ومعروف وجودهن في كل عصر بدون ما يوجد ( في مثله ) ١١ الإماء فمحال أن يشترط في نكاح الإماء عدم ما لا يوجد السبيل إليه إلا بوجود ذلك أو ما هو أعظم في الوجود.
وأما النفقة والمسكن فقد يكون بمال السيد دون ان يؤخذ به وفي الحرة هي لا سبيل إليها إلا بمال الزوج ففيها يذكر الوجود لا في ما يستوي الذكر فيه في المتلو. ثم في الحاجة على ما عليه العرف فيه فضل. ولا قوة إلا بالله.
والوجه الثاني :ما وري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال : " لا تنكح الأمة على الحرة " ( البيهيقي في الكبرى ٧/١٧٥ ) ولو كان يجوز نكاحها عند وجود طول الحرة لم يكن للنهي عن ذلك بعد النكاح وجه ؛ إذ ليس لذلك وجود لما الطول يمنع وجوده.
والثالث :أن الذي به يجب النكاح ليس للوجود شرط فيه، والذي به الإمساك شرط، غذ قد يجوز بذمة من لا يملك ولا يمسك ثبت أن ذلك في حق الإمساك. وبعد لو كان يمنع بالذي ذكر لكان جوازه بحق الضرورة، وهذا مما لا يقع بالضرورة١٢ ثبت أن ذلك في حق الإمساك.
ثم لو كان التاويل على النكاح لم يكن في ذلك تحريم النكاح على وجود طول الحرة لخصال١٣ :
إحداهما :أن ذلك يوجب أن يكون نكاح الإماء يجوز بحق الإبدال والاضطرار. وذلك لا يحتمل حق النكاح لوجوه :
أحدها أن طريق ذلك إباحة ورخص والفروج لا تحتمل الإباحات بل الأباحات توجب حد المبيح وعقوبته، وتجعل كمبيح ما لا يملكه.
والثاني :ان الحرمات التي كانت في جميع النكاح كانت ظاهرة لم يرفع شيء منها لحاجات، وكذلك نكاح الإماء لو كان من المحرمات. بل الحكم أن كل امرأة لا تحتمل ( النكاح ) ١٤ فهي لا تحل بملك اليمين. فلو قلنا :إنه لا يحل نكاحها لذاتها لم تحل في ملك اليمين فأدخلت بما١٥ ذكرت، وليس كالزيادة على الأربع، لأن ملك الحرمة لحق المنكوحة لا لمكان المرأة، وكذلك الأخت ونحو ذلك. دليل ذلك جواز ذلك لا بحق الإبدال والاضطرار إذا عدم نكاح غيره بعد وفاته لم يجعل في شيء من الحل والحرمة المال، بل قال الله تعالى : ﴿ وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا ﴾ الآية ( النور ٣٣ ) صبرا لعدم شرط الترك، وله قد يسفح لأنه شرط الإباحة، فذلك أمر نكاح الإماء.
والثالث :أن الأصل في الإضافة الحل والحرمة على أنه لا يوجب عند ذلك في غير ملك الحال بل هو في غيرها على قيام الدليل من ذلك المضاف غليه او غيره، لا انه يوجب ذلك. أمور النكاح. قال الله تعالى لنبيه : ﴿ إنا أحللنا لك أزواجك التي آتيت أجورهن ﴾ ( الأحزاب ٥٠ ) لا أنه يعلم لو لم يؤتهن الأجور لم يحللن، وكذلك قوله سبحانه وتعالى : ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهم ﴾ ( المائدة ٥ ).
وقال عز وجل : ﴿ فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة ﴾ الآية لأن الحد لا يجب لو لم يحصن وقال :عز وجل : ﴿ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات ﴾ لا على جعل الإيمان شرطا، وقال الله عز وجل : ﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ﴾ ( النساء ٣ ) لأن الأمة لا تحل إذا لم يخف العدل في الحرائر وغير ذلك مما يكثر إذ ليس في إضافة الحل إلى حال قطعة من غيره. فمثله أمر النكاح في ما نحن فيه.
ثم احتج بالآيات التي فيها : ﴿ ومن لم يستطع ﴾ ( النساء ٢٥ و… ) و﴿ فمن لم يجد ﴾ ( البقرة ١٩٦ و… ) لتوجيه ذلك الحق ههنا. ودخل جواب هذا ما قلنا :إن الحكم في غيره موقوفا على الدليل فيه منعنا لا بهذا مع ما بينا دليل ما نحن فيه ليس بشرط.
ألا ترى انه ذ=كر شرط الإيمان في المحصنات وما١٦ لم يصر وقد صار في الكفارات ونحو ذلك فمثله ما نحن فيه ؟ ثن الفصل بين الأمرين يقع ( من ) ١٧ وجوه :
احدهما :أن تلك بحق الإبدال والاضطرار دليله زوال حكمه عند الارتفاع وفي هذا إلا أن يرتفع لنكاح الحرة، فلذلك اختلف الأمران. ولو جعلنا الأمر به أو الإشارة بالحل إليها على النهي عن ذلك نهيا عن نكاح الإماء في حال طول الحرائر. فلا يحتمل ان يكون النهي مبطلا للفعل لأوجه :
أحدهما :أن يرق ولده.
والثاني :أن تخالط امرأته الرجال وذلك بعض ما يشين الرجل ثم كان نكاح الزانية مع النهي عن ذلك. ويجوز مع الأمر بطلاقها. ومعلوم أن ذلك أ
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: تزويج..
٣ في الأصل و م: والتزويج..
٤ في الأصل و م: والتزويج..
٥ في الأصل و م: لأنه..
٦ في الأصل و م: والتزويج..
٧ ساقطة من الأصل و م..
٨ ساقطة من الأصل و م..
٩ الواو ساقطة من الأصل و م..
١٠ من م، في الأصل: بان..
١١ في الأصل و م: من مثله..
١٢ في الأصل و م: الضرورة..
١٣ في الأصل و م: الخصال..
١٤ من م، ساقطة من الأصل..
١٥ في الأصل و م: لأم ما..
١٦ في الأصل و م: ومن.
١٧ من م، ساقطة من الأصل..
الآية ٢٦ وقوله تعال : ﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ يحتمل قوله : ﴿ يريد الله ﴾ أن يبين لكم ما تؤتون وما تتقون وما لكم وما عليكم ويبين١ ما به صلاحكم ومعاشكم في أمر دينكم لكن حقيقة المراد بالآية إما أن تكون أراد جميع ما ذكر او معنى خاصا مما احتمله الكلام. وليس لنا القطع على ما أراد به.
وقوله تعالى : ﴿ ويهديكم سنن الذين من قبلكم ﴾ يحتمل وجوها :أي يبين لكم سبيل الذين من قبلكم أي سبيل الأنبياء والرسل عليهم السلام. ( وهم أهل ) ٢ الهدى والطاعة منهم، ليعملوا ما عملوا هم وينتهوا ( عما انتهوا ) وكذلك في حرف ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ سنن الذين من قبلكم ﴾ أي أمر الرسالة والنبوة ( ليهديكم محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته ليس ببديع ولا حادث والنبوة ) ٣ ليس ببديع، قد كان في الأمم السالفة رسل وأنبياء عليه السلام فأمر رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته ليس٤ ببديع ولا حادث كقوله تعالى : ﴿ قل ما كنت بدعا من الرسل ﴾ ( الأحقاف ٩ ).
ويحتمل قوله تعالى : ﴿ ويهديكم سنن الذين من قبلكم ﴾ أي يبين لكم أن كيف ( كانت سنته ) ٥ في الذين خلوا من قبل في إهلاك من عاند الله ورسوله واستئصال من استأصلهم بتكذيب الرسل والأنبياء عليهم السلام والخلاف لهم كقوله تعالى : ﴿ سنة الله في الذين خلوا من قبل ﴾ ( الأحزاب ٣٨ ) وقوله تعالى : ﴿ فقد مضت سنت الأولين ﴾ ( الأنفال ٣٨ ) وقيل : ﴿ سنن الذين من قبلكم ﴾ شرائع ﴿ الذين من قبلكم ﴾ من المحرمات والمحللات من اهل التوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب.
وقوله تعالى : ﴿ ويتوب عليكم ﴾ يريد٦ أن يتوب عليكم. وفي قوله تعالى :أيضا ﴿ سنن الذين من قبلكم ﴾ يحتمل يهديكم تلك السنن ( سنن ) ٧ الذين من قبلكم يحتمل يهديكم تلك السنن التي٨ بينها لكم أنها كانت ماذا ؟ ويحتمل ﴿ سنن الذين من قبلكم ﴾ بمعنى جعل تلك السنن الهداية لكم. ثم قوله عز وجل : ﴿ من قبلكم ﴾ يحتمل سنة وسيرة الذين٩ من قبلكم لتعبروا بها. ويحتمل التي لزموها وسيرتهم التي سلكوها بما لها من العواقب لتعظوا بها، والله أعلم بحقيقة ما انصرف غليه مراد الآية. لكن ( في ما ) ١٠ احتمله ههنا١١ موعظة تبينا فيه. وعلى ذلك معنى قوله عز وجل : ﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ يحتمل كل ما به نفع او كل ( ما إلينا ) ١٢ حاجة، أو كل كما علينا القيام به، او يرجع ذلك إلى الخاص مما يريد بالآية الإخبار عنه.
وإن الذي علينا النظر في ما يفصل البيان وفي ما أنبانا عن سنة ( من سنن من )١٣ تقدمنا مما نرجو به الهداية والشفاء للقيام بما علينا في ذلك من الحق دون الشهادة عليه، جل ثناؤه بالمراد فيها في مخرج الكناية دون التصريح من الموعود١٤.
وقوله تعالى : ﴿ ليبين لكم ﴾ ( أن ما ) ١٥ بين في مفهوم الخطاب وما جرى به الذكر في هذه الآية واحدة. إذ لو كان ( ذكر ما ) ١٦ يسبق إلى الفهم غير الذي سبق في هذا ( ما علم ) ١٧ ما حق على العباد من التفاهم والله أعلم. ثم كان معلوما في ما أراد بقوله : ﴿ يريد الله ليبين لكم ويهديكم ﴾ انه لو لم يبين ما أراد بهذا الوعد ولم يهد كان يلحقه الخلف في الوعد.
فعلى ذلك في ما١٨ قال :يريد الله ﴿ أن يتوب عليكم ﴾ و ﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾ ( النساء ٢٧-٢٨ ) ( لو لم يكن يخفف ) ١٩ ويتوب على من أريد بقوله : ﴿ يتوب ﴾ و ﴿ يخفف عنكم ﴾ للحقه٢٠ الخلف في الوعد.
ثم يخالف وصف كافر في حال أنه ممن تاب عليه ثبت أنه لم يدخل في قوله عز وجل : ﴿ يريد أن يتوب عليكم ﴾ ( النساء ٢٧ ) فإذا ثبت أنه لم يدخل فيه أمران :
أحدهما :أن الإدارة ليست بأمر إذ قد أمر الكافر بالتوبة.
والثاني :أن كل من لم يتب فهو ممن لم يرد الله أن يتوب عليه، وهو قوله تعالى : ﴿ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ﴾ ( المائدة ٤١ ).
على أن الله تعالى قال في المؤمنين : ﴿ تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ﴾ ( الأنفال ٦٧ ) وال في الكفار : ﴿ يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ﴾ ( آل عمران ١٧٦ ) على التفريق :من الذي في علمه أن يختم مؤمنا ومن في علمه أن يختم كافرا على إدارة الهداية مع إدارة ألا يجعل له الحظ في الآخرة على الموعود خلف وإدارة منه لا تدبير له في فعله، ولا يتصل فيه به فعله في متعارف الأمر وتشه، ولا يجوز أن يضاف إلى الله الإدارة وهي التي يوصف بها من فعله الاختيار. ثبت أن الله٢١ تعالى في فعل العباد فعلا بحيث فعله يوصف بالإدارة وفي ذلك وجوب القول بخلق أفعال العباد، أو أن يكون المراد من تلك الإدارة، إذ لم يحتمل التمني ولا الأمر، ان تكون الإدارة التي تنفي القهر والغلبة، فيلزم إذا ثبت نفي القهر الوصف بالإدارة، ويثبت أنه مريد لكل فعل نفي عنه القهر في وجوده. وبالله التوفيق.
وقوله تعالى : ﴿ والله عليم ﴾ بما يؤتى ويتقي ﴿ عليم ﴾ بما به معاشكم وصلاحكم وما به فسادكم وفساد معاشكم ونحوه : ﴿ حكيم ﴾ وضع كل شيء موضعه، والله أعلم.
١ في الأصل و م: وبين..
٢ في الأصل و م: هل..
٣ من م ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل و م: ليس..
٥ في الأصل و م: كان سنة..
٦ أدرج قبلها في الأصل و م: أن..
٧ ساقطة من الأصل و م..
٨ من م في الأصل: أي..
٩ أدرج قبلها في الأصل و م: في..
١٠ من م في الأصل: فيها..
١١ في الأصل: فههنا..
١٢ في الأصل و م: بينا..
١٣ في الأصل و م: في من..
١٤ من م في الأصل: العود..
١٥ في الأصل و م: وإن..
١٦ في الأصل و م: ذكران..
١٧ ساقطة من الأصل و م..
١٨ في الأصل و م: من..
١٩ ساقطة من م..
٢٠ في الأصل و م: يحفه..
٢١ في الأصل و م: اله..
الآية ٢٧ وقوله تعالى : ﴿ والله يريد أن يتوب عليكم ﴾ قالت المعتزلة :قد أراد الله توبة من لا يتوب. فيقال لهم :ما التوبة عندكم ؟ ( أليست التوبة عندكم ) ١ التجاوز والدعاء ؟ فإذا وعد أن يتوب فلم يفعل فهل ترك لا بعجز او به، أو ذلك الوصف له بالعجز أو الجهل، فنعود بالله من الزيغ عن الحق والسرف في القول.
وأما تاويله عندنا : ﴿ والله يريد أن يتوب عليكم ﴾ في الذي علمه أنه_م يتوبون، او كان في ذلك إخبار عن قوم أراد الله أن يتوب عليهم، فتابوا :وقال قوم :قوله : ﴿ والله يريد أن يتوب عليكم ﴾ أي يأمر أن يتوبوا والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ ويريد الذين يتبعون الشهوات ﴾ الآية. من اختار الدنيا على الدين، والأولى على الآخرة ( هوى يتبعه )٢ وشهوة تغلبه لا لتقصير / ٩١- أ/ من الله عز وجل عن البيان بل لتركهم النظر والتأمل بالعواقب غلبت عليهم شهواتهم، واتبعوا أهواء أنفسهم :إما رئاسة طلبوها وإما سعة في الدنيا بغوها. فذلك الذي يمنعهم عن النظر في العاقبة التأمل في الآخرة. لذلك مالوا ميلا عظيما، وخسروا خسرانا مبينا، وضلوا ضلالا بعيدا.
١ في الأصل: أليس التوبة عندكم في م: أليس عندكم التوبة..
٢ لهؤلاء يتبعه..
الآية ٢٨ وقوله تعالى : ﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾ هذا. إنه خفف علينا ولم يحمل ما حمل على الأمم السالفة من ارتكبنا١ أو يقال :خفف عنا حين٢ لم يستأصلنا ولم يهلكنا بالخلاف وترك الطاعة على ما استأصل أولئك وأهلكهم. ويحتمل التخفيف عنا أيضا ما خفف علينا من إقامة العبادات والطاعات من نحو الحج والجهاد وغيره حتى جعل القيام بذلك أخف على الإنسان وأيسر من قيامه بأخف العبادات والطاعات وأيسرها. وذلك من تخفيف الله عليما وتيسره، وفضل٣ منه ورحمة، واله وأعلم.
وقوله تعالى : ﴿ وخلق الإنسان ضعيفا ﴾ يحتمل أن يكون أراد به الكافر كقوله تعالى : ﴿ إن الإنسان خلق من هلوعا ﴾ ﴿ إذا مسه الشر جزوعا ﴾ ( المعارج ١٩-٢٠ ) وقد قيل :كل موضع ذكر الإنسان ( فيه ) ٤ فهو في كافر من ضعفه يضيق صدره وتمل نفسه بطول الترك في النعم حتى يضجر فيها. ويحتمل أنه أراد به الكافر والمسلم، ووصفه في ابتداء حاله أنه كان ضعيفا كقوله ﴿ خلقكم من ضعف ﴾ ( الروم ٥٤ ) ويحتمل وصفه بالضعف لأنه ضعيف في نفسه ملول٥ منم الطاعات والعبادات التي جعل الله عليه، ليس كالملائكة حين وصفهم أنهم لا يفترون ﴿ ولا يستحسرون ﴾ ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴾ ( الأنبياء ١٩-٢٠ ) ولا كذلك بنو آدم.
١ في الأصل و م: ارتكبوا..
٢ في الأصل و م: حيث..
٣ في الأصل و م: وفضلا..
٤ ساقطة من الأصل و م..
٥ في الأصل و م: ممل..
الآية ٢٩ قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة ﴾ الظاهر في الثنيا أنه من غير جنس المستشنى لأنه استثنى التجارة ﴿ عن تراض ﴾ من أكل المال بالباطل بينهم. وأكل المال بالباطل ليس من التجارة ولا التجارة من نوع أكل المال بالباطل. والثنيا في الأصل جعل تحصي ذل المراد في المجمل من اللفظ فإذا لم يكن من نوعه كيف جاز ؟ لانه يحتمل، والله أعلم أن يكون على الابتداء أو الائتناف ؛ كأنه قال ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ ولكن كلوا بتجارة. وعلى ذلك يمن قوله ﴿ لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما ﴾ ﴿ إلا قيلا سلاما سلاما ﴾ ) ( الواقعة ٢٠-٢٦ ) استثنى السلام، والسلام ليس من جنس اللغو. لكن معناه ما ذكرنا :لا يسمعون فيها لغوا، ولكن١ يسمعون فيها سلاما.
ويحتمل ان يكون في الثنيا بيان تخصيص المراد في المطلق من الكلام كقوله تعالى : ﴿ إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ﴾ ﴿ إلا آل لوط ﴾ ( الحجر ٥٨-٥٩ ) دل استثناؤه آل لوط على أنه أراد بقوم مجرمين قوم لوط خاصة لأنه قد كان في قوم إبراهيم عليه السلام وفي٢ غيرهم من أقوام مجرمين. دلت الثنيا على مراد الخصوص.
فعلى ذلك يدل استثناؤه التجارة عن تراض منهم على أنه أراد بأكل المال بالباطل تجارة من غير تراض وإن كان في الحقيقة يصير ماله هذا، وهو أن يأخذ ماله غيره، فيلفته فيلزمه بدله، فيصير ما عوض من بدله بما أتلفه قصاصا. فهو في الحقيقة تجارة.
ويحتمل ان يكون أكل المال بال باطل بينهم ما لا يجوز ولا يطيب لأن حرف البين لا يستعمل إلا في ما كان البدل من الجانيين. فإذا كان ما وصفنا محتملا كانت٣ الثنيا من ذلك من وجه يطيب، ومن وجه لا يجوز، ولا يطيب، وفيه دليل أن التجارة هي جعل الشيء ولم يكن منهم غلا ترك الهدى وبالكفر. ثم سمى ذلك تجارة بقوله تعالى : ﴿ فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ﴾ ( البقرة ١٦ ).
وفيه دلالة ان البيع بوقوع التراضي بين المتبايعين، وليس كما قال قوم :لا يتم البيع، وإن تراضينا على ذلك حتى يتفرقا عن المكان فيكونا٤ تاركين عندنا بظاهر هذه الآية، فإن احتجوا بالخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " ( البخاري ٢١٠٨ ). لكن معناه عندنا أن يقول الرجل للرجل :بعتك عبدي بكذا. فليصاحبه أن يقول :قبلت البيع ما دام في مجلسه. أو يحتمل أن يكون إذا قال :بعتك كان له الرجوع قبل أن يقول الآخر :قبلت على أن قوله صلى الله عليه وسلم : " ما لم يتفرقا " لا يوجب أن يكون تفرقا عن المكان وتفرق الأبدان.
ألا ترى أن الله صلى الله عليه وسلم ( قال )٥ : ﴿ وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ﴾ ( النساء ١٣٠ ) ولا يفهم المعنى من ذلك تفرق المكان والأبدان ؟ ولكن وقع ذلك على القول والطلاق. على ان الآية بيان تمام البيع بوجود التراضي بقوله : ﴿ إلا ان تكون تجارة عن تراض منكم ﴾ ومما يدل على ذلك أيضا قوله تعالى : ﴿ وأشهدوا إذا تبايعتم ﴾ ( البقرة ٢٨٢ ).
فلو كان البيع لا يتم بالتراضي فمتى يشهد قبل التفرق ؟ فهل المقر صادق في أن لصاحبه عليه الثمن، أم كاذب إذا كان البيع لم يتم ؟ وما ينفعه الإشهاد إن كان للمقر أن يبطل قراره ويرد٦ السلعة ؟ وإن كان إنما يشهد فقد يجوز أن يتلف المال قبل الإشهاد، فأين التحصين الذي أمر الله تعالى ؟
ومما يدل على تأويلنا في الخبر ما وري عن أبي هريرة رضي الله عنه ( أنه ) ٧ قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، ولا يحل لأحد أن يعجل فراقه خشية أن يستقله " ( الترمذي ١٢٤٧ ) وقوله : " يستقيله " يدل على أن ليس له أن يرده إلا بأن يقيله صاحبه ويدل٨ قوله صلى الله عليه وسلم " ما لم يتفرقا " ( على ) ٩ بيعهما. على أن التفرق هو الفراغ من عقد البيع لا غيره.
ومما يدل على أن الخيار ليس بواجب قول عمر رضي الله عنه : " إن البيع عن صفقة أو خيار ) فكان موافقا لما روي أبو هريرة رضي الله عنه يقول : " ( دل قوله تعالى : ﴿ لا تأكلوا ﴾ على قوله : ﴿ تجارة عن تراض ﴾ على الإذن في الأكل إذا وجدت التجارة عن تراض من الناس ).
والتجارة معروفة عند جميع من له عقل ومعروف أن يتفرق١٠ المتعاقدان بعد الفراغ من العقد لم يعرف فيما هو عند الخلق تجارة. ولكن التفرق لما يحتمل أن يظنه حكيم أو سفيه من التجارة وقد أذن في الأكل والأكل عبارة عن الأخذ وكل أنواع المنافع بالباطل. فثبت ان قد ملك بالفراغ عن التجارة بغير الرضا وأيد ذلك قوله : ﴿ وأشهدوا إذا تبايعتم ﴾ ( البقرة ٢٨٢ ) والتبايع ( هو ) ١١ الذي عليه الإشهاد وهو التعاقد لا التفرق ومن العبد أن يتكلفوا الإشهاد على التبايع قبل وجوب الواجب من لاحق الذي عليه الإشهاد.
فثبت بذلك وجوب ما جعل البائع بوجوبه دون التفرق وإذا ثبت الذي ذكرنا منم أحكام القرآن من الكفاية بالأمر الذي لا يجوز شذوذ حق لا يسلم منه البشر، وكل أهل التبايع به يتعارفون ( الحق بينهم ) ١٢ بالفراغ من لاعقود ولا يجوز شذوذ العلم بحق، ذلك محله، فيكون اتفاق الخلق على الجهل بالاعتقاد في أمر يعرفه الرسول صلى الله عليه وسلم ثم أئمة الهدى لا ينهون١٣ عن ذلك، والله أعلم.
فإذا لزم ذا الولاء المروي من الخيار ( أن كل متابعين بالخيار ) ١٤ " ما لم يتفرقا حمل الخبر على ( ما ) ١٥ فيه بعض العلم بحق القرآن وما عليه أمر الخلق على اتساع لغير ذلك الوجه، بل لعله بغيره أولى. ثم يخرج على ( وجهين :
أحدهما ) ١٦ :على إضمار حق، على المتبايعين أن يكونا كذلك في حق الجعل لا في حق العبارة عن واجب، دليله وراية عبد الله بن عمر رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " ( البخاري ٢١٠٨ ) أي لا يحل لأحدهما أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله. ثبت أن المعنى بالخيار في حق الجعل لو طلب الفسح /٩١- ب/ في الاستقالة، والله أعلم.
والثاني :ان يريد به ما في التبايع :دليل ذلك اللفظ بقوله تعالى : ﴿ وأشهدوا إذا تبايعتم ﴾ ( البقرة ٢٨٢ ) الإشهاد على التبايع والتبايع هو فعل اثنين وقد ثبت منهم مع الفراغ الإشهاد على التبايع وهذا أحق بوجوه :
أحدهما :حق اللغة أنه اسم التفاعل وهو اسم لفعلهما، فيستحقان ذلك في وقت كونهما فيه كالتضارب والتقاتل ونحو ذلك، وبعد الفراغ التسمية. ويكون بحق الحكاية دون تحقيق الفعل.
والثاني :بما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال : " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا من بيعهما " ( البخاري ٢١٠٨ ) وبيعهما معروف والله أعلم.
والثالت :م تفق القول من أهل لاعقل على رؤية وجوب البيع دون التفرق عن المكان والله أعلم.
والرابع :ان يجعل ذلك الحد لإصلاح البياعات أنهما ما لم يتفرقا يملكان الإصلاح وإذا ( تفرقا لا ) ١٧ وهو أولى.
عن الحد١٨ جعل التف رق التمام شرطا للفساد ومنع الإصلاح، وقد كان في بعض العقود مما تصح١٩ العقود بالقبض فهو على الوجود قبل التفرق ثم لا تصح٢٠ إذا وجد التفرق. فمثله مما كان الصلاح بالقول في الإصلاح. وعلى ذلك إذا قال احد للآخر :اختر انقطع خياره لو كان تفرقا من القول وليس فيه زيادة على ما في قوله :بعث منك حق الإصلاح فثبت أن التفرق بقطع الإصلاح لا للإصلاح والله أعلم وأن٢١ لناس عرفا٢٢ في البايع في وحهين :
أحدهما في التعاقد.
والثاني :في التقايض :فيكون المعنى من الخبر في ما البيع عن تقايض وهو بيع المداومة إذا ترك كل واحد منهما الآخر يفارقه على ما سلم وقبض وجاز ذلك أيضا بحق الآية في الإباحة عن تراض.
واسم التجارة قد يقع على تبادل ليس فيسه قول البيع كقوله تعالى : ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ ( البقرة ١٦-٠١٧٥ ) وقوله : ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ﴾ ( التوبة ١١١ ) وذلك مع قوله سبحانه وتعالى : ﴿ فما ربحت تجارتهم ﴾ ( البقرة ١٦ ) أن البيع الموقوف إذ أجيز يباح الأكل لما ما كان وقت الأكل قد وجدت التجارة عن تراض. وفي ذلك دليل وجوب خيار الرؤية إذ قد جعل الرضا سببا وهو بما يجهل غير ومحق، وإنما يعلم بالرؤية وفيه انه بالقبض يمضي حق العقد ؛ إذا التجارة للأكل، ولتا يوصل إليه إلا بالقبض. فإذا فات :( فات انتهاء )٢٣ التجارة فيبكل والله أعلم.
وفي قوله ( صلى الله عليه وسلم أيضا : " البيعان " )٢٤ وإن كان اسما لفعل اثنين فلما تتصل صحة كلام كل منهما وإذا كان الآخر حاضرا، فكأنهما اشتركا في صحته، فصار به متابعين نحو قوله ( صلى الله عليه وسلم : " كل بيعين فلا يبع بينهما حتى يتفرقا غلا بيع الخيار " )٢٥ ( البخاري ٢١١٢ ).
والتفرق اسم لفعل اثنين لكل أحدهما إذا فارق مكان البيع والآخر لم يفارقه، فقد وجد حق التفرق من أن ليس أحدهما :بجنب الآخر، فكأنهما اشتركا في التفرق وإن يوجد الفعل من أحدهما والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما٢٦ :لا يقتل بعضكم بعضا ؛ فإنه إذا قتل ( أحد ) ٢٧ آخر يقتل به فكأنه هو الذي قتل نفسه، إذ لولا قتله إياه لم٢٨ ي قتل به.
والثاني :انه أضاف القتل إلى أنفسهم لأنهم كلهم كنفس واحدة ( من نفس واحدة ) ٢٩ وجوهر واحد.
وقوله تعالى : ﴿ إن الله كان بكم رحيما ﴾ أي من رحمته ان جعل في ما بينكم القصاص وأخذ النفس بالنفس والمال بالمال، وفي ذلك حياة أنفسكم وغب قاء أموالكم. ومن رحمته أن جعلكم من جوهر واحد ؛ إذ كل ذي جوهر يؤلف بجوهره، ويسكن إليه، والله أعلم. ومن رحمته ( أن ) ٣٠ أرسل إليكم الرسل، وأنزل عليكم الكتب، وأوضح لكم السبل. ومن رحمته أن أمهل لكم، وستر عليكم ودعاكم إلى الكتاب، ومن رحمته رفع عنكم الآفات، وأوسع لكم الرزق. والمؤمنون٣١ خاصة برحمته اهتدوا وسلموا من كل داء.
١ من م في الأصل: ولا..
٢ من م الواو ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل و م: كان..
٤ في الأصل و م: فكانوا..
٥ ساقطة من الأصل و م..
٦ الواو ساقطة من الأصل و م..
٧ ساقطة من الأصل و م..
٨ أدرج بعدها في الأصل و م: عليه..
٩ ساقطة من الأصل و م..
١٠ في الأصل و م: تفرق..
١١ ساقطة من الأصل و م..
١٢ ساقطة من الأصل من م..
١٣ في الأصل و م: ينتهون..
١٤ من م ساقطة من الأصل..
١٥ من م ساقطة من الأصل..
١٦ في الأصل و م: وجوه..
١٧ في الأصل و م: تفرق إلا..
١٨ في الأصل و م: حد..
١٩ و.
٢٠ في الأصل: يصح في م: تصلح..
٢١ الواو ساقطة من الأصل و م..
٢٢ في الأصل و م: عرف..
٢٣ في الأصل: ناه في م: فات ناه، انتهى..
٢٤ في الأصل و م: تبايعا..
٢٥ في الأصل و م: تعالى: حتى يتفرقا..
٢٦ في الأصل و م: أي..
٢٧ ساقطة من الأصل و م..
٢٨ في الأصل و م: وإلا ثم..
٢٩ في الأصل: بنفس واحدة في م: من جنس واحد..
٣٠ من م، ساقطة من الأصل..
٣١ في الأصل و م: وبالمؤمنين..
الآية ٣٠ وقوله تعالى : ﴿ ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما ﴾ ﴿ عدوانا ﴾ لمجاوزته حدود الله ﴿ وظلما ﴾ على صاحبه. والعدوان هو اسم التعدي والمجاوزة عن حدود الله، كقوله تعالى : ﴿ ومن يتعد حدود الله ﴾ ( البقرة ٢٢٩ ) ويحتمل قوله تعالى : ﴿ وظلما ﴾ على نفسه كقوله تعالى : ﴿ ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ﴾ ( الطلاق ١ ) وقوله تعالى : ﴿ ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ﴾ ( البقرة ٢٢٩ ) وقله تعالى : ﴿ فلا تظلموا أنفسكم ﴾ ( التوبة ٣٦ ) وهذا الوعيد والله اعلم، لمن يفعل ذلك مستخفا بحدود الله واستحلالا منه لذلك. وإلا لو كان ذلك على غير وجه الاستخفاف بها والاستحلال لها لم يستوجب هذا الوعيد.
ألا ترى أنه قال تعالى : ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى ﴾ ( البقرة ١٧٨ ) ثم قال عز وجل : ﴿ فمن عفى له من رحمة أخيه شيء ﴾ ( البقرة ١٧٨ ) إنما جاء هذا قتل العمد، ثم أبقى الأخوة في ما بينهما وأخبر أن ذلك تخفيف منه ورحمة وتخليد١ في النار ؟ وعلى ذلك يخرج قوله تعالى : ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ﴾ النساء ٩٣ ) إذا قتله مستحلا له مستحقا بتحريم الله إياه استوجب٢.
وأما من فعل على غير الاستحلال والاستخفاف بحدوده فالحكم فيه ما ذكرنا الله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ عدوانا وظلما ﴾ يحتمل ( وجهين :
أحدهما :)٣ الاستحلال دليله قوله عز و جل :كتب عليكم القصاص } وقوله٤ ﴿ فمن عفى له من أخيه شيء ﴾ وقوله٥ : ﴿ ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ﴾ ( البقرة ١٧٨ ) أبقى٦ الأخوة التي كانت بقوله عز و جل : ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ ( البقرة ١٧٨ ) فثبت أن الإيمان بعد باق، فما بقي له الرحمة والأخوة، وههنا٧ زال. كذلك افترق٨ الاثنان.
والثاني :انه وعد إصلاحهم ولم يذكر الخلود وجائز تعذيبه في الحكمة والتنازع في الخلود.
والأصل في هذا ونحوه أنه لم يتنازع أن يكون فعله. وإنما التنازع في إبقاء اسم الإيمان في لزوم الوعيد فالآية٩ في من لم يبق له الاسم والله أعلم.
١ في الأصل و م: يخلد..
٢ في الأصل و م: فاستوجب..
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ في الأصل و م: ثم قال..
٥ في الأصل و م: وقال..
٦ في الأصل و م: فأبقى..
٧ الواو ساقطة من الأصل و م..
٨ في الأصل و م: افتقرت..
٩ في الأصل و م: فهي..
الآية ٣١ وقوله تعالى : ﴿ إن تجنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ اختلف فيه فيقال بعضهم ﴿ كبائر ﴾ الشرك، لأن كبائر الشرك أنواع :منها :الجحود ببعض الرسل عليهم السلام ومنها :جحود العبادات واستحلال المحرمات وتحريم المحللات وغير ذلك وكل ذلك شرك بالله. فقيل :أراد بالكبائر الشرك. فإذا اجتنب كبائر الشرك صارت ما دونها موعود لها المغفرة بالمشيئة بقوله تعالى : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ي شاء ﴾ ( النساء ٤٨ ) وعد ب المغفرة لما دون الشرك، وقرنه بمشيئته فهو في مشيئة الله تعالى :إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه وبالله التوفيق.
وقيل :أراد بالكبائر كبائر الإسلام ثم يحتمل وجهين بعد هذا :يحتمل ان تكون الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر. ويحتمل أن تكون الصغائر مغفورة بالحسنات ألا ترى أنه قال في آخره : ﴿ نكفر عنكم سيئاتكم ﴾ ؟ والتكفير إنما يكون بالحسنات ؟ أو لا ترى أنه قال : ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ ( هود ١١٤ ) أخبر ان من السيئات ما يذهبها١ الحسنات.
ويحتمل أن يكون التفكير لها جميعا، وإن لم تجتنب ألا ترى أنه قال في آية أخرى : ﴿ إن تبدوا الصدقات فنعما هي ﴾ إلى قوله عز وجل : ﴿ ويكفر عنكم سيئاتكم ﴾ ( البقرة ٢٧١ ) وقال عز وجل : ﴿ توبوا على الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ﴾ ( التحريم ٨ ) ألا ترى أنه روي عن انس رضي الله عنه ( أنه )٢ قال ( قال ) ٣ رسول الله صلى الله عليه وسلم " شفاعتي نائله لأهل الكبائر من أمتي " ؟ ( أبو داوود ٤٧٣٩ ) وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه انه سمع امرأة تدعو :اللهم اجعلني من أهل شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ( فقال :( مه فقولي :اللهم اجعلني من الفائزين، فإن شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر ) ٤ ثم قرأ : ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ الآية ).
ثم اختلف في كيفية الكبائر وماهيتها فقال بعضهم :ما اوجب / ٩٢ –أ/ الحد فهو كبيرة من نحو الزنى والسرقة.
والقذف وغير ذلك وقال آخرون :الإشراك بالله وقتل النفس التي حرم الله بغير حقها واكل مال اليتيم واكل الربا وقول البهتان والفرار من الزحف. وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ( أنه قال )٥ ( الكبائر تسع ) فقال ابن عباس رضي الله عنه :( هن إلى التسعين أقرب ولكن لا كبيرة مع توبة ولا صغيرة مع إضرار ).
وروي عن الحسن ( أنه ) ٦ قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وما تقولون في الزنى والسرقة وشرب الخمر " ؟ ( الله ورسوله أعلم ) قال : " هن فواحش، وفيهن عقوبة ". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر " ؟ قاولا :بلى يا رسول الله قال : " الإشراك بالله وعقوق الوالدين " قال :وكان متكئا فجلس ثم قال : " ألا وقول الزور ألا وقول الزور " قله ثلاثا " وقوله تعالى : ﴿ إن تجنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنه سيئاتكم ﴾ ( الطبراني في الكبير ٨/١٤٠ ) رقم الحديث ٢٩٣ ) ذكر تفكير السيئات إذا اجتنب الكبائر ولم يذكر الحكم إذا لم يجتنبها فليس فيه انه إذا لم يجتنب لا يكفر، فهو في مشيئة اله، إن شاء كفر، عذبه وإن شاء عذبه، على ما ذكرنا أن وجوب الحكم لا يوجب إيجاب ذلك الحكم في حال أخرى حظرا كان او حلالا، والله أعلم.
ويقرأ في بعض القراءة :إن تجتنبوا كبير٧ ما تنهون عنه فإن ثبت هذا فهو يدل على التأويل الذي ذكرنا آنفا أنه أراد بالكبائر كبائر الشرك.
وقوله تعالى : ﴿ وندخلكم مدخلا كريما ﴾ قيل :الجنة.
١ في الأصل: يذهبنا..
٢ ساقطة من الأصل.
٣ ساقطة منم الأصل و م..
٤ من م ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل: يقول في م: عنهما يقول..
٦ ساقطة من الأصل و م..
٧ هي قراءة سعيد بن جبير انظر المختصر في شواذ القرآن ٢٥..
الآية ٣٢ وقوله تعالى ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ الآية. قيل :لا يتمن الرجل مال أخيه ولا امرأة ولا داره ولا شيئا من الذي له ولكن ليقل اللهم أرزقني ويذكر١ النوع الذي ذكر والله واجد ذلك، وهو الواسع العليم :وقيل :هو كذلك في التوراة وقيل :إن أم سلمة قالت :يا رسول الله يغزو الرجال ولا تغزو ويذكر الرجال ولا نذكر فنوزلت الىية : ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به ﴾ إلى قوله : ﴿ للرجال نصب مما اكتسبوا ولنساء نصيب مما اكتسبن ﴾ ويحتمل أن يكون هذا التمني في الديانة وفي الدنياوية٢ أما في الديانة فهو أن يتمنى أحد أن يكون قدره مثل قدر الآخر عند الناس من العلم والزهد وغير ذلك فنهي أن يتمنى ذلك ويحتمل أن يكون معنى التمني ما ذكر في خبر أم سلمة لأن في ذلك الكفر بنعم الله ؛ لأن النساء وإن لم يجعل عليهن القتال وبغيرها٣ من الخيرات رفع عنهن بعض المؤمنات ففي التمني الكفران بتلك النعم التي انعم الله عليهن.
وفي قوله أيضا : ﴿ ولا تمنوا ما فضل الله ﴾ أي ﴿ فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ فهو والله اعلم لما فيه السخط لحكمه تريد الصرف إليك، او لما فيه أنه قصر فضله على ما رأى وألا يسع فضله له ولذي فضله، ولما النظر على ما أكرم به غيره بحق التمني تلهى عن نعم الله تعالى عليه، أو يخرج ذلك مخرج العداوة. وحق نعم الله على كل أحد أن يعرف التعظيم له. وكذلك فضله على غيرك ليرحمه، ويتفضل عليك٤ للتعظيم.
والتمني أوحش من الحسد، لأن الحسد هو إرادة الصرف عنه، وفي التمني ذلك وإدارة الفضل له به عليه، ( وما سألوا ) ٥ الله عز وجل من فضله ( وكان فضله ) ٦ هو ماله هو ألا يبذل ؟ وذلك يخرج على فضل في الدين او فضل في الخلق والمروء. فأما في ما يرجع إلى نعم الدنيا مما يستعمله في أحد دينك الوجهين فهو في الظاهر نعمة، وغي الحقيقة بلية ومحنة وقال الله عز ولج : ﴿ فلا تعجبك أموالهم ﴾ الآية ( التوبة ٥٥-٨٥ ) وقال الله عز وجل : ﴿ أيحسبون أنما نمدهم به من أمل وبنين ﴾ ( المؤمنون ٥٥ ).
وجائز ان تكون الآية في النهي مع ما مكنوا من النعم لو وقفوا للخيرات. فإن كان لما٧ وقفوا للخيرات فحق ذلك أن يشكروا الله بما أكرمهم٨ من حسنات ويرغبهم٩ في التوفيق لمثله وإن كان في أمر النعم فحقه ان يعينه بالدعاء لتكون النعمة له نعمة لا بلية ونقمة، وترغب في ما يقربك إلى الله في عاقبة.
وقد ذكرنا أن أم سلمة تمنت بعض ما يقوم به الرجال من العبادات نحو الجاهد وأشكاله فنزل النهي عن ذلك والترغيب في فضله في نوع ما تحمل هي من الخيرات دون الذي تفضل عليهن بالرفع عنهن.
وفي قوله أيضا : ﴿ ولا تمنوا ما فضل الله ﴾ الآية يحتمل أن يكون على ما خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : ﴿ ولا تمدن عينيك ﴾ الآية :( الحجر ٨٨ وطه ١٣١ ) فأخبر أن الذي هو أولى بالمستشفى من التمني فقال : ﴿ للرجال نصيب مما كسبوا ﴾ فرغب في ماله، وإما بالسؤال من فضله ألا يكون كسبه له ألا بفضله كقوله سبحانه وتعالى : ﴿ ولا تكسب كل تنفس إلا عليها ﴾ ( الأنعام ١٦٤ ).
ثم قال الله تعالى : ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ﴾ ( النور ٢١ )فبين أن كسبه له١٠ بفضل الله، وبين أن الأولى به الإقبال على ماله عاقبة والتضرع على الله تعالى :{ بالإكرام دون الذي عليه في ذلك خوف المقت والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ وسئلوا الله من فضله ﴾ مثله فإن فضله واسع ولا تتمن مال أخيك١١ وداره واسأل١٢ الله تعالى الإعانة١٣ ولا تتمن ألا يكون لأخيك، ويكون لك.
١ الواو ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: الدنيا..
٣ في الأصل و م: وغيرها..
٤ في الأصل و م: عليه..
٥ من م في الأصل: وسألوا..
٦ من م ساقطة من الأصل..
٧ في الأصل و م: فلما..
٨ في الأصل و م: أكرم..
٩ في الأصل و م: يرغب..
١٠ في الأصل و م: عليه لا..
١١ في الأصل و م: أخيه..
١٢ في الأصل و م: واسألوا..
١٣ في الأصل و م: العبادة..
الآية ٣٣ وقوله تعالى : ﴿ ولكل جعلنا مولي مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ احتمل هذا والله أعلم، ان يكون معطوفا مردودا إلى قوله س بحانه وتعالى : ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ احتمل هذا والله أعلم ان يكون معطوفا مردودا على قوله سبحانه وتعالى : ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نثيب مما ترك ﴾ الآية ( النساء ٧ ) ذكر ههنا ما يرث الراجل والنساء من الوالدين والأقربين ولم يرث الوالدان من الأولاد والأقربون بعضهم من بعض من نحو العم وابن العم وغيرهم من القرابات فذكرها هنا ليعلم أن للمولى من الميراث مما ترك الوالدان والأقربون ما لأولئك من الوالدين والأقربين إذا لم يكن أولئك أن يجعل لهؤلاء ما جعل لأولي. ولم يذكر أيضا ما للوالدين من الأولاد في قوله تعالى : ﴿ للرجال نصيب مما ترك ﴾ الآية ( النساء ١٨٠ ) ذكر الوصية للوالدين والأقربين ولم يذكر للأولاد والله أعلم لأن الرجل قد يؤثر ولده على نفسه وعلى غيره من الأقرباء ولا كذلك ( الولد للوالد )١فذكر الوصية للوالدين والأقربين لهذا المعنى :ليصل٢ إليهم المعروف. وأما الأولاد فإنهم لا يؤثرون٣ على غيرهم لذلك لم يذكرهم والله أعلم.
وقيل في قوله : ﴿ ولكل جعلنا ﴾ أي بينا فيكون فيها بيان ما في الأولى من المواريث ثم قيل في الموالي :غنهم هم العصبة وقيل :هم أولياء الأب والأخ وغيرهما٤ من العصبة وقيل :هي الوارثة وهو قول ابن عبا س وكله واحد.
وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه ( أنه ) ٥ قال :( قال رسول الله صلى الله عليه ويلم : " أما أولى بالمؤمنين من تاب وترك مالا فماله لموالي العصبة ومن ترك كلا أو ضياعا فأنا وليه فلأدعى له " ) البخاري ٧٦٤٥ ) عن ابن عباس رضي الله عنه ( أنه )٦ قال :( قال رسول الله صلى الله عليه، ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت السهام فلأولي رجل ذكر " ( البخاري ٦٧٣٢ ) وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( أنه ) ٧ قال :( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يقول ) ٨ " ما أحرز الوالد أو الولد فهو لعصبته من كان ) " ) ( أبو داوود ٢٩١٧ ) وعم عمر رضي الله عنه أنه كتب :إذ كانت العصبة أقرب فهم أحق بالمال.
وأجمع اهل العلم على أن أهل السهام إذا استوفوا سهامهم وبقي من المال شيء فإنه٩ لعصبة الميت، وهم الرجال من قرابته من قبل أبيه ومواليه، وأنه لا يكون أحد من النساء عصبة /٩٢- ب/ إلا أخوات من الأب والأم أو١٠ من الأب مع البنات او المرأة المعتقة فإن هؤلاء١١ عصبة.
وأجمعوا أن كل من اتصلت قرابته من قبل النساء بالميت فليس عصبة١٢ وإن المرأة إذا أعتقت عبدا أو أمة فإنها عصبة بعد موت أمتها١٣ إلا ابن مسعود رضي الله عنه فإنه يجعل لذوي الأرحام دون الموالي.
وأجمعوا أنه إذا اجتمع عصبتان فأقربهما إلى. وأقرب العصبة الابن ثم ابن الابن، وإن سفل ثم الأب ثم الجد وإن علا، والأخ من الأب والأم، ثم العم من الأب والأم ثم ابن العم من الأب ثم موالي النعمة وإن سفل فهؤلاء كلهم عصبة الميت. وأقربهم أولاهم بما فضل من المال عن أصحاب السهام المذكورة سهامهم ؛ هو والله أعلم موافق لما ذكرنا من دليل الآية والسنة وما توارث من الروايات عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
ويف قوله : ﴿ ولكل جعلنا مولى مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ يحتمل : ﴿ ولكل ﴾ من الموالي جعلنا على إضمار نصيب أو حق في ما ترك الوالدان والأقربون فيكون تأويله قوله : ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ ( النساء ٧ ) فيكونون هم مواليه بحق الميراث على تأويله انهم أولى مما تركوا أو على مثله ﴿ ومن ق تال فقد جعلنا مظلوما لوليه سلطانا ﴾ الإسراء ٣٣ ).
ووليه من يلحقه في ملكه بغيره ( في )١٤ قوله تعالى : ﴿ يوصيكم الله ﴾ ( النساء ١١ وجميع الآيات في المواريث إلا أنه لم يذكر الوالدين في هذه الجملة ولا الزوجين ولا تدخلوا في اسم القرابة ولا الأولاد. وقد جاء بالإيجاب لهم كتاب واجتمعت عليه الأمة على غير دعوى النسخ فيه من أحد ليعلم أن التخصيص بالذكر لا يقطع حق غير.
لكنه يكون الأمر موقوفا على وجود دليله، والله أعلم على ان في الإيجاب للأقربين وللموالي كفاية عن ذكر من ذكر غذ بهم تكون كل القرابة وبالتناكح يكون النسل وهو المجعول لذلك. وكذلك لا يسقط حق هؤلاء ولا يحجبون عن الكل بأحد وقد جرى ذكر حقهم في ما نسخته هذه الآية من الوصية، والله أعلم.
ويحتمل قوله تعالى : ﴿ ولكل جعلنا مولى مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ أن١٥ يرجع إلى الموالي إلى الذين ورثوه من تركة الأبوين والأقربين يخبر ان قد تجري المواريث في ما قد ورثت نحو ما يجري في ما لم يكن يرث مرة، فرجع ذا على غير أولاد الأول وأقربائهم الأول، او ان يكون المقصود في ما ترك الوالدان والأقربون بما ذكر في أبيهم ﴿ نصيبا مفروضا ﴾ ( النساء ٧ أن يكون هذا في ما ترك الوالدان والأقربون مع أصحاب الفرائض. فتكون الآية حق العصبات إذ لم يذكر لهم دون ان يكون معهم أصحاب الفرائض يرثون السهام ولا بحق الفضول فيكون حمل الآية في المواريث ( في ثلاثة ) ١٦.
أحدهما :في أصحاب الفرائض، وهو قوله عز وجل : ﴿ مما قل منه او كثر نصيبا مفروضا ﴾ ( النساء٧ ).
والثاني :في حق العصبات وهو قوله تعالى : ﴿ ولكل جعلنا مولى ﴾ الآية.
والثالث :في حق ذوي الأرحام وهو قوله تعالى : ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ﴾ الآية ( الأنفال ٧٥ الأحزاب ٦ ).
ثم ألحق بهؤلاء الأبعيدن اهل العقد بقوله تعالى : ﴿ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ﴾ إنما ذكر ذلك في ما يترك الميت وأوجه العون ولارفد والنصر مع ما ذكر نصيبهم في التركة كما ذكر لأصحاب الفرائض ولعى ذلك المرفوع لرسول الله صلى الله عليه وسلم في " من أسلم على يدي آخر فإنه١٧ أحق الناس ( به ) ١٨ محياه ومماته " ( أحمد ٤/ ١٠٢ ).
وكذلك روي عن عمر وعلي وعبد الله رضي الله عنهم مع ما كانت المواريث بهذا من قبل، فنسخ بقوله تعالى :وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } ( الأنفال ٧٥ والأحزاب٦ ) فإذا ارتفع ذلك ذهب التناسخ فوجب لهم إذ بيت المال يرث بولاية الإيمان جملة ولهذا ملك١٩ الولاء له ولاية أخرى فهو أحق والله اعلم ويخلف هؤلاء من له رحم كما خلف ولاء العتاقة بما تقدم من النعمة بالإعتاق حق العصبة من ذي النسب بقوله عليه السلام : " الولاء لحمه كلحمة النسب " البيهقي في الكبرى ١٠/ ٢٩٢ ).
وقوله تعالى : ﴿ والذين عقدت إيمانكم فآتوهم نصيبهم ﴾ قيل :هو من الإيمان كان حلف في الجاهلية :يقول الرجل لآخر :يرثني وارثك وتعقل عني وأعقل عنك وتنصرني وأنصرك ويتخالفان٢٠ على ذلك. وقد قرئ بالألف٢١ على عاقدتهن ففو من المخالفة. ثم روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( انه قال ) ٢٢ " لا حلف في الإسلام وما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الغ يلام غلا شدة " ( ابن حبان ٤٧٠ ).
وقيل :هو من يضرب اليمين، وهو المبايعة كان الرجل يعاقد الرجل، ويبايعه في الجاهلية فيموت فيرثه وقيل :إن أبا بكر رضي الله عنه عاقد رجلا، فورثه ولذلك المماليك بالذكر بهذا من قوله تعالى : ﴿ وما ملكت إيمانكم ﴾ ( النساء ٣٦ ) لانهم يشترون للخدمة والمرء٢٣ إذا خدم نفسه إنما يخدمها بيمينه فإذا كان تأويل الآية ما ذكروا فهو منسوخ بقوله عز ولج : ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ﴾ ( الأنفال ٧٥ والأحزاب ٦ وبما روينا من الخبر من قوله صلى الله عليه وسلم : " لا حلف في الإسلام وما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة ".
ويحتمل ان تكون الآية في من أسلم على يدي آخر، ووالاه على ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه )٢٤ قال : " من أسلم من أهل الكفر على يدي رجل من المسلمين فهو أولى الناس به محياه ومماته ( أحمد ٤/ ١٠٢.
وروي عن معر رضي الله عنه أن رجلا سأل عن رجل أسلم على يدي رجل ويواليه قال :هو مولاه فإن أبي فلبيت المال.
وروي عن مسروق ( أنه ) ٢٥ قال :أتيت عبد الله فقلت :إن رجلا كان عاملا علينا، فخرج على الجبل فمات وترك ثلاثمائة درهم، فقال عبد الله :هل ترك وارثا، او لأحد عليه ولاء ؟ فلت :لا فجعل ماله لبيت المال.
وكذلك يقول أصحابنا رحمهم اله :من تاب وترك وارثا فماله لوارثه وإن لم يكن له وارث فللذي أسلم على يديه، ووالاه لما روينا من الخبر ؛ " هو أولى الناس به محياه ومماته " ( أحمد ٤/ ١٠٢ ) وقوله " محياه " في الفعل، " ومماته " في الميراث وما روينا من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجميعن.
وقوله تعالى : ﴿ والذين عقدت٢٦ أيمانكم فآتوهم نصيبهم ﴾ قيل :هي الوصية إلى تمام الثلث، لان الميراث قد نسخ بالآية التي في الأحزاب٢٧ بقوله عز وجل : ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين ﴾ وبقوله٢٨ ﴿ إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ﴾ ( الآية ٦ ) فهي الوصية على تمام الثلث. فإذا كانت الآية في الذي أسلم على يديه ووالاه، وعاقده، فهو ليس بمنسوخ وقيل : ﴿ فآتوهم نصيبهم ﴾ من النصر والمعونة والمشورة ولا ميراث.
وقوله تعالى : ﴿ إن الله كان على كل شيء شهيدا ﴾ بما ذكر من الشرط والوفاء وبالله التوفيق.
١ في الأصل: الوالد في م: الولد والوالد..
٢ في الأصل و م: ي صل..
٣ في الأصل و م: يرثون..
٤ في الأصل و م: وغيرهم..
٥ ساقطة من الأصل و م..
٦ ساقطة من الأصل و م..
٧ ساقطة من الأصل و م..
٨ ساقطة من الأصل و م..
٩ في الأصل و م: أنه.
١٠ من م في الأصل: و..
١١ في الأصل و م: هاتين..
١٢ في م: بعصبة..
١٣ في الأصل و م: أمة..
١٤ ساقطة من الأصل و م..
١٥ من م في الأصل: أي..
١٦ في الأصل و م: ثلاث..
١٧ في الأصل و م: أنه..
١٨ ساقطة من الأصل و م..
١٩ من م في الأصل: تلك..
٢٠ في الأصل و م: وتخالفان..
٢١ قرأ عاصم وحمزة والكسائي بغير ألف وقرأ الباقون بالألف انظر تفسير الطبري (٨/ ٢٧٣) وحجة القراءات (٢٠١..
٢٢ ساقطة من الأصل و م..
٢٣ من م في الأصل: والمراد..
٢٤ ساقطة من الأصل و م..
٢٥ ساقطة من الأصل و م..
٢٦ في الأصل: عاقدت انظر تفسير الطبري (٨/ ٢٧٣) وحجة القراءات (٢٠١)..
٢٧ في الأصل و م: الأنفال، والآية المقصودة (٦)..
٢٨ في الأصل و م: ثم قال..
الآية ٣٤ : ﴿ الرجال قوامون على النساء ﴾ قال أهل التأويل :الآية نزلت في الأزواج دليله قوله تعالى : ﴿ وبما أنفقوا من أموالهم ﴾ والأزواج هم المأخوذون بنفقة زوجاتهم وفيه دليل وجوب نفقة المرأة على زوجها وعلى ذلك بإجماع أهل العلم.
وقال بعض اهل اعلم في قوله تعالى : ﴿ الرجال قوامون على النساء ﴾ دليل ألا يجوز النكاح غلا بالولي حيث أخبر انهم القوامون عليهن دونهن قيل له :عن كانت الآية في الأزواج وفي الأولياء على ما ذكرت ففيه دليل جواز النكاح بغير ولي لا بطلانه وذلك فوله تعالى : ﴿ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض ﴾ أخبر أنه فضل ﴿ بعضهم على بعض ﴾. وذلك التفضيل ( تفضيل ) ١ خلقة وهو أن جعل الرجال من أهل المكاسب والتجارات والقيام بأنواع الحرف والتغلب على حجاتهن.
فالرجال هم القوامون كذلك بل جعلهن ضعيفات٢ عاجزات عن القيام بالمكاسب والحرف والتغلب عن حاجاتهم، فالرجال هم القوامون / ٩٣- أ/ عليهن ومؤلفو٣ أمورهن وقاضو حوائجهن قائمون٤ على ذلك. ففرض على الرجال القيام بمصالحهم كما ذكر٥ مع ما فرض ذلك على الرجال ( ما ) ٦ يجوز إذا ولين بأنفسهن وقمن بحوائجهن من البياعات والأشربة وغير ذلك فعلى ذلك النكاح وإن كان الرجال هم القوام عليهن فغنهن إذا ولين ذلك بأنفسهن وقمن جاز ذلك كما جاز غيره.
ولهذا ما أمر الأولياء بالتزويج في قوله : ﴿ وانكحوا الأيامي منكم ﴾ الآية ( النور ٣٢ ) ونهاهم عن التعضل عن النكاح بقوله عز وجل : ﴿ فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ﴾ الآية ( البقرة ٢٣٢ ) لأن ذلك حق عليهم ان يفعلوا حتى يلين ذلك بأنفسهن إذ لابد من حضور مشهد الرجال ومجلسهم على ذلك.
فذلك ( على ) ٧ الأولياء القيام به، ولهذا جعل نفقتهن إذا لم يكن لهن مال على محارمهن لأنهن لا يقمن بالمكاسب خلقة.
ولهذا ما لم يجعل للذكور من المحارم بعضهم من المحارم بعضهم على بعض النفقة لما يقومون بالمكاسب. فإذا صار زمنا، وعجز عن المكاسب جعل نفقته على محارمه لأنه صار في الخلقة كالمرأة والله أعلم. وهن ابن عباس رضي الله عنه في قوله : ﴿ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض ﴾ ( أنه )٨ قال :( أمرا عليهن ان يطعنهم٩ في ما أمر الله به من طاعته. وطاعته أن تكون ( المرأة ) ١٠ محسنة إلى أهلها حافظة ( لمال زوجاها ) ١١ وفضله عليها بنفقته عليها وسعته ).
وقيل :نزلت الآية في رجل لطم امرأته لطمة في وجهها١٢ فنشزت عن فراش زوجها واستعدت على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم فقالت :يا رسول الله ) ١٣ لطمني زوجي فلان لطمة، والشجة والضربة ثم أبصر النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام ينزل فقال لها :كفي حتى أنظر ما جاء به جبريل في أمرك " فاتاه بهذه الآية : ﴿ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض ﴾ ( ابن جرير تفسيره :٥/ ٥٨ ) أي المسلطون على آداب النساء في الحق وقيل :تفضيلهم عليهن بالعقل والميراث والفيء والله أعلم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أردنا الله أمرا وأراد الله أمرا والذي أراد الله خير مما أردان " ( السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥١٣ ).
وقيل :في قوله : ﴿ وبما أنفقوا في أموالهم ﴾ بما ساقوا من المهر والنفقة استدل الشافعي، رحمه الله، بقوله تعالى : ﴿ الرجال قوامون على النساء ﴾ الآية على أن النكاح لا يجوز إلا بالولي فصرف في تأويل الآية غليهم، وفيها ﴿ وبما أنفقوا ﴾ فيزم النفقة وهو لا يقول به.
وبعد فإن الآية لو كانت في الأولياء فهو في كل أمر، لهن أمر لهن إليهم حاجة، فخرج مخرج الحق لهن في أن يتولوهن العقود كلها، ويقولوا في كفايتهن وكفالتهن لا أنهن لو قمن بأنفسهن يبطلن فعلهم١٤ فمثله أمر النكاح.
وأهل التأويل يحملون الآية على الأزواج ومن تدبر الآية علم أنها في ما قال أهل التأويل دون الذي ذهب إليه الشافعي والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ﴾ ( عن ابن عباس رضي الله عنه ( أنه ) ١٥ قال : ﴿ قانتات ﴾ يعني مطيعات والقانت هو المطيع ) ويحتمل مطيعات لله تعالى، / ويحتمل مطيعات لله تعالى، للأزواج ويحتمل { قانتات ) أي قائمات بأداء ما فرض الله عليهن من حقوقه وحقوق أزواجهن.
وقوله تعالى : ﴿ حافظات للغيب ﴾ قيل : ﴿ حافظات ﴾ لما استودعهن الله من حقه، و﴿ حافظات للغيب ﴾ لغيب أزواجهن وقيل : ﴿ حافظات ﴾ لأنفسهن لغيبة أزواجهن في فروجهن ويحتمل ﴿ حافظات للغيب ﴾ أي لله في أموره ونواهيه والقائمات١٦ بحقوقه وقانتات وحافظات هو تفسير صالحات.
وقوله تعالى : ﴿ بما حفظ الله ﴾ اختلف في تلاوته وتأويله :في حرف بعضهم بالنصب ﴿ بما حفظ ﴾ الله وتأويله بحفظ الله، / لكنه نصب لسقوط حرف الخافض١٧ ومن رفعه جعل تأويله بما استحظهن الله تعالى والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ والتي تخافون نشوزهن ﴾ قال بعض أهل الأدب :سمى العلم خوفا لانه اضطر في العلم وقال آخر وهو الفراء :الخائف الظان لأنه يرجو ويخاف.
وأما الأصل في أنه سمى العلم خوفا لغلبته شدة الخوف فعمل عمل١٨ العلم بالشيء غير حقيقتهن لانه يعرف بالاجتهاد وبأكبر الرأي والظن. وهكذا كل ما كان سبيل معرفته الاجتهاد فإن غالب الظن واكبر الرأي عمل اليقين١٩ في الحكم وغن لم يكن هنالك حقيقة.
ألا ترى فوله تعالى : ﴿ فإن علمتهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ﴾ ( الممتحنة ١٠ ) ألزمنا العلم بظاهر علمنا وإن لم نصل على حقيقة إيمانهن ؟ فعلى ذلك إذا علم منها النشوز علم أكبر الظن وأغلبه يعمل عمل الذي ذكر في الآية العظة وغيرها لأن قوله تعالى : ﴿ تخافون نشوزهم ﴾ ليس على وجود النشوز منها للحال حقيقة ولكن على غالب الظن واكبر الرأي لأنها إذا كانت ناشزة كيف يعظها ؟ وكيف يهجرها ويضربها ؟ فدل أنه على غالب العلم.
أو لا ترى أنه من أكره على ان ينطق بكلمة الكفر فقبل او ضرب فخاف منه كان في حل وسعة ان ينطق بعد أن يكون قلبه مطمئنا بالإيمان ؟ وذلك إنما علم غالب الظن وأكبر الرأي لا يعلم علم حقيقة ثم أبيح له أن يعمل عمل حقيقة العلم فكذلك الأول والله أعلم.
نهى الله عز وجل المرأة عن خيانة زوجها وأمرها بطاعته في نفسها كما أمره ان يحسن عشرتها وهذا هو والله أعلم هو الحق الذي ذكره الله تعالى في سورة البقرة مجملا بقوله تعالى : ﴿ ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ﴾ ( الآية ٢٢٨ ) وفسر الحق عليهن في هذه السورة وهو٢٠ ان تطيعه في نفسها وتحفظ غيبته.
ألا ترى أنه قال تعالى : ﴿ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهم سبيلا ﴾ ؟ وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال : " حق الزوج على امرأته إذا دعاها وهي على قتب ان تطيعه " ( ابن ماجه ١٨٥٣ ).
وقوله تعالى : ﴿ فعظوهن ﴾ عن ابن عباس رضي الله عنه ( أنه قال ) ٢١ ( عظوهن بكتب الله ﴿ فإن أطعنكطم ﴾ أي رجعن على الفراش والطاعة 'وإلا ﴿ واهجروهن ﴾ والهجر ألا يجامعهما، أو لا يضاجعها على فراشه ويوليها الظهر فغن أقبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضربا غير مبرح، ولا تكسر لها عظما، فإن أقبلت وإلا فقد حل لك منها الفداء.
ويحتمل قوله تعالى : ﴿ فطعوهن ﴾ أي يقول لها :كوني من الصالحات ومن القانتات ومن الحافظات ولا من كذا على الرفق واللين فإذا تركت٢٢ ذلك، وإلا فاهجرها والهجر يحتمل وجهين :
( أحدهما ) ٢٣ :التخويف على الاعتزال منها وترك المضاجعة والجماع.
والثاني٢٤ :أن يهجرها ولا يجامعها إلا على التخويف من ترك ذلك. فإن تركت٢٥ ذلك، وإلا ضربها عند ذلك الضرب الذي ذكرنا غير مبرح ولا شائن والله أعلم على الترتيب :يعظها أولا بما ذكرنا من الرفق بها واللين لعلها أطاعته، وتركت ذلك. ثم إذا لم تطعه خوفها بالهجران، فلعل قلبها لا يحتمل الهجران وترك المضاجعة فتطيعه فإن أبت ذلك فحينئذ هجرها، ولم يجامعها ولا يضاجعها. فإن أطاعته وإلا عند ذلك ضربها فغن أطاعته وإلا فعند ذلك يعرفان ( أمرهما ) ٢٦ على الحاكم. وهذا يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الرفق واللين أولا، ولا ( يغلظ له ) ٢٧ في القول. فغن هو قبل ذلك وإلا عند ذلك ( أغلظ له في القول ) ٢٨ فإن قبل ذلك وإلا بسط يده فيه على ما أمر الله سبحانه وتعالى الأزواج أن يعاملوا٢٩ النساء من العظة ثم الهجران ثم الرفع إلى الحاكمين.
وروي في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم / ٩٣- ب/ ( أنه ) ٣٠ قال : " لا تضربوا إماء الله فترك الناس ضربهن فجاء عمر رضي الله عنه وقال٣١ ( والله لقد ذئر٣٢ النساء يا رسول الله ) فأمر بضربهن قال :( فطاف٣٣ بآل محمد نساء يشتكين أزواجهن فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لقد طاف٣٤ الليلة بآل محمد سبعون امرأة يشتكين الضرب، والله لا تجدون أولئك خياركم " ) ( أبو داوود ٢١٤٦ ) وقال : " خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي " ( الترمذي ٣٨٩٥ ) وقال : " ( أكمل ) ٣٥ المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله بأهله " أبو داوود ٤٦٨٢ ).
والموعظة كلام يلين القلوب القاسية ويرغب الطبائع النافرة فيكون ذلك تذكير عواقب الأمور ومبادر الأحوال، والله أعلم وعلى ذلك يعظها زوجها بأن يذكرها نعم الرب، جل جلاله، وما جعل من الحق، وما وعد في ذلك وأوعد.
ففي هذه الآيات دلالة لزوم الاجتهاد تكليف ما لا يصل إلى معرفة المكلف به غلا بالتدبر والعرض على الأمور المعتادة او الأسباب المعقولة في جعلها أسبابا للمصلحة وسبلا للوقوف على ما في الأصول تلك النوازل من الحكمة ولا قوة إلا بالله.
ثم جعل تأديبهن على الأزواج لا إلى الأئمة إ العقوبة٣٦ تكون بالضرب والحبس وما يلحقها من المكروه في ما له أمر التأديب مع ما في ذلك من السر ويكون الغالب منه لا يجد لسبيل الإظهار عند الحاكم ويكون في أوقات تضيق عن احتمال ذلك، ويكون ذلك أصلا لتأديب كل كافل ( من أجرم من ) ٣٧ الأيتام والصغار وغير ذلك والله أعلم.
والأصل أن الله تعالى قال : ﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها بينكم مودة ورحمة ﴾ ( الروم ٢١ ) فيجعل التأديب من الوجه الذي فيه حفظ المجعول لنا آية ورعاية٣٨ ما جعل بينهم من المودة والرحمة والمنازعات الخصومات إلى ( الحاكم يقطع تلك ) ٣٩ فجعل٤٠ لهم من ذلك قدر ما لا يقطع مثله من التأديب المعنى المجعول بينهم. ولذلك لم يأذن بالضرب المبرح. ولا إذن إلا عند انقطاع الحيل التي تجعل الألفة والمحبة. على ان في خفيف ذلك إظهار الإشفاق على ما اعترض من خوف انقطاع المودة والرحمة وبداء العتاب الذي هو آية انصح والرحمة غذ ذلك بما يخاف في ترك ذلك تمام ما قد افتتح من السرر والشفقة، والله أعلم ( وقيل في قوله تعالى : ﴿ وبما أنفقوا من أموالهم ﴾ بما ساقوا من المهر والنفقة ) ٤١.
وقيل في قوله تعالى : ﴿ واهجروهن في المضاجع ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما :أن يهجرها في حال مضاجعته )٤٢ إياها في ألا يكلمها ( لا في أن ) ٤٣ يترك مضاجعتها إذ المضاجعة حق بينهما عليه في تركها ما عليها لا يؤدبها بما٤٤ يضر حقه ونفسه والله أعلم.
( والثاني :أن يهجرها في المضجع ) ٤٥ ومضاجعته أخرى في حقها فيكون حقا عليه في حال المواقعة وحفظ حدود الله بينهما إلا في حال التضييع وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال ( يهجرها في ألا يجامعها ولا يضاجعها على فراشه و
١ من م ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل و م: ضعفاء..
٣ في الأصل و م: قائمين..
٤ في الأصل و م: ذكروا..
٥ ساقطة منم الأصل و م..
٦ من م ساقطة من الأصل و م..
٧ ساقطة من الأصل و م..
٨ ساقطة من الأصل و م..
٩ في الأصل و م: تعطيه..
١٠ ساقطة من الأصل و م..
١١ في الأصل و م: لماله..
١٢ من م في الأصل: زوجها..
١٣ من م ساقطة من الأصل..
١٤ في الأصل و م: فعلن..
١٥ ساقطة من الأصل و م..
١٦ في الأصل و م: القائم..
١٧ انظر المحتسب (١/ ١٨٨) والمختصر في شواذ القرآن (٢٦)..
١٨ من م في الأصل: علم..
١٩ من م في الأصل: التين..
٢٠ في الأصل و م: وهذا..
٢١ في الأصل و م: فقال..
٢٢ في الأصل و م: ترك..
٢٣ ساقطة من الأصل و م..
٢٤ في الأصل و م: ويحتمل.
٢٥ في الأصل و م: ترك..
٢٦ ساقطة من الأصل و م..
٢٧ في الأصل و م: يغلظه..
٢٨ في الأصل و م: غلظ القول به..
٢٩ في الأصل: تعامل..
٣٠ ساقطة من الأصل و م..
٣١ الواو ساقطة الأصل و م..
٣٢ في الأصل و م: دبر..
٣٣ في الأصل و م: أطاف..
٣٤ في الأصل و م: أطاف..
٣٥ في الأصل و م: أحسن ساقطة من الأصل..
٣٦ في الأصل و م: عقوبة..
٣٧ في الأصل و م: أجر من..
٣٨ من م في الأصل: ودعاية..
٣٩ في الأصل: الحكام يقطع في م: الحكام يقطع تلك..
٤٠ في الأصل و م: جعلت..
٤١ من م ساقطة من الأصل..
٤٢ في الأصل و م: مضاجعه..
٤٣ في الأصل و م: لا ان في أن..
٤٤ في الأصل و م: بها..
٤٥ في الأصل و م: ويحتمل اهجروهن عن المضاجع..
الآية ٣٥ وقوله تعالى : ﴿ وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهلها ﴾ الآية. كانت١ هذه المخاطبة والله أعلم لغير٢ الزواج لأنه قال : ﴿ وإن خفتم شقاق بينهما ﴾ ولو كانت المخاطبة في ذلك للأزواج٣ لقال٤ :فإن خافا شقاق بينهما ( أو إن ) ٥ خفتم شقاق بينكم. وقوله تعالى : ﴿ والتي تخافون نشوزهن فعظوهن ﴾ الآية ( النساء ٣٤ ) خاطب بذلك الأزواج لأنه قال : ﴿ واهجروهن في المضاجع ﴾ وذلك على الزوج أي للزوج إذا خاف نشوز امرأته أن يعظها أولا فإن قبلت وإلا فبعد ذلك يهجرها٦ ثم يضربها إن لم تقبل ذلك كله فبعد ذلك يرفع٧ الأمر غلى الحاكم ( أو الأمام الذي يوجه ) ٨ الحكمين وروي نحو ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ( أنه قال :يبعث الحكمين ) ٩ حكما من أهله وحكما من أهلها ( فيقول حكم أهلها ) ١٠ يا فلان ما تنقم من زوجك ؟ ( فيجيب ) ١١ أنقم منها كذا وكذا يقول أرأيت أن١٢ ترغب عما تكره إلى ما تحل ؟ هل أنت تتقي الله، وتعاشرها بالحق عليك من جمع الله بينهما بالحكمين بما١٣ يجمع الله ( وبما يفرقهما ) ١٤.
ثم اختلف في الحكمين هل يفرقان بينهما ؟ قال بعضهم :يفرقان بينهما عن شاء الله وغن جمعهما وروي عن ابن عباس رضي الله عنه ( أنه ) ١٥ قال :( بعثت أنا ومعاوية حكمين فقيل لنا :إن رأيتما ان تجمعا جمعتما وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما ).
وأما عندنا فإنهما لا يفرقان إلا برضا الزوجين :ام روي أن رجلا وامرأته أتيا ( عليا )١٦ رضي الله عنه مع كل واحد منهما قيام من الناس، فقال علي رضي الله عنه :ما شأن هذين ؟ قالوا بينهما شقاق قال علي رضي الله عنه :ابعثوا ﴿ حكما من أهلها إن يريد إصلاحا يوفق الله بينهما ﴾ ( ثم قال )١٧ هل تدريان ما عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما. قالت المرأة :رضيت بكتاب الله قال الرجل :أما الفرقة فلا فقال علي رضي الله عنه :كذبت والله لا تنفلت مني حتى تقر كما أقرت. اخبر علي أن فرقة الحكمين إنما تجب برضا الزوجين لم ينظر إلى سخط الزوج في الفرقة ولقال علي رضي الله عنه للحكمين :فرقا إن رأيتما ذلك :كره الزوج، أو رضي.
وفي قوله أيضا : ﴿ وإن خفتم شقاق بينهما ﴾ أي علمتم إذ حق أن يجتهد في الحال بينهما، فيعلم على الغالب وللغالب حق العلم في الأعمال وحق الريب في الشهادة فذكر باسم الخوف على ما فيه من علم العمل، على أن في ظاهر الآية التفرق في المنزل حتى يبعث عن كل واحد ( منهما ولو كنا في منزل واحد )١٨ فحقه أن يجمع بين الحكمين لا أن ( يبعث ما ) ١٩ يدل على ظهور الخلاف والشقاق والله أعلم.
قال وأمر :/ ٩٤- أ/ الحكمين بالإصلاح بين الزوجين وهو الأمر الذي أمر بين جميع المؤمنين من قوله : ﴿ وأصلحوا ذات بينكم ﴾ ( الأنفال ١ ) و قوله : ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لإيمانكم ﴾ ( البقرة ٢٢٤ ) وقوله : ﴿ لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف او إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ﴾ ( النساء ١١٤ ) وذلك حق التأليف وما به من تمام الأخوة بقوله : ﴿ فأصلحوا بين أخويكم ﴾ ( الحجرات ١٠ ) بما يضر به أهله، ويوجب التفريق بينهم والتباغض. وعلى ذلك أمر الحكمين في النكاح والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ إن يريدا إصلاحا يوفق الله بي نهما ﴾ وعن ابن عباس رضي الله عنه : ﴿ إن يريدا إصلاحا يوفق بينهما ﴾ هما الحكمان وعن مجاهد مثله وقال آخرون :قوله : ﴿ إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ﴾ هما الزوجان.
وفي الآية دليل على أنه ليس للحكمين أن يفرقا لأن الله تعالى قال : ﴿ إن يريدا إصلاحا ﴾ وليس فيها دليل ان فرقتهما جائزة بشيء وقوله تعالى : ﴿ فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جانح عليهما فيما افتدت به ﴾ ( البقرة ٢٢٩ ) يدل على ان الخلع إليهما دون الحكمين وكان الحكمين يوجهان ليعرف من الظالم من الزوجين ؟ يستظهر بهما على الظالم لأن كل واحد منهما ذو٢٠ شكاية بين الناس من صاحبه، لا يعرف الظالم منهما من غير ظالم. فإن كان الزوج هو الظالم أخذ على يده وقيل ( له ) ٢١ :لا يحل لك ان تفعل هذا لتخلع منك، وأمر ان ينفق عليهما. وإن كانت هي الظالمة وكانت في غير منزله ناشزة لم يؤمر بالإنفاق عليها وقيل له :قد حلت٢٢ الفدية وكان في أخذاه معذورا بما ظهر للحكمين من نشوز المرأة، والله الموفق.
وفي قوله أيضا : ﴿ إن يريدا إصلاحا ﴾ لا يخلو من أمرين :غما يريد به الزوجين وإما٢٣تطيعوا ان تعدلوا } الآية ( النساء ١٢٨ و١٢٩ ) ثم قوله عز وجل : ﴿ وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ﴾ الآية ( النساء ١٣٠ ).
فعلى ما ظهر منه النشوز صرف أمر التفرق إلى الزوجين وكذلك قوله تعالى : ﴿ ولا يحل لكم ان تأخذوا مما آتيتموهن ﴾ إلى قوله تعالى : ﴿ فلا جناح عليهما فيما افتدت به ﴾ ( البقرة ٢٢٩ ) فأشركهما في الابتداء الذي به الفراق، ويريد به الحكمين فيكون ذلك على الترغيب في طلب الإصلاح بينهما وعلى إيثار العدل والصواب كقوله تعالى : ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾ ( النساء ٥٧ ) وقوله تعالى : ﴿ كونوا قومين بالقسط ﴾ الآية ( النساء ١٣٥ ).
( وقوله تعالى )٢٤ ﴿ إن يريد إصلاحا يوفق الله بينهما ﴾ له وجهان :
( أحدهما :التوفيق ) ٢٥ :بين الزوجين ببركة قيام الحكمين لله وابتغائهما الصلاح بينهما، فيوفق الزوجين لما له النكاح من السكن والرحمة والمودة والعفة.
والثاني٢٦ : ﴿ يوفق الله بينهما ﴾ بين الحكمين في إصابة ما أراد من الإصلاح.
ثم العلم بإرادتهما الأصلح لا يعلمه غلا الله. فلا يحتمل أن يوجب لهما في الحكم التفريق. والذي جوابه وعد التوفيق لم يبين فلذلك لم يكن لهما لاحق التفريق، غنما إليهما إعلام ما اتفقا عليه، ثم هما عملا لهما، فيكون لها الرضا بما رأيا وغير الرضا.
وأصلحه وجهان :أحدهما :أنهما استوجبا القيام بالتولية والرضا من الزوجين وبمن يخاف الشقاق بينهما فإن قاما ببعث الناس فقاما ببعث من لا يملك الفراق يستوجبان بهم ذلك أو إن قاما الزوجين فرضيا وهما في ذلك لم يكن لهما غير الذي كان فيه الرضا عليهما، والله أعلم.
والثاني :أنهما بعثنا للعلم بالسبب الذي حملها على الشقاق ولعل السبب منهما، فلا يحتمل أن يلزماه٢٧ الطلاق بلا ذنب منه فتكمن كل امرأة تريد مفارقة الزوج وإغرامه المهر. وإذا لم يحتمل أم يكون لهما حق التفريق بهذا البعث مع ما بعثا لدفع الشقاق الهائج بينهما والرد إلى الإصلاح الذي له النكاح على انه يمكن الأخذ على يدي الظالم منهما والقهر على العود إلى ما فيه الصلاح بالتأديب لم يجز أن يلزما الفراق وإن كرهاه والله أعلم.
ثم الأصل أنهما بالغان لا يلزمان النكاح إذ كرها ورأى٢٨ القوم الصلاح على التناكح على احتمال وجود الولايات. في النكاح كانا أن يلزما٢٩ الطالق إذا كرها على امتناعه عن وجوب الولايات لغير الزوجين أحرى والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ إن الله كان عليما خبيرا ﴾ من الظلم منهما ؟ ومن المظلوم ؟ وقيل : ﴿ عليما خبيرا ﴾ بنصيحتهما لهما ﴿ عليما ﴾ بما أشارت٣٠ المرأة إلى حكمها والزوج إلى حكمه ﴿ خبيرا ﴾ بما اطلع كل واحد من الحكمين من صاحبه على ما أفتى به إليه، أصدقه ؟ أم لم يصدقه، والله أعلم وفي حرف انب مسعود فاتوا حكمة من أهله وحكمة من أهلها.
١ في الأصل و م: كان..
٢ من م في الأصل: بغير..
٣ في الأصل و م: الازواج..
٤ من م في الأصل: تقال..
٥ من م في الأصل و م: فإن..
٦ في الأصل و م: هجرها..
٧ في الأصل و م: رفع..
٨ في الأصل و م: الأمام يوجه..
٩ في الأصل: يبعث الحكمان في م: قال: يبعث الحكمان..
١٠ ساقطة من الأصل و م..
١١ ساقطة من الأصل و م..
١٢ ساقطة من الأصل و م..
١٣ في الأصل و م: بهما..
١٤ في الأصل و م: بهما يفقران..
١٥ ساقطة من الأصل و م..
١٦ ساقطة من الأصل و م..
١٧ في الأصل و م: فقال علي رضي الله عنه..
١٨ من م ساقطة من الأصل..
١٩ في الأصل و م: يبعثا..
٢٠ في الأصل و م: ذا..
٢١ ساقطة من الأصل و م..
٢٢ في الأصل و م: خلت..
٢٣ في الأصل و م: أو..
٢٤ ساقطة من الأصل و م..
٢٥ في الأصل و م: أي.
٢٦ في الأصل و م: ويحتمل..
٢٧ في الأصل و م: يلزمانه..
٢٨ في الأصل و م: وراء..
٢٩ في الأصل و م: يلزمان..
٣٠ في الأصل و م: أشرت..
الىية ٣٦ وقوله تعالى : ﴿ واعبدوا الله ﴾ قيل :وحدوا الله وقيل :أطي عوا الله. . وقد ذكرنا في ما تقدم ﴿ ولا تشركوا به شيئا ﴾ يحتمل النهي عن الإشراك في سلطانه وغير ذلك، ( وكل ذلك )١ غشراط بالله وبالله العصمة.
قال بعض أهل اللغة :العبادة هي الطاعة التي معها الخضوع وقال بعضهم :التوحيد :وأصلها :أن يجعل العبد نفسه لله عبدا لا يشرك فيها غيره من هؤلاء وما كان وجوه الإشراك ثم وجهان أحدهما :في الاعتقاد والثاني :في الاستعمال والله اعلم.
وقوله تعالى :و ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ أمر الله تعالى بالإحسان على الوالدين وأمر بالإحسان على ذي القربى واليتامى والمساكين إلى آخر ما ذكره. لكن المعنى الذي به أمر بالإحسان إلى هؤلاء الأصناف والفرق مختلف.
وأما الإحسان على الوالدين ( فهو أن ) ٢ يشكر لهما بما أحسنا إليه وربياه صغيرا كقوله تعالى : ﴿ أن أشكر لي ولوالديك ﴾ ( لقمان ١٤ ) وقوله تعالى : ﴿ فلا تقل لهما أف ﴾ الآية ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا } ( الإسراء ٢٣ و٢٤ ) يذكر حال صغره وضعفه غذ كيف ربياه، ويشكر لهما على ذلك ويحسن إليهما جزاء لما أحسنا غليه وربياه صغيرا وقال الله عز وجل أيضا :
﴿ ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا ﴾ ( الأحقاف ١٥ ) فالإحسان إلى الوالدين جزاء وتشكر لما أنعما هما عليه وذلك يكون من جانب الولد لأن مثله ي لزم الوالدين لولدهما٣ وذلك فرض على الولد حتى عد عقوق الوالدين من الكبائر.
روي عن رسول الله تصلى الله عليه وسلم ( أنه ) ٤ قال : " أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين " ( البخاري ٥٩٧٦ ) والواجب على الرجل أن يطيع والديه وكل واحد منهما إلا أن يأمران بمعصيته أو ينهياه٥ عن أداء فريضته أو تأخيرها عن وقتها، فإن طاعتهما حينئذ معصية لله. ألا ترى إلى قوله عز وجل : ﴿ وإن جهدناك على أن تشرك به ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبها في الدنيا معروفا ﴾ ( لقمان ١٥ ) أمره بمصاحبتهما٦ بالمعروف إلا أن يأمران بمعصيته٧ ولهذا قال أصحابنا رحمهم الله لا ينبغي للرجل أن يقتل أباه الكافر كان محاربا إلا أن يضطر الأب إلى ذلك لأنه قال : ﴿ وصاحبهما في الدنيا معروفا ﴾ فمن المعروف في الدنيا ألا يقتله ولا يشهر عليه السلاح وقالوا أيضا :إن مات أحدهما يتول٨ دفنه وذلك من حسنه الصحبة والمعروف.
روي عن أبا طالب لما مات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه " اذهب فواره " ( أحمد ١/ ٩٧ ).
ثم هذه الآية تسوية بين الوالدين في ما أمر له الإحسان إليهما، وان لم يجعل للأب فضلا في ذلك على الأم، فلذلك يدل على ان إسلام مل واحد / ٩٤ – ب/ من الأبوين للصغير إن كان الإجماع قائما في إ سلام الأب ولده الصغار وكذلك قول ر سول الله صلى الله عليه وسلم " غير أن أبويه يهودانه أو ينصرانه " ( البخاري ١٣٨٥ ).
وقوله تعالى : ﴿ وبذي القربى ﴾ أمر الإحسان إلى ذي الق ربى، ومعنى الأمر به والله أعلم صلة بعضهم بعضا وذلك من جانبين :ما يلزم هذا إن يحسن إلى هذا لزم الآخر ان يحسن إليه وذلك للمودة في ما بينهم والمحبة وذلك فرض أيضا أن يصل بعضهم بعضا، لان صلة القرابة فريضة.
والأمر بالإحسان على اليتامى يحتمل وجهين :لما ليس لهم والد يقوم بكفايتهم على ما يقوم له واحده. وأمر بذلك لما ببر الرجل ولد آخر لمكان والديه فإذا مات والده لا يمتنع عن ذلك فأمر ان يحسن٩ إليه بعد موت والده على ما ( كان يحسن )١٠ في حياته لانه في ذلك الوقت أحوج إذ لا شفقة عليه وشفقة والده معدومة والله أعلم.
وفي الأمر بالإحسان على المساكين يحتمل أيضا وجهين :يحتمل شكرا على ما من الله عليهم وأنعم بالأفضال على أوليك أن لم يسبق منهم إلى الله معنى يستوجبون ذلك دونهم أمر بالإحسان إليهم، ( ويحتمل ثناء لما أنهم ) ١١ من جوهرهم وجنسهم في الحلقة يحتاجون إلى ما يحتاج هؤلاء من المأكول والمشرب والملبس وغير ذلك يأمرهم بالإحسان إليهم شفقة منهم ليتقوا على ما فرض الله عليهم إذ هم ( في الحقيقة مثلهم ) ١٢ في الخلقة والجوهر وهذا١٣ الإحسان إلى١٤ اليتامى والمساكين من جانب ليس من جانبين.
وقوله تعالى : ﴿ وابن السبيل ﴾ أمر الله بالإحسان إلى ابن السبيل للوجهين اللذين وصفتهما في المساكين والله أعلم. وقيل في اليتامى :إنه أمر الأوصياء بالقيام على مالهم وحفظهم رحمه لهم واللين لهم.
وقوله تعالى : ﴿ والجار ذي القربى ﴾ وهو١٥ ذو قرابة وله حقان حق الجوار وحق الرحم، كذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الجيران ثلاثة جاز له حق واحد، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق. فأما الذي له حقوق ثلاثة ( فله ) ١٦ حق القرابة حق القرابة وحق الإسلام وحق الجوار، والذي له حقان ( هما ) ١٧ حق الإيلام وحق الجوار والذي له حق واحد هو حق الجوار " ( كشف عن زوائد البراز ١٨٩٦ ).
وقوله تعالى : ﴿ والجار الجنب ﴾ خص الله سبحانه وتعالى الجار الجنب دون غيره من الجيران الملازقين وكان ذلك دليلا على أن الحقوق التي تلزم بالجوار إنما تلزم في الجيران بالملك، يمس ملك بعضهم بعضا ويلصق به كما في الرحم يمس أنفس بعضهم لبعض.
ولهذا قال أبو حنيفة رضي الله عنه انه إذا أوصى جيرانه فالوصية للملازقين دون غيرهم لانهم هم الذين يلزم لبعضهم على بعض حقوق يقومون بأدائها في حال حياتهم فإذا ماتوا فأوصوا إنما أوصوا١٨ بأداء ما كان بينهم وكذلك قال في الوصية لذي قرابة :إنها لقرابة الذين يفرض عليهم صلتهم إذا كانوا أحياء فإذا مات فأوصى فغنما يوصي بما كان يؤدي في حال حياته وذلك عما عليه الأداء.
وفيه دليل أن الشفعة الواجبة للجار إنما تكون للجار الجنب الملازق دون غيره من الجيران وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم حق الجار وأمر بمسافحته.
وعن ابن عمر رضي الله عنه ( أنه )١٩ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " ( أبو داوود ٥١٥١ ).
وفي بعض الأخبار : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره " ( المنذري ٣٧٧٠ ) وفي بعضها : " ما آمن من أمسى شعبان وجاره جائع " ( الطبراني في الكبير ١ /٧٥١ ) و :إذا بيع بجنبه دار وأرض فله أن يأخذا بالشفعة لما روي عن عمرو بن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه ) ٢٠ قال : " الجار أحق بسبقه " ( البخاري ٢٢٥٨ ) وعن عمرو بن الشريد عن أبيه ( أنه ) ٢١ قال قلت :يا رسول الله ارض لي لأحد فيها شرك إلا الأجر فقال : " الجار أحق بشفعة جاره ما كان " ( الترمذي ١٣٦٩ ).
وعن رافع ابن خديج ( أنه ) ٢٢ قال :( عرض علي سعدا بيتا فقال :خذه فغني أعطيت به أكثر مما تعطيني ولكنك أحق لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " الجار أحق بسبقه " ).
وعن ابن الزبير عن جابر رضي الله عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة بالجوار ) وعنه أيضا ( أنه ) ٢٣ قال : " قال رسول الله صلى الله عليه :الجار أحق بشفعة جاره إذا كان طريقها واحد ينتظرها وإن كان غائبا " الترمذي ١٣٦٩ ) وقول النبي " ينتظر بها، وغن كان غائبا " يدل على أنه لا ينتظر بها أكثر من ذلك.
وفي ذلك دليل على ان الشفيع إن امسك عن طلب الشفعة وقد علم بالبيع بطلت شفعته ومما يدل على ذلك أيضا ان الشفعة إنما جعلت للجار، والله أعلم بما يخاف عليه من سوء جوار المشتري والضرر الذي عسى أن يلحقه منه. فلو جعلنا الشفيع على شفعته أبدا لم يؤمن أن ينبني المشتري في الدار، وينفق فيها نفقة عظيمة، ثم يجيء الشفيع فيطلب الشفعة فيقاتل للمشتري :سلم الدار أو ارفع بناءك وفي ذلك عليه بين.
وعن علي وعبد الله رضي الله عنه ( أنهما ) ٢٤ قالا :( قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة بالحوار ) وعن شريح ( أنه ) ٢٥ قال :كتب إلى عمر رضي الله عنه أن اقض للجار بالشفعة ).
وإلى هذه الآثار ذهب أصحابنا رحمهم الله في إيجاب الشفعة للجار وأنكر قوم ألا تكون إلا في ما يقسم من الدور والأرضين واحتجوا في ذلك بما روي عن سعد بن المسيب وابن سلمة. ( أنهما ) ٢٦ قالا :( قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وضعت الحدود ورصفت الطرق فلا شفعة ) وكذلك روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله.
لكن تأويل الحديث عندنا، والله أعلم أن قوله قضى بإيجاب الشفعة ما لم يقسم قول الراوي لانه لم يحك عنه أنه قال الشفعة في ما يقسم :فيحتمل ان يكون علم ذلك فحكاه ولم يعمل بما رواه الآخرون بإيجاب الشفعة في ما قد قسم.
وأما قوله :فإذ وضعت٢٧ الحدود فلا شفعة فليس فيه بيان حكاية عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد يجوز أن يكون ذلك من الراوي. أو إن قال ذلك فإنما قال في القسمة : " لا شفعة في القسمة " عندنا ثم فد جعل الله تعالى لبعضهم٢٨ على بعضهم حقوقا باتصال أملاكهم حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أرد أن يبيع داره فليستأذن جاره " فإذا أراد البيع اختيار الجار الذي لا حق له على الجار الذي له حق جعل لع أبطال ذلك ؛ غذ ليس غرضه من البيع إلا الثمن وقد٢٩ يوجد في الجار. وأما البيع فالمقصود فيه الثمن.
وقوله تعالى أيضا : ﴿ والجار ذي القربى والجار الجنب ﴾ البعيد بين والله ليعلم أن الحق الذي ذكر للجار من الإحسان غليه ليس ه و بحق القرابة، بل هو بحق الجوار، فأمر بالإحسان على من له حوار بالنسب، ثم كان الحق قدساقطة من الأصل. يصير من بجوار النسب بحال مع ما كانت الصلة مفروضة في من مس ملكه، في الملك وجوبه، في ما وقع التماس بالبدن في البدن.
على ان الآية ف( ي ما أمر بالإحسان إلى جميع من ذكر قد يصير ذلك حقا يلزم بحال فمثله حق الجوار. وذلك لا يعرف غير حق الشفعة وقد جاءت به الآثار وتوارث المسلمون في ذلك( الطلب والاحتيال في الصرف والمنع. فبان أن الحق به ظاهر لا يحتمل الخفاء مع ما لا يشك ( أحدا )٣٠ من العوام في٣١ ذلك إلا وعنده حظ من العلم فيه / ٩٥- أ/ لا يوجد مثله لشيء من الحقوق ) ٣٢ في عين أملاك المحقين.
وهذا البيان والظهور ثبت أن أمره٣٣ كان معروفا في الأمة حتى جرى به التوارث. ثم هذا النوع من العلم لا يحتمل انتشاره ونيله بالرأي فصار كسنة ظاهرة لها حق التواتر مما قد يستغني عن روايته، والله أعلم ثم أعلم أن الناس على اختلافهم متفقون٣٤ على وجوب حق الشفعة بحق الشرك في ما يحتمل القسمة.
فأما ان يجب بحق القسمة فيجب ذلك في كل محتمل القسمة وذلك مما يأباه ( أنفس ) ٣٥ الجميع أو يجب بما جعل من لاحق الجوار الذي جاء به الكتاب وجرت به السنة أو بما جعل من تأذي بعض الجيران ببعض والأمر بالمعروف في الخلق من الاستخبار عن أحوال الجيران قبل تأمل وتفاوت القيم باختلاف الجيران بما في ذلك من المؤن والمضار. وأي هذين كان فالشفعة واجبة بالجوار لأنهما أمران لا يلم منهما على إثبات الجوار فيجب به الشفعة مع ما أمكن الجمع بين الإيثار بما لا يحتمل تسمية الشريك جارا من حيث الشرك لوجهين.
أحدهما :قوله تعالى : ﴿ وفي الأرض قطع متجاوزات ﴾ ( الرعد ٤ ) لم يجعل الأرض من حيث الأرض متجاوزة حتى أثبت لها القطع، فاوجب بالقطع التجاوز مع ما كان الجوار في العنة اسم التقارب والالتصاق لا لتداخل معروف ذلك ( عند من ) ٣٦ نفسه مكابرة المعارف.
والوجه الآخر :ما لا يسمي ال
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ في الأصل و م: لولده..
٤ ساقطة من الأصل و م..
٥ في الأصل و م: ينهاه..
٦ في الأصل و م: بمصاحبتهم..
٧ في الأصل و م: معصيته..
٨ في الأصل و م: يتولى..
٩ في الأصل و م: يحسنوا..
١٠ في الأصل و م: كانوا يحسنون..
١١ في الأصل و م: والثناء في أنه..
١٢ ساقطة من الأصل و م..
١٣ في الأصل و م: وهذه..
١٤ في الأصل و م: وهذه..
١٥ في الأصل و م: وهم..
١٦ ساقطة من الأصل و م..
١٧ ساقطة من الأصل و م..
١٨ في الأصل و م: أوصى..
١٩ ساقطة من الأصل و م..
٢٠ ساقطة من الأصل و م..
٢١ ساقطة من الأصل و م..
٢٢ ساقطة من الأصل و م..
٢٣ ساقطة من الأصل و م..
٢٤ ساقطة من الأصل و م..
٢٥ ساقطة من الأصل و م..
٢٦ ساقطة من الأصل و م..
٢٧ في الأصل و م رفعت..
٢٨ في الأصل و م: عن بعضهم..
٢٩ في م:هو قد..
٣٠ ساقطة من الأصل..
٣١ فيلا الأصل: عن..
٣٢ ساقطة من م..
٣٣ من في الأصل: امرأة..
٣٤ في الأصل و م: متفقين..
٣٥ ساقطة من الأصل و م..
٣٦ في الأصل و م: عندهن..
الآية ٣٧ وقوله تعالى : ﴿ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ﴾ الآية. تحتمل الآية أن تكون تفسيرا لما تقدم من قوله : ﴿ إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ﴾ ووصفنا لهم إذ لا يتكلم بمثله إلا ( عما ) ١ تقدمه. وتحتمل على الابتداء كقوله : ﴿ الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ﴾ الآية ( الزخرف ٧٩ ).
ثم تحتمل وجوها :يحتمل قوله : ﴿ يبخلون ﴾ بما عندهم من الأموال ﴿ ويأمرون الناس بالبخل ﴾ وهكذا دأب كل بخيل ان يبخل ويأمر به غيره. ويحتمل ﴿ يبخلون ﴾ بما عندهم من العلوم والأحكام ؛ لم يعلموا غيرهم ويأمرون الناس بذلك. ويحتمل قوله : ﴿ يبخلون ﴾ بإظهار بعث٢ محمد صلى الله عليه وسلم ويأمرون الناس به ألا ترى أنه قال : ﴿ ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ﴾ ؟ أي يكتمون بعث محمد صلى الله عليه وسلم وصفته.
ويحتمل قوله : ﴿ ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ﴾ أي يكتمون من العلوم والحكمة ويحتمل ما ذكرنا انهم يكتمون ﴿ ما آتاهم الله من فضله ﴾ من الأموال وال ينفقونها ( إذ )٣ في ترك الإنفاق والتصدق٤ كتمان ما أنعم الله عليهم.
وعلى ذلك روي ( عن ) ٥ رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه ) ٦ قال : " من آتاه الله نعمة فلتر عليه ( بنحوه أبو داوود ٤٠٦٣ ) لعله أراد بقوله : " فلتر عليه " أن ينفقها على نفسه، ويتصدق لها، ويلبسها وجائز أن يكون أراد، والله اعلم الإنفاق والتصدق على غيره٧ فعلى ذلك كتمان ما آتاهم من الأموال إذا تركوا الإنفاق على غيرهم لان من كانت له الأموال لا يترك الإنفاق على نفسه.
وقيل : ﴿ الذين يبخلون ويأمرون الناس البخل ﴾ أي لما أنعم الله عليهم من الأموال أو بما بين لهم من صفاته عليه الصلوات، أو بما أمروا من العبادات حملهم على الكفر أحد هذه الأوجه الثلاثة، إذ كانوا استحلوا أحدها فكفروا بذلك لزمهم الذي ذكر القرآن والله أعلم وكتمانهم يرجع إلى كتمان البعث٨ والحقوق والعبادات في أنفسهم لئلا يعرفوا بالعدول عما في كتبهم وذلك يخوفهم٩ واله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ واعتدنا للكافرين عذابا مهينا ﴾ ظاهر وقد ذكرناه١٠ في غير موضع.
١ ساقطو من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: نعت..
٣ ساقطو من الأصل و م..
٤ من م في الأصل: الصدق..
٥ ساقطو من الأصل و م..
٦ ساقطو من الأصل و م..
٧ في الأصل و م: غيرهم..
٨ في الأصل و م: النعت..
٩ في الأصل و م: تخويفهم..
١٠ في الأصل و م: ذكرنا..
الآية ٣٨ وقله تعالى : ﴿ والذين ينفقون / ٩٥ –ب/ أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ﴾ سرا وقيل :إنها نزلت في المنافقين كانوا ينفقون مراآة كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين بذلك، وكانوا ﴿ ولا يؤمنون بالله باليوم الآخر ﴾ سرا. وقيل إنها نزلت في الذين يسعون في معاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرجون معه، ينفقون أموالهم مراآة الناس، يطلبون بذلك الرئاسة.
وقوله تعالى : ﴿ ومن يكن له الشيطان قرينا فساد قرينا ﴾ يحتمل ان يكون هذا في الدنيا : ﴿ وقضينا لهم قرناء فزينوا لهم ﴾ الآية ( فصلت ٢٥ ) ويحتمل في الآخرة كقوله تعالى : ﴿ فبئس القرين ﴾ ﴿ ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشركون ﴾ ( الزخرف ٣٨- ٣٩ ) فهذا والله أعلم لأن كلا منهم كان يقبح الشيطان، ويأنف عنه، ويحسن الملائكة ويحمدهم حتى ضرب مثل القبح من الأشياء بالشيطان كقوله ﴿ طلعها كأنه رءوس الشياطين ﴾ ( الصافات ٦٥ ) فضرب مثله الحسن بالملائكة وذلك لمعرفتهم بقبح الشياط ين وحسن الملائكة وذلك إنما عرفوا بالخبر لانهم لم يعاينوا ملكا، عرفوا حسنه بالمعاينة ولا شاهدوا شيطانا، عرفوا قبحه بالمشاهدة، ولكنهم عرفوا ذلك ( بالخبر ففيه دليل إثبات النبوة لأنهم ما عرفوا ذلك )١ إلا به دل به استق باح الجميع الشياطين واستنكارهم واستحسانهم الملائكة واستعظامهم من غير ان شهدوا من أحد من٢ الفريقين على قبول الاختيار إذ عن الألسن نطقوا وعلى غث بات الرسالة إذ هم جاؤوا بالآثار عمن شهدهم وأنشأهم والله أعلم.
١ من م ساقطة من الأصل..
٢ ساقطة من م..
الآية ٣٩ وقوله تعالى : ﴿ وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم والآخر ﴾ هذا، والله أعلم صلة قوله : ﴿ والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ﴾ ﴿ وأنفقوا مما رزقهم اله ﴾ ذلك أنهم كانوا ينفقون مراآة طلب الرئاسة وإبقاءها فقال : ﴿ وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله ﴾ تبقى لهم الرئاسة ويكون لهم الذكر، بل ( لو آمنوا كانوا ) ١ في الإيمان أكثر ذكرا وأعظم قدرا ومنزلة ألا ترى انه من أسلم منهم من الأئمة من نحو ابن سلام وغيره كان لهم ذكر في الإسلام وبعد من غير حاجة وقعت بهم إليهم من حق شرائع الإسلام ؟ ومن تاب منهم من٢ الرئاسة والمنافع التي تطعمون وصولها غليكم، وغير ذلك ( حين قلتم ) ٣ ﴿ إن نتبع الهدى معك نخطف من أرضنا ﴾ ( القصص ٥٧ ) فقال : ﴿ وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر ﴾ أي لم يكن مما خافوا باتباع الهدى قليلا أو٤ كثيرا.
وقوله تعالى : ﴿ وكان الله بهم عليما ﴾ يحتمل وجهين :
( أحدهما ) ٥ :يحتمل انه يكون على علم منه يفعلون ( ما يفعلون ) ٦ من فعل الكفر من خلق إبليس لا عن جهل ولا غفلة ليس كصنيع ملوك الأرض أنهم إذا فعلوا فعلا ثم أقبل٧ الخلاف فإنما ذلك لغفلة منهم وجهل بالعواقب فالله سبحانه وتعالى :( ولم ) ٨ يزل عالما للكنه تركهم على ذلك لما ( لا ) ٩ يلحقه الضرر بالعصيان ولا النفع بالطاعة بل حاصل الضرر والنفع يرجع إليهم.
والثاني :يخرج مخرج التحذير لهم والتنبيه لا من علم أن من علم آخر يعلم بصنيعه كان أحذر وأخوف ممن يعلم أنه ليس عليه حافظ. وعلى هذا يخرج قوله : ﴿ كراما كاتبين ﴾ ﴿ يعلمون ما تفعلون ﴾ ( الانفطار ١١ و١٢ ) ليكونوا على حذر من ذلك.
وقيل : ﴿ وكان بهم عليما ﴾ ( يحتمل وجهين :
أحدهما :) ١٠ :أنهم لم يؤمنوا في ( قوله ) ١١ أيضا : ﴿ وكان الله بهم عليما ﴾ أي انشأهم ليعلم الخلائق أن مخالفتهم إياه لا تضره، إذ كل ما يضره الخلاف لا يتولى ابتداءه إلا على الغفلة ببعضه من الضرر يلحقه بالخلاف.
والثاني :على التحذير وقت الفعل بتذكير المراقب عليه ما عليه الأمر المعتاد من الانتهاء عن أمور تهواها النفس بالمراقب عليه. ويحتمل كان على إرادة نفي حديثه العلم، أو أخبر بعلمه بفعلهم وماله من الجزاء والله أعلم.
١ في الأصل و م: آمنوا كان ذلك..
٢ في الأصل و م: عن..
٣ في الأصل و م: حيث قالوا..
٤ من م في الأصل و..
٥ ساقطة من الأصل و م..
٦ ساقطة و م..
٧ في الأصل و م: استقبل..
٨ ساقطة من الأصل و م..
٩ ساقطة من الأصل و م..
١٠ ساقطة من الأصل و م..
١١ في الأصل و م: هذا قوله..
الآية ٤٠ وقوله تعالى : ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ وقوله تعالى : ﴿ ولا يظلمون قتيلا ﴾ ( النساء ٤٩ والإسراء ٧١ ) ( وقوله تعالى )١ ﴿ ولا يظلمون نقيرا ﴾ ( النساء ١٢٤ ) وقوله تعالى ) ٢ ﴿ وما ربك بظلام للعبيد ﴾ ( فصلت ٤٦ ) ذكر هذا والله أعلم لئلا يظن جاهل إذا رأى ألم الأطفال والصغار وما يحل بهم أن ذلك ظلم منه، لكن ذلك والله أعلم، ليعلم أن الصحة والسلامة إفضال من الله تعالى لهم لا لحق عليه٣ ذلك إذ له أن يخلق كيف يشاء صحيحا أو سقيما.
ثم من ظلم، أخبر في الشاهد فإنما يظلم لإحدى خلتين :إما لجهل بالعدل والحق، وإما لحاجة تمسه ( تدفعه، فتحمله ) ٤ فالله سبحانه وتعالى غني بذاته عالم لم يزل يتعالى أن تمسه حاجة، أو يخفى عليه شيء مع ما كان معنى الظلم في الشاهد هو التناول مما٥ ليس له وكل الخلائق من كل الوجوه له، فلا معنى ثم للظلم.
ثم قيل في الذرة :إنها نملة وكذلك في حرف ابن مسعود رضي الله عنه مثقال نملة وقيل :مثقال حبة وهو على التمثيل ليس على التحقيق ذكر بصغر جثته أنه لا يظلم ذلك المقدار فكيف ما فوق ذلك ؟ لا أن مثله يحتمل أن يكون لكن لو كان فهو بتكوينه وبالله التوفيق.
وقوله تعالى : ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ﴾ هذا على المعتزلة لأنهم يقولون :من ارتكب كبيرة يخلد في النار ومعه حسنات كثيرة فأخبر عز وجل : ﴿ وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ﴾ وهي الجنة وهذا لسوء ظنهم وإياسهم من رحمته.
عم أنس رضي الله عنه أن٦ النبي صلى الله عليه وسلم قال، " إن الله تعالى لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها إما بذوق في الدنيا وإما بجزاء في الآخرة " ( مسلم ٢٨٠٨ ) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يقول الله تعالى :أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إحصان " ( بنحوه الطبراني في الصغير ٨٦١ ) قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه ( فمن شك فيقرأ : ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ ).
١ في الأصل و م:..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ في الأصل و م: عليهم..
٤ في الأصل و م: يدفع فيحمله..
٥ في الأصل و م: عما..
٦ من م، في الأصل: على..
الآية ٤١ وقوله تعالى : ﴿ فكيف إذا جئنا كل أمة بشاهد ﴾ يعمي نبيها ﴿ وجئنا بك ﴾ يا محمد ﴿ على هؤلاء شهيدا بالتصديق لهم لأنهم يشهدون على الأمم للرسل أنهم ما أرسلوا بها، هو دليل صدقهم وقامت براهينهم بالرسالة، صارت شهادة على هؤلاء على هذا التأويل كقوله تعالى :{ وما ذبح على النصب ﴾ ( المائدة ٣ أي يحتمل عليهم لو كذبوا وزلوا.
الآية ٤٢ وقوله تعالى : ﴿ يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ﴾ قيل :فيه بوجوه :إذا ميز الله أصحاب الوحش ﴿ تسوى بهم الأرض ﴾
وعن ابن عباس رضي الله عنه يجحد أهل الشرك يوم القيامة أنهم كانوا مشركين فينطق الله تعالى جوارهم فتشهد عليهم، فيودون لو ١كانوا ترابا كقوله تعالى : ﴿ يا ليتنا كانت القاضية ﴾ ( الحاقة ٢٧ ) فلذلك قوله سبحانه وتعالى : ﴿ لو تسوى بهم الأرض ﴾ ليتنا لم نبعث ولم نحي ويقرأ٢ تسوى وتسوى وتسوى وتسوى ونسوي، وفي حرف حفصة/ لو تسوي بهم الأرض.
و قوله تعالى : ﴿ ولا يكتمون الله حديثا ﴾ وقيل :لما أنطق الله تعالى جوارهم وشهدك عليهم حين أنكروا ﴿ أنهم كانوا ) ٣ مشركين بقوله تعالى :{ إلا ان قالوا والله ربنا ما كنا مشرطين ﴾ ( الأنعام ٢٣ ) لم يستطيعوا أن يكتموا الله حديثا. ويحتمل على الاستئناف ﴿ ولا يكتمون حديثا ﴾ ويحتمل أن يكونوا يودون في الآخرة ويتمنون أن لم يكونوا كتموا في الدنيا حديثا.
١ في الأصل و م: أنهم..
٢ انظر حجة القراءات (٢٠٣)..
٣ في الأصل و م: ان يكونوا..
الآية ٤٣ وقوله تعالى :يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى } اختلف في قوله ﴿ ولا تقربوا الصلاة وانتم سكارى ﴾ قيل :لا تدنوا مكان الصلاة، وأنتم سكارى، نهى عن الصلاة في حال السكر. وكذلك الجنب لا يدنوا مكان / ٩٦ –أ/ الصلاة، وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه وقيل : ﴿ لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى ﴾ روي أن رجلا صنع طعاما فدعا أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وسعد ابن أبي وقاص فآكلوا وسقاهم خمار، وذلك أن قبل يحرم فحضرت صلاة المغرب فأمهم رجل منهم فقرأ : ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ ( الكافرون ١ ) بطرح اللاءات فنزل قوله تعالى ﴿ لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى ﴾ ( بنحوه السيوطي في الدر المنثور ٢ / ٥٤٥ ).
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه )١ قال : " لا يلسن أحدكم وهو لا يعقل صلاته " ( ب نحوه إحياء علوم الدين ١/ ٢٥٢ ).
في الآية دلالة أن في الصلاة قولا وفرضا نهى ع ن قربانها في حال السكر مخافة تركه، أو نهى عن قربانها في حال السكر خ وفا ان يدخل فيها قولا منها. وفي ذلك دليل ف ساد الصلاة بالكلام عمدا، كان خطأ لان السكران لا يفعل ذلك على العمد، ولكن على الخطأ.
والأصل في هذا أنه لم ينه٢ عن فعل الصلاة في حال السكر لنفس الصلاة، ولكن نهى عن السكر وذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " لا صلاة للعبد الآبق ولا للمرأة الناشزة " ( بنحوه مسلم ٨٠ وليس فيه ذكر المرأة ) ليس النهي فيه عن الصلاة ولكن النهي عن الإباق والنشوز نفسه. وهكذا كل عبادة٣ نهى عنها بأس باب تتقدم فالنهي٤ إنما يكون عن تلك الأسباب لا عن العبادات التي أمرها لأن الإباق والنشوز والسكر ( ليست بالتي تعمل ) ٥ في إسقاط ذلك الفرض وتلك العبادات.
وفي الآية دلالة أن السك ران مخاطب بقوله : ﴿ لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى ) نهي قربان الصلاة في حال السكر٦ فالنهي إنما وقع في حال السكر فإذا كان مخاطبا عمل طلاقه ونفذت عقوده. ألا ترى أنه قال في آية أخرى :{ إنما يريد الشيطان أن يوقع العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله ﴾ ( المائدة ٩١ ) يعني ولا ذكر عليهم ؟ دل أنه مخاطب. ولهذا ما قال أبو يوسف رحمه الله :إذا ارتد عن الإسلام ( فلا ) ٧ يكون ارتداده ارتداد، ولما نفذ طلاقه وسائر عقوده وفسوخه فعلى ذلك لارتداد وعلى قول أبي حنيفة ( رحمه الله ) ٨ لا يصير مرتدا استحسانا ليس كسائر العقود والفسوخ لأن سائر العقود يتعلق جوازها باللسان. وإن كان رضا القلب مشروطا فيها، وأما الإيمان والكفر فإنما يكون بالقلب وإن كانت٩ العبارة باللسان ( فتكون ) ١٠ شرطا في ما بين الخلق. فإذا كان كذلك :فإذا سكر يذهب السكر القلب، فجعل كأنه لم ينطق وأما ( ما ) ١١ كان سائر العقود تتعلق باللسان، فإذا نطق ( بها جازت ) ١٢ والله أعلم.
واختلف١٣ في قوله تعالى : ﴿ لا تقربوا الصلاة ﴾ منهم من حمل على مكان الصلاة غذ الصلاة فعل، والفعل لا يقرب، ومنهم من حمل على الفعل أي لا تصلوا. أي الوجهين أريد به، فالآخر داخل فيه لأنه إذا نهي عن حضور مكانها لحرمته فهي أعلى في الحرمة وأحق في المنع. أيد ذلك قوله سبحانه وتعالى : ﴿ حتى تعلموا ما تقولون ﴾ والعلم بالقول يحتاج في حق الفعل لئلا يترك المفروض من الذكر فيفسد أو يدخل المحرم وفي ذلك دلالة أحد الوجهين وفي حق العموم الوجهان جميعا، وهو على الخطأ يقول، فثبت ان الخطأ من القول في الصلاة مفسد، إذ لو كان لا يفسد لم يكن سوى النهي. وفي التأخير نهي أيضا والله أعلم. ولو أريد به الصلاة فإنما المكان لأجلها، فلا وجه للحضور دون مكان الفعل، والله أعلم.
وعلى ذلك أمر الجنب واستثناء عابري السبيل ليكون على فعل الصلاة باليتيم فيكون في الآية دلالة اليتيم للجنب أو ( عابري ) ١٤ المكان فيباح الدخول فيه على العبور فيه باليتيم، فعلى ذلك عندنا الدخول للاغتسال فيه، إذا كان فيه، والله أعلم، وإذا أبيح للجنب على المنع عن دخول المسجد إلا باليتيم فثبت ان اليتيم قد جعل له الطهارة فله الصلاة به ليعذر والله أعلم.
ثم في المروي دلالة أم في المغرب ب ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ ( الكافرون١ ) على طرح اللاءات في حال السكر حتى نزل قوله تعالى : ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ أن كلام الكفر في حال السكر لا يكفر صاحبه إذا خاطبهم باسم الإيمان. فلذلك لم يكن عند أبي حنيفة، رحمه الله، كافرا على ان المخطئ لما يجري على لسانه كلمة لا يصير كافرا في الحكم، والسكران يجري على لسانه على الخطأ، دليله ما لا يذكره، وما كان من عقد القبل، فهو لا ينسى، ولخاصة المذاهب كلها يختار عن ذكر الأسباب وعن اختيار الأحق من الأمور عنده لحجته أو شبهة أو شهوة من نحو الغ لف بالتقليد وحين الظن، والذي يكون على ما ذكرت لا يحتمل السهو عنه لا يخطر بباله، لو أراد بدعوة عن قريب ثبت أنه كان عن خطأ وقد جاء برفع١٥ الخطأ وأصله ( أن ) ١٦ الإنسان معبر عن الاعتقاد في أمر ( الدين وبخاصة ) ١٧ في الكفر الذي يكون بالقلب خاصة بلا استعمال اللسان دون القلب الذي اللسان دون القلب عنه معبر. ومن عبر ( عن ) ١٨ الكفر باللسان. ووصفه لا يكفر إلا بأن يكون يعبر عن نفسه أنه اعتقده فلذلك كان على ما بيننا على انه قد يجري بتلاوة القرآن على اللسان بالغلط ما يكفر عليه بالتعمد، فلا يجوز أن تجعل تلاوته للتعظيم، والإيمان بها١٩ كفر ثبت بذلك ورفع حكم الكفر عمن أخطأ في إجرائه على اللسان فمثله السكران إذ هو مخطئ والله أعلم. ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله تعالى : ﴿ ولا جنبا إلى عابري سبيل ﴾ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال :( هو أن يكون مسافرا ولا يجد الماء فيتيمم } وعن ابن عباس رضي الله عنه ( أنه ) ٢٠ قال :( هو المسافر ). وقيل : ﴿ ولا جنبا إلا عابري سبيل ﴾ نهى أن يدخل المسجد ومكان الصلاة ﴿ إلا عابري سبيل ﴾ إلا مجتازا. ومن تأول الآية على المرور في المسجد فهو غير بعيد يقول :إنما كره للجنب أن يستوطن المسجد فأما المار لأمر يعرض له فقد رخص له. ألا ترى أن الجنب رخص له أم يقرأ بعض الآية ؟ ولا يجوز أن يتمها ( فمروه في المسجد ) ٢١ إذا لم يجلس فيه كقراءته بعض الآية إذا لم يتمها وعلى ذلك أمر الجنب واستثناء عابري السبيل يكون على فعل الصلاة باليتيم، فيكون في الآية دلالة التيمم للجنب، والمكان فيباح الدخول على العبور فيه بالتيمم أيضا، فعلى ذلك عندنا الدخول للاغتسال فيه إذا كان منه بالتيمم وإذا أبيح للجنب دخول المسجد بالتيمم فثبت أن التيمم قد جعل له الطهارة فله الصلاة به لعذر، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط ﴾ الآية أباح الله تعالى للمريض المقيم أن يتيمم. والآية ذكرت المرض عاما. وأجمعوا ان المريض الذي لا يخاف أن يضر به الماء لا يتيمم إنما أجازوا أن يتيمم إذا خاف ضرر الماء إن هو توضأ به. فدل أن الله تعالى لما٢٢ أباح للمريض التيمم لم يبح باسم المرض، ولكنه لمنى في المرض. دليله ما ذكر أنه لم يبح لكل مريض، وإنما يبيح لمريض دون مريض.
وفيه دليل ( قالوا أبو ) ٢٣ حنيفة رضي الله عنه حين أباح للمقيم الجنب التيمم إذا خاف على نفسه الهلاك. ألا ترى أنه لا يباح له التيمم في الأمصار وإن كان اسم السفر موجودا لعدم معنى السفر ؟ فعلى ذلك إباحة التيمم للمريض إباحة لمعنى في المرض٢٤ ألا ترى أنه ذكر مجيئه من الغائط ؟ والغائط هو المكان المطمأن الذي فيه يقضي الحاجة ولا كل من جاء من ذلك المكان يلزمه الوضوء والتيمم دل أنه لمعنى فيه. فعلى ذلك الأول.
" وروي أن جريحا غسل، فمات فبلغ الخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال :قتلوه فإنما ( يكفيه كف من تراب وكذلك غسل محدود إنما ) ٢٥ يكفيه كذا، ونحو هذا " ( بنحوه أبو داوود ٣٣٦ ) /٩٦ –ب / فإذا ثبت أن المراد من المرض والسفر والغائط المعنى الذي فيه لعين المرض والسفر والغائط لما ذكرنا أن كل مريض يباح له التيمم وإنما يباح لمريض دون مريض وكذلك لم يبح لكل سفر ( ومكان وإنما أبيح لسفر ) ٢٦ دون سفر ومكان دون مكان وهو المكان الذي يعدم الماء ويفقد فعلى ذلك المراد من قوله : ﴿ او لمستم النساء فلم يجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ﴾ عين اللمس وهو الجماع وكذلك روي عن ( ابن ) ٢٧ عباس رضي الله عنه ( أنه ) ٢٨ قال :{ الملازمة والمباشرة والإفضاء والجماع النكاح ولكن الله تعالى كنى ) وعن الحسن وعبيد بن عمرو وعطاء ( أنهم ) ٢٩ قالوا :الملامسة الجماع.
وإن قيل ما الحكمة في ذكر المرض والسفر والغائط والملامسة إذا كان المراد ذكرها غيرها ؟ قيل :الحكمة في ذكرها هو أن المرض في أغلب٣٠ أحواله يعجز المرء عن إصابة الماء وكذلك السفر في أغلب أحواله يعجز صاحبه عن الماء فخرج الذكر على أغلب الأحوال وكذلك ﴿ من الغائط ﴾ الأغلب أنه يجيء عن قضاء الحاجة، لأنهم كانوا لا يخرجون إلا لقضاء الحاجة، وكذلك الملامسة من الزوجين الأغلب فيها قضاء الوطر والحاجة. فعلى ذلك خرج الذكر واحتمل غيره. وهذا يدل على أن الاحتجاج بالظاهر والعموم ( في حق ) ٣١ المخرج باطل لما لا يجوز لأحد ان يحتج بظاهر هذه الآية أن يقول :على كل مريض أو على كل مسافر إلا كذا.
ثم اللمس إذا أريد به الجماع فهو ممكن لوجهين :
أحدهما :البلية بالقبلة واللمس باليدين للزوجين ظاهر٣٢ لا يحتمل أن يعرف به الرسول والأئمة من فعل العوام فلو كان الوصف فيه ( محتملا لذكر ) ٣٣ لأن ما لا يحتمل ترك إظهار الربيان حتى يلزم أكثر الأئمة المنكر في فعل الصلة، والله أعلم.
والثاني :أن يكون الأمر بالمعروف في كل لمس ومس جرى الذي به بين الذكور والإناث فهو بحق الكفاية عن الجماع وكذلك سائر الحروف المحتملة للكناية عنه نحو المباشرة والغشيان ونحو ذلك. وبه قال من أجاز التيمم للجنب في حث الصلاة من الصحابة رضوان الله عليهم والله أعلم.
وإن يريد غير الجماع مما قدم يحتمل وجوها، فهولا يجمع الكل ولكن يرجع إلى خاص وهو الذي في الغالب أن يكون ثم خروج وإن لم يكن وهي المباشرة الفاحشة دليله ذكر المرض والسفر على غير إقران الحكم بنفسه إذ هما٣٤ اسمان لوجوه فانصرفا إلى غاية ماله وقعت الرخصة من العجز والعدم فمثله أمر الوضوء في الأول والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ فتيمموا صعيدا طيبا ﴾ ( قيل التيمم القصد )٣٥ يقال :تيممت الصعيد، وأممته لغتان وقوله ﴿ فتيمموا ﴾ وتعمدوا ﴿ صعيدا طيبا ﴾ فإذا كان التيمم القصد فالتعمد٣٦ إلى الصعيد لم يجز إلا بالنية لأنه عز وجل أمر بالقصد إليه والتعمد وذلك أمر بالنية لأن القصد نية.
وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه :تأموا صعيدا طيبا أي اقصدوا قصده.
والصعيد قيل :هو وجه الأرض، وسمي صعيدا لما يصعد عليها وقيل هو الأرض التي تنبت ألا ترى أنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه )٣٧ قال : " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا إلا السبخة والمقبرة " ؟ ( البخاري ٣٣٥ و٤٣٨ ) وقيل :( لأنهما ملعونتان ) ٣٨ ولهذا قال أبو يوسف رحمه الله إن التيمم لا يجوز من الأرض السبخة لأنها تطيب ما ينبت.
وأما أبو حنيفة رضي الله عنه فإنه قال :الطيب هو الطاهر الحلال له أن يتيمم به إذا عدم الماء والطيب اسم ما حمل من المقصود فيه.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: ينه..
٣ في الأصل و م: عادة..
٤ من م في الأصل و م: بالنهي..
٥ في الأصل و م: ليسوا بالذي يعملون..
٦ في الأصل و م: السكران..
٧ ساقطة من الأصل و م:..
٨ من م في الأصل: رضي الله عنه..
٩ في الأصل و م: كان..
١٠ في الأصل و م: يكون..
١١ ساقطة من الأصل و م..
١٢ في الأصل و م: به جاز..
١٣ الواو ساقطة من الأصل و م..
١٤ ساقطة من الأصل و م..
١٥ إشارة إلى قوله صلى الله عليه وسلم "رفع عن أمتي النسيان والخطأ وما استكرهوا عليه" (ابن ماجه ٢٠٤٣..
١٦ ساقطة من الأصل و م..
١٧ في الأصل: الذي ولخاصة في م: الدين ولخاصة..
١٨ ساقطة من الأصل و م..
١٩ في الأصل و م: به..
٢٠ ساقطة من الأصل و م..
٢١ في الأصل و م: فمرور في المساجد..
٢٢ في الأصل و م: ما..
٢٣ في الأصل و م: لقوله أبي..
٢٤ في الأصل و م: المريض..
٢٥ من م ساقطة من الأصل..
٢٦ ساقطة من الأصل.
٢٧ ساقطة من الأصل.
٢٨ ساقطة من الأصل.
٢٩ ساقطة من الأصل.
٣٠ ساقطة من الأصل.
٣١ في الأصل و م: الأغلب..
٣٢ في الأصل و م: فحق..
٣٣ في الأصل و م: ظاهرا..
٣٤ ساقطة من الأصل.
٣٥ من م ساقطة من الأصل..
٣٦ في الأصل و م: والتعمد..
٣٧ ساقطة من الأصل و م..
٣٨ في الأصل و م: أنها ملعونة..
الآية ٤٤ وقوله تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا ﴾ يقول :أعطوا حظا من علم ﴿ الكتاب ﴾ وهم علماؤهم ﴿ يشترون الضلالة ﴾ بعلم الكتاب. ويحتمل ﴿ يشترون الضلالة ﴾ بالهدى، وكذلك قيل في حرف حفصة على ما ذكر في غير هذه الآية ﴿ اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ ( البقرة ١٦ و١٣٥ وذلك أنهم كانوا ( آمنوا بمحمد )١ صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث فلما لم يبعث على هواهم كفروا به كقوله تعالى : ﴿ ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ﴾ ( البقرة ٨٩ ) ويحتمل يشترون ضلال غيرهم بالتحريف والرشا وغير ذلك كقوله تعالى : ﴿ ينفقون أموالهم ليصدوا عم سبيل الله ﴾ ( الأنفال ٣٦ ) وقوله : ﴿ اتبعوا سبيلا ﴾ ( العنكبوت ١٢ ألم تر حرف التعجيب عن أمر قد بلغه، فيخرج مخرج التذكير، أو لم يبلغه فيخرج مخرج التعليم ؟ والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ ويريدون أن تضلوا السبيل ﴾ يحتمل وجهين : ﴿ ويريدون ﴾ أي يتمون ﴿ أن تضلوا السبيل ﴾ لتدوم، لهم الرئاسة والسياسة، إذ كانت لهم الرئاسة على من كان على دينهم، ولم يكن لهم ذلك على من لم يكن على دينهم، فتمنوا أ ن يكونوا على دينهم لتكون لهم الرئاسة عليهم وقيل : ﴿ ويريدون ان تصلوا السبيل ﴾ أي يأمرونهم ويدعونهم إلى دينهم لما ذكرنا في طلب المنافع وإبقاء الرئاسة والله أعلم.
١ في الأصل و م: أمنوا محمدا..
الآية ٤٥ وقوله تعالى : ﴿ والله أعلم بأعدائكم ﴾ كأنهم والله أعلم يطلبون موالاة المؤمنين ويظهرون١ لهم الموافقة، فنهى الله تعالى المؤمنين عن موالاتهم كقوله تعالى : ﴿ لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم ح بالا ودوا عنتم ﴾ على قوله عز وجل : ﴿ ها أنتم أولاء يحبونكم ﴾ الآية ( آ ل عمران ١١٨ و١١٩ ) فا خبر الله سبحانه وتعالى :المؤمنين انه أعلم بأعدائكم منكم. ويحتمل أن يكون المؤمنين استنصروهم، واستعانوا بهم في أمر، فاخبر عز وجل، انهم أعداؤكم، وهو اعلم بهم ثم قال : ﴿ وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا ﴾ أي كفى به وليا ومعينا، وكفى به ناصرا ويحتمل قوله :{ وكفى بالله مما أعطاكم أي لا ولي أفضل من الله تعالى ولا ناصر أفضل منه، منه البراهين والحجج والله أعلم.
١ في الأصل و م: ويظهر..
الآية ٤٦ وقوله تعالى : ﴿ من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ وكفى بالله نصيرا ﴾ و ﴿ من الذين هادوا ﴾ على الاستئناف والابتداء خبر. وفي حرف غيره ﴿ من الذين هادوا ﴾ معناه، والله أعلم ﴿ الم تر إلى الذين أوتوا نصيبا كمن الكتاب ﴾ ﴿ من الذين هادوا ﴾ لا ذكر للنصارى في ذلك. في حرف ابن مسعود رضي الله عنه ذكر النصارى في الأصل وفي ﴿ الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ﴾ في حرف حفصة رضي الله عنها ﴿ من الذين هادوا ﴾ من يحرف ﴿ الكلام عن مواضعه ﴾
ثم تحريف الكلام يحتمل وجهين :يحتمل تغيير المعاني وتبديل التأويل على جهالهم كقوله تعالى : ﴿ وإن منهم لفريقا يلون ألسنتهم ﴾ الآية ( آل عمران ٧٨ ) ويحتمل تغيير اللفظ والكتابة سبحانه وتعالى ﴿ فويل للذين يكتبون بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ﴾ ( البقرة ٧٩ ).
وقوله تعالى : ﴿ ويقولون سمعنا وعصينا ﴾ قيل : ﴿ سمعنا ﴾ قولك ﴿ وعصينا ﴾ أمرك.
وقوله تعالى : ﴿ واسمع غير مسمع ﴾ قيل :اسمع قولنا ﴿ غير مسمع ﴾ أي غير مجيب. وقيل : ﴿ واسمع غير مسمع ﴾ لا سمعت على السب وقولهم١ ﴿ وعصينا ﴾ الإسراء منهم أظهره الله تعالى ليكون آية الرسالة.
وقوله تعالى : ﴿ وراعينا ﴾ قيل :{ يقولون لمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وراعينا ﴾ سمعك وقيل : ﴿ وراعيا ﴾ حقوقنا وهو من الرعاية.
وقوله تعالى : ﴿ ليا بألسنتهم ﴾ أي تحريفا والتحريف ما ذكرنا كقوله تعالى : ﴿ يلون ألسنتهم بالكتاب ﴾ الآية ( آل عمران ٧٨ ) وقيل في قوله تعالى : ﴿ واسمع غير م سمع ﴾ أي اسمع يا محمد منا قولنا غير مسمع منك وقولك، ولا مقبول ما نقول.
وقوله تعالى : ﴿ ولو أنهم قالوا سمعنا وانظرنا لكان خيرا لهم ﴾ أي لو قالوا :سمعنا قولك وأطعنا أمرك، وانظرنا، فلا تعجل علينا، تنظر. . وقيل في قوله : ﴿ وانظرنا ﴾ أفهمنا.
وقوله تعالى : ﴿ لكان خيرا لهم ﴾ ( مما قالوا أي ) ٢ سمعنا قولك وعصينا أمرك لكان خيرا لهم في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فدوام الرئاسة التي خافوا فواتها لو أطاعوه، واتبعوه آمن ( أي آمن لهم لو أطاعوه ) ٣ تنبيه فلم تذهب عنهم الرئاسة والذكر في الدنيا بل زادهم٤ شرفا وذكرا في الحياة وبعد الممات. وأما في الآخرة فثواب دائم غير زائل أ بدا.
وقوله تعالى : ﴿ وأقوم ﴾ أي أعدل وأصوب لما ذكرنا ﴿ ولكن لعنهم الله بكفرهم ﴾ واللعن الطرد، طردهم الله عز وجل من رحمته ودينه ملا عم منهم ( أنهم ) ٥ لا يؤمنون باختيارهم الكفر.
وقوله تعالى : ﴿ فلا يؤمنون إلا قليلا ﴾ قيل :والقليل من نحو ابن سلام وأصحابه ٦، وقيل :قوله تعالى : ﴿ فلا يؤمنون إلا قليلا ﴾ أي لا يؤمنون إلا بقليل من الكتب والأنبياء عليهم السلام كقوله تعالى : ﴿ نؤمن ببعض ونكفر ببعض ﴾( النساء :١٥٠ ).
١ في الأصل: وقولنا..
٢ في الأصل: مما قالوا في م: أي..
٣ في الأصل و م: إذ آمن منهم وأطاعوه..
٤ في الأصل و م: ازداد لهم..
٥ ساقطة من الأصل و م..
٦ أدرج بعدها في الأصل وم: وهم..
الآية ٤٧
وقوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم ﴾دلت١ هذه الآية أن المجوس ليسوا من أهل الكتاب ولا ممن﴿ أوتوا الكتاب ﴾ لأنه قال صلى الله عليه وسلم : ﴿ آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم ﴾ وليس عند المجوس كتاب حتى يكون المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ مصدق لما ﴾ [ معهم ثم قوله : ﴿ مصدقا لما معكم ﴾ أي موافقا لما معكم ]٢وإنما كان موافقا لما معهم بالمعاني المدرجة فيه والأحكام لا بالنظم واللسان ؛ لأنه معلوم أن ما معهم من الكتاب مخالف للقرآن نظما ولسانا، وكذلك سائر كتب الله تعالى موافقا بعضها بعضا معاني ٣وأحكاما، وإن كانت مختلفة في النظم واللسان. دل أنها من عند الله تعالى نزلت، إذ لو كانت من عند غير الله [ كانت ]٤ مختلفة.
ألا ترى أنه قال : ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ﴾ ؟ ( النساء :٨٢ ). . ففيه دليل لقول أبي حنيفة رضي الله عنه حين أجاز الصلاة بالقرآن بالفارسية لأن تغيير النظم والاختلاف باللسان لم يوجب تغيير المعاني واختلاف الأحكام حين أخبر عز وجل أنه موافق لما معهم، وهو في اللسان والنظم مختلفة، والمعنى موافق لما معهم، ثم يحتمل قوله تعالى : ﴿ مصدقا لما معكم ﴾ بصفته ونعته ونبوته ومبعثه وزمانه فيه لما ٥معكم لا يخالف في شيء من ذلك. ويحتمل أنه هو النبي صلى الله عليه وسلم الذي آمنتم به قبل أن يبعث، فكيف كفرتم بالله ؟ والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ من قبل أن نطمس وجوها ﴾ الآية ؛ قيل :لما نزلت هذه الآية قدم عبد الله بن سلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، وقال :يا رسول الله ما كنت أرى أني أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي. وقيل :طمسها أن تعمى أبصارها وردها على أدبارها. وقيل :طمس الوجود أن تعمى، وترد عن بصيرتها ؛ وذلك أنهم كانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم مستيقنين بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه نبي الله يجدونه في كتبهم. يقول :حققوا إيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم وكتابه من قبل أن يضلكم عن هداكم، فتصيروا ضلالا، فلا تعلموا ما كنتم تعملون. ويحتمل أن تكون الآية خرجت على الوعيد، وهي على التمثيل لا على التحقيق كقوله تعالى : ﴿ أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت ﴾ ويحتمل أن يكون هذا في الآخرة.
وقوله تعالى أيضا ٦ : ﴿ من قبل أن نطمس وجوها ﴾ يحتمل الحقيقة، فيرجع إلى يوم القيامة، فيذهب فيه٧ جميع محاسن الوجوه٨، أو نطمس وجوه الحق [ عنهم بمعاندتهم، فيبصروا ]٩الحق بغير صورته بعد أن كانوا رأوا كل شيء بصورته في كتبهم المنزلة، والله أعلم، أو١٠نطمس وجوههم عند اتباعهم الذين لأجلهم غيروا، وحرفوا، بما يطلعهم على خيانتهم، ويظهر لهم تبديلهم، وقد فعل بحمد الله تعالى. وقد يحتمل الوعيد أن يفعل لهم، إن لم يؤمنوا حقيقة، ذلك كفعله بأصحاب السبت تغيير ١١الجوهر. ثم لعل أولئك قد أسلموا، أو[ نزل بهم العذاب ] ١٢، ولم يذكروا، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ وكان أمر الله مفعولا ﴾ أي [ كان بأمر الله عز وجل ] ١٣مفعولا كما يقال :الجنة رحمة الله، والمطر رحمة الله. فعلى ذلك معنى قوله سبحانه وتعالى : ﴿ وكان أمر الله مفعولا ﴾. ويحتمل قوله﴿ وكان أمر الله ﴾ أي عذاب الله نازلا بهم.
١ في الأصل وم: دل..
٢ من م، في الأصل: معكم..
٣ في الأصل وم: معانيا..
٤ من م،ساقط من الأصل.
٥ في الأصل وم: في ما..
٦ ساقطة من م..
٧ في الأصل وم: عنه..
٨ في الأصل وم: الوجه..
٩ في الأصل وم: عنه بمعاندته فيبصر..
١٠ في الأصل وم: أن..
١١ في الأصل وم: تغير..
١٢ في الأصل: بهم، في م: نزل بهم..
١٣ فيم: بأمر الله كان..
الآية ٤٨
وقوله تعالى : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ أجمع الناس أنه١يغفر الذنوب كلها :الشرك وما دونه إذا انتهى، وتاب، بقوله تعالى : ﴿ إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ﴾ ( الأنفال :٣٨ ) دل أن إطماع المغفرة لما دون الشرك لمن ينتهي٢عنه. وقال الخوارج :الكبائر كلها الشرك بالله تعالى، فمن ارتكبها دخل تحت قوله تعالى : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾.
والمسألة بيننا وبينهم في ذلك. فيقال لهم :المعتبر الذي صار مشركا عندكم بارتكاب الكبيرة، ذلك المعنى موجود في ارتكاب الصغائر، فيجيء أن يكون كافرا، فإذا لم يصر بذلك كافر، لم يصر بارتكابه الكبائر كافرا.
وقالت المعتزلة :صاحب الكبيرة يخرج من الإيمان، ولا يدخل في الكفر. وقال أبو بكر الأصم :ظهر الوعيد في الكبائر وشرط المغفرة لنا دون الشرك بقوله تعالى : ﴿ لمن يشاء ﴾ فهو الصغائر كقوله : ﴿ نكفر عنكم سيئاتكم ﴾ ( النساء :٣١ )أخبر أن من السيئات ما يكفر، ومنها ما لا يكفر، فهو للصغائر.
وأما عندنا فإن الله عز وجل أطمع المؤمنين المغفرة ما دون الشرك. ثم له المشيئة ؛ إن شاء عذبهم فيها، وإن شاء عفا عنهم. وأما إطماع المغفرة في الشرك فإنه لا يجوز في العقل ؛ لأن من اعتقد دينا /٩٧-ب/ فإنما يعتقد للأبد. وليس كل من ارتكب ذنبا يرتكبه للأبد، بل إنما يرتكبه لقضاء شهوة٣ تغلبه، فهو يندم على على إثره. لذلك قلنا :يجوز في العقل إطماع المغفرة لما دون الشرك، ولا يجوز للشرك، وبالله التوفيق.
ووجه أخر أن الوعيد الذي ذكرته يحتمل الاستحلال ٤والاستخفاف بالأمر والنهي، فلا ينزل بما أطمع بهذه الآية من المغفرة، فيزال الطمع والرجاء بالوعيد المتجه وجهين [ في الرفق ]٥فيهم. فأما القطع في أحد الوجهين بالمحتمل، ومنع القطع بالآخر للاحتمال فهو بحكم، ولا قوة إلا بالله.
ووجه آخر أن الآية في التفصيل بين المحتمل للغفران والذي لا يحتمل ؛ فإذا صرفت إلى الصغائر، يبطل٦تخصيص اسم الشرك، ويلتبس على السامع حله٧. وليس أمر الوعيد في ما جاء بموضع التفصيل، بل الذي جاء في حق التفصيل ذكر الغفران بالتكفير مقابلة الجزاء من حسنات أو عقوبات كقوله تعالى : ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾الآية ( النساء :٣١ ).
ووجه أخر :قال الله عز وجل : ﴿ لمن يشاء ﴾ وهذا كناية عن الأنفس المغفورات لا من الآثام التي تغفر، لم يجز صرف التخصيص إلى الآثام بالآية المكنى بها عن الأنفس، وفي آيات الوعيد في الذين جاء بهم، وفي ما جاء عاما فبان[ أنه ]٨لا صرف [ له ] ٩ في ذلك، فهو أولى، وبالله التوفيق.
وبعد فإنه عز وجل :قال : ﴿ لمن يشاء ﴾ والصغائر عندكم مغفرة بالحكمة لا بالوعد، والآية في التعريف، ولا قوة إلا بالله. وقوله أيضا : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ فمعلوم أنه ما يلزمه حتى يختم به، لا في ما يتوب عنه. أيد ذلك قوله : ﴿ إن ينتهوا يغفر لهم ﴾( الأنفال :٣٨ ) وغير واحدة من الآيات التي جاءت في الكفرة لما آمنوا، والله أعلم، فصار كأنه قال﴿ لا يغفر أن يشرك به ﴾ إذا لم يتب عنه﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ وإن لم يتب عنه١٠.
فلو كان شيئا مما دونه لا يحتمل في الحكمة المغفرة لضمه إلى الممتنع عن الاحتمال لا أن ألحقه بالمحتمل له في ما كان معلوما أنه القصد فيه إلى بيان ما فيه الرجاء والإياس. وأيد ذلك قوله تعالى : ﴿ إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون ﴾ ( يوسف :٨٧ ). فلو كان يلزم الإياس لما دونه لوجب ١١الوصف له بالكفر ؛ إذ الإياس لهم بالكفر وفي تحقيقه. فأي الوجهين لزم تبعه الآخر في الإياس في وجود فعله ؛ إذ قد يوجد في الكفرة، ثبت أن ذلك في الحكم والتحقيق لا في وجود الفعل، وبالله التوفيق.
١ في الأصل وم:أن..
٢ في الأصل وم: لم ينته..
٣ في الأصل وم: شهوته..
٤ من م، في الأصل: الاستحال..
٥ في الأصل: الرفق، في م: الوقف..
٦ في الأصل وم: فيبطل..
٧ في الأصل وم: محله..
٨. ساقطة من الأصل وم.
٩ ساقطة من الأصل وم.
١٠ في الأصل وم: منه..
١١ في الأصل وم: ليجب..
الآية ٤٩
وقوله تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ﴾ قيل :هم اليهود جاؤوا بأبنائهم أطفالا، فقالوا :يا محمد هل على أولادنا هؤلاء من ذنب ؟ قال :لا، قالوا :فوالذي نحلف ١به ما نحن إلا تزكيتهم ؛ ما من ذنب نعمله بالنهار إلا عفر عنا بالليل، وما علمنا بالليل إلا كفر عنا بالنهار، فذلك التزكية منهم. ويقل :تزكيتهم أنفسهم بقولهم : ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾( المائدة :١٨ ) لاذنوب لنا. ويحتمل أن تكون تزكيتهم أنفسهم ما قال عز وجل﴿ يا بني إسرائيل اذكروا التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ﴾ ( البقرة :٤٧و١٢٢ ). وكان أكثر الأنبياء، عليهم السلام، إنما بعثوا من بني إسرائيل، وكانوا يزكون أنفسهم بذلك. فقال٢ عز وجل :بل الله يزكي من يشاء } يفضل من يشاء أو يبرئ من الذنوب.
ثم التزكية تذم :أن يزكي أحد نفسه، لأن التزكية، هي التنزيه من العيوب كلها أو الذنوب، وذلك مما لا يسلم أحد منها، ولا يبرأ، ولا يستحق مخلوق، وذلك معنى النهي : ﴿ فلا تزكوا أنفسكم ﴾ ( النجم :٣٢ )، إذ تخرج التزكية مخرج التكبر، وذلك لجهله بنفسه بما لا يرى غيره شكل نفسه ولا مثله، فتكبر عليه. ولو عرف أنه مثله وشكله وما تكبر على أحد قط، ولا تزكى نفسه. وقوله الرجل :أنا مؤمن ليس ذلك تزكية إنما هو إخبار عن شيء أكبره به، والتزكية هي التي يرى ذلك من نفسه.
وقوله تعالى :أيضا : ﴿ ألم ترى إلى الذين يزكون أنفسهم ﴾ ليس في إظهار الإيمان تزكية لما لا يخلو من أن تظهر لمن أبى مشاركتك فيه، فعليك الإظهار بحق الدعوة إليه لتدعوه إلى ما تدين به، أو هو يشاركك فيه، والتزكية في الحقيقة في ما يوجب تقديمك، وليس في هذا، وأيضا إن القول بالإيمان ليس بمقدر عن معنى العبادة أو سبب، فيه علو من حيث ذلك، إنما هو خبر عن أمر، هي في اللغة تصديق بأمر هو ذلك، ليس بالذي يعد في الرتب، بل على كل ذلك، ولا أحد إلا وقد يؤمن بأشياء تصدق، فليس في القول به منقبة.
وكذلك ما من أحد إلا وعيه التكذيب بأمور، فلا بالتكذيب في الإطلاق لوم، ولا بالتصديق بالإطلاق مدح، إذ في كل ذلك، لمن لزم في تكذيب بهن فيكون من حيث كذلك ذممت. ثم يتفاوت على تفاوت درجات الكذب. ثم التصديق لو كان ثم مدح، فهو يصدق كله، فيصير المرء بوصفه نفسه صادقا في شيء تزكية ومدحا، ولا قوة إلا بالله.
على أن للإيمان حدا، وكل عبادة ذات حد، فلا امتداح ممن قد أداها بالاختيار عن الأداء ولخاصة ٣ الفرائض منها، نحو :من يقول :أنا٤ بر أو تقي أو حبيب الله تعالى، أو نحو ذلك إلى ما لا يعرف حده من الخيرات، فهو بذلك يرتفع على الأشكال، ويفتخر عليهم، في ما لو كان صادقا كان منه إغفال عن حق ذلك. ولو كان كاذبا [ كان جائرا ]٥ممقوتا بالكذب، والله الموفق.
وقوله تعالى : ﴿ ولا يظلمون فتيلا ﴾عن ابن عباس رضي الله عنه، [ أنه ]٦ قال :( الفتيل ما فتلت بين إصبعيك، والنقير الذي يكون في ظهر النواة، وهو على التمثيل ). وقيل في حرف حفصة :ألم تر إلى الذين قالوا :إنا نزكي أنفسنا ؟ بل الله يزكي من يشاء.
١ من م، في الأصل: علمنا..
٢ في الأصل وم: قوله..
٣ من م، في الأصل:ولخصاصه..
٤ في الأصل وم: هو..
٥ في الأصل: ذلك جائزا في ولخاصة، في م: ذلك جائزا فيه كان..
٦ في الأصل وم:هو..
الآية ٥٠
وقوله تعالى : ﴿ انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا ﴾الآية ظاهرة.
الآية ٥١
وقوله تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ﴾ قيل :أعطوا حظا من الكتاب، وهم علماؤهم ﴿ يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴾ اختلف فيه ؛ قيل الجبث الشيطان، والطاغوت الكاهن، وقيل :الجبث السحر، والطاغوت الكاهن، والطاغوت الشيطان. وعن ابن عباس رضي الله عنه [ أنه ]١ قال :( الجبت الشيطان بكلام الحبشة، والطاغوت كهان العرب ) وقيل :الجبت الكاهن، والطاغوت الشيطان. وقيل :الجبت حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف ؛ يخبر عز وجل عن سفههم ٢بإيمانهم بهؤلاء وحسدهم محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ويحذر المؤمنين عن صنيعهم ؛ لأن هؤلاء كانوا علماءهم مؤمنين بالجبت والطاغوت ﴿ ويقولون للذين كفروا هؤلاء من الذين آمنوا سبيلا ﴾.
قيل في القصة :إن هؤلاء أتوا مكة لحالفوا قريشا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل أجله، ففعلوا، فدخل أبو سفيان في مثل عدتهم، فكانوا بين أستار الكعبة، فتحالفوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أصحابه، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين : [ لتكن كلمتنا ]٣واحدة، ولا نخذل بعضنا، ففعلوا. ثم قال أبو سفيان :ويحكم يا معشر اليهود أينا أقرب إلى الهدى وإلى الحق ؟ أنحن أم محمد وأصحابه ؟ فإنا نعمر هذا المسجد، ونحجب هذه الكعبة، ونسقي الحجاج، ونفادي الأسير، أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه ؟ قالت اليهود :لا بل أنتم، فذلك قوله تعالى : ﴿ ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ﴾.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ من م، في الأصل: سفهم..
٣ في الأصل: لتكون كلمتنا، في م: لتكون كلمتنا..
الآية ٥٢
ثم قال الله عز وجل : ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ﴾ واللعن يكون على وجوه :اللعن هو العذاب. وقيل :لعنهم الله :عذبهم الله. واللعين الممنوع عن الإحسان والأفضال. ويقل :هو الطريد أي طردوا عن رحمة الله وأفضاله وإحسانه. وقيل١ :الطاغوت /٩٨-أ/ هو اسم مشتق من الطغيان كالرحموت والرهبوت من الرحمة والرهبة، ونحو ذلك سمي به كل من انتهى من الطغيان غايته حتى استحل أن يعبد هو دون الله، فهو طاغوت. وعلى ذلك تأويل قوله تعالى : ﴿ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله ﴾ ( البقرة :٢٥٦ ) أي بعبادة كل من عبد دون الله. وقيل :هم مردة أهل الكتاب :وقيل :هو الشيطان، وقيل :الصنم، وذلك كله يرجع[ إلى ]٢ ما ذكرت، وقيل :ذلك كاهن سمي حسا. وقيل : ﴿ بالجبت ﴾ السحر، فهو على ما قال [ عز وجل ]٣﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ﴾ الآية ( البقرة :١٠٢ ) وأي شيء مما ذكرت قد كانوا آمنوا بذلك، فعيرهم الله تعالى، وسفه أحلامهم بالإيمان بمن ذكرت ومظاهرتهم على مالهم من الأتباع على رسول رب العزة، عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات، بعد علمهم بموافقته٤ صلى الله عليه وسلم وتصديقه لكتبهم ٥ وعلمهم بعدول أولئك عن هذه الرتبة بغيا وحسدا.
وكان في إظهار ذلك عليهم بيان الرسالة وإعلام أتباعهم تحريفهم كتب الرسل إبداء ما في قلوبهم من الحسد. لتزول الشبهة عن الأتباع، وتظهر المعاندة في المتبوعين، ولا قوة إلا بالله.
١ في الأصل وم:قال..
٢ ساقطه من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ من م، في الأصل: بموافقته..
٥ في الأصل وم: بكتبهم..
الآية ٥٣
وقوله تعالى : ﴿ أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا ﴾ اختلف فيه :قيل :لو﴿ أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا ﴾ من بخلهم وقلة خيرهم. وقيل : ﴿ لهم نصيب من الملك ﴾ وإذ الملك من الشرف والأموال والرئاسة فيما بينهم، لكن﴿ لا يؤتون الناس نقيرا ﴾ فكيف يتبعونهم ؟ وقيل :قوله سبحانه وتعالى : ﴿ أم لهم نصيب من الملك ﴾فكيف يؤتون الناس شيئا ؟ إنما الملك لله تعالى عز وجل، هو الذي يؤتي الملك من يشاء كقوله تعالى : ﴿ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ﴾ ( آل عمران :٢٦ ) الآية إنما يستفاد ذلك بالله عز وجل لا بأحد دونه، والله أعلم.
الآية ٥٤
وقوله تعالى : ﴿ أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ﴾يقول :بل يحسدون محمدا صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله من فضله من الكتاب، والنبوة. يقول الله عز وجل، ردا عليهم : ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة ﴾ فلم يحسدوه، فكيف يحسدون محمدا صلى الله عليه وسلم، بما آتاه الله تعالى من الكتاب والنبوة، وهو من أولاد إبراهيم صلى الله عليه وسلم ؟ فهذا، والله أعلم، معناه.
وقوله تعالى : ﴿ وآتيناهم ملكا عظيما ﴾ قيل :وأراد الملائكة والجنود. وقيل :هو ملك سليمان بن داوود، وكان من آل إبراهيم عليه السلام.
وقوله تعالى : ﴿ أم يحسدون الناس ﴾ يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، ﴿ على ما آتاهم الله من فضله ﴾ قيل من كثرة النساء. لكن ذلك ليس بحسد، إنما هو طعن طعنوه، وعيب عابوه لأن الحسد هو أن الآخر شيئا ليس له فيتمني أن يكون ذلك له دونه، وقد كان له نساء. لكنه إن كان ذلك فهو طعن طعنوه، وعيب عابوه على كثرة النساء، ويقولون :لو كان نبيا لشغلته النبوة عن النساء، ويقولون يحرم على الناس أكثر من أربع، ويتزوج تسعا وعشرا، فأنزل الله تعالى، عز وجل، ردا عليهم : ﴿ ولقد أرسلنا رسلا من قبلك ﴾ الآية( الرعد :٣٨ )وكان لداوود تسع وتسعون امرأة. وما قيل أيضا :إن لسليمان ١ عليه السلام ثلاثمئة سرية وسبعمئة حرة ٢.
إن ثبت ذلك فكثرة النساء له لا تمنع ثبوت الرسالة والنبوة، وإنما تمنع كثرة النساء لأحد شيئين :إما الخوف من الجور وإما العجز عن القيام بإيفاء حقهن. فالأنبياء عليهم السلام، يؤمن ناحيتهم الجور، وكانوا يقومون بإيفاء حقهن مع ما كان قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة لتسع أو لعشر من النساء من آيات النبوة لأنه كان معروفا بالعبادة لله ليلا وبالقيام له نهارا، ويحتمل الجور وأنواع المشقة تباعا.
ومعلوم في الخلق أن من كان هدا سبيله لم يقدر على وفاء حق امرأة واحدة فضلا أن يقوم بإيفاء٣ حق العشر وأكثر.
فدل أنه بالله قدر على ذلك.
وعلى ذلك قيام داوود، صلوات الله على نبينا وعليه، [ بإيفاء حق ] ٤ مئة من النساء وقيام سليمان، صلوات الله عليه، [ بإيفاء الحق ] ٥ الألف منهن. فذلك من آيات النبوة لما ذكرنا أنه ليس في وسع أحد سواها القيام بذلك. وكذلك في قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم لإظهار هذا الدين من غير أتباع كان له أو ملك له أو سعة دليل أنه كان بنصر الله وبعوذه به جميع الخلق على دينه.
وفي قوله تعالى : ﴿ أم يحسدون الناس على ما ﴾ ذكر﴿ فقد آتينا آل إبراهيم ﴾الآية يحتمل وجهين :
أحدهما :المحاجة :أن كيف يحسدون محمدا صلى الله عليه وسلم، وأتباعه من آل إبراهيم وأولاده بما خصهم به من فضله ؟ ولم يزل ذلك في آل إبراهيم، ولم يكونوا حسدهم.
١ في الأصل وم: سليمان..
٢ في الأصل وم: حرائر..
٣ في الأصل وم: لإيفاء..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ ساقطة من الأصل وم..
الآية ٥٥
على هذا قوله تعالى : ﴿ فمنهم من آمن به ﴾ أي بمحمد صلى الله عليه وسلم أو بكتابه [ الذي ] ١ أنزل عليه.
والثاني :أن يكون على التبصير على أذاهم الذي كان منهم بالحسد. فقد ٢ كان هذا في من تقدمه من آل إبراهيم٣ ومن الحساد لهم في ذلك والمؤمنين لهم، فصبروا، ولم يكافئوهم، نحو قوله تعالى : ﴿ فمنهم من آمن به ﴾ بإبراهيم عليه السلام، أو بما أنزل عليه أو آله، والله أعلم.
الأصل في اختلاف التأويل، والآية واحدة في ما يجب في ذلك من الحق، أنه على أقسام :
أحدها :أنه يتسع الكل.
[ والثاني ] ٤ :يحتمل دخول الكل في المراد.
و[ الثالث ] ٥ :يحتمل إرادة البعض. فإن كان ذلك مما يجب العمل به يلزم طلب الدليل على الموقع للمراد ؛ فإن وجد من طريق الإحاطة [ فقد ] ٦ شهد عليه بالمراد، وإن لم يوجد[ يعمل ] ٧ به على حسب الإذن في العمل به بالاجتهاد من غير الشهادة عليه أنه المقصود لا غير، والله أعلم.
وإن ذلك مما لا يجب العمل به، وإن حقه الشهادة يشهد به على ما هو في الحكمة وجوب تلك الشهادة من عير أن يقضى على الآية بقصد ذلك إذا كانت بحيث تتسع له ولغيره، نحو القول : ﴿ إنه سميع عليم ﴾( الأعراف :٢٠٠ )على إثر [ أمورلهم ] ٨ من أدلة الخصوص، لو كانت تحتمل الخصوص.
وفي الحكمة أنه سامع كل صوت وعليم بكل شيء ؛ فيه يشهد. ولا يقال في ذلك :إنه أراد أن [ يكون ]٩ من الخاص نحو قوله تعالى : ﴿ وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ﴾ ( البقرة :٢٧٧ ). قال قوم :لا يقع الطلاق حتى يوقع لأنه ذكر أنه﴿ سميع ﴾ ولو أوقع الطلاق بغير قول لم يكن لذكر السميع في هذه المواضع ١٠ فائدة. وقال قوم﴿ سميع ﴾لإيلائه، إذ١١ هو قسم ينطق به﴿ عليم ﴾ بعزمه. وقد ذكر﴿ سميع عليم ﴾ فيجب توجيه كل حرف ليفيد حقيقته، ذلك في هذه المواضع. ولو كان لا يقع دون قول لكان كل أمر [ سميعا فيلتقي ]١٢ القول بأنه﴿ سميع ﴾عن القول بأنه﴿ عليم ﴾.
وفي جملة القصد١٣ من طريق الحكمة أنه سميع الحكمة أنه سميع بكل صوت، ﴿ عليم ﴾ بكل شيء. لكن في النوازل يتوجه وجهين : [ أحدهما : ] ١٤ لا يجب القطع عليه في الإرادة إلا أن يجب الإحاطة، وقد عمل به الخلق على الاختلاف، والله أعلم.
ووجه آخر :من التأويل أنه يحتمل وجوها لا يسع للكل في حق العمل وفي حق الشهادة، لكنها لأحد الحقين. فإن كان ذلك في حق العمل يجب طلب دليله.
ويكون الدليل على وجهين :
أحدهما :أن يوجب على حق العمل والشهادة جميعا، والآخر أن يوجب [ على ] ١٥ حق العمل خاصة، وقد بينا ذلك. وإن كان في حق الشهادة فيجب الوقف في تحقيق المراد والتسليم لله حتى يظهر ؛ وذلك في حق إضافة الاستواء إلى الله تعالى على العرش والقول بالرؤية من حيث ما به يرى على الإشارة إليه /٩٨-ب/ لا بالإحاطة ونحو ذلك من الأمور، والله أعلم.
ووجه آخر أن يكون احتمال وجوهها إنما يكون بمقدمات، فتختلف على اختلاف تلك المقدمات، فلا يجوز تأويل تلك إلا بمعرفة المقدمة إذا لم تكن فيها غير معروفة الموقع من المقدمة نحو قوله تعالى : ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ ( الشرح :٧ ) لم يكن لأحد تأويل واحد من الوجهين حتى يعلم بالسمع أنه فيم كان مشغولا ؟ وقوله تعالى : ﴿ فلينظر أيها أزكى طعاما ﴾ ( الكهف :١٩ ) لم يكن لأحد طلب مراد قائله أو تأويل مراده، ولا يظفر به إلا بالوحي، ولا قوة إلا بالله.
والقول في حقه إلى أن يتبين ما كان في حق الشهادة فلازم الوقف فيه حتى يظهر. وما كان في حق العمل ؛ فإن كان في نوع ما يحتمل الاحتياط فحقه القيام به حتى يظهر دليل التوسع على الوجهين اللذين ذكرت. وإن كان في ما لا يحتمل الاحتياط فحقه التوقف حتى يظهر، والله أعلم. ولا يخلو شيء إلا أحد الوجهين به حاجة من دليل يكون له.
وقوله تعالى : ﴿ بدلناهم جلودا غيرها ﴾ أي غير جلود النضيجة كقوله تعالى : ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ ( الرعد :٥ ) أي نجدد ما قد فني. وكذلك أعيد ما قد كان من الجلود قبل النضج جديدا في رأي العين من حيث صار الأول نضيجا لا أن كان هذا غير الأول ؛ بل هو الأول غير نضيج، إن ذلك بعث١٦ الأول وتعذيب ما كان ارتكب المعصية لأن التعذيب في الحقيقة على غير الذي أثم فيه.
وقال قائلون :الجلود والعظام ونحو ذلك لم تكن عصيت، ولا أطاعت بل استعملت قهرا وجبرا، لا أنها عملت طوعا، لكن الذي به عملت والذي استعملها في الجسد، به يتلذذ، ويتألم، فهو المعذب والمثاب بما صدر من الجسد.
ألا ترى أن أجساد الجنة تزداد [ حسنا وجمالا، وجعل لأصلها ] ١٧ حد لا يزداد، ولا ينتقص، وأجساد أهل النار مشوهة قبيحة ليكون لهم في التقبيح عقوبة، وللأول بالتحسين ثواب، فكانت فيها أحوال للجزاء لم تكن للأعمال ؟ فثبت أن المثاب والمعاقب ما ذكرت، ويتلذذ، فجعلت على ما بها اللذة والألم من الأجساد لا على إعادة أنفس تلك الأجساد بل على التجديد كما ذكره القرآن.
وكذلك المقطوع بعض الأعضاء في حال الكفر إذا أسلم يبعث سليما لا كذلك، ومثله في حال الإسلام، لو أريد لم يرفع عنه ألم ذلك. فدل الذي ذكرت على حق تجدد١٨ والثاني :على ما شاء الله، والذي به كان المأثم والبر على ما قد كان، والله أعلم.
وللمذهب الأول الجزاء أن الجزاء هو لما يختم عليه، إذ ١٩ لو كان أسلم ٢٠ لتمنى لنفسه أحسن الأحوال، وأسلم النية ٢١ ليستعملها بالخير، فأوجب ذلك إبطال جميع السيئات، كانت بجوارح ذهبت، أو بقيت.
وكذلك من اختار٢٢ الكفر فقد آثره، واختار أن يكون على ذلك وإن سلمت جوارحه، وتمت، يلزمه٢٣ حكم احتياط جميع ما تقدم بكل فائت وباق.
وفي الأول استوجب جعل ما تقدم منه بالفائت والباقي حسنات لما ندم عن الكل بكل الجوارح، فلحق حكم تبديل السيئات بالحسنات في الكل، فيكون على حكم إعادة الأول بحق التجديد في المعنى، والله أعلم، نحو قوله تعالى : ﴿ أولئك الذين حبطت أعمالهم ﴾ ( آل عمران :٢٢ ) وقوله تعالى : ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ الآية ( الفرقان :٧٠ )، وفي الإعادة كقوله تعالى : ﴿ من يعيدنا ﴾ الآية ( الإسراء :٥١ ) وقوله تعالى : ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ الآية ( الرعد :٥ ) وغير ذلك من آيات البعث، والله أعلم.
وقال القائلون :الواجب من العقوبة للكفر ٢٤ وغيره بحكم التبع له، وكذلك الثواب الواجب عنه للإيمان ولغيره بحكم التبع، بل به قام، والأول به سقطت مشيئة العفو، فصار الذي به الجزاء خاصا، وغيره بحكم التبع يزداد، وينتقص. فعلى ذلك أمر الجزاء والتجديد والإعادة، وكل ذلك للذي هو بحق التبع والأتباع في الشاهد تتجدد عين الأفعال، ولا تدوم، [ والاعتقاد في الأمرين يدوم على } ٢٥ ذلك، والله الموفق.
ولهذا الوجه ما يبطل الجلود لما سوي الكفر ؛ إذ في إبطال الجزاء الدائم من حيث الأفعال، وإدامة الجزاء المنقطع من حيث الأفعال. فيكون فيه زيادة في العقوبة على المثل، والله يقول : ﴿ فلا يجزي إلا مثلها ﴾( الأنعام :١٦٠وغافر ٤٠ ) والله الموفق.
ثم اختلف في المبعوث أنه يبعث بجسده، أو يبعث[ البعث ] ٢٦ الروحاني، منه سيمة بعض الفلاسفة نفيا، وبعضهم جوهرا روحانيا، وبعضهم بسيطا. فإن كان جسد، فيه روحاني في حياته، ومنافعه وجسده له كالمنافع عن جميع ما يحتمل من الأحوال ٢٧ ؛ إذ الجوهر الروحاني لطيف، ينفذ في الأشياء، ويتخلل إلا بالحابس، بين ذلك أمر النائم أن النفس تخرج لقوله تعالى : ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها ﴾ ( الزمر :٤٢ )أو هي مما تسكن الجوارح، وينقطع عنها هم الجسد، به ترجع إلى الحقيقة ٢٨ جوهره، فيراها تطوف في البلاد النائية وفي الأمكنة العلوية حتى لا تضعها أرض ولا سماء، تأتي بالأخبار عنها كأنها شاهدة.
أما ما كان ذلك عملها بالجوهر حيث يكون من النفاذ إن لم تحبس، أو هي بالجوهر تخرج، فيعمل ذلك وهي تسمع، ويتبصر، وتعقل في المنام، كأنها الجسد كانت ٢٩. فدل أن العمل في حال اليقظة، وماله الجزاء لها. فعلى ذلك أمر الجزاء، وعلى ذلك جميع الجواهر التي بها الأغذية. والحياة ليست بأعين تلك الأشياء، ولكن ما جعل [ الله ] ٣٠ في سريتها من الروحاني، وهي القوى التي تظهر في البدن إلى كل أجزاء البدن، فتقوى، وتصح فيه بحياة روحه، وتزول عنه الآفات. وكذلك عن السمع والبصر حل شيء ثم تلقاء نقله. فعلى ذلك أمر المعاد من الجزاء، فهو على ذلك.
وكذلك الثواب يكون من كل موعود مما يعرف في الشاهد بجسده يرجع الرؤية التي هي روح في الجسد. ألا ترى أنه لا تبقى في الآخرة بكل الأجساد التي تلقى، وهي الأثقال التي تفضل في الجسد، ويخرج عنها جميع ما فيها من الأقوية والروح ؟ فثبت أن الأمر يرجع إلى ما ذكرت. وهذا معنى قوله عليه السلام :" ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب البشر " ( البخاري :٣٢٤٤ ) لأن ذلك الجوهر لا تراه العين، ولا تسمعه الأذن في الشاهد، ولا يخطر على القلب، وتكون لذة ذلك روحانية ٣١، لا [ مثل ] ٣٢ هذه لذة الحياة، بحياتها السمع والبصر، وكل باطن في الجوهر. ولذة الأجساد إنما تكون باللهاة في الطعم وبالعين في اللون، وهذا النوع :يذهب هذا، ويكون الأول.
وعلى ذلك تذهب العبادات الجسدانية، وتبقى الروحانية من الحمد والثناء والتعظيم والهيبة والمعرفة، ونحو ذلك يبقى أيدا. بل يزداد لما يذهب عنها الحواجب من الجسداني.
وعلى ذلك يبطل تقدير الرؤية، وإبطاله مما عليه أمر الشاهد لذهاب ما به كونها في الشاهد. ورجوع الأمر إلى ما يحاط به على سقوط الحواجب، والله أعلم.
اختلف من ذكرت في أمر البعث ؛ فمنهم من لايرى على إحياء في الجسد من الروحاني فناء. والبعث هو إسقاط الأجساد وخروج ما فيها من الروحاني بصورها.
ومنهم من يقول :تفنى، وتعاد على حالها. ومعلوم أن ذكر الجديد لا يحتمل بلا ذهاب الأصل، وذكر الإعادة بلا فوته. وقال تعالى : ﴿ فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة ﴾ ( الإسراء :٥١ ) وجعل النشأة الأولى دلالة لأخرى. وليس ثم أخرى، بل هي الأولى. والأولى هي على ما تزعمون غير معروفة عند المنكرين. فتحتج عليهم بها، بل يجب أن يعرفوا الأولى أولا، ثم يساعدوا /٩٩-أ/ على نفي البعث، ويلزموا ٣٣ الإظهار.
والدهرية ومنكرو٣٤ البعث يقولون في جميع العالم بالظهور بعد الكون وبالكون في الأصول بالقوة ثم الظهور بالفعل. فكيف ينكرون البعث لنحتج عليهم بالخلق الأول ؟ والله أعلم.
وقال قوم بالبعث بالأجساد على ما كانت، لكنها كانت في الدنيا منشأة للفناء، مشتمل عليها آثار الفناء، ويحيط[ بها من ] ٣٥ أعلام الهلاك ومن آفات كلها سوائر٣٦ تحجبن عن أعمال لطائف الجوهر وعن إدراك الروحانيين. وإلا فهي كما وصفهم الله تعالى أنهم خلقهم﴿ في أحسن تقويم ﴾ ( التين :٤ ) وكرمهم بأقوم جوهر وأكمل ٣٧ سر وأنقى خلقه.
فإذا وقعت عليهم الآفات، وأعيدوا للبقاء، تزول ٣٨ عنهم جميع الظلمات التي هي حواجب وسواتر لهم على الإحاطة بحقائق الأشياء وبواطنها. وعلى شكلهم تنشأ الأجساد المجعولة جزاء لهم، فيلحقون بجميع اللطائف أجسادا٣٩ بما فيها من الجواهر الروحانية ؛ فتصير هذه في اللطف،
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: فما..
٣ أدرج بعدها في الأصل وم: ومن فضله..
٤ في الأصل وم:و..
٥ في الأصل وم:و..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ في الأصل وم:عمل..
٨ في الأصل وم: أمورهم..
٩ ساقطة من الأصل وم..
١٠ في الأصل وم: الموضع..
١١ من م: في الأصل:إن..
١٢ في الأصل: سميع ليلتقي، في م: سميع فيلتقي..
١٣ في الأصل وم: العقد..
١٤ ساقطة من الأصل وم..
١٥ ساقطة من الأصل وم..
١٦ في الأصل وم: نعت..
١٧ في الأصل وم: الحسن والجمال وجعله لأهله..
١٨ في الأصل وم: تجد..
١٩ من م، في الأصل..
٢٠ في الأصل وم: إسلام..
٢١ في الأصل وم: البينة..
٢٢ من م، الأصل: اختيار..
٢٣ في الأصل وم: فلزمه..
٢٤ من م، في الأصل: لكفر..
٢٥ في م: والاعتقاد في الأمرين يدوم فعلى، ساقطة من الأصل..
٢٦ ساقطة من الأصل وم..
٢٧ في الأصل وم: الأموال..
٢٨ في الأصل وم: حصة..
٢٩ في الأصل وم: كذلك..
٣٠ ساقطة من الأصل وم..
٣١ في الأصل وم: روحانيا..
٣٢ ساقطة من الأصل وم..
٣٣ في الأصل وم: ويلزمون..
٣٤ في الأصل وم: ومنكري..
٣٥ ساقطة من الأصل وم..
٣٦ في الأصل وم:وسواتر..
٣٧ الواو ساقطة من الأصل وم..
٣٨ في الأصل وم: فتزول..
٣٩ في الأصل وم: جسدا..
الآية ٥٦
وقوله تعالى : ﴿ إن الذين كفروا بآياتنا ﴾تحتمل الآيات أعلام الدين وآثاره، وتحتمل الآيات الربوبية له، وتحتمل الآيات أعلام رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، فيكون الكفر بها كفرا بالله.
وقوله تعالى : ﴿ سوف نصليهم نارا ﴾فقيل : ﴿ نصلهم ﴾ نشويهم. يقال :شاة مصلية مشوية.
وقوله تعالى : ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناها جلودا غيرها ﴾ كلما احترقت ﴿ جلودهم بدلناها جلودا غيرها ﴾ أي جددنا لهم جلودا غيرها، ليزدادوا التهابا وإيقادا من غير أن يسكن ألم العذاب ؛ فهي ١ من حيث التجديد غيرها ٢ ؛ لأن الأولى قد احترقت، ونضجت، ومن حيث العين نفسها.
ألا ترى ما يقال :تبدل فلان، فإنما يقال من حيث تغيره من لون إلى لون، لا أن كانت تحولت نفسه وتبدلت ٣ حال إلى حال، فعلى ذلك قوله تعالى : ﴿ بدلناهم جلودا غيرها ﴾ هي من حيث العين إنما تلك بعينها واحدة ٤.
وعلى ذلك البعث بعد الموت، والإنشاء من حيث التجديد غيره ٥ حيث أفنوا ٦، وذهبت آثارهم، ومن حيث الإعادة إلى الحالة الأولى هم بأنفسهم ليسوا بغيرهم ٧. وعلى ذلك قد سمي البعث خلقا جديدا، وإن كان بعث الأولى في المعنى.
ثم تكلموا في قوله تعالى : ﴿ بدلناهم جلودا غيرها ﴾ ؛ قالوا :كيف كان ؟ أي يعذب جلودا لا مآثم، وإنما المآثم في الجلود التي احترقت، ونضجت، وقالوا :أي دنا في من قطعت ٨ يده، وهو كافر، ثم أسلم، فمات على الإسلام. ما حال اليد المقطوعة ؟ تعذب في النار، أم تكون مع النفس في الجنة ؟ وفي من قطعت يده، وهو مسلم، ثم كفر، ومات على كفره. تلحق النفس، أم تكون في الجنة ؟ فالجواب لهذا كله أن الجوارح والأعضاء ليست تعمل ما تعمل بالتيار والطوع، ولكنها كالمكرهات والمقهورات في العمل.
ألا ترى أن الإكراه عليها يوجب تحويل الفعل منها إلى المكروه، فيجعل كأن المكره هو الذي قد فعل ذلك في حق الضمان ؟ فهذا يدل أن هذه الجوارح كالمكرهات والمقهورات [ لحقت النفس ] ٩ حيث كانت. ثم معلوم من أسلم في آخر عمره يتمنى سلامة جوارحه التي كانت ذهبت عنه ليعمل بها في طلب مرضاة ربه تعالى. وكذلك من كفر بعد الإسلام يتمنى سلامة جوارحه، ليستعملها١٠ في ما اختار من الدين. فإذا كان كذلك لحقت النفس حيث كانت في طاعتها ومعصيتها.
وقالت فرقة من الملحدة :إن الثواب في الآخرة لا يكون لهذه النفس التي تأكل، وتشرب، وتعمل كل ما تعمل، ولكن إنما يكون للروحاني الذي جوهره ١١ جوهر النور. لكن هذه النفس ممتحنة في الدنيا بالأكل والشرب مشوبة بالآفات والعيوب. فإذا صفت عن الآفات، وتنزهت عن العيوب التي بها امتحنت، صارت أهلا للثواب العظيم ومحلا للجزاء الجزيل، وبالله العصمة والنجاة.
وقوله تعالى : ﴿ ليذوقوا العذاب ﴾ أما دوق الطعام والشراب فيكون١٢ بالفم، ليعرف طعمه ولذته. وأما ذوق العذاب فإنما يكون بكل جارحة منه ليحذر ١٣ ألم ذلك في جميع الجوارح، والله أعلم. والذوق /٩٩-ب/ في العرف ليعرف الطعم يقلب فيه كل شيء، فيعرف ١٤. يقال :لفلان ذوق في أمر كذا أي بصر ومعرفة.
وقوله تعالى : ﴿ إن الله كان عزيزا حكيما ﴾. قيل :العزيز ما يتعزز وجوده في الشاهد. وقيل :هو عزيز، لا يعجز، فهو عزيز لما لا يوجد في الأفهام، ولا يدرك بالأوهام، وقيل :العزيز المنتقم، وقد ذكر في غير موضع.
١ في الأصل وم: فهو..
٢ في الأصل وم: غير..
٣ في الأصل وم: تبدل..
٤ في الأصل وم: واحد..
٥ في الأصل وم: غير..
٦ في الأصل وم: تفانوا..
٧ في الأصل وم: بغير..
٨ في الأصل وم: قطع..
٩ من م، في الأصل: لحقنا أن النفس..
١٠ في الأصل وم: يستعمها..
١١ في الأصل وم: جوهرها..
١٢ الفائ ساقطة من الأصل وم..
١٣ في الأصل وم: ليجد..
١٤ الفاء ساقطة من الأصل وم..
الآية ٥٧
وقوله تعالى : ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة ﴾من الآفات والعيوب ليس كأزواج الدنيا ونسائها.
وقوله تعالى : ﴿ وندخلهم ظلا ظليلا ﴾ لا تنسخه الشمس، ولا أذى فيه ؛ لأن الشمس فيها منافع للناس وأذى، وكذلك القمر فيه أذى، وإن كان فيه منافع، والظلمة كذلك فيها منافع وأذى. وأما الظل نفسه فليس فيه أذى على كل حال. فإن كان فهو للزمان لا للظل بنفسه. فأخبر عز وجل أنه يدخله الظل الذي ليس فيه أذى الشمس ولا أذى الظلمة ولا أذى الزمان، ليس كظل الدنيا مشوبا بأذى غيره، والله أعلم. وذلك تأويل الظليل أن يظله عن جميع المؤذيات، والله أعلم.
الآية ٥٨
وقوله تعالى : ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾قيل :" لما فتح الله مكة على [ يد ] ١ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ٢ العباس رضي الله عنه :يا رسول الله لو جعلت السقاية والحجابة فينا ؛ فأخذ مفاتيح الكعبة من ولد شيبة، فدفعها إلى العباس، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم، مفاتيح الكعبة، فردها إلى ولد شيبة، فردها إلى ولد شيبة. قال النبي صلى الله عليه وسلم، يا عم إن الله تعالى أحب أن يرزأ، ولا يرزأ أشياء " [ بمعناه السيوطي في الدر المنثور ٢/٥٧٠ ) وقيل :إنها نزلت في الأمراء في الفيء الذي استأمنهم على [ جمعه وقسمته ] ٣ والصدقات التي استأمنتهم على جمعها وقسمتها.
والآية يجب أن تكون نازلة في كل أمانة ائتمن المرء فيها ٤ من نحو ما كان بينه وبين ربه وما كان فيها بين الخلق. أما ما كان في ما بينه وبين ربه فمن ٥ نحو العبادات التي أمر بأدائها ومن نحو تعليم[ العلم ] ٦ الذي رزقه الله تعالى له كقوله سبحانه وتعالى : ﴿ إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ﴾ الآية ( الأحزاب :٧٢ ) وكقوله تعالى : ﴿ كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ﴾ الآية ( المائدة :٨ ) وكقوله تعالى : ﴿ وإذا حكمت بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾( النساء :٥٨ ). كل ذلك أمانة تدخل في قوله تعالى : ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ وكذلك كل أمانة يؤتمن المرء عليها تدخل في ذلك.
ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال : " أد الأمانة إلى من ائتمنك عليها ولا تخن من خانك " ( أبو داوود ٣٥٣٥ ).
ومن قال نزلت في الأمراء استدل بقوله تعالى : ﴿ أن تحكموا بالعدل ﴾ لأن الحكم إلى الأمراء. وعن ابن عباس رضي الله عنه، ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ قال :( هي مبهمة، المؤمن والكافر سواء ؟ ).
وقوله تعالى : ﴿ إن الله نعما يعظكم به ﴾ من الحكومة وأداء الأمانات إلى أهلها ﴿ إن الله كان سميعا بصيرا ﴾يحتمل مجيبا لمن دعاه[ دعاه، وسأله ] ٧ كقوله عز وجل : ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إن دعان ﴾ ( البقرة :١٨٦ ) يجيب لمن استجابه، وأدى الأمانة. ويحتمل﴿ سميعا بصيرا ﴾ أي لا يخفى عليه شيء.
واختلف أهل العلم في العارية إذا ضاعت ؛ قال أصحابنا، رحمهم الله :لا شيء عليه. وقال غيرهم :عليه الضمان. ولأصحابنا، رحمهم الله، عدة الحجج :
أحدها ٨ :أن المستعير إن ليس القميص، أو ركب الدابة، أو حمل عليها، ما أذن له في حمله عليها، وأصابها في ذلك نقصان في قيمتها، فلا شيء عليه. فإذا لم يكن عليه ضمان في ما وقع بها من الضرر والنقص بفعله ولبسه وركوبه فلا يجب عليه ضمان ما هلك منها بغير فعله.
والثانية : ٩ ما روي عن [ أبي حنيفة ] ١٠عن علي رضي الله عنه [ أنه ] ١١ قال :( العارية ليست ١٢ بتبعة ولا مضمونة إنما هي معروفة إلا أن [ لا ] ١٣ تخالف ). وروي عن الحسن [ أنه ] ١٤ قال :( إذا خالف صاحب العارية ضمن ) واحتج من خالف من أصحابنا في ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال :" على اليد أن ترد ما أخذت إذا[ كانت قائمة ] ١٥ عليها ردها " [ أبو داوود ٣٥٦١ ]. ألا ترى أن الوديعة لا تضمن إذا تلفت. وعليه أن يردها إذا كانت قائمة ؟ فالعارية مثلها ؟.
والثالثة ١٦ :أن يحتمل معنى ذلك في الغصب وأشياعه. فعلى الغاصب أن يردها [ قائمة أو تالفة ] ١٧. ولا يدخل في عموم الخبر العارية. ألا ترى أن الوديعة لم تدخل فيه[ وإن كان فيه أخذ ] ١٨ ؟.
واحتجوا أيضا بحديث صفوان [ بن أمية ] ١٩ " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان يوم حنين أدرعا ؛ فقال :أغضب يا محمد ؟ فقال :بل عارية مضمونة " [ أبو داوود ٣٥٦٢ ] وروي في خبر آخر " أن [ رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب يوم حنين من صفوان ابن أمية أدرعا ] ٢٠ فقال :يا صفوان هل عندك من سلاح ؟ قال :عارية أو غصبا ؟ قال :بل عارية، فأعاره، ولم يذكر فيه الضمان " [ أبو داوود٣٥٦٣ ].
فهي ٢١ عندنا، إن ثبت خبر صفوان، على المستعير رد العارية، ليست ٢٢ كالوديعة، لأن الوديعة ما لم يطلب صاحبها [ ردها لا ] ٢٣ ترد. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤيد قولنا، وهو قوله : " العارية مؤداة " [ البيهقي في الكبرى ٦/٨٨ ]
وقوله تعالى : ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكوا بالعدل ﴾ كقوله ٢٤ عز وجل : ﴿ إن الله يأمر بالعدل وبالإحسان وإيتاء ذي القربى ﴾ فمن ولي أمرا وحكما في ما بين الناس فقد ولي الأمانة، وعليه ٢٥ أن يؤديها إلى أهلها.
وعلى ذلك جاءت الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال :" ما من أحد يكون على شيء من هذه الأمور، قلت، أو كثرت فلا يعدل فيها ألا أكبه الله تعالى في النار " ( بمعناه أحمد ٦/٣ ). وفي خبر آخر :" أي ما امرئ ولي من أمر الناس شيئا، ثم لم يجعلهم مثل ما يحوط به نفسه وأهله لم يرح رائحة الجنة يوم القيامة " ( البخاري ٧١٥٠ ) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه [ أنه ] قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن من أحب الناس إلي وأقربهم مجلسا مني يوم القيامة إمام عادل، وإن أبغض الناس إلي يوم القيامة وأشدهم عذابا إمام جائر " )( الترمذي ١٣٢٩ ).
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: فقال..
٣ في الأصل وم: جمعها وقسمتها..
٤ من م، في الأصل: فيهما..
٥ الفاء ساقطة من الأصل وم..
٦ من م، ساقطة من الأصل..
٧ من الأصل وم: دعل له وسأله..
٨ من م، في الأصل: أحدهما..
٩ في الأصل وم: والثاني..
١٠ في الأصل:ابن حنيفة، ابن الحنفية..
١١ ساقطة من الأصل وم..
١٢ في الأصل وم:ليس..
١٣ ساقطة من الأصل وم..
١٤ ساقطة من الأصل وم..
١٥ في اًل وم: كان قائما..
١٦ في الأصل وم: والثاني..
١٧ في الأصل وم: قائما أو تالفا..
١٨ من م، في الأصل: أخذ..
١٩ ساقطة من الأصل وم..
٢٠ في الأصل وم: صفوان هرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد حنينا..
٢١ في الأصل وم: فهو..
٢٢ في الأصل وم: ليس..
٢٣ في الأصل وم: لم..
٢٤ في الأصل وم: وقال..
٢٥ في الأصل: يجب،في م: عليه يجب.ساقطة من الأصل وم..
الآية ٥٩
وقوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ﴾ فإن قيل :كيف خص الله تعالى المؤمنين بالخطاب بالطاعة له وطاعة الرسول وأولي ١ الأمر بما يعم المؤمن والكافر جميعا ؟ قيل بوجوه ثلاثة :
أحدها :أن عادة الملوك أنهم إذا خاطبوا بشيء إنما يخاطبون أهل الشرف والمجد ومن كان أسمع لخطابهم وأعظم لقولهم كقوله تعالى :عز وجل﴿ يا أيها الملأ أفتوني في أمري ﴾ ( النحل :٣٢ ) وقوله ٢ تعالى : ﴿ يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها ﴾ ( النحل :٣٨ ) ؛ يخاطبون أبدا أهل الشرف ومن هو أقبل لقولهم وأطوع لأمرهم. فعلى ذلك خاطب الله تعالى المؤمنين، وأمرهم أن يطيعوه، ويطيعوا رسوله، وإن كان الخطاب يعمهم.
والثاني :يحتمل أن يكون الخطاب بذلك للمؤمنين خاصة لأن الكافر إنما يخاطب باعتقاد الطاعة له أولا. فإن أجاب إلى ذلك فعند ذلك يخاطب بغيره. والمؤمن قد اعتقد طاعة ربه وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم لذلك خرج الخطاب منه للمؤمنين خاصة، والله أعلم.
والثالث ٣ :يحتمل أن يكون تخصيص الخطاب للمؤمنين( لما أمر بطاعة ) ٤ أولي الأمر ليعلم أنه إنما أمر بطاعة أولي الأمر إذا كانوا مؤمنين، والله أعلم، فيه دلالة جواز الطاعة لغير الله لأن كل من عمل بأمر آخر فقد أطاعه. ( والطاعة هي الإئتمار بالأمر ) ٥ وأما العبادة فهي ٦ إخلاص الشيء بكليته لله عز وجل، حقيقة ؛ إذ الأشياء كلها لله بكليتها حقيقة ليس لأحد سواه. لذلك لم يجز أن يعبد غير الله تعالى. وقد يجوز أن يطاع غيره لما ذكرنا أن الطاعة هي الائتمار بالأمر، وليس العبادة كذلك. لذلك افترقا.
ثم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، تكون طاعة لله ؛ لأنه بأمره يطاع، وفي طاعتهم/١٠٠-أ/ له طاعته.
ثم قيل :قوله تعالى : ﴿ أطيعوا الله ﴾ في فرائضه، ﴿ وأطيعوا الرسول ﴾ صلى الله عليه وسلم، في سنته. وقيل﴿ أطيعوا الله ﴾في ما أمركم، ونهاكم في كتابه﴿ وأطيعوا الرسول ﴾ صلى الله عليه وسلم في ما أمركم، ونهاكم في سنته.
ثم اختلف في﴿ وأولي الأمر ﴾. قيل :هم الأمراء على السرايا. وقيل :هم العلماء والفقهاء. وقيل :هم أهل الخير. ويحتمل﴿ وأولي الأمر ﴾ الذين يولون السرايا. فكيف ما كان، ومن كان ففيه الدلالة ألا يولى إلا من له العلم والبصر ؟ من ذلك :أمراء السرايا كانوا أو غيرهم لأنه عز وجل أمر بطاعتهم. ولا يؤمر بطاعة أحد إلا بعلم وبصر يكون له في ذلك.
والآية التي تقدمت، وهي قوله سبحانه وتعالى : ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾ تدل على أن أولي الأمر الأمراء ؛ لأنه تعالى أمر الحكام في الآية الأولى بالعدل. وأمر الرعية بالسمع لهم والطاعة في ما يحكمون، ويأمرون، والله أعلم.
ألا ترى أنه روي في الخبر عن ٧ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ( أنه )٨ قال : " يا أيها الناس استمعوا، وأطيعوا. وإن أمر عليكم حبشي مجدع فاسمعوا له، وأطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله " ؟ ( ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/١٤١ )وعن ٩ ابن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه قال ) ١٠ :" على المرء المسلم السمع والطاعة في ما أحب، وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فمن أمر بمعصية فلا سمع عليه ولا طاعة " ( بمعناه البخاري :٢٩٥٥ ).
وبعد فإن ١١ الآية التي تليها تدل على أن أولي الأمر الفقهاء، وهو قوله تعالى : ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ والتنازع يكون بين العلماء. فكأنه، والله أعلم، أمر في ( الآية الأولى بطاعة﴿ وأولي الأمر ﴾ وأمر في الثانية ) ١٢ أولي الفقه برد ما يختلفون ١٣ فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
والآية تحتمل المعنيين، والله أعلم، أن على العامة طاعة أمرائهم في أحكامهم، وعليهم اتباع علمائهم في فصولهم. يبين ذلك
قول الله تعالى : ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ايفقهوا في الدين ﴾ الآية( التوبة :١٢٢ ) فلو لم يجب على قومهم قبول قول علمائهم ما وجب عليهم إنذار قومهم.
وفي هذه الآية إبطال قول الرافضة في الإمامة لأن الله تعالى قال : ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ﴾ فليس يخلو أولو الأمر من أحد ثلاثة أوجه :إما أن يكون الأمراء والفقهاء والإمام الذي تدعيه الرافضة ؛ فإن كان المعنى في أولي الأمر الفقهاء أو الأمراء، ففيه إبطال قول الرافضة :إنه الإمام الذي يصفونه، ومحال أن يكون هو الإمام، الذي يذكرونه لأنه قال عز وجل : ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ وذلك الإمام عندهم طاعته مفترضة، وهم بين أظهر المتنازعين عندهم، ومخالفته كفر في مذهبهم. فلو كان ذلك كذالك لقال. والله أعلم :فرددوه إلى الإمام، فإن من خالفه فقد كفر. ولكنه تعالى عز وجل أمر برد التنازع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فدل عليه أن قول أحد لا يقوم في الحجة مقام قول ( رسول الله صلى الله عليه وسلم )١٤.
وقوله تعالى : ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ قيل :إلى الله، أي كتاب الله تعالى أو إلى الرسول إذا كان حيا. فلما مات فإلى سنته. واستدل قوم بهذه الآية على إبطال الاجتهاد وترك القول إلا بما يوجد في كتاب الله تعالى أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويقولون :فنكل أمره إلى الله سبحانه وتعالى ورسوله، عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات، وليس ذلك عندنا.
والآية تحتمل وجهين :
أحدهما :أن يحمل تأويلها على أن التنازع إذا كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب أن يرد إليه صلى الله عليه وسلم ويسأل عن ذلك، ولا يستعمل في الحادثة الاجتهاد ولا النظر. فأما ما كان من التنازع بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن حكم الحادثة يطلب في كتاب الله أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو في إجماع المسلمين. فإن وجد الحكم في أحدها ١٥ بينا، وإلا قيل بالاجتهاد.
الوجه الثاني :أن يكون المجتهد إذا ما اجتهد فيه إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فيقول :وجدت في الكتاب أو في السنة كذا وكذا، وهذه الحادثة تشبه هذا الحكم، فحكمها حكمه. فيكون ( رد حكم ) ١٦ الحادثة إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أوشبهها بما وجد من الحكم فيهما. وإذا كان ما وصفنا من تأويل محتملا فلا حجة لهم علينا في ذلك، والله المستعان.
وفي الآية دلالة جعل الإجماع، وهو قوله تعالى : ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ الآية ؛ إنما أمر بالرد إلى ( كتاب الله تعالى وسنة )١٧ الرسول صلى الله عليه وسلم عند التنازع، لم يأمر بالإجماع ١٨. دل أنه إذا كان ثم إجماع لا تنازع فيه لما يجب الرد إلى ما أودع في الكتاب وفي السنة.
وفي الآية دلالة أنه يدرك بالطلب المودع فيه، لأنه لو لم يدرك، أو ليس ذلك فيه، لم يكن للرد إلى ذلك معنى. ألا ترى ( أن الله تعالى قال ) ١٩ :( لعلمه الذين يستنبطونه ) ( النساء :٨٣ ) فإنما يستنبط ما فيه ؟ دل أن كل أحكام ٢٠ الحوادث مذكور في هذين :في الكتاب والسنة ؛ إذ لو يكن الفرج عند النظر والطلب لكان لا يفيد الأمر بالرد إليهما معنى. ثم لا توجد نصوص في كل ما يبتلى ٢١. ثبت أنه مطلوب، وهو يدل على لزوم البحث في استخراج المودع من المنصوص، والله أعلم.
وفي قوله تعالى أيضا : ﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ الآية تخصيص المؤمنين على اشتراك الجميع في اللزوم ؛ يخرج على أوجه :
أحدها :على مخاطبة الأشراف والنجباء. وعلى ذلك أمر الملوك في الأمور ؛ يريدون اشتراك الرعية وأمل المملكة في ذلك كقوله سبحانه وتعالى﴿ قالت يا أيها الملأ ﴾ ( النمل :٢٩و٣٢ )، وقال سليمان عليه السلام : ﴿ يا أيها الملأ ﴾ ( النمل :٣٨ )﴿ وقال فرعون يا أيها الملأ ﴾( القصص :٣٨ )وقال [ سبحانه وتعالى ] ٢٢ : ﴿ إلى فرعون وملأيه ﴾ ( الأعراف :١٠٣و. . . )، فمثله٢٣ الذي نحن فيه، والله أعلم.
والثاني :أنهم مما قد عرفوا الأمور والمناهي ٢٤، فقيل لهم :أطيعوا ما ذكروا، علموا أنهم في من أمروا به، ونهوا عنه. ولم يكن من الكفرة علم بالذي يوجهون الأمر إليهم. فلذلك خص من ذكر، والله أعلم.
والثالث :أن الكفرة قد أنكرت المعبود والرسول، فجرى الخطاب في من ثبت لهم المعفرة بذلك مع ما يحتمل أن يكون في هذا الخطاب في الشرائع، وغير لازمة للكفرة، فلذلك كان على ما ذكرت.
والرابع :ما أدخل في الخطاب أولي الأمر منا، ولا يلزمهم طاعتهم، لذلك خص المؤمنين، وكان المقصود بالآية بيان طاعة أولي الأمر منا، وإلا كانت طاعة الله تعالى وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم بما كان إيمانهم قد ثبت. ولكن جمعت طاعة من ذكر ليعلم أن قد يكون بطاعة أولي الأمر طاعة الله، والله الموفق.
ومما يبين الذي ذكرت أن الكل من عرف الإله أن عليه طاعته بما عرف اسمه الذي سمى ٢٥ كل معبود إلها. فمن عرف منهم الإله عرف أنه معبود، ثم عرف ما له عنده من الأيادي، وعليه من النعم، على أن عليه شكره وطاعته به. ثم من عرف أن طاعته هي طاعة الله لأنه إليه يدعو، وعن أمره ونهيه يأمر، وينهى، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم منه إلى الخلق. وليس من عرف الله، وعرف الرسول صلى الله عليه وسلم يعرف أنه عليه طاعة أولي الأمر بما لم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبين الله ذلك في هذه الآية ليعلموا أن طاعتهم هي طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وذلك هو الدليل على جمع الإجماع حجة، وأن متبعهم ٢٦ هو مطيع لله تعالى، إذ صير الله طاعتهم طاعته، وهم في ذبك الإجماع.
وعلى ما ذكرت من شأن /١٠٠-ب/ الرسول صلى الله عليه وسلم يخرج ( قوله تعالى )٢٧ ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ ( النساء :٨٠ ) وقوله تعالى : ﴿ فلا وربك لا يؤمنون ( حتى يحكمون فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ﴾ ) ٢٨ ( النساء :٦٥ ) صير الواجد حرجا مما قضى واجدا حرجا من قضاء الله تعالى من نفي حكم الإيمان. وعلى ذلك قوله تعالى : ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ﴾ ( النساء :٦٤ ) أي لتكون عليهم طاعته بأمر الله تعالى ؛ إذ هي طاعة الله أولا لتكون طاعته طاعة الله بإذنه وبأمره، والله الموفق.
ثم أختلف في أولي الأمر. ومعلوم أنهم هم الذين إليهم يرجع تدبير أمور الدين، وعن آرائهم تصدر، وهم ٢٩ الذين تضمنتهم آية، فيها ٣٠ الكفاية في تعريف المقصود بها، وهو قوله عز وجل : ﴿ ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ ( النساء :٨٣ ) فجعل أولي الأمر من عندهم الاستنباط، وشهد لهم بالعلم في ما رد إليهم. فثبت أنهم الفقهاء المعروفون بالاستنباط ورعاية أمور الدين.
وفي هذا أيضا دلالة على إصابتهم في ما أجمعوا عليه ؛ إذ شهد لهم في الجملة بالعلم. وعلى ذلك قوله تعالى : ﴿ { كنتم خير أمة ﴾ الآية( آل عمران :١١٠ ) وقوله تعالى : ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا ﴾ الآية( البقرة :١٤٣ ).
ثم كانت الشهادات والأمر والنهي للعلماء بهما. ثبت أن الأمر في ذلك ينصرف إلى العلماء، وأنهم إذا اجتمعوا على شيء بالأمر والنهي يكون إجماعا لأن ذلك ك
١ في الأصل وم: و..
٢ في الأصل وم: قال..
٣ في الأصل وم: و..
٤ في الأصل / ما أمر بطاعته، في م: لما أمر بطاعته..
٥ في الأصل وم: هو الائتمار للأمر..
٦ في الأصل وم: فهو..
٧ من م، في الأصل:من..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ الواو ساقطة من الأصل وم..
١٠ ساقطة من الأصل وم..
١١ في الأصل وم:هذه.
١٢ في الأصل وم: آية أولي الأمر بطاعتهم وأمر..
١٣ في الأصل وم: يخلفون..
١٤ في الأصل: الرسول الله تعالى..
١٥ في الأصل وم: أحدهم..
١٦ في الأصل: أراد الحكم، في م: رد الحكم..
١٧ ساقطة من الأصل وم..
١٨ في الأصل وم: عند الجماع..
١٩ في الأصل وم: أنه قال الله تعالى..
٢٠ في الأصل: حكم، في م: ما حكم..
٢١ في الأصل وم: يبلى..
٢٢ ساقطة من الأصل وم..
٢٣ أدرج قبلها في الأصل وم: ذلك..
٢٤ من م، في الأصل: والمنافي..
٢٥ في الأصل وم: سمعت..
٢٦ في الأصل وم: متبعيهم..
٢٧ من م، ساقطة من الأصل..
٢٨ في الأصل وم:الآية..
٢٩ الواو ساقطة من الأصل وم..
٣٠ أدرج قبلها في الأصل وم:أرجو أن يكون..
الآية ٦٠
وقوله تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ﴾ الآية ؛ ذكر في القصة أن رجلين تنازعا ؛ أحدهما :منافق والآخر يهودي، فقال المنافق :اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف، وقال اليهودي :اذهب بنا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فاختصما إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقضى لليهود على المنافق. فلما خرجا قال المنافق :انطق بنا إلى عمر بن الخطاب نختصم إليه، فأقبل معه إلى عمر رضي الله عنه فقال اليهودي :يا عمر إنا اختصمنا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فقضى لي عليه، فزعم أنه لا يرضى بقضائه، وهو يزعم أنه بقضائه( راض ) ١، فاقض بيننا. فقال عمر رضي الله عنه للمنافق :كذلك ؟ قال :نعم. فقال( رويد كي ما )٢ أخرج إليكما، فدخل عمر رضي الله عنه البيت، فاشتمل على السيف، ثم خرج، فضرب به المنافق، فأنزل الله تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنز من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ﴾ والطاغوت هو كعب بن الأشرف. وقيل :الطاغوت :اسم الكاهن. وقيل :الطاغوت :الكافر. والطاغوت هو كل معبود دون الله تعالى. وعلى هذا التأويل خرج قوله :سبحانه وتعالى : ﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله ﴾ ( النساء :٦٢ ) أي جاء أهل النفاق يحلفون بالله( أنهم لم يريدوا بالتحاكم )٣﴿ إلا إحسانا وتوفيقا ﴾( النساء :٦٢ ).
وفي الآية دليل إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وذلك أن قوله تعالى : ﴿ يريدون أن يتحاكموا ﴾قصدوا٤ أن يتحاكموا بعده، فأخبرهم رسول الله صلى الله علبه وسلم بذلك، فعلموا أنه إنما علم ذلك بالله، لكنهم لشدة تعنتهم وتمردهم لم يتبعوه٥.
وقوله تعالى : ﴿ وقد أمروا أن يكفروا به ﴾ أي أمروا أن يكفروا بالطاغوت كقوله تعالى : ﴿ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ﴾( البقرة :٢٥٦ ).
وقوله تعالى : ﴿ ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ﴾ أي يزين لهم الشيطان ليضلوا ضلالا بعيدا ؛ أيلا يعودون٦ إلى الهدى أبدا. فيه إخبار أنهم يموتون على ذلك. فيه إخبار أنهم يموتون على ذلك. فكذلك كان. وهو في موضع الإياس عن الهدى. وقيل : ﴿ بعيدا ﴾ عن الحق، وقيل : ﴿ بعيدا طويلا ﴾ وهو واحد.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: رويدكما..
٣ في الأصل وم: أنه لم يرد بالتحاكم..
٤ ساقطة من وم..
٥ في الأصل وم يتبعوا..
٦ من م، في الأصل: يعون..
الآية ٦١
وقوله تعالى : ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ﴾ أي إذا قيل لهم :تعلوا إلى حكم﴿ ما أنزل الله ﴾ في كتابه﴿ وإلى الرسول ﴾ وإلى ١ أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته﴿ رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ﴾ والصدود هو الإعراض في اللغة. والصد الصرف. وقال الكسائي :( يقرأ يصدون بضم الياء٢ ). وفي حرف حفصة :وإذا دعوت الكافرين والمنافقين إلى ما أنزل الله﴿ رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ﴾.
١ في الأصل وم: أولى..
٢ في الأصل وم: الصاد، وأدرج في المختصر في شواذ القرآن: يصدرون بضم الياس وكسر الصاد: الحسن، أنظرص(٢٦)..
الآية ٦٢
وقوله تعالى : ﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ﴾ يحتمل هذا ما ذكر في القصة الأولى أن عمر رضي الله عنه لما قتل ذلك الرجل المنافق جداء المنافقون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يحلفون بالله ما أراد ذلك الرجل إلا إحسانا أي تحقيقا وتيسيرا عليك ليرفع عنك المؤنة وتوفيقا إلى الخير والصواب.
وقيل :نزلت في المنافقين في بناء مسجد ضرارا كقوله سبحانه وتعالى : ﴿ وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى ﴾ ( التوبة :١٠٧ ) ويحتمل قوله تعالى : ﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ﴾ في الآية في كل مصيبة تصيبهم وكل نكبة تلحقهم ؛ إذ كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعتذرون كما﴿ يعتذرون إليكم إذ رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم ﴾ الآية ( التوبة :٩٤ ) لأنهم كانوا يميلون إلى حيث ما كانوا يطمعون في ١ المنافع من الغنيمة وغيرهم إن رأوا ٢ النكبة والتبرة على الكافرين يظهروا ٣ الموافقة لهم كقوله تعالى : ﴿ الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم تكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين ﴾ ( النساء :١٤١ )هذا كان دأبهم عادتهم أبدا. د
وقوله تعالى عز وجل : ﴿ إن أردنا إحسانا وتوفيقا ﴾ قيل فيه بوجوه :قيل :إلا تخفيفا وتيسيرا عليك، وقيل :قالوا :تحاكمنا٤ إليه أنه إن وفق، وإلا رجعنا إليك. وفيه دلالة بطلان تحكيم الكافر والتحاكم إليه، وذلك حجة لأصحابنا، رحمهم الله تعالى، والله أعلم.
١ في الأصل وم:من..
٢ في الأصل وم:راء..
٣ في الأصل وم: يظهرون..
٤ في الأصل وم: تحكمنا..
الآية ٦٣
وقوله تعالى : ﴿ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ﴾ من النفاق والخلاف غير ما حلفوا﴿ فأعرض عنهم ﴾ ولا تعاقبهم في هذه المدة﴿ وقل لهم ﴾ إن فعلتم مثل هذا ثانية عاقبتكم. ويحتمل أن يكون على الوعيد، أي لا تعاقبهم، فإن الله تعالى عز وجل هو معاقبهم.
وقوله تعالى : ﴿ إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ﴾ قيل :أي تخفيفا وتيسيرا عليك ؛ على أنه إن وفق للصواب، وإلا رجعنا إليك﴿ إحسانا وتوفيقا ﴾لما نقول ١ :التحاكم إليهم يحملهم على الرجوع إلى دين الإسلام. وقيل ﴿ إحسانا ﴾ يحسنون إلينا، ويبروننا بفضول أموالهم. وقيل : ﴿ وتوفيقا ﴾بفضول أموالهم. وقيل : ﴿ وتوفيقا ﴾أي صوابا.
وقوله تعالى : ﴿ وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ﴾ قيل :أوعدهم وعيدا، حتى إذا عادوا إلى مثله يعاقبون. وقيل :ألزمهم الحجة في ذلك، وأبلغها إليهم، حتى إذا عادوا عاقبتهم.
١ في الأصل وم: نقل.
الآية ٦٤
وقوله تعالى : ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ﴾ الآية يحتمل قوله تعالى : ﴿ بإذن الله ﴾ أي بمشيئة الله. وقيل : ﴿ بإذن الله ﴾ أي بأمر الله. وقيل : ﴿ ليطاع بإذن الله ﴾ أي بعلم الله. ومن قال : ﴿ بإذن الله ﴾ بمشيئة الله أي من أطاع الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يطيعه بمشيئته. وكذلك من عصاه إنما يعصيه بمشيئة من أطاعه، أو عصاه، فإنما ذلك كله بمشيئة الله، ومن تأول إلا بإذن الله العليم يقول :إنه يعلم من يطيعه ومن يعصيه ؛ أي كل ذلك إنما يكون بعلمه لا عن غفلة منه وسهو كصنيع ملوك الأرض إنما يستقبلهم من العصيان والخلاف ( عن غفلة )١ منهم وسهو بالعواقب. فأما الله سبحانه وتعالى، إذا بعث رسلا بعث على علم منه بالطاعة لهم وبالمعصية، ما* بعثهم لما تنفعه طاعة أحد، أو تضره معصية أحد، إنما ضر ذلك عليهم ونفعه لهم.
ثم قالت المعتزلة في قوله تعالى : ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ﴾ أخبر أنه ما أرسل الرسول إلا ليطاع، وبين الرسل من لم يطع. كيف لا ؟ يتتم أن من الفعل ما قد أراد عز وجل أن يفعل، وأن يكون، ولكن لم يكن على ما أخبر أنه ما أرسل الرسول من الرسل٢ إلا ليطاع. ثم من قد كان من الرسل٣، ولم يطع ؟ قيل :هو ما ذكر في آخره﴿ إلا ليطاع بإذن الله ﴾ أي بمشيئة الله. فمن شاء من الرسل أن يطاع فقد أطيع، ومن شاء ألا يطاع فلم يطع. وكذلك من علم أنه يطاع، فأرسله ليطاع، فأطيع. ومن علم أنه لافي الأصل وم :الرسول. يطاع، فلم يطع. ومن أرسل ليطاع٤، بأمر ليكون عليه الأمر فذلك مستقيم، ومن أرسل ليطاع بالأمر فلا يجوز أن يطاع.
وقوله تعالى أيضا : ﴿ يطاع بإذن الله ﴾ قيل بأمر الله، وقد مر بيانه. وقيل : ﴿ ليطاع ﴾ بمشيئة الله، فيطيعه كل من شاء الله :يعلم الله، فهو في من يعلم أنه يطيعه ؛ إذ لا يجوز أن يعلم الطاعة ممن لا يكون.
والمعتزلة/١٠١-ب/ ( تقول في هذا :إنه أخبر أنه أرسل الرسول )٥ ليطاع، ولم يطعه الكل، وما يعبد من٦ يكون أراد ليطاع، وإن كان لا يطيعه الكل. فقلنا :إذ قال : ﴿ ليطاع بإذن الله ﴾ والإذن يتوجه إلى ما ذكرت. فعلى ذلك ﴿ ليطاع ﴾ ممن يطيعه لا غير، فحصل الأمر على الدعوى، وهو كقوله سبحانه وتعالى : ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ ( الذاريات :٥٦ ). ومعلوم أن الصغار منهم لا يعبدون، فخرج الجزاء إلى الخصوص بالوجود، لا أن كان في أمر أمر الإرادة في من وجد، لا أنه في على أنه فيه يعلم. هو يرجع إلى بعض دون الكل. فمثله الإذن على إرادة المشيئة، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ﴾ أي علموا أن حاصل ظلمهم راجع إليهم لأن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه وهم وضعوا أنفسهم في غير موضعها، فإذا لم يعرفوا أنفسهم لم يعرفوا خالقها.
وقوله تعالى : ﴿ جاءوك فاستغفروا الله ﴾ أي جاؤوك مسلمين تائبين عن التحاكم إلى غيرك راضين بقضائك نادمين على ما كان منهم، واستغفر لهم الرسول، لو٧ يشفع﴿ لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ﴾ أي قابلا لتوبتهم.
١ في الأصل وم: إنما يستقبلهم..
٢ في الأصل وم: لكنه..
٣ في الأصل وم:الرسول..
٤ في الأصل وم: أن يطاع..
٥ في الأصل وم: في هذا أنه أخبر أرسل..
٦ في الأصل وم:أن..
٧ في الأصل وم:إن..
الآية ٦٥
وقوله تعالى : ﴿ فلا وربك لا يؤمنون ﴾ قيل :قوله : ﴿ فلا ﴾صلة في كل قسم أقسم به كقوله : ﴿ لا أقسم بيوم القيامة ﴾( القيامة :١ ) ونحوه كل صلة. كأنه قال :أقسم﴿ وربك لا يؤمنون ﴾ وقيل :قوله : ﴿ فلا وربك ﴾ ليس هو على الصلة. ولكن يقال ذلك على نفي ما تقدم من الكلام وإنكار كقول الرجل :لا والله هو ابتداء الكلام، ولكن على نفي ما تقدم من الكلام. فعلى ذلك هذا.
وفيه تفضيل رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم على غيره من البشر، لأن الإضافة إذا خرجت إلى واحد تخرج مخرج التعظيم لذلك الواحد والتخصيص له. وإذا كانت إلى جماعة( تخرج )١ تعظيما له كقوله : ﴿ وأن المساجد لله ﴾ ( الجن :١٨ )وقوله : ﴿ له ما في السماوات والأرض ﴾ ( البقرة :١١٦و. . . . )ونحوه.
وقوله تعالى : ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ﴾ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، حاكما، وإن لم يحكموه ؛ ليس معناه، والله أعلم﴿ حتى يحكموك فيما شجر بينهم ﴾ أي حتى يرضوا بحكمك وقضائك.
وقوله تعالى : ﴿ فيما شجر بينهم ﴾ أي اختلفوا بينهم، وتنازعوا.
وقوله تعالى : ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ﴾ قيل ضيقا. وقيل :شكا﴿ مما قضيت ﴾بينهم أنه حق.
وقيل :إنما ثم في الآية أن الإيمان في القلب لأنه قال تعالى : ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ﴾ أي في قلوبهم. ألا ترى أنه قال تعالى في آية أخرى : ﴿ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ﴾ ؟ ( الأنعام :١٢٥ )ذكر ضيق الصدر٢، وهو واحد. إلا ترى أنه قال تعالى في آية أخرى : ﴿ ولم تؤمن قلوبهم ﴾ ؟ ( المائدة :٤١ ).
فهذه٣ الآيات ترد على الكرامية قولهم لأنه قال تعالى :{ بل يؤمنون، فيقال لهم :أنتم أعلم أم الله ؟ ثم قيل :إن الآية نزلت في اليهودي والمنافق اللذين٤ تنازعا، فتحاكما إلى الطاغوت، وقيل :نزلت في شأن رجل من الأنصار والزبير بن العوام ؛ كان بينهما تشاجر في الماء، فترافعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال للزبير :اسق، ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب ذلك الرجل، فنزلت الآية : ﴿ فلا وربك لا يؤمنون ﴾ الآية. ولا ندري كيف كانت القصة ؟ وفيم كانت ؟.
ثم روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأخبار أنه قال :" لا يؤمن أحد حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وولده وماله والناس جميعا " ( البخاري ١٤و١٥ ).
وقيل في قوله تعالى : ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم ﴾ أي في قلوبهم﴿ حرجا ﴾ أي شكا﴿ مما قضيت ﴾ أنه هو الحق﴿ ويسلموا ﴾ لقضائك لهم وعليهم﴿ تسليما ﴾. وفي قوله تعالى : ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ﴾ قيل :تأويله أنه ما أرسل رسولا في الأمم السالفة إلا ليطيعوه٥، فكيف تركتم أنتم طاعة الرسول الذي أرسل إليكم ؟ وقوله تعالى : ﴿ إلا ليطاع بإذن الله ﴾ ما أرسل الله رسولا إلا وقد أمرهم أن يطيعوه. لكن منهم من أطاعه، ومنهم من لم يطع.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: الأنفس..
٣ في الأصل وم: التي..
٤ في الأصل وم: التي..
٥ في الأصل وم: ليطيعوا..
الآية٦٦
وقوله تعالى : ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قللا منهم ﴾ الآية قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه :( لو كانت فينا نزلت يا رسول الله لبدأت بنفسي وأهل بيتي، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ذلك لفضل يقينك على يقين الناس وإيمانك على إيمان الناس " ) ( بنحوه السيوطي في الدر المنثور٢/٥٨٧ ).
وعن الحسن( أنه )١قال :( " لما نزلت هذه الآية قال رجل من الأنصار :والله لو ( كانت فينا نزلت )٢ لقتلنا أنفسنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " والذي نفس محمد بيده للإيمان أثبت في صدور الرجال من الجبال الرواسي " )( السيوطي في الدر المنثور٢/٥٧٨ ).
قيل : ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم ﴾ الآية هم( اليهود يعني بهم )٣ العرب كما أمر أصحاب موسى عليه السلام، وقيل :قال عمر رضي الله عنه ونفر عنه :( والله لو فعل ربنا لفعلنا، فالحمد لله الذي لم يجعل بنا ذلك، فقال :رسول الله صلى الله عليه وسلم " للإيمان أثبت في قلوب المؤمنين من الجبال الرواسي " )( السيوطي في الدر المنثور٢/٥٨٧ ).
ثم اختلف في قتل الأنفس، قال بعضهم :هو أن يقتل كل نفسه، وقال آخرون :هو أن يقتل بعض بعضا. وأما قتل كل نفسه فإنه لا يحتمل لوجهين :
أحدهما :وذلك أنه عبادة شديدة مما لا يحتمله أحد كقوله تعالى : ﴿ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ﴾( البقرة :٢٨٦ ) أخبر أنه لا يكلف( أحدا )٤ ما لا طاقة له.
والثاني :أن فيه قطع النسل وحصول الخلق للإفناء خاصة ؛ وذلك مما لا حكمة في خلق الخلق للإفناء خاصة.
وقوله تعالى : ﴿ ما فعلوه إلا قليلا منهم ﴾ قيل :هو عبد الله بن مسعود وعمار وفلان وفلان رضي الله عنه ولا ندري أيصح أم لا ؟ ولو كان قوله تعالى : ﴿ أن اقتلوا أنفسكم ﴾ قتل بعض فذلك مما أمروا به بمجاهدة العدو والإخراج من المنزل والهجرة. ثم أخبر أنهم لا يفعلون ذلك﴿ إلا قليل منهم ﴾.
وقوله تعالى : ﴿ ولو أنهم فعلوا ما يعظون به لكان خيرا ﴾ يحتمل وجهين :
( أحدهما :)٥ لو فعلوا ما يؤمرون به من الإسلام والطاعة﴿ لكان خيرا لهم ﴾ ذلك.
والثاني٦ :يحتمل لو﴿ أنهم فعلوا ما ﴾ يؤمرون به من القتل، لو كتب عليهم ﴿ لكان خيرا لهم ﴾ في الآخرة﴿ وأشد تثبيتا ﴾ قيل :حقيقة، وقيل :تحقيقا في الدنيا، وقيل : ﴿ ما يوعظون به ﴾ من القرآن﴿ لكان خرا لهم ﴾ في دينهم﴿ وأشد تثبيتا ﴾ يعني تصديقا بأمر الله.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ من م، في الأصل: لو كنت علينا..
٣ في الأصل وم: يهود لعنا به..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ ساقطة من الأصل وم...
٦ في الأصل وم:و..
الآيتان ٦٧و٦٨
وقوله تعالى : ﴿ وإذا لأتيناهم من لدنا أجرا عظيما ﴾ [ ﴿ ولهديناهم صراطا مستقيما ﴾ ] ١يحتمل وجهين :
( أحدهما٢ :) الأجر العظيم في الآخرة.
والثاني٣ :يحتمل في الدنيا كقوله تعالى : ﴿ فنسيره لليسرى ﴾( الليل :٧ ).
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم:و..
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٧: الآيتان ٦٧و٦٨
وقوله تعالى : ﴿ وإذا لأتيناهم من لدنا أجرا عظيما ﴾ [ ﴿ ولهديناهم صراطا مستقيما ﴾ ] ١يحتمل وجهين :
( أحدهما٢ :) الأجر العظيم في الآخرة.
والثاني٣ :يحتمل في الدنيا كقوله تعالى : ﴿ فنسيره لليسرى ﴾( الليل :٧ ).
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم:و..

الآية ٦٩
وقوله تعالى : ﴿ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ﴾الآية. قيل في بعض القصة :إن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبكى، ثم قال :والذي لا إله غيره لأنت أحب إلي من نفسي وولدي وأهلي، وإني لأذكرك، فلولا أني أجيء، فأنظر إليك لرأيت أني سأموت، وذكرت موتي وموتك ومنزلتك في الجنة، وترفع مع النبيين، فإني وإن دخلت الجنة كنت دون ذلك، وذكرت فراقي إياك عند الموت، فبكيت لذلك، فما أجابني النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، فأنزل الله تعالى : ﴿ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ﴾الآية.
قال١ رسول الله صلى الله عليه وسلم :خرج ذات يوم على بعض أصحابه، فرأى ( على )٢ وجوههم كآبة وجزعا، قال :فقال النبي صلى الله عليه وسلم :ما لكم ؟ وما غير وجوهكم ولونكم ؟ فقالوا :يا رسول الله ما بنا من مرض ولا وجع غير أنا إذا لم نرك، ولم نلقك، اشتقن إليك، واستوحشنا وحشة شديدة حتى نلقاك، فهذا الذي ترى من اجل ذلك. ونذكرك بالآخرة فنخاف ألا نراك هناك. فأنزل الله تعالى الآية : ﴿ ومن يطع الله/١٠٢-أ/ والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ﴾ الآية.
ويحتمل أن لم يكن في واحد من ذلك، ولكن في وجوه أخر :
أحدها :أن اليهود وغيرهم من الكفرة والذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرطوا في تعنتهم وتمردهم في ترك إجابتهم إياه وطاعتهم له، ظنوا أنهم، وإن أسلموا، وأطاعوا الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقبل ذلك منهم :توبتهم، ولم ينزلوا منزلة من لم يؤذه، ولم يترك طاعته، فأخبر عز وجل أنه إذا أطاع( المرء )٣ الله والرسول فيكون﴿ مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ﴾ كأن لم يترك طاعته، والله أعلم، كما قال الله تعالى : ﴿ إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ﴾ ( الأنفال :٣٨ ).
والثاني ٤ :أن يكون ذلك لما سمعوا أن لكل أحد في الجنة مثل الدنيا، فظنوا ألا يكون لهم الاجتماع والالتقاء ليبعد بعضهم من بعض، فأخر عز وجل أن يكون لهم الاجتماع ؛ لأن ذلك لهم في الدنيا من أعظم النعم وأجلها.
والثالث٥ :أن يكون على الابتداء :أن من أطاع الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فسيكون﴿ مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ﴾ في دار واحدة، لا يكونون في غيرها ٦.
فهذه الوجوه كأنها أشبه، واله أعلم، إذا٧ هم في الطاعة أجابوا، والله أعلم.
ثم اختلف في ﴿ والصديقين ﴾ قال بعضهم :أتباع الأنبياء صلى الله عليه وسلم وخلفاؤهم في كل أمر من التعليم والدعاء لهم إلى كل خير وطاعة. وقيل :الصديق٨، هو الذي يصدق الرسول صلى الله عليه وسلم في أول دعوة دعاه إلى دين الله تعالى، وفي أول ما عاينه.
وقوله تعالى : ﴿ والشهداء ﴾ قيل :الشهيد الذي قتل في سبيل الله، وقيل :الشهيد هو القائم بدينه، وقيل : ﴿ والصديقين والشهداء والصالحين ﴾ كله واحد.
١ في الأصل وم: فقال..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: يحتمل..
٥ في الأصل وم: يحتمل..
٦ في الأصل وم:غيره..
٧ في الأصل وم:إذ..
٨ في الأصل وم:الصديقين..
الآية ٧٠
وقوله تعالى : ﴿ ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما ﴾ دلت الآية على أن الجزاء إفضال من الله تعالى } ؛ إذ سبق من عنده الإنعام والإفضال عليهم، فتخرج طاعتهم له مخرج الشكر له، لا أن عليه ذلك الإنعام الذي أنعم عليه والإفضال ١.
ويحتمل قوله تعالى : ﴿ ذلك الفضل من الله ﴾ ما أحسن من الرفعة بينهم فذلك فضل منه. والآية ترد على أصحاب الأصلح٢ لأن تلك الأفعال إنما صارت قربة لله بإنعام من الله تعالى وإفضاله وتوفيقه، وبه استوجبوا الثواب.
وقوله تعالى : ﴿ ذلك الفضل من الله ﴾ بعد العلم بأن الفضل هو ما بذل ما لم يكن وبذل ما عليه، وهو الوفاء لا الفضل في متعارف اللسان والمعتاد. ثم لا يخلو من أن يرجع منه إلى الخيرات التي اكتسبوها، فيبطل به قول المعتزلة بما لا يخلو من أن كان منه ذلك الفضل أو مثله إلى الكافر أولى. فإن كان منه وجه يستحقه، وقد كان منه إلى غيره، فلم ينل تلك الدرجة، ولا بلع تلك الرتبة، فبان أنه لا بذلك بلغ من بلغ، فيكون منه في ما لم يكن.
وأيضا أنه لو لم يكن البذل فضلا لما ذكرت. ثبت أن ليس الحق عليه كل ما به الأصلح في الدين لما يزيل معنى الفضل، وإن لم يكن إعطاء الكافر مثله. فهو عندهم محاباة منه على المؤمن، وقد منع بعض ما عليه في الأصلح، وذلك عندهم بخل، عز وجل عما وصفوه، وإن كان ذلك في الثواب. دل أن له أن يثيب حتى يصير ما أثاب عليه فضلا. ولا يحتمل ألا يرضى بطاعة العبد واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم قثبت أن الرضا ليس هو التراد، والله الموفق.
وقوله تعالى : ﴿ وكفى بالله عليما ﴾ قيل : ﴿ عليما ﴾ بالآخرة وثوابها. وقيل : ﴿ وكفى بالله عليما ﴾ بما وعد من الخير في الآخرة لهؤلاء الأصناف. وعن ابن عباس رضي الله عنه ( أنه )٣ قال :( الصديقون هم الذين أدركوا الرسل عليه السلام وصدقوهم ). وعن أبي ذر رضي الله عنه ( أنه )٤ قال :( الصديقون المؤمنون }. وقيل الصديقون السابقون الذين سبقوا إلى تصديق النبيين أنعم الله عليهم بالصدق٥، والشهداء هم الذين أنعم الله عليهم بالشهادة، والصالحون٦ هم المؤمنون أهل الجنة.
١ في الأصل وم: فضل من الله..
٢ هم المعتزلة..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: الصديق..
٦ في الأصل: الصالحين..
الآية ٧١
وقوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ﴾ قيل :خذوا عدتكم من السلاح. وقيل : ﴿ خذوا حدركم ﴾ من جميع ما يحترس( من العدو )١ كقوله سبحانه وتعالى : ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ﴾ الآية ( الأنفال :٦٠ ) وقوله تعالى : ﴿ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ﴾ ( التوبة :٤٦ ) أمر الله عز وجل بالاستعداد ٢ للعدو، وهو الإعداد له ؛ إذ يوكل الأمر في ذلك إلى الله دو الإعداد للعدو قبل لقائه، وإن كان يقدر ( على ) ٣ نصر أوليائه وقهر عدوه من غير الأمر بالقتال معهم ؛ إذ في ذلك محنة امتحنهم بها.
فعلى ذلك أمرهم بالإعداد للعدو وأخذ الحذر ( منهم. وتلك )٤ أسباب تعد قبل لقائهم إياه.
وفيه دلالة تعلم آداب الحرب قبل لقاء العدو ليحترس منه. وفيه دلالة إباحة الكسب لأنه فرض عليهم الجهاد، وأمر بالإعداد له ليحترس من العدو ؛ ولا يوصل إلى ذلك إلا بالكسب، والله أعلم.
وفي قوله تعالى أيضا : ﴿ يا أهيا الذين آمنوا خذوا حذركم ﴾ أي تحذرون به عدوكم. وما تحذرونه ( في وجوه ) :منها الأسلحة، ومنها البنيان، ومنها النكار عند الالتقاء، وذكر الله عز وجل كما قال : ﴿ فاثبتوا واذكروا الله كثيرا ﴾( الأنفال :٤٥ ). وفي هذا أمر بالإعداد للعدو قبل اللقاء. وأيد ذلك قوله عز وجل : ﴿ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ﴾( التوبة :٤٦ )، وكذلك قوله تعالى : ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ﴾ ( الأنفال :٦٠ ) فيكون الأمر بالإعداد قبل وقت الحاجة دليل جواز الكسب لحاجات تجددت. والاستعداد للحاجات ليس برغبة في الدنيا ؛ إذ لم يكن ( في ) ٥ الإعداد فشل ولا ترك التوكل. على أن الجوع وحاجات النفس تعين( على تلقي ) ٦ العدو، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقوله تعالى : ﴿ فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ﴾ قيل :الثبات هو السرايا﴿ أو انفروا جميعا ﴾ يعني عسكرا. وقيل﴿ ثبات ﴾ يعني فرقا ﴿ أو انفروا جميعا ﴾ جميعا٧. وقيل : ﴿ فانفروا ثبات ﴾ أي عصبا﴿ أو انفروا جميعا ﴾. وعن ابن عباس رضي الله عنه ( أنه )٨ قال :، ( زلفا ). وقيل :الثبات والتثبية في كلام العرب الجمع الكثير، ومعناه :انفروا كثيرا أو قليلا. وفي ذلك دلالة بالخروج إلى العدو فرادى وجماعات٩ وفرقا وجماعات١٠، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ فانفروا ثبات ﴾ أي إذا استنفرتم فانفروا كذلك١١. وقوله تعالى : ﴿ فانفروا ثبات و انفروا جميعا ﴾ معلوم أن عليهم الدفع. فيحتمل أن يكون قوله تعالى : ﴿ فانفروا ﴾ إذا أوذوا، أي على ما استنفرتم مكن جميع أو بعض. فيكون في ذلك دلالة قيام البعض عن الكل على غير الإشارة إلى ذلك.
وقد يجب فرض في المجهول :على كل :القيام حتى تعلم الكفاية١٢ بمن خرج. وهذا كفرائض١٣ لا تعرف بعينها، أو حرمات تظهر، لا تعرف المحرم بعينه. فعلى ذلك من ( أحرم فعليه )١٤ الإيفاء والقيام بجميع١٥ الفرائض ليخرج ما١٦عليه.
ثم أذا غلب عليهم في التدبر الكفاية بمن خرج، سقط عن الباقين. ولو لم يكن يسقط لم يكن للإمام استنفار البعض. يدل على ذلك ( قوله تعالى )١٧ : ﴿ فلولا نفر من كل فرقة ﴾ الآية ( التوبة :١٢٢ ) وقوله تعالى : ﴿ قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ﴾( التبوة :١٢٣ ).
وأصله أنه فرض لعلة ى يجوز نفاذه، وقد زالت العلة. على أن خروج الجميع من جهة ابتداء العورة من جهات. فلذلك لم يحتمل تكليفه خروج١٨ الجميع من جهة استنفر منها، والله أعلم.
١ في الأصل وم: منه العدو..
٢ في الأصل وم: بالاعتداد..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: لهم وذلك..
٥ في الأصل وم: وجوه..
٦ في الأصل وم: وتلقى..
٧ في الأصل وم: مجموعا.
٨. ساقطة من الأصل وم..
٩ في الأصل وم:وجماعة.
١٠ في الأصل وم:وجماعة.
١١. في الأصل وم:ذلك..
١٢. من م. في الأصل الكتابة.
١٣. أدرج بعدها في الأصل وم: تعرف..
١٤ في الأصل وم: حرم عليه.
١٥. من م، في الأصل:الجميع.
١٦. في الأصل وم: عما.
١٧. ساقطة من الأصل وم.
١٨. في الأل وم: لخروج.
الآية ٧٢
وقوله تعالى : ﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾ ؛ قوله ﴿ منكم ﴾ يحتمل وجوها :يحتمل في الظاهر ﴿ منكم ﴾، ويحتمل في الحكم﴿ منكم ﴾ ويحتمل في الدعوى﴿ منكم ﴾ لأنهم كانوا يدعون أنهم منا، ويظهرون الموافقة للمؤمنين، وإن كانوا في الحقيقة لم يكونوا.
وقوله تعالى : ﴿ ليبطئن ﴾ قيل :إن المنافقين كانوا يبطئون الناس عن الجهاد، ويتخلفون كقوله تعالى : ﴿ * قد يعلم الله المعوقين منك والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا ﴾( الأحزاب :١٨ ) كانوا يسرون ذلك /١٠٢-ب/ ويضمرون، فأطلع الله عز وجل نبيه على ذلك ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله تعالى. وفيه دلالة إثبات رسالة محمد، صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى : ﴿ فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا ﴾. ﴿ ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ﴾( النساء :٧٣ )( وعلى )١ التقديم والتأخير يسر، ويفرح :إذا أصابتهم مصيبة ﴿ كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ﴾ لأن كل من كان بينه وبين آخر مودة إذا أصابته نكبة يحزن عليه، ويتألم. فأخبر الله عز وجل أن هؤلاء المنافقين٢ إذا أصابت المؤمنين نكبة يسرون بذلك، ولا يحزنون، كأن لم يكن بينهم مودة ولا صحبة.
١ من م. في الأصل و..
٢ في الأصل وم: المنافقون..
الآية ٧٣
وقوله تعالى ﴿ ولئن أصابكم فضل من الله ﴾ يعني الغنيمة والفتح﴿ ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ﴾ أن يأخذ من الغنيمة نصيبا وافرا.
وقوله تعالى : ﴿ فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا ﴾ هذا قول المكذب الشامت﴿ ولئن أصابكم فضل من الله ﴾ الآية هو قول الحاسد، وهو قول قتادة. وقوله تعالى : ﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾يعني ليحلفن عن اليقين ﴿ فإن أصابتكم مصيبة ﴾ يعني شدة وبلاء من العيش والعدو﴿ قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا ﴾ فيصيبني ما أصابهم ﴿ كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ﴾.
وقوله تعالى : ﴿ فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ﴾ دل أن فرض الجهاد فرض كفاية يسقط بقيام البعض عن الباقين، لأنه قال : ﴿ فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ﴾ أمر بتغير الثبات. فلو كان لا يسقط بقيامهم عن الباقين لم يكن للأمر به معنى. وتأويله، والله أعلم، إذ قيل لكم :انفروا﴿ فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ﴾.
الآية ٧٤ وقوله تعالى : ﴿ فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ كأنه، والله أعلم، نهى المنافقين ( عن الخروج ) ١ إلى الغزو كقوله٢ تعالى : ﴿ فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستئذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ﴾ ( التوبة :٨٣ ) وأمر المؤمنين أن يخرجوا لذلك، لأنه قال تعالى : ﴿ فليقتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ والمؤمنون هم الذين يشترون الحياة الدنيا.
وقوله عز وجل : ﴿ في سبيل الله ﴾ قيل :في إظهار دين الله، وقيل :في طاعة الله تعالى ونصر أوليائه.
وقوله تعالى : ﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ﴾ في الآية دلالة أن بذل نفسه وما له لله تعالى غاية ما يجب أن يبذل استوجب العوض قبله، وإن لم تتلف نفيه فيه، ولا أحدث ؛ لأنه قال عز وجل : ﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغيب ﴾ جعل لمن تتلف نفسه فيه ثواب، والعوض ( للذي لم ) ٣ تتلف نفسه فيه. وكذلك قوله سبحانه وتعالى : ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ﴾ ( التوبة :١١١ )يجعل لمن قتل، ولم يقتل فيه العوض.
فهذا يدل على مسائل الناس ؛ ذلك أن المرأة إذا سلمت نفسها إلى زوجها في الوقت الذي كان عليها التسليم استوجب كمال الصداق، وإن لم يقض الزواج منها. ومن ذلك البائع أيضا إذا سلم المبيع إلى المشتري كان مسلما٤، وإن يقبض المشتري. وكذلك من صلى صلاة الظهر في منزله، ثم خرج إلى الجمعة يصير وافضا للظهر لأن عليه الخروج إليها، فيصير بالخروج إليها كالمباشر لها، وإن لم يباشر على سبيل ما جعل الباذل نفسه لله، والمسلم إليه، كأنها أخذت منه في استيجاب العوض الذي وعد له.
فعلى ذلك يجب أن يجعل تسليم( الحق الذي ذكر ) ٥ كأخذ الحق منه، وإن لم( يأخذه، لا كالقيام ) ٦ إلى الخامسة ولا كالمتوجه إلى عرفات قبل فراغه من العمرة، لأن( على )٧ هؤلاء الفراغ مما كانوا فيه، ثم التوجه إلى عرفات والقيام إلى الخامسة، فلم يصح ذلك. وأما امرأة والبائع ومؤدي الظهر في منزله فعليهما٨ التسليم والبذل، لذلك كان ما ذكرنا، والله أعلم. وفي الآية ( دليل )٩ أن الله تعالى عامل عباده معاملة أهل الفضل والإحسان كأن لا حق له( إلا )١٠ معاملة ذي الحق، وإن كانت الأنفس والأموال كلها له في الحقيقة حين فرض عليهم الجهاد، وجعل لهم بذلك عوضا كقوله تعالى : ﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ﴾ وقوله١١ عز وجل في آية أخرى : ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ﴾ ( التوبة :١١١ ) من المؤمنين كثير ممن لا حق له فيها، وهي له في الحقيقة، ووعد لهم ذلك عوضا وأجرا عظيما.
وقوله تعالى : ﴿ ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله ﴾ وقوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذ قيل لكم انفروا في سبيل الله ﴾ الآية ( التوبة :٣٨ ) مثل هذا لا يقال إلا لتفريط سبق منهم، ثم لم ينزل اسم الإيمان فيهم ١٢ بذلك، وكان١٣ الجهاد فرضا عليهم. فهذا ينقض على من ( قال ) ١٤ بخروج مرتكب الكبيرة من الإيمان.
١ في الأصل وم: بالخروج..
٢ في الأصل وم: قوله..
٣. في الأصل وم: الذي..
٤ في الأصل وم: الذي..
٥ في الأصل وم: ما ذكر الحق.
٦. في الأصل وم: يأخذ القيام.
٧. ساقطة من الأصل وم..
٨ في الأصل وم:عليهم..
٩ ساقطة من الأصل وم..
١٠ في الأصل وم: لا..
١١ في الأصل وم:وقال الله..
١٢ في الأصل وم: ومنهم..
١٣ في الأصل وم: وما كان..
١٤ ساقطة من الأصل وم..
الآية ٧٥
وقوله تعالى : ﴿ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والوالدان ﴾ عن ابن عباس رضي الله عنه ( أنه )١ قال : ﴿ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين ﴾ ( كنت أنا وأمي من المستضعفين ) ٢ وكذلك روى ( الكسائي عنه )٣.
وفيه دلالة أن على المسلمين أن يستنقذوا أسراهم من أيدي الكفرة إذا أسروا بأي وجه ما قدروا عليه بالأموال والقتال وغير ذلك، وذلك فرض عليهم، وحق ألا يتركوهم في أيديهم لأنه قال تعالى : ﴿ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والوالدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية ﴾ الآية دلالة أن إسلام الصغار إسلام، وكفرهم كفر، وإذا عقلوا ؛ لأنه قال تعالى : ﴿ والولدان الذين ﴾ والكبار من الرجال والنساء لا يسمون ولدانا، إنما يسمى٤ الصغار منهم ( ولدانا ) ٥لأنه عاتبهم بتركهم في أيدي الكفرة، فلو كانوا أولاد الكفرة لم يكن للتعيير٦ والعتاب وجه بتركهم في أيديهم ؛ إذ لم عاتبوا بترك٧ ولدان الكفرة في أيديهم. فدل أنه إنما لحقهم العتاب لأسراهم٨.
وكذلك قوله تعالى : ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم ﴾ الآية( النساء :٩٧ ) ثم استثنى المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ( الذين )٩ لا يستطيعون حلية. فلو لم يكن إسلام الولدان إسلاما ولا كفرا لم يكن لاستثنائهم من أولئك وإخراجهم من الوعيد الذي ذكر معنى، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ ربنا أخرجنا من هذه القرية ﴾ سألوا الله عز وجل أن يخرجهم من القرية، وهم علموا أنه( يتولى ذلك من في السماء )١٠ على أيدي قوم يعينونهم على ذلك، وهم علموا أن الله١١ في ذلك صنعا. والمعتزلة لم يعلموا ( ذلك )١٢، وذلك ينقض قولهم، وبالله التوفيق.
وقوله تعالى ﴿ الظالم أهلها ﴾ كل ظالم ( منع أهلها )١٣ عن الخروج إلى دار الإسلام والهجرة. ﴿ واجعل لنا من لدنك نصيرا ﴾ وليا في ديننا يمنعنا عن المشركين. ويقال :مانعا يمنع عنا المشركين. وقد ذكرنا الولي والنصير في غير موضع، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم...
٣ في الأصل وم: عن الكسائي...
٤ في الأصل وم: يسمعون..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ من م: في الأصل: للتغير..
٧ في الأصل وم:ترك.
٨ في الأصل وم: لإسلامهم...
٩ ساقطة من الأصل وم..
١٠. في الأصل وم: لا يتولى نحو السماء ولكن.
١١ في الأصل وم: الله..
١٢. ساقطة من الأصل وم..
١٣ في الأصل وم: منعهم...
الآية ٧٦
وقوله تعالى : ﴿ الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ﴾ ذكرنا الذي يأمر خلقه بالسلوك فيه.
وقوله تعالى : ﴿ والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنه :( الطاغوت هو الشيطان في هذا الموضع لأنه هو الذي يأمر بالسلوك في بسيله ).
وفي الآية دلالة ألا يأمر الكفار بالجهاد ولا بالصلاة، ولا يأمر بالزكاة ولا بغيرها من العبادات لأنه أخبر أنهم لو قاتلوا إنما يقاتلون في سبيل الشيطان، وكذلك إذا صلوا صلوا له، وكذلك سائر العبادات، ولكن يأمرون ولا بإتيان ( الشيطان )١ ما لو فعلوا من العبادات /١٠٣-أ/ كانت في سبيل الله، وهو الإيمان، وهذا ينقض من قول من يقول :إن الكافر مأمور مكلف بالصلاة والزكاة وغيرها من العبادات، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ فقاتلوا أولياء الشيطان ﴾ هذا يدل على أن الطاغوت هو الشيطان ههنا، وكل ما عبد دون الله فهو شيطان.
وقوله تعالى : ﴿ إن كيد الشيطان كان ضعيفا ﴾ يحتمل قوله : ﴿ إن كيد الشيطان ﴾ إن كيد أولياء ﴿ الشيطان كان ضعيفا ﴾ إذا كان الله ناصركم كقوله سبحانه وتعالى : ﴿ إن ينصركم الله فلا غالب لكم ﴾ ( آل عمران :١٦٠ ) ويحتمل : ﴿ إن كيد الشيطان كان ضعيفا ﴾ أنه٢ لا يعمل سوى الدعاء والأمر ؛ يدعوهم إلى سبيله، فذلك لضعفه، لا يباشر القتال ولا الضرر، إنما هو إشارة منه ودعاء كقوله سبحانه وتعالى : ﴿ وما كان ولي من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ﴾ ( إبراهيم :٢٢ ).
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم:لأنه..
الآية ٧٧
وقوله تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال ﴾ الآية اختلف فيه :قيل :نزلت الآية في بني إسرائيل، وهي الآية التي ذكرها الله تعالى في سورة البقرة : ﴿ ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى ﴾إلى قوله : ﴿ فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا ﴾( الآية :٢٤٦ ) وقيل :إنها نزلت في المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال مكة سرا لكثرة ما يلقون من الأذى منهم، فنزل قوله تعالى : ﴿ كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ أي لم يؤمنوا بالقتال، فنهاهم عن ذلك﴿ فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله ﴾ الآية، وقيل :إنها نزلت في المنافقين الذين كانوا يقاتلون مع النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى : ﴿ يخشون الناس كخشية الله ﴾ أي يخشون الله ؛ يعني المنافقين كخشية المؤمنين الله﴿ أو أشد خشية ﴾ كقوله سبحانه وتعالى ﴿ يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ﴾ ( البقرة :١٦٥ ) وإن كانت في المؤمنين فتأويله ﴿ يخشون الناس ﴾ في القتال﴿ أو أشد خشية ﴾ في الموت﴿ كخشية الله ﴾ لأنه أهيب وأسرع نفاذا، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ﴾ الآية ؛ تكلموا في ذلك، فمنهم من جعله خبرا عن أمر بني إسرائيل الذين﴿ قالوا لبني لهم أبعث لنا ملكا ﴾ الآية ( البقرة :٢٤٦ )لأنهم١ أمروا بالكف عن( المقاتلة، فتمنوا )٢ الإذن في ذلك، وسألوا نبيهم عليه السلام عن ذلك، وسألوا نبيهم عليه السلام عن ذلك. ثم منهم ٣ من أعرض عن الطاعة، وقد كان أهل الإيمان يتمنون الإذن في ذلك، كقوله تعالى : ﴿ ولقد كنتم تمنون الموت ﴾ ( آل عمران :١٤٣ ). فوعظوا ( لما ذكر ) ٤ليقلبوا العاقبة، ولئلا يتمنوا محنة فيها شدة، فيبعثهم على ما بعث أولئك.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا ربكم العاقبة، وإذا لقيتموهم فتسوروا في وجوههم " ( البخاري٢٩٦٦و٣٠٢٩ ) وكان في علم الله أن يأمرهم٥، فأخبروا بالذن قتلوا ( وما )٦ حل بهم لئلا يفعلوا مثل فعلهم، والله أعلم.
وخشيتهم ﴿ كخشية الله ﴾ كقوله تعالى : ﴿ لا طاقة اليوم بجالوت وجنوده ﴾ ( البقرة :٢٤٩ )إلى تمام القصة.
وقد قيل :الآية نزلت في ما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجيبوا في ذلك. ثم خاطبهم بالذي٧ ذكر. لكن اختلف في ذلك ؛ فمنهم من يقول :كان في الصديقين، لكن اشتد عليهم الأمر ؛ وذلك نحو ما كان منهم يوم حنين وأحد ونحو ذلك حتى أعانهم الله تعالى، وفرج عنهم بمنه.
وعلى ذلك قوله تعالى : ﴿ ولقد كنتم تمنون الموت ﴾( آل عمران :١٤٣ ) أي ما فيه الموت من الجهاد. وعلى ذلك ﴿ يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ﴾ لما٨ عاينوا السبب الذي فيه هلاكهم، وتبلغ عند ذلك الخشية غايتها نحو قرب الموت وشدة المرض، يكون المرء يخشى منه الموت ما لا خشية لولا تلك الحال :أنه يرى الموت ( أفضل )٩ من المرض، وإن كان الذي، يظهر عليه من خشية الموت في تلك الحال أشد، فهي في الحقيقة خشية من الله تعالى أن يكون جعل ذلك سبب الموت، وأنه حضره، وقرب منه، فيكون في ظاهر الأمر كمن يخشى من تلك الأحوال. وقد جعل لما جبل عليه الخلق في مثله معروفا١٠ مثله، أعني أن المريض يستعد للموت، لما يغلب عليه الموت، لما يغلب عليه الإياس من حياته، وإن كان الذي يصيب تستوي عليه أحواله.
فعلى ذلك أمر الأول. وعلى ذلك في ما طبع عليه الخلق من طمأنينة القلب عند ملك أسباب الرزق والقدرة عليه ما لم يكن في غريها. وإن كان من حيث قدرة الله واحدا١١، فتكون تلك الخشية جبلية طبيعية لا اختيارية أو سخطا١٢ بحكم الرب، وهو كالذي( جاز فيه ) ١٣قوله تعالى : ﴿ كتب عليكم القتال وهو كره لكم ﴾ الآية ( البقرة :٢١٦ ).
وقوله تعالى على ذلك : ﴿ ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب ﴾الآية تحتمل وجهين :
أحدهما :الخبر عما في طباعهم كما قال عز وجل : ﴿ كتب عليكم القتال وهو كره لكم ﴾ الآية( البقرة :٢١٦ ). وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" حفت الجنة بالمكاره " ( مسلم ٢٨٢٢ ) وإنما ذلك على الطبع كالسائل عن ذلك. وربما يصيغون القول والسؤال على اعتبار الأحوال إلى ما لا يطيق له. فعلى هذا، والله أعلم.
والثاني١٤ :أن يكون قولا منهم عن وجه الحكمة لهم بالأمر في ما علم أنهم يبلغون بالقتل والجبن إلى حال لا يقومون للعدو، ولا يملكون أنفسهم في ذلك الوقت. فأخبر الله عز وجل أن الذي حملهم على ذلك رغبتهم في التمتع بالدنيا. ولو صوروا متاع الآخرة في قلوبهم لذهب١٥ عنهم ذلك، ويثبتون للعدو، ولا ينالون للعدو، ( ويرضون )١٦ بما يحل، ولا يخشون ذلك، وكأنه وعد لهم أن متاع الآخرة لكم، على هذا الفعل لو صبرتم خير لكم، وما وعد لكم عليه خير من متاع الدنيا.
وأيضا أن يقال :إن هذا، وإن عظم١٧، هو له على الطبع. فإنه إذا كان لله بحق العبادة هو أيسر وأهون من الموت على صاحبه إذا حضر إذن يريهم الله متاع الآخرة أو بعض ما فيه الكرامة، فيصير ذلك متاع الآخرة لهم وقت الموت، فهو خير من تمتعهم في الدنيا ثم الموت، ولا بد١٨ منه كما قيل في ( تأويل قوله ) ١٩. صلى الله عليه وسلم :" من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " ( البخاري :٦٥٠٧و٦٥٠٨ ).
إن المؤمن يرى ماله من الكرامة، فيجب الموت أن يجعل به ليصل إلى ذلك. والكافر يرى سخطه، فيكرهه.
وعلى هذا تأويل ( قوله، صلى الله عليه وسلم )٢٠ في الدنيا : " إنها سجن المؤمن وجنة الكافر( والآخرة سجن الكافر وجنة المؤمن " )٢١( مسلم ٢٩٥٦ )أن يكون كذلك الموت في ذلك الوقت، والله أعلم.
وتأويل آخر أن تكون الآية في المنافقين أنه تظهر وقت النفاق المحنة بالجهاد دون غيره من العبادات.
قال الله تعالى : ﴿ ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة ﴾ الآية( محمد :٢٠ ) بين ما نزل بالمنافقين. وكذلك قوله تعالى : ﴿ قد يعلم الله المعوقين منكم ﴾ الآيات :( الأحزاب :١٨و١٩و٢٠ )، والله أعلم، في من نزلت الآية. لكنها معلوم أن فيها ترغيبا في ما عند الله وتزهيدا في الدنيا ودعاء إلى الرضا بحكم الله تعالى في ما خف، وثقل، والله المستعان.
وعلى التأويل الآخر جميع ما ذكر ظاهر في المنافقين، مذكور ذلك في الآيات التي ذكرتها. وفيهم قال الله تعالى : ﴿ قل لن ينفعكم الفرار ﴾الآية{ الأحزاب :١٦ ) وغير ذلك مما دل على إنكارهم وفضل خوفهم من٢٢ ذلك، والله أعلم.
فإن قال قائل :كيف قال( الله تعالى )٢٣ : ﴿ إن كيد الشيطان كان ضعيفا ﴾ وقد هلك به أكثر البشر ؟ قيل :قد يخرج على وجوه، والله أعلم.
أحدها :أنه يضعف كيده على من يعوذ بالله تعالى كقوله تعالى : ﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعد بالله ﴾ الآية ( الأعراف :٢٠٠ )، وإنما يقول على من جنح له، ومال ما دعاه إليه كقوله تعالى : ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان ﴾ الآية إلى قوله : ﴿ ثم لا يقصرون ﴾ ( الأعراف :٢٠١و٢٠٢ ).
والثاني :أن يكون ضعيفا على المقبل على ربه والذاكر له في أحواله/١٠٣-ب/ والمفوض أمره إلى ربه. فأما من تولاه، وأقبل على إشارته، فهو الذي جعل له السلطان على نفسه بما آثره في شهواته، ومال به هواه كقوله تعالى : ﴿ ليس له سلطان على الذين آمنوا ﴾ الآية ( النحل :٩٩ )، وقد سماه الله تعالى : ﴿ الوسواس الخناس ﴾ ( الناس :٤ ) بما يخنس ٢٤ بذكر الله تعالى، ويوسوس عند الغفلة عن الله، فكان سلطانه، والله الموفق.
والثالث :أنه لا يملك الجبر والقهر ولا كتاب٢٥ الضرر في الأبدان والأموال، فهو ضعيف، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ وقالوا ربنا لما كتبت علينا القتال ﴾ قيل :في حرف حفصة. وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة قالوا ربنا لم كتبت علينا القتال فلما كتب عليهم القتال إذا هم يخشون الناس كخشية الله. كأن في الآية إضمارا٢٦، يبين ذلك حرف حفصة، وإلا لم يكن في ظاهر الآية خبر حتى يكون قوله تعالى : ﴿ فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم ﴾ الآية جوابا له.
وقوله عز وجل﴿ لم كتب علينا القتال ﴾، فإن كانت الآية في المنافقين فهو على الإنكار قالوا ذلك، وإن كانت في المؤمنين فهو يخرج على طلب الحكمة في فرض القتال علينا. وقد تطلب الحكمة في الأشياء، ولا عيب يدخل في ذلك.
وأصله أن كل( من )٢٧ أمر في الظاهر من هو فوقه فذلك سؤال له في الحقيقة لا أمر، فيخرج سؤاله مخرج الخضوع والتضرع له. ومن أمر من دونه فهو في الحقيقة ليس بسؤال، فهو يخرج على الأمر والنهي، وهو الأمر الظاهر في الناس.
وقوله تعالى : ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ معناه، والله أعلم :أنا لم نخلقكم للدنيا وللمتاع فيها، إنما خلقناكم بالآخرة وللمقام فيها. فلو خلقناكم٢٨ للدنيا، ثم كتبنا ٢٩ عليكم القتال لكان ذلك عبثا خارجا عن الحكمة، ولكن خلقناكم للآخرة وللمقام فيها.
ويحتمل فيها قوله تعالى : ﴿ يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ﴾ وقوله تعالى : ﴿ وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ﴾ إلى آخره أن لم يقولوا ذلك قولا، ولكن كان ذلك خطرا في قلوبهم، فأخبرهم نبي الله صلى الله عليه وسلم عما أضمروا ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله تعالى، عز وجل ليدلهم على نبوته ورسالته.
وقوله تعالى : ﴿ لولا أخرتنا إلى أجل قريب ﴾ فنموت حتف أنوفنا ٣٠، ولا نقتل قتلا، فيسر بذلك الأعداء﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ﴾ ( يونس :٨٥ ) وفي القتل فتنة.
وقوله تعالى : ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾يحتمل وجهين :
أحدهما :ما ذكرنا أنهم لم يخلقوا لمتاع الدنيا، ولكن خلقوا لمتاع الآخرة.
والثاني :قليل من متاع الآخرة كقوله سبحانه وتعالى﴿ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ﴾ ( التوبة :٣٨ ) وكقوله تعالى : ﴿ أقرأت متعناهم سنين ﴾ ﴿ ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ﴾ ﴿ ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ﴾ ( الشعراء :٢٠٥و :٢٠٦و :٢٠٧ ).
وقوله تعالى : ﴿ والآخرة خير لمن اتقى ﴾ لأن متاع الآخرة دائم غير منقطع، ومتاع الدنيا زائل منقطع.
وقوله تعالى : ﴿ ولا تظلمون قتيلا ﴾ قد ذكرناه.
١ في الأصل وم: أنهم...
٢ في الأصل وم: مقاتلته تمنوا..
٣ في الأصل وم: فيهم..
٤ في الأصل وم: لمن ذكرت..
٥ في الأصل وم: يأمرهم..
٦ في الأصل وم: و..
٧ في الأصل وم: الذي..
٨ في الأصل وم:فلما..
٩ ساقطة عن الأصل وم..
١٠ في الأصل وم: معروف.
١١ في الأصل وم: واحد..
١٢ في الأصل وم: سخط..
١٣ في الأصل وم: جائز..
١٤ في الأصل وم: ويحتمل..
١٥ في الأصل وم:ليذهب..
١٦ في الأصل وم: و..
١٧ في الأصل وم:أعظم..
١٨ من م. في الأصل: ذلك..
١٩ في الأصل وم: تأويله.
٢٠ في الأصل وم: القول...
٢١ ساقطة من الأصل وم..
٢٢ من م، في الأصل...
٢٣ ساقطة من الأصل وم..
٢٤ من م. في الأصل: يختص..
٢٥ في الأصل وم: الكتاب.
٢٦ في الأصل وم: إضمار..
٢٧ ساقطة من الأصل وم...
٢٨ في الأصل وم: خلقنكم..
٢٩ في الأصل وم: كتبت..
٣٠ في الأصل وم: أنفسنا..
الآية ٧٨
وقوله تعالى﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ﴾ قيل :لما استشهد١ من استشهد يوم أحد قال المنافقون :لو كان إخواننا عندنا ما ماتوا، وما قتلوا، قال الله- تبارك، وتعالى - : ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ﴾ ويحتمل أن يكون جوابا لما سبق من القول قولهم : ﴿ قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ﴾ يقول :من كتب عليه الموت ينزل به لا محالة ؛ قاتل، أم لم يقاتل، ويقول٢ : ﴿ قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ﴾( آل عمران :١٥٤ ).
ويحتمل أن يكون قوله تعالى : ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ﴾ إذا كان الموت نازلا بكم، لا محالة، فالقتل٣ أنفع لكم ؛ إذ تستوجبون بالقتل الثواب الجزيل، ولا يكون٤ ذلك لكم إذا متم حتف أنوفكم والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ في بروج مشيدة ﴾ قال الفراء :( المشيد والمشيد واحد، غير أن المشيد بالتشديد في ما يكثر الفعل، والمشيد في ما لا يكثر الفعل. وقيل المشيد هو ( المجصص، والمشيد بالجص )٥. وقال بعضهم : ﴿ بروج مشيدة ﴾ لأي حصينة، وقيل :قصور محصنة طوال.
وقوله تعالى : ﴿ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا من عندك ﴾ معلوم أنهم لم يردوا بالحسنة والسيئة حسنة في الدين وسيئة في دينهم، ولكن إن ما أرادوا بالحسنة والسيئة معلوم أنهم لم يريدوا بالحسنة والسيئة حسنة في الدين وسيئة في دينهم، ولكن إنما أرادوا بالحسنة والسيئة في الدنيا من المنافع والبلايا والشدائد ؛ ذلك أنهم ما كانوا يحزنون لما يصيبهم من السيئة في الدين، ولا كانوا يفرحون بالحسنة والخير في الدين، ولكن فرحهم بما كانوا يصنعون في الدنيا من الخصب والسعة، وحزنهم بما يصيبهم من الضيق والشدة.
وكانوا يتطيرون برسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا كان دأب الكفرة من قبل ؛ كانوا يتطيرون بالأنبياء عليهم السلام كقوله عز وجل إخبارا عن قوم موسى- على نبينا وعليه الصلاة والسلام- : ﴿ وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ﴾ ( الأعراف :١٣١ ) وكقوله تعالى : ﴿ قالوا أطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون ﴾ ( النمل :٤٧ ). وقال الله عز وجل : ﴿ ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ ( الأعراف :١٣١ ).
فعلى ذلك قولهم : ﴿ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ﴾ تطيرا٦ منهم برسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال الله عز وجل : ﴿ قل كل من عند الله ﴾ أي٧ بتقديره كان وقضائه فضلا كقوله تعالى : ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله ﴾ ( النحل :٥٣ ). وجزاء كقوله عز وجل : ﴿ وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ﴾ ( الشورى :٣٠ ) أي ما أصابكم٨ بسوء صنيعكم ٩ برسل الله عليهم السلام وتكذيبكم١٠ إياهم.
وقوله تعالى : ﴿ فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ﴾ أي لا يفقهون ما لهم وما عليهم.
١ في الأصل وم: استشهده..
٢ في الأصل وم: وقوله..
٣ في الأصل وم:في القتل..
٤ من م. في الأصل: يكونون..
٥ في الأصل: التجصص والمشيد الجص. في م: المجصص والمشيد الجص..
٦ في الأصل وم: تطير...
٧. أدرج قبلها في الأصل وم: ﴿وإن تصيبهم سيئة يقولوا هذه من عندك﴾..
٨ في الأصل وم: أصابهم..
٩ في الأصل وم: صنيعهم..
١٠ في الأصل وم:وتكذيبهم..
الآية ٧٩
وقوله تعالى : ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ﴾. وروي في حرف ابن مسعود رضي الله عنه ( أنه )١ قال :( وأنا قدرتها عليك ). يحتمل أن يكون قوله تعالى : ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله ﴾ يرجع ما ذكرت من السعة والعافية ونحوهما٢ ﴿ وما أصابك من سيئة ﴾ من البلاء والشدة﴿ فمن نفسك ﴾ بحق الجناية على آلائه( يرجع ) ٣ إلى ما ذكرت من قوله تعالى : ﴿ وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ﴾ ( الشورى :٣٠ ).
ويحتمل أن تكون الآية الأولى في أمر الدنيا والأخرى في أمر الدين إذا اختلفت الإضافة في هذا، واتفقت ف الأولى :
إذ الأولى :على ما عليه أمر المحنة من قوله تعالى : ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾( الأنبياء :٣٥ ) وقوله تعالى : ﴿ وبلوناهم بالحسنات والسيئات ﴾( الأعراف :١٦٨ ). وقوله تعالى : ﴿ الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ﴾ ( الملك :٢ ) ؛ جعل الله تعالى مختلف أحوال العباد( لا يمتنع ) ٤ لهم في ذلك. وكذلك قوله تعالى : ﴿ وإن يمسسك الله يضر ﴾الآية ( الأنعام :١٧ ) وقوله تعالى : ﴿ الله يبسط الرزق لمن يشاء ﴾( الرعد :٢٦والعنكبوت :٦٢ ).
والثانية ٥ :في حق الأفعال، فيضاف إلى الله ما صلح منها شكرا وحمدا بما أنعم الله عليه ؛ وذلك قوله تعالى : ﴿ فلولا فضل الله عليكم ورحمته ﴾( البقرة :٦٤ ) وقوله تعالى : ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ ( الفاتحة :٦ ) وقوله تعالى : ﴿ ولكن الله يمن على من يشاء ﴾ الآية ( إبراهيم :١١ ) وقوله تعالى : ﴿ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ﴾ ( البقرة :٢٥٧ ) وقوله تعالى :؟ ﴿ ولكن الله حبب إليكم الإيمان ﴾ الآية ( الحجرات :٧ ) وغير ذلك، فيضاف إليه بما منه٦ في ذلك من الفضل والنعمة شكرا. ( وما في زلة )٧ وضلالة لا تجوز الإضافة إليه لما يشبه ٨الاعتذار، ولا عذر لأحد في ذلك ؛ ( فيقال إنه )٩ رب السموات والأرض، ولا يقال :هو رب الخنازير والأقذار ونحو ذلك لما لما يقبح في السمع، وإن كان من حيث الخلق والتقدير واحدا. فملثه أمر الأفعال، والله الموفق.
ونفي الإضافة عنه لا يدل على نفي أن تكون خلقته لما بينا من الأشباه الإضافة إليه، كالتخصيص /١٠٤-أ/، فيقال :يا خالق القردة والخنازير، ويا إله الأقذار والخبائث، ويا رب الشرور والمصائب، وإن كان كل ذلك داخلا في أسماء الجملة، والحق١٠ منه تقدريها وخلقها، وكذلك الفواحش والكبائر، والله أعلم.
والثاني١١ :الخيرات والأعمال الزاكية قد تضاف إليه لا من وجه التخليف عند الجميع، بل عندنا من جهة الإفضال بالتوفيق والإنشاء. وعند المعتزلة من جهة الأمر والترغيب. فعلى ذلك نفس الإضافة في ما لم يضف إليه لهذا. وأيدت هذا قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ( وأنا قدرتها عليك )١٢.
قال قائل :ذلك لا يقع على الأفعال لقوله : ﴿ ما أصابك ﴾ ولو كان عليها كان يقول :ما أصبت. ثم كان له جوابان :
أحدهما :أن الإجابة اسم مشترك :ما يصيبه هو يصيبه ذلك، فسواء لو أضيف إليه، أو أضيف هو إليه، والله أعلم.
والثاني :أن ذلك يخرج ( مخرج ) ١٣ الجزاء أيضا إذا كان على ما يقول، فيكون على، ما يصيبه من جزاء حسنة أو سيئة. وإذا لم يجعلا الله في حسنة فضلا، لو يحتمل الإضافة إليه ما قد بينا من إضافات أعمال الخير إليه ودفع الشر لما ليس في فعله من الله إفضال عليه، به إنعام، وكان فيفعل الخير ذلك لا بالأمر والنهي، إذ هما يستويان في كل، والله أعلم.
ثم أوضح ذلك خبر عبد الله( بن مسعود )١٤، فطعنه قوم لمخالفة المصحف المعروف. قلنا :ليس بذي خلاف، إنما هو بيان المطلق. وقد يقبل خبر الآحاد في مثله، والله أعلم. وقيل :خبر عبد الله( بن مسعود ) ١٥من خبر الآحاد، ولعله ليس قبل مصحفه تروي عنه العامة، لا يحتمل التبديل. وأما خبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا١٦ يجوز اختراع القراءة مرفوعا١٧، وخبر الفرد فيه يقبل في ما لا خلاف فيه، وإن كان فيه تأويل الظاهر، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ وأرسلناك للناس رسولا ﴾قيل :في حرف حفصة :( ﴿ وأرسلناك ﴾إلى الناس﴿ رسولا وكفى بالله شهيدا ﴾ )قيل : ﴿ وكفى بالله شهيدا ﴾أي بأنك رسول الله. وقيل : ﴿ وكفى بالله شهيدا ﴾ وقيل :لا شاهد أفضل من الله بأنك رسوله.
وفي قوله تعالى : ﴿ وكفى بالله شهيدا ﴾ وجوه :
أحدها :إن جحدوا تبليغك في الدنيا، وقالوا١٨ :لم تعلم رسالتك.
والثاني :أن يكون بالآيات التي جعلها الله تعالى رسالتك تحقق الله لك بالرسالة شهيدا لك أو مبينا أو حجة.
والثالث :أن يكون جعل علم الأنبياء والرسل عليهم السلام وتبليغهم الخبر إليهم شهادته : ﴿ وكفى بالله شهيدا ﴾ على ما أضاف بيعة الرسول صلى الله عليه وسلم إليه، ونصر أوليائه إليه. قال الله تعالى : ﴿ أولم يكن لهم آية أن يعلمه علموا بني إسرائيل ﴾( الشعراء :١٩٧ ).
ويحتمل﴿ شهيدا ﴾ مبينا ؛ فمعناه :فيبين لهم بالمعاينة ما كان بينه بالدلالة والآيات محكما١٩ فاصلا بين المحق والمبطل، فيخرج الوجهان جميعا، وخرج الإعراض عن المحاجة مما يظهر من العناد والمكابرة وتفويض الأمر إلى الله وإخبار عن الفراغ مما كان عليه فيهم من حق البلاغ، ولا قوة إلا بالله.
١ ساقطة من الأصل وم...
٢ في الأصل وم: ونحوها..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: ولا يمتنع..
٥ في الأصل وم: والثاني..
٦ في م:لمنة..
٧ في الأصل: والثاني في زلزلة. في م: والثاني في زلة..
٨ في الأصل وم: شبه..
٩ في الأصل وم: ويقبح في الإضافة..
١٠ من م. في الأصل: ومحق..
١١ في الأصل وم: والثاني، المقصود بذلك القول الثاني قوله تعالى: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله﴾..
١٢ قرأها أيضا ابن عباس وأبي كعب وأبو صالح. انظر تفسير الطبري (٨/٥٥٩)والبحر المحيط(٣/٧١٩)..
١٣ ساقطة من الأصل وم..
١٤ ساقطة من الأصل وم..
١٥ ساقطة من الأصل وم..
١٦ في الأصل وم:لا..
١٧ في الأصل وم: مرفوع.
١٨.في الأصل وم: ويقولوا..
١٩ في الأصل وم:وحكما..
الآية٨٠
وقوله تعالى : ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾( يحتمل وجوها :
أحدها )١ :أن الله عز وجل أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله ؛ لأنه اتبع أمره، ألا ترى أنه قال عز وجل ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾( النساء :٥٩. . . )حتى ٢ جعل طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من شرط الإيمان بقوله عز وجل : ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ﴾ ؟ الآية ( النساء :٦٥ ).
والثاني :أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يأمرر بطاعة الله. فإن أطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم وائتمر بأمره، فقد أطاع الله عز وجل لأنه هو الآمر بطاعة الله، وبالله التوفيق.
( والثالث :أن )٣ الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر بأمر الله تعالى، لذلك كانت طاعته طاعة الله.
وذكر في بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المدينة : " من أحبني فقد أحب الله تعالى، ومن أطاعني فقد أطاع الله " ( بنحوه البخاري ٢٩٥٧ )فيعيره المنافقون في ذلك، فأنزل الله تعالى تصديقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم قال : ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ فقد ذكر( الله تعالى ) ٤ وإن قلت :صلاته وصيامه وتلاوته القرآن، ومن عصاه فقد نسي الله تعالى، وإن كثرت :صلاته وصيامه وتلاوته القرآن. فطاعة الله تعالى إنما تكون في اتباع أمره( والانتهاء عن )٥مناهيه، وكذلك حبه إنما يكون في اتباع أمره ونواهيه كقوله تعالى : ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ﴾ ( آل عمران :٣١ ).
وقوله تعالى أيضا : ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ ( الأمر )٦ ظاهر مكشوف. حقيقته٧ أنه يطيعه بطاعة الله، إذ الأمر ( أن )٨يطيعه، على أنه يدعوه إلى طاعته، وطاعته إجابة له بما يطيع الله به. وحكمته أنه لم يجعل مسلك الطاعة عبادة، وإن كانت هي لله عبادة، ولا تجوز عبادة الرسول، فصير الله طاعته عبادة الله تعالى. فاعلم أن الطاعة قد تكون غير مستحقة لاسم العبادة ؛ إذ قد تسمى لا من ذلك الوجه. ولذلك٩ جاز القول :بمطاع في الخلق، ولا يجوز بمعبود، والله أعلم.
وأيضا فيه شهادة له بالعصمة في كل ما دعا إليه، وأمر به، وإلزام الخلق الشهادة له بالصدق في ذلك والقيام١٠. وبه أكد وبقوله تعالى : ﴿ فليحذر الذين يخالفون عن أمره ﴾( النور :٦٣ ) وبقوله عز وجل : ﴿ فلا وربك لا يؤمنون ﴾( النساء :٦٥ ) الآيتين جميعا. وتلك الآياء على لزوم طاعته أخوف مخالفة العذاب، وأزال عن الواجد في نفسه من قضائه الحرج الإيمان.
ثم ليست( الطاعة )١١ طاعة في فعله خاصة أو قول ما يقوله، ولكنها بوجهين :
أحدهما :اعتقاد وكل فعل وقول على ما عليه عنده من خصوص وعموم أو إلزام أو آداب أو إباحة وترغيب.
والثاني :في الوفاء بالذي منه المراد ؛ فيه من يفعل كفعله، أو يتقي ذلك، أو يستعمله في حق الإباحة، أو ما أراد من محله، فيه يعرف موقع كل من ذلك بالأدلة، ولا قوة إلا بالله. وقول من يقول :لا تلزم طاعته، أو تلزم، كلام بهذا الإطلاق لا معنى له.
وقوله تعالى : ﴿ فما أرسلناك عليهم حفيظا ﴾ في أعمالهم وأفعالهم، فإنما عليهم ما عملوا، وعليكم( ما عملتم )١٢، ما تسأل أنت من أعمالهم، ﴿ ولا تسئلون عما كانوا يعملون ﴾( البقرة :١٣٤ )والله أعلم. ويحتمل قوله تعالى : ﴿ فما أرسلناك عليهم حفيظا ﴾ تطلع على سرائرهم، إنما عليك أن تعاملهم على الظاهر، والله أعلم.
١. ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: وحق.
٣ في الأصل وم: وقيل لأن..
٤. ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: وانتهاء..
٦. ساقطة من الأصل وم..
٧ من م. في الأصل:حقيقة.
٨ ساقطة من الأصل وم.
٩. في الأصل وم: وكذلك.
١٠. في الأصل وم: القيامة.
١١.. ساقطة من الأصل وم..
١٢. ساقطة من الأصل وم.
الآية ٨١
وقوله تعالى : ﴿ ويقولون طاعة ﴾ قيل :إن المنافقين قد أظهروا التصديق لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم فإذا دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا :يا رسول الله أمرك طاعة فمرنا بما شئت نفعله، وإذا أمرهم بأمر، ونهاهم عنه، خالفوا أمره، وغيروا ما أمرهم١، ونهاهم، فأنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم ( قوله )٢ : ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى ﴾ إلى قوله : ﴿ بين طائفة منهم غير الذي تقول ﴾ ( النساء :٨٠و٨١ ).
وقوله تعالى : ﴿ بيت طائفة منهم غير الذي تقول ﴾قوله : ﴿ بيت طائفة منهم ﴾قيل :غيروا٣ ما أمرهم به :وقيل : ﴿ بين طائفة منهم ﴾ أي قدروا بالليل القول، ( وألفوا، وكل كلام، هو )٤ مقدر بالليل مؤلف فيه يقال :مبيت٥ ؛ ومعناه :والله أعلم ( أنهم غيروا قول ) ٦رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا، والله أعلم، معنى قوله : ﴿ بيت طائفة منهم غير الذي تقول ﴾ وإلا ظاهر هذا ليس على ما قاله أهل التفسير، وبالله التوفيق.
وقوله تعالى : ﴿ والله يكتب ما يبيتون ﴾ أي الله تعالى يأمر بإثبات ما يبيتون من القول الكذب والمغير من القول ليلزمهم الحجة لأنهم كانوا يسرون ذلك، ويضمرونه، لا يظهرونه٧ إظهارا، ليجزيهم جزاء ذلك.
وقوله تعالى : ﴿ فأعرض عنهم ﴾ يحتمل﴿ فأعرض عنهم ﴾ /١٠٤-ب/ ولا تكافئهم على هذا. ويحتمل ﴿ فأعرض عنهم ﴾ ولا تتكلف إظهار سرهم، ولا تطع عليه. إنما ذلك إلي لأطلعك ٨ على ما يسرون ليعلموا أنك إنما عرفت ذلك بالله. ففيه دلالة إثبات الرسالة ﴿ وتوكل على الله ﴾ وثق بالله، ولا تخفهم، فإن الله تعالى يدفع عنك شرهم وكيدهم.
ويحتمل ﴿ وتوكل على الله ﴾ في جزائهم فإن الله هو يتولى جزاء تكذيبهم إياك، والله أعلم.
( وقوله تعالى )٩ : ﴿ وكفى بالله وكيلا ﴾في ما ذكرناه أي﴿ وكفى ﴾ به مانعا، فلا أحد أمنع منه. وقيل : ﴿ وكفى بالله شهيدا ﴾ ( النساء :٧٩ ) بما يبيتون وحافظا. وقال بعضهم :لا يكون التبييت إلا بالليل يؤلفون الشيء، ويقدرونه بالليل.
١. في الأصل وم: أمر لهم.
٢ ساقطة من الأصل وم.
٣ في الأصل وم:غير..
٤.في الأصل وم: بالغوا وكل كلام وقوله، في م: والغوا وكل كلام وقوله..
٥.في الأصل وم: بيت..
٦ في الأصل وم:أن..
٧ في الأصل وم: لا يظهرون..
٨ في الأصل وم: لا طلعكم..
٩ ساقطة من الأصل وم..
الآية ٨٢
وقوله تعالى : ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ﴾ لو كان الحكم الظاهر المخرج على ما يقوله قوم لكان القرآن خرج مختلفا متناقضا. قال١ الله تعالى عز وجل في الآية : ﴿ لا يستئذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾( التوبة :٤٤ )وقال٢ في آية أخرى : ﴿ إنما يستئذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ ( التوبة :٤٥ ) ( فإن )٣ كن على ظاهر المخرج، فهو مختلف. وكذلك قوله تعالى : ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ﴾ ( البقرة :٢٣٠ ). وقال الله عز وجل في ( الآية نفسها )٤ ؟ ﴿ فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا ﴾ في( أول الآية )٥ حظر، وفي آخرها٦ إباحة. فلو كان على ظاهر المخرج والعموم لكان مختلفا ومتناقضا. ويجد أهل الإلحاد أوضح طعن فيه وأيسر سبيل إلى القول بأنه غير منزل عند الرحمن، إذ فيه وصفه أنه لو﴿ كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ﴾ وقال عز وجل ﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴾ الآية ( فصلت :٤٢ )وقال عز وجل : ﴿ وإنا له لحافظون ﴾( الحجر :٩ ).
ثم وجد أكثر ما فيه الحكم متفرقا إلى غير المخرج، فدل به أن الحكم لا كذلك، ولكن لمعنى مودع٧ فيه، والمودع لا يوصل إليه٨ إلا بالتدبر والتفكر فيه. وإلى هذا ندب الله عباده ليتدبروا فيه، ليفهموا مضمونه وليعلموا٩ به.
ثم يحتمل بعد هذا وجهان :
أحدهما :قوله تعالى : ﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ﴾أي لو كان هذا القرآن﴿ من عند غير الله ﴾ لكان لا يوافق لما أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم من سرائرهم موافقا له، دل أنه خبر عن الله تعالى.
والثاني :أنهم كانوا يقولون : ﴿ إن هذا إلا اختلاق ﴾ ( ص :٧ )و﴿ ما هذا إلا إفتك مفترى ﴾ ( سبإ :٤٣ ) ونحوه، فأخبر الله عز وجل أنه لو﴿ كان من عند غير الله ﴾ لكان لا يوافق لما عندهم من الكتب، بل كان مختلفا. فلما خرج هذا القرآن مستويا موافقا لسائر الكتب كقوله تعالى : ﴿ مصدقا لما معهم ﴾ ( البقرة :٩١ ) و﴿ مصدقا لما بين يديه من التوراة ﴾ ( المائدة :٤٦ ) دل أنه من عند الله نزل.
ويحتمل وجها آخر، وهو أن هذا القرآن نزل على محمد صلى الله عليه وسلم في أوقات متفرقة متباعدة على نوازل مختلفة. فلو كان من عند غير الله نزل لخرج مختلفا مناقضا بعضه بعضا. لأن حكيما من البشر لو تكلم بكليمات في أوقات متباعدة لخرج كلامه متناقضا مختلفا إلا أن يستعين رب العالمين، ويعرض عليه، فعند ذلك لا يتناقض١٠. فلما خرج هذا ( القرآن )١١ مع تباعد الأوقات غير مختلف ولا متناقض دل أنه عند الله تعالى نزل، وبالله التوفيق.
وفيه احتجاج على الملحدة ١٢ حين قال عز وجل ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ﴾ إلى قوله : ﴿ اختلافا كثيرا ﴾ فلو وجدوا لأظهروا ذلك، وقوله تعالى : ﴿ فأتوا بسورة من مثله ﴾ ( البقرة :٢٣ ) ولو قدروا على ذلك لأوتوا به. دل ترك إتيانهم ذلك أنهم لم يقدروا على إثيان مثله، ولو وجدوه مختلفا١٣ لأظهروه، ولو كان من كلام البشر على ما قالوا لأتوا به لأنه من البشر. فظهر أنه منزل من عند الله، والله الموفق.
وقوله عز وجل : ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ﴾ وقوله : ﴿ وليدبروا آياته ﴾ ( ص :٢٩ ) دلالة بينة على ( وجوه :
أحدها )١٤ :ان المقصود منه يدرك بالتأمل والتدبر، إذ به جري الأمر والترغيب قبل وقت العمل، بل إلزام ١٥ القيام بما يعمل١٦ بالتدبر. ثم فيه وجهان :
أحدهما :أن الأمر ليس على مخرج كلام عند أهل اللسان ولا على حق الآية في اللغة أو حق مثله أن يرغب في معرفة الموقع عند أهل اللسان من المخرج، والوجه إليه لا يدبر فيه، والله أعلم.
والثاني١٧ :أن التدبر فيه حظ الحكماء وأهل البصر لا حظ العوام. وما يعرف من حيث اللسان فهو حظ الفريقين. ثبت أن على العوام اتباع الخواص في ما فهموهم والاقتداء بهم، والله أعلم.
والثاني :أنه جعل وجه معرفة الاختلاف والاتفاق بالتدبر فيه، لا يقرع الكلام السمع وإذا ثبت ذلك لم يلزم العمل بشيء من الظاهر حتى يعرف الموقع أنه على ذلك بالتدبر لئلا يلحق المتمسك به النقيض بالتدبر، والله أعلم.
والوجه الثالث :بما تضمنت الاختلاف أن ارتفاع الاختلاف جعله حجة على أنه عن الله ؛ إذ علم( أن )١٨ الله مما جبل عليه الخلق أنه لا أحد يملك بحق الاحتراز١٩ لا عن علم السماع ينثى إليه عن الله خبر٢٠ الصادقين، ويملك٢١ تأليف الكلام ونظم مثله غير ٢٢ متناقض ولا مختلف، ينفي بنفي الاختلاف ما قرن به من الكهنة ؛ إذ كذلك كلام الكهنة يخرج مختلفا وما قرن من تعليم البشر وأساطير الأولين والسحر نحو ذلك ؛ إذ كل يخرج ذلك على الاختلاف.
وفي ذلك بيان خطر جعل المخرج بحق اللسان من الاسم حجة ودليلا لما يوجد من ذلك الوجه﴿ اختلافا كثيرا ﴾ ولو كان من ذلك الوجه الاحتجاج لوجد الاختلاف. ومن رام أن يجعل القرآن، لولا بيان الخبر، موقعه على جهة قد يقع فيه الاختلاف دونه، فهو وصف القرآن مع اجتماع الخبر بنفي الاختلاف.
وأما هو، في نفسه مختلف، فمثله لكل كاهن وبشر أريد ثبت التناقض ؛ أمكن لمن الندب عنه، إن كان عنه مترجما معبرا، يجب ضم تأويله إليه، فيبطل أن يكون على أحد وجود اختلاف في مكان، ويكون احتجاج العوين غنيا. جل عن ذلك. ثم ما ذكر يحتمل الأحكام والحدود والأمور والنواهي ؛ وذلك يوجب أن التناسخ والخصوص والعموم لا يكون مختلفا، ويحتمل الإخبار والوعد والوعيد ونحو ذلك. وأعني بالإخبار ( الإخبار )٢٣ عن الغيب وعما كان أخبر عز وجل عن شرك المنافقين وعما إليه مرجع الأمور وعما كان عنهم ونحو ذلك مما خرج كذلك، والله أعلم.
١ أدرج قبلها في الأصل وم: لأنه.
٢ في الأصل وم: ويقول.
٣ ساقطة من الأصل وم.
٤. في الأصل وم: آية أخرى..
٥. في الأصل وم: أحدهما..
٦. في الأصل وم: الأخرى..
٧ في الأصل وم: المودع..
٨ في الأصل وم: إلى ذلك..
٩ في الأصل وم: وليعلموا..
١٠ في الأصل وم: تناقض..
١١ ساقطة من الأصل وم..
١٢ من م. في الأصل: الملحدات..
١٣ من م. في الأصل: مختلف..
١٤ في الأصل وم: وجهين أحدهما.
١٥ في الأصل وم: ألزم..
١٦ في الأصل وم: يعقل..
١٧ هذا هو الوجه الثاني من وجهي التدبر. في الأصل وم: ومعلوم..
١٨ ساقطة من الأصل وم..
١٩ في م: الاختراع..
٢٠ في م: الاختراع..
٢١ الواو ساقطة من الأصل وم..
٢٢ في الأصل وم:عن..
٢٣ ساقطة من الأصل وم..
الآية ٨٣
وقوله تعالى : ﴿ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ﴾ وفي حرف بن مسعود رضي الله عنه وإذا جاءهم نبأ من خوف أو أمن أذاعوه، وكذلك في حرف حفصة. قال الكسائي :( هما لغتان :أذعت به، وأذعته، إذا١ أفشيته. وقيل :سمعوا به، وأفشوه. وقيل :أفشوه، وأشاعوه ).
ثم اختلف فيما نزلت ؛ قال الحسن :( نزلت في المؤمنين، وذلك أنهم إذا سمعوا خبرا من أخبار السرايا والعساكر مما يسرون، ويفرحون أفشوه في الناس فرحا منهم، وإذا سمعوا ما يحزنهم، ويهمهم، أظهروه في الناس حزنا وغما ).
ثم استثنى ﴿ إلا قليلا ﴾ لا يذيعون، ولا يفشون الخبر. فلو سكتوا، وردوا الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يخبر النبي صلى الله عليه وسام ما كان من الأمر، ويرده٢ إلى أولي الأمر، حتى يكونوا هم الذين يخبرون به، كان أولى. وهو على التقديم والتأخير.
وقال أبو بكر الكسائي :( نزلت الآية في المنافقين ؛ وذلك أن المنافقين إذا سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر عن نصر المسلمين على ٣ الأعداء بذلك لأعدوا على ذلك، وإذا سمعوا أن الأعداء قد اجتمعوا، وأعدوا للحرب أخبروا بذلك ضعفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليمتنعوا عن الخروج إليهم. فقال الله عز وجل :ولو ردوه إلى الرسول } حتى كان هو/١٠٥-أ / مخبرهم عن ذلك، وردوه٤ إلى أولي الأمر منهم، ليخبروا بذلك، والله أعلم. ثم اختلف في ﴿ ولو ردوه إلى الرسول ﴾ قيل :هم أمراء السراي، وقيل :هم( العلماء والفقهاء ) ٥﴿ الذين يستنبطونه منهم ﴾ الذين يطلبون علمه بقوله. وقيل : ﴿ أولى الأمر منهم ﴾ ههنا مثل أبي بكر وعمر وثمان وعلي رضي الله عنهم﴿ لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ أي يستخرجون من كتاب الله تعالى. وقيل : ﴿ أولي الأمر منهم ﴾ ولاة الأمر﴿ الذين يستنبطونه ﴾ والذين﴿ أذاعوا به ﴾ قوم إما منافقون، وإما مؤمنون على ما ذكرنا، إنما هو ﴿ أذاعوا به ﴾ إلا قليلا منهم﴿ ولولا فضل الله عليكم ﴾ الآية٦.
وقوله تعالى : ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ﴾ اختلف فيه ؛ قيل : ﴿ فضل الله ﴾ رسولنا ( محمد- عليه أفصل الصلوات- )٧ ﴿ ورحمته ﴾ القرآن. تأويله :لولا محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن لتبعوا الشيطان إلا قليلا منهم لم يتبعوه، ولكن آمنوا بالعقل. وقيل : ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ﴾ في الأمر والنهي عن الإذاعة والإفشاء، وإلا( لأذاعوا به )٨، واتبعوا الشيطان في إذاعتهم به إلا قليلا منهم، فإنهم٩ لا يذيعون به.
وعن الضحاك( أنه )١٠ قال :( هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا حدثوا أنفسهم بأمور من أمور الشيطان إلا طائفة منهم لم يحدثوا بها أنفسهم ).
وقال آخرون :هم المنافقون ؛ كانوا إذا بلغهم أن الله تعالى أظفر المسلمين على المشركين، وفتح عليهم، صغروه، وحقروه. وإذا بلغهم أن المسلمين نكبوا شنعوه، وعظموه.
وعن ابن عباس رضي الله عنه : ﴿ إلا قليلا ﴾منهم ( أنه )١١ يقول :( لعلم١٢ الأمر الذين استثنى الله عز وجل حين قال إبليس – لعنه الله- : ﴿ لأحتنكن ذريته إلا قليلا ﴾ ( الإسراء :٦٢ )وحين قال : ﴿ ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ )( الحجر :٣٩-٤٠ ).
وقال غيرهم :ما ذكر على التقديم والتأخير :وإذا جاءهم أمر من الأمن والخوف أذاعوا به إلا قليلا منهم، والله أعلم بذلك.
١ في الأصل وم: وإذا..
٢ في الأصل وم: وردوه..
٣ في الأصل وم: إلى..
٤ في الأصل وم: أوردوه..
٥ في الأصل وم: علماء الفقهاء..
٦ أدرج بعدها في الأصل وم: على قوله بعض..
٧ في الأصل وم: محمدا عليه أفضل الصلوات. في م: محمد صلى الله عليه وسلم..
٨ في الأصل: لأذاعوا. في م: لأذاعوه..
٩ من م. في الأصل: بأنهم..
١٠ ساقطة من الأصل وم..
١١ ساقطة من الأصل وم..
١٢ في الأصل وم: لعلموا..
الآية ٨٤
وقوله تعالى : ﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ﴾ قوله : ﴿ لا تكلف إلا نفسك ﴾ يحتمل وجهين :
( أحدهما :كقوله تعالى )١ ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾ ( الأنعام :٥٢ ) وكقوله عز وجل : ﴿ فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ﴾ ( النور :٥٤ ).
والثاني : ﴿ لا تكلف إلا نفسك ﴾ أي تكلف أنت بالقتال والجهاد، وإن تخلف٢ هؤلاء عن الخروج معك. يؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه قال :( هذا حين استنصر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم بوعد أبي سفيان ( يوم )٣ بدر الصغرى، فخذله٤ الناس، فأنزل الله تعالى هذه الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لأخرجن إلى بدر وإن لم يتبعني أحد منكم " فتبعه٥ أقل الصحابة – رضوان الله تعالى عليهم أجمعين- وقال : ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾( آل عمران :١٧٣ ).
وفيه دليل وعد النصر له الفتح والنكبة على الأعداء ( لأنهم تخلفوا عن الخروج معه ) ٦ فلو لم يكن وعد النصر له لم يؤمر بالخروج. ألا ترى أنه قال عز وجل : ﴿ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ﴾ وعسى من الله تعالى واجب ؟
وفي قوله تعالى : ﴿ عسى الله ﴾ وعد نصره، وإن خرج وحده ؛ إذ ال :عسى هو من الله واجب.
وقوله تعالى : ﴿ وحرض المؤمنين ﴾ على القتال يحتمل وجوها :
( أحدها )٧ : ﴿ وحرض المؤمنين ﴾ بالثواب لهم وكريم المآب على ذلك.
والثاني : ٨ قوله : ﴿ وحرض المؤمنين ﴾ على القتال لما في القتال معهم إظهار دين الله الإسلام، وفي ترك المجاهدة والقتال معهم نصر العدو عليهم وإظهار دينهم أمر عز وجل رسوله عليه السلام ليرغبه في مجاهدة أعدائهم.
والثالث : ﴿ وحرض المؤمنين ﴾ على المجاهدة والقتال معهم وعدا بالنصر لهم والفتح والغنيمة، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ﴾ وال :عسى من الله واجب. وعد الله نبيه صلى الله عليه وسلم﴿ أن يكف ﴾ عنهم﴿ بأس الذين كفروا ﴾.
وقوله تعالى : ﴿ والله أشد بأسا وأشد تنكيلا ﴾قيل : ﴿ أشد بأسا ﴾لما يدفع بأس المشركين عنكم، ولا يقدرون هم دفع بأس عن أنفسهم، فبأس الله أشد. وقوله سبحانه وتعالى : ﴿ وأشد تنكيلا ﴾ قيل :التنكيل هو العذاب الذي يكون للآخر فيه زجر ومنع. وقيل :حين قال له : ﴿ لا تكلف إلا نفسك ﴾ ولو لم يتبعك أحد من الناس لكف الله عنك بأس المشركين. وقيل :البأس هو عذاب الدنيا، والتنكيل والنكال هو عذاب الآخرة ؛ لأنه يخوفهم بأسه لتخلفهم عن العدو ومخافة بأسهم وعذابهم، فأخبر عز وجل أن بأس الله وعذابه أشد من بأس الأعداء، والله أعلم.
١ في الأصل وم: أي..
٢ في الأصل وم: تختلف..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: فخذل..
٥ في الأصل وم: فاتبعه..
٦ في الأصل وم: لأنه تخلف الخروج وعده فلولا لم..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ في الأصل وم: ويحتمل المؤمنين..
الآية ٨٥
وقوله تعالى : ﴿ من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها ﴾ لم يذكر ما تلك الشفاعة التي يشفع. فتحتمل الشفاعة الحسنة الدعاء١ له بالمغفرة والرحمة، وهو لذلك مستوجب، فيكون له( من ذلك )٢ نصيب، والشفاعة السيئة هو الدعاء عليه٣ باللعن والمقت، وهو لذلك غير مستوجب، فيكون له منها نصيب. وقيل :( هو كقوله٤ عليه السلام ) : " الدال على الخير كفاعله " ( مسلم١٨٩٣ ) و " من دل آخر على الخير فله في ذلك نصيب " ( بنحوع الترمذي ٢٦٧٤ ) وكذلك من دل آخر على الشر.
وتحتمل الشفاعة الحسنة في مظلمة ( أن يسعى المرء ) ٥ في دفع مظلمة عن أخيه المسلم، وهو شفاعة حسنة، فله في ذلك نصيب. وتحتمل الشفاعة السيئة ( أن يسعى المرء )٦ في فساد أمر يلحقه من ذلك نقمة ومظلمة، فله في ذلك إثم. وقيل :الشفاعة الحسنة هي التي تنتفع بها( وتعمل بها )٧ هي بينك وبينه، وأنتما٨ فيها شريكان، ( والشفاعة السيئة )٩ هي التي تصيركما ١٠ فيها شريكين١١. ويحتمل أن يكون الشفاعة الحسنة كل معروف وكل آمر به، والشفاعة السيئة كل منكر وآمر به، فهما١٢ شريكان في ذلك :الآمر والفاعل جميعا.
وتحتمل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه )١٣ قال : " كل معروف صدقة " ( مسلم١٠٠٥ ) و " الدال على الخير كفاعله " ( مسلم ١٧٩٣ ) و " الله يجب إغاثة اللهفان " ( البزار في كشف الخفاء ١٩٥١ ) وعن الحسن رضي الله عنه ( أنه )١٤ قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا صدقة أفضل من صدقة اللسان، قيل :وما صدقة اللسان يا رسول الله ؟ قال :الشفاعة تجريها إلى أخيك، وقد وقع عليه ثقل الكريهة، وتخفي بها الذم " ) ( بنحوه السيوطي في الدر المنثور :٢/٦٠٢ ).
والكفل والنصيب واحد. وقيل :الكفل الجزاء / وقيل :إثم، ولكن ليس إثمة خاصة. ألا ترى أنه قال عز وجل : ﴿ يؤتكم كفلين من رحمته ﴾ ؟ ( الحديد :٢٨ ). والشفاعة من أعظم ما احتيج إليها ؛ إذ قد جاء القرآن بها والآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والشفاعة في المعهود من الأمر يكون عنه زلات تستوجب بها المقت والعقوبة، فيعفى عن مرتكبها بشفاعة الأخبار وأهل الرضا بهم. ثم كانت الصغائر منا، لا يجوز التعذيب عليها عند القائلين بالخلود بالكبائر، والكبائر مما تعفى بالشفاعة. فإذن بطل عظم ما جاء من القرآن والآثار في الاعتنان، وسقط ما جبل عليه أهل العلم بالله وبرحمته، ويبطل رجاء المسلمين بشفاعة الرسل- صلوات الله عليهم- ولا قوة إلا بالله.
وقال بعضهم :الشفاعة تخرج على وجهين :
( أحدهما )١٥ :على ذكر محاسن أحد عند آخر ليقدر عنده المنزلة والرتبة.
والثاني :أن يدعو له. فالأول هو الذي يحتمل توجيه الشفاعة إليه. والثاني :قد بين بقوله تعالى : ﴿ الذين يحملون العرش ﴾ إلى قوله : ﴿ العظيم ﴾ ( غافر :٧و٨و٩ )وقوله تعالى : ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ ( الأنبياء :٢٨ ).
والخوف يدل على وجهي١٦ الشفاعة ؛ لأن المرتضى هو ذو منزلة وقدر، وهو ممن تضمنته شفاعة الملائكة. فيقال :الوجه الأول في الآخرة لا معنى له لوجهين :
أحدهما :أنه في تقدير الأمر عند من يجهله، والله، جل ثناؤه، هو العليم بحقيقة ذلك، بل غيره مما يجوز عليهم خفاء الحقائق كقوله تعالى : ﴿ يوم يجمع الله/-ب/ الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا ﴾ الآية ( المائدة :١٠٩ )، وقال عيسى عليه السلام : ﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ﴾ الآية ( المائدة :١١٧ ). وكان في ذلك أن الحقائق في ذلك عند الله، وهم تبرؤوا عن العلم بذلك، وأقروا بأن الله هو المنفرد بعلم ذلك، وبالله التوفيق.
والثاني :أن ثمة كتبا تقرأ فيها أعمال بني آدم وما سبق منهم من صغير وكبير، فهي الكافية في التقدير، إن كان في حق الاحتجاج، وإن كان في حق الإعلام. فعلم الله بهم مغن عن ذلك. ولا قوة إلا بالله.
وأم الدعاء فكذلك نقول بدعاء لمن له ذلك الوصف، ويشفع له في ما كان في ذلك منه من المآثم والذنوب، لا أنه إذا( كانت كل أفعاله )١٧ ذلك فيشفع له١٨، لأنه( لا يجوز في الحكمة تعذيبه ١٩ على ذكر من الأفعال، بل له٢٠ عليها أعظم الثواب وأرفع المأوى.
وطلب الشفاعة والمغفرة لمثله يقبح من وجوه :
أحدها :أن ذلك )٢١ لا يجوز في الحكمة ؛ ( فكأنه طلب منه ما )٢٢ لا يجوز، ولا يسعه. وذلك لأن٢٣ فسق لبخلق يخرج مخرج السفه فضلا من أن يتضرع إلى الله به. جل الكريم الحليم عن هذا الوصف.
والثاني :أن يخلوا ٢٤ في مثله، إذ هو مثاب غير معاقب ؛ يلقى ذلك منه بالشكر والحمد، وفي الدعاء كتمان ذلك وكفرانه، ومحال الإذن في مثله، وبالله التوفيق.
والثالث :أن ذلك في الموعود بالجنة والمبشر بها، فطلب مثله يوصف ٢٥ بجهالة ذلك، لا أن الوقت لم يبين ( ذلك )٢٦ ؛ يكون ذلك في الاستعجال، وهو قولنا في أصحاب الكبائر :إنهم لو عذبوا بقدر الذنوب لكان ذلك في الحكمة عدلا، فيشفع لسائلهم بالفضل والإحسان دون العدل والاستيفاء، ولا قوة إلا بالله.
والأصل أنها مقادير العقوبات ؛ إنما تعرف من يعرف مقادير الأجرام، وليس من الخلائق ( من )٢٧ يحتمل تركيبة احتمال العلم بمقاديرها ؛ إذ لا أحد يبلغ في معرفة تعظيم الله كنه عظمته ليعرفوا قدر الخلاف لأمره، جل، وما كان هذا سبيله فحق القول الإتباع :أن الله لا يجزي السيئة إلا مثلها.
ثم معلوم أن لا سيئة أعظم من الكفر، وجعل مثلها من الجزاء الخلود في النار. فمن ألوم ذلك لما دونه وصف الله تعالى أنه يجزي بالسيئة أكثر من مثلها، والله عز وجل أخبرنا أنه لا يجزي ذلك، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ ومن يشفع شفاعة سيئة ﴾ تكون في ما بين المرء ( وأخيه )٢٨ ؛ يشفع إليه بالمغفرة لأحد والتجاوز عن المذنب، فيكون( له )٢٩ نصيب منها. ويحتمل أن يكون الله تعالى برحمته يرحمه على أخيه بالشفاعة إليه بالتجاوز عنه والمغفرة. ويحتمل أن يكون الله تعالى، إذا غفر له، في شفيعه شفاعة، يهبه له كما وهب الأول له.
وفي السيئة في ما يلعنه أو يدعو الله عليه بالهلاك عن غير استحقاق، أو عليه في بقائه ضرر، يكون له نصيب، بلعن الآخر، أو أحدهم٣٠ يلعنه، ويدعو عليه به أن يعاقبه بإشارته إلى أخيه في طلب الهلاك بلا معنى له.
وقوله تعالى أيضا : ﴿ ومن يشفع ﴾ الآية تحتمل في ما بينه وبين ربه يشفع له بخير إليه من عفو وتجاوز أو بسوء إليه من لعنه أو هلاكه. والنصيب منها بوجهين :
أحدهما :المغفرة في الأول، هي برحمته أخاه وإشفاقه عليه، أو يعطي المشفوع الشفاعة، فيكون له نصيب منها.
والثاني٣١ :يجزيه بإصابة من لعنه ودعاء عليه بالهلاك بلا استحقاق ؛ يقبض الأول أو واحدا بمثله فيه، والله أعلم.
ويحتمل في ما بينه وبين الناس، ثم يكون ذلك بوجوه :
أحدها :بما يشفع إلى ما بين أخيه وآخر سوء في دفع ذلك، وقد٣٢ حلت التحية أو الإلفة أو ضد ذلك( أو )٣٣ يشفع في إقالة عثرة، أو ينم بينهما لإلقاء عداوة، أو يشفع إليه بالدلالة على ملهوف في إغاثة أو مظلوم في نكبة، أو يصنع معروفا أو منكرا، يبعث ذلك على خير أو شر، ولا قوة إلا بالله.
وقوله تعالى : ﴿ وكان الله على كل شيء مقينا ﴾ قيل :هو الحافظ، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه وقيل : ﴿ مقيتا ﴾ حسيبا أي مقتدرا مجازيا بالحسنة والسيئة. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من استأكل بمسلم أكلة أطعمه الله من نار جهنم، ومن قام بأخيه مقام سمعة ورياء أقامه الله تعالى مقام سمعة ورياء، ومن تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع عورته يفضحه في بيته " ( بنحوه أحمد٥/٢٧٩ ).
وعن الفراء والكسائي، ( أنهما )٣٤ قالا :( المقيت المقتدر من :أقات يقيت إقاتة ). وقيل :المقيت مشتقة من القوت ؛ يقول :رزق كل دابة على الله حتى تستوفي أكلها ورزقها. وقيل : ﴿ مقيتا ﴾ واجدا٣٥ ؛ يكلؤهم، ويرزقهم.
وقال أبو بكر الكسائي :( وهو مأخوذ من الكتب السابقة، ليس هو بلساننا، فنحن لا نتأوله، فلعله على خلاف ما نتأوله، والله أعلم ).
١ أدرج قبلها في الأصل وم: هي..
٢ في الأصل وم:لذلك..
٣ أدرج في الأصل وم قبلها:له..
٤ في الأصل وم: قوله العرب. في م: كقوله العرب..
٥ في الأصل وم: يسعى..
٦ في الأصل وم: هو أن يسعى..
٧ في م: وعمل بها. ساقطة من الأصل..
٨ في الأصل وم: هما.
٩ ساقطة من الأصل وم..
١٠ في الأصل وم: تصير به مما..
١١ في الأصل وم: شريكان..
١٢ في الأصل وم: فيهما..
١٣ ساقطة من الأصل وم..
١٤ ساقطة من الأصل وم..
١٥ ساقطة من الأصل وم..
١٦ في الأصل وم: وجهين..
١٧ في الأصل وم: كان كل أفعالهم..
١٨ في الأصل وم: لهم..
١٩ في الأصل: تعذيبهم..
٢٠ في الأصل: لهم..
٢١ ساقطة من م..
٢٢ في الأصل وم: فكأنهم طلبوا منه..
٢٣ في الأصل وم:لا..
٢٤ في الأصل وم: يخلق..
٢٥ في الأصل وم: يوجب..
٢٦ ساقطة من الأصل وم..
٢٧ ساقطة من الأصل وم..
٢٨ ساقطة من الأصل وم..
٢٩ ساقطة من الأصل وم..
٣٠ في الأصل وم: وفي الثاني..
٣١ في الأصل وم: أحد..
٣٢ في الأصل وم: و..
٣٣ ساقطة من الأصل وم..
٣٤ ساقطة من الأصل وم..
٣٥ في الأصل وم: واجبا..
الآية ٨٦
وقوله تعالى : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ ذكر التحية، ولم يذكر ما تلك التحية ؟ واسم التحية تقع على أشياء من نحو ما جعل الصلاة ( تحية للمسجد )١ والطرف تحية للبيت٢ وغير ذلك مما يكثر عددها. لكن أهل التأويل أجمعوا على صرف هذه التحية إلى السلام دون غيرها من التحية التي ذكرنا. ألا ترى أنه قال عز وجل : ﴿ أو ردوها ﴾ ؟ ولو كان غيرها٣ أراد لم يقل﴿ أو ردوها ﴾ لأن غيرها من التحية لا ترد، إذ في الرد ترك القبول، ولم يأمر ٤ بذلك.
دل أنه أراد بالتحية السلام. ويدل على ذلك آيات من كتاب الله تعالى ؛ قال الله عز وجل ﴿ فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله ﴾( النور :٦١ ) فجعل تحية الملائكة للمؤمنين٥ السلام، كقوله تعالى : ﴿ سلام عليكم بما صبرتم ﴾( الرعد :٢٤ ) وجعل تحية أهل الجنة السلام كقوله تعالى : ﴿ لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ﴾ ( مريم :٦٢ ) وكقوله تعالى : ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ ( يونس :١٠ ) وتحية الملائكة بعضهم على بعض بالسلام. ألا ترى أنه قال عز وجل﴿ فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله ﴾ ؟ الآية ( النور :٦١ ).
فعلى ذلك يمكن أن يكون المراد من قوله تعالى : ﴿ وإذا حييتم بتحية ﴾ السلام وجعل الله عز وجل السلام علما وشعارا فيما بين المسلمين وأمانا يؤمن بعضهم بعضا من شرة. ألا ترى أن أهل الريبة لا يسلمون، ولا يردون السلام ؟ وإن كانوا٦ لا يعرفون تفسيره ولا معناه، ولكن على الطبع جعل ذلك لهم.
والسلام :قيل :هو اسم من أسماء الله تعالى، فهو يحتمل وجوها :( منها أنه )٧ سلام مسلم طاهر عن أشباه والأشكال، وسلام عدل منزه عن العيوب كلها والجور والظلم ؛ وقوله تعالى : ﴿ رحمت الله ﴾ ( هود :٧٣ ) أي برحمته ينجو من نجاء، ويسعد من سعد﴿ وبركاته ﴾ به ينال كل خير، وهي اسم كل خير. ألا ترى أن التحليل من الصلاة بقوله صلى الله عليه وسلم٨ :" السلام عليكم ورحمة الله " ( الطبراني في الكبير ٦١١٤ ) على ما جعل ترحيمها باسم الله ؟ فعلى ذلك جعل الافتتاح بما به جعل الختم.
ثم اختلف في قوله عز وجل﴿ فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ على أهل الكتاب. وعن أنس رضي الله عنه ( أنه )٩ قال :( نهينا أن نزيد على أهل الكتاب على :عليك، وعليكم ). وعن ابن مسعود رضي الله عنه( أنه )١٠ قال :( السلام اسم من أسماء الله وصفاته في الأرض فأفشوا بينكم، فإن الرجل إذا سلم كتبت له عشر حسنات، فإن هم ردوها عليه كتبت لهم مثلها )١١.
وقيل :قوله تعالى : ﴿ فحيوا بأحسن منها ﴾ بالزيادة﴿ أو ردوها ﴾ بمثلها. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه رد السلام فقال )١٢ :" وعليكم السلام ورحمة الله، ثم جاء آخره، فقال :السلام عليكم ورحمة الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ثم جاءه آخره، فقال :السلام عليكم، ورحمة الله وبركاته، /١٠٦-أ / فقال :وعليكم، فقيل :إنك زدت في الأول والثاني :فقال :إن الأول والثاني :قد أبقينا لي زيادة، وهذا لم يبق زيادة " ( الطبراني في الكبير ٦١١٤ ).
وقيل :إنه روي أنه سلم عليه رجل، فقال :السلام عليكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " عشر " يعني عشر حسنات، وسلم عليه آخر، فقال :السلام عليكم ورحمة الله، فقال : " عشرون "، وقال آخر :السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال : " ثلاثون " ( البيهقي في شعب الإيمان ٨٨٧٤ )ومنتهى السلام وبركاته كقوله " ورحمة وبركاته عليكم أهل البيت " ( الطبراني في الكبير ٢٦٧٣ ).
فإن قيل :يسلم في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام عليكم أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ولا يقول في التحليل من الصلاة :وبركاته، قيل :لوجهين :
( أحدهما :تفضيلا )١٣ لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
والثاني :إبقاء لهم في الرد زيادة.
ويسلم الراكب على الماشي، والقائم على القاعد. روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه ) ١٤ قال : " يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القائم، والقائم على الجالس، والصغير على الكبير " ( البيهقي في شعب الإيمان ٨٨٦٧ ).
وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس، وإن قام، والقوم جلوس، فلسلم، فليست الأولى بأحق من الأخرى " ( الترمذي ٢٧٠٦ ).
وعن جابر رضي الله عنه ( أنه )١٥ قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من تشبه بغيرنا فليس منا " ( الترمذي ٢٦٩٥ ) وقال " لا تسلموا تسليم اليهود والنصارى ؛ فإن تسليم النصارى بالأكف وتسليم اليهود بالإشارة " ( الديلمي في الفردوس ٧٣٢٣ ) ويكره أن يبتدأ بأهل الكتاب بالتسليم. ولكن إذا بدؤوا هم يرد( عليهم )١٦. على ذلك جاءت الآثار.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه( أنه )١٧ قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالتسليم، وإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقها " ( مسلم٢١٦٧ ) وعن أبي نضرة الغفاري رضي الله عنه أنه النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم يوما " إني راكب إلى يهود، فإن سلموا عليكم فقولوا :وعليكم " ( أحمد ٦/٣٩٨ ).
ثم قيل في تفسير :السلام عليكم بوجوه :قال بعضهم :تأويله :الله شهيد عليكم، وقيل :الله قائم عليكم، وهو كقول الله تعالى : ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس ﴾ ( الرعد :٣٣ ) بر أو فاجر، يرزقهم، ويحفظهم، ويستجيب لهم. وقيل :هو الدعاء لهم بالمغفرة والسلامة، وهو ما ذكرنا بدءا.
وقوله تعالى : ﴿ إن الله كان على كل شيء حسيبا ﴾ قيل :شهيدا، وقيل :حفيظا، وقيل :كافيا مقتدرا، يقال :حسبي١٨ هذا، أي كفاني. وقال الكسائي :( مشتقة من الحساب كقوله تعالى : ﴿ كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ﴾ ( الإسراء :١٤ ) أي حاسبا كالأمير والآمر والقدير والقادر، والله أعلم ).
١ في الأصل وم: لتحية المسجد..
٢ في الأصل وم: البيت..
٣ من م. في الأصل: غير..
٤ في الأصل وم: يؤمر..
٥ أدرج قبلها في الأصل وم: صلاة..
٦ في الأصل وم: كان..
٧ في الأصل وم: يحتمل..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ ساقطة من الأصل وم..
١٠ ساقطة من الأصل وم..
١١ في الأصل وم: مثله..
١٢ ساقطة من الأصل وم..
١٣ في الأصل وم: تفضلا..
١٤ ساقطة من الأصل وم..
١٥ ساقطة من الأصل وم..
١٦ ساقطة من الأصل وم..
١٧ ساقطة من الأصل وم..
١٨ في الأصل وم: أحسبني..
الآية ٨٧
وقوله تعالى : ﴿ الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ﴾ هذا، والله أعلم، لكما ألزم الله وأجرى على ألسنتهم ( كلمة )١ الله، وأنه خالق السموات والأرض، وأنه خالقهم كقوله تعالى : ﴿ ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ﴾ ( الزخرف :٨٧ ) أخبر أن الذي سميتموه الله، وقلتم :إنه خالق السموات والأرض هو واحد لا إله غيره، ولا رب سواه ؛ هو واحد، لا شريك معه، ولا لد، وأن الأصنام التي تعبدونا دون الله قد تعلمون أنها لا تنفعكم إن عبدتموها، ولا تضركم، إن تركتم عبادتها، وبالله التوفيق.
وقوله تعالى : ﴿ ليجمعنكم ﴾ قيل فيه بوجهين :قيل : ﴿ ليجمعنكم إلى يوم القيامة ﴾ كقوله : ﴿ يوم يجمعكم ليوم الجمع ﴾ ( التغابن :٩ )، وقيل : ﴿ ليجمعنكم ﴾ في القبور﴿ إلى يوم القيامة ﴾ ثم يبعثكم، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ ومن أصدق من الله حديثا ﴾ معناه، والله أعلم، تقبلون الحديث، بعضكم من بعض، وإن حديثكم يكون صدقا، ويكون كذبا، فكيف لا تقبلون حديث الله وخبره في البعث وما أخبر في القرآن، وحديثه لا يحتمل الكذب ؟ هذا، والله أعلم، تأويله.
١ ساقطة من الأصل وم..
الآية ٨٨
وقوله تعالى : ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ اختلف في قصة الآية ؟ قيل :إن ناسا من أهل مكة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأسلموا، وأقاموا بها ما شاء الله أن يقيموا، ثم ندموا على الهجرة والإقامة فيها، وأرادوا الرجعة إلى مكة، فخرجوا يتحولون منقلة منقلة حتى تباعدوا من المدينة، فلحقوا بمكة، فكتبوا كتابا، ثم بعثوا به مع رسول من قبلهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم به الرسول عليه بالمدينة، فإذا فيه :إنا على الذي فارقناك عليه من التصديق بالله وبرسوله١، اشتقنا إلى أرضينا، واجتوينا المدينة. ثم إنهم خرجوا من مكة متوجهين إلى الشام للتجارة، فبلغ ذلك المسلمين، وهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم لبعض :فما صنعنا ؟ أنخرج إلى هؤلاء الذين رغبوا عن ٢ديننا، وتركوا هجرتنا، فنقتلهم، ونأخذ ما معهم ؟ فقال فريق منهم :كيف تقتلون قوما على دينكم ؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت، لا ينهى واحدا من الفريقين، حتى نزل قوله تعالى : ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ بين الله عز وجل لرسوله أمرهم، وما صاروا إليه.
وقيل :تخلف رجال عن أحد، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فئتين :فرقة تقول :اعف عنهم، فنزلت الآية : ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾. وقيل :إن قوما كانوا يتحدثون، فاختصموا في أهل مكة، فقال بعضهم :إنهم كفار، وقال آخرون :إنهم أكلوا ذبائحهم، وصلوا صلاتكم، وأجابوا دعوتكم، فهم معكم، وقال غيرهم :تركوا النبي صلى الله عليه وسلم وتخلفوا عنه، فأكثروا في ذلك ( فنزل قوله تعالى )٣ : ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ الآية.
فلا ندري كيف كانت القصة ؟ ولكن فيه النهي عن الاختلاف والتنازع بينهم، كأنه قال، والله أعلم :كيف تختلفون قوم ظهر نفاقهم ؟ وكيف لا تسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حالهم ؟ وهو بين أظهركم كقوله تعالى : ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾الآية ( النساء :٥٩ ). وظهور نفاقهم يحتمل الخبر منه نصا أنهم منافقون، ويحتمل الظهور بالاستدلال على أفعالهم. وقد يوفق على حال المرء بفعله أنه كافر أو مؤمن.
وقوله تعالى : ﴿ والله أركسهم بما كسبوا ﴾ قال الكسائي :( فيه لغتان ؛ يقال :أركسته، وارتكس الرجل إذا وقع فيه، ورجع إليه ) وقيل :في حرف ابن مسعود رضي الله عنه، وحفصة رضي الله عنها :والله ركسهم بما كسبوا. ثم قيل :أركسهم أي ردهم.
ثم يحتمل قوله تعالى : ﴿ والله أركسهم بما كسبوا ﴾ وجهين :( يحتمل ما أظهروا ما )٤ كان في قلوبهم من النفاق والخلاف لرسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى : ﴿ بما كسبت قلبوهم ﴾ ( البقرة :٢٢٥ )، ويحتمل ابتداء كسب كسبوا بعد ما أسلموا، أي كفروا، وارتدوا عن الإسلام بعد ما صح إسلامهم.
وفي٥ إضافة ارتكاسهم إلى الله دلالة خلق فعلهم وحرمان( أمر )٦ يملكه، والله أعلم، بما كسبوا من إحداث شرك، أو بكسبهم بالقلوب وقت إظهارهم الإيمان في أن ظهر عليهم بلحوقهم إخوانهم من الكفرة، أو لما جعل الله من أعلام النفاق التي ظهرت بفرض الجهاد والعبادات، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ أتريدون أن تهدوا منن أضل الله ﴾ تأويله، والله أعلم، ﴿ أتريدون أن تهدوا ﴾ وقد أراد الله أن يضلوا لما علم الله منهم أنهم لا يهتدون باختيارهم الكفر. ويحتمل أنكم لا تقدرون على هداهم إذا لم يهديهم الله تعالى كقوله تعالى : ﴿ إنك لا تهدي من أحبت ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ ( القصص :٥٦ ).
وفي قوله تعالى أيضا : ﴿ أتريدون أن تهدوا من أضل الله ﴾ قيل :أن ( تسموا مهدين )٧ وقد أظهر الله ضلالتهم ضلة كقوله تعالى : ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ حذرهم عن الاختلاف في التسمية بعد البيان، وقيل :أن تجعلوهم مهتدين، وقد جعلهم الله ضالين نحو قوله تعالى : ﴿ إنك/١٠٦- ب/ لا تهدي من أحببت ﴾ الآية، أيد ذا تمام الآية، وأوضح الأول قوله تعالى : ﴿ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ﴾ يقول :من أضله الله عن الهدى﴿ فلن تجد له سبيلا ﴾ يهتدي ( به )٨ وقيل :دينا، وقيل :مخرجا، وهو واحد، والله أعلم.
١ الواو ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: من..
٣ في م: فنزلت الآية..
٤ في الأصل وم: أظهرهم بما..
٥ الواو ساقطة من م..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ في الأصل وم: تسمعوا مهتدين..
٨ ساقطة من الأصل وم..
الآية ٨٩
وقوله تعالى : ﴿ ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ﴾ قيل :الذين تركوا الهجرة، فرجعوا إلى أهلهم ومنازلهم :الذين قال الله ( فيهم )١ : ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ ( النساء :٨٨ )﴿ لو تكفرون كما كفروا ﴾ أي تتركون الهجرة، وترجعون كما رجعوا هم، فتكونون أنتم وهم سواء شرعا في الكفر، فسماهم الله كفارا، وأمرهم بالبراءة منهم، فقال : ﴿ فلا تتخذوا منهم أولياء ﴾بالهجرة الأولى كقوله تعالى : ﴿ لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ﴾ ( المائدة :٥١ ) وكقوله٢ تعالى : ﴿ لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴾ ( الممتحنة :١ ) وكقوله تعالى : ﴿ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء ﴾ ( آل عمران :٢٨ ) نهاهم أن يتخذوا أولياء﴿ حتى يهاجروا ﴾ هجرة ثانية إلى المدينة، ويثبتوا على ذلك.
هذا في قول من قال :إنهم كانوا هاجروا، ثم لحقوا بمكة. أما في قول من قال :إنهم كانوا في أهلهم وتكلموا بالإسلام فيها ولم يهاجروا، فمعنى هذا :لا﴿ تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا ﴾ كما هاجر غيرهم.
وقيل :المهاجرون على طبقات :منهم من هاجر، وأقام، وسمع، وأطاع، وثبت على ذلك، ومنهم من هاجر، ثم خرج من غير إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلحق بأهله، وأبطل هجرته التي ٣ هاجر وإيمانه الذي٤ آمن. ومنهم من تكلم بالإسلام، وأقام بأهله، ولم يهاجر، وله قوة ( على )٥ الهجرة، كان كذلك، ومنهم من تكلم بالإسلام، ولم يكن له قوة على الهجرة، كانوا مستضعفين. وهو، والله أعلم، ما قال الله تعالى : ﴿ إلا المستضعفين من الرجال والنساء ﴾ الآية ( النساء :٩٨ ).
روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال :( كنت أنا وأمي من المستضعفين ). والذين آمنوا، ولم يهاجروا، ولهم قوة ( على )٦ الهجرة، ما قال الله تعالى : ﴿ والذين آمنوا ولم يهاجروا ﴾ ( الأنفال :٧٢ ) وفي قوله تعالى : ﴿ ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ﴾ ( الأنفال :٧٢ ) وفي قوله تعالى : ﴿ فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا ﴾ ( النساء :٨٩ ). ويحتمل من أظهر الموافقة من المنافقين للكفرة، ولحق بهم، ويحتمل من قد آمن، ولم يهاجر ؛ فيكون الأول على ولاية الدين، والثاني :على ولاية الميراث كقوله تعالى : ﴿ والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء ﴾ ( الأنفال :٧٢ ).
ومن يتأول الآية إظهار الكفر دون الخروج من المدينة فمها جرته تخرج على وجهين :
أحدهما :أن يكون قد انضم إلى معاني الكفرة، فما٧ يترك صحبتهم.
والثاني :أن تهاجر الأعلام المجعولة لأهل النفاق مما تظهر ذلك في ما امتحنوا به من الأفعال، فيظهر خلاف ذلك كقوله تعالى : ﴿ ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم ﴾ ( الأحزاب :٢٤ ).
وقوله تعالى : ﴿ فإن تولوا ﴾ وأبو الهجرة﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث ما وجدتموهم ﴾ لأنهم صاروا حراما لنا حيث تركوا الهجرة، وأبطلوا إيمانهم الذي تكلموا به﴿ ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا ﴾لما ذكرنا، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: قال..
٣ في الأصل وم: الذي..
٤ في الأصل وم: الذين..
٥ ساقطة في الأصل وم..
٦ ساقطة في الأصل وم..
٧ في الأصل وم: فيما..
الآية ٩٠
وقوله تعالى : ﴿ إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ يخرج على وجهين :
أحدهما :في لحوق قوم من مظهري الإيمان، أنهم١ لو لحقوا بمن لا ميثاق بينكم وبينهم، ولا عهد، فاقتلوهم حتى يتوبوا، ويهاجروا. ولو لحقوا بأهل الميثاق والعهد لا تدعوا لهم الولاية التي كانت بينكم وبينهم.
والثاني :أن تكون الآية في قوم من الأعداء وأهل الحرب لو انضموا إلى أهل الميثاق والعهد فلا تقاتلوهم، فيكون الأمر عقيب موادعة تجري بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قوم في دورهم على ألا تمانع بينهم الاتصال في الزيادة والاجتماع إلى المدة المجعولة للعهد ممن إذا خيف منهم ينبذ إليهم العهد، وتوفى إليهم المدة إذا وفوا، والله أعلم، كقوله تعالى : ﴿ إلا الذين عاهدهم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ﴾ ( التوبة :٤ ) وقوله عز وجل : ﴿ فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ﴾ ( التوبة :٧ ).
وقوله تعالى : ﴿ إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ قال بعضهم :استثنى الذين خرجوا من دار الهجرة مرتدين إلى قومهم، وكان بينهم وبين المؤمنين عهد وميثاق، وقالوا٢. . . وفيهم نزل قوله تعالى : ﴿ إلا الذين عاهدهم من المشركين ﴾( التوبة :٤ ) كأنه قال :والله أعلم :إن وصل هؤلاء إلى أولئك الذين﴿ بينكم وبينهم عهد وميثاق ﴾ فلا تقاتلوهم.
وقيل :كان هذا في وحي من العرب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أمان وعهد، وكانت٣ الموادعة على أن من أتاهم من المسلمين فهو آمن، ومن جاء منهم إلى المؤمنين فهو آمن.
يقول، والله أعلم :إن وصل هؤلاء أو غيرهم إلى أهل عهدهم، ( وقالوا :نعاهدهم )٤ فإن لهم مثل الذي لأولئك من العهد وترك القتال.
وعن ابن عباس رضي الله عنه ( أنه قال )٥ :( لما صد مشركو مكة نبي الله صلى الله عليه وسلم عن البيت جاء رجل، يقال له :كذا من بعض القبائل لينظر ما أمر محمد صلى الله عليه وسلم وقريش، فرآهم قد حالوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين البيت، فقال :يا معشر قريش هلكتم ؛ أتردون قوما عما ضفروا رؤوسهم عن البيت ؟ والله لا نشرككم في هذا، فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم ووداعه ألا يكونوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يكونوا عليه، ومن لجأ إليه فهو آمن ). فلا ندري كيف كانت القصة في ذلك ؟ غير أن فيه دليلا أن من اتصل بأهل العهد، وكان على رأيهم، فهو بمنزلتهم، لا يقاتلهم.
ومن قولنا :إن الإمام إذا وادع أهل بلدة من بلدان أهل الحرب، فمن دخل فيها، أو اتصل بهم، فهم آمنوا مثلهم، لا يحل قتالهم ولا أسرهم حتى ينبذ إليهم عهدهم. وإذا أمن قوما منهم في دار الإسلام، ووداعهم، ثم انضم إليهم آخرون، فدخلوا معهم دار الإسلام، ( لا يحل )٦ له قتالهم وأسرهم، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ أو جاءوكم حصرت صدورهم ﴾ قيل :أي ضيقة صدورهم. وهكذا قال الكسائي :( كل من ضاق صدره عن فعل أو كلام فقد حصر }. فهذا، والله أعلم، ما ذكرنا :أن الموادعة ألا يعين بعضهم بعضا في القتال، ولا يعينوا عليهم عدوهم. فنهاهم الله عن قتالهم لما أخبر أن قلبوهم تضيق على أن يقاتلوكم مع قومهم معكم.
وفي قوله تعالى أيضا : ﴿ أو جاءوكم حصرت صدورهم ﴾ يحتمل أن يكون حكم هذا الحرف ما ضمنه الحرف الأول، فيكون ذلك الشيء ممن ذكرت إذا كان هذا صفته :أن يضيق صدره عن مقاتلة المؤمنين والكافرين جميعا إما بالطبع وإما بوفاء العهد وإما بالنظر في الأمر ليتبين له الحق، وهو متردد في الأمر بما يجد العارفين٧ بالكتب التي احتج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مختلفين فيه على ( كمال )٨ عقولهم، مرتقب بهم، أو تخلف٩ عن الإحاطة بحق الحق إلا بعد طول النظر، والله أعلم.
فيكون معنى قوله تعالى : ﴿ أو جاءوكم ﴾ بمعنى وجاؤوكم. ويحتمل في قوم سوى ( ما )١٠ ذكرت من الذين يصلون. لكن أولئك المعاهدين ( أنفسهم هم )١١ الذين أبت أنفسهم نقض العهد بينهم وبين المؤمنين، وعرضوا١٢ على الوفاء به، وأبت أنفسهم أيضا معونة المؤمنين على قومهم بالموافقة بالمذهب والدين. وعلى ذلك وصف جميع المعاهدين الذين عرضوا على الوفاء بالعهد، وذلك في حق الآيات التي ذكرنا.
ثم بين ( للذين ينقضون )١٣ العهد أو المنافقين الذين متى سئلوا عن الكون على رسول الله والعون لأعدائه الأمر فيهم ؛ وذلك كقوله تعالى : ﴿ يا أهل يثرب لا مقام لكم ﴾ ( إلى قوله تعالى )١٤ : ﴿ ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها ﴾ ( الأحزاب :١٣و١٤ ). وتكون هذه الآية فيهم كقوله تعالى : ﴿ لئن لو ينته المنافقون ﴾الآية ( الأحزاب :٦٠ )فيكون في هذه الآية الإذن، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ ولو شاء الله لسلطهم عليكم ﴾ أي نزع من١٥ قلوبهم الرعب والخوف﴿ فلقاتلوكم ﴾ ولم يطلبوا منكم الصلح والموادعة﴿ فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم /١٠٧- أ/ وألقوا إليكم السلام ﴾ يعني طلبوا الصلح، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه وقيل :قالوا :إنا على دينكم، وأظهروا الإسلام﴿ فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ﴾ أي حجة وسلطان القتال. أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالكف عن هؤلاء.
١ من م، الأصل: أو..
٢ في الأصل وم: وقال..
٣ في الأصل وم: كان..
٤ في الأصل وم: أو قال عهدهم..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ في الأصل وم: المعروفين..
٨ في الأصل وم: ما..
٩ في الأصل وم: وتختلف..
١٠ ساقطة من الأصل وم..
١١ في الأصل وم: نفسه..
١٢ في الأصل وم: وعرفوا..
١٣ في الأصل وم: يناقضون..
١٤ في الأصل وم: في..
١٥ في الأصل وم: في...
الآية ٩١
وقوله١ تعالى : ﴿ ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم ﴾ الآية. قيل :كان رجلا تكلموا بالإسلام متعوذين ليأمنوا المسلمين إذا لقوهم، ويأمنوا قومهم بكفرهم، فأمر الله بقتالهم لا٢ أن يعتزلوا عن قتالهم. وقيل :قوله تعالى﴿ ستجدون آخرين ﴾ غيرهم ممن لا يفي لكم ما كان بينكم وبينهم من العهد، ﴿ يريدون أن يأمنوكم ﴾ يقول :يريدون أن يأمنوا٣ فيكم، فلا تتعرضوا لهم، ويأمنوا في قومهم بكفرهم، فلا يتعرضوا لهم.
ثم أخبر عز وجل عن صنيعهم وحالهم، فقال : ﴿ كل ما ردوا إلى الفتنة ﴾ يعني الشرك﴿ أركسوا فيها ﴾ أي كلما دعوا إلى الشرك( رجعوا فيه )٤ فهؤلاء أمر الله تعالى ورسوله٥ صلى الله عليه وسلم بقتالهم، وعرفه صفتهم، إن لم يعتزلوا، أو يكفوا أيديهم عن قتالكم﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا ﴾ القتل وحجته.
وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه :ويكفوا أيديهم عن أن يقاتلوكم. وفي حرفه :ركسوا فيها. وفي حرف حفصة :ركسوا فيها. وفي حرفها :أن يقاتلوكم٦ ويقاتلوا قومهم.
ثم يحتمل نسخ هذه الآية وقوله تعالى : ﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذي يقاتلونكم ﴾ ( البقرة :١٩٠ ) بقوله٧ تعالى : ﴿ فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم ﴾ ( النساء :٩٠ ) وبقوله عز وجل : ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ ( التوبة :٥ ) لأن الفرض في القتال أول ما كان فرض أن نقاتل من قتلنا، وبدأنا. ثم إن الله تعالى قال٨ : ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم ﴾ ( التوبة :٥ ).
١ في الأصل وم: ثم قال.
٢ في الأصل وم: إلا..
٣ في الأصل وم: ليأمنوا..
٤ في الأصل وم: فرجعوا فيها..
٥ في الأصل وم: ورسوله..
٦ في الأصل وم: ياقاتلكم..
٧ في الأصل وم: في قوله..
٨ في الأصل وم: قالوا أن..
الآية ٩٢
وقوله تعالى : ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ﴾ اختلف فيه :عن ابن عباس رضي الله عنه ( أنه )١ قال : ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ﴾ أي لا ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمنا بغير حق عمدا إلا خطأ في ما يملكه ). وقيل :إلا بوضع الواو ؛ كأنه قال :وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا متعمدا وإلا خطأ، وذلك جائز في اللغة. وقيل :وما كان ينبغي لمؤمن أن يترك قتله إذ قتل آخر عمدا إلا خطأ، فإنه يترك قتله، ولا يقتل به، وهو قول أبي بكر الكساني. وقيل :وما كان ينبعي لمؤمن أن ينزل حكم قتله إلا خطأ. قال أبو بكر الكساني :( حكم القتل ما ذكرنا من القصاص والقود أو كلام نحو هذا ).
ويحتمل قوله تعالى : ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ﴾ قط بعد ما سبق من الله بيانه في٢ غير آية من القرآن نحو قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص ﴾ ( البقرة :١٧٨ )، وهو قوله تعالى : ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ﴾ ( المائدة :٤٥ ) وقوله تعالى : ﴿ ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ﴾ ( الإسراء :٣٣ ) وغيرهما٣ من الآيات﴿ إلا خطئا ﴾. فإنه لم يسبق منه الحكم فيه إلا في هذه الآية.
وقيل :ليس لمؤمن أن يقتل مؤمنا على كل حال إلا أن يقتله مخطئا. فعليه ما في القرآن، وهو قريبا مما ذكرنا عند الخطإ عندنا على وجهين :خطإ قصد وخطإ دين. فخطأ القصد هو أن يقصد أحدا٤، فيصيب غيره، وخطأ الذين هو أن يعرفه مشركا٥ كافرا من قبل٦ حلال الدم، فيقتله على ما عرفه من قبل، وهو للحال مسلم.
فإن قيل :كيف لزمه في قتل الخطأ ما لزمه من الكفارة، وقد أخبر الله عز وجل أن لا مؤاخذة له، وأن لا حرج عليه في ذلك بقوله : ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلبوكم ﴾ ( البقرة :٢٢٥ ) وقال في آية أخرى : ﴿ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم ﴾ ( الأحزاب :٥ ) وغيرها من الآيات ؟ قيل :إن الفعل ( في الأول )٧ فعل مأثم، وإن كان يوجد منه القصد فيه، فما أوجب إنما أوجب لما الفعل فعل مأثم، وفي٨ الثاني يجوز أن يكون الله يكلفنا بترك القتل، والفعل في حال السهو والغفلة.
ألا ترى أنه قال : ﴿ لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾ ( البقرة :٢٨٦ ) والخطأ ينقض ٩ الصواب، فلا يجوز أن يؤمر بطلب الصواب، ولا ينهي عن إتيان ضده كقوله تعالى : ﴿ ولا تنس نصيبك من الدنيا ﴾ ؟ ( القصص :٧٧ ).
ثم اختلف في المعنى الذي أوجب عليه رقبة مؤمنة ( بوجهين :
أحدها :)١٠ قيل :لأنه أتلف نفسا خلقها الله لعبادته، فأوجب مكانها نفسا مؤمنة لتعبد الله على ما عبدت تلك. لكن التأويل لو كان هذا لكان يجب في العمد ما وجب في الخطأ لأنه وجد ذلك المعنى. لكن أوجب لا لذلك المعنى، ولكن تغليظا وتشديدا عليه لما أتلف نفسا محظورا ( قتلها )١١ لم يؤذن له في ذلك لئلا يقدم على مثله. ولله أن يوجب على من شاء بما شاء لما شاء من غير أن يقال :لم ؟ و :كيف ؟ و :أين ؟.
والثاني :أوجب عليه رقبة مؤمنة لأنه أبقى له نفسا مؤمنة. فعلى ما أبقى له نفسا أوجب عليه مثلها رقبة مؤمنة.
وفي قوله تعالى أيضا : ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ﴾ اختلف في تأويله : ﴿ وما كان لمؤمن ﴾ فمنهم من يقول بإضمار ﴿ وما كان ﴾ بمتروك﴿ لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ﴾ يخرج معنى :بمتروك على وجهين :
أحدهما :ما قاله أبو بكر ( الملقب بالأصم ) ١٢ :أي بمتروك في القصاص إلا أن يقتله خطأ. لكن هذا يوجب منع العفو لما به الترك. ومعلوم أنه أمر رغب فيه حتى دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولي القتيل إلى العفو، ثم إلى أخذ الدية. ثم لما أبت نفسه عند ذلك أذن له في الاقتصاص. ويدل على ذلك قوله تعالى : ﴿ فمن عفى عنه ﴾ الآية ( البقرة :١٧٨ ) وقوله تعالى : ﴿ وكتبنا عليهم فيها ﴾ إلى قوله تعالى : ﴿ فمن تصدق به فهو كفارة له ﴾ الآية ( المائدة :٤٥ ) إلا أن يرجع في قوله :بمتروك إلى الوجوب ؛ أي لا يرفع عنه إيجاب القصاص إلا إن ١٣ قتل مؤمنا خطأ. فإنه ليس عليه القصاص.
والثاني :أنه ما كان بمتروك به من التأديب والتوبيخ والتعيير بسوء صنيعه بأخيه وتعديه حد الله ومعونة ولي القتيل إذ قال : ﴿ من قتل نفسا بعير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ﴾ ( المائدة :٣٢ ) فحق ذلك على الناس أن يظهروا له بالتكبر عليه، ويقوموا بالنصر لوليه، والله أعلم، إلا أن يكون خطأ فلا يتلقونه بشيء مما ذكرت، بل يقومون بالشفاعة له والمعونة في احتمال ما لزمه. ولذلك جعل، والله أعلم، أمر الفعل على ما به من إبقاء الإلفة ودفع الضغينة واجتماع التألم في المصيبة.
ومنهم من يقول في تأويله الآية : ﴿ وما كان لمؤمن ﴾ أي حرام عليه ذلك الفعل بما حرم الله وبما بينهما من الأخوة في الدين وبما هو شفيعه وجنسه يتألم بما يتألم به الآخر، ويتأذى الآخر، والنفس عن مثله تنتهي، والطبع ينفر، فما كان به بعد هذا أن يقتل.
وقوله تعالى : ﴿ إلا خطئا ﴾ قيل فيه بوجوه :
أحدها١٤ :أن يقع ذلك منه على الخطإ، فيكون على ما لا تلحقه اللائمة التي ذكرنا ولا وصف التعدي الذي وصفنا.
والثاني :أن يكون الأمر في موضع الابتداء لما بين له من الحكم بمعنى : ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ﴾ البتة. لكن من ﴿ قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ كقوله تعالى : ﴿ لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ﴾ ( مريم :٦٢ ) بمعنى لا يسمعون فيها لغو البتة، لكن الذي يسمعون يسمعون سلاما.
والثالث١٥ : ﴿ وما كان المؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ﴾ إلا أن ( لا )١٦ يعلمه أنه مؤمن، وكان عرفه كافرا، له قتله١٧ بما روي من الإذن في البيان وقتل عيون الكفرة بما سبق من ظهور كفرهم، وإن احتمل إيمانهم في ما بين الوقتين، فيكون بمعنى :حرام عليهم إلا من هذا وصفه.
والرابع١٨ : ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ﴾ أي ليس لمؤمن ذلك قط إلا أن يقتل خطأ ؛ فإنه ليس في من يقال :/١٠٧-ب/ كان له أولا لما يقع به إلا أن يفعله هو في التحقيق ؛ إذ حقيقة الفعل أن يقع بإرادة، ويخرج عليها، وهذا لا يقع بها، ولا يخرج عليها.
وقوله تعالى : ﴿ ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ فلم يذكر في القاتل أنه مؤمن عند ذكر قتله. لكنه رجع إليه بوجهين :
أحدهما :أن الآية في بيان قتل يكون من المؤمن. وعليها جرى تفسير الحكم عند الوقوع.
والثاني :قوله تعالى : ﴿ توبة من الله ﴾ والتوبة بالتحرير تكون للمؤمن لا غيره، والله أعلم. على أنه حق الشرع من العبادات، فلا يحتمل قصد الكافر به. وأيد بذلك المذكور من الصيام، وهو لا يقول إلا بالإيمان.
ثم جعل الإيمان شرطا من حيث الذكر، وتأكده بأوجه ثلاثة :
أحدها :يالتأكيد :يذكر كل قتيل على اختلاف أصل ١٩ القتل. وفي ذلك دليل أن ذلك ذبك جعل عليه( فكان أمرا )٢٠ يدخل على دينه مما عليه ما الحق أن يحفظ حرمته. وبحرمته بنفي ما ذكر ؛ إذ حرم دينه عليه ( القتل )٢١، فيصير في قتله مصيبا، وألزم ما ذكرت في كل أنواع القتل ٢٢ لرجوع أمر ذلك كله إلى تضييع من حق دينه. ولذلك قال٢٣ : ﴿ توبة من الله ﴾ وذلك يخرج من وجهين :
أحدهما :أن تحقق معنى التوبة في فعل الله. وذلك يخرج على وجهين :
أحدهما :على ما تجاوز منه إذ لم يأخذه بالخطإ، فيكون بحق جعل ذلك شكرا من العبد بما لم يؤاخذه بالخطأ، فيكون معنى التوبة منه أنه لم يؤاخذه بالخطأ، لا أن ( في الإعتاق ذلك )٢٤ والإعتاق للشكر له في ما لم يكن آخذه. ويجوز أن يؤاخذه لما بالجهد في التحفظ يؤمن ذلك. فلما لم يكلفه، وتجاوز عنه، كان على الخطأ يأمر بالشكر لذلك.
والثاني٢٥ :قبولا منه ذلك في حق التوبة عن غير القتل من الزلات، فيكون في قيام بما أمره يوجه في حكمة العفو عن مثله، يجعل ذلك من العبد مقبولا بحق التوبة من الزلات، ونسبت إلى التوبة منه إذا كانت على التوفيق لفعله إلى ذلك تسمية الله ثوابا على التوفيق أو التجاوز، والله أعلم.
والثاني٢٦ :يرجع إلى فعل العبد، فتكون﴿ توبة من الله ﴾ على عبده ؛ والقاتل بأن يتوب بإعتاق رقبة مؤمنة. وذلك يخرج على وجهين :
أحدهما :أن يكون الفعل فعل مأثم، والله تعالى مؤاخذه٢٧ عليه ؛ لأنه بالجهد إيفاء ذلك. ولذلك تعبد بقوله : ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾ ( البقرة :٢٨٦ ). وإذا كان كذلك فيكون ذلك منه توبة إلى الله ليحفظ عن مثله في الدين.
والثاني٢٨ :أن يكون عليه حفظ دينه عما يقع فيه من التضييع الذي يبلى ( به )٢٩ بإنساء الشيطان، أو ( أن )٣٠ يفرط غفلة، أو نحو ذلك، فيلزم حين ٣١ ذلك بما ذكر، وإن لم يعلم ؛ إذ قد يجوز وقوع النقصان في ذي الحرمات من وجه، لا إثم يلحق، نحو المذكور في المنادى.
وفي أمر السهو في ذلك، فيؤمر به ليجيز٣٢ ذلك، وذلك نحو ما قد يفسد بأمور من وجه لا يعلم به. فكذلك أمر النقصان، فيؤمر بالتوبة إلى الله عز وجل عن ذلك بما يمتحن الله به من الأمور، والله أعلم، مع ما قد يتصل بالقتل ما له في حكم الخطأ ؛ يأثم المرء عليه، ويخرج. فجائز أن يرجع حرف التوبة من الله إلى ذلك، وهو سمي خطأ العمد.
والثاني٣٣ :مما يدل على جعل الإيمان شرطا أنه جعل لما وقع في حق الدين من التضييع إذا تعلقت الحرمة بالدين من الوجه الذي بينا، ولا فرق بين عبادة يشار إليها، يقع فيها تضييع في حد منها، يبرم تلك بكفارة، وبين جملة من العبادات يعتقدها الإنسان، وضم٣٤ الوفاء بما يقع في حد منها تضييع أو مقدار أحدها من الفرض لا يعلمه إلا من يعلم حد التضييع من الأصل، ولا يعلم حده غير٣٥ الذي جعل الحدود، فيكون في ذلك بيان المبرم، وبدونه لعله لا ينجز، فألزم بالاحتياط، ذلك أمر الحدود للإحرام.
والثالث ٣٦ :متفق القول على موقع الشرط أنه بحق اللزوم ؛ وعلى ذلك شرط في التتابع في الصيام له هذا المعنى والأول جميعا. وعلى هذا الاتفاق جعل قوم أمر هذا أصلا لغيره من الكفارات. ونحن لا نجعلها لوجهين :
أحدهما :لما٣٧ لم يجعل ذكر التتابع ( في هذا أصلا لكل ما لم يذكر فيه التتابع )٣٨.
والثاني :لما بينا من محل كل من أصل ذلك أنه إنما يعمل من علم ما حدوا من الأصل.
ومعلوم الاختلاف في الكل. لذلك لم يجب هذا. لكن يطلق المطلق ويقيد المقيد بالذكر، وأيد أن الله تعالى قد ذكر في كل وقت، ولو كان بالذي يحتمل درك الحد بالتدبير لكان ترك الذكر في ذلك لإفهام الحكم في نوع المذكور اقرب منه في غير نوعه، فبين، والله أعلم، لوجهين :
أحدهما :للتنبيه على لزوم في هذا إلى الذكر.
والثاني :للتنبيه أنه لم يجعل لمكان القتيل، لكن لما وقع في الدين من التضييع.
وجائز أن يكون شرط الإيمان بما سبق في تضييع حد من الحدود الذي اقتضى إيجابه عليه الإيمان، فأمر بإعتاق من يسلم له الرقبة لحفظ ما ألزمه حق الإيمان من الشغل عنه بحق الرق فيه لغيره.
ويجوز أن يكون إنما أبقيت به نفسه، وهي مؤمنة، فأمر أن يشكر الله تعالى بإبقاء نفس مؤمنة، إذ بالعتق إحياء. وعلى ما ذكر من اختلاف الحدود، وما له حدود، وفي حق الشرع لم يقس الطعام على الصايم عند العجز عنه على ما قضى به في حق الظهار والفطر مع ما في الظهار حق لما لم يكن التأخي
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: من..
٣ في الأصل وم:وغيرها..
٤ في الأصل وم: أحد.
٥ في الأصل وم: مشتركا..
٦ من م، في الأصل: قتل..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ في الأصل وم:و.
٩ في الأصل وم: يقبض..
١٠ ساقطة من الأصل وم..
١١ ساقطة من الأصل وم..
١٢. في الأصل وم: المغلب بالأمم.
١٣ في الأصل وم:من..
١٤ من م.في الأصل: أحدهما..
١٥.في الأصل وم: وقيل..
١٦ من م، ساقطة من الأصل.
١٧ في الأصل وم: قبله..
١٨ في الأصل وم: ويجوز..
١٩ في الأصل وم: أهل..
٢٠ في الأصل وم: لكان أمر..
٢١ ساقطة من الأصل وم..
٢٢ في الأصل وم: القبيل..
٢٣ في الأصل وم: قيل..
٢٤ في م: الإعتاق في ذلك..
٢٥ هذا الوجه الثاني من وجهي تحقق معنى التوبة في فعل الله..
٢٦ هذا الوجه الثاني من وجهي تحقق معنى التوبة في فعل العبد..
٢٧ في الأصل وم: مؤاخذته..
٢٨ هذاالوجه الثاني من وجهي فعل العبد..
٢٩ ساقطة من الأصل وم..
٣٠ ساقطة من الأصل وم..
٣١ في الأصل وم: خبر..
٣٢ في الأصل وم: ليخبر..
٣٣ هذا الوجه الثاني من وجوه جعل الإيمان شرطا..
٣٤ في الأصل: وضموا. فيم: وجعل..
٣٥ من م: في الأصل: غيره..
٣٦ هذا الوجه الثالث من وجوه الإيمان شرطا..
٣٧ في الأصل وم: مما..
٣٨ ساقطة من الأصل وم..
الآية ٩٣
وقوله تعالى : ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ﴾ الآية ( يحتمل وجوها :أحدها )١ :قيل في بعض القصة :إن رجلا قتل آخر عمدا. فلما علم أنه يقتل به ارتد عن الإسلام، ولحق بدار الحرب، فنزل الوعيد. وهذا، والله أعلم، كقوله تعالى : ﴿ الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون ﴾ ( فصلت :٧ ) كانوا( يمتنعون عن )٢ الزكاة لما كان عندهم أن الزكاة تنقص المال، فجحدوا بها رأسا كقوله تعالى : ﴿ لم نك من المصلين ﴾ ﴿ ولم نك نطعم المسكين ﴾ ﴿ وكنا نخوض مع الخائضين ﴾ ﴿ وكنا نكذب بيوم الذين ﴾ ( المدثر :٤٣-٤٦ ) فتركوا الصلاة والزكاة لما يلحقهم بذلك من مؤن وأشغال نشغلهم. ذلك كله مما ٣ تهوى أنفسهم، فأنكروا رأسا لأنهم إن صلوا، وأدوا الزكاة، لا يكون ذلك صلاة وزكاة إذ كانوا يكذبون بيوم الدين.
فعلى ذلك قاتل المسلم عمدا، إذ علم أنه مقتول به ترك دينه، فصار من أهل النار خالدا مخلدا فيها.
والثاني : ٤ يحتمل قوله تعالى : ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا ﴾ لدينه، يقتله عمدا غير غالط ولا جاهل عالما٥ بذلك، وإلى قتله ليدينه قاصدا٦، ومن كان هذه صفته فقد كفر، ووجب له هذا الوعيد الذي ذكره في كتابه الكريم إلا أن يجدد إيمانه٧، فإن الله تعالى يقبل إيمانه وتوبته.
والثالث :أن يكون الوعيد الذي ذكره في كتابه، ذلك جزاؤه، ولله الإفضال عليه بالعفو والمجاوزة ؛ إذ ذلك جزاؤه إن لم يكن له حسنات كقوله : ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾( الفرقان :٧٠ ).
ثم الدليل أن الآية في من قتل مسلما لدينه قاصدا لنفسه دون دينه قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ﴾ ( البقرة :١٧٨ )وإنما كتب٨ عليهم إذا كان القتل قتل عمد، وأبقى لهم بعد القتل اسم الإيمان. ثم قال : ﴿ فمن عفى له من أخيه شيء ﴾ فأبقى لهم اسم الأخوة. ثم قال : ﴿ ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ﴾ أطمعه في رحمته عز وجل، وبعيد أن يكون له مع هذا خلود في النار. فدلت الآية على بقاء اسم الإيمان وعلى رجاء الرحمة، وهما معنيان ينقضان قول المعتزلة حين خلدوا ( صاحب )٩ الكبيرة في النار، ولأنه تعالى قال : ﴿ فجزاؤه جهنم خالدا فيها ﴾، ولم يقل :يجزيه. وله أن يتفضل بالعفو عنه على ما وصفنا، وبالله التوفيق والنجاة.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه، في تأويل الآية ما يؤيد ما قلنا ؛ روي عنه أنه قال في قوله ( سبحانه وتعالى : ﴿ فجزائه جهنم ﴾ الآية قال :( جزاؤه إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له ).
وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " في من قبلكم رجل )١٠ قتل تسعا وتسعين نفسا، فسأل عن علم أهل الأرض، فدل على راهب، فأتاه، فقال :إني قلت تسعا وتسعين نفسا بغير حق فهل لي من توبة ؟ فقال :لا، فقتله، ثم سأل عن علم أهل الأرض، فدل على رجل، فأتاه، فقال :إني قتلت مئة نفس بغير حق، فه لي من توبة ؟ قال :نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة ؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن فيها ناسا يعبدون الله، فاعبده معهم. فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصم به ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأتاهم ملك، فجعلوه حكما بينهم، فقال :قيسوا ما بين الأرضين، قال :أيهما كان أدنى وأقرب فهو له، فقاسوه، فوجدوه أدنى من الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة " ( البخاري :٣٤٧٠ ) ألا ترى أنه لما كان كافرا، فقتل مئة نفس، فقبلت توبته. ولو كان مسلما كانت مظالم المقتولين في عنقه باقية. فهذا الحديث يدل، والله أعلم، على أن التأويل ما ذكرنا ؟ وبالله التوفيق.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل: يمتنعون. في م: يمنعون..
٣ في الأصل وم: عما..
٤ في الأصل وم: و..
٥ في الأصل وم: عالم..
٦ في الأصل وم: قاصد..
٧ في الأصل وم: إيمان..
٨ في الأصل وم: يكتب..
٩ ساقطة من الأصل وم..
١٠ ساقطة من م..
الآية ٩٤
وقوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ﴾ الآية : " قيل :إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث سرية إلى دار الحرب، ( فسمع العدو )١ :سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم تريدهم، فهربوا، وأقام رجلا لإسلامه، فلما رأى الخيل خاف أن يكونوا من العدو من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألجأ غنمه إلى( ركن )٢، ثم قام دونها، فسمع التكبير، فهبط إليهم، وهو يقول :لا إله إلا الله، فأتاه رجل من هؤلاء، فقتله، واستاق غنمه، وما معه، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم :فأخبروه الخبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقتلتموه إرادة ما معه ؟ وهو يقول :لا إله إلا الله، فقالوا :إنه قال متعوذا، فقال :هلا شققتم عن قلبه " ( بنحوه مسلم ٩٦/١٥٨ ).
" وعن ابن عباس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية، فلقبهم رجل، فسلم عليهم، وحياهم بتحية الإسلام، فحمل عليه رجل من السرية، فقتله، فلامه أصحابه، وقالوا :أقتلت رجلا حيانا بتحية الإسلام ؟ فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره بالذي صنع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقتلته بعد ما قال :( لا إله إلا الله ؟ )٣، قال :إنما٤ قالها متعوذا، قال :فهلا شققت عن قلبه ؟ فتعلم ذلك، فنزل قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ﴾ ( بنحوه مسلم ٩٦/١٥٩ ) فلا ندري كيفما كانت القصة، ولكن فيه الأمر بالتثبت عند الشبهة، والنهي عن الإقدام عندها. وهكذا الواجب على المؤمن الوقف عند اعتراض الشبهة في كل فعل وكل خبر لأن الله تعالى أمر بالتثبت في الأفعال بقوله : ﴿ فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ﴾ وقال تعالى في الخبر : ﴿ إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا ﴾( الحجرات :٦ ) ؛ أمر بالتثبت في الأخبار عند الشبهة كما أمر في الأفعال نبيه صلى الله عليه وسلم /١١١- أ/ ﴿ ولا نقف ما ليس لك به علم ﴾ ( الإسراء :٣٦ ).
وفي الآية دليل فساد قول المعتزلة لأنه نهاهم أن يقولوا﴿ لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ﴾ وهم يقولون :صاحب الكبيرة ليس بمؤمن، وهو يقول ألف مرة على المثل :إني مسلم :فإذا نهى أن يقولوا :ليس مؤمن ؛ أمرهم أن يقولوا :هو مؤمن، فيقال لهم :أنتم أعلم أم الله على ما قيل لهؤلاء ؟
وقوله تعالى : ﴿ تبتغون عوض الحياة الدنيا ﴾ قيل :الغنيمة﴿ فعند الله مغانم كثيرة ﴾ هذا يحتمل وجهين :يحتمل قوله : ﴿ فعند الله مغانم كثيرة ﴾ ( أي أجر عظيم وجزاء كثير )، ويحتمل﴿ فعند الله مغانم كثيرة ﴾ يعطيها لكم في غير هذا كقوله تعالى : ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ﴾ الآية :( الفتح :٢٠ ).
وقوله تعالى : ﴿ كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم ﴾ الآية اختلف فيه :قيل : ﴿ كذلك كنتم من قبل ﴾ ضلالا وكفارا﴿ فمن الله عليكم ﴾ بالإسلام والهجرة، وهداكم به. وقيل : ﴿ كذلك كنتم من قبل ﴾ تخفون إيمانكم في المشركين، وتكتمونه﴿ فمن الله عليكم ﴾ بإظهار الإسلام وإبدائه. وقيل : ﴿ كذلك كنتم من قبل ﴾ تأمنون في قومكم من المؤمنين ب :لا إله إلا الله، ولا تخيفون
من قالها﴿ فمن الله عليكم ﴾ بالهجرة.
وعن ابن عباس ( أنه )٥ قال : ﴿ كذاك كنتم من قبل ﴾ كفارا تقاتلون على الدنيا وعرضها( وقوله تعالى : ﴿ فتبينوا ﴾ عاد إلى الأول، وأمر بالتثبت عند الشبهة. ألا ترى أنه روي في الخبر أنه قال :" المؤمن وقاف وزان " وقاف عند الشبهة ووزان، يزن الأعمال، فيختار أفضلها.
١ في الأصل وم: فسمعوا..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: بما..
٥ ساقطة من الأصل وم..
الآية ٩٥
وقوله تعالى : ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ﴾ قال الحسن :( كان هذا في القوت الذي كان الجهاد تطوعا لأنه لو كان فرضا لكان لا معنى لقوله تعالى : ﴿ لا يستوي ﴾ كذا وكذا١ وهما غير مستويين :أحدهما :فرض عليه، والآخر :لا ). قيل له :هذا الذي ذكرت لا يدل على أن الجهاد ليس بفرض في ذلك الوقت.
ألا ترى أنه قال : ﴿ أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ﴾ ( السجدة :١٨ ) وقال : ﴿ أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ﴾ ( الجاثية :٢١ )، جمع بين متضادين، ثم قال : ﴿ لا يستوون ﴾ ( السجدة :١٨ ). فعلى ذلك ( هذا ) ٢ وهو أولى.
وقوله تعالى : ﴿ غير أولي الضرر ﴾ استثنى أهل الضرر مجملا في هذه الآية، وبين أمرهم، وما أزال عنهم من فرض الجهاد في آية أخرى، وهو قوله تعالى : ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ ( النور :٦١ ) وقوله عز وجل : ﴿ ليس على الضعفاء ولا على المرضى ﴾ الآية ( التوبة :٩١ ). وهذا مما أجمع عليه أهل العلم، وأزالوا الحرج عمن كان في مثل هؤلاء الذين وصفهم الله تعالى، وعذرهم في تخلفهم عن الجهاد.
وعن ابن عباس رضي الله عنه، ( أنه )٣ قال :لما ذكر الله تعالى فضيلة المجاهدين رغبهم في الجهاد بقوله : ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين ﴾ الآية أتاه عبد الله بن أم مكتوم الأعمى، فقال :يا رسول الله ذكر الله تعالى فضيلة المجاهدين على القاعدين، وحالنا ما ترى، ونحن نشتهي الجهاد، فنزل﴿ غير أولي الضرر ﴾ فجعل لهم من الأجر ما للمجاهدين لزمانتهم. وعلى ذلك أكثر أهل التفسير. وقال الكسائي :الضرر مصدر الضرير، والمضرور والضرير الأعمى ؛ يقال :ضر يضر فهو ضرير ومضرور إذا عمي.
وقوله تعالى : ﴿ وكلا وعد الله الحسنى ﴾ القاعد والمجاهد﴿ وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ﴾ قيل :هذا الفضل للمجاهد على القاعد الذي قعد لا لعذر، جعل له الأجر العظيم. وقوله تعالى : ﴿ فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ﴾ :( المجاهد )٤ على القاعد الذي قعد لعذر ( جعل له )٥ فضيلة عليه بدرجة. وفي الثاني جعل فضلية عليه بدرجات.
لكن قوله : ﴿ درجة ﴾و﴿ درجات ﴾ ( النساء :٩٦ ) عندنا واحد. ألا ترى أنه تعالى قال : ﴿ وللرجال عليهن درجة ﴾ ( البقرة :٢٢٨ ) ليس، هو( شيئا واحدا )١ واحد، ولكنه أشياء، والذي قعد لعذر يستوي والآخر ٢ الذي خرج إذا كان يتمنى أن يخرج إن قدر لأنه لو لم يكن كذلك لكان لا معنى للاستثناء ؟
وفي الآية دلالة أن فرض كفاية يسقط عن الباقين بقيام بعضهم، وإن كان الخطاب يعمهم في ذلك، وهو قوله تعالى : ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ﴾ ( التوبة :١٢٢ ).
وفرض الخروج لطلب العلم فرض كفاية إذا خرج بعضهم ليطلبه يسقط عن الباقين ذلك. فعلى ذلك الجهاد وإن ذلك خلاف ما عاتب الله عليه الثلاثة الذين تخلفوا٣ في سورة﴿ براءة ﴾ لأن أولئك تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال تعالى : ﴿ ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ﴾صلى الله عليه وسلم﴿ ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ﴾ ( الآية :١٢٠ )فإنما عاتب أولئك لتخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
١ في الأصل وم: من كذا..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: لأنه جعل..
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٥: الآية ٩٥
وقوله تعالى : ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ﴾ قال الحسن :( كان هذا في القوت الذي كان الجهاد تطوعا لأنه لو كان فرضا لكان لا معنى لقوله تعالى : ﴿ لا يستوي ﴾ كذا وكذا١ وهما غير مستويين :أحدهما :فرض عليه، والآخر :لا ). قيل له :هذا الذي ذكرت لا يدل على أن الجهاد ليس بفرض في ذلك الوقت.
ألا ترى أنه قال : ﴿ أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ﴾ ( السجدة :١٨ ) وقال : ﴿ أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ﴾ ( الجاثية :٢١ )، جمع بين متضادين، ثم قال : ﴿ لا يستوون ﴾ ( السجدة :١٨ ). فعلى ذلك ( هذا ) ٢ وهو أولى.
وقوله تعالى : ﴿ غير أولي الضرر ﴾ استثنى أهل الضرر مجملا في هذه الآية، وبين أمرهم، وما أزال عنهم من فرض الجهاد في آية أخرى، وهو قوله تعالى : ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ ( النور :٦١ ) وقوله عز وجل : ﴿ ليس على الضعفاء ولا على المرضى ﴾ الآية ( التوبة :٩١ ). وهذا مما أجمع عليه أهل العلم، وأزالوا الحرج عمن كان في مثل هؤلاء الذين وصفهم الله تعالى، وعذرهم في تخلفهم عن الجهاد.
وعن ابن عباس رضي الله عنه، ( أنه )٣ قال :لما ذكر الله تعالى فضيلة المجاهدين رغبهم في الجهاد بقوله : ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين ﴾ الآية أتاه عبد الله بن أم مكتوم الأعمى، فقال :يا رسول الله ذكر الله تعالى فضيلة المجاهدين على القاعدين، وحالنا ما ترى، ونحن نشتهي الجهاد، فنزل﴿ غير أولي الضرر ﴾ فجعل لهم من الأجر ما للمجاهدين لزمانتهم. وعلى ذلك أكثر أهل التفسير. وقال الكسائي :الضرر مصدر الضرير، والمضرور والضرير الأعمى ؛ يقال :ضر يضر فهو ضرير ومضرور إذا عمي.
وقوله تعالى : ﴿ وكلا وعد الله الحسنى ﴾ القاعد والمجاهد﴿ وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ﴾ قيل :هذا الفضل للمجاهد على القاعد الذي قعد لا لعذر، جعل له الأجر العظيم. وقوله تعالى : ﴿ فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ﴾ :( المجاهد )٤ على القاعد الذي قعد لعذر ( جعل له )٥ فضيلة عليه بدرجة. وفي الثاني جعل فضلية عليه بدرجات.
لكن قوله : ﴿ درجة ﴾و﴿ درجات ﴾ ( النساء :٩٦ ) عندنا واحد. ألا ترى أنه تعالى قال : ﴿ وللرجال عليهن درجة ﴾ ( البقرة :٢٢٨ ) ليس، هو( شيئا واحدا )١ واحد، ولكنه أشياء، والذي قعد لعذر يستوي والآخر ٢ الذي خرج إذا كان يتمنى أن يخرج إن قدر لأنه لو لم يكن كذلك لكان لا معنى للاستثناء ؟
وفي الآية دلالة أن فرض كفاية يسقط عن الباقين بقيام بعضهم، وإن كان الخطاب يعمهم في ذلك، وهو قوله تعالى : ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ﴾ ( التوبة :١٢٢ ).
وفرض الخروج لطلب العلم فرض كفاية إذا خرج بعضهم ليطلبه يسقط عن الباقين ذلك. فعلى ذلك الجهاد وإن ذلك خلاف ما عاتب الله عليه الثلاثة الذين تخلفوا٣ في سورة﴿ براءة ﴾ لأن أولئك تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال تعالى : ﴿ ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ﴾صلى الله عليه وسلم﴿ ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ﴾ ( الآية :١٢٠ )فإنما عاتب أولئك لتخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
١ في الأصل وم: من كذا..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: لأنه جعل..

الآية ٩٧
وقوله تعالى : ﴿ إن الذين توفتهم الملائكة ظالمي أنفسهم ﴾ عن ابن عباس رضي الله عنها ( أنه )١ قال :( نزلت الآية في قوم من المنافقين، خرجوا مع المشركين إلى بدر، فلما التقى ٢ المسلمون والمشركون أبصروا قلة المسلمين، وهم مع المشركين على المؤمنين قالوا٣ : ﴿ غر هؤلاء دينهم ﴾ ( الأنفال :٤٩ ) وأظهروا النفاق، فقتلوا ) وعامتهم ضربت الملائكة، ( قائلة لهم )٤ : ﴿ فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض ﴾ ).
وقيل :إنها نزلت في نفر أسلموا بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أقاموا عن الهجرة، وخرجوا مع المشركين إلى القتال، فلما رأوا قلة المؤمنين شكوا في النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا : ﴿ غر هؤلاء دينهم ﴾ فقتلوا، فقالت الملائكة : ﴿ فيم كنتم قالوا ﴾كذا.
وقيل :نزلت في قوم أسلموا بمكة، ولم يهاجروا، وكانت الهجرة يومئذ مفترضة، فكفروا بترك الهجرة يومئذ كقوله تعالى : ﴿ والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ﴾ ( الأنفال :٧٢ ) فلا ندري كيف كانت القصة ؟ وليس لنا إلى معرفة القصة حاجة بعد أن نعرف٥ ما أصابهم مماذا أصابهم ؟
وقوله تعالى : ﴿ قالوا فيم كنتم كنا مستضعفين ﴾ هذا يتوجه وجوها :
أحدها :مع من كنتم ؟ مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه أو أعدائهم ؟
والثاني : ﴿ فيم كنتم ﴾ أي في دين من كنتم ؟ في دين محمد صلى الله عليه وسلم أو في دين أعدائه.
والثالث : ﴿ قالوا ﴾ بمعنى يقولون، أي يقول لهم( الملائكة )٦ في الآخرة : ﴿ فيم كنتم قالوا ﴾ كنا كذا. وبقولهم٧﴿ كنا مستضعفين في الأرض ﴾اعتذروا أن كانوا مستضعفين في الأرض. وظاهر هذا أن منعنا من الخروج إلى الهجرة، وحال المشركون بيننا وبين إظهار الإسلام فقالوا( لهم )٨ : ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾ يعني :المدينة واسعة آمنة لكم من العدو، فتخرجوا إليها، فتتقلبوا بين أظهرهم، والله أعلم. كأنهم اعتذروا في التخلف عن ذلك لما كانوا يتقلبون بين أظهر الكفرة، ويتعيشون فيهم، فقالوا( لهم )٩ : ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة ﴾ ( فقطعوا عليهم الاعتذار )١٠.
ويحتمل وجها آخر ؛ وهو أنهم إن منعوكم عن الإسلام ظاهرا، وحالوا بينكم وبين إظهاره، ألستم تقدرون على دين١١ الإسلام سرا( فلا يعلموا )١٢ هم بذبك﴿ فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ﴾أخبر أن لا عذر لهم في ذلك.
وفي قوله تعالى : ﴿ فيم كنتم ﴾ دلالة إخبار الموتى في القبر والسؤال فيه عما عملوا في الدنيا، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: التقت..
٣ في الأصل وم: فقال..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: يعرف..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ في الأصل وم: وقولهم..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ ساقطة من الأصل وم..
١٠ في الأصل وم: قطعوا عليهم..
١١ في الأصل وم: أديان..
١٢ في الأصل وم: لا يعلمون..
الآية ٩٨
وقوله تعالى : ﴿ إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ﴾ الآية بين الله تعالى أهل العذر في ذلك حين قال : ﴿ لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ﴾.
قال ابن عباس رضي الله عنه ( كنت أنا وأمي من المستضعفين ).
الآية ٩٩
( وقوله تعالى )١ : ﴿ فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ﴾ و :عسى من الله واجب /١١١-ب/ كأنه يقول :فأولئك يعفو الله عنهم.
١ ساقطة من الأصل وم..
الآية ١٠٠
وقوله تعالى : ﴿ ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا واسعا ﴾ قيل :المراغم :المذهب والملجأ، ﴿ واسعة ﴾ في الرزق ؛ أي يجد في الأرض :في غير الأرض التي هم فيها ما ذكر. وقيل :المراغم :المتزحزح ؛ أي يجد متزحزحا عما يكره ومراحا. وعن ابن عباس رضي الله عنه( أنه )١ قال :( المراغم التحول من أرض إلى أرض، والسعة :في الرزق ). وقيل :من الضلالة إلى الهدى، ومن العيلة إلى الغنى. وقيل :المراغم :المهرب.
وقيل :لما نزلت هذه الآية سمعها رجل، وهو شيخ كبير، وقيل :إنه مريض، فقال :والله ما أنا ممن استثنى الله، وإني لأجد حيلة، والله لا أبيت الليلة بمكة، فخرجوا به يحملونه حتى أتوا التنعيم، فأدركه الموت بها، فصفق يمينه على شماله، ثم قال :الله هذه لك وهذه لرسولك أبايعك إلى ما بايعت عليك رسولك، ومات. فنزل فيه : ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ﴾ أي وجب أجره.
وقيل :إنه لما سمع الرجل أن الملائكة﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ ( الأنفال :٥٠ ومحمد :٢٧ )، وقد أدنف للموت، قال٢ أخرجوني، فاحتمل بيته يريد٣ النبي، فلما انتهى٤ إلى عقبة، فتوفي بها، أنزل٥ الله هذه الآية، والله أعلم بذلك.
وفي قوله تعالى : ﴿ إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ﴾ دلالة أن إسلام الولدان إذا عقلوا إسلامهم إسلام، وكفرهم كفر، لأنه تعالى عز وجل استثناهم، وعذرهم في ترك الهجرة. فلو لم يكن إسلامهم إسلاما وكفرهم كفرا لكان٦ مقامهم هنالك وخروجهم منها سواء، ولا معنى للاستثناء في ذلك إذا لم يكن عليهم خروج، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: فقال..
٣ في الأصل وم: وبين..
٤ من م، في الأصل: انثنى..
٥ في الأصل وم: فأنزل..
٦ في الأصل وم: فكان..
الآية ١٠١
وقوله تعالى : ﴿ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ﴾ الآية ؛ أباح الله تعالى القصر من الصلاة إذا ضرب في الأرض، إذا خاف أن يفتنه الكفار، ولم يبين القصر في ماذا ؟ فيحتمل القصر قصرا من الركعات على ما قال أصحابنا، رحمهم الله تعالى، ويحتمل القصر قصر الاقتداء ؛ وذلك أيضا مباح عند الخوف. ثم تأول قوم أن الصلاة كانت ركعتين، فزيدت في صلاة الحضر، وأقرت في صلاة السفر، ورخصت١ في القصر من ركعتي السفر ( إلى ركعة واحدة )٢ في حال الخوف، وقالوا :صلاة الخوف.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه ( أنه )٣ قال :( فرض الله تعالى صلاة الحضر أربعا، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة على لسان نبيكم ) وكذلك روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه ( أنه )٤ قال :( صلاة الخوف ركعة واحدة٥ ) وقال الآخرون :إنما رخص الله تعالى في قصر الصلاة من أربع، إذا كان الخوف، فردها إلى ركعتين رخصة، وقالوا :ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمنا أن الله تعالى تصدق علينا أن نقصر في حال الأمن، فثبت بالسنة أن القصر في غير الخوف جائز كما أجازه الله في حال الخوف.
والقصر في قول هؤلاء أن ترد الأربع إلى ركعتين، والقصر في قول الأولين أن ترد الركعتان في حال الخوف إلى ركعة. وقال غيرهم :القصر إنما كان في حال الخوف كما قال الله تعالى.
فأما الآن فإن المسافر إذا صلى ركعتين فليس ذبك بقصر، ولكنه إتمام بقول عمر رضي الله عنه حين قال :( صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم ).
وروي أن رجلا سأل عمر ( رضي الله عنه عن قوله تعالى : ﴿ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ قال :وقد أمن الناس اليوم، فقال عمر )٦ رضي الله عنه :( عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : " صدقة تصدق الله تعالى بها عليكم فاقبلوا صدقته " ( مسلم ٦٨٦/٤ )، فيحتمل أن يكون قوله :( صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر ). يريد به أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما قال :" صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا الفرض ركعتين " ( بنحوه مسلم ٦٨٧/٥ ) وارتفع القصر، وصارت الركعتان تماما غير قصر، إذ كانتا هما الفرض بعد الصدقة التي تصدق بها الله تعالى بها علينا.
فكل واحد من الخبرين موافق لصاحبه ؛ أعني خبر عمر رضي الله عنه مع ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه( أنه قال )٧ :( كان النبي صلى الله عليه وسلم، يسافر من المدينة إلى مكة، لا يخاف إلا الله، يصلي ركعتين )وهذا يؤيد حديث عمر رضي الله عنه : " صدقة تصدق الله بها عليكم " لأن النبي صلى الله عليه وسلم، كان ( لا يصلي )٨، وهو آمن :ركعتين مع شرط الله الخوف، إلا وقد رفع الله شرط الخوف عن المسافر.
وقول قوم :إن التقصير في السفر والحضر هو الإتمام، واحتجوا بقول الله سبحانه وتعالى : ﴿ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ﴾ قالوا٩ :فوقع الحرج عن المقصر، ولو كان التقصير حتما لكان قال :وعليكم جناح ألا تقصروا من الصلاة.
لكن الأمر ليس كما توهموا، وذلك أنا قد ذكرنا أن النص في القصر في حال الخوف. وأما الآمن فلا نص في ما يوجب القصر، وإنما جاز القصر من الصلاة في حال الأنس لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" صدقة تصدق الله بها عليكم " وتقصيره في سفره. ومحال أن يتصدق الله تعالى بالركعتين ١٠ علينا، ويقول قائل :فرض قائم، فأين موضع الصدقة ؟ إذ لو كان الأمر ما ذكروا.
وهذا عندنا معنى قول عمر رضي الله عنه( إن صلاة السفر ركعتان تماما إذا كانتا فرض المسافر ) مع ما روي أنه عليه السلام سافر أسفار كثيرة، فلم يرو عنه أحد أنه أتم الصلاة في شيء من الأحوال في سفره. وكل روى أنه عليه السلام كان يصل ركعتين، فلو كانت الفريضة أربعا، والقصر رخصة، لأتم في قوت، وقصر في وقت.
ألا ترى الإفطار في السفر لما كان رخصة غير حتم أفطر النبي صلى الله عليه وسلم في أوقات، وصام في أوقات ؟ فدل ذلك أن فرض المسافر ركعتان غير قصر.
روي عن بن عمر رضي الله عنه ( أنه )١١ قال :( صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمنى ركعتين، ومع أبي بكر الصديق رضي الله عنه ركعتين، ومع عمر رضي الله عنه ركعتين، ومع عثمان رضي الله عنه، صدرا من خلافته، ثم صلى أربعا ) وما صلى أربعا يحتمل أن يكون عزم على المقام.
وكذلك روي عن الزهري( أنه )١٢ قال :إنما صلى أربعا لأنه أزمع أن يقيم بعد الحج.
وعن عمران بن الحصين( أنه )١٣قال :( حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى يرجع إلى المدينة، وأقام بمكة ( ثمانية عشر يوما )١٤ لا يصلي إلا ركعتين، وقال( صلى الله عليه وسلم ) ١٥ لأهل مكة : " صلوا أربعا، فإنا قوم سفر " )( بنحوه أبو داوود ١٢٢٩ ) وخالف بعض أهل العلم هذا الحديث لأنهم يقولون :إذا أقام ببلد في غير حرب أربعا يتم بعد ذلك، وإن لم يكن عزم على المقام بذلك البلد.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ( أنه )١٦ قال : " صلاة المسافر ركعتان حتى يؤول إلى أهله أو يموت " ( مسلم ٦٨٧/٦ ) وروي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه سئل عن الصلاة في السفر، قال :( ركعتان ركعتان١٧، من خالف السنة كفر ).
واستدل قوم بقوله تعالى :/١١٢-أ / ﴿ وإذا ضربتم في الأرض فلي عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة )أن القصر رخصة، والفضل في إتمام الصلاة ؛ إذ :لا جناح يستعمل في موضع التخفيف لا في موضع الأمر على نحو الصيام بقوله تعالى :{ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ ( البقرة :١٨٥ )، وهذا حرف لا يستعمل في موضع الأمر والإيجاب، والله أعلم.
وسلم قوم لهم هذا المعنى في الآية، وردوا القصر إلى قصد١٨ الخوف يلحق عند الضرب في الأرض، وإذا كان ( فهو )١٩ على وجهين :
أحدهما :في بيان المراد في قوله تعالى : ﴿ فإن خفتم فرجالا أو ركبنا ﴾ ( البقرة :٢٣٩ ) أنه ليس على تمام المعروف من الصلاة لكن على القصر على الحد الذي ينتهي إله الخوف من أمر القبلة أو ترك القيام والركوع والسجود إلى الإيماء٢٠ والقعود، والله أعلم.
والثاني :ما في قوله تعالى : ﴿ وإذا كنت فيهم ﴾ الآية :( النساء :١٠٢ ) وإنما يذكر ذكر في أحوالهم ؛ ألا نفروا معه٢١، وهو( حال من )٢٢ أحوال السفر. ومعلوم أن ذلك في حق الاقتداء :قال : ﴿ فليس عليكم جناح ﴾ بالاقتداء به، وإن قصرتم في الاقتداء عن تمام حقه من الجماعة، وكذلك إصابة الكل أفضل، فبين( أن )٢٣ ارتفاع ذلك لا يمنعكم الاقتداء، ولا يلزمكم نصب إمام آخر لتؤدوا جميع الصلاة في الجماعة.
وأيد الوجهين قوله تعالى : ﴿ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ إلى قوله تعالى : ﴿ ود الذين كفروا لو تغفلون ﴾ ( النساء :١٠١و١٠٢ ) وصلاة السفر على ما عليه ليس للخوف، أيد ذلك ما التبس على عمر رضي الله عنه حتى سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " ( بنحوه مسلم ٦٨٧/٥ ) بمعنى حكم حكم الله في أن لم يفرض عليكم في السفر غير ركعتين.
وكذا جميع المذكور عن الله من العفو فهو في الإسقاط. وأيد ذلك ما كان يقول عمر رضي الله عنه، بعد ذلك :( صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم ) فعلم أن ذلك ليس في حق الآية، لكن في ابتداء ٢٤ الشرع.
وعلى ذلك المروي بأن الصلاة كانت في الأصل ركعتين، فزيدت في الحضر، وأقرت في السفر. وإلى هذين التأويلين يتوجه قول أصحابنا، رحمهم الله، وقد تحتمل الآية قصر السفر.
ثم قوله تعالى : ﴿ فليس عليكم جناح ﴾ يرجع إلى وجهين :
أحدهما :إلى ترك الركعتين، وإن لم يتم السفر بعد الخروج له، وليس كسائر الأعذار نحو الحيض إذا لم يتم فإنه٢٥ يلزم إعادة المتروك، والإغماء ونحو ذلك، وأمر الصوم في السفر بعد الخروج له، وليس كسائر الأعذار إذا ترك فإنه٢٦ يعاد.
والثاني :( قوله تعالى )٢٧ : ﴿ فليس عليكم جناح ﴾ في السفر، وإن كان ذلك اختيارا٢٨ منكم لترك صلاة الحضر، أو ليس عليكم ما على المقيم لو لم يتم، فإذا رجع الجناح في ذلك بقي الأمر بالقصر، وإن خرج يجد الخير، إذ قد يكون الخير٢٩ في المخرج أمرا في الحقيقة نحو قوله تعالى : ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون ﴾ الآيتان :( الأنفال :٦٥و٦٦ ) وذلك كقوله تعالى : ﴿ فلا جناح عليه أن يطوف بهما ﴾ ( البقرة :١٥٨ ) أنه لما صار :لا جناح عليه راجعا إلى ما كان ثم من الأصنام أو الفعل بقي حق الأمر بالصواب عن الجميع، والله أعلم.
١ في الأصل وم: ورخص..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ ساقطة من الأثل وم..
٥ ساقطة من م..
٦ من م، ساقطة من الأصل..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ من م، في الأصل: من صلى..
٩ في الأصل وم: قال..
١٠ في الأصل وم: الركعتين..
١١ ساقطة من الأصل وم..
١٢ ساقطة من الأصل وم..
١٣ ساقطة من الأصل وم..
١٤ في الأصل وم: ثماني عشرة أيام..
١٥ ساقطة من الأصل وم..
١٦ ساقطة من الأصل وم..
١٧ ساقطة من م..
١٨ في الأصل وم:قصر..
١٩ ساقطة من الأصل وم..
٢٠ في م: الإيمان..
٢١ في الأصل وم:عنه..
٢٢ ساقطة من الأصل وم..
٢٣ ساقطة من الأصل وم..
٢٤ في الأصل وم:الابتداء..
٢٥ في الأصل وم: أنه..
٢٦ في الأصل وم: أنه..
٢٧ ساقطة من الأصل وم..
٢٨ في الأصل وم: اختيار..
٢٩ في الأصل وم: خيرا..
الآية ١٠٢
وقوله تعالى : ﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ﴾ الآية. اختلف أهل العلم في صلاة الخوف ؛ قال بعض أهل العلم :يجعل الإمام القوم طائفتين ؛ يصلي بالطائفة ( الأولى )١ ركعة، وتقوم الطائفة الأخرى مصاف العدو. فإن صلى بهم ركعة يقومون٢، ويصلون الركعة الثانية وحدانا. ثم ينصرفون، ويقومون بإزاء العدو، وترجع الطائفة التي كانت مصاف العدو. فيصلي بهم الإمام الركعة الثانية، ثم يسلم بهم الإمام، فيقومون، ويقضون الركعة الثانية وحدانا.
ويقولون :لأنه ليس في الآية إتيان الطائفة الأولى وعودها إلى الإمام. كذلك لا يفعل. وقالوا أيضا :إن القيام بعد الفراغ من الصلاة مصاف العدو أطمع وأرجى من القيام في غير الصلاة.
وأما أصحابنا، رحمهم الله، فإنهم ذهبوا إلى ما روي من الأخبار :روي عن ابن عمر رضي الله عنه ( أنه قال :( قال )٣ صلى الله عليه وسلم : " صلاة الخوف " ( البخاري ٩٤٢ ) فصلى بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهو العدو. ثم انصرفوا، وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك، فصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم سلم النبي عليه السلام. ثم قضى هؤلاء ركعة، وهؤلاء ركعة ).
وعنة عبد الله ( أنه قال :( قال ) ٤صلى الله عليه وسلم " صلاة الخوق " فقاموا صفين، فقام صف خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وصف مستقبل العدو، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالصف الذي يلونه ركعة، ثم قاموا، فذهبوا، فقاموا مقام أولئك، واستقبل هؤلاء العدو. وجاء أولئك، فقاموا مقام هؤلاء، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سلم، فقاموا يصلون لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، فذهبوا، فقاموا مقام أولئك مستقبلين العدو، وجاء أولئك إلى مقامهم، فصلوا لأنفسهم ركعتين، ثم سلموا ).
وروى ابن عباس وزيد بن ثابت وحذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك. فاتفق على هذه الرواية عن النبي صلى الله عليه ولم، هؤلاء الجماعة من الصحابة، رضوان الله تعالى أجمعين :ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وحذيفة رضي الله عنهم كلهم يقولون :إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهو العدو، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعة، وإن واحدا منهم لم يقض بقية صلاته حتى فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته كلها، وصلى المؤتمون ما بقي عليهم من صلاتهم. وهذا نظر لما عليه المسلمون جميعا في ما سبقهم الإمام، لا يقضونه حتى يفرغ الإمام من صلاته. ثم يقضون ما فاتهم.
والأخبار التي جاءت بخلاف ذلك تحتمل أن تكون في الوقت الذي كانوا يقضون الفائتة قبل فراغ الإمام من صلاته. ثم نسخ ذلك بما توارثت الأمة القضاء بعد الفراغ، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ وليأخذوا أسلحتهم ﴾ اختلف فيه ؛ قيل :هم الطائفة التي بإزاء العدو، يأخذون السلاح ليكونوا أجوب٥ للحرب والقتال، وقيل :هم الطائفة الذين يصلون ؛ يأخذون السلاح حتى إذا استقبلهم العدو والحرب يقدرون على ذلك، وقيل :إذا وقع بينهم الحرب فلهم تأخير الصلاة إلى وقت انقطاع الحرب بينهم.
وقال الحسن :( يصلي الإمام لكل طائفة سجدة، والسجدة هي اسم التمام، وهذا جائز في اللغة ).
لكن عندنا ما ذكرنا من الأخبار عن الصحابة ؛ عن عمر وابن عباس وغيرهما٦، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، حين قالوا :( صلاة السفر ركعتان، وصلاة الفطر والأضحى ركعتان، وصلاة الخوف ركعة تمام غير قصر ). وما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد بالصف الأول، ولم يسجد معه الصف الثاني. فلما رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من السجدتين سجدهما أهل الصف الثاني. فهذا يدل على أن الأمر ما وصفنا.
وإن كان العدو مواجهة القبلة فالإمام بالخيار ؛ إن شاء جعل القوم صفين :صفا أمامه بإزاء العدو، معه يصلي بهم. هكذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ( أنه فعل )٧ بالمسلمين.
روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم، والعدو في القبلة ؛ فصلى بطائفة ركعة، وجاءت الأخرى، فصلى بها أخرى.
وإن شاء جعل القوم كلهم خلفه صفين، فيصلي بهم. فإذا انتهوا إلى السجود سجد الصف /١١٢-ب/ الأول، والصف الثاني يحرس( من )٨ العدو. فإذا٩ فرغ هؤلاء سجد الآخرون. ثم كذلك يفعل بهم في الثانية. وهذا أيضا روي أنه يختار١٠ أيهما شاء.
وقوله تعالى : ﴿ فليكونوا من ورائكم ﴾ أي لتكونوا مصاف العدو، تحرسونهم من العدو.
وقوله تعالى : ﴿ وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ﴾ يحتمل قوله : ﴿ حذرهم ﴾ أي يأخذون ما يستترون١١ به، ( ويحترسون من )١٢ العدو من نحو الترس والدرع ( ونحوهما :ويحتمل )١٣ قوله﴿ وأسلحتهم ﴾ ما يقاتل به من السلاح، ويحارب. ويحتمل ما يحصن به من نحو الجبال وغيرها.
وفيه الأمر بتعلم آداب الحرب والقتال وأخذ الأهبة والإعداد ودون أن يكلوا الأمر إلى ذلك. ولكن يكلون الأمر إلى ما وعد الله لهم من النصر بقوله تعالى : ﴿ وما النصر إلى من عند الله ﴾( آل عمران :١٢٦والأنفال :١٠ ) وبقوله تعالى : ﴿ خذوا حذركم ﴾ ( النساء :٧١ ) وقوله تعالى : ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ﴾ ( الأنفال :٦٠ ) وقوله تعالى : ﴿ فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ﴾ ( النساء :٧١ ) وغيرها من الآيات ؛ فيها الدلالة على تعلم آداب الحرب وأخذ١٤ الأهبة فيه، حين أمرهم عز وجل بمجاهدة العدو في غير آية من القرآن.
وقوله تعالى : ﴿ ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ﴾ الآية هذا يعلم بالطبع أن كل أحد يطلب الفرصة على عدوه والغفلة منه، هذا معروف في طباع الخلق. وقوله تعالى : ﴿ عن أسلحتكم ﴾ ما يحارب به، ويقاتل. وقوله تعالى : ﴿ وأمتعتكم ﴾ ما( يحترس به من )١٥ العدو، ويستتر به منه ؛ أي يطلبون الغفلة عن الأسلحة والأمتعة. وتحتمل الأمتعة ( ما يراد )١٦ بها غيرها من الثياب وغيرها.
وقوله تعالى : ﴿ ولا جانح عليكم إن كن بكم أدى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم ﴾في الآية دلالة أن الله تعالى لم يرد بقوله : ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ﴾ ( التوبة :١١١ ) بذلها للقتل حين رخص لهم وضع الأسلحة وأخذ الحذر عندما بلوا بالمطر أو المرض لأنه لو كان المراد بشراء الأنفس منهم بذلها للقتل لكان لا يرفع ذلك عندما يخافون على أنفسهم من الهلاك ؛ إذ المرض وخوف الهلاك لا يرفع ذلك في الأحوال كلها إذا كان الأمر بذلك أمرا بالقتل والهلاك.
ألا ترى أن ما وجب عليه الرجم لم يرفع عنه بالمرض الرجم لأن في الرجم هلاكه، فلما رفع( الله تعالى )١٧ عنهم القتال في حال المرض أو في الحال الذي يخاف الهلاك دل أنه لم يرد بشراء الأنفس بذلها للقتل، ولكن أراد، والله أعلم، إظهار دينه١٨ ونصر أهل دينه ؟ ألا ترى أنه قال في آية أخرى : ﴿ فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ﴾ ؟ ( النساء :٧٤ ) جعل الثواب والأجر عند الغلبة على عدوه مثل ما جعل عند القتل. ولو كان الأمر بذبك أمرا بالقتل خاصة لا يستوجب الأجر والثواب لغيره دل أنه ما ذكرنا.
ألا ترى أنه قال : ﴿ فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا ﴾( التوبة :١١١ ) جعل الوعد للقاتل ما جعل للمقتول ؟ هذا كله يدل أن الأمر بذلك ليس على القتل.
وقوله تعالى : ﴿ وخذوا حذركم ﴾ قد ذكرنا أن الأمر بأخذ الحذر يحتمل وجهين :
أحدهما :فيه الأمر بتعلم آداب الحرب وأسباب القتال، وألا يكلوا الأمر إلى ذلك خاصة لكن إلى ما وعد لهم من النصر والظفر على عدوهم بعد أخذ الأهبة.
ألا ترى أنه قال : ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ﴾ الآية ؟ ( الأنفال :٦٠ ).
والثاني :يحتمل أن يأمرهم بأخذ ما يدفعون به سلاح العدو عن أنفسهم، ويقرون من الترس أو الدرع أو البنيان، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ { إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ﴾ أي أعد لهم من العذاب ما يهونون فيه :نصروا، أو غلبوا. وأعد لكم من الثواب ما تشرفون، وتعتزون به :نصرتم، أو غلبتم : ﴿ وما لكم لا تقاتلون ﴾ ( النساء :٧٥ ).
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: فيقومون..
٣ في الأصل وم: قال..
٤ في الأصل وم: قال..
٥ في الأصل وم: أجيب..
٦ في الأصل وم: وغيره..
٧ من م، في الأصل: فعلى..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ في الأصل وم: فلما..
١٠ في الأصل وم: فيختار..
١١ في الأصل وم: يسترون..
١٢ في الأصل وم: يحرسون..
١٣ في الأصل وم: نحوه و..
١٤ في الأصل وم: وأخذوا..
١٥ في الأصل وم: يحرس به..
١٦ في الأصل وم:يريد..
١٧ ساقطة من الأصل وم..
١٨ في الأصل وم:دين الله..
الآية ١٠٣
وقوله تعالى : ﴿ فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ﴾ قيل :يحتمل وجهين :يحتمل : ﴿ فإذا قضيتم الصلاة ﴾ أي إذا فرغتم منها﴿ فاذكروا الله ﴾ على كل حال تستعينون به للنصر على عدوكم. كقوله تعالى :
﴿ إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا ﴾ ( الأنفال :٤٥ ) أمر بالثبات عند لقاء العدو وذكر الله استعانة منه على عدوهم. فعلى ذلك ( الأول )١.
ويحتمل أن يكون معناه :إذا أردتم أن تفضلوا الصلاة﴿ فاذكروا الله ﴾ كثيرا في أي حال كنتم :في حال القيام والركوع والسجود كقوله تعالى : ﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ﴾ ( النساء :١٠٢ ). معناه، والله أعلم، إذا كنت فيهم، فأردت أن تقيم لهم الصلاة٢، فافعل كذا. فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ﴾ هذا، والله أعلم، مقابل قوله تعالى : ﴿ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ﴾ الآية :( النساء :١٠١ ) وقد ذكرنا أن القصر يحتمل وجوها ؛ يحتمل القصر للضرب في الأرض، وهو القصر في عدد الركعات، ويحتمل للمرض والخوف، فهو قصر الإيماء، فنحن نأخذ بذلك كله على اختلاف الأحوال.
فعلى ذلك قوله : ﴿ فإذا اطمأننتم ﴾ يحتمل الوجوه التي ذكرنا :أي إذا اطمأننتم :صرتم أصحاء، فصلوا كذا صلاة الأصحاء. ويحتمل : ﴿ فإذا اطمأننتم ﴾ أمنتم من الخوف فصلوا كذا. ويحتمل أيضا ﴿ فإذا اطمأننتم ﴾ إذا رجعتم، وأقمتم، صلوا صلاة المقيمين أربعا. فهذا، والله أعلم، على ما ذكرنا مقابل قوله تعالى : ﴿ وإذا ضربتم في الأرض ﴾.
وقوله تعالى : ﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ﴾ أي لها وقت كوقت الحج، وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه. وقيل : ﴿ كتابا موقوتا ﴾ محدودا فنحن نقول بهذا كله :إنها مفروضة موقتة محدودة على ( ما ذكر )٣، والله أعلم.
والآية ترد على من يقول بأن على الكافر الصلاة لأنه أخبر ( الله تعالى )٤ أنها﴿ كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ﴾ وهم يقولون على الكافرين والمؤمنين. لكنها كتبت على المؤمنين فعلا وعلى الكافرين قبولا. هذا، والله أعلم، معنى قوله : ﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ﴾ أي لم تزل كما ٥ كانت﴿ كتابا موقوتا ﴾ على الأمم السالفة لأن هذه الأمة خصت بها كقول إبراهيم عليه السلام : ﴿ رب اجعلن مقيم الصلاة ومن ذرتي ﴾ ( إبراهم :٤٠ ) وقول عيسى عليه السلام : ﴿ وأوصاني ابلصلاة والزكاة ﴾ ( مريم :٣١ )، وقول موسى عليه السلام : ﴿ واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة ﴾ ( يونس :٨٧ ).
ويحتمل قوله تعالى : ﴿ كانت ﴾ صارت٦ ﴿ على المؤمنين كتابا موقوتا ﴾ بعد أن لم تكن.
وكل ذلك محتمل. لكن لا نشهد على الله أنه أراد كذا. وكذلك ف قوله تعالى : ﴿ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ﴾ ( النساء :١٠١ ) وقوله تعالى : ﴿ فإذا اطمأننتم ﴾ نتأول فيه، ونعمل فيه بالوجوه كلها على اختلاف الأحوال التي ذكرنا، فلا نقطع القول فيه، ولا نشهد على الله أنه أراد كذا. وهكذا السبيل ف جميع المجتهدات أن نعمل، ولا نشهد على الله أنه أراد ذا وأم ب :ذا، وبالله التوفيق.
ذكر الله تعالى ما بين فرض الصلاة ووجوبها في غير موضع من كتابه :منها الآية التي ذكرناها، ومنها قوله تعالى : ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ﴾( البينة :٥ ) وقوله تعالى : ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ﴾ ( التوبة :١١ ).
ولم تدل هذه الآيات على كيفية الصلاة وعددها وإنما دلت على وجوبها ولزوم فرضها. ودلت آيات أخر على عددها وجمل أوقاتها. قال الله سبحانه وتعالى : ﴿ أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ﴾ ( الإسراء :٧٨ ) فهذه ثلاثة أوقات ذكر الله تعالى فيهن ثلاث صلوات.
وروي عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنه ( أنه )٧ قال :سألته عن قول الله سبحانه وتعالى : ﴿ أقم الصلاة لدلوك الشمس ﴾ قال :( إذا زالت الشمس عن بطن السماء لصلاة الظهر ﴿ إلى غسق الليل ﴾ قال :بدء صلاة المغرب ).
وعن ابن عمر رضي الله عنه، ( أنه )٨ قال :( لدلوك الشمس ) :دلوكها٩ زيغها بعد نصف/١١٣-أ / النهار، وهو وقت الظهر ). وعن ابن عباس رضي الله عنه ( أنه )١٠ قال :( دلوكها :زوالها ). وقد روي عن ابن مسعود وابن عباس( أنهما قالا )١١ :( دلوك الشمس :غروبها ) فأي التأويلين كان دلوك الشمس فقد أوجب فيه صلاة وصلاة عند غسق الليل وصلاة عند الفجر، فهذه ثلاث١٢ صلوات.
قال الله تعالى : ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ﴾ ( هود :١١٤ ) فأحد طرفي النهار يجب فيه صلاة الفجر، وقد ذكر في هذه الآية. والطرف الآخر قبل غروب الشمس، فهذه( خامسة، وهي صلاة )١٣ العصر.
وروي أن الحسن رضي الله عنه ة( أن الصلوات الخمس مجموعة في هذه الآية : ﴿ وزلفا من الليل ﴾ قال :( في الطرف الأول )١٤ صلاة الفجر، والطرف الآخر الظهر والعصر، ﴿ وزلفا من الليل ﴾ المغرب والعشاء ). فأي التأويلين كان فإن صلاة العصر مذكورة في هذه الآية.
وعن ابن عباس رضي الله عنه، ( أنه )١٥ قال :( هاتان الآيتان )١٦ مواقيت الصلاة : ﴿ فسبحان الله حين تمسون ﴾ المغرب والعشاء﴿ وحين تصبحون ﴾ ( الروم :١٧ ) الفجر﴿ وعشيا ﴾ العصر﴿ وحين تظهرون ﴾( الروم :١٨ ) الظهر ).
وعن ابن عباس أيضا ( أنه قال : " الصلاة المكتوبة في قوله تعالى " ١٧ ﴿ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار ﴾ ( طه :١٣٠ ).
دلت هذه الآية، والله أعلم، أن الله سبحانه وتعالى فرض على عباده في كل يوم وليلة خمس صلوات.
﴿ وبين ﴾١٨ رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف فرضت الصلاة ؟ ومتى فرضت ؟ وروي عن عبادة بن الصامت ( أنه )١٩ قال :( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول : " خمس صلوات كتبها الله تعالى على العباد، فمن أتى بهن، لم يضيع٢٠ من حقهن شيئا استخفافا بحقهن، فإن له عند الله عهدا أن يدخله الجنة. ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهدا ؛ إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة " ) ( أبو داوود ١٤٢٠ ).
وعن أبي سعيد الخدري عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، حين بعث معاذا إلى اليمن قال : " إنك تأتي قوما أهل الكتاب، فادعهم إلى الشهادة :أن لا إله إلا الله، وأن رسول الله. فإن أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله سبحانه وتعالى فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة " ( مسلم ١٩/٣١ ).
وعلى ذلك اتفاق الأمة لا اختلاف بينهم. إلا أن قوما زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب بعد ذلك الوتر بقوله :" إن الله زادكم صلاة ألا وهي الوتر " ( أحمد ٢/١٨١ ) وليس في الكتاب ذكر ولا دليل وجوبه، فتركنا الكلام فيها. لكن أبا حنيفة رضي الله عنه سلك منها مسلك المكتوبة.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ من م، في الأصل: الصلوات..
٣ في م: ما، ساقطة من الأصل..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: هي..
٦ في الأصل وم: أي صارت..
٧ ساقطة من الأصل..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ في الأصل وم: قال دلوكها..
١٠ ساقطة من الأصل وم..
١١ في الأصل وم: قال..
١٢ من م، في الأصل عند..
١٣ في الأصل وم: رابعة وهي..
١٤ ساقطة من الأصل وم..
١٥ ساقطة من الأصل وم..
١٦ في الأصل وم: هذه الآية..
١٧ في اللأصل وم: قال الصلاة المكتوبة: مدرجة بعد نهاية الآية..
١٨ من م، ساقطة من الأصل..
١٩ ساقطة من الأصل وم..
٢٠ في الأصل وم: يفيض..
الآية ١٠٤
وقوله تعالى : ﴿ ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون وترجون من الله ما لا يرجون ﴾ في الآية دلالة فرضية الجهاد، لأنه عز وجل أخبر أنهم يألمون، ويتوجعون بما يصيبهم من الجراحات كما تألمون أنتم، وتتوجعون. فلو١ كان فضلا لكان يرفع عنهم الجهاد عند الألم والتوجع( كما يرفع شأن )٢ النوافل عند الألم والتوجع. فدل أنه فرض، لكنه فرض كفاية، وفرض الكفاية يسقط بقيام البعض عن الباقين. وقد ذكرنا في ما تقدم هذا الوجه فيه.
وقوله تعالى : ﴿ ولا تهنوا في ابتغاء القوم ﴾ فمعناه، والله أعلم :أي لا عذر لكم في تألمكم أن تهنوا في ابتغائهم، فإنهم يألمون كما تألمون، ولا يضعفون في ذلك، وترجون أنتم العاقبة من الثواب الجزيل ما لا يرجون.
ثم هم لا يضعفون، فكيف تضعفون أنتم في ذلك ؟ وكل أمر، لا عاقبة له، فهو عبث، وليس لأمرهم عاقبة، وهو عبث، ولأمركم عاقبة محمودة، فأنتم أولى بذلك.
ودل قوله تعالى : ﴿ ولا تهنوا في ابتغاء القوم ﴾ على تأكيد٣ فرضية الجهاد ؛ إذ لم يأذن لهم في التخلف عن ذلك على ما فيه من التألم وخوف هلاك النفس في ذلك، ثم بين ما يخف لمثله تحمل المكروه على الطبع له، وقد يختار له مباشرة الإتعاب في النفس من عواقب تنقطع، وتزول، فكيف في ما لا انقطاع له من رجاء الثواب بذلك التألم، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ وكان الله عليم حكيما ﴾ بتألمكم، أي عن علم بالتألم أمركم أمركم بذلك عن جهل، وقد ذكرنا في غير موضع.
١ أدرج قبلها في الأصل وم العبارة التالية: في الآية دلالة فرضية بها..
٢ في الأصل وم: ما يرفع ساء..
٣ في الأصل وم: تأكد..
الآية ١٠٥
وقوله تعالى : ﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ﴾، قوله : ﴿ بالحق ﴾ يتوجه وجوها :( يحتمل )١ بحق الله عليكم أنزل إليك الكتاب. ويحتمل بحق بعض على بعض أنزل إليك الكتاب﴿ لتحكم بين الناس ﴾، ويحتمل قوله : ﴿ بالحق ﴾ أي بالمحنة يمتحنهم بها ؛ إذ في عقل كل أحد ذلك، وإهمال كل ذي لب( أن يأمر )٢، ولا ينهى، خروج عن الحكمة، وأن يقولوا٣ بالحق وبالعواقب لتكون لهم العاقبة.
وقوله تعالى : ﴿ بالحق ﴾ أي بالحق الذي لله أو لبعض( على )٤ بعض أو لأمر كان٥، وهو البعث، ليعدل، ويتزودوا بالذي يحمد عليه فاعله ؛ إذ الحق صفة لكل ما يحمد فاعله، والباطل لما يذم. وقد يحتمل﴿ بالحق ﴾ بالعدل والصدق على الأمر من التغيير والتبديل، والله الموفق.
وقوله تعالى : ﴿ لتكم بين الناس بما أراك الله ﴾ قيل :إن في الآية جواز الاجتهاد لأنه قال : ﴿ لتحكم بين الناس بما أراك الله ﴾. ( دل قوله )٦ : ﴿ لتحكم بين الناس بما أراك الله ﴾ بالكتاب أنه٧ يحكم بما يريد به الله بالتدبر فيه والتأمل. لكن اجتهاده كالنص، لأنه لا يخطئه٨، لأنه أخبر أنه يريد ذلك، فلا يحتمل أن يريد غير الصواب. وأما غيره من المجتهدين فيجوز أن يكون صوابا، ويجوز أن يكون خطأ، لأنه لا ينكر أن يكون الشيطان هو الذي أراه ذلك، فيكون خطأ، فلا يجوز أن يشهد عليه بالصواب. ما لم يظهر. وأما اجتهاده صلى الله عليه وسلم، فهو كله يكون صوابا لأن الله تعالى هو الذي أراه ذلك، فيشهد أنه صواب.
وقوله تعالى : ﴿ ولا تكن للخائنين خصيما ﴾ قال أكثر أهل التفسير :إنه هم أن يقوي سارق يقال له :طعمه ( بن أبيرق )٩ ويصدقه في قوله، فنزل قوله تعالى : ﴿ ولا تكن للخائنين خصيما ﴾. فلو لم يقولوا ذلك كان أوفق وأحسن ؛ فإن كان ما قالوا فذلك لما تظهر منه الخيانة عنده ؛ إذ ذكر في القصة أنه وجد السرقة في دار غيره. فلئن كان ذلك فإنما كان لما ذكرنا.
وأما النهي عن أن يكون﴿ للخائنين خصيما ﴾ نهي، وإن كان يعلم أنه لا يكون لما عصمه الله كقوله تعالى : ﴿ ولا تكونن من المشركين ﴾ ( الأنعام :١٤و. . . )( وقوله )١٠ ﴿ فلا تكونن من الممترين ﴾ ( البقرة :١٤٧ ) وإن كان عصمه من أن يكون منهم. والعصمة إنما تنفع إذا كان ثمة أمر ونهي. فأما إذا لم يكن ثمة أمر ولا نهي، فلا معنى للعصمة ( وبالله )١١ التوفيق.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: لا يؤمر..
٣ في الأصل وم: يقال..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل وم: كانت..
٦ أدرج بعدها في الأصل وم: ولكن تقول له..
٧ أدرج قبلها في الأصل وم: دل..
٨ في الأصل وم: يخصه..
٩ ساقطة من الأصل وم..
١٠ ساقطة من الأصل وم..
١١ ساقطة من الأصل وم..
الآية ١٠٦
وقوله تعالى : ﴿ واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما ﴾. قوله تعالى : ﴿ واستغفر الله ﴾ ليس هو قول الناس :نستغفر الله. ولكن كأنه قال :كونوا على الحال التي تكون أعمالكم مكفرة للذنوب. ألا ترى إلى قول هود لقومه : ﴿ وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ﴾ الآية ( هود :٣ )، وقول١ نوح عليه السلام لقومه ﴿ استغفروا ربكم إنه كان غفارا ﴾ ؟ الآية ( نوح :١٠ ) ( فلو أرادوا )٢ أن يقولوا :نستغفر الله لكان لا ينفعهم ذلك. فعلى ذلك قوله : ﴿ واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما ﴾.
وحقيقة الاستغفار ( في وجهين )٣ :
أحدهما :الانتهاء عما أوجب العقوبة لقوله تعالى : ﴿ إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ﴾ ( الأنفال :٣٨ ). وعلى ذلك معنى قول من ذكر.
والثاني :طلب الستر بالعفو والتجاوز.
١ في الأصل وم: وقال..
٢ في الأصل وم: فلم يريدوا..
٣ في الأصل وم: وجهان..
الآية ١٠٧
وقوله تعالى : ﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ الآية :هو ما ذكرنا أن العصمة لا تنفع إن لم يكن أمر ونهي.
وقوله تعالى : ﴿ يختانون أنفسهم ﴾ لا أحد يقصد خيانة نفسه.
ولكن لما رجع في العاقبة حاصل الخداع إليهم صاروا كأنهم خدعوا أنفسهم. فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
الآية ١٠٨
وقوله تعالى : ﴿ يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم ﴾ يحتمل وجهين :يحتمل : ﴿ يستخفون من الناس ﴾ أي يحتشمون من الناس أن يعلموا بصنيعهم، ولا يحتشمون من الله على علم منهم أنه لا خفى /١١٣-ب/ عليه شيء. ويحتمل : ﴿ يستخفون من الناس ﴾أي يستترون بسرهم من الناس. وكذلك روي في حرف حفصة :ولا يستترون من الله. ولكن الله يطلع الناس على ما يسرون، وهو معهم، أي لا يخفى عليه شيء.
وقوله تعالى : ﴿ ولا يستخفون من الله وهو معهم ﴾ على وجهين :
أحدهما :على نفي القدرة وإثباتها أن لهم ذلك في الإخفاء من الناس وليس لهم في الإخفاء من الله.
والثاني :على قلة المبالاة بعلم اطلاع١ الله عليهم، وتركهم مراقبة الله في الأمور، واجتهادهم في ذلك عن الخلق، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ إذ يبيتون ما لا يرضى من القول ﴾ عن ابن عباس ( أنه )٢ قال : ﴿ إذ يبيتون ما لا يرضى ﴾ يقول :من العمل والفرية من اليهودي بالسرقة ). وقيل : ﴿ يبيتون ﴾ أي يؤلفون القول في ما بينهم، فيقولون :نأتي به النبي صلى الله عليه وسلم ( فنقول له )٣ كذا وكذا ليدفعوا ٤ عن صاحبهم الخيانة والتهمة، وهو طعمة( بن أبيرق )٥ على ما قيل في القصة :إنه سرق درع رجل في دار يهودي، وقيل :إنه خبأها في دار يهودي، فلما طلبت منه حلق بالله أنه ما سرق. وقيل :التثبيت هو التقدير بالليل، ( وقد ذكرناه )٦ في قوله تعالى : ﴿ بيت طائفة منهم ﴾ الآية ( النساء :٨١ ).
وقوله تعالى : ﴿ وكان الله بما يعملون محيطا ﴾ هو على الوعيد :أي عن علم منه يفعلون هذا لا عن غفلة كقوله تعالى : ﴿ ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ﴾ ( إبراهيم :٤٢ ) لكنه يؤخرهم إلى يوم على علم منه ذلك ؛ وعلى الإعلام أن الله لم يزل عالما بما يكون، وعلى ذلك امتحنهم، وبالله التوفيق.
١ في الأصل وم: باطلاع..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: فيقوله..
٤ أدرج قبلها في الأصل وم: إليه..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ في الأصل: وم: قد ذكرنا..
الآية ١٠٩
وقوله تعالى : ﴿ ها أنتم هؤلاء جادلتم ﴾ ﴿ ها أنتم ﴾ يا هؤلاء﴿ جادلتم عنهم في الحياة الدنيا ﴾ قيل :يعني أصحاب طعمة( بن أبيرق، أي لو )١ خاصمتم عنهم يا هؤلاء في الدنيا﴿ فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة ﴾ لا أحد يخاصم عنه يوم القيامة﴿ أم من يكون عليهم وكيلا ﴾ يخاصم عنه يوم( القيامة )٢. وقيل :كفيلا أي في الدفع عنهم كقوله تعالى : ﴿ الذين يجادلون في آيات الله ﴾ ( غافر :٣٥ و. . . ) أي في دفعها وإرادة أن يدحضوا بالباطل. وقيل :رقيبا. وقيل :كفيلا. والوكيل هو القائم بحفظ الأمور والقاضي للحوائج والمزيح للعلل.
١ في الأصل: أي، في م، أي لو..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
الآية ١١٠
وقوله تعالى : ﴿ ومن يعمل سواء أو يظلم نفسه ﴾ هما سواء ؛ أي من عمل سواء فقد ظلم نفسه، ومن ظلم نفسه فقد عمل سوءا. ويحتمل ما قال ابن عباس :( ﴿ ومن يعمل سوءا ﴾إلى الناس﴿ أو يظلم نفسه ﴾ في ما بينه وبين الله ).
ثم روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ( أنه )١ قال :( أرجى آية ٢ في القرآن هذه :قوله تعالى : ﴿ ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ﴾ الآية ). وروي عنه أيضا ( أنه قال )٣ :( أربع آيات من كتاب الله تعالى أحب إلي من حمر النعم وسودها :قوله تعالى : ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ إلى آخره ( النساء :٤٠ ) وقوله تعالى : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ ( النساء :٤٨و١١٦ ) وقوله تعالى : ﴿ ولو أنهم إذا ظلموا أنفسهم جاؤوك فاسغفروا الله ﴾( النساء :٦٤ ) وقوله تعالى : ﴿ ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ﴾ الآية ) ( النساء :١١٠ ).
وعن علقمة والأسود ( أنهما )٤ قالا :( قال عبد الله :إن في كتاب الله لآيتين، ما أصاب عبد ذنبا، فقرأ